الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف للمرداوي
المرداوي
المقدمة
[المقدمة] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَبِهِ نَسْتَعِينُ وَعَلَيْهِ نَتَوَكَّلُ الْحَمْدُ لِلَّهِ الْمُتَّصِفِ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ، الْمَنْعُوتِ بِنُعُوتِ الْجَلَالِ وَالْجَمَالِ، الْمُنْفَرِدِ بِالْإِنْعَامِ وَالْإِفْضَالِ، وَالْعَطَاءِ وَالنَّوَالِ، الْمُحْسِنِ الْمُجْمِلِ عَلَى مَمَرِّ الْأَيَّامِ وَاللَّيَالِي. أَحْمَدُهُ حَمْدًا لَا تَغَيُّرَ لَهُ وَلَا زَوَالَ. وَأَشْكُرُهُ شُكْرًا لَا تَحَوُّلَ لَهُ وَلَا انْفِصَالَ. وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَلَا مِثْلَ وَلَا مِثَالَ، شَهَادَةً أَدَّخِرُهَا لِيَوْمٍ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ. وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، الدَّاعِي إلَى أَصَحِّ الْأَقْوَالِ، وَأَسَدِّ الْأَفْعَالِ، الْمُحَكِّمُ لِلْأَحْكَامِ، وَالْمُمَيِّزُ بَيْنَ الْحَرَامِ وَالْحَلَالِ. صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ خَيْرِ صَحْبٍ وَخَيْرِ آلٍ، صَلَاةً دَائِمَةً بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ. أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ كِتَابَ " الْمُقْنِعِ " فِي الْفِقْهِ تَأْلِيفُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ مُوَفَّقِ الدِّينِ أَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ قُدَامَةَ الْمَقْدِسِيِّ قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ، وَنَوَّرَ ضَرِيحَهُ مِنْ أَعْظَمِ الْكُتُبِ نَفْعًا، وَأَكْثَرِهَا جَمْعًا، وَأَوْضَحِهَا إشَارَةً، وَأَسْلَسِهَا عِبَارَةً، وَأَوْسَطِهَا حَجْمًا، وَأَغْزَرِهَا عِلْمًا، وَأَحْسَنِهَا تَفْصِيلًا وَتَفْرِيعًا، وَأَجْمَعِهَا تَقْسِيمًا وَتَنْوِيعًا، وَأَكْمَلِهَا تَرْتِيبًا، وَأَلْطَفِهَا تَبْوِيبًا. قَدْ حَوَى غَالِبَ أُمَّهَاتِ مَسَائِلِ الْمَذْهَبِ، فَمَنْ حَصَّلَهَا فَقَدْ ظَفِرَ بِالْكَنْزِ وَالْمَطْلَبِ. فَهُوَ كَمَا قَالَ مُصَنِّفُهُ فِيهِ " جَامِعًا لِأَكْثَرِ الْأَحْكَامِ " وَلَقَدْ صَدَقَ وَبَرَّ وَنَصَحَ. فَهُوَ الْحَبْرُ الْإِمَامُ. فَإِنَّ مَنْ نَظَرَ فِيهِ بِعَيْنِ التَّحْقِيقِ وَالْإِنْصَافِ، وَجَدَ مَا قَالَ حَقًّا وَافِيًا بِالْمُرَادِ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ، إلَّا أَنَّهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَطْلَقَ فِي بَعْضِ مَسَائِلِهِ الْخِلَافَ مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ. فَاشْتَبَهَ عَلَى النَّاظِرِ فِيهِ الضَّعِيفُ مِنْ الصَّحِيحِ. فَأَحْبَبْت إنْ يَسَّرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ أُبَيِّنَ الصَّحِيحَ مِنْ الْمَذْهَبِ وَالْمَشْهُورَ، وَالْمَعْمُولَ عَلَيْهِ وَالْمَنْصُورَ، وَمَا اعْتَمَدَهُ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَذَهَبُوا إلَيْهِ، وَلَمْ يَعْرُجُوا عَلَى غَيْرِهِ وَلَمْ يُعَوِّلُوا عَلَيْهِ.
فَصْلٌ اعْلَمْ رَحِمَك اللَّهُ تَعَالَى: أَنَّ الْمُصَنِّفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يُكَرِّرُ فِي كِتَابِهِ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً، عِبَارَتُهُ فِيهَا مُخْتَلِفَةُ الْأَنْوَاعِ، فَيُحْتَاجُ إلَى تَبْيِينِهَا، وَأَنْ يُكْشَفَ عَنْهَا الْقِنَاعُ. فَإِنَّهُ: تَارَةً يُطْلِقُ " الرِّوَايَتَيْنِ " أَوْ " الرِّوَايَاتِ " أَوْ " الْوَجْهَيْنِ " أَوْ " الْوَجْهَ " أَوْ " الْأَوْجُهَ " أَوْ " الِاحْتِمَالَيْنِ " أَوْ " الِاحْتِمَالَاتِ " بِقَوْلِهِ " فَهَلْ الْحُكْمُ كَذَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، أَوْ عَلَى وَجْهَيْنِ، أَوْ فِيهِ رِوَايَتَانِ، أَوْ وَجْهَانِ، أَوْ احْتَمَلَ كَذَا وَاحْتَمَلَ كَذَا " وَنَحْوُ ذَلِكَ. فَهَذَا وَشِبْهُهُ الْخِلَافُ فِيهِ مُطْلَقٌ. وَاَلَّذِي يَظْهَرُ: أَنَّ إطْلَاقَ الْمُصَنِّفِ وَغَالِبِ الْأَصْحَابِ لَيْسَ هُوَ لِقُوَّةِ الْخِلَافِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ. وَإِنَّمَا مُرَادُهُمْ: حِكَايَةُ الْخِلَافِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةِ. بِخِلَافِ مَنْ صَرَّحَ بِاصْطِلَاحِ ذَلِكَ، كَصَاحِبِ الْفُرُوعِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ وَغَيْرِهِمَا. وَتَارَةً يُطْلِقُ الْخِلَافَ بِقَوْلِهِ مَثَلًا " جَازَ، أَوْ لَمْ يَجُزْ، أَوْ صَحَّ، أَوْ لَمْ يَصِحَّ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، أَوْ الرِّوَايَاتِ، أَوْ الْوَجْهَيْنِ أَوْ الْوُجُوهِ " أَوْ بِقَوْلِهِ " ذَلِكَ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، أَوْ الْوَجْهَيْنِ " وَالْخِلَافُ فِي هَذَا أَيْضًا مُطْلَقٌ، لَكِنْ فِيهِ إشَارَةٌ مَا إلَى تَرْجِيحِ الْأَوَّلِ. وَقَدْ قِيلَ: إنَّ الْمُصَنِّفَ قَالَ " إذَا قُلْت ذَلِكَ، فَهُوَ الصَّحِيحُ، وَهُوَ ظَاهِرُ مُصْطَلَحِ الْحَارِثِيِّ فِي شَرْحِهِ " وَفِيهِ نَظَرٌ. فَإِنَّ فِي كِتَابِهِ مَسَائِلَ كَثِيرَةً يُطْلِقُ فِيهَا الْخِلَافَ بِهَذِهِ الْعِبَارَةِ. وَلَيْسَتْ الْمَذْهَبَ، وَلَا عَزَاهَا أَحَدٌ إلَى اخْتِيَارِهِ. كَمَا يَمُرُّ بِك ذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. فَفِي صِحَّتِهِ عَنْهُ بُعْدٌ، وَرُبَّمَا تَكُونُ الرِّوَايَةُ أَوْ الْوَجْهُ الْمَسْكُوتُ عَنْهُ مُقَيَّدًا بِقَيْدٍ، فَأَذْكُرُهُ: وَهُوَ فِي كَلَامِهِ كَثِيرٌ. وَتَارَةً يَذْكُرُ حُكْمَ الْمَسْأَلَةِ مُفَصَّلًا فِيهَا. ثُمَّ يُطْلِقُ رِوَايَتَيْنِ فِيهَا، وَيَقُولُ " فِي الْجُمْلَةِ " بِصِيغَةِ التَّعْرِيضِ. كَمَا ذَكَرَهُ فِي آخِرِ الْغَصْبِ، أَوْ يَحْكِي بَعْدَ ذِكْرِ الْحُكْمِ إطْلَاقَ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ الْأَصْحَابِ. كَمَا ذَكَرَهُ فِي بَابِ الْمُوصَى لَهُ. وَيَكُونُ فِي ذَلِكَ أَيْضًا تَفْصِيلٌ، فَنُبَيِّنُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَتَارَةً يُطْلِقُ الْخِلَافَ بِقَوْلِهِ بَعْدَ ذِكْرِ حُكْمِ الْمَسْأَلَةِ " يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ " وَالْغَالِبُ: أَنَّ ذَلِكَ وَجْهَانِ لِلْأَصْحَابِ. إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى الْخِلَافِ، فَوَافَقَ كَلَامَهُمْ، أَوْ تَابَعَ عِبَارَةَ غَيْرِهِ. وَتَارَةً يَقُولُ " فَعَنْهُ كَذَا، وَعَنْهُ كَذَا " كَمَا قَالَهُ فِي بَابِ النَّذْرِ، وَالْمَعْرُوفُ مِنْ الْمُصْطَلَحِ: أَنَّ الْخِلَافَ فِيهِ مُطْلَقٌ. وَتَارَةً يَقُولُ " فَقَالَ فُلَانٌ كَذَا، وَقَالَ فُلَانٌ كَذَا " كَمَا ذَكَرَهُ فِي بَابِ الْإِقْرَارِ بِالْمُجْمَلِ، وَغَيْرِهِ. وَهَذَا مِنْ جُمْلَةِ الْخِلَافِ الْمُطْلَقِ فِيمَا يَظْهَرُ. وَتَارَةً يَقُولُ بَعْدَ حُكْمِ الْمَسْأَلَةِ " ذَكَرَهُ فُلَانٌ، وَقَالَ فُلَانٌ كَذَا، أَوْ عِنْدَ فُلَانٍ كَذَا، وَعِنْدَ فُلَانٍ كَذَا " كَمَا ذَكَرَهُ فِي بَابِ جَامِعِ الْأَيْمَانِ، وَكِتَابِ الْإِقْرَارِ وَغَيْرِهِمَا. وَهَذَا فِي قُوَّةِ الْخِلَافِ الْمُطْلَقِ. وَلَوْ قِيلَ: إنَّ فِيهِ مَيْلًا إلَى قُوَّةِ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ لَكَانَ لَهُ وَجْهٌ. وَتَارَةً يَقُولُ بَعْدَ ذِكْرِ الْحُكْمِ " حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فِي قَوْلِ فُلَانٍ، أَوْ فَقَالَ فُلَانٌ كَذَا، وَقَالَ غَيْرُهُ كَذَا " كَمَا ذَكَرَهُ فِي بَابِ الْأُضْحِيَّةِ وَالشُّفْعَةِ وَالنَّذْرِ. وَهَذَا أَيْضًا فِي قُوَّةِ الْخِلَافِ الْمُطْلَقِ. وَتَارَةً يَقُولُ بَعْدَ ذِكْرِ حُكْمِ الْمَسْأَلَةِ " عِنْدَ فُلَانٍ، وَيُحْتَمَلُ كَذَا. أَوْ فَقَالَ فُلَانٌ كَذَا، وَيُحْتَمَلُ كَذَا " كَمَا ذَكَرَهُ فِي أَوَاخِرِ بَابِ جَامِعِ الْأَيْمَانِ، وَأَوَاخِرِ بَابِ شُرُوطِ مَنْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ. فَظَاهِرُ هَذِهِ الْعِبَارَةِ: أَنَّهُ مَا اطَّلَعَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ الْقَوْلِ، وَذَكَرَ هُوَ الِاحْتِمَالَ. وَقَدْ يَكُونُ تَابَعَ عِبَارَةَ غَيْرِهِ. وَقَدْ يَكُونُ فِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافٌ فَنُنَبِّهُ عَلَيْهِ. وَتَارَةً يَقُولُ " فَقَالَ فُلَانٌ كَذَا " وَيَقْتَصِرُ عَلَيْهِ، مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ خِلَافٍ. فَقَدْ لَا يَكُونُ فِيهَا خِلَافٌ، كَمَا ذَكَرَهُ عَنْ الْقَاضِي فِي بَابِ الْفِدْيَةِ، فِي الضَّرْبِ الثَّالِثِ فِي الدِّمَاءِ الْوَاجِبَةِ. فَهُوَ فِي حُكْمِ الْمَجْزُومِ بِهِ. وَقَدْ يَكُونُ فِيهَا خِلَافٌ، كَمَا ذَكَرَهُ عَنْ الْقَاضِي فِي بَابِ الْهِبَةِ.
وَتَارَةً يَقُولُ بَعْدَ ذِكْرِ حُكْمِ الْمَسْأَلَةِ " فِي رِوَايَةٍ " كَمَا ذَكَرَهُ فِي وَاجِبَاتِ الصَّلَاةِ، وَبَابِ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ. أَوْ يَقُولُ " فِي وَجْهٍ " كَمَا ذَكَرَهُ فِي أَرْكَانِ النِّكَاحِ. فَفِي هَذَا يَكُونُ اخْتِيَارُهُ فِي الْغَالِبِ خِلَافَ ذَلِكَ. وَفِيهِ إشْعَارٌ بِتَرْجِيحِ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ، مَعَ احْتِمَالِ الْإِطْلَاقِ. وَقَدْ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى فِي كِتَابِ النَّفَقَاتِ " وَإِنْ كَانَ الْخَادِمُ لَهَا، فَنَفَقَتُهُ عَلَى الزَّوْجِ، وَكَذَا نَفَقَةُ الْمُؤَجَّرِ وَالْمُعَارِ فِي وَجْهٍ " قَالَ فِي الْفُرُوعِ " وَقَوْلُهُ فِي وَجْهٍ يَدُلُّ عَلَى: أَنَّ الْأَشْهَرَ خِلَافُهُ ". وَتَارَةً يَحْكِي الْخِلَافَ وَجْهَيْنِ، وَهُمَا رِوَايَتَانِ. وَقَدْ يَكُونُ الْأَصْحَابُ اخْتَلَفُوا فِي حِكَايَةِ الْخِلَافِ. فَمِنْهُمْ مَنْ حَكَى وَجْهَيْنِ. وَمِنْهُمْ مَنْ حَكَى رِوَايَتَيْنِ. وَمِنْهُمْ مَنْ ذَكَرَ الطَّرِيقَتَيْنِ. فَأَذْكُرُ ذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَتَارَةً يَذْكُرُ حُكْمَ الْمَسْأَلَةِ، ثُمَّ يَقُولُ " وَعَنْهُ كَذَا. أَوْ وَقِيلَ، أَوْ وَقَالَ فُلَانٌ. أَوْ وَيَتَخَرَّجُ. أَوْ وَيُحْتَمَلُ كَذَا " وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمُقَدَّمُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ. وَقَلَّ أَنْ يُوجَدَ ذَلِكَ التَّخْرِيجُ أَوْ الِاحْتِمَالُ إلَّا وَهُوَ قَوْلٌ لِبَعْضِ الْأَصْحَابِ، بَلْ غَالِبُ الِاحْتِمَالَاتِ لِلْقَاضِي أَبِي يَعْلَى فِي " الْمُجَرَّدِ " وَغَيْرِهِ. وَبَعْضُهَا لِأَبِي الْخَطَّابِ وَلِغَيْرِهِ. وَقَدْ تَكُونُ لِلْمُصَنِّفِ. وَسَنُبَيِّنُ ذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. " فَالتَّخْرِيجُ " فِي مَعْنَى الِاحْتِمَالِ. وَ " الِاحْتِمَالُ " فِي مَعْنَى " الْوَجْهِ " إلَّا أَنَّ الْوَجْهَ مَجْزُومٌ بِالْفُتْيَا بِهِ، قَالَهُ فِي " الْمَطْلَعِ " يَعْنِي مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةِ. وَهَذَا عَلَى إطْلَاقِهِ فِيهِ نَظَرٌ، عَلَى مَا يَأْتِي فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْقَضَاءِ. وَفِي الْقَاعِدَةِ آخِرَ الْكِتَابِ. وَ " الِاحْتِمَالُ " تَبْيِينُ أَنَّ ذَلِكَ صَالِحٌ لِكَوْنِهِ وَجْهًا. فَ " التَّخْرِيجُ " نَقْلُ حُكْمِ مَسْأَلَةٍ إلَى مَا يُشْبِهُهَا، وَالتَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا فِيهِ. وَ " الِاحْتِمَالُ " يَكُونُ: إمَّا لِدَلِيلٍ مَرْجُوحٍ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا خَالَفَهُ. أَوْ لِدَلِيلٍ مُسَاوٍ لَهُ. وَلَا يَكُونُ التَّخْرِيجُ أَوْ الِاحْتِمَالُ إلَّا إذَا فُهِمَ الْمَعْنَى. وَ " الْقَوْلُ " يَشْمَلُ الْوَجْهَ، وَالِاحْتِمَالَ، وَالتَّخْرِيجَ. وَقَدْ يَشْمَلُ الرِّوَايَةَ،
وَهُوَ كَثِيرٌ فِي كَلَامِ الْمُتَقَدِّمِينَ، كَأَبِي بَكْرٍ، وَابْنِ أَبِي مُوسَى وَغَيْرِهِمَا. وَالْمُصْطَلَحُ الْآنَ عَلَى خِلَافِهِ. وَرُبَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ الْقَوْلُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، أَوْ الِاحْتِمَالُ، أَوْ التَّخْرِيجُ رِوَايَةً عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ. وَرُبَّمَا كَانَ ذَلِكَ هُوَ الْمَذْهَبُ، كَمَا سَتَرَاهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مُبَيَّنًا. وَتَارَةً يَذْكُرُ حُكْمَ الْمَسْأَلَةِ، ثُمَّ يَقُولُ " وَقِيلَ عَنْهُ كَذَا " كَمَا ذَكَرَهُ فِي بَابِ الْمُوصَى لَهُ، وَعُيُوبِ النِّكَاحِ. أَوْ " وَحُكِيَ عَنْهُ كَذَا " كَمَا ذَكَرَهُ فِي بَابِ نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ وَغَيْرِهِ. أَوْ " وَحُكِيَ عَنْ فُلَانٍ كَذَا " كَمَا ذَكَرَهُ فِي بَابِ الْقِسْمَةِ، بِصِيغَةِ التَّعْرِيضِ فِي ذَلِكَ. وَقَدْ يَكُونُ بَعْضُهُمْ أَثْبَتَهُ لِصِحَّتِهِ عِنْدَهُ فَتَبَيَّنْهُ. وَتَارَةً يَحْكِي الْخِلَافَ فِي الْمَسْأَلَةِ، ثُمَّ يَقُولُ: قَالَ فُلَانٌ كَذَا " بِغَيْرِ وَاوٍ. وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ فِي الْغَالِبِ إلَّا مُوَافِقًا لِمَا قَبْلَهُ. لَكِنْ ذَكَرَهُ لِفَائِدَةٍ، إمَّا لِكَوْنِهِ أَعَمَّ، أَوْ أَخَصَّ مِنْ الْحُكْمِ الْمُتَقَدِّمِ، أَوْ يَكُونُ مُقَيَّدًا أَوْ مُطْلَقًا، وَالْحُكْمُ بِخِلَافِهِ وَنَحْوِهِ. وَرُبَّمَا ذَكَرَ ذَلِكَ لِمَفْهُومِ مَا قَبْلَهُ، كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْعَاقِلَةِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ. وَهِيَ عِبَارَةُ عُقْدَةٍ. وَتَارَةً يَقُولُ بَعْدَ ذِكْرِ الْمَسْأَلَةِ " فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ. أَوْ وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ كَذَا. أَوْ فِي الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. أَوْ فِي الصَّحِيحِ عَنْهُ. أَوْ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ " وَلَا يَقُولُ ذَلِكَ إلَّا وَثَمَّ خِلَافٌ. وَالْغَالِبُ: أَنَّ ذَلِكَ كَمَا قَالَ. وَقَدْ يَكُونُ ظَاهِرَ الْمَذْهَبِ. وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ عِنْدَهُ دُونَ غَيْرِهِ، كَمَا ذَكَرَهُ فِي بَابِ سُجُودِ السَّهْوِ وَغَيْرِهِ. وَ " ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ " هُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ. وَتَارَةً يَقُولُ " فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ، أَوْ الْوَجْهَيْنِ. أَوْ عَلَى أَظْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ،
أَوْ الْوَجْهَيْنِ " وَلَا تَكَادُ تَجِدُ ذَلِكَ إلَّا الْمَذْهَبَ. وَقَدْ يَكُونُ الْمَذْهَبُ خِلَافَهُ، وَيَكُونُ الْأَصَحَّ وَالْأَظْهَرَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ وَمَنْ تَابَعَهُ. وَتَارَةً يُطْلِقُ الْخِلَافَ، ثُمَّ يَقُولُ " أَوْلَاهُمَا كَذَا " كَمَا ذَكَرَهُ فِي تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ وَالْعَدَدِ. وَهَذَا يَكُونُ اخْتِيَارَهُ، وَقَدْ يَكُونُ الْمَذْهَبَ كَمَا فِي الْعَدَدِ. وَتَارَةً يَقُولُ بَعْدَ حِكَايَتِهِ الْخِلَافَ " وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، أَوْ وَهِيَ أَصَحُّ " كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْكَفَاءَةِ وَغَيْرِهَا، وَيَكُونُ فِي الْغَالِبِ كَمَا قَالَ وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ اخْتِيَارَهُ. وَتَارَةً يَقُولُ " وَالْأَوَّلُ أَقْيَسُ وَأَصَحُّ " كَمَا قَالَهُ فِي الْمُسَاقَاةِ. أَوْ " وَالْأَوَّلُ أَحْسَنُ " كَمَا ذَكَرَهُ فِي آخِرِ بَابِ مِيرَاثِ الْغَرْقَى وَالْهَدْمَى. وَهَذَا يَكُونُ اخْتِيَارَهُ. وَتَارَةً يُصَرِّحُ بِاخْتِيَارِهِ فَيَقُولُ " وَعِنْدِي كَذَا. أَوْ هَذَا الصَّحِيحُ عِنْدِي. أَوْ وَالْأَقْوَى عِنْدِي كَذَا. أَوْ وَالْأَوْلَى كَذَا. أَوْ وَهُوَ أَوْلَى " وَهَذَا فِي الْغَالِبِ يَكُونُ رِوَايَةً، أَوْ وَجْهًا. وَقَدْ يَكُونُ اخْتَارَهُ بَعْضُ الْأَصْحَابِ. وَرُبَّمَا كَانَ الْمَذْهَبَ. وَتَارَةً يُقَدِّمُ شَيْئًا، ثُمَّ يَقُولُ " وَالصَّحِيحُ كَذَا " كَمَا ذَكَرَهُ فِي كِتَابِ الْعِتْقِ وَغَيْرِهِ. وَيَكُونُ كَمَا قَالَ. وَرُبَّمَا كَانَ ذَلِكَ اخْتِيَارَهُ. وَتَارَةً يَقُولُ " قَالَ أَصْحَابُنَا، أَوْ وَقَالَ أَصْحَابُنَا، أَوْ وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا كَذَا، وَنَحْوَهُ " وَقَدْ عُرِفَ مِنْ اصْطِلَاحِهِ: أَنَّ اخْتِيَارَهُ مُخَالِفٌ لِذَلِكَ. وَتَارَةً يَقُولُ " اخْتَارَهُ شُيُوخُنَا، أَوْ عَامَّةُ شُيُوخِنَا " كَمَا ذَكَرَهُ فِي كِتَابِ الظِّهَارِ، وَفِي آخِرِ بَابِ طَرِيقِ الْحُكْمِ وَصِفَتِهِ. وَتَارَةً يَقُولُ " نُصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْأَصْحَابِ " كَمَا ذَكَرَهُ فِي بَابِ طَرِيقِ الْحُكْمِ وَصِفَتِهِ. وَالْمَذْهَبُ يَكُونُ كَذَلِكَ. وَتَارَةً يَذْكُرُ الْحُكْمَ، ثُمَّ يَقُولُ " هَذَا الْمَذْهَبُ " ثُمَّ يَحْكِي خِلَافًا. كَمَا ذَكَرَهُ فِي بَابِ صَرِيحِ الطَّلَاقِ وَكِنَايَتِهِ. أَوْ يَذْكُرُ قَوْلًا، ثُمَّ يَقُولُ " وَالْمَذْهَبُ كَذَا " كَمَا ذَكَرَهُ فِي بَابِ الِاسْتِثْنَاءِ فِي الطَّلَاقِ. أَوْ يَقُولُ " وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ " كَمَا ذَكَرَهُ فِي كِتَابِ النَّفَقَاتِ. وَيَكُونُ الْمَذْهَبُ كَمَا قَالَ.
وَتَارَةً يَذْكُرُ حُكْمَ الْمَسْأَلَةِ، ثُمَّ يَقُولُ " أَوْمَأَ إلَيْهِ أَحْمَدُ، وَعِنْدَ فُلَانٍ كَذَا " كَمَا ذَكَرَهُ فِي بَابِ الرِّبَا. أَوْ يُقَدِّمُ حُكْمًا، ثُمَّ يَقُولُ " وَأَوْمَأَ فِي مَوْضِعٍ بِكَذَا " كَمَا ذَكَرَهُ فِي كِتَابِ الْغَصْبِ. وَهَذَا يُؤْخَذُ مِنْ مَدْلُولِ كَلَامِهِ. وَتَارَةً يَقُولُ " وَيَفْعَلُ كَذَا فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِ " كَمَا ذَكَرَهُ فِي بَابِ سَتْرِ الْعَوْرَةِ، وَالْغَصْبِ، وَشُرُوطِ الْقِصَاصِ، وَالزَّكَاةِ وَالْقَضَاءِ. وَ " الظَّاهِرُ " مِنْ الْكَلَامِ هُوَ: اللَّفْظُ الْمُحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ فَأَكْثَرَ، هُوَ فِي أَحَدِهِمَا أَرْجَحُ. أَوْ مَا تَبَادَرَ مِنْهُ عِنْدَ إطْلَاقِهِ مَعْنًى، مَعَ تَجْوِيزِ غَيْرِهِ. وَيَأْتِي هَذَا وَاَلَّذِي قَبْلَهُ وَغَيْرُهُمَا أَوَّلَ الْقَاعِدَةِ آخِرَ الْكِتَابِ. وَتَارَةً يَقُولُ " نَصَّ عَلَيْهِ، أَوْ وَالْمَنْصُوصُ كَذَا، أَوْ قَالَ أَحْمَدُ كَذَا وَنَحْوُهُ " وَقَدْ يَكُونُ فِي ذَلِكَ خِلَافٌ فَأَذْكُرُهُ، وَرُبَّمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ. وَ " النَّصُّ " وَ " الْمَنْصُوصُ " هُوَ: الصَّرِيحُ فِي مَعْنَاهُ. وَتَارَةً يَقْطَعُ بِحُكْمِ مَسْأَلَةٍ، وَقَدْ يَزِيدُ فِيهَا، فَيَقُولُ " بِلَا خِلَافٍ فِي الْمَذْهَبِ " كَمَا ذَكَرَهُ فِي كِتَابِ الْقَضَاءِ وَغَيْرِهِ. أَوْ يَقُولُ " وَجْهًا وَاحِدًا. أَوْ رِوَايَةً وَاحِدَةً " وَهُوَ كَثِيرٌ فِي كَلَامِهِ. وَيَكُونُ فِي الْغَالِبِ فِيهَا خِلَافٌ كَمَا سَتَرَاهُ. وَرُبَّمَا كَانَ الْمَسْكُوتُ عَنْهُ هُوَ الْمَذْهَبُ، بَلْ رُبَّمَا جَزَمَ فِي كُتُبِهِ بِشَيْءٍ وَالْمَذْهَبُ خِلَافُهُ. كَمَا ذَكَرَهُ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ فِي مَسْأَلَةِ اشْتِبَاهِ الطَّاهِرِ بِالطَّهُورِ. وَتَارَةً يَذْكُرُ الْمَسْأَلَةَ، ثُمَّ يَقُولُ " فَالْقِيَاسُ كَذَا " ثُمَّ يَحْكِي غَيْرَهُ، كَمَا ذَكَرَهُ فِي كِتَابِ الدِّيَاتِ. أَوْ يَذْكُرُ الْحُكْمَ، ثُمَّ يَقُولُ " وَالْقِيَاسُ كَذَا " كَمَا ذَكَرَهُ فِي بَابِ تَعَارُضِ الْبَيِّنَتَيْنِ. أَوْ يَذْكُرُ حُكْمَ الْمَسْأَلَةِ، ثُمَّ يَقُولُ " فِي قِيَاسِ الْمَذْهَبِ " وَيَقْتَصِرُ عَلَيْهِ، كَمَا ذَكَرَهُ فِي كِتَابِ الصَّدَاقِ وَاللِّعَانِ. أَوْ يَذْكُرُ الْحُكْمَ، ثُمَّ يَقُولُ " وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ كَذَا " كَمَا ذَكَرَهُ فِي بَابِ الْهِبَةِ. وَفِي الْغَالِبِ يَكُونُ ذَلِكَ اخْتِيَارَهُ. وَرُبَّمَا كَانَ الْمَذْهَبَ، كَمَا سَتَرَاهُ. وَتَارَةً يَحْكِي بَعْضَ الْأَقْوَالِ، ثُمَّ يَقُولُ " وَلَا عَمَلَ عَلَيْهِ " كَمَا ذَكَرَهُ فِي كِتَابِ
الْفَرَائِضِ، وَأَحْكَامِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ، وَشُرُوطِ الْقِصَاصِ. وَرُبَّمَا قَوَّاهُ بَعْضُ الْأَصْحَابِ وَاخْتَارَهُ، فَيَكُونُ قَوْلَهُ، وَلَا عَمَلَ عَلَيْهِ عِنْدَهُ وَعِنْدَ مَنْ تَابَعَهُ. وَتَارَةً يَقُولُ هُوَ أَوْ غَيْرُهُ، بَعْدَ حِكَايَتِهِ الْخِلَافَ " هَذَا قَوْلٌ قَدِيمٌ، رَجَعَ عَنْهُ " كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْغَصْبِ، وَالْهِبَةِ وَغَيْرِهِمَا. وَقَدْ يَكُونُ اخْتَارَهُ بَعْضُ الْأَصْحَابِ. وَاعْلَمْ: أَنَّهُ إذَا رُوِيَ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ، وَرُوِيَ عَنْهُ: أَنَّهُ رَجَعَ عَنْهَا، فَهَلْ تَسْقُطُ تِلْكَ الرِّوَايَةُ وَلَا تُذْكَرُ، لِرُجُوعِهِ عَنْهَا، أَوْ تُذْكَرُ وَتُثْبَتُ فِي التَّصَانِيفِ، نَظَرًا إلَى أَنَّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ اجْتِهَادَيْنِ فِي وَقْتَيْنِ، فَلَمْ يُنْقَضْ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ، وَلَوْ عُلِمَ التَّارِيخُ، بِخِلَافِ نُسَخِ الشَّارِعِ؟ فِيهِ اخْتِلَافٌ بَيْنَ الْأَصْحَابِ؛ ذَكَرَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ وَغَيْرُهُ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ عِنْدَ قَوْلِهِ " وَإِنْ وَجَدَهُ فِيهَا بَطَلَتْ. وَعَنْهُ لَا تَبْطُلُ " وَيَأْتِي هُنَاكَ أَيْضًا. قُلْت: عَمَلُ الْأَصْحَابِ عَلَى ذِكْرِهَا، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي مَذْهَبَهُ. فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ التَّخْرِيجُ وَالتَّفْرِيعُ وَالْقِيَاسُ عَلَيْهِ، كَالْقَوْلِ الثَّانِي. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: فَإِنْ عُلِمَ التَّارِيخُ فَالثَّانِي مَذْهَبَهُ قِيلَ: الْأَوَّلُ إنْ جُهِلَ رُجُوعُهُ عَنْهُ. وَقِيلَ: أَوْ عُلِمَ. وَقُلْنَا: مَذْهَبُهُ مَا قَالَهُ تَارَةً. وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَإِنْ تَعَذَّرَ الْجَمْعُ وَعُلِمَ التَّارِيخُ، فَقِيلَ: الثَّانِي مَذْهَبُهُ. وَقِيلَ: وَالْأَوَّلُ. وَقِيلَ: وَلَوْ رَجَعَ عَنْهُ. وَقَالَ فِي أُصُولِهِ: وَإِنْ عُلِمَ أَسْبَقُهُمَا فَالثَّانِي مَذْهَبُهُ، وَهُوَ نَاسِخٌ. اخْتَارَهُ فِي التَّمْهِيدِ وَالرَّوْضَةِ وَالْعُدَّةِ. وَذِكْرُ كَلَامِ الْخَلَّالِ وَصَاحِبِهِ كَقَوْلِهِمَا. هَذَا قَوْلٌ قَدِيمٌ، أَوْ أَوَّلٌ: وَالْعَمَلُ عَلَى كَذَا كَنَصَّيْنِ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ " إذَا رَأَيْت مَا هُوَ أَقْوَى أَخَذْتُ بِهِ وَتَرَكْت الْقَوْلَ الْأَوَّلَ " وَجَزَمَ بِهِ الْآمِدِيُّ وَغَيْرُهُ. وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: وَالْأَوَّلُ مَذْهَبُهُ أَيْضًا. لِأَنَّ الِاجْتِهَادَ لَا يُنْقَضُ بِالِاجْتِهَادِ وَفِيهِ نَظَرٌ. وَيَلْزَمُهُ وَلَوْ صَرَّحَ بِالرُّجُوعِ. وَبَعْضُ أَصْحَابِنَا خَالَفَ. وَذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ مُقْتَضَى كَلَامِهِمْ. انْتَهَى.
وَتَارَةً يَحْكِي الْخِلَافَ ثُمَّ يَقُولُ " وَالْعَمَلُ عَلَى الْأَوَّلِ " كَمَا ذَكَرَهُ فِي بَابِ كِتَابِ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي، وَيَكُونُ الْحُكْمُ كَمَا قَالَ. وَتَارَةً يَحْكِي بَعْضَ الرِّوَايَاتِ، أَوْ الْأَقْوَالِ، ثُمَّ يَقُولُ " وَهُوَ بَعِيدٌ " كَمَا ذَكَرَهُ فِي بَابِ حَدِّ الزِّنَا وَالْقَذْفِ وَغَيْرِهِمَا. وَقَدْ يَكُونُ اخْتَارَهُ بَعْضُ الْأَصْحَابِ فَأَذْكُرُهُ. وَتَارَةً يَذْكُرُ حُكْمَ مَسْأَلَةٍ، ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْهَا إلَى نَظِيرَتِهَا مِمَّا لَا نَقْلَ فِيهَا عِنْدَهُ، كَمَا ذَكَرَهُ فِي أَوَاخِرِ بَابِ الْحَجْرِ فِي قَوْلِهِ " وَكَذَلِكَ يَخْرُجُ فِي النَّاظِرِ فِي الْوَقْفِ " وَفِي بَابِ الْوَكَالَةِ بِقَوْلِهِ " وَكَذَلِكَ يَخْرُجُ فِي الْأَجِيرِ وَالْمُرْتَهِنِ " فَيَكُونُ إمَّا تَابَعَ غَيْرَهُ، أَوْ قَالَهُ مِنْ عِنْدِهِ. وَقَدْ يَكُونُ فِي الْمَسْأَلَةِ نَقْلٌ خَاصٌّ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ، فَأَذْكُرُهُ إنْ ظَفِرْت. أَوْ يَذْكُرُ حُكْمَ مَسْأَلَةٍ، ثُمَّ يُخَرِّجُ فِيهَا قَوْلًا مِنْ نَظِيرَتِهَا، وَهُوَ كَثِيرٌ فِي كَلَامِهِ. وَالْحُكْمُ كَاَلَّتِي قَبْلَهَا. وَتَارَةً يَذْكُرُ حُكْمَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ مَنْصُوصًا عَلَيْهِمَا فِي مَسْأَلَتَيْنِ مُتَشَابِهَتَيْنِ، ثُمَّ يُخَرِّجُ مِنْ إحْدَاهُمَا حُكْمَهَا إلَى الْأُخْرَى. كَمَا ذَكَرَهُ فِي بَابِ سَتْرِ الْعَوْرَةِ وَغَيْرِهِ. وَلِلْأَصْحَابِ فِي جَوَازِ النَّقْلِ وَالتَّخْرِيجِ فِي مِثْلِ هَذَا وَأَشْبَاهِهِ خِلَافٌ. وَيَأْتِي فِي الْبَابِ الْمَذْكُورِ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْوَصَايَا وَالْقَذْفِ وَغَيْرِهِمَا. وَيَأْتِي ذَلِكَ فِي الْقَاعِدَةِ آخِرَ الْكِتَابِ مُحَرَّرًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَتَارَةً يَذْكُرُ حُكْمَ مَسْأَلَةٍ وَلَهَا مَفْهُومٌ. فَرُبَّمَا ذَكَرْت الْمَفْهُومَ وَمَا فِيهِ مِنْ الْمَسَائِلِ وَالْخِلَافِ، إنْ كَانَ وَظَفِرْت بِهِ. وَرُبَّمَا أَطْلَقَ الْعِبَارَةَ، وَهِيَ مُقَيَّدَةٌ بِقَيْدٍ قَدْ قَيَّدَهَا بِهِ الْمُحَقِّقُونَ مِنْ الْأَصْحَابِ أَوْ بَعْضِهِمْ، فَأُنَبِّهُ عَلَيْهِ، وَأَذْكُرُ مَنْ قَالَهُ مِنْ الْأَصْحَابِ إنْ تَيَسَّرَ. وَتَارَةً يَكُونُ كَلَامُهُ عَامًّا، وَالْمُرَادُ الْخُصُوصُ أَوْ عَكْسُهُ، وَقَصَدَ ضَرْبَ الْمِثَالِ، فَنُبَيِّنُهُ. وَسَيَمُرُّ بِك ذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَلِلْمُصَنِّفِ فِي كِتَابِهِ عِبَارَاتٌ مُخْتَلِفَةٌ فِي حِكَايَةِ الْخِلَافِ غَيْرَ ذَلِكَ، لَيْسَ فِي ذِكْرِهَا كَبِيرُ فَائِدَةٍ فِيمَا نَحْنُ بِصَدَدِهِ. فَلِذَلِكَ تَرَكْنَا ذِكْرَهَا. وَأُحَشِّي عَلَى كُلِّ مَسْأَلَةٍ إنْ كَانَ فِيهَا خِلَافٌ وَاطَّلَعْت عَلَيْهِ، وَأُبَيِّنُ مَا يَتَعَلَّقُ بِمَفْهُومِهَا وَمَنْطُوقِهَا، وَأُبَيِّنُ الصَّحِيحَ مِنْ الْمَذْهَبِ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ. فَإِنَّهُ الْمَقْصُودُ وَالْمَطْلُوبُ مِنْ هَذَا التَّصْنِيفِ، وَغَيْرُهُ دَاخِلٌ تَبَعًا. وَهَذَا هُوَ الَّذِي حَدَانِي إلَى جَمْعِ هَذَا الْكِتَابِ لِمَسِيسِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ؛ وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ تَصْحِيحٌ لِكُلِّ مَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ الْمُخْتَصَرَاتِ. فَإِنَّ أَكْثَرَهَا بَلْ وَالْمُطَوَّلَاتُ لَا تَخْلُو مِنْ إطْلَاقِ الْخِلَافِ. وَقَدْ أَذْكُرُ مَسَائِلَ لَا خِلَافَ فِيهَا، تَوْطِئَةً لِمَا بَعْدَهَا لِتَعَلُّقِهَا بِهَا، أَوْ لِمَعْنًى آخَرَ أُبَيِّنُهُ، وَأَذْكُرُ الْقَائِلَ بِكُلِّ قَوْلٍ وَاخْتِيَارُهُ. وَمَنْ صَحَّحَ، وَضَعَّفَ، وَقَدَّمَ، وَأَطْلَقَ إنْ تَيَسَّرَ ذَلِكَ. وَأَذْكُرُ إنْ كَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ طُرُقٌ لِلْأَصْحَابِ، وَمَنْ الْقَائِلُ بِكُلِّ طَرِيقٍ. وَقَدْ يَكُونُ لِلْخِلَافِ فَوَائِدُ مُبَيَّنَةٌ عَلَيْهِ، فَأَذْكُرُهَا إنْ تَيَسَّرَ، وَإِنْ كَانَ فِيهَا خِلَافٌ ذَكَرْته وَبَيَّنْت الرَّاجِحَ مِنْهُ. وَقَدْ يَكُونُ التَّفْرِيعُ عَلَى بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَوْ الْوُجُوهِ دُونَ بَعْضٍ، فَأَذْكُرُهُ، وَرُبَّمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ أَوْ بَعْضَهُ فَأُكْمِلُهُ. وَرُبَّمَا ذَكَرْت الْمَسْأَلَةَ فِي مَكَانَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ، أَوْ أَحَلَّتْ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ لِيَسْهُلَ الْكَشْفُ عَلَى مَنْ أَرَادَهَا. وَلَيْسَ غَرَضِي فِي هَذَا الْكِتَابِ الِاخْتِصَارَ وَالْإِيجَازَ. وَإِنَّمَا غَرَضِي: الْإِيضَاحُ وَفَهْمُ الْمَعْنَى. وَقَدْ يَتَعَلَّقُ بِمَسْأَلَةِ الْكِتَابِ بَعْضُ فُرُوعٍ. فَأُنَبِّهُ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِي " فَائِدَةٌ " أَوْ " فَائِدَتَانِ " أَوْ " فَوَائِدُ " فَيَكُونُ كَالتَّتِمَّةِ لَهُ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ خِلَافٌ ذَكَرْته وَبَيَّنْت الْمَذْهَبَ مِنْهُ.
وَإِنْ كَانَ الْمَذْهَبُ أَوْ الرِّوَايَةُ أَوْ الْقَوْلُ مِنْ مُفْرَدَاتِ الْمَذْهَبِ، نَبَّهْت عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِي " وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَات أَوْ مِنْ مُفْرَدَاتِ الْمَذْهَبِ " إنْ تَيَسَّرَ. وَرُبَّمَا تَكُونُ الْمَسْأَلَةُ غَرِيبَةً، أَوْ كَالْغَرِيبَةِ. فَأُنَبِّهُ عَلَيْهَا بِقَوْلِي " فَيُعَايِي بِهَا " وَقَدْ يَكُونُ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْكِتَابِ زِيَادَةٌ أَوْ نَقْصٌ، زَادَهَا مَنْ أَذِنَ لَهُ الْمُصَنِّفُ فِي إصْلَاحِهِ أَوْ نَقْصِهَا. أَوْ تَكُونُ النُّسَخُ الْمَقْرُوءَةُ عَلَى الْمُصَنِّفِ مُخْتَلِفَةً. كَمَا فِي بَابِ ذِكْرِ الْوَصِيَّةِ بِالْأَنْصِبَاءِ وَالْأَجْزَاءِ، وَصَلَاةِ الْجَمَاعَةِ. فَأُنَبِّهُ عَلَى ذَلِكَ وَأَذْكُرُ الِاخْتِلَافَ. وَرُبَّمَا يَكُونُ اخْتِلَافُ النُّسَخِ مَبْنِيًّا عَلَى اخْتِلَافٍ بَيْنَ الْأَصْحَابِ، فَأُبَيِّنُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَأَذْكُرُ بَعْضَ حُدُودٍ ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ أَوْ غَيْرُهُ، وَأُبَيِّنُ مَنْ ذَكَرَهَا، وَمَنْ صَحَّحَ أَوْ زَيَّفَ إنْ تَيَسَّرَ. وَاعْلَمْ أَنَّهُ إذَا كَانَ الْخِلَافُ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوِيًّا مِنْ الْجَانِبَيْنِ ذَكَرْت كُلَّ مَنْ يَقُولُ بِكُلِّ قَوْلٍ، وَمَنْ قَدَّمَ وَأَطْلَقَ. وَأَشْبَعَ الْكَلَامَ فِي ذَلِكَ، مَهْمَا اسْتَطَعْت إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَإِنْ كَانَ الْمَذْهَبُ ظَاهِرًا أَوْ مَشْهُورًا، وَالْقَوْلُ الَّذِي يُقَابِلُهُ ضَعِيفًا أَوْ قَوِيًّا، وَلَكِنَّ الْمَذْهَبَ خِلَافُهُ. أَكْتَفِي بِذِكْرِ الْمَذْهَبِ وَذِكْرِ مَا يُقَابِلُهُ مِنْ الْخِلَافِ، مِنْ غَيْرِ اسْتِقْصَاءٍ فِي ذِكْرِ مَنْ قَدَّمَ وَأَخَّرَ. فَإِنَّ ذِكْرَهُ تَطْوِيلٌ بِلَا فَائِدَةٍ. فَظَنَّ بِهَذَا التَّصْنِيفِ خَيْرًا. فَرُبَّمَا عَثَرْت فِيهِ بِمَسَائِلَ وَفَوَائِدَ وَغَرَائِبَ وَنُكَتٍ كَثِيرَةٍ، لَمْ تَظْفَرْ بِمَجْمُوعِهَا فِي غَيْرِهِ. فَإِنِّي نَقَلْت فِيهِ مِنْ كُتُبٍ كَثِيرَةٍ مِنْ كُتُبِ الْأَصْحَابِ مِنْ الْمُخْتَصَرَاتِ وَالْمُطَوَّلَاتِ، مِنْ الْمُتُونِ وَالشُّرُوحِ. فَمِمَّا نَقَلْت مِنْهُ مِنْ الْمُتُونِ: الْخِرَقِيِّ، وَالتَّنْبِيهِ، وَبَعْضِ الشَّافِي لِأَبِي بَكْرٍ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَتَهْذِيبِ الْأَجْوِبَةِ لِابْنِ حَامِدٍ، وَالْإِرْشَادِ لِابْنِ أَبِي مُوسَى، وَالْجَامِعِ الصَّغِيرِ، وَالْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ، وَالرِّوَايَتَيْنِ، وَالْوَجْهَيْنِ، وَمُعْظَمِ التَّعْلِيقَةِ وَهِيَ الْخِلَافُ الْكَبِيرُ، وَالْخِصَالُ، وَقِطْعَةٌ مِنْ الْمُجَرَّدِ، وَمِنْ الْجَامِعِ الْكَبِيرِ، لِلْقَاضِي أَبِي يَعْلَى
وَمِنْ عُيُونِ الْمَسَائِلِ مِنْ الْمُضَارَبَةِ إلَى آخِرِهِ لِابْنِ شِهَابٍ الْعُكْبَرِيِّ، وَالْهِدَايَةِ، وَرُءُوسِ الْمَسَائِلِ، وَالْعِبَادَاتِ الْخَمْسِ، وَأَجْزَاءٍ مِنْ الِانْتِصَارِ، لِأَبِي الْخَطَّابِ وَالْفُصُولِ، وَالتَّذْكِرَةِ، وَبَعْضِ الْمُفْرَدَاتِ. لِابْنِ عَقِيلٍ. وَرُءُوسِ الْمَسَائِلِ لِلشَّرِيفِ أَبِي جَعْفَرٍ، وَفُرُوعِ الْقَاضِي أَبِي الْحُسَيْنِ. وَمِنْ مَجْمُوعِهِ مِنْ الْهِبَةِ إلَى آخِرِهِ بِخَطِّهِ. وَالْعُقُودِ وَالْخِصَالِ لِابْنِ الْبَنَّا، وَالْإِيضَاحِ، وَالْإِشَارَةِ، وَغَالِبِ الْمُبْهِجِ، لِأَبِي الْفَرَجِ الشِّيرَازِيِّ. وَالْإِفْصَاحِ لِابْنِ هُبَيْرَةَ، وَالْغُنْيَةِ لِلشَّيْخِ عَبْدِ الْقَادِرِ، وَالرِّوَايَتَيْنِ وَالْوَجْهَيْنِ لِلْحَلْوَانِيِّ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ فِي تَصْحِيحِ الْمُذْهَبِ. لِابْنِ الْجَوْزِيِّ، وَالْمَذْهَبِ الْأَحْمَدِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ، وَالطَّرِيقِ الْأَقْرَبِ. لِوَلَدِهِ يُوسُفَ، وَالْمُسْتَوْعِبِ لِلسَّامِرِيِّ، وَالْخُلَاصَةِ لِأَبِي الْمَعَالِي بْنِ مُنَجَّا، وَالْكَافِي وَالْهَادِي وَرَأَيْت فِي نُسْخَةٍ مُعْتَمَدَةٍ: أَنَّ اسْمَ الْهَادِي " عُمْدَةُ الْعَازِمِ فِي تَلْخِيصِ الْمَسَائِلِ الْخَارِجَةِ عَنْ مُخْتَصَرِ أَبِي الْقَاسِمِ " وَالْعُمْدَةِ مَعَ الْمُقْنِعِ لِلْمُصَنِّفِ، وَالْبُلْغَةِ. وَمِنْ التَّلْخِيصِ إلَى الْوَصَايَا. لِلشَّيْخِ فَخْرِ الدِّينِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ. وَالْمُحَرَّرِ لِلْمَجْدِ، وَالْمَنْظُومَةِ لِابْنِ عَبْدِ الْقَوِيِّ. وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى وَالصُّغْرَى وَزُبْدَتِهَا. وَالْإِفَادَاتِ بِأَحْكَامِ الْعِبَادَاتِ. وَآدَابِ الْمُفْتِي لِابْنِ حَمْدَانَ. وَمُخْتَصَرِ ابْنِ تَمِيمٍ إلَى أَثْنَاءِ الزَّكَاةِ. وَالْوَجِيزِ لِلشَّيْخِ الْحُسَيْنِ بْنِ السِّرِّيِّ الْبَغْدَادِيِّ. وَنَظْمِهِ لِلشَّيْخِ جَلَالِ الدِّينِ نَصْرِ اللَّهِ الْبَغْدَادِيِّ. وَالنِّهَايَةِ لِابْنِ رَزِينٍ. وَمِنْ الْحَاوِي الْكَبِيرِ إلَى الشَّرِكَةِ. وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ. وَجُزْءٍ مِنْ مُخْتَصَرِ الْمُجَرَّدِ مِنْ الْبُيُوعِ. لِلشَّيْخِ أَبِي نَصْرِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مُدَرِّسِ المُسْتَنْصِرِيَّة. وَالْفُرُوقِ لِلزَّرِيرَانِيِّ، وَالْمُنَوِّرِ فِي رَاجِحِ الْمُحَرَّرِ. وَالْمُنْتَخَبِ. لِلشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْأَدَمِيِّ الْبَغْدَادِيِّ. وَالتَّذْكِرَةِ وَالتَّسْهِيلِ لِابْنِ عَبْدُوسٍ الْمُتَأَخِّرِ عَلَى مَا قِيلَ. وَالْفُرُوعِ، وَالْآدَابِ الْكُبْرَى وَالْوُسْطَى لِلْعَلَّامَةِ شَمْسِ الدِّينِ بْنِ مُفْلِحٍ. وَمِنْ الْفَائِق إلَى النِّكَاحِ. لِلشَّيْخِ شَرَفِ الدِّينِ بْنِ قَاضِي الْجَبَلِ. وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ فِي اخْتِصَارِ الْهِدَايَةِ. لِلشَّيْخِ صَفِّي الدِّينِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ بْنِ عَبْدِ الْحَقِّ. وَاخْتِيَارَاتِ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ، جَمَعَ الْقَاضِي عَلَاءُ الدِّينِ بْنُ اللَّحَّامِ الْبَعْلِيُّ وَلَمْ يَسْتَوْعِبْهَا. وَجُمْلَةٍ مِنْ مَجَامِيعِهِ وَفَتَاوِيهِ، وَمَجَامِيعِ غَيْرِهِ وَفَتَاوِيهِ. وَالْهَدْيِ
لِلْعَلَّامَةِ ابْنِ الْقَيِّمِ، وَغَالِبِ كُتُبِهِ، وَمُخْتَصَرٍ ضَخْمٍ لِابْنِ أَبِي الْمَجْدِ، وَالْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ لِلْعَلَّامَةِ الشَّيْخِ زَيْنِ الدِّينِ بْنِ رَجَبٍ، وَالْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ فِي تَحْرِيرِ أَحْكَامِ النِّهَايَةِ لِلْقَاضِي عَلَاءِ الدِّينِ بْنِ اللَّحَّامِ، وَنَظْمِ مُفْرَدَاتِ الْمُذْهَبِ لِلْقَاضِي عِزِّ الدِّينِ الْمَقْدِسِيِّ. وَالتَّسْهِيلِ لِلْبَعْلِيِّ. وَمِمَّا نَقَلْت مِنْهُ مِنْ الشُّرُوحِ: الشَّرْحِ الْكَبِيرِ لِشَيْخِ الْإِسْلَامِ شَمْسِ الدِّينِ بْنِ أَبِي عُمَرَ عَلَى الْمُقْنِعِ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِي " الشَّرْحُ، وَالشَّارِحُ " وَشَرْحِ أَبِي الْبَرَكَاتِ بْنِ مُنَجَّا عَلَيْهِ. وَقِطْعَةٍ مِنْ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ لِابْنِ عَبْدِ الْقَوِيِّ. إلَى أَثْنَاءِ الزَّكَاةِ عَلَيْهِ. وَقِطْعَةٍ لِابْنِ عُبَيْدَانِ إلَى سَتْرِ الْعَوْرَةِ عَلَيْهِ. وَقِطْعَةٍ مِنْ الْحَارِثِيِّ، مِنْ الْعَارِيَّةِ إلَى الْوَصَايَا عَلَيْهِ. وَشَرْحِ مَنَاسِكِهِ لِلْقَاضِي مُوَفَّقِ الدِّينِ الْمَقْدِسِيِّ مُجَلَّدٍ كَبِيرٍ. وَالْمُغْنِي لِلْمُصَنِّفِ عَلَى الْخِرَقِيِّ، وَشَرْحِ الْقَاضِي عَلَيْهِ. وَشَرْحِ ابْنِ الْبَنَّا عَلَيْهِ، وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ عَلَيْهِ. وَشَرْحِ الْأَصْفَهَانِيِّ عَلَيْهِ. وَشَرْحِ الزَّرْكَشِيّ عَلَيْهِ، وَقِطْعَةٍ مِنْ شَرْحِ الطُّوفِيِّ إلَى النِّكَاحِ عَلَيْهِ، وَقِطْعَةٍ مِنْ شَرْحِ الْعُمْدَةِ لِلشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ، وَمُخْتَصَرِ الْمُغْنِي لِابْنِ عُبَيْدَانَ بِخَطِّهِ، وَمِنْ مُخْتَصَرِ الْمُغْنِي لِابْنِ حَمْدَانَ إلَى آخِرِ كِتَابِ الْجُمُعَةِ بِخَطِّهِ، وَسَمَّاهُ " التَّقْرِيبَ " وَهُوَ كِتَابٌ عَظِيمٌ، وَشَرْحِ بِهَاءِ الدِّينِ عَلَيْهَا، وَشَرْحِ صَفِيِّ الدِّينِ عَلَى الْمُحَرَّرِ. وَقِطْعَةٍ لِلشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ عَلَيْهِ. وَتَعْلِيقَةٍ لِابْنِ خَطِيبٍ السَّلَامِيَّةِ عَلَيْهِ. وَقِطْعَةٍ لِلْمَجْدِ إلَى صِفَةِ الْحَجِّ عَلَى الْهِدَايَةِ. وَقِطْعَةٍ مِنْ شَرْحِ أَبِي الْبَقَاءِ عَلَيْهَا، وَقِطْعَةٍ مِنْ شَرْحِ الْوَجِيزِ لِلزَّرْكَشِيِّ، مِنْ أَوَّلِ الْعِتْقِ إلَى أَثْنَاءِ الصَّدَاقِ. وَقِطْعَةٍ مِنْ شَرْحِ الْوَجِيزِ لِلشَّيْخِ حَسَنِ بْنِ عَبْدِ النَّاصِرِ الْمَقْدِسِيِّ، مِنْ كِتَابِ الْأَيْمَانِ إلَى آخِرِ الْكِتَابِ وَهُوَ الْجُزْءِ السَّابِعُ، وَقِطْعَةٍ مِنْ شَرْحِ أَبِي حَكِيمٍ عَلَيْهَا، وَالنُّكَتِ عَلَى الْمُحَرَّرِ. وَالْحَوَاشِي عَلَى الْمُقْنِعِ لِلشَّيْخِ شَمْسِ الدِّينِ بْنِ مُفْلِحٍ. وَحَوَاشِي شَيْخِنَا عَلَى الْمُحَرَّرِ وَالْفُرُوعِ، وَحَوَاشِي قَاضِي الْقُضَاةِ مُحِبِّ الدِّينِ أَحْمَدَ بْنِ نَصْرِ اللَّهِ الْبَغْدَادِيِّ عَلَى الْفُرُوعِ، وَتَصْحِيحِ الْخِلَافِ الْمُطْلَقِ الَّذِي فِي الْمُقْنِعِ لِلشَّيْخِ شَمْسِ الدِّينِ النَّابْلُسِيِّ وَتَصْحِيحِ شَيْخِنَا قَاضِي الْقُضَاةِ عِزِّ الدِّينِ الْكَتَّانِيِّ عَلَى الْمُحَرَّرِ.
وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ التَّعَالِيقِ وَالْمَجَامِيعِ وَالْحَوَاشِي، وَقِطْعَةٍ مِنْ شَرْحِ الْبُخَارِيِّ لِابْنِ رَجَبٍ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا وَقَفْت عَلَيْهِ. وَاعْلَمْ أَنَّ مِنْ أَعْظَمِ هَذِهِ الْكُتُبِ نَفْعًا، وَأَكْثَرِهَا عِلْمًا وَتَحْرِيرًا وَتَحْقِيقًا وَتَصْحِيحًا لِلْمَذْهَبِ: كِتَابُ الْفُرُوعِ. فَإِنَّهُ قَصَدَ بِتَصْنِيفِهِ: تَصْحِيحَ الْمَذْهَبِ وَتَحْرِيرَهُ وَجَمْعَهُ. وَذَكَرَ فِيهِ: أَنَّهُ يُقَدَّمُ غَالِبًا الْمَذْهَبُ، وَإِنْ اخْتَلَفَ التَّرْجِيحُ أَطْلَقَ الْخِلَافَ إلَّا أَنَّهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَمْ يُبَيِّضْهُ كُلَّهُ. وَلَمْ يُقْرَأْ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ الْوَجِيزُ، فَإِنَّهُ بَنَاهُ عَلَى الرَّاجِحِ مِنْ الرِّوَايَاتِ الْمَنْصُوصَةِ عَنْهُ. وَذَكَرَ أَنَّهُ عَرَضَهُ عَلَى الشَّيْخِ الْعَلَّامَةِ أَبِي بَكْرِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزَّرِيرَانِيِّ فَهَذَّبَهُ لَهُ. إلَّا أَنَّ فِيهِ مَسَائِلَ كَثِيرَةً لَيْسَتْ الْمَذْهَبَ وَفِيهِ مَسَائِلُ كَثِيرَةٌ تَابَعَ فِيهَا الْمُصَنِّفَ عَلَى اخْتِيَارِهِ. وَتَابَعَ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ صَاحِبَ الْمُحَرَّرِ وَالرِّعَايَةِ، وَلَيْسَتْ الْمَذْهَبَ. وَسَيَمُرُّ بِك ذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ. وَكَذَلِكَ التَّذْكِرَةُ لِابْنِ عَبْدُوسٍ. فَإِنَّهُ بَنَاهَا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الدَّلِيلِ. وَكَذَلِكَ ابْنُ عَبْدِ الْقَوِيِّ فِي " مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ " فَإِنَّهُ قَالَ فِيهِ " أَبْتَدِئُ بِالْأَصَحِّ فِي الْمَذْهَبِ نَقْلًا أَوْ الْأَقْوَى دَلِيلًا. وَإِلَّا قُلْت مَثَلًا: رِوَايَتَانِ، أَوْ وَجْهَانِ " وَكَذَا قَالَ فِي نَظْمِهِ: " وَمَهْمَا تَأْتِي الِابْتِدَا بِرَاجِحٍ فَإِنِّي بِهِ عِنْدَ الْحِكَايَةِ أَبْتَدِي " وَكَذَلِكَ نَاظِمُ الْمُفْرَدَاتِ. فَإِنَّهُ بَنَاهَا عَلَى الصَّحِيحِ الْأَشْهَرِ. وَفِيهَا مَسَائِلُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ. وَكَذَلِكَ الْخُلَاصَةُ لِابْنِ مُنَجَّا. فَإِنَّهُ قَالَ فِيهَا " أُبَيِّنُ الصَّحِيحَ مِنْ الرِّوَايَةِ وَالْوَجْهِ " وَقَدْ هَذَّبَ فِيهَا كَلَامَ أَبِي الْخَطَّابِ فِي الْهِدَايَةِ. وَكَذَلِكَ الْإِفَادَاتُ بِأَحْكَامِ الْعِبَادَاتِ لِابْنِ حَمْدَانَ، فَإِنَّهُ قَالَ فِيهَا " أَذْكُرُ هُنَا غَالِبًا صَحِيحَ الْمَذْهَبِ وَمَشْهُورَهُ، وَصَرِيحَهُ وَمَشْكُورَهُ، وَالْمَعْمُولَ عِنْدَنَا عَلَيْهِ، وَالْمَرْجُوعَ غَالِبًا إلَيْهِ ". تَنْبِيهٌ: اعْلَمْ وَفَّقَك اللَّهُ تَعَالَى وَإِيَّانَا أَنَّ طَرِيقَتِي فِي هَذَا الْكِتَابِ: النَّقْلُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَالْأَصْحَابِ. أَعْزُو إلَى كُلِّ كِتَابٍ مَا نَقَلْت مِنْهُ. وَأُضِيفُ إلَى كُلِّ عَالِمٍ مَا أَرْوِي عَنْهُ. فَإِنْ كَانَ الْمَذْهَبُ ظَاهِرًا أَوْ مَشْهُورًا، أَوْ قَدْ اخْتَارَهُ جُمْهُورُ
الْأَصْحَابِ وَجَعَلُوهُ مَنْصُورًا. فَهَذَا لَا إشْكَالَ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ يَدَّعِي أَنَّ الْمَذْهَبَ خِلَافُهُ، وَإِنْ كَانَ التَّرْجِيحُ مُخْتَلِفًا بَيْنَ الْأَصْحَابِ فِي مَسَائِلَ مُتَجَاذِبَةِ الْمَأْخَذِ، فَالِاعْتِمَادُ فِي مَعْرِفَةِ الْمَذْهَبِ مِنْ ذَلِكَ عَلَى مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالْمَجْدُ، وَالشَّارِحُ، وَصَاحِبُ الْفُرُوعِ، وَالْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةُ، وَالْوَجِيزِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالنَّظْمِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ. فَإِنَّهُمْ هَذَّبُوا كَلَامَ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَمَهَّدُوا قَوَاعِدَ الْمَذْهَبِ بِيَقِينٍ. فَإِنْ اخْتَلَفُوا فَالْمَذْهَبُ: مَا قَدَّمَهُ صَاحِبُ " الْفُرُوعِ " فِيهِ فِي مُعْظَمِ مَسَائِلِهِ. فَإِنْ أَطْلَقَ الْخِلَافَ، أَوْ كَانَ مِنْ غَيْرِ الْمُعْظَمِ الَّذِي قَدَّمَهُ، فَالْمَذْهَبُ: مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ أَعْنِي الْمُصَنِّفَ وَالْمَجْدَ أَوْ وَافَقَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ فِي أَحَدِ اخْتِيَارَيْهِ. وَهَذَا لَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ فِي الْغَالِبِ. فَإِنْ اخْتَلَفَا فَالْمَذْهَبُ مَعَ مَنْ وَافَقَهُ صَاحِبُ الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ، أَوْ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَإِلَّا فَالْمُصَنِّفُ، لَا سِيَّمَا إنْ كَانَ فِي الْكَافِي، ثُمَّ الْمَجْدُ. وَقَدْ قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ رَجَبٍ فِي طَبَقَاتِهِ فِي تَرْجَمَةِ ابْنِ الْمُنَى " وَأَهْلُ زَمَانِنَا وَمَنْ قَبْلَهُمْ إنَّمَا يَرْجِعُونَ فِي الْفِقْهِ مِنْ جِهَةِ الشُّيُوخِ وَالْكُتُبِ إلَى الشَّيْخَيْنِ: الْمُوَفَّقِ وَالْمَجْدِ " انْتَهَى. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا وَلَا لِأَحَدِهِمَا فِي ذَلِكَ تَصْحِيحٌ، فَصَاحِبُ الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ، ثُمَّ صَاحِبُ الْوَجِيزِ، ثُمَّ صَاحِبُ الرِّعَايَتَيْنِ. فَإِنْ اخْتَلَفَا فَالْكُبْرَى، ثُمَّ النَّاظِمُ، ثُمَّ صَاحِبُ الْخُلَاصَةِ، ثُمَّ تَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ، ثُمَّ مَنْ بَعْدَهُمْ. أَذْكُرُ مَنْ قَدَّمَ، أَوْ صَحَّحَ، أَوْ اخْتَارَ، إذَا ظَفِرْت بِهِ. وَهَذَا قَلِيلٌ جِدًّا. وَهَذَا الَّذِي قُلْنَا مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةِ، وَفِي الْغَالِبِ، وَإِلَّا فَهَذَا لَا يَطَّرِدُ أَلْبَتَّةَ. بَلْ قَدْ يَكُونُ الْمَذْهَبُ مَا قَالَهُ أَحَدُهُمْ فِي مَسْأَلَةٍ. وَيَكُونُ الْمَذْهَبُ مَا قَالَهُ الْآخَرُ فِي أُخْرَى وَكَذَا غَيْرُهُمْ بِاعْتِبَارِ النُّصُوصِ وَالْأَدِلَّةِ وَالْمُوَافِقِ لَهُ مِنْ الْأَصْحَابِ.
هَذَا مَا يَظْهَرُ لِي مِنْ كَلَامِهِمْ. وَيَظْهَرُ ذَلِكَ لِمَنْ تَتَبَّعَ كَلَامَهُمْ وَعَرَفَهُ. وَسَنُنَبِّهُ عَلَى بَعْضِ ذَلِكَ فِي أَمَاكِنِهِ. وَقَدْ قِيلَ: إنَّ الْمَذْهَبَ فِيمَا إذَا اخْتَلَفَ التَّرْجِيحُ مَا قَالَهُ الشَّيْخَانِ، ثُمَّ الْمُصَنِّفُ، ثُمَّ الْمَجْدُ، ثُمَّ الْوَجِيزُ، ثُمَّ الرِّعَايَتَيْنِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إذَا اخْتَلَفَا فِي الْمُحَرَّرِ وَالْمُقْنِعِ، فَالْمَذْهَبُ مَا قَالَهُ فِي الْكَافِي. وَقَدْ سُئِلَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ عَنْ مَعْرِفَةِ الْمَذْهَبِ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ فِيهَا مُطْلَقٌ فِي الْكَافِي وَالْمُحَرَّرِ وَالْمُقْنِعِ وَالرِّعَايَةِ وَالْخُلَاصَةِ وَالْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا؟ فَقَالَ " طَالِبُ الْعِلْمِ يُمْكِنُهُ مَعْرِفَةُ ذَلِكَ مِنْ كُتُبٍ أُخَرَ، مِثْلِ كِتَابِ التَّعْلِيقِ لِلْقَاضِي، وَالِانْتِصَارِ لِأَبِي الْخَطَّابِ، وَعُمَدِ الْأَدِلَّةِ لِابْنِ عَقِيلٍ، وَتَعْلِيقِ الْقَاضِي يَعْقُوبَ، وَابْنِ الزَّاغُونِيِّ. وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْكُتُبِ الْكِبَارِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا مَسَائِلُ الْخِلَافِ، وَيُذْكَرُ فِيهَا الرَّاجِحُ. وَقَدْ اُخْتُصِرَتْ هَذِهِ الْكُتُبَ فِي كُتُبُ مُخْتَصَرَةٍ، مِثْلِ رُءُوسِ الْمَسَائِلِ لِلْقَاضِي أَبِي يَعْلَى، وَالشَّرِيفِ أَبِي جَعْفَرٍ، وَلِأَبِي الْخَطَّابِ، وَلِلْقَاضِي أَبِي الْحُسَيْنِ وَقَدْ نُقِلَ عَنْ أَبِي الْبَرَكَاتِ جَدِّنَا أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ لِمَنْ يَسْأَلُهُ عَنْ ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ: إنَّهُ مَا رَجَّحَهُ أَبُو الْخَطَّابِ فِي رُءُوسِ مَسَائِلِهِ. قَالَ: وَمِمَّا يُعْرَفُ مِنْهُ ذَلِكَ: الْمُغْنِي لِأَبِي مُحَمَّدٍ، وَشَرْحُ الْهِدَايَةِ لِجَدِّنَا. " وَمَنْ كَانَ خَبِيرًا بِأُصُولِ أَحْمَدَ وَنُصُوصِهِ عَرَفَ الرَّاجِحَ مِنْ مَذْهَبِهِ فِي عَامَّةِ الْمَسَائِلِ " انْتَهَى كَلَامُ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا قُلْنَاهُ أَوَّلًا. وَيَأْتِي بَعْضُ ذَلِكَ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْقَضَاءِ. وَاعْلَمْ رَحِمَك اللَّهُ أَنَّ التَّرْجِيحَ إذَا اخْتَلَفَ بَيْنَ الْأَصْحَابِ إنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ لِقُوَّةِ الدَّلِيلِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ. وَكُلُّ وَاحِدٍ مِمَّنْ قَالَ بِتِلْكَ الْمَقَالَةِ إمَامٌ يُقْتَدَى بِهِ. فَيَجُوزُ تَقْلِيدُهُ وَالْعَمَلُ بِقَوْلِهِ. وَيَكُونُ ذَلِكَ فِي الْغَالِبِ مَذْهَبًا لِإِمَامِهِ. لِأَنَّ الْخِلَافَ إنْ كَانَ لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ فَوَاضِحٌ. وَإِنْ كَانَ بَيْنَ الْأَصْحَابِ، فَهُوَ مَقِيسٌ عَلَى قَوَاعِدِهِ وَأُصُولِهِ وَنُصُوصِهِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ " الْوَجْهَ " مَجْزُومٌ بِجَوَازِ الْفُتْيَا بِهِ. وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.
كتاب الطهارة
وَسَمَّيْته " بِالْإِنْصَافِ فِي مَعْرِفَةِ الرَّاجِحِ مِنْ الْخِلَافِ " وَأَنَا أَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَهُ خَالِصًا لِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ، وَأَنْ يُدْخِلَنَا بِهِ جَنَّاتِ النَّعِيمِ، وَأَنْ يَنْفَعَ بِهِ مُطَالِعَهُ وَكَاتِبَهُ وَالنَّاظِرَ فِيهِ. إنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ. {وَمَا تَوْفِيقِي إِلا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} [هود: 88] . [كِتَابُ الطَّهَارَةِ] [بَاب الْمِيَاه] كِتَابُ الطَّهَارَةِ بَابُ الْمِيَاهِ فَائِدَةٌ: الطَّهَارَةُ لَهَا مَعْنَيَانِ. مَعْنًى فِي اللُّغَةِ، وَمَعْنًى فِي الِاصْطِلَاحِ. فَمَعْنَاهَا فِي اللُّغَةِ: النَّظَافَةُ وَالنَّزَاهَةُ عَنْ الْأَقْذَارِ. قَالَ أَبُو الْبَقَاءِ: وَيَكُونُ ذَلِكَ فِي الْأَخْلَاقِ أَيْضًا. وَمَعْنَاهَا فِي اصْطِلَاحِ الْفُقَهَاءِ، قِيلَ: رَفْعُ مَا يَمْنَعُ الصَّلَاةَ مِنْ حَدَثٍ أَوْ نَجَاسَةٍ بِالْمَاءِ. أَوْ رَفْعُ حُكْمِهِ بِالتُّرَابِ. قَالَهُ الْمُصَنِّفُ. وَتَابَعَهُ الشَّارِحُ وَغَيْرُهُ. وَلَيْسَ بِجَامِعٍ، لِإِخْرَاجِهِ الْحَجَرَ وَمَا فِي مَعْنَاهُ فِي الِاسْتِجْمَارِ، وَدَلْكُ النَّعْلِ، وَذَيْلُ الْمَرْأَةِ عَلَى قَوْلٍ. فَإِنَّ تَقْيِيدَهُ بِالْمَاءِ وَالتُّرَابِ يُخْرِجُ ذَلِكَ. وَإِخْرَاجُهُ أَيْضًا نَجَاسَةً تَصِحُّ الصَّلَاةُ مَعَهَا. فَإِنَّ زَوَالَهَا طَهَارَةٌ، وَلَا يَمْنَعُ الصَّلَاةَ. وَإِخْرَاجُهُ أَيْضًا الْأَغْسَالَ الْمُسْتَحَبَّةَ، وَالتَّجْدِيدَ، وَالْغَسْلَةَ الثَّانِيَةَ وَالثَّالِثَةَ. وَهِيَ طَهَارَةٌ. وَلَا تَمْنَعُ الصَّلَاةَ. وَقَوْلُهُ " بِالْمَاءِ، أَوْ رَفْعُ حُكْمِهِ بِالتُّرَابِ " فِيهِ تَعْمِيمٌ. فَيَحْتَاجُ إلَى تَقْيِيدِهِمَا بِكَوْنِهِمَا طَهُورَيْنِ. قَالَ ذَلِكَ الزَّرْكَشِيُّ. وَأُجِيبَ عَنْ الْأَغْسَالِ الْمُسْتَحَبَّةِ وَنَحْوِهَا: بِأَنَّ الطَّهَارَةَ فِي الْأَصْلِ إنَّمَا هِيَ لِرَفْعِ شَيْءٍ، إذْ هِيَ مَصْدَرُ طَهُرَ: وَذَلِكَ يَقْتَضِي رَفْعَ شَيْءٍ. وَإِطْلَاقُ " الطَّهَارَةِ " عَلَى الْوُضُوءِ الْمُجَدَّدِ وَالْأَغْسَالِ الْمُسْتَحَبَّةِ مَجَازٌ، لِمُشَابَهَتِهِ لِلْوُضُوءِ الرَّافِعِ وَالْغُسْلِ الرَّافِعِ فِي الصُّورَةِ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ فِي دَلْكِ النَّعْلِ وَذَيْلِ الْمَرْأَةِ: بِأَنَّ الْمَذْهَبَ عَدَمُ الطَّهَارَةِ بِذَلِكَ. كَمَا يَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ. وَعَلَى الْقَوْلِ بِالطَّهَارَةِ: وَإِنَّمَا يَحْصُلُ ذَلِكَ فِي الْغَالِبِ
بِالتُّرَابِ. وَأَنَّ الْمَاءَ وَالتُّرَابَ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ إنَّمَا يَتَنَاوَلُ الطَّهُورَ مِنْهُمَا عِنْدَ الْفُقَهَاءِ. فَلَا حَاجَةَ إلَى تَقْيِيدِهِمَا بِهِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي الْفَتْحِ فِي الْمُطْلِعِ: الطَّهَارَةُ فِي الشَّرْعِ: ارْتِفَاعُ مَانِعِ الصَّلَاةِ وَمَا أَشْبَهَهُ، مِنْ حَدَثٍ أَوْ نَجَاسَةٍ، بِالْمَاءِ، وَارْتِفَاعُ حُكْمِهِ بِالتُّرَابِ. فَأَدْخَلَ بِقَوْلِهِ " وَمَا أَشْبَهَهُ " تَجْدِيدَ الْوُضُوءِ، وَالْأَغْسَالَ الْمُسْتَحَبَّةَ، وَالْغَسْلَةَ الثَّانِيَةَ وَالثَّالِثَةَ. وَلَكِنْ يَرُدُّ عَلَيْهِ غَيْرُ ذَلِكَ. وَفِيهِ إبْهَامٌ مَا. وَقَالَ شَارِحُ الْمُحَرَّرِ: مَعْنَى " الطَّهَارَةِ " فِي الشَّرْعِ مُوَافِقٌ لِلْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ. فَلِذَلِكَ نَقُولُ: الطَّهَارَةُ خُلُوُّ الْمَحَلِّ عَمَّا هُوَ مُسْتَقْذَرٌ شَرْعًا، وَهُوَ مُطَّرِدٌ فِي جَمِيعِ الطِّهَارَاتِ، مُنْعَكِسٌ فِي غَيْرِهَا. ثُمَّ الْمُسْتَقْذَرُ شَرْعًا: إمَّا عَيْنِيٌّ. وَيُسَمَّى نَجَاسَةً، أَوْ حُكْمِيٌّ. وَيُسَمَّى حَدَثًا. فَالتَّطْهِيرُ: إخْلَاءُ الْمَحَلِّ مِنْ الْأَقْذَارِ الشَّرْعِيَّةِ. وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ: أَنَّ حَدَّ الْفُقَهَاءِ لِلطَّهَارَةِ بِرَفْعِ مَا يَمْنَعُ الصَّلَاةَ مِنْ حَدَثٍ أَوْ نَجَاسَةٍ بِالْمَاءِ، أَوْ إزَالَةُ حُكْمِهِ بِالتُّرَابِ وَهُوَ أَجْوَدُ مَا قِيلَ عِنْدَهُمْ غَيْرُ جَيِّدٍ؛ لِأَنَّ مَا يَمْنَعُ الصَّلَاةَ لَيْسَ إلَّا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْإِنْسَانِ، لَا إلَى بَقِيَّةِ الْأَعْيَانِ. ثُمَّ الْحَدُّ مُتَعَدٍّ. وَالْمَحْدُودُ لَازِمٌ. فَهُوَ غَيْرُ مُطَابِقٍ. وَالْحَدُّ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُطَابِقًا. لَكِنْ لَوْ فَسَّرَ بِهِ " التَّطْهِيرَ " جَازَ. فَإِنَّهُ بِمَعْنَاهُ، مَعَ طُولِ الْعِبَارَةِ. انْتَهَى. وَقَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ: الطَّهَارَةُ فِي الشَّرْعِ بِمَعْنَيَيْنِ. أَحَدُهُمَا: ضِدُّ الْوَصْفِ بِالنَّجَاسَةِ. وَهُوَ خُلُوُّ الْمَحَلِّ عَمَّا يَمْنَعُ مِنْ اسْتِصْحَابِهِ فِي الصَّلَاةِ فِي الْجُمْلَةِ. وَيَشْتَرِكُ فِي ذَلِكَ الْبَدَنُ وَغَيْرُهُ. وَالثَّانِي: طَهَارَةُ الْحَدَثِ. وَهِيَ اسْتِعْمَالٌ مَخْصُوصٌ بِمَاءٍ أَوْ تُرَابٍ، يَخْتَصُّ بِالْبَدَنِ، مُشْتَرَطٌ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ فِي الْجُمْلَةِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ. وَقَالَ: وَهَذِهِ الطَّهَارَةُ يُتَصَوَّرُ قِيَامُهَا مَعَ الطَّهَارَةِ الْأُولَى وَضِدِّهَا، كَبَدَنِ الْمُتَوَضِّئِ إذَا أَصَابَتْهُ نَجَاسَةٌ أَوْ خَلَا عَنْهَا، وَقَدَّمَهُ ابْنُ عُبَيْدَانَ. وَقَالَ فِي الْوَجِيزِ: الطَّهَارَةُ اسْتِعْمَالُ الطَّهُورِ فِي مَحَلِّ التَّطْهِيرِ عَلَى الْوَجْهِ
الْمَشْرُوعِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَلَا يَخْفَى أَنَّ فِيهِ زِيَادَةً، مَعَ أَنَّهُ حَدٌّ لِلتَّطْهِيرِ، لَا لِلطَّهَارَةِ فَهُوَ غَيْرُ مُطَابِقٍ لِلْمَحْدُودِ. انْتَهَى. وَقَوْلُهُ " وَلَا يَخْفَى أَنَّ فِيهِ زِيَادَةً " صَحِيحٌ، إذْ لَوْ قَالَ " اسْتِعْمَالُ الطَّهُورُ عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ " لَصَحَّ، وَخَلَا عَنْ الزِّيَادَةِ. قَالَ مَنْ شَرَعَ فِي شَرْحِهِ وَهُوَ صَاحِبُ التَّصْحِيحِ وَفِي حَدِّ الْمُصَنِّفِ خَلَلٌ. وَذَلِكَ: أَنَّ الطَّهُورَ وَالتَّطْهِيرَ، اللَّذَيْنِ هُمَا مِنْ أَجْزَاءِ الرُّسُومِ، مُشْتَقَّانِ مِنْ الطَّهَارَةِ الْمَرْسُومَةِ. وَلَا يُعْرَفُ الْحَدُّ إلَّا بَعْدَ مَعْرِفَةِ مُفْرَدَاتِهِ الْوَاقِعَةِ فِيهِ. فَيَلْزَمُ الدُّورُ. انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ: الطَّهَارَةُ شَرْعًا مَا يَرْفَعُ مَانِعَ الصَّلَاةِ وَهُوَ غَيْرُ جَامِعٍ، لِمَا تَقَدَّمَ. وَقَدَّمَ ابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ: أَنَّهَا فِي الشَّرْعِ عِبَارَةٌ عَنْ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ الطَّهُورِ، أَوْ بَدَلِهِ، فِي أَشْيَاءَ مَخْصُوصَةٍ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ. قُلْت: وَهُوَ جَامِعٌ، إلَّا أَنَّ فِيهِ إبْهَامًا. وَهُوَ حَدٌّ لِلتَّطْهِيرِ لَا لِلطَّهَارَةِ. وَقِيلَ: الطَّهَارَةُ ضِدُّ النَّجَاسَةِ وَالْحَدَثِ. وَقِيلَ: الطَّهَارَةُ عَدَمُ النَّجَاسَةِ وَالْحَدَثِ شَرْعًا. وَقِيلَ: الطَّهَارَةُ صِفَةٌ قَائِمَةٌ بِعَيْنٍ طَاهِرَةٍ شَرْعًا. وَحَدَّهَا فِي الرِّعَايَةِ بِحَدٍّ، وَقَدَّمَهُ، وَأَدْخَلَ فِيهِ جَمِيعَ مَا يُتَطَهَّرُ بِهِ، وَمَا يُتَطَهَّرُ لَهُ لَكِنَّهُ مُطَوَّلٌ جِدًّا. قَوْلُهُ (وَهِيَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ) اعْلَمْ: أَنَّ لِلْأَصْحَابِ فِي تَقْسِيمِ الْمَاءِ أَرْبَعَ طُرُقٍ. أَحَدُهَا وَهِيَ طَرِيقَةُ الْجُمْهُورِ: أَنَّ الْمَاءَ يَنْقَسِمُ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: طَهُورٌ، وَطَاهِرٌ، وَنَجِسٌ. الطَّرِيقُ الثَّانِي: أَنَّهُ يَنْقَسِمُ إلَى قِسْمَيْنِ: طَاهِرٌ، وَنَجِسٌ. وَالطَّاهِرُ قِسْمَانِ: طَاهِرٌ طَهُورٌ، وَطَاهِرٌ غَيْرُ طَهُورٍ. وَهِيَ طَرِيقَةُ الْخِرَقِيِّ وَصَاحِبِ التَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ فِيهِمَا. وَهِيَ قَرِيبَةٌ مِنْ الْأُولَى.
الطَّرِيقُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ يَنْقَسِمُ إلَى قِسْمَيْنِ: طَاهِرٌ طَهُورٌ، وَنَجِسٌ. وَهِيَ طَرِيقَةُ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ. فَإِنَّ عِنْدَهُ: أَنَّ كُلَّ مَاءٍ طَاهِرٌ، تَحْصُلُ الطَّهَارَةُ بِهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ مُطْلَقًا أَوْ مُقَيَّدًا، كَمَاءِ الْوَرْدِ وَنَحْوِهِ. نَقَلَهُ فِي الْفُرُوعِ عَنْهُ فِي بَابِ الْحَيْضِ. الطَّرِيقُ الرَّابِعُ: أَنَّهُ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ: طَهُورٌ. وَطَاهِرٌ، وَنَجِسٌ. وَمَشْكُوكٌ فِيهِ لِاشْتِبَاهِهِ بِغَيْرِهِ. وَهِيَ طَرِيقَةُ ابْنِ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ. تَنْبِيهٌ: يَشْمَلُ قَوْلُهُ " وَهُوَ الْبَاقِي عَلَى أَصْلِ خِلْقَتِهِ " مَسَائِلَ كَثِيرَةً يَأْتِي بَيَانُ حُكْمِ أَكْثَرِهَا عِنْدَ قَوْلِهِ " فَهَذَا كُلُّهُ طَاهِرٌ مُطَهِّرٌ، يَرْفَعُ الْأَحْدَاثَ وَيُزِيلُ الْأَنْجَاسَ غَيْرُ مَكْرُوهِ الِاسْتِعْمَالِ " . قَوْلُهُ (وَمَا تَغَيَّرَ بِمُكْثِهِ، أَوْ بِطَاهِرٍ، لَا يُمْكِنُ صَوْنُهُ عَنْهُ) أَيْ: صَوْنُ الْمَاءِ عَنْ السَّاقِطِ، قَطَعَ الْمُصَنِّفُ بِعَدَمِ الْكَرَاهَةِ فِي ذَلِكَ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ، صَرَّحَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَكْثَرِهِمْ.، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَقَالَ فِي الْمُحَرَّرِ: لَا بَأْسَ بِمَا تَغَيَّرَ بِمَقَرِّهِ. أَوْ بِمَا يَشُقُّ صَوْنُهُ عَنْهُ. وَقِيلَ: وَيُكْرَهُ فِيهِمَا، جَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. تَنْبِيهٌ: مَفْهُومُ قَوْلِهِ " لَا يُمْكِنُ صَوْنُهُ عَنْهُ " أَنَّهُ لَوْ أَمْكَنَ صَوْنُهُ عَنْهُ، أَوْ وَضَعَ قَصْدًا: أَنَّهُ يُؤَثِّرُ فِيهِ. وَلَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ عَلَى مَا يَأْتِي فِي الْفَصْلِ الثَّانِي، فِيمَا إذَا تَغَيَّرَ أَحَدُ أَوْصَافِهِ، أَوْ تَغَيَّرَ تَغَيُّرًا يَسِيرًا قَوْلُهُ (أَوْ لَا يُخَالِطُهُ كَالْعُودِ وَالْكَافُورِ وَالدُّهْنِ) . صَرَّحَ الْمُصَنِّفُ بِالطَّهُورِيَّةِ فِي ذَلِكَ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَجَزَمَ بِهِ أَكْثَرُهُمْ، مِنْهُمْ: الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي، وَالْكَافِي، وَصَاحِبُ الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالشَّرْحِ، وَالْوَجِيزِ، وَابْنُ مُنَجَّا، وَابْنُ رَزِينٍ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ فِي شُرُوحِهِمْ، وَابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ وَغَيْرُهُمْ. قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ وَتَبِعَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: اخْتَارَ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا
طَهُورِيَّتَهُ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هُوَ اخْتِيَارُ جُمْهُورِ الْأَصْحَابِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَطَهُورٌ فِي الْأَصَحِّ، قَالَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ: طَهُورٌ فِي الْأَشْهَرِ. وَقِيلَ: يَسْلُبُهُ الطَّهُورِيَّةَ إذَا غَيَّرَهُ اخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ فِي الِانْتِصَارِ، وَالْمَجْدُ، وَصَاحِبُ الْحَاوِي الْكَبِيرِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْفَائِقِ، وَالنَّظْمِ، وَابْنُ تَمِيمٍ. وَقَوْلُ ابْنِ رَزِينٍ " لَا خِلَافَ فِي طَهُورِيَّتِهِ " غَيْرُ مُسَلَّمٍ. وَقَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ وَتَبِعَهُ الْحَاوِي الْكَبِيرِ: إنَّمَا يَكُون طَهُورًا إذَا غَيَّرَ رِيحَهُ فَقَطْ عَلَى تَعْلِيلِهِمْ. فَأَمَّا إذَا غَيَّرَ الطَّعْمَ وَاللَّوْنَ فَلَا. ثُمَّ قَالَا: وَالصَّحِيح أَنَّهُ كَسَائِرِ الطَّاهِرَات إذَا غَيَّرَتْ يَسِيرًا. فَإِنْ قُلْنَا: تُؤَثِّرُ ثُمَّ أَثَّرَتْ هُنَا وَإِلَّا فَلَا. فَائِدَةٌ: مُرَادُهُ بِالْعُودِ: الْعُودُ الْقَمَارِيُّ. مَنْسُوبٌ إلَى قِمَارٍ، مَوْضِعٌ بِبِلَادِ الْهِنْدِ. وَهُوَ بِفَتْحِ الْقَافِ. وَمُرَادُهُ بِالْكَافُورِ: قِطَعُ الْكَافُورِ. بِدَلِيلِ قَوْلِهِ " أَوْ لَا يُخَالِطُهُ " فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ غَيْرَ قِطَعٍ لَخَالَطَ، وَهُوَ وَاضِحٌ. تَنْبِيهٌ: صَرَّحَ الْمُصَنِّفُ: أَنَّ الْعُودَ وَالْكَافُورَ وَالدُّهْنَ إذَا غَيَّرَ الْمَاءَ غَيْرُ مَكْرُوهِ الِاسْتِعْمَالِ. وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ، جَزَمَ بِهِ ابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ. وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ الشَّارِحُ، وَابْنُ عُبَيْدَانِ، وَمَجْمَعُ الْبَحْرَيْنِ. وَقِيلَ: مَكْرُوهٌ، جَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ، لِلْخِلَافِ فِي طَهُورِيَّتِهِ. قَوْلُهُ (أَوْ مَا أَصْلُهُ الْمَاءُ كَالْمِلْحِ الْبَحْرِيِّ) . صَرَّحَ بِطَهُورِيَّتِهِ مُطْلَقًا، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ. وَجُمْهُورُهُمْ جَزَمَ بِهِ، مِنْهُمْ: صَاحِبُ الْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْمُغْنِي، وَالْكَافِي، وَالشَّرْحِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالنَّظْمِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ رَزِينٍ، وَابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ، وَابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ، وَالْوَجِيزِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَغَيْرُهُمْ.، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَقِيلَ: يَسْلُبُهُ إذَا وُضِعَ قَصْدًا. وَخَرَّجَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ عَلَى التُّرَابِ إذَا
وُضِعَ قَصْدًا. وَصَرَّحَ أَيْضًا: أَنَّهُ غَيْرُ مَكْرُوهِ الِاسْتِعْمَالِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، جَزَمَ بِهِ ابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ فِي الشَّرْحِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ. وَقِيلَ: يُكْرَهُ، جَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَتَيْنِ. تَنْبِيهٌ: مَفْهُومُ قَوْلِهِ " أَوْ مَا أَصْلُهُ الْمَاءُ كَالْمِلْحِ الْبَحْرِيِّ " أَنَّهُ إذَا تَغَيَّرَ بِالْمِلْحِ الْمَعْدِنِيِّ: أَنَّهُ يَسْلُبُهُ الطَّهُورِيَّةَ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَقِيلَ: حُكْمُهُ حُكْمُ الْمِلْحِ الْبَحْرِيِّ. اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. فَائِدَةٌ: حُكْمُ التُّرَابِ إذَا تَغَيَّرَ بِهِ الْمَاءُ حُكْمُ الْمِلْحِ الْبَحْرِيِّ عَلَى الْمَذْهَبِ، لَكِنْ إنْ ثَخُنَ الْمَاءُ بِوَضْعِ التُّرَابِ فِيهِ، بِحَيْثُ إنَّهُ لَا يَجْرِي عَلَى الْأَعْضَاءِ لَمْ تَجُزْ الطَّهَارَةُ بِهِ وَيَأْتِي ذَلِكَ فِي الْفَصْلِ الثَّانِي قَرِيبًا، بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا مُفَصَّلًا. قَوْلُهُ (أَوْ سُخِّنَ بِالشَّمْسِ) . صَرَّحَ بِعَدَمِ الْكَرَاهَةِ مُطْلَقًا. وَهُوَ الْمَذْهَبُ، نُصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ.، وَقَطَعَ بِهِ أَكْثَرُهُمْ، مِنْهُمْ: الْقَاضِي فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، وَصَاحِبُ الْهِدَايَةِ، وَالْفُصُولِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْكَافِي، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْوَجِيزِ، وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ، وَغَيْرِهِمْ.، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالْفَائِقِ، وَغَيْرِهِمْ. وَقِيلَ: يُكْرَهُ مُطْلَقًا. قَالَ الْآجُرِّيُّ فِي النَّصِيحَةِ: يُكْرَهُ الْمُشَمَّسُ. يُقَالُ: يُوَرِّثُ الْبَرَصَ. وَقَالَهُ التَّمِيمِيُّ. قَالَهُ فِي الْفَائِقِ. وَقِيلَ: يُكْرَهُ إنْ قَصَدَ تَشْمِيسَهُ. قَالَهُ التَّمِيمِيُّ أَيْضًا. حَكَاهُ عَنْهُ فِي الْحَاوِي. وَقَالَ ابْنُ رَجَبٍ فِي الطَّبَقَاتِ: قَرَأْت بِخَطِّ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ: أَنَّ أَبَا مُحَمَّدٍ رِزْقَ اللَّهِ التَّمِيمِيَّ وَافَقَ جَدَّهُ أَبَا الْحَسَنِ التَّمِيمِيَّ. عَلَى كَرَاهَةِ الْمُسَخَّنِ بِالشَّمْسِ. فَائِدَةٌ: حَيْثُ قُلْنَا بِالْكَرَاهَةِ. فَمَحَلُّهُ: إذَا كَانَ فِي آنِيَةٍ. وَاسْتَعْمَلَهُ فِي
جَسَدِهِ، وَلَوْ فِي طَعَامٍ يَأْكُلُهُ. أَمَّا لَوْ سُخِّنَ بِالشَّمْسِ مَاءُ الْعُيُونِ وَنَحْوِهَا، لَمْ يُكْرَهْ قَوْلًا وَاحِدًا. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: اتِّفَاقًا. وَحَيْثُ قُلْنَا: يُكْرَهُ، لَمْ تَزُلْ الْكَرَاهَةُ إذَا بَرَدَ عَلَى الصَّحِيحِ. جَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. وَقِيلَ: تَزُولُ. وَهُمَا احْتِمَالَانِ مُطْلَقَانِ فِي الْفُرُوعِ. تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ قَوْلِهِ " أَوْ بِطَاهِرٍ " عَدَمُ الْكَرَاهَةِ، وَلَوْ اشْتَدَّ حَرُّهُ. وَهُوَ ظَاهِرُ النَّصِّ.، وَالْمَذْهَبُ: الْكَرَاهَةُ إذَا اشْتَدَّ حَرُّهُ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَفَسَّرَ فِي الرِّعَايَةِ النَّصَّ مِنْ عِنْدِهِ بِذَلِكَ، قُلْت: وَهُوَ مُرَادُ النَّصِّ قَطْعًا. وَمُرَادُ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ أَطْلَقَ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَجْزِيَهُ مَعَ شِدَّةِ حَرِّهِ. تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ " فَهَذَا كُلُّهُ طَاهِرٌ مُطَهِّرٌ. يَرْفَعُ الْأَحْدَاثَ، وَيُزِيلُ الْأَنْجَاسَ " قَدْ تَقَدَّمَ خِلَافٌ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ: هَلْ هُوَ طَاهِرٌ مُطَهِّرٌ، أَوْ طَاهِرٌ فَقَطْ؟ . فَائِدَةٌ: الْأَحْدَاثُ: جَمْعُ حَدَثٍ. وَالْحَدَثُ: مَا أَوْجَبَ وُضُوءًا أَوْ غُسْلًا، قَالَهُ فِي الْمَطْلَعِ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَالْحَدَثُ وَالْأَحْدَاثُ. مَا اقْتَضَى وُضُوءًا أَوْ غُسْلًا، أَوْ اسْتِنْجَاءً أَوْ اسْتِجْمَارًا، أَوْ مَسْحًا، أَوْ تَيَمُّمًا، قَصْدًا. كَوَطْءٍ وَبَوْلِ وَنَجْوٍ وَنَحْوِهَا غَالِبًا، أَوْ اتِّفَاقًا كَحَيْضٍ، وَنِفَاسٍ، وَاسْتِحَاضَةٍ، وَنَحْوِهَا، وَاحْتِلَامِ نَائِمٍ، وَمَجْنُونٍ وَمُغْمًى عَلَيْهِ، وَخُرُوجِ رِيحٍ مِنْهُمْ غَالِبًا. فَالْحَدَثُ لَيْسَ نَجَاسَةً. لِأَنَّهُ مَعْنًى، وَلَيْسَ عَيْنًا. فَلَا تَفْسُدُ الصَّلَاةُ بِحَمْلِ الْحَدَثِ. وَ " الْمُحْدِثُ " مَنْ لَزِمَهُ لِصَلَاةٍ وَنَحْوِهَا وُضُوءٌ أَوْ غُسْلٌ أَوْ هُمَا، أَوْ اسْتِنْجَاءٌ، أَوْ اسْتِجْمَارٌ، أَوْ مَسْحٌ، أَوْ تَيَمُّمٌ، أَوْ اُسْتُحِبَّ لَهُ ذَلِكَ. قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ. وَهُوَ غَيْرُ مَانِعٍ، لِدُخُولِ التَّجْدِيدِ وَالْأَغْسَالِ الْمُسْتَحَبَّةِ. فَكُلُّ مُحْدِثٍ لَيْسَ نَجِسًا وَلَا طَاهِرًا شَرْعًا. وَ " الطَّاهِرُ " ضِدُّ النَّجِسِ وَالْمُحْدِثِ. وَقِيَاسٌ: بَلْ عَدَمُهُمَا شَرْعًا.
وَأَمَّا الْأَنْجَاسُ: فَجَمْعُ نَجَسٍ. وَحَدُّهُ فِي الِاصْطِلَاحِ: كُلُّ عَيْنٍ حَرُمَ تَنَاوُلُهَا مَعَ إمْكَانِهِ، لَا لِحُرْمَتِهَا، وَلَا لِاسْتِقْذَارِهَا، وَلَا لِضَرَرٍ بِهَا فِي بَدَنٍ أَوْ عَقْلٍ. قَالَهُ فِي الْمَطْلَعِ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: النَّجَسُ كُلُّ نَجَاسَةٍ وَمَا تَوَلَّدَ مِنْهَا، وَكُلُّ طَاهِرٍ طَرَأَ عَلَيْهِ مَا يُنَجِّسُهُ، قَصْدًا أَوْ اتِّفَاقًا، مَعَ بَلَلِ أَحَدِهِمَا أَوْ هُمَا. أَوْ تَغَيُّرُ صِفَتِهِ الْمُبَاحَةِ بِضِدِّهَا، كَانْقِلَابِ الْعَصِيرِ بِنَفْسِهِ خَمْرًا، أَوْ مَوْتِ مَا يُنَجِّسُ بِمَوْتِهِ. فَيُنَجَّسُ بِنَجَاسَتِهِ. فَهُوَ نَجِسٌ وَمُتَنَجِّسٌ. فَكُلُّ نَجَاسَةٍ نَجَسٌ. وَلَيْسَ كُلُّ نَجَسٍ نَجَاسَةً. وَالْمُتَنَجِّسُ نَجُسَ بِالتَّنَجُّسِ. وَالْمُنَجَّسُ نَجُسَ بِالتَّنْجِيسِ. وَأَمَّا النَّجَاسَةُ، فَقِسْمَانِ: عَيْنِيَّةٌ، وَحُكْمِيَّةٌ. فَالْعَيْنِيَّةُ: لَا تَطْهُرُ بِغَسْلِهَا بِحَالٍ. وَهِيَ كُلُّ عَيْنٍ جَامِدَةٍ، يَابِسَةٍ، أَوْ رَطْبَةٍ. أَوْ مَائِعَةٍ، يَمْنَعُ مِنْهَا الشَّرْعُ بِلَا ضَرُورَةٍ، لَا لِأَذًى فِيهَا طَبْعًا، وَلَا لِحَقِّ اللَّهِ أَوْ غَيْرِهِ شَرْعًا، قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ. وَقَالَ: وَقِيلَ كُلُّ عَيْنٍ حَرُمَ تَنَاوُلُهَا مُطْلَقًا مَعَ إمْكَانِهِ، لَا لِحُرْمَتِهَا: أَوْ اسْتِقْذَارِهَا وَضَرَرِهَا فِي بَدَنٍ أَوْ عَقْلٍ. وَالْحُكْمِيَّةُ: تَزُولُ بِغَسْلِ مَحِلِّهَا. وَهِيَ كُلُّ صِفَةٍ طَهَارِيَّةٍ مَمْنُوعَةٍ شَرْعًا بِالضَّرُورَةِ، لَا لِأَذًى فِيهَا طَبْعًا، وَلَا لِحَقِّ اللَّهِ أَوْ غَيْرِهِ شَرْعًا. تَحْصُلُ بِاتِّصَالِ نَجَاسَةٍ أَوْ نَجِسٍ بِطَهُورٍ أَوْ طَاهِرٍ، قَصْدًا مَعَ بَلَلِ أَحَدِهِمَا أَوْ هُمَا، وَهُوَ التَّنْجِيسُ أَوْ التَّنْجِيسُ اتِّفَاقًا، مِنْ نَائِمٍ أَوْ مَجْنُونٍ أَوْ مُغْمًى عَلَيْهِ، أَوْ طِفْلٍ أَوْ طِفْلَةٍ أَوْ بَهِيمَةٍ. أَوْ لِتَغَيُّرِ صِفَةِ الطَّاهِرِ بِنَفْسِهِ، كَانْقِلَابِ الْعَصِيرِ خَمْرًا. قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ وَيَأْتِي: هَلْ نَجَاسَةُ الْمَاءِ الْمُتَنَجِّسِ عَيْنِيَّةٌ أَوْ حُكْمِيَّةٌ؟ فِي فَصْلِ التَّنْجِيسِ. وَقِيلَ " النَّجَاسَةُ " لُغَةً: مَا يَسْتَقْذِرُهُ الطَّبْعُ السَّلِيمُ. وَشَرْعًا: عَيْنٌ تُفْسِدُ الصَّلَاةَ بِحَمْلِ جِنْسِهَا فِيهَا. وَإِذَا اتَّصَلَ بِهَا بَلَلٌ تَعَدَّى حُكْمُهَا إلَيْهِ. وَقِيلَ " النَّجَاسَةُ " صِفَةٌ قَائِمَةٌ بِعَيْنٍ نَجِسَةٍ. تَنْبِيهٌ: يَشْمَلُ قَوْلُهُ " فَهَذَا كُلُّهُ طَاهِرٌ مُطَهِّرٌ، يَرْفَعُ الْأَحْدَاثَ، وَيُزِيلُ الْأَنْجَاسَ، غَيْرُ مَكْرُوهِ الِاسْتِعْمَالِ " مَسَائِلُ كَثِيرَةٌ غَيْرُ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. وَعَدَمُ ذِكْرِهِ مَا فِي كَرَاهَتِهِ خِلَافٌ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ.
فَمَا دَخَلَ فِي عُمُومِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: مَاءُ زَمْزَمَ، وَهُوَ تَارَةً يُسْتَعْمَلُ فِي إزَالَةِ النَّجَاسَةِ، وَتَارَةً فِي رَفْعِ الْحَدَثِ، وَتَارَةً فِي غَيْرِهِمَا. فَإِنْ اُسْتُعْمِلَ فِي إزَالَةِ النَّجَاسَةِ. كُرِهَ عِنْدَ الْأَصْحَابِ، وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ اسْتِعْمَالُهُ، جَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ رَزِينٍ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَالْمُنَوِّرِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ، وَنَاظِمُ الْمُفْرَدَاتِ وَغَيْرُهُمْ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. وَقِيلَ: يَحْرُمُ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ. قُلْت: وَهُوَ عَجِيبٌ مِنْهُ. وَقَالَ النَّاظِمُ: وَيُكْرَهُ غَسْلُ النَّجَاسَةِ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ فِي الْأُولَى. وَقَالَ فِي التَّلْخِيصِ: وَمَاءُ زَمْزَمَ كَغَيْرِهِ. وَعَنْهُ يُكْرَهُ الْغُسْلُ مِنْهَا. فَظَاهِرُهُ: أَنَّ إزَالَةَ النَّجَاسَةِ كَالطَّهَارَةِ بِهِ. فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ قَوْلٌ بِعَدَمِ الْكَرَاهَةِ وَيَحْتَمِلُهُ الْقَوْلُ الْمَسْكُوتُ عَنْهُ فِي النَّظْمِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي الْمَجْدِ فِي مُصَنَّفِهِ: وَلَا يُكْرَهُ مَاءُ زَمْزَمَ عَلَى الْأَصَحِّ، وَإِنْ اُسْتُعْمِلَ فِي رَفْعِ حَدَثٍ، فَهَلْ يُبَاحُ أَوْ يُكْرَهُ الْغُسْلُ وَحْدَهُ؟ فِيهِ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ. وَهَلْ يُسْتَحَبُّ أَوْ يَحْرُمُ، أَوْ يَحْرُمُ حَيْثُ يَنْجُسُ؟ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ، وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: عَدَمُ الْكَرَاهَةِ، نُصَّ عَلَيْهِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ، وَقَدَّمَهُ فِي التَّلْخِيصِ وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ، وَغَيْرِهِمْ.، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ. وَقَالَ: هَذَا أَوْلَى، وَكَذَا قَالَ ابْنُ عُبَيْدَانَ. قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: هَذَا أَقْوَى الرِّوَايَتَيْنِ. وَصَحَّحَهُ فِي نَظْمِهِ، وَابْنُ رَزِينٍ. وَإِلَيْهِ مَيْلُ الْمَجْدِ فِي الْمُنْتَقَى. وَعَنْهُ يُكْرَهُ، وَجَزَمَ بِهِ نَاظِمُ الْمُفْرَدَاتِ، وَقَدَّمَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ [وَقَالَ: نُصَّ عَلَيْهِ] وَابْنُ رَزِينٍ. وَهِيَ مِنْ مُفْرَدَاتِ الْمَذْهَبِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَالْفُصُولِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ. وَعَنْهُ يُكْرَهُ الْغُسْلُ وَحْدَهُ. اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. وَاسْتَحَبَّ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ فِي مَنْسَكِهِ الْوُضُوءَ مِنْهُ. [وَقِيلَ يَحْرُمُ مُطْلَقًا]
وَحَرَّمَ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ أَيْضًا رَفْعَ الْحَدَثِ بِهِ حَيْثُ تَنَجَّسَ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ عِلَّةَ النَّهْيِ تَعْظِيمُهُ. وَقَدْ زَالَ بِنَجَاسَتِهِ. وَقَدْ قِيلَ: إنَّ سَبَبَ النَّهْيِ اخْتِيَارُ الْوَاقِفِ وَشَرْطُهُ. فَعَلَى هَذَا اخْتَلَفَ الْأَصْحَابُ فِيمَا لَوْ سَبَّلَ مَاءً لِلشُّرْبِ، هَلْ يَجُوزُ الْوُضُوءُ مِنْهُ مَعَ الْكَرَاهَةِ أَمْ يَحْرُمُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، ذَكَرَهُمَا ابْنُ الزَّاغُونِيِّ فِي فَتَاوِيهِ وَغَيْرِهَا، وَتَبِعَهُ فِي الْفُرُوعِ فِي بَابِ الْوَقْفِ وَأَمَّا الشُّرْبُ مِنْهُ: فَمُسْتَحَبٌّ. وَيَأْتِي فِي صِفَةِ الْحَجِّ. تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ: جَوَازُ اسْتِعْمَالِهِ فِي غَيْرِ ذَلِكَ، مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَأَمَّا رَشُّ الطَّرِيقِ وَجَبَلِ التُّرَابِ الطَّاهِرِ وَنَحْوِهِ، فَقِيلَ: يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ. وَمِنْهَا: مَاءُ الْحَمَّامِ، وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: إبَاحَةُ اسْتِعْمَالِهِ، نُصَّ عَلَيْهِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ. وَعَنْهُ يُكْرَهُ، وَظَاهِرُ نَقْلِ الْأَثْرَمِ لَا تُجْزِئُ الطَّهَارَةُ بِهِ. فَإِنَّهُ قَالَ: أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُجَدِّدَ مَاءً غَيْرِهِ. وَنُقِلَ عَنْهُ: يَغْتَسِلُ مِنْ الْأُنْبُوبَةِ وَيَأْتِي فِي فَصْلِ النَّجَسِ، هَلْ مَاءُ الْحَمَّامِ كَالْجَارِي، أَوْ إذَا فَاضَ مِنْ الْحَوْضِ؟ وَمِنْهَا: مَاءُ آبَارِ ثَمُودَ. فَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَالْأَصْحَابِ: إبَاحَتُهُ. قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ، فِي بَابِ الْأَطْعِمَةِ. ثُمَّ قَالَ: وَلَا وَجْهَ لِظَاهِرِ كَلَامِ الْأَصْحَابِ عَلَى إبَاحَتِهِ مَعَ هَذَا الْخَبَرِ وَنَصِّ أَحْمَدَ. ذَكَرَ النَّصَّ عَنْ أَحْمَدَ وَالْأَحَادِيثَ فِي ذَلِكَ. وَمِنْهَا: الْمُسَخَّنُ بِالْمَغْصُوبِ. وَفِي كَرَاهَةِ اسْتِعْمَالِهِ رِوَايَتَانِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ. وَهُمَا وَجْهَانِ مُطْلَقَانِ فِي الْحَاوِيَيْنِ. إحْدَاهُمَا: يُكْرَهُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، صَحَّحَهُ النَّاظِمُ.، وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنْتَخَبِ [وَالْوَجِيزِ] وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَا يُكْرَهُ. وَأَمَّا الْوُضُوءُ بِالْمَاءِ الْمَغْصُوبِ: فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ الطَّهَارَةَ لَا تَصِحُّ بِهِ.
وَهُوَ مِنْ مُفْرَدَاتِ الْمَذْهَبِ. وَعَنْهُ: تَصِحُّ وَتُكْرَهُ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ. وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لَيْسَتْ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ، لِأَنَّ الطَّهَارَةَ بِهِ صَحِيحَةٌ، مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ، وَإِنَّمَا عَرَضَ لَهُ مَانِعٌ، وَهُوَ الْغَصْبُ. وَمِنْهَا كَرَاهَةُ الطَّهَارَةِ مِنْ بِئْرٍ فِي الْمَقْبَرَةِ. قَالَهُ [ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ] وَالسَّامِرِيُّ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ فِي رِعَايَتِهِ. وَصَاحِبُ الْفُرُوعِ. ذَكَرَهُ فِي بَابِ الْأَطْعِمَةِ، وَنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى كَرَاهَتِهِ. وَهَذَا وَارِدٌ عَلَى عُمُومِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ. قَوْلُهُ (وَإِنْ سُخِّنَ بِنَجَاسَةٍ، فَهَلْ يُكْرَهُ اسْتِعْمَالُهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) . وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَالْفُرُوعِ، وَالزَّرْكَشِيِّ، وَغَيْرِهِمْ. وَاعْلَمْ: أَنَّ لِلْأَصْحَابِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ طُرُقًا. إحْدَاهَا وَهِيَ أَصَحُّهَا: أَنَّ فِيهَا رِوَايَتَيْنِ مُطْلَقًا، كَمَا جَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ هُنَا، وَقَطَعَ بِهَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَغَيْرِهِمْ، وَقَدَّمَهَا فِي الْفُرُوعِ، وَالنَّظْمِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَغَيْرِهِمْ. وَصَحَّحَهَا فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ وَالرِّوَايَتَيْنِ: الْكَرَاهَةُ، جَزَمَ بِهِ فِي الْمُجَرَّدِ، وَالْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ، وَغَيْرِهِمْ، وَقَدَّمَهُ فِي رُءُوسِ الْمَسَائِلِ لِأَبِي الْخَطَّابِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى وَصَحِيحَهُ فِي التَّصْحِيحِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: وَهُوَ الْأَظْهَرُ، قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ: وَيُكْرَهُ الْمُسَخَّنُ بِالنَّجَاسَاتِ عَلَى الْأَصَحِّ، قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: وَإِنْ سُخِّنَ، بِنَجَاسَةٍ كُرِهَ فِي أَظْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: اخْتَارَهَا الْأَكْثَرُ. قَالَ نَاظِمُ الْمُفْرَدَاتِ: هَذَا الْأَشْهَرُ، وَهُوَ مِنْهَا. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَا يُكْرَهُ. قَالَ فِي الْفَائِقِ: وَلَوْ سُخِّنَ بِنَجَاسَةٍ لَا تَصِلُ لَمْ يُكْرَهْ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ.
قَالَ فِي تَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ: وَفِي كَرَاهَةِ مُسَخَّنٍ بِنَجَاسَةٍ رِوَايَةٌ.، وَقَدَّمَهُ فِي إدْرَاكِ الْغَايَةِ. وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي رُءُوسِ الْمَسَائِلِ: اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ. الطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ: وَإِنْ ظَنَّ وُصُولَ النَّجَاسَةِ كُرِهَ، وَإِنْ ظَنَّ عَدَمَ وُصُولِهَا لَمْ يُكْرَهْ، وَإِنْ تَرَدَّدَ: فَالرِّوَايَتَانِ، وَهِيَ الطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ فِي الْفُرُوعِ. الطَّرِيقَةُ الثَّالِثَةُ: إنْ احْتَمَلَ وُصُولَهَا إلَيْهِ: كُرِهَ قَوْلًا وَاحِدًا.، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمَذْهَبِ الْأَحْمَدِ. وَإِنْ لَمْ يَحْتَمِلْ، فَرِوَايَتَانِ. وَمَحَلُّ هَذَا الْمَاءُ الْيَسِيرُ. فَأَمَّا الْكَثِيرُ: فَلَا يُكْرَهُ مُطْلَقًا. وَهِيَ طَرِيقَةُ أَبِي الْبَقَاءِ فِي شَرْحِهِ، وَشَارِحِ الْمُحَرَّرِ. الطَّرِيقَةُ الرَّابِعَةُ: إنْ احْتَمَلَ، وَاحْتَمَلَ مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ: فَالرِّوَايَتَانِ. وَحَمَلَ ابْنُ مُنَجَّا كَلَامَ الْمُصَنِّفِ عَلَيْهِ. وَهُوَ بَعِيدٌ، وَإِنْ كَانَ الْمَاءُ كَثِيرًا لَمْ يُكْرَهْ. وَإِنْ كَانَ حَصِينًا لَمْ يُكْرَهْ. وَقِيلَ: إنْ كَانَ يَسِيرًا، وَيُعْلَمُ عَدَمَ وُصُولِ النَّجَاسَةِ لَمْ يُكْرَهْ. وَفِيهِ وَجْهٌ يُكْرَهُ. وَهِيَ طَرِيقَةُ ابْنِ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ. الطَّرِيقَةُ الْخَامِسَةُ: إنْ لَمْ يَعْلَمْ وُصُولَهَا إلَيْهِ، وَالْحَائِلُ غَيْرُ حَصِينٍ: لَمْ يُكْرَهْ. وَقِيلَ: يُكْرَهُ، وَإِنْ كَانَ حَصِينًا: لَمْ يُكْرَهْ. وَقِيلَ: يُكْرَهُ. وَهِيَ طَرِيقَةُ ابْنِ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ. الطَّرِيقَةُ السَّادِسَةُ: الْمُسَخَّنُ بِهَا قِسْمَانِ. أَحَدُهَا: إنْ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ عَدَمُ وُصُولِهَا إلَيْهِ، فَوَجْهَانِ: الْكَرَاهَةُ اخْتِيَارُ الْقَاضِي، وَهُوَ أَشْبَهُ بِكَلَامِ أَحْمَدَ. وَعَدَمُهَا: اخْتِيَارُ الشَّرِيفِ أَبِي جَعْفَرٍ وَابْنِ عَقِيلٍ. وَالثَّانِي: مَا عَدَا ذَلِكَ، فَرِوَايَتَانِ: الْكَرَاهَةُ، ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ. وَعَدَمُهَا: اخْتِيَارُ ابْنِ حَامِدٍ. وَهِيَ طَرِيقَةُ الشَّارِحِ، وَابْنِ عُبَيْدَانَ. الطَّرِيقَةُ السَّابِعَةُ: الْمُسَخَّنُ بِهَا أَيْضًا قِسْمَانِ. أَحَدُهُمَا: أَنْ لَا يَتَحَقَّقَ وُصُولُ شَيْءٍ مِنْ أَجْزَائِهَا إلَى الْمَاءِ، وَالْحَائِلُ غَيْرُ حَصِينٍ، فَيُكْرَهُ. وَالثَّانِي: إذَا كَانَ حَصِينًا فَوَجْهَانِ: الْكَرَاهَةُ، اخْتِيَارُ الْقَاضِي. وَعَدَمُهَا: اخْتِيَارُ الشَّرِيفِ وَابْنِ عَقِيلٍ.
وَهِيَ طَرِيقَةُ الْمُصَنِّفِ فِي الْمُغْنِي، وَصَاحِبِ الْحَاوِي الْكَبِيرِ. الطَّرِيقَةُ الثَّامِنَةُ: إنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ وُصُولُهَا فَرِوَايَتَانِ، الْكَرَاهَةُ وَعَدَمُهَا، وَإِنْ تَحَقَّقَ وُصُولُهَا: فَنَجَسٌ. وَهِيَ طَرِيقَتُهُ فِي الْحَاوِي الصَّغِيرِ. الطَّرِيقَةُ التَّاسِعَةُ: إنْ احْتَمَلَ وُصُولُهَا إلَيْهِ، وَلَمْ يَتَحَقَّقْ: كُرِهَ فِي رِوَايَةٍ مُقَدَّمَةٍ. وَفِي الْأُخْرَى: لَا يُكْرَهُ. وَإِنْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ لَا تَصِلُ إلَيْهِ غَالِبًا، فَوَجْهَانِ: الْكَرَاهَةُ وَعَدَمُهَا. وَهِيَ طَرِيقُ الْمُصَنِّفِ فِي الْكَافِي. الطَّرِيقَةُ الْعَاشِرَةُ: إنْ كَانَتْ لَا تَصِلُ إلَيْهِ غَالِبًا، فَفِي الْكَرَاهَةِ رِوَايَتَانِ. وَهِيَ طَرِيقَةُ الْمُصَنِّفِ فِي الْهَادِي. قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ: إذَا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ وُصُولُ الدُّخَانِ، فَفِي الْكَرَاهَةِ وَجْهَانِ، أَشْهَرُهُمَا: لَا يُكْرَهُ. الطَّرِيقَةُ الْحَادِيَةَ عَشَرَ: إنْ اُحْتُمِلَ وُصُولُهَا إلَيْهِ ظَاهِرًا كُرِهَ، وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا فَوَجْهَانِ، وَإِنْ لَمْ يُحْتَمَلْ لَمْ يُكْرَهْ، عَلَى أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ، وَعَنْهُ لَا يُكْرَهُ بِحَالٍ. وَهِيَ طَرِيقَةُ ابْنِ تَمِيمٍ فِي مُخْتَصَرِهِ. الطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةَ عَشَرَ: الْكَرَاهَةُ مُطْلَقًا فِي رِوَايَةٍ مُقَدَّمَةٍ. وَعَدَمُهَا مُطْلَقًا فِي أُخْرَى. وَقِيلَ: إنْ كَانَ حَائِلُهُ حَصِينًا لَمْ يُكْرَهْ. وَإِلَّا كُرِهَ إنْ قَلَّ. وَهِيَ طَرِيقَتُهُ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى. الطَّرِيقَةُ الثَّالِثَةَ عَشَرَ: إنْ كَانَتْ لَا تَصِلُ إلَيْهِ لَمْ يُكْرَهْ، فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ. وَقِيلَ: مَعَ وَثَاقَةِ الْحَائِلِ. وَهِيَ طَرِيقَتُهُ فِي الْفَائِقِ. الطَّرِيقَةُ الرَّابِعَةَ عَشَرَ: يُكْرَهُ مُطْلَقًا عَلَى الْأَصَحِّ إنْ بَرَدَ. وَقِيلَ: وَإِنْ قَلَّ الْمَاءُ وَحَائِلَةُ غَيْرُ حَصِينٍ كُرِهَ. وَقِيلَ: غَالِبًا. وَإِلَّا فَلَا يُكْرَهُ، وَإِنْ عَلِمَ وُصُولَهَا إلَيْهِ: نَجُسَ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَهِيَ طَرِيقَتُهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. وَفِيهَا زِيَادَةٌ عَلَى الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى. فَهَذِهِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ طَرِيقَةً. وَلَا تَخْلُو مِنْ تَكْرَارٍ وَبَعْضِ تَدَاخُلٍ.
فَوَائِدُ إحْدَاهُنَّ: مَحَلُّ الْخِلَافِ فِي الْمُسَخَّنِ بِالنَّجَاسَةِ إذَا لَمْ يَحْتَجْ إلَيْهِ. فَإِنْ اُحْتِيجَ إلَيْهِ زَالَتْ الْكَرَاهَةُ، وَكَذَا الْمُشَمَّسُ إذَا قِيلَ بِالْكَرَاهَةِ. قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. وَقَالَ أَيْضًا: لِلْكَرَاهَةِ مَأْخَذَانِ. أَحَدُهُمَا: احْتِمَالُ وُصُولِ النَّجَاسَةِ. وَالثَّانِي: سَبَبُ الْكَرَاهَةِ: كَوْنُهُ سُخِّنَ بِإِيقَادِ النَّجَاسَةِ، وَاسْتِعْمَالُ النَّجَاسَةِ مَكْرُوهٌ عِنْدَهُمْ. وَالْحَاصِلُ بِالْمَكْرُوهِ مَكْرُوهٌ. الثَّانِيَةُ: ذَكَرَ الْقَاضِي: أَنَّ إيقَادَ النَّجَسِ لَا يَجُوزُ: كَدُهْنِ الْمَيْتَةِ. وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ. ذَكَرَهَا ابْنُ تَمِيمٍ، وَالْفُرُوعُ، وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ: أَنَّهُ يُكْرَهُ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ. وَإِلَيْهِ مَيْلُ ابْنِ عُبَيْدَانَ وَقَدَّمَهُ، ابْنُ تَمِيمٍ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ فِي بَابِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ: وَيَجُوزُ فِي الْأَقْيَسِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ. فَعَلَى الثَّانِيَةِ: يُعْتَبَرُ أَنْ لَا يُنَجِّسَ. وَقِيلَ: مَائِعًا وَيَأْتِي فِي الْآنِيَةِ: هَلْ يَجُوزُ بَيْعُ النَّجَاسَةِ؟ وَيَأْتِي ذَلِكَ أَيْضًا فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ. فِي كِتَابِ الْبَيْعِ. الثَّالِثَةُ: إذَا وَصَلَ دُخَانُ النَّجَاسَةِ إلَى شَيْءٍ. فَهَلْ هُوَ كَوُصُولِ نَجِسٍ أَوْ طَاهِرٍ؟ مَبْنِيٌّ عَلَى اسْتِحَالَةٍ عَلَى مَا يَأْتِي فِي بَابِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ. ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ وَالْمَذْهَبُ لَا يَطْهُرُ. قَوْلُهُ (فَإِنْ غَيَّرَ أَحَدَ أَوْصَافِهِ: لَوْنَهُ، أَوْ طَعْمَهُ، أَوْ رِيحَهُ) . فَهَلْ يَسْلُبُ طَهُورِيَّتَهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ. إحْدَاهُمَا: يَسْلُبُهُ الطَّهُورِيَّةَ. فَيَصِيرُ طَاهِرًا غَيْرَ مُطَهِّرٍ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. مِنْهُمْ الْخِرَقِيُّ، وَالْقَاضِي، وَأَصْحَابُهُ. قَالَ الْقَاضِي: هِيَ الْمَنْصُورَةُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا فِي كُتُبِ الْخِلَافِ. قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: هُوَ غَيْرُ طَهُورٍ عِنْدَ أَصْحَابِنَا قَالَ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ: اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمَذْهَبِ
الْأَحْمَدِ، وَغَيْرِهِمْ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالنَّظْمِ، وَغَيْرِهِمْ. وَصَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ، وَغَيْرِهِ. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَا يَسْلُبُهُ الطَّهُورِيَّةَ، بَلْ هُوَ بَاقٍ عَلَى طَهُورِيَّتِهِ. قَالَ فِي الْكَافِي: نَقَلَهَا الْأَكْثَرُ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هِيَ الْأَشْهَرُ نَقْلًا، وَاخْتَارَهُ الْآجُرِّيُّ، وَالْمُصَنِّفُ، وَالْمَجْدُ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَصَاحِبُ الْفَائِقِ، وَقَدَّمَهَا. وَعَنْهُ أَنَّهُ طَهُورٌ مَعَ عَدَمِ طَهُورِ غَيْرِهِ، اخْتَارَهَا ابْنُ أَبِي مُوسَى. وَعَنْهُ رِوَايَةٌ رَابِعَةٌ: طَهُورِيَّةُ مَاءِ الْبَاقِلَاءِ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمَعْرُوفُ بِكَيْتَلَةَ فِي كِتَابِهِ الْمُهِمِّ فِي شَرْحِ الْخِرَقِيِّ: سَمِعْت شَيْخِي مُحَمَّدَ بْنَ تَمِيمٍ الْحَرَّانِيَّ. قَالَ: وَقَدْ ذَكَرَ صَاحِبُ الْمُنِيرِ، فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، رِوَايَةً فِي طَهُورِيَّةِ مَاءِ الْبَاقِلَاءِ الْمَغْلِيِّ. ذَكَرَهُ ابْنُ خَطِيبٍ السَّلَامِيَّةُ فِي تَعْلِيقِهِ عَلَى الْمُحَرَّرِ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَقِيلَ: مَا أُضِيفَ إلَى مَا خَالَطَهُ وَغَلَبَتْ أَجْزَاؤُهُ عَلَى أَجْزَاءِ الْمَاءِ، كَلَبَنٍ، وَخَلٍّ، وَمَاءِ بَاقِلَاءٍ مَغْلِيٍّ، لَمْ يَجُزْ التَّوَضُّؤُ بِهِ عَلَى أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ. قَالَ: وَأَظُنُّ الْجَوَازَ سَهْوًا. تَنْبِيهٌ: فَعَلَى الْمَذْهَبِ: لَوْ تَغَيَّرَ صِفَتَانِ، أَوْ ثَلَاثَةٌ، مَعَ بَقَاءِ الرِّقَّةِ وَالْجَرَيَانِ وَالِاسْمِ فَهُوَ طَاهِرٌ بِطَرِيقٍ أَوْلَى. وَعَلَى رِوَايَةٍ: أَنَّهُ طَهُورٌ هُنَاكَ، فَالصَّحِيحُ هُنَا: أَنَّهُ طَاهِرٌ غَيْرُ مُطَهِّرٍ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: فَوَجْهَانِ، أَظْهَرُهُمَا: الْمَنْعُ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ ابْنُ رَزِينٍ فِي نِهَايَتِهِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ. وَعِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ: تَغَيُّرُ الصِّفَتَيْنِ كَتَغَيُّرِ الصِّفَةِ فِي الْحُكْمِ. وَتَغَيُّرُ الصِّفَاتِ الثَّلَاثِ يَسْلُبُهُ الطَّهُورِيَّةَ عِنْدَهُ، رِوَايَةً وَاحِدَةً. وَعِنْدَ الْقَاضِي: تَغَيُّرُ الصِّفَتَيْنِ وَالثَّلَاثِ كَتَغَيُّرِ الصِّفَةِ الْوَاحِدَةِ فِي الْحُكْمِ، مَعَ بَقَاءِ الرِّقَّةِ وَالْجَرَيَانِ وَالِاسْمِ. وَأَنَّ الْخِلَافَ جَارٍ فِي ذَلِكَ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ خَطِيبٍ السَّلَامِيَّةُ فِي تَعْلِيقِهِ. وَقَالَ: قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا: هِيَ أَقْعَدُ بِكَلَامِ أَحْمَدَ مِنْ قَوْلِ أَبِي الْخَطَّابِ، وَصَحَّحَهُ النَّاظِمُ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: يَجُوزُ الطَّهَارَةُ بِالْمُتَغَيِّرِ بِالطَّاهِرَاتِ. وَأَطْلَقَ وَجْهَيْنِ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى وَالْحَاوِيَيْنِ، وَابْنِ تَمِيمٍ. وَذَكَرَ فِي الْمُبْهِجِ وَغَيْرِهِ. أَنَّ تَغَيُّرَ جَمِيعِ الصِّفَاتِ بِمَقَرِّهِ لَا يَضُرُّهُ.
فَائِدَةٌ: تَغَيُّرُ كَثِيرٍ مِنْ الصِّفَةِ كَتَغَيُّرِ صِفَةٍ كَامِلَةٍ. وَأَمَّا تَغَيُّرُ يَسِيرٍ مِنْ الصِّفَةِ، فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يُعْفَى عَنْهُ مُطْلَقًا، اخْتَارَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَصَاحِبُ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَقِيلَ: هُوَ كَتَغَيُّرِ صِفَةٍ كَامِلَةٍ. اخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَابْنُ الْمُنَى، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا قَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَصَحَّحَهُ شَيْخُنَا فِي تَصْحِيحِ الْمُحَرَّرِ. وَنُقِلَ عَنْ الْقَاضِي: أَنَّهُ قَالَ فِي شَرْحِ الْخِرَقِيِّ: اتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَى السَّلْبِ بِالْيَسِيرِ فِي الطَّعْمِ وَاللَّوْنِ. وَقَالَهُ ابْنُ حَامِدٍ فِي الرِّيحِ أَيْضًا. انْتَهَى. وَقِيلَ: الْخِلَافُ رِوَايَتَانِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالنَّظْمِ، وَابْنِ تَمِيمٍ، وَالْفَائِقِ، وَالزَّرْكَشِيِّ. وَقِيلَ: يُعْفَى عَنْ يَسِيرِ الرَّائِحَةِ دُونَ غَيْرِهَا. وَاخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَهُوَ أَظْهَرُ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِفَادَاتِ. تَنْبِيهَانِ الْأَوَّلُ: ظَاهِرُ كَلَامِهِ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُغَيِّرُ لِلْمَاءِ تُرَابًا، أُوضِعَ قَصْدًا: أَنَّهُ كَغَيْرِهِ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ. وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ. قَالَ فِي الْحَاوِي الصَّغِيرِ: وَظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي الْخَطَّابِ: أَنَّهُ يَسْلُبُهُ الطَّهُورِيَّةَ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: إنْ وَضَعَ تِلْكَ قَصْدًا لَا يَضُرُّ، وَلَا يَسْلُبُهُ الطَّهُورِيَّةَ، مَا لَمْ يَصِرْ طِينًا. وَهُوَ الْمَذْهَبُ، جَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْفُصُولِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْكَافِي، وَابْنِ رَزِينٍ، وَالتَّسْهِيلِ وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَغَيْرِهِمْ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَغَيْرِهِمْ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَبِهِ قَطَعَ الْعَامَّةُ، قِيَاسًا عَلَى مَا إذَا تَغَيَّرَ بِالْمِلْحِ الْمَائِيِّ عَلَى مَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَابْنِ تَمِيمٍ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى مِنْ عِنْدِهِ: إنْ صَفَا الْمَاءُ مِنْ التُّرَابِ فَطَهُورٌ، وَإِلَّا فَطَاهِرٌ، قُلْت: أَمَّا إذَا صَفَا الْمَاءُ مِنْ التُّرَابِ، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ فِي طَهُورِيَّتِهِ نِزَاعٌ فِي الْمَذْهَبِ، الثَّانِي: مَحَلُّ الْخِلَافِ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ: إذَا وَضَعَ مَا يَشُقُّ صَوْنُهُ عَنْهُ قَصْدًا.
أَوْ كَانَ الْمُخَالِطُ مِمَّا لَا يَشُقُّ صَوْنُهُ عَنْهُ. أَمَّا مَا يَشُقُّ صَوْنُ الْمَاءِ عَنْهُ إذَا وُضِعَ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ، فَقَدْ تَقَدَّمَ حُكْمُهُ أَوَّلَ الْبَابِ. قَوْلُهُ (أَوْ اُسْتُعْمِلَ فِي رَفْعِ حَدَثٍ) . فَهَلْ يَسْلُبُ طَهُورِيَّتَهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالْكَافِي، وَالشَّرْحِ، وَنِهَايَةِ ابْنِ رَزِينٍ. إحْدَاهُمَا: يَسْلُبُهُ الطَّهُورِيَّةَ. فَيَصِيرُ طَاهِرًا، وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، جَزَمَ بِهِ الْخِرَقِيُّ، وَفِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُحَرَّرِ وَالْجَامِعِ الصَّغِيرِ، وَالْخِصَالِ لِلْقَاضِي وَالْمُبْهِجِ، وَخِصَالِ ابْنِ الْبَنَّاءِ، وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَقِيلٍ، وَالْعُمْدَةِ، وَالْهَادِي، وَالْمَذْهَبِ الْأَحْمَدِ وَالْخُلَاصَةِ، وَالْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالتَّسْهِيلِ، وَغَيْرِهِمْ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَالْمُحَرَّرِ، وَالتَّلْخِيصِ وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَابْنِ تَمِيمٍ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ وَغَيْرِهِمْ. وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ، وَصَحَّحَهُ الْأَزَجِيُّ، وَابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ، وَالنَّاظِمُ، وَابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمُذْهَبِ، وَابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ، وَغَيْرُهُمْ. قَالَ فِي الْكَافِي: أَشْهَرُهُمَا زَوَالُ الطَّهُورِيَّةِ. قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: هَذَا أَظْهَرُ الرِّوَايَاتِ. قَالَ فِي الْبُلْغَةِ: يَكُونُ طَاهِرًا غَيْرَ مُطَهِّرٍ عَلَى الْأَصَحِّ، قَالَ فِي الْمُغْنِي: ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هَذَا الْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ عَامَّةُ الْأَصْحَابِ. قَالَ ابْنُ خَطِيبٍ السَّلَامِيَّةُ فِي تَعْلِيقِهِ: هَذِهِ الرِّوَايَةُ عَلَيْهَا جَادَّةُ الْمَذْهَبِ، وَنَصَرَهَا غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِنَا. ثُمَّ قَالَ: قُلْت وَلَمْ أَجِدْ عَنْ أَحْمَدَ نَصًّا ظَاهِرًا بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ. انْتَهَى. تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ: يُسْتَثْنَى مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ: لَوْ غَسَلَ رَأْسَهُ بَدَلَ مَسْحِهِ، وَقُلْنَا يُجْزِئُ. فَإِنَّهُ يَكُونُ طَهُورًا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، ذَكَرَهُ فِي الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ فِي الْقَاعِدَةِ الثَّالِثَةِ. قَالَ: لِأَنَّ الْغُسْلَ مَكْرُوهٌ. فَلَا يَكُونُ وَاجِبًا. فَيُعَايَى بِهَا، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ طَهُورٌ. قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: سَمِعْت شَيْخَنَا يَعْنِي
صَاحِبَ الشَّرْحِ يَمِيلُ إلَى طَهُورِيَّةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ. وَرَجَّحَهَا ابْنُ عَقِيلٍ فِي مُفْرَدَاتِهِ، وَصَحَّحَهُمَا ابْنُ رَزِينٍ، وَاخْتَارَهَا أَبُو الْبَقَاءِ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ، وَصَاحِبُ الْفَائِقِ. قُلْت: وَهُوَ أَقْوَى فِي النَّظَرِ. وَعَنْهُ أَنَّهُ نَجِسٌ، وَنُصَّ عَلَيْهِ فِي ثَوْبِ الْمُتَطَهِّرِ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَفِيهِ بُعْدٌ. فَعَلَيْهَا قَطَعَ جَمَاعَةٌ بِالْعَفْوِ فِي بَدَنِهِ وَثَوْبِهِ. مِنْهُمْ الْمَجْدُ، وَابْنُ حَمْدَانَ. وَلَا يُسْتَحَبُّ غَسْلُهُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الرِّوَايَتَيْنِ، صَحَّحَهُ الْأَزَجِيُّ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَابْنُ عُبَيْدَانَ وَغَيْرُهُمْ. قُلْت: فَيُعَايَى بِهَا. وَعَنْهُ يُسْتَحَبُّ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ. وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: قَالَ شَيْخُنَا أَبُو الْفَرَجِ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ: أَنَّهُ طَهُورٌ فِي إزَالَةِ الْخَبَثِ فَقَطْ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَلَيْسَ بِشَيْءٍ وَهُوَ كَمَا قَالَ وَقِيلَ: يَجُوزُ التَّوَضُّؤُ بِهِ فِي تَجْدِيدِ الْوُضُوءِ دُونَ ابْتِدَائِهِ، اخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ فِي انْتِصَارِهِ، فِي جُمْلَةِ حَدِيثِ «مَسَحَ رَأْسَهُ بِبَلَلِ لِحْيَتِهِ» أَنَّهُ كَانَ فِي تَجْدِيدِ الْوُضُوءِ. وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَحَكَى شَيْخُنَا رِوَايَةً بِنَجَاسَةِ الْمُسْتَعْمَلِ فِي غُسْلِ الْمَيِّتِ، وَإِنْ قُلْنَا بِطَهَارَتِهِ فِي غَيْرِهِ. الثَّانِي: اخْتَلَفَ الْأَصْحَابُ فِي إثْبَاتِ رِوَايَةِ نَجَاسَةِ الْمَاءِ. فَأَثْبَتَهَا أَبُو الْخَطَّابِ فِي خِلَافِهِ، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَأَبُو الْبَقَاءِ فِي شَرْحِهِ، وَصَاحِبُ الْمُحَرَّرِ وَعَامَّةُ الْمُتَأَخِّرِينَ. وَلَيْسَتْ فِي الْمُغْنِي. وَنَفَاهَا الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ عَنْ كَلَامِ أَحْمَدَ وَتَأَوَّلَاهَا. وَرَدَّ عَلَيْهِمْ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ. الثَّالِثُ: مُرَادُ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ أَطْلَقَ الْخِلَافَ: مَا إذَا كَانَ الْمَاءُ الرَّافِعُ لِلْحَدَثِ دُونَ الْقُلَّتَيْنِ. فَأَمَّا إنْ كَانَ قُلَّتَيْنِ فَصَاعِدًا: فَهُوَ طَهُورٌ، صَرَّحَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْوَجِيزِ، وَالْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَغَيْرِهِمْ، وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ تَمِيمٍ وَغَيْرِهِ: الْإِطْلَاقُ كَالْمُصَنِّفِ. وَإِنَّمَا أَرَادُوا فِي الْغَالِبِ.
وَيَأْتِي فِي عِشْرَةِ النِّسَاءِ: هَلْ الْمُسْتَعْمَلُ فِي غُسْلِ جَنَابَةِ الذِّمِّيَّةِ أَوْ حَيْضِهَا أَوْ نِفَاسِهَا طَاهِرٌ أَوْ طَهُورٌ؟ وَيَأْتِي فِي بَابِ الْوُضُوءِ: هَلْ يَجِبُ نِيَّةٌ لِغُسْلِ الذِّمِّيَّةِ مِنْ الْحَيْضِ؟ قَوْلُهُ (أَوْ طَهَارَةٍ مَشْرُوعَةٍ) . فَهَلْ يَسْلُبُ طَهُورِيَّتَهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، يَعْنِي إذَا اُسْتُعْمِلَ فِي طَهَارَةٍ مَشْرُوعَةٍ، وَقُلْنَا: إنَّ الْمُسْتَعْمَلَ فِي رَفْعِ الْحَدَثِ تُسْلَبُ طَهُورِيَّتُهُ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَقِيلٍ، وَخِصَالِ ابْنِ الْبَنَّا، وَالْمُبْهِجِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْمُغْنِي، وَالْهَادِي، وَالشَّرْحِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْمَذْهَبِ الْأَحْمَدِ، وَابْنِ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ وَالزَّرْكَشِيِّ، وَالْفَائِقِ، وَالْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِمْ. إحْدَاهُمَا: لَا يَسْلُبُهُ الطَّهُورِيَّةَ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ. وَصَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ، وَالنَّظْمِ، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَغَيْرُهُمْ. وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ. قَالَ الشَّارِحُ: أَظْهَرُهُمَا طَهُورِيَّتُهُ. قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: طَهُورٌ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: اخْتَارَهَا أَبُو الْبَرَكَاتِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ فِي الْإِرْشَادِ، وَالْعُمْدَةِ، وَالْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ، وَغَيْرِهِمْ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِفَادَاتِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْكَافِي، وَالْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَابْنِ رَزِينٍ، وَابْنِ تَمِيمٍ، وَغَيْرِهِمْ. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: يَسْلُبُهُ الطَّهُورِيَّةَ. وَهِيَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، وَجَزَمَ بِهِ فِي التَّسْهِيلِ، وَالْمُجَرَّدِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ الْمُتَقَدِّمُ. وَقَدَّمَهُ فِي إدْرَاكِ الْغَايَةِ، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَابْنِ تَمِيمٍ. تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ كَلَامِهِ: أَنَّهُ لَوْ اُسْتُعْمِلَ فِي طَهَارَةٍ غَيْرِ مَشْرُوعَةٍ: أَنَّهُ طَهُورٌ بِلَا نِزَاعٍ. وَهُوَ كَذَلِكَ. وَمِثْلُهُ الْغَسْلَةُ الرَّابِعَةُ فِي الْوُضُوءِ أَوْ الْغُسْلِ. صَرَّحَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ وَغَيْرِهِ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَكَذَا مَا انْفَصَلَ مِنْ غَسْلَةٍ زَائِدَةٍ عَلَى الْعَدَدِ الْمُعْتَبَرِ فِي إزَالَةِ النَّجَاسَةِ بَعْدَ طَهَارَةِ مَحَلِّهَا. وَفِي الْأَصَحِّ: كُلُّ غَسْلَةٍ فِي وُجُوبِهَا خِلَافٌ
كَالثَّامِنَةِ فِي غَسْلِ الْوُلُوغِ، وَالرَّابِعَةِ فِي غَسْلِ نَجَاسَةِ غَيْرِهِ، وَإِنْ قُلْنَا: تُجْزِئُ الثَّلَاثُ. وَعَلَى مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ مُنْقِيَةٍ، إنْ قُلْنَا: تُجْزِئُ. انْتَهَى. قَوْلُهُ (أَوْ غَمَسَ فِيهِ يَدَهُ قَائِمٌ مِنْ نَوْمِ اللَّيْلِ قَبْلَ غَسْلِهَا ثَلَاثًا، فَهَلْ يَسْلُبُ طَهُورِيَّتَهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) . وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْكَافِي، وَالْمَذْهَبِ الْأَحْمَدِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَابْنِ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ، وَابْنِ تَمِيمٍ، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَابْنِ عُبَيْدَانَ وَغَيْرِهِمْ. إحْدَاهُمَا: يَسْلُبُهُ الطَّهُورِيَّةَ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ، قَالَ أَبُو الْمَعَالِي فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ: عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: هَذَا الْمَنْصُوصُ، قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: الْأَوْلَى أَنَّ مَا غُمِسَ فِيهِ كَفُّهُ طَاهِرٌ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَنَاظِمُ الْمُفْرَدَاتِ، وَالنَّاظِمُ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَا يَسْلُبُهُ الطَّهُورِيَّةَ، جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ.، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَاخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَابْنُ رَزِينٍ، وَالنَّاظِمُ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَصَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ. وَعَنْهُ أَنَّهُ نَجِسٌ، اخْتَارَهَا الْخَلَّالُ. وَهِيَ مِنْ مُفْرَدَاتِ الْمَذْهَبِ أَيْضًا. فَعَلَى الْمَذْهَبِ: لَوْ كَانَ الْمَاءُ فِي إنَاءٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى الصَّبِّ مِنْهُ، بَلْ عَلَى الِاغْتِرَافِ، وَلَيْسَ عِنْدَهُ مَا يَغْتَرِفُ بِهِ، وَيَدَاهُ نَجِسَتَانِ، فَإِنَّهُ يَأْخُذُ الْمَاءَ بِفِيهِ وَيَصُبُّ عَلَى يَدَيْهِ. قَالَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ تَيَمَّمَ وَتَرَكَهُ. قُلْت: فَيُعَايَى بِهَا. تَنْبِيهَاتٌ: الْأَوَّلُ: مَحَلُّ الْخِلَافِ: إذَا كَانَ الْمَاءُ الَّذِي غَمَسَ يَدَهُ فِيهِ دُونَ الْقُلَّتَيْنِ. أَمَّا إنْ كَانَ قُلَّتَيْنِ فَأَكْثَرَ: فَلَا يُؤَثِّرُ فِيهِ الْغَمْسُ شَيْئًا، بَلْ هُوَ بَاقٍ عَلَى طَهُورِيَّتِهِ. قَالَهُ الْأَصْحَابُ، وَهُوَ وَاضِحٌ.
الثَّانِي: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ: أَنَّ الْخِلَافَ هُنَا مَبْنِيٌّ عَلَى الْخِلَافِ فِي وُجُوبِ غَسْلِهَا إذَا قَامَ مِنْ نَوْمِ اللَّيْلِ، عَلَى مَا يَأْتِي فِي آخِرِ بَابِ السِّوَاكِ. فَإِنَّهُ أَطْلَقَ الْخِلَافَ هُنَا وَهُنَاكَ. فَإِنْ قُلْنَا بِوُجُوبِ الْغَسْلِ: أَثَّرَ فِي الْمَاءِ مَنْعًا، وَإِنْ قُلْنَا بِالِاسْتِحْبَابِ: فَلَا، وَقَطَعَ بِهَذَا فِي الْفُصُولِ، وَالْكَافِي، وَابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ. قَالَ الشَّارِحُ: وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ الْقِيَاسُ: أَنَّا إنْ قُلْنَا " غَسْلُهُمَا وَاجِبٌ " فَهُوَ كَالْمُسْتَعْمَلِ فِي رَفْعِ الْحَدَثِ، وَإِنْ قُلْنَا بِاسْتِحْبَابِهِ: فَهُوَ كَالْمُسْتَعْمَلِ فِي طَهَارَةٍ مَسْنُونَةٍ. وَقَالَ فِي الْمُغْنِي: فَأَمَّا الْمُسْتَعْمَلُ فِي تَعَبُّدٍ مِنْ غَيْرِ حَدَثٍ، كَغَسْلِ الْيَدَيْنِ مِنْ نَوْمِ اللَّيْلِ، فَإِنْ قُلْنَا " لَيْسَ ذَلِكَ بِوَاجِبٍ " لَمْ يُؤَثِّرْ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْمَاءِ. وَإِنْ قُلْنَا بِوُجُوبِهِ، فَقَالَ الْقَاضِي: هُوَ طَاهِرٌ، غَيْرُ مُطَهِّرٍ. وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ فِيهِ رِوَايَتَيْنِ، إحْدَاهُمَا: أَنَّهُ كَالْمُسْتَعْمَلِ فِي رَفْعِ الْحَدَثِ. وَالثَّانِيَةُ: أَنَّهُ يُشْبِهُ الْمُتَبَرَّدَ بِهِ. وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: فَإِنْ غَمَسَ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ قَبْلَ غَسْلِهَا، فَعَلَى قَوْلِ مَنْ لَمْ يُوجِبْ غَسْلَهَا: لَا يُؤَثِّرُ غَمْسُهَا شَيْئًا. وَمَنْ أَوْجَبَهُ، قَالَ: إنْ كَانَ كَثِيرًا لَمْ يُؤَثِّرْ. وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا، فَقَالَ أَحْمَدُ: أَعْجَبُ إلَيَّ أَنْ يُهْرِيقَهُ. فَيَحْتَمِلُ وُجُوبَ إرَاقَتِهِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا تَزُولَ طَهُورِيَّتُهُ. وَمَالَ إلَيْهِ. وَقَالَ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ: إنْ قُلْنَا " غَسْلُهُمَا سُنَّةٌ " فَهَلْ يُؤَثِّرُ الْغَمْسُ؟ يَخْرُجُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَإِنْ غَمَسَ قَائِمٌ مِنْ نَوْمِ اللَّيْلِ يَدَهُ فِي مَاءٍ قَلِيلٍ، قَبْلَ غَسْلِهَا ثَلَاثًا، وَقُلْنَا بِوُجُوبِ غَسْلِهَا: زَالَتْ طَهُورِيَّتُهُ. فَأَنَاطَ الْحُكْمَ عَلَى الْقَوْلِ بِوُجُوبِ غَسْلِهَا. وَقَالَ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ: إذَا غَمَسَ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ قَبْلَ غَسْلِهَا لَمْ يُؤَثِّرْ شَيْئًا. وَكَذَا إنْ قُلْنَا بِوُجُوبِهِ وَالْمَاءُ كَثِيرٌ، وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا كُرِهَ الْوُضُوءُ. لِأَنَّ النَّهْيَ يُفِيدُ مَنْعًا. وَإِلَّا فَطَهُورِيَّتُهُ بَاقِيَةٌ. وَقِيلَ: النَّهْيُ تَعَبُّدٌ، فَلَا يُؤَثِّرُ فِيهِ شَيْئًا. وَقِيلَ: يَسْلُبُ طَهُورِيَّتَهُ بِهِ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَالْأَظْهَرُ مَا قُلْنَا. انْتَهَى.
وَقِيلَ: الْخِلَافُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْخِلَافِ فِي وُجُوبِ غَسْلِهَا. وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ فِي الْفُرُوعِ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ. وَيَحْتَمِلُهُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَقِيلَ: إنْ وَجَبَ غَسْلُهُمَا: فَطَاهِرٌ بِانْفِصَالِهِ، لَا بِغَمْسِهِ فِي الْأَقْيَسِ. وَلَا يَحْصُلُ غَسْلُ يَدِهِ فِي الْمَذْهَبِ. فَإِنْ سُنَّ غَسْلُهُمَا فَطَهُورٌ. انْتَهَى. وَقَالَ فِي الْحَاوِي الْكَبِيرِ. فَأَمَّا الْمُنْفَصِلُ عَنْ غَسْلِ الْيَدِ مِنْ نَوْمِ اللَّيْلِ: فَهُوَ كَالْمُسْتَعْمَلِ فِي رَفْعِ الْحَدَثِ، إنْ قُلْنَا: هُوَ وَاجِبٌ، وَإِنْ قُلْنَا: هُوَ سُنَّةٌ، خَرَجَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِيمَا اُسْتُعْمِلَ فِي طُهْرٍ مُسْتَحَبٍّ. فَأَنَاطَ الْحُكْمَ بِالْمَاءِ الْمُنْفَصِلِ مِنْ غَسْلِهِمَا. الثَّالِثُ: ظَاهِرُ قَوْلِهِ " أَوْ غَمَسَ يَدَهُ " أَنَّهُ لَوْ حَصَلَ فِي يَدِهِ مِنْ غَيْرِ غَمْسٍ: أَنَّهُ لَا يُؤَثِّرُ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ، وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. الْأَوْلَى أَنَّهُ طَهُورٌ. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ كَغَمْسِ يَدِهِ: وَهُوَ الصَّحِيحُ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْفُصُولِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى. وَقَدَّمَهُ فِي الْكُبْرَى، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَابْنِ تَمِيمٍ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَابْنِ عُبَيْدَانَ. الرَّابِعُ: مَفْهُومُ قَوْلِهِ " يَدَهُ " أَنَّهُ لَوْ غَمَسَ عُضْوًا غَيْرَ يَدِهِ: أَنَّهُ لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ. وَهُوَ صَحِيحٌ، صَرَّحَ بِهِ ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَابْنُ حَمْدَانَ، وَصَاحِبُ الْفَائِقِ، وَغَيْرُهُمْ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ [قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى وَغَسْلُهُمَا تَعَبُّدٌ، فَلَا يُؤَثِّرُ فِيهِ غَمْسُ غَيْرِ كَفَّيْهِ شَيْئًا] . الْخَامِسُ: ظَاهِرُ قَوْلِهِ " يَدَهُ " أَنَّهُ لَا يُؤَثِّرُ إلَّا غَمْسُ جَمِيعِهَا، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْوَجِيزِ وَغَيْرِهِمَا. وَصَحَّحَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَابْنِ تَمِيمٍ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ. وَقِيلَ: غَمْسُ بَعْضِهَا كَغَمْسِهَا كُلِّهَا، اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ، وَابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ، وَقَدَّمَهُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي
وَالْإِفَادَاتِ. وَصَحَّحَهُ النَّاظِمُ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الشَّرْحِ، وَالْفُصُولِ، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَالْفَائِقِ. السَّادِسُ: ظَاهِرُ قَوْلِهِ " مِنْ نَوْمِ اللَّيْلِ " أَنَّهُ سَوَاءٌ كَانَ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا، قَبْلَ نِصْفِ اللَّيْلِ أَوْ بَعْدَهُ. وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ نَاقِضًا لِلْوُضُوءِ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: هُوَ مَا زَادَ عَلَى نِصْفِ اللَّيْلِ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ وَغَيْرِهَا، وَقِيلَ: بَلْ مِنْ نَوْمِ أَكْثَرِ مِنْ نِصْفِ اللَّيْلِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْحَاوِي الصَّغِيرِ. السَّابِعُ: مَفْهُومُ قَوْلِهِ " مِنْ نَوْمِ اللَّيْلِ " أَنَّهُ لَا يُؤَثِّرُ غَمْسُهَا إذَا كَانَ قَائِمًا مِنْ نَوْمِ النَّهَارِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَابْنِ عُبَيْدَانَ، وَصَاحِبِ الْمُسْتَوْعِبِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَغَيْرِهِمْ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَابْنِ تَمِيمٍ، وَالْفَائِقِ، وَغَيْرِهِمْ. وَعَنْهُ حُكْمُ نَوْمِ النَّهَارِ حُكْمُ نَوْمِ اللَّيْلِ. الثَّامِنُ: ظَاهِرُ كَلَامِهِ: وَلَوْ كَانَ الْغَامِسُ صَغِيرًا أَوْ مَجْنُونًا أَوْ كَافِرًا: أَنَّهُمْ كَغَيْرِهِمْ فِي الْغَمْسِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْوَجِيزِ، وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ، وَغَيْرِهِمْ، وَصَحَّحَهُ النَّاظِمُ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا تَأْثِيرَ لِغَمْسِهِمْ، وَهُوَ الصَّحِيحُ. وَإِلَيْهِ مَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي، وَاخْتَارَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ.، وَصَحَّحَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: لَا يُؤَثِّرُ غَمْسُهُمْ، فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، أَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَابْنِ عُبَيْدَانَ، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ. التَّاسِعُ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَيْضًا: وَلَوْ كَانَتْ يَدُهُ فِي جِرَابٍ أَوْ مَكْتُوفَةً، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، قَطَعَ بِهِ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: فَهُوَ كَغَيْرِهِ. وَقِيلَ:
عَلَى رِوَايَةٍ الْوُجُوبُ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَا يُؤَثِّرُ غَمْسُهَا. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ. الْعَاشِرُ: ظَاهِرُ قَوْلِهِ " قَبْلَ غَسْلِهَا ثَلَاثًا " أَنَّهُ يُؤَثِّرُ غَمْسُهَا بَعْدَ غَسْلِهَا مَرَّةً، أَوْ مَرَّتَيْنِ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا قَطَعَ بِهِ صَاحِبُ الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَالرِّعَايَةُ الصُّغْرَى، وَغَيْرُهُمْ؛ لِاقْتِصَارِهِمْ عَلَيْهِ. وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَقَالَ: وَقِيلَ يَكْفِي غَسْلُهُمَا مَرَّةً وَاحِدَةً، فَلَا يُؤَثِّرُ الْغَمْسُ بَعْدَ ذَلِكَ. الْحَادِيَ عَشَرَ: ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَيْضًا: أَنَّهُ سَوَاءٌ كَانَ قَبْلَ نِيَّةِ غَسْلِهَا أَوْ بَعْدَهُ. وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ. قَالَ فِي الْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ: قَالَهُ أَصْحَابُنَا. وَقَالَ الْقَاضِي: وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُؤَثِّرَ إلَّا بَعْدَ النِّيَّةِ. وَقَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ: وَعِنْدِي أَنَّ الْمُؤَثِّرَ الْغَمْسُ بَعْدَ نِيَّةِ الْوُضُوءِ فَقَطْ. فَوَائِدُ الْأُولَى: عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ [طَاهِرٌ] غَيْرُ مُطَهِّرٍ: إذَا لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ: اسْتَعْمَلَهُ وَتَيَمَّمَ عَلَى الصَّحِيحِ، قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَإِنْ اسْتَعْمَلَهُ لِاحْتِمَالِ طَهُورِيَّتِهِ، وَتَيَمَّمَ لِاحْتِمَالِ نَجَاسَتِهِ فِي وَجْهٍ: فَيَنْوِي رَفْعَ الْحَدَثِ. وَقِيلَ: وَالنَّجَاسَةُ. انْتَهَى: وَاخْتَارَ ابْنُ عَقِيلٍ: تَجِبُ إرَاقَتُهُ، فَيَحْرُمُ اسْتِعْمَالُهُ، صَحَّحَهُ الْأَزَجِيُّ. وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ. الثَّانِيَةُ: يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ فِي شُرْبٍ وَغَيْرِهِ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: يُكْرَهُ. وَقِيلَ: يَحْرُمُ. وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَصَحَّحَهُ الْأَزَجِيُّ. الثَّالِثَةُ: لَا يُؤَثِّرُ غَمْسُهَا فِي مَائِعٍ غَيْرِ الْمَاءِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ.
قُلْت: فَيُعَايَى بِهَا. وَقِيلَ: يُؤَثِّرُ وَبَقِيَّةُ فُرُوعِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ تَأْتِي فِي آخِرِ بَابِ السِّوَاكِ عِنْدَ قَوْلِهِ " وَغَسْلُ الْيَدَيْنِ ". الرَّابِعَةُ: قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَمَا قَلَّ وَغَسَلَ بِهِ ذَكَرَهُ وَأُنْثَيَيْهِ مِنْ الْمَذْيِ دُونَهُ وَانْفَصَلَ غَيْرَ مُتَغَيِّرٍ فَهُوَ طَهُورٌ. وَعَنْهُ: طَاهِرٌ. وَقِيلَ: الْمُسْتَعْمَلُ فِي غَسْلِهِمَا كَالْمُسْتَعْمَلِ فِي غَسْلِ الْيَدَيْنِ مِنْ نَوْمِ اللَّيْلِ. انْتَهَى. وَجَزَمَ بِهَذَا الْقَوْلِ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَابْنِ تَمِيمٍ. وَيَأْتِي عَدَدُ الْغَسَلَاتِ فِي ذَلِكَ فِي بَابِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ. الْخَامِسَةُ: لَوْ نَوَى جُنُبٌ بِانْغِمَاسِهِ كُلِّهِ أَوْ بَعْضِهِ فِي مَاءٍ قَلِيلٍ رَاكِدٍ رَفْعَ حَدَثِهِ: لَمْ يَرْتَفِعْ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هَذَا الْمَعْرُوفُ، وَقِيلَ: يَرْتَفِعُ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. فَعَلَى الْمَذْهَبِ: يَصِيرُ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ نُصَّ عَلَيْهِ وَقِيلَ: لَا. وَقِيلَ: إنْ كَانَ الْمُنْفَصِلُ عَنْ الْعُضْوِ لَوْ غُسِلَ ذَلِكَ الْعُضْوُ بِمَائِعٍ ثُمَّ صُبَّ فِيهِ أَثَّرَ: أَثَّرَ هُنَا. فَعَلَى الْمَنْصُوصِ يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا بِأَوَّلِ جَزْءٍ انْفَصَلَ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، جَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالْكَافِي، وَالشَّرْحِ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَهُوَ أَظْهَرُ وَأَشْهَرُ. قَالَ فِي الصُّغْرَى: وَهُوَ أَظْهَرُ، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَهُوَ أَشْهَرُ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ عُبَيْدَانَ. وَقِيلَ: يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا بِأَوَّلِ جُزْءٍ لَاقَاهُ، قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالتَّلْخِيصِ. وَقَالَ: عَلَى الْمَنْصُوصِ، وَحَكَى الْأَوَّلَ احْتِمَالًا. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَابْنِ تَمِيمٍ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَرْتَفِعَ حَدَثُهُ إذَا انْفَصَلَ الْمَاءُ عَمَّا غَمَسَهُ كُلَّهُ وَهُوَ أَوْلَى. انْتَهَى. وَالِاحْتِمَالُ لِلشِّيرَازِيِّ. السَّادِسَةُ: وَكَذَا الْحُكْمُ لَوْ نَوَى بَعْدَ غَمْسِهِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ. قَالَ فِي الْحَاوِي، قَالَ أَصْحَابُنَا: يَرْتَفِعُ الْحَدَثُ عَنْ أَوَّلِ جُزْءٍ يَرْتَفِعُ مِنْهُ. فَيَحْصُلُ غَسْلُ مَا سِوَاهُ بِمَاءٍ مُسْتَعْمَلٍ. فَلَا يَجْزِيهِ. وَقِيلَ: يَرْتَفِعُ هُنَا عَقِيبَ نِيَّتِهِ، اخْتَارَهُ الْمَجْدُ. قَالَهُ فِي الْحَاوِي الْكَبِيرِ. السَّابِعَةُ: لَا أَثَرَ لِلْغَمْسِ بِلَا نِيَّةٍ لِطَهَارَةِ بَدَنِهِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَنْهُ يُكْرَهُ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَظَاهِرُ مَا فِي الْمُغْنِي عَنْ بَعْضِ الْأَصْحَابِ: أَنَّهُ قَالَ بِالْمَنْعِ فِيمَا إذَا نَوَى الِاغْتِرَافَ فَقَطْ. وَفِيهِ نَظَرٌ. انْتَهَى. الثَّامِنَةُ: لَوْ كَانَ الْمَاءُ كَثِيرًا كُرِهَ أَنْ يَغْتَسِلَ فِيهِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، قَالَ أَحْمَدُ: لَا يُعْجِبُنِي. وَعَنْهُ لَا يَنْبَغِي. فَلَوْ خَالَفَ وَفَعَلَ ارْتَفَعَ حَدَثُهُ قَبْلَ انْفِصَالِهِ عَنْهُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ. وَقِيلَ: يَرْتَفِعُ بَعْدَ انْفِصَالِهِ.، قَدَّمَهُ فِي الْفَائِقِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَهُوَ أَقْيَسُ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ. التَّاسِعَةُ: لَوْ اغْتَرَفَ الْجُنُبُ أَوْ الْحَائِضُ أَوْ النُّفَسَاءُ بِيَدِهِ مِنْ مَاءٍ قَلِيلٍ بَعْدَ نِيَّةِ غَسْلِهِ: صَارَ مُسْتَعْمَلًا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَقَالَ: نَقَلَهُ وَاخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هَذَا أَنَصُّ الرِّوَايَتَيْنِ وَأَصَحُّهُمَا عِنْدَ عَامَّةِ الْأَصْحَابِ. قَالَ ابْنُ عُبَيْدَانَ: قَالَهُ أَصْحَابُنَا، وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي مَوَاضِعَ. وَعَنْهُ لَا يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ. قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ، وَاخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ الْمَجْدُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ أَظْهَرُ، لِصَرْفِ النِّيَّةِ بِقَصْدِ اسْتِعْمَالِهِ خَارِجَهُ. قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ. وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ. الْعَاشِرَةُ: هَلْ رِجْلٌ وَفَمٌ وَنَحْوُهُ كَيَدٍ فِي هَذَا الْحُكْمِ، أَمْ يُؤَثِّرُ هُنَا؟ فِيهِ وَجْهَانِ: وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَلَوْ وَضَعَ رِجْلَهُ فِي الْمَاءِ لَا لِغَسْلِهَا وَقَدْ نَوَى: أَثَّرَ عَلَى الْأَصَحِّ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَإِنْ نَوَاهُ، ثُمَّ وَضَعَ رِجْلَهُ
فِيهِ لَا لِغَسْلِهَا بِنِيَّةٍ تَخُصُّهَا. فَطَاهِرٌ فِي الْأَصَحِّ، وَإِنْ غَمَسَ فِيهِ: احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ. الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: لَوْ اغْتَرَفَ مُتَوَضِّئٌ بِيَدِهِ بَعْدَ غَسْلِ وَجْهِهِ، وَنَوَى رَفْعَ الْحَدَثِ عَنْهَا: أَزَالَ الطَّهُورِيَّةَ كَالْجُنُبِ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ غَسْلَهَا فِيهِ، فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ طَهُورٌ، لِمَشَقَّةِ تَكَرُّرِهِ. وَقِيلَ: حُكْمُهُ حُكْمُ الْجُنُبِ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَالصَّحِيحُ: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا. الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: يَصِيرُ الْمَاءُ بِانْتِقَالِهِ إلَى عُضْوٍ آخَرَ مُسْتَعْمَلًا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَنْهُ لَا. فَهِيَ كُلُّهَا كَعُضْوٍ وَاحِدٍ. وَعَنْهُ لَا يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا فِي الْجُنُبِ. وَعَنْهُ يَكْفِيهِمَا مَسْحُ اللُّمْعَةِ بِلَا غَسْلٍ لِلْخَبَرِ. ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ. قَوْلُهُ (وَإِنْ أُزِيلَتْ بِهِ النَّجَاسَةُ، فَانْفَصَلَ مُتَغَيِّرًا، أَوْ قَبْلَ زَوَالِهَا، فَهُوَ نَجِسٌ) . إذَا انْفَصَلَ الْمَاءُ عَنْ مَحَلِّ النَّجَاسَةِ مُتَغَيِّرًا. فَلَا خِلَافَ فِي نَجَاسَتِهِ مُطْلَقًا، وَإِنْ انْفَصَلَ قَبْلَ زَوَالِهَا غَيْرَ مُتَغَيِّرٍ، وَكَانَ دُونَ الْقُلَّتَيْنِ: انْبَنَى عَلَى تَنْجِيسِ الْقَلِيلِ بِمُجَرَّدِ مُلَاقَاةِ النَّجَاسَةِ، عَلَى مَا يَأْتِي فِي أَوَّلِ الْفَصْلِ الثَّالِثِ. وَقِيلَ: بِطَهَارَتِهِ عَلَى مَحَلٍّ نَجِسٍ مَعَ عَدَمِ تَغَيُّرِهِ؛ لِأَنَّهُ وَارِدٌ، وَاخْتَارَهُ فِي الْحَاوِي الْكَبِيرِ. ذَكَرَهُ فِي بَابِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ نَجِسًا لَمَا طَهُرَ الْمَحِلُّ؛ لِأَنَّ تَنْجِيسَهُ قَبْلَ الِانْفِصَالِ مُمْتَنِعٌ. وَعَقِيبَ الِانْفِصَالِ مُمْتَنِعٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَجَدَّدْ لَهُ مُلَاقَاةُ النَّجَاسَةِ. قَوْلُهُ (وَإِنْ انْفَصَلَ غَيْرَ مُتَغَيِّرٍ بَعْدَ زَوَالِهَا، فَهُوَ طَاهِرٌ) . إنْ كَانَ الْمَحِلُّ أَرْضًا، هَذَا الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْأَصْحَابِ فِي طَهَارَةِ هَذَا فِي الْأَرْضِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَالْوَجِيزِ. وَغَيْرِهِمْ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَابْنِ تَمِيمٍ وَغَيْرِهِمْ. وَذَكَرَ الْقَاضِي، وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَأَبُو الْحُسَيْنِ وَجْهًا: أَنَّ الْمُنْفَصِلَ عَنْ
الْأَرْضِ. كَالْمُنْفَصِلِ عَنْ غَيْرِهَا فِي الطَّهَارَةِ وَالنَّجَاسَةِ. وَحَكَاهُ ابْنُ الْبَنَّا فِي خِصَالِهِ رِوَايَةً. قُلْت: وَهُوَ بَعِيدٌ جِدًّا. وَعَنْهُ: طَهَارَةٌ مُنْفَصِلَةٌ عَنْ أَرْضٍ أَعْيَانُ النَّجَاسَةِ فِيهِ مُشَاهَدَةٌ. قَوْلُهُ (وَإِنْ كَانَ غَيْرَ الْأَرْضِ فَهُوَ طَاهِرٌ) . فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ. وَكَذَا قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ، وَصَاحِبُ الْمُغْنِي، وَالْهِدَايَةِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالشَّرْحِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ وَغَيْرِهِمْ. قَالَ فِي الْكَافِي: أَظْهَرُهُمَا طَهَارَتُهُ، وَصَحَّحَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالنَّظْمِ، وَابْنِ عُبَيْدَانَ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ نَجِسٌ، اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْخُلَاصَةِ. تَنْبِيهٌ: مَحَلُّ الْخِلَافِ وَهُوَ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ أَطْلَقَ إذَا كَانَ الْمُزَالُ بِهِ دُونَ الْقُلَّتَيْنِ. أَمَّا إذَا كَانَ قُلَّتَيْنِ فَأَكْثَرَ، فَإِنَّهُ طَهُورٌ بِلَا خِلَافٍ. قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَهُوَ وَاضِحٌ. تَنْبِيهٌ: كَثِيرٌ مِنْ الْأَصْحَابِ يَحْكِي الْخِلَافَ وَجْهَيْنِ. وَحَكَاهُمَا ابْنُ عَقِيلٍ وَمَنْ تَابَعَهُ رِوَايَتَيْنِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ. فَائِدَةٌ: فَعَلَى الْقَوْلِ بِنَجَاسَتِهِ: يَكُونُ الْمَحَلُّ الْمُنْفَصِلُ عَنْهُ طَاهِرًا. صَرَّحَ بِهِ الْآمِدِيُّ. وَمَعْنَاهُ كَلَامُ الْقَاضِي. وَقِيلَ: الْمَحِلُّ نَجِسٌ كَالْمُنْفَصِلِ عَنْهُ. جَزَمَ بِهِ فِي الِانْتِصَارِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْحَلْوَانِيِّ. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَمَا انْفَصَلَ عَنْ مَحَلِّ النَّجَاسَةِ مُتَغَيِّرًا بِهَا: فَهُوَ وَالْمَحَلُّ نَجِسَانِ، وَإِنْ اسْتَوْفَى الْعَدَدَ. وَقَالَ الْآمِدِيُّ: يُحْكَمُ بِطَهَارَةِ الْمَحَلِّ. انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ عُبَيْدَانَ لَمَّا نَصَرَ أَنَّ الْمَاءَ الْمُنْفَصِلَ بَعْدَ طَهَارَةِ الْمَحِلِّ طَاهِرٌ وَلَنَا: أَنَّ الْمُنْفَصِلَ بَعْضُ الْمُتَّصِلِ. فَيَجِبُ أَنْ يُعْطَى حُكْمَهُ فِي الطَّهَارَةِ
وَالنَّجَاسَةِ. كَمَا لَوْ أَرَاقَ مَاءً مِنْ إنَاءٍ. وَلَا يَلْزَمُ الْغُسَالَةُ الْمُتَغَيِّرَةُ بَعْدَ طَهَارَةِ الْمَحِلِّ؛ لِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ قُصُورَ ذَلِكَ، بَلْ نَقُولُ: مَا دَامَتْ الْغُسَالَةُ مُتَغَيِّرَةً فَالْمَحِلُّ لَمْ يَطْهُرْ. وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَفِي طَهَارَةِ الْمَحِلِّ مَعَ نَجَاسَةِ الْمُنْفَصِلِ وَجْهَانِ. قَوْلُهُ (وَهَلْ يَكُونُ طَهُورًا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) . بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ، فِيمَا إذَا رُفِعَ بِهِ حَدَثٌ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْكَافِي، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْمُغْنِي، وَابْنِ تَمِيمٍ، وَالْحَاوِيَيْنِ. أَحَدُهُمَا: لَا يَكُونُ طَهُورًا، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ. وَصَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ وَغَيْرِهِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ وَغَيْرِهِمْ. قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: هَذَا الصَّحِيحُ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ طَهُورٌ. قَالَ الْمَجْدُ: وَهُوَ الصَّحِيحُ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: هَذَا أَقْوَى. فَائِدَةٌ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: أَنَّ الْمَاءَ فِي مَحَلِّ التَّطْهِيرِ لَا يُؤَثِّرُ تَغَيُّرُهُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَجَزَمُوا بِهِ. وَقِيلَ: فِيهِ قَوْلٌ يُؤَثِّرُ.، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. وَقَالَ: التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا بِوَصْفٍ غَيْرِ مُؤَثِّرٍ لُغَةً وَشَرْعًا. وَنُقِلَ عَنْهُ فِي الِاخْتِيَارَاتِ أَنَّهُ قَالَ: اخْتَارَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا. قَوْلُهُ (وَإِنْ خَلَتْ بِالطَّهَارَةِ مِنْهُ امْرَأَةٌ فَهُوَ طَهُورٌ) . هَذَا الْمَذْهَبُ بِلَا رَيْبٍ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ بِهِ أَكْثَرُهُمْ. قَالَ الْمَجْدُ: لَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ. وَعَنْهُ أَنَّهُ طَاهِرٌ. حَكَاهَا غَيْرُ وَاحِدٍ. قَالَ ابْنُ الْبَنَّا فِي خِصَالِهِ، وَابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ: هُوَ طَاهِرٌ غَيْرُ مُطَهِّرٍ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَلَقَدْ أَبْعَدَ السَّامِرِيُّ، حَيْثُ اقْتَضَى كَلَامُهُ الْجَزْمَ بِطَهَارَتِهِ، مَعَ حِكَايَتِهِ الْخِلَافَ فِي ذَلِكَ فِي طَهَارَةِ الرَّجُلِ بِهِ. قُلْت: لَيْسَ كَمَا قَالَ الزَّرْكَشِيُّ. وَإِنَّمَا قَالَ أَوَّلًا: هُوَ طَاهِرٌ، ثُمَّ قَالَ: وَهَلْ
يَرْفَعُ حَدَثَ الرَّجُلِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، فَحُكِمَ بِأَنَّهُ طَاهِرٌ أَوَّلًا. ثُمَّ هَلْ يَكُونُ طَهُورًا مَعَ كَوْنِهِ طَاهِرًا؟ حَكَى الرِّوَايَتَيْنِ. وَهَذَا يُشْبِهُ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ الْمُتَقَدِّمَ فِي قَوْلِهِ " فَهُوَ طَاهِرٌ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ، وَهَلْ يَكُونُ طَهُورًا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ " وَهُوَ كَثِيرٌ فِي كَلَامِ الْأَصْحَابِ. وَلَا تَنَاقُضَ فِيهِ، لِكَوْنِهِمْ ذَكَرُوا أَنَّهُ طَاهِرٌ. وَمَعَ ذَلِكَ هَلْ يَكُونُ طَهُورًا؟ حَكَوْا الْخِلَافَ. فَهُوَ مُتَّصِفٌ بِصِفَةِ الطَّاهِرِيَّةِ بِلَا نِزَاعٍ. وَهَلْ يُضَمُّ إلَيْهِ شَيْءٌ آخَرُ، وَهُوَ الطَّهُورِيَّةُ؟ فِيهِ الْخِلَافُ. قَوْلُهُ (وَلَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ الطَّهَارَةُ بِهِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ) . وَكَذَا قَالَ الشَّارِحُ، وَابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ، وَغَيْرُهُمَا، وَهُوَ الْمَذْهَبُ الْمَعْرُوفُ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ، مِنْهُمْ الْخِرَقِيُّ، وَصَاحِبُ الْمَذْهَبِ الْأَحْمَدِ. وَالْمُحَرَّرِ، وَالْوَجِيزِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ أَبِي مُوسَى، وَنَاظِمُ الْمُفْرَدَاتِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ، وَغَيْرُهُمْ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُصُولِ، وَالْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ، وَغَيْرِهِمْ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هِيَ أَشْهَرُهُمَا عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ. وَعِنْدَ الْخِرَقِيِّ وَجُمْهُورِ الْأَصْحَابِ: لَا يَرْفَعُ حَدَثَ الرَّجُلِ. قَالَ فِي الْمُغْنِي، وَابْنِ عُبَيْدَانَ: هِيَ الْمَشْهُورَةُ، قَالَ ابْنُ رَزِينٍ: لَمْ يَجُزْ لِغَيْرِهَا أَنْ يَتَوَضَّأَ بِهِ، هِيَ أَضْعَفُ الرِّوَايَتَيْنِ. وَعَنْهُ يَرْفَعُ الْحَدَثَ مُطْلَقًا كَاسْتِعْمَالِهِمَا مَعًا فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ فِيهِ. قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ، اخْتَارَهَا ابْنُ عَقِيلٍ، وَأَبُو الْخَطَّابِ وَالطُّوفِيُّ فِي شَرْحِ الْخِرَقِيِّ، وَصَاحِبُ الْفَائِقِ. وَإِلَيْهِ مَيْلُ الْمَجْدِ فِي الْمُنْتَقَى، وَابْنِ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ. قَالَ فِي الشَّرْحِ وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: وَهُوَ أَقْيَسُ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ. فَعَلَيْهَا لَا يُكْرَهُ اسْتِعْمَالُهُ عَلَى الصَّحِيحِ. وَعَنْهُ يُكْرَهُ. وَمَعْنَاهُ اخْتِيَارُ الْآجُرِّيِّ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ. فَائِدَةٌ: مَنْعُ الرَّجُلِ مِنْ اسْتِعْمَالِ فَضْلِ طَهُورِ الْمَرْأَةِ تَعَبُّدِيٌّ لَا يُعْقَلُ مَعْنَاهُ، نُصَّ عَلَيْهِ. وَلِذَلِكَ يُبَاحُ لِامْرَأَةٍ سِوَاهَا وَلَهَا التَّطَهُّرُ بِهِ فِي طَهَارَةِ الْحَدَثِ وَالْخَبَثِ وَغَيْرِهِمَا؛ لِأَنَّ النَّهْيَ مَخْصُوصٌ بِالرَّجُلِ. وَهُوَ غَيْرُ مَعْقُولٍ. فَيَجِبُ قَصْرُهُ عَلَى مُورِدِهِ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ خَلَتْ بِالطَّهَارَةِ) . اعْلَمْ أَنَّ فِي مَعْنَى " الْخَلْوَةِ " رِوَايَتَيْنِ، إحْدَاهُمَا وَهِيَ الْمَذْهَبُ أَنَّهَا عَدَمُ الْمُشَاهَدَةِ عِنْدَ اسْتِعْمَالِهَا مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هِيَ الْمُخْتَارَةُ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَنُزُولُ الْخَلْوَةِ بِالْمُشَاهَدَةِ، عَلَى الْأَصَحِّ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَالْفَائِقِ. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: مَعْنَى " الْخَلْوَةِ " انْفِرَادُهَا بِالِاسْتِعْمَالِ، سَوَاءٌ شُوهِدَتْ أَمْ لَا، اخْتَارَهَا ابْنُ عَقِيلٍ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَمَجْمَعُ الْبَحْرَيْنِ. قَالَ فِي الْحَاوِي الْكَبِيرِ: وَهِيَ أَصَحُّ عِنْدِي، وَأَطْلَقَهَا فِي الْفُصُولِ، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَالْمُذْهَبِ. وَتَزُولُ الْخَلْوَةُ بِمُشَارَكَتِهِ لَهَا فِي الِاسْتِعْمَالِ بِلَا نِزَاعٍ. قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ. فَعَلَى الْمَذْهَبِ: يَزُولُ حُكْمُ الْخَلْوَةِ بِمُشَاهَدَةِ مُمَيِّزٍ، وَبِكَافِرٍ وَامْرَأَةٍ. فَهِيَ كَخَلْوَةِ النِّكَاحِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، اخْتَارَهُ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ، وَالشِّيرَازِيُّ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْكَافِي، وَنَظْمِهِ، وَالشَّرْحِ، وَالنَّظْمِ. وَأَلْحَقَ السَّامِرِيُّ الْمَجْنُونَ بِالصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ وَنَحْوِهِ، قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَهُوَ خَطَأٌ، عَلَى مَا يَأْتِي. وَقِيلَ: لَا تَزُولُ الْخَلْوَةُ إلَّا بِمُشَاهَدَةِ مُكَلَّفٍ مُسْلِمٍ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ. وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُغْنِي، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَالْفَائِقِ، وَالْفُرُوعِ. وَقِيلَ: لَا تَزُولُ الْخَلْوَةُ إلَّا بِمُشَاهَدَةِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ حُرٍّ، قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى فَقَالَ: وَلَمْ يَرَهَا ذَكَرٍ مُسْلِمٍ مُكَلَّفٍ حُرٍّ. وَقِيلَ: أَوْ عَبْدٍ. وَقِيلَ: أَوْ مُمَيِّزٍ. وَقِيلَ: أَوْ مَجْنُونٍ. وَهُوَ خَطَأٌ. وَقِيلَ: إنْ شَاهَدَ طَهَارَتَهَا مِنْهُ أُنْثَى أَوْ كَافِرٌ فَوَجْهَانِ. انْتَهَى تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ: " قَوْلُهُ بِالطَّهَارَةِ " يَشْمَلُ طَهَارَةَ الْحَدَثِ وَالْخَبَثِ. أَمَّا الْحَدَثُ: فَوَاضِحٌ وَأَمَّا خَلْوَتُهَا بِهِ لِإِزَالَةِ نَجَاسَةٍ، فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ لَيْسَ كَالْحَدَثِ. فَلَا تُؤَثِّرُ
خَلْوَتُهَا فِيهِ. قَالَ ابْنُ حَامِدٍ: فِيهِ وَجْهَانِ، أَظْهَرُهُمَا، جَوَازُ الْوُضُوءِ بِهِ. وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الشَّرْحِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقَطَعَ بِهِ ابْنُ عَبْدُوسٍ الْمُتَقَدِّمُ. وَقِيلَ: حُكْمُهُ حُكْمُ الْحَدَثِ. اخْتَارَهُ الْقَاضِي. قَالَ الْمَجْدُ: وَهُوَ الصَّحِيحُ، قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: وَلَا يَخْتَصُّ الْمَنْعُ بِطَهَارَةِ الْحَدَثِ فِي الْأَصَحِّ.، وَقَدَّمَهُ فِي الْحَاوِي الْكَبِيرِ. وَقَالَ: إنَّهُ الْأَصَحُّ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُغْنِي، وَالنَّظْمِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَابْنِ تَمِيمٍ، وَابْنِ عُبَيْدَانَ، وَالْفَائِقِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الشَّرْحِ فِي الِاسْتِنْجَاءِ. وَاقْتَصَرَ عَلَى كَلَامِ ابْنِ حَامِدٍ فِي غَيْرِهِ. الثَّانِي: شَمِلَ قَوْلُهُ " بِالطَّهَارَةِ " الطَّهَارَةَ الْوَاجِبَةَ وَالْمُسْتَحَبَّةَ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُحَرَّرِ، وَالْوَجِيزِ، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَغَيْرِهِمْ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْفُصُولِ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ. وَقِيلَ: لَا تَأْثِيرَ لِخَلْوَتِهَا فِي طَهَارَةٍ مُسْتَحَبَّةٍ، كَالتَّجْدِيدِ وَنَحْوِهِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَالْفَائِقِ، وَغَيْرُهُمْ. الثَّالِثُ: ظَاهِرُ قَوْلِهِ " بِالطَّهَارَةِ " الطَّهَارَةُ الْكَامِلَةُ. فَلَا تُؤَثِّرُ خَلْوَتُهَا فِي بَعْضِ الطَّهَارَةِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَقِيلَ: خَلْوَتُهَا فِي بَعْضِ الطَّهَارَةِ كَخَلْوَتِهَا فِي جَمِيعِهَا.، اخْتَارَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُصُولِ. وَيَحْتَمِلُهُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ هُنَا. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَابْنِ تَمِيمٍ، وَابْنِ عُبَيْدَانَ. الرَّابِعُ: مَفْهُومُ قَوْلِهِ " بِالطَّهَارَةِ " أَنَّهَا لَوْ خَلَتْ بِهِ لِلشُّرْبِ: أَنَّهُ لَا يُؤَثِّرُ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ: وَلَا يُكْرَهُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ اخْتَارَهُ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ.، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَشَرْحِ ابْنِ عُبَيْدَانَ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَعَنْهُ يُكْرَهُ. وَأَطْلَقَهُمَا الزَّرْكَشِيُّ. وَعَنْهُ حُكْمُهُ حُكْمُ الْخَالِيَةِ بِهِ لِلطَّهَارَةِ.
الْخَامِسُ: مُرَادُهُ بِقَوْلِهِ " بِالطَّهَارَةِ " الطَّهَارَةُ الشَّرْعِيَّةُ، فَلَا تُؤَثِّرُ خَلْوَتُهَا بِهِ فِي التَّنْظِيفِ. قَالَهُ ابْنُ تَمِيمٍ. وَلَا غَسْلُهَا ثَوْبَ الرَّجُلِ وَنَحْوَهُ. قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. قَالَ: وَلَمْ يُكْرَهْ. السَّادِسُ: مَفْهُومُ قَوْلِهِ " مِنْهُ " يَعْنِي مِنْ الْمَاءِ: أَنَّهَا إذَا خَلَتْ بِالتُّرَابِ لِلتَّيَمُّمِ: أَنَّهَا لَا تُؤَثِّرُ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ غَيْرِهِ. وَفِيهِ احْتِمَالٌ: أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْمَاءِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. السَّابِعُ: مَفْهُومُ قَوْلِهِ " امْرَأَةٍ " أَنَّ الرَّجُلَ إذَا خَلَا بِهِ لَا تُؤَثِّرُ خَلْوَتُهُ مَنْعًا، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ. وَنَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ عَنْ أَحْمَدَ. وَحَكَاهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ إجْمَاعًا. وَذَكَرَ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ عَنْ الْأَصْحَابِ وَجْهًا بِمَنْعِ النِّسَاءِ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَهُوَ بَعِيدٌ. وَأَطْلَقَهُمَا نَاظِمُ الْمُفْرَدَاتِ. وَقَالَ فِي الْفَائِقِ: وَلَا يَمْنَعُ خَلْوَةُ الرَّجُلِ بِالْمَاءِ الرَّجُلَ. وَقِيلَ: بَلَى. ذَكَرَهُ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ. قُلْت: فِي صِحَّةِ هَذَا الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي الْفَائِقِ عَنْهُ نَظَرٌ. وَعَلَى تَقْدِيرِ صِحَّةِ نَقْلِهِ: فَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا، لَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ، وَلَا يُعْرَجُ عَلَيْهِ. وَلَا عَلَى الَّذِي قَبْلَهُ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلْإِجْمَاعِ. الثَّامِنُ: ظَاهِرُ قَوْلِهِ " امْرَأَةٍ " أَنَّ خَلْوَةَ الْمُمَيِّزَةِ: لَا تَأْثِيرَ لَهَا، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْوَجِيزِ، وَابْنِ تَمِيمٍ، وَغَيْرِهِمْ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. فَإِنَّهُ قَالَ " مُكَلَّفَةٍ " وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَقِيلَ: خَلْوَةُ الْمُمَيِّزَةِ كَالْمُكَلَّفَةِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ. فَإِنَّهُمَا قَالَا: أَوْ رَفَعَتْ بِهِ مُسْلِمَةٌ حَدَثًا. التَّاسِعُ: شَمِلَ قَوْلُهُ " امْرَأَةٍ " الْمُسْلِمَةَ وَالْكَافِرَةَ. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْفُرُوعِ وَالْمُحَرَّرِ، وَالْوَجِيزِ، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَغَيْرِهِمْ. فَإِنَّهُمْ قَالُوا " امْرَأَةٌ " وَهُوَ أَحَدُ
الْوَجْهَيْنِ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ. وَقِيلَ: لَا تَأْثِيرَ لِخَلْوَةِ غَيْرِ الْمُسْلِمَةِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ. فَإِنَّهُمَا قَالَا " مُسْلِمَةٌ "، قُلْت: وَهُوَ بَعِيدٌ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالزَّرْكَشِيِّ. وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ فِي خَلْوَةِ الذِّمِّيَّةِ لِلْحَيْضِ. وَذَكَرَ فِي الْفُصُولِ وَمَنْ بَعْدَهُ: احْتِمَالًا بِالْفَرْقِ بَيْنَ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ، وَبَيْنَ الْغُسْلِ. فَتُؤَثِّرُ خَلْوَةُ الذِّمِّيَّةِ لِلْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ، دُونَ الْغُسْلِ؛ لِأَنَّ الْغُسْلَ لَمْ يُفِدْ إبَاحَةَ شَيْءٍ. الْعَاشِرُ: مَفْهُومُ قَوْلِهِ " امْرَأَةٍ " أَنَّهُ لَا تَأْثِيرَ لِخَلْوَةِ الْخُنْثَى الْمُشْكِلِ بِهِ، وَهُوَ صَحِيحٌ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ بِهِ أَكْثَرُهُمْ، مِنْهُمْ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ، وَالْمَجْدُ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِي الصَّغِيرُ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ. وَقِيلَ الْخُنْثَى فِي الْخَلْوَةِ كَالْمَرْأَةِ، اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ. الْحَادِيَ عَشَرَ: مَفْهُومُ قَوْلِهِ " وَلَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ الطَّهَارَةُ بِهِ " أَنَّهُ يَجُوزُ لِلصَّبِيِّ الطَّهَارَةُ بِهِ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَقِيلَ: حُكْمُهُ حُكْمُ الرَّجُلِ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: هَلْ يَلْحَقُ الصَّبِيُّ بِالْمَرْأَةِ، أَوْ بِالرَّجُلِ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ، الثَّانِيَ عَشَرَ: مَفْهُومُ قَوْلِهِ " وَلَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ الطَّهَارَةُ بِهِ " أَنَّهُ يَجُوزُ الطَّهَارَةُ بِهِ لِلْخُنْثَى الْمُشْكِلِ، وَهُوَ مَفْهُومُ كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَجَزَمَ بِهِ الزَّرْكَشِيُّ، وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ الْخُنْثَى الْمُشْكِلَ كَالرَّجُلِ.، جَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: هَلْ يَلْحَقُ الْخُنْثَى الْمُشْكِلُ بِالرَّجُلِ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ. الثَّالِثَ عَشَرَ: عُمُومُ قَوْلِهِ " الطَّهَارَةُ " يَشْمَلُ الْحَدَثَ وَالْخَبَثَ. أَمَّا الْحَدَثُ:
فَوَاضِحٌ وَأَمَّا الْخَبَثُ: فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ لَيْسَ كَالْحَدَثِ. فَيَجُوزُ لِلرَّجُلِ غَسْلُ النَّجَاسَةِ بِهِ وَهُوَ الْمَذْهَبُ، اخْتَارَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى، وَالْمُصَنِّفُ. قَالَ ابْنُ عُبَيْدَانَ: وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَالشَّرْحِ، وَابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ، وَابْنُ خَطِيبِ السَّلَامِيَّةَ فِي تَعْلِيقِهِ. وَقِيلَ: يُمْنَعُ مِنْهُ كَطَهَارَةِ الْحَدَثِ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَالْمَجْدُ [وَابْنُ عَبْدِ الْقَوِيِّ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ] وَحَكَاهُ الشِّيرَازِيُّ عَنْ الْأَصْحَابِ، غَيْرَ ابْنِ أَبِي مُوسَى. قَالَ ابْنُ رَزِينٍ: هَذَا الْقَوْلُ أَصَحُّ، وَقَدَّمَهُ فِي الْحَاوِي الْكَبِيرِ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَهُوَ بَعِيدٌ. أَطْلَقَهُمَا فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ. الرَّابِعَ عَشَرَ: مَفْهُومُ قَوْلِهِ " وَلَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ الطَّهَارَةُ بِهِ " أَنَّهُ يَجُوزُ لِامْرَأَةٍ أُخْرَى الطَّهَارَةُ بِهِ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْفُصُولِ وَالزَّرْكَشِيُّ. وَصَحَّحَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ رَزِينٍ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْوَجِيزِ. وَقِيلَ: هِيَ كَالرَّجُلِ فِي ذَلِكَ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفَائِقِ. فَقَالَ " طَهُورٌ. وَلَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْحَدَثِ " وَأَطْلَقَهُمَا فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَنَاظِمِ الْمُفْرَدَاتِ. الْخَامِسَ عَشَرَ: فَعَلَى الْمَذْهَبِ هُنَا وَفِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ قُلْنَا يَجُوزُ الطَّهَارَةُ بِهِ مَحِلُّهُ: عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ طَهُورٌ أَوْ طَاهِرٌ. أَمَّا إنْ قُلْنَا " إنَّهُ طَاهِرٌ " فَلَا يَجُوزُ الطَّهَارَةُ بِهِ. وَصَرَّحَ بِهِ فِي الْحَاوِي الصَّغِيرِ وَغَيْرِهِ. وَهَذَا الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يَقْطَعَ بِهِ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى: وَإِنْ تَوَضَّأَ الرَّجُلُ فَرِوَايَتَانِ. وَقِيلَ مَعَ طَهُورِيَّتِهِ فَظَاهِرُهُ: أَنَّ الْمُقَدَّمَ سَوَاءٌ قُلْنَا: إنَّهُ طَهُورٌ أَوْ طَاهِرٌ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَلَهَا التَّطْهِيرُ بِهِ يَعْنِي الْخَالِيَةَ بِهِ ثُمَّ قَالَ: قُلْت: إنْ بَقِيَ طَهُورًا. وَإِلَّا فَلَا. وَفِي جَوَازِ تَطَهُّرِ امْرَأَةٍ أُخْرَى بِهِ إذَنْ: وَجْهَانِ. وَفِي جَوَازِ تَطْهِيرِ الرَّجُلِ بِهِ إذَنْ: رِوَايَتَانِ وَقِيلَ: بَلْ مُطْلَقًا. وَقِيلَ إنْ قُلْنَا: هُوَ طَهُورٌ جَازَ. وَإِلَّا فَلَا. انْتَهَى. فَحُكِيَ خِلَافًا فِي جَوَازٍ مَعَ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ طَاهِرٌ.
وَاَلَّذِي يَظْهَرُ: أَنَّ هَذَا ضَعِيفٌ جِدًّا، السَّادِسَ عَشَرَ: مَفْهُومُ كَلَامِهِ: أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ الْخَالِيَةِ بِهِ الطَّهَارَةُ بِهِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، قَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْ الْأَصْحَابِ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَلَهَا التَّطَهُّرُ بِهِ. ثُمَّ قَالَ قُلْت: إنْ بَقِيَ طَهُورًا كَمَا تَقَدَّمَ. وَقَالَ فِي الْحَاوِي الصَّغِيرِ: وَلَهَا التَّطَهُّرُ بِهِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ. فَدَلَّ أَنَّ فِي بَاطِنِهِ قَوْلًا: لَا يَجُوزُ لَهَا ذَلِكَ، قُلْت: هُوَ قَوْلٌ سَاقِطٌ. فَإِنَّهُ يُفْضِي إلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَصِحُّ لَهَا طَهَارَةٌ أَلْبَتَّةَ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ. السَّابِعَ عَشَرَ: كَلَامُ الْمُصَنِّفِ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا كَانَ الْمَاءُ الْخَالِيَةُ بِهِ دُونَ الْقُلَّتَيْنِ. وَهُوَ الْوَاقِعُ فِي الْغَالِبِ: أَمَّا إنْ كَانَ قُلَّتَيْنِ فَأَكْثَرَ، فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ: أَنَّ الْخَلْوَةَ لَا تُؤَثِّرُ فِيهِ مَنْعًا، وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: الْكَثِيرُ كَالْقَلِيلِ فِي ذَلِكَ. قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَتَبِعَهُ فِي الْحَاوِي الْكَبِيرِ: هَذَا بَعِيدٌ جِدًّا. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَهُوَ بَعِيدٌ. وَأَطْلَقَهُمَا نَاظِمُ الْمُفْرَدَاتِ. فَوَائِدُ مِنْهَا: لَوْ خُلِطَ طَهُورٌ بِمُسْتَعْمَلٍ، فَإِنْ كَانَ لَوْ خَالَفَ فِي الصِّفَةِ غَيَّرَهُ: أَثَّرَ مَنْعًا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ. قَالَ فِي الْحَاوِي الْكَبِيرِ وَغَيْرِهِ: قَالَهُ أَصْحَابُنَا، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ. وَقَالَ الْمَجْدُ عِنْدِي أَنَّ الْحُكْمَ لِأَكْثَرِهِمَا مِقْدَارًا اعْتِبَارًا بِغَلَبَةِ أَجْزَائِهِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِفَادَاتِ. وَعِنْدَ ابْنِ عَقِيلٍ: أَنَّ غَيْرَهُ لَوْ كَانَ خَلًّا أَثَّرَ مَنْعًا. قَالَ الْمَجْدُ: وَلَقَدْ تَحَكَّمَ ابْنُ عَقِيلٍ بِقَوْلِهِ: إنْ كَانَ الْوَقْعُ بِحَيْثُ لَوْ كَانَ خَلًّا غَيْرَ مَنْعٍ، إذْ الْخَلُّ لَيْسَ بِأَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ. وَأَطْلَقَهُنَّ ابْنُ تَمِيمٍ، وَنَصَّ أَحْمَدَ فِيمَنْ انْتَضَحَ مِنْ وُضُوئِهِ فِي إنَائِهِ لَا بَأْسَ.
وَمِنْهَا: لَوْ بَلَغَ بَعْدَ خَلْطِهِ قُلَّتَيْنِ، أَوْ كَانَا مُسْتَعْمَلَيْنِ، فَهُوَ طَاهِرٌ: عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: طَهُورٌ، وَاخْتَارَ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ طَهُورِيَّةَ الْمُسْتَعْمَلِ إذَا انْضَمَّ وَصَارَ قُلَّتَيْنِ. وَأَطْلَقَ فِي الشَّرْحِ، فِيمَا إذَا كَانَا مُسْتَعْمَلَيْنِ: احْتِمَالَيْنِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ وَجْهَيْنِ. وَمِنْهَا: لَوْ كَانَ مَعَهُ مَا يَكْفِيهِ لِطَهَارَتِهِ، فَخَلَطَهُ بِمَائِعٍ: لَمْ يُغَيِّرْهُ، وَتَطَهَّرَ مِنْهُ وَبَقِيَ قَدْرُ الْمَائِعِ أَوْ دُونَهُ صَحَّتْ طَهَارَتُهُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ. وَقِيلَ: لَا تَصِحُّ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي فِي الْجَامِعِ. وَقَالَ: هُوَ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ، وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ: إنْ اسْتَعْمَلَ الْجَمِيعَ جَازَ. وَإِلَّا فَوَجْهَانِ. وَإِنْ كَانَ الطَّهُورُ لَا يَكْفِيهِ لِطَهَارَتِهِ، وَكَمَّلَهُ بِمَائِعٍ لَمْ يُغَيِّرْهُ: جَازَ اسْتِعْمَالُهُ. وَصَحَّتْ طَهَارَتُهُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ قَدَّمَهُ فِي الْكَافِي، وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ، قَالَ فِي الْمُغْنِي: هَذَا أَوْلَى. وَصَحَّحَهُ فِي الْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ. وَعَنْهُ لَا تَصِحُّ الطَّهَارَةُ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي أَيْضًا فِي الْجَامِعِ. وَحَمَلَ ابْنُ عَقِيلٍ كَلَامَ الْقَاضِي فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ عَلَى أَنَّ الْمَائِعَ لَمْ يُسْتَهْلَكْ. قَالَ ابْنُ عُبَيْدَانَ: حَكَى فِي الْمُغْنِي الْخِلَافَ رِوَايَتَيْنِ. وَلَمْ أَرَ لِأَكْثَرِ الْأَصْحَابِ إلَّا وَجْهَيْنِ. وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْفُرُوعِ. وَلَكِنْ فَرَضَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ وَالْفُرُوعِ الْخِلَافَ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ فِي زَوَالِ طَهُورِيَّةِ الْمَاءِ وَعَدَمِهِ. وَرَدَّ شَيْخُنَا فِي حَوَاشِيهِ عَلَى الْفُرُوعِ بِرَدٍّ حَسَنٍ. وَمِنْهَا: مَتَى تَغَيَّرَ الْمَاءُ بِطَاهِرٍ، ثُمَّ زَالَ تَغَيُّرُهُ: عَادَتْ طَهُورِيَّتُهُ. تَنْبِيهٌ قَوْلُهُ " الْقِسْمُ الثَّالِثُ مَا نَجُسَ وَهُوَ مَا تَغَيَّرَ بِمُخَالَطَةِ النَّجَاسَةِ " مُرَادُهُ: إذَا كَانَ فِي غَيْرِ مَحَلِّ التَّطْهِيرِ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ (فَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ، وَهُوَ يَسِيرٌ. فَهَلْ يَنْجُسُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمَذْهَبِ الْأَحْمَدِ. إحْدَاهُمَا: يَنْجُسُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ: وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، جَزَمَ بِهِ فِي الْإِرْشَادِ، وَالتَّذْكِرَةِ لِابْنِ عَقِيلٍ، وَالْخِصَالِ لِابْنِ الْبَنَّا،
وَالْإِيضَاحِ، وَالْعُمْدَةِ، وَالْوَجِيزِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالتَّسْهِيلِ، وَالْمُنْتَخَبِ، وَغَيْرِهِمْ، وَهُوَ مَفْهُومُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْهِدَايَةِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ، وَالْفَائِقِ، وَغَيْرِهِمْ، وَصَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ. قَالَ فِي الْكَافِي: أَظْهَرُهُمَا نَجَاسَتُهُ. قَالَ فِي الْمُغْنِي: هَذَا الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ، قَالَ الشَّارِحُ، وَصَاحِبُ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ: هِيَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، قَالَ ابْنُ مُنَجَّا: الْحُكْمُ بِالنَّجَاسَةِ أَصَحُّ، قَالَ فِي الْمُذْهَبِ: يَنْجُسُ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: نَجِسٌ فِي أَظْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ، قَالَ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ: يَنْجُسُ مُطْلَقًا فِي الْأَظْهَرِ، قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ: فَيَنْجُسُ عَلَى الْأَصَحِّ، قَالَ فِي تَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ: هَذَا الْأَظْهَرُ عَنْهُ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هِيَ الْمَشْهُورَةُ وَالْمُخْتَارَةُ لِلْأَصْحَابِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا قَطَعَ بِهِ الْمُصَنِّفُ قَبْلَ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ " فَانْفَصَلَ مُتَغَيِّرًا أَوْ قَبْلَ زَوَالِهَا فَهُوَ نَجِسٌ ". تَنْبِيهَانِ أَحَدُهُمَا: عُمُومُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ، يَقْتَضِي سَوَاءٌ أَدْرَكَهَا الطَّرْفُ أَوْ لَا، وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَنُصَّ عَلَيْهِ. وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، وَقَطَعَ بِهِ أَكْثَرُهُمْ. وَحَكَى أَبُو الْوَقْتِ الدِّينَوَرِيُّ عَنْ أَحْمَدَ: طَهَارَةَ مَا لَا يُدْرِكُهُ الطَّرْفُ، وَاخْتَارَهُ فِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ. وَعُمُومُهَا أَيْضًا يَقْتَضِي سَوَاءٌ مَضَى زَمَنٌ تَسْرِي فِيهِ أَمْ لَا، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَقِيلَ: إنْ مَضَى زَمَنٌ تَسْرِي فِيهِ النَّجَاسَةُ نَجُسَ. وَإِلَّا فَلَا. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَا يَنْجُسُ. اخْتَارَهَا ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْمُفْرَدَاتِ وَغَيْرِهَا، وَابْنُ الْمُنَى وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَصَاحِبُ الْفَائِقِ. قَالَ فِي الْحَاوِيَيْنِ: وَهُوَ أَصَحُّ عِنْدِي. قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: وَنَصَرَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِنَا. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَأَظُنُّ اخْتَارَهَا ابْنُ الْجَوْزِيِّ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: اخْتَارَهَا أَبُو الْمُظَفَّرِ بْنُ الْجَوْزِيِّ
وَأَبُو نَصْرٍ، وَقِيلَ بِالْفَرْقِ بَيْنَ يَسِيرِ الرَّائِحَةِ وَغَيْرِهَا فَيُعْفَى يَسِيرُ الرَّائِحَةِ ذَكَرَهُ ابْنُ الْبَنَّا وَشَدَّدَهُ الزَّرْكَشِيُّ قُلْت نَصَرَهُ ابْنُ رَجَبٍ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ وَأَظُنُّ أَنَّهُ اخْتِيَارُ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ، وَابْنِ الْقَيِّمِ وَمَا هُوَ بِبَعِيدٍ. الثَّانِي: هَذَا الْخِلَافُ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ. أَمَّا الْجَارِي: فَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ كَالرَّاكِدِ، إنْ بَلَغَ جَمِيعُهُ قُلَّتَيْنِ: دَفَعَ النَّجَاسَةَ إنْ لَمْ تُغَيِّرْهُ، وَإِلَّا فَلَا. وَهِيَ الْمَذْهَبُ. وَهِيَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا وَغَيْرِهِ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: هِيَ أَشْهَرُ [قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي أُصُولِهِ فِي مَسْأَلَةِ الْمَفْهُومِ: هَلْ هُوَ عَامٌّ أَمْ لَا؟ الْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ وَأَصْحَابِهِ أَنَّ الْجَارِيَ كَالرَّاكِدِ فِي التَّنَجُّسِ] وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَالْفَائِقِ. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: اخْتَارَهُ شَيْخُنَا. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: اخْتَارَهَا السَّامِرِيُّ وَغَيْرُهُ. وَعَنْهُ: لَا يُنَجِّسُ قَلِيلُهُ إلَّا بِالتَّغَيُّرِ. فَإِنْ قُلْنَا يُنَجِّسُ قَلِيلُ الرَّاكِدِ، جَزَمَ بِهِ فِي الْعُمْدَةِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ. قَالَ فِي الْكُبْرَى: هُوَ أَقْيَسُ وَأَوْلَى. قَالَ فِي الْحَاوِي الصَّغِيرِ: وَلَا يُنَجِّسُ قَلِيلٌ جَارٍ قَبْلَ تَغَيُّرِهِ، فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ، وَقَالَ فِي الْحَاوِي الْكَبِيرِ: وَهُوَ أَصَحُّ عِنْدِي. وَاخْتَارَهَا الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَالْمَجْدُ، وَالنَّاظِمُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: اخْتَارَهَا جَمَاعَةٌ. وَاخْتَارَهَا الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. وَقَالَ: هِيَ أَنَصُّ الرِّوَايَتَيْنِ. وَعَنْهُ تُعْتَبَرُ كُلُّ جَرْيَةٍ بِنَفْسِهَا. اخْتَارَهَا الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ. وَقَالَ: هِيَ الْمَذْهَبُ، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هِيَ اخْتِيَارُ الْأَكْثَرِينَ. قَالَ فِي الْكَافِي: وَجَعَلَ أَصْحَابُنَا الْمُتَأَخِّرُونَ كُلَّ جَرْيَةٍ كَالْمَاءِ الْمُنْفَرِدِ. وَاخْتَارَهَا فِي الْمُسْتَوْعِبِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهِيَ أَشْهَرُ. قَالَ فِي الْحَاوِي الْكَبِيرِ: هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، قَالَ الْأَصْحَابُ: فَيُفْضِي إلَى تَنْجِيسِ نَهْرٍ كَبِيرٍ بِنَجَاسَةٍ قَلِيلَةٍ لَا كَثِيرَةٍ، لِقِلَّةِ مَا يُحَاذِي الْقَلِيلَةَ. إذْ لَوْ فَرَضْنَا كَلْبًا فِي جَانِبِ نَهْرٍ كَبِيرٍ وَشَعْرَةٌ مِنْهُ فِي جَانِبِهِ الْآخَرِ، لَكَانَ مَا يُحَاذِيهَا لَا يَبْلُغُ قُلَّتَيْنِ لِقِلَّتِهِ، وَالْمُحَاذِي لِلْكَلْبِ يَبْلُغُ قِلَالًا كَثِيرَةً. فَيُعَايَى بِهَا [وَلَكِنْ رَدَّ الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ وَغَيْرُهُمَا ذَلِكَ، وَسَوَّوْا بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ كَمَا يَأْتِي فِي النَّجَاسَةِ الْمُمْتَدَّةِ] .
فَائِدَةٌ: لِلرِّوَايَةِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ فَوَائِدُ، ذَكَرَهَا ابْنُ رَجَبٍ فِي أَوَّلِ قَوَاعِدِهِ. مِنْهَا: إذَا وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ، فَعَلَى الْأُولَى: يُعْتَبَرُ مَجْمُوعُهُ. فَإِنْ كَانَ كَثِيرًا لَمْ يُنَجَّسْ بِدُونِ تَغَيُّرٍ، وَإِلَّا نَجُسَ، وَعَلَى الثَّانِيَةِ: تُعْتَبَرُ كُلُّ جَرْيَةٍ بِانْفِرَادِهَا. فَإِنْ بَلَغَتْ قُلَّتَيْنِ لَمْ يُنَجَّسْ بِدُونِ تَغَيُّرٍ، وَإِلَّا نَجُسَ. وَعَلَى الثَّالِثَةِ: تُعْتَبَرُ كُلُّ جَرْيَةٍ بِانْفِرَادِهَا فَإِنْ بَلَغَتْ قُلَّتَيْنِ لَمْ يُنَجَّسْ بِدُونِ تَغَيُّرٍ، وَإِلَّا نَجُسَتْ. وَمِنْهَا: لَوْ غُمِسَ الْإِنَاءُ النَّجِسُ فِي مَاءٍ جَارٍ، وَمَرَّتْ عَلَيْهِ سَبْعُ جَرَيَاتٍ، فَهَلْ هُوَ غَسْلَةٌ وَاحِدَةٌ، أَوْ سَبْعٌ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. حَكَاهُمَا أَبُو حَسَنِ بْنُ الْغَازِي تِلْمِيذُ الْآمِدِيِّ. وَذَكَرَ أَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ الْأَصْحَابِ: أَنَّهُ غَسْلَةٌ وَاحِدَةٌ. وَفِي شَرْحِ الْمُذْهَبِ لِلْقَاضِي: أَنَّ كَلَامَ أَحْمَدَ يَدُلُّ عَلَيْهِ. وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ ثَوْبًا وَنَحْوَهُ وَعَصَرَهُ عَقِيبَ كُلِّ جَرْيَةٍ. وَمِنْهَا: لَوْ انْغَمَسَ الْمُحْدِثُ حَدَثًا أَصْغَرَ فِي مَاءٍ جَارٍ لِلْوُضُوءِ، وَمَرَّتْ عَلَيْهِ أَرْبَعُ جَرَيَاتٍ مُتَوَالِيَةً. فَهَلْ يَرْتَفِعُ بِذَلِكَ حَدَثُهُ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، أَشْهَرُهُمَا عِنْدَ الْأَصْحَابِ: أَنَّهُ يَرْتَفِعُ. وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي الِانْتِصَارِ. ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ: أَنَّهُ لَا يَرْتَفِعُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الرَّاكِدِ وَالْجَارِي. قَالَ ابْنُ رَجَبٍ: قُلْت بَلْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمَا فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَكَمِ. وَأَنَّهُ إذَا انْغَمَسَ فِي دِجْلَةَ فَإِنَّهُ لَا يَرْتَفِعُ حَدَثُهُ حَتَّى يَخْرُجَ مُرَتَّبًا. وَمِنْهَا: لَوْ حَلَفَ لَا يَقِفُ فِي هَذَا الْمَاءِ، وَكَانَ جَارِيًا: لَمْ يَحْنَثْ عِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ وَغَيْرِهِ. وَقَالَ ابْنُ رَجَبٍ: وَقِيَاسُ الْمَنْصُوصِ: أَنَّهُ يَحْنَثُ: لَا سِيَّمَا وَالْعُرْفُ يَشْهَدُ لَهُ. وَالْأَيْمَانُ مَرْجِعُهَا إلَى الْعُرْفِ، وَقَالَهُ الْقَاضِي فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ. فَوَائِدُ إحْدَاهُمَا: " الْجَرْيَةُ " مَا أَحَاطَ بِالنَّجَاسَةِ فَوْقَهَا وَتَحْتَهَا وَيَمْنَةً وَيَسْرَةً، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. وَقَطَعُوا بِهِ. وَزَادَ الْمُصَنِّفُ:
مَا انْتَشَرَتْ إلَيْهِ عَادَةً أَمَامَهَا وَوَرَاءَهَا. وَتَابَعَهُ الشَّارِحُ، فَجَزَمَ بِهِ هُوَ وَابْنُ رَزِينٍ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُنُونِ " الْجَرْيَةُ " مَا فِيهِ النَّجَاسَةُ. وَقَدْرُ مِسَاحَتِهَا: فَوْقَهَا وَتَحْتَهَا، وَيَمْنَتَهَا وَيَسْرَتَهَا. نَقَلَهُ الزَّرْكَشِيُّ. الثَّانِيَةُ: لَوْ امْتَدَّتْ النَّجَاسَةُ فَمَا فِي كُلِّ جَرْيَةٍ نَجَاسَةٌ مُنْفَرِدَةٌ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ. وَجَزَمَا بِهِ، وَابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ. وَقِيلَ: الْكُلُّ نَجَاسَةٌ وَاحِدَةٌ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَابْنُ تَمِيمٍ. الثَّالِثَةُ: مَتَى تَنَجَّسَتْ جَرْيَاتُ الْمَاءِ بِدُونِ التَّغَيُّرِ. ثُمَّ رَكَدَتْ فِي مَوْضِعٍ. فَالْجَمِيعُ نَجِسٌ، إلَّا أَنْ يُضَمَّ إلَيْهِ كَثِيرٌ طَاهِرٌ، لَاحِقٌ أَوْ سَابِقٌ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: مَاءُ الْحَمَّامِ عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ الْجَارِي. وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: وَقِيلَ: أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمَاءِ الْجَارِي. قَالَ الْمُصَنِّفُ: إنَّهُ جَعَلَهُ بِمَنْزِلَةِ الْمَاءِ الْجَارِي إذَا كَانَ يَفِيضُ مِنْ الْحَوْضِ. وَقَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: الْجَارِي مِنْ الْمَطَرِ عَلَى الْأَسْطِحَةِ وَالطُّرُقِ، إنْ كَانَ قَلِيلًا وَفِيهِ نَجَاسَةٌ: فَهُوَ نَجِسٌ. قَوْلُهُ (وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا فَهُوَ طَاهِرٌ إلَّا أَنْ تَكُونَ النَّجَاسَةُ بَوْلًا أَوْ عَذِرَةً مَائِعَةً، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ) . وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْإِرْشَادِ، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَابْنِ تَمِيمٍ، وَابْنِ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ، وَالْفَائِقِ، وَالْفُرُوعِ، وَالْمَذْهَبِ الْأَحْمَدِ. إحْدَاهُمَا: لَا يُنَجَّسُ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَهُمْ. وَهُوَ ظَاهِرُ الْإِيضَاحِ، وَالْعُمْدَةِ، وَالْوَجِيزِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ، وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالتَّسْهِيلِ، وَالْمُنْتَخَبِ. وَغَيْرِهِمْ. لِعَدَمِ ذِكْرِهِمْ لَهُمَا. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَتَبِعَهُ فِي الْفُرُوعِ اخْتَارَهُ أَكْثَرُ الْمُتَأَخِّرِينَ. قَالَ نَاظِمُ الْمُفْرَدَاتِ: هَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ. قَالَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالتَّفْرِيعُ عَلَيْهِ. قَالَ فِي الْمُذْهَبِ: لَمْ يُنَجِّسْ. فِي أَصَحِّ
الرِّوَايَتَيْنِ، قَالَ ابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ: عَدَمُ النَّجَاسَةِ أَصَحُّ، وَاخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَالْمُصَنِّفُ، وَالْمَجْدُ، وَالنَّاظِمُ، وَغَيْرُهُمْ. قُلْت: وَهَذَا الْمَذْهَبُ عَلَى مَا اصْطَلَحْنَاهُ فِي الْخُطْبَةِ. وَالْأُخْرَى: يُنَجِّسُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّا لَا يُمْكِنُ نَزْحُهُ لِكَثْرَتِهِ. فَلَا يُنَجِّسُ. وَهَذَا الْمَذْهَبُ، عِنْدَ أَكْثَرِ الْمُتَقَدِّمِينَ. قَالَ فِي الْكَافِي: أَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ أَنَّ الْبَوْلَ وَالْغَائِطَ يُنَجِّسُ الْمَاءَ الْكَثِيرَ. قَالَ فِي الْمُغْنِي: أَشْهَرُهُمَا أَنَّهُ يُنَجِّسُ. وَقَالَ ابْنُ عُبَيْدَانَ: أَشْهَرُهُمَا أَنَّهُ يُنَجِّسُ. اخْتَارَهَا الشَّرِيفُ، وَابْنُ الْبَنَّا، وَالْقَاضِي. وَقَالَ اخْتَارَهَا الْخِرَقِيُّ. وَشُيُوخُ أَصْحَابِنَا. قَالَ فِي تَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ: هَذِهِ الرِّوَايَةُ أَظْهَرُ عَنْهُ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هِيَ أَشْهَرُ الرِّوَايَتَيْنِ عِنْدَ أَحْمَدَ. اخْتَارَهَا الْأَكْثَرُونَ. قَالَ نَاظِمُ الْمُفْرَدَاتِ: هِيَ الْأَشْهَرُ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: اخْتَارَهَا أَكْثَرُ الْمُتَقَدِّمِينَ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَالْمُتَوَسِّطِينَ أَيْضًا، كَالْقَاضِي، وَالشَّرِيفِ، وَابْنِ الْبَنَّا، وَابْنِ عَبْدُوسٍ، وَغَيْرِهِمْ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُصُولِ، وَهُوَ مِنْ مُفْرَدَاتِ الْمُذْهَبِ. وَلَمْ يَسْتَثْنِ فِي التَّلْخِيصِ إلَّا بَوْلَ الْآدَمِيِّ فَقَطْ. وَرَوَى صَالِحٌ عَنْ أَحْمَدَ مِثْلَهُ. تَنْبِيهٌ: مُرَادُهُ بِقَوْلِهِ (إلَّا أَنْ تَكُونَ النَّجَاسَةُ بَوْلًا) بَوْلُ الْآدَمِيِّ بِلَا رَيْبٍ. بِقَرِينَةِ ذِكْرِ الْعَذِرَةِ. فَإِنَّهَا خَاصَّةٌ بِالْآدَمِيِّ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَقَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ مُصَرِّحِينَ بِهِ. مِنْهُمْ صَاحِبُ الْمُذْهَبِ، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْبُلْغَةِ، وَابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِمْ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفَائِقِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَغَيْرُهُمْ. وَذَكَرَ الْقَاضِي: أَنَّ كُلَّ بَوْلٍ نَجِسٍ حُكْمُهُ حُكْمُ بَوْلِ الْأَدَمِيِّ. نَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ. وَحَكَاهُ فِي الرِّعَايَةِ قَوْلًا. وَقَالَ فِي الْفَائِقِ: قَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: أَوْ كُلُّ نَجَاسَةٍ يَعْنِي كَالْبَوْلِ وَالْغَائِطِ فَأَدْخَلَ غَيْرَهُمَا. وَظَاهِرُهُ مُشْكِلٌ. تَنْبِيهٌ: قَطَعَ الْمُصَنِّفُ هُنَا بِأَنْ تَكُونَ الْعَذِرَةُ مَائِعَةً. وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ، قَطَعَ الشَّارِحُ، وَابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ لِابْنِ عُبَيْدَانَ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالْخِرَقِيُّ، وَالْكَافِي
وَالْفُصُولِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْمُذْهَبِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالنَّظْمِ، وَنَاظِمُ الْمُفْرَدَاتِ، وَالْمَذْهَبِ الْأَحْمَدِ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ مَائِعَةً أَوْ رَطْبَةً، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، جَزَمَ بِهِ فِي الْإِرْشَادِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ، وَالزَّرْكَشِيِّ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. فَائِدَةٌ: وَكَذَا الْحُكْمُ لَوْ كَانَتْ يَابِسَةً وَذَابَتْ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، نُصَّ عَلَيْهِ. وَعَنْهُ الْحُكْمُ كَذَلِكَ وَلَوْ لَمْ تَذُبْ. قَوْلُهُ (إلَّا أَنْ تَكُونَ مِمَّا لَا يُمْكِنُ نَزْحُهُ) اخْتَلَفَ الْأَصْحَابُ فِي مِقْدَارِ الَّذِي لَا يُمْكِنُ نَزْحُهُ، وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ مُقَدَّرٌ بِالْمَصَانِعِ الَّتِي بِطَرِيقِ مَكَّةَ. صَرَّحَ بِهِ الْخِرَقِيُّ، وَصَاحِبُ الْمُسْتَوْعِبِ، وَالْفُرُوعِ، وَابْنُ رَزِينٍ، وَغَيْرُهُمْ. قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي: وَلَمْ أَجِدْ عَنْ إمَامِنَا وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِنَا تَحْدِيدَ مَا لَا يُمْكِنُ نَزْحُهُ بِأَكْثَرَ مِنْ تَشْبِيهِهِ بِمَصَانِعِ مَكَّةَ. وَقَالَ فِي الْمُبْهِجِ: مَا لَا يُمْكِنُ نَزْحُهُ فِي الزَّمَنِ الْيَسِيرِ. قَالَ: وَالْمُحَقِّقُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا يُقَدِّرُونَهُ بِبِئْرِ بُضَاعَةَ. وَقَدَّرَهُ سَائِرُ الْأَصْحَابِ بِالْمَصَانِعِ الْكِبَارِ، كَاَلَّتِي بِطَرِيقِ مَكَّةَ. وَجَزَمَ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ: بِأَنَّهُ الَّذِي لَا يُمْكِنُ نَزْحُهُ عُرْفًا، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. وَقَالَ: كَمَصَانِعِ طَرِيقِ مَكَّةَ. فَوَائِدُ إحْدَاهُمَا: لَوْ تَغَيَّرَ بَعْضُ الْكَثِيرِ بِنَجَاسَةٍ: فَبَاقِيهِ طَهُورٌ إنْ كَانَ كَثِيرًا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، جَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ. وَنَصَرَاهُ، وَصَحَّحَهُ فِي الْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَابْنُ نَصْرِ اللَّهِ فِي حَوَاشِيهِ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: الْجَمِيعُ نَجِسٌ، وَقَدَّمَهُ
ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ. وَقِيلَ: الْبَاقِي طَهُورٌ، وَإِنْ قَلَّ. ذَكَرَهُ فِي الرِّعَايَةِ. قُلْت: اخْتَارَهُ الْقَاضِي. ذَكَرَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ. وَلَوْ كَانَ التَّغَيُّرُ بِطَاهِرٍ، فَمَا لَمْ يَتَغَيَّرْ طَهُورٌ. وَجْهًا وَاحِدًا. وَالْمُتَغَيِّرُ طَاهِرٌ. فَإِنْ زَالَ فَطَهُورٌ. الثَّانِيَةُ: يَجُوزُ وَيَصِحُّ اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ الطَّهُورِ فِي كُلِّ شَيْءٍ. وَيَجُوزُ اسْتِعْمَالُ الطَّاهِرِ مِنْ الْمَاءِ وَالْمَائِعِ فِي كُلِّ شَيْءٍ. لَكِنْ لَا يَصِحُّ اسْتِعْمَالُهُ فِي رَفْعِ الْأَحْدَاثِ وَإِزَالَةِ الْأَنْجَاسِ، وَلَا فِي طَهَارَةٍ مَنْدُوبَةٍ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ عَلَى الْمَذْهَبِ، قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ. يُنْتَفَعُ بِهِ فِي غَيْرِ التَّطْهِيرِ. وَقَالَ الْقَاضِي: غَسْلُ النَّجَاسَةِ بِالْمَائِعِ وَالْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ مُبَاحٌ، وَإِنْ لَمْ يَطْهُرْ بِهِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ فِيمَا إذَا غَمَسَ يَدَهُ. وَقُلْنَا: إنَّهُ طَاهِرٌ غَيْرُ مُطَهِّرٍ يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ فِي شُرْبٍ وَغَيْرِهِ. وَقِيلَ: يُكْرَهُ. وَقِيلَ: يَحْرُمُ صَحَّحَهُ الْأَزَجِيُّ، لِلْأَمْرِ بِإِرَاقَتِهِ كَمَا تَقَدَّمَ. انْتَهَى وَالنَّجِسُ: لَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ بِحَالٍ. إلَّا لِضَرُورَةِ دَفْعِ لُقْمَةٍ غَصَّ بِهَا، وَلَيْسَ عِنْدَهُ طَهُورٌ وَلَا طَاهِرٌ، أَوْ لِعَطَشِ مَعْصُومٍ آدَمِيٍّ أَوْ بَهِيمَةٍ، سَوَاءٌ كَانَتْ تُؤْكَلُ أَوْ لَا. وَلَكِنْ لَا تُحْلَبُ قَرِيبًا، أَوْ لِطَفْءِ حَرِيقٍ مُتْلِفٍ. وَيَجُوزُ بَلُّ التُّرَابِ بِهِ، وَجَعْلُهُ طِينًا يُطَيَّنُ بِهِ مَا لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ. قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ وَغَيْرِهَا. وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَحَرَّمَ الْحَلْوَانِيُّ اسْتِعْمَالَهُ إلَّا لِضَرُورَةٍ. وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ: أَنَّ سَقْيَهُ لِلْبَهَائِمِ كَالطَّعَامِ النَّجِسِ. وَقَالَ الْأَزَجِيُّ فِي نِهَايَتِهِ: لَا يَجُوزُ قُرْبَانُهُ بِحَالٍ. بَلْ يُرَاقُ. وَقَالَهُ الْقَاضِي فِي التَّعْلِيقِ فِي الْمُتَغَيِّرِ. وَأَنَّهُ فِي حُكْمِ عَيْنٍ نَجِسَةٍ، بِخِلَافِ قَلِيلٍ نَجِسٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ. الثَّالِثَةُ: قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ: أَنَّ نَجَاسَةَ الْمَاءِ عَيْنِيَّةٌ. قُلْت: وَفِيهِ بُعْدٌ، وَهُوَ كَالصَّرِيحِ فِي كَلَامِ أَبِي بَكْرٍ فِي التَّنْبِيهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ النَّجَاسَةَ لَا يُمْكِنُ تَطْهِيرُهَا. وَهَذَا يُمْكِنُ تَطْهِيرُهُ. فَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ إذَنْ: أَنَّهَا حُكْمِيَّةٌ وَهُوَ الصَّوَابُ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي
شَرْحِ الْعُمْدَةِ: لَيْسَتْ نَجَاسَتُهُ عَيْنِيَّةً، لِأَنَّهُ يُطَهِّرُ غَيْرَهُ، فَنَفْسُهُ أَوْلَى، وَأَنَّهُ كَالثَّوْبِ النَّجِسِ. وَذَكَرَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ فِي كُتُبِ الْخِلَافِ: أَنَّ نَجَاسَتَهُ مُجَاوِرَةٌ سَرِيعَةُ الْإِزَالَةِ لَا عَيْنِيَّةٌ. وَلِهَذَا يَجُوزُ بَيْعُهُ. وَذَكَرَ الْأَزَجِيُّ: أَنَّ نَجَاسَةَ الْمَاءِ الْمُتَغَيِّرِ بِالنَّجَاسَةِ نَجَاسَةٌ مُجَاوِرَةٌ. ذَكَرَهُ عَنْهُ فِي الْفُرُوعِ فِي بَابِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ. قَوْلُهُ (وَإِذَا انْضَمَّ إلَى الْمَاءِ النَّجِسِ مَاءٌ طَاهِرٌ كَثِيرٌ طُهْرُهُ، إنْ لَمْ يَبْقَ فِيهِ تَغَيُّرٌ) وَهَذَا بِلَا نِزَاعٍ إذَا كَانَ الْمُتَنَجِّسُ بِغَيْرِ الْبَوْلِ وَالْعَذِرَةِ، إلَّا مَا قَالَهُ أَبُو بَكْرٍ عَلَى مَا يَأْتِي قَرِيبًا. فَأَمَّا إنْ كَانَ الْمُتَنَجِّسُ بِأَحَدِهِمَا إذَا لَمْ يَتَغَيَّرْ، وَقُلْنَا: إنَّهُمَا لَيْسَا كَسَائِرِ النَّجَاسَاتِ فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ لَا يَطْهُرُ إلَّا بِإِضَافَةِ مَا لَا يُمْكِنُ نَزْحُهُ. قَطَعَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالشَّرْحِ، وَالْفَائِقِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَغَيْرُهُمْ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَغَيْرِهِمْ. وَقِيلَ: يَطْهُرُ إذَا بَلَغَ الْمَجْمُوعُ مَا لَا يُمْكِنُ نَزْحُهُ. وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ. وَقِيلَ: يَطْهُرُ بِإِضَافَةِ قُلَّتَيْنِ طَهُورِيَّتَيْنِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْقَاضِي فِي مَوْضِعٍ [قَالَ شَيْخُنَا فِي حَوَاشِي الْفُرُوعِ: الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ هَذَا الْقَوْلُ] . وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ فِي التَّنْبِيهِ: إذَا انْمَاعَتْ النَّجَاسَةُ فِي الْمَاءِ، فَهُوَ نَجِسٌ لَا يَطْهُرُ وَلَا يُطَهِّرُ. قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَطْهُرُ بِنَفْسِهِ إذَا كَانَ دُونَ الْقُلَّتَيْنِ. فَائِدَةٌ: " الْإِفَاضَةُ " صَبُّ الْمَاءِ عَلَى حَسْبِ الْإِمْكَانِ عُرْفًا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَابْنِ تَمِيمٍ، وَغَيْرِهِمْ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي، وَابْنِ عُبَيْدَانَ، وَغَيْرِهِمْ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَغَيْرِهِمَا. وَاعْتَبَرَ الْأَزَجِيُّ، وَصَاحِبُ الْمُسْتَوْعِبِ: الِاتِّصَالَ فِي صَبِّهِ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ كَانَ الْمَاءُ النَّجِسُ كَثِيرًا. فَزَالَ تَغَيُّرُهُ بِنَفْسِهِ، أَوْ بِنَزْحٍ، بَقِيَ بَعْدَهُ كَثِيرٌ: طَهُرَ) إذَا كَانَ الْمَاءُ الْمُتَنَجِّسُ كَثِيرًا. فَتَارَةً يَكُونُ مُتَنَجِّسًا بِبَوْلِ الْآدَمِيِّ أَوْ عَذِرَتِهِ. وَتَارَةً يَكُونُ بِغَيْرِهِمَا. فَإِنْ كَانَ بِأَحَدِهِمَا: فَقَدْ تَقَدَّمَ مَا يُطَهِّرُهُ إذَا كَانَ غَيْرَ مُتَغَيِّرٍ، وَإِنْ كَانَ مُتَغَيِّرًا بِأَحَدِهِمَا. فَتَارَةً يَكُونُ مِمَّا لَا يُمْكِنُ نَزْحُهُ، وَتَارَةً يَكُونُ مِمَّا يُمْكِنُ نَزْحُهُ. فَإِنْ كَانَ مِمَّا يُمْكِنُ نَزْحُهُ. فَتَطْهِيرُهُ بِإِضَافَةِ مَا لَا يُمْكِنُ نَزْحُهُ إلَيْهِ، أَوْ بِنَزْحٍ يَبْقَى بَعْدَهُ مَا لَا يُمْكِنُ نَزْحُهُ، جَزَمَ بِهِ ابْنُ عُبَيْدَانَ وَغَيْرُهُ. فَإِنْ أُضِيفَ إلَيْهِ مَا يُمْكِنُ نَزْحُهُ لَمْ يُطَهِّرْهُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: يُطَهِّرُهُ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. فَإِنْ زَالَ تَغَيُّرُهُ بِمُكْثِهِ: طَهُرَ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، جَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ. وَقِيلَ: لَا يَطْهُرُ. وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ عُبَيْدَانَ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا يُمْكِنُ نَزْحُهُ فَتَطْهِيرُهُ بِإِضَافَةِ مَا لَا يُمْكِنُ نَزْحُهُ عُرْفًا كَمَصَانِعِ مَكَّةَ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: كَبِئْرِ بُضَاعَةَ، وَإِنْ زَالَ تَغَيُّرُهُ بِطَهُورٍ يُمْكِنُ نَزْحُهُ فَلَمْ يُمْكِنْ نَزْحُهُ: لَمْ يَطْهُرْ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: يَطْهُرُ، وَإِنْ كَانَ مُتَنَجِّسًا بِنَجَاسَةٍ غَيْرِ الْبَوْلِ وَالْعَذِرَةِ، فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يَطْهُرُ بِزَوَالِ تَغَيُّرِهِ بِنَفْسِهِ. وَقَطَعَ بِهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ، مِنْهُمْ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْكَافِي، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْوَجِيزِ، وَالنَّظْمِ، وَالْفَائِقِ، وَغَيْرِهِمْ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ: وَيَطْهُرُ الْكَثِيرُ النَّجِسُ بِزَوَالِ تَغَيُّرِهِ بِنَفْسِهِ عَلَى الْأَصَحِّ. وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: أَظْهَرُهُمَا يَطْهُرُ. وَقَالَ ابْنُ عُبَيْدَانَ: الْأَوْلَى يَطْهُرُ، وَقَدَّمَهُ فِي الشَّرْحِ وَغَيْرِهِ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: هَلْ الْمُكْثُ يَكُونُ طَرِيقًا إلَى التَّطْهِيرِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. وَصَحَّحَ أَنَّهُ يَكُونُ طَرِيقًا إلَيْهِ. وَعَنْهُ لَا يَطْهُرُ بِمُكْثِهِ بِحَالٍ. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَطْهُرَ إذَا زَالَ تَغَيُّرُهُ بِنَفْسِهِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ النَّجَاسَةَ لَا تَطْهُرُ بِالِاسْتِحَالَةِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي التَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ.
تَنْبِيهَانِ أَحَدُهُمَا: قَوْلُهُ " طَهُرَ " يَعْنِي: صَارَ طَهُورًا. وَهَذَا الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: مَا طَهُرَ مِنْ الْمَاءِ بِالْمُكَاثَرَةِ، أَوْ بِمُكْثِهِ: طَهُورٌ. وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ طَاهِرٌ، لِزَوَالِ النَّجَاسَةِ بِهِ. الثَّانِي: مَفْهُومُ قَوْلِهِ " أَوْ بِنَزْحٍ يَبْقَى بَعْدَهُ كَثِيرٌ " أَنَّهُ لَوْ بَقِيَ بَعْدَهُ قَلِيلٌ: أَنَّهُ لَا يَطْهُرُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَقِيلَ: يَطْهُرُ. قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: قُلْت: تَطْهِيرُ الْمَاءِ بِالنَّزْحِ لَا يَزِيدُ عَلَى تَحْوِيلِهِ، لِأَنَّ التَّنْقِيصَ وَالتَّقْلِيلَ يُنَافِي مَا اعْتَبَرَهُ الشَّرْعُ فِي دَفْعِ النَّجَاسَةِ مِنْ الْكَثْرَةِ. وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّهُ إذَا حُرِّكَ فَزَالَ تَغَيُّرُهُ: طَهُرَ لَوْ كَانَ بِهِ قَائِلٌ لَكِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إذَا زَالَ التَّغَيُّرُ بِمَاءٍ يَسِيرٍ، أَوْ غَيَّرَهُ مِنْ تُرَابٍ وَنَحْوِهِ: طَهُرَ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى. لِاتِّصَافِهِ بِأَصْلِ التَّطْهِيرِ. انْتَهَى. فَائِدَتَانِ إحْدَاهُمَا: الْمَاءُ الْمَنْزُوحُ طَهُورٌ، مَا لَمْ تَكُنْ عَيْنُ النَّجَاسَةِ فِيهِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: طَاهِرٌ، لِزَوَالِ النَّجَاسَةِ بِهِ. الثَّانِيَةُ: قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَفِي غَسْلِ جَوَانِبِ بِئْرٍ نُزِحَتْ وَأَرْضُهَا: رِوَايَتَانِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَشَرْحِ ابْنِ عُبَيْدَانَ، وَابْنِ تَمِيمٍ، وَالْفَائِقِ، وَالْمُذْهَبِ. إحْدَاهُمَا: لَا يَجِبُ غَسْلُ ذَلِكَ. وَهُوَ الصَّحِيحُ، قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: هَذَا الصَّحِيحُ، دَفْعًا لِلْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ، وَصَحَّحَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ. وَالثَّانِيَةُ: يَجِبُ غَسْلُ ذَلِكَ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ: وَيَجِبُ غَسْلُ الْبِئْرِ النَّجِسَةِ الضَّيِّقَةِ وَجَوَانِبِهَا وَحِيطَانِهَا. وَعَنْهُ: وَالْوَاسِعَةُ أَيْضًا. انْتَهَى. قَالَ الْقَاضِي فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ: الرِّوَايَتَانِ فِي الْبِئْرِ الْوَاسِعَةِ وَالضَّيِّقَةِ: يَجِبُ غَسْلُهَا، رِوَايَةً وَاحِدَةً.
قَوْلُهُ (وَإِنْ كُوثِرَ بِمَاءٍ يَسِيرٍ، أَوْ بِغَيْرِ الْمَاءِ، فَإِنْ زَالَ التَّغَيُّرُ لَمْ يَطْهُرْ) اعْلَمْ أَنَّ الْمَاءَ الْمُتَنَجِّسَ، تَارَةً يَكُونُ كَثِيرًا. وَتَارَةً يَكُونُ يَسِيرًا. فَإِنْ كَانَ كَثِيرًا. وَكُوثِرَ بِمَاءٍ يَسِيرٍ، أَوْ بِغَيْرِ الْمَاءِ: لَمْ يَطْهُرْ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَجَزَمَ بِهِ فِي التَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ وَالْإِفَادَاتِ، وَالْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ، وَالْمَذْهَبِ الْأَحْمَدِ، وَغَيْرِهِمْ، وَقَدَّمَهُ فِي الْكَافِي، وَالْفُرُوعِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ، وَغَيْرِهِمْ، وَنَصَرَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَغَيْرُهَا. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: لَمْ يَطْهُرْ فِي أَظْهَرِ الْوَجْهَيْنِ. وَيَتَخَرَّجُ أَنْ يَطْهُرَ. وَهُوَ وَجْهٌ لِبَعْضِ الْأَصْحَابِ. حَكَاهُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ وَابْنِ تَمِيمٍ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَغَيْرِهِ، وَاخْتَارَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ. وَعَلَّلَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ بِأَنَّهُ لَوْ زَالَ بِطُولِ الْمُكْثِ طَهُرَ. فَأَوْلَى أَنْ يَطْهُرَ [إذَا كَانَ يَطْهُرُ] بِمُخَالَطَتِهِ لِمَا دُونَ الْقُلَّتَيْنِ. قَالَ فِي النُّكَتِ: فَخَالَفَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ أَكْثَرَ الْأَصْحَابِ. وَأَطْلَقَ الْوَجْهَيْنِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ. وَقِيلَ: يَطْهُرُ بِالْمُكَاثَرَةِ بِالْمَاءِ الْيَسِيرِ، دُونَ غَيْرِهِ. وَهُوَ الصَّوَابُ. وَأَطْلَقَ فِي الْإِيضَاحِ رِوَايَتَيْنِ فِي التُّرَابِ. وَإِنْ كَانَ الْمَاءُ الْمُتَنَجِّسُ دُونَ الْقُلَّتَيْنِ، وَأُضِيفَ إلَيْهِ مَاءٌ طَهُورٌ دُونَ الْقُلَّتَيْنِ، وَبَلَغَ الْمَجْمُوعُ قُلَّتَيْنِ: فَأَكْثَرُ الْأَصْحَابِ مِمَّنْ خَرَجَ فِي الصُّورَةِ الَّتِي قَبْلَهَا، جَزَمَ هُنَا بِعَدَمِ التَّطْهِيرِ. وَيَحْتَمِلُهُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ هُنَا. وَحَكَى بَعْضُهُمْ وَجْهًا هُنَا، وَبَعْضُهُمْ تَخْرِيجًا: أَنَّهُ يَطْهُرُ، إلْحَاقًا وَجَعْلًا لِلْكَثِيرِ بِالِانْضِمَامِ كَالْكَثِيرِ مِنْ غَيْرِ انْضِمَامٍ، وَهُوَ الصَّوَابُ، وَهُوَ ظَاهِرُ تَخْرِيجِ الْمُحَرَّرِ. فَعَلَى هَذَا خَرَّجَ بَعْضُهُمْ طَهَارَةَ قُلَّةٍ نَجِسَةٍ إذَا أُضِيفَتْ إلَى قُلَّةٍ نَجِسَةٍ، وَزَالَ التَّغَيُّرُ وَلَمْ يَكْمُلْ بِبَوْلٍ أَوْ نَجَاسَةٍ. قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ. وَفَرَّقَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ بَيْنَهَا. وَنَصُّ أَحْمَدَ لَا يَطْهُرُ، وَخَرَّجَ فِي الْكَافِي: طَهَارَةَ قُلَّةٍ نَجِسَةٍ إذَا أُضِيفَتْ إلَى مِثْلِهَا. قَالَ: لِمَا ذَكَرْنَا.
وَإِنَّمَا ذُكِرَ الْخِلَافُ فِي الْقَلِيلِ الْمُطَهَّرِ إذَا أُضِيفَ إلَى كَثِيرٍ نَجِسٍ. قَالَ فِي النُّكَتِ: وَكَلَامُهُ فِي الْكَافِي فِيهِ نَظَرٌ. تَنْبِيهَانِ أَحَدُهُمَا: يَخْرُجُ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ مِنْ مَسْأَلَةِ زَوَالِ التَّغْيِيرِ بِنَفْسِهِ. قَالَهُ الشَّارِحُ وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ، وَالْمُصَنِّفُ فِي الْكَافِي وَغَيْرُهُمْ. الثَّانِي: قَوْلُهُ " أَوْ بِغَيْرِ الْمَاءِ " مُرَادُهُ غَيْرُ الْمُسْكِرِ. وَمَا لَهُ رَائِحَةٌ تُعْطِي رَائِحَةَ النَّجَاسَةِ، كَالزَّعْفَرَانِ وَنَحْوِهِ، قَالَهُ الْأَصْحَابُ. فَوَائِدُ إحْدَاهَا: لَوْ اجْتَمَعَ مِنْ نَجِسٍ وَطَاهِرٍ وَطَهُورٍ قُلَّتَانِ بِلَا تَغْيِيرٍ. فَكُلُّهُ نَجِسٌ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَقِيلَ: طَاهِرٌ، وَقِيلَ: طَهُورٌ. وَهُوَ الصَّوَابُ. الثَّانِيَةُ: إذَا لَاقَتْ النَّجَاسَةُ مَائِعًا غَيْرَ الْمَاءِ تَنَجَّسَ، قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَنَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ. وَعَنْهُ حُكْمُهُ حُكْمُ الْمَاءِ، اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. وَعَنْهُ حُكْمُهُ حُكْمُ الْمَاءِ بِشَرْطِ كَوْنِ الْمَاءِ أَصْلًا لَهُ، كَالْخَلِّ التَّمْرِيِّ وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ فِيهِ الْمَاءُ. وَأَطْلَقَهُنَّ ابْنُ تَمِيمٍ. وَالْبَوْلُ هُنَا كَغَيْرِهِ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ: قُلْت: بَلْ أَشَدُّ. الثَّالِثَةُ: لَوْ وَقَعَ فِي الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ فِي رَفْعِ الْحَدَثِ [وَقُلْنَا: إنَّهُ طَاهِرٌ] أَوْ طَاهِرٌ غَيَّرَهُ مِنْ الْمَاءِ نَجَاسَةٌ، لَمْ يَتَنَجَّسْ إذَا كَانَ كَثِيرًا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ قَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي، وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ، وَابْنِ عُبَيْدَانَ [وَصَحَّحَهُ ابْنُ مُنَجَّا فِي نِهَايَتِهِ وَغَيْرِهِ] وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُنَجِّسَ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. وَقَالَ عَنْ الْأَوَّلِ: فِيهِ نَظَرٌ، وَهُوَ كَمَا قَالَ: وَأَطْلَقَهُمَا فِي الشَّرْحِ الْكَبِيرِ، وَابْنِ تَمِيمٍ قَوْلُهُ (وَهُمَا خَمْسُمِائَةِ رِطْلٍ بِالْعِرَاقِيِّ) ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَجَزَمَ بِهِ الْخِرَقِيُّ، وَالْهِدَايَةُ،
وَالْإِيضَاحُ، وَالْمُذْهَبُ، وَالتَّلْخِيصُ، وَالْبُلْغَةُ، وَالْخُلَاصَةُ، وَالْوَجِيزُ، وَالْمُنَوِّرُ، وَالْمُنْتَخَبُ، وَالْمَذْهَبُ الْأَحْمَدُ، وَإِدْرَاكُ الْغَايَةِ، وَغَيْرُهُمْ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالنَّظْمِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ وَقَالَ: إنَّهُ أَوْلَى وَابْنُ رَزِينٍ وَقَالَ: إنَّهُ أَصَحُّ وَالْمُسْتَوْعِبِ وَقَالَ: إنَّهُ أَظْهَرُ وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هَذَا الْمَشْهُورُ وَالْمُخْتَارُ لِلْأَصْحَابِ. وَعَنْهُ أَرْبَعُمِائَةٍ: قَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَصَاحِبُ الْفَائِقِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْكَافِي. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَحَكَى عَنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقُلَّتَيْنِ سِتُّمِائَةِ رِطْلٍ. انْتَهَى. قُلْت: وَيُؤْخَذُ مِنْ رِوَايَةٍ نَقَلَهَا ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ، وَغَيْرُهُمَا: أَنَّ الْقُلَّتَيْنِ أَرْبَعُمِائَةِ رِطْلٍ وَسِتَّةٌ وَسِتُّونَ رِطْلًا وَثُلُثَا رِطْلٍ. فَإِنَّهُمْ قَالُوا: الْقُلَّةُ تَسَعُ قِرْبَتَيْنِ، وَعَنْهُ وَنِصْفٌ. وَعَنْهُ وَثُلُثٌ. وَالْقِرْبَةُ تَسَعُ مِائَةَ رِطْلٍ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِهَا. فَعَلَى الرِّوَايَةِ الثَّالِثَةِ: يَكُونُ الْقُلَّتَانِ مَا قُلْنَا. وَلَمْ أَجِدْ مَنْ صَرَّحَ بِهِ، وَإِنَّمَا يَذْكُرُونَ الرِّوَايَاتِ فِيمَا تَسَعُ الْقُلَّةَ، وَمَا قُلْنَاهُ لَازَمَ ذَلِكَ. فَائِدَتَانِ إحْدَاهُمَا: مِسَاحَةُ الْقُلَّتَيْنِ إذَا قُلْنَا إنَّهُمَا خَمْسُمِائَةِ رِطْلٍ ذِرَاعٌ وَرُبُعٌ طُولًا وَعَرْضًا وَعُمْقًا. قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ وَغَيْرِهِ. الثَّانِيَةُ: الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ الرِّطْلَ الْعِرَاقِيَّ: مِائَةُ دِرْهَمٍ وَثَمَانٍ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا وَأَرْبَعُ أَسْبَاعِ دِرْهَمٍ. فَهُوَ سُبُعُ الرِّطْلِ الدِّمَشْقِيِّ، وَنِصْفُ سُبُعِهِ. وَعَلَى هَذَا جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ. وَقِيلَ: هُوَ مِائَةٌ وَثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ وَثَلَاثَةُ أَسْبَاعِ دِرْهَمٍ: نَقَلَهُ الزَّرْكَشِيُّ عَنْ صَاحِبِ التَّلْخِيصِ فِيهِ. وَلَمْ أَجِدْ فِي النُّسْخَةِ الَّتِي عِنْدِي إلَّا كَالْمَذْهَبِ الْمُتَقَدِّمِ. وَقِيلَ: هُوَ مِائَةٌ وَثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا وَهُوَ فِي الْمُغْنِي الْقَدِيمِ. وَقِيلَ: مِائَةٌ وَثَلَاثُونَ دِرْهَمًا. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ فِي صِفَةِ الْغُسْلِ: وَالرِّطْلُ الْعِرَاقِيُّ الْآنَ: مِائَةٌ وَثَلَاثُونَ دِرْهَمًا، وَهُوَ أَحَدٌ وَتِسْعُونَ مِثْقَالًا. وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ
تِسْعُونَ مِثْقَالًا، زِنَتُهَا مِائَةٌ وَثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ وَأَرْبَعَةُ أَسْبَاعٍ. فَزِيدَ فِيهَا مِثْقَالٌ لِيَزُولَ الْكَسْرُ. وَقَالَ غَيْرُهُ: ذَلِكَ فَعَلَى الْمَذْهَبِ: تَكُونُ الْقُلَّتَانِ بِالدِّمَشْقِيِّ مِائَةَ رِطْلٍ وَسَبْعَةَ أَرْطَالٍ وَسُبُعُ رِطْلٍ. قَوْلُهُ (وَهَلْ ذَلِكَ تَقْرِيبٌ، أَوْ تَحْدِيدٌ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) . وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُذْهَبِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالنَّظْمِ، وَابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ، وَالْحَاوِيَيْنِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ تَقْرِيبٌ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ، جَزَمَ بِهِ فِي الْعُمْدَةِ، وَالْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالتَّسْهِيلِ، وَغَيْرِهِمْ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَغَيْرُهُمْ، وَصَحَّحَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ، وَغَيْرُهُمْ. قَالَ فِي الْكَافِي: أَظْهَرُهُمَا أَنَّهُ تَقْرِيبٌ. وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ وَغَيْرُهُ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ تَحْدِيدٌ، اخْتَارَهُ أَبُو الْحَسَنِ الْآمِدِيُّ. قَالَ ابْنُ عُبَيْدَانَ: وَهُوَ اخْتِيَارُ الْقَاضِي. قَالَ الشَّارِحُ: وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ الْقَاضِي. وَقَدَّمَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى إذْ قُلْنَا هُمَا خَمْسُمِائَةٍ: يَكُونُ تَقْرِيبًا. وَأَطْلَقَ الْوَجْهَيْنِ إذَا قُلْنَا: هُمَا أَرْبَعُمِائَةٍ. وَاخْتَارَ: أَنَّ الْأَرْبَعَمِائَةِ تَحْدِيدٌ، وَالْخَمْسَمِائَةِ تَقْرِيبٌ. وَقَدَّمَ فِي الْمُحَرَّرِ: أَنَّ الْخَمْسَمِائَةِ تَقْرِيبٌ. تَنْبِيهَانِ أَحَدُهُمَا: فِي مَحَلِّ الْخِلَافِ فِي التَّقْرِيبِ وَالتَّحْدِيدِ لِلْأَصْحَابِ طُرُقٌ. أَصَحُّهُمَا: أَنَّهُ جَارٍ، سَوَاءٌ قُلْنَا: هُمَا خَمْسُمِائَةٍ أَوْ أَرْبَعُمِائَةٍ، كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا، وَالْكَافِي، وَابْنِ تَمِيمٍ، وَالْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالشَّرْحِ، وَالنَّظْمِ وَغَيْرِهِمْ.
الطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ مَحَلَّ الْخِلَافِ: إذَا قُلْنَا هُمَا خَمْسُمِائَةٍ، وَهِيَ طَرِيقَتُهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْمُغْنِي. فَإِنَّهُ قَالَ: اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا: هَلْ هُمَا خَمْسُمِائَةِ رِطْلٍ تَقْرِيبًا، أَوْ تَحْدِيدًا؟ قَالَ ابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ: وَهُوَ الْأَشْبَهُ. الطَّرِيقَةُ الثَّالِثَةُ: فِي الْخَمْسِمِائَةِ رِوَايَتَانِ. وَفِي الْأَرْبَعِمِائَةِ وَجْهَانِ. وَهِيَ الْمُقَدَّمَةُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، ثُمَّ قَالَ: وَقِيلَ: الْوَجْهَانِ إذَا قُلْنَا هُمَا خَمْسُمِائَةٍ، وَهُوَ أَظْهَرُ. انْتَهَى. الثَّانِي: حَكَى الْمُصَنِّفُ الْخِلَافَ هُنَا وَجْهَيْنِ، وَكَذَا فِي الْمُذْهَبِ، وَالْكَافِي، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَابْنِ تَمِيمٍ، وَابْنِ مُنَجَّا، وَابْنِ رَزِينٍ فِي شَرْحَيْهِمَا. وَحُكِيَ الْخِلَافُ رِوَايَتَيْنِ فِي التَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالْمَجْدِ، وَالْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْفَائِقِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: الرِّوَايَتَانِ فِي الْخَمْسِمِائَةِ، وَالْوَجْهَانِ فِي الْأَرْبَعِمِائَةِ. وَقَدَّمَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَابْنِ عُبَيْدَانَ: أَنَّ الْخِلَافَ وَجْهَانِ. وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ: أَنَّ مَنْ اعْتَبَرَ التَّحْدِيدَ لَمْ يُعْفَ عَنْ النَّقْصِ الْيَسِيرِ، وَالْقَائِلُونَ بِالتَّقْرِيبِ يُعْفَوْنَ عَنْ ذَلِكَ. فَوَائِدُ إحْدَاهُمَا: لَوْ شَكَّ فِي بُلُوغِ الْمَاءِ قَدْرًا يَدْفَعُ النَّجَاسَةَ. فَفِيهِ وَجْهَانِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَالْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ نَجِسٌ، وَهُوَ الصَّحِيحُ قَالَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ. قَالَهُ فِي الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ: هَذَا الْمُرَجَّحُ عِنْدَ صَاحِبِ الْمُغْنِي، وَالْمُحَرَّرِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ طَاهِرٌ. قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ (الْفِقْهِيَّةِ) : وَهُوَ أَظْهَرُ.
الثَّانِيَةُ: لَوْ أَخْبَرَهُ عَدْلٌ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ قَبِلَ قَوْلَهُ، إنْ عَيَّنَ السَّبَبَ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَإِلَّا فَلَا. وَقِيلَ: يَقْبَلُ مُطْلَقًا. وَمَشْهُورُ الْحَالِ: كَالْعَدْلِ عَلَى الصَّحِيحِ قَالَهُ الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ، وَصَحَّحَهُ فِي الرِّعَايَةِ. وَقِيلَ: لَا يَقْبَلُ قَوْلَهُ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ. وَيُشْتَرَطُ بُلُوغُهُ. وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ. فَإِنَّهُمَا قَيَّدَاهُ بِالْبُلُوغِ. وَقِيلَ: يَقْبَلُ قَوْلَ الْمُمَيِّزِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ. وَلَا يَلْزَمُ السُّؤَالُ عَنْ السَّبَبِ، قَدَّمَهُ فِي الْفَائِقِ. وَقِيلَ: يَلْزَمُ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ. الثَّالِثَةُ: لَوْ أَصَابَهُ مَاءُ مِيزَابٍ وَلَا أَمَارَةَ: كُرِهَ سُؤَالُهُ عَنْهُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَنَقَلَهُ صَالِحٌ. فَلَا يَلْزَمُ الْجَوَابُ. وَقِيلَ: بَلَى، كَمَا لَوْ سَأَلَ عَنْ الْقِبْلَةِ. وَقِيلَ: الْأَوْلَى السُّؤَالُ وَالْجَوَابُ. وَقِيلَ: بِلُزُومِهِمَا. وَأَوْجَبَ الْأَزَجِيُّ إجَابَتَهُ إنْ عَلِمَ نَجَاسَتَهُ، وَإِلَّا فَلَا. قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ. وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: إنْ كَانَ نَجِسًا لَزِمَهُ الْجَوَابُ وَإِلَّا فَلَا. نَقَلَهُ ابْنُ عُبَيْدَانَ. قَوْلُهُ (وَإِنْ اشْتَبَهَ الطَّاهِرُ بِالنَّجِسِ لَمْ يَتَحَرَّ فِيهِمَا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ) . وَكَذَا قَالَ فِي الْهِدَايَةِ وَالْمُذْهَبِ، وَهُوَ كَمَا قَالُوا. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْبُلْغَةِ، وَالْوَجِيزِ، وَالْمَذْهَبِ الْأَحْمَدِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَالْمُنْتَخَبِ، وَالتَّسْهِيلِ، وَغَيْرِهِمْ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْكَافِي، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالنَّظْمِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَابْنِ رَزِينٍ، وَابْنِ عُبَيْدَانَ، وَابْنِ تَمِيمٍ، وَغَيْرِهِمْ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَهُوَ الْمُخْتَارُ لِلْأَكْثَرِينَ. وَهُوَ مِنْ مُفْرَدَاتِ الْمُذْهَبِ. وَعَنْهُ يَتَحَرَّى إذَا كَثُرَ عَدَدُ الطَّاهِرِ. اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ وَابْنُ شَاقِلَا، وَأَبُو عَلِيٍّ النَّجَّادُ قَالَ ابْنُ رَجَبٍ فِي الْقَوَاعِدِ: وَصَحَّحَهُ ابْنُ عَقِيلٍ.
تَنْبِيهَانِ أَحَدُهُمَا: إذَا قُلْنَا يَتَحَرَّى إذَا كَثُرَ عَدَدُ الطَّاهِرِ. فَهَلْ يَكْفِي مُطْلَقُ الزِّيَادَةِ وَلَوْ بِوَاحِدٍ، أَوْ لَا بُدَّ مِنْ الْكَثْرَةِ عُرْفًا، أَوْ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ تِسْعَةٌ طَاهِرَةٌ وَوَاحِدٌ نَجِسٌ، أَوْ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ عَشَرَةٌ طَاهِرَةٌ وَوَاحِدٌ نَجِسٌ؟ فِيهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ. قَدَّمَ فِي الْفُرُوعِ: أَنَّهُ يَكْفِي مُطْلَقُ الزِّيَادَةِ. وَهُوَ الصَّحِيحُ. وَقَدَّمَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ. الْعُرْفَ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي فِي التَّعْلِيقِ، فَقَالَ: يَجِبُ أَنْ يُعْتَبَرَ بِمَا كَثُرَ عَادَةً وَعُرْفًا، وَاخْتَارَهُ النَّجَّادُ. وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ: الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْقَائِلِ بِالتَّحَرِّي: إذَا كَانَ النَّجِسُ عُشْرَ الطَّاهِرِ: يَتَحَرَّى، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُذْهَبِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَغَيْرِهِمْ. وَقَالَ الْقَاضِي فِي جَامِعِهِ: ظَاهِرُ كَلَامِ أَصْحَابِنَا: اعْتِبَارُ ذَلِكَ بِعَشَرَةٍ طَاهِرَةٍ وَوَاحِدٍ نَجِسٍ. وَأَطْلَقَهُنَّ ابْنُ تَمِيمٍ وَأَطْلَقَ الْأَوْجُهَ الثَّلَاثَةَ الْأُوَلَ: الزَّرْكَشِيُّ، وَالْفَائِقُ. الثَّانِي: قَوْلُهُ " لَمْ يَتَحَرَّ فِيهِمَا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ " يُشْعِرُ أَنَّ لَهُ أَنْ يَتَحَرَّى فِي غَيْرِ الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ سَوَاءٌ كَثُرَ عَدَدُ النَّجِسِ الطَّاهِرِ، أَوْ تَسَاوَيَا. وَلَا قَائِلَ بِهِ مِنْ الْأَصْحَابِ، لَكِنْ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ أَجْرَاهُ عَلَى ظَاهِرِهِ. وَقَالَ: أَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ، وِفَاقًا لِدَاوُدَ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَالْمُزَنِيِّ. وَسَحْنُونٍ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ. قُلْت: وَاَلَّذِي يَظْهَرُ: أَنَّ الْمُصَنِّفَ لَمْ يُرِدْ هَذَا، وَأَنَّهُ لَمْ يَنْفَرِدْ بِهَذَا الْقَوْلِ. وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ " فِي الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ " فَدَلَّ أَنَّ فِي الْمَذْهَبِ خِلَافًا مَوْجُودًا قَبْلَهُ غَيْرَ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِيمَا إذَا كَثُرَ عَدَدُ الطَّاهِرِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ. أَمَّا إذَا تَسَاوَيَا، أَوْ كَانَ عَدَدُ النَّجِسِ أَكْثَرَ: فَلَا خِلَافَ فِي عَدَمِ التَّحَرِّي، إلَّا تَوْجِيهٌ لِصَاحِبِ الْفَائِقِ، مَعَ التَّسَاوِي، رَدًّا إلَى الْأَصْلِ. فَيَحْتَاجُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ إلَى جَوَابٍ لِتَصْحِيحِهِ.
فَأَجَابَ ابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ، بِأَنْ قَالَ: هَذَا مِنْ بَابِ إطْلَاقِ اللَّفْظِ الْمُتَوَاطِئِ إذَا أُرِيدَ بِهِ بَعْضُ مَحَالِّهِ. وَهُوَ مَجَازٌ سَائِغٌ. قُلْت: وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِأَنَّ الْإِشْكَالَ إنَّمَا هُوَ فِي مَفْهُومِ كَلَامِهِ، وَالْمَفْهُومُ لَا عُمُومَ لَهُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ، وَابْنِ عَقِيلٍ وَالشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ، وَغَيْرِهِمْ مِنْ الْأُصُولِيِّينَ، وَأَنَّهُ يَكْفِي فِيهِ صُورَةٌ وَاحِدَةٌ، كَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ. وَهَذَا مِثْلُهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ كَلَامِ غَيْرِ الشَّارِعِ. ثُمَّ ظَهَرَ لِي جَوَابٌ آخَرُ أَوْلَى مِنْ الْجَوَابَيْنِ، وَهُوَ الصَّوَابُ وَهُوَ أَنَّ الْإِشْكَالَ إنَّمَا هُوَ عَلَى الْقَوْلِ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ. وَلَوْ صَرَّحَ بِهِ الْمُصَنِّفُ لَقَيَّدَهُ. وَلَهُ فِي كِتَابِهِ مَسَائِلُ كَذَلِكَ، نَبَّهْت عَلَى ذَلِكَ فِي أَوَّلِ الْخُطْبَةِ. فَوَائِدُ إحْدَاهُمَا: ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ الْقَائِلِينَ بِالتَّحَرِّي: أَنَّهُ لَا يَتَيَمَّمُ وَهُوَ صَحِيحٌ. وَاخْتَارَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: أَنَّهُ يَتَيَمَّمُ مَعَهُ. فَقَدْ يُعَايَى بِهَا. الثَّانِيَةُ: حَيْثُ أَجَزْنَا لَهُ التَّحَرِّي، فَتَحَرَّى فَلَمْ يَظُنَّ شَيْئًا. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: أَرَاقَهُمَا، أَوْ خَلَطَهُمَا بِشَرْطِهِ الْمَذْكُورِ. انْتَهَى. قُلْت: فَلَوْ قِيلَ بِالتَّيَمُّمِ مِنْ غَيْرِ إرَاقَةٍ وَلَا خَلْطٍ. لَكَانَ أَوْجَهَ، بَلْ هُوَ الصَّوَابُ؛ لِأَنَّ وُجُودَ الْمَاءِ الْمُشْتَبَهِ هُنَا كَعَدَمِهِ. تَنْبِيهٌ: مَحَلُّ الْخِلَافِ: إذَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ طَهُورٌ بِيَقِينٍ. أَمَّا إذَا كَانَ عِنْدَهُ طَهُورٌ بِيَقِينٍ. فَإِنَّهُ لَا يَتَحَرَّى، قَوْلًا وَاحِدًا. وَمَحَلُّ الْخِلَافِ أَيْضًا: إذَا لَمْ يُمْكِنْ تَطْهِيرُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ: فَإِنْ أَمْكَنَ تَطْهِيرُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ: امْتَنَعَ مِنْ التَّيَمُّمِ. قَالَهُ الْأَصْحَابُ؛ لِأَنَّهُمْ إنَّمَا أَجَازُوا التَّيَمُّمَ هُنَا بِشَرْطِ عَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى اسْتِعْمَالِ الطَّهُورِ. وَهُنَا هُوَ قَادِرٌ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ.
مِثَالُهُ: أَنْ يَكُونَ الْمَاءُ النَّجِسُ دُونَ الْقُلَّتَيْنِ بِيَسِيرٍ. وَالطَّهُورُ قُلَّتَانِ فَأَكْثَرُ بِيَسِيرٍ، أَوْ يَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ قُلَّتَيْنِ فَأَكْثَرَ. وَيَشْتَبِهُ. وَمَحَلُّ الْخِلَافِ أَيْضًا: إذَا كَانَ النَّجَسُ غَيْرَ بَوْلٍ. فَإِنْ كَانَ بَوْلًا لَمْ يَتَحَرَّ، وَجْهًا وَاحِدًا. قَالَهُ فِي الْكَافِي، وَابْنُ رَزِينٍ، وَغَيْرُهُمَا. الثَّالِثَةُ: لَوْ تَيَمَّمَ وَصَلَّى، ثُمَّ عَلِمَ النَّجَسَ: لَمْ تَلْزَمْهُ الْإِعَادَةُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: تَلْزَمُهُ وَلَوْ تَوَضَّأَ مِنْ أَحَدِهِمَا مِنْ غَيْرِ تَحَرٍّ، فَبَانَ أَنَّهُ طَهُورٌ: لَمْ يَصِحَّ وُضُوءُهُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: يَصِحُّ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْحَاوِي الْكَبِيرِ وَالْفَائِقِ. الرَّابِعَةُ: لَوْ احْتَاجَ إلَى الشُّرْبِ لَمْ يَجُزْ مِنْ غَيْرِ تَحَرٍّ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَنْهُ يَجُوزُ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ. وَمَتَى شَرِبَ ثُمَّ وَجَدَ مَاءً طَاهِرًا: فَهَلْ يَجِبُ غَسْلُ فَمِهِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. جَزَمَ فِي الْفَائِقِ بِعَدَمِ الْوُجُوبِ وَصَحَّحَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْحَاوِي الْكَبِيرِ. وَقَدَّمَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ: وُجُوبَ الْغَسْلِ. وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ، وَالْفُرُوعُ. الْخَامِسَةُ: الْمَاءُ الْمُحَرَّمُ عَلَيْهِ اسْتِعْمَالُهُ: كَالْمَاءِ النَّجِسِ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: يَتَحَرَّى هُنَا. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَتَوَضَّأَ مِنْ كُلِّ إنَاءٍ وُضُوءًا، وَيُصَلِّي بِهِمَا مَا شَاءَ. ذَكَرَهُ فِي الرِّعَايَةِ. قَوْلُهُ (وَهَلْ يُشْتَرَطُ إرَاقَتُهُمَا، أَوْ خَلْطُهُمَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) . وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالْكَافِي، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَابْنِ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ، وَالْمَذْهَبِ الْأَحْمَدِ، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَالْفَائِقِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَالْفُرُوعِ. إحْدَاهُمَا: لَا يُشْتَرَطُ الْإِعْدَامُ. وَهِيَ الْمَذْهَبُ قَالَ فِي الْمُذْهَبِ: هَذَا أَقْوَى الرِّوَايَتَيْنِ قَالَ النَّاظِمُ: هَذَا أَوْلَى، وَصَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ
ابْنِ عَبْدُوسٍ فِي التَّذْكِرَةِ، وَالتَّسْهِيلِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ [وَالْعُمْدَةِ] وَالْإِفَادَاتِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ، وَغَيْرِهِمْ، وَقَدَّمَهُ فِي إدْرَاكِ الْغَايَةِ، وَابْنِ تَمِيمٍ، وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ وَابْنُ عَقِيلٍ، وَالْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: يُشْتَرَطُ، اخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ. قَالَ الْمَجْدُ، وَتَبِعَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ وَقَدَّمَهُ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَابْنُ رَزِينٍ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَغَيْرِهِمْ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَبْعُدَ عَنْهُمَا بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ الطَّلَبُ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى: أَرَاقَهُمَا. وَعَنْهُ: أَوْ خَلَطَهُمَا. وَقَالَ فِي الْكُبْرَى: خَلَطَهُمَا، أَوْ أَرَاقَهُمَا. وَعَنْهُ تَتَعَيَّنُ الْإِرَاقَةُ. وَقَطَعَ الزَّرْكَشِيُّ: أَنَّ حُكْمَ الْخَلْطِ حُكْمُ الْإِرَاقَةِ، وَهُوَ كَذَلِكَ. فَوَائِدُ إحْدَاهُمَا: لَوْ عَلِمَ أَحَدٌ النَّجَسَ فَأَرَادَ غَيْرَهُ أَنْ يَسْتَعْمِلَهُ: لَزِمَهُ إعْلَامُهُ، قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى فِي بَابِ النَّجَاسَةِ. وَفَرَضَهُ فِي إرَادَةِ التَّطَهُّرِ بِهِ. وَقِيلَ: لَا يَلْزَمُهُ. وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ إنْ قِيلَ إنْ إزَالَتُهَا شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ، وَهُوَ احْتِمَالٌ لِصَاحِبِ الرِّعَايَةِ. وَأَطْلَقَهُنَّ فِي الْفُرُوعِ. الثَّانِيَةُ: لَوْ تَوَضَّأَ بِمَاءٍ ثُمَّ عَلِمَ نَجَاسَتَهُ: أَعَادَ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ وَنَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ، خِلَافًا لِلرِّعَايَةِ. إنْ لَمْ نَقُلْ: إزَالَةُ النَّجَاسَةِ شَرْطٌ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ. الثَّالِثَةُ: لَوْ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ طَاهِرٌ بِنَجِسٍ غَيْرِ الْمَاءِ، كَالْمَائِعَاتِ وَنَحْوِهَا: فَقَالَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِيَيْنِ: حَرُمَ التَّحَرِّي بِلَا ضَرُورَةٍ. وَقَالَهُ فِي الْكَافِي كَمَا تَقَدَّمَ. تَنْبِيهَاتٌ أَحَدُهَا: ظَاهِرُ قَوْلِهِ (وَإِنْ اشْتَبَهَ طَاهِرٌ بِطَهُورٍ تَوَضَّأَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) أَنَّهُ يَتَوَضَّأُ وُضُوأَيْنِ كَامِلَيْنِ، مِنْ هَذَا وُضُوءًا كَامِلًا مُنْفَرِدًا، وَمِنْ
الْآخَرِ كَذَلِكَ، وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ. وَصَرَّحَ بِذَلِكَ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالْكَافِي، وَالْهَادِي، وَالْوَجِيزِ، وَابْنِ رَزِينٍ، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَابْنِ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ، وَالْمُنْتَخَبِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَغَيْرِهِمْ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَالنَّظْمِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ [فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالشَّرْحِ، وَالْمَذْهَبِ الْأَحْمَدِ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ، وَالْمُحَرَّرِ] وَالْخُلَاصَةِ، وَابْنِ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ، وَالْفَائِقِ، وَابْنِ عُبَيْدَانَ، وَغَيْرِهِمْ. قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ. ذَكَرَهُ آخِرَ الْبَابِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ يَتَوَضَّأُ وُضُوءًا وَاحِدًا، مِنْ هَذَا غَرْفَةٌ، وَمِنْ هَذَا غَرْفَةٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: هَذَا أَصَحُّ الْوَجْهَيْنِ قَالَ فِي تَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ: يَتَوَضَّأُ وُضُوءًا وَاحِدًا فِي الْأَظْهَرِ قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ، فِي الْقَاعِدَةِ السَّادِسَةَ عَشَرَ: مَذْهَبُنَا يَتَوَضَّأُ مِنْهَا وُضُوءًا وَاحِدًا، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ. وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ الْخِلَافِ: إذَا كَانَ عِنْدَهُ طَهُورٌ بِيَقِينٍ. فَمَنْ يَقُولُ " يَتَوَضَّأُ وُضُوأَيْنِ " لَا يُصَحِّحُ الْوُضُوءَ مِنْهُمَا. وَمَنْ يَقُولُ " وُضُوءًا وَاحِدًا: مِنْ هَذَا غَرْفَةٌ وَمِنْ هَذَا غَرْفَةٌ " يُصَحِّحُ الْوُضُوءَ كَذَلِكَ مَعَ الطَّهُورِ الْمُتَيَقَّنِ. الثَّانِي: ظَاهِرُ قَوْلِهِ " تَوَضَّأَ " أَنَّهُ لَا يَتَحَرَّى، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَذَكَرَ فِي الرِّعَايَةِ قَوْلًا بِالتَّحَرِّي، إذَا اشْتَبَهَ الطَّهُورُ بِمَائِعٍ طَاهِرٍ غَيْرِ الْمَاءِ. فَائِدَةٌ: لَوْ تَرَكَ فَرْضَهُ وَتَوَضَّأَ مِنْ وَاحِدٍ فَقَطْ. ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ مُصِيبٌ. فَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحُسَيْنِ: لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ. الثَّالِثُ: قَالَ ابْنُ عُبَيْدَانَ: قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: وَيَتَخَرَّجُ فِي هَذَا الْمَاءِ أَنْ يَتَوَضَّأَ بِأَيِّهِمَا شَاءَ، عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي تَقُولُ: إنَّهُ طَهُورٌ. وَيَتَخَرَّجُ عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي تَقُولُ بِنَجَاسَتِهِ: أَنَّهُ لَا يَتَحَرَّى. انْتَهَى.
قُلْت: هَذَا مُتَعَيِّنٌ. وَهُوَ مُرَادُ الْأَصْحَابِ. وَمَتَى حَكَمْنَا بِنَجَاسَتِهِ أَوْ بِطَهُورِيَّتِهِ. فَمَا اشْتَبَهَ طَاهِرٌ بِطَهُورٍ، وَإِنَّمَا اشْتَبَهَ طَهُورٌ بِنَجِسٍ، أَوْ بِطَهُورٍ مِثْلِهِ. وَلَبِسَتْ الْمَسْأَلَةُ. فَلَا حَاجَةَ إلَى التَّخْرِيجِ. وَمُرَادُ ابْنِ عَقِيلٍ: إذَا كَانَ الطَّاهِرُ مُسْتَعْمَلًا فِي رَفْعِ الْحَدَثِ. وَالْمَسْأَلَةُ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ. قَوْلُهُ (وَصَلَّى صَلَاةً وَاحِدَةً) . وَهَذَا الْمَذْهَبُ سَوَاءٌ قُلْنَا: يَتَوَضَّأُ وُضُوأَيْنِ، أَوْ وُضُوءًا وَاحِدًا. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يُصَلِّي صَلَاتَيْنِ، إذَا قُلْنَا: يَتَوَضَّأُ وُضُوأَيْنِ. قَالَ فِي الْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَغَيْرُهُمَا: وَلَيْسَ بِشَيْءٍ. قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: وَهُوَ مُفْضٍ إلَى تَرْكِ الْجَزْمِ بِالنِّيَّةِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ. فَائِدَةٌ: لَوْ احْتَاجَ إلَى شُرْبٍ تَحَرَّى، وَشَرِبَ الْمَاءَ الطَّاهِرَ عِنْدَهُ. وَتَوَضَّأَ بِالطَّهُورِ ثُمَّ تَيَمَّمَ مَعَهُ احْتِيَاطًا، إنْ لَمْ يَجِدْ طَهُورًا غَيْرَ مُشْتَبِهٍ. قَوْلُهُ (وَإِنْ اشْتَبَهَتْ الثِّيَابُ الطَّاهِرَةُ بِالنَّجِسَةِ، صَلَّى فِي كُلِّ ثَوْبٍ صَلَاةً بِعَدَدِ النَّجِسِ، وَزَادَ صَلَاةً) . يَعْنِي: إذَا عَلِمَ عَدَدَ الثِّيَابِ النَّجِسَةِ وَهَذَا الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا، نُصَّ عَلَيْهِ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَابْنُ مُنَجَّا، وَابْنُ عُبَيْدَانَ فِي شُرُوحِهِمْ، وَالْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْعُمْدَةِ، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَالتَّسْهِيلِ، وَغَيْرِهِمْ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَالْفَائِقِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ، وَغَيْرِهِمْ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. وَقِيلَ: يَتَحَرَّى مَعَ كَثْرَةِ الثِّيَابِ النَّجِسَةِ لِلْمَشَقَّةِ اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ. قَالَ فِي الْكَافِي: وَإِنْ كَثُرَ عَدَدُ النَّجِسِ، فَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يُصَلِّي فِي أَحَدِهِمَا بِالتَّحَرِّي انْتَهَى. وَقِيلَ: يَتَحَرَّى، سَوَاءٌ قَلَّتْ الثِّيَابُ أَوْ كَثُرَتْ. قَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي فَنُونِهِ وَمُنَاظَرَاتِهِ. وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. وَقِيلَ: يُصَلِّي فِي وَاحِدٍ بِلَا تَحَرٍّ. وَفِي
الْإِعَادَةِ وَجْهَانِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ أَنَّ هَذَا فِيمَا إذَا بَانَ طَاهِرًا. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَقِيلَ: يُكَرِّرُ فِعْلَ الصَّلَاةِ الْحَاضِرَةِ، كُلَّ مَرَّةٍ فِي ثَوْبٍ مِنْهَا بِعَدَدِ النَّجِسِ، وَيَزِيدُ صَلَاةً، وَفَرْضُ الْمَسْأَلَةِ فِي الْكَافِي: فِيمَا إذَا أَمْكَنَهُ الصَّلَاةُ فِي عَدَدِ النَّجِسِ. فَوَائِدُ إحْدَاهَا: لَوْ كَثُرَ عَدَدُ الثِّيَابِ النَّجِسَةِ، وَلَمْ يَعْلَمْ عَدَدَهَا، فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يُصَلِّي حَتَّى يَتَيَقَّنَ أَنَّهُ صَلَّى فِي ثَوْبٍ طَاهِرٍ. وَنُقِلَ فِي الْمُغْنِي وَغَيْرِهِ: أَنَّ ابْنَ عَقِيلٍ قَالَ: يَتَحَرَّى فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ. تَنْبِيهٌ: مَحَلُّ الْخِلَافِ: إذَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ ثَوْبٌ طَاهِرٌ بِيَقِينٍ. فَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ ذَلِكَ لَمْ تَصِحَّ الصَّلَاةُ فِي الثِّيَابِ الْمُشْتَبِهَةِ. قَالَهُ الْأَصْحَابُ: وَكَذَا الْأَمْكِنَةُ. الثَّانِيَةُ: قَالَ الْأَصْحَابُ: لَا تَصِحُّ إمَامَةُ مَنْ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ الثِّيَابُ الطَّاهِرَةُ بِالنَّجِسَةِ. الثَّالِثَةُ: لَوْ اشْتَبَهَتْ أُخْتُهُ بِأَجْنَبِيَّةٍ. لَمْ يَتَحَرَّ لِلنِّكَاحِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَقِيلَ: يَتَحَرَّى فِي عَشَرَةٍ. وَلَهُ النِّكَاحُ مِنْ قَبِيلَةٍ كَبِيرَةٍ وَبَلْدَةٍ. وَفِي لُزُومِ التَّحَرِّي وَجْهَانِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ. وَالْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ. قَالَ فِي الْفَائِقِ: لَوْ اشْتَبَهَتْ أُخْتُهُ بِنِسَاءِ بَلَدٍ لَمْ يُمْنَعْ مِنْ نِكَاحِهِنَّ، وَيُمْنَعُ فِي عَشْرٍ. وَفِي مِائَةٍ وَجْهَانِ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ. وَقِيلَ: يَتَحَرَّى فِي مِائَةٍ، وَهُوَ بَعِيدٌ. انْتَهَى. وَقَالَ فِي الْقَاعِدَةِ السَّادِسَةِ بَعْدَ الْمِائَةِ: إذَا اشْتَبَهَتْ أُخْتُهُ بِنِسَاءِ أَهْلِ مِصْرَ جَازَ لَهُ الْإِقْدَامُ عَلَى النِّكَاحِ. وَلَا يَحْتَاجُ إلَى التَّحَرِّي عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ. وَكَذَا لَوْ اشْتَبَهَتْ مَيْتَةٌ بِلَحْمِ أَهْلِ مِصْرَ أَوْ قَرْيَةٍ. وَقَالَ فِي الْقَاعِدَةِ التَّاسِعَةِ بَعْدَ الْمِائَةِ: لَوْ اشْتَبَهَتْ أُخْتُهُ بِعَدَدٍ مَحْصُورٍ مِنْ الْأَجْنَبِيَّاتِ. مُنِعَ مِنْ التَّزَوُّجِ
باب الآنية
بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ، حَتَّى يَعْلَمَ أُخْتَهُ مِنْ غَيْرِهَا. انْتَهَى. وَقَدَّمَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ حَتَّى يَتَحَرَّى. وَلَوْ اشْتَبَهَتْ مَيْتَةٌ بِمُذَكَّاةٍ وَجَبَ الْكَفُّ عَنْهُمَا، وَلَمْ يَتَحَرَّ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ. وَالْحَرَامُ بَاطِنَا الْمَيْتَةِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: هُمَا، اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ مِنْ جَوَازِ التَّحَرِّي فِي اشْتِبَاهِ أُخْتِهِ بِأَجْنَبِيَّاتٍ مِثْلِهِ فِي الْمَيْتَةِ بِالْمُذَكَّاةِ. قَالَ أَحْمَدُ: أَمَّا شَاتَانِ: لَا يَجُوزُ التَّحَرِّي. فَأَمَّا إذَا كَثُرْنَ: فَهَذَا غَيْرُ هَذَا. وَنَقَلَ الْأَثْرَمُ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: فَثَلَاثَةٌ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي. الرَّابِعَةُ: لَا مَدْخَلَ لِلتَّحَرِّي فِي الْعِتْقِ وَالصَّلَاةِ. قَالَهُ ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ. [بَابُ الْآنِيَةِ] ِ تَنْبِيهٌ: يُسْتَثْنَى مِنْ قَوْلِهِ (كُلُّ إنَاءٍ طَاهِرٍ يُبَاحُ اتِّخَاذُهُ وَاسْتِعْمَالُهُ) عَظْمُ الْآدَمِيِّ فَإِنَّهُ لَا يُبَاحُ اسْتِعْمَالُهُ. وَيُسْتَثْنَى الْمَغْصُوبُ. لَكِنْ لَيْسَ بِوَارِدٍ عَلَى الْمُصَنِّفِ وَلَا عَلَى غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ اسْتِعْمَالَهُ مُبَاحٌ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةِ، وَلَكِنْ عُرِضَ لَهُ مَا أَخْرَجَهُ عَنْ أَصْلِهِ، وَهُوَ الْغَصْبُ. قَوْلُهُ (يُبَاحُ اتِّخَاذُهُ وَاسْتِعْمَالُهُ) . هَذَا الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. إلَّا أَنَّ أَبَا الْفَرَجِ الْمَقْدِسِيَّ كَرِهَ الْوُضُوءَ مِنْ إنَاءٍ نُحَاسٍ وَرَصَاصٍ وَصُفْرٍ. وَالنَّصُّ عَدَمُهُ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَلَا عِبْرَةَ بِمَا قَالَهُ. وَأَبَا الْوَقْتِ الدِّينَوَرِيَّ: كَرِهَ الْوُضُوءَ مِنْ إنَاءٍ ثَمِينٍ. كَبِلَّوْرٍ، وَيَاقُوتٍ. ذَكَرَهُ عَنْهُ ابْنُ الصَّيْرَفِيِّ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: يَحْتَمِلُ الْحَدِيدُ. وَجْهَيْنِ. قَوْلُهُ (إلَّا آنِيَةَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْمُضَبَّبِ بِهِمَا فَإِنَّهُ يَحْرُمُ اتِّخَاذُهُمَا) . وَهَذَا الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَقَطَعَ بِهِ أَكْثَرُهُمْ. مِنْهُمْ: الْخِرَقِيُّ،
وَصَاحِبُ الْهِدَايَةِ، وَالْخِصَالِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْمُغْنِي، وَالْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ، وَابْنُ رَزِينٍ، وَابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِمَا، وَغَيْرُهُمْ. قَالَ الْمُصَنِّفُ: لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ فِيمَا عَلِمْنَا فِي تَحْرِيمِ اتِّخَاذِ آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالشَّرْحِ وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَغَيْرُهُمْ. وَعَنْهُ يَجُوزُ اتِّخَاذُهُمَا. وَذَكَرَهَا بَعْضُ الْأَصْحَابِ وَجْهًا فِي الْمُذْهَبِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْحَاوِيَيْنِ. وَحَكَى ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ التَّمِيمِيِّ أَنَّهُ قَالَ: إذَا اتَّخَذَ مِسْعَطًا، أَوْ قِنْدِيلًا، أَوْ نَعْلَيْنِ، أَوْ مِجْمَرَةً، أَوْ مِدْخَنَةً ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً كُرِهَ، وَلَمْ يَحْرُمْ. وَيَحْرُمُ سَرِيرٌ وَكُرْسِيٌّ. وَيُكْرَهُ عَمَلُ خُفَّيْنِ مِنْ فِضَّةٍ. وَلَا يَحْرُمُ كَالنَّعْلَيْنِ. وَمَنَعَ مِنْ الشَّرْبَةِ وَالْمِلْعَقَةِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا حَكَاهُ. وَهُوَ غَرِيبٌ. قُلْت: هَذَا بَعِيدٌ جِدًّا. وَالنَّفْسُ تَأْبَى صِحَّةَ هَذَا. قَوْلُهُ (وَاسْتِعْمَالُهَا) يَعْنِي: يَحْرُمُ اسْتِعْمَالُهَا. وَهَذَا الْمَذْهَبُ. نُصَّ عَلَيْهِ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَأَكْثَرُهُمْ قَطَعَ بِهِ. وَقِيلَ: لَا يَحْرُمُ اسْتِعْمَالُهَا، بَلْ يُكْرَهُ. قُلْت: وَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا. قَالَ الْقَاضِي فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ: أَنَّ النَّهْيَ عَنْ اسْتِعْمَالِ ذَلِكَ نَهْيُ تَنْزِيهٍ، لَا تَحْرِيمٍ. وَجَزَمَ فِي الْوَجِيزِ بِصِحَّةِ الطَّهَارَةِ مِنْهُمَا مَعَ قَوْلِهِ بِالْكَرَاهَةِ. قَوْلُهُ (فَإِنْ تَوَضَّأَ مِنْهُمَا: فَهَلْ تَصِحُّ طَهَارَتُهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) . وَهُمَا رِوَايَتَانِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَخِصَالِ ابْنِ الْبَنَّا، وَالْمُذْهَبِ وَالْكَافِي وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَالْمَذْهَبِ الْأَحْمَدِ، وَابْنِ تَمِيمٍ، وَابْنِ عُبَيْدَانَ، وَغَيْرِهِمْ. أَحَدُهُمَا: تَصِحُّ الطَّهَارَةُ مِنْهَا. وَهُوَ الْمَذْهَبُ قَطَعَ بِهِ الْخِرَقِيُّ، وَصَاحِبُ الْوَجِيزِ وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَغَيْرِهِمْ، وَصَحَّحَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ،
وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ، وَابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ، وَالْحَارِثِيُّ ذَكَرَهُ فِي الْغَصْبِ، وَغَيْرُهُمْ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ. وَلَكِنَّ صَاحِبَ الْوَجِيزِ جَزَمَ بِالصِّحَّةِ، مَعَ الْقَوْلِ بِالْكَرَاهَةِ كَمَا تَقَدَّمَ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا تَصِحُّ الطَّهَارَةُ مِنْهَا، جَزَمَ بِهِ نَاظِمُ الْمُفْرَدَاتِ، وَهُوَ مِنْهَا، وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَالْقَاضِي أَبُو الْحُسَيْنِ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ. قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: لَا تَصِحُّ الطَّهَارَةُ مِنْهَا فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي تَذْكِرَتِهِ. فَائِدَةٌ: الْوُضُوءُ فِيهَا كَالْوُضُوءِ مِنْهَا، وَلَوْ جَعَلَهَا مَصَبًّا لِفَضْلِ طَهَارَتِهِ. فَهُوَ كَالْوُضُوءِ مِنْهَا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَالرِّوَايَتَيْنِ. قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ. وَعَنْهُ لَا تَصِحُّ الطَّهَارَةُ هُنَا. فَائِدَتَانِ: إحْدَاهُمَا: حُكْمُ الْمُمَوَّهِ وَالْمَطْلِيِّ الْمُطَعَّمِ وَالْمُكَفَّفِ وَنَحْوِهِ بِأَحَدِهِمَا: كَالْمُصْمَتِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: لَا. وَقِيلَ: إنْ بَقِيَ لَوْنُ الذَّهَبِ أَوْ الْفِضَّةِ. وَقِيلَ: وَاجْتَمَعَ مِنْهُ شَيْءٌ إذَا حُكَّ حَرُمَ. وَإِلَّا فَلَا. قَالَ أَحْمَدُ: لَا تُعْجِبُنِي الْحِلَقُ. وَعَنْهُ هِيَ مِنْ الْآنِيَةِ. وَعَنْهُ أَكْرَهُهَا وَعِنْدَ الْقَاضِي وَغَيْرِهِ: هِيَ كَالضَّبَّةِ. الثَّانِيَةُ: حُكْمُ الطَّهَارَةِ مِنْ الْإِنَاءِ الْمَغْصُوبِ حُكْمُ الْوُضُوءِ مِنْ آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، خِلَافًا وَمَذْهَبًا. وَعَدَمُ الصِّحَّةِ مِنْهُ مِنْ مُفْرَدَاتِ الْمَذْهَبِ. قَالَ نَاظِمُ الْمُفْرَدَاتِ، وَغَيْرُهُ: وَكَذَا لَوْ اشْتَرَى إنَاءً بِثَمَنٍ مُحَرَّمٍ. قَوْلُهُ (إلَّا أَنْ تَكُونَ الضَّبَّةُ يَسِيرَةً مِنْ الْفِضَّةِ) . اسْتَثْنَى لِلْإِبَاحَةِ مَسْأَلَةً وَاحِدَةً. لَكِنْ بِشُرُوطٍ. مِنْهَا: أَنْ تَكُونَ ضَبَّةً، وَأَنْ تَكُونَ يَسِيرَةً، وَأَنْ تَكُونَ لِحَاجَةٍ. وَلَمْ يَسْتَثْنِهَا الْمُصَنِّفُ. لَكِنْ فِي كَلَامِهِ أَوْمَأَ إلَيْهَا، وَأَنْ تَكُونَ مِنْ الْفِضَّةِ. وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ ذَلِكَ، بَلْ هُوَ إجْمَاعٌ
بِهَذِهِ الشُّرُوطِ. وَلَا يُكْرَهُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: يُكْرَهُ. وَأَمَّا مَا يُبَاحُ مِنْ الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ: فَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي بَابِ زَكَاةِ الْأَثْمَانِ. فَائِدَةٌ: فِي " الضَّبَّةِ " أَرْبَعُ مَسَائِلَ، كُلُّهَا دَاخِلَةٌ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي الْمُسْتَثْنَى وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ: يَسِيرَةٌ بِالشُّرُوطِ الْمُتَقَدِّمَةِ، فَتُبَاحُ. وَكَثِيرَةٌ لِغَيْرِ حَاجَةٍ. فَلَا تُبَاحُ مُطْلَقًا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَجَزَمَ بِهِ. وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ الْإِبَاحَةَ إذَا كَانَتْ أَقَلَّ مِمَّا هِيَ فِيهِ. وَكَثِيرَةٌ لِحَاجَةٍ، فَلَا تُبَاحُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُحَرَّرِ، وَالْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ، وَغَيْرِهِمْ، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هَذَا الْمَذْهَبُ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ وَالْمُذْهَبِ وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْكَافِي، وَالْمُغْنِي، وَالْهَادِي، وَالْمُصَنِّفُ هُنَا، وَفُرُوعِ أَبِي الْحُسَيْنِ، وَخِصَالِ ابْنِ الْبَنَّا، وَابْنُ رَزِينٍ، وَابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِمَا، وَالْخُلَاصَةِ، وَالنَّظْمِ، وَغَيْرِهِمْ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ، وَغَيْرِهِمْ. وَقِيلَ: لَا يَحْرُمُ، اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَهُوَ مُقْتَضَى اخْتِيَارِ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ. وَيَسِيرَةٌ لِحَاجَةٍ. فَلَا تُبَاحُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ نُصَّ عَلَيْهِ، وَقَطَعَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ وَفُرُوعِ أَبِي الْحُسَيْنِ، وَخِصَالِ ابْنِ الْبَنَّا، وَالْخُلَاصَةِ، وَغَيْرِهِمْ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ. وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ وَغَيْرُهُمْ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْمُذْهَبِ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ، وَالْوَجِيزِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ، وَغَيْرِهِمْ. قَالَ فِي التَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ: وَإِنْ كَانَ التَّضْبِيبُ بِالْفِضَّةِ وَكَانَ يَسِيرًا عَلَى قَدْرِ حَاجَةِ الْكَسْرِ فَمُبَاحٌ. قَالَ النَّاظِمُ: وَهُوَ الْأَقْوَى قَالَ فِي تَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ: لَا تُبَاحُ الْيَسِيرَةُ لِزِينَةٍ فِي الْأَظْهَرِ. وَقِيلَ: لَا يَحْرُمُ، اخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ. قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ، مِنْهُمْ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ،
وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. قَالَ فِي الْفَائِقِ: وَتُبَاحُ الْيَسِيرَةُ لِغَيْرِهَا فِي الْمَنْصُوصِ وَقَدَّمَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي الْمُسْتَثْنَى. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْمُغْنِي، وَالْكَافِي، وَالشَّرْحِ، وَابْنُ تَمِيمٍ. فَقَالَ: فِي الْيَسِيرِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ، أَوْ لِحَاجَةٍ أَوْجُهٌ: التَّحْرِيمُ، وَالْكَرَاهَةُ، وَالْإِبَاحَةُ. وَقِيلَ: فَرْقٌ بَيْنَ الْحَلْقَةِ وَنَحْوِهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ. فَيَحْرُمُ فِي الْحَلْقَةِ وَنَحْوِهَا، دُونَ غَيْرِهَا، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي أَيْضًا فِي بَعْضِ كُتُبِهِ. وَتَقَدَّمَ النَّصُّ فِي الْحَلْقَةِ. تَنْبِيهٌ: فَعَلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ التَّحْرِيمِ: يُبَاحُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَجَزَمَ بِهِ صَاحِبُ الْمُسْتَوْعِبِ، وَالشِّيرَازِيُّ، وَالْمُصَنِّفُ فِي الْكَافِي، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَغَيْرِهِمْ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. وَقِيلَ: يُكْرَهُ، جَزَمَ بِهِ الْقَاضِي فِي تَعْلِيقِهِ. فَائِدَةٌ: حَدُّ الْكَثِيرِ مَا عُدَّ كَثِيرًا عُرْفًا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: مَا اسْتَوْعَبَ أَحَدَ جَوَانِبِ الْإِنَاءِ. وَقِيلَ: مَا لَاحَ عَلَى بُعْدٍ. تَنْبِيهٌ: شَمِلَ قَوْلُهُ " الْمُضَبَّبُ بِهِمَا " الضَّبَّةَ مِنْ الذَّهَبِ. فَلَا تُبَاحُ مُطْلَقًا، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْكَافِي، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَغَيْرِهِمْ. وَقِيلَ: يُبَاحُ يَسِيرُ الذَّهَبِ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يُبَاحُ يَسِيرُ الذَّهَبِ. وَقَدْ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي بَابِ زَكَاةِ الْأَثْمَانِ. وَقِيلَ: يُبَاحُ لِحَاجَةٍ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَصَاحِبُ الرِّعَايَةِ. وَأَطْلَقَ ابْنُ تَمِيمٍ فِي الضَّبَّةِ الْيَسِيرَةِ مِنْ الذَّهَبِ الْوَجْهَيْنِ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَقَدْ غَلِطَ طَائِفَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ. حَيْثُ حَكَتْ قَوْلًا بِإِبَاحَةِ يَسِيرِ الذَّهَبِ تَبَعًا فِي الْآنِيَةِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَأَبُو بَكْرٍ إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ فِي بَابِ اللِّبَاسِ وَالتَّحَلِّي. وَهُمَا أَوْسَعُ. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أَيْضًا: يُبَاحُ الِاكْتِحَالُ بِمَيْلِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ لِأَنَّهَا حَاجَةٌ. وَيُبَاحَانِ لَهَا. وَقَالَهُ أَبُو الْمَعَالِي ابْنُ مُنَجَّا أَيْضًا.
قَوْلُهُ (فَلَا بَأْسَ بِهَا إذَا لَمْ يُبَاشِرْهَا بِالِاسْتِعْمَالِ) . الْمُبَاشَرَةُ: تَارَةً تَكُونُ لِحَاجَةٍ، وَتَارَةً تَكُونُ لِغَيْرِ حَاجَةٍ. فَإِنْ كَانَتْ لِحَاجَةٍ أُبِيحَتْ بِلَا خِلَافٍ، وَإِنْ كَانَتْ لِغَيْرِ حَاجَةٍ، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا: التَّحْرِيمُ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ. قَالَ فِي الْوَجِيزِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَغَيْرِهِمْ: وَلَا تُبَاشَرُ بِالِاسْتِعْمَالِ. قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: فَحَرَامٌ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَالْمُصَنِّفُ. انْتَهَى. وَلَعَلَّهُ أَرَادَ فِي الْمُقْنِعِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: اخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ يَعْنِي الْمُتَقَدِّمَ وَقِيلَ: يُكْرَهُ. وَحَمَلَ ابْنُ مُنَجَّا كَلَامَ الْمُصَنِّفِ عَلَيْهِ. قُلْت: وَهُوَ بَعِيدٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ جَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْكَافِي، وَالْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْخِصَالِ لِابْنِ الْبَنَّا. وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. وَقِيلَ: يُبَاحُ. أَطْلَقَهُنَّ فِي الْفُرُوعِ وَابْنُ عُبَيْدَانَ. فَائِدَةٌ: الْحَاجَةُ هُنَا: أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهَا غَرَضٌ غَيْرَ الزِّينَةِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ يَقُومُ مَقَامَهُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ جَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَغَيْرُهُمْ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ عُبَيْدَانَ، وَالْكَافِي، وَالْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْخِصَالِ لِابْنِ الْبَنَّا، وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. وَقِيلَ: يُبَاحُ. وَأَطْلَقَهُنَّ فِي الْفُرُوعِ. وَقَالَ: فِي ظَاهِرِ كَلَامِ بَعْضِهِمْ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: مُرَادُهُمْ أَنْ يَحْتَاجَ إلَى تِلْكَ الصُّورَةِ، لَا إلَى كَوْنِهَا مِنْ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ. فَإِنَّ هَذِهِ ضَرُورَةٌ. وَهِيَ تُبِيحُ الْمُفْرَدَ. انْتَهَى. وَقِيلَ: مَتَى قَدَرَ عَلَى التَّضْبِيبِ بِغَيْرِهَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يُضَبِّبَ بِهَا، وَهُوَ احْتِمَالٌ لِصَاحِبِ النِّهَايَةِ. وَقِيلَ: الْحَاجَةُ: عَجْزُهُ عَنْ إنَاءٍ آخَرَ، وَاضْطِرَارُهُ إلَيْهِ. قَوْلُهُ (وَثِيَابُ الْكُفَّارِ وَأَوَانِيهِمْ، طَاهِرَةٌ مُبَاحَةُ الِاسْتِعْمَالِ، مَا لَمْ تُعْلَمْ نَجَاسَتُهَا) .
هَذَا الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا. وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ. قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: هَذَا أَظْهَرُ الرِّوَايَتَيْنِ، وَصَحَّحَهُ فِي نَظْمِهِ. قَالَ فِي تَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ: هَذَا الْأَظْهَرُ قَالَ نَاظِمُ الْمُفْرَدَاتِ: عَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ، وَغَيْرِهِمْ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالشَّرْحِ، وَالنَّظْمِ، وَالْهِدَايَةِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْحَاوِيَيْنِ وَالْفَائِقِ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ فِي الْآنِيَةِ. وَعَنْهُ كَرَاهَةُ اسْتِعْمَالِهَا. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْكَافِي، وَابْنُ عُبَيْدَانَ. وَقَدَّمَ نَاظِمُ الْآدَابِ فِيهَا إبَاحَةَ الثِّيَابِ. وَقَطَعَ بِكَرَاهَةِ اسْتِعْمَالِ الْأَوَانِي الَّتِي قَدْ اسْتَعْمَلُوهَا. وَعَنْهُ الْمَنْعُ مِنْ اسْتِعْمَالِهَا مُطْلَقًا. وَعَنْهُ مَا وَلَّى عَوْرَاتِهِمْ، كَالسَّرَاوِيلِ وَنَحْوِهِ لَا يُصَلِّي فِيهِ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَقَدَّمَهُ نَاظِمُ الْمُفْرَدَاتِ فِي الْكِتَابِيِّ. فَفِي غَيْرِهِ أَوْلَى، جَزَمَ بِهِ فِي الْإِفَادَاتِ فِيهِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْكَافِي. وَعَنْهُ أَنَّ مَنْ لَا تَحِلُّ ذَبِيحَتُهُمْ كَالْمَجُوسِ، وَعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ وَنَحْوِهِمْ لَا يُسْتَعْمَلُ مَا اسْتَعْمَلُوهُ مِنْ آنِيَتِهِمْ إلَّا بَعْدَ غَسْلِهِ. وَلَا يُؤْكَلُ مِنْ طَعَامِهِمْ إلَّا الْفَاكِهَةُ وَنَحْوُهَا. اخْتَارَهُ الْقَاضِي أَيْضًا، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْكَافِي وَصَحَّحَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ. وَتَبِعَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ. أَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ بِعَنْهُ، وَعَنْهُ، وَأَمَّا ثِيَابُهُمْ: فَكَثِيَابِ أَهْلِ الْكِتَابِ. صَرَّحَ بِهِ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَغَيْرُهُمْ، وَقَدَّمَهُ الْمُصَنِّفُ هُنَا. وَأَدْخَلَ الثِّيَابَ فِي الرِّوَايَةِ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْفُرُوعِ وَغَيْرِهِمَا، وَالظَّاهِرُ: أَنَّهُمَا رِوَايَتَانِ. وَمَنَعَ ابْنُ أَبِي مُوسَى مِنْ اسْتِعْمَالِ ثِيَابِهِمْ قَبْلَ غَسْلِهَا. وَكَذَا مَا سَفَلَ مِنْ ثِيَابِ أَهْلِ الْكِتَابِ. قَالَ الْقَاضِي: وَكَذَا مَنْ يَأْكُلُ لَحْمَ الْخِنْزِيرِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي مَوْضِعٍ يُمْكِنُهُمْ أَكْلُهُ، أَوْ يَأْكُلُ الْمَيْتَةَ، أَوْ يَذْبَحُ بِالسِّنِّ وَالظُّفُرِ. فَقَالَ: أَوَانِيهِمْ نَجِسَةٌ. لَا يُسْتَعْمَلُ مَا اسْتَعْمَلُوهُ إلَّا بَعْدَ غَسْلِهِ. قَالَ الشَّارِحُ: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ. قَالَ الْخِرَقِيُّ فِي شَرْحِهِ، وَابْنُ أَبِي مُوسَى: لَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُ قُدُورِ النَّصَارَى حَتَّى تُغْسَلَ. وَزَادَ الْخِرَقِيُّ: وَلَا أَوَانِي طَبْخِهِمْ، دُونَ أَوْعِيَةِ الْمَاءِ وَنَحْوِهَا. انْتَهَى. وَقِيلَ: لَا يُسْتَعْمَلُ قِدْرُ كِتَابِيٍّ قَبْلَ غَسْلِهَا
فَوَائِدُ إحْدَاهُمَا: حُكْمُ أَوَانِي مُدْمِنِي الْخَمْرِ وَمُلَاقِي النَّجَاسَاتِ غَالِبًا وَثِيَابِهِمْ: كَمَنْ لَا تَحِلُّ ذَبَائِحُهُمْ. وَحُكْمُ مَا صَبَغَهُ الْكُفَّارُ: حُكْمُ ثِيَابِهِمْ وَأَوَانِيهِمْ. الثَّانِيَةُ: بَدَنُ الْكَافِرِ طَاهِرٌ. عِنْدَ جَمَاعَةٍ كَثِيَابِهِ. وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْفُرُوعِ، وَقِيلَ: وَكَذَا طَعَامُهُ وَمَاؤُهُ. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: قَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ فِي تَمَامِهِ، وَالْآمِدِيُّ: أَبْدَانُ الْكُفَّارِ وَثِيَابُهُمْ وَمِيَاهُهُمْ فِي الْحُكْمِ وَاحِدٌ، وَهُوَ نَصُّ أَحْمَدَ. وَزَادَ أَبُو الْحُسَيْنِ: وَطَعَامُهُمْ. الثَّالِثَةُ: تَصِحُّ الصَّلَاةُ فِي ثِيَابِ الْمُرْضِعَةِ وَالْحَائِضِ وَالصَّبِيِّ، مَعَ الْكَرَاهَةِ، قَدَّمَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ. وَعَنْهُ لَا يُكْرَهُ. وَهِيَ تَخْرِيجٌ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ. وَمَالَ إلَيْهِ. وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ، وَأَلْحَقَ ابْنُ أَبِي مُوسَى ثَوْبَ الصَّبِيِّ بِثَوْبِ الْمَجُوسِيِّ فِي مَنْعِ الصَّلَاةِ فِيهِ قَبْلَ غَسْلِهِ. وَحَكَى فِي الْقَوَاعِدِ فِي ثِيَابِ الصِّبْيَانِ ثَلَاثَةَ أَوْجُهٍ: الْكَرَاهَةُ وَعَدَمُهَا، وَالْمَنْعُ. قَوْلُهُ (وَلَا يَطْهُرُ جِلْدُ الْمَيْتَةِ يَعْنِي النَّجِسَةَ بِالدِّبَاغِ) . هَذَا الْمَذْهَبُ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ. وَهُوَ مِنْ مُفْرَدَاتِ الْمَذْهَبِ. وَعَنْهُ يَطْهُرُ مِنْهَا جِلْدُ مَا كَانَ طَاهِرًا فِي حَالِ الْحَيَاةِ. نَقَلَهَا عَنْ أَحْمَدَ جَمَاعَةٌ. وَاخْتَارَهَا جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ، مِنْهُمْ ابْنُ حَمْدَانَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ، وَصَاحِبُ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالْفَائِقِ. وَإِلَيْهَا مَيْلُ الْمَجْدِ فِي الْمُنْتَقَى، وَصَحَّحَهُ فِي شَرْحِهِ. وَاخْتَارَهَا الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. وَعَنْهُ يَطْهُرُ جِلْدُ مَا كَانَ مَأْكُولًا فِي حَالِ الْحَيَاةِ. وَاخْتَارَهَا أَيْضًا جَمَاعَةٌ، مِنْهُمْ ابْنُ رَزِينٍ أَيْضًا فِي شَرْحِهِ، وَرَجَّحَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي الْفَتَاوَى الْمِصْرِيَّةِ. قَالَ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ: رَجَعَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ الرِّوَايَةِ الْأُولَى فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ، وَعَبْدِ اللَّهِ الصَّاغَانِيِّ. وَرَدَّهُ ابْنُ عُبَيْدَانَ وَغَيْرُهُ. وَقَالُوا: إنَّمَا هُوَ رِوَايَةٌ أُخْرَى. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ:
وَعَنْهُ الدِّبَاغُ مُطَهَّرٌ. فَعَلَيْهَا: هَلْ يُصَيِّرُهُ الدِّبَاغُ كَالْحَيَاةِ؟ وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي مُحَمَّدٍ، وَصَاحِبِ التَّلْخِيصِ: فَيَطْهُرُ جِلْدُ كُلِّ مَا حُكِمَ بِطَهَارَتِهِ فِي الْحَيَاةِ، أَوْ كَالذَّكَاةِ؟ وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي الْبَرَكَاتِ. فَلَا يَطْهُرُ إلَّا مَا تُطَهِّرُهُ الذَّكَاةُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ. انْتَهَى. [تَنْبِيهٌ: إذَا قُلْنَا: يَطْهُرُ جِلْدُ الْمَيْتَةِ بِالدِّبَاغِ، فَهَلْ ذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِمَا كَانَ مَأْكُولًا فِي حَالِ الْحَيَاةِ، أَوْ يَشْمَلُ جَمِيعَ مَا كَانَ طَاهِرًا فِي حَالِ الْحَيَاةِ؟ فِيهِ لِلْأَصْحَابِ وَجْهَانِ. وَحَكَاهُمَا فِي الْفُرُوعِ رِوَايَتَيْنِ. وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ عُبَيْدَانَ، وَالزَّرْكَشِيُّ وَصَاحِبُ الْفَائِقِ، وَغَيْرُهُمْ. أَحَدُهُمَا: يَشْمَلُ جَمِيعَ مَا كَانَ طَاهِرًا فِي حَالِ الْحَيَاةِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ، وَصَاحِبُ التَّلْخِيصِ، وَالشَّرْحِ، وَابْنُ حَمْدَانَ فِي رِعَايَتِهِ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَطْهُرُ إلَّا الْمَأْكُولُ، اخْتَارَهُ الْمَجْدُ، وَابْنُ رَزِينٍ. وَابْنُ عَبْدِ الْقَوِيِّ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي الْفَتَاوَى الْمِصْرِيَّةِ وَغَيْرُهُمْ] قَوْلُهُ (وَهَلْ يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْيَابِسَاتِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) . أَطْلَقَهُمَا فِي الْفُصُولِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِمَا، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى فِي هَذَا الْبَابِ، وَالزَّرْكَشِيُّ. إحْدَاهُمَا: يَجُوزُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: أَصَحُّهُمَا الْجَوَازُ، وَصَحَّحَهُ فِي نَظْمِهِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ فِي يَابِسٍ عَلَى الْأَصَحِّ وَقَدَّمَهُ فِي الْفَائِقِ. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: هَذَا أَظْهَرُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، فِي بَابٍ مِنْ النَّجَاسَاتِ، وَابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ.
تَنْبِيهَانِ أَحَدُهُمَا: قَوْلُهُ " بَعْدَ الدَّبْغِ " هِيَ مِنْ زَوَائِدِ الشَّارِحِ. وَعَلَيْهَا شَرْحُ ابْنِ عُبَيْدَانَ وَابْنِ مُنَجَّا، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالشَّرْحِ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ: وَيُبَاحُ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْيَابِسَاتِ، مَعَ الْقَوْلِ بِنَجَاسَتِهِ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ. وَفِي الْأُخْرَى: لَا يُبَاحُ، وَهُوَ أَظْهَرُ لِلنَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ. فَأَمَّا قَبْلَ الدَّبْغِ: فَلَا يُنْتَفَعُ بِهِ، قَوْلًا وَاحِدًا. انْتَهَى. وَقَدَّمَ هَذَا الْوَجْهَ الزَّرْكَشِيُّ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْحُكْمَ قَبْلَ الدَّبْغِ وَبَعْدَهُ سَوَاءٌ. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالنَّظْمِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، لَكِنَّ تَعْلِيلَهُ يَدُلُّ عَلَى الْأَوَّلِ. قَالَ فِي الْفَائِقِ: وَيُبَاحُ الِانْتِفَاعُ بِهَا فِي الْيَابِسَاتِ، اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ انْتَهَى، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِجُلُودِ الْكِلَابِ فِي الْيَابِسَاتِ. اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ انْتَهَى وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِجُلُودِ الْكِلَابِ فِي الْيَابِسِ، وَسَدِّ الْبُثُورِ بِهَا وَنَحْوَهُ. انْتَهَى. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ بِقِيلِ. وَقِيلَ. الثَّانِي: مَفْهُومُ كَلَامِهِ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ فِي غَيْرِ الْيَابِسَاتِ. كَالْمَائِعَاتِ وَنَحْوِهَا، وَهُوَ كَذَلِكَ. فَقَدْ قَالَ كَثِيرٌ مِنْ الْأَصْحَابِ: لَا يُنْتَفَعُ بِهَا فِيهِ، رِوَايَةً وَاحِدَةً. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: وَلَوْ لَمْ يُنَجِّسْ الْمَاءَ، بِأَنْ كَانَ يَسَعُ قُلَّتَيْنِ فَأَكْثَرَ. قَالَ: لِأَنَّهَا نَجِسَةُ الْعَيْنِ. أَشْبَهَتْ جِلْدَ الْخِنْزِيرِ. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي فَتَاوِيهِ: يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهَا فِي ذَلِكَ، إنْ لَمْ يُنَجِّسْ الْعَيْنَ. فَائِدَةٌ: فَعَلَى الْقَوْلِ بِجَوَازِ اسْتِعْمَالِهِ: يُبَاحُ دَبْغُهُ. وَعَلَى الْمَنْعِ: هَلْ يُبَاحُ دَبْغُهُ أَمْ لَا؟ فِيهِ وَجْهَانِ. وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَالزَّرْكَشِيُّ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَإِنْ جَازَ أُبِيحَ الدَّبْغُ. وَإِلَّا احْتَمَلَ التَّحْرِيمَ، وَاحْتَمَلَ الْإِبَاحَةَ كَغَسْلِ
نَجَاسَةٍ بِمَائِعٍ وَمَاءٍ مُسْتَعْمَلٍ، وَإِنْ لَمْ يَطْهُرْ. كَذَا قَالَ الْقَاضِي. وَكَلَامُ غَيْرِهِ خِلَافُهُ وَهُوَ أَظْهَرُ. انْتَهَى. تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ (وَلَا يَطْهُرُ جِلْدُ غَيْرِ الْمَأْكُولِ بِالذَّكَاةِ) يَعْنِي: إذَا ذُبِحَ ذَلِكَ وَهُوَ صَحِيحٌ. بَلْ لَا يَجُوزُ ذَبْحُهُ لِأَجْلِ ذَلِكَ، خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ، وَلَا لِغَيْرِهِ. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَلَوْ كَانَ فِي النَّزْعِ. وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: وَلَوْ كَانَ جِلْدَ آدَمِيٍّ. وَقُلْنَا يُنَجَّسُ بِمَوْتِهِ، وَهُوَ صَحِيحٌ، قَالَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ. وَاقْتَصَرَهُ عَلَيْهِ فِي الْفُرُوعِ، اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ. قَالَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ وَالْفَائِقِ. وَقَالَ الشَّارِحُ: وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ حَامِدٍ [وَقَالَ فِي مَكَان آخَرَ: وَيَحْرُمُ اسْتِعْمَالُ جِلْدِ الْآدَمِيِّ إجْمَاعًا. قَالَ فِي التَّعْلِيقِ وَغَيْرِهِ: وَلَا يَطْهُرُ بِدَبْغِهِ وَأَطْلَقَ بَعْضُهُمْ وَجْهَيْنِ انْتَهَى] قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَفِي اعْتِبَارِ كَوْنِهِ مَأْكُولًا وَغَيْرَ آدَمِيٍّ وَجْهَانِ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَفِي جِلْدِ الْآدَمِيِّ وَجْهَانِ: أَنَّهُ نَجِسٌ بِمَوْتِهِ. فَوَائِدُ مَا يَطْهُرُ بِدَبْغِهِ اُنْتُفِعَ بِهِ. وَلَا يَجُوزُ أَكْلُهُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَنُصَّ عَلَيْهِ [وَقِيلَ: يَجُوزُ، وَقَالَ فِي مَكَان آخَرَ: وَيَحْرُمُ اسْتِعْمَالُ جِلْدِ الْآدَمِيِّ إجْمَاعًا. قَالَ فِي التَّعْلِيقِ وَغَيْرِهِ، وَلَا يَطْهُرُ بِدَبْغِهِ، وَأَطْلَقَ بَعْضُهُمْ وَجْهَيْنِ انْتَهَى] . [وَفِيهِ رِوَايَةٌ، اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ. قَالَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ. وَالْفَائِقِ. وَقَالَ الشَّارِحُ: وَحُكِيَ عَنْ ابْنِ حَامِدٍ] . وَيَجُوزُ بَيْعُهُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَعَنْهُ لَا يَجُوزُ، وَهُوَ قَوْلٌ فِي الرِّعَايَةِ، كَمَا لَوْ لَمْ يَطْهُرْ بِدَبْغِهِ، وَكَمَا لَوْ بَاعَهُ قَبْلَ الدَّبْغِ. نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ، وَأَطْلَقَ الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْحَاوِي الْكَبِيرِ فِي الْبُيُوعِ، وَأَطْلَقَ أَبُو الْخَطَّابِ جَوَازَ بَيْعِهِ مَعَ نَجَاسَتِهِ كَثَوْبٍ
نَجِسٍ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَيَتَوَجَّهُ مِنْهُ بَيْعُ نَجَاسَةٍ يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهَا. وَلَا فَرْقَ. وَلَا إجْمَاعَ كَمَا قِيلَ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ الْمَالِكِيُّ: لَا بَأْسَ بِبَيْعِ الزِّبْلِ. قَالَ اللَّخْمِيُّ: هَذَا مِنْ قَوْلِهِ يَدُلُّ عَلَى بَيْعِ الْعَذِرَةِ. وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: لَا بَأْسَ بِبَيْعِ الْعَذِرَةِ. لِأَنَّهُ مِنْ مَنَافِعِ النَّاسِ. فَوَائِدُ الْأُولَى: يُبَاحُ لُبْسُ جِلْدِ الثَّعَالِبِ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ. فِيهِ نُصَّ عَلَيْهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفَائِقِ. وَعَنْهُ يُبَاحُ لُبْسُهُ. وَتَصِحُّ الصَّلَاةُ فِيهِ، وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ وَعَنْهُ تُكْرَهُ الصَّلَاةُ فِيهِ. وَعَنْهُ يَحْرُمُ لُبْسُهُ، اخْتَارَهُ الْخَلَّالُ. ذَكَرَهُ فِي التَّلْخِيصِ وَأَطْلَقَهُنَّ. وَأَطْلَقَ الْخِلَافَ ابْنُ تَمِيمٍ [قَالَ فِي الرِّعَايَةِ وَقِيلَ: يُبَاحُ لُبْسُهُ. قَوْلًا وَاحِدًا. وَفِي كَرَاهَةِ الصَّلَاةِ فِيهِ وَجْهَانِ. انْتَهَى. وَقَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ] وَابْنُ عُبَيْدَانَ وَغَيْرُهُمْ: الْخِلَافُ فِي هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى الْخِلَافِ فِي حِلِّهَا. وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَفِي لُبْسِ جِلْدِ الثَّعْلَبِ رِوَايَتَانِ، وَيَأْتِي حُكْمُ حِلِّهَا فِي بَابِ الْأَطْعِمَةِ. وَيَأْتِي آخِرَ سَتْرِ الْعَوْرَةِ. وَهَلْ يُكْرَهُ لُبْسُهُ وَافْتِرَاشُهُ جِلْدًا مُخْتَلِفًا فِي نَجَاسَتِهِ؟ الثَّانِيَةُ: لَا يُبَاحُ افْتِرَاشُ جُلُودِ السِّبَاعِ، مَعَ الْحُكْمِ بِنَجَاسَتِهَا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَالْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَغَيْرُهُمْ. وَعَنْهُ يُبَاحُ، اخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ. وَبَالَغَ حَتَّى قَالَ: يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِجُلُودِ الْكِلَابِ فِي الْيَابِسِ. وَسَدِّ الْبُثُوقِ وَنَحْوِهِ. وَلَمْ يَشْتَرِطْ دِبَاغًا. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ. وَالْفَائِقِ وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. وَحَكَاهُمَا وَجْهَيْنِ. وَالثَّالِثَةُ: فِي الْخَرَزِ بِشَعْرِ الْخِنْزِيرِ رِوَايَاتٍ: الْجَوَازُ، وَعَدَمُهُ، صَحَّحَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ. وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْكَرَاهَةُ. وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَصَحَّحَهُ فِي الْحَاوِيَيْنِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنَوِّرِ: وَأَطْلَقَهُنَّ فِي الْفُرُوعِ. وَأَطْلَقَ الْكَرَاهَةَ وَالْجَوَازَ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ.
وَيَجِبُ غَسْلُ مَا خُرِّزَ بِهِ رَطْبًا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: هَذَا الْأَقْيَسُ. وَعَنْهُ لَا يَجِبُ؛ لِإِفْسَادِ الْمَغْسُولِ. وَالرَّابِعَةُ: نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى جَوَازِ الْمُنْخُلِ مِنْ شَعْرٍ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ ابْنُ تَمِيمٍ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْفَائِقِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، ثُمَّ قَالَ: وَقُلْت يُكْرَهُ. فَوَائِدُ مِنْهَا: جَعْلُ مُصْرَانٍ وَتَرًا دِبَاغٌ. وَكَذَلِكَ الْكَرِشُ. ذَكَرَهُ أَبُو الْمَعَالِي. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ لَا. وَمِنْهَا: يُشْتَرَطُ فِيمَا يُدْبَغُ بِهِ أَنْ يَكُونَ مُنَشِّفًا لِلرُّطُوبَةِ، مُنَقِّيًا لِلْخَبَثِ، بِحَيْثُ لَوْ نُقِعَ الْجِلْدُ بَعْدَهُ فِي الْمَاءِ لَمْ يَفْسُدْ. وَزَادَ ابْنُ عَقِيلٍ: وَأَنْ يَكُونَ قَاطِعًا لِلرَّائِحَةِ وَالسَّهُوكَةِ. وَلَا يَظْهَرُ مِنْهُ رَائِحَةٌ، وَلَا طَعْمٌ، وَلَا لَوْنٌ خَبِيثٌ، إذَا انْتَفَعَ بِهِ بَعْدَ دَبْغِهِ فِي الْمَائِعَاتِ. وَمِنْهَا: يُشْتَرَطُ غَسْلُ الْمَدْبُوغِ عَلَى الصَّحِيحِ، اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ. قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: يُشْتَرَطُ غَسْلُهُ فِي أَظْهَرِ الْوَجْهَيْنِ، وَصَحَّحَهُ فِي الْحَوَاشِي وَالرِّعَايَتَيْنِ. قَالَ ابْنُ عُبَيْدَانَ: اشْتِرَاطُ الْغَسْلِ أَظْهَرُ. وَقِيلَ لَا يُشْتَرَطُ: وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْكَافِي، وَالشَّرْحِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْفُرُوعِ، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَابْنِ تَمِيمٍ، وَالْفَائِقِ. وَمِنْهَا: لَا يَحْصُلُ الدَّبْغُ بِنَجِسٍ: عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: يَحْصُلُ بِهِ. وَيُغْسَلُ بَعْدَهُ. قُلْت: فَيُعَايَى بِهَا. وَمِنْهَا: لَوْ شُمِّسَ أَوْ تُرِّبَ مِنْ غَيْرِ دَبْغٍ: لَمْ يَطْهُرْ، قَدَّمَهُ فِي التَّلْخِيصِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَحَوَاشِي الْمُحَرَّرِ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ فِي التَّشْمِيسِ. وَقِيلَ: يَطْهُرُ. وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ فِيهِمَا. وَأَطْلَقَهُمَا فِي التَّشْمِيسِ فِي
الْفَائِقِ، وَالْفُرُوعِ. وَقَالَ: وَيَتَوَجَّهَانِ فِي تَتْرِيبِهِ، أَوْ رِيحٍ. فَكَأَنَّهُ مَا اطَّلَعَ عَلَى الْخِلَافِ فِي التَّتْرِيبِ. وَمِنْهَا: لَا يَفْتَقِرُ الدَّبْغُ إلَى فِعْلٍ. فَلَوْ وَقَعَ جِلْدٌ فِي مَدْبَغَةٍ فَانْدَبَغَ طَهُرَ. قَوْلُهُ (وَلَبَنُ الْمَيْتَةِ وَإِنْفَحَتُهَا نَجِسٌ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ) ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَعَنْهُ أَنَّهُ طَاهِرٌ مُبَاحٌ، اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَصَاحِبُ الْفَائِقِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي نِهَايَةِ ابْنِ رَزِينٍ، وَصَحَّحَهُ فِي نَظْمِهَا. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الرِّعَايَتَيْنِ. فَائِدَةٌ: حُكْمُ جِلْدَةِ الْإِنْفَحَةِ حُكْمُ الْإِنْفَحَةِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ. وَجَزَمَ جَمَاعَةٌ بِنَجَاسَةِ الْجِلْدَةِ. وَذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ اتِّفَاقًا. وَقَالَ فِي الْفَائِقِ: وَالنِّزَاعُ فِي الْإِنْفَحَةِ دُونَ جِلْدَتِهَا. وَقِيلَ: فِيهِمَا. قَوْلُهُ (وَعَظْمُهَا، وَقَرْنُهَا، وَظُفُرُهَا: نَجِسٌ) . وَكَذَا عَصَبُهَا وَحَافِرُهَا، يَعْنِي الَّتِي تُنَجِّسُ بِمَوْتِهَا. وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ عَنْهُ طَاهِرٌ. ذَكَرَهَا فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ. قَالَ فِي الْفَائِقِ: وَخَرَّجَ أَبُو الْخَطَّابِ الطَّهَارَةَ، وَاخْتَارَهُ شَيْخُنَا، يَعْنِي بِهِ الشَّيْخَ تَقِيَّ الدِّينِ. قَالَ: وَهُوَ الْمُخْتَارُ. انْتَهَى. قَالَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ: فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ بَيْعُهُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَقِيلَ لِأَنَّهُ لَا حَيَاةَ فِيهِ. وَقِيلَ وَهُوَ الْأَصَحُّ لِانْتِفَاءِ سَبَبِ التَّنْجِيسِ، وَهُوَ الرُّطُوبَةُ. انْتَهَى. وَفِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ وَجْهٌ: أَنَّ مَا سَقَطَ عَادَةً، مِثْلُ قُرُونِ الْوُعُولِ: طَاهِرٌ. وَغَيْرُهُ نَجِسٌ. قَوْلُهُ (وَصُوفُهَا، وَشَعْرُهَا، وَرِيشُهَا طَاهِرٌ) . وَكَذَلِكَ الْوَبَرُ، يَعْنِي: الطَّاهِرَ فِي حَالِ الْحَيَاةِ. وَهَذَا الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَقَطَعَ بِهِ أَكْثَرُهُمْ. نَقَلَ الْمَيْمُونِيُّ: صُوفُ الْمَيْتَةِ مَا أَعْلَمُ أَحَدًا كَرِهَهُ. وَعَنْهُ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ نَجِسٌ، اخْتَارَهُ الْآجُرِّيُّ. قَالَ: لِأَنَّهُ مَيْتَةٌ. وَقِيلَ: يَنْجُسُ شَعْرُ الْهِرِّ، وَمَا دُونَهَا فِي الْخِلْقَةِ بِالْمَوْتِ، لِزَوَالِ عِلَّةِ الطَّوَافِ، ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ.
فَائِدَةٌ: فِي الصُّوفِ وَالشَّعْرِ وَالرِّيشِ الْمُنْفَصِلِ مِنْ الْحَيَوَانِ الْحَيِّ الَّذِي لَا يُؤْكَلُ غَيْرَ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْآدَمِيِّ، ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ: النَّجَاسَةُ، وَالطَّهَارَةُ، وَالنَّجَاسَةُ مِنْ النَّجِسِ، وَالطَّهَارَةُ مِنْ الطَّاهِرِ. وَهِيَ الْمَذْهَبُ، قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّارِحُ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: وَكُلُّ حَيَوَانٍ فَحُكْمُ شَعْرِهِ حُكْمُ بَقِيَّةِ أَجْزَائِهِ: مَا كَانَ طَاهِرًا فَشَعْرُهُ طَاهِرٌ حَيًّا وَمَيِّتًا. وَمَا كَانَ نَجِسًا فَشَعْرُهُ كَذَلِكَ لَا فَرْقَ بَيْنَ حَالَةِ الْحَيَاةِ وَحَالَةِ الْمَوْتِ. قَالَ ابْنُ عُبَيْدَانَ: وَالضَّابِطُ أَنَّ كُلَّ صُوفٍ، أَوْ شَعْرٍ أَوْ وَبَرٍ، أَوْ رِيشٍ. فَإِنَّهُ تَابِعٌ لِأَصْلِهِ فِي الطَّهَارَةِ وَالنَّجَاسَةِ، وَمَا كَانَ أَصْلُهُ مُخْتَلِفًا فِيهِ: خَرَجَ عَلَى الْخِلَافِ. انْتَهَى. وَقَالَ فِي الْحَاوِيَيْنِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى وَشَعْرُهَا وَصُوفُهَا وَوَبَرُهَا وَرِيشُهَا طَاهِرٌ. وَعَنْهُ نَجِسٌ. وَكَذَلِكَ كُلُّ حَيَوَانٍ طَاهِرٍ لَا يُؤْكَلُ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، بَعْدَ أَنْ حَكَى الْخِلَافَ فِي الصُّوفِ وَنَحْوِهِ: وَمُنْفَصِلُهُ فِي الْحَيَاةِ طَاهِرٌ. وَقِيلَ: لَا، وَهُوَ بَعِيدٌ. انْتَهَى. وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ بَعْدَ أَنْ حَكَى الْخِلَافَ فِي الشَّعْرِ وَنَحْوِهِ، وَقَدَّمَ أَنَّهُ طَاهِرٌ وَكَذَلِكَ مِنْ حَيَوَانٍ حَيٍّ لَا يُؤْكَلُ. وَعَنْهُ مِنْ طَاهِرٍ: طَاهِرٌ انْتَهَى. فَظَاهِرُ كَلَامِهِ: أَنَّ تِلْكَ الْأَجْزَاءَ مِنْ الْحَيَوَانِ الْحَيِّ الَّذِي لَا يُؤْكَلُ: طَاهِرَةٌ عَلَى الْمُقَدَّمِ، سَوَاءٌ كَانَتْ مِنْ طَاهِرٍ أَوْ نَجِسٍ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ. وَظَاهِرُ كَلَامِهِ: إدْخَالُ شَعْرِ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ، وَأَنَّ الْمُقَدَّمَ: أَنَّهُ طَاهِرٌ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، بَلْ هُوَ قَدَّمَ فِي بَابِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ: أَنَّ شَعْرَهُمَا نَجِسٌ. وَقَطَعَ بِهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ. وَالظَّاهِرُ: أَنَّهُ أَرَادَ غَيْرَهُمَا. وَأَطْلَقَ الرِّوَايَاتِ الثَّلَاثَ ابْنُ تَمِيمٍ فِي آخِرِ بَابِ اللِّبَاسِ. وَأَمَّا شَعْرُ الْآدَمِيِّ الْمُنْفَصِلُ: فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ: طَهَارَتُهُ قَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ. وَعَنْهُ نَجَاسَتُهُ، غَيْرَ شَعْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَعَنْهُ نَجَاسَتُهُ مِنْ كَافِرٍ، وَهُوَ قَوْلٌ فِي الرِّعَايَةِ، وَاخْتَارَهُ بَعْضُ الْأَصْحَابِ، وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ. طَهَارَةُ ظُفُرِهِ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَفِيهِ احْتِمَالٌ بِنَجَاسَتِهِ. ذَكَرَهُ ابْنُ رَجَبٍ فِي الْقَاعِدَةِ الثَّانِيَةِ وَغَيْرُهُ. قَالَ ابْنُ عُبَيْدَانَ: وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي. وَهُمَا وَجْهَانِ مُطْلَقًا فِي بَابِ إزَالَةِ
باب الاستنجاء
النَّجَاسَةِ مِنْ الرِّعَايَةِ وَالْحَاوِيَيْنِ. وَيَأْتِي فِي ذَلِكَ الْبَابِ حُكْمُ الْآدَمِيِّ وَأَبْعَاضِهِ. فَائِدَتَانِ إحْدَاهُمَا: إذَا صَلُبَ قِشْرُ بَيْضَةِ الْمَيْتَةِ مِنْ الطَّيْرِ الْمَأْكُولِ، فَبَاطِنُهَا طَاهِرٌ بِلَا نِزَاعٍ وَنُصَّ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَصْلُبْ فَهُوَ نَجِسٌ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، جَزَمَ بِهِ أَبُو الْحُسَيْنِ فِي فُرُوعِهِ وَغَيْرُهُ، وَقَدَّمَهُ فِي الْكَافِي، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَالْفَائِقِ وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ. وَقِيلَ: طَاهِرٌ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ. وَالثَّانِيَةُ: لَوْ سُلِقَتْ الْبَيْضَةُ فِي نَجَاسَةٍ لَمْ تَحْرُمْ، نُصَّ عَلَيْهِ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. [بَابُ الِاسْتِنْجَاءِ] ِ قَوْلُهُ (وَلَا يَدْخُلُ بِشَيْءٍ فِيهِ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى) ، الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: كَرَاهَةُ دُخُولِهِ الْخَلَاءَ بِشَيْءٍ فِيهِ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى. إذَا لَمْ تَكُنْ حَاجَةٌ، جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَقَدَّمَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَالنَّظْمُ، وَالْفُرُوعُ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَغَيْرُهُمْ. وَعَنْهُ: لَا يُكْرَهُ. قَالَ ابْنُ رَجَبٍ فِي كِتَابِ الْخَوَاتِمِ: وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَا يُكْرَهُ. وَهِيَ اخْتِيَارُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي مُوسَى، وَالسَّامِرِيِّ، وَصَاحِبِ الْمُغْنِي. انْتَهَى. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَقِيلَ: يَجُوزُ اسْتِصْحَابُ مَا فِيهِ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى مُطْلَقًا، وَهُوَ بَعِيدٌ. انْتَهَى. وَقَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: تَرْكُهُ أَوْلَى. قَالَ فِي النُّكَتِ: وَلَعَلَّهُ أَقْرَبُ. انْتَهَى، وَقَطَعَ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ بِالتَّحْرِيمِ، وَمَا هُوَ بِبَعِيدٍ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَجَزَمَ بَعْضُهُمْ بِتَحْرِيمِهِ، كَمُصْحَفٍ. وَفِي نُسَخٍ: لِمُصْحَفٍ. قُلْت: أَمَّا دُخُولُ الْخَلَاءِ بِمُصْحَفٍ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ: فَلَا شَكَّ فِي تَحْرِيمِهِ قَطْعًا وَلَا يَتَوَقَّفُ فِي هَذَا عَاقِلٌ.
تَنْبِيهٌ: حَيْثُ دَخَلَ الْخَلَاءَ بِخَاتَمٍ فِيهِ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى، جَعَلَ فَصَّهُ فِي بَاطِنِ كَفِّهِ وَإِنْ كَانَ فِي يَسَارِهِ أَدَارَهُ إلَى يَمِينِهِ لِأَجْلِ الِاسْتِنْجَاءِ. فَائِدَةٌ: لَا بَأْسَ بِحَمْلِ الدَّرَاهِمِ وَنَحْوِهَا فِيهِ، نُصَّ عَلَيْهِمَا، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ فِي حَمْلِ الْحِرْزِ مِثْلُ حَمْلِ الدَّرَاهِمِ. قَالَ النَّاظِمُ: بَلْ أَوْلَى بِالرُّخْصَةِ مِنْ حَمْلِهَا. قُلْت: وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا، وَكَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ: أَنَّ حَمْلَ الدَّرَاهِمِ فِي الْخَلَاءِ كَغَيْرِهَا فِي الْكَرَاهَةِ وَعَدَمِهَا. ثُمَّ رَأَيْت ابْنَ رَجَبٍ ذَكَرَ فِي كِتَابِ الْخَوَاتِمِ: أَنَّ أَحْمَدَ نَصَّ عَلَى كَرَاهَةِ ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ هَانِئٍ. فَقَالَ فِي الدِّرْهَمِ: إذَا كَانَ فِيهِ " اسْمُ اللَّهِ " أَوْ مَكْتُوبًا عَلَيْهِ " قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ " يُكْرَهُ أَنْ يَدْخُلَ اسْمُ اللَّهِ الْخَلَاءَ. انْتَهَى: قَوْلُهُ (وَلَا يَرْفَعُ ثَوْبَهُ حَتَّى يَدْنُوَ مِنْ الْأَرْضِ) . إذَا لَمْ تَكُنْ حَاجَةٌ يَحْتَمِلُ الْكَرَاهَةَ. وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ. وَهِيَ الصَّحِيحَةُ مِنْ الْمَذْهَبِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْفُصُولِ وَالْمُغْنِي، وَشَرْحِ الْعُمْدَةِ لِلشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ. وَيَحْتَمِلُ التَّحْرِيمَ. وَهِيَ رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ عَنْ أَحْمَدَ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ. تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ قَوْلِهِ (وَلَا يَتَكَلَّمُ) الْإِطْلَاقُ. فَشَمِلَ رَدَّ السَّلَامِ. وَحَمْدَ الْعَاطِسِ، وَإِجَابَةَ الْمُؤَذِّنِ، وَالْقِرَاءَةَ وَغَيْرَ ذَلِكَ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَكَلَّمَ. وَكَرِهَهُ الْأَصْحَابُ. قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَأَمَّا رَدُّ السَّلَامِ: فَيُكْرَهُ بِلَا خِلَافٍ فِي الْمُذْهَبِ، نَصَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ. حَكَاهُ فِي الرِّعَايَةِ مِنْ عَدَمِ الْكَرَاهَةِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ سَهْوٌ. وَأَمَّا حَمْدُ الْعَاطِسِ، وَإِجَابَةُ الْمُؤَذِّنِ: فَيَحْمَدُ، وَيُجِيبُ بِقَلْبِهِ، وَيُكْرَهُ بِلَفْظِهِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَعَنْهُ لَا يُكْرَهُ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: يُجِيبُ الْمُؤَذِّنَ فِي الْخَلَاءِ، وَيَأْتِي ذَلِكَ أَيْضًا فِي بَابِ الْأَذَانِ.
وَأَمَّا الْقِرَاءَةُ: فَجَزَمَ صَاحِبُ النَّظْمِ بِتَحْرِيمِهَا فِيهِ. وَعَلَى سَطْحِهِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ، وَهُوَ يُتَّجَهُ عَلَى حَاجَتِهِ. قُلْت: الصَّوَابُ تَحْرِيمُهُ فِي نَفْسِ الْخَلَاءِ. وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمَجْدِ وَغَيْرِهِ يُكْرَهُ. وَقَالَ فِي الْغُنْيَةِ: لَا يَتَكَلَّمُ وَلَا يَذْكُرُ اللَّهَ، وَلَا يَزِيدُ عَلَى التَّسْمِيَةِ وَالتَّعَوُّذِ. وَقَالَ ابْنُ عُبَيْدَانَ: وَمَنَعَ صَاحِبُ الْمُسْتَوْعِبِ مِنْ الْجَمِيعِ. فَقَالَ: وَلَا يَتَكَلَّمُ بِرَدِّ سَلَامٍ وَلَا غَيْرِهِ. وَكَذَلِكَ قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ. قَالَ ابْنُ عُبَيْدَانَ: وَظَاهِرُ كَلَامِ أَصْحَابِنَا تَحْرِيمُ الْجَمِيعِ. لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ. فَإِنَّهُ يَقْتَضِي الْمَنْعَ مُطْلَقًا. انْتَهَى. قَالَ فِي النُّكَتِ. دَلِيلُ الْأَصْحَابِ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ. وَعَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ انْتَهَى. وَقَوْلُ ابْنِ عُبَيْدَانَ: إنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ الْأَصْحَابِ تَحْرِيمُ الْجَمِيعِ: فِيهِ نَظَرٌ. إذْ قَدْ صَرَّحَ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ بِالْكَرَاهَةِ فَقَطْ فِي ذَلِكَ. وَتَقَدَّمَ نَقْلُ صَاحِبِ الْفُرُوعِ. وَلَيْسَ فِي كَلَامِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَغَيْرِهِ تَصْرِيحٌ فِي ذَلِكَ. بَلْ كِلَاهُمَا مُحْتَمِلٌ كَلَامَ غَيْرِهِمَا. قَوْلُهُ (وَلَا يَلْبَثُ فَوْقَ حَاجَتِهِ) . يَحْتَمِلُ الْكَرَاهَةَ. وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْفُصُولِ، وَالْكَافِي، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَحَوَاشِي ابْنِ مُفْلِحٍ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ. وَيَحْتَمِلُ التَّحْرِيمَ، وَهُوَ رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ. اخْتَارَهَا الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ. تَنْبِيهٌ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ هِيَ مَسْأَلَةُ سَتْرِهَا عَنْ الْمَلَائِكَةِ وَالْجِنِّ. ذَكَرَهُ أَبُو الْمَعَالِي. وَمَعْنَاهُ فِي الرِّعَايَةِ. وَيُوَافِقُهُ كَلَامُ الْمَجْدِ فِي ذِكْرِ الْمَلَائِكَةِ. قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ. فَائِدَةٌ: لُبْثُهُ فَوْقَ حَاجَتِهِ: مُضِرٌّ عِنْدَ الْأَطِبَّاءِ. وَيُقَالُ: إنَّهُ يُدْمِي الْكَبِدَ. وَيَأْخُذُ مِنْهُ الْبَاسُورَ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ وَالنُّكَتِ: وَهُوَ أَيْضًا كَشْفٌ لِعَوْرَتِهِ فِي خَلْوَةٍ
بِلَا حَاجَةٍ. وَفِي تَحْرِيمِهِ وَكَرَاهَتِهِ رِوَايَتَانِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَالنُّكَتِ، وَابْنِ تَمِيمٍ قُلْت: ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ عُبَيْدَانَ، وَابْنِ تَمِيمٍ، وَغَيْرِهِمَا. أَنَّ اللُّبْثَ فَوْقَ الْحَاجَةِ أَخَفُّ مِنْ كَشْفِ الْعَوْرَةِ ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ. فَإِنَّهُمَا جَزَمَا هُنَا بِالْكَرَاهَةِ. وَصَحَّحَ ابْنُ عُبَيْدَانَ التَّحْرِيمَ فِي كَشْفِهَا ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ. وَأَطْلَقَ الْخِلَافَ فِيهِ ابْنُ تَمِيمٍ وَيَأْتِي ذَلِكَ فِي أَوَّلِ بَابِ سَتْرِ الْعَوْرَةِ. تَنْبِيهٌ: حَيْثُ قُلْنَا " لَمْ يَحْرُمْ " فِيمَا تَقَدَّمَ فَيُكْرَهُ. وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: جَازَ. وَعَنْهُ يُكْرَهُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَاك قَالَ. فَائِدَةٌ: يُسْتَحَبُّ تَغْطِيَةُ رَأْسِهِ حَالَ التَّخَلِّي. ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ. نَقَلَهُ عَنْهُمْ فِي الْفُرُوعِ فِي بَابِ عِشْرَةِ النِّسَاءِ. قُلْت: مِنْهُمْ ابْنُ حَمْدَانَ فِي رِعَايَتَيْهِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَالْمُصَنِّفُ. وَالشَّارِحُ وَغَيْرُهُمْ. تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ (وَلَا يَبُولُ فِي شِقٍّ وَلَا سَرَبٍ) يَعْنِي: يُكْرَهُ بِلَا نِزَاعٍ أَعْلَمُهُ. وَقَوْلُهُ (وَلَا طَرِيقٍ) يَحْتَمِلُ الْكَرَاهَةَ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْفُصُولِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْكَافِي، وَالشَّرْحِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ. وَيَحْتَمِلُ التَّحْرِيمَ، جَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَابْنِ تَمِيمٍ، وَابْنِ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ. تَنْبِيهٌ: مُرَادُهُ بِالطَّرِيقِ هُنَا: الطَّرِيقُ الْمَسْلُوكُ. قَالَهُ الْأَصْحَابُ. وَقَوْلُهُ (وَلَا ظِلٍّ نَافِعٍ) يَحْتَمِلُ الْكَرَاهَةَ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، جَزَمَ بِهِ فِي مَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْكَافِي، وَالشَّرْحِ. وَيَحْتَمِلُ التَّحْرِيمَ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَابْنِ تَمِيمٍ وَابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ. وَقَوْلُهُ (وَلَا تَحْتَ شَجَرَةٍ مُثْمِرَةٍ) وَكَذَا مَوْرِدُ الْمَاءِ. فَيَحْتَمِلُ الْكَرَاهَةَ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، جَزَمَ بِهِ فِي مَسْبُوكِ
الذَّهَبِ وَالْكَافِي، وَالشَّرْحِ، وَابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ. وَيَحْتَمِلُ التَّحْرِيمَ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ رَزِينٍ. وَقَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: إنْ كَانَتْ الثَّمَرَةُ لَهُ: كُرِهَ، وَإِنْ كَانَتْ لِغَيْرِهِ: حَرُمَ. انْتَهَى. وَهُمَا وَجْهَانِ فِي الْمَسَائِلِ الْأَرْبَعِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ. وَعِبَارَةُ كَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ كَعِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ. وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِيهَا: الْكَرَاهَةُ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ " وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ " وَبِقَوْلِهِ " قِيلَ: وَلَا يَبُولُ فِي شِقٍّ وَلَا سَرَبٍ " فَإِنَّهُ يُكْرَهُ بِلَا نِزَاعٍ كَمَا تَقَدَّمَ. تَنْبِيهَانِ: أَحَدُهُمَا: قَوْلُهُ " مُثْمِرَةٍ " يَعْنِي عَلَيْهَا ثَمَرَةٌ. قَالَهُ كَثِيرٌ مِنْ الْأَصْحَابِ. وَقَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ أَصْلُ الْمَذْهَبِ مِنْ أَنَّ النَّجَاسَةَ لَا يُطَهِّرُهَا رِيحٌ وَلَا شَمْسٌ أَنَّهُ إذَا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ مَجِيءُ الثَّمَرَةِ قَبْلَ مَطَرٍ أَوْ سَقْيٍ: يُطَهِّرَانِهِ، كَمَا لَوْ كَانَ عَلَيْهَا ثَمَرَةٌ، لَا سِيَّمَا فِيمَا تُجْمَعُ ثَمَرَتُهُ مِنْ تَحْتِهِ. كَالزَّيْتُونِ. انْتَهَى. قُلْت: وَفِيهِ نَظَرٌ، إلَّا إذَا كَانَتْ رَطْبَةً، بِحَيْثُ يَتَحَلَّلُ مِنْهَا شَيْءٌ. الثَّانِي: مَفْهُومُ قَوْلِهِ " مُثْمِرَةٍ " أَنَّ لَهُ أَنْ يَبُولَ تَحْتَ غَيْرِ الْمُثْمِرَةِ، وَهُوَ صَحِيحٌ وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. وَقَطَعَ فِي تَذْكِرَةِ ابْنِ عَقِيلٍ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالنِّهَايَةِ: أَنَّهُ لَا يَبُولُ تَحْتَ مُثْمِرَةٍ، وَلَا غَيْرِ مُثْمِرَةٍ فَوَائِدُ: يُكْرَهُ بَوْلُهُ فِي مَاءٍ رَاكِدٍ مُطْلَقًا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، نُصَّ عَلَيْهِ. وَأَطْلَقَ الْأَدَمِيُّ الْبَغْدَادِيُّ فِي مُنْتَخَبِهِ تَحْرِيمَهُ فِيهِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي مُنَوَّرِهِ. وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ، وَفِي النِّهَايَةِ: يُكْرَهُ تَغَوُّطُهُ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ. انْتَهَى، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْفُصُولِ أَيْضًا. فَقَالَ: يُكْرَهُ الْبَوْلُ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ. وَكَذَا التَّغَوُّطُ فِيهِ. وَيُكْرَهُ بَوْلُهُ فِي مَاءٍ قَلِيلٍ جَارٍ، وَلَا يُكْرَهُ فِي الْكَثِيرِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَاخْتَارَ فِي الْحَاوِي الْكَبِيرِ الْكَرَاهَةَ. انْتَهَى.
وَيَحْرُمُ التَّغَوُّطُ فِي الْمَاءِ الْجَارِي عَلَى الصَّحِيحِ، جَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ. وَعَنْهُ يُكْرَهُ، جَزَمَ بِهِ فِي الْمَجْدِ فِي شَرْحِهِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَصَاحِبُ الْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَمَجْمَعُ الْبَحْرَيْنِ. وَتَقَدَّمَ كَلَامُهُ فِي الْفُصُولِ، وَالنِّهَايَةِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَلَا يَبُولُ فِي مَاءٍ وَاقِفٍ. وَلَا يَتَغَوَّطُ فِي مَاءٍ جَارٍ. قُلْت: إنْ نَجُسَا بِهِمَا. انْتَهَى. وَيُكْرَهُ فِي إنَاءٍ بِلَا حَاجَةٍ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، نُصَّ عَلَيْهِ. وَقِيلَ: لَا يُكْرَهُ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ. وَيُكْرَهُ فِي مُسْتَحَمٍّ غَيْرِ مُبَلَّطٍ. وَلَا يُكْرَهُ فِي الْمُبَلَّطِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَنْهُ يُكْرَهُ. وَلَا يُكْرَهُ الْبَوْلُ فِي الْمَقْبَرَةِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، جَزَمَ بِهِ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَعَنْهُ يُكْرَهُ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ. وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ، مِنْهُمْ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ، وَابْنُ الْجَوْزِيِّ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ، وَغَيْرُهُمْ: كَرَاهَةَ الْبَوْلِ فِي نَارٍ. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ، وَالْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ: يُقَالُ يُوَرِّثُ السَّقَمَ. زَادَ فِي الْفُصُولِ: وَيُؤْذِي بِرَائِحَتِهِ. زَادَ فِي الرِّعَايَةِ: وَرَمَادٍ. قَالَ الْقَاضِي فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ، وَابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ، وَالسَّامِرِيُّ، وَابْنُ حَمْدَانَ، وَغَيْرُهُمْ: وَقَزْعٍ، وَهُوَ الْمَوْضِعُ الْمُتَجَرِّدُ عَنْ النَّبْتِ مَعَ بَقَايَا مِنْهُ. وَلَا يُكْرَهُ الْبَوْلُ قَائِمًا بِلَا حَاجَةٍ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، نُصَّ عَلَيْهِ، إنْ أَمِنَ تَلَوُّثًا وَنَاظِرًا. وَعَنْهُ يُكْرَهُ. قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: وَتَبِعَهُ فِي الْحَاوِي الْكَبِيرِ وَغَيْرِهِ: وَهُوَ الْأَقْوَى عِنْدِي. وَيَحْرُمُ تَغَوُّطُهُ عَلَى مَا نُهِيَ عَنْ الِاسْتِجْمَارِ بِهِ. كَرَوْثٍ وَعَظْمٍ وَنَحْوِهِمَا، وَعَلَى مَا يَتَّصِلُ بِحَيَوَانٍ كَذَنَبِهِ وَيَدِهِ وَرِجْلِهِ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَلَا يَتَغَوَّطُ عَلَى مَا لَهُ حُرْمَةٌ، كَمَطْعُومٍ وَعَلَفِ بَهِيمَةٍ وَغَيْرِهِمَا. وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ: يُكْرَهُ تَغَوُّطُهُ عَلَى الطَّعَامِ، كَعَلَفِ دَابَّةٍ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ سَهْوٌ.
وَيُكْرَهُ الْبَوْلُ وَالتَّغَوُّطُ عَلَى الْقُبُورِ. قَالَهُ فِي النِّهَايَةِ لِأَبِي الْمَعَالِي. قُلْت: لَوْ قِيلَ بِالتَّحْرِيمِ لَكَانَ أَوْلَى. قَوْلُهُ (وَلَا يَسْتَقْبِلُ الشَّمْسَ وَلَا الْقَمَرَ) الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: كَرَاهَةُ ذَلِكَ. جَزَمَ بِهِ فِي الْإِيضَاحِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالنَّظْمِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ وَغَيْرِهِمْ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالْفَائِقِ، وَغَيْرِهِمْ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ مِمَّنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِالْكَرَاهَةِ. وَقِيلَ: لَا يُكْرَهُ، وَاخْتَارَهُ فِي الْفَائِقِ. وَعِنْدَ أَبِي الْفَرَجِ الشِّيرَازِيِّ: حُكْمُ اسْتِقْبَالِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَاسْتِدْبَارِهِمَا: حُكْمُ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ وَاسْتِدْبَارِهَا، عَلَى مَا يَأْتِي قَرِيبًا. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ سَهْوٌ. وَقَالَ أَيْضًا: وَقِيلَ لَا يُكْرَهُ التَّوَجُّهُ إلَيْهِمَا، كَبَيْتِ الْمَقْدِسِ فِي ظَاهِرِ نَقْلِ إبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا فِي خِلَافِ الْقَاضِي. وَحَمْلُ النَّهْيِ حِينَ كَانَ قِبْلَةً. وَلَا يُسَمَّى بَعْدَ النَّسْخِ قِبْلَةً. قُلْت: ظَاهِرُ كَلَامِ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ: عَدَمُ الْكَرَاهَةِ. وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي النَّسْخِ بَقَاءَ حُرْمَتِهِ وَظَاهِرُ نَقْلِ حَنْبَلٍ فِيهِ يُكْرَهُ. فَائِدَةٌ: يُكْرَهُ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الرِّيحَ دُونَ حَائِلٍ يَمْنَعُ. قَوْلُهُ (وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ فِي الْفَضَاءِ. وَفِي اسْتِدْبَارِهَا فِيهِ، وَاسْتِقْبَالِهَا فِي الْبُنْيَانِ: رِوَايَتَانِ) اعْلَمْ أَنَّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ رِوَايَاتٍ. إحْدَاهُنَّ: جَوَازُ الِاسْتِقْبَالِ وَالِاسْتِدْبَارِ فِي الْبُنْيَانِ دُونَ الْفَضَاءِ. وَهِيَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: هَذَا الْمَنْصُورُ عِنْدَ الْأَصْحَابِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِيضَاحِ، وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَقِيلٍ، وَالطَّرِيقِ الْأَقْرَبِ، وَالْعُمْدَةِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالتَّسْهِيلِ، وَغَيْرِهِمْ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَالنَّظْمِ،
وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ. وَقَالَ: هَذَا تَفْصِيلُ الْمَذْهَبِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ عُبَيْدَانَ وَغَيْرُهُ. وَالثَّانِيَةُ: يَحْرُمُ الِاسْتِقْبَالُ وَالِاسْتِدْبَارُ فِي الْفَضَاءِ وَالْبُنْيَانِ. جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْمُنْتَخَبِ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَصَاحِبُ الْهُدَى، وَالْفَائِقِ وَغَيْرِهِمْ. وَالثَّالِثَةُ: يَجُوزَانِ فِيهِمَا. وَالرَّابِعَةُ: يَجُوزُ الِاسْتِدْبَارُ فِي الْفَضَاءِ وَالْبُنْيَانِ، وَلَا يَجُوزُ الِاسْتِقْبَالُ فِيهِمَا. وَالْخَامِسَةُ: يَجُوزُ الِاسْتِدْبَارُ فِي الْبُنْيَانِ فَقَطْ. وَحَكَاهَا ابْنُ الْبَنَّا فِي كَامِلِهِ وَجْهًا وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ هُنَا وَأَطْلَقَهُنَّ فِي الْفُرُوعِ. وَقَالَ فِي الْمُبْهِجِ: يَجُوزُ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ إذَا كَانَ الرِّيحُ فِي غَيْرِ جِهَتِهَا. وَقَالَ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ فِي رُءُوسِ الْمَسَائِلِ: يُكْرَهُ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ فِي الصَّحَارِي. وَلَا يُمْنَعُ فِي الْبُنْيَانِ. وَقَالَ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمَذْهَبِ الْأَحْمَدِ: لَا يَجُوزُ لِمَنْ أَرَادَ قَضَاءَ الْحَاجَةِ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ وَاسْتِدْبَارُهَا فِي الْفَضَاءِ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَ الْبُنْيَانِ. جَازَ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَالْأُخْرَى: لَا يَجُوزُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَقَالَ فِي الْمَذْهَبِ: يَحْرُمُ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ إذَا كَانَ فِي الْفَضَاءِ، رِوَايَةً وَاحِدَةً. وَفِي الِاسْتِدْبَارِ رِوَايَتَانِ. فَإِنْ كَانَ فِي الْبُنْيَانِ: فَفِي جَوَازِ الِاسْتِقْبَالِ وَالِاسْتِدْبَارِ رِوَايَتَانِ. وَقَالَ فِي التَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ: لَا يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ، وَفِي الِاسْتِدْبَارِ رِوَايَتَانِ، وَيَجُوزُ ذَلِكَ فِي الْبُنْيَانِ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ. فَائِدَتَانِ إحْدَاهُمَا: يَكْفِي انْحِرَافُهُ عَنْ الْجِهَةِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَنَقَلَهُ أَبُو دَاوُد. وَمَعْنَاهُ فِي الْخِلَافِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ كَلَامِ صَاحِبِ الْمُحَرَّرِ وَحَفِيدِهِ: لَا يَكْفِي. وَيَكْفِي الِاسْتِتَارُ بِدَابَّةٍ وَجِدَارٍ وَجَبَلٍ وَنَحْوِهِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ
وَقِيلَ: لَا يَكْفِي. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ لَا يُعْتَبَرُ قُرْبُهُ مِنْهَا. كَمَا لَوْ كَانَ فِي بَيْتٍ. قَالَ: وَيَتَوَجَّهُ وَجْهٌ، كَسُتْرَةِ صَلَاةٍ. وَمَالَ إلَيْهِ. الثَّانِيَةُ: يُكْرَهُ اسْتِقْبَالُهَا فِي فَضَاءٍ بِاسْتِنْجَاءٍ وَاسْتِجْمَارٍ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَقِيلَ: لَا يُكْرَهُ. ذَكَرَهُ فِي الرِّعَايَةِ. قُلْت: وَيَتَوَجَّهُ التَّحْرِيمُ. قَوْلُهُ (فَإِذَا فَرَغَ مَسَحَ بِيَدِهِ الْيُسْرَى مِنْ أَصْلِ ذَكَرِهِ إلَى رَأْسِهِ. ثُمَّ يَنْتُرُهُ ثَلَاثًا) نَصَّ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ. وَظَاهِرُهُ: يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ كُلُّهُ ثَلَاثًا. وَقَالَهُ الْأَصْحَابُ. قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: يُكْرَهُ السَّلْتُ وَالنَّتْرُ. قَالَ ابْنُ أَبِي الْفَتْحِ فِي مَطْلَعِهِ: قَوْلُ الْمُصَنِّفِ " ثَلَاثًا " عَائِدٌ إلَى " مَسْحِهِ وَنَتْرِهِ " أَيْ يَمْسَحُهُ ثَلَاثًا. وَيَنْتُرُهُ ثَلَاثًا. صَرَّحَ بِهِ أَبُو الْخَطَّابِ فِي الْهِدَايَةِ. انْتَهَى. وَهُوَ فِي بَعْضِ نُسَخِهَا، وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي بَعْضِهَا. وَقَوْلُهُ (مِنْ أَصْلِ ذَكَرِهِ) هُوَ الدَّرْزَايُ مِنْ حَلْقَةِ الدُّبُرِ. تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَكَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ: أَنَّهُ لَا يَتَنَحْنَحُ، وَلَا يَمْشِي بَعْدَ فَرَاغِهِ، وَقَبْلَ الِاسْتِنْجَاءِ، وَهُوَ صَحِيحٌ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: كُلُّ ذَلِكَ بِدْعَةٌ. وَلَا يَجِبُ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ. وَذَكَرَ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ قَوْلًا: يُكْرَهُ نَحْنَحَةٌ وَمَشْيٌ، وَلَوْ احْتَاجَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ وَسْوَسَةٌ. وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ، مِنْهُمْ: صَاحِبُ الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَغَيْرُهُمْ: يَتَنَحْنَحُ. زَادَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي: وَيَمْشِي خُطُوَاتٍ. وَعَنْ أَحْمَدَ نَحْوُ ذَلِكَ. وَقَالَ الْمُصَنِّفُ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَمْكُثَ بَعْدَ بَوْلِهِ قَلِيلًا. فَائِدَةٌ: يُكْرَهُ بَصْقُهُ عَلَى بَوْلِهِ لِلْوَسْوَاسِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ وَغَيْرُهُمَا: يُقَالُ يُورِثُ الْوَسْوَاسَ.
قَوْلُهُ (وَلَا يَمَسَّ فَرْجَهُ بِيَمِينِهِ. وَلَا يَسْتَجْمِرْ بِهَا) وَكَذَا قَالَ جَمَاعَةٌ. فَيَحْتَمِلُ الْكَرَاهَةَ. وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالنَّظْمِ، وَالْوَجِيزِ، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ، وَغَيْرِهِمْ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ وَغَيْرِهِمْ. وَيَحْتَمِلُ التَّحْرِيمَ. وَجَزَمَ بِهِ فِي التَّلْخِيصِ. وَهُمَا وَجْهَانِ: وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ. قَوْلُهُ (فَإِنْ فَعَلَ أَجْزَأَهُ) إنْ قُلْنَا بِالْكَرَاهَةِ: أَجْزَأَهُ الِاسْتِنْجَاءُ وَالِاسْتِجْمَارُ، وَإِنْ قُلْنَا بِالتَّحْرِيمِ أَجْزَأَهُ أَيْضًا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: لَا يُجْزِئُ. قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، قُلْت: قِيَاسُ قَوْلِهِمْ فِي الْوُضُوءِ فِي الْفِضَّةِ: أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ هُنَا. انْتَهَى. وَقِيلَ: يُجْزِئُ الِاسْتِنْجَاءُ، دُونَ الِاسْتِجْمَارِ. وَجَزَمَ ابْنُ تَمِيمٍ بِصِحَّةِ الِاسْتِنْجَاءِ. وَأَطْلَقَ الْوَجْهَيْنِ فِي الِاسْتِجْمَارِ. فَائِدَةٌ: قِيلَ: كَرَاهَةُ مَسِّ الْفَرْجِ مُطْلَقًا: أَيْ فِي جَمِيعِ الْحَالَاتِ وَهُوَ ظَاهِرُ نَقْلِ صَالِحٍ. قَالَ فِي رِوَايَتِهِ: أَكْرَهُ أَنْ يَمَسَّ فَرْجَهُ بِيَمِينِهِ. وَذَكَرَهُ الْمَجْدُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ، يَعْنِي بِهِ الْمُصَنِّفَ. وَقِيلَ: الْكَرَاهَةُ مَخْصُوصَةٌ بِحَالَةِ التَّخَلِّي، وَحَمَلَ ابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ عَلَيْهِ. وَتَرْجَمَ الْخَلَّالُ رِوَايَةَ صَالِحٍ كَذَلِكَ وَيَأْتِي فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ النِّكَاحِ: هَلْ يُكْرَهُ النَّظَرُ إلَى عَوْرَةِ نَفْسِهِ أَمْ لَا؟ . تَنْبِيهٌ: مَحَلُّ الْخِلَافِ أَعْنِي الْكَرَاهَةَ وَالتَّحْرِيمَ فِي مَسِّ الْفَرْجِ وَالِاسْتِجْمَارِ بِهَا إذَا لَمْ تَكُنْ ضَرُورَةٌ. فَإِنْ كَانَ ثَمَّ ضَرُورَةٌ: جَازَ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ. فَائِدَةٌ: إذَا اسْتَجْمَرَ مِنْ الْغَائِطِ أَخَذَ الْحَجَرَ بِشِمَالِهِ فَمَسَحَ بِهِ، وَإِنْ اسْتَجْمَرَ مِنْ الْبَوْلِ. فَإِنْ كَانَ الْحَجَرُ كَبِيرًا أَخَذَ ذَكَرَهُ بِشِمَالِهِ فَمَسَحَ بِهِ، وَقَالَ الْمَجْدُ: يَتَوَخَّى
الِاسْتِجْمَارَ بِجِدَارٍ، أَوْ مَوْضِعٍ نَاتِئٍ مِنْ الْأَرْضِ، أَوْ حَجَرٍ ضَخْمٍ لَا يَحْتَاجُ إلَى إمْسَاكِهِ فَإِنْ اُضْطُرَّ إلَى الْحِجَارَةِ الصِّغَارِ جَعَلَ الْحَجَرَ بَيْنَ عَقِبَيْهِ أَوْ بَيْنَ أَصَابِعِهِ. وَتَنَاوَلَ ذَكَرَهُ بِشِمَالِهِ فَمَسَحَهُ بِهَا. فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ أَمْسَكَ الْحَجَرَ بِيَمِينِهِ، وَمَسَحَ بِشِمَالِهِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. صَحَّحَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَصَاحِبُ الْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ. وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. وَقِيلَ: يُمْسِك ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ. وَيَمْسَحُ بِشِمَالِهِ. وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ. وَعَلَى كِلَا الْوَجْهَيْنِ يَكُونُ الْمَسْحُ بِشِمَالِهِ. قَالَ ابْنُ عُبَيْدَانَ: فَإِنْ كَانَ أَقْطَعَ الْيُسْرَى، أَوْ بِهَا مَرَضٌ. فَفِي صِفَةِ اسْتِجْمَارِهِ وَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: يُمْسِكُ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ وَيَمْسَحُ بِشِمَالِهِ. وَالثَّانِي وَهُوَ الصَّحِيحُ. قَالَهُ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ يُمْسِكُ الْحَجَرَ بِيَمِينِهِ، وَذَكَرَهُ بِشِمَالِهِ، وَيَمْسَحُهُ بِهِ. انْتَهَى. قُلْت: وَفِي هَذَا نَظَرٌ ظَاهِرٌ. بَلْ هُوَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ غَلَطٌ فِي النَّقْلِ، أَوْ سِبْقَةُ قَلَمٍ. فَإِنَّ أَقْطَعَ الْيُسْرَى لَا يُمْكِنُهُ الْمَسْحُ بِشِمَالِهِ، وَلَا مَسْكٌ بِهَا. وَلَا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى أَقْطَعَ رِجْلِهِ الْيُسْرَى. فَإِنَّ الْحُكْمَ فِي قَطْعِ كُلٍّ مِنْهُمَا وَاحِدٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْحُكْمُ فِي ذَلِكَ. وَالْحُكْمُ الَّذِي ذَكَرَهُ هُنَا: هُوَ نَفْسُ الْحُكْمِ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَهُ. فَهُنَا سَقْطٌ. وَالنُّسْخَةُ بِخَطِّ الْمُصَنِّفِ. وَالْحُكْمُ فِي أَقْطَعِ الْيُسْرَى وَمَرِيضِهَا: جَوَازُ الِاسْتِجْمَارِ بِالْيَمِينِ مِنْ غَيْرِ نِزَاعٍ، صَرَّحَ بِهِ الْأَصْحَابُ كَمَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا. تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ (ثُمَّ يَتَحَوَّلُ عَنْ مَوْضِعِهِ) مُرَادُهُ: إذَا خَافَ التَّلَوُّثَ. وَأَمَّا إذَا لَمْ يَخَفْ التَّلَوُّثَ: فَإِنَّهُ لَا يَتَحَوَّلُ. قَالَهُ الْأَصْحَابُ. قَوْلُهُ (ثُمَّ يَسْتَجْمِرُ. ثُمَّ يَسْتَنْجِي بِالْمَاءِ) الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ جَمْعَهُمَا مُطْلَقًا أَفْضَلُ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَظَاهِرُ
كَلَامِ ابْنِ أَبِي مُوسَى: أَنَّ الْجَمْعَ فِي مَحَلِّ الْغَائِطِ فَقَطْ أَفْضَلُ. وَالسُّنَّةُ أَنْ يَبْدَأَ بِالْحَجَرِ. فَإِنْ بَدَأَ بِالْمَاءِ فَقَالَ أَحْمَدُ: يُكْرَهُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَسْتَنْجِيَ فِي أَحَدِهِمَا وَيَسْتَجْمِرَ فِي الْآخَرِ. نَصَّ عَلَيْهِ. فَائِدَةٌ: الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ الْمَاءَ أَفْضَلُ مِنْ الْأَحْجَارِ عِنْدَ الِانْفِرَادِ. وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ: وَعِنْدَ الْحَجَرِ أَفْضَلُ مِنْهُ. اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ وَالْخَلَّالُ، وَأَبُو حَفْصٍ الْعُكْبَرِيُّ. وَعَنْهُ يُكْرَهُ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْمَاءِ. ذَكَرَهَا فِي الرِّعَايَةِ. وَاخْتَارَهَا ابْنُ حَامِدٍ أَيْضًا. قَوْلُهُ (وَيُجْزِئُهُ أَحَدُهُمَا: إلَّا أَنْ لَمْ يَعْدُوَ الْخَارِجُ مَوْضِعَ الْعَادَةِ. فَلَا يُجْزِئُ إلَّا الْمَاءُ) هَذَا الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ، مِنْهُمْ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْمُغْنِي، وَالْكَافِي، وَالشَّرْحِ، وَالْمُغْنِي وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ، وَغَيْرِهِمْ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالْفَائِقُ، وَغَيْرُهُمْ. وَقِيلَ: إذَا تَعَدَّى الْخَارِجُ مَوْضِعَ الْعَادَةِ: وَجَبَ الْمَاءُ عَلَى الرَّجُلِ دُونَ الْمَرْأَةِ. فَائِدَةٌ: الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ لَا يَسْتَجْمِرْ فِي غَيْرِ الْمَخْرَجِ. نَصَّ عَلَيْهِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ، وَالشِّيرَازِيُّ: لَا يَسْتَجْمِرْ فِي غَيْرِ الْمَخْرَجِ. قَالَ فِي الْفُصُولِ: وَحَدُّ الْمَخْرَجِ: نَفْسُ الثَّقْبِ. انْتَهَى، وَاغْتَفَرَ الْمُصَنِّفُ، وَالْمَجْدُ، وَصَاحِبُ التَّلْخِيصِ، وَالسَّامِرِيُّ، وَجُمْهُورُ الْأَصْحَابِ: مَا تَجَاوَزَهُ تَجَاوُزًا جَرَتْ الْعَادَةُ بِهِ، وَقِيلَ: يَسْتَجْمِرُ فِي الصَّفْحَتَيْنِ وَالْحَشَفَةِ. حَكَاهُ الشِّيرَازِيُّ. وَاخْتَارَ الشَّيْخُ
تَقِيُّ الدِّينِ: أَنَّهُ يَسْتَجْمِرُ فِي الصَّفْحَتَيْنِ وَالْحَشَفَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ لِلْعُمُومِ. قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ وَحَدَّ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ مَا يَتَجَاوَزُ مَوْضِعَ الْعَادَةِ: بِأَنْ يَنْتَشِرَ الْغَائِطُ إلَى نِصْفِ بَاطِنِ الْأَلْيَةِ فَأَكْثَرَ، وَالْبَوْلُ إلَى نِصْفِ الْحَشَفَةِ فَأَكْثَرَ. فَإِذَنْ يَتَعَيَّنُ الْمَاءُ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي الْخَطَّابِ فِي الْهِدَايَةِ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: إنْ خَرَجَتْ أَجْزَاءُ الْحُقْنَةِ فَهِيَ نَجِسَةٌ، وَلَا يُجْزِئُ فِيهَا الِاسْتِجْمَارُ، وَتَابَعَهُ جَمَاعَةٌ، مِنْهُمْ ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَالزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُمْ. قُلْت: فَيُعَايَى بِهَا. تَنْبِيهٌ: شَمِلَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ الذَّكَرَ: وَالْأُنْثَى، الثَّيِّبَ وَالْبِكْرَ. أَمَّا الْبِكْرُ: فَهِيَ كَالرَّجُلِ، لِأَنَّ عُذْرَتَهَا تَمْنَعُ انْتِشَارَ الْبَوْلِ فِي الْفَرْجِ. وَأَمَّا الثَّيِّبُ: فَإِنْ خَرَجَ بَوْلُهَا بِحِدَّةٍ وَلَمْ يَنْتَشِرْ فَكَذَلِكَ. وَإِنْ تَعَدَّى إلَى مَخْرَجِ الْحَيْضِ. فَقَالَ الْأَصْحَابُ: يَجِبُ غَسْلُهُ كَالْمُنْتَشِرِ عَنْ الْمَخْرَجِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُجْزِئَ فِيهِ الْحَجَرُ. قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ: وَهُوَ الصَّحِيحُ. فَإِنَّهُ مُعْتَادٌ كَثِيرًا. وَالْعُمُومَاتُ تُعَضِّدُ ذَلِكَ. وَاخْتَارَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ. وَقَالَ هُوَ وَغَيْرُهُ: هَذَا إنْ قُلْنَا: يَجِبُ تَطْهِيرُ بَاطِنِ فَرْجِهَا، عَلَى مَا اخْتَارَهُ الْقَاضِي. وَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ: أَنَّهُ لَا يَجِبُ فَتَكُونُ كَالْبِكْرِ. قَوْلًا وَاحِدًا. وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ. فَائِدَةٌ: لَا يَجِبُ الْمَاءُ لِغَيْرِ الْمُتَعَدِّي عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. نَصَّ عَلَيْهِ. وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ تَمِيمٍ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَالزَّرْكَشِيُّ. قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ: هَذَا أَشْهَرُ الْوَجْهَيْنِ وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ. وَيَحْتَمِلُ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ هُنَا. وَقِيلَ: يَجِبُ الْمَاءُ لِلْمُتَعَدِّي وَلِغَيْرِهِ. جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى. وَقَالَا: غَسْلًا. وَقَطَعَ بِهِ أَبُو يَعْلَى الصَّغِيرُ. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا، وَالْمَجْدُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ وَغَيْرِهِمْ. وَحَكَى ابْنُ الزَّاغُونِيِّ فِي وَجِيزِهِ الْخِلَافَ
رِوَايَتَيْنِ، وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ الْوُجُوبُ لِلْمُتَعَدِّي وَلِغَيْرِهِ، مَعَ الِاتِّصَالِ دُونَ غَيْرِهِ. فَائِدَةٌ: لَوْ تَنَجَّسَ الْمَخْرَجَانِ، أَوْ أَحَدُهُمَا بِغَيْرِ الْخَارِجِ، وَلَوْ بِاسْتِجْمَارٍ بِنَجِسٍ. وَجَبَ الْمَاءُ عِنْدَ الْأَصْحَابِ. وَفِي الْمُغْنِي احْتِمَالٌ بِإِجْزَاءِ الْحَجَرِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَهُوَ وَهْمٌ، وَتَقَدَّمَ كَلَامُ ابْنِ عَقِيلٍ فِي الْحُقْنَةِ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ: وَفِي إجْزَاءِ الِاسْتِجْمَارِ عَنْ الْغَسْلِ الْوَاجِبِ فِيهِمَا وَجْهَانِ. فَوَائِدُ مِنْهَا: يَبْدَأُ الرَّجُلُ وَالْبِكْرُ بِالْقُبُلِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَقِيلَ: يَتَخَيَّرَانِ. وَقِيلَ: الْبِكْرُ كَالثَّيِّبِ. وَقَدَّمَهُ جَمَاعَةٌ. وَأَمَّا الثَّيِّبُ: فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهَا مُخَيَّرَةٌ. قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَغَيْرُهُمَا. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْمُذْهَبِ. وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ وَقِيلَ: يَبْدَأُ بِالدُّبُرِ. وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ. وَقَطَعَ بِهِ الشِّيرَازِيُّ، وَابْنُ عَبْدُوسٍ الْمُتَقَدِّمُ. قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَالزَّرْكَشِيُّ: الْأَوْلَى بُدَاءَةُ الرَّجُلِ فِي الِاسْتِنْجَاءِ بِالْقُبُلِ. وَأَمَّا الْمَرْأَةُ: فَفِيهَا وَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: التَّخْيِيرُ. وَالثَّانِي: الْبُدَاءَةُ بِالدُّبُرِ. وَأَطْلَقُوا الْخِلَافَ. وَصَرَّحُوا بِالتَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْبِكْرِ وَالثَّيِّبِ، وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: يَبْدَأُ الرَّجُلُ بِقُبُلِهِ، وَالْمَرْأَةُ بِأَيِّهِمَا شَاءَتْ، وَفِيهِ وَجْهٌ تَبْدَأُ الْمَرْأَةُ بِالدُّبُرِ وَقَالَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ: وَيَبْدَأُ الرَّجُلُ بِقُبُلِهِ، وَالْمَرْأَةُ بِدُبُرِهَا. وَقِيلَ: يَتَخَيَّرَانِ بَيْنَهُمَا. زَادَ فِي الْكُبْرَى، وَقِيلَ: الْبِكْرُ تَتَخَيَّرُ. وَالثَّيِّبُ تَبْدَأُ بِالدُّبُرِ. وَمِنْهَا: لَوْ انْسَدَّ الْمَخْرَجُ وَانْفَتَحَ غَيْرُهُ لَمْ يَجُزْ فِيهِ الِاسْتِجْمَارُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ، وَالْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ [وَصَحَّحَهُ فِي الْمُذْهَبِ] وَقَدَّمَهُ فِي النَّظْمِ، وَابْنُ رَزِينٍ، وَنَصَرَهُ. وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ: يُجْزِئُ الِاسْتِجْمَارُ فِيهِ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَالشِّيرَازِيُّ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي
الْكَبِيرِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَصَاحِبُ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ وَقِيلَ: لَا يُجْزِئُ مَعَ بَقَاءِ الْمَخْرَجِ الْمُعْتَادِ. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ إجْزَاءُ الْوَجْهَيْنِ مَعَ بَقَاءِ الْمَخْرَجِ أَيْضًا. تَنْبِيهٌ: هَذَا الْحُكْمُ سَوَاءٌ كَانَ الْمَخْرَجُ فَوْقَ الْمَعِدَةِ أَوْ أَسْفَلَ مِنْهَا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَصَرَّحَ بِهِ الشِّيرَازِيُّ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَالزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرِهِمْ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: الْحُكْمُ مَنُوطٌ بِمَا إذَا انْفَتَحَ الْمَخْرَجُ تَحْتَ الْمَعِدَةِ. وَتَبِعَهُ الْمَجْدُ وَجَمَاعَةٌ، مِنْهُمْ صَاحِبُ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ. قَالَ فِي الْمُذْهَبِ: إذَا انْسَدَّ الْمَخْرَجُ وَانْفَتَحَ أَسْفَلُ الْمَعِدَةِ، فَخَرَجَ مِنْهُ الْبَوْلُ وَالْغَائِطُ: لَمْ يَجُزْ فِيهِ الِاسْتِجْمَارُ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ وَمِنْهَا: إذَا خَرَجَ مِنْ أَحَدِ فَرْجَيْ الْخُنْثَى نَجَاسَةٌ، لَمْ يُجْزِهِ الِاسْتِجْمَارُ. قَالَهُ فِي النِّهَايَةِ، وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ عُبَيْدَانَ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. ذَكَرَهُ فِي بَابِ نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ. وَقِيلَ: يُجْزِئُ الِاسْتِجْمَارُ، سَوَاءٌ كَانَ مُشْكِلًا أَوْ غَيْرَهُ، إذَا خَرَجَ مِنْ ذَكَرِهِ وَفَرْجِهِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ وَجْهٌ، يَعْنِي بِالْإِجْزَاءِ. وَمِنْهَا: لَا يَجِبُ غَسْلُ مَا أَمْكَنَ مِنْ دَاخِلِ فَرَجِ ثَيِّبٍ فِي نَجَاسَةٍ وَجَنَابَةٍ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ نَصَّ عَلَيْهِ، اخْتَارَهُ الْمَجْدُ وَحَفِيدُهُ وَغَيْرُهُمَا، وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالْفَائِقِ. وَقِيلَ: يَجِبُ اخْتَارَهُ الْقَاضِي. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. وَيَأْتِي ذَلِكَ أَيْضًا فِي آخِرِ الْغُسْلِ. فَعَلَى الْأَوَّلِ: لَا تُدْخِلْ يَدَهَا وَإِصْبَعَهَا، بَلْ تَغْسِلُ مَا ظَهَرَ. نَقَلَ أَبُو جَعْفَرٍ: إذَا اغْتَسَلَتْ فَلَا تُدْخِلْ يَدَهَا فِي فَرْجِهَا. قَالَ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ: أَرَادَ أَحْمَدُ مَا غَمُضَ فِي الْفَرْجِ، لِأَنَّ الْمَشَقَّةَ تَلْحَقُ بِهِ. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ: هُوَ فِي حُكْمِ الْبَاطِنِ. وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي، وَصَاحِبُ الرِّعَايَةِ وَغَيْرُهُمَا: هُوَ فِي حُكْمِ الظَّاهِرِ. وَذَكَرَهُ فِي الْمَطْلَعِ عَنْ أَصْحَابِنَا. وَاخْتَلَفَ كَلَامُ الْقَاضِي. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَعَلَى ذَلِكَ يَخْرُجُ: إذَا خَرَجَ مَا احْتَشَّتْهُ بِبَلَلٍ: هَلْ يَنْقُضُ أَمْ لَا؟ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ:
لَا يَنْقُضُ؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الظَّاهِرِ. وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: إنْ ابْتَلَّ وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ مَكَانِهِ، فَإِنْ كَانَ بَيْنَ الشُّفْرَيْنِ نَقَضَ، وَإِنْ كَانَ دَاخِلًا لَمْ يَنْقُضْ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَخْرُجُ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا فَسَادُ الصَّوْمِ بِدُخُولِ إصْبَعِهَا أَوْ حَيْضٍ إلَيْهِ، وَالْوَجْهَانِ الْمُتَقَدِّمَانِ فِي حَشَفَةِ الْأَقْلَفِ فِي وُجُوبِ غَسْلِهَا، وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ حُكْمَ طَرَفِ الْغُلْفَةِ كَرَأْسِ الذَّكَرِ، وَقِيلَ: حَشَفَةُ الْأَقْلَفِ الْمَفْتُوقِ أَظْهَرُ، قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ. وَمِنْهَا: الدُّبُرُ فِي حُكْمِ الْبَاطِنِ. لِإِفْسَادِ الصَّوْمِ بِنَحْوِ الْحُقْنَةِ، وَلَا يَجِبُ غَسْلُ نَجَاسَتِهِ. وَمِنْهَا: الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّ أَثَرَ الِاسْتِجْمَارِ نَجِسٌ، يُعْفَى عَنْ يَسِيرِهِ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَغَيْرِهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ. قَالَ ابْنُ عُبَيْدَانَ: هَذَا اخْتِيَارُ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ، وَعَنْهُ طَاهِرٌ، اخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ، مِنْهُمْ ابْنُ حَامِدٍ [وَابْنُ رَزِينٍ] وَيَأْتِي ذَلِكَ فِي بَابِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ " وَلَا يُعْفَى عَنْ يَسِيرِ شَيْءٍ مِنْ النَّجَاسَاتِ إلَّا الدَّمُ وَمَا تَوَلَّدَ مِنْهُ مِنْ الْقَيْحِ وَالصَّدِيدِ، وَأَثَرِ الِاسْتِنْجَاءِ ". وَمِنْهَا: يُسْتَحَبُّ لِمَنْ اسْتَنْجَى: أَنْ يَنْضَحَ فَرْجَهُ وَسَرَاوِيلَهُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَنْهُ لَا يُسْتَحَبُّ كَمَنْ اسْتَجْمَرَ. قَوْلُهُ (وَيَجُوزُ الِاسْتِجْمَارُ بِكُلِّ طَاهِرٍ يُنَقِّي، كَالْحَجَرِ وَالْخَشَبِ وَالْخِرَقِ) . وَهَذَا الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَعَنْهُ يَخْتَصُّ الِاسْتِجْمَارُ بِالْأَحْجَارِ. وَاخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: جَوَازُ الِاسْتِجْمَارِ بِالْمَغْصُوبِ وَنَحْوِهِ. وَهُوَ قَوْلٌ فِي الرِّعَايَةِ، وَرِوَايَةٌ مُخْرَجَةٌ. وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي قَوَاعِدِهِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ اشْتِرَاطَ إبَاحَةِ الْمُسْتَجْمَرِ بِهِ. وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ.
تَنْبِيهٌ: حَدُّ الْإِنْقَاءِ بِالْأَحْجَارِ: بَقَاءُ أَثَرٍ لَا يُزِيلُهُ إلَّا الْمَاءُ، جَزَمَ بِهِ فِي التَّلْخِيصِ، وَالرِّعَايَةِ وَالزَّرْكَشِيُّ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَقَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ وَابْنُ عُبَيْدَانَ وَغَيْرُهُمْ: هُوَ إزَالَةُ عَيْنِ النَّجَاسَةِ وَبِلَّتِهَا، بِحَيْثُ يَخْرُجُ الْحَجَرُ نَقِيًّا لَيْسَ عَلَيْهِ أَثَرٌ إلَّا شَيْئًا يَسِيرًا. فَلَوْ بَقِيَ مَا يَزُولُ بِالْخِرَقِ لَا بِالْحَجَرِ أُزِيلَ عَلَى ظَاهِرِ الْأَوَّلِ، لَا الثَّانِي، وَالْإِنْقَاءُ بِالْمَاءِ خُشُونَةُ الْمَحَلِّ كَمَا كَانَ. قَالَ الشَّارِحُ وَغَيْرُهُ: هُوَ ذَهَابُ لُزُوجَةِ النَّجَاسَةِ وَآثَارِهَا، وَهُوَ مَعْنَى الْأَوَّلِ. فَائِدَةٌ: لَوْ أَتَى بِالْعَدَدِ الْمُعْتَبَرِ اكْتَفَى فِي زَوَالِهَا بِغَلَبَةِ الظَّنِّ. ذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمُذْهَبِ، وَجَزَمَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ. وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ: لَا بُدَّ مِنْ الْعِلْمِ فِي ذَلِكَ. قَوْلُهُ (إلَّا الرَّوْثَ وَالْعِظَامَ) . وَهَذَا الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ الْإِجْزَاءَ بِهِمَا. قَالَ فِي الْفُرُوعِ. وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ: وَبِمَا نَهَى عَنْهُ. قَالَ: لِأَنَّهُ لَمْ يَنْهَ عَنْهُ لِكَوْنِهِ لَا يُنَقِّي، بَلْ لِإِفْسَادِهِ. فَإِذَا قِيلَ: يَزُولُ بِطَعَامِنَا مَعَ التَّحْرِيمِ، فَهَذَا أَوْلَى. قَوْلُهُ (وَالطَّعَامُ) . دَخَلَ فِي عُمُومِهِ: طَعَامُ الْآدَمِيِّ وَطَعَامُ الْبَهِيمَةِ. أَمَّا طَعَامُ الْآدَمِيِّ: فَصَرَّحَ بِالْمَنْعِ مِنْهُ الْأَصْحَابُ. وَأَمَّا طَعَامُ الْبَهِيمَةِ: فَصَرَّحَ جَمَاعَةٌ أَنَّهُ كَطَعَامِ الْآدَمِيِّ. مِنْهُمْ أَبُو الْفَرَجِ، وَابْنُ حَمْدَانَ فِي رِعَايَتِهِ، وَالزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُمْ، وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي قَوَاعِدِهِ الْإِجْزَاءَ بِالْمَطْعُومِ وَنَحْوِهِ. ذَكَرَهُ الزَّرْكَشِيُّ. قَوْلُهُ (وَمَا لَهُ حُرْمَةٌ) . كَمَا فِيهِ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى. قَالَ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ: وَكُتُبُ حَدِيثٍ وَفِقْهٍ.
قُلْتُ: وَهَذَا لَا شَكَّ فِيهِ، وَلَا نَعْلَمُ مَا يُخَالِفُهُ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَكُتُبٌ مُبَاحَةٌ. وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ: وَذَهَبٌ وَفِضَّةٌ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَعَلَّهُ مُرَادُ غَيْرِهِ، لِتَحْرِيمِ اسْتِعْمَالِهِ. وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ أَيْضًا: وَحِجَارَةُ الْحَرَمِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ سَهْوٌ. انْتَهَى. وَلَعَلَّهُ أَرَادَ حَرَمَ الْمَسْجِدِ، وَإِلَّا فَالْإِجْمَاعُ خِلَافُهُ. قَوْلُهُ (وَمَا يَتَّصِلُ بِحَيَوَانٍ) . هَذَا الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعُوا بِهِ. وَجَوَّزَ الْأَزَجِيُّ الِاسْتِجْمَارَ بِذَلِكَ. فَوَائِدُ إحْدَاهُمَا: لَوْ اسْتَجْمَرَ بِمَا لَا يَجُوزُ الِاسْتِجْمَارُ بِهِ، لَمْ يُجْزِهِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَتَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِي الْمَغْصُوبِ وَنَحْوِهِ. وَتَقَدَّمَ اخْتِيَارُ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ فِي غَيْرِ الْمُبَاحِ وَالرَّوْثِ وَالْعِظَامِ وَالطَّعَامِ. فَعَلَى هَذَا الْمَذْهَبِ: إنْ اسْتَنْجَى بَعْدَهُ بِالْمَاءِ أَجْزَأَ بِلَا نِزَاعٍ، وَإِنْ اسْتَجْمَرَ بَعْدَهُ بِمُبَاحٍ. فَقَالَ فِي الْفُرُوعِ، فَقِيلَ: لَا يُجْزِئُ. وَقِيلَ: يُجْزِئُ إنْ أَزَالَ شَيْئًا. وَأَطْلَقَ الْإِجْزَاءَ وَعَدَمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَمَجْمَعُ الْبَحْرَيْنِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَاخْتَارَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى الثَّالِثَ. قُلْت: الصَّوَابُ عَدَمُ الْإِجْزَاءِ مُطْلَقًا. وَهُوَ ظَاهِرُ مَا قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَإِطْلَاقُ الْوَجْهَيْنِ حَكَاهُ طَرِيقَةً. وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ: إذَا اسْتَنْجَى بِمَائِعٍ غَيْرِ الْمَاءِ: تَعَيَّنَ الِاسْتِنْجَاءُ بِالْمَاءِ الطَّهُورِ، وَإِنْ اسْتَجْمَرَ بِغَيْرِ الطَّاهِرِ: فَقَطَعَ الْمَجْدُ وَالْمُصَنِّفُ فِي الْكَافِي بِتْعَيْنِ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْمَاءِ وَفِي الْمُغْنِي: احْتِمَالٌ بِإِجْزَاءِ الْحَجَرِ، وَهُوَ وَهْمٌ، وَإِنْ اسْتَجْمَرَ بِغَيْرِ الْمُنَقِّي. جَازَ الِاسْتِجْمَارُ بَعْدَهُ بِمُنَقٍّ، وَإِنْ اسْتَجْمَرَ بِمُحَرَّمٍ أَوْ مُحْتَرَمٍ، فَهَلْ يُجْزِئُ الْحَجَرُ أَوْ يَتَعَيَّنُ الْمَاءُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَتَقَدَّمَ إذَا تَنَجَّسَ الْمَخْرَجَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا بِغَيْرِ الْخَارِجِ.
الثَّانِيَةُ: يَحْرُمُ الِاسْتِجْمَارُ بِجِلْدِ السَّمَكِ، وَجِلْدِ الْحَيَوَانِ الْمُذَكَّى مُطْلَقًا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، صَحَّحَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ. وَقَطَعَ بِهِ ابْنُ أَبِي مُوسَى وَغَيْرُهُ. وَقِيلَ: يَحْرُمُ بِالْمَدْبُوغِ مِنْهَا. وَقِيلَ: لَا يَحْرُمُ مُطْلَقًا. وَيَحْرُمُ الِاسْتِجْمَارُ بِحَشِيشٍ رَطْبٍ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقَالَ الْقَاضِي فِي شَرْحِ الْمُذْهَبِ: يَجُوزُ. وَأَطْلَقَ فِي الرِّعَايَةِ فِي الْحَشِيشِ الْوَجْهَيْنِ. الثَّالِثَةُ: قَوْلُهُ (لَا يُجْزِئُ أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثِ مَسَحَاتٍ) بِلَا نِزَاعٍ. وَكَيْفَمَا حَصَلَ الْإِنْقَاءُ فِي الِاسْتِجْمَارِ، أَجْزَأَ. وَقَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ: الْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُمِرَّ الْحَجَرَ الْأَوَّلَ مِنْ مُقَدِّمِ صَفْحَتِهِ الْيُمْنَى إلَى مُؤَخِّرِهَا، ثُمَّ يُدِيرَهُ عَلَى الْيُسْرَى حَتَّى يَرْجِعَ بِهِ إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ. ثُمَّ يُمِرَّ الثَّانِيَ مِنْ مُقَدِّمِ صَفْحَتِهِ الْيُسْرَى كَذَلِكَ. ثُمَّ يُمِرَّ الثَّالِثَ عَلَى الْمَسْرَبَةِ وَالصَّفْحَتَيْنِ. فَيَسْتَوْعِبُ الْمَحَلَّ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُذْهَبِ وَغَيْرِهِ. الرَّابِعَةُ: لَوْ أَفْرَدَ كُلَّ جِهَةٍ بِحَجَرٍ، لَمْ يُجْزِهِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، اخْتَارَهُ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ. وَابْنُ عَقِيلٍ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ. وَقِيلَ: يُجْزِئُ. قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُجْزِئَهُ لِكُلِّ جِهَةٍ مَسْحَةٌ، لِظَاهِرِ الْخَبَرِ. وَذَكَرَهُ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ رِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَيُسَنُّ أَنْ يَعُمَّ الْمَحَلَّ بِكُلِّ مَسْحَةٍ بِحَجَرٍ مَرَّةً. وَعَنْهُ بَلْ كُلَّ جَانِبٍ مِنْهُ بِحَجَرٍ مَرَّةً، وَالْوَسَطَ بِحَجَرٍ مَرَّةً. وَقِيلَ: يَكْفِي لِكُلِّ جِهَةٍ مَسْحُهَا ثَلَاثًا بِحَجَرٍ، وَالْوَسَطِ مَسْحَةٌ ثَلَاثًا بِحَجَرٍ انْتَهَى. قَوْلُهُ (إمَّا بِحَجَرٍ ذِي شُعَبٍ) ، الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يُجْزِئُ فِي الِاسْتِجْمَارِ الْحَجَرُ الْوَاحِدُ إذَا كَانَ لَهُ ثَلَاثُ شُعَبٍ فَصَاعِدًا. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ. وَعَنْهُ لَا يُجْزِئُ إلَّا بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَالشِّيرَازِيُّ.
قَوْلُهُ (وَيَجِبُ الِاسْتِنْجَاءُ مِنْ كُلِّ خَارِجٍ إلَّا الرِّيحَ) . شَمِلَ كَلَامُهُ الْمُلَوَّثَ وَغَيْرَهُ، وَالطَّاهِرَ وَالنَّجِسَ. أَمَّا النَّجِسُ الْمُلَوَّثُ: فَلَا نِزَاعَ فِي وُجُوبِ الِاسْتِنْجَاءِ مِنْهُ. وَأَمَّا النَّجِسُ غَيْرُ الْمُلَوَّثِ وَالطَّاهِرِ: فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ: وُجُوبُ الِاسْتِنْجَاءِ مِنْهُ. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، وَالْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَغَيْرُهُمَا: بَلْ هُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَغَيْرِهِمْ. قُلْت: وَهُوَ ضَعِيفٌ. وَقِيلَ: لَا يَجِبُ الِاسْتِنْجَاءُ لِلْخَارِجِ الطَّاهِرِ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُحَرَّرِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ. فَإِنَّهُمْ قَالُوا: وَهُوَ وَاجِبٌ لِكُلِّ نَجَاسَةٍ مِنْ السَّبِيلِ [وَكَذَا قَيَّدَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ. قَالَ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ: وَيُجْزِئُ أَحَدُهُمَا لِسَبِيلٍ] نَجِسٍ بِخَارِجِهِ. قَالَ فِي التَّسْهِيلِ: وَمُوجِبُهُ خَارِجٌ مِنْ سَبِيلٍ سِوَى طَاهِرٍ، وَقِيلَ: لَا يَجِبُ لِلْخَارِجِ الطَّاهِرِ، وَلَا لِلنَّجِسِ غَيْرِ الْمُلَوَّثِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ وَتَبِعَهُ الشَّارِحُ وَالْقِيَاسُ لَا يَجِبُ الِاسْتِنْجَاءُ مِنْ نَاشِفٍ لَا يُنَجِّسُ الْمَحَلَّ. وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ الْخَارِجُ طَاهِرًا، كَالْمَنِيِّ إذَا حَكَمْنَا بِطَهَارَتِهِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِنْجَاءَ إنَّمَا شُرِعَ لِإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ. وَلَا نَجَاسَةَ هُنَا. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ أَظْهَرُ، قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَهُوَ أَصَحُّ قِيَاسًا. قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ. وَكَيْفَ يَسْتَنْجِي أَوْ يَسْتَجْمِرُ مِنْ طَاهِرٍ؟ أَمْ كَيْفَ يَحْصُلُ الْإِنْقَاءُ بِالْأَحْجَارِ فِي الْخَارِجِ غَيْرِ الْمُلَوَّثِ؟ وَهَلْ هَذَا إلَّا شَبِيهٌ بِالْعَبَثِ؟ وَهَذَا مِنْ أَشْكَلِ مَا يَكُونُ. فَعَلَى الْمَذْهَبِ يُعَايَى بِهَا. وَأَطْلَقَ الْوُجُوبَ وَعَدَمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَالْفَائِقِ. قَوْلُهُ " إلَّا الرِّيحَ " يَعْنِي لَا يَجِبُ الِاسْتِنْجَاءُ لَهُ. وَهَذَا الْمَذْهَبُ نَصَّ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَقِيلَ: يَجِبُ الِاسْتِنْجَاءُ لَهُ. قَالَهُ فِي الْفَائِقِ. وَأَوْجَبَهُ حَنَابِلَةُ الشَّامِ،
ذَكَرَهُ ابْنُ الصَّرْفِيِّ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَقِيلَ: الِاسْتِنْجَاءُ مِنْ نَوْمٍ وَرِيحٍ، وَإِنَّ أَصْحَابَنَا بِالشَّامِ قَالَتْ: الْفَرْجُ تَرْمُصُ كَمَا تَرْمُصُ الْعَيْنُ. وَأَوْجَبَتْ غَسْلَهُ، ذَكَرَهُ أَبُو الْوَقْتِ الدِّينَوَرِيُّ، ذَكَرَهُ عَنْهُ ابْنُ الصَّرْفِيِّ. قُلْت: لَمْ نَطَّلِعْ عَلَى كَلَامِ أَحَدٍ مِنْ الْأَصْحَابِ بِعَيْنِهِ مِمَّنْ سَكَنَ الشَّامَ وَبِلَادَهَا قَالَ ذَلِكَ. وَقَوْلُهُ فِي الْفُرُوعِ وَقِيلَ " الِاسْتِنْجَاءُ " صَوَابُهُ: وَقَيَّدَ بِالِاسْتِنْجَاءِ. تَنْبِيهٌ: عَدَمُ وُجُوبِ الِاسْتِنْجَاءِ مِنْهَا لِمَنْعِ الشَّارِعِ مِنْهُ، قَالَهُ فِي الِانْتِصَارِ وَقَالَ فِي الْمُبْهِجِ: لِأَنَّهَا عَرَضٌ بِإِجْمَاعِ الْأُصُولِيِّينَ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ. وَأَمَّا حُكْمُهَا، فَالصَّحِيحُ: أَنَّهَا طَاهِرَةٌ، وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ: هِيَ نَجِسَةٌ، فَتُنَجِّسُ مَاءً يَسِيرًا. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالْمُرَادُ عَلَى الْمَذْهَبِ، أَوْ إنْ تَغَيَّرَ بِهَا. وَقَالَ فِي الِانْتِصَارِ. هِيَ طَاهِرَةٌ لَا تُنْقَضُ بِنَفْسِهَا، بَلْ بِمَا يَتْبَعُهَا مِنْ النَّجَاسَةِ، فَتُنَجِّسُ مَاءً يَسِيرًا وَيُعْفَى عَنْ خَلْعِ السَّرَاوِيلِ لِلْمَشَقَّةِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ. قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: وَفِي الْمُذْهَبِ وَجْهٌ بَعِيدٌ لَا عَمَلَ عَلَيْهِ بِتَنْجِيسِهَا. قَوْلُهُ (فَإِنْ تَوَضَّأَ قَبْلَهُ، فَهَلْ يَصِحُّ وُضُوءُهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْفُصُولِ، وَالْإِيضَاحِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْكَافِي، وَالْهَادِي، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ. وَغَيْرِهِمْ. إحْدَاهُمَا: لَا يَصِحُّ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ. قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ: هَذَا اخْتِيَارُ أَصْحَابِنَا. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ: هَذَا أَشْهَرُ، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هَذَا اخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ، وَالْجُمْهُورِ. قَالَ فِي الْحَاوِي الصَّغِيرِ: لَا يَصِحُّ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ وَصَحَّحَهُ الصَّرْصَرِيُّ فِي نَظْمِ زَوَائِدِ الْكَافِي، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ الْخِرَقِيُّ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِفَادَاتِ، وَالتَّسْهِيلِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ، وَغَيْرِهِمْ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: يَصِحُّ جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَنِهَايَةِ ابْنِ رَزِينٍ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ، وَصَحَّحَهُ فِي النَّظْمِ، وَالتَّصْحِيحِ. قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: هَذَا أَقْوَى الرِّوَايَتَيْنِ. وَاخْتَارَهَا الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ، وَالْمَجْدُ، وَابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ، وَالْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ. وَقَدَّمَهَا فِي الْمُحَرَّرِ. فَائِدَةٌ: لَوْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ عَلَى غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ، أَوْ عَلَى السَّبِيلَيْنِ غَيْرَ خَارِجَةٍ مِنْهُمَا: صَحَّ الْوُضُوءُ قَبْلَ زَوَالِهَا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ بِهِ أَكْثَرُهُمْ. وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ. قَالَهُ الْقَاضِي فِي بَعْضِ كَلَامِهِ. قَالَ ابْنُ رَزِينٍ: لَيْسَ بِشَيْءٍ. قَوْلُهُ (وَإِنْ تَيَمَّمَ قَبْلَهُ خَرَجَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ) . وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ يَعْنِي تَخْرِيجَ التَّيَمُّمِ قَبْلَ الِاسْتِنْجَاءِ، عَلَى رِوَايَتَيْ: تَقْدِيمُ الْوُضُوءِ عَلَى الِاسْتِنْجَاءِ اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ. قَالَ فِي مَسْبُوكِ الذَّهَبِ: وَلَا فَرْقَ بَيْنَ التَّيَمُّمِ وَالْوُضُوءِ، فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ. وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ، وَجْهًا وَاحِدًا، اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ، وَالْمَجْدُ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِيضَاحِ، وَالْوَجِيزِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ وَالتَّلْخِيصِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْهَادِي، وَالنَّظْمِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ. وَطَرِيقَةِ الْمُصَنِّفِ فِي الْكَافِي، وَالْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَغَيْرُهُمَا أَمَّا إذَا قُلْنَا بِصِحَّةِ الْوُضُوءِ: فَفِي التَّيَمُّمِ رِوَايَتَانِ، وَإِنْ قُلْنَا بِالْبُطْلَانِ، فَهُنَا أَوْلَى. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَفِي صِحَّةِ تَيَمُّمِهِ قَبْلَ الِاسْتِنْجَاءِ وَالِاسْتِجْمَارِ وَجْهَانِ. وَقِيلَ: رِوَايَتَانِ، أَظْهَرُهُمَا: بُطْلَانُهُ. وَقِيلَ: يُجْزِئُ الْوُضُوءُ قَبْلَهُ، لَا التَّيَمُّمُ. وَقِيلَ: لَا يُجْزِئُ التَّيَمُّمُ قَبْلَهُ، وَجْهًا وَاحِدًا. انْتَهَى. وَقَالَ فِي الصُّغْرَى بَعْدَ أَنْ قَدَّمَ عَدَمَ الصِّحَّةِ فِي الْوُضُوءِ وَفِي صِحَّةِ تَيَمُّمِهِ وَجْهَانِ. وَقَالَ فِي الْكَافِي، وَشَرْحِ
الْمَجْدِ، وَالشَّرْحِ، وَالنَّظْمِ: فَعَلَى الْقَوْلِ بِصِحَّةِ الْوُضُوءِ قَبْلَ الِاسْتِنْجَاءِ: هَلْ يَصِحُّ التَّيَمُّمُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. انْتَهَى. فَعَلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ الصِّحَّةِ فِي التَّيَمُّمِ: لَوْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ فِي غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ: صَحَّ تَقْدِيمُ التَّيَمُّمِ عَلَى غَسْلِهَا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي، وَتَبِعَهُ ابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ: وَالْأَشْبَهُ الْجَوَازُ، وَصَحَّحَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي. وَنَقَلَ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّارِحُ عَنْ ابْنِ عَقِيلٍ: أَنَّهُ قَالَ: إنَّ حُكْمَ النَّجَاسَةِ عَلَى غَيْرِ الْفَرْجِ حُكْمُهَا عَلَى الْفَرْجِ، وَقَدَّمَهُ فِي الشَّرْحِ، وَابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ، وَالزَّرْكَشِيُّ. قَالَ فِي الْمُذْهَبِ: لَمْ يَصِحَّ التَّيَمُّمُ عَلَى قَوْلِ أَصْحَابِنَا. وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ [وَاَلَّذِي رَأَيْته فِي الْفُصُولِ: الْقَطْعُ بِعَدَمِ الصِّحَّةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، مَعَ حِكَايَتِهِ لِلْخِلَافِ. وَأَطْلَقَهُ فِي مَسْأَلَةِ صِحَّةِ التَّيَمُّمِ قَبْلَ الِاسْتِنْجَاءِ] وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالْكَافِي، وَالْحَوَاشِي، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَالزَّرْكَشِيُّ. فَائِدَةٌ: إذَا قُلْنَا يَصِحُّ الْوُضُوءُ قَبْلَ الِاسْتِنْجَاءِ. فَإِنَّهُ يَسْتَفِيدُ فِي الْحَالِ مَسَّ الْمُصْحَفِ، وَلُبْسَ الْخُفَّيْنِ عِنْدَ عَجْزِهِ عَمَّا يَسْتَنْجِي بِهِ وَغَيْرَ ذَلِكَ. وَتَسْتَمِرُّ الصِّحَّةُ إلَى مَا بَعْدَ الِاسْتِنْجَاءِ مَا لَمْ يَمَسَّ فَرْجَهُ، بِأَنْ يَسْتَجْمِرَ بِحَجَرٍ، أَوْ خِرْقَةٍ، أَوْ يَسْتَنْجِيَ بِالْمَاءِ وَعَلَى يَدِهِ خِرْقَةٌ. فَإِنْ مَسَّ فَرْجَهُ خَرَجَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي نَقْضِ الْوُضُوءِ بِهِ. عَلَى مَا يَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
باب السواك وسنة الوضوء
[بَابُ السِّوَاكِ وَسُنَّةِ الْوُضُوءِ] ِ قَوْلُهُ (السِّوَاكُ مَسْنُونٌ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ، إلَّا لِلصَّائِمِ بَعْدَ الزَّوَالِ) صَرَّحَ بِاسْتِحْبَابِ السِّوَاكِ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ إلَّا لِلصَّائِمِ بَعْدَ الزَّوَالِ. أَمَّا غَيْرُ الصَّائِمِ: فَلَا نِزَاعَ فِي اسْتِحْبَابِ السِّوَاكِ لَهُ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ فِي الْجُمْلَةِ. وَأَمَّا الصَّائِمُ قَبْلَ الزَّوَالِ: فَإِنْ كَانَ بِسِوَاكٍ غَيْرِ رَطْبٍ اُسْتُحِبَّ لَهُ. قَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ فِي حَوَاشِي الْفُرُوعِ: يَتَوَجَّهُ هَذَا فِي غَيْرِ الْمُوَاصِلِ. أَمَّا الْمُوَاصِلُ: فَتَتَوَجَّهُ كَرَاهَتُهُ لَهُ مُطْلَقًا. انْتَهَى. الَّذِي يَظْهَرُ: أَنَّهُ مُرَادُهُمْ. وَتَعْلِيلُهُمْ يَدُلُّ عَلَيْهِ. قُلْت: فِيهِ نَظَرٌ. إذْ الْوِصَالُ إمَّا مَكْرُوهٌ أَوْ مُحَرَّمٌ. فَلَا يُرْفَعُ الِاسْتِحْبَابُ، وَإِنْ كَانَ رَطْبًا فَيُبَاحُ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ أَوْ الرِّوَايَاتِ. وَاخْتَارَهَا الْمَجْدُ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَابْنُ أَبِي الْمَجْدِ، وَغَيْرُهُمْ. قَالَ فِي النِّهَايَةِ: الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ. هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ. وَعَنْهُ يُكْرَهُ، قَطَعَ بِهِ الْحَلْوَانِيُّ وَغَيْرُهُ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنَوِّرِ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالنَّظْمِ، وَابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ. ذَكَرَهُ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ، وَصَحَّحَهُ فِي الْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ فِي الصِّيَامِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَالْفَائِقِ، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَعَنْهُ لَا يَجُوزُ. نَقَلَهَا سُلَيْمٌ الرَّازِيّ. قَالَهُ ابْنُ أَبِي الْمَجْدِ فِي مُصَنَّفِهِ. وَقَالَ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ: لَا يُعْجِبُنِي السِّوَاكُ الرَّطْبُ. وَقِيلَ: يُبَاحُ فِي صَوْمِ النَّفْلِ. قُلْت: وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا بَلْ هُوَ كَالصَّرِيحِ اسْتِحْبَابُهُ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ، وَلَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِهِ. قَوْلُهُ (إلَّا لِلصَّائِمِ بَعْدَ الزَّوَالِ. فَلَا يُسْتَحَبُّ) وَكَذَا قَالَ فِي الْمُذْهَبِ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ الْكَرَاهَةَ. وَهُوَ إحْدَى
الرِّوَايَاتِ عَنْ أَحْمَدَ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، قَالَ فِي التَّلْخِيصِ وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ: يُكْرَهُ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ، قَالَ ابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ: هَذَا أَصَحُّ. قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: يُكْرَهُ فِي أَظْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ، وَنَصَرَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَغَيْرُهُمَا، وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ، وَغَيْرِهِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْبُلْغَةِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْفُرُوعِ، وَالنَّظْمِ، وَالْفَائِقِ. وَيَحْتَمِلُ إبَاحَةً، وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ. وَقَوْلُهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ " لَا قَائِلَ بِهِ " غَيْرُ مُسَلَّمٍ. إذْ الْخِلَافُ فِي إبَاحَتِهِ مَشْهُورٌ، لَكِنَّ عُذْرَهُ: أَنَّهُ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ. وَأَطْلَقَ الْكَرَاهَةَ وَعَدَمَهَا فِي الْفُصُولِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْكَافِي، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ. وَالْمُحَرَّرِ، وَابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ، وَالزَّرْكَشِيُّ. وَقِيلَ: يُبَاحُ فِي النَّفْلِ. وَعَنْهُ يُسْتَحَبُّ. اخْتَارَهَا الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ، وَالزَّرْكَشِيُّ: وَهِيَ أَظْهَرُ، وَاخْتَارَهَا فِي الْفَائِقِ. وَإِلَيْهَا مَيْلُهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ وَقَدَّمَهَا فِي نِهَايَةِ ابْنِ رَزِينٍ، وَنَظَمَهَا. وَعَنْهُ يُسْتَحَبُّ بِغَيْرِ عُودٍ رَطْبٍ. قَالَ فِي الْحَاوِي: وَإِذَا أَبَحْنَا لِلصَّائِمِ السِّوَاكَ: فَهَلْ يُكْرَهُ بِعُودِ رَطْبٍ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَنَقَلَ حَنْبَلٌ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يَسْتَاكَ بِالْعَشِيِّ. فَائِدَةٌ: مَنْ سَقَطَتْ أَسْنَانُهُ اسْتَاكَ عَلَى لِثَتِهِ وَلِسَانِهِ. ذَكَرَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَالْإِفَادَاتِ. وَقَالَ فِي أَوَّلِهِ: يُسَنُّ كُلَّ وَقْتٍ عَلَى أَسْنَانِهِ وَلِثَتِهِ وَلِسَانِهِ. قَوْلُهُ (وَيَتَأَكَّدُ اسْتِحْبَابُهُ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ: عِنْدَ الصَّلَاةِ، وَالِانْتِبَاهِ مِنْ النَّوْمِ. وَتَغَيُّرِ رَائِحَةِ الْفَمِ) وَكَذَا قَالَ فِي الْمُذْهَبِ الْأَحْمَدِ، وَالْعُمْدَةِ، وَزَادَ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ: وَعِنْدَ الْوُضُوءِ: وَزَادَ عَلَى ذَلِكَ فِي الْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالنَّظْمِ، وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ، وَغَيْرِهِمْ: وَعِنْدَ الْقِرَاءَةِ وَزَادَ فِي التَّسْهِيلِ عَلَى ذَلِكَ،
وَعِنْدَ دُخُولِ الْمَنْزِلِ. وَاخْتَارَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ. وَزَادَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى عَلَى ذَلِكَ: وَعِنْدَ الْغُسْلِ. وَقِيلَ: وَعِنْدَ دُخُولِ الْمَسْجِدِ. وَجَزَمَ بِهِ الزَّرْكَشِيُّ، وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَيَتَأَكَّدُ عِنْدَ الصَّلَاةِ، وَدُخُولِ الْمَنْزِلِ، وَالْقِيَامِ مِنْ النَّوْمِ، وَأَكْلِ مَا يُغَيِّرُ رَائِحَةَ الْفَمِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: يَتَأَكَّدُ اسْتِحْبَابُهُ عِنْدَ الصَّلَاةِ، وَالْقِيَامِ مِنْ نَوْمِ اللَّيْلِ، وَدُخُولِ الْمَنْزِلِ، وَالْمَسْجِدِ، وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَإِطَالَةِ السُّكُوتِ، وَخُلُوِّ الْمَعِدَةِ مِنْ الطَّعَامِ، وَاصْفِرَارِ الْأَسْنَانِ، وَتَغَيُّرِ رَائِحَةِ الْفَمِ. وَقَالَ فِي الْخُلَاصَةِ: وَيُسْتَحَبُّ عِنْدَ قِيَامِهِ مِنْ نَوْمِهِ، وَعِنْدَ تَغَيُّرِ رَائِحَةِ فَمِهِ، وَهُوَ مَعْنَى مَا فِي الْهِدَايَةِ. تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ قَوْلِهِ (وَيَسْتَاكُ بِعُودٍ لَيِّنٍ) التَّسَاوِي بَيْنَ جَمْعِ مَا يُسْتَاكُ بِهِ وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالُ أَنَّ الْأَرَاكَ أَوْلَى. انْتَهَى. قُلْت: وَيَتَوَجَّهُ: أَنَّ أَرَاك الْبَرِّ. وَذَكَرَ الْأَزَجِيُّ: أَنَّهُ لَا يُعْدَلُ عَنْ الْأَرَاكِ، وَالزَّيْتُونِ، وَالْعُرْجُونِ، إلَّا لِتَعَذُّرِهِ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: مِنْ أَرَاكٍ، وَزَيْتُونٍ، أَوْ عُرْجُونٍ. وَقِيلَ: أَوْ قَتَادٍ. وَاقْتَصَرَ كَثِيرٌ مِنْ الْأَصْحَابِ عَلَى هَذِهِ الثَّلَاثَةِ. قَوْلُهُ (وَلَا يَجْرَحُهُ وَلَا يَضُرُّهُ) كَالرَّيْحَانِ وَالرُّمَّانِ، وَالْعُودِ الزَّكِيِّ الرَّائِحَةِ، وَالطَّرْفَاءِ، وَالْآسِ، وَالْقَصَبِ وَنَحْوِهِ. وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: كَرَاهَةُ التَّسَوُّكِ بِذَلِكَ، وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ كَالتَّخَلُّلِ بِهِ. وَقِيلَ: يَحْرُمُ بِالْقَصَبِ. دُونَ غَيْرِهِ. ذَكَرَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَالْفَائِقِ. قَوْلُهُ (فَإِنْ اسْتَاكَ بِإِصْبَعِهِ أَوْ بِخِرْقَةٍ فَهَلْ يُصِيبُ السُّنَّةَ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ فِي الْإِصْبَعِ. أَحَدُهُمَا: لَا يُصِيبُ السُّنَّةَ بِذَلِكَ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ. قَطَعَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ فِي الشَّافِي.
وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي. قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ، وَالْبُلْغَةِ: لَمْ يُصِبْ السُّنَّةَ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْكَافِي، وَالتَّلْخِيصِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِمْ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يُصِيبُ السُّنَّةَ. اخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَته. وَصَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ، وَتَصْحِيحِ الْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ. قَالَ فِي تَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ: السِّوَاكُ سُنَّةٌ بِأَرَاكٍ لَا خِرْقَةٍ وَإِصْبَعٍ فِي وَجْهٍ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ. وَقِيلَ: يُصِيبُ بِقَدْرِ إزَالَتِهِ. اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَصَاحِبُ الْفَائِقِ. وَقِيلَ: يُصِيبُ السُّنَّةَ عِنْدَ عَدَمِ السِّوَاكِ، وَمَا هُوَ بِبَعِيدٍ، وَقِيلَ: لَا يُصِيبُ بِالْإِصْبَعِ، مَعَ وُجُودِ الْخِرْقَةِ. وَلَا يُصِيبُ بِالْخِرْقَةِ مَعَ وُجُودِ السِّوَاكِ. وَقِيلَ: يُصِيبُ السُّنَّةَ بِالْإِصْبَعِ فِي مَوْضِعِ الْمَضْمَضَةِ فِي الْوُضُوءِ خَاصَّةً. اخْتَارَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ. وَصَحَّحَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالنَّظْمِ. قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: أَصَحُّ الْوَجْهَيْنِ: إصَابَةُ السُّنَّةِ بِالْخِرْقَةِ. وَعِنْدَ الْوُضُوءِ بِالْإِصْبَعِ. فَزَادَنَا وَجْهًا، وَهُوَ إصَابَةُ السُّنَّةِ بِالْخِرْقَةِ مُطْلَقًا، دُونَ الْإِصْبَعِ فِي غَيْرِ وُضُوءٍ إلَّا أَنْ تَكُونَ الْوَاوُ زَائِدَةً. وَظَاهِرُ الْوَجِيزِ: إصَابَةُ السُّنَّةِ بِالْإِصْبَعِ فَقَطْ. فَإِنَّهُ قَالَ: بِإِصْبَعٍ أَوْ عُودٍ لَيِّنٍ، وَقَالَ ابْنُ الْبَنَّا فِي الْعُقُودِ: وَلَا يُجْزِي بِالْإِصْبَعِ. وَقِيلَ: الْخِرْقَةُ وَالْمِسْوَاكُ فِي الْفَضْلِ. ثُمَّ الْإِصْبَعُ. قَوْلُهُ (وَيَسْتَاكُ عَرْضًا) يَعْنِي بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأَسْنَانِ. وَهَذَا الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَقَطَعَ بِهِ أَكْثَرُهُمْ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ، وَغَيْرُهُمْ. وَقِيلَ: طُولًا. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِيضَاحِ، وَالْمُبْهِجِ. قَالَ ابْنُ عُبَيْدَانَ: فَيُحْمَلُ أَنَّهُ أُرِيدَ بِذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْفَمِ. فَيَكُونُ مُوَافِقًا لِقَوْلِ الْجَمَاعَةِ، لَكِنَّ الْأَكْثَرَ عَلَى الْمُغَايَرَةِ. وَقَالَ فِي الْفَائِقِ: طُولًا. وَقَالَ الشَّيْخُ، وَالشِّيرَازِيُّ: عَرْضًا وَمُرَادُهُ بِالشَّيْخِ الْمُصَنِّفُ وَفِي هَذَا النَّقْلِ نَظَرٌ بَيِّنٌ.
قَوْلُهُ (وَيَدَّهِنُ غِبًّا) يَعْنِي يَوْمًا وَيَوْمًا. وَهَذَا الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَقَيَّدَهُ فِي الرِّعَايَةِ. فَقَالَ: مَا لَمْ يَجِفَّ الْأَوَّلُ. وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: فِعْلَ الْأَصْلَحِ بِالْبَلَدِ كَالْغَسْلِ بِمَاءٍ حَارٍّ بِبَلَدٍ رَطْبٍ. فَائِدَةٌ: قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَفْعَلُهُ لِحَاجَةٍ، لِلْخُبْزِ، وَقَالَ: احْتَجُّوا عَلَى أَنَّ الِادِّهَانَ يَكُونُ غِبًّا بِأَنَّهُ «عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامُ نَهَى عَنْ التَّرَجُّلِ إلَّا غِبًّا. وَنَهَى أَنْ يَمْتَشِطَ أَحَدُهُمْ كُلَّ يَوْمٍ» فَدَلَّ أَنْ يُكْرَهَ غَيْرُ غِبٍّ. تَنْبِيهٌ: فِي صِفَةِ قَوْلُهُ (يَكْتَحِلُ وِتْرًا) ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ. أَحَدُهَا: وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ يَكُونُ فِي كُلِّ عَيْنٍ ثَلَاثَةٌ. قَالَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ وَغَيْرِهِمْ. وَقَالَ ابْنُ عُبَيْدَانَ: وَصِفَتُهُ: أَنْ يَجْعَلَ فِي كُلِّ عَيْنٍ وِتْرًا، كَوَاحِدٍ، وَثَلَاثٍ، وَخَمْسٍ. انْتَهَى. وَالثَّانِي: فِي الْيُمْنَى ثَلَاثَةٌ، وَفِي الْيُسْرَى اثْنَانِ. وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ. وَقَالَ السَّامِرِيُّ: رُوِيَ يَقْسِمُ الْخَامِسَ فِي الْعَيْنَيْنِ. فَوَائِدُ جَمَّةٌ يُسْتَحَبُّ اتِّخَاذُ الشَّعْرِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَوَجَّهَ فِي الْفُرُوعِ احْتِمَالًا بِأَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ إنْ شَقَّ إكْرَامُهُ. وَيُسَنُّ أَنْ يَغْسِلَهُ. وَيُسَرِّحَهُ وَيُفَرِّقَهُ، وَيَكُونَ إلَى أُذُنَيْهِ. وَيَنْتَهِيَ إلَى مَنْكِبَيْهِ، وَجَعَلَهُ ذُؤَابَةً. وَيُعْفِيَ لِحْيَتَهُ. وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمُذْهَبِ: مَا لَمْ يَسْتَهْجِنْ طُولَهَا. وَيَحْرُمُ حَلْقُهَا. ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. وَلَا يُكْرَهُ أَخْذُ مَا زَادَ عَلَى الْقَبْضَةِ. وَنَصُّهُ: لَا بَأْسَ بِأَخْذِ ذَلِكَ. وَأَخْذِ مَا تَحْتَ حَلْقِهِ. وَقَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: وَتَرْكُهُ أَوْلَى. وَقِيلَ: يُكْرَهُ. وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ عُبَيْدَانَ. وَأَخَذَ أَحْمَدُ مِنْ حَاجِبِيهِ وَعَارِضِيهِ. وَيَحُفُّ شَارِبَهُ، أَوْ يَقُصُّ طَرَفَهُ، وَحَفُّهُ أَوْلَى، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: لَا. قَالَ
فِي الْمُسْتَوْعِبِ: وَيُسَنُّ حَفُّهُ، وَهُوَ طَرَفُ الشَّعْرِ الْمُسْتَدِيرِ عَلَى الشَّفَةِ، وَاخْتَارَ ابْنُ أَبِي مُوسَى وَغَيْرُهُ إحْفَاءَهُ مِنْ أَصْلِهِ. انْتَهَى. وَيُقَلِّمُ أَظْفَارَهُ مُخَالِفًا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. فَعَلَيْهِ: يَبْدَأُ بِخِنْصَرِ الْيُمْنَى، ثُمَّ الْوُسْطَى، ثُمَّ الْإِبْهَامِ، ثُمَّ الْبِنْصِرِ، ثُمَّ السَّبَّاحَةِ، ثُمَّ إبْهَامِ الْيُسْرَى. ثُمَّ الْوُسْطَى، ثُمَّ الْخِنْصَرِ، ثُمَّ السَّبَّاحَةِ، ثُمَّ الْبِنْصِرِ، اخْتَارَهُ ابْنُ بَطَّةَ وَغَيْرُهُ. وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَغَيْرُهُمْ. وَقِيلَ: يَبْدَأُ فِيهِمَا بِالْوُسْطَى، ثُمَّ الْخِنْصَرِ، ثُمَّ الْإِبْهَامِ، ثُمَّ الْبِنْصِرِ، ثُمَّ السَّبَّاحَةِ. وَقَالَ الْآمِدِيُّ: يَبْدَأُ بِإِبْهَامِ الْيُمْنَى، ثُمَّ الْوُسْطَى، ثُمَّ الْخِنْصَرِ، ثُمَّ السَّبَّاحَةِ، ثُمَّ الْبِنْصِرِ، ثُمَّ كَذَلِكَ الْيُسْرَى. وَقِيلَ: يَبْدَأُ بِسَبَّابَةِ يُمْنَاهُ بِلَا مُخَالَفَةٍ إلَى خِنْصَرِهَا، ثُمَّ بِخِنْصَرِ الْيُسْرَى. وَيَخْتِمُ بِإِبْهَامِ الْيُمْنَى. وَيَبْدَأُ بِخِنْصَرِ رِجْلِهِ الْيُمْنَى، وَيَخْتِمُ بِخِنْصَرِ الْيُسْرَى. وَيُسْتَحَبُّ غَسْلُهَا بَعْدَ قَصِّهَا تَكْمِيلًا لِلنَّظَافَةِ. قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ: وَقِيلَ إنَّ حَكَّ الْجَسَدِ بِهَا قَبْلَ الْغَسْلِ يَضُرُّهُ. وَيَكُونُ ذَلِكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَبْلَ الزَّوَالِ. قُلْت: قَبْلَ الصَّلَاةِ، وَهُوَ مُرَادُهُ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَهَذَا الصَّحِيحُ قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَغَيْرِهِمْ، وَجَزَمَ بِهِ فِي التَّلْخِيصِ وَغَيْرِهِ. وَقِيلَ: يَوْمَ الْخَمِيسِ. وَقِيلَ، يُخَيَّرُ، وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ تَمِيمٍ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ عُبَيْدَانَ. قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ: إذَا قُلْنَا يَفْعَلُ يَوْمَ الْخَمِيسِ، فَيَكُونُ بَعْدَ الْعَصْرِ. وَيُسَنُّ أَنْ لَا يَحِيفَ عَلَيْهَا فِي الْقَصِّ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَيَنْتِفُ إبْطَهُ، وَيَحْلِقُ عَانَتَهُ، وَلَهُ قَصُّهُ وَإِزَالَتُهُ بِمَا شَاءَ. وَالتَّنْوِيرُ فِي الْعَانَةِ وَغَيْرِهَا فَعَلَهُ أَحْمَدُ. وَقَالَ فِي الْغُنْيَةِ: يَجُوزُ حَلْقُهُ؛ لِأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ إزَالَتُهُ كَالنَّوْرَةِ. وَكَرِهَ الْآمِدِيُّ كَثْرَةَ التَّنْوِيرِ.
وَيَدْفِنُ ذَلِكَ كُلَّهُ نَصَّ عَلَيْهِ. وَيَفْعَلُهُ كُلَّ أُسْبُوعٍ. وَلَا يَتْرُكُهُ فَوْقَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا نَصَّ عَلَيْهِ. فَإِنْ فَعَلَ كُرِهَ. صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالنَّظْمِ، وَغَيْرِهِمَا. وَقِيلَ لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ: حَلْقُ الْعَانَةِ، وَتَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ: كَمْ مَرَّةً؟ قَالَ: أَرْبَعِينَ. فَأَمَّا الشَّارِبُ: فَفِي كُلِّ جُمُعَةٍ. وَقِيلَ: عِشْرِينَ. وَقِيلَ: لِلْمُقِيمِ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَقِيلَ لِلْمُسَافِرِ أَرْبَعِينَ. وَلِلْمُقِيمِ عِشْرِينَ. وَقِيلَ: فِيهِمَا عَكْسُهُ. قَالَ: وَهُوَ أَظْهَرُ وَأَشْهَرُ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ. وَيُكْرَهُ نَتْفُ الشِّيبِ. وَوَجَّهَ فِي الْفُرُوعِ احْتِمَالًا بِالتَّحْرِيمِ، لِلنَّهْيِ عَنْهُ. وَيَخْتَضِبُ، وَيُسْتَحَبُّ بِحِنَّاءٍ وَكَتَمٍ. قَالَ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ، وَالْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي، وَالْفَخْرُ فِي التَّلْخِيصِ، وَغَيْرُهُمْ: وَلَا بَأْسَ بِوَرْسٍ وَزَعْفَرَانٍ، وَقَالَ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ: خِضَابُهُ بِغَيْرِ سَوَادٍ مِنْ صُفْرَةٍ أَوْ حُمْرَةٍ: سُنَّةٌ، نَصَّ عَلَيْهِ. وَيُكْرَهُ بِسَوَادٍ نَصَّ عَلَيْهِ. وَقَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالْغُنْيَةِ، وَالتَّلْخِيصِ: يُكْرَهُ بِسَوَادٍ فِي غَيْرِ حَرْبٍ. وَلَا يَحْرُمُ. فَظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي الْمَعَالِي: يَحْرُمُ. قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَقَالَ: وَهُوَ مُتَّجِهٌ. وَيَنْظُرُ فِي الْمِرْآةِ. وَيَقُولُ مَا وَرَدَ. وَيَتَطَيَّبُ. وَيُسْتَحَبُّ لِلرَّجُلِ بِمَا ظَهَرَ رِيحُهُ وَخَفِيَ لَوْنُهُ، وَعَكْسُهُ لِلْمَرْأَةِ. وَلَا يُكْرَهُ حَلْقُ الرَّأْسِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَنْهُ يُكْرَهُ لِغَيْرِ حَجٍّ أَوْ عَمْرَةٍ أَوْ حَاجَةٍ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ رَزِينٍ فِي نِهَايَتِهِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُحَرَّرِ. وَالشَّرْحِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَغَيْرُهُمْ. وَيُكْرَهُ حَلْقُ رَأْسِ الْمَرْأَةِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: يَحْرُمُ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: يُكْرَهُ الْحَلْقُ وَالْقَصُّ لَهُنَّ بِلَا عُذْرٍ. وَقِيلَ: يَحْرُمَانِ. وَقِيلَ: يَحْرُمُ حَلْقُهُ إلَّا لِضَرُورَةٍ وَيَأْتِي حُكْمُ حَلْقِ الْقَفَا عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى الْقَزَعِ. قَوْلُهُ (وَيَجِبُ الْخِتَانُ) هَذَا الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ. وَالْمُذْهَبِ.
وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ، وَغَيْرِهِمْ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَغَيْرِهِمْ. قَالَ فِي النَّظْمِ: هَذَا أَوْلَى، وَنَصَرَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهِ. وَعَنْهُ يَجِبُ عَلَى الرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ. قَالَ ابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ: وَيَحْتَمِلُهُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ هُنَا. وَاخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ عُبَيْدَانَ. وَعَنْهُ لَا يَجِبُ مُطْلَقًا، اخْتَارَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: قَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: هُوَ سُنَّةٌ لِلذُّكُورِ. قَوْلُهُ (مَا لَمْ يَخَفْهُ عَلَى نَفْسِهِ) هَذَا الْمَذْهَبُ، قَالَ أَحْمَدُ: إنْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ لَا بَأْسَ أَنْ لَا يَخْتَتِنَ. وَقَالَهُ الْأَصْحَابُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ، مَعَ أَنَّ الْأَصْحَابَ اعْتَبَرُوهُ بِفَرْضِ طَهَارَةٍ وَصَلَاةٍ وَصَوْمٍ، مِنْ طَرِيقِ الْأَوْلَى. وَقَالَ فِي الْفُصُولِ: يَجِبُ إذَا لَمْ يَخَفْ عَلَيْهِ التَّلَفَ. فَإِنْ خِيفَ، فَنَقَلَ حَنْبَلٌ: يُخْتَنُ. فَظَاهِرُهُ: يَجِبُ لِأَنَّهُ أَقَلُّ مَنْ يَتْلَفُ مِنْهُ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَالْعَمَلُ عَلَى مَا نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ، وَأَنَّهُ مَتَى خَشَى عَلَيْهِ لَمْ يُخْتَنْ. وَمَنَعَهُ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ. فَوَائِدُ مِنْهَا: مَحَلُّ وُجُوبِهِ: عِنْدَ الْبُلُوغِ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: يَجِبُ الْخِتَانُ إذَا وَجَبَتْ الطَّهَارَةُ وَالصَّلَاةُ. وَقَالَ فِي الْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ. وَيَجِبُ خِتَانُ بَالِغٍ آمِنٍ. وَمِنْهَا: يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَخْتِنَ نَفْسَهُ، إنْ قَوِيَ عَلَيْهِ وَأَحْسَنَهُ، نَصَّ عَلَيْهِ. ذَكَرَهُ فِي الْفُرُوعِ فِي بَابِ اسْتِيفَاءِ الْقَوَدِ. وَمِنْهَا: أَنَّ الْخِتَانَ زَمَنَ الصِّغَرِ أَفْضَلُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، زَادَ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ: إلَى التَّمْيِيزِ. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: هَذَا الْمَشْهُورُ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ: يُسَنُّ مَا بَيْنَ سَبْعٍ إلَى عَشْرٍ. قَالَ فِي التَّلْخِيصِ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُخْتَنَ قَبْلَ مُجَاوَزَةِ عَشْرِ سِنِينَ، إذَا بَلَغَ سِنًّا يُؤْمَنُ فِيهِ ضَرَرُهُ. قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ
فِي الْعَقِيقَةِ: وَالْأَفْضَلُ: أَنْ يُخْتَنَ يَوْمَ حَادِي عِشْرِينَ. فَإِنْ فَاتَ تُرِكَ حَتَّى يَشْتَدَّ وَيَقْوَى. وَعَنْ أَحْمَدَ: لَمْ أَسْمَعْ فِيهِ شَيْئًا. وَقَالَ: التَّأْخِيرُ أَفْضَلُ، وَاخْتَارَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ. وَمِنْهَا: يُكْرَهُ الْخِتَانُ يَوْمَ السَّابِعِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَنْهُ لَا يُكْرَهُ. قَالَ الْخَلَّالُ: الْعَمَلُ عَلَيْهِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَشَرْحِ ابْنِ عُبَيْدَانَ، وَالْفَائِقِ. وَكَذَا الْحُكْمُ مِنْ وِلَادَتِهِ إلَى يَوْمِ السَّابِعِ. قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ. قَالَ: وَلَمْ يَذْكُرْ كَرَاهِيَةَ الْأَكْثَرِ. وَمِنْهَا: يُؤْخَذُ فِي خِتَانِ الرَّجُلِ: جِلْدَةُ الْحَشَفَةِ. ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَغَيْرِهِ. وَنَقَلَ الْمَيْمُونِيُّ: أَوْ أَكْثَرُهَا، وَجَزَمَ بِهِ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ. قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَشَرْحِ ابْنِ عُبَيْدَانَ، وَالْفَائِقِ، وَغَيْرِهِمْ: فَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى أَكْثَرِهَا جَازَ. وَيُؤْخَذُ فِي خِتَانِ الْأُنْثَى جِلْدَةٌ فَوْقَ مَحَلِّ الْإِيلَاجِ تُشْبِهُ عُرْفَ الدِّيكِ. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا تُؤْخَذَ كُلُّهَا لِلْخَبَرِ، نَصَّ عَلَيْهِ. وَمِنْهَا: أَنَّ الْخُنْثَى الْمُشْكِلَ فِي الْخِتَانِ كَالرَّجُلِ. فَيُخْتَنُ ذَكَرُهُ، وَإِنْ لَزِمَ الْأُنْثَى خُتِنَ فَرْجُهُ أَيْضًا. قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ. فَوَائِدُ مِنْهَا: لَا تُقْطَعُ الْإِصْبَعُ الزَّائِدَةُ. نَقَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ عَنْ أَحْمَدَ. وَيُكْرَهُ ثَقْبُ أُذُنِ الصَّبِيِّ، إلَّا الْجَارِيَةَ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى وَغَيْرِهَا. وَقِيلَ: يَحْرُمُ فِي حَقِّهَا، اخْتَارَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ. قُلْت: وَهُوَ بَعِيدٌ فِي حَقِّ الْجَارِيَةِ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: هُوَ كَالْوَشْمِ. وَقِيلَ: يَحْرُمُ عَلَى الذَّكَرِ. وَقَالَ فِي الْفُصُولِ: يَفْسُقُ بِهِ فِي الذَّكَرِ. وَفِي النِّسَاءِ يَحْتَمِلُ الْمَنْعَ. وَلَمْ يَذْكُرْ غَيْرَهُ. وَيَحْرُم نَمَصٌ، وَوَشَرٌ، وَوَشْمٌ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: لَا يَحْرُمُ. وَيَحْرُمُ وَصْلُ شَعْرٍ بِشَعْرٍ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَقِيلَ: يَجُوزُ مَعَ
الْكَرَاهَةِ، جَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَغَيْرِهِمْ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ. قِيلَ: يَجُوزُ بِإِذْنِ الزَّوْجِ. وَفِي تَحْرِيمِ نَظَرِ شَعْرِ أَجْنَبِيَّةٍ، زَادَ فِي التَّلْخِيصِ: وَلَوْ كَانَ بَائِنًا وَجْهَانِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَالْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالتَّلْخِيصِ. وَظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي الْخَطَّابِ فِي الِانْتِصَارِ: الْجَوَازُ. ذَكَرَهُ عَنْهُ ابْنُ رَجَبٍ. وَقِيلَ: لَا يَحْرُمُ مُطْلَقًا. وَيَحْرُمُ وَصْلُهُ بِشَعْرِ بَهِيمَةٍ. وَقِيلَ: يُكْرَهُ. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَغَيْرِهِمْ، وَظَاهِرُ مَا قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ. فَعَلَى الْقَوْلِ بِتَحْرِيمِ وَصْلِ الشَّعْرِ: فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ مَعَهُ وَجْهَانِ، الْأَوَّلُ: الصِّحَّةُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْفُصُولِ فِيمَا إذَا وَصَلَتْهُ بِشَعْرِ ذِمِّيَّةٍ. وَلَوْ قُلْنَا يَنْجَسُ الْأَدَمِيُّ بِالْمَوْتِ. وَقِيلَ: تَصِحُّ. وَلَوْ كَانَ نَجِسًا. حَكَاهُ فِي الرِّعَايَةِ. وَتَبِعَهُ فِي الْفُرُوعِ. قُلْت: وَفِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ، وَلَا بَأْسَ بِالْقَرَامِلِ، وَتَرْكُهَا أَفْضَلُ، وَعَنْهُ هِيَ كَالْوَصْلِ بِالشَّعْرِ، إنْ أَشْبَهَهُ كَصُوفٍ. وَقِيلَ: يُكْرَهُ، وَلَا بَأْسَ بِمَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ لِشَدِّ الشَّعْرِ، وَأَبَاحَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ النَّمَصَ وَحْدَهُ. وَحَمَلَ النَّهْيَ عَلَى التَّدْلِيسِ، أَوْ أَنَّهُ شِعَارُ الْفَاجِرَاتِ، وَفِي الْغُنْيَةِ وَجْهٌ يَجُوزُ النَّمَصُ بِطَلَبِ الزَّوْجِ. وَلَهَا حَلْقُهُ وَحَفُّهُ نَصَّ عَلَيْهِمَا، وَتَحْسِينُهُ بِتَحْمِيرٍ وَنَحْوِهِ. وَكَرِهَ ابْنُ عَقِيلٍ حَفَّهُ كَالرَّجُلِ. فَإِنَّ أَحْمَدَ كَرِهَهُ لَهُ، وَالنَّتْفُ بِمِنْقَاشٍ لَهَا. وَيُكْرَهُ التَّحْذِيفُ وَهُوَ إرْسَالُ الشَّعْرِ الَّذِي بَيْنَ الْعِذَارِ وَالنَّزَعَةِ. قُلْت: وَيَتَوَجَّهُ التَّحْرِيمُ لِلتَّشَبُّهِ بِالنِّسَاءِ. وَلَا يُكْرَهُ لِلْمَرْأَةِ. وَيُكْرَهُ النَّقْشُ وَالتَّطْرِيفُ. ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ. قَالَ أَحْمَدُ: لِتَغْمِسَ يَدَهَا غَمْسًا. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ فِي بَابِ مَا يَحْرُمُ اسْتِعْمَالُهُ أَوْ يُكْرَهُ. قُلْت: وَيُكْرَهُ التَّكْتِيبُ
وَنَحْوُهُ، وَوَجَّهَ فِي الْفُرُوعِ وَجْهًا بِإِبَاحَةِ تَحْمِيرٍ وَنَقْشٍ وَتَطْرِيفٍ بِإِذْنِ زَوْجٍ فَقَطْ. انْتَهَى. وَعَمَلُ النَّاسِ عَلَى ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ، وَيُكْرَهُ كَسْبُ الْمَاشِطَةِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: ذَكَرَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ. وَذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ عَنْ أَحْمَدَ. قَالَ وَالْمَنْقُولُ عَنْهُ: أَنَّ مَاشِطَةً قَالَتْ: إنِّي أَصِلُ رَأْسَ الْمَرْأَةِ بِقَرَامِلَ وَأُمَشِّطُهَا أَفَأَحُجُّ مِنْهُ؟ قَالَ: لَا. وَكَرِهَ كَسْبَهَا. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يَحْرُمُ التَّدْلِيسُ، وَالتَّشَبُّهُ بِالْمُرْدَانِ. وَكَذَا عِنْدَهُ يَحْرُمُ تَحْمِيرُ الْوَجْهِ وَنَحْوُهُ. وَقَالَ فِي الْفُنُونِ: يُكْرَهُ كَسْبُهَا. فَائِدَةٌ: كَرِهَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ الْحِجَامَةَ يَوْمَ السَّبْتِ وَالْأَرْبِعَاءِ. نَقَلَهُ حَرْبٌ، وَأَبُو طَالِبٍ. وَعَنْهُ الْوَقْفُ فِي الْجُمُعَةِ. وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ، مِنْهُمْ صَاحِبُ الْمُسْتَوْعِبِ، وَالرِّعَايَةِ: يُكْرَهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالْمُرَادُ بِلَا حَاجَةٍ. قَالَ حَنْبَلٌ: كَانَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ يَحْتَجِمُ أَيْ وَقْتَ هَاجَ بِهِ الدَّمُ، وَأَيَّ سَاعَةٍ كَانَتْ. ذَكَرَهُ الْخَلَّالُ. وَالْفَصْدُ فِي مَعْنَى الْحِجَامَةِ. وَالْحِجَامَةُ أَنْفَعُ مِنْهُ فِي بَلَدٍ حَارٍّ، وَمَا فِي مَعْنَى ذَلِكَ وَالْفَصْدُ بِالْعَكْسِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالُ تُكْرَهُ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ، لِخَبَرِ أَبِي بَكْرَةَ. وَفِيهِ ضَعْفٌ، قَالَ: وَلَعَلَّهُ اخْتِيَارُ أَبِي دَاوُد. لِاقْتِصَارِهِ عَلَى رِوَايَتِهِ، قَالَ: وَيَتَوَجَّهُ: تَرْكُهَا فِيهِ أَوْلَى. وَيَحْتَمِلُ مِثْلَهُ فِي يَوْمِ الْأَحَدِ. قَوْلُهُ (وَيُكْرَهُ الْقَزَعُ بِلَا نِزَاعٍ) وَهُوَ أَخْذُ بَعْضِ الرَّأْسِ، وَتَرْكُ بَعْضِهِ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقَالَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ. وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ. وَقِيلَ: بَلْ هُوَ حَلْقُ وَسَطِ الرَّأْسِ. وَقِيلَ: بَلْ هُوَ حَلْقُ بُقَعٍ مِنْهُ. فَائِدَةٌ: يُكْرَهُ حَلْقُ الْقَفَا مُطْلَقًا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، زَادَ فِيهِ جَمَاعَةٌ، مِنْهُمْ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ: لِمَنْ لَمْ يَحْلِقْ رَأْسَهُ، وَلَمْ يَحْتَجْ إلَيْهِ لِحِجَامَةٍ أَوْ غَيْرِهَا نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَالَ أَيْضًا: هُوَ مِنْ فِعْلِ الْمَجُوسِ. وَمَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ.
قَوْلُهُ (وَيَتَيَامَنُ فِي سِوَاكِهِ) أَمَّا الْبُدَاءَةُ بِالْجَانِبِ الْأَيْمَنِ مِنْ الْفَمِ: فَمُسْتَحَبٌّ بِلَا نِزَاعٍ أَعْلَمُهُ، وَهُوَ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ. وَأَمَّا أَخْذُ السِّوَاكِ بِالْيَدِ: فَقَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: السُّنَّةُ إرْصَادُ الْيُمْنَى لِلْوُضُوءِ وَالسِّوَاكِ، وَالْأَكْلِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَقَدَّمَهُ فِي تَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ. قَالَ ابْنُ رَجَبٍ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ بَطَّةَ مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَصَرَّحَ بِهِ طَائِفَةٌ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَمَالَ إلَيْهِ، وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يَسْتَاكُ بِيَسَارِهِ. نَقَلَهُ حَرْبٌ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْفَائِقِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَصَحَّحَهُ، وَقَالَ: نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: مَا عَلِمْت إمَامًا خَالَفَ فِيهِ، كَانْتِثَارِهِ. وَرَّدَ ابْنُ رَجَبٍ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ الرِّوَايَةَ الْمَنْسُوبَةَ إلَى حَرْبٍ. وَقَالَ: هِيَ تَصْحِيفٌ مِنْ الِاسْتِنْثَارِ بِالِاسْتِنَانِ. قَوْلُهُ (وَسُنَنُ الْوُضُوءِ عَشْرٌ: السِّوَاكُ بِلَا نِزَاعٍ، وَالتَّسْمِيَةُ) وَهَذَا إحْدَى الرِّوَايَاتِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ: هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ. قَالَ الْخَلَّالُ: الَّذِي اسْتَقَرَّتْ عَلَيْهِ الرِّوَايَاتُ عَنْهُ أَنَّهُ: لَا بَأْسَ إذَا تَرَكَ التَّسْمِيَةَ. قَالَ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ: هَذَا الْمَذْهَبُ الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ قَوْلُ أَحْمَدَ. وَاخْتَارَهَا الْخِرَقِيُّ، وَابْنُ أَبِي مُوسَى، وَالْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَته، وَابْنُ رَزِينٍ وَغَيْرُهُمْ، وَقَدَّمَهَا فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالنَّظْمِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنْتَخَبِ. وَعَنْهُ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ وَهِيَ الْمَذْهَبُ. قَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ، وَالْفُصُولِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالنِّهَايَةِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: التَّسْمِيَةُ وَاجِبَةٌ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ، فِي طَهَارَةِ الْحَدَثِ كُلِّهَا: الْوُضُوءُ، وَالْغُسْلُ، وَالتَّيَمُّمُ اخْتَارَهَا الْخَلَّالُ، وَأَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ، وَأَبُو إِسْحَاقَ بْنُ شَاقِلَا، وَالْقَاضِي، وَالشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ، وَالْقَاضِي أَبُو الْحُسَيْنِ، وَابْنُ الْبَنَّا، وَأَبُو الْخَطَّابِ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: اخْتَارَهَا الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ، وَكَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِنَا. بَلْ أَكْثَرُهُمْ، وَجَزَمَ بِهِ فِي التَّذْكِرَةِ لِابْنِ عَقِيلٍ، وَالْعُقُودِ لِابْنِ الْبَنَّا، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَنَاظِمِ الْمُفْرَدَاتِ، وَغَيْرِهِمْ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُحَرَّرِ،
وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالْفَائِقِ، وَغَيْرِهِمْ. وَهُوَ مِنْ مُفْرَدَاتِ الْمُذْهَبِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالْكَافِي، وَشَرْحِ ابْنِ عُبَيْدَانَ. فَعَلَى الْمَذْهَبِ: هَلْ هِيَ فَرْضٌ لَا تَسْقُطُ سَهْوًا؟ اخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَالْمَجْدُ، وَابْنُ عَبْدُوسٍ الْمُتَقَدِّمُ، وَصَاحِبُ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنَوِّرِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ. أَوْ وَاجِبَةٌ تَسْقُطُ سَهْوًا؟ اخْتَارَهُ الْقَاضِي فِي التَّعْلِيقِ، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَالْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَغَيْرِهِمْ، وَقَدَّمَهُ فِي التَّلْخِيصِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَابْنُ رَزِينٍ، وَغَيْرِهِمْ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، فِيهِ رِوَايَتَانِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَالزَّرْكَشِيُّ. فَعَلَى الثَّانِيَةِ: لَوْ ذَكَرَهَا فِي أَثْنَاءِ الْوُضُوءِ، فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يَبْتَدِئُ الْوُضُوءَ، قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَقِيلَ: يُسَمِّي وَيَبْنِي. اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَالْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ. وَقَطَعُوا بِهِ، وَإِنْ تَرَكَهَا عَمْدًا حَتَّى غَسَلَ عُضْوًا لَمْ يُعْتَدَّ بِغَسْلِهِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَقَالَ أَبُو الْفَرَجِ الْمَقْدِسِيُّ: إنْ تَرَكَ التَّسْمِيَةَ عَمْدًا حَتَّى غَسَلَ بَعْضَ أَعْضَائِهِ. فَإِنَّهُ يُسَمِّي وَيَبْنِي؛ لِأَنَّهُ قَدْ ذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ عَلَى وُضُوئِهِ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدُوسٍ الْمُتَقَدِّمُ. فَائِدَةٌ: صِفَةُ التَّسْمِيَةِ: أَنْ يَقُولَ " بِسْمِ اللَّهِ " فَلَوْ قَالَ " بِسْمِ الرَّحْمَنِ " أَوْ " بِسْمِ الْقُدُّوسِ " أَوْ نَحْوِهِ فَوَجْهَانِ. ذَكَرَهُمَا صَاحِبُ التَّجْرِيدِ. وَتَبِعَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ فِي رِعَايَتِهِ الْكُبْرَى. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: لَمْ يُجْزِهِ عَلَى الْأَشْهَرِ وَجَزَمَ بِهِ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ فِي التَّذْكِرَةِ، وَابْنُ الْبَنَّا فِي الْعُقُودِ، وَابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمُذْهَبِ. قُلْت: الْأَوْلَى: الْإِجْزَاءُ، وَتَكْفِي الْإِشَارَةُ مِنْ الْأَخْرَسِ وَنَحْوِهِ. قَوْلُهُ (وَغَسْلُ الْكَفَّيْنِ ثَلَاثًا، إلَّا أَنْ يَكُونَ قَائِمًا مِنْ نَوْمِ اللَّيْلِ) غَسْلُ الْيَدَيْنِ عِنْدَ ابْتِدَاءِ الْوُضُوءِ، لَا يَخْلُو: إمَّا أَنْ يَكُونَ عَنْ نَوْمٍ، أَوْ عَنْ غَيْرِ نَوْمٍ. فَإِنْ كَانَ عَنْ غَيْرِ نَوْمٍ: فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَنَصَّ
عَلَيْهِ أَحْمَدُ اسْتِحْبَابُ غَسْلِهِمَا مُطْلَقًا، وَقِيلَ: لَا يَغْسِلُهُمَا إذَا تَيَقَّنَ طَهَارَتَهُمَا، بَلْ يُكْرَهُ، ذَكَرَهُ فِي الرِّعَايَةِ. وَقَالَ الْقَاضِي: إنْ شَكَّ فِيهِمَا سُنَّ غَسْلُهُمَا، وَإِنْ تَحَقَّقَ طَهَارَتَهُمَا خُيِّرَ، وَإِنْ كَانَ عَنْ نَوْمٍ، فَلَا يَخْلُو: إمَّا أَنْ يَكُونَ عَنْ نَوْمِ اللَّيْلِ، أَوْ عَنْ نَوْمِ النَّهَارِ فَإِنْ كَانَ عَنْ نَوْمِ النَّهَارِ، فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ اسْتِحْبَابُ غَسْلِهِمَا. وَعَنْهُ: يَجِبُ غَسْلُهُمَا، وَاخْتَارَهُ بَعْضُ الْأَصْحَابِ وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، وَحَكَاهَا فِي الْفُرُوعِ هُنَا قَوْلًا، وَإِنْ كَانَ عَنْ نَوْمِ اللَّيْلِ فَأَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ فِي وُجُوبِ غَسْلِهِمَا رِوَايَتَيْنِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْكَافِي، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالْفَائِقِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ رَزِينٍ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَالزَّرْكَشِيُّ فِي شُرُوحِهِمْ. إحْدَاهُمَا: يَجِبُ غَسْلُهُمَا، وَهُوَ الْمَذْهَبُ جَزَمَ بِهِ فِي مَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَنَظْمِ الْمُفْرَدَاتِ، وَغَيْرِهِمْ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ وَالْخُلَاصَةِ: وَيَجِبُ عَلَى الْأَصَحِّ وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَأَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. قَالَهُ ابْنُ عُبَيْدَانَ: قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَالْقَاضِي، وَعَامَّةُ أَصْحَابِهِ، بَلْ وَأَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَاخْتَارَهُ أَيْضًا ابْنُ حَامِدٍ، وَأَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْمُنَادِي، وَهُوَ مِنْ مُفْرَدَاتِ الْمُذْهَبِ. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَا يَجِبُ غَسْلُهُمَا، بَلْ يُسْتَحَبُّ، وَجَزَمَ بِهِ الْخِرَقِيُّ، وَالْعُمْدَةُ، وَالْوَجِيزُ، وَالْمُنَوِّرُ، وَالْمُنْتَخَبُ، وَغَيْرُهُمْ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَغَيْرِهِمْ، وَاخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ وَصَحَّحَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالنَّظْمِ، وَصَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: اخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ، وَجَمَاعَةٌ. انْتَهَى. فَعَلَى الْمَذْهَبِ: قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ، قَالَ صَاحِبُ النُّكَتِ: وَحَيْثُ وَجَبَ الْغُسْلُ. فَإِنَّهُ شَرْطٌ لِلصَّلَاةِ. قُلْت: وَقَالَهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ الْمُتَقَدِّمُ وَغَيْرُهُ. وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ الزَّرْكَشِيُّ.
وَقَدَّمَ فِي الرِّعَايَةِ سُقُوطَ غَسْلِهِمَا بِالنِّسْيَانِ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهَا طَهَارَةٌ مُفْرَدَةٌ عَلَى مَا يَأْتِي وَهُوَ الصَّحِيحُ. فَوَائِدُ إحْدَاهَا: يَتَعَلَّقُ الْوُجُوبُ بِالنَّوْمِ النَّاقِضِ لِلْوُضُوءِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ. وَقِيلَ: يَتَعَلَّقُ بِالنَّوْمِ الزَّائِدِ عَلَى النِّصْفِ، اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، كَمَا تَقَدَّمَ. الثَّانِيَةُ: غَسْلُهُمَا تَعَبُّدٌ لَا يُعْقَلُ مَعْنَاهُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، كَغُسْلِ الْمَيِّتِ. فَعَلَى هَذَا: تُعْتَبَرُ النِّيَّةُ وَالتَّسْمِيَةُ فِي أَصَحِّ الْأَوْجُهِ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يُعْتَبَرَانِ وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: يُعْتَبَرَانِ إنْ وَجَبَ غَسْلُهُمَا، وَإِلَّا فَلَا. وَالْوَجْهُ الرَّابِعُ: تُعْتَبَرُ النِّيَّةُ دُونَ التَّسْمِيَةِ. ذَكَرَهُ الزَّرْكَشِيُّ، وَعَلَى الصَّحِيحِ: لَا تُجْزِئُ نِيَّةُ الْوُضُوءِ عَنْ نِيَّةِ غَسْلِهِمَا عَلَى الْمَذْهَبِ الْمَشْهُورِ. وَأَنَّهَا طَهَارَةٌ مُفْرَدَةٌ. لَا مِنْ الْوُضُوءِ. وَقِيلَ: تُجْزِئُ. وَقِيلَ: غَسْلُهُمَا مُعَلَّلٌ بِوَهْمِ النَّجَاسَةِ، كَجَعْلِ الْعِلَّةِ فِي النَّوْمِ اسْتِطْلَاقَ الْوِكَاءِ بِالْحَدَثِ، وَهُوَ مَشْكُوكٌ فِيهِ. وَقِيلَ: غَسْلُهُمَا مُعَلَّلٌ بِمَبِيتِ يَدِهِ مُلَابِسَةً لِلشَّيْطَانِ. الثَّالِثَةُ: إنَّمَا يُغْسَلَانِ لِمَعْنًى فِيهِمَا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. فَلَوْ اسْتَعْمَلَ الْمَاءَ، وَلَمْ يُدْخِلْ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ: لَمْ يَصِحَّ وُضُوءُهُ. وَفَسَدَ الْمَاءُ. وَذَكَرَ الْقَاضِي وَجْهًا إنَّمَا يُغْسَلَانِ لِأَجْلِ إدْخَالِهِمَا الْإِنَاءَ: ذَكَرَهُ أَبُو الْحُسَيْنِ رِوَايَةً. فَيَصِحُّ وُضُوءُهُ، وَلَمْ يَفْسُدْ الْمَاءُ إذَا اسْتَعْمَلَهُ مِنْ غَيْرِ إدْخَالٍ. قَوْلُهُ (وَالْبُدَاءَةُ بِالْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ) الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ الْبُدَاءَةَ بِهِمَا قَبْلَ الْوَجْهِ سُنَّةٌ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَقَطَعَ بِهِ أَكْثَرُهُمْ. وَقِيلَ: يَجِبُ، وَهُوَ احْتِمَالٌ فِي الرِّعَايَةِ وَبَعْدَهُ، وَيَأْتِي فِي بَابِ الْوُضُوءِ " هَلْ يَتَمَضْمَضُ وَيَسْتَنْشِقُ بِيَمِينِهِ؟ ".
فَائِدَتَانِ إحْدَاهُمَا: يَجِبُ التَّرْتِيبُ وَالْمُوَالَاةُ بَيْنَ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ، وَبَيْنَ سَائِرِ الْأَعْضَاءِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَاتِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ. قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، تَبَعًا لِلْمَجْدِ: وَالْأَقْيَسُ وُجُوبُ تَرْتِيبِهِمَا، كَسَائِرِ أَجْزَاءِ الْوَجْهِ. وَعَنْهُ: لَا يَجِبَانِ بَيْنَهُمْ، اخْتَارَهُ الْمَجْدُ. وَقَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: لَا يَجِبُ ذَلِكَ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ، نَصَّ عَلَيْهِ تَصْرِيحًا. وَفِي رِوَايَةِ كَثِيرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ. فَعَلَى هَذَا لَوْ تَرَكَهُمَا حَتَّى صَلَّى، أَتَى بِهِمَا. وَأَعَادَ الصَّلَاةَ دُونَ الْوُضُوءِ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ. وَمَبْنَاهُ عَلَى أَنَّ وُجُوبَهُمَا بِالسُّنَّةِ. وَالتَّرْتِيبِ: إنَّمَا وَجَبَ بِدَلَالَةِ الْقُرْآنِ مُعْتَضِدًا بِالسُّنَّةِ. وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ فِيهِمَا. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَالزَّرْكَشِيُّ. وَعَنْهُ تَجِبُ الْمُوَالَاةُ وَحْدَهَا. الثَّانِيَةُ: يُسْتَحَبُّ تَقْدِيمُ الْمَضْمَضَةِ عَلَى الِاسْتِنْشَاقِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: وَالْوَاوُ فِي قَوْلِهِ " وَالِاسْتِنْشَاقُ " لِلتَّرْتِيبِ، كَثُمَّ، وَوَجَّهَ فِي الْفُرُوعِ وُجُوبَهُ عَلَى قَوْلِنَا: لَمْ يَدُلَّ الْقُرْآنُ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ (وَالْمُبَالَغَةُ فِيهِمَا أَصَحُّ) ، الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، أَنَّ الْمُبَالَغَةَ فِي الْمَضْمَضَةِ، وَالِاسْتِنْشَاقِ: سُنَّةٌ. إلَّا مَا اُسْتُثْنِيَ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَعَلَيْهِ عَامَّةُ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْوَجِيزِ، وَالْهِدَايَةِ، وَغَيْرِهِمْ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي. وَالشَّرْحِ، وَالْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِمْ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ: اسْتِحْبَابُ الْمُبَالَغَةِ فِي الِاسْتِنْشَاقِ وَحْدَهُ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ. وَعَنْهُ تَجِبُ الْمُبَالَغَةُ. وَقِيلَ: تَجِبُ الْمُبَالَغَةُ فِي الِاسْتِنْشَاقِ وَحْدَهُ. اخْتَارَهَا ابْنُ شَاقِلَا. وَيُحْكَى رِوَايَةً. ذَكَرَهُ الزَّرْكَشِيُّ، وَاخْتَارَهُ أَبُو حَفْصٍ الْعُكْبَرِيُّ أَيْضًا. قَالَهُ الشَّارِحُ. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ،
قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: تَجِبُ الْمُبَالَغَةُ فِيهِمَا فِي الطَّهَارَةِ الْكُبْرَى، وَعَنْهُ: تَجِبُ الْمُبَالَغَةُ فِيهِمَا فِي الْوُضُوءِ. ذَكَرَهَا ابْنُ عَقِيلٍ فِي فَنُونِهِ. فَائِدَتَانِ إحْدَاهُمَا: الْمُبَالَغَةُ فِي الْمَضْمَضَةِ: إدَارَةُ الْمَاءِ فِي الْفَمِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: إدَارَةُ الْمَاءِ فِي الْفَمِ كُلِّهِ أَوْ أَكْثَرِهِ. فَزَادَ " أَكْثَرَهُ " وَلَا يَجْعَلُهُ وُجُوبًا. وَالْمُبَالَغَةُ فِي الِاسْتِنْشَاقِ: جَذْبُ الْمَاءِ بِالنَّفَسِ إلَى أَقْصَى الْأَنْفِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: أَوْ أَكْثَرُهُ، كَمَا قَالَ فِي الْمَضْمَضَةِ، وَلَا يَجْعَلُهُ سَعُوطًا. قَالَ الْمُصَنِّفُ وَمَنْ تَابَعَهُ: لَا تَجِبُ الْإِدَارَةُ فِي جَمِيعِ الْفَمِ، وَلَا الِاتِّصَالُ إلَى جَمِيعِ بَاطِنِ الْأَنْفِ. وَالثَّانِيَةُ: لَا يَكْفِي وَضْعُ الْمَاءِ فِي فَمِهِ مِنْ غَيْرِ إدَارَتِهِ. قَالَهُ فِي الْمُبْهِجِ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ ابْنُ تَمِيمٍ، وَصَاحِبُ الْفَائِقِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ، وَشَرْحِ ابْنِ عُبَيْدَانَ، وَغَيْرِهِمَا، وَقَدَّمَهُ الزَّرْكَشِيُّ. وَقِيلَ: يَكْفِي قَالَ فِي الْمَطْلَعِ: الْمَضْمَضَةُ فِي الشَّرْعِ: وَضْعُ الْمَاءِ فِي فِيهِ، وَإِنْ لَمْ يُحَرِّكْهُ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ. قَوْلُهُ (إلَّا أَنْ يَكُونَ صَائِمًا) يَعْنِي فَلَا تَكُونُ الْمُبَالَغَةُ سُنَّةً، بَلْ تُكْرَهُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَقَالَ أَبُو الْفَرَجِ: تَحْرُمُ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ قَوْلُهُ بِصَوْمِ الْفَرْضِ. قَوْلُهُ (وَتَخْلِيلُ اللِّحْيَةِ) . إنْ كَانَتْ خَفِيفَةً وَجَبَ غَسْلُهَا، وَإِنْ كَانَتْ كَثِيفَةً وَهُوَ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ: اسْتِحْبَابُ
تَخْلِيلِهَا. وَقِيلَ: لَا يُسْتَحَبُّ كَالتَّيَمُّمِ. قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ: وَهُوَ بَعِيدٌ لِلْأَثَرِ، وَهُوَ كَمَا قَالَ. وَقِيلَ: يَجِبُ التَّخْلِيلُ. ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ الْمُتَقَدِّمُ. فَائِدَتَانِ إحْدَاهُمَا: شَعْرُ غَيْرِ اللِّحْيَةِ كَالْحَاجِبَيْنِ، وَالشَّارِبِ، وَالْعَنْفَقَةُ، وَلِحْيَةُ الْمَرْأَةِ وَغَيْرُ ذَلِكَ: مِثْلُ اللِّحْيَةِ فِي الْحُكْمِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ فِي لِحْيَةِ الْمَرْأَةِ. وَقِيلَ: يَجِبُ غَسْلُ بَاطِنِ ذَلِكَ كُلِّهِ مُطْلَقًا. وَالثَّانِيَةُ: صِفَةُ تَخْلِيلِ اللِّحْيَةِ: أَنْ يَأْخُذَ كَفًّا مِنْ مَاءٍ فَيَضَعَهُ مِنْ تَحْتِهَا، أَوْ مِنْ جَانِبَيْهَا بِأَصَابِعِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، مُشَبَّكَةً فِيهَا. قَالَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالزَّرْكَشِيُّ. زَادَ فِي الشَّرْحِ، وَغَيْرِهِ: وَيَعْرُكُهَا. وَقِيلَ: يُخَلِّلُهَا مِنْ مَاءِ الْوَجْهِ، وَلَا يُفْرِدُ لِذَلِكَ مَاءً. قَالَهُ الْقَاضِي. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفَائِقِ. وَيَكُونُ ذَلِكَ عِنْدَ غَسْلِهِمَا. وَإِنْ شَاءَ إذَا مَسَحَ رَأْسَهُ، نَصَّ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ {وَتَخْلِيلُ الْأَصَابِعِ} . يُسْتَحَبُّ تَخْلِيلُ أَصَابِعِ الرِّجْلَيْنِ بِلَا نِزَاعٍ، وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: اسْتِحْبَابُ تَخْلِيلِ أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ أَيْضًا. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَعَنْهُ لَا يُسْتَحَبُّ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْحَاوِيَيْنِ. فَائِدَتَانِ إحْدَاهُمَا: قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ، مِنْهُمْ الْقَاضِي، وَالْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَصَاحِبُ التَّلْخِيصِ، وَغَيْرُهُمْ: يُخَلِّلُ رِجْلَيْهِ بِخِنْصَرِهِ. وَيَبْدَأُ مِنْ الرِّجْلِ الْيُمْنَى بِخِنْصَرِهَا. وَالْيُسْرَى بِالْعَكْسِ. زَادَ الْقَاضِي، وَصَاحِبُ التَّلْخِيصِ: يُخَلِّلُ بِخِنْصَرِ يَدِهِ الْيُسْرَى. زَادَ فِي التَّلْخِيصِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالزَّرْكَشِيُّ: مِنْ أَسْفَلِ الرِّجْلِ. قَالَ الْأَزَجِيُّ فِي نِهَايَتِهِ: يُخَلِّلُ بِخِنْصَرِ يَدَهُ الْيُمْنَى.
وَالثَّانِيَةُ: يُسْتَحَبُّ الْمُبَالَغَةُ فِي غَسْلِ سَائِرِ الْأَعْضَاءِ. وَذَلِكَ الْمَوَاضِعُ الَّتِي يَنْبُو عَنْهَا الْمَاءُ وَعَرْكُهَا. قَوْلُهُ {وَالتَّيَامُنُ} الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: اسْتِحْبَابُ التَّيَامُنِ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَحَكَى الْفَخْرُ الرَّازِيّ رِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ بِوُجُوبِهِ. وَشَذَّذَهُ الزَّرْكَشِيُّ. وَقِيلَ: يُكْرَهُ تَرْكُهُ. قَالَ ابْنُ عَبْدُوسٍ الْمُتَقَدِّمُ هُنَا فِي حُكْمِ الْيَدِ الْوَاحِدَةِ: حَتَّى إنَّهُ يَجُوزُ غَسْلُ إحْدَاهُمَا بِمَاءِ الْأُخْرَى. قَوْلُهُ {وَأَخْذُ مَاءٍ جَدِيدٍ لِلْأُذُنَيْنِ} إنْ قُلْنَا: هُمَا مِنْ الرَّأْسِ وَهُوَ الْمَذْهَبُ فَالصَّحِيحُ: اسْتِحْبَابُ أَخْذِ مَاءٍ جَدِيدٍ لَهُمَا، اخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ، وَابْنُ أَبِي مُوسَى، وَالْقَاضِي فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، وَالشِّيرَازِيُّ، وَابْنُ الْبَنَّا. وَاخْتَارَهُ أَيْضًا الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ. قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ: يُسْتَحَبُّ عَلَى الْأَصَحِّ، وَجَزَمَ بِهِ فِي التَّذْكِرَةِ لِابْنِ عَقِيلٍ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمَذْهَبِ الْأَحْمَدِ، وَالْكَافِي، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ فِي مَوْضِعٍ، وَالْوَجِيزِ، وَالْمُنْتَخَبِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ. وَعَنْهُ لَا يُسْتَحَبُّ. بَلْ يَمْسَحَانِ بِمَاءِ الرَّأْسِ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي فِي تَعْلِيقِهِ، وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي خِلَافِهِ الصَّغِيرِ، وَالْمَجْدُ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَصَاحِبُ الْفَائِقِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالتَّخْلِيصِ، وَالْبُلْغَةِ فِي السُّنَنِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفُرُوعِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ. قَالَ ابْنُ رَجَبٍ فِي الطَّبَقَاتِ: ذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ: أَنَّ أَبَا الْفَتْحِ بْنَ جَلِيَّةَ قَاضِي حَرَّانَ كَانَ يَخْتَارُ مَسْحَ الْأُذُنَيْنِ بِمَاءٍ جَدِيدٍ، بَعْدَ مَسْحِهِمَا بِمَاءِ الرَّأْسِ. قَالَ ابْنُ رَجَبٍ: وَهُوَ غَرِيبٌ جِدًّا. وَاَلَّذِي رَأَيْنَاهُ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ، أَنَّهُ قَالَ: ذَكَرَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ وَابْنُ حَامِدٍ:
أَنَّهُمَا يَمْسَحَانِ بِمَاءٍ جَدِيدٍ، بَعْدَ أَنْ يَمْسَحَا بِمَاءِ الرَّأْسِ. قَالَ: وَلَيْسَ بِشَيْءٍ. فَزَادَ: ابْنُ حَامِدٍ، وَالظَّاهِرُ: أَنَّ الْقَاضِيَ عَبْدَ الْوَهَّابِ هُوَ ابْنُ جَلَبَةَ قَاضِي حَرَّانَ. فَائِدَةٌ: يُسْتَحَبُّ مَسْحُهُمَا بَعْدَ مَسْحِ الرَّأْسِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقَالَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقَالَ: وَيَتَوَجَّهُ تَخْرِيجٌ وَاحْتِمَالٌ. وَذَكَرَ الْأَزَجِيُّ يَمْسَحُهُمَا مَعًا. وَلَمْ يُصَرِّحْ الْأَصْحَابُ بِخِلَافِ ذَلِكَ. قُلْت: صَرَّحَ الزَّرْكَشِيُّ بِاسْتِحْبَابِ مَسْحِ الْأُذُنِ الْيُمْنَى قَبْلَ الْيُسْرَى. تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ: هَذِهِ الْأَحْكَامُ إذَا قُلْنَا: هُمَا مِنْ الرَّأْسِ. فَأَمَّا إذَا قُلْنَا: هُمَا عُضْوَانِ مُسْتَقِلَّانِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، ذَكَرَهَا ابْنُ عَقِيلٍ فَيَجِبُ لَهُمَا مَاءٌ جَدِيدٌ فِي وَجْهٍ. قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ مِنْهُ: يَجِبُ التَّرْتِيبُ. الثَّانِي: تَقَدَّمَ أَنَّ الْأُذُنَيْنِ مِنْ الرَّأْسِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَتَقَدَّمَ رِوَايَةٌ: أَنَّهُمَا عُضْوَانِ مُسْتَقِلَّانِ. وَذَكَرَ ابْنُ عُبَيْدَانَ فِي بَابِ الْوُضُوءِ: أَنَّ ابْنَ عَبْدِ الْبَرِّ قَالَ: رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ: مَا أَقْبَلَ مِنْهُمَا مِنْ الْوَجْهِ يُغْسَلُ مَعَهُ. وَمَا أَدْبَرَ مِنْ الرَّأْسِ كَمَذْهَبِ الشَّعْبِيِّ، وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ. وَمَالَ إلَيْهِ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ. الثَّالِثُ: قَوْلُهُ " وَالْغَسْلَةُ الثَّانِيَةُ وَالثَّالِثَةُ بِلَا نِزَاعٍ " قَالَ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ حَتَّى لِطَهَارَةِ الْمُسْتَحَاضَةِ. فَوَائِدُ إحْدَاهُمَا: يَعْمَلُ فِي عَدَدِ الْغَسَلَاتِ بِالْأَقَلِّ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ: يَعْمَلُ بِالْأَكْثَرِ. الثَّانِيَةُ: تُكْرَهُ الزِّيَادَةُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: تَحْرُمُ. قَالَ ابْنُ
رَجَبٍ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ: وَاسْتَحَبَّ بَعْضُ أَصْحَابِنَا لِلْوَجْهِ غَسْلَةً رَابِعَةً، تُصَبُّ مِنْ أَعْلَاهُ. وَعَنْ أَحْمَدَ: أَنَّهُ يُزَادُ فِي الرِّجْلَيْنِ دُونَ غَيْرِهِمَا. وَيَجُوزُ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْغَسْلَةِ الْوَاحِدَةِ. وَالثِّنْتَانِ أَفْضَلُ، وَالثَّلَاثَةُ أَفْضَلُ مِنْهُمَا. قَالَهُ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ. وَقَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ: الْأُولَى فَرِيضَةٌ. وَالثَّانِيَةُ فَضِيلَةٌ. وَالثَّالِثَةُ سُنَّةٌ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ عُبَيْدَانَ. قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: وَإِذَا قِيلَ لَك: أَيُّ مَوْضِعٍ تُقَدَّمُ فِيهِ الْفَضِيلَةُ عَلَى السُّنَّةِ؟ فَقُلْ: هُنَا. الثَّالِثَةُ: لَوْ غَسَلَ بَعْضَ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ أَكْثَرَ مِنْ بَعْضٍ لَمْ يُكْرَهْ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَنْهُ يُكْرَهُ. الرَّابِعَةُ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: أَنَّهُ لَا يُسَنُّ مَسْحُ الْعُنُقِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنَوِّرِ وَغَيْرِهِ. قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: لَا يُسْتَحَبُّ مَسْحُ الْعُنُقِ فِي أَقْوَى الرِّوَايَتَيْنِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الرِّوَايَتَيْنِ، قَالَ فِي الْفَائِقِ. لَا يُسَنُّ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ، وَعَنْهُ يُسْتَحَبُّ، اخْتَارَهُ فِي الْغُنْيَةِ، وَابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي أَسْبَابِ الْهِدَايَةِ، وَأَبُو الْبَقَاءِ، وَابْنُ الصَّيْرَفِيِّ، وَابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ. قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ: وَمَسْحُ الْعُنُقِ مُسْتَحَبٌّ عَلَى الْأَصَحِّ، وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ عَقِيلٍ فِي تَذْكِرَتِهِ، وَابْنُ الْبَنَّا فِي الْعُقُودِ، وَابْنُ حَمْدَانَ فِي الْإِفَادَاتِ، وَالنَّاظِمُ، وَقَدَّمَهُ فِي الْهِدَايَةِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْمُغْنِي، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالشَّرْحِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ. وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَيْضًا: أَنَّهُ لَا يُسَنُّ الْكَلَامُ عَلَى الْوُضُوءِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، بَلْ يُكْرَهُ. قَالَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالْمُرَادُ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ جَمَاعَةٌ. مِنْهُمْ صَاحِبُ الرِّعَايَةِ. وَالْمُرَادُ بِالْكَرَاهَةِ: تَرْكُ الْأَوْلَى، وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ، مِنْهُمْ صَاحِبُ الْمُسْتَوْعِبِ، وَالرِّعَايَةِ، وَالْإِفَادَاتِ: يَقُولُ عِنْدَ كُلِّ عُضْوٍ مَا وَرَدَ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ،
باب فرض الوضوء وصفته
لِضَعْفِهِ جِدًّا. قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: أَمَّا الْأَذْكَارُ الَّتِي يَقُولُهَا الْعَامَّةُ عَلَى الْوُضُوءِ عِنْدَ كُلِّ عُضْوٍ: فَلَا أَصْلَ لَهَا عَنْهُ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ، وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَالْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، وَفِيهِ حَدِيثٌ كَذِبٌ عَلَيْهِ. - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - انْتَهَى. قَالَ أَبُو الْفَرَجِ: يُكْرَهُ السَّلَامُ عَلَى الْمُتَوَضِّئِ. وَفِي الرِّعَايَةِ: وَرَدُّ السَّلَامِ أَيْضًا قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ كَلَامِ الْأَكْثَرِ: لَا يُكْرَهُ السَّلَامُ وَلَا الرَّدُّ، وَإِنْ كَانَ الرَّدُّ عَلَى طُهْرٍ أَكْمَلَ. الْخَامِسَةُ: قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ مَا نَقَلَهُ بَعْضُهُمْ: يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ. قَالَ: وَلَا تَصْرِيحَ بِخِلَافِهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ لِكُلِّ طَاعَةٍ إلَّا لِدَلِيلٍ. انْتَهَى. [بَابٌ فَرْضُ الْوُضُوءِ وَصِفَتُهُ] ُ قَوْلُهُ {تَرْتِيبُهُ عَلَى مَا ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى} ، الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ التَّرْتِيبَ فَرْضٌ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ بِهِ أَكْثَرُهُمْ مُتَقَدِّمُهُمْ وَمُتَأَخِّرُهُمْ. وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ بِعَدَمِ وُجُوبِ التَّرْتِيبِ بَيْنَ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ، وَبَيْنَ بَقِيَّةِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ، كَمَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا. فَأَخَذَ مِنْهَا أَبُو الْخَطَّابِ فِي الِانْتِصَارِ، وَابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ: رِوَايَةً بِعَدَمِ وُجُوبِ التَّرْتِيبِ رَأْسًا. وَتَبِعَهُمَا بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ، مِنْهُمْ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْفُرُوعِ فِيهِ وَغَيْرِهِمْ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَأَبَى ذَلِكَ عَامَّةُ الْأَصْحَابِ مُتَقَدِّمُهُمْ وَمُتَأَخِّرُهُمْ. مِنْهُمْ أَبُو مُحَمَّدٍ يَعْنِي بِهِ الْمُصَنِّفَ وَالْمَجْدَ فِي شَرْحِهِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي: لَمْ أَرَ عَنْهُ فِيهِ اخْتِلَافًا، قَالَ فِي الْحَاوِي الْكَبِيرِ: لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا فِي الْمَذْهَبِ، إلَّا أَبَا الْخَطَّابِ حَكَى رِوَايَةَ أَحْمَدَ: أَنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ. انْتَهَى. وَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي الِانْتِصَارِ عَدَمَ وُجُوبِ التَّرْتِيبِ فِي نَفْلِ الْوُضُوءِ، وَمَعْنَاهُ لِلْقَاضِي فِي الْخِلَافِ. فَائِدَةٌ: اعْلَمْ أَنَّ الْوَاجِبَ عِنْدَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَالْأَصْحَابِ: التَّرْتِيبُ، لَا عَدَمُ التَّنْكِيسِ. فَلَوْ وَضَّأَهُ أَرْبَعَةٌ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ لَمْ يُجْزِئْهُ. وَلَوْ انْغَمَسَ فِي مَاءٍ جَارٍ يَنْوِي
رَفْعَ الْحَدَثِ، فَمَرَّتْ عَلَيْهِ أَرْبَعُ جَرَيَاتٍ أَجْزَأَهُ، إنْ مَسَحَ رَأْسَهُ. أَوْ قِيلَ بِإِجْزَاءِ الْغَسْلِ عَنْ الْمَسْحِ عَلَى مَا يَأْتِي. وَلَوْ لَمْ يُمِرَّ عَلَيْهِ إلَّا جَرْيَةً وَاحِدَةً لَمْ يُجْزِهِ. وَهَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَمَنْ تَبِعَهُ: وَنَصَّ أَحْمَدُ فِي رَجُلٍ أَرَادَ الْوُضُوءَ فَانْغَمَسَ فِي الْمَاءِ. ثُمَّ خَرَجَ. فَعَلَيْهِ مَسْحُ رَأْسِهِ وَغَسْلُ قَدَمَيْهِ. قَالَ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَاءَ إذَا كَانَ جَارِيًا، فَمَرَّتْ عَلَيْهِ جَرْيَةٌ وَاحِدَةٌ: أَنَّهُ يُجْزِيهِ مَسْحُ رَأْسِهِ وَغَسْلُ رِجْلَيْهِ. انْتَهَى. وَإِنْ كَانَ انْغِمَاسُهُ فِي مَاءٍ كَثِيرٍ رَاكِدٍ. فَإِنْ أَخْرَجَ وَجْهَهُ، ثُمَّ يَدَيْهِ، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْ الْمَاءِ مُرَاعِيًا لِلتَّرْتِيبِ أَجْزَأَهُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ عَقِيلٍ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ وَالزَّرْكَشِيُّ، وَابْنُ رَزِينٍ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَغَيْرِهِمْ. وَتَقَدَّمَتْ الرِّوَايَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ، وَقِيلَ: إنْ مَكَثَ فِيهِ قَدْرًا يَتَّسِعُ لِلتَّرْتِيبِ، وَقُلْنَا: يُجْزِيهِ غَسْلُ الرَّأْسِ عَنْ مَسْحِهِ، أَوْ مَسَحَهُ، ثُمَّ مَكَثَ بِرِجْلَيْهِ قَدْرًا يَسْعَ غَسْلَهُمَا أَجْزَأَهُ. قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: وَهُوَ الْأَقْوَى عِنْدِي. وَقَالَ فِي الِانْتِصَارِ: لَمْ يُفَرِّقْ أَحْمَدُ بَيْنَ الْجَارِي وَالرَّاكِدِ، وَإِنَّ تَحَرُّكَهُ فِي الرَّاكِدِ يَصِيرُ كَالْجَارِي. فَلَا بُدَّ مِنْ التَّرْتِيبِ. قَوْلُهُ {وَالْمُوَالَاةُ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ} . وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْكَافِي، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَابْنُ تَمِيمٍ إحْدَاهَا: هِيَ فَرْضٌ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ. نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ. لِقَوْلِهِ فِي مَسْحِ الْخُفَّيْنِ: فَإِنْ خَلَعَ قَبْلَ ذَلِكَ أَعَادَ الْوُضُوءَ، وَهُوَ مِنْ مُفْرَدَاتِ الْمُذْهَبِ. وَالثَّانِيَةُ: لَيْسَتْ بِفَرْضٍ، بَلْ هِيَ سُنَّةٌ، وَقِيلَ: إنَّهَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْهَا فِي فُرُوضِ الْوُضُوءِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي: وَلَمْ يَذْكُرْ الْخِرَقِيُّ الْمُوَالَاةَ. تَنْبِيهٌ: الرِّوَايَتَانِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ يَعُودَانِ إلَى الْمُوَالَاةِ فَقَطْ. لِمَا تَقَدَّمَ عَنْهُ فِي
الْمُغْنِي: أَنَّهُ لَمْ يَرَ عَنْهُ فِيهِ اخْتِلَافًا. وَقَالَ ابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ: الْخِلَافُ رَاجِعٌ إلَى التَّرْتِيبِ وَالْمُوَالَاةِ. وَيَحْتَمِلُهُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ. قُلْت: صَرَّحَ بِهِ فِي الْهَادِي فَقَالَ: وَفِي الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ وَالتَّرْتِيبِ وَالْمُوَالَاةِ: رِوَايَتَانِ: وَقَالَ فِي الْكَافِي: وَحُكِيَ عَنْهُ أَنَّ التَّرْتِيبَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ. فَائِدَةٌ: لَا يَسْقُطُ التَّرْتِيبُ وَالْمُوَالَاةُ بِالنِّسْيَانِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ، وَجَزَمَ بِهِ نَاظِمُ الْمُفْرَدَاتِ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ مِنْهَا. وَقَدَّمَهُ ابْنُ عُبَيْدَانَ وَغَيْرُهُ. وَقِيلَ: يَسْقُطَانِ. وَقِيلَ: يَسْقُطُ التَّرْتِيبُ وَحْدَهُ. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: تَسْقُطُ الْمُوَالَاةُ بِالْعُذْرِ، وَالْجَهْلِ كَذَلِكَ فِي الْحُكْمِ. قَالَهُ فِي الْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: تَسْقُطُ الْمُوَالَاةُ بِالْعُذْرِ، وَقَالَ: هُوَ أَشْبَهُ بِأُصُولِ الشَّرِيعَةِ. وَقَوَاعِدِ أَحْمَدَ، وَقَوَّى ذَلِكَ وَطَرَدَهُ فِي التَّرْتِيبِ. وَقَالَ: لَوْ قِيلَ بِسُقُوطِهِ لِلْعُذْرِ كَمَا لَوْ غَسَلَ وَجْهَهُ فَقَطْ لِمَرَضٍ وَنَحْوِهِ ثُمَّ زَالَ قَبْلَ انْتِقَاضِ وُضُوئِهِ بِغَسْلِهِ لَتَوَجَّهَ. انْتَهَى. قَوْلُهُ {وَهُوَ أَنْ لَا يُؤَخِّرَ غَسْلَ عُضْوٍ حَتَّى يَنْشَفَ الَّذِي قَبْلَهُ} . مُرَادُهُ: فِي الزَّمَانِ الْمُعْتَدِلِ. وَقَدَّرَهُ فِي غَيْرِهِ. وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هَذَا الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْأَصْحَابِ، وَنَصَرَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَغَيْرِهِ. قَالَ ابْنُ رَزِينٍ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ: هَذَا الْأَصَحُّ، وَجَزَمَ بِهِ فِي التَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ، وَالْفَائِقِ، وَالْمَذْهَبِ الْأَحْمَدِ، وَغَيْرِهِمْ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَغَيْرِهِمْ. وَقِيلَ: هُوَ أَنْ لَا يُؤَخِّرَ غَسْلَ عُضْوٍ حَتَّى يَنْشَفَ الْكُلُّ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُذْهَبِ. وَقِيلَ: هُوَ أَنْ لَا يُؤَخِّرَ غَسْلَ عُضْوٍ حَتَّى يَنْشَفَ أَيُّ عُضْوٍ كَانَ. حَكَاهُ ابْنُ عَقِيلٍ. وَعَنْهُ يُعْتَبَرُ طُولُ الْمُكْثِ عُرْفًا. قَالَ الْخَلَّالُ: هُوَ الْأَشْبَهُ بِقَوْلِهِ، وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ. قَالَ فِي الْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ، وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ: وَيُوَالِي عُرْفًا. قَالَ ابْنُ رَزِينٍ: وَهَذَا أَقْيَسُ.
قُلْت: يَحْتَمِلُ أَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ مُرَادُ مَنْ حَدّهَا بِحَدٍّ، وَيَكُونُونَ مُفَسِّرِينَ لِلْعُرْفِ بِذَلِكَ. ثُمَّ رَأَيْت الزَّرْكَشِيَّ قَالَ مَعْنَاهُ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ: فِي زَمَنٍ مُعْتَدِلٍ أَوْ طَالَ عُرْفًا. قَالَ فِي الْقَاعِدَةِ الثَّالِثَةِ بَعْدَ الْمِائَةِ: وَهَلْ الِاعْتِبَارُ بِالْعُرْفِ، أَوْ بِجَفَافِ الْأَعْضَاءِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. فَوَائِدُ مِنْهَا: لَا يَضُرُّ اشْتِغَالُهُ فِي الْعُضْوِ الْآخَرِ بِسُنَّةٍ كَتَخْلِيلٍ، أَوْ إسْبَاغٍ، أَوْ إزَالَةِ شَكٍّ. وَيَضُرُّ إسْرَافٌ، وَإِزَالَةُ وَسَخٍ وَنَحْوِهِ، جَزَمَ بِهِ فِي الْفُرُوعِ، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَأَطْلَقَا. وَلَعَلَّهُمَا أَرَادَا مَا جَزَمَ بِهِ الزَّرْكَشِيُّ، إذَا كَانَ إزَالَةُ الْوَسَخِ لِغَيْرِ الطَّهَارَةِ، وَجَزَمَ فِي الْكَافِي، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ: أَنَّهُ لَا يَضُرُّ إزَالَةُ الْوَسَخِ. وَأَطْلَقُوا. وَلَعَلَّهُمْ أَرَادُوا إذَا أَزَالَهَا لِأَجْلِ الطَّهَارَةِ. وَلَا تَضُرُّ الْإِطَالَةُ لِوَسْوَسَةٍ، صَحَّحَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَقَدَّمَهُ ابْنُ عُبَيْدَانَ، وَالْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّارِحُ، وَابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ. وَقِيلَ: تَضُرُّ، جَزَمَ بِهِ فِي الْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالزَّرْكَشِيُّ. وَتَضُرُّ إزَالَةُ النَّجَاسَةِ إذَا طَالَتْ. قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. وَقِيلَ: لَا تَضُرُّ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالزَّرْكَشِيُّ. وَتَضُرُّ الْإِطَالَةُ فِي تَحْصِيلِ الْمَاءِ، قَدَّمَهُ الزَّرْكَشِيُّ، وَالرِّعَايَةُ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ. وَعَنْهُ لَا تَضُرُّ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ. وَمِنْهَا: لَا يُشْتَرَطُ لِلْغَسْلِ مُوَالَاةٌ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَحَكَى بَعْضُ الْأَصْحَابِ: الِاشْتِرَاطَ كَالْوُضُوءِ، وَيَأْتِي ذَلِكَ فِي الْغُسْلِ. وَمِنْهَا: إذَا قُلْنَا الْمُوَالَاةُ سُنَّةٌ وَفَاتَتْ، أَوْ فَرَّقَ الْغُسْلَ، فَلَا بُدَّ لِإِتْمَامِ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ مِنْ نِيَّةٍ مُسْتَأْنَفَةٍ. قَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَالْمَجْدُ، وَصَاحِبُ الْفُرُوعِ، وَغَيْرُهُمْ.
بِنَاءً عَلَى أَنَّ شَرْطَ النِّيَّةِ الْحُكْمِيَّةِ: قُرْبُ الْفِعْلِ مِنْهَا، كَحَالَةِ الِابْتِدَاءِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَدَلَّ عَلَى الْخِلَافِ، كَمَا يَأْتِي فِي نِيَّةِ الْحَجِّ فِي دُخُولِ مَكَّةَ، وَنِيَّةِ الصَّلَاةِ وَيَأْتِي ذَلِكَ فِي الْغُسْلِ قَوْلُهُ {وَالنِّيَّةُ شَرْطٌ لِطَهَارَةِ الْحَدَثِ كُلِّهَا} . وَهَذَا الْمَذْهَبُ الْمَجْزُومُ بِهِ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْأَصْحَابِ. وَقِيلَ: النِّيَّةُ فَرْضٌ. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ، وَالْفَائِقُ، وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: وَالنِّيَّةُ مِنْ فُرُوضِهَا. وَأَوَّلُوا كَلَامَهُ. وَقِيلَ: رُكْنٌ. ذَكَرَهُمَا فِي الرِّعَايَةِ. قُلْت: لَا يَظْهَرُ التَّنَافِي بَيْنَ الْقَوْلِ بِفَرْضِيَّتِهَا وَرُكْنِيَّتِهَا. فَلَعَلَّهُ حَكَى عِبَارَاتِ الْأَصْحَابِ. وَذَكَرَ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ وَجْهًا فِي الْمُذْهَبِ: أَنَّ النِّيَّةَ لَا تُشْتَرَطُ فِي طَهَارَةِ الْحَدَثِ. قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ: وَهُوَ شَاذٌّ. وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: ذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ أَصْحَابِنَا وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ: أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْعِبَادَةِ النِّيَّةُ. وَقَالَ أَبُو يَعْلَى الصَّغِيرُ: وَيَتَوَجَّهُ عَلَى الْمَذْهَبِ صِحَّةُ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ. قَالَ: وَقَدْ بَنَى الْقَاضِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ عَلَى أَنَّ التَّجْدِيدَ: هَلْ يَرْفَعُ الْحَدَثَ أَمْ لَا؟ وَيَأْتِي فِي آخِرِ أَحْكَامِ النِّيَّةِ: هَلْ يَحْتَاجُ غَسْلُ الذِّمِّيَّةِ إلَى النِّيَّةِ، أَمْ لَا؟ فَائِدَةٌ: لَا يُسْتَحَبُّ التَّلَفُّظُ بِالنِّيَّةِ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. قَالَ: هُوَ الصَّوَابُ، الْوَجْهُ الثَّانِي: يُسْتَحَبُّ التَّلَفُّظُ بِهَا سِرًّا، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ عُبَيْدَانَ، وَالتَّلْخِيصِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ رَزِينٍ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هُوَ الْأَوْلَى عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ. تَنْبِيهٌ: مَفْهُومُ قَوْلِهِ " وَالنِّيَّةُ شَرْطٌ لِطَهَارَةِ الْحَدَثِ " أَنَّهَا لَا تُشْتَرَطُ لِطَهَارَةِ الْخُبْثِ. وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ. وَقِيلَ: شَرْطٌ كَطَهَارَةِ الْحَدَثِ. وَحَكَى ابْنُ مُنَجَّا فِي النِّهَايَةِ: أَنَّ الْأَصْحَابَ
قَالُوهُ فِي كُتُبِ الْخِلَافِ. وَقِيلَ: إنْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ عَلَى الْبَدَنِ، فَهِيَ شَرْطٌ، وَإِلَّا فَلَا. وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي الِانْتِصَارِ: فِي طَهَارَةِ الْبَدَنِ بِصَوْبِ غَمَامٍ، أَوْ فِعْلِ مَجْنُونٍ، أَوْ طِفْلٍ: احْتِمَالَانِ. قَوْلُهُ {وَهُوَ أَنْ يَقْصِدَ رَفْعَ الْحَدَثِ، أَوْ الطَّهَارَةَ لِمَا لَا يُبَاحُ إلَّا بِهَا} هَذَا الْمَذْهَبُ، قَالَهُ الْأَصْحَابُ. وَقَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَشَرْحِ ابْنِ عُبَيْدَانَ، وَغَيْرِهِمَا: النِّيَّةُ هِيَ قَصْدُ الْمَنْوِيِّ. وَقِيلَ: الْعَزْمُ عَلَى الْمَنْوِيِّ. وَقِيلَ: إنْ نَوَى مَعَ الْحَدَثِ النَّجَاسَةَ لَمْ يُجْزِئْهُ، اخْتَارَهُ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَحْتَمِلُ إنْ نَوَى مَعَ الْحَدَثِ التَّنَظُّفَ أَوْ التَّبَرُّدَ لَمْ يُجْزِئْهُ. فَائِدَةٌ: يَنْوِي مَنْ حَدَثُهُ دَائِمٌ الِاسْتِبَاحَةَ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَيَرْتَفِعُ حَدَثُهُ. وَلَعَلَّهُ سَهْوٌ. وَقِيلَ: أَوْ يَنْوِي رَفْعَ الْحَدَثِ قَالَ الْمَجْدُ: هِيَ كَالصَّحِيحِ فِي النِّيَّةِ، قَالَ فِي الرِّعَايَةِ. وَقِيلَ: نِيَّتُهَا كَنِيَّةِ الصَّحِيحِ، وَيَنْوِي رَفْعَهُ. انْتَهَى. وَقِيلَ: أَوْ يَنْوِي رَفْعَ الْحَدَثِ وَقِيلَ: هُمَا، قَالَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ: وَجَمْعُهُمَا أَوْلَى فَعَلَى الْمَذْهَبِ: لَا يَحْتَاجُ إلَى تَعْيِينِ نِيَّةِ الْفَرْضِ، قَطَعَ بِهِ ابْنُ مُنَجَّا، وَابْنُ حَمْدَانَ، قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: هَذَا ظَاهِرُ قَوْلِ الْأَصْحَابِ. انْتَهَى. وَيَرْتَفِعُ حَدَثُهُ أَيْضًا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، قَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا قَطَعَ بِهِ فِي شَرْحِهِ. فَإِنَّهُ قَالَ: هَذِهِ الطَّهَارَةُ تَرْفَعُ الْحَدَثَ أَوْجَبَهَا. وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: طَهَارَةُ الْمُسْتَحَاضَةِ لَا تَرْفَعُ الْحَدَثَ، وَالنَّفْسُ تَمِيلُ إلَيْهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ فَائِدَةٌ: لَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - هُنَا مِنْ شُرُوطِ الْوُضُوءِ إلَّا النِّيَّةَ. وَلِلْوُضُوءِ شُرُوطٌ أُخْرَى. مِنْهَا: مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي آخِرِ بَابِ الِاسْتِنْجَاءِ، وَهُوَ إزَالَةُ مَا عَلَى الْفَرْجَيْنِ مِنْ أَذًى بِالْمَاءِ، أَوْ بِالْأَحْجَارِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، كَمَا تَقَدَّمَ.
وَمِنْهَا: إزَالَةُ مَا عَلَى غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ مِنْ نَجَاسَةٍ، عَلَى قَوْلٍ تَقَدَّمَ هُنَاكَ. وَمِنْهَا: دُخُولُ الْوَقْتِ عَلَى مَنْ حَدَثُهُ دَائِمٌ، كَالْمُسْتَحَاضَةِ، وَمَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ وَنَحْوِهِمْ، عَلَى مَا يَأْتِي فِي آخِرِ بَابِ الْحَيْضِ. وَمِنْهَا: التَّمْيِيزُ. فَلَا وُضُوءَ لِمَنْ لَا تَمْيِيزَ لَهُ، كَمَنْ لَهُ دُونَ سَبْعٍ، وَقِيلَ: سِتٌّ، أَوْ مَنْ لَا يَفْهَمُ الْخِطَابَ وَلَا يَرُدُّ الْجَوَابَ، عَلَى مَا يَأْتِي فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ. وَمِنْهَا: إزَالَةُ مَا يَمْنَعُ وُصُولَ الْمَاءِ إلَى الْعُضْوِ. وَمِنْهَا: الْعَقْلُ، فَلَا وُضُوءَ لِمَنْ لَا عَقْلَ لَهُ، كَالْمَجْنُونِ وَنَحْوِهِ. وَمِنْهَا: الطَّهَارَةُ مِنْ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ، جَزَمَ بِهِ ابْنُ عُبَيْدَانَ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَلَا يَصِحُّ وُضُوءُ الْحَائِضِ، عَلَى مَا يَأْتِي أَوَّلَ الْحَيْضِ مُسْتَوْفًى. قُلْت: وَمِنْهَا الطَّهَارَةُ مِنْ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ. أَعْنِي انْقِطَاعَهُمَا، وَالْفَرَاغَ مِنْ خُرُوجِهِمَا. وَمِنْهَا: طَهُورِيَّةُ الْمَاءِ، خِلَافًا لِأَبِي الْخَطَّابِ فِي الِانْتِصَارِ فِي تَجْوِيزِهِ الطَّهَارَةَ بِالْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ فِي نَفْلِ الْوُضُوءِ، كَمَا تَقَدَّمَ عَنْهُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ. وَمِنْهَا: إبَاحَةُ الْمَاءِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. وَمِنْهَا: الْإِسْلَامُ. قَالَهُ ابْنُ عُبَيْدَانَ وَغَيْرُهُ. فَهَذِهِ اثْنَا عَشَرَ شَرْطًا لِلْوُضُوءِ فِي بَعْضِهَا خِلَافٌ. قَوْلُهُ {فَإِنْ نَوَى مَا تُسَنُّ لَهُ الطَّهَارَةُ، أَوْ التَّجْدِيدُ، فَهَلْ يَرْتَفِعُ حَدَثُهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ} إذَا نَوَى مَا تُسَنُّ لَهُ الطَّهَارَةُ، كَالْجُلُوسِ فِي الْمَسْجِدِ وَنَحْوِهِ، فَهَلْ يَرْتَفِعُ حَدَثُهُ؟ أَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ فِيهِ الْخِلَافَ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْكَافِي، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ.
إحْدَاهُمَا: يَرْتَفِعُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ. اخْتَارَهُ أَبُو حَفْصٍ الْعُكْبَرِيُّ، وَابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ، وَصَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ، وَالْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّارِحُ. قَالَ الْمَجْدُ، وَتَابَعَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: هَذَا أَقْوَى، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ. وَالثَّانِيَةُ: لَا يَرْتَقِعُ، اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ، وَالْقَاضِي، وَالشِّيرَازِيُّ، وَأَبُو الْخَطَّابِ. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ، وَصَاحِبُ الْمُسْتَوْعِبِ: هَذَا أَصَحُّ الْوَجْهَيْنِ، وَصَحَّحَهُ النَّاظِمُ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ. فَائِدَةٌ: مَا تُسَنُّ لَهُ الطَّهَارَةُ: الْغَضَبُ، وَالْأَذَانُ، وَرَفْعُ الشَّكِّ، وَالنَّوْمُ، وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ، وَالذِّكْرُ، وَجُلُوسُهُ بِالْمَسْجِدِ، وَنَحْوُهُ. وَقِيلَ: وَدُخُولُهُ. قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ. وَقِيلَ: وَحَدِيثٌ، وَتَدْرِيسُ عِلْمٍ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ أَيْضًا. وَقِيلَ: وَكِتَابَتُهُ. وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ: وَزِيَارَةُ قَبْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَقَالَ فِي الْمُغْنِي وَغَيْرِهِ: وَأَكْلٌ. قَالَ الْأَصْحَابُ: وَمِنْ كُلِّ كَلَامٍ مُحَرَّمٍ، كَالْغِيبَةِ وَنَحْوِهَا، وَقِيلَ: لَا. وَكُلُّ مَا مَسَّتْهُ النَّارُ، وَالْقَهْقَهَةُ. وَأَطْلَقَهَا ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ. وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَالْفُرُوعُ، وَكَذَا فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ فِي الْقَهْقَهَةِ. وَأَمَّا إذَا نَوَى التَّجْدِيدَ، وَهُوَ نَاسٍ حَدَثَهُ: فَفِيهِ ثَلَاثُ طُرُقٍ. أَحَدُهَا: أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ مَا إذَا نَوَى مَا تُسَنُّ لَهُ الطَّهَارَةُ، وَهِيَ الصَّحِيحَةُ، جَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ هُنَا، وَفِي الْمُغْنِي، وَصَاحِبُ الْهِدَايَةِ، وَالْفُصُولِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالشَّارِحِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَصَاحِبُ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ، وَغَيْرُهُمْ. فَفِيهِ الْخِلَافُ الْمُتَقَدِّمُ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ
الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْكَافِي، وَابْنُ مُنَجَّا، وَابْنُ عُبَيْدَانَ فِي شَرْحَيْهِمَا، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَغَيْرُهُمْ. إحْدَاهُمَا: يَرْتَفِعُ حَدَثُهُ: وَهُوَ الْمَذْهَبُ. اخْتَارَهُ أَبُو حَفْصٍ الْعُكْبَرِيُّ، وَابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ، وَصَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ، وَصَحَّحَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، فِيمَا إذَا نَوَى مَا تُسَنُّ لَهُ الطَّهَارَةُ. وَجَعَلَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مِثْلَهَا، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ، وَغَيْرُهُمْ. وَالثَّانِي: لَا يَرْتَفِعُ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَغَيْرُهُمَا، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِفَادَاتِ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. وَقَالَ: عَلَى الْأَقْيَسِ وَالْأَشْهَرِ. وَقَالَ فِي الصُّغْرَى: هَذَا أَصَحُّ، كَذَا قَالَ ابْنُ مُنَجَّا فِي النِّهَايَةِ، وَصَحَّحَهُ فِي النَّظْمِ. وَمَحَلُّ الْخِلَافِ عَلَى الْقَوْلِ بِاسْتِحْبَابِ التَّجْدِيدِ عَلَى مَا يَأْتِي. الطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ: لَا يَرْتَفِعُ هُنَا. وَإِنْ ارْتَفَعَ فِيمَا تُسَنُّ لَهُ الطَّهَارَةُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ ابْنَ حَمْدَانَ أَطْلَقَ الْخِلَافَ فِيمَا تُسَنُّ لَهُ الطَّهَارَةُ، وَصَحَّحَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَقَالَ: إنَّ الْأَشْهَرَ، لَا يَرْتَفِعُ. الطَّرِيقَةُ الثَّالِثَةُ: إنْ لَمْ يَرْتَفِعْ فَفِي حُصُولِ التَّجْدِيدِ احْتِمَالَانِ. قَالَهُ ابْنُ حَمْدَانَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ. تَنْبِيهٌ: قَالَ ابْنُ عُبَيْدَانَ: وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ يُوهِمُ أَنَّ الرِّوَايَتَيْنِ فِيمَا إذَا نَوَى مَا تُسَنُّ لَهُ الطَّهَارَةُ. وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ. وَإِنَّمَا الرِّوَايَتَانِ فِي التَّجْدِيدِ. وَأَمَّا مَا تُسَنُّ لَهُ الطَّهَارَةُ: فَفِيهِ وَجْهَانِ مُخْرَجَانِ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي التَّجْدِيدِ. صَرَّحَ بِذَلِكَ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي. وَكَذَلِكَ غَيْرُهُ مِنْ الْأَصْحَابِ انْتَهَى. وَقَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: فِي الْكُلِّ رِوَايَتَانِ. وَقِيلَ: وَجْهَانِ، قُلْت: وَمِمَّنْ ذَكَرَ الرِّوَايَتَيْنِ، فِيمَا إذَا نَوَى مَا تُسَنُّ لَهُ الطَّهَارَةُ: صَاحِبُ الْمُذْهَبِ، وَالْكَافِي، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَالشَّرْحِ، وَالْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِمْ.
وَمِمَّنْ ذَكَرَ الْوَجْهَيْنِ: الْقَاضِي فِي الْجَامِعِ، وَصَاحِبُ الْمُسْتَوْعِبِ، وَالْمُغْنِي، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ. وَغَيْرُهُمْ. فَائِدَتَانِ إحْدَاهُمَا: لَوْ نَوَى رَفْعَ الْحَدَثِ وَإِزَالَةَ النَّجَاسَةِ، أَوْ التَّبَرُّدَ، أَوْ تَعْلِيمَ غَيْرِهِ: ارْتَفَعَ حَدَثُهُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقَالَ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ: إذَا نَوَى النَّجَاسَةَ مَعَ الْحَدَثِ لَمْ يُجْزِهِ. وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ. الثَّانِيَةُ: الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يُسَنُّ تَجْدِيدُ الْوُضُوءِ لِكُلِّ صَلَاةٍ. وَعَنْهُ لَا يُسَنُّ. كَمَا لَوْ لَمْ يَصِلْ بَيْنَهُمَا. قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ، كَمَا لَوْ لَمْ يَفْعَلْ مَا يُسْتَحَبُّ لَهُ الْوُضُوءُ، وَكَتَيَمُّمٍ وَكَغُسْلٍ، خِلَافًا لِلشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ فِي الْغُسْلِ. وَحُكِيَ عَنْهُ يُكْرَهُ الْوُضُوءُ. وَقِيلَ: لَا يُدَاوِمُ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ {وَإِذَا نَوَى غُسْلًا مَسْنُونًا، فَهَلْ يُجْزِي عَنْ الْوَاجِبِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ} . وَقِيلَ: رِوَايَتَانِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُذْهَبِ، وَالْفُرُوعِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ. وَغَيْرُهُمْ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْحُكْمَ هُنَا كَالْحُكْمِ فِيمَا إذَا نَوَى مَا تُسَنُّ لَهُ الطَّهَارَةُ، خِلَافًا وَمَذْهَبًا عِنْدَ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ. وَظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ مُخَالِفٌ لِذَلِكَ. وَعِنْدَ الْمَجْدِ فِي شَرْحِهِ: لَا يَرْتَفِعُ بِالْغُسْلِ الْمَسْنُونِ. وَيَرْتَفِعُ بِالْوُضُوءِ الْمَسْنُونِ. وَتَبِعَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَاخْتَارَهُ أَبُو حَفْصٍ. وَسَوَّى بَيْنَهُمَا فِي الْمُحَرَّرِ كَالْأَكْثَرِ. فَوَائِدُ مِنْهَا: إذَا قُلْنَا لَا يَحْصُلُ الْوَاجِبُ فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: حُصُولُ الْمَسْنُونِ. وَقِيلَ: لَا يَحْصُلُ أَيْضًا. وَمِنْهَا: وَكَذَا الْخِلَافُ وَالْحُكْمُ وَالْمَذْهَبُ، لَوْ تَطَهَّرَ عَنْ وَاجِبٍ: هَلْ يُجْزِئُ
عَنْ الْمَسْنُونِ؟ عَلَى مَا تَقَدَّمَ. وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ. وَقِيلَ: يُجْزِيهِ هُنَا، وَإِنْ مَنَعْنَا هُنَاكَ؛ لِأَنَّهُ أَعْلَى. وَلَوْ نَوَاهُمَا حَصَلَا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ. وَمِنْهَا: لَوْ نَوَى طَهَارَةً مُطْلَقَةً، أَوْ وُضُوءًا مُطْلَقًا عَلَيْهِ، لَمْ يَصِحَّ عَلَى الصَّحِيحِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَرَجَّحَهُ فِي الْفُصُولِ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ أَيْضًا: إنْ قَالَ: هَذَا الْغُسْلُ لِطَهَارَتِي: انْصَرَفَ إلَى إزَالَةِ مَا عَلَيْهِ مِنْ الْحَدَثِ، وَإِنْ أَطْلَقَ: وَقَعَتْ الطَّهَارَةُ نَافِلَةً، وَنَافِلَةُ الطَّهَارَةِ كَتَجْدِيدِ الْوُضُوءِ. وَفِيهِ رِوَايَتَانِ، وَكَذَا يَخْرُجُ وَجْهَانِ فِي رَفْعِ الْحَدَثِ. وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي فِي النِّهَايَةِ: وَلَا خِلَافَ أَنَّ الْجُنُبَ إذَا نَوَى الْغُسْلَ وَحْدَهُ لَمْ يُجْزِهِ. لِأَنَّهُ تَارَةً يَكُونُ عِبَادَةً، وَتَارَةً غَيْرَ عِبَادَةٍ. فَلَا يَرْتَفِعُ حُكْمُ الْجَنَابَةِ. انْتَهَى. وَقِيلَ: يَصِحُّ، جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَصَحَّحَهُ فِي الْمُغْنِي، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَالشَّرْحِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَابْنُ تَمِيمٍ. وَمِنْهَا: لَوْ نَوَى الْجُنُبُ الْغُسْلَ وَحْدَهُ، أَوْ لِمُرُورِهِ فِي الْمَسْجِدِ: لَمْ يَرْتَفِعْ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ فِيهِمَا. وَتَقَدَّمَ كَلَامُ أَبِي الْمَعَالِي. وَقِيلَ: يَرْتَفِعُ. وَقِيلَ يَرْتَفِعُ فِي الثَّانِيَةِ وَحْدَهَا. وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: إنْ نَوَى الْجُنُبُ بِغُسْلِهِ الْقِرَاءَةَ: ارْتَفَعَ حَدَثُهُ الْأَكْبَرُ. وَفِي الْأَصْغَرِ وَجْهَانِ. وَإِنْ نَوَى اللُّبْثُ فِي الْمَسْجِدِ: ارْتَفَعَ الْأَصْغَرُ. وَفِي الْأَكْبَرِ وَجْهَانِ. وَقِيلَ: يَرْتَفِعُ الْأَكْبَرُ فِي الثَّانِيَةِ. ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَاخْتَارَهُ الْمَجْدُ. وَمِنْهَا: لَوْ نَوَى بِطَهَارَتِهِ صَلَاةً مُعَيَّنَةً لَا غَيْرَهَا: ارْتَفَعَ مُطْلَقًا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَذَكَرَ أَبُو الْمَعَالِي وَجْهَيْنِ، كَمُتَيَمِّمٍ نَوَى إقَامَةَ فَرْضَيْنِ فِي وَقْتَيْنِ. قَوْلُهُ {وَإِنْ اجْتَمَعَتْ أَحْدَاثٌ تُوجِبُ الْوُضُوءَ أَوْ الْغُسْلَ، فَنَوَى بِطَهَارَتِهِ أَحَدَهُمَا: فَهَلْ يَرْتَفِعُ سَائِرُهُمَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ} .
وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُذْهَبِ وَالتَّلْخِيصِ، وَالشَّرْحِ، وَابْنُ مُنَجَّا، وَابْنُ عُبَيْدَانَ فِي شَرْحَيْهِمَا، وَالْحَاوِيَيْنِ. أَحَدُهُمَا: يَرْتَفِعُ سَائِرُهَا، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ: هَذَا الْمَشْهُورُ. وَقَالَ ابْنُ عُبَيْدَانَ: هَذَا الصَّحِيحُ، قَالَ فِي الْفَائِقِ: هَذَا أَصَحُّ الْوَجْهَيْنِ، وَصَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْمُنْتَخَبِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَالْمُحَرَّرِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَتَيْنِ فِي أَحْدَاثِ الْوُضُوءِ. وَالثَّانِي: لَا يَرْتَفِعُ إلَّا مَا نَوَاهُ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِفَادَاتِ، وَصَحَّحَهُ فِي النَّظْمِ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ فِي مُوجِبَاتِ الْغُسْلِ، وَرَجَّحَهُ الْمَجْدُ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ وَالْحَيْضِ. وَقِيلَ: لَا تُجْزِئُ نِيَّةُ الْحَيْضِ عَنْ الْجَنَابَةِ، وَلَا نِيَّةُ الْجَنَابَةِ عَنْ الْحَيْضِ. وَتُجْزِئُ فِي غَيْرِهِمَا نِيَّةُ أَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ. وَقِيلَ: تُجْزِئُ نِيَّةُ الْحَيْضِ عَنْ الْجَنَابَةِ. وَلَا تُجْزِئُ نِيَّةُ الْجَنَابَةِ عَنْ الْحَيْضِ. وَمَا سِوَى ذَلِكَ يَتَدَاخَلُ. وَقِيلَ: إنْ نَسِيَتْ الْمَرْأَةُ حَالَهَا أَجْزَأَهَا نِيَّةُ أَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ. تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ: ظَاهِرُ قَوْلِهِ " فَيَنْوِي بِطَهَارَتِهِ أَحَدَهَا " لَوْ نَوَى مَعَ ذَلِكَ أَنْ لَا يَرْتَفِعَ غَيْرُ مَا نَوَاهُ: أَنَّهُ لَا يَرْتَفِعُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ. وَظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَقِيلَ: فِيهِ الْوَجْهَانِ اللَّذَانِ فِيمَا إذَا نَوَى بِطَهَارَتِهِ أَحَدَهُمَا فَقَطْ. الثَّانِي: ظَاهِرُ قَوْلِهِ {وَإِنْ اجْتَمَعَتْ أَحْدَاثٌ} أَنَّهُ سَوَاءٌ كَانَ اجْتِمَاعُهَا مَعًا أَوْ مُتَفَرِّقَةً إذَا كَانَتْ مُتَنَوِّعَةً، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ. مِنْهُمْ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَابْنُ مُنَجَّا، وَصَاحِبُ الْفَائِقِ، وَالْحَاوِيَيْنِ وَغَيْرُهُمْ، وَهُوَ الصَّوَابُ. وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ أَنْ يُوجَدَا مَعًا. قَالَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ: وَإِنْ نَوَى رَفْعَ بَعْضِ أَحْدَاثِهِ الَّتِي نَقَضَتْ وُضُوءَهُ مَعًا زَادَ فِي الْكُبْرَى: إنْ أَمْكَنَ اجْتِمَاعُهُمَا ارْتَفَعَتْ كُلُّهَا. وَقِيلَ: بَلْ مَا نَوَاهُ وَحْدَهُ. وَقِيلَ:
وَغَيْرُهُ إنْ سَبَقَ أَحَدُهُمَا، وَنَوَاهُ. وَقِيلَ: إنْ تَكَرَّرَتْ مِنْ جِنْسٍ أَوْ أَكْثَرَ، فَأَطْلَقَ النِّيَّةَ: ارْتَفَعَ الْكُلُّ. وَإِنْ عَيَّنَ فِي الْجِنْسِ أَوَّلَهَا، أَوْ آخِرَهَا، أَوْ أَحَدَ الْأَنْوَاعِ. فَوَجْهَانِ انْتَهَى. الثَّالِثُ: تَظْهَرُ فَائِدَةُ قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ: أَنَّهُ لَوْ نَوَى بَعْدَ ذَلِكَ رَفْعَ الْحَدَثِ عَنْ بَاقِي الْأَسْبَابِ: ارْتَفَعَ حَدَثُهُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ، قَالَهُ ابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ وَغَيْرِهِ. وَأَيْضًا مِنْ فَوَائِدِهِ: لَوْ اغْتَسَلَتْ الْحَائِضُ إذَا كَانَتْ جُنُبًا لِلْحَيْضِ: حَلَّ وَطْؤُهَا دُونَ غَيْرِهِ، لِبَقَاءِ الْجَنَابَةِ. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَلَا يَمْنَعُ الْحَيْضَ صِحَّةُ الْغُسْلِ لِلْجَنَابَةِ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ. قَالَ فِي الْحَاوِي الصَّغِيرِ: وَهُوَ الْأَقْوَى عِنْدِي. وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ. وَحَكَاهُمَا رِوَايَتَيْنِ، وَقَالَا: لَا تَمْنَعُ الْجَنَابَةَ غُسْلُ الْحَيْضِ، مِثْلُ إنْ أَجْنَبَتْ فِي أَثْنَاءِ غُسْلِهَا مِنْهُ. انْتَهَى وَيَأْتِي ذَلِكَ بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا فِي الْغُسْلِ بَعْدَ قَوْلِهِ " وَالْخَامِسُ الْحَيْضُ " الرَّابِعُ: قَوْلُهُ {وَيَجِبُ تَقْدِيمُ النِّيَّةِ عَلَى أَوَّلِ وَاجِبَاتِ الطَّهَارَةِ} هَذَا صَحِيحٌ، وَأَوَّلُ وَاجِبَاتِهَا: الْمَضْمَضَةُ وَالتَّسْمِيَةُ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْخِلَافِ. ذَكَرَهُ الشَّارِحُ وَغَيْرُهُ. وَيَجُوزُ تَقْدِيمُهَا بِزَمَنٍ يَسِيرٍ بِلَا نِزَاعٍ. وَلَا يَجُوزُ بِزَمَنٍ طَوِيلٍ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَقِيلَ: يَجُوزُ مَعَ ذِكْرِهَا وَبَقَاءِ حُكْمِهَا، بِشَرْطِ أَنْ لَا يَقْطَعَهَا. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَجَوَّزَ الْآمِدِيُّ تَقْدِيمَ نِيَّةِ الصَّلَاةِ بِالزَّمَنِ الطَّوِيلِ، مَا لَمْ يَفْسَخْهَا. وَكَذَا يَخْرُجُ هُنَا، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ. وَقَالَ الْقَاضِي فِي شَرْحِهِ الصَّغِيرِ: إذَا قَدَّمَ النِّيَّةَ وَاسْتَصْحَبَ ذِكْرَهَا حَتَّى يَشْرَعَ فِي الطَّهَارَةِ جَازَ. وَإِنْ نَسِيَهَا أَعَادَ. وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ: يَجُوزُ تَقْدِيمُ النِّيَّةِ مَا لَمْ يَعْرِضْ مَا يَقْطَعُهَا مِنْ اشْتِغَالٍ بِعَمَلٍ وَنَحْوِهِ. انْتَهَى. فَائِدَةٌ: لَا يُبْطِلُهَا عَمَلٌ يَسِيرٌ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ، قَوْلُهُ {وَإِنْ اسْتَصْحَبَ حُكْمَهَا أَجْزَأَهُ}
وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَلَا يُبْطِلُ النِّيَّةَ نِسْيَانُهَا فِي الْأَشْهَرِ، وَلَا غَفْلَةٌ عَنْهَا مُطْلَقًا. وَقِيلَ: بَلْ بَعْدَ شُرُوعِهِ فِيهِ. فَوَائِدُ مِنْهَا: لَوْ أَبْطَلَ الْوُضُوءَ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْهُ، لَمْ يَبْطُلْ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: يَبْطُلُ. وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ. وَمِنْهَا: لَوْ شَكَّ فِي الطَّهَارَةِ، بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْهَا، لَمْ يُؤَثِّرْ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، نَصَّ عَلَيْهِ. وَقِيلَ: يَبْطُلُ. وَقِيلَ: إنْ شَكَّ عَقِيبَ فَرَاغِهِ اسْتَأْنَفَ، وَإِنْ طَالَ الْفَصْلُ فَلَا. وَمِنْهَا: لَوْ أَبْطَلَ النِّيَّةَ فِي أَثْنَاءِ طَهَارَتِهِ، بَطَلَ مَا مَضَى مِنْهَا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَالْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ. وَقِيلَ: لَا يَبْطُلُ مَا مَضَى مِنْهَا، جَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي، لَكِنْ إنْ غَسَلَ الْبَاقِيَ بِنِيَّةٍ أُخْرَى قَبْلَ طُولِ الْفَصْلِ صَحَّتْ طَهَارَتُهُ، وَإِنْ طَالَتْ انْبَنَى عَلَى وُجُوبِ الْمُوَالَاةِ. قَالَ فِي التَّلْخِيصِ: وَهُمَا الْأَقْيَسُ. وَأَطْلَقَهُمَا الشَّارِحُ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ. وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَإِنْ أَبْطَلَ النِّيَّةَ فِي أَثْنَاءِ طَهَارَتِهِ بَطَلَ مَا مَضَى مِنْهَا فِي أَحَدِ الْوُجُوهِ. وَالثَّانِي: لَا يَبْطُلُ. وَالثَّالِثُ: إنْ قُلْنَا بِاعْتِبَارِ الْمُوَالَاةِ بَطَلَ، وَإِلَّا فَلَا. انْتَهَى. قُلْت: ظَاهِرُ الْقَوْلِ الثَّانِي: مُشْكِلٌ جِدًّا. إذْ هُوَ مُفْضٍ إلَى صِحَّتِهِ. وَلَوْ قُلْنَا بِاشْتِرَاطِ الْمُوَالَاةِ وَفَاتَتْ. فَمَا أَظُنُّ أَحَدًا يَقُولُ ذَلِكَ. وَلَا بُدَّ فِي الْقَوْلِ الثَّالِثِ مِنْ إضْمَارٍ. وَتَقْدِيرُهُ: وَالثَّالِثُ إنْ قُلْنَا بِاعْتِبَارِ الْمُوَالَاةِ فَأَخَلَّ بِهَا بَطَلَ وَإِلَّا فَلَا. وَمِنْهَا: لَوْ فَرَّقَ النِّيَّةَ عَلَى أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ صَحَّ، جَزَمَ بِهِ فِي التَّلْخِيصِ وَغَيْرِهِ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَقَالَ: وَحَكَى شَيْخُنَا أَبُو الْفَرَجِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي مَاءِ الْوُضُوءِ: هَلْ يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا إذَا انْفَصَلَ عَنْ الْعُضْوِ، أَوْ يَكُونُ مَوْقُوفًا إنْ أَكْمَلَ طَهَارَتَهُ صَارَ مُسْتَعْمَلًا، وَإِنْ لَمْ يُكْمِلْهَا فَلَا يَضُرُّهُ؟ وَفِيهِ وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا بِمُجَرَّدِ
انْفِصَالِهِ. وَالثَّانِي: هُوَ مَوْقُوفٌ. قَالَ: فَعَلَى هَذَا: لَا يَصِحُّ تَفْرِيقُ النِّيَّةِ عَلَى أَعْضَائِهِ. انْتَهَى. وَمِنْهَا. غُسْلُ الذِّمِّيَّةِ مِنْ الْحَيْضِ لَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ، قَدَّمَهُ فِي الْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ، وَابْنُ تَمِيمٍ. وَقَالَ: وَاعْتَبَرَ الدِّينَوَرِيُّ فِي تَكْفِيرِ الْكَافِرِ بِالْعِتْقِ وَالْإِطْعَامِ: النِّيَّةَ. وَكَذَلِكَ يَخْرُجُ هَاهُنَا انْتَهَى. قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ: وَيَحْسُنُ بِنَاؤُهُ عَلَى أَنَّهُمْ مُكَلَّفُونَ بِالْفُرُوعِ أَمْ لَا؟ تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ " ثُمَّ يَتَمَضْمَضُ وَيَسْتَنْشِقُ ثَلَاثًا " بِلَا نِزَاعٍ. وَيَكُونُ ذَلِكَ بِيَمِينِهِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَقِيلَ: بِيَسَارِهِ. ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ. وَذَكَرَهُ نَصُّ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ: الِاسْتِنْشَاقُ بِالشِّمَالِ. قَوْلُهُ {مِنْ غُرْفَةٍ، وَإِنْ شَاءَ مِنْ ثَلَاثٍ، وَإِنْ شَاءَ مِنْ سِتٍّ} هَذِهِ الصِّفَاتُ كُلُّهَا جَائِزَةٌ. وَالْأَفْضَلُ جَمْعُهَا بِمَاءٍ وَاحِدٍ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، نَصَّ عَلَيْهِ: يَتَمَضْمَضُ. ثُمَّ يَسْتَنْشِقُ مِنْ الْغُرْفَةِ، قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَالْفَائِقِ وَابْنُ تَمِيمٍ، وَمَجْمَعُ الْبَحْرَيْنِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَغَيْرُهُمْ. وَعَنْهُ بِغُرْفَتَيْنِ، لِكُلِّ عُضْوٍ غُرْفَةٌ. حَكَاهَا الْآمِدِيُّ. وَعَنْهُ بِثَلَاثٍ لَهُمَا مَعًا. وَعَنْهُ بِسِتٍّ. ذَكَرَهَا ابْنُ الزَّاغُونِيِّ. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ بَعْدَ ذَلِكَ وَهَلْ يُكْمِلُ الْمَضْمَضَةَ، أَوْ يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا؟ فِيهِ وَجْهَانِ، قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَتَمَضْمَضُ، وَيَسْتَنْشِقُ مِنْ الْغُرْفَةِ، ثُمَّ ثَانِيًا كَذَلِكَ مِنْهَا، أَوْ مِنْ غُرْفَةٍ ثَالِثَةٍ. وَكَذَلِكَ يَفْعَلُ ثَالِثًا، وَصَحَّحَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ. قَوْلُهُ {وَهُمَا وَاجِبَانِ فِي الطَّهَارَتَيْنِ} يَعْنِي الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ. وَهَذَا الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَنَصَرُوهُ وَهُوَ مِنْ مُفْرَدَاتِ الْمَذْهَبِ. وَعَنْهُ أَنَّ الِاسْتِنْشَاقَ وَحْدَهُ وَاجِبٌ. وَعَنْهُ أَنَّهُمَا وَاجِبَانِ فِي الْكُبْرَى دُونَ الصُّغْرَى. وَعَنْهُ أَنَّهُمَا وَاجِبَانِ فِي الصُّغْرَى دُونَ الْكُبْرَى،
عَكْسُ الَّتِي قَبْلَهَا. نَقَلَهَا الْمَيْمُونِيُّ. وَعَنْهُ يَجِبُ الِاسْتِنْشَاقُ فِي الْوُضُوءِ وَحْدَهُ. ذَكَرَهَا صَاحِبُ الْهِدَايَةِ وَالْمُحَرَّرِ وَغَيْرِهِمَا. وَعَنْهُ عَكْسُهَا. ذَكَرَهَا ابْنُ الْجَوْزِيِّ. وَعَنْهُ هُمَا سُنَّةٌ مُطْلَقًا. فَائِدَةٌ: هَلْ يُسَمِّيَانِ فَرْضًا أَمْ لَا؟ وَهَلْ يَسْقُطَانِ سَهْوًا أَمْ لَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ فِيهِمَا. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفَائِقِ، وَابْنُ تَمِيمٍ فِي تَسْمِيَتِهِمَا فَرْضًا. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْحَاوِيَيْنِ فِي سُقُوطِهِمَا سَهْوًا. وَقَالَ الْمُصَنِّفُ، وَتَبِعَهُ الشَّارِحُ: هَذَا الْخِلَافُ مَبْنِيٌّ عَلَى اخْتِلَافِ الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْوَاجِبِ، هَلْ يُسَمَّى فَرْضًا أَمْ لَا؟ وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ يُسَمَّى فَرْضًا. فَيُسَمَّيَانِ فَرْضًا. انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ: هُمَا وَاجِبَانِ لَا فَرْضَانِ. وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ: حَيْثُ قِيلَ بِالْوُجُوبِ، فَتَرْكُهُمَا أَوْ أَحَدَهُمَا، وَلَوْ سَهْوًا: لَمْ يَصِحَّ وُضُوءُهُ. قَالَهُ الْجُمْهُورُ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَلَا يَسْقُطَانِ سَهْوًا عَلَى الْأَشْهَرِ، وَقَدَّمَهُ فِي الصُّغْرَى. وَقَالَ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ: إنْ قِيلَ إنَّ وُجُوبَهُمَا بِالسُّنَّةِ صَحَّ مَعَ السَّهْوِ. وَحُكِيَ عَنْ أَحْمَدَ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ، إحْدَاهُمَا: وُجُوبُهُمَا بِالْكِتَابِ. وَالثَّانِيَةُ: بِالسُّنَّةِ. تَنْبِيهٌ: اخْتَلَفَ الْأَصْحَابُ: هَلْ لِهَذَا الْخِلَافِ فَائِدَةٌ أَمْ لَا؟ فَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ: لَا فَائِدَةَ لَهُ. وَمَتَى قُلْنَا بِوُجُوبِهِمَا لِمَا يَصِحُّ الْوُضُوءُ بِتَرْكِهِمَا عَمْدًا، وَلَا سَهْوًا. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: إنْ قُلْنَا الْمُوجِبُ لَهُمَا الْكِتَابُ: لَمْ يَصِحَّ الْوُضُوءُ بِتَرْكِهِمَا عَمْدًا وَلَا سَهْوًا، وَإِنْ قُلْنَا الْمُوجِبُ لَهُمَا السُّنَّةُ: صَحَّ وُضُوءُهُ مَعَ السَّهْوِ. وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ الزَّاغُونِيِّ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْهُ. فَائِدَةٌ: يُسْتَحَبُّ الِانْتِثَارُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَالرِّوَايَتَيْنِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَيَكُونُ بِيَسَارِهِ. وَعَنْهُ يَجِبُ.
تَنْبِيهٌ: دَخَلَ فِي قَوْلِهِ {ثُمَّ يَغْسِلُ وَجْهَهُ ثَلَاثًا مِنْ مَنَابِتِ شَعْرِ الرَّأْسِ إلَى مَا انْحَدَرَ مِنْ اللَّحْيَيْنِ وَالذَّقَنِ} الْعِذَارُ، وَهُوَ الشَّعْرُ النَّابِتُ عَلَى الْعَظْمِ النَّاتِئِ الْمُسَامِتِ لِصِمَاخِ الْأُذُنِ إلَى الصُّدْغِ. وَدَخَلَ أَيْضًا الْعَارِضُ. وَهُوَ مَا تَحْتَ الْعِذَارِ إلَى الذَّقَنِ. وَدَخَلَ أَيْضًا الْمَفْصِلَانِ الْفَاصِلَانِ بَيْنَ اللِّحْيَةِ وَالْأُذُنَيْنِ. وَهُمَا يَلِيَانِ الْعِذَارِ مِنْ تَحْتِهِمَا. وَقِيلَ: وَهُمَا شَعْرُ اللَّحْيَيْنِ. وَلَا تَدْخُلُ النَّزْعَتَانِ فِي الْوَجْهِ، بَلْ هُمَا مِنْ الرَّأْسِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، قَالَ ابْنُ عُبَيْدَانَ: وَالصَّحِيحُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا: أَنَّهُمَا مِنْ الرَّأْسِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: مِنْ الرَّأْسِ فِي الْأَصَحِّ، وَقَدَّمَهُ الزَّرْكَشِيُّ، وَابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: أَظْهَرُ الْوَجْهَيْنِ أَنَّهُمَا مِنْ الرَّأْسِ، وَصَحَّحَهُ الشَّارِحُ وَغَيْرُهُ. وَقِيلَ: هُمَا مِنْ الْوَجْهِ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَالشِّيرَازِيُّ، وَقَطَعَ بِهِ الْقَاضِي فِي الْجَامِعِ. وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ. فَائِدَةٌ: " النَّزْعَتَانِ " مَا انْحَسَرَ عَنْهُ الشَّعْرُ فِي فَوْدَيْ الرَّأْسِ، وَهُمَا جَانِبَا مُقَدَّمِهِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ وَغَيْرِهِمْ. وَقِيلَ: هُمَا بَيَاضُ مُقَدَّمِ الرَّأْسِ مِنْ جَانِبَيْ نَاصِيَتِهِ. قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ الْأَوَّلِ. وَلَا يَدْخُلُ الصُّدْغُ وَالتَّحْذِيفُ أَيْضًا فِي الْوَجْهِ، بَلْ هُمَا مِنْ الرَّأْسِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْكَافِي، وَالْمَجْدُ. وَقَالَ: هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: الْأَظْهَرُ أَنَّهُمَا مِنْ الرَّأْسِ. قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: هَذَا أَصَحُّ الْوَجْهَيْنِ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي الصُّدْغِ. وَصَحَّحَهُ الشَّارِحُ. وَقِيلَ: هُمَا مِنْ الْوَجْهِ، اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ. قَالَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَابْنُ عُبَيْدَانِ. وَحَكَى أَبُو الْحُسَيْنِ فِي الصُّدْغِ رِوَايَتَيْنِ. وَقِيلَ التَّحْذِيفُ مِنْ الْوَجْهِ، دُونَ الصُّدْغِ، اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ. قَالَهُ جَمَاعَةٌ.
وَاخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي. وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ، وَالزَّرْكَشِيُّ. وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ رَزِينٍ فِي التَّحْذِيفِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّارِحِ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: الصُّدْغُ مِنْ الْوَجْهِ. فَائِدَةٌ: " الصُّدْغُ " هُوَ الشَّعْرُ الَّذِي بَعْدَ انْتِهَاءِ الْعِذَارِ يُحَاذِي رَأْسَ الْأُذُنِ، وَيَنْزِلُ عَنْ رَأْسِهَا قَلِيلًا، جَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَابْنُ رَزِينٍ. وَقِيلَ: هُوَ مَا يُحَاذِي رَأْسَ الْأُذُنِ فَقَطْ. وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ فِي الْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ. وَلَعَلَّهُمْ تَابَعُوا الْمَجْدَ فِي شَرْحِهِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ فِي بَابِ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ. وَأَمَّا " التَّحْذِيفُ " فَهُوَ الشَّعْرُ الْخَارِجُ إلَى طَرَفَيْ الْجَبِينِ فِي جَانِبَيْ الْوَجْهِ، وَمُنْتَهَى الْعَارِضِ. قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ. وَقَالَ فِي الْمُغْنِي وَغَيْرِهِ: وَالشَّعْرُ الدَّاخِلُ فِي الْوَجْهِ مَا. انْتِهَاءُ الْعِذَارِ وَالنَّزَعَةِ. وَفِي الْفُرُوعِ: هُوَ الشَّعْرُ الْخَارِجُ إلَى طَرَفِ الْجَبِينِ فِي جَانِبَيْ الْوَجْهِ بَيْنَ النَّزَعَةِ وَمُنْتَهَى الْعِذَارِ. وَكَذَا قَالَ غَيْرُهُ، وَلَعَلَّ مَا فِي الزَّرْكَشِيّ " وَمُنْتَهَى الْعَارِضِ " سَبْقَةُ قَلَمٍ. وَإِنَّمَا هُوَ " مُنْتَهَى الْعِذَارِ " كَمَا قَالَ غَيْرُهُ. وَالْحِسُّ يُصَدِّقُهُ. تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: وُجُوبُ غَسْلِ دَاخِلِ الْعَيْنَيْنِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، بِشَرْطِ أَمْنِ الضَّرَرِ، وَاخْتَارَهُ فِي النِّهَايَةِ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ: أَنَّهُ لَا يَجِبُ غَسْلُ دَاخِلِهِمَا مُطْلَقًا. وَلَوْ لِلْجَنَابَةِ. وَعَنْهُ يَجِبُ لِلطَّهَارَةِ الْكُبْرَى، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. فَعَلَى الْمَذْهَبِ: لَا يُسْتَحَبُّ غَسْلُ دَاخِلِهِمَا، وَلَوْ أُمِنَ الضَّرَرُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، بَلْ يُكْرَهُ. قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي، وَابْنُ عُبَيْدَانَ: الصَّحِيحُ أَنَّهُ غَيْرُ مَسْنُونٍ، وَصَحَّحَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي، وَقَدَّمَهُ فِي الشَّرْحِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَحَوَاشِي الْمُقْنِعِ، وَالْفَائِقِ، وَالزَّرْكَشِيُّ. وَقَالَ: اخْتَارَهُ الْقَاضِي فِي تَعْلِيقِهِ، وَالشَّيْخَانِ، وَقَطَعَ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْفُصُولِ، وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَقِيلٍ، وَعُقُودِ
ابْنِ الْبَنَّا وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالنَّظْمِ، وَغَيْرِهِمْ: بِالِاسْتِحْبَابِ إذَا أُمِنَ الضَّرَرُ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ. وَقِيلَ: يُسْتَحَبُّ فِي الْجَنَابَةِ دُونَ الْوُضُوءِ. فَائِدَةٌ: لَوْ كَانَ فِيهِمَا نَجَاسَةٌ لَمْ يَجِبْ غَسْلُهَا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. قُلْت: فَيُعَايَى بِهَا. وَعَنْهُ يَجِبُ. وَأَمَّا مَا فِي الْوَجْهِ مِنْ الشَّعْرِ: فَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي آخِرِ بَابِ السِّوَاكِ فِي سُنَنِ الْوُضُوءِ. تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ {مِنْ مَنَابِتِ شَعْرِ الرَّأْسِ} يَعْنِي الْمُعْتَادَ فِي الْغَالِبِ. فَلَا عِبْرَةَ بِالْأَفْرَعِ بِالْفَاءِ الَّذِي يَنْبُتُ شَعْرُهُ فِي بَعْضِ جَبْهَتِهِ، وَلَا بِأَجْلَحَ، الَّذِي انْحَسَرَ شَعْرُهُ عَنْ مُقَدِّمِ رَأْسِهِ. قَالَهُ الْأَصْحَابُ. قَوْلُهُ {مَعَ مَا اسْتَرْسَلَ مِنْ اللِّحْيَةِ} هَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَغَيْرِهِمَا، وَصَحَّحَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هِيَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْأَصْحَابِ بِلَا رَيْبٍ. قَالَ ابْنُ عُبَيْدَانَ: هِيَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ أَحْمَدَ. وَعَلَيْهِ أَصْحَابُهُ وَعَنْهُ لَا يَجِبُ. قَالَ ابْنُ رَجَبٍ فِي الْقَوَاعِدِ: الصَّحِيحُ لَا يَجِبُ غَسْلُ مَا اسْتَرْسَلَ مِنْ اللِّحْيَةِ، وَهُوَ مُقْتَضَى مَا نَصَّهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي مِنْ عَدَمِ وُجُوبِ غَسْلِ الشَّعْرِ الْمُسْتَرْسِلِ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْحَاوِيَيْنِ وَالرِّعَايَتَيْنِ. فَائِدَةٌ: يَجِبُ غَسْلُ اللِّحْيَةِ: مَا فِي حَدِّ الْوَجْهِ، وَمَا خَرَجَ عَنْهُ عَرْضًا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَعَنْهُ لَا يَجِبُ غَسْلُ اللِّحْيَةِ بِحَالٍ. نَقَلَ بَكْرٌ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَأَلَ أَحْمَدَ: أَيُّمَا أَعْجَبُ إلَيْك: غَسْلُ اللِّحْيَةِ أَوْ التَّخْلِيلُ؟ فَقَالَ: غَسْلُهَا لَيْسَ مِنْ السُّنَّةِ، وَإِنْ لَمْ يُخَلِّلْ أَجْزَاهُ. فَأَخَذَ مِنْ ذَلِكَ الْخَلَّالُ: أَنَّهَا لَا تُغْسَلُ مُطْلَقًا. فَقَالَ: الَّذِي ثَبَتَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّهُ لَا يَغْسِلُهَا. وَلَيْسَتْ مِنْ الْوَجْهِ.
وَرَدَّ ذَلِكَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ مِنْ الْأَصْحَابِ. وَقَالُوا: مَعْنَى قَوْلِهِ " لَيْسَ مِنْ السُّنَّةِ " أَيْ غَسْلُ بَاطِنِهَا. وَرَدَّ أَبُو الْمَعَالِي عَلَى الْقَاضِي. تَنْبِيهَانِ أَحَدُهُمَا: قَوْلُهُ {وَيُسْتَحَبُّ تَخْلِيلُهُ} تَقَدَّمَ ذَلِكَ وَصِفَتُهُ فِي بَابِ السِّوَاكِ مُسْتَوْفًى. الثَّانِي: مَفْهُومُ قَوْلِهِ {وَإِنْ كَانَ يَسْتُرُهَا أَجْزَأَهُ غَسْلُ ظَاهِرِهِ} أَنَّهُ لَا يَجِبُ غَسْلُ بَاطِنِ اللِّحْيَةِ الْكَثِيفَةِ. وَهُوَ صَحِيحٌ وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَقِيلَ: يَجِبُ. وَقِيلَ: فِي وُجُوبِ غَسْلِ بَاطِنِ اللِّحْيَةِ رِوَايَتَانِ، وَقِيلَ: يَجِبُ غَسْلُ مَا تَحْتَ شَعْرِ غَيْرِ لِحْيَةِ الرَّجُلِ. ذَكَرَهُ ابْنُ تَمِيمٍ. فَعَلَى الْمَذْهَبِ: يُكْرَهُ غَسْلُ بَاطِنِهَا عَلَى الصَّحِيحِ، قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَيُكْرَهُ غَسْلُ بَاطِنِهَا فِي الْأَشْهَرِ، وَقِيلَ لَا يُكْرَهُ. قَوْلُهُ {وَيُدْخِلُ الْمَرْفِقَيْنِ فِي الْغَسْلِ} هَذَا الْمَذْهَبُ: وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَقَطَعَ بِهِ أَكْثَرُهُمْ. وَعَنْهُ لَا يَجِبُ إدْخَالُهُمَا فِي الْغَسْلِ. فَعَلَى الْمَذْهَبِ: مَنْ لَا مَرْفِقَ لَهُ يَغْسِلُ إلَى قَدْرِ الْمَرْفِقِ فِي غَالِبِ النَّاسِ. قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُ. فَوَائِد لَوْ كَانَ لَهُ يَدٌ زَائِدَةٌ أَوْ إصْبَعٌ أَصْلُهَا فِي مَحَلِّ الْفَرْضِ وَجَبَ غَسْلُهَا، وَإِنْ كَانَتْ نَابِتَةً فِي غَيْرِ مَحَلِّ الْفَرْضِ، كَالْعَضُدِ وَالْمَنْكِبِ، وَتَمَيَّزَتْ: لَمْ يَجِبْ غَسْلُهَا، سَوَاءٌ كَانَتْ قَصِيرَةً أَوْ طَوِيلَةً، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ، وَابْنُ عَقِيلٍ. قَالَ الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ، وَصَاحِبُ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ وَغَيْرُهُمْ: هَذَا أَصَحُّ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ، وَاخْتَارَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ. وَقَالَ الْقَاضِي، وَالشِّيرَازِيُّ: يَجِبُ غَسْلُ مَا حَاذَى مَحَلَّ الْفَرْضِ مِنْهَا. وَيَأْتِي فِي الرِّعَايَةِ: غَسَلَ مِنْهَا مَا حَاذَى مَحَلَّ الْفَرْضِ فِي الْأَصَحِّ. وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ.
وَأَمَّا إذَا لَمْ تَتَمَيَّزْ إحْدَاهُمَا مِنْ الْأُخْرَى: فَإِنَّهُ يَجِبُ غَسْلُهُمَا بِلَا نِزَاعٍ بَيْنَ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعُوا بِهِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ فِي بَابِ دِيَاتِ الْأَعْضَاءِ وَمَنَافِعِهَا: وَمَنْ لَهُ يَدَانِ عَلَى كُوعَيْهِ، أَوْ يَدَانِ وَذِرَاعَانِ عَلَى مَرْفِقَيْهِ، وَتَسَاوَتَا فَهُمَا يَدٌ. انْتَهَى. وَلَوْ كَانَ لَهُ يَدَانِ لَا مَرْفِقَ لَهُمَا: غَسَلَ إلَى قَدْرِ الْمَرْفِقِ فِي غَالِبِ عَادَاتِ النَّاسِ. وَتَقَدَّمَ كَمَا قُلْنَا فِي الرُّجُوعِ إلَى حَدِّ الْوَجْهِ الْمُعْتَادِ فِي حَقِّ الْأَقْرَعِ وَالْأَصْلَعِ. فَإِنْ انْقَلَعَتْ جِلْدَةٌ مِنْ الْعَضُدِ حَتَّى تَدَلَّتْ مِنْ الذِّرَاعِ وَجَبَ غَسْلُهَا كَالْإِصْبَعِ الزَّائِدَةِ، وَإِنْ تَقَلَّعَتْ مِنْ الذِّرَاعِ حَتَّى تَدَلَّتْ مِنْ الْعَضُدِ: لَمْ يَجِبْ غَسْلُهَا، وَإِنْ طَالَتْ. وَإِنْ تَقَلَّعَتْ مِنْ أَحَدِ الْمَحَلَّيْنِ، وَالْتَحَمَ رَأْسُهَا بِالْآخَرِ: غَسَلَ مَا حَاذَى مَحَلَّ الْفَرْضِ مِنْ ظَاهِرِهَا، وَالْمُتَجَافِيَ مِنْهُ مِنْ بَاطِنِهَا وَمَا تَحْتَهُ؛ لِأَنَّهَا كَالنَّابِتَةِ فِي الْمَحَلَّيْنِ. قَطَعَ بِذَلِكَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَمَجْمَعُ الْبَحْرَيْنِ، وَغَيْرُهُمْ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَلَوْ تَدَلَّتْ جِلْدَةٌ مِنْ مَحَلِّ الْفَرْضِ أَوْ الْيَدِ: غُسِلَتْ فِي الْأَصَحِّ فِيهِمَا. وَقِيلَ: إنْ تَدَلَّتْ مِنْ مَحَلِّ الْفَرْضِ: غُسِلَتْ وَإِلَّا فَلَا. وَقِيلَ: عَكْسُهُ، وَإِنْ الْتَحَمَ رَأْسُهَا فِي مَحَلِّ الْفَرْضِ: غُسِلَ مَا فِيهِ مِنْهَا. وَقِيلَ: كَيَدٍ زَائِدَةٍ. انْتَهَى وَإِذَا انْكَشَطَتْ جِلْدَةٌ مِنْ الْيَدِ وَقَامَتْ: وَجَبَ غَسْلُهَا، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ حَسَّاسَةٍ، بَلْ يَبِسَتْ وَزَالَتْ رُطُوبَةُ الْحَيَاةِ مِنْهَا. فَائِدَةٌ: لَوْ كَانَ تَحْتَ أَظْفَارِهِ يَسِيرُ وَسَخٍ، يَمْنَعُ وُصُولَ الْمَاءِ إلَى مَا تَحْتَهُ لَمْ تَصِحَّ طَهَارَتُهُ. قَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَقَدَّمَهُ فِي الْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ. وَقِيلَ: تَصِحُّ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، صَحَّحَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَصَاحِبُ حَوَاشِي الْمُقْنِعِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِفَادَاتِ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى. وَإِلَيْهِ مَيْلُ الْمُصَنِّفِ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: اخْتَارَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ يَعْنِي بِهِ الْمُصَنِّفَ وَنَصَرَهُ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْحَاوِيَيْنِ. وَقِيلَ: يَصِحُّ مِمَّنْ يَشُقُّ تَحَرُّزُهُ مِنْهُ، كَأَرْبَابِ الصَّنَائِعِ وَالْأَعْمَالِ الشَّاقَّةِ مِنْ الزِّرَاعَةِ وَغَيْرِهَا، وَاخْتَارَهُ فِي
التَّلْخِيصِ. وَأَطْلَقَهُنَّ فِي الْفُرُوعِ. وَأَلْحَقَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ كُلَّ يَسِيرٍ مَنَعَ، حَيْثُ كَانَ مِنْ الْبَدَنِ، كَدَمٍ وَعَجِينٍ وَنَحْوِهِمَا. وَاخْتَارَهُ. قَوْلُهُ {ثُمَّ يَمْسَحُ رَأْسَهُ} الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الرَّأْسِ الْمَسْحُ. أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَقِيلَ: يُجْزِئُ بَلُّ الرَّأْسِ مِنْ غَيْرِ مَسْحٍ. فَائِدَتَانِ إحْدَاهُمَا: لَوْ غَسَلَهُ عِوَضًا عَنْ مَسْحِهِ، أَجْزَأَ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، إنْ أَمَّرَ يَدَهُ، صَحَّحَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هَذَا الْمَعْرُوفُ الْمَشْهُورُ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ، وَالْمُصَنِّفُ، وَالْمَجْدُ، وَغَيْرُهُمْ. وَقِيلَ: لَا يُجْزِئُ، اخْتَارَهُ ابْنُ شَاقِلَا، قَالَ فِي الْمُذْهَبِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ: وَلَا يُجْزِئُ غَسْلُهُ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ، زَادَ فِي الْكُبْرَى، وَالْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ: بَلْ يُكْرَهُ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ. وَعَنْهُ يُجْزِئُ، وَإِنْ لَمْ يُمِرَّ يَدَهُ. أَطْلَقَ الرِّوَايَتَيْنِ فِيمَا إذَا لَمْ يُمِرَّ يَدًا: الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَابْنُ تَمِيمٍ. الثَّانِيَةُ: لَوْ أَصَابَ الْمَاءُ رَأْسَهُ: أَجْزَأَ، إنْ أَمَّرَ يَدَهُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَاخْتَارَهُ الْمَجْدُ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ عُبَيْدَانَ، وَصَحَّحَهُ. وَعَنْهُ لَا يُجْزِئُ حَتَّى يُمِرَّ يَدَهُ وَيَقْصِدَ وُقُوعَ الْمَاءِ عَلَيْهِ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَلَا يُجْزِئُ وُقُوعُ الْمَطَرِ بِلَا قَصْدٍ. وَقِيلَ: يُجْزِئُ إنْ أَمَّرَ يَدَهُ يَنْوِي بِهِ مَسْحَ الْوُضُوءِ. وَقَطَعَ بِعَدَمِ الْإِجْزَاءِ فِي التَّلْخِيصِ، وَابْنُ عَقِيلٍ. وَزَعَمَ أَنَّهُ تَحْقِيقُ الْمَذْهَبِ. فَإِنْ لَمْ يُمِرَّهَا وَلَمْ يَقْصِدْ: فَكَعَكْسِهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ. تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ " فَيَبْدَأُ بِيَدَيْهِ " هَذَا الْأَوْلَى وَالْكَامِلُ. وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يُجْزِئُ الْمَسْحُ بِبَعْضِ يَدِهِ. وَعَنْهُ يُجْزِئُ إذَا مَسَحَ بِأَكْثَرَ يَدِهِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: لَا يُجْزِئُ مَسْحُهُ بِإِصْبَعٍ وَاحِدَةٍ فِي الْأَصَحِّ فِيهِ. وَقِيلَ: عَلَى الْأَصَحِّ.
وَقِيلَ: إنْ وَجَبَ مَسَحَهُ كُلَّهُ وَإِلَّا أَجْزَأَهُ. انْتَهَى، وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ الْمَسْحَ بِحَائِلٍ يُجْزِئُ مُطْلَقًا. فَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الْمَسْحُ بِخَشَبَةٍ وَخِرْقَةٍ مَبْلُولَتَيْنِ وَنَحْوِهِمَا. وَقِيلَ: لَا يُجْزِئُ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَلَا يُجْزِئُ مَسْحُهُ بِغَيْرِ يَدٍ، كَخَشَبَةٍ وَخِرْقَةٍ مَبْلُولَتَيْنِ وَنَحْوِهِمَا. وَقِيلَ: يُجْزِئُ. وَأَطْلَقَ الْوَجْهَيْنِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ فِي الْمَسْحِ بِالْخِرْقَةِ الْمَبْلُولَةِ وَالْخَشَبَةِ. وَلَوْ وَضَعَ يَدَهُ مَبْلُولَةً عَلَى رَأْسِهِ وَلَمْ يُمِرَّهَا عَلَيْهِ، أَوْ وَضَعَ عَلَيْهِ خِرْقَةً مَبْلُولَةً، أَوْ بَلَّهَا وَهِيَ عَلَيْهِ: لَمْ يُجْزِئْهُ فِي الْأَصَحِّ، وَقَطَعَ بِهِ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَصِحَّ. قَالَهُ الْمُصَنِّفُ. قَوْلُهُ {مِنْ مُقَدِّمِ رَأْسِهِ، ثُمَّ يُمِرَّهُمَا إلَى قَفَاهُ. ثُمَّ يَرُدَّهُمَا إلَى مُقَدِّمِهِ} هَذَا الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَعَنْهُ: لَا يَرُدُّهُمَا مَنْ انْتَشَرَ شَعْرُهُ. وَيَرُدُّهُمَا مَنْ لَا شَعْرَ لَهُ، أَوْ كَانَ مَضْفُورًا. وَعَنْهُ: تَبْدَأُ الْمَرْأَةُ بِمُؤَخَّرِهِ، وَتَخْتِمُ بِهِ. وَقِيلَ: مَا لَمْ تَكْشِفْهُ. وَعَنْهُ: لَا تَرُدُّهُمَا إلَيْهِ. وَعَنْهُ: تَمْسَحُ الْمَرْأَةُ كُلَّ نَاحِيَةٍ لِمَصَبِّ الشَّعْرِ. وَهُوَ قَوْلٌ فِي الرِّعَايَةِ. تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ كَلَامِهِ: أَنَّ ذَلِكَ يَكُونُ بِمَاءٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَعَنْهُ: يَرُدُّهُمَا إلَى مُقَدِّمِهِ بِمَاءٍ جَدِيدٍ. فَائِدَةٌ: كَيْفَمَا مَسَحَهُ أَجْزَأَ. وَالْمُسْتَحَبُّ عِنْدَ الْأَصْحَابِ: كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَالْأَوْلَى أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ مُسَبِّحَتَيْهِ. وَيَضَعَهُمَا عَلَى مُقَدِّمِ رَأْسِهِ، وَيَجْعَلَ إبْهَامَيْهِ فِي صُدْغَيْهِ. ثُمَّ يُمِرَّ بِيَدَيْهِ إلَى مُؤَخِّرِ رَأْسِهِ. ثُمَّ يُعِيدَهُمَا إلَى حَيْثُ بَدَأَ. وَيُدْخِلَ مُسَبِّحَتَيْهِ فِي صِمَاخَيْ أُذُنَيْهِ. وَيَجْعَلَ إبْهَامَيْهِ لِظَاهِرِهِمَا. وَقِيلَ: بَلْ يَغْمِسَ يَدَيْهِ فِي الْمَاءِ ثُمَّ يُرْسِلَهُمَا حَتَّى يَقْطُرَ الْمَاءُ. ثُمَّ يَتْرُكَ طَرَفَ سَبَّابَتِهِ الْيُمْنَى عَلَى طَرَفِ سَبَّابَتِهِ الْيُسْرَى. انْتَهَى. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَصِفَةُ الْمَسْحِ: أَنْ يَضَعَ أَحَدَ طَرَفَيْ سَبَّابَتَيْهِ عَلَى طَرَفِ
الْأُخْرَى. وَيَضَعَهُمَا عَلَى مُقَدِّمِ رَأْسِهِ. وَيَضَعَ الْإِبْهَامَيْنِ عَلَى الصُّدْغَيْنِ. ثُمَّ يُمِرَّهُمَا إلَى قَفَاهُ. ثُمَّ يَرُدَّهُمَا إلَى مُقَدِّمِهِ. نَصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ وَالْمُخْتَارُ، قَوْلُهُ {وَيَجِبُ مَسْحُ جَمِيعِهِ} هَذَا الْمَذْهَبُ بِلَا رَيْبٍ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. مُتَقَدِّمُهُمْ وَمُتَأَخِّرُهُمْ، وَعَفَا فِي الْمُبْهِجِ، وَالْمُتَرْجِمِ، عَنْ يَسِيرِهِ لِلْمَشَقَّةِ. قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَظَاهِرُ كَلَامِ الْأَكْثَرِينَ بِخِلَافِهِ. وَعَنْهُ: يُجْزِئُ مَسْحُ أَكْثَرِهِ، اخْتَارَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ. وَقَالَ الْقَاضِي فِي التَّعْلِيقِ، وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي خِلَافِهِ الصَّغِيرِ: أَكْثَرُهُ الثُّلُثَانِ فَصَاعِدًا. وَالْيَسِيرُ الثُّلُثُ فَمَا دُونَهُ. وَأَطْلَقَ الْأَكْثَرُ الْأَكْثَرَ. فَشَمِلَ أَكْثَرَ مِنْ النِّصْفِ وَلَوْ بِيَسِيرٍ. وَعَنْهُ: يُجْزِئُ مَسْحُ قَدْرِ النَّاصِيَةِ. وَأَطْلَقَ الْأَوْلَى. وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَقِيلٍ فِي التَّذْكِرَةِ، وَالْقَاضِي فِي الْجَامِعِ. فَعَلَيْهَا لَا تَتَعَيَّنُ النَّاصِيَةُ لِلْمَسْحِ عَلَى الصَّحِيحِ، بَلْ لَوْ مَسَحَ قَدْرَهَا مِنْ وَسَطِهِ، أَوْ مِنْ أَيِّ جَانِبٍ مِنْهُ أَجْزَأَ. ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ عَنْ أَحْمَدَ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَابْنُ رَزِينٍ، وَغَيْرُهُمْ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: قَالَ الْقَاضِي، وَعَامَّةُ مَنْ بَعْدَهُمْ: لَا تَتَعَيَّنُ النَّاصِيَةُ عَلَى الْمَعْرُوفِ. قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالْحَاوِي، وَابْنُ حَمْدَانَ: هَذَا أَصَحُّ الْوَجْهَيْنِ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يَحْتَمِلُ أَنْ تَتَعَيَّنَ النَّاصِيَةُ لِلْمَسْحِ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي فِي مَوْضِعٍ مِنْ كَلَامِهِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ. تَنْبِيهٌ: " النَّاصِيَةُ " مُقَدِّمُ الرَّأْسِ. قَالَهُ الْقَاضِي، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ. وَقِيلَ: هِيَ قِصَاصُ الشَّعْرِ، قَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ. وَقَالَ: ذَكَرَهُ شَيْخُنَا. وَعَنْهُ يُجْزِئُ مَسْحُ بَعْضِ الرَّأْسِ مِنْ غَيْرِ تَحْدِيدٍ [قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَصَرَّحَ ابْنُ أَبِي مُوسَى بِعَدَمِ تَحْدِيدِ الرِّوَايَةِ، فَقَالَ: وَعَنْهُ يَجِبُ مَسْحُ الْبَعْضِ مِنْ غَيْرِ تَحْدِيدٍ] وَذَكَرَ فِي الِانْتِصَارِ احْتِمَالًا: يُجْزِئُ مَسْحُ بَعْضِهِ فِي التَّجْدِيدِ، دُونَ غَيْرِهِ. وَقَالَ الْقَاضِي
فِي التَّعْلِيقِ: يُجْزِئُ مَسْحُ بَعْضِهِ لِلْعُذْرِ. وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: أَنَّهُ يَمْسَحُ مَعَهُ الْعِمَامَةَ لِعُذْرٍ، كَالنَّزْلَةِ وَنَحْوِهَا. وَتَكُونُ كَالْجَبِيرَةِ. فَلَا تَوْقِيتَ. وَعَنْهُ يُجْزِئُ مَسْحُ بَعْضِهِ لِلْمَرْأَةِ دُونَ غَيْرِهَا. قَالَ الْخَلَّالُ، وَالْمُصَنِّفُ: هَذِهِ الرِّوَايَةُ هِيَ الظَّاهِرَةُ عَنْ أَحْمَدَ. قَالَ الْخَلَّالُ الْعَمَلُ فِي مَذْهَبِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: أَنَّهَا إنْ مَسَحَتْ مُقَدِّمَ رَأْسِهَا أَجْزَأَهَا. فَائِدَتَانِ إحْدَاهُمَا: إذَا قُلْنَا يُجْزِئُ مَسْحُ بَعْضِ الرَّأْسِ: لَمْ يَكْفِ مَسْحُ الْأُذُنَيْنِ عَنْهُ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ الْمَذْهَبِ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَا يَكْفِي أُذُنَيْهِ فِي الْأَشْهَرِ، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَاتَّفَقَ الْجُمْهُورُ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ مَسْحُ الْأُذُنَيْنِ عَنْ ذَلِكَ الْبَعْضِ. وَلِلْقَاضِي فِي شَرْحِهِ الصَّغِيرِ وَجْهٌ بِالْإِجْزَاءِ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَهُوَ بَعِيدٌ. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَقَطَعَ غَيْرُهُ بِعَدَمِ الْإِجْزَاءِ. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: يَجُوزُ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْبَيَاضِ الَّذِي فَوْقَ الْأُذُنَيْنِ دُونَ الشَّعْرِ، إذَا قُلْنَا يُجْزِئُ مَسْحُ بَعْضِ الرَّأْسِ. وَالثَّانِيَةُ: لَوْ مَسَحَ رَأْسَهُ كُلَّهُ دَفْعَةً وَاحِدَةً وَقُلْنَا: الْفَرْضُ مِنْهُ قَدْرُ النَّاصِيَةِ فَهَلْ الْكُلُّ فَرْضٌ، أَوْ قَدْرُ النَّاصِيَةِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَالصَّحِيحُ مِنْهُمَا: أَنَّ الْوَاجِبَ قَدْرُ النَّاصِيَةِ. [قُلْت: وَلَهَا نَظَائِرُ فِي الزَّكَاةِ وَالْهَدْيِ فِيمَا إذَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ شَاةٌ فِي خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ، أَوْ دَمٌ فِي الْهَدْيِ. فَأَخْرَجَ بَعِيرًا] . قَوْلُهُ {وَيَجِبُ مَسْحُ جَمِيعِهِ مَعَ الْأُذُنَيْنِ} . إذَا قُلْنَا: يَجِبُ مَسْحُ جَمِيعِهِ، وَأَنَّهُمَا مِنْ الرَّأْسِ: مَسْحُهُمَا وُجُوبًا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، نَصَّ عَلَيْهِ، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُونَ، وَقَدَّمَهُ فِي الشَّرْحِ وَغَيْرِهِ. وَقَالَ هُوَ وَالنَّاظِمُ وَغَيْرُهُمَا: الْأَوْلَى مَسْحُهُمَا. وَجَزَمَ بِالْوُجُوبِ فِي التَّلْخِيصِ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ مِنْ مُفْرَدَاتِ الْمُذْهَبِ. وَعَنْهُ لَا يَجِبُ مَسْحُهُمَا. قَالَ
الزَّرْكَشِيُّ: هِيَ الْأَشْهَرُ نَقْلًا. قَالَ الشَّارِحُ: هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، قَالَ فِي الْفَائِقِ: هَذَا أَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ، قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: هَذَا أَظْهَرُ الرِّوَايَتَيْنِ. وَاخْتَارَهَا الْخَلَّالُ، وَالْمُصَنِّفُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْعُمْدَةِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الرِّعَايَتَيْنِ. وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفُرُوعِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَابْنُ تَمِيمٍ. وَحَكَاهُ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ: الْخِلَافَ وَجْهَيْنِ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. وَحَكَاهُ رِوَايَتَيْنِ فِي الْفُرُوعِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالزَّرْكَشِيُّ. وَهُوَ الصَّوَابُ، فَائِدَةٌ: الْبَيَاضُ الَّذِي فَوْقَ الْأُذُنَيْنِ دُونَ الشَّعْرِ مِنْ الرَّأْسِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَجَمَاعَةٌ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْفُرُوعِ فِي بَابِ الْوُضُوءِ، وَقَدَّمَهُ فِي بَابِ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ. قُلْت: وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ: أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الرَّأْسِ إجْمَاعًا وَتَقَدَّمَ بَعْضُ فُرُوعِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي أَوَاخِرِ بَابِ السِّوَاكِ، عِنْدَ قَوْلِهِ " وَأَخْذُ مَاءٍ جَدِيدٍ لِلْأُذُنَيْنِ ". فَائِدَةٌ: الْوَاجِبُ: مَسْحُ ظَاهِرِ الشَّعْرِ. فَلَوْ مَسَحَ الْبَشَرَةَ لَمْ يُجْزِهِ. كَمَا لَوْ غَسَلَ بَاطِنَ اللِّحْيَةِ. وَلَوْ حَلَقَ الْبَعْضَ فَنَزَلَ عَلَيْهِ شَعْرُ مَا لَمْ يَحْلِقْ: أَجْزَأَهُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ. قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: فَإِنْ فَقَدَ شَعْرَهُ: مَسَحَ بَشَرَتَهُ، وَإِنْ فَقَدَ بَعْضَهُ مَسَحَهُمَا. وَإِنْ انْعَطَفَ بَعْضُهُ عَلَى مَا عَلَا مِنْهُ أَجْزَأَ مَسْحُ شَعْرِهِ فَقَطْ. انْتَهَى. قُلْت: وَيَحْتَمِلُ عَدَمُ الْإِجْزَاءِ. قَوْلُهُ {وَلَا يُسْتَحَبُّ تَكْرَارُهُ} ، هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ. قَالَ الشَّارِحُ: هَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالْفَائِقِ: هَذَا أَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ، وَصَحَّحَهُ فِي النَّظْمِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنَوِّرِ وَغَيْرِهِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْكَافِي، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ، وَغَيْرُهُمْ. وَعَنْهُ يُسْتَحَبُّ بِمَاءٍ جَدِيدٍ، اخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي مَسْبُوكِ الذَّهَبِ. وَأَطْلَقَهُمَا
فِي الْهِدَايَةِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ. قَوْلُهُ {وَيُدْخِلُهُمَا فِي الْغَسْلِ} يَعْنِي الْكَعْبَيْنِ. وَهَذَا الْمَذْهَبُ بِلَا رَيْبٍ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَعَنْهُ لَا يَجِبُ إدْخَالُهُمَا فِيهِ. قَوْلُهُ {وَإِنْ كَانَ أَقْطَعَ: غَسَلَ مَا بَقِيَ مِنْ مَحَلِّ الْفَرْضِ. فَإِنْ لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ سَقَطَ} . شَمِلَ كَلَامُهُ ثَلَاثَ مَسَائِلَ. الْأُولَى: أَنْ يَبْقَى مِنْ مَحَلِّ الْفَرْضِ شَيْءٌ، فَيَجِبُ غَسْلُهُ بِلَا نِزَاعٍ. الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ الْقَطْعُ مِنْ فَوْقِ مَحَلِّ الْفَرْضِ: فَلَا يَجِبُ الْغَسْلُ بِلَا نِزَاعٍ لَكِنْ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَمْسَحَ مَحَلَّ الْقَطْعِ بِالْمَاءِ، لِئَلَّا يَخْلُوَ الْعُضْوُ عَنْ طَهَارَةٍ. الثَّالِثَةُ: أَنْ يَكُونَ الْقَطْعُ مِنْ مَفْصِلِ الْمَرْفِقَيْنِ، أَوْ الْكَعْبَيْنِ: فَيَجِبُ غَسْلُ طَرَفِ السَّاقِ وَالْعَضُدِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، مِنْهُمْ الْقَاضِي، وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ، وَصَالِحٍ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِفَادَاتِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ وَصَحَّحَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ. قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ: أَشْهَرُ الْوَجْهَيْنِ عِنْدَ الْأَصْحَابِ: الْوُجُوبُ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ. وَظَاهِرُ مَا قَطَعَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ: أَنَّهُ يَسْقُطُ. فَإِنَّهُ قَالَ: فَإِنْ كَانَ الْقَطْعُ مِنْ الْمَرْفِقَيْنِ سَقَطَ غَسْلُ الْيَدَيْنِ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي فِي كِتَابِ الْحَجِّ مِنْ خِلَافِهِ. وَحَمَلَ كَلَامَ الْإِمَامِ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ. وَيَحْتَمِلُهُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ هُنَا، وَصَحَّحَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ. لَكِنْ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَمَسَّ رَأْسَ الْعُضْوِ بِالْمَاءِ، كَمَا قُلْنَا فِيمَنْ قَطَعَ مِنْهُ مِنْ فَوْقِ الْمَرْفِقِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي التَّلْخِيصِ. فَائِدَةٌ: وَكَذَا حُكْمُ التَّيَمُّمِ إذَا قُطِعَتْ الْيَدُ مِنْ الْكَفِّ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ، وَقَدَّمَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ،
وَابْنُ تَمِيمٍ. وَقَالَ الْقَاضِي: يَسْقُطُ التَّيَمُّمُ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ عُبَيْدَانَ، وَاخْتَارَهُ الْآمِدِيُّ. وَيَأْتِي ذَلِكَ فِي التَّيَمُّمِ عِنْدَ قَوْلِهِ " فَيَمْسَحُ وَجْهَهُ بِبَاطِنِ أَصَابِعِهِ ". فَائِدَةٌ: لَوْ وَجَدَ الْأَقْطَعَ مَنْ يُوَضِّئُهُ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ. وَقَدَرَ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ إضْرَارٍ: لَزِمَهُ ذَلِكَ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، نَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ، وَقَدَّمَهُ، وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ. وَقِيلَ: لَا يَلْزَمُهُ لِتَكَرُّرِ الضَّرَرِ دَوَامًا. وَقَالَ فِي الْمُذْهَبِ: يَلْزَمُهُ بِأُجْرَةِ مِثْلِهِ وَزِيَادَةٍ لَا تُجْحِفُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَإِنْ وَجَدَ مَنْ يُيَمِّمُهُ وَلَمْ يَجِدْ مَنْ يُوَضِّئُهُ: لَزِمَهُ ذَلِكَ. فَإِنْ لَمْ يَجِدْ صَلَّى عَلَى حَسَبِ حَالِهِ. وَفِي الْإِعَادَةِ وَجْهَانِ، كَعَادِمِ الْمَاءِ وَالتُّرَابِ. قَالَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَصَاحِبُ الْفُرُوعِ. وَأَطْلَقَهُمَا هُوَ وَصَاحِبُ التَّلْخِيصِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ. قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: صَلَّى وَلَمْ يَعُدْ فِي أَقْوَى الْوَجْهَيْنِ، قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ رَزِينٍ، وَغَيْرُهُمَا: صَلَّى عَلَى حَسَبِ حَالِهِ. وَلَمْ يَذْكُرُوا إعَادَةً، فَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ لَا يُعِيدُ مِنْ عَدَمِ الْمَاءِ وَالتُّرَابِ كَمَا يَأْتِي. فَكَذَا هُنَا. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ فِي اسْتِنْجَاءِ مِثْلِهِ. قُلْت: صَرَّحَ بِهِ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ. فَقَالَ: إذَا عَجَزَ الْأَقْطَعُ عَنْ أَفْعَالِ الطَّهَارَةِ، وَوَجَدَ مَنْ يُنْجِيهِ وَيُوَضِّئُهُ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ وَذَكَرَ بَقِيَّةَ الْأَحْكَامِ. انْتَهَى. فَإِنْ تَبَرَّعَ أَحَدٌ بِتَطْهِيرِهِ لَزِمَهُ ذَلِكَ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ لَا يَلْزَمُهُ وَيَتَيَمَّمُ. قَوْلُهُ {ثُمَّ يَرْفَعُ نَظَرَهُ إلَى السَّمَاءِ، وَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكُ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ} . قَالَ فِي الْفَائِقِ: قُلْت: وَكَذَا يَقُولُهُ بَعْدَ الْغُسْلِ. انْتَهَى. قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ بَعْدَهُ سُورَةَ الْقَدْرِ ثَلَاثًا. وَأَمَّا مَا يَقُولُهُ عَلَى كُلِّ عُضْوٍ، وَرَدِّ السَّلَامِ وَغَيْرِهِ فَتَقَدَّمَ فِي بَابِ السِّوَاكِ. قَوْلُهُ {وَتُبَاحُ مَعُونَتُهُ، وَلَا تُسْتَحَبُّ} ، هَذَا الْمَذْهَبُ، قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَتُبَاحُ إعَانَتُهُ عَلَى الْأَصَحِّ، قَالَ
فِي تَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ: وَتُبَاحُ مَعُونَتُهُ عَلَى الْأَظْهَرِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْكَافِي، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْوَجِيزِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ، وَابْنُ رَزِينٍ، وَغَيْرُهُمْ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالشَّرْحِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ. وَعَنْهُ يُكْرَهُ، قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْكَافِي، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَنِهَايَةِ أَبِي الْمَعَالِي، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْفَائِقِ وَغَيْرِهِمْ. قَوْلُهُ {وَيُبَاحُ تَنْشِيفُ أَعْضَائِهِ. وَلَا يُسْتَحَبُّ} وَهُوَ الْمَذْهَبُ، قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَعَنْهُ يُبَاحُ تَنْشِيفُهَا وَهِيَ أَصَحُّ، قَالَ فِي تَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ: وَيُبَاحُ مَسْحُهُ عَلَى الْأَظْهَرِ، وَصَحَّحَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَصَاحِبُ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَغَيْرُهُمْ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ، وَابْنُ رَزِينٍ، وَغَيْرُهُمْ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالشَّرْحِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ. وَعَنْهُ يُكْرَهُ، قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْكَافِي، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَنِهَايَة أَبِي يَعْلَى، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْفَائِقِ وَغَيْرِهِمْ. فَوَائِدُ مِنْهَا: السُّنَّةُ أَنْ يَقِفَ الْمُعِينُ عَنْ يَسَارِ الْمُتَوَضِّئِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَجَزَمَ بِهِ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَشَرْحِ ابْنِ عُبَيْدَانَ. وَقِيلَ: يَقِفُ عَنْ يَمِينِهِ: اخْتَارَهُ الْآمِدِيُّ. قَالَ فِي الْفَائِقِ: وَيَقِفُ الْمُعِينُ عَنْ يَمِينِهِ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ فِي رِعَايَتِهِ الْكُبْرَى. وَمِنْهَا: يَضَعُ مَنْ يَصُبُّ عَلَى نَفْسِهِ إنَاءَهُ عَنْ يَسَارِهِ، إنْ كَانَ ضَيِّقَ الرَّأْسِ، وَإِنْ كَانَ وَاسِعًا، يَغْتَرِفُ مِنْهُ بِالْيَدِ، وَضَعَهُ عَنْ يَمِينِهِ. قَالَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ وَغَيْرُهُمَا. وَمِنْهَا: لَوْ وَضَّأَهُ غَيْرُهُ بِإِذْنِهِ وَنَوَاهُ الْمُتَوَضِّئُ فَقَطْ. صَحَّ عَلَى الصَّحِيحِ
مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ أَيْضًا نِيَّةُ مَنْ يُوَضِّئُهُ إنْ كَانَ مُسْلِمًا. وَعَنْهُ لَا يَصِحُّ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. وَمِنْهَا: لَوْ يَمَّمَهُ مُسْلِمٌ بِإِذْنِهِ صَحَّ. وَمَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ أَيْضًا. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ فِي التَّيَمُّمِ: إنْ عَجَزَ عَنْهُ صَحَّ وَإِلَّا فَلَا. تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ: أَنَّهُ سَوَاءٌ كَانَ مَنْ يُوَضِّئُهُ مُسْلِمًا أَوْ كِتَابِيًّا. وَقِيلَ: بَلْ مُسْلِمٌ، قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ. وَمِنْهَا: لَوْ أَكْرَهَ مَنْ يَصُبُّ عَلَيْهِ الْمَاءَ، أَوْ يُوَضِّئُهُ، عَلَى وُضُوئِهِ. لَمْ يَصِحَّ، قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ. وَقِيلَ: يَصِحُّ فِي صَبِّ الْمَاءِ فَقَطْ. وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ حُكْمَ مَنْ يُوَضِّئُهُ وَإِنْ أَكْرَهَهُ عَلَيْهِ لَمْ يَصِحَّ فِي الْأَصَحِّ. فَفَهِمَ صَاحِبُ الْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ: أَنَّ الْمُكْرَهَ بِفَتْحِ الرَّاءِ هُوَ الْمُتَوَضِّئُ. فَقَالَ بَعْدَ أَنْ حَكَى ذَلِكَ كَذَا ذَكَرَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ. قَالَ: وَمَحَلُّ النِّزَاعِ مُشْكِلٌ عَلَى مَا ذَكَرَهُ. فَإِنَّهُ إذَا أُكْرِهَ عَلَى الْوُضُوءِ وَنَوَى وَتَوَضَّأَ لِنَفْسِهِ صَحَّ بِلَا تَرَدُّدٍ. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَغَيْرُهُ: إذَا أُكْرِهَ عَلَى الْعِبَادَةِ وَفَعَلَهَا لِدَاعِي الشَّرْعِ، لَا لِدَاعِي الْإِكْرَاهِ: صَحَّتْ، وَإِنْ تَوَضَّأَ وَلَمْ يَنْوِ لَمْ يَصِحَّ، إلَّا عَلَى وَجْهٍ شَاذٍّ: أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ لِطَهَارَةِ الْحَدَثِ نِيَّةٌ. وَقَدْ يُقَالُ: لَا يَصِحُّ. وَلَا يَنْوِي؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ يُنْسَبُ إلَى الْغَيْرِ. فَبَقِيَتْ النِّيَّةُ مُجَرَّدَةً عَنْ فِعْلٍ فَلَا تَصِحُّ. وَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّ الصَّحِيحَ مِنْ الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْأَيْمَانِ: أَنَّ الْمُكْرَهَ بِالتَّهْدِيدِ إذَا فَعَلَ الْمَحْلُوفَ عَلَى تَرْكِهِ لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ يُنْسَبُ إلَى الْغَيْرِ. انْتَهَى. وَاَلَّذِي يَظْهَرُ: أَنَّ مُرَادَ صَاحِبِ الْفُرُوعِ بِالْإِكْرَاهِ: إكْرَاهُ مَنْ يَصُبُّ الْمَاءَ، أَوْ يُوَضِّئُهُ. بِدَلِيلِ السِّيَاقِ وَالسِّبَاقِ، وَمُوَافَقَةِ صَاحِبِ الرِّعَايَةِ وَغَيْرِهِ. فَتَقْدِيرُ كَلَامِهِ: وَإِنْ أُكْرِهَ الْمُتَوَضِّئُ لِمَنْ يُوَضِّئُهُ. فَعَلَى هَذَا يَزُولُ الْإِشْكَالُ الَّذِي أَوْرَدَهُ. وَمِنْهَا: يُكْرَهُ نَفْضُ الْمَاءِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ. هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ: كَرِهَهُ
الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ. قَالَ ابْنُ عُبَيْدَانَ: قَالَهُ بَعْضُ الْأَصْحَابِ. قَالَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَوَاشِي: هَذَا الْأَشْهَرُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَغَيْرِهِمْ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَقِيلَ: لَا يُكْرَهُ، اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالْمَجْدُ وَغَيْرُهُمَا. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ أَظْهَرُ. قَالَ ابْنُ عُبَيْدَانَ: وَالْأَقْوَى أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ. وَكَذَا قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ. وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ. وَمِنْهَا: يُسْتَحَبُّ الزِّيَادَةُ عَلَى الْفَرْضِ كَإِطَالَةِ الْغُرَّةِ وَالتَّحْجِيلِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَابْنُ رَزِينٍ وَغَيْرُهُمْ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَالرِّعَايَةِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَغَيْرُهُمْ. وَعَنْهُ لَا يُسْتَحَبُّ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: لَا يَغْسِلُ مَا فَوْقَ الْمَرْفِقِ. قَالَ فِي الْفَائِقِ: وَلَا يُسْتَحَبُّ الزِّيَادَةُ عَلَى مَحَلِّ الْفَرْضِ فِي نَصِّ الرِّوَايَتَيْنِ، اخْتَارَهُ شَيْخُنَا. وَمِنْهَا: يُبَاحُ الْوُضُوءُ وَالْغُسْلُ فِي الْمَسْجِدِ، إنْ لَمْ يُؤْذِ بِهِ أَحَدًا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إجْمَاعًا. وَعَنْهُ يُكْرَهُ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الرِّعَايَةِ. وَعَنْهُ لَا يُكْرَهُ التَّجْدِيدُ، وَإِنْ قُلْنَا بِنَجَاسَتِهِ حَرُمَ، كَاسْتِنْجَاءٍ أَوْ رِيحٍ. وَيُكْرَهُ إرَاقَةُ مَاءِ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ فِي الْمَسْجِدِ. وَيُكْرَهُ أَيْضًا إرَاقَتُهُ فِي مَكَان يُدَاسُ فِيهِ، كَالطَّرِيقِ وَنَحْوِهَا، اخْتَارَهُ فِي الْإِيجَازِ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ وَابْنُ تَمِيمٍ. وَلَمْ يَذْكُرْ الْقَاضِي فِي الْجَامِعِ خِلَافَهُ. وَعَنْهُ لَا يُكْرَهُ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَمُذْهَبِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، وَفُصُولِ ابْنِ عَقِيلٍ. فَعَلَى الْمَذْهَبِ: الْكَرَاهَةُ تَنْزِيهًا لِلْمَاءِ جَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ. وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ: وَهَلْ ذَلِكَ تَنْزِيهًا لِلْمَاءِ أَوْ لِلطَّرِيقِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَلَا يُغَسَّلُ فِي الْمَسْجِدِ مَيِّتٌ. قَالَ: وَيَجُوزُ عَمَلُ مَكَان فِيهِ لِلْوُضُوءِ لِلْمُصَلِّينَ بِلَا مَحْذُورٍ، وَيَأْتِي فِي الِاعْتِكَافِ، هَلْ يَحْرُمُ الْبَوْلُ فِي الْمَسْجِدِ فِي إنَاءٍ أَمْ لَا.
باب مسح الخفين
[بَابُ مَسْحِ الْخُفَّيْنِ] ِ فَوَائِدُ مِنْهَا: الْمَسْحُ عَلَيْهِمَا وَعَلَى شِبْهِهِمَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، نَصَّ عَلَيْهِ. وَقِيلَ لَا يَرْفَعُهُ. وَمِنْهَا: الْمَسْحُ أَفْضَلُ مِنْ الْغَسْلِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. قَالَ الْقَاضِي: لَمْ يَرِدْ الْمُدَاوَمَةُ عَلَى الْمَسْحِ، وَعَنْهُ الْغَسْلُ أَفْضَلُ. وَقِيلَ: إنَّهُ آخِرُ أَقْوَالِهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ. وَعَنْهُ هُمَا سَوَاءٌ فِي الْفَضِيلَةِ. وَأَطْلَقَهُنَّ فِي الْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ. وَقِيلَ: إنْ لَمْ يُدَاوِمْ الْمَسْحَ فَهُوَ أَفْضَلُ. اخْتَارَهُ الْقَاضِي. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَفَصْلُ الْخِطَابِ: أَنَّ الْأَفْضَلَ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ مَا هُوَ الْمُوَافِقُ لِحَالِ قَدَمِهِ. فَالْأَفْضَلُ لِمَنْ قَدَمَاهُ مَكْشُوفَتَانِ: غَسْلُهُمَا وَلَا يَتَحَرَّى لُبْسَ الْخُفِّ لِيَمْسَحَ عَلَيْهِ، كَمَا «كَانَ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ يَغْسِلُ قَدَمَيْهِ إذَا كَانَتَا مَكْشُوفَتَيْنِ، وَيَمْسَحُ قَدَمَيْهِ إذَا كَانَ لَابِسًا لِلْخُفِّ» . انْتَهَى. وَمِنْهَا: لَا يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَلْبَسَ لِيَمْسَحَ. كَالسَّفَرِ لِيُرَخِّصَ. وَمِنْهَا: الْمَسْحُ رُخْصَةٌ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَنْهُ عَزِيمَةٌ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ، وَالظَّاهِرُ: أَنَّ مِنْ فَوَائِدِهَا الْمَسْحَ فِي سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ. وَتَعْيِينُ الْمَسْحِ عَلَى لَابِسِهِ. قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ: وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ. وَمِنْهَا: لُبْسُ الْخُفِّ مَعَ مُدَافَعَةِ أَحَدِ الْأَخْبَثَيْنِ مَكْرُوهٌ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، نَصَّ عَلَيْهِ. وَقِيلَ لَا يُكْرَهُ. وَمِنْهَا: يَجُوزُ الْمَسْحُ لِلْمُسْتَحَاضَةِ وَنَحْوِهَا كَغَيْرِهَا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ نَصَّ عَلَيْهِ. وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ. وَقِيلَ: يَتَوَقَّتُ الْمَسْحُ بِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ وَصَحَّحَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي فِي الْجَامِعِ. وَمَتَى انْقَطَعَ الدَّمُ اسْتَأْنَفَتْ الْوُضُوءَ، وَجْهًا وَاحِدًا.
وَمِنْهَا: لَوْ غَسَلَ صَحِيحًا، وَتَيَمَّمَ لِجُرْحٍ: فَهَلْ يَمْسَحُ عَلَى الْخُفِّ؟ قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ: هُوَ كَالْمُسْتَحَاضَةِ. قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَمِنْهَا: يَجُوزُ الْمَسْحُ لِلزَّمِنِ. وَفِي رِجْلٍ وَاحِدَةٍ، إذَا لَمْ يَبْقَ مِنْ فَرْضِ الْأُخْرَى شَيْءٌ. قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ. تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ {لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَالْجُرْمُوقَيْنِ، وَهُوَ خُفٌّ قَصِيرٌ، وَالْجَوْرَبَيْنِ} بِلَا نِزَاعٍ، إنْ كَانَا مُنَعَّلَيْنِ أَوْ مُجَلَّدَيْنِ. وَكَذَا إنْ كَانَا مِنْ خِرَقٍ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَالرِّوَايَتَيْنِ. وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. وَعَنْهُ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ، جَزَمَ بِهِ فِي التَّلْخِيصِ. وَحَيْثُ قُلْنَا بِالصِّحَّةِ فَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ ضَيِّقًا عَلَى مَا يَأْتِي. وَجَوَازُ الْمَسْحِ عَلَى الْجَوْرَبِ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، وَجَزَمَ بِهِ نَاظِمُهَا. وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى جَوْرَبٍ ضَيِّقٍ، خِلَافًا لِمَالِكٍ. قَوْلُهُ {وَفِي الْمَسْحِ عَلَى الْقَلَانِسِ وَخُمُرِ النِّسَاءِ الْمُدَارَاتِ تَحْتَ حُلُوقِهِنَّ رِوَايَتَانِ} وَأَطْلَقَ الْخِلَافَ فِي جَوَازِ الْمَسْحِ عَلَى الْقَلَانِسِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْكَافِي، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالشَّرْحِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ. إحْدَاهُمَا: الْإِبَاحَةُ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ، اخْتَارَهُ أَبُو الْمَعَالِي فِي النِّهَايَةِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: يُبَاحُ صَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ. قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهَا فِي أَظْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ. قَالَ فِي نَظْمِهِ: هَذَا الْمَنْصُورُ، وَاخْتَارَهُ الْخَلَّالُ، وَابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَنَاظِمُ الْمُفْرَدَاتِ، وَهُوَ مِنْهَا. وَقَالَ صَاحِبُ التَّبْصِرَةِ: يُبَاحُ إذَا كَانَتْ مَحْبُوسَةً تَحْتَ حَلْقِهِ بِشَيْءٍ.
قَالَ فِي الْفَائِقِ: وَلَا يُشْتَرَطُ لِلْقَلَانِسِ تَحْنِيكٌ. وَاشْتَرَطَهُ الشِّيرَازِيُّ. فَائِدَةٌ: " الْقَلَانِسُ " جَمْعُ قَلَنْسُوَةٍ بِفَتْحِ الْقَافِ وَاللَّامِ وَسُكُونِ النُّونِ وَضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْوَاوِ. وَقَدْ تُبْدَلُ مُثَنَّاةً مِنْ تَحْتٍ. وَقَدْ تُبْدَلُ أَلْفًا وَتُفْتَحُ السِّينُ. فَيُقَالُ قَلَنْسَاةٌ. وَقَدْ تُحْذَفُ النُّونُ مِنْ هَذِهِ بَعْدَهَا هَاءُ تَأْنِيثٍ مُبَطَّنَاتٌ تُتَّخَذُ لِلنَّوْمِ وَ " الدِّينَاتُ " قَلَانِسُ كِبَارٌ أَيْضًا كَانَتْ الْقُضَاةُ تَلْبَسُهَا قَدِيمًا. قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ هِيَ عَلَى هَيْئَةِ مَا تَتَّخِذُهُ الصُّوفِيَّةُ الْآنَ وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: الْقَلَنْسُوَةُ غِشَاءٌ مُبَطَّنٌ تُسْتَرُ بِهِ الرَّأْسُ. قَالَهُ الْقَزَّازُ فِي شَرْحِ الْفَصِيحِ. وَقَالَ ابْنُ هِشَامٍ: هِيَ الَّتِي يَقُولُهَا الْعَامَّةُ الشَّاشَةُ. وَفِي الْمُحْكَمِ هِيَ مِنْ مُلَابِسِ الرُّءُوسِ مَعْرُوفَةٌ. وَقَالَ أَبُو هِلَالٍ الْعَسْكَرِيُّ: هِيَ الَّتِي تُغَطَّى بِهَا الْعَمَائِمُ، وَتَسْتُرُ مِنْ الشَّمْسِ وَالْمَطَرِ. كَأَنَّهَا عِنْدَهُ رَأْسُ الْبُرْنُسِ. [انْتَهَى] وَجَوَازُ الْمَسْحِ عَلَى دِينَاتِ الْقُضَاةِ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. وَأَمَّا خُمُرُ النِّسَاءِ الْمُدَارَةُ تَحْتَ حُلُوقِهِنَّ: فَأَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ فِي جَوَازِ الْمَسْحِ عَلَيْهَا الْخِلَافَ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ وَالْكَافِي، وَالْهَادِي، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالشَّرْحِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ. إحْدَاهُمَا: يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهَا، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، صَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ، وَالْمَجْدُ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ. وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ. قَالَ النَّاظِمُ: هَذَا الْمَنْصُورُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَنَظْمِ الْمُفْرَدَاتِ. وَهُوَ مِنْهَا، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ رَزِينٍ، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهَا. وَهُوَ ظَاهِرُ مَا قَدَّمَهُ فِي تَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْعُمْدَةِ. قَوْلُهُ {وَمِنْ شَرْطِهِ: أَنْ يَلْبَسَ الْجَمِيعَ بَعْدَ كَمَالِ الطَّهَارَةِ، إلَّا الْجَبِيرَةَ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ}
إنْ كَانَ الْمَمْسُوحُ عَلَيْهِ غَيْرَ جَبِيرَةٍ: فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِجَوَازِ الْمَسْحِ عَلَيْهِ كَمَالُ الطَّهَارَةِ قَبْلَ لُبْسِهِ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَعَنْهُ لَا يُشْتَرَطُ كَمَالُهَا، اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَصَاحِبُ الْفَائِقِ. وَقَالَ: وَعَنْهُ لَا يُشْتَرَطُ الطَّهَارَةُ لِمَسْحِ الْعِمَامَةِ ذَكَرَهُ ابْنُ هُبَيْرَةَ. فَعَلَى كِلَا الرِّوَايَتَيْنِ الْأُولَتَيْنِ: يُشْتَرَطُ تَقَدُّمُ الطَّهَارَةِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَهُوَ الْمَقْطُوعُ بِهِ عِنْدَ الْأَصْحَابِ. وَحَكَى أَبُو الْفَرَجِ رِوَايَةً بِعَدَمِ اشْتِرَاطِ تَقَدُّمِ الطَّهَارَةِ رَأْسًا. فَإِنْ لَبِسَ مُحْدِثًا ثُمَّ تَوَضَّأَ وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ فِي الْخُفِّ جَازَ لَهُ الْمَسْحُ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَهُوَ غَرِيبٌ بَعِيدٌ. قُلْت: اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. وَقَالَ أَيْضًا: وَيَتَوَجَّهُ أَنَّ الْعِمَامَةَ لَا يُشْتَرَطُ لَهَا ابْتِدَاءُ اللُّبْسِ عَلَى طَهَارَةٍ. وَيَكْفِيهِ فِيهِمَا الطَّهَارَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ: أَنَّ مَنْ تَوَضَّأَ مَسَحَ رَأْسَهُ، وَرَفَعَ الْعِمَامَةَ ثُمَّ أَعَادَهَا. وَلَا يَبْقَى مَكْشُوفَ الرَّأْسِ إلَى آخِرِ الْوُضُوءِ. انْتَهَى. وَمَا قَالَهُ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ. حَكَاهَا غَيْرُ وَاحِدٍ. تَنْبِيهٌ: مِنْ فَوَائِدِ الرِّوَايَتَيْنِ: لَوْ غَسَلَ رِجْلًا ثُمَّ أَدْخَلَهَا الْخُفَّ: خَلَعَ. ثُمَّ لَبِسَ بَعْدَ غَسْلِ الْأُخْرَى. وَلَوْ لَبِسَ الْأُولَى طَاهِرَةً، ثُمَّ لَبِسَ الثَّانِيَةَ طَاهِرَةً: خَلَعَ الْأُولَى فَقَطْ، وَظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي بَكْرٍ: وَيَخْلَعُ الثَّانِيَةَ. وَهَذَا مُفَرَّعٌ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَعَلَى الثَّانِيَةِ: لَا خَلْعَ. وَلَوْ لَبِسَ الْخُفَّ مُحْدِثًا وَغَسَلَهُمَا فِيهِ: خَلَعَ عَلَى الْأُولَى. ثُمَّ لَبِسَهُ قَبْلَ الْحَدَثِ، وَإِنْ لَمْ يَلْبَسْ حَتَّى أَحْدَثَ. لَمْ يَجُزْ لَهُ الْمَسْحُ. وَعَلَى الثَّانِيَةِ: لَا يَخْلَعُهُ وَيَمْسَحُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَجَزَمَ الْأَكْثَرُ بِالرِّوَايَةِ الْأُولَى فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. وَهِيَ الطَّهَارَةُ لِابْتِدَاءِ اللُّبْسِ، بِخِلَافِ الْمَسْأَلَةِ قَبْلَهَا. وَهِيَ كَمَالُ الطَّهَارَةِ. فَذَكَرُوا فِيهَا الرِّوَايَةَ الثَّانِيَةَ. قُلْت: وَقَدْ تَقَدَّمَتْ الرِّوَايَةُ الَّتِي نَقَلَهَا أَبُو الْفَرَجِ. وَأَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الْمَسْحُ عَلَيْهَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. وَلَوْ نَوَى جُنُبٌ رَفْعَ حَدَثِهِ وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ، وَأَدْخَلَهُمَا فِي الْخُفِّ، ثُمَّ تَمَّمَ طَهَارَتَهُ، أَوْ فَعَلَهُ مُحْدِثٌ وَلَمْ نَعْتَبِرْ التَّرْتِيبَ: لَمْ يَمْسَحْ عَلَى الْأُولَى. وَيَمْسَحُ عَلَى الثَّانِيَةِ.
وَكَذَا الْحُكْمُ لَوْ لَبِسَ عِمَامَةً قَبْلَ طُهْرٍ كَامِلٍ. فَلَوْ مَسَحَ رَأْسَهُ ثُمَّ لَبِسَهَا، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ: خَلَعَ عَلَى الْأُولَى ثُمَّ لَبِسَ، وَعَلَى الثَّانِيَةِ: يَجُوزُ الْمَسْحُ. وَلَوْ لَبِسَهَا مُحْدِثًا ثُمَّ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ رَأْسَهُ، وَرَفَعَهَا رَفْعًا فَاحِشًا فَكَذَلِكَ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: كَمَا لَوْ لَبِسَ الْخُفَّ مُحْدِثًا، فَلَمَّا غَسَلَ رِجْلَيْهِ رَفَعَهَا إلَى السَّاقِ، ثُمَّ أَعَادَهَا، وَإِنْ لَمْ يَرْفَعْهَا رَفْعًا فَاحِشًا: احْتَمَلَ أَنَّهُ كَمَا لَوْ غَسَلَ رِجْلَيْهِ فِي الْخُفِّ. لِأَنَّ الرَّفْعَ الْيَسِيرَ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ حُكْمِ اللُّبْسِ. وَلِهَذَا لَا تَبْطُلُ الطَّهَارَةُ بِهِ. وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَابْتِدَاءِ اللُّبْسِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا عَفَا عَنْهُ هُنَاكَ لِلْمَشَقَّةِ. انْتَهَى. وَتَقَدَّمَ أَنَّ الشَّيْخَ تَقِيَّ الدِّينِ اخْتَارَ: أَنَّ الْعِمَامَةَ لَا يُشْتَرَطُ لَهَا ابْتِدَاءُ اللُّبْسِ عَلَى طَهَارَةٍ. وَيَكْفِي فِيهَا الطَّهَارَةُ الْمُسْتَدَامَةُ. وَقَالَ أَيْضًا: يَتَوَجَّهُ أَنْ لَا يَخْلَعَهَا بَعْدَ وُضُوئِهِ، ثُمَّ يَلْبَسَهَا بِخِلَافِ الْخُفِّ. وَهَذَا مُرَادُ ابْنِ هُبَيْرَةَ فِي الْإِفْصَاحِ فِي الْعِمَامَةِ. هَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ لَبِسَهَا عَلَى طَهَارَةٍ؟ عَنْهُ: رِوَايَتَانِ. أَمَّا مَا لَا يُعْرَفُ عَنْ أَحْمَدَ وَأَصْحَابِهِ: فَبَعِيدٌ إرَادَتُهُ جِدًّا. فَلَا يَنْبَغِي حَمْلُ الْكَلَامِ الْمُحْتَمَلِ عَلَيْهِ. قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ. فَائِدَةٌ: لَوْ أَحْدَثَ قَبْلَ وُصُولِ الْقَدَمِ مَحَلَّهَا: لَمْ يَمْسَحْ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَلِهَذَا لَوْ غَسَلَهَا فِي هَذَا الْمَكَانِ، ثُمَّ أَدْخَلَهَا مَحَلَّهَا: يَمْسَحُ. وَعَنْهُ يَمْسَحُ، قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى. وَأَمَّا إذَا كَانَ الْمَمْسُوحُ عَلَيْهِ جَبِيرَةٌ: فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: اشْتِرَاطُ تَقَدُّمِ الطَّهَارَةِ لِجَوَازِ الْمَسْحِ عَلَيْهَا. قَالَ فِي الْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ: يُشْتَرَطُ الطَّهَارَةُ لَهَا فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ، قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ: يُشْتَرَطُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَقَطَعَ بِهِ الْخِرَقِيُّ، وَصَاحِبُ الْإِيضَاحِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي فِي كِتَابِ الرِّوَايَتَيْنِ، وَالشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ، وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي خِلَافَيْهِمَا، وَابْنُ عَبْدُوسٍ، وَابْنُ الْبَنَّا، وَقَدَّمَهُ فِي الْهِدَايَةِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَالْفُرُوعِ. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَا يُشْتَرَطُ لَهَا الطَّهَارَةُ قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: هَذَا أَقْوَى
الرِّوَايَتَيْنِ، وَقَوَّاهُ أَيْضًا فِي نَظْمِهِ، وَاخْتَارَهُ الْخَلَّالُ، وَصَاحِبُهُ أَبُو بَكْرٍ، وَابْنُ عَقِيلٍ فِي التَّذْكِرَةِ، وَصَاحِبُ التَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ فِيهِمَا، وَابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ. وَإِلَيْهِ مَيْلُ الْمُصَنِّفِ، وَالشَّارِحِ، وَالْمَجْدِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ. وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَابْنُ تَمِيمٍ. قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْفَائِقِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَالزَّرْكَشِيُّ. فَعَلَى الْمَذْهَبِ: إنْ شَدَّ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ نَزَعَ. فَإِنْ خَافَ تَيَمَّمَ فَقَطْ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقَالَ الْقَاضِي: يَمْسَحُ فَقَطْ. وَفِي الْإِعَادَةِ رِوَايَتَانِ تَخْرِيجًا. وَقِيلَ: يَمْسَحُ وَيَتَيَمَّمُ. وَحَيْثُ قُلْنَا: يَتَيَمَّمُ، لَوْ عَمَّتْ الْجَبِيرَةُ مَحَلَّ فَرْضِ التَّيَمُّمِ ضَرُورَةً، كَفَى مَسْحُهُمَا بِالْمَاءِ. وَلَا يُعِيدُ مَا صَلَّى بِلَا تَيَمُّمٍ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ، قَالَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ. وَبَقِيَّةُ فُرُوعِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يَأْتِي فِي آخِرِ الْبَابِ عِنْدَ قَوْلِهِ " وَيَمْسَحُ عَلَى جَمِيعِ الْجَبِيرَةِ إذَا لَمْ تَتَجَاوَزْ قَدْرَ الْحَاجَةِ ". تَنْبِيهٌ: الْخِلَافُ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَعُودَ إلَى مَا عَدَا الْجَبِيرَةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَعُودَ إلَى الْجَبِيرَةِ، فَقَطْ. قَالَ ابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ: يَبْعُدُ أَنْ يَعُودَ إلَى الْجَبِيرَةِ، وَإِنْ قَرُبَ مِنْهَا، لِوَجْهَيْنِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْخِلَافَ فِيهَا لَيْسَ مُخْتَصًّا بِالْكَمَالِ. الثَّانِي: أَنَّ الْخِلَافَ فِيمَا عَدَاهَا أَشْهَرُ مِنْ الْخِلَافِ فِيهَا. قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: الْخِلَافُ هُنَا فِي غَيْرِ الْجَبِيرَةِ، وَقَالَ ابْنُ عُبَيْدَانَ، قِيلَ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَعُودَ إلَى مَا عَدَا الْجَبِيرَةَ مِنْ الْمَمْسُوحِ؛ لِأَنَّ الْخِلَافَ فِي الْجَبِيرَةِ لَيْسَ مُخْتَصًّا بِالْكَمَالِ. وَإِنَّمَا هُوَ فِي تَقَدُّمِ أَصْلِ الطَّهَارَةِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَعُودَ الْخِلَافُ إلَى الْجَبِيرَةِ لِقُرْبِهَا وَلِأَنَّ الْخِلَافَ فِيهَا أَشْهَرُ. وَهَذَا هُوَ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ، وَكَلَامُ الشَّيْخِ، وَكَلَامُ أَبِي الْخَطَّابِ سَوَاءٌ فِي الْمَعْنَى. قَالَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ: وَلَا بُدَّ مِنْ
بَيَانِ مَوْضِعِ الرِّوَايَتَيْنِ. فَإِنَّهُ فِي الْجَبِيرَةِ بِخِلَافِ غَيْرِهَا. وَكَذَا ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الْمُقْنِعِ. انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ عُبَيْدَانَ. فَائِدَةٌ: لَوْ لَبِسَ خُفًّا عَلَى طَهَارَةٍ مَسَحَ فِيهَا عَلَى عِمَامَةٍ، أَوْ عَكْسِهِ. فَهَلْ يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْمَلْبُوسِ الثَّانِي؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالزَّرْكَشِيُّ. قَالَ ابْنُ عُبَيْدَانَ: قَالَ أَصْحَابُنَا: ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ. قَالَ فِي الْفُصُولِ، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ: قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ: لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ. قَالَ الْقَاضِي: يَحْتَمِلُ جَوَازَ الْمَسْحِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: أَصَحُّهُمَا عِنْدَ أَبِي الْبَرَكَاتِ الْجَوَازُ جَزْمًا، عَلَى قَاعِدَتِهِ مِنْ أَنَّ الْمَسْحَ يَرْفَعُ الْحَدَثَ. انْتَهَى. قُلْت: الْمَذْهَبُ الرَّفْعُ، كَمَا تَقَدَّمَ أَوَّلَ الْبَابِ، وَيَأْتِي آخِرَهُ. وَكَذَا الْحُكْمُ لَوْ شَدَّ جَبِيرَةً عَلَى طَهَارَةٍ مَسَحَ فِيهَا عِمَامَةً وَخُفًّا، أَوْ أَحَدَهُمَا. وَقُلْنَا: يُشْتَرَطُ لَهَا الطَّهَارَةُ. قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ. وَأَطْلَقَ الْخِلَافَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ صَاحِبُ الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ. وَضَعَّفَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: جَوَازَ الْمَسْحِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. وَقِيلَ: يَجُوزُ الْمَسْحُ هُنَا، وَإِنْ مَنَعْنَاهُ فِي الْأُولَى؛ لِأَنَّ مَسْحَهُمَا عَزِيمَةٌ، وَجَزَمَ بِالْجَوَازِ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْهِدَايَةِ، وَاخْتَارَهُ الْمَجْدُ أَيْضًا. وَلَوْ شَدَّ جَبِيرَةً عَلَى طَهَارَةٍ مَسَحَ فِيهَا جَبِيرَةً: جَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهَا جَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَالْفُرُوعِ. وَلَوْ لَبِسَ خُفًّا أَوْ عِمَامَةً عَلَى طَهَارَةٍ مَسَحَ فِيهَا عَلَى الْجَبِيرَةِ: جَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ مُطْلَقًا، جَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَصَحَّحَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ. وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: إنْ كَانَتْ الْجَبِيرَةُ فِي رِجْلِهِ وَقَدْ مَسَحَ عَلَيْهَا، ثُمَّ لَبِسَ الْخُفَّ لَمْ يَمْسَحْ عَلَيْهِ.
فَائِدَةٌ: لَا يَمْسَحُ عَلَى خُفٍّ لَبِسَهُ عَلَى طَهَارَةٍ تَيَمَّمَ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ عُبَيْدَانَ. وَقَالَ: هُوَ أَوْلَى، وَقَالَ فِي رِوَايَةٍ: مَنْ قَالَ لَا يَنْقُضُ طَهَارَتَهُ إلَّا وُجُودُ الْمَاءِ: لَهُ أَنْ يَمْسَحَ وَتَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْبَابِ: إذَا تَيَمَّمَ لِجُرْحٍ وَنَحْوِهِ. قَوْلُهُ {وَيَمْسَحُ الْمُقِيمُ يَوْمًا وَلَيْلَةً. وَالْمُسَافِرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيِهِنَّ} وَهَذَا الْمَذْهَبُ بِلَا رَيْبٍ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ. وَقِيلَ: يَمْسَحُ كَالْجَبِيرَةِ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَقَالَ فِي الِاخْتِيَارَاتِ: وَلَا تَتَوَقَّتُ مُدَّةُ الْمَسْحِ فِي حَقِّ الْمُسَافِرِ الَّذِي يَشُقُّ اشْتِغَالُهُ بِالْخَلْعِ وَاللُّبْسِ، كَالْبَرِيدِ الْمُجَهَّزِ فِي مَصْلَحَةِ الْمُسْلِمِينَ. تَنْبِيهٌ: مُرَادُهُ بِقَوْلِهِ " وَالْمُسَافِرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيِهِنَّ " غَيْرُ الْعَاصِي بِسَفَرِهِ. فَأَمَّا الْعَاصِي بِسَفَرِهِ: فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمُقِيمِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَمْسَحَ عَاصٍ بِسَفَرِهِ كَغَيْرِهِ، ذَكَرَهُ ابْنُ شِهَابٍ. وَقِيلَ: لَا يَمْسَحُ مُطْلَقًا، عُقُوبَةً لَهُ. فَائِدَةٌ: لَوْ أَقَامَ وَهُوَ عَاصٍ بِإِقَامَتِهِ، كَمَنْ أَمَرَهُ سَيِّدُهُ بِسَفَرٍ فَأَبَى، وَأَقَامَ. فَلَهُ مَسْحُ مُقِيمٍ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَذَكَرَ أَبُو الْمَعَالِي: هَلْ هُوَ كَعَاصٍ بِسَفَرِهِ فِي مَنْعِ التَّرْخِيصِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، قُلْت: فَعَلَى الْمَنْعِ يُعَايَى بِهَا. تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ {إلَّا الْجَبِيرَةَ فَإِنَّهُ يَمْسَحُ عَلَيْهَا إلَى حَلِّهَا} بِلَا نِزَاعٍ وَلَا تَقْيِيدٍ بِوَقْتِ الصَّلَاةِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَعَنْهُ أَنَّ مَسْحَ الْجَبِيرَةِ كَالتَّيَمُّمِ يَتَقَيَّدُ بِوَقْتِ الصَّلَاةِ. فَلَا يَجُوزُ قَبْلَهُ. وَتَبْطُلُ بِخُرُوجِهِ. ذَكَرَهُ ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ، وَذَكَرَهُ ابْنُ حَامِدٍ، وَأَبُو الْخَطَّابِ وَجْهًا.
فَائِدَةٌ: قَالَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ: يَمْسَحُ الْمُقِيمُ غَيْرَ الْجَبِيرَةِ. وَقِيلَ: اللُّصُوقِ يَوْمًا وَلَيْلَةً. وَقَالَ فِي الْحَاوِيَيْنِ: وَيَمْسَحُ الْمُقِيمُ غَيْرَ اللُّصُوقِ وَالْجَبِيرَةِ يَوْمًا وَلَيْلَةً. قُلْت: وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ. وَأَنَّ اللُّصُوقَ حَيْثُ تَضَرَّرَ بِقَلْعِهِ يَمْسَحُ عَلَيْهِ إلَى حَلِّهِ كَالْجَبِيرَةِ، وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ فِيهَا خِلَافٌ. قَوْلُهُ {وَابْتِدَاءُ الْمُدَّةِ مِنْ الْحَدَثِ بَعْدَ اللُّبْسِ} هَذَا الْمَذْهَبُ بِلَا رَيْبٍ، وَالْمَشْهُورُ مِنْ الرِّوَايَتَيْنِ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: أَيْ مِنْ وَقْتِ جَوَازِ مَسْحِهِ بَعْدَ حَدَثِهِ. فَلَوْ مَضَى مِنْ الْحَدَثِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، أَوْ ثَلَاثَةٌ، إنْ كَانَ مُسَافِرًا، وَلَمْ يَمْسَحْ: انْقَضَتْ الْمُدَّةُ، وَمَا لَمْ يُحْدِثْ لَا يُحْتَسَبُ مِنْ الْمُدَّةِ. فَلَوْ بَقِيَ بَعْدَ لُبْسِهِ يَوْمًا عَلَى طَهَارَةِ اللُّبْسِ، ثُمَّ أَحْدَثَ: اسْتَبَاحَ بَعْدَ الْحَدَثِ الْمُدَّةَ. وَانْقِضَاءُ الْمُدَّةِ: وَقْتُ جَوَازِ مَسْحِهِ بَعْدَ حَدَثِهِ. انْتَهَى. وَعَنْهُ ابْتِدَاءُ الْمُدَّةِ مِنْ الْمَسْحِ بَعْدَ الْحَدَثِ. وَهِيَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، وَانْتِهَاؤُهَا وَقْتُ الْمَسْحِ. وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ. فَائِدَةٌ: يُتَصَوَّرُ أَنْ يُصَلِّيَ الْمُقِيمُ بِالْمَسْحِ سَبْعَ صَلَوَاتٍ، مِثْلُ أَنْ يُؤَخِّرَ صَلَاةَ الظُّهْرِ إلَى وَقْتِ الْعَصْرِ لِعُذْرٍ يُبِيحُ الْجَمْعَ مِنْ مَرَضٍ وَنَحْوِهِ، وَيَمْسَحُ مِنْ وَقْتِ صَلَاةِ الْعَصْرِ. ثُمَّ يَمْسَحُ إلَى مِثْلِهَا مِنْ الْغَدِ، وَيُصَلِّي الْعَصْرَ قَبْلَ فَرَاغِ الْمُدَّةِ. فَتَتِمُّ لَهُ سَبْعُ صَلَوَاتٍ. وَيُتَصَوَّرُ أَنْ يُصَلِّيَ الْمُسَافِرُ بِالْمَسْحِ سَبْعَ عَشْرَةَ صَلَاةً. كَمَا قُلْنَا فِي الْمُقِيمِ. قَوْلُهُ {وَإِنْ مَسَحَ مُسَافِرًا، ثُمَّ أَقَامَ: أُتَمّ مَسَحَ مُقِيمٌ} هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ. قَالَ فِي الْمُبْهِجِ: أَتَمَّ مَسْحَ مُسَافِرٍ، إنْ كَانَ مَسَحَ مُسَافِرًا فَوْقَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ. وَشَذَّذَهُ الزَّرْكَشِيُّ. قَالَ ابْنُ رَجَبٍ فِي الطَّبَقَاتِ: وَهُوَ غَرِيبٌ. وَنَقَلَهُ فِي الْإِيضَاحِ رِوَايَةً. وَلَمْ أَرَهَا فِيهِ، وَالصَّحِيحُ مِنْ الرِّوَايَتَيْنِ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: هِيَ اخْتِيَارُ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ.
قُلْت: مِنْهُمْ ابْنُ أَبِي مُوسَى، وَالْقَاضِي، وَأَكْثَرُ أَصْحَابِهِ، كَأَبِي الْخَطَّابِ فِي خِلَافِهِ الصَّغِيرِ وَغَيْرِهِ، وَاخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ. وَقَطَعَ بِهِ الْخِرَقِيُّ، وَصَاحِبُ الْإِيضَاحِ، وَالْكَافِي، وَالْعُمْدَةِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَالْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ، وَغَيْرِهِمْ، وَقَدَّمَهُ فِي الْهِدَايَةِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالْفُرُوعِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَغَيْرُهُمْ، وَصَحَّحَهُ فِي النَّظْمِ وَغَيْرِهِ وَعَنْهُ يُتِمُّ مَسْحَ مُسَافِرٍ، اخْتَارَهُ الْخَلَّالُ، وَأَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ، وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي الِانْتِصَارِ، وَصَاحِبُ الْفَائِقِ. فَقَالَ: هُوَ النَّصُّ الْمُتَأَخِّرُ. وَهُوَ الْمُخْتَارُ. انْتَهَى. قَالَ الْخَلَّالُ: نَقَلَهُ عَنْهُ أَحَدَ عَشَرَ نَفْسًا. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَلَقَدْ غَالَى الْخَلَّالُ، حَيْثُ جَعَلَ الْمَسْأَلَةَ رِوَايَةً وَاحِدَةً، فَقَالَ: نَقَلَ عَنْهُ أَحَدَ عَشَرَ نَفْسًا: أَنَّهُ يَمْسَحُ مَسْحَ مُسَافِرٍ، وَرَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ " يُتِمُّ مَسْحَ مُقِيمٍ " وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ. فَائِدَةٌ: قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ: أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ صَلَّى فِي الْحَضَرِ أَوْ لَا. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَيَتَوَجَّهُ أَنْ يُقَالَ: إنْ صَلَّى بِطَهَارَةِ الْمَسْحِ فِي الْحَضَرِ غَلَبَ جَانِبُهُ، رِوَايَةً وَاحِدَةً، قَوْلُهُ {أَوْ شَكَّ فِي ابْتِدَائِهِ: أَتَمَّ مَسْحَ مُقِيمٍ} وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَنْهُ يُتِمُّ مَسْحَ مُسَافِرٍ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْحُكْمَ هُنَا كَالْحُكْمِ فِي الَّتِي قَبْلَهَا خِلَافًا وَمَذْهَبًا، وَسَوَاءٌ كَانَ الشَّكُّ حَضَرًا أَوْ سَفَرًا، قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ. قُلْت: وَمَسْحُ مُسَافِرٍ مَعَ الشَّكِّ فِي أَوَّلِهِ غَرِيبٌ بَعِيدٌ. فَائِدَةٌ: لَوْ شَكَّ فِي بَقَاءِ الْمُدَّةِ لَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ. فَلَوْ خَالَفَ وَفَعَلَ، فَبَانَ بَقَاؤُهَا؛ صَحَّ وُضُوءُهُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ، كَمَا يُعِيدُ مَا صَلَّى بِهِ مَعَ شَكِّهِ بَعْدَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ.
قَوْلُهُ {وَمَنْ أَحْدَثَ، ثُمَّ سَافَرَ قَبْلَ الْمَسْحِ: أَتَمَّ مَسْحَ مُسَافِرٍ} هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ. وَعَنْهُ يُتِمُّ مَسْحَ مُقِيمٍ. ذَكَرَهَا الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ وَغَيْرِهِ. وَهِيَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ أَيْضًا. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَهُوَ غَرِيبٌ. وَقِيلَ: إنْ مَضَى وَقْتُ صَلَاةٍ، ثُمَّ سَافَرَ أَتَمَّ مَسْحَ مُقِيمٍ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ أَيْضًا. قَوْلُهُ {وَلَا يَجُوزُ الْمَسْحُ إلَّا عَلَى مَا يَسْتُرُ مَحَلَّ الْفَرْضِ} هَذَا الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَجَزَمَ بِهِ أَكْثَرُهُمْ. وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ جَوَازَ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ الْمُخَرَّقِ. إلَّا إنْ تَخَرَّقَ أَكْثَرُهُ. قَالَ فِي الِاخْتِيَارَاتِ: وَيَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفِّ الْمُخَرَّقِ، مَا دَامَ اسْمُهُ بَاقِيًا، وَالْمَشْيُ فِيهِ مُمْكِنٌ. اخْتَارَهُ أَيْضًا جَدُّهُ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ مِنْ الْعُلَمَاءِ. لَكِنْ مِنْ شَرْطِ الْخَرْقِ: أَنْ لَا يَمْنَعَ مُتَابَعَةَ الْمَشْيِ، وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أَيْضًا جَوَازَ الْمَسْحِ عَلَى الْمَلْبُوسِ وَلَوْ كَانَ دُونَ الْكَعْبِ. تَنْبِيهٌ: مَفْهُومُ قَوْلَةِ {وَثَبَتَ بِنَفْسِهِ} أَنَّهُ إذَا كَانَ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِشَدِّهِ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ، وَنَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ. وَقِيلَ: يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ. فَعَلَى الْمَذْهَبِ، لَوْ ثَبَتَ الْجَوْرَبَانِ بِالنَّعْلَيْنِ جَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهِمَا مَا لَمْ يَخْلَعْ النَّعْلَيْنِ. وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ وَقَطَعُوا بِهِ، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَقَدْ يَتَخَرَّجُ الْمَنْعُ مِنْهُ. انْتَهَى. وَيَجِبُ أَنْ يَمْسَحَ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ وَسُيُورِ النَّعْلَيْنِ قَدْرَ الْوَاجِبِ. قَالَهُ الْقَاضِي، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. قَالَ فِي الصُّغْرَى وَالْحَاوِيَيْنِ: مَسْحُهُمَا. وَقِيلَ: يُجْزِئُ مَسْحُ الْجَوْرَبِ وَحْدَهُ. وَقِيلَ: أَوْ النَّعْلِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَقِيلَ: يَجِبُ مَسْحُهُمَا. وَعَنْهُ أَوْ أَحَدِهِمَا. قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَصَاحِبُ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ: إجْزَاءُ الْمَسْحِ عَلَى أَحَدِهِمَا قَدْرَ الْوَاجِبِ. قُلْت: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هَذَا هُوَ الْمَذْهَبَ.
وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ. وَعَلَى الْمَذْهَبِ: يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الَّذِي يَثْبُتُ بِنَفْسِهِ، وَلَكِنْ يَبْدُو بَعْضُهُ لَوْلَا شَدُّهُ أَوْ شَرْجُهُ، كَالزُّرْبُولِ الَّذِي لَهُ سَاقٌ وَنَحْوُهُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. مِنْهُمْ الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ، وَالْمَجْدُ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَصَاحِبُ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَابْنُ عَبْدُوسٍ الْمُتَقَدِّمُ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِ، وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ. اخْتَارَهُ أَبُو الْحُسَيْنِ الْآمِدِيُّ. وَأَطْلَقَهُمَا الزَّرْكَشِيُّ، وَابْنُ تَمِيمٍ. تَنْبِيهٌ: ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ هُنَا لِجَوَازِ الْمَسْحِ شَرْطَيْنِ سَتْرَ مَحَلِّ الْفَرْضِ، وَثُبُوتَهُ بِنَفْسِهِ. وَثَمَّ شُرُوطٌ أُخَرُ: مِنْهَا: تَقَدُّمُ الطَّهَارَةِ كَامِلَةً، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ. وَمِنْهَا: إبَاحَتُهُ. فَلَوْ كَانَ مَغْصُوبًا، أَوْ حَرِيرًا، أَوْ نَحْوَهُ: لَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ عَلَيْهِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَالرِّوَايَتَيْنِ، وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: مُبَاحٌ عَلَى الْأَصَحِّ، قَالَ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ: هَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: يُشْتَرَطُ إبَاحَتُهُ فِي الْأَصَحِّ، قَالَ ابْنُ عُبَيْدَانَ: هَذَا الْأَصَحُّ، وَقَدَّمَهُ فِي التَّلْخِيصِ وَغَيْرِهِ. وَعَنْهُ يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ. حَكَاهَا غَيْرُ وَاحِدٍ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَخَرَّجَ الْقَاضِي، وَابْنُ عَبْدُوسٍ، وَالشِّيرَازِيُّ، وَالسَّامِرِيُّ: الصِّحَّةَ عَلَى الصَّلَاةِ، وَأَبَى ذَلِكَ الشَّيْخَانِ، وَصَاحِبُ التَّلْخِيصِ. وَقَالَ: إنَّهُ وَهْمٌ. فَإِنَّ الْمَسْحَ رُخْصَةٌ تَمْتَنِعُ بِالْمَعْصِيَةِ. انْتَهَى. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَابْنُ تَمِيمٍ. وَقَالَ فِي الْفُصُولِ، وَالنِّهَايَةِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ: لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ إلَّا لِضَرُورَةٍ، كَمَنْ هُوَ فِي بَلَدِ ثَلْجٍ، وَخَافَ سُقُوطَ أَصَابِعِهِ. فَعَلَى الْمَذْهَبِ الْأَصْلِيِّ: أَعَادَ الطَّهَارَةَ وَالصَّلَاةَ لُزُومًا عَلَى الصَّحِيحِ، قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: إنْ مَسَحَ عَلَى ذَلِكَ، فَهَلْ يَصِحُّ عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِي الطَّهَارَةِ بِالْمَاءِ الْمَغْصُوبِ، وَالطَّهَارَةُ مِنْ أَوَانِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ؟ أَصَحُّهُمَا: لَا يَصِحُّ. قَالَ: فَإِنْ مَسَحَ ثُمَّ نَدِمَ فَخَلَعَ، وَأَرَادَ أَنْ يَغْسِلَ رِجْلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَتَطَاوَلَ الزَّمَانُ انْبَنَى عَلَى
الرِّوَايَتَيْنِ فِي خَلْعِ الْخُفِّ: هَلْ تَبْطُلُ طَهَارَةُ الْقَدَمَيْنِ؟ أَصَحُّهُمَا: تَبْطُلُ مِنْ أَصْلِهَا. وَمِنْهَا: إمْكَانُ الْمَشْيِ فِيهِ مُطْلَقًا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَالْمَجْدُ. وَجَزَمَ بِهِ الزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ. فَدَخَلَ فِي ذَلِكَ: الْجُلُودُ، وَاللُّبُودُ، وَالْخَشَبُ، وَالزُّجَاجُ، وَنَحْوُهَا قَالَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ وَغَيْرُهُ مِنْ الْأَصْحَابِ. وَقِيلَ يُشْتَرَطُ مَعَ إمْكَانِ الْمَشْيِ فِيهِ كَوْنُهُ مُعْتَادًا، وَاخْتَارَهُ الشِّيرَازِيُّ. وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ مَعَ ذَلِكَ كُلِّهِ كَوْنُهُ يَمْنَعُ نُفُوذَ الْمَاءِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي غَيْرِ الْمُعْتَادِ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْهِدَايَةِ، وَالزَّرْكَشِيُّ. تَنْبِيهٌ: قَوْلِي " إمْكَانُ الْمَشْيِ فِيهِ " قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: يُمْكِنُ الْمَشْيُ فِيهِ قَدْرَ مَا يَتَرَدَّدُ إلَيْهِ الْمُسَافِرُ فِي حَاجَتِهِ فِي وَجْهٍ. وَقِيلَ: ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَوْ أَقَلَّ. وَمِنْهَا: طَهَارَةُ عَيْنِهِ، إنْ لَمْ تَكُنْ ضَرُورَةٌ بِلَا نِزَاعٍ. فَإِنْ كَانَ ثَمَّ ضَرُورَةٌ فَيُشْتَرَطُ طَهَارَةُ عَيْنِهِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. فَلَا يَصِحُّ الْمَسْحُ عَلَى جِلْدِ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْمَيْتَةِ قَبْلَ الدَّبْغِ فِي بِلَادِ الثُّلُوجِ إذَا خَشِيَ سُقُوطَ أَصَابِعِهِ بِخَلْعِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. بَلْ يَتَيَمَّمُ لِلرِّجْلَيْنِ. قَالَ الْمَجْدُ، وَتَبِعَهُ ابْنُ عُبَيْدَانَ: هَذَا الْأَظْهَرُ. وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَابْنُ عَبْدُوسٍ الْمُتَقَدِّمُ. وَصَحَّحَهُ فِي حَوَاشِي الْفُرُوعِ. وَقِيلَ: لَا يُشْتَرَطُ إبَاحَتُهُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ. فَيُجْزِيهِ الْمَسْحُ عَلَيْهِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي مُحَمَّدٍ، لِلْإِذْنِ فِيهِ إذَنْ، وَنَجَاسَةُ الْمَاءِ حَالَ الْمَسْحِ لَا تَضُرُّ. قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: وَمَفْهُومُ كَلَامِ الشَّيْخِ يَعْنِي بِهِ الْمُصَنِّفَ اخْتِيَارُ عَدَمِ اشْتِرَاطِ إبَاحَتِهِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُصُولِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالنِّهَايَةِ، وَالْفُرُوعِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَفِي النَّجِسِ الْعَيْنِ. وَقِيلَ: لِضَرُورَةِ بَرْدٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَجْهَانِ. وَمِنْهَا: أَنْ لَا يَصِفَ الْقَدَمَ لِصَفَائِهِ. فَلَوْ وَصَفَهُ لَمْ يَصِحَّ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ كَالزُّجَاجِ الرَّقِيقِ وَنَحْوِهِ. وَقِيلَ: يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ {فَإِنْ كَانَ فِيهِ خَرْقٌ يَبْدُو مِنْهُ بَعْضُ الْقَدَمِ: لَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ عَلَيْهِ}
وَهُوَ الْمَذْهَبُ، نَصَّ عَلَيْهِ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَقِيلَ: يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَتَقَدَّمَ عَنْهُ قَوْلُهُ: وَلَا يَجُوزُ الْمَسْحُ إلَّا عَلَى مَا يَسْتُرُ مَحَلَّ الْفَرْضِ. فَوَائِدُ: مِنْهَا: مَوْضِعُ الْخَرَزِ وَغَيْرِهِ سَوَاءٌ، صَرَّحَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ. وَمِنْهَا: لَوْ كَانَ فِيهِ خَرْقٌ يَنْضَمُّ بِلُبْسِهِ جَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ نَصَّ عَلَيْهِ. وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ. وَمِنْهَا: لَوْ كَانَ لَا يَنْضَمُّ بِلُبْسِهِ لَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ عَلَيْهِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، نَصَّ عَلَيْهِ. وَقِيلَ: يَجُوزُ، اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَصَاحِبُ الْفَائِقِ. فَائِدَةٌ: لَوْ مَسَحَ عَلَى خُفٍّ طَاهِرِ الْعَيْنِ، وَلَكِنَّ بِبَاطِنِهِ، أَوْ قَدَمِهِ، نَجَاسَةً لَا يُمْكِنُ إزَالَتُهَا إلَّا بِنَزْعِهِ: جَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهِ. وَيَسْتَبِيحُ بِذَلِكَ مَسَّ الْمُصْحَفِ وَالصَّلَاةَ إذَا لَمْ يَجِدْ مَا يُزِيلُ النَّجَاسَةَ وَغَيْرَ ذَلِكَ، صَحَّحَهُ الْمَجْدُ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَقَدَّمَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَابْنُ تَمِيمٍ. وَقِيلَ: فِيهِ وَجْهَانِ. أَصْلُهُمَا الرِّوَايَتَانِ فِي صِحَّةِ الْوُضُوءِ قَبْلَ الِاسْتِنْجَاءِ لِكَوْنِهَا طَهَارَةً لَا يُمْكِنُ الصَّلَاةُ بِهَا غَالِبًا بِدُونِ نَقْضِهَا. فَجُعِلَتْ كَالْعَدَمِ. قَالَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَغَيْرِهِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: قَالَ كَثِيرُونَ: يَخْرُجُ عَلَى رِوَايَتَيْ الْوُضُوءِ قَبْلَ الِاسْتِنْجَاءِ. وَفَرَّقَ الْمَجْدُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ نَجَاسَةَ الْمَحَلِّ هُنَاكَ لَمَّا أَوْجَبَتْ الطَّهَارَتَيْنِ جُعِلَتْ إحْدَاهُمَا تَابِعَةً لِلْأُخْرَى. وَهَذَا مَعْدُومٌ هُنَا. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ {أَوْ الْجَوْرَبَ خَفِيفًا يَصِفُ الْقَدَمَ، أَوْ يَسْقُطُ مِنْهُ إذَا مَشَى} . لَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ عَلَى هَذَا بِلَا نِزَاعٍ. قَوْلُهُ {فَوَكَّدَ أَوْ شَدَّ لَفَائِفَ لَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ عَلَيْهِ} . هَذَا الْمَذْهَبُ، نَصَّ عَلَيْهِ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَقَطَعَ بِهِ أَكْثَرُهُمْ. قَالَ
الزَّرْكَشِيُّ: هُوَ الْمَنْصُوصُ الْمَجْزُومُ بِهِ عِنْدَ الْأَصْحَابِ، حَتَّى جَعَلَهُ أَبُو الْبَرَكَاتِ إجْمَاعًا انْتَهَى. وَفِيهِ وَجْهٌ يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهَا. ذَكَرَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَغَيْرُهُ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَحَكَى ابْنُ عَبْدُوسٍ رِوَايَةً بِالْجَوَازِ، بِشَرْطِ قُوَّتِهَا وَشَدِّهَا. انْتَهَى. وَقِيلَ: يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهَا مَعَ الْمَشَقَّةِ. وَهُوَ مَخْرَجٌ لِبَعْضِ الْأَصْحَابِ. فَائِدَةٌ: اخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ مَعَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْمَسَائِلِ مَسْحَ الْقَدَمِ وَنَعْلِهَا الَّتِي يَشُقُّ نَزْعُهَا إلَّا بِيَدٍ وَرِجْلٍ، كَمَا جَاءَتْ بِهِ الْآثَارُ. قَالَ: وَالِاكْتِفَاءُ هُنَا بِأَكْثَرِ الْقَدَمِ نَفْسِهَا، أَوْ الظَّاهِرِ مِنْهَا غَسْلًا أَوْ مَسْحًا أَوْلَى مِنْ مَسْحِ بَعْضِ الْخُفِّ. وَلِهَذَا لَا يَتَوَقَّتُ. وَكَمَسْحِ عِمَامَةٍ. وَقَالَ: يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفِّ الْمُخَرَّقِ، إلَّا الْمُخَرَّقَ أَكْثَرُهُ. فَكَالنَّعْلِ. وَيَجُوزُ الْمَسْحُ أَيْضًا عَلَى مَلْبُوسٍ دُونَ النَّعْلِ. انْتَهَى. وَتَقَدَّمَ بَعْضُ ذَلِكَ عَنْهُ. تَنْبِيهٌ: شَمِلَ قَوْلُهُ {وَإِنْ لَبِسَ خُفًّا فَلَمْ يُحْدِثْ حَتَّى لَبِسَ عَلَيْهِ آخَرَ: جَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهِ} . مَسَائِلُ مِنْهَا: لَوْ كَانَا صَحِيحَيْنِ جَازَ الْمَسْحُ عَلَى الْفَوْقَانِيِّ، بِلَا نِزَاعٍ، بِشَرْطِهِ. وَمِنْهَا: لَوْ كَانَ الْفَوْقَانِيُّ صَحِيحًا وَالتَّحْتَانِيُّ مُخَرَّقًا، أَوْ لِفَافَةً: جَازَ الْمَسْحُ أَيْضًا عَلَيْهِ وَمِنْهَا: لَوْ كَانَ الْفَوْقَانِيُّ مُخَرَّقًا، وَالتَّحْتَانِيُّ صَحِيحًا مِنْ جَوْرَبٍ أَوْ خُفٍّ، أَوْ جُرْمُوقٍ: جَازَ الْمَسْحُ عَلَى الْفَوْقَانِيِّ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، نَصَّ عَلَيْهِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَغَيْرُهُمْ. وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ إلَّا عَلَى التَّحْتَانِيِّ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَأَصْحَابُهُ. وَقَدَّمَهُ فِي الْحَاوِيَيْنِ. وَقِيلَ: هُمَا كَنَعْلٍ مَعَ جَوْرَبٍ. وَقِيلَ: يَتَخَيَّرُ بَيْنَهُمَا فِي الْمَسْحِ. وَمِنْهَا: لَوْ كَانَ تَحْتَ الْمُخَرَّقِ مُخَرَّقٌ وَسِتْرٌ: لَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ نَصَّ عَلَيْهِ. وَقِيلَ: يَجُوزُ قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَصَحَّحَهُ فِي الْحَاوِيَيْنِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ. وَقِيلَ: يَجُوزُ. قَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ. وَهُمَا احْتِمَالَانِ مُطْلَقَانِ فِي
الْمُغْنِي، وَالْكَافِي، وَالشَّرْحِ. وَأَطْلَقَ الْوَجْهَيْنِ ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَصَاحِبُ الْفُرُوعِ. وَمِنْهَا: لَوْ كَانَ تَحْتَ الْمُخَرَّقِ لِفَافَةٌ. لَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. لَكِنْ لَمْ يَدْخُلْ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَنَصَّ عَلَيْهِ. وَقِيلَ: يَجُوزُ وَيَأْتِي آخِرَ الْبَابِ: هَلْ الْخُفُّ الْفَوْقَانِيُّ وَالتَّحْتَانِيُّ كُلٌّ مِنْهُمَا بَدَلٌ مُسْتَقِلٌّ عَنْ الْغَسْلِ أَمْ لَا؟ فَائِدَةٌ: قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: لَوْ لَبِسَ عِمَامَةً فَوْقَ عِمَامَةٍ لِحَاجَةٍ كَبُرُودَةٍ وَغَيْرِهَا قَبْلَ حَدَثِهِ، وَقَبْلَ مَسْحِ السُّفْلَى بِهِ: مَسَحَ الْعُلْيَا الَّتِي بِصِفَةِ السُّفْلَى، وَإِلَّا فَلَا، كَمَا لَوْ تَرَكَ فَوْقَهَا مِنْدِيلًا أَوْ نَحْوَهُ. تَنْبِيهٌ: قَدْ يُقَالُ: ظَاهِرُ قَوْلِ {وَيَمْسَحُ أَعْلَى الْخُفِّ} أَنَّهُ يَمْسَحُ جَمِيعَ أَعْلَاهُ وَهُوَ مُشْطُ الْقَدَمِ إلَى الْعُرْقُوبِ، وَهُوَ وَجْهٌ لِبَعْضِ الْأَصْحَابِ: اخْتَارَهُ الشِّيرَازِيُّ، وَقَدَّمَهُ الزَّرْكَشِيُّ، وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ الْوَاجِبَ مَسْحُ أَكْثَرِ أَعْلَى الْخُفِّ. وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي التَّلْخِيصِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَغَيْرِهِمْ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَغَيْرُهُمْ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ: وَيَحْتَمِلُهُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ أَيْضًا. وَقِيلَ: يَمْسَحُ عَلَى قَدْرِ النَّاصِيَةِ مِنْ الرَّأْسِ، اخْتَارَهُ ابْنُ الْبَنَّا. وَقِيلَ: إنَّ هَذَا الْقَوْلَ هُوَ الْمَذْهَبُ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ، وَقِيلَ: يُجْزِئُ مَسْحُ قَدْرِ أَرْبَعِ أَصَابِعَ، فَأَكْثَرَ. وَقَالَ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ فِي رُءُوسِ مَسَائِلِهِ: الْعَدَدُ الَّذِي يُجْزِئُ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ: ثَلَاثُ أَصَابِعَ، عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ. وَرَأَيْت شَيْخَنَا مَائِلًا إلَى هَذَا؛ لِأَنَّ أَحْمَدَ رَجَعَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، وَفِي مَسْحِ الرَّأْسِ، إلَى الْأَحَادِيثِ انْتَهَى. قَالَ ابْنُ رَجَبٍ فِي الطَّبَقَاتِ: وَهُوَ غَرِيبٌ جِدًّا. تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ {دُونَ أَسْفَلِهِ وَعَقِبِهِ} يَعْنِي لَا يَمْسَحُهُمَا. بَلْ وَلَا يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، نَصَّ
عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ. فَائِدَةٌ: لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى مَسْحِ الْأَسْفَلِ وَالْعَقِبِ: لَمْ يُجْزِهِ، قَوْلًا وَاحِدًا. وَلَا يُسَنُّ اسْتِيعَابُهُ، وَلَا تَكْرَارُ مَسْحِهِ. وَيُكْرَهُ غَسْلُهُ. وَيُجْزِي عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ وَغَيْرُهُ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَبَالَغَ الْقَاضِي، فَقَالَ: بِعَدَمِ الْإِجْزَاءِ مَعَ الْغَسْلِ، لِعُدُولِهِ عَنْ الْمَأْمُورِ. وَتَوَقَّفَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي ذَلِكَ. فَائِدَتَانِ إحْدَاهُمَا: صِفَةُ الْمَسْحِ الْمَسْنُونِ: أَنْ يَضَعَ يَدَيْهِ مُفَرَّجَتَيْ الْأَصَابِعِ عَلَى أَطْرَافِ أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ، ثُمَّ يُمِرَّهُمَا إلَى سَاقَيْهِ مَرَّةً وَاحِدَةً الْيُمْنَى وَالْيُسْرَى: وَقَالَ فِي التَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ: وَيُسَنُّ تَقْدِيمُ الْيُمْنَى. وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ: أَنَّهُ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ «مَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ مَسْحَةً وَاحِدَةً كَأَنِّي أَنْظُرُ إلَى أَصَابِعِهِ عَلَى الْخُفَّيْنِ» وَظَاهِرُ هَذَا: أَنَّهُ لَمْ يُقَدِّمْ إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى. وَكَيْفَمَا مَسَحَ أَجْزَأَهُ. وَالثَّانِيَةُ: حُكْمُ مَسْحِ الْخُفِّ بِإِصْبَعٍ أَوْ حَائِلٍ كَالْخِرْقَةِ وَنَحْوِهَا وَغَسْلُهُ: حُكْمُ مَسْحِ الرَّأْسِ فِي ذَلِكَ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ هُنَاكَ. وَيُكْرَهُ غَسْلُ الْخُفِّ وَتَكْرَارُ مَسْحِهِ وَتَقَدَّمَ. قَوْلُهُ {وَيَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْعِمَامَةِ الْمُحَنَّكَةِ، إذَا كَانَتْ سَاتِرَةً لِجَمِيعِ الرَّأْسِ، إلَّا مَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِكَشْفِهِ} وَهَذَا الْمَذْهَبُ بِشَرْطِهِ. لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا. وَهُوَ مِنْ مُفْرَدَاتِ الْمُذْهَبِ. وَذَكَرَ الطُّوفِيُّ فِي شَرْحِ الْخِرَقِيِّ وَجْهًا بِاشْتِرَاطِ الذُّؤَابَةِ، مَعَ التَّحْنِيكِ عَلَى مَا يَأْتِي. قَوْلُهُ {وَلَا يَجُوزُ عَلَى غَيْرِ الْمُحَنَّكَةِ، إلَّا أَنْ تَكُونَ ذَاتَ ذُؤَابَةٍ فَيَجُوزَ} .
فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَشَرْحِ أَبِي الْبَقَاءِ، وَالْمُغْنِي، وَالْكَافِي، وَالْهَادِي، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ [وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَشَرْحِ الْهِدَايَة لِلْمَجْدِ، وَشَرْحِ الْخِرَقِيِّ لِلطُّوفِيِّ، وَشَرْحِ ابْنِ مُنَجَّا، وَشَرْحِ الْعُمْدَةِ لِلشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ] وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَابْنُ تَمِيمٍ. أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهَا. وَهُوَ الْمَذْهَبُ. جَزَمَ بِهِ فِي الْعُمْدَةِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ، وَالتَّسْهِيلِ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ، وَابْنُ الزَّاغُونِيِّ، وَالْمُصَنِّفُ، وَهُوَ مُقْتَضَى اخْتِيَارِ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى. فَإِنَّهُ اخْتَارَ جَوَازَ الْمَسْحِ عَلَى الْعِمَامَةِ الصَّمَّاءِ. فَذَاتُ الذُّؤَابَةِ أَوْلَى بِالْجَوَازِ وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهَا، جَزَمَ بِهِ فِي الْإِيضَاحِ، وَالْوَجِيزِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي مَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُبْهِجِ، وَابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ. فَإِنَّهُمْ قَالُوا " مُحَنَّكَةً " وَصَحَّحَهُ فِي تَصْحِيحِ الْمُحَرَّرِ. قَالَ فِي الشَّرْحِ: وَهُوَ أَظْهَرُ، وَقَدَّمَهُ فِي إدْرَاكِ الْغَايَةِ. وَقَالَ فِي الْفَائِقِ: وَفِي اشْتِرَاطِهِ التَّحْنِيكَ وَجْهَانِ. اشْتَرَطَهُ ابْنُ حَامِدٍ. وَأَلْغَاهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَابْنُ الزَّاغُونِيِّ، وَشَيْخُنَا. وَخَرَجَ مِنْ الْقَلَانِسِ. وَقِيلَ: الذُّؤَابَةُ كَافِيَةٌ. وَقِيلَ بِعَدَمِهِ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ. انْتَهَى. فَائِدَةٌ: ذَكَرَ الطُّوفِيُّ فِي شَرْحِ الْخِرَقِيِّ: أَنَّ الْعِمَامَةَ إذَا كَانَتْ مُحَنَّكَةً وَلَيْسَ لَهَا ذُؤَابَةٌ كَذَاتِ الذُّؤَابَةِ بِلَا حَنْكٍ فِي الْخِلَافِ، وَرَجَّحَ جَوَازَ الْمَسْحِ عَلَيْهَا قُلْت: الْخِلَافُ فِي اشْتِرَاطِ الذُّؤَابَةِ مَعَ التَّحْنِيكِ ضَعِيفٌ. قَلَّ مَنْ ذَكَرَهُ وَالْمَذْهَبُ جَوَازُ الْمَسْحِ عَلَى الْمُحَنَّكَةِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ بِذُؤَابَةٍ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، كَمَا تَقَدَّمَ. وَأَمَّا الْعِمَامَةُ الصَّمَّاءُ، وَهِيَ الَّتِي لَا حَنَكَ لَهَا وَلَا ذُؤَابَةَ: فَجَزَمَ الْمُصَنِّفُ هُنَا بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهَا. وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ بِهِ أَكْثَرُهُمْ. وَذَكَرَ ابْنُ شِهَابٍ وَجَمَاعَةٌ أَنَّ فِيهَا وَجْهَيْنِ كَذَاتِ الذُّؤَابَةِ. وَقَالُوا: لَمْ يُفَرِّقْ
أَحْمَدُ. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْمُفْرَدَاتِ: وَهُوَ مَذْهَبُهُ، وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَغَيْرُهُ جَوَازَ الْمَسْحِ. وَقَالَ: هِيَ الْقَلَانِسُ. قَوْلُهُ {وَيُجْزِيهِ مَسْحُ أَكْثَرِهَا} . هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ وَجَزَمَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ. وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ إلَّا مَسْحُ جَمِيعِهَا، وَهُوَ رِوَايَةٌ، وَاخْتَارَهُ أَبُو حَفْصٍ الْبَرْمَكِيُّ. وَقَالَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ: الْخِلَافُ هُنَا مَبْنِيٌّ عَلَى الْخِلَافِ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ. قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: وَإِنْ قُلْنَا يُجْزِئُ أَكْثَرُ الرَّأْسِ وَقَدْرُ النَّاصِيَةِ: أَجْزَأَ مِثْلُهُ فِي الْعِمَامَةِ وَجْهًا وَاحِدًا، بَلْ أَوْلَى. انْتَهَى. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَقِيلَ يُجْزِي مَسْحُ وَسَطِ الْعِمَامَةِ وَحْدَهُ. وَعَنْهُ يَجِبُ أَيْضًا مَسْحُ مَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِكَشْفِهِ مَعَ مَسْحِ الْعِمَامَةِ، وَعَنْهُ وَالْأُذُنَيْنِ أَيْضًا. فَائِدَةٌ: لَا يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ الْمَسْحُ عَلَى الْعِمَامَةِ، وَلَوْ لَبِسَتْهَا لِلضَّرُورَةِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، جَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ. وَقِيلَ: تَمْسَحُ عَلَيْهَا مَعَ الضَّرُورَةِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ. وَقَالَ: وَإِنْ قِيلَ يُكْرَهُ التَّشَبُّهُ، تَوَجَّهَ خِلَافٌ، كَصَمَّاءَ. قَالَ: وَمِثْلُ الْحَاجَةِ: لَوْ لَبِسَ مُحْرِمٌ خُفَّيْنِ لِحَاجَةٍ، هَلْ يَمْسَحُ؟ انْتَهَى. قَوْلُهُ {وَيَمْسَحُ عَلَى جَمِيعِ الْجَبِيرَةِ إذَا لَمْ يَتَجَاوَزْ قَدْرَ الْحَاجَةِ} . اعْلَمْ أَنَّ الصَّحِيحَ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يُجْزِي الْمَسْحُ عَلَى الْجَبِيرَةِ مِنْ غَيْرِ تَيَمُّمٍ بِشَرْطِهِ. وَيُصَلِّي مِنْ غَيْرِ إعَادَةٍ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَغَيْرِهِ: لَا يَجْمَعُ فِي الْجَبِيرَةِ بَيْنَ الْمَسْحِ وَالتَّيَمُّمِ، قَوْلًا وَاحِدًا، وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: يَمْسَحُ عَلَى جَبِيرَةِ الْكَسْرِ. وَلَا يَمْسَحُ عَلَى الصُّوفِ، بَلْ يَتَيَمَّمُ إنْ خَافَ نَزْعَهُ. وَعَنْهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يُعِيدَ كُلَّ صَلَاةٍ صَلَّاهَا بِهِ. حَكَاهَا فِي الْمُبْهِجِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَحَكَى ابْنُ أَبِي مُوسَى، وَابْنُ عَبْدُوسٍ، وَغَيْرُهُمَا: رِوَايَةً بِوُجُوبِ الْإِعَادَةِ. لَكِنَّهُمْ بَنَوْهَا عَلَى مَا إذَا لَمْ يَتَطَهَّرْ، وَقُلْنَا بِالِاشْتِرَاطِ. قَالَ: وَاَلَّذِي يَظْهَرُ لِي عِنْدَ التَّحْقِيقِ:
أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِخِلَافٍ، كَمَا سَيَأْتِي. انْتَهَى. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَقِيلَ: إنْ قُلْنَا الطَّهَارَةُ قَبْلَهَا شَرْطٌ أَعَادَ وَإِلَّا فَلَا. انْتَهَى. وَعَنْهُ يَلْزَمُهُ التَّيَمُّمُ مَعَ الْمَسْحِ. فَعَلَيْهَا لَا يَمْسَحُ الْجَبِيرَةَ بِالتُّرَابِ. فَلَوْ عَمَّتْ الْجَبِيرَةُ مَحَلَّ التَّيَمُّمِ سَقَطَ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، جَزَمَ بِهِ الزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَالْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِمَا. وَقِيلَ: يُعِيدُ إذَنْ. وَقِيلَ: هَلْ يَقَعُ التَّيَمُّمُ عَلَى حَائِلٍ فِي مَحَلِّهِ كَمَسْحِهِ بِالْمَاءِ، أَمْ لَا؛ لِضَعْفِ التُّرَابِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَتَقَدَّمَ نَظِيرُهُمَا فِيمَا إذَا اشْتَرَطْنَا الطَّهَارَةَ، وَخَافَ مِنْ نَزْعِهَا وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ يَمْسَحُ عَلَى الْجَبِيرَةِ إلَى حَلِّهَا، وَأَنَّ الْمَسْحَ عَلَيْهَا لَا يَتَقَيَّدُ بِالْوَقْتِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، قَوْلُهُ {إذَا لَمْ يَتَجَاوَزْ قَدْرَ الْحَاجَةِ} . هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ. قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: وَقَدْ يَتَجَاوَزُهَا إلَى جُرْحٍ، أَوْ وَرَمٍ، أَوْ شَيْءٍ يُرْجَى بِهِ الْبُرْءُ أَوْ سُرْعَتُهُ. وَقَدْ يُضْطَرُّ إلَى الْجَبْرِ بِعَظْمٍ يَكْفِيهِ أَصْغَرُ مِنْهُ، لَكِنْ لَا يَجِدُ سِوَاهُ، وَلَا مَا يُجْبَرُ بِهِ. انْتَهَى. وَنَقَلَ الْمُصَنِّفُ وَمَنْ تَبِعَهُ عَنْ الْخَلَّالِ، أَنَّهُ قَالَ: لَا بَأْسَ بِالْمَسْحِ عَلَى الْعَصَائِبِ كَيْفَمَا شَدَّهَا. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَلَيْسَ بِشَيْءٍ. فَائِدَةٌ: مُرَادُ الْخِرَقِيِّ بِقَوْلِهِ " وَإِذَا شَدَّ الْكَسِيرُ الْجَبَائِرَ وَكَانَ طَاهِرًا وَلَمْ يَعْدُ بِهَا مَوْضِعَ الْكَسْرِ " أَنْ يَتَجَاوَزَ بِهَا تَجَاوُزًا لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِهِ، فَإِنَّ الْجَبِيرَةَ إنَّمَا تُوضَعُ عَلَى طَرَفَيْ الصَّحِيحِ لِيَنْجَبِرَ الْكَسْرُ. قَالَهُ شُرَّاحُهُ. فَوَائِدُ: مِنْهَا: إذَا تَجَاوَزَ قَدْرَ الْحَاجَةِ وَجَبَ نَزْعُهُ إنْ لَمْ يَخَفْ التَّلَفَ. فَإِنْ خَافَ التَّلَفَ سَقَطَ عَنْهُ بِلَا نِزَاعٍ. وَكَذَا إنْ خَافَ الضَّرَرَ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَخَرَجَ مِنْ قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ " فِيمَنْ جَبَرَ كَسْرَهُ بِعَظْمٍ نَجِسٍ " عَدَمُ السُّقُوطِ هُنَا.
وَحَيْثُ قُلْنَا يَسْقُطُ النَّزْعُ فَإِنَّهُ يَمْسَحُ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ [وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَقَطَعُوا بِهِ، وَحَكَى الْقَاضِي وَجْهًا لَا يَمْسَحُ زِيَادَةً عَلَى مَوْضِعِ الْكَسْرِ، وَإِنْ كَانَ لِحَاجَةٍ. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَهُوَ بَعِيدٌ عَلَيْهَا يَتَيَمَّمُ لِلزَّائِدِ، وَلَا يُجْزِيهِ مَسْحُهُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ] وَالْمَشْهُورُ مِنْ الْوَجْهَيْنِ. وَقِيلَ: يُجْزِيهِ الْمَسْحُ أَيْضًا، اخْتَارَهُ الْخَلَّالُ، وَالْمَجْدُ، وَصَاحِبُ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ. وَقِيلَ. يَجْمَعُ فِيهِ بَيْنَ الْمَسْحِ وَالتَّيَمُّمِ. وَتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ فِيمَا إذَا قُلْنَا بِاشْتِرَاطِ الطَّهَارَةِ لِلْجَبِيرَةِ. وَخَافَ. وَمِنْهَا: لَوْ تَأَلَّمَتْ إصْبَعُهُ فَأَلْقَمَهَا مَرَارَةً، جَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهَا. قَالَهُ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ. وَمِنْهَا: لَوْ جَعَلَ فِي شِقِّ فَأْرٍ أَوْ نَحْوِهِ وَتَضَرَّرَ بِقَلْعِهِ. جَازَ لَهُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، جَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي، وَصَحَّحَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالنَّظْمِ، وَاخْتَارَهُ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ. وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَحَوَاشِي الْمُقْنِعِ. وَعَنْهُ لَيْسَ لَهُ الْمَسْحُ. بَلْ يَتَيَمَّمُ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالْفُرُوعِ، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يَغْسِلُهُ، وَلَا يُجْزِيهِ الْمَسْحُ. وَقَالَ الْقَاضِي: يَقْلَعُهُ، إلَّا أَنْ يَخَافَ تَلَفًا. فَيُصَلِّي وَيُعِيد. وَمِنْهَا: لَوْ انْقَطَعَ ظُفْرُهُ، أَوْ كَانَ بِإِصْبَعِهِ جُرْحٌ، أَوْ فَصَادٌ. وَخَافَ إنْ أَصَابَهُ أَنْ يَنْدَقَّ فِي الْجُرْحِ، أَوْ وَضَعَ دَوَاءً عَلَى جُرْحٍ، أَوْ وَجَعٍ وَنَحْوِهِ. جَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَالَ الْقَاضِي فِي اللُّصُوقِ عَلَى الْجُرُوحِ: إنْ لَمْ يَكُنْ فِي نَزْعِهِ ضَرَرٌ غَسَلَ الصَّحِيحَ وَتَيَمَّمَ لِلْجُرْحِ. وَيَمْسَحُ عَلَى مُوضِحِ الْجُرْحِ، وَإِنْ كَانَ فِي نَزْعِهِ ضَرَرٌ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْجَبِيرَةِ يَمْسَحُ عَلَيْهَا. وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: يَمْسَحُ عَلَى جَبِيرَةِ الْكَسْرِ، وَلَا يَمْسَحُ عَلَى لُصُوقٍ، بَلْ يَتَيَمَّمُ إلَّا إنْ خَافَ نَزْعَهُ، كَمَا تَقَدَّمَ عَنْهُ. وَمِنْهَا: الْجَبِيرَةُ النَّجِسَةُ كَجِلْدِ الْمَيْتَةِ، وَالْخِرَقُ النَّجِسَةُ، يَحْرُمُ الْجَبْرُ بِهَا وَالْمَسْحُ عَلَيْهَا بَاطِلٌ، وَالصَّلَاةُ فِيهَا بَاطِلَةٌ. كَالْخُفِّ النَّجِسِ. قَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ. وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ ابْنُ عُبَيْدَانَ، وَغَيْرُهُ. وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. وَقِيلَ: النَّجِسَةُ كَالطَّاهِرَةِ.
وَإِنْ كَانَتْ الْجَبِيرَةُ مِنْ حَرِيرٍ أَوْ غَصَبٍ فَفِي جَوَازِ الْمَسْحِ عَلَيْهَا احْتِمَالَانِ. أَحَدُهُمَا: لَا يَصِحُّ الْمَسْحُ عَلَيْهَا كَالْخُفِّ الْمَغْصُوبِ وَالْحَرِيرِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى: وَإِنْ شَدَّ جَبِيرَةً حَلَالًا مَسَحَ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى وَالِاحْتِمَالُ الثَّانِي: يَصِحُّ الْمَسْحُ عَلَيْهَا. وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ. قُلْت: الْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ عَلَى الْخِلَافِ هُنَا إذَا مَنَعْنَا مِنْ جَوَازِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ الْحَرِيرِ وَالْغَصْبِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ. وَإِلَّا حَيْثُ أَجَزْنَا هُنَاكَ فَهُنَا بِطَرِيقٍ أَوْلَى. قَوْلُهُ {وَمَتَى ظَهَرَ قَدَمُ الْمَاسِحِ وَرَأْسُهُ، أَوْ انْقَضَتْ مُدَّةُ الْمَسْحِ اسْتَأْنَفَ الطَّهَارَةَ} . هَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، قَالَ فِي الْكَافِي: بَطَلَتْ الطَّهَارَةُ فِي أَشْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ. قَالَ الشَّارِحُ: هَذَا الْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ. قَالَ فِي تَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ: هَذَا الْأَشْهَرُ، وَنَصَرَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ وَغَيْرِهِمَا، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِفَادَاتِ، وَالْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ، وَنَاظِمِ الْمُفْرَدَاتِ، وَعُقُودِ ابْنِ الْبَنَّا، وَالْعُمْدَةِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالنَّظْمِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَالْفَائِقِ، وَغَيْرُهُمْ. وَهُوَ مِنْ مُفْرَدَاتِ الْمَذْهَبِ. وَعَنْهُ يُجْزِيهِ مَسْحُ رَأْسِهِ وَغَسْلُ قَدَمَيْهِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: أَنَّ الطَّهَارَةَ لَا تَبْطُلُ كَإِزَالَةِ الشَّعْرِ الْمَمْسُوحِ عَلَيْهِ. تَنْبِيهٌ: اخْتَلَفَ الْأَصْحَابُ فِي مَبْنَى هَاتَيْنِ الرِّوَايَتَيْنِ عَلَى طُرُقٍ. فَقِيلَ: هُمَا مَبْنِيَّانِ عَلَى الْمُوَالَاةِ، اخْتَارَهُ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ. وَقَطَعَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّارِحُ، وَابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. فَعَلَى هَذَا: لَوْ حَصَلَ ذَلِكَ قَبْلَ فَوَاتِ الْمُوَالَاةِ، أَجْزَأَهُ مَسْحُ رَأْسِهِ وَغَسْلُ قَدَمَيْهِ، قَوْلًا وَاحِدًا، لِعَدَمِ الْإِخْلَالِ بِالْمُوَالَاةِ. وَقِيلَ: الْخِلَافُ هُنَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْمَسْحَ: هَلْ يَرْفَعُ الْحَدَثَ، أَمْ لَا؟ وَقَطَعَ
بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ الْقَاضِي أَبُو الْحُسَيْنِ، وَاخْتَارَهُ وَصَحَّحَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَصَاحِبُ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ. وَقَدَّمَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ. وَقَالَ: هُوَ وَأَبُو الْمَعَالِي وَحَفِيدُهُ: وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَسْحَ يَرْفَعُ الْحَدَثَ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، نَصَّ عَلَيْهِ وَجَزَمَ بِهِ فِي التَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَةِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَغَيْرُهُمْ. وَقِيلَ: لَا يَرْفَعُهُ وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ أَوَّلَ الْبَابِ. وَأَطْلَقَ الطَّرِيقَةَ ابْنُ تَمِيمٍ. وَقِيلَ: الْخِلَافُ مَبْنِيٌّ عَلَى غَسْلِ كُلِّ عُضْوٍ بِنِيَّةٍ وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي بَابِ الْوُضُوءِ فِي أَثْنَاءِ النِّيَّةِ. وَقِيلَ: الْخِلَافُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الطَّهَارَةَ لَا تَتَبَعَّضُ فِي النَّقْضِ، وَإِنْ تَبَعَّضَتْ فِي الثُّبُوتِ، كَالصَّلَاةِ، وَالصِّيَامِ، جَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي. وَقَالَ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ، وَاخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ فِي الِانْتِصَارِ وَيَأْتِي فِي آخِرِ نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ: هَلْ يَرْفَعُ الْحَدَثَ عَنْ الْعُضْوِ الَّذِي غُسِلَ قَبْلَ تَمَامِ الْوُضُوءِ أَمْ لَا؟ وَأَطْلَقَهُنَّ فِي الْفُرُوعِ. فَوَائِدُ مِنْهَا: إذَا حَدَثَ الْمُبْطِلُ فِي الصَّلَاةِ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمُتَيَمِّمِ إذَا قَدَرَ عَلَى الْمَاءِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ. وَغَيْرِهِمْ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَغَيْرُهُ. وَقِيلَ: حُكْمُهُ حُكْمُ مَنْ سَبَقَهُ الْحَدَثُ. اخْتَارَهُ السَّامِرِيُّ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ وَقُلْت: إنْ ارْتَفَعَ حَدَثُهُمْ بَنَوْا، وَإِلَّا اسْتَأْنَفُوا الْوُضُوءَ. وَخَرَّجَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ عَلَى مَا إذَا خَرَجَ الْوَقْتُ عَلَى الْمُتَيَمِّمِ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى مَا يَأْتِي بَعْدَ قَوْلِهِ " وَيَبْطُلُ التَّيَمُّمُ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ ". وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، وَكَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ: أَنَّهُ كَمَا لَوْ كَانَ خَارِجَ الصَّلَاةِ، نَظَرًا لِإِطْلَاقِهِمْ. وَمِنْهَا: لَوْ زَالَتْ الْجَبِيرَةُ فَهِيَ كَالْخُفِّ مُطْلَقًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ، خِلَافًا وَمَذْهَبًا.
وَقِيلَ: طَهَارَتُهُ بَاقِيَةٌ قَبْلَ الْبُرْءِ. وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ بَقَاءَهَا قَبْلَ الْبُرْءِ وَبَعْدَهُ كَإِزَالَةِ الشَّعْرِ. وَمِنْهَا: خُرُوجُ الْقَدَمِ أَوْ بَعْضِهِ إلَى سَاقِ الْخُفِّ كَخَلْعِهِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَنْهُ لَا، إنْ خَرَجَ بَعْضُهُ. قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ، تَبَعًا لِلْمَجْدِ: وَإِنْ أَخْرَجَ قَدَمَهُ أَوْ بَعْضَهُ إلَى سَاقِ الْخُفِّ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ الْمَشْيُ عَلَيْهِ، فَهُوَ كَالْخَلْعِ، نَصَّ عَلَيْهِ. وَعَنْهُ إنْ جَاوَزَ الْعَقِبُ حَدَّ مَوْضِعِ الْغَسْلِ: أَثَّرَ، وَدُونَهُ لَا يُؤَثِّرُ. وَعَنْهُ إنْ خَرَجَ الْقَدَمُ إلَى سَاقِ الْخُفَّيْنِ لَا يُؤَثِّرُ. قَالَ: وَحَكَى بَعْضُهُمْ فِي خُرُوجِ بَعْضِ الْقَدَمِ إلَى سَاقِ الْخُفِّ رِوَايَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ. وَمِنْهَا: لَوْ رَفَعَ الْعِمَامَةَ يَسِيرًا لَمْ يَضُرَّ. ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ. قَالَ أَحْمَدُ: إذَا زَالَتْ عَنْ رَأْسِهِ فَلَا بَأْسَ إذَا لَمْ يَفْحُشْ. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ، وَغَيْرُهُ: إذَا لَمْ يَرْفَعْهَا بِالْكُلِّيَّةِ لِأَنَّهُ مُعْتَادٌ، وَظَاهِرُ الْمُسْتَوْعِبِ: تَبْطُلُ بِظُهُورِ شَيْءٍ مِنْ رَأْسِهِ. فَإِنَّهُ قَالَ: وَإِذَا ظَهَرَ بِالْكُلِّيَّةِ بَعْضُ رَأْسِهِ أَوْ قَدَمِهِ بَطَلَتْ. وَقَالَ فِي مَكَان آخَرَ: فَإِنْ أَدْخَلَ يَدَهُ تَحْتَ الْحَائِلِ لِيَحُكَّ رَأْسَهُ، وَلَمْ يَظْهَرْ شَيْءٌ مِنْ الرَّأْسِ: لَمْ تَبْطُلْ الطَّهَارَةُ. وَمِنْهَا: لَوْ نَقَضَ جَمِيعَ الْعِمَامَةِ بَطَلَ وُضُوءُهُ. وَإِنْ نَقَضَ مِنْهَا كَوْرًا أَوْ كَوْرَيْنِ وَقِيلَ: أَوْ حَنَّكَهَا فَفِيهِ رِوَايَتَانِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَالْمُسْتَوْعِبِ وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَابْنُ تَمِيمٍ. إحْدَاهُمَا: يَبْطُلُ وَهُوَ الصَّحِيحُ، اخْتَارَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَابْنُ عَبْدِ الْقَوِيِّ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ. قَالَ فِي الْكُبْرَى: وَلَوْ انْتَقَضَ بَعْضُ عِمَامَتِهِ وَفَحُشَ. وَقِيلَ: وَلَوْ كُورًا تَبْطُلُ. وَالثَّانِيَةُ: لَا تَبْطُلُ. قُلْت: وَهُوَ أَوْلَى. وَقَدَّمَهَا ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ، وَقَالَ الْقَاضِي: لَوْ انْتَقَضَ مِنْهَا كُورٌ وَاحِدٌ بَطَلَتْ. فَائِدَتَانِ إحْدَاهُمَا: لَوْ نَزَعَ خُفًّا فَوْقَانِيًّا كَانَ قَدْ مَسَحَهُ فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ،
وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ: يَلْزَمُهُ نَزْعُ التَّحْتَانِيِّ. فَيَتَوَضَّأُ كَامِلًا، أَوْ يَغْسِلُ قَدَمَيْهِ، عَلَى الْخِلَافِ السَّابِقِ. وَعَنْهُ لَا يَلْزَمُهُ نَزْعُهُ، فَيَتَوَضَّأُ أَوْ يَمْسَحُ التَّحْتَانِيَّ مُفْرَدًا عَلَى الْخِلَافِ [اخْتَارَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى. لَكِنْ قَالَ: الْأَوْلَى] وَأَطْلَقَ الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْفُرُوعِ بَعْدَهُ، وَعَنْهُ. وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ، وَصَاحِبُ الْحَاوِيَيْنِ. الثَّانِيَةُ: اعْلَمْ أَنَّ كُلًّا مِنْ الْخُفِّ الْفَوْقَانِيِّ وَالتَّحْتَانِيِّ بَدَلٌ مُسْتَقِلٌّ عَنْ الْغَسْلِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: الْفَوْقَانِيُّ بَدَلٌ عَنْ الْغَسْلِ. وَالتَّحْتَانِيُّ كَلِفَافَةٍ. وَقِيلَ: الْفَوْقَانِيُّ بَدَلٌ عَنْ التَّحْتَانِيِّ، وَالتَّحْتَانِيُّ بَدَلٌ عَنْ الْقَدَمِ. وَقِيلَ: هُمَا كَظِهَارَةٍ وَبِطَانَةٍ. فَائِدَةٌ: قَوْلُهُ " وَلَا مَدْخَلَ لِحَائِلٍ فِي الطَّهَارَةِ الْكُبْرَى إلَّا الْجَبِيرَةُ " اعْلَمْ أَنَّ الْجَبِيرَةَ تُخَالِفُ الْخُفَّ فِي مَسَائِلَ عَدِيدَةٍ مِنْهَا: أَنَّا لَا نَشْتَرِطُ تَقَدُّمَ الطَّهَارَةِ لِجَوَازِ الْمَسْحِ عَلَيْهَا، عَلَى رِوَايَةٍ، اخْتَارَهَا الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ. وَهِيَ الْمُخْتَارُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، بِخِلَافِ جَوَازِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ. وَمِنْهَا: عَدَمُ التَّوْقِيتِ بِمُدَّةٍ كَمَا تَقَدَّمَ. وَمِنْهَا: وُجُوبُ الْمَسْحِ عَلَى جَمِيعِهَا. وَمِنْهَا: دُخُولُهَا فِي الطَّهَارَةِ الْكُبْرَى، كَمَا تَقَدَّمَ ذَلِكَ كُلُّهُ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ. وَمِنْهَا: أَنَّ شَدَّهَا مَخْصُوصٌ بِحَالِ الضَّرُورَةِ. وَمِنْهَا: أَنَّ الْمَسْحَ عَلَيْهَا عَزِيمَةٌ، بِخِلَافِ الْخُفِّ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ كَمَا تَقَدَّمَ. وَمِنْهَا: أَنَّهُ لَوْ لَبِسَ خُفًّا عَلَى طَهَارَةٍ مَسَحَ فِيهَا عَلَى الْجَبِيرَةِ: جَازَ لَهُ أَنْ يَمْسَحَ عَلَيْهِ عَلَى طَرِيقِهِ، وَلَوْ لَبِسَ الْخُفَّ عَلَى طَهَارَةٍ مَسَحَ فِيهَا عَلَى عِمَامَةٍ، أَوْ لَبِسَ عِمَامَةً عَلَى طَهَارَةٍ مَسَحَ فِيهَا عَلَى خُفٍّ: لَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ عِنْدَ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَى اشْتِرَاطِ جَوَازِ الْمَسْحِ عَلَى الْجَبِيرَةِ مُسْتَوْفًى. فَلْيُعَاوَدْ. وَمِنْهَا: أَنَّهُ يَجُوزُ الْمَسْحُ فِيهَا عَلَى الْخِرَقِ وَنَحْوِهَا بِخِلَافِ الْخُفِّ. قُلْت: وَفِي هَذَا نَظَرٌ ظَاهِرٌ.
باب نواقض الوضوء
وَمِنْهَا: أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي جَوَازِ الْمَسْحِ عَلَى الْجَبِيرَةِ سَتْرُ مَحَلِّ الْفَرْضِ إذَا لَمْ يَكُنْ ثَمَّ حَاجَةٌ، بِخِلَافِ الْخُفِّ. [وَمِنْهَا: أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ عَلَى صَاحِبِ الْجَبِيرَةِ الْمَسْحُ بِخِلَافِ الْخُفِّ] . وَمِنْهَا: أَنَّهُ يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْجَبِيرَةِ إذَا كَانَتْ مِنْ حَرِيرٍ وَنَحْوِهِ عَلَى رِوَايَةِ صِحَّةِ الصَّلَاةِ فِي ذَلِكَ، بِخِلَافِ الْخُفِّ عَلَى الْمُحَقَّقِ. قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ. وَمِنْهَا: أَنَّهُ يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْجَبِيرَةِ فِي سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ، وَلَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفِّ فِيهِ، عَلَى قَوْلٍ، وَتَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. فَهَذِهِ اثْنَتَا عَشْرَةَ مَسْأَلَةً قَدْ خَالَفَتْ الْجَبِيرَةُ فِيهَا الْخُفَّ فِي الْأَحْكَامِ، إلَّا أَنَّ بَعْضَهَا فِيهِ خِلَافٌ، بَعْضُهُ ضَعِيفٌ. وَمَرْجِعُ ذَلِكَ كُلِّهِ أَوْ مُعْظَمِهِ إلَى أَنَّ مَسْحَ الْجَبِيرَةِ عَزِيمَةٌ، وَمَسْحَ الْخُفِّ وَنَحْوِهِ رُخْصَةٌ. [بَابُ نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ] ِ فَائِدَتَانِ إحْدَاهُمَا: الْحَدَثُ يَحِلُّ جَمِيعَ الْبَدَنِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَأَبُو الْوَفَاءِ، وَأَبُو يَعْلَى الصَّغِيرُ، وَغَيْرُهُمْ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْفُرُوعِ. كَالْجَنَابَةِ، وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ وَجْهٌ: لَا يَحِلُّ إلَّا أَعْضَاءُ الْوُضُوءِ فَقَطْ. وَالثَّانِيَةُ: يَجِبُ الْوُضُوءُ بِالْحَدَثِ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَقَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ. وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي الِانْتِصَارِ: يَجِبُ بِإِرَادَةِ الصَّلَاةِ بَعْدَهُ. قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: لَا تَجِبُ الطَّهَارَةُ عَنْ حَدَثٍ وَنَجَسٍ قَبْلَ إرَادَةِ الصَّلَاةِ، بَلْ يُسْتَحَبُّ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَجِبُ بِدُخُولِ الْوَقْتِ كَوُجُوبِ الصَّلَاةِ إذَنْ. وَوُجُوبُ الشَّرْطِ بِوُجُوبِ الْمَشْرُوطِ. قَالَ: وَيَتَوَجَّهُ مِثْلُهُ فِي الْغُسْلِ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَالْخِلَافُ لَفْظِيٌّ.
قَوْلُهُ {وَهِيَ ثَمَانِيَةٌ: الْخَارِجُ مِنْ السَّبِيلَيْنِ: قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا، نَادِرًا أَوْ مُعْتَادًا} ، هَذَا الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ بِهِ أَكْثَرُهُمْ. وَقِيلَ: لَا يَنْقُضُ خُرُوجُ الرِّيحِ مِنْ الْقُبُلِ. وَقِيلَ: لَا يَنْقُضُ خُرُوجُ الرِّيحِ مِنْ الذَّكَرِ فَقَطْ. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْأَشْبَهُ بِمَذْهَبِنَا فِي الرِّيحِ يَخْرُجُ مِنْ الذَّكَرِ: أَنْ لَا يَنْقُضَ. قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحُسَيْنِ: هُوَ قِيَاسُ مَذْهَبِنَا. وَأَطْلَقَ فِي الْخَارِجِ مِنْ الْقُبُلِ فِي الرِّعَايَتَيْنِ الْوَجْهَيْنِ. فَوَائِدُ مِنْهَا: لَوْ قَطَرَ فِي إحْلِيلِهِ دُهْنًا ثُمَّ خَرَجَ: نَقَضَ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، جَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَابْنُ رَزِينٍ، وَصَحَّحَهُ فِي الشَّرْحِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ. وَقَدَّمَهُ ابْنُ عُبَيْدَانَ. وَقَالُوا: إنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ نَتَنٍ يَصْحَبُهُ. وَقَالَ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ: لَا يَنْقُضُ. قَالَ فِي الْحَاوِي الصَّغِيرِ: وَإِنْ خَرَجَ مَا قَطَرَهُ فِي إحْلِيلِهِ لَمْ يَنْقُضُ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الرِّعَايَتَيْنِ وَابْنُ تَمِيمٍ فِيمَا إذَا يَخْرُجُ مِنْهُ شَيْءٌ وَقَالَ: فِي نَجَاسَتِهِ وَجْهَانِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي نَجَاسَتِهِ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَاخْتَارَ إنْ خَرَجَ سَائِلًا بِبَلٍّ نَجِسٍ وَإِلَّا فَلَا. وَمِنْهَا: لَوْ احْتَشَى فِي قُبُلِهِ أَوْ دُبُرِهِ قُطْنًا أَوْ مِيلًا، ثُمَّ خَرَجَ وَعَلَيْهِ بَلَلٌ: نَقَضَ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: لَا يَنْقُضُ، وَإِنْ خَرَجَ نَاشِفًا، فَقِيلَ: لَا يَنْقُضُ، وَهُوَ ظَاهِرُ نَقْلِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَحْمَدَ. ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ، وَرَجَّحَهُ ابْنُ حَمْدَانَ وَقَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ. وَقِيلَ: يَنْقُضُ، رَجَّحَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَالْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ عَمَّا إذَا احْتَشَى قُطْنًا. وَقِيلَ: يَنْقُضُ إذَا خَرَجَتْ مِنْ الدُّبُرِ خَاصَّةً. ذَكَرَهُ الْقَاضِي. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ وَابْنُ تَمِيمٍ. وَمِنْهَا: إذَا خَرَجَتْ الْحُقْنَةُ مِنْ الْفَرْجِ نَقَضَتْ. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: نَقَضَتْ وَجْهًا وَاحِدًا قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: لَا يَخْتَلِفُ فِي ذَلِكَ الْمَذْهَبُ. وَهَكَذَا لَوْ وَطِئَ امْرَأَتَهُ دُونَ الْفَرْجِ
فَدَبَّ مَاؤُهُ. فَدَخَلَ الْفَرْجَ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْهُ نَقَضَ. وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهَا الْغُسْلُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: يَغْتَسِلُ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الْحُقْنَةِ أَوْ الْمَنِيِّ شَيْءٌ فَقِيلَ: يَنْقُضُ. وَقِيلَ: لَا يَنْقُضُ، لَكِنْ إنْ كَانَ الْمُحْتَقِنُ قَدْ أَدْخَلَ رَأْسَ الزَّرَّاقَةِ نَقَضَ. وَقَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي الْمَنِيِّ. وَالْحُقْنَةُ مِثْلُهُ. قُلْت: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَالْخِرَقِيِّ، وَغَيْرِهِمَا. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ. وَقِيلَ: يَنْقُضُ إذَا كَانَتْ الْحُقْنَةُ فِي الدُّبُرِ، دُونَ الْقُبُلِ، وَأَطْلَقَهُنَّ فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَحَوَاشِي الْمُقْنِعِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. وَمِنْهَا: لَوْ ظَهَرَتْ مَقْعَدَتُهُ فَعَلِمَ أَنَّ عَلَيْهَا بَلَلًا: لَمْ يَنْقُضْ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، نَصَّ عَلَيْهِ. وَقِيلَ: لَا يَنْقُضُ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَشَرْحِ ابْنِ عُبَيْدَانَ، وَإِنْ جَهِلَ أَنَّ عَلَيْهَا بَلَلًا لَمْ يُنْتَقَضْ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: يَنْقُضُ، وَجَزَمَ الزَّرْكَشِيُّ بِأَنَّهُ لَا يَنْقُضُ إذَا خَرَجَتْ مَقْعَدَتُهُ وَمَعَهَا بِلَّةٌ لَمْ تَنْفَصِلْ عَنْهَا ثُمَّ عَادَتْ. وَمِنْهَا: لَوْ ظَهَرَ طَرَفُ مُصْرَانٍ، أَوْ رَأْسُ دُودَةٍ: نَقَضَ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَقِيلَ: لَا يَنْقُضُ. وَمِنْهَا: لَوْ صَبَّ دُهْنًا فِي أُذُنِهِ فَوَصَلَ إلَى دِمَاغِهِ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا: لَمْ يَنْقُضْ. وَكَذَلِكَ لَوْ خَرَجَ مِنْ فَمِهِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِ الْأَصْحَابِ، قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: يَنْقُضُ. وَمِنْهَا: إذَا خَرَجَتْ الْحَصَاةُ مِنْ الدُّبُرِ، فَهِيَ نَجِسَةٌ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَقَالَ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ فِي مَسْأَلَةِ الْمَنِيِّ الْحَصَاةُ الْخَارِجَةُ مِنْ الدُّبُرِ طَاهِرَةٌ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ غَرِيبٌ بَعِيدٌ. تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ {قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا، نَادِرًا أَوْ مُعْتَادًا}
قَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ وَالْمُذْهَبِ وَالْمُسْتَوْعِبِ. وَالتَّلْخِيصِ، وَالرِّعَايَةِ وَغَيْرِهِمْ: طَاهِرًا كَانَ أَوْ نَجِسًا. فَائِدَةٌ: لَوْ خَرَجَ مِنْ أَحَدِ فَرْجَيْ الْخُنْثَى الْمُشْكِلِ غَيْرُ بَوْلٍ وَغَائِطٍ، وَكَانَ يَسِيرًا: لَمْ يَنْقُضْ عَلَى الْمَذْهَبِ، قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: لَمْ يَنْقُضْ فِي الْأَشْهَرِ. قَوْلُهُ {الثَّانِي: خُرُوجُ النَّجَاسَاتِ مِنْ سَائِرِ الْبَدَنِ} فَإِنْ كَانَتْ غَائِطًا أَوْ بَوْلًا نَقَضَ قَلِيلهَا. وَهَذَا الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا، أَعْنِي سَوَاءً كَانَ السَّبِيلَانِ مَفْتُوحَيْنِ أَوْ مَسْدُودَيْنِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْخَارِجُ مِنْ فَوْقِ الْمَعِدَةِ أَوْ مِنْ تَحْتِهَا وَتَقَدَّمَ فِي بَابِ الِاسْتِنْجَاءِ: أَنَّ ابْنَ عَقِيلٍ وَغَيْرَهُ قَالُوا: الْحُكْمُ مَنُوطٌ بِمَا تَحْتَ الْمَعِدَةِ. فَائِدَةٌ: لَوْ انْسَدَّ الْمَخْرَجُ وَفُتِحَ غَيْرُهُ. فَأَحْكَامُ الْمُخْرَجِ بَاقِيَةٌ مُطْلَقًا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ: إلَّا أَنْ يَكُونَ سُدَّ خِلْقَةً. فَسَبِيلُ الْحَدَثِ الْمُنْفَتِحِ وَالْمَسْدُودِ كَعُضْوٍ زَائِدٍ مِنْ الْخُنْثَى. انْتَهَى. وَلَا يَثْبُتُ لِلْمُنْفَتِحِ أَحْكَامُ الْمُعْتَادِ مُطْلَقًا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: يَنْقُضُ خُرُوجُ الرِّيحِ مِنْهُ، وَهُوَ مُخْرَجٌ لِلْمَجْدِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ بَقِيَّةُ الْأَحْكَامِ. وَتَقَدَّمَ حُكْمُ الِاسْتِنْجَاءِ فِيهِ فِي بَابِهِ. قَوْلُهُ {وَإِنْ كَانَتْ غَيْرُهَا: لَمْ يَنْقُضْ، إلَّا كَثِيرًا} هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَحَكَى أَنَّ قَلِيلَهَا يَنْقُضُ. وَهِيَ رِوَايَةٌ ذَكَرَهَا ابْنُ أَبِي مُوسَى وَغَيْرُهُ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي التَّلْخِيصِ وَالْبُلْغَةِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَصَاحِبُ الْفَائِقِ: لَا يَنْقُضُ الْكَثِيرُ مُطْلَقًا، وَاخْتَارَ الْآجُرِّيُّ: لَا يَنْقُضُ الْكَثِيرُ مِنْ غَيْرِ الْقَيْءِ. وَعَنْهُ: لَا يَنْقُضُ الْقَيْحُ وَالصَّدِيدُ وَالْمِدَّةُ، إذَا خَرَجَ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلِ وَلَوْ كَثُرَ. ذَكَرَهَا ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ. وَتَبِعَهُ الزَّرْكَشِيُّ. وَعَنْهُ: يَنْقُضُ كَثِيرُ الْقَيْءِ وَيَسِيرُهُ، طَعَامًا كَانَ، أَوْ دَمًا، أَوْ قَيْحًا، أَوْ دُودًا، أَوْ نَحْوَهُ. وَقِيلَ: إنْ
قَاءَ دَمًا أَوْ قَيْحًا: أُلْحِقَ بِدَمِ الْجُرُوحِ. ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي مُقْنِعِهِ. وَفِيهِ: لَا يَنْقُضُ الْقَيْحُ وَالصَّدِيدُ وَالْمِدَّةُ إذَا خَرَجَ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلِ وَلَوْ كَثُرَ. ذَكَرَهَا ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ. وَنَفَى هَذِهِ الرِّوَايَةَ الْمَجْدُ. وَالنَّقْضُ بِخُرُوجِ الدُّودِ وَالدَّمِ الْكَثِيرِ مِنْ السَّبِيلَيْنِ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، قَوْلُهُ {وَهُوَ مَا فَحُشَ فِي النَّفْسِ} كَذَا قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ. هَذَا تَفْسِيرُ لِحَدِّ الْكَثِيرِ. وَظَاهِرُ عِبَارَتِهِ: أَنَّ كُلَّ أَحَدٍ بِحَسَبِهِ، وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَاتِ عَنْ أَحْمَدَ. وَنَقَلَهَا الْجَمَاعَةُ. قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: هِيَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، قَالَ الْخَلَّالُ: الَّذِي اسْتَقَرَّتْ عَلَيْهِ الرِّوَايَاتُ عَنْ أَحْمَدَ: أَنَّ حَدَّ الْفَاحِشِ: مَا اسْتَفْحَشَهُ كُلُّ إنْسَانٍ فِي نَفْسِهِ. وَتَبِعَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ وَغَيْرُهُ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هُوَ الْمَشْهُورُ الْمَعْمُولُ عَلَيْهِ، وَاخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ. قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ مَا يَفْحُشُ فِي الْقَلْبِ وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَالزَّرْكَشِيُّ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ. نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ مَا فَحُشَ فِي نَفْسِ أَوْسَاطِ النَّاسِ. قَالَ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ: وَكَثِيرٌ نَجِسٌ عُرْفًا وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَغَيْرُهُمَا. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَجَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ. وَصَحَّحَهُ النَّاظِمُ. قَالَ فِي تَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ: هَذَا الْأَظْهَرُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي مَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَغَيْرِهِمْ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِيَيْنِ وَالْفَائِقِ. قُلْت: وَالنَّفْسُ تَمِيلُ إلَى ذَلِكَ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ. وَعَنْهُ الْكَثِيرُ قَدْرُ الْكَفِّ. وَعَنْهُ قَدْرُ عَشْرِ أَصَابِعَ. وَعَنْهُ هُوَ مَا لَوْ انْبَسَطَ جَامِدَةُ، أَوْ انْضَمَّ مُتَفَرِّقَةُ: كَانَ شِبْرًا فِي شِبْرٍ وَعَنْهُ هُوَ مَا لَا يُعْفَى عَنْهُ فِي الصَّلَاةِ. حَكَاهُنَّ فِي الرِّعَايَةِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَلَا عِبْرَةَ بِمَا قَطَعَ بِهِ ابْنُ عَبْدُوسٍ، وَحَكَاهُ عَنْ شَيْخِهِ: أَنَّ الْيَسِيرَ: قَطْرَتَانِ. وَيَأْتِي نَظِيرُ ذَلِكَ فِي بَابِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ.
فَوَائِدُ إحْدَاهَا: لَوْ مَصَّ الْعَلَقُ أَوْ الْقُرَادُ دَمًا كَثِيرًا: نَقَضَ الْوُضُوءَ. وَلَوْ مَصَّ الذُّبَابُ أَوْ الْبَعُوضُ: لَمْ يَنْقُضْ لِقِلَّتِهِ، وَمَشَقَّةِ الِاحْتِرَازِ مِنْهُ. ذَكَرَهُ أَبُو الْمَعَالِي. الثَّانِيَةُ: لَوْ شَرِبَ مَاءً وَقَذَفَهُ فِي الْحَالِ نَجُسَ وَنُقِضَ كَالْقَيْءِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ. مِنْهُمْ الْقَاضِي، وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَةِ وَغَيْرُهُمَا، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَوَجَّهَ تَخْرِيجًا وَاحْتِمَالًا أَنَّهُ كَالْقَيْءِ، بِشَرْطِ أَنْ يَتَغَيَّرَ. الثَّالِثَةُ: لَا يَنْقُضُ بَلْغَمُ الرَّأْسِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ لَا يَنْقُضُ بَلْغَمُ الصَّدْرِ أَيْضًا. وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَنَصَرَهُ أَبُو الْحُسَيْنِ وَغَيْرُهُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالْأَشْهَرُ طَهَارَةُ بَلْغَمِ الرَّأْسِ وَالصَّدْرِ ذَكَرَهُ فِي بَابِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ. وَقَدَّمَهُ ابْنُ عُبَيْدَانَ. وَعَنْهُ يَنْقُضُ، وَهُوَ نَجِسٌ وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ الْجَوْزِيِّ. وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ وَابْنُ حَمْدَانَ فِي رِعَايَتَيْهِ. قَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ: لَا يَنْقُضُ بَلْغَمٌ كَثِيرٌ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَعَنْهُ بَلَى. فَظَاهِرُهُ: إدْخَالُ بَلْغَمِ الرَّأْسِ فِي الْخِلَافِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ وَقِيلَ: الرِّوَايَتَانِ أَيْضًا فِي بَلْغَمِ الرَّأْسِ إذَا انْعَقَدَ وَازْرَقَّ. وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَلَا يَنْقُضُ بَلْغَمُ الرَّأْسِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَفِي بَلْغَمِ الصَّدْرِ رِوَايَتَانِ، إحْدَاهُمَا: لَا يَنْقُضُ. وَفِي نَجَاسَته وَجْهَانِ، وَالثَّانِيَةُ: هِيَ كَالْمَنِيِّ. وَفِي الرِّعَايَةِ قَرِيبٌ مِنْ ذَلِكَ. وَيَأْتِي حُكْمُ طَهَارَتِهِ وَنَجَاسَتِهِ فِي إزَالَةِ النَّجَاسَةِ بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا. قَوْلُهُ {الثَّالِثُ: زَوَالُ الْعَقْلِ إلَّا النَّوْمَ الْيَسِيرَ جَالِسًا أَوْ قَائِمًا} زَوَالُ الْعَقْلِ بِغَيْرِ النَّوْمِ لَا يَنْقُضُ إجْمَاعًا. وَيَنْقُضُ بِالنَّوْمِ فِي الْجُمْلَةِ نَصَّ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَنَقَلَ الْمَيْمُونِيُّ: لَا يَنْقُضُ النَّوْمُ بِحَالٍ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ إنْ ظَنَّ بَقَاءَ طُهْرِهِ، وَصَاحِبُ الْفَائِقِ. قَالَ الْخَلَّالُ: هَذِهِ الرِّوَايَةُ خَطَأٌ بَيِّنٌ. إذَا عَلِمَ ذَلِكَ: فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ نَوْمَ الْجَالِسِ لَا يَنْقُضُ يَسِيرُهُ،
وَيَنْقُضُ كَثِيرُهُ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَعَنْهُ يَنْقُضُ. وَعَنْهُ لَا يَنْقُضُ نَوْمُ الْجَالِسِ، وَلَوْ كَانَ كَثِيرًا، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. وَصَاحِبُ الْفَائِقِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَحُكِيَ عَنْهُ لَا يَنْقُضُ غَيْرُ نَوْمِ الْمُضْطَجِعِ. فَائِدَةٌ: يُسْتَثْنَى مِنْ النَّقْضِ بِالنَّوْمِ: نَوْمُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. فَإِنَّهُ لَا يَنْقُضُ وَلَوْ كَثُرَ، عَلَى أَيِّ حَالٍ كَانَ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ. ذَكَرُوهُ فِي خَصَائِصِهِ، فَيُعَايَى بِهَا وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ نَوْمَ الْقَائِمِ كَنَوْمِ الْجَالِسِ. فَلَا يَنْقُضُ الْيَسِيرُ مِنْهُ، نَصَّ عَلَيْهِ، قَالَ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ: الظَّاهِرُ عَنْ أَحْمَدَ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْجَالِسِ وَالْقَائِمِ. وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ. مِنْهُمْ الْخَلَّالُ، وَالْقَاضِي، وَالشَّرِيفُ، وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي خِلَافَيْهِمَا، وَالشِّيرَازِيُّ، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَابْنُ الْبَنَّا، وَابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَأَصْحَابُهُ، وَكَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِنَا. قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْكَافِي، الْأَوْلَى: إلْحَاقُ الْقَائِمِ بِالْجَالِسِ، وَقَطَعَ بِهِ الْخِرَقِيُّ، وَصَاحِبُ الْبُلْغَةِ، وَالْوَجِيزِ، وَالْمُذْهَبِ الْأَحْمَدِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَغَيْرِهِمْ، وَقَدَّمَهُ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالنَّظْمِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ. وَعَنْهُ يَنْقُضُ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَنْقُضْ مِنْ الْجَالِسِ قَدَّمَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالْفَائِقِ، وَابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالشَّرْحِ، وَالْفُرُوعِ. وَأَمَّا نَوْمُ الرَّاكِعِ وَالسَّاجِدِ، إذَا كَانَ يَسِيرًا: فَقَدَّمَ الْمُصَنِّفُ هُنَا أَنَّهُ يَنْقُضُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ عَلَى مَا اصْطَلَحْنَاهُ، اخْتَارَهُ الْخَلَّالُ، وَالْمُصَنِّفُ. قَالَ فِي الْكَافِي: الْأَوْلَى إلْحَاقُ الرَّاكِعِ وَالسَّاجِدِ بِالْمُضْطَجِعِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ، وَالْعُمْدَةِ، وَالتَّسْهِيلِ، وَالْمُنْتَخَبِ، وَغَيْرِهِمْ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفَائِقِ، وَابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ. وَعَنْهُ أَنَّ نَوْمَ الرَّاكِعِ وَالسَّاجِدِ: لَا يَنْقُضُ يَسِيرُهُ. وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ. مِنْهُمْ الْقَاضِي، وَالشَّرِيفُ، وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي خِلَافَيْهِمَا، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَالشِّيرَازِيُّ، وَابْنُ الْبَنَّا، وَابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ، وَغَيْرُهُمْ.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ وَكَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَقَدَّمَهُ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَالْمُذْهَبِ الْأَحْمَدِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ وَتَقَدَّمَ اخْتِيَارُ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ، وَصَاحِبِ الْفَائِقِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْفُرُوعِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَعَنْهُ لَا يَنْقُضُ نَوْمُ الْقَائِمِ وَالرَّاكِعِ. وَيَنْقُضُ نَوْمُ السَّاجِدِ. تَنْبِيهٌ: دَخَلَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: أَنَّ نَوْمَ الْمُسْتَنِدِ وَالْمُتَوَكِّئِ وَالْمُحْتَبِي الْيَسِيرِ: يَنْقُضُ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ. وَعَنْهُ لَا يَنْقُضُ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْحَاوِيَيْنِ. فَوَائِدُ إحْدَاهَا: الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَنَصَّ عَلَيْهِ: أَنَّ النَّوْمَ يَنْقُضُ بِشَرْطِهِ. وَعَنْهُ لَا يَنْقُضُ النَّوْمُ مُطْلَقًا، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ إنْ ظَنَّ بَقَاءَ طُهْرِهِ، وَاخْتَارَهُ فِي الْفَائِقِ. قَالَ الْخَلَّالُ عَنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ: وَهَذَا خَطَأٌ بَيِّنٌ. وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ. الثَّانِيَةُ: مِقْدَارُ النَّوْمِ الْيَسِيرِ: مَا عُدَّ يَسِيرًا فِي الْعُرْفِ عَلَى الصَّحِيحِ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَالْمُصَنِّفُ، وَالْمَجْدُ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَصَاحِبُ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَغَيْرُهُمْ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالزَّرْكَشِيُّ. وَقِيلَ: هُوَ مَا لَا يَتَغَيَّرُ عَنْ هَيْئَتِهِ كَسُقُوطِهِ وَنَحْوِهِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. وَقِيلَ: هُوَ ذَلِكَ مَعَ بَقَاءِ نَوْمِهِ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: قَدْرُ صَلَاةِ رَكْعَتَيْنِ يَسِيرٌ. وَعَنْهُ إنْ رَأَى رُؤْيَا فَهُوَ يَسِيرٌ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهِيَ أَظْهَرُ، الثَّالِثَةُ: حَيْثُ يَنْقُضُ النَّوْمُ. فَهُوَ مَظِنَّةٌ لِخُرُوجِ الْحَدَثِ، وَإِنْ كَانَ الْأَصْلُ
عَدَمَ خُرُوجِهِ وَبَقَاءَ الطَّهَارَةِ. وَحَكَى ابْنُ أَبِي مُوسَى فِي شَرْحِ الْخِرَقِيِّ وَجْهَانِ: النَّوْمُ نَفْسُهُ حَدَثٌ. لَكِنْ يُعْفَى عَنْ يَسِيرِهِ كَالدَّمِ وَنَحْوِهِ. قَوْلُهُ {الرَّابِعُ: مَسُّ الذَّكَرِ} الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ مَسَّ الذَّكَرِ يَنْقُضُ مُطْلَقًا. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ. وَعَنْهُ لَا يَنْقُضُ مَسُّهُ مُطْلَقًا. بَلْ يُسْتَحَبُّ الْوُضُوءُ مِنْهُ، اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي فَتَاوِيه. وَعَنْهُ لَا يَنْقُضُ مَسُّهُ سَهْوًا. وَعَنْهُ لَا يَنْقُضُ مَسُّهُ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ. وَعَنْهُ لَا يَنْقُضُ مَسُّ غَيْرِ الْحَشَفَةِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَهُوَ بَعِيدٌ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ: وَالْقَلَفَةُ كَالْحَشَفَةِ. وَحَكَى ابْنُ تَمِيمٍ وَجْهًا لَا يَنْقُضُ مَسُّ الْقَلَفَةِ. وَعَنْهُ لَا يَنْقُضُ غَيْرُ مَسِّ الثَّقْبِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ أَيْضًا: وَهُوَ بَعِيدٌ. وَعَنْهُ لَا يَنْقُضُ مَسُّ ذَكَرِ الْمَيِّتِ، وَالصَّغِيرِ، وَفَرْجِ الْمَيِّتَةِ. وَعَنْهُ لَا يَنْقُضُ مَسُّ ذَكَرِ الطِّفْلِ. ذَكَرَهُ الْآمِدِيُّ. وَقِيلَ: لَا يَنْقُضُ إنْ كَانَ عُمْرُهُ دُونَ سَبْعٍ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: مَسُّ الذَّكَرِ لِلَّذَّةِ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ، قَوْلًا وَاحِدًا. وَهَلْ يَنْقُضُ مَسُّهُ لِغَيْرِ لَذَّةٍ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. تَنْبِيهَاتٌ أَحَدُهَا: ظَاهِرُ قَوْلِهِ " مَسُّ الذَّكَرِ بِيَدِهِ " إنَّ الْمُمَاسَّةَ تَكُونُ مِنْ غَيْرِ حَائِلٍ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَقَالَ: يَنْقُضُ إذَا مَسَّهُ بِشَهْوَةٍ مِنْ وَرَاءِ حَائِلٍ. الثَّانِي: مَفْهُومُ قَوْلِهِ " مَسُّ الذَّكَرِ " عَدَمُ النَّقْضِ بِغَيْرِ الْمَسِّ. فَلَا يَنْقُضُ بِانْتِشَارِهِ بِنَظَرٍ، أَوْ فِكْرٍ مِنْ غَيْرِ مَسٍّ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَقِيلَ: يَنْقُضُ بِذَلِكَ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفَائِقِ. وَقِيلَ: يَنْقُضُ بِتَكْرَارِ النَّظَرِ دُونَ دَوَامِ الْفِكْرِ. الثَّالِثُ: شَمِلَ قَوْلُهُ " مَسُّ الذَّكَرِ " ذَكَرَ نَفْسِهِ، وَذَكَرَ غَيْرِهِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ.
وَهُوَ الْمَذْهَبُ، نَصَّ عَلَيْهِ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَحَكَى ابْنُ الزَّاغُونِيِّ رِوَايَةً بِاخْتِصَاصِ النَّقْضِ بِمَسِّ ذَكَرِ نَفْسِهِ. الرَّابِعُ: وَشَمِلَ قَوْلُهُ أَيْضًا: الذَّكَرَ الصَّحِيحَ وَالْأَشَلَّ. وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَقِيلَ: مَسُّ الذَّكَرِ الْأَشَلِّ كَمَسِّ ذَكَرٍ زَائِدٍ. فَلَا يَنْقُضُ فِي الْأَصَحِّ، الْخَامِسُ: مُرَادُهُ بِالذَّكَرِ " ذَكَرُ الْآدَمِيِّ " فَالْأَلِفُ وَاللَّامُ لِلْعَهْدِ. فَلَا يَنْقُضُ مَسُّ ذَكَرِ غَيْرِهِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ وَقَطَعُوا بِهِ، وَفِي مَسِّ فَرْجِ الْبَهِيمَةِ احْتِمَالٌ بِالنَّقْضِ. ذَكَرَهُ أَبُو الْفَرَجِ ابْنُ أَبِي الْفَهْمِ، شَيْخُ ابْنِ تَمِيمٍ. السَّادِسُ: ظَاهِرُ قَوْلِهِ " بِيَدِهِ " أَنَّهُ سَوَاءٌ كَانَ الْمَسُّ بِأَصْلِيٍّ أَوْ زَائِدٍ، كَالْإِصْبَعِ وَالْيَدِ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَعَنْهُ لَا يَنْقُضُ مَسُّهُ بِزَائِدٍ. السَّابِعُ: مُرَادُهُ بِقَوْلِهِ " بِيَدِهِ " غَيْرُ الظُّفْرِ. فَإِنْ مَسَّهُ بِالظُّفْرِ لَمْ يَنْقُضْ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ: هُوَ فِي حُكْمِ الْمُنْفَصِلِ، هَذَا جَادَّةُ الْمَذْهَبِ، قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: اللَّمْسُ بِالظُّفْرِ كَلَمْسِهِ يَعْنِي مِنْ الْمَرْأَةِ عَلَى مَا يَأْتِي. قَالَ: وَهُوَ مُتَّجِهٌ، وَقِيلَ: يَنْقُضُ اللَّمْسُ بِهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا. الثَّامِنُ: مَفْهُومُ قَوْلِهِ " بِيَدِهِ " أَنَّهُ لَوْ مَسَّهُ بِغَيْرِ يَدِهِ لَا يَنْقُضُ. وَفِيهِ تَفْصِيلٌ. فَإِنَّهُ تَارَةً يَمَسُّهُ بِفَرْجٍ غَيْرِ ذَكَرٍ. وَتَارَةً يَمَسُّهُ بِغَيْرِهِ. فَإِنْ مَسَّهُ بِفَرْجٍ غَيْرِ ذَكَرٍ: نَقَضَ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. قَالَ الْمَجْدُ: اخْتَارَهُ أَصْحَابُنَا، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ، وَاخْتَارَ الْأَكْثَرُ: يَنْقُضُ مَسُّهُ بِفَرْجٍ. وَالْمُرَادُ: لَا ذَكَرُهُ بِذَكَرِ غَيْرِهِ، وَصَرَّحَ بِهِ أَبُو الْمَعَالِي. انْتَهَى. وَقِيلَ: لَا يَنْقُضُ، اخْتَارَهُ بَعْضُ الْأَصْحَابِ، وَهُوَ احْتِمَالٌ لِلْمَجْدِ فِي شَرْحِهِ، وَهُوَ مَفْهُومُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا، وَإِنْ مَسَّهُ بِغَيْرِ ذَلِكَ لَمْ يَنْقُضْ، قَوْلًا وَاحِدًا، وَيَأْتِي: لَوْ مَسَّتْ الْمَرْأَةُ فَرْجَ الرَّجُلِ أَوْ عَكْسَهُ. هَلْ هُوَ مِنْ قَبِيلِ مَسِّ الْفَرْجِ، أَوْ مَسِّ النِّسَاءِ؟
التَّاسِعُ: ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَنْقُضُ غَيْرُ مَسِّ الذَّكَرِ، فَلَا يَنْقُضُ لَمْسُ مَا انْفَتَحَ فَوْقَ الْمَعِدَةِ، أَوْ تَحْتَهَا مَعَ بَقَاءِ الْمَخْرَجِ وَعَدَمِهِ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: إنْ انْسَدَّ الْمَخْرَجُ الْمُعْتَادُ وَانْفَتَحَ غَيْرُهُ نَقَضَ فِي الْأَضْعَفِ، قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ. قَوْلُهُ {بِبَطْنِ كَفِّهِ أَوْ بِظَهْرِهِ} وَهَذَا الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ. وَالنَّقْضُ بِظَاهِرِ الْكَفِّ مِنْ مُفْرَدَاتِ الْمُذْهَبِ. وَعَنْهُ لَا نَقْضَ إلَّا إذَا مَسَّهُ بِكَفِّهِ فَقَطْ، اخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ. وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَابْنُ تَمِيمٍ. فَعَلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ النَّقْضِ بِظَهْرِ يَدِهِ: فَفِي نَقْضِهِ بِحَرْفِ كَفِّهِ وَجْهَانِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ. وَالزَّرْكَشِيُّ. قُلْت: الْأَوْلَى النَّقْضُ، وَهُوَ ظَاهِرُ النَّصِّ، قَوْلُهُ {وَلَا يَنْقُضُ مَسُّهُ بِذِرَاعِهِ} وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَعَنْهُ يَنْقُضُ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ. وَحَكَاهُمَا فِي التَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ وَجْهَيْنِ. قَوْلُهُ {وَفِي مَسِّ الذَّكَرِ الْمَقْطُوعِ وَجْهَانِ} . وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْهَادِي، وَالْمُغْنِي، وَالْكَافِي، وَالشَّرْحِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ عَبْدُوسٍ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَابْنُ مُنَجَّا، وَالزَّرْكَشِيُّ فِي شُرُوحِهِمْ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَالْفُرُوعِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ. أَحَدُهُمَا: لَا يَنْقُضُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ. قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: عَدَمُ النَّقْضِ أَقْوَى. وَصَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ. قَالَ فِي إدْرَاكِ الْغَايَةِ: يَنْقُضُ مَسُّهُ وَلَوْ مُنْفَصِلًا فِي وَجْهٍ.
وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَنِهَايَةِ ابْنِ رَزِينٍ، وَالْمُنْتَخَبِ. فَقَالُوا: يَنْقُضُ مَسُّ الذَّكَرِ الْمُتَّصِلِ وَقَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ. وَالثَّانِي: يَنْقُضُ، وَجَزَمَ بِهِ الشِّيرَازِيُّ. تَنْبِيهٌ: حَكَى الْخِلَافَ وَجْهَيْنِ كَمَا حَكَاهُ الْمُصَنِّفُ جَمَاعَةٌ، مِنْهُمْ: صَاحِبُ الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْمُغْنِي، وَالْهَادِي، وَالْكَافِي، وَالْمُحَرَّرِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالشَّرْحِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَغَيْرُهُمْ. وَحَكَاهُ رِوَايَتَيْنِ فِي التَّلْخِيصِ، وَالْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ وَغَيْرِهِمْ، وَهُوَ الْأَصَحُّ. فَوَائِدُ الْأُولَى: مُرَادُهُ بِالْمَقْطُوعِ: الْبَائِنُ. وَاعْلَمْ أَنَّ حُكْمَ الْبَاقِي مِنْ أَصْلِ الْمَقْطُوعِ، حُكْمُ الْبَائِنِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْخِلَافِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَذَكَرَ الْأَزَجِيُّ، وَأَبُو الْمَعَالِي: يَنْقُضُ مَحَلُّ الذَّكَرِ. قَالَ الْأَزَجِيُّ فِي نِهَايَتِهِ: لَوْ جَبَّ الذَّكَرَ فَمَسَّ مَحَلَّ الْجَبِّ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ، وَإِنْ لَمْ يَبْقَ مِنْهُ شَيْءٌ شَاخِصٌ وَاكْتَسَى بِالْجِلْدِ؛ لِأَنَّهُ قَامَ مَقَامَ الذَّكَرِ. وَقَدَّمَهُ ابْنُ عُبَيْدَانَ. الثَّانِيَةُ: لَا يَنْقُضُ مَسُّ الْغُلْفَةِ إذَا قُطِعَتْ، لِزَوَالِ الِاسْمِ وَالْحُرْمَةِ، وَلَا مَسُّ عُضْوٍ مَقْطُوعٍ مِنْ امْرَأَةٍ. قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ. ثُمَّ قَالَ: قُلْت غَيْرَ فَرْجِهَا. الثَّالِثَةُ: حَيْثُ قُلْنَا: يَنْقُضُ مَسُّ الذَّكَرِ: لَا يَنْقُضُ وُضُوءُ الْمَلْمُوسِ رِوَايَةً وَاحِدَةً، حَكَاهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ. قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ وَغَيْرِهِمْ. قَالَ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ: وَجَعَلَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، بِنَاءً عَلَى ذِكْرِ أَبِي الْخَطَّابِ لَهُ فِي أُصُولِ مَسِّ الْخُنْثَى. وَادَّعَى أَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي جَعْلِهِ مِنْ أُصُولِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، إلَّا أَنْ تَكُونَ الرِّوَايَتَانِ فِي الْمَلْمُوسِ ذَكَرُهُ كَمَا هِيَ فِي مُلَامَسَةِ النِّسَاءِ. وَرَدَّهُ الْمَجْدُ. وَبَيَّنَ فَسَادَهُ.
وَيَأْتِي ذَلِكَ بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا بَعْدَ نَقْضِ وُضُوءِ الْمَلْمُوسِ. قَوْلُهُ {وَإِذَا لَمَسَ قُبُلَ الْخُنْثَى الْمُشْكِلِ وَذَكَرَهُ: انْتَقَضَ وُضُوءُهُ فَإِنْ مَسَّ أَحَدَهُمَا لَمْ يَنْتَقِضْ إلَّا أَنْ يَمَسَّ الرَّجُلُ ذَكَرَهُ لِشَهْوَةٍ} قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي الْهِدَايَةِ: إذَا مَسَّ قُبُلَ الْخُنْثَى: انْبَنَى لَنَا عَلَى أَرْبَعَةِ أُصُولٍ أَحَدُهَا: مَسُّ الذَّكَرِ. وَالثَّانِي: مَسُّ النِّسَاءِ. وَالثَّالِثُ: مَسُّ الْمَرْأَةِ فَرْجَهَا. وَالرَّابِعُ: هَلْ يُنْتَقَضُ وُضُوءُ الْمَلْمُوسِ أَمْ لَا؟ . قُلْت: وَتَحْرِيرُ ذَلِكَ: أَنَّهُ مَتَى وُجِدَ فِي حَقِّهِ مَا يَحْتَمِلُ النَّقْضَ وَعَدَمَهُ. تَمَسَّكْنَا بِيَقِينِ الطَّهَارَةِ، وَلَمْ نُزِلْهَا بِالشَّكِّ. وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّمْسَ يَخْتَلِفُ. هَلْ هُوَ لِلْفَرْجَيْنِ أَوْ لِأَحَدِهِمَا؟ وَهَلْ هُوَ مِنْ الْخُنْثَى نَفْسِهِ، أَوْ مِنْ غَيْرِهِ، أَوْ مِنْهُمَا؟ وَهَلْ الْغَيْرُ ذَكَرٌ، أَوْ أُنْثَى، أَوْ خُنْثَى؟ وَاللَّمْسُ مِنْهُمْ هَلْ هُوَ لِشَهْوَةٍ، أَوْ لِغَيْرِهَا؟ مِنْهُمَا، أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا؟ فَتَلَخَّصَ هُنَا اثْنَانِ وَسَبْعُونَ صُورَةً؛ لِأَنَّهُ تَارَةً يَمَسُّ رَجُلٌ ذَكَرَهُ. وَامْرَأَةٌ قُبُلَهُ أَوْ عَكْسَهُ، لِشَهْوَةٍ مِنْهُمَا، أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا، أَوْ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ مِنْهُمَا. وَتَارَةً تَمَسُّ امْرَأَةٌ قُبُلَهُ، أَوْ خُنْثَى آخَرُ ذَكَرَهُ، أَوْ عَكْسَهُ، لِشَهْوَةٍ مِنْهُمَا، أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا، أَوْ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ مِنْهُمَا. وَتَارَةً يَمَسُّ رَجُلٌ ذَكَرَهُ، وَخُنْثَى آخَرُ قُبُلَهُ، أَوْ عَكْسَهُ، لِشَهْوَةٍ مِنْهُمَا، أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا، أَوْ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ مِنْهُمَا. وَتَارَةً يَمَسُّ الْخُنْثَى ذَكَرَ نَفْسِهِ. وَيَمَسُّ الذَّكَرَ أَيْضًا رَجُلٌ أَوْ امْرَأَةٌ، أَوْ خُنْثَى آخَرُ، لِشَهْوَةٍ أَوْ غَيْرِهَا وَتَارَةً يَمَسُّ الْخُنْثَى قُبُلَ نَفْسِهِ، وَيَمَسُّ الْقُبُلَ أَيْضًا رَجُلٌ أَوْ امْرَأَةٌ. أَوْ خُنْثَى آخَرُ لِشَهْوَةٍ أَوْ غَيْرِهَا.
وَتَارَةً يَمَسُّ الْخُنْثَى ذَكَرَ نَفْسِهِ، أَوْ يَمَسُّ رَجُلٌ أَوْ امْرَأَةٌ أَوْ خُنْثَى قُبُلَهُ، لِشَهْوَةٍ أَوْ غَيْرِهَا. وَتَارَةً يَمَسُّ الْخُنْثَى قُبُلَ نَفْسِهِ. وَيَمَسُّ رَجُلٌ أَوْ امْرَأَةٌ أَوْ خُنْثَى آخَرُ ذَكَرَهُ، لِشَهْوَةٍ أَوْ غَيْرِهَا. وَتَارَةً يَمَسُّ الْخُنْثَى قُبُلَ نَفْسِهِ أَوْ ذَكَرَ نَفْسِهِ، وَيَمَسُّ رَجُلٌ أَوْ امْرَأَةٌ أَوْ خُنْثَى فَرْجَيْهِ جَمِيعًا، لِشَهْوَةٍ أَوْ غَيْرِهَا. وَتَارَةً يَمَسُّ رَجُلٌ فَرْجَيْهِ، وَامْرَأَةٌ أَحَدَهُمَا، أَوْ عَكْسَهُ، أَوْ يَمَسُّ رَجُلٌ فَرْجَيْهِ وَخُنْثَى آخَرُ أَحَدَهُمَا أَوْ عَكْسَهُ، أَوْ تَمَسُّ امْرَأَةٌ فَرْجَيْهِ، وَخُنْثَى آخَرُ أَحَدَهُمَا أَوْ عَكْسَهُ فَهَذِهِ اثْنَتَانِ وَسَبْعُونَ صُورَةً يَحْصُلُ النَّقْضُ فِي مَسَائِلَ مِنْهَا. فَمِنْهَا: إذَا لَمَسَ فَرْجَيْهِ، سَوَاءٌ كَانَ اللَّامِسُ رَجُلًا، أَوْ امْرَأَةً، أَوْ خُنْثَى آخَرَ، أَوْ هُوَ نَفْسُهُ. وَمِنْهَا: إذَا مَسَّ الرَّجُلُ ذَكَرَهُ لِشَهْوَةٍ. كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمُصَنِّفُ هُنَا. وَمِنْهَا: إذَا لَمَسَتْ امْرَأَةٌ قُبُلَهُ بِشَهْوَةٍ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ. وَمَفْهُومُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا عَدَمُ النَّقْضِ، وَهُوَ وَجْهٌ. فَهَذِهِ سِتُّ مَسَائِلَ. وَأَمَّا الْخُنْثَى نَفْسُهُ: فَيُتَصَوَّرُ نَقْضُ وُضُوئِهِ إذَا قُلْنَا بِنَقْضِ وُضُوءِ الْمَلْمُوسِ فِي صُوَرٍ. مِنْهَا: إذَا لَمَسَ رَجُلٌ ذَكَرَهُ وَامْرَأَةٌ قُبُلَهُ، أَوْ عَكْسَهُ لِشَهْوَةٍ مِنْهَا. وَمِنْهَا: لَوْ لَمَسَ الرَّجُلُ ذَكَرَهُ لِشَهْوَةٍ، وَمَسَّهُ الْخُنْثَى نَفْسُهُ أَيْضًا. وَمِنْهَا: لَوْ لَمَسَ الْخُنْثَى ذَكَرَ نَفْسِهِ، وَلَمَسَ رَجُلٌ قُبُلَهُ لِشَهْوَةٍ. وَمِنْهَا: لَوْ لَمَسَ الْخُنْثَى قُبُلَ نَفْسِهِ، وَلَمَسَتْ امْرَأَةٌ قُبُلَهُ أَيْضًا لِشَهْوَةٍ. وَمِنْهَا: لَوْ لَمَسَ الْخُنْثَى قُبُلَ نَفْسِهِ، وَلَمَسَتْ امْرَأَةٌ ذَكَرَهُ لِشَهْوَةٍ. وَمِنْهَا: لَوْ لَمَسَ الْخُنْثَى ذَكَرَ نَفْسِهِ، وَلَمَسَ رَجُلٌ فَرْجَيْهِ جَمِيعًا لِشَهْوَةٍ.
وَمِنْهَا: لَوْ لَمَسَ الْخُنْثَى قُبُلَ نَفْسِهِ، وَلَمَسَتْ امْرَأَةٌ فَرْجَيْهِ جَمِيعًا لِشَهْوَةٍ. فَهَذِهِ ثَمَانُ مَسَائِلَ. وَيُتَصَوَّرُ نَقْضُ وُضُوءِ أَحَدِهِمَا لَا بِعَيْنِهِ فِي مَسَائِلَ. مِنْهَا: لَوْ مَسَّ رَجُلٌ ذَكَرَهُ وَامْرَأَةٌ قُبُلَهُ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ مِنْهَا. وَمِنْهَا: لَوْ مَسَّ رَجُلٌ قُبُلَهُ وَامْرَأَةٌ ذَكَرَهُ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ، أَوْ شَهْوَةٍ مِنْهُمَا، أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا؛ لِأَنَّهُ قَدْ مَسَّ فَرْجًا أَصْلِيًّا. وَمِنْهَا: لَوْ مَسَّتْ امْرَأَةٌ ذَكَرَهُ وَخُنْثَى آخَرُ قُبُلَهُ. فَقَدْ مَسَّ أَحَدُهُمَا فَرْجَهُ الْأَصْلِيَّ يَقِينًا. وَمِنْهَا: لَوْ مَسَّ رَجُلٌ قُبُلَهُ، وَخُنْثَى آخَرُ ذَكَرَهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ وُجِدَ مِنْ أَحَدِهِمَا مَسُّ فَرْجٍ أَصْلِيٍّ. وَمِنْهَا: لَوْ مَسَّ الْخُنْثَى ذَكَرَ نَفْسِهِ، وَامْرَأَةٌ قُبُلَهُ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ؛ لِأَنَّهُ إمَّا رَجُلٌ لَمَسَ ذَكَرَهُ، أَوْ امْرَأَةٌ لَمَسَتْ امْرَأَةٌ فَرْجَهَا. وَمِنْهَا: لَوْ مَسَّ الْخُنْثَى قُبُلَ نَفْسِهِ، وَرَجُلٌ ذَكَرَهُ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ؛ لِأَنَّهُ إمَّا رَجُلٌ لَمَسَ رَجُلٌ ذَكَرَهُ، أَوْ امْرَأَةٌ مَسَّتْ فَرْجَهَا. وَمِنْهَا: لَوْ مَسَّ الْخُنْثَى قُبُلَ نَفْسِهِ، وَامْرَأَةٌ ذَكَرَهُ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ وَمِنْهَا: لَوْ مَسَّ الْخُنْثَى قُبُلَ نَفْسِهِ، وَخُنْثَى آخَرُ لِشَهْوَةٍ أَوْ غَيْرِهَا. وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. وَالْحُكْمُ فِي ذَلِكَ: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يَقْتَدِيَ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ، لِتَيَقُّنِ زَوَالِ طُهْرِ أَحَدِهِمَا لَا بِعَيْنِهِ. هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ. وَعَنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الْوُضُوءِ عَلَيْهِمَا. تَنْبِيهٌ: هَذَا كُلُّهُ إذَا وُجِدَ اللَّمْسُ مِنْ اثْنَيْنِ. أَمَّا إنْ وُجِدَ مِنْ وَاحِدٍ: فَإِنْ مَسَّ أَحَدُهُمَا لَمْ يُنْتَقَضْ إلَّا أَنْ يَمَسَّ مَا لَهُ مِنْهُ بِشَهْوَةٍ، وَإِنْ مَسَّهُمَا جَمِيعًا اُنْتُقِضَ، سَوَاءٌ كَانَ اللَّامِسُ ذَكَرًا، أَوْ أُنْثَى، أَوْ خُنْثَى، أَوْ هُوَ لِشَهْوَةٍ أَوْ غَيْرِهَا. فَهَذِهِ اثْنَتَا عَشَرَ مَسْأَلَةً. فَائِدَةٌ: لَوْ لَمَسَ رَجُلٌ ذَكَرَ خُنْثَى، وَلَمَسَ الْخُنْثَى ذَكَرَ الرَّجُلِ: اُنْتُقِضَ وُضُوءُ الْخُنْثَى. وَيُنْتَقَضُ وُضُوءُ الرَّجُلِ، إنْ وُجِدَ مِنْهُمَا أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا شَهْوَةٌ، وَإِلَّا فَلَا.
وَلَوْ لَمَسَ الْخُنْثَى فَرْجَ امْرَأَةٍ، وَلَمَسَتْ امْرَأَةٌ قُبُلَهُ: اُنْتُقِضَ وُضُوءُهُمَا، إنْ كَانَ لِشَهْوَةٍ مِنْهُمَا أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا. وَلَوْ لَمَسَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْخُنْثَيَيْنِ ذَكَرَ الْآخَرِ أَوْ قُبُلَهُ فَلَا نَقْضَ فِي حَقِّهِمَا. فَإِنْ مَسَّ أَحَدُهُمَا ذَكَرَ الْآخَرِ وَالْآخَرُ قُبُلَ الْأَوَّلِ: اُنْتُقِضَ وُضُوءُ أَحَدِهِمَا لَا بِعَيْنِهِ. إنْ كَانَ لِشَهْوَةٍ وَإِلَّا فَلَا. فَيُلْحَقُ حُكْمُهُ بِمَا قَبْلَهُ. وَإِذَا تَوَضَّأَ الْخُنْثَى وَلَمَسَ أَحَدَ فَرْجَيْهِ وَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أَحْدَثَ وَتَطَهَّرَ، وَلَمَسَ الْآخَرَ وَصَلَّى الْعَصْرَ، أَوْ فَاتَتْهُ: لَزِمَهُ إعَادَتُهُمَا دُونَ الْوُضُوءِ. قُلْت: فَيُعَايَى بِهَا. قَوْلُهُ {وَفِي مَسِّ الدُّبُرِ وَمَسِّ الْمَرْأَةِ فَرْجَهَا رِوَايَتَانِ} يَعْنِي: عَلَى الْقَوْلِ يَنْقُضُ مَسُّ الذَّكَرِ. أَمَّا مَسُّ حَلْقَةِ الدُّبُرِ: فَأَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ الرِّوَايَتَيْنِ فِيهِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُغْنِي، وَالْكَافِي، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالشَّرْحِ، وَالنَّظْمِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَالزَّرْكَشِيُّ. إحْدَاهُمَا: يَنْقُضُ. وَهِيَ الْمَذْهَبُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: يَنْقُضُ عَلَى الْأَصَحِّ: قَالَ فِي النِّهَايَةِ: وَهِيَ أَصَحُّ، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَهِيَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، وَاخْتِيَارِ الْأَكْثَرِينَ: الشَّرِيفِ، وَأَبِي الْخَطَّابِ، وَالشِّيرَازِيِّ، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَابْنُ الْبَنَّا، وَابْنُ عَبْدُوسٍ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْمَذْهَبِ الْأَحْمَدِ، وَالْهِدَايَةِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالْفَائِقِ. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَا يَنْقُضُ: قَالَ الْخَلَّالُ: الْعَمَلُ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْأَشْبَهُ فِي قَوْلِهِ وَحُجَّتِهِ. قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: لَا يَنْقُضُ فِي أَقْوَى الرِّوَايَتَيْنِ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهِيَ أَظْهَرُ، وَاخْتَارَهَا جَمَاعَةٌ، مِنْهُمْ: الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ، وَصَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ. فَإِنَّهُمَا مَا ذَكَرَا إلَّا الذَّكَرَ. وَأَمَّا مَسُّ الْمَرْأَةِ فَرْجَهَا: فَأَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ فِيهِ الرِّوَايَتَيْنِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُغْنِي،
وَالْكَافِي، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالشَّرْحِ، وَالنَّظْمِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَالزَّرْكَشِيُّ. إحْدَاهُمَا: يَنْقُضُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: يَنْقُضُ عَلَى الْأَصَحِّ، قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: هَذِهِ الرِّوَايَةُ هِيَ الصَّحِيحَةُ، وَصَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ وَقَطَعَ بِهِ فِي النِّهَايَةِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَابْنُ تَمِيمٍ. وَالثَّانِيَةُ: لَا يَنْقُضُ كَإِسْكَتَيْهَا. قَالَ ابْنُ عُبَيْدَانَ: وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ فِي الْمُغْنِي عَدَمُ النَّقْضِ. قُلْت: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ. تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ: أَنَّهُ سَوَاءٌ كَانَ الْمَلْمُوسُ فَرْجَهَا، أَوْ فَرْجَ غَيْرِهَا. وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَقَالَ فِي التَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ: يَنْقُضُ مَسُّ فَرْجِ الْمَرْأَةِ، وَفِي مَسِّهَا فَرْجَ نَفْسِهَا وَجْهَانِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَفِيهِ نَظَرٌ. انْتَهَى. قُلْت: لَوْ قِيلَ بِالْعَكْسِ لَكَانَ أَوْجَهَ قِيَاسًا عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا ابْنُ الزَّاغُونِيِّ فِي مَسِّ ذَكَرِ غَيْرِهِ. فَائِدَتَانِ إحْدَاهُمَا: قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ: أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ لِلنَّقْضِ بِذَلِكَ الشَّهْوَةُ. وَهُوَ مُفَرَّعٌ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَاشْتَرَطَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى، وَهُوَ جَارٍ عَلَى الرِّوَايَةِ الضَّعِيفَةِ. الثَّانِيَةُ: هَلْ مَسُّ الرَّجُلِ فَرْجَ الْمَرْأَةِ، أَوْ مَسُّ الْمَرْأَةِ فَرْجَ الرَّجُلِ: مِنْ قَبِيلِ مَسِّ النِّسَاءِ، أَوْ مِنْ قَبِيلِ مَسِّ الْفَرْجِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، حَكَاهُمَا الْقَاضِي فِي شَرْحِهِ. وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَالرِّعَايَةُ، وَغَيْرُهُمْ، وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ لَمْسِ الْفَرْجِ. فَلَا يُشْتَرَطُ لِذَلِكَ شَهْوَةٌ. قَالَ فِي النُّكَتِ: وَهُوَ الْأَظْهَرُ، وَإِنْ قُلْنَا: هُوَ مِنْ قَبِيلِ مَسِّ النِّسَاءِ: اُشْتُرِطَ الشَّهْوَةُ عَلَى الصَّحِيحِ عَلَى مَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ {الْخَامِسُ: أَنْ تَمَسَّ بَشَرَتُهُ بَشَرَةَ أُنْثَى لِشَهْوَةٍ} هَذَا الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَعَنْهُ لَا يَنْقُضُ مُطْلَقًا، اخْتَارَهُ الْآجُرِّيُّ وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي فَتَاوِيهِ، وَصَاحِبُ الْفَائِقِ، وَلَوْ بَاشَرَ مُبَاشَرَةً فَاحِشَةً. وَقِيلَ: إنْ انْتَشَرَ نَقَضَ، وَإِلَّا فَلَا. وَعَنْهُ يَنْقُضُ مُطْلَقًا. وَحُكِيَ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: أَنَّهُ رَجَعَ عَنْهَا. وَأَطْلَقَهُنَّ فِي الْمُسْتَوْعِبِ. فَائِدَتَانِ إحْدَاهُمَا: حَيْثُ قُلْنَا لَا يَنْقُضُ مَسُّ الْأُنْثَى: اُسْتُحِبَّ الْوُضُوءُ مُطْلَقًا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: يُسْتَحَبُّ إنْ لَمَسَهَا لِشَهْوَةٍ، وَإِلَّا فَلَا. الثَّانِيَةُ: حُكْمُ مَسِّ الْمَرْأَةِ بَشَرَةَ الرَّجُلِ: حُكْمُ مَسِّ الرَّجُلِ بَشَرَةَ الْمَرْأَةِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقَطَعَ بِهِ الْأَكْثَرُ. وَعَنْهُ لَا يَنْقُضُ مَسُّ الْمَرْأَةِ لِلرَّجُلِ، وَإِنْ قُلْنَا: يَنْقُضُ لَمْسُهُ لَهَا. وَهِيَ ظَاهِرُ الْمُغْنِي. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْكَافِي. وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَابْنُ تَمِيمٍ. تَنْبِيهَانِ أَحَدُهُمَا: مَفْهُومُ كَلَامِهِ أَنَّ مَسَّ الرَّجُلِ لِلرَّجُلِ، وَمَسَّ الْمَرْأَةِ لِلْمَرْأَةِ: لَا يَنْقُضُ. وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَقِيلَ: يَنْقُضُ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ. فَيَنْقُضُ مَسُّ أَحَدِهِمَا لِلْخُنْثَى، وَمَسُّهُ لَهَا. وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ. وَخَرَّجَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ النَّقْضَ بِمَسِّ الْمَرْأَةِ الْمَرْأَةَ لِشَهْوَةِ السِّحَاقِ. الثَّانِي: دَخَلَ فِي عُمُومِ كَلَامِهِ الْمَيْتَةُ: وَالصَّغِيرَةُ، وَالْعَجُوزُ، وَذَاتُ الْمَحْرَمِ. فَهُنَّ كَالشَّابَّةِ الْحَيَّةِ الْأَجْنَبِيَّةِ. أَمَّا الْمَيْتَةُ: فَهِيَ كَالْحَيَّةِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، جَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ،
وَالتَّلْخِيصِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَابْنُ عَبْدُوسٍ الْمُتَقَدِّمُ، وَابْنُ الْبَنَّا وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. وَهُوَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ، وَالْكَافِي، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِمْ. وَقِيلَ: لَا يَنْقُضُ لَمْسُهَا، اخْتَارَهُ الْمَجْدُ، وَالشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُذْهَبِ، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ. وَأَمَّا الصَّغِيرَةُ: فَهِيَ كَالْكَبِيرَةِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَالْمُغْنِي، وَالْكَافِي، وَالشَّرْحِ، وَابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالشَّرْحِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَغَيْرُهُمْ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. وَقِيلَ: لَا يَنْقُضُ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى. وَهُوَ ظَاهِرُ الْوَجِيزِ: وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَصَرَّحَ الْمَجْدُ. أَنَّهُ لَا يَنْقُضُ لَمْسُ الطِّفْلَةِ، وَإِنَّمَا يَنْقُضُ لَمْسُ الَّتِي تُشْتَهَى. قُلْت: لَعَلَّهُ مُرَادُ مَنْ أَطْلَقَ: وَأَمَّا الْعَجُوزُ: فَهِيَ كَالشَّابَّةِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالْمُغْنِي، وَالْكَافِي، وَالتَّلْخِيصِ، وَالشَّرْحِ، وَابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَصَحَّحَهُ النَّاظِمُ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ عُبَيْدَانَ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. وَقِيلَ: لَا يَنْقُضُ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ. وَحَكَاهُمَا رِوَايَتَيْنِ ابْنُ عُبَيْدَانَ وَغَيْرُهُ. فَائِدَةٌ: قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، قُلْت: لَوْ لَمَسَ شَيْخٌ كَبِيرٌ لَا شَهْوَةَ لَهُ مَنْ لَهَا شَهْوَةٌ: احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ. انْتَهَى. قُلْت: الصَّوَابُ نَقْضُ وُضُوئِهَا إنْ حَصَلَ لَهَا شَهْوَةٌ، لَا نَقْضُ وُضُوئِهِ مُطْلَقًا. وَأَمَّا ذَاتُ الْمَحْرَمِ: فَهِيَ كَالْأَجْنَبِيَّةِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْمُغْنِي، وَالْكَافِي وَابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ،
وَالزَّرْكَشِيُّ، وَغَيْرُهُمْ، وَصَحَّحَهُ النَّاظِمُ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ عُبَيْدَانَ، وَالرِّعَايَةُ الْكُبْرَى. وَقِيلَ: لَا يَنْقُضُ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ. وَحَكَاهُمَا ابْنُ عُبَيْدَانَ وَغَيْرُهُ رِوَايَتَيْنِ، فَائِدَةٌ: قَدَّمَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى إلْحَاقَ الْأَرْبَعَةِ بِغَيْرِهِنَّ عَلَى رِوَايَةِ النَّقْضِ بِشَهْوَةٍ. وَقَدَّمَ عَلَى رِوَايَةِ النَّقْضِ مُطْلَقًا عَدَمَ الْإِلْحَاقِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى فِي الثَّانِي. فَائِدَةٌ: لَمْسُ الْمَرْأَةِ مِنْ وَرَاءِ حَائِلٍ لِشَهْوَةٍ لَا يَنْقُضُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَعَنْهُ بَلَى. قَالَ الْقَاضِي فِي مُقْنِعِهِ: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ النَّقْضُ، إذَا كَانَ لِشَهْوَةٍ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ عَنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ: وَهُوَ بَعِيدٌ. تَنْبِيهٌ: شَمِلَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ " أَنْ تَمَسَّ بَشَرَتُهُ بَشَرَةَ أُنْثَى " الْمَسُّ بِخِلْقَةٍ زَائِدَةٍ مِنْ اللَّامِسِ أَوْ الْمَلْمُوسِ، كَالْيَدِ وَالرِّجْلِ، وَالْإِصْبَعِ. وَهُوَ صَحِيحٌ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَقِيلَ: لَا يَنْقُضُ الْمَسُّ بِزَائِدٍ، وَلَا مَسُّ الزَّائِدِ. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَنْقُضَ عَلَى مَا وَقَعَ لِي؛ لِأَنَّ الزَّائِدَ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمُ الْأَصْلِ. بِدَلِيلِ مَا لَوْ مَسَّ الذَّكَرَ الزَّائِدَ. فَإِنَّهُ لَا يَنْقُضُ. كَذَا هَاهُنَا. قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ. وَقِيلَ: لَا يَنْقُضُ مَسُّ أَصْلِيٍّ بِزَائِدٍ، بِخِلَافِ الْعَكْسِ. وَشَمِلَ كَلَامُهُ أَيْضًا: اللَّمْسَ بِيَدٍ شَلَّاءَ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ وَعَلَيْهِ الْجُمْهُور وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَغَيْرُهُمْ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ. وَقِيلَ: لَا يَنْقُضُ. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ كَالشَّعْرِ. لِأَنَّهَا لَا رُوحَ فِيهَا. وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ، وَالْحَاوِيَيْنِ. وَقِيلَ: لَا يَنْقُضُ مَسُّ أَصْلِيٍّ بِأَشَلَّ، بِخِلَافِ الْعَكْسِ. قَوْلُهُ {وَلَا يَنْقُضُ لَمْسُ الشَّعْرِ وَالسِّنِّ وَالظُّفْرِ} وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ. وَقِيلَ: يَنْقُضُ.
قَوْلُهُ {وَالْأَمْرَدُ} يَعْنِي أَنَّهُ لَا يَنْقُضُ لَمْسُهُ، وَلَوْ كَانَ لِشَهْوَةٍ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ نَصَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ. وَقَطَعَ بِهِ أَكْثَرُ الْمُتَقَدِّمِينَ. وَخَرَّجَ أَبُو الْخَطَّابِ رِوَايَةً بِالنَّقْضِ إذَا كَانَ بِشَهْوَةٍ. وَحَكَاهَا ابْنُ تَمِيمٍ وَجْهًا، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ. وَحَكَاهُ فِي الْإِيضَاحِ رِوَايَةً، قَالَ ابْنُ رَجَبٍ فِي الطَّبَقَاتِ: وَهُوَ غَرِيبٌ. قَالَ ابْنُ عُبَيْدَانَ: وَهَذَا قَوْلٌ مُتَوَجِّهٌ. وَنَصَرَهُ. قُلْت: وَلَيْسَ بِبَعِيدٍ وَتَقَدَّمَ قَوْلُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ: أَنَّهُ يَنْقُضُ مَسُّ الرَّجُلِ الرَّجُلَ، وَمَسُّ الْمَرْأَةِ الْمَرْأَةَ لِشَهْوَةٍ. فَهُنَا بِطَرِيقٍ أَوْلَى. قَوْلُهُ {وَفِي نَقْضِ وُضُوءِ الْمَلْمُوسِ رِوَايَتَانِ} وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْكَافِي، وَالْمَذْهَبِ الْأَحْمَدِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ. إحْدَاهُمَا: لَا يَنْقُضُ، وَإِنْ اُنْتُقِضَ وُضُوءُ اللَّامِسِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: لَا يَنْقُضُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَصَحَّحَهُ الْمَجْدُ، وَالْأَزَجِيُّ فِي النِّهَايَةِ، وَابْنُ هُبَيْرَةَ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَصَاحِبُ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالتَّصْحِيحِ، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: يَنْقُضُ وَضُوءُهُ أَيْضًا، صَحَّحَهُ ابْنُ عَقِيلٍ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: اخْتَارَهَا ابْنُ عَبْدُوسٍ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِفَادَاتِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي، وَابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ. وَحَكَى الْقَاضِي فِي شَرْحِ الْمُذْهَبِ إنْ كَانَ الْمَلْمُوسُ رَجُلًا، اُنْتُقِضَ طُهْرُهُ رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ، وَقِيلَ: يَنْقُضُ وُضُوءَ الْمَرْأَةِ وَحْدَهَا. وَقِيلَ: مَعَ الشَّهْوَةِ مِنْهَا. تَنْبِيهٌ: مَحَلُّ الْخِلَافِ فِي الْمَلْمُوسِ، إذَا قُلْنَا: يُنْتَقَضُ وُضُوءُ اللَّامِسِ. فَأَمَّا إذَا قُلْنَا. لَا يُنْتَقَضُ فَالْمَلْمُوسُ بِطَرِيقٍ أَوْلَى.
فَائِدَةٌ: قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: لَمْ يَعْتَبِرْ أَصْحَابُنَا الشَّهْوَةَ فِي الْمَلْمُوسِ. قَالَ فِي النُّكَتِ عَنْ قَوْلِهِ: يَجِبُ أَنْ يَكُونَ اكْتِفَاءً مِنْهُمْ بِبَيَانِ حُكْمِ اللَّامِسِ، وَأَنَّ الشَّهْوَةَ مُعْتَبَرَةٌ مِنْهُ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: مَحَلُّ الْخِلَافِ، وِفَاقًا لِلشَّيْخَيْنِ يَعْنِي بِهِمَا الْمُصَنِّفَ وَالْمَجْدَ فِيمَا إذَا وُجِدَتْ الشَّهْوَةُ مِنْ الْمَلْمُوسِ. قَالَ الْمَجْدُ: يَجِبُ أَنْ تُحْمَلَ رِوَايَةُ النَّقْضِ عَنْهُ عَلَى مَا إذَا الْتَذَّ الْمَلْمُوسُ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ: إذَا قُلْنَا بِالنَّقْضِ فِي الْمَلْمُوسِ: اعْتَبَرْنَا الشَّهْوَةَ فِي الْمَشْهُورِ كَمَا نَعْتَبِرُهَا مِنْ اللَّامِسِ. حَتَّى يُنْتَقَضَ وَضُوءُهُ إذَا وُجِدَتْ الشَّهْوَةُ مِنْهُ دُونَ اللَّامِسِ، وَلَا يُنْتَقَضُ إذَا لَمْ تُوجَدْ مِنْهُ، وَإِنْ وُجِدَتْ عِنْدَ اللَّامِسِ. انْتَهَى. فَائِدَةٌ: لَا يُنْتَقَضُ وُضُوءُ الْمَلْمُوسِ فَرْجُهُ، ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى، رِوَايَةً وَاحِدَةً قَالَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ. قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا: قَالَ فِي النُّكَتِ: وَصَرَّحَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ. وَذَكَرَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ رِوَايَةً بِالنَّقْضِ. وَحَكَى الْخِلَافَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى وَجْهَيْنِ، وَأَطْلَقَهُمَا، ثُمَّ قَالَ: وَقِيلَ: رِوَايَتَانِ. وَقِيلَ: لَا يُنْتَقَضُ وُضُوءُ الْمَلْمُوسِ ذَكَرُهُ، بِخِلَافِ لَمْسِ قُبُلِ الْمَرْأَةِ. انْتَهَى. قَالَ ابْنُ عُبَيْدَانَ بَعْدَ ذِكْرِهِ الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْمَلْمُوسِ وَحَكَى عَدَمَ النَّقْضِ إذَا لَمَسَ الرَّجُلُ فَرْجَ امْرَأَةٍ لَمْ يُنْتَقَضْ طُهْرُهَا بِحَالٍ، قَالَ: وَعَلَى رِوَايَةِ النَّقْضِ: إنْ كَانَ لِشَهْوَةٍ اُنْتُقِضَ وُضُوءُهَا، وَإِلَّا فَلَا. قَالَ فِي النُّكَتِ: لَا يُنْتَقَضُ وُضُوءُ الْمَلْمُوسِ فَرْجُهُ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ بِشَهْوَةٍ فَفِيهِ الرِّوَايَتَانِ، انْتَهَى وَتَقَدَّمَ بَعْضُ ذَلِكَ فِي الْبَابِ فِي آخِرِ الْكَلَامِ عَلَى مَسِّ الذَّكَرِ. قَوْلُهُ {السَّادِسُ: غَسْلُ الْمَيِّتِ} الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ غَسْلَ الْمَيِّتِ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ، نَصَّ عَلَيْهِ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا، صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا، ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى، وَهُوَ
مِنْ مُفْرَدَاتِ الْمُذْهَبِ. وَعَنْهُ لَا يَنْقُضُ، اخْتَارَهُ أَبُو الْحَسَنِ التَّمِيمِيُّ، وَالْمُصَنِّفُ، وَصَاحِبُ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. وَلِبَعْضِ الْأَصْحَابِ احْتِمَالٌ بِعَدَمِ النَّقْضِ إذَا غَسَلَهُ فِي قَمِيصٍ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَهِيَ أَظْهَرُ، تَنْبِيهٌ: قَيَّدَ فِي الرِّعَايَةِ مَسْأَلَةَ نَقْضِ الْوُضُوءِ بِغَسْلِهِ: بِمَا إذَا قُلْنَا يَنْقُضُ مَسُّ الْفَرْجِ: وَهُوَ ظَاهِرُ تَعْلِيلِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ: الْإِطْلَاقُ. وَقَدْ يَكُونُ تَعَبُّدِيًّا. فَائِدَتَانِ: إحْدَاهُمَا: غَسْلُ بَعْضِ الْمَيِّتِ كَغَسْلِ جَمِيعِهِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: لَا يَنْقُضُ غَسْلُ الْبَعْضِ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَهُوَ أَظْهَرُ، الثَّانِيَةُ: لَوْ يَمَّمَ الْمَيِّتَ لِتَعَذُّرِ الْغُسْلِ لَمْ يَنْقُضْ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَفِيهِ احْتِمَالٌ: أَنَّهُ كَالْغُسْلِ. قَوْلُهُ {السَّابِعُ: أَكْلُ لَحْمِ الْجَزُورِ} هَذَا الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا بِلَا رَيْبٍ، وَنَصَّ عَلَيْهِ. وَعَلَيْهِ عَامَّةُ الْأَصْحَابِ. وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُذْهَبِ الْأَحْمَدِ وَغَيْرِهِ. وَعَنْهُ إنْ عَلِمَ النَّهْيَ نَقَضَ وَإِلَّا فَلَا، اخْتَارَهُ الْخَلَّالُ وَغَيْرُهُ. قَالَ الْخَلَّالُ: عَلَى هَذَا اسْتَقَرَّ قَوْلُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ. وَعَنْهُ لَا يَنْقُضُ مُطْلَقًا، اخْتَارَهُ يُوسُفُ الْجَوْزِيُّ وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. وَعَنْهُ يَنْقُضُ بِنَيْئِهِ فَقَطْ. ذَكَرَهَا ابْنُ حَامِدٍ. وَعَنْهُ لَا يُعِيدُ إذَا طَالَتْ الْمُدَّةُ وَفَحُشَتْ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: كَعَشْرِ سِنِينَ. وَقِيلَ: لَا يُعِيدُ مُتَأَوِّلٌ. وَقِيلَ فِيهِ مُطْلَقًا رِوَايَتَانِ. فَعَلَى الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ، عَدَمُ الْعِلْمِ بِالنَّهْيِ: هُوَ عَدَمُ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ. قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَغَيْرُهُ. فَمَنْ عَلِمَ لَا يُعْذَرُ. وَعَنْهُ: بَلَى. مَعَ التَّأْوِيلِ. وَعَنْهُ مَعَ طُولِ الْمُدَّةِ. قَوْلُهُ {فَإِنْ شَرِبَ مِنْ لَبَنِهَا، فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ} .
يَعْنِي إذَا قُلْنَا: يَنْقُضُ اللَّحْمُ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْإِرْشَادِ، وَالْمُجَرَّدِ، وَالْهِدَايَةِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْكَافِي، وَالْهَادِي، وَالْمُغْنِي، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالشَّرْحِ، وَابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَالْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. إحْدَاهُمَا: لَا يَنْقُضُ. وَهِيَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: اخْتَارَهَا الْكَثِيرُ مِنْ أَصْحَابِنَا. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هُوَ اخْتِيَارُ الْأَكْثَرِينَ. وَهُوَ مَفْهُومُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ، وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ، وَغَيْرِهِمْ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ، وَصَاحِبُ التَّصْحِيحِ. قَالَ النَّاظِمُ: هَذَا الْمَنْصُورُ، قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: هَذَا أَقْوَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: هُوَ كَاللَّحْمِ، جَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى وَالْحَاوِيَيْنِ. تَنْبِيهٌ: حَكَى الْأَصْحَابُ الْخِلَافَ رِوَايَتَيْنِ، وَحَكَاهُمَا فِي الْإِرْشَادِ وَجْهَيْنِ، قَوْلُهُ {وَإِنْ أَكَلَ مِنْ كَبِدِهَا أَوْ طِحَالِهَا، فَعَلَى وَجْهَيْنِ} . وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُجَرَّدِ، وَالْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْكَافِي، وَالْهَادِي، وَالْمُغْنِي، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالشَّرْحِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفُرُوعِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَالْفَائِقِ. أَحَدُهُمَا: لَا يَنْقُضُ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هُوَ اخْتِيَارُ الْأَكْثَرِينَ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، وَالْإِفَادَاتِ، وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ، وَغَيْرِهِمْ. لِاقْتِصَارِهِمْ عَلَى اللَّحْمِ، وَصَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ، وَشَرْحِ الْمَجْدِ، وَالنَّظْمِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَتَصْحِيحِ الْمُحَرَّرِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ. وَقَالَ: وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَنْقُضُ، وَإِنْ قُلْنَا يَنْقُضُ اللَّحْمُ وَاللَّبَنُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ. وَالثَّانِي: يَنْقُضُ.
تَنْبِيهَاتٌ أَحَدُهَا: حَكَى الْخِلَافَ رِوَايَتَيْنِ فِي الْمُجَرَّدِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ، وَغَيْرِهِمْ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ. وَحَكَى أَكْثَرُهُمْ الْخِلَافَ وَجْهَيْنِ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. الثَّانِي: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: أَنَّهُ لَا يَنْقُضُ أَكْلُ مَا عَدَا مَا ذَكَرَهُ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْخِلَافَ جَارٍ فِي بَقِيَّةِ أَجْزَائِهَا غَيْرِ اللَّحْمِ. وَيَحْتَمِلُهُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَفِي بَقِيَّةِ الْأَجْزَاءِ، وَالْمَرَقِ، وَاللَّبَنِ، رِوَايَتَانِ. وَقَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ: وَحُكْمُ سَائِرِ أَجْزَائِهِ غَيْرُ اللَّحْمِ كَالسَّنَامِ، وَالْكَرِشِ، وَالدُّهْنِ، وَالْمَرَقِ، وَالْمُصْرَانِ، وَالْجِلْدِ حُكْمُ الطِّحَالِ، وَالْكَبِدِ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَفِي سَنَامِهِ وَدُهْنِهِ وَمَرَقِهِ وَكَرِشِهِ وَمُصْرَانِهِ وَقِيلَ: وَجِلْدِهِ وَعَظْمِهِ وَجْهَانِ. وَقِيلَ: رِوَايَتَانِ، وَقَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: فِي شُحُومِهَا وَجْهَانِ. وَحَكَى الْخِلَافَ فِي ذَلِكَ ابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَغَيْرُهُمْ. الثَّالِثُ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَيْضًا: أَنَّ أَكْلَ الْأَطْعِمَةِ الْمُحَرَّمَةِ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَعَنْهُ يَنْقُضُ الطَّعَامُ الْمُحَرَّمُ. وَعَنْهُ يَنْقُضُ اللَّحْمُ الْمُحَرَّمُ مُطْلَقًا. وَعَنْهُ يَنْقُضُ لَحْمُ الْخِنْزِيرِ فَقَطْ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ. وَبَقِيَّةُ النَّجَاسَاتِ تَخْرُجُ عَلَيْهِ، حَكَاهُ عَنْهُ ابْنُ عَقِيلٍ. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَأَمَّا لَحْمُ الْخَبِيثِ الْمُبَاحِ لِلضِّرْوَةِ، كَلَحْمِ السِّبَاعِ؟ فَيَنْبَنِي الْخِلَافُ فِيهِ عَلَى أَنَّ النَّقْضَ بِلَحْمِ الْإِبِلِ تَعَبُّدِيٌّ؟ فَلَا يَتَعَدَّى إلَى غَيْرِهِ أَوْ مَعْقُولُ الْمَعْنَى؟ فَيُعْطَى حُكْمُهُ. بَلْ هُوَ أَبْلَغُ مِنْهُ. انْتَهَى قُلْت: الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، أَنَّ الْوُضُوءَ مِنْ لَحْمِ الْإِبِلِ تَعَبُّدِيٌّ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هُوَ الْمَشْهُورُ. وَقِيلَ: هُوَ مُعَلَّلٌ. فَقَدْ قِيلَ: إنَّهَا مِنْ الشَّيَاطِينِ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد. وَفِي حَدِيثٍ
آخَرَ «عَلَى ذِرْوَةِ كُلِّ بَعِيرٍ شَيْطَانٌ» فَإِنْ أَكَلَ مِنْهَا أَوْرَثَ ذَلِكَ قُوَّةً شَيْطَانِيَّةً، فَشُرِعَ وَضُوءُهُ مِنْهَا لِيُذْهِبَ سُورَةَ الشَّيْطَانِ. قَوْلُهُ (الثَّامِنُ: الرِّدَّةُ عَنْ الْإِسْلَامِ) الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ الرِّدَّةَ عَنْ الْإِسْلَامِ تُنْقِضُ الْوُضُوءَ، رِوَايَةً وَاحِدَةً. وَاخْتَارَهُ الْجُمْهُورُ، وَهُوَ مِنْ مُفْرَدَاتِ الْمُذْهَبِ. وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ: لَا تُنْقِضُ. وَذَكَرَ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ رِوَايَتَيْنِ فِي النَّقْضِ بِهَا. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَا نَصَّ فِيهَا. فَائِدَةٌ: لَمْ يَذْكُرْ الْقَاضِي فِي الْجَامِعِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْخِصَالِ، وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي الْهِدَايَةِ، وَابْنُ الْبَنَّا فِي الْعُقُودِ، وَابْنُ عَقِيلٍ فِي التَّذْكِرَةِ، وَالسَّامِرِيُّ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالْفَخْرُ بْنُ تَيْمِيَّةَ فِي التَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَغَيْرِهِمْ: الرِّدَّةَ مِنْ نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ. فَقِيلَ: لِأَنَّهَا لَا تُنْقِضُ عِنْدَهُمْ. وَقِيلَ: إنَّمَا تَرَكُوهَا لِعَدَمِ فَائِدَتِهَا؛ لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَعُدْ إلَى الْإِسْلَامِ فَظَاهِرٌ، وَإِنْ عَادَ إلَى الْإِسْلَامِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْغُسْلُ. وَيَدْخُلُ فِيهِ الْوُضُوءُ. وَقَدْ أَشَارَ إلَى ذَلِكَ الْقَاضِي فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ. فَقَالَ: لَا مَعْنَى لِجَعْلِهَا مِنْ النَّوَاقِضِ، مَعَ وُجُوبِ الطَّهَارَةِ الْكُبْرَى. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لَهُ فَائِدَةٌ تَظْهَرُ فِيمَا إذَا عَادَ إلَى الْإِسْلَامِ، فَإِنَّا نُوجِبُ عَلَيْهِ الْوُضُوءَ وَالْغُسْلَ. فَإِنْ نَوَاهُمَا بِالْغُسْلِ أَجْزَأَهُ، وَإِنْ قُلْنَا لَمْ يُنْتَقَضْ وُضُوءُهُ: لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْغُسْلُ. انْتَهَى. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: قُلْت: وَمِثْلُ هَذَا لَا يَخْفَى عَلَى الْقَاضِي. وَإِنَّمَا أَرَادَ الْقَاضِي: أَنَّ وُجُوبَ الْغُسْلِ مُلَازِمٌ لِوُجُوبِ الطَّهَارَةِ الصُّغْرَى. وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِأَنَّ مُوجِبَاتِ الْغُسْلِ تُنْقِضُ الْوُضُوءَ: السَّامِرِيُّ. وَحَكَى ابْنُ حَمْدَانَ وَجْهًا بِأَنَّ الْوُضُوءَ لَا يَجِبُ بِالِالْتِقَاءِ بِحَائِلٍ، وَلَا بِالْإِسْلَامِ. وَإِذَنْ يَنْتَفِي الْخِلَافُ بَيْنَ الْأَصْحَابِ فِي الْمَسْأَلَةِ. انْتَهَى. فَائِدَةٌ: اقْتِصَارُ الْمُصَنِّفِ عَلَى هَذِهِ الثَّمَانِيَةِ ظَاهِرٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يُنْقِضُ غَيْرَ ذَلِكَ وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ كُلَّ مَا يُوجِبُ الْغُسْلَ يُوجِبُ الْوُضُوءَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ
خَارِجًا مِنْ السَّبِيلِ، كَالْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ. وَانْتِقَالِ الْمَنِيِّ وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ، وَالرِّدَّةِ، وَالْإِسْلَامِ، وَالْإِيلَاجِ بِحَائِلٍ، إنْ قُلْنَا بِوُجُوبِ الْغُسْلِ، عَلَى مَا يَأْتِي فِي أَوَّلِ بَابِ الْغُسْلِ، جَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، كَمَا تَقَدَّمَ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِ. قَالَ ابْنُ عُبَيْدَانَ: ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِنَا. قُلْت: مِنْهُمْ الْمَجْدُ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِذَلِكَ الْخِرَقِيُّ، وَالسَّامِرِيُّ، وَابْنُ حَمْدَانَ. وَقِيلَ: لَا، وَلَوْ مَيِّتًا. وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَمَا أَوْجَبَ الْغُسْلَ غَيْرُ الْمَوْتِ يَجِبُ مِنْهُ الْوُضُوءُ، إلَّا انْتِقَالُ الْمَنِيِّ، وَالْإِيلَاجُ مَعَ الْحَائِلِ، وَإِسْلَامُ الْكَافِرِ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ. وَالثَّانِي: يَجِبُ الْوُضُوءُ بِذَلِكَ أَيْضًا. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. وَمِنْهَا: مَا أَوْجَبَ غُسْلًا، كَالْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ مَعَ حَائِلٍ يَمْنَعُ الْمُبَاشَرَةَ بِلَا إنْزَالٍ فِي الْأَصَحِّ فِيهِ. وَانْتِقَالِ الْمَنِيِّ بِلَا إنْزَالٍ عَلَى الْأَصَحِّ فِيهِ، وَإِسْلَامِ الْكَافِرِ فِي وَجْهٍ، إنْ وَجَبَ غُسْلُهُ فِي الْأَشْهَرِ. انْتَهَى. وَأَطْلَقَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ الْوَجْهَيْنِ فِي وُجُوبِ الْوُضُوءِ عَلَى الْقَوْلِ بِوُجُوبِ الْغُسْلِ بِإِسْلَامِ الْكَافِرِ فِي بَابِ الْغُسْلِ. وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَيْضًا: أَنَّهُ لَا يُنْقِضُ غَيْرَ ذَلِكَ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالرِّعَايَةِ، وَغَيْرِهِمَا مِنْ النَّوَاقِضِ: زَوَالُ حُكْمِ الْمُسْتَحَاضَةِ وَنَحْوُهَا. بِشَرْطِهِ مُطْلَقًا. وَخُرُوجِ وَقْتِ صَلَاةٍ وَهِيَ فِيهَا فِي وَجْهٍ. وَبُطْلَانِ الْمَسْحِ بِفَرَاغِ مُدَّتِهِ، وَخَلْعِ حَائِلِهِ، وَغَيْرِهِمَا مُطْلَقًا. وَبُرْءُ مَحَلِّ الْجَبِيرَةِ وَنَحْوِهَا مُطْلَقًا كَقَلْعِهَا. وَانْتِقَاضُ كُورٍ أَوْ كُورَيْنِ مِنْ الْعِمَامَةِ فِي رِوَايَةٍ، وَخَلْعِهَا. وَبُطْلَانِ التَّيَمُّمِ الَّذِي كَمَّلَ بِهِ الْوُضُوءَ وَغَيْرَهُ بِخُرُوجِ وَقْتِ الصَّلَاةِ، وَبِرُؤْيَةِ الْمَاءِ وَغَيْرِهِمَا، وَزَوَالِ مَا أَبَاحَهُ وَغَيْرِ ذَلِكَ. انْتَهَى. قُلْت: كُلُّ ذَلِكَ مَذْكُورٌ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ فِي أَمَاكِنِهِ. وَلَمْ يَذْكُرْهُ
الْمُصَنِّفُ هُنَا اعْتِمَادًا عَلَى ذِكْرِهِ فِي أَبْوَابِهِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ هُنَا مَا هُوَ مُشْتَرَكٌ. فَأَمَّا الْمَخْصُوصُ: فَيُذْكَرُ عِنْدَ حُكْمِ مَا اُخْتُصَّ بِهِ. وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَيْضًا: أَنَّهُ لَا نَقْضَ بِالْغِيبَةِ وَنَحْوِهَا مِنْ الْكَلَامِ الْمُحَرَّمِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَحَكَى عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةً بِالنَّقْضِ بِذَلِكَ. وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَيْضًا: أَنَّهُ لَا نَقْضَ بِإِزَالَةِ شَعْرِهِ وَظُفْرِهِ، وَنَحْوِهِمَا، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَنَصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: يُنْقَضُ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَهُوَ بَعِيدٌ غَرِيبٌ. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: لَا يَبْطُلُ بِذَلِكَ فِي الْأَصَحِّ، فَائِدَةٌ: اقْتَصَرَ يُوسُفُ الْجَوْزِيُّ فِي كِتَابِهِ " الطَّرِيقُ الْأَقْرَبُ " عَلَى النَّقْضِ بِالْخَمْسَةِ الْأُوَلِ فَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ لَا نَقْضَ بِغَيْرِهَا تَنْبِيهٌ: دَخَلَ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ (وَمَنْ تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ وَشَكَّ فِي الْحَدَثِ أَوْ تَيَقَّنَ الْحَدَثَ وَشَكَّ فِي الطَّهَارَةِ) مَسَائِلُ مِنْهَا: مَا ذَكَرَهُ هُنَا، وَهُوَ قَوْلُهُ (فَإِنْ تَيَقَّنَهُمَا وَشَكَّ فِي السَّابِقِ مِنْهُمَا، نَظَرَ فِي حَالِهِ قَبْلَهُمَا. فَإِنْ كَانَ مُتَطَهِّرًا فَهُوَ مُحْدِثٌ، وَإِنْ كَانَ مُحْدِثًا فَهُوَ مُتَطَهِّرٌ) . وَهَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ. وَقِيلَ: يَتَطَهَّرُ مُطْلَقًا، كَمَا لَوْ جَهِلَ مَا كَانَ قَبْلَهُمَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. وَقَالَ الْأَزَجِيُّ فِي النِّهَايَةِ: لَوْ قِيلَ: يَتَطَهَّرُ، لَكَانَ لَهُ وَجْهٌ؛ لِأَنَّ يَقِينَ الطَّهَارَةِ قَدْ عَارَضَهُ يَقِينُ الْحَدَثِ. وَإِذَا تَعَارَضَا تَسَاقَطَا. وَبَقِيَ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ احْتِيَاطًا لِلصَّلَاةِ، فَإِنَّهُ يَكُونُ مُؤَدِّيًا فَرْضَهُ بِيَقِينٍ. وَمِنْهَا: لَوْ تَيَقَّنَ فِعْلَ طَهَارَةٍ رَافِعًا بِهَا حَدَثًا، وَفِعْلَ حَدَثٍ نَاقِضًا بِهِ طَهَارَةً: فَإِنَّهُ يَكُونُ عَلَى مِثْلِ حَالِهِ قَبْلَهُمَا قَطْعًا. وَمِنْهَا: لَوْ جَهِلَ حَالَهُمَا، وَأَسْبَقَهُمَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، أَوْ عَيَّنَ وَقْتًا لَا يَسَعُهُمَا، فَهَلْ هُوَ كَحَالِهِ قَبْلَهُمَا، أَوْ ضِدُّهُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ. وَقِيلَ: رِوَايَتَانِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ. وَتَبِعَهُ فِي الْفُرُوعِ وَالْحَوَاشِي.
قُلْت: وُجُوبُ الطَّهَارَةِ أَقْوَى وَأَوْلَى. وَاخْتَارَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهِ فِيمَا إذَا جَهِلَ حَالَهُمَا: أَنَّهُ يَكُونُ عَلَى ضِدِّ حَالِهِ قَبْلَهُمَا، وَقَدَّمَهُ فِي النُّكَتِ. وَظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْمُحَرَّرِ: أَنَّهُ يَكُونُ كَحَالِهِ قَبْلَهُمَا. وَاخْتَارَ أَبُو الْمَعَالِي فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ فِيمَا إذَا عَيَّنَ وَقْتًا لَا يَسَعُهُمَا أَنَّهُ يَكُونُ كَحَالِهِ قَبْلَهُمَا. وَجَزَمَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ فِي مَسْأَلَةِ الْحَالَيْنِ: أَنَّهُ لَوْ تَيَقَّنَ فِعْلَهُمَا فِي وَقْتٍ لَا يَتَّسِعُ لَهُمَا: تَعَارَضَ هَذَا الْيَقِينُ وَسَقَطَ. وَكَانَ عَلَى حَالِهِ قَبْلَ ذَلِكَ، مِنْ حَدَثٍ أَوْ طَهَارَةٍ. قَالَ فِي النُّكَتِ: وَأَظُنُّ أَنَّ وَجِيهَ الدِّينِ بْنَ مُنَجَّا أَخَذَ اخْتِيَارَهُ مِنْ هَذَا. وَنَزَّلَ كَلَامَ مَنْ أَطْلَقَ مِنْ الْأَصْحَابِ عَلَيْهِ. وَمِنْهَا: لَوْ تَيَقَّنَ أَنَّ الطَّهَارَةَ عَنْ حَدَثٍ، وَلَا يَدْرِي الْحَدَثَ: عَنْ طُهْرٍ أَوْ لَا؟ فَهُوَ مُتَطَهِّرٌ مُطْلَقًا. وَمِنْهَا: لَوْ تَيَقَّنَ حَدَثًا وَفِعْلَ طَهَارَةٍ فَقَطْ. فَهُوَ عَلَى ضِدِّ حَالِهَا قَبْلَهَا. وَمِنْهَا: لَوْ تَيَقَّنَ أَنَّ الْحَدَثَ عَلَى طَهَارَةٍ وَلَا يَدْرِي الطَّهَارَةَ عَنْ حَدَثٍ أَمْ لَا عَكْسُ الَّتِي قَبْلَهَا فَهُوَ مُحْدِثٌ مُطْلَقًا. قَوْلُهُ (وَمَنْ أَحْدَثَ: حَرُمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ، وَالطَّوَافُ، وَمَسُّ الْمُصْحَفِ) . أَمَّا تَحْرِيمُ الصَّلَاةِ: فَبِالْإِجْمَاعِ. وَأَمَّا الطَّوَافُ: فَتُشْتَرَطُ لَهُ الطَّهَارَةُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ فِعْلُهُ بِلَا طَهَارَةٍ وَلَا يُجْزِيهِ. وَعَنْهُ يُجْزِيهِ. وَيُجْبَرُ بِدَمٍ. وَعَنْهُ: وَكَذَا الْحَائِضُ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْقَاضِي. وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. وَقَالَ: لَا دَمَ
عَلَيْهَا لِعُذْرٍ. وَقَالَ: هَلْ هِيَ وَاجِبَةٌ، أَوْ سُنَّةٌ لَهَا؟ فِيهِ قَوْلَانِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ. وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ: التَّطَوُّعُ أَيْسَرُ وَيَأْتِي ذَلِكَ أَيْضًا فِي أَوَّلِ الْحَيْضِ، وَفِي بَابِ دُخُولِ مَكَّةَ عِنْدَ قَوْلِهِ " وَإِنْ طَافَ مُحْدِثًا لَمْ يُجْزِئْهُ ". وَأَمَّا مَسُّ الْمُصْحَفِ: فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يَحْرُمُ مَسُّ كِتَابَتِهِ وَجِلْدِهِ وَحَوَاشِيهِ، لِشُمُولِ اسْمِ الْمُصْحَفِ لَهُ بِدَلِيلِ الْبَيْعِ. وَلَوْ كَانَ الْمَسُّ بِصَدْرِهِ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ. وَقِيلَ: لَا يَحْرُمُ إلَّا مَسُّ كِتَابَتِهِ فَقَطْ. وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُنُونِ. قَالَ: لِشُمُولِ اسْمِ الْمُصْحَفِ. لِجَوَازِ جُلُوسِهِ عَلَى بِسَاطٍ عَلَى حَوَاشِيهِ كِتَابَةٌ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ. وَقَالَ الْقَاضِي فِي شَرْحِهِ الصَّغِيرِ: لِلْجُنُبِ مَسُّ مَا لَهُ قِرَاءَتُهُ. وَظَاهِرُ مَا قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ: جَوَازُ مَسِّ الْجِلْدِ. فَإِنَّهُ قَالَ: لَا يَمَسُّ الْمُحْدِثُ مُصْحَفًا. وَقِيلَ: وَلَا جِلْدَهُ. تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلصَّبِيِّ مَسُّهُ، وَهُوَ تَارَةً مَسُّ الْمُصْحَفِ فَلَا يَجُوزُ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي مَوْضِعٍ: رِوَايَةً بِالْجَوَازِ وَهُوَ وَجْهٌ فِي الرِّعَايَةِ وَغَيْرِهَا. وَتَارَةً يَمَسُّ الْمَكْتُوبَ فِي الْأَلْوَاحِ. فَلَا يَجُوزُ أَيْضًا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَعَنْهُ يَجُوزُ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي التَّلْخِيصِ. وَتَارَةً يَمَسُّ اللَّوْحَ، أَوْ يَحْمِلُهُ. فَيَجُوزُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، صَحَّحَهُ النَّاظِمُ وَقَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ فِي التَّلْخِيصِ. فَإِنَّهُ قَالَ: وَفِي مَسِّ. الصِّبْيَانِ كِتَابَةَ الْقُرْآنِ رِوَايَتَانِ. وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ. وَعَنْهُ لَا يَجُوزُ، وَهُوَ وَجْهٌ. ذَكَرَهُ فِي الرِّعَايَةِ وَالْحَاوِي وَغَيْرِهِمَا [قَالَ فِي الْفُرُوعِ] : وَيَجُوزُ فِي رِوَايَةِ مَسِّ صَبِيٍّ لَوْحًا كُتِبَ فِيهِ. قَالَ ابْنُ رَزِينٍ: وَهُوَ [أَظْهَرُ] وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالْمُغْنِي، وَالْكَافِي، وَالشَّرْحِ وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَالْفَائِقِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ. وَقَالَ الْقَاضِي فِي مُسْتَدْرَكِهِ الصَّغِيرِ: لَا بَأْسَ بِمَسِّهِ لِبَعْضِ الْقُرْآنِ. وَيُمْنَعُ
مِنْ جُمْلَتِهِ: وَقَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُمْنَعَ مَنْ لَهُ عَشْرٌ فَصَاعِدًا، بِنَاءً عَلَى وُجُوبِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ. فَوَائِدُ مِنْهَا: لَا يَحْرُمُ حَمْلُهُ بِعِلَاقَتِهِ، وَلَا فِي غَلَّافَتِهِ، أَوْ كُمِّهِ، أَوْ تَصَفُّحُهُ بِكُمِّهِ، أَوْ بِعُودٍ، أَوْ مَسُّهُ مِنْ وَرَاءِ حَائِلٍ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالشَّرْحِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَغَيْرُهُمْ. وَصَحَّحَهُ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هُوَ الْمَشْهُورُ، وَقَطَعَ بِهِ أَبُو الْخَطَّابِ، وَابْنُ عَبْدُوسٍ، وَصَاحِبُ التَّلْخِيصِ. وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَأَبُو مُحَمَّدٍ. قَالَ الْقَاضِي: وَعَنْهُ يَحْرُمُ. وَقِيلَ: يَحْرُمُ إلَّا لِوَرَّاقٍ لِحَاجَتِهِ. وَعَنْهُ الْمَنْعُ مِنْ تَصَفُّحِهِ بِكُمِّهِ. وَخَرَّجَهُ الْقَاضِي، وَالْمَجْدُ، وَغَيْرُهُمَا إلَى بَقِيَّةِ الْحَوَائِلِ. وَأَبَى ذَلِكَ طَائِفَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ. مِنْهُمْ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي. وَفَرَّقَ بِأَنَّ كُمَّهُ وَعَبَاءَتَهُ: مُتَّصِلًا بِهِ. أَشْبَهَتْ أَعْضَاءَهُ. وَأَطْلَقَ الرِّوَايَتَيْنِ فِي حَمْلِهِ بِعِلَاقَتِهِ، أَوْ فِي غِلَافِهِ، وَتَصَفُّحِهِ بِكُمِّهِ، أَوْ عُودٍ وَنَحْوِهِ، فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالْفَائِقِ. وَمِنْهَا: هَلْ يَجُوزُ مَسُّ ثَوْبٍ رُقِمَ بِالْقُرْآنِ، أَوْ فِضَّةٍ نُقِشَتْ بِهِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ أَوْ رِوَايَتَانِ. رَوَى ابْنُ عُبَيْدَانَ، فِي الثَّوْبِ الْمُطَرَّزِ بِالْقُرْآنِ رِوَايَتَانِ. وَقِيلَ: وَجْهَانِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْكَافِي، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَالزَّرْكَشِيُّ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالتَّلْخِيصِ فِي الْفِضَّةِ الْمَنْقُوشَةِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَجُوزُ فِي رِوَايَةِ مَسِّ ثَوْبٍ رُقِمَ بِهِ، وَفِضَّةٍ نُقِشَتْ بِهِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: ظَاهِرُ كَلَامِهِ الْجَوَازُ. قَالَ فِي النَّظْمِ، عَنْ الدِّرْهَمِ الْمَنْقُوشِ: هَذَا الْمَنْصُورُ. وَعَنْهُ لَا يَجُوزُ، وَهُوَ وَجْهٌ فِي الْمُغْنِي وَغَيْرِهِ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ. وَقَالَ: لِأَنَّهُ أَبْلَغُ مِنْ الْكَاغَدِ. وَقَالَ الْقَاضِي فِي التَّخْرِيجِ: مَا لَا يُتَعَامَلُ بِهِ غَالِبًا لَا يَجُوزُ مَسُّهُ، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ. وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ: وَقَطَعَ الْمَجْدُ بِالْجَوَازِ فِي مَسِّ الْخَاتَمِ الْمَرْقُومِ فِيهِ قُرْآنٌ. وَاخْتَارَ فِي النِّهَايَةِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِمُحْدِثٍ مَسُّ ثَوْبٍ كُتِبَ فِيهِ قُرْآنٌ.
وَمِنْهَا: يَجُوزُ حَمْلُ خُرْجٍ فِيهِ مَتَاعٌ وَفِيهِ مُصْحَفٌ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَسَوَاءٌ كَانَ فَوْقَ الْمَتَاعِ أَوْ تَحْتَهُ. وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ حَمْلُهُ وَهُوَ فِيهِ. وَمِنْهَا: يَجُوزُ مَسُّ كِتَابِ التَّفْسِيرِ وَنَحْوِهِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَحَكَى الْقَاضِي رِوَايَةً بِالْمَنْعِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الرِّعَايَةِ. وَقِيلَ: فِيهِ وَجْهَانِ. وَقِيلَ: رِوَايَتَانِ أَيْضًا فِي حَمْلِ كُتُبِ التَّفْسِيرِ. وَقِيلَ: فِي مَسِّ الْقُرْآنِ الْمَكْتُوبِ فِيهِ. وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ مِنْ ذَلِكَ: مَا نَقَلَهُ أَبُو طَالِبٍ فِي الرَّجُلِ يَكْتُبُ الْحَدِيثَ أَوْ الْكِتَابَ لِلْحَاجَةِ. فَيَكْتُبُ " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ "؟ فَقَالَ: بَعْضُهُمْ يَكْرَهُهُ، وَكَأَنَّهُ كَرِهَهُ. وَقَالَ: الصَّحِيحُ الْمَنْعُ مِنْ حَمْلِ ذَلِكَ وَمَسِّهِ. انْتَهَى. وَمِنْهَا: يَجُوزُ مَسُّ الْمَنْسُوخِ تِلَاوَتُهُ، وَالْمَأْثُورِ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى، وَالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ. قُلْت: وَالْمَنْعُ مِنْ قِرَاءَةِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ: أَقْوَى وَأَوْلَى. وَمِنْهَا: لَوْ رُفِعَ الْحَدَثُ عَنْ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ، ثُمَّ مَسَّ بِهِ الْمُصْحَفَ: لَمْ يَجُزْ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَلَوْ قُلْنَا: يَرْتَفِعُ الْحَدَثُ عَنْهُ. وَقِيلَ: لَا يَحْرُمُ إذَا قُلْنَا يَرْتَفِعُ عَنْهُ. وَاعْلَمْ أَنَّ فِي رَفْعِ الْحَدَثِ عَنْ الْعُضْوِ قَبْلَ إتْمَامِ الْوُضُوءِ وَجْهَانِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ. قُلْت: الَّذِي يَظْهَرُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُرَاعًى. فَإِنْ كَمَّلَهُ ارْتَفَعَ وَإِلَّا فَلَا. قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّارِحُ: لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ مُتَطَهِّرًا إلَّا بِعَمَلِ الْجَمِيعِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ غَيْرُ طَاهِرٍ عَلَى الْمَذْهَبِ [وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَلَوْ رُفِعَ الْحَدَثُ عَنْ عُضْوٍ لَمْ يَمَسَّهُ بِهِ قَبْلَ إكْمَالِ الطَّهَارَةِ فِي الْأَصَحِّ، قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَلَوْ رُفِعَ الْحَدَثُ عَنْ عُضْوٍ لَمْ يَمَسَّ بِهِ الْمُصْحَفَ، حَتَّى يُكْمِلَ طَهَارَتَهُ] . وَمِنْهَا: يَحْرُمُ مَسُّ الْمُصْحَفِ بِعُضْوٍ نَجِسٍ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: لَا يَحْرُمُ.
قُلْت: هَذَا خَطَأٌ قَطْعًا. وَمِنْهَا: لَا يَحْرُمُ مَسُّهُ بِعُضْوٍ طَاهِرٍ، إذَا كَانَ عَلَى غَيْرِهِ نَجَاسَةٌ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: يَحْرُمُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ، عَنْ هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ: قَالَهُ بَعْضُهُمْ. قُلْت: صَرَّحَ ابْنُ تَمِيمٍ بِالثَّانِيَةِ، وَالزَّرْكَشِيُّ بِالْأُولَى. وَذَكَرَ الْمَسْأَلَتَيْنِ فِي الرِّعَايَةِ. وَقَالَ فِي التَّبْصِرَة: لَا تُعْتَبَرُ الطَّهَارَةُ مِنْ النَّجَاسَةِ لِغَيْرِ الصَّلَاةِ وَالطَّوَافِ. وَمِنْهَا: يَجُوزُ مَسُّ الْمُصْحَفِ بِطَهَارَةِ التَّيَمُّمِ مُطْلَقًا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ إلَّا عِنْدَ الْحَاجَةِ. اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ. فَإِنْ عَدِمَ الْمَاءَ لِتَكْمِيلِ الْوُضُوءِ تَيَمَّمَ لِلْبَاقِي، ثُمَّ مَسَّهُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَهُ مَسُّهُ قَبْلَ تَكْمِيلِهَا بِالتَّيَمُّمِ، بِخِلَافِ الْمَاءِ. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ: وَهُوَ سَهْوٌ. وَمِنْهَا: يَجُوزُ كِتَابَتُهُ مِنْ غَيْرِ مَسٍّ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، جَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ الْخِرَقِيِّ. وَقَالَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ. وَعَنْهُ يَحْرُمُ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ. وَقِيلَ: هُوَ كَالتَّقْلِيبِ بِالْعُودِ. وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ، وَإِنْ جَازَ التَّقْلِيبُ بِالْعُودِ. وَلِلْمَجْدِ احْتِمَالٌ بِالْجَوَازِ لِلْمُحْدِثِ دُونَ الْجُنُبِ. وَأَطْلَقَهُنَّ فِي الرِّعَايَةِ. وَمَحَلُّ الْخِلَافِ: إذَا لَمْ يَحْمِلْهُ، عَلَى مُقْتَضَى مَا فِي التَّلْخِيصِ، وَالرِّعَايَةِ، وَغَيْرِهِمَا. تَنْبِيهٌ: خَرَجَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: الذِّمِّيُّ لِانْتِفَاءِ الطَّهَارَةِ مِنْهُ وَعَدَمِ صِحَّتِهَا، وَهُوَ صَحِيحٌ. لَكِنْ لَهُ نَسْخُهُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: بِدُونِ حَمْلٍ وَمَسٍّ. قَالَهُ الْقَاضِي فِي التَّعْلِيقِ وَغَيْرِهِ. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي التَّذْكِرَةِ: يَجُوزُ اسْتِئْجَارُ الْكَافِرِ عَلَى كِتَابَةِ الْمُصْحَفِ إذَا لَمْ يَحْمِلْهُ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا يَخْتَلِفُ قَوْلُ أَحْمَدَ: أَنَّ الْمَصَاحِفَ يَجُوزُ أَنْ يَكْتُبَهَا النَّصَارَى. قَالَ الْقَاضِي فِي الْجَامِعِ: يَحْتَمِلُ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ يَكْتُبُهُ [مُكْتَبًا] بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَا يَحْمِلُهُ، وَهُوَ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يَجُوزُ؛ لِأَنَّ مَسَّ الْقَلَمِ لِلْحَرْفِ كَمَسِّ الْعُودِ لِلْحَرْفِ. وَقِيلَ لِأَحْمَدَ: يُعْجِبُك أَنْ تَكْتُبَ النَّصَارَى الْمَصَاحِفَ؟ قَالَ: لَا يُعْجِبُنِي. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: فَأَخَذَ مِنْ ذَلِكَ رِوَايَةً بِالْمَنْعِ. قَالَ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ: يُمْكِنُ حَمْلُهَا عَلَى أَنَّهُمْ حَمَلُوا الْمَصَاحِفَ فِي حَالِ كِتَابَتِهَا. وَقَالَ فِي الْجَامِعِ:
باب الغسل
ظَاهِرُهُ كَرَاهَةُ ذَلِكَ. وَكَرِهَهُ لِلْخِلَافِ. وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ: يُمْنَعُ مِنْهُ. وَأَطْلَقَ فِي الْجَوَازِ وَعَدَمِهِ الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَةِ. وَيُمْنَعُ مِنْ قِرَاءَتِهِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، نَصَّ عَلَيْهِ، قَالَ الْقَاضِي: التَّخْرِيجُ لَا يَمْنَعُ، لَكِنْ لَا يُمَكَّنُ مِنْ مَسِّهِ. انْتَهَى. وَيُمْنَعُ مِنْ تَمَلُّكِهِ، فَإِنْ مَلَكَهُ بِإِرْثٍ أَوْ غَيْرِهِ أُلْزِمَ بِإِزَالَةِ مِلْكِهِ عَنْهُ. فَائِدَتَانِ إحْدَاهُمَا: كَرِهَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ تَوَسُّدَهُ. وَفِي تَخْرِيجِهِ وَجْهَانِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ. وَاخْتَارَ فِي الرِّعَايَةِ التَّحْرِيمَ، وَقَطَعَ بِهِ فِي الْمُصَنَّفِ وَالْمُغْنِي وَالشَّارِحِ. قَالَ فِي الْآدَابِ: وَقَدَّمَ هُوَ عَدَمَ التَّحْرِيمِ، وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ تَمِيمٍ وَجْهًا. وَكَذَا كُتُبُ الْعِلْمِ الَّتِي فِيهَا قُرْآنٌ. وَإِلَّا كُرِهَ. قَالَ أَحْمَدُ: فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ: إنْ خَافَ سَرِقَتَهُ، فَلَا بَأْسَ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَمْ يَذْكُرْ أَصْحَابُنَا مَدَّ الرِّجْلَيْنِ إلَى جِهَةِ ذَلِكَ. وَتَرْكُهُ أَوْلَى، أَوْ يُكْرَهُ. الثَّانِيَةُ: يَحْرُمُ السَّفَرُ بِهِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ، نَصَّ عَلَيْهِ وَقِيلَ: يَحْرُمُ إلَّا مَعَ غَلَبَةِ السَّلَامَةِ. وَقَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: يُكْرَهُ بِدُونِ غَلَبَةِ السَّلَامَةِ وَيَأْتِي بَقِيَّةُ أَحْكَامِهِ فِي الْبَيْعِ، وَالرَّهْنِ، وَالْإِجَارَةِ. [بَابُ الْغُسْلِ] ِ تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ (خُرُوجُ الْمَنِيِّ الدَّافِقِ بِلَذَّةٍ) . مُرَادُهُ: إذَا خَرَجَ مِنْ مَخْرَجِهِ، وَلَوْ خَرَجَ دَمًا، وَهُوَ صَحِيحٌ، قَوْلُهُ (فَإِنْ خَرَجَ لِغَيْرِ ذَلِكَ لَمْ يُوجِبْ) ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ. وَعَنْهُ يُوجِبُ الْغُسْلَ. وَيَحْتَمِلُهُ كَلَامُ الْخِرَقِيِّ. وَأَثْبَتَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ. مِنْهُمْ
ابْنُ عَبْدُوسٍ الْمُتَقَدِّمُ، وَغَيْرُهُ. وَبَعْضُهُمْ تَخْرِيجًا. مِنْهُمْ الْمَجْدُ مِنْ رِوَايَةِ وُجُوبِ الْغُسْلِ إذَا خَرَجَ الْمَنِيُّ بَعْدَ الْبَوْلِ، دُونَ مَا قَبْلَهُ عَلَى مَا يَأْتِي قَرِيبًا. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: فَإِنْ خَرَجَ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ. فَرِوَايَتَانِ. أَصَحُّهُمَا: لَا يَجِبُ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ، وَقِيلَ: إنْ خَرَجَ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ فَرِوَايَتَانِ مُطْلَقًا. أَصَحُّهُمَا: عَدَمُ وُجُوبِهِ. ثُمَّ قَالَ: وَإِنْ صَارَ بِهِ سَلَسُ الْمَنِيِّ، أَوْ الْمَذْيُ، أَوْ الْبَوْلُ: أَجْزَأَهُ الْوُضُوءُ لِكُلِّ صَلَاةٍ. وَقَالَهُ الْقَاضِي فِي مَسْأَلَةِ الْمَنِيِّ. ذَكَرَهُ ابْنُ تَمِيمٍ. قُلْت: فَيُعَايَى بِهَا فِي مَسْأَلَةِ الْمَنِيِّ، لِكَوْنِهِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ إلَّا الْوُضُوءُ بِلَا نِزَاعٍ. تَنْبِيهٌ: مُرَادُهُ بِقَوْلِهِ (فَإِنْ خَرَجَ لِغَيْرِ ذَلِكَ لَمْ يُوجِبْ) الْيَقْظَانُ. فَأَمَّا النَّائِمُ إذَا رَأَى شَيْئًا فِي ثَوْبِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ احْتِلَامًا وَلَا لَذَّةً، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْغُسْلُ. لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، لَكِنْ قَالَ الْأَزَجِيُّ، وَأَبُو الْمَعَالِي: الْمَسْأَلَةُ بِمَا إذَا رَآهُ بِبَاطِنِ ثَوْبِهِ. قُلْت: وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ مُرَادُ الْأَصْحَابِ فِيمَا يَظْهَرُ. وَحَيْثُ وَجَبَ عَلَيْهِ الْغُسْلُ فَيَلْزَمُهُ إعَادَةُ مَا صَلَّى قَبْلَ ذَلِكَ، حَتَّى يَتَيَقَّنَ. فَيَعْمَلَ بِالْيَقِينِ فِي ذَلِكَ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: بِغَلَبَةِ ظَنِّهِ. تَنْبِيهٌ: الْمُرَادُ بِالْوُجُوبِ: إذَا أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ الْمَنِيُّ مِنْهُ، كَابْنِ عَشْرٍ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقَالَ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ: ابْنُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً. قَالَهُ ابْنُ تَمِيمٍ. وَفِيهِ وَجْهٌ: ابْنُ تِسْعِ سِنِينَ، جَزَمَ بِهِ فِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ، وَيَأْتِي ذَلِكَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي كِتَابِ اللِّعَانِ. فَوَائِدُ: إحْدَاهُمَا: لَوْ انْتَبَهَ بَالِغٌ أَوْ مَنْ يُحْتَمَلُ بُلُوغُهُ. فَوَجَدَ بَلَلًا، جَهِلَ أَنَّهُ مَنِيٌّ: وَجَبَ الْغُسْلُ مُطْلَقًا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَنْهُ يَجِبُ مَعَ الْحُلُمِ. وَعَنْهُ لَا يَجِبُ مُطْلَقًا. ذَكَرَهَا الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَفِيهِ نَظَرٌ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: فَهَلْ يُحْكَمُ
بِأَنَّهُ مَنِيٌّ؟ وَهُوَ الْمَشْهُورُ، أَوْ مَذْيٌ. وَإِلَيْهِ مَيْلُ أَبِي مُحَمَّدٍ فِيهِ رِوَايَتَانِ. فَعَلَى الْمَذْهَبِ يَغْسِلُ بَدَنَهُ وَثَوْبَهُ احْتِيَاطًا. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَعَلَّ ظَاهِرَهُ لَا يَجِبُ. وَلِهَذَا قَالُوا: وَإِنْ وَجَدَهُ يَقِظَةً وَشَكَّ، فِيهِ: تَوَضَّأَ. وَلَا يَلْزَمُهُ غُسْلُ ثَوْبِهِ وَبَدَنِهِ. وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ حُكْمُ غَيْرِ الْمَنِيِّ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ يَلْزَمُهُ حُكْمُهُمَا. انْتَهَى. وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْغُسْلُ: لَا يَلْزَمُهُ أَيْضًا غُسْلُ ثَوْبِهِ. ذَكَرَهُ فِي الْفُنُونِ عَنْ الشَّرِيفِ أَبِي جَعْفَرٍ. وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْقَاعِدَةِ الْخَامِسَةَ عَشْرَ. وَقَالَ: يَنْبَغِي عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ: أَنْ لَا يَجُوزَ لَهُ الصَّلَاةُ قَبْلَ الِاغْتِسَالِ فِي ذَلِكَ الثَّوْبِ قَبْلَ غَسْلِهِ، لِأَنَّا نَتَيَقَّنُ وُجُودَ الْمُفْسِدِ لِلصَّلَاةِ لَا مَحَالَةَ. تَنْبِيهٌ: مَحَلُّ الْخِلَافِ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ: إذَا لَمْ يَسْبِقْ نَوْمَهُ مُلَاعَبَةٌ، أَوْ بَرْدٌ، أَوْ نَظَرٌ، أَوْ فِكْرٌ، أَوْ نَحْوُهُ. فَإِنْ سَبَقَ نَوْمَهُ ذَلِكَ: لَمْ يَجِبْ الْغُسْلُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَنْهُ يَجِبُ. وَعَنْهُ يَجِبُ مَعَ الْحُلُمِ. قَالَ فِي النُّكَتِ: وَقَطَعَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ بِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْغُسْلُ إنْ ذَكَرَ احْتِلَامًا، سَوَاءٌ تَقَدَّمَ نَوْمَهُ فِكْرٌ أَوْ مُلَاعَبَةٌ أَوْ لَا. قَالَ: وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ. الثَّانِيَةُ: إذَا احْتَلَمَ وَلَمْ يَجِدْ بَلَلًا: لَمْ يَجِبْ الْغُسْلُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ إجْمَاعًا. وَعَنْهُ يَجِبُ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَأَغْرَبَ ابْنُ أَبِي مُوسَى فِي حِكَايَتِهِ رِوَايَةً بِالْوُجُوبِ. وَعَنْهُ يَجِبُ إنْ وَجَدَ لَذَّةَ الْإِنْزَالِ وَإِلَّا فَلَا. الثَّالِثَةُ: لَا يَجِبُ الْغُسْلُ إذَا رَأَى مَنِيًّا فِي ثَوْبٍ يَنَامُ فِيهِ هُوَ وَغَيْرُهُ، وَكَانَا مِنْ أَهْلِ الِاحْتِلَامِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَنْهُ يَجِبُ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ. فَعَلَى الْمَذْهَبِ: لَا يَجُوزُ أَنْ يُصَافَّهُ، وَلَا يَأْتَمَّ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ. وَتَقَدَّمَ نَظِيرُهَا فِي الْخِتَانِ. وَمِثْلُهُ لَوْ سَمِعَا رِيحًا مِنْ أَحَدِهِمَا. وَلَا يُعْلَمُ مِنْ أَيُّهَا هِيَ؟ وَكَذَا كُلُّ اثْنَيْنِ تُيُقِّنَ مُوجِبُ الطَّهَارَةِ مِنْ أَحَدِهِمَا لَا بِعَيْنِهِ.
قَوْلُهُ (فَإِنْ أَحَسَّ بِانْتِقَالِهِ، فَأَمْسَكَ ذَكَرَهُ، فَلَمْ يَخْرُجْ. فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ) وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْإِيضَاحِ، وَالنَّظْمِ، وَالْهَادِي، وَالْكَافِي، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَتَيْنِ وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ. إحْدَاهُمَا: يَجِبُ الْغُسْلُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ بْنُ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَحَرْبٍ. قَالَ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالشَّرْحِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ وَغَيْرِهِمْ: هَذَا الْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هِيَ الْمَنْصُوصَةُ عَنْ أَحْمَدَ الْمُخْتَارَةُ لِعَامَّةِ أَصْحَابِهِ، حَتَّى إنَّ جُمْهُورَهُمْ جَزَمُوا بِهِ. وَاخْتَارَهَا الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ. وَلَمْ يَذْكُرُوا خِلَافًا. قَالَ فِي التَّلْخِيصِ: وَهَذَا أَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ، قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ: يَجِبُ عَلَى الْأَصَحِّ. وَنَصَرَهَا الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: النَّصُّ وُجُوبُهُ. وَأَنْكَرَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَنْ يَكُونَ الْمَاءُ يَرْجِعُ. وَصَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ، وَغَيْرِهِمْ [وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ، وَالْفَائِقِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَغَيْرِهِمْ] وَهُوَ مِنْ مُفْرَدَاتِ الْمَذْهَبِ. وَالثَّانِيَةُ: لَا يَجِبُ الْغُسْلُ حَتَّى يَخْرُجَ، وَلَوْ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ. اخْتَارَهَا الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَصَاحِبُ الْفَائِقِ، وَالشَّرِيفُ فِيمَا حَكَاهُ عَنْهُ الشِّيرَازِيُّ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ فِي الْفُرُوعِ. اخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: فَعَلَيْهَا يُعِيدُ مَا صَلَّى لَمَّا انْتَقَلَ انْتَهَى. وَمَا رَأَيْته لِغَيْرِهِ. فَإِذَا خَرَجَ اغْتَسَلَ بِلَا نِزَاعٍ. فَعَلَى الْمَذْهَبِ: لَا يَثْبُتُ حُكْمُ الْبُلُوغِ. وَالْفِطْرُ وَفَسَادُ النُّسُكِ، وَوُجُوبُ الْكَفَّارَةِ وَغَيْرُ ذَلِكَ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَهُوَ ظَاهِرُ اخْتِيَارِهِ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى.
وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ تَثْبُتُ بِذَلِكَ جَمِيعُ الْأَحْكَامِ. وَقَالَهُ الْقَاضِي فِي تَعْلِيقِهِ الْتِزَامًا، وَقَدَّمَهُ الزَّرْكَشِيُّ. قُلْت: وَهُوَ أَوْلَى. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَهُوَ بَعِيدٌ. وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ ذَكَرَهُمَا الْقَاضِي. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَالْفَائِقِ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ، قُلْت: وَإِنْ لَمْ يَجِبْ بِخُرُوجِهِ بَعْدَ الْغُسْلِ لَمْ يَجِبْ بِانْتِقَالِهِ، بَلْ أَوْلَى. تَنْبِيهٌ: قَالَ فِي الْفُرُوعِ، فِي الْفَائِقِ: لَوْ خَرَجَ الْمَنِيُّ إلَى قُلْفَةِ الْأَقْلَفِ. أَوْ فَرْجِ الْمَرْأَةِ وَجَبَ الْغُسْلُ. رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَجَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ. وَحَكَاهُ ابْنُ تَمِيمٍ عَنْ بَعْضِ الْأَصْحَابِ. قَوْلُهُ (فَإِنْ خَرَجَ بَعْدَ الْغُسْلِ، أَوْ خَرَجَتْ بَقِيَّةُ الْمَنِيِّ: لَمْ يَجِبْ الْغُسْلُ) . يَعْنِي: عَلَى الْقَوْلِ بِوُجُوبِ الْغُسْلِ بِالِانْتِقَالِ مِنْ غَيْرِ خُرُوجٍ. وَهَذَا الْمَذْهَبُ وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ. وَقَالَ الْخَلَّالُ: تَوَاتَرَتْ الرِّوَايَاتُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا الْوُضُوءُ، بَالَ أَوْ لَمْ يَبُلْ عَلَى هَذَا اسْتَقَرَّ قَوْلُهُ. قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ: هَذَا الْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ. قَالَ فِي الْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: هَذَا الْمَذْهَبُ زَادَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: وَالْأَقْوَى، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ. وَاخْتَارَهُ الْخَلَّالُ، وَابْنُ أَبِي مُوسَى، وَالْمَجْدُ وَغَيْرُهُمْ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ، وَغَيْرِهِمْ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْكَافِي، وَابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ وَغَيْرِهِمْ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ. وَعَنْهُ يَجِبُ. اخْتَارَهَا الْمُصَنِّفُ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ. وَعَنْهُ يَجِبُ إذَا خَرَجَ قَبْلَ الْبَوْلِ، دُونَ مَا بَعْدَهُ. اخْتَارَهَا الْقَاضِي فِي التَّعْلِيقِ. وَأَطْلَقَهُنَّ فِي الْهِدَايَةِ. وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ. وَالْخُلَاصَةِ، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَغَيْرِهِمْ. وَعَنْهُ عَكْسُهَا. فَيَجِبُ الْغُسْلُ لِخُرُوجِهِ بَعْدَ الْغُسْلِ، دُونَ مَا قَبْلَهُ. ذَكَرَهَا الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ.
وَمِنْهَا: خَرَّجَ الْمَجْدُ الْغُسْلَ بِخُرُوجِ الْمَنِيِّ مِنْ غَيْرِ شَهْوَةٍ، كَمَا تَقَدَّمَ عَنْهُ. وَأَطْلَقَهُنَّ ابْنُ تَمِيمٍ، وَالزَّرْكَشِيُّ. وَفِيهِ وَجْهٌ: لَا غُسْلَ عَلَيْهِ، إلَّا أَنْ تَنْزِلَ لِشَهْوَةٍ. فَوَائِدُ مِنْهَا: أَنَّ الْحُكْمَ إذَا جَامَعَ فَلَمْ يُنْزِلْ وَاغْتَسَلَ ثُمَّ خَرَجَ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ كَذَلِكَ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَجَزَمَ جَمَاعَةٌ بِوُجُوبِ الْغُسْلِ هُنَا. مِنْهُمْ ابْنُ تَمِيمٍ، فَقَالَ: وَإِنْ جَامَعَ وَأَكْسَلَ، فَاغْتَسَلَ ثُمَّ أَنْزَلَ: فَعَلَيْهِ الْغُسْلُ، نَصَّ عَلَيْهِ وَفِيهِ وَجْهٌ: لَا غُسْلَ إلَّا أَنْ يُنْزِلَ لِشَهْوَةٍ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَالنَّصُّ يَغْتَسِلُ ثَانِيًا. وَمِنْهَا: قِيَاسُ انْتِقَالِ الْمَنِيِّ: انْتِقَالُ الْحَيْضِ. قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. وَمِنْهَا: لَوْ خَرَجَ مِنْ امْرَأَةٍ مَنِيُّ رَجُلٍ بَعْدَ الْغُسْلِ، فَلَا غُسْلَ عَلَيْهَا. وَيَكْفِيهَا الْوُضُوءُ، نَصَّ عَلَيْهِ. وَلَوْ وَطِئَ دُونَ الْفَرْجِ وَدَبَّ مَاؤُهُ فَدَخَلَ الْفَرْجَ ثُمَّ خَرَجَ. فَلَا غُسْلَ عَلَيْهَا أَيْضًا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ. وَحُكِيَ عَنْ ابْنِ عَقِيلٍ: أَنَّ عَلَيْهَا الْغُسْلَ، وَهُوَ وَجْهٌ حَكَاهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ وَغَيْرِهِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِيهَا وَفِيمَا إذَا دَخَلَ فَرْجَهَا مِنْ مَنِيِّ امْرَأَةٍ بِسِحَاقٍ، ثُمَّ قَالَ: وَالنَّصُّ عَدَمُهُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ الْمَقْطُوعُ بِهِ وَتَقَدَّمَ الْوُضُوءُ مِنْ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ. تَنْبِيهَاتٌ: أَحَدُهُمَا: يَعْنِي بِقَوْلِهِ (الثَّانِي: الْتِقَاءُ الْخِتَانَيْنِ) ، وَهُوَ تَغْيِيبُ الْحَشَفَةِ فِي الْفَرْجِ، أَوْ قَدْرِهَا. قَالَهُ الْأَصْحَابُ. وَصَرَّحَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِي بَابِ الرَّجْعَةِ. وَذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى الصَّغِيرُ تَوْجِيهًا بِوُجُوبِ الْغُسْلِ بِغَيْبُوبَةِ بَعْضِ الْحَشَفَةِ. انْتَهَى. وَمُرَادُهُ: إذَا وُجِدَ ذَلِكَ بِلَا حَائِلٍ. فَإِنْ وُجِدَ حَائِلٌ مِثْلُ أَنْ لَفَّ عَلَيْهِ خِرْقَةً، أَوْ أَدْخَلَهُ فِي كِيسٍ لَمْ يَجِبْ الْغُسْلُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَقِيلَ: يَجِبُ أَيْضًا، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي
الْمُسْتَوْعِبِ، وَالنَّظْمِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ. فَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي: هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ. حَكَاهُمَا فِي الرِّعَايَتَيْنِ وَأَطْلَقَهُمَا، وَالصَّحِيحُ عَلَى الْمَذْهَبِ: وُجُوبُ الْوُضُوءِ أَيْضًا. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. مِنْهُمْ الْمَجْدُ، وَغَيْرُهُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَغَيْرِهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ. وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ مُسْتَوْفًى فِي نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ، بَعْدَ قَوْلِهِ " الرِّدَّةُ " فِي الْفَائِدَةِ. الثَّانِي: دَخَلَ فِي كَلَامِهِ: لَوْ كَانَا نَائِمًا، أَوْ مَجْنُونًا، أَوْ اسْتَدْخَلَتْ امْرَأَةٌ الْحَشَفَةَ، وَهُوَ كَذَلِكَ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ، فَيَجِبُ الْغُسْلُ عَلَى النَّائِمِ وَالْمَجْنُونِ. قُلْت: فَيُعَايَى بِهَا. وَقِيلَ: لَا غُسْلَ عَلَيْهِمَا، قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ. فَقَالَ: وَلَوْ اسْتَدْخَلَتْ امْرَأَةٌ حَشَفَةَ نَائِمٍ أَوْ مَجْنُونٍ. أَوْ مَيِّتٍ أَوْ بَهِيمَةٍ: اغْتَسَلَتْ. وَقِيلَ: وَيَغْتَسِلُ النَّائِمُ إذَا انْتَبَهَ، وَالْمَجْنُونُ إذَا أَفَاقَ. قُلْت: يُعَايِي بِهَا أَيْضًا. الثَّالِثُ: وَقَدْ يَدْخُلُ فِي كَلَامِهِ أَيْضًا: لَوْ اسْتَدْخَلَتْ حَشَفَةَ مَيِّتٍ: أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْغُسْلُ وَهُوَ وَجْهٌ. فَيُعَادُ غُسْلُهُ. فَيُعَايَى بِهَا، وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ لَا يَجِبُ بِذَلِكَ غُسْلُ الْمَيِّتِ، قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. قُلْت: فَيُعَايَى بِهَا أَيْضًا. وَأَمَّا الْمَرْأَةُ: فَيَجِبُ عَلَيْهَا الْغُسْلُ فِي الْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ. وَلَوْ اسْتَدْخَلَتْ ذَكَرَ بَهِيمَةٍ، فَكَوَطْءِ الْبَهِيمَةِ، عَلَى مَا يَأْتِي بَعْدَ ذَلِكَ قَرِيبًا. الرَّابِعُ: شَمِلَ قَوْلُهُ (تَغَيَّبَتْ الْحَشَفَةُ فِي الْفَرْجِ) الْبَالِغِ وَغَيْرِهِ أَمَّا الْبَالِغُ: فَلَا نِزَاعَ فِيهِ. وَأَمَّا غَيْرُهُ: فَالْمَذْهَبُ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ: أَنَّهُ
كَالْبَالِغِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ. قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ. وَقِيلَ: لَا يَجِبُ عَلَى غَيْرِ الْبَالِغِ غُسْلٌ. اخْتَارَهُ الْقَاضِي. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ. وَقَالَ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ فِي فَتَاوِيهِ: لَا نُسَمِّيهِ جُنُبًا، لِأَنَّهُ لَا مَاءَ لَهُ. ثُمَّ إنْ وَجَدَ شَهْوَةً لَزِمَهُ وَإِلَّا أُمِرَ بِهِ لِيَعْتَادَهُ. فَعَلَى الْمَذْهَبِ: يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ يُجَامِعُ مِثْلُهُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي التَّلْخِيصِ وَغَيْرِهِ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ عُبَيْدَانَ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَغَيْرُهُمْ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَهُوَ ظَاهِرُ إطْلَاقِ الْأَكْثَرِينَ. وَقَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ وَغَيْرِهِمْ: يُشْتَرَطُ كَوْنُ الذَّكَرِ ابْنَ عَشْرِ سِنِينَ، وَالْأُنْثَى تِسْعٍ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: الْمُرَادُ بِهَذَا مَا قَبْلَهُ يَعْنِي كَوْنَ الذَّكَرِ ابْنَ عَشْرِ سِنِينَ وَالْأُنْثَى ابْنَةَ تِسْعٍ، وَهُوَ الَّذِي يُجَامِعُ مِثْلُهُ قَالَ: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ. وَلَيْسَ عَنْهُ خِلَافُهُ. انْتَهَى. وَيَرْتَفِعُ حَدَثُهُ بِغُسْلِهِ قَبْلَ الْبُلُوغِ. وَعَلَى الْمَذْهَبِ الْمَنْصُوصِ أَيْضًا: يَلْزَمُهُ الْغُسْلُ عَلَى الصَّحِيحِ عِنْدَ إرَادَةِ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْغُسْلُ أَوْ الْوُضُوءُ، أَوْ مَاتَ شَهِيدًا قَبْلَ فِعْلِهِ. وَعَدَّ فِي الرِّعَايَةِ، وَغَيْرِهِ: هَذَا قَوْلًا وَاحِدًا ذَكَرَهُ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ. وَقِيلَ: بَابُ الْمِيَاهِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالْأَوْلَى أَنَّ هَذَا مُرَادُ الْمَنْصُوصِ، أَوْ يُغَسَّلُ لَوْ مَاتَ. وَلَعَلَّهُ مُرَادُ الْإِمَامِ. انْتَهَى. فَائِدَةٌ: يَجِبُ عَلَى الصَّبِيِّ الْوُضُوءُ بِمُوجِبَاتِهِ. وَجَعَلَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ مِثْلَ مَسْأَلَةِ الْغُسْلِ: إلْزَامُهُ بِاسْتِجْمَارٍ وَنَحْوِهِ. فَائِدَةٌ: قَالَ النَّاظِمُ: يَتَعَلَّقُ بِالْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ سِتَّةَ عَشَرَ حُكْمًا. فَقَالَ: وَتَقْضِي مُلَاقَاةُ الْخِتَانِ بِعِدَّةِ أَوْجُهٍ ... وَغُسْلٍ مَعَ ثُيُوبَةٍ تُمَهِّدْ وَتَقْرِيرِ مَهْرٍ وَاسْتِبَاحَةِ أَوَّلٍ ... وَإِلْحَاقِ أَنْسَابٍ وَإِحْصَانِ مُعْتَدِ وَفَيْئَةِ مُولٍ مَعَ زَوَالٍ لِعُنَّةٍ ... وَتَقْرِيرِ تَكْفِيرِ الظِّهَارِ تَعَدُّدِ وَإِفْسَادِهَا كَفَّارَةً فِي ظِهَارِهِ ... وَكَوْنِ الْإِمَاءِ صَارَتْ فِرَاشًا لِسَيِّدِ وَتَحْرِيمِ إصْهَارٍ وَقَطْعِ تَتَابُعِ الصِّيَامِ ... وَحِنْثِ الْحَالِفِ الْمُتَشَدِّدِ
انْتَهَى. وَاَلَّذِي يَظْهَرُ: أَنَّ الْأَحْكَامَ الْمُتَعَلِّقَةَ بِالْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ كَالْأَحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْوَطْءِ الْكَامِلِ. لَا فَارِقَ بَيْنَهُمَا. وَقَدْ رَأَيْت لِبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ عَدَدَ الْأَحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ. وَعَدَّهَا سَبْعِينَ حُكْمًا. أَكْثَرُهَا مُوَافِقٌ لِمَذْهَبِنَا. وَعَدُّ النَّاظِمِ لَيْسَ بِحَصْرٍ. تَنْبِيهٌ: مُرَادُهُ بِقَوْلِهِ " قُبُلًا " الْقُبُلُ الْأَصْلِيُّ. فَلَا غُسْلَ بِوَطْءٍ قَبْلَ غَيْرِ أَصْلِيٍّ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَقِيلَ: يَجِبُ. قَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى الصَّغِيرُ: لَوْ أَوْلَجَ رَجُلٌ فِي قُبُلِ خُنْثَى مُشْكِلٍ: هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْغُسْلُ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَوْ جَامَعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْخُنْثَيَيْنِ الْآخَرَ بِالذَّكَرِ فِي الْقُبُلِ لَزِمَهُمَا الْغُسْلُ. قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَتَبِعَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ: هَذَا وَهْمٌ فَاحِشٌ. ذَكَرَ نَقِيضَهُ بَعْدَ أَسْطُرٍ. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَهُوَ سَهْوٌ. قَوْلُهُ (أَوْ دُبُرًا) هَذَا الْمَذْهَبُ، نَصَّ عَلَيْهِ. فَيَجِبُ عَلَى الْوَاطِئِ وَالْمَوْطُوءِ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ. وَقِيلَ: لَا يَجِبُ. وَأَطْلَقَهُمَا النَّاظِمُ. وَقِيلَ: يَجِبُ عَلَى الْوَاطِئِ دُونَ الْمَوْطُوءِ. قَوْلُهُ (مِنْ آدَمِيٍّ أَوْ بَهِيمَةٍ) هَذَا الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، حَتَّى لَوْ كَانَ سَمَكَةً. حَكَاهُ الْقَاضِي فِي التَّعْلِيقِ. وَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ: لَا يَجِبُ بِمُجَرَّدِ الْإِيلَاجِ فِي الْبَهِيمَةِ غُسْلٌ، وَلَا فِطْرٌ، وَلَا كَفَّارَةٌ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ. ذَكَرَهُ عَنْهُ فِي بَابِ مَا يُفْسِدُ الصَّوْمَ وَبَابُ حَدِّ الزِّنَى. قَوْلُهُ (حَيٍّ أَوْ مَيِّتٍ) الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: وُجُوبُ الْغُسْلِ بِوَطْءِ الْمَيِّتَةِ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَقَطَعَ بِهِ أَكْثَرُهُمْ. وَقِيلَ: لَا يَجِبُ الْغُسْلُ بِوَطْءِ الْمَيِّتَةِ. فَأَمَّا الْمَيِّتُ: فَلَا يُعَادُ غُسْلُهُ إذَا وُطِئَ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ. وَقِيلَ: يُعَادُ غُسْلُهُ.
قَالَ فِي الْحَاوِي الْكَبِيرِ: وَمَنْ وَطِئَ مَيِّتًا بَعْدَ غُسْلِهِ: أُعِيدَ غُسْلُهُ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ. وَاخْتَارَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. قَالَ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ: وَيَجِبُ الْغُسْلُ عَلَى كُلِّ وَاطِئٍ وَمَوْطُوءٍ، إذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الْغُسْلِ، سَوَاءٌ كَانَ الْفَرْجُ قُبُلًا أَوْ دُبُرًا، مِنْ كُلِّ آدَمِيٍّ أَوْ بَهِيمَةٍ حَيًّا أَوْ مَيِّتًا. انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: هَلْ يَجِبُ غُسْلُ الْمَيِّتِ بِإِيلَاجٍ فِي فَرْجِهِ؟ يُحْتَمَلُ وَجْهَيْنِ. وَتَابَعَهُ ابْنُ عُبَيْدَانَ عَلَى ذَلِكَ. وَتَقَدَّمَ قَرِيبًا لَوْ اسْتَدْخَلَتْ حَشَفَةَ مَيِّتٍ: هَلْ يُعَادُ غُسْلُهُ؟ فَائِدَةٌ: لَوْ قَالَتْ امْرَأَةٌ: لِي جِنِّيٌّ يُجَامِعُنِي كَالرَّجُلِ. فَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي. لَا غُسْلَ عَلَيْهَا لِعَدَمِ الْإِيلَاجِ وَالِاحْتِلَامِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَفِيهِ نَظَرٌ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي قَوْله تَعَالَى {لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ} [الرحمن: 56] فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْجِنِّيَّ يَغْشَى الْمَرْأَةَ كَالْإِنْسِ. انْتَهَى. قُلْت: الصَّوَابُ وُجُوبُ الْغُسْلِ. قَوْلُهُ (الثَّالِثُ: إسْلَامُ الْكَافِرِ، أَصْلِيًّا كَانَ أَوْ مُرْتَدًّا) هَذَا الْمَذْهَبُ، نَصَّ عَلَيْهِ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. مِنْهُمْ: أَبُو بَكْرٍ فِي التَّنْبِيهِ، وَسَوَاءٌ وُجِدَ مِنْهُ مَا يُوجِبُ الْغُسْلَ أَوْ لَا. وَسَوَاءٌ اغْتَسَلَ لَهُ قَبْلَ إسْلَامِهِ أَوْ لَا. وَعَنْهُ لَا يَجِبُ بِالْإِسْلَامِ غُسْلٌ، بَلْ يُسْتَحَبُّ. قُلْت: وَهُوَ أَوْلَى، وَهُوَ قَوْلٌ فِي الرِّعَايَةِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ فِي غَيْرِ التَّنْبِيهِ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا غُسْلَ عَلَيْهِ إلَّا إذَا وُجِدَ مِنْهُ فِي حَالِ كُفْرِهِ مَا يُوجِبُ الْغُسْلَ مِنْ الْجَنَابَةِ وَنَحْوِهَا. اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ. وَحَكَاهُ الْمَذْهَبُ فِي الْكَافِي رِوَايَةً. وَلَيْسَ كَذَلِكَ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَأَغْرَبَ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي الْكَافِي، فَحَكَى ذَلِكَ رِوَايَةً، وَهُوَ كَمَا قَالَ. وَقِيلَ: يَجِبُ بِالْكُفْرِ وَالْإِسْلَامِ بِشَرْطِهِ. فَعَلَى الْمَذْهَبِ: لَوْ وُجِدَ سَبَبٌ مِنْ الْأَسْبَابِ الْمُوجِبَةِ لِلْغُسْلِ فِي حَالِ كُفْرِهِ: لَمْ
يَلْزَمْهُ لَهُ غُسْلٌ إذَا أَسْلَمَ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ بَلْ يَكْتَفِي بِغُسْلِ الْإِسْلَامِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ، وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ: أَسْبَابُهُ الْمُوجِبَةُ لَهُ فِي الْكُفْرِ كَثِيرَةٌ. وَبَنَاهُ أَبُو الْمَعَالِي عَلَى مُخَاطَبَتِهِمْ. فَإِنْ قُلْنَا: هُمْ مُخَاطَبُونَ، لَزِمَهُ الْغُسْلُ. وَإِلَّا فَلَا. وَعَلَى الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ: يَلْزَمُهُ الْغُسْلُ. اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَمَنْ تَابَعَهُ. كَمَا تَقَدَّمَ لِوُجُودِ السَّبَبِ الْمُوجِبِ لِلْغُسْلِ. كَالْوُضُوءِ. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ، وَصَاحِبُ الْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ. الرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَا يُوجِبُ الْإِسْلَامَ غُسْلًا، إلَّا أَنْ يَكُونَ وُجِدَ سَبَبُهُ قَبْلَهُ. فَلَزِمَهُ بِذَلِكَ فِي أَظْهَرِ الْوَجْهَيْنِ. انْتَهَى. وَقِيلَ: لَا يَلْزَمُهُ عَلَيْهِمَا غُسْلٌ مُطْلَقًا. ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ. فَلَوْ اغْتَسَلَ فِي حَالِ كُفْرِهِ أَعَادَ عَلَى قَوْلِهِمْ جَمِيعًا عَلَى الصَّحِيحِ، قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: لَمْ يُجْزِئْهُ غُسْلُهُ حَالَ كُفْرِهِ فِي الْأَشْهَرِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَقَالَ الْقَاضِي فِي شَرْحِهِ: هَذَا إذَا لَمْ نُوجِبْ الْغُسْلَ. وَقِيلَ: لَا يُعِيدُهُ. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ، إنْ اعْتَقَدَ وُجُوبَهُ. قَالَ: بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ يُثَابُ عَلَى الطَّاعَةِ فِي حَالِ كُفْرِهِ إذَا أَسْلَمَ، وَأَنَّهُ كَمَنْ تَزَوَّجَ مُطَلَّقَتَهُ ثَلَاثًا مُعْتَقِدًا حِلَّهَا، وَفِيهِ رِوَايَتَانِ. انْتَهَى. تَنْبِيهٌ: هَذَا الْحُكْمُ فِي غَيْرِ الْحَائِضِ. أَمَّا الْحَائِضُ إذَا اغْتَسَلَتْ لِزَوْجِهَا، أَوْ سَيِّدِهَا الْمُسْلِمِ: فَإِنَّهُ يَصِحُّ، وَلَا يَلْزَمُهَا إعَادَتُهُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فِي الْأَصَحِّ. وَقِيلَ: هِيَ كَالْكَافِرِ إذَا اغْتَسَلَ فِي حَالِ كُفْرِهِ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ. قَالَ أَبُو الْفَرَجِ بْنُ أَبِي الْفَهْمِ: إذَا اغْتَسَلَتْ الذِّمِّيَّةُ مِنْ الْحَيْضِ لِأَجْلِ الزَّوْجِ ثُمَّ أَسْلَمَتْ: يُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَلْزَمَهَا إعَادَةُ الْغُسْلِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَلْزَمَهَا. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: لَوْ اغْتَسَلَتْ كِتَابِيَّةٌ عَنْ حَيْضٍ، أَوْ نِفَاسٍ. لِوَطْءِ زَوْجٍ مُسْلِمٍ، أَوْ سَيِّدٍ مُسْلِمٍ: صَحَّ وَلَمْ يَجِبْ. وَقِيلَ: يَجِبُ عَلَى الْأَصَحِّ. وَفِي غُسْلِهَا مِنْ جَنَابَةٍ وَجْهَانِ. وَقِيلَ: رِوَايَتَانِ. فَإِذَا أَسْلَمَتْ قَبْلَ وَطْئِهِ سَقَطَ. وَقِيلَ: لَا. وَقِيلَ: إنْ وَجَبَ حَالَ الْكُفْرِ بِطَلَبِهَا. فَالْوَجْهَانِ. وَلَا يَصِحُّ غُسْلُ كَافِرَةٍ غَيْرَهَا. انْتَهَى.
تَنْبِيهٌ: أَلْحَقَ الْمُصَنِّفُ الْمُرْتَدَّ بِالْكَافِرِ الْأَصْلِيِّ، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَقِيلَ: لَا غُسْلَ عَلَى الْمُرْتَدِّ إنْ أَوْجَبْنَاهُ عَلَى الْأَصَحِّ. قَوْلُهُ (الرَّابِعُ: الْمَوْتُ) الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ وُجُوبُ الْغُسْلِ بِالْمَوْتِ مُطْلَقًا. وَقِيلَ: لَا يَجِبُ مَعَ حَيْضٍ وَنِفَاسٍ. قُلْت: وَهُوَ بَعِيدٌ جِدًّا. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ بَعْدَ ذَلِكَ: قُلْت إنْ قُلْنَا: يَجِبُ الْغُسْلُ بِالْحَيْضِ، فَانْقِطَاعُهُ شَرْطٌ لِصِحَّتِهِ، وَأَنَّهُ يَصِحُّ غُسْلُهَا لِلْجَنَابَةِ قَبْلَ الِانْقِطَاعِ: وَجَبَ غُسْلُ الْحَائِضِ الْمَيِّتَةَ. وَإِلَّا فَلَا. انْتَهَى. قَوْلُهُ (وَالْخَامِسُ: الْحَيْضُ. وَالسَّادِسُ: النِّفَاسُ) الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وُجُوبُ الْغُسْلِ بِخُرُوجِ دَمِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ، جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ، قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. وَغَيْرِهِمْ وَصَحَّحَهُ فِي الشَّرْحِ، وَشَرْحِ الْمَجْدِ، وَالْفَائِقِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ. وَغَيْرُهُمْ. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ، وَغَيْرُهُ، عَنْ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ " وَالطُّهْرُ بَيْنَ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ " هَذَا تَجَوُّزٌ مِنْ أَبِي الْقَاسِمِ. فَإِنَّ الْمُوجِبَ لِلْغُسْلِ فِي التَّحْقِيقِ: هُوَ الْحَيْضُ وَالنِّفَاسُ. وَانْقِطَاعُهُ شَرْطُ وُجُوبِ الْغُسْلِ وَصِحَّتُهُ. فَسَمَّاهُ مُوجِبًا. انْتَهَى. وَاقْتَصَرَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ فِي الْمُغْنِي. وَقِيلَ: هَذَا يَجِبُ بِانْقِطَاعِهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ: وَمِنْهُ الْحَيْضُ وَالنِّفَاسُ إذَا فَرَغَا وَانْقَطَعَا. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: هُوَ أَشْهَرُ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي التَّذْكِرَةِ كَقَوْلِ الْخِرَقِيِّ، وَقَالَ ابْنُ الْبَنَّا كَقَوْلِ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ: وَانْقِطَاعُ دَمِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ. وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ. تَنْبِيهٌ: تَظْهَرُ فَائِدَةُ الْخِلَافِ: إذَا اسْتَشْهَدَتْ الْحَائِضُ قَبْلَ الطُّهْرِ. فَإِنْ قُلْنَا:
يَجِبُ الْغُسْلُ بِخُرُوجِ الدَّمِ: وَجَبَ غُسْلُهَا لِلْحَيْضِ، وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَجِبُ إلَّا بِالِانْقِطَاعِ: لَمْ يَجِبْ الْغُسْلُ؛ لِأَنَّ الشَّهِيدَةَ لَا تُغَسَّلُ. وَلَوْ لَمْ يَنْقَطِعْ الدَّمُ الْمُوجِبُ لِلْغُسْلِ. قَالَهُ الْمَجْدُ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَصَاحِبُ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ، وَغَيْرِهِمْ. قَالَ الطُّوفِيُّ فِي شَرْحِ الْخِرَقِيِّ: وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ الْخِلَافِ: فِيمَا إذَا اسْتَشْهَدَتْ الْحَائِضُ قَبْلَ الطُّهْرِ. هَلْ تُغَسَّلُ لِلْحَيْضِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ. إنْ قُلْنَا: يَجِبُ الْغُسْلُ عَلَيْهَا بِخُرُوجِ الدَّمِ: غُسِّلَتْ لِسَبْقِ الْوُجُوبِ. وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَجِبُ إلَّا بِانْقِطَاعِ الدَّمِ: لَمْ يَجِبْ. انْتَهَى وَقَطَعَ جَمَاعَةٌ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْغُسْلُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ. مِنْهُمْ: الْمُصَنِّفُ؛ لِأَنَّ الطُّهْرَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الْغُسْلِ، أَوْ فِي السَّبَبِ الْمُوجِبِ لَهُ. وَلَمْ يُوجَدْ. قَالَ الطُّوفِيُّ فِي شَرْحِهِ بَعْدَمَا ذُكِرَ مَا تَقَدَّمَ وَعَلَى هَذَا التَّفْرِيعِ إشْكَالٌ، وَهُوَ أَنَّ الْمَوْتَ إمَّا أَنْ يُنَزَّلَ مَنْزِلَةَ انْقِطَاعِ الدَّمِ أَوْ لَا. فَإِنْ نُزِّلَ مَنْزِلَتَهُ لَزِمَ وُجُوبُ الْغُسْلِ لِتَحَقُّقِ سَبَبِ وُجُوبِهِ وَشَرْطِهِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ، وَإِنْ لَمْ يُنَزَّلْ مَنْزِلَةَ انْقِطَاعِ الدَّمِ فَهِيَ فِي حُكْمِ الْحَائِضِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ. فَلَا يَجِبُ غُسْلُهَا؛ لِأَنَّا إنْ قُلْنَا: الْمُوجِبُ هُوَ الِانْقِطَاعُ، فَسَبَبُ الْوُجُوبِ مُنْتَفٍ، وَإِنْ قُلْنَا: الْمُوجِبُ خُرُوجُ الدَّمِ. فَشَرْطُ الْوُجُوبِ وَهُوَ الِانْقِطَاعُ مُنْتَفٍ. وَالْحُكْمُ يَنْتَفِي لِانْتِفَاءِ شَرْطِهِ. انْتَهَى. وَذَكَرَ أَبُو الْمَعَالِي عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ وَهُوَ وُجُوبُ الْغُسْلِ بِالْخُرُوجِ احْتِمَالَيْنِ، لِتَحْقِيقِ الشَّرْطِ بِالْمَوْتِ، وَهُوَ غَيْرُ مُوجِبٍ. انْتَهَى. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَقَدْ يَنْبَنِي أَيْضًا عَلَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ: أَنَّهُ لَا يَجِبُ، بَلْ لَا يَصِحُّ غُسْلُ مَيِّتَةٍ مَعَ قِيَامِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ شَهِيدَةً وَهُوَ قَوِيٌّ فِي الْمَذْهَبِ، لَكِنْ لَا بُدَّ أَنْ يُلْحَظَ فِيهِ: أَنَّ غُسْلَهَا لِلْجَنَابَةِ قَبْلَ انْقِطَاعِ دَمِهَا لَا يَصِحُّ، لِقِيَامِ الْحَدَثِ. كَمَا هُوَ رَأْيُ ابْنِ عَقِيلٍ فِي التَّذْكِرَةِ، وَإِذًا لَا يَصِحُّ غُسْلُ الْمَوْتِ لِقِيَامِ الْحَدَثِ كَالْجَنَابَةِ. وَإِذَا لَمْ يَصِحَّ لَمْ يَجِبْ حِذَارًا مِنْ تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ، وَالْمَذْهَبُ صِحَّةُ غُسْلِهَا لِلْجَنَابَةِ قَبْلَ ذَلِكَ، فَيَنْتَفِي هَذَا الْبِنَاءُ. انْتَهَى.
قُلْت: هَذَا الْقَوْلُ الَّذِي حَكَاهُ بِعَدَمِ صِحَّةِ غُسْلِ الْمَيِّتَةِ: لَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ: أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْإِجْمَاعِ. وَتَقَدَّمَ قَرِيبًا. وَقَالَ الطُّوفِيُّ فِي شَرْحِ الْخِرَقِيِّ. فَرْعٌ: لَوْ أَسْلَمَتْ الْحَائِضُ أَوْ النُّفَسَاءُ قَبْلَ انْقِطَاعِ الدَّمِ. فَإِنْ قُلْنَا: يَجِبُ الْغُسْلُ عَلَى مَنْ أَسْلَمَ مُطْلَقًا: لَزِمَهَا الْغُسْلُ إذَا طَهُرَتْ لِلْإِسْلَامِ. فَيَتَدَاخَلُ الْغُسْلَانِ. وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَجِبُ، خَرَجَ وُجُوبُ الْغُسْلِ عَلَيْهَا عِنْدَ انْقِطَاعِ الدَّمِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي مُوجِبِهِ إنْ قُلْنَا: يَجِبُ بِخُرُوجِ الدَّمِ، فَلَا غُسْلَ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ حَالَ الْكُفْرِ، وَقَدْ سَقَطَ بِالْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ. وَالتَّقْدِيرُ: أَنْ لَا غُسْلَ عَلَى مَنْ أَسْلَمَ. وَعَلَى هَذَا تُغَسَّلُ عِنْدَ الطُّهْرِ نَظَافَةً لَا عِبَادَةً، حَتَّى لَوْ لَمْ تَنْوِ أَجْزَأَهَا، وَإِنْ قُلْنَا: يَجِبُ بِالِانْقِطَاعِ لَزِمَهَا الْغُسْلُ؛ لِأَنَّ سَبَبَ وُجُوبِهِ وُجِدَ حَالَ الْإِسْلَامِ. فَصَارَتْ كَالْمُسْلِمَةِ الْأَصْلِيَّةِ. قَالَ: وَهَذَا الْفَرْعُ إنَّمَا اسْتَخْرَجْته وَلَمْ أَرَهُ لِأَحَدٍ. وَلَا سَمِعْته مِنْهُ وَلَا عَنْهُ إلَى هَذَا الْحِينِ. وَإِنَّمَا أَقُولُ هَذَا حَيْثُ قُلْته تَمْيِيزًا لِلْمَقُولِ عَنْ الْمَنْقُولِ. أَدَاءً لِلْأَمَانَةِ. انْتَهَى فَائِدَةٌ: لَا يَجِبُ عَلَى الْحَائِضِ غُسْلٌ فِي حَالِ حَيْضِهَا مِنْ الْجَنَابَةِ وَنَحْوِهَا، وَلَكِنْ يَصِحُّ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ فِيهَا، وَنَصَّ عَلَيْهِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَابْنُ تَمِيمٍ. وَاخْتَارَهُ فِي الْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ فِي هَذَا الْبَابِ. وَعَنْهُ لَا يَصِحُّ، جَزَمَ بِهِ ابْنُ عَقِيلٍ فِي التَّذْكِرَةِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى فِي مَوْضِعٍ، وَالْفَائِقِ فِي بَابِ الْحَيْضِ. وَعَنْهُ يَجِبُ. وَجَزَمَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ وُضُوءُهَا. قَالَ فِي النُّكَتِ: صَرَّحَ غَيْرُ وَاحِدٍ بِأَنَّ طَهَارَتَهَا لَا تَصِحُّ. فَعَلَى الْمَذْهَبِ: يُسْتَحَبُّ غُسْلُهَا كَذَلِكَ، قَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ. قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: يُسْتَحَبُّ غُسْلُهَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ. وَاخْتَارَهُ الْمَجْدُ. انْتَهَى. وَعَنْهُ لَا يُسْتَحَبُّ، قَدَّمَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ. وَيَصِحُّ غُسْلُ
الْحَيْضِ. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ وَغَيْرُهُمَا: وَلِذَا لَا تَمْنَعُ الْجَنَابَةُ غُسْلَ الْحَيْضِ، مَعَ وُجُودِ الْجَنَابَةِ، مِثْلُ إنْ أَجْنَبَتْ فِي أَثْنَاءِ غُسْلِهَا مِنْ الْحَيْضِ. وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ فِيمَا إذَا اجْتَمَعَتْ أَحْدَاثٌ. قَوْلُهُ (وَفِي الْوِلَادَةِ الْعَرِيَّةُ عَنْ الدَّمِ وَجْهَانِ) . وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَالْهِدَايَةِ، وَالْفُصُولِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالْمَذْهَبِ الْأَحْمَدِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَالْفَائِقِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ، وَالزَّرْكَشِيُّ. قَالَ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ، فِي بَابِ الْحَيْضِ: وَالْوَجْهُ الْغُسْلُ. فَأَمَّا الْوِلَادَةُ الْخَالِيَةُ عَنْ الدَّمِ: فَقِيلَ لَا غُسْلَ عَلَيْهَا. وَقِيلَ: فِيهَا وَجْهَانِ. انْتَهَى. أَحَدُهُمَا: لَا يَجِبُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ، وَالْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ. وَالطَّرِيقِ الْأَقْرَبِ، وَغَيْرِهِمْ. لِعَدَمِ ذِكْرِهِمْ لِذَلِكَ. قَالَهُ الطُّوفِيُّ فِي شَرْحِ الْخِرَقِيِّ، وَالْمَجْدِ، وَالشَّارِحِ، وَابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْكَافِي، وَابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ فِي بَابِ الْحَيْضِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَجِبُ، وَهُوَ رِوَايَةٌ فِي الْكَافِي. اخْتَارَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى، وَابْنُ عَقِيلٍ فِي التَّذْكِرَةِ، وَابْنُ الْبَنَّا. وَجَزَمَ بِهِ الْقَاضِي فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى فِي بَابِ الْحَيْضِ. تَنْبِيهَانِ أَحَدُهُمَا: قَوْلُهُ " الْعَرِيَّةُ عَنْ الدَّمِ " مِنْ زَوَائِدِ: الشَّارِحِ. الثَّانِي: حَكَى الْخِلَافَ وَجْهَيْنِ، كَمَا حَكَاهُ الْمُصَنِّفُ، وَصَاحِبُ الْهِدَايَةِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالْمَجْدِ، وَالنَّظْمِ، وَابْنُ تَمِيمٍ وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَابْنُ رَزِينٍ، وَالطُّوفِيُّ فِي شَرْحِهِ وَغَيْرُهُمْ. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ: فَإِنْ عَرَتْ الْمَرْأَةُ عَنْ
نِفَاسٍ وَهَذَا لَا يُتَصَوَّرُ إلَّا فِي السِّقْطِ فَهَلْ يَجِبُ الْغُسْلُ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ. وَحَكَى الْخِلَافَ رِوَايَتَيْنِ فِي الْكَافِي، وَالْفُرُوعِ. فَائِدَةٌ: اخْتَلَفَ الْأَصْحَابُ فِي الْعِلَّةِ الْمُوجِبَةِ لِلْغُسْلِ فِي الْوِلَادَةِ الْعَرِيَّةِ عَنْ الدَّمِ، فَقِيلَ وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَهُمْ إنَّ الْوِلَادَةَ مَظِنَّةٌ لِدَمِ النِّفَاسِ غَالِبًا. وَأُقِيمَتْ مَقَامَهُ كَالْوَطْءِ مَعَ الْإِنْزَالِ، وَالنَّوْمِ مَعَ الْحَدَثِ. وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ. وَقِيلَ: لِأَنَّهُ مَنِيٌّ مُنْعَقِدٌ. وَبِهِ عَلَّلَ ابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ. فَقَالَ: لِأَنَّ الْوَلَدَ مَخْلُوقٌ أَصْلُهُ الْمَنِيُّ. أَشْبَهَ الْمَنِيَّ، وَيُسْتَبْرَأُ بِهِ الرَّحِمُ. أَشْبَهَ الْحَيْضَ. انْتَهَى. وَرُدَّ ذَلِكَ بِخُرُوجِ الْعَلَقَةِ وَالْمُضْغَةِ. فَإِنَّهَا لَا تُوجِبُ الْغُسْلَ بِلَا نِزَاعٍ. وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ. فَعَلَى الْأَوَّلِ: يَحْرُمُ الْوَطْءُ قَبْلَ الْغُسْلِ، وَيَبْطُلُ الصَّوْمُ. وَعَلَى الثَّانِي: لَا يَحْرُمُ الْوَطْءُ، وَلَا يَبْطُلُ الصَّوْمُ. قَالَهُ ابْنُ تَمِيمٍ. قَالَ: وَقَالَ الْقَاضِي: مَتَى قُلْنَا بِالْغُسْلِ، حَصَلَ بِهَا الْفِطْرُ. انْتَهَى. وَكَذَا بَنَى صَاحِبُ الْفَائِقِ وَالزَّرْكَشِيُّ هَذِهِ الْأَحْكَامَ عَلَى التَّعْلِيلَيْنِ. وَأَطْلَقَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ، فِي تَحْرِيمِ الْوَطْءِ وَبُطْلَانِ الصَّوْمِ بِهِ قَبْلَ الْغُسْلِ، الْخِلَافَ عَلَى الْقَوْلِ بِوُجُوبِهِ فَائِدَةٌ: الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ الْوَلَدَ ظَاهِرٌ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالْوَلَدُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى فِي بَابِ النَّجَاسَاتِ. وَعَنْهُ لَيْسَ بِطَاهِرٍ فَيَجِبُ غُسْلُهُ. وَهُمَا وَجْهَانِ مُطْلَقًا. وَفِي مُخْتَصَرِ ابْنِ تَمِيمٍ ذَكَرَهَا فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ. فَعَلَى الْمَذْهَبِ، فِي وُجُوبِ غُسْلِ الْوَلَدِ مَعَ الدَّمِ: وَجْهَانِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ. قُلْت: الْأَوْلَى وَالْأَقْوَى: الْوُجُوبُ، لِمُلَابَسَتِهِ لِلدَّمِ وَمُخَالَطَتِهِ. تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: أَنَّهُ لَا يُوجِبُ الْغُسْلَ سِوَى هَذِهِ السَّبْعَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا وَهُوَ صَحِيحٌ. وَيَأْتِي بَعْضُ الْمَسَائِلِ فِي وُجُوبِ الْغُسْلِ، فِيهَا خِلَافٌ فِي الْأَغْسَالِ الْمُسْتَحَبَّةِ.
قَوْلُهُ (وَمَنْ لَزِمَهُ الْغُسْلُ: حَرُمَ عَلَيْهِ قِرَاءَةُ آيَةٍ فَصَاعِدًا) . وَهَذَا الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا بِلَا رَيْبٍ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ. وَعَنْهُ يَجُوزُ قِرَاءَةُ آيَةٍ. وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ عَنْ أَحْمَدَ: يَجُوزُ قِرَاءَةُ آيَةٍ وَنَحْوِهَا. قَالَ فِي التَّلْخِيصِ، وَقِيلَ: يَخْرُجُ مِنْ تَصْحِيحِ خُطْبَةِ الْجُنُبِ: جَوَازُ قِرَاءَةِ آيَةٍ، مَعَ اشْتِرَاطِهَا. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي وَاضِحِهِ، فِي مَسْأَلَةِ الْإِعْجَازِ: لَا يَحْصُلُ التَّحَدِّي بِآيَةٍ أَوْ آيَتَيْنِ. وَلِهَذَا جَوَّزَ الشَّرْعَ لِلْجُنُبِ وَالْحَائِضِ تِلَاوَتَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا إعْجَازَ فِيهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا طَالَ. وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: لَوْ قَرَأَ آيَةً لَا تَسْتَقِلُّ بِمَعْنًى أَوْ بِحُكْمٍ، كَقَوْلِهِ {ثُمَّ نَظَرَ} [المدثر: 21] أَوْ مَدّهَا مَدَّتَانِ لَمْ يَحْرُمْ، وَإِلَّا حَرُمَ. قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ، وَقِيلَ: لَا تُمْنَعُ الْحَائِضُ مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ مُطْلَقًا. اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. وَنَقَلَ الشَّافِعِيُّ كَرَاهَةَ الْقِرَاءَةِ لِلْحَائِضِ وَالْجُنُبِ. وَعَنْهُ لَا يَقْرَآنِ، وَالْحَائِضُ أَشَدُّ وَيَأْتِي ذَلِكَ أَوَّلَ بَابِ الْحَيْضِ. قَوْلُهُ (وَفِي بَعْضِ آيَةٍ رِوَايَتَانِ) . وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ وَالْكَافِي، وَالْمُغْنِي، وَالْخُلَاصَةِ، وَالتَّلْخِيصِ وَالْبُلْغَةِ، وَالنَّظْمِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ. وَغَيْرُهُمْ. إحْدَاهُمَا: الْجَوَازُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، قَالَ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ: وَيَحْرُمُ قِرَاءَةُ آيَةٍ عَلَى جُنُبٍ وَنَحْوِهِ. قَالَ فِي الْإِفَادَاتِ: لَا يَقْرَأُ آيَةً. وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَجُوزُ بَعْضُ آيَةٍ عَلَى الْأَصَحِّ، وَلَوْ كَرَّرَ، مَا لَمْ يَتَحَيَّلْ عَلَى قِرَاءَةٍ تَحْرُمُ عَلَيْهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ. قَالَ فِي الْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ: وَلَهُ قِرَاءَةُ بَعْضِ آيَةٍ تَبَرُّكًا. قُلْت: الْأَوْلَى الْجَوَازُ، إنْ لَمْ تَكُنْ طَوِيلَةً، كَآيَةِ الدَّيْنِ. وَالثَّانِيَةُ: لَا يَجُوزُ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ. وَصَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ، وَالنَّظْمِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ. قَالَ فِي الشَّرْحِ: أَظْهَرُهُمَا لَا يَجُوزُ. وَاخْتَارَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ.
فَائِدَةٌ: يَجُوزُ لِلْجُنُبِ قِرَاءَةٌ لَا تُجْزِئُ فِي الصَّلَاةِ لِإِسْرَارِهَا فِي ظَاهِرِ كَلَامِ نِهَايَةِ أَبِي الْمَعَالِي. قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: لَهُ تَحْرِيكُ شَفَتَيْهِ إذَا لَمْ يُبَيِّنْ الْحُرُوفَ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: لَهُ تَهَجِّيهِ، قَالَ فِي الرِّعَايَةِ، وَالْفُرُوعِ: وَلَهُ تَهَجِّيهِ فِي الْأَصَحِّ. وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ فِي بُطْلَانِ صَلَاةٍ بِتَهَجِّيهِ هَذَا الْخِلَافِ. وَقَالَ فِي الْفُصُولِ: تَبْطُلُ لِخُرُوجِهِ عَنْ نَظْمِهِ وَإِعْجَازِهِ. فَائِدَةٌ: قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: لَهُ قِرَاءَةُ الْبَسْمَلَةِ تَبَرُّكًا وَذِكْرًا. وَقِيلَ: أَوْ تَعَوُّذًا أَوْ اسْتِرْجَاعًا فِي مُصِيبَةٍ، لَا قِرَاءَةَ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَى الْوُضُوءِ، وَالْغُسْلِ، وَالتَّيَمُّمِ، وَالصَّيْدِ، وَالذَّبْحِ، وَلَهُ قَوْلُ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 2] عِنْدَ تَجَدُّدِ نِعْمَةٍ، إذَا لَمْ يُرِدْ الْقِرَاءَةَ. وَلَهُ التَّفَكُّرُ فِي الْقُرْآنِ. انْتَهَى. وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَهُ قَوْلُ مَا وَافَقَ قُرْآنًا وَلَمْ يَقْصِدْهُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَالذِّكْرُ. وَعَنْهُ مَا أَحَبَّ أَنْ يُؤَذِّنَ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْقُرْآنِ. قَالَ الْقَاضِي: فِي هَذَا التَّعْلِيلِ نَظَرٌ. وَعَلَّلَهُ فِي رِوَايَةِ الْمَيْمُونِيِّ: بِأَنَّهُ كَلَامٌ مَجْمُوعٌ. انْتَهَى. وَكَرِهَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ لِلْجُنُبِ: الذَّكَرِ، لَا لِلْحَائِضِ. فَائِدَةٌ: قَالَ أَبُو الْمَعَالِي فِي النِّهَايَةِ: وَلَهُ أَنْ يَنْظُرَ فِي الْمُصْحَفِ مِنْ غَيْرِ تِلَاوَةٍ وَيَقْرَأُ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ، وَهُوَ سَاكِتٌ؛ لِأَنَّهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَا يُنْسَبُ إلَى قِرَاءَةٍ. قَوْلُهُ (يَجُوزُ لَهُ الْعُبُورُ فِي الْمَسْجِدِ) يَجُوزُ لِلْجُنُبِ عُبُورُ الْمَسْجِدِ مُطْلَقًا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْهِدَايَةِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْفَائِقِ، وَغَيْرِهِمْ. لِإِطْلَاقِهِمْ إبَاحَةَ الْعُبُورِ لَهُ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ إلَّا لِحَاجَةٍ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا قَطَعَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْمَجْدِ فِي شَرْحِهِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَابْنُ تَمِيمٍ.، وَصَاحِبُ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَغَيْرِهِمْ. لِاقْتِصَارِهِمْ عَلَى الْإِبَاحَةِ لِأَجْلِ الْحَاجَةِ،
وَصَرَّحَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ بِذَلِكَ. وَحَمَلَ ابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ عَلَى ذَلِكَ. فَائِدَةٌ: كَوْنُ الْمَسْجِدِ طَرِيقًا قَرِيبًا: حَاجَةٌ. قَالَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ. وَتَبِعَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَغَيْرِهِمْ. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ. وَكَوْنُ الطَّرِيقِ أَخْصَرَ: نَوْعُ حَاجَةٍ. ذَكَرَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا. انْتَهَى. قَالَ فِي الْفُرُوعِ، فِي آخِرِ الْوَقْفِ: كَرِهَ أَحْمَدُ اتِّخَاذَهُ طَرِيقًا. وَمَنَعَ شَيْخُنَا مِنْ اتِّخَاذِهِ طَرِيقًا. انْتَهَى. وَأَمَّا مُرُورُ الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ: فَيَأْتِي حُكْمُهُ فِي أَوَّلِ بَابِ الْحَيْضِ، وَإِنْ شَمِلَهُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ هُنَا، وَيَأْتِي قَرِيبًا إذَا انْقَطَعَ دَمُهَا. فَائِدَةٌ: حَيْثُ أَبَحْنَا لِلْكَافِرِ دُخُولَ الْمَسْجِدِ: فَفِي مَنْعِهِ وَهُوَ جُنُبٌ وَجْهَانِ. قَالَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْآدَابِ الْكُبْرَى، وَالْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَابْنُ تَمِيمٍ: ذَكَرَهُ فِي بَابِ مَوَاضِعِ الصَّلَاةِ، وَالْفُرُوعِ. ذَكَرَهُ فِي بَابِ أَحْكَامِ الذِّمَّةِ. قُلْت: ظَاهِرُ كَلَامِ مَنْ جَوَّزَ لَهُمْ الدُّخُولَ: الْإِطْلَاقُ. وَأَكْثَرُهُمْ يَحْصُلُ لَهُ الْجَنَابَةُ. وَلَمْ نَعْلَمْ أَحَدًا قَالَ بِاسْتِفْسَارِهِمْ، وَهُوَ الْأَوْلَى. وَيَأْتِي ذَلِكَ فِي أَحْكَامِ الذِّمَّةِ. وَبَنَى الْخِلَافَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ عَلَى مُخَاطَبَتِهِمْ بِالْفُرُوعِ وَعَدَمِهَا. فَائِدَةٌ: يُمْنَعُ السَّكْرَانُ مِنْ الْعُبُورِ فِي الْمَسْجِدِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَلِلْقَاضِي فِي الْخِلَافِ جَوَابٌ بِأَنَّهُ لَا يُمْنَعُ. وَيُمْنَعُ أَيْضًا مَنْ عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ مِنْ اللُّبْثِ فِيهِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالْمُرَادُ وَتَتَعَدَّى، كَظَاهِرِ كَلَامِ الْقَاضِي. قَالَ بَعْضُهُمْ: وَيَتَيَمَّمُ لَهَا لِعُذْرٍ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ ضَعِيفٌ. قُلْت: لَوْ قِيلَ بِالْمَنْعِ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، لَكَانَ لَهُ وَجْهٌ، صِيَانَةً لَهُ عَنْ دُخُولِ النَّجَاسَةِ إلَيْهِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ. وَيُمْنَعُ أَيْضًا الْمَجْنُونُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: يُكْرَهُ، كَصَغِيرٍ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ فِيهِ. وَأَطْلَقَ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ مَنْعَ الصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ. وَنَقَلَ
مُهَنَّا: يَنْبَغِي أَنْ يُجَنَّبَ الصِّبْيَانَ الْمَسَاجِدَ. وَقَالَ فِي النَّصِيحَةِ: يُمْنَعُ الصَّغِيرُ مِنْ اللَّعِبِ فِيهِ، لَا لِصَلَاةٍ وَقِرَاءَةٍ، وَهُوَ مَعْنَى كَلَامِ ابْنِ بَطَّةَ وَغَيْرِهِ. قَوْلُهُ (وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ اللُّبْثُ فِيهِ إلَّا أَنْ يَتَوَضَّأَ) هَذَا الْمَذْهَبُ فِي غَيْرِ الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَجَزَمَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَهُوَ مِنْ مُفْرَدَاتِ الْمَذْهَبِ. وَعَنْهُ لَا يَجُوزُ، وَإِنْ تَوَضَّأَ. نَقَلَهَا أَبُو الْفَرَجِ الشِّيرَازِيُّ. وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ. قَالَهُ فِي الْفَائِقِ. وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ. وَعَنْهُ يَجُوزُ، وَإِنْ لَمْ يَتَوَضَّأْ. ذَكَرَهَا فِي الرِّعَايَةِ. وَنَقَلَهَا الْخَطَّابِيُّ عَنْ أَحْمَدَ. وَقِيلَ: فِي جُلُوسِهِ فِيهِ بِلَا غُسْلٍ وَلَا وُضُوءٍ رِوَايَتَانِ. وَتَقَدَّمَ حُكْمُ الْكَافِرِ إذَا جَازَ لَهُ دُخُولُ الْمَسْجِدِ. فَوَائِدُ مِنْهَا: لَوْ تَعَذَّرَ الْوُضُوءُ عَلَى الْجُنُبِ، وَاحْتَاجَ إلَى اللُّبْثِ: جَازَ لَهُ مِنْ غَيْرِ تَيَمُّمٍ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالْحَاوِي، وَغَيْرُهُمْ. وَقَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَأَبُو الْمَعَالِي: يَتَيَمَّمُ. قَالَ فِي الْمُغْنِي: الْقَوْلُ بِعَدَمِ التَّيَمُّمِ غَيْرُ صَحِيحٍ، قَالَ فِي الْحَاوِي الْكَبِيرِ: وَهُوَ الْأَقْوَى عِنْدِي. وَأَمَّا لُبْثُهُ فِيهِ لِأَجْلِ الْغُسْلِ: فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يَتَيَمَّمُ. وَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ وَغَيْرُهُ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَفِيهِ بُعْدٌ، مَعَ اقْتِصَارِهِ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: لَا يَتَيَمَّمُ. وَمِنْهَا: مُصَلَّى الْعِيدِ: مَسْجِدٌ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ. وَمَنَعَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ الْحَائِضَ مِنْهُ. وَلَمْ يَمْنَعْهَا فِي النَّصِيحَةِ مِنْهُ. وَأَمَّا مُصَلَّى الْجَنَائِزِ. فَلَيْسَ بِمَسْجِدٍ قَوْلًا وَاحِدًا. وَمِنْهَا: حُكْمُ الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ بَعْدَ انْقِطَاعِ الدَّمِ: حُكْمُ الْجُنُبِ فِيمَا تَقَرَّرَ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. وَقِيلَ: لَا يُبَاحُ لَهُمَا مَا يُبَاحُ لِلْجُنُبِ
كَمَا قَبْلَ طُهْرِهِمَا، نَصَّ عَلَيْهِ، وَيَأْتِي ذَلِكَ فِي بَابِ الْحَيْضِ. قَوْلُهُ (وَالْأَغْسَالُ الْمُسْتَحَبَّةُ ثَلَاثَةَ عَشَرَ غُسْلًا: لِلْجُمُعَةِ) يَعْنِي أَحَدُهَا: الْغُسْلُ لِلْجُمُعَةِ. وَهَذَا الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَنَصَّ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ يَجِبُ عَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ. اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، لَكِنْ يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ اتِّفَاقًا. وَأَوْجَبَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ مِنْ عَرَقٍ أَوْ رِيحٍ، يَتَأَذَّى بِهِ النَّاسُ، وَهُوَ مِنْ مُفْرَدَاتِ الْمَذْهَبِ أَيْضًا. تَنْبِيهٌ: مَحَلُّ الِاسْتِحْبَابِ، أَوْ الْوُجُوبِ حَيْثُ قُلْنَا بِهِ أَنْ يَكُونَ فِي يَوْمِهَا لِحَاضِرِهَا إنْ صَلَّى. فَائِدَةٌ: الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ الْمَرْأَةَ لَا يُسْتَحَبُّ لَهَا الِاغْتِسَالُ لِلْجُمُعَةِ. نَصَّ عَلَيْهِ. وَقِيلَ: يُسْتَحَبُّ لَهَا. قَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ: وَمَنْ لَا يَكُونُ لَهُ الْحُضُورُ مِنْ النِّسَاءِ يُسَنُّ لَهَا الْغُسْلُ. قَالَ الشَّارِحُ: فَإِنْ أَتَاهَا مَنْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ: سُنَّ لَهُ الْغُسْلُ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَةُ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْفَائِقِ. وَقِيلَ: لَا يُسْتَحَبُّ لِلصَّبِيِّ وَالْمُسَافِرِ. وَيَأْتِي فِي الْجُمُعَةِ وَقْتُ الْغُسْلِ، وَوَقْتُ فَضِيلَتِهِ، وَهَلْ وَهُوَ آكَدُ الْأَغْسَالِ؟ قَوْلُهُ (وَالْعِيدَيْنِ) هَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ. وَقِيلَ: يَجِبُ. تَنْبِيهٌ: مَحَلُّ الِاسْتِحْبَابِ، أَوْ الْوُجُوبِ: أَنْ يَكُونَ حَاضِرَهُمَا وَيُصَلِّيَ، سَوَاءٌ صَلَّى وَحْدَهُ أَوْ فِي جَمَاعَةٍ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: لَا يُسْتَحَبُّ إلَّا إذَا صَلَّى فِي الْجَمَاعَةِ. قَالَ فِي التَّلْخِيصِ: لَيْسَ لِمَنْ حَضَرَهُ وَإِنْ لَمْ يُصَلِّ. قَوْلُهُ (وَالِاسْتِسْقَاءُ وَالْكُسُوفُ)
هَذَا الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، قَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ. وَقِيلَ: لَا يُسْتَحَبُّ الْغُسْلُ لَهُمَا. ذَكَرَهُ فِي التَّبْصِرَةِ، وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ. فَائِدَةٌ: وَقْتُ مَسْنُونِيَّةِ الْغُسْلِ: مِنْ طُلُوعِ فَجْرِ يَوْمِ الْعِيدِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي، وَالْآمِدِيِّ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَغَيْرُهُمْ. وَعَنْهُ لَهُ الْغُسْلُ بَعْدَ نِصْفِ لَيْلَتِهِ. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ: وَالْمَنْصُوصُ: أَنَّهُ يُصِيبُ السُّنَّةَ قَبْلَ الْفَجْرِ وَبَعْدَهُ. وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: فِي جَمِيعِ لَيْلَتِهِ، أَوْ بَعْدَ نِصْفِهَا كَالْأَذَانِ. فَإِنَّهُ أَقْرَبُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَيَجِيءُ مِنْ قَوْلِهِ وَجْهٌ ثَالِثٌ يَخْتَصُّ بِالسَّحَرِ كَالْأَذَانِ. قُلْت: لَوْ قِيلَ: يَكُونُ وَقْتُ الْغُسْلِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْإِدْرَاكِ وَعَدَمِهِ لَكَانَ لَهُ وَجْهٌ. وَوَقْتُ الْغُسْلِ لِلِاسْتِسْقَاءِ: عِنْدَ إرَادَةِ الْخُرُوجِ لِلصَّلَاةِ. وَالْكُسُوفِ: عِنْدَ وُقُوعِهِ. وَفِي الْحَجِّ: عِنْدَ إرَادَةِ فِعْلِ النُّسُكِ الَّذِي يُغْتَسَلُ لَهُ قَرِيبًا مِنْهُ. قَوْلُهُ (وَمِنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ) الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: اسْتِحْبَابُ الْغُسْلِ مِنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ لَا يُسْتَحَبُّ. وَهُوَ وَجْهٌ ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَا يَجِبُ وَلَا يُسْتَحَبُّ. قَالَ: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ. وَعَنْهُ يَجِبُ مِنْ الْكَافِرِ. وَقِيلَ: يَجِبُ مِنْ غُسْلِ الْحَيِّ أَيْضًا. وَقِيلَ: يَجِبُ مُطْلَقًا. قَوْلُهُ (وَالْمَجْنُونِ، وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ، إذَا أَفَاقَا مِنْ غَيْرِ احْتِلَامٍ) هَذَا الْمَذْهَبُ بِهَذَا الْقَيْدِ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ. وَعَنْهُ لَا يَجِبُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمَذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ. وَقِيلَ: يَجِبُ مَعَ وُجُودِ الْبِلَّةِ. قَالَهُ أَبُو الْخَطَّابِ. وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَلَا يَجِبُ بِالْجُنُونِ وَالْإِغْمَاءِ غُسْلٌ، وَإِنْ وَجَدَ بِلَّةً. إلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ مَنِيٌّ. وَعَنْهُ يَجِبُ بِهِمَا. وَفِيهِ وَجْهٌ يَجِبُ إنْ كَانَ ثَمَّ بِلَّةٌ مُحْتَمَلَةٌ. وَإِلَّا فَلَا. وَيَأْتِي كَلَامُهُ
فِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا. قَالَ ابْنُ الْبَنَّا: إنْ قِيلَ: إنَّ الْمَجْنُونَ يُنْزِلُ: وَجَبَ عَلَيْهِ الْغُسْلُ قَالَ الطُّوفِيُّ فِي شَرْحِ الْخِرَقِيِّ، بَعْدَ كَلَامِ ابْنِ الْبَنَّا: وَهَذَا إشَارَةٌ إلَى تَرْتِيبِ الْخِلَافِ عَلَى أَنَّ الْمَجْنُونَ يُنْزِلُ أَوْ لَا يُنْزِلُ. وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: إنْ تَيَقَّنَ الْحُلُمَ وَجَبَ وَإِلَّا فَلَا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنْ تَيَقَّنَ وَجَبَ. وَإِلَّا فَرِوَايَتَانِ. قُلْت: مَأْخَذُهَا: إمَّا التَّرْتِيبُ عَلَى احْتِمَالِ الْإِنْزَالِ وَعَدَمِهِ، أَوْ النَّظَرُ إلَى أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْإِنْزَالِ تَارَةً، وَإِلَى الِاحْتِيَاطِ؛ لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ الْإِنْزَالِ تَارَةً أُخْرَى. قُلْت: التَّحْقِيقُ: أَنْ يُقَالَ: إنْ تَيَقَّنَ الْإِنْزَالَ وَجَبَ الْغُسْلُ، أَوْ عَدَمُهُ فَلَا يَجِبُ، وَإِنْ تَرَدَّدَ فِيهِ، فَهُوَ مَحَلُّ الْخِلَافِ، وَإِنْ ظَنَّهُ ظَنًّا: فَهَلْ يُلْحَقُ بِمَا إذَا تَيَقَّنَ، أَوْ بِمَا إذَا شَكَّ فِيهِ؟ أَوْ يُخَرَّجُ عَلَى تَعَارُضِ الْأَصْلِ وَالظَّاهِرِ؟ إذْ الظَّاهِرُ الْإِنْزَالُ. وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: إنْ تَحَقَّقَ الْإِنْزَالُ وَجَبَ، وَإِلَّا خَرَجَ عَلَى فِعْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: هَلْ هُوَ لِلْوُجُوبِ، أَوْ لِلنَّدْبِ؟ عَلَى مَا عُرِفَ فِي الْأُصُولِ، وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا: أَنَّهُ لِلْوُجُوبِ. وَهَذَا التَّقْرِيرُ يَقْتَضِي: أَنَّهُ وَاجِبٌ مُطْلَقًا، تَيَقَّنَ الْإِنْزَالَ أَوْ لَا. وَلَكِنَّ الْمَشْهُورَ عِنْدَهُمْ: أَنَّهُ لَا يَجِبُ بِدُونِ تَيَقُّنِ الْإِنْزَالِ. إطْرَاحًا لِلشَّكِّ، وَاسْتِصْحَابًا لِلْيَقِينِ. وَحَكَى ذَلِكَ ابْنُ الْمُنْذِرِ إجْمَاعًا، وَهُوَ مَعَ احْتِمَالِهِ وَالِاخْتِلَافِ فِيهِ عَنْ أَحْمَدَ وَأَصْحَابِهِ عَجِيبٌ. انْتَهَى كَلَامُ الطُّوفِيِّ. تَنْبِيهٌ: مَفْهُومُ قَوْلِهِ " إذَا أَفَاقَا مِنْ غَيْرِ احْتِلَامٍ " أَنَّهُمَا إذَا احْتَلَمَا مِنْ ذَلِكَ يَجِبُ الْغُسْلُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى: وَفِي وُجُوبِ الْغُسْلِ بِالْإِغْمَاءِ وَالْجُنُونِ مُطْلَقًا رِوَايَتَانِ. وَقِيلَ: إنْ أَنْزَلَا وَجَبَ، وَإِلَّا فَلَا. وَقَالَ فِي الْكُبْرَى: وَفِي الْإِغْمَاءِ وَالْجُنُونِ مُطْلَقًا. وَقِيلَ: بِلَا احْتِلَامٍ، رِوَايَتَانِ. وَقِيلَ: إنْ أَنْزَلَا مَنِيًّا. وَقِيلَ أَوْ مَا يَحْتَمِلُهُ: وَجَبَ الْغُسْلُ، وَإِلَّا سُنَّ. وَقَالَ فِي الْحَاوِي الصَّغِيرِ: وَفِي الْإِغْمَاءِ وَالْجُنُونِ بِلَا حُلْمٍ رِوَايَتَانِ. وَقَالَ
أَبُو الْخَطَّابِ: إنْ لَمْ يَتَيَقَّنْ مِنْهُمَا الْإِنْزَالُ فَلَا غُسْلَ عَلَيْهِمَا. انْتَهَى. وَقَدْ يُفْهَمُ مِنْ الرِّعَايَتَيْنِ: أَنَّ لَنَا رِوَايَةً بِعَدَمِ الْوُجُوبِ، وَإِنْ أَنْزَلَ. وَلَمْ أَجِدْ أَحَدًا صَرَّحَ بِذَلِكَ، وَهُوَ بَعِيدٌ جِدًّا مَعَ تَحَقُّقِ الْإِنْزَالِ. قَوْلُهُ (وَغُسْلُ الْمُسْتَحَاضَةِ لِكُلِّ صَلَاةٍ) هَذَا الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ. وَعَنْهُ يَجِبُ. حَكَاهَا فِي التَّبْصِرَةِ وَمَنْ بَعْدَهُ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: يُسَنُّ غُسْلُهَا لِكُلِّ صَلَاةٍ. ثُمَّ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ، ثُمَّ لِكُلِّ صَلَاةِ جَمْعٍ فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ. وَقِيلَ: فِي السَّفَرِ، ثُمَّ فِي كُلِّ يَوْمٍ مَرَّةً مَعَ الْوُضُوءِ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ. وَعَنْهُ يَجِبُ غُسْلُهَا لِكُلِّ صَلَاةٍ. وَقِيلَ: إذَا جَمَعَتْ بَيْنَ صَلَاتَيْنِ فَلَا. انْتَهَى. تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ قَوْلِهِ (وَالْغُسْلُ لِلْإِحْرَامِ) دُخُولُ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، وَالطَّاهِرِ وَالْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ، وَهُوَ صَحِيحٌ، صَرَّحَ بِهِ الْأَصْحَابُ. قَوْلُهُ (وَدُخُولِ مَكَّةَ، وَالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، وَالْمَبِيتِ بِمُزْدَلِفَةَ، وَرَمْيِ الْجِمَارِ، وَالطَّوَافِ) ، هَذَا الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: عَدَمَ اسْتِحْبَابِ الْغُسْلِ لِلْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، وَطَوَافِ الْوَدَاعِ، وَالْمَبِيتِ بِمُزْدَلِفَةَ، وَرَمْيِ الْجِمَارِ. وَقَالَ: وَلَوْ قُلْنَا بِاسْتِحْبَابِ الْغُسْلِ لِدُخُولِ مَكَّةَ: كَانَ الْغُسْلُ لِلطَّوَافِ بَعْدَ ذَلِكَ فِيهِ نَوْعُ عَبَثٍ لَا مَعْنَى لَهُ. فَائِدَةٌ: قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَغَيْرِهِ: يُسْتَحَبُّ الْغُسْلُ لِدُخُولِ مَكَّةَ. وَلَوْ كَانَتْ حَائِضًا، أَوْ نُفَسَاءَ. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لَا يُسْتَحَبُّ لَهَا ذَلِكَ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَمِثْلُهُ أَغْسَالُ الْحَجِّ. تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ حَصْرِهِ الْأَغْسَالُ الْمُسْتَحَبَّةُ فِي الثَّلَاثَةَ عَشَرَ الْمُسَمَّاةِ: أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ الْغُسْلُ لِغَيْرِ ذَلِكَ. وَبَقِيَ مَسَائِلُ لَمْ يَذْكُرْهَا.
مِنْهَا: مَا نَقَلَهُ صَالِحٌ: أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِدُخُولِ الْحَرَمِ. وَمِنْهَا: مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ فِي مَنْسَكِهِ. أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلسَّعْيِ. وَمِنْهَا: مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الزَّاغُونِيُّ فِي مَنْسَكِهِ عَنْ صَاحِبِ الْإِشَارَةِ، الْمَذْهَبُ: أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَيَالِيَ مِنًى. وَمِنْهَا: اسْتِحْبَابُهُ لِدُخُولِ الْمَدِينَةِ الْمُشَرَّفَةِ عَلَى سَاكِنِهَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ، وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ، قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَمِنْهَا: اسْتِحْبَابُهُ لِكُلِّ اجْتِمَاعٍ يُسْتَحَبُّ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ. قَالَ ابْنُ عُبَيْدَانَ: هَذَا قِيَاسُ الْمَذْهَبِ، وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ، قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَمِنْهَا: مَا اخْتَارَهُ صَاحِبُ الرِّعَايَةِ: أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلصَّبِيِّ إذَا بَلَغَ بِالسِّنِّ وَالْإِنْبَاتِ. وَلَمْ أَرَهُ لِغَيْرِهِ. وَمِنْهَا: الْغُسْلُ لِلْحِجَامَةِ، عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ. اخْتَارَهُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ، وَالْمَجْدُ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ، وَصَاحِبُ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ. وَصَحَّحَاهُ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. وَعَنْهُ لَا يُسْتَحَبُّ. وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ. فَوَائِدُ الْأُولَى: الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ الْغُسْلَ مِنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ: آكَدُ الْأَغْسَالِ. ثُمَّ بَعْدَهُ غُسْلُ الْجُمُعَةِ آكَدُ الْأَغْسَالِ. وَقِيلَ: غُسْلُ الْجُمُعَةِ آكَدُ مُطْلَقًا قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَصَحَّحَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. وَقِيلَ: غُسْلُ الْمَيِّتِ آكَدُ مُطْلَقًا. وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ. وَالثَّانِيَةُ: يَجُوزُ أَنْ يَتَيَمَّمَ لِمَا يُسْتَحَبُّ الْغُسْلُ لَهُ لِلْحَاجَةِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَنَقَلَهُ صَالِحٌ فِي الْإِحْرَامِ. وَقِيلَ: لَا يَتَيَمَّمُ. وَاخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ
مِنْ الْأَصْحَابِ فِي الْإِحْرَامِ عَلَى مَا يَأْتِي. وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ عُبَيْدَانَ. وَقِيلَ: يَتَيَمَّمُ لِغَيْرِ الْإِحْرَامِ. وَالثَّالِثَةُ: يَتَيَمَّمُ لِمَا يُسْتَحَبُّ الْوُضُوءُ لَهُ لِعُذْرٍ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَظَاهِرُ مَا قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ: أَنَّهُ لَا يَتَيَمَّمُ لِغَيْرِ عُذْرٍ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَتَيَمُّمُهُ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ يَحْتَمِلُ عَدَمَ الْمَاءِ. قَالَ: وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ فِي رَدِّهِ السَّلَامَ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ، لِئَلَّا يَفُوتَ الْمَقْصُودُ، وَهُوَ رَدُّهُ عَلَى الْفَوْرِ. وَجَوَّزَ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ: التَّيَمُّمَ لِمَا يُسْتَحَبُّ لَهُ الْوُضُوءُ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ، فَخَفَّ أَمْرُهَا. وَتَقَدَّمَ مَا تُسَنُّ لَهُ الطَّهَارَةُ فِي بَابِ الْوُضُوءِ، عِنْدَ قَوْلِهِ " فَإِنْ نَوَى مَا تُسَنُّ لَهُ الطَّهَارَةُ ". قَوْلُهُ: فِي صِفَةِ الْغُسْلِ (وَهُوَ ضَرْبَانِ. كَامِلٌ يَأْتِي فِيهِ بِعَشَرَةِ أَشْيَاءَ: النِّيَّةُ، وَالتَّسْمِيَةُ، وَغَسْلُ يَدَيْهِ ثَلَاثًا قَبْلَ الْغُسْلِ، وَغَسْلُ مَا بِهِ مِنْ أَذًى، وَالْوُضُوءُ) . الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يَتَوَضَّأُ وُضُوءًا كَامِلًا قَبْلَ الْغُسْلِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا. وَعَنْهُ الْأَفْضَلُ: أَنْ يُؤَخِّرَ غَسْلَ رِجْلَيْهِ حَتَّى يَغْتَسِلَ. وَعَنْهُ غُسْلُ رِجْلَيْهِ مَعَ الْوُضُوءِ، وَتَأْخِيرُ غَسْلِهِمَا حَتَّى يَغْتَسِلَ سَوَاءً فِي الْأَفْضَلِيَّةِ، وَأَطْلَقَهُنَّ ابْنُ تَمِيمٍ. وَعَنْهُ الْوُضُوءُ بَعْدَ الْغُسْلِ أَفْضَلُ. وَعَنْهُ الْوُضُوءُ قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ سَوَاءٌ. تَنْبِيهٌ: يَحْتَمِلُ قَوْلُهُ (وَيَحْثِي عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثًا يَرْوِي بِهَا أُصُولَ الشَّعْرِ) : أَنَّهُ يَرْوِي بِمَجْمُوعِ الْغَرَفَاتِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ هُنَا. وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ، وَغَيْرِهِمْ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَرْوِيَ بِكُلِّ مَرَّةٍ، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: بِكُلِّ مَرَّةٍ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَرْوِي رَأْسَهُ. وَالْأَصَحُّ ثَلَاثًا، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْفَائِقِ.
وَاسْتَحَبَّ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ تَخْلِيلَ أُصُولِ شَعْرِ رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ قَبْلَ إفَاضَةِ الْمَاءِ. قَوْلُهُ (وَيُفِيضُ الْمَاءَ عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ ثَلَاثًا) ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، وَقَطَعَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْإِيضَاحِ، وَالْفُصُولِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْكَافِي، وَالْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْوَجِيزِ، وَالْفَائِقِ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ، وَغَيْرِهِمْ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَعَلَيْهِ عَامَّةُ الْأَصْحَابِ. وَقِيلَ: مَرَّةً. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، وَالْعُمْدَةِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَجَمَاعَةٍ. وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَهُوَ ظَاهِرُ الْأَحَادِيثِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ. فَائِدَةٌ: قَوْلُهُ (وَيَبْدَأُ بِشِقِّهِ الْأَيْمَنِ) بِلَا نِزَاعٍ (وَيُدَلِّكُ بَدَنَهُ بِيَدَيْهِ) بِلَا نِزَاعٍ أَيْضًا. قَالَ الْأَصْحَابُ: يَتَعَاهَدُ مَعَاطِفَ بَدَنِهِ وَسُرَّتَهُ وَتَحْتَ إبِطَيْهِ، وَمَا يَنُوءُ عَنْهُ الْمَاءُ. وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ. كَلَامُ أَحْمَدَ قَدْ يَحْتَمِلُ وُجُوبَ الدَّلْكِ. قَوْلُهُ (وَيَنْتَقِلُ مِنْ مَوْضِعِهِ) ، هَذَا الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَقَطَعَ بِهِ أَكْثَرُهُمْ. قَالَ فِي التَّسْهِيلِ وَغَيْرِهِ: وَغُسْلُ رِجْلَيْهِ نَاحِيَةً، لَا فِي حَمَّامٍ وَنَحْوِهِ. وَقَالَ فِي الْفَائِقِ: ثُمَّ يَنْتَقِلُ عَنْ مَوْضِعِهِ. وَعَنْهُ: لَا. وَعَنْهُ: إنْ خَافَ التَّلَوُّثَ. قَوْلُهُ (فَيَغْسِلُ قَدَمَيْهِ) ، هَذَا الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَقِيلَ: لَا يُعِيدُ غَسْلَهُمَا إلَّا لِطِينٍ وَنَحْوِهِ، كَالْوُضُوءِ. تَنْبِيهٌ: يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ (وَمُجْزَى) وَهُوَ أَنْ يَغْسِلَ مَا بِهِ مِنْ أَذًى يُصِيبُهُ مِنْ فَرْجِ الْمَرْأَةِ. فَإِنْ كَانَ مُرَادُهُ: فَهُوَ عَلَى الْقَوْلِ بِنَجَاسَتِهِ عَلَى مَا يَأْتِي، وَإِلَّا فَلَا فَائِدَةَ فِيهِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَعَمَّ مِنْ ذَلِكَ. فَيَكُونُ مُرَادُهُ النَّجَاسَةَ مُطْلَقًا، وَهُوَ أَوْلَى. وَحَمَلَ ابْنُ عُبَيْدَانَ كَلَامَهُ عَلَى مَا إذَا كَانَ عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ
أَوْ أَذًى، ثُمَّ قَالَ: وَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ عَلَى سَائِرِ بَدَنِهِ، أَوْ عَلَى شَيْءٍ مِنْ أَعْضَاءِ الْحَدَثِ. وَقَالَ ابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ: وَالْمُرَادُ بِهِ مَا عَلَى فَرْجِهِ مِنْ نَجَاسَةٍ أَوْ مَنِيٍّ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ. وَقَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: وَالْمُرَادُ مَا عَلَيْهِ مِنْ نَجَاسَةٍ. قَالَ: وَهُوَ أَجْوَدُ مِنْ قَوْلِ أَبِي الْخَطَّابِ: أَنْ يَغْسِلَ فَرْجَهُ. انْتَهَى. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: مُرَادُهُ النَّجَاسَةُ. وَاعْلَمْ أَنَّ النَّجَاسَةَ إذَا كَانَتْ عَلَى مَوْضِعٍ مِنْ الْبَدَنِ، فَتَارَةً تَمْنَعُ وُصُولَ الْمَاءِ إلَى الْبَشَرَةِ، وَتَارَةً لَا تَمْنَعُ. فَإِنْ مَنَعَتْ وُصُولَ الْمَاءِ إلَى الْبَدَنِ: فَلَا إشْكَالَ فِي تَوَقُّفِ صِحَّةِ الْغُسْلِ عَلَى زَوَالِهَا، وَإِنْ كَانَتْ لَا تَمْنَعُ. فَقَدَّمَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَصَاحِبُ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ وَصَحَّحُوهُ أَنَّ الْحَدَثَ لَا يَرْتَفِعُ إلَّا مَعَ آخِرِ غَسْلَةٍ طَهُرَ عِنْدَهَا. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ. وَقَالَ فِي النَّظْمِ: هُوَ الْأَقْوَى، وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ الْغُسْلَ يَصِحُّ قَبْلَ زَوَالِ النَّجَاسَةِ، كَالطَّاهِرَاتِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ طَائِفَةٍ مِنْ الْأَصْحَابِ. وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ. وَقِيلَ: لَا يَرْتَفِعُ الْحَدَثُ إلَّا بِغَسْلَةٍ مُفْرَدَةٍ بَعْدَ طَهَارَتِهِ. ذَكَرَهُ ابْنُ تَمِيمٍ. حَكَاهُ عَنْهُ ابْنُ عُبَيْدَانَ. فَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ: تَتَوَقَّفُ صِحَّةُ الْغُسْلِ عَلَى الْحُكْمِ بِزَوَالِ النَّجَاسَةِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي مُحَمَّدٍ فِي الْمُقْنِعِ. ثُمَّ قَالَ: لَكِنْ لَفْظُهُ يُوهِمُ زَوَالَ مَا بِهِ مِنْ أَذًى أَوَّلًا. وَهَذَا الْإِيهَامُ ظَاهِرُ مَا فِي الْمُسْتَوْعِبِ. فَإِنَّهُ قَالَ فِي الْمُجْزِئِ: يُزِيلُ مَا بِهِ مِنْ أَذًى، ثُمَّ يَنْوِي. وَتَبِعَا فِي ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَبَا الْخَطَّابِ فِي الْهِدَايَةِ لَكِنَّ لَفْظَهُ فِي ذَلِكَ أَبْيَنُ مِنْ لَفْظِهِمَا، وَأَجْرَى عَلَى الْمَذْهَبِ. فَإِنَّهُ قَالَ: يَغْسِلُ فَرْجَهُ ثُمَّ يَنْوِي. وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي الْمُجْزِئِ: يَنْوِي بَعْدَ كَمَالِ الِاسْتِنْجَاءِ، وَزَوَالِ نَجَاسَتِهِ إنْ كَانَتْ. ثُمَّ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَقَدْ يُحْمَلُ كَلَامُ أَبِي مُحَمَّدٍ وَالسَّامِرِيِّ عَلَى مَا قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ. وَيَكُونُ الْمُرَادُ بِذَلِكَ: الِاسْتِنْجَاءُ بِشَرْطِ تَقَدُّمِهِ عَلَى الْغُسْلِ كَالْمَذْهَبِ فِي الْوُضُوءِ.
لَكِنَّ هَذَا قَدْ يَشْكُلُ عَلَى أَبِي مُحَمَّدٍ، فَإِنَّ مُخْتَارَهُ فِي الْوُضُوءِ: أَنَّهُ لَا يَجِبُ تَقْدِيمُ الِاسْتِنْجَاءِ عَلَيْهِ. قَالَ: وَيَتَلَخَّصُ لِي: أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الْغُسْلِ تَقْدِيمُ الِاسْتِنْجَاءِ عَلَيْهِ، إنْ قُلْنَا يُشْتَرَطُ تَقَدُّمُهُ عَلَى الْوُضُوءِ، وَإِنْ لَمْ نَقُلْ ذَلِكَ وَكَانَتْ النَّجَاسَةُ عَلَى غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ، أَوْ عَلَيْهِمَا غَيْرَ خَارِجَةٍ مِنْهُمَا يُشْتَرَطُ التَّقْدِيمُ. ثُمَّ هَلْ يَرْتَفِعُ الْحَدَثُ مَعَ بَقَاءِ النَّجَاسَةِ، أَوْ لَا يَرْتَفِعُ إلَّا مَعَ الْحُكْمِ بِزَوَالِهَا؟ فِيهِ قَوْلَانِ. انْتَهَى كَلَامُ الزَّرْكَشِيُّ. وَذَكَرَ صَاحِبُ الْحَاوِي مَا وَافَقَ عَلَيْهِ الْمَجْدُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَهُوَ أَنَّ الْحَدَثَ لَا يَرْتَفِعُ إلَّا مَعَ آخِرِ غَسْلَةٍ طَهُرَ عِنْدَهَا، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْمُجْزِئِ غَسْلُ مَا بِهِ مِنْ أَذًى. فَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ. فَظَاهِرُهُ التَّنَاقُضُ. تَنْبِيهٌ: حَكَى أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ الْخِلَافَ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ وَجْهَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا، وَحَكَاهُ فِي الْفُرُوعِ رِوَايَتَيْنِ. قَوْلُهُ (وَيَعُمُّ بَدَنَهُ بِالْغُسْلِ) . فَشَمِلَ الشَّعْرَ وَمَا تَحْتَهُ مِنْ الْبَشَرَةِ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. قَالَ فِي الْمُغْنِي: وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ الْأَصْحَابِ. قُلْت: وَصَرَّحَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ. وَقِيلَ: لَا يَجِبُ غَسْلُ الشَّعْرِ، ذَكَرَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْقَوَاعِدِ. فَظَاهِرُهُ: إدْخَالُ الظُّفْرِ فِي الْخِلَافِ. وَنَصَرَ فِي الْمُغْنِي: أَنَّهُ لَا يَجِبُ غَسْلُ الشَّعْرِ الْمُسْتَرْسِلِ. وَقَالَ هُوَ وَصَاحِبُ الْحَاوِي الْكَبِيرِ: وَيَحْتَمِلُهُ كَلَامُ الْخِرَقِيِّ، لَكِنْ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: لَا يَظْهَرُ لِي وَجْهُ احْتِمَالِ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ لِذَلِكَ. وَقِيلَ: لَا يَجِبُ غَسْلُ بَاطِنِ شَعْرِ اللِّحْيَةِ الْكَثِيفَةِ. اخْتَارَهُ الدِّينَوَرِيُّ. فَقَالَ: بَاطِنُ شَعْرِ اللِّحْيَةِ الْكَثِيفَةِ فِي الْجَنَابَةِ كَالْوُضُوءِ. وَقِيلَ: يَجِبُ غَسْلُ الشَّعْرِ فِي الْحَيْضِ دُونَ الْجَنَابَةِ. فَوَائِدُ مِنْهَا: لَا يَجِبُ غَسْلُ مَا أَمْكَنَ غَسْلُهُ مِنْ بَاطِنِ فَرْجِ الْمَرْأَةِ مِنْ جَنَابَةٍ،
وَلَا نَجَاسَةٍ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، نَصَّ عَلَيْهِ، قَالَ الْمَجْدُ: هَذَا أَصَحُّ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَمَجْمَعُ الْبَحْرَيْنِ، وَالْفَائِقُ. وَقَالَ الْقَاضِي: يَجِبُ غَسْلُهُمَا مَعَهَا إذَا كَانَتْ ثَيِّبًا، لِإِمْكَانِهِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ كَحَشَفَةِ الْأَقْلَفِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. وَقَالَ فِي الْحَاوِي الْكَبِيرِ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَجِبَ إيصَالُ الْمَاءِ إلَى بَاطِنِ الْفَرْجِ إلَى حَيْثُ يَصِلُ الذَّكَرُ، إنْ كَانَتْ ثَيِّبًا، وَإِنْ كَانَتْ بِكْرًا فَلَا. قَالَ: فَعَلَى هَذَا لَا تُفْطِرُ بِإِدْخَالِ الْإِصْبَعِ وَالْمَاءِ إلَيْهِ. وَقِيلَ: إنْ كَانَ فِي غُسْلِ الْحَيْضِ وَجَبَ إيصَالُ الْمَاءِ إلَى بَاطِنِ الْفَرْجِ. وَلَا يَجِبُ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي بَابِ الِاسْتِنْجَاءِ بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا. وَمِنْهَا: يَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ إيصَالُ الْمَاءِ إلَى مُلْتَقَى الشَّفْرَيْنِ، وَمَا يَظْهَرُ عِنْدَ الْقُعُودِ عَلَى رِجْلَيْهَا لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ. قَالَهُ فِي الْحَاوِي وَغَيْرِهِ. وَمِنْهَا: يَجِبُ غَسْلُ حَشَفَةِ الْأَقْلَفِ الْمَفْتُوقِ، جَزَمَ بِهِ ابْنُ تَمِيمٍ. وَقِيلَ: لَا يَجِبُ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. وَمِنْهَا: يَجِبُ نَقْضُ شَعْرِ رَأْسِ الْمَرْأَةِ لِغُسْلِ الْحَيْضِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ مِنْ مُفْرَدَاتِ الْمَذْهَبِ، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هُوَ مُخْتَارُ كَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ. وَقِيلَ: لَا يَجِبُ. وَحَكَاهُ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ رِوَايَةً. وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي التَّذْكِرَةِ، وَابْنُ عَبْدُوسٍ، وَالْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَالْمَجْدُ، وَصَاحِبُ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفَائِقِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَالْأَوْلَى حَمْلُ الْحَدِيثَيْنِ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُحَرَّرِ. تَنْبِيهٌ: كَثِيرٌ مِنْ الْأَصْحَابِ حَكَى الْخِلَافَ نَصًّا وَوَجْهًا. وَبَعْضُهُمْ حَكَاهُ وَجْهَيْنِ. وَحَكَاهُ فِي الْكَافِي، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَغَيْرُهُمَا: رِوَايَتَيْنِ. وَتَقَدَّمَ نَقْلُ ابْنِ الزَّاغُونِيِّ. وَمِنْهَا. لَا يَجِبُ نَقْضُ شَعْرِ الرَّأْسِ لِغُسْلِ الْجَنَابَةِ مُطْلَقًا عَلَى الصَّحِيحِ
مِنْ الْمَذْهَبِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ. وَقِيلَ: يَجِبُ. وَقِيلَ: يَجِبُ إنْ طَالَتْ الْمُدَّةُ، وَإِلَّا فَلَا. اخْتَارَهُ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ. قُلْت: الْأَوْلَى أَنْ تَكُونَ كَالْحَائِضِ وَالْحَالَةُ هَذِهِ الْعِلَّةُ الْجَامِعَةُ. فَائِدَةٌ: قَوْلُهُ (وَيَعُمُّ بَدَنَهُ بِالْغُسْلِ) بِلَا نِزَاعٍ، لَكِنْ يُكْتَفَى فِي الْإِسْبَاغِ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقَالَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ: يُحَرِّكُ خَاتَمَهُ فِي الْغُسْلِ لِيَتَيَقَّنَ وُصُولَ الْمَاءِ. تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ الْمُوَالَاةُ فِي الْغُسْلِ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ كَالتَّرْتِيبِ. وَعَنْهُ تُشْتَرَطُ الْمُوَالَاةُ. حَكَاهَا ابْنُ حَامِدٍ. وَحَكَاهَا أَبُو الْخَطَّابِ وَغَيْرُهُ وَجْهًا، وَقَدَّمَهُ فِي الْإِيضَاحِ فِي آخِرِ الْبَابِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي أَوَّلِ الْبَابِ. وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي الْوُضُوءِ عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى الْمُوَالَاةِ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَعَنْهُ تَجِبُ الْبُدَاءَةُ بِالْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ فِي الْغُسْلِ. فَعَلَيْهَا يَجِبُ التَّرْتِيبُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ بَقِيَّةِ الْبَدَنِ وَتَقَدَّمَ نَظِيرُهَا فِي سُنَنِ الْوُضُوءِ. فَائِدَةٌ: إذَا فَاتَتْ الْمُوَالَاةُ فِي الْغُسْلِ أَوْ الْوُضُوءِ وَقُلْنَا بِعَدَمِ الْوُجُوبِ فَلَا بُدَّ لِلْإِتْمَامِ مِنْ نِيَّةٍ مُسْتَأْنَفَةٍ وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ أَيْضًا فِي الْمُوَالَاةِ فِي الْوُضُوءِ بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا. تَنْبِيهَانِ: الْأَوَّلُ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: وُجُوبُ غَسْلِ دَاخِلِ الْعَيْنَيْنِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ. وَاخْتَارَهَا صَاحِبُ النِّهَايَةِ، وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: لَا يَجِبُ. وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ. بَلْ لَا يُسْتَحَبُّ، وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ مُسْتَوْفًى فِي الْكَلَامِ عَلَى غَسْلِ الْوَجْهِ فِي الْوُضُوءِ. وَالثَّانِي: لَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ هُنَا التَّسْمِيَةَ، وَهُوَ مَاشٍ عَلَى اخْتِيَارِهِ فِي عَدَمِ وُجُوبِهَا فِي الْوُضُوءِ، كَمَا تَقَدَّمَ ذَلِكَ. وَاعْلَمْ أَنَّ حُكْمَ التَّسْمِيَةِ عَلَى الْغُسْلِ كَهِيَ عَلَى الْوُضُوءِ، خِلَافًا وَمَذْهَبًا وَاخْتِيَارًا وَقِيلَ: لَا تَجِبُ التَّسْمِيَةُ لِغُسْلِ الذِّمِّيَّةِ مِنْ الْحَيْضِ. قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ:
وَيَحْسُنُ بِنَاءُ الْخِلَافِ فِي أَنَّهُمْ: هَلْ هُمْ مُخَاطَبُونَ بِفُرُوعِ الْإِسْلَامِ أَمْ لَا؟ . فَائِدَةٌ: يُسْتَحَبُّ السِّدْرُ فِي غُسْلِ الْحَيْضِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَظَاهِرُ نَقْلِ الْمَيْمُونِيِّ، وَكَلَامِ ابْنِ عَقِيلٍ: وُجُوبُ ذَلِكَ، وَقَالَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى. وَيُسْتَحَبُّ لَهَا أَيْضًا أَنْ تَأْخُذَ مِسْكًا فَتَجْعَلَهُ فِي قُطْنَةٍ أَوْ شَيْءٍ، وَتَجْعَلَهُ فِي فَرْجِهَا بَعْدَ غُسْلِهَا، فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فَطِينًا لِتَقْطَعَ الرَّائِحَةَ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ الطِّينَ. وَقَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالرِّعَايَةِ وَغَيْرِهِمَا: فَإِنْ تَعَذَّرَ الطِّينُ فَبِمَاءٍ طَهُورٍ. وَقَالَ أَحْمَدُ أَيْضًا فِي غُسْلِ الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ: كَمَيِّتٍ. قَالَ الْقَاضِي فِي جَامِعِهِ: مَعْنَاهُ يَجِبُ مَرَّةً، وَيُسْتَحَبُّ ثَلَاثًا، وَيَكُونُ السِّدْرُ وَالطِّيبُ كَغُسْلِ الْمَيِّتِ. وَيُسْتَحَبُّ فِي غُسْلِ الْكَافِرِ إذَا أَسْلَمَ: السِّدْرُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، كَإِزَالَةِ شَعْرِهِ. وَأَوْجَبَهُ فِي التَّنْبِيهِ وَالْإِرْشَادِ. تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ (وَيَتَوَضَّأُ وَمَهَنَا. وَيَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ) الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ الصَّاعَ هُنَا: خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثُ رِطْلٍ، كَصَاعِ الْفِطْرَةِ، وَالْكَفَّارَةِ وَالْفِدْيَةِ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ. وَنَقَلَهُ جَمَاعَةٌ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ. وَأَوْمَأَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مُشَيْشٍ: أَنَّهُ ثَمَانِيَةُ أَرْطَالٍ فِي الْمَاءِ خَاصَّةً وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ، وَالْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ. وَقَالَ: هُوَ الْأَقْوَى. وَتَقَدَّمَ قَدْرُ الرِّطْلِ فِي آخِرِ كِتَابِ الطَّهَارَةِ وَالْخِلَافُ فِيهِ. وَالْمُدُّ: رُبُعُ الصَّاعِ. قَوْلُهُ (فَإِنْ أَسْبَغَ بِدُونِهِمَا أَجْزَأَهُ) هَذَا الْمَذْهَبُ بِلَا رَيْبٍ. وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ، وَجَزَمَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هُوَ الْمَعْرُوفُ مِنْ الرِّوَايَتَيْنِ. وَقِيلَ: لَا يُجْزِئُ. ذَكَرَهُ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ فَمَنْ بَعْدَهُ. وَقَدْ أَوْمَأَ إلَيْهِ أَحْمَدُ. فَعَلَى الْمَذْهَبِ: هَلْ يَكُونُ مَكْرُوهًا بِدُونِهِمَا؟ فِيهِ وَجْهَانِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ. أَحَدُهُمَا: يُكْرَهُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. وَالثَّانِي: لَا يُكْرَهُ.
قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ لِفِعْلِ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ لِذَلِكَ. قَوْلُهُ (وَإِنْ اغْتَسَلَ يَنْوِي الطَّهَارَتَيْنِ أَجْزَأَهُ عَنْهُمَا) هَذَا الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ. وَعَنْهُ لَا يَجُوزُ حَتَّى يَتَوَضَّأَ، أَمَّا قَبْلَ الْغُسْلِ أَوْ بَعْدَهُ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. وَسَوَاءٌ وُجِدَ مِنْهُ الْحَدَثُ الْأَصْغَرُ أَوْ لَا، نَحْوُ أَنْ يَكُونَ قَدْ فَكَّرَ أَوْ نَظَرَ. فَانْتَقَلَ الْمَنِيُّ. ذَكَرَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي آخِرِ الْبَابِ قَبْلَهُ. وَاخْتَارَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَّهُ يُجْزِيهِ عَنْهُمَا إذَا أَتَى بِخَصَائِصِ الْوُضُوءِ، مِنْ التَّرْتِيبِ وَالْمُوَالَاةِ وَمَسْحِ رَأْسِهِ، وَإِلَّا فَلَا، وَقَطَعَ بِهِ فِي الْمُبْهِجِ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ. وَقِيلَ: أَوْ غَسَلَ رَأْسَهُ ثُمَّ رِجْلَيْهِ أَخِيرًا انْتَهَى. وَقِيلَ: لَا يَلْزَمُ الْجُنُبَ مَعَ الْغُسْلِ وُضُوءٌ بِدُونِ حَدَثٍ يُوجِبُهُ، قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ. اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ، وَذَكَرَهُ الدِّينَوَرِيُّ وَجْهًا: أَنَّهُ إنْ أَحْدَثَ ثُمَّ أَجْنَبَ فَلَا تَدَاخُلَ. وَقِيلَ: مَنْ أَحْدَثَ ثُمَّ أَجْنَبَ، أَوْ أَجْنَبَ ثُمَّ أَحْدَثَ: يَكْفِيهِ الْغُسْلُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَيَأْتِي كَلَامُ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ قَرِيبًا. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَلَوْ غَسَلَ بَدَنَهُ نَاوِيًا لَهُمَا، ثُمَّ أَحْدَثَ: غَسَلَ أَعْضَاءَ الْوُضُوءِ وَلَا تَرْتِيبَ. وَقِيلَ: لَوْ زَالَتْ الْجَنَابَةُ عَنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ بِهِ، ثُمَّ اغْتَسَلَ لَهُمَا لَمْ يَتَدَاخَلَا، وَإِنْ غَسَلَ بَدَنَهُ إلَّا أَعْضَاءَ الْوُضُوءِ تَدَاخَلَا وَقِيلَ: لَوْ غَسَلَ الْجُنُبُ كُلَّ بَدَنِهِ إلَّا رِجْلَيْهِ، ثُمَّ أَحْدَثَ وَغَسَلَهُمَا، ثُمَّ غَسَلَ بَقِيَّةَ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ أَجْزَأَهُ. انْتَهَى. قَالَ الْقَاضِي، فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ، وَتَابَعَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَالْآمِدِيُّ: لَوْ أَجْنَبَ فَغَسَلَ جَمِيعَ بَدَنِهِ إلَّا رِجْلَيْهِ. ثُمَّ أَحْدَثَ وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ. قَالَ: وَلَيْسَ فِي الْأُصُولِ وُضُوءٌ يُوجِبُ التَّرْتِيبَ فِي ثَلَاثَةِ أَعْضَاءٍ، وَلَا يَجِبُ فِي الرِّجْلَيْنِ: إلَّا هَذَا. وَعَلَّلَهُ. فَيُعَايَى بِهَا. وَقَالَ: إنْ أَجْنَبَ فَغَسَلَ أَعْضَاءَ وُضُوئِهِ، ثُمَّ أَحْدَثَ قَبْلَ أَنْ يَغْسِلَ بَقِيَّةَ بَدَنِهِ: غَسَلَ مَا بَقِيَ مِنْ بَدَنِهِ عَنْ الْجَنَابَةِ. وَغَسَلَ أَعْضَاءَ وُضُوئِهِ عَنْ الْحَدَثِ عَلَى
التَّرْتِيبِ، وَإِنْ غَسَلَ بَدَنَهُ إلَّا أَعْضَاءَ وُضُوئِهِ. ثُمَّ أَحْدَثَ غَسَلَ أَعْضَاءَ وُضُوئِهِ مِنْهَا. وَلَمْ يَجِبْ تَرْتِيبٌ. انْتَهَى. فَعَلَى الْمَذْهَبِ: لَوْ نَوَى رَفْعَ الْحَدَثِ وَأَطْلَقَ. ارْتَفَعَا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ عَكْسُهُ، كَالرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ. وَقِيلَ: يَجِبُ الْوُضُوءُ فَقَطْ. تَنْبِيهٌ: مَفْهُومُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: أَنَّهُ إذَا نَوَى الطَّهَارَةَ الْكُبْرَى فَقَطْ لَا يُجْزِئُ عَنْ الصُّغْرَى، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: يَرْتَفِعُ الْأَصْغَرُ أَيْضًا مَعَهُ. وَقَالَهُ الْأَزَجِيُّ أَيْضًا. وَحَكَاهُ أَبُو حَفْصٍ الْبَرْمَكِيُّ رِوَايَةً. ذَكَرَهُ ابْنُ رَجَبٍ فِي الْقَاعِدَةِ الثَّامِنَةَ عَشْرَ. فَائِدَتَانِ إحْدَاهُمَا: مِثْلُ نِيَّةِ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ: لَوْ نَوَى بِهِ اسْتِبَاحَةَ الصَّلَاةِ، أَوْ أَمْرًا لَا يُبَاحُ إلَّا بِالْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ كَمَسِّ الْمُصْحَفِ وَنَحْوِهِ. لَا قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَنَحْوِهِ. وَالثَّانِيَةُ: لَوْ نَوَتْ مَنْ انْقَطَعَ حَيْضُهَا بِغُسْلِهَا حِلَّ الْوَطْءِ صَحَّ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ. لِأَنَّهَا إنَّمَا نَوَتْ مَا يُوجِبُ الْغُسْلَ، وَهُوَ الْوَطْءُ ذَكَرَهُ أَبُو الْمَعَالِي. قَوْلُهُ (وَيُسْتَحَبُّ لِلْجُنُبِ إذَا أَرَادَ النَّوْمَ، أَوْ الْأَكْلَ، أَوْ الْوَطْءَ ثَانِيًا: أَنْ يَغْسِلَ فَرْجَهُ، وَيَتَوَضَّأَ) إذَا أَرَادَ الْجُنُبُ النَّوْمَ: اُسْتُحِبَّ لَهُ غَسْلُ فَرْجِهِ وَوُضُوءُهُ مُطْلَقًا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَعَنْهُ يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ لِلرَّجُلِ فَقَطْ. قَالَ ابْنُ رَجَبٍ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ: هَذَا الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: فِي كَلَامِ أَحْمَدَ مَا ظَاهِرُهُ وُجُوبُهُ. فَعَلَى الْقَوْلِ بِالِاسْتِحْبَابِ: يُكْرَهُ تَرْكُهُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، نَصَّ عَلَيْهِ. وَقِيلَ: لَا يُكْرَهُ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي.
وَإِذَا أَرَادَ الْأَكْلَ، وَكَذَا الشُّرْبُ: اُسْتُحِبَّ لَهُ غَسْلُ فَرْجِهِ وَوُضُوءُهُ قَبْلَهُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ مُطْلَقًا. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَعَنْهُ يُسْتَحَبُّ لِلرَّجُلِ فَقَطْ وَعَنْهُ يَغْسِلُ يَدَهُ وَيَتَمَضْمَضُ فَقَطْ. وَعَلَى كُلِّ قَوْلٍ: لَا يُكْرَهُ تَرْكُهُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ مُطْلَقًا، نَصَّ عَلَيْهِ، قَالَهُ ابْنُ عُبَيْدَانَ، وَصَاحِبُ الْفُرُوعِ، وَغَيْرُهُمَا، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ. وَقِيلَ: يُكْرَهُ. صَحَّحَهُ ابْنُ تَمِيمٍ. وَإِذَا أَرَادَ مُعَاوَدَةَ الْوَطْءِ اُسْتُحِبَّ لَهُ غَسْلُ فَرْجِهِ وَوُضُوءُهُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ مُطْلَقًا. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَعَنْهُ يُسْتَحَبُّ لِلرَّجُلِ فَقَطْ. ذَكَرَهُ ابْنُ تَمِيمٍ. وَعَلَيْهَا لَا يُكْرَهُ تَرْكُهُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، نَصَّ عَلَيْهِ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: لَا يُكْرَهُ فِي الْمَنْصُوصِ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ. وَقِيلَ يُكْرَهُ. وَصَحَّحَهُ ابْنُ تَمِيمٍ. تَنْبِيهٌ: الْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ بَعْدَ انْقِطَاعِ الدَّمِ كَالْجُنُبِ، وَقَبْلَ انْقِطَاعِهِ لَا يُسْتَحَبُّ لَهُمَا الْوُضُوءُ لِأَجْلِ الْأَكْلِ وَالنَّوْمِ. قَالَهُ الْأَصْحَابُ. وَقَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: قُلْت: وَاسْتِحْبَابُ غَسْلِ جَنَابَتِهَا، وَهِيَ حَائِضٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ: يُشْعِرُ بِاسْتِحْبَابِ وُضُوئِهَا لِلنَّوْمِ هُنَا. فَوَائِدُ مِنْهَا: لَوْ أَحْدَثَ بَعْدَ الْوُضُوءِ: لَمْ يُعِدْهُ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ، لِتَعْلِيلِهِمْ بِخِفَّةِ الْحَدَثِ، أَوْ بِالنَّشَاطِ. قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَقَالَ: وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ: أَنَّهُ يُعِيدُهُ، حَتَّى يَبِيتَ عَلَى إحْدَى الطَّهَارَتَيْنِ. وَقَالَ «لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ جُنُبٌ» وَهُوَ حَدِيثٌ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالدَّارَقُطْنِيّ. وَقَالَ فِي الْفَائِقِ بَعْدَ أَنَّ ذَكَرَ الِاسْتِحْبَابَ فِي الثَّلَاثَةِ وَالْوُضُوءُ هُنَا لَا يَبْطُلُ بِالنَّوْمِ. وَمِنْهَا: غَسْلُهُ عِنْدَ كُلِّ مَرَّةٍ أَفْضَلُ. قُلْت: فَيُعَايَى بِهَا. وَمِنْهَا: يُكْرَهُ بِنَاءُ الْحَمَّامِ، وَبَيْعُهُ، وَإِجَارَتُهُ. وَحَرَّمَهُ الْقَاضِي. وَحَمَلَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ عَلَى الْبِلَادِ الْبَارِدَةِ.
وَقَالَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْحَكَمِ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ مَنْ بَنَاهُ النِّسَاءُ وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ: يُكْرَهُ كَسْبُ الْحَمَّامِيِّ: وَفِي نِهَايَةِ الْأَزَجِيِّ: الصَّحِيحُ لَا يُكْرَهُ. وَلَهُ دُخُولُهُ، نَصَّ عَلَيْهِ. وَقَالَ ابْنُ الْبَنَّا: يُكْرَهُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْغُنْيَةِ، وَإِنْ عَلِمَ وُقُوعَهُ فِي مُحَرَّمٍ حَرُمَ. وَفِي التَّلْخِيصِ، وَالرِّعَايَةِ: لَهُ دُخُولُهُ مَعَ ظَنِّ السَّلَامَةِ غَالِبًا. وَلِلْمَرْأَةِ دُخُولُهُ لِعُذْرٍ، وَإِلَّا حَرُمَ، نَصَّ عَلَيْهِ. وَكَرِهَهُ بِدُونِ عُذْرٍ ابْنُ عَقِيلٍ، وَابْنُ الْجَوْزِيِّ. قَالَ فِي الْفَائِقِ: وَقِيلَ يَجُوزُ لِضَرَرٍ يَلْحَقُهَا بِتَرْكِ اغْتِسَالٍ فِيهِ لِنَظَافَةِ بَدَنِهَا. اخْتَارَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ، وَشَيْخُنَا. انْتَهَى. وَقَالَ فِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ: لَا يَجُوزُ لِلنِّسَاءِ دُخُولُهُ، إلَّا مِنْ عِلَّةٍ يُصْلِحُهَا الْحَمَّامُ. وَاعْتَبَرَ الْقَاضِي وَالْمُصَنِّفُ مَعَ الْعُذْرِ: تَعَذُّرَ غَسْلِهَا فِي بَيْتِهَا. لِتَعَذُّرِهِ، أَوْ خَوْفِ ضَرَرٍ وَنَحْوِهِ. وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ: لَا يُعْتَبَرُ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُسْتَوْعِبِ، وَالرِّعَايَةِ. وَقِيلَ: وَاعْتِيَادُ دُخُولِهَا عُذْرٌ لِلْمَشَقَّةِ. وَقِيلَ. لَا تَتَجَرَّدُ. فَتَدْخُلُهُ بِقَمِيصٍ خَفِيفٍ. قَالَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى. وَأَوْمَأَ إلَيْهِ. وَلَا يُكْرَهُ قُرْبُ الْغُرُوبِ، وَبَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ. خِلَافًا لِلْمِنْهَاجِ. لِانْتِشَارِ الشَّيَاطِينِ. وَتُكْرَهُ فِيهِ الْقِرَاءَةُ، نَصَّ عَلَيْهِ. وَنَقَلَ صَالِحٌ: لَا يُعْجِبُنِي. وَقِيلَ: لَا تُكْرَهُ، وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: يُكْرَهُ السَّلَامُ. وَقِيلَ: لَا. وَلَا يُكْرَهُ الذِّكْرُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ يُكْرَهُ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ وَسَطْحِهِ وَنَحْوِهِ كَبَقِيَّتِهِ. ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ فِيهِ كَصَلَاةٍ عَلَى مَا يَأْتِي وَيَأْتِي: هَلْ ثَمَنُ الْمَاءِ عَلَى الزَّوْجِ أَوْ عَلَيْهَا؟ فِي كِتَابِ النَّفَقَاتِ. وَيُكْرَهُ الِاغْتِسَالُ فِي مُسْتَحَمٍّ وَمَاءٍ عُرْيَانًا. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: عَلَيْهَا أَكْثَرُ نُصُوصِهِ. وَعَنْهُ لَا يُكْرَهُ. اخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفَائِقِ. وَعَنْهُ لَا يُعْجِبُنِي، إنَّ لِلْمَاءِ سُكَّانًا.
باب التيمم
[بَابُ التَّيَمُّمِ] ِ فَائِدَةٌ: قَوْلُهُ (وَهُوَ بَدَلٌ) . يَعْنِي لِكُلِّ مَا يَفْعَلُهُ بِالْمَاءِ: مِنْ الصَّلَاةِ، وَالطَّوَافِ، وَسُجُودِ التِّلَاوَةِ وَالشُّكْرِ، وَاللُّبْثِ فِي الْمَسْجِدِ، وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَمَسِّ الْمُصْحَفِ. وَقَالَ الْمُصَنِّفُ فِيهِ: إنْ احْتَاجَ، وَكَوَطْءِ حَائِضٍ انْقَطَعَ دَمُهَا. نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَقِيلَ: يَحْرُمُ الْوَطْءُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ. ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. وَذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ رِوَايَةً. وَصَحَّحَهَا ابْنُ الصَّيْرَفِيِّ عَنْهُ. فَائِدَةٌ: لَا يُكْرَهُ لِعَادِمِ الْمَاءِ وَطْءُ زَوْجَتِهِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، قَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ. وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَالْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَابْنُ رَزِينٍ. وَعَنْهُ يُكْرَهُ إنْ لَمْ يَخَفْ الْعَنَتَ. اخْتَارَهُ الْمَجْدُ. وَصَحَّحَهُ أَبُو الْمَعَالِي، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْفُرُوعِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالْمُذْهَبِ قَوْلُهُ (وَهُوَ بَدَلٌ لَا يَجُوزُ إلَّا بِشَرْطَيْنِ. أَحَدُهُمَا: دُخُولُ الْوَقْتِ. فَلَا يَجُوزُ لِفَرْضٍ قَبْلَ وَقْتِهِ، وَلَا لِنَذْرٍ فِي وَقْتِ النَّهْيِ عَنْهُ) ، هَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ مُطْلَقًا، نَصَّ عَلَيْهِ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَفِي الْمُحَرَّرِ وَغَيْرِهِ تَخْرِيجٌ بِالْجَوَازِ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَلَا يَتَيَمَّمُ لِفَرْضٍ وَلَا لِنَفْلٍ مُعَيَّنٍ قَبْلَ وَقْتِهِمَا، نَصَّ عَلَيْهِ. وَخَرَجَ: وَلَا لِنَفْلٍ. وَقِيلَ: مُطْلَقٌ بِلَا سَبَبِ وَقْتِ نَهْيٍ. وَقِيلَ: بَلَى. وَعَنْهُ يَجُوزُ التَّيَمُّمُ لِلْفَرْضِ قَبْلَ وَقْتِهِ، فَالنَّفَلُ الْمُعَيَّنُ أَوْلَى. انْتَهَى. وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. قَالَ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ: وَهُوَ أَصَحُّ، تَنْبِيهٌ: مَحَلُّ هَذَا الْخِلَافِ: عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ التَّيَمُّمَ مُبِيحٌ لَا رَافِعٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ. فَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ رَافِعٌ: فَيَجُوزُ ذَلِكَ كَمَا فِي كُلِّ وَقْتٍ عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ.
قَوْلُهُ (وَيَبْطُلُ التَّيَمُّمُ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ) . فَائِدَةٌ: النَّذْرُ، وَفَرْضُ الْكِفَايَةِ: كَالْفَرْضِ، وَالْجِنَازَةِ، وَالِاسْتِسْقَاءِ، وَالْكُسُوفِ وَسُجُودِ التِّلَاوَةِ وَالشُّكْرِ، وَمَسِّ الْمُصْحَفِ، وَالْقِرَاءَةِ، وَاللُّبْثِ فِي الْمَسْجِدِ: كَالنَّفْلِ قَالَ ذَلِكَ فِي الرِّعَايَةِ. وَفِي قَوْلِهِ " الْجِنَازَةُ كَالنَّفْلِ " نَظَرٌ، مَعَ قَوْلِهِ " وَفَرْضُ الْكِفَايَةِ كَالْفَرْضِ " إلَّا أَنْ يُرِيدَ الصَّلَاةَ عَلَيْهَا ثَانِيًا. وَيَأْتِي بَيَانُ وَقْتِ ذَلِكَ عَنْهُ. قَوْلُهُ " وَيَبْطُلُ التَّيَمُّمُ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ ". تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ قَوْلِهِ (الثَّانِي: الْعَجْزُ عَنْ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ لِعَدَمِهِ) أَنَّ الْعَدَمَ سَوَاءٌ كَانَ حَضَرًا أَوْ سَفَرًا، وَسَوَاءٌ كَانَ الْعَادِمُ مُطْلَقًا أَوْ مَحْبُوسًا، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ. وَقِيلَ: لَا يُبَاحُ التَّيَمُّمُ لِلْعَدَمِ، إلَّا فِي السَّفَرِ. اخْتَارَهُ الْخَلَّالُ. وَيَأْتِي فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ آخِرَ الْبَابِ " مَنْ حُبِسَ فِي الْمِصْرِ " فَعَلَى الْمَذْهَبِ: لَا تَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ إذَا وَجَدَ الْمَاءَ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَنْهُ يُعِيدُ. وَجَزَمَ فِي الْإِفَادَاتِ بِأَنَّ الْعَاصِيَ بِسَفَرِهِ يُعِيدُ. وَيَأْتِي هُنَاكَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ. فَائِدَتَانِ: إحْدَاهُمَا: يَجُوزُ التَّيَمُّمُ فِي السَّفَرِ الْمُبَاحِ، وَالْمُحَرَّمِ، وَالطَّوِيلِ، وَالْقَصِيرِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ. قَالَ الْقَاضِي: وَلَوْ خَرَجَ إلَى ضَيْعَةٍ لَهُ تُقَارِبُ الْبُنْيَانَ وَالْمَنَازِلَ وَلَوْ بِخَمْسِينَ خُطْوَةً: جَازَ لَهُ التَّيَمُّمُ وَالصَّلَاةُ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَأَكْلُ الْمَيْتَةِ لِلضَّرُورَةِ. وَقِيلَ: لَا يُبَاحُ التَّيَمُّمُ إلَّا فِي السَّفَرِ الْمُبَاحِ الطَّوِيلِ. فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ: يُصَلِّي وَيُعِيدُ بِلَا نِزَاعٍ. وَعَلَى الْمَذْهَبِ: لَا يُعِيدُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. وَقِيلَ: يُعِيدُ. وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ. وَيَأْتِي إذَا خَرَجَ إلَى أَرْضِ بَلَدِهِ لِحَاجَةٍ كَالِاحْتِطَابِ وَنَحْوِهِ.
وَالثَّانِيَةُ: لَوْ عَجَزَ الْمَرِيضُ عَنْ الْحَرَكَةِ وَعَمَّنْ يُوَضِّئُهُ: فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْعَادِمِ، وَإِنْ خَافَ فَوْتَ الْوَقْتِ إنْ انْتَظَرَ مَنْ يُوَضِّئُهُ: تَيَمَّمَ وَصَلَّى وَلَا يُعِيدُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى. وَصَحَّحَهُ الْمَجْدُ، وَصَاحِبُ الْفُرُوعِ. وَقِيلَ: يَنْتَظِرُ مَنْ يُوَضِّئُهُ وَلَا يَتَيَمَّمُ؛ لِأَنَّهُ مُقِيمٌ يَنْتَظِرُ الْمَاءَ قَرِيبًا. فَأَشْبَهَ الْمُشْتَغِلَ بِالِاسْتِقَاءِ. قَوْلُهُ (أَوْ لِضَرَرٍ فِي اسْتِعْمَالِهِ مِنْ جُرْحٍ) يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ إذَا حَصَلَ لَهُ ضَرَرٌ بِاسْتِعْمَالِهِ فِي بَدَنِهِ، أَوْ بَقَاءِ شَيْنٍ، أَوْ نَظَائِرِهِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَيُصَلِّي وَلَا يُعِيدُ. وَعَنْهُ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ إلَّا إذَا خَافَ التَّلَفَ. اخْتَارَهُ بَعْضُهُمْ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. قَوْلُهُ (أَوْ بَرْدٍ) يَجُوزُ التَّيَمُّمُ لِخَوْفِ الْبَرْدِ بَعْدَ غَسْلِ مَا يُمْكِنُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. سَوَاءٌ كَانَ فِي الْحَضَرِ أَوْ السَّفَرِ. وَعَنْهُ لَا يَتَيَمَّمُ لِخَوْفِ الْبَرْدِ فِي الْحَضَرِ وَأَمَّا الْإِعَادَةُ: فَتَأْتِي فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ. فَائِدَةٌ: قَوْلُهُ " مِنْ جُرْحٍ، أَوْ بَرْدٍ شَدِيدٍ، أَوْ مَرَضٍ يُخْشَى زِيَادَتُهُ، أَوْ تَطَاوُلُهُ " وَكَذَا لَوْ خَافَ حُدُوثَ نَزْلَةٍ وَنَحْوِهَا. قَوْلُهُ (أَوْ عَطَشٍ يَخَافُهُ عَلَى نَفْسِهِ) إذَا خَافَ عَلَى نَفْسِهِ الْعَطَشَ: حَبَسَ الْمَاءَ، وَتَيَمَّمَ بِلَا نِزَاعٍ. وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إجْمَاعًا. قَوْلُهُ (أَوْ رَفِيقِهِ) يَعْنِي الْمُحْتَرَمَ. قَالَهُ الْأَصْحَابُ. إذَا وَجَدَ عَطْشَانًا يَخَافُ تَلَفَهُ لَزِمَهُ سَقْيُهُ وَتَيَمَّمَ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: يَجِبُ الدَّفْعُ إلَى الْعَطْشَانِ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالرِّعَايَةِ، وَالْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ وَالتَّلْخِيصِ، وَغَيْرِهِمْ، وَجَزَمَ بِهِ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. وَقَالَ
أَبُو بَكْرٍ فِي مُقْنِعِهِ، وَالْقَاضِي: لَا يَلْزَمُهُ بَذْلُهُ، بَلْ يُسْتَحَبُّ. فَعَلَى الْمَذْهَبِ، هَلْ يَجِبُ حَبْسُ الْمَاءِ لِلْعَطَشِ الْغَيْرِ الْمُتَوَقَّعِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَشَرْحِ الْهِدَايَةِ لِلْمَجْدِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالزَّرْكَشِيُّ. أَحَدُهُمَا: لَا يَجِبُ. بَلْ يُسْتَحَبُّ. قَالَ الْمَجْدُ: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، وَقَدَّمَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَجِبُ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا. وَظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ الشَّارِحُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالْوَجْهَانِ أَيْضًا فِي خَوْفِهِ عَطَشَ نَفْسِهِ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَلَوْ خَافَ أَنْ يَعْطَشَ بَعْدَ ذَلِكَ هُوَ أَوْ أَهْلُهُ، أَوْ عَبْدُهُ أَوْ أَمَتُهُ: لَمْ يَجِبْ دَفْعُهُ إلَيْهِ. وَقِيلَ: بَلَى بِثَمَنِهِ، إنْ وَجَبَ الدَّفْعُ عَنْ نَفْسِ الْعَطْشَانِ، وَإِلَّا فَلَا. وَلَا يَجِبُ دَفْعُهُ لِطَهَارَةِ غَيْرِهِ بِحَالٍ. انْتَهَى. فَوَائِدُ: مِنْهَا: إذَا وَجَدَ الْخَائِفُ مِنْ الْعَطَشِ مَاءً طَاهِرًا، أَوْ مَاءً نَجِسًا، يَكْفِيهِ كُلٌّ مِنْهُمَا لِشُرْبِهِ: حَبَسَ الطَّاهِرَ لِشُرْبِهِ، وَأَرَاقَ النَّجِسَ إنْ اسْتَغْنَى عَنْ شُرْبِهِ. فَإِنْ خَافَ، حَبَسَهُمَا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ وَابْنُ عُبَيْدَانَ. وَقَالَ الْقَاضِي: يَتَوَضَّأُ بِالطَّاهِرِ، وَيَحْبِسُ النَّجِسَ لِشُرْبِهِ. قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ: وَهُوَ الصَّحِيحُ. وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَذَكَرَ الْأَزَجِيُّ: يَشْرَبُ الْمَاءَ النَّجِسَ. وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ. وَمِنْهَا: لَوْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ بِهِ، ثُمَّ يَجْمَعَهُ وَيَشْرَبَهُ. فَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: إطْلَاقُ كَلَامِهِمْ لَا يَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّ النَّفْسَ تَعَافُهُ. قَالَ: وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ، يَعْنِي بِاللُّزُومِ. وَمِنْهَا: لَوْ مَاتَ رَبُّ الْمَاءِ: يَمَّمَهُ رَفِيقُهُ الْعَطْشَانُ. وَغَرِمَ ثَمَنَهُ فِي مَكَانِهِ وَقْتَ إتْلَافِهِ لِوَرَثَتِهِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي النِّهَايَةِ: وَإِنْ غَرِمَهُ
مَكَانَهُ فَبِمِثْلِهِ. وَقِيلَ: الْمَيِّتُ أَوْلَى بِهِ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ فِي الْمُقْنِعِ، وَالتَّنْبِيهِ، وَقِيلَ: رَفِيقُهُ أَوْلَى إنْ خَافَ الْمَوْتَ، وَإِلَّا فَالْمَيِّتُ أَوْلَى. وَيَأْتِي حُكْمُ فَضْلَةِ الْمَاءِ مِنْ الْمَيِّتِ آخِرَ الْبَابِ. فَائِدَةٌ: لَوْ خَافَ فَوْتَ رُفْقَةٍ: سَاغَ لَهُ التَّيَمُّمُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ: وَلَوْ لَمْ يَخَفْ ضَرَرًا بِفَوْتِ الرُّفْقَةِ، لِفَوْتِ الْإِلْفِ وَالْأُنْسِ. قَالَ: وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ. تَنْبِيهَانِ أَحَدُهُمَا: مَفْهُومُ قَوْلِهِ " أَوْ بَهِيمَتِهِ " أَنَّهُ لَا يَتَيَمَّمُ، وَيَدَعُ الْمَاءَ لِخَوْفِهِ عَلَى بَهِيمَةِ غَيْرِهِ، وَهُوَ وَجْهٌ لِبَعْضِ الْأَصْحَابِ، وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يَتَيَمَّمُ لِخَوْفِهِ عَلَى بَهِيمَةِ غَيْرِهِ كَبَهِيمَتِهِ. وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ. وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. قُلْت: وَيَحْتَمِلُهُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ. فَإِنَّ قَوْلَهُ " أَوْ رَفِيقِهِ أَوْ بَهِيمَتِهِ " يَحْتَمِلُ أَنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ فِي " بَهِيمَتِهِ " إلَى " رَفِيقِهِ " فَتَقْدِيرُهُ: أَوْ بَهِيمَةِ رَفِيقِهِ. فَيَكُونُ كَلَامُهُ مُوَافِقًا لِلْمَذْهَبِ، وَهُوَ أَوْلَى. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمَذْهَبِ. وَالثَّانِي: مُرَادُهُ بِالْبَهِيمَةِ: الْبَهِيمَةُ الْمُحْتَرَمَةُ كَالشَّاةِ، وَالْحِمَارَةِ، وَالسِّنَّوْرِ، وَكَلْبِ الصَّيْدِ، وَنَحْوِهِ، احْتِرَازًا مِنْ الْكَلْبِ الْأَسْوَدِ الْبَهِيمِ، وَالْخِنْزِيرِ وَنَحْوِهِمَا. تَنْبِيهٌ: شَمِلَ قَوْلُهُ (أَوْ خَشْيَتِهِ عَلَى نَفْسِهِ، أَوْ مَالِهِ فِي طَلَبِهِ) لَوْ خَافَتْ امْرَأَةٌ عَلَى نَفْسِهَا فُسَّاقًا فِي طَرِيقِهَا، وَهُوَ صَحِيحٌ، نَصَّ عَلَيْهِ، قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُمْ: بَلْ يَحْرُمُ عَلَيْهَا الْخُرُوجُ إلَيْهِ. وَتَتَيَمَّمُ وَتُصَلِّي، وَلَا تُعِيدُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا تَتَيَمَّمُ. وَلَا تُعِيدُ، وَجْهًا وَاحِدًا. قَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: تَتَيَمَّمُ، وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهَا فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالزَّرْكَشِيُّ. وَقِيلَ: تُعِيدُ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: أَبْعَدَ مَنْ قَالَهُ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَعَنْهُ. لَا أَدْرِي.
تَنْبِيهَاتٌ أَحَدُهَا: قَوْلُهُ (أَوْ خَشْيَةً عَلَى نَفْسِهِ، أَوْ مَالِهِ فِي طَلَبِهِ) لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ خَوْفُهُ مُحَقَّقًا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، فَلَوْ كَانَ خَوْفُهُ جُبْنًا، لَا عَنْ سَبَبٍ يُخَافُ مِنْ مِثْلِهِ: لَمْ تُجْزِهِ الصَّلَاةُ بِالتَّيَمُّمِ، نَصَّ عَلَيْهِ. وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ. وَقَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُبَاحَ لَهُ التَّيَمُّمُ وَيُعِيدَ، إذَا كَانَ مِمَّنْ يَشْتَدُّ خَوْفُهُ. الثَّانِي: لَوْ كَانَ خَوْفُهُ لِسَبَبٍ ظَنَّهُ. فَتَبَيَّنَ عَدَمُ السَّبَبِ، مِثْلُ مَنْ رَأَى سَوَادًا بِاللَّيْلِ ظَنَّهُ عَدُوًّا فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ لَيْسَ بِعَدُوٍّ بَعْدَ أَنْ تَيَمَّمَ وَصَلَّى، فَفِي الْإِعَادَةِ وَجْهَانِ. وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ عُبَيْدَانَ، وَالْمُغْنِي، وَالشَّارِحُ. أَحَدُهُمَا: لَا يُعِيدُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَالصَّحِيحُ لَا يُعِيدُ لِكَثْرَةِ الْبَلْوَى بِذَلِكَ فِي الْأَسْفَارِ، بِخِلَافِ صَلَاةِ الْخَوْفِ. فَإِنَّهَا نَادِرَةٌ فِي نَصِّهَا. وَهِيَ كَذَلِكَ أَنْدَرُ. وَقَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ. وَالثَّانِي: يُعِيدُ. الثَّالِثُ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: أَنَّهُ لَا يَتَيَمَّمُ لِغَيْرِ الْأَعْذَارِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَغَيْرِهَا، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَظَاهِرُ كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ. وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمَذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ: إنْ احْتَاجَ الْمَاءُ لِلْعَجْنِ وَالطَّبْخِ وَنَحْوِهَا: تَيَمَّمَ وَتَرَكَهُ. وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَيْضًا: أَنَّ الْخَوْفَ عَلَى نَفْسِهِ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ إلَى الْأَمْنِ، بَلْ يَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَعَنْهُ فِي غَازٍ بِقُرْبِهِ الْمَاءُ يَخَافُ إنْ ذَهَبَ عَلَى نَفْسِهِ: لَا يَتَيَمَّمُ، وَيُؤَخِّرُ. وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ. قَوْلُهُ (إلَّا بِزِيَادَةٍ كَثِيرَةٍ عَلَى ثَمَنِ مِثْلِهِ) يَعْنِي يُبَاحُ لَهُ التَّيَمُّمُ إذَا وَجَدَ الْمَاءَ يُبَاعُ بِزِيَادَةٍ كَثِيرَةٍ عَلَى ثَمَنِ مِثْلِهِ. وَهَذَا الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: هَذَا أَصَحُّ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالنَّظْمِ، وَالْهِدَايَةِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَغَيْرِهِمْ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ
وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَابْنُ تَمِيمٍ. وَعَنْهُ إنْ كَانَ ذَا مَالٍ كَثِيرٍ لَا تُجْحِفُ بِهِ زِيَادَةً لَزِمَهُ الشِّرَاءُ. جَزَمَ بِهِ فِي الْإِفَادَاتِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالتَّلْخِيصِ. تَنْبِيهٌ: مَفْهُومُ قَوْلِهِ " إلَّا بِزِيَادَةٍ كَثِيرَةٍ " أَنَّ الزِّيَادَةَ لَوْ كَانَتْ يَسِيرَةً: يَلْزَمُهُ شِرَاؤُهُ، وَهُوَ صَحِيحٌ. وَهَذَا الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. قَالَ فِي النِّهَايَةِ: وَهُوَ الصَّحِيحُ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: يَلْزَمُهُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الشَّرْحِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْهِدَايَةِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَغَيْرِهِمْ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْوَجِيزِ، وَابْنِ تَمِيمٍ. وَعَنْهُ لَا يَلْزَمُهُ. ذَكَرَهُمَا أَبُو الْحُسَيْنِ فَمَنْ بَعْدَهُ. وَاخْتَارَهُ فِي الْفَائِقِ. وَهُمَا احْتِمَالٌ. وَأَطْلَقَهُمَا وَجْهَيْنِ فِي الْمُغْنِي، وَقَالَ: أَحْمَدُ تُوقَفُ. فَائِدَتَانِ إحْدَاهُمَا: ثَمَنُ الْمِثْلِ مُعْتَبَرٌ بِمَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِهِ فِي شِرَاءِ الْمُسَافِرِ لَهُ فِي تِلْكَ الْبُقْعَةِ، أَوْ مِثْلُهَا غَالِبًا عَلَى الصَّحِيحِ. وَقِيلَ: يُعْتَبَرُ بِأُجْرَةِ النَّقْلِ، قَدَّمَهُ فِي الْفَائِقِ. وَهُمَا احْتِمَالَانِ مُطْلَقَانِ فِي التَّلْخِيصِ. الثَّانِيَةُ: لَوْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ الثَّمَنُ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ فِي بَلَدِهِ، وَوَجَدَهُ يُبَاعُ بِثَمَنٍ فِي الذِّمَّةِ لَمْ يَلْزَمْهُ شِرَاؤُهُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، اخْتَارَهُ الْآمِدِيُّ، وَأَبُو الْحَسَنِ التَّمِيمِيُّ قَالَهُ الشَّارِحُ فِي بَابِ الظِّهَارِ. وَصَحَّحَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَالشَّارِحُ، وَصَاحِبُ الْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ. وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ شِرَاؤُهُ. اخْتَارَهُ الْقَاضِي. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ: أَوْ بِثَمَنٍ مِثْلِهِ، وَلَوْ فِي ذِمَّتِهِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي التَّلْخِيصِ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُغْنِي، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَالْفَائِقِ. تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ (أَوْ تَعَذُّرِهِ إلَّا بِزِيَادَةٍ كَثِيرَةٍ)
قَالَ فِي الْمَطْلَعِ: تَقْدِيرُهُ: يُبَاحُ التَّيَمُّمُ لِلْعَجْزِ عَنْ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ لِكَذَا وَكَذَا، أَوْ لِتَعَذُّرِهِ إلَّا بِزِيَادَةٍ كَثِيرَةٍ. قَالَ فِي الْمُقْنِعِ. تَقْدِيرُهُ: يُبَاحُ التَّيَمُّمُ لِلْعَجْزِ عَنْ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ لِكَذَا أَوْ كَذَا، لِتَعَذُّرِهِ إلَّا بِزِيَادَةٍ كَثِيرَةٍ. فَهُوَ مُسْتَثْنًى مِنْ مُثْبَتٍ. وَالِاسْتِثْنَاءُ مِنْ الْإِثْبَاتِ نَفْيٌ. فَظَاهِرُهُ: أَنَّ تَعَذُّرَهُ فِي كُلِّ صُورَةٍ مُبِيحٌ لِلتَّيَمُّمِ، إلَّا فِي صُورَةِ الِاسْتِثْنَاءِ، وَهِيَ حُصُولُهُ بِزِيَادَةٍ كَثِيرَةٍ عَلَى ثَمَنٍ مِثْلِهِ، وَحُصُولُهُ بِزِيَادَةٍ كَثِيرَةٍ مُبِيحٌ أَيْضًا لِلتَّيَمُّمِ. وَصُورَةُ الِاسْتِثْنَاءِ مُوَافِقَةٌ لِلْمُسْتَثْنَى مِنْهُ فِي الْحُكْمِ. قَالَ فِي الْجَوَابِ عَنْ هَذَا: الْإِشْكَالُ فِي اللَّفْظِ. وَتَصْحِيحُهُ: أَنَّهُ مُسْتَثْنًى مِنْ مَنْفِيٍّ مَعْنًى. فَإِنَّ قَوْلَهُ " أَوْ تَعَذُّرِهِ " فِي مَعْنَى قَوْلِهِ " وَبِكَوْنِهِ لَا يَحْصُلُ الْمَاءُ إلَّا بِزِيَادَةٍ كَثِيرَةٍ " فَيَصِيرُ الِاسْتِثْنَاءُ مُفَرَّغًا؛ لِأَنَّ " بِزِيَادَةٍ كَثِيرَةٍ " مُتَعَلِّقٌ " مَا لَمْ يَحْصُلْ " وَالِاسْتِثْنَاءُ الْمُفَرَّغُ مَا قَبْلَ " إلَّا " وَمَا بَعْدَهُ فِيهِ كَلَامٌ وَاحِدٌ. فَيَصِيرُ مَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ: يُبَاحُ التَّيَمُّمُ بِأَشْيَاءَ: مِنْهَا: حُصُولُ الْمَاءِ بِزِيَادَةٍ كَثِيرَةٍ عَلَى ثَمَنِ مِثْلِهِ، أَوْ ثَمَنٍ يُعْجَزُ عَنْ أَدَائِهِ. ثُمَّ قَالَ: وَإِنَّمَا تَكَلَّمْت عَلَى إعْرَابِ هَذَا، لِأَنَّ بَعْضَ مَشَايِخِنَا ذَكَرَ أَنَّ هَذِهِ الْعِبَارَةَ فَاسِدَةٌ. انْتَهَى. قُلْت: وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ بِمَا هُوَ أَوْضَحُ مِمَّا قَالَ، بِأَنْ يُقَالَ: اسْتِثْنَاءُ الْمُصَنِّفِ مِنْ الْمَفْهُومِ. وَتَقْدِيرُ الْكَلَامِ: فَإِنْ لَمْ يَتَعَذَّرْ، وَلَكِنْ وُجِدَ، وَمَا يُبَاعُ إلَّا بِزِيَادَةٍ كَثِيرَةٍ، أَوْ بِثَمَنٍ يَعْجِزُ عَنْ أَدَائِهِ، وَهُوَ كَثِيرٌ فِي كَلَامِهِمْ. فَائِدَتَانِ إحْدَاهُمَا: يَلْزَمُهُ قَبُولُ الْمَاءِ قَرْضًا، وَكَذَا ثَمَنُهُ، وَلِي مَا يُوفِيهِ. قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ وَهُوَ الْمُرَادُ. وَيَلْزَمُهُ قَبُولُهُ هِبَةً مُطْلَقًا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقَالَ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَلْزَمَهُ قَبُولُهُ إذَا كَانَ عَزِيزًا، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ حَامِدٍ. وَقِيلَ: لَا يَلْزَمُهُ قَبُولُهُ مُطْلَقًا. وَلَا يَلْزَمُهُ قَبُولُ ثَمَنِ الْمَاءِ هِبَةً عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
وَعَنْهُ يَلْزَمُهُ. وَلَا يَلْزَمُهُ اقْتِرَاضُ ثَمَنِهِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ. الثَّانِيَةُ: حُكْمُ الْحَبْلِ وَالدَّلْوِ: حُكْمُ الْمَاءِ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَحْكَامِ. وَيَلْزَمُهُ قَبُولُهُمَا عَارِيَّةً. قَوْلُهُ (فَإِنْ كَانَ بَعْضُ بَدَنِهِ جَرِيحًا تَيَمَّمَ لَهُ. وَغَسَلَ الْبَاقِي) ، الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يَكْفِيهِ التَّيَمُّمُ لِلْجُرْحِ إنْ لَمْ يُمْكِنْ مَسْحُ الْجُرْحِ بِالْمَاءِ. وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالْفَائِقِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ. وَقِيلَ: يَمْسَحُ الْجُرْحَ بِالتُّرَابِ أَيْضًا. قَالَهُ الْقَاضِي فِي مُقْنِعِهِ. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَقِيلَ: يَمْسَحُ الْجُرْحَ. وَفِيهِ نَظَرٌ. وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: وَلَوْ سَافَرَ لِمَعْصِيَةٍ. فَأَصَابَهُ جُرْحٌ، وَخَافَ التَّلَفَ بِغُسْلِهِ: لَمْ يُبَحْ لَهُ التَّيَمُّمُ. وَأَمَّا إذَا أَمْكَنَهُ مَسْحُهُ بِالْمَاءِ، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: أَنَّهُ يَكْفِيهِ التَّيَمُّمُ وَحْدَهُ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ كَثِيرَةٍ. وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَاتِ. وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالشَّرْحِ. وَقَالَ: هُوَ اخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ. وَعَنْهُ يُجْزِيهِ الْمَسْحُ فَقَطْ، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، نَصَّ عَلَيْهِ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لَوْ كَانَ بِهِ جُرْحٌ وَيَخَافُ مِنْ غَسْلِهِ، فَمَسْحُهُ بِالْمَاءِ: أَوْلَى مِنْ مَسْحِ الْجَبِيرَةِ، وَهُوَ خَيْرٌ مِنْ التَّيَمُّمِ. وَنَقَلَهُ الْمَيْمُونِيُّ. وَاخْتَارَهُ هُوَ وَابْنُ عَقِيلٍ، وَقَدَّمَهُ فِي التَّلْخِيصِ، وَالْفَائِقِ. وَقِيلَ: يَتَيَمَّمُ، قَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَالزَّرْكَشِيُّ. وَعَنْهُ يَتَيَمَّمُ أَيْضًا مَعَ الْمَسْحِ. قَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ. وَأَطْلَقَهُ فِي الْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَالْفُرُوعِ، وَأَطْلَقَ الْأُولَى وَالْأَخِيرَةَ فِي التَّلْخِيصِ. وَمَحَلُّ الْخِلَافِ عِنْدَهُ: إذَا كَانَ الْجُرْحُ طَاهِرًا. أَمَّا إنْ كَانَ نَجِسًا: فَلَا يَمْسَحُ عَلَيْهِ قَوْلًا وَاحِدًا. وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ نَقْلِ ابْنِ هَانِئٍ: مَسْحُ الْبَشَرَةِ لِعُذْرٍ كَجَرِيحٍ. وَاخْتَارَهُ شَيْخُنَا، وَهُوَ أَوْلَى. فَوَائِدُ مِنْهَا: لَوْ كَانَ عَلَى الْجُرْحِ عِصَابَةٌ، أَوْ لُصُوقٌ، أَوْ جَبِيرَةٌ كَجَبِيرَةِ الْكَسْرِ:
أَجْزَأَ الْمَسْحُ عَلَيْهَا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَنْهُ وَيَتَيَمَّمُ مَعَهُ وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي حُكْمِ الْجَبِيرَةِ فِي آخِرِ بَابِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ مُسْتَوْفًى فَلْيُعَاوَدْ. وَمِنْهَا: لَوْ كَانَ الْجُرْحُ فِي بَعْضِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ: لَزِمَهُ مُرَاعَاةُ التَّرْتِيبِ وَالْمُوَالَاةُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ: يَلْزَمُهُ مُرَاعَاةُ التَّرْتِيبِ وَالْمُوَالَاةُ، عِنْدَ أَصْحَابِنَا. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: أَمَّا الْجَرِيحُ الْمُتَوَضِّئُ، فَعِنْدَ عَامَّةِ الْأَصْحَابِ: يَلْزَمُهُ أَنْ لَا يَنْتَقِلَ إلَى مَا بَعْدَهُ، حَتَّى يَتَيَمَّمَ لِلْجُرْحِ، نَظَرًا لِلتَّرْتِيبِ، وَأَنْ يَغْسِلَ الصَّحِيحَ مَعَ التَّيَمُّمِ لِكُلِّ صَلَاةٍ، إنْ اُعْتُبِرَتْ الْمُوَالَاةُ. وَقَالَ فِي التَّلْخِيصِ: هَذَا الْمَشْهُورُ، قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَيُرَتِّبُهُ غَيْرُ الْجُنُبِ وَنَحْوِهِ. وَيُوَالِيهِ عَلَى الْمَذْهَبِ فِيهِمَا، إنْ جَرَحَ فِي أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ. وَقَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ. وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَغَيْرِهِ وَقِيلَ: لَا يَجِبُ تَرْتِيبٌ وَلَا مُوَالَاةٌ. اخْتَارَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَصَاحِبُ الْحَاوِي الْكَبِيرِ. قَالَ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ: وَهُوَ الْأَصَحُّ، قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَجِبَ هَذَا التَّرْتِيبُ. وَعَلَّلَهُ وَمَالَ إلَيْهِ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: يَنْبَغِي أَنْ لَا يُرَتَّبَ. وَقَالَ أَيْضًا: لَا يَلْزَمُهُ مُرَاعَاةُ التَّرْتِيبِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ. وَقَالَ: الْفَصْلُ بَيْنَ أَنَّهَا فِي أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ تَيَمَّمَ وَوَجْهٌ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ، وَابْنُ تَمِيمٍ. فَعَلَى الْمَذْهَبِ: يُجْعَلُ مَحَلُّ التَّيَمُّمِ فِي مَكَانِ الْعُضْوِ الَّذِي يَتَيَمَّمُ بَدَلًا عَنْهُ. فَلَوْ كَانَ الْجُرْحُ فِي وَجْهِهِ، لَزِمَهُ التَّيَمُّمُ. ثُمَّ يَغْسِلُ صَحِيحَ وَجْهِهِ، ثُمَّ يُكْمِلُ الْوُضُوءَ، وَإِنْ كَانَ الْجُرْحُ فِي عُضْوٍ آخَرَ: لَزِمَهُ غَسْلُ مَا قَبْلَهُ. ثُمَّ كَانَ الْحُكْمُ فِيهِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الْوَجْهِ. وَإِنْ كَانَ فِي وَجْهِهِ وَيَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ: احْتَاجَ فِي كُلِّ عُضْوٍ إلَى تَيَمُّمٍ فِي مَحَلِّ غَسْلِهِ، لِيَحْصُلَ التَّرْتِيبُ. وَعَلَى الْمَذْهَبِ أَيْضًا: يَلْزَمُهُ أَنْ يَغْسِلَ الصَّحِيحَ مَعَ التَّيَمُّمِ لِكُلِّ صَلَاةٍ. وَيَبْطُلُ تَيَمُّمُهُ مَعَ وُضُوئِهِ إذَا خَرَجَ الْوَقْتُ، إنْ اُعْتُبِرَتْ الْمُوَالَاةُ. صَرَّحَ بِهِ الْأَصْحَابُ.
وَأَمَّا إنْ كَانَ الْجُنُبُ جَرِيحًا: فَهُوَ مُخَيَّرٌ إنْ شَاءَ تَيَمَّمَ لِلْجُرْحِ قَبْلَ غَسْلِ الصَّحِيحِ، وَإِنْ شَاءَ غَسَلَ الصَّحِيحَ وَتَيَمَّمَ بَعْدَهُ. قَوْلُهُ (وَإِنْ وَجَدَ مَاءً يَكْفِي بَعْضَ بَدَنِهِ: لَزِمَهُ اسْتِعْمَالُهُ. وَيَتَيَمَّمُ لِلْبَاقِي، إنْ كَانَ جُنُبًا) ، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَقَطَعَ بِهِ أَكْثَرُهُمْ. قَالَ الْقَاضِي فِي رِوَايَتَيْهِ: لَا خِلَافَ فِيهِ فِي الْمَذْهَبِ. قَالَ فِي التَّلْخِيصِ: يَلْزَمُهُ فِي الْجَنَابَةِ رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ. وَعَنْهُ لَا يَلْزَمُهُ اسْتِعْمَالُهُ. وَيُجْزِئُهُ التَّيَمُّمُ. حَكَاهَا ابْنُ الزَّاغُونِيِّ فَمَنْ بَعْدَهُ. تَنْبِيهٌ فِي قَوْلِهِ " لَزِمَهُ اسْتِعْمَالُهُ لِلْبَاقِي " إشْعَارٌ أَنَّ تَيَمُّمَهُ يَكُونُ بَعْدَ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمَذْهَبِ: فَإِنْ تَيَمَّمَ قَبْلَ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ فِي الْجَنَابَةِ جَازَ. وَقَالَ هُوَ وَغَيْره: يَسْتَعْمِلُهُ فِي أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ، وَيَنْوِي بِهِ رَفْعَ الْحَدَثَيْنِ. قَوْلُهُ (وَإِنْ كَانَ مُحْدِثًا فَهَلْ يَلْزَمُهُ اسْتِعْمَالُهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) . وَأَطْلَقَهَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْكَافِي، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالنَّظْمِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ وَغَيْرِهِمْ. وَحَكَى الْجُمْهُورُ الْخِلَافَ وَجْهَيْنِ، كَالْمُصَنَّفِ. وَفِي النَّوَادِرِ، وَالرِّعَايَةِ: رِوَايَتَيْنِ إحْدَاهُمَا: يَلْزَمُهُ اسْتِعْمَالُهُ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْعُمْدَةِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ، وَغَيْرِهِمْ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ، وَصَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْفُرُوعِ، وَشَرْحِ الْمَجْدِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ رَزِينٍ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ وَغَيْرِهِمْ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينِ، وَغَيْرِهِمْ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هَذَا أَشْهَرُ الْوَجْهَيْنِ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَلْزَمُهُ اسْتِعْمَالُهُ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَابْنُ أَبِي مُوسَى، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى.
تَنْبِيهٌ: قَالَ بَعْضُهُمْ: أَصْلُ الْوَجْهَيْنِ: اخْتِلَافُ الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْمُوَالَاةِ. نَقَلَهُ ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ. وَقَالَ الْمَجْدُ: يَلْزَمُهُ اسْتِعْمَالُهُ، وَإِنْ قُلْنَا: تَجِبُ الْمُوَالَاةُ، فَهُوَ كَالْجُنُبِ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَصَاحِبُ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ. وَرَدُّوا الْأَوَّلَ بِأُصُولٍ كَثِيرَةٍ. وَقِيلَ: هَذَا يَنْبَنِي عَلَى جَوَازِ تَفْرِيقِ النِّيَّةِ عَلَى أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ، وَاخْتَارَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. فَهَذِهِ ثَلَاثُ طُرُقٍ. وَقَالَ فِي الْقَاعِدَةِ الثَّالِثَةِ وَالْأَرْبَعِينَ بَعْدَ الْمِائَةِ: عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ مَنْ مَسَحَ عَلَى الْخُفِّ ثُمَّ خَلَعَهُ: يُجْزِئُهُ غَسْلُ قَدَمَيْهِ، لَوْ وَجَدَ الْمَاءَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بَعْدَ تَيَمُّمِهِ: لَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا غَسْلُ بَاقِي الْأَعْضَاءِ. فَوَائِدُ إحْدَاهُمَا: إذَا قُلْنَا: لَا يَلْزَمُهُ اسْتِعْمَالُهُ، فَلَا يَلْزَمُهُ إرَاقَتُهُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، قُلْت: فَيُعَايَى بِهَا. وَسَوَاءٌ كَانَ فِي الْحَدَثِ الْأَكْبَرِ أَوْ الْأَصْغَرِ. وَحَكَى ابْنُ الزَّاغُونِيِّ فِي الْوَاضِحِ فِي إرَاقَتِهِ قَبْلَ تَيَمُّمِهِ رِوَايَتَيْنِ. الثَّانِيَةُ: لَوْ كَانَ عَلَى بَدَنِهِ نَجَاسَةٌ وَهُوَ مُحْدِثٌ، وَالْمَاءُ يَكْفِي أَحَدَهُمَا: غَسَلَ النَّجَاسَةَ وَتَيَمَّمَ لِلْحَدَثِ، نَصَّ عَلَيْهِ، قَالَهُ الْأَصْحَابُ. قَالَ الْمَجْدُ: إلَّا أَنْ تَكُونَ النَّجَاسَةُ فِي مَحَلٍّ يَصِحُّ تَطْهِيرُهُ مِنْ الْحَدَثِ. فَيَسْتَعْمِلُهُ فِيهِ عَنْهُمَا. وَلَا يَصِحُّ تَيَمُّمُهُ إلَّا بَعْدَ غَسْلِ النَّجَاسَةِ بِالْمَاءِ، تَحْقِيقًا لِشُرُوطِهِ. وَلَوْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ فِي ثَوْبِهِ فَكَذَلِكَ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ. وَيَأْتِي ذَلِكَ فِي آخِرِ الْبَابِ. الثَّالِثَةُ: قَالَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ: لَوْ وَجَدَ تُرَابًا لَا يَكْفِيهِ لِلتَّيَمُّمِ، فَقُلْت: يَسْتَعْمِلُهُ مَنْ لَزِمَهُ اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ الْقَلِيلِ، ثُمَّ يُصَلِّي، ثُمَّ يُعِيدُ الصَّلَاةَ إنْ وَجَدَ مَا يَكْفِيهِ مِنْ مَاءٍ أَوْ تُرَابٍ، وَإِنْ تَيَمَّمَ فِي وَجْهِهِ، ثُمَّ وَجَدَ مَاءً طَهُورًا يَكْفِي بَعْضَ بَدَنِهِ: بَطَلَ تَيَمُّمُهُ. قُلْت: إنْ وَجَبَ اسْتِعْمَالُهُ بَطَلَ، وَإِلَّا فَلَا. انْتَهَى. قَوْلُهُ (وَمَنْ عَدِمَ الْمَاءَ لَزِمَهُ طَلَبُهُ فِي رَحْلِهِ وَمَا قَرُبَ مِنْهُ) .
هَذَا الْمَذْهَبُ بِشُرُوطِهِ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ. وَعَنْهُ لَا يَلْزَمُهُ الطَّلَبُ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ، وَأَبُو الْحَسَنِ التَّمِيمِيُّ. قَالَهُ ابْنُ رَجَبٍ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ. تَنْبِيهٌ: مَحَلُّ الْخِلَافِ فِي لُزُومِ الطَّلَبِ: إذَا احْتَمَلَ وُجُودَ الْمَاءِ وَعَدَمَهُ. أَمَّا إنْ تَحَقَّقَ عَدَمَ الْمَاءِ: فَلَا يَلْزَمُ الطَّلَبُ، رِوَايَةً وَاحِدَةً. قَالَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ. مِنْهُمْ: ابْنُ تَمِيمٍ، وَإِنْ ظَنَّ وُجُودَهُ: إمَّا فِي رَحْلِهِ، أَوْ رَأَى خَضِرَةً وَنَحْوَهَا: وَجَبَ الطَّلَبُ، رِوَايَةً وَاحِدَةً. قَالَهُ ابْنُ تَمِيمٍ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: إجْمَاعًا، وَإِنْ ظَنَّ عَدَمَ وُجُودِهِ، فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: يَلْزَمُهُ الطَّلَبُ، نَصَّ عَلَيْهِ. وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. وَعَنْهُ لَا يَلْزَمُهُ الطَّلَبُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ. ذَكَرَهَا فِي التَّبْصِرَةِ. فَعَلَى الْمَذْهَبِ وَهُوَ لُزُومُ الطَّلَبِ حَيْثُ قُلْنَا بِهِ لَوْ رَأَى مَا يَشُكُّ مَعَهُ فِي الْمَاءِ: بَطَلَ تَيَمُّمُهُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: لَا يَبْطُلُ، كَمَا لَوْ كَانَ فِي صَلَاةٍ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: جَزَمَ بِهِ الْأَصْحَابُ، خِلَافًا لِظَاهِرِ كَلَامِ بَعْضِهِمْ. فَائِدَتَانِ إحْدَاهُمَا: يَلْزَمُهُ طَلَبُهُ مِنْ رَفِيقِهِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: لَا يَلْزَمُهُ، اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ. وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ إنْ دَلَّ عَلَيْهِ، اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ. الثَّانِيَةُ: وَقْتُ الطَّلَبِ: بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ. فَلَا أَثَرَ لِطَلَبِهِ قَبْلَ ذَلِكَ. وَيَلْزَمُهُ الطَّلَبُ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ بِشَرْطِهِ. فَائِدَةٌ: قَوْلُهُ " لَزِمَهُ طَلَبُهُ فِي رَحْلِهِ، وَمَا قَرُبَ مِنْهُ " صِفَةُ الطَّلَبِ: أَنْ يُفَتِّشَ فِي رَحْلِهِ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ. وَيَسْأَلَ رُفْقَتَهُ عَنْ مَوَارِدِ مَاءٍ، أَوْ عَنْ مَاءٍ مَعَهُمْ لِيَبِيعُوهُ لَهُ، أَوْ يَبْذُلُوهُ. كَمَا تَقَدَّمَ. وَمِنْ صِفَتِهِ: أَنْ يَسْعَى عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ، وَأَمَامَهُ وَوَرَاءَهُ، إلَى مَا قَرُبَ مِنْهُ. مِمَّا عَادَةُ الْقَوَافِلِ السَّعْيُ إلَيْهِ، لِطَلَبِ الْمَاءِ وَالْمَرْعَى، وَإِنْ رَأَى خَضِرَةً، أَوْ شَيْئًا
يَدُلُّ عَلَى الْمَاءِ: قَصَدَهُ فَاسْتَبْرَأَهُ، وَإِنْ رَأَى نَشْزًا، أَوْ حَائِطًا. قَصَدَهُ، وَاسْتَبَانَ مَا عِنْدَهُ. فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَهُوَ عَادِمٌ لَهُ، وَإِنْ كَانَ سَائِرًا طَلَبُهُ أَمَامَهُ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَإِنْ ظَنَّهُ فَوْقَ جَبَلٍ بِقُرْبِهِ عَلَاهُ، وَإِنْ ظَنَّهُ وَرَاءَهُ فَوَجْهَانِ، مَعَ أَمْنِهِ الْمَذْكُورِ فِيهِمَا قَوْلُهُ (فَإِنْ دَلَّ عَلَيْهِ قَرِيبًا لَزِمَهُ قَصْدُهُ) . يَعْنِي إذَا دَلَّهُ ثِقَةٌ. وَهَذَا صَحِيحٌ، لَكِنْ لَوْ خَافَ فَوَاتَ الْوَقْتِ لَمْ يَلْزَمْهُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ مُقَيَّدٌ بِذَلِكَ. وَعَنْهُ يَلْزَمُهُ فَائِدَةٌ: الْقَرِيبُ: مَا عُدَّ قَرِيبًا عُرْفًا عَلَى الصَّحِيحِ، جَزَمَ بِهِ فِي الْفُرُوعِ، وَتَذْكِرَةِ ابْنِ رَزِينٍ. وَقِيلَ: مِيلٌ. وَقِيلَ: فَرْسَخٌ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ. وَقِيلَ: مَا تَتَرَدَّدُ الْقَوَافِلُ إلَيْهِ فِي الْمَرْعَى وَنَحْوِهِ. قَالَ الْمَجْدُ: وَتَبِعَهُ ابْنُ عُبَيْدَانَ، وَصَاحِبُ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَهُوَ أَظْهَرُ. وَفَسَّرُوهُ بِالْعُرْفِ، وَقِيلَ. مَا يَلْحَقُهُ الْفَوْتُ. ذَكَرَ الْأَخِيرِينَ فِي التَّلْخِيصِ، وَذَكَرَ الْأَرْبَعَةَ ابْنُ تَمِيمٍ. وَقِيلَ. مَدُّ بَصَرِهِ. ذَكَرَهُ فِي الرِّعَايَةِ. تَنْبِيهٌ: مَفْهُومُ قَوْلِهِ " قَرِيبًا " أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ قَصْدُهُ إذَا كَانَ بَعِيدًا، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا. وَعَنْهُ يَلْزَمُهُ إنْ لَمْ يَخَفْ فَوَاتَ الْوَقْتِ. قَالَ فِي التَّلْخِيصِ: وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ اعْتَبَرَ اشْتِرَاطَ الْقُرْبِ. قَالَ: وَكَلَامُهُ مَحْمُولٌ عِنْدِي عَلَى الْقُرْبِ. وَقِيلَ: وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ. فَوَائِدُ: إحْدَاهُمَا: لَوْ خَرَجَ مِنْ بَلَدِهِ إلَى أَرْضٍ مِنْ أَعْمَالِهِ لِحَاجَةٍ، كَالْحِرَاثَةِ وَالِاحْتِطَابِ، وَالِاحْتِشَاشِ، وَالصَّيْدِ وَنَحْوِ ذَلِكَ: حَمْلُ الْمَاءِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، نَصَّ عَلَيْهِ. وَقِيلَ: لَا يَحْمِلُهُ. فَعَلَى الْمَنْصُوصِ: يَتَيَمَّمُ إنْ فَاتَتْ حَاجَتُهُ بِرُجُوعِهِ عَلَى الصَّحِيحِ. وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ، وَعَلَى الْقَوْلِ بِالتَّيَمُّمِ: لَا يُعِيدُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، يُعِيدُ، لِأَنَّهُ كَالْمُقِيمِ.
وَمَحَلُّ هَذَا: إذَا أَمْكَنَهُ حَمْلُهُ. أَمَّا إذَا لَمْ يُمْكِنْهُ حَمْلُهُ، وَلَا الرُّجُوعُ لِلْوُضُوءِ إلَّا بِتَفْوِيتِ حَاجَتِهِ: فَلَهُ التَّيَمُّمُ. وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: بَلَى. وَلَوْ كَانَتْ حَاجَتُهُ فِي أَرْضِ قَرْيَةٍ أُخْرَى. فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ، وَلَوْ كَانَتْ قَرِيبَةً. قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُ. الثَّانِيَةُ: لَوْ مَرَّ بِمَاءٍ قَبْلَ الْوَقْتِ، أَوْ كَانَ مَعَهُ فَأَرَاقَهُ، ثُمَّ دَخَلَ الْوَقْتُ وَعَدِمَ الْمَاءَ: صَلَّى بِالتَّيَمُّمِ. وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ، وَإِنْ مَرَّ بِهِ فِي الْوَقْتِ وَأَمْكَنَهُ الْوُضُوءُ. قَالَ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ: وَيَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَجِدُ غَيْرَهُ، أَوْ كَانَ مَعَهُ فَأَرَاقَهُ فِي الْوَقْتِ، أَوْ بَاعَهُ فِي الْوَقْتِ، أَوْ وَهَبَهُ فِيهِ: جَزَمَ عَلَيْهِ ذَلِكَ بِلَا نِزَاعٍ. وَلَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ وَالْهِبَةُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، جَزَمَ بِهِ الْقَاضِي، وَابْنُ الْجَوْزِيِّ، وَأَبُو الْمَعَالِي، وَالْمَجْدُ، وَغَيْرُهُمْ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَالْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: أَشْهَرُهَا لَا يَصِحُّ. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: لَمْ يَصِحَّ فِي أَظْهَرِ الْوَجْهَيْنِ. وَذَلِكَ لِتَعَلُّقِ حَقِّ اللَّهِ بِهِ. فَهُوَ عَاجِزٌ عَنْ تَسْلِيمِهِ شَرْعًا. [قُلْت: فَيُعَايَى بِهَا] . وَقِيلَ: يَصِحُّ الْبَيْعُ، وَالْهِبَةُ، وَهُوَ احْتِمَالٌ لِابْنِ عَقِيلٍ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفَائِقِ فِيهِمَا. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِبَةِ، وَالتَّلْخِيصِ. وَيَأْتِي إذَا آثَرَ أَبَوَيْهِ بِالْمَاءِ آخِرَ الْبَابِ. الثَّالِثَةُ: لَوْ تَيَمَّمَ وَصَلَّى بَعْدَ إعْدَامِ الْمَاءِ فِي مَسْأَلَةِ الْإِرَاقَةِ، وَالْمُرُورِ، وَالْبَيْعِ، وَالْهِبَةِ أَوْ وُهِبَ لَهُ مَاءٌ فَلَمْ يَقْبَلْهُ، وَتَيَمَّمَ وَصَلَّى بَعْدَمَا تَلِفَ. فَفِي الْإِعَادَةِ وَجْهَانِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَابْنُ رَزِينٍ، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْإِرَاقَةِ وَالْهِبَةِ: فِي التَّلْخِيصِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْإِرَاقَةِ، وَالْمُرُورِ: فِي الْفَائِقِ، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ. جَزَمَ فِي الْإِفَادَاتِ بِالْإِعَادَةِ فِي الْإِرَاقَةِ، وَالْهِبَةِ، وَصَحَّحَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، فِي الْمُرُورِ بِهِ وَالْإِرَاقَةِ، وَفِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى فِي الْمُرُورِ بِهِ،
قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ: فَإِنْ تَيَمَّمَ مَعَ بَقَاءِ الْمَاءِ: لَمْ يَصِحَّ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ تَصَرُّفِهِ فَهُوَ كَالْإِرَاقَةِ، وَنَصَّ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ عَلَى عَدَمِ الْإِعَادَةِ فِي الْكُلِّ. وَقِيلَ: يُعِيدُ إنْ أَرَاقَهُ. وَلَا يُعِيدُ إنْ مَرَّ بِهِ. وَأَطْلَقَهُنَّ ابْنُ تَمِيمٍ. قَوْلُهُ (وَإِنْ نَسِيَ الْمَاءَ بِمَوْضِعٍ يُمْكِنُهُ اسْتِعْمَالُهُ وَتَيَمَّمَ، لَمْ يُجْزِهِ) هَذَا الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ، وَالْأَثْرَمِ، وَمُهَنَّا، وَصَالِحٍ، وَابْنِ الْقَاسِمِ. كَمَا لَوْ نَسِيَ الرَّقَبَةَ فَكَفَّرَ بِالصِّيَامِ. وَعَنْهُ يُجْزِئُ. ذَكَرَهَا الْقَاضِي فِي شَرْحِهِ، وَالْمُجَرَّدِ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ وَالْآمِدِيُّ، وَالْمَجْدُ، وَغَيْرُهُمْ. وَعَنْهُ التَّوَقُّفُ. حَكَاهَا ابْنُ تَمِيمٍ. فَائِدَةٌ: الْجَاهِلُ بِهِ كَالنَّاسِي. تَنْبِيهٌ: مَحَلُّ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: فِيمَا إذَا ظَهَرَ الْمَاءُ بِمَوْضِعٍ يَظْهَرُ بِهِ تَفْرِيطُهُ وَتَقْصِيرُهُ فِي طَلَبِهِ. بِأَنْ يَجِدَهُ فِي رَحْلِهِ وَهُوَ فِي يَدِهِ، أَوْ بِبِئْرٍ بِقُرْبِهِ أَعْلَامُهَا ظَاهِرَةٌ. فَأَمَّا إنْ ضَلَّ عَنْ رَحْلِهِ، وَفِيهِ الْمَاءُ، وَقَدْ طَلَبَهُ، أَوْ كَانَتْ الْبِئْرُ أَعْلَامُهَا خَفِيَّةٌ، وَلَمْ يَكُنْ يَعْرِفُهَا: فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يُجْزِئُهُ التَّيَمُّمُ. وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ، لِعَدَمِ تَفْرِيطِهِ وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ. وَقِيلَ: يُعِيدُ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي فِي الْبِئْرِ فِي مَوْضِعٍ مِنْ كَلَامِهِ. وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ، فِيمَا إذَا ضَلَّ عَنْ رَحْلِهِ. وَأَمَّا إذَا أُدْرِجَ الْمَاءُ فِي رَحْلِهِ، وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ، أَوْ ضَلَّ مَوْضِعُ الْبِئْرِ الَّتِي كَانَ يَعْرِفُهَا. فَقِيلَ: لَا يُعِيدُ، اخْتَارَهُ أَبُو الْمَعَالِي فِي النِّهَايَةِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى. فَقَالَ: الصَّحِيحُ الَّذِي نَقْطَعُ بِهِ: أَنَّهُ لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعَدُّ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ مُفَرِّطًا، وَصَحَّحَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى فِي الثَّانِيَةِ. وَكَذَلِكَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ. وَقِيلَ: يُعِيدُ، وَاخْتَارَهُ وَصَحَّحَهُ الْمَجْدُ، وَصَاحِبُ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ فِي الْأُولَى، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ فِيهَا. وَقَدَّمَ ابْنُ رَزِينٍ فِي الثَّانِيَةِ: أَنَّهُ كَالنَّاسِي. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَابْنُ تَمِيمٍ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الثَّانِيَةِ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْأُولَى فِي الرِّعَايَةِ.
وَأَمَّا إذَا كَانَ الْمَاءُ مَعَ عَبْدِهِ، وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ السَّيِّدُ، وَنَسِيَ الْعَبْدُ أَنْ يُعْلِمَهُ حَتَّى صَلَّى بِالتَّيَمُّمِ. فَقِيلَ: لَا يُعِيدُ؛ لِأَنَّ التَّفْرِيطَ مِنْ غَيْرِهِ. وَقِيلَ: هُوَ كَنِسْيَانِهِ. قَالَ فِي الْفَائِقِ: يُعِيدُ إذَا جَهِلَ الْمَاءَ، فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَابْنُ رَزِينٍ. قَوْلُهُ (وَيَجُوزُ التَّيَمُّمُ لِجَمِيعِ الْأَحْدَاثِ، وَالنَّجَاسَةِ عَلَى جُرْحٍ تَضُرُّهُ إزَالَتُهَا) . يَجُوزُ التَّيَمُّمُ لِجَمِيعِ الْأَحْدَاثِ بِلَا نِزَاعٍ، وَيَجُوزُ التَّيَمُّمُ لِلنَّجَاسَةِ عَلَى جُرْحٍ تَضُرُّهُ إزَالَتُهَا، وَلِعَدَمِ الْمَاءِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ فِيهِمَا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. وَعَنْهُ لَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ لَهَا. قَالَ فِي الْفَائِقِ: وَفِيهِ وَجْهٌ لَا يَجِبُ التَّيَمُّمُ لِنَجَاسَةِ الْبَدَنِ مُطْلَقًا، وَنَصَرَهُ شَيْخُنَا، وَهُوَ الْمُخْتَارُ. انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: لَا يُشْرَعُ التَّيَمُّمُ لِنَجَاسَةِ الْبَدَنِ لِعَدَمِ الْمَاءِ. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: قَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَتَيَمَّمُ لِنَجَاسَةٍ أَصْلًا، بَلْ يُصَلِّي عَلَى حَسَبِ حَالِهِ. قَوْلُهُ (وَإِنْ تَيَمَّمَ لِلنَّجَاسَةِ لِعَدَمِ الْمَاءِ، وَصَلَّى: فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ، إلَّا عِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ) . يَعْنِي إذَا كَانَتْ عَلَى بَدَنِهِ. وَاعْلَمْ أَنَّ الصَّحِيحَ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مَنْ تَيَمَّمَ لِلنَّجَاسَةِ عَلَى بَدَنِهِ إعَادَةٌ لِعَدَمِ الْمَاءِ، سَوَاءٌ كَانَتْ عَلَى جُرْحٍ أَوْ غَيْرِهِ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ. قَالَ الشَّارِحُ. قَالَهُ أَصْحَابُنَا. وَكَذَا قَالَ فِي الْهِدَايَةِ، وَغَيْرِهَا. قَالَ ابْنُ عُبَيْدَانَ: وَهُوَ الصَّحِيحُ وَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ. قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: هَذَا أَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ. قَالَ فِي النَّظْمِ: هَذَا أَشْهَرُ الرِّوَايَتَيْنِ. قَالَ فِي تَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ: لَا يُعِيدُ عَلَى الْأَظْهَرِ، قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: لَا إعَادَةَ، نَصَّ عَلَيْهِ، اخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ،
وَغَيْرِهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَغَيْرِهِمْ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، فِيمَا إذَا كَانَ عَلَى جُرْحِهِ نَجَاسَةٌ تَضُرُّهُ إزَالَتُهَا. وَعِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ: عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ يَعْنِي: إذَا تَيَمَّمَ لِلنَّجَاسَةِ لِعَدَمِ الْمَاءِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ. وَذَكَرَ فِي الْكَافِي قَوْلَ أَبِي الْخَطَّابِ، ثُمَّ قَالَ: وَقِيلَ: فِي الْإِعَادَةِ رِوَايَتَانِ. وَعَنْهُ يُعِيدُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ. وَعَنْهُ يُعِيدُ فِي الْحَضَرِ. وَأَطْلَقَ الْإِعَادَةَ مُطْلَقًا، وَعَدَمَهَا مُطْلَقًا فِي الْفَائِقِ. تَنْبِيهٌ: قَالَ فِي الْمُحَرَّرِ: وَإِذَا لَمْ يَجِدْ مَنْ بِبَدَنِهِ نَجَاسَةُ مَاءٍ تَيَمَّمَ لَهَا. فَإِنْ عَدِمَ التُّرَابَ صَلَّى. وَفِي الْإِعَادَةِ رِوَايَتَانِ. فَإِنْ قُلْنَا: يُعِيدُ، فَهَلْ يُعِيدُ إذَا تَيَمَّمَ لَهَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ [انْتَهَى، وَالصَّحِيحُ: عَدَمُ الْإِعَادَةِ. قَالَ الْمَجْدُ: نَصَّ عَلَيْهِ، وَشَهَرَهُ النَّاظِمُ، وَصَحَّحَهُ فِي: تَصْحِيحِ الْمُحَرَّرِ، وَبِاِتِّخَاذِ عَدَمِ الْمَاءِ وَالتُّرَابِ] . قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: الْخِلَافُ فِي الْإِعَادَةِ هُنَا فَرْعٌ عَلَى الْقَوْلِ بِوُجُوبِ الْإِعَادَةِ إذَا صَلَّى بِنَجَاسَةٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى إزَالَتِهَا مِنْ غَيْرِ تَيَمُّمٍ، ذَكَرَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَتَيَمَّمُ لِنَجَاسَةٍ أَصْلًا، بَلْ يُصَلِّي عَلَى حَسَبِ حَالِهِ. وَفِي الْإِعَادَةِ رِوَايَتَانِ. وَقَالَ ابْنُ عُبَيْدَانَ بَعْدَ أَنْ حَكَى الْخِلَافَ فِي الْإِعَادَةِ إذَا تَيَمَّمَ لِلنَّجَاسَةِ لِعَدَمِ الْمَاءِ وَصَلَّى هَذَانِ الْوَجْهَانِ فَرْعٌ عَلَى رِوَايَةِ إيجَابِ الْإِعَادَةِ عَلَى مَنْ صَلَّى بِالنَّجَاسَةِ عَاجِزًا عَنْ إزَالَتِهَا، وَعَنْ التَّيَمُّمِ لَهَا. فَأَمَّا إذَا قُلْنَا: لَا إعَادَةَ هُنَاكَ، فَلَا إعَادَةَ مَعَ التَّيَمُّمِ وَجْهًا وَاحِدًا. انْتَهَى. تَنْبِيهٌ: مَفْهُومُ قَوْلِهِ (وَيَجُوزُ التَّيَمُّمُ لِجَمِيعِ الْأَحْدَاثِ، وَالنَّجَاسَةِ عَلَى جُرْحٍ) أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ لِلنَّجَاسَةِ عَلَى ثَوْبِهِ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: مَتَى قُلْنَا: يُجْزِئُ ذَلِكَ أَسْفَلَ الْخُفِّ وَالْحِذَاءِ مِنْ النَّجَاسَةِ بِالْأَرْضِ: فَقَدْ دَخَلَ الْجَامِدُ فِي غَيْرِ الْبَدَنِ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ، وَقِيلَ: يَجُوزُ ذَلِكَ، وَهُوَ بَعِيدٌ. قَالَ ابْنُ عُبَيْدَانَ: أَرَادَ بِذَلِكَ قَوْلَ ابْنِ عَقِيلٍ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ وَحَكَى قَوْلَهُ. انْتَهَى.
وَأَمَّا الْمَكَانُ: فَلَا يَتَيَمَّمُ لَهُ، قَوْلًا وَاحِدًا. وَيَأْتِي إذَا كَانَ مُحْدِثًا وَعَلَيْهِ نَجَاسَةٌ: هَلْ يُجْزِئُ تَيَمُّمٌ وَاحِدٌ أَمْ لَا؟ وَهَلْ تَجِبُ النِّيَّةُ لِلتَّيَمُّمِ لِلنَّجَاسَةِ أَمْ لَا؟ قَوْلُهُ (يَجِبُ تَعْيِينُ النِّيَّةِ لِمَا تَيَمَّمَ لَهُ مِنْ حَدَثٍ أَوْ غَيْرِهِ) . فَائِدَةٌ: يَلْزَمُهُ قَبْلَ التَّيَمُّمِ أَنْ يُخَفِّفَ مِنْ النَّجَاسَةِ مَا أَمْكَنَهُ بِمَسْحِهِ، أَوْ حَتَّهُ بِالتُّرَابِ، أَوْ غَيْرِهِ. قَالَهُ الْأَصْحَابُ. قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: يَمْسَحُهَا بِالتُّرَابِ حَتَّى لَا يَبْقَى لَهَا أَثَرٌ. قَوْلُهُ (وَإِنْ يَتَيَمَّمْ فِي الْحَضَرِ خَوْفًا مِنْ الْبَرْدِ وَصَلَّى فَفِي وُجُوبِ الْإِعَادَةِ رِوَايَتَانِ) . يَعْنِي إذَا قُلْنَا: بِجَوَازِ التَّيَمُّمِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْكَافِي، وَالْخُلَاصَةِ، وَالشَّرْحِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَشَرْحِ ابْنِ مُنَجَّا، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَغَيْرُهُمْ. إحْدَاهُمَا: لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، صَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ، وَالْمُغْنِي، وَابْنُ رَزِينٍ. قَالَ فِي النَّظْمِ: هَذَا أَشْهَرُ الْقَوْلَيْنِ. قَالَ فِي إدْرَاكِ الْغَايَةِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ: لَمْ يُعِدْ عَلَى الْأَظْهَرِ. وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. وَالثَّانِيَةُ: عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ، كَالْقُدْرَةِ عَلَى تَسْخِينِهِ. قَالَ فِي الْحَاوِيَيْنِ: أَعَادَ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ. تَنْبِيهٌ: مَفْهُومُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: أَنَّهُ لَوْ تَيَمَّمَ خَوْفًا مِنْ الْبَرْدِ فِي السَّفَرِ: أَنَّهُ لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْوَجِيزِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْهِدَايَةِ، وَغَيْرِهِمْ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ. وَعَنْهُ عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ. وَأَطْلَقَهُ ابْنُ تَمِيمٍ.
تَنْبِيهٌ: حَيْثُ قُلْنَا: يُعِيدُ هُنَا. فَهَلْ الْأُولَى فَرْضُهُ، أَوْ الثَّانِيَةُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. أَحَدُهُمَا: الْأُولَى فَرْضُهُ. وَالثَّانِي: الثَّانِيَةُ فَرْضُهُ. قُلْت: هَذَا الْأُولَى، وَإِلَّا لَمَّا كَانَ فِي الْإِعَادَةِ كَبِيرُ فَائِدَةٍ. [ثُمَّ وَجَدْته جَزَمَ بِهِ فِي الْفُصُولِ. وَنَقَلَهُ عَنْ الْقَاضِي] وَيَأْتِي قَرِيبًا إذَا عَدِمَ الْمَاءَ وَالتُّرَابَ. وَقُلْنَا: يُعِيدُ، هَلْ الْأُولَى، أَوْ الثَّانِيَةُ فَرْضُهُ؟ . قَوْلُهُ (وَلَوْ عَدِمَ الْمَاءَ وَالتُّرَابَ صَلَّى عَلَى حَسَبِ حَالِهِ) ، الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: وُجُوبُ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَالْحَالَةُ هَذِهِ، فَيَفْعَلُهَا وُجُوبًا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَعَنْهُ يُسْتَحَبُّ. وَعَنْهُ تَحْرُمُ الصَّلَاةُ حِينَئِذٍ فَيَقْضِيهَا. فَعَلَى الْمَذْهَبِ: لَا يَزِيدُ عَلَى مَا يُجْزِئُ فِي الصَّلَاةِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: يَتَوَجَّهُ لَوْ فَعَلَ مَاشِيًا؛ لِأَنَّهُ لَا تُجْزِيهِ مَعَ الْعَجْزِ، وَلِأَنَّ لَهُ أَنْ يَزِيدَ عَلَى مَا يُجْزِئُ فِي ظَاهِرِ قَوْلِهِمْ. قَالَ فِي الْفَتَاوَى الْمِصْرِيَّةِ: لَهُ فِعْلُ ذَلِكَ عَلَى أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ. ثُمَّ قَالَ: وَقَدْ جَزَمَ جَدُّهُ وَجَمَاعَةٌ بِخِلَافِهِ. قُلْت: قَالَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ: يَقْرَأُ الْجُنُبُ فِيهَا مَا يُجْزِئُ فَقَطْ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى أَيْضًا: وَلَا يَتَنَفَّلُ. ثُمَّ قَالَ: قُلْت: وَلَا يَزِيدُ عَلَى مَا يُجْزِئُ فِي طُمَأْنِينَةِ رُكُوعٍ وَسُجُودٍ، وَقِيَامٍ وَقُعُودٍ، وَتَسْبِيحٍ وَتَشَهُّدٍ، وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَقِيلَ: وَلَا يَقْرَأُ جُنُبٌ فِي غَيْرِ صَلَاةِ فَرْضٍ شَيْئًا مَعَ عَدَمِهِمَا. انْتَهَى. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَلَا يَقْرَأُ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ إنْ كَانَ جُنُبًا. قَوْلُهُ (وَفِي الْإِعَادَةِ رِوَايَتَانِ) . وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، وَالْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْكَافِي، وَالْمُحَرَّرِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَغَيْرِهِمْ.
إحْدَاهُمَا: لَا يُعِيدُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ صَحَّحَهَا فِي التَّصْحِيحِ، وَالْمُصَنِّفِ، وَالشَّارِحِ، وَالْمَجْدِ، وَصَاحِبِ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالْفَائِقِ. قَالَ النَّاظِمُ: هَذَا الْمَشْهُورُ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَنَصَّ ابْنُ عُبَيْدَانَ وَغَيْرُهُ. وَجَزَمَ بِهِ نَاظِمُ الْمُفْرَدَاتِ، وَهُوَ مِنْهَا. وَقَدَّمَهَا فِي الْفُرُوعِ. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: يُعِيدُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: نَقَلَهُ وَاخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: أَعَادَ عَلَى الْأَقْيَسِ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى: وَأَعَادَ فِي رِوَايَةٍ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِفَادَاتِ. فَعَلَى الْقَوْلِ بِالْإِعَادَةِ: لَوْ وَجَدَ تُرَابًا تَيَمَّمَ، وَأَعَادَ عَلَى الصَّحِيحِ، نَصَّ عَلَيْهِ، زَادَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ: يَسْقُطُ بِهِ الْفَرْضُ. وَقِيلَ: لَا يُعِيدُ بِوِجْدَانِ التُّرَابِ. فَعَلَى الْمَنْصُوصِ: إنْ قَدَرَ فِيهَا عَلَيْهِ خَرَجَ، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ فَهُوَ كَمُتَيَمِّمٍ يَجِدُ الْمَاءَ عَلَى مَا يَأْتِي. فَوَائِدُ مِنْهَا: عَلَى الْقَوْلِ بِالْإِعَادَةِ: الثَّانِيَةُ فَرْضُهُ عَلَى الصَّحِيحِ، جَزَمَ بِهِ ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: وَقِيلَ: الْأُولَى فَرْضُهُ. وَقِيلَ: هُمَا فَرْضُهُ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ. وَقِيلَ: إحْدَاهُمَا فَرْضُهُ لَا بِعَيْنِهَا. وَمِنْهَا: لَوْ أَحْدَثَ مَنْ لَمْ يَجِدْ مَاءً وَلَا تُرَابًا بِنَوْمٍ أَوْ غَيْرِهِ فِي الصَّلَاةِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، جَزَمَ بِهِ فِي الْفُرُوعِ. وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: ذَكَرَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا. وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَقِيلَ: إنْ وَجَدَ الْمُصَلِّي الْمَاءَ أَوْ التُّرَابَ وَقُلْنَا: تُعَادُ مَعَ دَوَامِ الْعَجْزِ خَرَجَ مِنْهَا، وَإِلَّا أَتَمَّهَا إنْ شَاءَ. وَقَالَ أَيْضًا: وَهَلْ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ وَهُوَ فِيهَا؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ. قُلْت: الْأُولَى: عَدَمُ الْبُطْلَانِ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ وَهُوَ فِيهَا. قَالَ فِي الْفَائِقِ: وَمَنْ صَلَّى عَلَى حَسَبِ حَالِهِ اخْتَصَّ مُبْطِلُهَا بِحَالَةِ الصَّلَاةِ وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَتَبْطُلُ الصَّلَاةُ عَلَى الْمَيِّتِ إذَا لَمْ يُغَسَّلْ. وَلَا يَتَيَمَّمُ بِغُسْلِهِ مُطْلَقًا،
وَتُعَادُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ بِهِ، وَالْأَصَحُّ: وَبِالتَّيَمُّمِ، وَيَجُوزُ نَبْشُهُ لِأَحَدِهِمَا مَعَ أَمْنِ تَفَسُّخِهِ. وَمِنْهَا: لَوْ كَانَ بِهِ قُرُوحٌ لَا يَسْتَطِيعُ مَعَهَا مَسَّ الْبَشَرَةِ بِوُضُوءٍ وَلَا يَتَيَمَّمُ. فَإِنَّهُمَا يَسْقُطَانِ عَنْهُ، وَيُصَلِّي عَلَى حَسَبِ حَالِهِ. وَفِي الْإِعَادَةِ رِوَايَتَانِ؛ لِأَنَّهُ عُذْرٌ نَادِرٌ غَيْرُ مُتَّصِلٍ. ذَكَرَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ. وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي الْإِعَادَةِ: كَمَنْ عَدِمَ الْمَاءَ وَالتُّرَابَ. ذَكَرَهُ فِي الشَّرْحِ، وَالْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَغَيْرُهُمْ. فَالْحُكْمُ هُنَا كَالْحُكْمِ هُنَاكَ. قَوْلُهُ (وَلَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ إلَّا بِتُرَابٍ طَاهِرٍ، لَهُ غُبَارٌ يَعْلَقُ بِالْيَدِ) هَذَا الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ. وَعَنْهُ يَجُوزُ بِالسَّبْخَةِ أَيْضًا. وَعَنْهُ بِالرَّمْلِ أَيْضًا، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. وَقَيَّدَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ جَوَازَ التَّيَمُّمِ بِالرَّمْلِ وَالسَّبْخَةِ: بِأَنْ يَكُونَ لَهُ غُبَارٌ، وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ، رِوَايَةً وَاحِدَةً. وَقَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِالرَّمْلِ مُطْلَقًا. نَقَلَهَا عَنْهُ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. ذَكَرَهُ ابْنُ عُبَيْدَانَ. وَعَنْهُ يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِهِمَا عِنْدَ الْعَدَمِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ. وَعَنْهُ يَجُوزُ التَّيَمُّمُ أَيْضًا بِالنُّورَةِ وَالْجَصِّ. نَقَلَهَا ابْنُ عَقِيلٍ. وَقِيلَ: يَجُوزُ بِمَا تَصَاعَدَ عَلَى الْأَرْضِ لَا بِعَدَمٍ عَلَى الْأَصَحِّ، قَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: يَتَيَمَّمُ عِنْدَ عَدَمِ التُّرَابِ بِكُلِّ طَاهِرٍ تَصَاعَدَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، مِثْلُ الرَّمْلِ، وَالسَّبْخَةِ، وَالنُّورَةِ، وَالْكُحْلِ، وَمَا فِي مَعْنَى ذَلِكَ. وَيُصَلِّي. وَهَلْ يُعِيدُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: جَوَازَ التَّيَمُّمِ بِغَيْرِ التُّرَابِ مِنْ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ إذَا لَمْ يَجِدْ تُرَابًا وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ. تَنْبِيهٌ: مُرَادُهُ بِقَوْلِهِ " بِتُرَابٍ طَاهِرٍ " التُّرَابُ الطَّهُورُ، وَمُرَادُهُ. غَيْرُ التُّرَابِ الْمُحْتَرِقِ. فَإِنْ كَانَ مُحْتَرِقًا لَمْ يَصِحَّ التَّيَمُّمُ بِهِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: يَجُوزُ. تَنْبِيهٌ: شَمِلَ قَوْلُهُ " بِتُرَابٍ " لَوْ ضَرَبَ عَلَى يَدٍ أَوْ عَلَى ثَوْبٍ، أَوْ بِسَاطٍ، أَوْ حَصِيرٍ، أَوْ حَائِطٍ، أَوْ صَخْرَةٍ، أَوْ حَيَوَانٍ، أَوْ بَرْذَعَةِ حِمَارٍ، أَوْ شَجَرٍ، أَوْ خَشَبٍ،
أَوْ عِدْلٍ، أَوْ شَعْرٍ، وَنَحْوِهِ: مِمَّا عَلَيْهِ غُبَارٌ طَهُورٌ يَعْلَقُ بِيَدِهِ، وَهُوَ صَحِيحٌ، قَالَهُ الْأَصْحَابُ. فَوَائِدُ مِنْهَا: أَعْجَبَ الْإِمَامَ أَحْمَدَ حَمْلُ التُّرَابِ لِأَجْلِ التَّيَمُّمِ. وَعَنْهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَغَيْرُهُ: لَا يَحْمِلُهُ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ أَظْهَرُ، قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ، إذْ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ الصَّحَابَةِ وَلَا غَيْرِهِمْ مِنْ السَّلَفِ فِعْلُ ذَلِكَ مَعَ كَثْرَةِ أَسْفَارِهِمْ. وَمِنْهَا: لَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِالطِّينِ. قَالَ الْقَاضِي: بِلَا خِلَافٍ. انْتَهَى. لَكِنْ إنْ أَمْكَنَهُ تَجْفِيفُهُ وَالتَّيَمُّمُ بِهِ قَبْلَ خُرُوجِ الْوَقْتِ لَزِمَهُ ذَلِكَ. وَلَا يَلْزَمُهُ إنْ خَرَجَ الْوَقْتُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ وَإِنْ خَرَجَ الْوَقْتُ، وَهُوَ احْتِمَالٌ فِي الْمُغْنِي. وَمِنْهَا: لَوْ وَجَدَ ثَلْجًا وَلَمْ يُمْكِنْ تَذْوِيبُهُ، لَزِمَهُ مَسْحُ أَعْضَائِهِ بِهِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، نَصَّ عَلَيْهِ. وَقِيلَ: لَا يَلْزَمُهُ. قَالَ الْقَاضِي: مَسْحُ الْأَعْضَاءِ بِالثَّلْجِ مُسْتَحَبٌّ غَيْرُ وَاجِبٍ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَإِنْ كَانَ يَجْرِي إذَا مَسَّ يَدَهُ: وَجَبَ، وَلَا إعَادَةَ. وَنَقَلَ الْمَرُّوذِيُّ: لَا يَتَيَمَّمُ بِالثَّلْجِ. فَعَلَى الْمَذْهَبِ: فِي الْإِعَادَةِ رِوَايَتَانِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ. إحْدَاهُمَا. يَلْزَمُهُ، قَدَّمَهُ ابْنُ عُبَيْدَانَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَابْنُ تَمِيمٍ. وَالثَّانِيَةُ: لَا يَلْزَمُهُ. وَمِنْهَا: لَوْ نَحَتَ الْحِجَارَةَ كَالْمِكْدَنِ، وَالْمَرْمَرِ وَنَحْوِهِمَا، حَتَّى صَارَ تُرَابًا: لَمْ يَجُزْ التَّيَمُّمُ بِهِ، وَإِنْ دَقَّ الطِّينَ الصُّلْبَ، كَالْأَرْمَنِيِّ: جَازَ التَّيَمُّمُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ تُرَابٌ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَيَصِحُّ فِي الْأَشْهَرِ بِتُرَابِ طِينٍ يَابِسٍ خُرَاسَانِيٍّ، أَوْ أَرْمَنِيٍّ، وَنَحْوِهِمَا. وَقِيلَ: مَأْكُولٍ قَبْلَ طَبْخِهِ. وَقِيلَ: وَبَعْدَهُ. وَفِيهِ بُعْدٌ. انْتَهَى.
قَوْلُهُ (وَإِنْ خَالَطَهُ ذُو غُبَارٍ، لَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِهِ، كَالْجِصِّ وَنَحْوِهِ، فَهُوَ كَالْمَاءِ إذَا خَالَطَتْهُ الطَّاهِرَاتُ) ، هَذَا الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، مِنْهُمْ الْقَاضِي، وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَغَيْرُهُمَا، وَجَزَمَ بِهِ فِي النِّهَايَةِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْوَجِيزِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ وَغَيْرِهِمْ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ. وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِهِ إذَا خَالَطَهُ غَيْرُهُ مُطْلَقًا، اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَالْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ: وَهُوَ أَقْيَسُ، وَصَحَّحَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ. وَأَطْلَقَهُمَا الزَّرْكَشِيُّ، وَالْمُذْهَبُ. وَقِيلَ: يَجُوزُ، وَلَوْ خَالَطَهُ غَيْرُهُ مُطْلَقًا. ذَكَرَهُ فِي الرِّعَايَةِ. فَائِدَةٌ: لَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ مِنْ تُرَابِ مَقْبَرَةٍ تَكَرَّرَ نَبْشُهَا. فَإِنْ لَمْ يَتَكَرَّرْ جَازَ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، قَطَعَ بِهِ الْمُصَنِّفُ، وَالْمَجْدُ، وَالشَّارِحُ، وَغَيْرُهُمْ. وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ. وَقِيلَ: يَجُوزُ وَلَوْ خَالَطَهُ غَيْرُهُ مُطْلَقًا. تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ (فَهُوَ كَالْمَاءِ) اعْلَمْ أَنَّ التُّرَابَ كَالْمَاءِ فِي مَسَائِلَ: مِنْهَا: مَا تَقَدَّمَ. وَمِنْهَا: لَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِتُرَابٍ مَغْصُوبٍ. قَالَهُ الْأَصْحَابُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُهُ وَلَوْ بِتُرَابِ مَسْجِدٍ، ثُمَّ قَالَ: وَلَعَلَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ. [وَقَالَ فِي بَابِ صِفَةِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فِي " فَصْلٍ، ثُمَّ يَدْفَعُ بَعْدَ الْغُرُوبِ إلَى مُزْدَلِفَةَ " وَفِي الْفُصُولِ: إنْ رَمَى بِحَصَى الْمَسْعَى: كُرِهَ وَأَجْزَأَ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ نَهَى عَنْ إخْرَاجِ تُرَابِهِ. فَدَلَّ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَصِحَّ أَجْزَأَ، وَأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ مَنْعِهِ الْمَنْعُ] . وَمِنْهَا: لَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِتُرَابٍ قَدْ تُيُمِّمَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُسْتَعْمَلًا كَالْمَاءِ. وَهَذَا الصَّحِيحُ فِي الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِهِ مَرَّةً ثَانِيَةً كَمَا لَوْ لَمْ يَتَيَمَّمْ مِنْهُ عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ فِيهِ. فَائِدَةٌ: لَا يُكْرَهُ التَّيَمُّمُ بِتُرَابِ زَمْزَمَ مَعَ أَنَّهُ مَسْجِدٌ. قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَالرِّعَايَةِ.
تَنْبِيهَانِ أَحَدُهُمَا: ظَاهِرُ قَوْلِهِ (وَفَرَائِضُهُ أَرْبَعَةٌ: مَسْحُ جَمِيعِ وَجْهِهِ) أَنَّهُ يَجِبُ مَسْحُ مَا تَحْتَ الشَّعْرِ الْخَفِيفِ، وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ. قَالَ فِي الْمُذْهَبِ: مَحَلُّ التَّيَمُّمِ جَمِيعُ مَا يَجِبُ غَسْلُهُ مِنْ الْوَجْهِ، مَا خَلَا الْأَنْفَ وَالْفَمَ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَجِبُ مَسْحُ ذَلِكَ، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، قَطَعَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَابْنُ رَزِينٍ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ عُبَيْدَانَ، وَهُوَ الصَّوَابُ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَيَمْسَحُ مَا أَمْكَنَ مَسْحُهُ مِنْ ظَاهِرِ وَجْهِهِ وَلِحْيَتِهِ. قِيلَ. وَمَا نَزَلَ عَنْ ذَقَنِهِ. وَالثَّانِي: مُرَادُهُ بِقَوْلِهِ " مَسْحُ جَمِيعِ وَجْهِهِ " سِوَى الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ قَطْعًا، بَلْ يُكْرَهُ. قَوْلُهُ (وَالتَّرْتِيبُ وَالْمُوَالَاةُ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ) الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ حُكْمَ التَّرْتِيبِ وَالْمُوَالَاةِ هُنَا: حُكْمُهُمَا فِي الْوُضُوءِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ. وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ. وَقِيلَ: هُمَا هُنَا سُنَّةٌ، وَإِنْ قُلْنَا: هُمَا فِي الْوُضُوءِ فَرْضَانِ. وَقِيلَ: التَّرْتِيبُ هُنَا سُنَّةٌ فَقَطْ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ. لِأَنَّهُ ذَكَرَ التَّرْتِيبَ فِي الْوُضُوءِ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ هُنَا. قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ عِنْدِي: أَنَّ التَّرْتِيبَ لَا يَجِبُ فِي التَّيَمُّمِ، وَإِنْ وَجَبَ فِي الْوُضُوءِ؛ لِأَنَّ بُطُونَ الْأَصَابِعِ لَا يَجِبُ مَسْحُهَا بَعْدَ الْوَجْهِ فِي التَّيَمُّمِ بِالضَّرْبَةِ الْوَاحِدَةِ، بَلْ يُعْتَدُّ بِمَسْحِهَا مَعَهُ. وَاخْتَارَهُ فِي الْفَائِقِ. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَهُوَ أَوْلَى. قَالَ فِي الْحَاوِي الْكَبِيرِ: إنْ تَيَمَّمَ بِضَرْبَتَيْنِ وَجَبَ التَّرْتِيبُ، وَإِنْ تَيَمَّمَ بِضَرْبَةٍ لَمْ يَجِبْ. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: رَأَيْت التَّيَمُّمَ بِضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ قَدْ أَسْقَطَ تَرْتِيبًا مُسْتَحَقًّا فِي الْوُضُوءِ وَهُوَ أَنَّهُ يُعْتَدُّ بِمَسْحِ بَاطِنِ يَدَيْهِ قَبْلَ مَسْحِ وَجْهِهِ. فَائِدَةٌ: قَدْرُ الْمُوَالَاةِ هُنَا: بِقَدْرِهَا زَمَنًا فِي الْوُضُوءِ عُرْفًا. قَالَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالرِّعَايَةِ
تَنْبِيهٌ: مَحَلُّ الْخِلَافِ فِي التَّرْتِيبِ وَالْمُوَالَاةِ: فِي غَيْرِ الْحَدَثِ الْأَكْبَرِ. فَأَمَّا الْحَدَثُ الْأَكْبَرُ: فَلَا يَجِبَانِ لَهُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ. وَقِيلَ: يَجِبَانِ فِيهِ أَيْضًا. وَيَحْتَمِلُهُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ عَلَيْهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَاخْتَارَهُ أَبُو الْحُسَيْنِ. وَأَبْطَلَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ. وَقِيلَ: تَجِبُ الْمُوَالَاةُ فِيهِ فَقَطْ. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: هَذَا الْقَوْلُ أَوْلَى. تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ كَلَامِهِ هُنَا: أَنَّ التَّسْمِيَةَ لَيْسَتْ مِنْ فَرَائِضِ التَّيَمُّمِ، وَهُوَ مَاشٍ عَلَى مَا اخْتَارَهُ فِي أَنَّهَا لَا تَجِبُ فِي الْوُضُوءِ. وَكَذَلِكَ عِنْدَهُ فِي التَّيَمُّمِ. وَاعْلَمْ أَنَّ الصَّحِيحَ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ حُكْمَ التَّسْوِيَةِ هُنَا حُكْمُهَا عَلَى الْوُضُوءِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَعَنْهُ أَنَّهَا سُنَّةٌ، وَإِنْ قُلْنَا: بِوُجُوبِهَا فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا، وَقَدَّمَهُ فِي إدْرَاكِ الْغَايَةِ، مَعَ تَقْدِيمِهِ فِي الْوُضُوءِ أَنَّهَا فَرْضٌ. فَوَائِدُ الْأُولَى: لَوْ يَمَّمَهُ غَيْرُهُ فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَا لَوْ وَضَّأَهُ غَيْرُهُ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي آخِرِ بَابِ الْوُضُوءِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَاخْتَارَ الْآجُرِّيُّ وَغَيْرُهُ: لَا يَصِحُّ هُنَا، لِعَدَمِ قَصْدِهِ. الثَّانِيَةُ: لَوْ نَوَى وَصَمَدَ وَجْهَهُ لِلرِّيحِ فَعَمَّ التُّرَابُ جَمِيعَ وَجْهِهِ: لَمْ يَصِحَّ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَقَدَّمَهُ فِي الْكَافِي، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ. وَقِيلَ: يَصِحُّ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَالشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ، وَصَاحِبُ الْمُسْتَوْعِبِ، وَالتَّلْخِيصِ وَالْمَجْدِ، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الشَّرْحِ، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَالْمُذْهَبِ. وَقِيلَ: إنْ مَسَحَ أَجْزَأَ، وَإِلَّا فَلَا، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْفَائِقِ [وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَالشَّارِحُ] .
قُلْت: وَهَذَا الصَّحِيحُ قِيَاسًا عَلَى مَسْحِ الرَّأْسِ، وَصَحَّحَ فِي الْمُغْنِي عَدَمَ الْإِجْزَاءِ إذَا لَمْ يَمْسَحْ، وَمَعَ الْمَسْحِ حَكَى احْتِمَالَيْنِ. وَأَطْلَقَهُنَّ فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ. الثَّالِثَةُ: لَوْ سَفَتْ الرِّيحُ غُبَارًا. فَمَسَحَ وَجْهَهُ بِمَا عَلَيْهِ: لَمْ يَصِحَّ، وَإِنْ فَصَلَهُ ثُمَّ رَدَّهُ إلَيْهِ، أَوْ مَسَحَ بِغَيْرِ مَا عَلَيْهِ: صَحَّ. وَذَكَرَ الْأَزَجِيُّ: إنْ نَقَلَهُ مِنْ الْيَدِ إلَى الْوَجْهِ، أَوْ عَكْسُهُ بِنِيَّةٍ: فَفِيهِ تَرَدُّدٌ. وَيَأْتِي إذَا تَيَمَّمَ بِيَدٍ وَاحِدَةٍ، أَوْ بَعْضِ يَدٍ. أَوْ بِخِرْقَةٍ وَنَحْوِهِ، بَعْدَ قَوْلِهِ " وَالسُّنَّةُ فِي التَّيَمُّمِ أَنْ يَنْوِيَ قَوْلُهُ (وَيَجِبُ تَعْيِينُ النِّيَّةِ لِمَا يَتَيَمَّمُ لَهُ: مِنْ حَدَثٍ أَوْ غَيْرِهِ) فَشَمِلَ التَّيَمُّمَ لِلنَّجَاسَةِ. فَتَجِبُ النِّيَّةُ لَهَا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْوَجْهَيْنِ، صَحَّحَهُ الْمَجْدُ، وَفِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ عُبَيْدَانَ، وَفِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ فِي مَوْضِعٍ. وَهَذَا احْتِمَالُ الْقَاضِي. وَقِيلَ: لَا تَجِبُ النِّيَّةُ لَهَا كَبَدَلِهِ، وَهُوَ الْغُسْلُ، بِخِلَافِ تَيَمُّمِ الْحَدَثِ، وَهُوَ احْتِمَالٌ لِابْنِ عَقِيلٍ [فِي الْفُرُوعِ: وَالْمَنْعُ اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَالظَّاهِرُ: أَنَّهُ أَرَادَ مَنْعَ الصِّحَّةِ] وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالْفَائِقِ، وَفِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، فِي مَوْضِعٍ. فَعَلَى الْأَوَّلِ: يَكْفِيهِ تَيَمُّمٌ وَاحِدٌ، وَإِنْ تَعَدَّدَتْ مَوَاضِعُهَا إنْ لَمْ يَكُنْ مُحْدِثًا، وَإِنْ كَانَ مُحْدِثًا وَعَلَيْهِ نَجَاسَةٌ فَيَأْتِي بَعْدَ هَذَا. قَوْلُهُ (فَإِنْ نَوَى جَمِيعَهَا جَازَ) ، هَذَا الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: إنْ كَانَ عَلَيْهِ حَدَثٌ وَنَجَاسَةٌ: هَلْ يُكْتَفَى بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ؟ يَنْبَنِي عَلَى تَدَاخُلِ الطَّهَارَتَيْنِ فِي الْغُسْلِ. فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَتَدَاخَلَانِ، فَهُنَا أَوْلَى. لِكَوْنِهِمَا مِنْ جِنْسَيْنِ، وَإِنْ قُلْنَا: يَتَدَاخَلَانِ هُنَاكَ، فَالْأَشْبَهُ عِنْدِي: لَا يَتَدَاخَلَانِ هُنَا، كَالْكَفَّارَاتِ وَالْحُدُودِ إذَا كَانَتَا مِنْ جِنْسَيْنِ. وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ نَوَى أَحَدَهُمَا لَمْ يَجُزْ عَنْ الْآخَرِ) اعْلَمْ أَنَّهُ إذَا كَانَتْ عَلَيْهِ أَحْدَاثٌ. فَتَارَةً تَكُونُ مُتَنَوِّعَةً عَنْ أَسْبَابِ أَحَدِ الْحَدَثَيْنِ، وَتَارَةً لَا تَتَنَوَّعُ. فَإِنْ تَنَوَّعَتْ أَسْبَابُ أَحَدِهِمَا، وَنَوَى بَعْضَهَا بِالتَّيَمُّمِ. فَإِنْ قُلْنَا فِي الْوُضُوءِ: لَا يُجْزِئُهُ عَمَّا لَمْ يَنْوِهِ. فَهُنَا بِطَرِيقٍ أَوْلَى، وَإِنْ قُلْنَا: يُجْزِئُ هُنَاكَ أَجْزَأَ هُنَا عَلَى الصَّحِيحِ، صَحَّحَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَصَاحِبُ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ. وَقَدَّمَ فِي الْفَائِقِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى فِي الْحَدَثِ الْأَكْبَرِ. وَقِيلَ: لَا يُجْزِئُ هُنَا. فَلَا يَحْصُلُ لَهُ إلَّا مَا نَوَاهُ. وَلَوْ قُلْنَا يَرْتَفِعُ جَمِيعُهَا فِي الْوُضُوءِ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ مُبِيحٌ، وَالْوُضُوءُ رَافِعٌ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْحَدَثِ الْأَكْبَرِ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ. وَقِيلَ: إنْ كَانَا جَنَابَةً وَحَيْضًا أَوْ نِفَاسًا: لَمْ يُجْزِهِ، وَصَحَّحَهُ بَعْضُهُمْ. فَائِدَتَانِ: إحْدَاهُمَا: لَوْ تَيَمَّمَ لِلْجَنَابَةِ دُونَ الْحَدَثِ أُبِيحَ لَهُ مَا يُبَاحُ لِلْمُحْدِثِ: مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَاللُّبْثِ فِي الْمَسْجِدِ. وَلَمْ تُبَحْ لَهُ الصَّلَاةُ، وَالطَّوَافُ، وَمَسُّ الْمُصْحَفِ، وَإِنْ أَحْدَثَ لَمْ يُؤْثِرْ ذَلِكَ فِي تَيَمُّمِهِ، وَإِنْ تَيَمَّمَ لِلْجَنَابَةِ وَالْحَدَثِ، ثُمَّ أَحْدَثَ بَطَلَ تَيَمُّمُهُ لِلْحَدَثِ، وَبَقِيَ تَيَمُّمُ الْجَنَابَةِ بِحَالِهِ. وَلَوْ تَيَمَّمَتْ بَعْدَ طُهْرِهَا مِنْ حَيْضِهَا لِحَدَثِ الْحَيْضِ، ثُمَّ أَجْنَبَتْ لَمْ يَحْرُمْ وَطْؤُهَا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَصَحَّحَهُ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: إنْ قُلْنَا كُلُّ صَلَاةٍ تَحْتَاجُ إلَى تَيَمُّمٍ، احْتَاجَ كُلُّ وَطْءٍ إلَى تَيَمُّمٍ يَخُصُّهُ. الثَّانِيَةُ: صِفَةُ التَّيَمُّمِ: أَنْ يَنْوِيَ اسْتِبَاحَةَ مَا يَتَيَمَّمُ لَهُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَقِيلَ: يَصِحُّ بِنِيَّةِ رَفْعِ الْحَدَثِ. فَعَلَى الْمَذْهَبِ: يُعْتَبَرُ مَعَهُ تَعْيِينُ مَا يَتَيَمَّمُ لَهُ قَبْلَ الْحَدَثِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: إنْ ظَنَّ فَائِتَةً،
فَلَمْ تَكُنْ، أَوْ بَانَ غَيْرُهَا: لَمْ يَصِحَّ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ: إنْ نَوَى التَّيَمُّمَ فَقَطْ صَلَّى نَفْلًا. وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: إنْ نَوَى فَرْضَ التَّيَمُّمِ، أَوْ فَرْضَ الطَّهَارَةِ: فَوَجْهَانِ. قَوْلُهُ: (وَإِنْ نَوَى نَفْلًا، أَوْ أَطْلَقَ النِّيَّةَ لِلصَّلَاةِ: لَمْ يُصَلِّ إلَّا نَفْلًا) وَهَذَا الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ. وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: إنْ نَوَى اسْتِبَاحَةَ الصَّلَاةِ وَأَطْلَقَ: جَازَ لَهُ فِعْلُ الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ. وَخَرَّجَهُ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ. وَعَنْهُ مَنْ نَوَى شَيْئًا لَهُ فِعْلٌ أَعْلَى مِنْهُ. قَوْلُهُ (وَإِنْ نَوَى فَرْضًا فَلَهُ فِعْلُهُ وَالْجَمْعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ وَقَضَاءِ الْفَوَائِتِ) . بِهِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ. وَقِيلَ: لَا يَجْمَعُ فِي وَقْتِ الْأُولَى. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: لَهُ الْجَمْعُ فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ. وَفِي الْجَمْعِ فِي وَقْتِ الْأُولَى وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: الْجَوَازُ. وَعَنْهُ لَا يُجْمَعُ بِهِ بَيْنَ فَرْضَيْنِ. وَلَا يُصَلِّي بِهِ فَائِتَتَيْنِ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَبَكْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ. ذَكَرَهُ ابْنُ عُبَيْدَانِ، وَاخْتَارَهُ الْآجُرِّيُّ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ وَغَيْرِهَا: وَعَنْهُ يَجِبُ التَّيَمُّمُ لِكُلِّ صَلَاةِ فَرْضٍ. فَعَلَيْهَا: لَهُ فِعْلُ غَيْرِهِ مِمَّا شَاءَ حَتَّى يَخْرُجَ الْوَقْتُ. وَفِي الْفُرُوعِ: لَوْ خَرَجَ الْوَقْتُ وَفِيهِ نَظَرٌ مِنْ النَّوَافِلِ، وَالطَّوَافِ، وَمَسِّ الْمُصْحَفِ وَالْقِرَاءَةِ، وَاللُّبْثِ فِي الْمَسْجِدِ، إنْ كَانَ جُنُبًا، وَالْوَطْءُ إنْ كَانَتْ حَائِضًا عَلَى الصَّحِيحِ، صَحَّحَهُ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ عَلَيْهَا. وَذَكَرَ فِي الِانْتِصَارِ وَجْهًا: أَنَّ كُلَّ نَافِلَةٍ تَفْتَقِرُ إلَى تَيَمُّمٍ. وَقَالَ: هُوَ ظَاهِرُ نَقْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَبَكْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ. ذَكَرَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَا يُبَاحُ الْوَطْءُ بِتَيَمُّمِ الصَّلَاةِ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ، إلَّا أَنْ يَطَأَ قَبْلَهَا، ثُمَّ لَا تُصَلِّي بِهِ، وَتَتَيَمَّمُ لِكُلِّ وَطْءٍ. وَتَقَدَّمَ بَعْضُ ذَلِكَ عَنْهُ قَرِيبًا. وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمُذْهَبِ، فَعَلَيْهَا: لَوْ تَيَمَّمَ لِصَلَاةِ الْجِنَازَةِ. فَهَلْ يُصَلِّي بِهِ
أُخْرَى؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ كَلَامِ غَيْرِ وَاحِدٍ: إنْ تَعَيَّنَتَا لَمْ يُصَلِّ، وَإِلَّا صَلَّى. انْتَهَى. وَعَلَيْهَا أَيْضًا: لَوْ كَانَ عَلَيْهِ صَلَاةٌ مِنْ يَوْمٍ لَا يَعْلَمُ عَيْنَهَا: لَزِمَهُ خَمْسُ صَلَوَاتٍ، يَتَيَمَّمُ لِكُلِّ صَلَاةٍ، جَزَمَ بِهِ ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ. وَقِيلَ: يُجْزِئُهُ تَيَمُّمٌ وَاحِدٌ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ بَعْدَ أَنْ حَكَى الرِّوَايَةَ قُلْت: فَعَلَيْهَا مَنْ نَسِيَ صَلَاةَ فَرْضٍ مِنْ يَوْمٍ، كَفَاهُ لِصَلَاةِ الْخَمْسِ تَيَمُّمٌ وَاحِدٌ، وَإِنْ نَسِيَ صَلَاةً مِنْ صَلَاتَيْنِ، وَجَهِلَ عَيْنَهَا أَعَادَهُمَا بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ، وَإِنْ كَانَتَا مُتَّفِقَتَيْنِ مِنْ يَوْمَيْنِ، وَجَهِلَ جِنْسَهُمَا: صَلَّى الْخَمْسَ مَرَّتَيْنِ بِتَيَمُّمَيْنِ. وَكَذَلِكَ إنْ كَانَتَا مُخْتَلِفَتَيْنِ مِنْ يَوْمٍ وَجَهِلَهُمَا. وَقِيلَ: يَكْفِي صَلَاةُ يَوْمٍ بِتَيَمُّمَيْنِ. وَإِنْ كَانَتَا مُخْتَلِفَتَيْنِ مِنْ يَوْمٍ، فَلِكُلِّ صَلَاةٍ تَيَمُّمٌ. وَقِيلَ فِي الْمُخْتَلِفَتَيْنِ مِنْ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ: يُصَلِّي الْفَجْرَ، وَالظُّهْرَ، وَالْعَصْرَ، وَالْمَغْرِبَ بِتَيَمُّمٍ. وَالظُّهْرَ، وَالْعَصْرَ، وَالْمَغْرِبَ، وَالْعِشَاءَ بِتَيَمُّمٍ آخَرَ. انْتَهَى. وَعَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي الِانْتِصَارِ: لَوْ نَسِيَ صَلَاةً مِنْ يَوْمٍ: صَلَّى الْخَمْسَ بِتَيَمُّمٍ لِكُلِّ صَلَاةٍ. قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ. وَأَمَّا جَوَازُ فِعْلِ التَّنَفُّلِ، إذَا نَوَى بِتَيَمُّمِهِ الْفَرْضَ: فَهُوَ الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ. وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ لَهُ التَّنَفُّلُ بِهِ إلَّا إذَا عَيَّنَ الْفَرْضَ الَّذِي يَتَيَمَّمُ لَهُ. وَعَنْهُ: لَا يَتَنَفَّلُ قَبْلَ الْفَرِيضَةِ بِغَيْرِ الرَّاتِبَةِ. وَتَقَدَّمَ الْوَجْهُ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي الِانْتِصَارِ: أَنَّ كُلَّ نَافِلَةٍ تَحْتَاجُ إلَى تَيَمُّمٍ. تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ قَوْلِهِ (وَالتَّنَفُّلُ إلَى آخِرِ الْوَقْتِ) أَنَّ التَّيَمُّمَ يَبْطُلُ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَقِيلَ: لَا يَبْطُلُ إلَّا بِدُخُولِ الْوَقْتِ. وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ " وَيَبْطُلُ التَّيَمُّمُ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ ". تَنْبِيهٌ: أَفَادَنَا الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِقَوْلِهِ " وَإِنْ نَوَى فَرْضًا فَلَهُ فِعْلُهُ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ، وَقَضَاءُ الْفَوَائِتِ وَالنَّوَافِلِ " أَنَّ مَنْ نَوَى شَيْئًا اسْتَبَاحَ فِعْلَهُ. وَاسْتَبَاحَ مَا هُوَ مِثْلُهُ أَوْ دُونَهُ. وَلَمْ يَسْتَبِحْ مَا هُوَ أَعْلَى مِنْهُ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ.
وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ. فَهَذَا هُوَ الضَّابِطُ فِي ذَلِكَ. وَقِيلَ: مَنْ نَوَى الصَّلَاةَ لَمْ يُبَحْ لَهُ فِعْلُ غَيْرِهَا. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ وَقِيلَ: مَنْ نَوَى الصَّلَاةَ لَمْ يُبَحْ لَهُ غَيْرُهَا، وَالْقِرَاءَةُ فِيهَا، وَأَنَّ مَنْ نَوَى شَيْئًا لَمْ يُبَحْ لَهُ غَيْرُهُ. قَالَ: وَفِيهَا بُعْدٌ. وَعَنْهُ يُبَاحُ لَهُ أَيْضًا فِعْلُ مَا هُوَ أَعْلَى مِمَّا نَوَاهُ. وَقِيلَ: إنْ أَطْلَقَ النِّيَّةَ: صَلَّى فَرْضًا. وَتَقَدَّمَ هُوَ وَاَلَّذِي قَبْلَهُ قَرِيبًا. فَعَلَى الْمَذْهَبِ: النَّذْرُ دُونَ مَا وَجَبَ بِالشَّرْعِ عَلَى الصَّحِيحِ. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ: لَا فَرْقَ بَيْنَ مَا وَجَبَ بِالشَّرْعِ وَمَا وَجَبَ بِالنَّذْرِ. انْتَهَى. وَفَرْضُ الْكِفَايَةِ دُونَ فَرْضِ الْعَيْنِ. وَفَرْضُ جِنَازَةٍ أَعْلَى مِنْ النَّافِلَةِ عَلَى الصَّحِيحِ. وَقِيلَ: يُصَلِّيهَا بِتَيَمُّمِ نَافِلَةٍ، اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: يَتَحَرَّجُ أَنْ لَا يُصَلِّيَ نَافِلَةً بِتَيَمُّمِ جِنَازَةٍ. وَيُبَاحُ الطَّوَافُ بِتَيَمُّمِ النَّافِلَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ فِي الْمَذْهَبِ، كَمَسِّ الْمُصْحَفِ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَلَوْ كَانَ الطَّوَافُ فَرْضًا. وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: وَلَا تُبَاحُ نَافِلَةٌ بِتَيَمُّمِهِ لِمَسِّ الْمُصْحَفِ، وَطَوَافٍ وَنَحْوِهِمَا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: بَلَى، وَإِنْ تَيَمَّمَ جُنُبٌ لِلْقِرَاءَةِ، أَوْ لِمَسِّ مُصْحَفٍ، فَلَهُ اللُّبْثُ فِي الْمَسْجِدِ. وَقَالَ الْقَاضِي: لَهُ فِعْلُ جَمِيعِ النَّوَافِلِ؛ لِأَنَّهَا فِي دَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ وَعَلَى الْأَوَّلِ: يَتَيَمَّمُ لِمَسِّ الْمُصْحَفِ. فَلَهُ الْقِرَاءَةُ، لَا الْعَكْسُ وَلَا يَسْتَبِيحُ مَسُّ الْمُصْحَفِ. وَالْقِرَاءَةُ بِتَيَمُّمِهِ لِلُبْثٍ. وَقِيلَ: فِي الْقِرَاءَةِ وَجْهَانِ. وَيُبَاحُ اللُّبْثُ وَمَسُّ الْمُصْحَفِ وَالْقِرَاءَةُ بِتَيَمُّمِهِ لِلطَّوَافِ، لَا الْعَكْسُ عَلَى الصَّحِيحِ وَقِيلَ: الْعَكْسُ بَلَى، عَلَى الصَّحِيحِ، وَإِنْ تَيَمَّمَ لِمَسِّ الْمُصْحَفِ، فَفِي جَوَازِ فِعْلِ نَفْلِ الطَّوَافِ: وَجْهَانِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَةِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ. قُلْت: الصَّوَابُ عَدَمُ الْجَوَازِ؛ لِأَنَّ جِنْسَ الطَّوَافِ أَعْلَى مِنْ مَسِّ الْمُصْحَفِ كَذَا نَقَلَهُ ابْنُ عُبَيْدَانَ. وَقَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي، وَتَبِعَهُ الشَّارِحُ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ: إنْ تَيَمَّمَ جُنُبٌ
لِقِرَاءَةٍ، أَوْ لُبْثٍ، أَوْ مَسِّ مُصْحَفٍ: لَمْ يَسْتَبِحْ غَيْرَهُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ. وَفِيهِ نَظَرٌ. قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ فِي الرِّعَايَةِ: وَفِيهِ بُعْدٌ. تَنْبِيهٌ: هَذَا كُلُّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ التَّيَمُّمَ مُبِيحٌ. أَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ رَافِعٌ: فَتُبَاحُ الْفَرِيضَةُ بِنِيَّةِ مُطْلَقِ النَّافِلَةِ. وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: تُبَاحُ الْفَرِيضَةُ بِنِيَّتِهِ مُطْلَقًا، لَا بِنِيَّةِ النَّافِلَةِ، [كَمَا تَقَدَّمَ] . فَائِدَةٌ: قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّارِحُ، وَابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ: لَوْ تَيَمَّمَ صَبِيٌّ لِصَلَاةِ فَرْضٍ، ثُمَّ بَلَغَ: لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِتَيَمُّمِهِ فَرْضًا؛ لِأَنَّ مَا نَوَاهُ كَانَ نَفْلًا، وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ عُبَيْدَانَ، وَمَجْمَعُ الْبَحْرَيْنِ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: لَوْ تَيَمَّمَ صَبِيٌّ لِصَلَاةِ الْوَقْتِ، ثُمَّ بَلَغَ فِيهِ وَهُوَ فِيهَا، أَوْ بَعْدَهَا فَلَهُ التَّنَفُّلُ بِهِ. وَفِي الْفَرْضِ وَجْهَانِ [وَالْوَجْهُ بِالْجَوَازِ ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ] . قَوْلُهُ (وَيَبْطُلُ التَّيَمُّمُ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ) هَذَا الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا. وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ. وَقِيلَ: لَا يَبْطُلُ إلَّا بِدُخُولِ الْوَقْتِ، اخْتَارَهُ الْمَجْدُ. قَالَهُ فِي الْفَائِقِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ. وَحَمَلَهُ الْمُصَنِّفُ عَلَى الْأَوَّلِ. وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُحَرَّرِ، فَقَالَ: وَهَلْ يَبْطُلُ التَّيَمُّمُ لِلْفَجْرِ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ أَوْ بِزَوَالِهَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ، وَالزَّرْكَشِيُّ. وَقِيلَ: لَا يَبْطُلُ التَّيَمُّمُ عَنْ الْحَدَثِ الْأَكْبَرِ وَالنَّجَاسَةِ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ، لِتَجَدُّدِ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ بِتَجَدُّدِ الْوَقْتِ فِي طَهَارَةِ الْمَاءِ عِنْدَ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ. تَنْبِيهَاتٌ مِنْهَا: أَنَّ التَّيَمُّمَ عَلَى الْقَوْلَيْنِ يَبْطُلُ بِهِ مُطْلَقًا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، نَصَّ عَلَيْهِ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. فَلَا يُبَاحُ لَهُ فِعْلُ شَيْءٍ مِنْ الْعِبَادَاتِ الْمُشْتَرَطِ لَهَا التَّيَمُّمُ. وَقِيلَ: يَبْطُلُ تَيَمُّمُهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الصَّلَاةِ الَّتِي دَخَلَ وَقْتُهَا. فَيُبَاحُ لَهُ قَضَاءُ الَّتِي
تَيَمَّمَ فِي وَقْتِهَا، إنْ لَمْ يَكُنْ صَلَّاهَا. وَفِعْلُ الْفَوَائِتِ، وَالتَّنَفُّلِ، وَمَسِّ الْمُصْحَفِ، وَالطَّوَافِ، وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَاللُّبْثِ فِي الْمَسْجِدِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، اخْتَارَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ [وَصَاحِبُ الْحَاوِي، وَصَاحِبُ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ] وَقَالَ: وَعَكْسُهُ لَوْ تَيَمَّمَ لِلْحَاضِرَةِ، ثُمَّ نَذَرَ فِي الْوَقْتِ صَلَاةً: لَمْ يَجُزْ فِعْلُ الْمَنْذُورَةِ بِهِ عِنْدِي؛ لِأَنَّهُ سَبَقَ وُجُوبُهَا. وَظَاهِرُ قَوْلِ الْأَصْحَابِ: الْجَوَازُ. انْتَهَى كَلَامُ الْمَجْدِ وَمَنْ تَابَعَهُ. وَمِنْهَا: دَخَلَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: أَنَّهُ إذَا تَيَمَّمَ الْجُنُبُ لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَاللُّبْثِ فِي الْمَسْجِدِ، أَوْ تَيَمَّمَتْ الْحَائِضُ لِلْوَطْءِ، أَوْ اسْتَبَاحَا ذَلِكَ بِالتَّيَمُّمِ لِلصَّلَاةِ. ثُمَّ خَرَجَ الْوَقْتُ. بَطَلَ تَيَمُّمُهُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَقَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَصَاحِبُ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: لَا يَبْطُلُ كَمَا لَا تَبْطُلُ بِالْحَدَثِ. وَرُدَّ مَا عَلَّلَ بِهِ الْأَصْحَابُ، وَاخْتَارَ فِي الْفَائِقِ فِي الْحَائِضِ: اسْتِمْرَارَ تَيَمُّمِهَا إلَى الْحَيْضِ الْآتِي. وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ. وَمِنْهَا: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: أَنَّهُ لَوْ خَرَجَ الْوَقْتُ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ أَنَّهَا تَبْطُلُ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ تَبْطُلُ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ، وَلَوْ كَانَ فِي الصَّلَاةِ. وَصَرَّحَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْكَافِي، وَقَدَّمَهُ ابْنُ عُبَيْدَانَ، وَالرِّعَايَةُ، وَابْنُ تَمِيمٍ. وَقِيلَ: لَا تَبْطُلُ، وَإِنْ كَانَ الْوَقْتُ شَرْطًا. وَقَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي التَّذْكِرَةِ. وَقِيلَ: حُكْمُهُ حُكْمُ مَنْ وَجَدَ الْمَاءَ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ. وَخَرَّجَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ عَلَى رِوَايَةِ وُجُودِ الْمَاءِ فِي الصَّلَاةِ. وَأَطْلَقَهُنَّ فِي الْفُرُوعِ. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَكَذَا يَخْرُجُ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ إذَا خَرَجَ الْوَقْتُ وَهِيَ فِي الصَّلَاةِ، أَوْ انْقَضَتْ مُدَّةُ الْمَسْحِ. قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ. وَكَذَا الْخِلَافُ عَنْ الْمُسْتَحَاضَةِ إذَا خَرَجَ الْوَقْتُ، وَهِيَ تُصَلِّي، وَانْقِطَاعُ دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ فِيهَا مَنُوطٌ بِشَرْطِهِ، وَفَرَاغِ مُدَّةِ الْمَسْحِ فِيهَا، وَزَوَالِ الْمَلْبُوسِ عَنْ مَحَلِّهِ عَمْدًا قَبْلَ السَّلَامِ فِيهَا. تَنْبِيهٌ: مَحَلُّ الْخِلَافِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: إذَا كَانَ فِي غَيْرِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ. أَمَّا إذَا
خَرَجَ وَقْتُ الْجُمُعَةِ، وَهُوَ فِيهَا: لَمْ يَبْطُلْ. ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْفُرُوعِ، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَغَيْرُهُمَا. قُلْت: فَيُعَايَى بِهَا. وَمِنْهَا: يَبْطُلُ التَّيَمُّمُ لِطَوَافٍ، وَجِنَازَةٍ، وَنَافِلَةٍ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ كَالْفَرِيضَةِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَنْهُ إنْ تَيَمَّمَ لِجِنَازَةٍ، ثُمَّ جِيءَ بِأُخْرَى، فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا وَقْتٌ يُمْكِنُهُ التَّيَمُّمُ فِيهِ: لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهَا حَتَّى يَتَيَمَّمَ لَهَا. قَالَ الْقَاضِي: هَذَا لِلِاسْتِحْبَابِ وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لِلْإِيجَابِ؛ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ إذَا تَقَدَّرَ لِلْوَقْتِ، فَوَقْتُ كُلِّ صَلَاةِ جِنَازَةٍ: قَدْرُ فِعْلِهَا، وَكَذَا قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. . لِأَنَّ الْفِعْلَ الْمُتَوَاصِلَ هُنَا كَتَوَاصُلِ الْوَقْتِ لِلْمَكْتُوبَةِ. قَالَ وَعَلَى قِيَاسِهِ: مَا لَيْسَ لَهُ وَقْتٌ مَحْدُودٌ، كَمَسِّ الْمُصْحَفِ، وَالطَّوَافِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَعَلَى هَذَا: النَّوَافِلُ الْمُؤَقَّتَةُ، كَالْوِتْرِ وَالسُّنَنِ الرَّاتِبَةِ، وَالْكُسُوفِ يَبْطُلُ التَّيَمُّمُ لَهَا بِخُرُوجِ وَقْتِ تِلْكَ النَّافِلَةِ، وَالنَّوَافِلِ الْمُطْلَقَةِ يُحْتَمَلُ أَنْ يُعْتَبَرَ فِيهَا تَوَاصُلُ الْفِعْلِ كَالْجِنَازَةِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَمْتَدَّ وَقْتُهَا إلَى وَقْتِ النَّهْيِ عَنْ تِلْكَ النَّافِلَةِ. وَالنَّوَافِلُ الْمُطْلَقَةُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُعْتَبَرَ فِيهَا تَوَاصُلُ الْفِعْلِ: كَالْجِنَازَةِ وَتَقَدَّمَ كَلَامُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ فِي الْمُذْهَبِ. تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ قَوْلِهِ (وَيَبْطُلُ التَّيَمُّمُ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ) أَنَّ التَّيَمُّمَ مُبِيحٌ لَا رَافِعٌ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، نَصَّ عَلَيْهِ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَهُوَ الْمُخْتَارُ لِلْإِمَامِ وَالْأَصْحَابِ. وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي الِانْتِصَارِ: يَرْفَعُهُ رَفْعًا مُؤَقَّتًا عَلَى رِوَايَةِ الْوَقْفِ. وَعَنْهُ أَنَّهُ رَافِعٌ. فَيُصَلِّي بِهِ إلَى حَدَثِهِ، اخْتَارَهُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ الْجَوْزِيِّ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَابْنُ رَزِينٍ، وَصَاحِبُ الْفَائِقِ. فَيَرْفَعُ الْحَدَثَ إلَى الْقُدْرَةِ عَلَى الْمَاءِ. وَيَتَيَمَّمُ لِفَرْضٍ وَنَفْلٍ قَبْلَ وَقْتِهِ، وَلِنَفْلٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ، لَا سَبَبَ لَهُ وَقْتُ نَهْيٍ. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أَيْضًا فِي الْفَتَاوَى الْمِصْرِيَّةِ: التَّيَمُّمُ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ إلَى أَنْ يَدْخُلَ وَقْتُ صَلَاةٍ أُخْرَى: أَعْدَلُ الْأَقْوَالِ. وَعَلَى الْمَذْهَبِ: لَا يَصِحُّ ذَلِكَ، كَمَا تَقَدَّمَ أَوَّلَ الْبَابِ. وَعَلَى الْمَذْهَبِ: يَتَيَمَّمُ
لِلْفَائِتَةِ إذَا أَرَادَ فِعْلَهَا. ذَكَرَهُ أَبُو الْمَعَالِي، وَالْأَزَجِيُّ. وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ: إذَا ذَكَرَهَا. قَالَ: وَهُوَ أَوْلَى. وَيَتَيَمَّمُ لِلْكُسُوفِ عِنْدَ وُجُودِهِ. وَلِلِاسْتِسْقَاءِ إذَا اجْتَمَعُوا. وَلِلْجِنَازَةِ إذَا غُسِّلَ الْمَيِّتُ أَوْ يُمِّمَ لِعَدَمِ الْمَاءِ. فَيُعَايَى بِهَا. فَيُقَالُ: شَخْصٌ لَا يَصِحُّ تَيَمُّمُهُ حَتَّى يَتَيَمَّمَ غَيْرُهُ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَوَقْتُ التَّيَمُّمِ لِصَلَاةِ الْجِنَازَةِ إذَا طَهُرَ الْمَيِّتُ، وَقِيلَ: بَلْ إنْجَازُ غُسْلِهِ. وَوَقْتُهُ لِصَلَاةِ الْعِيدِ: ارْتِفَاعُ الشَّمْسِ. وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَقْتُ الْمَنْذُورَةِ كُلُّ وَقْتٍ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَوَقْتُ جَمِيعِ التَّطَوُّعَاتِ: وَقْتُ جَوَازِ فِعْلِهَا. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَعَنْهُ يُصَلِّي بِهِ مَا لَمْ يَحْدُثْ. وَقِيلَ: أَوْ يَجِدُ الْمَاءَ. قُلْت: ظَاهِرُ هَذَا مُشْكِلٌ. فَإِنَّهُ يَقْتَضِي: أَنَّهُ عَلَى النَّصِّ يُصَلِّي، وَإِنْ وَجَدَ الْمَاءَ، وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ. فَائِدَةٌ: وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: لَوْ نَوَى الْجَمْعَ فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ، ثُمَّ تَيَمَّمَ لَهَا، أَوْ الثَّانِيَةَ فِي وَقْتِ الْأُولَى: لَمْ يَبْطُلْ بِخُرُوجِ وَقْتِ الْأُولَى فِي الْأَشْهَرِ. وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ تَمِيمٍ، وَالزَّرْكَشِيُّ. وَمَجْمَعُ الْبَحْرَيْنِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ. وَقِيلَ: يَبْطُلُ. قُلْت: وَيَحْتَمِلُهَا كَلَامُ الْمُصَنِّفِ. قَوْلُهُ (وَيَبْطُلُ التَّيَمُّمُ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ وَوُجُودِ الْمَاءِ، وَمُبْطِلَاتِ الْوُضُوءِ) . أَمَّا خُرُوجُ الْوَقْتِ: فَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ. وَأَمَّا وُجُودُ الْمَاءِ لِفَاقِدِهِ: فَيَأْتِي حُكْمُهُ قَرِيبًا. وَأَمَّا مُبْطِلَاتُ الْوُضُوءِ: فَيَبْطُلُ التَّيَمُّمُ عَنْ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ بِمَا يُبْطِلُ الْوُضُوءَ بِلَا نِزَاعٍ. وَيَبْطُلُ التَّيَمُّمُ عَنْ الْحَدَثِ الْأَكْبَرِ بِمَا يُوجِبُ الْغُسْلَ، وَعَنْ الْحَيْضِ
وَالنِّفَاسِ بِحُدُوثِهِمَا. فَلَوْ تَيَمَّمَتْ بَعْدَ طُهْرِهَا مِنْ الْحَيْضِ لَهُ، ثُمَّ أَجْنَبَتْ: جَازَ وَطْؤُهَا لِبَقَاءِ حُكْمِ تَيَمُّمِ الْحَيْضِ. وَالْوَطْءُ إنَّمَا يُوجِبُ حَدَثَ الْجَنَابَةِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ. وَيَتَيَمَّمُ الرَّجُلُ إذَا وَطِئَ ثَانِيًا عَنْ نَجَاسَةِ الذَّكَرِ إنْ نَجِسَتْ رُطُوبَةُ فَرْجِهَا. قَوْلُهُ (فَإِنْ تَيَمَّمَ وَعَلَيْهِ مَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ، ثُمَّ خَلَعَهُ: يَبْطُلُ تَيَمُّمُهُ) ، هَذَا اخْتِيَارُ الْمُصَنِّفِ، وَالشَّارِحِ، وَصَاحِبِ الْفَائِقِ، وَالشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ. قَالَهُ فِي الْفَائِقِ، وَقَدَّمَهُ النَّاظِمُ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: قُلْت إلَّا أَنْ يَكُونَ الْحَائِلُ فِي مَحَلِّ التَّيَمُّمِ، أَوْ بَعْضِهِ. فَيَبْطُلُ بِخَلْعِهِ. وَقَالَ أَصْحَابُنَا: يَبْطُلُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ عَلَى الْخُفَّيْنِ. وَفِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ عَلَيْهِمَا وَعَلَى الْعِمَامَةِ. وَرَدَّ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ الْأَوَّلَ. وَهَذَا مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. قَوْلُهُ (وَإِنْ وَجَدَ الْمَاءَ بَعْدَ الصَّلَاةِ لَمْ تَجِبْ إعَادَتُهَا) بِلَا نِزَاعٍ. وَلَمْ يُسْتَحَبَّ أَيْضًا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَنْهُ يُسْتَحَبُّ. وَهُمَا وَجْهَانِ مُطْلَقَانِ فِي شَرْحِ الزَّرْكَشِيّ. تَنْبِيهٌ: شَمِلَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ: لَوْ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ، ثُمَّ وَجَدَهُ قَرِيبًا وَهُوَ صَحِيحٌ. فَلَا يَلْزَمُهُ إعَادَتُهَا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَنْهُ الْوَقْفُ، وَإِنْ تَيَمَّمَ أَعَادَ غَسْلَهُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ. قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ. قَوْلُهُ (وَإِنْ وَجَدَهُ فِيهَا بَطَلَتْ) ، هَذَا الْمَذْهَبُ بِلَا رَيْبٍ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَعَنْهُ لَا تَبْطُلُ، وَيَمْضِي فِي صَلَاتِهِ. اخْتَارَهُمَا الْآجُرِّيُّ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ. فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ: يَجِبُ الْمُضِيُّ عَلَى الصَّحِيحِ، قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ: قَالَ الشَّارِحُ: وَهُوَ أَوْلَى، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ. وَقِيلَ: لَا يَجِبُ الْمُضِيُّ، لَكِنْ هُوَ أَفْضَلُ. وَقِيلَ: الْخُرُوجُ مِنْهَا أَفْضَلُ، لِلْخُرُوجِ مِنْ
الْخِلَافِ، وَاخْتَارَهُ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ. قَالَ فِي الْفَائِقِ: وَعَنْهُ يَمْضِي. فَقِيلَ: وُجُوبًا. وَقِيلَ: جَوَازًا. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُغْنِي. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: قُلْت الْأَوْلَى قَلْبُهَا نَفْلًا فَائِدَةٌ: رَوَى الْمَرُّوذِيُّ عَنْ أَحْمَدَ: أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ. فَلِذَلِكَ أَسْقَطَهَا أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَأَثْبَتَهَا ابْنُ حَامِدٍ وَجَمَاعَةٌ. مِنْهُمْ الْمُصَنِّفُ هُنَا. نَظَرًا إلَى أَنَّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ اجْتِهَادَيْنِ فِي وَقْتَيْنِ. فَلَمْ يَنْقَضِ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ، وَإِنْ عُلِمَ التَّارِيخُ. بِخِلَافِ نَسْخِ الشَّارِعِ. وَهَكَذَا اخْتِلَافُ الْأَصْحَابِ فِي كُلِّ رِوَايَةٍ عُلِمَ رُجُوعُهُ عَنْهَا. ذَكَرَ ذَلِكَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ وَغَيْرِهِ. تَنْبِيهَانِ أَحَدُهُمَا عَلَى الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ: لَوْ عَيَّنَ نَفْلًا أَتَمَّهُ، وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ عَلَى أَقَلِّ الصَّلَاةِ، وَعَلَيْهَا مَتَى فَرَغَ مِنْ الصَّلَاةِ بَطَلَ تَيَمُّمُهُ. قَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ. وَتَابَعَهُ مَنْ بَعْدَهُ. وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْفُرُوعِ. هَكَذَا الْحُكْمُ عَلَيْهَا لَوْ انْقَلَبَ الْمَاءُ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ. فَيَبْطُلُ تَيَمُّمُهُ بَعْدَ فَرَاغِهَا. قَالَهُ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَغَيْرُهُمَا، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: إنْ عَلِمَ تَلَفَهُ فِيهَا بَقِيَ تَيَمُّمُهُ بَعْدَ فَرَاغِهَا. وَقَالَهُ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَالْمُصَنِّفُ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ لَكِنْ لَمَّا فَرَغَ شَرَعَ فِي طَلَبِهِ بَطَلَ. وَعَلَى الْمَذْهَبِ: تَبْطُلُ الصَّلَاةُ وَالتَّيَمُّمُ بِمُجَرَّدِ رُؤْيَةِ الْمَاءِ. وَلَوْ انْقَلَبَ، قَوْلًا وَاحِدًا. وَعَلَيْهَا: لَوْ وَجَدَهُ وَهُوَ يُصَلِّي عَلَى مَيِّتٍ بِتَيَمُّمٍ بَطَلَتْ الصَّلَاةُ. وَبَطَلَ تَيَمُّمُ الْمَيِّتِ أَيْضًا عَلَى الصَّحِيحِ فِيهِمَا، فَيُغَسَّلُ الْمَيِّتُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ. وَقِيلَ: لَا تَبْطُلُ، وَلَا يُغَسَّلُ. فَهَذَانِ الْفَرْعَانِ مُسْتَثْنَيَانِ مِنْ الرِّوَايَةِ عَلَى الْمُقَدَّمِ. الثَّانِي: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: أَنَّهُ يَتَطَهَّرُ، وَيَسْتَأْنِفُ الصَّلَاةَ مِنْ قَوْلِهِ " بَطَلَتْ " وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَقِيلَ: يَتَطَهَّرُ وَيَبْنِي. وَخَرَّجَهُ الْقَاضِي عَلَى مَنْ سَبَقَهُ الْحَدَثُ. وَرَدَّهُ الْمَجْدُ وَمَنْ تَابَعَهُ. فَائِدَتَانِ: إحْدَاهُمَا: يَلْزَمُ مَنْ تَيَمَّمَ لِقِرَاءَةٍ، أَوْ وَطْءٍ أَوْ لُبْثٍ وَنَحْوِهِ: التَّرْكُ بِوُجُودِ الْمَاءِ
عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، قَالَهُ الْمَجْدُ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَغَيْرُهُمَا، رِوَايَةً وَاحِدَةً. قَالَ فِي الْفُرُوعِ، وَحَكَى وَجْهًا: لَا يَلْزَمُ. الثَّانِيَةُ: الطَّوَافُ كَالصَّلَاةِ إنْ وَجَبَتْ الْمُوَالَاةُ. قَوْلُهُ (وَيُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُ التَّيَمُّمِ إلَى آخِرِ الْوَقْتِ لِمَنْ يَرْجُو وُجُودَ الْمَاءِ) هَذَا الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ بِهَذَا الشَّرْطِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هِيَ الْمُخْتَارَةُ لِلْجُمْهُورِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْوَجِيزِ، وَالنَّظْمِ، وَالْمُنْتَخَبِ، وَغَيْرِهِمْ. وَقَدَّمَهُ فِي الْكَافِي، وَالْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَغَيْرِهِمْ. وَنَصَرَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ وَغَيْرِهِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ. وَقَيَّدَهُ بِوَقْتِ الِاخْتِيَارِ، وَهُوَ قَيْدٌ حَسَنٌ. وَعَنْهُ التَّأْخِيرُ مُطْلَقًا أَفْضَلُ، جَزَمَ بِهِ فِي الْمُنَوِّرِ، وَاخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ، وَابْنُ عَبْدُوسٍ الْمُتَقَدِّمُ، وَالْقَاضِي. وَقِيلَ: التَّأْخِيرُ أَفْضَلُ إنْ عُلِمَ وُجُودُهُ فَقَطْ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. وَعَنْهُ يَجِبُ التَّأْخِيرُ حَتَّى يَضِيقَ الْوَقْتُ. ذَكَرَهَا أَبُو الْحُسَيْنِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَلَا عِبْرَةَ بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ. وَهِيَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. تَنْبِيهَانِ: أَحَدُهُمَا: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: أَنَّهُ لَوْ عَلِمَ عَدَمَ الْمَاءِ آخِرَ الْوَقْتِ: أَنَّ التَّقْدِيمَ أَفْضَلُ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ. وَعَنْهُ التَّأْخِيرُ أَفْضَلُ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَيْضًا: أَنَّهُ لَوْ ظَنَّ عَدَمَهُ: أَنَّ التَّقْدِيمَ أَفْضَلُ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَعَنْهُ التَّأْخِيرُ أَفْضَلُ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. فَظَاهِرُ كَلَامِهِ: أَنَّهُ لَوْ اسْتَوَى الْأَمْرَانِ عِنْدَهُ: أَنَّ التَّقْدِيمَ أَفْضَلُ، وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ. قُلْت: وَهُوَ أَوْلَى. وَعَنْهُ التَّأْخِيرُ أَفْضَلُ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ، قَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَفِي الْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالزَّرْكَشِيُّ. الثَّانِي: أَفَادَنَا الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِطَرِيقٍ أَوْلَى: أَنَّهُ إذَا عَلِمَ وُجُودَ الْمَاءِ فِي آخِرِ
الْوَقْتِ: أَنَّ التَّأْخِيرَ أَفْضَلُ، وَهُوَ صَحِيحٌ، لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا. وَلَا يَجِبُ التَّأْخِيرُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَالْحَالَةُ هَذِهِ. وَقِيلَ: يَجِبُ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ قُلْت: إلَى مَكَانِ الْمَاءِ لِقُرْبِهِ مِنْهُ، إنْ وَجَبَ الطَّلَبُ، وَبَقِيَ الْوَقْتُ. انْتَهَى. قَوْلُهُ (فَإِنْ تَيَمَّمَ وَصَلَّى فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ أَجْزَأَهُ) هَذَا الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَعَنْهُ لَيْسَ لَهُ التَّيَمُّمُ حَتَّى يَضِيقَ الْوَقْتُ. ذَكَرَهُ أَبُو الْحُسَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ. وَقِيلَ: يَجِبُ التَّأْخِيرُ إذَا عَلِمَ وُجُودَهُ كَمَا تَقَدَّمَ. قَوْلُهُ (وَالسُّنَّةُ فِي التَّيَمُّمِ: أَنْ يَنْوِيَ وَيُسَمِّيَ، وَيَضْرِبَ بِيَدَيْهِ مُفَرَّجَتَيْ الْأَصَابِعِ عَلَى التُّرَابِ، ضَرْبَةً وَاحِدَةً) ، الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ الْمَسْنُونَ وَالْوَاجِبَ ضَرْبَةٌ وَاحِدَةٌ، نَصَّ عَلَيْهِ. وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ. وَهُوَ مِنْ مُفْرَدَاتِ الْمَذْهَبِ. وَقَالَ الْقَاضِي: الْمَسْنُونُ ضَرْبَتَانِ، يَفْعَلُ بِهِمَا كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ، وَاخْتَارَهُ الشِّيرَازِيُّ، وَابْنُ الزَّاغُونِيِّ، وَالْمَجْدُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي مَسْبُوكِ الذَّهَبِ. قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ: وَحَكَى رِوَايَةً. قُلْت: حَكَاهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ، وَغَيْرُهُمَا رِوَايَةً. وَأَطْلَقَ الْوَجْهَيْنِ فِي التَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ. وَقِيلَ: الْأَوْلَى ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ وَضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ إلَى الْكُوعَيْنِ. ذَكَرَهُ فِي الرِّعَايَةِ. وَقَالَ: وَلَوْ مَسَحَ وَجْهَهُ بِيَمِينِهِ، وَيَمِينَهُ بِيَسَارِهِ، أَوْ عَكَسَ، وَخَلَّلَ أَصَابِعَهُمَا فِيهِمَا: صَحَّ. وَقِيلَ: لَا. وَعَلَى الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ: يُجْزِئُ ضَرْبَةٌ وَاحِدَةٌ بِلَا نِزَاعٍ. وَقَالَ الْمُصَنِّفُ، وَغَيْرُهُ: وَإِنْ تَيَمَّمَ بِأَكْثَرَ مِنْ ضَرْبَتَيْنِ جَازَ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَعَنْهُ يُسَنُّ ضَرْبَتَيْنِ. وَقِيلَ: أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ضَرْبَةٍ. تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ (فَيَمْسَحُ وَجْهَهُ بِبَاطِنِ أَصَابِعِهِ وَكَفَّيْهِ بِرَاحَتَيْهِ) يَمْسَحُ ظَاهِرَ الْوَجْهِ بِمَا لَا يَشُقُّ. فَلَا يَمْسَحُ بَاطِنَ الْفَمِ وَالْأَنْفِ، وَلَا بَاطِنَ
الشُّعُورِ الْخَفِيفَةِ. وَظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: اسْتِثْنَاءُ بَاطِنِ الْفَمِ وَالْأَنْفِ فَقَطْ وَتَقَدَّمَ كَلَامُهُ فِي الْمُذْهَبِ وَغَيْرِهِ. فَائِدَةٌ: لَوْ تَيَمَّمَ بِيَدٍ وَاحِدَةٍ، أَوْ بَعْضِ يَدِهِ: أَجْزَأَهُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: هُوَ كَالْوُضُوءِ يَعْنِي فِي مَسْحِ الرَّأْسِ وَقَدَّمَ هُنَاكَ الْإِجْزَاءَ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَهُوَ بَعِيدٌ. وَقِيلَ: لَا يُجْزِئُهُ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ. فَإِنْ أَوْصَلَ التُّرَابَ إلَى مَحَلِّ الْفَرْضِ بِخِرْقَةٍ، أَوْ خَشَبَةٍ: صَحَّ عَلَى الصَّحِيحِ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ كَالْوُضُوءِ. وَصَحَّحَ هُنَاكَ الصِّحَّةَ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: فِيهِ وَجْهَانِ. بِنَاءً عَلَى مَسْحِ الرَّأْسِ بِحَائِلٍ. انْتَهَى. وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفَائِقِ، وَالرِّعَايَةِ، وَإِنْ أَمَرَّ الْوَجْهَ عَلَى التُّرَابِ صَحَّ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ، وَقِيلَ: إنْ تَيَمَّمَ بِيَدٍ أَوْ أَمَرَّ الْوَجْهَ عَلَى التُّرَابِ، لَمْ يَصِحَّ: وَأَطْلَقَهُمَا فِي الرِّعَايَةِ، وَالشَّرْحِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَالْفَائِقِ وَتَقَدَّمَ إذَا يَمَّمَهُ غَيْرُهُ، أَوْ صَمَدَ وَجْهَهُ لِلرِّيحِ، فَعَمَّ التُّرَابُ وَجْهَهُ وَإِذَا سَفَتْ الرِّيحُ غُبَارًا، فَمَسَحَ وَجْهَهُ بِمَا عَلَيْهِ. قَوْلُهُ (وَالتَّرْتِيبُ وَالْمُوَالَاةُ) . فَائِدَةٌ: لَوْ قُطِعَتْ يَدُهُ مِنْ الْكُوعِ، وَجَبَ مَسْحُ مَوْضِعِ الْقَطْعِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَصَاحِبُ التَّلْخِيصِ، وَقَدَّمَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَةِ. وَقَالَ: نَصَّ عَلَيْهِ. وَقِيلَ: لَا يَجِبُ، بَلْ يُسْتَحَبُّ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَالْآمِدِيُّ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ عُبَيْدَانَ وَتَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَى ذَلِكَ فِي آخِرِ بَابِ الْوُضُوءِ. وَأَمَّا إنْ انْقَطَعَتْ مِنْ فَوْقِ الْكُوعِ: لَمْ يَجِبْ قَوْلًا وَاحِدًا، لَكِنْ يُسْتَحَبُّ، نَصَّ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ (وَمَنْ حُبِسَ فِي الْمِصْرِ صَلَّى بِالتَّيَمُّمِ وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ) . إذَا عَدِمَ الْمَحْبُوسُ وَنَحْوُهُ الْمَاءَ، فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: يَتَيَمَّمُ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ. وَعَنْهُ لَا يُصَلِّي بِالتَّيَمُّمِ فِي الْحَضَرِ حَتَّى يُسَافِرَ، أَوْ يَقْدِرَ عَلَى الْمَاءِ، اخْتَارَهَا الْخَلَّالُ. وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ الْبَابِ. فَعَلَى الْمَذْهَبِ: لَا يُعِيدُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَعَنْهُ يُعِيدُهُ وَهِيَ تُخَرَّجُ فِي الْمُحَرَّرِ وَغَيْرِهِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمَذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ. قَوْلُهُ (وَلَا يَجُوزُ لِوَاجِدِ الْمَاءِ التَّيَمُّمُ خَوْفًا مِنْ فَوَاتِ الْمَكْتُوبَةِ) هَذَا الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ. فَيَشْتَغِلُ بِالشَّرْطِ. وَعَنْهُ تَقْدِيمُ الْوَقْتِ عَلَى الشَّرْطِ. فَيُصَلِّي مُتَيَمِّمًا. قَالَهُ فِي الْفَائِقِ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، فِيمَنْ اسْتَيْقَظَ آخِرَ الْوَقْتِ وَهُوَ جُنُبٌ، وَخَافَ إنْ اغْتَسَلَ خَرَجَ الْوَقْتُ، أَوْ نَسِيَهَا وَذَكَرَهَا آخِرَ الْوَقْتِ، وَخَافَ أَنْ يَغْتَسِلَ أَوْ يَتَوَضَّأَ وَيُصَلِّيَ خَارِجَ الْوَقْتِ كَالْمَذْهَبِ، وَاخْتَارَ أَيْضًا: إنْ اسْتَيْقَظَ أَوَّلَ الْوَقْتِ. وَخَافَ إنْ اشْتَغَلَ بِتَحْصِيلِ الْمَاءِ يَفُوتُ الْوَقْتُ: أَنْ يَتَيَمَّمَ وَيُصَلِّيَ، وَلَا يَفُوتَ وَقْتُ الصَّلَاةِ، وَاخْتَارَ أَيْضًا فِيمَنْ يُمْكِنُهُ الذَّهَابُ إلَى الْحَمَّامِ، لَكِنْ لَا يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ حَتَّى يَفُوتَ الْوَقْتُ، كَالْغُلَامِ وَالْمَرْأَةِ الَّتِي مَعَهَا أَوْلَادُهَا، وَلَا يُمْكِنُهَا الْخُرُوجُ حَتَّى تَغْسِلَهُمْ وَنَحْوَ ذَلِكَ: أَنْ يَتَيَمَّمَ وَيُصَلِّيَ خَارِجَ الْحَمَّامِ لِأَنَّ الصَّلَاةَ فِي الْحَمَّامِ وَخَارِجَ الْوَقْتِ مَنْهِيٌّ عَنْهُمَا، كَمَنْ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ، وَاخْتَارَ أَيْضًا: جَوَازَ التَّيَمُّمِ خَوْفًا مِنْ فَوَاتِ الْجُمُعَةِ، وَأَنَّهُ أَوْلَى مِنْ الْجِنَازَةِ لِأَنَّهَا لَا تُعَادُ. قُلْت: وَهُوَ قَوِيٌّ فِي النَّظَرِ. وَخَرَّجَهُ فِي الْفَائِقِ لِنَفْسِهِ مِنْ الرِّوَايَةِ الَّتِي فِي الْعِيدِ، وَجَعَلَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ الْجُمُعَةَ أَصْلًا لِلْمَنْعِ، وَأَنَّهُمْ لَا يَخْتَلِفُونَ فِيهَا. فَائِدَةٌ: يُسْتَثْنَى مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ: الْخَائِفُ فَوَاتَ عَدُوِّهِ. فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ
لَهُ التَّيَمُّمُ لِذَلِكَ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ. قُلْت: فَيُعَايَى بِهَا. وَعَنْهُ لَا يَجُوزُ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَأَكْثَرِ الْأَصْحَابِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ هُنَا: وَفِي فَوْتِ مَطْلُوبِهِ رِوَايَتَانِ. وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ وَيَأْتِي ذَلِكَ أَيْضًا فِي آخِرِ صَلَاةِ أَهْلِ الْأَعْذَارِ. قَوْلُهُ (وَلَا الْجِنَازَةِ) يَعْنِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِوَاجِدِ الْمَاءِ التَّيَمُّمُ خَوْفًا مِنْ فَوَاتِ الْجِنَازَةِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: قَالَ الْأَصْحَابُ: وَكَذَا اخْتَارَهُ يَعْنِي أَنَّهَا كَالْمَكْتُوبَةِ فِي عَدَمِ جَوَازِ التَّيَمُّمِ لَهَا خَوْفًا مِنْ فَوَاتِهَا. وَعَنْهُ يَجُوزُ لِلْجِنَازَةِ، اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. وَمَالَ إلَيْهِ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَصَاحِبُ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَابْنُ تَمِيمٍ وَابْنُ عُبَيْدَانَ وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ. تَنْبِيهَاتٌ أَحَدُهَا: مُرَادُ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ بِفَوَاتِ الْجِنَازَةِ: فَوَاتُهَا مَعَ الْإِمَامِ. قَالَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ. قَالَ جَمَاعَةٌ: وَلَوْ أَمْكَنَهُ الصَّلَاةُ عَلَى قَبْرِهِ لِكَثْرَةِ وُقُوعِهِ، وَعِظَمِ الْمَشَقَّةِ فِيهِ الثَّانِي: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: أَنَّ صَلَاةَ الْعِيدِ لَا تُصَلَّى بِالتَّيَمُّمِ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ خَوْفًا مِنْ فَوَاتِهَا، قَوْلًا وَاحِدًا، وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَأَلْحَقَ عَبْدُ الْعَزِيزِ صَلَاةَ الْعِيدِ بِصَلَاةِ الْجِنَازَةِ، وَقَطَعَ غَيْرُهُ بِعَدَمِ التَّيَمُّمِ فِيهَا. وَقَالَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ: وَفِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَقِيلَ: وَالْعِيدِ إذَا خَافَ الْفَوْتَ: رِوَايَتَانِ. وَحَكَى فِي الْفَائِقِ وَغَيْرِهِ رِوَايَةً كَالْجِنَازَةِ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أَيْضًا وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَعَنْهُ وَعِيدٌ وَسُجُودُ تِلَاوَةٍ. قَالَ ابْنُ حَامِدٍ: يَخْرُجُ سُجُودُ التِّلَاوَةِ عَلَى الْجِنَازَةِ. وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَهُوَ حَسَنٌ.
الثَّالِثُ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: أَنَّهُ إذَا وَصَلَ الْمُسَافِرُ إلَى الْمَاءِ. وَقَدْ ضَاقَ الْوَقْتُ أَنَّهُ لَا يَتَيَمَّمُ. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَقَدَّمَهُ فِي النَّظْمِ وَرَدَّ غَيْرَهُ. وَقِيلَ: تَيَمَّمَ. قَالَ ابْنُ رَجَبٍ فِي قَوَاعِدِهِ: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ وَالْحَاوِيَيْنِ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْفَائِقِ وَابْنُ تَمِيمٍ، وَنَصَرَهُ، وَاخْتَارَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَابْنُ عُبَيْدَانِ. وَقَالَ: مَا أَدَقَّ هَذَا النَّظَرُ. وَلَوْ طَرَدَهُ فِي الْحَضَرِ لَكَانَ قَدْ أَجَادَ وَأَصَابَ. قُلْت: وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا أَسْلَفْنَاهُ مِنْ الْقَاعِدَةِ فِي الْخُطْبَةِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ. وَكَذَا الْحُكْمُ وَالْخِلَافُ إذَا عَلِمَ أَنَّ النَّوْبَةَ لَا تَصِلُ إلَيْهِ إلَّا بَعْدَ الْوَقْتِ، أَوْ عَلِمَ الْمَاءَ قَرِيبًا، أَوْ خَافَ فَوْتَ الْوَقْتِ، أَوْ دُخُولَ وَقْتِ الضَّرُورَةِ، إنْ حَرُمَ التَّأْخِيرُ إلَيْهِ، أَوْ دَلَّهُ ثِقَةٌ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالْمُذْهَبِ فِي خَوْفِ دُخُولِ وَقْتِ الضَّرُورَةِ، كَخَوْفِ فَوَاتِ الْوَقْتِ بِالْكُلِّيَّةِ. وَجَزَمَ ابْنُ تَمِيمٍ بِالتَّيَمُّمِ فِي الْأُولَى. وَأَطْلَقَ ابْنُ حَمْدَانَ فِيهِ الْوَجْهَيْنِ. قَوْلُهُ (وَإِنْ اجْتَمَعَ جُنُبٌ وَمَيِّتٌ وَمَنْ عَلَيْهَا غُسْلُ حَيْضٍ، فَبَذَلَ مَا يَكْفِي أَحَدُهُمْ لِأَوْلَادِهِمْ بِهِ. فَهُوَ لِلْمَيِّتِ) هَذَا الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي، وَالْإِفَادَاتِ وَالْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ، وَغَيْرِهِمْ. وَنَصَرَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَغَيْرِهِمْ. قَالَ فِي تَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ: هَذَا الْأَظْهَرُ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْفُرُوعِ، وَالْهَادِي، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالنَّظْمِ، وَالْفَائِقِ، وَابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَغَيْرِهِمْ. (وَعَنْهُ أَنَّهُ لِلْحَيِّ) يَعْنِي هُوَ أَوْلَى بِهِ مِنْ. الْمَيِّتِ وَاخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ الْخَلَّالُ، وَأَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْمُغْنِي، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالشَّرْحِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ وَغَيْرُهُمْ.
قَوْلُهُ (وَأَيُّهُمَا يُقَدَّمُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ) يَعْنِي عَلَى رِوَايَةٍ: أَنَّ الْحَيَّ أَوْلَى. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْمُغْنِي، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالشَّرْحِ، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ. أَحَدُهُمَا: الْحَائِضُ أَوْلَى، وَهُوَ الصَّحِيحُ، قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: وَالصَّحِيحُ تَقْدِيمُ الْحَائِضِ بِكُلِّ حَالٍ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَالْفَائِقِ، وَابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ. وَالثَّانِي: الْجُنُبُ مُطْلَقًا أَوْلَى، قَدَّمَهُ فِي الْخُلَاصَةِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ. وَقِيلَ: الرَّجُلُ الْجُنُبُ خَاصَّةً أَوْلَى مِنْ الْمَرْأَةِ الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ. وَأَطْلَقَهُنَّ ابْنُ تَمِيمٍ. وَقِيلَ: يُقْسَمُ بَيْنَهُمَا. وَقِيلَ: يُقْرَعُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُذْهَبِ. فَوَائِدُ: إحْدَاهُمَا: مَنْ عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ: أَحَقُّ مِنْ الْمَيِّتِ، وَالْحَائِضِ، وَالْجُنُبِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَغَيْرِهِمْ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ. وَقِيلَ: الْمَيِّتُ أَوْلَى أَيْضًا اخْتَارَهُ الْمَجْدُ وَحَفِيدُهُ. قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: هَذَا أَظْهَرُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ. وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ، وَالتَّلْخِيصُ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَنَجَسُ الْبَدَنِ غَيْرُ قُبُلٍ وَدُبُرٍ وَقِيلَ: وَغَيْرُ ثَوْبِ سُتْرَةٍ أَوْلَى مِنْهُمْ، وَمِنْ الْمَيِّتِ إذَنْ، وَإِلَّا فَالْمَيِّتُ أَوْلَى. وَقِيلَ: الْمَيِّتُ أَوْلَى مِنْهُ مُطْلَقًا. وَمِنْ غَيْرِهِ. الثَّانِيَةُ: قَالَ فِي الْفُرُوعِ: يُقَدَّمُ جُنُبٌ عَلَى مُحْدِثٍ. وَقِيلَ: الْمُحْدِثُ إلَّا أَنْ يَكْفِيَ مَنْ تَطَهَّرَ بِهِ مِنْهُمَا، وَإِنْ كَفَاهُ فَقَطْ قُدِّمَ. وَقِيلَ: الْجُنُبُ. وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: فَإِنْ اجْتَمَعَ مُحْدِثٌ وَجُنُبٌ، وَوُجِدَ مَاءٌ يَكْفِي أَحَدَهُمَا: وَيَفْضُلُ مِنْهُ مَا لَا يَكْفِي الْآخَرَ، فَالْجُنُبُ أَوْلَى فِي وَجْهٍ، وَقَدَّمَهُ
ابْنُ عُبَيْدَانَ. وَفِي آخِرِ الْمُحْدِثِ أَوْلَى، قَدَّمَهُ فِي الْمُذْهَبِ. وَفِي ثَالِثٍ: هُمَا سَوَاءٌ يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا، أَوْ يُعْطِيهِ الْبَاذِلُ لِمَنْ شَاءَ مِنْهُمَا. وَأَطْلَقَهُنَّ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ، وَإِنْ كَانَ يَكْفِي الْجُنُبَ، وَيَفْضُلُ عَنْ الْمُحْدِثِ: فَالْجُنُبُ أَوْلَى، وَإِنْ كَانَ يَكْفِي الْمُحْدِثَ وَحْدَهُ: فَهُوَ أَوْلَى. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَمَنْ كَفَاهُ وَحْدَهُ مِمَّنْ يُقَدَّمُ، وَمِنْ الْمُحْدِثِ حَدَثًا أَصْغَرَ: فَهُوَ أَوْلَى، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَحَدُهُمْ فَالْجُنُبُ وَنَحْوُهُ أَوْلَى مِنْ الْمُحْدِثِ. وَقِيلَ: عَكْسُهُ. وَقِيلَ: هُمَا سَوَاءٌ، فَبِالْقُرْعَةِ. وَقِيلَ: أَوْ بِالتَّخْيِيرِ مِنْ بَاذِلِهِ، وَإِنْ كَفَى الْجُنُبَ أَوْ نَحْوَهُ، وَفَضَلَ مِنْ الْمُحْدِثِ شَيْءٌ. فَوَجْهَانِ، وَإِنْ كَانَ يَفْضُلُ مِنْ وَاحِدٍ مَا لَا يَكْفِي الْآخَرَ: يُقَدَّمُ الْمُحْدِثُ. وَقِيلَ: الْجُنُبُ وَنَحْوُهُ. وَقِيلَ: بَلْ مَنْ قُرِعَ. وَقِيلَ: بَلْ بِالتَّخْيِيرِ مِنْ بَاذِلِهِ. الثَّالِثَةُ: لَوْ بَادَرَ عَنْ غَيْرِهِ أَوْلَى مِنْهُ، فَتَطَهَّرَ بِهِ: أَسَاءَ، وَصَحَّتْ صَلَاتُهُ، جَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالرِّعَايَةِ، وَالْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِمْ. وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: قَالَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ. الرَّابِعَةُ: قَالَ فِي التَّلْخِيصِ: وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ لَا تُتَصَوَّرُ إذَا كَانَ الْمَاءُ لِبَعْضِهِمْ؛ لِأَنَّهُ أَحَقُّ بِهِ. وَصَوَّرَهَا جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا فِي مَاءٍ مُبَاحٍ أَوْ مَمْلُوكٍ، أَرَادَ مَالِكُهُ بَذْلَهُ لِأَحَدِهِمْ. وَفِيهِ نَظَرٌ. فَإِنَّ الْمُبَاحَ قَبْلَ وَضْعِ الْأَيْدِي عَلَيْهِ لَا مِلْكَ فِيهِ. وَبَعْدَ وَضْعِ الْأَيْدِي: لِلْجَمِيعِ. وَالْمَالِكُ لَهُ وِلَايَةُ صَرْفِهِ إلَى مَنْ شَاءَ، إلَّا أَنْ يُرِيدُوا بِهِ الْفَضِيلَةَ. وَلَفْظُ " الْأَحَقِّيَّةِ " وَ " الْأَوْلَوِيَّةِ " لَا يُشْعِرُ بِذَلِكَ. وَعِنْدِي لِذَلِكَ صُورَةٌ مَعْصُومَةٌ مِنْ ذَلِكَ، وَهِيَ أَنْ يُوصِيَ بِمَائِهِ لِأَوْلَاهُمْ بِهِ. انْتَهَى. قَالَ فِي الْقَاعِدَةِ الْأَخِيرَةِ بَعْدَ حِكَايَةِ كَلَامِهِ فِي التَّلْخِيصِ وَيُتَصَوَّرُ أَيْضًا فِي النَّذْرِ لِأَوْلَاهُمْ بِهِ، وَالْوَقْفِ عَلَيْهِ، وَفِيمَا إذَا طَلَبَ الْمَالِكُ مَعْرِفَةَ أَوْلَاهُمْ بِهِ لِيُؤْثَرَ بِهِ. وَفِيمَا إذَا مَا وَرَدُوا عَلَى مُبَاحٍ وَازْدَحَمُوا وَتَشَاحُّوا فِي التَّنَاوُلِ أَوَّلًا. الْخَامِسَةُ: قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَتَأْتِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ أَيْضًا فِي الْمَاءِ الْمُشْتَرَكِ. وَقَالَ: هُوَ ظَاهِرُ مَا نُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ، وَهُوَ أَوْلَى مِنْ التَّشْقِيصِ.
السَّادِسَةُ: لَوْ اجْتَمَعَ جُنُبَانِ، أَوْ نَحْوُهُمَا، أَوْ مُحْدِثَانِ حَدَثًا أَصْغَرَ، وَالْمَاءُ يَكْفِي أَحَدَهُمَا، وَلَا يَخْتَصُّ بِهِ أَحَدُهُمَا: اقْتَرَعَا. وَقِيلَ يُقْسَمُ بَيْنَهُمَا. قَالَ ذَلِكَ فِي الرِّعَايَةِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ. السَّابِعَةُ: لَوْ اجْتَمَعَ عَلَى شَخْصٍ وَاحِدٍ حَدَثٌ وَنَجَاسَةٌ فِي بَدَنِهِ، وَمَعَهُ مَا يَكْفِي أَحَدَهُمَا: قَدَّمَ غَسْلَ النَّجَاسَةِ، نَصَّ عَلَيْهِ. وَكَذَا إنْ كَانَتْ عَلَى ثَوْبِهِ عَلَى الصَّحِيحِ، قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَمُخْتَصَرِ ابْنِ تَمِيمٍ، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ. وَعَنْهُ يُقَدَّمُ الْحَدَثُ. وَهِيَ قَوْلٌ فِي الرِّعَايَةِ. وَلَوْ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ فِي ثَوْبِهِ وَبَدَنِهِ: قَدَّمَ الثَّوْبَ، جَزَمَ بِهِ ابْنُ تَمِيمٍ، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحُ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَقِيلَ تُقَدَّمُ نَجَاسَةُ ثَوْبِهِ عَلَى نَجَاسَةِ بَدَنِهِ، وَنَجَاسَةُ الْبَدَنِ عَلَى نَجَاسَةِ السَّبِيلَيْنِ، وَيَسْتَجْمِرُ وَيَتَيَمَّمُ لِلْحَدَثِ. الثَّامِنَةُ: لَوْ كَانَ الْمَاءُ لِأَحَدِهِمْ: لَزِمَ اسْتِعْمَالُهُ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ بَذْلُهُ لِغَيْرِ الْوَالِدَيْنِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، لَكِنْ إنْ فَضَلَ مِنْهُ عَنْ حَاجَتِهِ، اُسْتُحِبَّ لَهُ بَذْلُهُ. وَذَكَرَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي الْهَدْيِ: أَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يُؤْثِرَ بِالْمَاءِ مَنْ يَتَوَضَّأُ بِهِ، وَيَتَيَمَّمُ هُوَ. وَأَمَّا إذَا كَانَ الْمَاءُ لِلْوَلَدِ. فَهَلْ لَهُ أَنْ يُؤْثِرَ أَحَدَ أَبَوَيْهِ بِهِ، وَيَتَيَمَّمَ؟ فِيهِ وَجْهَانِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي التَّلْخِيصِ، وَالرِّعَايَةِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ. وَقَدَّمَ ابْنُ عُبَيْدَانَ عَدَمَ الْجَوَازِ. قَالَ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ: إنْ كَانَ الْمَاءُ لِأَحَدِهِمْ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ، وَلَا يَجُوزُ بَذْلُهُ لِغَيْرِهِ. وَقَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: وَإِنْ كَانَ الْمَاءُ مِلْكًا لِأَحَدِهِمْ تَعَيَّنَ. وَقَالَ فِي الْكَافِي: وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُؤْثِرَ بِهِ أَحَدًا وَأَطْلَقَ. وَقَالَ: فَإِنْ آثَرَ بِهِ وَتَيَمَّمَ، لَمْ يَصِحَّ تَيَمُّمُهُ مَعَ وُجُودِهِ لِذَلِكَ، وَإِنْ اسْتَعْمَلَهُ الْآخَرُ فَحُكْمُ الْمُؤْثَرِ بِهِ حُكْمُ مَنْ أَرَاقَ الْمَاءَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَعْدَ قَوْلِهِ " فَإِنْ دَلَّ عَلَيْهِ قَرِيبًا ". وَأَمَّا إذَا كَانَ الْمَاءُ لِلْمَيِّتِ: غُسِّلَ بِهِ. فَإِنْ فَضَلَ مِنْهُ فَضْلٌ. فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْوَارِثُ حَاضِرًا فَلِلْحَيِّ أَخْذُهُ لِلطَّهَارَةِ بِثَمَنِهِ فِي مَوْضِعِهِ عَلَى الصَّحِيحِ، قَدَّمَهُ
باب إزالة النجاسة
فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالرِّعَايَةِ، وَالْحَوَاشِي. وَغَيْرِهِمْ. وَقَالَ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ. وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ وَتَقَدَّمَ إذَا كَانَ رَفِيقَ الْمَيِّتِ عَطْشَانُ وَلَهُ مَاءٌ أَوَّلَ الْبَابِ. التَّاسِعَةُ: لَوْ اجْتَمَعَ حَيٌّ وَمَيِّتٌ لَا ثَوْبَ لَهُمَا، وَحَضَرَ وَقْتُ الصَّلَاةِ. فَبُذِلَ ثَوْبٌ لِأَوْلَاهُمَا بِهِ: صَلَّى فِيهِ الْحَيُّ، ثُمَّ كُفِّنَ فِيهِ الْمَيِّتُ فِي وَجْهٍ، وَهُوَ الصَّوَابُ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَالْفُرُوعِ. ذَكَرَهُ فِي بَابِ سَتْرِ الْعَوْرَةِ. وَفِي وَجْهٍ آخَرَ: يُقَدَّمُ الْمَيِّتُ عَلَى صَلَاةِ الْحَيِّ فِيهِ. وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ. وَقَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْحَيُّ أَوْلَى بِهِ مُطْلَقًا. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَهُوَ بَعِيدٌ وَيَأْتِي فِي الْجَنَائِزِ فِي فَصْلِ الْكَفَنِ لَوْ وُجِدَ كَفَنٌ وَاحِدٌ وَوُجِدَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَمْوَاتِ: هَلْ يُجْمَعُونَ فِيهِ. أَوْ يُقْسَمُ بَيْنَهُمْ؟ الْعَاشِرَةُ: لَوْ احْتَاجَ حَيٌّ لِكَفَنِ مَيِّتٍ لِبَرْدٍ وَنَحْوِهِ زَادَ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ: إنْ خَشِيَ التَّلَفَ فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يُقَدَّمُ عَلَى الْمَيِّتِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: يُقَدَّمُ فِي الْأَصَحِّ مَنْ احْتَاجَ كَفَنَ مَيِّتٍ لِبَرْدٍ وَنَحْوِهِ. وَقِيلَ: لَا يُقَدَّمُ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ، وَابْنُ الْجَوْزِيِّ: يُصَلَّى عَلَيْهِ عَادِمَ السُّتْرَةِ فِي إحْدَى لِفَافَتَيْهِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالْأَشْهَرُ عُرْيَانًا كَلِفَافَةٍ وَاحِدَةٍ يُقَدَّمُ الْمَيِّتُ بِهَا ذَكَرَهُ فِي الْكَفَنِ. [بَابُ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ] ِ قَوْلُهُ (لَا يَجُوزُ إزَالَتُهَا بِغَيْرِ الْمَاءِ) يَعْنِي الْمَاءَ الطَّهُورَ. وَهَذَا الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا. وَعَلَيْهِ مُعْظَمُ الْأَصْحَابِ. وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ. قَالَ الْقَاضِي: قَالَ أَصْحَابُنَا لَا تَجُوزُ إزَالَةُ النَّجَاسَةِ بِمَائِعٍ غَيْرِ الْمَاءِ. أَوْمَأَ إلَيْهِ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ وَعَبْدِ اللَّهِ. وَعَنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا تُزَالُ بِكُلِّ مَائِعٍ طَاهِرٍ مُزِيلٍ، كَالْخَلِّ وَنَحْوِهِ اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَصَاحِبُ الْفَائِقِ. ذَكَرَهُ فِي آخِرِ الْبَابِ. وَقِيلَ: تُزَالُ بِغَيْرِ الْمَاءِ لِلْحَاجَةِ، اخْتَارَهُ الْمَجْدُ. قَالَ حَفِيدُهُ: وَهُوَ أَشْبَهُ بِنُصُوصِ أَحْمَدَ. نَقَلَهُ ابْنُ خَطِيبِ السَّلَامِيَّةِ فِي تَعْلِيقِهِ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ
وَقِيلَ: تُزَالُ بِمَاءٍ طَاهِرٍ غَيْرِ مُطَهِّرٍ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عِنْدَ الزَّرْكَشِيّ وَغَيْرِهِ. وَقِيلَ: لَا تُزَالُ إلَّا بِمَاءٍ طَهُورٍ مُبَاحٍ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. قَوْلُهُ (وَتُغْسَلُ نَجَاسَةُ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ بِلَا نِزَاعٍ) وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُمَا وَالْمُتَوَلِّدُ مِنْهُمَا أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا وَجَمِيعِ أَجْزَائِهِمَا: نَجِسٌ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ بِهِ أَكْثَرُهُمْ. وَقِيلَ: يُغْسَلُ وُلُوغُهُ فَقَطْ تَعَبُّدًا، وِفَاقًا لِمَالِكٍ. فَظَاهِرُ الْقَوْلِ: أَنَّهُمَا طَاهِرَانِ، وَلَكِنْ يُغْسَلُ الْوُلُوغُ تَعَبُّدًا. وَعَنْهُ طَهَارَةُ الشَّعْرِ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَصَاحِبُ الْفَائِقِ. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: فَيَخْرُجُ ذَلِكَ فِي كُلِّ حَيَوَانٍ نَجِسٍ، وَهُوَ كَمَا قَالَ. وَعَنْهُ سُؤْرُهُمَا طَاهِرٌ. ذَكَرَهَا الْقَاضِي فِي شَرْحِهِ الصَّغِيرِ. نَقَلَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ. قَوْلُهُ (وَتُغْسَلُ نَجَاسَةُ الْكَلْبِ سَبْعًا) تُغْسَلُ نَجَاسَةُ الْكَلْبِ سَبْعًا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، نَصَّ عَلَيْهِ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَعَنْهُ ثَمَانِيًا. فَظَاهِرُ مَا نَقَلَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى: اخْتِصَاصُ الْعَدَدِ بِالْوُلُوغِ. قَالَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَقَطَعَ الْمُصَنِّفُ: أَنَّ نَجَاسَةَ الْخِنْزِيرِ كَنَجَاسَةِ الْكَلْبِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: هُوَ شَرٌّ مِنْ الْكَلْبِ. وَقِيلَ: لَيْسَتْ نَجَاسَةُ الْخِنْزِيرِ كَنَجَاسَةِ الْكَلْبِ. فَلَمْ يَذْكُرْ أَحْمَدُ فِيهِ عَدَدًا. وَقِيلَ: لَا يُعْتَبَرُ فِي نَجَاسَتِهِمَا عَدَدٌ. قَالَ ابْنُ شِهَابٍ فِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ: قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: لَا يُشْتَرَطُ الْعَدَدُ، وَإِنَّمَا يُغْسَلُ مَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ. وَذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي شَرْحِ الْمُذْهَبِ رِوَايَةً، قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: قَالَ شَيْخُنَا: ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ الْعَدَدَ لَا يَجِبُ فِي غَيْرِ الْآنِيَةِ وَتَقَدَّمَ فِي الْوُضُوءِ هَلْ تُشْتَرَطُ النِّيَّةُ فِي غَسْلِ النَّجَاسَةِ أَمْ لَا؟ قَوْلُهُ (إحْدَاهُنَّ بِالتُّرَابِ) الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: اشْتِرَاطُ التُّرَابِ فِي غَسْلِ نَجَاسَتِهِمَا مُطْلَقًا. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ
الْأَصْحَابِ. وَعَنْهُ اسْتِحْبَابُ التُّرَابِ. ذَكَرَهَا ابْنُ الزَّاغُونِيِّ. نَقَلَهَا فِي الْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ. وَقَالَ: وَهُوَ ضَعِيفٌ. وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ: وَعَنْهُ اسْتِعْمَالُ التُّرَابِ فِي الْوُلُوغِ مُسْتَحَبٌّ غَيْرُ وَاجِبٍ. حَكَاهَا ابْنُ الزَّاغُونِيِّ. وَقِيلَ: إنْ تَضَرَّرَ الْمَحَلُّ سَقَطَ التُّرَابُ. قَالَ الْمَجْدُ، وَتَبِعَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ: وَهُوَ الْأَظْهَرُ وَقِيلَ: يَجِبُ فِي إنَاءٍ وَنَحْوِهِ فَقَطْ. وَحَكَى رِوَايَةً. تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ " إحْدَاهُنَّ بِالتُّرَابِ " لَا خِلَافَ أَنَّهُ لَوْ جَعَلَ التُّرَابَ فِي أَيِّ غَسْلَةٍ شَاءَ: أَنَّهُ يُجْزِئُ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الْأَوْلَوِيَّةِ. فَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا: أَنَّهُ لَا أَوْلَوِيَّةَ فِيهِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، وَصَاحِبِ الْهِدَايَةِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَالْوَجِيزِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ، وَغَيْرِهِمْ. قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ: وَهُوَ الصَّوَابُ. وَبَنَاهُ عَلَى قَاعِدَةٍ أُصُولِيَّةٍ. وَعَنْهُ الْأَوْلَى: أَنْ يَكُونَ فِي الْغَسْلَةِ الْأُولَى، وَهُوَ الصَّحِيحُ، جَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالْكَافِي، وَالشَّرْحِ، وَالنَّظْمِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَغَيْرِهِمْ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفَائِقِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَالزَّرْكَشِيُّ. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: الْأَوْلَى جَعْلُهُ فِي الْأُولَى إنْ غُسِلَ سَبْعًا. قَالَ فِي الْإِفَادَاتِ: لَا يَكُونُ إلَّا فِي الْأَخِيرَةِ. وَعَنْهُ الْأَخِيرَةُ أَوْلَى، وَأَطْلَقَهُنَّ فِي الْفُرُوعِ، وَأَطْلَقَ الْأَخِيرَتَيْنِ فِي الْمُذْهَبِ، وَعَنْهُ إنْ غَسَلَهَا ثَمَانِيًا فَفِي الثَّامِنَةِ أَوْلَى، جَزَمَ بِهِ ابْنُ تَمِيمٍ. وَقَالَ: نَصَّ عَلَيْهِ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ: إنْ غَسَلَهُ ثَمَانِيًا، فَفِي الثَّامِنَةِ أَوْلَى. فَوَائِدُ إحْدَاهُمَا: لَا يَكْفِي ذَرُّ التُّرَابِ عَلَى الْمَحَلِّ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ مَائِعٍ يُوصِلُهُ إلَيْهِ. ذَكَرَهُ أَبُو الْمَعَالِي، وَصَاحِبُ التَّلْخِيصِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكْفِيَ ذَرُّهُ، وَيُتْبِعَهُ الْمَاءَ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ، وَهُوَ أَظْهَرُ، قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ.
الثَّانِيَةُ: يُعْتَبَرُ اسْتِيعَابُ مَحَلِّ الْوُلُوغِ بِالتُّرَابِ. قَالَهُ أَبُو الْخَطَّابِ. وَقِيلَ: يَكْفِي مُسَمَّى التُّرَابِ مُطْلَقًا. قَالَهُ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ. وَقِيلَ: يَكْفِي مُسَمَّاهُ فِيمَا يَضُرُّ دُونَ غَيْرِهِ. قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ. وَقِيلَ: يَكْفِي مِنْهُ مَا يُغَيِّرُ الْمَاءَ. قَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ. وَأَطْلَقَهُنَّ فِي الْفُرُوعِ. الثَّالِثَةُ: يُشْتَرَطُ فِي التُّرَابِ: أَنْ يَكُونَ طَهُورًا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: يُجْزِئُ بِالطَّاهِرِ أَيْضًا، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا فِي التَّلْخِيصِ. قَوْلُهُ (فَإِنْ جَعَلَ مَكَانَهُ أُشْنَانًا أَوْ نَحْوَهُ، فَعَلَى وَجْهَانِ) أَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْكَافِي، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَالْفُرُوعِ. إحْدَاهُمَا: يُجْزِئُ ذَلِكَ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، اخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ: هَذَا أَقْوَى الْوُجُوهِ. وَصَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ وَتَصْحِيحِ الْمُحَرَّرِ، وَالْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَقَدَّمَهُ فِي النَّظْمِ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَقُومُ غَيْرُ التُّرَابِ مَقَامَهُ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ، وَالْفُصُولِ، وَالْعُمْدَةِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالتَّسْهِيلِ، وَغَيْرِهِمْ. لِاقْتِصَارِهِمْ عَلَى التُّرَابِ. قَالَ فِي الْمُذْهَبِ: هَذَا أَصَحُّ الْوَجْهَيْنِ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ. وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: إنَّمَا يَجُوزُ الْعُدُولُ عَنْ التُّرَابِ عِنْدَ عَدَمِهِ، أَوْ إفْسَادِ الْمَغْسُولِ بِهِ. وَصَحَّحَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِفَادَاتِ. وَتَقَدَّمَ اخْتِيَارُ الْمَجْدِ وَغَيْرِهِ فِي إسْقَاطِ التُّرَابِ فِي نَجَاسَةِ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ، إذَا تَضَرَّرَ الْمَحَلُّ. وَعَنْهُ تُقَدَّمُ الْغَسْلَةُ الثَّامِنَةُ عَنْ التُّرَابِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي مَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالْمُحَرَّرِ فِي إقَامَةِ
الْغَسْلَةِ الثَّامِنَةِ عَنْ التُّرَابِ. وَقِيلَ: تَقُومُ الْغَسْلَةُ الثَّامِنَةُ مَقَامَ التُّرَابِ فِيمَا يُخَافُ تَلَفُهُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِفَادَاتِ. قَوْلُهُ (وَفِي سَائِرِ النَّجَاسَاتِ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ) وَأَطْلَقَهُنَّ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْكَافِي، وَالشَّرْحِ، وَابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ. إحْدَاهُنَّ: يَجِبُ غَسْلُهَا سَبْعًا. وَهِيَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهَا جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: نَقَلَهُ، وَاخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هِيَ اخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ، وَجُمْهُورِ الْأَصْحَابِ. قَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ: هُوَ الْمَشْهُورُ. وَصَحَّحَهُ فِي الصَّحِيحِ، وَتَصْحِيحِ الْمُحَرَّرِ. وَقَالَ: اخْتَارَهَا الْأَكْثَرُ. قَالَ فِي الْمُذْهَبِ، وَالْبُلْغَةِ: هَذَا الْمَشْهُورُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِفَادَاتِ، وَنَاظِمِ الْمُفْرَدَاتِ، وَهُوَ مِنْهَا وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالنَّظْمِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ وَغَيْرِهِمْ، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: يَجِبُ غَسْلُهَا ثَلَاثًا، اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْعُمْدَةِ، وَابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ فِي غَيْرِ مَحَلِّ الِاسْتِنْجَاءِ، وَقَدَّمَهُ مُطْلَقًا ابْنُ تَمِيمٍ، وَالْفَائِقِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَقَدَّمَهُ فِي الِاسْتِنْجَاءِ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى فِي بَابِهِ. وَالثَّالِثَةُ: تُكَاثَرُ بِالْمَاءِ مِنْ غَيْرِ عَدَدٍ، اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَقَطَعَ بِهِ فِي الطَّرِيقِ الْأَقْرَبِ، وَعَنْهُ لَا يُشْتَرَطُ الْعَدَدُ فِي الْبَدَنِ. وَيَجِبُ فِي السَّبِيلَيْنِ، وَفِي غَيْرِ الْبَدَنِ سَبْعٌ. قَالَ الْخَلَّالُ: وَهِيَ وَهْمٌ. وَعَنْهُ يَجِبُ الْعَدَدُ إلَّا فِي الْخَارِجِ مِنْ السَّبِيلَيْنِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَاخْتَارَ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي الْمُغْنِي: لَا يَجِبُ الْعَدَدُ إلَّا فِي الِاسْتِنْجَاءِ. وَعَنْهُ يَغْسِلُ مَحَلَّ الِاسْتِنْجَاءِ بِثَلَاثٍ، وَغَيْرِهِ بِسَبْعٍ. ذَكَرَهَا الشَّارِحُ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ وَغَيْرُهُمْ. وَالْمُرَادُ بِمَحَلِّ الِاسْتِنْجَاءِ: الْخَارِجُ مِنْ السَّبِيلَيْنِ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ وَقِيلَ: وَمِنْ غَيْرِ نَجَاسَتِهِمَا. وَعَنْهُ لَا يَجِبُ فِي الثَّوْبِ وَسَائِرِ الْبَدَنِ عَدَدٌ. ذَكَرَهَا الْآمِدِيُّ. وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: أَنَّهُ يُجْزِئُ الْمَسْحُ فِي الْمُتَنَجِّسِ الَّذِي يَضُرُّهُ الْغَسْلُ، كَثِيَابِ الْحَرِيرِ وَالْوَرِقِ وَنَحْوِهِمَا. قَالَ:
وَأَصْلُهُ الْخِلَافُ فِي إزَالَةِ النَّجَاسَةِ بِغَيْرِ الْمَاءِ. وَأَطْلَقَ الثَّلَاثَةَ الْأُوَلَ. وَالْخَامِسَةُ وَالسَّادِسَةُ: فِي الْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالتَّلْخِيصِ. قَوْلُهُ (وَهَلْ يُشْرَطُ التُّرَابُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) وَهُمَا فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ رِوَايَتَانِ. وَقَالَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى. يَعْنِي عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُولَى ذَكَرَهَا أَبُو بَكْرٍ وَمَنْ تَابَعَهُ، أَعْنِي الْوَجْهَيْنِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْكَافِي، وَالْمُغْنِي، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَشَرْحِ ابْنِ مُنَجَّا، وَالْفُرُوعِ. أَحَدُهُمَا: يُشْتَرَطُ التُّرَابُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، اخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ، وَالْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يُشْتَرَطُ، اخْتَارَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ. قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: لَا يُشْتَرَطُ بِالتُّرَابِ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَانِ. وَصَحَّحَهُ فِي تَصْحِيحِ الْمُحَرَّرِ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: هَذَا الْمَشْهُورُ. تَنْبِيهَانِ أَحَدُهُمَا: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: عَدَمُ اشْتِرَاطِ التُّرَابِ، قَوْلًا وَاحِدًا، عَلَى الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ. وَهِيَ وُجُوبُ الْغُسْلِ ثَلَاثًا، وَهُوَ صَحِيحٌ: وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ. وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ: أَنَّ حُكْمَ التُّرَابِ فِي الْغُسْلِ ثَلَاثًا حُكْمُهُ فِي الْغُسْلِ سَبْعًا. وَأَطْلَقَهُمَا فِي التَّلْخِيصِ وَالْبُلْغَةِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. وَصَرَّحَ بِأَنَّ الْخِلَافَ حَيْثُ قُلْنَا بِالْعَدَدِ. الثَّانِي: مَحَلُّ الْخِلَافِ فِي التُّرَابِ: إنَّمَا هُوَ فِي غَيْرِ مَحَلِّ السَّبِيلَيْنِ. فَأَمَّا مَحَلُّ السَّبِيلَيْنِ: فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ تُرَابٌ، قَوْلًا وَاحِدًا عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ. وَحَكَى عَنْ الْحَلْوَانِيِّ: أَنَّهُ أَوْجَبَ التُّرَابَ فِي مَحَلِّ الِاسْتِنْجَاءِ أَيْضًا. وَصَرَّحَ بِوُجُوبِهِ فِي الْفَائِقِ عَنْهُ.
فَوَائِدُ مِنْهَا: حَيْثُ قُلْنَا: يَغْسِلُ ثَلَاثًا وَغَسَلَ سَبْعًا: لَمْ تَزُلْ طَهُورِيَّةُ مَا بَعْدَ الْغَسْلَةِ الثَّالِثَةِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ وَاحِدًا وَاحِدًا. وَقِيلَ: تَزُولُ طَهُورِيَّتُهُ. ذَكَرَهُ الْقَاضِي. قُلْت: فَيُعَايَى بِهَا عَلَى هَذَا الْقَوْلِ. وَمِنْهَا: قَالَ فِي الْفُرُوعِ: يُحْسَبُ الْعَدَدُ فِي إزَالَةِ النَّجَاسَةِ الْعَيْنِيَّةِ قَبْلَ زَوَالِهَا فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ. وَفِي ظَاهِرِ كَلَامِ صَاحِبِ الْمُحَرَّرِ: لَا يُحْسَبُ إلَّا بَعْدَ زَوَالِهَا. وَمِنْهَا: يُغْسَلُ مَا نَجِسَ بِبَعْضِ الْغَسَلَاتِ بِعَدَدِ مَا بَقِيَ بَعْدَ تِلْكَ الْغَسْلَةِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: بَعْدَ مَا بَقِيَ مَعَ تِلْكَ الْغَسْلَةِ. وَقِيلَ: يُغْسَلُ سَبْعًا إنْ اشْتَرَطْنَا السَّبْعَ فِي أَصْلِهِ، اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ. أَطْلَقَ الْأَوَّلَ وَالْأَخِيرَ ابْنُ عُبَيْدَانَ. فَعَلَى الْقَوْلَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ: يُغْسَلُ بِتُرَابٍ إنْ لَمْ يَكُنْ غَسَلَ بِهِ وَاشْتَرَطْنَاهُ. وَعَلَى الثَّالِثِ: يَغْسِلُ بِتُرَابٍ أَيْضًا إنْ اشْتَرَطْنَاهُ فِي أَصْلِهِ. قَوْلُهُ (كَالنَّجَاسَاتِ كُلِّهَا، إذَا كَانَتْ عَلَى الْأَرْضِ) ، الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ النَّجَاسَةَ إذَا كَانَتْ عَلَى الْأَرْضِ تَطْهُرُ بِالْمُكَاثَرَةِ، سَوَاءٌ كَانَتْ مِنْ كَلْبٍ، أَوْ خِنْزِيرٍ، أَوْ غَيْرِهِمَا وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَجَزَمَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ. وَعَنْهُ لَا تَطْهُرُ الْأَرْضُ وَنَحْوُهَا حَتَّى يَنْفَصِلَ الْمَاءُ. وَقِيلَ: يَجِبُ الْعَدَدُ مِنْ نَجَاسَةِ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ، مَعَهَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي مُقْنِعِهِ، وَالنَّصُّ خِلَافُهُ. وَعَنْهُ يَجِبُ الْعَدَدُ فِي غَيْرِ الْبَوْلِ. نَقَلَهُ ابْنُ حَامِدٍ. وَحَكَى الْآمِدِيُّ رِوَايَةً فِي الْأَرْضِ: يَجِبُ لِكُلِّ بَوْلَةٍ ذَنُوبٌ. وَعَنْهُ فِي بِرْكَةٍ وَقَعَ فِيهَا بَوْلٌ تُنْزَحُ، وَيُقْلَعُ الطِّينُ. ثُمَّ تُغْسَلُ. فَوَائِدُ الْأُولَى: الصَّخْرُ، وَالْأَجْرِبَةُ مِنْ الْحَمَّامِ، وَالْأَحْوَاضِ وَنَحْوِ ذَلِكَ: حُكْمُهَا حُكْمُ
الْأَرْضِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، نَصَّ عَلَيْهِ. وَقِيلَ: لَا. الثَّانِيَةُ: يُعْتَبَرُ الْعَصْرُ فِي كُلِّ غَسْلَةٍ، مَعَ إمْكَانِهِ فِيمَا يَتَشَرَّبُ النَّجَاسَةَ، أَوْ دَقُّهُ، أَوْ تَقْلِيبُهُ إنْ كَانَ ثَقِيلًا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ مُطْلَقًا. قَالَ ابْنُ عُبَيْدَانَ: قَالَهُ الْأَصْحَابُ. وَقِيلَ: لَا يُعْتَبَرُ مُطْلَقًا. وَقِيلَ: يُعْتَبَرُ ذَلِكَ فِي غَيْرِ الْغَسْلَةِ الْأَخِيرَةِ، وَاخْتَارَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ. وَقَالَ: الصَّحِيحُ لَا يُجْزِئُ تَجْفِيفُ الثَّوْبِ عَنْ عَصْرِهِ، وَصَحَّحَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ. وَقِيلَ: يُجْزِئُ. قَالَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ: وَجَفَافُهُ كَعَصْرِهِ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي إجْزَاءِ التَّجْفِيفِ عَنْ الْعَصْرِ فِي الْفُرُوعِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالْفَائِقِ، وَإِنْ أَصَابَتْ النَّجَاسَةُ مَحَلًّا لَا يَتَشَرَّبُ بِهَا، كَالْآنِيَةِ وَنَحْوِهَا، طَهُرَ بِمُرُورِ الْمَاءِ عَلَيْهِ، وَانْفِصَالِهِ عَنْهُ، وَإِنْ لَصِقَتْ بِهِ النَّجَاسَةُ وَجَبَ مَعَ ذَلِكَ إزَالَتُهَا. وَيَجِبُ الْحَثُّ وَالْقَرْضُ. قَالَ فِي التَّلْخِيصِ وَغَيْرِهِ: إنْ لَمْ يَتَضَرَّرْ الْمَحَلُّ بِهَا. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: إنْ تَعَذَّرَتْ الْإِزَالَةُ بِدُونِهَا، أَوْ لَعَلَّهُ مُرَادُهُمْ. الثَّالِثَةُ: وَلَوْ كَاثَرَ مَاءً نَجِسًا فِي إنَاءٍ بِمَاءٍ كَثِيرٍ: لَمْ يَطْهُرْ الْإِنَاءُ بِدُونِ إرَاقَتِهِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، نَصَّ عَلَيْهِ. وَقِيلَ: يَطْهُرُ، وَإِنْ لَمْ يُرَقْ. وَلَوْ طَهُرَ مَاءٌ كَثِيرٌ نَجِسٌ فِي إنَاءٍ بِمُكْثِهِ: لَمْ يَطْهُرْ الْإِنَاءُ مَعَهُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. فَإِنْ انْفَصَلَ الْمَاءُ عَنْهُ حُسِبَ غَسْلَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ يُكْمَلُ. وَقِيلَ: يَطْهُرُ الْإِنَاءُ تَبَعًا، كَالْمُحْتَفَرِ مِنْ الْأَرْضِ. وَقِيلَ: إنْ مَكَثَ بِقَدْرِ الْعَدَدِ طَهُرَ وَإِلَّا فَلَا. وَكَذَا الْحُكْمُ فِي الثَّوْبِ إذَا لَمْ يُعْتَبَرْ عَصْرُهُ، وَالْإِنَاءُ إذَا غُمِسَ فِي مَاءٍ كَثِيرٍ. وَأَمَّا اعْتِبَارُ تَكْرَارِ غَمْسِهِ: فَمَبْنِيٌّ عَلَى اعْتِبَارِ الْعَدَدِ. وَلَا يَكْفِي تَحْرِيكُهُ وَخَضْخَضَتُهُ فِي الْمَاءِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: يَكْفِي. وَقَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي: إنْ مَرَّ عَلَيْهِ أَجْزَاءٌ ثَلَاثَةٌ. قِيلَ كَفَى، وَإِلَّا فَلَا. انْتَهَى. فَلَوْ وَضَعَ ثَوْبًا فِي الْمَاءِ ثُمَّ غَمَرَهُ بِمَاءٍ وَعَصَرَهُ، فَغَسْلَةٌ وَاحِدَةٌ يَبْنِي عَلَيْهَا، وَيَطْهُرُ
عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ وَارِدٌ كَصَبِّهِ فِي غَيْرِ إنَاءٍ. وَعَنْهُ لَا يَطْهُرُ؛ لِأَنَّ مَا يَنْفَصِلُ بِعَصْرِهِ لَا يُفَارِقُهُ عَقِيبَهُ. وَعَنْهُ يَطْهُرُ إنْ تَعَذَّرَ بِدُونِهِ. وَلَوْ عَصَرَ الثَّوْبَ فِي الْمَاءِ، وَلَمْ يَرْفَعْهُ مِنْهُ: لَمْ يَطْهُرْ حَتَّى يُخْرِجَهُ ثُمَّ يُعِيدَهُ، قَدَّمَهُ ابْنُ عُبَيْدَانَ، وَمَجْمَعُ الْبَحْرَيْنِ. وَقِيلَ: يَطْهُرُ بِذَلِكَ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ الرَّابِعَةُ: لَوْ غَسَلَ بَعْضَ الثَّوْبِ النَّجِسِ طَهُرَ مَا غَسَلَ مِنْهُ. قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَيَكُونُ الْمُنْفَصِلُ نَجِسًا لِمُلَاقَاتِهِ غَيْرَ الْمَغْسُولِ. قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ، وَابْنُ تَمِيمٍ: وَفِيهِ نَظَرٌ. انْتَهَى. فَإِنْ أَرَادَ غَسْلَ بَقِيَّتِهِ غَسَلَ مَا لَاقَاهُ. الْخَامِسَةُ: لَا يَضُرُّ بَقَاءُ لَوْنٍ أَوْ رِيحٍ أَوْ هُمَا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ: أَوْ يَشُقُّ. وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ: أَوْ يَتَضَرَّرُ الْمَحَلُّ، وَقِيلَ: يُكْتَفَى بِالْعَدَدِ، وَقِيلَ: يَضُرُّ بَقَاؤُهُمَا أَوْ أَحَدِهِمَا. وَقَالَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ: يُعْفَى عَنْ اللَّوْنِ دُونَ الرِّيحِ؛ لِأَنَّ قَلْعَ أَثَرِهِ أَعْسَرُ فَعَلَى الْمَذْهَبِ: يَطْهُرُ مَعَ بَقَائِهِمَا، أَوْ بَقَاءِ أَحَدِهِمَا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَقَالَ جَمَاعَةٌ: يُعْفَى عَنْهُ. مِنْهُمْ: الْقَاضِي فِي شَرْحِهِ. وَقِيلَ: فِي زَوَالِ لَوْنِهَا فَقَطْ وَجْهَانِ. وَيَضُرُّ بَقَاءُ الطَّعْمِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: لَا يَضُرُّ. السَّادِسَةُ: لَوْ لَمْ تَزُلْ النَّجَاسَةُ إلَّا بِمِلْحٍ أَوْ غَيْرِهِ مَعَ الْمَاءِ: لَمْ يَجِبْ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ. قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ. قَالَ: وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ يَجِبُ، وَيَحْتَمِلُهُ كَلَامُ أَحْمَدَ. وَذَكَرَهُ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ فِي التُّرَابِ تَقْوِيَةً لِلْمَاءِ. قَوْلُهُ (وَلَا تَطْهُرُ الْأَرْضُ النَّجِسَةُ بِشَمْسٍ، وَلَا رِيحٍ، وَلَا بِجَفَافٍ أَيْضًا) . وَهَذَا الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَهُوَ الْمَعْمُولُ بِهِ فِي الْمَذْهَبِ، وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْ الْأَصْحَابِ. وَقِيلَ: تَطْهُرُ فِي الْكُلِّ، اخْتَارَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَصَاحِبُ الْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَالْفَائِقِ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. وَغَيْرُهُمْ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَخَرَّجَ
لَنَا فِيهِمَا الطَّهَارَةَ إنْ زَالَ لَوْنُهَا وَأَثَرُهَا، وَقِيلَ: وَرِيحُهَا. وَقِيلَ: عَلَى الْأَرْضِ. وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَخَرَّجَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: الطَّهَارَةَ بِذَلِكَ عَلَى التَّطْهِيرِ بِالِاسْتِحَالَةِ. تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: أَنَّ غَيْرَ الْأَرْضِ لَا تَطْهُرُ بِشَمْسٍ، وَلَا رِيحٍ، وَهُوَ صَحِيحٌ وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ. وَقِيلَ: تَطْهُرُ، وَنَصَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي حَبْلِ الْغَسِيلِ. وَاخْتَارَ هَذَا الْقَوْلَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَصَاحِبُ الْفَائِقِ. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أَيْضًا: وَإِحَالَةُ التُّرَابِ وَنَحْوِهِ لِلنَّجَاسَةِ: كَالشَّمْسِ. وَقَالَ أَيْضًا: إذَا أَزَالَهَا التُّرَابُ عَنْ النَّعْلِ، فَعَنْ نَفْسِهِ إذْ خَالَطَهَا. وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ كَذَا قَالَ. قَوْلُهُ (وَلَا يَطْهُرُ شَيْءٌ مِنْ النَّجَاسَاتِ بِالِاسْتِحَالَةِ، وَلَا بِنَارٍ أَيْضًا إلَّا الْخَمْرَةَ) ، هَذَا الْمَذْهَبُ بِلَا رَيْبٍ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَنَصَرُوهُ. وَعَنْهُ بَلْ تَطْهُرُ. وَهِيَ مُخْرَجَةٌ مِنْ الْخَمْرَةِ إذَا انْقَلَبَتْ بِنَفْسِهَا. خَرَّجَهَا الْمَجْدُ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَصَاحِبُ الْفَائِقِ. فَحَيَوَانٌ مُتَوَلِّدٌ مِنْ نَجَاسَةٍ كَدُودِ الْجُرُوحِ وَالْقُرُوحِ وَصَرَاصِيرِ الْكَنِيفِ طَاهِرٌ، نَصَّ عَلَيْهِ. وَأَطْلَقَ جَمَاعَةٌ رِوَايَتَيْنِ فِي نَجَاسَةِ وَجْهِ تَنُّورٍ سُجِّرَ بِنَجَاسَةٍ. وَنَقَلَ الْأَكْثَرُ يُغْسَلُ. وَنَقَلَ حَرْبٌ لَا بَأْسَ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَعَلَيْهَا يَخْرُجُ عَمَلُ زَيْتِ نَجِسٍ صَابُونًا وَنَحْوَهُ، وَتُرَابُ جَبَلٍ بِرَوْثِ حِمَارٍ. فَإِنْ لَمْ يَسْتَحِلَّ عُفِيَ عَنْ يَسِيرِهِ فِي رِوَايَةٍ، ذَكَرَهَا الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. وَذَكَرَ الْأَزَجِيُّ: إنْ تَنَجَّسَ التَّنُّورُ بِذَلِكَ طَهُرَ بِمَسْحِهِ بِيَابِسٍ. فَإِنْ مُسِحَ بِرَطْبٍ تَعَيَّنَ الْغُسْلُ، وَحَمَلَ الْقَاضِي قَوْلَ أَحْمَدَ " يُسَجَّرُ التَّنُّورُ مَرَّةً أُخْرَى " عَلَى ذَلِكَ. وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: أَنَّ الرِّوَايَةَ صَرِيحَةٌ فِي التَّطْهِيرِ بِالِاسْتِحَالَةِ، وَأَنَّ هَذَا مِنْ الْقَاضِي يَقْتَضِي أَنْ يُكْتَفَى بِالْمَسْحِ إذَا لَمْ يَبْقَ لِلنَّجَاسَةِ أَثَرٌ. وَذَكَرَ الْأَزَجِيُّ: أَنَّ نَجَاسَةَ الْجَلَّالَةِ وَالْمَاءِ الْمُتَغَيِّرِ بِالنَّجَاسَةِ: نَجَاسَةٌ مُجَاوِرَةٌ. وَقَالَ: فَلْيُتَأَمَّلْ ذَلِكَ. فَإِنَّهُ
دَقِيقٌ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ. فَعَلَى الْمَذْهَبِ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ: الْقُصْرُمِلُّ وَدُخَانُ النَّجَاسَةِ وَنَحْوُهَا نَجِسٌ. وَعَلَى الثَّانِي: طَاهِرٌ. وَكَذَا مَا تَصَاعَدَ مِنْ بُخَارِ الْمَاءِ النَّجِسِ إلَى الْجِسْمِ الصَّقِيلِ، ثُمَّ عَادَ فَتَقْطُرُ. فَإِنَّهُ نَجِسٌ عَلَى الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهُ نَفْسُ الرُّطُوبَةِ الْمُتَصَاعِدَةِ وَإِنَّمَا يَتَصَاعَدُ. فِي الْهَوَاءِ كَمَا يَتَصَاعَدُ بُخَارُ. الْحَمَّامَاتِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مَا يَتَصَاعَدُ فِي الْحَمَّامَاتِ وَنَحْوِهَا: طَهُورٌ، أَوْ يُخَرَّجُ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ. قَوْلُهُ (إلَّا الْخَمْرَةَ إذَا انْقَلَبَتْ بِنَفْسِهَا) ، الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ الْخَمْرَةَ إذَا انْقَلَبَتْ بِنَفْسِهَا تَطْهُرُ مُطْلَقًا، نَصَّ عَلَيْهِ. وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، وَجَزَمَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ. وَحَكَى الْقَاضِي فِي التَّعْلِيقِ: أَنَّ نَبِيذَ التَّمْرِ لَا يَطْهُرُ إذَا انْقَلَبَ بِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّ فِيهِ مَاءً. وَقِيلَ: لَا تَطْهُرُ الْخَمْرَةُ مُطْلَقًا. فَائِدَةٌ: دَنُّ الْخَمْرِ مِثْلُهَا. فَيَطْهُرُ بِطَهَارَتِهَا. وَهَذَا الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ فِيمَا لَمْ يُلَاقِ الْخَلَّ مِمَّا فَوْقَهُ مِمَّا أَصَابَهُ الْخَمْرُ فِي غَلَيَانِهِ وَجْهَانِ، قَوْلُهُ (وَإِنْ خُلِّلَتْ لَمْ تَطْهُرْ) اعْلَمْ أَنَّ الْخَمْرَةَ يَحْرُمُ تَخْلِيلُهَا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَعَنْهُ يُكْرَهُ، جَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ. وَعَنْهُ يَجُوزُ. وَأَطْلَقَهُنَّ ابْنُ تَمِيمٍ فِيمَا يُلْقَى فِيهَا. فَعَلَى الْمَذْهَبِ: لَوْ خَالَفَ وَفَعَلَ: لَمْ تَطْهُرْ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ. وَقِيلَ: تَطْهُرُ. وَفِي الْوَسِيلَةِ فِي آخِرِ الرَّهْنِ رِوَايَةٌ: أَنَّهَا تَحِلُّ، وَعَلَى الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ: لَوْ خُلِّلَتْ طَهُرَتْ. قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالْفَائِقِ. وَقَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: فَإِنْ خُلِّلَتْ كُرِهَ، وَلَمْ تَطْهُرْ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ. وَعَلَى الْمَذْهَبِ أَيْضًا: لَوْ خُلِّلَتْ بِنَقْلِهَا مِنْ الشَّمْسِ إلَى الظِّلِّ، أَوْ بِالْعَكْسِ، أَوْ فُرِغَ مِنْ مَحَلٍّ إلَى مَحَلٍّ آخَرَ، أَوْ أَلْقَى جَامِدًا فِيهَا: فَفِيهِ وَجْهَانِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ،
وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى. وَأَطْلَقَهُمَا فِي النَّقْلِ وَالتَّفْرِيغِ فِي الْفَائِقِ وَهُمَا رِوَايَتَانِ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. وَهِيَ طَرِيقَةٌ مُوجَزَةٌ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى. إحْدَاهُمَا: لَا تَطْهُرُ، وَهُوَ الْمَذْهَب، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ. وَالْمُصَنِّفُ هُنَا، وَصَاحِبُ الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِمْ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَالزَّرْكَشِيُّ. وَقِيلَ: تَطْهُرُ. كَمَا لَوْ نَقَلَهَا بِغَيْرِ قَصْدِ التَّخْلِيلِ وَتَخَلَّلَتْ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ، وَقِيلَ: تَطْهُرُ بِالنَّقْلِ فَقَطْ، وَهُوَ أَصَحُّ. ثُمَّ قَالَ قُلْت: وَكَذَا إنْ كَشَفَ الزِّقَّ فَتَخَلَّلَ بِشَمْسٍ أَوْ ظِلٍّ. فَوَائِدُ إحْدَاهُمَا: فِي جَوَازِ إمْسَاكِ خَمْرٍ لِيَتَخَلَّلَ بِنَفْسِهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: الْجَوَازُ، وَعَدَمُهُ. وَالثَّالِثُ: يَجُوزُ فِي خَمْرَةِ الْخَلَّالِ دُونَ غَيْرِهَا، وَهُوَ الصَّحِيحُ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ أَشْهَرُ، قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَهُوَ أَظْهَرُ، وَجَزَمَ ابْنُ تَمِيمٍ بِإِرَاقَةِ خَمْرِ الْخَلَّالِ. وَأَطْلَقَ فِي خَمْرِ الْخَلَّالِ الْوَجْهَانِ. فَعَلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ الْجَوَازِ: لَوْ تَخَلَّلَ بِنَفْسِهِ طَهُرَ عَلَى الصَّحِيحِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَعَلَى الْمَنْعِ تَطْهُرُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَعَنْهُ لَا تَطْهُرُ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: لَوْ اتَّخَذَهُ لِلْخَلِّ فَتَخَمَّرَ وَقُلْنَا: يُرَاقُ، فَأُمْسِكَ لِيَصِيرَ خَلًّا، فَصَارَ خَلًّا فَفِي طَهَارَتِهِ وَجْهَانِ. وَفِي جَوَازِ إمْسَاكِ الْخَمْرِ لِيَصِيرَ خَلًّا وَجْهَانِ. فَإِنْ جَازَ فَصَارَ خَلًّا طَهُرَ، وَإِنْ لَمْ يَجُزْ لَمْ يَطْهُرْ. انْتَهَى. وَهُمَا وَجْهَانِ أَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ، وَإِنْ اتَّخَذَ عَصِيرًا لِلْخَمْرِ، وَلَمْ يَتَخَمَّرْ، وَتَخَلَّلَ بِنَفْسِهِ: فَفِي حِلِّهِ الرِّوَايَتَانِ اللَّتَانِ قَبْلَهُ. الثَّانِيَةُ: الْخَلُّ الْمُبَاحُ: أَنْ يُصَبَّ عَلَى الْعِنَبِ أَوْ الْعَصِيرِ خَلٌّ قَبْلَ غَلَيَانِهِ حَتَّى لَا يَغْلِيَ نَصَّ عَلَيْهِ، فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ. الثَّالِثَةُ: الْحَشِيشَةُ الْمُسْكِرَةُ نَجِسَةٌ عَلَى الصَّحِيحِ، اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ.
وَقِيلَ: طَاهِرَةٌ، قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَالْحَوَاشِي. وَقِيلَ: نَجِسَةٌ إنْ أُمِيعَتْ، وَإِلَّا فَلَا. أَطْلَقَهُنَّ فِي الْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ وَيَأْتِي حُكْمُ أَكْلِهَا فِي بَابِ حَدِّ الْمُسْكِرِ. قَوْلُهُ (وَلَا تَطْهُرُ الْأَدْهَانُ النَّجِسَةُ) ، هَذَا الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ. وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يَطْهُرُ بِالْغَسْلِ مِنْهَا مَا يَتَأَتَّى غَسْلُهُ. مِثْلُ أَنْ تُصَبَّ فِي مَاءٍ كَثِيرٍ وَتُحَرَّكَ، ثُمَّ تُتْرَكَ حَتَّى تَطْفُوَ فَتُؤْخَذَ، وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَهُوَ تَخْرِيجُ الْكَافِي. ذَكَرَهُ فِي كِتَابِ الْبَيْعِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِفَادَاتِ. وَقِيلَ: يَطْهُرُ زِئْبَقٌ بِالْغَسْلِ؛ لِأَنَّهُ لِقُوَّتِهِ وَتَمَاسُكِهِ يَجْرِي مَجْرَى الْجَامِدِ. قَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ. وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ. وَقَطَعَ بِهِ فِي الْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ. فَيُعَايَى بِهَا. فَعَلَى الْمَذْهَبِ: لَا يَجُوزُ تَطْهِيرُهُ ذَكَرَهُ فِي التَّرْغِيبِ وَغَيْرِهِ وَيَأْتِي فِي كِتَابِ الْبَيْعِ مَا يَتَعَلَّقُ بِبَيْعِهِ. فَوَائِدُ مِنْهَا: تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ الْخِلَافُ فِي تَنْجِيسِ الْمَائِعَاتِ بِمُلَاقَاةِ النَّجَاسَةِ. فَلَوْ كَانَ جَامِدًا: أُخِذَتْ مِنْهُ النَّجَاسَةُ وَمَا حَوْلَهَا، وَالْبَاقِي طَاهِرٌ. وَحَدُّ الْجَامِدِ: مَا لَمْ تَسْرِ النَّجَاسَةُ فِيهِ عَلَى الصَّحِيحِ، جَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَابْنُ رَزِينٍ، وَغَيْرُهُمْ. وَصَحَّحَهُ ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: حَدُّهُ مَا لَوْ كُسِرَ وِعَاؤُهُ لَمْ تَسِلْ أَجْزَاؤُهُ. وَرَدَّهُ الْأَصْحَابُ. قَالَ فِي الْفَائِقِ: قُلْت: وَيُحْتَمَلُ مَا لَوْ قُوِّرَ لَمْ يَلْتَئِمْ حَالًا. وَلَا يَطْهُرُ مَا عَدَا الْمَاءَ وَالْأَدْهَانِ مِنْ الْمَائِعَاتِ بِالْغَسْلِ، سِوَى الزِّئْبَقِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ. فَلَا يَطْهُرُ بَاطِنُ حَبٍّ نُقِعَ فِي نَجَاسَةٍ بِتَكْرَارِ غَسْلِهِ وَتَجْفِيفِهِ كُلَّ مَرَّةٍ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، كَالْعَجِينِ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَعَنْهُ يَطْهُرُ. قَالَ فِي الْفَائِقِ: وَاخْتَارَهُ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ. وَمِثْلُ ذَلِكَ خِلَافًا: وَمَذْهَبًا: الْإِنَاءُ إذَا تَشَرَّبَ نَجَاسَةً، وَالسِّكِّينُ إذَا أُسْقِيَتْ مَاءً نَجِسًا، وَكَذَلِكَ اللَّحْمُ إذَا طُبِخَ بِمَاءٍ نَجِسٍ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
وَقَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: الْأَقْوَى عِنْدِي طَهَارَتُهُ، وَاعْتُبِرَ الْغَلَيَانُ وَالتَّجْفِيفُ. وَقَالَ: ذَلِكَ فِي مَعْنَى عَصْرِ الثَّوْبِ. وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ فِي مَسْأَلَةِ الْجَلَّالَةِ طَهَارَةَ اللَّحْمِ. وَقِيلَ: لَا يُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ عَدَدٌ. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ بَعْدَ أَنْ قَالَ: يُغْلَى اللَّحْمُ فِي مَاءٍ طَاهِرٍ، وَتُجَفَّفُ الْحِنْطَةُ: ثُمَّ تُغْسَلُ بَعْدَ ذَلِكَ مِرَارًا إنْ اعْتَبِرْنَا الْعَدَدَ. وَالْأَوْلَى إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ: عَدَمُ اعْتِبَارِ الْعَدَدِ. انْتَهَى. وَلَا يَطْهُرُ الْجِسْمُ الصَّقِيلُ بِمَسْحِهِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَنْهُ يَطْهُرُ، وَاخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ فِي الِانْتِصَارِ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفَائِقِ. وَأَطْلَقَ الْحَلْوَانِيُّ وَجْهَيْنِ. وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: هَلْ يَطْهُرُ، أَوْ يُعْفَى عَمَّا بَقِيَ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. وَعَنْهُ تَطْهُرُ سِكِّينٌ مِنْ دَمِ ذَبِيحَةٍ بِمَسْحِهَا فَقَطْ، وَيَطْهُرُ اللَّبِنُ وَالْآجُرُّ وَالتُّرَابُ الْمُتَنَجِّسُ بِبَوْلٍ وَنَحْوِهِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: لَا يَطْهُرُ. وَقِيلَ: يَطْهُرُ ظَاهِرُهُ، كَمَا لَوْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ أَعْيَانًا وَطُبِخَ، ثُمَّ غُسِلَ ظَاهِرُهُ. فَإِنَّهُ يَطْهُرُ وَكَذَا بَاطِنُهُ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ إنْ سُحِقَ، لِوُصُولِ الْمَاءِ إلَيْهِ. وَقِيلَ: يَطْهُرُ بِالنَّارِ. تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ (وَإِذَا خَفِيَ مَوْضِعُ النَّجَاسَةِ: لَزِمَهُ غَسْلُ مَا تَيَقَّنَ بِهِ إزَالَتَهَا) أَطْلَقَ الْعِبَارَةَ كَأَكْثَرِ الْأَصْحَابِ. وَمُرَادُهُمْ: غَيْرُ الصَّحْرَاءِ وَنَحْوِهَا. قَالَهُ فِي الْكَافِي، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَابْنُ تَمِيمٍ فِي الرِّعَايَةِ، وَالنُّكَتِ، وَالزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُمْ. قَوْلُهُ (لَزِمَهُ غَسْلُ مَا تَيَقَّنَ بِهِ إزَالَتَهَا) ، هَذَا الْمَذْهَبُ، نَصَّ عَلَيْهِ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَعَنْهُ يَكْفِي الظَّنُّ فِي غَسْلِ الْمَذْيِ [وَعِنْدَ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ: يَكْفِي الظَّنُّ فِي غَسْلِ الْمَذْيِ] وَغَيْرِهِ مِنْ النَّجَاسَاتِ. قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ: يُحْتَمَلُ أَنْ تُخَرَّجَ رِوَايَةٌ فِي بَقِيَّةِ النَّجَاسَاتِ مِنْ الرِّوَايَةِ الَّتِي فِي الْمَذْيِ. وَذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ فِي الْجَلَّالَةِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَخْتَصَّ ذَلِكَ بِالْمَذْيِ، لِأَنَّهُ يُعْفَى عَنْ يَسِيرِهِ عَلَى رِوَايَةٍ، لَكِنْ لَازِمُ ذَلِكَ: أَنْ يَتَعَدَّى إلَى كُلِّ نَجَاسَةٍ يُعْفَى عَنْ يَسِيرِهَا، وَهُوَ مُلْتَزَمٌ. انْتَهَى. قُلْت: قَالَ فِي النُّكَتِ: وَعَنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ التَّحَرِّي فِي غَيْرِ صَحْرَاءَ.
تَنْبِيهَانِ أَحَدُهُمَا: قَوْلُهُ (وَيُجْزِئُ فِي بَوْلِ الْغُلَامِ الَّذِي لَمْ يَأْكُلْ الطَّعَامَ النَّضْحُ) وَهَذَا بِلَا نِزَاعٍ. وَظَاهِرُ كَلَامِهِ: أَنَّهُ نَجِسٌ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَقَطَعَ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ: أَنَّ بَوْلَهُ طَاهِرٌ. وَيَحْتَمِلُهُ كَلَامُ الْخِرَقِيِّ. بَلْ هُوَ ظَاهِرُهُ. فَإِنَّهُ قَالَ: وَمَا خَرَجَ مِنْ الْإِنْسَانِ مِنْ بَوْلٍ وَغَيْرِهِ، فَإِنَّهُ نَجِسٌ إلَّا بَوْلَ الْغُلَامِ الَّذِي لَمْ يَأْكُلْ الطَّعَامَ. فَإِنَّهُ يُرَشُّ عَلَيْهِ الْمَاءُ، وَاخْتَارَهُ أَبُو إِسْحَاقَ بْنُ شَاقِلَا. لَكِنْ قَالَ: يُعِيدُ الصَّلَاةَ. كَمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ: إذَا صَلَّى فِي ثَوْبٍ فِيهِ مَنِيٌّ، وَلَمْ يَغْسِلْهُ وَلَمْ يَفْرُكْهُ: يُعِيدُ، وَإِنْ كَانَ طَاهِرًا. قَالَ الْأَزَجِيُّ فِي النِّهَايَةِ: وَهَذَا بَعِيدٌ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَهُوَ غَرِيبٌ بَعِيدٌ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ. قَالَ الْقَاضِي عَنْ هَذَا الْقَوْلِ: وَلَيْسَ بِشَيْءٍ. قُلْت: فَيُعَايَى بِهَا عَلَى قَوْلِ أَبِي إِسْحَاقَ. الثَّانِي: مُرَادُهُ بِقَوْلِهِ " الَّذِي لَمْ يَأْكُلْ الطَّعَامَ " يَعْنِي: بِشَهْوَةٍ. وَالنَّضْحُ: غَمْرُهُ بِالْمَاءِ، وَإِنْ لَمْ يَقْطُرْ مِنْهُ شَيْءٌ. قَوْلُهُ (وَإِذَا تَنَجَّسَ أَسْفَلُ الْخُفِّ أَوْ الْحِذَاءِ وَجَبَ غَسْلُهُ) ، هَذَا الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: نَقَلَهُ وَاخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ. وَقَدَّمَهُ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفُرُوعِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ. وَعَنْهُ يُجْزِئُ دَلْكُهُ بِالْأَرْضِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهِيَ أَظْهَرُ. وَقَالَ: اخْتَارَهَا جَمَاعَةٌ. قُلْت: مِنْهُمْ الْمُصَنِّفُ، وَالْمَجْدُ، وَابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ. وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ، وَالتَّسْهِيلِ، وَقَدَّمَهُ فِي مَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالشَّرْحِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالْفَائِقُ، وَابْنُ رَزِينٍ. وَعَنْهُ يُغْسَلُ مِنْ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ. وَيُدَلَّكُ مِنْ غَيْرِهِمَا. وَأَطْلَقَهُنَّ فِي الْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْكَافِي، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ: وَقِيلَ: يُجْزِئُ
دَلْكُهُ مِنْ الْيَابِسَةِ لَا الرَّطْبَةِ. وَحَمَلَ الْقَاضِي الرِّوَايَاتِ عَلَى مَا إذَا كَانَتْ النَّجَاسَةُ يَابِسَةً. وَقَالَ: إذَا دَلَكَهَا وَهِيَ رَطْبَةٌ لَمْ يُجْزِهِ، رِوَايَةً وَاحِدَةً. وَرَدَّهُ الْأَصْحَابُ. وَأَطْلَقَ ابْنُ تَمِيمٍ فِي إلْحَاقِ الرَّطْبَةِ بِالْيَابِسَةِ الْوَجْهَيْنِ. وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ عَقِيلٍ: إلْحَاقُ طَرَفِ الْخُفِّ بِأَسْفَلِهِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ مُتَّجَهٌ. قُلْت: يَتَوَجَّهُ فِيهِ وَجْهَانِ مِنْ نَقْضِ الْوُضُوءِ بِالْمَسِّ بِحَرْفِ الْكَفِّ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ لَا يُنْقَضُ إلَّا مَسُّهُ بِكَفِّهِ. فَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ يُجْزِئُ الدَّلْكُ: لَا يُطَهِّرُهُ، بَلْ هُوَ مَعْفُوٌّ عَنْهُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ. قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: وَلَا يُطَهِّرُهُمَا بِحَيْثُ لَا يَنْجُسَانِ الْمَائِعُ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ. قَالَ فِي الْمُذْهَبِ: فَإِنْ وَقَعَا فِي مَاءٍ يَسِيرٍ تَنَجَّسَ عَلَى الصَّحِيحِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ: وَقَالَ أَصْحَابُنَا الْمُتَأَخِّرُونَ: لَا يَطْهُرُ الْمَحَلُّ. قَالَ ابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ: حُكْمُهُ حُكْمُ أَثَرِ الِاسْتِنْجَاءِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُحَرَّرِ. وَعَنْهُ يَطْهُرُ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَفِيهِ بُعْدٌ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: اخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ. قُلْت: مِنْهُمْ ابْنُ حَامِدٍ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفَائِقِ. وَإِلَيْهِ مَيْلُ ابْنِ عُبَيْدَانَ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الشَّرْحِ، وَالنَّظْمِ، وَالْكَافِي، وَابْنُ تَمِيمٍ. فَائِدَةٌ: حُكْمُ حَكِّهِ بِشَيْءٍ حُكْمُ دَلْكِهِ. تَنْبِيهٌ: مَفْهُومُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: أَنَّهُ إذَا تَنَجَّسَ غَيْرُ الْخُفِّ وَالْحِذَاءِ: أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ الدَّلْكُ، رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ، وَأَحَدُ الْوَجْهَيْنِ فِي ذَيْلِ الْمَرْأَةِ، قَدَّمَهُ فِي الْفَائِقِ، وَابْنُ تَمِيمٍ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ كَمَا نَقَلَ إسْمَاعِيلُ بْنُ سَعِيدٍ يَطْهُرُ بِمُرُورِهِ عَلَى طَاهِرٍ بِذَيْلِهَا، اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَصَاحِبُ الْفَائِقِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي التَّسْهِيلِ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. وَقَالَ: ذَيْلُ ثَوْبِ آدَمِيٍّ أَوْ إزَارُهُ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ.
وَدَخَلَ فِي مَفْهُومِ كَلَامِهِ: الرِّجْلُ إذَا تَنَجَّسَتْ، لَا يُجْزِئُ دَلْكُهَا بِالْأَرْضِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ. وَقِيلَ: كَالْخُفِّ وَالْحِذَاءِ. حَكَاهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَاخْتَارَهُ، قَالَ فِي الْفَائِقِ: قُلْت: وَيَحْتَمِلُ فِي رِجْلِ الْحَافِي عَادَةً وَجْهَيْنِ. قَوْلُهُ (وَلَا يُعْفَى عَنْ يَسِيرٍ مِنْ النَّجَاسَاتِ إلَّا الدَّمَ، وَمَا تَوَلَّدَ مِنْهُ مِنْ الْقَيْحِ وَالصَّدِيدِ) . اعْلَمْ أَنَّ الدَّمَ وَمَا تَوَلَّدَ مِنْهُ يَنْقَسِمُ أَقْسَامًا. أَحَدُهَا: دَمُ الْآدَمِيِّ. وَمَا تَوَلَّدَ مِنْهُ مِنْ الْقَيْحِ وَالصَّدِيدِ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ، غَيْرُ دَمِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ. وَمَا خَرَجَ مِنْ السَّبِيلَيْنِ. الثَّانِي: دَمُ الْحَيَوَانِ الْمَأْكُولِ لَحْمُهُ. وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: الْعَفْوُ عَنْهُ، وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ فِي هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ: الْعَفْوُ عَنْ يَسِيرِهِ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَعَنْهُ لَا يُعْفَى عَنْهُ فِيهِمَا. وَقِيلَ: لَا يُعْفَى عَنْهُ إلَّا إذَا كَانَ مِنْ دَمِ نَفْسِهِ، وَهُوَ احْتِمَالٌ فِي التَّلْخِيصِ. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَلَا يَجِبُ غَسْلُ الثَّوْبِ وَالْجَسَدِ مِنْ الْمِدَّةِ وَالْقَيْحِ وَالصَّدِيدِ. وَلَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى نَجَاسَتِهِ. حَكَى جَدُّهُ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ طَهَارَتَهُ. وَعَنْهُ لَا يُعْفَى عَنْ يَسِيرِ شَيْءٍ مِنْ النَّجَاسَاتِ فِي الصَّلَاةِ. حَكَاهُ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ. الثَّالِثُ: دَمُ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ. وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: أَنَّهُ يُعْفَى عَنْ يَسِيرِهِ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، جَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَابْنُ رَزِينٍ، وَالْمُنَوِّرِ. وَهُوَ ظَاهِرُ الْوَجِيزِ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ، لِإِطْلَاقِهِمْ الْعَفْوَ عَنْ الدَّمِ. وَقِيلَ: لَا يُعْفَى عَنْ يَسِيرِهِ، اخْتَارَهُ الْمَجْدُ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَصَاحِبُ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَقَدَّمَهُ فِي التَّلْخِيصِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ. الرَّابِعُ: الدَّمُ الْخَارِجُ مِنْ السَّبِيلَيْنِ. وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: الْعَفْوُ عَنْ
يَسِيرِهِ، وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ، وَجَمَاعَةٍ وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يُعْفَى عَنْ ذَلِكَ، اخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ، وَصَاحِبُ التَّلْخِيصِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنَوِّرِ، وَهُوَ الصَّوَابُ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَالزَّرْكَشِيُّ. الْخَامِسُ: دَمُ الْحَيَوَانِ الطَّاهِرِ الَّذِي لَا يُؤْكَلُ، غَيْرُ الْآدَمِيِّ وَالْقَمْلِ وَنَحْوِهِ. فَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: أَنَّهُ يُعْفَى عَنْ يَسِيرِهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا قَطَعَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالْكَافِي، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَالْفَائِقِ، وَغَيْرِهِمْ، وَقَطَعَ بِهِ فِي الْمُذْهَبِ، وَالْوَجِيزِ، وَالنَّظْمِ، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ، وَالتَّسْهِيلِ، وَابْنُ رَزِينٍ، وَابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. وَقِيلَ: لَا يُعْفَى عَنْ يَسِيرِهِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ. فَإِنَّهُمَا قَالَا: وَمَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ، وَلَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ، لَا يُعْفَى عَنْ يَسِيرِهِ. وَيَحْتَمِلُهُ كَلَامُ الْخِرَقِيِّ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا قَطَعَ بِهِ فِي التَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ. فَإِنَّهُ قَالَ فِي الْمَعْفُوِّ عَنْهُ: مِنْ حَيَوَانٍ مَأْكُولٍ. وَقَطَعَ الزَّرْكَشِيُّ بِأَنَّهُ مُلْحَقٌ بِدَمِ الْآدَمِيِّ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ. السَّادِسُ: دَمُ الْحَيَوَانِ النَّجِسِ. كَالْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ وَنَحْوِهِمَا، فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ لَا يُعْفَى عَنْ يَسِيرِهِ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَفِي الْفُرُوعِ احْتِمَالٌ بِالْعَفْوِ عَنْهُ كَغَيْرِهِ. وَقَالَ فِي الْفَائِقِ: فِي الْعَفْوِ عَنْ دَمِ الْخِنْزِيرِ وَجْهَانِ. فَوَائِدُ الْأُولَى: حَيْثُ قُلْنَا بِالْعَفْوِ عَنْ الْيَسِيرِ: فَمَحَلُّهُ فِي بَابِ الطَّهَارَةِ دُونَ الْمَائِعَاتِ عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ. الثَّانِيَةُ: حَيْثُ قُلْنَا بِالْعَفْوِ عَنْ يَسِيرِهِ: فَيُضَمُّ مُتَفَرِّقًا فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَقِيلَ: لَا يُضَمُّ، بَلْ لِكُلِّ دَمٍ حُكْمٌ، وَإِنْ كَانَ فِي ثَوْبَيْنِ لَمْ يُضَمَّ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، بَلْ
لِكُلِّ دَمٍ حُكْمٌ. وَقِيلَ: يُضَمُّ، قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ. وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ. ذَكَرَهُ فِي بَابِ اجْتِنَابِ النَّجَاسَةِ. وَيَأْتِي إذَا لَبِسَ ثِيَابًا فِي كُلِّ ثَوْبٍ قَدْرٌ مِنْ الْحَرِيرِ يُعْفَى عَنْهُ: هَلْ يُبَاحُ أَوْ يُكْرَهُ؟ فِي آخِرِ سَتْرِ الْعَوْرَةِ. الثَّالِثَةُ: فِي الدِّمَاءِ الطَّاهِرَةِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا وَالْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا. مِنْهَا: دَمُ عُرُوقِ الْمَأْكُولِ طَاهِرٌ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَلَوْ ظَهَرَتْ حُمْرَتُهُ نَصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، لِأَنَّ الْعُرُوقَ لَا تَنْفَكُّ عَنْهُ. فَيَسْقُطُ حُكْمُهُ؛ لِأَنَّهُ ضَرُورَةٌ. وَظَاهِرُ كَلَامِ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ: نَجَاسَتُهُ. قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: الْمُحَرَّمُ هُوَ الدَّمُ الْمَسْفُوحُ. ثُمَّ قَالَ الْقَاضِي: فَأَمَّا الدَّمُ الَّذِي يَبْقَى فِي خَلَلِ اللَّحْمِ بَعْدَ الذَّبْحِ، وَمَا يَبْقَى فِي الْعُرُوقِ فَمُبَاحٌ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَمْ يَذْكُرْ جَمَاعَةٌ إلَّا دَمَ الْعُرُوقِ. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِيهِ: لَا أَعْلَمُ خِلَافًا فِي الْعَفْوِ عَنْهُ، وَأَنَّهُ لَا يُنَجِّسُ الْمَرَقَ، بَلْ يُؤْكَلُ مَعَهَا. انْتَهَى. قُلْت: وَمِمَّنْ قَالَ بِطَهَارَةِ بَقِيَّةِ الدَّمِ الَّذِي فِي اللَّحْمِ غَيْرِ دَمِ الْعُرُوقِ، وَإِنْ ظَهَرَتْ حُمْرَتُهُ: الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَالنَّاظِمُ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَصَاحِبُ الْفَائِقِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَنِهَايَةِ ابْنِ رَزِينٍ، وَنَظْمِهَا. وَغَيْرِهِمْ. وَمِنْهَا: دَمُ السَّمَكِ، وَهُوَ طَاهِرٌ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَيُؤْكَلُ. وَقِيلَ: نَجِسٌ. وَمِنْهَا: دَمُ الْبَقِّ وَالْقَمْلِ وَالْبَرَاغِيثِ، وَالذُّبَابِ، وَنَحْوِهَا، وَهُوَ طَاهِرٌ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ، وَابْنُ رَزِينٍ وَغَيْرُهُمْ. قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ وَغَيْرُهُمَا: هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، وَصَحَّحَهُ فِي تَصْحِيحِ الْمُحَرَّرِ. وَقَالَ: قَالَ بَعْضُ شُرَّاحِ الْمُحَرَّرِ: صَحَّحَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الِانْتِصَارِ فِي مَوْضِعٍ. وَحَكَاهُ عَنْ الْأَصْحَابِ، وَرَجَّحَهُ الْمَجْدُ. وَعَنْهُ نَجِسٌ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْكَافِي، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْهِدَايَةِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالْمُذْهَبِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ
وَمِنْهَا: دَمُ الشَّهِيدِ، وَهُوَ طَاهِرٌ مُطْلَقًا عَلَى الصَّحِيحِ، صَحَّحَهُ ابْنُ تَمِيمٍ. وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ. وَقِيلَ: نَجِسٌ. وَعَلَيْهِمَا يُسْتَحَبُّ بَقَاؤُهُ. فَيُعَايَى بِهَا. ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْمَنْثُورِ. وَقِيلَ: طَاهِرٌ مَا دَامَ عَلَيْهِ، قَدَّمَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَجَزَمَ بِهِ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ. وَلَعَلَّهُ الْمَذْهَبُ. وَأَطْلَقَهُنَّ فِي الْفُرُوعِ. وَمِنْهَا: الْكَبِدُ وَالطِّحَالُ. وَهُمَا دَمَانِ. وَلَا خِلَافَ فِي طَهَارَتِهِمَا. وَمِنْهَا: الْمِسْكُ. وَاخْتُلِفَ مِمَّ هُوَ؟ فَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ سُرَّةُ الْغَزَالِ. وَقِيلَ: هُوَ مِنْ دَابَّةٍ فِي الْبَحْرِ لَهَا أَنْيَابٌ. قَالَ فِي التَّلْخِيصِ: فَيَكُونُ مِمَّا يُؤْكَلُ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُنُونِ: هُوَ دَمُ الْغِزْلَانِ، وَهُوَ طَاهِرٌ. وَفَأْرَتُهُ أَيْضًا طَاهِرَةٌ عَلَى الصَّحِيحِ. وَقَالَ الْأَزَجِيُّ: فَأْرَتُهُ نَجِسَةٌ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيُحْتَمَلُ نَجَاسَةُ الْمِسْكِ؛ لِأَنَّهُ جَزْءٌ مِنْ حَيَوَانٍ لَكِنَّهُ يَنْفَصِلُ بِطَبْعِهِ. وَمِنْهَا: الْعَلَقَةُ الَّتِي يُخْلَقُ مِنْهَا الْآدَمِيُّ، أَوْ حَيَوَانٌ طَاهِرٌ. وَهِيَ طَاهِرَةٌ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، صَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ، وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهَا نَجِسَةٌ؛ لِأَنَّهَا دَمٌ خَارِجٌ مِنْ الْفَرْجِ. قَالَ فِي الْمُغْنِي: وَالصَّحِيحُ نَجَاسَتُهَا، وَقَدَّمَهُ فِي الْكَافِي، وَالشَّرْحِ. قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: نَجِسَةٌ فِي أَظْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْمُذْهَبُ. وَحَكَاهُمَا ابْنُ عَقِيلٍ رِوَايَتَيْنِ، قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: قُلْت وَالْمُضْغَةُ كَالْعَلَقَةِ. وَمِثْلُهَا الْبَيْضَةُ إذَا صَارَتْ دَمًا. فَهِيَ طَاهِرَةٌ عَلَى الصَّحِيحِ، قَالَهُ ابْنُ تَمِيمٍ. وَقِيلَ: نَجِسَةٌ. قَالَ الْمَجْدُ: حُكْمُهَا حُكْمُ الْعَلَقَةِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ. وَذَكَرَ أَبُو الْمَعَالِي وَصَاحِبُ التَّلْخِيصِ: نَجَاسَةُ بَيْضِ نَدٍّ. وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْفُرُوعِ. تَنْبِيهٌ: أَفَادَنَا الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: أَنَّ الْقَيْحَ وَالصَّدِيدَ وَالْمِدَّةَ نَجِسٌ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ. وَعَنْهُ طَهَارَةُ ذَلِكَ، اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. فَقَالَ: لَا يَجِبُ غَسْلُ الثَّوْبِ وَالْجَسَدِ مِنْ الْمِدَّةِ وَالْقَيْحِ وَالصَّدِيدِ. وَلَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى نَجَاسَتِهِ. انْتَهَى.
وَأَمَّا مَاءُ الْقُرُوحِ: فَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: هُوَ نَجِسٌ فِي ظَاهِرِ قَوْلِهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَاخْتَارَهُ الْمَجْدُ. وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ: إنْ تَغَيَّرَ بِنَجِسٍ وَإِلَّا فَلَا. قُلْت: مِنْهُمْ صَاحِبُ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ وَهُوَ أَقْرَبُ إلَى الطَّهَارَةِ مِنْ الْقَيْحِ وَالصَّدِيدِ، وَالْمِدَّةِ. وَأَمَّا مَا يَسِيلُ مِنْ الْفَمِ وَقْتَ النَّوْمِ: فَطَاهِرٌ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ. قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ. تَنْبِيهٌ: مُرَادُهُ بِقَوْلِهِ " وَأَثَرُ الِاسْتِنْجَاءِ " أَثَرُ الِاسْتِجْمَارِ. يَعْنِي أَنَّهُ يُعْفَى عَنْ يَسِيرِهِ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ. وَقِيلَ: لَا يُعْفَى عَنْ يَسِيرِهِ. ذَكَرَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ. وَقَالَ: لَوْ قَعَدَ فِي مَاءٍ يَسِيرٍ نَجَّسَهُ، أَوْ عَرَقٍ فَهُوَ نَجِسٌ؛ لِأَنَّ الْمَسْحَ لَا يُزِيلُ النَّجَاسَةَ بِالْكُلِّيَّةِ. تَنْبِيهٌ: أَفَادَنَا الْمُصَنِّفُ: أَنَّهُ نَجِسٌ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ. قَالَ ابْنُ عُبَيْدَانِ: اخْتَارَهُ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَغَيْرِهِمْ. وَعَنْهُ أَنَّهُ طَاهِرٌ، اخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ. مِنْهُمْ ابْنُ حَامِدٍ، وَأَبُو حَفْصِ بْنُ الْمُسْلِمَةِ الْعُكْبَرِيُّ. وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ فِي بَابِ اجْتِنَابِ النَّجَاسَةِ. قَالَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَغَيْرِهِمَا: يُعْفَى عَنْ عَرَقِ الْمُسْتَجْمِرِ فِي سَرَاوِيلِهِ نَصَّ عَلَيْهِ. وَاسْتَدَلَّ فِي الْمُغْنِي وَمَنْ تَبِعَهُ بِالنَّصِّ عَلَى أَنَّ أَثَرَ الِاسْتِجْمَارِ طَاهِرٌ. لَا أَنَّهُ نَجِسٌ وَيُعْفَى عَنْهُ. وَظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْمُغْنِي وَمَنْ تَبِعَهُ: أَنَّهُ لَا يُعْفَى عَنْهُ إلَّا فِي مَحَلِّهِ، وَلَا يُعْفَى عَنْهُ فِي سَرَاوِيلِهِ. قَوْلُهُ (وَعَنْهُ فِي الْمَذْيِ، وَالْقَيْءِ، وَرِيقِ الْبَغْلِ، وَالْحِمَارِ، وَسِبَاعِ الْبَهَائِمِ، غَيْرِ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ. وَالطَّيْرِ، وَعِرْقِهِمَا، وَبَوْلِ الْخُفَّاشِ وَالنَّبِيذِ، وَالْمَنِيِّ: أَنَّهُ كَالدَّمِ) . يُعْفَى عَنْ يَسِيرِهِ كَالدَّمِ، عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ. فَقَدَّمَ الْمُصَنِّفُ: أَنَّهُ لَا يُعْفَى عَنْ يَسِيرِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ. وَأَمَّا الْمَذْيُ: فَلَا يُعْفَى عَنْ يَسِيرِهِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ،
وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ. وَقَالَ ابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ: وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَنْهُ يُعْفَى عَنْ يَسِيرِهِ، جَزَمَ بِهِ فِي الْعُمْدَةِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ وَغَيْرِهِمْ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ. وَصَحَّحَهُ النَّاظِمُ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ تَمِيمٍ. قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: يُعْفَى عَنْ يَسِيرِهِ فِي أَقْوَى الرِّوَايَتَيْنِ، قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ، خُصُوصًا فِي حَقِّ الشَّابِّ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْكَافِي، وَالْمُحَرَّرِ، وَالشَّرْحِ وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَابْنُ عُبَيْدَانِ. تَنْبِيهٌ: أَفَادَنَا الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: أَنَّ الْمَذْيَ نَجِسٌ، وَهُوَ صَحِيحٌ. فَيُغْسَلُ كَبَقِيَّةِ النَّجَاسَاتِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ. وَعَنْهُ فِي الْمَذْيِ: أَنَّهُ يُجْزِئُ فِيهِ النَّضْحُ، فَيَصِيرُ طَاهِرًا بِهِ، كَبَوْلِ الْغُلَامِ الَّذِي لَمْ يَأْكُلْ الطَّعَامَ، جَزَمَ بِهِ فِي الْإِفَادَاتِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ، وَالْعُمْدَةِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفَائِقِ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ، وَابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. وَصَحَّحَهُ النَّاظِمُ، وَصَاحِبُ تَصْحِيحِ الْمُحَرَّرِ. وَقَالَ بَعْضُ شُرَّاحِ الْمُحَرَّرِ: صَحَّحَهَا ابْنُ عَقِيلٍ فِي إشَارَتِهِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُحَرَّرِ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ، وَقِيلَ: إنْ قُلْنَا: مَخْرَجُهُ مَخْرَجُ الْبَوْلِ. فَيُنَجَّسُ، وَإِنْ قُلْنَا: مَخْرَجُهُ مَخْرَجُ الْمَنِيِّ فَلَهُ حُكْمُهُ. انْتَهَى. وَعَنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى طَهَارَتِهِ، اخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ فِي الِانْتِصَارِ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي نِهَايَتِهِ، وَنَظْمِهَا. فَعَلَى الْقَوْلِ بِالنَّجَاسَةِ: يُغْسَلُ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَيَيْنِ إذَا خَرَجَ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَجَزَمَ بِهِ نَاظِمُ الْمُفْرَدَاتِ، وَهُوَ مِنْهَا. وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَالْفَائِقُ، وَالْحَوَاشِي، وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَالْقَاضِي. وَعَنْهُ يُغْسَلُ جَمِيعُ الذَّكَرِ فَقَطْ، مَا أَصَابَهُ الْمَذْيُ وَمَا لَمْ يُصِبْهُ. قُلْت: فَيُعَايَى بِهَا عَلَى هَاتَيْنِ الرِّوَايَتَيْنِ، وَعَنْهُ لَا يُغْسَلُ إلَّا مَا أَصَابَهُ الْمَذْيُ فَقَطْ، اخْتَارَهُ الْخَلَّالُ. قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَابْنُ عُبَيْدَانِ: وَهِيَ أَظْهَرُ، أَطْلَقَهُنَّ فِي الْفُرُوعِ.
فَعَلَى الرِّوَايَةِ الْأُولَى: تُجْزِئُ غَسْلَةٌ وَاحِدَةٌ. . قَالَهُ الْمُصَنِّفُ، وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ تَمِيمٍ، وَالْفَائِقُ، وَالرِّعَايَةُ الْكُبْرَى. ذَكَرَهُ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ. وَزَادَ: إنْ لَمْ يُلَوِّثْهُمَا الْمَذْيُ، نَصَّ عَلَيْهِ. وَأَمَّا الْقَيْءُ: فَلَا يُعْفَى عَنْ يَسِيرِهِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، قَالَ ابْنُ مُنَجَّا: هَذَا الْمَذْهَبُ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُصَنِّفُ هُنَا. وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْكَافِي، وَالْمُحَرَّرِ، وَغَيْرِهِمْ. وَعَنْهُ يُعْفَى عَنْ يَسِيرِهِ، جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْإِفَادَاتِ. قَالَ الْقَاضِي: يُعْفَى عَنْ يَسِيرِ الْقَيْءِ، وَمَا لَا يَنْقُضُ خُرُوجُهُ. كَيَسِيرِ الدُّودِ وَالْحَصَى وَنَحْوِهِمَا، إذَا خَرَجَ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي النَّظْمِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَابْنُ عُبَيْدَانِ. وَأَمَّا رِيقُ الْبَغْلِ وَالْحِمَارِ وَعِرْقُهُمَا عَلَى الْقَوْلِ بِنَجَاسَتِهِمَا: فَلَا يُعْفَى عَنْ يَسِيرِهِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، قَالَ ابْنُ مُنَجَّا: هَذَا الْمَذْهَبُ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُصَنِّفُ هُنَا، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ. وَعَنْهُ يُعْفَى عَنْ يَسِيرِهِ. قَالَ الْخَلَّالُ: وَعَلَيْهِ مَذْهَبُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ: هُوَ الظَّاهِرُ عَنْ أَحْمَدَ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ وَغَيْرُهُ. قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْكَافِي. وَالْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ عُبَيْدَانِ. وَأَمَّا رِيقُ سِبَاعِ الْبَهَائِمِ غَيْرِ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ وَالطَّيْرِ وَعِرْقِهَا، عَلَى الْقَوْلِ بِنَجَاسَتِهَا: فَلَا يُعْفَى عَنْ يَسِيرِهِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، بِنَاءً عَلَى رِيقِ الْبَغْلِ وَالْحِمَارِ وَعِرْقِهِمَا، وَأَوْلَى، وَهُوَ الَّذِي قَدَّمَهُ الْمُصَنِّفُ هُنَا. وَظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ فِي الْفَائِقِ. قَالَ ابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ: هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَنْهُ يُعْفَى عَنْ يَسِيرِهِ، جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ. وَصَحَّحَهُ فِي تَصْحِيحِ الْمُحَرَّرِ وَقَالَ جَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي فِي مَوْضِعٍ
وَقَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ. قَالَ الْقَاضِي بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ النَّصَّ بِالْعَفْوِ عَنْ يَسِيرِ رِيقِ الْبَغْلِ وَالْحِمَارِ: وَكَذَلِكَ مَا كَانَ فِي مَعْنَاهُمَا مِنْ سِبَاعِ الْبَهَائِمِ. وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي أَرْوَاثِهَا. وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي سِبَاعِ الطَّيْرِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْكَافِي، وَالْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ عُبَيْدَانِ. وَأَمَّا بَوْلُ الْخُفَّاشِ، وَكَذَا الْخِشَافُ. قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ. وَكَذَا الْخُطَّافُ. قَالَهُ فِي الْفَائِقِ: فَلَا يُعْفَى عَنْهُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. قَالَ ابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ: هَذَا الْمَذْهَبُ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُصَنِّفُ هُنَا. وَعَنْهُ يُعْفَى عَنْ يَسِيرِهِ، جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَقَدَّمَهُ الشَّارِحُ، وَابْنُ رَزِينٍ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ وَصَحَّحَهُ فِي تَصْحِيحِ الْمُحَرَّرِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْكَافِي، وَالْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَابْنُ عُبَيْدَانِ. وَأَمَّا النَّبِيذُ النَّجِسُ: فَلَا يُعْفَى عَنْ يَسِيرِهِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، قَالَ ابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ: هَذَا الْمَذْهَبُ، قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: لَا يُعْفَى عَنْ يَسِيرِهِ فِي الْأَشْهَرِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُصَنِّفُ هُنَا. وَعَنْهُ يُعْفَى عَنْ يَسِيرِهِ. اخْتَارَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَنِهَايَةِ ابْنِ رَزِينٍ، وَنَظْمِهَا. وَصَحَّحَهُ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ، وَقَدَّمَهُ الشَّارِحُ، وَابْنُ رَزِينٍ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْكَافِي، وَالْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ عُبَيْدَانِ. وَأَمَّا الْمَنِيُّ إذَا قُلْنَا بِنَجَاسَتِهِ: فَلَا يُعْفَى عَنْ يَسِيرِهِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُصَنِّفُ هُنَا، وَالرِّعَايَةُ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ. قَالَ ابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ: هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَنْهُ يُعْفَى عَنْ يَسِيرِهِ، قَطَعَ بِهِ الْخِرَقِيُّ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ. قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: يُعْفَى عَنْ يَسِيرِهِ فِي أَظْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هَذَا ظَاهِرُ النَّصِّ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ،
وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْكَافِي، وَالْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ عُبَيْدَانِ، وَالزَّرْكَشِيُّ وَيَأْتِي قَرِيبًا. إذَا قُلْنَا هُوَ نَجِسٌ: هَلْ يُجْزِئُ فَرْكُ يَابِسِهِ مُطْلَقًا، أَوْ مِنْ الرَّجُلِ؟ تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: أَنَّهُ لَا يُعْفَى عَنْ يَسِيرِ شَيْءٍ مِنْ النَّجَاسَاتِ غَيْرِ مَا تَقَدَّمَ. وَثَمَّ مَسَائِلُ: مِنْهَا: دَمُ الْبَقِّ. وَالْقَمْلِ، وَالْبَرَاغِيثِ. وَالذُّبَابِ وَنَحْوِهِمَا. يُعْفَى عَنْ ذَلِكَ عَلَى الْقَوْلِ بِنَجَاسَتِهِ بِلَا نِزَاعٍ. قَالَهُ الْأَصْحَابُ. وَمِنْهَا: بَقِيَّةُ دَمِ اللَّحْمِ الْمَأْكُولِ مِنْ غَيْرِ الْعُرُوقِ. يُعْفَى عَنْهُ عَلَى الْقَوْلِ بِنَجَاسَتِهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ. وَمِنْهَا: يَسِيرُ النَّجَاسَةِ، إذَا كَانَتْ عَلَى أَسْفَلِ الْخُفِّ وَالْحِذَاءِ بَعْدَ الدَّلْكِ، يُعْفَى عَنْهُ عَلَى الْقَوْلِ بِنَجَاسَتِهِ، وَقَطَعَ بِهِ الْأَصْحَابُ. وَمِنْهَا: يَسِيرُ سَلَسِ الْبَوْلِ، مَعَ كَمَالِ التَّحَفُّظِ يُعْفَى عَنْهُ. قَالَ النَّاظِمُ: قُلْت: وَظَاهِرُ كَلَامِ الْأَكْثَرِ: عَدَمُ الْعَفْوِ. وَعَلَى قِيَاسِهِ يَسِيرُ دَمِ الْمُسْتَحَاضَةِ. وَمِنْهَا: يَسِيرُ دُخَانِ النَّجَاسَةِ، وَغُبَارِهَا وَبُخَارِهَا، يُعْفَى عَنْهُ، مَا لَمْ تَظْهَرْ لَهُ صِفَةٌ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، جَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالنَّظْمِ. قَالَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَغَيْرُهُمْ: يُعْفَى عَنْ ذَلِكَ مَا لَمْ يَتَكَاثَفْ. زَادَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَقِيلَ مَا لَمْ يَجْتَمِعْ مِنْهُ شَيْءٌ وَيَظْهَرْ لَهُ صِفَةٌ. وَقِيلَ: أَوْ تَعَذَّرَ أَوْ تَعَسَّرَ التَّحَرُّزُ مِنْهُ. وَأَطْلَقَ أَبُو الْمَعَالِي الْعَفْوَ عَنْ غُبَارِ النَّجَاسَةِ. وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِالْيَسِيرِ؛ لِأَنَّ التَّحَرُّزَ لَا سَبِيلَ إلَيْهِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهَذَا مُتَوَجِّهٌ. وَقِيلَ: لَا يُعْفَى عَنْ يَسِيرِ ذَلِكَ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ. وَقَالَ: وَلَوْ هَبَّتْ رِيحٌ، فَأَصَابَ غُبَارٌ نَجِسٌ مِنْ طَرِيقٍ أَوْ غَيْرِهِ. فَهُوَ دَاخِلٌ فِي الْمَسْأَلَةِ. وَذَكَرَ الْأَزَجِيُّ النَّجَاسَةَ بِهِ. وَمِنْهَا: يَسِيرُ بَوْلِ الْمَأْكُولِ وَرَوْثِهِ، عَلَى الْقَوْلِ بِنَجَاسَتِهِمَا، يُعْفَى عَنْهُ فِي رِوَايَةٍ، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، جَزَمَ بِهِ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ ابْنُ عُبَيْدَانَ.
وَقَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَعَنْهُ لَا يُعْفَى عَنْهُ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْحَاوِيَيْنِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ. وَزَادَ: وَمَنِيُّهُ وَقَيْؤُهُ. وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ الرِّوَايَةَ الْأُولَى فِي الْفَائِقِ. وَمِنْهَا: يَسِيرُ بَوْلِ الْحِمَارِ، وَالْبَغْلِ، وَرَوْثِهِمَا. وَكَذَا يَسِيرُ بَوْلِ كُلِّ بَهِيمٍ نَجِسٍ أَوْ طَاهِرٍ لَا يُؤْكَلُ، وَيَنْجُسُ بِمَوْتِهِ، لَا يُعْفَى عَنْهُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، قَالَهُ الْمَجْدُ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ. وَعَنْهُ يُعْفَى عَنْهُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِفَادَاتِ فِي رَوْثِ الْبَغْلِ وَالْحِمَارِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ. وَمِنْهَا: يَسِيرُ نَجَاسَةِ الْجَلَّالَةِ قَبْلَ حَبْسِهَا. لَا يُعْفَى عَنْهُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: يُعْفَى عَنْهُ، وَهُوَ رِوَايَةٌ فِي الرِّعَايَةِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ. وَمِنْهَا: يَسِيرُ الْوَدْيِ. لَا يُعْفَى عَنْهُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: يُعْفَى عَنْهُ. رِوَايَةً فِي الرِّعَايَةِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِيهَا. وَابْنُ تَمِيمٍ. وَمِنْهَا: مَا قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ: يُعْفَى عَنْ يَسِيرِ الْمَاءِ النَّجِسِ بِمَا عُفِيَ عَنْهُ مِنْ دَمٍ وَنَحْوِهِ فِي الْأَصَحِّ. وَاخْتَارَ الْعَفْوَ عَنْ يَسِيرِ مَا لَا يُدْرِكُهُ الطَّرْفُ. ثُمَّ قَالَ وَقِيلَ: إنْ سَقَطَ ذُبَابٌ عَلَى نَجَاسَةٍ رَطْبَةٍ، ثُمَّ وَقَعَ فِي مَائِعٍ أَوْ رَطْبٍ نَجِسٍ، وَإِلَّا فَلَا. إنْ مَضَى زَمَنٌ يَجِفُّ فِيهِ. وَقِيلَ: يُعْفَى عَمَّا يَشُقُّ التَّحَرُّزُ مِنْهُ غَالِبًا. وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: الْعَفْوَ عَنْ يَسِيرِ جَمِيعِ النَّجَاسَاتِ مُطْلَقًا، فِي الْأَطْعِمَةِ وَغَيْرِهِمْ. حَتَّى بَعْرِ الْفَأْرِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَمَعْنَاهُ اخْتِيَارُ صَاحِبِ النَّظْمِ. قُلْت: قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ قُلْت: الْأَوْلَى الْعَفْوُ عَنْهُ فِي الثِّيَابِ، وَالْأَطْعِمَةِ، لِعِظَمِ الْمَشَقَّةِ. وَلَا يَشُكُّ ذُو عَقْلٍ فِي عُمُومِ الْبَلْوَى بِهِ. خُصُوصًا فِي الطَّوَاحِينِ، وَمَعَاصِرِ السُّكَّرِ، وَالزَّيْتِ، وَهُوَ أَشَقُّ صِيَانَةً مِنْ سُؤْرِ الْفَأْرِ، وَمِنْ دَمِ الذُّبَابِ. وَنَحْوِهِ وَرَجِيعِهِ وَقَدْ اخْتَارَ طَهَارَتَهُ كَثِيرٌ مِنْ الْأَصْحَابِ. انْتَهَى.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، إذَا قُلْت: يُعْفَى عَنْ يَسِيرِ النَّبِيذِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ لِأَجْلِ الْخِلَافِ فِيهِ. فَالْخِلَافُ فِي الْكَلْبِ أَظْهَرُ وَأَقْوَى. انْتَهَى. وَأَمَّا طِينُ الشَّوَارِعِ: فَمَا ظُنَّتْ نَجَاسَتُهُ مِنْ ذَلِكَ: فَهُوَ طَاهِرٌ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: هُوَ ظَاهِرُ مَا لَمْ تُعْلَمْ نَجَاسَتُهُ. قَالَ فِي الْقَاعِدَةِ التَّاسِعَةِ وَالْخَمْسِينَ بَعْدَ الْمِائَةِ: طَاهِرٌ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي مَوَاضِعَ. وَجَعَلَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ الْمَذْهَبَ، تَرْجِيحًا لِلْأَصْلِ، وَهُوَ الطَّهَارَةُ فِي الْأَعْيَانِ كُلِّهَا. قَالَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: وَطِينُ الشَّوَارِعِ طَاهِرٌ إنْ جُهِلَ حَالُهُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ، وَالنَّظْمِ. وَعَنْهُ أَنَّهُ نَجِسٌ. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: اخْتَارَهَا بَعْضُ الْأَصْحَابِ. فَعَلَيْهَا يُعْفَى عَنْ يَسِيرِهِ عَلَى الصَّحِيحِ، قَالَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ: يُعْفَى عَنْ يَسِيرِهِ فِي الْأَصَحِّ. وَصَحَّحَهُ فِي النَّظْمِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِفَادَاتِ وَإِلَيْهِ مَيْلُ صَاحِبِ التَّلْخِيصِ، وَهُوَ احْتِمَالُ مَنْ عِنْدَهُ فِيهِ، اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَقِيلَ: لَا يُعْفَى عَنْهُ. قَالَ فِي التَّلْخِيصِ: وَلَمْ أَعْرِفْ لِأَصْحَابِنَا فِيهِ قَوْلًا صَرِيحًا. وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ: أَنَّهُ لَا يُعْفَى عَنْهُ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ. وَذَكَرَ صَاحِبُ الْمُهِمِّ: أَنَّ ابْنَ تَمِيمٍ قَالَ: إذَا كَانَ الشِّتَاءُ فَفِي نَجَاسَةِ الْأَرْضِ رِوَايَتَانِ. فَإِذَا جَاءَ الصَّيْفُ: حُكِمَ بِطَهَارَتِهَا رِوَايَةً وَاحِدَةً. فَإِنْ عُلِمَ نَجَاسَتُهَا فَهِيَ نَجِسَةٌ. وَيُعْفَى عَنْ يَسِيرِهِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْوَجْهَيْنِ، قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: يُعْفَى عَنْ يَسِيرِهِ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ وَصَحَّحَهُ فِي النَّظْمِ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لَوْ تَحَقَّقَتْ نَجَاسَةُ طِينِ الشَّوَارِعِ عُفِيَ عَنْ يَسِيرِهِ، لِمَشَقَّةِ التَّحَرُّزِ عَنْهُ. ذَكَرَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا. وَاخْتَارَهُ. انْتَهَى. وَقِيلَ: لَا يُعْفَى عَنْهُ. وَقِيلَ: يُعْفَى عَنْ يَسِيرِهِ إنْ شُقَّ، وَإِلَّا فَلَا وَقَطَعَ ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ: أَنَّ تُرَابَ الشَّارِعِ طَاهِرٌ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَقَالَ: هُوَ أَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ. تَنْبِيهٌ: حَيْثُ قُلْنَا: بِالْعَفْوِ فِيمَا تَقَدَّمَ. فَمَحَلُّهُ فِي الْجَامِدَاتِ دُونَ الْمَائِعَاتِ، إلَّا عِنْدَ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ. فَإِنَّ عِنْدَهُ: يُعْفَى عَنْ يَسِيرِ النَّجَاسَاتِ فِي الْأَطْعِمَةِ أَيْضًا، كَمَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا.
فَائِدَتَانِ إحْدَاهُمَا: مَا يُعْفَى عَنْ يَسِيرِهِ يُعْفَى عَنْ أَثَرِ كَثِيرِهِ عَلَى جِسْمٍ صَقِيلٍ بَعْدَ مَسْحِهِ قَالَهُ الْمُصَنِّفُ وَمَنْ بَعْدَهُ. الثَّانِيَةُ: حَدُّ الْيَسِيرِ هُنَا: مَا لَمْ يُنْقِضْ الْوُضُوءَ. وَحَدُّ الْكَثِيرِ: مَا نَقَضَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي بَابِ نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ مِنْ الْأَقْوَالِ وَالرِّوَايَاتِ. فَمَا لَمْ يُنْقِضْ هُنَاكَ فَهُوَ يَسِيرٌ هُنَا، وَمَا نَقَضَ هُنَاكَ فَهُوَ كَثِيرٌ هُنَا. وَهَذَا الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ فِي الْفُرُوعِ، لَكِنَّ ظَاهِرَ عِبَارَتِهِ مُشْكِلٌ، يَأْتِي بَيَانُهُ، وَقَطَعَ بِهِ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ، وَغَيْرِهِمْ. وَلَكِنْ قَدَّمَ فِي الْفَائِقِ هُنَا: مَا يَسْتَفْحِشُهُ كُلُّ إنْسَانٍ بِحَسَبِهِ. وَقَدَّمَ هُنَاكَ: مَا فَحُشَ فِي أَنْفُسِ أَوْسَاطِ النَّاسِ. وَقَدَّمَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ هُنَاكَ: مَا فَحُشَ فِي النَّفْسِ. وَقَدَّمَ هُنَا: الْيَسِيرَ مَا دُونَ شِبْرٍ فِي شِبْرٍ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَتَبِعَهُ ابْنُ عُبَيْدَانِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ بَعْضَ الْأَقْوَالِ الَّتِي فِي الْمَسْأَلَةِ هُنَا وَقِيلَ: الْكَثِيرُ مَا يُنْقِضُ الْوُضُوءَ. وَقَالَ فِي نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ: وَعَنْهُ الْكَثِيرُ مَا لَا يُعْفَى عَنْهُ فِي الصَّلَاةِ. فَظَاهِرُهُ عَدَمُ الْبِنَاءِ. وَقَدَّمَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ هُنَا: أَنَّ الْكَثِيرَ مَا فَحُشَ فِي نُفُوسِ أَوْسَاطِ النَّاسِ، كَمَا قَدَّمَهُ هُنَاكَ. وَقَدَّمَ ابْنُ تَمِيمٍ فِي الْمَوْضِعَيْنِ: مَا فَحُشَ فِي نَفْسِ كُلِّ إنْسَانٍ بِحَسَبِهِ. وَعَنْهُ الْيَسِيرُ مَا دُونَ شِبْرٍ فِي شِبْرٍ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ كَمَا تَقَدَّمَ. وَعَنْهُ مَا دُونَ قَدْرِ الْكَفِّ. وَعَنْهُ مَا دُونَ فِثْرٍ فِي فِثْرٍ، وَهُوَ قَوْلٌ فِي الْمُسْتَوْعِبِ. وَعَنْهُ هُوَ الْقَطْرَةُ وَالْقَطْرَتَانِ، وَمَا زَادَ عَلَيْهِمَا فَكَثِيرٌ. وَعَنْهُ الْيَسِيرُ مَا دُونَ ذِرَاعٍ فِي ذِرَاعٍ. حَكَاهَا أَبُو الْحُسَيْنِ. وَعَنْهُ مَا دُونَ قَدَمٍ، وَعَنْهُ مَا يَرْفَعُهُ الْإِنْسَانُ بِأَصَابِعِهِ الْخَمْسِ. وَعَنْهُ هُوَ قَدْرُ عَشَرِ أَصَابِعَ. حَكَاهَا ابْنُ عُبَيْدَانِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: مَا فَحُشَ فِي نَفْسِ الْمُصَلِّي، لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ مَعَهُ، وَمَا لَمْ يَفْحُشْ إنْ بَلَغَ الْفِتْرَ لَمْ تَصِحَّ، وَإِلَّا صَحَّتْ. قُلْت: هَذِهِ الْأَقْوَالُ التِّسْعَةُ الضَّعِيفَةُ: لَا دَلِيلَ عَلَيْهَا، وَالْمَذْهَبُ أَنَّ: الْكَثِيرَ
مَا فَحُشَ فِي النَّفْسِ. وَالْيَسِيرُ مَا لَمْ يَفْحُشْ فِي النَّفْسِ. لَكِنْ هَلْ كُلُّ إنْسَانٍ بِحَسَبِهِ أَوْ الِاعْتِبَارُ بِأَوْسَاطِ النَّاسِ؟ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي بَابِ نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ. تَنْبِيهَاتٌ أَحَدُهُمَا: قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالْيَسِيرُ: قَدْرُ مَا نُقِضَ. وَظَاهِرُهُ مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّ الْيَسِيرَ قَدْرُ مَا لَمْ يُنْقَضْ. فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ " وَالْكَثِيرُ قَدْرُ مَا نُقِضَ " وَحَصَلَ سَبْقُ قَلَمٍ. فَكَتَبَ " وَالْيَسِيرُ " وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ " قَدْرُ مَا لَمْ يُنْقَضْ " وَسَقَطَ لَفْظُ " لَمْ " قَالَ شَيْخُنَا: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لَفْظُ " قَدْرُ " مُنَوَّنَةٌ، وَ " مَا " نَافِيَةٌ. فَيَسْتَقِيمُ الْكَلَامُ وَهُوَ بَعِيدٌ. الثَّانِي: مَحَلُّ الْخِلَافِ هُنَا فِي الْيَسِيرِ عِنْدَ ابْنِ تَمِيمٍ، وَابْنِ حَمْدَان فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: فِي الدَّمِ وَنَحْوِهِ لَا غَيْرُ. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ بَعْدَ أَنْ حَكَى الْخِلَافَ الْمُتَقَدِّمَ كَثِيرُ الْقَيْءِ مِلْءُ الْفَمِ. وَعَنْهُ نِصْفُهُ. وَعَنْهُ مَا زَادَ عَلَى النَّوَاةِ. وَعَنْهُ هُوَ كَالدَّمِ سَوَاءٌ، ذَكَرَهَا أَبُو الْحُسَيْنِ. وَمِلْءُ الْفَمِ: مَا يَمْتَنِعُ الْكَلَامُ مَعَهُ فِي وَجْهٍ، وَفِي آخَرَ: مَا لَمْ يُمْكِنْ إمْسَاكُهُ. ذَكَرَهُمَا الْقَاضِي فِي مُقْنِعِهِ. انْتَهَى. وَظَاهِرُ كَلَامِ غَيْرِهِمَا: شُمُولُ غَيْرِ الدَّمِ مِمَّا يُمْكِنُ وُجُودُهُ كَالْقَيْءِ وَنَحْوِهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفَائِقِ. قَوْلُهُ (وَلَا يَنْجُسُ الْآدَمِيُّ بِالْمَوْتِ) . هَذَا الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ، مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا، وَسَوَاءٌ جُمْلَتُهُ وَأَطْرَافُهُ وَأَبْعَاضُهُ. وَقَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ، وَقَالَهُ الْقَاضِي فِي بَعْضِ كُتُبِهِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي: لَمْ يُفَرِّقْ أَصْحَابُنَا بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ، لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْآدَمِيَّةِ وَفِي الْحَيَاةِ. وَعَنْهُ يَنْجُسُ مُطْلَقًا. فَعَلَيْهَا قَالَ شَارِحُ الْمُحَرَّرِ: لَا يَنْجُسُ الشَّهِيدُ بِالْقَتْلِ ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَالشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ، وَالْمَجْدُ وَصَاحِبُ الْمُغْنِي، وَغَيْرُهُمْ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُحَرَّرِ. وَقِيلَ: يَنْجُسُ الْكَافِرُ، دُونَ الْمُسْلِمِ، وَهُوَ احْتِمَالٌ فِي الْمُغْنِي. قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَتَابَعَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: يَنْجُسُ الْكَافِرُ بِمَوْتِهِ عَلَى كِلَا الْمَذْهَبَيْنِ فِي الْمُسْلِمِ
وَلَا يَطْهُرُ بِالْغُسْلِ أَبَدًا. كَالشَّاةِ. وَخَصَّ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ الْخِلَافَ بِالْمُسْلِمِ. وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ فِي الْكَافِرِ. وَعَنْهُ يَنْجُسُ طَرْفُ الْآدَمِيِّ مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا. صَحَّحَهُمَا الْقَاضِي وَغَيْرُهُ. وَأَبْطَلَ قِيَاسَ الْجُمْلَةِ عَلَى الطَّرْفِ فِي النَّجَاسَةِ بِالشَّهِيدِ فَإِنَّهُ يَنْجُسُ طَرْفُهُ بِقَطْعِهِ، وَلَوْ قُتِلَ كَانَ طَاهِرًا؛ لِأَنَّ لِلْجُمْلَةِ مِنْ الْحُرْمَةِ مَا لَيْسَ لِلطَّرْفِ، بِدَلِيلِ الْغُسْلِ وَالصَّلَاةِ، وَرَدَّهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي وَغَيْرِهِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُحَرَّرِ. فَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ لَا يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ: لَوْ وَقَعَ فِي مَاءٍ فَغَيَّرَهُ لَمْ يَنْجُسْ الْمَاءُ. ذَكَرَهُ فِي الْفُصُولِ وَغَيْرِهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ خِلَافًا لِلْمُسْتَوْعِبِ. وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ ابْنُ تَمِيمٍ قُلْت: فَيُعَايَى بِهَا عَلَى قَوْلِ صَاحِبِ الْمُسْتَوْعِبِ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ، قَالَ أَصْحَابُنَا: رِوَايَةُ التَّنْجِيسِ حَيْثُ اُعْتُبِرَ كَثْرَةُ الْمَاءِ الْخَارِجِ يَخْرُجُ مِنْهُ، لَا لِنَجَاسَةٍ فِي نَفْسِهِ. قَالَ: وَلَا يَصِحُّ، كَمَا لَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ بَقِيَّةِ الْحَيَوَانِ، وَيَأْتِي إذَا سَقَطَتْ سِنُّهُ فَأَعَادَهَا بِحَرَارَتِهَا. تَنْبِيهٌ: مَحَلُّ الْخِلَافِ فِي غَيْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. فَإِنَّهُ لَا خِلَافَ فِيهِ. قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ. قُلْت: وَعَلَى قِيَاسِهِ سَائِرُ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -. وَهَذَا مِمَّا لَا شَكَّ فِيهِ قَوْلُهُ (وَمَا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةٌ) يَعْنِي: لَا يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ إذَا لَمْ يَتَوَلَّدْ مِنْ النَّجَاسَةِ. وَهَذَا الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَعَنْهُ يَنْجُسُ، اخْتَارَهُ بَعْضُ الْأَصْحَابِ، أَوْ لَمْ يَكُنْ يُؤْكَلُ. فَعَلَى الْمَذْهَبِ أَيْضًا: لَا يُكْرَهُ مَا مَاتَ فِيهِ. وَوَجَّهَ فِي الْفُرُوعِ احْتِمَالًا بِالْكَرَاهَةِ. وَعَلَى الْمَذْهَبِ أَيْضًا: لَا يَنْجُسُ مَا مَاتَ فِيهِ عَلَى الصَّحِيحِ. وَقِيلَ: لَا يَنْجُسُ إنْ شَقَّ التَّحَرُّزُ مِنْهُ، وَإِلَّا تَنَجَّسَ، وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ تَمِيمٍ. وَقَالَ: جَعَلَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا الذُّبَابَ وَالْبَقَّ مِمَّا لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ. وَعَلَى الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ: يَنْجُسُ مَا مَاتَ فِيهِ عَلَى الصَّحِيحِ، قَدَّمَهُ الزَّرْكَشِيُّ وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالْفُرُوعُ. وَقِيلَ: لَا يُنَجِّسُهُ.
قُلْت: فَيُعَايَى بِهَا. وَقِيلَ: لَا يُنَجِّسُهُ إنْ شَقَّ التَّحَرُّزُ مِنْهُ، وَإِلَّا نُجِّسَ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَعَنْهُ يَنْجُسُ إنْ لَمْ يُؤْكَلْ. فَيَنْجُسُ الْمَاءُ الْقَلِيلُ فِي الْأَصَحِّ إنْ أَمْكَنَ التَّحَرُّزُ مِنْهُ غَالِبًا. تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ " كَالذُّبَابِ وَنَحْوِهِ " فَنَحْوُ الذُّبَابِ: الْبَقُّ، وَالْخَنَافِسُ، وَالْعَقَارِبُ، وَالزَّنَابِيرُ، وَالسَّرَطَانُ، وَالْقَمْلُ، وَالْبَرَاغِيثُ، وَالنَّحْلُ، وَالنَّمْلُ، وَالدُّودُ، وَالصَّرَاصِيرُ، وَالْجُعَلُ. وَنَحْوُ ذَلِكَ. وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ الْوَزَغَ لَهَا نَفْسٌ سَائِلَةٌ، نَصَّ عَلَيْهِ كَالْحَيَّةِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي وَقِيلَ: لَيْسَ لَهَا نَفْسٌ سَائِلَةٌ. وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ، وَالْمُذْهَبِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَالْحَاوِيَيْنِ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَفِي تَنْجِيسِ الْوَزَغِ وَدُودِ الْقَزِّ وَبِزْرِهِ: وَجْهَانِ. فَائِدَةٌ: إذَا مَاتَ فِي الْمَاءِ الْيَسِيرِ حَيَوَانٌ لَا يُعْلَمُ، هَلْ يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ أَمْ لَا؟ لَمْ يَنْجُسْ الْمَاءُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، جَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ. قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: لَمْ يَنْجُسْ فِي أَظْهَرِ الْوَجْهَيْنِ. وَصَحَّحَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ. قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ: وَهُوَ الْمُرَجَّحُ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ. وَقِيلَ: يَنْجُسُ. وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ. وَكَذَا الْحُكْمُ لَوْ وُجِدَ فِيهِ رَوْثَةٌ خِلَافًا وَمَذْهَبًا. قَالَهُ فِي الْقَوَاعِدِ وَغَيْرِهِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ. قَوْلُهُ (وَبَوْلُ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ وَرَوْثُهُ وَمَنِيُّهُ: طَاهِرٌ) وَهَذَا الْمَذْهَبُ بِلَا رَيْبٍ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَعَنْهُ يَنْجُسُ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الرَّوْثِ وَالْبَوْلِ فِي الْهِدَايَةِ. فَائِدَةٌ: قَالَ فِي الرِّعَايَةِ، وَابْنُ تَمِيمٍ: وَيَجُوزُ التَّدَاوِي بِبَوْلِ الْإِبِلِ لِلْأَثَرِ.
وَإِنْ قُلْنَا: هُوَ نَجِسٌ. وَقَالَ فِي الْآدَابِ. يَجُوزُ شُرْبُ أَبْوَالِ الْإِبِلِ لِلضَّرُورَةِ. نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ، وَالْمَيْمُونِيِّ، وَجَمَاعَةٍ. وَأَمَّا شُرْبُهَا لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ، فَقَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد: أَمَّا مِنْ عِلَّةٍ فَنَعَمْ، وَأَمَّا رَجُلٌ صَحِيحٌ: فَلَا يُعْجِبُنِي. قَالَ الْقَاضِي فِي كِتَابِ الطِّبِّ: يَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى أَحَدِ وَجْهَيْنِ، إمَّا عَلَى طَرِيقِ الْكَرَاهَةِ أَوْ عَلَى رِوَايَةِ نَجَاسَتِهِ. وَأَمَّا عَلَى رِوَايَةِ طَهَارَتِهِ: فَيَجُوزُ شُرْبُهُ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ. كَسَائِرِ الْأَشْرِبَةِ انْتَهَى. وَقَطَعَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا بِالتَّحْرِيمِ مُطْلَقًا لِغَيْرِ التَّدَاوِي. قَالَ فِي الْآدَابِ: وَهُوَ أَشْهَرُ، وَيَأْتِي هَذَا وَغَيْرُهُ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْجَنَائِزِ مُسْتَوْفًى مُحَرَّرًا. تَنْبِيهَانِ: أَحَدُهُمَا: شَمِلَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ بَوْلَ السَّمَكِ وَنَحْوَهُ. مِمَّا لَا يَنْجُسُ بِمَوْتِهِ، وَهُوَ صَحِيحٌ، لَكِنَّ جُمْهُورَ الْأَصْحَابِ لَمْ يَحْكِ فِي طَهَارَتِهِ خِلَافًا. وَذَكَرَ فِي الرِّعَايَةِ احْتِمَالًا بِنَجَاسَتِهِ. وَفِي الْمُسْتَوْعِبِ وَغَيْرِهِ رِوَايَةٌ بِنَجَاسَتِهِ. الثَّانِي: مَفْهُومُ كَلَامِهِ: أَنَّ بَوْلَ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ وَرَوْثُهُ إذَا كَانَ طَاهِرًا نَجِسٌ. وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَمَفْهُومُ كَلَامِهِ: أَنَّ مَنِيَّ: مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ إذَا كَانَ طَاهِرًا نَجِسٌ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، جَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ وَابْنُ عُبَيْدَانَ. وَقِيلَ: طَاهِرٌ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَةِ، وَالْفَائِقِ، وَمَحَلُّ هَذَا: فِي غَيْرِ مَا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةٌ. فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةٌ فَبَوْلُهُ وَرَوْثُهُ طَاهِرٌ فِي قَوْلِنَا. قَالَهُ ابْنُ عُبَيْدَانَ. وَقَالَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ: وَجْهًا وَاحِدًا. ذَكَرَهُ ابْنُ تَمِيمٍ وَقَالَ: وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ نَجَاسَتُهُ، إذَا لَمْ يَكُنْ مَأْكُولًا. قَوْلُهُ (وَمَنِيُّ الْآدَمِيِّ طَاهِرٌ) ، هَذَا الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَنَصَرُوهُ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ احْتِلَامٍ أَوْ جِمَاعٍ، مِنْ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ. لَا يَجِبُ فِيهِ فَرْكٌ وَلَا غَسْلٌ. وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: يَجِبُ أَحَدُهُمَا. فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ أَعَادَ مَا صَلَّى فِيهِ قَبْلَ ذَلِكَ. وَعَنْهُ أَنَّهُ نَجِسٌ، يُجْزِئُ
فَرْكُ يَابِسِهِ، وَمَسْحُ رَطْبِهِ، وَاخْتَارَهُ بَعْضُ الْأَصْحَابِ. وَعَنْهُ أَنَّهُ نَجِسٌ يُجْزِئُ فَرْكُ يَابِسِهِ مِنْ الرَّجُلِ دُونَ الْمَرْأَةِ. قَدَّمَهَا فِي الْفَرْكِ فِي الْحَاوِي. وَعَنْهُ أَنَّهُ كَالْبَوْلِ فَلَا يُجْزِئُ فَرْكُ يَابِسِهِ، وَقَطَعَ بِهِ ابْنُ عَقِيلٍ فِي مَنِيِّ الْخَصِيِّ. لِاخْتِلَاطِهِ بِمَجْرَى بَوْلِهِ. وَقِيلَ: مَنِيُّ الْجِمَاعِ نَجِسٌ، دُونَ مَنِيِّ الِاحْتِلَامِ. ذَكَرَهُ الْقَاضِي. وَقِيلَ. مَنِيُّ الْمَرْأَةِ نَجِسٌ، دُونَ مَنِيِّ الرَّجُلِ. حَكَاهُ بَعْضُ الْأَصْحَابِ. وَقِيلَ: مَنِيُّ الْمُسْتَجْمِرِ نَجِسٌ دُونَ غَيْرِهِ. فَائِدَةٌ: الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ الْوَدْيَ نَجِسٌ. وَعَنْهُ أَنَّهُ كَالْمَذْيِ، جَزَمَ بِهِ نَاظِمُ الْهِدَايَةِ وَتَقَدَّمَ حُكْمُ الْمَذْيِ قَرِيبًا، وَحُكْمُ الْمَعْفُوِّ عَنْهُ وَعَنْ الْوَدْيِ. قَوْلُهُ (وَفِي رُطُوبَةِ فَرْجِ الْمَرْأَةِ رِوَايَتَانِ) أَطْلَقَهُمَا فِي الْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْكَافِي، وَالنَّظْمِ، وَابْنُ تَمِيمٍ ذَكَرَهُ فِي بَابِ الِاسْتِنْجَاءِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ وَغَيْرِهِمْ. إحْدَاهُمَا: هُوَ طَاهِرٌ، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ مُطْلَقًا. صَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ، وَالْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَالْمَجْدُ، وَصَاحِبُ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَابْنُ مُنَجَّا، وَابْنُ عُبَيْدَانَ فِي شُرُوحِهِمْ وَغَيْرُهُمْ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَالْمُحَرَّرِ. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: هِيَ نَجِسَةٌ. اخْتَارَهَا أَبُو إِسْحَاقَ بْنُ شَاقِلَا، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِفَادَاتِ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ. وَقَالَ الْقَاضِي: مَا أَصَابَ مِنْهُ فِي حَالِ الْجِمَاعِ نَجِسٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْلَمُ مِنْ الْمَذْيِ. وَرَدَّهُ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ. فَائِدَةٌ: بَلْغَمُ الْمَعِدَةِ طَاهِرٌ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ وَنَصَرَاهُ. وَعَنْهُ أَنَّهُ نَجِسٌ، اخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ. وَقِيلَ: كَالْقَيْءِ. وَأَمَّا بَلْغَمُ الرَّأْسِ إذَا انْعَقَدَ وَازْرَقَّ وَبَلْغَمُ الصَّدْرِ: فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ
طَهَارَتُهُمَا. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالْأَشْهَرُ طَهَارَتُهُمَا، وَجَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ الْفَائِقُ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ. وَنَصَرَاهُ. وَقِيلَ: فِيهِمَا الرِّوَايَتَانِ اللَّتَانِ فِي بَلْغَمِ الْمَعِدَةِ. قُلْت: ذَكَرَ الرِّوَايَتَيْنِ فِيهِمَا فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ. وَقِيلَ: بَلْغَمُ الصَّدْرِ نَجِسٌ، جَزَمَ بِهِ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمُذْهَبِ. وَقِيلَ: بَلْغَمُ الصَّدْرِ إنْ انْعَقَدَ وَازْرَقَّ كَالْقَيْءِ. وَتَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ: هَلْ يَنْقُضُ خُرُوجُ الْبَلْغَمِ أَمْ لَا؟ قَوْلُهُ (وَسِبَاعُ الْبَهَائِمِ وَالطَّيْرِ وَالْبَغْلِ وَالْحِمَارِ الْأَهْلِيِّ نَجِسَةٌ) هَذَا الْمَذْهَبُ فِي الْجَمِيعِ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هِيَ الْمَشْهُورَةُ عِنْدَ الْأَصْحَابِ. قَالَ فِي الْمُذْهَبِ: هَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: هَذَا أَظْهَرُ الرِّوَايَتَيْنِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ. وَقَطَعَ بِهِ الْخِرَقِيُّ، وَصَاحِبُ الْوَجِيزِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ. وَعَنْهُ أَنَّهَا طَاهِرَةٌ غَيْرُ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ، وَاخْتَارَهَا الْآجُرِّيُّ. وَقَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْكَافِي، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَعَنْهُ طَهَارَةُ الْبَغْلِ وَالْحِمَارِ اخْتَارَهَا الْمُصَنِّفُ. قُلْت: وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَالْأَقْوَى دَلِيلًا. وَعَنْهُ فِي الطَّيْرِ: لَا يُعْجِبُنِي عَرَقُهُ إنْ أَكَلَ الْجِيَفَ. فَدَلَّ أَنَّهُ كَرِهَهُ لِأَكْلِهِ النَّجَاسَةَ فَقَطْ. ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. وَمَالَ إلَيْهِ. وَعَنْهُ سُؤْرُ الْبَغْلِ وَالْحِمَارِ: مَشْكُوكٌ فِيهِ، فَيَتَيَمَّمُ مَعَهُ لِلْحَدَثِ بَعْدَ اسْتِعْمَالِهِ وَلِلنَّجِسِ. فَلَوْ تَوَضَّأَ بِهِ ثُمَّ لَبِسَ خُفًّا ثُمَّ أَحْدَثَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ فَمَسَحَ وَتَيَمَّمَ: صَلَّى بِهِ، وَهُوَ لُبْسٌ عَلَى طَهَارَةٍ لَا يُصَلِّي بِهَا. فَيُعَايَى بِهَا. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَلْزَمَهُ الْبُدَاءَةُ بِالتَّيَمُّمِ، وَأَنْ يُصَلِّيَ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَلَاةً، لِيُؤَدِّيَ فَرْضَهُ بِيَقِينٍ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ نَجِسًا تَأَدَّى فَرْضُهُ بِالتَّيَمُّمِ، وَإِنْ كَانَ طَاهِرًا كَانَتْ الثَّانِيَةُ فَرْضَهُ، وَلَمْ يَضُرَّهُ فَسَادُ الْأُولَى. أَمَّا إذَا تَوَضَّأَ ثُمَّ تَيَمَّمَ، ثُمَّ صَلَّى لَمْ يَتَيَقَّنْ الصِّحَّةَ، لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ صَلَّى حَامِلًا لِلنَّجَاسَةِ. قَالَ فِي الْحَاوِيَيْنِ: وَهَذَا
أَصَحُّ عِنْدِي. وَمَتَى تَيَمَّمَ مَعَهُ، ثُمَّ خَرَجَ الْوَقْتُ بَطَلَ تَيَمُّمُهُ دُونَ وُضُوئِهِ. قَالَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ. تَنْبِيهَانِ أَحَدَاهُمَا: قَوْلُهُ (وَسِبَاعُ الْبَهَائِمِ) مُرَادُهُ غَيْرُ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ. فَإِنَّهُمَا نَجِسَانِ، قَوْلًا وَاحِدًا عِنْدَهُ، بِدَلِيلِ مَا ذَكَرَهُ أَوَّلَ الْكِتَابِ، وَمُرَادُهُ: غَيْرُ الْهِرِّ وَمَا دُونَهَا فِي الْخِلْقَةِ، بِدَلِيلِ مَا يَأْتِي بَعْدَهُ. الثَّانِي: ظَاهِرُ كَلَامِهِ: دُخُولُ شَعْرِ سِبَاعِ الْبَهَائِمِ فِي ذَلِكَ، وَأَنَّهُ نَجِسٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، قَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَغَيْرِهِمَا. قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَابْنُ رَزِينٍ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَمَجْمَعُ الْبَحْرَيْنِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ. وَغَيْرُهُمْ: كُلُّ حَيَوَانٍ حُكْمُ شَعْرِهِ حُكْمُهُ فِي الطَّهَارَةِ وَالنَّجَاسَةِ. وَعَنْهُ أَنَّهُ طَاهِرٌ، قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ فِي بَابِ الْآنِيَةِ. وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ مُسْتَوْفًى فِي آخِرِ بَابِ الْآنِيَةِ. فَائِدَةٌ: لَبَنُ الْآدَمِيِّ وَالْحَيَوَانِ الْمَأْكُولِ طَاهِرٌ بِلَا نِزَاعٍ. وَلَبَنُ الْحَيَوَانِ النَّجِسِ نَجِسٌ. وَلَبَنُ الْحَيَوَانِ الطَّاهِرِ غَيْرِ الْمَأْكُولِ، قِيلَ: نَجِسٌ. وَنَقَلَهُ أَبُو طَالِبٍ فِي لَبَنِ حِمَارٍ. قَالَ الْقَاضِي: هُوَ قِيَاسُ قَوْلِهِ فِي لَبَنِ السِّنَّوْرِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ. وَنَصَرَهُ الْمَجْدُ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى. وَقِيلَ: طَاهِرٌ، قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالْفَائِقِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْحَاوِيَيْنِ. وَحُكْمُ بَيْضِهِ حُكْمُ لَبَنِهِ. فَعَلَى الْقَوْلِ بِطَهَارَتِهِمَا لَا يُؤْكَلَانِ. صَرَّحَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ، وَالْحَاوِي. قَوْلُهُ (وَسُؤْرُ الْهِرِّ وَمَا دُونَهَا فِي الْخِلْقَةِ طَاهِرٌ) ، وَهُوَ بَقِيَّةُ طَعَامِ الْحَيَوَانِ وَشَرَابِهِ، وَهُوَ مَهْمُوزٌ. يَعْنِي أَنَّهَا وَمَا دُونَهَا طَاهِرٌ. وَهَذَا الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا بِلَا رَيْبٍ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ. وَقِيلَ: فِيمَا دُونَ الْهِرِّ مِنْ الطَّيْرِ. وَقِيلَ وَغَيْرُهُ: وَجْهَانِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الطَّيْرِ ابْنُ تَمِيمٍ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: الْوَجْهُ بِنَجَاسَتِهِ ضَعِيفٌ. قَالَ الْآمِدِيُّ: سُؤْرُ مَا دُونَ الْهِرِّ طَاهِرٌ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ. وَحَكَى الْقَاضِي وَجْهًا بِنَجَاسَةِ شَعْرِ الْهِرِّ الْمُنْفَصِلِ فِي حَيَاتِهَا. فَوَائِدُ إحْدَاهُمَا: لَا يُكْرَهُ سُؤْرُ الْهِرِّ وَمَا دُونَهَا فِي الْخِلْقَةِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي الْهِرِّ وَالْفَأْرِ، وَقَدَّمَهُ فِي مُخْتَصَرِ ابْنِ تَمِيمٍ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُذْهَبِ، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَقَالَ: وَجَزَمَ بِهِ الْأَكْثَرُ؛ لِأَنَّهَا تَطُوفُ، وَلِعَدَمِ إمْكَانِ التَّحَرُّزِ مِنْهَا كَحَشَرَاتِ الْأَرْضِ، كَالْحَيَّةِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مِثْلَ الْهِرِّ كَالْهِرِّ. وَقَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: يُكْرَهُ سُؤْرُ الْفَأْرِ؛ لِأَنَّهُ يُنْسِي. وَحَكَى رِوَايَةً، قَالَ فِي الْحَاوِيَيْنِ: وَسُؤْرُ الْفَأْرِ مَكْرُوهٌ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، قَالَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ: يُكْرَهُ فِي الْأَشْهَرِ. وَأَطْلَقَ الزَّرْكَشِيُّ فِي كَرَاهَةِ سُؤْرِ مَا دُونَ الْهِرِّ رِوَايَتَيْنِ، الثَّانِيَةُ: لَوْ وَقَعَتْ هِرَّةٌ، أَوْ فَأْرَةٌ، أَوْ نَحْوُهَا مِمَّا يَنْضَمُّ دُبُرُهُ إذَا وَقَعَ فِي مَائِعٍ فَخَرَجَتْ حَيَّةً. فَهُوَ طَاهِرٌ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، نَصَّ عَلَيْهِ. وَقِيلَ: لَا. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُذْهَبِ، وَالْحَاوِيَيْنِ. وَكَذَا الْحُكْمُ لَوْ وَقَعَتْ فِي جَامِدٍ، وَإِنْ وَقَعَتْ وَمَعَهَا رُطُوبَةٌ فِي دَقِيقٍ وَنَحْوِهِ: أُلْقِيَتْ وَمَا حَوْلَهَا، وَإِنْ اخْتَلَطَ وَلَمْ يَنْضَبِطْ حَرُمَ. نَقَلَهُ صَالِحٌ وَغَيْرُهُ. وَتَقَدَّمَ مَا حَدُّ الْجَامِدِ مِنْ الْمَائِعِ عِنْدَ قَوْلِهِ " وَلَا تَطْهُرُ الْأَدْهَانُ النَّجِسَةُ " وَتَقَدَّمَ اخْتِيَارُ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ، وَصَاحِبِ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ فِي آخِرِ مَا يُعْفَى عَنْهُ. الثَّالِثَةُ: لَوْ أَكَلَتْ الْهِرَّةُ نَجَاسَةً، ثُمَّ وَلَغَتْ فِي مَاءٍ يَسِيرٍ. فَلَا يَخْلُو: إمَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بَعْدَ غَيْبَتِهَا أَوْ قَبْلَهَا. فَإِنْ كَانَ بَعْدَهَا: فَالْمَاءُ طَاهِرٌ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، جَزَمَ بِهِ فِي الْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْكَافِي، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ، وَغَيْرِهِمْ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَاخْتَارَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ. وَقِيلَ نَجِسٌ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ، وَالزَّرْكَشِيُّ،
وَغَيْرِهِمْ. وَقَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: وَالْأَقْوَى عِنْدِي: أَنَّهَا إنْ وَلَغَتْ عَقِيبَ الْأَكْلِ نَجِسٌ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ بِزَمَنٍ يَزُولُ فِيهِ أَثَرُ النَّجَاسَةِ بِالرِّيقِ: لَمْ يَنْجُسْ. قَالَ: وَكَذَلِكَ يَقْوَى عِنْدِي جَعْلُ الرِّيقِ مُطَهِّرًا أَفْوَاهَ الْأَطْفَالِ وَبَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ. كُلِّ بَهِيمَةٍ طَاهِرَةٍ كَذَلِكَ. انْتَهَى، وَاخْتَارَهُ فِي الْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَجَزَمَ فِي الْفَائِقِ: أَنَّ أَفْوَاهَ الْأَطْفَالِ وَالْبَهَائِمِ طَاهِرَةٌ، وَاخْتَارَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ. وَنَقَلَ أَنَّ ابْنَةَ الْمُوَفَّقِ نَقَلَتْ أَنَّ أَبَاهَا سُئِلَ عَنْ أَفْوَاهِ الْأَطْفَالِ؟ فَقَالَ الشَّيْخُ: قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْهِرَّةِ «إنَّهَا مِنْ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ وَالطَّوَّافَاتِ» قَالَ الشَّيْخُ: هُمْ الْبَنُونَ وَالْبَنَاتُ. قَالَ: فَشَبَّهَ الْهِرَّ بِهِمْ فِي الْمَشَقَّةِ. انْتَهَى. وَقِيلَ: طَاهِرٌ إنْ غَابَتْ غَيْبَةً يُمْكِنُ وُرُودُهَا عَلَى مَا يُطَهِّرُ فَمَهَا، وَإِلَّا فَنَجِسٌ. وَقِيلَ: طَاهِرٌ إنْ كَانَتْ الْغَيْبَةُ قَدْرَ مَا يُطَهِّرُ فَمَهَا وَإِلَّا فَنَجِسٌ. ذَكَرَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَإِنْ كَانَ الْوُلُوغُ قَبْلَ غَيْبَتِهَا. فَقِيلَ: طَاهِرٌ، قَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَاخْتَارَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ. قَالَ الْآمِدِيُّ: هَذَا ظَاهِرُ مَذْهَبِ أَصْحَابِنَا. قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ. وَقِيلَ: نَجِسٌ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمُذْهَبِ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ. وَتَقَدَّمَ كَلَامُ الْمَجْدِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالْفُرُوعِ، وَالْكَافِي، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَالْفَائِقِ، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَغَيْرُهُمْ. الرَّابِعَةُ: سُؤْرُ الْآدَمِيِّ طَاهِرٌ مُطْلَقًا. وَعَنْهُ سُؤْرُ الْكَافِرِ نَجِسٌ. وَتَأَوَّلَهُ الْقَاضِي. وَهُمَا وَجْهَانِ مُطْلَقَانِ فِي الْحَاوِيَيْنِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. وَقَالَ: وَقِيلَ: إنْ لَابَسَ النَّجَاسَةَ غَالِبًا، أَوْ تَدَيَّنَ بِهَا، أَوْ كَانَ وَثَنِيًّا، أَوْ مَجُوسِيًّا، أَوْ يَأْكُلُ الْمَيْتَةَ النَّجِسَةَ: فَسُؤْرُهُ نَجِسٌ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَهِيَ رِوَايَةٌ مَشْهُورَةٌ مُخْتَارَةٌ لِكَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ. الْخَامِسَةُ: يُكْرَهُ سُؤْرُ الدَّجَاجَةِ إذَا لَمْ تَكُنْ مَضْبُوطَةً، نَصَّ عَلَيْهِ، قَالَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَغَيْرُهُ. وَتَقَدَّمَ أَوَّلَ الْبَابِ رِوَايَةٌ بِأَنَّ سُؤْرَ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ طَاهِرٌ. وَيَخْرُجُ مِنْ ذَلِكَ فِي كُلِّ حَيَوَانٍ نَجِسٍ.
باب الحيض
[بَابُ الْحَيْضِ] ِ فَائِدَتَانِ: إحْدَاهُمَا: قَوْلُهُ (هُوَ دَمُ طَبِيعَةٍ وَجِبِلَّةٍ) الْحَيْضُ دَمُ طَبِيعَةٍ وَجِبِلَّةٍ يُرْخِيهِ الرَّحِمُ. فَيَخْرُجُ مِنْ قَعْرِهِ عِنْدَ الْبُلُوغِ وَبَعْدَهُ فِي أَوْقَاتٍ خَاصَّةٍ، عَلَى صِفَةٍ خَاصَّةٍ، مَعَ الصِّحَّةِ وَالسَّلَامَةِ، لِحُكْمِ تَرْبِيَةِ الْوَلَدِ إنْ كَانَتْ حَامِلًا. وَلِذَلِكَ لَا تَحِيضُ. وَعِنْدَ الْوَضْعِ يَخْرُجُ مَا فَضَلَ عَنْ غِذَاءِ الْوَلَدِ، ثُمَّ يَقْلِبُهُ اللَّهُ لَبَنًا يَتَغَذَّى بِهِ الْوَلَدُ. وَلِذَلِكَ قَلَّ أَنْ تَحِيضَ مُرْضِعٌ. فَإِذَا خَلَتْ مِنْ حَمْلٍ وَرَضَاعٍ بَقِيَ ذَلِكَ الدَّمُ لَا مَصْرِفَ لَهُ. فَيَخْرُجُ عَلَى حَسَبِ الْعَادَةِ. وَالنِّفَاسُ: خُرُوجُ الدَّمِ مِنْ الْفَرْجِ لِلْوِلَادَةِ. وَالِاسْتِحَاضَةُ: دَمٌ يَخْرُجُ مِنْ عِرْقٍ. فَمُ ذَلِكَ الْعِرْقِ فِي أَدْنَى الرَّحِمِ دُونَ قَعْرِهِ. يُسَمَّى الْعَاذِلَ بِالْمُهْمَلَةِ وَالْمُعْجَمَةِ وَالْعَاذِرَ، لُغَةً فِيهِ. حَكَاهُمَا ابْنُ سِيدَهْ. وَالْمُسْتَحَاضَةُ: مَنْ عَبَرَ دَمُهَا أَكْثَرَ الْحَيْضِ. وَالدَّمُ الْفَاسِدُ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ. الثَّانِيَةُ: الْمَحِيضُ: مَوْضِعُ الْحَيْضِ عَلَى الصَّحِيحِ. وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ وَقَطَعَ بِهِ أَكْثَرُهُمْ وَقِيلَ: زَمَنُهُ. قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ. وَقَالَ قَوْمٌ: الْمَحِيضُ الْحَيْضُ. فَهُوَ مَصْدَرٌ وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: وَفَائِدَةُ كَوْنِ الْمَحِيضِ الْحَيْضُ، أَوْ مَوْضِعُهُ، إنْ قُلْنَا: هُوَ مَكَانَهُ. اخْتَصَّ التَّحْرِيمَ بِهِ، وَإِنْ قُلْنَا: هُوَ اسْمٌ لِلدَّمِ جَازَ أَنْ يَنْصَرِفَ إلَى مَا عَدَاهُ قَوْلُهُ (وَيَمْنَعُ عَشْرَةَ أَشْيَاءَ: فِعْلُ الصَّلَاةِ، وَوُجُوبِهَا) . وَهَذَا بِلَا نِزَاعٍ. وَلَا تَقْضِيهَا إجْمَاعًا. قِيلَ لِأَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ: فَإِنْ أَحَبَّتْ أَنْ تَقْضِيَهَا؟ قَالَ: لَا، هَذَا خِلَافُ السُّنَّةِ، وَيَأْتِي فِي أَوَّلِ كِتَابِ الصَّلَاةِ: هَلْ تَقْضِي النُّفَسَاءُ إذَا طَرَحَتْ نَفْسَهَا. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَظَاهِرُ النَّهْيِ: التَّحْرِيمُ. وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ يَكُونُ. لَكِنَّهُ بِدْعَةٌ. قَالَ: وَلَعَلَّ الْمُرَادَ إلَّا رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ؛ لِأَنَّهَا نُسُكٌ لَا آخِرَ لِوَقْتِهِ. فَيُعَايَى بِهَا. انْتَهَى.
قُلْت: وَفِي هَذِهِ الْمُعَايَاةِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ. قَالَ فِي النُّكَتِ: وَيَمْنَعُ صِحَّةَ الطَّهَارَةِ بِهِ. صَرَّحَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ. قُلْت: صَرَّحَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِي الْكَافِي، وَالْمُغْنِي، وَالشَّارِحُ، وَابْنُ حَمْدَانَ فِي رِعَايَتِهِ الْكُبْرَى، وَصَاحِبُ الْفَائِقِ، وَالْفُرُوعِ، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَغَيْرِهِمْ. وَيَأْتِي قَرِيبًا وَجْهٌ: أَنَّهَا إذَا تَوَضَّأَتْ لَا تُمْنَعُ مِنْ اللُّبْثِ فِي الْمَسْجِدِ، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْوُضُوءَ مِنْهَا: يُفِيدُ حُكْمًا. وَتَقَدَّمَ: هَلْ يَصِحُّ الْغُسْلُ مَعَ قِيَامِ الْحَيْضِ؟ فِي بَابِ الْغُسْلِ. قَوْلُهُ (وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ) . تُمْنَعُ الْحَائِضُ مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ مُطْلَقًا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ. وَقِيلَ: لَا تُمْنَعُ مِنْهُ، وَحَكَى رِوَايَةً. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَهُوَ بَعِيدُ الْأَثَرِ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. وَمَنَعَ مِنْ قِرَاءَةِ الْجُنُبِ. وَقَالَ: إنْ ظَنَّتْ نِسْيَانَهُ وَجَبَتْ الْقِرَاءَةُ، وَاخْتَارَهُ أَيْضًا فِي الْفَائِقِ. وَنَقَلَ الشَّالَنْجِيُّ: كَرَاهَةَ الْقِرَاءَةِ لَهَا وَلِلْجُنُبِ. وَعَنْهُ لَا يَقْرَآنِ، وَهِيَ أَشَدُّ. فَعَلَى الْمَذْهَبِ: تَقَدَّمَ تَفَاصِيلُ مَا يَقْرَأُ مَنْ لَزِمَهُ الْغُسْلُ، وَهِيَ مِنْهُمْ، فِي أَثْنَاءِ بَابِهِ، فَلْيُعَاوَدْ. قَوْلُهُ (وَاللُّبْثُ فِي الْمَسْجِدِ) . تُمْنَعُ الْحَائِضُ مِنْ اللُّبْثِ فِي الْمَسْجِدِ مُطْلَقًا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ. وَقِيلَ: لَا تُمْنَعُ إذَا تَوَضَّأَتْ وَأَمِنَتْ التَّلْوِيثَ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي بَابِ الْغُسْلِ، حَيْثُ قَالَ " وَمَنْ لَزِمَهُ الْغُسْلُ حَرُمَ عَلَيْهِ قِرَاءَةُ آيَةٍ. وَيَجُوزُ لَهُ الْعُبُورُ فِي الْمَسْجِدِ. وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ اللُّبْثُ فِيهِ، إلَّا أَنْ يَتَوَضَّأَ " فَظَاهِرُهُ: دُخُولُ الْحَائِضِ فِي هَذِهِ الْعِبَارَةِ، لَكِنْ نَقُولُ: عُمُومُ ذَلِكَ اللَّفْظِ مَخْصُوصٌ بِمَا هُنَا وَأَطْلَقَهُمَا فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ. تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ. أَنَّهَا لَا تُمْنَعُ مِنْ الْمُرُورِ مِنْهُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا إذَا أَمِنَتْ التَّلْوِيثَ. وَقِيلَ: تُمْنَعُ مِنْ الْمُرُورِ. وَحَكَى رِوَايَةً. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الرِّعَايَةِ. وَقِيلَ: لَهَا الْعُبُورُ لِتَأْخُذَ شَيْئًا، كَمَاءٍ وَحَصِيرٍ وَنَحْوِهَا. لَا لِتَتْرُكَ فِيهِ
شَيْئًا، كَنَعْشٍ وَنَحْوِهِ. وَقَدَّمَ ابْنُ تَمِيمٍ جَوَازَ دُخُولِ الْمَسْجِدِ لَهَا لِحَاجَةٍ. وَأَمَّا إذَا خَافَتْ تَلْوِيثَهُ: لَمْ يَجُزْ لَهَا الْعُبُورُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: تُمْنَعُ فِي الْأَشْهَرِ. وَقِيلَ: لَا تُمْنَعُ. وَنَصَّ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ إبْرَاهِيمَ: تَمُرُّ، وَلَا تَقْعُدُ وَتَقَدَّمَ فِي بَابِ الْغُسْلِ مَا يُسَمَّى مَسْجِدًا وَمَا لَيْسَ بِمَسْجِدٍ. وَتَقَدَّمَ أَيْضًا هُنَاكَ: إذَا انْقَطَعَ دَمُهَا وَتَوَضَّأَتْ مَا حُكْمُهُ؟ قَوْلُهُ (وَالطَّوَافُ) . فِي الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ الْحَائِضَ تُمْنَعُ مِنْ الطَّوَافِ مُطْلَقًا. وَلَا يَصِحُّ مِنْهَا. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ. وَعَنْهُ: يَصِحُّ، وَتَجْبُرُهُ بِدَمٍ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْقَاضِي. وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ جَوَازَهُ لَهَا عِنْدَ الضَّرُورَةِ. وَلَا دَمَ عَلَيْهَا وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ بِزِيَادَةٍ فِي آخِرِ بَابِ نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ، عِنْدَ قَوْلِهِ " وَمَنْ أَحْدَثَ حَرُمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالطَّوَافُ " وَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ أَيْضًا فِي بَابِ دُخُولِ مَكَّةَ بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا. قَوْلُهُ (وَسُنَّةُ الطَّلَاقِ) ، الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ الْحَيْضَ يَمْنَعُ سُنَّةَ الطَّلَاقِ مُطْلَقًا. وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ. وَقِيلَ: لَا يَمْنَعُهُ إذَا سَأَلَتْهُ الطَّلَاقَ بِغَيْرِ عِوَضٍ. وَقَالَ فِي الْفَائِقِ: وَيَتَوَجَّهُ إبَاحَتُهُ حَالَ الشِّقَاقِ. فَائِدَةٌ: لَوْ سَأَلَتْهُ الْخُلْعَ أَوْ الطَّلَاقَ بِعِوَضٍ لَمْ يَمْنَعْ مِنْهُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. وَقِيلَ: يَمْنَعُ. وَإِلَيْهِ مَيْلُ الزَّرْكَشِيّ. وَحَكَى فِي الْوَاضِحِ فِي الْخُلْعِ رِوَايَتَيْنِ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: لَا يَحْرُمُ الْفَسْخُ. وَأَصْلُ ذَلِكَ: أَنَّ الطَّلَاقَ فِي الْحَيْضِ، هَلْ هُوَ مُحَرَّمٌ لِحَقِّ اللَّهِ، فَلَا يُبَاحُ وَإِنْ سَأَلَتْهُ. أَوْ لِحَقِّهَا، فَيُبَاحُ بِسُؤَالِهَا؟ فِيهِ وَجْهَانِ، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَالْأَوَّلُ ظَاهِرُ إطْلَاقِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَيَأْتِي تَفَاصِيلُ ذَلِكَ فِي بَابِ سُنَّةِ الطَّلَاقِ وَبِدْعَتِهِ وَتَقَدَّمَ هَلْ يَصِحُّ غُسْلُهَا مِنْ الْجَنَابَةِ فِي حَالِ حَيْضِهَا؟ فِي بَابِ الْغُسْلِ بَعْدَ قَوْلِهِ " وَالْخَامِسُ الْحَيْضُ "
قَوْلُهُ (وَالنِّفَاسُ مِثْلُهُ إلَّا فِي الِاعْتِدَادِ) . وَيُسْتَثْنَى أَيْضًا كَوْنُ النِّفَاسِ لَا يُوجِبُ الْبُلُوغَ، لِأَنَّهُ يَحْصُلُ قَبْلَ النِّفَاسِ بِمُجَرَّدِ الْحَمْلِ، عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي بَابِ الْحَجْرِ. وَهَذَا الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا فِي ذَلِكَ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَقِيلَ: لَا تُمْنَعُ مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَإِنْ مَنَعْنَا الْحَائِضَ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفَائِقِ. وَنَقَلَ ابْنُ ثَوَابٍ: تَقْرَأُ النُّفَسَاءُ إذَا انْقَطَعَ دَمُهَا دُونَ الْحَائِضِ، وَاخْتَارَهُ الْخَلَّالُ. وَقَالَ فِي النُّكَتِ: قَدْ يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ بَعْضِ الْأَصْحَابِ إيمَاءً إلَى أَنَّ الْكَفَّارَةَ تَجِبُ بِوَطْءِ النُّفَسَاءِ رِوَايَةً وَاحِدَةً، بِخِلَافِ الْحَيْضِ. وَذَلِكَ لِأَنَّ دَوَاعِيَ الْجِمَاعِ فِي النِّفَاسِ تَقْوَى لِطُولِ مُدَّتِهِ غَالِبًا. فَنَاسَبَ تَأْكِيدَ الزَّاجِرِ بِخِلَافِ الْحَيْضِ. قَالَ: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْمُحَرَّرِ. وَاَلَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالْأَصْحَابُ: إنَّ وَطْءَ النُّفَسَاءِ كَوَطْءِ الْحَائِضِ فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ؛ لِأَنَّ الْحَيْضَ هُوَ الْأَصْلُ فِي الْوُجُوبِ. قَالَ: وَلَعَلَّ صَاحِبَ الْمُحَرَّرِ فَرَّعَ عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ فِي الْحَائِضِ. قَوْلُهُ (وَإِذَا انْقَطَعَ الدَّمُ أُبِيحَ فِعْلُ الصِّيَامِ وَالطَّلَاقِ) . وَهَذَا الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ. وَقِيلَ: لَا يُبَاحَانِ حَتَّى تَغْتَسِلَ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الطَّلَاقِ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَابْنُ تَمِيمٍ. وَقَالَ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ: أُبِيحَ الصَّوْمُ، وَلَمْ تُبَحْ سَائِرُ الْمُحَرَّمَاتِ. قَوْلُهُ (وَلَمْ يُبَحْ غَيْرُهُمَا حَتَّى تَغْتَسِلَ) ، هَذَا الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ. وَعَنْهُ تُبَاحُ الْقِرَاءَةُ قَبْلَ الِاغْتِسَالِ، اخْتَارَهَا الْقَاضِي. وَقَالَ: هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ. وَهِيَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. وَمَنْ يَقُولُ: تَقْرَأُ الْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ حَالَ جَرَيَانِ الدَّمِ، فَهُنَا أَوْلَى. وَقِيلَ: يُبَاحُ لِلنُّفَسَاءِ دُونَ الْحَائِضِ، اخْتَارَهَا الْخَلَّالُ. وَتَقَدَّمَ رِوَايَةُ ابْنِ ثَوَابٍ. فَأَطْلَقَهُنَّ ابْنُ تَمِيمٍ. تَنْبِيهٌ: شَمِلَ كَلَامُهُ مَنْعَ الْوَطْءِ قَبْلَ الْغُسْلِ وَهُوَ صَحِيحٌ، لَكِنْ إنْ عَدِمَتْ
الْمَاءَ تَيَمَّمْت وَجَازَ لَهُ وَطْؤُهَا. فَلَوْ وُجِدَ الْمَاءُ حَرُمَ وَطْؤُهَا حَتَّى تَغْتَسِلَ. وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ. فَلَوْ امْتَنَعَتْ مِنْ الْغُسْلِ غُسِّلَتْ الْمُسْلِمَةُ قَهْرًا، وَلَا تُشْتَرَطُ النِّيَّةُ هُنَا لِلْعُذْرِ كَالْمُمْتَنِعِ مِنْ الزَّكَاةِ. قُلْت: فَيُعَايَى بِهَا، وَالصَّحِيحُ: أَنَّهَا لَا تُصَلِّي بِهَذَا الْغُسْلِ. ذَكَرَهُ أَبُو الْمَعَالِي فِي النِّهَايَةِ. وَتُغَسَّلُ الْمَجْنُونَةُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَتَنْوِيهٌ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُغَسِّلَهَا لِيَطَأَهَا، وَيَنْوِيَ غُسْلَهَا تَخْرِيجًا عَلَى الْكَافِرَةِ، وَيَأْتِي غُسْلُ الْكَافِرَةِ فِي بَابِ عِشْرَةِ النِّسَاءِ وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي فِيهِمَا: لَا نِيَّةَ لِعَدَمِ تَعَذُّرِهَا مَآلًا، بِخِلَافِ الْمَيِّتِ، وَأَنَّهَا تُعِيدُهُ إذَا أَفَاقَتْ وَأَسْلَمَتْ. وَكَذَا قَالَ الْقَاضِي فِي الْكَافِرَةِ. فَائِدَةٌ: لَوْ أَرَادَ وَطْئَهَا فَادَّعَتْ أَنَّهَا حَائِضٌ وَأَمْكَنَ قَبْلَهُ، نَصَّ عَلَيْهِ فِيمَا خَرَّجَهُ مِنْ مَحْبِسِهِ؛ لِأَنَّهَا مُؤْتَمَنَةٌ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ تَخْرِيجٌ مِنْ الطَّلَاقِ. وَأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ تَعْمَلَ بِقَرِينَةٍ وَأَمَارَةٍ. قُلْت: مُرَادُهُ بِالتَّخْرِيجِ مِنْ الطَّلَاقِ، لَوْ قَالَتْ: قَدْ حِضْت وَكَذَّبَهَا فِيمَا إذَا عَلَّقَ طَلَاقَهَا عَلَى الْحَيْضَةِ. فَإِنَّ هُنَاكَ رِوَايَةً: لَا يُقْبَلُ قَوْلُهَا. وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ. وَإِلَيْهِ مَيْلُ الشَّارِحِ، وَهُوَ الصَّوَابُ. فَخَرَّجَ صَاحِبُ الْفُرُوعِ مِنْ هُنَاكَ رِوَايَةً إلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. وَمَا هُوَ بِبَعِيدٍ. قَوْلُهُ (وَيَجُوزُ أَنْ يَسْتَمْتِعَ مِنْ الْحَائِضِ بِمَا دُونَ الْفَرْجِ) ، هَذَا الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا. وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. وَعَنْهُ لَا يَجُوزُ الِاسْتِمْتَاعُ بِمَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي النِّهَايَةِ. فَائِدَتَانِ إحْدَاهُمَا: قَالَ فِي النُّكَتِ: وَظَاهِرُ كَلَامِ إمَامِنَا وَأَصْحَابِنَا: لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَأْمَنَ عَلَى نَفْسِهِ مُوَاقَعَةَ الْمَحْظُورِ أَوْ يَخَافَ. وَقَطَعَ الْأَزَجِيُّ فِي نِهَايَتِهِ: بِأَنَّهُ إذَا
لَمْ يَأْمَنْ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ ذَلِكَ حَرُمَ عَلَيْهِ، لِئَلَّا يَكُونَ طَرِيقًا إلَى مُوَاقَعَةِ الْمَحْظُورِ. وَقَدْ يُقَالُ: يُحْمَلُ كَلَامُ غَيْرِهِ عَلَى هَذَا. انْتَهَى. قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ، الثَّانِيَةُ: يُسْتَحَبُّ سَتْرُ الْفَرْجِ عِنْدَ الْمُبَاشَرَةِ. وَلَا يَجِبُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: يَجِبُ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ حَامِدٍ. قَوْلُهُ (فَإِنْ وَطِئَهَا فِي الْفَرْجِ فَعَلَيْهِ نِصْفُ دِينَارٍ كَفَّارَةً) ، الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ عَلَيْهِ بِالْوَطْءِ فِي الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ كَفَّارَةً. وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ. وَعَنْهُ لَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا التَّوْبَةُ فَقَطْ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ، وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ فِي التَّنْبِيهِ، وَابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ، وَإِلَيْهِ مَيْلُ الْمُصَنِّفِ. وَالشَّارِحِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، وَالْهِدَايَةِ، وَالتَّلْخِيصِ. فَعَلَى الْمَذْهَبِ: جَزَمَ الْمُصَنِّفُ هُنَا: أَنَّ عَلَيْهِ نِصْفَ دِينَارٍ، وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، جَزَمَ بِهِ فِي الْإِفَادَاتِ، وَالْمُحَرَّرِ. وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ. وَعَنْهُ عَلَيْهِ دِينَارٌ أَوْ نِصْفُ دِينَارٍ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْفُصُولِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْبُلْغَةِ، وَنِهَايَةِ ابْنِ رَزِينٍ. وَقَالَ الشَّارِحُ: ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ فِي الْكَفَّارَةِ: دِينَارٌ أَوْ نِصْفُ دِينَارٍ، عَلَى وَجْهِ التَّخْيِيرِ. وَصَحَّحَهُ فِي الْمُغْنِي. قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ: يُجْزِئُ نِصْفُ دِينَارٍ. وَالْكَمَالُ دِينَارٌ. قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: هَذَا أَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى وَالنَّظْمِ، وَابْنُ عُبَيْدَانِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ. وَالْفُرُوعِ وَقَالَ: نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ عَنْ أَحْمَدَ. قُلْت: وَيَحْتَمِلُهُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ هُنَا. فَعَلَيْهَا لَوْ كَفَّرَ بِدِينَارٍ كَانَ الْكُلُّ وَاجِبًا. وَخَرَّجَ ابْنُ رَجَبٍ فِي قَوَاعِدِهِ وَجْهًا: أَنَّ نِصْفَهُ غَيْرُ وَاجِبٍ. انْتَهَى. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: عَلَيْهِ دِينَارٌ كَفَّارَةً. وَعَنْهُ عَلَيْهِ نِصْفُ دِينَارٍ فِي إدْبَارِهِ، وَدِينَارٌ فِي إقْبَالِهِ. وَعَنْهُ عَلَيْهِ نِصْفُ دِينَارٍ إذَا وَطِئَهَا فِي دَمٍ أَصْفَرَ، وَدِينَارٌ إنْ وَطِئَهَا
فِي دَمٍ أَسْوَدَ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَالْأَحْمَرُ وَالْأَسْوَدُ سَوَاءٌ. وَعَنْهُ عَلَيْهِ نِصْفُ دِينَارٍ فِي آخِرِهِ أَوْ أَوْسَطِهِ، وَدِينَارٌ فِي أَوَّلِهِ. ذَكَرَهَا فِي الرِّعَايَةِ. وَذَكَرَ أَبُو الْفَرْجِ: عَلَيْهِ نِصْفُ دِينَارٍ لِعُذْرٍ. وَقِيلَ: إنْ عَجَزَ عَنْ دِينَارٍ أَجْزَأَ نِصْفُ دِينَارٍ. وَوُجُوبُ الْكَفَّارَةِ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. فَوَائِدُ الْأُولَى: لَوْ وَطِئَهَا بَعْدَ انْقِطَاعِ الدَّمِ وَقَبْلَ غُسْلِهَا: فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ. وَقِيلَ: هُوَ كَالْوَطْءِ فِي حَالِ جَرَيَانِ الدَّمِ. وَيَأْتِي آخِرَ الْبَابِ: إذَا وَطِئَ الْمُسْتَحَاضَةَ مِنْ غَيْرِ خَوْفِ الْعَنَتِ وَيَأْتِي فِي عِشْرَةِ النِّسَاءِ: إذَا امْتَنَعَتْ الذِّمِّيَّةُ مِنْ غُسْلِ الْحَيْضِ. هَلْ يُبَاحُ وَطْؤُهَا أَمْ لَا؟ الثَّانِيَةُ: يَلْزَمُ الْمَرْأَةَ كَفَّارَةٌ كَالرَّجُلِ إنْ طَاوَعَتْهُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. وَعَنْهُ: لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِمَا وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْحَاوِي. وَقِيلَ: عَلَيْهِمَا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ يَشْتَرِكَانِ فِيهَا. قَالَ ابْنُ عُبَيْدَانِ: ذَكَرَهُ شَيْخُنَا فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ. وَأَمَّا إذَا أُكْرِهَتْ: فَإِنَّهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهَا الثَّالِثَةُ: الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ الْجَاهِلَ بِالْحَيْضِ أَوْ بِالتَّحْرِيمِ أَوْ بِهِمَا وَالنَّاسِي كَالْعَامِدِ، نَصَّ عَلَيْهِ. وَكَذَا لَوْ أُكْرِهَ الرَّجُلُ. وَعَنْهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ. وَاخْتَارَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ مَعَ الْعُذْرِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُغْنِي وَالتَّلْخِيصِ. وَقَالَ فِي الْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ: إذَا أَوْجَبْنَا الْكَفَّارَةَ عَلَى الْعَالِمِ، فَفِي وُجُوبِهَا عَلَى الْجَاهِلِ رِوَايَتَانِ. وَقِيلَ: وَجْهَانِ، قَالَ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ عَنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ: بِنَاءً عَلَى الصَّوْمِ وَالْإِحْرَامِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَبَانَ بِهَذَا: أَنَّ مَنْ كَرَّرَ الْوَطْءَ فِي حَيْضَةٍ أَوْ حَيْضَتَيْنِ: أَنَّهُ فِي تَكْرَارِ الْكَفَّارَةِ كَالصَّوْمِ. الرَّابِعَةُ: يَلْزَمُ الصَّبِيَّ كَفَّارَةٌ بِوَطْئِهِ فِيهِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَابْنُ عُبَيْدَانِ. قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: انْبَنَى عَلَى وَطْءِ الْجَاهِلِ.
وَاخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ. وَقِيلَ: لَا يَلْزَمُهُ، وَهُوَ احْتِمَالُ الْمُصَنِّفِ فِي الْمُغْنِي، وَقَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ. قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ. وَصَحَّحَهُ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ فِي حَوَاشِي الْفُرُوعِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَالْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ، وَالْفَائِقِ. وَحَكَاهُمَا رِوَايَتَيْنِ، الْخَامِسَةُ: لَا يَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ بِالْوَطْءِ فِي الدُّبُرِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَعَنْهُ يَلْزَمُهُ. ذَكَرَهَا ابْنُ الْجَوْزِيِّ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ. السَّادِسَةُ: لَوْ وَطِئَهَا وَهِيَ طَاهِرَةٌ فَحَاضَتْ فِي أَثْنَاءِ وَطْئِهِ. فَإِنْ اسْتَدَامَ: لَزِمَهُ الْكَفَّارَةُ، وَإِنْ نَزَعَ فِي الْحَالِ: انْبَنَى عَلَى أَنَّ النَّزْعَ هَلْ هُوَ جِمَاعٌ أَمْ لَا؟ فِيهِ وَجْهَانِ، يَأْتِي بَيَانُهُمَا فِي أَثْنَاءِ بَابِ مَا يُفْسِدُ الصَّوْمَ مُحَرَّرًا. فَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ جِمَاعٌ. تَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ، بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ بِهَا فِي الْمَعْذُورِ، وَالْجَاهِلِ وَالنَّاسِي، وَنَحْوِهِمَا كَمَا تَقَدَّمَ. وَعَلَى الْقَوْلِ الَّذِي اخْتَارَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى: لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ. وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ النَّزْعَ جِمَاعٌ أَيْضًا: لَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا، إنْ جَامَعْتُك: لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يُجَامِعَهَا أَبَدًا فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، خَشْيَةَ أَنْ يَقَعَ النَّزْعُ فِي غَيْرِ زَوْجَتِهِ. ذَكَرَهُ ابْنُ عُبَيْدَانِ. قُلْت: فَيُعَايَى بِهَا. وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ النَّزْعَ لَيْسَ بِجِمَاعٍ: لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ مُطْلَقًا. السَّابِعَةُ: لَوْ لَفَّ عَلَى ذَكَرِهِ خِرْقَةً. ثُمَّ وَطِئَ فَهُوَ كَالْوَطْءِ بِلَا خِرْقَةٍ، جَزَمَ بِهِ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَغَيْرُهُمْ. الثَّامِنَةُ: ظَاهِرُ قَوْلِهِ " فَعَلَيْهِ نِصْفُ دِينَارٍ كَفَّارَةً " أَنَّ الْمَخْرَجَ كَفَّارَةٌ. فَتُصْرَفُ مَصْرِفَ سَائِرِ الْكَفَّارَاتِ، وَهُوَ صَحِيحٌ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ كَفَّارَةٌ. قَالَ
أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ: يَجُوزُ دَفْعُهَا إلَى مِسْكِينٍ وَاحِدٍ كَنَذْرٍ مُطْلَقٍ. وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَجْهًا: أَنَّهُ يَجُوزُ صَرْفُهُ أَيْضًا إلَى مَنْ لَهُ أَخْذُ الزَّكَاةِ لِلْحَاجَةِ. قَالَ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ: وَكَذَا الصَّدَقَةُ الْمُطْلَقَةُ. التَّاسِعَةُ: لَوْ عَجَزَ عَنْ التَّكْفِيرِ لَمْ تَسْقُطْ عَنْهُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ. وَفِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ فِي بَابِ مَا يُفْسِدُ الصَّوْمَ. فَإِنَّهُ قَالَ: وَتَسْقُطُ كَفَّارَةُ الْوَطْءِ فِي رَمَضَانَ بِالْعَجْزِ، وَلَا تَسْقُطُ غَيْرُهَا بِالْعَجْزِ. مِثْلُ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ وَالْيَمِينِ، وَكَفَّارَاتِ الْحَجِّ وَنَحْوِ ذَلِكَ، نَصَّ عَلَيْهِ، قَالَ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ: وَعَلَيْهِ أَصْحَابُنَا. انْتَهَى. وَيَأْتِي ذَلِكَ هُنَاكَ أَيْضًا. وَعَنْهُ تَسْقُطُ، اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ. وَصَحَّحَهُ فِي التَّلْخِيصِ، وَالْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَصَاحِبُ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ هُنَاكَ: وَذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ تَسْقُطُ كَفَّارَةُ وَطْءِ الْحَائِضِ بِالْعَجْزِ عَلَى الْأَصَحِّ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ هُنَا، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَالْفَائِقِ. وَعَنْهُ تَسْقُطُ بِالْعَجْزِ عَنْهَا كُلِّهَا لَا عَنْ بَعْضِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُدْرِكُ فِيهَا. وَيَأْتِي ذَلِكَ أَيْضًا فِي بَابِ مَا يُفْسِدُ الصَّوْمَ. الْعَاشِرَةُ: يُجْزِئُهُ أَنْ يُخْرِجَ الْكَفَّارَةَ مِنْ أَيِّ ذَهَبٍ كَانَ، إذَا كَانَ صَافِيًا خَالِيًا مِنْ الْغِشِّ، تِبْرًا كَانَ أَوْ مَضْرُوبًا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ. مِنْهُمْ الْمُصَنِّفُ، وَالْمَجْدُ، وَالشَّارِحُ، وَغَيْرُهُمْ. وَقَالَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ: وَيَتَوَجَّهُ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ إلَّا الْمَضْرُوبُ؛ لِأَنَّ الدِّينَارَ اسْمٌ لِلْمَضْرُوبِ خَاصَّةً، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ أَظْهَرُ، الْحَادِيَةَ عَشَرَ: لَا يُجْزِئُ إخْرَاجُ الْقِيمَةِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ، وَصَاحِبُ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: هُوَ فِي إخْرَاجِ الْقِيمَةِ كَالزَّكَاةِ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. قَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ: الْأَظْهَرُ لَا يُجْزِئُ كَزَكَاةٍ. وَقِيلَ: يُجْزِئُ كَالْخَرَاجِ وَالْجِزْيَةِ. صَحَّحَهُ فِي الْفَائِقِ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي
الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَابْنُ عُبَيْدَانِ، وَالْفُرُوعِ. فَعَلَى الْأُولَى: يُجْزِئُ إخْرَاجُ الْفِضَّةِ عَنْ الذَّهَبِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، صَحَّحَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْفَائِقِ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ، وَقَطَعَ بِهِ الْقَاضِي مُحِبُّ الدِّينِ بْنُ نَصْرِ اللَّهِ فِي حَوَاشِيهِ. وَقَالَ: مَحَلُّ الْخِلَافِ فِي غَيْرِهِمَا. وَلَيْسَ كَمَا قَالَ. وَقِيلَ: لَا يُجْزِئُ. حَكَاهُ فِي الْمُغْنِي وَغَيْرِهِ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: هَلْ الدِّينَارُ هُنَا عَشْرَةُ دَرَاهِمَ، أَوْ اثْنَا عَشَرَ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَمُرَادُهُ إذَا أَخْرَجَ دَرَاهِمَ: كَمْ يُخْرِجُ؟ وَإِلَّا فَلَا أَخْرَجَ ذَهَبًا لَمْ تُعْتَبَرْ قِيمَتُهُ بِلَا شَكٍّ. انْتَهَى. قَوْلُهُ (وَأَقَلُّ سِنٍّ تَحِيضُ لَهُ الْمَرْأَةُ: تِسْعُ سِنِينَ) هَذَا الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ. وَعَنْهُ أَقَلُّهُ عَشْرُ سِنِينَ، وَهُوَ احْتِمَالٌ فِي مُخْتَصَرِ ابْنِ تَمِيمٍ. وَعَنْهُ أَقَلُّهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ سَنَةً. وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: أَنَّهُ لَا أَقَلَّ لِسِنِّ الْحَيْضِ. فَائِدَةٌ: حَيْثُ قُلْنَا: أَقَلُّ سِنٍّ تَحِيضُ لَهُ كَذَا. فَهُوَ تَحْدِيدٌ. فَلَا بُدَّ مِنْ تَمَامِ تِسْعِ سِنِينَ، أَوْ عَشْرَةٍ، أَوْ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً. إنْ قُلْنَا بِهِ. وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ، جَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالْفُصُولِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالْإِفَادَاتِ، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَالْفَائِقِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ، وَابْنُ عُبَيْدَانِ. [فِي الْإِرْشَادِ وَالْمُبْهِجِ، وَالْهِدَايَةِ، وَالْفُصُولِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْكَافِي، وَالْمُغْنِي، وَالْمُقْنِعِ، وَالْهَادِي، وَالْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَالْوَجِيزِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ، وَالنِّهَايَةِ، وَالْفَائِقِ، وَإِدْرَاكِ الْعِنَايَةِ] . وَحُمِلَ عَلَيْهِ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ عَلَيْهِ، وَغَيْرِهِمْ. قَالَ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْوَجِيزِ، وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ، وَغَيْرِهِمْ: تَحِيضُ قَبْلَ تَمَامِ تِسْعِ سِنِينَ، وَقِيلَ تَقْرِيبًا [وَصَرَّحَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَمُخْتَصَرِ ابْنِ تَمِيمٍ، وَالْبُلْغَةِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَغَيْرِهِمْ. وَقِيلَ تَقْرِيبًا] قُلْت: وَالنَّفْسُ تَمِيلُ إلَيْهِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ بِقِيلِ وَقِيلَ.
قَوْلُهُ (وَأَكْثَرُهُ خَمْسُونَ سَنَةً) هَذَا الْمَذْهَبُ جَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمَذَاهِبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمَذْهَبِ الْأَحْمَدِ، وَالطَّرِيقِ الْأَقْرَبِ، وَالْهَادِي، وَالْخُلَاصَةِ، وَالتَّرْغِيبِ، وَنَظْمِ نِهَايَةِ ابْنِ رَزِينٍ، وَالْإِفَادَاتِ، وَنَظْمِ الْمُفْرَدَاتِ، وَهُوَ مِنْهَا، قَالَ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ: هُوَ اخْتِيَارُ عَامَّةِ الْمَشَايِخِ. قَالَ فِي الْبُلْغَةِ: هَذَا أَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ. وَصَحَّحَهُ فِي تَصْحِيحِ الْمُحَرَّرِ. قَالَ ابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ: هَذَا الْمَذْهَبُ، قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: هَذَا أَشْهَرُ الرِّوَايَاتِ، قَالَ فِي نِهَايَةِ ابْنِ رَزِينٍ: أَكْثَرُهُ خَمْسُونَ فِي الْأَظْهَرِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُبْهِجِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَشَرْحِ الْهِدَايَةِ لِلْمَجْدِ، وَالنَّظْمِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: اخْتَارَهَا الشِّيرَازِيُّ، وَعَنْهُ أَكْثَرُهُ سِتُّونَ سَنَةً، جَزَمَ بِهِ فِي الْإِرْشَادِ، وَالْإِيضَاحِ، وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَقِيلٍ. وَعُمْدَةِ الْمُصَنِّفِ، وَالْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ، وَالتَّسْهِيلِ، وَقَدَّمَهُ أَبُو الْخَطَّابِ فِي رُءُوسِ الْمَسَائِلِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ. قَالَ فِي النِّهَايَةِ: وَهِيَ اخْتِيَارُ الْخَلَّالِ، وَالْقَاضِي. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْفُرُوعِ، وَشَرْحِ ابْنِ عُبَيْدَانَ. وَعَنْهُ سِتُّونَ فِي نِسَاءِ الْعَرَبِ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَعَنْهُ الْخَمْسُونَ لِلْعَجَمِ وَالنَّبَطِ، وَغَيْرِهِمْ. وَالسِّتُّونَ لِلْعَرَبِ وَنَحْوِهِمْ. وَأَطْلَقَهُنَّ الزَّرْكَشِيُّ. وَعَنْهُ بَعْدَ الْخَمْسِينَ: حَيْضٌ إنْ تَكَرَّرَ. ذَكَرَهُمَا الْقَاضِي وَغَيْرُهُ. وَصَحَّحَهُمَا فِي الْكَافِي. قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ، قَالَ فِي الْمُغْنِي فِي الْعَدَدِ، وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ مَتَى بَلَغَتْ خَمْسِينَ سَنَةً فَانْقَطَعَ حَيْضُهَا عَنْ عَادَتِهَا مَرَّاتٍ لِغَيْرِ سَبَبٍ: فَقَدْ صَارَتْ آيِسَةً، وَإِنْ رَأَتْ الدَّمَ بَعْدَ الْخَمْسِينَ عَلَى الْعَادَةِ الَّتِي كَانَتْ تَرَاهُ فِيهَا، فَهُوَ حَيْضٌ فِي الصَّحِيحِ. وَعَلَيْهِ فَلِلْمُصَنِّفِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ اخْتِيَارَاتٌ. وَعَنْهُ بَعْدَ الْخَمْسِينَ مَشْكُوكٌ فِيهِ. فَتَصُومُ وَتُصَلِّي، اخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ وَنَاظِمُهُ. قَالَ الْقَاضِي فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: هَذَا أَصَحُّ الرِّوَايَاتِ، وَاخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ الْخَلَّالُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِفَادَاتِ. فَعَلَيْهَا تَصُومُ وُجُوبًا عَلَى الصَّحِيحِ، قَدَّمَهُ
ابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَةُ. وَعَنْهُ اسْتِحْبَابًا. ذَكَرَهَا ابْنُ الْجَوْزِيِّ. وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: أَنَّهُ لَا حَدَّ لِأَكْثَرِ سِنِّ الْحَيْضِ. قَوْلُهُ (وَالْحَامِلُ لَا تَحِيضُ) ، هَذَا الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ. وَعَنْهُ أَنَّهَا تَحِيضُ. ذَكَرَهَا أَبُو الْقَاسِمِ، وَالْبَيْهَقِيُّ، وَاخْتَارَهَا الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَصَاحِبُ الْفَائِقِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهِيَ أَظْهَرُ، قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ. وَقَدْ وُجِدَ فِي زَمَنِنَا وَغَيْرِهِ: أَنَّهَا تَحِيضُ مِقْدَارَ حَيْضِهَا قَبْلَ ذَلِكَ. وَيَتَكَرَّرُ فِي كُلِّ شَهْرٍ عَلَى صِفَةِ حَيْضِهَا. وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ إِسْحَاقَ نَاظَرَ أَحْمَدَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَأَنَّهُ رَجَعَ إلَى قَوْلِ إِسْحَاقَ. رَوَاهُ الْحَاكِمُ. فَعَلَى الْمَذْهَبِ: تَغْتَسِلُ عِنْدَ انْقِطَاعِ مَا تَرَاهُ اسْتِحْبَابًا، نَصَّ عَلَيْهِ. وَقِيلَ: وُجُوبًا. وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ وَجْهَيْنِ. فَائِدَةٌ: لَوْ رَأَتْ الدَّمَ قَبْلَ وِلَادَتِهَا بِيَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ وَقِيلَ بِيَوْمَيْنِ فَقَطْ فَهُوَ نِفَاسٌ. وَلَكِنْ لَا يُحْسَبُ مِنْ الْأَرْبَعِينَ، وَهُوَ مِنْ مُفْرَدَاتِ الْمَذْهَبِ. وَيُعْلَمُ ذَلِكَ بِأَمَارَةٍ مِنْ الْمَخَاضِ وَنَحْوِهِ. أَمَّا مُجَرَّدُ رُؤْيَةِ الدَّمِ مِنْ غَيْرِ عَلَامَةٍ: فَلَا تُتْرَكُ لَهُ الْعِبَادَةُ. ثُمَّ إنْ تَبَيَّنَ قُرْبُهُ مِنْ الْوَضْعِ بِالْمُدَّةِ الْمَذْكُورَةِ: أَعَادَتْ مَا صَامَتْهُ مِنْ الْفَرْضِ فِيهِ. وَلَوْ رَأَتْهُ مَعَ الْعَلَامَةِ، فَتَرَكَتْ الْعِبَادَةَ، ثُمَّ تَبَيَّنَ بَعْدَهُ عَنْ الْوَضْعِ: أَعَادَتْ مَا تَرَكَتْهُ فِيهِ مِنْ وَاجِبٍ. فَإِنْ ظَهَرَ بَعْضُ الْوَلَدِ اُعْتُدَّ بِالْخَارِجِ مَعَهُ مِنْ الْمُدَّةِ فِي الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَقَدَّمَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَإِنْ خَرَجَ بَعْضُ الْوَلَدِ فَالدَّمُ الْخَارِجُ مَعَهُ قَبْلَ انْفِصَالِهِ نِفَاسٌ، يُحْسَبُ مِنْ الْمُدَّةِ. وَخَرَجَ أَنَّهُ كَدَمِ الطَّلْقِ. انْتَهَى. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَإِنْ خَرَجَ بَعْضُ الْوَلَدِ. فَالدَّمُ الْخَارِجُ مَعَهُ نِفَاسٌ. وَعَنْهُ: بَلْ فَسَادٌ. وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ، وَصَاحِبُ الْفَائِقِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ: وَأَوَّلُ مُدَّتِهِ مِنْ الْوَضْعِ وَيَأْتِي هَذَا أَيْضًا فِي النِّفَاسِ.
قَوْلُهُ (وَأَقَلُّ الْحَيْضِ: يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ) هَذَا الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. مِنْهُمْ: أَبُو بَكْرٍ فِي التَّنْبِيهِ. وَعَنْهُ يَوْمٌ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ. قَالَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ وَغَيْرِهِ. قَالَ الْخَلَّالُ: مَذْهَبُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ: أَنَّ أَقَلَّ الْحَيْضِ: يَوْمٌ. قَالَ فِي الْفُصُولِ: وَقَدْ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا: إنَّ إطْلَاقَهُ الْيَوْمَ يَكُونُ مَعَ لَيْلَتِهِ. فَلَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ فِي أَنَّهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ. انْتَهَى. قُلْت: مِنْهُمْ الْقَاضِي فِي كِتَابِ الرِّوَايَتَيْنِ، وَاخْتِيَارُ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ: أَنَّهُ لَا يَتَقَدَّرُ أَقَلُّ الْحَيْضِ وَلَا أَكْثَرُهُ، بَلْ كُلُّ مَا اسْتَقَرَّ عَادَةً لِلْمَرْأَةِ فَهُوَ حَيْضٌ، وَإِنْ نَقَصَ عَنْ يَوْمٍ، أَوْ زَادَ عَلَى الْخَمْسَةَ عَشَرَ، أَوْ السَّبْعَةَ عَشَرَ، مَا لَمْ تَصِرْ مُسْتَحَاضَةً. قَوْلُهُ (وَأَكْثَرُهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا) . هَذَا الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ. قَالَ الْخَلَّالُ: مَذْهَبُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ أَكْثَرَ الْحَيْضِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، لَا اخْتِلَافَ فِيهِ عِنْدَهُ. وَقِيلَ: خَمْسَةَ عَشَرَ وَلَيْلَةً، وَعَنْهُ سَبْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا. وَقِيلَ: وَلَيْلَةً. وَتَقَدَّمَ اخْتِيَارُ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ . قَوْلُهُ (وَأَقَلُّ الطُّهْرِ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ: ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا) هَذَا الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هُوَ الْمُخْتَارُ فِي الْمَذْهَبِ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. وَقِيلَ: خَمْسَةَ عَشَرَ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ فِي رِوَايَتَيْهِ: هَاتَانِ الرِّوَايَتَانِ مَبْنِيَّتَانِ عَلَى الْخِلَافِ فِي أَكْثَرِ الْحَيْضِ. فَإِذَا قِيلَ: أَكْثَرُهُ خَمْسَةَ عَشَرَ. فَأَقَلُّ الطُّهْرِ بَيْنَهُمَا: خَمْسَةَ عَشَرَ، وَإِنْ قِيلَ: أَكْثَرُهُ سَبْعَةَ عَشَرَ. فَأَقَلُّ الطُّهْرِ بَيْنَهُمَا: ثَلَاثَةَ عَشَرَ. [وَقَطَعَ بِهِ] الْقَاضِي فِي التَّعْلِيقِ، وَقَالَ قَالَهُ أَبُو بَكْرٍ فِي كِتَابِ الْقَوْلَيْنِ، وَالتَّنْبِيهِ وَقَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ. وَرَدَّهُ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ، وَالْمَشْهُورُ وَالْمُخْتَارُ عِنْدَ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ، مَا قُلْنَا أَوَّلًا: أَنَّ أَكْثَرَ الْحَيْضِ خَمْسَةَ عَشَرَ. وَأَقَلُّ الطُّهْرِ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ: ثَلَاثَةَ عَشَرَ. وَإِنَّمَا يَلْزَمُ مَا قَالُوا لَوْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ تَحِيضُ فِي كُلِّ شَهْرٍ حَيْضَةً، لَا تَزِيدُ عَنْ ذَلِكَ وَلَا تَنْقُصُ. وَالْوَاقِعُ قَطْعًا
بِخِلَافِ ذَلِكَ. وَقِيلَ: أَقَلُّ الطُّهْرِ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ: خَمْسَةَ عَشَرَ وَلَيْلَةً، وَعَنْهُ لَا حَدَّ لِأَقَلِّ الطُّهْرِ. رَوَاهَا جَمَاعَةٌ عَنْ أَحْمَدَ. قَالَهُ أَبُو الْبَرَكَاتِ، وَاخْتَارَهُ بَعْضُ الْأَصْحَابِ. قُلْت: وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَهُوَ الصَّوَابُ، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: لَا عِبْرَةَ بِحِكَايَةِ ابْنِ حَمْدَانَ ذَلِكَ قَوْلًا ثُمَّ تَخْطِئَتِهِ. وَعَنْهُ لَا تَوْقِيتَ فِيهِ إلَّا فِي الْعِدَّةِ. يَعْنِي إذَا ادَّعَتْ فَرَاغَ عِدَّتِهَا فِي شَهْرٍ. فَإِنَّهَا تُكَلَّفُ الْبَيِّنَةَ بِذَلِكَ عَلَى الْأَصَحِّ. فَائِدَةٌ: غَالِبُ الطُّهْرِ بَقِيَّةُ الشَّهْرِ. قَوْلُهُ (الْمُبْتَدَأَةُ) أَيْ الْمُبْتَدَأُ بِهَا الدَّمُ (تَجْلِسُ) اعْلَمْ أَنَّ الْمُبْتَدَأَةَ إذَا ابْتَدَأَتْ بِدَمٍ أَسْوَدَ جَلَسَتْهُ وَإِنْ ابْتَدَأَتْ بِدَمٍ أَحْمَرَ فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ كَالْأَسْوَدِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَأَكْثَرِ الْأَصْحَابِ، وَصَحَّحَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَصَاحِبُ الْفَائِقِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالْأَصَحُّ أَنَّ الْأَحْمَرَ إذَا رَأَتْهُ تَجْلِسُهُ كَالْأَسْوَدِ. وَقِيلَ: لَا تَجْلِسُ الدَّمَ الْأَحْمَرَ إذَا مَا قُدِّرَ، وَإِنْ أَجْلَسْنَاهَا الْأَسْوَدَ، اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ، وَابْنُ عَقِيلٍ. وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَا يُحْكَمُ بِبُلُوغِهَا إذَا رَأَتْ الدَّمَ الْأَحْمَرَ، وَإِنْ ابْتَدَأَتْ بِصُفْرَةٍ أَوْ كُدْرَةٍ، فَقِيلَ: إنَّهَا لَا تَجْلِسُهُ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، وَصَحَّحَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ. وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَةُ الْكُبْرَى، وَالْفَائِقُ، وَمَجْمَعُ الْبَحْرَيْنِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَصَحَّحَهُ عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى الصُّفْرَةِ وَالْكُدْرَةِ. وَقِيلَ: حُكْمُهُ حُكْمُ الدَّمِ الْأَسْوَدِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي. وَيَحْتَمِلُهُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ هُنَا وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَابْنِ رَزِينٍ، عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى الصُّفْرَةِ وَالْكُدْرَةِ وَصَحَّحَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. عِنْدَ أَحْكَامِ الصُّفْرَةِ وَالْكُدْرَةِ. فَنَاقَضَ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ وَالزَّرْكَشِيُّ. تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ قَوْلِهِ " وَالْمُبْتَدَأَةُ تَجْلِسُ " كَأَنَّهَا تَجْلِسُ بِمُجَرَّدِ مَا تَرَاهُ، وَهُوَ صَحِيحٌ
وَهُوَ الْمَذْهَبُ، نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ عَنْ أَحْمَدَ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ قَاطِبَةً. وَوَجَّهَ فِي الْفُرُوعِ احْتِمَالًا: أَنَّهَا لَا تَجْلِسُ إلَّا بَعْدَ مُضِيِّ أَقَلِّ الْحَيْضِ. قَوْلُهُ (تَجْلِسُ يَوْمًا وَلَيْلَةً) هَذَا الْمَذْهَبُ بِلَا رَيْبٍ. نُصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ، وَصَالِحٍ، وَالْمَرُّوذِيِّ. وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَهُوَ الْمُخْتَارُ لِلْأَصْحَابِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ، وَالشَّرْحِ، وَالْمُغْنِي، وَغَيْرِهِمْ: هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ. فَعَلَيْهِ تَفْعَلُ كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ. ثُمَّ تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي. فَإِنْ انْقَطَعَ دَمُهَا لِأَكْثَرِهِ فَمَا دُونَ: اغْتَسَلَتْ عِنْدَ انْقِطَاعِهِ. وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي الْمُبْتَدَأَةِ أَوَّلَ مَا تَرَى الدَّمَ الرِّوَايَاتِ الْأَرْبَعَ. إحْدَاهَا: تَجْلِسُ يَوْمًا وَلَيْلَةً. وَهِيَ الْمَذْهَبُ، كَمَا تَقَدَّمَ. وَالثَّانِيَةُ: تَجْلِسُ غَالِبَ الْحَيْضِ وَالثَّالِثَةُ: تَجْلِسُ عَادَةَ نِسَائِهَا. وَالرَّابِعَةُ: تَجْلِسُ إلَى أَكْثَرِهِ. اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ، وَصَاحِبُ الْفَائِقِ. تَنْبِيهٌ: أَثْبَتَ طَرِيقَةَ أَبِي الْخَطَّابِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَعْنِي: أَنَّ فِيهَا الرِّوَايَاتِ الْأَرْبَعَ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ، وَابْنُ أَبِي مُوسَى، وَابْنُ الزَّاغُونِيِّ، وَالْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي، وَالْكَافِي، وَالْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَالشَّارِحُ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَصَاحِبُ، الْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَصَاحِبُ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ. قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَابْنُ تَمِيمٍ: وَهِيَ أَصَحُّ. وَجَعَلَ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ فِي التَّذْكِرَةِ، وَالْمَجْدُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَصَاحِبُ الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَغَيْرُهُمْ وَهُوَ الَّذِي قَدَّمَهُ الْمُصَنِّفُ، وَابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ أَنَّ الْمُبْتَدَأَةَ تَجْلِسُ يَوْمًا وَلَيْلَةً، رِوَايَةً وَاحِدَةً وَأَطْلَقَهُمَا فِي التَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ. وَجُلُوسُهَا يَوْمًا وَلَيْلَةً قَبْلَ انْقِطَاعِهِ مِنْ مُفْرَدَاتِ الْمُذْهَبِ. قَوْلُهُ (وَتَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلَاثًا فَإِنْ كَانَ فِي الثَّلَاثِ عَلَى قَدْرٍ وَاحِدٍ: صَارَ عَادَةً. وَانْتَقَلَتْ إلَيْهِ) .
الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهَا لَا تَجْلِسُ مَا جَاوَزَ الْيَوْمَ وَاللَّيْلَةَ إلَّا بَعْدَ تَكْرَارِهِ ثَلَاثًا. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. فَتَجْلِسُ فِي الرَّابِعَةِ عَلَى الصَّحِيحِ وَقِيلَ: تَجْلِسُهُ فِي الثَّالِثَةِ. قَالَهُ الْقَاضِي فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ. وَعَنْهُ يَصِيرُ عَادَةً بِمَرَّتَيْنِ. قَدَّمَهُ فِي تَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ. فَتَجْلِسُهُ فِي الثَّالِثِ عَلَى الصَّحِيحِ عَلَيْهَا. وَقِيلَ: فِي الثَّانِي، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. وَقَالَ: إنَّ كَلَامَ أَحْمَدَ يَقْتَضِيهِ. قَالَ الْقَاضِي فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ: إنْ قُلْنَا تَثْبُتُ الْعَادَةُ بِمَرَّتَيْنِ: جَلَسَتْ فِي الثَّانِي، وَإِنْ قُلْنَا بِثَلَاثٍ جَلَسَتْ فِي الثَّالِثِ. قَوْلُهُ (وَأَعَادَتْ مَا صَامَتْهُ مِنْ الْفَرْضِ فِيهِ) هَذَا الْمَذْهَبُ، نُصَّ عَلَيْهِ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لَا تَجِبُ الْإِعَادَةُ. فَائِدَتَانِ إحْدَاهُمَا: وَقْتُ الْإِعَادَةِ: بَعْدَ أَنْ تَثْبُتَ الْعَادَةُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ. وَقِيلَ: قَبْلَ ثُبُوتِهَا، احْتِيَاطًا، وَهُوَ رِوَايَةٌ فِي الْفُرُوعِ. الثَّانِيَةُ: يَحْرُمُ وَطْؤُهَا فِي مُدَّةِ الدَّمِ الزَّائِدِ عَمَّا أَجْلَسْنَاهَا فِيهِ قَبْلَ تَكْرَارِهِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَنُصَّ عَلَيْهِ احْتِيَاطًا. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَعَنْهُ يُكْرَهُ. ذَكَرَهَا فِي الرِّعَايَتَيْنِ. وَقَدَّمَهَا فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى. وَأَطْلَقَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمُذْهَبِ فِي إبَاحَتِهِ رِوَايَتَيْنِ. وَقَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَغَيْرِهِ: هِيَ كَمُسْتَحَاضَةٍ. انْتَهَى. وَيُبَاحُ وَطْؤُهَا فِي طُهْرِهَا يَوْمًا فَأَكْثَرَ قَبْلَ تَكْرَارِهِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقَدَّمَهُ الشَّارِحُ، وَابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَاخْتَارَهُ الْمَجْدُ. وَعَنْهُ يُكْرَهُ إنْ أَمِنَتْ الْعَنَتَ، وَإِلَّا فَلَا، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِفَادَاتِ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَابْنُ تَمِيمٍ فِي مَوْضِعٍ. وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ فِي مَوْضِعٍ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَالْمُغْنِي، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفُرُوعِ. فَإِنْ عَادَ الدَّمُ فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَا إذَا لَمْ يَنْقَطِعْ عَلَى مَا تَقَدَّمَ. وَعَنْهُ لَا بَأْسَ بِهِ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَعَنْهُ يُكْرَهُ.
تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ قَوْلِهِ (وَإِنْ جَاوَزَ دَمُهَا أَكْثَرَ الْحَيْضِ فَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ) فَإِنْ كَانَ دَمُهَا مُتَمَيِّزًا، بَعْضُهُ ثَخِينٌ أَسْوَدُ مُنْتِنٌ، وَبَعْضُهُ رَقِيقٌ أَحْمَرُ. (فَحَيْضُهَا زَمَنَ الدَّمِ الْأَسْوَدِ) أَنَّهَا تَجْلِسُ الدَّمَ الْمُتَمَيِّزَ الْأَسْوَدَ إذَا صَلَحَ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا مِنْ غَيْرِ تَكْرَارٍ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ. قَالَ الشَّارِحُ: هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ شَيْخِنَا هُنَا، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، وَالْخِرَقِيِّ، وَاخْتِيَارُ ابْنِ عَقِيلٍ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَا يُعْتَبَرُ تَكْرَارُهُ فِي الْأَصَحِّ، قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: لَا يُفْتَقَرُ التَّمْيِيزُ إلَى تَكْرَارِهِ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ، وَاخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ. وَقَالَ الْقَاضِي، وَأَبُو الْحَسَنِ الْآمِدِيُّ: إنَّهَا تَجْلِسُ مِنْ التَّمْيِيزِ إذَا تَكَرَّرَ ثَلَاثًا أَوْ مَرَّتَيْنِ، عَلَى اخْتِلَافِ الرِّوَايَتَيْنِ، فِيمَا تَثْبُتُ بِهِ الْعَادَةُ. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَابْنُ رَزِينٍ. وَأَطْلَقَهُمَا الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَالزَّرْكَشِيُّ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَتَثْبُتُ الْعَادَةُ بِالتَّمْيِيزِ، لِثُبُوتِهَا بِانْقِطَاعِ الدَّمِ. وَيُعْتَبَرُ التَّكْرَارُ فِي الْعَادَةِ، كَمَا سَبَقَ فِي اعْتِبَارِهِ فِي التَّمْيِيزِ خِلَافٌ ثَانٍ. فَإِنْ لَمْ يُعْتَبَرْ فَهَلْ يُقَدَّمُ وَقْتُ هَذِهِ الْعَادَةِ عَلَى التَّمْيِيزِ بَعْدَهَا؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَهَلْ يُعْتَبَرُ فِي الْعَادَةِ التَّوَالِي؟ فِيهِ وَجْهَانِ، قَالَ بَعْضُهُمْ: وَعَدَمُهُ أَشْهَرُ. انْتَهَى. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَلَا يُعْتَبَرُ فِي الْعَادَةِ التَّوَالِي فِي الْأَشْهُرِ. وَيَأْتِي نَظِيرُ ذَلِكَ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ الْمُعْتَادَةِ. فَإِنَّهُمَا سَوَاءٌ فِي الْحُكْمِ. قَالَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَصَاحِبُ الْفُرُوعِ، وَغَيْرُهُمْ وَيَأْتِي قَرِيبًا: هَلْ يُعْتَبَرُ فِي جُلُوسِ مَنْ لَمْ يَكُنْ دَمُهَا مُتَمَيِّزًا تَكْرَارُ الْمُسْتَحَاضَةِ. أَمْ لَا؟ فَائِدَتَانِ إحْدَاهُمَا: تَجْلِسُ الْمُمَيِّزَةُ زَمَنَ الدَّمِ الْأَسْوَدِ، أَوْ الدَّمِ الثَّخِينِ، أَوْ الدَّمِ الْمُنْتِنِ، بِشَرْطِ أَنْ يَبْلُغَ أَقَلَّ الْحَيْضِ، وَلَمْ يُجَاوِزْ أَكْثَرَهُ عَلَى الصَّحِيحِ فِي ذَلِكَ. وَذَكَرَ أَبُو الْمَعَالِي: أَنَّهُ يُعْتَبَرُ اللَّوْنُ فَقَطْ. وَقِيلَ: وَلَمْ يَنْقُصْ غَيْرُهُ عَنْ أَقَلِّ الطُّهْرِ، وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ تَمِيمٍ، وَالنَّاظِمُ، وَغَيْرُهُمَا. وَلَوْ جَاوَزَ التَّمْيِيزُ أَكْثَرَ الْحَيْضِ بَطَلَتْ دَلَالَةُ التَّمْيِيزِ
عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَنْهُ لَا تَبْطُلُ دَلَالَتُهُ بِمُجَاوَزَتِهِ أَكْثَرَ الْحَيْضِ. فَتَجْلِسُ أَكْثَرَ الْحَيْضِ. وَتَأَوَّلَهَا الْقَاضِي. وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ. فَعَلَى الْمَذْهَبِ: لَوْ رَأَتْ دَمًا أَحْمَرَ ثُمَّ أَسْوَدَ. وَجَاوَزَ الْأَسْوَدُ أَكْثَرَ الْحَيْضِ جَلَسَتْ مِنْ الدَّمِ الْأَحْمَرِ عَلَى الصَّحِيحِ، قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِ، وَصَحَّحَهُ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ. وَقِيلَ: تَجْلِسُ مِنْ الْأَسْوَدِ؛ لِأَنَّهُ شَبِيهٌ بِدَمِ الْحَيْضِ، جَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَغَيْرِهِمْ. وَأَطْلَقَهُ ابْنُ تَمِيمٍ. فَفِي اعْتِبَارِ التَّكْرَارِ الْوَجْهَانِ الْمُتَقَدِّمَانِ. وَلَوْ رَأَتْ دَمًا أَحْمَرَ سِتَّةَ عَشَرَ يَوْمًا. ثُمَّ رَأَتْ دَمًا أَسْوَدَ بَقِيَّةَ الشَّهْرِ: جَلَسَتْ الْأَسْوَدَ فَقَطْ عَلَى الصَّحِيحِ. وَقِيلَ: وَتَجْلِسُ مِنْ الْأَحْمَرِ أَقَلَّ الْحَيْضِ، لِإِمْكَانِ حَيْضَةٍ أُخْرَى. ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَغَيْرُهُ. الثَّانِيَةُ: لَا يُعْتَبَرُ عَدَمُ زِيَادَةِ الدَّمَيْنِ عَلَى شَهْرٍ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَصَحَّحَهُ الزَّرْكَشِيُّ. وَاعْتَبَرَهُ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ. قَالَهُ فِي الْفَائِقِ، وَغَيْرِهِ. وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَا تَبْطُلُ دَلَالَةُ التَّمْيِيزِ بِزِيَادَةِ الدَّمَيْنِ عَلَى شَهْرٍ فِي الْأَصَحِّ، قَوْلُهُ (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَمَيِّزًا قَعَدَتْ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ غَالِبَ الْحَيْضِ) هَذَا الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ: هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَتَبِعَهُ ابْنُ عُبَيْدَانَ، وَصَاحِبُ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: هَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الرِّوَايَاتِ، وَاخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ، وَابْنُ أَبِي مُوسَى، وَالْقَاضِي، وَأَكْثَرُ أَصْحَابِهِ، وَالْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَالْمَجْدُ، وَابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ، وَغَيْرُهُمْ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْعُمْدَةِ، وَالْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَغَيْرِهِمْ. وَعَنْهُ أَقَلُّهُ، اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ، وَابْنُ عَقِيلٍ فِي التَّذْكِرَةِ، وَغَيْرُهُمَا. وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَعَنْهُ أَكْثَرُهُ. وَعَنْهُ عَادَةُ نِسَائِهَا. كَأُمِّهَا وَأُخْتِهَا وَعَمَّتِهَا وَخَالَتِهَا. وَأَطْلَقَهُنَّ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ. تَنْبِيهَانِ: أَحَدُهُمَا: ظَاهِرُ قَوْلِهِ " وَعَنْهُ عَادَةُ نِسَائِهَا " إطْلَاقُ الْأَقَارِبِ، وَهُوَ ظَاهِرُ
كَلَامِ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ، قَالَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ: الْقُرْبَى فَالْقُرْبَى. مِنْهُمْ ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ. قُلْت: وَهُوَ أَوْلَى. وَيَكُونُ تَبَيُّنًا لِلْمُطْلَقِ مِنْ كَلَامِهِمْ. فَلَوْ اخْتَلَفَتْ عَادَتُهُنَّ جَلَسَتْ الْأَقَلَّ. قَالَهُ الْقَاضِي، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ. وَقِيلَ: الْأَقَلُّ وَالْأَكْثَرُ سَوَاءٌ نَقَلَهُ ابْنُ تَمِيمٍ. وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ. تَبَعًا لِابْنِ حَمْدَانَ: وَقِيلَ تَجْلِسُ الْأَكْثَرَ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ. وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: تَتَحَرَّى. انْتَهَى. فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهَا أَقَارِبُ رُدَّتْ إلَى غَالِبِ عَادَةِ نِسَاءِ الْعَالَمِ، وَهِيَ السِّتُّ أَوْ السَّبْعُ عَلَى الصَّحِيحِ. وَقَالَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ: مِنْ نِسَاءِ بَلَدِهَا. مِنْهُمْ ابْنُ حَمْدَانَ. قُلْت: وَهُوَ أَوْلَى، الثَّانِي: لَمْ يَعْزُ الْمُصَنِّفُ فِي الْكَافِي نَقْلَ الرِّوَايَاتِ الْأَرْبَعِ فِي الْمُبْتَدَأَةِ الْمُسْتَحَاضَةِ غَيْرِ الْمُمَيِّزَةِ إلَّا إلَى أَبِي الْخَطَّابِ. وَالْحَاصِلُ: أَنَّ الرِّوَايَاتِ فِيهَا مِنْ غَيْرِ نِزَاعٍ بَيْنَ الْأَصْحَابِ عِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ وَغَيْرِهِ: لَمْ يَخْتَلِفْ فِيهِ اثْنَانِ. وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي إثْبَاتِ الرِّوَايَاتِ فِي الْمُبْتَدَأَةِ أَوَّلَ مَا تَرَى الدَّمَ كَمَا تَقَدَّمَ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَهُوَ سَهْوٌ مِنْ الْمُصَنِّفِ. قُلْت: لَيْسَ فِي ذَلِكَ كَبِيرُ أَمْرٍ. غَايَتُهُ: أَنَّ الْأَصْحَابَ نَقَلُوا الْخِلَافَ عَنْ أَحْمَدَ فِي الْمُصَنَّفِ. فَعُزِيَ النَّقْلُ إلَى أَبِي الْخَطَّابِ، وَاعْتَمَدَ عَلَى نَقْلِهِ. وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ لَا يَكُونَ غَيْرُهُ نَقَلَهُ. فَائِدَتَانِ: إحْدَاهُمَا: غَالِبُ الْحَيْضِ سِتٌّ أَوْ سَبْعٌ، لَكِنْ لَا تَجْلِسُ أَحَدَهُمَا إلَّا بِالتَّحَرِّي عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: الْخِيرَةُ فِي ذَلِكَ إلَيْهَا. فَتَجْلِسُ أَيَّهُمَا شَاءَتْ. ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي مَوْضِعٍ مِنْ كَلَامِهِ، جَزَمَ بِهِ فِي الْفُصُولِ. وَقَالَ: كَوُجُوبِ دِينَارٍ أَوْ نِصْفِهِ فِي الْوَطْءِ فِي الْحَيْضِ.
قُلْت: وَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا، وَهُوَ مُفْضٍ إلَى أَنَّ لَهَا الْخِيرَةَ فِي وُجُوبِ الْعَادَةِ الشَّرْعِيَّةِ وَعَدَمِهِ. الثَّانِيَةُ: يُعْتَبَرُ فِي جُلُوسِ مَنْ لَمْ يَكُنْ دَمُهَا مُتَمَيِّزًا تَكْرَارُ الِاسْتِحَاضَةِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، نُصَّ عَلَيْهِ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ، وَصَحَّحَهُ فِي الْفُرُوعِ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: هَذَا أَشْهَرُ. فَتَجْلِسُ قَبْلَ تَكَرُّرِهِ أَقَلَّهُ، وَلَا تَرُدُّ إلَى غَالِبِ الْحَيْضِ أَوْ غَيْرِهِ، إلَّا فِي الشَّهْرِ الرَّابِعِ وَعَنْهُ لَا يُعْتَبَرُ التَّكْرَارُ، اخْتَارَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ. قَالَ الشَّارِحُ: وَهُوَ أَصَحُّ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: تَثْبُتُ بِدُونِ تَكْرَارٍ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: اخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ. وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى. فَعَلَيْهَا تَجْلِسُ فِي الشَّهْرِ الثَّانِي وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَالزَّرْكَشِيُّ. تَنْبِيهٌ: مِثْلُ ذَلِكَ الْحُكْمِ: لِلْمُسْتَحَاضَةِ الْمُعْتَادَةِ، غَيْرِ الْمُتَحَيِّرَةِ. قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: فِي الْمُسْتَحَاضَةِ الْمُعْتَادَةِ. وَيَثْبُتُ ذَلِكَ بِدُونِ تَكْرَارِ الِاسْتِحَاضَةِ. وَفِيهِ وَجْهٌ تَفْتَقِرُ إلَى التَّكْرَارِ، كَالْمُبْتَدِئَةِ وَيَأْتِي حُكْمُ تَكْرَارِ الِاسْتِحَاضَةِ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ الْمُتَحَيِّرَةِ . قَوْلُهُ (وَإِنْ اُسْتُحِيضَتْ الْمُعْتَادَةُ رَجَعَتْ إلَى عَادَتِهَا، وَإِنْ كَانَتْ مُمَيِّزَةً) . اعْلَمْ أَنَّهُ إذَا كَانَتْ الْمُسْتَحَاضَةُ لَهَا عَادَةٌ تَعْرِفُهَا، وَلَمْ يَكُنْ لَهَا تَمْيِيزٌ، فَإِنَّهَا تَجْلِسُ الْعَادَةَ بِلَا نِزَاعٍ، وَإِنْ كَانَ لَهَا تَمْيِيزٌ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا، وَلَمْ يَكُنْ لَهَا عَادَةٌ. أَوْ كَانَ لَهَا عَادَةٌ وَنَسِيَتْهَا: عَمِلَتْ بِالتَّمْيِيزِ بِلَا نِزَاعٍ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَيَأْتِي. وَإِنْ كَانَ لَهَا عَادَةٌ وَتَمْيِيزٌ، فَتَارَةً يَتَّفِقَانِ ابْتِدَاءً وَانْتِهَاءً. فَتَجْلِسُهُمَا بِلَا نِزَاعٍ. وَتَارَةً يَخْتَلِفَانِ، إمَّا بِمُدَاخَلَةِ بَعْضِ أَحَدِهِمَا فِي الْآخَرِ، أَوْ مُطْلَقًا، فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهَا تَجْلِسُ الْعَادَةَ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ: هُوَ
ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ. وَقَوْلُ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هُوَ اخْتِيَارُ الْجُمْهُورِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ، وَصَحَّحَهُ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ. وَعَنْهُ يُقَدَّمُ التَّمْيِيزُ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ. وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَاخْتَارَ فِي الْمُبْهِجِ: إنْ اجْتَمَعَا عُمِلَ بِهِمَا إنْ أَمْكَنَ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ سَقَطَا. وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَاخْتَارَ شَيْخُنَا أَبُو الْفَرَجِ يَعْنِي بِهِ ابْنَ أَبِي الْفَهْمِ الْعَمَلَ بِهِمَا عِنْدَ الِاجْتِمَاعِ إذَا أَمْكَنَ. فَائِدَةٌ: لَا تَكُونُ مُعْتَادَةً حَتَّى تَعْرِفَ شَهْرَهَا، وَوَقْتَ حَيْضِهَا وَطُهْرِهَا. وَشَهْرُهَا عِبَارَةٌ عَنْ الْمُدَّةِ الَّتِي لَهَا فِيهِ حَيْضٌ وَطُهْرٌ صَحِيحَانِ. [وَلَوْ نَقَصَتْ عَادَتُهَا ثُمَّ اُسْتُحِيضَتْ فِي الشَّهْرِ الْآخَرِ جَلَسَتْ مِقْدَارَ الْحَيْضِ الْأَخِيرِ، وَلَا غَيْرُ، قَطَعَ بِهِ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ] . قَوْلُهُ (وَإِنْ نَسِيَتْ الْعَادَةَ عَمِلَتْ بِالتَّمْيِيزِ) . بِلَا نِزَاعٍ كَمَا تَقَدَّمَ. لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَنْقُصَ عَنْ أَقَلِّ الْحَيْضِ وَلَا يَزِيدَ عَلَى أَكْثَرِهِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْإِفَادَاتِ وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ وَغَيْرِهِمْ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ، وَالْفَائِقِ، وَغَيْرِهِمْ [وَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ كَلَامُهُ فِي الْمُغْنِي، وَشَرْحِ الْهِدَايَةِ لِلْمَجْدِ] وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَصَاحِبُ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: وَأَنْ لَا يَنْقُصَ الْأَحْمَرُ عَنْ أَقَلِّ الطُّهْرِ، حَتَّى يُمْكِنَ أَنْ يَكُونَ طُهْرًا فَاصِلًا بَيْنَ حَيْضَتَيْنِ. فَإِذَا رَأَتْ خَمْسَةً أَسْوَدَ، ثُمَّ مِثْلَهَا أَحْمَرَ، ثُمَّ الْأَصْفَرَ بَعْدَهَا. فَالْأَسْوَدُ هُوَ الْحَيْضُ. وَالْأَحْمَرُ مَعَ الْأَصْفَرِ اسْتِحَاضَةٌ. وَإِنْ رَأَتْ خَمْسَةً أَحْمَرَ، ثُمَّ بَعْدَهَا الْأَصْفَرَ. فَالْأَحْمَرُ حَيْضٌ؛ لِأَنَّ حَيْضَهَا أَقْوَى مَا تَرَاهُ مِنْ دَمِهَا بِالنِّسْبَةِ إلَى بَقِيَّتِهِ. وَذَكَرَ أَبُو الْمَعَالِي: أَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي التَّمْيِيزِ اللَّوْنُ فَقَطْ. وَعَنْهُ لَا تَبْطُلُ دَلَالَةُ التَّمْيِيزِ بِمُجَاوَزَةِ الْأَكْثَرِ. فَتَجْلِسُ الْأَكْثَرَ. وَتَأَوَّلَهَا الْقَاضِي. وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي الْمُبْتَدَأَةِ الْمُسْتَحَاضَةِ. وَتَقَدَّمَتْ الْأَمْثِلَةُ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَالْمُبْتَدَأَةُ وَالْمُعْتَادَةُ الْمُسْتَحَاضَتَيْنِ فِي تِلْكَ الْأَمْثِلَةِ سَوَاءٌ فَلْيُعَاوَدْ.
تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ لِلتَّمْيِيزِ تَكْرَارٌ. بَلْ مَتَى عَرَفَتْ التَّمْيِيزَ جَلَسَتْهُ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ وَالْخِرَقِيِّ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَا يُعْتَبَرُ تَكْرَارُهُ فِي الْأَصَحِّ، قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَلَا يَفْتَقِرُ التَّمْيِيزُ إلَى تَكْرَارِهِ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَالْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَابْنُ رَزِينٍ، وَغَيْرُهُمْ. وَقَالَ الْقَاضِي، وَأَبُو الْحَسَنِ الْآمِدِيُّ: يُعْتَبَرُ التَّكْرَارُ مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا. عَلَى اخْتِلَافِ الرِّوَايَتَيْنِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَأَطْلَقَهُمَا الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَالزَّرْكَشِيُّ وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي الْمُبْتَدَأَةِ الْمُسْتَحَاضَةِ الْمُمَيِّزَةِ . قَوْلُهُ (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا تَمْيِيزٌ جَلَسَتْ غَالِبَ الْحَيْضِ) يَعْنِي إذَا نَسِيَتْ الْعَادَةَ وَلَمْ يَكُنْ لَهَا تَمْيِيزٌ. وَهَذِهِ تُسَمَّى الْمُتَحَيِّرَةَ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ، وَلَهَا ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ. وَفِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ الثَّلَاثَةِ لَا تَفْتَقِرُ اسْتِحَاضَتُهَا إلَى تَكْرَارٍ، عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ، بِخِلَافِ غَيْرِ الْمُتَحَيِّرَةِ عَلَى الصَّحِيحِ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ. أَحَدُهَا: أَنْ تَنْسَى الْوَقْتَ وَالْعَدَدَ، وَهُوَ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ هُنَا، فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهَا تَجْلِسُ غَالِبَ الْحَيْضِ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَغَيْرُهُمَا: هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هُوَ الْمُخْتَارُ لِلْأَصْحَابِ قَالَ ابْنُ عُبَيْدَانَ، وَابْنُ رَجَبٍ: وَهُوَ الصَّحِيحُ، قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: هَذَا أَقْوَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِ. وَعَنْهُ أَقَلُّهُ. قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ. وَجَعَلَهَا الْمُصَنِّفُ فِي الْكَافِي تَخْرِيجًا. وَحَكَى الْقَاضِي فِي شَرْحِهِ الصَّغِيرِ فِيهَا وَجْهًا: لَا تَجْلِسُ شَيْئًا، بَلْ تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَتُصَلِّي وَتَصُومُ، وَيُمْنَعُ وَطْؤُهَا. وَتَقْضِي الصَّوْمَ الْوَاجِبَ. وَخَرَّجَ الْقَاضِي رِوَايَةً ثَالِثَةً مِنْ الْمُبْتَدَأَةِ: تَجْلِسُ عَادَةَ نِسَائِهَا. وَأَثْبَتَهَا فِي الْكَافِي رِوَايَةً. فَلِذَلِكَ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ لَمَّا حُكِيَ فِي الْكَافِي الرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ تَخْرِيجًا
وَتَخْرِيجُ الْقَاضِي رِوَايَةٌ، وَهُوَ سَهْوٌ. بَلْ الثَّانِيَةُ رِوَايَةٌ ثَابِتَةٌ عَنْ أَحْمَدَ. وَالثَّالِثَةُ مُخَرَّجَةٌ وَقِيلَ: فِيهَا الرِّوَايَاتُ الْأَرْبَعُ يَعْنِي الَّتِي فِي الْمُبْتَدَأَةِ الْمُسْتَحَاضَةِ إذَا كَانَتْ غَيْرَ مُمَيِّزَةٍ وَهِيَ طَرِيقَةُ الْقَاضِي. وَخَرَّجَ فِيهَا رِوَايَتَيْ الْمُبْتَدَأَةِ. وَقَدَّمَهَا فِي الْحَاوِيَيْنِ وَجَزَمَ بِهِ فِي نِهَايَةِ ابْنِ رَزِينٍ، وَنَظْمِهَا. وَهِيَ طَرِيقَةٌ ضَعِيفَةٌ عَنْ الْأَصْحَابِ. وَفَرَّقُوا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمُبْتَدَأَةِ بِفُرُوقٍ جَيِّدَةٍ. وَقَدَّمَ فِي الْفُرُوعِ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ. لَكِنْ قَالَ: الْمَشْهُورُ انْتِفَاءُ رِوَايَةِ الْأَكْثَرِ. وَعَادَةِ نِسَائِهَا. وَحَيْثُ أَجْلَسْنَاهَا عَدَدًا، فَفِي مَحَلِّهِ الْخِلَافُ الْآتِي. [تَنْبِيهٌ] : مَحَلُّ جُلُوسِهَا غَالِبَ الْحَيْضِ: إنْ اتَّسَعَ شَهْرُهَا لِأَقَلِّ الطُّهْرِ. وَكَانَ الْبَاقِي غَالِبَ الْحَيْضِ فَأَكْثَرَ، وَإِنْ لَمْ يَتَّسِعْ لِذَلِكَ أَجْلَسْنَاهَا الزَّائِدَ عَنْ أَقَلِّ الطُّهْرِ فَقَطْ، كَأَنْ يَكُونَ شَهْرُهَا حَيْضَهَا. وَطُهْرُهَا ثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَوْمًا. فَإِنَّهَا لَا تَجْلِسُ إلَّا خَمْسَةَ أَيَّامٍ. وَهُوَ الْبَاقِي عَنْ أَقَلِّ الطُّهْرِ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ، وَلَا يَنْقُصُ الطُّهْرُ عَنْ أَقَلِّهِ، وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ شَهْرُهَا جَلَسَتْ مِنْ الشَّهْرِ الْمُعْتَادِ غَالِبَ [الْحَيْضِ] . قَوْلُهُ (وَإِنْ عَلِمَتْ عَدَدَ أَيَّامِهَا، وَنَسِيَتْ مَوْضِعَهَا، جَلَسَتْهَا مِنْ أَوَّلِ كُلِّ شَهْرٍ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ. وَهَذَا الْحَالُ الثَّانِي مِنْ أَحْوَالِ النَّاسِيَةِ وَهُوَ نَوْعَانِ) . أَحَدُهُمَا: هَذَا، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، صَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ، وَالنَّظْمِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَهُوَ الْمَشْهُورُ، قَالَ فِي الْحَاوِيَيْنِ: هُوَ قَوْلُ غَيْرِ أَبِي بَكْرٍ. كَذَا قَالَ فِي الْهِدَايَةِ، وَغَيْرِهَا، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ، وَغَيْرِهِمْ. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ، وَغَيْرِهِمْ. وَفِي الْآخَرِ: تَجْلِسُهُ بِالتَّحَرِّي. قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِفَادَاتِ، وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَابْنُ أَبِي مُوسَى. وَقَدَّمَهُ فِي نِهَايَةِ ابْنِ رَزِينٍ وَنَظْمِهَا، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الشَّرْحِ، وَشَرْحِ ابْنِ مُنَجَّا
وَالشَّرْحِ، وَالْحَاوِيَيْنِ. وَقِيلَ: تَجْلِسُ مِنْ تَمْيِيزٍ لَا تَعْتَدُّ بِهِ إنْ كَانَ؛ لِأَنَّهُ أَشْبَهُ بِدَمِ الْحَيْضِ. قُلْت: وَهُوَ قَوِيٌّ. وَذَكَرَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ. وَتَبِعَهُ صَاحِبُ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَغَيْرُهُمَا: إنْ ذَكَرَتْ أَوَّلَ الدَّمِ كَمُعْتَادَةٍ انْقَطَعَ حَيْضُهَا أَشْهُرًا، ثُمَّ جَاءَ الدَّمُ خَامِسَ يَوْمٍ مِنْ الشَّهْرِ مَثَلًا، أَوْ اسْتَمَرَّتْ وَقَدْ نَسِيَتْ الْعَادَةَ. فَفِيهَا الْوَجْهَانِ الْأَخِيرَانِ. وَوَجْهٌ ثَالِثٌ: تَجْلِسُ مِنْ خَامِسِ كُلِّ شَهْرٍ. قَالَ الْمَجْدُ: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، وَاخْتَارَهُ، قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: وَهُوَ أَصَحُّ، اخْتَارَ الْمَجْدُ، وَصَاحِبُ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ أَيْضًا: أَنَّهُ إنْ طَالَ عَهْدُهَا بِزَمَنِ افْتِتَاحِ الدَّمِ وَنَسِيَتْهُ: أَنَّهَا تَتَحَرَّى وَقْتَ جُلُوسِهَا. وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ، وَالْقَاضِي فِي شَرْحَيْهِمَا، فِيمَنْ عَلِمَتْ قَدْرَ الْعَادَةِ، وَجَهِلَتْ مَوْضِعَهَا: إنَّهَا لَا تَجْلِسُ شَيْئًا. وَتَغْتَسِلُ كُلَّمَا مَضَى قَدْرُهَا. وَتَقْضِي مِنْ رَمَضَانَ بِقَدْرِهَا، وَالطَّوَافِ. وَلَا تُوطَأُ. وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ رِوَايَةً لَا تَجْلِسُ شَيْئًا. تَنْبِيهٌ: كُلُّ مَوْضِعٍ أَجْلَسْنَاهَا بِالتَّحَرِّي، أَوْ بِالْأَوَّلِيَّةِ. فَإِنَّهَا تَجْلِسُ فِي كُلِّ شَهْرٍ حَيْضَةً. فَائِدَةٌ: إذَا تَعَذَّرَ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ مِنْ الْأَوَّلِيَّةِ أَوْ التَّحَرِّي عَمِلَتْ بِالْآخَرِ، قَطَعَ بِهِ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَصَاحِبُ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَغَيْرُهُمَا. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. قَالَ: وَلَمَّا ذَكَرَ أَبُو الْمَعَالِي الْوَجْهَيْنِ فِي أَوَّلِ كُلِّ شَهْرٍ أَوْ التَّحَرِّيَ، قَالَ: وَهَذَا إذَا لَمْ تَعْرِفْ ابْتِدَاءَ الدَّمِ. فَإِنْ عَرَفَتْ فَهُوَ أَوَّلُ دُورِهَا. وَجَعَلْنَاهُ ثَلَاثِينَ يَوْمًا؛ لِأَنَّهُ الْغَالِبُ. قَالَ: وَإِنْ لَمْ تَذْكُرْ ابْتِدَاءَ الدَّمِ، لَكِنْ تَذَكَّرَتْ أَنَّهَا طَاهِرَةٌ فِي وَقْتٍ، جَعَلْنَا ابْتِدَاءَ حَيْضِهَا عَقِبَ ذَلِكَ الطُّهْرِ. انْتَهَى، وَإِنْ تَعَذَّرَ التَّحَرِّي بِأَنْ يَتَسَاوَى عِنْدَهَا الْحَالُ، وَلَمْ تَظُنَّ شَيْئًا وَتَعَذَّرَتْ الْأَوَّلِيَّةُ أَيْضًا، بِأَنْ قَالَتْ: حَيْضِي فِي كُلِّ عِشْرِينَ يَوْمًا خَمْسَةُ أَيَّامٍ، وَأُنْسِيت زَمَنَ افْتِتَاحِ الدَّمِ. وَالْأَوْقَاتُ كُلُّهَا فِي نَظَرِي سَوَاءٌ. وَلَا أَعْلَمُ: هَلْ أَنَا الْآنَ طَاهِرٌ أَوْ حَائِضٌ؟ فَقَالَ الْمَجْدُ، وَتَبِعَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: لَا أَعْرِفُ لِأَصْحَابِنَا فِي هَذِهِ
كَلَامًا. وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ: لَا يَلْزَمُهَا سُلُوكُ طَرِيقِ الْيَقِينِ. بَلْ يُجْزِئُهَا الْبِنَاءُ عَلَى أَصْلٍ لَا يَتَحَقَّقُ مَعَهُ فَسَادٌ فِي صَوْمِهَا وَصَلَاتِهَا، وَإِنْ كَانَ مُحْتَمَلًا. فَتَصُومُ رَمَضَانَ كُلَّهُ، وَتَقْضِي مِنْهُ خَمْسَةَ أَيَّامٍ، وَهُوَ قَدْرُ حَيْضِهَا، وَهُوَ الَّذِي يَتَحَقَّقُ فَسَادُهُ. وَمَا زَادَ عَلَيْهِ لَمْ يَتَحَقَّقْ فِيهِ ذَلِكَ. فَلَا تُفْسِدُهُ. وَتُوجِبُ قَضَاءَهُ بِالشَّكِّ. وَأَمَّا الصَّلَاةُ: فَتُصَلِّيهَا أَبَدًا، لَكِنَّهَا تَغْتَسِلُ فِي الْحَالِ غُسْلًا. ثُمَّ عَقِيبَ انْقِضَاءِ قَدْرِ حَيْضِهَا غُسْلًا ثَانِيًا. وَتَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ فِيمَا بَيْنَهُمَا، وَفِيمَا بَعْدَهُمَا، بِقَدْرِ مُدَّةِ طُهْرِهَا. فَإِنْ انْقَضَتْ لَزِمَهَا غُسْلَانِ بَيْنَهُمَا قَدْرَ الْحَيْضَةِ. وَكَذَلِكَ أَبَدًا كُلَّمَا مَضَى قَدْرُ الطُّهْرِ اغْتَسَلَتْ غُسْلَيْنِ بَيْنَهُمَا قَدْرَ الْحَيْضَةِ. انْتَهَى. قَالَ فِي الْفُرُوعِ كَذَا قَالَ وَالْمَعْرُوفُ، خِلَافُهُ. فَائِدَةٌ: مَتَى ضَاعَتْ أَيَّامُهَا فِي مُدَّةٍ مُعَيَّنَةٍ فَمَا عَدَا الْمُدَّةَ طُهْرٌ. ثُمَّ إنْ كَانَتْ أَيَّامُهَا نِصْفَ الْمُدَّةِ فَأَقَلُّ حَيْضِهَا بِالتَّحَرِّي أَوْ مِنْ أَوَّلِهَا، وَإِنْ زَادَ ضُمَّ الزَّائِدُ إلَى مِثْلِهِ مِمَّا قَبْلَهُ. فَهُوَ حَيْضٌ بِيَقِينٍ. وَالشَّكُّ فِيمَا بَقِيَ. فَائِدَةٌ: مَا جَلَسَتْهُ النَّاسِيَةُ مِنْ الْحَيْضِ الْمَشْكُوكِ فِيهِ: فَهُوَ كَالْحَيْضِ الْمُتَيَقَّنِ فِي الْأَحْكَامِ. وَمَا زَادَ عَلَى مَا تَجْلِسُهُ إلَى الْأَكْثَرِ، فَقِيلَ: هِيَ فِيهِ كَالْمُسْتَحَاضَةِ فِي الْأَحْكَامِ الْآتِيَةِ فِيهَا. وَقِيلَ: هُوَ كَالطُّهْرِ الْمَشْكُوكِ فِيهِ. قَالَهُ الْقَاضِي: وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ ابْنُ تَمِيمٍ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ. قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: هُوَ طُهْرٌ مَشْكُوكٌ فِيهِ. وَحُكْمُهُ حُكْمُ الطُّهْرِ بِيَقِينٍ فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ، إلَّا فِي جَوَازِ وَطْئِهَا. فَإِنَّهَا مُسْتَحَاضَةٌ. وَأَطْلَقَهَا فِي الْفُرُوعِ. تَنْبِيهٌ: قَوْلُنَا فِي الْوَجْهِ الثَّانِي (هُوَ طُهْرٌ مَشْكُوكٌ فِيهِ) . اعْلَمْ أَنَّ الطُّهْرَ الْمَشْكُوكَ فِيهِ: حُكْمُهُ حُكْمُ الطُّهْرِ الْمُتَيَقَّنِ، عَلَى الصَّحِيحِ، قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَصْحَابِ. وَتَقَدَّمَ كَلَامُهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ. وَجَزَمَ الْأَزَجِيُّ فِي النِّهَايَةِ بِمَنْعِهَا مِمَّا لَا يَتَعَلَّقُ بِتَرْكِهِ إثْمٌ، كَمَسِّ الْمُصْحَفِ، وَدُخُولِ الْمَسْجِدِ، وَالْقِرَاءَةِ خَارِجَ الصَّلَاةِ. وَنَفْلِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ، وَنَحْوِهِ. قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَمْنَعَ عَنْ سُنَّةٍ رَاتِبَةٍ. انْتَهَى. وَقِيلَ: تَقْضِي مَا صَامَتْهُ فِيهِ. وَقِيلَ: يَحْرُمُ
وَطْؤُهَا فِيهِ وَقَبْلَهُ فِي مُبْتَدَأَةٍ اُسْتُحِيضَتْ وَقُلْنَا لَا تَجْلِسُ الْأَكْثَرَ. تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ (وَكَذَا الْحُكْمُ فِي كُلِّ مَوْضِعِ حَيْضِ مَنْ لَا عَادَةَ لَهَا وَلَا تَمْيِيزَ) مِثْلَ الْمُبْتَدَأَةِ إذَا لَمْ تَعْرِفْ ابْتِدَاءَ دَمِهَا وَلَا تَمْيِيزَ لَهَا. قَوْلُهُ (وَإِنْ عَلِمَتْ أَيَّامَهَا فِي وَقْتٍ مِنْ الشَّهْرِ كَنِصْفِهِ الْأَوَّلِ: جَلَسَتْهَا فِيهِ، إمَّا مِنْ أَوَّلِهِ، أَوْ بِالتَّحَرِّي) . عَلَى اخْتِلَافِ الْوَجْهَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ فِيمَا إذَا عَلِمَتْ عَدَدَ أَيَّامِهَا وَنَسِيَتْ مَوْضِعَهَا. وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ بِعَيْنِهَا؛ لِأَنَّهَا هُنَاكَ عَلِمَتْ عَدَدَ أَيَّامِهَا وَنَسِيَتْ مَوْضِعَهَا. وَهُنَا كَذَلِكَ، إلَّا أَنَّ هَذِهِ مَحْصُورَةٌ فِي جَزْءٍ مِنْ الشَّهْرِ. وَفِيهَا مِنْ الْخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ. وَهَذَا النَّوْعُ الثَّانِي مِنْ الْحَالِ الثَّانِي. قَوْلُهُ (وَإِنْ عَلِمَتْ مَوْضِعَ حَيْضِهَا، وَنَسِيَتْ عَدَدَهُ، جَلَسَتْ فِيهِ غَالِبَ الْحَيْضِ، أَوْ أَقَلَّهُ) عَلَى اخْتِلَافِ الرِّوَايَتَيْنِ الْمُتَقَدِّمَتَيْنِ فِيمَا إذَا لَمْ تَكُنْ الْمُسْتَحَاضَةُ الْمُعْتَادَةُ عَادَةً وَلَا تَمْيِيزَ، كَمَا تَقَدَّمَ. وَالْحُكْمُ هُنَا كَالْحُكْمِ هُنَاكَ، خِلَافًا وَمَذْهَبًا. وَقَدْ عُلِمَ ذَلِكَ هُنَاكَ. وَهَذَا الْحَالُ الثَّالِثُ. وَتَقَدَّمَ أَنَّ الِاسْتِحَاضَةَ يُعْتَبَرُ تَكْرَارُهَا إذَا كَانَ دَمُهَا مُتَمَيِّزًا عَلَى الصَّحِيحِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُتَمَيِّزٍ فَهَلْ يُعْتَبَرُ تَكْرَارُ التَّمْيِيزِ أَمْ لَا؟ . قَوْلُهُ (وَإِنْ تَغَيَّرَتْ الْعَادَةُ بِزِيَادَةٍ، أَوْ تَقَدُّمٍ، أَوْ تَأَخُّرٍ، أَوْ انْتِقَالٍ فَالْمَذْهَبُ: أَنَّهَا لَا تَلْتَفِتُ إلَى مَا خَرَجَ عَنْ الْعَادَةِ، حَتَّى يَتَكَرَّرَ ثَلَاثًا أَوْ مَرَّتَيْنِ) . عَلَى اخْتِلَافِ الرِّوَايَتَيْنِ الْمُتَقَدِّمَتَيْنِ فِي الْمُبْتَدَأَةِ إذَا رَأَتْ الدَّمَ أَكْثَرَ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ. وَتَقَدَّمَ الْمَذْهَبُ مِنْ الرِّوَايَتَيْنِ. وَهَذَا هُنَا هُوَ الْمَذْهَبُ كَمَا قَالَ، نُصَّ عَلَيْهِ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، بَلْ كُلُّ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَهُوَ مِنْ مُفْرَدَاتِ الْمَذْهَبِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ هُنَا " وَعِنْدِي أَنَّهَا تَصِيرُ إلَيْهِ مِنْ غَيْرِ تَكْرَارٍ ". قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ، وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ. وَلَا يَسَعُ النِّسَاءَ الْعَمَلُ بِغَيْرِهِ. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَهُوَ أَشْبَهُ، قَالَ ابْنُ عُبَيْدَانَ: وَهُوَ الصَّحِيحُ، قَالَ فِي الْفَائِقِ: وَهُوَ الْمُخْتَارُ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. وَإِلَيْهِ مَيْلُ الشَّارِحِ، وَأَوْمَأَ إلَيْهِ فِي رِوَايَةِ مَنْصُورٍ. قَالَ الْمَجْدُ: وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ مِثْلُهُ. وَرَوَاهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ. وَقَالَ الشِّيحُ أَبُو الْفَرَجِ: إنْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ مُتَمَيِّزَةً لَمْ تَحْتَجْ إلَى تَكْرَارٍ. فَعَلَى الْمَذْهَبِ: لَا تَلْتَفِتُ إلَى الْخَارِجِ عَنْ الْعَادَةِ قَبْلَ تَكْرَارِهِ. فَتَصُومُ وَتُصَلِّي فِي الْمُدَّةِ الْخَارِجَةِ عَنْ الْعَادَةِ، وَلَا يَقْرَبُهَا زَوْجُهَا فِيهَا. وَتَغْتَسِلُ عَقِبَ الْعَادَةِ، وَعِنْدَ انْقِضَاءِ الدَّمِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَنْهُ لَا يَجِبُ الْغُسْلُ عَقِبَ الْخَارِجِ عَنْ الْعَادَةِ، وَهُوَ قَوْلٌ فِي الْفَائِقِ. وَعَنْهُ لَا يَحْرُمُ الْوَطْءُ وَلَا تَغْتَسِلُ عِنْدَ انْقِطَاعِهِ. فَإِذَا تَكَرَّرَ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا صَارَ عَادَةً. وَأَعَادَتْ مَا فَعَلَتْهُ مِنْ وَاجِبِ الصَّوْمِ، وَالطَّوَافِ، وَالِاعْتِكَافِ. وَعَنْهُ يَحْتَاجُ الزَّائِدُ عَنْ الْعَادَةِ إلَى التَّكْرَارِ، وَلَا يُحْتَاجُ إلَى التَّكْرَارِ فِي التَّقَدُّمِ وَالتَّأَخُّرِ. وَقَالَ أَبُو الْفَرَجِ الشِّيرَازِيُّ: إنْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ مُتَمَيِّزَةً لَمْ تَحْتَجْ إلَى تَكْرَارٍ. فَائِدَةٌ: لَوْ ارْتَفَعَ حَيْضُهَا وَلَمْ يَعُدْ، أَوْ يَئِسَتْ قَبْلَ التَّكْرَارِ. لَمْ تَقْضِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: تَقْضِي. وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيُحْتَمَلُ لُزُومُ الْقَضَاءِ كَصَوْمِ النِّفَاسِ الْمَشْكُوكِ فِيهِ، لِقِلَّةِ مَشَقَّتِهِ، بِخِلَافِ صَوْمِ الْمُسْتَحَاضَةِ فِي طُهْرٍ مَشْكُوكٍ، وَهُوَ قَوْلٌ فِي الْفَائِقِ. قَوْلُهُ (وَإِنْ طَهُرَتْ فِي أَثْنَاءِ عَادَتِهَا اغْتَسَلَتْ وَصَلَّتْ) هَذَا الْمَذْهَبُ، فَحُكْمُهَا حُكْمُ الطَّاهِرَاتِ فِي جَمِيعِ أَحْكَامِهَا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَنْهُ يُكْرَهُ الْوَطْءُ، اخْتَارَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ. ذَكَرَهُ عَنْهُ ابْنُ عُبَيْدَانَ فِي النِّفَاسِ وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ هُنَاكَ. وَخَرَّجَهُ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ عَلَى رِوَايَتَيْنِ مِنْ الْمُبْتَدَأَةِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ. وَقَالَ فِي الِانْتِصَارِ: هُوَ كَنَقَاءِ مُدَّةِ النِّفَاسِ فِي رِوَايَةٍ. وَفِي
أُخْرَى: النِّفَاسُ آكَدُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَكَرَّرُ. فَلَا مَشَقَّةَ. وَعَنْهُ يَجِبُ قَضَاءُ وَاجِبِ صَوْمٍ وَنَحْوِهِ إذَا عَاوَدَهَا الدَّمُ عَادَتَهَا. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَلَمْ يَعْتَبِرْ ابْنُ أَبِي مُوسَى النَّقَاءَ الْمَوْجُودَ بَيْنَ الدَّمَيْنِ. وَأَوْجَبَ عَلَيْهَا فِيهِ قَضَاءَ مَا صَامَتْهُ فِيهِ مِنْ وَاجِبٍ وَنَحْوِهِ. قَالَ: لِأَنَّ الطُّهْرَ الْكَامِلَ لَا يَكُونُ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا. تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ قَوْلِهِ " وَإِنْ طَهُرَتْ فِي أَثْنَاءِ عَادَتِهَا اغْتَسَلَتْ وَصَلَّتْ " أَنَّهُ سَوَاءٌ كَانَ الطُّهْرُ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا، وَهُوَ صَحِيحٌ، قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي: وَلَمْ يُفَرِّقْ أَصْحَابُنَا بَيْنَ قَلِيلِ الطُّهْرِ وَكَثِيرِهِ. انْتَهَى. قَالَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ: إذَا رَأَتْ عَلَامَةَ الطُّهْرِ مَعَ ذَلِكَ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَأَقَلُّ الطُّهْرِ زَمَنَ الْحَيْضِ: أَنْ يَكُونَ نَقَاءٌ خَالِصًا لَا تَتَغَيَّرُ مَعَهُ الْقُطْنَةُ إذَا احْتَشَتْ بِهَا فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ. وَجَزَمَ بِهِ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ. وَعَنْ بَكْرٍ: هِيَ طَاهِرٌ إذَا رَأَتْ الْبَيَاضَ. قَالَ شَيْخُنَا: إنَّهُ قَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا إنْ كَانَ سَاعَةً. وَعَنْهُ أَقَلُّهُ سَاعَةٌ. انْتَهَى. وَاخْتَارَ الْمُصَنِّفُ: أَنَّهَا لَا تَعْتَدُّ بِمَا دُونَ الْيَوْمِ، إلَّا أَنْ تُدْرِكَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ. وَخَرَّجَهُ مِنْ الرِّوَايَةِ الَّتِي فِي النِّفَاسِ. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَهُوَ أَصَحُّ. قَوْلُهُ (فَإِنْ عَاوَدَهَا الدَّمُ فِي الْعَادَةِ فَهَلْ تَلْتَفِتُ إلَيْهِ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ عُبَيْدَانَ، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَالْفَائِقُ، وَالشَّرْحُ، وَالْكَافِي، وَالْمُغْنِي إحْدَاهُمَا: تَلْتَفِتُ إلَيْهِ بِمُجَرَّدِ الْعَادَةِ فَتَجْلِسُهُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، قَالَ فِي الْكَافِي: وَهُوَ الْأَوْلَى. قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: هَذَا أَظْهَرُ الرِّوَايَتَيْنِ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي فِي رِوَايَتِهِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَنَظْمِ نِهَايَةِ ابْنِ رَزِينٍ، وَغَيْرِهِمْ، وَصَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ، وَالنَّظْمِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَالْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَا تَلْتَفِتُ إلَيْهِ حَتَّى يَتَكَرَّرَ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَهُوَ الْغَالِبُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ فِي الرِّوَايَةِ. وَعَنْهُ مَشْكُوكٌ فِيهِ. فَتَصُومُ وَتُصَلِّي، وَتَقْضِي الصَّوْمَ لِلْفَرْضِ عَلَى سَبِيلِ الِاحْتِيَاطِ كَدَمِ النُّفَسَاءِ الْعَائِدِ مِنْ مُدَّةِ النِّفَاسِ.
تَنْبِيهٌ: مَحَلُّ الْخِلَافِ: إذَا عَادَ فِي الْعَادَةِ، وَلَمْ يَتَجَاوَزْهَا. فَأَمَّا إنْ جَاوَزَ الْعَادَةَ فَلَا يَخْلُو: إمَّا أَنْ يُجَاوِزَ أَكْثَرَ الْحَيْضِ أَوْ لَا. فَإِنْ جَاوَزَ أَكْثَرَ الْحَيْضِ فَلَيْسَ بِحَيْضٍ وَإِنْ انْقَطَعَ لِأَكْثَرِ الْحَيْضِ فَمَا دُونَ. فَمَنْ قَالَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى: لَيْسَ الْعَائِدُ بِحَيْضٍ، فَهُنَا أَوْلَى أَنْ لَا يَكُونَ حَيْضًا. وَمَنْ قَالَ: هُوَ حَيْضٌ هُنَاكَ وَهُوَ الْمَذْهَبُ فَهُنَا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ. أَحَدُهَا: أَنَّ الْجَمِيعَ لَيْسَ بِحَيْضٍ إذَا لَمْ يَتَكَرَّرْ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، جَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي، وَقَدَّمَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: جَمِيعُهُ حَيْضٌ، بِنَاءً عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَا: أَنَّهُ اخْتِيَارُ الْمُصَنِّفِ فِي أَنَّ الزَّائِدَ عَلَى الْعَادَةِ حَيْضٌ، مَا لَمْ يَعْبُرْ أَكْثَرَ الْحَيْضِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ. وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: مَا وَافَقَ الْعَادَةَ فَهُوَ حَيْضٌ. وَمَا زَادَ عَلَيْهَا فَلَيْسَ بِحَيْضٍ. وَأَطْلَقَهُنَّ ابْنُ عُبَيْدَانَ، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَالشَّرْحُ، وَالْمُغْنِي، وَابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ، وَابْنُ تَمِيمٍ. وَأَمَّا إذَا عَاوَدَهَا بَعْدَ الْعَادَةِ، فَلَا يَخْلُو: إمَّا أَنْ يُمْكِنَ جَعْلُهُ حَيْضًا أَوْ لَا. فَإِنْ أَمْكَنَ جَعْلُهُ حَيْضًا، بِأَنْ يَكُونَ بِضَمِّهِ إلَى الدَّمِ الْأَوَّلِ لَا يَكُونُ بَيْنَ طَرَفَيْهِمَا أَكْثَرُ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا. فَتُلَفَّقُ إحْدَاهُمَا إلَى الْأُخْرَى. وَيُجْعَلَانِ حَيْضَةً وَاحِدَةً إذَا تَكَرَّرَ، أَوْ يَكُونُ بَيْنَهُمَا أَقَلُّ الطُّهْرِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا عَلَى الْمَذْهَبِ. وَكُلٌّ مِنْ الدَّمَيْنِ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا بِمُفْرَدِهِ. فَيَكُونَانِ حَيْضَتَيْنِ إذَا تَكَرَّرَ، وَإِنْ نَقَصَ أَحَدُهُمَا عَنْ أَقَلِّ الْحَيْضِ. فَهُوَ دَمٌ فَاسِدٌ، إذَا لَمْ يُمْكِنْ ضَمُّهُ إلَى مَا بَعْدَهُ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ جَعْلُهُ حَيْضًا لِعُبُورِهِ أَكْثَرَ الْحَيْضِ. وَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الدَّمِ الْأَوَّلِ أَقَلُّ الطُّهْرِ. فَهُوَ اسْتِحَاضَةٌ، سَوَاءٌ تَكَرَّرَ أَوْ لَا. وَيَظْهَرُ ذَلِكَ بِالْمِثَالِ. فَنَقُولُ: إذَا كَانَتْ الْعَادَةُ عَشْرَةَ أَيَّامٍ مَثَلًا. فَرَأَتْ مِنْهَا خَمْسَةً دَمًا. وَطَهُرَتْ الْخَمْسَةَ الْبَاقِيَةَ. ثُمَّ رَأَتْ خَمْسَةً دَمًا، وَتَكَرَّرَ ذَلِكَ. فَالْخَمْسَةُ
الْأُولَى وَالثَّالِثَةُ: حَيْضَةٌ وَاحِدَةٌ، تُلَفِّقُ الدَّمَ الثَّانِيَ إلَى الْأَوَّلِ، وَإِنْ رَأَتْ الثَّانِيَ سِتَّةً أَوْ سَبْعَةً، لَمْ يُمْكِنْ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا. وَلَوْ كَانَتْ رَأَتْ يَوْمًا دَمًا وَثَلَاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا طُهْرًا، ثُمَّ رَأَتْ يَوْمًا دَمًا وَتَكَرَّرَ هَذَا، كَانَا حَيْضَتَيْنِ. لِوُجُودِ طُهْرٍ صَحِيحٍ بَيْنَهُمَا. وَلَوْ كَانَتْ رَأَتْ يَوْمَيْنِ دَمًا، ثُمَّ اثْنَتَيْ عَشَرَ طُهْرًا، ثُمَّ يَوْمَيْنِ دَمًا. فَهُنَا لَا يُمْكِنُ جَعْلُهَا حَيْضَةً وَاحِدَةً؛ لِزِيَادَةِ الدَّمَيْنِ، مَعَ مَا بَيْنَهُمَا مِنْ الطُّهْرِ عَلَى أَكْثَرِ الْحَيْضِ، وَلَا جَعْلُهُمَا حَيْضَتَيْنِ عَلَى الْمَذْهَبِ، لِانْتِفَاءِ طُهْرٍ صَحِيحٍ. فَيَكُونُ حَيْضُهَا مِنْهُمَا: مَا وَافَقَ الْعَادَةَ وَالْآخَرُ اسْتِحَاضَةً. فَائِدَتَانِ إحْدَاهُمَا: اخْتَلَفَ الْأَصْحَابُ فِي مُرَادِ الْخِرَقِيِّ بِقَوْلِهِ " فَإِنْ عَاوَدَهَا الدَّمُ فَلَا تَلْتَفِتُ إلَيْهِ حَتَّى تَجِيءَ أَيَّامُهَا " فَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ التَّمِيمِيُّ، وَالْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ: مُرَادُهُ إذَا عَاوَدَهَا بَعْدَ الْعَادَةِ، وَعَبَرَ أَكْثَرَ الْحَيْضِ. بِدَلِيلِ أَنَّهُ مَنَعَهَا أَنْ تَلْتَفِتَ إلَيْهِ مُطْلَقًا. وَلَوْ أَرَادَ غَيْرَ ذَلِكَ لَقَالَ: حَتَّى يَتَكَرَّرَ. وَقَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ. قَالَ الْقَاضِي: وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ إذَا عَاوَدَهَا بَعْدَ الْعَادَةِ وَلَمْ يَعْبُرْ. فَإِنَّهَا لَا تَلْتَفِتُ إلَيْهِ قَبْلَ التَّكْرَارِ. وَقَالَ أَبُو حَفْصٍ الْعُكْبَرِيُّ: أَرَادَ مُعَاوَدَةَ الدَّمِ فِي كُلِّ حَالٍ، سَوَاءٌ كَانَ فِي الْعَادَةِ أَوْ بَعْدَهَا؛ لِأَنَّ لَفْظَهُ مُطْلَقٌ. فَيُتَنَاوَلُ بِإِطْلَاقِهِ الزَّمَانَ. قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي: وَهَذَا أَظْهَرُ، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَهُوَ الظَّاهِرُ، اعْتِمَادًا عَلَى الْإِطْلَاقِ. وَسَكَتَ عَنْ التَّكْرَارِ لِتَقَدُّمِهِ لَهُ فِيمَا إذَا زَادَتْ الْعَادَةُ أَوْ تَقَدَّمَتْ. وَعَلَى هَذَا: إذَا عَبَرَ أَكْثَرَ الْحَيْضِ لَا يَكُونُ حَيْضًا انْتَهَى. وَاخْتَارَهُ الْأَصْفَهَانِيُّ فِي شَرْحِهِ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ. الثَّانِيَةُ: إذَا عَاوَدَهَا الدَّمُ فِي أَثْنَاءِ الْعَادَةِ وَقُلْنَا لَا تَحْتَاجُ إلَى تَكْرَارٍ وَجَبَ قَضَاءُ مَا صَامَتْهُ فِي الطُّهْرِ وَطَافَتْهُ فِيهِ. ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى. وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَقِيَاسُ قَوْلِ أَحْمَدَ فِي مَسْأَلَةِ النِّفَاسِ: لَا يَجِبُ قَضَاءُ ذَلِكَ. قَالَ: وَهُوَ أَصَحُّ.
قَوْلُهُ (وَالصُّفْرَةُ وَالْكُدْرَةُ فِي أَيَّامِ الْحَيْضِ: مِنْ الْحَيْضِ) . يَعْنِي فِي أَيَّامِ الْعَادَةِ. وَهَذَا الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَحَكَى الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَجْهًا: أَنَّ الصُّفْرَةَ وَالْكُدْرَةَ لَيْسَتَا بِحَيْضٍ مُطْلَقًا. فَائِدَةٌ: لَوْ وَجَدَتْ الصُّفْرَةَ وَالْكُدْرَةَ بَعْدَ زَمَنِ الْحَيْضِ، وَتَكَرَّرَتَا. فَلَيْسَتَا بِحَيْضٍ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، صَحَّحَهُ النَّاظِمُ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ وَغَيْرُهُمْ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا، وَصَاحِبِ الْوَجِيزِ، وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ. وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَغَيْرُهُ، وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ رَزِينٍ، وَنَاظِمُ الْمُفْرَدَاتِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَالْفَائِقِ، وَشَرْحِ الْمَجْدِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَنَصَرَهُ. وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَهُوَ الْمَنْصُوصُ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. وَزَادَ صَاحِبُ الْمُفْرَدَاتِ: أَنَّهَا لَا تَغْتَسِلُ بَعْدَهُ. فَقَالَ: لَيْسَ بِحَيْضٍ ذَا وَلَوْ تَكَرَّرَ. وَغُسْلُهَا لَيْسَ بِذَا تَقَرُّرًا. وَعَنْهُ إنْ تَكَرَّرَ فَهُوَ حَيْضٌ. اخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَصَاحِبُ التَّلْخِيصِ. قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ. وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ. وَشَرَطَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ اتِّصَالَهَا بِالْعَادَةِ. وَقُطِعَ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ: أَنَّ حُكْمَهَا مَعَ اتِّصَالِ الْعَادَةِ حُكْمُ الدَّمِ الْأَسْوَدِ. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: فَعَلَى رِوَايَةِ أَنَّهُ حَيْضٌ، إذَا تَكَرَّرَ: لَوْ رَأَتْهُ بَعْدَ الطُّهْرِ، وَتَكَرَّرَ لَمْ تَلْتَفِتْ إلَيْهِ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ، وَصَحَّحَهُ فِي الرِّعَايَةِ. وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي الصُّفْرَةِ وَالْكُدْرَةِ وَجْهَيْنِ: هَلْ هُمَا حَيْضٌ مُطْلَقًا، أَوْ لَا يَكُونَانِ حَيْضًا مُطْلَقًا؟ تَنْبِيهٌ: مَحَلُّ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ: إذَا لَمْ يُجَاوِزْ أَحَدُهُمَا أَكْثَرَ الْحَيْضِ. قَالَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ، وَصَاحِبُ الْحَاوِي، وَغَيْرُهُمْ . قَوْلُهُ (وَمَنْ كَانَتْ تَرَى يَوْمًا دَمًا، وَيَوْمًا طُهْرًا. فَإِنَّهَا تَضُمُّ الدَّمَ إلَى الدَّمِ. فَيَكُونُ حَيْضًا. وَالْبَاقِي طُهْرًا) . هَذَا قَالَهُ عَلَى سَبِيلِ ضَرْبِ الْمِثَالِ. وَإِلَّا فَمَتَى رَأَتْ دَمًا مُتَفَرِّقًا يَبْلُغُ مَجْمُوعُهُ أَقَلَّ
الْحَيْضِ، وَنَقَاءً. فَالنَّقَاءُ طُهْرٌ، وَالدَّمُ حَيْضٌ، وَهَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ بِهِ أَكْثَرُهُمْ. قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: هَذَا قَوْلُ أَصْحَابِنَا. وَعَنْهُ أَيَّامُ النَّقَاءِ وَالدَّمِ حَيْضٌ، اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَصَاحِبُ الْفَائِقِ. وَقِيلَ: إنْ تَقَدَّمَ دَمٌ يَبْلُغُ الْأَقَلَّ عَلَى مَا نَقَصَ عَنْ الْأَقَلِّ. فَهُوَ حَيْضٌ تَبَعًا لَهُ، وَإِلَّا فَلَا. فَعَلَى الْأَوَّلِ وَالثَّالِثِ. تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي وَتَصُومُ فِي الطُّهْرِ وَلَا تَقْضِي وَيَأْتِيهَا زَوْجُهَا. وَهَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ. وَفِيهِ وَجْهٌ لَا تَحْتَاجُ إلَى غُسْلٍ، حَتَّى تَرَى مِنْ الدَّمِ مَا يَبْلُغُ أَقَلَّ الْحَيْضِ. وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَمَتَى انْقَطَعَ قَبْلَ بُلُوغِ الْأَقَلِّ فَفِي وُجُوبِ الْغُسْلِ أَيْضًا وَجْهَانِ انْتَهَى. وَكَذَا قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ. وَتَبِعَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَالْحَاوِيَيْنِ. وَقِيلَ: تَغْتَسِلُ بَعْدَ تَمَامِ الْحَيْضِ فِي أَنْصَافِ الْأَيَّامِ فَأَقَلَّ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَهُوَ أَوْلَى. وَقِيلَ: بَلْ بَعْدَ تَمَامِ الْحَيْضِ مِنْ الدَّمِ فِي الْمُبْتَدَأَةِ. وَقِيلَ: إنْ نَقَصَ النَّقَاءُ عَنْ يَوْمٍ لَمْ يَكُنْ طُهْرًا تَغْتَسِلُ عَنْهُ، وَلَا تَجْلِسُ غَيْرَ الدَّمِ الْأَوَّلِ. فَعَلَى الْمَذْهَبِ: يُكْرَهُ وَطْؤُهَا زَمَنَ طُهْرِهَا وَرَعًا، قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ وَعَنْهُ يُبَاحُ. قَوْلُهُ (إلَّا أَنْ يُجَاوِزَ أَكْثَرَ الْحَيْضِ. فَتَكُونَ مُسْتَحَاضَةً) . هَذَا الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ، وَجَزَمَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ. وَعِنْدَ الْقَاضِي كُلُّ مُلَفِّقَةٍ غَيْرِ مُعْتَادَةٍ لَمْ يَتَّصِلْ دَمُهَا الْمُجَاوِزُ الْأَكْثَرَ بِدَمِ الْأَكْثَرِ، فَالنَّقَاءُ بَيْنَهُمَا فَاصِلٌ بَيْنَ الْحَيْضِ وَالِاسْتِحَاضَةِ. وَأَطْلَقَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ: أَنَّ الزَّائِدَ اسْتِحَاضَةٌ. تَنْبِيهَانِ أَحَدُهُمَا: ظَاهِرُ قَوْلِهِ (وَالْمُسْتَحَاضَةُ تَغْسِلُ فَرْجَهَا وَتَعْصِبُهُ، وَتَتَوَضَّأُ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ) أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهَا إعَادَةُ شَدِّهِ وَغَسْلِ الدَّمِ لِكُلِّ صَلَاةٍ إذَا لَمْ تُفَرِّطْ، وَهُوَ صَحِيحٌ وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ، وَجَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَغَيْرُهُمَا، وَصَحَّحَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَصَاحِبُ
مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالْفَائِقِ. وَغَيْرِهِمْ. وَقِيلَ: يَلْزَمُهَا ذَلِكَ. وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ. وَقِيلَ: يَلْزَمُهَا، إنْ خَرَجَ شَيْءٌ وَإِلَّا فَلَا. الثَّانِي: مُرَادُهُ بِقَوْلِهِ (وَتَتَوَضَّأُ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ) إذَا خَرَجَ شَيْءٌ بَعْدَ الْوُضُوءِ فَأَمَّا إذَا لَمْ يَخْرُجْ شَيْءٌ: فَلَا تَتَوَضَّأُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، جَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَغَيْرِهِمَا، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ فِيمَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ. وَقِيلَ: يَجِبُ. قُلْت: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَكَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ. فَيُعَايَى بِهَا. قَوْلُهُ (وَتَتَوَضَّأُ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ) . وَكَذَا قَالَ فِي الْمُغْنِي، وَالْمُحَرَّرِ، وَالشَّرْحِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفُرُوعِ وَالْفَائِقِ، وَغَيْرِهِمْ. فَلَا يَجُوزُ الْفَرْضُ قَبْلَ وَقْتِهِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَقِيلَ: يَجُوزُ. حَكَاهُ فِي الرِّعَايَةِ. إذَا عَلِمْت ذَلِكَ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ ظَاهِرَ كَلَامِهِمْ: أَنَّهُ لَا يَبْطُلُ طُهْرُهَا إلَّا بِدُخُولِ الْوَقْتِ. وَلَا يَبْطُلُ بِخُرُوجِهِ. وَهَذَا أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ، قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ. قَالَ: وَهُوَ أَوْلَى. وَكَذَا قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَجَزَمَ بِهِ نَاظِمُ الْمُفْرَدَاتِ. فَقَالَ: وَبِدُخُولِ الْوَقْتِ طُهْرٌ يَبْطُلُ ... لِمَنْ بِهَا اسْتِحَاضَةٌ قَدْ نَقَلُوا لَا بِالْخُرُوجِ مِنْهُ لَوْ تَطَهَّرَتْ ... لِلْفَجْرِ لَمْ تَبْطُلْ بِشَمْسٍ ظَهَرَتْ وَهِيَ شَبِيهَةٌ بِمَسْأَلَةِ التَّيَمُّمِ، وَالصَّحِيحُ فِيهِ: أَنَّهُ يَبْطُلُ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ كَمَا تَقَدَّمَ. وَقَالَ الْقَاضِي: يَبْطُلُ بِدُخُولِ الْوَقْتِ، وَبِخُرُوجِهِ أَيْضًا. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: فَإِنْ تَوَضَّأَتْ قَبْلَ الْوَقْتِ لِغَيْرِ فَرْضِ الْوَقْتِ، وَقَبْلَ أَوَّلِهِ: بَطَلَ بِدُخُولِهِ. وَتُصَلِّي قَبْلَهُ نَفْلًا. ثُمَّ قَالَ: وَإِنْ تَوَضَّأَتْ فِيهِ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ، بَطَلَ بِخُرُوجِهِ فِي الْأَصَحِّ كَمَا لَوْ تَوَضَّأَتْ لِصَلَاةِ الْفَجْرِ بَعْدَ طُلُوعِهِ، ثُمَّ طَلَعَتْ الشَّمْسُ. انْتَهَى، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ فِي مَكَانَيْنِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَابْنِ تَمِيمٍ، وَهُوَ ظَاهِرُ
كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَى مَا قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ وَالزَّرْكَشِيُّ. قَوْلُهُ (وَتُصَلِّي مَا شَاءَتْ مِنْ الصَّلَوَاتِ) . هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. وَعَنْهُ لَا تَجْمَعُ بَيْنَ فَرْضَيْنِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: أَطْلَقَهُمَا غَيْرُ وَاحِدٍ. وَهِيَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَغَيْرِهِ. وَقَيَّدَهَا بَعْضُ الْأَصْحَابِ. فَقَالَ: لَا تَجْمَعُ بَيْنَ فَرْضَيْنِ بِوُضُوءٍ، لِلْأَمْرِ بِالْوُضُوءِ لِكُلِّ صَلَاةٍ وَلِخِفَّةِ عُذْرِهَا فَإِنَّهَا لَا تُصَلِّي قَائِمَةً بِخِلَافِ الْمَرِيضِ. وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَظَاهِرُ كَلَامِ السَّامِرِيِّ أَنَّ الِاسْتِحَاضَةَ لَا تُبِيحُ الْجَمْعَ انْتَهَى. قُلْت: قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالْوَاجِبُ عَلَيْهَا: أَنْ تَتَوَضَّأَ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ. وَلَهَا أَنْ تُصَلِّيَ بِتِلْكَ الطَّهَارَةِ مَا شَاءَتْ مِنْ صَلَاةِ الْوَقْتِ وَالْفَوَائِتِ، وَالنَّوَافِلِ. وَتَجْمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي وَقْتِ إحْدَاهُمَا. ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ. وَقَالَ: إنْ تَوَضَّأَتْ وَدَخَلَ عَلَيْهَا وَقْتُ صَلَاةٍ، أَوْ خَرَجَ وَقْتُ صَلَاةٍ: بَطَلَتْ طَهَارَتُهَا. وَذَكَرَ الْخِرَقِيُّ وَابْنُ أَبِي مُوسَى: أَنَّهَا تَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ. وَظَاهِرُ قَوْلِهِمَا: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهَا أَنْ تُصَلِّيَ صَلَاتَيْنِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، لَا أَدَاءً وَلَا قَضَاءً. وَقَدْ حَمَلَ الْقَاضِي قَوْلَ الْخِرَقِيِّ (لِكُلِّ صَلَاةٍ) عَلَى أَنَّ مَعْنَاهُ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ. وَعِنْدِي أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى ظَاهِرِهِ. فَيَكُونُ فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَانِ، كَمَا فِي التَّيَمُّمِ انْتَهَى. قَالَ فِي الْمُغْنِي، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَغَيْرِهِمْ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ: تَتَوَضَّأُ لِكُلِّ فَرِيضَةٍ. قَالَ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ وَغَيْرِهِ: تَجْمَعُ بِالْغُسْلِ. لَا تَخْتَلِفُ الرِّوَايَةُ فِيهِ، نَقَلَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُمَا. وَقَالَ فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ: وَإِنَّمَا تَجْمَعُ فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ. وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. فَوَائِدُ إحْدَاهُمَا: لَهَا أَنْ تَطُوفَ مُطْلَقًا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ. وَنَقَلَ صَالِحٌ: لَا تَطُوفُ، إلَّا أَنْ تَطُولَ اسْتِحَاضَتُهَا. قَالَ أَبُو حَفْصٍ الْبَرْمَكِيُّ فِي مَجْمُوعِهِ: لَعَلَّهُ غَلَطٌ.
الثَّانِيَةُ: الْأَوْلَى لَهَا: أَنْ تُصَلِّيَ عَقِيبَ طَهَارَتِهَا. فَإِنْ أَخَّرَتْ لِحَاجَةٍ مِنْ انْتِظَارِ جَمَاعَةٍ أَوْ لِسُتْرَةٍ أَوْ تَوَجُّهٍ، أَوْ تَنَفُّلٍ وَنَحْوِهِ، أَوْ لِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ: جَازَ، وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ ذَلِكَ جَازَ أَيْضًا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، صَحَّحَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَفِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الرِّعَايَتَيْنِ وَالْفَائِقِ الثَّالِثَةُ: لَوْ كَانَ لَهَا عَادَةٌ بِانْقِطَاعِهِ فِي وَقْتٍ يَتَّسِعُ لِفِعْلِ الصَّلَاةِ. فَبِذَا تَعَيَّنَ فِعْلُ الصَّلَاةِ فِيهِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. وَعَنْهُ لَا عِبْرَةَ بِانْقِطَاعِهِ، اخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ، مِنْهُمْ الْمَجْدُ، وَصَاحِبُ الْفَائِقِ . الرَّابِعَةُ: لَوْ عَرَضَ هَذَا الِانْقِطَاعُ لِمَنْ عَادَتُهَا الِاتِّصَالُ أَبْطَلَ طَهَارَتَهَا. فَإِنْ وُجِدَ قَبْلَ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ لَمْ يَجُزْ الشُّرُوعُ فِيهَا. فَإِنْ خَالَفَتْ وَشَرَعَتْ وَاسْتَمَرَّ الِانْقِطَاعُ زَمَنًا يَتَّسِعُ لِلْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ فِيهِ، فَصَلَاتُهَا بَاطِلَةٌ، وَإِنْ عَادَ قَبْلَ ذَلِكَ فَطَهَارَتُهَا صَحِيحَةٌ، وَفِي إعَادَةِ الصَّلَاةِ وَجْهَانِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَإِنْ عَرَضَ هَذَا الِانْقِطَاعُ لِمَنْ عَادَتُهَا الِاتِّصَالُ، فَفِي بَقَاءِ طُهْرِهَا وَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: يَجِبُ إعَادَتُهَا، وَهُوَ الصَّحِيحُ، صَحَّحَهُ الْمَجْدُ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَالزَّرْكَشِيُّ وَفِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ. وَقَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا تَجِبُ الْإِعَادَةُ. الْخَامِسَةُ: لَوْ عَرَضَ هَذَا الِانْقِطَاعُ الْمُبْطِلُ لِلْوُضُوءِ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ أَبْطَلَهَا مَعَ الْوُضُوءِ. وَلَزِمَهَا اسْتِئْنَافُهُمَا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، صَحَّحَهُ الْمَجْدُ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَالزَّرْكَشِيُّ. وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ: تَخْرُجُ تَتَوَضَّأُ وَتَبْنِي. وَذَكَرَ ابْنُ حَامِدٍ وَجْهًا ثَالِثًا. لَا يُبْطِلُ الْوُضُوءَ وَلَا الصَّلَاةَ بَلْ تُتِمُّهُمَا. قَالَ الشَّارِحُ. انْبَنَى عَلَى الْمُتَيَمِّمِ يَجِدُ الْمَاءَ فِي الصَّلَاةِ. ذَكَرَهُ ابْنُ حَامِدٍ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ الشَّارِحُ. وَفَرَّقَ الْمَجْدُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْحَدَثَ هُنَا مُتَجَدِّدٌ، وَلَمْ يُوجَدْ عَنْهُ بَدَلٌ. وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ وَنَظِيرُهُ فِي التَّيَمُّمِ عِنْدَ قَوْلِهِ " وَيَبْطُلُ التَّيَمُّمُ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ " السَّادِسَةُ: مُجَرَّدُ الِانْقِطَاعِ يُوجِبُ الِانْصِرَافَ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
اخْتَارَهُ الْأَصْحَابُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهَا عَادَةٌ بِانْقِطَاعٍ يَسِيرٍ. وَقِيلَ: لَا تَنْصَرِفُ بِمُجَرَّدِ الِانْقِطَاعِ اخْتَارَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ. فَقَالَ: وَعِنْدِي لَا تَنْصَرِفُ، مَا لَمْ تَمْضِ مُدَّةُ الِاتِّسَاعِ، وَاخْتَارَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ. وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، فَعَلَى الْمَذْهَبِ: لَوْ خَالَفَتْ وَلَمْ تَنْصَرِفْ، بَلْ مَضَتْ فَعَادَ الدَّمُ قَبْلَ مُدَّةِ الِاتِّسَاعِ، فَعِنْدَ الْأَصْحَابِ: فِيهِ الْوَجْهَانِ فِي الِانْقِطَاعِ قَبْلَ الشُّرُوعِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ. السَّابِعَةُ: لَوْ تَوَضَّأَتْ مَنْ لَهَا عَادَةٌ بِانْقِطَاعٍ يَسِيرٍ، فَاتَّصَلَ الِانْقِطَاعُ حَتَّى اتَّسَعَ أَوْ بَرَأَتْ بَطَلَ وُضُوءُهَا إنْ وُجِدَ مِنْهَا دَمٌ مَعَهُ أَوْ بَعْدَهُ، وَإِلَّا فَلَا . الثَّامِنَةُ: لَوْ كَثُرَ الِانْقِطَاعُ. وَاخْتَلَفَ بِتَقَدُّمٍ وَتَأَخُّرٍ، وَقِلَّةٍ وَكَثْرَةٍ، وَوُجِدَ مَرَّةً وَعُدِمَ أُخْرَى، وَلَمْ يَكُنْ لَهَا عَادَةٌ مُسْتَقِيمَةٌ بِاتِّصَالٍ وَلَا بِانْقِطَاعٍ: فَهَذِهِ كَمَنْ عَادَتُهَا الِاتِّصَالُ عِنْدَ الْأَصْحَابِ فِي بُطْلَانِ الْوُضُوءِ بِالِانْقِطَاعِ الْمُتَّسِعِ لِلْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ دُونَ مَا دُونَهُ وَفِي سَائِرِ مَا تَقَدَّمَ، إلَّا فِي فَصْلٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ أَنَّهَا لَا تُمْنَعُ مِنْ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ، وَالْمُضِيِّ فِيهَا بِمُجَرَّدِ الِانْقِطَاعِ قَبْلَ تَبَيُّنِ اتِّسَاعِهِ. وَقَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: وَالصَّحِيحُ عِنْدِي هُنَا: أَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِهَذَا الِانْقِطَاعِ. بَلْ يَكْفِي وُجُودُ الدَّمِ فِي شَيْءٍ مِنْ الْوَقْتِ. قَالَ: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ بْنِ الْقَاسِمِ، وَاخْتَارَهُ الشَّارِحُ، وَاخْتَارَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَهُوَ أَصَحُّ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. التَّاسِعَةُ: لَا يَكْفِيهَا نِيَّةُ رَفْعِ الْحَدَثِ؛ لِأَنَّهُ دَائِمٌ. وَيَكْفِي فِيهِ الِاسْتِبَاحَةُ. فَأَمَّا تَعْيِينُ النِّيَّةِ لِلْفَرْضِ: فَلَا يُعْتَبَرُ عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِ أَصْحَابِنَا. قَالَهُ ابْنُ عُبَيْدَانَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ كَلَامُ الْمَجْدِ. قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ مَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ وَالْمَذْيُ وَالرِّيحُ وَالْجَرِيحُ الَّذِي لَا يَرْقَأُ، وَالرُّعَافُ الدَّائِمُ) بِلَا نِزَاعٍ، لَكِنْ عَلَيْهِ أَنْ يَحْتَشِيَ، نَقَلَهُ الْمَيْمُونِيُّ، وَغَيْرُهُ، وَنَقَلَ ابْنُ هَانِئٍ: لَا يَلْزَمُهُ.
فَائِدَةٌ: لَوْ قَدَرَ عَلَى حَبْسِهِ حَالَ الْقِيَامِ لِأَجْلِ الرُّكُوعِ، وَالسُّجُودِ: لَزِمَهُ أَنْ يَرْكَعَ وَيَسْجُدَ كَالْمَكَانِ النَّجِسِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، نُصَّ عَلَيْهِ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَخَرَّجُ أَنَّهُ يُؤْمَرُ، وَجَزَمَ بِهِ أَبُو الْمَعَالِي لِأَنَّ فَوَاتَ الشَّرْطِ لَا بَدَلَ لَهُ. وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي أَيْضًا: وَلَوْ امْتَنَعَتْ الْقِرَاءَةُ، أَوْ لَحِقَهُ السَّلَسُ إنْ صَلَّى قَائِمًا: صَلَّى قَائِمًا. وَقَالَ أَيْضًا: لَوْ كَانَ لَوْ قَامَ وَقَعَدَ لَمْ يَحْبِسْهُ، وَلَوْ اسْتَلْقَى حَبْسَهُ: صَلَّى قَائِمًا أَوْ قَاعِدًا؛ لِأَنَّ الْمُسْتَلْقِيَ لَا نَظِيرَ لَهُ اخْتِيَارًا وَيَأْتِي قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ سَتْرُ الْعَوْرَةِ بَعْدَ قَوْلِهِ " وَإِنْ وَجَدَ السُّتْرَةَ قَرِيبَةً مِنْهُ " . قَوْلُهُ (وَهَلْ يُبَاحُ وَطْءُ الْمُسْتَحَاضَةِ فِي الْفَرْجِ مِنْ غَيْرِ خَوْفِ الْعَنَتِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) . وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالشَّرْحِ، وَابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ. إحْدَاهُمَا: لَا يُبَاحُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، مَعَ عَدَمِ الْعَنَتِ. قَالَ فِي الْكَافِي، وَالْفُرُوعِ: اخْتَارَهُ أَصْحَابُنَا، وَجَزَمَ بِهِ نَاظِمُ الْمُفْرَدَاتِ وَغَيْرُهُ، وَهُوَ مِنْهَا الثَّانِيَةُ: يُبَاحُ. قَالَ فِي الْحَاوِيَيْنِ وَيُبَاحُ وَطْءُ الْمُسْتَحَاضَةِ مِنْ غَيْرِ خَوْفِ الْعَنَتِ عَلَى أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ. وَعَنْهُ يُكْرَهُ. فَعَلَى الْمَذْهَبِ: لَوْ فَعَلَ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: هُوَ كَالْوَطْءِ فِي الْحَيْضِ. وَعَلَى الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ: لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ قَوْلًا وَاحِدًا. وَفِي الرِّعَايَةِ: احْتِمَالٌ بِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ، وَإِنْ قُلْنَا: إنَّهُ غَيْرُ حَرَامٍ. تَنْبِيهَانِ: أَحَدُهُمَا: شَمِلَ قَوْلُهُ " خَوْفِ الْعَنَتِ " الزَّوْجَ. أَوْ الزَّوْجَةَ، أَوْ هُمَا، وَهُوَ صَحِيحٌ صَرَّحَ بِهِ الْأَصْحَابُ. الثَّانِي: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: أَنَّهُ إذَا خَافَ الْعَنَتَ يُبَاحُ لَهُ وَطْؤُهَا مُطْلَقًا، وَهُوَ
صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَقِيلَ: لَا يُبَاحُ إلَّا إذَا عَدِمَ الطَّوْلَ لِنِكَاحِ غَيْرِهَا. قَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي رِوَايَتَيْهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. وَقَالَ: الشَّبَقُ الشَّدِيدُ كَخَوْفِ الْعَنَتِ. فَائِدَتَانِ إحْدَاهُمَا: يَجُوزُ شُرْبُ دَوَاءٍ مُبَاحٍ لِقَطْعِ الْحَيْضِ مُطْلَقًا. مَعَ أَمْنِ الضَّرَرِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، نُصَّ عَلَيْهِ. وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يُبَاحُ إلَّا بِإِذْنِ الزَّوْجِ. كَالْعَزْلِ قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ، قَالَ: فِي الْفُرُوعِ يُؤَيِّدُهُ: قَوْلُ أَحْمَدَ فِي بَعْضِ جَوَابِهِ " وَالزَّوْجَةُ تَسْتَأْذِنُ زَوْجَهَا " وَقَالَ: وَيُتَوَجَّهُ يُكْرَهُ. وَقَالَ: وَفِعْلُ الرَّجُلِ ذَلِكَ بِهَا مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ يُتَوَجَّهُ تَحْرِيمُهُ، لِإِسْقَاطِ حَقِّهَا مُطْلَقًا مِنْ النَّسْلِ الْمَقْصُودِ. وَقَالَ: وَيُتَوَجَّهُ فِي الْكَافُورِ وَنَحْوِهِ لَهُ لِقَطْعِ الْحَيْضِ. قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ. قَالَ فِي الْفَائِقِ: وَلَا يَجُوزُ مَا يَقْطَعُ الْحَمْلَ. ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ. الثَّانِيَةُ: يَجُوزُ شُرْبُ دَوَاءٍ لِحُصُولِ الْحَيْضِ. ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْفُرُوعِ، إلَّا قُرْبَ رَمَضَانَ لِتُفْطِرَهُ. ذَكَرَهُ أَبُو يَعْلَى الصَّغِيرُ. قُلْت: وَلَيْسَ لَهُ مُخَالِفٌ، وَالظَّاهِرُ: أَنَّهُ مُرَادُ مَنْ ذَكَرَ الْمَسْأَلَةَ وَيَأْتِي فِي أَثْنَاءِ النِّفَاسِ: إذَا شَرِبَتْ شَيْئًا لِتُلْقِي مَا فِي بَطْنِهَا . قَوْلُهُ (وَأَكْثَرُ النِّفَاسِ أَرْبَعُونَ يَوْمًا) . هَذَا الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَعَنْهُ سِتُّونَ. حَكَاهَا ابْنُ عَقِيلٍ فَمَنْ بَعْدَهُ. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لَا حَدَّ لِأَكْثَرِ النِّفَاسِ. وَلَوْ زَادَ عَلَى الْأَرْبَعِينَ أَوْ السِّتِّينَ، أَوْ السَّبْعِينَ وَانْقَطَعَ. فَهُوَ نِفَاسٌ، لَكِنْ إنْ اتَّصَلَ فَهُوَ دَمُ فَسَادٍ. وَحِينَئِذٍ: فَالْأَرْبَعُونَ مُنْتَهَى الْغَالِبِ وَتَقَدَّمَ إذَا رَأَتْهُ قَبْلَ وِلَادَتِهَا بِيَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ وَابْتِدَاءُ الْمُدَّةِ مِنْ أَيِّ وَقْتٍ عِنْدَ قَوْلِهِ (وَالْحَامِلُ لَا تَحِيضُ) فَلْيُعَاوَدْ.
فَعَلَى الْمَذْهَبِ، لَوْ جَاوَزَ الْأَرْبَعِينَ. فَالزَّائِدُ اسْتِحَاضَةٌ، إنْ لَمْ يُصَادِفْ عَادَةً وَلَمْ يُجَاوِزْهَا. فَإِنْ صَادَفَ عَادَةً وَلَمْ يُجَاوِزْهَا. فَهُوَ حَيْضٌ، وَإِنْ جَاوَزَهَا فَاسْتِحَاضَةٌ، إنْ لَمْ يَتَكَرَّرْ، إذَا لَمْ يُجَاوِزْ أَكْثَرَ الْحَيْضِ. قُلْت: وَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ بَعْدَ السِّتِّينَ عَلَى الْقَوْلِ بِهِ. وَلَا فَرْقَ، وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ الْأَصْحَابُ عَلَى ذَلِكَ بِنَاءً عَلَى الْمَذْهَبِ. قَوْلُهُ (وَلَا حَدَّ لِأَقَلِّهِ) . يَعْنِي: لَا حَدَّ بِزَمَنٍ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَعَنْهُ أَقَلُّهُ يَوْمٌ. ذَكَرَهَا أَبُو الْحُسَيْنِ: وَعَنْهُ أَقَلُّهُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ. ذَكَرَهَا أَبُو يَعْلَى الصَّغِيرُ لِقَوْلِهِ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد وَقَدْ قِيلَ لَهُ: «إذَا طَهُرَتْ بَعْدَ يَوْمٍ فَقَالَ بَعْدَ يَوْمٍ؟ لَا يَكُونُ، وَلَكِنْ بَعْدَ أَيَّامٍ» فَعَلَى الْمَذْهَبِ: لَوْ وُجِدَ فَأَقَلُّهُ قَطْرَةٌ. جَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَغَيْرِهِمْ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ. وَقِيلَ:. . . مَجَّةٌ. قَدَّمَهُ فِي الْحَاوِيَيْنِ وَصَحَّحَهُ. وَقِيلَ: قَدْرُ لَحْظَةٍ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى بَعْدَ أَنْ حَكَى هَذِهِ الْأَقْوَالَ، وَرِوَايَةَ: أَنَّ أَقَلَّهُ يَوْمٌ وَقِيلَ: لَا حَدَّ لِأَقَلِّهِ. وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَغَيْرِهِمْ: أَنَّهُ لَا حَدَّ لِأَقَلِّهِ . قَوْلُهُ (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَقْرَبَهَا زَوْجُهَا فِي الْفَرْجِ حَتَّى تُتَمِّمَ الْأَرْبَعِينَ) . يَعْنِي إذَا طَهُرَتْ فِي أَثْنَاءِ الْأَرْبَعِينَ. فَلَوْ خَالَفَ وَفَعَلَ: كُرِهَ لَهُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، مُطْلَقًا. وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ [نَصَّ عَلَيْهِ] وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ أَيْضًا. وَقِيلَ: يَحْرُمُ مَعَ عَدَمِ خَوْفِ الْعَنَتِ. وَقِيلَ: يُكْرَهُ إنْ أَمِنَ الْعَنَتَ، وَإِلَّا فَلَا. وَعَنْهُ: لَا يُكْرَهُ وَطْؤُهَا. ذَكَرَهُ الزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُ . قَوْلُهُ (وَإِذَا انْقَطَعَ دَمُهَا فِي مُدَّةِ الْأَرْبَعِينَ ثُمَّ عَادَ فِيهَا. فَهُوَ نِفَاسٌ) عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، اخْتَارَهَا الْمُصَنِّفُ، وَالْمَجْدُ، وَابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ.
قَالَ فِي الْفَائِقِ: فَهُوَ نِفَاسٌ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمَذْهَبِ الْأَحْمَدِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَابْنِ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِيَيْنِ، وَابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ، وَالْكَافِي، وَالْهَادِي. وَعَنْهُ: أَنَّهُ مَشْكُوكٌ فِيهِ. تَصُومُ وَتُصَلِّي، وَتَقْضِي الصَّوْمَ الْمَفْرُوضَ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، نُصَّ عَلَيْهِ. وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: نَقَلَهُ وَاخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْفُصُولِ، وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَالشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ فِي رُءُوسِ مَسَائِلِهِمَا وَغَيْرُهُمْ. وَقَدَّمَهُ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْفُرُوعِ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ. وَغَيْرِهِمْ، وَصَحَّحَهُ فِي الْخُلَاصَةِ وَغَيْرِهِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ وَغَيْرُهُمْ: هَذَا أَشْهَرُ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُذْهَبِ وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالشَّرْحِ، وَالنَّظْمِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ. وَقَالَ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ: إنْ كَانَ الثَّانِي يَوْمًا وَلَيْلَةً فَهُوَ مَشْكُوكٌ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ، فَهُوَ دَمُ فَسَادٍ، تَصُومُ وَتُصَلِّي مَعَهُ، وَلَا تَقْضِي. قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: وَهَذَا لَا وَجْهَ لَهُ. وَقَالَ الْقَاضِي أَيْضًا: إنْ كَانَ الْعَائِدُ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ فَإِنَّهَا تَقْضِي مَا وَجَبَ فِيهِمَا، مِنْ صَوْمٍ، وَطَوَافٍ، وَسَعْيٍ، وَاعْتِكَافٍ احْتِيَاطًا. نَقَلَهُ ابْنُ تَمِيمٍ فَائِدَتَانِ: إحْدَاهُمَا: لَوْ وَلَدَتْ مَنْ مِنْ غَيْرِ دَمٍ، ثُمَّ رَأَتْ الدَّمَ فِي أَثْنَاءِ الْمُدَّةِ، فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ مَشْكُوكٌ فِيهِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: مَشْكُوكٌ فِيهِ فِي الْأَصَحِّ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ. وَقِيلَ: هُوَ نِفَاسٌ. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: يَخْرُجُ هَذَا الدَّمُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، هَلْ هُوَ مَشْكُوكٌ فِيهِ، أَوْ نِفَاسٌ؟ قَالَ: فَإِنْ صَلَحَ الْعَائِدُ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا، وَصَادَفَ الْعَادَةَ: لَمْ يَبْقَ مَشْكُوكًا فِيهِ، سَوَاءٌ كَانَ زَمَنُ الِانْقِطَاعِ طُهْرًا كَامِلًا أَوْ لَا. ذَكَرَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا. وَسَائِرُهُمْ أَطْلَقَ. انْتَهَى. الثَّانِيَةُ: الطُّهْرُ الَّذِي بَيْنَ الدَّمَيْنِ: طُهْرٌ صَحِيحٌ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَعَنْهُ مَشْكُوكٌ فِيهِ. تَصُومُ، وَتُصَلِّي، وَتَقْضِي الصَّوْمَ
الْوَاجِبَ وَنَحْوَهُ. وَحُكِيَ عَنْ ابْنِ أَبِي مُوسَى. وَعَنْهُ تَقْضِي الصَّوْمَ مَعَ عَوْدِهِ، وَلَا تَقْضِي الطَّوَافَ اخْتَارَهَا الْخَلَّالُ. تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ قَوْلِهِ " وَإِذَا انْقَطَعَ دَمُهَا فِي مُدَّةِ الْأَرْبَعِينَ ثُمَّ عَادَ فِيهَا " أَنَّ الطُّهْرَ الَّذِي بَيْنَهُمَا، سَوَاءٌ كَانَ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا: طُهْرٌ صَحِيحٌ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَعَنْهُ إنْ رَأَتْ النَّقَاءَ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ: لَا تَثْبُتُ لَهَا أَحْكَامُ الطَّاهِرَاتِ. وَمِنْهَا خَرَّجَ الْمُصَنِّفُ فِي النَّقَاءِ الْمُتَخَلِّلِ بَيْنَ الْحَيْضِ فِيمَا إذَا انْقَطَعَ فِي أَثْنَاءِ الْعَادَةِ ثُمَّ عَادَ فِيهَا. فَائِدَتَانِ: إحْدَاهُمَا: يَجُوزُ شُرْبُ دَوَاءٍ لِإِسْقَاطِ نُطْفَةٍ. ذَكَرَهُ فِي الْوَجِيزِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي أَحْكَامِ النِّسَاءِ: يَحْرُمُ. وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ عَقِيلٍ فِي الْفُنُونِ: أَنَّهُ يَجُوزُ إسْقَاطُهُ قَبْلَ أَنْ يُنْفَخَ فِيهِ الرُّوحُ. قَالَ: وَلَهُ وَجْهٌ. انْتَهَى. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَالْأَحْوَطُ أَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَسْتَعْمِلُ دَوَاءً يَمْنَعُ نُفُوذَ الْمَنِيِّ فِي مَجَارِي الْحَبَلِ . الثَّانِيَةُ: مَنْ اسْتَمَرَّ دَمُهَا يَخْرُجُ مِنْ فَمِهَا بِقَدْرِ الْعَادَةِ فِي وَقْتِهَا، وَوَلَدَتْ فَخَرَجَتْ الْمَشِيمَةُ وَدَمُ النِّفَاسِ مِنْ فَمِهَا. فَغَايَتُهُ: يُنْقَضُ الْوُضُوءُ؛ لِأَنَّا لَا نَتَحَقَّقُهُ حَيْضًا، كَزَائِدٍ عَلَى الْعَادَةِ، أَوْ كَمَنِيٍّ خَرَجَ مِنْ غَيْرِ مَخْرَجِهِ. ذَكَرَهُ فِي الْفُنُونِ . قَوْلُهُ (وَإِنْ وَلَدَتْ تَوْأَمَيْنِ. فَأَوَّلُ النِّفَاسِ: مِنْ الْأَوَّلِ. وَآخِرُهُ: مِنْهُ) وَهَذَا الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. فَعَلَيْهَا لَوْ كَانَ بَيْنَ الْوَلَدَيْنِ أَرْبَعُونَ يَوْمًا. فَلَا نِفَاسَ لِلثَّانِي، نُصَّ عَلَيْهِ، بَلْ هُوَ دَمُ فَسَادٍ. وَقِيلَ: تَبْدَأُ لِلثَّانِي بِنِفَاسٍ، اخْتَارَهُ أَبُو الْمَعَالِي وَالْأَزَجِيُّ. وَقَالَ: لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ فِيهِ. وَعَنْهُ أَنَّهُ مِنْ الْأَخِيرِ، يَعْنِي أَنَّ أَوَّلَ النِّفَاسِ مِنْ الْأَوَّلِ، وَآخِرَهُ مِنْ الْأَخِيرِ. فَعَلَيْهَا تَبْدَأُ لِلثَّانِي بِنِفَاسٍ مِنْ وِلَادَتِهِ. فَلَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا أَرْبَعُونَ يَوْمًا أَوْ أَكْثَرُ. فَهُمَا نِفَاسَانِ. قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَالتَّلْخِيصِ. وَعَنْهُ نِفَاسٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ الصَّحِيحُ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ. قَالَ
ابْنُ تَمِيمٍ: وَقَالَ غَيْرُ صَاحِبِ التَّلْخِيصِ: الْكُلُّ نِفَاسٌ. قُلْت: فَيُعَايَى بِهَا. وَقِيلَ: إنْ كَانَ بَيْنَهُمَا طُهْرٌ تَامٌّ، وَالثَّانِي دُونَ أَقَلِّ الْحَيْضِ: فَلَيْسَ بِنِفَاسٍ. قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. وَعَنْهُ أَوَّلُهُ وَآخِرُهُ: مِنْ الثَّانِي. فَمَا قَبْلَهُ كَدَمِ الْحَامِلِ إنْ كَانَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَأَقَلَّ: نِفَاسٌ، وَإِنْ زَادَ: فَفَاسِدٌ. وَقِيلَ: بَلْ نِفَاسٌ لَا يُعَدُّ مِنْ غَيْرِ مُدَّةِ الْأَوَّلِ. فَائِدَتَانِ: إحْدَاهُمَا: أَوَّلُ مُدَّةِ النِّفَاسِ: مِنْ الْوَضْعِ، إلَّا أَنْ تَرَاهُ قَبْلَ وِلَادَتِهَا بِيَوْمَيْنِ، أَوْ ثَلَاثَةٍ بِأَمَارَةٍ مِنْ الْمَخَاضِ وَنَحْوِهِ فَلَوْ خَرَجَ بَعْدَ الْوَلَدِ: اُعْتُدَّ بِالْخَارِجِ مَعَهُ مِنْ الْمُدَّةِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، وَخَرَّجَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: أَنَّهُ كَدَمِ الطَّلْقِ. وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ، وَفِي الْفَائِقِ وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ مُحَرَّرًا عِنْدَ قَوْلِهِ (وَالْحَامِلُ لَا تَحِيضُ) فَلْيُعَاوَدْ. الثَّانِيَةُ: يَثْبُتُ حُكْمُ النِّفَاسِ بِوَضْعِ شَيْءٍ فِيهِ خَلْقُ الْإِنْسَانِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَنُصَّ عَلَيْهِ، قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ، وَغَيْرُهُمَا: وَمُدَّةُ تَبْيِينِ خَلْقِ الْإِنْسَانِ غَالِبًا: ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ. وَقَدْ قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي هَذَا الْكِتَابِ فِي بَابِ الْعَدَدِ: وَأَقَلُّ مَا يَتَبَيَّنُ بِهِ الْوَلَدُ: وَاحِدٌ وَثَمَانُونَ يَوْمًا. فَلَوْ وَضَعَتْ عَلَقَةً أَوْ مُضْغَةً لَا تَخْطِيطَ فِيهَا، لَمْ يَثْبُتْ لَهَا بِذَلِكَ حُكْمُ النِّفَاسِ، نَصَّ عَلَيْهِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَصَحَّحَهُ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالْفَائِقُ. وَعَنْهُ يَثْبُتُ بِوَضْعِ مُضْغَةٍ. وَهُمَا وَجْهَانِ مُطْلَقَانِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَغَيْرِهِمْ. وَعَنْهُ وَعَلَقَةٌ، وَهُوَ وَجْهٌ فِي مُخْتَصَرِ ابْنِ تَمِيمٍ وَغَيْرِهِ. وَقِيلَ: يَثْبُتُ لَهَا حُكْمُ النُّفَسَاءِ إذَا وَضَعَتْهُ لِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيُتَوَجَّهُ أَنَّهُ رِوَايَةٌ مُخْرَجَةٌ مِنْ الْعِدَّةِ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى (وَدَمُ السِّقْطِ: نِفَاسٌ دُونَ دُونِهِ فِي الْأَصَحِّ) أَيْ دَمُ السِّقْطِ نِفَاسٌ دُونَ مَنْ وُضِعَ لِدُونِ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ. صَرَّحَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَصَحَّحَهُ أَيْضًا وَقَالَ فِي الْحَاوِيَيْنِ: وَدَمُ السِّقْطِ نِفَاسٌ.
كتاب الصلاة
[كِتَابُ الصَّلَاةِ] ِ فَائِدَتَانِ إحْدَاهُمَا: لِلصَّلَاةِ مَعْنَيَانِ: مَعْنًى فِي اللُّغَةِ، وَمَعْنًى فِي الشَّرْعِ. فَمَعْنَاهَا فِي اللُّغَةِ: الدُّعَاءُ. وَهِيَ فِي الشَّرْعِ: عِبَارَةٌ عَنْ الْأَفْعَالِ الْمَعْلُومَةِ مِنْ الْقِيَامِ، وَالْقُعُودِ، وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ الْقِرَاءَةِ، وَالذِّكْرِ، مُفْتَتَحَةً بِالتَّكْبِيرِ، مُخْتَتَمَةً بِالتَّسْلِيمِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هِيَ عِبَارَةٌ عَنْ هَيْئَةٍ مَخْصُوصَةٍ، مُشْتَمِلَةٍ عَلَى رُكُوعٍ وَسُجُودٍ وَذِكْرِهِ. انْتَهَى. وَسُمِّيَتْ " صَلَاةً " لِاشْتِمَالِهَا عَلَى الدُّعَاءِ. وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنْ الْفُقَهَاءِ، وَأَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ. وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إنَّمَا سُمِّيَتْ " صَلَاةً " لِأَنَّهَا ثَانِيَةٌ لِشَهَادَةِ التَّوْحِيدِ كَالْمُصَلِّي مِنْ السَّابِقِ فِي الْخَيْلِ. وَقِيلَ: سُمِّيَتْ صَلَاةً لِمَا يَعُودُ عَلَى صَاحِبِهَا مِنْ الْبَرَكَةِ. وَتُسَمَّى الْبَرَكَةُ صَلَاةً فِي اللُّغَةِ. وَقِيلَ: لِأَنَّهَا تُفْضِي إلَى الْمَغْفِرَةِ الَّتِي هِيَ مَقْصُودَةٌ بِالصَّلَاةِ. وَقِيلَ: سُمِّيَتْ صَلَاةً، لِمَا تَتَضَمَّنُ مِنْ الْخُشُوعِ وَالْخَشْيَةِ لِلَّهِ. مَأْخُوذٌ مِنْ صَلَيْت الْعُودَ إذَا لَيَّنْته، وَالْمُصَلِّي يَلِينُ وَيَخْشَعُ. وَقِيلَ: سُمِّيَتْ صَلَاةً؛ لِأَنَّ الْمُصَلِّيَ يَتْبَعُ مَنْ تَقَدَّمَهُ. فَجِبْرِيلُ أَوَّلُ مَنْ تَقَدَّمَ بِفِعْلِهَا، وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَبَعًا لَهُ وَمُصَلِّيًا، ثُمَّ الْمُصَلُّونَ بَعْدَهُ. وَقِيلَ: سُمِّيَتْ صَلَاةً لِأَنَّ رَأْسَ الْمَأْمُومِ عِنْدَ صَلَوَى إمَامِهِ، وَ (الصَّلَوَانِ) عَظْمَانِ عَنْ يَمِينِ الذَّنَبِ وَيَسَارِهِ فِي مَوْضِعِ الرِّدْفِ، ذُكِرَ ذَلِكَ فِي النِّهَايَةِ. إلَّا الْقَوْلُ الثَّانِي. فَإِنَّهُ ذَكَرَهُ فِي الْفُرُوعِ . الثَّانِيَةُ: فُرِضَتْ الصَّلَاةُ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ، وَهُوَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِنَحْوِ خَمْسِ سِنِينَ. وَقِيلَ: سِتَّةٍ. وَقِيلَ: بَعْدَ الْبَعْثَةِ بِنَحْوِ سَنَةٍ. تَنْبِيهٌ: دَخَلَ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ (وَهِيَ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ) مَنْ أَسْلَمَ قَبْلَ بُلُوغِ الشَّرْعِ لَهُ كَمَنْ أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَنَحْوِهِ وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ
الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ بِهِ الْأَكْثَرُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَقْضِيهَا مُسْلِمٌ قَبْلَ بُلُوغِ الشَّرْعِ. وَقِيلَ: لَا يَقْضِيهَا. ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الشَّرَائِعَ لَا تَلْزَمُ إلَّا بَعْدَ الْعِلْمِ. قَالَ فِي الْفَائِقِ: وَخَرَجَ رِوَايَتَانِ فِي ثُبُوتِ حُكْمِ الْخِطَابِ قَبْلَ الْمَعْرِفَةِ. انْتَهَى. وَقِيلَ: لَا يَقْضِي حَرْبِيٌّ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَالْوَجْهَانِ فِي كُلِّ مَنْ تَرَكَ وَاجِبًا قَبْلَ بُلُوغِ الشَّرْعِ كَمَنْ لَمْ يَتَيَمَّمْ لِعَدَمِ الْمَاءِ، لِظَنِّهِ عَدَمَ الصِّحَّةِ بِهِ. أَوْ لَمْ يُزَكِّ، أَوْ أَكَلَ حَتَّى تَبَيَّنَ لَهُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ، لِظَنِّهِ ذَلِكَ. أَوْ لَمْ تُصَلِّ مُسْتَحَاضَةٌ وَنَحْوُهُ، قَالَ: وَالْأَصَحُّ لَا فَرْضًا. قَالَ فِي الْفُرُوعِ. وَمُرَادُهُ وَلَمْ يَقْضِ، وَإِلَّا أَثِمَ. وَكَذَا لَوْ عَامَلَ بِرِبًا، أَوْ نَكَحَ فَاسِدًا ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ التَّحْرِيمُ. قَوْلُهُ (وَهِيَ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ بَالِغٍ عَاقِلٍ إلَّا الْحَائِضَ وَالنُّفَسَاءَ) يَعْنِي: لَا تَجِبُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِمَا، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ مُطْلَقًا. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَلَنَا وَجْهٌ: أَنَّ النُّفَسَاءَ إذَا طَرَحَتْ نَفْسَهَا لَا تَسْقُطُ الصَّلَاةُ عَنْهَا. وَأَطْلَقَ الْخِلَافَ جَمَاعَةٌ، مِنْهُمْ ابْنُ تَمِيمٍ. قَوْلُهُ (وَتَجِبُ عَلَى النَّائِمِ وَمَنْ زَالَ عَقْلُهُ بِسُكْرٍ، أَوْ إغْمَاءٍ، أَوْ شُرْبِ دَوَاءٍ) أَمَّا النَّائِمُ: فَتَجِبُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ إجْمَاعًا. وَيَجِبُ إعْلَامُهُ إذَا ضَاقَ الْوَقْتُ، عَلَى الصَّحِيحِ، جَزَمَ بِهِ أَبُو الْخَطَّابِ فِي التَّمْهِيدِ. وَقِيلَ: لَا يَجِبُ إعْلَامُهُ. وَقِيلَ: يَجِبُ وَلَوْ لَمْ يَضِقْ الْوَقْتُ، بَلْ بِمُجَرَّدِ دُخُولِهِ. وَهَذِهِ احْتِمَالَاتٌ مُطْلَقَاتٌ فِي الرِّعَايَةِ وَالْفُرُوعِ. وَأَمَّا مَنْ زَالَ عَقْلُهُ بِسُكْرٍ: فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: وُجُوبُ الصَّلَاةِ مُطْلَقًا عَلَيْهِ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَقَطَعَ بِهِ أَكْثَرُهُمْ. وَكَذَا مَنْ زَالَ عَقْلُهُ بِمُحَرَّمٍ وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: عَدَمَ الْوُجُوبِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ. وَقَالَ فِي الْفَتَاوَى الْمِصْرِيَّةِ: تَلْزَمُهُ بِلَا نِزَاعٍ
وَقِيلَ: لَا تَجِبُ إذَا سَكِرَ مُكْرَهًا. وَذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ قِيَاسَ الْمَذْهَبِ. وَتَجِبُ عَلَى مَنْ زَالَ عَقْلُهُ بِمَرَضٍ بِلَا نِزَاعٍ. فَعَلَى الْمَذْهَبِ: لَوْ جُنَّ مُتَّصِلًا بِكُرْهٍ فَفِي وُجُوبِهَا عَلَيْهِ زَمَنَ جُنُونِهِ احْتِمَالَانِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ. وَهِيَ لِأَبِي الْمَعَالِي فِي النِّهَايَةِ. قُلْت: الَّذِي يَظْهَرُ: الْوُجُوبُ تَغْلِيظًا عَلَيْهِ، كَالْمُرْتَدِّ عَلَى مَا يَأْتِي قَرِيبًا. وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَيُبَاحُ مِنْ السَّمُومِ تَدَاوِيًا مَا الْغَالِبُ عَنْهُ السَّلَامَةُ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ، الثَّانِي: لَا يُبَاحُ كَمَا لَوْ كَانَ الْغَالِبُ مِنْهُ الْهَلَاكَ، وَهُوَ احْتِمَالٌ فِي الْمُغْنِي، وَاَلَّذِي قَدَّمَهُ وَصَحَّحَهُ فِيهِ: مَا صَحَّحَهُ ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ. وَأَمَّا الْمُغْمَى عَلَيْهِ: فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: وُجُوبُهَا عَلَيْهِ مُطْلَقًا، نُصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ، وَابْنِ مَنْصُورٍ، وَأَبِي طَالِبٍ، وَبَكْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ. كَالنَّائِمِ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. وَقِيلَ: لَا تَجِبُ عَلَيْهِ كَالْمَجْنُونِ، وَاخْتَارَهُ فِي الْفَائِقِ وَأَمَّا إذَا زَالَ عَقْلُهُ بِشُرْبِ دَوَاءٍ، يَعْنِي مُبَاحًا، فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: وُجُوبُ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَهِيَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. وَقِيلَ: لَا تَجِبُ عَلَيْهِ. وَذَكَرَ الْقَاضِي وَجْهًا: أَنَّ الْإِغْمَاءَ بِتَنَاوُلِ الْمُبَاحِ يُسْقِطُ الْوُجُوبَ، وَالْإِغْمَاءَ بِالْمَرَضِ لَا يُسْقِطُهُ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا امْتَنَعَ مِنْ شُرْبِ الدَّوَاءِ خَوْفًا مِنْ مَشَقَّةِ الْقَضَاءِ. فَتَفُوتُ مَصْلَحَتُهُ. وَقَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي، وَمَنْ تَبِعَهُ: مَنْ شَرِبَ دَوَاءً فَزَالَ عَقْلُهُ بِهِ. فَإِنْ كَانَ زَوَالًا لَا يَدُومُ كَثِيرًا، فَهُوَ كَالْإِغْمَاءِ، وَإِنْ تَطَاوَلَ فَهُوَ كَالْمَجْنُونِ. قَوْلُهُ (وَلَا تَجِبُ عَلَى كَافِرٍ) . الْكَافِرُ لَا يَخْلُو: إمَّا أَنْ يَكُونَ أَصْلِيًّا، أَوْ مُرْتَدًّا. فَإِنْ كَانَ أَصْلِيًّا: لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ، بِمَعْنَى أَنَّهُ إذَا أَسْلَمَ لَمْ يَقْضِهَا. وَهَذَا إجْمَاعٌ. وَأَمَّا وُجُوبُهَا، بِمَعْنَى أَنَّهُ مُخَاطَبٌ بِهَا: فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُمْ مُخَاطَبُونَ بِفُرُوعِ الْإِسْلَامِ. وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ. وَعَنْهُ لَيْسُوا بِمُخَاطَبِينَ بِهَا. وَعَنْهُ مُخَاطَبُونَ بِالنَّوَاهِي دُونَ الْأَوَامِرِ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَلَا تَلْزَمُ كَافِرًا أَصْلِيًّا. وَعَنْهُ تَلْزَمُهُ، وَهِيَ أَصَحُّ. انْتَهَى وَمَحَلُّ ذَلِكَ أُصُولُ الْفِقْهِ.
وَإِنْ كَانَ مُرْتَدًّا، فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يَقْضِي مَا تَرَكَهُ قَبْلَ رِدَّتِهِ. وَلَا يَقْضِي مَا فَاتَهُ زَمَنَ رِدَّتِهِ. قَالَ الْقَاضِي، وَصَاحِبُ الْفُرُوعِ، وَغَيْرُهُمَا: هَذَا الْمَذْهَبُ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ، وَالشَّارِحُ، وَقَدَّمَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَنَصَرَاهُ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ فِي رِعَايَتِهِ الصُّغْرَى، مَعَ أَنَّ كَلَامَهُ مُحْتَمَلٌ. قَالَ فِي الْفَائِدَةِ السَّادِسَةَ عَشَرَ: وَالصَّحِيحُ عَدَمُ وُجُوبِ الْعِبَادَةِ عَلَيْهِ فِي حَالِ الرِّدَّةِ وَعَدَمُ إلْزَامِهِ بِقَضَائِهَا بَعْدَ عَوْدِهِ إلَى الْإِسْلَامِ. انْتَهَى. وَعَنْهُ يَقْضِي مَا تَرَكَهُ قَبْلَ رِدَّتِهِ، وَبَعْدَهَا وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِفَادَاتِ فِي الصَّلَاةِ، وَالزَّكَاةِ، وَالصَّوْمِ، وَالْحَجِّ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. لَكِنْ قَالَ: الْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَنَصَرَهُ. وَعَنْهُ لَا يَقْضِي مَا تَرَكَهُ قَبْلَ رِدَّتِهِ وَلَا بَعْدَهَا، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ. قَالَ ابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ: هَذَا الْمَذْهَبُ، قَالَ فِي التَّلْخِيصِ وَالْبُلْغَةِ: هَذَا أَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ، وَاخْتَارَهُ. وَأَطْلَقَهُنَّ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْفَائِقِ، وَاخْتَارَ الْأَخِيرَةَ. وَقَدَّمَ فِي الْحَاوِيَيْنِ: أَنَّهُ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ فِيمَا تَرَكَهُ حَالَةَ رِدَّتِهِ. وَأَطْلَقَ الْوَجْهَيْنِ فِي وُجُوبِ مَا تَرَكَهُ قَبْلَ الرِّدَّةِ. وَقَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: وَيَقْضِي مَا تَرَكَهُ قَبْلَ رِدَّتِهِ، رِوَايَةً وَاحِدَةً وَقَدْ قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي هَذَا الْكِتَابِ، فِي بَابِ حُكْمِ الْمُرْتَدِّ: وَإِذَا أَسْلَمَ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ قَضَاءُ مَا تَرَكَهُ مِنْ الْعِبَادَاتِ فِي رِدَّتِهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ: إذَا أَسْلَمَ الْمُرْتَدُّ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ قَضَاءُ مَا تَرَكَهُ مِنْ الْعِبَادَاتِ زَمَنَ الرِّدَّةِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، الْمَذْهَبُ عَدَمُ اللُّزُومِ بَنَاهُمَا ابْنُ الصَّيْرَفِيِّ وَالطُّوفِيُّ عَلَى أَنَّ الْكُفَّارَ: هَلْ يُخَاطَبُونَ بِفُرُوعِ الْإِسْلَامِ أَمْ لَا؟ قَالَ: وَفِيهِ نَظَرٌ مِنْ وَجْهَيْنِ. وَذَكَرَهُمَا فَائِدَةٌ: فِي بُطْلَانِ اسْتِطَاعَةِ قَادِرٍ عَلَى الْحَجِّ بِرِدَّتِهِ وَوُجُوبِهِ بِاسْتِطَاعَتِهِ فِي رِدَّتِهِ فَقَطْ. هَاتَانِ الرِّوَايَتَانِ نَقْلًا وَمَذْهَبًا. فَعَلَى الْقَوْلِ بِالْقَضَاءِ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ: لَوْ طَرَأَ
عَلَيْهِ جُنُونٌ فِي رِدَّتِهِ، فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يَقْضِي مَا فَاتَهُ فِي حَالِ جُنُونِهِ؛ لِأَنَّ عَدَمَهُ رُخْصَةٌ تَخْفِيفًا، قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَمُخْتَصَرِ ابْنِ تَمِيمٍ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَغَيْرُهُمْ، وَاخْتَارَهُ أَبُو الْمَعَالِي بْنُ مُنَجَّا وَغَيْرُهُ. قُلْت: فَيُعَايَى بِهَا. وَقِيلَ: لَا يَقْضِي كَالْحَائِضِ. تَنْبِيهٌ: الْخِلَافُ الْمُتَقَدِّمُ فِي قَضَاءِ الصَّلَاةِ: جَارٍ فِي الزَّكَاةِ إنْ بَقِيَ مِلْكُهُ عَلَى مَا يَأْتِي وَكَذَا هُوَ جَارٍ فِي الصَّوْمِ. فَإِنْ لَزِمَتْهُ الزَّكَاةُ أَخَذَهَا الْإِمَامُ. وَيَنْوِي بِهَا لِلتَّعَذُّرِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ قُرْبَةً كَسَائِرِ الْحُقُوقِ. وَالْمُمْتَنِعُ مِنْ الزَّكَاةِ: كَالْمُمْتَنِعِ مِنْ أَدَاءِ الْحُقُوقِ. ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ، وَإِنْ أَسْلَمَ بَعْدَ أَخْذِ الْإِمَامِ. أَجْزَأَتْهُ ظَاهِرًا. وَفِيهِ بَاطِنًا وَجْهَانِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ. قُلْت: الصَّوَابُ الْإِجْزَاءُ. وَقِيلَ: إنْ أَسْلَمَ قَضَاهَا عَلَى الْأَصَحِّ. وَلَا يَجْزِيهِ إخْرَاجُهُ حَالَ كُفْرِهِ، زَادَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْأَصْحَابِ: وَقِيلَ وَلَا قَبْلَهُ. قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَلَمْ أَفْهَمْ مَعْنَاهُ، إلَّا أَنْ يُرِيدَ أَنَّ إخْرَاجَهَا قَبْلَ الرِّدَّةِ مُرَاعًى. فَإِنْ اسْتَمَرَّ عَلَى الْإِسْلَامِ أَجْزَأَتْ، وَإِنْ ارْتَدَّ لَمْ تُجْزِهِ كَالْحَجِّ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ إذَا عَجَّلَهَا قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ ثُمَّ ارْتَدَّ وَحَالَ الْحَوْلُ عَلَيْهِ، وَهُوَ وَلَمْ يَنْقَطِعْ حَوْلُهُ بِرِدَّتِهِ فِيهِ. وَإِلَّا انْقَطَعَ. وَأَمَّا إعَادَةُ الْحَجِّ، إذَا فَعَلَهُ قَبْلَ رِدَّتِهِ، فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ إعَادَتُهُ، نُصَّ عَلَيْهِ، قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ، قَالَ فِي تَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ: وَلَا تَبْطُلُ عِبَادَاتُهُ فِي إسْلَامِهِ إذَا عَادَ. وَلَوْ الْحَجَّ عَلَى الْأَظْهَرِ، وَجَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِي هَذَا الْكِتَابِ فِي بَابِ حُكْمِ الْمُرْتَدِّ، وَصَحَّحَهُ الْقَاضِي وَالْمُوَفَّقُ. فِي شَرْحِ مَنَاسِكِ الْمُقْنِعِ. وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَالْحَاوِي الْكَبِيرُ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ. ذَكَرَهُ فِي بَابِ الْحَجِّ، وَنَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ. وَعَنْهُ يَلْزَمُهُ، جَزَمَ بِهِ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ. ذَكَرَهُ فِي كِتَابِ الْحَجِّ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، وَالْإِفَادَاتِ. قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْجَوْزِيُّ وَجَمَاعَةٌ: يَبْطُلُ الْحَجُّ بِالرِّدَّةِ، وَاخْتَارَ
الْإِعَادَةَ أَيْضًا الْقَاضِي، وَصَحَّحَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، فِي كِتَابِ الْحَجِّ وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَالْفَائِقِ وَيَأْتِي ذَلِكَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي بَابِ حُكْمِ الْمُرْتَدِّ. فَعَلَى الْقَوْلِ بِلُزُومِ الْإِعَادَةِ: قِيلَ بِحُبُوطِ الْعَمَلِ. وَتَقَدَّمَ كَلَامُ الْجَوْزِيِّ وَغَيْرِهِ. وَقِيلَ: كَإِيمَانِهِ. فَإِنَّهُ لَا يَبْطُلُ. وَيَلْزَمُهُ ثَانِيًا. وَالْوَجْهَانِ فِي كَلَامِ الْقَاضِي وَغَيْرِهِ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: اخْتَارَ الْأَكْثَرُ أَنَّ الرِّدَّةَ لَا تُحْبِطُ الْعَمَلَ إلَّا بِالْمَوْتِ عَلَيْهَا. قَالَ جَمَاعَةٌ: الْإِحْبَاطُ إنَّمَا يَنْصَرِفُ إلَى الثَّوَابِ دُونَ حَقِيقَةِ الْعَمَلِ، لِبَقَاءِ صِحَّةِ صَلَاةِ مَنْ صَلَّى خَلْفَهُ، وَحِلِّ مَا كَانَ ذَبَحَهُ، وَعَدَمِ نَقْضِ تَصَرُّفِهِ. فَائِدَتَانِ: إحْدَاهُمَا: لَوْ أَسْلَمَ بَعْدَ الصَّلَاةِ فِي وَقْتِهَا وَكَانَ قَدْ صَلَّاهَا قَبْلَ رِدَّتِهِ فَحُكْمُهَا حُكْمُ الْحَجِّ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْخِلَافِ فِي الْمَذْهَبِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَلْزَمُهُ هُنَا إعَادَةُ الصَّلَاةِ، وَإِنْ لَزِمَهُ إعَادَةُ الْحَجِّ، لِفِعْلِهَا فِي إسْلَامِهِ الثَّانِي. وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. الثَّانِيَةُ: قَالَ الْأَصْحَابُ: لَا تَبْطُلُ عِبَادَةٌ فَعَلَهَا فِي الْإِسْلَامِ السَّابِقِ إذَا عَادَ إلَى الْإِسْلَامِ إلَّا مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْحَجِّ وَالصَّلَاةِ. وَهَذَا الْمَذْهَبُ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: إنْ صَامَ قَبْلَ الرِّدَّةِ فَفِي الْقَضَاءِ وَجْهَانِ. قَوْلُهُ (وَلَا مَجْنُونٍ) . يَعْنِي أَنَّهَا لَا تَجِبُ عَلَى الْمَجْنُونِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَعَنْهُ تَجِبُ عَلَيْهِ فَيَقْضِيهَا. وَهِيَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْحَاوِيَيْنِ. وَقَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: لَا تَجِبُ عَلَى الْأَبْلَهِ الَّذِي لَا يَعْقِلُ. وَقَالَ فِي الصَّوْمِ: لَا يَجِبُ عَلَى الْمَجْنُونِ، وَلَا عَلَى الْأَبْلَهِ لِلَّذِينَ لَا يُفِيقَانِ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: يَقْضِي الْأَبْلَهُ، مَعَ قَوْلِهِ فِي الصَّوْمِ: الْأَبْلَهُ كَالْمَجْنُونِ. ذَكَرَهُ عَنْهُ فِي الْفُرُوعِ، ثُمَّ قَالَ: كَذَا ذُكِرَ.
قُلْت: لَيْسَ الْمُرَادُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مَا قَالَهُ صَاحِبُ الْفُرُوعِ. وَإِنَّمَا قَالَ: يَقْضِي عَلَى قَوْلٍ. وَهَذَا لَفْظُهُ " وَيَقْضِيهَا مَعَ زَوَالِ عَقْلِهِ بِنَوْمٍ كَذَا وَكَذَا " ثُمَّ قَالَ " أَوْ بِشُرْبِ دَوَاءٍ، ثُمَّ قَالَ وَقِيلَ مُحْرِمٍ، أَوْ أَبْلَهَ، وَعَنْهُ أَوْ مَجْنُونٍ " فَهُوَ إنَّمَا حَكَى الْقَضَاءَ فِي الْأَبْلَهِ قَوْلًا. فَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا قَالَهُ فِي الصَّوْمِ. فَمَا بَيْنَ كَلَامِهِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ تَنَافٍ. بَلْ كَلَامُهُ مُتَّفِقٌ فِيهِمَا، وَجَزَمَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ: إنْ زَالَ عَقْلُهُ بِغَيْرِ جُنُونٍ لَمْ يَسْقُطْ، وَقَدَّمَهُ بَعْضُهُمْ. وَقَالَ فِي الْقَاعِدَةِ الثَّانِيَةِ بَعْدَ الْمِائَةِ: لَوْ ضُرِبَ رَأْسُهُ فَجُنَّ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ عَلَى الصَّحِيحِ . قَوْلُهُ (وَإِذَا صَلَّى الْكَافِرُ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ) . هَذَا الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا، نُصَّ عَلَيْهِ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَجَزَمَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَهُوَ مِنْ مُفْرَدَاتِ الْمُذْهَبِ. وَذَكَرَ أَبُو مُحَمَّدٍ التَّمِيمِيُّ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ: إنْ صَلَّى جَمَاعَةً حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ، لَا إنْ صَلَّى مُنْفَرِدًا. وَقَالَهُ فِي الْفَائِقِ: وَهَلْ الْحُكْمُ لِلصَّلَاةِ. أَوْ لِتَضَمُّنِهَا الشَّهَادَةَ؟ فِيهِ وَجْهَانِ. ذَكَرَهُمَا ابْنُ الزَّاغُونِيِّ. فَائِدَةٌ: فِي صِحَّةِ صَلَاتِهِ فِي الظَّاهِرِ: وَجْهَانِ. وَفِي ابْنِ الزَّاغُونِيِّ رِوَايَتَيْنِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَجَزَمَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ وَغَيْرِهِمْ. بِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ. قَالَ الْقَاضِي: صَلَاتُهُ بَاطِلَةٌ. ذَكَرَهُ فِي النُّكَتِ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: شَرْطُ الصَّلَاةِ تَقَدُّمُ الشَّهَادَةِ الْمَسْبُوقَةِ بِالْإِسْلَامِ. فَإِذَا تَقَرَّبَ بِالصَّلَاةِ يَكُونُ بِهَا مُسْلِمًا، وَإِنْ كَانَ مُحْدِثًا. وَلَا يَصِحُّ الِائْتِمَامُ بِهِ، لِفَقْدِ شَرْطِهِ، لَا لِفَقْدِ الْإِسْلَامِ. وَعَلَى هَذَا عَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَهَا. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: تَصِحُّ فِي الظَّاهِرِ. اخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ. فَعَلَيْهِ تَصِحُّ إمَامَتُهُ عَلَى الصَّحِيحِ، نُصَّ عَلَيْهِ. وَقِيلَ تَصِحُّ. قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ، الْأَصْوَبُ أَنَّهُ إنْ أَقَالَ بَعْدَ الْفَرَاغِ: إنَّمَا فَعَلْتهَا وَقَدْ اعْتَقَدَتْ الْإِسْلَامَ. قُلْنَا صَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ، وَصَلَاةُ مَنْ صَلَّى خَلْفَهُ، وَإِنْ قَالَ: فَعَلْتهَا تَهَزُّؤًا قَبِلْنَا مِنْهُ فِيمَا عَلَيْهِ مِنْ إلْزَامِ الْفَرَائِضِ. وَلَمْ نَقْبَلْ
مِنْهُ فِيمَا يُؤْثِرُهُ مِنْ دِينِهِ. قَالَ فِي الْمُغْنِي: إنْ عُلِمَ أَنَّهُ كَانَ قَدْ أَسْلَمَ ثُمَّ تَوَضَّأَ وَصَلَّى بِنِيَّةٍ صَحِيحَةٍ. فَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ، وَإِلَّا فَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ. تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: أَنَّهُ لَا يُسْلِمُ بِغَيْرِ فِعْلِ الصَّلَاةِ مِنْ الْعِبَادَاتِ، وَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ يُسْلِمُ إذَا أَذَّنَ فِي وَقْتِهِ وَمَحَلِّهِ. لَا أَعْلَمُ فِيهِ نِزَاعًا. وَيُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ أَيْضًا إذَا أَذَّنَ فِي غَيْرِ وَقْتِهِ وَمَحَلِّهِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ فِي بَابِ الْأَذَانِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَقِيلَ: لَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَابْنِ تَمِيمٍ. فَعَلَى الْمَذْهَبِ: لَا يُعْتَدُّ بِذَلِكَ، وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ بِصَوْمِهِ قَاصِدًا رَمَضَانَ. وَزَكَاةِ مَالِهِ، وَحَجِّهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي فِي بَابِ الْمُرْتَدِّ. وَالْتَزَمَهُ الْمَجْدُ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ فِي غَيْرِ الْحَجِّ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا. وَقِيلَ: يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ بِفِعْلِ ذَلِكَ. اخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ، وَابْنِ تَمِيمٍ، وَاخْتَارَ الْقَاضِي: يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ بِالْحَجِّ فَقَطْ. وَالْتَزَمَهُ الْمَجْدُ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ. وَقِيلَ: يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ بِبَقِيَّةِ الشَّرَائِعِ وَالْأَقْوَالِ الْمُخْتَصَّةِ بِنَا، كَجِنَازَةٍ وَسَجْدَةِ تِلَاوَةٍ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ مَا يُكَفِّرُ الْمُسْلِمَ بِإِنْكَارِهِ إذَا أَقَرَّ بِهِ الْكَافِرُ، قَالَ: وَهَذَا مُتَّجَهٌ. قَوْلُهُ (وَلَا تَجِبُ عَلَى صَبِيٍّ) لَا يَخْلُو الصَّبِيُّ: إمَّا أَنْ يَكُونَ سِنُّهُ دُونَ التَّمْيِيزِ، أَوْ يَكُونَ مُمَيِّزًا. فَإِنْ كَانَ دُونَ التَّمْيِيزِ: لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْعِبَادَةُ، قَوْلًا وَاحِدًا. وَلَمْ تَصِحَّ مِنْهُ، عَلَى الصَّحِيحِ. وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ: أَنَّ ابْنَ سَبْعٍ تَصِحُّ طَهَارَتُهُ. وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ أَيْضًا: أَنَّ ظَاهِرَ الْخِرَقِيِّ: صِحَّةُ صَلَاةِ الْعَاقِلِ، مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرٍ بِسِنٍّ. وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ أَيْضًا: أَنَّ ظَاهِرَ الْخِرَقِيِّ: ابْنُ ثَلَاثِ سِنِينَ أَيْضًا وَنَحْوُهُ، يَصِحُّ إسْلَامُهُ إذَا عَقَلَهُ. وَأَمَّا إنْ كَانَ مُمَيِّزًا، أَوْ هُوَ ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَاخْتَارَ فِي الرِّعَايَةِ ابْنَ سِتٍّ. وَقَالَ فِي الْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ: وَفِي كَلَامِ بَعْضِهِمْ مَا يَقْتَضِي: أَنَّهُ ابْنُ عَشْرٍ
وَقَالَ ابْنُ أَبِي الْفَتْحِ فِي الْمُطْلِعِ: هُوَ الَّذِي يَفْهَمُ الْخِطَابَ وَيَرُدُّ الْجَوَابَ، وَلَا يَنْضَبِطُ بِسِنٍّ. بَلْ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَفْهَامِ. وَقَالَهُ الطُّوفِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ فِي الْأُصُولِ. قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ وَالِاشْتِقَاقُ يَدُلُّ عَلَيْهِ. وَلَعَلَّهُ مُرَادُ الْأَوَّلِ، وَأَنَّ ابْنَ سِتٍّ أَوْ سَبْعٍ يَفْهَمُ ذَلِكَ غَالِبًا. وَضَبَطُوهُ بِالسِّنِّ. إذَا عَلِمْت ذَلِكَ، فَالْمَذْهَبُ: أَنَّ الصَّلَاةَ وَغَيْرَهَا مِنْ الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَبْلُغَ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَعَنْهُ تَجِبُ عَلَى مَنْ بَلَغَ عَشْرًا. قَالَ فِي الْفَائِقِ، وَالْقَوَاعِدِ: اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ. وَظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْجَارِيَةِ إذَا بَلَغَتْ تِسْعًا: تَجِبُ عَلَيْهَا. وَعَنْهُ تَجِبُ عَلَى الْمُرَاهِقِ، اخْتَارَهَا أَبُو الْحَسَنِ التَّمِيمِيُّ، وَابْنُ عَقِيلٍ أَيْضًا. ذَكَرَهُ فِي الْأُصُولِ. قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: وَنُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ فِي ابْنِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ: إذَا تَرَكَ الصَّلَاةَ قُتِلَ. وَعَنْهُ تَجِبُ عَلَى الْمُمَيِّزِ. ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ. وَأَنَّهُ مُكَلَّفٌ وَذَكَرَهَا فِي الْمُذْهَبِ وَغَيْرِهِ فِي الْجُمُعَةِ. قَالَ فِي الْجُمُعَةِ، قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ: وَإِذَا أَوْجَبْنَا الصَّلَاةَ عَلَيْهِ، فَهَلْ الْوُجُوبُ مُخْتَصٌّ بِمَا عَدَا الْجُمُعَةَ، أَمْ يَعُمُّ الْجُمُعَةَ وَغَيْرَهَا؟ فِيهِ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا، أَصَحُّهُمَا: لَا يَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ، وَإِنْ قُلْنَا بِتَكَلُّفِهِ فِي الصَّلَاةِ. قَالَ الْمَجْدُ: هُوَ كَالْإِجْمَاعِ لِلْخَبَرِ. قُلْت: ظَاهِرُ كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ: التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ فِي بَابِ الْجُمُعَةِ، وَيَأْتِي أَيْضًا هُنَاكَ. فَعَلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ الْوُجُوبِ عَلَى الْمُمَيِّزِ: لَوْ فَعَلَهَا صَحَّتْ مِنْهُ، بِلَا نِزَاعٍ. وَيَكُونُ ثَوَابُ عَمَلِهِ لِنَفْسِهِ. ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كَلَامِهِ. وَذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْمُجَلَّدِ التَّاسِعَ عَشَرَ مِنْ الْفُنُونِ. وَقَالَهُ ابْنُ هُبَيْرَةَ وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ أَيْضًا فِي بَعْضِ كُتُبِهِ: الصَّبِيُّ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ،
وَرَدَّهُ فِي الْفُرُوعِ. وَقَالَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ فِي طَرِيقَتِهِ فِي مَسْأَلَةِ تَصَرُّفِهِ: ثَوَابُهُ لِوَالِدَيْهِ قَوْلُهُ (وَيُؤْمَرُ بِهَا لِسَبْعٍ) اعْلَمْ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْوَلِيِّ أَمْرُهُ بِهَا، وَتَعْلِيمُهُ إيَّاهَا، وَالطَّهَارَةُ، نُصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد، خِلَافًا لِمَا قَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي مُنَاظَرَاتِهِ. وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: لَا يَجِبُ عَلَى وَلِيِّ صَغِيرٍ وَمَجْنُونٍ أَنْ يُنَزِّهَهُمَا عَنْ النَّجَاسَةِ. وَلَا أَنْ يُزِيلَهَا عَنْهُمَا. بَلْ يُسْتَحَبُّ. وَذَكَرَ وَجْهًا: أَنَّ الطَّهَارَةَ تَلْزَمُ الْمُمَيِّزَ قَوْلُهُ (وَيُضْرَبُ عَلَى تَرْكِهَا لِعَشْرٍ) اعْلَمْ أَنَّ ضَرْبَ ابْنِ عَشْرٍ عَلَى تَرْكِهَا: وَاجِبٌ عَلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ وُجُوبِهَا عَلَيْهِ. قَالَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ. فَائِدَةٌ: حَيْثُ قُلْنَا " تَصِحُّ مِنْ الصَّغِيرِ " فَيُشْتَرَطُ لَهَا مَا يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ صَلَاةِ الْكَبِيرِ مُطْلَقًا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَتَبِعَهُ الشَّارِحُ: إلَّا فِي السُّتْرَةِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إلَّا بِخِمَارٍ» يَدُلُّ عَلَى صِحَّتِهَا بِدُونِ الْخِمَارِ مِمَّنْ لَمْ تَحِضْ. قَوْلُهُ (فَإِنْ بَلَغَ فِي أَثْنَائِهَا، أَوْ بَعْدَهَا فِي وَقْتِهَا: لَزِمَهُ إعَادَتُهَا) يَعْنِي إذَا قُلْنَا: إنَّهَا لَا تَجِبُ عَلَيْهِ إلَّا بِالْبُلُوغِ. وَهَذَا الْمَذْهَبُ، نُصَّ عَلَيْهِ. وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ. وَقِيلَ: لَا يَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ فِيهِمَا، وَهُوَ تَخْرِيجٌ لِأَبِي الْخَطَّابِ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَصَاحِبُ الْفَائِقِ، وَاخْتَارَ الْقَاضِي: أَنَّهُ لَا يَجِبُ قَضَاؤُهَا إذَا بَلَغَ بَعْدَ فَرَاغِهَا، اخْتَارَهُ فِي شَرْحِ الْمُذْهَبِ. وَقِيلَ: إنْ لَزِمَتْهُ وَأَتَمَّهَا كَفَتْهُ، وَلَمْ يَجِبْ قَضَاؤُهَا إذَا بَلَغَ. قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ. فَائِدَةٌ: حَيْثُ وَجَبَتْ وَهُوَ فِيهَا لَزِمَهُ إتْمَامُهَا عَلَى الْقَوْلِ بِإِعَادَتِهَا. قُلْت: فَيُعَايَى بِهَا. وَحَيْثُ قُلْنَا " لَا تَجِبُ " فَهَلْ يَلْزَمُهُ إتْمَامُهَا؟ مَبْنِيٌّ عَلَى الْخِلَافِ فِيمَنْ دَخَلَ
فِي نَفْلٍ. هَلْ يَلْزَمُهُ إتْمَامُهُ؟ عَلَى مَا يَأْتِي فِي صَوْمِ التَّطَوُّعِ، وَقَدَّمَ أَبُو الْمَعَالِي فِي النِّهَايَةِ، وَتَبِعَهُ ابْنُ عُبَيْدَانَ: أَنَّهُ يُتِمُّهَا. وَذَكَرَ الثَّانِيَ احْتِمَالًا. فَعَلَى الْمَذْهَبِ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ: لَوْ تَوَضَّأَ قَبْلَ بُلُوغِهِ، ثُمَّ بَلَغَ وَهُوَ عَلَى تِلْكَ الطَّهَارَةِ: لَمْ يَلْزَمْهُ إعَادَتُهَا، كَوُضُوءِ الْبَالِغِ قَبْلَ الْوَقْتِ، وَهُوَ غَيْرُ مَقْصُودٍ فِي نَفْسِهِ. وَقُصَارَاهُ: أَنْ يَكُونَ كَوُضُوءِ الْبَالِغِ لِلنَّافِلَةِ، بِخِلَافِ التَّيَمُّمِ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ مُحَرَّرًا فِي التَّيَمُّمِ قَبْلَ قَوْلِهِ " وَيَبْطُلُ التَّيَمُّمُ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ " فَائِدَةٌ: لَوْ أَسْلَمَ كَافِرٌ لَمْ يَلْزَمْهُ إعَادَةُ الْإِسْلَامِ بَعْدَ إسْلَامِهِ؛ لِأَنَّ أَصْلَ الدِّينِ لَا يَصِحُّ نَفْلًا. فَإِذَا وُجِدَ فَهُوَ عَلَى وَجْهِ الْوُجُوبِ؛ وَلِأَنَّهُ يَصِحُّ بِفِعْلِ غَيْرِهِ وَهُوَ الْأَبُ. وَذَكَرَ أَبُو الْمَعَالِي خِلَافًا. وَقَالَ أَبُو الْبَقَاءِ: الْإِسْلَامُ أَصْلُ الْعِبَادَاتِ وَأَعْلَاهَا. فَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ عَلَيْهِ. وَمَعَ التَّسْلِيمِ، فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: يَجِبُ عَلَيْهِ إعَادَتُهُ. قَوْلُهُ (وَلَا يَجُوزُ لِمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ تَأْخِيرُهَا عَنْ وَقْتِهَا، إلَّا أَنْ يَنْوِيَ الْجَمْعَ، أَوْ لِمُشْتَغِلٍ بِشَرْطِهَا) . زَادَ غَيْرُ وَاحِدٍ " إذَا كَانَ ذَاكِرًا لَهَا، قَادِرًا عَلَى فِعْلِهَا " وَهُوَ مُرَادٌ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ. وَيَجُوزُ تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ عَنْ وَقْتِهَا لِمَنْ يَنْوِي الْجَمْعَ، عَلَى مَا يَأْتِي فِي بَابِهِ؛ لِأَنَّ الْوَقْتَيْنِ كَالْوَقْتِ الْوَاحِدِ، لِأَجْلِ ذَلِكَ. وَقَطَعَ الْمُصَنِّفُ هُنَا بِجَوَازِ التَّأْخِيرِ إذَا كَانَ مُشْتَغِلًا بِشَرْطِهَا. وَكَذَا قَالَ فِي الْوَجِيزِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالشَّرْحِ، وَغَيْرِهِمْ. وَلَمْ يَذْكُرْ الِاشْتِغَالَ بِالشَّرْطِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالنِّهَايَةِ لَهُ، وَغَيْرِهِمْ. وَاعْلَمْ أَنَّ اشْتِغَالَهُ بِشَرْطِهَا عَلَى قِسْمَيْنِ. قِسْمٌ لَا يَحْصُلُ إلَّا بَعْدَ زَمَنٍ طَوِيلٍ. فَهَذَا لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهَا لِأَجْلِ تَحْصِيلِهِ جَزَمَ بِهِ فِي الْفُرُوعِ. وَقِسْمٌ يَحْصُلُ بَعْدَ زَمَنٍ قَرِيبٍ فَأَكْثَرُ الْأَصْحَابِ: يُجَوِّزُونَهُ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ
وَغَيْرِهِ، وَجَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ. وَلَمْ يَذْكُرْهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالْهِدَايَةِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالنِّهَايَةِ كَمَا تَقَدَّمَ. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَأَمَّا قَوْلُ بَعْضِ الْأَصْحَابِ (لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهَا عَنْ وَقْتِهَا إلَّا لِنَاوِي جَمْعِهَا) ، أَوْ لِمُشْتَغِلٍ بِشَرْطِهَا " فَهَذَا لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ قَبْلَهُ مِنْ الْأَصْحَابِ، بَلْ مِنْ سَائِرِ طَوَائِفِ الْمُسْلِمِينَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَالشَّافِعِيُّ. فَهَذَا لَا شَكَّ فِيهِ وَلَا رَيْبَ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى عُمُومِهِ. وَإِنَّمَا أَرَادَ صُوَرًا مَعْرُوفَةً كَمَا إذَا أَمْكَنَ الْوَاصِلَ إلَى الْبِئْرِ أَنْ يَضَعَ حَبْلًا يَسْتَقِي بِهِ، وَلَا يَفْرُغُ إلَّا بَعْدَ الْوَقْتِ. أَوْ أَمْكَنَ الْعُرْيَانَ أَنْ يَخِيطَ ثَوْبًا، وَلَا يَفْرُغُ إلَّا بَعْدَ الْوَقْتِ، وَنَحْوِ هَذِهِ الصُّوَرِ. وَمَعَ هَذَا فَاَلَّذِي قَالَهُ هُوَ خِلَافُ الْمَذْهَبِ الْمَعْرُوفِ عَنْ أَحْمَدَ وَأَصْحَابِهِ وَجَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ. وَمَا أَظُنُّ يُوَافِقُهُ إلَّا بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ. قَالَ: وَيُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْنَاهُ أَيْضًا: أَنَّ الْعُرْيَانَ لَوْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَذْهَبَ إلَى قَرْيَةٍ يَشْتَرِي مِنْهَا ثَوْبًا، وَلَا يُصَلِّ إلَّا بَعْدَ الْوَقْتِ: لَا يَجُوزُ لَهُ التَّأْخِيرُ بِلَا نِزَاعٍ. وَكَذَلِكَ الْعَاجِزُ عَنْ تَعَلُّمِ التَّكْبِيرِ وَالتَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ، إذَا ضَاقَ الْوَقْتُ صَلَّى حَسَبَ حَالِهِ. وَكَذَلِكَ الْمُسْتَحَاضَةُ إذَا كَانَ دَمُهَا يَنْقَطِعُ بَعْدَ الْوَقْتِ: لَمْ يَجُزْ لَهَا التَّأْخِيرُ، بَلْ تُصَلِّي فِي الْوَقْتِ بِحَسَبِ حَالِهَا. انْتَهَى وَتَقَدَّمَ اخْتِيَارُهُ إنْ اسْتَيْقَظَ أَوَّلَ الْوَقْتِ، وَاخْتَارَ أَيْضًا تَقْدِيمَ الشَّرْطِ إذَا اسْتَيْقَظَ آخِرَ الْوَقْتِ وَهُوَ جُنُبٌ وَخَافَ إنْ اغْتَسَلَ خَرَجَ الْوَقْتُ: اغْتَسَلَ وَصَلَّى، وَلَوْ خَرَجَ الْوَقْتُ. وَكَذَلِكَ لَوْ نَسِيَهَا تَقَدَّمَ ذَلِكَ كُلُّهُ عِنْدَ قَوْلِهِ " وَلَا يَجُوز لِوَاجِدِ الْمَاءِ التَّيَمُّمُ خَوْفًا مِنْ فَوَاتِ الْمَكْتُوبَةِ ". وَقَالَ ابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ: فِي جَوَازِ التَّأْخِيرِ لِأَجْلِ الِاشْتِغَالِ بِالشُّرُوطِ: نَظَرٌ وَذَلِكَ مِنْ وَجْهَيْنِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَمْ يَنْقُلْهُ أَحَدٌ مِنْ الْأَصْحَابِ مِمَّنْ تَقَدَّمَ الْمُصَنِّفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مِمَّنْ يَعْلَمُهُ، بَلْ نَقَلُوا عَدَمَ الْجَوَازِ. وَاسْتَثْنَوْا: مَنْ نَوَى الْجَمْعَ لَا غَيْرُ. وَذَكَرَ ذَلِكَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي هِدَايَتِهِ، وَصَاحِبُ النِّهَايَةِ فِيهَا، وَفِي خُلَاصَتِهِ.
وَثَانِيهِمَا: أَنَّ ذَلِكَ يَدْخُلُ فِيهِ مَنْ أَخَّرَ الصَّلَاةَ عَمْدًا حَتَّى بَقِيَ مِنْ الْوَقْتِ مِقْدَارُ الصَّلَاةِ، وَلَا وَجْهَ لِجَوَازِ التَّأْخِيرِ لَهُ. انْتَهَى. وَقَالَ ذَلِكَ أَيْضًا ابْنُ عُبَيْدَانَ فِي شَرْحِهِ. وَتَقَدَّمَ فِي آخِرِ التَّيَمُّمِ: إذَا خَافَ فَوْتَ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ، أَوْ الْجِنَازَةَ وَنَحْوَهَا: هَلْ يَشْتَغِلُ بِالشَّرْطِ، أَوْ يَتَيَمَّمُ؟ وَيَأْتِي آخِرَ صَلَاةِ الْخَوْفِ: هَلْ يُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا إذَا اشْتَدَّ الْخَوْفُ أَمْ لَا؟ . تَنْبِيهٌ: مَفْهُومُ قَوْلِهِ (وَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ عَنْ وَقْتِهَا) أَنَّهُ يَجُوزُ تَأْخِيرُهَا إلَى أَثْنَاءِ وَقْتِهَا، وَهُوَ صَحِيحٌ، إذْ لَا شَكَّ أَنَّ أَوْقَاتَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ أَوْقَاتٌ مُوَسَّعَةٌ. لَكِنْ قَيَّدَ ذَلِكَ الْأَصْحَابُ بِمَا إذَا لَمْ يَظُنَّ مَانِعًا مِنْ الصَّلَاةِ كَمَوْتٍ وَقَتْلٍ وَحَيْضٍ، وَكَمَنْ أُعِيرَ سُتْرَةً أَوَّلَ الْوَقْتِ فَقَطْ، أَوْ مُتَوَضِّئٍ عَدِمَ الْمَاءَ فِي السَّفَرِ، وَطَهَارَتُهُ لَا تَبْقَى إلَى آخِرِ الْوَقْتِ. وَلَا يَرْجُو وُجُودَهُ. وَتَقَدَّمَ إذَا كَانَتْ لِلْمُسْتَحَاضَةِ عَادَةٌ بِانْقِطَاعِ دَمِهَا فِي وَقْتٍ يَتَّسِعُ لِفِعْلِ الصَّلَاةِ: أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ لَهَا. فَإِذَا انْتَفَتْ هَذِهِ الْمَوَانِعُ جَازَ لَهُ تَأْخِيرُهَا إلَى أَنْ يَبْقَى قَدْرُ فِعْلِهَا، لَكِنْ بِشَرْطِ عَزْمِهِ عَلَى الْفِعْلِ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. وَقِيلَ: يَجُوزُ التَّأْخِيرُ بِدُونِ الْعَزْمِ. وَاخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ فِي التَّمْهِيدِ. وَذَكَرَهُ الْمَجْدُ. ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ. قَالَهُ ابْنُ عُبَيْدَانَ. قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ: وَمَالَ إلَيْهِ الْقَاضِي فِي الْكِفَايَةِ. وَيَنْبَنِي عَلَى الْقَوْلَيْنِ: هَلْ يَأْثَمُ الْمُتَرَدِّدُ حَتَّى يَضِيقَ وَقْتُهَا عَنْ بَعْضِهَا أَمْ لَا؟ . فَائِدَتَانِ إحْدَاهُمَا: يَحْرُمُ التَّأْخِيرُ بِلَا عُذْرٍ إلَى وَقْتِ الضَّرُورَةِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقَالَهُ أَبُو الْمَعَالِي وَغَيْرُهُ فِي الْعَصْرِ. وَقِيلَ: لَا يَحْرُمُ مُطْلَقًا. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَعَلَّ مُرَادَهُمْ لَا يُكْرَهُ أَدَاؤُهَا وَيَأْتِي فِي بَابِ شُرُوطِ الصَّلَاةِ. الثَّانِيَةُ: لَوْ مَاتَ مَنْ جَازَ لَهُ التَّأْخِيرُ قَبْلَ الْفِعْلِ، لَمْ يَأْثَمْ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ
الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: يَأْثَمُ. فَعَلَى الْمَذْهَبِ: يَسْقُطُ إذَنْ بِمَوْتِهِ. قَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ: لِأَنَّهَا لَا تَدْخُلُهَا النِّيَابَةُ. فَلَا فَائِدَةَ فِي بَقَائِهَا فِي الذِّمَّةِ، بِخِلَافِ الزَّكَاةِ وَالْحَجِّ. قَوْلُهُ (وَإِنْ تَرَكَهَا تَهَاوُنًا، لَا جُحُودًا، دُعِيَ إلَى فِعْلِهَا. فَإِنْ أَبَى حَتَّى تَضَايَقَ وَقْتُ الَّتِي بَعْدَهَا: وَجَبَ قَتْلُهُ) . هَذَا الْمَذْهَبُ وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَهُوَ الْمَشْهُورُ. انْتَهَى، وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ، وَغَيْرِهِمْ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ، وَغَيْرِهِمْ. وَعَنْهُ يَجِبُ قَتْلُهُ إذَا أَبَى حَتَّى تَضَايَقَ وَقْتُ أَوَّلِ صَلَاةٍ. اخْتَارَهُ الْمَجْدُ، وَصَاحِبُ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ وَغَيْرُهُمْ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهِيَ أَظْهَرُ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْكَافِي، وَقَدَّمَهُ ابْنُ عُبَيْدَانَ، وَصَاحِبُ الْفَائِقِ، وَابْنُ تَمِيمٍ وَيَأْتِي لَفْظُهُ. وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ بْنُ شَاقِلَا: يُقْتَلُ بِصَلَاةٍ وَاحِدَةٍ، إلَّا الْأُولَى مِنْ الْمَجْمُوعَتَيْنِ لَا يَجِبُ قَتْلُهُ بِهَا، حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُ الثَّانِيَةِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَهَذَا قَوْلٌ حَسَنٌ. وَعَنْهُ لَا يَجِبُ قَتْلُهُ حَتَّى يَتْرُكَ ثَلَاثًا وَيَضِيقَ وَقْتُ الرَّابِعَةِ، قَدَّمَهُ فِي التَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالْمُبْهِجِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الطَّرِيقِ الْأَقْرَبِ. وَعَنْهُ يَجِبُ قَتْلُهُ إنْ تَرَكَ ثَلَاثًا. وَذَكَرَ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ فِي الْوَاضِحِ، وَالشِّيرَازِيُّ فِي الْمُبْهِجِ، وَالْحَلْوَانِيُّ فِي التَّبْصِرَةِ. رِوَايَةً: يَجِبُ قَتْلُهُ إنْ تَرَكَ صَلَاةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ. وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: فَإِنْ أَبَى بَعْدَ الدُّعَاءِ حَتَّى خَرَجَ وَقْتُهَا وَجَبَ قَتْلُهُ، وَإِنْ لَمْ يَضِقْ وَقْتُ الثَّانِيَةِ، نُصَّ عَلَيْهِ. وَعَنْهُ يَجِبُ قَتْلُهُ إنْ تَرَكَ صَلَاتَيْنِ. وَعَنْهُ إنْ تَرَكَ ثَلَاثًا. قَالَ: وَحَكَى الْأَصْحَابُ اعْتِبَارَ ضِيقِ وَقْتِ الثَّانِيَةِ عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُولَى. وَضِيقِ وَقْتِ الرَّابِعَةِ، عَلَى الرِّوَايَةِ الثَّالِثَةِ. وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَغَالَى بَعْضُ الْأَصْحَابِ. فَقَالَ: يُقْتَلُ لِتَرْكِ الْأُولَى، وَلِتَرْكِ كُلِّ فَائِتَةٍ إذَا أَمْكَنَهُ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ. إذْ الْقَضَاءُ عَلَى الْفَوْرِ. تَنْبِيهٌ: قَوْلُنَا فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى " حَتَّى تَضَايَقَ وَقْتُ الَّتِي بَعْدَهَا " وَفِي الرِّوَايَةِ
الثَّالِثَةِ " وَيَضِيقُ وَقْتُ الرَّابِعَةِ " قِيلَ فِي الْأُولَى: يَضِيقُ الْوَقْتُ عَنْ فِعْلِ الصَّلَاتَيْنِ. وَفِي الرِّوَايَةِ الثَّالِثَةِ: عَنْ فِعْلِ الصَّلَوَاتِ الْمَتْرُوكَةِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْحَاوِيَيْنِ. وَقِيلَ: حَتَّى يَضِيقَ وَقْتُ الَّتِي دَخَلَ وَقْتُهَا عَنْ فِعْلِهَا فَقَطْ، قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ. فَائِدَتَانِ إحْدَاهُمَا: الدَّاعِي لَهُ: هُوَ الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ. فَلَوْ تَرَكَ صَلَوَاتٍ كَثِيرَةً قَبْلَ الدُّعَاءِ لَمْ يَجِبْ قَتْلُهُ. وَلَا يَكْفُرُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ. وَكَذَا لَوْ تَرَكَ كَفَّارَةً أَوْ نَذْرًا. وَذَكَرَ الْآجُرِّيُّ: أَنَّهُ يَكْفُرُ بِتَرْكِ الصَّلَاةِ، وَلَوْ لَمْ يُدْعَ إلَيْهَا. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ وَيَأْتِي كَلَامُهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ فِي بَابِ مَا يُفْسِدُ الصَّوْمَ، عِنْدَ قَوْلِهِ " أَوْ اغْتَسَلَ " يَعْنِي بَعْدَ أَنْ أَصْبَحَ. الثَّانِيَةُ: اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ: بِمَ كَفَرَ إبْلِيسُ؟ فَذَكَرَ أَبُو إِسْحَاقَ بْنُ شَاقِلَا: أَنَّهُ كَفَرَ بِتَرْكِ السُّجُودِ. لَا بِجُحُودِهِ. وَقِيلَ: كَفَرَ لِمُخَالَفَةِ الْأَمْرِ الشِّفَاهِيِّ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى. فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى خَاطَبَهُ بِذَلِكَ. قَالَ الشَّيْخُ بُرْهَانُ الدِّينِ: قَالَهُ صَاحِبُ الْفُرُوعِ فِي الِاسْتِعَاذَةِ لَهُ. وَقَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ: إنَّمَا كَفَرَ لِأَنَّهُ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ، وَعَانَدَ، وَطَغَى وَأَصَرَّ، وَاعْتَقَدَ أَنَّهُ مُحِقٌّ فِي تَمَرُّدِهِ. وَاسْتَدَلَّ بِأَنَّهُ (خَيْرٌ مِنْهُ) فَكَانَ تَرْكُهُ لِلسُّجُودِ تَسْفِيهًا لِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَحِكْمَتِهِ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: إنَّمَا أُمِرَ بِالسُّجُودِ فَاسْتَكْبَرَ. وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ. وَالِاسْتِكْبَارُ كُفْرٌ. وَقَالَتْ الْخَوَارِجُ: كَفَرَ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ وَكُلُّ مَعْصِيَةٍ كُفْرٌ. وَهَذَا خِلَافُ الْإِجْمَاعِ. قَوْلُهُ (وَلَا يُقْتَلُ حَتَّى يُسْتَتَابَ ثَلَاثًا) . حُكْمُ اسْتِتَابَتِهِ هُنَا: حُكْمُ اسْتِتَابَةِ الْمُرْتَدِّ، مِنْ الْوُجُوبِ وَعَدَمِهِ، نُصَّ عَلَيْهِ عَلَى مَا يَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي بَابِهِ. فَائِدَةٌ: يَصِيرُ هَذَا الَّذِي كَفَرَ بِتَرْكِ الصَّلَاةِ مُسْلِمًا بِفِعْلِ الصَّلَاةِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، نَقَلَ حَنْبَلٌ: تَوْبَتُهُ أَنْ يُصَلِّيَ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: الْأَصْوَبُ:
أَنَّهُ يَصِيرُ مُسْلِمًا بِالصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ كُفْرَهُ بِالِامْتِنَاعِ مِنْهَا. وَبِمُقْتَضَى مَا فِي الصُّوَرِ: أَنَّهُ يَصِيرُ مُسْلِمًا بِنَفْسِ الشَّهَادَتَيْنِ. وَقِيلَ: يَصِيرُ مُسْلِمًا بِالصَّلَاةِ وَبِالْإِتْيَانِ بِهَا. ذُكِرَ ذَلِكَ فِي النُّكَتِ. تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ قَوْلِهِ (فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ) أَنَّهُ لَا يُزَادُ عَلَى الْقَتْلِ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَقَالَ الْقَاضِي: يُضْرَبُ ثُمَّ يُقْتَلُ. وَظَاهِرُ قَوْلِهِ " أَنَّهُ لَا يَكْفُرُ بِتَرْكِ شَيْءٍ مِنْ الْعِبَادَاتِ تَهَاوُنًا " غَيْرُهَا، وَهُوَ صَحِيحٌ وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ. قَالَ ابْنُ شِهَابٍ وَغَيْرُهُ: وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ. فَلَا يَكْفُرُ بِتَرْكِ زَكَاةٍ بُخْلًا. وَلَا بِتَرْكِ صَوْمٍ وَحَجٍّ يَحْرُمُ تَأْخِيرُهُ تَهَاوُنًا. وَعَنْهُ: يَكْفُرُ، اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ، وَقَدَّمَ فِي النَّظْمِ أَنَّ حُكْمَهَا حُكْمُ الصَّلَاةِ. وَعَنْهُ: يَكْفُرُ بِتَرْكِهِ الزَّكَاةَ إذَا قَاتَلَ عَلَيْهَا. وَعَنْهُ: يَكْفُرُ بِهَا، وَلَوْ لَمْ يُقَاتِلْ عَلَيْهَا. وَيَأْتِي ذَلِكَ فِي بَابِ إخْرَاجِ الزَّكَاةِ. وَحَيْثُ قُلْنَا " لَا يَكْفُرُ بِالتَّرْكِ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ " فَإِنَّهُ يُقْتَلُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَنْهُ لَا يُقْتَلُ. وَعَنْهُ يُقْتَلُ بِالزَّكَاةِ فَقَطْ. وَقَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: وَقَوْلُنَا فِي الْحَجِّ: يَحْرُمُ تَأْخِيرُهُ كَعَزْمِهِ عَلَى تَرْكِهِ. أَوْ ظَنِّهِ الْمَوْتَ مِنْ عَامِهِ بِاعْتِقَادِهِ الْفَوْرِيَّةَ: يَخْرُجُ عَلَى الْخِلَافِ فِي الْحَدِّ بِوَطْءٍ فِي نِكَاحٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ. وَحُمِلَ كَلَامُ الْأَصْحَابِ عَلَيْهِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهَذَا وَاضِحٌ. ذَكَرَهُ فِي الرِّعَايَةِ قَوْلًا وَلَا وَجْهَ لَهُ. ثُمَّ اخْتَارَ فِي الرِّعَايَةِ: إنْ قُلْنَا بِالْفَوْرِيَّةِ قُتِلَ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ. فَإِنَّهُ قَالَ: قِيَاسُ قَوْلِهِ: يُقْتَلُ كَالزَّكَاةِ قَالَ الْقَاضِي: وَقَدْ ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ فِي الْخِلَافِ. فَقَالَ: الْحَجُّ وَالزَّكَاةُ وَالصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ سَوَاءٌ، يُسْتَتَابُ. فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَعَلَّ الْمُرَادَ فِيمَنْ لَا اعْتِقَادَ لَهُ، وَإِلَّا فَالْعَمَلُ بِاعْتِقَادِهِ أَوْلَى وَيَأْتِي مَنْ أَتَى فَرْعًا مُخْتَلَفًا فِيهِ. هَلْ يَفْسُقُ بِهِ أَمْ لَا؟ وَيَأْتِي بَعْضُ ذَلِكَ فِي بَابِ الْمُرْتَدِّ. فَائِدَتَانِ إحْدَاهُمَا: قَالَ الْأَصْحَابُ: لَا يُقْتَلُ بِصَلَاةٍ فَائِتَةٍ، لِلْخِلَافِ فِي الْفَوْرِيَّةِ. قَالَ
فِي الْفُرُوعِ: فَيُتَوَجَّهُ فِيهِ مَا سَبَقَ. وَقِيلَ: يُقْتَلُ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ يَجِبُ عَلَى الْفَوْرِ. فَعَلَى هَذَا: لَا يُعْتَبَرُ أَنْ يَضِيقَ وَقْتُ الثَّانِيَةِ. وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ. الثَّانِيَةُ: لَوْ تَرَكَ شَرْطًا أَوْ رُكْنًا مُجْمَعًا عَلَيْهِ، كَالطَّهَارَةِ وَنَحْوِهَا. فَحُكْمُهُ حُكْمُ تَارِكِ الصَّلَاةِ. وَكَذَا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ: لَوْ تَرَكَ شَرْطًا أَوْ رُكْنًا مُخْتَلَفًا فِيهِ يُعْتَقَدُ وُجُوبُهُ. ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ. وَعِنْدَ الْمُصَنِّفِ وَمَنْ تَابَعَهُ: الْمُخْتَلَفُ فِيهِ لَيْسَ هُوَ كَالْمُجْمَعِ عَلَيْهِ فِي الْحُكْمِ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ أَيْضًا: لَا بَأْسَ بِوُجُوبِ قَتْلِهِ، كَمَا نَحُدُّهُ بِفِعْلِ مَا يُوجِبُ الْحَدَّ عَلَى مَذْهَبِهِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهَذَا ضَعِيفٌ. وَفِي الْأَصْلِ نَظَرٌ مَعَ أَنَّ الْفَرْقَ وَاضِحٌ. قَوْلُهُ (وَهَلْ يُقْتَلُ حَدًّا، أَوْ لِكُفْرِهِ؟) عَلَى رِوَايَتَيْنِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْكَافِي، وَالْهَادِي، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَالشَّارِحُ. إحْدَاهُمَا: يُقْتَلُ لِكُفْرِهِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ. قَالَ صَاحِبُ الْفُرُوعِ، وَالزَّرْكَشِيُّ: اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ. قَالَ فِي الْفَائِقِ: وَنَصَرَهُ الْأَكْثَرُونَ. قَالَ فِي الْإِفْصَاحِ: اخْتَارَهُ جُمْهُورُ أَصْحَابِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ. وَذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي شَرْحِ الْخِرَقِيِّ، وَابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ وَغَيْرُهُمَا، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ. وَذُكِرَ فِي الْوَسِيلَةِ: أَنَّهُ أَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ. وَأَنَّهَا اخْتِيَارُ الْأَثْرَمِ وَالْبَرْمَكِيِّ. قُلْت: وَاخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ، وَأَبُو إِسْحَاقَ بْنُ شَاقِلَا، وَابْنُ حَامِدٍ، وَالْقَاضِي، وَأَصْحَابُهُ، وَغَيْرُهُمْ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُبْهِجِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: يُقْتَلُ حَدًّا، اخْتَارَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ بَطَّةَ. وَأَنْكَرَ قَوْلَ مَنْ قَالَ: إنَّهُ يَكْفُرُ، وَقَالَ: الْمَذْهَبُ عَلَى هَذَا. لَمْ أَجِدْ فِي الْمَذْهَبِ خِلَافَهُ، وَاخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ. وَقَالَ: هُوَ أَصْوَبُ الْقَوْلَيْنِ، وَمَالَ إلَيْهِ الشَّارِحُ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ، وَابْنُ عَبْدُوسٍ الْمُتَقَدِّمُ، وَصَحَّحَهُ الْمَجْدُ، وَصَاحِبُ الْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ
باب الأذان
وَابْنُ رَزِينٍ، وَالنَّظْمِ، وَالتَّصْحِيحِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالْفَائِقِ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَعَنْهُ يُقْتَلُ حَدًّا. وَقِيلَ: لِفِسْقِهِ. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: قَدْ فَرَضَ مُتَأَخِّرُو الْفُقَهَاءِ مَسْأَلَةً يَمْتَنِعُ وُقُوعُهَا، وَهُوَ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا كَانَ مُقِرًّا بِوُجُوبِ الصَّلَاةِ. فَدُعِيَ إلَيْهَا ثَلَاثًا، وَامْتَنَعَ مَعَ تَهْدِيدِهِ بِالْقَتْلِ وَلَمْ يُصَلِّ، حَتَّى قُتِلَ: هَلْ يَمُوتُ كَافِرًا أَوْ فَاسِقًا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ. قَالَ: وَهَذَا الْفَرْضُ بَاطِلٌ. إذْ يَمْتَنِعُ أَنْ يَقْتَنِعَ أَنَّ اللَّهَ فَرَضَهَا وَلَا يَفْعَلُهَا، وَيَصْبِرَ عَلَى الْقَتْلِ، هَذَا لَا يَفْعَلُهُ أَحَدٌ قَطُّ. انْتَهَى. قُلْت: وَالْعَقْلُ يَشْهَدُ بِمَا قَالَ. وَيَقْطَعُ بِهِ، وَهُوَ عَيْنُ الصَّوَابِ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ. وَأَنَّهُ لَا يُقْتَلُ إلَّا كَافِرًا. فَعَلَى الْمَذْهَبِ: حُكْمُهُ حُكْمُ الْكُفَّارِ. فَلَا يُغَسَّلُ. وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَلَا يُدْفَنُ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يَرِثُ مُسْلِمًا، وَلَا يَرِثُهُ مُسْلِمٌ. فَهُوَ كَالْمُرْتَدِّ. وَذَكَرَ الْقَاضِي يُدْفَنُ مُنْفَرِدًا. وَذَكَرَ الْآجُرِّيُّ: أَنَّ مَنْ قُتِلَ مُرْتَدًّا يُتْرَكُ بِمَكَانِهِ وَلَا يُدْفَنُ وَلَا كَرَامَةَ. وَعَلَيْهَا لَا يَرِقُّ، وَلَا يُسْبَى لَهُ أَهْلٌ وَلَا وَلَدٌ، نُصَّ عَلَيْهِ. وَعَلَى الثَّانِيَةِ: حُكْمُهُ كَأَهْلِ الْكَبَائِرِ. فَائِدَةٌ: يُحْكَمُ بِكُفْرِهِ حَيْثُ يُحْكَمُ بِقَتْلِهِ. ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَالشِّيرَازِيُّ، وَغَيْرُهُمَا وَهُوَ مُقْتَضَى نَصِّ أَحْمَدَ. [بَابُ الْأَذَانِ] ِ فَوَائِدُ إحْدَاهُمَا: الْأَذَانُ أَفْضَلُ مِنْ الْإِقَامَةِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: الْإِقَامَةُ أَفْضَلُ، وَهُوَ رِوَايَةٌ فِي الْفَائِقِ. وَقِيلَ: هُمَا فِي الْفَضِيلَةِ سَوَاءٌ. الثَّانِيَةُ: الْأَذَانُ أَفْضَلُ مِنْ الْإِمَامَةِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: هَذَا أَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ، وَاخْتِيَارُ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ. قَالَ فِي الْمُغْنِي: اخْتَارَهُ
ابْنُ أَبِي مُوسَى، وَالْقَاضِي، وَجَمَاعَةٌ. وَعَنْهُ الْإِمَامَةُ أَفْضَلُ: وَهُوَ وَجْهٌ فِي الْفَائِقِ، وَغَيْرِهِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ، وَابْنُ الْجَوْزِيِّ. وَقِيلَ: هُمَا سَوَاءٌ فِي الْفَضِيلَةِ. وَقِيلَ: إنْ عَلِمَ مِنْ نَفْسِهِ الْقِيَامَ بِحُقُوقِ الْإِمَامَةِ وَجَمِيعِ خِصَالِهَا فَهِيَ أَفْضَلُ، وَإِلَّا فَلَا. الثَّالِثَةُ: لَهُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا. وَذَكَرَ أَبُو الْمَعَالِي: أَنَّهُ أَفْضَلُ. وَقَالَ: مَا صَلَحَ لَهُ فَهُوَ أَفْضَلُ. تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ: ظَاهِرُ قَوْلِهِ (وَهُمَا مَشْرُوعَانِ لِلصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ) سَوَاءٌ كَانَتْ حَاضِرَةً أَوْ فَائِتَةً. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ غَيْرَ الْفَائِتَةِ وَيَأْتِي الْخِلَافُ فِي ذَلِكَ قَرِيبًا. وَيَأْتِي أَيْضًا إذَا جَمَعَ بَيْنَ صَلَاتَيْنِ، أَوْ قَضَاءِ فَوَائِتَ. الثَّانِي: مَفْهُومُ قَوْلِهِ " الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ " أَنَّهُ لَا يُشْرَعُ لِغَيْرِهَا مِنْ الصَّلَوَاتِ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَقِيلَ: يُشْرَعُ لِلْمَنْذُورَةِ. وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ عُبَيْدَانَ، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَالرِّعَايَةُ الْكُبْرَى وَيَأْتِي آخِرَ الْبَابِ مَا يَقُولُ لِصَلَاةِ الْعِيدِ، وَالْكُسُوفِ، وَالِاسْتِسْقَاءِ، وَالْجِنَازَةِ، وَالتَّرَاوِيحِ. الثَّالِثُ: ظَاهِرُ قَوْلِهِ (لِلرِّجَالِ) أَنَّهُ يُشْرَعُ لِكُلِّ مُصَلٍّ مِنْهُمْ، سَوَاءٌ صَلَّى فِي جَمَاعَةٍ أَوْ مُنْفَرِدًا، سَفَرًا أَوْ حَضَرًا، وَهُوَ صَحِيحٌ. قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَالْأَفْضَلُ لِكُلِّ مُصَلٍّ أَنْ يُؤَذِّنَ وَيُقِيمَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ يُصَلِّي قَضَاءً أَوْ فِي غَيْرِ وَقْتِ الْأَذَانِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ، وَهُوَ أَفْضَلُ لِكُلِّ مُصَلٍّ، إلَّا كُلُّ وَاحِدٍ مِمَّنْ فِي الْمَسْجِدِ، فَلَا يُشْرَعُ. بَلْ حَصَلَ لَهُ الْفَضِيلَةُ كَقِرَاءَةِ الْإِمَامِ لِلْمَأْمُومِ. وَقَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: وَإِنْ اقْتَصَرَ الْمُسَافِرُ أَوْ الْمُنْفَرِدُ عَلَى الْإِقَامَةِ جَازَ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ، نُصَّ عَلَيْهِ. وَجَمْعُهُمَا أَفْضَلُ. انْتَهَى. وَيَأْتِي قَرِيبًا: هَلْ يَكُونُ فَرْضَ كِفَايَةٍ لِلْمُنْفَرِدِ وَالْمُسَافِرِ أَمْ لَا؟ الرَّابِعُ: مَفْهُومُ قَوْلِهِ " لِلرِّجَالِ " أَنَّهُ لَا يُشْرَعُ لِلْخَنَاثَى، وَلَا لِلنِّسَاءِ، وَهُوَ صَحِيحٌ، بَلْ يُكْرَهُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ
الرِّوَايَاتِ. قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: لَا يُسْتَحَبُّ لَهُنَّ فِي أَظْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ. وَعَنْهُ يُبَاحَانِ لَهُمَا مَعَ خَفْضِ الصَّوْتِ. ذَكَرَهُمَا فِي الرِّعَايَةِ. وَقَالَ فِي الْفُصُولِ: تُمْنَعُ مِنْ الْجَهْرِ بِالْأَذَانِ. وَعَنْهُ يُسْتَحَبَّانِ لِلنِّسَاءِ. ذَكَرَهَا فِي الْفَائِقِ. وَعَنْهُ يُسَنُّ لَهُنَّ الْإِقَامَةُ، لَا الْأَذَانُ. ذَكَرَهَا فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ. فَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَفِي كَرَاهَتِهِمَا لِلنِّسَاءِ، بِلَا رَفْعِ صَوْتٍ وَقِيلَ مُطْلَقًا رِوَايَتَانِ. وَعَنْهُ يُسَنُّ الْإِقَامَةُ فَقَطْ، وَيُتَوَجَّهُ فِي التَّحْرِيمِ جَهْرًا: الْخِلَافُ فِي قِرَاءَةٍ وَتَلْبِيَةٍ. انْتَهَى. وَمَنَعَهُنَّ فِي الْوَاضِحِ مِنْ الْأَذَانِ. ذَكَرَهُ عَنْهُ فِي الْفُرُوعِ فِي آخِرِ الْإِحْرَامِ. قَوْلُهُ (وَهُمَا فَرْضُ كِفَايَةٍ) اعْلَمْ أَنَّهُمَا تَارَةً يُفْعَلَانِ فِي الْحَضَرِ، وَتَارَةً فِي السَّفَرِ. فَإِنْ فَعَلَهُمَا فِي الْحَضَرِ فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُمَا فَرْضُ كِفَايَةٍ فِي الْقُرَى وَالْأَمْصَارِ وَغَيْرِهِمَا. وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، وَهُوَ مِنْ مُفْرَدَاتِ الْمَذْهَبِ. وَعَنْهُ هُمَا فَرْضُ كِفَايَةٍ فِي الْأَمْصَارِ، سُنَّةٌ فِي غَيْرِهَا. وَعَنْهُ هُمَا سُنَّةٌ مُطْلَقًا. قَالَ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ. وَقَالَ فِي الرَّوْضَةِ: الْأَذَانُ فَرْضٌ، وَالْإِقَامَةُ سُنَّةٌ. وَعَنْهُ هُمَا وَاجِبَانِ لِلْجُمُعَةِ فَقَطْ، اخْتَارَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى، وَالْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَغَيْرُهُمَا. وَأَقَامَ الْأَدِلَّةَ عَلَى ذَلِكَ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: لَا نِزَاعَ فِيمَا نَعْلَمُهُ فِي وُجُوبِهَا لِلْجُمُعَةِ، لِاشْتِرَاطِ الْجَمَاعَةِ لَهَا. قُلْت: قَدْ تَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِي ذَلِكَ. ذَكَرَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَصَاحِبُ الْفُرُوعِ، وَغَيْرُهُمَا، لَكِنَّ عُذْرَهُ أَنَّهُ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى ذَلِكَ. وَقَالَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ: يَسْقُطُ الْفَرْضُ لِلْجُمُعَةِ بِأَوَّلِ أَذَانٍ، وَإِنْ فُعِلَا فِي السَّفَرِ: فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، أَنَّهُمَا سُنَّةٌ. وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ. مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ، وَالْقَاضِي فِي الْمُحَرَّرِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هِيَ الْمَشْهُورَةُ. وَعَلَيْهَا أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَالْفَائِقِ، وَغَيْرِهِمْ وَجَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَغَيْرِهِ. وَعَنْهُ حُكْمُ السَّفَرِ حُكْمُ الْحَضَرِ فِيهِمَا. قُلْت: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا، وَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ:
وَهُوَ ظَاهِرُ إطْلَاقِ طَائِفَةٍ مِنْ الْأَصْحَابِ، وَجَزَمَ بِهِ نَاظِمُ الْمُفْرَدَاتِ، وَاخْتَارَهُ صَاحِبُ الْمُسْتَوْعِبِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَهُوَ مِنْ مُفْرَدَاتِ الْمَذْهَبِ. فَائِدَةٌ: فَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُمَا فَرْضُ كِفَايَةٍ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ: يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ الْمُصَلِّي وَحْدَهُ، وَالصَّلَاةُ الْمَنْذُورَةُ، وَالْقَضَاءُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. فَلَيْسَ هُمَا فِي حَقِّهِمْ فَرْضَ كِفَايَةٍ، قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَقِيلَ: بِفَرْضِيَّتِهِمَا فِيهِنَّ. وَهِيَ رِوَايَةٌ فِي الْمُنْفَرِدِ، وَاخْتَارَهُ فِي الْمُنْفَرِدِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْكِفَايَةِ. وَالزَّرْكَشِيُّ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ . تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ قَوْلِهِ (إنْ اتَّفَقَ أَهْلُ بَلَدٍ عَلَى تَرْكِهِمَا قَاتَلَهُمْ الْإِمَامُ) أَمَّا إذَا قُلْنَا: إنَّهُمَا سُنَّةٌ، وَاتَّفَقُوا عَلَى تَرْكِهِمَا، فَلَا يُقَاتَلُونَ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَقِيلَ: يُقَاتَلُونَ أَيْضًا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُمَا سُنَّةٌ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فَائِدَةٌ: يَكْفِي مُؤَذِّنٌ وَاحِدٌ فِي الْمِصْرِ. نَصَّ عَلَيْهِ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَأَطْلَقَهُ جَمَاعَةٌ. وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ: يَكْفِي مُؤَذِّنٌ وَاحِدٌ بِحَيْثُ يُسْمِعُهُمْ. قَالَ الْمَجْدُ، وَابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُمَا: بِحَيْثُ يَحْصُلُ لِأَهْلِهِ الْعِلْمُ. وَقَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ مَتَى أَذَّنَ وَاحِدٌ سَقَطَ عَمَّنْ صَلَّى مَعَهُ. لَا عَمَّنْ لَمْ يُصَلِّ مَعَهُ وَإِنْ سَمِعَهُ، سَوَاءٌ كَانَ وَاحِدًا أَوْ جَمَاعَةً فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ بِأَذَانٍ أَوْ غَيْرِهِ. وَقِيلَ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يُؤَذِّنَ اثْنَانِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْحَاوِيَيْنِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيُتَوَجَّهُ فِي الْفَجْرِ فَقَطْ. كَبِلَالٍ وَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، وَلَا يُسْتَحَبُّ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِمَا عَلَى الصَّحِيحِ، جَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّارِحُ، وَغَيْرُهُمَا، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَغَيْرُهُمَا. وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يُسْتَحَبُّ الزِّيَادَةُ عَلَى أَرْبَعَةٍ لِفِعْلِ عُثْمَانَ، إلَّا مِنْ حَاجَةٍ. وَتَابَعَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ. وَالْأَوْلَى: أَنْ يُؤَذِّنَ وَاحِدٌ بَعْدَ وَاحِدٍ. وَيُقِيمَ مَنْ أَذَّنَ أَوَّلًا، وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ الْإِعْلَامُ بِوَاحِدٍ يَزِيدُ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ جَانِبٍ، أَوْ دَفْعَةٍ
وَاحِدَةٍ بِمَكَانٍ وَاحِدٍ. وَيُقِيمُ أَحَدُهُمْ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالْمُرَادُ بِلَا حَاجَةٍ، وَهُوَ كَمَا قَالَ. فَإِنْ تَشَاحُّوا أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ. قَوْلُهُ (وَلَا يَجُوزُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَيْهِمَا فِي أَظْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ) وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى: يَجُوزُ. وَعَنْهُ يُكْرَهُ. وَنَقَلَهَا حَنْبَلٌ. وَقِيلَ: يَجُوزُ إنْ كَانَ فَقِيرًا. وَلَا يَجُوزُ مَعَ غِنَاهُ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. قَالَ: وَكَذَا كُلُّ قُرْبَةٍ. ذَكَرَهُ عَنْهُ فِي تَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ وَيَأْتِي فِي أَثْنَاءِ بَابِ الْإِجَارَةِ: هَلْ تَصِحُّ الْإِجَارَةُ عَلَى عَمَلٍ يَخْتَصُّ فَاعِلُهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْقُرْبَةِ. قَوْلُهُ (فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مُتَطَوِّعٌ بِهِمَا رَزَقَ الْإِمَامُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ مَنْ يَقُومُ بِهِمَا) كَرِزْقِ الْقُضَاةِ وَنَحْوِهِمْ، عَلَى مَا يَأْتِي فِي بَابِهِ. وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: أَنَّهُ إذَا وُجِدَ مُتَطَوِّعٌ بِهِمَا، لَا يَجُوزُ أَنْ يَرْزُقَ الْإِمَامُ غَيْرَهُ، لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ، وَهُوَ صَحِيحٌ وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيُتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ لَا يَجُوزُ إلَّا مَعَ امْتِيَازٍ بِحُسْنِ الصَّوْتِ. تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ (وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْمُؤَذِّنُ صَيِّتًا، أَمِينًا، عَالِمًا بِالْأَوْقَاتِ) أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ، وَالْبَصِيرِ وَالْأَعْمَى، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ غَيْرِهِ مِنْ الْأَصْحَابِ فِي الْعَبْدِ، وَصَرَّحَ بِهِ أَبُو الْمَعَالِي. وَقَالَ: يَسْتَأْذِنُ سَيِّدَهُ. وَقَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ فِي الْإِفْصَاحِ: وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ الْمُؤَذِّنُ حُرًّا بَالِغًا طَاهِرًا. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ كَلَامِ غَيْرِهِ لَا فَرْقَ. قُلْت: قَالَ فِي الْمَذْهَبِ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ حُرًّا: وَأَمَّا الْأَعْمَى: فَصَرَّحَ بِأَذَانِهِ الْأَصْحَابُ، وَأَنَّهُ لَا يُكْرَهُ إذَا عَلِمَ بِالْوَقْتِ، وَنُصَّ عَلَيْهِ. فَائِدَتَانِ إحْدَاهُمَا: قَوْلُهُ " وَيَنْبَغِي " مُرَادُهُ: يُسْتَحَبُّ. قَالَهُ كَثِيرٌ مِنْ الْأَصْحَابِ.
الثَّانِيَةُ: يُشْتَرَطُ فِي الْمُؤَذِّنِ ذُكُورِيَّتُهُ، وَعَقْلُهُ، وَإِسْلَامُهُ. وَلَا يُشْتَرَطُ عِلْمُهُ بِالْوَقْتِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: يُشْتَرَطُ ذَلِكَ. وَيَأْتِي ذِكْرُ بَقِيَّةِ الشُّرُوطِ عِنْدَ قَوْلِهِ " وَلَا يَصِحُّ الْأَذَانُ إلَّا مُرَتَّبًا ". قَوْلُهُ (فَإِنْ تَشَاحَّ فِيهِ نَفْسَانِ قُدِّمَ أَفْضَلُهُمَا فِي ذَلِكَ) يَعْنِي فِي الصَّوْتِ وَالْأَمَانَةِ وَالْعِلْمِ بِالْوَقْتِ. وَهَذَا الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ قَوْلُهُ " ثُمَّ أَفْضَلُهُمَا فِي دِينِهِ وَعَقْلِهِ " هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ. وَقِيلَ: يُقَدَّمُ الْأَدْيَنُ عَلَى الْأَفْضَلِ، قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ. قَوْلُهُ (ثُمَّ مَنْ يَخْتَارُهُ الْجِيرَانُ، أَوْ أَكْثَرُهُمْ) وَهُوَ الْمَذْهَبُ قَوْلُهُ (فَإِنْ اسْتَوَيَا أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا) وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَقُدِّمَ فِي الْكَافِي الْقُرْعَةُ بَعْدَ الْأَفْضَلِيَّةِ فِي الصَّوْتِ، وَالْأَمَانَةِ، وَالْعِلْمِ. وَعَنْهُ تُقَدَّمُ الْقُرْعَةُ عَلَى مَنْ يَخْتَارُهُ الْجِيرَانُ. نَقْلُهَا طَاعَةٌ. قَالَهُ الْقَاضِي، قَدَّمَهُ فِي التَّلْخِيصِ وَالْبُلْغَةِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ. وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ وَغَيْرُهُ: إذَا اسْتَوَيَا فِي الْأَفْضَلِيَّةِ فِي الْخِصَالِ الْمُعْتَبَرَةِ، وَالْأَفْضَلِيَّةِ فِي الدِّينِ وَالْعَقْلِ: قُدِّمَ أَعْمَرُهُمْ لِلْمَسْجِدِ، وَأَتَمُّهُمْ لَهُ مُرَاعَاةً، وَأَقْدَمُهُمْ تَأْذِينًا، وَجُزِمَ بِهِ فِي التَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ. وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْآمِدِيُّ: يُقَدَّمُ الْأَقْدَمُ تَأْذِينًا. أَوْ أَبُوهُ. وَقَالَ: السُّنَّةُ أَنْ يَكُونَ الْمُؤَذِّنُ مِنْ أَوْلَادِ مَنْ جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْأَذَانَ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِهِمْ جَازَ. وَاعْلَمْ أَنَّ عِبَارَاتِ الْمُصَنَّفِينَ مُخْتَلِفَةٌ فِي ذَلِكَ. بَعْضُهَا مُبَايِنٌ لِبَعْضٍ. فَأَنَا أَذْكُرُ لَفْظَ كُلِّ مُصَنِّفٍ. تَكْمِيلًا لِلْفَائِدَةِ. فَقَالَ فِي الْكَافِي " فَإِنْ تَشَاحَّ فِيهِ اثْنَانِ قُدِّمَ أَكْمَلُهُمَا فِي هَذِهِ الْخِصَالِ. وَهِيَ
الصَّوْتُ، وَالْأَمَانَةُ، وَالْعِلْمُ بِالْوَقْتِ، وَالْبَصَرُ. فَإِنْ اسْتَوَيَا فِي ذَلِكَ: أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ. وَعَنْهُ يُقَدَّمُ مَنْ يَرْضَاهُ الْجِيرَانُ ". وَقَالَ فِي الْوَجِيزِ " فَإِنْ تَشَاحَّ اثْنَانِ قُدِّمَ الْأَدْيَنُ الْأَفْضَلُ فِيهِ ثُمَّ مَنْ قُرِعَ ". وَقَالَ فِي تَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ " وَيُقَدَّمُ الْأَفْضَلُ فِيهِ، ثُمَّ الْأَدْيَنُ، ثُمَّ مُخْتَارُ جَارٍ مُصَلٍّ. ثُمَّ مَنْ قُرِعَ " وَهِيَ طَرِيقَةُ الْمُصَنِّفِ بِعَيْنِهَا. لَكِنْ شُرِطَ فِي الْجَارِ: أَنْ يَكُونَ مُصَلِّيًا، وَهُوَ كَذَلِكَ. وَقَالَ فِي الْفَائِقِ " وَيُقَدَّمُ عِنْدَ التَّشَاحُنِ أَفْضَلُهُمَا فِي ذَلِكَ، ثُمَّ فِي الدِّينِ، ثُمَّ مَنْ يَخْتَارُهُ الْجِيرَانُ. فَإِنْ اسْتَوَيَا فَالْإِقْرَاعُ ". وَقَالَ فِي الْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ " وَيُقَدَّمُ الْأَفْضَلُ فِيهِ، ثُمَّ فِي دِينِهِ، ثُمَّ مُرْتَضَى الْجِيرَانِ، ثُمَّ الْقَارِعُ ". وَقَالَ فِي تَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ " وَيُقَدَّمُ أَعْلَمُ ثُمَّ أَدْيَنُ، ثُمَّ مُخْتَارٌ ثُمَّ قَارِعٌ " فَهَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةُ طَرِيقَتُهُمْ كَطَرِيقَةِ الْمُصَنِّفِ. وَقَالَ النَّاظِمُ " يُقَدَّمُ مُتْقِنٌ عِنْدَ التَّنَازُعِ، ثُمَّ أَدْيَنُ، ثُمَّ أَعْقَلُ، ثُمَّ مَنْ يَخْتَارُهُ الْجِيرَانُ، ثُمَّ الْإِقْرَاعُ " فَقُدِّمَ الْأَدْيَنُ عَلَى الْأَعْقَلِ، وَلَا يُنَافِي كَلَامَ الْمُصَنِّفِ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى " وَإِنْ تَشَاحَّ فِيهِ اثْنَانِ، قُدِّمَ مَنْ لَهُ التَّقْدِيمُ، ثُمَّ الْأَعْقَلُ، ثُمَّ الْأَدْيَنُ، ثُمَّ الْأَفْضَلُ فِيهِ، ثُمَّ الْأَخْبَرُ بِالْوَقْتِ، ثُمَّ الْأَعْمَرُ لِلْمَسْجِدِ الْمُرَاعِي لَهُ، ثُمَّ الْأَقْدَمُ تَأْذِينًا فِيهِ. وَقِيلَ: أَوْ أَبُوهُ، ثُمَّ مَنْ قُرِعَ مَعَ التَّسَاوِي. وَعَنْهُ: بَلْ مَنْ رَضِيَهُ الْجِيرَانُ. وَقِيلَ: يُقَدَّمُ أَفْضَلُهُمَا فِي صَوْتِهِ، وَأَمَانَتِهِ، وَعِلْمِهِ بِالْوَقْتِ، ثُمَّ فِي دِينِهِ وَعَقْلِهِ ". وَهَذَا الْقَوْلُ الْأَخِيرُ طَرِيقَةُ الْمُصَنِّفِ وَمَنْ تَابَعَهُ. وَهِيَ الْمَذْهَبُ، كَمَا تَقَدَّمَ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى " فَإِنْ تَشَاحَّ اثْنَانِ، قُدِّمَ الْأَدْيَنُ، ثُمَّ الْأَفْضَلُ فِيهِ، ثُمَّ الْأَخْبَرُ بِالْوَقْتِ، ثُمَّ الْأَعْمَرُ لِلْمَسْجِدِ الْمُرَاعِي لَهُ، ثُمَّ الْأَقْدَمُ تَأْذِينًا فِيهِ، ثُمَّ مَنْ قُرِعَ وَعَنْهُ مَنْ رَضِيَهُ الْجِيرَانُ ".
وَقَالَ فِي الْإِفَادَاتِ " فَإِنْ تَشَاحَّ فِيهِ اثْنَانِ. قُدِّمَ أَدْيَنُهُمَا، ثُمَّ أَفْضَلُهُمَا، ثُمَّ أَعْمَرُهُمَا لِلْمَسْجِدِ، وَأَكْثَرُهُمَا مُرَاعَاةً لَهُ، ثُمَّ أَسْبَقُهُمَا تَأْذِينًا فِيهِ، ثُمَّ مَنْ رَضِيَهُ الْجِيرَانُ ثُمَّ مَنْ قُرِعَ ". وَقَالَ فِي الْحَاوِيَيْنِ " وَإِنْ تَشَاحَّا فِيهِ اثْنَانِ، قُدِّمَ الْأَفْضَلُ فِيهِ، وَالْأَدْيَنُ الْأَعْقَلُ، الْأَخْبَرُ بِالْوَقْتِ، الْأَعْمَرُ لِلْمَسْجِدِ الْمُرَاعِي لَهُ، الْأَقْدَمُ تَأْذِينًا، ثُمَّ مَنْ قُرِعَ. وَعَنْهُ مَنْ رَضِيَهُ الْجِيرَانُ ". وَقَالَ فِي إدْرَاكِ الْغَايَةِ " وَأَحَقُّهُمْ بِهِ: أَفْضَلُهُمْ، ثُمَّ أَصْلَحُهُمْ لِلْمَسْجِدِ، ثُمَّ مُخْتَارُ الْجِيرَانِ، ثُمَّ الْقَارِعُ. وَعَنْهُ الْقَارِعُ، ثُمَّ مُخْتَارُ الْجِيرَانِ ". وَقَالَ فِي التَّلْخِيصِ وَالْبُلْغَةِ " فَإِنْ تَشَاحُّوا قُدِّمَ أَكْمَلُهُمْ فِي دِينِهِ وَعَقْلِهِ وَفَضْلِهِ. فَإِنْ تَشَاحُّوا أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ، إلَّا أَنْ يَكُونَ لِأَحَدِهِمْ مَزِيَّةٌ فِي عِمَارَةِ الْمَسْجِدِ، أَوْ التَّقْدِيمِ بِالْأَذَانِ، وَعَنْهُ يَقُومُ مَنْ يَرْتَضِي الْجِيرَانُ ". وَكَذَا قَالَ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ. وَقَالَ فِي الْفُصُولِ " وَإِنْ تَشَاحُّوا قُدِّمَ مَنْ رَضِيَهُ الْجِيرَانُ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَالْأُخْرَى يُقَدَّمُ مَنْ تُخْرِجُهُ الْقُرْعَةُ " وَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ. وَقَالَ فِي الْمُبْهِجِ " وَإِنْ تَشَاحَّا اثْنَانِ فِي الْأَذَانِ: أَذَّنَ أَحَدُهُمَا بَعْدَ الْآخَرِ " وَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ. وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ " وَمَعَ التَّشَاجُرِ: يُقَدَّمُ الْأَفْضَلُ فِي ذَلِكَ، ثُمَّ الْأَدْيَنُ. وَقِيلَ: يُقَدَّمُ هُوَ، ثُمَّ اخْتِيَارُ الْجِيرَانِ، ثُمَّ الْقُرْعَةُ. وَعَنْهُ هِيَ قَبْلَهُمْ، نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ. قَالَهُ الْقَاضِي: وَعَنْهُ يُقَدَّمُ عَلَيْهِمَا بِمَزِيَّةِ عِمَارَةٍ. وَقِيلَ: أَوْ سَبْقِهِ بِأَذَانٍ " انْتَهَى. وَهِيَ أَحْسَنُ الطُّرُقِ وَأَصَحُّهَا، وَلَمْ يَذْكُرْ الْمَسْأَلَةَ ابْنُ تَمِيمٍ، وَصَاحِبُ الْمُحَرَّرِ، وَالْعُقُودِ، وَالْجَامِعِ الصَّغِيرِ. قَوْلُهُ (وَالْأَذَانُ خَمْسَ عَشْرَةَ كَلِمَةً، لَا تَرْجِيعَ فِيهِ) ، الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ الْمُخْتَارَ مِنْ الْأَذَانِ أَذَانُ بِلَالٍ، وَلَيْسَ فِيهِ تَرْجِيعٌ
وَعَلَيْهِ الْإِمَامُ وَالْأَصْحَابُ. وَعَنْهُ التَّرْجِيعُ أَحَبُّ إلَيَّ. وَعَلَيْهِ أَهْلُ مَكَّةَ إلَى الْيَوْمِ. نَقَلَهَا حَنْبَلٌ. ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي التَّعْلِيقِ. فَائِدَةٌ: قَالَ أَبُو الْمَعَالِي فِي النِّهَايَةِ: يُكْرَهُ أَنْ يَقُولَ قُبَيْلَ الْأَذَانِ {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا} [الإسراء: 111] وَقَالَ فِي الْفُصُولِ: لَا يُوصَلُ الْأَذَانُ بِذِكْرٍ قَبْلَهُ، خِلَافَ مَا عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْعَوَامّ الْيَوْمَ. وَلَيْسَ مَوْطِنَ قُرْآنٍ. وَلَمْ يُحْفَظْ عَنْ السَّلَفِ. فَهُوَ مُحْدَثٌ انْتَهَى. وَقَالَ فِي التَّبْصِرَةِ. يَقُولُ فِي آخِرِ دُعَاءِ الْقُنُوتِ {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ} [الإسراء: 111] الْآيَةَ فَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَيُتَوَجَّهُ عَلَيْهِ قَوْلُهَا قَبْلَ الْأَذَانِ. قَوْلُهُ (وَالْإِقَامَةُ إحْدَى عَشْرَةَ كَلِمَةً) . هُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ الْإِمَامُ وَالْأَصْحَابُ. وَعَنْهُ: هُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ هَذِهِ الصِّفَةِ وَتَثْنِيَتِهَا فَائِدَةٌ: لَا يُشْرَعُ الْأَذَانُ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ مُطْلَقًا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ الْأَذَانُ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ، إلَّا لِنَفْسِهِ مَعَ عَجْزِهِ. . قَالَهُ أَبُو الْمَعَالِي. ذَكَرَهُ عَنْهُ فِي الْفُرُوعِ فِي آخِرِ بَابِ الْإِحْرَامِ. قَوْلُهُ (فَإِنْ رَجَّعَ فِي الْأَذَانِ، أَوْ ثَنَّى فِي الْإِقَامَةِ، فَلَا بَأْسَ) . وَهَذَا الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ الْإِمَامُ وَالْأَصْحَابُ. وَعَنْهُ لَا يُعْجِبُنِي تَرْجِيعُ الْأَذَانِ. وَعَنْهُ التَّرْجِيعُ وَعَدَمُهُ سَوَاءٌ. فَائِدَةٌ: " التَّرْجِيعُ ": قَوْلُ الشَّهَادَتَيْنِ سِرًّا بَعْدَ التَّكْبِيرِ. ثُمَّ يَجْهَرُ بِهِمَا . قَوْلُهُ (وَيَقُولُ فِي أَذَانِ الصُّبْحِ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ مَرَّتَيْنِ) لَا نِزَاعَ فِي اسْتِحْبَابِ قَوْلِ ذَلِكَ. وَلَا يَجِبُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَعَنْهُ يَجِبُ ذَلِكَ جَزَمَ بِهِ فِي الرَّوْضَةِ وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ.
فَائِدَتَانِ: إحْدَاهُمَا: يُكْرَهُ التَّثْوِيبُ فِي غَيْرِ أَذَانِ الْفَجْرِ. وَيُكْرَهُ بَعْدَ الْأَذَانِ أَيْضًا. وَيُكْرَهُ النِّدَاءُ بِالصَّلَاةِ بَعْدَ الْأَذَانِ وَالْأَشْهَرُ فِي الْمَذْهَبِ: كَرَاهَةُ نِدَاءِ الْأُمَرَاءِ بَعْدَ الْأَذَانِ، وَهُوَ قَوْلُهُ " الصَّلَاةُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ " وَنَحْوُهُ. قَالَ فِي الْفُصُولِ: يُكْرَهُ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ بِدْعَةٌ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُخْرِجَهُ عَنْ الْبِدْعَةِ لِفِعْلِهِ زَمَنَ مُعَاوِيَةَ. انْتَهَى. الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَرَسَّلَ فِي الْأَذَانِ وَيَحْدُرَ الْإِقَامَةَ) وَهَذَا بِلَا نِزَاعٍ. لَكِنْ قَالَ ابْنُ بَطَّةَ، وَأَبُو حَفْصٍ، وَغَيْرُهُمَا مِنْ الْأَصْحَابِ: إنَّهُ يَكُونُ فِي حَالِ تَرَسُّلِهِ وَحَدْرِهِ: لَا يَصِلُ الْكَلَامَ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ مُعْرَبًا، بَلْ جَزْمًا وَإِسْكَانًا. وَحَكَاهُ ابْنُ بَطَّةَ عَنْ ابْنِ الْأَنْبَارِيِّ عَنْ أَهْلِ اللُّغَةِ. قَالَ: وَرُوِيَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّهُ قَالَ " شَيْئَانِ مَجْزُومَانِ، كَانُوا لَا يُعْرِبُونَهُمَا: الْأَذَانُ، وَالْإِقَامَةُ " قَالَ: وَقَالَ أَيْضًا " الْأَذَانُ جَزْمٌ " قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: مَعْنَاهُ: اسْتِحْبَابُ تَقْطِيعِ الْكَلِمَاتِ بِالْوَقْفِ عَلَى كُلِّ جُمْلَةٍ. فَيَحْصُلُ الْجَزْمُ وَالسُّكُونُ بِالْوَقْفِ، لَا أَنَّهُ مَعَ عَدَمِ الْوَقْفِ عَلَى الْجُمْلَةِ يَتْرُكُ إعْرَابَهَا، كَمَا قَالَ. انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَرَسَّلَ فِي الْأَذَانِ، وَيَحْدُرَ الْإِقَامَةَ، وَأَنْ يَقِفَ عَلَى كُلِّ كَلِمَةٍ. وَقَالَ ابْنُ بَطَّةَ: يُسْتَحَبُّ تَرْكُ الْإِعْرَابِ فِيهِمَا. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَجْزِمُهُمَا، وَلَا يُعْرِبُهُمَا. وَكَذَا قَالَ غَيْرُهُ. قَوْلُهُ " وَيُؤَذِّنُ قَائِمًا ". يَعْنِي: يُسْتَحَبُّ أَنْ يُؤَذِّنَ قَائِمًا. فَلَوْ أَذَّنَ أَوْ أَقَامَ قَاعِدًا، أَوْ رَاكِبًا لِغَيْرِ عُذْرٍ، أَوْ مَاشِيًا: جَازَ، وَيُكْرَهُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَغَيْرُهُمَا: فَإِنْ أَذَّنَ قَاعِدًا لِغَيْرِ عُذْرٍ: فَقَدْ كَرِهَهُ أَهْلُ الْعِلْمِ. وَيَصِحُّ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ لِغَيْرِ الْقَائِمِ وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ فِي الْجَمِيعِ. وَقَالَ أَحْمَدُ: إنْ أَذَّنَ قَاعِدًا لَا يُعْجِبُنِي وَجَزَمَ فِي التَّلْخِيصِ بِالْكَرَاهَةِ لِلْمَاشِي، وَبِعَدَمِهَا لِلرَّاكِبِ الْمُسَافِرِ
قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى: وَيُبَاحَانِ لِلْمُسَافِرِ مَاشِيًا وَرَاكِبًا فِي السَّفِينَةِ وَالْمَرَضِ جَالِسًا وَقَالَهُ فِي الْحَاوِيَيْنِ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَيُبَاحَانِ لِلْمُسَافِرِ حَالَ مَشْيِهِ وَرُكُوبِهِ فِي رِوَايَةٍ. وَقَالَ فِي مَكَان آخَرَ: وَلَا يَمْشِي فِيهِمَا، وَلَا يَرْكَبُ نَصَّ عَلَيْهِ فَإِنْ رَكِبَ كُرِهَ. وَقَالَ فِي الْفَائِقِ: وَيُبَاحَانِ لِلْمُسَافِرِ مَاشِيًا وَرَاكِبًا. انْتَهَى. وَعَنْهُ لَا يُكْرَهُ ذَلِكَ فِي الْكُلِّ. وَعَنْهُ يُكْرَهُ. وَعَنْهُ يُكْرَهُ فِي الْحَضَرِ دُونَ السَّفَرِ. قَالَ الْقَاضِي: إنْ أَذَّنَ رَاكِبًا أَوْ مَاشِيًا حَضَرًا كُرِهَ. وَعَنْهُ يُكْرَهُ ذَلِكَ فِي الْإِقَامَةِ فِي الْحَضَرِ. وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: إنْ أَذَّنَ قَاعِدًا، أَوْ مَشَى فِيهِ كَثِيرًا بَطَلَ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ فِي الثَّانِيَةِ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَعَنْهُ إنْ مَشَى فِي الْأَذَانِ كَثِيرًا عُرْفًا بَطَلَ وَمَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ إلَى عَدَمِ إجْزَاءِ أَذَانِ الْقَاعِدِ. وَأَطْلَقَهُنَّ فِي الْفُرُوعِ بِعَنْهُ وَعَنْهُ. حَكَى أَبُو الْبَقَاءِ فِي شَرْحِهِ رِوَايَةً: أَنَّهُ يُعِيدُ إنْ أَذَّنَ قَاعِدًا. قَالَ الْقَاضِي: هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى نَفْيِ الِاسْتِحْبَابِ. وَحَمَلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى نَفْيِ الِاعْتِدَادِ بِهِ. قَوْلُهُ (مُتَطَهِّرًا) . يَعْنِي أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ الطَّهَارَةُ لَهُ. وَهَذَا بِلَا نِزَاعٍ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةِ. وَلَا تَجِبُ الطَّهَارَةُ الصُّغْرَى لَهُ بِلَا نِزَاعٍ. وَيَصِحُّ الْأَذَانُ وَالْإِقَامَةُ، لَكِنْ تُكْرَهُ لَهُ الْإِقَامَةُ بِلَا نِزَاعٍ جَزَمَ بِهِ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالرِّعَايَةِ، وَابْنُ تَمِيمٍ وَالزَّرْكَشِيُّ، وَغَيْرِهِمْ. وَلَمْ يُكْرَهْ الْأَذَانُ نَصَّ عَلَيْهِ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَالْفُرُوعِ. وَقِيلَ: يُكْرَهُ الْأَذَانُ أَيْضًا. وَهِيَ فِي الْإِقَامَةِ أَشَدُّ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالتَّلْخِيصِ. وَيَصِحُّ مِنْ الْجُنُبِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ. وَعَنْهُ يُعِيدُ. اخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ، وَابْنُ عَبْدُوسٍ الْمُتَقَدِّمُ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْإِيضَاحِ. فَعَلَى الْمَذْهَبِ: قَالَ فِي الْفُرُوعِ: يُتَوَجَّهُ فِي إعَادَتِهِ احْتِمَالَانِ. فَعَلَى الْمَذْهَبِ إنْ كَانَ أَذَانُهُ فِي مَسْجِدٍ. فَإِنْ كَانَ مَعَ جَوَازِ اللُّبْثِ، إمَّا بِوُضُوءٍ عَلَى الْمَذْهَبِ، أَوْ نَجَسٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ. صَحَّ. وَمَعَ تَحْرِيمِ اللُّبْثِ، فَهُوَ كَالْأَذَانِ، وَالزَّكَاةِ فِي مَكَان غَصْبٍ. وَفِي ذَلِكَ قَوْلَانِ الْمَذْهَبُ
عِنْدَ الْمَجْدِ وَغَيْرِهِ: الصِّحَّةُ وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ ابْنِ عَقِيلٍ فِي التَّذْكِرَةِ: الْبُطْلَانُ، وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْلِ ابْنِ عَبْدُوسٍ الْمُتَقَدِّمِ. وَقَطَعَ بِاشْتِرَاطِ الطَّهَارَةِ كَمَكَانِ الصَّلَاةِ. قَوْلُهُ (فَإِذَا بَلَغَ الْحَيْعَلَةَ الْتَفَتَ يَمِينًا وَشِمَالًا. وَلَمْ يَسْتَدِرْ) . هَذَا الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا. وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ. وَقَالَ فِي تَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ: هَذَا الْأَظْهَرُ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْمُنْتَخَبِ، وَغَيْرِهِمَا وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالنَّظْمِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالْمُحَرَّرِ. وَعَنْهُ يُزِيلُ قَدَمَهُ فِي مَنَارَةٍ وَنَحْوِهَا نَصَرَهُ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ وَغَيْرِهِ وَاخْتَارَهُ الْمَجْدُ وَجَزَمَ بِهِ فِي الرَّوْضَةِ، وَالْمَذْهَبِ الْأَحْمَدِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَالْمُنَوِّرِ. قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ. لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْإِعْلَامِ، وَهُوَ الْمَعْمُولُ بِهِ. زَادَ أَبُو الْمَعَالِي: يَفْعَلُ ذَلِكَ مَعَ كِبَرِ الْبَلَدِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالْفَائِقِ وَابْنُ عُبَيْدَانَ. قَالَ فِي الْإِقْنَاعِ: يَشْرَعُ إزَالَةَ قَدَمَيْهِ فِي الْمَنَارَةِ، فَعَلَى الْمَذْهَبِ: قَالَ الْفُرُوعُ: وَظَاهِرُهُ يُزِيلُ صَدْرَهُ. انْتَهَى. قُلْت: قَالَ فِي التَّلْخِيصِ: وَلَا يُحَوِّلُ صَدْرَهُ عَنْ الْقِبْلَةِ. تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ قَوْلِهِ " الْتَفَتَ يَمِينًا وَشِمَالًا " أَنَّهُ سَوَاءٌ كَانَ عَلَى مَنَارَةٍ، أَوْ غَيْرِهَا، أَوْ عَلَى الْأَرْضِ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ وَجَزَمَ بِهِ أَكْثَرُهُمْ، وَقَالَ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ: إنْ أَذَّنَ فِي صَوْمَعَةٍ الْتَفَتَ يَمِينًا وَشِمَالًا. وَلَمْ يُحَوِّلْ قَدَمَيْهِ. وَإِنْ أَذَّنَ عَلَى الْأَرْضِ: فَهَلْ يَلْتَفِتُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. ذَكَرَهُ ابْنُ عُبَيْدَانَ. وَهِيَ طَرِيقَةٌ غَرِيبَةٌ. فَائِدَتَانِ إحْدَاهُمَا: يَقُولُ " حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ " فِي الْمَرَّتَيْنِ مُتَوَالِيَتَيْنِ عَنْ يَمِينِهِ. وَيَقُولُ " حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ " كَذَلِكَ عَنْ يَسَارِهِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَقِيلَ يَقُولُ " حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ " يَمِينًا، ثُمَّ يُعِيدُهُ يَسَارًا، ثُمَّ يَقُولُ
حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ " يَمِينًا، ثُمَّ يُعِيدُهُ يَسَارًا، وَقِيلَ: يَقُولُ " حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ " مَرَّةً عَنْ يَمِينِهِ، ثُمَّ يَقُولُ عَنْ يَسَارِهِ " حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ " مَرَّةً. ثُمَّ كَذَلِكَ ثَانِيَةً قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ سَهْوٌ، وَهُوَ كَمَا قَالَ وَالظَّاهِرُ: أَنَّهُ خِلَافُ إجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ. الثَّانِيَةُ: لَا يَلْتَفِتُ يَمِينًا وَلَا شِمَالًا فِي الْحَيْعَلَةِ فِي الْإِقَامَةِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ جَزَمَ بِهِ الْآجُرِّيُّ وَغَيْرُهُ. قَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ فِي حَوَاشِي الْفُرُوعِ: هَذَا أَظْهَرُ الْوَجْهَيْنِ. وَذَكَرَ أَبُو الْمَعَالِي فِيهِ وَجْهَيْنِ قَوْلُهُ (وَيَجْعَلُ إصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ) . يَعْنِي السَّبَّابَتَيْنِ. وَهَذَا الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْعُمْدَةِ، وَالنَّظْمِ، وَالْوَجِيزِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَالْفَائِقِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ، وَغَيْرِهِمْ وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَالْمُصَنِّفُ، وَغَيْرُهُمْ وَصَحَّحَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ وَغَيْرِهِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ. وَعَنْهُ يَجْعَلُ أَصَابِعَهُ عَلَى أُذُنَيْهِ مَبْسُوطَةً مَضْمُومَةً. سِوَى الْإِبْهَامِ. وَيَحْتَمِلُهُ كَلَامُ الْخِرَقِيِّ. قَالَ فِي التَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالْهِدَايَةِ: وَلْيَجْعَلْ أَصَابِعَهُ مَضْمُومَةً عَلَى أُذُنَيْهِ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. وَعَنْهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ مَعَ قَبْضِهِ عَلَى كَفَّيْهِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ. نَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ بَطَّةَ. فَقَالَ: سَأَلْت أَبَا الْقَاسِمِ الْخِرَقِيَّ عَنْ صِفَةِ ذَلِكَ؟ فَأَرَانِيهِ بِيَدَيْهِ جَمِيعًا. وَضَمَّ أَصَابِعَهُ عَلَى رَاحَتَيْهِ، وَوَضَعَهُمَا عَلَى أُذُنَيْهِ وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ الْمُتَقَدِّمُ، وَابْنُ الْبَنَّا. وَذَكَرَهُ الزَّرْكَشِيُّ عَنْ صَاحِبِ الْبُلْغَةِ وَقَدْ تَقَدَّمَ لَفْظُهُ. وَأَطْلَقَهُنَّ فِي الْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ. وَخَيَّرَهُ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ بَيْنَ وَضْعِ أَصَابِعِهِ وَإِصْبُعَيْهِ. فَائِدَةٌ: يَرْفَعُ وَجْهَهُ إلَى السَّمَاءِ فِي الْأَذَانِ كُلِّهِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَنَصَّ عَلَيْهِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْفَائِقِ. وَنَقَلَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ عَنْ الْقَاضِي. وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. وَقِيلَ: عِنْدَ كَلِمَةِ الْإِخْلَاصِ فَقَطْ جَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالتَّرْغِيبِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى
وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. وَقِيلَ: يَرْفَعُ وَجْهَهُ إلَى السَّمَاءِ عِنْدَ كَلِمَةِ الْإِخْلَاصِ، وَالشَّهَادَتَيْنِ. قَوْلُهُ (وَيَتَوَلَّاهُمَا مَعًا) . يَعْنِي: يُسْتَحَبُّ لِلْمُؤَذِّنِ أَنْ يَتَوَلَّى الْإِقَامَةَ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ وَقَطَعَ بِهِ أَكْثَرُهُمْ. وَعَنْهُ الْمُؤَذِّنُ وَغَيْرُهُ فِي الْإِقَامَةِ سَوَاءٌ. ذَكَرَهَا أَبُو الْحُسَيْنِ. وَقِيلَ: تُكْرَهُ الْإِقَامَةُ لِغَيْرِ الَّذِي أَذَّنَ، وَعِنْدَ أَبِي الْفَرَجِ: تُكْرَهُ إلَّا أَنْ يُؤَذِّنَ الْمَغْرِبَ بِمَنَارَةٍ. فَلَا تُكْرَهُ الْإِقَامَةُ لِغَيْرِهِ. وَتَقَدَّمَ. إذَا تَشَاحَّ فِيهِ اثْنَانِ فَأَكْثَرُ. وَهَلْ تُسْتَحَبُّ الزِّيَادَةُ عَلَى الْوَاحِدِ؟ قَرِيبًا. قَوْلُهُ (وَيُقِيمُ فِي مَوْضِعِ أَذَانِهِ، إلَّا أَنْ يَشُقَّ عَلَيْهِ) ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. وَقَالَ فِي النَّصِيحَةِ: السُّنَّةُ أَنْ يُؤَذِّنَ بِالْمَنَارَةِ، وَيُقِيمَ أَسْفَلَ. قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ. وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ فِي جَمِيعِ الْأَمْصَارِ وَالْأَعْصَارِ. وَنَقَلَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ: يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ لِيَلْحَقَ " آمِينَ " مَعَ الْإِمَامِ. قَوْلُهُ (وَلَا يَصِحُّ الْأَذَانُ إلَّا مُرَتَّبًا مُتَوَالِيًا) بِلَا نِزَاعٍ. وَلَا يَصِحُّ أَيْضًا إلَّا بِنِيَّةٍ. وَيُشْتَرَطُ فِيهِ أَيْضًا: أَنْ يَكُونَ مِنْ وَاحِدٍ. فَلَوْ أَذَّنَ وَاحِدٌ بَعْضَهُ وَكَمَّلَهُ آخَرُ، لَمْ يَصِحَّ بِلَا خِلَافٍ أَعْلَمُهُ. فَائِدَةٌ: رَفْعُ الصَّوْتِ فِيهِ رُكْنٌ. قَالَ فِي الْفَائِقِ، وَغَيْرِهِ. إذَا كَانَ لِغَيْرِ حَاضِرٍ. قَالَ فِي الْبُلْغَةِ: إذَا كَانَ لِغَيْرِ نَفْسِهِ. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: إنْ أَذَّنَ لِنَفْسِهِ. أَوْ لِجَمَاعَةٍ حَاضِرِينَ. فَإِنْ شَاءَ رَفَعَ صَوْتَهُ وَهُوَ أَفْضَلُ وَإِنْ شَاءَ خَافَتْ بِالْكُلِّ أَوْ بِالْبَعْضِ. قُلْت: وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا مُرَادُ مَنْ أَطْلَقَ، بَلْ هُوَ كَالْمَقْطُوعِ بِهِ، وَهُوَ وَاضِحٌ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ إنْ أَذَّنَ فِي الْوَقْتِ لِلْغَائِبِينَ، أَوْ فِي
الصَّحْرَاءِ. فَزَادَ " فِي الصَّحْرَاءِ " وَهِيَ زِيَادَةٌ حَسَنَةٌ. وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: رَفْعُ الصَّوْتِ بِحَيْثُ يُسْمِعُ مَنْ يَقُومُ بِهِ لِجَمَاعَةٍ: رُكْنٌ. انْتَهَى. فَائِدَةٌ: يُسْتَحَبُّ رَفْعُ صَوْتِهِ قَدْرَ طَاقَتِهِ، مَا لَمْ يُؤَذِّنْ لِنَفْسِهِ. وَتُكْرَهُ الزِّيَادَةُ وَعَنْهُ يُسْتَحَبُّ التَّوَسُّطُ [وَلَا بَأْسَ بِالنَّحْنَحَةِ قَبْلَهُمَا نُصَّ عَلَيْهِ] . فَائِدَةٌ: يُشْتَرَطُ فِي الْمُؤَذِّنِ ذُكُورِيَّتُهُ وَعَقْلُهُ، وَإِسْلَامُهُ وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي اشْتِرَاطِ بُلُوغِهِ وَعَدَالَتِهِ، بِخِلَافِ مَا يَأْتِي. قَوْلُهُ (فَإِنْ نَكَّسَهُ، أَوْ فَرَّقَ بَيْنَهُ بِسُكُوتٍ طَوِيلٍ، أَوْ كَلَامٍ كَثِيرٍ، أَوْ مُحَرَّمٍ: لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ) . يَعْنِي لَوْ فَرَّقَ بَيْنَ الْأَذَانِ بِكَلَامٍ مُحَرَّمٍ: لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْكَلَامَ الْمُحَرَّمَ تَارَةً يَكُونُ كَثِيرًا، وَتَارَةً يَكُونُ يَسِيرًا. فَإِنْ كَانَ كَثِيرًا أَبْطَلَ الْأَذَانَ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. وَفِي الرِّعَايَةِ وَجْهٌ يُعْتَدُّ بِهِ. فَعَلَى الْمَذْهَبِ: لَوْ كَانَ يَسِيرًا، لَمْ يُعْتَدَّ بِالْأَذَانِ. وَأَبْطَلَهُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَصَاحِبِ مَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَغَيْرِهِمْ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْفُصُولِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَالْوَجِيزِ، وَالتَّسْهِيلِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ وَصَحَّحَهُ ابْنُ تَمِيمٍ. وَاخْتَارَهُ فِي الْفَائِقِ وَقَدَّمَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى. [وَقَالَ فِي الْحَاوِيَيْنِ: وَلَا يَقْطَعُهُمَا بِفَصْلٍ كَثِيرٍ. وَلَا كَلَامٍ مُحَرَّمٍ، وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا] وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. وَقِيلَ. لَا يُبْطِلُهُ، وَيُعْتَدُّ بِالْأَذَانِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَالْفَائِقِ. فَائِدَتَانِ إحْدَاهُمَا: لَوْ ارْتَدَّ فِي الْأَذَانِ، أَبْطَلَهُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: لَا يُبْطِلُهُ إنْ أَعَادَ فِي الْحَالِ، كَجُنُونِهِ وَإِفَاقَتِهِ سَرِيعًا. وَبَالَغَ الْقَاضِي فَأَبْطَلَ الْأَذَانَ
بِالرِّدَّةِ بَعْدَهُ. قِيَاسًا عَلَى قَوْلِهِ فِي الطَّهَارَةِ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. الثَّانِيَةُ: الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ الْكَلَامَ الْيَسِيرَ الْمُبَاحَ، وَالسُّكُوتَ الْيَسِيرَ. يُكْرَهُ لِغَيْرِ حَاجَةٍ. . قَالَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ. وَعَنْهُ لَا بَأْسَ بِالْيَسِيرِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الرِّعَايَةِ. وَقِيلَ: لَا يَتَكَلَّمُ فِي الْإِقَامَةِ بِحَالٍ وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يَرُدُّ السَّلَامَ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ. وَعَنْهُ يُكْرَهُ. وَقَالَهُ الْقَاضِي فِي مَوْضِعٍ مِنْ كَلَامِهِ. قَوْلُهُ (وَلَا يَجُوزُ إلَّا بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ، إلَّا الْفَجْرُ. فَإِنَّهُ يُؤَذَّنُ لَهَا بَعْدَ مُنْتَصَفِ اللَّيْلِ) الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: صِحَّةُ الْأَذَانِ، وَإِجْزَاؤُهُ بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ لِصَلَاةِ الْفَجْرِ وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: لَا إشْكَالَ أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ تَقْدِيمُ الْأَذَانِ قَبْلَ الْوَقْتِ كَثِيرًا. . قَالَهُ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا. وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ إلَّا قَبْلَ الْوَقْتِ يَسِيرًا. وَنَقَلَ صَالِحٌ لَا بَأْسَ بِهِ قَبْلَ الْفَجْرِ، إذَا كَانَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ يَعْنِي الْكَاذِبَ وَقِيلَ: الْأَذَانُ قَبْلَ الْفَجْرِ سُنَّةٌ وَاخْتَارَهُ الْآمِدِيُّ. وَعَنْهُ لَا يَصِحُّ الْأَذَانُ قَبْلَهَا كَغَيْرِهَا إجْمَاعًا. وَكَالْإِقَامَةِ. . قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَعِنْدَ أَبِي الْفَرَجِ الشِّيرَازِيِّ: يَجُوزُ الْأَذَانُ قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ لِلْفَجْرِ، وَالْجُمُعَةِ قَالَهُ فِي الْإِيضَاحِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَهُوَ أَجْوَدُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ حَمْدَانَ. وَقِيلَ: لِلْجُمُعَةِ قَبْلَ الزَّوَالِ. لِعُمُومِ كَلَامِ الشِّيرَازِيِّ. وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَاسْتَثْنَى ابْنُ عَبْدُوسٍ، مَعَ الْفَجْرِ: الصَّلَاةَ الْمَجْمُوعَةَ. قَالَ: وَلَيْسَ بِشَيْءٍ. لِأَنَّ الْوَقْتَيْنِ صَارَا وَقْتًا وَاحِدًا. وَعَنْهُ يُكْرَهُ قَبْلَ الْوَقْتِ مُطْلَقًا. ذَكَرَهَا فِي الرِّعَايَةِ وَغَيْرِهَا. وَقَالَ فِي الْفَائِقِ: يَجُوزُ الْأَذَانُ لِلْفَجْرِ خَاصَّةً بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ. وَعَنْهُ لَا. إلَّا أَنْ يُعَاوِدَ بَعْدَهُ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ. انْتَهَى. وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَذَّنَ قَبْلَ الْفَجْرِ: أَنْ يَكُونَ مَعَهُ مَنْ يُؤَذِّنُ فِي الْوَقْتِ، وَأَنْ يَتَّخِذَ ذَلِكَ عَادَةً. لِئَلَّا يَضُرَّ النَّاسَ. وَفِي الْكَافِي: مَا يَقْتَضِي اشْتِرَاطَ ذَلِكَ.
فَائِدَةٌ: الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنْ يُكْرَهَ الْأَذَانُ قَبْلَ الْفَجْرِ فِي رَمَضَانَ نَصَّ عَلَيْهِ. وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ جَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالنَّظْمِ، وَالْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَغَيْرِهِمْ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالشَّرْحِ، وَالْمَغْنَى، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَابْنِ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: يُكْرَهُ عَلَى الْأَظْهَرِ. وَعَنْهُ لَا يُكْرَهُ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْمُصَنِّفِ هُنَا، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَغَيْرِهِمْ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفَائِقِ، وَابْنِ تَمِيمٍ. وَعَنْهُ يُكْرَهُ فِي رَمَضَانَ وَغَيْرِهِ إذَا لَمْ يُعِدْهُ. نَقَلَهُ حَنْبَلٌ. وَقِيلَ: يُكْرَهُ إذَا لَمْ يَكُنْ عَادَةً. فَإِنْ كَانَ عَادَةً لَمْ يُكْرَهْ جَزَمَ بِهِ فِي الْحَاوِيَيْنِ. وَصَحَّحَهُ الشَّارِحُ، وَغَيْرُهُ وَاخْتَارَهُ الْمَجْدُ. قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ. وَعَلَيْهِ عَمَلُ النَّاسِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ. وَعَنْهُ لَا يَجُوزُ ذَكَرَهَا الْآمِدِيُّ. وَهِيَ ظَاهِرُ إدْرَاكِ الْغَايَةِ. فَإِنَّهُ قَالَ: وَيَجُوزُ فِيهِ لِفَجْرِ غَيْرِ رَمَضَانَ مِنْ نِصْفِ اللَّيْلِ. وَعَنْهُ يَحْرُمُ قَبْلَهُ فِي رَمَضَانَ وَغَيْرِهِ. إلَّا أَنْ يُعَادَ. ذَكَرَهَا أَبُو الْحُسَيْنِ . قَوْلُهُ (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَجْلِسَ بَعْدَ أَذَانِ الْمَغْرِبِ جَلْسَةً خَفِيفَةً ثُمَّ يُقِيمَ) هَذَا الْمَذْهَبُ، أَعْنِي أَنَّ الْجَلْسَةَ تَكُونُ خَفِيفَةً جَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالْمُغْنِي، وَالْكَافِي، وَالشَّرْحِ، وَالنَّظْمِ وَالْوَجِيزِ، وَابْنِ تَمِيمٍ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَابْنِ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ، وَغَيْرِهِمْ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ. وَقِيلَ: يَجْلِسُ بِقَدْرِ صَلَاةِ رَكْعَتَيْنِ. جَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْفَائِقِ، وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ. قَالَ أَحْمَدُ: يَقْعُدُ الرَّجُلُ مِقْدَارَ رَكْعَتَيْنِ. قَالَ فِي الْإِفَادَاتِ: يَفْصِلُ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ بِقَدْرِ وُضُوءٍ وَرَكْعَتَيْنِ وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ. وَكَذَا الْحُكْمُ فِي كُلِّ صَلَاةٍ يُسَنُّ تَعْجِيلُهَا. . قَالَهُ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ وَذَكَرَ الْحَلْوَانِيُّ: يَجْلِسُ بِقَدْرِ حَاجَتِهِ وَوُضُوئِهِ وَصَلَاةِ رَكْعَتَيْنِ فِي صَلَاةٍ يُسَنُّ تَعْجِيلُهَا وَفِي الْمَغْرِبِ يَجْلِسُهُ. وَقَالَ فِي التَّبْصِرَةِ: يَجْلِسُ فِي الْمَغْرِبِ وَمَا يُسَنُّ تَعْجِيلُهَا بِقَدْرِ
حَاجَتِهِ وَوُضُوئِهِ. وَقَالَ فِي الْإِفَادَاتِ: وَيَفْصِلُ بَيْنَ كُلِّ أَذَانٍ وَإِقَامَةٍ بِقَدْرِ وُضُوءٍ وَرَكْعَتَيْنِ. وَقَالَ فِي الْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ: يَفْصِلُ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ بِقَدْرِ الْوُضُوءِ، وَصَلَاةِ رَكْعَتَيْنِ إلَّا الْمَغْرِبُ. فَإِنَّهُ يَجْلِسُ جَلْسَةً خَفِيفَةً، وَاسْتِحْبَابُ الْجُلُوسِ بَيْنَ أَذَانِ الْمَغْرِبِ، وَكَرَاهَةِ تَرْكِهِ: مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. فَائِدَةٌ: تُبَاحُ صَلَاةُ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ نَصَّ عَلَيْهِ. وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ. ذَكَرَاهُ فِي صَلَاةِ التَّطَوُّعِ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. وَقِيلَ: يُكْرَهُ. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَا يَرْكَعُ قَبْلَ الْمَغْرِبِ شَيْئًا. وَعَنْهُ يُسَنُّ فِعْلُهُمَا جَزَمَ بِهِ نَاظِمُ الْمُفْرَدَاتِ. وَهِيَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ أَيْضًا. وَقَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَابْنُ تَمِيمٍ: لَا يُكْرَهُ. رِوَايَةً وَاحِدَةً. وَهَلْ يُسْتَحَبُّ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ وَعَنْهُ " بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ " وَقَالَهُ ابْنُ هُبَيْرَةَ فِي غَيْرِ الْمَغْرِبِ. قَوْلُهُ (وَمَنْ جَمَعَ بَيْنَ صَلَاتَيْنِ، أَوْ قَضَاءِ فَوَائِتَ: أَذَّنَ وَأَقَامَ لِلْأُولَى. ثُمَّ أَقَامَ لِكُلِّ صَلَاةٍ بَعْدَهَا) وَهِيَ الْمَذْهَبُ صَحَّحَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّارِحُ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَغَيْرُهُمْ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَالْوَجِيزِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ، وَغَيْرِهِمْ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَابْنِ تَمِيمٍ، وَالْفَائِقِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَغَيْرِهِمْ. بَلْ لَا يُشْرَعُ الْأَذَانُ صَرَّحَ بِهِ ابْنُ عَقِيلٍ، وَالشِّيرَازِيُّ، وَغَيْرُهُمَا. وَعَنْهُ تُجْزِئُ الْإِقَامَةُ لِكُلِّ صَلَاةٍ مِنْ غَيْرِ أَذَانٍ اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. وَعَنْهُ تُجْزِئُ إقَامَةٌ وَاحِدَةٌ لَهُنَّ كُلِّهِنَّ. وَقَالَ فِي النَّصِيحَةِ: يُقِيمُ لِكُلِّ صَلَاةٍ، إلَّا أَنْ يَجْمَعَ فِي وَقْتِ الْأُولَى أَوْ الثَّانِيَةِ، فَيُؤَذِّنَ لَهَا أَيْضًا. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَمَنْ جَمَعَ فِي وَقْتٍ لِلْأُولَى أَوْ الثَّانِيَةِ، أَوْ قَضَى فَرَائِضَ: أَذَّنَ لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَأَقَامَ. قَالَ فِي النُّكَتِ فِي الْجَمْعِ: إذَا جَمَعَ فِي وَقْتِ
الثَّانِيَةِ. وَفَرَّقَ بَيْنَهَا، صَلَّاهُمَا بِأَذَانَيْنِ وَإِقَامَتَيْنِ كَالْفَائِتَيْنِ إذَا فَرَّقَهُمَا قَطَعَ بِهِ جَمَاعَةٌ، وَجَمَاعَةٌ لَمْ يُفَرِّقُوا. وَقَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: وَمَنْ فَاتَتْهُ صَلَوَاتٌ، أَوْ جَمَعَ بَيْنَ صَلَاتَيْنِ. فَإِنْ شَاءَ أَذَّنَ لِكُلِّ صَلَاةٍ وَأَقَامَ، وَإِنْ شَاءَ أَذَّنَ لِلْأُولَى خَاصَّةً، وَأَقَامَ لِكُلِّ صَلَاةٍ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: إذَا قَضَى فَوَائِتَ أَوْ جَمَعَ، فَإِنْ شَاءَ أَذَّنَ لِكُلِّ صَلَاةٍ وَأَقَامَ. وَقَالَ الْمُصَنِّفُ وَمَنْ تَبِعَهُ: لَوْ دَخَلَ مَسْجِدًا، قَدْ صَلَّى فِيهِ: خُيِّرَ، إنْ شَاءَ أَذَّنَ وَأَقَامَ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهُمَا مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ. قَوْلُهُ (وَهَلْ يُجْزِئُ أَذَانُ الْمُمَيِّزِ لِلْبَالِغِينَ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْكَافِي، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْفُرُوعِ، وَالْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ إحْدَاهُمَا: يُجْزِئُ وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ وَصَحَّحَهُ فِي الْفُصُولِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالنَّظْمِ، وَالْفَائِقِ، وَحَوَاشِي الْمُحَرَّرِ لِصَاحِبِ الْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِمْ وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَالْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ، وَغَيْرُهُمْ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: اخْتَارَهُ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِيضَاحِ، وَالْوَجِيزِ. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَا يُجْزِئُ جَزَمَ بِهِ فِي الْإِفَادَاتِ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ. قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: لَا يُجْزِئُ أَذَانُ الْمُمَيِّزِ. لِلْبَالِغِينَ فِي أَقْوَى الرِّوَايَتَيْنِ وَنَصَرَهُ. وَإِلَيْهِ مَيْلُ الْمَجْدِ فِي شَرْحِهِ وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. وَنَقَلَ حَنْبَلٌ: يُجْزِئُ أَذَانُ الْمُرَاهِقِ قَالَ الْقَاضِي: يَصِحُّ أَذَانُ الْمُرَاهِقِ، رِوَايَةً وَاحِدَةً وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى أَيْضًا فِي الْمُرَاهِقِ. فَائِدَةٌ: عَلَّلَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ عَدَمَ الصِّحَّةِ: بِأَنَّهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ. وَفِعْلُ الصَّبِيِّ نَفْلٌ. وَعَلَّلَهُ الْمُصَنِّفُ وَالْمَجْدُ وَغَيْرُهُمَا: بِأَنَّهُ لَا يُقْبَلُ خَبَرُهُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَا. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: يَتَخَرَّجُ فِي أَذَانِهِ رِوَايَتَانِ. كَشَهَادَتِهِ وَوِلَايَتِهِ. وَقَالَ: أَمَّا صِحَّةُ أَذَانِهِ فِي الْجُمْلَةِ، وَكَوْنُهُ جَائِزًا إذَا أَذَّنَ غَيْرُهُ: فَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ. وَمِنْ
الْأَصْحَابِ مَنْ أَطْلَقَ الْخِلَافَ. قَالَ: وَالْأَشْبَهُ أَنَّ الْأَذَانَ الَّذِي يُسْقِطُ الْفَرْضَ عَنْ أَهْلِ الْقَرْيَةِ، وَيُعْتَمَدُ فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ: لَا يَجُوزُ أَنْ يُبَاشِرَهُ صَبِيٌّ، قَوْلًا وَاحِدًا. وَلَا يُسْقِطُ الْفَرْضَ. وَلَا يُعْتَدُّ بِهِ فِي مَوَاقِيتِ الْعِبَادَاتِ. وَأَمَّا الْأَذَانُ الَّذِي يَكُونُ سُنَّةً مُؤَكَّدَةً فِي مِثْلِ الْمَسَاجِدِ الَّتِي فِي الْمِصْرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ: فَهَذَا فِيهِ الرِّوَايَتَانِ وَالصَّحِيحُ جَوَازُهُ. انْتَهَى. قَوْلُهُ (وَهَلْ يُعْتَدُّ بِأَذَانِ الْفَاسِقِ وَالْأَذَانِ الْمُلَحَّنِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) أَمَّا أَذَانُ الْفَاسِقِ: فَأَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ فِي الِاعْتِدَادِ بِهِ وَجْهَيْنِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ. وَالْفُصُولِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْمُغْنِي، وَالْكَافِي، وَالْبُلْغَةِ، وَالشَّرْحِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَابْنِ تَمِيمٍ، وَالْفَائِقِ. أَحَدُهُمَا: لَا يُعْتَدُّ بِهِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ. قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: لَا يُعْتَدُّ بِهِ فِي أَظْهَرِ الْوَجْهَيْنِ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: هَذِهِ الرِّوَايَةُ أَقْوَى وَصَحَّحَهُ فِي الْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْحَاوِيَيْنِ. قَالَ فِي الْمُبْهِجِ: يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمُؤَذِّنُ تَقِيًّا. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يُعْتَدُّ بِهِ اخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ وَصَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْإِفَادَاتِ وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ. وَقَالَ فِي تَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ: وَيَصِحُّ مِنْ صَبِيٍّ بَالِغٍ وَفَاسِقٍ عَلَى الْأَظْهَرِ. تَنْبِيهٌ: حَكَى الْخِلَافَ وَجْهَيْنِ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْمُذْهَبِ وَالْمُصَنِّفِ وَالْمَجْدِ. وَغَيْرُهُمْ. وَحَكَاهُ رِوَايَتَيْنِ فِي الْخُلَاصَةِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ وَالْفُرُوعِ. وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَغَيْرُهُمْ، وَهُوَ الصَّوَابُ. وَأَمَّا الْأَذَانُ الْمُلَحَّنُ، إذَا لَمْ يُحِلْ الْمَعْنَى: فَأَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ فِيهِ وَجْهَيْنِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُغْنِي، وَالْكَافِي، وَالْبُلْغَةِ، وَالشَّرْحِ، وَالْخُلَاصَةِ وَالْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَابْنُ تَمِيمٍ. وَالنَّظْمِ، وَالْفَائِقِ وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ.
أَحَدُهُمَا: يُعْتَدُّ بِهِ مَعَ الْكَرَاهَةِ وَبَقَاءِ الْمَعْنَى. وَهُوَ الْمَذْهَبُ صَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ، وَالشَّرْحِ: وَشَيْخُنَا فِي تَصْحِيحِ الْمُحَرَّرِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْإِفَادَاتِ وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يُعْتَدُّ بِهِ قَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ. فَائِدَةٌ: الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ حُكْمَ الْأَذَانِ الْمَلْحُونِ حُكْمُ الْأَذَانِ الْمُلَحَّنِ جَزَمَ بِهِ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَفِي إجْزَاءِ الْأَذَانِ الْمُلَحَّنِ وَقِيلَ: وَالْمَلْحُونِ وَجْهَانِ. فَائِدَةٌ: لَا يُعْتَدُّ بِأَذَانِ امْرَأَةٍ وَخُنْثَى. قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ: وَلَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ صِحَّتُهُ. لِأَنَّ الْكَرَاهَةَ لَا تَمْنَعُ الصِّحَّةَ. قَالَ: فَيُتَوَجَّهُ عَلَى هَذَا بَقَاءُ فَرْضِ الْكِفَايَةِ. لِأَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْهُ مَنْ هُوَ فَرْضٌ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ (وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ أَنْ يَقُولَ كَمَا يَقُولُ، إلَّا فِي الْحَيْعَلَةِ فَإِنَّهُ يَقُولُ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ) الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ السَّامِعُ فِي الْحَيْعَلَةِ " لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ " فَقَطْ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ وَالْخُلَاصَةِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالشَّارِحِ، وَالنَّظْمِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَالْوَجِيزِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ، وَغَيْرِهِمْ. قَالَ فِي النُّكَتِ: هُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَالْفَائِقِ، وَغَيْرُهُمْ. وَقِيلَ: يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا. حَكَاهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ عَنْ بَعْضِ الْأَصْحَابِ. قَالَ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ: وَهُوَ ضَعِيفٌ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى.، وَالْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ. وَقَالَ الْخِرَقِيُّ، وَصَاحِبُ الْمُسْتَوْعِبِ، وَغَيْرُهُمَا: يَقُولُ كَمَا يَقُولُ. وَقَالَهُ الْقَاضِي. قَالَ ابْنُ رَجَبٍ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ: كَانَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا
يَقُولُ: إذَا كَانَ فِي الْمَسْجِدِ حَيْعَلَ، وَإِنْ كَانَ خَارِجَهُ حَوْقَلَ. وَقِيلَ: يُخَيَّرُ اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ. قَالَهُ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ. وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيُتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ تَجِبُ إجَابَتُهُ. تَنْبِيهَاتٌ: أَحَدُهَا: يَدْخُلُ فِي قَوْلِهِ " وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ أَنْ يَقُولَ كَمَا يَقُولُ " الْمُؤَذِّنُ نَفْسُهُ وَهُوَ الْمَذْهَبُ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ. فَيُجِيبُ نَفْسَهُ خُفْيَةً. وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ. فَإِنَّ فِي قَوْلِهِ " وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ " مِنْ أَلْفَاظِ الْعُمُومِ. وَقِيلَ: لَا يُجِيبُ نَفْسَهُ. وَيَحْتَمِلُهُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ. وَحُكِيَ رِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ. قَالَ ابْنُ رَجَبٍ فِي الْقَاعِدَةِ السَّبْعِينَ: هَذَا الْأَرْجَحُ. الثَّانِي: ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَيْضًا: إجَابَةُ مُؤَذِّنٍ ثَانٍ وَثَالِثٍ، وَهُوَ صَحِيحٌ. قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ، ظَاهِرُ كَلَامِ أَصْحَابِنَا: يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ وَمُرَادُهُمْ: حَيْثُ يُسْتَحَبُّ، يَعْنِي الْأَذَانَ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: مَحَلُّ ذَلِكَ إذَا كَانَ الْأَذَانُ مَشْرُوعًا. الثَّالِثُ: ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَيْضًا: أَنَّ الْقَارِئَ، وَالطَّائِفَ، وَالْمَرْأَةَ: يُجِيبُونَهُ، وَهُوَ صَحِيحٌ. صَرَّحَ بِهِ الْأَصْحَابُ. وَأَمَّا الْمُصَلِّي إذَا سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ: فَلَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يُجِيبَ، وَلَوْ كَانَتْ الصَّلَاةُ نَفْلًا بَلْ يَقْضِيَهُ إذَا سَلَّمَ. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يُجِيبَهُ، وَيَقُولُ مِثْلَ مَا يَقُولُ، وَلَوْ فِي الصَّلَاةِ. انْتَهَى. فَإِنْ أَجَابَهُ فِيهَا بَطَلَتْ بِالْحَيْعَلَةِ فَقَطْ مُطْلَقًا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: إنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهَا دُعَاءٌ إلَى الصَّلَاةِ. فَفِيهِ رِوَايَتَانِ أَيْضًا وَقَالَ: وَتَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِغَيْرِ الْحَيْعَلَةِ أَيْضًا. إنْ نَوَى الْأَذَانَ، لَا إنْ نَوَى الذِّكْرَ. وَأَمَّا الْمُتَخَلِّي: فَلَا يُجِيبُهُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، لَكِنْ إذَا خَرَجَ أَجَابَهُ. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: يُجِيبُهُ فِي الْخَلَاءِ وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي بَابِ الِاسْتِنْجَاءِ.
الرَّابِعُ: شَمِلَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ الْأَذَانَ وَالْإِقَامَةَ، وَهُوَ صَحِيحٌ، لَكِنْ يَقُولُ عِنْدَ قَوْلِهِ " قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ " " أَقَامَهَا اللَّهُ وَأَدَامَهَا " زَادَ فِي الْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالتَّلْخِيصِ وَالْبُلْغَةِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَغَيْرِهِمْ " مَا دَامَتْ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ " وَقِيلَ: يَجْمَعُ بَيْنَ قَوْلِهِ " أَقَامَهَا اللَّهُ " وَبَيْنَ " قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ ". الْخَامِسُ: أَنْ يَقُولَ عِنْدَ التَّثْوِيبِ " صَدَقْت وَبَرَرْت " فَقَطْ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ. وَقَطَعَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ أَنَّهُ يَقُولُ " صَدَقْت وَبِالْحَقِّ نَطَقْت ". السَّادِسُ: قَوْلُ الْمُصَنِّفِ " الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ " لَمْ يَرِدْ فِي الْحَدِيثِ. فَلَا يَقُلْهُمَا. وَقَدْ حَكَى لِي بَعْضُ طَلَبَةِ الْعِلْمِ: أَنَّهُ مَرَّ بِهِ فِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ فِيهَا " الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ ". فَائِدَةٌ: لَوْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَالْمُؤَذِّنُ قَدْ شَرَعَ فِي الْأَذَانِ: لَمْ يَأْتِ بِتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ وَلَا بِغَيْرِهَا حَتَّى يَفْرُغَ جَزَمَ بِهِ فِي التَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَابْنُ تَمِيمٍ. وَقَالَ: نُصَّ عَلَيْهِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَعَنْهُ: لَا بَأْسَ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَعَلَّ الْمُرَادَ: غَيْرُ أَذَانِ الْخُطْبَةِ، لِأَنَّ سَمَاعَ الْخُطْبَةِ أَهَمُّ اخْتَارَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ. قَالَ فِي الْفَائِقِ: وَمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ، وَهُوَ يَسْمَعُ التَّأْذِينَ. فَهَلْ يُقَدِّمُ إجَابَتَهُ عَلَى التَّحِيَّةِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ «وَابْعَثْهُ الْمَقَامَ الْمَحْمُودَ» بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ. هَكَذَا وَرَدَ فِي لَفْظٍ رَوَاهُ النَّسَائِيّ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِمَا، وَتَابَعَ الْمُصَنِّفُ عَلَى هَذِهِ الْعِبَارَةِ صَاحِبَ الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَجَمَاعَةً وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَقُولُهُمَا إلَّا مُنْكِرِينَ. فَيَقُولُ: " وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا " مُوَافَقَةً لِلْقُرْآنِ، وَهُوَ الْوَارِدُ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا. وَرَدُّ ابْنِ الْقَيِّمِ الْأَوَّلُ فِي بَدَائِعِ الْفَوَائِدِ مِنْ خَمْسَةِ أَوْجُهٍ فَوَائِدُ الْأُولَى: لَا يَجُوزُ الْخُرُوجُ مِنْ الْمَسْجِدِ بَعْدَ الْأَذَانِ بِلَا عُذْرٍ وَنِيَّتُهُ الرُّجُوعُ
عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَكَرِهَهُ أَبُو الْوَفَا، وَأَبُو الْمَعَالِي. وَنَقَلَ ابْنُ الْحَكَمِ: أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ لَا يَخْرُجَ. وَنَقَلَ صَالِحٌ: لَا يَخْرُجُ. وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ: لَا يَنْبَغِي. وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَيَجُوزُ لِلْمُؤَذِّنِ أَنْ يَخْرُجَ بَعْدَ أَذَانِ الْفَجْرِ نُصَّ عَلَيْهِ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: إلَّا أَنْ يَكُونَ التَّأْذِينُ لِلْفَجْرِ قَبْلَ الْوَقْتِ. فَلَا يُكْرَهُ الْخُرُوجُ نُصَّ عَلَيْهِ. قُلْت: الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا مُرَادُ مَنْ أَطْلَقَ. الثَّانِيَةُ: لَا يُؤَذَّنُ قَبْلَ الْمُؤَذِّنِ الرَّاتِبِ إلَّا بِإِذْنِهِ، إلَّا أَنْ يَخَافَ فَوْتَ وَقْتِ التَّأْذِينِ كَالْإِمَامِ وَجَزَمَ أَبُو الْمَعَالِي بِتَحْرِيمِهِ. وَمَتَى جَاءَ الْمُؤَذِّنُ الرَّاتِبُ، وَقَدْ أَذَّنَ قَبْلَهُ: اُسْتُحِبَّ إعَادَتُهُ نُصَّ عَلَيْهِ. الثَّالِثَةُ: لَا يُقِيمُ الْمُؤَذِّنُ لِلصَّلَاةِ إلَّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ. لِأَنَّ وَقْتَ الْإِقَامَةِ إلَيْهِ. وَتَقَدَّمَ قَرِيبًا إذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ حَالَ الْأَذَانِ. الرَّابِعَةُ: الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يُنَادِي لِلْكُسُوفِ وَالِاسْتِسْقَاءِ وَالْعِيدِ بِقَوْلِهِ " الصَّلَاةَ جَامِعَةً " أَوْ " الصَّلَاةُ " وَقِيلَ: لَا يُنَادِي لَهُنَّ. وَقِيلَ: لَا يُنَادِي لِلْعِيدِ فَقَطْ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لَا يُنَادِي لِلْعِيدِ وَالِاسْتِسْقَاءِ، وَقَالَهُ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا،. وَيَأْتِي هَلْ النِّدَاءُ لِلْكُسُوفِ سُنَّةٌ، أَوْ فَرْضُ كِفَايَةٍ فِي بَابِهِ؟ إذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَنَصْبُ " الصَّلَاةِ " عَلَى الْإِغْرَاءِ، وَنَصْبُ " جَامِعَةٍ " عَلَى الْحَالِ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: يَرْفَعُهُمَا. وَيَنْصِبُهُمَا وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ لَا يُنَادِي عَلَى الْجِنَازَةِ وَالتَّرَاوِيحِ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْفُرُوعِ. وَعَنْهُ يُنَادِي لَهُمَا. وَقَالَ الْقَاضِي: يُنَادِي لِصَلَاةِ التَّرَاوِيحِ، وَيَأْتِي ذَلِكَ مُفَرَّقًا فِي أَبْوَابِهِ
باب شروط الصلاة
[بَابُ شُرُوطِ الصَّلَاةِ] ِ فَائِدَةٌ: قَوْلُهُ (أَوَّلُهَا دُخُولُ الْوَقْتِ) . اعْلَمْ أَنَّ الْأَصْحَابَ ذَكَرُوا مِنْ شُرُوطِ الصَّلَاةِ دُخُولُ الْوَقْتِ، وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَسَبَبُ وُجُوبِ الصَّلَاةِ الْوَقْتُ. لِأَنَّهَا تُضَافُ إلَيْهِ. وَهِيَ تَدُلُّ عَلَى السَّبَبِيَّةِ. وَتَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِهِ. وَهِيَ سَبَبُ نَفْسِ الْوُجُوبِ. إذْ سَبَبُ وُجُوبِ الْأَدَاءِ: الْخِطَابُ. وَكَذَا قَالَ الْأُصُولِيُّونَ: إنْ مِنْ السَّبَبِ وَقْتِيٌّ كَالزَّوَالِ لِلظُّهْرِ. وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ فِي بَابِ النِّيَّةِ، عَنْ النِّيَّةِ: هِيَ الشَّرْطُ السَّادِسُ وَلَا تَكُونُ شَرْطًا سَادِسًا إلَّا بِكَوْنِ دُخُولِ الْوَقْتِ شَرْطًا. فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ سَمَّاهُ سَبَبًا. وَحَكَمَ بِأَنَّهُ شَرْطٌ. قُلْت: السَّبَبُ قَدْ يَجْتَمِعُ مَعَ الشَّرْطِ، وَإِنْ كَانَ يَنْفَكُّ عَنْهُ. فَهُوَ هُنَا سَبَبٌ لِلْوُجُوبِ وَشَرْطٌ لِلْوُجُوبِ وَالْأَدَاءِ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنْ الشُّرُوطِ. فَإِنَّهَا شُرُوطٌ لِلْأَدَاءِ فَقَطْ. قَالَ فِي الْحَاوِي الْكَبِيرِ: وَجَمِيعُهَا شُرُوطٌ لِلْأَدَاءِ مَعَ الْقُدْرَةِ، دُونَ الْوُجُوبِ إلَّا الْوَقْتَ. فَإِنَّ دُخُولَهُ شَرْطٌ لِلْوُجُوبِ وَالْأَدَاءِ جَمِيعًا، إلَّا مَا اُسْتُثْنِيَ مِنْ الْجَمِيعِ. انْتَهَى. وَاعْلَمْ أَنَّ الصَّلَاةَ إنَّمَا تَجِبُ بِدُخُولِ الْوَقْتِ بِالِاتِّفَاقِ: فَإِذَا دَخَلَ وَجَبَتْ. وَإِذَا وَجَبَتْ وَجَبَتْ بِشُرُوطِهَا الْمُتَقَدِّمَةِ عَلَيْهَا. كَالطَّهَارَةِ وَغَيْرِهَا. قَوْلُهُ (وَالصَّلَوَاتُ الْمَفْرُوضَاتُ خَمْسٌ. الظُّهْرُ. وَهِيَ الْأُولَى) الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ الظُّهْرَ هِيَ الْأُولَى. لِأَنَّهَا أَوَّلُ الْخَمْسِ افْتِرَاضًا. وَبِهَا بَدَأَ جِبْرِيلُ حِينَ أَمَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِنْدَ الْبَيْتِ. وَبَدَأَ بِهَا الصَّحَابَةُ حِينَ سُئِلُوا عَنْ الْأَوْقَاتِ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَبَدَأَ فِي الْإِرْشَادِ وَالشِّيرَازِيُّ فِي الْإِيضَاحِ. وَالْمُبْهِجِ، وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي الْهِدَايَةِ. وَتَابَعَهُ فِي الْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ وَغَيْرِهِمْ: بِالْفَجْرِ. وَقَالَهُ الْقَاضِي فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، فَقَالَ: بَدَأَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، كَالْخِرَقِيِّ وَالْقَاضِي فِي بَعْضِ كُتُبِهِ وَغَيْرِهِمَا بِالظُّهْرِ. وَمِنْهُمْ مَنْ
بَدَأَ بِالْفَجْرِ كَابْنِ أَبِي مُوسَى، وَأَبِي الْخَطَّابِ، وَالْقَاضِي فِي مَوْضِعٍ. قَالَ: وَهَذَا أَجْوَدُ. لِأَنَّ الصَّلَاةَ الْوُسْطَى هِيَ الْعَصْرُ، وَإِنَّمَا تَكُونُ الْوُسْطَى إذَا كَانَتْ الْفَجْرُ الْأُولَى. انْتَهَى. وَإِنَّمَا بَدَأَ بِالْفَجْرِ لِبُدَاءَتِهِ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ بِهَا لِلسَّائِلِ، وَهُوَ مُتَأَخِّرٌ عَنْ الْأَوَّلِ. وَنَاسِخٌ لِبَعْضِهِ. وَبَدَأَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَابْنُ تَمِيمٍ بِالْفَجْرِ. ثُمَّ ثَنَّيَا بِالظُّهْرِ. وَقَالَا هِيَ الْأُولَى. قَوْلُهُ (وَالْأَفْضَلُ تَعْجِيلُهَا إلَّا فِي شِدَّةِ الْحَرِّ وَالْغَيْمِ لِمَنْ يُصَلِّي جَمَاعَةً) اعْلَمْ أَنَّهُ إذَا انْتَفَى الْغَيْمُ وَشِدَّةُ الْحَرِّ: اُسْتُحِبَّ تَعْجِيلُهَا بِلَا خِلَافٍ أَعْلَمُهُ. وَأَمَّا فِي شِدَّةِ الْحَرِّ: فَجَزَمَ الْمُصَنِّفُ هُنَا أَنَّهَا تُؤَخَّرُ لِمَنْ يُصَلِّي جَمَاعَةً فَقَطْ، وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَالْوَجِيزِ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُصُولِ. وَالنَّظْمِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهَا تُؤَخَّرُ لِشِدَّةِ الْحَرِّ مُطْلَقًا، وَهُوَ الْمَذْهَبُ جَزَمَ بِهِ فِي الْحَاوِي الْكَبِيرِ وَاخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ وَرَجَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَالْخِرَقِيِّ، وَابْنِ أَبِي مُوسَى فِي الْإِرْشَادِ، وَالْقَاضِي فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ، وَابْنِ عَقِيلٍ فِي التَّذْكِرَةِ، وَالْمُصَنِّفِ فِي الْكَافِي، وَالْفَخْرِ فِي التَّلْخِيصِ وَغَيْرِهِمْ لِإِطْلَاقِهِمْ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ وَالرِّعَايَةُ الْكُبْرَى، وَالْفَائِقُ، وَشَرَطَ الْقَاضِي فِي الْمُحَرَّرِ مَعَ الْخُرُوجِ إلَى الْجَمَاعَةِ كَوْنَهُ فِي بَلَدٍ حَارٍّ. قَالَ ابْنُ رَجَبٍ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ، اشْتَرَطَ ذَلِكَ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَقَالَ: وَمِنْهُمْ مَنْ يَشْتَرِطُ مَسْجِدَ الْجَمَاعَةِ فَقَطْ. انْتَهَى. وَشَرَطَ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ كَوْنَهُ فِي مَسَاجِدِ الدُّرُوبِ. فَائِدَةٌ: قَالَ ابْنُ رَجَبٍ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ. اُخْتُلِفَ فِي الْمَعْنَى الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ أُمِرَ بِالْإِبْرَادِ. فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هُوَ حُصُولُ الْخُشُوعِ فِيهَا. فَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَنْ يُصَلِّي وَحْدَهُ أَوْ فِي جَمَاعَةٍ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هُوَ خَشْيَةُ الْمَشَقَّةِ عَلَى مَنْ بَعُدَ مِنْ الْمَسْجِدِ بِمَشْيِهِ فِي الْحَرِّ. فَتَخْتَصُّ بِالصَّلَاةِ فِي مَسَاجِدِ الْجَمَاعَةِ الَّتِي تُقْصَدُ مِنْ الْأَمْكِنَةِ الْمُتَبَاعِدَةِ
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هُوَ وَقْتُ تَنَفُّسِ جَهَنَّمَ. فَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَنْ يُصَلِّي وَحْدَهُ أَوْ فِي جَمَاعَةٍ: انْتَهَى. تَنْبِيهٌ: فَعَلَى الْقَوْلِ بِالتَّأْخِيرِ إمَّا مُطْلَقًا، وَإِمَّا لِمَنْ يُصَلِّي جَمَاعَةً. قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ: يُؤَخِّرُ لِيَمْشِيَ فِي الْفَيْءِ. مِنْهُمْ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ، وَقَالَ الْمُصَنِّفُ، وَمَنْ تَبِعَهُ: يُؤَخِّرُ حَتَّى يَنْكَسِرَ الْحَرُّ. وَقَالَ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ: حَتَّى يَنْكَسِرَ الْفَيْءُ، ذِرَاعًا وَنَحْوَهُ. وَقَالَ جَمَاعَةٌ، مِنْهُمْ صَاحِبُ الْحَاوِي الْكَبِيرِ إلَى وَسَطِ الْوَقْتِ. وَقَالَ الْقَاضِي: بِحَيْثُ يَكُونُ بَيْنَ الْفَرَاغِ مِنْ الصَّلَاتَيْنِ آخِرَ وَقْتِ الصَّلَاةِ فَضْلٌ. وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ ابْنُ رَجَبٍ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ. وَأَمَّا تَأْخِيرُهَا مَعَ الْغَيْمِ: فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُهَا نَصَّ عَلَيْهِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَالْوَجِيزِ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَالْإِفَادَاتِ وَصَحَّحَهُ فِي الْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَشَرْحِ الْمَجْدِ وَنَصَرُوهُ. وَعَنْهُ لَا يُؤَخِّرُ مَعَ الْغَيْمِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، وَصَاحِبِ الْكَافِي، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَجَمَاعَةٍ، لِعَدَمِ ذِكْرِهِمْ لِذَلِكَ. وَإِلَيْهِ مَيْلُ الْمُصَنِّفِ، وَالشَّارِحِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالْفَائِقِ. تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ (فِي الْغَيْمِ لِمَنْ يُصَلِّي جَمَاعَةً) هُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ وَجُزِمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْوَجِيزِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَغَيْرِهِمْ. وَقَالَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ. وَقِيلَ: يُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُهَا سَوَاءٌ صَلَّى فِي جَمَاعَةٍ، أَوْ وَحْدَهُ. قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ: أَنَّ الْمُنْفَرِدَ كَالْمُصَلِّي جَمَاعَةً، وَهُوَ ظَاهِرُ نِهَايَةِ ابْنِ رَزِينٍ. قُلْت: وَهَذَا ضَعِيفٌ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. فَعَلَى الْقَوْلِ بِالتَّأْخِيرِ إمَّا مُطْلَقًا أَوْ لِمَنْ يُصَلِّي جَمَاعَةً قَالَ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ: يُؤَخِّرُ
إلَى قَرِيبٍ مِنْ وَسَطِ الْوَقْتِ، وَقَالَ فِي الْحَاوِي: تُؤَخَّرُ لِقُرْبِ وَقْتِ الثَّانِيَةِ. تَنْبِيهٌ: يُسْتَثْنَى مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي مَسْأَلَةِ الْحَرِّ الشَّدِيدِ وَالْغَيْمِ: الْجُمُعَةُ. فَإِنَّهَا لَا تُؤَخَّرُ لِذَلِكَ، وَيُسْتَحَبُّ تَعْجِيلُهَا مُطْلَقًا. . قَالَهُ الْأَصْحَابُ. تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُ الْمَغْرِبِ مَعَ الْغَيْمِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي الْخَطَّابِ وَصَاحِبِ الْوَجِيزِ، وَجَمَاعَةٍ. قُلْت: وَهُوَ الْأُولَى لِيَخْرُجَ مِنْ الْخِلَافِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ الْمَيْمُونِيِّ، وَالْأَثْرَمِ وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ حُكْمَ تَأْخِيرِ الْمَغْرِبِ فِي الْغَيْمِ حُكْمُ تَأْخِيرِ الظُّهْرِ فِي الْغَيْمِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَنَصَّ عَلَيْهِ. وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَغَيْرِهِمْ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ. فَائِدَةٌ: قَوْلُهُ (عَنْ الْعَصْرِ وَهِيَ الْوُسْطَى) هُوَ الْمَذْهَبُ نَصَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَقَطَعَ بِهِ الْأَصْحَابُ. وَلَا أَعْلَمُ عَنْهُ. وَلَا عَنْهُمْ فِيهَا خِلَافًا. قُلْت: وَذَكَرَ الْحَافِظُ الشَّيْخُ شِهَابُ الدِّينِ بْنُ حُجْرٍ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، فِيهَا عِشْرِينَ قَوْلًا. وَذَكَرَ الْقَائِلَ بِكُلِّ قَوْلٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ وَدَلِيلَهُ. فَأَحْبَبْت أَنْ أَذْكُرَهَا مُلَخَّصَةً. فَنَقُولُ: هِيَ صَلَاةُ الْعَصْرِ، الْمَغْرِبِ، الْعِشَاءِ، الْفَجْرِ، الظُّهْرِ جَمِيعًا بِهَا، وَاحِدَةٌ غَيْرُ مُعَيَّنَةٍ، التَّوَقُّفُ، الْجُمُعَةُ، الظُّهْرُ فِي الْأَيَّامِ، وَالْجُمُعَةُ فِي غَيْرِهَا، الصُّبْحُ، أَوْ الْعِشَاءُ، الصُّبْحُ، أَوْ الْعَصْرُ، الصُّبْحُ، أَوْ الْعَصْرُ عَلَى التَّرْدِيد، وَهُوَ غَيْرُ الَّذِي قَبْلَهُ. صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ. صَلَاةُ الْخَوْفِ، صَلَاةُ عِيدِ النَّحْرِ، صَلَاةُ عِيدِ الْفِطْرِ. صَلَاةُ الْوِتْرُ، صَلَاةُ الضُّحَى، صَلَاةُ اللَّيْلِ. قَوْلُهُ (وَوَقْتُهَا مِنْ خُرُوجِ وَقْتِ الظُّهْرِ) وَهَذَا الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ بِهِ أَكْثَرُهُمْ، يَعْنِي أَنَّ وَقْتَ
الْعَصْرِ يَلِي وَقْتَ الظُّهْرِ لَيْسَ بَيْنَهُمَا وَقْتٌ. وَقِيلَ: لَا يَدْخُلُ وَقْتُ الْعَصْرِ إلَّا بَعْدَ زِيَادَةٍ يَسِيرَةٍ عَنْ خُرُوجِ وَقْتِ الظُّهْرِ. وَيَحْتَمِلُهُ كَلَامُ الْخِرَقِيِّ، وَالتَّذْكِرَةِ لِابْنِ عَقِيلٍ وَالتَّلْخِيصِ. وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ، وَصَاحِبُ الْفُرُوعِ وَغَيْرُهُمَا: وَعَنْ أَحْمَدَ آخِرُ وَقْتِ الظُّهْرِ أَوَّلُ وَقْتِ الْعَصْرِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ فَبَيْنَهُمَا وَقْتٌ مُشْتَرَكٌ قَدْرَ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ. قَوْلُهُ (إلَى اصْفِرَارِ الشَّمْسِ) هَذَا إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ. اخْتَارَهَا الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَالْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ وَابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ، وَابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ. وَهِيَ أَظْهَرُ وَجَزَمَ بِهَا فِي الْوَجِيزِ، وَالْمُنْتَخَبِ. وَعَنْهُ إلَى أَنْ يَصِيرَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ. مِنْهُمْ الْخِرَقِيُّ، وَأَبُو بَكْرٍ، وَالْقَاضِي، وَأَكْثَرُ أَصْحَابِهِ وَجَزَمَ بِهِ فِي تَذْكِرَةِ ابْنِ عَقِيلٍ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَنَظْمِ النِّهَايَةِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالتَّسْهِيلِ وَغَيْرِهِمْ وَقَدَّمَهُ فِي الْإِرْشَادِ، وَالْهِدَايَةِ، وَالْفُصُولِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ، وَالْفَائِقِ، وَالْفُرُوعِ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ وَصَحَّحَهُ فِي الْمُذْهَبِ، وَالنَّظْمِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمَذْهَبِ الْأَحْمَدِ. قَوْلُهُ (وَيَبْقَى وَقْتُ الضَّرُورَةِ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ) يَعْنِي إنْ قُلْنَا: وَقْتُ الِاخْتِيَارِ: إلَى اصْفِرَارِ الشَّمْسِ، فَمَا بَعْدَهُ وَقْتُ ضَرُورَةٍ إلَى الْغُرُوبِ. وَإِنْ قُلْنَا: إلَى مَصِيرِ ظِلِّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ. فَكَذَلِكَ. فَلَهَا وَقْتَانِ فَقَطْ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ. وَقَالَ فِي التَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ: وَقْتُ الِاخْتِيَارِ إلَى أَنْ يَصِيرَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ. وَبَعْدَهُ وَقْتُ جَوَازِ الِاصْفِرَارِ. وَبَعْدَهُ وَقْتُ الْكَرَاهَةِ إلَى الْغُرُوبِ. وَقَالَ فِي الْكَافِي: يَبْقَى وَقْتُ الْجَوَازِ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ. قَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ فِي حَوَاشِي الْفُرُوعِ: هُوَ غَرِيبٌ. وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ. وَلَعَلَّهُ أَرَادَ أَنَّ الْأَوَّلَ بَاقٍ. قُلْت: لَوْ قِيلَ: إنَّهُ أَرَادَ الْجَوَازَ مَعَ الْكَرَاهَةِ: لَكَانَ لَهُ وَجْهٌ. فَإِنَّ لَنَا وَجْهًا
بِجَوَازِ تَأْخِيرِ الصَّلَاةِ إلَى وَقْتِ الضَّرُورَةِ، مَعَ الْكَرَاهَةِ. فَيَكُونُ كَلَامُهُ مُوَافِقًا لِذَلِكَ الْقَوْلِ وَاخْتَارَهُ ابْنُ حَمْدَانَ وَغَيْرُهُ، عَلَى مَا يَأْتِي. مَعَ أَنَّ الْمُصَنِّفَ لَمْ يَنْفَرِدْ بِهَذِهِ الْعِبَارَةِ، بَلْ قَالَهَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَغَيْرِهِمْ. وَقَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: وَيَبْقَى وَقْتُ الضَّرُورَةِ وَالْجَوَازِ. انْتَهَى. وَنَقُولُ: هُوَ وَقْتُ جَوَازٍ فِي الْجُمْلَةِ لِأَجْلِ الْمَعْذُورِ. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَظَاهِرُ كَلَامِ صَاحِبِ الرَّوْضَةِ: أَنَّ وَقْتَ الْعَصْرِ يَخْرُجُ بِالْكُلِّيَّةِ بِخُرُوجِ وَقْتِ الِاخْتِيَارِ، وَهُوَ قَوْلٌ حَكَاهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ. قَوْلُهُ (وَتَعْجِيلُهَا أَفْضَلُ بِكُلِّ حَالٍ) هَذَا الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَعَنْهُ يُسْتَحَبُّ تَعْجِيلُهَا مَعَ الْغَيْمِ، دُونَ الصَّحْوِ. نَقَلَهَا صَالِحٌ. . قَالَهُ الْقَاضِي. وَلَفْظُ رِوَايَةِ صَالِحٍ " يُؤَخَّرُ الْعَصْرُ أَحَبُّ إلَيَّ. آخِرُ وَقْتِ الْعَصْرِ عِنْدِي: مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ " فَظَاهِرُهُ مُطْلَقًا. قَالَ فِي الْفُرُوعِ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَعَنْهُ يُسَنُّ تَعْجِيلُهَا إلَّا مَعَ الصَّحْوِ إلَى آخِرِ وَقْتِ الِاخْتِيَارِ. وَقِيلَ: عَنْهُ يُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُهَا مَعَ الصَّحْوِ. قَوْلُهُ عَنْ الْمَغْرِبِ (وَوَقْتُهَا مِنْ مَغِيبِ الشَّمْسِ إلَى مَغِيبِ الشَّفَقِ الْأَحْمَرِ) هَذَا الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ. وَعَنْهُ إلَى مَغِيبِ الشَّفَقِ الْأَبْيَضِ فِي الْحَضَرِ، وَالْأَحْمَرِ فِي غَيْرِهِ. اخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ. قَالَ الْمُصَنِّفُ: تُعْتَبَرُ غَيْبُوبَةُ الشَّفَقِ الْأَبْيَضِ، لِدَلَالَتِهَا عَلَى غَيْبُوبَةِ الْأَحْمَرِ لَا لِنَفْسِهِ. وَحَكَى ابْنُ عَقِيلٍ: إذَا غَابَ قُرْصُ الشَّمْسِ، فَهَلْ يَدْخُلُ وَقْتُ الْمَغْرِبِ مَعَ بَقَاءِ الْحُمْرَةِ، أَوْ حَتَّى يَذْهَبَ ذَلِكَ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ. فَائِدَةٌ: لِلْمَغْرِبِ وَقْتَانِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَقَالَ الْآجُرِّيُّ فِي النَّصِيحَةِ: لَهَا وَقْتٌ وَاحِدٌ لِخَبَرِ جِبْرِيلَ. وَقَالَ: مَنْ أَخَّرَ حَتَّى يَبْدُوَ النَّجْمُ فَقَدْ أَخْطَأَ.
قَوْلُهُ (وَالْأَفْضَلُ تَعْجِيلُهَا إلَّا لَيْلَةَ جَمْعٍ، لِمَنْ قَصَدَهَا) يَعْنِي لِمَنْ قَصَدَهَا مُحْرِمًا. وَهَذَا إجْمَاعٌ. وَقَالَ صَاحِبُ الْفُرُوعِ: كَلَامُهُمْ يَقْتَضِي لَوْ دُفِعَ مِنْ عَرَفَةَ قَبْلَ الْمَغْرِبِ، وَحَصَلَ بِمُزْدَلِفَةَ وَقْتَ الْغُرُوبِ: أَنَّهُ لَا يُؤَخِّرُهَا. وَيُصَلِّيهَا فِي وَقْتِهَا. قَالَ: كَلَامُ الْقَاضِي يَقْتَضِي الْمُوَافَقَةَ. تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: أَنَّهَا لَا تُؤَخَّرُ لِأَجْلِ الْغَيْمِ، وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنْ الْأَصْحَابِ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهَا فِي الْغَيْمِ كَالظُّهْرِ، كَمَا تَقَدَّمَ. وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ قَرِيبًا. فَائِدَتَانِ: إحْدَاهُمَا: يَكُونُ تَأْخِيرُهَا لِغَيْرِ مَحْرَمٍ. . قَالَهُ الْقَاضِي فِي التَّعْلِيقِ وَغَيْرِهِ. وَاقْتُصِرَ فِي الْفُصُولِ عَلَى قَوْلِهِ: وَالْأَفْضَلُ تَعْجِيلُهَا إلَّا بِمِنًى، يُؤَخِّرُهَا لِأَجْلِ الْجَمْعِ بِالْعِشَاءِ، وَذَلِكَ نُسُكٌ وَفَضِيلَةٌ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ. وَقَوْلُهُ " إلَّا بِمِنًى " هُوَ فِي الْفُصُولِ وَصَوَابُهُ " إلَّا بِمُزْدَلِفَةَ ". الثَّانِيَةُ: لَا يُكْرَهُ تَسْمِيَتُهَا بِالْعِشَاءِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ: يُكْرَهُ. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: إنْ كَثُرَ تَسْمِيَتُهَا بِذَلِكَ كُرِهَ. وَإِلَّا فَلَا وَيَأْتِي ذَلِكَ فِي تَسْمِيَةِ الْعِشَاءِ بِالْعَتَمَةِ. وَعَلَى الْمَذْهَبِ تَسْمِيَتُهَا بِالْمَغْرِبِ. قَوْلُهُ عَنْ الْعِشَاءِ (وَوَقْتُهَا مِنْ مَغِيبِ الشَّفَقِ إلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ) يَعْنِي وَقْتُ الِاخْتِيَارِ. وَهَذَا الْمَذْهَبُ نَصَّ عَلَيْهِ. وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: نَقَلَهُ وَاخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ. مِنْهُمْ الْخِرَقِيُّ، وَأَبُو بَكْرٍ، وَالْقَاضِي فِي الْجَامِعِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ وَقَدَّمَهُ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالْكَافِي، وَالْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِيَيْنِ. وَالْفُرُوعِ، وَابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ. قَالَ الشَّارِحُ: الْأَوْلَى أَنْ لَا تُؤَخَّرَ عَنْ ثُلُثِ اللَّيْلِ. فَإِنْ أَخَّرَهَا جَازَ. انْتَهَى. وَعَنْهُ نِصْفُهُ جَزَمَ بِهِ
فِي الْعُمْدَةِ وَقَدَّمَهُ فِي الْمُبْهِجِ، وَابْنِ تَمِيمٍ، وَالْفَائِقِ وَاخْتَارَهَا الْقَاضِي فِي الرِّوَايَتَيْنِ، وَابْنُ عَقِيلٍ فِي التَّذْكِرَةِ، وَالْمُصَنِّفُ، وَالْمَجْدُ، وَصَاحِبُ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ وَصَحَّحَهُ فِي نَظْمِهِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهِيَ أَظْهَرُ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمَذْهَبِ الْأَحْمَدِ. قَوْلُهُ (ثُمَّ يَذْهَبُ وَقْتُ الِاخْتِيَارِ، وَيَبْقَى وَقْتُ الضَّرُورَةِ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي) هَذَا الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ. وَقَالَ فِي الْكَافِي: ثُمَّ يَذْهَبُ وَقْتُ الِاخْتِيَارِ، وَيَبْقَى وَقْتُ الْجَوَازِ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي. كَمَا قَالَ فِي الْعَصْرِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَعَلَّ مُرَادَهُ: أَنَّ الْأَدَاءَ بَاقٍ وَتَقَدَّمَ مَا قُلْنَاهُ فِي كَلَامِهِ. وَوَافَقَ الْكَافِيَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبُ، وَمَسْبُوكُ الذَّهَبِ، وَالتَّلْخِيصُ، وَالْبُلْغَةُ. فَقَالُوا: وَقْتُ الْجَوَازِ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ. انْتَهَى. وَقِيلَ: يَخْرُجُ الْوَقْتُ مُطْلَقًا بِخُرُوجِ وَقْت الِاخْتِيَارِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، وَأَحَدُ الِاحْتِمَالَيْنِ لِابْنِ عَبْدُوسٍ الْمُتَقَدِّمِ. فَائِدَتَانِ إحْدَاهُمَا: لَمْ يَذْكُرْ فِي الْوَجِيزِ لِلْعِشَاءِ وَقْتَ ضَرُورَةٍ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَعَلَّهُ اكْتَفَى بِذِكْرِهِ فِي الْعَصْرِ، وَإِلَّا فَلَا وَجْهَ لِذَلِكَ. الثَّانِيَةُ: لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ وَلَا بَعْضِهَا إلَى وَقْتِ ضَرُورَةٍ مَا لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَحْرُمُ التَّأْخِيرُ بِلَا عُذْرٍ إلَى وَقْتِ ضَرُورَةٍ فِي الْأَصَحِّ. وَقَالَهُ أَبُو الْمَعَالِي وَغَيْرُهُ فِي الْعَصْرِ وَجَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّارِحُ، وَابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَمَجْمَعُ الْبَحْرَيْنِ. وَغَيْرُهُمْ وَقَدَّمَهُ فِي الْفَائِقِ. وَقِيلَ: يُكْرَهُ قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِفَادَاتِ وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْحَاوِيَيْنِ وَتَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَى ذَلِكَ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ
بَعْدَ قَوْلِهِ " وَلَا يَجُوزُ لِمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ تَأْخِيرُهَا عَنْ وَقْتِهَا ". قَوْلُهُ (وَتَأْخِيرُهَا أَفْضَلُ مَا لَمْ يُشَقَّ) اعْلَمْ أَنَّهُ إنْ شَقَّ التَّأْخِيرُ عَلَى جَمِيعِ الْمَأْمُومِينَ كُرِهَ التَّأْخِيرُ، وَإِنْ شَقَّ عَلَى بَعْضِهِمْ كُرِهَ أَيْضًا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَنْهُ لَا يُكْرَهُ. وَهِيَ طَرِيقَةُ الْمُصَنِّفِ، وَالشَّارِحِ، وَصَاحِبِ الْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِمْ. وَقَالَ كَثِيرٌ مِنْ الْأَصْحَابِ: هَلْ يُسْتَحَبُّ التَّأْخِيرُ مُطْلَقًا، أَوْ يُرَاعَى حَالُ الْمَأْمُومِينَ عِنْدَ الْأَشَقِّ عَلَيْهِمْ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ. فَحَكَوْا الْخِلَافَ مُطْلَقًا. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالْفَائِقِ: يُسَنُّ تَأْخِيرُهَا. وَعَنْهُ الْأَفْضَلُ مُرَاعَاةُ الْمَأْمُومِينَ. وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، وَأَبِي الْخَطَّابِ، وَغَيْرِهِمْ: اسْتِحْبَابُ التَّأْخِيرِ مُطْلَقًا. تَنْبِيهٌ: يُسْتَثْنَى مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ: إذَا أُخِّرَ الْمَغْرِبُ لِأَجْلِ الْغَيْمِ أَوْ الْجَمْعِ، فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يُسْتَحَبُّ تَعْجِيلُ الْعِشَاءِ. . قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ، وَقِيلَ: يُسَنُّ تَعْجِيلُهَا مَعَ الْغَيْمِ نُصَّ عَلَيْهِ. وَقِيلَ: مَعَ تَأْخِيرِ الْمَغْرِبِ مَعَهُ، وَالْخُرُوجِ إلَيْهَا. فَوَائِدُ يُكْرَهُ النَّوْمُ قَبْلَهَا مُطْلَقًا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَنْهُ لَا يُكْرَهُ إذَا كَانَ لَهُ مَنْ يُوقِظُهُ وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي وَجَزَمَ بِهِ فِي الْجَامِعِ. وَمَا هُوَ بِبَعِيدٍ. وَيُكْرَهُ الْحَدِيثُ بَعْدَهَا إلَّا فِي أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ شَغْلٍ أَوْ شَيْءٍ يَسِيرٍ، وَالْأَصَحُّ أَوْ مَعَ الْأَهْلِ. وَقِيلَ: يُكْرَهُ مَعَ الْأَهْلِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفَائِقِ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ، وَابْنُ تَمِيمٍ: وَلَا يُكْرَهُ لِمُسَافِرٍ وَلِمُصَلٍّ بَعْدَهَا. وَلَا يُكْرَهُ تَسْمِيَتُهَا بِالْعَتَمَةِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَلَا تَسْمِيَةُ الْفَجْرِ بِصَلَاةِ الْغَدَاةِ. وَقِيلَ: يُكْرَهُ فِيهِمَا. وَقِيلَ: يُكْرَهُ فِي الْأَخِيرَةِ. وَاخْتَارَهُ صَاحِبُ النِّهَايَةِ. وَقِيلَ: يُكْرَهُ فِي الْأُولَى. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ عَبْدُوسٍ: الْمَنْعُ مِنْ ذَلِكَ. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، فِي اقْتِضَاءِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ: الْأَشْهَرُ عَنْهُ: إنَّمَا يُكْرَهُ الْإِكْثَارُ، حَتَّى يَغْلِبَ عَلَيْهَا الِاسْمُ، وَأَنَّ مِثْلَهَا فِي الْخِلَافِ تَسْمِيَةُ الْمَغْرِبِ بِالْعِشَاءِ.
قَوْلُهُ عَنْ الْفَجْرِ (وَتَعْجِيلُهَا أَفْضَلُ) وَهُوَ الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا، وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ قَالَ ابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ: هَذَا الْمَذْهَبُ. وَجَزَمَ بِهِ الْخِرَقِيُّ، وَالْوَجِيزُ، وَالْمُنَوِّرُ، وَالْمُنْتَخَبُ، وَتَجْرِيدُ الْعِنَايَةِ، وَغَيْرُهُمْ. وَقَدَّمَهُ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْكَافِي، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالنَّظْمِ، وَالْفَائِقِ، وَابْنِ تَمِيمٍ، وَالْخُلَاصَةِ، وَغَيْرِهِمْ وَصَحَّحَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ. فَعَلَى هَذَا: يُكْرَهُ التَّأْخِيرُ إلَى الْإِسْفَارِ بِلَا عُذْرٍ. وَعَنْهُ إنْ أَسْفَرَ الْمَأْمُومُونَ فَالْأَفْضَلُ: الْإِسْفَارُ. وَالْمُرَادُ أَكْثَرُ الْمَأْمُومِينَ وَاخْتَارَهُ الشِّيرَازِيُّ فِي الْمُبْهِجِ وَنَصَرَهَا أَبُو الْخَطَّابِ فِي الِانْتِصَارِ وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُذْهَبِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْفُرُوعِ. وَعَنْهُ الْإِسْفَارُ مُطْلَقًا أَفْضَلُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: أَطْلَقَهَا بَعْضُهُمْ. وَقَالَ فِي الْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَغَيْرِهِ: وَعَنْهُ الْإِسْفَارُ أَفْضَلُ بِكُلِّ حَالٍ إلَّا الْحَاجُّ بِمُزْدَلِفَةَ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ، وَكَلَامُ الْقَاضِي وَغَيْرِهِ: يَقْتَضِي أَنَّهُ وِفَاقٌ. قُلْت: وَهُوَ عَيْنُ الصَّوَابِ، وَهُوَ مُرَادُ مَنْ أَطْلَقَ الرِّوَايَةَ. تَنْبِيهٌ: قَالَ الزَّرْكَشِيُّ بَعْدَ أَنْ حَكَى الْخِلَافَ الْمُتَقَدِّمَ: وَمَحَلُّ الْخِلَافِ فِيمَا إذَا كَانَ الْأَرْفَقُ عَلَى الْمَأْمُومِينَ الْإِسْفَارَ مَعَ حُضُورِهِمْ، أَوْ حُضُورِ بَعْضِهِمْ. أَمَّا لَوْ تَأَخَّرَ الْجِيرَانُ كُلُّهُمْ، فَالْأَوْلَى هُنَا: التَّأْخِيرُ بِلَا خِلَافٍ، عَلَى مُقْتَضَى مَا قَالَهُ الْقَاضِي فِي التَّعْلِيقِ. وَقَالَ: نُصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ. انْتَهَى. فَائِدَةٌ: الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ. أَنَّهُ لَيْسَ لَهَا وَقْتُ ضَرُورَةٍ، بَلْ وَقْتُ فَضِيلَةٍ وَجَوَازٍ. كَمَا فِي الْمَغْرِبِ وَالظُّهْرِ قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَابْنِ تَمِيمٍ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هُوَ الْمَذْهَبُ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى: وَيُكْرَهُ التَّأْخِيرُ بَعْدَ الْإِسْفَارِ بِلَا عُذْرٍ. وَقِيلَ: يَحْرُمُ. وَجَعَلَ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ وَابْنُ عَقِيلٍ فِي التَّذْكِرَةِ، وَابْنُ عَبْدُوسٍ الْمُتَقَدِّمُ: لَهَا وَقْتَيْنِ، وَقْتُ اخْتِيَارٍ، وَهُوَ إلَى الْإِسْفَارِ، وَوَقْتُ ضَرُورَةٍ، وَهُوَ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ. قَالَ فِي الْحَاوِيَيْنِ: وَيَحْرُمُ التَّأْخِيرُ بَعْدَ الْإِسْفَارِ بِلَا عُذْرٍ. وَقِيلَ: يُكْرَهُ. قَالَ ابْنُ رَجَبٍ فِي شَرْحِ اخْتِيَارِ الْأَوْلَى فِي اخْتِصَامِ الْمَلَاءِ الْأَعْلَى: وَقَدْ أَوْمَأَ إلَيْهِ أَحْمَدُ.
وَقَالَ: هَذِهِ صَلَاةُ مُفْرِطٍ. إنَّمَا الْإِسْفَارُ: أَنْ يَنْتَشِرَ الضَّوْءُ عَلَى الْأَرْضِ. فَائِدَةٌ: حَيْثُ قُلْنَا: يُسْتَحَبُّ تَعْجِيلُ الصَّلَاةِ، فَيَحْصُلُ لَهُ فَضِيلَةُ ذَلِكَ، بِأَنْ يَشْتَغِلَ بِأَسْبَابِ الصَّلَاةِ، إذَا دَخَلَ الْوَقْتُ. قَالَ فِي التَّلْخِيصِ: وَيَقْرُبُ مِنْهُ قَوْلُ الْمَجْدِ: قَدْرُ الطَّهَارَةِ وَالسَّعْيِ إلَى الْجَمَاعَةِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَذَكَرَ الْأَزَجِيُّ قَوْلًا يَتَطَهَّرُ قَبْلَ الْوَقْتِ قَوْلُهُ (وَمَنْ أَدْرَكَ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ مِنْ صَلَاةٍ فِي وَقْتِهَا: فَقَدْ أَدْرَكَهَا) . وَهَذَا الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ فِي الْمَذْهَبِ. وَلَوْ كَانَ آخِرَ وَقْتِ الثَّانِيَةِ مِنْ الْمَجْمُوعَتَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ جَمْعَهُمَا. وَعَنْهُ لَا يُدْرِكُهَا إلَّا بِرَكْعَةٍ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، وَابْنُ أَبِي مُوسَى، وَابْنِ عَبْدُوسٍ تِلْمِيذِ الْقَاضِي وَقَدَّمَهُ فِي النَّظْمِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَابْنِ عُبَيْدَانَ. فَائِدَتَانِ: إحْدَاهُمَا: مُقْتَضَى قَوْلِهِ " فَقَدْ أَدْرَكَهَا " بِنَاءُ مَا خَرَجَ مِنْهَا عَنْ الْوَقْتِ عَلَى تَحْرِيمِهِ الْأَدَاءَ فِي الْوَقْتِ، وَوُقُوعِهِ مَوْقِعَهُ فِي الصِّحَّةِ وَالْإِجْزَاءِ. . قَالَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَتَابِعُهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْمُغْنِي أَنَّهَا مَسْأَلَةُ الْقَضَاءِ وَالْأَدَاءِ الْآتِيَةُ بَعْدَ ذَلِكَ. الثَّانِيَةُ: جَمِيعُ الصَّلَاةِ الَّتِي قَدْ أَدْرَكَ بَعْضَهَا فِي وَقْتِهَا أَدَاءٌ مُطْلَقًا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ. قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَصَاحِبُ الْفُرُوعِ وَغَيْرُهُمَا: هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هَذَا الْمَشْهُورُ. وَقِيلَ: تَكُونُ جَمِيعُهَا أَدَاءً فِي الْمَعْذُورِ. دُونَ غَيْرِهِ وَقَطَعَ بِهِ أَبُو الْمَعَالِي، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، وَابْنُ أَبِي مُوسَى وَأَحَدُ احْتِمَالَيْ ابْنِ عَبْدُوسٍ الْمُتَقَدِّمِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَهُوَ مُتَوَجَّهٌ. وَقِيلَ: قَضَاءٌ مُطْلَقًا. وَقِيلَ: الْخَارِجُ عَنْ الْوَقْتِ قَضَاءٌ. وَاَلَّذِي فِي الْوَقْتِ أَدَاءٌ.
تَنْبِيهٌ: يُسْتَثْنَى مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ: الْجُمُعَةُ. فَإِنَّهَا لَا تُدْرَكُ بِأَقَلَّ مِنْ رَكْعَةٍ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، عَلَى مَا يَأْتِي فِي بَابِهِ. وَعَنْهُ تُدْرَكُ بِتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ كَغَيْرِهَا، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا، لَكِنَّ عُمُومَ كَلَامِهِ هُنَا مَخْصُوصٌ بِمَا قَالَهُ هُنَاكَ، وَهُوَ أَوْلَى. قَوْلُهُ (وَمَنْ شَكَّ فِي الْوَقْتِ لَمْ يُصَلِّ حَتَّى يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ دُخُولُهُ) فَإِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ دُخُولُهُ صَلَّى عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ. وَعَنْهُ لَا يُصَلِّي حَتَّى يَتَيَقَّنَ دُخُولَ الْوَقْتِ اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ وَغَيْرُهُ. فَعَلَى الْمَذْهَبِ: يُسْتَحَبُّ التَّأْخِيرُ حَتَّى يَتَيَقَّنَ دُخُولَ الْوَقْتِ. . قَالَهُ ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ. قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَالشَّارِحُ، وَغَيْرُهُمَا: الْأَوْلَى تَأْخِيرُهَا احْتِيَاطًا، إلَّا أَنْ يَخْشَى خُرُوجَ الْوَقْتِ، أَوْ تَكُونَ صَلَاةُ الْعَصْرِ فِي وَقْتِ الْغَيْمِ. فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ التَّبْكِيرُ لِلْخَبَرِ الصَّحِيحِ. وَقَالَ الْآمِدِيُّ: يُسْتَحَبُّ تَعْجِيلُ الْمَغْرِبِ إذَا تَيَقَّنَ غُرُوبَ الشَّمْسِ، أَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ غُرُوبُهَا. تَنْبِيهٌ: مَحَلُّ الْخِلَافِ: إذَا لَمْ يَجِدْ مَنْ يُخْبِرُهُ عَنْ يَقِينٍ، أَوْ لَمْ يُمْكِنْهُ مُشَاهَدَةُ الْوَقْتِ بِيَقِينٍ. قَوْلُهُ (فَإِنْ أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ مُخْبِرٌ عَنْ يَقِينٍ: قَبِلَ قَوْلَهُ) . يَعْنِي إذَا كَانَ يَثِقُ بِهِ. وَهَذَا بِلَا نِزَاعٍ. وَكَذَا لَوْ سَمِعَ أَذَانَ ثِقَةٍ عَارِفٍ يَثِقُ بِهِ. قَالَ فِي الْفُصُولِ، وَأَبُو الْمَعَالِي فِي نِهَايَتِهِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ فِي رِعَايَتِهِ: يَعْمَلُ بِالْأَذَانِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ. وَلَا يَعْمَلُ بِهِ فِي دَارِ الْحَرْبِ، حَتَّى يَعْلَمَ إسْلَامَ الْمُؤَذِّنِ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لَا يَعْمَلُ بِقَوْلِ الْمُؤَذِّنِ فِي دُخُولِ الْوَقْتِ،
مَعَ إمْكَانِ الْعِلْمِ بِالْوَقْتِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ، وَسَائِرِ الْعُلَمَاءِ الْمُعْتَبَرِينَ، كَمَا شَهِدَتْ بِهِ النُّصُوصُ، خِلَافًا لِبَعْضِ أَصْحَابِنَا. انْتَهَى. قَوْلُهُ (وَإِنْ كَانَ عَنْ ظَنٍّ لَمْ يُقْبَلْ) . مُرَادُهُ: إذَا لَمْ يَتَعَذَّرْ عَلَيْهِ الِاجْتِهَادُ. فَإِنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الِاجْتِهَادُ عَمِلَ بِقَوْلِهِ. وَفِي كِتَابِ أَبِي عَلِيٍّ الْعُكْبَرِيِّ، وَأَبِي الْمَعَالِي، وَابْنِ حَمْدَانَ، وَغَيْرِهِمَا لَا يُقْبَلُ أَذَانٌ فِي غَيْمٍ. لِأَنَّهُ عَنْ اجْتِهَادٍ، فَيَجْتَهِدُ هُوَ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَوْ عَرَفَ أَنَّهُ يُعْرَفُ الْوَقْتُ بِالسَّاعَاتِ، أَوْ تَقْلِيدِ عَارِفٍ: عَمِلَ بِهِ وَجَزَمَ بِهَذَا الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ. وَتَبِعَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ وَابْنُ عُبَيْدَانَ. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: لَا يَعْمَلُ بِقَوْلِ الْمُؤَذِّنِ، مَعَ إمْكَانِ الْعِلْمِ بِالْوَقْتِ، وَهُوَ خِلَافُ مَذْهَبِ أَحْمَدَ، وَسَائِرِ الْعُلَمَاءِ الْمُعْتَبَرِينَ، وَخِلَافُ مَا شَهِدَتْ بِهِ النُّصُوصُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ. فَائِدَةٌ: الْأَعْمَى الْعَاجِزُ يُقَلِّدُ. فَإِنْ عَدِمَ مَنْ يُقَلِّدُهُ وَصَلَّى أَعَادَ مُطْلَقًا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَقِيلَ: لَا يُعِيدُ إلَّا إذَا تَبَيَّنَ خَطَؤُهُ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَغَيْرِهِ. قَوْلُهُ (وَمَنْ أَدْرَكَ مِنْ الْوَقْتِ قَدْرَ تَكْبِيرَةٍ) . اعْلَمْ أَنَّ الصَّحِيحَ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ الْأَحْكَامَ تَتَرَتَّبُ بِإِدْرَاكِ شَيْءٍ مِنْ الْوَقْتِ وَلَوْ قَدْرَ تَكْبِيرَةٍ. وَأَطْلَقَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ. فَلِهَذَا قِيلَ: يُخَيَّرُ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. وَعَنْهُ لَا بُدَّ أَنْ يُمْكِنَهُ الْأَدَاءُ. اخْتَارَهَا جَمَاعَةٌ. مِنْهُمْ ابْنُ بَطَّةَ، وَابْنُ أَبِي مُوسَى، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أَيْضًا: أَنَّهُ لَا تَتَرَتَّبُ الْأَحْكَامُ إلَّا إنْ تَضَايَقَ الْوَقْتُ عَنْ فِعْلِ الصَّلَاةِ، ثُمَّ يُوجَدُ الْمَانِعُ. قَوْلُهُ (ثُمَّ جُنَّ أَوْ حَاضَتْ الْمَرْأَةُ لَزِمَهُ الْقَضَاءُ) يَعْنِي: إذَا طَرَأَ عَدَمُ التَّكْلِيفِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الصَّلَاةَ الَّتِي أَدْرَكَهَا تَارَةً تُجْمَعُ إلَى غَيْرِهَا، وَتَارَةً لَا تُجْمَعُ. فَإِنْ كَانَتْ لَا تُجْمَعُ إلَى غَيْرِهَا: وَجَبَ قَضَاؤُهَا بِشَرْطِهِ قَوْلًا وَاحِدًا، وَإِنْ كَانَتْ تُجْمَعُ فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ. أَنَّهُ لَا يَجِبُ إلَّا قَضَاءُ الَّتِي دَخَلَ وَقْتُهَا فَقَطْ. وَلَوْ خَلَا جَمِيعُ وَقْتِ الْأُولَى مِنْ الْمَانِعِ، وَسَوَاءٌ فَعَلَهَا أَوْ لَمْ يَفْعَلْهَا. وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ، مِنْهُمْ ابْنُ حَامِدٍ، وَصَحَّحَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَصَاحِبُ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ فِيهِ، وَفِي النَّظْمِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ. وَعَنْهُ يَلْزَمُهُ قَضَاءُ الْمَجْمُوعَةِ إلَيْهَا. وَهِيَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ، وَابْنِ عُبَيْدَانَ وَغَيْرِهِمْ. قَوْلُهُ (وَإِنْ بَلَغَ صَبِيٌّ، أَوْ أَسْلَمَ كَافِرٌ، أَوْ أَفَاقَ مَجْنُونٌ، أَوْ طَهُرَتْ حَائِضٌ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ بِقَدْرِ تَكْبِيرَةٍ: لَزِمَهُمْ الصُّبْحُ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ: لَزِمَهُمْ الظُّهْرُ وَالْعَصْرُ، وَإِنْ كَانَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ: لَزِمَهُمْ الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ) . يَعْنِي إذَا طَرَأَ التَّكْلِيفُ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْأَحْكَامَ مُتَرَتِّبَةٌ بِإِدْرَاكِ قَدْرِ تَكْبِيرَةٍ مِنْ الْوَقْتِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. وَقِيلَ: بِقَدْرِ جُزْءٍ مَا. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ مَا ذَكَرَهُ أَبُو الْمَعَالِي حِكَايَةُ الْقَوْلِ بِإِمْكَانِ الْأَدَاءِ. قَالَ: وَقَدْ يُؤْخَذُ مِنْهُ الْقَوْلُ بِرَكْعَةٍ. فَيَكُونُ فَائِدَةَ الْمَسْأَلَةِ، وَهُوَ مُتَّجَهٌ. وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ الْخِلَافَ عِنْدَنَا فِيمَا إذَا طَرَأَ مَانِعٌ أَوْ تَكْلِيفٌ: هَلْ يُعْتَبَرُ بِتَكْبِيرَةٍ أَوْ رَكْعَةٍ وَاخْتَارَ بِرَكْعَةٍ فِي التَّكْلِيفِ. انْتَهَى. إذَا عَلِمْت ذَلِكَ. فَإِنَّهُ إذَا طَرَأَ التَّكْلِيفُ فِي وَقْتِ صَلَاةٍ لَا تُجْمَعُ. لَزِمَتْهُ فَقَطْ، وَإِنْ كَانَ فِي وَقْتِ صَلَاةٍ تُجْمَعُ مَعَ مَا قَبْلَهَا إلَيْهَا، لَزِمَهُ قَضَاؤُهَا بِلَا نِزَاعٍ. قَوْلُهُ (وَمَنْ فَاتَتْهُ صَلَوَاتٌ لَزِمَهُ قَضَاؤُهَا عَلَى الْفَوْرِ) . هَذَا الْمَذْهَبُ نُصَّ عَلَيْهِ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ.
وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. وَقِيلَ: لَا يَجِبُ الْقَضَاءُ عَلَى الْفَوْرِ مُطْلَقًا. وَقِيلَ: يَجِبُ عَلَى الْفَوْرِ فِي خَمْسِ صَلَوَاتٍ فَقَطْ وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي فِي مَوْضِعٍ مِنْ كَلَامِهِ وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: أَنَّ تَارِكَ الصَّلَاةِ عَمْدًا إذَا تَابَ لَا يَشْرَعُ لَهُ قَضَاؤُهَا. وَلَا تَصِحُّ مِنْهُ، بَلْ يُكْثِرُ مِنْ التَّطَوُّعِ. وَكَذَا الصَّوْمُ. قَالَ ابْنُ رَجَبٍ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ: وَوَقَعَ فِي كَلَامِ طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا الْمُتَقَدِّمِينَ: أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ فِعْلُهَا إذَا تَرَكَهَا عَمْدًا. مِنْهُمْ الْجُوزَجَانِيُّ، وَأَبُو مُحَمَّدٍ الْبَرْبَهَارِيُّ، وَابْنُ بَطَّةَ. تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ (لَزِمَهُ قَضَاؤُهَا عَلَى الْفَوْرِ) مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا لَمْ يَتَضَرَّرْ فِي بَدَنِهِ أَوْ فِي مَعِيشَةٍ يَحْتَاجُهَا. فَإِنْ تَضَرَّرَ بِسَبَبِ ذَلِكَ سَقَطَتْ الْفَوْرِيَّةُ نُصَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (مُرَتَّبًا قَلَّتْ أَوْ كَثُرَتْ) هَذَا الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا. وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. وَعَنْهُ لَا يَجِبُ التَّرْتِيبُ. قَالَ فِي الْمُبْهِجِ: التَّرْتِيبُ مُسْتَحَبٌّ وَاخْتَارَهُ فِي الْفَائِقِ. قَالَ ابْنُ رَجَبٍ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ: وَجَزَمَ بِهِ بَعْضُ الْأَصْحَابِ وَمَالَ إلَى ذَلِكَ. وَقَالَ: كَانَ أَحْمَدُ لِشِدَّةِ وَرَعِهِ يَأْخُذُ مِنْ هَذِهِ الْمَسَائِلِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا بِالِاحْتِيَاطِ، وَإِلَّا فَأَجَابَ سِنِينَ عَدِيدَةً بِبَقَاءِ صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ فَائِتَةٍ فِي الذِّمَّةِ: لَا يَكَادُ يَقُومُ عَلَيْهِ دَلِيلٌ قَوِيٌّ. قَالَ: وَقَدْ أَخْبَرَنِي بَعْضُ أَعْيَانِ شُيُوخِنَا الْحَنْبَلِيِّينَ: أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي النَّوْمِ، وَسَأَلَهُ عَمَّا يَقُولُهُ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ: أَيُّهَا أَرْجَحُ؟ قَالَ: فَفَهِمْت مِنْهُ أَنَّهُ أَشَارَ إلَى رُجْحَانِ مَا يَقُولُهُ الشَّافِعِيُّ. انْتَهَى. وَقِيلَ: يَجِبُ التَّرْتِيبُ فِي خَمْسِ صَلَوَاتٍ فَقَطْ. وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي أَيْضًا فِي مَوْضِعٍ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيُتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ يَجِبُ التَّرْتِيبُ. وَلَا يُعْتَبَرُ لِلصِّحَّةِ. وَلَهُ نَظَائِرُ. فَائِدَةٌ: لَوْ كَثُرَتْ الْفَرَائِضُ الْفَوَائِتُ، فَالْأَوْلَى تَرْكُ سُنَنِهَا. . قَالَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَصَاحِبُ الْفُرُوعِ، وَغَيْرُهُمَا. وَاسْتَثْنَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ سُنَّةَ الْفَجْرِ. وَقَالَ: لَا يُهْمِلُهَا. وَقَالَ فِي الْوِتْرِ: إنْ شَاءَ قَضَاهُ، وَإِنْ شَاءَ فَلَا. وَنَقَلَ مَهَنَّا: يَقْضِي سُنَّةَ
الْفَجْرِ وَالْوِتْرِ. قَالَ الْمَجْدُ: لِأَنَّهُ عِنْدَهُ دُونَهَا. وَأَطْلَقَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ: أَنَّهُ يَقْضِي السُّنَنَ. قَالَ بَعْدَ رِوَايَةِ مُهَنَّا الْمَذْكُورَةِ وَغَيْرِهِ الْمَذْهَبُ: أَنَّهُ يَقْضِي الْوِتْرَ كَمَا يَقْضِي غَيْرَهُ مِنْ الرَّوَاتِبِ نَصَّ عَلَيْهِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ هَذَا مِنْ الْقَاضِي: أَنَّهُ لَا يَقْضِي الْوِتْرَ فِي رِوَايَةٍ خَاصَّةٍ. وَنَقَلَ ابْنُ هَانِئٍ: لَا يَتَطَوَّعُ وَعَلَيْهِ صَلَاةٌ مُتَقَدِّمَةٌ إلَّا الْوِتْرَ. فَإِنَّهُ يُوتِرُ. وَقَالَ فِي الْفُصُولِ: يَقْضِي سُنَّةَ الْفَجْرِ رِوَايَةً وَاحِدَةً. وَفِي بَقِيَّةِ الرَّوَاتِبِ مِنْ النَّوَافِلِ: رِوَايَتَانِ. نَصٌّ عَلَى الْوِتْرِ لَا يَقْضِي. وَعَنْهُ يَقْضِي انْتَهَى. وَأَمَّا انْعِقَادُ النَّفْلِ الْمُطْلَقِ إذَا كَانَ عَلَيْهِ فَوَائِتُ: فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ وَالرِّوَايَتَيْنِ: أَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ، لِتَحْرِيمِهِ إذَنْ كَأَوْقَاتِ النَّهْيِ. . قَالَهُ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ. وَذَكَرَ غَيْرُهُ الْخِلَافَ فِي الْجَوَازِ، وَأَنَّ عَلَى الْمَنْعِ لَا يَصِحُّ. قَالَ الْمَجْدُ: وَكَذَا يَتَخَرَّجُ فِي النَّفْلِ الْمُبْتَدَأِ بَعْدَ الْإِقَامَةِ، أَوْ عِنْدَ ضِيقِ وَقْتِ الْفَوَاتِ، مَعَ عِلْمِهِ بِذَلِكَ وَتَحْرِيمِهِ. انْتَهَى. وَعَنْهُ يَنْعَقِدُ النَّفَلُ الْمُطْلَقُ. وَهُمَا وَجْهَانِ مُطْلَقَانِ فِي ابْنِ تَمِيمٍ وَغَيْرِهِ وَيَأْتِي قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ " فَإِذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَلَا صَلَاةَ إلَّا الْمَكْتُوبَةُ " قَوْلُهُ (فَإِنْ خَشِيَ فَوَاتَ الْحَاضِرَةِ) . سَقَطَ وُجُوبُهُ. يَعْنِي وُجُوبَ التَّرْتِيبِ. فَيُصَلِّي الْحَاضِرَةَ إذَا بَقِيَ مِنْ الْوَقْتِ بِقَدْرِ مَا يَفْعَلُهَا فِيهِ، ثُمَّ يَقْضِي. وَهَذَا الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. وَعَنْهُ لَا يَسْقُطُ مُطْلَقًا اخْتَارَهَا الْخَلَّالُ، وَصَاحِبُهُ. وَأَنْكَرَ الْقَاضِي هَذِهِ الرِّوَايَةَ. وَحُكِيَ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى رُجُوعِهِ عَنْهَا. وَكَذَا قَالَ أَبُو حَفْصٍ. قَالَ: إمَّا أَنْ يَكُونَ قَوْلًا قَدِيمًا أَوْ غَلَطًا. وَعَنْهُ يَسْقُطُ إذَا ضَاقَ وَقْتُ الْحَاضِرَةِ عَنْ قَضَاءِ كُلِّ الْفَوَائِتِ، فَيُصَلِّي الْحَاضِرَةَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ اخْتَارَهَا أَبُو حَفْصٍ الْعُكْبَرِيِّ. وَعَنْهُ يَسْقُطُ بِخَشْيَةِ فَوَاتِ الْجَمَاعَةِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْحَاوِيَيْنِ وَصَحَّحَهُ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى. وَعَنْهُ يَسْقُطُ التَّرْتِيبُ بِكَوْنِهَا جُمُعَةً جَزَمَ بِهِ فِي الْحَاوِيَيْنِ وَصَحَّحَهُ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى. وَقَالَهُ الْقَاضِي. قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ. وَقَالَ: نُصَّ عَلَيْهِ، لَكِنْ عَلَيْهِ فِعْلُ الْجُمُعَةِ، وَإِنْ قُلْنَا: بِعَدَمِ السُّقُوطِ، ثُمَّ يَقْضِيهَا ظُهْرًا. وَفِيهِ وَجْهٌ لَيْسَ عَلَيْهِ فِعْلُ
الْجُمُعَةِ إذَا قُلْنَا لَا يُسْقِطُ التَّرْتِيبَ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ، فِي أَوَّلِ الْجُمُعَةِ: وَيَبْدَأُ بِالْجُمُعَةِ لِخَوْفِ فَوْتِهَا. وَيَتْرُكُ فَجْرًا فَاتَتْهُ نُصَّ عَلَيْهِ . فَوَائِدُ: إحْدَاهُمَا: لَوْ بَدَأَ بِغَيْرِ الْحَاضِرَةِ، مَعَ ضِيقِ الْوَقْتِ صَحَّ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. نُصَّ عَلَيْهِ. وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ. الثَّانِيَةُ: لَا تَنْعَقِدُ النَّافِلَةُ مَعَ ضِيقِ الْوَقْتِ عَنْ الْحَاضِرَةِ، إذَا فَعَلَهَا عَمْدًا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: تَنْعَقِدُ وَتَقَدَّمَ تَخْرِيجُ الْمَجْدِ. وَهُوَ أَعَمُّ. الثَّالِثَةُ: خَشْيَةُ خُرُوجِ وَقْتِ الِاخْتِيَارِ كَخَشْيَةِ خُرُوجِ الْوَقْتِ بِالْكُلِّيَّةِ. فَإِذَا خَشِيَ الِاصْفِرَارَ صَلَّى الْحَاضِرَةَ. . قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ، وَالْمَجْدُ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُمْ. قَوْلُهُ (أَوْ نَسِيَ التَّرْتِيبَ: سَقَطَ وُجُوبُهُ) . وَهَذَا الْمَذْهَبُ نُصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ وَقَطَعَ بِهِ أَكْثَرُهُمْ. حَتَّى قَالَ الْقَاضِي: إذَا نَسِيَ التَّرْتِيبَ سَقَطَ وُجُوبُهُ رِوَايَةً وَاحِدَةً. وَعَنْهُ لَا يَسْقُطُ التَّرْتِيبُ بِالنِّسْيَانِ. حَكَاهَا ابْنُ عَقِيلٍ. قَالَ أَبُو حَفْصٍ: هَذِهِ الرِّوَايَةُ تُخَالِفُ مَا نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ عَنْهُ. فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ غَلَطًا أَوْ قَوْلًا قَدِيمًا. تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: أَنَّهُ لَوْ جَهِلَ وُجُوبَ التَّرْتِيبِ: أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ وُجُوبُهُ وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ. قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ: هَذَا الْمَذْهَبُ جَزَمَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ. وَقِيلَ: يَسْقُطُ اخْتَارَهُ الْآمِدِيُّ. فَقَالَ: هُوَ كَالنَّاسِي لِلتَّرْتِيبِ. فَعَلَى الْمَذْهَبِ: لَوْ ذَكَرَ فَائِتَةً، وَقَدْ أَحْرَمَ بِحَاضِرَةٍ. فَتَارَةً يَكُونُ إمَامًا، وَتَارَةً يَكُونُ غَيْرَهُ. فَإِنْ كَانَ غَيْرَ إمَامٍ فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ لَا يُسْقِطُ التَّرْتِيبَ، وَيُتِمُّهَا نَفْلًا، إمَّا رَكْعَتَيْنِ وَإِمَّا أَرْبَعًا. وَعَنْهُ يُتِمُّهَا الْمَأْمُومُ دُونَ الْمُنْفَرِدِ. وَعَنْهُ عَكْسُهَا. حَكَاهَا الْمُصَنِّفُ. وَعَنْهُ يُتِمُّهَا فَرْضًا
اخْتَارَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ. وَعَنْهُ تَبْطُلُ. نَقَلَهَا حَنْبَلٌ. وَوَهِمَهُ الْخَلَّالُ. وَعَنْهُ ذِكْرُ الْفَائِتَةِ فِي الْحَاضِرَةِ: يُسْقِطُ التَّرْتِيبَ عَنْ الْمَأْمُومِ خَاصَّةً، وَإِنْ كَانَ إمَامًا فَالصَّحِيحُ عَنْ أَحْمَدَ: أَنَّهُ يَقْطَعُهُمَا. وَعَلَّلَهُ بِأَنَّهُمْ مُفْتَرِضُونَ خَلْفَ مُتَنَفِّلٍ. فَعَلَى هَذَا: إذَا قُلْنَا يَصِحُّ الْفَرْضُ خَلْفَ الْمُتَنَفِّلِ: أَتَمَّهَا كَالْمُنْفَرِدِ وَالْمَأْمُومِ. وَاخْتَارَ الْمَجْدُ سُقُوطَ التَّرْتِيبِ وَالْحَالَةُ هَذِهِ. فَيُتِمُّهَا الْإِمَامُ وَالْمَأْمُومُ فَرْضًا. وَعَنْهُ تَبْطُلُ. فَوَائِدُ: الْأُولَى: لَوْ نَسِيَ صَلَاةً مِنْ يَوْمٍ وَجَهِلَ عَيْنَهَا، صَلَّى خَمْسًا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ نُصَّ عَلَيْهِ بِنِيَّةِ الْفَرْضِ. وَعَنْهُ يُصَلِّي فَجْرًا، ثُمَّ مَغْرِبًا، ثُمَّ رُبَاعِيَّةً. وَقَالَ فِي الْفَائِقِ: وَيَتَخَرَّجُ إيقَاعُ وَاحِدَةٍ بِالِاجْتِهَادِ، أَخْذًا مِنْ الْقِبْلَةِ. الثَّانِيَةُ: لَوْ نَسِيَ ظُهْرًا وَعَصْرًا مِنْ يَوْمَيْنِ، وَجَهِلَ السَّابِقَةَ: تَحَرَّى فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ قَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى: يَبْدَأُ بِالظُّهْرِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَالشَّرْحِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَالْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ وَقَدَّمَ فِي الرِّعَايَةِ: أَنَّهُ يُصَلِّي ظُهْرًا، ثُمَّ عَصْرًا، ثُمَّ ظُهْرًا. قَالَ وَقِيلَ: عَصْرًا، ثُمَّ ظُهْرًا، ثُمَّ عَصْرًا. فَعَلَى الرِّوَايَةِ الْأُولَى: لَوْ تَحَرَّى فَلَمْ يَقْوَ عِنْدَهُ شَيْءٌ: بَدَأَ بِأَيِّهِمَا شَاءَ قَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. وَعَنْهُ يُصَلِّي ظُهْرَيْنِ بَيْنَهُمَا عَصْرًا، أَوْ عَكْسَهُ. ذَكَرَهَا فِي الْفُرُوعِ. وَذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي احْتِمَالًا. وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ أَنْ يَسْتَوِيَ عِنْدَهُ الْأَمْرَانِ أَوْ لَا. فَقَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَلْزَمَهُ ثَلَاثُ صَلَوَاتٍ: ظُهْرٌ، ثُمَّ عَصْرٌ، ثُمَّ ظُهْرٌ، أَوْ بِالْعَكْسِ. قَالَ: وَهَذَا أَقْيَسُ لِأَنَّهُ أَمْكَنَهُ أَدَاءُ فَرْضِهِ بِيَقِينٍ. أَشْبَهَ مَا لَوْ نَسِيَ صَلَاةً لَا يَعْلَمُ عَيْنَهَا. قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ: اخْتَارَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْمَقْدِسِيُّ، وَأَبُو الْمَعَالِي، وَابْنُ مُنَجَّا. وَنَقَلَ أَبُو دَاوُد مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ. الثَّالِثَةُ: لَوْ عَلِمَ أَنَّ عَلَيْهِ مِنْ يَوْمٍ الظُّهْرَ وَصَلَاةً أُخْرَى لَا يَعْلَمُ: هَلْ هِيَ الْمَغْرِبُ
باب ستر العورة
أَوْ الْفَجْرُ؟ لَزِمَهُ أَنْ يُصَلِّيَ الْفَجْرَ، ثُمَّ الظُّهْرَ، ثُمَّ الْمَغْرِبَ. وَلَمْ يَجُزْ لَهُ الْبُدَاءَةُ بِالظُّهْرِ. لِأَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ مِمَّا قَبْلَهَا. الرَّابِعَةُ: قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: لَوْ تَوَضَّأَ وَصَلَّى الظُّهْرَ. ثُمَّ أَحْدَثَ وَتَوَضَّأَ وَصَلَّى الْعَصْرَ. ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ تَرَكَ فَرْضًا مِنْ إحْدَى طَهَارَتِهِ وَلَمْ يَعْلَمْ عَيْنَهَا: لَزِمَهُ إعَادَةُ الْوُضُوءِ وَالصَّلَاتَيْنِ. وَلَوْ لَمْ يَعْلَمْ حَدَثَهُ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ تَوَضَّأَ لِلثَّانِيَةِ تَجْدِيدًا، وَقُلْنَا: لَا يَرْتَفِعُ الْحَدَثُ فَكَذَلِكَ. وَإِنْ قُلْنَا يَرْتَفِعُ: لَزِمَهُ إعَادَةُ الْوُضُوءِ لِلْأُولَى خَاصَّةً. لِأَنَّ الثَّانِيَةَ صَحِيحَةٌ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ. [بَابُ سَتْرِ الْعَوْرَةِ] ِ فَائِدَتَانِ إحْدَاهُمَا: قَوْلُهُ (وَسَتْرُهَا عَنْ النَّظَرِ بِمَا لَا يَصِفُ الْبَشَرَةَ وَاجِبٌ) . فَلَا يَجُوزُ كَشْفُهَا. وَاعْلَمْ أَنَّ كَشْفَهَا فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ: تَارَةً يَكُونُ فِي خَلْوَةٍ وَتَارَةً يَكُونُ مَعَ زَوْجَتِهِ، أَوْ سُرِّيَّتِهِ، وَتَارَةً يَكُونُ مَعَ غَيْرِهِمَا. فَإِنْ كَانَ مَعَ غَيْرِهِمَا: حَرُمَ كَشْفُهَا. وَوَجَبَ سَتْرُهَا إلَّا لِضَرُورَةٍ، كَالتَّدَاوِي وَالْخِتَانِ، وَمَعْرِفَةِ الْبُلُوغِ، وَالْبَكَارَةِ، وَالثُّيُوبَةِ، وَالْعَيْبِ، وَالْوِلَادَةِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ مَعَ زَوْجَتِهِ أَوْ سُرِّيَّتِهِ جَازَ لَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ فِي خَلْوَةٍ، فَإِنْ كَانَ ثَمَّ حَاجَةٌ كَالتَّخَلِّي وَنَحْوِهِ جَازَ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ حَاجَةٌ، فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يَحْرُمُ. جَزَمَ بِهِ فِي التَّلْخِيصِ. قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: وَسَتْرُ الْعَوْرَةِ وَاجِبٌ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا وَصَحَّحَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ. وَعَنْهُ يُكْرَهُ اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ وَقَدَّمَهُ فِي الْفَائِقِ وَقَدَّمَ فِي النَّظْمِ: أَنَّهُ غَيْرُ مُحَرَّمٍ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ فِي بَابِ الِاسْتِنْجَاءِ، وَابْنِ تَمِيمٍ. وَتَقَدَّمَ هَذَا أَيْضًا هُنَاكَ. وَعَنْهُ يَجُوزُ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ. ذَكَرَهَا فِي النُّكَتِ، وَهُوَ وَجْهٌ ذَكَرَهُ أَبُو الْمَعَالِي، وَصَاحِبُ الرِّعَايَةِ.
فَعَلَى الْقَوْلِ بِالتَّحْرِيمِ أَوْ الْكَرَاهَةِ: لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ فِي ظُلْمَةٍ، أَوْ حَمَّامٍ أَوْ يَحْضُرُهُ مَلَكٌ، أَوْ جِنِّيٌّ، أَوْ حَيَوَانٌ بَهِيمٌ أَوْ لَا. ذَكَرَهُ فِي الرِّعَايَةِ وَغَيْرِهِ. الثَّانِيَةُ: يَجِبُ سَتْرُ الْعَوْرَةِ فِي الصَّلَاةِ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ غَيْرِهِ. فَلَوْ صَلَّى فِي قَمِيصٍ وَاسِعِ الْجَيْبِ، وَلَمْ يَزُرَّهُ وَلَا شَدَّ وَسَطَهُ، وَكَانَ بِحَيْثُ يَرَى عَوْرَتَهُ فِي قِيَامِهِ أَوْ رُكُوعِهِ فَهُوَ كَرُؤْيَةِ غَيْرِهِ فِي مَنْعِ الْإِجْزَاءِ نُصَّ عَلَيْهِ، وَلَا يُعْتَبَرُ سَتْرُهَا مِنْ أَسْفَلَ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَاعْتَبَرَهُ أَبُو الْمَعَالِي إنْ تَيَسَّرَ النَّظَرُ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى قُلْت: فَلَوْ صَلَّى عَلَى حَائِطٍ، فَرَأَى عَوْرَتَهُ مِنْ تَحْتٍ. بَطَلَتْ صَلَاتُهُ. انْتَهَى. وَيَكْفِي فِي سَتْرِهَا نَبَاتٌ وَنَحْوُهُ، كَالْحَشِيشِ وَالْوَرَقِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: لَا يَكْفِي الْحَشِيشُ مَعَ وُجُودِ ثَوْبٍ. وَيَكْفِي مُتَّصِلٌ بِهِ، كَيَدِهِ وَلِحْيَتِهِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَنُصَّ عَلَيْهِ. وَعَنْهُ لَا يَكْفِي. وَهِيَ وَجْهٌ فِي ابْنِ تَمِيمٍ. وَقَدْ تَرَدَّدَ الْقَاضِي فِي شَرْحِ الْمُذْهَبِ فِي السَّتْرِ بِلِحْيَتِهِ فَجَزَمَ تَارَةً بِأَنَّ السَّتْرَ بِالْمُتَّصِلِ لَيْسَ بِسَتْرٍ فِي الصَّلَاةِ. ثُمَّ ذَكَرَ نَصَّ أَحْمَدَ. وَرَجَعَ إلَى أَنَّهُ سَتْرٌ فِي الصَّلَاةِ. انْتَهَى. وَلَا يَلْزَمُهُ لُبْسُ بَارِيَةٍ وَحَصِيرٍ وَنَحْوِهِمَا مِمَّا يَضُرُّهُ. وَلَا ضَفِيرَةٍ. وَلَا يَلْزَمُ سَتْرُهَا بِالطِّينِ وَلَا بِالْمَاءِ الْكَدِرِ جُزِمَ بِهِ فِي الْكَافِي، وَالْإِفَادَاتِ، وَالْفَائِقِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ الْجَوْزِيِّ، وَالشَّارِحُ، وَابْنُ رَزِينٍ فِي الْمَاءِ وَقَدَّمَهُ فِي الطِّينِ. وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ السَّتْرُ بِهِمَا. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى وَاخْتَارَ ابْنُ عَقِيلٍ: يَجِبُ بِالطِّينِ لَا بِالْمَاءِ الْكَدِرِ. وَقَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَصَاحِبُ الْحَاوِي: أَظْهَرُ الْوَجْهَيْنِ لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يُطَيِّنَ بِهِ عَوْرَتَهُ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: اخْتَارَ الْآمِدِيُّ وَغَيْرُهُ عَدَمَ لُزُومِ الِاسْتِتَارِ بِالطِّينِ. قَالَ: وَهُوَ الصَّوَابُ الْمَقْطُوعُ بِهِ وَقِيلَ: إنَّهُ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ. انْتَهَى. وَجَزَمَ فِي التَّلْخِيصِ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ السَّتْرُ بِالْمَاءِ. وَأَطْلَقَ فِي الطِّينِ الْوَجْهَيْنِ. فَعَلَى الْقَوْلِ بِوُجُوبِ سَتْرِهَا بِالطِّينِ: لَوْ صَلَّى بِهِ، ثُمَّ تَنَاثَرَ شَيْءٌ لَمْ يَلْزَمْهُ إعَادَتُهُ عَلَى الصَّحِيحِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي الْفَهْمِ: يَلْزَمُهُ. وَأَطْلَقَ الْوَجْهَيْنِ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى.
تَنْبِيهٌ: مَفْهُومُ قَوْلِهِ " بِمَا لَا يَصِفُ الْبَشَرَةَ " أَنَّهُ إذَا كَانَ يَصِفُ الْبَشَرَةَ لَا يَصِحُّ السَّتْرُ بِهِ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، مِثْلَ أَنْ يَكُونَ خَفِيفًا فَيُبَيِّنَ مِنْ وَرَائِهِ الْجِلْدَ وَحُمْرَتَهُ. فَأَمَّا إنْ كَانَ يَسْتُرُ اللَّوْنَ، وَيَصِفُ الْخِلْقَةَ: لَمْ يَضُرَّ. قَالَ الْأَصْحَابُ: لَا يَضُرُّ إذَا وَصَفَ التَّقَاطِيعَ، وَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ نُصَّ عَلَيْهِ، لِمَشَقَّةِ الِاحْتِرَازِ. وَنَقَلَ مُهَنَّا تُغَطِّي خُفَّهَا لِأَنَّهُ يَصِفُ قَدَمَهَا، وَاحْتَجَّ بِهِ الْقَاضِي عَلَى أَنَّ الْقَدَمَ عَوْرَةٌ. قَوْلُهُ " وَعَوْرَةُ الرَّجُلِ وَالْأَمَةِ: مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ " الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ عَوْرَةَ الرَّجُلِ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِيضَاحِ، وَالتَّذْكِرَةِ لِابْنِ عَقِيلٍ، وَالْإِفَادَاتِ، وَالْوَجِيزِ. وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ، وَالْمَذْهَبِ الْأَحْمَدِ، وَالطَّرِيقِ الْأَقْرَبِ، وَغَيْرِهِمْ. وَقَدَّمَهُ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْهَادِي، وَالْكَافِي، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَابْنِ تَمِيمٍ، وَالْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ، وَالنَّظْمِ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ وَغَيْرِهِمْ وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ. وَعَنْهُ أَنَّهَا الْفَرْجَانِ اخْتَارَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَصَاحِبُ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالْفَائِقِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهِيَ أَظْهَرُ وَقَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ. وَقَالَ: هِيَ أَظْهَرُ. وَإِلَيْهَا مَيْلُ صَاحِبِ النَّظْمِ أَيْضًا فِيهِ. وَأَمَّا عَوْرَةُ الْأَمَةِ: فَقَدَّمَ الْمُصَنِّفُ هُنَا أَنَّهَا مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ كَالرَّجُلِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ جَزَمَ بِهِ ابْنُ عَقِيلٍ فِي التَّذْكِرَةِ، وَالْمَذْهَبِ الْأَحْمَدِ، وَالطَّرِيقِ الْأَقْرَبِ وَقَدَّمَهُ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ. وَالْفُرُوعِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ وَالْهَادِي، وَابْنِ تَمِيمٍ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ وَاخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ وَالشِّيرَازِيُّ وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَغَيْرُهُمْ. وَعَنْهُ عَوْرَتُهَا: مَا لَا يَظْهَرُ غَالِبًا جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ وَاخْتَارَهُ
ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ. قَالَ فِي تَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ: وَأَمَةٌ مَا لَا يَظْهَرُ غَالِبًا، عَلَى الْأَظْهَرِ وَقَدَّمَهُ فِي الْكَافِي، وَالْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالنَّظْمِ، وَالْحَاوِيَيْنِ وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي وَالْآمِدِيُّ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ. قَالَ الْقَاضِي فِي الْجَامِعِ: مَا عَدَا رَأْسَهَا وَيَدَيْهَا إلَى مِرْفَقَيْهَا وَرِجْلَيْهَا إلَى رُكْبَتَيْهَا فَهُوَ عَوْرَةٌ. قَالَ الْآمِدِيُّ: عَوْرَةُ الْأَمَةِ مَا خَلَا الْوَجْهَ، وَالرَّأْسَ، وَالْقَدَمَيْنِ إلَى أَنْصَافِ السَّاقَيْنِ، وَالْيَدَيْنِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ. انْتَهَى. وَقِيلَ: الْأَمَةُ الْبَرْزَةُ كَالرَّجُلِ، بِخِلَافِ الْخَفْرَةِ. قَالَ فِي الْإِفَادَاتِ: وَالْأَمَةُ الْبَرْزَةُ كَالرَّجُلِ. وَالْخَفْرَةُ مَا لَا يَظْهَرُ غَالِبًا. انْتَهَى. وَقِيلَ: مَا عَدَا رَأْسَهَا عَوْرَةٌ اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ. ذَكَرَهُ عَنْ ابْنِ تَمِيمٍ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ. وَقَوْلُ الزَّرْكَشِيّ: أَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ لَا قَائِلَ بِهِ، غَيْرُ مُسَلَّمٍ لَهُ. وَعَنْهُ عَوْرَةُ الْأَمَةِ: الْفَرْجَانِ كَالرَّجُلِ. ذَكَرَهَا جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ. مِنْهُمْ أَبُو الْخَطَّابِ، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَالشِّيرَازِيُّ، وَابْنُ الْبَنَّا، وَالْحَلْوَانِيُّ، وَابْنُ الْجَوْزِيِّ، وَالسَّامِرِيُّ، وَالْمُصَنِّفُ، وَصَاحِبُ التَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفُرُوعُ، وَغَيْرُهُمْ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ أَنَّ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ مِنْ الْأَمَةِ عَوْرَةٌ. قَالَ: وَقَدْ حَكَى جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا: أَنَّ عَوْرَتَهَا السَّوْأَتَانِ فَقَطْ كَالرِّوَايَةِ فِي عَوْرَةِ الرَّجُلِ. قَالَ: وَهَذَا غَلَطٌ قَبِيحٌ فَاحِشٌ عَلَى الْمَذْهَبِ خُصُوصًا. وَعَلَى الشَّرِيعَةِ عُمُومًا. وَكَلَامُ أَحْمَدَ أَبْعَدُ شَيْءٍ عَنْ هَذَا الْقَوْلِ. انْتَهَى. قُلْت: قَدْ حَكَى جَدُّهُ وَتَابَعَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ: أَنَّ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ مِنْ الْأَمَةِ عَوْرَةً إجْمَاعًا، وَرَدُّ هَذِهِ الرِّوَايَةِ فِي الشَّرْحِ وَغَيْرِهِ وَيَأْتِي حُكْمُ مَا إذَا عَتَقَتْ فِي الصَّلَاةِ قَرِيبًا . فَائِدَةٌ: قِيلَ: لَا يُسْتَحَبُّ لِلْأَمَةِ سَتْرُ رَأْسِهَا فِي الصَّلَاةِ. وَقِيلَ: يُسْتَحَبُّ قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَلَقَدْ بَالَغَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ فَقَالَ: لَوْ صَلَّتْ مُغَطَّاةُ الرَّأْسِ لَمْ يَصِحَّ. وَقِيلَ: يُسْتَحَبُّ سَتْرُ رَأْسِ أُمِّ الْوَلَدِ. إنْ قُلْنَا هِيَ كَرَجُلٍ. ذَكَرَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ.
تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ: ظَاهِرُ قَوْلِهِ " مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ " عَدَمُ دُخُولِهِمَا فِي الْعَوْرَةِ، وَهُوَ صَحِيحٌ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَعَنْهُ هُمَا مِنْ الْعَوْرَةِ. نَقَلَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ. وَعَنْهُ الرُّكْبَةُ فَقَطْ مِنْ الْعَوْرَةِ. الثَّانِي: مَفْهُومُ قَوْلِهِ " وَعَوْرَةُ الرَّجُلِ " أَنَّ عَوْرَةَ مَنْ هُوَ دُونَ الْبُلُوغِ مِنْ الذُّكُورِ، مُخَالِفٌ لِعَوْرَةِ الرَّجُلِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ غَيْرِهِ. وَلَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِذَلِكَ إلَّا أَبَا الْمَعَالِي ابْنَ الْمُنَجَّا. فَإِنَّهُ قَالَ: الصَّغِيرُ بَعْدَ الْعَشْرِ كَالْبَالِغِ. وَمِنْ السَّبْعِ إلَى الْعَشْرِ عَوْرَتُهُ الْفَرْجَانِ فَقَطْ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ بَعْدَ قَوْلِهِ " وَيُضْرَبُ عَلَى تَرْكِهَا لِعَشْرٍ " أَنَّ الْمُصَنِّفَ وَالشَّارِحَ. قَالَا: يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ صَلَاةِ الصَّغِيرِ مَا يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ صَلَاةِ الْكَبِيرِ، إلَّا فِي سَتْرِ الْعَوْرَةِ. وَعَلَّلَاهُ. الثَّالِثُ: مَفْهُومُ قَوْلِهِ " وَعَوْرَةُ الرَّجُلِ " أَنَّ عَوْرَةَ الْخُنْثَى مُخَالِفَةٌ لِعَوْرَتِهِ فِي الْحُكْمِ. وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ " وَالْحُرَّةُ كُلُّهَا عَوْرَةٌ " أَنَّ الْخُنْثَى مُخَالِفٌ لَهَا فِي الْحُكْمِ، وَفِيهِ رِوَايَتَانِ. إحْدَاهُمَا: أَنَّ عَوْرَتَهُ كَعَوْرَةِ الرَّجُلِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ. قَالَ فِي الْمُذْهَبِ: هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا وَصَحَّحَهُ فِي النَّظَرِ، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَالْمَجْدِ فِي شَرْحِهِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ. قَالَ فِي تَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ: هَذَا الْأَظْهَرُ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِفَادَاتِ، وَالْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالشَّرْحِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: عَوْرَتُهُ كَعَوْرَةِ الْمَرْأَةِ. اخْتَارَهُ الْقَاضِي فِي أَحْكَامِ الْخُنْثَى. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَهُوَ أَوْلَى وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ. قَالَهُ فِي الْمُذْهَبِ وَقَدَّمَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ قُلْت: وَهُوَ الْأَوْلَى وَالْأَحْوَطُ. فَعَلَى الْمَذْهَبِ: إذَا قُلْنَا " الْعَوْرَةُ الْفَرْجَانِ " سَتَرَ الْخُنْثَى فَرْجَهُ، وَذَكَرَهُ وَدُبُرَهُ. وَعَلَى الْمَذْهَبِ أَيْضًا: يَحْتَاطُ فَيَسْتُرُ كَالْمَرْأَةِ.
قَوْلُهُ (وَالْحُرَّةُ كُلُّهَا عَوْرَةٌ، حَتَّى ظُفْرُهَا وَشَعْرُهَا، إلَّا الْوَجْهَ) الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْوَجْهَ لَيْسَ بِعَوْرَةٍ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَحَكَاهُ الْقَاضِي إجْمَاعًا. وَعَنْهُ الْوَجْهُ عَوْرَةٌ أَيْضًا. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: أَطْلَقَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ الْقَوْلَ بِأَنَّ جَمِيعَهَا عَوْرَةٌ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا عَدَا الْوَجْهَ، أَوْ عَلَى غَيْرِ الصَّلَاةِ. انْتَهَى. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْوَجْهُ عَوْرَةٌ. وَإِنَّمَا كُشِفَ فِي الصَّلَاةِ لِلْحَاجَةِ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ لَيْسَ بِعَوْرَةٍ فِي الصَّلَاةِ، وَهُوَ عَوْرَةٌ فِي بَابِ النَّظَرِ، إذَا لَمْ يَجُزْ النَّظَرُ إلَيْهِ. انْتَهَى. وَقَوْلُهُ " وَفِي الْكَفَّيْنِ رِوَايَتَانِ ". وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ، وَالْهِدَايَةِ، وَالْمُبْهِجِ، وَالْفُصُولِ، وَالتَّذْكِرَةِ لَهُ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْكَافِي، وَالْهَادِي، وَالْخُلَاصَةِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالشَّرْحِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالْفَائِقِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَالْمَذْهَبِ الْأَحْمَدِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ. إحْدَاهُمَا: هُمَا عَوْرَةٌ. وَهِيَ الْمَذْهَبُ. عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: اخْتَارَهَا الْأَكْثَرُ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هِيَ اخْتِيَارُ الْقَاضِي فِي التَّعْلِيقِ. قَالَ: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ وَجَزَمَ بِهِ الْخِرَقِيُّ. وَفِي الْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ، وَالطَّرِيقِ الْأَقْرَبِ وَقَدَّمَهُ فِي الْإِيضَاحِ، وَالرِّعَايَةِ، وَالنَّظْمِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ، وَالْفُرُوعِ وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَيْسَتَا بِعَوْرَةٍ جُزِمَ بِهِ فِي الْعُمْدَةِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَالْوَجِيزِ، وَالنِّهَايَةِ، وَالنَّظْمِ وَاخْتَارَهَا الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَصَاحِبُ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَابْنُ مُنَجَّا، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ وَقَدَّمَهُ فِي الْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ وَصَحَّحَهُ شَيْخُنَا فِي تَصْحِيحِ الْمُحَرَّرِ.
تَنْبِيهَانِ: أَحَدُهُمَا: صَرَّحَ الْمُصَنِّفُ: أَنَّ مَا عَدَا الْوَجْهَ وَالْكَفَّيْنِ، عَوْرَةٌ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إجْمَاعًا فِي الْخِمَارِ وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: أَنَّ الْقَدَمَيْنِ لَيْسَا بِعَوْرَةٍ أَيْضًا. قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ. الثَّانِي: قَدْ يُقَالُ: شَمِلَ قَوْلُهُ " وَالْحُرَّةُ كُلُّهَا عَوْرَةٌ " الْمُمَيِّزَةَ وَالْمُرَاهِقَةَ، وَهُوَ قَوْلٌ لِبَعْضِ الْأَصْحَابِ فِي الْمُرَاهِقَةِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ فِيهَا. قَالَ فِي النُّكَتِ: وَكَلَامُ كَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ يَقْتَضِي أَنَّهَا كَالْبَالِغَةِ فِي عَوْرَةِ الصَّلَاةِ وَجَزَمَ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي فِي كِتَابِ النِّكَاحِ، وَالْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالنَّاظِمُ وَصَاحِبُ الْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ: أَنَّ الْمُرَاهِقَةَ كَالْأَمَةِ وَقَدَّمَهُ الزَّرْكَشِيُّ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: قَالَ بَعْضُهُمْ: وَمُرَاهِقَةٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: وَمُمَيِّزَةٌ كَأَمَةٍ. نَقَلَ أَبُو طَالِبٍ، فِي شَعْرٍ وَسَاقٍ وَسَاعِدٍ: لَا يَجِبُ سَتْرُهُ حَتَّى تَحِيضَ. قَالَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَقِيلَ: الْمُمَيِّزَةُ كَالْأَمَةِ. وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: هِيَ بَعْدَ تِسْعٍ كَبَالِغٍ. ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ الْأَصْحَابِ إلَّا فِي كَشْفِ الرَّأْسِ، وَقَبْلَ التِّسْعِ: وَقِيلَ السَّبْعِ الْفَرْجَانِ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ نَظَرُ مَا سِوَاهُمَا. انْتَهَى. قَوْلُهُ (وَأُمُّ الْوَلَدِ وَالْمُعْتَقُ بَعْضُهَا كَالْأَمَةِ) . أَمَّا أُمُّ الْوَلَدِ: فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهَا كَالْأَمَةِ فِي حُكْمِ الْعَوْرَةِ. وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هِيَ اخْتِيَارُ الْأَكْثَرِينَ. قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: هَذَا أَقْوَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَالنَّاظِمُ، وَاخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ، وَابْنُ أَبِي مُوسَى، وَالْقَاضِي، وَابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ وَقَدَّمَهُ فِي الْكَافِي، وَالْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالنِّهَايَةِ وَنَظْمِهَا وَجَزَمَ بِهِ فِي الْعُمْدَةِ، وَالْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ. وَعَنْهُ كَالْحُرَّةِ اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ وَجَزَمَ بِهِ فِي
الْإِفَادَاتِ وَقَدَّمَهُ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالْمَذْهَبِ الْأَحْمَدِ، وَالْهَادِي، وَابْنُ عُبَيْدَانَ. وَأَمَّا الْمُعْتَقُ بَعْضُهَا: فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهَا كَالْأَمَةِ أَيْضًا. كَمَا قَدَّمَهُ الْمُصَنِّفُ هُنَا. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: هِيَ كَالْأَمَةِ عَلَى الْأَصَحِّ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْعُمْدَةِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ. وَعَنْهُ كَالْحُرَّةِ جَزَمَ بِهِ فِي الْإِفَادَاتِ، وَالْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ وَقَدَّمَهُ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ قَالَ فِي الْمُحَرَّرِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: وَالْمُعْتَقُ بَعْضُهَا كَالْحُرَّةِ عَلَى الْأَصَحِّ. قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ: الصَّحِيحُ أَنَّ الْمُعْتَقَ بَعْضُهَا كَالْحُرَّةِ. قَالَ النَّاظِمُ: هَذَا أَوْلَى. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ. قَالَ فِي تَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ: هَذَا الْأَظْهَرُ. قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ. وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالْمُذْهَبِ الْأَحْمَدِ، وَالْهَادِي، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ. فَائِدَةٌ: الْمُكَاتَبَةُ، وَالْمُدَبَّرَةُ، وَالْمُعَلَّقُ عِتْقُهَا عَلَى صِفَةٍ: كَالْأَمَةِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَنْهُ كَالْحُرَّةِ. وَعَنْهُ الْمُدَبَّرَةُ كَأُمِّ الْوَلَدِ. وَقَالَ ابْنُ الْبَنَّا: هِيَ كَأُمِّ الْوَلَدِ قَوْلُهُ (وَيُسْتَحَبُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يُصَلِّيَ فِي ثَوْبَيْنِ) بِلَا نِزَاعٍ. بَلْ ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ إجْمَاعًا. لَكِنْ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ: مَعَ سَتْرِ رَأْسِهِ، وَالْإِمَامُ أَبْلَغُ. قَوْلُهُ (فَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى سَتْرِ الْعَوْرَةِ أَجْزَأَهُ، إذَا كَانَ عَلَى عَاتِقِهِ شَيْءٌ مِنْ اللِّبَاسِ) الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ سَتْرَ الْمَنْكِبَيْنِ فِي الْجَمَاعَةِ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ صَلَاةِ الْفَرْضِ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ. قَالَ الْقَاضِي عَلَيْهِ
أَصْحَابُنَا. قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَصَاحِبُ الْفُرُوعِ، وَغَيْرُهُمْ: هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. وَعَنْهُ سَتْرُهُمَا وَاجِبٌ لَا شَرْطٌ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ أَيْضًا. وَعَنْهُ سُنَّةٌ وَقَدَّمَهُ النَّاظِمُ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَخَرَّجَ الْقَاضِي، وَمَنْ وَافَقَهُ: صِحَّةَ الصَّلَاةِ مَعَ كَشْفِ الْمَنْكِبَيْنِ، وَأَبَى ذَلِكَ الشَّيْخَانِ. وَأَمَّا فِي النَّفْلِ: فَقَدَّمَ الْمُصَنِّفُ أَنَّهُ لَا تُجْزِئُهُ إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى عَاتِقِهِ شَيْءٌ مِنْ اللِّبَاسِ، فَهُوَ كَالْفَرْضِ، وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَجَزَمَ بِهِ الْخِرَقِيُّ. قَالَ فِي الْإِفَادَاتِ: وَعَلَى الرَّجُلِ الْقَادِرِ سَتْرُ عَوْرَتِهِ وَمَنْكِبَيْهِ، وَأَطْلَقَ. وَكَذَا قَالَ فِي الْمَذْهَبِ الْأَحْمَدِ. وَقَالَ الْقَاضِي: يُجْزِئُهُ سَتْرُ الْعَوْرَةِ فِي النَّفْلِ، دُونَ الْفَرْضِ، وَهُوَ الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى نُصَّ عَلَيْهَا فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ. قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ وَغَيْرُهُمْ: هَذِهِ الْمَشْهُورَةُ وَجُزِمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِمْ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جُزِمَ بِهِ فِي التَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ وَغَيْرِهِمْ. لِاقْتِصَارِهِمْ عَلَى وُجُوبِهِ فِي الْفَرْضِ وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ وَقَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالنَّظْمِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَتَيْنِ وَصَحَّحَهُ فِي الْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَشَيْخُنَا فِي تَصْحِيحِ الْمُحَرَّرِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْفَائِقِ، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ. تَنْبِيهَانِ: أَحَدُهُمَا: ظَاهِرُ قَوْلِهِ " إذَا كَانَ عَلَى عَاتِقِهِ شَيْءٌ مِنْ اللِّبَاسِ " أَنَّهُ يُجْزِئُ الْيَسِيرُ الَّذِي يَصْلُحُ لِلسَّتْرِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ وَاخْتِيَارُ الْمُصَنِّفِ، وَالْمَجْدِ فِي شَرْحِهِ، وَصَاحِبِ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَابْنِ عُبَيْدَانَ وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يَجِبُ سَتْرُ الْجَمِيعِ اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَابْنُ عَقِيلٍ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. وَقَالَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ. يُجْزِئُ، وَلَوْ بِحَبْلٍ أَوْ خَيْطٍ، وَهُوَ رِوَايَةٌ فِي الْوَاضِحِ. وَنَسَبَهُ أَبُو الْخَطَّابِ فِي الْهِدَايَةِ، وَابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي
الْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَصَاحِبُ الْحَاوِي الْكَبِيرِ: إلَى أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ وَقَدَّمَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ. الثَّانِي: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: أَنَّهُ يَكْفِي سَتْرُ أَحَدِ الْمَنْكِبَيْنِ، وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ نُصَّ عَلَيْهَا فِي رِوَايَةِ مُثَنَّى بْنِ جَامِعٍ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَابْنِ تَمِيمٍ، وَالْإِقْنَاعِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْمُنْتَخَبِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ. وَعَنْهُ لَا بُدَّ مِنْ سَتْرِ الْمَنْكِبَيْنِ. وَهُمَا عَاتِقَاهُ اخْتَارَهُ الْقَاضِي. وَجَمَاعَتُهُ، وَصَحَّحَهُ الطُّوفِيُّ فِي شَرْحِ الْخِرَقِيِّ وَجَزَمَ بِهِ فِي التَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالْإِفَادَاتِ. وَيَحْتَمِلُهُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ هُنَا. لِأَنَّ عَاتِقَهُ مُفْرَدٌ مُضَافٌ فَيَعُمُّ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ. الثَّالِثُ: قَوْلُهُ (وَيُسْتَحَبُّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تُصَلِّيَ فِي دِرْعٍ وَخِمَارٍ وَمِلْحَفَةٍ) يَعْنِي الْحُرَّةَ وَأَمَّا الْأَمَةُ: فَتَقَدَّمَ مَا يُسْتَحَبُّ لُبْسُهُ لَهَا فِي الصَّلَاةِ. قَوْلُهُ (وَإِذَا انْكَشَفَ مِنْ الْعَوْرَةِ يَسِيرٌ لَا يَفْحُشُ فِي النَّظَرِ: لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ) وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ. مِنْهُمْ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْوَجِيزِ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ وَنَصَرَاهُ، وَالْمُحَرَّرِ، وَابْنُ تَمِيمٍ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هُوَ الْمَشْهُورُ وَالْمُخْتَارُ لِلْأَصْحَابِ. وَعَنْهُ يَبْطُلُ اخْتَارَهَا الْآجُرِّيُّ. وَيَقْتَضِيهِ كَلَامُ الْخِرَقِيِّ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَالْحَاوِيَيْنِ. وَعَنْهُ يَبْطُلُ فِي الْمُغَلَّظَةِ فَقَطْ. وَقَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَجَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى أَيْضًا. وَقَدَّرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى الْعَفْوَ بِظُهُورِ الْعَوْرَةِ فِي الرُّكُوعِ فَقَطْ. وَغَيْرُهُ أَطْلَقَ. تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ قَوْلِهِ " إذَا انْكَشَفَ " أَنَّهُ إذَا انْكَشَفَ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ، وَهُوَ
مَحَلُّ الْخِلَافِ. أَمَّا لَوْ كُشِفَ يَسِيرٌ مِنْ الْعَوْرَةِ قَصْدًا فَإِنَّهُ يُبْطِلُهَا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَقَالَهُ الْقَاضِي وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ. وَقِيلَ: لَا يَبْطُلُ وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ فِي مُخْتَصَرِهِ. فَائِدَتَانِ إحْدَاهُمَا قَدْرُ الْيَسِيرِ مَا عُدَّ يَسِيرًا عُرْفًا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقَالَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ: الْيَسِيرُ مِنْ الْعَوْرَةِ مَا كَانَ قَدْرَ رَأْسِ الْخِنْصَرِ وَجُزِمَ بِهِ فِي الْمُبْهِجِ. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَلَا وَجْهَ لَهُ، وَهُوَ كَمَا قَالَ. الثَّانِيَةُ: كَشْفُ الْكَثِيرِ مِنْ الْعَوْرَةِ فِي الزَّمَنِ الْقَصِيرِ كَالْكَشْفِ الْيَسِيرِ فِي الزَّمَنِ الطَّوِيلِ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ هُنَا، وَإِنْ صَحَّحْنَاهُ هُنَاكَ. وَقِيلَ: إنْ احْتَاجَ عَمَلًا كَثِيرًا فِي أَخْذِهَا، فَوَجْهَانِ. وَأَطْلَقَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ: الْخِلَافَ فِي كَشْفِ الْيَسِيرِ مِنْ الْعَوْرَةِ. وَجَزَمَ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ وَقَدَّمَهُ فِي الْكُبْرَى: بِالْعَفْوِ عَنْ الْكَشْفِ الْكَثِيرِ فِي الزَّمَنِ الْيَسِيرِ. قَوْلُهُ (وَمَنْ صَلَّى فِي ثَوْبٍ حَرِيرٍ، أَوْ مَغْصُوبٍ: لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ) هَذَا الْمَذْهَبُ بِلَا رَيْبٍ، مُطْلَقًا وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ وَعَنْهُ يَصِحُّ مَعَ التَّحْرِيمِ اخْتَارَهَا الْخَلَّالُ، وَابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُنُونِ. قَالَ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ: وَهُوَ أَظْهَرُ. وَقِيلَ: تَصِحُّ مَعَ الْكَرَاهَةِ. وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ. وَعَنْهُ لَا تَصِحُّ مِنْ عَالِمٍ بِالنَّهْيِ، وَتَصِحُّ مِنْ غَيْرِهِ. وَقِيلَ: لَا تَصِحُّ إنْ كَانَ شِعَارًا يَعْنِي يَلِي جَسَدَهُ وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ. وَقِيلَ: إذَا كَانَ قَدْرَ سَتْرِ عَوْرَةٍ، كَسَرَاوِيلَ وَإِزَارٍ. وَقِيلَ: تَصِحُّ صَلَاةُ النَّفْلِ دُونَ غَيْرِهَا. وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي بَحْثِ الْمَسْأَلَةِ: أَنَّ النَّافِلَةَ لَا تَصِحُّ بِالِاتِّفَاقِ. قَالَ الْآمِدِيُّ: لَا تَصِحُّ صَلَاةُ النَّفْلِ قَوْلًا وَاحِدًا.
فَهَذِهِ ثَلَاثُ طُرُقٍ فِي النَّافِلَةِ. ذَكَرَهَا فِي النُّكَتِ، وَيَأْتِي نَظِيرُهَا فِي الْمَوْضِعِ الْمَغْصُوبِ. وَقَالَ فِي الْفَائِقِ: وَالْمُخْتَارِ وَقْفُ الصِّحَّةِ عَلَى تَحْلِيلِ الْمَالِكِ فِي الْغَصْبِ. وَقَدْ نُصَّ عَلَى مِثْلِهِ فِي الزَّكَاةِ وَالْأُضْحِيَّةِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَعَنْهُ يَقِفُ عَلَى إجَازَةِ الْمَالِكِ وَيَأْتِي الْكَلَامُ فِي النَّفْلِ قَرِيبًا بِأَعَمَّ مِنْ هَذَا. فَائِدَةٌ: لَوْ لَبِسَ عِمَامَةً مَنْهِيًّا عَنْهَا، أَوْ تِكَّةً، وَصَلَّى فِيهَا: صَحَّتْ صَلَاتُهُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَجَزَمَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ. وَقِيلَ: لَا تَصِحُّ وَجَزَمَ بِهِ فِي مَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُذْهَبِ وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ. قَالَهُ فِي الْقَوَاعِدِ. وَعَنْهُ التَّوَقُّفُ فِي التِّكَّةِ. وَلَوْ صَلَّى وَفِي يَدِهِ خَاتَمٌ ذَهَبٌ، أَوْ دُمْلُجٌ، أَوْ فِي رِجْلِهِ خُفٌّ حَرِيرٌ: لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي التَّبْصِرَةِ احْتِمَالًا فِي بُطْلَانِهَا بِجَمِيعِ ذَلِكَ، إنْ كَانَ رَجُلًا. وَقِيلَ: تَصِحُّ مَعَ الْكَرَاهَةِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ. وَفِيهِ نَظَرٌ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إذَا صَلَّى وَفِي يَدِهِ خَاتَمٌ حَدِيدٌ أَوْ صُفْرٌ: أَعَادَ صَلَاتَهُ. فَائِدَةٌ: لَوْ لَمْ يَجِدْ إلَّا ثَوْبَ حَرِيرٍ، صَلَّى فِيهِ، وَلَمْ يُعِدْ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: يُصَلِّي وَيُعِيدُ. قَالَ الْمَجْدُ، وَتَبِعَهُ فِي الْحَاوِي الْكَبِيرِ: فَأَمَّا الْحَرِيرُ إذَا لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ فَيُصَلِّي فِيهِ وَلَا يُعِيدُ. وَخَرَّجَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا الْإِعَادَةَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي الثَّوْبِ النَّجِسِ. قَالَ: وَهُوَ وَهْمٌ. لِأَنَّ عِلَّةَ الْفَسَادِ فِيهِ التَّحْرِيمُ. وَقَدْ زَالَتْ فِي هَذِهِ الْحَالِ إجْمَاعًا. فَأَشْبَهَ زَوَالَهَا بِالْجَهْلِ وَالْمَرَضِ. انْتَهَى. وَلَوْ لَمْ يَجِدْ إلَّا ثَوْبًا مَغْصُوبًا لَمْ يُصَلِّ فِيهِ، قَوْلًا وَاحِدًا. وَصَلَّى عُرْيَانًا. . قَالَهُ الْأَصْحَابُ. فَلَوْ خَالَفَ وَصَلَّى لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ لِارْتِكَابِ النَّهْيِ. وَقِيلَ تَصِحُّ. فَائِدَةٌ: حُكْمُ النَّفْلِ فِيمَا تَقَدَّمَ حُكْمُ الْفَرْضِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا. وَقِيلَ: يَصِحُّ فِي النَّفْلِ، وَإِنْ لَمْ
نُصَحِّحْهَا فِي الْفَرْضِ، لِأَنَّهُ أَخَفُّ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَنَفْلُهُ كَفَرْضِهِ كَثَوْبٍ نَجِسٍ. وَقِيلَ: يَصِحُّ. لِأَنَّهُ أَخَفُّ. وَذَكَرَ الْقَاضِي وَجَمَاعَةٌ: لَا. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ وَقِيلَ: مَنْ صَلَّى نَفْلًا فِي ثَوْبٍ مَغْصُوبٍ وَنَحْوِهِ، أَوْ فِي مَوْضِعٍ مَغْصُوبٍ وَنَحْوِهِ: صَحَّتْ صَلَاتُهُ. ثُمَّ قَالَ: قُلْت فَإِنْ كَانَ مَعَهُ ثَوْبَانِ، نَجِسٌ وَحَرِيرٌ، وَلَا يَجِدُ غَيْرَهُمَا. فَالْحَرِيرُ أَوْلَى. فَوَائِدُ مِنْهَا: لَوْ جَهِلَ أَوْ نَسِيَ كَوْنَهُ غَصْبًا أَوْ حَرِيرًا، أَوْ حُبِسَ فِي مَكَان غَصْبٍ: صَحَّتْ صَلَاتُهُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَذَكَرَهُ الْمَجْدُ إجْمَاعًا، وَعَنْهُ لَا تَصِحُّ. وَأَطْلَقَ الْقَاضِي فِي حَبْسِهِ بِغَصْبٍ، رِوَايَتَيْنِ: ثُمَّ جَزَمَ بِالصِّحَّةِ فِي ثَوْبٍ يَجْهَلُ غَصْبَهُ لِعَدَمِ إثْمِهِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ. وَمِنْهَا: لَا يَصِحُّ نَفْلُ الْآبِقِ، وَيَصِحُّ فَرْضُهُ. ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَابْنُ الزَّاغُونِيِّ وَغَيْرُهُمَا وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ. لِأَنَّ زَمَنَ فَرْضِهِ مُسْتَثْنًى شَرْعًا، فَلَمْ يَغْصِبْهُ. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: بُطْلَانُ فَرْضِهِ قَوِيٌّ. وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ هُبَيْرَةَ: صِحَّةُ صَلَاتِهِ مُطْلَقًا، إنْ لَمْ يَسْتَحِلَّ الْإِبَاقَ. وَمِنْهَا: تَصِحُّ صَلَاةُ مَنْ طُولِبَ بِرَدِّ وَدِيعَةٍ، أَوْ غَصْبٍ، قَبْلَ دَفْعِهَا إلَى رَبِّهَا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَذَكَرَ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْ الْأَصْحَابِ: أَنَّهَا لَا تَصِحُّ. وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ مِثْلَ الْمَسْأَلَةِ مَنْ أَمَرَهُ سَيِّدُهُ أَنْ يَذْهَبَ إلَى مَكَان فَخَالَفَهُ وَأَقَامَ. وَمِنْهَا: لَوْ غَيَّرَ هَيْئَةَ مَسْجِدٍ فَكَغَيْرِهِ مِنْ الْمَغْصُوبِ، وَإِنْ مَنَعَهُ غَيْرُهُ. وَقِيلَ: أَوْ زَحَمَهُ وَصَلَّى مَكَانَهُ، فَفِي الصِّحَّةِ وَجْهَانِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَعَدَمُ الصِّحَّةِ فِيهَا أَوْلَى لِتَحْرِيمِ الصَّلَاةِ فِيهَا وَقَدَّمَ فِي الرِّعَايَةِ الصِّحَّةَ مَعَ الْكَرَاهَةِ. قَالَ فِي الْفَائِقِ: صَحَّتْ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ وَصَحَّحَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَصَاحِبُ الْحَاوِي الْكَبِيرِ وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: الْأَقْوَى الْبُطْلَانُ.
وَمِنْهَا: يَصِحُّ الْوُضُوءُ، وَالْأَذَانُ، وَإِخْرَاجُ الزَّكَاةِ، وَالصَّوْمُ، وَالْعَقْدُ فِي مَكَان غَصْبٍ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: هُوَ كَصَلَاةٍ. وَنَقَلَهُ الْمَرُّوذِيُّ وَغَيْرُهُ فِي الشِّرَاءِ. وَمِنْهَا: لَوْ تَقَوَّى عَلَى أَدَاءِ عِبَادَةٍ بِأَكْلٍ مُحَرَّمٍ: صَحَّتْ. وَقَالَ أَحْمَدُ: فِي بِئْرٍ حُفِرَ بِمَالٍ غَصْبٍ: لَا يَتَوَضَّأُ مِنْهَا. وَعَنْهُ إنْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهَا: لَا أَدْرِي. وَيَأْتِي إذَا صَلَّى عَلَى أَرْضِ غَيْرِهِ أَوْ مُصَلَّاهُ فِي الْبَابِ الْآتِي بَعْدَ قَوْلِهِ " وَلَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ فِي الْمَوْضِعِ الْمَغْصُوبِ ". قَوْلُهُ (وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا ثَوْبًا نَجِسًا صَلَّى فِيهِ) هَذَا الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ. وَقِيلَ: لَا تَصِحُّ فِيهِ مُطْلَقًا. بَلْ يُصَلِّي عُرْيَانًا، وَهُوَ تَخْرِيجٌ لِلْمَجْدِ فِي شَرْحِهِ وَاخْتَارَهُ فِي الْحَاوِي الْكَبِيرِ. وَعَنْهُ إنْ ضَاقَ الْوَقْتُ صَلَّى فِيهِ وَإِلَّا فَلَا. وَقِيلَ: لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ فِيهِ مُطْلَقًا مَعَ نَجَاسَةٍ عَيْنِيَّةٍ كَجِلْدِ الْمَيْتَةِ فَيُصَلِّي عُرْيَانًا. . قَالَهُ ابْنُ حَامِدٍ. فَائِدَةٌ: حَيْثُ قُلْنَا " يُصَلِّي عُرْيَانًا " فَإِنَّهُ لَا يُعِدْ عَلَى الصَّحِيحِ. وَقِيلَ: يُعِيدُ. قَوْلُهُ (وَأَعَادَ عَلَى الْمَنْصُوصِ) هَذَا الْمَذْهَبُ نَصَّ عَلَيْهِ. وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ. وَيَتَخَرَّجُ أَنْ لَا يُعِيدَ وَجَزَمَ بِهِ فِي التَّبْصِرَةِ، وَالْعُمْدَةِ وَاخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ. مِنْهُمْ الْمُصَنِّفُ، وَالْمَجْدُ، وَصَاحِبُ الْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ، وَغَيْرِهِ. وَذَكَرَهُ فِي الْمُذْهَبِ، وَابْنِ تَمِيمٍ، وَغَيْرِهِمَا رِوَايَةً. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُذْهَبِ، وَابْنُ تَمِيمٍ. تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ (وَيَتَخَرَّجُ أَنْ لَا يُعِيدَ) بِنَاءً عَلَى مَنْ صَلَّى فِي مَوْضِعٍ نَجِسٍ لَا يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ مِنْهُ. فَإِنَّهُ قَالَ: لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ. فَمِمَّنْ خَرَّجَ عَدَمَ الْإِعَادَةِ: أَبُو الْخَطَّابِ فِي الْهِدَايَةِ، وَصَاحِبُ التَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْفَائِقِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِيَيْنِ، وَغَيْرِهِمْ.
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي أُصُولِهِ: سَوَّى بَعْضُ أَصْحَابِنَا بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ. وَلَمْ يُخَرِّجْ طَائِفَةً مِنْ الْأَصْحَابِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ أَظْهَرُ لِظُهُورِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا. وَكَذَا قَالَ فِي أُصُولِهِ. وَأَكْثَرُ مَنْ خَرَّجَ خَرَّجَهَا مِمَّنْ صَلَّى فِي مَوْضِعٍ نَجِسٍ، كَمَا خَرَّجَهُ الْمُصَنِّفُ هُنَا. وَخَرَّجَهَا الْقَاضِي فِي التَّعْلِيقِ مِنْ مَسْأَلَةِ مَنْ عَدِمَ الْمَاءَ وَالتُّرَابَ. وَأَمَّا مَنْ صَلَّى فِي مَوْضِعٍ نَجِسٍ لَا يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ مِنْهُ: فَإِنَّهُ لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَنَصَّ عَلَيْهِ. وَخَرَّجَ الْإِعَادَةَ مِنْ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا. وَلَمْ يُخَرِّجْ بَعْضَهُمْ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ وَالْأُصُولِ وَهُوَ أَظْهَرُ. وَاعْلَمْ أَنَّ مَذْهَبَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: هُوَ مَا قَالَهُ أَوْ جَرَى مِنْهُ مَجْرَى الْقَوْلِ مِنْ تَنْبِيهٍ أَوْ غَيْرِهِ. وَفِي جَوَازِ نِسْبَتِهِ إلَيْهِ مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ، أَوْ مِنْ فِعْلِهِ، أَوْ مِنْ مَفْهُومِ كَلَامِهِ: وَجْهَانِ لِلْأَصْحَابِ. فَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ مَا قِيسَ عَلَى كَلَامِهِ مَذْهَبُهُ: لَوْ أَفْتَى فِي مَسْأَلَتَيْنِ مُتَشَابِهَتَيْنِ بِحُكْمَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ فِي وَقْتَيْنِ: لَمْ يَجُزْ النَّقْلُ وَالتَّخْرِيجُ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا إلَى الْأُخْرَى. كَقَوْلِ الشَّارِعِ. ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ فِي التَّمْهِيدِ وَغَيْرِهِ وَقَدَّمَهُ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي أُصُولِهِ، وَالطُّوفِيُّ فِي أُصُولِهِ وَشَرْحِهِ، وَصَاحِبُ الْحَاوِي الْكَبِيرِ. وَجَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِي الرَّوْضَةِ. وَذَكَرَ ابْنُ حَامِدٍ عَنْ بَعْضِ الْأَصْحَابِ: الْجَوَازَ. قَالَ الطُّوفِيُّ فِي أُصُولِهِ: وَالْأَوْلَى جَوَازُ ذَلِكَ، بَعْدَ الْجَدِّ وَالْبَحْثِ مِنْ أَهْلِهِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُطْلِعِ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ. قُلْت: كَثِيرٌ مِنْ الْأَصْحَابِ مُتَقَدِّمُهُمْ وَمُتَأَخِّرُهُمْ عَلَى جَوَازِ النَّقْلِ وَالتَّخْرِيجِ، وَهُوَ كَثِيرٌ فِي كَلَامِهِمْ فِي الْمُخْتَصَرَاتِ وَالْمُطَوَّلَاتِ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى الْجَوَازِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ فِي خُطْبَةِ الْكِتَابِ. فَعَلَى الْأَوَّلِ: يَكُونُ هَذَا الْقَوْلُ الْمُخَرَّجُ وَجْهًا لِمَنْ خَرَّجَهُ. وَعَلَى الثَّانِي: يَكُونُ رِوَايَةً مُخَرَّجَةً، عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ وَتَحْرِيرُهُ آخِرَ الْكِتَابِ فِي الْقَاعِدَةِ. وَكَذَا لَوْ نَصَّ عَلَى حُكْمٍ فِي الْمَسْأَلَةِ وَسَكَتَ عَنْ نَظِيرَتِهَا. فَلَمْ يَنُصَّ عَلَى حُكْمٍ فِيهَا. لَا يَجُوزُ نَقْلُ حُكْمِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ إلَى الْمَسْكُوتِ عَنْهُ، بَلْ هُنَا عَدَمُ النَّقْلِ أَوْلَى.
قَالَهُ الطُّوفِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ وَغَيْرِهِ. وَقَالَ فِي شَرْحِهِ: وَقِيَاسُ الْجَوَازِ فِي الَّتِي قَبْلَهَا: نَقْلُ حُكْمِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ إلَى الْمَسْكُوتِ عَنْهُ، إذَا عُدِمَ الْفَرْقُ الْمُؤَثِّرُ بَيْنَهُمَا بَعْدَ النَّظَرِ الْبَالِغِ مِنْ أَهْلِهِ. انْتَهَى. قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ فِيهَا، وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ عِنْدَ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ. فَالْمَسْأَلَةُ الْأُولَى لَا تَكُونُ إلَّا فِي نَصَّيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ فِي مَسْأَلَتَيْنِ مُتَشَابِهَتَيْنِ. وَأَمَّا التَّخْرِيجُ وَحْدَهُ: فَهُوَ أَعَمُّ. لِأَنَّهُ مِنْ الْقَوَاعِدِ الْكُلِّيَّةِ الَّتِي تَكُونُ مِنْ الْإِمَامِ أَوْ الشَّرْعِ، لِأَنَّ حَاصِلَهُ أَنَّهُ بَنَى فَرْعًا عَلَى أَصْلٍ بِجَامِعٍ مُشْتَرَكٍ. فَائِدَةٌ: إذَا صَلَّى فِي مَوْضِعٍ نَجِسٍ لَا يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ عَنْهُ. فَإِنْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ رَطْبَةً: أَوْمَأَ غَايَةَ مَا يُمْكِنُهُ، وَجَلَسَ عَلَى قَدَمَيْهِ، قَوْلًا وَاحِدًا. قَالَهُ ابْنُ تَمِيمٍ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي. وَإِنْ كَانَتْ يَابِسَةً: فَكَذَلِكَ. قَالَ فِي الْوَجِيزِ: وَمَنْ مَحَلُّهُ نَجِسٌ بِضَرُورَةٍ أَوْمَأَ، وَلَمْ يُعِدْ وَقَدَّمَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ. فَقَالَ: يُومِئُ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ. نَصَّ عَلَيْهِ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. قَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ فِي حَوَاشِي الْفُرُوعِ: أَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ أَنَّهُ كَمَنْ صَلَّى فِي مَاءٍ وَطِينٍ. قَالَ الْقَاضِي: يَقْرُبُ أَعْضَاؤُهُ مِنْ السُّجُودِ. بِحَيْثُ لَوْ زَادَ شَيْئًا لَمَسَّتْهُ النَّجَاسَةُ. وَيَجْلِسُ عَلَى رِجْلَيْهِ، وَلَا يَضَعُ عَلَى الْأَرْضِ غَيْرَهُمَا. وَعَنْهُ يَجْلِسُ وَيَسْجُدُ بِالْأَرْضِ. قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَصَاحِبُ الْحَاوِي الْكَبِيرِ: هِيَ الصَّحِيحَةُ. وَهِيَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالْمُذْهَبِ. قَوْلُهُ (وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا مَا يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ سَتَرَهَا) إنْ كَانَتْ السُّتْرَةُ لَا تَكْفِي إلَّا الْعَوْرَةَ فَقَطْ، أَوْ مَنْكِبَيْهِ فَقَطْ، فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ، وَيُصَلِّي قَائِمًا. وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا. وَقَالَ الْقَاضِي: يَسْتُرُ مَنْكِبَيْهِ وَيُصَلِّي جَالِسًا. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَهُوَ بَعِيدٌ. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى سُتْرَةٍ تَتَّسِعُ أَنْ يَتْرُكَهَا عَلَى كَتِفَيْهِ وَيَشُدَّهَا مِنْ وَرَائِهِ
فَتَسْتُرَ دُبُرَهُ، وَالْقُبُلُ مَسْتُورٌ بِضَمِّ فَخِذَيْهِ عَلَيْهِ. فَيَحْصُلَ سَتْرُ الْجَمِيعِ. انْتَهَى. وَهَذَا الْقَوْلُ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْبُلْغَةِ، وَإِنْ كَانَتْ السُّتْرَةُ تَكْفِي عَوْرَتَهُ فَقَطْ، أَوْ تَكْفِي مَنْكِبَيْهِ وَعَجُزَهُ فَقَطْ، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا أَيْضًا: أَنَّهُ يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ، وَيُصَلِّي قَائِمًا، وَهُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَاخْتَارَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ وَصَاحِبُ الْحَاوِي الْكَبِيرِ. قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ، وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَسْتُرُ مَنْكِبَيْهِ وَعَجُزَهُ، وَيُصَلِّي جَالِسًا، نَصَّ عَلَيْهِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَابْنُ عُبَيْدَانَ وَغَيْرِهِمْ. قَوْلُهُ (فَإِنْ لَمْ يَكْفِ جَمِيعَهَا سَتَرَ الْفَرْجَيْنِ) . هَذَا الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ. وَعَلَى قَوْلِ الْقَاضِي: يَسْتُرُ مَنْكِبَيْهِ وَيُصَلِّي جَالِسًا. قَوْلُهُ (فَإِنْ لَمْ يَكْفِهِمَا جَمِيعًا سَتَرَ أَيَّهُمَا شَاءَ) بِلَا نِزَاعٍ أَعْلَمُهُ، وَالْخِلَافُ إنَّمَا هُوَ فِي الْأَوْلَوِيَّةِ. قَوْلُهُ (وَالْأَوْلَى سَتْرُ الدُّبُرِ، عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِهِ) وَهُوَ الْمَذْهَبُ، صَحَّحَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَصَاحِبُ الْحَاوِي الْكَبِيرِ. قَالَ فِي تَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ: سَتَرَهُ عَلَى الْأَظْهَرِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْهَادِي، وَالْإِفَادَاتِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالْفَائِقِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ، وَالشَّرْحِ. وَقِيلَ: الْقُبُلُ أَوْلَى، وَهُوَ رِوَايَةٌ حَكَاهَا غَيْرُ وَاحِدٍ. قُلْت: وَالنَّفْسُ تَمِيلُ إلَى ذَلِكَ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالْكَافِي. وَقِيلَ: بِالتَّسَاوِي. قَالَ فِي الْعُمْدَةِ، وَالْمَذْهَبِ الْأَحْمَدِ: فَإِنْ لَمْ يَكْفِهِمَا سَتَرَ أَحَدَهُمَا، وَاقْتَصَرَا عَلَيْهِ. وَقَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ
فِي شَرْحِهِ وَأَطْلَقَهُنَّ فِي التَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَقِيلَ: سَتْرُ أَكْثَرِهِمَا أَوْلَى، وَاخْتَارَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. قَوْلُهُ (وَإِنْ بُذِلَتْ لَهُ سُتْرَةٌ لَزِمَهُ قَبُولُهَا، إذَا كَانَتْ عَارِيَّةً) وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ. وَقَطَعَ بِهِ أَكْثَرُهُمْ. وَقِيلَ: لَا يَلْزَمُهُ. فَائِدَتَانِ إحْدَاهُمَا: لَوْ وُهِبَتْ لَهُ سُتْرَةٌ لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهَا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا. وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي الْخَطَّابِ. الثَّانِيَةُ: يَلْزَمُهُ تَحْصِيلُ السُّتْرَةِ بِقِيمَةِ الْمِثْلِ، وَالزِّيَادَةُ هُنَا عَلَى قِيمَةِ الْمِثْلِ مِثْلُ الزِّيَادَةِ فِي مَاءِ الْوُضُوءِ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ. قَوْلُهُ (فَإِنْ عَدِمَ بِكُلِّ حَالٍ: صَلَّى جَالِسًا، يُومِئُ إيمَاءً. فَإِنْ صَلَّى قَائِمًا جَازَ) صَرَّحَ بِأَنَّ لَهُ الصَّلَاةَ جَالِسًا وَقَائِمًا، وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَإِذَا صَلَّى قَائِمًا فَإِنَّهُ يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَقُوَّةُ كَلَامِهِ: أَنَّ الصَّلَاةَ جَالِسًا أَوْلَى، وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: عَلَيْهِ عَامَّةُ الْأَصْحَابِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَغَيْرُهُمْ، وَجَزَمَ بِهِ فِي التَّلْخِيصِ وَغَيْرِهِ. وَقِيلَ: تَجِبُ الصَّلَاةُ جَالِسًا وَالْحَالَةُ هَذِهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ. فَإِنَّهُ قَالَ: لَا يُصَلُّونَ قِيَامًا. إذَا رَكَعُوا وَسَجَدُوا بَدَتْ عَوْرَاتُهُمْ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ. وَعَنْهُ أَنَّهُ يُصَلِّي قَائِمًا وَيَسْجُدُ بِالْأَرْضِ. يَعْنِي يَلْزَمُهُ ذَلِكَ، اخْتَارَهَا الْآجُرِّيُّ، وَصَاحِبُ الْحَاوِي الْكَبِيرِ وَغَيْرُهُمَا. وَقَدَّمَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ. قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ.
وَقَوْلُ الزَّرْكَشِيّ: وَأَمَّا مَا حَكَاهُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي الْمُقْنِعِ مِنْ وُجُوبِ الْقِيَامِ عَلَى رِوَايَةٍ فَمُنْكَرٌ لَا نَعْرِفُهُ لَا عِبْرَةَ بِهِ، وَلَا الْتِفَاتَ إلَيْهِ. وَهَذَا أَعْجَبُ مِنْهُ. فَإِنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ مَشْهُورَةٌ مَنْقُولَةٌ فِي الْكُتُبِ الْمُطَوَّلَةِ وَالْمُخْتَصَرَةِ. وَذَكَرَهَا ابْنُ حَمْدَانَ فِي رِعَايَتِهِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَصَاحِبُ الْفُرُوعِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالنَّظْمِ، وَغَيْرُهُمْ، وَاخْتَارَهُ الْآجُرِّيُّ، وَصَاحِبُ الْحَاوِي، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، بَلْ قَوْلُهُ مُنْكَرٌ لَا يُعْرَفُ لَهُ مُوَافِقٌ عَلَى ذَلِكَ. غَايَتُهُ أَنَّ بَعْضَهُمْ لَمْ يَذْكُرْهَا، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ ذِكْرِهَا عَدَمُ إثْبَاتِهَا. وَإِنَّمَا نَفَاهَا ابْنُ عَقِيلٍ عَلَى مَا يَأْتِي مِنْ كَلَامِهِ فِي الْمُصَلِّي جَمَاعَةً. وَمَنْ أَثْبَتَ مُقَدَّمٌ عَلَى مَنْ نَفَى. وَقِيلَ: يُصَلِّي قَائِمًا وَيُومِئُ. وَحَكَى الشِّيرَازِيُّ وَمَنْ تَابَعَهُ وَجْهًا فِي الْمُنْفَرِدِ: أَنَّهُ يُصَلِّي قَائِمًا بِخِلَافِ مَنْ يُصَلِّي جَمَاعَةً. قَالَ: بِنَاءً عَلَى أَنَّ السَّتْرَ كَانَ لِمَعْنًى فِي غَيْرِ الْعَوْرَةِ، وَهُوَ عَنْ أَعْيُنِ النَّاسِ. وَنَقَلَ الْأَثْرَمُ: إنْ تَوَارَى بَعْضُ الْعُرَاةِ عَنْ بَعْضٍ، فَصَلَّوْا قِيَامًا، فَلَا بَأْسَ. قَالَ الْقَاضِي: ظَاهِرُهُ: لَا يَلْزَمُ الْقِيَامُ خَلْوَةً. وَنَقَلَ بَكْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ: أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُصَلُّوا جُلُوسًا. وَظَاهِرُهُ: لَا فَرْقَ بَيْنَ الْخَلْوَةِ وَغَيْرِهَا. وَقَالَ: وَهُوَ الْمَذْهَبُ، قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي رِوَايَتَيْهِ: لَا تَخْتَلِفُ الرِّوَايَةُ: أَنَّ الْعُرَاةَ إذَا صَلَّوْا جَمَاعَةً يُصَلُّونَ جُلُوسًا. وَلَا يَجُوزُ قِيَامًا. وَاخْتُلِفَ فِي الْمُنْفَرِدِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ كَالْجَمَاعَةِ. انْتَهَى. قَوْلُهُ (فَإِنْ عَدِمَ بِكُلِّ حَالٍ صَلَّى جَالِسًا، يُومِئُ إيمَاءً) الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ إذَا صَلَّى جَالِسًا، أَوْمَأَ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ. وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ. وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ. وَعَنْهُ أَنَّهُ يَسْجُدُ بِالْأَرْضِ، اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ. وَصَاحِبُ الْحَاوِي. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالتَّلْخِيصِ وَالْبُلْغَةِ. فَائِدَتَانِ إحْدَاهُمَا: حَيْثُ قُلْنَا " يُصَلِّي جَالِسًا " فَإِنَّهُ لَا يَتَرَبَّعُ، بَلْ يَنْضَمُّ، بِأَنْ يَضُمَّ إحْدَى فَخِذَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى. وَهَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَنَقَلَهُ الْأَثْرَمُ وَالْمَيْمُونِيُّ.
وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ. وَعَنْهُ يَتَرَبَّعُ، جَزَمَ بِهِ فِي الْإِفَادَاتِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى. وَالْحَاوِيَيْنِ. وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. وَقَالَ: نُصَّ عَلَيْهِ. قُلْت: وَهُوَ بَعِيدٌ. وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ. الثَّانِيَةُ: حَيْثُ صَلَّى عُرْيَانًا، فَإِنَّهُ لَا يُعِيدُ إذَا قَدَرَ عَلَى السُّتْرَةِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَأَلْحَقَهُ الدِّينَوَرِيُّ بِعَادِمِ الْمَاءِ وَالتُّرَابِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ. قَوْلُهُ (وَإِنْ وَجَدَ السُّتْرَةَ قَرِيبَةً مِنْهُ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ) يَعْنِي قَرِيبَةً عُرْفًا (سَتَرَ وَبَنَى، وَإِنْ كَانَتْ بَعِيدَةً عُرْفًا سَتَرَ وَابْتَدَأَ) وَهَذَا الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ. وَقِيلَ يَبْنِي مُطْلَقًا. وَقِيلَ: لَا يَبْنِي مُطْلَقًا. وَقِيلَ: إنْ انْتَظَرَ مَنْ يُنَاوِلُهُ إيَّاهَا لَمْ تَبْطُلْ؛ لِأَنَّهُ انْتِظَارُ وَاجِدٍ كَانْتِظَارِ الْمَسْبُوقِ. وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: إذَا قَدَرَ عَلَى السُّتْرَةِ فِي الصَّلَاةِ، فَهَلْ يَسْتَأْنِفُ أَوْ يَبْنِي؟ يُخَرَّجُ عَلَى الْمُتَيَمِّمِ يَجِدُ الْمَاءَ فِي الصَّلَاةِ. وَجُوِّزَ لِلْأَمَةِ إذَا عَتَقَتْ فِي الصَّلَاةِ: الْبِنَاءُ مَعَ الْقُرْبِ، وَجْهًا وَاحِدًا. فَائِدَةٌ: لَوْ قَالَ لِأَمَتِهِ: إنْ صَلَّيْت رَكْعَتَيْنِ مَكْشُوفَةَ الرَّأْسِ فَأَنْتِ حُرَّةٌ فَصَلَّتْ كَذَلِكَ عَاجِزَةً عَنْ سُتْرَةٍ عَتَقَتْ. وَصَحَّتْ الصَّلَاةُ. وَمَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ تَصِحُّ الصَّلَاةُ، دُونَ الْعِتْقِ. قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. فَائِدَتَانِ إحْدَاهُمَا: حُكْمُ الْمُعْتَقَةِ فِي الصَّلَاةِ حُكْمُ وَاجِدِ السُّتْرَةِ فِي الصَّلَاةِ، خِلَافًا وَمَذْهَبًا وَتَفْصِيلًا عَلَى الصَّحِيحِ. وَتَقَدَّمَ كَلَامُ ابْنِ حَامِدٍ. وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَلَوْ عَتَقَتْ الْأَمَةُ فِي الصَّلَاةِ، فَهِيَ كَالْعُرْيَانِ يَجِدُ السُّتْرَةَ، لَكِنَّ حُكْمَهَا فِي الْبِنَاءِ مَعَ الْعَمَلِ الْكَثِيرِ كَمَنْ سَبَقَهُ الْحَدَثُ. وَكَذَا إنْ أَطَارَتْ الرِّيحُ سِتْرًا لَهُ وَاحْتَاجَ إلَى عَمَلٍ كَثِيرٍ. بِخِلَافِ الْعَارِي. إذْ الصَّحِيحُ فِيهِ عَدَمُ تَخْرِيجِهِ عَلَى مَنْ سَبَقَهُ الْحَدَثُ. انْتَهَى. وَلَوْ جَهِلَتْ الْعِتْقَ، أَوْ وُجُوبَ السُّتْرَةِ، أَوْ الْقُدْرَةَ عَلَيْهِ: لَزِمَهَا الْإِعَادَةُ. كَخِيَارِ مُعْتَقَةٍ تَحْتَ عَبْدٍ. ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ. وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْفُرُوعِ، وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ تَمِيمٍ.
الثَّانِيَةُ: لَوْ طُعِنَ فِي دُبُرِهِ، فَصَارَتْ الرِّيحُ تَتَمَاسَكُ فِي حَالِ جُلُوسِهِ. فَإِذَا سَجَدَ خَرَجَتْ مِنْهُ: لَزِمَهُ السُّجُودُ بِالْأَرْضِ، نُصَّ عَلَيْهِ، تَرْجِيحًا لِلرُّكْنِ عَلَى الشَّرْطِ لِكَوْنِهِ مَقْصُودًا فِي نَفْسِهِ. وَخَرَّجَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَمَنْ تَبِعَهُ: أَنَّهُ يُومِئُ بِنَاءً عَلَى الْعُرْيَانِ. وَقَوَّاهُ هُوَ وَصَاحِبُ الْحَاوِي وَتَقَدَّمَ مَا يُشْبِهُ ذَلِكَ فِي الْحَيْضِ، بَعْدَ قَوْلِهِ " وَكَذَلِكَ مَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ ". قَوْلُهُ (وَيُصَلِّي الْعُرَاةُ جَمَاعَةً) قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وُجُوبًا. قُلْت: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ. (وَإِمَامُهُمْ فِي وَسَطِهِمْ) ، الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ إمَامَ الْعُرَاةِ يَجِبُ أَنْ يَقِفَ بَيْنَهُمْ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَقِيلَ: يَجُوزُ أَنْ يَؤُمَّهُمْ مُتَقَدِّمًا عَلَيْهِمْ. فَعَلَى الْأَوَّلِ: لَوْ خَالَفَ وَفَعَلَ بَطَلَتْ. وَعَلَى الثَّانِي: لَا تَبْطُلُ. وَلَوْ كَانَ الْمَكَانُ يَضِيقُ عَنْهُمْ صَفًّا وَاحِدًا: صَلَّى الْكُلُّ جَمَاعَةً وَاحِدَةً، وَإِنْ كَثُرَتْ صُفُوفُهُمْ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، صَحَّحَهُ الْمَجْدُ، وَصَاحِبُ الْحَاوِي الْكَبِيرِ. وَقِيلَ: يُصَلُّونَ جَمَاعَتَيْنِ فَأَكْثَرَ. كَالنِّسَاءِ وَالرِّجَالِ. وَهَذَا الْمَذْهَبُ، جَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِي. وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَةُ الْكُبْرَى. وَقَالَ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَابْنُ رَزِينٍ: فَإِنْ لَمْ يَسَعْهُمْ صَفٌّ وَاحِدٌ وَقَفُوا صُفُوفًا، وَغَضُّوا أَبْصَارَهُمْ، وَإِنْ صَلَّى كُلُّ صَفٍّ جَمَاعَةً فَهُوَ أَحْسَنُ. فَائِدَتَانِ إحْدَاهُمَا: لَوْ كَانَتْ السُّتْرَةُ لِوَاحِدٍ لَزِمَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِهَا. فَلَوْ أَعَارَهَا وَصَلَّى عُرْيَانًا لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ. وَيُسْتَحَبُّ إعَارَتُهَا بَعْدَ صَلَاتِهِ وَصَلَّى بِهَا وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ. فَإِنْ خَافُوا خُرُوجَ الْوَقْتِ دُفِعَتْ السُّتْرَةُ إلَى مَنْ يُصَلِّي فِيهَا إمَامًا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَيُصَلِّي الْبَاقِي عُرَاةً. وَقِيلَ: لَا يُقَدَّمُ الْإِمَامُ بِالسُّتْرَةِ، بَلْ يُصَلِّي فِيهَا
وَاحِدٌ بَعْدَ وَاحِدٍ، وَلَوْ خَرَجَ الْوَقْتُ. وَهَلْ يَلْزَمُ انْتِظَارُ السُّتْرَةِ، وَلَوْ خَرَجَ الْوَقْتُ فِي غَيْرِ مَسْأَلَةِ الْإِمَامِ الْمُتَقَدِّمَةِ أَمْ لَا يَلْزَمُ انْتِظَارُهَا، كَالْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ بَعْدَهُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ. أَحَدُهُمَا: لَا يَلْزَمُهُ. قَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَالشَّارِحُ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَابْنُ رَزِينٍ، وَهُوَ الصَّحِيحُ الصَّوَابُ، وَجُزِمَ بِهِ فِي الْكَافِي. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَلْزَمُهُ انْتِظَارُهَا لِيُصَلِّيَ فِيهَا، وَلَوْ خَرَجَ الْوَقْتُ. قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي: وَهَذَا أَقْيَسُ. وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَقَالَ: وَإِنْ ضَاقَ الْوَقْتُ صَلَّى بِهَا وَاحِدٌ. قُلْت: إنْ عَيَّنَهُ رَبُّهَا، وَإِلَّا اقْتَرَعُوا إنْ تَشَاحُّوا. انْتَهَى. قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ: وَإِنْ صَلَّى صَاحِبُ الثَّوْبِ وَقَدْ بَقِيَ وَقْتُ صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ اُسْتُحِبَّ أَنْ يُعِيرَهُ لِمَنْ يَصْلُحُ لِإِمَامَتِهِمْ، وَإِنْ أَعَارَهُ لِغَيْرِهِ جَازَ. وَصَارَ حُكْمُهُ حُكْمَ صَاحِبِ الثَّوْبِ. فَإِنْ اسْتَوَوْا وَلَمْ يَكُنْ الثَّوْبُ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ: أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ. فَيَكُونُ مَنْ تَقَعُ لَهُ الْقُرْعَةُ أَحَقَّ بِهِ، وَإِلَّا قُدِّمَ مَنْ يُسْتَحَبُّ الْبُدَاءَةُ بِعَارِيَّتِهِ. وَجَعَلَ الْمُصَنِّفُ وَاجِدَ الْمَاءِ أَصْلًا لِلُّزُومِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ. وَلَا فَرْقَ. وَأَطْلَقَ أَحْمَدُ فِي مَسْأَلَةِ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ: الِانْتِظَارَ. وَحَمَلَهُ ابْنُ عَقِيلٍ عَلَى اتِّسَاعِ الْوَقْتِ. الثَّانِيَةُ: الْمَرْأَةُ أَوْلَى بِالسُّتْرَةِ لِلصَّلَاةِ مِنْ الرَّجُلِ وَتَقَدَّمَ آخِرَ التَّيَمُّمِ: إذَا بُذِلَتْ سُتْرَةٌ الْأَوْلَى مِنْ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ: أَنْ يُصَلِّيَ الْحَيُّ ثُمَّ يُكَفَّنَ الْمَيِّتُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَتَقَدَّمَ بَعْدَهَا إذَا احْتَاجَ إلَى لِفَافَةِ الْمَيِّتِ. وَهَلْ يُصَلِّي عَلَيْهِ عُرْيَانًا أَوْ يَأْخُذُ لِفَافَتَهُ؟ قَوْلُهُ (وَيُكْرَهُ فِي الصَّلَاةِ السَّدْلُ) هَذَا الْمَذْهَبُ، نُصَّ عَلَيْهِ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَعَنْهُ إنْ كَانَ تَحْتَهُ ثَوْبٌ لَمْ يُكْرَهْ وَإِلَّا كُرِهَ. وَعَنْهُ إنْ كَانَ تَحْتَهُ ثَوْبٌ وَإِزَارٌ لَمْ يُكْرَهْ. وَإِلَّا كُرِهَ. وَعَنْهُ لَا يُكْرَهُ
مُطْلَقًا. حَكَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ. وَعَنْهُ يَحْرُمُ فَيُعِيدُ، وَهِيَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. وَأَطْلَقَ الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْإِعَادَةِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَابْنِ تَمِيمٍ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إنْ لَمْ تَبْدُ عَوْرَتُهُ لَمْ يُعِدْ بِاتِّفَاقٍ. قَوْلُهُ (وَهُوَ أَنْ يَطْرَحَ عَلَى كَتِفَيْهِ ثَوْبًا، وَلَا يَرُدَّ أَحَدَ طَرَفَيْهِ عَلَى الْكَتِفِ الْأُخْرَى) . وَهَذَا التَّفْسِيرُ هُوَ الصَّحِيحُ. وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالشَّرْحِ، وَغَيْرِهِمْ. وَقَدَّمَهُ فِي التَّلْخِيصِ، وَالْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ. ذَكَرَهُ فِي أَوَّلِ بَابِ مَا يُكْرَهُ فِي الصَّلَاةِ فِي اللِّبَاسِ، وَغَيْرِهِمْ. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ: هَذَا الصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ عَنْهُ. وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: هُوَ أَنْ يَضَعَ عَلَى كَتِفَيْهِ ثَوْبًا مَنْشُورًا وَلَا يَرُدَّ أَحَدَ طَرَفَيْهِ عَلَى أَحَدِ كَتِفَيْهِ. وَنَقَلَ صَالِحٌ: هُوَ أَنْ يَطْرَحَ الثَّوْبَ عَلَى أَحَدِهِمَا، وَلَا يَرُدَّ أَحَدَ طَرَفَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى. وَقَدَّمَهُ فِي الْفَائِقِ. وَقَالَ: نُصَّ عَلَيْهِ. وَعَنْهُ أَنْ يَتَخَلَّلَ بِالثَّوْبِ وَيُرْخِيَ طَرَفَيْهِ، وَلَا يَرُدَّ وَاحِدًا مِنْهُمَا عَلَى الْكَتِفِ الْأُخْرَى، وَلَا يَضُمَّ طَرَفَيْهِ بِيَدَيْهِ، وَهُوَ قَوْلٌ فِي الرِّعَايَةِ. وَنَقَلَ ابْنُ هَانِئٍ: هُوَ أَنْ يُرْخِيَ ثَوْبَهُ عَلَى عَاتِقِهِ لَا يَمَسُّهُ. وَقِيلَ: هُوَ إسْبَالُ الثَّوْبِ عَلَى الْأَرْضِ، اخْتَارَهُ الْآمِدِيُّ، وَابْنُ عَقِيلٍ. وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: مَعَ طَرْحِهِ عَلَى أَحَدِ كَتِفَيْهِ. وَقِيلَ: هُوَ وَضْعُ وَسَطِ الرِّدَاءِ عَلَى رَأْسِهِ، وَإِرْسَالُهُ مِنْ وَرَائِهِ عَلَى ظَهْرِهِ. وَهِيَ لِبْسَةُ الْيَهُودِ. وَقِيلَ: هُوَ وَضْعُهُ عَلَى عُنُقِهِ وَلَمْ يَرُدَّهُ عَلَى كَتِفَيْهِ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي. قَوْلُهُ (وَاشْتِمَالُ الصَّمَّاءِ) الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: كَرَاهَةُ اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ فِي الصَّلَاةِ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَعَنْهُ يَحْرُمُ فَيُعِيدُ. وَهِيَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَحَكَى ابْنُ حَامِدٍ وَجْهًا فِي
بُطْلَانِ الصَّلَاةِ بِهِ مُطْلَقًا. وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: إذَا لَمْ يَكُنْ تَحْتَهُ ثَوْبٌ أَعَادَ. وَأُطْلِقَ الْخِلَافُ فِي الْإِعَادَةِ فِي الرِّعَايَتَيْنِ. قَوْلُهُ (وَهُوَ أَنْ يَضْطَبِعَ بِثَوْبٍ لَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ) . هَذَا الْمَذْهَبُ، جَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَغَيْرِهِمْ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْفَائِقِ، وَالشَّارِحِ، وَالنَّظْمِ، وَغَيْرِهِمْ. وَعَنْهُ يُكْرَهُ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ. وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ. وَقِيلَ: يُكْرَهُ، إذَا كَانَ فَوْقَ الْإِزَارِ دُونَ الْقَمِيصِ. وَقَالَ صَاحِبُ التَّبْصِرَةِ: هُوَ أَنْ يَضَعَ الرِّدَاءَ عَلَى رَأْسِهِ، ثُمَّ يَسْدُلَ طَرَفَيْهِ إلَى رِجْلَيْهِ. وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَقَالَ السَّامِرِيُّ: هُوَ أَنْ يَلْتَحِفَ بِالثَّوْبِ وَيَرْفَعَ طَرَفَيْهِ إلَى أَحَدِ جَانِبَيْهِ. وَلَا يَبْقَى لِيَدَيْهِ مَا يُخْرِجُهُمَا مِنْهُ. وَلَمْ أَرَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ الْعَرَبِ. وَالْأَوَّلُ قَوْلُ الْفُقَهَاءِ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَهُمْ أَعْلَمُ بِالتَّأْوِيلِ. قَوْلُهُ (وَيُكْرَهُ تَغْطِيَةُ الْوَجْهِ، وَالتَّلَثُّمُ عَلَى الْفَمِ وَالْأَنْفِ، وَلَفُّ الْكُمِّ) ، الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ تَغْطِيَةَ الْوَجْهِ وَالتَّلَثُّمَ عَلَى الْفَمِ وَلَفَّ الْكُمِّ مَكْرُوهٌ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ. وَعَنْهُ لَا يُكْرَهُ. وَأَمَّا التَّلَثُّمُ عَلَى الْأَنْفِ: فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يُكْرَهُ أَيْضًا. قَالَ فِي الْفُصُولِ: يُكْرَهُ التَّلَثُّمُ عَلَى الْأَنْفِ عَلَى أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالنَّظْمِ، وَالْهَادِي، وَالْمُغْنِي، وَابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ. وَاخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ. وَصَحَّحَهُ. وَقَدَّمَهُ فِي الشَّرْحِ. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَا يُكْرَهُ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ. قَوْلُهُ (وَشَدُّ الْوَسَطِ بِمَا يُشْبِهُ شَدَّ الزُّنَّارِ) يَعْنِي أَنَّهُ يُكْرَهُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَنُصَّ عَلَيْهِ. وَعَنْهُ
لَا يُكْرَهُ إلَّا أَنْ يَشُدَّهُ لِعَمَلِ الدُّنْيَا. فَيُكْرَهَ. نَقَلَهُ ابْنُ إبْرَاهِيمَ، وَجَزَمَ بَعْضُهُمْ بِكَرَاهَةِ شَدِّهِ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ لِعَمَلِ الدُّنْيَا. مِنْهُمْ ابْنُ تَمِيمٍ، وَصَاحِبُ الْفَائِقِ. وَيَأْتِي كَلَامُهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ. تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ: كَرَاهَةُ شَدِّ وَسَطِهِ بِمَا يُشْبِهُ شَدَّ الزُّنَّارِ: لَا تَخْتَصُّ بِالصَّلَاةِ، كَاَلَّذِي قَبْلَهُ. ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ. وَاقْتُصِرَ عَلَيْهِ فِي الْفُرُوعِ؛ لِأَنَّهُ يُكْرَهُ التَّشَبُّهُ بِالنَّصَارَى فِي كُلِّ وَقْتٍ. وَقِيلَ: يَحْرُمُ التَّشَبُّهُ بِهِمْ. الثَّانِي: مَفْهُومُ قَوْلِهِ " بِمَا يُشْبِهُ شَدَّ الزُّنَّارِ " أَنَّهُ إذَا كَانَ لَا يُشْبِهُهُ لَا يُكْرَهُ، وَهُوَ صَحِيحٌ، بَلْ قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: يُسْتَحَبُّ، نُصَّ عَلَيْهِ لِلْخَبَرِ، وَأَنَّهُ أَسْتَرُ لِلْعَوْرَةِ، وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ تَمِيمٍ بِمِنْدِيلٍ، أَوْ مِنْطَقَةٍ وَنَحْوِهَا، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يُكْرَهُ الشَّدُّ بِالْحِيَاصَةِ يَعْنِي لِلرَّجُلِ قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: فَإِنْ شَدَّ وَسَطَهُ بِمَا يُشْبِهُ الزُّنَّارَ كَالْحِيَاصَةِ وَنَحْوِهَا كُرِهَ. وَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ كَرِهَ الْمِنْطَقَةَ فِي الصَّلَاةِ، زَادَ بَعْضُهُمْ: وَفِي غَيْرِ الصَّلَاةِ. وَنَقَلَ حَرْبٌ: يُكْرَهُ شَدُّ وَسَطِهِ عَلَى الْقَمِيصِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ زِيِّ الْيَهُودِ. وَلَا بَأْسَ بِهِ عَلَى الْقَبَاءِ. قَالَ الْقَاضِي: لِأَنَّهُ مِنْ عَادَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْحَاوِي. وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: لَا بَأْسَ بِشَدِّ الْقَبَاءِ فِي السَّفَرِ عَلَى غَيْرِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ. الثَّالِثُ: قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: مَحَلُّ الِاسْتِحْبَابِ فِي حَقِّ الرَّجُلِ. فَأَمَّا الْمَرْأَةُ: فَيُكْرَهُ الشَّدُّ فَوْقَ ثِيَابِهَا، لِئَلَّا يَحْكِيَ حَجْمَ أَعْضَائِهَا وَبَدَنِهَا. انْتَهَى. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ: وَيُكْرَهُ لِلْمَرْأَةِ فِي الصَّلَاةِ شَدُّ وَسَطِهَا بِمِنْدِيلٍ وَمِنْطَقَةٍ وَنَحْوِهِمَا. قَوْلُهُ (وَإِسْبَالُ شَيْءٍ مِنْ ثِيَابِهِ خُيَلَاءَ) .
يَعْنِي يُكْرَهُ، وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمَذْهَبِ الْأَحْمَدِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْوَجِيزِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ، وَغَيْرِهِمْ. وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. قُلْت: وَهَذَا ضَعِيفٌ جِدًّا، إنْ أَرَادُوا كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ. وَلَكِنْ قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي، وَالْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: الْمُرَادُ كَرَاهَةُ تَحْرِيمٍ، وَهُوَ الْأَلْيَقُ. وَحُكِيَ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: الْخِلَافُ فِي كَرَاهَتِهِ وَتَحْرِيمِهِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَحْرُمُ إلَّا فِي حَرْبٍ، أَوْ يَكُونُ ثَمَّ حَاجَةٌ. قُلْت: هَذَا عَيْنُ الصَّوَابِ الَّذِي لَا يُعْدَلُ عَنْهُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّ أَحْمَدَ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَحْرُمُ فِي الْأَصَحِّ إسْبَالُ ثِيَابِهِ خُيَلَاءَ فِي غَيْرِ حَرْبٍ بِلَا حَاجَةٍ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: الْمَذْهَبُ هُوَ حَرَامٌ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَهُوَ أَظْهَرُ وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ تَمِيمٍ، وَالشَّارِحُ، وَالنَّاظِمُ، وَالْإِفَادَاتُ. تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ (يَحْرُمُ، أَوْ يُكْرَهُ بِلَا حَاجَةٍ) . قَالُوا فِي الْحَاجَةِ: كَوْنُهُ حَمْشَ السَّاقَيْنِ. قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُرَادُ: وَلَمْ يُرِدْ التَّدْلِيسَ عَلَى النِّسَاءِ. انْتَهَى. فَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ: جَوَازُ إسْبَالِ الثِّيَابِ عِنْدَ الْحَاجَةِ. قُلْت: وَفِيهِ نَظَرٌ بَيِّنٌ، بَلْ يُقَالُ: يَجُوزُ الْإِسْبَالُ مِنْ غَيْرِ خُيَلَاءَ لِحَاجَةٍ. وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيُتَوَجَّهُ هَذَا فِي قَصِيرَةٍ اتَّخَذَتْ رِجْلَيْنِ مِنْ خَشَبٍ فَلَمْ تُعْرَفْ. فَوَائِدُ مِنْهَا: يَجُوزُ الِاحْتِبَاءُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَنْهُ يُكْرَهُ. وَعَنْهُ يَحْرُمُ وَأَمَّا مَعَ كَشْفِ الْعَوْرَةِ: فَيَحْرُمُ قَوْلًا وَاحِدًا وَمِنْهَا: يُكْرَهُ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُ الرَّجُلِ إلَى فَوْقِ نِصْفِ سَاقِهِ، نُصَّ عَلَيْهِ. وَيُكْرَهُ زِيَادَتُهُ إلَى تَحْتِ كَعْبَيْهِ بِلَا حَاجَةٍ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الرِّوَايَتَيْنِ. وَعَنْهُ " مَا تَحْتَهُمَا فِي النَّارِ " وَذَكَرَ النَّاظِمُ: مَنْ لَمْ يَخَفْ خُيَلَاءَ لَمْ يُكْرَهْ. وَالْأَوْلَى تَرْكُهُ، هَذَا فِي حَقِّ الرَّجُلِ.
وَأَمَّا الْمَرْأَةُ: فَيَجُوزُ زِيَادَةُ ثَوْبِهَا إلَى ذِرَاعٍ مُطْلَقًا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ: ذَيْلُ نِسَاءِ الْمُدُنِ فِي الْبَيْتِ كَالرَّجُلِ، مِنْهُمْ السَّامِرِيُّ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَتَيْنِ. وَمِنْهَا. قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ: يُسَنُّ تَطْوِيلُ كُمِّ الرَّجُلِ إلَى رُءُوسِ أَصَابِعِهِ، أَوْ أَكْثَرَ بِيَسِيرٍ، وَيُوَسِّعُهَا قَصْدًا. وَيُسَنُّ تَقْصِيرُ كُمِّ الْمَرْأَةِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَاخْتَلَفَ كَلَامُهُمْ فِي سَعَتِهِ قَصْدًا. قَالَ فِي التَّلْخِيصِ: وَيُسْتَحَبُّ لَهَا تَوْسِيعُ الْكُمِّ مِنْ غَيْرِ إفْرَاطٍ. بِخِلَافِ الرَّجُلِ. وَمِنْهَا: يُكْرَهُ لُبْسُ مَا يَصِفُ الْبَشَرَةَ لِلرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ، وَلَوْ لِامْرَأَةٍ فِي بَيْتِهَا، نُصَّ عَلَيْهِ. وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: لَا يَجُوزُ لُبْسُهُ. وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ: لَا يُكْرَهُ لِمَنْ لَمْ يَرَهَا إلَّا زَوْجٌ أَوْ سَيِّدٌ. وَذَكَرَهُ أَبُو الْمَعَالِي، وَصَاحِبُ الْمُسْتَوْعِبِ، وَالنَّاظِمِ فِي آدَابِهِ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ. وَأَمَّا لُبْسُهَا مَا يَصِفُ اللِّينَ وَالْخُشُونَةَ وَالْحَجْمَ فَيُكْرَهُ. مِنْهَا: كَرِهَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ الزِّيقَ الْعَرِيضَ لِلرَّجُلِ. وَاخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِيهِ لِلْمَرْأَةِ. قَالَ الْقَاضِي: إنَّمَا كُرِهَ لِإِفْضَائِهِ إلَى الشُّهْرَةِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّمَا كُرِهَ الْإِفْرَاطُ جَمْعًا بَيْنَ قَوْلَيْهِ. وَقَالَ أَحْمَدُ فِي الْفَرْجِ لِلدُّرَّاعَةِ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهَا: قَدْ سَمِعْت. وَلَمْ أَسْمَعْ مِنْ خَلَفِهَا، إلَّا أَنَّ فِيهِ سَعَةً عِنْدَ الرُّكُوبِ وَمَنْفَعَةً. وَمِنْهَا: كَرِهَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالْأَصْحَابُ لُبْسَ زِيِّ الْأَعَاجِمِ، كَعِمَامَةٍ صَحَّاءَ، وَكَنَعْلٍ صِرَّارَةٍ لِلزِّينَةِ لَا لِلْوُضُوءِ وَنَحْوِهِ. وَمِنْهَا: يُكْرَهُ لُبْسُ مَا فِيهِ شُهْرَةٌ، أَوْ خِلَافُ زِيِّ بَلْدَةٍ مِنْ النَّاسِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: يَحْرُمُ. وَنَصُّهُ لَا. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: يَحْرُمُ شُهْرَةً، وَهُوَ مَا قُصِدَ بِهِ الِارْتِفَاعُ، وَإِظْهَارُ التَّوَاضُعِ لِكَرَاهَةِ السَّلَفِ لِذَلِكَ. وَأَمَّا الْإِسْرَافُ فِي الْمُبَاحِ: فَالْأَشْهَرُ لَا يَحْرُمُ. قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَحَرَّمَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. قَوْلُهُ (وَلَا يَجُوزُ لُبْسُ مَا فِيهِ صُورَةُ حَيَوَانٍ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، صَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ، وَالنَّظْمِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ،
وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْمَذْهَبِ الْأَحْمَدِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَالْآدَابِ الْمَنْظُومَةِ لِابْنِ عَبْدِ الْقَوِيِّ، وَالْوَجِيزِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُحَرَّرِ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: لَا يَنْبَغِي. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَحْرُمُ، بَلْ يُكْرَهُ. وَذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ رِوَايَةً. وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْفَائِقِ. فَوَائِدُ: الْأَوَّلُ: لَوْ أُزِيلَ مِنْ الصُّورَةِ مَا لَا تَبْقَى مَعَهُ الْحَيَاةُ: زَالَتْ الْكَرَاهَةُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، نُصَّ عَلَيْهِ. وَقِيلَ: الْكَرَاهَةُ بَاقِيَةٌ. وَمِثْلُ ذَلِكَ صُوَرُ الشَّجَرِ وَنَحْوِهِ، وَتِمْثَالٌ. الثَّانِيَةُ: يَحْرُمُ تَصْوِيرُ مَا فِيهِ رُوحٌ. وَلَا يَحْرُمُ تَصْوِيرُ الشَّجَرِ وَنَحْوِهِ. وَالتِّمْثَالِ مِمَّا لَا يُشَابِهُ مَا فِيهِ رُوحٌ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَأَطْلَقَ بَعْضُهُمْ تَحْرِيمَ التَّصْوِيرِ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. وَقَالَ فِي الْوَجِيزِ: وَيَحْرُمُ التَّصْوِيرُ، وَاسْتِعْمَالُهُ. وَكَرِهَ الْآجُرِّيُّ وَغَيْرُهُ: الصَّلَاةَ عَلَى مَا فِيهِ صُورَةٌ. وَقَالَ فِي الْفُصُولِ: يُكْرَهُ فِي الصَّلَاةِ صُورَةٌ، وَلَوْ عَلَى مَا يُدَاسُ. الثَّالِثَةُ: يَحْرُمُ تَعْلِيقُ مَا فِيهِ صُورَةُ حَيَوَانٍ، وَسَتْرُ الْجِدَارِ بِهِ، وَتَصْوِيرُهُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: لَا يَحْرُمُ. وَحُكِيَ رِوَايَةً، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ فِي بَابِ الْوَلِيمَةِ. وَلَا يَحْرُمُ افْتِرَاشُهُ، وَلَا جَعْلُهُ مِخَدَّةً بَلْ وَلَا يُكْرَهُ فِيهَا، لِأَنَّهُ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ «اتَّكَأَ عَلَى مِخَدَّةٍ فِيهَا صُورَةٌ» . رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ. وَيَأْتِي ذَلِكَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي بَابِ الْوَلِيمَةِ. الرَّابِعَةُ: يُكْرَهُ الصَّلِيبُ فِي الثَّوْبِ وَنَحْوِهِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَيُحْتَمَلُ تَحْرِيمُهُ، وَهُوَ ظَاهِرُ نَقْلِ صَالِحٍ. قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ.
قَوْلُهُ (وَلَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ لُبْسُ ثِيَابِ الْحَرِيرِ) بِلَا نِزَاعٍ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ. فَتَحْرُمُ تِكَّةُ الْحَرِيرِ وَالشِّرَابَةُ الْمُفْرَدَةُ، نُصَّ عَلَيْهِ. وَيَحْرُمُ افْتِرَاشُهُ، وَالِاسْتِنَادُ إلَيْهِ. وَيَحْرُمُ سَتْرُ الْجُدُرِ بِهِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَنَقَلَ الْمَرُّوذِيُّ: يُكْرَهُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ مَنْ ذَكَرَ تَحْرِيمَ لُبْسِهِ فَقَطْ. وَمِثْلُهُ تَعْلِيقُهُ. وَذَكَرَ الْأَزَجِيُّ وَغَيْرُهُ: لَا يَجُوزُ الِاسْتِجْمَارُ بِمَا لَا يُنَقِّي، كَالْحَرِيرِ النَّاعِمِ. وَحَرَّمَ الْأَكْثَرُ اسْتِعْمَالَهُ مُطْلَقًا. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَدَلَّ أَنَّ فِي فَشَخَانَةٍ وَالْخَيْمَةِ وَالْبُقْجَةِ وَكَدَالَّةٍ وَنَحْوِهِ الْخِلَافُ. قَوْلُهُ (وَمَا غَالِبُهُ الْحَرِيرُ) أَيْ: لَا يَجُوزُ لُبْسُهُ، وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ الْغَالِبَ يَكُونُ بِالظُّهُورِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ. وَقَدَّمَهُ فِي التَّلْخِيصِ وَغَيْرِهِ. وَقِيلَ: الِاعْتِبَارُ بِالْغَالِبِ فِي الْوَزْنِ. وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَالْآدَابِ، وَالْفَائِقِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالْحَوَاشِي. تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْكَافِرِ لُبْسُ ثِيَابِ الْحَرِيرِ. قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَالْأَصْحَابِ. قَالَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَبَنَاهُ بَعْضُهُمْ عَلَى الْقَاعِدَةِ، وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: الْجَوَازَ. قَالَ: وَعَلَى قِيَاسِهِ: بَيْعُ آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ لِلْكُفَّارِ. وَإِذَا جَازَ بَيْعُهَا لَهُمْ جَازَ صُنْعُهَا لِبَيْعِهَا لَهُمْ، وَعَمَلُهَا لَهُمْ بِالْأُجْرَةِ. انْتَهَى. فَائِدَةٌ: الْخُنْثَى الْمُشْكِلُ فِي الْحَرِيرِ وَنَحْوِهِ كَالذَّكَرِ. جَزَمَ بِهِ فِي الْحَاوِيَيْنِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى. وَقَالَ فِي الْكُبْرَى: وَالْخُنْثَى فِي الْحَرِيرِ وَنَحْوِهِ فِي الصَّلَاةِ وَعَنْهُ وَغَيْرِهَا كَذَكَرٍ. قَوْلُهُ (فَإِنْ اسْتَوَى هُوَ وَمَا نُسِجَ مَعَهُ فَعَلَى وَجْهَيْنِ) وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمَذْهَبِ الْأَحْمَدِ،
وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْمُغْنِي، وَالْكَافِي، وَالْهَادِي، وَالتَّلْخِيصِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ، وَالنَّظْمِ، وَالشَّرْحِ، وَالْفَائِقِ، وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ، وَالْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ. لَكِنْ إنَّمَا أَطْلَقَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: الْخِلَافَ فِيمَا إذَا اسْتَوَيَا وَزْنًا، بِنَاءً عَلَى مَا قَدَّمَهُ. أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، صَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَصَحَّحَهُ فِي تَصْحِيحِ الْمُحَرَّرِ. وَقَالَ: صَحَّحَهُ الْمُصَنِّفُ يَعْنِي الْمَجْدَ وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جُزِمَ بِهِ فِي الْبُلْغَةِ، وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ، وَالْإِفَادَاتِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ، وَالتَّسْهِيلِ؛ لِأَنَّهُمْ قَالُوا فِي التَّحْرِيمِ: أَوْ مَا غَالِبُهُ الْحَرِيرُ. وَإِلَيْهِ أَشَارَ ابْنُ الْبَنَّا. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَحْرُمُ. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ: الْأَشْبَهُ أَنَّهُ يَحْرُمُ؛ لِعُمُومِ الْخَبَرِ. قَالَ فِي الْفُصُولِ: لِأَنَّ النِّصْفَ كَثِيرٌ، وَلَيْسَ تَغْلِيبُ التَّحْلِيلِ بِأَوْلَى مِنْ التَّحْرِيمِ. وَلَمْ يَحْكِ خِلَافَهُ. قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ أَبُو بَكْرٍ فِي التَّنْبِيهِ: أَنَّهُ لَا يُبَاحُ لُبْسُ الْقِسِيِّ وَالْمُلْحَمِ. تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: دُخُولُ الْخَزِّ فِي الْخِلَافِ، إذَا قُلْنَا: إنَّهُ مِنْ إبْرَيْسِمَ وَصُوفٍ، أَوْ وَبَرٍ، وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ عَقِيلٍ، وَصَاحِبِ الْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالرِّعَايَةِ، وَغَيْرِهِمْ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ، وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: إبَاحَةُ الْخَزِّ، نَصَّ عَلَيْهِ. وَفَرَّقَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِأَنَّهُ قَدْ لَبِسَهُ الصَّحَابَةُ، وَبِأَنَّهُ لَا سَرَفَ فِيهِ وَلَا خُيَلَاءَ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. وَقَدَّمَهُ فِي الْآدَابِ وَغَيْرِهِ. فَائِدَةٌ: " الْخَزُّ " مَا عُمِلَ مِنْ صُوفٍ وَإِبْرَيْسَمَ. قَالَهُ فِي الْمُطْلِعِ فِي كِتَابِ النَّفَقَاتِ قَالَ فِي الْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ: هُوَ الْمَعْمُولُ مِنْ إبْرَيْسِمَ وَوَبَرٍ طَاهِرٍ. كَوَبَرِ
الْأَرْنَبِ وَغَيْرِهَا. وَاقْتَصَرَ عَلَى هَذَا فِي الرِّعَايَةِ وَالْآدَابِ. قَالَ: وَمَا عُمِلَ مِنْ سَقَطِ حَرِيرٍ وَمِشَاقَتِهِ، وَمَا يُلْقِيهِ الصَّانِعُ مِنْ بَلَهٍ مِنْ تَقَطُّعِ الطَّاقَاتِ إذَا دُقَّ وَغُزِلَ وَنُسِجَ. فَهُوَ كَحَرِيرٍ خَالِصٍ فِي ذَلِكَ، وَإِنْ سُمِّيَ الْآنَ خَزًّا. قَالَ فِي الْمُطْلِعِ: وَالْخَزُّ الْآنَ الْمَعْمُولُ مِنْ الْإِبْرَيْسِمَ. وَقَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَغَيْرِهِ: الْخَزُّ: مَا سُدِيَ بِالْإِبْرَيْسَمِ وَأُلْحِمَ بِوَبَرٍ أَوْ صُوفٍ، لِغَلَبَةِ اللُّحْمَةِ عَلَى الْحَرِيرِ. انْتَهَى. قَوْلُهُ (وَيَحْرُمُ لُبْسُ الْمَنْسُوجِ بِالذَّهَبِ وَالْمُمَوَّهِ بِهِ) هَذَا الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ. وَقِيلَ: يُكْرَهُ. وَقِيلَ: حُكْمُ الْمَنْسُوجِ بِالذَّهَبِ حُكْمُ الْحَرِيرِ الْمَنْسُوجِ مَعَ غَيْرِهِ عَلَى مَا سَبَقَ. فَائِدَةٌ: الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ الْمَنْسُوجَ بِالْفِضَّةِ وَالْمُمَوَّهَ بِهَا كَالْمَنْسُوجِ بِالذَّهَبِ وَالْمُمَوَّهِ بِهِ، فِيمَا تَقَدَّمَ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَمَا نُسِجَ بِذَهَبٍ وَقِيلَ: أَوْ فِضَّةٍ حَرُمَ. قَوْلُهُ (فَإِنْ اسْتَحَالَ لَوْنُهُ فَعَلَى وَجْهَيْنِ) وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالْهَادِي، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالنَّظْمِ. فَهَؤُلَاءِ أَطْلَقُوا الْخِلَافَ فِيمَا اسْتَحَالَ لَوْنُهُ مُطْلَقًا. وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: فَإِنْ اسْتَحَالَ لَوْنُ الْمُمَوَّهِ فَوَجْهَانِ. فَإِنْ كَانَ بَعْدَ اسْتِحَالَتِهِ لَا يَحْصُلُ عَنْهُ شَيْءٌ. فَهُوَ مُبَاحٌ وَجْهًا وَاحِدًا. وَكَذَا قَالَ فِي الْفَائِقِ. وَقَالَ فِي الْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ: وَيَحْرُمُ اسْتِعْمَالُ الْمَنْسُوجِ وَالْمُمَوَّهِ بِذَهَبٍ قَبْلَ اسْتِحَالَتِهِ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ: يَحْرُمُ مَا نُسِجَ، أَوْ مُوِّهَ بِذَهَبٍ بَاقٍ. وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَإِنْ اسْتَحَالَ لَوْنُهُ، وَلَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَقِيلَ: مُطْلَقًا أُبِيحَ فِي الْأَصَحِّ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَفِيمَا اسْتَحَالَ لَوْنُهُ مِنْ الْمُمَوَّهِ وَنَحْوِهِ بِذَهَبٍ وَقِيلَ: لَا يَجْتَمِعُ مِنْهُ شَيْءٌ إذَا حُكَّ
وَجْهَانِ. وَقِيلَ: يُكْرَهُ. وَلَا يَحْرُمُ وَقِيلَ: مَا اسْتَحَالَ، وَلَمْ يَجْتَمِعْ مِنْهُ شَيْءٌ إذَا حُكَّ: حَلَّ وَجْهًا وَاحِدًا. انْتَهَى. وَحَاصِلُ ذَلِكَ: أَنَّهُ إذَا لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ شَيْءٌ: يُبَاحُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقَطَعَ بِهِ جَمَاعَةٌ. وَإِنْ كَانَ يَحْصُلُ مِنْهُ شَيْءٌ بَعْدَ حَكِّهِ لَمْ يُبَحْ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. فَفِي الْمُسْتَحِيلِ لَوْنُهُ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: الْإِبَاحَةُ، وَعَدَمُهَا، وَالْفَرْقُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ قَوْلُهُ (فَإِنْ لَبِسَ الْحَرِيرَ لِمَرَضٍ أَوْ حَكَّةٍ) . فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْهَادِي وَالتَّلْخِيصِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالنَّظْمِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَالْمَذْهَبِ الْأَحْمَدِ. وَغَيْرِهِمْ. إحْدَاهُمَا: يُبَاحُ لَهُمَا، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ وَغَيْرُهُمَا: هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَحَفِيدُهُ: يُبَاحُ لَهُمَا عَلَى الْأَصَحِّ، قَالَ فِي تَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ: يُبَاحُ عَلَى الْأَظْهَرِ، وَصَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي إدْرَاكِ الْغَايَةِ فِي الْحَكَّةِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْكَافِي، وَالْمُحَرَّرِ، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَا يُبَاحُ لَهُمَا. قَدَّمَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ. تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ قَوْلِهِ " أَوْ حَكَّةٍ " أَنَّهُ سَوَاءٌ أَثَّرَ لُبْسُهُ فِي زَوَالِهَا أَمْ لَا، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَقِيلَ: لَا يُبَاحُ إلَّا إذَا أَثَّرَ فِي زَوَالِهَا، جَزَمَ بِهِ ابْنُ تَمِيمٍ. وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ، قَوْلُهُ (أَوْ فِي الْحَرْبِ، عَلَى رِوَايَتَيْنِ) . وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْهَادِي، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْكَافِي، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالنَّظْمِ، وَالْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَغَيْرِهِمْ.
إحْدَاهُمَا: يُبَاحُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، قَالَ الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ. قَالَ فِي تَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ: يُبَاحُ عَلَى الْأَظْهَرِ، قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ: يُبَاحُ عَلَى الْأَصَحِّ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ: هَذِهِ الرِّوَايَةُ أَقْوَى، قَالَ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى، وَالْوُسْطَى: يُبَاحُ فِي الْحَرْبِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ فِي أَرْجَحِ الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْمَذْهَبِ، وَصَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَالْمُنْتَخَبِ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ، وَغَيْرِهِمْ. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَا يُبَاحُ، اخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ. وَهِيَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْمُنَوِّرِ. فَإِنَّهُ لَمْ يَسْتَثْنِ لِلْإِبَاحَةِ إلَّا الْمَرَضَ وَالْحَكَّةَ. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالْمُحَرَّرِ. وَعَنْهُ يُبَاحُ مَعَ مُكَايَدَةِ الْعَدُوِّ بِهِ. وَقِيلَ: يُبَاحُ عِنْدَ مُفَاجَأَةِ الْعَدُوِّ ضَرُورَةً. وَجَزَمَ بِهِ فِي التَّلْخِيصِ وَغَيْرِهِ. وَقِيلَ: يُبَاحُ عِنْدَ الْقِتَالِ فَقَطْ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ: إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بِهِ حَاجَةٌ فِي الْحَرْبِ حَرُمَ قَوْلًا وَاحِدًا، وَإِنْ كَانَ بِهِ حَاجَةٌ إلَيْهِ كَالْجُبَّةِ لِلْقِتَالِ، فَلَا بَأْسَ بِهِ. انْتَهَى. وَقِيلَ: يُبَاحُ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَقَطْ. وَقِيلَ: يَجُوزُ حَالَ شِدَّةِ الْحَرْبِ ضَرُورَةً. وَفِي لُبْسِهِ أَيَّامَ الْحَرْبِ بِلَا ضَرُورَةٍ رِوَايَتَانِ. وَهَذِهِ طَرِيقَتُهُ فِي التَّلْخِيصِ. وَجَعَلَ الشَّارِحُ وَغَيْرُهُ مَحَلَّ الْخِلَافِ فِي غَيْرِ الْحَاجَةِ. وَقَدَّمَهُ ابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ. وَقَالَ وَقِيلَ: الرِّوَايَتَانِ فِي الْحَاجَةِ وَعَدَمِهَا، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا. قَالَ فِي مَعْنَى الْحَاجَةِ: مَا هُوَ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ، وَإِنْ قَامَ غَيْرُهُ مَقَامَهُ. وَقَالَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَغَيْرُهُمَا. وَقَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، فِي آخِرِ بَابٍ فِيهِ: وَيُكْرَهُ لُبْسُ الْحَرِيرِ فِي الْحَرْبِ. تَنْبِيهٌ: مَحَلُّ الْخِلَافِ: إذَا كَانَ الْقِتَالُ مُبَاحًا مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ. وَقِيلَ: الرِّوَايَتَانِ وَلَوْ احْتَاجَهُ فِي نَفْسِهِ وَوَجَدَ غَيْرَهُ. وَتَقَدَّمَ فِي كَلَامِ ابْنِ عَقِيلٍ وَغَيْرِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ. قَوْلُهُ (أَوْ أَلْبَسَهُ الصَّبِيَّ. فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ) .
وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْهَادِي وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ. إحْدَاهُمَا: يَحْرُمُ عَلَى الْوَلِيِّ إلْبَاسُهُ الْحَرِيرَ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَصَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ، وَالنَّظْمِ. قَالَ الشَّارِحُ: التَّحْرِيمُ أَوْلَى، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ فِي الْإِفَادَاتِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ. لِتَقْيِيدِهِمْ التَّحْرِيمَ بِالرَّجُلِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْكَافِي، وَالْمُحَرَّرِ وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَا يَحْرُمُ، لِعَدَمِ تَكْلِيفِهِ. فَعَلَى الْمَذْهَبِ: لَوْ صَلَّى فِيهِ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: تَصِحُّ. وَقَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، فِي آخِرِ بَابٍ عَنْهُ: وَيُكْرَهُ لُبْسُ الْحَرِيرِ وَالذَّهَبِ لِلصِّبْيَانِ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ. وَالْأُخْرَى: لَا يُكْرَهُ. فَائِدَةٌ: حُكْمُ إلْبَاسِهِ الذَّهَبَ حُكْمُ إلْبَاسِهِ الْحَرِيرَ. خِلَافًا وَمَذْهَبًا. قَوْلُهُ (وَيُبَاحُ حَشْوُ الْجِبَابِ وَالْفَرْشِ بِهِ) ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَحْرُمَ، وَهُوَ وَجْهٌ لِبَعْضِ الْأَصْحَابِ. وَذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ رِوَايَةً، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُذْهَبِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ. فَائِدَةٌ: يُكْرَهُ كِتَابَةُ الْمَهْرِ فِي الْحَرِيرِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَتَبِعَهُ فِي الْآدَابِ. وَقِيلَ: يَحْرُمُ فِي الْأَقْيَسِ. وَلَا يَبْطُلُ الْمَهْرُ بِذَلِكَ [وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَابْنُ عَقِيلٍ] وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ. قُلْت: لَوْ قِيلَ بِالْإِبَاحَةِ لَكَانَ لَهُ وَجْهٌ. قَوْلُهُ (وَيُبَاحُ الْعَلَمُ الْحَرِيرُ فِي الثَّوْبِ، إذَا كَانَ أَرْبَعَ أَصَابِعَ فَمَا دُونَ) يَعْنِي مَضْمُومَةً. وَهَذَا الْمَذْهَبُ، نَصَّ عَلَيْهِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْهِدَايَةِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَإِدْرَاكِ
فوائد
الْغَايَةِ، وَالْفَائِقِ، وَغَيْرِهِمْ. وَقِيلَ: يُبَاحُ قَدْرَ الْكَفِّ فَقَطْ، جَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالنَّظْمِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْمُنَوِّرِ. وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَالْآدَابِ، وَقَالَ: لَيْسَ لِلْأَوَّلِ مُخَالِفٌ لِهَذَا، بَلْ هُمَا سَوَاءٌ. انْتَهَى. وَغَايَرَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ فِي الْفُرُوعِ. وَجَزَمَ فِي الْوَجِيزِ: أَنَّهُ لَا يُبَاحُ إلَّا دُونَ أَرْبَعِ أَصَابِعَ. وَمَا رَأَيْت مَنْ وَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: لَا بَأْسَ بِالْعَلَمِ الدَّقِيقِ، دُونَ الْعَرِيضِ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يُبَاحُ، وَإِنْ كَانَ مُذَهَّبًا، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، اخْتَارَهَا الْمَجْدُ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفَائِقِ، وَالْمُذْهَبِ: يَحْرُمُ، نُصَّ عَلَيْهِ. فَائِدَةٌ: لَوْ لَبِسَ ثِيَابًا فِي كُلِّ ثَوْبٍ قَدْرٌ يُعْفَى عَنْهُ، وَلَوْ جُمِعَ صَارَ ثَوْبًا: لَمْ يُكْرَهْ بَلْ يُبَاحُ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ، جَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالْفَائِقِ، وَابْنُ تَمِيمٍ. وَقِيلَ: يُكْرَهُ. جَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ إذَا كَانَ عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ يُعْفَى عَنْهَا هَلْ يُضَمُّ مُتَفَرِّقٌ فِي بَابِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ. قَوْلُهُ (وَيُكْرَهُ لِلرَّجُلِ لُبْسُ الْمُزَعْفَرِ وَالْمُعَصْفَرِ) . هَذَا الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِمْ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ. وَقِيلَ: لَا يُكْرَهُ. قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَتَبِعَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَنَقَلَهُ الْأَكْثَرُ فِي الْمُزَعْفَرِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي النَّظْمِ، وَاخْتَارَهُ الْخَلَّالُ، وَالْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ فِي الْمُزَعْفَرِ. وَذَكَرَ الْآجُرِّيُّ وَالْقَاضِي وَغَيْرُهُمَا: تَحْرِيمَ الْمُزَعْفَرِ. وَفِي الْمُزَعْفَرِ وَجْهٌ: يُكْرَهُ فِي الصَّلَاةِ فَقَطْ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا فِي التَّلْخِيصِ. قَالَهُ فِي الْآدَابِ. فَائِدَةٌ: فَعَلَى الْقَوْلِ بِالتَّحْرِيمِ: لَا يُعِيدُ مَنْ صَلَّى فِي ذَلِكَ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَكَذَا لَوْ كَانَ لَابِسًا ثِيَابًا مُسْبَلَةً أَوْ خُيَلَاءَ وَنَحْوَهُ. وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ. وَقِيلَ: يُعِيدُ. وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ. [فَوَائِدُ] ُ: الْأُولَى: يُكْرَهُ لِلرَّجُلِ لُبْسُ الْأَحْمَرِ الْمُصْمَتِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
نَصَّ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. وَقِيلَ: لَا يُكْرَهُ، اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ، وَصَاحِبُ الْفَائِقِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي النِّهَايَةِ وَنَظْمِهَا. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ أَظْهَرُ. وَنَقَلَ الْمَرُّوذِيُّ: يُكْرَهُ لِلْمَرْأَةِ كَرَاهَةً شَدِيدَةً لِغَيْرِ زِينَةٍ. وَعَنْهُ يُكْرَهُ لِلرَّجُلِ شَدِيدُ الْحُمْرَةِ، وَهُوَ وَجْهٌ فِي ابْنِ تَمِيمٍ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، يُقَالُ: أَوَّلُ مَنْ لَبِسَهُ آلُ قَارُونَ وَآلُ فِرْعَوْنَ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: كَذَا الْخِلَافُ فِي الْبِطَانَةِ. الثَّانِيَةُ: يُسَنُّ لُبْسُ الثِّيَابِ الْبِيضِ وَالنَّظَافَةُ فِي ثَوْبِهِ وَبَدَنِهِ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ. قُلْت: وَمَجْلِسِهِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهَا: وَهِيَ أَفْضَلُ اتِّفَاقًا. الثَّالِثَةُ: يُبَاحُ لُبْسُ السَّوَادِ مُطْلَقًا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَنْهُ يُكْرَهُ لِلْجُنْدِ وَقِيلَ: لَا يُكْرَهُ لَهُمْ فِي الْحَرْبِ. وَقِيلَ: يُكْرَهُ إلَّا لِمُصَابٍ. وَنَقَلَ الْمَرُّوذِيُّ يَخْرِقُهُ الْوَصِيُّ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ بَعِيدٌ وَلَمْ يَرُدَّ الْإِمَامُ أَحْمَدَ سَلَامَ لَابِسِهِ. الرَّابِعَةُ: يُبَاحُ الْكَتَّانُ إجْمَاعًا. وَيُبَاحُ أَيْضًا الصُّوفُ. وَيُسَنُّ الرِّدَاءُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَقِيلَ: يُبَاحُ كَفَتْلِ طَرَفِهِ، نُصَّ عَلَيْهِ وَظَاهِرُ نَقْلِ الْمَيْمُونِيِّ فِيهِ: يُكْرَهُ. قَالَهُ الْقَاضِي. وَيُكْرَهُ الطَّيْلَسَانُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَكَرِهَ السَّلَفُ الطَّيْلَسَانَ، وَاقْتَصَرُوا عَلَيْهِ. زَادَ فِي التَّلْخِيصِ: وَهُوَ الْمُقَوَّرُ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يُكْرَهُ، بَلْ يُبَاحُ. وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَالْآدَابِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ. قَالَ فِي الْآدَابِ وَقِيلَ: يُكْرَهُ الْمُقَوَّرُ وَالْمُدَوَّرُ. وَقِيلَ: وَغَيْرُهُمَا غَيْرُ الْمُرَبَّعِ الْخَامِسَةُ: يُسَنُّ إرْخَاءُ ذُؤَابَتَيْنِ خَلْفَهُ، نُصَّ عَلَيْهِ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَإِطَالَتُهَا كَثِيرًا مِنْ الْإِسْبَالِ. وَقَالَ الْآجُرِّيُّ: وَإِنْ أَرْخَى طَرَفَهَا بَيْنَ كَتِفَيْهِ فَحَسَنٌ. قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْأَصْحَابِ: يُسَنُّ أَيْضًا أَنْ تَكُونَ الْعِمَامَةُ مُحَنَّكَةً. السَّادِسَةُ: يُسَنُّ لُبْسُ السَّرَاوِيلِ وَقَالَ فِي التَّلْخِيصِ: لَا بَأْسَ. قَالَ النَّاظِمُ: وَفِي مَعْنَاهُ التُّبَّانُ. وَجَزَمَ بِهِ بَعْضُهُمْ بِإِبَاحَتِهِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ، قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: السَّرَاوِيلُ أَسْتَرُ فِي الْإِزَارِ. وَلِبَاسُ الْقَوْمِ كَانَ الْإِزَارَ. قَالَ فِي
باب اجتناب النجاسة
الْفُرُوعِ: فَدَلَّ أَنَّهُ لَا يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ أَظْهَرُ، خِلَافًا لِلرِّعَايَةِ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: الْأَفْضَلُ مَعَ الْقَمِيصِ السَّرَاوِيلُ، مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَى الْإِزَارِ وَالرِّدَاءِ. وَقَالَ الْقَاضِي: يُسْتَحَبُّ لُبْسُ الْقَمِيصِ. السَّابِعَةُ: يُبَاحُ لُبْسُ الْعَبَاءَةِ. قَالَ النَّاظِمُ: وَلَوْ لِلنِّسَاءِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالْمُرَادُ بِلَا تَشَبُّهٍ. الثَّامِنَةُ: يُبَاحُ نَعْلٌ خَشَبٌ. وَنَعْلٌ فِيهِ حَرْفٌ لَا بَأْسَ لِضَرُورَةٍ. التَّاسِعَةُ: مَا حَرُمَ اسْتِعْمَالُهُ حَرُمَ بَيْعُهُ وَخِيَاطَتُهُ وَأُجْرَتُهَا، نُصَّ عَلَيْهِ، الْعَاشِرَةُ: يُكْرَهُ لُبْسُهُ وَافْتِرَاشُهُ جِلْدًا مُخْتَلَفًا فِي نَجَاسَتِهِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَقِيلَ: لَا يُكْرَهُ. وَعَنْهُ يَحْرُمُ. وَفِي الرِّعَايَةِ وَغَيْرِهَا: إنْ طَهُرَ بِدَبْغِهِ لُبِسَ بَعْدَهُ، وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ. وَيَجُوزُ لَهُ إلْبَاسُهُ دَابَّةً. وَقِيلَ: مُطْلَقًا كَثِيَابٍ نَجِسَةٍ. [بَابُ اجْتِنَابِ النَّجَاسَةِ] ِ قَوْلُهُ (وَهِيَ الشَّرْطُ الرَّابِعُ. فَمَتَى لَاقَى بِبَدَنِهِ، أَوْ ثَوْبِهِ نَجَاسَةً، غَيْرَ مَعْفُوٍّ عَنْهَا، أَوْ حَمَلَهَا: لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ) ، الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ اجْتِنَابَ النَّجَاسَةِ فِي بَدَنِ الْمُصَلِّي وَسُتْرَتِهِ وَبُقْعَتِهِ وَهِيَ مَحَلُّ بَدَنِهِ وَثِيَابِهِ مِمَّا لَا يُعْفَى عَنْهُ: شَرْطٌ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ. وَقِيلَ: طَهَارَةُ مَحَلِّ ثِيَابِهِ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ، وَهُوَ احْتِمَالٌ لِابْنِ عَقِيلٍ، وَعَنْهُ: أَنَّ اجْتِنَابَ النَّجَاسَةِ وَاجِبٌ لَا شَرْطٌ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفَائِقِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَابْنُ تَمِيمٍ [وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ فِيمَنْ لَاقَاهَا ثَوْبُهُ إذَا سَجَدَ احْتِمَالَيْنِ، قَالَ الْمَجْدُ: وَالصَّحِيحُ الْبُطْلَانُ] فِي بَابِ شُرُوطِ الصَّلَاةِ وَيَأْتِي قَرِيبًا إذَا حَمَلَ قَارُورَةً فِيهَا نَجَاسَةٌ، أَوْ آدَمِيًّا، أَوْ غَيْرَهُ، أَوْ مَسَّ ثَوْبًا، أَوْ حَائِطًا نَجِسًا، أَوْ قَابَلَهَا وَلَمْ يُلَاقِهَا.
قَوْلُهُ (وَإِنْ طَيَّنَ الْأَرْضَ النَّجِسَةَ، أَوْ بَسَطَ عَلَيْهَا شَيْئًا طَاهِرًا: صَحَّتْ صَلَاتُهُ عَلَيْهَا مَعَ الْكَرَاهَةِ) . وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ. قَالَ الشَّارِحُ: هَذَا أَوْلَى، وَصَحَّحَهُ فِي الْمُذْهَبِ، وَالنَّاظِمُ. قَالَ ابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ: هَذَا الْمَذْهَبُ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَغَيْرِهِمْ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْهِدَايَةِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْكَافِي. وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَغَيْرِهِمْ. وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالْفَائِقِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: إنْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ الْمَبْسُوطَةُ عَلَيْهَا رَطْبَةً: لَمْ تَصِحَّ الصَّلَاةُ، وَإِلَّا صَحَّتْ الصَّلَاةُ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ. فَعَلَى الْمَذْهَبِ: تَصِحُّ الصَّلَاةُ مَعَ الْكَرَاهَةِ. وَهَذَا الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَعَنْهُ تَصِحُّ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ. تَنْبِيهٌ: مَحَلُّ هَذَا الْخِلَافِ: إذَا كَانَ الْحَائِلُ صَفِيقًا. فَإِنْ كَانَ خَفِيفًا أَوْ مُهَلْهَلًا لَمْ تَصِحَّ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَحَكَى ابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ وَجْهًا بِالصِّحَّةِ، وَهُوَ بَعِيدٌ. فَائِدَةٌ: حُكْمُ الْحَيَوَانِ النَّجِسِ إذَا بَسَطَ عَلَيْهِ شَيْئًا طَاهِرًا وَصَلَّى عَلَيْهِ حُكْمُ الْأَرْضِ النَّجِسَةِ إذَا بَسَطَ عَلَيْهَا شَيْئًا طَاهِرًا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: تَصِحُّ هُنَا، وَإِنْ لَمْ نُصَحِّحْهَا هُنَاكَ. وَكَذَا الْحُكْمُ لَوْ وَضَعَ عَلَى حَرِيرٍ يَحْرُمُ جُلُوسُهُ عَلَيْهِ شَيْئًا، وَصَلَّى عَلَيْهِ. ذَكَرَهُ أَبُو الْمَعَالِي. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَيُتَوَجَّهُ إنْ صَحَّ جَازَ جُلُوسُهُ، وَإِلَّا فَلَا. وَلَوْ بَسَطَ عَلَى الْأَرْضِ الْغَصْبِ ثَوْبًا لَهُ، وَصَلَّى عَلَيْهِ: لَمْ تَصِحَّ. وَلَوْ كَانَ لَهُ عُلُوٌّ، فَغَصَبَ السُّفْلَ وَصَلَّى فِي الْعُلُوِّ: صَحَّتْ صَلَاتُهُ. ذَكَرَهُ ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ: وَإِنْ بَسَطَ طَاهِرًا عَلَى أَرْضٍ غَصْبٍ، أَوْ بَسَطَ عَلَى أَرْضِهِ مَا غَصَبَهُ: بَطَلَتْ.
قُلْت: وَيُتَخَرَّجُ صِحَّتُهَا. زَادَ فِي الْكُبْرَى، وَقِيلَ: تَصِحُّ فِي الثَّانِيَةِ فَقَطْ. انْتَهَى. قُلْت: الَّذِي يَظْهَرُ إنَّمَا يَكُونُ هَذَا الْقَوْلُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى. وَهِيَ مَا إذَا بَسَطَ طَاهِرًا عَلَى أَرْضٍ غَصْبٍ. وَفِي الْفُرُوعِ هُنَا بَعْضُ نَقْصٍ. قَوْلُهُ (وَإِنْ صَلَّى عَلَى مَكَان طَاهِرٍ مِنْ بِسَاطٍ طَرَفُهُ نَجِسٌ: صَحَّتْ صَلَاتُهُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِهِ، بِحَيْثُ يَنْجَرُّ مَعَهُ إذَا مَشَى) . اعْلَمْ أَنَّهُ إذَا صَلَّى عَلَى مَكَان طَاهِرٍ، مِنْ بِسَاطٍ وَنَحْوِهِ، وَطَرَفُهُ نَجِسٌ، فَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ. وَكَذَا لَوْ كَانَ تَحْتَ قَدَمِهِ حَبْلٌ مَشْدُودٌ فِي نَجَاسَةٍ، وَمَا يُصَلِّي عَلَيْهِ طَاهِرٌ. وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: وَلَوْ تَحَرَّكَ النَّجَسُ بِحَرَكَتِهِ، مَا لَمْ يَكُنْ مُتَعَلِّقًا بِهِ. وَقَالَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ: إذَا كَانَ النَّجَسُ يَتَحَرَّك بِحَرَكَتِهِ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ. وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالْأَوَّلُ الْمَذْهَبُ، وَإِنْ كَانَ مُتَعَلِّقًا بِهِ بِحَيْثُ يَنْجَرُّ مَعَهُ إذَا مَشَى لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ، مِثْلَ أَنْ يَكُونَ بِيَدِهِ أَوْ وَسَطِهِ شَيْءٌ مَشْدُودٌ فِي نَجَسٍ، أَوْ سَفِينَةٌ صَغِيرَةٌ فِيهَا نَجَاسَةٌ، أَوْ أَمْسَكَ بِحَبْلٍ مُلْقًى عَلَى نَجَاسَةٍ وَنَحْوِهِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَنْجَرُّ مَعَهُ إذَا مَشَى كَالسَّفِينَةِ الْكَبِيرَةِ، وَالْحَيَوَانِ الْكَبِيرِ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى جَرِّهِ إذَا اسْتَعْصَى عَلَيْهِ صَحَّتْ صَلَاتُهُ مُطْلَقًا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَهُوَ مَفْهُومُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا، وَاخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْفُصُولِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَذَكَرَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ: إنْ كَانَ الشَّدُّ فِي مَوْضِعٍ نَجِسٍ مِمَّا لَا يُمْكِنُ جَرُّهُ مَعَهُ كَالْفِيلِ لَمْ يَصِحَّ، كَحَمْلِهِ مَا يُلَاقِيهَا. وَجَزَمَ بِهِ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَغَيْرِهِمَا. فَائِدَةٌ: قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ: أَنَّ مَا لَا يَنْجَرُّ تَصِحُّ الصَّلَاةُ مَعَهُ لَوْ انْجَرَّ. قَالَ: وَلَعَلَّ الْمُرَادَ خِلَافُهُ، وَهُوَ أَوْلَى. قَوْلُهُ (وَمَتَى وَجَدَ عَلَيْهِ نَجَاسَةً لَا يَعْلَمُ: هَلْ كَانَتْ فِي الصَّلَاةِ، أَوْ لَا فَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ) .
هَذَا الْمَذْهَبُ بِلَا رَيْبٍ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ بِهِ أَكْثَرُهُمْ. وَذَكَرَ فِي التَّبْصِرَةِ وَجْهًا: أَنَّهَا تَبْطُلُ. قَوْلُهُ (فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهَا كَانَتْ فِي الصَّلَاةِ، لَكِنْ جَهِلَهَا أَوْ نَسِيَهَا فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ) . وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْخُلَاصَةِ فِي النَّاسِي. وَأَطْلَقَهُمَا فِيهِمَا فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالشَّرْحِ، وَالْفَائِقِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ. إحْدَاهُمَا: تَصِحُّ. وَهِيَ الصَّحِيحَةُ عِنْدَ أَكْثَرِ الْمُتَأَخِّرِينَ، اخْتَارَهَا الْمُصَنِّفُ، وَالْمَجْدُ، وَابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَصَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ، وَالنَّظْمِ، وَشَرْحِ ابْنِ مُنَجَّا، وَتَصْحِيحِ الْمُحَرَّرِ، وَجَزَمَ بِهِمَا فِي الْعُمْدَةِ، وَالْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ، وَالتَّسْهِيلِ، وَغَيْرِهِمْ. وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَا تَصِحُّ، فَيُعِيدُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالْأَشْهَرُ الْإِعَادَةُ. قَالَ فِي الْحَاوِيَيْنِ: أَعَادَ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ، وَجَزَمَ بِهِ الْإِفَادَاتُ. وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ. وَجَزَمَ بِهِ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَغَيْرُهُمَا فِي النَّاسِي. وَقِيلَ: إنْ كَانَتْ إزَالَتُهَا شَرْطًا أَعَادَ، وَإِنْ كَانَتْ وَاجِبَةً فَلَا. ذَكَرَهُ فِي الرِّعَايَةِ. وَقَالَ الْآمِدِيُّ: يُعِيدُ، إنْ كَانَ قَدْ تَوَانَى، رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَقُطِعَ فِي التَّلْخِيصِ: أَنَّ الْمُفَرِّطَ فِي الْإِزَالَةِ وَقِيلَ فِي الصَّلَاةِ لَا يُعِيدُ بِالنِّسْيَانِ. تَنْبِيهَانِ الْأَوَّلُ: قَالَ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ، وَالْآمِدِيُّ، وَغَيْرُهُمَا: مَحَلُّ الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْجَاهِلِ. فَأَمَّا النَّاسِي: فَيُعِيدُ رِوَايَةً وَاحِدَةً، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لَيْسَ عَنْهُ نَصٌّ فِي النَّاسِي. انْتَهَى. وَالصَّحِيحُ: أَنَّ الْخِلَافَ جَارٍ فِي الْجَاهِلِ وَالنَّاسِي. قَالَهُ الْمَجْدُ. حَكَى الْخِلَافَ فِيهِمَا أَكْثَرُ الْمُتَأَخِّرِينَ. وَأَطْلَقَ الطَّرِيقَيْنِ فِي الْكَافِي. الثَّانِي: مَحَلُّ الْخِلَافِ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ: عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ اجْتِنَابَ النَّجَاسَةِ شَرْطٌ
أَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ اجْتِنَابَهَا وَاجِبٌ: فَيَصِحُّ قَوْلًا وَاحِدًا عِنْدَ الْجُمْهُورِ. وَتَقَدَّمَ أَنَّ صَاحِبَ الرِّعَايَةِ حَكَى قَوْلًا وَاحِدًا: أَنَّهُ لَا يُعِيدُ، إنْ قُلْنَا وَاجِبٌ، وَإِنْ قُلْنَا شَرْطٌ: أَعَادَ. فَدَلَّ أَنَّ الْمُقَدَّمَ خِلَافُهُ. الثَّالِثُ: مُرَادُ الْمُصَنِّفِ بِقَوْلِهِ " أَوْ جَهِلَهَا " جَهْلُ عَيْنِهَا. هَلْ هِيَ نَجَاسَةٌ أَمْ لَا؟ حَتَّى فَرَغَ مِنْهَا. أَوْ جَهِلَ أَنَّهَا كَانَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ تَحَقَّقَ أَنَّهَا كَانَتْ عَلَيْهِ بِقَرَائِنَ. فَأَمَّا إنْ عَلِمَ أَنَّهَا نَجَاسَةٌ وَجَهِلَ حُكْمَهَا: فَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَقَطَعُوا بِهِ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: حُكْمُ الْجَهْلِ بِحُكْمِهَا: حُكْمُ الْجَهْلِ بِأَنَّهَا نَجَاسَةٌ أَمْ لَا. وَجُزِمَ بِهِ فِي تَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ. وَأَمَّا إذَا جَهِلَ كَوْنَهَا فِي الصَّلَاةِ أَمْ لَا: فَتَقَدَّمَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَهُوَ قَوْلُهُ " وَمَتَى وَجَدَ عَلَيْهِ نَجَاسَةً لَا يَعْلَمُ: هَلْ كَانَتْ فِي الصَّلَاةِ أَمْ لَا؟ " فَوَائِدُ الْأُولَى: حُكْمُ الْعَاجِزِ عَنْ إزَالَتِهَا عَنْهُ حُكْمُ النَّاسِي لَهَا فِي الصَّلَاةِ. قَالَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ. مِنْهُمْ ابْنُ حَمْدَانَ، وَابْنُ تَمِيمٍ. وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي وَغَيْرُهُ: وَكَذَا لَوْ زَادَ مَرَضُهُ لِتَحْرِيكِهِ أَوْ نَقْلِهِ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ: أَوْ احْتَاجَهُ لِحَرْبٍ. الثَّانِيَةُ: لَوْ عَلِمَ بِهَا فِي الصَّلَاةِ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ تَبْطُلُ مُطْلَقًا. فَعَلَى الْمَذْهَبِ: إنْ أَمْكَنَ إزَالَتُهَا مِنْ غَيْرِ عَمَلٍ كَثِيرٍ. وَلَا مُضِيِّ زَمَنٍ طَوِيلٍ: فَالْحُكْمُ كَالْحُكْمِ فِيهَا إذَا عَلِمَ بِهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ. فَإِنْ قُلْنَا: لَا إعَادَةَ هُنَاكَ: أَزَالَهَا هُنَا وَبَنَى، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: تَبْطُلُ رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَأَمَّا إذَا لَمْ تُزَلْ إلَّا بِعَمَلٍ كَثِيرٍ، أَوْ فِي زَمَنٍ طَوِيلٍ، فَالْمَذْهَبُ تَبْطُلُ الصَّلَاةُ. وَقِيلَ: يُزِيلُهَا وَيَبْنِي. قُلْت: وَهُوَ ضَعِيفٌ، الثَّالِثَةُ: لَوْ مَسَّ ثَوْبُهُ ثَوْبًا نَجِسًا، أَوْ قَابَلَهَا رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا، وَلَمْ يُلَاقِهَا. أَوْ سَقَطَتْ عَلَيْهِ فَأَزَالَهَا سَرِيعًا، أَوْ زَالَتْ هِيَ سَرِيعًا، أَوْ مَسَّ حَائِطًا نَجِسًا لَمْ يَسْتَنِدْ
إلَيْهِ: صَحَّتْ صَلَاتُهُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ فِي الْجَمِيعِ. وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ. وَلَوْ اسْتَنَدَ إلَيْهِ: لَمْ يَصِحَّ. الرَّابِعَةُ: لَوْ حَمَلَ قَارُورَةً فِيهَا نَجَاسَةٌ أَوْ آجُرَّةً بَاطِنُهَا نَجِسٌ: لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ. وَلَوْ حَمَلَ حَيَوَانًا طَاهِرًا صَحَّتْ صَلَاتُهُ بِلَا نِزَاعٍ. وَكَذَا لَوْ حَمَلَ آدَمِيًّا مُسْتَجْمِرًا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: لَا تَصِحُّ إذَا حَمَلَ مُسْتَجْمِرًا. وَأَطْلَقَهُمَا فِي التَّلْخِيصِ وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ. وَابْنِ تَمِيمٍ. وَلَوْ حَمَلَ بَيْضَةً مَذِرَةً، أَوْ عُنْقُودَ عِنَبٍ حَبَّاتُهُ مُسْتَحِيلَةٌ خَمْرًا: لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ، جَزَمَ بِهِ النَّاظِمُ. وَإِلَيْهِ مَيْلُ الْمَجْدِ فِي شَرْحِهِ. فَإِنَّ الْبَيْضَةَ الْمَذِرَةَ قَاسَهَا عَلَى الْقَارُورَةِ. وَقَالَ: بَلْ أَوْلَى بِالْمَنْعِ. وَقِيلَ: تَصِحُّ صَلَاتُهُ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنَوِّرِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ. وَقَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَصَاحِبُ الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ: وَلَوْ حَمَلَ بَيْضَةً فِيهَا فَرْخٌ مَيِّتٌ فَوَجْهَانِ، الْخَامِسَةُ: قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ فِي هَذَا الْبَابِ: بَاطِنُ الْحَيَوَانِ مُقَوٍّ لِلدَّمِ وَالرُّطُوبَاتِ النَّجِسَةِ، بِحَيْثُ لَا يَخْلُو مِنْهَا. فَأَجْرَيْنَا لِذَلِكَ حُكْمَ الطَّهَارَةِ مَا دَامَ فِيهِ تَبَعًا. وَقَالَ فِي بَابِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ " وَلَا يَطْهُرُ شَيْءٌ مِنْ النَّجَاسَاتِ بِالِاسْتِحَالَةِ " وَأَمَّا الْمَنِيُّ وَاللَّبَنُ وَالْقُرُوحُ: فَلَيْسَتْ مُسْتَحِيلَةً عَنْ نَجَاسَةٍ؛ لِأَنَّ مَا كَانَ فِي الْبَاطِنِ مُسْتَتِرًا بِسِتَارٍ خِلْقَةً لَيْسَ بِنَجِسٍ بِدَلِيلِ أَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَبْطُلُ بِحَمْلِهِ. وَتَابَعَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْمَجْدِ فِي الْمَكَانَيْنِ يَخْتَلِفُ؛ لِأَنَّهُ فِي الْأَوَّلِ حَكَمَ بِنَجَاسَةِ مَا فِي الْبَاطِنِ، وَلَكِنْ أَجْرَى عَلَيْهَا حُكْمَ الطَّهَارَةِ تَبَعًا وَضَرُورَةً. وَفِي الثَّانِي: قَطَعَ بِأَنَّهُ لَيْسَ بِنَجِسٍ. وَهَذَا الثَّانِي ضَعِيفٌ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ فِي بَابِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ، قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: مَا اسْتَتَرَ فِي الْبَاطِنِ اسْتِتَارَ خِلْقَةٍ لَيْسَ بِنَجِسٍ. بِدَلِيلِ أَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَبْطُلُ بِحَمْلِهِ، كَذَا قَالَ. انْتَهَى. قَوْلُهُ (وَإِذَا جَبَرَ سَاقَهُ بِعَظْمٍ نَجِسٍ فَجُبِرَ لَمْ يَلْزَمْهُ قَلْعُهُ إذَا خَافَ الضَّرَرَ) .
وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، كَمَا لَوْ خَافَ التَّلَفَ. وَعَنْهُ يَلْزَمُهُ. فَعَلَى الْمَذْهَبِ: إنْ غَطَّاهُ اللَّحْمُ صَحَّتْ صَلَاتُهُ مِنْ غَيْرِ تَيَمُّمٍ. وَإِذَا لَمْ يُغَطِّهِ اللَّحْمُ، فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَتَيَمَّمُ لَهُ. وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ. فَقِيلَ: لَا يَلْزَمُهُ التَّيَمُّمُ. وَلَوْ مَاتَ مَنْ يَلْزَمُهُ قَلْعُهُ: قُلِعَ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: إنْ غَطَّاهُ اللَّحْمُ لَمْ يُقْلَعْ لِلْمَثُلَةِ. وَإِلَّا قُلِعَ. وَقَالَ جَمَاعَةٌ: يُقْلَعُ، سَوَاءٌ لَزِمَهُ قَلْعُهُ أَمْ لَا. قَوْلُهُ (فَإِنْ سَقَطَتْ سِنُّهُ فَأَعَادَهَا بِحَرَارَتِهَا، فَثَبَتَتْ. فَهِيَ طَاهِرَةٌ) هَذَا الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، وَقَطَعَ بِهِ أَكْثَرُهُمْ. وَعَنْهُ أَنَّهَا نَجِسَةٌ، حُكْمُهَا حُكْمُ الْعَظْمِ النَّجِسِ إذَا جَبَرَ بِهِ سَاقَهُ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي الَّتِي قَبْلَهَا. وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: إنْ ثَبَتَ وَلَمْ يَتَغَيَّرْ فَهُوَ طَاهِرٌ، وَإِنْ تَغَيَّرَ فَهُوَ نَجِسٌ يُؤْمَرُ بِقَلْعِهِ. وَيُعِيدُ مَا صَلَّى مَعَهُ. وَكَذَا الْحُكْمُ لَوْ قَطَعَ أُذُنَهُ فَأَعَادَهُ فِي الْحَالِ. قَالَهُ فِي الْقَوَاعِدِ. فَائِدَةٌ: لَوْ شَرِبَ خَمْرًا، وَلَمْ يَزُلْ عَقْلُهُ: غَسَلَ فَمَهُ وَصَلَّى، وَلَمْ يَلْزَمْهُ قَيْؤُهُ، نَصَّ عَلَيْهِ وَجَزَمَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْ الْأَصْحَابِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيُتَوَجَّهُ يَلْزَمُهُ، لِإِمْكَانِ إزَالَتِهَا. قَوْلُهُ (وَلَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ فِي الْمَقْبَرَةِ وَالْحَمَّامِ وَالْحُشِّ وَأَعْطَانِ الْإِبِلِ) هَذَا الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: هُوَ أَشْهَرُ وَأَصَحُّ فِي الْمَذْهَبِ، قَالَ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ: هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. وَعَنْهُ إنْ عَلِمَ النَّهْيَ لَمْ تَصِحَّ، وَإِلَّا صَحَّتْ. وَعَنْهُ تَحْرُمُ الصَّلَاةُ فِيهَا. وَتَصِحُّ. قَالَ الْمَجْدُ: لَمْ أَجِدْ عَنْ أَحْمَدَ لَفْظًا بِالتَّحْرِيمِ مَعَ الصِّحَّةِ. وَعَنْهُ تُكْرَهُ الصَّلَاةُ فِيهَا. وَقِيلَ: إنْ خَافَ فَوْتَ الْوَقْتِ، صَحَّتْ. وَقِيلَ: إنْ أَمْكَنَهُ الْخُرُوجُ لَمْ يُصَلِّ فِيهِ بِحَالٍ، وَإِنْ فَاتَ الْوَقْتُ. ذَكَرَهُمَا فِي الرِّعَايَةِ. قَالَ فِي الْقَاعِدَةِ التَّاسِعَةِ: لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ فِي مَوَاضِعِ النَّهْيِ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ النَّهْيَ لِلتَّحْرِيمِ. وَتَصِحُّ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ النَّهْيَ لِلتَّنْزِيهِ. هَذِهِ طَرِيقَةُ الْمُحَقِّقِينَ، وَإِنْ كَانَ مِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ يَحْكِي الْخِلَافَ فِي الصِّحَّةِ، مَعَ الْقَوْلِ بِالتَّحْرِيمِ. انْتَهَى.
تَنْبِيهٌ: عُمُومُ قَوْلِهِ " وَلَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ فِي الْمَقْبَرَةِ " يَدُلُّ أَنَّ صَلَاةَ الْجِنَازَةِ لَا تَصِحُّ فِيهَا، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَغَيْرِهِمْ، وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَاتِ عَنْ أَحْمَدَ، وَصَحَّحَهَا النَّاظِمُ. وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ. قَالَ فِي الْفُصُولِ فِي آخِرِ الْجَنَائِزِ: أَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ لَا تَجُوزُ. وَعَنْهُ تَصِحُّ مَعَ الْكَرَاهَةِ، اخْتَارَهَا ابْنُ عَقِيلٍ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُذْهَبِ، وَالْمُغْنِي، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالْفَائِقِ. وَعَنْهُ تَصِحُّ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، قَالَ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ: تُبَاحُ فِي مَسْجِدٍ وَمَقْبَرَةٍ. قَالَ فِي الْمُحَرَّرِ: لَا يُكْرَهُ فِي الْمَقْبَرَةِ. قَالَ فِي الْكَافِي: وَيَجُوزُ فِي الْمَقْبَرَةِ. قَالَ فِي الْهِدَايَةِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَغَيْرِهِمْ: لَا بَأْسَ بِصَلَاةِ الْجِنَازَةِ فِي الْمَقْبَرَةِ. قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ: لَا تَصِحُّ صَلَاةٌ فِي مَقْبَرَةٍ لِغَيْرِ جِنَازَةٍ، وَقَدَّمَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ. وَأَطْلَقَهُنَّ فِي الْفُرُوعِ. فَوَائِدُ الْأُولَى: لَا يَضُرُّ قَبْرٌ وَلَا قَبْرَانِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، إذَا لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ، جَزَمَ بِهِ ابْنُ تَمِيمٍ. وَقَالَهُ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالشَّرْحِ، وَالرِّعَايَةِ، وَالْفَائِقِ. وَقِيلَ: يَضُرُّ، اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَالْفَائِقُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ أَظْهَرُ، بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ: هَلْ يُسَمَّى مَقْبَرَةً أَمْ لَا؟ وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيُتَوَجَّهُ أَنَّ الْأَظْهَرَ: أَنَّ الْخَشْخَاشَةَ فِيهَا جَمَاعَةُ قَبْرٍ وَاحِدٍ، وَأَنَّهُ ظَاهِرُ كَلَامِهِ. الثَّانِيَةُ: لَوْ دَفَنَ بِدَارِهِ مَوْتَى لَمْ تَصِرْ مَقْبَرَةً. قَالَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمَذْهَبِ، وَغَيْرُهُ الثَّالِثَةُ: قَوْلُهُ عَنْ أَعْطَانِ الْإِبِلِ " الَّتِي تُقِيمُ فِيهَا وَتَأْوِي إلَيْهَا " هُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، نُصَّ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَقِيلَ: هُوَ مَكَانُ اجْتِمَاعِهَا إذَا صَدَرَتْ
عَنْ الْمَنْهَلِ. زَادَ صَاحِبُ الرِّعَايَةِ وَغَيْرُهُ: وَمَا تَقِفُ فِيهِ لِتَرِدَ الْمَاءَ. زَادَ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي بَعْدَ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فَقَالَ وَقِيلَ: هُوَ مَا تَقِفُ فِيهِ لِتَرِدَ الْمَاءَ. قَالَ: وَالْأَوَّلُ أَجْوَدُ. وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ: أَوْ تَقِفُ لِعَلَفِهَا. الرَّابِعَةُ: الْحُشُّ: مَا أُعِدَّ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ. فَيُمْنَعُ مِنْ الصَّلَاةِ دَاخِلَ بَابِهِ. وَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ مَوْضِعُ الْكَنِيفِ وَغَيْرِهِ. الْخَامِسَةُ: الْمَنْعُ مِنْ الصَّلَاةِ فِي هَذِهِ الْأَمْكِنَةِ: تَعَبُّدٌ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: تَعَبُّدٌ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ. وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ. وَقَدَّمَهُ فِي الشَّرْحِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. قَالَ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ: الْأَظْهَرُ أَنَّهُ تَعَبُّدٌ. وَقِيلَ: مُعَلَّلٌ. وَإِلَيْهِ مَيْلُ الْمُصَنِّفِ. فَهُوَ مُعَلَّلٌ بِمَظِنَّةِ النَّجَاسَةِ. فَيَخْتَصُّ بِمَا هُوَ مَظِنَّةٌ مِنْ هَذِهِ الْأَمَاكِنِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ. فَعَلَى الْأُولَى: حُكْمُ مُسَلَّحِ الْحَمَامِ وَأَتُونِهِ كَدَاخِلِهِ. وَكَذَا مَا يَتْبَعُهُ فِي الْبَيْعِ، نُصَّ عَلَيْهِ. وَكَذَا غَيْرُهُ. قَالَ بَعْضُهُمْ: وَهُوَ الْمَذْهَبُ، قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَلَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ فِي حَمَّامٍ وَأَتُونِهِ وَبُيُوتِهِ وَمَجْمَعِ وَقُودِهِ، وَكُلِّ مَا يَتْبَعُهُ فِي الْبَيْعِ مِنْ الْأَمَاكِنِ وَتَحْوِيهِ حُدُودُهُ. وَيَتَنَاوَلُ أَيْضًا كُلَّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ. فَلَا فَرْقَ فِي الْمَقْبَرَةِ بَيْنَ الْقَدِيمَةِ وَالْحَدِيثَةِ، وَالْمَنْبُوشَةِ وَغَيْرِ الْمَنْبُوشَةِ. وَعَلَى الثَّانِي: تَصِحُّ فِي أَسْطِحَةِ هَذِهِ الْمَوَاضِعِ. قَوْلُهُ (وَالْمَوْضِعِ الْمَغْصُوبِ) يَعْنِي لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ فِيهِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ فِي الْمُخْتَصَرَاتِ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. وَعَنْهُ تَصِحُّ مَعَ التَّحْرِيمِ، اخْتَارَهَا الْخَلَّالُ، وَابْنُ عَقِيلٍ فِي فَنُونِهِ، وَالطُّوفِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ فِي الْأُصُولِ وَغَيْرِهِمْ. وَقِيلَ: تَصِحُّ إنْ جَهِلَ النَّهْيَ. وَقِيلَ: تَصِحُّ مَعَ الْكَرَاهَةِ. حَكَاهُ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي أُصُولِهِ وَفُرُوعِهِ وَغَيْرِهِ. وَقَالَ: إنْ خَافَ فَوْتَ الْوَقْتِ صَحَّتْ صَلَاتُهُ، وَإِلَّا فَلَا. وَقِيلَ: إنْ أَمْكَنَهُ الْخُرُوجُ مِنْهُ: لَمْ تَصِحَّ فِيهِ بِحَالٍ، وَإِنْ فَاتَ الْوَقْتُ. وَقِيلَ يَصِحُّ النَّفَلُ. وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي بَحْثِ الْمَسْأَلَةِ: أَنَّ النَّافِلَةَ لَا تَصِحُّ بِالِاتِّفَاقِ.
فَهَذِهِ ثَلَاثُ طُرُقٍ فِي النَّفْلِ تَقَدَّمَ نَظِيرُهَا فِي الثَّوْبِ الْمَغْصُوبِ. وَحَيْثُ قُلْنَا " لَا تَصِحُّ فِي الْمَوْضِعِ الْمَغْصُوبِ " فَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. فَائِدَةٌ: لَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ أَوْ مُصَلَّاهُ بِلَا غَصْبٍ، بِغَيْرِ إذْنِهِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: لَا تَصِحُّ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي. وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يُصَلِّيَ فِي كُلِّ أَرْضٍ إلَّا بِإِذْنِ صَاحِبِهَا. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ عَدَمَ الصِّحَّةِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ الْكَرَاهَةَ. فَلِهَذَا قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَوْ صَلَّى عَلَى أَرْضِ غَيْرِهِ أَوْ مُصَلَّاهُ بِلَا غَصْبٍ صَحَّ فِي الْأَصَحِّ. وَقِيلَ: حَمْلُهَا عَلَى الْكَرَاهَةِ أَوْلَى، قَالَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ قُلْت: وَحَمْلُ الْوَجْهَيْنِ عَلَى إرَادَةِ الْكَرَاهَةِ وَعَدَمِهَا أَوْلَى، قَالَ فِي الْفُرُوعِ، وَظَاهِرُ الْمَسْأَلَةِ: أَنَّ الصَّلَاةَ هُنَا أَوْلَى مِنْ الطَّرِيقِ. وَأَنَّ الْأَرْضَ الْمُزْدَرَعَةَ: كَغَيْرِهَا. قَالَ: وَالْمُرَادُ وَلَا ضَرَرَ، وَلَوْ كَانَتْ لِكَافِرٍ. قَالَ: وَيُتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ لِعَدَمِ رِضَاهُ بِصَلَاةِ مُسْلِمٍ بِأَرْضِهِ. قَوْلُهُ (وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: حُكْمُ الْمَجْزَرَةِ وَالْمَزْبَلَةِ وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ وَأَسْطِحَتِهَا: كَذَلِكَ) يَعْنِي كَالْمَقْبَرَةِ وَنَحْوِهَا. وَهُوَ الْمَذْهَبُ، قَالَ الشَّارِحُ: أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا عَلَى هَذَا. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَأَلْحَقَ عَامَّةُ الْأَصْحَابِ بِهَذِهِ الْمَوَاضِعِ: الْمَجْزَرَةَ. وَمَحَجَّةَ الطَّرِيقِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالنَّظْمِ، وَالْفَائِقِ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. وَعَنْهُ تَصِحُّ الصَّلَاةُ فِي هَذِهِ الْأَمْكِنَةِ، وَإِنْ لَمْ يُصَحِّحْهَا فِي غَيْرِهَا، وَيَحْتَمِلُهُ كَلَامُ الْخِرَقِيِّ، وَاخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ. وَعَنْهُ تَصِحُّ عَلَى أَسْطِحَتِهَا، وَإِنْ لَمْ يُصَحِّحْهَا فِي دَاخِلِهَا، وَاخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ. وَقَالَ أَبُو الْوَفَا: سَطْحُ النَّهْرِ لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ، لِأَنَّ الْمَاءَ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ حَكَاهَا الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: هُوَ كَالطَّرِيقِ. قَالَ الْمَجْدُ: وَالْمَشْهُورُ عَنْهُ الْمَنْعُ فِيهَا. وَعَنْهُ لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ عَلَى أَسْطِحَتِهَا. وَكَرِهَهَا فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ وَجَعْفَرٍ عَلَى نَهْرٍ وَسَابَاطٍ. وَقَالَ الْقَاضِي
فِيمَا تَجْرِي فِيهِ سَفِينَةٌ كَالطَّرِيقِ. وَعَلَّلَهُ بِأَنَّ الْهَوَاءَ تَابِعٌ لِلْقَرَارِ، وَاخْتَارَ أَبُو الْمَعَالِي وَغَيْرُهُ: الصِّحَّةَ كَالسَّفِينَةِ. قَالَ أَبُو الْمَعَالِي. وَلَوْ جَمَدَ الْمَاءُ فَكَالطَّرِيقِ. وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ فِيهِ الصِّحَّةَ. قُلْت: وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ تَمِيمٍ، فَقَالَ: لَوْ جَمَدَ مَاءُ النَّهْرِ فَصَلَّى عَلَيْهِ: صَحَّ. تَنْبِيهٌ: مَفْهُومُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: أَنَّ الصَّلَاةَ تَصِحُّ فِي الْمَدْبَغَةِ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالْفَائِقِ. وَقِيلَ: هِيَ كَالْمَجْزَرِ، وَاخْتَارَهُ فِي الرَّوْضَةِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِفَادَاتِ. وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ. فَوَائِدُ إحْدَاهُمَا: " الْمَجْزَرَةُ ": مَا أُعِدَّ لِلذَّبْحِ وَالنَّحْرِ. وَ " الْمَزْبَلَةُ " مَا أُعِدَّ لِلنَّجَاسَةِ وَالْكُنَاسَةِ وَالزُّبَالَةِ، وَإِنْ كَانَتْ طَاهِرَةً. وَ " قَارِعَةُ الطَّرِيقِ " مَا كَثُرَ سُلُوكُ السَّابِلَةِ فِيهَا سَوَاءٌ كَانَ فِيهَا سَالِكٌ أَوْ لَا، دُونَ مَا عَلَا عَنْ جَادَّةِ الْمَارَّةِ يَمْنَةً وَيَسْرَةً، نُصَّ عَلَيْهِ. وَقِيلَ: يَصِحُّ فِيهِ طُولًا، إنْ لَمْ يَضِقْ عَلَى النَّاسِ، لَا عَرْضًا. وَلَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ فِي طَرِيقِ الْأَبْيَاتِ الْقَلِيلَةِ. الثَّانِيَةُ: إنْ بُنِيَ الْمَسْجِدُ بِمَقْبَرَةٍ: فَالصَّلَاةُ فِيهِ كَالصَّلَاةِ فِي الْمَقْبَرَةِ، وَإِنْ حَدَثَتْ الْقُبُورُ بَعْدَهُ حَوْلَهُ، أَوْ فِي قِبْلَتِهِ، فَالصَّلَاةُ فِيهِ كَالصَّلَاةِ إلَى الْمَقْبَرَةِ، عَلَى مَا يَأْتِي قَرِيبًا، هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيُتَوَجَّهُ تَصِحُّ. يَعْنِي مُطْلَقًا، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ. قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ. وَقَالَ الْآمِدِيُّ: لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَسْجِدِ الْقَدِيمِ وَالْحَدِيثِ. وَقَالَ فِي الْهَدْيِ: لَوْ وُضِعَ الْقَبْرُ وَالْمَسْجِدُ مَعًا لَمْ يَجُزْ، وَلَمْ يَصِحَّ الْوَقْفُ وَلَا الصَّلَاةُ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ: إنْ بُنِيَ فِيهَا مَسْجِدٌ، بَعْدَ أَنْ انْقَلَبَتْ أَرْضُهَا بِالدَّفْنِ: لَمْ تَجُزْ الصَّلَاةُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ بُنِيَ فِي أَرْضٍ الظَّاهِرُ نَجَاسَتُهَا. كَالْبُقْعَةِ النَّجِسَةِ وَإِنْ
بُنِيَ فِي سَاحَةٍ طَاهِرَةٍ، وَجُعِلَتْ السَّاحَةُ مَقْبَرَةً جَازَتْ؛ لِأَنَّهُ فِي جِوَارِ مَقْبَرَةٍ. وَلَوْ حَدَثَ طَرِيقٌ بَعْدَ بِنَاءِ مَسْجِدٍ عَلَى سَابَاطٍ: صَحَّتْ الصَّلَاةُ فِيهِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، قَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَغَيْرُهُ. وَقِيلَ: لَا يُصَلَّى فِيهِ. ذَكَرَهُ فِي التَّبْصِرَةِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَالْفُرُوعِ. وَقَالَ الْقَاضِي: قَدْ يُتَوَجَّهُ الْكَرَاهَةُ فِيهِ. الثَّالِثَةُ: يُسْتَثْنَى مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ، مِمَّنْ أَطْلَقَ صَلَاةَ الْجُمُعَةِ وَنَحْوِهَا فِي الطَّرِيقِ وَحَافَّتَيْهَا. فَإِنَّهَا تَصِحُّ لِلضَّرُورَةِ، نُصَّ عَلَيْهِ، كَذَا تَصِحُّ عَلَى الرَّاحِلَةِ فِي الطَّرِيقِ، وَقَطَعَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّارِحُ، وَالْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَصَاحِبُ الْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَالْفُرُوعِ، وَغَيْرُهُمْ: تَصِحُّ صَلَاةُ الْجُمُعَةِ وَالْجَنَائِزِ وَالْأَعْيَادِ وَنَحْوِهَا بِحَيْثُ يُضْطَرُّونَ إلَى الصَّلَاةِ فِي الطُّرُقَاتِ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: تَصِحُّ صَلَاةُ الْجُمُعَةِ. وَقِيلَ: صَلَاةُ الْعِيدِ وَالْجَنَائِزِ وَالْكُسُوفَيْنِ. وَقِيلَ: وَالِاسْتِسْقَاءِ فِي كُلِّ طَرِيقٍ. وَقَالَ فِي الصُّغْرَى: تَصِحُّ صَلَاةُ الْجُمُعَةِ وَقِيلَ: الْعِيدِ وَالْجِنَازَةِ فِي طَرِيقٍ، وَمَوْضِعِ غَصْبٍ. وَقَالَ ابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ: نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى صِحَّةِ الْجُمُعَةِ فِي الْمَوْضِعِ الْمَغْصُوبِ. وَخُصَّ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ بِهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ فِي بَابِ الْإِمَامَةِ بَعْدَ إمَامَةِ الْفَاسِقِ. وَيَأْتِي هُنَاكَ أَيْضًا بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا. الرَّابِعَةُ: مَنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ فِعْلُ الصَّلَاةِ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْأَمْكِنَةِ: صَلَّى فِيهَا. وَفِي الْإِعَادَةِ رِوَايَتَانِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَمُخْتَصَرِ ابْنِ تَمِيمٍ. قُلْت: الصَّوَابُ عَدَمُ الْإِعَادَةِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْحَاوِي الصَّغِيرِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُ ذَلِكَ مُتَفَرِّقًا، كَمَنْ صَلَّى فِي مَوْضِعٍ نَجِسٍ لَا يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ مِنْهُ وَنَحْوِهِ. قُلْت: قَوَاعِدُ الْمَذْهَبِ: تَقْتَضِي أَنَّهُ يُعِيدُ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ عَنْهَا لَا يُعْقَلُ مَعْنَاهُ. وَقَالَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ: إنْ عَجَزَ عَنْ مُفَارَقَةِ الْغَصْبِ صَلَّى، وَلَا إعَادَةَ، رِوَايَةً وَاحِدَةً، قَوْلُهُ (وَتَصِحُّ الصَّلَاةُ إلَيْهَا) هَذَا الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا مَعَ الْكَرَاهَةِ، نُصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ وَغَيْرِهِ. وَعَلَيْهِ
الْجُمْهُورُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ، وَغَيْرِهِمْ. وَقِيلَ: لَا تَصِحُّ إلَيْهَا مُطْلَقًا. وَقِيلَ: لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ إلَى الْمَقْبَرَةِ فَقَطْ، وَاخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالْمَجْدُ، وَصَاحِبُ النَّظْمِ، وَالْفَائِقِ. وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ أَظْهَرُ. وَعَنْهُ لَا تَصِحُّ إلَى الْمَقْبَرَةِ وَالْحُشِّ، اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنَوِّرِ. وَقِيلَ: لَا تَصِحُّ إلَى الْمَقْبَرَةِ، وَالْحُشِّ، وَالْحَمَّامِ. وَعَنْهُ لَا يُصَلِّي إلَى قَبْرٍ أَوْ حُشٍّ أَوْ حَمَّامٍ أَوْ طَرِيقٍ. قَالَهُ ابْنُ تَمِيمٍ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَإِنْ فَعَلَ فَفِي الْإِعَادَةِ قَوْلَانِ، قَالَ الْقَاضِي: وَيُقَاسُ عَلَى ذَلِكَ سَائِرُ مَوَاضِعِ النَّهْيِ إذَا صَلَّى إلَيْهَا إلَّا الْكَعْبَةَ تَنْبِيهٌ: مَحَلُّ الْخِلَافِ: إذَا لَمْ يَكُنْ حَائِلٌ. فَإِنْ كَانَ بَيْنَ الْمُصَلِّي وَبَيْنَ ذَلِكَ حَائِلٌ، وَلَوْ كَمُؤَخِّرَةِ الرَّحْلِ صَحَّتْ الصَّلَاةُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْفَائِقِ وَغَيْرِهِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَيْسَ كَسُتْرَةِ صَلَاةٍ، حَتَّى يَكْفِيَ الْخَطُّ بَلْ كَسُتْرَةِ الْمُتَخَلِّي. قَالَ: وَيُتَوَجَّهُ أَنَّ مُرَادَهُمْ لَا يَضُرُّ بُعْدٌ كَثِيرٌ عُرْفًا، كَمَا لَا أَثَرَ لَهُ فِي مَارٍّ أَمَامَ الْمُصَلِّي. وَعَنْهُ لَا يَكْفِي حَائِطُ الْمَسْجِدِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَجَزَمَ بِهِ الْمَجْدُ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالنَّاظِمُ، وَغَيْرُهُمْ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَغَيْرِهِمْ؛ لِكَرَاهَةِ السَّلَفِ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدٍ فِي قِبْلَتِهِ حُشٌّ وَتَأَوَّلَ ابْنُ عَقِيلٍ النَّصَّ عَلَى سِرَايَةِ النَّجَاسَةِ تَحْتَ مَقَامِ الْمُصَلِّي وَاسْتَحْسَنَهُ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ. وَعَنْ أَحْمَدَ نَحْوُهُ. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يُبَيِّنُ صِحَّةَ تَأْوِيلِي لَوْ كَانَ الْحَائِلُ كَآخِرَةِ الرَّحْلِ: لَمْ تَبْطُلْ الصَّلَاةُ بِمُرُورِ الْكَلْبِ. وَلَوْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ فِي الْقِبْلَةِ كَهِيَ تَحْتَ الْقَدَمِ لَبَطَلَتْ؛ لِأَنَّ نَجَاسَةَ الْكَلْبِ آكَدُ مِنْ نَجَاسَةِ الْخَلَاءِ، لِغَسْلِهَا بِالتُّرَابِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَيَلْزَمُهُ أَنْ يَقُولَ بِالْخَطِّ هُنَا. وَلَا وَجْهَ لَهُ. وَعَدَمُهُ يَدُلُّ عَلَى الْفَرْقِ.
فَائِدَةٌ: لَوْ غُيِّرَتْ مَوَاضِعُ النَّهْيِ بِمَا يُزِيلُ اسْمَهَا، كَجَعْلِ الْحَمَّامِ دَارًا، وَنَبْشِ الْمَقْبَرَةِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ: صَحَّتْ الصَّلَاةُ فِيهَا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَحَكَى قَوْلًا: لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ. قُلْت: وَهُوَ بَعِيدٌ جِدًّا. فَوَائِدُ: تَصِحُّ الصَّلَاةُ فِي أَرْضِ السِّبَاخِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، نَصَّ عَلَيْهِ، قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: مَعَ الْكَرَاهَةِ. وَعَنْهُ لَا تَصِحُّ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: إنْ كَانَتْ رَطْبَةً. ثُمَّ قَالَ: قُلْت مَعَ ظَنِّ نَجَاسَتِهَا. وَعَنْهُ الْوَقْفُ. وَتُكْرَهُ فِي أَرْضِ الْخَسْفِ، نُصَّ عَلَيْهِ، وَتُكْرَهُ فِي مَقْصُورَةٍ تُحْمَى، نُصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: أَوَّلًا، إنْ قُطِعَتْ الصُّفُوفُ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الرِّعَايَةِ. وَتُكْرَهُ فِي الرَّحَى. وَعَلَيْهَا ذَكَرَهُ الْآمِدِيُّ، وَابْنُ حَمْدَانَ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَصَاحِبُ الْحَاوِي وَغَيْرُهُمْ. وَسُئِلَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ. فَقَالَ: مَا سَمِعْت فِي الرَّحَى شَيْئًا. وَلَهُ دُخُولُ بَيْعَةٍ وَكَنِيسَةٍ، وَالصَّلَاةُ فِيهِمَا، مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَنْهُ تُكْرَهُ. وَعَنْهُ: مَعَ صُوَرٍ. وَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ: يَحْرُمُ دُخُولُهُ مَعَهَا. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَإِنَّهَا كَالْمَسْجِدِ عَلَى الْقَبْرِ. وَقَالَ: وَلَيْسَتْ مِلْكًا لِأَحَدٍ. وَلَيْسَ لَهُمْ مَنْعُ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ؛ لِأَنَّا صَالَحْنَاهُمْ عَلَيْهِ. نَقَلَهُ فِي الْفُرُوعِ فِي الْوَلِيمَةِ. قَوْلُهُ (وَلَا تَصِحُّ الْفَرِيضَةُ فِي الْكَعْبَةِ. وَلَا عَلَى ظَهْرِهَا) . هَذَا الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. وَعَنْهُ تَصِحُّ، وَاخْتَارَهَا الْآجُرِّيُّ، وَصَاحِبُ الْفَائِقِ. فَائِدَتَانِ: إحْدَاهُمَا: لَوْ نَذَرَ الصَّلَاةَ فِيهَا: صَحَّتْ مِنْ غَيْرِ نِزَاعٍ أَعْلَمُهُ، إلَّا تَوْجِيهًا لِصَاحِبِ الْفُرُوعِ بِعَدَمِ الصِّحَّةِ مِنْ قَوْلٍ ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِيمَنْ نَذَرَ الصَّلَاةَ عَلَى الرَّاحِلَةِ: لَا تَصِحُّ الثَّانِيَةُ: لَوْ وَقَفَ عَلَى مُنْتَهَى الْبَيْتِ، بِحَيْثُ إنَّهُ لَمْ يَبْقَ وَرَاءَهُ مِنْهُ شَيْءٌ، أَوْ
صَلَّى خَارِجَهُ لَكِنْ سَجَدَ فِيهِ: صَحَّتْ صَلَاةُ الْفَرِيضَةِ وَالْحَالَةُ هَذِهِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمَجْدِ فِي شَرْحِهِ، وَالْحَاوِي. وَقِيلَ: لَا تَصِحُّ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا. وَإِلَيْهِ مَيْلُ الْمَجْدِ فِي شَرْحِهِ، وَصَاحِبِ الْحَاوِي. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُخْتَصَرِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَةِ. قَوْلُهُ (وَتَصِحُّ النَّافِلَةُ إذَا كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ شَيْءٌ مِنْهَا) الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: صِحَّةُ صَلَاةِ النَّافِلَةِ فِيهَا وَعَلَيْهَا، بِشَرْطِهِ مُطْلَقًا. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَعَنْهُ لَا تَصِحُّ مُطْلَقًا. قُلْت: وَهُوَ بَعِيدٌ. وَعَنْهُ إنْ جَهِلَ النَّهْيَ صَحَّتْ، وَإِلَّا لَمْ تَصِحَّ. وَقِيلَ: لَا تَصِحُّ فِيهَا إنْ نَقَصَ الْبِنَاءُ وَصَلَّى إلَى مَوْضِعِهِ. وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ النَّفَلُ فَوْقَهَا. وَيَصِحُّ فِيهَا، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ حَامِدٍ. وَصَحَّحَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ. وَلَا يَصِحُّ نَفْلٌ فَوْقَهَا فِي الْأَصَحِّ. وَيَصِحُّ فِيهَا فِي الْأَصَحِّ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْخُلَاصَةِ. فَإِنَّهُ قَالَ: وَيُصَلِّي النَّافِلَةَ فِي الْكَعْبَةِ، وَكَذَا فِي الْمُنَوِّرِ. تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ قَوْلِهِ " إذَا كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ شَيْءٌ مِنْهَا " أَنَّهُ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيْهِ شَاخِصٌ مِنْهَا: أَنَّهَا تَصِحُّ. وَاعْلَمْ أَنَّهُ إذَا كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ شَاخِصٌ مِنْهَا: صَحَّتْ صَلَاتُهُ. وَالشَّاخِصُ كَالْبِنَاءِ، وَالْبَابِ الْمُغْلَقِ، أَوْ الْمَفْتُوحِ، أَوْ عَتَبَتِهِ الْمُرْتَفِعَةِ. وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْآمِدِيُّ: لَا يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ إلَى الْبَابِ إذَا كَانَ مَفْتُوحًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيْهِ شَاخِصٌ مِنْهَا فَتَارَةً يَبْقَى بَيْنَ يَدَيْهِ شَيْءٌ مِمَّنْ فِي الْبَيْتِ إذَا سَجَدَ، وَتَارَةً لَا يَبْقَى شَيْءٌ، بَلْ يَكُونُ سُجُودُهُ عَلَى مُنْتَهَاهُ. فَإِنْ كَانَ سُجُودُهُ عَلَى مُنْتَهَى الْبَيْتِ، بِحَيْثُ إنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْهُ شَيْءٌ: فَهَذَا لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ قَوْلًا وَاحِدًا، بَلْ هُوَ إجْمَاعٌ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ شَيْءٌ مِنْهَا إذَا سَجَدَ، وَلَكِنْ مَا ثَمَّ شَاخِصٌ، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا الصِّحَّةُ، وَهُوَ أَحَدُ الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْفُرُوعِ، وَالْوَجْهَيْنِ لِأَكْثَرِهِمْ. وَعِبَارَتُهُ
فِي الْهِدَايَةِ، وَالْكَافِي، وَغَيْرِهِمَا كَذَلِكَ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَاخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي، وَالْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَصَاحِبُ الْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَالْفَائِقِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ عَلَى مَا أَسْلَفْنَاهُ فِي الْخُطْبَةِ. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ إذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيْهِ شَاخِصٌ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. قَالَ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيْهِ شَاخِصٌ، أَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ آجُرٌّ مُعَبَّأٌ غَيْرُ مَبْنِيٍّ، أَوْ خَشَبٌ غَيْرُ مَسْمُورٍ فِيهَا. فَقَالَ أَصْحَابُنَا: لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ. قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَصَاحِبُ الْحَاوِي: اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي تَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ، وَالْمُنَوِّرِ. فَإِنَّهُ قَالَ " وَيَصِحُّ النَّفَلُ فِي الْكَعْبَةِ إلَى شَاخِصٍ مِنْهَا " وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْوَجِيزِ. فَإِنَّهُ قَالَ " وَتَصِحُّ النَّافِلَةُ بِاسْتِقْبَالِ مُتَّصِلٍ بِهَا " وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَالْمَجْدِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَابْنُ تَمِيمٍ. فَوَائِدُ: الْأُولَى: لَا اعْتِبَارَ بِالْآجُرِّ الْمُعَبَّأِ مِنْ غَيْرِ بِنَاءٍ، وَلَا الْخَشَبِ غَيْرِ الْمَسْمُورِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ سُتْرَةً. قَالَهُ الْأَصْحَابُ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَيُتَوَجَّهُ أَنْ يُكْتَفَى بِذَلِكَ بِمَا يَكُونُ سُتْرَةً فِي الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ شَيْءٌ شَاخِصٌ. الثَّانِيَةُ: إذَا قُلْنَا " تَصِحُّ الصَّلَاةُ فِي الْكَعْبَةِ " فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ. وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. وَعَنْهُ لَا يُسْتَحَبُّ. وَقَالَ الْقَاضِي: تُكْرَهُ الصَّلَاةُ فِي الْكَعْبَةِ وَعَلَيْهَا. وَنَقَلَهُ ابْنُ تَمِيمٍ. وَنَقَلَ الْأَثْرَمُ: يُصَلِّي فِيهِ إذَا دَخَلَهُ وَجَاهُهُ كَذَا فَعَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَلَا يُصَلِّي حَيْثُ شَاءَ. وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ: يَقُومُ كَمَا قَامَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ الْأُسْطُوَانَتَيْنِ. الثَّالِثَةُ: لَوْ نُقِضَ بِنَاءُ الْكَعْبَةِ، أَوْ خَرِبَتْ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى صَلَّى إلَى مَوْضِعِهَا
دُونَ أَنْقَاضِهَا. وَتَقَدَّمَ فِي النَّفْلِ وَجْهٌ بِعَدَمِ الصِّحَّةِ فِيهَا لِحَالِ نَقْضِهَا، وَإِنْ صَحَّحْنَاهُ، وَلَوْ كَانَ الْبِنَاءُ بَاقِيًا. وَأَمَّا التَّوَجُّهُ إلَى الْحِجْرِ: فَيَأْتِي فِي أَثْنَاءِ الْبَابِ الَّذِي بَعْدَ هَذَا.
باب استقبال القبلة
[بَابُ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ بَابُ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ قَوْلُهُ (وَهُوَ الشَّرْطُ الْخَامِسُ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ إلَّا فِي حَالِ الْعَجْزِ عَنْهُ) الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: سُقُوطُ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ فِي حَالِ الْعَجْزِ مُطْلَقًا كَالْتِحَامِ الْحَرْبِ، وَالْهَرَبِ مِنْ السَّيْلِ وَالسَّبُعِ وَنَحْوِهِ، عَلَى مَا يَأْتِي، وَعَجْزِ الْمَرِيضِ عَنْهُ وَعَمَّنْ يُدِيرُهُ، وَالْمَرْبُوطِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَجَزَمَ ابْنُ شِهَابٍ أَنَّ التَّوَجُّهَ لَا يَسْقُطُ حَالَ كَسْرِ السَّفِينَةِ، مَعَ أَنَّهَا حَالَةُ عُذْرٍ؛ لِأَنَّ التَّوَجُّهَ إنَّمَا يَسْقُطُ حَالَ الْمُسَايَفَةِ لِمَعْنًى مُتَعَدٍّ إلَى غَيْرِ الْمُصَلِّي، وَهُوَ الْخِذْلَانُ عِنْدَ ظُهُورِ الْكُفَّارِ، وَهَذَا ضَعِيفٌ جِدًّا. قَوْلُهُ (وَالنَّافِلَةُ عَلَى الرَّاحِلَةِ فِي السَّفَرِ الطَّوِيلِ وَالْقَصِيرِ) هَذَا الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَعَنْهُ لَا يُصَلِّي سُنَّةَ الْفَجْرِ عَلَيْهَا، وَعَنْهُ لَا يُصَلِّي الْوِتْرَ عَلَيْهَا. وَاَلَّذِي قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ: جَوَازَ صَلَاةِ الْوِتْرِ رَاكِبًا وَلَوْ قُلْنَا إنَّهُ وَاجِبٌ. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَكَلَامُ ابْنِ عَقِيلٍ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ، إذَا قُلْنَا إنَّهُ وَاجِبٌ. تَنْبِيهَاتٌ. أَحَدُهَا: ظَاهِرُ قَوْلِهِ " النَّافِلَةُ عَلَى الرَّاحِلَةِ فِي السَّفَرِ الطَّوِيلِ وَالْقَصِيرِ " أَنَّهَا لَا تَصِحُّ فِي الْحَضَرِ مِنْ غَيْرِ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَعَنْهُ يَسْقُطُ الِاسْتِقْبَالُ أَيْضًا إذَا تَنَفَّلَ فِي الْحَضَرِ كَالرَّاكِبِ السَّائِرِ فِي مِصْرِهِ، وَقَدْ فَعَلَهُ أَنَسٌ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفَائِقِ وَالْإِرْشَادِ.
الثَّانِي: كَلَامُ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ أَطْلَقَ مُقَيَّدٌ بِأَنْ يَكُونَ السَّفَرُ مُبَاحًا. فَلَوْ كَانَ مُحَرَّمًا وَنَحْوَهُ لَمْ يَسْقُطْ الِاسْتِقْبَالُ، قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ. الثَّالِثُ: لَوْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَدُورَ فِي السَّفِينَةِ وَالْمِحَفَّةِ إلَى الْقِبْلَةِ فِي كُلِّ الصَّلَاةِ لَزِمَهُ ذَلِكَ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ نَصَّ عَلَيْهِ وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ مُنَجَّى فِي شَرْحِهِ وَالرِّعَايَةِ، وَزَادَ: الْعِمَارِيَّةَ وَالْمَحْمَلَ وَنَحْوَهُمَا. قَالَ فِي الْكَافِي: فَإِنْ أَمْكَنَهُ الِاسْتِقْبَالُ وَالرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ كَاَلَّذِي فِي الْعِمَارِيَّةِ لَزِمَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ كَرَاكِبِ السَّفِينَةِ، وَفِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ نَحْوُ ذَلِكَ، وَقِيلَ: لَا يَلْزَمُهُ اخْتَارَهُ الْآمِدِيُّ، وَيَحْتَمِلُهُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ فِي الْمِحَفَّةِ وَنَحْوِهَا قَالَ فِي الْفُرُوعِ لَا يَجِبُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَقَالَ: وَأَطْلَقَ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ وَغَيْرِهِ أَنْ يَدُورَ قَالَ: وَالْمُرَادُ غَيْرُ الْمَلَّاحِ لِحَاجَتِهِ. الرَّابِعُ: يَدُورُ فِي ذَلِكَ فِي الْفَرْضِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: لَا يَجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَهُوَ احْتِمَالٌ لِابْنِ حَامِدٍ [وَيَأْتِي فِي صَلَاةِ أَهْلِ الْأَعْذَارِ] . قَوْلُهُ (وَهَلْ يَجُوزُ تَرْكُ الِاسْتِقْبَالِ فِي التَّنَفُّلِ لِلْمَاشِي؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْكَافِي وَالشَّرْحِ، وَابْنُ مُنَجَّى فِي شَرْحِهِ، وَالزَّرْكَشِيُّ، إحْدَاهُمَا: يَجُوزُ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ جَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ وَالْمُذْهَبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَنَظْمِ نِهَايَةِ ابْنِ رَزِينٍ وَصَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ، وَالْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالنَّاظِمُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَعَلَى الْأَصَحِّ: وَمَاشِيًا وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْفَائِقِ وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَا يَجُوزُ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَنَصَّهَا الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي لِلْخِلَافِ.
فَعَلَى الْمَذْهَبِ: تَصِحُّ الصَّلَاةُ إلَى الْقِبْلَةِ بِلَا خِلَافٍ أَعْلَمُهُ، وَيَأْتِي الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ " فَإِنْ أَمْكَنَهُ افْتِتَاحُ الصَّلَاةِ إلَى الْقِبْلَةِ ". وَيَرْكَعُ وَيَسْجُدُ فَقَطْ إلَى الْقِبْلَةِ، وَيَفْعَلُ الْبَاقِيَ إلَى جِهَةِ سَيْرِهِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ قَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ، وَالْفُرُوعِ، وَشَرْحِ الْهِدَايَةِ، وَالْمَجْدُ، وَالرِّعَايَةِ، وَابْنُ مُنَجَّى وَشَرْحِهِ وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ، وَقِيلَ: يُومِئُ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ إلَى جِهَةِ سَيْرِهِ كَرَاكِبٍ. اخْتَارَهُ الْآمِدِيُّ، وَالْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَقِيلَ: يَمْشِي حَالَ قِيَامِهِ إلَى جِهَتِهِ، وَمَا سِوَاهُ يَفْعَلُهُ إلَى الْقِبْلَةِ غَيْرَ مَاشٍ، بَلْ يَقِفُ، وَيَفْعَلُهُ، وَأَطْلَقَهُنَّ ابْنُ تَمِيمٍ. فَائِدَةٌ. لَا يَجُوزُ التَّنَفُّلُ عَلَى الرَّاحِلَةِ لِرَاكِبِ التَّعَاسِيفِ، وَهُوَ رُكُوبُ الْفَلَاةِ وَقَطْعُهَا عَلَى غَيْرِ صَوْبٍ، ذَكَرَهُ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ، وَالرِّعَايَةِ، وَالْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَغَيْرُهُمْ قُلْت: فَيُعَايَى بِهَا، وَهُوَ مُسْتَثْنًى مِنْ كَلَامِ مَنْ أَطْلَقَ. قَوْلُهُ (فَإِنْ أَمْكَنَهُ أَيْ الرَّاكِبَ افْتِتَاحُ الصَّلَاةِ إلَى الْقِبْلَةِ فَهَلْ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) وَأَطْلَقَهُمَا فِي الشَّرْحِ، وَالْفَائِقِ، وَحَكَاهُمَا فِي الْكَافِي وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا: يَلْزَمُهُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ جَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ وَالْمُحَرَّرِ، وَالْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ وَغَيْرِهِمْ، وَصَحَّحَهُ النَّاظِمُ قَالَ أَبُو الْمَعَالِي وَغَيْرُهُ: وَهِيَ الْمَذْهَبُ قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَلْزَمُ الرَّاكِبَ الْإِحْرَامُ إلَى الْقِبْلَةِ بِلَا مَشَقَّةٍ. نَقَلَهُ وَاخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: يَلْزَمُهُ فِي أَظْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ قَالَ فِي تَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ: يَلْزَمُهُ عَلَى الْأَظْهَرِ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ وَقَدَّمَهُ الزَّرْكَشِيُّ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَا يَلْزَمُهُ وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِرْشَادِ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ خَرَّجَهَا أَبُو الْمَعَالِي وَالْمُصَنِّفُ مِنْ الرِّوَايَةِ الَّتِي فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ، وَقَدْ نَقَلَ أَبُو دَاوُد وَصَالِحٌ يُعْجِبُنِي ذَلِكَ. فَوَائِدُ. الْأُولَى: إذَا أَمْكَنَ الرَّاكِبَ فِعْلُهَا رَاكِعًا وَسَاجِدًا بِلَا مَشَقَّةٍ لَزِمَهُ ذَلِكَ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ نَصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: لَا يَلْزَمُهُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَذَكَرَهُ فِي الرِّعَايَةِ رِوَايَةً، لِلتَّسَاوِي فِي الرُّخَصِ الْعَامَّةِ. انْتَهَى. وَلَمْ أَجِدْهُ فِي الرِّعَايَةِ إلَّا قَوْلًا وَاخْتَارَهُ الْآمِدِيُّ وَالْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفَائِقِ، وَتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ فِي دَوَرَانِهِ. الثَّانِيَةُ: لَوْ عَدَلَتْ بِهِ دَابَّتُهُ عَنْ جِهَةِ سَيْرِهِ، لِعَجْزِهِ عَنْهَا، أَوْ لِجِمَاحِهَا وَنَحْوِهِ، أَوْ عَدَلَ هُوَ إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ غَفْلَةً، أَوْ نَوْمًا، أَوْ جَهْلًا، أَوْ لِظَنِّهِ أَنَّهَا جِهَةُ سَيْرِهِ وَطَالَ: بَطَلَتْ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَقِيلَ: لَا تَبْطُلُ فَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ؛ لِأَنَّهُ مَغْلُوبٌ كَسَاهٍ، وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ فِي الرِّعَايَةِ، وَقِيلَ: يَسْجُدُ بِعُدُولِهِ هُوَ، وَإِنْ قَصُرَ لَمْ تَبْطُلْ، وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ. قُلْت: وَحَيْثُ قُلْنَا: يَسْجُدُ لِفِعْلِ الدَّابَّةِ، فَيُعَايَى بِهَا، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَعْذُورٍ فِي ذَلِكَ بِأَنْ عَدَلَتْ دَابَّتُهُ وَأَمْكَنَهُ رَدُّهَا، أَوْ عَدَلَ إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ مَعَ عِلْمِهِ: بَطَلَتْ، وَإِنْ انْحَرَفَ عَنْ جِهَةِ سَيْرِهِ، فَصَارَ قَفَاهُ إلَى الْقِبْلَةِ عَمْدًا: بَطَلَتْ، إلَّا أَنْ يَكُونَ انْحِرَافُهُ إلَى جِهَةِ الْقِبْلَةِ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَهِيَ مَسْأَلَةُ الِالْتِفَاتِ الْمُبْطِلِ. الثَّالِثَةُ: مَتَى لَمْ يَدُمْ سَيْرُهُ، فَوَقَفَ لِتَعَبِ دَابَّتِهِ، أَوْ مُنْتَظِرًا لِلرُّفْقَةِ، أَوْ لَمْ يَسِرْ كَسَيْرِهِمْ، أَوْ نَوَى النُّزُولَ بِبَلَدٍ دَخَلَهُ: اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ. الرَّابِعَةُ: يُشْتَرَطُ فِي الرَّاكِبِ طَهَارَةُ مَحَلِّهِ نَحْوَ سَرْجٍ وَرِكَابٍ.
الْخَامِسَةُ: لَوْ رَكِبَ الْمُسَافِرُ النَّازِلُ، وَهُوَ يُصَلِّي فِي نَفْلٍ: بَطَلَتْ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: يُتِمُّهُ كَرُكُوبِ مَاشٍ فِيهِ، وَإِنْ نَزَلَ الرَّاكِبُ فِي أَثْنَائِهَا نَزَلَ مُسْتَقْبِلًا وَأَتَمَّهَا نَصَّ عَلَيْهِ. تَنْبِيهَانِ. أَحَدُهُمَا: الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ " فَإِنْ أَمْكَنَهُ " عَائِدٌ إلَى الرَّاكِبِ فَقَطْ. وَلَا يَجُوزُ عَوْدُهُ إلَى الْمَاشِي وَلَا إلَى الْمَاشِي وَالرَّاكِبِ قَطْعًا؛ لِأَنَّ الْمَاشِيَ إذَا قُلْنَا يُبَاحُ لَهُ التَّطَوُّعُ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ افْتِتَاحُ الصَّلَاةِ إلَى الْقِبْلَةِ، قَوْلًا وَاحِدًا، كَمَا تَقَدَّمَ، وَأَيْضًا فَإِنَّ قَوْلَهُ فَإِنْ أَمْكَنَهُ فِيهِ إشْعَارُ بِأَنَّهُ تَارَةً يُمْكِنُهُ وَتَارَةً لَا يُمْكِنُهُ، وَهَذَا لَا يَكُونُ إلَّا فِي الرَّاكِبِ إذْ الْمَاشِي لَا يُتَصَوَّرُ أَنَّهُ يُمْكِنُهُ، وَلَا يَصِحُّ عَوْدُهُ إلَيْهِمَا لِعَدَمِ صِحَّةِ الْكَلَامِ فَيَتَعَيَّنُ أَنَّهُ عَائِدٌ إلَى الرَّاكِبِ، وَهُوَ صَحِيحٌ لَكِنْ قَالَ ابْنُ مُنَجَّى فِي شَرْحِهِ: فِي عَوْدِهِ إلَى الرَّاكِبِ أَيْضًا نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الرِّوَايَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ إنَّمَا هُمَا فِي حَالِ الْمُسَايَفَةِ قَالَ: وَلَقَدْ أَمْعَنْت فِي الْمُطَالَعَةِ وَالْمُبَالَغَةِ مِنْ أَجْلِ تَصْحِيحِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا. قُلْت: لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا قَالَ: فَإِنَّ جَمَاعَةً مِنْ الْأَصْحَابِ صَرَّحُوا بِالرِّوَايَتَيْنِ مِنْهُمْ الشَّارِحُ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَصَاحِبُ الْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ، وَغَيْرُهُمْ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ أَبَا الْمَعَالِي وَالْمُصَنِّفَ خَرَّجَا رِوَايَةً بِعَدَمِ اللُّزُومِ فَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ الرِّوَايَتَيْنِ هُنَا اعْتِمَادًا عَلَى الرِّوَايَةِ الْمُخَرَّجَةِ فَلَا نَظَرَ فِي كَلَامِهِ. وَإِطْلَاقُ الرِّوَايَةِ الْمُخَرَّجَةِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ التَّخْرِيجِ كَثِيرٌ فِي كَلَامِ الْأَصْحَابِ، وَأَيْضًا فَقَدْ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: نَقَلَ صَالِحٌ وَأَبُو دَاوُد " يُعْجِبُنِي لِلرَّاكِبِ الْإِحْرَامُ إلَى الْقِبْلَةِ " وَجُمْهُورُ الْأَصْحَابِ أَنَّ ذَلِكَ لِلنَّدْبِ فَلَا يَلْزَمُهُ، فَهَذِهِ رِوَايَةٌ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ. الثَّانِي: مَفْهُومُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: أَنَّهُ إذَا لَمْ يُمْكِنْهُ الِافْتِتَاحُ إلَى الْقِبْلَةِ لَا يَلْزَمُهُ
قَوْلًا وَاحِدًا، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَقَالَ الْقَاضِي: يُحْتَمَلُ أَنْ يَلْزَمَهُ، ذَكَرَهُ عَنْهُ فِي الشَّرْحِ. قَوْلُهُ (وَالْفَرْضُ فِي الْقِبْلَةِ: إصَابَةُ الْعَيْنِ لِمَنْ قَرُبَ مِنْهَا) بِلَا نِزَاعٍ، وَأَلْحَقَ الْأَصْحَابُ بِذَلِكَ مَسْجِدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَا قَرُبَ مِنْهُ قَالَ النَّاظِمُ: وَفِي مَعْنَاهُ كُلُّ مَوْضِعٍ ثَبَتَ أَنَّهُ صَلَّى فِيهِ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ - إذَا ضُبِطَتْ جِهَتُهُ، وَأَلْحَقَ النَّاظِمُ بِذَلِكَ أَيْضًا مَسْجِدَ الْكُوفَةِ قَالَ: لِاتِّفَاقِ الصَّحَابَةِ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْجُمْهُورُ، وَقَالَ فِي النُّكَتِ: وَفِيمَا، قَالَهُ النَّاظِمُ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُجْمِعُوا عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ مُنَجَّى فِي شَرْحِهِ وَجَمَاعَةٍ: عَدَمُ الْإِلْحَاقِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، وَإِلَيْهِ مَيْلُ بَعْضُ مَشَايِخِنَا، وَكَانَ يَنْصُرُهُ، وَقَالَ الشَّارِحُ: وَفِيمَا قَالَهُ الْأَصْحَابُ نَظَرٌ وَنَصَرَهُ غَيْرُهُ. فَوَائِدُ. الْأُولَى: يَلْزَمُهُ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ بِبَدَنِهِ كُلِّهِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ نَصَّ عَلَيْهِ وَقِيلَ: وَيُجْزِئُ بِبَعْضِهِ أَيْضًا اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، الثَّانِيَةُ: الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ " لِمَنْ قَرُبَ مِنْهَا " الْمُشَاهِدُ لَهَا. وَمَنْ كَانَ يُمْكِنُهُ مِنْ أَهْلِهَا أَوْ نَشَأَ بِهَا مِنْ وَرَاءِ حَائِلٍ مُحْدَثٍ، كَالْجُدْرَانِ وَنَحْوِهَا فَلَوْ تَعَذَّرَ إصَابَةُ الْعَيْنِ لِلْقَرِيبِ، كَمَنْ هُوَ خَلْفَ جَبَلٍ وَنَحْوِهِ، فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يَجْتَهِدُ إلَى عَيْنِهَا. وَعَنْهُ أَوْ إلَى جِهَتِهَا، وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ: إنْ تَعَذَّرَ إصَابَةُ الْعَيْنِ لِلْقَرِيبِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْبَعِيدِ، وَقَالَ فِي الْوَاضِحِ: إنْ قَدَرَ عَلَى الرُّؤْيَةِ، إلَّا أَنَّهُ مُسْتَتِرٌ بِمَنْزِلٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَهُوَ كَمُشَاهِدٍ، وَفِي رِوَايَةٍ: كَبَعِيدٍ. الثَّالِثَةُ: نَصَّ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: أَنَّ " الْحِجْرَ " مِنْ الْبَيْتِ، وَقَدْرَهُ سِتَّةُ أَذْرُعٍ وَشَيْءٌ، قَالَهُ فِي التَّلْخِيصِ وَغَيْرِهِ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي الْفَتْحِ: سَبْعَةٌ وَقَدَّمَ ابْنُ تَمِيمٍ وَصَاحِبُ الْفَائِقِ جَوَازَ التَّوَجُّهِ إلَيْهِ وَصَحَّحَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: هَذَا قِيَاسُ الْمَذْهَبِ
وَالدَّارُ فِي حُدُودِ الْبَيْتِ سِتَّةُ أَذْرُعٍ وَشَيْءٌ قَالَ الْقَاضِي فِي التَّعْلِيقِ: يَجُوزُ التَّوَجُّهُ إلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ، وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: لَا يَصِحُّ التَّوَجُّهُ إلَيْهِ وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ عَقِيلٍ فِي النُّسَخِ. وَجَزَمَ بِهِ أَبُو الْمَعَالِي فِي الْمَكِّيِّ، وَأَمَّا صَلَاةُ النَّافِلَةِ: فَمُسْتَحَبَّةٌ فِيهِ، وَأَمَّا الْفَرْضُ: فَقَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ فِي حَوَاشِي الْفُرُوعِ: لَمْ أَرَ بِهِ نَقْلًا وَالظَّاهِرُ: أَنَّ حُكْمَهَا حُكْمُ الصَّلَاةِ فِي الْكَعْبَةِ. انْتَهَى. قُلْت: يُتَوَجَّهُ الصِّحَّةُ فِيهِ، وَإِنْ مَنَعْنَا الصِّحَّةَ فِيهَا. قَوْلُهُ (وَإِصَابَةُ الْجِهَةِ لِمَنْ بَعُدَ عَنْهَا) ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ. وَهُوَ الْمَعْمُولُ بِهِ فِي الْمَذْهَبِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: عَلَى هَذَا كَلَامُ أَحْمَدَ وَالْأَصْحَابِ وَصَحَّحَهُ فِي الْحَاوِيَيْنِ فَعَلَيْهَا يُعْفَى عَنْ الِانْحِرَافِ قَلِيلًا قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ وَغَيْرِهِ: فَعَلَيْهَا لَا يَضُرُّ التَّيَامُنُ وَالتَّيَاسُرُ مَا لَمْ يَخْرُجْ عَنْهَا. وَعَنْهُ فَرْضُهُ الِاجْتِهَادُ إلَى عَيْنِهَا وَالْحَالَةُ هَذِهِ قَدَّمَهُ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ فَعَلَيْهَا يَضُرُّ التَّيَامُنُ وَالتَّيَاسُرُ عَنْ الْجِهَةِ الَّتِي اُجْتُهِدَ إلَيْهَا، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ: إنْ رَفَعَ وَجْهَهُ نَحْوَ السَّمَاءِ، فَخَرَجَ بِهِ عَنْ الْقِبْلَةِ: مُنِعَ قَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي كِتَابِ الْمُهَذَّبِ: إنَّ فَائِدَةَ الْخِلَافِ فِي أَنَّ الْفَرْضَ فِي اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ: هَلْ هُوَ الْعَيْنُ أَوْ الْجِهَةُ؟ إنْ قُلْنَا: الْعَيْنُ، فَمَتَى رَفَعَ رَأْسَهُ وَوَجْهَهُ إلَى السَّمَاءِ حَتَّى خَرَجَ وَجْهُهُ عَنْ مُسَامَتَةِ الْقِبْلَةِ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ قَالَ ابْنُ رَجَبٍ فِي الطَّبَقَاتِ: كَذَا قَالَ، وَفِيهِ نَظَرٌ. انْتَهَى. وَنُقِلَ مِنْهَا وَغَيْرُهُ: إذَا تَجَشَّأَ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ، يَنْبَغِي أَنْ يَرْفَعَ وَجْهَهُ إلَى فَوْقٍ لِئَلَّا يُؤْذِيَ مَنْ حَوْلَهُ بِالرَّائِحَةِ، وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمُذْهَبِ: يَسْتَدِيرُ الصَّفَّ الطَّوِيلَ، وَقَالَ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ فِي فَتَاوِيهِ: فِي اسْتِدَارَةِ الصَّفِّ الطَّوِيلِ رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا: لَا يَسْتَدِيرُ لِخَفَائِهِ وَعُسْرِ اعْتِبَارِهِ. الثَّانِيَةُ: يَنْحَرِفُ طَرْفَ الصَّفِّ يَسِيرًا، يَجْمَعُ بِهِ تَوَجُّهَ الْكُلِّ إلَى الْعَيْنِ.
فَائِدَةٌ: الْبُعْدُ هُنَا: هُوَ بِحَيْثُ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْمُعَايَنَةِ، وَلَا عَلَى مَنْ يُخْبِرُهُ عَنْ عِلْمٍ، قَالَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْأَصْحَابِ. وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْبُعْدِ مَسَافَةَ الْقَصْرِ، وَلَا بِالْقُرْبِ دُونَهَا قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَمْ أَجِدْهُمْ ذَكَرُوا هُنَا ذَلِكَ. قَوْلُهُ (فَإِنْ أَمْكَنَهُ ذَلِكَ بِخَبَرِ ثِقَةٍ عَنْ يَقِينٍ، أَوْ اسْتِدْلَالٍ بِمَحَارِيبِ الْمُسْلِمِينَ: لَزِمَهُ الْعَمَلُ بِهِ) الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْمُخْبِرِ: أَنْ يَكُونَ عَدْلًا ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَأَنْ يَكُونَ بَالِغًا جَزَمَ بِهِ فِي شَرْحِهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّارِحِ وَغَيْرِهِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَصَحَّحَهُ، وَقِيلَ: وَيَكْفِي مَسْتُورُ الْحَالِ أَيْضًا صَحَّحَهُ ابْنُ تَمِيمٍ وَجَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَقِيلَ: يَكْفِي أَيْضًا خَبَرُ الْمُمَيِّزِ، وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ فِيهِ. تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ خَبَرُ الْفَاسِقِ فِي الْقِبْلَةِ، وَهُوَ صَحِيحٌ، لَكِنْ قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: يَصِحُّ التَّوَجُّهُ إلَى قِبْلَتِهِ فِي بَيْتِهِ، ذَكَرَهُ فِي الْإِشَارَاتِ وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: قُلْت: وَإِنْ كَانَ هُوَ عَمِلَهَا فَهُوَ كَإِخْبَارِهِ بِهَا. قَوْلُهُ (عَنْ يَقِينٍ) الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْعَمَلُ بِقَوْلِهِ إلَّا إذَا أَخْبَرَهُ عَنْ يَقِينٍ، فَلَوْ أَخْبَرَهُ عَنْ اجْتِهَادٍ، لَمْ يَجُزْ تَقْلِيدُهُ، وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: لَمْ يَجُزْ تَقْلِيدُهُ فِي الْأَصَحِّ قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: لَمْ يُقَلِّدْهُ، وَاجْتَهَدَ فِي الْأَظْهَرِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ وَغَيْرِهَا، وَقِيلَ: يَجُوزُ تَقْلِيدُهُ، وَقِيلَ: يَجُوزُ تَقْلِيدُهُ إنْ ضَاقَ الْوَقْتُ وَإِلَّا فَلَا، وَذَكَرَهُ
الْقَاضِي ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَاخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ، مِنْهُمْ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، ذَكَرَهُ فِي الْفَائِقِ، وَقِيلَ: يَجُوزُ تَقْلِيدُهُ إنْ ضَاقَ الْوَقْتُ، أَوْ كَانَ أَعْلَمَ مِنْهُ، وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي آخِرِ التَّمْهِيدِ: يُصَلِّيهَا حَسَبَ حَالِهِ ثُمَّ يُعِيدُ إذَا قَدَرَ فَلَا ضَرُورَةَ إلَى التَّقْلِيدِ كَمَنْ عَدِمَ الْمَاءَ وَالتُّرَابَ يُصَلِّي وَيُعِيدُ. قَوْلُهُ (لَزِمَهُ الْعَمَلُ بِهِ) الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْعَمَلُ بِقَوْلِ الثِّقَةِ إذَا كَانَ عَنْ يَقِينٍ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَقَالَ فِي التَّلْخِيصِ: لَيْسَ لِلْعَالِمِ تَقْلِيدُهُ قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَهُوَ بَعِيدٌ وَقِيلَ: لَا يَلْزَمُهُ تَقْلِيدُهُ مُطْلَقًا. قَوْلُهُ (أَوْ اسْتِدْلَالٍ بِمَحَارِيبِ الْمُسْلِمِينَ: لَزِمَهُ الْعَمَلُ بِهِ) الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْعَمَلُ بِمَحَارِيبِ الْمُسْلِمِينَ. فَيُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَى الْقِبْلَةِ، وَسَوَاءٌ كَانُوا عُدُولًا أَوْ فُسَّاقًا، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَعَنْهُ يَجْتَهِدُ إلَّا إذَا كَانَ بِمَدِينَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَعَنْهُ يَجْتَهِدُ وَلَوْ بِالْمَدِينَةِ، عَلَى سَاكِنِهَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ، ذَكَرَهَا ابْنُ الزَّاغُونِيِّ فِي الْإِقْنَاعِ وَالْوَجِيزِ. قُلْت: وَهُمَا ضَعِيفَانِ جِدًّا وَقَطَعَ الزَّرْكَشِيُّ بِعَدَمِ الِاجْتِهَادِ فِي مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، وَحُكِيَ الْخِلَافُ فِي غَيْرِهِمَا. تَنْبِيهٌ: مَفْهُومُ قَوْلِهِ " أَوْ اسْتِدْلَالٍ بِمَحَارِيبِ الْمُسْلِمِينَ " أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الِاسْتِدْلَال بِغَيْرِ مَحَارِيبِ الْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ وَقَالَ الْمُصَنِّفُ وَتَبِعَهُ الشَّارِحُ لَا يَجُوزُ الِاسْتِدْلَال بِمَحَارِيبِ الْكُفَّارِ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ قِبْلَتَهُمْ، كَالنَّصَارَى. وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ تَمِيمٍ، وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: لَا يَجْتَهِدُ فِي مِحْرَابٍ لَمْ يُعْرَفْ بِمَطْعَنٍ بِقَرْيَةٍ مَطْرُوقَةٍ قَالَ: وَأَصَحُّ الْوَجْهَيْنِ: وَلَا يَنْحَرِفُ؛ لِأَنَّ دَوَامَ التَّوَجُّهِ إلَيْهِ كَالْقَطْعِ، كَالْحَرَمَيْنِ.
قَوْلُهُ (فَإِنْ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ الْقِبْلَةُ فِي السَّفَرِ اجْتَهَدَ فِي طَلَبِهَا بِالدَّلَائِلِ) الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ إذَا اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ الْقِبْلَةُ فِي السَّفَرِ: اجْتَهَدَ فِي طَلَبِهَا فَمَتَى غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ جِهَةُ الْقِبْلَةِ صَلَّى إلَيْهَا، وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، وَفِيهِ وَجْهٌ: لَا يَجْتَهِدُ. وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ إلَى أَرْبَعِ جِهَاتٍ، وَخَرَّجَهُ أَبُو الْخَطَّابِ فِي الِانْتِصَارِ وَغَيْرِهِ، مِنْ مَنْصُوصِهِ فِي الثِّيَابِ الْمُشْتَبِهَةِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ فِي التَّبْصِرَةِ قَوْلُهُ (وَأَثْبَتَهَا: الْقُطْبُ إذَا جَعَلَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ، كَانَ مُسْتَقْبِلًا الْقِبْلَةَ) وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَقِيلَ: يَنْحَرِفُ فِي دِمَشْقَ وَمَا قَارَبَهَا إلَى الْمَشْرِقِ قَلِيلًا، وَكُلَّمَا قَرُبَ إلَى الْمَغْرِبِ كَانَ انْحِرَافُهُ أَكْثَرَ. وَيَنْحَرِفُ بِالْعِرَاقِ وَمَا قَارَبَهُ إلَى الْمَغْرِبِ قَلِيلًا، وَكُلَّمَا قَرُبَ إلَى الشَّرْقِ كَانَ انْحِرَافُهُ أَكْثَرَ. تَنْبِيهٌ: مُرَادُهُ بِقَوْلِهِ " إذَا جَعَلَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ كَانَ مُسْتَقْبِلًا الْقِبْلَةَ " إذَا كَانَ بِالْعِرَاقِ وَالشَّامِ وَحَرَّانَ وَسَائِرِ الْجَزِيرَةِ وَمَا حَاذَى ذَلِكَ، قَالَهُ فِي الْحَاوِي وَغَيْرِهِ فَلَا تَتَفَاوَتُ هَذِهِ الْبُلْدَانُ فِي ذَلِكَ إلَّا تَفَاوُتًا يَسِيرًا مَعْفُوًّا عَنْهُ. قَوْلُهُ (وَالرِّيَاحُ) الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ الرِّيَاحَ مِمَّا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى الْقِبْلَةِ، عَلَى صِفَةٍ مَا، قَالَهُ الْمُصَنِّفُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: الِاسْتِدْلَال بِالرِّيحِ ضَعِيفٌ. فَوَائِدُ. الْأَوْلَى: " الْجَنُوبُ " تَهُبُّ بَيْنَ الْقِبْلَةِ وَالْمَشْرِقِ، وَ " الشَّمَالُ " تُقَابِلُهَا وَ " الدَّبُورُ " تَهُبُّ بَيْنَ الْقِبْلَةِ وَالْمَغْرِبِ، وَ " الصَّبَا " تُقَابِلُهَا، وَتُسَمَّى الْقَبُولُ؛ لِأَنَّ بَابَ الْكَعْبَةِ يُقَابِلُهُ. وَعَادَةُ أَبْوَابِ الْعَرَبِ إلَى مَطْلَعِ الشَّمْسِ فَتُقَابِلُهُمْ، وَمِنْهُ: سُمِّيَتْ الْقِبْلَةُ قَالَ ابْنُ مُنَجَّى فِي شَرْحِهِ: وَالرِّيَاحُ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ دَلَائِلُ أَهْلِ الْعِرَاقِ.
فَأَمَّا قِبْلَةُ الشَّامِ: فَهِيَ مُشْرِقَةٌ عَنْ قِبْلَةِ الْعِرَاقِ فَيَكُونُ مَهَبُّ الْجَنُوبِ لِأَهْلِ الشَّامِ قِبْلَةً. وَهُوَ مِنْ مَطْلَعِ سُهَيْلٍ إلَى مَطْلَعِ الشَّمْسِ فِي الشِّتَاءِ، وَ " الشَّمَالُ " مُقَابِلَتُهَا تَهُبُّ مِنْ ظَهْرِ الْمُصَلِّي؛ لِأَنَّ مَهَبَّهَا مِنْ الْقُطْبِ إلَى مَغْرِبِ الشَّمْسِ فِي الصَّيْفِ. وَالصَّبَا تَهُبُّ عَنْ يَسْرَةِ الْمُتَوَجِّهِ إلَى قِبْلَةِ الشَّامِ، لِأَنَّ مَهَبَّهَا مِنْ مَطْلَعِ الشَّمْسِ فِي الصَّيْفِ إلَى مَطْلَعِ " الْعَيُّوقِ "، قَالَهُ الْفَرَّاءُ، وَ " الدَّبُّورُ " مُقَابِلَتُهَا. الثَّانِيَةُ: مِمَّا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى الْقِبْلَةِ: الْأَنْهَارُ الْكِبَارُ غَيْرُ الْمَحْدُودَةِ. فَكُلُّهَا بِخِلْقَةِ الْأَصْلِ تَجْرِي مِنْ مَهَبِّ الشَّمَالِ مِنْ يَمْنَةِ الْمُصَلِّي إلَى يَسْرَتِهِ عَلَى انْحِرَافٍ قَلِيلٍ، إلَّا نَهْرًا بِخُرَاسَانَ وَنَهَرًا بِالشَّامِ عَكْسُ ذَلِكَ فَلِهَذَا سُمِّيَ الْأَوَّلُ " الْمَقْلُوبُ " وَالثَّانِي " الْعَاصِي "، وَمِمَّنْ قَالَ يُسْتَدَلُّ بِالْأَنْهَارِ الْكِبَارِ: صَاحِبُ الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ وَالْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُمْ. وَمِمَّا يُسْتَدَلُّ بِهِ أَيْضًا عَلَى الْقِبْلَةِ: الْجِبَالُ فَكُلُّ جَبَلٍ لَهُ وَجْهٌ مُتَوَجِّهٌ إلَى الْقِبْلَةِ يَعْرِفُهُ أَهْلُهُ وَمَنْ مَرَّ بِهِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَذَلِكَ ضَعِيفٌ، وَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرْهُ جَمَاعَةٌ. وَمِمَّا يُسْتَدَلُّ بِهِ أَيْضًا عَلَى الْقِبْلَةِ: الْمَجَرَّةُ فِي السَّمَاءِ، ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ فَتَكُونُ مُمْتَدَّةً عَلَى كَتِفِ الْمُصَلِّي الْأَيْسَرِ إلَى الْقِبْلَةِ [فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ] ، وَفِي آخِرِهِ عَلَى الْكَتِفِ الْأَيْمَنِ فِي الصَّيْفِ، وَفِي الشِّتَاءِ تَكُونُ أَوَّلَ اللَّيْلِ مُمْتَدَّةً شَرْقًا وَغَرْبًا عَلَى الْكَتِفِ الْأَيْسَرِ إلَى نَحْوِ جِهَةِ الْمَشْرِقِ، وَفِي آخِرِهِ عَلَى الْكَتِفِ الْأَيْمَنِ قَالَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهَذَا إنَّمَا هُوَ فِي بَعْضِ الصَّيْفِ. الثَّالِثَةُ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَعَلَّمَ أَدِلَّةَ الْقِبْلَةِ وَالْوَقْتِ، وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: يُتَوَجَّهُ وُجُوبُهُ وَأَنَّهُ يُحْتَمَلُ عَكْسُهُ لِنُدْرَتِهِ قَالَ أَبُو الْمَعَالِي وَغَيْرُهُ: فَإِنْ دَخَلَ الْوَقْتُ وَخَفِيَتْ الْقِبْلَةُ عَلَيْهِ لَزِمَهُ، قَوْلًا وَاحِدًا، لِقِصَرِ زَمَنِهِ، وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُ: وَيُقَلِّدُ لِضِيقِ الْوَقْتِ؛ لِأَنَّ الْقِبْلَةَ يَجُوزُ تَرْكُهَا لِلضَّرُورَةِ قَالَ فِي الْحَاوِي الصَّغِيرِ: وَيَلْزَمُهُ التَّعَلُّمُ مَعَ سَعَةِ
الْوَقْتِ، وَمَعَ ضِيقِهِ يُصَلِّي أَرْبَعَ صَلَوَاتٍ إلَى أَرْبَعِ جِهَاتٍ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى: فَإِنْ أَمْكَنَ التَّعَلُّمُ فِي الْوَقْتِ لَزِمَهُ، وَقِيلَ: بَلْ يُصَلِّي أَرْبَعَ صَلَوَاتٍ إلَى أَرْبَعِ جِهَاتٍ. قَوْلُهُ (وَإِذَا اخْتَلَفَ اجْتِهَادُ رَجُلَيْنِ لَمْ يَتْبَعْ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ) إذَا اخْتَلَفَ الْمُجْتَهِدَانِ لَمْ يَتْبَعْ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ قَطْعًا، بِحَيْثُ إنَّهُ يَنْحَرِفُ إلَى جِهَتِهِ، وَأَمَّا اقْتِدَاءُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ: فَتَارَةً يَكُونُ اخْتِلَافُهُمَا فِي جِهَةٍ، بِأَنْ يَمِيلَ أَحَدُهُمَا يَمِينًا وَالْآخَرُ شِمَالًا، وَتَارَةً يَكُونُ فِي جِهَتَيْنِ فَإِنْ كَانَ اخْتِلَافُهُمَا فِي جِهَةٍ وَاحِدَةٍ فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يَصِحُّ ائْتِمَامُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ حَتَّى قَالَ الشَّارِحُ وَغَيْرُهُ: لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ فِي ذَلِكَ، وَفِيهِ وَجْهٌ لَا يَجُوزُ أَنْ يَأْتَمَّ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ وَالْحَالَةُ هَذِهِ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَإِنْ كَانَ اخْتِلَافُهُمَا فِي جِهَتَيْنِ، فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ اقْتِدَاءُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَقَالَ الْمُصَنِّفُ: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ جَوَازُ الِاقْتِدَاءِ. قَالَ الشَّارِحُ: وَهُوَ الصَّحِيحُ وَذَكَرَهُ فِي الْفَائِقِ قَوْلًا وَقَالَ: كَإِمَامَةِ لَابِسِ جُلُودِ الثَّعَالِبِ وَلَامِسِ ذَكَرِهِ، وَقَدْ نَصَّ فِيهِمَا عَلَى الصَّحِيحِ قُلْت: يَأْتِي الْخِلَافُ فِي ذَلِكَ أَعْنِي: إذَا تَرَكَ الْإِمَامُ رُكْنًا أَوْ شَرْطًا مُعْتَقِدًا أَنَّهُ غَيْرُ شَرْطٍ، وَالْمَأْمُومُ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ شَرْطٌ فِي بَابِ الْإِمَامَةِ، وَقَالَ الْآمِدِيُّ: إذَا اقْتَدَى بِهِ صَحَّتْ صَلَاةُ الْإِمَامِ دُونَ الْمَأْمُومِ، ثُمَّ قَالَ: وَالصَّحِيحُ بُطْلَانُ صَلَاتِهِمَا جَمِيعًا وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ يَصِحُّ ائْتِمَامُهُ بِهِ إذَا لَمْ يَعْلَمْ. فَائِدَتَانِ الْأُولَى: لَوْ اتَّفَقَ اجْتِهَادُهُمَا فَأَتَمَّ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ فَمَنْ بَانَ لَهُ الْخَطَأُ انْحَرَفَ وَأَتَمَّ، وَيَنْوِي الْمَأْمُومُ الْمُفَارَقَةَ لِلْعُذْرِ وَيُتِمُّ، وَيَتْبَعُهُ مَنْ قَلَّدَهُ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ الثَّانِيَةُ: لَوْ اجْتَهَدَ أَحَدُهُمَا وَلَمْ يَجْتَهِدْ الْآخَرُ لَمْ يَتْبَعْهُ، عِنْدَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَأَكْثَرِ
الْأَصْحَابِ، وَقِيلَ: يَتْبَعُهُ إنْ ضَاقَ الْوَقْتُ وَإِلَّا فَلَا. جَزَمَ بِهِ فِي الْحَاوِي، وَأَطْلَقَهُمَا الزَّرْكَشِيُّ. قَوْلُهُ (وَيَتْبَعُ الْجَاهِلُ وَالْأَعْمَى أَوْثَقَهُمَا فِي نَفْسِهِ) الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: وُجُوبُ تَقْلِيدِ الْأَوْثَقِ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ فِي أَدِلَّةِ الْقِبْلَةِ لِلْجَاهِلِ بِأَدِلَّةِ الْقِبْلَةِ وَالْأَعْمَى، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ قَالَ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ: هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ وَقَدَّمَ فِي التَّبْصِرَةِ لَا يَجِبُ. وَاخْتَارَهُ الشَّارِحُ وَغَيْرُهُ، فَيُخَيَّرُ، وَهُوَ تَخْرِيجٌ فِي الْفُرُوعِ كَعَامِّيٍّ فِي الْفُتْيَا، عَلَى أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ فِيهِ، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: مَتَى كَانَ أَحَدُهُمَا أَعْلَمَ وَالْآخَرُ أَدْيَنَ فَأَيُّهُمَا أَوْلَى؟ فِيهِ وَجْهَانِ. فَائِدَتَانِ. إحْدَاهُمَا: مَتَى أَمْكَنَ الْأَعْمَى الِاجْتِهَادُ، كَمَعْرِفَتِهِ مَهَبَّ الرِّيحِ، أَوْ بِالشَّمْسِ وَنَحْوِ ذَلِكَ: لَزِمَهُ الِاجْتِهَادُ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُقَلِّدَ. الثَّانِيَةُ: لَوْ تَسَاوَى عِنْدَهُ اثْنَانِ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ اخْتِلَافُهُمَا فِي جِهَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ فِي جِهَتَيْنِ. فَإِنْ كَانَ فِي جِهَةٍ وَاحِدَةٍ خُيِّرَ فِي اتِّبَاعِ أَيِّهِمَا شَاءَ، وَإِنْ كَانَ فِي جِهَتَيْنِ فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يُخَيَّرُ أَيْضًا، وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يُصَلِّي إلَى الْجِهَتَيْنِ. قَوْلُهُ (وَإِذَا صَلَّى الْبَصِيرُ فِي حَضَرٍ فَأَخْطَأَ، أَوْ صَلَّى الْأَعْمَى بِلَا دَلِيلٍ: أَعَادَ) الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ الْبَصِيرَ إذَا صَلَّى فِي الْحَضَرِ فَأَخْطَأَ عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ مُطْلَقًا، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَعَنْهُ لَا يُعِيدُ إذَا كَانَ عَنْ اجْتِهَادٍ. احْتَجَّ أَحْمَدُ بِقَضِيَّةِ أَهْلِ قُبَاءَ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ ابْنَ الزَّاغُونِيِّ حَكَى رِوَايَةً: أَنَّهُ يَجْتَهِدُ وَلَوْ فِي الْحَضَرِ.
تَنْبِيهَاتٌ. الْأَوَّلُ: مَفْهُومُ كَلَامِهِ: أَنَّ الْبَصِيرَ إذَا صَلَّى فِي الْحَضَرِ وَلَمْ يُخْطِئْ أَنَّهُ لَا يُعِيدُ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَقِيلَ: يُعِيدُ، لِأَنَّهُ تَرَكَ فَرْضَهُ، وَهُوَ السُّؤَالُ. الثَّانِي: ظَاهِرُ كَلَامِهِ: أَنَّ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةَ عَلَى سَاكِنِهَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ كَغَيْرِهِمَا فِي ذَلِكَ. وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ، وَصَرَّحَ بِهِ ابْنُ تَمِيمٍ، وَغَيْرُهُ قَالَ الْقَاضِي فِي التَّعْلِيقِ: وَمَكِّيٌّ كَغَيْرِهِ، عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِهِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ " قَدْ تَحَرَّى " فَجَعَلَ الْعِلَّةَ فِي الْإِجْزَاءِ وُجُودَ التَّحَرِّي، وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي الْمَكِّيِّ، وَعَلَى أَنَّ الْمَكِّيَّ إذَا عَلِمَ بِالْخَطَأِ فَهُوَ رَاجِعٌ مِنْ اجْتِهَادٍ إلَى يَقِينٍ. فَيُنْقَضُ اجْتِهَادُهُ كَالْحَاكِمِ إذَا اجْتَهَدَ ثُمَّ وَجَدَ النَّصَّ، وَفِي الِانْتِصَارِ: لَا نُسَلِّمُهُ، وَالَأَصَحُّ تَسْلِيمُهُ. الثَّالِثُ: لَوْ كَانَ الْبَصِيرُ مَحْبُوسًا لَا يَجِدُ مَنْ يُخْبِرُهُ تَحَرَّى وَصَلَّى وَلَا إعَادَةَ، قَالَهُ أَبُو الْحَسَنِ التَّمِيمِيُّ وَجَزَمَ بِهِ فِي الشَّرْحِ، وَيَأْتِي كَلَامُ أَبِي بَكْرٍ قَرِيبًا. قَوْلُهُ (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ الْأَعْمَى مَنْ يُقَلِّدُهُ صَلَّى، وَفِي الْإِعَادَةِ وَجْهَانِ) وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ هِيَ الصَّحِيحَةُ وَعَلَيْهَا جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْكَافِي، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ. أَحَدُهُمَا: لَا يُعِيدُ، لَكِنْ يَلْزَمُهُ التَّحَرِّي، وَهُوَ الْمَذْهَبُ جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَالْمُنَوِّرِ وَصَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ، وَالْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَصَاحِبُ النَّظْمِ، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْفَائِقِ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ.
وَالثَّانِي: يُعِيدُ بِكُلِّ حَالٍ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِفَادَاتِ، وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: إنْ أَخْطَأَ أَعَادَ، وَإِنْ أَصَابَ فَعَلَى وَجْهَيْنِ، وَأَطْلَقَ الْأَوْجُهَ الثَّلَاثَةَ فِي تَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ، وَالزَّرْكَشِيُّ. فَائِدَتَانِ إحْدَاهُمَا: قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّا إذَا قُلْنَا لَا يُعِيدُ: لَا بُدَّ مِنْ التَّحَرِّي. فَلَوْ لَمْ يَتَحَرَّ وَصَلَّى أَعَادَ إنْ أَخْطَأَ، قَوْلًا وَاحِدًا، وَكَذَا إنْ أَصَابَ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَفِيهِ وَجْهٌ لَا يُعِيدُ إنْ أَصَابَ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي شَرْحِهِ الصَّغِيرِ. الثَّانِيَةُ: لَوْ تَحَرَّى الْمُجْتَهِدُ أَوْ الْمُقَلِّدُ، فَلَمْ يَظْهَرْ لَهُ جِهَةٌ، أَوْ تَعَذَّرَ التَّحَرِّي عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ فِي ظُلْمَةٍ، أَوْ كَانَ بِهِ مَا يَمْنَعُ الِاجْتِهَادَ، أَوْ تَفَاوَتَتْ عِنْدَهُ الْأَمَارَاتُ، أَوْ لِضِيقِ الْوَقْتِ عَنْ زَمَنٍ يَجْتَهِدُ فِيهِ: صَلَّى وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ كَانَ أَعْمَى أَوْ بَصِيرًا، حَضَرًا أَوْ سَفَرًا، وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَنْهُ يُعِيدُ، وَهُوَ وَجْهٌ فِي ابْنِ تَمِيمٍ فِي الْمُجْتَهِد، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: الْمَحْبُوسُ إذَا لَمْ يَعْرِفْ جِهَةً يُصَلِّي إلَيْهَا صَلَّى عَلَى حَسَبِ حَالِهِ وَلَا يُعِيدُ، إنْ كَانَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَإِنْ كَانَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَرِوَايَتَانِ وَتَقَدَّمَ كَلَامُ التَّمِيمِيِّ وَالشَّارِحِ فِي الْمَحْبُوسِ قَرِيبًا. قَوْلُهُ (وَمَنْ صَلَّى بِالِاجْتِهَادِ ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ أَخْطَأَ الْقِبْلَةَ فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ) هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، سَوَاءٌ كَانَ خَطَؤُهُ يَقِينًا أَوْ عَنْ اجْتِهَادٍ. وَخَرَّجَ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ رِوَايَةً يُعِيدُ مِنْ مَسْأَلَةِ " لَوْ بَانَ الْفَقِيرُ غَنِيًّا " وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا الْقَاضِي وَغَيْرُهُ، وَذَكَرَ أَبُو الْفَرَجِ الشِّيرَازِيُّ وَغَيْرُهُ: أَنَّ عَلَيْهِ الْإِعَادَةَ إنْ بَانَ خَطَؤُهُ يَقِينًا، وَلَا إعَادَةَ إنْ كَانَ عَنْ اجْتِهَادٍ، وَحُكِيَ عَنْ أَحْمَدَ، نَقَلَهُ ابْنُ تَمِيمٍ. وَفَرَّقَ الْأَصْحَابُ بَيْنَ الْقِبْلَةِ، وَبَيْنَ الْوَقْتِ وَبَيْنَ أَخْذِ الزَّكَاةِ بِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ الْيَقِينُ فِي الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ بِأَنْ يُؤَخِّرَ وَفِي الزَّكَاةِ بِأَنْ يَدْفَعَ إلَى الْإِمَامِ.
قَوْلُهُ (فَإِنْ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ عَمِلَ بِالثَّانِي، وَلَمْ يُعِدْ مَا صَلَّى بِالْأَوَّلِ) . اعْلَمْ أَنَّهُ إذَا تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ، فَتَارَةً يَكُونُ بَعْدَ أَنْ فَرَغَ مِنْ الصَّلَاةِ، وَتَارَةً يَكُونُ وَهُوَ فِيهَا فَإِنْ كَانَ قَدْ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الصَّلَاةِ اجْتَهَدَ لِلصَّلَاةِ قَطْعًا، وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْمُصَنِّفِ، وَإِنْ كَانَ إنَّمَا تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ وَهُوَ فِيهَا فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنْ يَعْمَلَ بِالثَّانِي وَيَبْنِيَ. نَصَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ، وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ، وَعَنْهُ يَبْطُلُ، وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ جِهَتُهُ الْأُولَى اخْتَارَهُ ابْنُ مُوسَى وَالْآمِدِيُّ لِئَلَّا يُنْقَضَ الِاجْتِهَادُ بِالِاجْتِهَادِ. فَوَائِدُ. إحْدَاهَا: لَوْ دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ بِاجْتِهَادٍ، ثُمَّ شَكَّ: لَمْ يَلْتَفِتْ إلَيْهِ وَبَنَى كَذَا إنْ زَالَ ظَنُّهُ وَلَمْ يَبِنْ لَهُ الْخَطَأُ، وَلَا ظَهَرَ لَهُ جِهَةٌ أُخْرَى، وَلَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ خَطَأُ الْجِهَةِ الَّتِي يُصَلِّي إلَيْهَا، وَلَمْ يَظُنَّ جِهَةً غَيْرَهَا: بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ مُطْلَقًا. وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ، وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: إنْ بَانَ لَهُ صِحَّةُ مَا كَانَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَطُلْ زَمَنُهُ اسْتَمَرَّ، وَصَحَّتْ. وَإِنْ بَانَ لَهُ الْخَطَأُ فِيهَا بَنَى، وَقِيلَ: إنْ أَبْصَرَ فِيهَا مَنْ كَانَ فِي ظُلْمَةٍ، أَوْ كَانَ أَعْمَى فَأَبْصَرَ، وَفَرْضُهُ الِاجْتِهَادُ، وَلَمْ يَرَ مَا يَدُلُّ عَلَى صَوَابِهِ بَطَلَتْ، وَتَقَدَّمَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: إذَا تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ فَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ خَطَأُ الْجِهَةِ الَّتِي يُصَلِّي إلَيْهَا، وَظَنَّ الْقِبْلَةَ فِي جِهَةٍ أُخْرَى، فَإِنْ بَانَ لَهُ يَقِينُ الْخَطَأِ، وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ: اسْتَدَارَ إلَى جِهَةِ الْكَعْبَةِ وَبَنَى، وَإِنْ كَانُوا جَمَاعَةً قَدَّمُوا أَحَدَهُمْ، ثُمَّ بَانَ لَهُمْ الْخَطَأُ فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ: اسْتَدَارُوا وَأَتَمُّوا صَلَاتَهُمْ، وَإِنْ بَانَ لِلْإِمَامِ وَحْدَهُ، أَوْ لِلْمَأْمُومِينَ أَوْ لِبَعْضِهِمْ: اسْتَدَارَ مَنْ بَانَ لَهُ الصَّوَابُ، وَنَوَى بَعْضُهُمْ مُفَارَقَةَ بَعْضٍ إلَّا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي قُلْنَا يَجُوزُ الِائْتِمَامُ مَعَ اخْتِلَافِ الْجِهَةِ
باب النية
وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ مُقَلِّدٌ تَبِعَ مَنْ قَلَّدَهُ وَانْحَرَفَ بِانْحِرَافِهِ. الثَّانِيَةُ: لَوْ أُخْبِرَ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ بِالْخَطَأِ يَقِينًا: لَزِمَ قَبُولُهُ، وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ، وَقَالَ جَمَاعَةٌ: إلَّا إنْ كَانَ الثَّانِي يَلْزَمُهُ تَقْلِيدُهُ، فَيَكُونُ كَمَنْ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ وَقَدَّمَهُ فِي الْحَاوِي الْكَبِيرِ وَغَيْرِهِ. الثَّالِثَةُ: لَوْ صَلَّى مَنْ فَرْضُهُ الِاجْتِهَادُ بِغَيْرِ اجْتِهَادٍ، ثُمَّ بَانَ مُصِيبًا: لَزِمَهُ الْإِعَادَةُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: لَا يَلْزَمُهُ. [بَابُ النِّيَّةِ] ِ قَوْلُهُ (وَهِيَ الشَّرْطُ السَّادِسُ) الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ: أَنَّ النِّيَّةَ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ، وَعَنْهُ فَرْضٌ. وَهُوَ قَوْلٌ فِي الْفُرُوعِ، وَوَجْهٌ فِي الْمَذْهَبِ وَغَيْرِهِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ. قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: وَقَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا: شَرَائِطُهَا خَمْسَةٌ، فَنَقَصُوا مِنْهَا النِّيَّةَ وَعَدُّوهَا رُكْنًا. وَقَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَادِرِ وَهِيَ قَبْلَ الصَّلَاةِ شَرْطٌ، وَفِيهَا رُكْنٌ قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: فَيَلْزَمُهُمْ مِثْلُهُ فِي بَقِيَّةِ الشُّرُوطِ، ذَكَرَهُ فِي أَرْكَانِ الصَّلَاةِ. قَوْلُهُ (وَيَجِبُ أَنْ يَنْوِيَ الصَّلَاةَ بِعَيْنِهَا، وَإِنْ كَانَتْ مُعَيَّنَةً، وَإِلَّا أَجْزَأَتْهُ نِيَّةُ الصَّلَاةِ) الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يَجِبُ تَعْيِينُ النِّيَّةِ لِصَلَاةِ الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ الْمُعَيَّنِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ وَالْمَعْمُولُ بِهِ عِنْدَ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هَذَا مَنْصُوصُ أَحْمَدَ وَعَامَّةِ الْأَصْحَابِ فِي صَلَاةِ الْفَرْضِ، وَعَنْهُ لَا يَجِبُ التَّعْيِينُ لَهُمَا، وَيَحْتَمِلُهُ كَلَامُ الْخِرَقِيِّ، وَأَبْطَلَهُ الْمَجْدُ بِمَا لَوْ كَانَتْ عَلَيْهِ صَلَوَاتٌ فَصَلَّى أَرْبَعًا يَنْوِيهَا مِمَّا عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ إجْمَاعًا فَلَوْلَا اشْتِرَاطُ التَّعْيِينِ أَجْزَأَهُمْ كَمَا فِي الزَّكَاةِ فَإِنَّهُ
لَوْ كَانَ عَلَيْهِ شِيَاهٌ عَنْ إبِلٍ أَوْ غَنَمٍ، أَوْ آصُعَ طَعَامٍ مِنْ عُشْرٍ وَزَكَاةِ فِطْرٍ، فَأَخْرَجَ شَاةً أَوْ صَاعًا يَنْوِيهِ مِمَّا عَلَيْهِ أَجْزَأَهُ، لَمَّا لَمْ يَكُنْ التَّعْيِينُ شَرْطًا. انْتَهَى. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ. قَالَ: وَظَاهِرُ كَلَامِ غَيْرِهِ لَا فَرْقَ، وَهُوَ مُتَوَجِّهٌ إنْ لَمْ تَصِحَّ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ. انْتَهَى. وَقَالَ فِي التَّرْغِيبِ: يَجِبُ التَّعْيِينُ لِلْفَرْضِ فَلَا يَجِبُ فِي نَفْلٍ مُعَيَّنٍ. انْتَهَى. وَقِيلَ: مَتَى نَوَى فَرْضَ الْوَقْتِ، أَوْ كَانَ عَلَيْهِ صَلَاةٌ لَا يَعْلَمُ هَلْ هِيَ ظُهْرٌ أَوْ عَصْرٌ؟ فَصَلَّى أَرْبَعًا يَنْوِي الْوَاجِبَةَ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ أَجْزَأَهُ. وَقَدْ أَوْمَأَ إلَيْهِ ذَكَرَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَيَحْتَمِلُهُ كَلَامُ الْخِرَقِيِّ أَيْضًا، قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي قَوْلُهُ (وَإِلَّا أَجْزَأَتْهُ الصَّلَاةُ) يَعْنِي وَإِنْ لَمْ تَكُنْ الصَّلَاةُ مُعَيَّنَةً، مِثْلُ النَّفْلِ الْمُطْلَقِ فَإِنَّهُ يُجْزِئُ نِيَّةُ الصَّلَاةِ، وَلَا يَجِبُ تَعْيِينُهَا، وَهَذَا بِلَا نِزَاعٍ أَعْلَمُهُ. قَوْلُهُ (وَهَلْ يُشْتَرَطُ نِيَّةُ الْقَضَاءِ فِي الْفَائِتَةِ، وَنِيَّةُ الْفَرْضِيَّةِ فِي الْفَرْضِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) عِنْدَ الْأَكْثَرِ، وَهُمَا رِوَايَتَانِ فِي الْفُرُوعِ، وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَجْهَانِ، وَقِيلَ: رِوَايَتَانِ أَمَّا اشْتِرَاطُ نِيَّةِ الْقَضَاءِ فِي الْفَائِتَةِ: فَأَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ فِيهِ وَجْهَيْنِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْهَادِي، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَشَرْحِ الْمَجْدِ، وَالنَّظْمِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالشَّرْحِ، وَشَرْحِ ابْنِ مُنَجَّى، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ. أَحَدُهُمَا: يُشْتَرَطُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ، قَالَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَغَيْرِهِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَتَجِبُ نِيَّةُ الْقَضَاءِ فِي الْفَائِتَةِ عَلَى الْأَصَحِّ وَجَزَمَ بِهِ فِي مَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْإِفَادَاتِ قَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ فِي حَوَاشِيهِ: مَا قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ خِلَافُ الْمَذْهَبِ فِي الْمَسَائِلِ الثَّلَاثَةِ، وَإِنَّمَا الْمَذْهَبُ عَدَمُ الْوُجُوبِ
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يُشْتَرَطُ صَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَالْفَائِقِ وَابْنُ تَمِيمٍ وَاخْتَارَهُ فِي الْكَافِي، وَالشَّرْحِ، وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ [وَالْمُنَوِّرِ] وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ فَعَلَى الْمَذْهَبِ: لَوْ كَانَ عَلَيْهِ ظُهْرَانِ حَاضِرَةٌ وَفَائِتَةٌ فَصَلَّاهُمَا، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ تَرَكَ شَرْطًا فِي إحْدَاهُمَا لَا يَعْلَمُ عَيْنَهَا: لَزِمَهُ ظُهْرَانِ، حَاضِرَةٌ وَمَقْضِيَّةٌ كَمَا كَانَ عَلَيْهِ ابْتِدَاءً. وَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي: يُجْزِئُهُ ظُهْرٌ وَاحِدَةٌ، يَنْوِي بِهَا مَا عَلَيْهِ. فَوَائِدُ. الْأُولَى: لَوْ نَوَى مَنْ عَلَيْهِ ظُهْرَانِ فَائِتَتَانِ ظُهْرًا مِنْهَا لَمْ يُجْزِهِ عَنْ إحْدَاهُمَا حَتَّى يُعَيِّنَ السَّابِقَةَ لِأَجْلِ التَّرْتِيبِ، وَقِيلَ: لَا يُجْزِيهِ كَصَلَاةِ نَذْرٍ؛ لِأَنَّهُ مُخَيَّرٌ هُنَا فِي التَّرْتِيبِ كَإِخْرَاجِ نِصْفِ دِينَارٍ عَنْ أَحَدِ نِصَابَيْنِ، أَوْ كَفَّارَةٍ عَنْ إحْدَى أَيْمَانٍ حَنِثَ فِيهَا قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ تَخْرِيجٌ وَاحْتِمَالٌ يُعَيِّنُ السَّابِقَةَ. الثَّانِيَةُ: لَوْ ظَنَّ أَنَّ عَلَيْهِ ظُهْرًا فَائِتَةً فَقَضَاهَا فِي وَقْتِ ظُهْرِ الْيَوْمِ، ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، لَمْ يُجْزِهِ عَنْ الْحَاضِرَةِ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ صَحَّحَهُ ابْنُ تَمِيمٍ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَقِيلَ: يُجْزِئُهُ، قَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ وَأَطْلَقَهُمَا فِي الشَّرْحِ. الثَّالِثَةُ: لَوْ نَوَى ظُهْرَ الْيَوْمِ فِي وَقْتِهِ، وَعَلَيْهِ فَائِتَةٌ لَمْ يُجْزِهِ عَنْهَا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ جَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَابْنُ رَزِينٍ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَخَرَّجَ الْمُصَنِّفُ وَمَنْ تَبِعَهُ فِيهَا كَاَلَّتِي قَبْلَهَا. وَجَعَلَهَا ابْنُ تَمِيمٍ كَاَلَّتِي قَبْلَهَا. وَتَقَدَّمَ فِي آخِرِ شُرُوطِ الصَّلَاةِ: إذَا نَسِيَ صَلَاةً مِنْ يَوْمٍ، وَجَهِلَ عَيْنَهَا، أَوْ نَسِيَ ظُهْرًا وَعَصْرًا مِنْ يَوْمَيْنِ. الرَّابِعَةُ: يَصِحُّ الْقَضَاءُ بِنِيَّةِ الْأَدَاءِ وَعَكْسُهُ إذَا كَانَ خِلَافَ ظَنِّهِ، قَالَهُ الْأَصْحَابُ
قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ قَالَ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ: لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ فِي ذَلِكَ، وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: فَلَا إعَادَةَ، وَجْهًا وَاحِدًا، قَالَهُ بَعْضُ الْأَصْحَابِ، وَذَكَرَ ابْنُ مُوسَى: أَنَّ الْقَضَاءَ لَا يَصِحُّ بِنِيَّةِ الْأَدَاءِ، وَلَا بِالْعَكْسِ. انْتَهَى. وَقَالَ الْأَصْحَابُ: لَا يَصِحُّ الْقَضَاءُ بِنِيَّةِ الْأَدَاءِ وَعَكْسُهُ مَعَ الْعِلْمِ، وَأَمَّا اشْتِرَاطُ نِيَّةِ الْفَرْضِيَّةِ فِي الْفَرْضِ: فَأَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ فِيهِ الْوَجْهَيْنِ وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُذْهَبِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالنَّظْمِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالشَّرْحِ وَالزَّرْكَشِيُّ إحْدَاهُمَا: يُشْتَرَطُ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَتَجِبُ نِيَّةُ الْفَرْضِيَّةِ لِلْفَرْضِ عَلَى الْأَصَحِّ قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ: وَيَنْوِي الصَّلَاةَ الْحَاضِرَةَ فَرْضًا، وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يُشْتَرَطُ، وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ. قَالَ فِي الْكَافِي: وَقَالَ غَيْرُ ابْنِ حَامِدٍ لَا يَلْزَمُهُ قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَصَاحِبُ الْحَاوِي الْكَبِيرِ: وَأَمَّا نِيَّةُ الْفَرْضِ لِلْمَكْتُوبَةِ فَلَا يُشْتَرَطُ أَدَاءٌ إلَّا بِنِيَّةِ التَّعْيِينِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا، وَقَالَا: هُوَ أَوْلَى وَصَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَالْفَائِقِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَغَيْرُهُمْ وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ [وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ] وَقَدَّمَهُ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ، وَابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ وَغَيْرُهُمْ. قُلْت: الْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ فَائِدَتَانِ. إحْدَاهُمَا: اشْتِرَاطُ نِيَّةِ الْأَدَاءِ لِلْحَاضِرَةِ كَاشْتِرَاطِ نِيَّةِ الْأَدَاءِ لِقَضَاءِ الْفَائِتَةِ وَنِيَّةِ الْفَرْضِيَّةِ لِلْفَرْضِ خِلَافًا وَمَذْهَبًا. الثَّانِيَةُ: لَا يُشْتَرَطُ فِي النِّيَّةِ إضَافَةُ الْفِعْلِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي الْعِبَادَاتِ كُلِّهَا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَلَمْ يَشْتَرِطْ أَصْحَابُنَا فِي النِّيَّةِ إضَافَةَ الْفِعْلِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي سَائِرِ الْعِبَادَاتِ، وَقَالَ أَبُو الْفَرَجِ ابْنُ أَبِي الْفَهْمِ: الْأَشْبَهُ اشْتِرَاطُهُ.
قُلْت: وَجَزَمَ بِهِ فِي الْفَائِقِ، وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ فِي الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَنَحْوِهِمَا، دُونَ الطَّهَارَةِ وَالتَّيَمُّمِ قَوْلُهُ (فَإِنْ تَقَدَّمَتْ قَبْلَ ذَلِكَ بِالزَّمَنِ الْيَسِيرِ جَازَ) هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَحَمَلَ الْقَاضِي كَلَامَ الْخِرَقِيِّ عَلَيْهِ، وَقَالَ فِي التَّبْصِرَةِ: يَجُوزُ، مَا لَمْ يَتَكَلَّمْ، وَقِيلَ: يَجُوزُ بِزَمَنٍ طَوِيلٍ أَيْضًا، مَا لَمْ يَفْسَخْهَا. نَقَلَ أَبُو طَالِبٍ وَغَيْرُهُ " إذَا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ يُرِيدُ الصَّلَاةَ فَهُوَ نِيَّةٌ. أَتُرَاهُ كَبَّرَ وَهُوَ لَا يَنْوِي الصَّلَاةَ؟ " وَهَذَا مُقْتَضَى كَلَامِ الْخِرَقِيِّ وَاخْتَارَهُ الْآمِدِيُّ وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ، وَقَالَ الْآجُرِّيُّ: لَا يَجُوزُ تَقْدِيمُهَا مُطْلَقًا قُلْت: وَفِيهِ حَرَجٌ وَمَشَقَّةٌ فَعَلَى الْقَوْلِ بِالتَّقْدِيمِ: لَوْ تَكَلَّمَ بَعْدَهَا وَقَبْلَ التَّكْبِيرِ لَمْ تَبْطُلْ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَقِيلَ: تَبْطُلُ كَمَا لَوْ كَفَرَ. تَنْبِيهٌ: اشْتَرَطَ الْخِرَقِيُّ فِي التَّقْدِيمِ: أَنْ يَكُونَ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ. وَعَلَيْهِ شَرْحُ ابْنِ الزَّاغُونِيِّ وَغَيْرِهِ، وَقَالَهُ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى وَوَلَدُهُ أَبُو الْحَسَنِ، وَصَاحِبُ الْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَغَيْرُهُمْ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ، وَأَكْثَرُ الْأَصْحَابِ لَا يَشْتَرِطُونَ ذَلِكَ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا وَغَيْرِهِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: إمَّا لِإِهْمَالِهِمْ لَهُ، أَوْ اعْتِمَادًا عَلَى الْغَالِبِ، وَظَاهِرُ مَا قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ لَا يَشْتَرِطُ ذَلِكَ، قَالَهُ فِي الْفَائِقِ بَعْدَ حِكَايَةِ الْخِلَافِ قَالَ الْقَاضِي: وَقَبْلَ الْوَقْتِ لَا يَجُوزُ. انْتَهَى. قُلْت: الْمَسْأَلَةُ تَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ اخْتِيَارُ الْقَاضِي وَغَيْرِهِ عَدَمَ الْجَوَازِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ غَيْرِهِمْ الْجَوَازُ، لَكِنْ لَمْ أَرَ بِالْجَوَازِ تَصْرِيحًا. فَائِدَتَانِ. إحْدَاهُمَا: يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ تَقَدُّمِهَا عَدَمُ فَسْخِهَا وَبَقَاءُ إسْلَامِهِ قَالَ الْقَاضِي
فِي التَّعْلِيقِ، وَالْوَسِيلَةِ، وَالْمَجْدُ، وَصَاحِبُ الْحَاوِي، وَغَيْرُهُمْ: أَوْ يَشْتَغِلُ بِعَمَلٍ كَثِيرٍ مِثْلِ عَمَلِ مَنْ سَلَّمَ عَنْ نَقْصٍ، أَوْ نَسِيَ سُجُودَ السَّهْوِ، عَلَى مَا يَأْتِي، قَالَهُ الْقَاضِي فِي الرِّعَايَةِ، أَوْ أَعْرَضَ عَنْهَا بِمَا يُلْهِيهِ، وَقَطْعِ جَمَاعَةٍ، أَوْ بِتَعَمُّدِ حَدَثٍ، وَتَقَدَّمَ كَلَامُ صَاحِبِ التَّبْصِرَةِ. الثَّانِيَةُ: تَصِحُّ نِيَّةُ الْفَرْضِ مِنْ الْقَاعِدِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَقَالَ فِي التَّلْخِيصِ: لَوْ نَوَى فَرْضًا وَهُوَ قَاعِدٌ، مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ لَمْ يَنْعَقِدْ فَرْضًا وَلَا نَفْلًا، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: قُلْت: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَصِيرَ نَفْلًا قَوْلُهُ (فَإِنْ قَطَعَهَا فِي أَثْنَائِهَا بَطَلَتْ الصَّلَاةُ) وَهُوَ الْمَذْهَبُ وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَقَطَعَ بِهِ أَكْثَرُهُمْ، وَقِيلَ: إنْ نَوَى قَرِيبًا لَمْ تَبْطُلْ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَهُوَ بَعِيدٌ. قَوْلُهُ (وَإِنْ تَرَدَّدَ فِي قَطْعِهَا فَعَلَى وَجْهَيْنِ) وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْكَافِي وَالْمُغْنِي، وَالْهَادِي، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالنَّظْمِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالشَّرْحِ، وَالْفَائِقِ، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ، وَالْفُرُوعِ، وَشَرْحِ الْعُمْدَةِ لِلشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ وَغَيْرِهِمْ. أَحَدُهُمَا: تَبْطُلُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَنَصَرَهُ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ، وَالْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَصَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ، وَابْنُ نَصْرِ اللَّهِ فِي حَوَاشِي الْفُرُوعِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَالْمُنْتَخَبِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا تَبْطُلُ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ وَاخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنَوِّرِ وَقَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ. فَائِدَةٌ: لَوْ عَزَمَ عَلَى فَسْخِهَا فَهُوَ كَمَا لَوْ تَرَدَّدَ فِي قَطْعِهَا، خِلَافًا وَمَذْهَبًا، عَلَى الصَّحِيحِ، وَقِيلَ: تَبْطُلُ بِالْعَزْمِ وَإِنْ لَمْ تَبْطُلْ بِالتَّرَدُّدِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى،
وَالْحَاوِي، وَقَالَ فِي الْكُبْرَى: إنْ عَزَمَ عَلَى قَطْعِهَا أَوْ تَرَدَّدَ فَأَوْجُهٌ الثَّالِثُ: تَبْطُلُ مَعَ الْعَزْمِ دُونَ التَّرَدُّدِ، وَقَالَ فِي بَابِ صِفَةِ الصَّلَاةِ: وَإِنْ قَطَعَهَا أَوْ عَزَمَ عَلَى قَطْعِهَا عَاجِلًا بَطَلَتْ، وَإِنْ تَرَدَّدَ فِيهِ، أَوْ تَوَقَّفَ، أَوْ نَوَى أَنَّهُ سَيَقْطَعُهَا، أَوْ عَلَّقَ قَطْعَهَا عَلَى شَرْطٍ: فَوَجْهَانِ، وَالْوَجْهَانِ أَيْضًا: إذَا شَكَّ هَلْ نَوَى فَعَمِلَ مَعَهُمْ أَيْ مَعَ الشَّكِّ عَمَلًا ثُمَّ ذَكَرَ. فَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: يَبْنِي؛ لِأَنَّ الشَّكَّ لَا يُزِيلُ حُكْمَ النِّيَّةِ. فَجَازَ لَهُ الْبِنَاءُ كَمَا لَوْ لَمْ يُحْدِثْ عَمَلًا، وَقَالَ الْقَاضِي: تَبْطُلُ، لِخُلُوِّهِ عَنْ نِيَّةٍ مُعْتَبَرَةٍ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا قَدَّمَهُ الشَّارِحُ قَالَ الْمَجْدُ أَيْضًا: إنْ كَانَ الْعَمَلُ قَوْلًا لَمْ تَبْطُلْ لِتَعَمُّدِ زِيَادَتِهِ، وَلَا يُعْتَدُّ بِهِ. وَإِنْ كَانَ فِعْلًا بَطَلَتْ، لِعَدَمِ جَوَازِهِ كَتَعَمُّدِهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وَقَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: إنَّمَا قَالَ الْأَصْحَابُ عَمَلًا وَالْقِرَاءَةُ لَيْسَتْ عَمَلًا عَلَى أَصْلِنَا. وَلِهَذَا لَوْ نَوَى قَطْعَ الْقِرَاءَةِ، وَلَمْ يَقْطَعْهَا، لَمْ تَبْطُلْ قَوْلًا وَاحِدًا قَالَ الْآمِدِيُّ: وَإِنْ قَطَعَهَا بَطَلَتْ بِقَطْعِهِ لَا نِيَّتِهِ؛ لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ لَا تَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ. قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: وَلَوْ كَانَ عَمَلًا لَاحْتَاجَتْ إلَى نِيَّةٍ كَسَائِرِ أَعْمَالِ الْعِبَادَاتِ قَالَ صَاحِبُ الْفُرُوعِ: وَمَا ذَكَرَهُ النَّاظِمُ فِي خِلَافِ كَلَامِ الْأَصْحَابِ، وَالْقِرَاءَةُ عِبَادَةٌ تُعْتَبَرُ لَهَا النِّيَّةُ قَالَ الْأَصْحَابُ: وَكَذَا شَكُّهُ هَلْ أَحْرَمَ بِظُهْرٍ أَوْ عَصْرٍ، وَذَكَرَ فِيهَا، يَعْنِي هَلْ تَبْطُلُ أَوْ لَا؟ وَقِيلَ: يُتِمُّهَا نَفْلًا كَمَا لَوْ أَحْرَمَ بِفَرْضٍ فَبَانَ قَبْلَ وَقْتِهِ، وَهُوَ احْتِمَالٌ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ. كَشَكِّهِ هَلْ أَحْرَمَ بِفَرْضٍ أَوْ نَفْلٍ؟ فَإِنَّ الْإِمَامَ أَحْمَدَ سُئِلَ عَنْ إمَامٍ صَلَّى بِقَوْمٍ الْعَصْرَ فَظَنَّهَا الظُّهْرَ فَطَوَّلَ الْقِرَاءَةَ، ثُمَّ ذَكَرَ، فَقَالَ: يُعِيدُ، وَإِعَادَتُهُمْ عَلَى اقْتِدَاءِ مُفْتَرِضٍ بِمُتَنَفِّلٍ قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالْمَجْدُ، وَالشَّارِحُ: وَإِنْ شَكَّ هَلْ نَوَى فَرْضًا أَوْ نَفْلًا؟ أَتَمَّهَا
نَفْلًا، إلَّا أَنْ يَذْكُرَ أَنَّهُ نَوَى الْفَرْضَ قَبْلَ أَنْ يُحْدِثَ عَمَلًا فَيُتِمُّهَا فَرْضًا، وَإِنْ ذَكَرَهُ بَعْدَ أَنْ أَحْدَثَ عَمَلًا خُرِّجَ فِيهِ الْوَجْهَانِ. انْتَهَى. قَالَ الْمَجْدُ: وَالصَّحِيحُ بُطْلَانُ فَرْضِهِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: إنْ أَحْرَمَ بِفَرْضِ رُبَاعِيَّةٍ، ثُمَّ سَلَّمَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ يَظُنُّهَا جُمُعَةً أَوْ فَجْرًا أَوْ التَّرَاوِيحَ، ثُمَّ ذَكَرَ: بَطَلَ فَرْضُهُ وَلَمْ يَبْنِ نَصَّ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ كَانَ عَالِمًا قَالَ: وَيُتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ وَتَخْرِيجٌ يَبْنِي كَظَنِّهِ تَمَامَ مَا أَحْرَمَ بِهِ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: يَحْرُمُ خُرُوجُهُ بِشَكِّهِ فِي النِّيَّةِ، لِلْعِلْمِ بِأَنَّهُ مَا دَخَلَ إلَّا بِالنِّيَّةِ، وَكَشَكِّهِ هَلْ أَحْدَثَ أَمْ لَا؟ . قَوْلُهُ (فَإِنْ أَحْرَمَ بِفَرْضٍ، فَبَانَ قَبْلَ وَقْتِهِ: انْقَلَبَ نَفْلًا) هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، لِبَقَاءِ أَصْلِ النِّيَّةِ، وَعَنْهُ لَا تَنْعَقِدُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِهِ [قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَخَرَّجَ الْآمِدِيُّ رِوَايَةً: أَنَّهَا لَا تَنْعَقِدُ أَصْلًا وَاخْتَارَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا] كَمَا لَوْ أَحْرَمَ بِهِ قَبْلَ وَقْتِهِ عَالِمًا بِذَلِكَ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْوَجْهَيْنِ، فَائِدَةٌ: مِثْلُ هَذَا لَوْ أَحْرَمَ بِفَائِتَةٍ فَلَمْ تَكُنْ عَلَيْهِ [أَوْ أَحْرَمَ قَبْلَ وَقْتِهِ مَعَ عِلْمِهِ فَالْأَشْبَهُ أَنَّهَا لَا تَنْعَقِدُ، قَالَهُ ابْنُ تَمِيمٍ] . قَوْلُهُ (وَإِنْ أَحْرَمَ بِهِ فِي وَقْتِهِ، ثُمَّ قَلَبَهُ نَفْلًا جَازَ) إذَا أَحْرَمَ بِفَرْضٍ فِي وَقْتِهِ ثُمَّ قَلَبَهُ نَفْلًا فَتَارَةً يَكُونُ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ، وَتَارَةً يَكُونُ لِغَيْرِ ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ غَرَضٍ صَحِيحٍ، فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يَصِحُّ مَعَ الْكَرَاهَةِ. جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَقَدَّمَهُ فِي الْهِدَايَةِ وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالشَّرْحِ، وَالنَّظْمِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ، وَالْحَاوِيَيْنِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَجُوزَ وَلَا يَصِحُّ، وَهُوَ رِوَايَةٌ ذَكَرَهَا فِي الْفُرُوعِ قَالَ الْقَاضِي فِي مَوْضِعٍ: لَا تَصِحُّ رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَقَالَ فِي الْجَامِعِ: يُخَرَّجُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ، وَالْفُرُوعِ
وَأَمَّا إذَا قَلَبَهُ نَفْلًا لِغَرَضٍ صَحِيحٍ، مِثْلُ أَنْ يُحْرِمَ مُنْفَرِدًا ثُمَّ يُرِيدُ الصَّلَاةَ فِي جَمَاعَةٍ: فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَجُوزُ وَتَصِحُّ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَأَكْثَرُهُمْ جَزَمَ بِهِ، وَلَوْ صَلَّى ثَلَاثَةً مِنْ أَرْبَعَةٍ، أَوْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ الْمَغْرِبِ، وَعَنْهُ لَا تَصِحُّ، ذَكَرَهَا الْقَاضِي وَمَنْ بَعْدَهُ، لَكِنْ قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ عَلَى الْمُذْهَبِ: إنْ كَانَتْ فَجْرًا أَتَمَّهَا فَرِيضَةً؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ نَهْيٍ عَنْ النَّفْلِ. فَعَلَى الْمَذْهَبِ: هَلْ فِعْلُهُ أَفْضَلُ أَمْ تَرْكُهُ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، قُلْت: الصَّوَابُ أَنَّ الْأَفْضَلَ فِعْلُهُ، وَلَوْ قِيلَ بِوُجُوبِهِ إذَا قُلْنَا بِوُجُوبِ الْجَمَاعَةِ لَكَانَ أَوْلَى، وَقَدَّمَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى الْجَوَازَ مِنْ غَيْرِ فَضِيلَةٍ. تَنْبِيهَانِ. أَحَدُهُمَا: فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ (وَإِنْ انْتَقَلَ مِنْ فَرْضٍ إلَى فَرْضٍ بَطَلَتْ الصَّلَاتَانِ) تَسَاهُلٌ. إذْ الثَّانِيَةُ لَمْ يَدْخُلْ فِيهَا حَتَّى تَبْطُلَ، بَلْ لَمْ تَنْعَقِدْ بِالْكُلِّيَّةِ. الثَّانِي: قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَإِنْ انْتَقَلَ مِنْ فَرْضٍ إلَى فَرْضٍ بَطَلَ فَرْضُهُ، وَالْمُرَادُ وَلَمْ يَنْوِ الثَّانِيَ مِنْ أَوَّلِهِ بِتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ وَالْأَصَحُّ الثَّانِي. فَائِدَةٌ: إذَا بَطَلَ الْفَرْضُ الَّذِي انْتَقَلَ مِنْهُ، فَفِي صِحَّةِ نَفْلِهِ الْخِلَافُ الْمُتَقَدِّمُ فِيمَنْ أَحْرَمَ بِهِ فِي وَقْتِهِ ثُمَّ قَلَبَهُ نَفْلًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَكَذَا حُكْمُ مَا يُفْسِدُ الْفَرْضَ فَقَطْ. إذَا وُجِدَ فِيهِ، كَتَرْكِ الْقِيَامِ، وَالصَّلَاةِ فِي الْكَعْبَةِ، وَالِائْتِمَامِ بِمُتَنَفِّلٍ، إذَا قُلْنَا: لَا يَصِحُّ الْفَرْضُ، وَالِائْتِمَامِ بِصَبِيٍّ إنْ اُعْتُقِدَ جَوَازَهُ، صَحَّ نَفْلًا فِي الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَإِلَّا فَالْخِلَافُ، وَهِيَ فَائِدَةٌ حَسَنَةٌ. قَوْلُهُ (وَمِنْ شَرْطِ الْجَمَاعَةِ: أَنْ يَنْوِيَ الْإِمَامُ وَالْمَأْمُومُ حَالَهُمَا) أَمَّا الْمَأْمُومُ: فَيُشْتَرَطُ أَنْ يَنْوِيَ بِلَا نِزَاعٍ، وَكَذَا الْإِمَامُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ مُطْلَقًا، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَهُوَ مِنْ
الْمُفْرَدَاتِ. وَعَنْهُ لَا يُشْتَرَطُ نِيَّةُ الْإِمَامَةِ فِي الْإِمَامِ فِي سِوَى الْجُمُعَةِ، وَعَنْهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَنْوِيَ الْإِمَامُ فِي الْفَرْضِ دُونَ النَّفْلِ، وَقِيلَ: إنْ كَانَ الْمَأْمُومُ امْرَأَةً لَمْ يَصِحَّ ائْتِمَامُهَا بِهِ حَتَّى يَنْوِيَهُ؛ لِأَنَّ صَلَاتَهُ تَفْسُدُ إذَا وَقَفَتْ بِجَنْبِهِ، وَنَحْنُ نَمْنَعُهُ، وَلَوْ سُلِّمَ فَالْمَأْمُومُ مِثْلُهُ، وَلَا يَنْوِي كَوْنَهَا مَعَهُ فِي الْجَمَاعَةِ فَلَا عِبْرَةَ بِالْفَرْقِ. وَعَلَى هَذَا لَوْ نَوَى الْإِمَامَةَ بِرَجُلٍ صَحَّ ائْتِمَامُ الْمَرْأَةِ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِهَا كَالْعَكْسِ وَعَلَى رِوَايَةِ عَدَمِ اشْتِرَاطِ نِيَّةِ الْإِمَامَةِ: لَوْ صَلَّى مُنْفَرِدًا وَصَلَّى خَلْفَهُ، وَنَوَى مِنْ صَلَّى خَلْفَهُ الِائْتِمَامَ: صَحَّ وَحَصَلَتْ فَضِيلَةُ الْجَمَاعَةِ فَيُعَايَى بِهَا فَيُقَالُ: مُقْتَدٍ وَمُقْتَدًى بِهِ حَصَلَتْ فَضِيلَةُ الْجَمَاعَةِ لِلْمُقْتَدِي دُونَ الْمُقْتَدَى بِهِ؛ لِأَنَّ الْمُقْتَدَى بِهِ نَوَى مُنْفَرِدًا وَلَمْ يَنْوِ الْإِمَامَةَ، وَالْمُقْتَدِي نَوَى الِاقْتِدَاءَ، وَقَدْ صَحَّحْنَاهُ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَعِنْدَ أَبِي الْفَرَجِ: يَنْوِي الْمُنْفَرِدُ. فَائِدَتَانِ. إحْدَاهُمَا: لَوْ اعْتَقَدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهُ إمَامُ الْآخَرِ، أَوْ مَأْمُومُهُ: لَمْ تَصِحَّ مُطْلَقًا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ نَصَّ عَلَيْهِمَا، وَقِيلَ: تَصِحُّ فُرَادَى فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، وَقِيلَ: تَصِحُّ فُرَادَى إذَا نَوَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهُ مَأْمُومُ الْآخَرِ فَقَطْ. جَزَمَ بِهِ فِي الْفُصُولِ، وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَفِيهِ وَجْهٌ إذَا اعْتَقَدَ كُلُّ وَاحِدٍ أَنَّهُ إمَامُ الْآخَرِ فَصَلَاتُهُمَا صَحِيحَةٌ، وَإِنْ لَمْ تُعْتَبَرْ نِيَّةُ الْإِمَامِ، صَحَّتْ الصَّلَاةُ فُرَادَى فِيمَا إذَا نَوَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهُ إمَامُ الْآخَرِ. وَكَذَا إذَا نَوَى إمَامَةَ مَنْ لَا يَصِحُّ أَنْ يَؤُمَّهُ، كَامْرَأَةٍ تَؤُمُّ رَجُلًا، لَا تَصِحُّ صَلَاةُ الْإِمَامِ فِي الْأَشْهُرِ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، وَقِيلَ: تَصِحُّ، وَكَذَا الْحُكْمُ إنْ أَمَّ أُمِّيٌّ قَارِئًا. الثَّانِيَةُ: لَوْ شَكَّ فِي كَوْنِهِ إمَامًا أَوْ مَأْمُومًا لَمْ تَصِحَّ، لِعَدَمِ الْجَزْمِ بِالنِّيَّةِ، وَقَالَ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ: لَا تَصِحُّ أَيْضًا، وَلَوْ كَانَ الشَّكُّ بَعْدَ الْفَرَاغِ.
قَوْلُهُ (فَإِنْ أَحْرَمَ مُنْفَرِدًا ثُمَّ نَوَى الِائْتِمَامَ لَمْ يَصِحَّ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ) وَكَذَا فِي الْهِدَايَةِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُمْ وَصَحَّحَهُ الشَّارِحُ وَغَيْرُهُ وَالثَّانِيَةُ: تَصِحُّ وَيُكْرَهُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْكَافِي، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَعَنْهُ يَصِحُّ. وَفِي الْكَرَاهَةِ رِوَايَتَانِ فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ مَتَى فَرَغَ قَبْلَ إمَامِهِ فَارَقَهُ وَسَلَّمَ نَصَّ عَلَيْهِ، وَإِنْ انْتَظَرَهُ لِيُسَلِّمَ مَعَهُ جَازَ. قَوْلُهُ (وَإِنْ نَوَى الْإِمَامَةَ صَحَّ فِي النَّفْلِ) يَعْنِي: إذَا أَحْرَمَ مُنْفَرِدًا، ثُمَّ نَوَى الْإِمَامَةَ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ فِي النَّفْلِ. وَهَذَا إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ نَصَّ عَلَيْهِ وَاخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَالْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الشَّرْحِ، وَالْوَجِيزِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَشَرْحِ ابْنِ مُنَجَّى قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ الْمَنْصُوصُ، وَعَنْهُ لَا يَصِحُّ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ. قَالَ الْمَجْدُ: اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَأَكْثَرُ أَصْحَابِنَا وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَالْهِدَايَةِ، وَالْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَابْنُ تَمِيمٍ قَوْلُهُ (وَلَمْ تَصِحَّ فِي الْفَرْضِ) وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمَجْدُ: اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ
وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالشَّرْحِ، وَالْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَغَيْرُهُمْ. وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَصِحَّ، وَهُوَ أَصَحُّ عِنْدِي) ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وَاخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْكَافِي، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي مَوْضِعٍ: يَصِحُّ فِي حَقِّ مَنْ لَهُ عَادَةٌ بِالْإِمَامَةِ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَإِنْ نَوَى الْمُنْفَرِدُ الْمُفْتَرِضُ إمَامَةَ مَنْ لَحِقَهُ قَبْلَ رُكُوعِهِ، فَوَجْهَانِ فِي الصِّحَّةِ. وَقِيلَ: رِوَايَتَانِ، وَعَنْهُ يَصِحُّ فِي النَّفْلِ فَقَطْ نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ إنْ رَضِيَ الْمُفْتَرِضُ مَجِيءَ مَنْ يُصَلِّي مَعَهُ أَوَّلَ رَكْعَةٍ، فَجَاءَ وَرَكَعَ مَعَهُ صَحَّ نَصَّ عَلَيْهِ، وَإِلَّا فَلَا يَصِحُّ، وَقِيلَ: إنْ صَلَّى وَحْدَهُ رَكْعَةً لَمْ يَصِحَّ، وَإِنْ أَدْرَكَهُ أَحَدٌ قَبْلَ رُكُوعِهِ فَرِوَايَتَانِ، وَقِيلَ: إنْ لَمْ يَرْكَعْ مَعَهُ أَحَدٌ، وَإِلَّا صَلَّى وَحْدَهُ، وَقِيلَ: يَصِحُّ ذَلِكَ مِمَّنْ عَادَتُهُ الْإِمَامَةُ. انْتَهَى. فَوَائِدُ. الْأُولَى: لَوْ نَوَى الْإِمَامَةَ ظَانًّا حُضُورَ مَأْمُومٍ: صَحَّ، وَإِنْ شَكَّ لَمْ يَصِحَّ فَلَوْ ظَنَّ حُضُورَهُ فَلَمْ يَحْضُرْ، أَوْ أَحْرَمَ بِحَاضِرٍ فَانْصَرَفَ قَبْلَ إحْرَامِهِ، أَوْ عَيَّنَ إمَامًا أَوْ مَأْمُومًا، وَقِيلَ: إنْ ظَنَّهُمَا وَقُلْنَا: لَا يَجِبُ تَعْيِينُهُمَا فِي الْأَصَحِّ فَأَخْطَأَ فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ، وَقِيلَ: يَصِحُّ مُنْفَرِدًا كَانْصِرَافِ الْحَاضِرِ بَعْدَ دُخُولِهِ مَعَهُ قَالَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ: وَإِنْ عَيَّنَ جِنَازَةً فَأَخْطَأَ فَوَجْهَانِ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: إنْ عَيَّنَ وَقَصْدُهُ خَلْفَ مَنْ حَضَرَ، وَعَلَى مَنْ حَضَرَ: صَحَّ، وَإِلَّا فَلَا. الثَّانِيَةُ: إذَا بَطَلَتْ صَلَاةُ الْمَأْمُومِ أَتَمَّهَا إمَامُهُ مُنْفَرِدًا؛ لِأَنَّهَا لَا هِيَ مِنْهَا وَلَا مُتَعَلِّقَةٌ بِهَا، بِدَلِيلِ السَّهْوِ، وَعِلْمِهِ بِحَدَثِهِ، وَعَنْهُ تَبْطُلُ، وَذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي قِيَاسَ الْمَذْهَبِ الثَّالِثَةُ: تَبْطُلُ صَلَاةُ الْمَأْمُومِ بِبُطْلَانِ صَلَاةِ إمَامِهِ لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ عَلَى الصَّحِيحِ
مِنْ الْمَذْهَبِ وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ، وَعَنْهُ لَا تَبْطُلُ صَحَّحَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، فَعَلَيْهَا يُتِمُّونَهَا فُرَادَى وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَقَالَ وَالْأَشْهَرُ أَوْ جَمَاعَةً، وَكَذَا جَمَاعَتَيْنِ، وَقَالَ الْقَاضِي: تَبْطُلُ بِتَرْكِ فَرْضٍ مِنْ الْإِمَامِ، وَفِي مُنْهًى عَنْهُ، كَحَدَثٍ: عَنْهُ رِوَايَتَانِ، وَقَالَ الْمُصَنِّفُ: تَبْطُلُ بِتَرْكِ شَرْطٍ مِنْ الْإِمَامِ أَوْ رُكْنٍ، أَوْ تَعَمُّدِ مُفْسِدٍ، وَإِلَّا فَلَا، عَلَى أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ قَوْلُهُ (فَإِنْ أَحْرَمَ مَأْمُومًا ثُمَّ نَوَى الِانْفِرَادَ لِعُذْرٍ جَازَ) بِلَا نِزَاعٍ، لَكِنْ اسْتَثْنَى ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ مَسْأَلَةً، وَصُورَتُهَا: مَا إذَا كَانَ الْإِمَامُ يُعَجِّلُ فِي الصَّلَاةِ، وَلَا يَتَمَيَّزُ انْفِرَادُهُ عَنْهُ بِنَوْعِ تَعْجِيلٍ. فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ انْفِرَادُ الْمَأْمُومِ، وَالْحَالَةُ هَذِهِ، وَإِنَّمَا يَمْلِكُ الِانْفِرَادَ إذْ اسْتَفَادَ بِهِ تَعْجِيلَ لُحُوقِهِ لِحَاجَتِهِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَمْ أَجِدْ خِلَافَهُ، فَيُعَايَى بِهَا. قُلْت: الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ لَيْسَتْ دَاخِلَةً فِي كَلَامِهِمْ، لِأَنَّهُمْ قَالُوا " لِعُذْرٍ " وَهُنَا لَيْسَ هَذَا بِعُذْرٍ فَلَا يَجُوزُ الِانْفِرَادُ. فَائِدَةٌ: الْعُذْرُ مِثْلُ تَطْوِيلِ إمَامِهِ، أَوْ مَرَضٍ أَوْ خَوْفِ نُعَاسٍ، أَوْ شَيْءٍ، يُفْسِدُ صَلَاتَهُ، أَوْ عَلَى مَالٍ، أَوْ أَهْلٍ، أَوْ فَوَاتِ رُفْقَةٍ وَنَحْوِهِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرُهُ مِنْ الْأَصْحَابِ: الْعُذْرُ مَا يُبِيحُ تَرْكَ الْجَمَاعَةِ. قَوْلُهُ (وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ عُذْرٍ لَمْ يَجُزْ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ) وَهُوَ الْمَذْهَبُ صَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ قَالَ فِي الْهِدَايَةِ وَابْنُ تَمِيمٍ: لَمْ يَجُزْ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْكَافِي، وَالْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَنَصَرَهُ، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: يَجُوزُ، وَإِلَيْهَا مَيْلُ الشَّارِحِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالنَّظْمِ، وَابْنُ مُنَجَّى فِي شَرْحِهِ
فَوَائِدُ. مِنْهَا: مَتَى زَالَ الْعُذْرُ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ فَلَهُ الدُّخُولُ مَعَ الْإِمَامِ، وَمِنْهَا: لَوْ كَانَ فَارَقَهُ فِي الْقِيَامِ أَتَى بِبَقِيَّةِ الْقِرَاءَةِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ قَرَأَ الْفَاتِحَةَ فَلَهُ أَنْ يَرْكَعَ فِي الْحَالِ، وَإِنْ ظَنَّ فِي صَلَاةِ السِّرِّ أَنَّ الْإِمَامَ قَرَأَ: لَمْ يَقْرَأْ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَاخْتَارَهُ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ. وَعَنْهُ يَقْرَأُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ مَعَهُ الرُّكُوعَ، وَمِنْهَا: لَوْ فَارَقَهُ الْعُذْرُ، وَقَدْ صَلَّى مَعَهُ رَكْعَةً فِي الْجُمُعَةِ: أَتَمَّهَا جُمُعَةً بِرَكْعَةٍ أُخْرَى كَمَسْبُوقٍ، وَإِنْ فَارَقَهُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى، فَقَالَ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمَزْحُومِ فِي الْجُمُعَةِ حَتَّى تَفُوتَهُ الرَّكْعَتَانِ، عَلَى مَا يَأْتِي فِي بَابِهَا، وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَصِحُّ الظُّهْرُ قَبْلَ الْجُمُعَةِ أَتَمَّ نَفْلًا فَقَطْ. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَإِنْ فَارَقَهُ فِي الْأُولَى فَوَجْهَانِ أَحَدُهُمَا: يُتِمُّهَا جُمُعَةً، وَالثَّانِي: يُصَلِّيهَا ظُهْرًا، وَهَلْ يَسْتَأْنِفُ أَوْ يَبْنِي؟ عَلَى وَجْهَيْنِ وَعَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ: لَا يَصِحُّ الظُّهْرُ قَبْلَ الْجُمُعَةِ فِيهِمَا فَيُتِمُّهَا نَفْلًا، سَوَاءٌ فَارَقَهُ فِي الْأُولَى أَوْ بَعْدَهَا. انْتَهَى. وَقَدَّمَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ: أَنَّهُ إذَا فَارَقَهُ فِي الْأُولَى لِعُذْرٍ يُتِمُّهَا جُمُعَةً. قَوْلُهُ (وَإِنْ نَوَى الْإِمَامَةَ لِاسْتِخْلَافِ الْإِمَامِ لَهُ إذَا سَبَقَهُ الْحَدَثُ صَحَّ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ) اعْلَمْ أَنَّ الْإِمَامَ إذَا سَبَقَهُ الْحَدَثُ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ كَتَعَمُّدِهِ، وَعَنْهُ تَبْطُلُ إذَا سَبَقَهُ الْحَدَثُ مِنْ السَّبِيلَيْنِ، وَيَبْنِي إذَا سَبَقَهُ الْحَدَثُ مِنْ غَيْرِهِمَا، وَعَنْهُ لَا تَبْطُلُ مُطْلَقًا فَيَبْنِي إذَا تَطَهَّرَ اخْتَارَهُ الْآجُرِّيُّ، وَذَكَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ وَغَيْرُهُ رِوَايَةَ أَنَّهُ يُخَيَّرُ بَيْنَ الْبِنَاءِ وَالِاسْتِئْنَافِ
وَأَمَّا الْمَأْمُومُ: فَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَنْهُ لَا تَبْطُلُ اخْتَارَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ فَحَيْثُ قُلْنَا بِالصِّحَّةِ: فَلَهُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَعَنْهُ لَا يَصِحُّ الِاسْتِخْلَافُ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْحَاوِي، وَحَيْثُ قُلْنَا بِالْبُطْلَانِ وَصِحَّةِ صَلَاةِ الْمَأْمُومِ: فَحُكْمُهُ فِي الِاسْتِخْلَافِ حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَعَلَى صِحَّتِهَا وَالْأَشْهَرِ، وَبُطْلَانٍ نَقَلَهُ صَالِحٌ، وَابْنُ مَنْصُورٍ، وَابْنُ هَانِئٍ، وَقَالَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ، وَذَكَرَهُ فِي الْكَافِي، وَالْمُذْهَبِ وَاخْتَارَ الْمَجْدُ: لَهُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ عَلَى الْأَصَحِّ قَالَ فِي مُخْتَصَرِ ابْنِ تَمِيمٍ: هَذَا الْأَشْهَرُ قُلْت: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا، وَقِيلَ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ هُنَا، وَإِنْ جَازَ الِاسْتِخْلَافُ فِي الَّتِي قَبْلَهَا، وَهِيَ مَا إذَا قُلْنَا لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ وَاخْتَارَهُ الْآمِدِيُّ وَغَيْرُهُ، وَحَيْثُ قُلْنَا: يَسْتَخْلِفُ، فَاسْتَخْلَفَ ثُمَّ تَوَضَّأَ وَحَضَرَ، ثُمَّ صَارَ إمَامًا: فَعَنْهُ يَصِحُّ، وَعَنْهُ لَا يَصِحُّ، وَعَنْهُ يَسْتَأْنِفُ، وَأَطْلَقَهُنَّ فِي الْفُرُوعِ فِي بَابِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ. قُلْت: الصَّوَابُ الصِّحَّةُ قِيَاسًا عَلَى مَا إذَا أَحْرَمَ لِغَيْبَةِ إمَامِ الْحَيِّ ثُمَّ حَضَرَ، عَلَى مَا يَأْتِي قَرِيبًا. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَإِنْ تَطَهَّرَ يَعْنِي الْإِمَامُ قَرِيبًا، ثُمَّ عَادَ فَائْتَمَّ بِهِمْ جَازَ، وَلَمْ يَحْكِ خِلَافًا قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: صَحَّ فِي الْمَذْهَبِ. فَوَائِدُ. الْأُولَى: الْمَذْهَبُ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ: أَنَّ لَهُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ مَسْبُوقًا، وَيَحْتَمِلُهُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ هُنَا، وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ اسْتِخْلَافُ الْمَسْبُوقِ اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ، فَعَلَى الْمَذْهَبِ: الْأَوْلَى لَهُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ مِنْ يُسَلِّمُ بِهِمْ، ثُمَّ يَقُومُ، فَيَأْتِي بِمَا عَلَيْهِ فَتَكُونُ هَذِهِ الصَّلَاةُ بِثَلَاثَةِ أَئِمَّةٍ
قَالَ الْمَجْدُ، وَابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُمَا: فَإِنْ لَمْ يَسْتَخْلِفْ وَسَلَّمُوا مُنْفَرِدِينَ أَوْ انْتَظَرُوهُ حَتَّى سَلَّمَ بِهِمْ جَازَ نَصَّ عَلَيْهِ كُلِّهِ، وَقَالَ الْقَاضِي فِي مَوْضِعٍ مِنْ الْمُجَرَّدِ: يُسْتَحَبُّ انْتِظَارُهُ حَتَّى يُسَلِّمَ بِهِمْ، وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ سَلَامُهُمْ قَبْلَهُ وَالْمَذْهَبُ الْمَنْصُوصُ أَيْضًا عَنْ أَحْمَدَ: أَنَّ لَهُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ مَنْ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ مَعَهُ أَيْضًا، سَوَاءٌ كَانَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى أَوْ غَيْرِهَا. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ الِانْتِصَارِ وَغَيْرِهِ: يَسْتَخْلِفُ أُمِّيًّا فِي تَشَهُّدٍ أَخِيرٍ، وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ هُنَا. إذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَعَلَى الْمَنْصُوصِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ: يَبْنِي عَلَى مَا مَضَى مِنْ صَلَاةِ الْإِمَامِ مُرَتَّبًا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ فَإِنْ أَدْرَكَهُ فِي الثَّانِيَةِ وَاسْتَخْلَفَهُ فِيهَا جَلَسَ عَقِيبَهَا قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ، وَالْفَائِقِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَعَنْهُ: يُخَيَّرُ بَيْنَ تَرْتِيبِ إمَامِهِ وَبَيْنَ أَنْ يَبْنِيَ عَلَى تَرْتِيبِ نَفْسِهِ، فَيَجْلِسَ عَقِيبَ رَكْعَتَيْنِ مِنْ صَلَاتِهِ، وَهِيَ ثَالِثَةٌ لِلْمَأْمُومَيْنِ وَيَتْبَعُونَهُ فِي ذَلِكَ. وَأَطْلَقَهُمَا الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ. وَاخْتَارَهُ الْمَجْدُ فِي الثَّانِيَةِ، وَهِيَ اسْتِخْلَافُ مَنْ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ مَعَهُ. قُلْت: فَيُعَايَى بِهَا، وَأَطْلَقَهُمَا الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ فِي الْمَسْبُوقِ الَّذِي دَخَلَ مَعَهُ، وَقَالَ فِي الَّذِي لَمْ يَدْخُلْ مَعَهُ: الْأَظْهَرُ فِيهِ التَّخْيِيرُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَلْتَزِمْ الْمُتَابَعَةَ ابْتِدَاءً. الثَّانِيَةُ: يَبْنِي الْخَلِيفَةُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى عَلَى صَلَاةِ الْإِمَامِ قَبْلَهُ مِنْ حَيْثُ بَلَغَ، وَأَمَّا الْخَلِيفَةُ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ إذَا قُلْنَا يَبْنِي عَلَى تَرْتِيبِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ يَأْخُذُ فِي الْقِرَاءَةِ مِنْ حَيْثُ بَلَغَ الْأَوَّلُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ نَصَّ عَلَيْهِ وَقَدَّمَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ فِي رِعَايَتِهِ، وَقَالَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ: لَا بُدَّ مِنْ قِرَاءَةِ مَا فَاتَهُ مِنْ الْفَاتِحَةِ سِرًّا وَجَزَمَ بِهِ فِي الْفُرُوعِ، وَهِيَ عَجِيبٌ مِنْهُ
قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ: وَالصَّحِيحُ عِنْدِي أَنَّهُ يَقْرَأُ سِرًّا مَا فَاتَهُ مِنْ فَرْضِ الْقِرَاءَةِ، لِئَلَّا تَفُوتَهُ الرَّكْعَةُ، ثُمَّ يَبْنِي عَلَى قِرَاءَةِ الْأَوَّلِ جَهْرًا إنْ كَانَتْ صَلَاةَ جَهْرٍ. وَقَالَ عَنْ الْمَنْصُوصِ: لَا وَجْهَ لَهُ عِنْدِي، إلَّا أَنْ يَقُولَ مَعَهُ بِأَنَّ هَذِهِ الرَّكْعَةَ لَا يُعْتَدُّ لَهُ بِهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ فِيهَا بِفَرْضِ الْقِرَاءَةِ، وَلَمْ يُوجَدْ مَا يُسْقِطُهُ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِرْ مَأْمُومًا بِحَالٍ، أَوْ يَقُولُ: إنَّ الْفَاتِحَةَ لَا تَتَعَيَّنُ فَيَسْقُطُ فَرْضُ الْقِرَاءَةِ بِمَا يَقْرَؤُهُ. انْتَهَى. وَقَالَ الشَّارِحُ: وَيَنْبَغِي أَنْ تَجِبَ عَلَيْهِ قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ، وَلَا يَبْنِي عَلَى قِرَاءَةِ الْإِمَامِ لِأَنَّ الْإِمَامَ لَمْ يَتَحَمَّلْ الْقِرَاءَةَ هُنَا. الثَّالِثَةُ: مَنْ اسْتَخْلَفَ فِيمَا لَا يُعْتَدُّ لَهُ بِهِ: اعْتَدَّ بِهِ لِلْمَأْمُومِ، ذَكَرَهُ بَعْضُ الْأَصْحَابِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: لَوْ اسْتَخْلَفَ مَسْبُوقًا فِي الرُّكُوعِ لَغَتْ تِلْكَ الرَّكْعَةُ، وَقَالَهُ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ أَيْضًا. وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: إنْ اسْتَخْلَفَهُ فِي الرُّكُوعِ أَوْ بَعْدَهُ، قَرَأَ لِنَفْسِهِ وَانْتَظَرَهُ الْمَأْمُومُ ثُمَّ رَكَعَ وَلَحِقَ الْمَأْمُومَ. الرَّابِعَةُ: لَوْ أَدَّى الْإِمَامُ جُزْءًا مِنْ صَلَاتِهِ بَعْدَ حَدَثِهِ، مِثْلُ أَنْ يُحْدِثَ رَاكِعًا فَرَفَعَ رَأْسَهُ وَقَالَ " سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ " أَوْ حَدَثَ سَاجِدًا فَرَفَعَ وَقَالَ " اللَّهُ أَكْبَرُ " لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ، إنْ قُلْنَا يَبْنِي ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ يَبْطُلُ، وَلَوْ لَمْ يُرِدْ أَدَاءَ رُكْنٍ، قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَاشْتَبَهَتْ الْمَسْأَلَةُ عَلَى بَعْضِهِمْ فَزَادَ وَنَقَصَ. الْخَامِسَةُ: لَوْ لَمْ يَسْتَخْلِفْ الْإِمَامُ وَصَلُّوا وُحْدَانًا: صَحَّ، وَاحْتَجَّ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِأَنَّ مُعَاوِيَةَ لَمَّا طُعِنَ صَلَّى النَّاسُ وُحْدَانًا، وَإِنْ اسْتَخْلَفُوا لِأَنْفُسِهِمْ صَحَّ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَنَصَّ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ لَا يَصِحُّ، وَإِنْ اسْتَخْلَفَ كُلُّ طَائِفَةٍ رَجُلًا، أَوْ اسْتَخْلَفَ بَعْضُهُمْ وَصَلَّى الْبَاقُونَ فُرَادَى فَلَا بَأْسَ.
السَّادِسَةُ: حُكْمُ مَنْ حَصَلَ لَهُ مَرَضٌ أَوْ خَوْفٌ، أَوْ حَصْرٌ عَنْ الْقِرَاءَةِ الْوَاجِبَةِ أَوْ قَصْرٌ وَنَحْوُهُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُهُ، وَجُنُونٌ وَإِغْمَاءٌ، وَصَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ فِي الْإِغْمَاءِ وَالْمَوْتِ، وَالْمُتَيَمِّمِ إذَا رَأَى الْمَاءَ، وَقَالَ فِي التَّرْغِيبِ وَغَيْرِهِ: أَوْ بِلَا عُذْرٍ حُكْمُ مَنْ سَبَقَهُ الْحَدَثُ فِي الِاسْتِخْلَافِ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ. قَوْلُهُ (وَإِنْ سُبِقَ اثْنَانِ بِبَعْضِ الصَّلَاةِ فَائْتَمَّ أَحَدُهُمَا بِصَاحِبِهِ فِي قَضَاءِ مَا فَاتَهُمَا، فَعَلَى وَجْهَيْنِ) وَحَكَى بَعْضُهُمْ الْخِلَافَ رِوَايَتَيْنِ مِنْهُمْ ابْنُ تَمِيمٍ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْكَافِي، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ، وَابْنُ مُنَجَّى فِي شَرْحِهِ. أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ ذَلِكَ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ قَالَ الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ، وَصَاحِبُ الْفُرُوعِ وَغَيْرُهُمْ، لَمَّا حَكَوْا الْخِلَافَ هُنَا: بِنَاءً عَلَى الِاسْتِخْلَافِ، وَتَقَدَّمَ جَوَازُ الِاسْتِخْلَافِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَجَزَمَ بِالْجَوَازِ هُنَا فِي الْوَجِيزِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَغَيْرِهِمْ وَصَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ، وَالنَّظْمِ، وَتَصْحِيحِ الْمُحَرَّرِ وَقَدَّمَهُ فِي الْهِدَايَةِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالرِّعَايَةِ، وَابْنُ تَمِيمٍ قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: هَذَا ظَاهِرُ رِوَايَةِ مُهَنَّا، وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَجُوزُ قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: هَذَا مَنْصُوصُ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ، وَعَنْهُ لَا يَجُوزُ هُنَا. وَإِنْ جَوَّزْنَا الِاسْتِخْلَافَ اخْتَارَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَفَرَّقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَسْأَلَةِ الِاسْتِخْلَافِ مِنْ وَجْهَيْنِ. فَائِدَةٌ: وَكَذَا الْحُكْمُ وَالْخِلَافُ وَالْمَذْهَبُ: لَوْ أَمَّ مُقِيمٌ مِثْلَهُ إذَا سَلَّمَ مُسَافِرٌ، ذَكَرَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ. تَنْبِيهٌ: يُسْتَثْنَى مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ أَطْلَقَ: الْمَسْبُوقَ فِي الْجُمُعَةِ. فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ ائْتِمَامُ مَسْبُوقٍ بِمَسْبُوقٍ فِيهَا قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ؛ لِأَنَّهَا إذَا أُقِيمَتْ بِمَسْجِدٍ مَرَّةً لَمْ تُقَمْ فِيهِ ثَانِيَةً، وَذَكَرَ ابْنُ الْبَنَّا فِي شَرْحِ الْمُجَرَّدِ: أَنَّ الْخِلَافَ جَارٍ فِي الْجُمُعَةِ أَيْضًا، وَيَحْتَمِلُهُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ عُذْرٍ لَمْ يَصِحَّ) قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَبِلَا عُذْرِ السَّبْقِ كَاسْتِخْلَافِ الْإِمَامِ بِلَا عُذْرٍ قَالَ فِي النُّكَتِ: صَرَّحَ فِي الْمُغْنِي بِأَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ تُخَرَّجُ عَلَى مَسْأَلَةِ الِاسْتِحْلَافِ قَالَ: وَعَلَى هَذَا يَكُونُ كَلَامُهُ فِي الْمُقْنِعِ عَقِيبَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ عُذْرٍ، لَمْ يَصِحَّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَمَسْأَلَةِ الِاسْتِخْلَافِ؛ لِأَنَّ الْمَسْأَلَتَيْنِ فِي الْمُغْنِي وَاحِدَةٌ. ذَكَرَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ فِي الِاسْتِخْلَافِ لِغَيْرِ عُذْرٍ رِوَايَتَيْنِ. انْتَهَى. وَقَالَ الشَّارِحُ: وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ عُذْرٍ، لَمْ يَصِحَّ إذَا انْتَقَلَ عَنْ إمَامِهِ إلَى إمَامٍ آخَرَ فَائْتَمَّ بِهِ أَوْ صَارَ الْمَأْمُومُ إمَامًا لِغَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ. قَوْلُهُ (وَإِنْ أَحْرَمَ إمَامًا لِغَيْبَةِ إمَامِ الْحَيِّ، ثُمَّ حَضَرَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ فَأَحْرَمَ بِهِمْ، وَبَنَى عَلَى صَلَاةِ خَلِيفَتِهِ، فَصَارَ الْإِمَامُ مَأْمُومًا فَهَلْ يَصِحُّ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُذْهَبِ، وَالْكَافِي، وَالشَّرْحِ، وَشَرْحِ الْمَجْدِ، وَشَرْحِ ابْنِ مُنَجَّى، وَالْفَائِقِ. أَحَدُهُمَا: يَصِحُّ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَارِثِ جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَالْمُنَوِّرِ وَصَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفَائِقِ قَالَ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ: وَهُوَ أَظْهَرُ وَالثَّانِي: لَا يَصِحُّ قَالَ فِي الْفُصُولِ: هُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ شَيْخِنَا أَبِي يَعْلَى، قَالَ الْمَجْدُ: وَهُوَ مَذْهَبُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَعَنْهُ يَصِحُّ مِنْ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ دُونَ غَيْرِهِ، وَأَطْلَقَهُنَّ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالنَّظْمِ. تَنْبِيهٌ: حَكَى الْمُصَنِّفُ الْخِلَافَ هُنَا أَوْجُهًا، وَكَذَا حَكَاهُ فِي الشَّرْحِ، وَالْكَافِي، وَشَرْحِ الْمَجْدِ، وَابْنُ مُنَجَّى، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى.
باب صفة الصلاة
وَحَكَاهُ رِوَايَاتٍ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ فِي بَابِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَابْنُ تَمِيمٍ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقَالَ: فِي ذَلِكَ رِوَايَاتٌ مَنْصُوصَةٌ وَتَقَدَّمَ إذَا سَبَقَهُ الْحَدَثُ فَاسْتَخْلَفَ ثُمَّ صَارَ إمَامًا. فَائِدَتَانِ. أَحَدُهُمَا: الْخِلَافُ فِي الْجَوَازِ كَالْخِلَافِ فِي الصِّحَّةِ. الثَّانِيَةُ: قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَصَاحِبُ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: لَا تَخْتَلِفُ الرِّوَايَاتُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ " أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا خَرَجَ مِنْ مَرَضِهِ بَعْدَ دُخُولِ أَبِي بَكْرٍ فِي الصَّلَاةِ أَنَّهُ كَانَ إمَامًا لِأَبِي بَكْرٍ، وَأَبُو بَكْرٍ كَانَ إمَامًا لِلنَّاسِ " وَفِي جَوَازِ ذَلِكَ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ فَكَانَتْ الصَّلَاةُ بِإِمَامَيْنِ، وَصَرَّجَ ابْنُ رَجَبٍ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ بِذَلِكَ قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: أَصَحُّ الرِّوَايَاتِ أَنَّ ذَلِكَ خَاصٌّ بِهِ، عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ وَغَيْرُهُ، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَقِيلَ كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إمَامَ أَبِي بَكْرٍ وَأَبُو بَكْرٍ إمَامَ النَّاسِ، وَقِيلَ: كَانَ أَبُو بَكْرٍ إمَامًا، وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ يَسَارِ أَبِي بَكْرٍ، لِأَنَّ وَرَاءَهُمَا صَفًّا، وَفِي جَوَازِهِ وَجْهَانِ. انْتَهَى. وَيَأْتِي الْخِلَافُ إذَا كَانَ عَنْ يَسَارِ الْإِمَامِ وَخَلْفَهُ صَفٌّ فِي الْمَوْقِفِ. [بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ] ِ تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ قَوْلِهِ (السُّنَّةُ: أَنْ يَقُومَ إلَى الصَّلَاةِ إذَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ: قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ) أَنَّهُ يَقُومُ عِنْدَ كَلِمَةِ الْإِقَامَةِ، سَوَاءٌ رَأَى الْإِمَامَ أَوْ لَمْ يَرَهُ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْإِمَامُ فِي الْمَسْجِدِ، أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ أَوْ لَا، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ،
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: جَزَمَ بِهِ بَعْضُهُمْ وَقَدَّمَهُ فِي الْفَائِقِ وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ الْمَأْمُومَ لَا يَقُومُ حَتَّى يَرَى الْإِمَامَ إذَا كَانَ غَائِبًا. وَتَقَدَّمَ غَيْرُهَا إذَا كَانَ الْإِمَامُ فِي الْمَسْجِدِ، سَوَاءٌ رَآهُ أَوْ لَمْ يَرَهُ، وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ وَصَحَّحَهُ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ، وَقَالَ الْمُصَنِّفُ: إنْ أُقِيمَتْ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ، قَامُوا عِنْدَ ذِكْرِ الْإِقَامَةِ، وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِهِ، وَلَمْ يَعْلَمُوا قُرْبَهُ لَمْ يَقُومُوا حَتَّى يَرَوْهُ، وَقِيلَ: لَا يَقُومُونَ إذْ كَانَ الْإِمَامُ فِي الْمَسْجِدِ، حَتَّى يَرَوْهُ، وَذَكَرَهُ الْآجُرِّيُّ عَنْ أَحْمَدَ، وَقِيَامُ الْمَأْمُومِ عِنْدَ قَوْلِهِ " قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ " مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. قَوْلُهُ (ثُمَّ يُسَوِّي الْإِمَامُ الصُّفُوفَ) هَكَذَا عِبَارَةُ كَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ فِي كُتُبِهِمْ. وَقَالَ فِي الْإِفَادَاتِ، وَالتَّسْهِيلِ: وَيُسَوِّي الْإِمَامُ صَفَّهُ. إذَا عَلِمْت ذَلِكَ، فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ أَنَّ تَسْوِيَةَ الصُّفُوفِ سُنَّةٌ وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ وُجُوبُهُ، وَقَالَ: مُرَادُ مَنْ حَكَاهُ إجْمَاعًا اسْتِحْبَابُهُ لَا نَفْيُ وُجُوبِهِ، وَذَكَرَ فِي النُّكَتِ الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِي ذَلِكَ، وَقَالَ: هَذَا ظَاهِرٌ فِي الْوُجُوبِ وَعَلَى هَذَا: بُطْلَانُ الصَّلَاةِ بِهِ مَحَلُّ نَظَرٍ. انْتَهَى. وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَمْنَعَ الصِّحَّةَ، وَيُحْتَمَلُ لَا. قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ فَوَائِدُ. الْأُولَى: التَّسْوِيَةُ الْمَسْنُونَةُ فِي الصُّفُوفِ: هِيَ مُحَاذَاةُ الْمَنَاكِبِ وَالْأَكْعُبِ دُونَ أَطْرَافِ الْأَصَابِعِ
الثَّانِيَةُ: يُسْتَحَبُّ تَرَاصُّ الصُّفُوفِ، وَسَدُّ الْخَلَلِ الَّذِي فِيهَا، وَتَكْمِيلُ الصَّفِّ الْأَوَّلِ فَالْأَوَّلُ فَلَوْ تَرَكَ الْأَوَّلَ كُرِهَ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ قَالَ فِي النُّكَتِ: هَذَا الْمَشْهُورُ، وَهُوَ أَوْلَى، وَعِنْدَ ابْنِ عَقِيلٍ: لَا يُكْرَهُ، لِأَنَّهُ اخْتَارَ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ تَطَوُّعُ الْإِمَامِ فِي مَوْضِعِ الْمَكْتُوبَةِ. وَقَاسَهُ عَلَى تَرْكِ الصَّفِّ الْأَوَّلِ لِلْمَأْمُومِينَ، وَأَطْلَقَ الْوَجْهَيْنِ فِي الْكَرَاهَةِ فِي الْفُرُوعِ. الثَّالِثَةُ: قَالَ فِي النُّكَتِ: يَدْخُلُ فِي إطْلَاقِ كَلَامِهِمْ: لَوْ عَلِمَ أَنَّهُ إذَا مَشَى إلَى الصَّفِّ الْأَوَّلِ فَاتَتْهُ رَكْعَةٌ، وَإِنْ صَلَّى فِي الصَّفِّ الْمُؤَخَّرِ لَمْ تَفُتْهُ قَالَ: لَكِنْ هِيَ فِي صُورَةٍ نَادِرَةٍ، وَلَا يَبْعُدُ الْقَوْلُ بِالْمُحَافَظَةِ عَلَى الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَهَا مَشَى إلَى الصَّفِّ الْأَوَّلِ. وَقَدْ يُقَالُ: يُحَافِظُ عَلَى الرَّكْعَةِ الْأُولَى وَالْأَخِيرَةِ، وَهَذَا كَمَا قُلْنَا: لَا يَسْعَى إذَا أَتَى الصَّلَاةَ، لِلْخَبَرِ الْمَشْهُورِ. قَالَ: الْإِمَامُ أَحْمَدُ: فَإِنْ أَدْرَكَ التَّكْبِيرَةَ الْأُولَى فَلَا بَأْسَ أَنْ يُسْرِعَ، مَا لَمْ يَكُنْ عَجَّلَ لِفَتْحٍ قَالَ: وَقَدْ ظَهَرَ مِمَّا تَقَدَّمَ: أَنَّهُ يُعَجِّلُ لِإِدْرَاكِ الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ لَكِنْ هَلْ يُقَيَّدُ الْمَسْأَلَتَانِ بِتَعَذُّرِ الْجَمَاعَةِ؟ فِيهِ تَرَدُّدٌ. انْتَهَى. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ: يُحَافِظُ عَلَى الصَّفِّ الْأَوَّلِ، وَإِنْ فَاتَتْهُ رَكْعَةٌ قَالَ: وَيُتَوَجَّهُ الْمُحَافَظَةُ عَلَى الرَّكْعَةِ مِنْ نَصِّهِ " يُسْرِعُ إلَى التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى " قَالَ: وَالْمُرَادُ مِنْ إطْلَاقِهِمْ إذَا لَمْ تَفُتْهُ الْجَمَاعَةُ مُطْلَقًا، وَإِلَّا حَافَظَ عَلَيْهَا، فَيُسْرِعُ لَهَا. انْتَهَى. الرَّابِعَةُ: الصَّفُّ الْأَوَّلُ وَيَمِينُ كُلِّ صَفٍّ لِلرِّجَالِ أَفْضَلُ قَالَ الْأَصْحَابُ: وَكُلَّمَا قَرُبَ مِنْ الْإِمَامِ فَهُوَ أَفْضَلُ، وَكَذَا قُرْبُ الْأَفْضَلِ وَالصَّفُّ مِنْهُ، وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيُتَوَجَّهُ احْتِمَالُ أَنَّ بُعْدَ يَمِينِهِ لَيْسَ أَفْضَلَ مِنْ قُرْبِ يَسَارِهِ قَالَ: وَلَعَلَّهُ مُرَادُهُمْ.
الْخَامِسَةُ: قَالَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ: الْأَفْضَلُ تَأْخِيرُ الْمَفْضُولِ وَالصَّلَاةُ مَكَانَهُ قَالَ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ: يُؤَخَّرُ الصِّبْيَانُ نَصَّ عَلَيْهِ (وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ) قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ فِي الْإِيثَارِ بِمَكَانِهِ، وَفِيمَنْ سَبَقَ إلَى مَكَان لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، وَصَرَّحَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ، مِنْهُمْ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ. قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ وَيَأْتِي ذَلِكَ أَيْضًا فِي بَابِ الْجَمَاعَةِ فِي الْمَوْقِفِ. السَّادِسَةُ: الصَّفُّ الْأَوَّلُ: هُوَ مَا يَقْطَعُهُ الْمِنْبَرُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. قَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ، وَالْمَرُّوذِيِّ، وَغَيْرِهِمَا: الْمِنْبَرُ لَا يَقْطَعُ الصَّفَّ، وَعَنْهُ الصَّفُّ الْأَوَّلُ: هُوَ الَّذِي يَلِي الْمِنْبَرَ وَلَمْ يَقْطَعْهُ. حَكَى هَذَا الْخِلَافَ كَثِيرٌ مِنْ الْأَصْحَابِ، وَقَالَ ابْنُ رَجَبٍ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ: الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ: أَنَّ الصَّفَّ الْأَوَّلَ هُوَ الَّذِي يَلِي الْمَقْصُورَةَ، وَمَا تَقْطَعُهُ الْمَقْصُورَةُ فَلَيْسَ بِأَوَّلٍ، نَقَلَهُ الْمَرُّوذِيُّ، وَأَبُو طَالِبٍ، وَابْنُ الْقَاسِمِ وَغَيْرُهُمْ، ثُمَّ قَالَ: وَرَجَّحَ كَثِيرٌ مِنْ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ الَّذِي يَلِي الْإِمَامَ بِكُلِّ حَالٍ قَالَ: وَلَمْ أَقِفْ عَلَى نَصٍّ لِأَحْمَدَ بِهِ. انْتَهَى. مَعَ أَنَّهُ اخْتَارَهُ. السَّابِعَةُ: لَيْسَ بَعْدَ الْإِقَامَةِ وَقَبْلَ التَّكْبِيرِ دُعَاءٌ مَسْنُونٌ نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَدْعُو بَيْنَهُمَا وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ. قَوْلُهُ (ثُمَّ يَقُولُ " اللَّهُ أَكْبَرُ " لَا يُجْزِئُهُ غَيْرُهَا) يَعْنِي لَا يُجْزِئُهُ غَيْرُ هَذَا اللَّفْظِ، وَيَكُونُ مُرَتَّبًا، وَهَذَا الْمَذْهَبُ بِلَا رَيْبٍ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَقِيلَ: يُجْزِئُهُ اللَّهُ الْأَكْبَرُ، وَاَللَّهُ الْأَعْظَمُ " جَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَجَزَمَ فِي الْحَاوِي الْكَبِيرِ بِالْإِجْزَاءِ فِي " اللَّهُ الْأَكْبَرُ " وَقِيلَ: يُجْزِئُهُ " الْأَكْبَرُ اللَّهُ، أَوْ الْكَبِيرُ اللَّهُ، أَوْ اللَّهُ الْكَبِيرُ " ذَكَرَهُمَا فِي الرِّعَايَةِ، وَقَالَ فِي التَّعْلِيقِ " أَكْبَرُ " كَالْكَبِيرِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ أَبْلَغَ إذَا قِيلَ: أَكْبَرُ مِنْ كَذَا، وَهَذَا لَا يَجُوزُ عَلَى اللَّهِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ.
تَنْبِيهٌ: مِنْ شَرْطِ الْإِتْيَانِ بِقَوْلِ " اللَّهُ أَكْبَرُ " أَنْ يَأْتِيَ بِهِ قَائِمًا، إنْ كَانَتْ الصَّلَاةُ فَرْضًا، وَكَانَ قَادِرًا عَلَى الْقِيَامِ فَلَوْ أَتَى بِبَعْضِهِ رَاكِعًا، أَوْ أَتَى بِهِ كُلِّهِ رَاكِعًا، أَوْ كَبَّرَ قَاعِدًا، أَوْ أَتَمَّهُ قَائِمًا: لَمْ تَنْعَقِدْ فَرْضًا، وَتَنْعَقِدُ نَفْلًا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: لَا تَنْعَقِدُ أَيْضًا، وَقِيلَ: لَا تَنْعَقِدُ مِمَّنْ كَمَّلَهَا رَاكِعًا فَقَطْ، وَأَطْلَقَهُنَّ ابْنُ تَمِيمٍ وَابْنُ حَمْدَانَ، فَعَلَى الْأَوَّلِ: يُدْرِكُ الرَّكْعَةَ إنْ كَانَ الْإِمَامُ فِي نَفْلٍ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْفُرُوعِ. وَيَأْتِي حُكْمُ مَا لَوْ كَبَّرَ لِلرُّكُوعِ أَوْ لِغَيْرِهِ، أَوْ سَمَّعَ أَوْ حَمِدَ قَبْلَ انْتِقَالِهِ، أَوْ كَمَّلَهُ بَعْدَ انْتِهَائِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ " ثُمَّ يَرْفَعُ يَدَيْهِ، وَيَرْكَعُ مُكَبِّرًا ". فَائِدَةٌ: لَوْ زَادَ عَلَى التَّكْبِيرِ، كَقَوْلِهِ " اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، أَوْ اللَّهُ أَكْبَرُ وَأَعْظَمُ، أَوْ وَأَجَلُّ " وَنَحْوِهِ كُرِهَ جَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ، وَابْنُ رَزِينٍ وَغَيْرُهُمْ: لَمْ يُسْتَحَبَّ نَصَّ عَلَيْهِ، وَكَذَا قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ، وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالزِّيَادَةُ عَلَى التَّكْبِيرِ، قِيلَ: يَجُوزُ. وَقِيلَ: يُكْرَهُ قَوْلُهُ (فَإِنْ لَمْ يُحْسِنْهَا لَزِمَهُ تَعَلُّمُهَا) بِلَا نِزَاعٍ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يَلْزَمُهُ تَعَلُّمُهَا فِي مَكَانِهِ أَوْ مَا قَرُبَ مِنْهُ فَقَطْ جَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ وَلَوْ كَانَ بَادِيًا بَعِيدًا فَيَقْصِدُ الْبَلَدَ لِتَعَلُّمِهَا فِيهِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ. قَوْلُهُ (فَإِنْ خَشِيَ فَوَاتَ الْوَقْتِ كَبَّرَ بِلُغَتِهِ) ، وَكَذَا إنْ عَجَزَ: وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ وَقَطَعَ بِهِ أَكْثَرُهُمْ، وَعَنْهُ لَا يُكَبِّرُ بِلُغَتِهِ. ذَكَرَهَا الْقَاضِي فِي التَّعْلِيقِ وَاخْتَارَهُ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ، نَقَلَهُ عَنْهُ الْقَاضِي أَبُو الْحُسَيْنِ. وَكَذَا حُكْمُ التَّسْبِيحِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَسُؤَالِ الْمَغْفِرَةِ وَالدُّعَاءِ، قَالَهُ فِي
الْقَاعِدَةَ الْعَاشِرَةَ، وَذَكَرَهُ فِي الْمُحَرَّرِ قَوْلًا، وَذَكَرَهُ الْآمِدِيُّ، وَابْنُ تَمِيمٍ وَجْهًا فَعَلَيْهِ: يَحْرُمُ بِلُغَتِهِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَقِيلَ: يَجِبُ تَحْرِيكُ لِسَانِهِ، وَعَلَى الْمَذْهَبِ لَوْ كَانَ يَعْرِفُ لُغَاتٍ، فَقَالَ فِي الْمُنَوِّرِ: يُقَدَّمُ السُّرْيَانِيُّ، ثُمَّ الْفَارِسِيُّ، ثُمَّ التُّرْكِيُّ، وَهَذَا الصَّحِيحُ عِنْدَ مَنْ ذَكَرَ الْخِلَافَ فِي ذَلِكَ، وَيُخَيَّرُ بَيْنَ التُّرْكِيِّ وَالْهِنْدِيِّ قَالَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ: فَإِنْ عَرَفَ لِسَانًا فَارِسِيًّا وَسُرْيَانِيًّا فَأَوْجَهُ. الثَّالِثُ: يُخَيَّرُ بَيْنَهُمَا، وَيُقَدَّمَانِ عَلَى التُّرْكِيِّ وَقِيلَ: يَتَخَيَّرُ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ، وَيُخَيَّرُ بَيْنَ التُّرْكِيِّ وَالْهِنْدِيِّ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، قُلْت: إنْ لَمْ يُقَدَّمَا عَلَيْهِ، وَأَطْلَقَهُنَّ ابْنُ تَمِيمٍ، وَقَالَ: ذَكَرَ ذَلِكَ كُلَّهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا. قُلْت: وَأَكْثَرُ الْأَصْحَابِ لَمْ يَذْكُرُوا ذَلِكَ، بَلْ أَطْلَقُوا فَيُجْزِيهِ التَّكْبِيرُ بِأَيِّ لُغَةٍ أَرَادَ. فَائِدَتَانِ. إحْدَاهُمَا: لَوْ كَانَ أَخْرَسَ أَوْ مَقْطُوعَ اللِّسَانِ كَبَّرَ بِقَلْبِهِ، وَلَا يُحَرِّكْ لِسَانَهُ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَلَوْ قِيلَ بِبُطْلَانِ الصَّلَاةِ بِذَلِكَ كَانَ أَقْوَى، وَقِيلَ: يَجِبُ تَحْرِيكُ لِسَانِهِ بِقَدْرِ الْوَاجِبِ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَجَزَمَ بِهِ فِي التَّلْخِيصِ، وَالْإِفَادَاتِ فَإِنْ عَجَزَ أَشَارَ بِقَلْبِهِ، وَكَذَا حُكْمُ الْقِرَاءَةِ وَالتَّسْبِيحِ وَنَحْوِهِ، وَقِيلَ: لَا يُحَرِّكُ لِسَانَهُ إلَّا فِي التَّكْبِيرِ فَقَطْ قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ، يَعْنِي بِهِ الْمُصَنِّفَ. الثَّانِيَةُ: الْحُكْمُ فِيمَنْ عَجَزَ عَنْ التَّعَلُّمِ بِالْعَرَبِيَّةِ فِي كُلِّ ذِكْرٍ مَفْرُوضٍ كَالتَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ وَالسَّلَامِ وَنَحْوِهِ كَالْحُكْمِ فِيمَنْ عَجَزَ عَنْ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ بِالْعَرَبِيَّةِ فَإِنَّهُ يَأْتِي بِهِ بِلُغَتِهِ، وَأَمَّا الْمُسْتَحَبُّ: فَلَا يُتَرْجِمُ عَنْهُ، فَإِنْ فَعَلَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ نَصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: إنْ لَمْ يُحْسِنْهُ بِالْعَرَبِيَّةِ أَتَى بِهِ بِلُغَتِهِ.
تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ (وَيَجْهَرُ الْإِمَامُ بِالتَّكْبِيرِ كُلِّهِ، وَيُسِرُّ غَيْرُهُ بِهِ) يَعْنِي يُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ الْجَهْرُ بِالتَّكْبِيرِ كُلِّهِ، وَيُكْرَهُ لِغَيْرِهِ الْجَهْرُ بِهِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ فَإِنْ كَانَ ثَمَّ حَاجَةٌ لَا يُكْرَهُ، بَلْ يُسْتَحَبُّ بِإِذْنِ الْإِمَامِ وَغَيْرِ إذْنِهِ وَبِالتَّحْمِيدِ. قَوْلُهُ (وَبِالْقِرَاءَةِ بِقَدْرِ مَا يُسْمِعُ نَفْسَهُ) يَعْنِي أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمُصَلِّي أَنْ يَجْهَرَ بِالْقِرَاءَةِ فِي صَلَاةِ السِّرِّ وَفِي التَّكْبِيرِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ بِقَدْرِ مَا يُسْمِعُ نَفْسَهُ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَقَطَعَ بِهِ أَكْثَرُهُمْ وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ الِاكْتِفَاءَ بِالْإِتْيَانِ بِالْحُرُوفِ، وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْهَا، وَذَكَرَهُ وَجْهًا فِي الْمَذْهَبِ قُلْت: وَالنَّفْسُ تَمِيلُ إلَيْهِ، وَاعْتَبَرَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ سَمَاعَ مَنْ بِقُرْبِهِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيُتَوَجَّهُ مِثْلُهُ فِي كُلِّ مَا يَتَعَلَّقُ بِالنُّطْقِ كَطَلَاقٍ وَغَيْرِهِ. قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ. تَنْبِيهٌ: مُرَادُهُ بِقَوْلِهِ " بِقَدْرِ مَا يُسْمِعُ نَفْسَهُ " إنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ مَانِعٌ، كَطَرَشٍ أَوْ أَصْوَاتٍ يَسْمَعُهَا تَمْنَعُهُ مِنْ سَمَاعِ نَفْسِهِ فَإِنْ كَانَ ثَمَّ مَانِعٌ أَتَى بِهِ، بِحَيْثُ يَحْصُلُ السَّمَاعُ مَعَ عَدَمِ الْمُعَارِضِ. قَوْلُهُ (وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ مَعَ ابْتِدَاءِ التَّكْبِيرِ) هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَعَنْهُ يَرْفَعُهَا قَبْلَ ابْتِدَاءِ التَّكْبِيرِ وَيُخْفِضُهُمَا بَعْدَهُ، وَقِيلَ: يَتَخَيَّرُ بَيْنَهُمَا قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ أَظْهَرُ قَوْلُهُ (مَمْدُودَةَ الْأَصَابِعِ، مَضْمُومًا بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ) هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَعَنْهُ مُفَرَّقَةً. فَائِدَةٌ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْتَقْبِلَ بِبُطُونِ أَصَابِعِ يَدَيْهِ الْقِبْلَةَ حَالَ التَّكْبِيرِ، عَلَى
الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَقِيلَ: قَائِمَةً حَالَ الرَّفْعِ وَالْحَطِّ، وَذَكَرَهُ فِي الْفُرُوعِ قَالَ النَّاظِمُ: وَلِلْبَيْتِ لَا لِلْأُذُنِ وَاجِهْ بِأَجْوَدَ قَوْلُهُ (إلَى حَذْوِ مَنْكِبَيْهِ وَإِلَى فُرُوعِ أُذُنَيْهِ) هَذَا إحْدَى الرِّوَايَاتِ، يَعْنِي أَنَّهُ يُخَيَّرُ. وَاخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْعُمْدَةِ، وَالْكَافِي، وَالْجَامِعِ الصَّغِيرِ، وَالشَّرْحِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالنَّظْمِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَابْنُ رَزِينٍ وَقَالَ: لَا خِلَافَ فِيهِ وَغَيْرُهُمْ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ أَشْهَرُ وَقَدَّمَهُ فِي التَّلْخِيصِ، وَعَنْهُ: يَرْفَعُهُمَا إلَى حَذْوِ مَنْكِبَيْهِ فَقَطْ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هُوَ الْمَشْهُورُ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالتَّسْهِيلِ، وَالْمَذْهَبِ الْأَحْمَدِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ، وَنَظْمِ النِّهَايَةِ، وَغَيْرِهِمْ وَقَدَّمَهُ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ، وَعَنْهُ إلَى فُرُوعِ أُذُنَيْهِ، اخْتَارَهَا الْخَلَّالُ، وَأَطْلَقَهُنَّ فِي الْمُذْهَبِ، وَعَنْهُ إلَى صَدْرِهِ، وَنَقَلَ أَبُو الْحَارِثِ: يُجَاوِزُ بِهِمَا أُذُنَيْهِ، وَقَالَ أَبُو حَفْصٍ: يَجْعَلُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، وَإِبْهَامَيْهِ عِنْدَ شَحْمَةِ أُذُنَيْهِ، وَقَالَهُ الْقَاضِي فِي التَّعْلِيقِ وَقَالَ: أَوْمَأَ إلَيْهِ أَحْمَدُ، وَقَالَ فِي الْحَاوِيَيْنِ: وَالْأَوْلَى أَنْ يُحَاذِيَ بِمَنْكِبَيْهِ كُوعَيْهِ، وَبِإِبْهَامَيْهِ شَحْمَتَيْ أُذُنَيْهِ، وَبِأَطْرَافِ أَصَابِعِهِ فُرُوعَ أُذُنَيْهِ. فَائِدَتَانِ إحْدَاهُمَا: قَالَ فِي الْفُرُوعِ، وَلَعَلَّ مُرَادَهُمْ: أَنْ تَكُونَا فِي حَالِ الرَّفْعِ مَكْشُوفَتَانِ فَإِنَّهُ أَفْضَلُ هُنَا وَفِي الدُّعَاءِ.
الثَّانِيَةُ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: رَفْعُ الْيَدَيْنِ إشَارَةٌ إلَى رَفْعِ الْحِجَابِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ كَمَا أَنَّ السَّبَّابَةَ إشَارَةٌ إلَى الْوَحْدَانِيَّةِ. قَوْلُهُ (ثُمَّ يَضَعُ كَفَّ يَدِهِ الْيُمْنَى عَلَى كُوعِ الْيُسْرَى) . هَذَا الْمَذْهَبُ نَصَّ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ، وَقَالَ فِي التَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ: ثُمَّ يُرْسِلُهُمَا، ثُمَّ يَضَعُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى. وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ: يَضَعُ بَعْضَ يَدِهِ عَلَى الْكَفِّ وَبَعْضَهَا عَلَى الذِّرَاعِ، وَجَزَمَ بِمِثْلِهِ الْقَاضِي فِي الْجَامِعِ، وَزَادَ: وَالرُّسْغِ وَالسَّاعِدِ قَالَ: وَيَقْبِضُ بِأَصَابِعِهِ عَلَى الرُّسْغِ، وَفَعَلَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ. فَائِدَةٌ: مَعْنَى ذَلِكَ: ذُلٌّ بَيْنَ يَدَيْ عِزٍّ، نَقَلَهُ أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى الرَّقِّيُّ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ. قَوْلُهُ (وَيَجْعَلُهُمَا تَحْتَ سُرَّتِهِ) هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَعَنْهُ يَجْعَلُهُمَا تَحْتَ صَدْرِهِ، وَعَنْهُ يُخَيَّرُ اخْتَارَهُ صَاحِبُ الْإِرْشَادِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَعَنْهُ يُرْسِلُهُمَا مُطْلَقًا إلَى جَانِبَيْهِ، وَعَنْهُ يُرْسِلُهُمَا فِي النَّفْلِ دُونَ الْفَرْضِ. زَادَ فِي الرِّعَايَةِ فِي الرِّوَايَةِ: الْجِنَازَةُ مَعَ النَّفْلِ، وَنُقِلَ عَنْ الْخَلَّالِ: أَنَّهُ أَرْسَلَ يَدَيْهِ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ. قَوْلُهُ (وَيَنْظُرُ إلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ) الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ النَّظَرَ إلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ مُسْتَحَبٌّ فِي جَمِيعِ حَالَاتِ الصَّلَاةِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَقَالَ الْقَاضِي وَتَبِعَهُ طَائِفَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ يَنْظُرُ إلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ، إلَّا حَالَ إشَارَتِهِ فِي التَّشَهُّدِ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ إلَى سَبَّابَتِهِ.
فَائِدَةٌ: الَّذِي يَظْهَرُ: أَنَّ مُرَادَ مَنْ أَطْلَقَ فِي هَذَا الْبَابِ: غَيْرُ صَلَاةِ الْخَوْفِ إذَا كَانَ الْعَدُوُّ فِي الْقِبْلَةِ فَإِنَّهُمْ لَا يَنْظُرُونَ إلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِمْ، وَإِنَّمَا يَنْظُرُونَ إلَى الْعَدُوِّ، وَكَذَا إذَا اشْتَدَّ الْخَوْفُ، أَوْ كَانَ خَائِفًا مِنْ سَيْلٍ، أَوْ سَبُعٍ، أَوْ فَوْتِ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، أَوْ ضَيَاعِ مَالِهِ، وَشِبْهِ ذَلِكَ مِمَّا يَحْصُلُ لَهُ بِهِ ضَرَرٌ إذَا نَظَرَ إلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ، فَإِنَّهُمْ لَا يَنْظُرُونَ فِي هَذِهِ الْحَالَاتِ إلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ، بَلْ لَا يُسْتَحَبُّ، وَلَوْ قِيلَ بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ لَكَانَ قَوِيًّا، بَلْ لَعَلَّهُ مُرَادُهُمْ، وَهَذَا فِي النَّظَرِ هُوَ الصَّوَابُ الَّذِي لَا يُعْدَلُ عَنْهُ فَإِنَّ فِعْلَ ذَلِكَ وَاجِبٌ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ، وَالنَّظَرَ إلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ مُسْتَحَبٌّ فَلَا يَتْرُكُ الْوَاجِبَ لِأَمْرٍ مُسْتَحَبٍّ، وَهُوَ وَاضِحٌ. قَوْلُهُ (ثُمَّ يَقُولُ: سُبْحَانَك اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك، وَتَبَارَكَ اسْمُك، وَتَعَالَى جَدُّك، وَلَا إلَهَ غَيْرُك) هَذَا الِاسْتِفْتَاحُ هُوَ الْمُسْتَحَبُّ عِنْدَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَجُمْهُورِ أَصْحَابِهِ وَقَطَعَ بِهِ أَكْثَرُهُمْ، وَاخْتَارَ الْآجُرِّيُّ الِاسْتِفْتَاحَ بِخَبَرِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كُلِّهِ، وَهُوَ وَجَّهْتُ وَجْهِي إلَى آخِرِهِ " وَاخْتَارَ ابْنُ هُبَيْرَةَ وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ جَمْعَهُمَا وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أَيْضًا: أَنَّهُ يَقُولُ هَذَا تَارَةً وَهَذَا أُخْرَى. قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ، جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ. قَوْلُهُ (ثُمَّ يَقُولُ: أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) ، وَكَيْفَمَا تَعَوَّذَ مِنْ الْوَارِدِ كَانَ لَكِنَّ أَكْثَرَ الْأَصْحَابِ عَلَى أَنَّهُ يَسْتَعِيذُ، كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَعَنْهُ يَقُولُ مَعَ ذَلِكَ " إنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ " اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ فِي التَّنْبِيهِ، وَالْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَعَنْهُ يَقُولُ " أَعُوذُ بِاَللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ " جَزَمَ بِهِ فِي
الْبُلْغَةِ، وَالْمُحَرَّرِ وَقَدَّمَهُ فِي التَّلْخِيصِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْفَائِقِ. وَعَنْهُ يَزِيدُ مَعَهُ إنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ " جَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى. قَوْلُهُ (ثُمَّ يَقُولُ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَلَيْسَتْ مِنْ الْفَاتِحَةِ) وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَنَصَّ عَلَيْهِ قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ: هِيَ الْمَنْصُورَةُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا، وَعَنْهُ أَنَّهَا مِنْ الْفَاتِحَةِ. اخْتَارَهَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ بَطَّةَ، وَأَبُو حَفْصٍ الْعُكْبَرِيُّ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالْكَافِي فَعَلَى الْمَذْهَبِ: هِيَ قُرْآنٌ، وَهِيَ آيَةٌ فَاصِلَةٌ بَيْنَ كُلِّ سُورَتَيْنِ سِوَى بَرَاءَةٍ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ، وَفِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ إشْعَارٌ بِذَلِكَ، لِقَوْلِهِ: " ثُمَّ يَقْرَأُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ". وَعَنْهُ لَيْسَتْ قُرْآنًا مُطْلَقًا، بَلْ هِيَ ذِكْرٌ، قَالَ ابْنُ رَجَبٍ فِي تَفْسِيرِ الْفَاتِحَةِ: وَفِي ثُبُوتِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ عَنْ أَحْمَدَ نَظَرٌ. فَائِدَةٌ. لَيْسَتْ الْبَسْمَلَةُ آيَةً مِنْ أَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ سِوَى الْفَاتِحَةِ بِلَا نِزَاعٍ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُ: وَلَا خِلَافَ عَنْهُ نَعْلَمُهُ أَنَّهَا لَيْسَتْ آيَةً مِنْ أَوَّلِ سُورَةٍ إلَّا فِي الْفَاتِحَةِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَغَيْرُهُمْ. تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ قَوْلِهِ (وَلَا يَجْهَرُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ) أَنَّهُ لَا يَجْهَرُ بِالْبَسْمَلَةِ سَوَاءٌ قُلْنَا هِيَ مِنْ الْفَاتِحَةِ أَوْ لَا، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَصَرَّحَ بِهِ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَقَالَ: الرِّوَايَةُ لَا تَخْتَلِفُ فِي تَرْكِ الْجَهْرِ، وَإِنْ قُلْنَا هِيَ مِنْ الْفَاتِحَةِ. وَصَرَّحَ بِهِ ابْنُ حَمْدَانَ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ الْجَوْزِيِّ [وَصَاحِبُ التَّلْخِيصِ] وَالزَّرْكَشِيُّ، وَغَيْرُهُمْ وَقَدَّمُوهُ، وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ. فَيُعَايَى بِهَا
وَحَكَى ابْنُ حَامِدٍ وَأَبُو الْخَطَّابِ وَجْهًا فِي الْجَهْرِ بِهَا، إنْ قُلْنَا هِيَ مِنْ الْفَاتِحَةِ، وَذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي إشَارَاتِهِ، وَعَنْهُ أَنَّهُ يَجْهَرُ بِهَا وَعَنْهُ: أَنَّهُ يَجْهَرُ بِهَا فِي الْمَدِينَةِ، عَلَى سَاكِنِهَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ، وَعَنْهُ يَجْهَرُ بِهَا فِي النَّفْلِ فَقَطْ، وَقَالَهُ الْقَاضِي أَيْضًا. وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: أَنَّهُ يَجْهَرُ بِهَا وَبِالتَّعَوُّذِ وَالْفَاتِحَةِ فِي الْجِنَازَةِ وَنَحْوِهَا أَحْيَانَا، وَقَالَ: هُوَ الْمَنْصُوصُ، تَعْلِيمًا لِلسُّنَّةِ وَقَالَ: يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ لِلتَّأْلِيفِ كَمَا اسْتَحَبَّ الْإِمَامُ أَحْمَدُ تَرْكَ الْقُنُوتِ فِي الْوِتْرِ تَأْلِيفًا لِلْمَأْمُومِ. فَائِدَةٌ: يُخَيَّرُ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ فِي الْجَهْرِ بِهَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ قَالَ الْقَاضِي: كَالْقِرَاءَةِ وَالتَّعَوُّذِ، وَعَنْهُ يَجْهَرُ، وَعَنْهُ لَا يَجْهَرُ، وَيَأْتِي إذَا عَطَسَ فَقَالَ " الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ " أَوْ قَالَ عِنْدَ رَفْعِ رَأْسِهِ مِنْ الرُّكُوعِ " رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ " يَنْوِي بِذَلِكَ الْعَطْسَةَ، وَالْقِرَاءَةَ، أَوْ الذِّكْرَ، عِنْدَ قَوْلِهِ " فَإِذَا قَامَ قَالَ: رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ ". تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ (ثُمَّ يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ. وَفِيهَا إحْدَى عَشْرَةَ تَشْدِيدَةً) يَأْتِي: هَلْ تَتَعَيَّنُ الْفَاتِحَةُ أَمْ لَا؟ قَوْلُهُ (فَإِنْ تَرَكَ تَرْتِيبَهَا) لَزِمَهُ اسْتِئْنَافُهَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ تَرْتِيبَ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ رُكْنٌ تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِتَرْكِهِ مُطْلَقًا، وَعَلَيْهِ جَمَاعَةُ الْأَصْحَابِ وَقَطَعَ بِهِ أَكْثَرُهُمْ، وَقِيَاسُ: يُتَسَامَحُ إذَا تَرَكَ تَرْتِيبَهَا سَهْوًا قَوْلُهُ (أَوْ تَشْدِيدَةً مِنْهَا) يَعْنِي إذَا تَرَكَ تَشْدِيدَةً مِنْهَا (لَزِمَهُ اسْتِئْنَافُهَا) وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَقَطَعَ بِهِ أَكْثَرُهُمْ، وَقَالَ الْقَاضِي فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ: إنْ تَرَكَ التَّشْدِيدَ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ. وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ: لَا خِلَافَ فِي صِحَّتِهَا مَعَ تَلْيِينِهِ، أَوْ إظْهَارِ الْمُدْغَمِ
قَالَ فِي الْكَافِي: وَإِنْ خَفَّفَ الشَّدَّةَ صَحَّ؛ لِأَنَّهُ كَالنُّطْقِ بِهِ، مَعَ الْعَجَلَةِ، وَهُوَ قَوْلٌ فِي الْفُرُوعِ غَيْرُ قَوْلِ تَرْكِ التَّشْدِيدِ. تَنْبِيهَانِ. أَحَدُهُمَا: مَفْهُومُ قَوْلِهِ (أَوْ قَطَعَهَا بِذِكْرٍ كَثِيرٍ، أَوْ سُكُوتٍ طَوِيلٍ، لَزِمَهُ اسْتِئْنَافُهَا) أَنَّهُ إذَا كَانَ يَسِيرًا لَا يَلْزَمُهُ اسْتِئْنَافُهَا، وَهُوَ صَحِيحٌ وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ. وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ أَيْضًا اخْتَارَهُ الْقَاضِي فِي الْعُمَدِ. الثَّانِي: مَحَلُّ قَوْلِهِ أَوْ قَطَعَهَا بِذِكْرٍ كَثِيرٍ أَوْ سُكُوتٍ طَوِيلٍ إذَا كَانَ عَمْدًا فَلَوْ كَانَ سَهْوًا عُفِيَ عَنْهُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي وَغَيْرِهِ. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: لَوْ سَكَتَ كَثِيرًا نَسِيَانَا أَوْ نَوْمًا، أَوْ انْتَقَلَ إلَى غَيْرِهَا غَلَطًا فَطَالَ بَنَى عَلَى مَا قَرَأَ مِنْهَا. وَقِيلَ: لَا يُعْفَى عَنْ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ. قُلْت: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ مُنَجَّى فِي شَرْحِهِ فِيمَا إذَا كَانَ عَنْ غَفْلَةٍ، أَوْ أُرْتِجَ عَلَيْهِ، وَمَحَلُّ ذَلِكَ أَيْضًا: أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مَشْرُوعٍ فَلَوْ كَانَ الْقَطْعُ أَوْ السُّكُوتُ مَشْرُوعًا، كَالتَّأْمِينِ، وَسُجُودِ التِّلَاوَةِ، وَالتَّسْبِيحِ لِلتَّنْبِيهِ وَنَحْوِهِ، أَوْ لِاسْتِمَاعِ قِرَاءَةِ الْإِمَامِ: لَمْ يُعْتَبَرْ ذَلِكَ، وَإِنْ طَالَ. وَيَأْتِي التَّنْبِيهُ عَلَى هَذَا الْأَخِيرِ عِنْدَ قَوْلِهِ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ فِي سَكَتَاتٍ لِلْإِمَامِ وَلَا تَبْطُلُ بِنِيَّةِ قَطْعِهَا مُطْلَقًا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَقِيلَ: تَبْطُلُ إذَا سَكَتَ. وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي. قَوْلُهُ (فَإِذَا قَالَ وَلَا الضَّالِّينَ قَالَ: آمِينَ) فِي مَحَلِّ قَوْلِ الْمَأْمُومِ آمِينَ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا: يَقُولُهُ الْإِمَامُ وَالْمَأْمُومُ مَعًا، قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي، وَالْكَافِي، وَالْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ
وَالشَّارِحُ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ عَلَى مَا اصْطَلَحْنَاهُ فِي الْخُطْبَةِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَقُولُهُ بَعْدَ الْإِمَامِ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْحَوَاشِي، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ. قُلْت: وَهُوَ الْأَظْهَرُ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ قَوْلُهُ (يَجْهَرُ بِهَا الْإِمَامُ وَالْمَأْمُومُ) هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، وَعَنْهُ تَرْكُ الْجَهْرِ. فَائِدَةٌ: لَوْ تَرَكَ الْإِمَامُ التَّأْمِينَ أَتَى بِهِ الْمَأْمُومُ جَهْرًا لِيُذَكِّرَهُ، وَكَذَا لَوْ أَسَرَّهُ الْإِمَامُ جَهَرَ بِهِ الْمَأْمُومُ. قَوْلُهُ (فَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ الْفَاتِحَةَ وَضَاقَ الْوَقْتُ عَنْ تَعَلُّمِهَا قَرَأَ قَدْرَهَا فِي عَدَدِ الْحُرُوفِ) هَذَا أَحَدُ الْوُجُوهِ قَدَّمَهُ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْهَادِي، وَالتَّلْخِيصِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ، وَأَنْكَرَ بَعْضُهُمْ هَذَا الْوَجْهَ، وَعَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ ضَعَّفَهُ، وَقِيلَ: يَقْرَأُ قَدْرَهَا فِي عَدَدِ الْحُرُوفِ وَالْآيَاتِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ. قَالَ الشَّارِحُ: وَهُوَ أَظْهَرُ وَصَحَّحَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ وَتَصْحِيحِ الْمُحَرَّرِ وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالنَّظْمِ. (وَقِيلَ: يَقْرَأُ قَدْرَهَا فِي عَدَدِ الْآيَاتِ مِنْ غَيْرِهَا) قَدَّمَهُ فِي مَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَأَطْلَقَهُ هُوَ وَالْأَوَّلُ فِي الْمُذْهَبِ، وَأَطْلَقَ هَذَا وَاَلَّذِي قَبْلَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالْكَافِي، وَالْمُغْنِي، وَالْمُحَرَّرِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالْفَائِقِ، وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الْمُقْنِعِ: قَرَأَ قَدْرَهَا فِي عَدَدِ الْآيَاتِ مِنْ غَيْرِهَا، وَفِي عَدَدِ الْحُرُوفِ وَجْهَانِ
وَقِيلَ: يَقْرَأُ بِعَدَدِ حُرُوفِهَا وَآيَاتِهَا جَزَمَ بِهِ فِي الْإِفَادَاتِ وَاخْتَارَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَقِيلَ: يُجْزِئُ آيَةٌ. تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ قَوْلِهِ قَرَأَ قَدْرَهَا إذَا ضَاقَ الْوَقْتُ عَنْ تَعَلُّمِهَا أَنَّهُ يَسْقُطُ تَعَلُّمُهَا إذَا خَافَ فَوَاتَ الْوَقْتِ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، وَقَالَ الشِّيرَازِيُّ: لَا يَسْقُطُ تَعَلُّمُهَا لِخَوْفِ فَوَاتِ الْوَقْتِ، وَلَا يُصَلِّي بِغَيْرِهَا، إلَّا أَنْ يَطُولَ زَمَنُ ذَلِكَ. قَوْلُهُ (فَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ إلَّا آيَةً كَرَّرَهَا بِقَدْرِهَا) عَلَى الْخِلَافِ الْمُتَقَدِّمِ. وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ، سَوَاءٌ كَانَتْ الْآيَةُ مِنْ الْفَاتِحَةِ أَوْ مِنْ غَيْرِهَا، وَيَحْتَمِلُهُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ، وَعَنْهُ يُجْزِئُ قِرَاءَتُهَا مِنْ غَيْرِ تَكْرَارٍ اخْتَارَهَا ابْنُ أَبِي مُوسَى، وَقِيلَ: يَقْرَأُ الْآيَةَ، وَيَأْتِي بِقَدْرِ بَقِيَّةِ الْفَاتِحَةِ مِنْ الذِّكْرِ، وَقَالَ ابْنُ مُنَجَّى فِي شَرْحِهِ: يَحْتَمِلُ قَوْلُهُ فَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ إلَّا آيَةً أَنْ تَكُونَ مِنْ الْفَاتِحَةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ مِنْ غَيْرِهَا، وَمَا قُلْنَاهُ مِنْ الِاحْتِمَالِ الْأَوَّلِ: أَعَمُّ وَأَوْلَى. فَائِدَةٌ: لَوْ كَانَ يُحْسِنُ آيَةً مِنْ الْفَاتِحَةِ وَشَيْئًا مِنْ غَيْرِهَا، فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يُكَرِّرُ الْآيَةَ الَّتِي مِنْ الْفَاتِحَةِ بِقَدْرِهَا، وَقِيلَ: يَقْرَأُ الْآيَةَ وَالشَّيْءَ الَّذِي مِنْ غَيْرِهَا مِنْ غَيْرِ تَكْرَارٍ، إنْ كَانَ قَدْرَ الْفَاتِحَةِ، وَإِلَّا كَرَّرَ بِقَدْرِهَا. لَكِنْ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: إنْ كَانَ الَّذِي يُحْسِنُهُ مِنْ آخِرِ الْفَاتِحَةِ، فَلْيَجْعَلْ قِرَاءَتَهُ أَخِيرًا، وَأَطْلَقَهُمَا الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَابْنُ تَمِيمٍ. تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَكَلَامِ غَيْرِهِ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ يُحْسِنُ بَعْضَ آيَةٍ: أَنَّهُ لَا يُكَرِّرُهَا، وَهُوَ صَحِيحٌ، جَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّارِحُ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَغَيْرُهُمْ وَقِيلَ: هُوَ كَالْآيَةِ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَقِيلَ: إنْ عَرَفَ بَعْضَ آيَةٍ لَا يَلْزَمُهُ تَكْرَارٌ فَظَاهِرُهُ: أَنَّ الْمُقَدَّمَ خِلَافُ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ (فَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُتَرْجِمَ عَنْهُ بِلُغَةٍ أُخْرَى) هُوَ الْمَذْهَبُ نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ وَقَطَعَ بِهِ أَكْثَرُهُمْ. وَقِيلَ: يَجُوزُ التَّرْجَمَةُ عَنْهُ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ، إذَا لَمْ يُحْسِنْ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ قَوْلُهُ (وَلَزِمَهُ أَنْ يَقُولَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَاَللَّهُ أَكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ) وَكَذَا قَالَ فِي الْكَافِي وَالْهَادِي. وَافَقَ الْمُصَنِّفُ هُنَا عَلَى زِيَادَةِ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ صَاحِبَ الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمَذْهَبِ الْأَحْمَدِ وَالتَّلْخِيصِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالنَّظْمِ، وَالْوَجِيزِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَزَادَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالْبُلْغَةِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ، وَاَلَّذِي قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ: أَنَّهُ لَا يَقُولُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ. فِي تَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْفَائِقِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ عَلَى مَا اصْطَلَحْنَاهُ فِي الْخُطْبَةِ، وَعَنْهُ يُكَرِّرُ هَذَا بِقَدْرِ الْفَاتِحَةِ، أَوْ يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ شَيْئًا مِنْ الثَّنَاءِ وَالذِّكْرِ بِقَدْرِ الْفَاتِحَةِ، وَذَكَرَهُ فِي الْحَاوِي الْكَبِيرِ عَنْ بَعْضِ الْأَصْحَابِ. وَقَطَعَ بِهِ الصَّرْصَرِيُّ فِي زَوَائِدِ الْكَافِي قَالَ فِي الْمُذْهَبِ: لَزِمَهُ أَنْ يَقُولَ سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَاَللَّهُ أَكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ وَيُكَرِّرَهُ، أَوْ يُضِيفَ إلَيْهِ ذِكْرًا آخَرَ حَتَّى يَصِيرَ بِقَدْرِ الْفَاتِحَةِ [قَالَ فِي مَسْبُوكِ الذَّهَبِ: وَيُكَرِّرُهُ بِقَدْرِ الْفَاتِحَةِ] وَمَا قَالَهُ فِي الْمُذْهَبِ: هُوَ قَوْلُ ابْنِ عَقِيلٍ، وَقَالَ الْقَاضِي: يَأْتِي بِالذِّكْرِ الْمَذْكُورِ، وَيَزِيدُ كَلِمَتَيْنِ مِنْ أَيِّ ذِكْرٍ شَاءَ لِيَكُونَ سَبْعًا، وَقَالَ الْحَلْوَانِيُّ: يُحَمِّدُ وَيُكَبِّرُ، وَقَالَ ابْنُهُ فِي تَبْصِرَتِهِ يُسَبِّحُ وَنَقَلَهُ صَالِحٌ وَغَيْرُهُ
وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ يُسَبِّحُ وَيُكَبِّرُ وَنَقَلَ الْمَيْمُونِيُّ يُسَبِّحُ وَيُكَبِّرُ وَيُهَلِّلُ وَنَقَلَ عَبْدُ اللَّهِ يُحَمِّدُ وَيُكَبِّرُ وَيُهَلِّلُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَاحْتَجَّ أَحْمَدُ بِخَبَرِ رِفَاعَةَ فَدَلَّ أَنَّهُ لَا يَعْتَبِرُ الْكُلَّ رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَلَا شَيْءَ مُعَيَّنٌ. قَوْلُهُ (فَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ إلَّا بَعْضَ ذَلِكَ كَرَّرَهُ بِقَدْرِهِ) يَعْنِي بِقَدْرِ الذِّكْرِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ وَقِيلَ: يُكَرِّرُهُ بِقَدْرِ الْفَاتِحَةِ، ذَكَرَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: فَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ إلَّا بَعْضَ ذَلِكَ كَرَّرَهُ بِقَدْرِهِ، وَفِيهِ وَجْهٌ يُجْزِيهِ التَّحْمِيدُ وَالتَّهْلِيلُ وَالتَّكْبِيرُ. قَوْلُهُ (فَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ شَيْئًا مِنْ الذِّكْرِ وَقَفَ بِقَدْرِ الْقِرَاءَةِ) كَالْأَخْرَسِ، وَهَذَا بِلَا نِزَاعٍ فِي الْمَذْهَبِ أَعْلَمُهُ، لَكِنْ يَلْزَمُ مَنْ لَا يُحْسِنُ الْفَاتِحَةَ، وَالْأَخْرَسَ: الصَّلَاةُ خَلْفَ قَارِئٍ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلَا مَعَ الْقُدْرَةِ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُمَا فِي وَجْهٍ وَجَزَمَ بِهِ النَّاظِمُ، قُلْت: فَيُعَايَى بِهَا وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: خِلَافُ ذَلِكَ، عَلَى مَا يَأْتِي فِي الْإِمَامَةِ، وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيُتَوَجَّهُ عَلَى الْأَشْهَرِ يَلْزَمُ غَيْرَ حَافِظٍ أَنْ يَقْرَأَ فِي الْمُصْحَفِ. تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ تَحْرِيكُ لِسَانِهِ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَأَوْجَبَهُ الْقَاضِي،
قَالَ ابْنُ رَجَبٍ فِي الْقَاعِدَةِ الثَّامِنَةِ: وَهُوَ بَعِيدٌ جِدًّا. انْتَهَى، وَهُوَ كَمَا قَالَ. بَلْ لَوْ قِيلَ بِبُطْلَانِ الصَّلَاةِ بِذَلِكَ إذَا كَبَّرَ لَكَانَ مُتَّجَهًا فَإِنَّ هَذَا كَالْعَبْدِ. وَتَقَدَّمَ نَظِيرُ ذَلِكَ لِلشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ فِي تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ، وَتَقَدَّمَ حُكْمُ الْأَخْرَسِ وَمَقْطُوعِ اللِّسَانِ هُنَاكَ. قَوْلُهُ (ثُمَّ يَقْرَأُ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ سُورَةً تَكُونُ فِي الصُّبْحِ مِنْ طُوَالِ الْمُفَصَّلِ، وَفِي الْمَغْرِبِ مِنْ قِصَارِهِ) بِلَا نِزَاعٍ، وَيَأْتِي حُكْمُ السُّورَةِ فِي ذِكْرِ السُّنَنِ، وَأَوَّلُ الْمُفَصَّلِ: مِنْ سُورَةِ (ق) عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ، وَصَحَّحَهُ الزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُنُونِ: أَوَّلُهُنَّ (الْحُجُرَاتُ) وَقَالَ ابْنُ أَبِي الْفَتْحِ فِي الْمَطْلَعِ: لِلْعُلَمَاءِ فِي الْمُفَصَّلِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ. فَذَكَرَ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ، وَالثَّالِثُ: مِنْ أَوَّلِ الْفَتْحِ وَالرَّابِعُ: مِنْ أَوَّلِ الْقِتَالِ وَصَحَّحَهُ وَلَدُ صَاحِبِ التَّلْخِيصِ، وَذَكَرَهُنَّ الزَّرْكَشِيُّ، وَزَادَ فِي الْآدَابِ قَوْلَيْنِ، وَهُمَا: وَقِيلَ مِنْ {هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ} [الإنسان: 1] وَقِيلَ مِنْ {وَالضُّحَى} [الضحى: 1] قَوْلُهُ (وَفِي الْبَاقِي مِنْ أَوْسَاطِهِ) وَهُوَ الْمَذْهَبُ وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ، وَنَقَلَ حَرْبٌ فِي الْعَصْرِ نِصْفَ الظُّهْرِ وَاخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَغَيْرِهِمْ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَغَيْرِهِمْ: يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ أَكْثَرَ مِنْ الْعَصْرِ، وَذَكَرَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى مَا اخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ قَوْلًا غَيْرَ هَذَا فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَا قَالَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِيَيْنِ وَغَيْرِهِمْ مُرَادَ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ: وَيَكُونَ بَيَانًا لَهُ. تَنْبِيهٌ: مُرَادُ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ أَطْلَقَ إذَا لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ فَإِنْ كَانَ ثَمَّ عُذْرٌ:
لَمْ تُكْرَهْ الصَّلَاةُ بِأَقْصَرَ مِنْ ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ الْمَرِيضُ وَالْمُسَافِرُ وَنَحْوُهُمَا، بَلْ اسْتَحَبَّهُ الْقَاضِي فِي الْجَامِعِ. فَائِدَةٌ: لَوْ خَالَفَ ذَلِكَ بِلَا عُذْرٍ كُرِهَ بِقِصَارِ الْمُفَصَّلِ فِي الْفَجْرِ، وَلِمَا يُكْرَهُ بِطُوَالِهِ فِي الْمَغْرِبِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ نَصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: يُكْرَهُ مُطْلَقًا قَالَ فِي الْحَوَاشِي: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ غَيْرِ وَاحِدٍ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي الْوَاضِحِ فِي الْمَغْرِبِ، وَقِيلَ: لَا يُكْرَهُ مُطْلَقًا قَالَ الشَّارِحُ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ، وَيَأْتِي فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي بَابِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ اسْتِحْبَابُ تَطْوِيلِ الرَّكْعَةِ الْأُولَى أَكْثَرَ مِنْ الثَّانِيَةِ. تَنْبِيهٌ: مَفْهُومُ قَوْلِهِ (وَيَجْهَرُ الْإِمَامُ بِالْقِرَاءَةِ فِي الصُّبْحِ وَالْأُولَيَيْنِ مِنْ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ) أَنَّ الْمَأْمُومَ لَا يَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ. وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ وَحُكِيَ قَوْلٌ بِالْجَهْرِ. قُلْت: وَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا لَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ، وَلَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ. فَوَائِدُ. مِنْهَا: الْمُنْفَرِدُ وَالْقَائِمُ لِقَضَاءِ مَا فَاتَهُ مَعَ الْإِمَامِ، يُخَيَّرُ بَيْنَ الْجَهْرِ وَالْإِخْفَاتِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَنَقَلَ الْأَثْرَمُ وَغَيْرُهُ: يُخَيَّرُ، وَتَرْكُهُ أَفْضَلُ قَالَ النَّاظِمُ: هَذَا أَقْوَى: وَكَذَا قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هَذَا الْمَذْهَبُ، وَقِيلَ: يَجْهَرُ فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ، ذَكَرَهُ فِي الْحَاوِي وَغَيْرِهِ، وَعَنْهُ يُسَنُّ الْجَهْرُ، وَقِيلَ: يُكْرَهُ، وَقَالَهُ الْقَاضِي فِي مَوْضِعٍ. قُلْت: الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ مَحَلَّ هَذَا الْخِلَافِ فِي قَضَاءِ مَا فَاتَهُ، عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ مَا يُدْرِكُهُ مَعَ الْإِمَامِ آخِرُ صَلَاتِهِ، وَمَا يَقْضِيهِ أَوَّلُهَا فَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ مَا يَقْضِيهِ آخِرُهَا، فَإِنَّهُ يُسِرُّ قَوْلًا وَاحِدًا، عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ فِي الْفَوَائِدِ هُنَاكَ. وَمِنْهَا: لَا تَجْهَرُ الْمَرْأَةُ، وَلَوْ لَمْ يَسْمَعْ صَوْتَهَا أَجْنَبِيٌّ، بَلْ يَحْرُمُ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ لَا تَرْفَعُ صَوْتَهَا قَالَ الْقَاضِي: أَطْلَقَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ الْمَنْعَ قَالَ فِي الْحَاوِي: وَتُسِرُّ
بِالْقِرَاءَةِ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ وَغَيْرِهِ، وَقَالَ فِي الْكُبْرَى، فِي أَوَاخِرِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ: وَتَجْهَرُ الْمَرْأَةُ فِي الْجَهْرِ مَعَ الْمَحَارِمِ وَالنِّسَاءِ. انْتَهَى. وَقِيلَ: تَجْهَرُ إذَا لَمْ يَسْمَعْ صَوْتَهَا أَجْنَبِيٌّ وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَأَطْلَقَ التَّحْرِيمَ وَعَدَمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: تَجْهَرُ إنْ صَلَّتْ بِنِسَاءٍ، وَلَا تَجْهَرُ إنْ صَلَّتْ وَحْدَهَا. وَمِنْهَا: حُكْمُ الْخُنْثَى فِي ذَلِكَ حُكْمُ الْمَرْأَةِ، قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. وَمِنْهَا: يُكْرَهُ جَهْرُهُ نَهَارًا فِي صَلَاةِ النَّفْلِ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ، وَيُخَيَّرُ لَيْلًا قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْحَوَاشِي، زَادَ بَعْضُهُمْ: نَفْلٌ لَا تُسَنُّ لَهُ الْجَمَاعَةُ وَاخْتَارَهُ ابْنُ حَمْدَانَ، وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ، فِي صَلَاةِ التَّطَوُّعِ: وَيُكْرَهُ الْجَهْرُ نَهَارًا فِي الْأَصَحِّ قَالَ أَحْمَدُ: لَا يَرْفَعُ لَيْلًا، يُرَاعَى الْمَصْلَحَةَ. وَمِنْهَا: لَوْ قَضَى صَلَاةَ سِرٍّ لَمْ يَجْهَرْ فِيهَا، سَوَاءٌ قَضَاهَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا. وَإِنْ قَضَى صَلَاةَ جَهْرٍ فِي جَمَاعَةٍ لَيْلًا جَهَرَ فِيهَا، لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، وَإِنْ قَضَاهَا نَهَارًا لَمْ يَجْهَرْ فِيهَا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ جَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي، وَالْمَجْدُ وَصَحَّحَهُ النَّاظِمُ إذَا صَلَّاهَا جَمَاعَةً، وَقِيلَ: يَجْهَرُ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ. وَقِيلَ: يُخَيَّرُ قَالَ الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَأَطْلَقَهُنَّ فِي الشَّرْحِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَفِي الْمُنْفَرِدِ الَّذِي يَقْضِي: الْخِلَافُ، قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ. وَمِنْهَا: لَوْ نَسِيَ الْجَهْرَ فِي الصَّلَاةِ الْجَهْرِيَّةِ فَأَسَرَّ، ثُمَّ ذَكَرَ جَهَرَ، وَبَنَى عَلَى مَا أَسَرَّهُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَنْهُ يَبْتَدِئُ الْقِرَاءَةَ، سَوَاءٌ كَانَ قَدْ فَرَغَ مِنْهَا أَوْ لَا، وَأَمَّا إذَا نَسِيَ الْإِسْرَارَ فِي صَلَاةِ السِّرِّ فَجَهَرَ ثُمَّ ذَكَرَ، فَإِنَّهُ يَبْنِي عَلَى قِرَاءَتِهِ، قَوْلًا وَاحِدًا، وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا الشَّارِحُ وَغَيْرُهُ
وَمِنْهَا: قَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ فِي حَوَاشِي الْفُرُوعِ: الْأَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ هُنَا بِالنَّهَارِ: مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ، لَا مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَبِاللَّيْلِ: مِنْ غُرُوبِ الشَّمْسِ إلَى طُلُوعِهَا. وَقَوْلُهُ (وَإِنْ قَرَأَ بِقِرَاءَةٍ تَخْرُجُ عَنْ مُصْحَفِ عُثْمَانَ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ) وَتَحْرُمُ؛ لِعَدَمِ تَوَاتُرِهِ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ، وَغَيْرِهِمْ وَقَدَّمَهُ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْخُلَاصَةِ وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَعَنْهُ يُكْرَهُ، وَتَصِحُّ إذَا صَحَّ سَنَدُهُ؛ لِصَلَاةِ الصَّحَابَةِ بَعْضِهِمْ خَلْفَ بَعْضٍ وَاخْتَارَهَا ابْنُ الْجَوْزِيِّ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَقَالَ: هِيَ أَنَصُّ الرِّوَايَتَيْنِ، وَقَالَ وَقَوْلُ أَئِمَّةِ السَّلَفِ وَغَيْرِهِمْ: مُصْحَفُ عُثْمَانَ أَحَدُ الْحُرُوفِ السَّبْعَةِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفَائِقِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالنَّظْمِ، وَالْفُرُوعِ وَاخْتَارَ الْمَجْدُ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ عَنْ رُكْنِ الْقِرَاءَةِ، وَلَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِهِ وَاخْتَارَهُ فِي الْحَاوِي الْكَبِيرِ. تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: صِحَّةُ الصَّلَاةِ فِيمَا فِي مُصْحَفِ عُثْمَانَ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ الْعَشَرَةِ أَوْ مِنْ غَيْرِهَا، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ الْمَنْصُوصُ عَنْهُ وَقَطَعَ بِهِ الْأَكْثَرُ، وَعَنْهُ لَا يَصِحُّ مَا لَمْ يَتَوَاتَرْ، حَكَاهَا فِي الرِّعَايَةِ. فَائِدَةٌ: اخْتَارَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ قِرَاءَةَ نَافِعٍ مِنْ رِوَايَةِ إسْمَاعِيلِ بْنِ جَعْفَرٍ، وَعَنْهُ قِرَاءَةُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ سَوَاءٌ، قَالَ: إنَّهَا لَيْسَ فِيهَا مَدٌّ وَلَا هَمْزٌ، كَأَبِي جَعْفَرٍ يَزِيدَ بْنِ الْقَعْقَاعِ، وَشَيْبَةَ، وَمُسْلِمٍ، وَقَرَأَ نَافِعٌ عَلَيْهِمْ ثَمَّ قِرَاءَةَ عَاصِمٍ، نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ؛ لِأَنَّهُ قَرَأَ عَلَى أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، وَقَرَأَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَلَى عُثْمَانَ، وَعَلِيٍّ، وَزَيْدٍ وَأُبَيُّ بْنِ كَعْبٍ، وَابْنِ مَسْعُودٍ
وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ: أَنَّهُ اخْتَارَهَا مِنْ رِوَايَةِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ أَضْبَطُ مِنْهُ، مَعَ عِلْمٍ وَعَمَلٍ وَزُهْدٍ، وَعَنْ أَحْمَدَ: أَنَّهُ اخْتَارَ قِرَاءَةَ أَهْلِ الْحِجَازِ قَالَ: وَهَذَا يَعُمُّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ، وَقَالَ لَهُ الْمَيْمُونِيُّ: أَيُّ الْقِرَاءَاتِ تَخْتَارُ لِي فَأَقْرَأُ بِهَا؟ قَالَ: قِرَاءَةُ أَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ لُغَةُ قُرَيْشٍ وَالْفُصَحَاءِ مِنْ الصَّحَابَةِ. انْتَهَى. وَفِي هَذَا كِفَايَةٌ. قَوْلُهُ (ثُمَّ يَرْفَعُ يَدَيْهِ وَيَرْكَعُ، مُكَبِّرًا) فَيَكُونُ رَفْعُ يَدَيْهِ مَعَ ابْتِدَاءِ الرُّكُوعِ عِنْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الْقِرَاءَةِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، وَعَنْهُ يَرْفَعُ مُكَبِّرًا بَعْدَ سَكْتَةٍ يَسِيرَةٍ. فَائِدَةٌ: قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَصَاحِبُ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَغَيْرُهُمْ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ تَكْبِيرُ الْخَفْضِ وَالرَّفْعِ وَالنُّهُوضِ ابْتِدَاؤُهُ مَعَ ابْتِدَاءِ الِانْتِقَالِ، وَانْتِهَاؤُهُ مَعَ انْتِهَائِهِ. فَإِنْ كَمَّلَهُ فِي جُزْءٍ مِنْهُ أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْرُجُ بِهِ عَنْ مَحَلِّهِ بِلَا نِزَاعٍ وَإِنْ شَرَعَ فِيهِ قَبْلَهُ، أَوْ كَمَّلَهُ بَعْدَهُ، فَوَقَعَ بَعْضُهُ خَارِجًا عَنْهُ، فَهُوَ كَتَرْكِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُكْمِلْهُ فِي مَحَلِّهِ. فَأَشْبَهَ مَنْ تَمَّمَ قِرَاءَتَهُ رَاكِعًا، أَوْ أَخَذَ فِي التَّشَهُّدِ قَبْلَ قُعُودِهِ. وَقَالُوا: هَذَا قِيَاسُ الْمَذْهَبِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُذْهَبِ كَمَا لَا يَأْتِي بِتَكْبِيرَةِ رُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ فِيهِ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ وَفَاقَا. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُعْفَى عَنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ التَّحَرُّزَ مِنْهُ يَعْسُرُ، وَالسَّهْوَ بِهِ يَكْثُرُ، فَفِي الْإِبْطَالِ بِهِ أَوْ السُّجُودِ لَهُ مَشَقَّةٌ. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: فِيهِ وَجْهَانِ، أَظْهَرُهُمَا: الصِّحَّةُ، وَتَابَعَهُ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي الْحَوَاشِي. قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، ذَكَرَهُ فِي وَاجِبَاتِ الصَّلَاةِ، وَحُكْمُ التَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ حُكْمُ التَّكْبِيرِ، ذَكَرَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ، وَتَقَدَّمَ أَوَّلَ الْبَابِ: لَوْ أَتَى بِبَعْضِ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ رَاكِعًا. قَوْلُهُ (وَقَدْرُ الْإِجْزَاءِ الِانْحِنَاءُ، بِحَيْثُ يُمْكِنُهُ مَسُّ رُكْبَتَيْهِ) مُرَادُهُ: إذَا كَانَ الرَّاكِعُ مِنْ أَوْسَطِ النَّاسِ وَقَدْرُهُ مِنْ غَيْرِهِ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ
وَجَزَمَ بِهِ الْجُمْهُورُ. مِنْهُمْ: صَاحِبُ الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْحَاوِي، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ، وَالْفَائِقِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَغَيْرُهُمْ. وَصَرَّحَ جَمَاعَةٌ بِأَنْ يَمَسَّ رُكْبَتَيْهِ بِكَفَّيْهِ، مِنْهُمْ الْآمِدِيُّ، وَابْنُ الْبَنَّا، وَصَاحِبُ التَّلْخِيصِ قَالَ فِي الْوَسِيلَةِ: نَصَّ عَلَيْهِ قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: وَاخْتَلَفَ كَلَامُ الْأَصْحَابِ فِي قَدْرِ الْإِجْزَاءِ فَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ يَعْنِي بِهِ الْمُصَنِّفَ فِي الْمُقْنِعِ، وَأَبِي الْخَطَّابِ، وَابْنُ الزَّاغُونِيِّ، وَابْنُ الْجَوْزِيِّ: أَنَّهُ بِحَيْثُ يُمْكِنُهُ مَسُّ رُكْبَتَيْهِ بِيَدَيْهِ. فَيَصْدُقُ بِرُءُوسِ أَصَابِعِهِ قَالَ: وَالصَّحِيحُ مَا صَرَّحَ بِهِ الْآمِدِيُّ، وَابْنُ الْبَنَّا فِي الْعُقُودِ: أَنَّهُ قَدْرُ مَا يُمْكِنُهُ مِنْ أَخْذِ رُكْبَتَيْهِ بِكَفَّيْهِ فِي حَقِّ أَوْسَاطِ النَّاسِ، أَوْ قَدْرُهُ مِنْ غَيْرِهِمْ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: فِي أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ احْتِمَالَانِ، وَقَالَ الْمَجْدُ: وَضَابِطُ الْإِجْزَاءِ الَّذِي لَا يَخْتَلِفُ: أَنْ يَكُونَ انْحِنَاؤُهُ إلَى الرُّكُوعِ الْمُعْتَدِلِ أَقْرَبَ مِنْهُ إلَى الْقِيَامِ الْمُعْتَدِلِ. قَوْلُهُ (وَيَقُولُ: سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمَ) الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ الْأَفْضَلَ قَوْلُ سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ فَقَطْ، كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ وَقَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ، وَعَنْهُ الْأَفْضَلُ قَوْلُ سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ وَبِحَمْدِهِ اخْتَارَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَصَاحِبُ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ قَالَ فِي الْفَائِقِ وَغَيْرِهِ: وَلَا يُجْزِئُ غَيْرُ هَذَا اللَّفْظِ. قَوْلُهُ (ثَلَاثًا، وَهُوَ أَدْنَى الْكَمَالِ) هَذَا بِلَا نِزَاعٍ أَعْلَمُهُ فِي تَسْبِيحَيْ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَأَمَّا أَعْلَى الْكَمَالِ: فَتَارَةً يَكُونُ فِي حَقِّ الْإِمَامِ، وَتَارَةً يَكُونُ فِي حَقِّ الْمُنْفَرِدِ فَإِنْ كَانَ فِي حَقِّ الْإِمَامِ: فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ الْكَمَالَ فِي حَقِّهِ يَكُونُ إلَى عَشْرٍ. قَالَ الْمَجْدُ، وَتَابَعَهُ صَاحِبُ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: الْأَصَحُّ مَا بَيْنَ الْخَمْسِ إلَى الْعَشْرِ قَالَا: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ.
وَقِيلَ: ثَلَاثٌ، مَا لَمْ يُوتِرْ الْمَأْمُومُ قَالَ فِي التَّلْخِيصِ وَالْبُلْغَةِ: وَلَا يَزِيدُ الْإِمَامُ عَلَى ثَلَاثٍ، وَقِيلَ: مَا لَمْ يَشُقَّ، وَقَالَهُ الْقَاضِي، وَقِيلَ: لَا يَزِيدُ عَلَى ثَلَاثٍ إلَّا بِرِضَا الْمَأْمُومِ، أَوْ بِقَدْرِ مَا يَحْصُلُ الثَّلَاثُ لَهُ. وَقِيلَ: سَبْعٌ قَدَّمَهُ فِي الْحَاوِيَيْنِ، وَحَوَاشِي ابْنِ مُفْلِحٍ قَالَ صَاحِبُ الْفَائِقِ، وَابْنُ تَمِيمٍ: هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الزَّاغُونِيِّ فِي الْوَاضِحِ: أَنَّ الْكَمَالَ فِي حَقِّهِ قَدْرُ قِرَاءَتِهِ، وَقَالَ الْآجُرِّيُّ: الْكَمَالُ خَمْسٌ، لِيُدْرِكَ الْمَأْمُومُ ثَلَاثًا. وَقِيلَ: مَا لَمْ يَخَفْ سَهْوًا، وَقِيلَ: مَا لَمْ يَطُلْ عُرْفًا، وَقِيلَ: أَوْسَطُهُ سَبْعٌ. وَأَكْثَرُهُ بِقَدْرِ الْقِيَامِ، وَأَمَّا الْكَمَالُ فِي حَقِّ الْمُنْفَرِدِ: فَالصَّحِيحُ، أَنَّهُ لَا حَدَّ لِغَايَتِهِ، مَا لَمْ يَخَفْ سَهْوًا اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَقَدَّمَهُ الزَّرْكَشِيُّ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَقِيلَ: بِقَدْرِ قِيَامِهِ. وَنَسَبَهُ الْمَجْدُ إلَى غَيْرِ الْقَاضِي مِنْ الْأَصْحَابِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفَائِقِ، وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ. وَقِيلَ: الْعُرْفُ، وَأَطْلَقَهُنَّ فِي الْفُرُوعِ، وَقِيلَ: سَبْعٌ وَقَدَّمَهُ فِي الْحَاوِيَيْنِ وَالْحَوَاشِي، وَقِيلَ: عَشْرٌ، وَقِيلَ: أَوْسَطُهُ سَبْعٌ، وَأَكْثَرُهُ بِقَدْرِ قِرَاءَةِ الْقِيَامِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَقِّ الْإِمَامِ. قَوْلُهُ (ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَائِلًا: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ) وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ: أَنْ يَرْفَعَ يَدَيْهِ مَعَ رَفْعِ رَأْسِهِ، وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي حَقِّ الْإِمَامِ وَالْمُنْفَرِدِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ جُمْهُورِ الْأَصْحَابِ قَالَ الْمَجْدُ: وَهِيَ أَصَحُّ وَصَحَّحَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ وَالْفَائِقِ، وَإِلَيْهِ مَيْلُ الْمُصَنِّفِ وَالشَّارِحُ، وَعَنْهُ مَحَلُّ رَفْعِ يَدَيْهِ: بَعْدَ اعْتِدَالِهِ. وَيَحْتَمِلُهُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ أَيْضًا وَقَدَّمَهُ
ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالْحَوَاشِي، وَقَالَ الْقَاضِي: يَرْفَعُ يَدَيْهِ مَعَ رَفْعِ رَأْسِهِ إنْ كَانَ مَأْمُومًا، رِوَايَةً وَاحِدَةً. وَكَذَا الْمُنْفَرِدُ، إنْ قُلْنَا: لَا يَقُولُ بَعْدَ الرَّفْعِ شَيْئًا وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ مُنَجَّى فِي شَرْحِهِ فَقَالَ: أَمَّا الْمَأْمُومُ فَيَبْتَدِئُهُ عِنْدَ رَفْعِ رَأْسِهِ، رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَكَذَلِكَ الْمُنْفَرِدُ إنْ لَمْ يُشْرَعْ لَهُ قَوْلُ رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ وَقَدْ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَغَيْرُهُمَا: بِأَنَّ رَفْعَ الْيَدَيْنِ فِي حَقِّ الْمَأْمُومِ يَكُونُ مَعَ رَفْعِ رَأْسِهِ. قَوْلُهُ (فَإِذَا قَامَ قَالَ: رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ) الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ الْإِتْيَانَ بِالْوَاوِ أَفْضَلُ فِي قَوْلِهِ رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَعَنْهُ الْإِتْيَانُ بِلَا وَاوٍ أَفْضَلُ فَالْخِلَافُ فِي الْأَفْضَلِيَّةِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَنْهُ لَا يَتَخَيَّرُ فِي تَرْكِهَا، بَلْ يَأْتِي بِهَا. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَيَجُوزُ حَذْفُ الْوَاوِ عَلَى الْأَصَحِّ. فَائِدَةٌ: لَهُ قَوْلُ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ وَبِلَا وَاوٍ أَفْضَلُ نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ يَقُولُ رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ وَلَا يَتَخَيَّرُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ بِالْوَاوِ وَجَازَ عَلَى الْأَصَحِّ فَحَكَى الْخِلَافَ فِي الْفُرُوعِ مَعَ عَدَمِ الْوَاوِ، وَحَكَاهُ فِي الرِّعَايَةِ مَعَ الْوَاوِ، وَهِيَ أَوْلَى. قَوْلُهُ (مِلْءَ السَّمَاءِ وَمِلْءَ الْأَرْضِ) : هَكَذَا، قَالَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَكَثِيرٌ مِنْ الْأَصْحَابِ يَعْنِي مِلْءَ السَّمَاءِ عَلَى الْإِفْرَادِ مِنْهُمْ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ، وَالتَّذْكِرَةِ، وَابْنُ تَمِيمٍ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْإِيضَاحِ، وَالْوَجِيزِ، وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ، وَالْإِفَادَاتِ، وَالْمُغْنِي، وَالْخِرَقِيُّ، وَالْكَافِي، وَالْعُمْدَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالشَّرْحِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالتَّسْهِيلِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَغَيْرُهُمْ، وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالْمَعْرُوفُ فِي الْأَخْبَارِ
مِلْءَ السَّمَوَاتِ " بِالْجَمْعِ. قُلْت: وَجَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَتَيْنِ. فَائِدَتَانِ. إحْدَاهُمَا: لَوْ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ فَعَطَسَ، فَقَالَ رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ يَنْوِي بِذَلِكَ عَنْ الْعَطْسَةِ وَذِكْرُ الرَّفْعِ: لَمْ يُجْزِئْهُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَالْفَائِقِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالشَّرْحِ، وَقَالَ الْمُصَنِّفُ: يُجْزِئُهُ، وَحَمَلَ كَلَامَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ فَعَلَى الْمَذْهَبِ: لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَعَنْهُ تَبْطُلُ، وَمِثْلُ ذَلِكَ: لَوْ أَرَادَ الشُّرُوعَ فِي الْفَاتِحَةِ فَعَطَسَ فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ يَنْوِي بِذَلِكَ عَنْ الْعُطَاسِ وَالْقِرَاءَةِ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ فِي بَابِ صِفَةِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ: وَفِي الْإِجْزَاءِ عَنْ فَرْضِ الْقِرَاءَةِ وَجْهَانِ، وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ، ذَكَرَهُ فِي بَابِ مَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ فَظَاهِرُ كَلَامِهِمَا: أَنَّهُمَا لَا تُبْطِلُ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الْإِجْزَاءِ عَنْ فَرْضِ الْقِرَاءَةِ. الثَّانِيَةُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ: إنْ شَاءَ أَرْسَلَ يَدَيْهِ، وَإِنْ شَاءَ وَضَعَ يَمِينَهُ عَلَى شِمَالِهِ، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: فَإِذَا قَامَ أَحَدُهُمَا أَوْ الْمَأْمُومُ حَطَّهُمَا وَقَالَ رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ وَوَضَعَ كُلُّ مُصَلٍّ يَمِينَهُ عَلَى شِمَالِهِ تَحْتَ سُرَّتِهِ، وَقِيلَ: بَلْ فَوْقَهَا تَحْتَ صَدْرِهِ، أَوْ أَرْسَلَهُمَا نَصَّ عَلَيْهِ كَمَا سَبَقَ، وَعَنْهُ إذَا قَامَ رَفَعَهُمَا، ثُمَّ حَطَّهُمَا فَقَطْ. انْتَهَى. وَقَالَ فِي الْمُذْهَبِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَغَيْرِهِمْ: إذَا انْتَصَبَ قَائِمًا أَرْسَلَ يَدَيْهِ، وَقَالَهُ الْقَاضِي فِي التَّعْلِيقِ فِي افْتِرَاشِهِ فِي التَّشَهُّدِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ بَعِيدٌ
قَوْلُهُ (فَإِنْ كَانَ مَأْمُومًا لَمْ يَزِدْ عَلَى رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ) وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: هُوَ قَوْلُ أَصْحَابِنَا. وَعَنْهُ يَزِيدُ مِلْءَ السَّمَاءِ إلَى آخِرِهِ اخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَصَاحِبُ النَّصِيحَةِ، وَالْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَصَاحِبُ الْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَعَنْهُ يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ قَالَ فِي الْفَائِقِ: اخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ أَيْضًا قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: كَلَامُ أَبِي الْخَطَّابِ مُحْتَمَلٌ، تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ قَوْلِهِ فَإِنْ كَانَ مَأْمُومًا لَمْ يَزِدْ عَلَى رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ أَنَّ الْمُنْفَرِدَ كَالْإِمَامِ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَعَنْهُ يُسَمِّعُ وَيُحَمِّدُ فَقَطْ، وَعَنْهُ يُسَمِّعُ فَقَطْ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَفِيهَا ضَعْفٌ، وَعَنْهُ يُحَمِّدُ فَقَطْ. فَائِدَتَانِ: الْأُولَى: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَزِيدَ عَلَى مَا شِئْت مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ فَيَقُولُ أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ أَحَقُّ مَا قَالَ الْعَبْدُ وَكُلُّنَا لَك عَبْدٌ اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْك الْجَدُّ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا صَحَّ، وَهَذِهِ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَهِيَ الصَّحِيحَةُ، صَحَّحَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ وَاخْتَارَهُ فِي الْفَائِقِ، وَأَبُو حَفْصٍ، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَا يُجَاوِزُ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ قَدَّمَهُ فِي الْفَائِقِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. وَقَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: الصَّحِيحُ أَنَّ الْأَوْلَى تَرْكُ الزِّيَادَةِ لِمَنْ يَكْتَفِي فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ بِأَدْنَى الْكَمَالِ، وَقَوْلُهَا إذَا أَطَالَهُمَا، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: قُلْت: يَجُوزُ، لِلْأَثَرِ. وَقَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ. الثَّانِيَةُ: مَحَلُّ قَوْلِ رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ فِي حَقِّ الْإِمَامِ وَالْمُنْفَرِدِ: بَعْدَ الْقِيَامِ مِنْ الرُّكُوعِ؛ لِأَنَّهُمَا فِي حَالِ قِيَامِهِمَا يَقُولَانِ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، وَمَحَلُّهُ فِي حَقِّ الْمَأْمُومِ: حَالَ رَفْعِهِ.
قَوْلُهُ (ثُمَّ يُكَبِّرُ وَيَخِرُّ سَاجِدًا، وَلَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ) وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَعَنْهُ يَرْفَعُهُمَا، وَعَنْهُ يَرْفَعُ فِي كُلِّ خَفْضٍ وَرَفْعٍ. فَائِدَةٌ. حَيْثُ اُسْتُحِبَّ رَفْعُ الْيَدَيْنِ، فَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: هُوَ مِنْ تَمَامِ الصَّلَاةِ، مَنْ رَفَعَ أَتَمُّ صَلَاةً مِمَّنْ لَمْ يَرْفَعْ، وَعَنْهُ لَا أَدْرِي قَالَ الْقَاضِي: إنَّمَا تَوَقَّفَ عَلَى نَحْوِ مَا، قَالَهُ ابْنُ سِيرِينَ إنَّ الرَّفْعَ مِنْ تَمَامِ صِحَّتِهَا وَلَمْ يَتَوَقَّفْ عَنْ التَّمَامِ الَّذِي هُوَ تَمَامُ فَضِيلَةٍ وَسُنَّةٍ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ مَنْ تَرَكَهُ فَقَدْ تَرَكَ السُّنَّةَ وَقَالَ الْمَرُّوذِيُّ مَنْ تَرَكَ الرَّفْعَ يَكُونُ تَارِكًا لِلسُّنَّةِ قَالَ: لَا يَقُولُ هَكَذَا، وَلَكِنْ يَقُولُ: رَاغِبٌ عَنْ فِعْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَوْلُهُ (فَيَضَعُ رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ يَدَيْهِ) هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ، وَعَنْهُ يَضَعُ يَدَيْهِ ثُمَّ رُكْبَتَيْهِ قَوْلُهُ (وَيَكُونُ عَلَى أَطْرَافِ أَصَابِعِهِ) الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ هِيَ الْمُسْتَحَبَّةُ، وَتَكُونُ أَصَابِعُهُ مُفَرَّقَةً مُوَجَّهَةً إلَى الْقِبْلَةِ، وَقِيلَ: يَجْعَلُ بُطُونَهَا عَلَى الْأَرْضِ، وَقِيلَ يُخَيَّرُ فِي ذَلِكَ، وَقَالَ فِي التَّلْخِيصِ: وَهَلْ يَجِبُ أَنْ يَجْعَلَ بَاطِنَ أَطْرَافِ أَصَابِعِ الرِّجْلَيْنِ إلَى الْقِبْلَةِ فِي السُّجُودِ؟ فَظَاهِرُ إطْلَاقِ الْأَصْحَابِ: وُجُوبُ ذَلِكَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي رِجْلَيْهِ نَعْلٌ أَوْ خُفٌّ، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ، وَقِيلَ يَجِبُ فَتْحُ أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ إنْ أَمْكَنَ. فَوَائِدُ. الْأُولَى: لَوْ سَجَدَ عَلَى ظَهْرِ الْقَدَمِ، جَازَ، قَالَهُ ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ. الثَّانِيَةُ: يُسْتَحَبُّ ضَمُّ أَصَابِعِ يَدَيْهِ فِي السُّجُودِ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَيُوَجِّهُهُمَا نَحْوَ الْقِبْلَةِ ".
الثَّالِثَةُ: لَوْ سَقَطَ إلَى الْأَرْضِ مِنْ قِيَامٍ أَوْ رُكُوعٍ، وَلَمْ يَطْمَئِنَّ عَادَ قَائِمًا بِهِ، وَإِنْ اطْمَأَنَّ عَادَ فَانْتَصَبَ قَائِمًا ثُمَّ سَجَدَ فَإِنْ اعْتَدَلَ حَتَّى سَجَدَ سَقَطَ، وَقَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: إنْ سَقَطَ مِنْ قِيَامِهِ سَاجِدًا عَلَى جَبْهَتِهِ أَجْزَأَهُ بِاسْتِصْحَابِ النِّيَّةِ الْأُولَى، لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ هَيْئَةِ الصَّلَاةِ قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: إنْ سَقَطَ مِنْ قِيَامٍ لَمَّا أَرَادَ الِانْحِنَاءَ قَامَ رَاكِعًا، فَلَوْ أَكْمَلَ قِيَامَهُ ثُمَّ رَكَعَ لَمْ يُجْزِئْهُ كَرُكُوعَيْنِ. قَوْلُهُ (وَالسُّجُودُ عَلَى هَذِهِ الْأَعْضَاءِ) وَاجِبٌ أَيْ رُكْنٌ (إلَّا الْأَنْفَ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ) وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْمُغْنِي، وَالْكَافِي، وَالْهَادِي، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالشَّرْحِ، وَالنَّظْمِ، وَشَرْحِ الْمَجْدِ، وَالزَّرْكَشِيِّ، إحْدَاهُمَا: يَجِبُ السُّجُودُ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. قَالَ الْقَاضِي: اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ وَجَمَاعَةٌ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ، وَصَاحِبُ تَصْحِيحِ الْمُحَرَّرِ وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِفَادَاتِ، وَالْمُنْتَخَبِ، وَنَظْمِ الْمُفْرَدَاتِ، وَهُوَ مِنْهَا. وَقَدَّمَهُ فِي الْخُلَاصَةِ وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالْفَائِقِ، وَابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَا يَجِبُ اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَصَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَقَدَّمَهُ فِي إدْرَاكِ الْغَايَةِ، وَرَوَى الْآمِدِيُّ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: أَنَّهُ لَا يَجِبُ السُّجُودُ عَلَى غَيْرِ الْجَبْهَةِ قَالَ الْقَاضِي فِي الْجَامِعِ: هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَجَزَمَ النَّاظِمُ أَنَّ السُّجُودَ عَلَى هَذِهِ الْأَعْضَاءِ وَمُبَاشَرَةَ الْمُصَلَّى بِهَا وَاجِبٌ لَا رُكْنٌ. وَقَالَ: يَجْبُرُهُ إذَا تَرَكَهُ سَاهِيًا أَتَى بِسُجُودِ السَّهْوِ
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَعَلَّهُ أَخَذَ مِنْ إطْلَاقِ بَعْضِهِمْ الْوُجُوبَ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ بِمُتَّجَهٍ وَهُوَ كَمَا قَالَ إذْ لَمْ نَرَ أَحَدًا وَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ صَرِيحًا. فَائِدَتَانِ. الْأُولَى: يُجْزِئُ السُّجُودُ عَلَى بَعْضِ الْعُضْوِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: وَلَوْ كَانَ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ، كَأَنْ يَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ حَالَةَ السُّجُودِ، وَنَقَلَ الشَّالَنْجِيُّ: إذَا وَضَعَ مَنْ يَدَيْهِ بِقَدْرِ الْجَبْهَةِ أَجْزَأَهُ قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَيَجُوزُ السُّجُودُ بِبَعْضِ الْكَفِّ، وَلَوْ عَلَى ظَهْرِهِ أَوْ أَطْرَافِ أَصَابِعِهِ، وَكَذَا عَلَى بَعْضِ أَطْرَافِ أَصَابِعِ قَدَمَيْهِ، وَبَعْضِ الْجَبْهَةِ، وَذَكَرَ فِي التَّلْخِيصِ: أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى بَاطِنِ الْكَفِّ، وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: لَا يُجْزِئُهُ أَنْ يَسْجُدَ عَلَى أَطْرَافِ أَصَابِعِ يَدَيْهِ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَسْتَغْرِقَ الْيَدَيْنِ بِالسُّجُودِ، وَيُجْزِئُ السُّجُودُ عَلَى ظَهْرِ الْقَدَمِ. انْتَهَى. الثَّانِيَةُ: لَوْ عَجَزَ عَنْ السُّجُودِ بِالْجَبْهَةِ أَوْ مَا أَمْكَنَهُ، سَقَطَ السُّجُودُ بِمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِهَا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: لَا يَسْقُطُ، فَيَلْزَمُهُ السُّجُودُ بِالْأَنْفِ، وَلَا يُجْزِئُ عَلَى الْأَنْفِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى السُّجُودِ بِالْجَبْهَةِ، قَوْلًا وَاحِدًا، وَلَوْ قَدَرَ عَلَى السُّجُودِ بِالْوَجْهِ تَبِعَهُ بَقِيَّةُ الْأَعْضَاءِ، وَلَوْ عَجَزَ عَنْ السُّجُودِ بِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ بِغَيْرِهِ، خِلَافًا لِتَعْلِيقِ الْقَاضِي؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنْهُ وَضْعُهُ بِدُونِ بَعْضِهَا، وَيُمْكِنُ رَفْعُهُ بِدُونِ شَيْءٍ مِنْهَا. قَوْلُهُ (وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ مُبَاشَرَةُ الْمُصَلَّى بِشَيْءٍ مِنْهَا إلَّا الْجَبْهَةَ، عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ) : وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْكَافِي، وَالْحَاوِي. إحْدَاهُمَا: لَا تَجِبُ الْمُبَاشَرَةُ بِهَا، يَعْنِي أَنَّهَا لَيْسَتْ بِرُكْنٍ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ. مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ، وَالْقَاضِي،
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ وَصَحَّحَهُ الشَّارِحُ، وَالْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَصَاحِبُ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالتَّصْحِيحِ، وَغَيْرُهُمْ وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُحَرَّرِ وَالْمُغْنِي، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ قَالَ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ، وَابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ: لَوْ سَجَدَ عَلَى كَوْرِ الْعِمَامَةِ أَوْ كُمِّهِ أَوْ ذَيْلِهِ، صَحَّتْ الصَّلَاةُ، رِوَايَةً وَاحِدَةً وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: تَجِبُ الْمُبَاشَرَةُ بِهَا صَحَّحَهُ فِي النَّظْمِ وَقَدَّمَهُ فِي الْحَاوِيَيْنِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَقَالَ: قَطَعَ بِهِ بَعْضُ أَصْحَابِنَا، وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: إنْ سَجَدَ عَلَى قَلَنْسُوَتِهِ لَمْ يُجْزِهِ قَوْلًا وَاحِدًا، وَإِنْ سَجَدَ عَلَى كَوْرِ الْعِمَامَةِ لِتَوَقِّي حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ: جَازَ قَوْلًا وَاحِدًا. وَقَالَ صَاحِبُ الرَّوْضَةِ: إنْ سَجَدَ عَلَى كَوْرِ الْعِمَامَةِ، وَكَانَتْ مُحَنَّكَةً جَازَ، وَإِلَّا فَلَا فَعَلَى الْمَذْهَبِ: فِي كَرَاهَةِ فِعْلِ ذَلِكَ رِوَايَتَانِ وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْفُرُوعِ، وَمُخْتَصَرِ ابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. وَحَكَاهُمَا وَجْهَيْنِ قُلْت: الْأَوْلَى الْكَرَاهَةُ. تَنْبِيهٌ: صَرَّحَ الْمُصَنِّفُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ مُبَاشَرَةُ الْمُصَلَّى بِغَيْرِ الْجَبْهَةِ، وَهُوَ صَحِيحٌ أَمَّا بِالْقَدَمَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ: فَلَا يَجِبُ الْمُبَاشَرَةُ بِهَا إجْمَاعًا، قَالَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، بَلْ يُكْرَهُ كَشْفُ رُكْبَتَيْهِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَنْهُ لَا يُكْرَهُ، وَأَمَّا بِالْيَدَيْنِ فَالصَّحِيحُ عَنْ الْمَذْهَبِ: كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ وَقَطَعَ بِهِ أَكْثَرُهُمْ. وَعَنْهُ يَجِبُ قَالَ الْقَاضِي فِي مَوْضِعٍ مِنْ كَلَامِهِ: الْيَدُ كَالْجَبْهَةِ فِي اعْتِبَارِ الْمُبَاشَرَةِ، وَنَقَلَ صَالِحٌ: لَا يَسْجُدُ وَيَدَاهُ فِي ثَوْبِهِ إلَّا مِنْ عُذْرٍ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَا يَسْجُدُ عَلَى ذَيْلِهِ أَوْ كُمِّهِ قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِثْلَ كَوْرِ الْعِمَامَةِ
وَقَالَ صَاحِبُ الرَّوْضَةِ: إذَا سَجَدَ وَيَدُهُ فِي كُمِّهِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ كُرِهَ، وَفِي الْإِجْزَاءِ رِوَايَتَانِ فَعَلَى الْمَذْهَبِ يُكْرَهُ سَتْرُهُمَا، وَعَنْهُ لَا يُكْرَهُ. تَنْبِيهٌ: مَحَلُّ الْخِلَافِ فِيمَا تَقَدَّمَ إذَا لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ فَإِنْ كَانَ ثَمَّ عُذْرٌ مِنْ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ وَنَحْوِهِ، أَوْ سَجَدَ عَلَى مَا لَيْسَ بِحَائِلٍ لَهُ، فَلَا كَرَاهَةَ، وَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ رِوَايَةً وَاحِدَةً. ، قَالَهُ ابْنُ تَمِيمٍ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَا يُكْرَهُ لِعُذْرٍ، نَقَلَهُ صَالِحٌ وَغَيْرُهُ، وَقَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: ظَاهِرُ مَا نَقَلَهُ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا: لَا فَرْقَ بَيْنَ وُجُودِ الْعُذْرِ وَعَدَمِهِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ، وَلَيْسَ بِمُرَادٍ. وَقَدْ قَالَ جَمَاعَةٌ: تُكْرَهُ الصَّلَاةُ بِمَكَانٍ شَدِيدِ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: لِتَرْكِ الْخُشُوعِ، كَمُدَافَعَةِ الْأَخْبَثَيْنِ. فَائِدَةٌ. قَوْلُهُ (وَيُجَافِي عَضُدَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ، وَبَطْنَهُ عَنْ فَخِذَيْهِ) قَالَ الْأَصْحَابُ " وَفَخِذَيْهِ عَنْ سَاقَيْهِ " وَذَلِكَ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا لَمْ يُؤْذِ جَارَهُ. فَإِنْ آذَى جَارَهُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَفْعَلْهُ، وَلَهُ أَنْ يَعْتَمِدَ بِمِرْفَقَيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ إنْ طَالَ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَلَمْ يُقَيِّدْهُ جَمَاعَةٌ بِالطُّولِ، بَلْ أَطْلَقُوا، وَقِيلَ: يَعْتَمِدُ فِي النَّفْلِ دُونَ الْفَرْضِ، وَعَنْهُ يُكْرَهُ. فَوَائِدُ. مِنْهَا: يُسْتَحَبُّ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ رِجْلَيْهِ حَالَ قِيَامِهِ، وَيُرَاوِحَ بَيْنَهُمَا فِي النَّفْلِ وَالْفَرْضِ، وَيَأْتِي ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ يُكْرَهُ التَّرَاوُحُ بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا، وَقَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: يُكْرَهُ أَنْ يَلْصَقَ كَعْبَيْهِ. وَمِنْهَا: لَوْ سَجَدَ عَلَى مَكَان أَعْلَى مِنْ مَوْضِعِ قَدَمَيْهِ كَنَشَزٍ وَنَحْوِهِ جَازَ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ حَاجَةٌ قَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَقَالَ: قَالَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يَكُونُ مَوْضِعُ سُجُودِهِ أَعْلَى مِنْ مَوْضِعِ قَدَمَيْهِ، وَقِيلَ: تَبْطُلُ بِذَلِكَ، وَقَالَ فِي التَّلْخِيصِ: اسْتِعْلَاءُ الْأَسْفَلِ وَاجِبٌ. وَقِيلَ: تَبْطُلُ إنْ كَثُرَ قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ وَغَيْرُهُ: إنْ خَرَجَ عَنْ صِفَةِ السُّجُودِ لَمْ يُجْزِهِ، وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: الصَّحِيحُ أَنَّ الْيَسِيرَ مِنْ ذَلِكَ لَا بَأْسَ بِهِ دُونَ الْكَثِيرِ، قَالَهُ شَيْخُنَا أَبُو الْفَرَجِ بْنُ أَبِي الْفَهْمِ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ قَالَ فِي الْحَاوِيَيْنِ: لَمْ يُكْرَهْ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَأَطْلَقَهُنَّ فِي الْفُرُوعِ. وَمِنْهَا: قَالَ الْأَصْحَابُ: لَوْ سَجَدَ عَلَى حَشِيشٍ، أَوْ قُطْنٍ، أَوْ ثَلْجٍ، أَوْ بَرَدٍ وَنَحْوِهِ، وَلَمْ يَجِدْ حَجْمَهُ: لَمْ يَصِحَّ، لِعَدَمِ الْمَكَانِ الْمُسْتَقِرِّ. قَوْلُهُ (وَيَضَعُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ) قَالَ فِي النُّكَتِ: وَفِيهِ نَظَرٌ، أَوْ يَكُونُ مُرَادُهُ: يَجْعَلُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ أَوْ أُذُنَيْهِ، يَعْنِي عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْخِلَافِ. قَوْلُهُ (وَيَقُولُ: سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى ثَلَاثًا) ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْخِلَافَ هُنَا فِي أَدْنَى الْكَمَالِ وَأَعْلَاهُ وَأَوْسَطِهِ كَالْخِلَافِ فِي سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ فِي الرُّكُوعِ عَلَى مَا مَرَّ. قَوْلُهُ (يَفْتَرِشُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى، وَيَجْلِسُ عَلَيْهَا وَيَنْصِبُ الْيُمْنَى) هَذَا الْمَذْهَبُ فِي صِفَةِ الِافْتِرَاشِ لَا غَيْرَ، وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، وَجُمْهُورُهُمْ قَطَعَ بِهِ، وَقَالَ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ فِي الْوَاضِحِ: يَفْعَلُ ذَلِكَ، أَوْ يُضْجِعُهُمَا تَحْتَ يُسْرَاهُ. قَوْلُهُ (ثُمَّ يَقُولُ: رَبِّ اغْفِرْ لِي، ثَلَاثًا، ثُمَّ يَسْجُدُ الثَّانِيَةَ كَالْأُولَى) اعْلَمْ أَنَّ الصَّحِيحَ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ الْكَمَالَ هُنَا ثَلَاثٌ لَا غَيْرُ قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَصَاحِبُ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَصَاحِبُ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى:
السُّنَّةُ أَنْ لَا يَزِيدَ عَلَى مَرَّتَيْنِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، وَقَالَ الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ، وَابْنُ الزَّاغُونِيِّ فِي الْوَاضِحِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ: أَدْنَى الْكَمَالِ ثَلَاثٌ. وَالْكَمَالُ فِيهِ مِثْلُ الْكَمَالِ فِي تَسْبِيحِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، عَلَى مَا مَضَى. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هَذَا الْمَشْهُورُ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَقَالَ فِي الْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَالْكَمَالُ هُنَا سَبْعٌ، وَقِيلَ: لِغَيْرِ الْإِمَامِ، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ: وَيُسَنُّ مَا سَهُلَ وِتْرًا. فَائِدَةٌ: لَا تُكْرَهُ الزِّيَادَةُ عَلَى قَوْلِهِ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلَا عَلَى سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ، وَسُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، مِمَّا وَرَدَ فِي الْأَخْبَارِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: يُكْرَهُ، وَعَنْهُ يُسْتَحَبُّ فِي النَّفْلِ، وَقِيلَ: وَالْفَرْضِ أَيْضًا اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ، وَصَاحِبُ الْفَائِقِ، وَتَقَدَّمَ هَلْ تُسْتَحَبُّ الزِّيَادَةُ عَلَى مَا شِئْت مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ فِي الرَّفْعِ مِنْ الرُّكُوعِ؟ قَوْلُهُ (وَيَقُومُ عَلَى صُدُورِ قَدَمَيْهِ، مُعْتَمِدًا عَلَى رُكْبَتَيْهِ، إلَّا أَنْ يَشُقَّ عَلَيْهِ، فَيَعْتَمِدُ بِالْأَرْضِ) الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ إذَا قَامَ مِنْ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ لَا يَجْلِسُ جِلْسَةَ الِاسْتِرَاحَةِ بَلْ يَقُومُ عَلَى صُدُورِ قَدَمَيْهِ، مُعْتَمِدًا عَلَى رُكْبَتَيْهِ نَصَّ عَلَيْهِ، إلَّا أَنْ يَشُقَّ عَلَيْهِ، كَمَا قَدَّمَهُ الْمُصَنِّفُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هُوَ الْمُخْتَارُ مِنْ الرِّوَايَتَيْنِ عِنْدَ ابْنِ أَبِي مُوسَى، وَالْقَاضِي، وَأَبِي الْحُسَيْنِ قَالَ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ: هُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ جَمَاعَةِ الْمَشَايِخِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْخِرَقِيِّ، وَالْعُمْدَةِ، وَالْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ، وَالْمَذْهَبِ الْأَحْمَدِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَالْفَائِقِ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ
وَعَنْهُ أَنَّهُ يَجْلِسُ جِلْسَةَ الِاسْتِرَاحَةِ اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ، وَالْخَلَّالُ، وَقَالَ: إنَّ أَحْمَدَ رَجَعَ عَنْ الْأَوَّلِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِفَادَاتِ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالتَّلْخِيصِ وَالْبُلْغَةِ، وَشَرْحِ الْمَجْدِ، وَقِيلَ: يَجْلِسُ جِلْسَةَ الِاسْتِرَاحَةِ مَنْ كَانَ ضَعِيفًا، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي وَالْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُمَا. تَنْبِيهٌ. قَوْلُهُ فِي جِلْسَةِ الِاسْتِرَاحَةِ (يَجْلِسُ عَلَى قَدَمَيْهِ، وَأَلْيَتَيْهِ) فِي صِفَةِ جِلْسَةِ الِاسْتِرَاحَةِ رِوَايَاتٌ. إحْدَاهُمَا: مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ هُنَا، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْفَائِقِ، وَغَيْرِهِمْ وَقَدَّمَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالزَّرْكَشِيُّ قَالَ فِي الْمُذْهَبِ: هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ صِفَةَ جِلْسَةِ الِاسْتِرَاحَةِ كَالْجِلْسَةِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، وَهِيَ الصَّحِيحَةُ مِنْ الْمَذْهَبِ قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالشَّرْحِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَهُوَ احْتِمَالُ الْقَاضِي، وَالرِّوَايَةُ الثَّالِثَةُ: يَجْلِسُ عَلَى قَدَمَيْهِ، وَلَا يُلْصِقُ أَلْيَتَيْهِ بِالْأَرْضِ اخْتَارَهُ الْآجُرِّيُّ وَالْآمِدِيُّ، وَقَالَ: لَا يَخْتَلِفُ الْأَصْحَابُ فِي ذَلِكَ فَعَلَيْهِ إذَا قَامَ لَا يَعْتَمِدُ بِالْأَرْضِ عَلَى الصَّحِيحِ، بَلْ يَنْهَضُ عَلَى صُدُورِ قَدَمَيْهِ مُعْتَمِدًا عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَاخْتَارَ الْآجُرِّيُّ: أَنَّهُ يَعْتَمِدُ بِالْأَرْضِ إذَا قَامَ. فَائِدَتَانِ. إحْدَاهُمَا: إذَا جَلَسَ لِلِاسْتِرَاحَةِ فَيَقُومُ بِلَا تَكْبِيرٍ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ،
وَيَكْفِيهِ تَكْبِيرُهُ حِينَ رَفْعِهِ مِنْ السُّجُودِ. وَقِيلَ: يَنْهَضُ مُكَبِّرًا، وَقَالَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، وَرَدَّهُ الشَّارِحُ وَغَيْرُهُ، وَحَكَاهُ الْمَجْدُ إجْمَاعًا. الثَّانِيَةُ: لَيْسَتْ جِلْسَةُ الِاسْتِرَاحَةِ مِنْ الرَّكْعَةِ الْأُولَى، وَهَلْ هِيَ فَصْلٌ بَيْنَ الرَّكْعَتَيْنِ، أَوْ مِنْ الثَّانِيَةِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ذَكَرَهُمَا ابْنُ الْبَنَّا فِي شَرْحِهِ، وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ فِي رِعَايَتِهِ. قُلْت: الَّذِي يَظْهَرُ: أَنَّهَا فَصْلٌ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَشْرَعْ فِي الثَّانِيَةِ، وَقَدْ فَرَغَ مِنْ الْأُولَى. قَوْلُهُ (ثُمَّ يُصَلِّي الثَّانِيَةَ كَالْأُولَى، إلَّا فِي تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ) بِلَا نِزَاعٍ (وَالِاسْتِفْتَاح) بِلَا خِلَافٍ أَيْضًا إذَا أَتَى بِهِ فِي الْأُولَى، وَكَذَا لَوْ لَمْ يَأْتِ بِهِ فِيهَا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَسَوَاءٌ قُلْنَا بِوُجُوبِهِ أَوْ لَا. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَقَالَ الْآمِدِيُّ: مَتَى قُلْنَا بِوُجُوبِ الِاسْتِفْتَاحِ فَنَسِيَهُ فِي الْأُولَى، أَتَى بِهِ فِي الثَّانِيَةِ إنْ لَمْ نَقُلْ بِوُجُوبِهِ، فَهَلْ يَأْتِي بِهِ فِي الثَّانِيَةِ؟ فِيهِ خِلَافٌ فِي الْمَذْهَبِ، قَالَ: وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ لَا يَأْتِي بِهِ. قَوْلُهُ (وَفِي الِاسْتِعَاذَةِ رِوَايَتَانِ) وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمَذْهَبِ الْأَحْمَدِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْهَادِي، وَالْكَافِي، وَالْخُلَاصَةِ، وَالشَّرْحِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَشَرْحِ الْمَجْدِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ. إحْدَاهُمَا: لَا يَتَعَوَّذُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ، وَصَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ، وَابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ قَالَ فِي النُّكَتِ: هِيَ الرَّاجِحُ مَذْهَبًا وَدَلِيلًا
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: يَتَعَوَّذُ اخْتَارَهُ النَّاظِمُ، وَبَعَّدَ الرِّوَايَةَ الْأُولَى، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ. قُلْت: وَهُوَ الْأَصَحُّ دَلِيلًا. تَنْبِيهٌ: مَحَلُّ الْخِلَافِ إذَا كَانَ قَدْ اسْتَعَاذَ فِي الْأُولَى، أَمَّا إذَا لَمْ يَسْتَعِذْ فِي الْأُولَى فَإِنَّهُ يَأْتِي بِهَا فِي الثَّانِيَةِ قَالَهُ الْأَصْحَابُ قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ وَغَيْرُهُ: رِوَايَةً وَاحِدَةً. قُلْت: وَيُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ فَحَوَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مِنْ قَوْلِهِ ثُمَّ يُصَلِّي الثَّانِيَةَ كَالْأُولَى ثُمَّ اسْتَثْنَى الِاسْتِعَاذَةَ فَدَلَّ أَنَّهُ أَتَى بِهَا فِي الْأُولَى. فَائِدَةٌ. اسْتَثْنَى أَبُو الْخَطَّابِ أَيْضًا النِّيَّةَ، أَيْ تَجْدِيدَهَا، وَكَذَا صَاحِبُ الْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ، وَالْوَجِيزِ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَغَيْرُهُمْ. وَهُوَ مُرَادُ مَنْ أَطْلَقَ، وَهَذَا مِمَّا لَا نِزَاعَ فِيهِ، لَكِنْ قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ وَتَبِعَهُ فِي الْحَاوِي الْكَبِيرِ لَوْ تَرَكَ أَبُو الْخَطَّابِ اسْتِثْنَاءَهَا لَكَانَ أَحْسَنَ؛ لِأَنَّهَا مِنْ الشَّرَائِطِ دُونَ الْأَرْكَانِ، وَلَا يُشْتَرَطُ مُفَارَقَتُهَا عِنْدَنَا لِجُزْءٍ مِنْ الْأُولَى، بَلْ يَجُوزُ أَنْ تَتَقَدَّمَهَا اكْتِفَاءً بِالدَّوَامِ الْحُكْمِيِّ، وَقَدْ تَسَاوَتْ الرَّكْعَتَانِ فِيهِ قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: قُلْت إنْ أَرَادَ أَبُو الْخَطَّابِ بِاسْتِثْنَائِهَا أَنَّهُ لَا تُسَنُّ ذِكْرًا فَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّ اسْتِصْحَابَهَا ذِكْرٌ مَسْنُونٌ فِي جَمِيعِ الصَّلَاةِ، وَإِنْ أَرَادَ حُكْمًا فَبَاطِلٌ، لِأَنَّ التَّكْرَارَ عِبَارَةٌ عَنْ إعَادَةِ شَيْءٍ فَرَغَ مِنْهُ وَانْقَضَى، وَلَوْ حَكَمَ بِانْقِضَاءِ النِّيَّةِ حُكْمًا لَبَطَلَتْ الصَّلَاةُ فَلَا حَاجَةَ إلَى الِاسْتِثْنَاءِ إذَنْ. انْتَهَى. قُلْت: إنَّمَا أَرَادَ أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّهُ لَا يُجَدِّدُ لَهَا نِيَّةً كَمَا جَدَّدَهَا لِلرَّكْعَةِ الْأُولَى، وَهَذَا مِمَّا لَا نِزَاعَ فِيهِ. لَكِنَّ تَرْكَ اسْتِثْنَائِهَا أَوْلَى، لِمَا قَالَهُ الْمَجْدُ، وَكَذَلِكَ تَرَكَهَا خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنْ الْأَصْحَابِ، مَعَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّهُ لَا يُجَدِّدُ نِيَّةً لِلرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ
قَوْلُهُ (ثُمَّ يَجْلِسُ مُفْتَرِشًا) هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَعَنْهُ إنْ تَوَرَّكَ جَازَ وَالْأَفْضَلُ تَرْكُهُ، حَكَاهُ ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ. قَوْلُهُ (وَيَضَعُ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى، وَيَقْبِضُ مِنْهَا الْخِنْصَرَ وَالْبِنْصِرَ، وَيُلْحِقُ الْإِبْهَامَ مَعَ الْوُسْطَى) هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَهُوَ الْمَعْمُولُ بِهِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ. وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْعُمْدَةِ وَالْبُلْغَةِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْوَجِيزِ، وَالْفَائِقِ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ، وَالْمَذْهَبِ الْأَحْمَدِ وَغَيْرِهِمْ وَقَدَّمَهُ فِي الْكَافِي، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْفُرُوعِ، الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ وَغَيْرِهِمْ وَعَنْهُ يَقْبِضُ الْخِنْصَرَ وَالْبِنْصِرَ وَالْوُسْطَى وَيَعْقِدُ إبْهَامَهُ كَخَمْسِينَ اخْتَارَهَا الْمَجْدُ وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَعَنْهُ يَبْسُطُهَا كَالْيُسْرَى، وَعَنْهُ يُحَلِّقُ الْإِبْهَامَ بِالْوُسْطَى وَيَبْسُطُ مَا سِوَاهَا، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، فَإِنَّهُ قَالَ: يَبْسُطُ كَفَّهُ الْيُسْرَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُسْرَى، وَيَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى، وَيُحَلِّقُ الْإِبْهَامَ مَعَ الْوُسْطَى. قَوْلُهُ (وَيُشِيرُ بِالسَّبَّابَةِ فِي تَشَهُّدِهِ مِرَارًا) وَكَذَا قَالَ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ وَالْمُحَرَّرِ، وَشَرْحِ الْمَجْدِ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَغَيْرِهِمْ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ: يُشِيرُ بِالْمُسَبِّحَةِ ثَلَاثًا وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ. قُلْت: يَحْتَمِلُ أَنَّهُ مُرَادُ الْأَوَّلِ، وَقَالَ فِي التَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ يُشِيرُ بِهَا، وَلَمْ يَقُولُوا مِرَارًا مِنْهُمْ الْخِرَقِيُّ، وَالْمُصَنِّفُ فِي الْعُمْدَةِ قَالَ
فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُهُ مَرَّةً، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ وَالْأَخْبَارِ، وَقَالَ: وَلَعَلَّهُ أَظْهَرُ. تَنْبِيهٌ: الْإِشَارَةُ تَكُونُ عِنْدَ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى فَقَطْ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي، وَالْمُغْنِي، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَغَيْرِهِمْ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ، وَقِيلَ: عِنْدَ ذِكْرِ اللَّهِ وَذِكْرِ رَسُولِهِ قَدَّمَهُ فِي الشَّرْحِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالْفَائِقِ، وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ: أَنَّ هَذَا أَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ، وَعَنْهُ يُشِيرُ بِهَا فِي جَمِيعِ تَشَهُّدِهِ، وَقِيلَ: هَلْ يُشِيرُ بِهَا عِنْدَ ذِكْرِ اللَّهِ وَذِكْرِ رَسُولِهِ فَقَطْ، أَوْ عِنْدَ كُلِّ تَشَهُّدٍ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ. فَائِدَتَانِ. الْأُولَى: لَا يُحَرِّكُ إصْبَعَهُ حَالَةَ الْإِشَارَةِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: يُحَرِّكُهَا، ذَكَرَهُ الْقَاضِي، الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ وَيُشِيرُ بِالسَّبَّابَةِ هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُهُ لَا بِغَيْرِهَا، لَوْ عُدِمَتْ. وَوُجِّهَ احْتِمَالًا أَنَّهُ يُشِيرُ بِغَيْرِهَا إذَا عُدِمَتْ، وَمَا هُوَ بِبَعِيدٍ، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَعَنْهُ يُشِيرُ بِالْإِبْهَامِ طُولَ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيَقْبِضُ الْبَاقِيَ. قَوْلُهُ (وَيَبْسُطُ الْيُسْرَى عَلَى الْفَخِذِ الْيُسْرَى) هَكَذَا قَالَ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ، وَقَالَ فِي الْكَافِي: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ، أَوْ يُلْقِمَهَا رُكْبَتَهُ قَالَ فِي النُّكَتِ: وَهُوَ مُتَوَجِّهٌ لِصِحَّةِ الرِّوَايَةِ وَاخْتَارَهُ صَاحِبُ النَّظْمِ. تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ قَوْلِهِ (هَذَا التَّشَهُّدُ الْأَوَّلُ) أَنَّهُ لَا يَزِيدُ عَلَيْهِ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ وَنَصَّ أَحْمَدُ: أَنَّهُ إنْ زَادَ أَسَاءَ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي
الْجَامِعِ، وَاخْتَارَ ابْنُ هُبَيْرَةَ زِيَادَةَ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاخْتَارَهُ الْآجُرِّيُّ وَزَادَ وَعَلَى آلِهِ. فَائِدَةٌ. لَا تُكْرَهُ التَّسْمِيَةُ فِي أَوَّلِ التَّشَهُّدِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، بَلْ تَرْكُهَا أَوْلَى وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَكَرِهَهَا الْقَاضِي. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الرِّعَايَةِ، وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ: أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِزِيَادَةِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَقِيلَ: قَوْلُهَا أَوْلَى، وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ. وَالْأَوْلَى تَخْفِيفُهُ بِلَا نِزَاعٍ. قَوْلُهُ (هَذَا التَّشَهُّدُ الْأَوَّلُ) يَعْنِي تَشَهُّدَ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَهُوَ أَفْضَلُ التَّشَهُّدَاتِ الْوَارِدَةِ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَالْأَصْحَابِ، وَذَكَرَ فِي الْوَسِيلَةِ رِوَايَةً: تَشَهُّدُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَتَشَهُّدُ ابْنِ عَبَّاسٍ سَوَاءٌ، وَتَشَهُّدُ ابْنِ عَبَّاسٍ التَّحِيَّاتُ الْمُبَارَكَاتُ الصَّلَوَاتُ الطَّيِّبَاتُ لِلَّهِ إلَى آخِرِهِ وَلَفْظُ مُسْلِمٍ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَتَشَهُّدُ عُمَرَ التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، الزَّاكِيَاتُ الطَّيِّبَاتُ، الصَّلَوَاتُ لِلَّهِ، سَلَامُ عَلَيْك إلَى آخِرِهِ وَيَأْتِي الْخِلَافُ فِي قَدْرِ الْوَاجِبِ مِنْهُ فِي الْوَاجِبَاتِ. تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ قَوْلِهِ: وَإِنْ شَاءَ قَالَ (كَمَا صَلَّيْت عَلَى إبْرَاهِيمَ، وَآلِ إبْرَاهِيمَ، كَمَا بَارَكْت عَلَى إبْرَاهِيمَ، وَآلِ إبْرَاهِيمَ) أَنَّ صِفَةَ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْأُولَى، وَهَذِهِ فِي الْفَضِيلَةِ سَوَاءٌ فَيُخَيَّرُ، وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، ذَكَرَهَا فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ الصِّفَةَ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ أَوَّلًا أَوْلَى وَأَفْضَلُ، وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ وَيَحْتَمِلُهُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: هَذَا اخْتِيَارُ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ الرِّوَايَتَيْنِ، وَالْمُخْتَارُ لِأَكْثَرِ الْأَصْحَابِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْوَجِيزِ، وَالْفَائِقِ، وَغَيْرِهِمْ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ،
وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَغَيْرِهِمْ، وَعَنْهُ الْأَفْضَلُ كَمَا صَلَّيْت عَلَى إبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ، كَمَا بَارَكْت عَلَى إبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ عَنْهُ يُخَيَّرُ. ذَكَرَهَا فِي الْفُرُوعِ، وَعَنْهُ الْأَفْضَلُ كَمَا صَلَّيْت عَلَى إبْرَاهِيمَ وَآلِ إبْرَاهِيمَ، وَكَمَا بَارَكْت عَلَى إبْرَاهِيمَ وَآلِ إبْرَاهِيمَ بِإِسْقَاطِ عَلَى كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ ثَانِيًا وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَأَنْكَرَ هَاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَقَالَ: لَمْ أَجِدْ فِي شَيْءٍ مِنْ الصِّحَاحِ كَمَا صَلَّيْت عَلَى إبْرَاهِيمَ، وَآلِ إبْرَاهِيمَ بَلْ الْمَشْهُورُ فِي أَكْثَرِ الْأَحَادِيثِ وَالطُّرُقِ لَفْظُ آلِ إبْرَاهِيمَ وَفِي بَعْضِهَا لَفْظُ إبْرَاهِيمَ وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ: الْجَمْعُ بَيْنَ لَفْظِ إبْرَاهِيمَ، وَآلِ إبْرَاهِيمَ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا، وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مَوْقُوفًا. انْتَهَى. قَالَ فِي جَامِعِ الِاخْتِيَارَاتِ، قُلْت: قَدْ رَوَى الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ، وَأَخَذُوا ذَلِكَ مِنْ كَلَامِ شَيْخِهِ فِي قَوَاعِدِهِ فِي الْقَاعِدَةِ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ، وَقَالَ: أَخْرَجَهُ أَيْضًا النَّسَائِيّ، وَهُوَ كَمَا قَالَ. تَنْبِيهٌ: يَأْتِي مِقْدَارُ الْوَاجِبِ مِنْ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ، وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي التَّشَهُّدِ، وَالْخِلَافُ فِي ذَلِكَ فِي آخِرِ الْبَابِ، فِي الْأَرْكَانِ وَالْوَاجِبَاتِ. فَوَائِدُ. الْأُولَى: الْأَفْضَلُ تَرْتِيبُ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالتَّشَهُّدِ عَلَى مَا وَرَدَ، فَيُقَدَّمُ التَّشَهُّدُ عَلَى الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ. فَإِنْ قَدَّمَ وَأَخَّرَ فَفِي الْإِجْزَاءِ وَجْهَانِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالتَّمَامِ لِأَبِي الْحُسَيْنِ، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَابْنُ تَمِيمٍ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَإِنْ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ قَبْلَهُ، أَوْ نَكَّسَهُ مَعَ بَقَاءِ الْمَعْنَى لَمْ يُجْزِئْهُ، وَقِيلَ: بَلَى، ذَكَرَهُ الْقَاضِي،
الثَّانِيَةُ: لَوْ أَبْدَلَ آلَ بِأَهْلِ فِي الصَّلَاةِ، فَهَلْ يُجْزِئُهُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَأَطْلَقَهُمَا الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَصَاحِبُ الْمَطْلَعِ، وَالرِّعَايَةِ، وَالْفُرُوعِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَابْنُ عُبَيْدَانِ، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ. أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ وَيُجْزِيهِ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَقَالَ: مَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ، وَكَذَلِكَ لَوْ صَغَّرَ فَقَالَ أُهَيْلِ وَقَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا قَدَّمَهُ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي حَوَاشِيهِ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يُجْزِيهِ، اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ وَأَبُو حَفْصٍ؛ لِأَنَّ الْأَهْلَ الْقَرَابَةُ، وَالْآلَ الْأَتْبَاعُ فِي الدِّينِ. الثَّالِثَةُ: آلُهُ أَتْبَاعُهُ عَلَى دِينِهِ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ -، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ مِنْ الْأَصْحَابِ، قَالَهُ الْمَجْدُ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَشَرْحِ الْمَجْدِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَالْمَطْلَعِ، وَابْنُ عُبَيْدَانِ، وَابْنُ مُنَجَّى فِي شَرْحَيْهِمَا، وَقِيلَ آلُهُ أَزْوَاجُهُ وَعَشِيرَتُهُ مِمَّنْ آمَنَ بِهِ قَيَّدَهُ بِهِ ابْنُ تَمِيمٍ، وَقِيلَ: بَنُو هَاشِمٍ الْمُؤْمِنُونَ، وَأَطْلَقَهُنَّ فِي الْفُرُوعِ، وَقِيلَ آلُهُ بَنُو هَاشِمٍ، وَبَنُو الْمُطَّلِبِ، ذَكَرَهُ فِي الْمَطْلَعِ. وَقِيلَ: أَهْلُهُ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ آلُهُ أَهْلُ بَيْتِهِ، وَقَالَ: هُوَ نَصُّ أَحْمَدَ، وَاخْتِيَارُ الشَّرِيفِ أَبِي جَعْفَرٍ وَغَيْرِهِمْ فَمِنْهُمْ بَنُو هَاشِمٍ، وَفِي بَنِي الْمُطَّلِبِ رِوَايَةُ الزَّكَاةِ قَالَ فِي الْفَائِقِ آلُهُ أَهْلُ بَيْتِهِ فِي الْمَذْهَبِ اخْتَارَهُ أَبُو حَفْصٍ، وَهَلْ أَزْوَاجُهُ مِنْ آلِهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. انْتَهَى. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَالْمُخْتَارُ، دُخُولُ أَزْوَاجِهِ فِي أَهْلِ بَيْتِهِ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أَيْضًا، أَفْضَلُ أَهْلِ بَيْتِهِ: عَلِيٌّ، وَفَاطِمَةُ، وَحَسَنٌ، وَحُسَيْنٌ. الَّذِينَ أَدَارَ عَلَيْهِمْ الْكِسَاءَ وَخَصَّهُمْ بِالدُّعَاءِ
قَالَ فِي الِاخْتِيَارَاتِ: وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: أَنَّ حَمْزَةَ أَفْضَلُ مِنْ حَسَنٍ وَحُسَيْنٍ وَاخْتَارَهُ بَعْضُهُمْ. الرَّابِعَةُ: تَجُوزُ الصَّلَاةُ عَلَى غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَسَلَّمَ مُنْفَرِدًا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ قَالَ الْأَصْفَهَانِيُّ فِي شَرْحِ خُطْبَةِ الْخِرَقِيِّ: وَلَا تَخْتَصُّ الصَّلَاةُ بِالْأَنْبِيَاءِ عِنْدَنَا، لِقَوْلِ عَلِيٍّ لِعُمَرَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْك وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَحَكَى ابْنُ عَقِيلٍ عَنْ الْقَاضِي: أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ مُطْلَقًا، وَقِيلَ: لَا يُصَلَّى عَلَى غَيْرِهِمْ إلَّا تَبَعًا لَهُ جَزَمَ بِهِ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالنَّظْمِ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَالْآدَابِ الْكُبْرَى قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَكَرِهَهَا جَمَاعَةٌ، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَقِيلَ: يُسَنُّ الصَّلَاةُ عَلَى غَيْرِهِ مُطْلَقًا، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُوَافِقًا لِلْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: يَحْرُمُ اخْتَارَهُ أَبُو الْمَعَالِي وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ مَنْعَ الشِّعَارِ، وَمَحَلُّ الْخِلَافِ فِي غَيْرِهِ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ - أَمَّا هُوَ: فَإِنَّهُ قَدْ صَحَّ عَنْهُ الصَّلَاةُ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى وَغَيْرِهِمْ، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ} [التوبة: 103] . الْخَامِسَةُ: تُسْتَحَبُّ الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ وَتَتَأَكَّدُ كَثِيرًا عِنْدَ ذِكْرِهِ. قُلْت: وَفِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَلَيْلَتِهَا لِلْأَخْبَارِ فِي ذَلِكَ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَقِيلَ: تَجِبُ كُلَّمَا ذُكِرَ اخْتَارَهُ ابْنُ بَطَّةَ، ذَكَرَهُ عَنْهُ وَلَدُ صَاحِبِ الْفُرُوعِ فِي شَرْحِ الْمُقْنِعِ، وَقَالَ: ذَهَبَ إلَيْهِ الْمُتَقَدِّمُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا. وَاخْتَارَهُ أَيْضًا الْحَلِيمِيُّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ، ذَكَرَهُ ابْنُ رَجَبٍ وَغَيْرُهُ عَنْهُ. وَالطَّحَاوِيُّ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ، ذَكَرَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ عَنْهُ وَغَيْرُهُ، وَكَذَا الْبَزْدَوِيُّ مِنْهُمْ، ذَكَرَهُ وَلَدُ صَاحِبِ الْفُرُوعِ عَنْهُ، وَأَظُنُّ أَنَّ اللَّخْمِيَّ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ اخْتَارَهُ، وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ أَيْضًا: تَجِبُ فِي الْعُمُرِ مَرَّةً. وَحَكَى ذَلِكَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ، وَأَصْحَابِهِ، وَالثَّوْرِيِّ، وَالْأَوْزَاعِيِّ
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَالْقَاضِي عِيَاضٌ: هُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْأُمَّةِ، وَقَالَ فِي آدَابِ الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى بَعْدَ أَنْ قَالَ: تُسَنُّ الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ وَهِيَ فَرْضُ كِفَايَةٍ. انْتَهَى. وَتَبِعَهُ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى. قَوْلُهُ (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَعَوَّذَ فَيَقُولُ: أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ إلَى آخِرِهِ) ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَعَنْهُ التَّعَوُّذُ وَاجِبٌ، حَكَاهَا الْقَاضِي، وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ بَطَّةَ: مَنْ تَرَكَ مِنْ الدُّعَاءِ الْمَشْرُوعِ شَيْئًا مِمَّا يُقْصَدُ بِهِ الثَّنَاءُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى أَعَادَ، وَعَنْ أَحْمَدَ: مَنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْ الدُّعَاءِ عَمْدًا يُعِيدُ. قَوْلُهُ (وَإِنْ دَعَا بِمَا وَرَدَ فِي الْأَخْبَارِ فَلَا بَأْسَ) ، وَهَذَا بِلَا نِزَاعٍ قَالَ الشَّيْخُ شَمْسُ الدِّينِ بْنُ مُفْلِحٍ فِي حَوَاشِيهِ: الْمُرَادُ بِالْأَخْبَارِ أَخْبَارُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي الْمُذْهَبِ: لَا يَدْعُو بِمَا لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَمِثْلُهُ قَالَ فِي التَّلْخِيصِ: وَلْيَتَخَيَّرْ مِنْ الْأَدْعِيَةِ الْوَارِدَةِ فِي الْحَدِيثِ مَا أَحَبَّ، وَلَا يَدْعُو فِي الصَّلَاةِ بِغَيْرِهَا. انْتَهَى. زَادَ غَيْرُهُمْ: وَأَخْبَارُ الصَّحَابَةِ أَيْضًا قَالَ الشَّارِحُ وَغَيْرُهُ: الْمُرَادُ بِالْأَخْبَارِ أَخْبَارُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابِهِ وَالسَّلَفِ. تَنْبِيهٌ: مَفْهُومُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: أَنَّهُ إنْ دَعَا بِغَيْرِ مَا وَرَدَ فِي الْأَخْبَارِ: أَنَّ بِهِ بَأْسًا وَهُوَ قِسْمَانِ. أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الدُّعَاءُ مِنْ أَمْرِ الْآخِرَةِ كَالدُّعَاءِ بِالرِّزْقِ الْحَلَالِ، وَالرَّحْمَةِ وَالْعِصْمَةِ مِنْ الْفَوَاحِشِ وَنَحْوِهِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ الْمَدْعُوُّ بِهِ يُشْبِهُ مَا وَرَدَ فَهَذَا يَجُوزُ الدُّعَاءُ بِهِ فِي الصَّلَاةِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، مِنْهُمْ الْقَاضِي وَالْمُصَنِّفُ، وَالْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَالشَّارِحُ، وَغَيْرُهُمْ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالزَّرْكَشِيُّ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْفَائِقِ
وَعَنْهُ لَا يَجُوزُ، وَتَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِهِ فِي وَجْهٍ فِي مُخْتَصَرِ ابْنِ تَمِيمٍ قَالَ الشَّارِحُ: قَالَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ، وَيَحْتَمِلُهُ كَلَامُ أَحْمَدَ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالتَّلْخِيصِ وَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا يَدْعُو بِذَلِكَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، الْقِسْمُ الثَّانِي: الدُّعَاءُ بِغَيْرِ مَا وَرَدَ، وَلَيْسَ مِنْ أَمْرِ الْآخِرَةِ فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الدُّعَاءُ بِذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ، وَتَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِهِ. وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَعَنْهُ يَجُوزُ الدُّعَاءُ بِحَوَائِجِ دُنْيَاهُ، وَعَنْهُ يَجُوزُ الدُّعَاءُ بِحَوَائِجِ دُنْيَاهُ وَمَلَّاذِهَا. كَقَوْلِهِ: اللَّهُمَّ اُرْزُقْنِي جَارِيَةً حَسْنَاءَ، وَحُلَّةً خَضْرَاءَ، وَدَابَّةً هِمْلَاجَةً، وَنَحْوَ ذَلِكَ. فَائِدَتَانِ. الْأُولَى: يَجُوزُ الدُّعَاءُ فِي الصَّلَاةِ لِشَخْصٍ مُعَيَّنٍ، فِي الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ كَمَا كَانَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ يَدْعُو لِجَمَاعَةٍ فِي الصَّلَاةِ، مِنْهُمْ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَعَنْهُ لَا يَجُوزُ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْفَائِقِ، وَعَنْهُ يَجُوزُ فِي النَّفْلِ دُونَ الْفَرْضِ وَاخْتَارَهُ أَبُو الْحُسَيْنِ، قُلْت: وَهُوَ أَوْلَى، وَعَنْهُ يُكْرَهُ قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ، الثَّانِيَةُ: مَحَلُّ الْخِلَافِ فِيمَا تَقَدَّمَ: إذَا لَمْ يَأْتِ فِي الدُّعَاءِ بِكَافِ الْخِطَابِ فَإِنْ أَتَى بِهَا بَطَلَتْ قَوْلًا وَاحِدًا، ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ، قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقَالَ أَيْضًا: ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ: لَا تَبْطُلُ بِقَوْلِهِ لَعَنَهُ اللَّهُ عِنْدَ ذِكْرِ الشَّيْطَانِ، عَلَى الْأَصَحِّ وَلَا تَبْطُلُ صَلَاةُ مَنْ عَوَّذَ نَفْسَهُ بِقُرْآنٍ لِحُمَّى، وَلَا مَنْ لَدَغَتْهُ عَقْرَبٌ فَقَالَ بِسْمِ اللَّهِ وَلَا بِالْحَوْقَلَةِ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا، وَيَأْتِي ذَلِكَ بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ وَلَهُ أَنْ يَفْتَحَ عَلَى الْإِمَامِ إذَا اُرْتُجَّ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ (ثُمَّ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ) الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ ابْتِدَاءَ السَّلَامِ يَكُونُ حَالَ الْتِفَاتِهِ قَدَّمَهُ فِي
الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ رَزِينٍ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَشَرْحِ الْمَجْدِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَيَلْتَفِتُ بِالرَّحْمَةِ مِنْهُمْ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ، وَيَأْتِي إذَا سَلَّمَ الْمَأْمُومُ قَبْلَ سَلَامِ الْإِمَامِ، هَلْ تَبْطُلُ الصَّلَاةُ، عِنْدَ قَوْلِهِ فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ وَإِنْ رَكَعَ وَرَفَعَ قَبْلَ رُكُوعِهِ. فَوَائِدُ. الْأُولَى: يَجْهَرُ بِهِ إذَا سَلَّمَ عَنْ يَمِينِهِ، وَيَسَّرَ بِهِ إذَا سَلَّمَ عَنْ يَسَارِهِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَنَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَهُوَ أَوْلَى وَاخْتَارَهُ الْخَلَّالُ، وَأَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ، وَأَبُو حَفْصٍ الْعُكْبَرِيُّ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَشَرْحِ الْمَجْدِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ، وَقِيلَ: يُسِرُّ بِهِ عَنْ يَمِينِهِ، وَيَجْهَرُ بِهِ عَنْ يَسَارِهِ، عَكْسُ الْأَوَّلِ اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ، لِئَلَّا يُسَابِقَهُ الْمَأْمُومُ فِي السَّلَامِ، وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ يَجْهَرُ فِيهِمَا، وَيَكُونُ الْجَهْرُ فِي الْأُولَى أَكْثَرَ، وَقِيلَ: يُسِرُّهُمَا. تَنْبِيهٌ: مَحَلُّ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ: إذَا كَانَ إمَامًا أَوْ مُنْفَرِدًا فَإِنْ كَانَ مَأْمُومًا أَسَرَّهُمَا. بِلَا نِزَاعٍ أَعْلَمُهُ، وَقِيلَ: الْمُنْفَرِدُ كَالْمَأْمُومِ جَزَمَ بِهِ فِي الْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، الثَّانِيَةُ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ الْتِفَاتُهُ عَنْ يَسَارِهِ أَكْثَرَ مِنْ الْتِفَاتِهِ عَنْ يَمِينِهِ، فَعَلَهُ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ. وَحَدُّهُ الْتِفَاتُهُ بِحَيْثُ يُرَى خَدَّاهُ، قَالَهُ فِي التَّلْخِيصِ
وَالْبُلْغَةِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالرِّعَايَةِ، وَغَيْرِهِمْ؛ لِلْأَخْبَارِ فِي ذَلِكَ. الثَّالِثَةُ: حَذْفُ السَّلَامِ سُنَّةٌ، وَرُوِيَ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: أَنَّهُ الْجَهْرُ بِالتَّسْلِيمَةِ الْأُولَى، وَإِخْفَاءُ الثَّانِيَةِ. قَالَ فِي التَّلْخِيصِ: وَالسُّنَّةُ أَنْ تَكُونَ التَّسْلِيمَةُ الثَّانِيَةُ أَخْفَى، وَهُوَ حَذْفُ السَّلَامِ فِي أَظْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ، وَرُوِيَ عَنْهُ: أَنَّهُ لَا يُطَوِّلُهُ، وَيَمُدَّهُ فِي الصَّلَاةِ، وَعَلَى النَّاسِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ، وَغَيْرُهُمْ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيُتَوَجَّهُ إرَادَتُهُمَا، وَأَطْلَقَ الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، الرَّابِعَةُ: يُسْتَحَبُّ جَزْمُهُ وَعَدَمُ إعْرَابِهِ. قَوْلُهُ (فَإِنْ لَمْ يَقُلْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ لَمْ يُجْزِهِ) يَعْنِي أَنَّ قَوْلَهُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ فِي سَلَامِهِ رُكْنٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ صَحَّحَهُ فِي الْمُذْهَبِ قَالَ النَّاظِمُ وَهُوَ الْأَقْوَى وَاخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَابْنُ الْبَنَّا فِي عُقُودِهِ قَالَ ابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ: هَذَا الْمَذْهَبُ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَقَدَّمَهُ فِي الْهِدَايَةِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْهَادِي، وَالرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِيَيْنِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَكْثَرِ لِذِكْرِهِمْ، وَهُوَ مِنْ مُفْرَدَاتِ الْمَذْهَبِ، وَقَالَ الْقَاضِي: يُجْزِيهِ، يَعْنِي أَنَّ قَوْلَهَا سُنَّةٌ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ اخْتَارَهَا الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفَائِقِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُغْنِي، وَالْكَافِي، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ وَالْمُحَرَّرِ، وَالشَّرْحِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَغَيْرُهُمْ، وَقِيلَ: هِيَ مِنْ الْوَاجِبَاتِ اخْتَارَهُ الْآمِدِيُّ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنَوِّرِ، وَأَمَّا قَوْلُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ فِي الْجِنَازَةِ، فَنَصَّ أَحْمَدُ: أَنَّهُ لَا يَجِبُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَفِيهِ وَجْهٌ: لَا يُجْزِئُ بِدُونِ ذِكْرِ
الرَّحْمَةِ وَقَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: إذَا لَمْ نُوجِبْهُ فِي الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ فَهُنَا أَوْلَى، وَإِنْ أَوْجَبْنَاهُ هُنَاكَ احْتَمَلَ فِي الْجِنَازَةِ وَجْهَيْنِ. فَائِدَتَانِ. إحْدَاهُمَا: لَوْ نَكَّسَ السَّلَامَ، فَقَالَ عَلَيْكُمْ السَّلَامُ أَوْ نَكَّسَ السَّلَامَ فِي التَّشَهُّدِ فَقَالَ عَلَيْك السَّلَامُ أَيُّهَا النَّبِيُّ، أَوْ عَلَيْنَا السَّلَامُ، وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ لَمْ يُجْزِهِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: يُجْزِيهِ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي. وَهُمَا وَجْهَانِ ذَكَرَهُمَا الْقَاضِي فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ، وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ. الثَّانِيَةُ: لَوْ نَكَّرَ السَّلَامَ فَقَالَ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ أَوْ نَكَّسَ السَّلَامَ فِي التَّشَهُّدِ. فَقَالَ عَلَيْك السَّلَامُ أَيُّهَا النَّبِيُّ أَوْ عَلَيْنَا السَّلَامُ، وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ لَمْ يُجْزِهِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: هَذَا الصَّحِيحُ عِنْدَنَا وَصَحَّحَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ، وَقِيلَ: يُجْزِيهِ. قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْفَائِقِ، وَقِيلَ: تَنْكِيرُهُ أَوْلَى قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَفِيهِ ضَعْفٌ، وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ: وَفِيهِ وَجْهٌ ثَالِثٌ يُجْزِئُ مَعَ التَّنْوِينِ، وَلَا يُجْزِي مَعَ عَدَمِهِ، ذَكَرَهُ الْآمِدِيُّ تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ: أَنَّهُ لَا يَزِيدُ بَعْدَ ذِكْرِ الرَّحْمَةِ وَبَرَكَاتُهُ وَهُوَ الْأَوْلَى، قَالَهُ الْأَصْحَابُ. وَقَالَ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَغَيْرُهُمْ: إنْ زَادَ وَبَرَكَاتُهُ فَحَسَنٌ قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ: وَالْأَوَّلُ أَحْسَنُ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ فَإِنْ زَادَ وَبَرَكَاتُهُ جَازَ. قَوْلُهُ (وَيَنْوِي بِسَلَامِهِ الْخُرُوجَ مِنْ الصَّلَاةِ فَإِنْ لَمْ يَنْوِ جَازَ) يَعْنِي أَنَّ ذَلِكَ مُسْتَحَبٌّ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ قَالَ ابْنُ رَجَبٍ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ: اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ:
هُوَ الْمَنْصُوصُ الْمَشْهُورُ، إذْ هُوَ بَعْضُ الصَّلَاةِ، فَشَمَلَتْهُ نِيَّتُهَا وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُغْنِي، وَالْحَاوِي، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالْفَائِقِ وَغَيْرُهُمْ وَاخْتَارَهُ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ، وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: تَبْطُلُ صَلَاتُهُ. يَعْنِي أَنَّهَا رُكْنٌ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، وَلَمْ يَذْكُرْ ابْنُ هُبَيْرَةَ عَنْ أَحْمَدَ غَيْرَهُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَقِيلَ: إنْ سَهَا عَنْهَا سَجَدَ لِلسَّهْوِ، يَعْنِي أَنَّهَا وَاجِبَةٌ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِفَادَاتِ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ، قَالَ فِي الْمُذْهَبِ: وَاجِبَةٌ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، قَالَ الْآمِدِيُّ إنْ قُلْنَا بِوُجُوبِهَا فَتَرَكَهَا عَمْدًا: بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَإِنْ كَانَ سَهْوًا صَحَّتْ، وَيَسْجُدُ السَّهْوَ فَوَائِدُ. الْأُولَى: لَوْ نَوَى بِسَلَامِهِ الْخُرُوجَ مِنْ الصَّلَاةِ وَعَلَى الْحَفَظَةِ، وَالْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ جَازَ، وَلَمْ يُسْتَحَبَّ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ نَصَّ عَلَيْهِ، وَاخْتَارَهُ الْآمِدِيُّ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَالْفَائِقِ قَالَ فِي التَّلْخِيصِ: لَمْ تَبْطُلْ عَلَى الْأَظْهَرِ، وَقِيلَ: تَبْطُلُ لِلتَّشْرِيكِ، وَقِيلَ: يُسْتَحَبُّ، وَقِيلَ: يُسْتَحَبُّ بِالتَّسْلِيمَةِ الثَّانِيَةِ. الثَّانِيَةُ: لَوْ نَوَى بِسَلَامِهِ عَلَى الْحَفَظَةِ، وَالْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ، وَلَمْ يَنْوِ الْخُرُوجَ فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: الْجَوَازُ نَصَّ عَلَيْهِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالْأَشْهَرُ الْجَوَازُ وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْفَائِقِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَشَرْحِ الْمَجْدِ، وَقِيلَ: تَبْطُلُ لِتَمَحُّضِهِ كَلَامَ آدَمِيٍّ اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ، وَعَنْهُ يَنْوِي الْمَأْمُومُ بِسَلَامِهِ الرَّدَّ عَلَى إمَامِهِ قَالَ ابْنُ رَجَبٍ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ: وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ قَالَ: وَهَلْ هُوَ مَسْنُونٌ، أَوْ مُسْتَحَبٌّ، أَوْ جَائِزٌ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ
إحْدَاهُمَا: يُسَنُّ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي حَفْصٍ الْعُكْبَرِيِّ، وَالثَّانِيَةُ: الْجَوَازُ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْقَاضِي أَبِي يَعْلَى، وَغَيْرِهِ، وَقَالَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ هَانِئٍ: إذَا نَوَى بِتَسْلِيمِهِ الرَّدَّ عَلَى الْإِمَامِ أَجْزَأَهُ قَالَ، وَظَاهِرُ هَذَا: أَنَّهُ وَاجِبٌ لِأَنَّهُ رَدُّ سَلَامٍ فَيَكُونُ فَرْضَ كِفَايَةٍ، إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّ الْمُسْلِمَ فِي الصَّلَاةِ لَا يَجِبُ الرَّدُّ عَلَيْهِ، أَوْ يُقَالُ: إنَّهُ يَجُوزُ تَأْخِيرُ الرَّدِّ إلَى بَعْدِ السَّلَامِ. انْتَهَى. قَالَ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ: وَقِيلَ: تَبْطُلُ بِتَرْكِ السَّلَامِ عَلَى إمَامِهِ قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَعَنْهُ لَا يَتْرُكُ السَّلَامَ عَلَى الْإِمَامِ فِي الصَّلَاةِ، وَقَالَ أَبُو حَفْصٍ الْعُكْبَرِيُّ: السُّنَّةُ أَنْ يَنْوِيَ بِالْأُولَى: الْخُرُوجَ مِنْ الصَّلَاةِ، وَبِالثَّانِيَةِ: الرَّدَّ عَلَى الْإِمَامِ وَالْحَفَظَةِ وَمَنْ يُصَلِّي مَعَهُ، إنْ كَانَ فِي جَمَاعَةٍ، وَقِيلَ: عَكْسُهُ قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ بَعْدَ قَوْلِ أَبِي حَفْصٍ: وَفِيهِ وَجْهٌ، يَنْوِي كَذَلِكَ، إنْ قُلْنَا الثَّانِيَةُ: سُنَّةٌ، وَإِنْ قُلْنَا وَاجِبَةٌ: نَوَى بِالْأُولَى الْحَفَظَةَ، وَبِالثَّانِيَةِ الْخُرُوجَ، وَقَالَ الْآمِدِيُّ: لَا يَخْتَلِفُ أَصْحَابُنَا أَنَّهُ يَنْوِي بِالْأُولَى الْخُرُوجَ فَقَطْ، وَفِي الثَّانِيَةِ: وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا: كَذَلِكَ، وَالثَّانِي: يُسْتَحَبُّ أَنْ يُضِيفَ إلَى ذَلِكَ نِيَّةَ الْحَفَظَةِ وَمَنْ مَعَهُ، وَقَالَ صَاحِبُ الْإِيضَاحِ: نِيَّةُ الْخُرُوجِ فِي الْأُولَى إنْ قُلْنَا الثَّانِيَةُ سُنَّةٌ، وَفِي الثَّانِيَةِ إنْ قُلْنَا: هِيَ وَاجِبَةٌ كَذَا قَالَ فِي الْمُبْهِجِ وَقَالَ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَنْوِيَ الْخُرُوجَ فِي الثَّانِيَةِ، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: بَلْ فِي الْأَوَّلَةِ. الثَّالِثَةُ: قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: لَوْ رَدَّ سَلَامَهُ الْحَاضِرُونَ وَلَمْ يَنْوِ الْخُرُوجَ فَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: تَبْطُلُ صَلَاتُهُ، وَجْهًا وَاحِدًا، وَقَالَ غَيْرُهُ: فِيهِ وَجْهَانِ الرَّابِعَةُ: قَالَ فِي الْفُرُوعِ: إنْ وَجَبَتْ الثَّانِيَةُ اُعْتُبِرَتْ نِيَّةُ الْخُرُوجُ فِيهَا، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ، وَتَقَدَّمَ مَا يَشْهَدُ لِذَلِكَ
وَقَالَ ابْنُ رَجَبٍ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ: وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ يَنْوِي الْخُرُوجَ بِالْأُولَى سِرًّا إنْ قُلْنَا يَخْرُجُ بِهَا مِنْ الصَّلَاةِ، أَوْ قُلْنَا لَا يَخْرُجُ إلَّا بِالثَّانِيَةِ، وَمِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ قَالَ: إنْ قُلْنَا الثَّانِيَةُ سُنَّةٌ نَوَى بِالْأُولَى الْخُرُوجَ، وَإِنْ قُلْنَا الثَّانِيَةُ فَرْضٌ نَوَى الْخُرُوجَ بِالثَّانِيَةِ خَاصَّةً. تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ قَوْلِهِ (وَإِنْ كَانَ فِي مَغْرِبٍ، أَوْ رُبَاعِيَّةٍ، نَهَضَ مُكَبِّرًا إذَا فَرَغَ مِنْ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ) أَنَّهُ لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ إذَا نَهَضَ مُكَبِّرًا، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَعَنْهُ يَرْفَعُهُمَا اخْتَارَهُ الْمَجْدُ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَصَاحِبُ الْفَائِقِ، وَابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ أَظْهَرُ قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ فَإِنَّهُ قَدْ صَحَّ عَنْهُ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ " أَنَّهُ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ إذَا قَامَ مِنْ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. قَوْلُهُ (إلَّا أَنَّهُ لَا يَجْهَرُ، وَلَا يَقْرَأُ شَيْئًا بَعْدَ الْفَاتِحَةِ) لَا يَجْهَرُ فِي الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ بِلَا نِزَاعٍ، وَلَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ فِيهِمَا بَعْدَ الْفَاتِحَةِ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَعَنْهُ يُسَنُّ، ذَكَرَهَا الْقَاضِي فِي شَرْحِهِ الصَّغِيرِ، وَالْقَاضِي أَبِي الْحُسَيْنِ فِي فُرُوعِهِ فَعَلَى الْمَذْهَبِ: لَا تُكْرَهُ الْقِرَاءَةُ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ، بَلْ تُبَاحُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ وَصَحَّحَهُ [فَائِدَةٌ: النَّفَلُ فِي الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ كَالْفَرْضِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِ الْأَصْحَابِ، قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقَالَ أَيْضًا: فِيمَا إذَا شَفَعَ الْمَغْرِبَ بِرَابِعَةٍ فِي إعَادَتِهَا يَقْرَأُ بِالْحَمْدِ وَسُورَةٍ كَالتَّطَوُّعِ نَقَلَهُ أَبُو دَاوُد وَقَطَعَ بِهِ] الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ وَغَيْرُهُ قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: هَذَا أَقْوَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَعَنْهُ يُكْرَهُ، وَلَعَلَّهُ أَوْلَى
قَوْلُهُ (ثُمَّ يَجْلِسُ فِي التَّشَهُّدِ الثَّانِي مُتَوَرِّكًا، يَفْرِشُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَيَنْصِبُ رِجْلَهُ الْيُمْنَى، وَيُخْرِجُهُمَا عَنْ يَمِينِهِ، وَيَجْعَلُ أَلْيَتَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ) يَتَوَرَّكُ فِي التَّشَهُّدِ الثَّانِي، وَاخْتَلَفَ الْأَصْحَابُ فِي صِفَتِهِ فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ هُنَا جَزَمَ بِهِ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْمُذْهَبِ وَغَيْرِهِمْ وَاخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَغَيْرُهُ وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَصَاحِبُ [الشَّرْحِ] وَالرِّعَايَةِ، وَالْحَاوِي، وَغَيْرُهُمْ، وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: إذَا جَلَسَ لِلتَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ تَوَرَّكَ، فَنَصَبَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى، وَجَعَلَ بَاطِنَ رِجْلِهِ الْيُسْرَى تَحْتَ فَخِذِهِ الْيُمْنَى، وَجَعَلَ أَلْيَتَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَالْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَصَاحِبُ الْحَاوِي، قَالَ الْمُصَنِّفُ: فَأَيُّهُمَا فَعَلَ فَحَسَنٌ، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَقِيلَ يُخْرِجُ قَدَمَهُ الْأَيْسَرَ مِنْ تَحْتِ سَاقِهِ الْأَيْمَنِ، وَيَقْعُدُ عَلَى أَلْيَتَيْهِ، أَوْ يَجْعَلُ فَخِذَ رِجْلِهِ الْيُمْنَى عَلَى بَاطِنِ قَدَمِ رِجْلِهِ الْيُسْرَى، وَيَقْعُدُ عَلَى أَلْيَتَيْهِ، وَقِيلَ: أَوْ يُؤَخِّرُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى، وَيَجْلِسُ مُتَوَرِّكًا عَلَى شِقِّهِ الْأَيْسَرِ، أَوْ يَجْعَلُ قَدَمَهُ الْيُسْرَى تَحْتَ فَخِذِهِ وَسَاقِهِ. تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ قَوْلِهِ (ثُمَّ يَجْلِسُ فِي التَّشَهُّدِ الثَّانِي مُتَوَرِّكًا) أَنَّهُ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ رُبَاعِيَّةٍ، أَوْ ثُلَاثِيَّةٍ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَعَنْهُ لَا يَتَوَرَّكُ فِي الْمَغْرِبِ. فَائِدَةٌ: لَوْ سَجَدَ لِلسَّهْوِ بَعْدَ السَّلَامِ مِنْ ثُلَاثِيَّةٍ أَوْ رُبَاعِيَّةٍ، تَوَرَّكَ بِلَا خِلَافٍ أَعْلَمُهُ وَنَصَّ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ ثُنَائِيَّةٍ: فَهَلْ يَتَوَرَّكُ أَوْ يَفْتَرِشُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، أَحَدُهُمَا: يَفْتَرِشُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ قَالَ: وَهُوَ أَصَحُّ قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: افْتَرَشَ فِي الْأَصَحِّ وَقَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَتَوَرَّكُ اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَيَأْتِي ذَلِكَ أَيْضًا فِي آخِرِ بَابِ
سُجُودِ السَّهْوِ، وَيَأْتِي أَيْضًا تَوَرُّكُ الْمَسْبُوقِ فِي بَابِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ " وَمَا أَدْرَكَ مَعَ الْإِمَامِ فَهُوَ آخِرُ صَلَاتِهِ " قَوْلُهُ (وَالْمَرْأَةُ كَالرَّجُلِ فِي ذَلِكَ إلَّا أَنَّهَا تَجْمَعُ نَفْسَهَا فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَكَذَا فِي بَقِيَّةِ الصَّلَاةِ بِلَا نِزَاعٍ، وَتَجْلِسُ مُتَرَبِّعَةً أَوْ تَسْدِلُ رِجْلَيْهَا فَتَجْعَلُهَا فِي جَانِبِ يَمِينِهَا) فَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَأَكْثَرِ الْأَصْحَابِ: أَنَّهَا مُخَيَّرَةٌ بَيْنَ السَّدْلِ وَالتَّرَبُّعِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْحَاوِيَيْنِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، لَكِنْ قَالَا: تَجْلِسُ مُتَرَبِّعَةً، أَوْ مُتَوَرِّكَةً وَالْمَنْصُوصُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: أَنَّ السَّدْلَ أَفْضَلُ وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ تَمِيمٍ، وَالْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَحَكَاهُ رِوَايَةً فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ وَاخْتَارَهُ الْخَلَّالُ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ الزَّرْكَشِيُّ، وَجَزَمَ فِي الْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ، وَغَيْرِهِمَا: أَنَّهَا تَجْلِسُ مُتَرَبِّعَةً، وَأَمَّا إسْرَارُهَا بِالْقِرَاءَةِ: فَتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ " وَيَجْهَرُ الْإِمَامُ بِالْقِرَاءَةِ فِي الصُّبْحِ. قَوْلُهُ (وَهَلْ يُسَنُّ لَهَا رَفْعُ الْيَدَيْنِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الشَّرْحِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْمُذْهَبِ، وَهُمَا فِيهِ وَجْهَانِ إحْدَاهُمَا: يُسَنُّ لَهَا رَفْعُ الْيَدَيْنِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ وَابْنُ تَمِيمٍ، الثَّانِيَةُ: لَا يُسَنُّ جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَالتَّسْهِيلِ وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَهُوَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ، وَالْهِدَايَةِ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ، لِعَدَمِ اسْتِثْنَائِهِ، وَعَنْهُ تَرْفَعُهُمَا قَلِيلًا اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَإِلَيْهِ مَيْلُ الْمَجْدِ فِي شَرْحِهِ فَإِنَّهُ قَالَ: هُوَ أَوْسَطُ الْأَقْوَالِ، وَعَنْهُ يَجُوزُ، وَعَنْهُ يُكْرَهُ قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: وَهَلْ يُسَنُّ لَهَا رَفْعُ الْيَدَيْنِ؟ تَوَقَّفَ أَحْمَدُ. فَائِدَةٌ: الْخُنْثَى الْمُشْكِلُ كَالْمَرْأَةِ، قَالَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ فِي رِعَايَتِهِ
تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ (وَيُكْرَهُ الِالْتِفَاتُ فِي الصَّلَاةِ) مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ ثَمَّ حَاجَةٌ فَإِنْ كَانَ ثَمَّ حَاجَةٌ، كَمَا إذَا اشْتَدَّ الْحَرْبُ وَنَحْوُهُ لَمْ يُكْرَهْ، وَمُقَيَّدٌ أَيْضًا بِمَا إذَا كَانَ يَسِيرًا فَأَمَّا إنْ كَانَ كَثِيرًا، مِثْلَ إنْ اسْتَدَارَ بِجُمْلَتِهِ أَوْ اسْتَدْبَرَهَا فَإِنَّ صَلَاتَهُ تَبْطُلُ بِلَا نِزَاعٍ. قُلْت: وَيُسْتَثْنَى مِنْ عُمُومِ ذَلِكَ مَسْأَلَةٌ، وَهِيَ مَا إذَا اسْتَدَارَ بِجُمْلَتِهِ، وَكَانَ دَاخِلَ الْبَيْتِ الْحَرَامِ فَإِنَّهُ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ بِلَا نِزَاعٍ فَيُعَايَى بِهَا، وَقَدْ يُسْتَثْنَى أَيْضًا: مَا إذَا اخْتَلَفَ اجْتِهَادُهُ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ يَسْتَدِيرُ إلَى جِهَةِ مَا أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَيْهَا، لَكِنْ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: هَذِهِ الْجِهَةُ بَقِيَتْ قِبْلَتُهُ فِيمَا إذَا اسْتَدَارَ عَنْ الْقِبْلَةِ. تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ قَوْلِهِ " وَيُكْرَهُ الِالْتِفَاتُ فِي الصَّلَاةِ " أَنَّهُ لَوْ الْتَفَتَ بِصَدْرِهِ مَعَ وَجْهِهِ: أَنَّهَا لَا تَبْطُلُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. مِنْهُمْ ابْنُ عَقِيلٍ، وَالْمُصَنِّفُ، وَغَيْرُهُمَا وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ أَنَّهَا تَبْطُلُ وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ تَمِيمٍ قَوْلُهُ (وَرَفْعُ بَصَرِهِ إلَى السَّمَاءِ) يَعْنِي يُكْرَهُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَقِيلَ: تَبْطُلُ بِهِ وَحْدَهُ، ذَكَرَهُ فِي الْحَاوِي وَغَيْرِهِ. تَنْبِيهٌ: يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ: حَالَةُ التَّجَشِّي فَإِنَّهُ يَرْفَعُ رَأْسَهُ إلَى السَّمَاءِ نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا وَغَيْرِهِ: إذَا تَجَشَّأَ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ يَنْبَغِي أَنْ يَرْفَعَ وَجْهَهُ إلَى فَوْقٍ؛ لِئَلَّا يُؤْذِيَ مَنْ حَوْلَهُ بِالرَّائِحَةِ، وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ: إذَا تَجَشَّأَ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَرْفَعْ رَأْسَهُ إلَى السَّمَاءِ، حَتَّى يَذْهَبَ الرِّيحُ، وَإِذَا لَمْ يَرْفَعْ آذَى مَنْ حَوْلَهُ مِنْ رِيحِهِ. قُلْت: فَيُعَايَى بِهَا. قَوْلُهُ (وَالْإِقْعَاءُ فِي الْجُلُوسِ) يَعْنِي يُكْرَهُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَعَنْهُ سُنَّةٌ اخْتَارَهُ الْخَلَّالُ، وَعَنْهُ جَائِزٌ.
تَنْبِيهٌ: الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ صِفَةَ الْإِقْعَاءِ مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ (وَهُوَ أَنْ يَفْرِشَ قَدَمَيْهِ، وَيَجْلِسَ عَلَى عَقِبَيْهِ) وَجَزَمَ بِهِ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ، وَقَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَغَيْرِهِ: هُوَ أَنْ يُقِيمَ قَدَمَيْهِ، وَيَجْلِسَ عَلَى عَقِبَيْهِ، أَوْ يَجْلِسَ عَلَى أَلْيَتَيْهِ وَيُقِيمَ قَدَمَيْهِ، وَقَالَ فِي الْمُحَرَّرِ وَغَيْرِهِ: هُوَ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى عَقِبَيْهِ أَوْ بَيْنَهُمَا، نَاصِبًا قَدَمَيْهِ. قَوْلُهُ (وَيُكْرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ وَهُوَ حَاقِنٌ) هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَعَنْهُ يُعِيدُ مَعَ مُدَافَعَةِ أَحَدِ الْأَخْبَثَيْنِ، وَعَنْهُ يُعِيدُ إنْ أَزْعَجَهُ، وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: أَنَّهُ الْأَظْهَرُ مِنْ قَوْلِهِ، وَحَكَاهَا فِي الرِّعَايَةِ قَوْلًا قَالَ فِي النُّكَتِ: وَلَمْ أَجِدْ أَحَدًا صَرَّحَ بِكَرَاهَةِ صَلَاةِ مَنْ طَرَأَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَلَا مَنْ طَرَأَ عَلَيْهِ التَّوَقَانُ إلَى الْأَكْلِ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ، وَاسْتَدَلَّ لِذَلِكَ بِمَسَائِلَ فِيهَا خِلَافٌ، فَخَرَّجَ مِنْهَا وَجْهًا بِالْكَرَاهَةِ. فَائِدَةٌ: يُكْرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ مَعَ رِيحٍ مُحْتَبِسَةٍ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقَالَ فِي الْمَطْلَعِ: هِيَ فِي مَعْنَى مُدَافَعَةِ أَحَدِ الْأَخْبَثَيْنِ، فَتَجِيءُ الرِّوَايَاتُ الَّتِي فِي الْمُدَافَعَةِ هُنَا، وَذَكَرَ أَبُو الْمَعَالِي كَلَامَ ابْنِ أَبِي مُوسَى فِي الْمُدَافَعَةِ: أَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَصِحُّ قَالَ: وَكَذَا حُكْمُ الْجُوعِ الْمُفْرِطِ، وَالْعَطَشِ الْمُفْرِطِ، وَاحْتَجَّ بِالْأَخْبَارِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَتَجِيءُ الرِّوَايَاتُ قَالَ: وَهَذَا أَظْهَرُ، وَكَذَا قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: يُكْرَهُ مَا يَمْنَعُهُ مِنْ إتْمَامِ الصَّلَاةِ بِخُشُوعِهَا، كَحَرٍّ وَبَرْدٍ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْفُرُوعِ فِي مَكَان، وَقَالَ فِي الرَّوْضَةِ بَعْدَ ذِكْرِ أَعْذَارِ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ؛ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ الصَّلَاةِ: أَنْ يَعِيَ
أَفْعَالَهَا وَيَعْقِلَهَا، وَهَذِهِ الْأَشْيَاءُ تَمْنَعُ ذَلِكَ فَإِذَا زَالَتْ فَعَلَهَا عَلَى كَمَالِ خُشُوعِهَا وَفِعْلُهَا عَلَى كَمَالِ خُشُوعِهَا بَعْدَ فَوْتِ الْجَمَاعَةِ أَوْلَى مِنْ فِعْلِهَا مَعَ الْجَمَاعَةِ بِدُونِ كَمَالِ خُشُوعِهَا. قَوْلُهُ (أَوْ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ تَتُوقُ نَفْسُهُ إلَيْهِ) هَكَذَا قَالَ كَثِيرٌ مِنْ الْأَصْحَابِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: الْمَنْعُ عَلَى سَبِيلِ الْكَرَاهَةِ عِنْدَ الْأَصْحَابِ، وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيُكْرَهُ ابْتِدَاؤُهَا تَائِقًا إلَى الطَّعَامِ، وَهُوَ أَوْلَى قَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ: وَإِنْ كَانَ تَائِقًا إلَى شَرَابٍ أَوْ جِمَاعٍ مَا الْحُكْمُ؟ لَمْ أَجِدْهُ، وَالظَّاهِرُ: الْكَرَاهَةُ. انْتَهَى. قُلْت: بَلْ هُمَا أَوْلَى بِالْكَرَاهَةِ. تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ: أَنَّهُ يَبْدَأُ بِالْخَلَاءِ وَالْأَكْلِ، وَإِنْ فَاتَتْهُ الْجَمَاعَةُ، وَهُوَ كَذَلِكَ. قَوْلُهُ (وَالتَّرَوُّحُ) يَعْنِي يُكْرَهُ، وَهُوَ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا لَمْ تَكُنْ حَاجَةٌ فَإِنْ كَانَ ثَمَّ حَاجَةٌ كَغَمٍّ شَدِيدٍ وَنَحْوِهِ، جَازَ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ نَصَّ عَلَيْهِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَيُكْرَهُ تَرَوُّحُهُ، وَقِيلَ: يَسِيرًا لِغَمٍّ أَوْ حُزْنٍ، وَلَعَلَّهُ يَعْنِي لَا يُكْرَهُ. تَنْبِيهٌ: مُرَادُهُ هُنَا بِالتَّرَوُّحِ: أَنْ يُرَوِّحَ عَلَى نَفْسِهِ بِمِرْوَحَةٍ أَوْ خِرْقَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَأَمَّا مُرَاوَحَتُهُ بَيْنَ رِجْلَيْهِ فَمُسْتَحَبَّةٌ، زَادَ بَعْضُهُمْ: إذَا طَالَ قِيَامُهُ، وَيُكْرَهُ كَثْرَتُهَا؛ لِأَنَّهُ مِنْ فِعْلِ الْيَهُودِ. قَوْلُهُ (وَلَهُ رَدُّ الْمَارِّ بَيْنَ يَدَيْهِ) الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ رَدُّ الْمَارِّ بَيْنَ يَدَيْهِ، سَوَاءٌ كَانَ آدَمِيًّا أَوْ غَيْرَهُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَتَنْقُصُ صَلَاتُهُ إنْ لَمْ يَرُدَّهُ نَصَّ عَلَيْهِ، وَحَمَلَهُ
الْقَاضِي وَتَابَعَهُ فِي الْفَائِقِ وَغَيْرِهِ عَلَى تَرْكِهِ قَادِرًا، وَعَنْهُ يَجِبُ رَدُّهُ، وَالْمُرَادُ إذَا لَمْ يَغْلِبْهُ، وَعَنْهُ يَرُدُّهُ فِي الْفَرْضِ. تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: أَنَّ لَهُ رَدَّهُ، سَوَاءٌ كَانَ الْمَارُّ مُحْتَاجًا إلَى الْمُرُورِ أَوْ لَا، وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمُذْهَبِ وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ لَا يَرُدُّهُ قَطَعَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَابْنُ حَمْدَانَ فِي رِعَايَتِهِ الْكُبْرَى، وَالْفَائِقِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، فَوَائِدُ. مِنْهَا: يَحْرُمُ الْمُرُورُ بَيْنَ الْمُصَلِّي وَسُتْرَتِهِ، وَلَوْ كَانَ بَعِيدًا عَنْهَا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ قَالَ فِي النُّكَتِ: قَطَعَ بِهِ جَمَاعَةٌ، مِنْهُمْ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ، وَالْكَافِي قَالَ فِي تَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ: وَيَحْرُمُ عَلَى الْأَصَحِّ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقَالَ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ، وَصَاحِبُ التَّرْغِيبِ وَغَيْرُهُمْ: يُكْرَهُ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَمِنْهَا: يَحْرُمُ عَلَيْهِ أَيْضًا الْمُرُورُ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي قَرِيبًا مِنْ غَيْرِ سُتْرَةٍ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ جَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي وَغَيْرِهِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ، وَقِيلَ يُكْرَهُ قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. وَمِنْهَا: الْقُرْبُ هُنَا: ثَلَاثَةُ أَذْرُعٍ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: هَذَا أَقْوَى عِنْدِي وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ، وَالْفَائِقِ، وَقِيلَ: الْعُرْفُ، وَقِيلَ: مَا لَهُ الْمَشْيُ إلَيْهِ لِقَتْلِ الْحَيَّةِ، عَلَى مَا يَأْتِي قَرِيبًا اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ: وَإِنْ مَرَّ بِقُرْبِهِ عَنْ ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ، أَوْ مَا لَهُ الْمَشْيُ إلَيْهِ
تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَكَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ: أَنَّ مَكَّةَ كَغَيْرِهَا فِي السُّتْرَةِ وَالْمُرُورِ، وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ قَالَ فِي النُّكَتِ: قَدَّمَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ وَقَدَّمَهُ هُوَ فِي حَوَاشِيهِ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى فِي مَوْضِعٍ، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: جَوَازُ الْمُرُورِ بَيْنَ يَدَيْهِ فِي مَكَّةَ مِنْ غَيْرِ سُتْرَةٍ وَلَا كَرَاهَةَ، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ نَصَّ عَلَيْهِ وَجَزَمَ بِهِ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَالشَّارِحُ، وَصَاحِبُ التَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالنَّظْمِ، وَابْنُ رَزِينٍ وَاخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَصَاحِبُ الْفَائِقِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَمَنْ مَرَّ بِقُرْبِهِ دُونَ ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ وَلَا سُتْرَةَ لَهُ أَوْ مَرَّ دُونَ سُتْرَتِهِ، فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَكَّةَ، وَقِيلَ: وَالْحَرَمِ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: وَلَهُ رَدُّ الْمَارِّ أَمَامَهُ دُونَ سُتْرَتِهِ، وَقِيلَ: يَرُدُّهُ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَكَّةَ، وَقِيلَ: وَالْحَرَمِ، وَقِيلَ: وَفِيهِمَا. انْتَهَى. وَقَالَ الْمُصَنِّفُ، وَتَابَعَهُ الشَّارِحُ، وَصَاحِبُ الْفَائِقِ، وَغَيْرُهُمْ: الْحَرَمُ كَمَكَّةَ قَالَ فِي النُّكَتِ: وَلَمْ أَعْلَمْ أَحَدًا مِنْ الْأَصْحَابِ قَالَ بِهِ. فَائِدَةٌ. حَيْثُ قُلْنَا: لَهُ رَدُّ الْمَارِّ، وَرَدَّهُ فَأَبَى فَلَهُ دَفْعُهُ فَإِنْ أَصَرَّ فَلَهُ قِتَالُهُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَالرِّوَايَتَيْنِ، وَعَنْهُ لَيْسَ لَهُ قِتَالُهُ، وَمَتَى خَافَ فَسَادَ صَلَاتِهِ لَمْ يُكَرِّرْ دَفْعَهُ، وَيَضْمَنْهُ إنْ كَرَّرَهُ، وَعَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَالرِّوَايَتَيْنِ فِيهِمَا، وَعَنْهُ لَهُ تَكْرَارُ دَفْعِهِ، وَلَا يَضْمَنُهُ. قَوْلُهُ (وَعَدُّ الْآيِ وَالتَّسْبِيحُ) لَهُ عَدُّ الْآيِ بِأَصَابِعِهِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَقِيلَ: يُكْرَهُ، ذَكَرَهُ النَّاظِمُ،
وَلَهُ عَدُّ التَّسْبِيحِ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: هُوَ فِي مَعْنَى عَدِّ الْآيِ قَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: لَا يُكْرَهُ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى: لَهُ عَدُّ التَّسْبِيحِ فِي الْأَصَحِّ قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ وَتَبِعَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: لَا يُكْرَهُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْكَافِي، وَالْمُحَرَّرِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ، وَغَيْرِهِمْ وَقَدَّمَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالنَّظْمِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَالرِّوَايَةِ الْأُخْرَى: يُكْرَهُ قَالَ النَّاظِمُ: هُوَ الْأَجْوَدُ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْوَجِيزِ، لِعَدَمِ ذِكْرِهِ فِي الْمُبَاحِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفَائِقِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَقَالَا: نَصَّ عَلَيْهِ وَصَحَّحَهُ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ فِي حَوَاشِيهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْمُغْنِي، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُذْهَبِ قَالَ الشَّارِحُ: قَدْ تَوَقَّفَ أَحْمَدُ فِي ذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَا يُكْرَهُ عَدُّ الْآيِ، وَجْهًا وَاحِدًا، وَفِي كَرَاهَةِ عَدِّ التَّسْبِيحِ وَجْهَانِ. قَوْلُهُ (وَلَهُ قَتْلُ الْحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ وَالْقَمْلَةِ) بِلَا خِلَافٍ أَعْلَمُهُ بِشَرْطِهِ، وَلَهُ قَتْلُ الْقَمْلَةِ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَنْهُ يُكْرَهُ، وَعِنْدَ الْقَاضِي بِالتَّغَافُلِ عَنْهَا أَوْلَى، وَعَنْهُ يَصُرُّهَا فِي ثَوْبِهِ وَقَالَ الْقَاضِي: إنْ رَمَى بِهَا جَازَ. فَائِدَةٌ: إذَا قَتَلَ الْقَمْلَةَ فِي الْمَسْجِدِ جَازَ دَفْنُهَا مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ كَالْبُصَاقِ اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَقِيلَ: يُكْرَهُ، وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ، وَأَطْلَقَ الْجَوَازَ وَعَدَمَهُ صَاحِبُ الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ فِي الْكُبْرَى، قُلْت: وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَجُوزَ دَفْنُهَا، إنْ قِيلَ بِنَجَاسَةِ دَمِهَا، وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ
فِي الْفُصُولِ وَغَيْرِهِ: أَعْمَاقُ الْمَسْجِدِ كَظَاهِرِهِ فِي وُجُوبِ صِيَانَتِهِ عَنْ النَّجَاسَةِ، وَلَعَلَّهُ مُرَادُ الْقَوْلِ بِعَدَمِ الْجَوَازِ. قَوْلُهُ (فَإِنْ طَالَ الْفِعْلُ فِي الصَّلَاةِ أَبْطَلَهَا، عَمْدًا كَانَ أَوْ سَهْوًا) ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَعَنْهُ لَا يُبْطِلُهَا إلَّا إذَا كَانَ عَمْدًا اخْتَارَهُ الْمَجْدُ لِقِصَّةِ ذِي الْيَدَيْنِ فَإِنَّهُ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ " مَشَى وَتَكَلَّمَ وَدَخَلَ مَنْزِلَهُ " وَفِي رِوَايَةٍ " وَدَخَلَ الْحُجْرَةَ " وَمَعَ ذَلِكَ بَنَى عَلَى صَلَاتِهِ، وَقِيلَ: لَا تَبْطُلُ بِالْعَمَلِ الْكَثِيرِ مِنْ الْجَاهِلِ بِالتَّحْرِيمِ قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَمَعَ الْجَهْلِ بِتَحْرِيمِهِ لَا تَبْطُلُ، قَالَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَالْأَوْلَى جَعْلُهُ كَالنَّاسِي. قَوْلُهُ (إلَّا أَنْ يَفْعَلَهُ مُتَفَرِّقًا) يَعْنِي أَنَّهُ لَوْ فَعَلَ أَفْعَالًا مُتَفَرِّقَةً، وَكَانَتْ بِحَيْثُ لَوْ جُمِعَتْ مُتَوَالِيَةً لَكَانَتْ كَثِيرَةً: لَمْ تَبْطُلْ الصَّلَاةُ بِذَلِكَ، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ، وَقِيلَ: تَبْطُلُ، وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ، وَالْفَائِقِ. تَنْبِيهَانِ. الْأَوَّلُ: مُرَادُهُ بِقَوْلِهِ " فَإِنْ طَالَ الْفِعْلُ فِي الصَّلَاةِ أَبْطَلَهَا " إذَا لَمْ تَكُنْ ضَرُورَةٌ فَإِنْ كَانَ ثَمَّ ضَرُورَةٌ كَحَالَةِ الْخَوْفِ وَالْهَرَبِ مِنْ عَدُوٍّ، أَوْ سَيْلٍ، أَوْ سَبُعٍ، وَنَحْوِ ذَلِكَ: لَمْ تَبْطُل بِالْعَمَلِ الْكَثِيرِ، قَالَهُ الْأَصْحَابُ، وَعُدَّ فِي الْمُذْهَبِ وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ مِنْ الضَّرُورَةِ: إذَا كَانَ بِهِ حَكَّةٌ لَا يَصْبِرُ عَنْهُ، وَيَأْتِي ذَلِكَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ. الثَّانِي: يَرْجِعُ فِي طُولِ الْفِعْلِ وَقِصَرِهِ فِي الصَّلَاةِ إلَى الْعُرْفِ فَمَا عُدَّ فِي الْعُرْفِ كَثِيرٌ فَهُوَ كَثِيرٌ، وَمَا عُدَّ فِي الْعُرْفِ يَسِيرٌ فَهُوَ يَسِيرٌ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالنَّظْمِ، وَالْمُصَنِّفُ فِي هَذَا الْكِتَابِ فِي بَابِ سُجُودِ السَّهْوِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ،
وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيُتَوَجَّهُ أَنْ يَكُونَ الْعُرْفُ عِنْدَ الْفَاعِلِ، وَقِيلَ: قَدْرُ الْكَثِيرِ مَا خُيِّلَ لِلنَّاظِرِ أَنَّهُ لَيْسَ فِي صَلَاةٍ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: الثَّلَاثُ فِي حَدِّ الْكَثِيرِ قَالَ فِي الْفَائِقِ: وَهُوَ ضَعِيفٌ لِنَصِّ أَحْمَدَ فِيمَنْ رَأَى عَقْرَبًا فِي الصَّلَاةِ: أَنَّهُ يَخْطُو إلَيْهَا وَيَأْخُذُ النَّعْلَ وَيَقْتُلُهَا وَيَرُدُّ النَّعْلَ إلَى مَوْضِعِهَا، وَهِيَ أَكْثَرُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَفْعَالٍ، وَأَطْلَقَهُنَّ ابْنُ تَمِيمٍ، وَقِيلَ: الْيَسِيرُ كَفِعْلِ أَبِي بَرْزَةَ حِينَ مَشَى إلَى الدَّابَّةِ، وَقَدْ انْفَلَتَتْ وَمَا فَوْقَهُ كَثِيرٌ. فَوَائِدُ. الْأُولَى: إشَارَةُ الْأَخْرَسِ كَالْعَمَلِ، سَوَاءٌ فُهِمَتْ أَوْ لَا، ذَكَرَهُ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ مَعْنَاهُ، وَقَالَ أَبُو الْوَفَاءِ: إشَارَتُهُ الْمَفْهُومَةُ كَالْكَلَامِ تُبْطِلُ الصَّلَاةَ إلَّا بِرَدِّ السَّلَامِ. الثَّانِيَةُ: عَمَلُ الْقَلْبِ لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ، وَإِنْ طَالَ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ نَصَّ عَلَيْهِ وَقِيلَ: يُبْطِلُ إنْ طَالَ اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ، وَابْنُ الْجَوْزِيِّ، قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ قَالَ: وَعَلَى الْأَوَّلِ لَا يُثَابُ إلَّا عَلَى مَا عَمِلَهُ بِقَلْبِهِ. الثَّالِثَةُ: لَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِإِطَالَةِ النَّظَرِ فِي كِتَابٍ إذَا قَرَأَ بِقَلْبِهِ وَلَمْ يَنْطِقْ بِلِسَانِهِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ
قَالَ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ: هَذَا الْمَذْهَبُ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: أَنَّهُ فَعَلَهُ، وَقِيلَ: تَبْطُلُ، قَالَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ مِنْهُمْ ابْنُ حَامِدٍ، وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ. الرَّابِعَةُ: قَالَ فِي الْفُرُوعِ: لَا أَثَرَ لِعَمَلِ غَيْرِهِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ، كَصَبِيٍّ مَصَّ ثَدْيَ أُمِّهِ ثَلَاثًا فَنَزَلَ لَبَنُهَا. قَوْلُهُ (وَيُكْرَهُ تَكْرَارُ الْفَاتِحَةِ) هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَقِيلَ: تَبْطُلُ، وَهُوَ رِوَايَةٌ فِي الْفَائِقِ وَغَيْرِهِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. قَوْلُهُ (وَالْجَمْعُ بَيْنَ سُوَرٍ فِي الْفَرْضِ) يَعْنِي يُكْرَهُ، وَهَذَا إحْدَى الرِّوَايَاتِ عَنْ أَحْمَدَ، نَقَلَهَا ابْنُ مَنْصُورٍ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُذْهَبِ وَقَدَّمَهُ فِي الْهِدَايَةِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَعَنْهُ لَا يُكْرَهُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ عَنْ أَحْمَدَ قَالَ أَبُو حَفْصٍ: الْعَمَلُ عَلَى مَا رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ لَا بَأْسَ وَصَحَّحَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَغَيْرِهِمْ قَالَ النَّاظِمُ عَنْ الْأَوَّلِ: وَهُوَ بَعِيدٌ، كَتَكْرَارِ سُورَةٍ فِي رَكْعَتَيْنِ، وَتَفْرِيقِ سُورَةٍ فِي رَكْعَتَيْنِ نَصَّ عَلَيْهِمَا، مَعَ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِبُّ الزِّيَادَةَ عَلَى سُورَةٍ فِي رَكْعَةٍ، ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْفُرُوعِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهَادِي، وَالشَّارِحُ، وَالْفَائِقِ، وَعَنْهُ تُكْرَهُ الْمُدَاوَمَةُ. قَوْلُهُ (وَلَا يُكْرَهُ فِي النَّفْلِ) هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَقِيلَ: يُكْرَهُ، وَهُوَ غَرِيبٌ بَعِيدٌ. قَوْلُهُ (وَلَا يُكْرَهُ قِرَاءَةُ أَوَاخِرِ السُّوَرِ وَأَوْسَاطِهَا) هَذَا الْمَذْهَبُ نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَعَنْهُ يُكْرَهُ مُطْلَقًا، وَعَنْهُ تُكْرَهُ الْمُدَاوَمَةُ، وَعَنْهُ يُكْرَهُ أَوْسَاطُ السُّوَرِ دُونَ أَوَاخِرِهَا.
فَوَائِدُ. مِنْهَا: لَا يُكْرَهُ قِرَاءَةُ أَوَائِلِ السُّوَرِ، وَقِيلَ: أَوَاخِرُهَا أَوْلَى، وَمِنْهَا: يُكْرَهُ قِرَاءَةُ كُلِّ الْقُرْآنِ فِي فَرْضٍ، لِعَدَمِ نَقْلِهِ، وَلِلْإِطَالَةِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَنْهُ لَا يُكْرَهُ، وَمِنْهَا: قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ لَا يُكْرَهُ مُلَازَمَةُ سُورَةٍ، مَعَ اعْتِقَادِ جَوَازِ غَيْرِهَا قَالَ: وَيُتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ وَتَخْرِيجٌ، يَعْنِي بِالْكَرَاهَةِ، لِعَدَمِ نَقْلِهِ. قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ. قَوْلُهُ (وَلَهُ أَنْ يَفْتَحَ عَلَى الْإِمَامِ إذَا أُرْتِجَ عَلَيْهِ) هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَعَنْهُ يَفْتَحُ عَلَيْهِ إنْ طَالَ وَإِلَّا فَلَا، وَعَنْهُ يَفْتَحُ عَلَيْهِ فِي النَّفْلِ فَقَطْ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: إنْ كَانَ فِي النَّفْلِ جَازَ، وَإِنْ كَانَ فِي الْفَرْضِ جَازَ فِي الْفَاتِحَةِ، وَلَمْ يَجُزْ فِي غَيْرِهَا قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ الْمَسْأَلَةِ لَا تَبْطُلُ، وَلَوْ فَتَحَ بَعْدَ أَخْذِهِ فِي قِرَاءَةِ غَيْرِهَا. تَنْبِيهَانِ. الْأَوَّلُ: عُمُومُ قَوْلِهِ (وَلَهُ أَنْ يَفْتَحَ عَلَى الْإِمَامِ) يَشْمَلُ الْفَاتِحَةَ وَغَيْرَهَا، وَأَنَّهُ لَا يَجِبُ، أَمَّا فِي غَيْرِ الْفَاتِحَةِ: فَلَا يَجِبُ بِلَا خِلَافٍ أَعْلَمُهُ، وَأَمَّا فِي الْفَاتِحَةِ: فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وُجُوبُ الْفَتْحِ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: لَا يَجِبُ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا. الثَّانِي: الْأَلِفُ وَاللَّامُ فِي قَوْلِهِ " وَلَهُ أَنْ يَفْتَحَ عَلَى الْإِمَامِ " لِلْعَهْدِ، أَيْ إمَامِهِ فَلَا يَفْتَحُ عَلَى غَيْرِ إمَامِهِ نَصَّ عَلَيْهِ سَوَاءٌ كَانَ مُصَلِّيًا أَوْ قَارِئًا، لَكِنْ لَوْ فَتَحَ عَلَيْهِ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَيُكْرَهُ، وَعَنْهُ تَبْطُلُ وَصَحَّحَهُ فِي الْمُذْهَبِ، وَقِيلَ: تَبْطُلُ لِتَجَرُّدِهِ لِلتَّفْهِيمِ اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَكَذَا إذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللَّهَ، وَعَلَى مَا يَأْتِي قَرِيبًا، لَا تَبْطُلُ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ.
فَائِدَةٌ: لَوْ أُرْتِجَ عَلَى الْمُصَلِّي فِي الْفَاتِحَةِ، وَعَجَزَ عَنْ إتْمَامِهَا، فَهُوَ كَالْعَاجِزِ عَنْ الْقِيَامِ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ يَأْتِي بِمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، وَلَا يُعِيدُ، ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيُؤْخَذُ مِنْهُ: وَلَوْ كَانَ إمَامًا، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَسْتَخْلِفُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَيَأْتِي ذَلِكَ فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ فِي إمَامِ الْحَيِّ الْعَاجِزِ عَنْ الْقِيَامِ. تَنْبِيهَانِ. الْأَوَّلُ: قَوْلُهُ (وَإِذَا نَابَهُ شَيْءٌ مِثْلُ سَهْوِ إمَامِهِ، أَوْ اسْتِئْذَانِ إنْسَانٍ عَلَيْهِ سَبَّحَ إنْ كَانَ رَجُلًا) بِلَا نِزَاعٍ، وَلَا يَضُرُّ وَلَوْ كَثُرَ، وَيُكْرَهُ لَهُ التَّصْفِيقُ، وَتَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِهِ إنْ كَثُرَ. الثَّانِي: ظَاهِرُ قَوْلِهِ (وَإِنْ كَانَتْ امْرَأَةً صَفَحَتْ بِبَطْنِ كَفِّهَا عَلَى ظَهْرِ الْأُخْرَى) أَنَّ ذَلِكَ مُسْتَحَبٌّ فِي حَقِّهَا، وَهُوَ صَحِيحٌ، لَكِنَّ مَحَلَّهُ أَنْ لَا يُكْثِرَ فَإِنْ كَثُرَ بَطَلَتْ الصَّلَاةُ، فَلَوْ سَبَّحَتْ كَالرَّجُلِ كُرِهَ نَصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ لَا يُكْرَهُ قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: قَالَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ ذَلِكَ لَا تَبْطُلُ بِتَصْفِيقِهَا عَلَى جِهَةِ اللَّعِبِ قَالَ: وَلَعَلَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ، وَتَبْطُلُ بِهِ لِمُنَافَاتِهِ الصَّلَاةَ. فَوَائِدُ. مِنْهَا: قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَفِي كَرَاهَةِ التَّنْبِيهِ بِنَحْنَحَةٍ رِوَايَتَانِ، وَأَطْلَقَهُمَا هُوَ وَالْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّارِحُ، قُلْت: الصَّوَابُ الْكَرَاهَةُ ثُمَّ وَجَدْت ابْنَ نَصْرِ اللَّهِ فِي حَوَاشِي الْفُرُوعِ قَالَ: أَظْهَرُهُمَا يُكْرَهُ، وَالثَّانِيَةُ: لَا يُكْرَهُ وَقَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ قَالَ: وَهُوَ أَظْهَرُ، وَمِنْهَا: لَا يُكْرَهُ تَنْبِيهُهُ بِقِرَاءَةٍ وَتَكْبِيرٍ وَتَهْلِيلٍ وَتَسْبِيحٍ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَقَالَ: وَعَنْهُ تَبْطُلُ بِذَلِكَ، إلَّا فِي تَنْبِيهِ الْإِمَامِ وَالْمَارِّ بَيْنَ يَدَيْهِ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: إلَّا أَنَّهَا لَا تَبْطُلُ بِتَنْبِيهِ مَارٍّ بَيْنَ يَدَيْهِ.
وَمِنْهَا: لَوْ عَطَسَ، فَقَالَ " الْحَمْدُ لِلَّهِ " أَوْ لَسَعَهُ شَيْءٌ، فَقَالَ " بِسْمِ اللَّهِ " أَوْ سَمِعَ، أَوْ رَأَى مَا يَغُمُّهُ فَقَالَ " إنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ " أَوْ رَأَى مَا يُعْجِبُهُ فَقَالَ " سُبْحَانَ اللَّهِ " وَنَحْوَهُ: كُرِهَ ذَلِكَ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: تَرْكُ الْحَمْدِ؛ لِلْعَاطِسِ أَوْلَى. نَقَلَ أَبُو دَاوُد: يَحْمَدُ فِي نَفْسِهِ وَلَا يُحَرِّكُ لِسَانَهُ، وَنَقَلَ صَالِحٌ: لَا يُعْجِبُنِي رَفْعُ صَوْتِهِ بِهَا. انْتَهَى. وَلَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ فِيمَنْ عَطَسَ فَحَمِدَ اللَّهَ، وَنَقَلَ هَهُنَا، فِيمَنْ قِيلَ لَهُ فِي الصَّلَاةِ " وُلِدَ لَك غُلَامٌ " فَقَالَ: " الْحَمْدُ لِلَّهِ " أَوْ احْتَرَقَ دُكَّانُك " فَقَالَ " لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ " أَوْ " ذَهَبَ كِيسُك " فَقَالَ " لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ " فَقَدْ مَضَتْ صَلَاتُهُ وَقَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ وَصَحَّحَهُ، وَعَنْهُ تَبْطُلُ، وَكَذَا لَوْ خَاطَبَ بِشَيْءٍ مِنْ الْقُرْآنِ، مِثْلُ أَنْ يُسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ فَيَقُولُ {ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ} [الحجر: 46] أَوْ يَقُولُ لِمَنْ اسْمُهُ يَحْيَى {يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ} [مريم: 12] وَنَحْوَ ذَلِكَ، خِلَافًا وَمَذْهَبًا وَصَحَّحَ الصِّحَّةَ ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ، وَقَالَ الْقَاضِي: إنْ قَصَدَ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ الذِّكْرَ فَقَطْ: لَمْ تَبْطُلْ، وَإِنْ قَصَدَ خِطَابَ آدَمِيٍّ بَطَلَتْ، وَإِنْ قَصَدَهُمَا فَوَجْهَانِ، وَقَالَ الْقَاضِي فِي التَّعْلِيقِ وَغَيْرِهِ: وَيَتَأَتَّى الْخِلَافُ أَيْضًا فِي تَحْذِيرِ ضَرِيرٍ مِنْ وُقُوعِهِ فِي بِئْرٍ وَنَحْوِهِ، وَتَقَدَّمَ إذَا نَبَّهَ غَيْرَ الْإِمَامِ. قَوْلُهُ (وَإِنْ بَدَرَهُ الْبُصَاقُ بَصَقَ فِي ثَوْبِهِ) يَعْنِي إذَا كَانَ فِي الْمَسْجِدِ وَبَدَرَهُ الْبُصَاقُ فَلَا يَبْصُقُ إلَّا فِي ثَوْبِهِ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاخْتَارَ الْمَجْدُ جَوَازَهُ فِي الْمَسْجِدِ وَدَفْنَهُ فِيهِ قَوْلُهُ (وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ جَازَ أَنْ يَبْصُقَ عَنْ يَسَارِهِ، أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ)
وَكَذَا قَالَ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَالْفَائِقِ، وَغَيْرِهِمْ، بَلْ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ فَظَاهِرُهُ: سَوَاءٌ كَانَتْ قَدَمُهُ الْيُمْنَى أَوْ الْيُسْرَى، وَهُوَ الصَّحِيحُ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ: يَبْصُقُ عَنْ يَسَارِهِ، أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ الْيُسْرَى وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ. تَنْبِيهَانِ. الْأَوَّلُ: قَوْلُهُ " وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ جَازَ أَنْ يَبْصُقَ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ " قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَغَيْرِهِمَا: لَكِنْ إنْ كَانَ يُصَلِّي فَفِي ثَوْبِهِ أَوْلَى، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: إنْ كَانَ خَارِجَ الْمَسْجِدِ جَازَ الْأَمْرَانِ، وَفِي الْبُقْعَةِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ نَظَافَةَ الْبَدَنِ وَالثِّيَابِ مِنْ الْمُسْتَقْذَرَاتِ الظَّاهِرَاتِ مُسْتَحَبٌّ، وَلَمْ يُعَارِضْهُ حُرْمَةُ الْبُقْعَةِ، وَقَالَ فِي الْوَجِيزِ: وَيَبْصُقُ فِي الصَّلَاةِ وَالْمَسْجِدِ فِي ثَوْبِهِ وَفِي غَيْرِهِمَا عَنْ يَسَارِهِ فَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ لَا يَبْصُقُ عَنْ يَسَارِهِ إذَا كَانَ يُصَلِّي خَارِجَ الْمَسْجِدِ، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ أَنَّهُ كَالْأَوْلَى كَمَا قَالَ فِي الرِّعَايَةِ وَالْحَاوِي، وَإِلَّا فَلَا أَعْلَمُ لَهُ مُتَابِعًا. الثَّانِي: مَفْهُومُ قَوْلِهِ " جَازَ أَنْ يَبْصُقَ عَنْ يَسَارِهِ، أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ " أَنَّهُ لَا يَبْصُقُ عَنْ يَمِينِهِ وَلَا أَمَامَهُ، وَهُوَ صَحِيحٌ فَإِنَّ الْمَذْهَبَ لَا يَخْتَلِفُ أَنَّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ. قَوْلُهُ (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُصَلِّيَ إلَى سُتْرَةٍ، مِثْلِ آخِرَةِ الرَّحْلِ) هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَقَطَعَ بِهِ أَكْثَرُهُمْ، وَأَطْلَقَ فِي الْوَاضِحِ الْوُجُوبَ قَوْلُهُ (مِثْلِ آخِرَةِ الرَّحْلِ) قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالْأَصْحَابُ: يَكُونُ طُولُهَا ذِرَاعًا، وَعَرْضُهَا لَا حَدَّ لَهُ قَالَ
ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ: وَعَنْهُ مِثْلِ عَظْمِ الذِّرَاعِ، وَقَالَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَقِيلَ: عُلُوُّ شِبْرٍ، زَادَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَقِيلَ: ثَلَاثَةُ أَصَابِعَ قَالَ فِي الْحَاوِي الصَّغِيرِ: وَهُوَ عُلُوُّ شِبْرٍ. فَائِدَتَانِ. الْأُولَى: تَكْفِي السُّتْرَةُ، سَوَاءٌ كَانَتْ مِنْ جِدَارٍ قَرِيبٍ، أَوْ سَارِيَةٍ، أَوْ جَمَادٍ غَيْرِهِ، أَوْ حَرْبَةٍ، أَوْ شَجَرَةٍ نَصَّ عَلَيْهِ أَوْ عَصًا، أَوْ إنْسَانٍ، أَوْ حَيَوَانٍ بَهِيمٍ طَاهِرٍ، غَيْرِ وَجْهَيْهِمَا، وَيُكْرَهُ إلَى وَجْهِ آدَمِيٍّ نَصَّ عَلَيْهِ، وَفِي الرِّعَايَةِ: أَوْ حَيَوَانٍ غَيْرِهِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالْأَوَّلُ الْمَذْهَبُ، أَوْ لَبِنَةٍ وَنَحْوِهَا، أَوْ مِخَدَّةٍ، أَوْ شَيْءٍ شَاخِصٍ غَيْرِ ذَلِكَ فِي الْفَضَاءِ، كَبَعِيرٍ أَوْ رَحْلِهِ فَإِنْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ فَعَصًا مُلْقَاةٌ عَرْضًا. نَصَّ عَلَيْهِ، أَوْ سَوْطٌ، أَوْ سَهْمٌ، أَوْ مُصَلَّاهُ الَّذِي تَحْتَهُ، أَوْ خَيْطٌ، أَوْ مَا اعْتَقَدَهُ سُتْرَةً فَإِنْ تَعَذَّرَ غَرْزُ الْعَصَا وَضَعَهَا. الثَّانِيَةُ: عَرْضُ السُّتْرَةِ أَعْجَبُ إلَى الْإِمَامِ أَحْمَدَ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ وَغَيْرِهَا: يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ، وَيُسْتَحَبُّ أَيْضًا أَنْ يَنْحَرِفَ عَنْهَا يَسِيرًا، وَيُسْتَحَبُّ أَيْضًا الْقُرْبُ مِنْ سُتْرَتِهِ، بِأَنْ يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا ثَلَاثَةُ أَذْرُعٍ مِنْ قَدَمَيْهِ نَصَّ عَلَيْهِمَا قَوْلُهُ (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ خَطَّ خَطًّا) هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَعَنْهُ يُكْرَهُ الْخَطُّ فَعَلَى الْمَذْهَبِ: يَكُونُ مِثْلَ الْهِلَالِ نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَقَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْأَصْحَابِ: يَكْفِي طُولًا. فَائِدَتَانِ. الْأُولَى: السُّتْرَةُ الْمَغْصُوبَةُ وَالنَّجِسَةُ فِي ذَلِكَ كَغَيْرِهِمَا قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى وَقِيلَ: لَا تُفِيدُ شَيْئًا، وَجَزَمَ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ فِي الْمَغْصُوبَةِ. قُلْت: الصَّوَابُ أَنَّ النَّجِسَةَ لَيْسَتْ كَالْمَغْصُوبَةِ
وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمَغْصُوبَةِ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفُرُوعِ، وَقَالَ: فَالصَّلَاةُ إلَيْهَا كَالْقَبْرِ قَالَ صَاحِبُ النَّظْمِ: وَعَلَى قِيَاسِهِ سُتْرَةُ الذَّهَبِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيُتَوَجَّهُ مَعَهَا: لَوْ وَضَعَ الْمَارُّ سُتْرَةً وَمَرَّ، أَوْ تَسَتَّرَ بِدَابَّةٍ جَازَ. قَالَ الشَّارِحُ: أَصْلُ الْوَجْهَيْنِ إذَا صَلَّى فِي ثَوْبٍ مَغْصُوبٍ عَلَى مَا تَقَدَّمَ قَالَ فِي الْكَافِي: الْوَجْهَانِ هُنَا، بِنَاءً عَلَى الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الْمَغْصُوبِ. قُلْت: فَعَلَى هَذَا لَا يَكُونُ ذَلِكَ سُتْرَةً. الثَّانِيَةُ: سُتْرَةُ الْإِمَامِ سُتْرَةٌ لِمَنْ خَلْفَهُ، وَسُتْرَةُ الْمَأْمُومِ لَا تَكْفِي أَحَدَهُمَا، بَلْ لَا يُسْتَحَبُّ لَهُ سُتْرَةٌ، وَلَيْسَتْ سُتْرَةً لَهُ، وَذَكَرَ الْأَصْحَابُ أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ: إذَا مَرَّ مَا يُبْطِلُهَا قَالَ فِي الْفُرُوعِ، فَظَاهِرُهُ: أَنَّ هَذَا فِيمَا يُبْطِلُهَا خَاصَّةً، وَأَنَّ كَلَامَهُمْ فِي نَهْيِ الْآدَمِيِّ عَنْ الْمُرُورِ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَقَالَ صَاحِبُ النَّظْمِ: لَمْ أَجِدْ أَحَدًا تَعَرَّضَ لِجَوَازِ مُرُورِ الْإِنْسَانِ بَيْنَ يَدَيْ الْمَأْمُومِينَ فَيَحْتَمِلُ جَوَازَهُ، اعْتِبَارًا بِسُتْرَةِ الْإِمَامِ لَهُمْ حُكْمًا، وَيَحْتَمِلُ اخْتِصَاصَ ذَلِكَ بِعَدَمِ الْإِبْطَالِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَشَقَّةِ عَلَى الْجَمِيعِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ وَمُرَادُهُ: عَدَمُ التَّصْرِيحِ بِهِ، وَقَالَ: احْتِجَاجُهُمْ بِقَضِيَّةِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالْبَهِيمَةِ الَّتِي أَرَادَتْ أَنْ تَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ فَدَارَأَهَا حَتَّى الْتَصَقَتْ بِالْجِدَارِ فَمَرَّتْ مِنْ وَرَائِهِ، مُخْتَلِفٌ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ قَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ فِي حَوَاشِي الْفُرُوعِ: صَوَابُهُ الثَّانِي أَظْهَرُ لِأَنَّهُ مَحَلُّ وِفَاقِ الشَّافِعِيَّةِ. أَعْنِي عُمُومَ: سُتْرَةُ الْإِمَامِ سُتْرَةٌ لِمَا يُبْطِلُهَا وَلِغَيْرِهِ كَمُرُورِ الْآدَمِيِّ، وَمَنْعِ
الْمُصَلِّي الْمَارَّ. انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: مَنْ وَجَدَ فُرْجَةً فِي الصَّفِّ قَامَ فِيهَا إذَا كَانَتْ بِحِذَائِهِ فَإِنْ مَشَى إلَيْهَا عَرْضًا كُرِهَ، وَعَنْهُ لَا. قَوْلُهُ (وَإِنْ لَمْ تَكُنْ سُتْرَةٌ فَمَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ الْكَلْبُ الْأَسْوَدُ الْبَهِيمُ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ) لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، وَتَقَدَّمَ قَرِيبًا جُمْلَةٌ مِنْ أَحْكَامِ الْمُرُورِ، عِنْدَ قَوْلِهِ " وَلَهُ رَدُّ الْمَارِّ ". فَائِدَتَانِ. الْأُولَى (الْأَسْوَدُ الْبَهِيمُ) هُوَ الَّذِي لَا لَوْنَ فِيهِ سِوَى السَّوَادِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ، فِي بَابِ الصَّيْدِ: هُوَ مَا لَا بَيَاضَ فِيهِ نَصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: لَا لَوْنَ فِيهِ غَيْرُ السَّوَادِ. انْتَهَى. وَعَنْهُ إنْ كَانَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ بَيَاضٌ لَمْ يَخْرُجْ بِذَلِكَ عَنْ كَوْنِهِ بَهِيمًا، وَتَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِمُرُورِهِ اخْتَارَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ وَصَحَّحَهُ ابْنُ تَمِيمٍ قَالَ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ: لَوْ كَانَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ نُكْتَتَانِ يُخَالِفَانِ لَوْنَهُ، لَمْ يَخْرُجْ بِهِمَا عَنْ اسْمِ " الْبَهِيمِ " وَأَحْكَامِهِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفَائِقِ، وَيَأْتِي ذَلِكَ فِي بَابِ الصَّيْدِ أَيْضًا. الثَّانِيَةُ " الْبَهِيمُ " فِي اللُّغَةِ هُوَ الَّذِي لَا يُخَالِطُ لَوْنَهُ لَوْنٌ آخَرُ، وَلَا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِالسَّوَادِ، قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ. قَوْلُهُ (وَفِي الْمَرْأَةِ وَالْحِمَارِ رِوَايَتَانِ) وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَخِصَالِ ابْنِ الْبَنَّا، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالشَّرْحِ، وَالنَّظْمِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَالْفُرُوعِ، وَنِهَايَةِ ابْنِ رَزِينٍ، إحْدَاهُمَا: لَا تَبْطُلُ، وَهِيَ الْمَذْهَبُ نَقَلَهَا الْجَمَاعَةُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْخِرَقِيِّ، وَالْمُبْهِجِ، وَالْوَجِيزِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ قَالَ فِي الْمُغْنِي:
هِيَ الْمَشْهُورَةُ قَالَ فِي الْكَافِي: هَذَا الْمَشْهُورُ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هِيَ أَشْهُرُهُمَا وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ، وَصَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ، وَنَظْمِ نِهَايَةِ ابْنِ رَزِينٍ قَالَ فِي الْفُصُولِ: لَا تَبْطُلُ، فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ وَقَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالْكَافِي، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: تَبْطُلُ اخْتَارَهَا الْمَجْدُ، وَرَجَّحَهُ الشَّارِحُ وَقَدَّمَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَابْنُ تَمِيمٍ، وَحَوَاشِي ابْنِ مُفْلِحٍ وَجَزَمَ بِهِ نَاظِمُ الْمُفْرَدَاتِ، وَهُوَ مِنْهَا وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَقَالَ: هُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ. تَنْبِيهٌ: مُرَادُهُ بِالْحِمَارِ الْحِمَارُ الْأَهْلِيُّ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَفِي حِمَارِ الْوَحْشِ وَجْهٌ: أَنَّهُ كَالْحِمَارِ الْأَهْلِيِّ، ذَكَرَهُ أَبُو الْبَقَاءِ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَقَالَ فِي النُّكَتِ: اسْمُ الْحِمَارِ إذَا أُطْلِقَ، إنَّمَا يَنْصَرِفُ إلَى الْمَعْهُودِ الْمَأْلُوفِ فِي الِاسْتِعْمَالِ، وَهُوَ الْأَهْلِيُّ، هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ وَمَنْ صَرَّحَ بِهِ مِنْ الْأَصْحَابِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ صَرَّحَ بِمُرَادِ غَيْرِهِ، فَلَيْسَتْ الْمَسْأَلَةُ عَلَى قَوْلَيْنِ، كَمَا يُوهِمُ كَلَامُهُ فِي الرِّعَايَةِ. انْتَهَى. قُلْت: وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا قَالَ فَقَدْ ذَكَرَ أَبُو الْبَقَاءِ فِي شَرْحِهِ وَجْهًا بِذَلِكَ، كَمَا تَقَدَّمَ، وَذَكَرَهُ الْعَلَّامَةُ ابْنُ رَجَبٍ فِي قَاعِدَةِ تَخْصِيصِ الْعُمُومِ بِالْعُرْفِ قَالَ: وَلِلْمَسْأَلَةِ نَظَائِرُ كَثِيرَةٌ، مِثْلُ مَا لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَحْمَ بَقَرٍ فَهَلْ يَحْنَثُ بِأَكْلِ لَحْمِ بَقَرِ الْوَحْشِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ذَكَرَهُمَا فِي التَّرْغِيبِ، وَكَذَا لَوْ حَلَفَ لَا يَرْكَبُ حِمَارًا، فَرَكِبَ حِمَارًا وَحْشِيًّا، هَلْ يَحْنَثُ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَكَذَا وُجُوبُ الزَّكَاةِ فِي بَقَرِ الْوَحْشِ وَمَا أَشْبَهَهُ. انْتَهَى. فَالْوَجْهُ لَهُ وَجْهٌ حَسَنٌ. فَوَائِدُ. الْأُولَى: قَالَ فِي النُّكَتِ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ: أَنَّ الصَّغِيرَةَ الَّتِي لَا يَصْدُقُ عَلَيْهَا أَنَّهَا امْرَأَةٌ لَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِمُرُورِهَا، وَهُوَ ظَاهِرُ الْأَخْبَارِ قَالَ: وَقَدْ يُقَالُ: تُشْبِهُ خَلْوَةَ الصَّغِيرَةِ بِالْمَاءِ، هَلْ يَلْحَقُ بِخَلْوَةِ الْمَرْأَةِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. انْتَهَى
قُلْت: الْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا تَأْثِيرَ لِخَلْوَتِهَا عَلَى مَا مَرَّ، وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَلَامُهُمْ فِي الصَّغِيرَةِ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ. الثَّانِيَةُ: حُكْمُ مُرُورِ الشَّيْطَانِ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي حُكْمُ مُرُورِ الْمَرْأَةِ وَالْحِمَارِ، قَالَهُ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَحَكَى ابْنُ حَامِدٍ فِيهِ وَجْهَيْنِ الثَّالِثَةُ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَصْحَابِ: أَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَبْطُلُ بِمُرُورِ غَيْرِ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَحَكَى الْقَاضِي فِي شَرْحِ الْمَذْهَبِ رِوَايَةً: أَنَّ السِّنَّوْرَ الْأَسْوَدَ فِي قَطْعِ الصَّلَاةِ كَالْكَلْبِ الْأَسْوَدِ. الرَّابِعَةُ: حَيْثُ قُلْنَا: تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِالْمُرُورِ، فَلَا تَبْطُلُ بِالْوُقُوفِ قُدَّامَهُ وَلَا الْجُلُوسِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ: وَلَيْسَ وُقُوفُهُ كَمُرُورِهِ، عَلَى الْأَصَحِّ كَمَا لَا يُكْرَهُ إلَى بَعِيرٍ وَظَهْرٍ وَرَحْلٍ وَنَحْوِهِ، ذَكَرَهُ الْمَجْدُ وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَصَحَّحَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَعَنْهُ تَبْطُلُ، وَهُمَا وَجْهَانِ عِنْدَ الْأَكْثَرِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُغْنِي، وَالْكَافِي، وَالشَّرْحِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالزَّرْكَشِيُّ، الْخَامِسَةُ: لَا فَرْقَ فِي الْمُرُورِ بَيْنَ النَّفْلِ وَالْفَرْضِ وَالْجِنَازَةِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَعَنْهُ لَا يَضُرُّ الْمُرُورُ إذَا كَانَ فِي النَّفْلِ، ذَكَرَهَا فِي التَّمَامِ وَمَنْ بَعْدَهُ، وَعَنْهُ لَا يَضُرُّ إذَا كَانَ فِي نَفْلٍ أَوْ جِنَازَةٍ. السَّادِسَةُ: يَجِبُ رَدُّ الْكَافِرِ الْمَعْصُومِ دَمُهُ عَنْ بِئْرٍ إذَا كَانَ يُصَلِّي، عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ كَرَدِّ مُسْلِمٍ عَنْ ذَلِكَ فَيَقْطَعُ الصَّلَاةَ ثُمَّ يَسْتَأْنِفُهَا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: يُتِمُّهَا [وَقِيلَ: لَا يَجِبُ رَدُّ الْكَافِرِ اخْتَارَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى] وَتَقَدَّمَ مَا قَالَهُ فِي التَّعْلِيقِ مِنْ حِكَايَةِ الْخِلَافِ فِي عَدَمِ بُطْلَانِ صَلَاةِ مَنْ حَذَّرَ ضَرِيرًا قُبَيْلَ قَوْلِهِ " وَإِنْ بَدَرَهُ الْبُصَاقُ " وَكَذَا يَجُوزُ لَهُ قَطْعُ الصَّلَاةِ إذَا هَرَبَ مِنْهُ غَرِيمُهُ. نَقَلَ حُبَيْشٌ: يَخْرُجُ فِي طَلَبِهِ، وَكَذَا إنْقَاذُ غَرِيقٍ وَنَحْوِهِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ
الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: نَفْلًا فَلَوْ أَبَى قَطْعَهَا صَحَّتْ، ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ. السَّابِعَةُ: لَوْ دَعَاهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَجَبَ عَلَيْهِ إجَابَتُهُ فِي الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ بِلَا نِزَاعٍ، لَكِنْ هَلْ تَبْطُلُ؟ الْأَظْهَرُ الْبُطْلَانُ، قَالَهُ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ، وَلَا يُجِيبُ وَالِدَيْهِ فِي الْفَرْضِ قَوْلًا وَاحِدًا، وَلَا فِي النَّفْلِ إنْ لَزِمَ بِالشُّرُوعِ، وَإِنْ لَمْ يَلْزَمْ بِالشُّرُوعِ كَمَا هُوَ الْمَذْهَبُ أَجَابَهُمَا، وَنَقَلَ الْمَرُّوذِيُّ: أَجِبْ أُمَّك، وَلَا تُجِبْ أَبَاك، وَهَلْ ذَلِكَ وُجُوبًا أَوْ اسْتِحْبَابًا؟ لَمْ يَذْكُرْهُ الْأَصْحَابُ قَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ فِي حَوَاشِي الْفُرُوعِ: الْأَظْهَرُ بِالْوُجُوبِ. قُلْت: الصَّوَابُ عَدَمُ الْوُجُوبِ أَوْ يَنْظُرُ إلَى قَرِينَةِ الْحَالِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ فِي الْجِهَادِ، حَيْثُ قَالُوا: لَا طَاعَةَ لَهُمَا فِي تَرْكِ فَرِيضَةٍ، وَكَذَا حُكْمُ الصَّوْمِ لَوْ دَعَوَاهُ أَوْ أَحَدُهُمَا إلَى الْفِطْرِ. قَوْلُهُ (وَيَجُوزُ لَهُ النَّظَرُ فِي الْمُصْحَفِ) يَعْنِي الْقِرَاءَةَ فِيهِ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَعَنْهُ يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ فِي النَّفْلِ، وَعَنْهُ يَجُوزُ لِغَيْرِ حَافِظٍ فَقَطْ، وَعَنْهُ فِعْلُ ذَلِكَ يُبْطِلُ الْفَرْضَ، وَقِيلَ: وَالنَّفَلَ، وَتَقَدَّمَ إذَا نَظَرَ فِي كِتَابٍ وَأَطَالَ، بَعْدَ قَوْلِهِ (إلَّا أَنْ يَفْعَلَهُ مُتَفَرِّقًا) . قَوْلُهُ (وَإِذَا مَرَّتْ بِهِ آيَةُ رَحْمَةٍ أَنْ يَسْأَلَهَا، أَوْ آيَةُ عَذَابٍ أَنْ يَسْتَعِيذَ مِنْهَا) هَذَا الْمَذْهَبُ يَعْنِي يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ [وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَنَصَّ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ يُسْتَحَبُّ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُهُ لِكُلِّ مُصَلٍّ، وَقِيلَ: السُّؤَالُ وَالِاسْتِعَاذَةُ هُنَا إعَادَةُ قِرَاءَتِهَا] اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ الدِّينَوَرِيُّ، وَابْنُ الْجَوْزِيِّ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَالْحَاوِي: وَفِيهِ ضَعْفٌ قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وَتَابَعُوا فِي ذَلِكَ الْمَجْدَ فِي شَرْحِهِ فَإِنَّهُ قَالَ: هَذَا وَهْمٌ مِنْ قَائِلِهِ
وَعَنْهُ يُكْرَهُ فِي الْفَرْضِ، وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي جَوَازِهِ فِي الْفَرْضِ رِوَايَتَيْنِ، وَعَنْهُ يَفْعَلُهُ وَحْدَهُ، وَقِيلَ: يُكْرَهُ فِيمَا يَجْهَرُ فِيهِ مِنْ الْفَرْضِ، دُونَ غَيْرِهِ، وَنَقَلَ الْفَضْلُ: لَا بَأْسَ أَنْ يَقُولَهُ مَأْمُومٌ، وَيَخْفِضَ صَوْتَهُ، وَقَالَ أَحْمَدُ: إذَا قَرَأَ {أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى} [القيامة: 40] فِي صَلَاةٍ وَغَيْرِهَا قَالَ " سُبْحَانَك فَبَلَى " فِي فَرْضٍ وَنَفْلٍ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَا يَقُولُهُ فِيهَا، وَقَالَ أَيْضًا: لَا يُجِيبُ الْمُؤَذِّنَ فِي نَفْلٍ قَالَ: وَكَذَا إنْ قَرَأَ فِي نَفْلٍ {أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ} [التين: 8] فَقَالَ (بَلَى) لَا يَفْعَلُ، وَقِيلَ لِأَحْمَدَ: إذَا قَرَأَ {أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى} [القيامة: 40] هَلْ يَقُولُ " سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى "؟ قَالَ: إنْ شَاءَ قَالَ فِي نَفْسِهِ، وَلَا يَجْهَرُ بِهِ. فَوَائِدُ. إحْدَاهُمَا: لَوْ قَرَأَ آيَةً فِيهَا ذِكْرُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنْ كَانَ فِي نَفْلٍ فَقَطْ صَلَّى عَلَيْهِ نَصَّ عَلَيْهِ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ جَزَمَ بِهِ ابْنُ تَمِيمٍ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقَالَ: وَأَطْلَقَهُ بَعْضُهُمْ قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي كِتَابِهِ الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: الْمَنْصُوصُ أَنَّهُ يُصَلِّي عَلَيْهِ فِي النَّفْلِ فَقَطْ، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَالْحَاوِي: وَإِنْ قَرَأَ آيَةً فِيهَا ذِكْرُهُ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ -: جَازَ لَهُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ، وَلَمْ يُقَيِّدَاهُ بِنَافِلَةٍ قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: هُوَ قَوْلُ أَصْحَابِنَا الثَّانِيَةُ: لَهُ رَدُّ السَّلَامِ مِنْ إشَارَةٍ، مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَنْهُ يَكْرَه فِي الْفَرْض، وَعَنْهُ يَجِبُ، وَلَا يَرُدُّهُ فِي نَفْسِهِ، بَلْ يُسْتَحَبُّ الرَّدُّ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْهَا. الثَّالِثَةُ: لَهُ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَى الْمُصَلِّي مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَنْهُ يُكْرَهُ.
قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ وَقَاسَهُ ابْنُ عَقِيلٍ عَلَى الْمَشْغُولِ بِمَعَاشٍ أَوْ حِسَابٍ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ، وَقَالَ: وَيُتَوَجَّهُ أَنَّهُ إنْ تَأَذَّى بِهِ كُرِهَ، وَإِلَّا لَمْ يُكْرَهْ، وَعَنْهُ يُكْرَهُ فِي الْفَرْضِ، وَقِيلَ: لَا يُكْرَهُ إنْ عَرَفَ الْمُصَلِّي كَيْفِيَّةَ الرَّدِّ بِهِ وَإِلَّا كُرِهَ. قَوْلُهُ (أَرْكَانُ الصَّلَاةِ اثْنَا عَشَرَ. الْقِيَامِ) مَحَلُّ ذَلِكَ: إذَا كَانَتْ الصَّلَاةُ فَرْضًا، وَكَانَ قَادِرًا عَلَيْهِ، وَتَقَدَّمَ الْحُكْمُ لَوْ كَانَ عُرْيَانًا، أَوْ لَمْ يَجِدْ إلَّا مَا يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ أَوْ مَنْكِبَيْهِ فَلَوْ كَانَ نَفْلًا لَمْ يَجِبْ الْقِيَامُ مُطْلَقًا، وَقِيلَ: يَجِبُ فِي الْوِتْرِ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ، قُلْت: إنْ وَجَبَ وَإِلَّا فَلَا، وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ، تَنْبِيهٌ: عَدَّ الْأَصْحَابُ " الْقِيَامَ " مِنْ الْأَرْكَانِ، وَقَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ فِي حَوَاشِي الْفُرُوعِ: فِي عَدِّ الْقِيَامِ مِنْ الْأَرْكَانِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ يُشْتَرَطُ تَقَدُّمُهُ عَلَى التَّكْبِيرِ فَهُوَ أَوْلَى مِنْ النِّيَّةِ بِكَوْنِهِ شَرْطًا. انْتَهَى. قُلْت: الَّذِي يَظْهَرُ قَوْلُ الْأَصْحَابِ؛ لِأَنَّ الشُّرُوطَ هِيَ الَّتِي يُؤْتَى بِهَا قَبْلَ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ وَتُسْتَصْحَبُ إلَى آخِرِهَا، وَالرُّكْنُ يُفْرَغُ مِنْهُ وَيُنْتَقَلُ إلَى غَيْرِهِ، وَالْقِيَامُ كَذَلِكَ. فَوَائِدُ. إحْدَاهَا: قَالَ أَبُو الْمَعَالِي وَغَيْرُهُ: حَدُّ الْقِيَامِ مَا لَمْ يَصِرْ رَاكِعًا قَالَ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ، وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي الِانْتِصَارِ: حَدُّهُ الِانْتِصَابُ قَدْرَ التَّحْرِيمَةِ، فَقَدْ أَدْرَكَ الْمَسْبُوقُ فَرْضَ الْقِيَامِ، وَلَا يَضُرُّهُ مَيْلُ رَأْسِهِ. الثَّانِيَةُ: لَوْ قَامَ عَلَى رِجْلٍ وَاحِدَةٍ، فَظَاهِرُ كَلَامِ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ: الْإِجْزَاءُ، قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَنَقَلَ خَطَّابُ بْنُ بِشْرٍ عَنْ أَحْمَدَ: لَا أَدْرِي، وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: لَا يُجْزِئُهُ قَالَ فِي النُّكَتِ: قَطَعَ بِهِ ابْنُ الْجَوْزِيِّ
وَغَيْرُهُ، وَتَقَدَّمَ " لَوْ أَتَى بِتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ أَوْ بِبَعْضِهَا رَاكِعًا " عِنْدَ قَوْلِهِ " ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ لَا يُجْزِئُهُ غَيْرُهَا ". الثَّالِثَةُ: قَوْلُهُ (وَتَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ) بِلَا نِزَاعٍ، وَلَيْسَتْ بِشَرْطٍ، بَلْ هِيَ مِنْ الصَّلَاةِ نَصَّ عَلَيْهِ، وَلِهَذَا يُعْتَبَرُ لَهَا شُرُوطُهَا. قَوْلُهُ (وَقِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ) الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ رُكْنٌ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَعَنْهُ رُكْنٌ فِي الْأُولَيَيْنِ، وَعَنْهُ لَيْسَتْ رُكْنًا مُطْلَقًا، وَيُجْزِئُهُ آيَةٌ مِنْ غَيْرِهِمْ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُهُ وَلَوْ قَصُرَتْ، وَلَوْ كَانَتْ كَلِمَةً، وَأَنَّ الْفَاتِحَةَ سُنَّةٌ، وَأَطْلَقَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ الرِّوَايَتَيْنِ فِي تَعْيِينِ الْفَاتِحَةِ وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: أَنَّهَا لَا تَجِبُ فِي الْجِنَازَةِ، بَلْ تُسْتَحَبُّ، وَذَكَرَ الْحَلْوَانِيُّ رِوَايَةً: لَا يَكْفِي إلَّا سَبْعُ آيَاتٍ مِنْ غَيْرِهَا، وَعَنْهُ مَا تَيَسَّرَ، وَعَنْهُ لَا تَجِبُ قِرَاءَةٌ فِي الْأُولَيَيْنِ وَالْفَجْرِ، وَعَنْهُ إنْ نَسِيَهَا فِيهِمَا قَرَأَهَا فِي الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ مَرَّتَيْنِ وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ. زَادَ عَبْدُ اللَّهِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ: وَإِنْ تَرَكَ الْقِرَاءَةَ فِي ثَلَاثٍ، ثُمَّ ذَكَرَ فِي الرَّابِعَةِ، فَسَدَتْ صَلَاتُهُ وَاسْتَأْنَفَهَا، وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ: إنْ نَسِيَهَا فِي رَكْعَةٍ أَتَى بِهَا فِيمَا بَعْدَهَا مَرَّتَيْنِ وَيَعْتَدُّ بِهَا، وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ قَالَ فِي الْفُنُونِ، وَقَدْ أَشَارَ إلَيْهِ أَحْمَدُ. فَائِدَتَانِ. إحْدَاهُمَا: تَجِبُ الْفَاتِحَةُ عَلَى الْإِمَامِ وَالْمُنْفَرِدِ، وَكَذَا عَلَى الْمَأْمُومِ، لَكِنَّ الْإِمَامَ يَتَحَمَّلُهَا عَنْهُ، هَذَا الْمَعْنَى فِي كَلَامِ الْقَاضِي وَغَيْرِهِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْفُرُوعِ، وَقِيلَ: تَجِبُ الْقِرَاءَةُ عَلَى الْمَأْمُومِ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، حَيْثُ تَجِبُ فِيهِمَا عَلَى الْإِمَامِ وَالْمُنْفَرِدِ، ذَكَرَهُ فِي الرِّعَايَةِ
الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ (وَالطُّمَأْنِينَةُ فِي هَذِهِ الْأَفْعَالِ) بِلَا نِزَاعٍ، وَحَدُّهَا حُصُولُ السُّكُونِ وَإِنْ قَلَّ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ جَزَمَ بِهِ فِي النَّظْمِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَةِ، وَالْفَائِقِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: فَإِنْ نَقَصَ عَنْهُ فَاحْتِمَالَانِ، وَقِيلَ: هِيَ بِقَدْرِ الذِّكْرِ الْوَاجِبِ قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَتَبِعَهُ فِي الْحَاوِي الْكَبِيرِ: وَهُوَ الْأَقْوَى وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُذْهَبِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَفَائِدَةُ الْوَجْهَيْنِ: إذَا نَسِيَ التَّسْبِيحَ فِي رُكُوعِهِ، أَوْ سُجُودِهِ، أَوْ التَّحْمِيدَ فِي اعْتِدَالِهِ، أَوْ سُؤَالَ الْمَغْفِرَةِ فِي جُلُوسِهِ، أَوْ عَجَزَ عَنْهُ لِعُجْمَةٍ أَوْ خَرَسٍ، أَوْ تَعَمَّدَ تَرْكَهُ، وَقُلْنَا: هُوَ سُنَّةٌ، وَاطْمَأَنَّ قَدْرًا لَا يَتَّسِعُ لَهُ فَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ وَلَا تَصِحُّ عَلَى الثَّانِي، وَقِيلَ: هِيَ بِقَدْرِ ظَنِّهِ أَنَّ مَأْمُومَهُ أَتَى بِمَا يَلْزَمُهُ. قَوْلُهُ (وَالتَّشَهُّدُ الْأَخِيرُ، وَالْجُلُوسُ لَهُ) هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَعَنْهُ أَنَّهُمَا وَاجِبَانِ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَهُوَ غَرِيبٌ بَعِيدٌ، وَقَالَ أَيْضًا وَقِيلَ: التَّشَهُّدُ الْأَخِيرُ وَاجِبٌ، وَالْجُلُوسُ لَهُ رُكْنٌ، وَهُوَ غَرِيبٌ بَعِيدٌ، وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ: لَا يَخْتَلِفُ قَوْلُهُ أَنَّ الْجُلُوسَ فَرْضٌ، وَاخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِي الذِّكْرِ فِيهِ، وَعَنْهُ أَنَّهُمَا سُنَّةٌ، وَعَنْهُ التَّشَهُّدُ الْأَخِيرُ فَقَطْ سُنَّةٌ. فَائِدَتَانِ. إحْدَاهُمَا: حَيْثُ قُلْنَا بِالْوُجُوبِ، فَيُجْزِئُ بَعْدَ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ قَوْلُهُ (اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ) فَقَطْ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالْمَجْدُ، وَالْقَاضِي وَغَيْرُهُمْ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَتُجْزِئُ الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْأَصَحِّ قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: هَذَا أَصَحُّ الْوَجْهَيْنِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ،
وَقِيلَ: الْوَاجِبُ الْجَمِيعُ إلَى قَوْلِهِ (إنَّك حَمِيدٌ مَجِيدٌ) الْأَخِيرَتَانِ اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ، فِي الْهِدَايَةِ، وَصَاحِبُ الْمُسْتَوْعِبِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: وَالْمُجْزِئُ التَّشَهُّدُ، وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى (حَمِيدٌ مَجِيدٌ) عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْمُذْهَبِ، وَالتَّلْخِيصِ قَالَ فِي الْكَافِي، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: وَتَجِبُ الصَّلَاةُ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ يَعْنِي حَدِيثَ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ وَيَأْتِي قَرِيبًا مِقْدَارُ الْوَاجِبِ مِنْ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ. الثَّانِيَةُ: قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُنُونِ: كَانَ يَلْزَمُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَقُولَ فِي التَّشَهُّدِ (وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْت عَلَى إبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ إنَّك حَمِيدٌ مَجِيدٌ) وَالشَّهَادَتَانِ فِي الْأَذَانِ، وَقَالَ ابْنُ حَمْدَانَ فِي الرِّعَايَةِ: يَحْتَمِلُ لُزُومُ ذَلِكَ وَجْهَيْنِ. قَوْلُهُ (وَالتَّسْلِيمَةُ الْأُولَى) هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَعَنْهُ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ، ذَكَرَهَا فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. قَوْلُهُ (وَالتَّرْتِيبُ) اعْلَمْ أَنَّ جُمْهُورَ الْأَصْحَابِ عَدَّ التَّرْتِيبَ مِنْ الْأَرْكَانِ، وَقَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَتَابَعَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ: التَّرْتِيبُ صِفَةٌ مُعْتَبَرَةٌ لِلْأَرْكَانِ لَا تَقُومُ إلَّا بِهِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ رُكْنًا زَائِدًا، كَمَا أَنَّ الْفَاتِحَةَ رُكْنٌ وَتَرْتِيبَهَا مُعْتَبَرٌ، وَلَا يُعَدُّ رُكْنًا آخَرَ، وَالتَّشَهُّدُ كَذَلِكَ، وَكَذَا
السُّجُودُ رُكْنٌ، وَيُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ عَلَى الْأَعْضَاءِ السَّبْعَةِ، وَلَا يُجْعَلُ ذَلِكَ رُكْنًا، إلَى نَظَائِرِ ذَلِكَ. انْتَهَى. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: بَعْضُهُمْ يَعُدُّ التَّرْتِيبَ رُكْنًا، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: هُوَ مُقَوِّمٌ لِلْأَرْكَانِ لَا تَقُومُ إلَّا بِهِ. انْتَهَى. قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: لَكِنْ يَلْزَمُ أَنْ لَا تُعَدَّ الطُّمَأْنِينَةُ رُكْنًا؛ لِأَنَّهَا أَيْضًا صِفَةُ الرُّكْنِ وَهَيْئَتُهُ فِيهِ. انْتَهَى. قُلْت: لَعَلَّ الْخِلَافَ لَفْظِيٌّ إذْ لَا يَظْهَرُ لَهُ فَائِدَةٌ. قَوْلُهُ (وَوَاجِبَاتُهَا تِسْعَةٌ: التَّكْبِيرَةُ غَيْرَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ، وَالتَّسْمِيعُ وَالتَّحْمِيدُ فِي الرَّفْعِ مِنْ الرُّكُوعِ، وَالتَّسْبِيحُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ مَرَّةً مَرَّةً) هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَعَنْهُ أَنَّ ذَلِكَ رُكْنٌ، وَعَنْهُ سُنَّةٌ، وَعَنْهُ التَّكْبِيرُ رُكْنٌ إلَّا فِي حَقِّ الْمَأْمُومِ فَوَاجِبٌ، ذَكَرَهُ الزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُ. قَوْلُهُ (وَسُؤَالُ الْمَغْفِرَةِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ مَرَّةً) يَعْنِي أَنَّهُ وَاجِبٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَعَنْهُ رُكْنٌ، وَعَنْهُ سُنَّةٌ، وَإِنْ قُلْنَا: التَّسْمِيعُ وَالتَّحْمِيدُ وَنَحْوُهُمَا وَاجِبٌ، ذَكَرَهُ فِي الْفُرُوعِ: وَنَبَّهَ عَلَيْهِ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ فِي حَوَاشِي الْفُرُوعِ، وَقَالَ جَمَاعَةٌ: يُجْزِئُ (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي) . قَوْلُهُ (وَالتَّشَهُّدُ الْأَوَّلُ، وَالْجُلُوسُ لَهُ) هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَعَنْهُ رُكْنٌ، وَعَنْهُ سُنَّةٌ. فَائِدَةٌ: الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ الْوَاجِبَ الْمُجْزِئَ مِنْ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ " التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ سَلَامٌ عَلَيْك أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، سَلَامٌ عَلَيْنَا، وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ " جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَالشَّيْخَانِ.
وَزَادَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ " وَالصَّلَوَاتُ " وَزَادَ ابْنُ تَمِيمٍ، وَحَوَاشِي صَاحِبِ الْفُرُوعِ " وَبَرَكَاتُهُ " وَزَادَ بَعْضُهُمْ (وَالطَّيِّبَاتُ) وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ " السَّلَامُ " مُعَرَّفًا، وَهُوَ قَوْلٌ فِي الرِّعَايَةِ، وَذَكَرَ ابْنُ مُنَجَّى فِي الْأَوَّلِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُغْنِي، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: إنْ أَسْقَطَ (أَشْهَدُ) الثَّانِيَةَ فَفِي الْإِجْزَاءِ وَجْهَانِ وَالْمَنْصُوصُ الْإِجْزَاءُ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحُسَيْنِ فِي التَّمَامِ: إذَا خَالَفَ التَّرْتِيبَ فِي أَلْفَاظِ التَّشَهُّدِ فَهَلْ يُجْزِيهِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَقِيلَ: الْوَاجِبُ جَمِيعُ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ وَهُوَ تَشَهُّدُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَهُوَ الَّذِي فِي التَّلْخِيصِ وَغَيْرِهِ قَالَ ابْنُ حَامِدٍ: رَأَيْت جَمَاعَةً مِنْ أَصْحَابِنَا يَقُولُونَ: لَوْ تَرَكَ وَاوًا أَوْ حَرْفًا أَعَادَ الصَّلَاةَ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هَذَا قَوْلُ جَمَاعَةٍ، مِنْهُمْ ابْنُ حَامِدٍ، وَغَيْرُهُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ بَعْدَ حِكَايَةِ تَشَهُّدِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَقِيلَ: لَا يُجْزِئُ غَيْرُهُ، وَقِيلَ: مَتَى أَخَلَّ بِلَفْظَةٍ سَاقِطَةٍ فِي غَيْرِهِ أَجْزَأَ. انْتَهَى. وَفِيهِ وَجْهٌ لَا يُجْزِئُ مِنْ التَّشَهُّدِ مَا لَمْ يَرْفَعْ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَكَرَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَتَقَدَّمَ قَرِيبًا قَدْرُ الْوَاجِبِ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ، وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْوَاجِبِ مِنْ مُفْرَدَاتِ الْمَذْهَبِ. قَوْلُهُ (وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي مَوْضِعِهَا) يَعْنِي أَنَّهَا وَاجِبَةٌ فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ، وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَاتِ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ جَزَمَ بِهِ فِي الْعُمْدَةِ، وَالْهَادِي، وَالْوَجِيزِ وَاخْتَارَهَا الْخِرَقِيُّ، وَالْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ وَصَحَّحَهَا فِي النَّظْمِ، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ قَالَ فِي الْمُغْنِي: هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفَائِقِ، وَعَنْهُ أَنَّهَا رُكْنٌ، وَهِيَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ
قَالَ فِي الْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ: رُكْنٌ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ قَالَ فِي الْبُلْغَةِ هِيَ: رُكْنٌ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَاتِ قَالَ فِي إدْرَاكِ الْغَايَةِ: رُكْنٌ فِي الْأَصَحِّ قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: هَذِهِ أَظْهَرُ الرِّوَايَاتِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: رُكْنٌ، عَلَى الْأَشْهَرِ عَنْهُ اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمَذْهَبِ الْأَحْمَدِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْمُنَوِّرِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُحَرَّرِ وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ وَاخْتَارَهُ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ، وَالْآمِدِيُّ وَغَيْرُهُمَا، وَعَنْهُ أَنَّهَا سُنَّةٌ اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ كَخَارِجِ الصَّلَاةِ، وَنَقَلَ أَبُو زُرْعَةَ: رُجُوعَهُ عَنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَأَطْلَقَهُنَّ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَتَقَدَّمَ هَلْ تَجِبُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ أَوْ تُسْتَحَبُّ خَارِجَ الصَّلَاةِ عِنْدَ قَوْلِهِ (وَإِنْ شَاءَ قَالَ: كَمَا صَلَّيْت عَلَى إبْرَاهِيمَ) . قَوْلُهُ (وَالتَّسْلِيمَةُ الثَّانِيَةُ فِي رِوَايَةٍ) وَكَذَا قَالَ فِي الْهَادِي، وَالْمَذْهَبِ الْأَحْمَدِ، وَهَذِهِ إحْدَى الرِّوَايَاتِ مُطْلَقًا جَزَمَ بِهَا فِي الْإِفَادَاتِ، وَالتَّسْهِيلِ قَالَ الْقَاضِي: وَهِيَ أَصَحُّ، وَقَالَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: وَهُمَا وَاجِبَانِ، لَا يَخْرُجُ مِنْ الصَّلَاةِ بِغَيْرِهِمَا وَصَحَّحَهَا نَاظِمُ الْمُفْرَدَاتِ، وَهُوَ مِنْهَا وَقَدَّمَهَا فِي الْفَائِقِ، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّهَا رُكْنٌ مُطْلَقًا كَالْأُولَى جَزَمَ بِهِ فِي الْمُنَوِّرِ، وَالْهِدَايَةِ فِي عَدِّ الْأَرْكَانِ وَقَدَّمَهُ فِي التَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالنَّظْمِ، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ قَالَ فِي الْمُذْهَبِ: رُكْنٌ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ وَصَحَّحَهَا فِي الْحَوَاشِي وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَالْقَاضِي، وَالْأَكْثَرُونَ كَذَا، قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ، مَعَ أَنَّ مَا قَالَهُ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ يَحْتَمِلُهُ، وَهِيَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، وَعَنْهُ أَنَّهَا سُنَّةٌ جَزَمَ بِهِ فِي الْعُمْدَةِ، وَالْوَجِيزِ وَاخْتَارَهَا الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَابْنُ عَبْدُوسٍ وَقَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ،
قُلْت: وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ: وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إجْمَاعًا فَقَالَ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ: عَلَى أَنَّ صَلَاةَ مَنْ اقْتَصَرَ عَلَى تَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ جَائِزَةٌ، وَتَبِعَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ. قُلْت: هَذَا مُبَالَغَةٌ مِنْهُ، وَلَيْسَ بِإِجْمَاعٍ قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ: وَهَذِهِ عَادَتُهُ إذَا رَأَى قَوْلَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ حَكَاهُ إجْمَاعًا وَعَنْهُ هِيَ سُنَّةٌ فِي النَّفْلِ، دُونَ الْفَرْضِ وَجَزَمَ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالزَّرْكَشِيُّ: أَنَّهَا لَا تَجِبُ فِي النَّفْلِ وَقَدَّمَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي رُءُوسِ مَسَائِلِهِ: أَنَّهَا وَاجِبَةٌ فِي الْمَكْتُوبَةِ، وَقَالَ الْقَاضِي: التَّسْلِيمَةُ الثَّانِيَةُ سُنَّةٌ فِي الْجِنَازَةِ وَالنَّافِلَةِ، رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَأَطْلَقَهُنَّ فِي الْفُرُوعِ، وَأَطْلَقَ الرِّوَايَتَيْنِ: هَلْ هِيَ سُنَّةٌ أَمْ لَا؟ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ قَالَ فِي الْمُحَرَّرِ: وَفِي وُجُوبِهَا فِي الْفَرْضِ رِوَايَتَانِ قَالَ فِي مَسْبُوكِ الذَّهَبِ: وَفِي التَّسْلِيمَةِ الثَّانِيَةِ رِوَايَتَانِ. فَوَائِدُ. الْأُولَى: السَّلَامُ مِنْ نَفْسِ الصَّلَاةِ قَالَهُ الْأَصْحَابُ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُهُ التَّسْلِيمَةُ الثَّانِيَةُ، وَقَالَ الْقَاضِي فِي التَّعْلِيقِ: فِيهَا رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا: هِيَ مِنْهَا، وَالثَّانِيَةُ: لَا؛ لِأَنَّهَا لَا تُصَادِفُ جُزْءًا مِنْهَا قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ. الثَّانِيَةُ: الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ الْخُشُوعَ فِي الصَّلَاةِ سُنَّةٌ، قَالَهُ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ، وَمَعْنَاهُ فِي التَّعْلِيقِ وَغَيْرِهِ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: إذَا غَلَبَ الْوَسْوَاسُ عَلَى أَكْثَرِ الصَّلَاةِ لَا يُبْطِلُهَا، وَيَسْقُطُ الْفَرْضُ، وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي وَغَيْرُهُ: هُوَ وَاجِبٌ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَمُرَادُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
فِي بَعْضِهَا، وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ، وَابْنُ الْجَوْزِيِّ: تَبْطُلُ صَلَاةُ مَنْ غَلَبَ الْوَسْوَاسُ عَلَى أَكْثَرِ صَلَاتِهِ، وَتَقَدَّمَ نَظِيرُ ذَلِكَ قُبَيْلَ قَوْلِهِ (وَيُكْرَهُ تَكْرَارُ الْفَاتِحَةِ) . الثَّالِثَةُ: أَلْحَقَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ: الْجَهْلَ بِالسَّهْوِ فِي تَرْكِ الْأَرْكَانِ وَالْوَاجِبَاتِ وَالسُّنَنِ، وَفِي الْكَافِي مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ قَالَ فِي الْفَصْلِ الثَّالِثِ، مِنْ بَابِ شَرَائِطِ الصَّلَاةِ، فِيمَا إذَا عَلِمَ بِالنَّجَاسَةِ ثُمَّ أُنْسِيهَا: فِيهِ رِوَايَتَانِ كَمَا لَوْ جَهِلَهَا لِأَنَّ مَا يُعْذَرُ فِيهِ بِالْجَهْلِ يُعْذَرُ فِيهِ بِالنِّسْيَانِ، كَوَاجِبَاتِ الصَّلَاةِ. الرَّابِعَةُ: يُسْتَثْنَى مِنْ قَوْلِهِ " مَنْ تَرَكَ مِنْهَا شَيْئًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ " تَكْبِيرَةُ الرُّكُوعِ لِمَنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ رَاكِعًا فَإِنَّ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ تُجْزِئُهُ، وَلَا يَضُرُّهُ تَرْكُ تَكْبِيرَةِ الرُّكُوعِ كَمَا جَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي مَوَاضِعَ، وَسَيَأْتِي هُنَاكَ. قُلْت فَيُعَايَى بِهَا، وَلَوْ قِيلَ: إنَّهَا غَيْرُ وَاجِبَةٍ وَالْحَالَةُ هَذِهِ لَكَانَ سَدِيدًا كَوُجُوبِ الْفَاتِحَةِ عَلَى الْمَأْمُومِ، وَسُقُوطِهَا عَنْهُ بِتَحَمُّلِ الْإِمَامِ لَهَا عَنْهُ أَوْ يُقَالُ: هُنَا سَقَطَتْ مِنْ غَيْرِ تَحَمُّلٍ وَلَعَلَّهُ مُرَادُهُمْ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْلُهُ (وَسُنَنُ الْأَقْوَالِ اثْنَا عَشَرَ: الِاسْتِفْتَاحُ، وَالتَّعَوُّذُ) هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَعَنْهُ أَنَّهُمَا وَاجِبَانِ اخْتَارَهُ ابْنُ بَطَّةَ، وَعَنْهُ: التَّعَوُّذُ وَحْدَهُ وَاجِبٌ، وَعَنْهُ يَجِبُ التَّعَوُّذُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ. قَوْلُهُ (وَقِرَاءَةُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) تَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِيهَا. هَلْ هِيَ مِنْ الْفَاتِحَةِ أَمْ لَا؟ مُسْتَوْفًى فِي أَوَّلِ الْبَابِ. قَوْلُهُ (وَقَوْلُ: آمِينَ) يَعْنِي أَنَّ قَوْلَهَا سُنَّةٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، عَنْهُ وَاجِبٌ قَالَ فِي
رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ إبْرَاهِيمَ: آمِينَ أَمْرٌ مِنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ آكَدُ مِنْ الْفِعْلِ، وَيَجُوزُ فِيهَا الْقَصْرُ وَالْمَدُّ، وَهُوَ أَوْلَى، وَيَحْرُمُ تَشْدِيدُ الْمِيمِ. قَوْلُهُ (وَقِرَاءَةُ السُّورَةِ) الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ قِرَاءَةَ السُّورَةِ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ سُنَّةٌ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَعَنْهُ يَجِبُ قِرَاءَةُ شَيْءٍ بَعْدَهَا، وَهِيَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُهُ وَلَوْ بَعْضَ آيَةٍ، لِظَاهِرِ الْخَبَرِ فَعَلَى الْمَذْهَبِ: يُكْرَهُ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْفَاتِحَةِ. فَائِدَةٌ يَبْتَدِئُ السُّورَةَ الَّتِي يَقْرَؤُهَا بَعْدَ الْفَاتِحَةِ بِالْبَسْمَلَةِ نَصَّ عَلَيْهِ زَادَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ: سِرًّا قَالَ الشَّارِحُ: الْخِلَافُ فِي الْجَهْرِ هُنَا كَالْخِلَافِ فِي أَوَّلِ الْفَاتِحَةِ. قَوْلُهُ (وَالْجَهْرُ وَالْإِخْفَاتُ) هَذَا الْمَذْهَبُ الْمَعْمُولُ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَقِيلَ: هُمَا وَاجِبَانِ، وَقِيلَ: الْإِخْفَاتُ وَحْدَهُ وَاجِبٌ، وَنَقَلَ أَبُو دَاوُد: إذَا خَافَتْ فِيمَا يَجْهَرُ فِيهِ حَتَّى فَرَغَ مِنْ الْفَاتِحَةِ ثُمَّ ذَكَرَ، يَبْتَدِئُ الْفَاتِحَةَ، فَيَجْهَرُ وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ، وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ (وَيَجْهَرُ الْإِمَامُ بِالْقِرَاءَةِ) وَتَقَدَّمَ هُنَاكَ مَنْ يُشْرَعُ لَهُ الْجَهْرُ وَالْإِخْفَاتُ مُسْتَوْفًى. تَنْبِيهٌ: فِي عَدِّ الْمُصَنِّفِ (الْجَهْرَ وَالْإِخْفَاتَ) مِنْ سُنَنِ الْأَقْوَالِ نَظَرٌ فَإِنَّهُمَا فِيمَا يَظْهَرُ مِنْ سُنَنِ الْأَفْعَالِ؛ لِأَنَّهُمَا هَيْئَةٌ لِلْقَوْلِ لَا أَنَّهُمَا قَوْلٌ، مَعَ أَنَّهُ عَدَّهُمَا أَيْضًا مِنْ سُنَنِ الْأَقْوَالِ فِي الْكَافِي. تَنْبِيهٌ: وَقَوْلُهُ (مِلْءَ السَّمَاءِ بَعْدَ التَّحْمِيدِ) يَعْنِي فِي حَقِّ مَنْ شُرِعَ لَهُ قَوْلُ ذَلِكَ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَعَنْهُ وَاجِبٌ إلَى آخِرِهِ.
قَوْلُهُ (وَالتَّعَوُّذُ فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ) هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَعَنْهُ وَاجِبٌ، ذَكَرَهَا الْقَاضِي وَقَالَ ابْنُ بَطَّةَ: مَنْ تَرَكَ مِنْ الدُّعَاءِ الْمَشْرُوعِ شَيْئًا مِمَّا يُقْصَدُ بِهِ الثَّنَاءُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى أَعَادَ، وَعَنْهُ مَنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْ الدُّعَاءِ عَمْدًا أَعَادَ، وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَعَوَّذَ) . قَوْلُهُ (وَالْقُنُوتُ فِي الْوِتْرِ) هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ وَقَطَعَ أَكْثَرُهُمْ بِهِ، وَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ: سُنَّةٌ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ فَائِدَةٌ: قَوْلُهُ (فَهَذِهِ سُنَنٌ، لَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِتَرْكِهَا، وَلَا يَجِبُ السُّجُودُ لَهَا) لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ بَدَلٌ عَنْهَا، قَالَهُ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ. قَوْلُهُ (وَهَلْ يُشْرَعُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْحَاوِي، وَالْكَافِي، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَشَرْحِ الْمَجْدِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَشَرْحِ ابْنِ مُنَجَّى، وَالْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ، وَالْمَذْهَبِ الْأَحْمَدِ، وَالْحَاوِيَيْنِ فِي سُجُودِ السَّهْوِ. إحْدَاهُمَا: يُشْرَعُ لَهُ السُّجُودُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ وَصَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَإِلَيْهِ مَيْلُهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَا يُشْرَعُ قَالَ فِي الْإِفَادَاتِ: لَا يَسْجُدُ لِسَهْوِهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا قَدَّمَهُ فِي النَّظْمِ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ فَإِنَّهُمْ قَالُوا: سُنَّ فِي رِوَايَةٍ وَقَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ فِي آخِرِ صِفَةِ الصَّلَاةِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: الْأَوْلَى تَرْكُهُ
قَوْلُهُ (وَمَا سِوَى هَذَا مِنْ سُنَنِ الْأَفْعَالِ لَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِتَرْكِهِ بِلَا نِزَاعٍ، وَلَا يُشْرَعُ السُّجُودُ لَهُ) وَهَذِهِ طَرِيقَةُ الْمُصَنِّفِ وَجَزَمَ بِهَا فِي الْمُغْنِي، وَالْكَافِي قَالَ الشَّارِحُ وَالنَّاظِمُ: تَرْكُ السُّجُودِ هُنَا أَوْلَى وَقَدَّمَهُ فِي الْفَائِقِ، وَقَالَهُ الْقَاضِي فِي شَرْحِ الْمُذْهَبِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَاَلَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ: أَنَّ الرِّوَايَتَيْنِ فِي سُنَنِ الْأَفْعَالِ أَيْضًا، وَأَنَّهُمَا فِي سُنَنِ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ مُخَرَّجَتَانِ مِنْ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَصَرَّحَ بِذَلِكَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرُهُ قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: وَقَدْ نَصَّ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ: أَنَّهُ قَالَ " إنْ سَجَدَ فَلَا بَأْسَ، وَإِنْ لَمْ يَسْجُدْ فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ " وَقَالَ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ " يَسْجُدُ لِذَلِكَ، وَمَا يَضُرُّهُ إنْ سَجَدَ؟ ". فَائِدَتَانِ. إحْدَاهُمَا: حَيْثُ قُلْنَا لَا يَسْجُدُ فِي سُنَنِ الْأَفْعَالِ وَالْأَقْوَالِ لَوْ خَالَفَ وَفَعَلَ فَلَا بَأْسَ نَصَّ عَلَيْهِ، قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ وَجَزَمَ بِهِ فِي شَرْحِ الْمَجْدِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ: تَبْطُلُ صَلَاتُهُ نَصَّ عَلَيْهِ قُلْت: قَدْ ذَكَرَ الْأَصْحَابُ: أَنَّهُ لَا يَسْجُدُ لِتِلَاوَةِ غَيْرِ إمَامِهِ فَإِنْ فَعَلَ فَذَكَرُوا فِي بُطْلَانِ صَلَاتِهِ وَجْهَيْنِ، وَقَالُوا: إذَا قُلْنَا: سَجْدَةُ (ص) سَجْدَةُ شُكْرٍ لَا يَسْجُدُ لَهَا فِي الصَّلَاةِ فَإِنْ خَالَفَ وَفَعَلَ فَالْمَذْهَبُ تَبْطُلُ، وَقِيلَ: لَا تَبْطُلُ فَلَيْسَ يَبْعُدُ أَنْ يُخَرَّجَ هُنَا مِثْلُ ذَلِكَ. الثَّانِيَةُ: عَدَّ الْمُصَنِّفُ فِي الْكَافِي سُنَنَ الْأَفْعَالِ اثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَذَكَرَ فِي الْهِدَايَةِ: أَنَّ الْهَيْئَاتِ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ، وَذَكَرَهَا فِي الْمُسْتَوْعِبِ خَمْسَةً وَأَرْبَعِينَ هَيْئَةً، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: هِيَ خَمْسَةٌ وَأَرْبَعُونَ فِي الْأَشْهَرِ، وَقَالُوا: سُمِّيَتْ هَيْئَةً، لِأَنَّهَا صِفَةٌ فِي غَيْرِهَا
باب سجود السهو
قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: فَكُلُّ صُورَةٍ، أَوْ صِفَةٍ لِفِعْلٍ أَوْ قَوْلٍ: فَهِيَ هَيْئَةٌ قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ: وَالْهَيْئَاتُ هِيَ صُوَرُ الْأَفْعَالِ وَحَالَاتُهَا فَمُرَادُهُمْ بِذَلِكَ سُنَنُ الْأَفْعَالِ. [وَقَدْ عَدَّهَا فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالْمُذْهَبِ، وَغَيْرِهِمْ، وَهِيَ تَشْمَلُ سُنَنَ الْأَفْعَالِ وَغَيْرِهَا، وَقَدْ تَكُونُ رُكْنًا كَالطُّمَأْنِينَةِ، ذَكَرَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَعَدَّ فِيهَا: أَنَّ مِنْ الْهَيْئَاتِ الْجَهْرَ وَالْإِخْفَاتَ، وَعَدَّهُمَا الْمُصَنِّفُ فِي سُنَنِ الْأَقْوَالِ. كَمَا تَقَدَّمَ] . [بَابُ سُجُودِ السَّهْوِ] ِ قَوْلُهُ (وَلَا يُشْرَعُ فِي الْعَمْدِ) هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَبَنَى الْحَلْوَانِيُّ سُجُودَهُ لِتَرْكِ سُنَّةٍ عَلَى كَفَّارَةِ قَتْلِ الْعَمْدِ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَقِيلَ يَسْجُدُ لِعَمْدٍ، مَعَ صِحَّةِ صَلَاتِهِ. تَنْبِيهَاتٌ أَحَدُهَا: يُسْتَثْنَى مِنْ قَوْلِهِ (وَيُشْرَعُ لِلسَّهْوِ فِي زِيَادَةٍ وَنَقْصٍ وَشَكٍّ لِلنَّافِلَةِ، وَالْفَرْضِ) سِوَى صَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَسُجُودِ التِّلَاوَةِ فَلَا يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ فِيهِمَا، قَالَهُ الْأَصْحَابُ. زَادَ ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ، وَغَيْرُهُمَا: وَسُجُودِ الشُّكْرِ، وَكَذَا لَا يَسْجُدُ إذَا سَهَا فِي سَجْدَتَيْ السَّهْوِ نَصَّ عَلَيْهِ، وَكَذَا إذَا سَهَا بَعْدَهُمَا، وَقِيلَ: سَلَامُهُ فِي السُّجُودِ بَعْدَ السَّلَامِ، لِأَنَّهُ فِي الْجَائِزِ فَأَمَّا سَهْوُهُ فِي سُجُودِ السَّهْوِ قَبْلَ السَّلَامِ: فَلَا يَسْجُدُ لَهُ أَيْضًا فِي أَقْوَى الْوَجْهَيْنِ، قَالَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالنُّكَتِ قَالَ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ: وَلَوْ سَهَا بَعْدَ سُجُودِ السَّهْوِ لَمْ يَسْجُدْ لِذَلِكَ، وَقَطَعَا بِهِ وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَسْجُدُ لَهُ، وَأَطْلَقَهُمَا الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ،
وَكَذَا لَا يَسْجُدُ لِحَدِيثِ النَّفْسِ، وَلَا لِلنَّظَرِ إلَى شَيْءٍ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَنْهُ أَنَّهُ يَسْجُدُ، وَقَالَ: لَخَّصْت ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ. الثَّانِي: ظَاهِرُ قَوْلِهِ (فَأَمَّا الزِّيَادَةُ: فَمَتَى زَادَ فِعْلًا مِنْ جِنْسِ الصَّلَاةِ قِيَامًا أَوْ قُعُودًا، أَوْ رُكُوعًا أَوْ سُجُودًا، عَمْدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَإِنْ كَانَ سَهْوًا سَجَدَ لَهُ) أَنَّهُ لَوْ جَلَسَ سَهْوًا فِي مَحَلِّ جِلْسَةِ الِاسْتِرَاحَةِ بِمِقْدَارِهَا: أَنَّهُ يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ، وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ وَالصَّحِيحُ مِنْهُمَا صَحَّحَهُ فِي النَّظْمِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّارِحُ فِي مَوْضِعٍ، وَفِي آخَرَ: ظَاهِرُهُ إطْلَاقُ الْخِلَافِ وَصَحَّحَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَقَالَ: هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي الْخَطَّابِ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَلْزَمُهُ السُّجُودُ، وَهُوَ احْتِمَالٌ فِي الْمُغْنِي قَالَ فِي الْحَاوِيَيْنِ: وَهُوَ أَصَحُّ عِنْدِي قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: إنْ كَانَ جُلُوسُهُ يَسِيرًا فَلَا سُجُودَ عَلَيْهِ قَالَ فِي التَّلْخِيصِ: هَذَا قِيَاسُ الْمَذْهَبِ، وَلَا وَجْهَ لِمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي، إلَّا إذَا قُلْنَا تُجْبَرُ الْهَيْئَاتُ بِالسُّجُودِ. انْتَهَى. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ. الثَّالِثُ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ: أَنَّهُ يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ وَغَيْرِهَا فِي شِدَّةِ الْخَوْفِ وَغَيْرِهَا، وَقَالَ فِي الْفَائِقِ: وَلَا سُجُودَ لِسَهْوٍ فِي الْخَوْفِ، قَالَهُ بَعْضُهُمْ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ. قُلْت: فَيُعَايَى بِهَا لَكِنْ لَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ الْأَصْحَابِ ذَكَرَ ذَلِكَ فِي شِدَّةِ الْخَوْفِ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِقَوَاعِدِ الْمَذْهَبِ، وَيَأْتِي أَحْكَامُ سُجُودِ السَّهْوِ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ إذَا لَمْ يَشْتَدَّ فِي الْوَجْهِ الثَّانِي، وَتَقَدَّمَ سُجُودُ السَّهْوِ لِلنَّفْلِ إذَا صَلَّى عَلَى الرَّاحِلَةِ فِي اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ.
الرَّابِعُ: قَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى وَمَنْ تَبِعَهُ: مَنْ كَثُرَ مِنْهُ السَّهْوُ، حَتَّى صَارَ كَالْوَسْوَاسِ فَإِنَّهُ يَلْهُو عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ يَخْرُجُ بِهِ إلَى نَوْعِ مُكَابَرَةٍ فَيَقْضِي إلَى الزِّيَادَةِ فِي الصَّلَاةِ مَعَ تَيَقُّنِ إتْمَامِهَا وَنَحْوِهِ فَوَجَبَ اطِّرَاحُهُ، وَكَذَا فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ وَإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ نَحْوُهُ] قَوْلُهُ (وَإِنْ سَبَّحَ بِهِ اثْنَانِ لَزِمَهُ الرُّجُوعُ) يَعْنِي إذَا كَانَا ثِقَتَيْنِ، هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، سَوَاءٌ قُلْنَا: يَعْمَلُ بِغَلَبَةِ ظَنِّهِ أَوْ لَا، وَعَنْهُ يُسْتَحَبُّ الرُّجُوعُ فَيَعْمَلُ بِيَقِينِهِ أَوْ بِالتَّحَرِّي، وَذَكَرَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ فِي الْفَاسِقِ احْتِمَالًا يَرْجِعُ إلَى قَوْلِهِ، إنْ قُلْنَا يَصِحُّ أَذَانُهُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَفِيهِ نَظَرٌ، وَقِيلَ: إنْ قُلْنَا يَبْنِي عَلَى غَلَبَةِ ظَنِّهِ رَجَعَ، وَإِلَّا فَلَا اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، ذَكَرَهُ فِي الْقَاعِدَةِ الَّتِي قَبْلَ الْأَخِيرَةِ. تَنْبِيهَاتٌ. الْأَوَّلُ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَصْحَابِ: أَنَّهُ رَجَعَ إلَى ثِقَتَيْنِ، وَلَوْ ظَنَّ خَطَأَهُمَا، وَهُوَ صَحِيحٌ جَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالْفَائِقِ، وَقَالَ: نَصَّ عَلَيْهِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ قَالَ: وَيُتَوَجَّهُ تَخْرِيجٌ وَاحْتِمَالٌ مِنْ الْحُكْمِ مَعَ الرِّيبَةِ، يَعْنِي أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الرُّجُوعُ إذَا ظَنَّ خَطَأَهُمَا. الثَّانِي: مَفْهُومُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الرُّجُوعُ إذَا سَبَّحَ بِهِ وَاحِدٌ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَأَطْلَقَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ لِقَوْلِهِ، وَقِيلَ: يَرْجِعُ إلَى ثِقَةٍ فِي زِيَادَةٍ فَقَطْ وَاخْتَارَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ: يَجُوزُ رُجُوعُهُ إلَى وَاحِدٍ يَظُنُّ صِدْقَهُ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْفَائِقِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَعَلَّ الْمُرَادَ مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ يَعْنِي بِهِ الْمُصَنِّفَ إنْ ظَنَّ صِدْقَهُ عَمِلَ بِظَنِّهِ لَا بِتَسْبِيحِهِ. الثَّالِثُ: مَحَلُّ قَبُولِ الثِّقَتَيْنِ وَالْوَاحِدِ إذَا قُلْنَا يَقْبَلُ إذَا لَمْ يَتَيَقَّنْ صَوَابَ نَفْسِهِ
فَإِنْ تَيَقَّنَ صَوَابَ نَفْسِهِ لَمْ يَرْجِعْ إلَى قَوْلِهِمْ، وَلَوْ كَثُرُوا. هَذَا جَادَّةُ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يَرْجِعُ إلَى قَوْلِهِمْ، وَلَوْ تَيَقَّنَ صَوَابَ نَفْسِهِ قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ قَالَ فِي الْفَائِقِ: وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَذَكَرَهُ الْحَلْوَانِيُّ رِوَايَةً كَحُكْمِهِ بِشَاهِدَيْنِ وَتَرْكِهِ يَقِينَ نَفْسِهِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهَذَا سَهْوٌ، وَهُوَ خِلَافُ مَا جَزَمَ بِهِ الْأَصْحَابُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مَا قَالَهُ الْقَاضِي بِتَرْكِ الْإِمَامِ الْيَقِينَ، وَمُرَادُهُ الْأَصْلُ قَالَ: كَالْحَاكِمِ يَرْجِعُ إلَى الشُّهُودِ وَيَتْرُكُ الْأَصْلَ وَالْيَقِينَ، وَهُوَ بَرَاءَةُ الذِّمَمِ، وَكَذَا شَهَادَتُهُمَا بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ يَرْجِعُ إلَيْهِمَا وَيَتْرُكُ الْيَقِينَ وَالْأَصْلَ، وَهُوَ بَقَاءُ الشَّهْرِ. الرَّابِعُ: قَدْ يُقَالُ: شَمِلَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ الْمُصَلِّيَ وَحْدَهُ، وَأَنَّهُ كَالْإِمَامِ فِي تَنْبِيهِهِ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ فَحَيْثُ قُلْنَا: يَرْجِعُ الْإِمَامُ إلَى الْمُنَبِّهِ: يَرْجِعُ الْمُنْفَرِدُ إذَا نُبِّهَ قَالَ الْقَاضِي: هُوَ الْأَشْبَهُ بِكَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقِيلَ: لَا يَرْجِعُ الْمُنْفَرِدُ، وَإِنْ رَجَعَ الْإِمَامُ؛ لِأَنَّ مَنْ فِي الصَّلَاةِ أَشَدَّ تَحَفُّظًا، وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ، الْخَامِسُ: قَالَ فِي الْفُرُوعِ: ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ: أَنَّ الْمَرْأَةَ كَالرَّجُلِ فِي هَذَا، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ فِي تَنْبِيهِهَا فَائِدَةٌ، وَلَمَا كُرِهَ تَنْبِيهًا بِالتَّسْبِيحِ وَنَحْوِهِ، وَقَدْ ذَكَرَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ احْتِمَالًا لَهُ وَقَوَّاهُ وَنَصَرَهُ، وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيُتَوَجَّهُ فِي الْمُمَيِّزِ خِلَافُهُ وَكَلَامُهُمْ ظَاهِرٌ فِيهِ. السَّادِسُ: لَوْ اخْتَلَفَ عَلَيْهِ مِنْ يُنَبِّهُهُ سَقَطَ قَوْلُهُمْ، وَلَمْ يَرْجِعْ إلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَنَقَلَهُ الْمَرُّوذِيُّ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَاخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ،
وَقِيلَ: يَعْمَلُ بِقَوْلِ مُوَافِقِهِ قَالَ فِي الْوَسِيلَةِ: هُوَ أَشْبَهُ بِالْمَذْهَبِ وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي جَعْفَرٍ، وَقِيلَ: يَعْمَلُ بِقَوْلِ مُخَالِفِهِ اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ، قَالَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، [السَّابِعُ: يَلْزَمُ الْمَأْمُومِينَ تَنْبِيهُ الْإِمَامِ إذَا سَهَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ فَلَوْ تَرَكُوهُ فَالْقِيَاسُ فَسَادُ صَلَاتِهِمْ] قَوْلُهُ (فَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَصَلَاةُ مَنْ اتَّبَعَهُ عَالِمًا) عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ صَلَاةَ مَنْ اتَّبَعَهُ عَالِمًا تَبْطُلُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَعَنْهُ لَا تَبْطُلُ، وَعَنْهُ تَجِبُ مُتَابَعَتُهُ فِي الرَّكْعَةِ، لِاحْتِمَالِ تَرْكِ رُكْنٍ قَبْلَ ذَلِكَ فَلَا يُتْرَكُ بِتَعَيُّنِ الْمُتَابَعَةِ بِالشَّكِّ، وَعَنْهُ يُخَيَّرُ فِي مُتَابَعَتِهِ، وَعَنْهُ يُسْتَحَبُّ مُتَابَعَتُهُ، وَقِيلَ: لَا تَبْطُلُ إلَّا إذَا قُلْنَا: يَبْنِي عَلَى الْيَقِينِ فَأَمَّا إنْ قُلْنَا يَبْنِي عَلَى غَلَبَةِ ظَنِّهِ لَمْ تَبْطُلْ، ذَكَرَهُ فِي الرِّعَايَةِ قَوْلُهُ (وَإِنْ فَارَقَهُ، أَوْ كَانَ جَاهِلًا لَمْ تَبْطُلْ) يَعْنِي صَلَاتَهُ، وَكَذَا إنْ نَسِيَ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَعَنْهُ تَبْطُلُ، وَأَطْلَقَ فِي الْفَائِقِ فِيمَا إذَا جَهِلُوا وُجُوبَ الْمُفَارَقَةِ الرِّوَايَتَيْنِ. فَوَائِدُ. الْأُولَى: تَجِبُ الْمُفَارَقَةُ عَلَى الْمَأْمُومِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَعَنْهُ يَجِبُ انْتِظَارُهُ، نَقَلَهَا الْمَرُّوذِيُّ وَاخْتَارَهَا ابْنُ حَامِدٍ، وَعَنْهُ يُسْتَحَبُّ انْتِظَارُهُ، وَعَنْهُ يُخَيَّرُ فِي انْتِظَارِهِ كَمَا تَقَدَّمَ التَّخْيِيرُ فِي مُتَابَعَتِهِ. الثَّانِيَةُ: تَنْعَقِدُ صَلَاةُ الْمَسْبُوقِ مَعَهُ فِيهَا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ فِي الْفُرُوعِ، قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَإِنْ أَدْرَكَ الْمَأْمُومُ رَكْعَةً مِنْ رُبَاعِيَّةٍ، وَقَامَ الْإِمَامُ إلَى خَامِسَةٍ سَهْوًا، فَتَبِعَهُ يَظُنُّهَا رَابِعَةً: انْعَقَدَتْ صَلَاتُهُ فِي الْأَصَحِّ. انْتَهَى.
وَقِيلَ: لَا تَنْعَقِدُ فَعَلَى الْمَذْهَبِ لَا يَعْتَدُّ بِهَذِهِ الرَّكْعَةِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ نَصَّ عَلَيْهِ جَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ وَغَيْرِهِ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ وَغَيْرِهِ، وَقَالَ الْقَاضِي وَالْمُصَنِّفُ: يَعْتَدُّ بِهَا، وَتَوَقَّفَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَارِثِ وَقَالَ فِي الْحَاوِي الْكَبِيرِ وَغَيْرِهِ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَعْتَدَّ بِهَا الْمَسْبُوقُ إنْ صَحَّ اقْتِدَاءُ الْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّلِ وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي أَيْضًا وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، الثَّالِثَةُ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ: أَنَّ الْإِمَامَ لَا يَرْجِعُ إلَى فِعْلِ الْمَأْمُومِ، مِنْ قِيَامٍ وَقُعُودٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، لِلْأَمْرِ بِالتَّنْبِيهِ، وَصَرَّحَ بِهِ بَعْضُهُمْ قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: قَالَهُ شَيْخُنَا، وَتَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيُتَوَجَّهُ تَخْرِيجٌ وَاحْتِمَالٌ، وَفِيهِ نَظَرٌ. قُلْت: فِعْلُ ذَلِكَ بَعْضِهِمْ مِمَّا يُسْتَأْنَسُ، بِهِ وَيُقَوِّي ظَنَّهُ، وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ: إذَا صَلَّى بِقَوْمٍ تَحَرَّى، وَنَظَرَ إلَى مَنْ خَلْفَهُ فَإِنْ قَامُوا تَحَرَّى وَقَامَ، وَإِنْ سَبَّحُوا بِهِ تَحَرَّى وَفَعَلَ مَا يَفْعَلُونَ قَالَ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ: وَيَجِبُ حَمْلُ هَذَا عَلَى أَنَّ لِلْإِمَامِ رَأْيًا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ رَأْيٌ بَنَى عَلَى الْيَقِينِ. الرَّابِعَةُ: لَوْ نَوَى صَلَاةَ رَكْعَتَيْنِ نَفْلًا وَقَامَ إلَى ثَالِثَةٍ فَالْأَفْضَلُ لَهُ أَنْ يُتِمَّهَا أَرْبَعًا، وَلَا يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ، لِإِبَاحَةِ ذَلِكَ، وَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ وَيَسْجُدَ لِلسَّهْوِ، هَذَا إذَا كَانَ نَهَارًا، وَإِنْ كَانَ لَيْلًا فَرُجُوعُهُ أَفْضَلُ، فَيَرْجِعُ وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ نَصَّ عَلَيْهِ فَلَوْ لَمْ يَرْجِعْ فَفِي بُطْلَانِهَا وَجْهَانِ، وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ، وَالْفَائِقِ وَالْمَنْصُوصُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: أَنَّ حُكْمَ قِيَامِهِ إلَى ثَالِثَةٍ لَيْلًا كَقِيَامِهِ إلَى ثَالِثَةٍ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ وَقَدَّمَهُ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي حَوَاشِيهِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَيَأْتِي مَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ " وَإِنْ تَطَوَّعَ فِي النَّهَارِ بِأَرْبَعٍ فَلَا بَأْسَ " فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ (وَالْعَمَلُ الْمُسْتَكْثَرُ فِي الْعَادَةِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الصَّلَاةِ يُبْطِلُهَا عَمْدُهُ وَسَهْوُهُ) اعْلَمْ أَنَّ الصَّلَاةَ تَبْطُلُ بِالْعَمَلِ الْكَثِيرِ عَمْدًا، بِلَا نِزَاعٍ أَعْلَمُهُ، وَتَبْطُلُ بِهِ أَيْضًا سَهْوًا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، كَمَا جَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ هُنَا، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَحَكَاهُ الشَّارِحُ وَغَيْرُهُ إجْمَاعًا، وَحَكَى بَعْضُ الْأَصْحَابِ فِي سَهْوِهِ رِوَايَتَيْنِ وَاخْتَارَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: لَا تَبْطُلُ بِالْعَمَلِ الْكَثِيرِ سَهْوًا لِقِصَّةِ ذِي الْيَدَيْنِ فَإِنَّهُ مَشَى وَتَكَلَّمَ، وَدَخَلَ مَنْزِلَهُ، وَبَنَى عَلَى صَلَاتِهِ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ. تَنْبِيهٌ: مُرَادُهُ بِبُطْلَانِ الصَّلَاةِ بِالْعَمَلِ الْمُسْتَكْثَرِ: إذَا لَمْ تَكُنْ حَاجَةٌ إلَى ذَلِكَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ عِنْدَ قَوْلِهِ (فَإِنْ طَالَ الْفِعْلُ فِي الصَّلَاةِ أَبْطَلَهَا) وَتَقَدَّمَ هُنَاكَ حَدُّ الْكَثِيرِ وَالْيَسِيرِ، وَالْخِلَافُ فِيهِ فَلْيُعَاوَدْ، وَتَقَدَّمَ حُكْمُ عَمَلِ الْجَاهِلِ فِي الصَّلَاةِ هُنَاكَ أَيْضًا. قَوْلُهُ (وَلَا تَبْطُلُ بِالْيَسِيرِ، لَا يُشْرَعُ لَهُ سُجُودٌ) هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ مِنْهُمْ صَاحِبُ الْوَجِيزِ وَغَيْرُهُ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ، وَقِيلَ: يُشْرَعُ لَهُ السُّجُودُ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ وَقِيلَ: يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ فَائِدَةٌ: لَا بَأْسَ بِالْعَمَلِ الْيَسِيرِ لِحَاجَةٍ، وَيُكْرَهُ لِغَيْرِهَا. قَوْلُهُ (وَإِنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ عَمْدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، قَلَّ أَوْ كَثُرَ) إذَا أَكَلَ عَمْدًا: فَتَارَةً يَكُونُ فِي نَفْلٍ، وَتَارَةً يَكُونُ فِي فَرْضٍ فَإِنْ كَانَ
فِي فَرْضٍ بَطَلَتْ الصَّلَاةُ بِقَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ وَقَطَعُوا بِهِ، وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إجْمَاعًا، وَحَكَى فِي الرِّعَايَةِ قَوْلًا بِأَنَّهَا لَا تَبْطُلُ بِشُرْبٍ يَسِيرٍ، وَإِنْ كَانَ فِي نَفْلٍ: فَتَارَةً يَكُونُ كَثِيرًا، وَتَارَةً يَكُونُ يَسِيرًا فَإِنْ كَانَ كَثِيرًا بَطَلَتْ الصَّلَاةُ، وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: أَنَّهَا تَبْطُلُ أَيْضًا، وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَاتِ قَالَ فِي الْمُغْنِي وَالشَّارِحُ: هَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ قَالَ فِي الْكَافِي بَعْدَ أَنْ قَدَّمَهُ هَذَا أَوْلَى قَالَ ابْنُ رَزِينٍ: وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ قَالَ فِي الْحَوَاشِي: قَدَّمَهُ جَمَاعَةٌ، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَا تَبْطُلُ قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَنَصَرَهُ فَهُوَ إذَنْ الْمَذْهَبُ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْهَادِي، وَالتَّلْخِيصِ وَشَرْحِ الْمَجْدِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْفَائِقِ، وَالرِّوَايَةُ الثَّالِثَةُ: تَبْطُلُ بِالْأَكْلِ فَقَطْ قَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ: هِيَ الْمَشْهُورَةُ عَنْهُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: هِيَ الْأَشْهَرُ عَنْهُ قَوْلُهُ (وَإِنْ كَانَ سَهْوًا لَمْ تَبْطُلْ إذَا كَانَ يَسِيرًا) ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ، فَرْضًا كَانَ أَوْ نَفْلًا، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَعَنْهُ تَبْطُلُ قَدَّمَهُ فِي الْكَافِي، وَقِيلَ: تَبْطُلُ بِالْأَكْلِ فَقَطْ. تَنْبِيهٌ: مَفْهُومُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: أَنَّ الْأَكْلَ وَالشُّرْبَ سَهْوًا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ إذَا كَانَ كَثِيرًا، وَهُوَ صَحِيحٌ، فَرْضًا كَانَ أَوْ نَفْلًا، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَعَنْهُ لَا تَبْطُلُ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُسْتَوْعِبِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ، وَقِيلَ: يَبْطُلُ الْفَرْضُ فَقَطْ. فَوَائِدُ. مِنْهَا: الْجَهْلُ بِذَلِكَ كَالسَّهْوِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ،
وَقَالَ: وَلَمْ يَذْكُرْ جَمَاعَةٌ الْجَهْلَ فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ. مِنْهُمْ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ وَصَاحِبُ الْفَائِقِ، وَمِنْهَا: لَوْ كَانَ فِي فَمِهِ سُكَّرٌ أَوْ نَحْوُهُ مُذَابٌ وَبَلَعَهُ، فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ كَالْأَكْلِ قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَقِيلَ: لَا تَبْطُلُ، وَهُمَا وَجْهَانِ فِي التَّلْخِيصِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَأَطْلَقَهُمَا، وَذَكَرَ فِي الْمُذْهَبِ فِي النَّفْلِ رِوَايَتَيْنِ قَالَ: وَكَذَا لَوْ فَتَحَ فَاهُ فَنَزَلَ فِيهِ مَاءُ الْمَطَرِ فَابْتَلَعَهُ، وَذَكَرَ فِي الرِّعَايَةِ: إنْ بَلَعَ مَاءً وَقَعَ عَلَيْهِ مِنْ مَاءِ مَطَرٍ لَمْ تَبْطُلْ، وَمِنْهَا: لَوْ بَلَعَ مَا بَيْنَ أَسْنَانِهِ مِمَّا يَجْرِي فِيهِ الرِّيقُ مِنْ غَيْرِ مَضْغٍ، لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ نَصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ وَجَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ وَغَيْرُهُمَا وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَةِ، وَغَيْرُهُمْ، وَقِيلَ: تَبْطُلُ، وَقَالَ فِي الرَّوْضَةِ: مَا يُمْكِنُ إزَالَتُهُ مِنْ ذَلِكَ يُفْسِدُ ابْتِلَاعُهُ. قَوْلُهُ (وَإِنْ أَتَى بِقَوْلٍ مَشْرُوعٍ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ كَالْقِرَاءَةِ فِي السُّجُودِ وَالْقُعُودِ، وَالتَّشَهُّدِ فِي الْقِيَامِ، وَقِرَاءَةِ السُّورَةِ فِي الْأَخِيرَتَيْنِ لَمْ تَبْطُلْ الصَّلَاةُ بِهِ) هَذَا الْمَذْهَبُ، سَوَاءٌ كَانَ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ وَنَصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: تَبْطُلُ بِقِرَاءَتِهِ رَاكِعًا وَسَاجِدًا عَمْدًا اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ، وَأَبُو الْفَرَجِ، وَقِيلَ: تَبْطُلُ بِهِ عَمْدًا مُطْلَقًا، ذُكِرَ هَذَا الْوَجْهُ فِي الْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ فَعَلَى الْقَوْلِ بِالْبُطْلَانِ بِالْعَمْدِيَّةِ: يَجِبُ السُّجُودُ لِسَهْوِهِ. تَنْبِيهٌ: مُرَادُ الْمُصَنِّفِ بِذَلِكَ: غَيْرُ السَّلَامِ، عَلَى مَا يَأْتِي بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ التَّفْصِيلِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِيمَا إذَا سَلَّمَ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا قَوْلُهُ (وَلَا يَجِبُ السُّجُودُ لِسَهْوِهِ) يَعْنِي إذَا قُلْنَا: لَا يَبْطُلُ بِالْعَمْدِيَّةِ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ
قَوْلُهُ (وَهَلْ يُشْرَعُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالْمُحَرَّرِ وَالنَّظْمِ، وَالشَّرْحِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْكَافِي، إحْدَاهُمَا: يُشْرَعُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ: وَيُسْتَحَبُّ لِسَهْوِهِ، عَلَى الْأَصَحِّ قَالَ نَاظِمُ الْمُفْرَدَاتِ: يُشْرَعُ فِي الْأَصَحِّ قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: هَذِهِ أَقْوَى وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ وَقَدَّمَهُ أَبُو الْحُسَيْنِ فِي فُرُوعِهِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى وَنَصَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي التَّحْقِيقِ، وَهُوَ مِنْ مُفْرَدَاتِ الْمَذْهَبِ. الرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَا يُشْرَعُ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: الْأَوْلَى تَرْكُهُ. قَوْلُهُ (وَإِنْ سَلَّمَ قَبْلَ إتْمَامِ صَلَاتِهِ عَمْدًا أَبْطَلَهَا) بِلَا نِزَاعٍ فَإِنْ كَانَ سَهْوًا ثُمَّ ذَكَرَ قَرِيبًا: أَتَمَّهَا وَسَجَدَ، بِلَا خِلَافٍ أَعْلَمُهُ وَلَوْ خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ. نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ، وَهَذَا إنْ لَمْ يَكُنْ شَرَعَ فِي صَلَاةٍ أُخْرَى، أَوْ تَكَلَّمَ، عَلَى مَا يَأْتِي ذَلِكَ مُفَصَّلًا، وَشَرَطَ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي، وَالْكَافِي، وَالشَّارِحُ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَغَيْرُهُمْ أَيْضًا: عَدَمَ الْحَدَثِ فَإِنْ أَحْدَثَ بَطَلَتْ، وَلَوْ كَانَ الْفَصْلُ يَسِيرًا قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَاَلَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ حُكْمُ الْحَدَثِ هُنَا حُكْمَ الْحَدَثِ فِي الصَّلَاةِ. هَلْ يَبْنِي مَعَهُ أَوْ يَسْتَأْنِفُ، أَوْ يُفَرِّقُ بَيْنَ حَدَثِ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ وَغَيْرِهِمَا؟ عَلَى الْخِلَافِ. تَنْبِيهٌ: كَلَامُهُ كَالصَّرِيحِ أَنَّهَا لَا تَبْطُلُ، وَهُوَ صَحِيحٌ إنْ كَانَ سَلَامُهُ ظَنًّا أَنَّ صَلَاتَهُ قَدْ انْقَضَتْ أَمَّا لَوْ كَانَ السَّلَامُ مِنْ الْعِشَاءِ يَظُنُّهَا التَّرَاوِيحَ، أَوْ مِنْ الظُّهْرِ يَظُنُّهَا الْجُمُعَةَ، أَوْ الْفَجْرَ فَإِنَّهَا تَبْطُلُ، وَلَا تَنَاقُضَ عَلَيْهِ؛ لِاشْتِرَاطِ دَوَامِ النِّيَّةِ ذِكْرًا أَوْ حُكْمًا، وَقَدْ زَالَتْ بِاعْتِقَادِ صَلَاةٍ أُخْرَى، قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُ
قُلْت: يُتَوَجَّهُ عَدَمُ الْبُطْلَانِ. قَوْلُهُ (فَإِنْ طَالَ الْفَصْلُ بَطَلَتْ) هَذَا الْمَذْهَبُ جَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَغَيْرُهُمْ فَائِدَةٌ: لَوْ لَمْ يَطُلْ الْفَصْلُ، وَلَكِنْ شَرَعَ فِي صَلَاةٍ أُخْرَى، فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يَعُودُ إلَى الْأُولَى بَعْدَ قَطْعِ مَا شَرَعَ فِيهَا، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا، وَالْخِرَقِيِّ وَغَيْرِهِمَا قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هَذَا الْمَشْهُورُ وَقَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَالشَّرْحِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَغَيْرُهُمْ، وَقَالَ فِي الْمُبْهِجِ: يَجْعَلُ مَا يَشْرَعُ فِيهِ مِنْ الصَّلَاةِ الثَّانِيَةِ تَمَامًا لِلصَّلَاةِ الْأُولَى فَيَبْنِي إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى، وَيَصِيرُ وُجُودُ السَّلَامِ كَعَدَمِهِ؛ لِأَنَّهُ سَهْوٌ مَعْذُورٌ فِيهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ مَا شَرَعَ فِيهِ فَرْضًا أَوْ نَفْلًا، وَرَدَّهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَغَيْرُهُمَا، وَعَنْهُ تَبْطُلُ الْأُولَى، إنْ كَانَ مَا شَرَعَ فِيهِ نَفْلًا وَإِلَّا فَلَا، وَعَنْهُ تَبْطُلُ الْأُولَى مُطْلَقًا. نَقَلَهُ أَبُو الْحَارِثِ وَمُهَنَّا، وَهُوَ الَّذِي فِي الْكَافِي، وَيَأْتِي ذَلِكَ فِيمَا إذَا تَرَكَ رُكْنًا وَلَمْ يَذْكُرْهُ إلَّا بَعْدَ سَلَامِهِ. قَوْلُهُ (أَوْ تَكَلَّمَ لِغَيْرِ مَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ بَطَلَتْ) يَعْنِي إذَا ظَنَّ أَنَّ صَلَاتَهُ قَدْ تَمَّتْ وَتَكَلَّمَ عَمْدًا لِغَيْرِ مَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ، كَقَوْلِهِ: يَا غُلَامُ، اسْقِنِي مَاءً وَنَحْوَهُ فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: بُطْلَانُ الصَّلَاةِ نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَعَنْهُ لَا تَبْطُلُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ، وَأَطْلَقَهُمَا جَمَاعَةٌ. قَوْلُهُ (وَإِنْ تَكَلَّمَ لِمَصْلَحَتِهَا، فَفِيهِ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ. إحْدَاهُنَّ لَا تَبْطُلُ) نَصَّ عَلَيْهَا فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ وَاخْتَارَهَا الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ لِقِصَّةِ ذِي الْيَدَيْنِ، وَهِيَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِفَادَاتِ وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ وَابْنُ مُفْلِحٍ فِي حَوَاشِيهِ،
وَأَجَابَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ عَنْ الْقِصَّةِ: بِأَنَّهَا كَانَتْ حَالَةَ إبَاحَةِ الْكَلَامِ، وَضَعَّفَهُ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ حُرِّمَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ عِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ وَغَيْرِهِ، أَوْ بَعْدَهَا بِيَسِيرٍ عِنْدَ الْخَطَّابِيِّ وَغَيْرِهِ فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ: لَوْ أَمْكَنَهُ إصْلَاحُ الصَّلَاةِ بِإِشَارَةٍ وَنَحْوِهَا فَتَكَلَّمَ فَقَالَ فِي الْمُذْهَبِ وَغَيْرِهِ: تَبْطُلُ. (وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ تَبْطُلُ) وَهِيَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، قَالَهُ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ الْخَلَّالُ، وَأَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ، وَالْقَاضِي، وَأَبُو الْحُسَيْنِ قَالَ الْمَجْدُ: هِيَ أَظْهَرُ الرِّوَايَاتِ وَصَحَّحَهُ النَّاظِمُ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِيضَاحِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْفَائِقِ، (وَالثَّالِثَةُ: تَبْطُلُ صَلَاةُ الْمَأْمُومِ، دُونَ الْإِمَامِ اخْتَارَهَا الْخِرَقِيُّ) فَعَلَى هَذِهِ: الْمُنْفَرِدُ كَالْمَأْمُومِ، قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْمُحَرَّرِ وَغَيْرِهِ وَعَنْهُ رِوَايَةٌ رَابِعَةٌ: لَا تَبْطُلُ إذَا تَكَلَّمَ لِمَصْلَحَتِهَا سَهْوًا اخْتَارَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَفِي الْمُحَرَّرِ، وَصَاحِبُ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ وَالْفَائِقِ وَنَصَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ. قَوْلُهُ (وَإِنْ تَكَلَّمَ فِي صُلْبِ الصَّلَاةِ بَطَلَتْ) إنْ كَانَ عَالِمًا عَمْدًا بَطَلَتْ الصَّلَاةُ، وَإِنْ كَانَ سَاهِيًا بِغَيْرِ السَّلَامِ، فَقَدَّمَ الْمُصَنِّفُ: أَنَّ صَلَاتَهُ تَبْطُلُ أَيْضًا، وَهُوَ الْمَذْهَبُ قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْقَاضِي أَبُو الْحُسَيْنِ، وَالْفَائِقِ وَغَيْرِهِمْ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: إذَا تَكَلَّمَ سَهْوًا فَرِوَايَاتٌ أَشْهَرُهَا وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ أَبِي مُوسَى وَالْقَاضِي، وَغَيْرِهِمَا الْبُطْلَانُ وَنَصَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي التَّحْقِيقِ، وَعَنْهُ لَا تَبْطُلُ إذَا كَانَ سَاهِيًا اخْتَارَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ، وَصَاحِبُ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ وَالنَّظْمِ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَصَاحِبُ الْفَائِقِ وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، [وَيَحْتَمِلُ كَلَامُهُ فِي الْفُرُوعِ إطْلَاقَ الْخِلَافِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ فِي حَوَاشِيهِ
وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْكَافِي، وَشَرْحِ الْمَجْدِ وَالشَّرْحِ، وَشَرْحِ ابْنِ مُنَجَّى، وَالتَّلْخِيصِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَتَقَدَّمَ قَرِيبًا رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ: لَا تَبْطُلُ إذَا تَكَلَّمَ سَهْوًا لِمَصْلَحَتِهَا، وَمَنْ اخْتَارَهَا، وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا بِتَحْرِيمِ الْكَلَامِ، أَوْ الْإِبْطَالِ بِهِ: فَهَلْ هُوَ كَالنَّاسِي، أَمْ لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ؟ فَإِنْ بَطَلَتْ صَلَاةُ النَّاسِي، فِيهِ رِوَايَتَانِ فَالْمُصَنِّفُ جَعَلَ الْجَاهِلَ كَالنَّاسِي وَقَدَّمَ أَنَّهُ كَكَلَامِ الْعَامِدِ. إحْدَاهُمَا: أَنَّهُ كَالنَّاسِي: فِيهِ مِنْ الْخِلَافِ وَغَيْرِهِ مَا فِي النَّاسِي، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ قَدَّمَهُ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي حَوَاشِي الْمُقْنِعِ قَالَ فِي الْكَافِي وَالرِّعَايَتَيْنِ: وَفِي كَلَامِ النَّاسِي وَالْجَاهِلِ رِوَايَتَانِ قَالَ فِي الْمُغْنِي: وَالْأَوْلَى أَنْ يُخَرَّجَ فِيهِ رِوَايَةُ النَّاسِي. انْتَهَى. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ كَلَامَ الْجَاهِلِ لَا يُبْطِلُ، وَإِنْ أَبْطَلَ كَلَامُ النَّاسِي وَجَزَمَ ابْنُ شِهَابٍ بِعَدَمِ الْبُطْلَانِ فِي الْجَاهِلِ قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: وَلَا يُبْطِلُهَا كَلَامُ الْجَاهِلِ فِي أَقْوَى الْوَجْهَيْنِ، وَإِنْ قُلْنَا يُبْطِلُهَا كَلَامُ النَّاسِي اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَالْمَجْدُ، وَأَطْلَقَ الْخِلَافَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَصَاحِبُ الْفُرُوعِ، وَحَكَى الْمَجْدُ، وَابْنُ تَمِيمٍ فِي الْخِلَافِ وَجْهَيْنِ، وَحَكَاهُمَا فِي الْفُرُوعِ رِوَايَتَيْنِ، وَقَالَ الْقَاضِي فِي الْجَامِعِ: لَا أَعْرِفُ عَنْ أَحْمَدَ نَصًّا فِي ذَلِكَ. فَوَائِدُ. إحْدَاهُمَا: قَسَّمَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الْمُتَكَلِّمَ إلَى قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مَنْ يَظُنُّ تَمَامَ صَلَاتِهِ فَيُسَلِّمَ، ثُمَّ يَتَكَلَّمَ إمَّا لِمَصْلَحَتِهَا أَوْ لِغَيْرِهَا. الثَّانِي: مَنْ يَتَكَلَّمُ فِي صُلْبِ الصَّلَاةِ فَحَكَى فِي الْأَوَّلِ إذَا تَكَلَّمَ لِمَصْلَحَتِهَا ثَلَاثَ رِوَايَاتٍ، وَحَكَى فِي الثَّانِي رِوَايَتَيْنِ
وَهَذِهِ إحْدَى الطَّرِيقَتَيْنِ لِلْأَصْحَابِ، وَاخْتِيَارُ الْمُصَنِّفِ وَالشَّارِحِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِفَادَاتِ وَقَدَّمَهُ فِي النَّظْمِ، وَالطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ: الْخِلَافُ جَارٍ فِي الْجَمِيعِ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ إلَى الْكَلَامِ هُنَا قَدْ تَكُونُ أَشَدَّ كَإِمَامٍ نَسِيَ الْقِرَاءَةَ وَنَحْوَهَا فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ أَنْ يَأْتِيَ بِرَكْعَةٍ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ إعْلَامِ الْمَأْمُومِينَ، وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ هِيَ الصَّحِيحَةُ فِي الْمَذْهَبِ جَزَمَ بِهَا فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْفَائِقِ، وَقَدَّمَهَا فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ وَاخْتَارَهَا الْقَاضِي، وَالْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَصَاحِبُ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، الثَّانِيَةُ: اخْتَارَ الْمُصَنِّفُ، وَابْنُ شِهَابٍ الْعُكْبَرِيُّ فِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ بُطْلَانَ صَلَاةِ الْمُكْرَهِ عَلَى الْكَلَامِ وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ وَتَبِعَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ وَإِذَا قُلْنَا: تَبْطُلُ بِكَلَامِ النَّاسِي فَكَذَا كَلَامُ الْمُكْرَهِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ عُذْرَهُ أَنْدَرُ، وَقَالَ الْقَاضِي: لَا تَبْطُلُ بِخِلَافِ النَّاسِي قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالنَّاسِي كَالْمُتَعَمِّدِ، وَكَذَا جَاهِلٌ وَمُكْرَهٌ فِي رِوَايَةٍ، وَعَنْهُ لَا فَظَاهِرُهُ: أَنَّ الْمُقَدَّمَ عِنْدَهُ الْبُطْلَانُ، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَإِنْ قُلْنَا لَا يُعْذَرُ النَّاسِي فَفِي الْمُكْرَهِ وَنَحْوِهِ وَقِيلَ: مُطْلَقًا وَجْهَانِ، وَقَالَ فِي التَّلْخِيصِ: وَلَا تَبْطُلُ بِكَلَامِ النَّاسِي، وَلَا بِكَلَامِ الْجَاهِلِ بِتَحْرِيمِ الْكَلَامِ إذَا كَانَ قَرِيبَ الْعَهْدِ بِالْإِسْلَامِ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَعَلَيْهِمَا يَخْرُجُ سَبْقُ اللِّسَانِ، وَكَلَامُ الْمُكْرَهِ. انْتَهَى. قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ: أَلْحَقَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا الْمُكْرَهَ بِالنَّاسِي، وَقَالَ الْقَاضِي: بَلْ أَوْلَى بِالْعَفْوِ مِنْ النَّاسِي، وَكَذَا قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ وَنَصَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي التَّحْقِيقِ مَا قَالَهُ الْقَاضِي وَاخْتَارَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ، الثَّالِثَةُ: لَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْكَلَامُ كَمَا لَوْ خَافَ عَلَى ضَرِيرٍ وَنَحْوِهِ، فَتَكَلَّمَ مُحَذِّرًا لَهُ بَطَلَتْ الصَّلَاةُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ.
قَالَ فِي الْفَائِقِ، وَحَوَاشِي ابْنِ مُفْلِحٍ: هُوَ قَوْلُ أَصْحَابِنَا وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ. وَقِيلَ: لَا تَبْطُلُ قَالَ الْمُصَنِّفُ: هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، لِأَنَّهُ عَلَّلَ صِحَّةَ صَلَاةِ مَنْ أَجَابَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِوُجُوبِ الْكَلَامِ وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْكَلَامَ هُنَا لَمْ يَجِبْ عَيْنًا، وَقَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ: لُزُومُ الْإِجَابَةِ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَمْنَعُ الْفَسَادَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ رَأَى مَنْ يَقْتُلُ رَجُلًا مَنَعَهُ فَإِذَا فَعَلَ فَسَدَتْ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَإِنْ وَجَبَ الْكَلَامُ لِتَحْذِيرِ مَعْصُومٍ ضَرِيرٍ أَوْ صَغِيرٍ لَا تَكْفِيهِ الْإِشَارَةُ عَنْ وُقُوعِهِ فِي بِئْرٍ وَنَحْوِهَا فَوَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا: الْعَفْوُ وَالْبِنَاءُ وَقَدَّمَهُ فِي الْفَائِقِ، وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ، وَمَجْمَعُ الْبَحْرَيْنِ. الرَّابِعَةُ: لَوْ نَامَ فِيهَا فَتَكَلَّمَ، أَوْ سَبَقَ عَلَى لِسَانِهِ حَالَ قِرَاءَتِهِ، أَوْ غَلَبَهُ سُعَالٌ أَوْ عُطَاسٌ، أَوْ تَثَاؤُبٌ وَنَحْوُهُ فَبَانَ حَرْفَانِ: لَمْ تَبْطُلْ الصَّلَاةُ بِهِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ، وَقِيلَ: حُكْمُهُ حُكْمُ النَّاسِي، وَإِنْ لَمْ يَغْلِبْهُ ذَلِكَ بَطَلَتْ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: هُوَ كَالنَّفْخِ وَأَوْلَى. الْخَامِسَةُ: حَيْثُ قُلْنَا لَا تَبْطُلُ بِالْكَلَامِ، فَمَحَلُّهُ فِي الْكَلَامِ الْيَسِيرِ، وَأَمَّا الْكَلَامُ الْكَثِيرُ: فَتَبْطُلُ بِهِ مُطْلَقًا عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَقَطَعَ بِهِ جَمَاعَةٌ قَالَ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ: هُوَ رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ، وَعَنْهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ قَلِيلِ الْكَلَامِ وَكَثِيرِهِ اخْتَارَهُ الْقَاضِي أَيْضًا وَغَيْرُهُ قَالَ فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ: لَا فَرْقَ بَيْنَ الْكَلَامِ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ فِي حَقِّ النَّاسِي، فِي ظَاهِرِ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَقَالَ فِي الْمُجَرَّدِ: إنْ طَالَ مِنْ النَّاسِي أَفْسَدَ رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَهُمَا وَجْهَانِ فِي ابْنِ تَمِيمٍ وَغَيْرِهِ، وَأَطْلَقَهُمَا هُوَ وَالزَّرْكَشِيُّ.
تَنْبِيهٌ: مَفْهُومُ قَوْلِهِ (وَإِنْ قَهْقَهَ فَبَانَ حَرْفَانِ فَهُوَ كَالْكَلَامِ) أَنَّهُ إذَا لَمْ يَبِنْ حَرْفَانِ: أَنَّهُ لَا يَضُرُّ، وَأَنَّ صَلَاتَهُ صَحِيحَةٌ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ، وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ، أَوْ الرِّوَايَتَيْنِ جَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَشَرْحِهَا لِلْمَجْدِ، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَالْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُمَا، وَعَنْهُ أَنَّهُ كَالْكَلَامِ، وَلَوْ لَمْ يَبِنْ حَرْفَانِ اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَقَالَ: إنَّهُ الْأَظْهَرُ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي، وَالْمُغْنِي، وَقَالَ: لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا وَقَدَّمَهُ فِي الشَّرْحِ، وَحَكَاهُ ابْنُ هُبَيْرَةَ إجْمَاعًا، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ قَوْلُهُ (أَوْ نَفَخَ فَبَانَ حَرْفَانِ فَهُوَ كَالْكَلَامِ) ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: أَنَّ النَّفْخَ لَيْسَ كَالْكَلَامِ، وَلَوْ بَانَ حَرْفَانِ فَأَكْثَرُ فَلَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِهِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ. تَنْبِيهٌ: مَفْهُومُ كَلَامِهِ: أَنَّهُ إذَا لَمْ يَبِنْ حَرْفَانِ: أَنَّ صَلَاتَهُ صَحِيحَةٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَنَصَرُوهُ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَعَنْهُ أَنَّهُ كَالْحَرْفَيْنِ، وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ، وَصَاحِبُ الْفَائِقِ، قَوْلُهُ (أَوْ انْتَحَبَ، فَبَانَ حَرْفَانِ) فَهُوَ كَالْكَلَامِ، إلَّا مَا كَانَ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ صَلَاتَهُ لَا تَبْطُلُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْمَجْدِ فِي شَرْحِهِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ، وَالْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَغَيْرِهِمْ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَقِيلَ: إنْ غَلَبَهُ لَمْ تَبْطُلْ، وَإِلَّا بَطَلَتْ قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَهُوَ الْأَشْبَهُ بِأُصُولِ أَحْمَدَ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفَائِقِ، وَابْنِ تَمِيمٍ. .
فَائِدَةٌ: لَوْ اسْتَدْعَى الْبُكَاءَ كُرِهَ كَالضَّحِكِ، وَإِلَّا فَلَا. أَمَّا إذَا لَحَنَ فِي الصَّلَاةِ: فَيَأْتِي عَنْهُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ فِي بَابِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ (وَتُكْرَهُ إمَامَةُ اللَّحَّانِ) قَوْلُهُ (وَقَالَ أَصْحَابُنَا النَّحْنَحَةُ مِثْلُ ذَلِكَ) ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَجَزَمَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّهُ كَانَ يَتَنَحْنَحُ فِي صَلَاتِهِ، وَلَا يَرَاهَا مُبْطِلَةً لِلصَّلَاةِ، وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَاخْتَارَهَا الْمُصَنِّفُ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُحَرَّرِ، وَابْنِ تَمِيمٍ، وَالْفَائِقِ، تَنْبِيهٌ: مَحَلُّ الْخِلَافِ إذَا لَمْ تَكُنْ حَاجَةٌ. فَإِنْ كَانَ ثَمَّ حَاجَةٌ فَلَيْسَتْ كَالْكَلَامِ رِوَايَةً وَاحِدَةً، عِنْدَ جُمْهُورِ الْأَصْحَابِ، وَقِيلَ: هِيَ كَالْكَلَامِ أَيْضًا، وَتَقَدَّمَ. قَوْلُهُ (فَمَتَى تَرَكَ رُكْنًا فَذَكَرَهُ بَعْدَ شُرُوعِهِ فِي قِرَاءَةِ رَكْعَةٍ أُخْرَى، بَطَلَتْ الَّتِي تَرَكَهُ مِنْهَا) ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، وَفِيهِ وَجْهٌ لَا تَبْطُلُ الرَّكْعَةُ بِشُرُوعِهِ فِي قِرَاءَةِ رَكْعَةٍ أُخْرَى فَمَتَى ذَكَرَ قَبْلَ سُجُودِ الثَّانِيَةِ رَجَعَ فَسَجَدَ لِلْأُولَى، وَإِنْ ذَكَرَ بَعْدَ أَنْ سَجَدَ كَانَ السُّجُودُ عَنْ الْأُولَى، ثُمَّ يَقُومُ إلَى الثَّانِيَةِ، ذَكَرَهُ ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ. وَقَالَ فِي الْمُبْهِجِ: مَنْ تَرَكَ رُكْنًا نَاسِيًا، فَذَكَرَهُ حِينَ شَرَعَ فِي رُكْنٍ آخَرَ، بَطَلَتْ الرَّكْعَةُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: حَكَى ذَلِكَ رِوَايَةً وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَرْكَانِ الصَّلَاةِ رِوَايَةٌ بِأَنَّهُ إذَا نَسِيَ الْفَاتِحَةَ فِي الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ قَرَأَهَا فِي الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ مَرَّتَيْنِ، وَزَادَ عَبْدُ اللَّهِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ: وَإِنْ تَرَكَ الْقِرَاءَةَ فِي الثَّلَاثِ، ثُمَّ ذَكَرَ فِي الرَّابِعَةِ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ وَاسْتَأْنَفَهَا، وَذَكَرَ
ابْنُ عَقِيلٍ: إنْ نَسِيَهَا فِي رَكْعَةٍ فَأَتَى بِهَا فِيمَا بَعْدَهَا مَرَّتَيْنِ يُعْتَدُّ بِهَا، وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ قَالَ فِي فُنُونِهِ: وَقَدْ أَشَارَ إلَيْهِ أَحْمَدُ، فَعَلَى الْمَذْهَبِ: لَوْ رَجَعَ إلَى الرَّكْعَةِ الَّتِي قَدْ بَطَلَتْ عَالِمًا عَمْدًا، بَطَلَتْ صَلَاتُهُ قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ. تَنْبِيهَانِ. أَحَدُهُمَا: مُرَادُهُ بِقَوْلِهِ " فَمَتَى تَرَكَ رُكْنًا فَذَكَرَهُ بَعْدَ شُرُوعِهِ فِي قِرَاءَةِ رَكْعَةٍ أُخْرَى " غَيْرَ النِّيَّةِ، إنْ قُلْنَا هِيَ رُكْنٌ، وَغَيْرَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ، وَهُوَ وَاضِحٌ. الثَّانِي: مَفْهُومُ قَوْلِهِ (فَمَتَى تَرَكَ رُكْنًا فَذَكَرَهُ بَعْدَ شُرُوعِهِ فِي قِرَاءَةِ رَكْعَةٍ أُخْرَى بَطَلَتْ الَّتِي تَرَكَهُ مِنْهَا) أَنَّهُ لَا يَبْطُلُ مَا قَبْلَ تِلْكَ الرَّكْعَةِ الْمَتْرُوكِ مِنْهَا الرُّكْنُ وَلَا تَبْطُلُ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْقِرَاءَةِ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَنَصَّ عَلَيْهِ، وَحَكَاهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ إجْمَاعًا، وَقِيلَ: لَا يَبْطُلُ أَيْضًا مَا قَبْلَهَا اخْتَارَهُ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ: وَهُوَ بَعِيدٌ. قَوْلُهُ (وَإِنْ ذَكَرَ قَبْلَ ذَلِكَ) يَعْنِي قَبْلَ شُرُوعِهِ فِي الْقِرَاءَةِ (عَادَ فَأَتَى بِهِ، وَبِمَا بَعْدَهُ) مِثْلُ إنْ قَامَ وَلَمْ يَشْرَعْ فِي الْقِرَاءَةِ نَصَّ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْقِيَامَ غَيْرُ مَقْصُودٍ فِي نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ قَدْرُ الْقِرَاءَةِ الْوَاجِبَةِ، وَهِيَ الْمَقْصُودَةُ، وَلَوْ كَانَ قَامَ مِنْ السَّجْدَةِ وَكَانَ قَدْ جَلَسَ لِلْفَصْلِ، لَمْ يَجْلِسْ لَهُ إذَا أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ بِالسَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَالْوَجْهَيْنِ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَجْلِسُ لِلْفَصْلِ بَيْنَهُمَا أَيْضًا قَالَ فِي الْحَاوِي الصَّغِيرِ: عِنْدِي يَجْلِسُ لِيَأْتِيَ بِالسَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ عَنْ جُلُوسٍ، وَهُوَ احْتِمَالٌ فِي الْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَأَمَّا إذَا قَامَ وَلَمْ يَكُنْ جَلَسَ لِلْفَصْلِ: جَلَسَ لَهُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُنُونِ: يُحْتَمَلُ جُلُوسُهُ وَسُجُودُهُ بِلَا جِلْسَةٍ.
قُلْت: فَيُعَايَى بِهَا، وَلَوْ سَجَدَ سَجْدَةً، ثُمَّ جَلَسَ لِلِاسْتِرَاحَةِ، وَقَامَ قَبْلَ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ، لَمْ تُجْزِئْهُ جِلْسَةُ الِاسْتِرَاحَةِ عَنْ جِلْسَةِ الْفَصْلِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقَالَ فِي الْحَاوِي الصَّغِيرِ: وَعِنْدِي يُجْزِئُهُ، وَعَلَّلَهُ قَوْلُهُ (فَإِنْ لَمْ يُعِدْ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ) يَعْنِي إذَا ذَكَرَهُ قَبْلَ شُرُوعِهِ فِي الْقِرَاءَةِ، وَلَمْ يُعِدْ عَمْدًا، بَطَلَتْ صَلَاتُهُ بِلَا خِلَافٍ أَعْلَمُهُ، وَإِنْ لَمْ يُعِدْ سَهْوًا بَطَلَتْ الرَّكْعَةُ فَقَطْ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَقِيلَ: إنْ لَمْ يُعِدْ لَمْ يُعْتَدَّ بِمَا يَفْعَلُهُ بَعْدَ الْمَتْرُوكِ جَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: يَعْنِي مِنْ تَمَامِ الرَّكْعَةِ فَقَطْ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ: فَإِنْ تَرَكَ رُكُوعًا أَوْ سَجْدَةً، فَلَمْ يَذْكُرْ حَتَّى قَامَ إلَى الثَّانِيَةِ جَعَلَهَا أُولَتَهُ، وَإِنْ لَمْ يَنْتَصِبْ قَائِمًا عَادَ فَتَمَّمَ الرَّكْعَةَ. كَمَا لَوْ تَرَكَ الْقِرَاءَةَ يَأْتِي بِهَا، إلَّا أَنْ يَذْكُرَ بَعْدَ الِانْحِطَاطِ مِنْ قِيَامِ تِلْكَ الرَّكْعَةِ فَإِنَّهَا تَلْغُو وَيَجْعَلُ الثَّانِيَةَ أُولَتَهُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ قَوْلُهُ (وَإِنْ عَلِمَ بَعْدَ السَّلَامِ فَهُوَ كَتَرْكِ رَكْعَةٍ كَامِلَةٍ) الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ إذَا لَمْ يَعْلَمْ بِتَرْكِ الرُّكْنِ إلَّا بَعْدَ سَلَامِهِ: أَنَّ صَلَاتَهُ صَحِيحَةٌ، وَأَنَّهُ كَتَرْكِ رَكْعَةٍ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِفَادَاتِ، وَالْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَابْنِ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَةِ، وَالْفَائِقِ، وَقِيلَ: يَأْتِي بِالرُّكْنِ وَبِمَا بَعْدَهُ. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ: وَهُوَ أَحْسَنُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَنَصَّ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ: أَنَّهَا لَا تَبْطُلُ إلَّا بِطُولِ الْفَصْلِ، وَنَقَلَ الْأَثْرَمُ
وَغَيْرُهُ عَنْ أَحْمَدَ: تَبْطُلُ صَلَاتُهُ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالتَّبْصِرَةِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ وَاخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، فَعَلَى الْقَوْلِ بِالصِّحَّةِ: إذَا أَتَى بِذَلِكَ سَجَدَ لِلسَّهْوِ قَبْلَ السَّلَامِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ؛ لِأَنَّ السُّجُودَ لِتَرْكِ الرُّكْنِ، وَالسَّلَامَ تَبَعٌ، وَقِيلَ: يَسْجُدُ بَعْدَ السَّلَامِ؛ لِأَنَّهُ سَلَّمَ عَنْ نَقْصٍ. تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ (فَهُوَ كَتَرْكِ رَكْعَةٍ كَامِلَةٍ) يَعْنِي يَأْتِي بِهَا، وَهُوَ مُقَيَّدٌ بِقُرْبِ الْفَصْلِ عُرْفًا، وَلَوْ انْحَرَفَ عَنْ الْقِبْلَةِ أَوْ خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ نَصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: بِدَوَامِهِ فِي الْمَسْجِدِ قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ فَلَوْ كَانَ الْفَصْلُ قَرِيبًا، وَلَكِنْ شَرَعَ فِي صَلَاةٍ أُخْرَى، عَادَ فَأَتَمَّ الْأُولَى، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، بَعْدَ قَطْعِ مَا شَرَعَ فِيهَا، وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ، وَعَنْهُ يَسْتَأْنِفُهَا لِتَضَمُّنِ عَمَلِهِ قَطْعَ نِيَّتِهَا، وَعَنْهُ يَسْتَأْنِفُهَا إنْ كَانَ مَا شَرَعَ فِيهِ نَفْلًا، وَقَالَ أَبُو الْفَرَجِ الشِّيرَازِيُّ فِي الْمُبْهِجِ: يُتِمُّ الْأَوَّلَةَ مِنْ صَلَاتِهِ الثَّانِيَةِ، وَتَقَدَّمَ لَفْظُهُ فِي الْبَابِ عِنْدَ قَوْلِهِ (وَإِنْ طَالَ الْفَصْلُ بَطَلَتْ) وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ: إنْ كَانَتَا صَلَاتَيْ جَمْعٍ أَتَمَّهَا تَمَّ سَجَدَ عَقِبَهَا لِلسَّهْوِ عَنْ الْأُولَى؛ لِأَنَّهَا كَصَلَاةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ الْمَسْجِدِ، وَمَا لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ يَسْجُدُ عِنْدَنَا لِلسَّهْوِ. انْتَهَى. فَائِدَةٌ: لَوْ تَرَكَ رُكْنًا مِنْ آخِرِ رَكْعَةٍ سَهْوًا، ثُمَّ ذَكَرَهُ فِي الْحَالِ، فَإِنْ كَانَ سَلَامًا أَتَى بِهِ فَقَطْ، وَإِنْ كَانَ تَشَهُّدًا أَتَى بِهِ وَسَجَدَ ثُمَّ سَلَّمَ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَهُمَا أَتَى بِرَكْعَةٍ كَامِلَةٍ نَصَّ عَلَيْهِ قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَأْتِيَ بِالرُّكْنِ وَبِمَا بَعْدَهُ، وَهُوَ أَحْسَنُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى مَا تَقَدَّمَ. قَوْلُهُ (وَإِنْ نَسِيَ أَرْبَعَ سَجَدَاتٍ مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ، وَذَكَرَ فِي التَّشَهُّدِ، سَجَدَ سَجْدَةً فَصَحَّتْ لَهُ رَكْعَةٌ، وَيَأْتِي بِثَلَاثٍ) هَذَا الْمَذْهَبُ نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَعَنْهُ
تَبْطُلُ صَلَاتُهُ، وَأَطْلَقَهُمَا الْخِرَقِيُّ، وَعَنْهُ يَبْنِي عَلَى تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ، ذَكَرَهَا الْآمِدِيُّ، وَنَقَلَهَا الْمَيْمُونِيُّ، وَعَنْهُ يَصِحُّ لَهُ رَكْعَتَانِ، ذَكَرَهَا ابْنُ تَمِيمٍ، وَصَاحِبُ الْفَائِقِ، وَغَيْرُهُمَا وَجْهًا، وَهُوَ تَخْرِيجٌ فِي النَّظْمِ وَغَيْرِهِ قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الصَّحِيحَ، وَأَنْ يَكُونَ قَوْلًا لِأَحْمَدَ؛ لِأَنَّهُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - نَقَلَهُ عَنْ الشَّافِعِيِّ، وَقَالَ: هُوَ أَشْبَهُ مِنْ قَوْلِ أَصْحَابِ الرَّأْيِ. تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: أَنَّهُ لَوْ ذَكَرَ بَعْدَ سَلَامِهِ، أَنَّهُ لَيْسَ كَمَنْ ذُكِرَ وَهُوَ فِي التَّشَهُّدِ، وَأَنَّ صَلَاتَهُ تَبْطُلُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ نَصَّ عَلَيْهِ اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَالْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُمَا قَالَ الزَّرْكَشِيُّ، قُلْت: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ قَوْلُ ابْنِ عَقِيلٍ؛ لِأَنَّ مِنْ أَصْلِنَا أَنَّ مَنْ تَرَكَ رُكْنًا مِنْ رَكْعَةٍ، فَلَمْ يَدْرِ حَتَّى سَلَّمَ: أَنَّهُ كَمَنْ تَرَكَ رَكْعَةً، وَهُنَا الْفَرْضُ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ إلَّا بَعْدَ السَّلَامِ، وَإِذَا كَانَ كَمَنْ تَرَكَ رَكْعَةً، وَالْحَاصِلُ لَهُ مِنْ الصَّلَاةِ رَكْعَةٌ فَتَبْطُلُ الصَّلَاةُ رَأْسًا وَجَزَمَ بِهِ فِي الشَّرْحِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَقَالَ: ابْتَدَأَ الصَّلَاةَ رِوَايَةً وَاحِدَةً وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَالْفَائِقِ، وَابْنِ تَمِيمٍ، وَقِيلَ: حُكْمُهَا حُكْمُ مَا لَوْ ذَكَرَ وَهُوَ فِي التَّشَهُّدِ، قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: إنَّمَا يَسْتَقِيمُ قَوْلُ ابْنِ عَقِيلٍ عَلَى قَوْلِ أَبِي الْخَطَّابِ فِيمَنْ تَرَكَ رُكْنًا، فَلَمْ يَذْكُرْهُ حَتَّى سَلَّمَ: أَنَّ صَلَاتَهُ تَبْطُلُ فَأَمَّا عَلَى مَنْصُوصِ أَحْمَدَ فِي الْبِنَاءِ، إذَا ذَكَرَ قَبْلَ طُولِ الْفَصْلِ: فَإِنَّهُ يَصْنَعُ كَمَا يَصْنَعُ إذَا ذَكَرَ فِي التَّشَهُّدِ. انْتَهَى. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ. فَوَائِدُ. الْأُولَى: لَوْ ذَكَرَ أَنَّهُ نَسِيَ أَرْبَعَ سَجَدَاتٍ مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ، بَعْدَ أَنْ قَامَ إلَى خَامِسَةٍ وَشَرَعَ فِي الْقِرَاءَةِ، وَكَانَ ذَلِكَ سَهْوًا أَوْ جَهْلًا: لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ، وَكَانَتْ هَذِهِ الْخَامِسَةُ أُولَاهُ، وَلَغَا مَا قَبْلَهَا، وَلَا يُعِيدُ الِافْتِتَاحَ فِيهَا جَزَمَ بِهِ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ
الثَّانِيَةُ: تَشَهُّدُهُ قَبْلَ سَجْدَتَيْ الْأَخِيرَةِ زِيَادَةٌ فِعْلِيَّةٌ، وَقَبْلَ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ زِيَادَةٌ قَوْلِيَّةٌ. الثَّالِثَةُ: لَوْ تَرَكَ سَجْدَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا مِنْ رَكْعَتَيْنِ جَهِلَهُمَا: صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَإِنْ تَرَكَ ثَلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا مِنْ ثَلَاثٍ: صَلَّى ثَلَاثًا، وَإِنْ تَرَكَ مِنْ الْأَوَّلَةَ سَجْدَةً، وَمِنْ الثَّانِيَةِ سَجْدَتَيْنِ وَمِنْ الرَّابِعَةِ سَجْدَةً، وَذَكَرَ فِي التَّشَهُّدِ: سَجَدَ سَجْدَةً وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَإِنْ تَرَكَ خَمْسَ سَجَدَاتٍ مِنْ ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ، أَوْ مِنْ أَرْبَعٍ: أَتَى بِسَجْدَتَيْنِ فَصَحَّتْ لَهُ رَكْعَةٌ كَامِلَةٌ. قَوْلُهُ (وَإِنْ نَسِيَ التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ وَنَهَضَ، لَزِمَهُ الرُّجُوعُ مَا لَمْ يَنْتَصِبْ قَائِمًا فَإِنْ اسْتَتَمَّ قَائِمًا لَمْ يَرْجِعْ، وَإِنْ رَجَعَ جَازَ) اعْلَمْ أَنَّهُ إذَا تَرَكَ التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ نَاسِيًا وَقَامَ إلَى ثَالِثَةٍ، لَمْ يَخْلُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ أَحَدُهَا: أَنْ يَذْكُرَ قَبْلَ أَنْ يَعْتَدِلَ قَائِمًا فَهُنَا يَلْزَمُهُ الرُّجُوعُ لِلتَّشَهُّدِ كَمَا جَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ هُنَا، وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، وَيَلْزَمُ الْمَأْمُومَ مُتَابَعَتُهُ، وَلَوْ بَعْدَ قِيَامِهِمْ وَشُرُوعِهِمْ فِي الْقِرَاءَةِ. الْحَالُ الثَّانِيَةُ: ذَكَرَهُ بَعْدَ أَنْ اسْتَتَمَّ قَائِمًا وَقَبْلَ شُرُوعِهِ فِي الْقِرَاءَةِ فَجَزَمَ الْمُصَنِّفُ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ، وَإِنْ رَجَعَ جَازَ فَظَاهِرُهُ: أَنَّ الرُّجُوعَ مَكْرُوهٌ، وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَاتِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالْأَشْهَرُ يُكْرَهُ الرُّجُوعُ وَصَحَّحَهُ فِي النَّظْمِ قَالَ الشَّارِحُ: الْأَوْلَى أَنْ لَا يَرْجِعَ، وَإِنْ رَجَعَ جَازَ قَالَ فِي الْحَاوِي الْكَبِيرِ: وَالْأَوْلَى لَهُ أَنْ لَا يَرْجِعَ، وَهُوَ أَصَحُّ قَالَ فِي الْمُحَرَّرِ وَالْمُغْنِي: أَوْلَى وَجَزَمَ بِهِ فِي التَّلْخِيصِ، وَنَاظِمِ الْمُفْرَدَاتِ، وَهُوَ مِنْهَا وَقَدَّمَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَعَنْهُ يُخَيَّرُ بَيْنَ الرُّجُوعِ وَعَدَمِهِ، وَعَنْهُ يَمْضِي فِي صَلَاتِهِ، وَلَا يَرْجِعُ وُجُوبًا اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ، وَصَاحِبُ الْفَائِقِ، وَعَنْهُ يَجِبُ الرُّجُوعُ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ
فَائِدَةٌ: لَوْ كَانَ إمَامًا، فَلَمْ يُذَكِّرْهُ الْمَأْمُومُ حَتَّى قَامَ، فَاخْتَارَ الْمُضِيَّ أَوْ شَرَعَ فِي الْقِرَاءَةِ: لَزِمَ الْمَأْمُومَ مُتَابَعَتُهُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَنْهُ يَتَشَهَّدُ الْمَأْمُومُ وُجُوبًا. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي التَّذْكِرَةِ: يَتَشَهَّدُ الْمَأْمُومُ وَلَا يَتْبَعُهُ فِي الْقِيَامِ فَإِنْ تَبِعَهُ وَلَمْ يَتَشَهَّدْ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ. الْحَالُ الثَّالِثَةُ: ذَكَرَهُ بَعْدَ أَنْ شَرَعَ فِي الْقِرَاءَةِ فَهُنَا لَا يَرْجِعُ قَوْلًا وَاحِدًا كَمَا قَطَعَ بِهِ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ (وَإِنْ شَرَعَ فِي الْقِرَاءَةِ لَمْ يَجُزْ لَهُ الرُّجُوعُ) قَوْلُهُ (وَعَلَيْهِ السُّجُودُ لِذَلِكَ كُلِّهِ) أَمَّا فِي الْحَالِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ: فَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ فِيهِمَا بِلَا خِلَافٍ أَعْلَمُهُ، وَأَمَّا فِي الْحَالِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ مَا إذَا لَمْ يَنْتَصِبْ قَائِمًا وَرَجَعَ: فَقَطَعَ الْمُصَنِّفُ هُنَا بِأَنَّهُ يَسْجُدُ لَهُ أَيْضًا، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَقِيلَ: لَا يَجِبُ السُّجُودُ لِذَلِكَ، وَعَنْهُ إنْ كَثُرَ نُهُوضُهُ سَجَدَ لَهُ وَإِلَّا فَلَا، وَهُوَ وَجْهٌ لِبَعْضِ الْأَصْحَابِ وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَقَالَ فِي التَّلْخِيصِ: يَسْجُدُ إنْ كَانَ انْتَهَى إلَى حَدِّ الرَّاكِعِينَ، وَإِلَّا فَلَا، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَقِيلَ بَلْ يُخَيَّرُ بَيْنَهُمَا. فَائِدَةٌ: لَوْ نَسِيَ التَّشَهُّدَ دُونَ الْجُلُوسِ لَهُ، فَحُكْمُهُ فِي الرُّجُوعِ إلَيْهِ حُكْمُ مَا لَوْ نَسِيَهُ مَعَ الْجُلُوسِ؛ لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ. فَائِدَةٌ: حُكْمُ التَّسْبِيحِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَقَوْلِ (رَبِّ اغْفِرْ لِي) بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، وَكُلُّ وَاجِبٍ إذَا تَرَكَهُ سَهْوًا ثُمَّ ذَكَرَهُ: حُكْمُ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ، فَيَرْجِعُ إلَى تَسْبِيحِ الرُّكُوعِ قَبْلَ اعْتِدَالِهِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ وَجَزَمَ بِهِ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ فَقَالَ: وَمَنْ نَسِيَ تَسْبِيحَ الرُّكُوعِ ثُمَّ ذَكَرَ قَبْلَ أَنْ يَنْتَصِبَ قَائِمًا رَجَعَ وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي وَقِيلَ: لَا يَرْجِعُ وَيَبْطُلُ. لِعَمْدِهِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي فِي بَابِ صِفَةِ الصَّلَاةِ، وَالشَّرْحِ وَقَدَّمَهُ فِي الْحَاوِي الْكَبِيرِ.
وَإِنْ ذَكَرَهُ بَعْدَ اعْتِدَالِهِ لَزِمَهُ الْمُضِيُّ، وَلَمْ يَجُزْ الرُّجُوعُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ جَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالْكَافِي، وَالشَّرْحِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَابْنِ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفَائِقِ، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَقِيلَ: يَجُوزُ الرُّجُوعُ. كَمَا فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْمُحَرَّرِ وَقَدَّمَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ فَقَالَ: وَإِذَا انْتَصَبَ فَالْأَوْلَى أَنْ لَا يَرْجِعَ فَإِنْ رَجَعَ جَازَ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي كَالتَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ، وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَرْجِعَ. انْتَهَى. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ فَعَلَى الْقَوْلِ بِجَوَازِ الرُّجُوعِ فِيهِمَا: لَوْ رَجَعَ فَأَدْرَكَهُ مَسْبُوقٌ، وَهُوَ رَاكِعٌ فَقَدْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ بِذَلِكَ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ جَزَمَ بِهِ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقِيلَ: لَا يُدْرِكُهَا بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ نَفْلٌ كَرُجُوعِهِ إلَى الرُّكُوعِ سَهْوًا. قَوْلُهُ (وَأَمَّا الشَّكُّ، فَمَتَى شَكَّ: فِي عَدَدِ الرَّكَعَاتِ بَنَى عَلَى الْيَقِينِ) هَذَا الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، مِنْهُمْ: أَبُو بَكْرٍ، وَالْقَاضِي، وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَالشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ، وَالْمَجْدُ، وَصَاحِبُ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ فِيهِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنَوِّرِ وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَابْنِ تَمِيمٍ، وَفُرُوعِ الْقَاضِي أَبِي الْحُسَيْنِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ، وَعَنْهُ يَبْنِي عَلَى غَالِبِ ظَنِّهِ قَدَّمَهُ فِي الْفَائِقِ وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَقَالَ: عَلَى هَذَا عَامَّةُ أُمُورِ الشَّرْعِ، وَأَنَّ مِثْلَهُ يُقَالُ فِي طَوَافٍ وَسَعْيٍ وَرَمْيِ جِمَارٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ قَالَ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ، وَأَبُو الْخَطَّابِ: هَذَا اخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ،
قَوْلُهُ (وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ: أَنَّ الْمُنْفَرِدَ يَبْنِي عَلَى الْيَقِينِ، وَالْإِمَامَ عَلَى غَالِبِ ظَنِّهِ) ، وَكَذَا قَالَ فِي الْكَافِي، وَالْمَذْهَبِ الْأَحْمَدِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، يَعْنُونَ ظَاهِرَ الْمَذْهَبِ عِنْدَهُمْ قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ: هَذِهِ الْمَشْهُورَةُ فِي الْمَذْهَبِ وَاخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ، وَقَالَ: هِيَ الْمَشْهُورَةُ عَنْ أَحْمَدَ، وَاخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَاخْتُلِفَ فِي اخْتِيَارِ الْخِرَقِيِّ، قَالَ فِي تَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ: وَيَأْخُذُ مُنْفَرِدٌ بِيَقِينِهِ، وَإِمَامٌ بِظَنِّهِ، عَلَى الْأَشْهَرِ فِيهَا وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ وَصَحَّحَهُ النَّاظِمُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْعُمْدَةِ، وَالْوَجِيزِ، وَالْإِفَادَاتِ وَقَدَّمَهُ فِي الْخُلَاصَةِ وَقَطَعَ فِي التَّلْخِيصِ وَالْبُلْغَةِ بِأَنَّ الْمُنْفَرِدَ يَبْنِي عَلَى الْيَقِينِ، وَأَطْلَقَ فِي الْإِمَامِ وَالْمُنْفَرِدِ الرِّوَايَتَيْنِ، وَقَالَ فِي الْمَذْهَبِ: يَبْنِي الْمُنْفَرِدُ عَلَى الْيَقِينِ رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَكَذَا الْإِمَامُ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ، وَكَذَا فِي مَسْبُوكِ الذَّهَبِ فَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْإِمَامَ يَبْنِي عَلَى غَالِبِ ظَنِّهِ، قَالَ الْأَصْحَابُ: لِأَنَّ لَهُ مَنْ يُنَبِّهُهُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَمُرَادُهُمْ مَا لَمْ يَكُنْ الْمَأْمُومُ وَاحِدًا فَإِنْ كَانَ الْمَأْمُومُ وَاحِدًا أَخَذَ الْإِمَامُ بِالْيَقِينِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَرْجِعُ إلَيْهِ، وَبِدَلِيلِ الْمَأْمُومِ الْوَاحِدِ لَا يَرْجِعُ إلَى فِعْلِ إمَامِهِ، وَيَبْنِي عَلَى الْيَقِينِ، لِلْمَعْنَى الْمَذْكُورِ فَيُعَايَى بِهَا. انْتَهَى. وَبِدَلِيلِ الْمَأْمُومِ الْوَاحِدِ لَا يَرْجِعُ. قُلْت: قَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ ابْنُ تَمِيمٍ، فَقَالَ: إنْ كَانَ الْمَأْمُومُ وَاحِدًا لَا يُقَلِّدُ إمَامَهُ وَيَبْنِي عَلَى الْيَقِينِ، وَكَذَا لَا يَرْجِعُ الْإِمَامُ إلَى تَسْبِيحِ الْمَأْمُومِ الْوَاحِدِ، لَكِنْ مَتَى كَانَ مَنْ سَبَّحَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ خَطَأِ إمَامِهِ لَمْ يُتَابِعْهُ وَلَا يُسَلِّمُ قَبْلَهُ. انْتَهَى. قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: لَوْ كَانَ الْمَأْمُومُ وَاحِدًا، فَشَكَّ الْمَأْمُومُ، فَلَمْ أَجِدْ فِيهَا نَصًّا عَنْ أَصْحَابِنَا. وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ: لَا يُقَلِّدُ إمَامَهُ، وَيَبْنِي عَلَى الْيَقِينِ كَالْمُنْفَرِدِ، لَكِنْ لَا يُفَارِقُهُ قَبْلَ السَّلَامِ، فَإِذَا سَلَّمَ أَتَى بِالرَّكْعَةِ الْمَشْكُوكِ فِيهَا وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ.
فَائِدَتَانِ. الْأُولَى: يَأْخُذُ الْمَأْمُومُ بِفِعْلِ إمَامِهِ، وَفِي فِعْلِ نَفْسِهِ يَبْنِي عَلَى الْيَقِينِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: يَأْخُذُ بِغَلَبَةِ ظَنِّهِ. الثَّانِيَةُ: حَيْثُ قُلْنَا يَبْنِي عَلَى الْيَقِينِ أَوْ التَّحَرِّي، فَفَعَلَ ثُمَّ تَيَقَّنَ أَنَّهُ مُصِيبٌ فِيمَا فَعَلَهُ، فَلَا سُجُودَ عَلَيْهِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ قَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: لَمْ يَسْجُدْ إلَّا أَنْ يَزُولَ شَكُّهُ بَعْدَ أَنْ فَعَلَ مَعَهُ مَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ زَائِدًا فَإِنَّهُ يَسْجُدُ. مِثَالُهُ: لَوْ كَانَ فِي سُجُودِ رَكْعَةٍ مِنْ الرُّبَاعِيَّةِ، وَشَكَّ هَلْ هِيَ أُولَاهُ أَوْ ثَانِيَتُهُ؟ فَبَنَى عَلَى الْيَقِينِ وَصَلَّى أُخْرَى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ زَالَ شَكُّهُ لَمْ يَسْجُدْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ إلَّا مَا هُوَ مَأْمُورٌ بِهِ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: قُلْت بَلْ قَدْ زَادَ التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وَتَرَكَهُ فِي مَوْضِعِهِ، عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهَا ثَانِيَةٌ. انْتَهَى. قَالَ الْمَجْدُ: وَلَوْ صَلَّى مَعَ الشَّكِّ ثَلَاثًا، أَوْ شَرَعَ فِي ثَالِثَةٍ، ثُمَّ تَحَقَّقَ أَنَّهَا رَابِعَةٌ سَجَدَ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا عَلَيْهِ مُتَرَدِّدًا فِي كَوْنِهِ زِيَادَةً، وَذَلِكَ نَقْصٌ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى، وَلَوْ شَكَّ وَهُوَ سَاجِدٌ هَلْ هُوَ فِي السَّجْدَةِ الْأُولَى أَوْ الثَّانِيَةِ؟ . ثُمَّ زَالَ شَكُّهُ لَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ سُجُودِهِ، فَلَا سَهْوَ عَلَيْهِ، وَلَوْ لَمْ يَزُلْ شَكُّهُ حَتَّى سَجَدَ ثَانِيًا، لَزِمَهُ سُجُودُ السَّهْوِ؛ لِأَنَّهُ أَدَّى فَرْضَهُ شَاكًّا فِي كَوْنِهِ زَائِدًا قَالَ: هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِنَا، وَفِيهِمَا وَجْهٌ لَا يَسْجُدُ فِي الْقِسْمَيْنِ جَمِيعًا، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ فَقَالَ: وَإِذَا سَهَا فَتَذَكَّرَ فِي صَلَاتِهِ لَمْ يَسْجُدْ. انْتَهَى. كَلَامُ الْمَجْدِ، وَتَابَعَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ يَسْجُدُ، قَالَهُ فِي التَّلْخِيصِ وَقَدَّمَهُ فِي الْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ. قُلْت: فَيُعَايَى بِهَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ
قَوْلُهُ (وَمَنْ شَكَّ فِي تَرْكِ رُكْنٍ فَهُوَ كَتَرْكِهِ) هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَقِيلَ: هُوَ كَتَرْكِ رَكْعَةٍ قِيَاسًا، فَيَتَحَرَّى وَيَعْمَلُ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ، وَقَالَهُ أَبُو الْفَرَجِ فِي قَوْلٍ وَفِعْلٍ. فَائِدَةٌ: قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ: لَوْ جَهِلَ عَيْنَ الرُّكْنِ الْمَتْرُوكِ بَنَى عَلَى الْأَحْوَطِ فَإِنْ شَكَّ فِي الْقِرَاءَةِ وَالرُّكُوعِ جَعَلَهُ قِرَاءَةً، وَإِنْ شَكَّ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ جَعَلَهُ رُكُوعًا، وَإِنْ تَرَكَ آيَتَيْنِ مُتَوَالِيَتَيْنِ مِنْ الْفَاتِحَةِ جَعَلَهُمَا مِنْ رَكْعَةٍ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ تَوَالِيهِمَا جَعَلَهُمَا مِنْ رَكْعَتَيْنِ، وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ: أَنَّهُ يَتَحَرَّى، وَيَعْمَلُ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ فِي تَرْكِ الرُّكْنِ كَالرَّكْعَةِ، وَقَالَ أَبُو الْفَرَجِ: التَّحَرِّي سَائِغٌ فِي الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ كَمَا تَقَدَّمَ. انْتَهَى. قَوْلُهُ (وَإِنْ شَكَّ فِي تَرْكِ وَاجِبٍ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ السُّجُودُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْكَافِي، وَالْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ. (إحْدَاهُمَا: لَا يَلْزَمُهُ وَهُوَ الْمَذْهَبُ) وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ قَالَ فِي الْمُذْهَبِ: هُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: لَمْ يَسْجُدْ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ وَاخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ، وَالْمُصَنِّفُ، وَالْمَجْدُ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَقَدَّمَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَلْزَمُهُ صَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ، وَالنَّظْمِ، وَالشَّرْحِ وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْفَائِقِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِفَادَاتِ، وَالْمُنَوِّرِ.
فَائِدَةٌ: لَوْ شَكَّ، هَلْ دَخَلَ مَعَهُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى أَوْ الثَّانِيَةِ؟ جَعَلَهُ فِي الثَّانِيَةِ وَلَوْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ رَاكِعًا، ثُمَّ شَكَّ بَعْدَ تَكْبِيرِهِ: هَلْ رَفَعَ الْإِمَامُ رَأْسَهُ قَبْلَ إدْرَاكِهِ رَاكِعًا أَمْ لَا؟ لَمْ يَعْتَدَّ بِتِلْكَ الرَّكْعَةِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: يَعْتَدُّ بِهَا، ذَكَرَهُ فِي التَّلْخِيصِ. قَوْلُهُ (وَإِنْ شَكَّ فِي زِيَادَةٍ لَمْ يَسْجُدْ) هَذَا الْمَذْهَبُ نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَعَنْهُ يَسْجُدُ اخْتَارَهُ الْقَاضِي. كَشَكِّهِ فِي الزِّيَادَةِ وَقْتَ فِعْلِهَا، وَأَطْلَقَهَا ابْنُ تَمِيمٍ. فَوَائِدُ. إحْدَاهَا: لَوْ سَجَدَ لِشَكٍّ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ سُجُودٌ وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْكِسَائِيّ مَعَ أَبِي يُوسُفَ قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ وَالنُّكَتِ: فَفِي وُجُوبِ السُّجُودِ عَلَيْهِ وَجْهَانِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِيَيْنِ، أَحَدُهُمَا: يَسْجُدُ جَزَمَ بِهِ فِي التَّلْخِيصِ، وَالثَّانِي: لَا يَسْجُدُ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا اخْتَارَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَقِيلَ: يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ فِي النَّقْصِ لَا فِي الزِّيَادَةِ، وَهُوَ أَظْهَرُ. انْتَهَى. الثَّانِيَةُ: لَا أَثَرَ لِشَكِّ مَنْ سَلَّمَ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ نَصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: بَلَى، مَعَ قِصَرِ الزَّمَنِ. الثَّالِثَةُ: إذَا عَلِمَ أَنَّهُ سَهَا فِي صَلَاتِهِ وَلَمْ يَعْلَمْ: هَلْ هُوَ مِمَّا يُسْجَدُ لَهُ أَمْ لَا؟ لَمْ يَسْجُدْ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: يَسْجُدُ. الرَّابِعَةُ: لَوْ شَكَّ فِي مَحَلِّ سُجُودِهِ سَجَدَ قَبْلَ السَّلَامِ، قَالَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ. الْخَامِسَةُ: لَوْ شَكَّ هَلْ سَجَدَ لِسَهْوِهِ أَمْ لَا؟ سَجَدَ مَرَّةً، وَقِيلَ: مَرَّتَيْنِ قَبْلَ السَّلَامِ، وَقِيلَ: يَفْعَلُ مَا تَرَكَهُ وَلَا يَسْجُدُ لَهُ، وَقِيلَ: إنْ شَكَّ هَلْ سَجَدَ لَهُ:
سَجَدَ لَهُ سَجْدَتَيْنِ، وَسَجَدَ لِسَهْوِهِ سَجْدَتَيْنِ بَعْدَ فِعْلِ مَا تَرَكَهُ كُلُّ ذَلِكَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى وَغَيْرِهِ. قَوْلُهُ (وَلَيْسَ عَلَى الْمَأْمُومِ سُجُودُ سَهْوٍ) زَادَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَلَوْ أَتَى بِمَا تَرَكَهُ بَعْدَ سَلَامِ إمَامِهِ، وَخَالَفَهُ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ فِي ذَلِكَ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ إذَا شَكَّ فِي عَدَدِ الرَّكَعَاتِ قَوْلُهُ (إلَّا أَنْ يَسْهُوَ إمَامُهُ فَيَسْجُدَ مَعَهُ) يَعْنِي وَلَوْ لَمْ يُتِمَّ الْمَأْمُومُ التَّشَهُّدَ سَجَدَ مَعَهُ ثُمَّ يُتِمُّهُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: يُتِمُّهُ ثُمَّ يُعِيدُ السُّجُودَ ثَانِيًا، وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ قَوْلُهُ (فَإِنْ لَمْ يَسْجُدْ الْإِمَامُ فَهَلْ يَسْجُدُ الْمَأْمُومُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْكَافِي، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَابْنِ تَمِيمٍ وَالْمُغْنِي، إحْدَاهُمَا: يَسْجُدُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: سَجَدَ هُوَ عَلَى الْأَصَحِّ قَالَ فِي الْفَائِقِ: الْأَصَحُّ فِعْلُهُ اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَالْمُصَنِّفُ، وَالْقَاضِي فِي التَّعْلِيقِ، وَالرِّوَايَتَيْنِ قَالَ فِي الْحَاوِيَيْنِ: سَجَدَ الْمَأْمُومُ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ قَالَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ: يَسْجُدُ الْمَأْمُومُ عَلَى الْأَصَحِّ وَنَصَرَهَا الشَّرِيفُ، وَأَبُو الْخَطَّابِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِفَادَاتِ، وَالْمُنَوِّرِ وَقَدَّمَهُ أَبُو الْحُسَيْنِ فِي فُرُوعِهِ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَا يَلْزَمُهُ السُّجُودُ، وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ الْخِرَقِيِّ وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَالْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: لَمْ يَسْجُدْ فِي أَظْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ قَالَ فِي الْوَجِيزِ: وَلَا سُجُودَ عَلَى مَأْمُومٍ إلَّا تَبَعًا لِإِمَامِهِ وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ. فَوَائِدُ. مِنْهَا: قَالَ الْمَجْدُ، وَمَنْ تَابَعَهُ: مَحَلُّ الرِّوَايَتَيْنِ فِيمَا إذَا تَرَكَهُ الْإِمَامُ سَهْوًا قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، قُلْت: وَزَادَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: قَيْدًا آخَرَ، وَهُوَ مَا إذَا لَمْ يَسْهُ الْمَأْمُومُ
فَإِنْ سَهَوْا مَعًا وَلَمْ يَسْجُدْ الْإِمَامُ سَجَدَ الْمَأْمُومُ، رِوَايَةً وَاحِدَةً: لِئَلَّا تَخْلُوَ الصَّلَاةُ عَنْ جَابِرٍ فِي حَقِّهِ، مَعَ نَقْصِهَا مِنْهُ حِسًّا، بِخِلَافِ مَا قَبْلَهُ، وَأَمَّا الْمَسْبُوقُ: فَإِنَّ سُجُودَهُ لَا يُخِلُّ بِمُتَابَعَةِ إمَامِهِ فَلِذَا قُلْنَا: يَسْجُدُ بِلَا خِلَافٍ كَمَا تَقَدَّمَ. انْتَهَى. قَالَ الْمَجْدُ وَمَنْ تَابَعَهُ: وَأَمَّا إنْ تَرَكَهُ الْإِمَامُ عَمْدًا وَهُوَ مِمَّا يُشْرَعُ قَبْلَ السَّلَامِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَهَلْ تَبْطُلُ صَلَاةُ مَنْ خَلْفَهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ يَأْتِي أَصْلُهُمَا. انْتَهَى. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: نَعَمْ إنْ تَرَكَهُ عَمْدًا لِاعْتِقَادِهِ عَدَمَ وُجُوبِهِ فَهُوَ كَتَرْكِهِ سَهْوًا عِنْدَ أَبِي مُحَمَّدٍ، ثُمَّ قَالَ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُخَرَّجُ عَلَى تَرْكِ الْإِمَامِ مَا يَعْتَقِدُ الْمَأْمُومُ وُجُوبَهُ، وَمِنْهَا: حَيْثُ قُلْنَا يَسْجُدُ الْمَأْمُومُ إذَا لَمْ يَسْجُدْ إمَامُهُ: فَمَحَلُّهُ بَعْدَ سَلَامِ إمَامِهِ، وَأَلَّا يَيْأَسَ مِنْ سُجُودِهِ ظَاهِرًا؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا ذَكَرَ فَسَجَدَ، وَقَدْ يَكُونُ مِمَّنْ يَرَى السُّجُودَ بَعْدَ السَّلَامِ، فَلَا يُعْلَمُ أَنَّهُ تَارِكٌ إلَّا بِذَلِكَ قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: قُلْت وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَقُولَ (سَبِّحْ بِهِ) فَإِنْ لَمْ يُفْهَمْ الْمُرَادُ أَشَارَ لَهُ إلَى السُّجُودِ، عَلَى مَا مَضَى مِنْ التَّفْصِيلِ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى مَنْ صَرَّحَ بِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ يَدْخُلُ فِي عُمُومِ كَلَامِ الْأَصْحَابِ. انْتَهَى. وَمِنْهَا: الْمَسْبُوقُ يَسْجُدُ تَبَعًا لِإِمَامِهِ إنْ سَهَا الْإِمَامُ فِيمَا أَدْرَكَهُ مَعَهُ، وَكَذَا إنْ سَهَا فِيمَا لَمْ يُدْرِكْهُ مَعَهُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَنْهُ يَسْجُدُ مَعَهُ إنْ سَجَدَ قَبْلَ السَّلَامِ، وَإِلَّا قَضَى بَعْدَ سَلَامِ إمَامِهِ ثُمَّ سَجَدَ، وَعَنْهُ يَقْضِي ثُمَّ يَسْجُدُ، سَوَاءٌ سَجَدَ إمَامُهُ قَبْلَ السَّلَامِ أَوْ بَعْدَهُ، وَعَنْهُ يُخَيَّرُ فِي مُتَابَعَتِهِ، وَعَنْهُ يَسْجُدُ مَعَهُ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي التَّلْخِيصِ، وَقَالَ: أَصْلُهُمَا هَلْ يَسْجُدُ الْمَأْمُومُ لِسَهْوِ إمَامِهِ، أَوْ لِمُتَابَعَتِهِ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ فَإِذَا قُلْنَا: يَسْجُدُ الْمَسْبُوقُ مَعَ إمَامِهِ، فَلَمْ يَسْجُدْ إمَامُهُ سَجَدَ هُوَ، رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَحَكَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ إجْمَاعًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ جَابِرٌ مِنْ إمَامِهِ قَالَ فِي النُّكَتِ: وَفِي مَعْنَاهُ: إذَا انْفَرَدَ الْمَأْمُومُ بِعُذْرٍ فَإِنَّهُ يَسْجُدُ
وَإِنْ لَمْ يَسْجُدْ إمَامُهُ، قَطَعَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ، مِنْهُمْ: صَاحِبُ الرِّعَايَةِ، وَيَأْتِي فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ فِي الْوَجْهِ الثَّانِي أَحْكَامُ السَّهْوِ إذَا فَارَقَتْهُ إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ. وَمِنْهَا: لَوْ قَامَ الْمَسْبُوقُ بَعْدَ سَلَامِ إمَامِهِ جَهْلًا بِمَا عَلَيْهِ مِنْ سُجُودٍ بَعْدَ السَّلَامِ أَوْ قَبْلَهُ، وَقَدْ نَسِيَهُ وَلَمْ يَشْرَعْ فِي الْقِرَاءَةِ: رَجَعَ فَسَجَدَ مَعَهُ وَبَنَى نَصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: لَا يَرْجِعُ، وَقِيلَ: إنْ لَمْ يُتِمَّ قِيَامَهُ رَجَعَ وَإِلَّا فَلَا بَلْ يَسْجُدُ هُوَ قَبْلَ سَلَامِ إمَامِهِ قَالَ فِي الْحَاوِيَيْنِ: وَعِنْدِي إنْ لَمْ يَسْتَتِمَّ قَائِمًا رَجَعَ وَإِلَّا فَلَا، وَإِنْ شَرَعَ فِي الْقِرَاءَةِ لَمْ يَرْجِعْ قَوْلًا وَاحِدًا. وَمِنْهَا: لَوْ أَدْرَكَ الْمَسْبُوقُ الْإِمَامَ فِي إحْدَى سَجْدَتَيْ السَّهْوِ وَسَجَدَ مَعَهُ فَإِذَا سَلَّمَ أَتَى بِالسَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ ثُمَّ قَضَى صَلَاتَهُ نَصَّ عَلَيْهِ وَقِيلَ: لَا يَأْتِي بِالسَّجْدَةِ الْأُخْرَى، بَلْ يَقْضِي صَلَاتَهُ بَعْدَ سَلَامِ إمَامِهِ ثُمَّ يَسْجُدُ، وَمِنْهَا: لَوْ أَدْرَكَهُ بَعْدَ أَنْ سَجَدَ لِلسَّهْوِ وَقَبْلَ السَّلَامِ لَمْ يَسْجُدْ، ذَكَرَهُ فِي الْمُذْهَبِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ عَلَيْهِ فِي الْفُرُوعِ، وَمِنْهَا: لَوْ سَهَا فَسَلَّمَ أَوْ سَهَا مَعَهُ، أَوْ فِيمَا انْفَرَدَ بِهِ: سَجَدَ. قَوْلُهُ (وَسُجُودُ السَّهْوِ لِمَا يُبْطِلُ عَمْدُهُ الصَّلَاةَ: وَاجِبٌ) وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَعَنْهُ يُشْتَرَطُ السُّجُودُ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ قَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ: وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ، وَعَنْهُ مَسْنُونٌ. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ، وَتَأَوَّلَهَا بَعْضُ الْأَصْحَابِ. قُلْت: هُوَ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي. تَنْبِيهٌ: يُسْتَثْنَى مِنْ عُمُومِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا: سُجُودُ السَّهْوِ نَفْسُهُ. فَإِنَّ الصَّلَاةَ تَصِحُّ مَعَ سَهْوِهِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، عَلَى مَا يَأْتِي، دُونَ عَمْدِهِ الَّذِي قَبْلَ السَّلَامِ، وَكَذَا الَّذِي بَعْدَهُ، عَلَى قَوْلٍ يَأْتِي، وَلَا يَجِبُ لِسَهْوِهِ سُجُودٌ آخَرُ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ أَوَّلَ الْبَابِ، وَيُسْتَثْنَى أَيْضًا: إذَا لَحَنَ لَحْنًا يُحِيلُ الْمَعْنَى سَهْوًا أَوْ جَهْلًا، وَقُلْنَا لَا تَبْطُلُ
صَلَاتُهُ، كَمَا هُوَ اخْتِيَارُ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ فَإِنَّ الْمَجْدَ قَطَعَ فِي شَرْحِهِ: أَنَّهُ لَا يَسْجُدُ لِسَهْوِهِ. قَالَ فِي النُّكَتِ: وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ عَمْدَهُ مُبْطِلٌ فَوَجَبَ السُّجُودُ لِسَهْوِهِ، وَهَذَا ظَاهِرُ مَا قَطَعَ بِهِ فِي الْفُرُوعِ قَوْلُهُ (وَمَحَلُّهُ قَبْلَ السَّلَامِ، إلَّا فِي السَّلَامِ قَبْلَ إتْمَامِ صَلَاتِهِ، وَفِيمَا إذَا بَنَى الْإِمَامُ عَلَى غَالِبِ ظَنِّهِ) ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ وَالْمَعْرُوفُ عِنْدَ الْأَصْحَابِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ، وَابْنُ حَمْدَانَ، وَغَيْرُهُمَا: هُوَ الْمَذْهَبُ قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: اخْتَارَهَا مَشَايِخُ الْأَصْحَابِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، وَأَمَّا إذَا قُلْنَا يَبْنِي الْإِمَامُ عَلَى الْيَقِينِ: فَإِنَّهُ يَسْجُدُ قَبْلَ السَّلَامِ، وَيَكُونُ السُّجُودُ بَعْدَهُ فِي صُورَةٍ وَاحِدَةٍ. تَنْبِيهٌ: أَطْلَقَ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ قَوْلَهُمْ (السَّلَامُ قَبْلَ إتْمَامِ صَلَاتِهِ) وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ بَعْضِهِمْ " السَّلَامُ عَنْ نَقْصٍ " وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ، وَقَالَ الْقَاضِي، وَالْمَجْدُ وَمَنْ تَابَعَهُمَا: وَالْأَفْضَلُ قَبْلَهُ إلَّا إذَا سَلَّمَ عَنْ نَقْصِ رَكْعَةٍ فَأَكْثَرَ، وَإِلَّا سَجَدَ قَبْلَ السَّلَامِ نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْحَاوِيَيْنِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَهُوَ مُوجَبُ الدَّلِيلِ، وَعَنْهُ أَنَّ الْجَمِيعَ يَسْجُدُ لَهُ قَبْلَ السَّلَامِ اخْتَارَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ، وَابْنُهُ أَبُو الْفَرَجِ قَالَ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ وَغَيْرِهِ: وَهُوَ الْقِيَاسُ، قَالَ النَّاظِمُ: وَهُوَ أَوْلَى وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْفَائِقُ، وَعَنْهُ أَنَّ الْجَمِيعَ بَعْدَ السَّلَامِ، وَعَنْهُ مَا كَانَ مِنْ زِيَادَةٍ فَهُوَ بَعْدَ السَّلَامِ، وَمَا كَانَ مِنْ نَقْصٍ كَانَ قَبْلَهُ فَيَسْجُدُ مَنْ أَخَذَ بِالْيَقِينِ قَبْلَ السَّلَامِ، وَمَنْ أَخَذَ بِظَنِّهِ بَعْدَهُ اخْتَارَهَا الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَعَنْهُ مَا كَانَ مِنْ نَقْصٍ فَهُوَ بَعْدَ السَّلَامِ، وَمَا كَانَ مِنْ زِيَادَةٍ كَانَ قَبْلَهُ، عَكْسُ الَّتِي قَبْلَهَا.
فَائِدَةٌ: مَحَلُّ الْخِلَافِ فِي سُجُودِ السَّهْوِ: هَلْ هُوَ قَبْلَ السَّلَامِ، أَوْ بَعْدَهُ، أَوْ قَبْلَهُ إلَّا فِي صُورَتَيْنِ، أَوْ مَا كَانَ مِنْ زِيَادَةٍ أَوْ نَقْصٍ؟ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِحْبَابِ وَالْأَفْضَلِيَّةِ، فَيَجُوزُ السُّجُودُ بَعْدَ السَّلَامِ إذَا كَانَ مَحَلُّهُ قَبْلَ السَّلَامِ وَعَكْسُهُ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَأَبُو الْخَطَّابِ وَغَيْرُهُ وَجَزَمَ بِهِ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ قَالَ الْقَاضِي: لَا خِلَافَ فِي جَوَازِ الْأَمْرَيْنِ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي الْأَوْلَى وَالْأَفْضَلِ، وَذَكَرَهُ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ إجْمَاعًا، وَقِيلَ: مَحَلُّهُ وُجُوبًا اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. وَقَالَ: عَلَيْهِ يَدُلُّ كَلَامُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ صَاحِبِ الْمُسْتَوْعِبِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْمُصَنِّفِ، وَغَيْرِهِمْ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي مُحَمَّدٍ، وَأَكْثَرِ الْأَصْحَابِ: أَنَّهُ عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفَائِقِ، وَابْنِ تَمِيمٍ. قَوْلُهُ (وَإِنْ نَسِيَهُ قَبْلَ السَّلَامِ قَضَاهُ، مَا لَمْ يَطُلْ الْفَصْلُ، أَوْ يَخْرُجْ مِنْ الْمَسْجِدِ) . اشْتَرَطَ الْمُصَنِّفُ لِقَضَاءِ السُّجُودِ شَرْطَيْنِ أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ فِي الْمَسْجِدِ، وَالثَّانِي: أَنْ لَا يَطُولَ الْفَصْلُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ نَصَّ عَلَيْهِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَعَلَّهُ أَشْهَرُ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ، وَابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ: هَذَا الْمَذْهَبُ قَالَ فِي تَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ: عَلَى الْأَظْهَرِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِفَادَاتِ، وَالْمُنَوِّرِ وَقَدَّمَهُ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ وَنَصَرَاهُ وَالتَّلْخِيصُ، وَالْمُحَرَّرُ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَةُ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَمَجْمَعُ الْبَحْرَيْنِ، وَإِدْرَاكُ الْغَايَةِ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: فَإِنْ نَسِيَهُ قَبْلَهُ سَجَدَ بَعْدَهُ إنْ قَرُبَ الزَّمَنُ، وَقِيلَ: أَوْ طَالَ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ، وَعَنْهُ يُشْتَرَطُ أَيْضًا أَنْ لَا يَتَكَلَّمَ، ذَكَرَهَا الشَّرِيفُ فِي مَسَائِلِهِ، وَقِيلَ: يَسْجُدُ إنْ تَكَلَّمَ لِمَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ، وَإِلَّا فَلَا، وَعَنْهُ يَسْجُدُ مَعَ قِصَرِ
الْفَصْلِ، وَلَوْ خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ اخْتَارَهَا الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَقَالَ: نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْوَجِيزِ فَإِنَّهُ قَالَ: وَإِنْ نَسِيَهُ وَسَلَّمَ سَجَدَ إنْ قَرُبَ زَمَنُهُ. قَالَ الشَّارِحُ: اخْتَارَهَا الْقَاضِي قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَلَوْ خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ وَلَمْ يُطِلْ، سَجَدَ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ وَقَدَّمَهُ الزَّرْكَشِيُّ وَهُوَ ظَاهِرُ مَا قَدَّمَهُ فِي الْكَافِي فَإِنَّهُ قَالَ: فَإِنْ نَسِيَ السُّجُودَ فَذَكَرَهُ قَبْلَ طُولِ الْفَصْلِ سَجَدَ، وَعَنْهُ لَا يَسْجُدُ، سَوَاءٌ قَصُرَ الْفَصْلُ أَوْ طَالَ، خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ أَوْ لَا، وَعَنْهُ يَسْجُدُ وَإِنْ بَعُدَ اخْتَارَهَا الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ رَزِينٍ فِي نِهَايَتِهِ، وَقِيلَ: يَسْجُدُ مَعَ طُولِ الْفَصْلِ مَا دَامَ فِي الْمَسْجِدِ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ، وَأَطْلَقَ الْخِلَافَ فِي الْفُرُوعِ. فَوَائِدُ. الْأُولَى: مِثْلُ ذَلِكَ خِلَافًا وَمَذْهَبًا لَوْ نَسِيَ سُجُودَ السَّهْوِ الْمَشْرُوعِ بَعْدَ السَّلَامِ فِي الْقَضَاءِ وَغَيْرِهِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَإِنْ نَسِيَ سُجُودًا، وَأَطْلَقَ. الثَّانِيَةُ: حَيْثُ قُلْنَا يَسْجُدُ فَلَوْ أَحْدَثَ بَعْدَ صَلَاتِهِ فَقِيلَ: لَا يَسْجُدُ إذَا تَوَضَّأَ، وَهُوَ الصَّحِيحُ اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ، وَقِيلَ: يَسْجُدُ إذَا تَوَضَّأَ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَةِ، وَالْحَوَاشِي. قُلْت: ظَاهِرُ كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ: أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ مَنْ لَمْ يُحْدِثْ لِإِطْلَاقِهِمْ، وَتَقَدَّمَ إذَا سَلَّمَ عَنْ نَقْصٍ سَهْوًا، وَخَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ، أَوْ شَرَعَ فِي صَلَاةٍ أُخْرَى، أَوْ طَالَ الْفَصْلُ: هَلْ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ أَمْ لَا؟ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ أَوَّلَ الْبَابِ. الثَّالِثَةُ: حَيْثُ قُلْنَا يَسْجُدُ فَلَمْ يَذْكُرْ إلَّا وَهُوَ فِي صَلَاةٍ أُخْرَى، سَجَدَ إذَا سَلَّمَ أَطْلَقَهُ بَعْضُ الْأَصْحَابِ، قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ وَقَدَّمَهُ هُوَ وَصَاحِبُ الرِّعَايَةِ، وَالْحَوَاشِي،
وَابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ، وَقِيلَ: يَسْجُدُ مَعَ قِصَرِ الْفَصْلِ، فَيُخَفِّفُهَا مَعَ قِصَرِ الْفَصْلِ لِيَسْجُدَ وَجَزَمَ بِهِ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ قَالَ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ: يَسْجُدُ بَعْدَ فَرَاغِهِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، مَا دَامَ فِي الْمَسْجِدِ، وَعَلَى قَوْلِ غَيْرِهِ: إنْ طَالَ الْفَصْلُ لَمْ يَسْجُدْ، وَإِلَّا سَجَدَ. انْتَهَى. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَقِيلَ يَسْجُدُ إنْ قَصُرَ الزَّمَنُ بَيْنَهُمَا، أَوْ كَانَتَا صَلَاتَيْ جَمْعٍ، وَإِلَّا فَلَا، وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ، الرَّابِعَةُ: طُولُ الْفَصْلِ وَقِصَرُهُ مَرْجِعُهُ إلَى الْعُرْفِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: طُولُ الْفَصْلِ قَدْرُ رَكْعَةٍ طَوِيلَةٍ، قَالَهُ الْقَاضِي فِي الْجَامِعِ، وَقِيلَ: بَلْ قَدْرُ الصَّلَاةِ الَّتِي هُوَ فِيهَا ثَانِيًا. قَوْلُهُ (وَيَكْفِيهِ لِجَمِيعِ السَّهْوِ سَجْدَتَانِ إلَّا أَنْ يَخْتَلِفَ مَحَلُّهُمَا فَفِيهِ وَجْهَانِ) ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْكَافِي، وَالتَّلْخِيصِ، أَحَدُهُمَا: يَكْفِيهِ سَجْدَتَانِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ نَصَّ عَلَيْهِ وَصَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: هَذَا أَقْوَى الْوَجْهَيْنِ وَاخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَإِلَيْهِ مَيْلُ الْمَجْدِ فِي شَرْحِهِ قَالَ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ: وَهُوَ أَظْهَرُ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالنَّظْمِ وَغَيْرِهِمْ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لِكُلِّ سَهْوٍ سَجْدَتَانِ صَحَّحَهُ فِي الْفَائِقِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِفَادَاتِ وَالْمُنَوِّرِ وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ قَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ: لَا يَجُوزُ إفْرَادُ سَهْوٍ بِسُجُودٍ، بَلْ يَتَدَاخَلُ فَعَلَى الْمَذْهَبِ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ وَهُوَ الْقَوْلُ بِأَنَّهُ يُجْزِيهِ سَجْدَتَانِ يُغَلِّبُ مَا قَبْلَ السَّلَامِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: هَذَا أَقْوَى
الْوَجْهَيْنِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَشَرْحِ ابْنِ مُنَجَّا، وَغَيْرِهِمْ، وَقِيلَ: يُغَلِّبُ أَسْبَقُهُمَا وُقُوعًا، وَأَطْلَقَهُمَا الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ وَمُحَرَّرِهِ، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَقِيلَ: مَا مَحَلُّهُ بَعْدَ السَّلَامِ، قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَحَكَاهُ بَعْدَهُ، وَأَطْلَقَهُنَّ فِي الْفُرُوعِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ. فَائِدَتَانِ إحْدَاهُمَا: مَعْنَى اخْتِلَافِ مَحَلِّهِمَا: هُوَ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ السَّلَامِ، وَالْآخَرُ بَعْدَهُ، لِاخْتِلَافِ سَبَبِهِمَا وَأَحْكَامِهِمَا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ جَزَمَ بِهِ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَصَاحِبُ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ فِيهِ. وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَتَيْنِ وَاخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ، وَقَالَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ: مَعْنَاهُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا عَنْ نَقْصٍ، وَالْآخَرُ عَنْ زِيَادَةٍ، مِنْهُمْ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ فِيهِ وَقَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ. الثَّانِيَةُ: قَالَ الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ، وَغَيْرُهُمَا: لَوْ أَحْرَمَ مُنْفَرِدًا، فَصَلَّى رَكْعَةً، ثُمَّ نَوَى مُتَابَعَةَ الْإِمَامِ وَقُلْنَا بِجَوَازِ ذَلِكَ فَهِيَ فِيمَا إذَا انْفَرَدَ بِهِ وَسَهَا إمَامُهُ فِيمَا تَابَعَهُ فِيهِ فَإِنَّ صَلَاتَهُ تَنْتَهِي قَبْلَ صَلَاةِ الْإِمَامِ فَعَلَى قَوْلِنَا: هُمَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ إنْ كَانَ مَحَلُّهُمَا وَاحِدًا، وَعَلَى قَوْلِ مَنْ فَسَّرَ الْجِنْسَيْنِ بِالزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ: يُحْتَمَلُ كَوْنُهُمَا مِنْ جِنْسَيْنِ قَالُوا: وَهَكَذَا لَوْ صَلَّى مِنْ الرُّبَاعِيَّةِ رَكْعَةً؛ وَدَخَلَ مَعَ مُسَافِرٍ فَنَوَى مُتَابَعَتَهُ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ إمَامُهُ لِيُتِمَّ مَا عَلَيْهِ، فَقَدْ حَصَلَ مَأْمُومًا فِي وَسَطِ صَلَاتِهِ، مُنْفَرِدًا فِي طَرَفَيْهَا، وَإِذَا سَهَا فِي الْوَسَطِ وَالطَّرَفَيْنِ جَمِيعًا، فَعَلَى قَوْلِنَا: إنْ كَانَ مَحَلُّ سُجُودِهِمَا
وَاحِدًا، فَهِيَ جِنْسٌ وَاحِدٌ، وَإِنْ اخْتَلَفَ مَحَلُّ السُّجُودِ فَهِيَ جِنْسَانِ، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: هِيَ جِنْسَانِ. انْتَهَى.، وَقَالَ فِي التَّلْخِيصِ عَنْ الْمِثَالِ الْأَوَّلِ: خَرَجَ عَنْ السَّهْوِ مِنْ جِنْسَيْنِ، لِتَغَايُرِ الْفُرَادَى وَالْمُتَابَعَةِ، وَقِيلَ: لَا يُوجِبُ ذَلِكَ جَعْلُهُمَا جِنْسَيْنِ، وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَكْفِيهِ سُجُودٌ فِي الْأَصَحِّ لِسَهْوَيْنِ أَحَدُهُمَا: جَمَاعَةً، وَالْآخَرُ: مُنْفَرِدًا، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الرِّعَايَةِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ. قَوْلُهُ (وَمَتَى سَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ جَلَسَ فَتَشَهَّدَ ثُمَّ سَلَّمَ) هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَقِيلَ: لَا يَتَشَهَّدُ وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: لَا يَتَشَهَّدُ، وَلَوْ نَسِيَهُ وَفَعَلَهُ بَعْدَهُ، وَإِلَيْهِ مَيْلُ الْمُصَنِّفِ وَالشَّارِحِ، فَعَلَى الْمَذْهَبِ: يَتَشَهَّدُ التَّشَهُّدَ الْأَخِيرَ، قَالَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَالْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِمْ، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَيَتَشَهَّدُ فِيمَا بَعْدَهُ، وَقِيلَ: وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. كَمَا يُصَلِّي عَلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ، وَعَلَى الْمَذْهَبِ أَيْضًا: يَجْلِسُ مُفْتَرِشًا إذَا كَانَتْ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ عَلَى الصَّحِيحِ صَحَّحَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالْمَجْدِ فِي شَرْحِهِ، وَقَالَ: هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ وَقَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ، ذَكَرُوهُ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ، وَقِيلَ: يَتَوَرَّكُ اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ عِنْدَ قَوْلِهِ " ثُمَّ يَجْلِسُ فِي التَّشَهُّدِ الثَّانِي مُتَوَرِّكًا "، وَأَمَّا إنْ كَانَتْ الصَّلَاةُ ثُلَاثِيَّةً أَوْ رُبَاعِيَّةً، فَإِنَّهُ يَتَوَرَّكُ بِلَا نِزَاعٍ أَعْلَمُهُ. فَائِدَةٌ: سُجُودُ السَّهْوِ وَمَا يَقُولُهُ فِيهِ وَبَعْدَ الرَّفْعِ مِنْهُ كَسُجُودِ الصَّلَاةِ فَلَوْ خَالَفَ
أَعَادَهُ بِنِيَّتِهِ جَزَمَ بِهِ فِي الْفُرُوعِ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَقَالَ: وَقِيلَ: إنْ سَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ كَبَّرَ مَرَّةً وَاحِدَةً وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ رَفَعَ. قَوْلُهُ (وَمَنْ تَرَكَ السُّجُودَ الْوَاجِبَ قَبْلَ السَّلَامِ عَمْدًا بَطَلَتْ الصَّلَاةُ) ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: بَطَلَتْ عَلَى الْأَصَحِّ قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: هَذَا أَصَحُّ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَغَيْرِهِ، وَعَنْهُ لَا تَبْطُلُ، وَهُوَ وَجْهٌ حَكَاهُ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ قَوْلُهُ (وَإِنْ تَرَكَ الْمَشْرُوعَ بَعْدَ السَّلَامِ لَمْ تَبْطُلْ) ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ قَالَ فِي الْفُصُولِ: وَيَأْثَمُ بِتَرْكِ مَا بَعْدَ السَّلَامِ، وَإِنَّمَا لَمْ تَبْطُلْ لِأَنَّهُ مُنْفَرِدٌ عَنْهَا وَاجِبٌ لَهَا كَالْأَذَانِ، وَعَنْهُ تَبْطُلُ، وَهُوَ وَجْهٌ ذَكَرَهُ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ. فَائِدَةٌ: قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَفِي بُطْلَانِ صَلَاةِ الْمَأْمُومِ الرِّوَايَتَانِ قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: إذَا بَطَلَتْ صَلَاةُ الْإِمَامِ فَفِي بُطْلَانِ صَلَاةِ الْمَأْمُومِ رِوَايَتَانِ وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَمَنْ تَعَمَّدَ تَرْكَ السُّجُودِ الْوَاجِبِ قَبْلَ السَّلَامِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَعَنْهُ لَا تَبْطُلُ. كَاَلَّذِي بَعْدَهُ فِي الْأَصَحِّ فِيهِ، وَقِيلَ: تَبْطُلُ صَلَاةُ الْمُنْفَرِدِ وَالْإِمَامِ دُونَ الْمَأْمُومِ، وَقِيلَ: إنْ بَطَلَتْ صَلَاةُ الْإِمَامِ بِتَرْكِهِ فَفِي صَلَاةِ الْمَأْمُومِ رِوَايَتَانِ، وَقِيلَ: وَجْهَانِ. انْتَهَى. وَتَقَدَّمَ أَوَّلَ الْبَابِ: الَّذِي لَا يَسْجُدُ لَهُ.
باب صلاة التطوع
[بَابُ صَلَاةِ التَّطَوُّعِ] تَنْبِيهٌ: يُحْتَمَلُ قَوْلُهُ (وَهِيَ أَفْضَلُ تَطَوُّعِ الْبَدَنِ) أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ: أَنَّهَا أَفْضَلُ مِنْ جَمِيعِ التَّطَوُّعَاتِ فَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ التَّطَوُّعُ بِالْجِهَادِ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ أَحَدُ الْوُجُوهِ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَحَوَاشِي ابْنِ مُفْلِحٍ، وَهُوَ ظَاهِرُ تَعْلِيلِ ابْنِ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ: أَنَّهَا أَفْضَلُ التَّطَوُّعَاتِ سِوَى الْجِهَادِ؛ لِقَوْلِهِ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ " وَأَفْضَلُ مَا يُتَطَوَّعُ بِهِ الْجِهَادُ " وَيَكُونُ عُمُومُ كَلَامِهِ هُنَا مَخْصُوصًا أَوْ يُقَالُ: لَمْ يَدْخُلْ الْجِهَادُ فِي كَلَامِهِ؛ لِأَنَّهُ فِي الْغَالِبِ لَا يَحْصُلُ بِالْبَدَنِ فَقَطْ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ: أَنَّهَا أَفْضَلُ التَّطَوُّعَاتِ الْمَقْصُورَةِ عَلَى الْبَدَنِ، كَالصَّوْمِ وَالْوُضُوءِ وَالْحَجِّ وَنَحْوِهِ، بِخِلَافِ الْمُتَعَدِّي نَفْعُهُ كَعِيَادَةِ الْمَرِيضِ، وَقَضَاءِ حَاجَةِ الْمُسْلِمِ، وَالْإِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ وَالْجِهَادِ، وَصِلَةِ الرَّحِمِ، وَطَلَبِ الْعِلْمِ وَنَحْوِهِ، وَهُوَ وَجْهٌ اخْتَارَهُ كَثِيرٌ مِنْ الْأَصْحَابِ عَلَى مَا يَأْتِي قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: وَقَوْلُ الشَّيْخِ يَعْنِي بِهِ الْمُصَنِّفَ (تَطَوُّعَ الْبَدَنِ) أَيْ غَيْرُ الْمُتَعَدِّي نَفْعُهُ، الْمَقْصُورُ عَلَى فَاعِلِهِ فَأَمَّا الْمُتَعَدِّي نَفْعُهُ: فَهُوَ آكَدُ مِنْ نَفْلِ الصَّلَاةِ قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ عَنْ كَلَامِهِ فِي الْهِدَايَةِ وَهُوَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَحْمُولَةٌ عِنْدِي عَلَى نَفْلِ الْبَدَنِ غَيْرِ الْمُتَعَدِّي. انْتَهَى. وَاعْلَمْ أَنَّ تَحْرِيرَ الْمَذْهَبِ فِي ذَلِكَ: أَنَّ أَفْضَلَ التَّطَوُّعَاتِ مُطْلَقًا الْجِهَادُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، مُتَقَدِّمُهُمْ وَمُتَأَخِّرُهُمْ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: الْجِهَادُ أَفْضَلُ تَطَوُّعَاتِ الْبَدَنِ أَطْلَقَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَالْأَصْحَابُ وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَيْضًا: أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ الرِّبَاطِ، وَقِيلَ: الرِّبَاطُ أَفْضَلُ، وَحَكَى رِوَايَةً، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: الْعَمَلُ بِالْقَوْسِ وَالرُّمْحِ أَفْضَلُ فِي الثَّغْرِ، وَفِي غَيْرِهِ نَظِيرُهَا
فَعَلَى الْمَذْهَبِ: النَّفَقَةُ فِي الْجِهَادِ أَفْضَلُ مِنْ النَّفَقَةِ فِي غَيْرِهَا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَنَقَلَ جَمَاعَةٌ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: الصَّدَقَةُ عَلَى قَرِيبِهِ الْمُحْتَاجِ أَفْضَلُ مَعَ عَدَمِ حَاجَتِهِ إلَيْهِ، ذَكَرَهُ الْخَلَّالُ وَغَيْرُهُ، وَنَقَلَ ابْنُ هَانِئٍ أَنَّ أَحْمَدَ قَالَ لِرَجُلٍ أَرَادَ الثَّغْرَ " أَقِمْ عَلَى أُخْتِك أَحَبُّ إلَيَّ أَرَأَيْت إنْ حَدَثَ بِهَا حَدَثُ مَنْ يَلِيهَا؟ " وَنَقَلَ حَرْبٌ: أَنَّهُ قَالَ لِرَجُلٍ لَهُ مَالٌ كَثِيرٌ " أَقِمْ عَلَى وَلَدِك وَتَعَاهَدْهُمْ أَحَبُّ إلَيَّ " وَلَمْ يُرَخِّصْ لَهُ يَعْنِي فِي غَزْوٍ غَيْرِ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي كِتَابِ صَفْوَةِ الصَّفْوَةِ: الصَّدَقَةُ أَفْضَلُ مِنْ الْحَجِّ، وَمِنْ الْجِهَادِ، وَيَأْتِي فِي آخِرِ بَابِ ذِكْرِ أَهْلِ الزَّكَاةِ عِنْدَ قَوْلِهِ " وَالصَّدَقَةُ عَلَى ذِي الرَّحِمِ صَدَقَةٌ وَصِلَةُ أَهْلٍ ": " هَلْ الصَّدَقَةُ أَفْضَلُ مِنْ الْعِتْقِ أَمْ لَا، أَمْ هِيَ أَفْضَلُ زَمَنَ الْمَجَاعَةِ، أَوْ عَلَى الْأَقَارِبِ؟ وَهَلْ هِيَ أَفْضَلُ مِنْ الْحَجِّ أَمْ لَا؟ " وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: اسْتِيعَابُ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ بِالْعِبَادَةِ لَيْلًا وَنَهَارًا أَفْضَلُ مِنْ الْجِهَادِ الَّذِي لَمْ تَذْهَبْ فِيهِ نَفْسُهُ وَمَالُهُ، وَهِيَ فِي غَيْرِ الْعَشْرِ تَعْدِلُ الْجِهَادَ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَعَلَّ هَذَا مُرَادُهُمْ. انْتَهَى. وَعَنْهُ الْعِلْمُ تَعَلُّمُهُ وَتَعْلِيمُهُ أَفْضَلُ مِنْ الْجِهَادِ وَغَيْرِهِ، وَنَقَلَ مُهَنَّا: طَلَبُ الْعِلْمِ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ لِمَنْ صَحَّتْ نِيَّتُهُ قِيلَ: بِأَيِّ شَيْءٍ تَصِحُّ النِّيَّةُ؟ قَالَ: يَنْوِي يَتَوَاضَعُ فِيهِ، وَيَنْفِي عَنْهُ الْجَهْلَ وَاخْتَارَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَاخْتَارَ بَعْدَهُ الْجِهَادَ، ثُمَّ بَعْدَ الْجِهَادِ إصْلَاحَ ذَاتِ الْبَيْنِ، ثُمَّ صِلَةَ الرَّحِمِ، وَالتَّكَسُّبَ عَلَى الْعِيَالِ مِنْ ذَلِكَ نَصَّ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. انْتَهَى. وَقَالَ فِي نَظْمِهِ: الصَّلَاةُ أَفْضَلُ، بَعْدَ الْعِلْمِ وَالْجِهَادِ وَالنِّكَاحِ الْمُؤَكَّدِ وَاخْتَارَ الْحَافِظُ عَبْدُ الْغَنِيِّ: أَنَّ الرِّحْلَةَ إلَى سَمَاعِ الْحَدِيثِ أَفْضَلُ مِنْ الْغَزْوِ، وَمِنْ سَائِرِ النَّوَافِلِ، وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: أَنَّ تَعَلُّمَ الْعِلْمِ وَتَعْلِيمَهُ يَدْخُلُ بَعْضُهُ فِي الْجِهَادِ، وَأَنَّهُ
نَوْعٌ مِنْ الْجِهَادِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ. قَالَ: وَالْمُتَأَخِّرُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا أَطْلَقُوا الْقَوْلَ أَنَّ أَفْضَلَ مَا يُتَطَوَّعُ بِهِ الْجِهَادُ، وَذَلِكَ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُنْشِئَهُ تَطَوُّعًا، بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ لَيْسَ بِفَرْضِ عَيْنٍ عَلَيْهِ، بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْفَرْضَ قَدْ سَقَطَ عَنْهُ فَإِذَا بَاشَرَهُ، وَقَدْ سَقَطَ عَنْهُ الْفَرْضُ فَهَلْ يَقَعُ فَرْضًا أَوْ نَفْلًا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ كَالْوَجْهَيْنِ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ إذَا أَعَادَهَا بَعْدَ أَنْ صَلَّاهَا غَيْرُهُ، وَانْبَنَى عَلَى الْوَجْهَيْنِ جَوَازُ فِعْلِهَا بَعْدَ الْعَصْرِ وَالْفَجْرِ مَرَّةً ثَانِيَةً، وَالصَّحِيحُ: أَنَّ ذَلِكَ يَقَعُ فَرْضًا، وَأَنَّهُ يَجُوزُ فِعْلُهَا بَعْدَ الْعَصْرِ وَالْفَجْرِ، وَإِنْ كَانَ ابْتِدَاءُ الدُّخُولِ فِيهِ تَطَوُّعًا. كَمَا فِي التَّطَوُّعِ الَّذِي يَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ فَإِنَّهُ كَانَ نَفْلًا، ثُمَّ يَصِيرُ إتْمَامُهُ وَاجِبًا. انْتَهَى. وَقَالَ فِي آدَابِ عُيُونِ الْمَسَائِلِ: الْعِلْمُ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ، وَأَقْرَبُ الْعُلَمَاءِ إلَى اللَّهِ، وَأَوْلَاهُمْ بِهِ: أَكْثَرُهُمْ لَهُ خَشْيَةً. انْتَهَى. وَاعْلَمْ أَنَّ الصَّلَاةَ بَعْدَ الْجِهَادِ وَالْعِلْمِ أَفْضَلُ التَّطَوُّعَاتِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: ذَكَرَهُ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَغَيْرِهِمْ، وَقِيلَ: الصَّوْمُ أَفْضَلُ مِنْ الصَّلَاةِ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: لَا يَدْخُلُهُ رِيَاءٌ قَالَ بَعْضُهُمْ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى فَضِيلَتِهِ عَلَى غَيْرِهِ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَفْضَلُ مَا يَتَعَبَّدُ بِهِ الْمُتَعَبِّدُ الصَّوْمُ، وَقِيلَ: مَا تَعَدَّى نَفْعُهُ أَفْضَلُ اخْتَارَهُ الْمَجْدُ، وَصَاحِبُ الْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَقَالَ: اخْتَارَهُ الْمَجْدُ، وَغَيْرُهُ مِنْ الْأَصْحَابِ، وَقَالَ: صَرَّحَ بِهِ الشَّيْخُ يَعْنِي بِهِ الْمُصَنِّفَ فِي كُتُبِهِ، وَحَمَلَ الْمَجْدُ كَلَامَهُ فِي الْهِدَايَةِ عَلَى هَذَا، وَكَذَا صَاحِبُ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، حَمَلَ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ عَلَى هَذَا، كَمَا تَقَدَّمَ، وَنَقَلَ الْمَرُّوذِيُّ: إذَا صَلَّى وَقَرَأَ وَاعْتَزَلَ فَلِنَفْسِهِ، وَإِذَا أَقْرَأَ فَلَهُ وَلِغَيْرِهِ، يُقْرِئُ أَعْجَبُ إلَيَّ، وَأَطْلَقَهُنَّ ابْنُ تَمِيمٍ، وَنَقَلَ حَنْبَلٌ: اتِّبَاعُ الْجِنَازَةِ أَفْضَلُ مِنْ الصَّلَاةِ،
وَفِي كَلَامِ الْقَاضِي: التَّكَسُّبُ لِلْإِحْسَانِ أَفْضَلُ مِنْ التَّعَلُّمِ؛ لِتَعَدِّيهِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ وَغَيْرِهِ: أَنَّ الطَّوَافَ أَفْضَلُ مِنْ الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَذَكَرَهُ عَنْ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ لِلْخَبَرِ، وَنَقَلَ حَنْبَلٌ أَنَّ الْإِمَامَ أَحْمَدَ قَالَ: نَرَى لِمَنْ قَدِمَ مَكَّةَ أَنْ يَطُوفَ؛ لِأَنَّهُ صَلَاةٌ، وَالطَّوَافُ أَفْضَلُ مِنْ الصَّلَاةِ، وَالصَّلَاةُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ " الطَّوَافُ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ، وَالصَّلَاةُ لِأَهْلِ مَكَّةَ " وَكَذَا عَطَاءٌ، هَذَا كَلَامُ أَحْمَدَ، وَذَكَرَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد عَنْ عَطَاءٍ، وَالْحَسَنِ، وَمُجَاهِدٍ: الصَّلَاةُ لِأَهْلِ مَكَّةَ أَفْضَلُ، وَالطَّوَافُ لِلْغُرَبَاءِ أَفْضَلُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَدَلَّ مَا سَبَقَ أَنَّ الطَّوَافَ أَفْضَلُ مِنْ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، لَا سِيَّمَا وَهُوَ عِبَادَةٌ بِمُفْرَدِهِ يُعْتَبَرُ لَهُ مَا يُعْتَبَرُ لِلصَّلَاةِ. انْتَهَى. قُلْت: وَفِي هَذَا نَظَرٌ، وَقِيلَ: الْحَجُّ أَفْضَلُ، لِأَنَّهُ جِهَادٌ، وَذَكَرَ فِي الْفُرُوعِ الْأَحَادِيثَ فِي ذَلِكَ، وَقَالَ: فَظَهَرَ أَنَّ نَفْلَ الْحَجِّ أَفْضَلُ مِنْ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ، وَمِنْ الْعِتْقِ وَمِنْ الْأُضْحِيَّةِ، وَعَلَى هَذَا إنْ مَاتَ فِي الْحَجِّ فَكَمَا لَوْ مَاتَ فِي الْجِهَادِ، يَكُونُ شَهِيدًا، وَذَكَرَ الْوَارِدَ فِي ذَلِكَ، وَقَالَ: عَلَى هَذَا فَالْمَوْتُ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ أَوْلَى بِالشَّهَادَةِ عَلَى مَا سَبَقَ، وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ: لَيْسَ يُشْبِهُ الْحَجَّ شَيْءٌ، لِلتَّعَبِ الَّذِي فِيهِ، وَلِتِلْكَ الْمَشَاعِرِ، وَفِيهِ مَشْهَدٌ لَيْسَ فِي الْإِسْلَامِ مِثْلُهُ، عَشِيَّةَ عَرَفَةَ، وَفِيهِ إهْلَالُ الْمَالِ وَالْبَدَنِ، وَإِنْ مَاتَ بِعَرَفَةَ فَقَدْ طَهُرَ مِنْ ذُنُوبِهِ، وَنَقَلَ مُهَنَّا: الْفِكْرُ أَفْضَلُ مِنْ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَقَدْ يُتَوَجَّهُ أَنَّ عَمَلَ الْقَلْبِ أَفْضَلُ مِنْ عَمَلِ الْجَوَارِحِ، وَيَكُونُ مُرَادُ الْأَصْحَابِ: عَمَلَ الْجَوَارِحِ، وَلِهَذَا ذَكَرَ فِي الْفُنُونِ رِوَايَةَ مُهَنَّا، فَقَالَ: يَعْنِي الْفِكْرَ فِي آلَاءِ اللَّهِ، وَدَلَائِلِ صُنْعِهِ، وَالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ الَّذِي يُنْتِجُ أَفْعَالَ الْخَيْرِ، وَمَا أَثْمَرَ الشَّيْءُ فَهُوَ خَيْرٌ مِنْ ثَمَرَتِهِ، وَهَذَا ظَاهِرُ الْمِنْهَاجِ، لِابْنِ الْجَوْزِيِّ فَإِنَّهُ قَالَ فِيهِ: مَنْ انْفَتَحَ لَهُ طَرِيقُ عَمَلٍ بِقَلْبِهِ بِدَوَامِ ذِكْرٍ أَوْ فِكْرٍ: فَذَلِكَ الَّذِي لَا يَعْدِلُ بِهِ النِّيَّةَ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْعَالِمَ بِاَللَّهِ وَبِصِفَاتِهِ أَفْضَلُ مِنْ الْعَالِمِ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ يَشْرُفُ بِشَرَفِ مَعْلُومِهِ وَبِثَمَرَاتِهِ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي خُطْبَةِ كِفَايَتِهِ: إنَّمَا تَشْرُفُ الْعُلُومُ بِحَسَبِ مُؤَدَّيَاتِهَا، وَلَا أَعْظَمَ مِنْ الْبَارِي فَيَكُونُ الْعِلْمُ الْمُؤَدِّي إلَى مَعْرِفَتِهِ وَمَا يَجِبُ لَهُ وَمَا يَجُوزُ: أَجَلُّ الْعُلُومِ وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: أَنَّ كُلَّ أَحَدٍ بِحَسَبِهِ، وَأَنَّ الذِّكْرَ بِالْقَلْبِ أَفْضَلُ مِنْ الْقِرَاءَةِ بِلَا قَلْبٍ، وَهُوَ مَعْنَى كَلَامِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، فَإِنَّهُ قَالَ: أَصْوَبُ الْأُمُورِ: أَنْ يَنْظُرَ إلَى مَا يُطَهِّرُ الْقَلْبَ وَيُصَفِّيهِ لِلذِّكْرِ وَالْأُنْسِ فَيُلَازِمُهُ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي الرَّدِّ عَلَى الرَّافِضِيِّ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ تَفْضِيلَ أَحْمَدَ لِلْجِهَادِ، وَالشَّافِعِيِّ لِلصَّلَاةِ، وَأَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ لِلذِّكْرِ، وَالتَّحْقِيقُ: أَنَّهُ لَا بُدَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْآخَرَيْنِ، وَقَدْ يَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ أَفْضَلَ فِي حَالٍ. انْتَهَى. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالْأَشْهَرُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ الِاعْتِنَاءُ بِالْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ وَالتَّحْرِيضُ عَلَى ذَلِكَ، وَعَجَبٌ مِمَّنْ احْتَجَّ بِالْفُضَيْلِ، وَقَالَ: لَعَلَّ الْفُضَيْلَ قَدْ اكْتَفَى، وَقَالَ لَا يُثَبِّطُ عَنْ طَلَبِ الْعِلْمِ إلَّا جَاهِلٌ، وَقَالَ: لَيْسَ قَوْمٌ خَيْرًا مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَعَابَ عَلَى مُحَدِّثٍ لَا يَتَفَقَّهُ، وَقَالَ: يُعْجِبُنِي أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ فَهِمًا فِي الْفِقْهِ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: قَالَ أَحْمَدُ: مَعْرِفَةُ الْحَدِيثِ، وَالْفِقْهِ فِيهِ أَعْجَبُ إلَيَّ مِنْ حِفْظِهِ، وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي خُطْبَةِ الْمُذْهَبِ: بِضَاعَةُ الْفِقْهِ أَرْبَحُ الْبَضَائِعِ، وَالْفُقَهَاءُ يَفْهَمُونَ مُرَادَ الشَّارِعِ، وَيَفْهَمُونَ الْحِكْمَةَ فِي كُلِّ وَاقِعٍ، وَفَتَاوِيهِمْ تُمَيِّزُ الْعَاصِيَ مِنْ الطَّائِعِ، وَقَالَ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ لَهُ: الْفِقْهُ عُمْدَةُ الْعُلُومِ، وَقَالَ فِي صَيْدِ الْخَاطِرِ: الْفِقْهُ عَلَيْهِ مَدَارُ الْعُلُومِ فَإِنْ اتَّسَعَ الزَّمَانُ لِلتَّزَيُّدِ مِنْ الْعِلْمِ فَلْيَكُنْ فِي التَّفَقُّهِ فَإِنَّهُ الْأَنْفَعُ، وَفِيهِ: الْمُهِمُّ مِنْ كُلِّ عِلْمٍ هُوَ الْمُهِمُّ.
قَوْلُهُ (وَآكَدُهَا صَلَاةُ الْكُسُوفِ وَالِاسْتِسْقَاءِ) يَعْنِي آكَدُ صَلَاةِ التَّطَوُّعِ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ، وَقِيلَ: الْوِتْرُ آكَدُ مِنْهُمَا، وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ، وَنَقَلَ حَنْبَلٌ: لَيْسَ بَعْدَ الْمَكْتُوبَةِ أَفْضَلُ مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ فَائِدَةٌ: صَلَاةُ الْكُسُوفِ آكَدُ مِنْ صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ، قَالَهُ ابْن مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ، وَقَالَ: صَرَّحَ فِي النِّهَايَةِ يَعْنِي جَدَّهُ أَبَا الْمَعَالِي بِأَنَّ التَّرَاوِيحَ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ الْكُسُوفِ. تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ قَوْلِهِ (ثُمَّ الْوِتْرُ ثُمَّ السُّنَنُ الرَّاتِبَةُ) أَنَّهُمَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ التَّرَاوِيحِ وَهُوَ كَالصَّرِيحِ عَلَى مَا يَأْتِي مِنْ كَلَامِهِ، وَهُوَ وَجْهٌ لِبَعْضِ الْأَصْحَابِ قَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ وَاخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي النَّظْمِ، وَالْوَجِيزِ وَالتَّسْهِيلِ، وَغَيْرِهِمْ وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ التَّرَاوِيحَ أَفْضَلُ مِنْ الْوِتْرِ، وَأَنَّهَا فِي الْفَضِيلَةِ مِثْلُ مَا تُسَنُّ لَهُ الْجَمَاعَةُ، مِنْ الْكُسُوفِ وَالِاسْتِسْقَاءِ وَغَيْرِهِمَا وَأَفْضَلُ مِنْهُمَا فَإِنَّهَا مِمَّا تُسَنُّ لَهَا الْجَمَاعَةُ، قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ وَجَزَمَ بِهِ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ وَغَيْرِهِ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَيْضًا: أَنَّ الْوِتْرَ أَفْضَلُ مِنْ سُنَّةِ الْفَجْرِ وَغَيْرِهَا مِنْ الرَّوَاتِبِ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ، وَعَنْهُ سُنَّةُ الْفَجْرِ آكَدُ مِنْهَا اخْتَارَهَا الْقَاضِي، لِاخْتِصَاصِهَا بِعَدَدٍ مَخْصُوصٍ، وَهُمَا وَجْهَانِ مُطْلَقَانِ فِي ابْنِ تَمِيمٍ، وَالْفَائِقِ، وَيَأْتِي: هَلْ سُنَّةُ الْفَجْرِ آكَدُ مِنْ سُنَّةِ الْمَغْرِبِ أَمْ هِيَ آكَدُ؟ قَوْلُهُ (وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ) هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَنَصَّ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ أَنَّهُ وَاجِبٌ.
اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وُجُوبَهُ عَلَى مَنْ يَتَهَجَّدُ بِاللَّيْلِ. قَوْلُهُ (وَوَقْتُهُ: مَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ وَطُلُوعِ الْفَجْرِ) هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَعَنْهُ آخِرُهُ إلَى صَلَاةِ الْفَجْرِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي فَائِدَةٌ: أَفْضَلُ وَقْتِ الْوِتْرِ: آخِرُ اللَّيْلِ لِمَنْ وَثِقَ بِنَفْسِهِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ جَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْمَجْدِ فِي شَرْحِهِ، وَغَيْرِهِمْ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرِهِمَا، وَقِيلَ: وَقْتُهُ الْمُخْتَارُ كَصَلَاةِ الْعِشَاءِ اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَقِيلَ: الْكُلُّ سَوَاءٌ. قَوْلُهُ (وَأَقَلُّهُ رَكْعَةٌ، وَأَكْثَرُهُ إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً) هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ، وَقِيلَ: أَكْثَرُهُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، ذَكَرَهُ فِي التَّبْصِرَةِ، وَقِيلَ: الْوِتْرُ رَكْعَةٌ، وَمَا قَبْلَهُ لَيْسَ مِنْهُ، نَقَلَ ابْنُ تَمِيمٍ: أَنَّ أَحْمَدَ قَالَ (أَنَا أَذْهَبُ إلَى أَنَّ الْوِتْرَ رَكْعَةٌ، وَلَكِنْ يَكُونُ قَبْلَهَا صَلَاةٌ) قَالَ فِي الْحَاوِي الْكَبِيرِ وَغَيْرِهِ: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ. تَنْبِيهٌ: مَحَلُّ الْقَوْلِ وَهُوَ أَنَّ الْوِتْرَ رَكْعَةٌ إذَا كَانَتْ مَفْصُولَةً فَأَمَّا إذَا اتَّصَلَتْ بِغَيْرِهَا، كَمَا لَوْ أَوْتَرَ بِخَمْسٍ أَوْ سَبْعٍ أَوْ تِسْعٍ، فَالْجَمِيعُ وِتْرٌ، قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ كَمَا ثَبَتَ فِي الْأَحَادِيثِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ قَالَ شَيْخُنَا الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ الْبَعْلِيُّ، تَغَمَّدَهُ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ: وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ، لَا يُصَلِّي خَمْسًا وَلَا سَبْعًا وَلَا تِسْعًا بَلْ لَا بُدَّ مِنْ الْوَاحِدَةِ مَفْصُولَةً كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، وَمَا قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ لَمْ يَذْكُرْ مَنْ قَالَهُ مِنْ أَشْيَاخِ الْمَذْهَبِ، وَإِنَّمَا قَالَ: الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ. انْتَهَى. قُلْت: قَدْ صَرَّحَ بِأَنَّ أَحْمَدَ نَصَّ عَلَيْهِ.
فَائِدَةٌ: الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ أَنْ يُوتِرَ بِرَكْعَةٍ، وَعَنْهُ يُكْرَهُ حَتَّى فِي حَقِّ الْمُسَافِرِ وَمَنْ فَاتَهُ الْوِتْرُ، وَتُسَمَّى الْبُتَيْرَاءُ، وَأَطْلَقَهُمَا الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالْفَائِقُ، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَعَنْهُ يُكْرَهُ بِلَا عُذْرٍ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا بَأْسَ بِالْوِتْرِ بِرَكْعَةٍ لِعُذْرٍ، مِنْ مَرَضٍ أَوْ سَفَرٍ وَنَحْوِهِ، وَتَقَدَّمَ حُكْمُ الْوِتْرِ عَلَى الرَّاحِلَةِ فِي أَوَّلِ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ، وَتَقَدَّمَ هَلْ يَجُوزُ فِعْلُهُ قَاعِدًا؟ فِي أَوَّلِ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ. قَوْلُهُ (وَأَكْثَرُهُ إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ) هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورِ، وَقِيلَ كَالتِّسْعِ وَجَزَمَ بِهِ أَبُو الْبَقَاءِ فِي شَرْحِهِ وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَإِنْ سَرَدَ عَشْرًا وَجَلَسَ لِلتَّشَهُّدِ، ثُمَّ أَوْتَرَ بِالْأَخِيرَةِ، وَتَحَّى وَسَلَّمَ صَحَّ نَصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: لَهُ سَرْدُ إحْدَى عَشْرَةَ فَأَقَلَّ بِتَشَهُّدٍ وَاحِدٍ وَسَلَامٍ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَلَهُ سَرْدُ الْإِحْدَى عَشْرَةَ، وَحَكَى ابْنُ عَقِيلٍ وَجْهَانِ بِأَنَّ ذَلِكَ أَفْضَلُ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ. انْتَهَى. وَقَالَ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ: إنْ صَلَّى إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً أَوْ مَا شَاءَ مِنْهُنَّ بِسَلَامٍ وَاحِدٍ أَجْزَأَهُ. قَوْلُهُ (وَإِنْ أَوْتَرَ بِتِسْعٍ: سَرَدَ ثَمَانِيًا، وَجَلَسَ، وَلَمْ يُسَلِّمْ ثُمَّ صَلَّى التَّاسِعَةَ، وَتَشَهَّدَ وَسَلَّمَ) وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِ وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالْفُرُوعِ، وَابْنِ تَمِيمٍ، وَغَيْرِهِمْ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، وَقِيلَ: كَإِحْدَى عَشْرَةَ فَيُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ السَّبْعُ) هَذَا أَحَدُ الْوُجُوهِ اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ هُنَا وَجَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي وَقَدَّمَهُ فِي الشَّرْحِ،
وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يَسْرُدُ السَّبْعَ كَالْخَمْسِ نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَغَيْرِهِمْ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَابْنِ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَغَيْرِهِمْ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، وَقِيلَ: كَإِحْدَى عَشْرَةَ. قَوْلُهُ (وَإِنْ أَوْتَرَ بِخَمْسٍ لَمْ يَجْلِسْ إلَّا فِي آخِرِهِنَّ) وَهُوَ الْمَذْهَبُ نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَغَيْرِهِمْ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَابْنِ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَغَيْرِهِمْ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، وَقِيلَ: كَتِسْعٍ، وَقِيلَ: كَإِحْدَى عَشْرَةَ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ: إنْ أَوْتَرَ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ، فَهَلْ يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ؟ قَالَ: وَهَذَا أَصَحُّ أَوْ يَجْلِسُ عَقِيبَ الشَّفْعِ، وَيَتَشَهَّدُ ثُمَّ يَجْلِسُ عَقِيبَ الْوِتْرِ، وَيُسَلِّمُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ. انْتَهَى. وَهَذِهِ الصِّفَاتُ مِنْ مُفْرَدَاتِ الْمَذْهَبِ. فَائِدَةٌ: ذَكَرَ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ: أَنَّ هَذِهِ الصِّفَاتِ الْوَارِدَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّمَا هِيَ عَلَى صِفَاتِ الْجَوَازِ، وَإِنْ كَانَ الْأَفْضَلُ غَيْرَهُ، وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى جَوَازِ هَذَا فَمَحَلُّ نُصُوصِ أَحْمَدَ عَلَى الْجَوَازِ. قُلْت: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْمُذْهَبِ فَإِنَّهُ قَالَ: وَيَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ الْوِتْرَ بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ، وَيَحْتَمِلُهُ كَلَامُهُ فِي الْوَجِيزِ فَإِنَّهُ قَالَ: وَلَهُ سَرْدُ خَمْسٍ أَوْ سَبْعٍ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ: وَيَجُوزُ بِخَمْسٍ، وَسَبْعٍ، وَتِسْعٍ بِسَلَامٍ وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ فِعْلَ هَذِهِ الصِّفَاتِ مُسْتَحَبٌّ، وَأَنَّهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهِ مَثْنَى قَدَّمَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَمَجْمَعُ الْبَحْرَيْنِ، وَقَالُوا: نَصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ فَإِنَّهُ حَكَى وَجْهًا أَنَّ الْوِتْرَ بِخَمْسٍ أَوْ سَبْعٍ كَإِحْدَى عَشْرَةَ قُلْت: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ، لِاقْتِصَارِهِمْ عَلَى هَذِهِ الصِّفَاتِ، وَتَقَدَّمَ كَلَامُ ابْنِ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ،
قَوْلُهُ (وَأَدْنَى الْكَمَالِ ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ بِتَسْلِيمَتَيْنِ) أَيْ بِسَلَامَيْنِ، وَهَذَا بِلَا خِلَافٍ أَعْلَمُهُ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: أَنَّهُ يَجُوزُ بِتَسْلِيمٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: وَإِنْ أَوْتَرَ بِثَلَاثٍ لَمْ يُسَلِّمْ فِيهِنَّ لَمْ يَضِقْ عَلَيْهِ عِنْدِي قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَبِتَسْلِيمَةٍ يَجُوزُ وَجَزَمَ بِهِ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَقَالَ: نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ، وَصَاحِبُ الْفَائِقِ: وَبِوَاحِدَةٍ لَا بَأْسَ. قَالَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَغَيْرِهِمْ: بِسَلَامَيْنِ، أَوْ سَرْدًا بِسَلَامٍ، وَظَاهِرُ مَا قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ: إذَا قُلْنَا بِسَلَامٍ وَاحِدٍ: أَنَّهَا تَكُونُ سَرْدًا قَالَ الْقَاضِي فِي شَرْحِهِ الصَّغِيرِ: إذَا صَلَّى الثَّلَاثَ بِسَلَامٍ وَاحِدٍ، وَلَمْ يَكُنْ جَلَسَ عَقِيبَ الثَّانِيَةِ جَازَ، وَإِنْ كَانَ جَلَسَ فَوَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا: لَا يَكُونُ وِتْرًا. انْتَهَى. وَقِيلَ: يَفْعَلُ الثَّلَاثَ كَالْمَغْرِبِ قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: وَإِنْ صَلَّى ثَلَاثًا بِسَلَامٍ وَاحِدٍ جَازَ، وَيَجْلِسُ عَقِيبَ الثَّانِيَةِ كَصَلَاةِ الْمَغْرِبِ، وَخَيَّرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ بَيْنَ الْفَصْلِ وَالْوَصْلِ. تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ قَوْلِهِ (وَيَقْنُتُ فِيهَا) أَنَّهُ يَقْنُتُ فِي جَمِيعِ السَّنَةِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَعَنْهُ لَا يَقْنُتُ إلَّا فِي نِصْفِ رَمَضَانَ الْأَخِيرِ نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ، وَهُوَ وَجْهٌ فِي مُخْتَصَرِ ابْنِ تَمِيمٍ وَغَيْرِهِ وَاخْتَارَهُ الْأَثْرَمُ، وَنَقَلَ صَالِحٌ: أَخْتَارُ الْقُنُوتَ فِي النِّصْفِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ، وَإِنْ قَنَتَ فِي السَّنَةِ كُلِّهَا فَلَا بَأْسَ قَالَ فِي الْحَاوِي، وَالرِّعَايَةِ: رَجَعَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ تَرْكِ الْقُنُوتِ فِي غَيْرِ النِّصْفِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ قَالَ الْقَاضِي: عِنْدِي أَنَّ أَحْمَدَ رَجَعَ عَنْ الْقَوْلِ بِأَنْ لَا يَقْنُتَ فِي الْوِتْرِ إلَّا فِي النِّصْفِ الْأَخِيرِ؛ لِأَنَّهُ صَرَّحَ فِي رِوَايَةِ خَطَّابٍ، فَقَالَ: كُنْت أَذْهَبُ إلَيْهِ ثُمَّ رَأَيْت السَّنَةَ كُلَّهَا، وَخَيَّرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي دُعَاءِ الْقُنُوتِ بَيْنِ فِعْلِهِ وَتَرْكِهِ، وَأَنَّهُ إنْ صَلَّى بِهِمْ قِيَامَ رَمَضَانَ، فَإِنْ قَنَتَ جَمِيعَ الشَّهْرِ، أَوْ نِصْفَهُ الْأَخِيرَ، أَوْ لَمْ يَقْنُتْ بِحَالٍ فَقَدْ أَحْسَنَ.
قَوْلُهُ (بَعْدَ الرُّكُوعِ) يَعْنِي عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِحْبَابِ فَلَوْ كَبَّرَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ ثُمَّ قَنَتَ قَبْلَ الرُّكُوعِ جَازَ، وَلَمْ يُسَنَّ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَعَنْهُ يُسَنُّ ذَلِكَ، وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، تَنْبِيهٌ: قَوْلِي (فَلَوْ كَبَّرَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ ثُمَّ قَنَتَ قَبْلَ الرُّكُوعِ جَازَ، وَلَمْ يُسَنَّ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَعَنْهُ يُسَنُّ ذَلِكَ) هَكَذَا، قَالَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَصَاحِبُ الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَقَالَ: نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَالَ كَثِيرٌ مِنْ الْأَصْحَابِ: وَإِنْ قَنَتَ قَبْلَ الرُّكُوعِ جَازَ. قَوْلُهُ (فَيَقُولُ: اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتَعِينُك إلَى قَوْلِهِ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْت عَلَى نَفْسِك) اعْلَمْ أَنَّ الصَّحِيحَ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يَدْعُو فِي الْقُنُوتِ بِذَلِكَ كُلِّهِ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: يَدْعُو بِدُعَاءِ عُمَرَ " اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتَعِينُك إلَخْ " وَبِدُعَاءِ الْحَسَنِ " اللَّهُمَّ اهْدِنَا فِيمَنْ هَدَيْت إلَخْ " وَقَالَ فِي التَّلْخِيصِ: وَيَقُولُ بَعْدَ قَوْلِهِ " إنَّ عَذَابَك الْجِدَّ بِالْكُفَّارِ مُلْحَقٌ " " وَنَخْلَعُ وَنَتْرُكُ مَنْ يَفْجُرُكَ " وَقَالَ فِي النَّصِيحَةِ: وَيَدْعُو مَعَهُ بِمَا فِي الْقُرْآنِ، وَنَقَلَ أَبُو الْحَارِثِ: بِمَا شَاءَ اخْتَارَهُ بَعْضُ الْأَصْحَابِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ فِي التَّنْبِيهِ: لَيْسَ فِي الدُّعَاءِ شَيْءٌ مُؤَقَّتٌ، وَمَهْمَا دَعَا بِهِ جَازَ، وَاقْتَصَرَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ عَلَى دُعَاءِ (اللَّهُمَّ اهْدِنَا فِيمَنْ هَدَيْت) قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَعَلَّ الْمُرَادَ يُسْتَحَبُّ هَذَا وَإِنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ، وَقَالَ فِي الْفُصُولِ: اخْتَارَهُ أَحْمَدُ، وَنَقَلَ الْمَرُّوذِيُّ: يُسْتَحَبُّ بِالسُّورَتَيْنِ. فَوَائِدُ. الْأُولَى: يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ الدُّعَاءِ نَصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَقَالَ فِي التَّبْصِرَةِ: يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى آلِهِ، وَزَادَ
{وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ} [الإسراء: 111] الْآيَةَ قَالَ فِي الْفُرُوعِ فَيَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ قَوْلُهَا قُبَيْلَ الْأَذَانِ، وَفِي نِهَايَةِ أَبِي الْمَعَالِي: يُكْرَهُ قَالَ فِي الْفُصُولِ: لَا يُوصَلُ الْأَذَانُ بِذِكْرٍ قَبْلَهُ، خِلَافَ مَا عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْعَوَامّ الْيَوْمَ، وَلَيْسَ مَوْطِنَ قُرْآنٍ، وَلَمْ يُحْفَظْ عَنْ السَّلَفِ فَهُوَ مُحْدَثٌ. انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: مَحَلُّ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَوَّلُ الدُّعَاءِ، وَوَسَطُهُ وَآخِرُهُ. الثَّانِيَةُ: يُفْرِدُ الْمُنْفَرِدُ الضَّمِيرَ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعِنْدَ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ لَا يُفْرِدُهُ بَلْ يَجْمَعُهُ؛ لِأَنَّهُ يَدْعُو لِنَفْسِهِ وَلِلْمُسْلِمِينَ. الثَّالِثَةُ: يُؤَمِّنُ الْمَأْمُومُ وَلَا يَقْنُتُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ يَقْنُتُ، قَدَّمَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَعَنْهُ يَقْنُتُ فِي الثَّنَاءِ جَزَمَ بِهِ فِي الْخُلَاصَةِ، وَعَنْهُ يُخَيَّرُ بَيْنَ الْقُنُوتِ وَعَدَمِهِ، وَعَنْهُ إنْ لَمْ يَسْمَعْ الْإِمَامُ دَعَا وَجَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالشَّرْحُ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الْكَبِيرُ، وَحَيْثُ قُلْنَا يَقْنُتُ: فَإِنَّهُ لَا يَجْهَرُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: يَجْهَرُ بِهَا الْإِمَامُ قَالَ فِي النُّكَتِ: ثُمَّ الْخِلَافُ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ قِيلَ: فِي الْأَفْضَلِيَّةِ، وَقِيلَ بَلْ فِي الْكَرَاهَةِ. الرَّابِعَةُ: يَجْهَرُ الْمُنْفَرِدُ بِالْقُنُوتِ كَالْإِمَامِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ مِنْ الْأَصْحَابِ: لَا يَجْهَرُ إلَّا الْإِمَامُ فَقَطْ، وَقَالَ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ أَظْهَرُ. الْخَامِسَةُ: يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي الْقُنُوتِ إلَى صَدْرِهِ وَيَبْسُطُهُمَا، وَتَكُونُ بُطُونُهُمَا نَحْوَ السَّمَاءِ نَصَّ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ (وَهَلْ يَمْسَحُ وَجْهَهُ بِيَدَيْهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْهَادِي، وَالتَّلْخِيصِ، وَابْنِ تَمِيمٍ، وَالنَّظْمِ، وَالْمَذْهَبِ الْأَحْمَدِ،
إحْدَاهُمَا: يَمْسَحُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ فَعَلَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَصَاحِبُ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: هَذَا أَقْوَى الرِّوَايَتَيْنِ قَالَ فِي الْكَافِي: هَذَا أَوْلَى وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ وَصَحَّحَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَصَاحِبُ التَّصْحِيحِ، وَغَيْرُهُمْ وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْكَافِي، وَالْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ وَغَيْرِهِمْ، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَا يَمْسَحُ قَالَ الْقَاضِي: نَقَلَهَا الْجَمَاعَةُ وَاخْتَارَهَا الْآجُرِّيُّ، فَعَلَيْهَا رُوِيَ عَنْهُ: لَا بَأْسَ، وَعَنْهُ يُكْرَهُ الْمَسْحُ صَحَّحَهَا فِي الْوَسِيلَةِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَقَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَادِرِ فِي الْغُنْيَةِ: يَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَالْأُخْرَى يَضَعُهُمَا عَلَى صَدْرِهِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ. فَوَائِدُ. الْأُولَى: يَمْسَحُ وَجْهَهُ بِيَدَيْهِ خَارِجَ الصَّلَاةِ إذَا دَعَا، عِنْدَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، ذَكَرَهُ الْآجُرِّيُّ وَغَيْرُهُ، وَنَقَلَ ابْنُ هَانِئٍ عَنْ أَحْمَدَ رَفْعَ يَدَيْهِ، وَلَمْ يَمْسَحْ، وَذَكَرَ أَبُو حَفْصٍ أَنَّهُ رَخَّصَ فِيهِ. الثَّانِيَةُ: إذَا أَرَادَ أَنْ يَسْجُدَ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الْقُنُوتِ رَفَعَ يَدَيْهِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَنَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مَقْصُودٌ فِي الْقِيَامِ فَهُوَ كَالْقِرَاءَةِ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ قَالَ فِي النُّكَتِ: قَطَعَ بِهِ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ، وَكَانَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَفْعَلُهُ وَقَطَعَ بِهِ فِي التَّلْخِيصِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالْفَائِقُ وَغَيْرُهُمْ. قُلْت: فَيُعَايَى بِهَا، وَقِيلَ: لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ أَظْهَرُ، وَقَالَ فِي التَّلْخِيصِ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ فِي الرُّكْنِ السَّابِعِ وَهَلْ يَرْفَعُهُمَا لِرَفْعِ الرُّكُوعِ، أَوْ لِيَمْسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ؟
عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَكَذَا الْحُكْمُ إذَا سَجَدَ لِلتِّلَاوَةِ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ، عَلَى مَا يَأْتِي قَرِيبًا فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ. الثَّالِثَةُ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ إذَا سَلَّمَ (سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ ثَلَاثًا) وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ فِي الثَّالِثَةِ، زَادَ ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ (رَبِّ الْمَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ) . قَوْلُهُ (وَلَا يَقْنُتُ فِي غَيْرِ الْوِتْرِ) الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يُكْرَهُ الْقُنُوتُ فِي الْفَجْرِ كَغَيْرِهَا، وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، وَقَالَ فِي الْوَجِيزِ: لَا يَجُوزُ الْقُنُوتُ فِي الْفَجْرِ. قُلْت: النَّصُّ الْوَارِدُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ (لَا يَقْنُتُ فِي الْفَجْرِ) مُحْتَمِلُ الْكَرَاهَةِ وَالتَّحْرِيمِ، وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدَ أَيْضًا (لَا يُعْجِبُنِي) وَفِي هَذَا اللَّفْظِ لِلْأَصْحَابِ وَجْهَانِ، عَلَى مَا يَأْتِي مُحَرَّرًا آخِرَ الْكِتَابِ فِي الْقَاعِدَةِ، وَقَالَ أَيْضًا (لَا أُعَنِّفُ مَنْ يَقْنُتُ) وَعَنْهُ الرُّخْصَةُ فِي الْفَجْرِ، وَلَمْ يَذْهَبْ إلَيْهِ، قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَالْحَاوِي، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَقِيلَ: هُوَ بِدْعَةٌ قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: الْقُنُوتُ فِي غَيْرِ الْوِتْرِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ بِدْعَةٌ. فَائِدَةٌ: لَوْ ائْتَمَّ بِمَنْ يَقْنُتُ فِي الْفَجْرِ تَابَعَهُ، فَأَمَّنَ أَوْ دَعَا جَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ وَجَزَمَ فِي الْفُصُولِ بِالْمُتَابَعَةِ، وَقَالَ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ، فِي رُءُوسِ الْمَسَائِلِ: تَابَعَهُ فِي الدُّعَاءِ قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: أَمَّنَ عَلَى دُعَائِهِ، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: تَبِعَهُ فَأَمَّنَ وَدَعَا، وَقِيلَ: أَوْ قَنَتَ، وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَفِي سُكُوتِ مُؤْتَمٍّ وَمُتَابَعَتِهِ كَالْوِتْرِ رِوَايَتَانِ، وَفِي فَتَاوَى ابْنِ الزَّاغُونِيِّ: يُسْتَحَبُّ عِنْدَ أَحْمَدَ مُتَابَعَتُهُ فِي الدُّعَاءِ الَّذِي رَوَاهُ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ فَإِنْ زَادَ كُرِهَ مُتَابَعَتُهُ، وَإِنْ فَارَقَهُ إلَى تَمَامِ الصَّلَاةِ كَانَ أَوْلَى، وَإِنْ صَبَرَ وَتَابَعَهُ جَازَ، وَعَنْهُ لَا يُتَابِعُهُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحُسَيْنِ: وَهِيَ الصَّحِيحَةُ عِنْدِي. قَوْلُهُ (إلَّا أَنْ يَنْزِلَ بِالْمُسْلِمِينَ نَازِلَةٌ، فَلِلْإِمَامِ خَاصَّةً الْقُنُوتُ) هَذَا الْمَذْهَبُ قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَالْفَائِقِ،
وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ، وَعَنْهُ وَيَقْنُتُ نَائِبُهُ أَيْضًا جَزَمَ بِهِ فِي الْمُذْهَبِ وَالْمُحَرَّرِ، وَالْمُنَوِّرِ وَقَدَّمَهُ فِي الْحَاوِي الْكَبِيرِ وَاخْتَارَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَيَخْتَصُّ الْقُنُوتُ بِالْإِمَامِ الْأَعْظَمِ وَبِأَمِيرِ الْجَيْشِ لَا بِكُلِّ إمَامٍ، عَلَى الْمَشْهُورِ، وَعَنْهُ يَقْنُتُ نَائِبُهُ بِإِذْنِهِ اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَأَبُو الْحُسَيْنِ، وَعَنْهُ يَقْنُتُ إمَامُ جَمَاعَةٍ، وَعَنْهُ وَكُلُّ مُصَلٍّ اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ قَالَ فِي الْمُحَرَّرِ: وَهَلْ يُشْرَعُ لِسَائِرِ النَّاسِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ قَوْلُهُ (فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ) هَذَا إحْدَى الرِّوَايَاتِ اخْتَارَهَا الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ وَجَزَمَ بِهِ فِي التَّسْهِيلِ وَقَدَّمَهُ فِي الْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَمَالَ إلَيْهِ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَعَنْهُ يَقْنُتُ فِي الْفَجْرِ، وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، فِي صَلَاةِ الْجَهْرِ، وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الْمُقْنِعِ: وَلِلْإِمَامِ خَاصَّةً الْقُنُوتُ فِي صَلَاةِ الْجَهْرِ قَالَ فِي الْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَقَالَ صَاحِبُ الْمُغْنِي: يَقْنُتُ فِي الْجَهْرِيَّاتِ فَقَطْ، وَلَعَلَّهُ أَخَذَهُ مِنْ الْمُقْنِعِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنْتَخَبِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَعَنْهُ يَقْنُتُ فِي الْفَجْرِ وَالْمَغْرِبِ فَقَطْ اخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ قَالَ فِي الْمُغْنِي: وَلَا يَصِحُّ هَذَا وَلَا الَّذِي قَبْلَهُ، وَقَالَ فِي الْمُذْهَبِ: يَقْنُتُ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ فِي النَّوَازِلِ، رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَهَلْ يَقْنُتُ مَعَ الصُّبْحِ فِي الْمَغْرِبِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. انْتَهَى. وَعَنْهُ يَقْنُتُ فِي جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ خَلَا الْجُمُعَةِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ نَصَّ عَلَيْهِ اخْتَارَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَالْفَائِقِ، وَقِيلَ: يَقْنُتُ فِي الْجُمُعَةِ أَيْضًا اخْتَارَهُ الْقَاضِي، لَكِنَّ الْمَنْصُوصَ خِلَافُهُ. تَنْبِيهٌ: قَدْ يُقَالُ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ: أَنَّهُ يَقْنُتُ لِرَفْعِ الْوَبَاءِ؛ لِأَنَّهُ شَبِيهٌ بِالنَّازِلَةِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقَالَ: وَيَتَوَجَّهُ أَنَّهُ لَا يَقْنُتُ لِرَفْعِهِ فِي الْأَظْهَرِ
؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ الْقُنُوتُ فِي طَاعُونِ عَمَوَاسَ وَلَا فِي غَيْرِهِ، وَلِأَنَّهُ شَهَادَةٌ لِلْأَخْيَارِ، فَلَا يُسْأَلُ رَفْعُهُ. انْتَهَى. فَائِدَةٌ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالْقُنُوتِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَمُرَادُهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ فِي صَلَاةٍ جَهْرِيَّةٍ، وَظَاهِرُهُ وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ: مُطْلَقًا. قَوْلُهُ (ثُمَّ السُّنَنُ الرَّاتِبَةُ، وَهِيَ عَشْرُ رَكَعَاتٍ) هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي مَوْضِعٍ: أَنَّ السُّنَنَ الرَّاتِبَةَ ثَمَانٍ قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: فَلَمْ يَذْكُرْ قَبْلَ الظُّهْرِ شَيْئًا، وَقَالَ فِي التَّلْخِيصِ: الرَّوَاتِبُ إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً فَعَدَّ رَكْعَةَ الْوِتْرِ، وَذَكَرَهُ كَثِيرٌ مِنْ الْأَصْحَابِ. قُلْت: وَهُوَ مُرَادُ مَنْ لَمْ يَذْكُرْهُ، لَكِنْ لَهُ أَحْكَامٌ كَثِيرَةٌ فَأَفْرَدَهُ قَوْلُهُ (رَكْعَتَانِ قَبْلَ الظُّهْرِ) هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَعِنْدَ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ: أَرْبَعٌ قَبْلَهَا، وَهُوَ قَوْلٌ فِي الرِّعَايَةِ، وَقِيلَ: بِسَلَامٍ أَوْ سَلَامَيْنِ، وَحَكَى: لَا سُنَّةَ قَبْلَهَا، وَحَكَى سِتٌّ قَبْلَهَا قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَجَعَلَ الْقَاضِي قَبْلَ الظُّهْرِ سِتًّا، وَتَقَدَّمَ كَلَامُهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَيَأْتِي فِي بَابِ الْجُمُعَةِ سُنَّةُ الْجُمُعَةِ قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا قَوْلُهُ (وَرَكْعَتَانِ قَبْلَ الْفَجْرِ، وَهُمَا آكَدُهَا) هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: وَجْهًا وَاحِدًا، وَحَكَى أَنَّ سُنَّةَ الْمَغْرِبِ آكَدُ، وَحَكَاهُ فِي الرِّعَايَةِ وَغَيْرِهَا قَوْلًا. فَوَائِدُ. يُسْتَحَبُّ تَخْفِيفُ سُنَّةِ الْفَجْرِ، وَقِرَاءَتُهُ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ فِي الْأُولَى {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} [الكافرون: 1] وَفِي الثَّانِيَةِ بَعْدَهَا {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1] وَفِي الْأُولَى بَعْدَهَا {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ} [البقرة: 136] الْآيَةَ وَفِي الثَّانِيَةِ {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا} [آل عمران: 64] الْآيَةَ وَيَجُوزُ فِعْلُهَا رَاكِبًا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ.
وَقَالَ الْقَاضِي فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ: تَوَقَّفَ أَحْمَدُ فِي مَوْضِعٍ فِي سُنَّةِ الْفَجْرِ رَاكِبًا فَنَقَلَ أَبُو الْحَارِثِ: مَا سَمِعْت فِيهِ شَيْئًا مَا أَجْتَرِئُ عَلَيْهِ، وَسَأَلَهُ صَالِحٌ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: قَدْ أَوْتَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى بَعِيرِهِ، وَرَكْعَتَا الْفَجْرِ مَا سَمِعْت فِيهِمَا بِشَيْءٍ، وَلَا أَجْتَرِئُ عَلَيْهِ، وَعَلَّلَهُ الْقَاضِي بِأَنَّ الْقِيَاسَ مَنْعُ فِعْلِ السُّنَنِ رَاكِبًا، تَبَعًا لِلْفَرَائِضِ. خُولِفَ فِي الْوِتْرِ لِلْخَبَرِ فَبَقِيَ غَيْرُهُ عَلَى الْأَصْلِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ كَذَا قَالَ فَقَدْ مَنَعَ يَعْنِي الْقَاضِي غَيْرَ الْوِتْرِ مِنْ السُّنَنِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي مُسْلِمٍ «غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي عَلَيْهَا الْمَكْتُوبَةَ» وَلِلْبُخَارِيِّ «إلَّا الْفَرَائِضَ» . انْتَهَى. وَيُسْتَحَبُّ الِاضْطِجَاعُ بَعْدَهَا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ نَصَّ عَلَيْهِ، وَيَكُونُ عَلَى الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ، وَعَنْهُ لَا يُسْتَحَبُّ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفَائِقِ، وَنَقَلَ صَالِحٌ، وَابْنُ مَنْصُورٍ، وَأَبُو طَالِبٍ وَمُهَنَّا: كَرَاهَةَ الْكَلَامِ بَعْدَهَا، وَقَالَ الْمَيْمُونِيُّ: كُنَّا نَتَنَاظَرُ فِي الْمَسَائِلِ، أَنَا وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ، قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ، وَنَقَلَ صَالِحٌ: أَنَّهُ أَجَازَ فِي قَضَاءِ الْحَاجَةِ، لَا الْكَلَامِ الْكَثِيرِ، وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيُتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ بِعَدَمِ الْكَرَاهَةِ. قَوْلُهُ (وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: وَأَرْبَعٌ قَبْلَ الْعَصْرِ) وَاخْتَارَهُ الْآجُرِّيُّ، وَقَالَ: اخْتَارَهُ أَحْمَدُ قَالَ فِي الْفَائِقِ وَغَيْرِهِ: بِسَلَامٍ أَوْ سَلَامَيْنِ، وَقَالَ فِي الْمُذْهَبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ: بِسَلَامَيْنِ، وَذَكَرَ ابْنُ رَجَبٍ فِي الطَّبَقَاتِ: أَنَّ أَبَا الْخَطَّابِ انْفَرَدَ بِهَذَا الْقَوْلِ، وَأَطْلَقَ فِي الْمُحَرَّرِ فِيهَا وَجْهَيْنِ فَائِدَةٌ: فِعْلُ الرَّوَاتِبِ فِي الْبَيْتِ أَفْضَلُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَنْهُ الْفَجْرُ وَالْمَغْرِبُ فَقَطْ جَزَمَ بِهِ فِي الْعُمْدَةِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفَائِقِ، وَقَالَ فِي الْمُغْنِي: الْفَجْرُ وَالْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ، وَعَنْهُ التَّسْوِيَةُ، وَعَنْهُ لَا تَسْقُطُ سُنَّةُ الْمَغْرِبِ بِصَلَاتِهَا فِي الْمَسْجِدِ.
ذَكَرَهُ الْبَرْمَكِيُّ، نَقَلَهُ عَنْهُ فِي الْفَائِقِ، وَفِي آدَابِ عُيُونِ الْمَسَائِلِ: صَلَاةُ النَّوَافِلِ فِي الْبُيُوتِ أَفْضَلُ مِنْهَا فِي الْمَسَاجِدِ إلَّا الرَّوَاتِبَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ لِأَبِيهِ: إنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ فِي سُنَّةِ الْمَغْرِبِ: لَا تُجْزِيهِ إلَّا فِي بَيْتِهِ؛ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ قَالَ " هِيَ مِنْ صَلَاةِ الْبُيُوتِ " قَالَ: مَا أَحْسَنَ مَا قَالَ. قَوْلُهُ (وَمَنْ فَاتَهُ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ السُّنَنِ سُنَّ لَهُ قَضَاؤُهَا) هَذَا الْمَذْهَبُ وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الْأَصْحَابِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ، وَابْنِ تَمِيمٍ، وَالْفَائِقِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: سُنَّ عَلَى الْأَصَحِّ وَنَصَرَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْهِدَايَةِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَغَيْرِهِمْ وَقَدَّمَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَغَيْرِهِ، وَعَنْهُ لَا يُسْتَحَبُّ قَضَاؤُهَا، وَعَنْهُ يَقْضِي سُنَّةَ الْفَجْرِ إلَى الضُّحَى وَقِيلَ: لَا يَقْضِي إلَّا سُنَّةَ الْفَجْرِ إلَى وَقْتِ الضُّحَى وَرَكْعَتَيْ الظُّهْرِ، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ، وَقِيلَ: يَأْثَمُ تَارِكُهُنَّ مِرَارًا وَيُرَدُّ قَوْلُهُ قَالَ أَحْمَدُ: مَنْ تَرَكَ الْوِتْرَ فَهُوَ رَجُلُ سُوءٍ، وَأَمَّا قَضَاءُ الْوِتْرِ: فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يُقْضَى، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ مِنْهُمْ: الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَصَاحِبُ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِمْ، وَهُوَ دَاخِلٌ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ السُّنَنِ فَعَلَى هَذَا: يُقْضَى مَعَ شَفْعِهِ عَلَى الصَّحِيحِ صَحَّحَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ مَنْ يَقُولُ: إنَّ الْوِتْرَ الْمَجْمُوعُ، وَعَنْهُ يَقْضِيهِ مُنْفَرِدًا وَحْدَهُ قَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ [وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ] وَعَنْهُ لَا يُقْضَى اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَعَنْهُ لَا يُقْضَى بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يُقْضَى مَا لَمْ تَطْلُعْ الشَّمْسُ، وَتَقَدَّمَ حُكْمُ قَضَاءِ رَوَاتِبِ الْفَرَائِضِ الْفَائِتَةِ فِي آخِرِ شُرُوطِ الصَّلَاةِ، عِنْدَ قَوْلِهِ " وَمَنْ فَاتَتْهُ صَلَوَاتٌ لَزِمَهُ قَضَاؤُهَا " مَعَ أَنَّهَا دَاخِلَةٌ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا.
فَوَائِدُ إحْدَاهُمَا: يُكْرَهُ تَرْكُ السُّنَنِ الرَّوَاتِبِ، وَمَتَى دَاوَمَ عَلَى تَرْكِهَا سَقَطَتْ عَدَالَتُهُ، قَالَهُ ابْنُ تَمِيمٍ قَالَ الْقَاضِي: وَيَأْثَمُ، وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ: أَنَّ الْإِدْمَانَ عَلَى تَرْكِ السُّنَنِ الرَّوَاتِبِ غَيْرُ جَائِزٍ، وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَا إثْمَ بِتَرْكِ سُنَّةٍ، عَلَى مَا يَأْتِي فِي الْعَدَالَةِ، وَقَالَ عَنْ كَلَامِ الْقَاضِي: مُرَادُهُ إذَا كَانَ سَبَبًا لِتَرْكِ فَرْضٍ، وَيَأْتِي مَزِيدُ بَيَانٍ عَلَى ذَلِكَ فِي بَابِ شُرُوطِ مَنْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ. الثَّانِيَةُ: تُجْزِئُ السُّنَّةُ عَنْ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ وَلَا عَكْسَ. الثَّالِثَةُ: يُسْتَحَبُّ الْفَصْلُ بَيْنَ الْفَرْضِ وَسُنَّتِهِ بِقِيَامٍ أَوْ كَلَامٍ. الرَّابِعَةُ: لِلزَّوْجَةِ وَالْأَجِيرِ وَالْوَلَدِ وَالْعَبْدِ فِعْلُ السُّنَنِ الرَّوَاتِبِ مَعَ الْفَرْضِ، وَلَا يَجُوزُ مَنْعُهُمْ. الْخَامِسَةُ: لَوْ صَلَّى سُنَّةَ الْفَجْرِ بَعْدَ الْفَرْضِ، وَقَبْلَ خُرُوجِ وَقْتِهَا، أَوْ سُنَّةَ الظُّهْرِ الَّتِي قَبْلَهَا بَعْدَهَا، وَقَبْلَ خُرُوجِ وَقْتِهَا: كَانَتْ قَضَاءً، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، وَقِيلَ: أَدَاءً [أَوْ صَلَّى] بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ قَضَاءً بِلَا نِزَاعٍ فَعَلَى كِلَا الْوَجْهَيْنِ قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: قَضَى بَعْدَهَا وَبَدَأَ بِهَا قَالَ شَيْخُنَا الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ بْنُ قُنْدُسٍ الْبَعْلِيُّ: وَلَمْ أَجِدْ مَنْ صَرَّحَ بِهَذَا غَيْرَهُ، وَقَدْ قَالَ فِي الْمُنْتَقَى: بَابُ مَا جَاءَ فِي قَضَاءِ سُنَّتَيْ الظُّهْرِ، عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَتْ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا فَاتَتْهُ الْأَرْبَعُ قَبْلَ الظُّهْرِ صَلَّاهُنَّ بَعْدَ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ فَهَذَا مُخَالِفٌ لَمَا، قَالَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، قُلْت: الْحَكَمُ كَمَا، قَالَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَقَالَا: بَدَأَ بِهَا عِنْدَنَا، وَنَصَرَاهُ عَلَى دَلِيلِ الْمُخَالِفِ. وَقَاسَاهُ عَلَى الْمَكْتُوبَةِ وَالظَّاهِرُ: أَنَّهُ قَوْلُ جَمِيعِ الْأَصْحَابِ لِقَوْلِهِمَا " عِنْدَنَا ".
السَّادِسَةُ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يُصَلِّيَ غَيْرَ الرَّوَاتِبِ: أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ، وَأَرْبَعًا بَعْدَهَا، وَأَرْبَعًا قَبْلَ الْعَصْرِ، وَأَرْبَعًا بَعْدَ الْمَغْرِبِ، وَقَالَ الْمُصَنِّفُ: سِتًّا، وَقِيلَ: أَوْ أَكْثَرَ، وَأَرْبَعٌ بَعْدَ الْعِشَاءِ، وَأَمَّا الرَّكْعَتَانِ بَعْدَ الْوِتْرِ جَالِسًا، فَقِيلَ: هُمَا سُنَّةٌ قَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَصَاحِبُ الْفَائِقِ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، وَعَدَّهُمَا الْآمِدِيُّ مِنْ السُّنَنِ الرَّوَاتِبِ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَهُوَ غَرِيبٌ قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: عَدَّهُمَا بَعْضُ الْأَصْحَابِ مِنْ السُّنَنِ الرَّوَاتِبِ وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُمَا لَيْسَتَا بِسُنَّةٍ، وَلَا يُكْرَهُ فِعْلُهُمَا نَصَّ عَلَيْهِ اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ، وَحَوَاشِي ابْنِ مُفْلِحٍ، وَقَالَ: قَدَّمَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ، وَإِلَيْهِ مَيْلُ الْمَجْدِ فِي شَرْحِهِ وَقَالَ فِي الْهَدْي: هُمَا سُنَّةُ الْوِتْرِ، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ أَذَانِ الْمَغْرِبِ فِي بَابِ الْأَذَانِ. قَوْلُهُ (ثُمَّ التَّرَاوِيحُ) يَعْنِي أَنَّهَا سُنَّةٌ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ وَقَطَعَ بِهِ أَكْثَرُهُمْ، وَقِيلَ: بِوُجُوبِهَا. حَكَاهُ ابْنُ عَقِيلٍ عَنْ أَبِي بَكْرٍ. تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ قَوْلِهِ (ثُمَّ التَّرَاوِيحُ) أَنَّ الْوِتْرَ وَالسُّنَنَ الرَّوَاتِبَ أَفْضَلُ مِنْهَا، وَهُوَ وَجْهٌ اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ وَجَمَاعَةٌ وَقَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ التَّرَاوِيحَ أَفْضَلُ مِنْهَا، وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ أَوَّلَ الْبَابِ أَيْضًا قَوْلُهُ (وَهِيَ عِشْرُونَ رَكْعَةً) هَكَذَا قَالَ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: عِشْرُونَ، وَقِيلَ: أَوْ أَزْيَدُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ: وَلَا بَأْسَ بِالزِّيَادَةِ نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَالَ: رُوِيَ فِي هَذَا أَلْوَانٌ، وَلَمْ يَقْضِ فِيهَا بِشَيْءٍ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: كُلُّ ذَلِكَ أَوْ إحْدَى عَشْرَةَ، أَوْ ثَلَاثَ عَشْرَةَ حَسَنٌ، كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، لِعَدَمِ التَّوْقِيتِ فَيَكُونُ تَكْثِيرُ الرَّكَعَاتِ وَتَقْلِيلُهَا بِحَسَبِ طُولِ الْقِيَامِ وَقِصَرِهِ.
فَوَائِدُ. مِنْهَا: لَا بُدَّ مِنْ النِّيَّةِ فِي أَوَّلِ كُلِّ تَسْلِيمَةٍ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: يَكْفِيهَا نِيَّةٌ وَاحِدَةٌ، وَهُوَ احْتِمَالٌ فِي الرِّعَايَةِ، وَمِنْهَا: أَوَّلُ وَقْتِهَا بَعْدَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ وَسُنَّتِهَا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ، وَعَنْهُ بَلْ قَبْلَ السُّنَّةِ وَبَعْدَ الْفَرْضِ، نَقَلَهَا حَرْبٌ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْعُمْدَةِ، وَيَحْتَمِلُهُ كَلَامُهُ فِي الْوَجِيزِ، فَإِنَّهُ قَالَ: وَتُسَنُّ التَّرَاوِيحُ فِي جَمَاعَةٍ بَعْدَ الْعِشَاءِ. انْتَهَى. وَأَفْتَى بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ الْأَصْحَابِ بِجَوَازِهَا قَبْلَ الْعِشَاءِ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: مَنْ صَلَّاهَا قَبْلَ الْعِشَاءِ فَقَدْ سَلَكَ سَبِيلَ الْمُبْتَدَعَةِ الْمُخَالِفِينَ لِلسُّنَّةِ، وَمِنْهَا: فِعْلُهَا أَوَّلَ اللَّيْلِ أَفْضَلُ: أَطْلَقَهُ فِي الْفُرُوعِ فَقَالَ فِعْلُهَا أَوَّلَ اللَّيْلِ أَحَبُّ إلَى أَحْمَدَ، وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: إلَّا بِمَكَّةَ فَلَا بَأْسَ بِتَأْخِيرِهَا، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَلَا يُكْرَهُ تَأْخِيرُهَا بِمَكَّةَ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مُنَافِيًا لَمَا فِي الْفُرُوعِ، وَمِنْهَا: فِعْلُهَا فِي الْمَسْجِدِ أَفْضَلُ جَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَغَيْرِهِ. قُلْت: وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ فِي كُلِّ عَصْرٍ وَمِصْرٍ، وَعَنْهُ فِي الْبَيْتِ أَفْضَلُ، ذَكَرَ هَاتَيْنِ الرِّوَايَتَيْنِ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، قُلْت: وَصَرَّحَ الْأَصْحَابُ أَنَّ صَلَاتَهَا جَمَاعَةٌ أَفْضَلُ وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ يُوسُفَ بْنِ مُوسَى، وَمِنْهَا: يَسْتَرِيحُ بَعْدَ كُلِّ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ بِجِلْسَةٍ يَسِيرَةٍ فَعَلَهُ السَّلَفُ، وَلَا بَأْسَ بِتَرْكِهِ، وَلَا يَدْعُو إذَا اسْتَرَاحَ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: يَنْحَرِفُ إلَى الْمُصَلِّينَ وَيَدْعُو، وَكَرِهَ ابْنُ عَقِيلٍ الدُّعَاءَ.
قَوْلُهُ (فَإِنْ كَانَ لَهُ تَهَجُّدٌ جَعَلَ الْوِتْرَ بَعْدَهُ فَإِنْ أَحَبَّ مُتَابَعَةَ الْإِمَامِ فَأَوْتَرَ مَعَهُ قَامَ إذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ فَشَفَعَهَا بِأُخْرَى) هَذَا الْمَذْهَبُ الْمَشْهُورُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ، وَعَنْهُ يُعْجِبُنِي أَنْ يُوتِرَ مَعَهُ اخْتَارَهُ الْآجُرِّيُّ، [وَذَكَرَ أَبُو جَعْفَرٍ الْعُكْبَرِيُّ فِي شَرْحِ الْمَبْسُوطِ: أَنَّ الْوِتْرَ مَعَ الْإِمَامِ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ أَفْضَلُ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ " مَنْ قَامَ مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ " ذَكَرَهُ عَنْهُ ابْنُ رَجَبٍ] ، وَقَالَ الْقَاضِي: إنْ لَمْ يُوتِرْ مَعَهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي وِتْرِهِ، لِئَلَّا يَزِيدَ عَلَى مَا اقْتَضَتْهُ تَحْرِيمَةُ الْإِمَامِ، وَحَمَلَ نَصُّ أَحْمَدَ عَلَى رِوَايَةِ إعَادَةِ الْمَغْرِبِ وَشَفْعِهَا، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ وَإِنْ سَلَّمَ مَعَهُ جَازَ، بَلْ هُوَ أَفْضَلُ. فَوَائِدُ. إحْدَاهُمَا: لَا يُكْرَهُ الدُّعَاءُ بَعْدَ التَّرَاوِيحِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: يُكْرَهُ، اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ. الثَّانِيَةُ: إذَا أَوْتَرَ ثُمَّ أَرَادَ الصَّلَاةَ بَعْدَهُ، فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ لَا يُنْقَضُ وِتْرُهُ وَيُصَلِّي، وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ مِنْهُمْ الْمُصَنِّفُ، وَالْمَجْدُ، وَصَاحِبُ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ قَالَ فِي الْمُذْهَبِ: فَإِنْ كَانَ قَدْ أَوْتَرَ قَبْلَ التَّهَجُّدِ لَمْ يَنْقُضْهُ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَمُخْتَصَرِ ابْنِ تَمِيمٍ فَعَلَى هَذَا: لَا يُوتِرُ إذَا فَرَغَ، وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ يُوتِرُ، وَعَنْهُ يَنْقُضُهُ اسْتِحْبَابًا بِرَكْعَةٍ يُصَلِّيهَا فَتَصِيرُ شَفْعًا، ثُمَّ يُصَلِّي مَثْنَى مَثْنَى ثُمَّ يُوتِرُ قَدَّمَهُ فِي الْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَعَنْهُ يَنْقُضُهُ وُجُوبًا عَلَى الصِّفَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَعَنْهُ يُخَيَّرُ بَيْنَ نَقْضِهِ وَتَرْكِهِ، وَأَطْلَقَهُنَّ فِي الْفَائِقِ، وَقَالَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ: وَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بَعْدَ الْوِتْرِ مَثْنَى
مَثْنَى، زَادَ فِي الْكُبْرَى، وَقِيلَ: يُكْرَهُ قَالُوا: وَإِنْ نَقَضَهُ بِرَكْعَةٍ صَلَّى مَا شَاءَ وَأَوْتَرَ، وَعَنْهُ يُكْرَهُ نَقْضُهُ، وَعَنْهُ يَجِبُ. انْتَهَى. وَقَالَ فِي الْكَبِيرِ: إنْ قَرُبَ زَمَنُهُ شَفَعَهُ بِأُخْرَى، وَإِنْ بَعُدَ فَلَا بَلْ يُصَلِّي مَثْنَى، وَلَا يُوتِرُ بَعْدَهُ. الثَّالِثَةُ: قَوْلُهُ (وَيُكْرَهُ التَّطَوُّعُ بَيْنَ التَّرَاوِيحِ) بِلَا نِزَاعٍ أَعْلَمُهُ، وَنَصَّ عَلَيْهِ وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ الطَّوَافُ بَيْنَ التَّرَاوِيحِ مُطْلَقًا نَصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: لَا يُكْرَهُ إذَا طَافَ مَعَ إمَامِهِ وَإِلَّا كُرِهَ جَزَمَ بِهِ ابْنُ تَمِيمٍ قَوْلُهُ (وَفِي التَّعْقِيبِ رِوَايَتَانِ) ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَالشَّرْحِ، وَابْنِ تَمِيمٍ، وَالْفَائِقِ، إحْدَاهُمَا: لَا يُكْرَهُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ عَنْ أَحْمَدَ وَصَحَّحَهُمَا فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَابْنِ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ، وَصَاحِبُ التَّصْحِيحِ فِي كِتَابَيْهِ وَقَدَّمَهُ فِي الْكَافِي، وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْمُنْتَخَبِ قَالَ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ: الْكَرَاهَةُ قَوْلٌ قَدِيمٌ. نَقَلَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَكَمِ. قُلْت: لَيْسَ هَذَا بِقَادِحٍ، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: يُكْرَهُ، نَقَلَهَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَكَمِ قَالَ النَّاظِمُ: يُكْرَهُ فِي الْأَظْهَرُ قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: يُكْرَهُ التَّعْقِيبُ، فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَشَرْحِ الْهِدَايَةِ لِلْمَجْدِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ. قَوْلُهُ (وَهُوَ أَنْ يَتَطَوَّعَ بَعْدَ التَّرَاوِيحِ وَالْوِتْرِ فِي جَمَاعَةٍ) هَذَا الْمَذْهَبُ نَصَّ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ طَالَ مَا بَيْنَهُمَا أَوْ قَصُرَ قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَغَيْرِهِمْ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ، وَالْمَجْدُ فِي مُحَرَّرِهِ: إذَا أَخَّرَ الصَّلَاةَ إلَى نِصْفِ اللَّيْلِ لَمْ يُكْرَهْ، رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ إذَا رَجَعُوا قَبْلَ الْإِمَامِ قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: لَوْ تَنَفَّلُوا جَمَاعَةً بَعْدَ رَقْدَةٍ، أَوْ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ، لَمْ يُكْرَهْ نَصَّ عَلَيْهِ وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَةُ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقُ، وَابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَقِيلَ: إذَا أَخَّرَهُ بَعْدَ أَكْلٍ وَنَحْوِهِ لَمْ يُكْرَهْ وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ تَمِيمٍ أَيْضًا وَاسْتَحْسَنَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى لِمَنْ نُقِضَ وِتْرُهُ، وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: فَإِنْ خَرَجَ ثُمَّ عَادَ فَوَجْهَانِ قَوْلُهُ (فِي جَمَاعَةٍ) هَذَا الصَّحِيحُ وَقَطَعَ بِهِ الْأَكْثَرُ، وَلَمْ يَقُلْ فِي التَّرْغِيبِ وَغَيْرِهِ " فِي جَمَاعَةٍ " بَلْ أَطْلَقُوا وَاخْتَارَهُ فِي النِّهَايَةِ. فَوَائِدُ. إحْدَاهُمَا: يُسْتَحَبُّ أَنْ يُسَلِّمَ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ فَإِنْ زَادَ، فَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ: أَنَّهَا كَغَيْرِهَا، وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِيمَنْ قَامَ مِنْ التَّرَاوِيحِ إلَى ثَالِثَةٍ: يَرْجِعُ وَإِنْ قَرَأَ، لِأَنَّ عَلَيْهِ تَسْلِيمَةً وَلَا بُدَّ، وَيَأْتِي ذَلِكَ أَيْضًا قَرِيبًا. الثَّانِيَةُ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَبْتَدِئَهَا بِسُورَةِ الْقَلَمِ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ؛ لِأَنَّهَا أَوَّلُ مَا نَزَلَ نَصَّ عَلَيْهِ فَإِذَا سَجَدَ قَرَأَ مِنْ الْبَقَرَةِ، هَذَا الْمَذْهَبُ، وَنَقَلَ إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَارِثِ: أَنَّهُ يَقْرَأُ بِهَا فِي عِشَاءِ الْآخِرَةِ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَهُوَ أَحْسَنُ. الثَّالِثَةُ: يُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَزِيدَ الْإِمَامُ عَلَى خِتْمَةٍ، إلَّا أَنْ يُؤْثِرَ الْمَأْمُومُ، وَلَا يَنْقُصَ عَنْهَا نَصَّ عَلَيْهِ، وَهَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ وَجَزَمَ بِهِ الْمَجْدُ، وَابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُمَا.
قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: يُكْرَهُ النَّقْصُ عَنْ خِتْمَةٍ نَصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: يُعْتَبَرُ حَالُ الْمَأْمُومِينَ قَدَّمَهُ فِي الشَّرْحِ، وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ وَاخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ، وَقَالَ: التَّقْدِيرُ بِحَالِ الْمَأْمُومِينَ أَوْلَى، وَقَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَادِرِ فِي الْغُنْيَةِ: لَا يَزِيدُ عَلَى خِتْمَةٍ، لِئَلَّا يَشُقَّ فَيَسْأَمُوا، فَيَتْرُكُوا بِسَبَبِهِ فَيَعْظُمُ إثْمُهُ، وَيَدْعُو لِخَتْمِهِ قَبْلَ الرُّكُوعِ آخِرَ رَكْعَةٍ مِنْ التَّرَاوِيحِ، وَيَرْفَعَ يَدَيْهِ وَيُطِيلُ نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْفَضْلِ بْنِ زِيَادٍ قَالَ فِي الْفَائِقِ: وَيُسَنُّ خَتْمُهُ آخِرَ رَكْعَةٍ مِنْ التَّرَاوِيحِ قَبْلَ الرُّكُوعِ، وَمَوْعِظَتُهُ بَعْدَ الْخَتْمِ، وَقِرَاءَةُ دُعَاءِ الْقُرْآنِ، مَعَ رَفْعِ الْأَيْدِي نَصَّ عَلَيْهِ. انْتَهَى. وَقِيلَ لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ: يَخْتِمُ فِي الْوِتْرِ وَيَدْعُو؟ فَسَهَّلَ فِيهِ. قَوْلُهُ (وَصَلَاةُ اللَّيْلِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ النَّهَارِ) بِلَا نِزَاعٍ أَعْلَمُهُ. (وَأَفْضَلُهَا: وَسَطُ اللَّيْلِ، وَالنِّصْفُ الْأَخِيرُ أَفْضَلُ مِنْ الْأَوَّلِ) هَكَذَا قَالَ كَثِيرٌ مِنْ الْأَصْحَابِ وَقَطَعُوا بِهِ يَعْنِي أَنَّ أَفْضَلَ الْأَثْلَاثِ: الثُّلُثُ الْوَسَطُ، وَأَفْضَلُ النِّصْفَيْنِ: النِّصْفُ الْأَخِيرُ جَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَشَرْحِهَا لِلْمَجْدِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَشَرْحِ ابْنِ مُنَجَّا، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالْفَائِقِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ، وَابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ، وَغَيْرُهُمْ، وَقَالَ فِي الْكَافِي: وَالنِّصْفُ الْأَخِيرُ أَفْضَلُ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ وَجَزَمَ بِهِ فِي، الْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالشَّرْحِ وَجَزَمَ فِي النَّظْمِ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ: أَنَّ أَفْضَلَهُ الثُّلُثُ بَعْدَ النِّصْفِ، كَصَلَاةِ دَاوُد - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ، نَقَلَهُ الْقَاضِي أَبُو الْحُسَيْنِ، وَقَالَ فِي الْإِفَادَاتِ: وَسَطُهُ أَفْضَلُ، ثُمَّ آخِرُهُ، وَقَالَ فِي الْحَاوِي الصَّغِيرِ: وَالْأَفْضَلُ عِنْدِي: أَنْ يَنَامَ نِصْفَهُ الْأَوَّلَ، أَوْ ثُلُثَهُ
الْأَوَّلَ، أَوْ سُدُسَهُ الْأَخِيرَ، وَيَقُومَ بَيْنَهُمَا، وَقَالَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ: آخِرُهُ خَيْرٌ مِنْ أَوَّلِهِ، ثُمَّ وَسَطُهُ، وَقِيلَ: خَيْرُهُ: أَنْ يَنَامَ نِصْفَهُ الْأَوَّلَ، وَقِيلَ: بَلْ ثُلُثُهُ الْأَوَّلُ، ثُمَّ سُدُسُهُ الْأَخِيرُ، وَيَقُومُ مَا بَيْنَهُمَا. انْتَهَى.، وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: أَفْضَلُهُ نِصْفُهُ الْأَخِيرُ، وَأَفْضَلُهُ ثُلُثُهُ الْأَوَّلُ نَصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: آخِرُهُ، وَقِيلَ: ثُلُثُ اللَّيْلِ الْوَسَطِ. انْتَهَى. فَإِنْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ (ثُلُثَهُ الْأَوَّلَ) الثُّلُثَ الْأَوَّلَ مِنْ اللَّيْلِ، فَلَا أَعْلَمُ بِهِ قَائِلًا، وَإِنْ أَرَادَ الثُّلُثَ الْأَوَّلَ مِنْ النِّصْفِ الْأَخِيرِ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فَلَا أَعْلَمُ بِهِ قَائِلًا فَلَعَلَّهُ أَرَادَ ثُلُثَ اللَّيْلِ مِنْ أَوَّلِ النِّصْفِ الثَّانِي، وَفِيهِ بُعْدٌ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ رَأَيْت الْقَاضِيَ أَبَا الْحُسَيْنِ ذَكَرَ فِي فُرُوعِهِ: أَنَّ الْمَرُّوذِيَّ نَقَلَ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: أَفْضَلُ الْقِيَامِ قِيَامُ دَاوُد، وَكَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ، ثُمَّ يَقُومُ سُدُسَهُ، أَوْ رُبْعَهُ فَقَوْلُهُ " ثُمَّ يَقُومُ سُدُسَهُ " مُوَافِقٌ لِظَاهِرِ مَا فِي الْفُرُوعِ فَائِدَةٌ: الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ النِّصْفَ الْأَخِيرَ أَفْضَلُ مِنْ الثُّلُثِ الْوَسَطِ وَمِنْ غَيْرِهِ قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَقِيلَ: ثُلُثُهُ الْأَوْسَطُ أَفْضَلُ، وَقِيلَ: الْأَفْضَلُ الثُّلُثُ بَعْدَ النِّصْفِ جَزَمَ بِهِ فِي النَّظْمِ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ وَقَدَّمَهُ الْقَاضِي أَبُو الْحُسَيْنِ فِي فُرُوعِهِ، وَقِيلَ: أَفْضَلُهُ النِّصْفُ بَعْدَ الثُّلُثِ الْأَوَّلِ، حَكَاهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ. قَوْلُهُ (وَإِنْ تَطَوَّعَ فِي النَّهَارِ بِأَرْبَعٍ فَلَا بَأْسَ) اعْلَمْ أَنَّ الْأَفْضَلَ فِي صَلَاةِ التَّطَوُّعِ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ: أَنْ يَكُونَ مَثْنَى كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ هُنَا، وَإِنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ صَحَّ، وَلَوْ جَاوَزَ ثَمَانِيًا لَيْلًا، أَوْ أَرْبَعًا نَهَارًا، وَهَذَا الْمَذْهَبُ قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَصَاحِبِ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَغَيْرِهِمَا: هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، وَهُوَ أَصَحُّ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقَالَ: وَظَاهِرُهُ عَلِمَ الْعَدَدَ أَوْ نَسِيَهُ وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَالْمَجْدُ وَغَيْرُهُمْ، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَهُوَ الْمَشْهُورُ
وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ إلَّا مَثْنَى فِيهِمَا، ذَكَرَهُ فِي الْمُنْتَخَبِ، وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ إلَّا مَثْنَى فِي اللَّيْلِ فَقَطْ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا وَاخْتَارَهُ هُوَ وَابْنُ شِهَابٍ، وَالشَّارِحُ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِيمَنْ قَامَ فِي التَّرَاوِيحِ إلَى ثَالِثَةٍ يَرْجِعُ، وَإِنْ قَرَأَ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ تَسْلِيمًا، وَلَا بُدَّ فَعَلَى الْقَوْلِ بِصِحَّةِ التَّطَوُّعِ بِزِيَادَةٍ عَلَى مَثْنَى لَيْلًا: لَوْ فَعَلَهُ كُرِهَ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ جَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْفَائِقِ، وَالزَّرْكَشِيِّ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَعَنْهُ لَا يُكْرَهُ. جَزَمَ بِهِ فِي التَّبْصِرَةِ، وَعَلَى الْقَوْلِ بِصِحَّةِ التَّطَوُّعِ فِي النَّهَارِ بِأَرْبَعٍ لَوْ فَعَلَ لَمْ يُكْرَهْ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَنْهُ يُكْرَهُ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُذْهَبِ، وَلَوْ زَادَ عَلَيْهَا كُرِهَ جَزَمَ بِهِ ابْنُ تَمِيمٍ، وَقَالَ فِي الْمُذْهَبِ: فَإِنْ زَادَ عَلَى أَرْبَعٍ نَهَارًا بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ كُرِهَ، رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَفِي الصِّحَّةِ رِوَايَتَانِ. فَائِدَتَانِ. إحْدَاهُمَا: لَوْ زَادَ عَلَى رَكْعَتَيْنِ وَقُلْنَا: يَصِحُّ، وَلَمْ يَجْلِسْ إلَّا فِي آخِرِهِنَّ فَقَدْ تَرَكَ الْأَوْلَى وَيَجُوزُ، بِدَلِيلِ الْوِتْرِ. وَكَالْمَكْتُوبَةِ عَلَى رِوَايَةٍ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ: لَا يَجُوزُ، وَقَالَ فِي الْفُصُولِ: إنْ تَطَوَّعَ بِسِتِّ رَكَعَاتٍ بِسَلَامٍ وَاحِدٍ فَفِي بُطْلَانِهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا: يَبْطُلُ؛ لِأَنَّهُ لَا نَظِيرَ لَهُ فِي الْفَرْضِ. الثَّانِيَةُ: لَوْ أَحْرَمَ بِعَدَدٍ، فَهَلْ يَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ؟ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِيمَنْ قَامَ إلَى ثَالِثَةٍ فِي التَّرَاوِيحِ: لَا يَجُوزُ، وَفِيهِ فِي الِانْتِصَارِ خِلَافٌ، ذَكَرَهُ فِي لُحُوقِ زِيَادَةٍ بِالْعَقْدِ، وَتَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ سُجُودِ السَّهْوِ " لَوْ نَوَى رَكْعَتَيْنِ نَفْلًا وَقَامَ إلَى ثَالِثَةٍ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا ". قَوْلُهُ (وَصَلَاةُ الْقَاعِدِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ صَلَاةِ الْقَائِمِ) هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَقَطَعُوا بِهِ وَقَالَ صَاحِبُ الْإِرْشَادِ
فِي آخِرِ بَابِ جَامِعِ الصَّلَاةِ وَالسَّهْوِ، وَصَاحِبُ الْمُسْتَوْعِبِ: هِيَ عَلَى النِّصْفِ مِنْ صَلَاةِ الْقَائِمِ إلَّا الْمُتَرَبِّعَ. انْتَهَيَا. قُلْت: قَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ حَدِيثًا بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ. قَوْلُهُ (وَيَكُونُ فِي حَالِ الْقِيَامِ مُتَرَبِّعًا) يَعْنِي يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَعَنْهُ يَفْتَرِشُ، وَذَكَرَ فِي الْوَسِيلَةِ رِوَايَةً: إنْ كَثُرَ رُكُوعُهُ وَسُجُودُهُ لَمْ يَتَرَبَّعْ، وَإِلَّا تَرَبَّعَ فَعَلَى الْمَذْهَبِ: يُثْنِي رِجْلَيْهِ فِي سُجُودِهِ، بِلَا نِزَاعٍ. وَكَذَا فِي رُكُوعِهِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُونَ وَقَطَعَ بِهِ فِي الْخِرَقِيِّ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَغَيْرُهُمْ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَالشَّرْحِ، وَعَنْهُ لَا يُثْنِيهِمَا فِي رُكُوعِهِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ: هَذَا أَقْيَسُ وَأَصَحُّ فِي النَّظَرِ، إلَّا أَنَّ أَحْمَدَ ذَهَبَ إلَى فِعْلِ أَنَسٍ، وَأَخَذَ بِهِ قَالَ فِي حَوَاشِي ابْنِ مُفْلِحٍ: هَذَا أَقْيَسُ وَقَدَّمَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ، وَابْنِ تَمِيمٍ، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى: وَمُتَرَبِّعًا أَفْضَلُ، وَقِيلَ: حَالَ قِيَامِهِ، وَيُثْنِي رِجْلَهُ إنْ رَكَعَ أَوْ سَجَدَ. تَنْبِيهٌ: مَحَلُّ الْخِلَافِ فِي كَوْنِ صَلَاةِ الْقَاعِدِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ صَلَاةِ الْقَائِمِ: إذَا كَانَ غَيْرَ مَعْذُورٍ فَأَمَّا إنْ كَانَ مَعْذُورًا لِمَرَضٍ أَوْ نَحْوِهِ: فَإِنَّهَا كَصَلَاةِ الْقَائِمِ فِي الْأَجْرِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ فِيهِ فَرْضًا وَنَفْلًا. فَائِدَةٌ: يَجُوزُ لَهُ الْقِيَامُ إذَا ابْتَدَأَ الصَّلَاةَ جَالِسًا وَعَكْسُهُ. تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: أَنَّ صَلَاةَ الْمُضْطَجِعِ لَا تَصِحُّ، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ
الْمَذْهَبِ قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ وَتَبِعَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالزَّرْكَشِيُّ: ظَاهِرُ قَوْلِ أَصْحَابِنَا: الْمَنْعُ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: جَوَّزَهُ طَائِفَةٌ قَلِيلَةٌ، وَنَقَلَ ابْنُ هَانِئٍ: يَصِحُّ فَيَكُونُ عَلَى النِّصْفِ مِنْ صَلَاةِ الْقَاعِدِ وَاخْتَارَهُ بَعْضُ الْأَصْحَابِ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَهُوَ قَوْلٌ شَاذٌّ لَا يُعْرَفُ لَهُ أَصْلٌ فِي السَّلَفِ قَالَ الْمَجْدُ: وَهُوَ مَذْهَبٌ حَسَنٌ وَجَزَمَ بِهِ فِي نَظْمِ نِهَايَةِ ابْنِ رَزِينٍ، وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ وَالْفَائِقُ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لَا يَجُوزُ التَّطَوُّعُ مُضْطَجِعًا لِغَيْرِ عُذْرٍ وَجَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَتَيْنِ وَالْإِفَادَاتِ، وَجَعَلَ مَحَلَّ الْخِلَافِ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى فِي غَيْرِ الْمَعْذُورِ، وَغَالِبُ مَنْ ذَكَرَ الْمَسْأَلَةَ أَطْلَقَ فَعَلَى الْقَوْلِ بِالصِّحَّةِ: هَلْ يُومِئُ، أَوْ يَسْجُدُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، الْفَائِقِ، وَالْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالْحَوَاشِي، وَالنُّكَتِ. فَائِدَتَانِ. إحْدَاهُمَا: التَّطَوُّعُ سِرًّا أَفْضَلُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيُسِرُّ بِنِيَّتِهِ، وَعَنْهُ هُوَ وَالْمَسْجِدُ سَوَاءٌ. انْتَهَى. وَلَا بَأْسَ بِالْجَمَاعَةِ فِيهِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَجُوزُ جَمَاعَةً أَطْلَقَهُ بَعْضُهُمْ. قُلْت: مِنْهُمْ الشَّيْخُ فِي الْمُغْنِي، وَالْكَافِي، وَالشَّارِحِ، وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَقِيلَ مَا لَمْ يَتَّخِذْ عَادَةً وَسُنَّةً قَطَعَ بِهِ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَقِيلَ: يُسْتَحَبُّ، اخْتَارَهُ الْآمِدِيُّ، وَقِيلَ: يُكْرَهُ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: مَا سَمِعْته، وَتَقَدَّمَ هَلْ يُكْرَهُ الْجَهْرُ نَهَارًا، وَهَلْ يُخَيَّرُ لَيْلًا؟ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ، عِنْدَ قَوْلِهِ وَيَجْهَرُ الْإِمَامُ بِالْقِرَاءَةِ ".
الثَّانِيَةُ: اعْلَمْ أَنَّ الصَّلَاةَ قَائِمًا أَفْضَلُ مِنْهَا قَاعِدًا وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ كَثْرَةَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ أَفْضَلُ مِنْ طُولِ الْقِيَامِ قَالَ فِي الْقَاعِدَةِ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ الْمَشْهُورُ أَنَّ الْكَثْرَةَ أَفْضَلُ وَقَدَّمَهُ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالْفُرُوعِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَنَصَرَهُ، وَقَالَ: هَذَا أَقْوَى الرِّوَايَتَيْنِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْفَائِقِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَقَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَادِرِ فِي الْغُنْيَةِ، وَابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَصَاحِبُ الْحَاوِيَيْنِ: كَثْرَةُ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ أَفْضَلُ مِنْ طُولِ الْقِيَامِ فِي النَّهَارِ، وَطُولُ الْقِيَامِ فِي اللَّيْلِ أَفْضَلُ. قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: اخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَعَنْهُ طُولُ الْقِيَامِ أَفْضَلُ مُطْلَقًا، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَنِهَايَةِ ابْنِ رَزِينٍ وَنَظَمَهَا، وَعَنْهُ التَّسَاوِي اخْتَارَهُ الْمَجْدُ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَقَالَ: التَّحْقِيقُ أَنَّ ذِكْرَ الْقِيَامِ وَهُوَ الْقِرَاءَةُ أَفْضَلُ مِنْ ذِكْرِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَهُوَ الذِّكْرُ وَالدُّعَاءُ، وَأَمَّا نَفْسُ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ: فَأَفْضَلُ مِنْ نَفْسِ الْقِيَامِ، فَاعْتَدَلَا، وَلِهَذَا كَانَتْ صَلَاتُهُ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ مُعْتَدِلَةً فَكَانَ إذَا أَطَالَ الْقِيَامَ أَطَالَ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ ذَلِكَ حَتَّى يَتَقَارَبَا. قَوْلُهُ (وَأَدْنَى صَلَاةِ الضُّحَى رَكْعَتَانِ، وَأَكْثَرُهُمَا ثَمَانٍ) وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَعَنْهُ أَكْثَرُهَا اثْنَا عَشَرَ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْغُنْيَةِ، وَنَظْمِ نِهَايَةِ ابْنِ رَزِينٍ. قَوْلُهُ (وَوَقْتُهَا) : (إذَا عَلَتْ الشَّمْسُ) يَعْنِي إذَا خَرَجَ وَقْتُ الْكَرَاهَةِ، وَهَكَذَا قَالَ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ وَقَالَ فِي الْهِدَايَة، وَالْكَافِي، وَالتَّلْخِيصِ: إذَا عَلَتْ الشَّمْسُ وَاشْتَدَّ حَرُّهَا وَنَصَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَقَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ: حِينَ تَبْيَضُّ الشَّمْسُ.
وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: مِنْ عُلُوِّ الشَّمْسِ. وَقِيلَ: وَبَيَاضِهَا، وَقِيلَ: وَشِدَّةُ حَرِّهَا، وَقِيلَ: بَلْ زَوَالُ وَقْتِ النَّهْيِ. انْتَهَى. وَقَالَ الْمَجْدُ عَنْ كَلَامِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالنَّصِّ: وَهُوَ مَحْمُولٌ عِنْدِي عَلَى وَقْتِ الْفَضِيلَةِ. قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: وَهُوَ مَحْمُولٌ عِنْدَ الْأَصْحَابِ عَلَى وَقْتِ الْفَضِيلَةِ. فَائِدَةٌ: آخِرُ وَقْتِهَا: إلَى الزَّوَالِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ وَقَطَعَ بِهِ أَكْثَرُهُمْ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالْمُرَادُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قُبَيْلَ الزَّوَالِ. انْتَهَى. قُلْت: هُوَ كَالصَّرِيحِ فِي كَلَامِهِمْ فَإِنَّ قَوْلَهُمْ (إلَى الزَّوَالِ) لَا يَدْخُلُ الزَّوَالُ فِي ذَلِكَ، لَكِنْ يَنْتَهِي إلَيْهِ، وَلَهُ نَظَائِرُ، وَقَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَادِرِ: لَهُ فِعْلُهَا بَعْدَ الزَّوَالِ، وَإِنْ أَخَّرَهَا حَتَّى صَلَّى الظُّهْرَ قَضَاهَا نَدْبًا. فَائِدَتَانِ. إحْدَاهُمَا: الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ الْمُدَاوَمَةُ عَلَى فِعْلِهَا، بَلْ تُفْعَلُ غِبًّا نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ، وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ قَالَ فِي الْهِدَايَةِ: لَا يُسْتَحَبُّ الْمُدَاوَمَةُ عَلَيْهَا عِنْدَ أَصْحَابِنَا قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ قَالُوا: لَا تُسْتَحَبُّ الْمُدَاوَمَةُ عَلَيْهَا وَنَصَّ عَلَيْهِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ وَاخْتَارَ الْآجُرِّيُّ، وَابْنُ عَقِيلٍ اسْتِحْبَابَ الْمُدَاوَمَةِ عَلَيْهَا، وَنَقَلَهُ مُوسَى بْنُ هَارُونَ عَنْ أَحْمَدَ قَالَ فِي الْهِدَايَةِ: وَعِنْدِي تُسْتَحَبُّ الْمُدَاوَمَةُ عَلَيْهَا قَالَ فِي الْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: وَيُسْتَحَبُّ الْمُدَاوَمَةُ عَلَيْهَا فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَصَاحِبُ الْحَاوِي الْكَبِيرِ: وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدِي قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَاسْتِحْبَابُ الْمُدَاوَمَةِ عَلَيْهَا أَوْلَى قَالَ فِي الْإِفَادَاتِ: وَلَا تُكْرَهُ مُدَاوَمَتُهَا. فَتَلَخَّصَ: أَنَّ الْآجُرِّيَّ، وَابْنَ عَقِيلٍ، وَأَبَا الْخَطَّابِ، وَابْنَ الْجَوْزِيِّ، وَالْمَجْدَ،
وَابْنَ حَمْدَانَ، وَابْنَ تَمِيمٍ، وَصَاحِبَ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ: اخْتَارُوا اسْتِحْبَابَ الْمُدَاوَمَةِ عَلَيْهَا، وَأَطْلَقَ الْوَجْهَيْنِ فِي التَّلْخِيصِ وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ الْمُدَاوَمَةَ عَلَيْهَا لِمَنْ لَمْ يَقُمْ مِنْ اللَّيْلِ، وَلَهُ قَاعِدَةٌ فِي ذَلِكَ، وَهِيَ: مَا لَيْسَ بِرَاتِبٍ لَا يُدَاوَمُ عَلَيْهِ كَالرَّاتِبِ. الثَّانِيَةُ. أَفْضَلُ وَقْتِهَا: إذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ، لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الْوَارِدِ فِي ذَلِكَ. قَوْلُهُ (وَهَلْ يَصِحُّ التَّطَوُّعُ بِرَكْعَةٍ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُذْهَبِ، وَالْبُلْغَةِ، وَابْنِ تَمِيمٍ، وَالنَّظْمِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَالزَّرْكَشِيِّ، إحْدَاهُمَا: يَصِحُّ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ صَحَّحَهُمَا فِي التَّصْحِيحِ، وَابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ، قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ: يَصِحُّ أَنْ يَتَطَوَّعَ بِرَكْعَةٍ عَلَى الْأَصَحِّ قَالَ فِي التَّلْخِيصِ: وَيَصِحُّ التَّطَوُّعُ بِرَكْعَةٍ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ وَنَصَرَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْهِدَايَةِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ، الْفَائِقِ وَغَيْرِهِمْ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِفَادَاتِ، وَنِهَايَةِ ابْنِ رَزِينٍ، وَنَظَمَهَا وَصَحَّحَهُ أَبُو الْخَطَّابِ فِي رُءُوسِ الْمَسَائِلِ، الرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَا يَصِحُّ جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَهِيَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيُّ وَنَصَرَهَا الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ، وَقَالَ فِيهِ ابْنُ تَمِيمٍ، وَالشَّارِحُ: أَقَلُّ الصَّلَاةِ رَكْعَتَانِ، عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ. فَائِدَةٌ: قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَابْنُ حَمْدَانَ فِي رِعَايَتِهِ
وَصَاحِبُ الْحَاوِي، وَمَجْمَعُ الْبَحْرَيْنِ، وَغَيْرُهُمْ: حُكْمُ التَّنَفُّلِ بِالثَّلَاثِ وَالْخَمْسِ حُكْمُ التَّنَفُّلِ بِرَكْعَةٍ فِيهِ الرِّوَايَتَانِ، وَلَا نَعْلَمُ مُخَالِفًا قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَصِحُّ التَّطَوُّعُ بِفَرْدِ رَكْعَةٍ. قَوْلُهُ (وَسُجُودُ التِّلَاوَةِ صَلَاةٌ) فَيُشْتَرَطُ لَهُ مَا يُشْتَرَطُ لِلنَّافِلَةِ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ بِهِ أَكْثَرُهُمْ، وَعِنْدَ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ: سُجُودُ التِّلَاوَةِ وَسُجُودُ الشُّكْرِ خَارِجُ الصَّلَاةِ، لَا يَفْتَقِرُ إلَى وُضُوءٍ، وَبِالْوُضُوءِ أَفْضَلُ، وَقَدْ حَكَى النَّوَوِيُّ: الْإِجْمَاعَ عَلَى اشْتِرَاطِ الطَّهَارَةِ لِسُجُودِ التِّلَاوَةِ وَالشُّكْرِ. قَوْلُهُ (وَهُوَ سُنَّةٌ) هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَعَنْهُ وَاجِبٌ مُطْلَقًا اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، [فَعَلَيْهَا يَتَيَمَّمُ مُحْدِثٌ قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: لَا يَتَيَمَّمُ لِخَوْفِ فَوْتِهِ، وَقِيلَ: بَلَى. وَبَعْضُهُمْ خَرَّجَهَا عَلَى التَّيَمُّمِ لِلْجِنَازَةِ. وَاسْتَحْسَنَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَقَالَ الْمَجْدُ: لَا يَسْجُدُ وَهُوَ مُحْدِثٌ، وَلَا يَقْضِيهَا إذَا تَوَضَّأَ. انْتَهَى.] وَعَنْهُ وَاجِبٌ فِي الصَّلَاةِ فَعَلَى الْمَذْهَبِ فِي اسْتِحْبَابِهَا لِلطَّائِفِ رِوَايَتَانِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ، وَالرِّعَايَةِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالْمُذْهَبِ قُلْت: الْأَظْهَرُ مِنْ الْوَجْهَيْنِ: أَنَّهُ يَسْجُدُ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ [قَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ: هُمَا مَبْنِيَّانِ عَلَى قَطْعِ الْمُوَالَاةِ بِهِ وَعَدَمِهِ] وَعَلَى كُلِّ قَوْلٍ: يُشْتَرَطُ لِسُجُودِهِ قِصَرُ الْفَصْلِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، فَيَسْجُدُ مُتَوَضِّئٌ، وَيَتَيَمَّمُ مَنْ يُبَاحُ لَهُ التَّيَمُّمُ مَعَ قِصَرِ الْفَصْلِ قَالَ فِي الْفُنُونِ: سَهْوُهُ عَنْهُ كَسُجُودِ سَهْوٍ، يَسْجُدُ مَعَ قِصَرِ الْفَصْلِ، وَعَنْهُ وَيَتَطَهَّرُ أَيْضًا مُحْدِثٌ وَيَسْجُدُ، وَهُوَ قَوْلٌ فِي الرِّعَايَةِ. قَوْلُهُ (وَهُوَ سُنَّةٌ لِلْقَارِئِ وَلِلْمُسْتَمِعِ، دُونَ السَّامِعِ) وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْوَجِيزِ،
وَالْكَافِي، وَغَيْرِهِمْ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَغَيْرِهِمْ وَصَحَّحَهُ فِي الْحَاوِيَيْنِ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، وَقِيلَ: يَسْجُدُ السَّامِعُ أَيْضًا، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفَائِقِ، وَابْنُ تَمِيمٍ قَوْلُهُ (وَيُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ الْقَارِئُ يَصْلُحُ إمَامًا لَهُ فَلَا يَسْجُدُ قُدَّامَ إمَامِهِ، وَلَا عَنْ يَسَارِهِ) عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَقِيلَ: يَسْجُدُ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ النَّاظِمُ، فَإِنَّهُ قَالَ: وَلَيْسَ بِشَرْطٍ مَوْقِفٌ مُتَعَيِّنٌ، وَقَطَعَ بِهِ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ. كَسُجُودِهِ لِتِلَاوَةِ أُمِّيٍّ، وَزَمِنٍ؛ لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ وَالْقِيَامَ لَيْسَا مِنْ فُرُوضِهِ لَا أَعْلَمُ فِيهِمَا خِلَافًا. وَلَا يَسْجُدُ رَجُلٌ لِتِلَاوَةِ امْرَأَةٍ وَخُنْثَى، وَفِي سُجُودِهِ لِتِلَاوَةِ صَبِيٍّ وَجْهَانِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفَائِقِ، قُلْت: الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: سُجُودُهُ لِتِلَاوَةِ الصَّبِيِّ. لِأَنَّهُ كَالنَّافِلَةِ وَالْمَذْهَبُ: صِحَّةُ إمَامَةِ الصَّبِيِّ فِي النَّافِلَةِ، عَلَى مَا يَأْتِي قَالَ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَغَيْرِهِمَا: وَيُسَنُّ لِلْقَارِئِ وَلِمُسْتَمِعِهِ الْجَائِزِ اقْتِدَاؤُهُ بِهِ، وَقِيلَ: يَصِحُّ إنْ صَحَّتْ إمَامَتُهُ، وَأَطْلَقَهُنَّ فِي الرِّعَايَةِ وَجَزَمَ فِي الْمُذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَسْجُدُ لِتِلَاوَةِ صَبِيٍّ. فَائِدَةٌ: قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: لَمْ أَرَ مِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ تَعَرَّضَ لِلرَّفْعِ قَبْلَ الْقَارِئِ فَيُحْتَمَلُ الْمَنْعُ كَالصَّلَاةِ، وَيُحْتَمَلُ الْجَوَازُ؛ لِأَنَّهُ سَجْدَةٌ وَاحِدَةٌ، فَلَا يُفْضِي إلَى كَبِيرِ مُخَالَفَةٍ وَتَخْلِيطٍ، وَقَالُوا: لَا يَسْجُدُ قَبْلَهُ، لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ؛ وَلِأَنَّهُ لَا يَدْرِي: هَلْ يَسْجُدُ أَمْ لَا؟ بِخِلَافِ رَفْعِهِ قَبْلَهُ. انْتَهَى. قُلْت: الثَّانِي: هُوَ الصَّوَابُ قَوْلُهُ (فَإِنْ لَمْ يَسْجُدْ الْقَارِئُ لَمْ يَسْجُدْ) هَذَا الْمَذْهَبُ نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، وَقِيلَ: يَسْجُدُ غَيْرُ مُصَلٍّ، وَقَدَّمَهُ فِي الْوَسِيلَةِ.
فَوَائِدُ. الْأُولَى: لَا يَسْجُدُ فِي صَلَاةٍ لِقِرَاءَةِ غَيْرِ إمَامِهِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ نَصَّ عَلَيْهِ. كَقِرَاءَةِ مَأْمُومٍ، وَعَنْهُ يَسْجُدُ، وَعَنْهُ يَسْجُدُ فِي النَّفْلِ، دُونَ الْفَرْضِ، وَهُوَ قَوْلٌ فِي الرِّعَايَةِ، وَالْفَائِقِ، وَغَيْرِهِمْ، وَخَصَّ الْقَاضِي فِي مَوْضِعٍ مِنْ كَلَامِهِ الْخِلَافَ بِالنَّفْلِ، قَالَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالْمَجْدُ، وَقَطَعَ بِهِ فِي الْمُذْهَبِ، وَقِيلَ: يَسْجُدُ إذَا فَرَغَ اخْتَارَهُ الْقَاضِي، فَعَلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ السُّجُودِ: لَوْ خَالَفَ وَفَعَلَ فَفِي بُطْلَانِ الصَّلَاةِ بِهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْقَاضِي فِي التَّخْرِيجِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ، وَابْنِ تَمِيمٍ، وَقَدَّمَ فِي الْفَائِقِ الْبُطْلَانَ. الثَّانِيَةُ: لَا يَقُومُ رُكُوعٌ وَلَا سُجُودٌ عَنْ سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ فِي الصَّلَاةِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَغَيْرِهِمْ، وَعَنْهُ بَلَى، وَقِيلَ: يُجْزِئُ الرُّكُوعُ مُطْلَقًا، أَعْنِي سَوَاءً كَانَ فِي الصَّلَاةِ أَوْ لَا، قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ، وَحَكَى عَنْ الْقَاضِي، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَعَنْهُ يُجْزِئُ رُكُوعُ الصَّلَاةِ وَحْدَهُ. انْتَهَى. قُلْت: اخْتَارَهَا أَبُو الْحُسَيْنِ، وَقَالَ فِي الْفَائِقِ: لَا يَقُومُ الرُّكُوعُ مَقَامَهُ، وَتَقُومُ سَجْدَةُ الصَّلَاةِ عَنْهُ نَصَّ عَلَيْهِ وَجَزَمَ بِهِ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ الثَّالِثَةُ: لَوْ سَجَدَ ثُمَّ قَرَأَ فَفِي إعَادَتِهِ وَجْهَانِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَقَالَ: وَكَذَا يَتَوَجَّهُ فِي تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ إنْ تَكَرَّرَ دُخُولُهُ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفَائِقِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَإِنْ قَرَأَ سَجْدَةً فَسَجَدَ، ثُمَّ قَرَأَهَا فِي الْحَالِ مَرَّةً أُخْرَى، لَا لِأَجْلِ السُّجُودِ فَهَلْ يُعِيدُ السُّجُودَ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَقَالَ الْقَاضِي فِي تَخْرِيجِهِ: إنْ سَجَدَ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ، ثُمَّ صَلَّى فَقَرَأَهَا فِيهَا، أَعَادَ السُّجُودَ، وَإِنْ سَجَدَ فِي
صَلَاةٍ، ثُمَّ قَرَأَهَا فِي غَيْرِ صَلَاةٍ، لَمْ يَسْجُدْ، وَقَالَ: إذَا قَرَأَ سَجْدَةً فِي رَكْعَةٍ فَسَجَدَ، ثُمَّ قَرَأَهَا فِي الثَّانِيَةِ فَقِيلَ: يُعِيدُ السُّجُودَ، وَقِيلَ: لَا، وَإِنْ كَرَّرَ سَجْدَةً، وَهُوَ رَاكِبٌ فِي صَلَاةٍ لَمْ يُكَرِّرْ السُّجُودَ، وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ لَمْ يُكَرِّرْ السُّجُودَ كَذَا وُجِدَ فِي النُّسَخِ، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَكُلَّمَا قَرَأَ آيَةَ سَجْدَةٍ سَجَدَ. قُلْت: إنْ كَرَّرَهَا فِي رَكْعَةٍ سَجَدَ مَرَّةً، وَقِيلَ: إنْ كَانَتْ السَّجْدَةُ آخِرَ سُورَةٍ فَلَهُ السُّجُودُ وَتَرْكُهُ، وَقِيلَ: إنْ قَرَأَ سَجْدَةً فِي مَجْلِسٍ مَرَّتَيْنِ، أَوْ فِي رَكْعَتَيْنِ، أَوْ سَجَدَ قَبْلَهَا فَهَلْ يَسْجُدُ لِلثَّانِيَةِ أَوْ لِلْأَوَّلَةِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَقِيلَ: إنْ قَرَأَهَا، فَسَجَدَ ثُمَّ قَرَأَهَا، وَقِيلَ: فِي الْحَالِ فَوَجْهَانِ. الرَّابِعَةُ: لَوْ سَمِعَ سَجْدَتَيْنِ مَعًا، فَهَلْ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ، أَمْ يَكْتَفِي بِوَاحِدَةٍ؟ قَالَ ابْنُ رَجَبٍ فِي الْقَاعِدَةِ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ: الْمَنْصُوصُ فِي رِوَايَةِ الْبُزْرَاطِيِّ: أَنَّهُ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ قَالَ: وَيَتَخَرَّجُ أَنْ يَكْتَفِيَ بِوَاحِدَةٍ، وَقَدْ خَرَّجَ الْأَصْحَابُ فِي الِاكْتِفَاءِ بِسَجْدَةِ الصَّلَاةِ عَنْ سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ وَجْهًا فَهُنَا أَوْلَى. انْتَهَى. قَوْلُهُ (وَهُوَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَجْدَةً) (فِي الْحَجِّ مِنْهَا اثْنَتَانِ) هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَعَنْهُ فِي الْحَجِّ وَاحِدَةٌ فَقَطْ، وَهِيَ الْأُولَى نَقَلَهُ الْآمِدِيُّ، وَعَنْهُ هِيَ الثَّانِيَةُ فَتَكُونُ السَّجَدَاتُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ، وَعَنْهُ سَجْدَةُ (ص) مِنْهُ فَتَكُونُ خَمْسَ عَشْرَةَ اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ، وَابْنُ عَقِيلٍ فَعَلَى الْمَذْهَبِ: سَجْدَةُ (ص) سَجْدَةُ شُكْرٍ فَيَسْجُدُ بِهَا خَارِجَ الصَّلَاةِ عَلَى كُلِّ رِوَايَةٍ، وَلَا يَسْجُدُ بِهَا فِي الصَّلَاةِ فَإِنْ فَعَلَ عَالِمًا بَطَلَتْ الصَّلَاةُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنَوِّرِ، وَقِيلَ: لَا تَبْطُلُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ أَظْهَرُ؛ لِأَنَّ سَبَبَهَا مِنْ الصَّلَاةِ وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ وَالْمُذْهَبُ، وَالْفَائِقُ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَمَجْمَعُ الْبَحْرَيْنِ، وَالْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَقَالَ:
عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا لَا تَبْطُلُ لَا فَائِدَةَ فِي اخْتِلَافِ الرِّوَايَتَيْنِ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى، إلَّا هَلْ هَذِهِ السَّجْدَةُ مُؤَكَّدَةٌ كَتَأْكِيدِ سُجُودِ التِّلَاوَةِ، أَمْ هِيَ دُونَهُ فِي التَّأْكِيدِ كَسُجُودِ الشُّكْرِ؟ لِأَنَّ سُجُودَ التِّلَاوَةِ آكَدُ مِنْ سُجُودِ الشُّكْرِ. فَائِدَةٌ: السَّجْدَةُ فِي (حم) عِنْدَ قَوْلِهِ {يَسْأَمُونَ} [فصلت: 38] عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، قَالَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَمَجْمَعُ الْبَحْرَيْنِ، وَالزَّرْكَشِيُّ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ، وَقِيلَ: عِنْدَ قَوْلِهِ {يَعْبُدُونَ} [هود: 109] اخْتَارَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى وَأَطْلَقَهُمَا الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَمَجْمَعُ الْبَحْرَيْنِ، وَعَنْهُ يُخَيَّرُ. تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ قَوْلِهِ (وَيُكَبِّرُ إذَا سَجَدَ) أَنَّهُ لَا يُكَبِّرُ لِلْإِحْرَامِ وَهُوَ صَحِيحٌ وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ قَالَ الْمَجْدُ: هُوَ قَوْلُ الْقَاضِي وَغَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ اخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِفَادَاتِ، وَصَحَّحَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفَائِقِ قَوْلُهُ (وَيُكَبِّرُ إذَا سَجَدَ) هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ قَالَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ: وَيُكَبِّرُ غَيْرُ الْمُصَلِّي فِي الْأَصَحِّ لِلْإِحْرَامِ وَالسُّجُودِ وَالرَّفْعِ مِنْهُ فَظَاهِرُ كَلَامِهِ: أَنَّ فِي تَكْبِيرَةِ السُّجُودِ خِلَافًا قَوْلُهُ (وَإِذَا رَفَعَ) يَعْنِي يُكَبِّرُ إذَا رَفَعَ وَهُوَ الْمَذْهَبُ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَقِيلَ: يُجْزِئُهُ تَكْبِيرَةُ السُّجُودِ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ. وَاخْتَارَهُ بَعْضُ الْأَصْحَابِ قَوْلُهُ (وَيَجْلِسُ) هَكَذَا صَرَّحَ بِهِ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَلَعَلَّ الْمُرَادَ النَّدْبُ، وَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرُوا جُلُوسَهُ فِي الصَّلَاةِ كَذَلِكَ.
قَوْلُهُ (وَيُسَلِّمُ) الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ السَّلَامَ رُكْنٌ نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَعَنْهُ لَيْسَ بِرُكْنٍ، وَهُمَا وَجْهَانِ فِي الْفَائِقِ وَغَيْرِهِ وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ فَعَلَى الْمَذْهَبِ: يُجْزِئُهُ تَسْلِيمَةٌ وَاحِدَةٌ، وَتَكُونُ عَنْ يَمِينِهِ وَهَذَا الْمَذْهَبُ نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَعَنْهُ تَجِبُ الثِّنْتَانِ. قَوْلُهُ (وَلَا يَتَشَهَّدُ) هَذَا الْمَذْهَبُ نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَقِيلَ: بَلَى، وَهُوَ تَخْرِيجٌ لِأَبِي الْخَطَّابِ، وَاخْتَارَهُ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ وَأَطْلَقَهُمَا فِي الرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالتَّلْخِيصِ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَنَصُّهُ لَا يُسَنُّ. فَائِدَتَانِ. إحْدَاهَا: الْأَفْضَلُ أَنْ يَكُونَ سُجُودُهُ عَنْ قِيَامٍ جَزَمَ بِهِ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَمَجْمَعُ الْبَحْرَيْنِ وَغَيْرُهُمَا وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِ وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. وَقَالَ: قَالَهُ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَقِيلَ لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ: يَقُومُ ثُمَّ يَسْجُدُ؟ فَقَالَ: يَسْجُدُ وَهُوَ قَاعِدٌ، وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: الْأَفْضَلُ أَنْ يَسْجُدَ عَنْ قِيَامٍ، وَإِنْ سَجَدَ عَنْ جُلُوسٍ فَحَسَنٌ الثَّانِيَةُ. يَقُولُ فِي سُجُودِهِ مَا يَقُولُهُ فِي سُجُودِ الصَّلَاةِ، وَإِنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ مِمَّا وَرَدَ فِي سُجُودِ التِّلَاوَةِ فَحَسَنٌ. قَوْلُهُ (وَإِنْ سَجَدَ فِي الصَّلَاةِ رَفَعَ يَدَيْهِ) (نَصَّ عَلَيْهِ) يَعْنِي فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالنَّظْمِ، وَابْنِ تَمِيمٍ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَالْحَاوِيَيْنِ.
وَقَالَ الْقَاضِي فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ: لَا يَرْفَعُهُمَا، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ قَالَ فِي النُّكَتِ: ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ: أَنَّهُ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ قُلْت: مِنْهُمْ: الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ قَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ فِي حَوَاشِيهِ: هَذَا الْأَصَحُّ وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَالْكَافِي، وَالْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَتَقَدَّمَ هَلْ يَرْفَعُ يَدَيْهِ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الْقُنُوتِ إذَا أَرَادَ أَنْ يَسْجُدَ؟ فِي أَحْكَامِ الْوِتْرِ. فَائِدَتَانِ. إحْدَاهُمَا: الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ إذَا سَجَدَ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ يَرْفَعُ يَدَيْهِ، سَوَاءٌ قُلْنَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي الصَّلَاةِ أَوْ لَا نَصَّ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ وَجَزَمَ بِهِ فِي التَّلْخِيصِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، وَقِيلَ: لَا يَرْفَعُهُمَا، وَيُحْتَمَلُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ هُنَا، وَصَاحِبُ الْوَجِيزِ وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفَائِقِ. الثَّانِيَةُ: إذَا قَامَ الْمُصَلِّي مِنْ سُجُودِ التِّلَاوَةِ فَإِنْ شَاءَ قَرَأَ، ثُمَّ رَكَعَ، وَإِنْ شَاءَ رَكَعَ مِنْ غَيْرِ قِرَاءَةٍ نَصَّ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ (وَلَا يُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ السُّجُودُ فِي صَلَاةٍ لَا يُجْهَرُ فِيهَا) بَلْ يُكْرَهُ وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ، وَغَيْرِهِمَا، وَقِيلَ: لَا يُكْرَهُ اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ قَوْلُهُ (فَإِنْ فَعَلَ فَالْمَأْمُومُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ اتِّبَاعِهِ وَتَرْكِهِ) هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَأَكْثَرُهُمْ جَزَمَ بِهِ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ مُتَابَعَتُهُ اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَالْمُصَنِّفُ. تَنْبِيهٌ: مَفْهُومُ كَلَامِهِ: أَنَّ الْمَأْمُومَ يَلْزَمُهُ مُتَابَعَةُ إمَامِهِ فِي السُّجُودِ فِي صَلَاةِ الْجَهْرِ وَهُوَ صَحِيحٌ وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ: يَلْزَمُهُ فِي الْأَصَحِّ وَجَزَمَ بِهِ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَقِيلَ: لَا يَلْزَمُهُ جَزَمَ بِهِ فِي الْحَاوِي الْكَبِيرِ فَعَلَى الْمَذْهَبِ: لَوْ تَرَكَ مُتَابَعَتَهُ عَمْدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ جَزَمَ بِهِ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَغَيْرِهِمَا، وَعَلَى الثَّانِي: لَا تَبْطُلُ، بَلْ يُكْرَهُ. فَائِدَةٌ: الرَّاكِبُ يُومِئُ بِالسُّجُودِ، قَوْلًا وَاحِدًا، وَأَمَّا الْمَاشِي فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يَسْجُدُ بِالْأَرْضِ، وَقِيلَ: يُومِئُ أَيْضًا وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْحَاوِي، وَقِيلَ: يُومِئُ إنْ كَانَ مُسَافِرًا وَإِلَّا سَجَدَ. قَوْلُهُ (وَيُسْتَحَبُّ سُجُودُ الشُّكْرِ) هَذَا الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: يُسْتَحَبُّ لِأَمِيرِ النَّاسِ لَا غَيْرُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ غَرِيبٌ بَعِيدٌ قَوْلُهُ (عِنْدَ تَجَدُّدِ النِّعَمِ، وَانْدِفَاعِ النِّقَمِ) يَعْنِي الْعَامَّتَيْنِ لِلنَّاسِ. هَكَذَا قَالَ كَثِيرٌ مِنْ الْأَصْحَابِ، وَأَطْلَقُوا، وَقَالَ الْقَاضِي وَجَمَاعَةٌ: يُسْتَحَبُّ عِنْدَ تَجَدُّدِ نِعْمَةٍ أَوْ دَفْعِ نِقْمَةٍ ظَاهِرَةٍ؛ لِأَنَّ الْعُقَلَاءَ يُهَنُّونَ بِالسَّلَامَةِ مِنْ الْعَارِضِ، وَلَا يَفْعَلُونَهُ فِي كُلِّ سَاعَةٍ، وَإِنْ كَانَ اللَّهُ يَصْرِفُ عَنْهُمْ الْبَلَاءَ وَالْآفَاتِ، وَيُمَتِّعُهُمْ بِالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ، وَالْعَقْلِ وَالدِّينِ، وَيُفَرِّقُونَ فِي التَّهْنِئَةِ بَيْنَ النِّعْمَةِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ، كَذَلِكَ السُّجُودُ لِلشُّكْرِ. انْتَهَى. فَائِدَةٌ: الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنْ يَسْجُدَ لِأَمْرٍ يَخُصُّهُ نَصَّ عَلَيْهِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ، وَقِيلَ: لَا يَسْجُدُ [قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى فَقَالَ: يُسَنُّ سُجُودُ الشُّكْرِ لِتَجَدُّدِ نِعْمَةٍ، وَدَفْعِ نِقْمَةٍ عَامَّتَيْنِ لِلنَّاسِ، وَقِيلَ: أَوْ خَاصَّتَيْنِ] وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ، وَابْنِ تَمِيمٍ.
قَوْلُهُ (وَلَا يَسْجُدُ لَهُ فِي الصَّلَاةِ) هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاسْتَحَبَّهُ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ فِيهَا وَاخْتَارَهُ بَعْضُ الْأَصْحَابِ، وَهُوَ احْتِمَالٌ فِي انْتِصَارِ أَبِي الْخَطَّابِ كَسُجُودِ التِّلَاوَةِ، وَفَرَّقَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ سَبَبَ سُجُودِ التِّلَاوَةِ عَارِضٌ مِنْ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ فَعَلَى الْمَذْهَبِ: لَوْ سَجَدَ جَاهِلًا، أَوْ نَاسِيًا، لَمْ تَبْطُلْ الصَّلَاةُ، وَإِنْ كَانَ عَامِدًا بَطَلَتْ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعِنْدَ ابْنِ عَقِيلٍ فِيهِ رِوَايَتَانِ، مَنْ حَمِدَ لِنِعْمَةٍ، أَوْ اسْتَرْجَعَ لِمُصِيبَةٍ. فَائِدَةٌ: وَلَوْ رَأَى مُبْتَلًى فِي دِينِهِ سَجَدَ شُكْرًا بِحُضُورِهِ وَغَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَ مُبْتَلًى فِي بَدَنِهِ سَجَدَ وَكَتَمَهُ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَقَطَعَ بِهِ أَكْثَرُهُمْ قَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ: يَسْأَلُ اللَّهَ الْعَافِيَةَ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ لَا يَسْجُدُ، وَلَعَلَّهُ ظَاهِرُ الْخَبَرِ فَعَلَى الْمَذْهَبِ: قَالَ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُرَادُ إنْ قُلْنَا: يَسْجُدُ لِأَمْرٍ يَخُصُّهُ. قُلْت: فَهُوَ كَالصَّرِيحِ فِي كَلَامِ ابْنِ تَمِيمٍ، فَإِنَّهُ قَالَ: وَهَلْ يَسْجُدُ لِأَمْرٍ يَخُصُّهُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ لَكِنْ إنْ سَجَدَ لِرُؤْيَةِ مُبْتَلًى فِي بَدَنِهِ لَمْ يُشْعِرْهُ. فَاسْتَدْرَكَ مِنْ السُّجُودِ لِأَمْرٍ مَخْصُوصٍ بِذَلِكَ. قَوْلُهُ (فِي أَوْقَاتِ النَّهْيِ: هِيَ خَمْسَةٌ) هَذَا الْمَذْهَبُ بِلَا رَيْبٍ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ: أَنَّ عِنْدَ قِيَامِهَا لَيْسَ بِوَقْتِ نَهْيٍ لِقِصَرِهِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَفِيهِ وَجْهٌ: أَنَّهُ لَيْسَ بِوَقْتِ نَهْيٍ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّ أَوْقَاتَ النَّهْيِ ثَلَاثَةٌ: بَعْدَ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ، وَهَذَا الْوَقْتُ يَشْتَمِلُ عَلَى وَقْتَيْنِ، وَعَنْهُ لَا نَهْيَ بَعْدَ الْعَصْرِ مُطْلَقًا، وَيَأْتِي ذَلِكَ مُفَصَّلًا قَرِيبًا أَتَمَّ مِنْ هَذَا.
قَوْلُهُ (بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ) يَعْنِي الْفَجْرَ الثَّانِيَ وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَعَنْهُ مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ اخْتَارَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ رِزْقُ اللَّهِ التَّمِيمِيُّ. قَوْلُهُ (وَبَعْدَ الْعَصْرِ) يَعْنِي صَلَاةَ الْعَصْرِ وَهَذَا الْمَذْهَبُ وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَيَأْتِي قَرِيبًا إذَا جَمَعَ، وَعَنْهُ لَا نَهْيَ بَعْدَ الْعَصْرِ مُطْلَقًا، كَمَا تَقَدَّمَ، وَعَنْهُ لَا نَهْيَ بَعْدَ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ. فَائِدَةٌ: الِاعْتِبَارُ بِالْفَرَاغِ مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ، لَا بِالشُّرُوعِ فَلَوْ أَحْرَمَ بِهَا ثُمَّ قَلَبَهَا نَفْلًا لِعُذْرٍ: صَحَّ أَنْ يَتَطَوَّعَ بَعْدَهَا، قَالَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ، وَصَاحِبُ الْفَائِقِ، وَغَيْرُهُمْ، وَالِاعْتِبَارُ أَيْضًا: بِصَلَاتِهِ فَلَوْ صَلَّى مُنِعَ مِنْ التَّطَوُّعِ، وَإِنْ لَمْ يُصَلِّ غَيْرُهُ، وَمَتَى لَمْ يُصَلِّ فَلَهُ التَّطَوُّعُ وَإِنْ صَلَّى غَيْرُهُ، قَالَهُ الْأَصْحَابُ قَوْلُهُ (وَعِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ حَتَّى تَرْتَفِعَ قَيْدَ رُمْحٍ) هَكَذَا قَالَ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. وَقَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: حَتَّى تَبْيَضَّ، وَحَكَاهُ فِي الرِّعَايَةِ قَوْلًا. قَوْلُهُ (وَعِنْدَ قِيَامِهَا حَتَّى تَزُولَ) هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ: أَنَّهُ لَيْسَ بِوَقْتِ نَهْيٍ، لِقِصَرِهِ كَمَا تَقَدَّمَ اخْتَارَهُ بَعْضُ الْأَصْحَابِ وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ خَاصَّةً قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي الْجُمُعَةِ: إذَنْ لَا يُعْجِبُنِي قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُهُ الْجَوَازُ وَلَوْ لَمْ يَحْضُرْ الْجَامِعَ، وَقَالَ الْقَاضِي: لِيَسْتَظْهِرَ بِتَرْكِ الصَّلَاةِ سَاعَةً بِقَدْرِ مَا يَعْلَمُ زَوَالَهَا كَسَائِرِ الْأَيَّامِ. فَائِدَتَانِ. إحْدَاهُمَا: لَوْ جَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي وَقْتِ الْأُولَى مُنِعَ مِنْ التَّطَوُّعِ الْمُطْلَقِ
بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهُمَا، قَالَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ، وَصَاحِبُ الْفُرُوعِ، وَالْفَائِقُ، وَالزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُمْ، وَأَمَّا سُنَّةُ الظُّهْرِ الثَّانِيَةُ: فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهَا تُفْعَلُ بَعْدَ الْعَصْرِ إذَا جَمَعَ، سَوَاءٌ جَمَعَ فِي وَقْتِ الْأُولَى أَوْ الثَّانِيَةِ قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَقِيلَ: يَفْعَلُهَا إذَا جَمَعَ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ، وَقِيلَ: بِالْمَنْعِ مُطْلَقًا، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ: يُصَلِّي سُنَّةَ الْأُولَى إذَا فَرَغَ مِنْ الثَّانِيَةِ، إذَا لَمْ تَكُنْ الثَّانِيَةُ عَصْرًا، وَهَذَا فِي الْعِشَاءَيْنِ خَاصَّةً، وَتُقَدَّمُ سُنَّةُ الْأُولَى مِنْهُمَا عَلَى الثَّانِيَةِ، كَمَا قُدِّمَ فَرْضُ الْأُولَى عَلَى الثَّانِيَةِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ. الثَّانِيَةُ: الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ الْمَنْعَ فِي وَقْتِ النَّهْيِ مُتَعَلِّقٌ بِجَمِيعِ الْبُلْدَانِ وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَعَنْهُ لَا نَهْيَ بِمَكَّةَ. وَهِيَ قَوْلٌ فِي الْحَاوِي وَغَيْرِهِ، وَتَأَوَّلَهُ الْقَاضِي عَلَى فِعْلِ مَا لَهُ سَبَبٌ، كَرَكْعَتَيْ الطَّوَافِ قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: هُوَ خِلَافُ الظَّاهِرِ وَوَجَّهَ فِي الْفُرُوعِ تَوْجِيهًا إنْ قُلْنَا الْحَرَمُ كَمَكَّةَ فِي الْمُرُورِ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي: أَنَّ هُنَا مِثْلَهُ وَكَلَامُ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي فِيهِ اتِّفَاقًا. قَوْلُهُ (وَإِذَا تَضَيَّفَتْ لِلْغُرُوبِ حَتَّى تَغْرُبَ) هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَتَقَدَّمَ رِوَايَةً: أَنَّهُ لَا نَهْيَ بَعْدَ الْعَصْرِ مُطْلَقًا. تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ قَوْلِهِ (وَإِذَا تَضَيَّفَتْ لِلْغُرُوبِ) أَنَّ ابْتِدَاءَ وَقْتِ النَّهْيِ يَحْصُلُ قَبْلَ شُرُوعِهَا فِي الْغُرُوبِ فَيَكُونُ: أَوَّلُهُ إذَا اصْفَرَّتْ، وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: هَذَا أَوْلَى وَأَحْوَطُ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَالشَّرْحِ، وَحَوَاشِي ابْنِ مُفْلِحٍ، وَالرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ: أَوَّلُهُ إذَا شَرَعَتْ فِي الْغُرُوبِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَتَبِعَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، قَالَهُ أَصْحَابُنَا. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: عَلَيْهِ عَامَّةُ الْأَصْحَابِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْفَائِقِ وَغَيْرِهِمَا وَقَدَّمَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ قَالَ
ابْنُ تَمِيمٍ: وَاخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِي الْخَامِسِ فَعَنْهُ أَوَّلُهُ: إذَا شَرَعَتْ فِي الْغُرُوبِ، وَعَنْهُ أَوَّلُهُ إذَا اصْفَرَّتْ، وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ، فِي تَعْدَادِ أَوْقَاتِ النَّهْيِ: وَعِنْدَ غُرُوبِهَا، حَتَّى تَتِمَّ. قَوْلُهُ (وَيَجُوزُ قَضَاءُ الْفَرَائِضِ فِيهَا) هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ وَقَطَعَ بِهِ أَكْثَرُهُمْ، وَحَكَى فِي التَّبْصِرَةِ فِي قَضَاءِ الْفَرَائِضِ فِي وَقْتِ النَّهْيِ رِوَايَتَيْنِ. فَوَائِدُ. إحْدَاهُمَا: يَجُوزُ صَلَاةُ النَّذْرِ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ وَغَيْرِهِ وَصَحَّحَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَابْنُ تَمِيمٍ وَنَصَرَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَغَيْرُهُ قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ: الْأَشْهَرُ الْجَوَازُ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هَذَا أَشْهَرُ الرِّوَايَتَيْنِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ وَغَيْرِهِمْ، وَعَنْهُ لَا يَفْعَلُهَا، ذَكَرَهَا أَبُو الْحُسَيْنِ وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفَائِقِ، الثَّانِيَةُ: لَوْ نَذَرَ صَلَاةً فِي أَوْقَاتِ النَّهْيِ فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ حُكْمَهَا حُكْمُ صَلَاةِ النَّذْرِ الْمُطْلَقِ فِي وَقْتِ النَّهْيِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ وَتَبِعَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ قَالَ أَصْحَابُنَا: يَنْعَقِدُ النَّذْرُ، وَيَأْتِي بِهِ فِيهَا وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَغَيْرُهُمَا، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ، وَقَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَالْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّارِحُ: وَيَتَخَرَّجُ أَنْ لَا يَنْعَقِدَ مُوجِبًا لَهَا، وَتَبِعَهُمْ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ وَالْفُرُوعِ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ: يَفْعَلُهَا فِي غَيْرِ وَقْتِ النَّهْيِ وَيُكَفِّرُ كَنَذْرِهِ صَوْمَ يَوْمِ الْعِيدِ، وَقَالَ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ وَغَيْرِهِ: أَوْ نَذَرَ صَلَاةً مُطْلَقَةً أَوْ فِي وَقْتٍ وَفَاتَ فَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ: يَجُوزُ فِعْلُهَا فِي وَقْتِ النَّهْيِ؛ لِأَنَّ أَحْمَدَ أَجَازَ صَوْمَ النَّذْرِ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، مَعَ تَأَكُّدِ الصَّوْمِ. الثَّالِثَةُ: لَوْ نَذَرَ الصَّلَاةَ فِي مَكَان غُصِبَ فَفِي مُفْرَدَاتِ أَبِي يَعْلَى: يَنْعَقِدُ فَقِيلَ لَهُ: يُصَلِّي فِي غَيْرِهَا؟ فَقَالَ: فَلَمْ يَفِ بِنَذْرِهِ.
وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ أَنَّهُ كَصَوْمِ يَوْمِ الْعِيدِ. قَوْلُهُ (وَيَجُوزُ صَلَاةُ الْجِنَازَةِ، وَرَكْعَتَا الطَّوَافِ، وَإِعَادَةُ الْجَمَاعَةِ إذَا أُقِيمَتْ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ، بَعْدَ الْفَجْرِ وَالْعَصْرِ) الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: جَوَازُ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ بَعْدَ الْفَجْرِ وَالْعَصْرِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَالْمَجْدُ، وَغَيْرُهُمَا إجْمَاعًا وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ وَالْفَائِقُ وَغَيْرُهُمْ قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ: بِغَيْرِ خِلَافٍ، وَقَيَّدَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَحَكَى فِي الرِّعَايَةِ وَغَيْرِهَا قَوْلًا بِصَلَاةِ الْفَرْضِ مِنْهُمَا، وَعَنْهُ الْمَنْعُ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَيْهَا. نَقَلَهُ ابْنُ هَانِئٍ، وَعَنْهُ الْمَنْعُ بَعْدَ الْفَجْرِ فَقَطْ وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: جَوَازُ فِعْلِ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ بَعْدَ الْفَجْرِ وَالْعَصْرِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَعَنْهُ الْمَنْعُ وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: جَوَازُ إعَادَةِ الْجَمَاعَةِ فِيهِمَا مُطْلَقًا جَزَمَ بِهِ فِي الْمُذْهَبِ، وَالشَّرْحِ، وَالْوَجِيزِ، وَالْمُغْنِي، وَالْمُنْتَخَبِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَاخْتَارَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ: لَا يَجُوزُ إعَادَةُ الْجَمَاعَةِ إلَّا مَعَ إمَامِ الْحَيِّ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالتَّلْخِيصِ وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَتُعَادُ الْجَمَاعَةُ مَعَ إمَامِ الْحَيِّ إذَا أُقِيمَتْ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ، أَوْ دَخَلَ وَهُمْ يُصَلُّونَ، سَوَاءٌ صَلَّى جَمَاعَةً أَوْ فُرَادَى، لَكِنْ لَا يُسْتَحَبُّ لَهُ الدُّخُولُ. انْتَهَى. وَعَنْهُ الْمَنْعُ فِيهَا مُطْلَقًا، وَيَأْتِي ذَلِكَ مُسْتَوْفًى فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ (فَإِنْ صَلَّى ثُمَّ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ اُسْتُحِبَّ لَهُ إعَادَتُهَا) قَوْلُهُ (وَهَلْ يَجُوزُ فِي الثَّلَاثَةِ الْبَاقِيَةِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) يَعْنِي هَلْ يَجُوزُ فِعْلُ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَرَكْعَتَيْ الطَّوَافِ، وَإِعَادَةُ الْجَمَاعَةِ فِي الْأَوْقَاتِ الثَّلَاثَةِ الْبَاقِيَةِ؟ وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَالْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَالْخُلَاصَةُ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: جَوَازُ فِعْلِ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ وَإِعَادَةُ
الْجَمَاعَةِ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ الثَّلَاثَةِ أَيْضًا جَزَمَ بِهِ فِي التَّلْخِيصِ، وَالْوَجِيزِ، وَالْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَغَيْرِهِمْ وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَصَاحِبُ الْفَائِقِ قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَقَطَعَ بِهِ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَاخْتَارَ ابْنُ عَقِيلٍ: جَوَازَ إعَادَةِ الْجَمَاعَةِ فِيهَا، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَا يَجُوزُ قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: لَا يَجُوزُ فِي أَقْوَى الرِّوَايَتَيْنِ وَصَحَّحَهُ فِي النَّظْمِ، وَالتَّصْحِيحِ، وَالْقَاضِي، وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَالشَّرْحِ وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، لَا تَجُوزُ صَلَاةُ الْجِنَازَةِ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ الثَّلَاثَةِ قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: لَا تَجُوزُ صَلَاةُ الْجِنَازَةِ فِي الْأَشْهَرِ وَصَحَّحَهُ فِي النَّظْمِ، وَالتَّصْحِيحِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَنَصَرَاهُ وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، ذَكَرَهُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: تَجُوزُ جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَصَاحِبُ الْفَائِقِ وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَشَرْحِهَا لِلْمَجْدِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، ذَكَرَاهُ فِي الْجَنَائِزِ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: يُصَلِّي عَلَيْهَا فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ إلَّا حَالَ الْغُرُوبِ، وَذَكَرَ فِي الرِّعَايَةِ قَوْلًا بِالْجَوَازِ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ، إلَّا حَالَ الْغُرُوبِ وَالزَّوَالِ. تَنْبِيهٌ: مَحَلُّ الْخِلَافِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ: إذَا لَمْ يُخَفْ عَلَيْهَا، أَمَّا إذَا خِيفَ عَلَيْهَا فَإِنَّهُ يُصَلِّي عَلَيْهَا فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ قَوْلًا وَاحِدًا. فَائِدَةٌ: الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: تَحْرِيمُ الصَّلَاةِ عَلَى الْقَبْرِ وَالْغَائِبِ فِي أَوْقَاتِ النَّهْيِ كُلِّهَا. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَجَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ، وَالرِّعَايَةُ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ وَصَحَّحَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقِيلَ: إنْ كَانَتْ فَرْضًا لَمْ يَحْرُمْ، وَإِنْ كَانَتْ نَفْلًا حَرُمَتْ وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ وَصَحَّحَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمُذْهَبِ جَوَازَ الصَّلَاةِ عَلَى الْقَبْرِ فِي الْوَقْتَيْنِ الطَّوِيلَيْنِ، وَحَكَى قَوْلًا: لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ عَلَى الْقَبْرِ فِي الْأَوْقَاتِ الْخَمْسِ.
وَقَالَ فِي الْفُصُولِ: لَا تَجُوزُ بَعْدَ الْعَصْرِ، لِأَنَّ الْعِلَّةَ فِي جَوَازِهَا عَلَى الْجِنَازَةِ خَوْفَ الِانْفِجَارِ، وَقَدْ أُمِنَ فِي الْقَبْرِ قَالَ: وَصَلَّى قَوْمٌ مِنْ أَصْحَابِنَا بَعْدَ الْعَصْرِ بِفَتْوَى بَعْضِ الْمَشَايِخِ، وَلَعَلَّهُ قَاسَ عَلَى الْجِنَازَةِ قَالَ: وَحَكَى عَنْهُ: أَنَّهُ عَلَّلَ بِأَنَّهَا صَلَاةٌ مَفْرُوضَةٌ، وَهَذَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ فِعْلُهَا فِي الْأَوْقَاتِ الثَّلَاثِ. انْتَهَى. قَوْلُهُ (وَلَا يَجُوزُ التَّطَوُّعُ بِغَيْرِهَا فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَوْقَاتِ الْخَمْسَةِ إلَّا مَا لَهُ سَبَبٌ) التَّطَوُّعُ بِغَيْرِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي الْأَوْقَاتِ الْخَمْسَةِ نَوْعَانِ: نَوْعٌ لَهُ سَبَبٌ، وَنَوْعٌ لَا سَبَبَ لَهُ فَأَمَّا الَّذِي لَا سَبَبَ لَهُ وَهُوَ التَّطَوُّعُ الْمُطْلَقُ فَجَزَمَ الْمُصَنِّفُ هُنَا: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِعْلُهُ فِي شَيْءٍ مِنْهَا وَهُوَ الْمَذْهَبُ بِلَا رَيْبٍ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَقِيلَ: يَجُوزُ فَعَلَى الْمَذْهَبِ: لَوْ شَرَعَ فِي التَّطَوُّعِ الْمُطْلَقِ فَدَخَلَ وَقْتُ النَّهْيِ وَهُوَ فِيهَا حَرُمَ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقِيلَ: لَا يَحْرُمُ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، فَإِنَّهُ قَالَ: وَلَا يَبْتَدِئُ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ صَلَاةً يَتَطَوَّعُ بِهَا، وَكَذَا قَالَ فِي الْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ وَقَطَعَ بِهِ الزَّرْكَشِيُّ، لَكِنْ قَالَ: يُخَفِّفُهَا وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ ابْنُ تَمِيمٍ وَهُوَ الصَّوَابُ وَعَلَى الْمَذْهَبِ: لَوْ ابْتَدَأَ التَّطَوُّعَ الْمُطْلَقَ فِيهَا لَمْ يَنْعَقِدْ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَالرِّعَايَةُ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَالْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ فِي التَّاسِعَةِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ، وَصَاحِبُ الْفَائِقِ: لَمْ تَنْعَقِدْ، عَلَى الْأَصَحِّ قَالَ فِي التَّلْخِيصِ: لَمْ تَنْعَقِدْ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَعَنْهُ تَنْعَقِدُ فَعَلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ الِانْعِقَادِ: لَا تَنْعَقِدُ مِنْ الْجَاهِلِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ تَمِيمٍ وَقَدَّمَهُ فِي الْفَائِقِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَعَنْهُ تَنْعَقِدُ مِنْهُ قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَحَوَاشِي ابْنِ مُفْلِحٍ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَالزَّرْكَشِيُّ، النَّوْعُ الثَّانِي: مَا لَهُ سَبَبٌ كَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ، وَسُجُودِ التِّلَاوَةِ، وَصَلَاةِ الْكُسُوفِ، وَقَضَاءِ السُّنَنِ الرَّوَاتِبِ فَأَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ فِيهَا الرِّوَايَتَيْنِ وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْخُلَاصَةِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالْفُرُوعِ، وَالنَّظْمِ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ، وَالزَّرْكَشِيُّ وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالْهَادِي، وَالْكَافِي. إحْدَاهُمَا: لَا يَجُوزُ وَهِيَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهَا أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، قَالَهُ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ وَغَيْرُهُ قَالَ فِي الْوَاضِحِ فِي تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ، وَالسُّنَنِ الرَّاتِبَةِ: إنَّهُ اخْتِيَارُ عَامَّةِ الْمَشَايِخِ قَالَ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ (هُوَ) قَوْلُ أَكْثَرِهِمْ قَالَ فِي الْفُرُوعِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ: وَهُوَ الْأَشْهَرُ قَالَ الشَّارِحُ: هُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ قَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ: هُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ أَحْمَدَ فِي الْكُسُوفِ قَالَ ابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ: هَذَا الصَّحِيحُ وَنَصَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَغَيْرُهُ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَفُرُوعِ الْقَاضِي أَبِي الْحُسَيْنِ وَاخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ، وَالْقَاضِي، وَالْمَجْدُ، وَغَيْرُهُمْ. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: يَجُوزُ فِعْلُهَا فِيهَا اخْتَارَهَا أَبُو الْخَطَّابِ فِي الْهِدَايَةِ وَابْنُ عَقِيلٍ وَابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالسَّامِرِيُّ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَصَاحِبُ الْفَائِقِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ الشَّيْخِ فِي الْكَافِي وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَعَنْهُ رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ: يَجُوزُ قَضَاءُ وِرْدِهِ وَوِتْرِهِ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي وَالشَّارِحُ: وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ فِي قَضَاءِ وِتْرِهِ وَاخْتَارَ ابْنُ أَبِي مُوسَى وَصَحَّحَهُ فِي الْحَاوِي الْكَبِيرِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَهُوَ حَسَنٌ وَجَزَمَ فِي الْمُنْتَخَبِ بِجَوَازِ قَضَاءِ السُّنَنِ فِي الْأَوْقَاتِ الْخَمْسَةِ وَاخْتَارَ الْمُصَنِّفُ فِي الْعُمْدَةِ جَوَازَ قَضَاءِ السُّنَنِ الرَّاتِبَةِ فِي الْوَقْتَيْنِ الطَّوِيلَيْنِ، وَهُمَا بَعْدَ الْفَجْرِ وَالْعَصْرِ وَاخْتَارَ الْمُصَنِّفُ أَيْضًا
فِي الْمُغْنِي، وَالشَّارِحُ، جَوَازَ قَضَاءِ سُنَّةِ الْفَجْرِ بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ، وَجَوَازَ قَضَاءِ السُّنَنِ الرَّاتِبَةِ بَعْدَ الْعَصْرِ وَاخْتَارَهُ فِي التَّصْحِيحِ الْكَبِيرِ، وَقَالَ: صَحَّحَهُ الْقَاضِي وَاخْتَارَ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ جَوَازَ مَا لَهُ سَبَبٌ فِي الْوَقْتَيْنِ الطَّوِيلَيْنِ، وَعَنْهُ رِوَايَةٌ رَابِعَةٌ: يَجُوزُ قَضَاءُ وِتْرِهِ، وَالسُّنَنِ الرَّاتِبَةِ مُطْلَقًا، إنْ خَافَ إهْمَالَهُ فَعَلَى الْقَوْلِ بِالْمَنْعِ فِي الْكُسُوفِ: فَإِنَّهُ يَذْكُرُ وَيَدْعُو حَتَّى يَنْجَلِيَ، وَيَأْتِي ذَلِكَ فِي بَابِهِ. تَنْبِيهٌ: مَحَلُّ الْخِلَافِ: فِي غَيْرِ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ حَالَ خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ فِعْلُهَا مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْفُرُوعِ، وَقَالَ: لَيْسَ عَنْهَا جَوَابٌ صَحِيحٌ، وَأَجَابَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ بِأَنَّ الْمَنْعَ هُنَاكَ لَمْ يَخْتَصَّ بِالصَّلَاةِ، وَلِهَذَا يُمْنَعُ مِنْ الْقِرَاءَةِ وَالْكَلَامِ فَهُوَ أَخَفُّ، وَالنَّهْيُ هُنَا اخْتَصَّ الصَّلَاةَ فَهُوَ آكَدُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهَذَا عَلَى الْعِلَّتَيْنِ أَظْهَرُ ثُمَّ قَالَ الْقَاضِي: مَعَ أَنَّ الْقِيَاسَ الْمَنْعُ تَرَكْنَاهُ لِخَبَرِ سُلَيْكٍ. فَائِدَةٌ: مِمَّا لَهُ سَبَبٌ: الصَّلَاةُ بَعْدَ الْوُضُوءِ، وَأَلْحَقَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ صَلَاةَ الِاسْتِخَارَةِ بِمَا يَفُوتُ، وَقَالَ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ هُنَا، وَغَيْرِهِمْ: وَسُجُودُ الشُّكْرِ، وَصَلَاةُ الِاسْتِسْقَاءِ فَعَدُّوهُمَا فِيمَا لَهُ سَبَبٌ وَصَحَّحُوا جَوَازَ الْفِعْلِ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْهُمْ. قُلْت: ذِكْرُ الِاسْتِسْقَاءِ فِيمَا لَهُ سَبَبٌ: ضَعِيفٌ بَعِيدٌ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَا يَجُوزُ صَلَاةُ الِاسْتِسْقَاءِ وَقْتَ نَهْيٍ قَالَ صَاحِبُ الْمُغْنِي، وَالْمُحَرَّرِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ هُنَاكَ وَغَيْرُهُمْ: بِلَا خِلَافٍ.
باب صلاة الجماعة
قَالَ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ إجْمَاعًا. وَأَطْلَقَ جَمَاعَةٌ الرِّوَايَتَيْنِ وَيَأْتِي أَيْضًا فِي بَابِ الِاسْتِسْقَاءِ بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا، وَلَا تُصَلَّى رَكْعَتَا الْإِحْرَامِ، عَلَى الصَّحِيحِ، وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ فِيهِ بِخِلَافِ صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ، وَيَأْتِي فِي بَابِ الْإِحْرَامِ. [بَابُ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ] ِ. قَوْلُهُ (وَهِيَ وَاجِبَةٌ لِلصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ عَلَى الرِّجَالِ لَا بِشَرْطٍ) هَذَا الْمَذْهَبُ بِلَا رَيْبٍ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَنَصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ مِنْ مُفْرَدَاتِ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: لَا تَجِبُ إذَا اشْتَدَّ الْخَوْفُ. وَقِيلَ: لَا تَنْعَقِدُ أَيْضًا فِي اشْتِدَادِ الْخَوْفِ اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ، وَالْمُصَنِّفُ، عَلَى مَا يَأْتِي هُنَاكَ، وَعَنْهُ الْجَمَاعَةُ سُنَّةٌ، وَقِيلَ: فَرْضُ كِفَايَةٍ ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَغَيْرُهُ. وَمُقَاتَلَةُ تَارِكِهَا كَالْأَذَانِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَذَكَرَهُ ابْنُ هُبَيْرَةَ وِفَاقًا لِلْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، وَعَنْهُ أَنَّ الْجَمَاعَةَ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ، ذَكَرَهَا الْقَاضِي، وَابْنُ الزَّاغُونِيِّ فِي الْوَاضِحِ، وَالْإِقْنَاعِ، وَهِيَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ وَاخْتَارَهَا ابْنُ أَبِي مُوسَى، وَابْنُ عَقِيلٍ وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، فَلَوْ صَلَّى وَحْدَهُ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ لَمْ تَصِحَّ قَالَ فِي الْفَتَاوَى الْمِصْرِيَّةِ: هُوَ قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي شَرْحِ الْمُذْهَبِ عَنْهُمْ. انْتَهَى. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: بِنَاءً عَلَى أَصْلِنَا فِي الصَّلَاةِ فِي ثَوْبٍ غَصْبٍ، وَالنَّهْيُ يَخْتَصُّ بِالصَّلَاةِ، وَقَالَ فِي الْحَاوِي الْكَبِيرِ: وَفِي هَذَا الْقَوْلِ بُعْدٌ، وَعَنْهُ حُكْمُ الْفَائِتَةِ وَالْمَنْذُورَةِ حُكْمُ الْحَاضِرَةِ وَأَطْلَقَ فِي الْحَاوِي وَغَيْرِهِ فِيهِمَا وَجْهَيْنِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ أَنَّ حُكْمَ الْفَائِتَةِ فَقَطْ حُكْمُ الْحَاضِرَةِ.
تَنْبِيهَاتٌ. الْأَوَّلُ: ظَاهِرُ قَوْلِهِ عَلَى الرِّجَالِ دُخُولُ الْعَبِيدِ فِي ذَلِكَ، وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ نَقَلَهَا ابْنُ هَانِئٍ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالشَّرْحِ، وَالتَّلْخِيصِ وَالْمُحَرَّرِ، وَغَيْرِهِمْ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَقَالَ فِي الصُّغْرَى: تَلْزَمُ عَلَى الْأَصَحِّ كُلَّ مُسْلِمٍ مُكَلَّفٍ ذَكَرٍ قَادِرٍ وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبُ: أَنَّهَا لَا تَجِبُ عَلَيْهِمْ قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَجَزَمَ بِهِ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ إذَا لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ وَأَطْلَقَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمُذْهَبِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَصَاحِبُ الْفَائِقِ وَغَيْرُهُمْ فِيهِمْ رِوَايَتَيْنِ. الثَّانِي: مَفْهُومُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: أَنَّهَا لَا تَجِبُ عَلَى الْخَنَاثَى وَهُوَ صَحِيحٌ جَزَمَ بِهِ فِي الْفَائِقِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَغَيْرُهُمَا قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَالْمُذْهَبِ وُجُوبُهَا عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ، غَيْرِ خُنْثَى وَأُنْثَى، وَقِيلَ: تَجِبُ عَلَيْهِمْ قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: تَجِبُ عَلَى غَيْرِ النِّسَاءِ. الثَّالِثُ: مَفْهُومُ كَلَامِهِ أَيْضًا: أَنَّهَا لَا تَجِبُ عَلَى النِّسَاءِ أَيْضًا، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، إلَّا أَنَّ أَبَا يَعْلَى الصَّغِيرَ مَالَ إلَى وُجُوبِهَا عَلَيْهِنَّ إذَا اجْتَمَعْنَ، وَهُوَ غَرِيبٌ. الرَّابِعُ: مَفْهُومُ قَوْلِهِ الرِّجَالِ أَنَّهَا لَا تَجِبُ عَلَى الْمُمَيِّزِ وَهُوَ صَحِيحٌ وَهُوَ الْمَذْهَبُ قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ قَالَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ: تَجِبُ عَلَى ذَكَرٍ مُكَلَّفٍ، وَكَذَا فِي الْحَاوِي الْكَبِيرِ. قَالَ فِي الصَّغِيرِ: تَلْزَمُ الرِّجَالَ، وَقِيلَ: هُوَ كَالرَّجُلِ إذَا قُلْنَا تَجِبُ عَلَيْهِ، قَالَهُ النَّاظِمُ وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمُذْهَبِ. فَائِدَةٌ: فَعَلَى الْمَذْهَبِ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ: لَوْ صَلَّى مُنْفَرِدًا صَحَّتْ صَلَاتُهُ، لَكِنْ إنْ كَانَ لِعُذْرٍ لَمْ يَنْقُصْ أَجْرُهُ، وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ عُذْرٍ فَإِنَّهُ يَأْثَمُ، وَفِي صَلَاتِهِ فَضْلٌ، خِلَافًا لِأَبِي الْخَطَّابِ وَغَيْرِهِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى، وَلِنَقْلِهِ عَنْ الْأَصْحَابِ فِي الثَّانِيَةِ. قَالَهُ
فِي الْفُرُوعِ وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ كَأَبِي الْخَطَّابِ فِيمَنْ عَادَتُهُ الِانْفِرَادُ، مَعَ عَدَمِ الْعُذْرِ وَإِلَّا تَمَّ أَجْرُهُ. قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَتُوبَ حَالَ وُجُودِ الْعُذْرِ، فَإِنَّ أَجْرَهُ يَكْمُلُ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، فِي الصَّارِمِ الْمَسْلُولِ: خَبَرُ التَّفْضِيلِ فِي الْمَعْذُورِ الَّذِي تُبَاحُ لَهُ الصَّلَاةُ وَحْدَهُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالُ تَسَاوِيهِمَا فِي أَصْلِ الْأَجْرِ وَهُوَ الْجَزَاءُ، وَالْفَضْلُ بِالْمُضَاعَفَةِ. فَائِدَةٌ: يُسْتَحَبُّ لِلنِّسَاءِ صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هَذَا أَشْهَرُ الرِّوَايَتَيْنِ وَصَحَّحَهُ فِي الْفَائِقِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنَوِّرِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، ذَكَرُوهُ فِي أَوَاخِرِ الْبَابِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْهِدَايَةِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يُسْتَحَبُّ لَهُنَّ إذَا اجْتَمَعْنَ أَنْ يُصَلِّينَ فَرَائِضَهُنَّ جَمَاعَةً، فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: يُكْرَهُ فِي الْفَرِيضَةِ، وَيَجُوزُ فِي النَّافِلَةِ. انْتَهَى. وَعَنْهُ لَا يُسْتَحَبُّ لَهُنَّ الصَّلَاةُ جَمَاعَةً، وَعَنْهُ يُكْرَهُ. هَذَا الْحُكْمُ إذَا كُنَّ مُنْفَرِدَاتٍ، سَوَاءٌ كَانَ إمَامُهُنَّ مِنْهُنَّ أَوْ لَا فَأَمَّا صَلَاتُهُنَّ مَعَ الرِّجَالِ جَمَاعَةً: فَالْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يُكْرَهُ لِلشَّابَّةِ، قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقَالَ: وَالْمُرَادُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لِلْمُسْتَحْسَنَةِ وَاخْتَارَ الْقَاضِي، وَابْنُ تَمِيمٍ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَابْنُ تَمِيمٍ قَالَ فِي الْهِدَايَةِ وَالْخُلَاصَةِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَغَيْرِهِمْ: وَلِلْعَجُوزِ وَالْبَرْزَةِ حُضُورُ جَمْعِ الرِّجَالِ قَالَ فِي الْمُحَرَّرِ: وَلَا يُكْرَهُ أَنْ تَحْضُرَ الْعَجَائِزُ جَمْعَ الرِّجَالِ، وَعَنْهُ يُبَاحُ مُطْلَقًا، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ فِي الْمُنَوِّرِ قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ يَعْنِي بِهِ الْمُصَنِّفَ لَا يُكْرَهُ وَهُوَ أَصَحُّ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَعَنْهُ
يُبَاحُ فِي الْفَرْضِ وَاخْتَارَ ابْنُ هُبَيْرَةَ يُسْتَحَبُّ لَهُنَّ، وَقِيلَ: يَحْرُمُ فِي الْجُمُعَةِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ فِي غَيْرِهَا مِثْلُهَا. تَنْبِيهٌ: حَيْثُ قُلْنَا: يُسْتَحَبُّ لَهَا، أَوْ يُبَاحُ الصَّلَاةُ جَمَاعَةً فَصَلَاتُهَا فِي بَيْتِهَا أَفْضَلُ بِكُلِّ حَالٍ، بِلَا نِزَاعٍ قَالَ الْمُصَنِّفُ بَعْدَ ذَلِكَ (وَبَيْتُهَا خَيْرٌ لَهَا) وَيَأْتِي فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ إذَا اسْتَأْذَنَتْ الْمَرْأَةُ إلَى الْمَسْجِدِ. قَوْلُهُ (وَلَهُ فِعْلُهَا فِي بَيْتِهِ) (فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ) وَكَذَا قَالَ فِي التَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ قَالَ فِي الشَّرْحِ، وَالنَّظْمِ: هَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَصَحَّحَهُ فِي الْحَاوِي وَغَيْرِهِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْكَافِي، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَابْنِ تَمِيمٍ وَغَيْرِهِمْ قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: هِيَ اخْتِيَارُ أَصْحَابِنَا، وَهِيَ عِنْدِي بَعِيدَةٌ جِدًّا إنْ حُمِلَتْ عَلَى ظَاهِرِهَا، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَيْسَ لَهُ فِعْلُهَا فِي بَيْتِهِ قَدَّمَهُ فِي الْحَاوِي. فَائِدَتَانِ. إحْدَاهُمَا: تَنْعَقِدُ الْجَمَاعَةُ بِاثْنَيْنِ فَإِنْ أَمَّ الرَّجُلُ عَبْدَهُ أَوْ زَوْجَتَهُ، كَانَا جَمَاعَةً كَذَلِكَ، وَإِنْ أَمَّ صَبِيًّا فِي النَّفْلِ جَازَ، وَإِنْ أَمَّهُ فِي الْفَرْضِ، فَقَالَ أَحْمَدُ: لَا يَكُونُ مُسْقِطًا لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ، وَعَنْهُ يَصِحُّ كَمَا لَوْ أَمَّ رَجُلًا مُتَنَفِّلًا، قَالَهُ فِي الْكَافِي. الثَّانِيَةُ: الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ فِعْلَهَا فِي الْمَسْجِدِ سُنَّةٌ وَصَحَّحَهُ فِي الْحَاوِي وَغَيْرِهِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَغَيْرِهِمْ، وَعَنْهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ جَزَمَ بِهِ فِي الْمُنَوِّرِ وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: قَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ لِاسْتِبْعَادِهِ أَنَّهَا سُنَّةٌ، وَلَمْ أَجِدْ أَحَدًا صَرَّحَ بِهِ غَيْرَهُ قَالَ فِي النُّكَتِ: وَلَمْ أَجِدْ أَحَدًا مِنْ الْأَصْحَابِ قَالَ بِفَرْضِ الْكِفَايَةِ قَبْلَ
الشَّيْخِ مَجْدِ الدِّينِ قَالَ: وَكَلَامُهُ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ هُوَ لَمْ يَجِدْ أَحَدًا مِنْهُمْ قَالَ بِهِ، وَعَنْهُ وَاجِبَةٌ عَلَى الْقَرِيبِ مِنْهُ جَزَمَ بِهِ فِي الْإِفَادَاتِ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ فِي غَيْرِ مَسْجِدٍ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ. وَقُلْت: وَهُوَ بَعِيدٌ. انْتَهَى. وَقِيلَ: شَرْطٌ لِلصِّحَّةِ قَالَ فِي الْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَفِيهِ بُعْدٌ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَقُلْت: وَهُوَ بَعِيدٌ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَلَوْ لَمْ يُمْكِنْهُ إلَّا بِمَشْيِهِ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَ بِطَرِيقِهِ مُنْكَرٌ كَغِنَاءٍ لَمْ يَدَعْ الْمَسْجِدَ، وَيُنْكِرُهُ، نَقَلَهُ يَعْقُوبُ. تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ (وَيُسْتَحَبُّ لِأَهْلِ الثَّغْرِ الِاجْتِمَاعُ فِي مَسْجِدٍ وَاحِدٍ) بِلَا نِزَاعٍ أَعْلَمُهُ وَقَيَّدَهُ النَّاظِمُ بِمَا إذَا لَمْ يَحْصُلْ ضَرَرٌ قَوْلُهُ (وَالْأَفْضَلُ لِغَيْرِهِمْ الصَّلَاةُ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي لَا تُقَامُ فِيهِ الْجَمَاعَةُ إلَّا بِحُضُورِهِ) وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ وَجَزَمَ بِهِ فِي الشَّرْحِ وَابْنِ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ، وَالْمَجْدُ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَابْنِ تَمِيمٍ وَغَيْرِهِمْ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ فِي الْفُرُوعِ قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ، وَغَيْرُهُمْ: وَكَذَا لَوْ كَانَتْ الْجَمَاعَةُ تُقَامُ فِيهِ إلَّا أَنَّ فِي قَصْدِ غَيْرِهِ كَسْرَ قَلْبِ إمَامِهِ أَوْ جَمَاعَةٍ، زَادَ ابْنُ حَمْدَانَ وَقِيلَ: أَوْ كَثُرَتْ جَمَاعَةُ الْمَسْجِدِ بِحُضُورِهِ، وَقَالَ فِي الْوَجِيزِ: وَالْعَتِيقُ أَفْضَلُ، ثُمَّ الْأَبْعَدُ ثُمَّ مَا تُمِّمَتْ جَمَاعَتُهُ بِهِ فَقَطَعَ أَنَّ الْعَتِيقَ وَالْأَبْعَدَ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ (ثُمَّ مَا كَانَ أَكْثَرَ جَمَاعَةً، ثُمَّ فِي الْمَسْجِدِ الْعَتِيقِ) هَذَا أَحَدُ الْوُجُوهِ جَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي، وَابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ، وَالْمَذْهَبُ الْأَحْمَدُ، وَالْمُنْتَخَبُ، وَالْخُلَاصَةُ قَالَ الشَّارِحُ: وَهُوَ أَوْلَى قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَهُوَ الْأَصَحُّ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى: وَهُوَ أَظْهَرُ وَقَدَّمَهُ فِي النَّظْمِ وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ الْمَسْجِدَ الْعَتِيقَ أَفْضَلُ مِنْ الْأَكْثَرِ جَمَاعَةً جَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَالْحَاوِيَيْنِ وَغَيْرِهِمْ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ، وَقِيلَ: إنْ اسْتَوَيَا فِي الْقُرْبِ وَالْبُعْدِ فَالْأَكْثَرُ جَمْعًا أَوْلَى قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَهُوَ أَظْهَرُ، وَقِيلَ: الْأَبْعَدُ وَالْأَقْرَبُ أَفْضَلُ مِنْ الْأَكْثَرِ جَمْعًا [حَكَاهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقَدَّمَ فِي الْمُحَرَّرِ: أَنَّ الْأَبْعَدَ أَفْضَلُ مِنْ الْأَكْثَرِ جَمْعًا] وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنَوِّرِ قَوْلُهُ (وَهَلْ الْأَوْلَى قَصْدُ الْأَبْعَدِ أَوْ الْأَقْرَبِ؟) (عَلَى رِوَايَتَيْنِ) وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْكَافِي، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَابْنِ مُنَجَّا، وَالْحَاوِيَيْنِ، إحْدَاهُمَا: الْأَبْعَدُ أَوْلَى وَهُوَ الْمَذْهَبُ جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَحَوَاشِي ابْنِ مُفْلِحٍ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، زَادَ فِي الْكُبْرَى: فَالْأَبْعَدُ أَفْضَلُ، وَإِنْ قَلَّ جَمْعُهُ، وَلَمْ يَكُنْ أَعْتَقَ، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: الْأَقْرَبُ أَوْلَى كَمَا لَوْ تَعَلَّقَتْ الْجَمَاعَةُ بِحُضُورِهِ قَدَّمَهُ فِي الْخُلَاصَةِ، وَالْفَائِقِ، وَعَنْهُ رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ: الْأَقْرَبُ أَوْلَى إنْ اسْتَوَيَا فِي الْقِدَمِ وَكَثْرَةِ الْجَمْعِ، وَإِلَّا فَالْأَبْعَدُ أَوْلَى، وَقِيلَ: يُرَجَّحُ أَحَدُهُمَا هُنَا بِالْقِدَمِ لَا بِكَثْرَةِ الْجَمْعِ، ذَكَرَهَا فِي الرِّعَايَةِ، وَقَالَ أَيْضًا، وَقِيلَ: إنْ اسْتَوَيَا فِي الْعِتْقِ فَالْأَكْثَرُ جَمْعًا أَفْضَلُ وَإِنْ اسْتَوَيَا فِي كَثْرَةِ الْجَمْعِ فَالْعَتِيقُ أَفْضَلُ، وَقَالَ أَيْضًا: إذَا كَانَ الْقَرِيبُ الْعَتِيقَ
فَالْأَكْثَرُ جَمْعًا أَفْضَلُ، وَإِنْ اسْتَوَيَا فِي كَثْرَةِ الْجَمْعِ فَالْعَتِيقُ أَفْضَلُ مِنْ الْأَبْعَدِ، وَالْأَعْتَقُ أَوْلَى إنْ اسْتَوَيَا فِي الْكَثْرَةِ وَالْعِتْقِ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَعْتَقَ وَالْآخَرُ أَكْثَرَ جَمْعًا، رُجِّحَ الْأَبْعَدُ، وَعَنْهُ بَلْ الْأَقْرَبُ. انْتَهَى. وَفِي كَلَامِهِ بَعْضُ تَكْرَارٍ قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: مَحَلُّ الرِّوَايَتَيْنِ فِي مَسْجِدَيْنِ جَدِيدَيْنِ أَوْ عَتِيقَيْنِ سَوَاءٌ، اخْتَلَفَا فِي كَثْرَةِ الْجَمْعِ وَقِلَّتِهِ، أَوْ اسْتَوَيَا. فَائِدَةٌ: انْتِظَارُ كَثْرَةِ الْجَمْعِ أَفْضَلُ مِنْ فَضِيلَةِ أَوَّلِ الْوَقْتِ، مَعَ قِلَّةِ الْجَمْعِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ قَالَ ابْنُ حَامِدٍ: الِانْتِظَارُ أَفْضَلُ، وَقَدْ أَوْمَأَ إلَيْهِ أَحْمَدُ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ أَوَّلَ الْوَقْتِ أَفْضَلُ مَعَ قِلَّةِ الْجَمْعِ مِنْ انْتِظَارِ كَثْرَةِ الْجَمْعِ قَالَ الْقَاضِي: يُحْتَمَلُ أَنْ يُصَلِّيَ وَلَا يَنْتَظِرَ، لِيُدْرِكَ فَضِيلَةَ أَوَّلِ الْوَقْتِ. قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالْحَاوِي الْكَبِير، وَالْفَائِقِ وَأَمَّا تَقْدِيمُ انْتِظَارِ الْجَمَاعَةِ وَلَوْ قَلَّتْ عَلَى أَوَّلِ الْوَقْتِ إذَا صَلَّى مُنْفَرِدًا: فَهُوَ الْمَذْهَبُ ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ فِي كُتُبِ الْخِلَافِ، وَالْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي، وَأَبُو الْمَعَالِي فِي النِّهَايَةِ، وَغَيْرهمْ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيُتَوَجَّهُ تَخْرِيجٌ وَاحْتِمَالٌ مِنْ الْمُتَيَمِّمِ أَوَّلَ الْوَقْتِ مَعَ ظَنِّ الْمَاءِ آخِرَ الْوَقْتِ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ قَوْلُهُ (وَلَا يَؤُمُّ فِي مَسْجِدٍ قَبْلَ إمَامِهِ الرَّاتِبِ إلَّا بِإِذْنِهِ) يَعْنِي يَحْرُمُ ذَلِكَ صَرَّحَ بِهِ فِي الْفُرُوعِ، وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَالسَّامِرِيُّ وَغَيْرُهُمْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: لَيْسَ لَهُمْ ذَلِكَ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ قَالَ الْقَاضِي: مَنْعُ غَيْرِ إمَامِ الْحَيِّ أَنْ يُؤَذِّنَ وَيُقِيمَ وَيَؤُمَّ بِالْمَسْجِدِ، ذَكَرَهُ فِي الْفُرُوعِ آخِرَ الْأَذَانِ، وَقَالَ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ: قَدْ كَرِهَ أَحْمَدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ (إلَّا أَنْ يَتَأَخَّرَ لِعُذْرٍ) الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ غَيْرَ الْإِمَامِ لَا يَؤُمُّ، إلَّا أَنْ يَتَأَخَّرَ الْإِمَامُ وَيَضِيقَ
الْوَقْتُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: هَذَا الْأَشْهَرُ، وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ تَمِيمٍ، وَالْفَائِقُ، وَقَالَ فِي الْكَافِي: يَجُوزُ أَنْ يَؤُمَّ غَيْرُ الْإِمَامِ، مَعَ غَيْبَتِهِ، كَفِعْلِ أَبِي بَكْرٍ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -. قَوْلُهُ (فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ عُذْرَهُ انْتَظَرَ، وَرُوسِلَ، مَا لَمْ يَخْشَ خُرُوجَ الْوَقْتِ) إذَا تَأَخَّرَ الْإِمَامُ عَنْ وَقْتِهِ الْمُعْتَادِ، رُوسِلَ إنْ كَانَ قَرِيبًا وَلَمْ يَكُنْ مَشَقَّةٌ، وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا، وَلَمْ يَغْلِبْ عَلَى الظَّنِّ حُضُورُهُ صَلَّوْا، وَكَذَا لَوْ ظَنَّ حُضُورَهُ وَلَكِنْ لَا يُنْكِرُ ذَلِكَ وَلَا يَكْرَهُهُ، قَالَهُ صَاحِبُ الْفُرُوعِ وَابْنُ تَمِيمٍ. فَائِدَتَانِ. إحْدَاهُمَا: حَيْثُ قُلْنَا يَحْرُمُ أَنْ يَؤُمَّ قَبْلَ إمَامِهِ فَلَوْ خَالَفَ وَأَمَّ، فَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُهُ لَا يَصِحُّ، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى وَلَا يَؤُمُّ، فَإِنْ فَعَلَ صَحَّ وَيُكْرَهُ، وَيُحْتَمَلُ الْبُطْلَانُ، لِلنَّهْيِ. انْتَهَى. الثَّانِيَةُ: لَوْ جَاءَ الْإِمَامُ بَعْدَ شُرُوعِهِمْ فِي الصَّلَاةِ فَهَلْ يَجُوزُ تَقْدِيمُهُ، وَيَصِيرُ إمَامًا، وَالْإِمَامُ مَأْمُومًا؟ لِأَنَّ حُضُورَ إمَامِ الْحَيِّ يَمْنَعُ الشُّرُوعَ فَكَانَ عُذْرًا بَعْدَ الشُّرُوعِ، أَمْ لَا يَجُوزُ تَقْدِيمُهُ، أَمْ يَجُوزُ لِلْإِمَامِ الْأَعْظَمِ فَقَطْ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ مَنْصُوصَتَانِ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ وَأَطْلَقَهُنَّ فِيهِ، وَقِيلَ: ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ، وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي آخِرِ بَابِ النِّيَّةِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عِنْدَ قَوْلِهِ (وَإِنْ أَحْرَمَ إمَامًا لِغَيْبَةِ إمَامِ الْحَيِّ ثُمَّ حَضَرَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ) وَتَقَدَّمَ الْمَذْهَبُ فِي ذَلِكَ مُسْتَوْفًى. قَوْلُهُ (فَإِنْ صَلَّى ثُمَّ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ اُسْتُحِبَّ لَهُ إعَادَتُهَا) وَكَذَا لَوْ جَاءَ مَسْجِدًا فِي غَيْرِ وَقْتِ نَهْيٍ، وَلَمْ يَقْصِدْهُ لِلْإِعَادَةِ، وَأُقِيمَتْ هَذَا الْمَذْهَبُ وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَغَيْرِهِمَا وَقَدَّمَهُ
فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَالْحَوَاشِي، وَغَيْرِهِمْ، وَلَوْ كَانَ صَلَّى جَمَاعَةً، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، وَقَالَ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَغَيْرِهِمَا: اُسْتُحِبَّ إعَادَتُهَا مَعَ إمَامِ الْحَيِّ وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ لَا يُعِيدُهَا مَنْ بِالْمَسْجِدِ وَغَيْرِهِ بِلَا سَبَبٍ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ بَعْضِهِمْ، وَعَنْهُ تَجِبُ الْإِعَادَةُ، وَعَنْهُ تَجِبُ مَعَ إمَامِ الْحَيِّ وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ قَوْلُهُ إلَّا (الْمَغْرِبَ) الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ إعَادَةُ الْمَغْرِبِ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَعَنْهُ يُعِيدُهَا صَحَّحَهَا ابْنُ عَقِيلٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ فِي الرِّعَايَةِ وَقَطَعَ بِهِ فِي التَّسْهِيلِ. فَعَلَيْهَا يَشْفَعُهَا بِرَابِعَةٍ عَلَى الصَّحِيحِ يَقْرَأُ فِيهَا بِالْحَمْدِ وَسُورَةٍ كَالتَّطَوُّعِ نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد، وَقِيلَ: لَا يَشْفَعُهَا قَالَ فِي الْفَائِقِ: وَهُوَ الْمُخْتَارُ فَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ يَشْفَعُهَا: لَوْ لَمْ يَفْعَلْ انْبَنَى عَلَى صِحَّةِ التَّطَوُّعِ بِوِتْرٍ. عَلَى مَا تَقَدَّمَ، قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ. فَائِدَتَانِ: إحْدَاهُمَا: حَيْثُ قُلْنَا: يُعِيدُ فَالْأُولَى فَرْضٌ نَصَّ عَلَيْهِ. كَإِعَادَتِهَا مُنْفَرِدًا لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا فِي الْمَذْهَبِ، وَيَنْوِي الْمُعَادَةَ نَفْلًا ثُمَّ وَجَدْت الشَّيْخَ تَقِيَّ الدِّينِ فِي الْفَتَاوَى الْمِصْرِيَّةِ قَالَ: وَإِذَا صَلَّى مَعَ الْجَمَاعَةِ نَوَى بِالثَّانِيَةِ مُعَادَةً، وَكَانَتْ الْأُولَى فَرْضًا، وَالثَّانِيَةُ نَفْلًا، عَلَى الصَّحِيحِ، وَقِيلَ: الْفَرْضُ أَكْمَلُهُمَا، وَقِيلَ: ذَلِكَ إلَى اللَّهِ. انْتَهَى. فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّ الْقَوْلَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ لِلْعُلَمَاءِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّهُمَا فِي الْمَذْهَبِ. الثَّانِيَةُ: يُكْرَهُ قَصْدُ الْمَسَاجِدِ لِإِعَادَةِ الْجَمَاعَةِ. زَادَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ: وَلَوْ كَانَ صَلَّى وَحْدَهُ، وَلِأَجْلِ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ لِفَوْتِهَا لَهُ، لَا لِقَصْدِ الْجَمَاعَةِ، نَصَّ عَلَى الثَّلَاثِ.
وَأَمَّا دُخُولُ الْمَسْجِدِ وَقْتَ نَهْيٍ لِلصَّلَاةِ مَعَهُمْ: فَيَنْبَنِي عَلَى فِعْلِ مَا لَهُ سَبَبٌ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ، قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَغَيْرُهُمَا، وَقَالَ فِي التَّلْخِيصِ: لَا يُسْتَحَبُّ دُخُولُهُ وَقْتَ نَهْيٍ لِلصَّلَاةِ مَعَ إمَامِ الْحَيِّ، وَيَحْرُمُ مَعَ غَيْرِهِ، وَيُخَيَّرُ مَعَ إمَامِ الْحَيِّ إذَا كَانَ غَيْرَ وَقْتِ نَهْيٍ، وَلَا يُسْتَحَبُّ مَعَ غَيْرِهِ. [وَقَالَ الْقَاضِي: يُسْتَحَبُّ الدُّخُولُ وَقْتَ النُّهَى لِلْإِعَادَةِ مَعَ إمَامِ الْحَيِّ] ، وَيُسْتَحَبُّ مَعَ غَيْرِهِ، فِيمَا سِوَى الْفَجْرِ وَالْعَصْرِ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ دُخُولُ الْمَسْجِدِ بَعْدَهَا، وَنَقَلَهُ الْأَثْرَمُ، وَتَقَدَّمَ اخْتِيَارُ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ قَرِيبًا قَوْلُهُ (وَلَا تُكْرَهُ إعَادَةُ الْجَمَاعَةِ فِي غَيْرِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ) مَعْنَى إعَادَةِ الْجَمَاعَةِ: أَنَّهُ إذَا صَلَّى الْإِمَامُ الرَّاتِبُ، ثُمَّ حَضَرَ جَمَاعَةً لَمْ يُصَلُّوا، فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُمْ أَنْ يُصَلُّوا جَمَاعَةً، وَهَذَا الْمَذْهَبُ، يَعْنِي أَنَّهَا لَا تُكْرَهُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْوَجِيزِ، وَالشَّرْحِ، وَنَاظِمِ الْمُفْرَدَاتِ، وَغَيْرِهِمْ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالْفَائِقُ، وَغَيْرُهُمْ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، وَقِيلَ: تُكْرَهُ، وَقَالَهُ الْقَاضِي فِي مَوْضِعٍ مِنْ كَلَامِهِ، وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ تُكْرَهُ فِي غَيْرِ مَسَاجِدِ الْأَسْوَاقِ، وَقِيلَ: تُكْرَهُ بِالْمَسَاجِدِ الْعِظَامِ، وَقَالَهُ الْقَاضِي فِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ، وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ. تَنْبِيهٌ: الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ مُرَادَ مَنْ يَقُولُ (يُسْتَحَبُّ أَوْ لَا يُكْرَهُ) نَفْيُ الْكَرَاهَةِ لَا أَنَّهَا غَيْرُ وَاجِبَةٍ، إذْ الْمَذْهَبُ أَنَّ الْجَمَاعَةَ وَاجِبَةٌ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُمْ: نَفْيَ الْكَرَاهَةِ، وَقَالُوهُ لِأَجْلِ الْمُخَالِفِ، أَوْ يَكُونَ عَلَى ظَاهِرِهِ، لَكِنْ لِيُصَلُّوا فِي غَيْرِهِ. فَائِدَةٌ: لَوْ أَدْرَكَ رَكْعَتَيْنِ مِنْ الرُّبَاعِيَّةِ الْمُعَادَةِ، لَمْ يُسَلِّمْ مَعَ إمَامِهِ، بَلْ يَقْضِي مَا فَاتَهُ نَصَّ عَلَيْهِ، وَهَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ وَجَزَمَ بِهِ فِي التَّلْخِيصِ وَغَيْرِهِ، وَقَالَ الْآمِدِيُّ: لَهُ أَنْ يُسَلِّمَ مَعَهُ. تَنْبِيهٌ: مَفْهُومُ قَوْلِهِ " وَلَا تُكْرَهُ إعَادَةُ الْجَمَاعَةِ فِي غَيْرِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ " أَنَّهَا
تُكْرَهُ فِي الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ، وَهِيَ مَسْجِدُ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَالْأَقْصَى، وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَاتِ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَهُوَ مَفْهُومُ كَلَامِهِ فِي الْوَجِيزِ، فَإِنَّهُ قَالَ: وَإِعَادَةُ جَمَاعَةٍ تُقَامُ، إلَّا الْمَغْرِبَ، بِمَسْجِدٍ غَيْرِ الثَّلَاثَةِ، هُوَ فِيهِ، وَكَذَا فِي التَّسْهِيلِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ نَاظِمُ الْمُفْرَدَاتِ وَقَدَّمَهُ فِي النَّظْمِ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَا تُكْرَهُ إلَّا مَسْجِدَيْ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَقَطْ وَهُوَ الْمَذْهَبُ جَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالْمُنَوِّرِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ قَالَ الْمَجْدُ: هِيَ الْأَشْهَرُ عَنْ أَحْمَدَ، وَذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ عَنْ الْأَصْحَابِ، وَالرِّوَايَةُ الثَّالِثَةُ: تُسْتَحَبُّ الْإِعَادَةُ أَيْضًا فِيهِنَّ اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ وَأَطْلَقَ الْكَرَاهَةَ وَعَدَمَهَا فِي الْمَسْجِدَيْنِ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالرِّوَايَةُ الرَّابِعَةُ: تُسْتَحَبُّ الْإِعَادَةُ فِيهِنَّ مَعَ ثَلَاثَةٍ فَأَقَلَّ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَفِيهِ بُعْدٌ لِلْخَبَرِ. قَوْلُهُ (وَإِذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَلَا صَلَاةَ إلَّا الْمَكْتُوبَةَ) بِلَا نِزَاعٍ فَلَوْ تَلَبَّسَ بِنَافِلَةٍ بَعْدَ مَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ لَمْ تَنْعَقِدْ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَهُوَ ظَاهِرُ اخْتِيَارِ الْمَجْدِ، وَغَيْرِهِ، وَقِيلَ: تَصِحُّ، وَهُمَا مُخَرَّجَانِ مِنْ الرِّوَايَتَيْنِ فِيمَنْ شَرَعَ فِي النَّفْلِ الْمُطْلَقِ وَعَلَيْهِ فَوَائِتُ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي آخِرِ شُرُوطِ الصَّلَاةِ، وَتَقَدَّمَ نَظِيرُ ذَلِكَ بَعْدَ قَضَاءِ الْفَرَائِضِ فِي شُرُوطِ الصَّلَاةِ فَلْيُعَاوَدْ وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفَائِقِ، وَالْفُرُوعِ، فِي بَابِ الْأَذَانِ، وَابْنُ تَمِيمٍ. قَوْلُهُ (وَإِنْ أُقِيمَتْ وَهُوَ فِي نَافِلَةٍ أَتَمَّهَا، إلَّا أَنْ يَخْشَى فَوَاتَ الْجَمَاعَةِ فَيَقْطَعَهَا) هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَعَنْهُ يُتِمُّهَا وَإِنْ خَشِيَ فَوَاتَ الْجَمَاعَةِ خَفِيفَةً رَكْعَتَيْنِ، إلَّا أَنْ يَشْرَعَ فِي الثَّالِثَةِ. فَيُتِمَّ الْأَرْبَعَ نَصَّ عَلَيْهِ لِكَرَاهَةِ
الِاقْتِصَارِ عَلَى ثَلَاثٍ، أَوْ لَا يَجُوزُ، قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ فِي بَابِ الْأَذَانِ، وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ، وَصَاحِبُ الْفَائِقِ، وَغَيْرُهُمْ: وَإِنْ سَلَّمَ مِنْ الثَّالِثَةِ جَازَ نَصَّ عَلَيْهِ وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ وَهُوَ فِي نَافِلَةٍ، وَلَمْ يَخَفْ فَوْتَ مَا يُدْرِكُ بِهِ الْجَمَاعَةَ أَتَمَّهَا، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَإِنْ خَافَ فَوْتَهَا، وَقِيلَ: أَوْ فَوْتَ الرَّكْعَةِ الْأُولَى مِنْهَا مَعَ الْإِمَامِ قَطَعَهُ، وَعَنْهُ بَلْ يُتِمُّهُ، وَيُسَلِّمُ مِنْ اثْنَتَيْنِ، وَيَلْحَقُهُمْ، وَعَنْهُ يُتِمُّهُ، وَإِنْ خَافَ الْفَوَاتَ. انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: أَنَّهُ أَرَادَ فَوْتَ جَمِيعِ الصَّلَاةِ، وَقَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ فِيهَا: الْمُرَادُ بِالْفَوَاتِ فَوَاتُ الرَّكْعَةِ الْأُولَى، وَكُلٌّ مُتَّجَهٌ. انْتَهَى. وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيُتِمُّ النَّافِلَةَ مَنْ هُوَ فِيهَا، وَلَوْ فَاتَتْهُ رَكْعَةٌ، وَإِنْ خَشِيَ فَوَاتَ الْجَمَاعَةِ قَطَعَهَا. فَائِدَتَانِ. إحْدَاهُمَا: قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَا فَرْقَ عَلَى مَا ذَكَرُوهُ فِي الشُّرُوعِ فِي نَافِلَةٍ بِالْمَسْجِدِ أَوْ خَارِجَهُ، وَلَوْ بِبَيْتِهِ، وَقَدْ نَقَلَ أَبُو طَالِبٍ: إذَا سَمِعَ الْإِقَامَةَ وَهُوَ فِي بَيْتِهِ فَلَا يُصَلِّي رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ بِبَيْتِهِ وَلَا بِالْمَسْجِدِ. الثَّانِيَةُ: لَوْ جَهِلَ الْإِقَامَةَ فَكَجَهْلِ وَقْتِ نَهْيٍ، فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: لِأَنَّهُ أَصْلُ الْمَسْأَلَةِ قَالَ: وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ، وَلَوْ أَرَادَ الصَّلَاةَ مَعَ غَيْرِ ذَلِكَ الْإِمَامِ، قَالَ: وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ. كَمَا لَوْ سَمِعَهَا فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ فَإِنَّهُ يَبْعُدُ الْقَوْلُ بِهِ. قَوْلُهُ (وَمَنْ كَبَّرَ قَبْلَ سَلَامِ إمَامِهِ فَقَدْ أَدْرَكَ الْجَمَاعَةَ) هَذَا الْمَذْهَبُ نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَهُوَ الْمَعْمُولُ بِهِ فِي الْمَذْهَبِ قَالَ فِي النُّكَتِ، فِي الْجَمْعِ: قَطَعَ بِهِ الْأَصْحَابُ قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: هَذَا إجْمَاعٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَقِيلَ: لَا يُدْرِكُهَا إلَّا بِرَكْعَةٍ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ أَبِي مُوسَى وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَذَكَرَهُ رِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ، وَقَالَ: اخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَقَالَ: وَعَلَيْهَا إنْ تَسَاوَتْ الْجَمَاعَةُ فَالثَّانِيَةُ مِنْ أَوَّلِهَا أَفْضَلُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَعَلَّ مُرَادَهُ: مَا نَقَلَهُ صَالِحٌ، وَأَبُو طَالِبٍ، وَابْنُ هَانِئٍ فِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْحَجُّ عَرَفَةَ» أَنَّهُ مِثْلُ قَوْلِهِ «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الصَّلَاةِ، فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ» إنَّمَا يُرِيدُ بِذَلِكَ فَضْلَ الصَّلَاةِ، وَكَذَلِكَ يُدْرِكُ فَضْلَ الْحَجِّ قَالَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ: وَمَعْنَاهُ: أَصْلُ فَضْلِ الْجَمَاعَةِ، لَا حُصُولُهَا فِيمَا سُبِقَ بِهِ فَإِنَّهُ فِيهِ مُنْفَرِدٌ حِسًّا وَحُكْمًا إجْمَاعًا. تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ كَلَامِهِ: أَنَّهُ يُدْرِكُهَا بِمُجَرَّدِ التَّكْبِيرِ قَبْلَ سَلَامِهِ، سَوَاءٌ جَلَسَ أَوْ لَمْ يَجْلِسْ، وَهُوَ صَحِيحٌ وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَقَالَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ: يُدْرِكُهَا بِشَرْطِ أَنْ يَجْلِسَ بَعْدَ تَكْبِيرِهِ، وَقَبْلَ سَلَامِهِ. وَحَمَلَ ابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ عَلَيْهِ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَيْضًا: أَنَّهُ لَا يُدْرِكُهَا إذَا كَبَّرَ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ مِنْ الْأُولَى، وَقَبْلَ سَلَامِهِ مِنْ الثَّانِيَةِ وَهُوَ صَحِيحٌ وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَقِيلَ: يُدْرِكُهَا وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفَائِقِ، وَعَنْهُ يُدْرِكُهَا أَيْضًا إذَا كَبَّرَ بَعْدَ سَلَامِهِ مِنْ الثَّانِيَةِ إذَا سَجَدَ لِلسَّهْوِ بَعْدَ السَّلَامِ، وَكَانَ تَكْبِيرُهُ قَبْلَ سُجُودِهِ. فَائِدَتَانِ. إحْدَاهُمَا: لَا يَقُومُ الْمَسْبُوقُ قَبْلَ سَلَامِ إمَامِهِ مِنْ الثَّانِيَةِ فَلَوْ خَالَفَ وَقَامَ قَبْلَ سَلَامِهِ لَزِمَهُ الْعَوْدُ، فَيَقُومُ بَعْدَ سَلَامِهِ مِنْهَا، إنْ قُلْنَا بِوُجُوبِهَا، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ مُفَارَقَتُهُ بِلَا عُذْرٍ فَإِنْ لَمْ يَعُدْ خَرَجَ مِنْ الِائْتِمَامِ، وَبَطَلَ فَرْضُهُ وَصَارَ نَفْلًا. زَادَ بَعْضُهُمْ: صَارَ نَفْلًا بِلَا إمَامٍ، وَهَذَا أَحَدُ الْوُجُوهِ قَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ مُفْلِحٍ فِي حَوَاشِيهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَبْطُلُ ائْتِمَامُهُ، وَلَا يَبْطُلُ فَرْضُهُ، إنْ قِيلَ: بِمَنْعِ الْمُفَارَقَةِ لِغَيْرِ عُذْرٍ وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفَائِقِ. وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: تَبْطُلُ صَلَاتُهُ رَأْسًا فَلَا يَصِحُّ لَهُ نَفْلٌ وَلَا فَرْضٌ، وَهُوَ احْتِمَالٌ فِي مُخْتَصَرِ ابْنِ تَمِيمٍ وَأَطْلَقَهُنَّ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ حِكَايَةِ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ وَقُلْت: إنْ تَرَكَهُ عَمْدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَإِلَّا بَطَلَ ائْتِمَامُهُ فَقَطْ. الثَّانِيَةُ: يَقُومُ الْمَسْبُوقُ إلَى الْقَضَاءِ بِتَكْبِيرٍ مُطْلَقًا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ نَصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: إنْ أَدْرَكَهُ فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ لَمْ يُكَبِّرْ عِنْدَ قِيَامِهِ، وَقِيلَ: لَا يُكَبِّرُ مَنْ كَانَ جَالِسًا لِمَرَضٍ أَوْ نَفْلٍ، أَوْ غَيْرِهِمَا، ذَكَرَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَقَالَ فِي الصُّغْرَى: فَإِذَا سَلَّمَ إمَامُهُ قَامَ مُكَبِّرًا نَصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: لَا فَظَاهِرُ هَذَا الْقَوْلِ: أَنَّهُ لَا يُكَبِّرُ عِنْدَ قِيَامِهِ مُطْلَقًا. قَوْلُهُ (وَمَنْ أَدْرَكَ الرُّكُوعَ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ) هَذَا الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ أَدْرَكَ مَعَهُ الطُّمَأْنِينَةَ أَوْ لَا، إذَا اطْمَأَنَّ هُوَ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ، وَقِيلَ: يُدْرِكُهَا إنْ أَدْرَكَ مَعَهُ الطُّمَأْنِينَةَ وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُغْنِي؛ وَالشَّرْحِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، تَبَعًا لِابْنِ عَقِيلٍ، وَقَالَ ابْنُ رَجَبٍ فِي الْقَاعِدَةِ الثَّالِثَةِ: إذَا أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي الرُّكُوعِ بَعْدَ فَوَاتِ قَدْرِ الْإِجْزَاءِ مِنْهُ: هَلْ يَكُونُ مُدْرِكًا لَهُ فِي الْفَرِيضَةِ؟ ظَاهِرُ كَلَامِ الْقَاضِي وَابْنِ عَقِيلٍ: تَخْرِيجُهَا عَلَى الْوَجْهَيْنِ، إذَا قُلْنَا: لَا يَصِحُّ اقْتِدَاءُ الْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّلِ قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَجْرِيَ الزِّيَادَةُ مَجْرَى الْوَاجِبِ فِي بَابِ الِاتِّبَاعِ خَاصَّةً. إذْ الِاتِّبَاعُ قَدْ يُسْقِطُ الْوَاجِبَ؛ كَمَا فِي الْمَسْبُوقِ وَمُصَلِّي الْجُمُعَةِ، مِنْ امْرَأَةٍ وَعَبْدٍ وَمُسَافِرٍ. انْتَهَى. فَعَلَى الْمَذْهَبِ: عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِالتَّكْبِيرِ فِي حَالِ قِيَامِهِ، وَتَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ بَابِ صِفَةِ الصَّلَاةِ لَوْ أَتَى بِهِ أَوْ بِبَعْضِهِ رَاكِعًا أَوْ قَاعِدًا، هَلْ تَنْعَقِدُ؟ ".
فَائِدَةٌ: إنْ شَكَّ هَلْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ رَاكِعًا أَمْ لَا؟ لَمْ يُدْرِكْ الرَّكْعَةَ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَذَكَرَ فِي التَّلْخِيصِ وَجْهًا أَنَّهُ يُدْرِكُهَا، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ رُكُوعِهِ. قَوْلُهُ (وَأَجْزَأَتْهُ تَكْبِيرَةٌ وَاحِدَةٌ) يَعْنِي تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ فَتُجْزِئُهُ عَنْ تَكْبِيرَةِ الرُّكُوعِ وَهَذَا الْمَذْهَبُ نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي، وَالْمُغْنِي، وَالْمُحَرَّرِ وَالشَّرْحِ، وَالْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِمْ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِ، وَعَنْهُ يُعْتَبَرُ مَعَهَا تَكْبِيرَةُ الرُّكُوعِ اخْتَارَهَا جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ مِنْهُمْ ابْنُ عَقِيلٍ، وَابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمُذْهَبِ قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: وَإِنْ أَدْرَكَهُ فِي الرُّكُوعِ فَقَدْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ إذَا كَبَّرَ تَكْبِيرَتَيْنِ لِلْإِحْرَامِ وَلِلرُّكُوعِ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى: وَإِنْ لَحِقَهُ رَاكِعًا لَحِقَ الرَّكْعَةَ، وَكَبَّرَ لِلْإِحْرَامِ قَائِمًا نَصَّ عَلَيْهِ ثُمَّ كَبَّرَ لِلرُّكُوعِ عَلَى الْأَصَحِّ إنْ أَمْكَنَ، وَكَذَا قَالَ فِي الْكُبْرَى، وَقَالَ: إنْ أَمْكَنَ وَأَمِنَ فَوْتُهُ، وَقَالَ: إنْ تَرَكَ الثَّانِيَةَ وَلَمْ يَنْوِهَا بِالْأَوَّلَةِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَعَنْهُ يَصِحُّ، وَيُجْزِئُ، وَقِيلَ: إنْ تَرَكَهَا عَمْدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَإِنْ تَرَكَهَا سَهْوًا صَحَّتْ، وَسَجَدَ لَهُ فِي الْأَقْيَسِ انْتَهَى. فَائِدَتَانِ. إحْدَاهُمَا: لَوْ نَوَى بِالتَّكْبِيرَةِ الْوَاحِدَةِ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ وَالرُّكُوعِ لَمْ تَنْعَقِدْ الصَّلَاةُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ جَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ وَغَيْرِهِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَغَيْرِهِمْ وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ، وَعَنْهُ تَنْعَقِدُ اخْتَارَهُ ابْنُ شَاقِلَا، وَالْمُصَنِّفُ، وَالْمَجْدُ، وَالشَّارِحُ قَالَ فِي الْحَاوِي الْكَبِيرِ: وَإِنْ نَوَاهَا بِتَكْبِيرَةٍ وَاحِدَةٍ أَجْزَأَهُ، فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ نَصَّ عَلَيْهِ، وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ، وَالْفَائِقُ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرُ قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ: وَمِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ قَالَ: إنْ قُلْنَا تَكْبِيرَةُ الرُّكُوعِ
سُنَّةٌ أَجْزَأَتْهُ، وَإِنْ قُلْنَا وَاجِبَةٌ لَمْ يَصِحَّ التَّشْرِيكُ قَالَ: وَفِيهِ ضَعْفٌ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ تَكْبِيرَةَ الرُّكُوعِ تُجْزِئُ فِي حَالِ الْقِيَامِ، خِلَافُ مَا يَقُولُهُ الْمُتَأَخِّرُونَ. انْتَهَى. الثَّانِيَةُ: لَوْ أَدْرَكَ إمَامَهُ فِي غَيْرِ الرُّكُوعِ اُسْتُحِبَّ لَهُ الدُّخُولُ مَعَهُ وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَالْمَنْصُوصُ: أَنَّهُ يَنْحَطُّ مَعَهُ بِلَا تَكْبِيرَةٍ جَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَغَيْرِهِمَا وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ، وَقِيلَ: يُكَبِّرُ وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ وَالْفَائِقُ. قَوْلُهُ (وَمَا أَدْرَكَ مَعَ الْإِمَامِ فَهُوَ آخِرُ صَلَاتِهِ، وَمَا يَقْضِيهِ أَوَّلُهَا) هَذَا الْمَذْهَبُ بِلَا رَيْبٍ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِمْ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالْفَائِقُ، وَغَيْرُهُمْ، وَعَنْهُ مَا أَدْرَكَ مَعَ الْإِمَامِ فَهُوَ أَوَّلُ صَلَاتِهِ، وَمَا يَقْضِيهِ آخِرُهَا. تَنْبِيهٌ: لِهَذَا الْخِلَافِ فَوَائِدُ كَثِيرَةٌ، ذَكَرَهَا ابْنُ رَجَبٍ فِي قَوَاعِدِهِ وَغَيْرُهُ فَمِنْهَا مَحَلُّ الِاسْتِفْتَاحِ فَعَلَى الْمَذْهَبِ: يَسْتَفْتِحُ فِيمَا يَقْضِيهِ، وَعَلَى الثَّانِيَةِ: فِيمَا أَدْرَكَهُ، وَهَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقَالَ الْقَاضِي فِي شَرْحِ الْمُذْهَبِ: لَا يُشْرَعُ الِاسْتِفْتَاحُ عَلَى كِلَا الرِّوَايَتَيْنِ لِفَوْتِ مَحَلِّهِ، وَمِنْهَا: التَّعَوُّذُ إذَا قُلْنَا: هُوَ مَخْصُوصٌ بِأَوَّلِ رَكْعَةٍ فَعَلَى الْمَذْهَبِ: يَتَعَوَّذُ فِيمَا يَقْضِيهِ، وَعَلَى الثَّانِيَةِ فِيمَا أَدْرَكَهُ. قُلْت: الصَّوَابُ هُنَا: أَنْ يَتَعَوَّذَ فِيمَا أَدْرَكَهُ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَلَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ الْأَصْحَابِ قَالَهُ، وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِمَشْرُوعِيَّتِهِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ: فَتَلْغُو هَذِهِ الْفَائِدَةُ، وَمِنْهَا: صِفَةُ الْقِرَاءَةِ فِي الْجَهْرِ وَالْإِخْفَاتِ فَإِذَا فَاتَتْهُ رَكْعَتَانِ مِنْ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ جَهَرَ فِي قَضَائِهِمَا مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ، وَإِنْ أَمَّ فِيهِمَا وَقُلْنَا: بِجَوَازِهِ سُنَّ لَهُ الْجَهْرُ بِنَاءً عَلَى الْمَذْهَبِ، وَعَلَى الثَّانِيَةِ: لَا جَهْرَ هُنَا، وَتَقَدَّمَتْ الْمَسْأَلَةُ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ، عِنْدَ قَوْلِهِ وَيَجْهَرُ الْإِمَامُ بِالْقِرَاءَةِ بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا.
وَمِنْهَا: مِقْدَارُ الْقِرَاءَةِ، وَلِلْأَصْحَابِ فِيهِ طَرِيقَانِ أَحَدُهُمَا: إنْ أَدْرَكَ رَكْعَتَيْنِ مِنْ الرُّبَاعِيَّةِ، فَإِنَّهُ يَقْرَأُ فِي الْمَقْضِيَّتَيْنِ بِالْحَمْدِ وَسُورَةٍ مَعَهَا، عَلَى كِلَا الرِّوَايَتَيْنِ قَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: لَا يَخْتَلِفُ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ. وَذَكَرَ الْخَلَّالُ: أَنَّ قَوْلَهُ اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي: هُوَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ لَا نَعْلَمُ عَنْهُمْ فِيهِ خِلَافًا، وَذَكَرَهُ الْآجُرِّيُّ عَنْ أَحْمَدَ، الثَّانِي: يَبْنِي قِرَاءَتَهُ عَلَى الْخِلَافِ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ، ذَكَرَهُ ابْنُ هُبَيْرَةَ، وِفَاقًا لِلْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، وَقَالَهُ الْآجُرِّيُّ، وَهِيَ طَرِيقَةُ الْقَاضِي وَمَنْ بَعْدَهُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَجَزَمَ بِهِ جَمَاعَةٌ، وَذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ رَجَبٍ فِي فَوَائِدِهِ: وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ وَأَوْمَأَ إلَيْهِ فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ وَغَيْرِهِ. وَاخْتَارَهُ الْمَجْدُ، وَأَنْكَرَ الطَّرِيقَةَ الْأُولَى، وَقَالَ: لَا يَتَوَجَّهُ إلَّا عَلَى رَأْيِ مَنْ رَأَى قِرَاءَةَ السُّورَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، أَوْ عَلَى رَأْيِ مَنْ رَأَى قِرَاءَةَ السُّورَةِ فِي الْأُخْرَيَيْنِ إذَا نَسِيَهَا فِي الْأُولَيَيْنِ، وَقَالَ: أُصُولُ الْأَئِمَّةِ تَقْتَضِي الطَّرِيقَةَ الثَّانِيَةَ. صَرَّحَ بِهِ جَمَاعَةٌ قَالَ ابْنُ رَجَبٍ، قُلْت: وَقَدْ أَشَارَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ إلَى مَأْخَذٍ ثَالِثٍ، وَهُوَ الِاحْتِيَاطُ لِلتَّرَدُّدِ فِيهِمَا، وَقِرَاءَةُ السُّورَةِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ فَيَحْتَاطُ لَهَا أَكْثَرَ مِنْ الِاسْتِفْتَاحِ وَالتَّعَوُّذِ. انْتَهَى. وَمِنْهَا: لَوْ أَدْرَكَ مِنْ الرُّبَاعِيَّةِ رَكْعَةً فَعَلَى الْمَذْهَبِ: يَقْرَأُ فِي الْأُولَيَيْنِ بِالْحَمْدِ وَسُورَةٍ، وَفِي الثَّالِثَةِ: بِالْحَمْدِ فَقَطْ، وَنَقَلَ عَنْهُ الْمَيْمُونِيُّ: يَحْتَاطُ وَيَقْرَأُ فِي الثَّلَاثَةِ بِالْحَمْدِ وَسُورَةٍ قَالَ الْخَلَّالُ: رَجَعَ عَنْهَا أَحْمَدُ، وَمِنْهَا: قُنُوتُ الْوِتْرِ إذَا أَدْرَكَهُ الْمَسْبُوقُ مَعَ مَنْ يُصَلِّيهِ بِسَلَامٍ وَاحِدٍ فَإِنَّهُ يَقَعُ فِي مَحَلِّهِ، وَلَا يُعِيدُ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَعَلَى الثَّانِيَةِ: يُعِيدُهُ فِي آخِرِ رَكْعَةٍ يَقْضِيهَا، وَمِنْهَا: تَكْبِيرَاتُ الْعِيدِ الزَّوَائِدُ. إذَا أَدْرَكَ الْمَسْبُوقُ الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ فَعَلَى الْمَذْهَبِ: يُكَبِّرُ فِي الْمَقْضِيَّةِ سَبْعًا، وَعَلَى الثَّانِيَةِ: خَمْسًا، وَمِنْهَا: إذَا سُبِقَ بِبَعْضِ تَكْبِيرَاتِ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ.
فَعَلَى الْمَذْهَبِ: يُتَابِعُ الْإِمَامَ فِي الذِّكْرِ الَّذِي هُوَ فِيهِ، ثُمَّ يَقْرَأُ فِي أَوَّلِ تَكْبِيرَةٍ يَقْضِيهَا، وَعَلَى الثَّانِيَةِ: لَا يُتَابِعُ الْإِمَامَ، بَلْ يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ خَلْفَ الْإِمَامِ، وَمِنْهَا: مَحَلُّ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ فِي حَقِّ مَنْ أَدْرَكَ مِنْ الْمَغْرِبِ، أَوْ مِنْ رُبَاعِيَّةٍ: رَكْعَةً فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يَتَشَهَّدُ عَقِيبَ رَكْعَةٍ عَلَى كِلَا الرِّوَايَتَيْنِ، وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ مِنْهُمْ الْخَلَّالُ، وَأَبُو بَكْرٍ، وَالْقَاضِي قَالَ الْخَلَّالُ: اسْتَقَرَّتْ الرِّوَايَاتُ عَلَيْهَا وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَقَالَ: فِي الْأَصَحِّ عَنْهُ، وَعَنْهُ يَتَشَهَّدُ عَقِيبَ رَكْعَةٍ فِي الْمَغْرِبِ فَقَطْ، وَعَنْهُ يَتَشَهَّدُ عَقِيبَ رَكْعَتَيْنِ فِي الْكُلِّ. نَقَلَهَا حَرْبٌ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ وَالشَّارِحُ، وَقَالَ الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ: الْكُلُّ جَائِزٌ، وَرَدَّهُ ابْنُ رَجَبٍ، وَاخْتُلِفَ فِي بِنَاءِ هَاتَيْنِ الرِّوَايَتَيْنِ فَقِيلَ: هُمَا مَبْنِيَّتَانِ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ إنْ قُلْنَا: مَا يَقْضِيهِ أَوَّلُ صَلَاتِهِ، لَمْ يَجْلِسْ إلَّا عَقِبَ رَكْعَتَيْنِ وَإِنْ قُلْنَا: مَا يَقْضِيهِ آخِرُهَا تَشَهَّدَ عَقِيبَ رَكْعَةٍ، وَهِيَ طَرِيقَةُ ابْنِ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ، وَأَوْمَأَ إلَيْهِ فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ، وَقِيلَ: هُمَا مَبْنِيَّتَانِ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ مَا يُدْرِكُهُ آخَرُ صَلَاتِهِ، وَهِيَ طَرِيقَةُ الْمَجْدِ وَنَصَّ عَلَى ذَلِكَ صَرِيحًا فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ وَالْبَرْقَانِيِّ، وَمِنْهَا: تَطْوِيلُ الرَّكْعَةِ الْأُولَى عَلَى الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ، وَتَرْتِيبُ السُّورَتَيْنِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ، ذَكَرَهُ ابْنُ رَجَبٍ تَخْرِيجًا لَهُ، وَقَالَ أَيْضًا: فَأَمَّا رَفْعُ الْيَدَيْنِ إذَا قَامَ مِنْ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ إذَا قُلْنَا: بِاسْتِحْبَابِهِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَرْفَعَ إذَا قَامَ إلَى الرَّكْعَةِ الْمَحْكُومِ بِأَنَّهَا ثَالِثَةٌ، سَوَاءٌ قَامَ عَنْ تَشَهُّدٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَرْفَعَ إذَا قَامَ مِنْ تَشَهُّدِهِ الْأَوَّلِ الْمُعْتَدِّ بِهِ، سَوَاءٌ كَانَ عَقِيبَ الثَّانِيَةِ أَوْ لَمْ يَكُنْ قَالَ: وَهُوَ أَظْهَرُ. انْتَهَى. وَمِنْهَا: التَّوَرُّكُ مَعَ إمَامِهِ وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يَتَوَرَّكُ مَعَ إمَامِهِ، عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُولَى كَمَا يَتَوَرَّكُ إذَا قَضَى قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَعَلَى الْأُولَى يَتَوَرَّكُ مَعَ إمَامِهِ كَمَا يَقْضِيهِ فِي الْأَصَحِّ، وَعَنْهُ يَفْتَرِشُ، وَعَنْهُ يُخَيَّرُ، وَهُوَ وَجْهٌ فِي الرِّعَايَةِ.
فَائِدَةٌ: قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَمُقْتَضَى قَوْلِهِ " إنَّهُ هَلْ يَتَوَرَّكُ مَعَ إمَامِهِ أَوْ يَفْتَرِشُ؟ " أَنَّ هَذَا الْقُعُودَ هَلْ هُوَ رُكْنٌ فِي حَقِّهِ؟ عَلَى الْخِلَافِ، وَقَالَ الْقَاضِي فِي التَّعْلِيقِ: الْقُعُودُ الْفَرْضُ مَا يَفْعَلُهُ آخِرَ صَلَاتِهِ، وَيَعْقُبُهُ السَّلَامُ، وَهَذَا مَعْدُومٌ هُنَا فَجَرَى مَجْرَى التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ، عَلَى أَنَّ الْقُعُودَ هَلْ هُوَ رُكْنٌ فِي حَقِّهِ بَعْدَ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ مِنْ آخِرِ صَلَاتِهِ وَلَيْسَ بِفَرْضٍ؟ كَذَا هُنَا، وَقَالَ الْمَجْدُ: لَا يُحْتَسَبُ لَهُ بِتَشَهُّدِ الْإِمَامِ الْأَخِيرِ إجْمَاعًا، لَا مِنْ أَوَّلِ صَلَاتِهِ وَلَا مِنْ آخِرِهَا، وَيَأْتِي فِيهِ بِالتَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ فَقَطْ، لِوُقُوعِهِ وَسَطًا، وَيُكَرِّرُهُ حَتَّى يُسَلِّمَ إمَامُهُ، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَعَنْهُ مَنْ سُبِقَ بِرَكْعَتَيْنِ لَا يَتَوَرَّكُ إلَّا فِي الْآخِرِ وَحْدَهُ، وَقِيلَ: فِي الزَّائِدَةِ عَلَى رَكْعَتَيْنِ يَتَوَرَّكُ إذَا قَضَى مَا سُبِقَ بِهِ، وَقِيلَ: هَلْ يُوَافِقُ إمَامَهُ فِي تَوَرُّكِهِ، أَمْ يُخَيَّرُ بَيْنَهُمَا؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ. انْتَهَى. قَوْلُهُ (وَلَا تَجِبُ الْقِرَاءَةُ عَلَى الْمَأْمُومِ) هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ نَصَّ عَلَيْهِ وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَعَنْهُ تَجِبُ الْقِرَاءَةُ عَلَيْهِ، ذَكَرَهَا التِّرْمِذِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ وَابْنُ الزَّاغُونِيِّ وَاخْتَارَهَا الْآجُرِّيُّ. نَقَلَ الْأَثْرَمُ: لَا بُدَّ لِلْمَأْمُومِ مِنْ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ، ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى فِي شَرْحِ الْخِرَقِيِّ، وَقَالَ: إنَّ كَثِيرًا مِنْ أَصْحَابِنَا لَا يَعْرِفُ وُجُوبَهَا، حَكَاهُ فِي النَّوَادِرِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: هَذِهِ الرِّوَايَةُ أَظْهَرُ، وَقِيلَ: تَجِبُ فِي صَلَاةِ السِّرِّ، وَحَكَاهُ عَنْهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ. وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ، وَنَقَلَ أَبُو دَاوُد: يَقْرَأُ خَلْفَهُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ إذَا جَهَرَ قَالَ: فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى يُجْزِئُ، وَقِيلَ: تَجِبُ الْقِرَاءَةُ فِي سَكَتَاتِ الْإِمَامِ وَمَا لَا يَجْهَرُ فِيهِ. تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ " وَلَا تَجِبُ الْقِرَاءَةُ عَلَى الْمَأْمُومِ " مَعْنَاهُ: أَنَّ الْإِمَامَ يَتَحَمَّلُهَا عَنْهُ،
وَإِلَّا فَهِيَ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ، هَذَا مَعْنَى كَلَامِ الْقَاضِي وَغَيْرِهِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ. فَائِدَةٌ: يَتَحَمَّلُ الْإِمَامُ عَنْ الْمَأْمُومِ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ، وَسُجُودَ السَّهْوِ، وَالسُّتْرَةَ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ قَالَ فِي التَّلْخِيصِ وَغَيْرِهِ: وَكَذَا التَّشَهُّدُ الْأَوَّلُ إذَا سَبَقَهُ بِرَكْعَةٍ، وَسُجُودُ التِّلَاوَةِ، وَدُعَاءُ الْقُنُوتِ قَوْلُهُ (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ فِي سَكَتَاتِ الْإِمَامِ) هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَقِيلَ: يَجِبُ فِي سَكَتَاتِ الْإِمَامِ، كَمَا تَقَدَّمَ. تَنْبِيهَاتٌ. الْأَوَّلُ: قَوْلُهُ (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ فِي سَكَتَاتِ الْإِمَامِ) يَعْنِي أَنَّ الْقِرَاءَةَ بِالْفَاتِحَةِ وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: هَلْ الْأَفْضَلُ قِرَاءَتُهُ لِلْفَاتِحَةِ لِلِاخْتِلَافِ فِي وُجُوبِهَا أَمْ بِغَيْرِهَا؛ لِأَنَّهُ اسْتَمَعَ الْفَاتِحَةَ؟ وَمُقْتَضَى نُصُوصِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَأَكْثَرِ أَصْحَابِهِ: أَنَّ الْقِرَاءَةَ بِغَيْرِهَا أَفْضَلُ، نَقَلَ الْأَثْرَمُ فِيمَنْ قَرَأَ خَلْفَ إمَامِهِ إذَا فَرَغَ الْفَاتِحَةَ. يُؤَمِّنُ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي مَا سَمِعْت، وَلَا أَرَى بَأْسًا وَظَاهِرُهُ التَّوَقُّفُ ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّهُ سُنَّةٌ. انْتَهَى. قَالَ فِي جَامِعِ الِاخْتِيَارَاتِ: مُقْتَضَى هَذَا إنَّمَا يَكُونُ غَيْرُهَا أَفْضَلَ إذَا سَمِعَهَا، وَإِلَّا فَهِيَ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهَا. الثَّانِي: أَفَادَنَا الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ تَفْرِيقَ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فِي سَكَتَاتِ الْإِمَامِ لَا يَضُرُّ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ وَنَصَّ عَلَيْهِ وَتَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَى ذَلِكَ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ. الثَّالِثُ: أَفَادَنَا الْمُصَنِّفُ أَيْضًا: أَنَّ لِلْإِمَامِ سَكَتَاتٍ، وَهُوَ صَحِيحٌ قَالَ الْمَجْدُ وَمَنْ تَابَعَهُ: هُمَا سَكْتَتَانِ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِحْبَابِ. إحْدَاهُمَا: تَخْتَصُّ بِأَوَّلِ رَكْعَةٍ
لِلِاسْتِفْتَاحِ، وَالثَّانِيَةُ: سَكْتَةٌ يَسِيرَةٌ بَعْدَ الْقِرَاءَةِ كُلِّهَا، لِيَرُدَّ إلَيْهِ نَفَسَهُ، لَا لِقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ خَلْفَهُ، عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: اسْتَحَبَّ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي صَلَاةِ الْجَهْرِ سَكْتَتَيْنِ: عَقِيبَ التَّكْبِيرِ لِلِاسْتِفْتَاحِ، وَقَبْلَ الرُّكُوعِ؛ لِأَجْلِ الْفَصْلِ، وَلَمْ يَسْتَحِبَّ أَنْ يَسْكُتَ سَكْتَةً تَسَعُ قِرَاءَةَ الْمَأْمُومِ، وَلَكِنَّ بَعْضَ الْأَصْحَابِ اسْتَحَبَّ ذَلِكَ. انْتَهَى. وَقَالَ فِي الْمَطْلَعِ: سَكَتَاتُ الْإِمَامِ ثَلَاثٌ: فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى قَبْلَ الْفَاتِحَةِ، وَبَعْدَهَا وَقَبْلَ الرُّكُوعِ، وَاثْنَتَانِ فِي سَائِرِ الرَّكَعَاتِ: بَعْدَ الْفَاتِحَةِ، وَقَبْلَ الرُّكُوعِ. انْتَهَى. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَكَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ، إذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْكُتَ الْإِمَامُ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ بِقَدْرِ قِرَاءَةِ الْمَأْمُومِ جَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالْفَائِقِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَعَنْهُ يَسْكُتُ قَبْلَ الْفَاتِحَةِ، وَعَنْهُ لَا يَسْكُتُ لِقِرَاءَةِ الْمَأْمُومِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمَجْدِ وَمَنْ تَابَعَهُ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، كَمَا تَقَدَّمَ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ: وَيَقِفُ قَبْلَ الْحَمْدِ سَاكِتًا وَبَعْدَهَا وَعَنْهُ بَلْ قَبْلَهَا، وَعَنْهُ بَلْ بَعْدَهَا، وَعَنْهُ بَلْ بَعْدَ السُّورَةِ، قَدْرَ قِرَاءَةِ الْمَأْمُومِ الْحَمْدَ. فَائِدَةٌ: لَا تُكْرَهُ الْقِرَاءَةُ فِي سَكْتَةِ الْإِمَامِ لِتَنَفُّسِهِ. نَقَلَهُ ابْنُ هَانِئٍ عَنْ أَحْمَدَ وَاخْتَارَهُ بَعْضُ الْأَصْحَابِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لَا يَقْرَأُ فِي حَالِ تَنَفُّسِهِ إجْمَاعًا قَالَ فِي الْفُرُوعِ كَذَا قَالَ. تَنْبِيهَانِ. أَحَدُهُمَا: قَوْلُهُ (وَمَا لَا يَجْهَرُ فِيهِ) . يَعْنِي أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْمَأْمُومِ أَنْ يَقْرَأَ فِي سَكَتَاتِ الْإِمَامِ، وَفِيمَا لَا يَجْهَرُ فِيهِ
فَيَقْرَأُ فِيمَا يَجْهَرُ فِيهِ فِي سَكَتَاتِ الْإِمَامِ الْفَاتِحَةَ أَوْ غَيْرَهَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَيَقْرَأُ بِهَا أَيْضًا فَقَطْ فِي غَيْرِ الْأُولَيَيْنِ، وَيَقْرَأُ بِالْفَاتِحَةِ وَغَيْرِهَا فِي الْأُولَيَيْنِ فِيمَا لَا يَجْهَرُ فِيهِ نَصَّ عَلَيْهِ. الثَّانِي: ظَاهِرُ قَوْلِهِ (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ فِي سَكَتَاتِ الْإِمَامِ) أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ لِلْمَأْمُومِ الْقِرَاءَةُ حَالَ جَهْرِ الْإِمَامِ، وَهُوَ صَحِيحٌ، بَلْ يُكْرَهُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ، وَالْحَاوِي، وَغَيْرِهِمْ، وَعَنْهُ يُسْتَحَبُّ بِالْحَمْدِ اخْتَارَهُ الْمَجْدُ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ هُبَيْرَةَ، وَقَالَهُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ إبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَقِيلَ: يَحْرُمُ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: لَا يَقْرَأُ، وَقَالَ أَيْضًا: لَا يُعْجِبُنِي وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَقَالَ: يَحْرُمُ، وَتَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِهِ أَيْضًا اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ وَأَوْمَأَ إلَيْهِ أَحْمَدُ. قَوْلُهُ (أَوْ لَا يَسْمَعُهُ لِبُعْدِهِ) يَعْنِي أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ إذَا لَمْ يَسْمَعْ الْإِمَامَ لِبُعْدِهِ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: اخْتَارَهُ الْأَصْحَابُ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ، وَقِيلَ: لَا يَقْرَأُ، وَحَكَاهُ الزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُ رِوَايَةً، وَأَطْلَقَهُمَا فِي مُخْتَصَرِ ابْنِ تَمِيمٍ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ فَعَلَى الْمَذْهَبِ: لَوْ سَمِعَ هَمْهَمَةَ الْإِمَامِ، وَلَمْ يَفْهَمْ مَا يَقُولُ: لَمْ يَقْرَأْ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ نَقَلَهَا الْجَمَاعَةُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ، وَعَنْهُ يَقْرَأُ، نَقَلَهَا عَبْدُ اللَّهِ، وَاخْتَارَهَا الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهِيَ أَظْهَرُ قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ، وَأَطْلَقَهُمَا الزَّرْكَشِيُّ قَوْلُهُ (فَإِنْ لَمْ يَسْمَعْهُ لِطَرَشٍ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ) ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَكَذَا فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى فِي بَابِ صَلَاةِ
الْجَمَاعَةِ، وَشَرْحِ الْمَجْدِ، وَابْنُ مُنَجَّا، وَالنَّظْمِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالْفُرُوعِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ أَحَدُهُمَا: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ إذَا كَانَ قَرِيبًا بِحَيْثُ لَا يَشْغَلُ مَنْ إلَى جَنْبِهِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ: قَرَأَ فِي الْأَقْيَسِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِفَادَاتِ وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَقْرَأُ، بَلْ يُكْرَهُ جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَصَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: هَذَا أَوْلَى. تَنْبِيهٌ: مَنْشَأُ الْخِلَافِ: كَوْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - سُئِلَ عَنْ الْأَطْرَشِ أَيَقْرَأُ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي. فَقَالَ الْأَصْحَابُ: يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ فَبَعْضُ الْأَصْحَابِ حَكَى الْخِلَافَ فِي الْكَرَاهَةِ وَالِاسْتِحْبَابِ مُطْلَقًا، مِنْهُمْ أَبُو الْخَطَّابِ، وَمَنْ تَابَعَهُ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا، وَبَعْضُهُمْ خَصَّ الْخِلَافَ بِمَا إذَا خَلَّطَ عَلَى غَيْرِهِ مِنْهُمْ ابْنُ حَمْدَانَ فِي رِعَايَتِهِ، وَالْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: الْوَجْهَانِ إذَا كَانَ قَرِيبًا لَا يَمْنَعُهُ إلَّا الطَّرَشُ وَكَذَا أَضَافَهُ الشَّيْخُ يَعْنِي بِهِ الْمُصَنِّفَ فِي الْمُقْنِعِ، وَإِضَافَةُ الْحُكْمِ إلَى سَبَبٍ تَقْتَضِي اسْتِقْلَالَهُ، لَكِنْ لَا يُفْهَمُ مِنْ لَفْظِ الشَّيْخِ الْحُكْمُ عَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي مَا هُوَ؟ لِتَوَسُّطِ الْإِبَاحَةِ بَيْنَهُمَا فَإِنْ اجْتَمَعَ مَعَ الطَّرَشِ الْبُعْدُ قَرَأَ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، عَلَى مَا تَقَدَّمَ فَأَمَّا إنْ قُلْنَا لَا يَقْرَأُ الْبَعِيدُ الَّذِي لَا يَسْمَعُ: لَمْ يَقْرَأْ صَاحِبُ الطَّرَشِ هُنَا، قَوْلًا وَاحِدًا كَذَا قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ. قَوْلُهُ (وَهَلْ يَسْتَفْتِحُ وَيَسْتَعِيذُ فِيمَا يَجْهَرُ فِيهِ الْإِمَامُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، اعْلَمْ أَنَّ لِلْأَصْحَابِ فِي مَحَلِّ الْخِلَافِ طُرُقًا أَحَدُهَا: أَنَّ مَحَلَّ الْخِلَافِ: فِي حَالِ سُكُوتِ الْإِمَامِ فَأَمَّا فِي حَالِ قِرَاءَتِهِ، فَلَا يَسْتَفْتِحُ وَلَا يَسْتَعِيذُ، رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَهِيَ طَرِيقَةُ الْمُصَنِّفِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّارِحِ،
وَصَاحِبِ الْفَائِقِ، وَابْنِ حَمْدَانَ فِي رِعَايَتِهِ الْكُبْرَى، فِي بَابِ صِفَةِ الصَّلَاةِ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: مِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ قَالَ ذَلِكَ. الطَّرِيقُ الثَّانِي: أَنَّ مَحَلَّ الرِّوَايَتَيْنِ: يَخْتَصُّ حَالَةَ جَهْرِ الْإِمَامِ، وَسَمَاعِ الْمَأْمُومِ لَهُ دُونَ حَالَةِ سَكَتَاتِهِ، وَهِيَ طَرِيقَةُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ، وَالْخِلَافِ، وَالطَّرِيقَةِ، نَقَلَهُ عَنْهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَصَاحِبُ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: الْمَعْرُوفُ عِنْدَ أَصْحَابِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: أَنَّ النِّزَاعَ فِي حَالَةِ الْجَهْرِ؛ لِأَنَّهُ بِالِاسْتِمَاعِ يَحْصُلُ مَقْصُودُ الْقِرَاءَةِ، بِخِلَافِ الِاسْتِفْتَاحِ وَالتَّعَوُّذِ وَقَطَعَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ وَغَيْرِهِ. الطَّرِيقُ الثَّالِثُ: أَنَّ الْخِلَافَ جَارٍ فِي حَالِ جَهْرِ الْإِمَامِ وَسُكُوتِهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا، وَأَبِي الْخَطَّابِ، وَابْنِ الْجَوْزِيِّ وَغَيْرِهِمْ، وَهُوَ كَالصَّرِيحِ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَغَيْرِهِمْ، لِكَوْنِهِمْ حَكَوْا الرِّوَايَتَيْنِ مُطْلَقَتَيْنِ، ثُمَّ حَكَوْا رِوَايَةً بِالتَّفْرِقَةِ قُلْت: وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ هِيَ الصَّحِيحَةُ فَإِنَّ النَّاقِلَ مُقَدَّمٌ عَلَى غَيْرِهِ، وَالتَّفْرِيعُ عَلَيْهَا فَإِحْدَى الرِّوَايَاتِ: أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَسْتَفْتِحَ وَيَسْتَعِيذَ مُطْلَقًا جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: يُكْرَهُ أَنْ يَسْتَفْتِحَ وَيَسْتَعِيذَ مُطْلَقًا. صَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَعَنْهُ رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ: إنْ سَمَّعَ الْإِمَامَ كُرِهَ، وَإِلَّا فَلَا جَزَمَ بِهِ فِي الْمُنَوِّرِ وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، فِي بَابِ صِفَةِ الصَّلَاةِ: وَلَا يَسْتَفْتِحُ، وَلَا يَتَعَوَّذُ مَعَ جَهْرِ إمَامِهِ، عَلَى الْأَصَحِّ قَالَ فِي النُّكَتِ: هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَعَنْهُ رِوَايَةٌ رَابِعَةٌ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْتَفْتِحَ، وَيُكْرَهُ أَنْ يَتَعَوَّذَ اخْتَارَهُ الْقَاضِي فِي الْجَامِعِ قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: وَهُوَ الْأَقْوَى، وَأَطْلَقَهُنَّ فِي الْفُرُوعِ.
فَائِدَةٌ قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: قِرَاءَةُ الْمَأْمُومِ وَقْتَ مُخَافَتَةِ إمَامِهِ أَفْضَلُ مِنْ اسْتِفْتَاحِهِ وَغَلَّطَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَقَالَ: قَوْلُ أَحْمَدَ وَأَكْثَرِ الْأَصْحَابِ: الِاسْتِفْتَاحُ أَوْلَى، لِأَنَّ اسْتِمَاعَهُ بَدَلٌ عَنْ قِرَاءَتِهِ، وَقَالَ الْآجُرِّيُّ: أَخْتَارُ أَنْ يَبْدَأَ بِالْحَمْدِ أَوَّلُهَا (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " وَتَرَكَ الِاسْتِفْتَاحَ) ؛ لِأَنَّهَا فَرِيضَةٌ. وَكَذَا قَالَ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ، فِيمَنْ أَدْرَكَهُ فِي رُكُوعِ صَلَاةِ الْعِيدِ: لَوْ أَدْرَكَ الْقِيَامَ رَتَّبَ الْأَذْكَارَ، فَلَوْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ جَمِيعِهَا بَدَأَ بِالْقِرَاءَةِ، لِأَنَّهَا فَرْضٌ. انْتَهَى. قَوْلُهُ (وَمَنْ رَكَعَ أَوْ سَجَدَ قَبْلَ إمَامِهِ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَرْفَعَ، لِيَأْتِيَ بِهِ بَعْدَهُ) اعْلَمْ أَنَّ رُكُوعَ الْمَأْمُومِ أَوْ سُجُودَهُ أَوْ غَيْرَهُمَا قَبْلَ إمَامِهِ عَمْدًا مُحَرَّمٌ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَقِيلَ: مَكْرُوهٌ وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، فَعَلَى الْمَذْهَبِ: لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ قَالَ فِي الْفُصُولِ: ذَكَرَ أَصْحَابُنَا فِيهَا رِوَايَتَيْنِ وَالصَّحِيحُ: لَا تَبْطُلُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالْأَشْهَرُ لَا تَبْطُلُ، إنْ عَادَ إلَى مُتَابَعَتِهِ حَتَّى أَدْرَكَهُ فِيهِ، وَعَنْهُ تَبْطُلُ إذَا فَعَلَهُ عَمْدًا، ذَكَرَهَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي رِسَالَتِهِ وَقَدَّمَهُ الشَّارِحُ، فَقَالَ: وَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ فِي ظَاهِرِ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، فَإِنَّهُ قَالَ: لَيْسَ لِمَنْ سَبَقَ الْإِمَامَ صَلَاةٌ لَوْ كَانَ لَهُ صَلَاةٌ لَرُجِيَ لَهُ الثَّوَابُ، وَلَمْ يُخْشَ عَلَيْهِ الْعِقَابُ قَالَ فِي الْحَوَاشِي: اخْتَارَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا، وَأَمَّا إذَا فَعَلَ ذَاكَ سَهْوًا أَوْ جَهْلًا فَإِنَّهَا لَا تَبْطُلُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَلَوْ قُلْنَا تَبْطُلُ بِالْعَمْدِيَّةِ، وَقِيلَ: تَبْطُلُ، ذَكَرَهُ ابْنُ حَامِدٍ وَغَيْرُهُ. قَوْلُهُ (فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ عَمْدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، عِنْدَ أَصْحَابِنَا، إلَّا الْقَاضِيَ) يَعْنِي إذَا رَكَعَ أَوْ سَجَدَ قَبْلَ إمَامِهِ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا، ثُمَّ ذَكَرَ فَإِنَّ عَلَيْهِ أَنْ
يَرْفَعَ لِيَأْتِيَ بِهِ بَعْدَ إمَامِهِ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ عَمْدًا حَتَّى أَدْرَكَهُ الْإِمَامُ فِيهِ، قَالَ الْأَصْحَابُ: بَطَلَتْ صَلَاتُهُ. وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ وَقَدَّمَهُ هُوَ وَغَيْرُهُ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، وَقَالَ الْقَاضِي: لَا تَبْطُلُ وَاخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمُذْهَبِ، وَذَكَرَ فِي التَّلْخِيصِ: أَنَّهُ الْمَشْهُورُ، وَعَلَّلَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ بِأَنَّ الْعَادَةَ أَنَّ الْمَأْمُومَ يَسْبِقُ الْإِمَامَ بِالْقَدْرِ الْيَسِيرِ يَعْنِي يُعْفَى عَنْهُ كَفِعْلِهِ سَهْوًا أَوْ جَهْلًا، وَقِيلَ: تَبْطُلُ بِالرُّكُوعِ فَقَطْ، وَقَالَ الْمَجْدُ إذَا تَعَمَّدَ سَبْقَهُ إلَى الرُّكْنِ عَالِمًا بِالنَّهْيِ وَقُلْنَا: لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ لَمْ يُعِدْ، وَمَتَى عَادَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ عَلَى كِلَا الْوَجْهَيْنِ قَالَ: لِأَنَّهُ قَدْ زَادَ رُكُوعًا أَوْ سُجُودًا عَمْدًا، وَذَلِكَ يُبْطِلُ عِنْدَنَا قَوْلًا وَاحِدًا. انْتَهَى. وَهِيَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ أَيْضًا وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ تَمِيمٍ عَلَى قَوْلِ الْقَاضِي قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَفِيهِ بُعْدٌ. تَنْبِيهٌ: مَفْهُومُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: أَنَّهُ إذَا لَمْ يُعِدْ سَهْوًا أَنَّ صَلَاتَهُ لَا تَبْطُلُ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَكَذَا الْجَاهِلُ، وَيُعْتَدُّ بِهِ، وَقِيلَ: تَبْطُلُ مِنْهُمَا أَيْضًا. قَوْلُهُ (وَإِنْ رَكَعَ وَرَفَعَ قَبْلَ إمَامِهِ عَالِمًا عَمْدًا فَهَلْ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالشَّرْحِ، وَالْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَشَرْحِ ابْنِ مُنَجَّا، أَحَدُهُمَا: تَبْطُلُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ نَصَّ عَلَيْهِ اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَصَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ، وَالنَّظْمِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْمُنَوِّرِ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ الْوَجْهُ الثَّانِي: لَا تَبْطُلُ، وَذَكَرَ فِي التَّلْخِيصِ: أَنَّهُ أَشْهَرُ فَعَلَيْهِ يُعْتَدُّ بِتِلْكَ الرَّكْعَةِ. صَرَّحَ بِهِ ابْنُ تَمِيمٍ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا قَطَعَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَبَنَيَا هُمَا
وَغَيْرُهُمَا الْخِلَافَ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى قَوْلِنَا بِالصِّحَّةِ فِيمَا إذَا اجْتَمَعَ مَعَهُ فِي الرُّكُوعِ فِي الْمَسْأَلَةِ السَّابِقَةِ. فَائِدَةٌ. حَكَى الْآمِدِيُّ وَالسَّامِرِيُّ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمُذْهَبِ، وَصَاحِبُ الْفُرُوعِ، وَغَيْرُهُمْ، الْخِلَافَ رِوَايَتَيْنِ، وَحَكَاهُ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَغَيْرُهُمْ وَجْهَيْنِ قَوْلُهُ (وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا، أَوْ نَاسِيًا لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ) بِلَا نِزَاعٍ (وَهَلْ تَبْطُلُ تِلْكَ الرَّكْعَةُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْفُرُوعِ، إحْدَاهُمَا: تَبْطُلُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ قَالَ فِي الْمُذْهَبِ: لَا يُعْتَدُّ لَهُ بِتِلْكَ الرَّكْعَةِ، فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ قَالَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ: وَيُعِيدُ الرَّكْعَةَ، عَلَى الْأَصَحِّ، وَصَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ، وَالنَّظْمِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، الْفَائِقِ وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَا تَبْطُلُ قَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ قَالَ فِي الْفَائِقِ: وَخَرَجَ مِنْهَا صِحَّةُ صَلَاتِهِ عَمْدًا. انْتَهَى. وَمَحَلُّ الْخِلَافِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: إذَا لَمْ يَأْتِ بِهَا مَعَ إمَامِهِ فَأَمَّا إنْ أَتَى بِذَلِكَ مَعَ إمَامِهِ صَحَّتْ رَكْعَتُهُ جَزَمَ بِهِ ابْنُ تَمِيمٍ قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: يُعِيدُهَا إنْ فَاتَتْهُ مَعَ الْإِمَامِ. قَوْلُهُ (وَإِنْ رَكَعَ أَوْ رَفَعَ قَبْلَ رُكُوعِهِ، ثُمَّ سَجَدَ قَبْلَ رَفْعِهِ. بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، إلَّا الْجَاهِلَ وَالنَّاسِيَ تَصِحُّ صَلَاتُهُمَا، وَتَبْطُلُ تِلْكَ الرَّكْعَةُ) لِعَدَمِ اقْتِدَائِهِ بِإِمَامِهِ فِيهَا قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَتَبْطُلُ الرَّكْعَةُ مَا لَمْ يَأْتِ بِذَلِكَ مَعَ إمَامِهِ.
فَوَائِدُ الْأُولَى: مِثَالُ مَا إذَا سَبَقَهُ بِرُكْنٍ وَاحِدٍ كَامِلٍ: أَنْ يَرْكَعَ وَيَرْفَعَ قَبْلَ رُكُوعِ إمَامِهِ، وَمِثَالُ مَا إذَا سَبَقَهُ بِرُكْنَيْنِ: أَنْ يَرْكَعَ وَيَرْفَعَ قَبْلَ رُكُوعِهِ، ثُمَّ يَسْجُدَ قَبْلَ رَفْعِهِ كَمَا، قَالَهُ الْمُصَنِّفُ فِيهِمَا. الثَّانِيَةُ: الرُّكُوعُ كَرُكْنٍ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقِيلَ: كَرُكْنَيْنِ، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَالسَّجْدَةُ وَحْدَهَا كَالرُّكُوعِ فِيمَا قُلْنَا، وَقِيلَ: بَلْ السَّجْدَتَانِ. الثَّالِثَةُ: ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ هُنَا حُكْمَ سَبْقِ الْمَأْمُومِ لِلْإِمَامِ فِي الْأَفْعَالِ فَأَمَّا سَبْقُهُ لَهُ فِي الْأَقْوَالِ فَلَا يَضُرُّ، سِوَى بِتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ وَبِالسَّلَامِ فَأَمَّا تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ: فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا بَعْدَ إمَامِهِ فَلَوْ أَتَى بِهَا مَعَهُ لَمْ يُعْتَدَّ بِهَا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ مُطْلَقًا، وَعَنْهُ يُعْتَدُّ بِهَا إنْ كَانَ سَهْوًا، وَأَمَّا السَّلَامُ: فَإِنْ سَلَّمَ قَبْلَ إمَامِهِ عَمْدًا بَطَلَتْ، وَإِنْ كَانَ سَهْوًا لَمْ تَبْطُلْ، وَلَا يُعْتَدُّ بِسَلَامِهِ، وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي أَوَّلِ سُجُودِ السَّهْوِ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَلَا يُعْتَدُّ بِسَلَامِهِ، وَجْهًا وَاحِدًا، وَقَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: إذَا سَبَقَ الْمَأْمُومُ إمَامَهُ فِي جَمِيعِ الْأَقْوَالِ لَمْ يَضُرَّهُ إلَّا تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا بَعْدَهُ، وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَأَخَّرَ عَنْهُ بِمَا عَدَاهَا. الرَّابِعَةُ: الْأَوْلَى أَنْ يَشْرَعَ الْمَأْمُومُ فِي أَفْعَالِ الصَّلَاةِ بَعْدَ شُرُوعِ الْإِمَامِ، قَالَهُ ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ، وَقَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّارِحُ، وَابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ، وَابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمُذْهَبِ وَغَيْرُهُمْ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَشْرَعَ الْمَأْمُومُ فِي أَفْعَالِ الصَّلَاةِ بَعْدَ فَرَاغِ الْإِمَامِ مِمَّا كَانَ فِيهِ. انْتَهَى. فَإِنْ وَافَقَهُ فِي غَيْرِ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ كُرِهَ، وَلَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَقَالَ فِي الْمُبْهِجِ: تَبْطُلُ، وَقِيلَ: تَبْطُلُ بِالرُّكُوعِ
فَقَطْ، وَقِيلَ: تَبْطُلُ بِسَلَامِهِ مَعَ إمَامِهِ وَاخْتَارَهُ فِي الرِّعَايَةِ إنْ سَلَّمَ عَمْدًا، وَتَقَدَّمَ سَبْقُهُ فِي الْأَفْعَالِ وَالْأَقْوَالِ. الْخَامِسَةُ: قَالَ ابْنُ رَجَبٍ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ: الْأَوْلَى أَنْ يُسَلِّمَ الْمَأْمُومُ عَقِيبَ فَرَاغِ الْإِمَامِ مِنْ التَّسْلِيمَتَيْنِ فَإِنْ سَلَّمَ بَعْدَ الْأُولَى جَازَ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ إنَّ الثَّانِيَةَ غَيْرُ وَاجِبَةٍ، وَلَمْ يَجُزْ عِنْدَ مَنْ يَرَى أَنَّ الثَّانِيَةَ وَاجِبَةٌ، لَا يَخْرُجُ مِنْ الصَّلَاةِ بِدُونِهَا. انْتَهَى. وَظَاهِرُهُ مُشْكِلٌ، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ: أَنَّ الْأَوْلَى سَلَامُ الْمَأْمُومِ عَقِيبَ فَرَاغِ الْإِمَامِ مِنْ كُلِّ تَسْلِيمَةٍ، وَأَنَّهُ إنْ سَلَّمَ الْمَأْمُومُ الثَّانِيَةَ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ الْأُولَى وَقَبْلَ الثَّانِيَةِ تَرَتَّبَ الْحُكْمُ الَّذِي ذَكَرَهُ. السَّادِسَةُ: فِي تَخَلُّفِ الْمَأْمُومِ عَنْ الْإِمَامِ عَكْسُ مَا تَقَدَّمَ قَالَ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ: وَإِنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ بِرُكْنٍ بِلَا عُذْرٍ فَكَالسَّبْقِ بِهِ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَلِعُذْرٍ يَفْعَلُهُ وَيَلْحَقُهُ، وَفِي اعْتِدَادِهِ بِتِلْكَ الرَّكْعَةِ الرِّوَايَتَانِ الْمُتَقَدِّمَتَانِ فِي الْجَاهِلِ وَالنَّاسِي فِي قَوْلِهِ (وَهَلْ تَبْطُلُ تِلْكَ الرَّكْعَةُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) ، وَإِنْ تَخَلَّفَ عَنْ إمَامِهِ بِرُكْنَيْنِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، إنْ كَانَ لِغَيْرِ عُذْرٍ، وَإِنْ كَانَ لِعُذْرٍ، كَنَوْمٍ وَسَهْوٍ وَزِحَامٍ إنْ أَمِنَ فَوْتَ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ أَتَى بِمَا تَرَكَهُ وَتَبِعَهُ، وَصَحَّتْ رَكْعَتُهُ. وَإِنْ لَمْ يَأْمَنْ فَوْتَ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ تَبِعَ إمَامَهُ وَلَغَتْ رَكْعَتُهُ، وَاَلَّتِي تَلِيهَا عِوَضٌ لِتَكْمِيلِ رَكْعَةٍ مَعَ إمَامِهِ عَلَى صِفَةِ مَا صَلَّاهَا، وَهَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ وَعَنْهُ يَحْتَسِبُ بِالْأُولَى قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مَزْحُومٍ أَدْرَكَ الرُّكُوعَ، وَلَمْ يَسْجُدْ مَعَ إمَامِهِ حَتَّى فَرَغَ، قَالَ: يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ لِلرَّكْعَةِ الْأُولَى، وَيَقْضِي رَكْعَةً وَسَجْدَتَيْنِ لِصِحَّةِ الْأُولَى ابْتِدَاءً فَعَلَى الثَّانِي كَرُكُوعَيْنِ، وَعَنْهُ يَتْبَعُهُ مُطْلَقًا وُجُوبًا، وَتَلْغُو أُولَاهُ، وَعَنْهُ عَكْسُهُ فَيُكْمِلُ الْأُولَى وُجُوبًا. وَيَقْضِي الثَّانِيَةَ بَعْدَ السَّلَامِ كَمَسْبُوقٍ وَعَنْهُ يَشْتَغِلُ بِمَا فَاتَهُ، إلَّا أَنْ يَسْتَوِيَ الْإِمَامُ قَائِمًا فِي الثَّانِيَةِ فَتَلْغُو الْأُولَى، قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: إذَا
تَخَلَّفَ عَنْ الْإِمَامِ بِرُكْنَيْنِ فَصَاعِدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَإِنْ كَانَ بِرُكْنٍ وَاحِدٍ فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ الثَّالِثُ: إنْ كَانَ رُكُوعًا بَطَلَ وَإِلَّا فَلَا، وَعَلَى الْمَذْهَبِ الْأَوَّلِ: لَوْ زَالَ عُذْرُ مَنْ أَدْرَكَ رُكُوعَ الْأُولَى وَقَدْ رَفَعَ إمَامُهُ مِنْ رُكُوعِ الثَّانِيَةِ، تَابَعَهُ فِي السُّجُودِ فَتَتِمُّ لَهُ رَكْعَةٌ مُلَفَّقَةٌ مِنْ رَكْعَتَيْ إمَامِهِ، يُدْرِكُ بِهَا الْجُمُعَةَ. قُلْت: فَيُعَايَى بِهَا، وَقِيلَ: لَا يُعْتَدُّ لَهُ بِهَذَا السُّجُودِ فَيَأْتِي بِسَجْدَتَيْنِ آخِرَتَيْنِ وَالْإِمَامُ فِي تَشَهُّدِهِ وَإِلَّا عِنْدَ سَلَامِهِ ثُمَّ فِي إدْرَاكِ الْجُمُعَةِ الْخِلَافُ، وَإِنْ ظَنَّ تَحْرِيمَ مُتَابَعَةِ إمَامِهِ فَسَجَدَ جَهْلًا: اُعْتُدَّ لَهُ بِهِ، كَسُجُودِ مَنْ يَظُنُّ إدْرَاكَ الْمُتَابَعَةِ فَفَاتَتْ، وَقِيلَ: لَا يُعْتَدُّ بِهِ، لِأَنَّ فَرْضَهُ الرُّكُوعُ، وَلَا تَبْطُلُ لِجَهْلِهِ فَعَلَى الْأُولَى: إنْ أَدْرَكَهُ فِي التَّشَهُّدِ فَفِي إدْرَاكِهِ الْجُمُعَةَ الْخِلَافُ، وَإِنْ أَدْرَكَهُ فِي رُكُوعِ الثَّانِيَةِ تَبِعَهُ فِيهِ، وَتَمَّتْ جُمُعَتُهُ، وَإِنْ أَدْرَكَهُ بَعْدَ رَفْعِهِ مِنْهُ تَبِعَهُ، وَقَضَى كَمَسْبُوقٍ يَأْتِي رَكْعَةً، فَتَتِمُّ لَهُ جُمُعَةٌ، أَوْ بِثَلَاثٍ تَتِمُّ بِهَا رُبَاعِيَّةٌ، أَوْ يَسْتَأْنِفُهَا عَلَى الرِّوَايَاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَعَلَى الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يُعْتَدُّ بِسُجُودِهِ إنْ أَتَى بِهِ ثُمَّ أَدْرَكَهُ فِي الرُّكُوعِ تَبِعَهُ، وَصَارَتْ الثَّانِيَةُ أُولَاهُ، وَأَدْرَكَ بِهَا جُمُعَةً، وَإِنْ أَدْرَكَهُ بَعْدَ رَفْعِهِ تَبِعَهُ فِي السُّجُودِ فَيَحْصُلُ الْقَضَاءُ وَالْمُتَابَعَةُ مَعًا، وَتَمَّ لَهُ رَكْعَةٌ يُدْرِكُ بِهَا الْجُمُعَةَ، وَقِيلَ: لَا يُعْتَدُّ بِهِ؛ لِأَنَّهُ مُعْتَدٌّ بِهِ لِلْإِمَامِ مِنْ رَكْعَةٍ فَلَوْ اُعْتُدَّ بِهِ لِلْمَأْمُومِ مِنْ غَيْرِهَا: اخْتَلَّ مَعْنَى الْمُتَابَعَةِ فَيَأْتِي بِسُجُودٍ آخَرَ، وَإِمَامُهُ فِي التَّشَهُّدِ، وَإِلَّا بَعْدَ سَلَامِهِ، وَمَنْ تَرَكَ مُتَابَعَةَ إمَامِهِ مَعَ عِلْمِهِ بِالتَّحْرِيمِ، بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَإِنْ تَخَلَّفَ بِرَكْعَةٍ فَأَكْثَرَ لِعُذْرٍ تَابَعَهُ وَقَضَى كَمَسْبُوقٍ. وَكَمَا فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ، وَعَنْهُ تَبْطُلُ. تَنْبِيهٌ مُرَادُهُ بِقَوْلِهِ (وَيُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ تَخْفِيفُ الصَّلَاةِ مَعَ إتْمَامِهَا) إذَا لَمْ يُؤْثِرْ الْمَأْمُومُ التَّطْوِيلَ فَإِنْ آثَرَ الْمَأْمُومُ التَّطْوِيلَ اُسْتُحِبَّ.
قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: إلَّا أَنْ يُؤْثِرَ الْمَأْمُومُ، وَعَدَدُهُمْ مَحْصُورٌ قَوْلُهُ (وَتَطْوِيلُ الرَّكْعَةِ الْأُولَى أَكْثَرَ مِنْ الثَّانِيَةِ) هَذَا الْمَذْهَبُ بِلَا رَيْبٍ نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ فِي الْجُمْلَةِ، لَكِنْ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ هَلْ يُعْتَبَرُ التَّفَاوُتُ بِالْآيَاتِ أَمْ بِالْكَلِمَاتِ وَالْحُرُوفِ؟ يَتَوَجَّهُ كَعَاجِزٍ عَنْ الْفَاتِحَةِ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي بَابِ صِفَةِ الصَّلَاةِ قَالَ: وَلَعَلَّ الْمُرَادَ لَا أَثَرَ لِتَفَاوُتٍ يَسِيرٍ، وَلَوْ فِي تَطْوِيلِ الثَّانِيَةِ عَلَى الْأُولَى؛ لِأَنَّ (الْغَاشِيَةَ) أَطْوَلُ مِنْ (سَبِّحْ) وَسُورَةُ (النَّاسِ) أَطْوَلُ مِنْ (الْفَلَقِ) وَصَلَّى النَّبِيُّ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ بِذَلِكَ، وَإِلَّا كُرِهَ. فَائِدَتَانِ إحْدَاهُمَا: لَوْ طَوَّلَ قِرَاءَةَ الثَّانِيَةِ عَلَى الْأُولَى فَقَالَ أَحْمَدُ: يُجْزِئُهُ، وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَفْعَلَ. الثَّانِيَةُ: يُكْرَهُ لِلْإِمَامِ سُرْعَةٌ تَمْنَعُ الْمَأْمُومَ مِنْ فِعْلِ مَا يُسَنُّ فِعْلُهُ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: يَلْزَمُهُ مُرَاعَاةُ الْمَأْمُومِ، إنْ تَضَرَّرَ بِالصَّلَاةِ أَوَّلَ الْوَقْتِ أَوْ آخِرَهُ وَنَحْوُهُ، وَقَالَ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَزِيدَ عَلَى الْقَدْرِ الْمَشْرُوعِ. وَقَالَ: يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَفْعَلَ غَالِبًا مَا كَانَ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ يَفْعَلُهُ غَالِبًا، وَيَزِيدُ وَيُنْقِصُ لِلْمَصْلَحَةِ كَمَا كَانَ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ يَزِيدُ وَيُنْقِصُ أَحْيَانًا. قَوْلُهُ (وَلَا يُسْتَحَبُّ انْتِظَارُ دَاخِلٍ وَهُوَ فِي الرُّكُوعِ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ) ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُذْهَبِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالْفَائِقِ، إحْدَاهُمَا: يُسْتَحَبُّ انْتِظَارُهُ بِشَرْطِهِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ جَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي، وَالْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ، وَالْإِفَادَاتِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْهِدَايَةِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالشَّرْحِ،
وَصَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ، وَالْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ وَنَصَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَالشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ، وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي رُءُوسِ مَسَائِلِهِمَا، وَالرِّعَايَةِ، الثَّانِيَةُ: لَا يُسْتَحَبُّ انْتِظَارُهُ، فَيُبَاحُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: اخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ، مِنْهُمْ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ، وَابْنُ عَقِيلٍ قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: وَالشَّيْخُ يَعْنِي بِهِ الْمُصَنِّفَ وَعَنْهُ رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ يُكْرَهُ، وَتَحْتَمِلُهُ الرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ لِلْمُصَنِّفِ هُنَا، وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ بِبُطْلَانِهَا تَخْرِيجٌ مِنْ تَشْرِيكِهِ فِي نِيَّةِ خُرُوجِهِ مِنْ الصَّلَاةِ، وَتَخْرِيجٌ مِنْ الْكَرَاهَةِ هُنَا فِي تِلْكَ فَعَلَى الْمَذْهَبِ: إنَّمَا يُسْتَحَبُّ الِانْتِظَارُ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَشُقَّ عَلَى الْمَأْمُومِينَ، ذَكَرَهُ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ وَنَصَّ عَلَيْهِ، وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ: يُسْتَحَبُّ مَا لَمْ يَشُقَّ أَوْ يَكْثُرْ الْجَمْعُ [مِنْهُمْ الْمَجْدُ، وَالْمُصَنِّفُ فِي الْكَافِي وَغَيْرُهُ، وَالشَّارِحُ، وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ: مَا لَمْ يَشُقَّ أَوْ يَكْثُرْ الْجَمْعُ] أَوْ يَطُولْ وَجَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ. تَنْبِيهٌ قَوْلُهُ (وَلَا يُسْتَحَبُّ انْتِظَارُ دَاخِلٍ) نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ فَيَعُمُّ أَيَّ دَاخِلٍ كَانَ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَةُ الْكُبْرَى، وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ ذَا حُرْمَةٍ قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ: إنَّمَا يَنْتَظِرُ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْفَضْلِ وَنَحْوِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ كَلَامِ الْقَاضِي فَإِنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ قُلْت: وَهَذَا الْقَوْلُ ضَعِيفٌ عَلَى إطْلَاقِهِ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَا بَأْسَ بِانْتِظَارِ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الدِّيَانَاتِ وَالْهَيْئَاتِ فِي غَيْرِ مَسَاجِدِ الْأَسْوَاقِ، وَقِيلَ: يَنْتَظِرُ مَنْ عَادَتُهُ يُصَلِّي جَمَاعَةً قُلْت: وَهُوَ قَوِيٌّ وَقَالَ الْقَاضِي، فِي مَوْضِعٍ مِنْ كَلَامِهِ: يُكْرَهُ تَطْوِيلُ الْقِرَاءَةِ وَالرُّكُوعِ انْتِظَارًا
لِأَحَدٍ فِي مَسَاجِدِ الْأَسْوَاقِ، وَفِي غَيْرِهَا لَا بَأْسَ بِذَلِكَ لِمَنْ جَرَتْ عَادَتُهُ بِالصَّلَاةِ مَعَهُ مِنْ أَهْلِ الْفَضْلِ، وَلَا يُسْتَحَبُّ. فَائِدَةٌ حُكْمُ الِانْتِظَارِ فِي غَيْرِ الرُّكُوعِ حُكْمُهُ فِي الرُّكُوعِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ، وَصَرَّحَ جَمَاعَةٌ: أَنَّ حَالَ الْقِيَامِ كَالرُّكُوعِ فِي هَذَا مِنْهُمْ الْمُصَنِّفُ فِي الْكَافِي، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَقَطَعَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَصَاحِبُ الْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: بِأَنَّ التَّشَهُّدَ كَالرُّكُوعِ عَلَى الْخِلَافِ، لِئَلَّا تَفُوتَهُ صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ بِالْكُلِّيَّةِ. زَادَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: وَالِاسْتِحْبَابُ هُنَا أَظْهَرُ، لِئَلَّا تَفُوتَ الدَّاخِلَ الْجَمَاعَةُ بِالْكُلِّيَّةِ ثُمَّ قَالَ قُلْت: وَلِأَنَّهُ مَظِنَّةُ عَدِمِ الْمَشَقَّةِ لِجُلُوسِهِمْ، وَإِنْ كَانَ عَدَمُهَا شَرْطًا فِي الِانْتِظَارِ حَيْثُمَا جَازَ؛ لِأَنَّ الَّذِينَ مَعَهُ أَعْظَمُ حُرْمَةً وَأَسْبَقُ حَقًّا. انْتَهَى. وَقَالَ فِي التَّلْخِيصِ: وَمَتَى أَحَسَّ بِدَاخِلٍ اُسْتُحِبَّ انْتِظَارُهُ، عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَإِنْ أَحَسَّ بِهِ فِي التَّشَهُّدِ فَوَجْهَانِ، وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَنْتَظِرُهُ فِي السُّجُودِ، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَيُسَنُّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَنْتَظِرَ فِي قِيَامِهِ وَرُكُوعِهِ وَقِيلَ: وَتَشَهُّدِهِ، وَقِيلَ: وَغَيْرُهُ مِمَّنْ دَخَلَ مُطْلَقًا لِيُصَلِّيَ. قَوْلُهُ (وَإِذَا اسْتَأْذَنَتْ الْمَرْأَةُ إلَى الْمَسْجِدِ كُرِهَ مَنْعُهَا، وَبَيْتُهَا خَيْرٌ لَهَا) الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: كَرَاهَةُ مَنْعِهَا مِنْ الْخُرُوجِ إلَى الْمَسْجِدِ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا جَزَمَ بِهِ فِي الشَّرْحِ وَالْفَائِقِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقَالَ فِي الْمُغْنِي: ظَاهِرُ الْخَبَرِ مَنْعُ الرَّجُلِ مِنْ مَنْعِهَا فَظَاهِرُ كَلَامِهِ: تَحْرِيمُ الْمَنْعِ قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: مَتَى خَشِيَ فِتْنَةً أَوْ ضَرَرًا مَنَعَهَا قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ:
وَمَتَى خَشِيَ فِتْنَةً أَوْ ضَرَرًا جَازَ مَنْعُهَا أَوْ وَجَبَ قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: فَإِنْ خِيفَ فِتْنَةٌ نُهِيَتْ عَنْ الْخُرُوجِ. قَالَ الْقَاضِي: مِمَّا يُنْكَرُ خُرُوجُهَا عَلَى وَجْهٍ يَخَافُ مِنْهُ الْفِتْنَةَ، وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ: يُكْرَهُ مَنْعُهَا إذَا لَمْ يَخَفْ فِتْنَةً وَلَا ضَرَرًا، وَقَالَ فِي النَّصِيحَةِ: يُمْنَعْنَ مِنْ الْعِيدِ أَشَدَّ الْمَنْعِ، مَعَ زِينَةٍ وَطِيبٍ وَمُفْتِنَاتٍ، وَقَالَ: مَنْعُهُنَّ فِي هَذَا الْوَقْتِ مِنْ الْخُرُوجِ أَنْفَعُ لَهُنَّ وَلِلرِّجَالِ مِنْ جِهَاتٍ، وَمَتَى قُلْنَا: لَا تُمْنَعُ فَبَيْتُهَا خَيْرٌ لَهَا، وَتَقَدَّمَ أَوَّلَ الْبَابِ (هَلْ يُسَنُّ لَهُنَّ حُضُورُ الْجَمَاعَةِ أَمْ لَا؟) . فَائِدَتَانِ إحْدَاهُمَا: ذَكَرَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ كَرَاهَةَ تَطَيُّبِهَا إذَا أَرَادَتْ حُضُورَ الْمَسْجِدِ وَغَيْرِهِ، وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَتَحْرِيمُهُ أَظْهَرُ لِمَا تَقَدَّمَ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ. الثَّانِيَةُ: السَّيِّدُ مَعَ أَمَتِهِ كَالزَّوْجِ مَعَ زَوْجَتِهِ فِي الْمَنْعِ وَغَيْرِهِ فَأَمَّا غَيْرُهُمَا، فَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَإِنْ قُلْنَا بِمَا جَزَمَ بِهِ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ: إنَّ مَنْ بَلَغَ رَشِيدًا لَهُ أَنْ يَنْفَرِدَ بِنَفْسِهِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى: فَوَاضِحٌ، لَكِنْ إنْ وُجِدَ مَا يَمْنَعُ الْخُرُوجَ شَرْعًا فَظَاهِرٌ أَيْضًا، وَعَلَى الْمَذْهَبِ: لَيْسَ لِلْأُنْثَى أَنْ تَنْفَرِدَ، وَلِلْأَبِ مَنْعُهَا مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ دُخُولُ مَنْ يُفْسِدُهَا، وَيُلْحِقُ الْعَارَ بِهَا وَبِأَهْلِهَا فَهَذَا ظَاهِرٌ فِي أَنَّ لَهُ مَنْعَهَا مِنْ الْخُرُوجِ، وَقَوْلُ أَحْمَدَ (الزَّوْجُ أَمْلَكُ مِنْ الْأَبِ) يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَبَ لَيْسَ كَغَيْرِهِ فِي هَذَا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَبٌ قَامَ أَوْلِيَاؤُهَا مَقَامَهُ أَطْلَقَهُ الْمُصَنِّفُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالْمُرَادُ الْمَحَارِمُ، اسْتِصْحَابًا لِلْحَضَانَةِ، وَعَلَى هَذَا: فِي الرِّجَالِ ذَوِي الْأَرْحَامِ كَالْخَالِ أَوْ الْحَاكِمِ الْخِلَافُ فِي الْحَضَانَةِ.
وَقَالَ أَيْضًا فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ إنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا مَانِعَ وَلَا ضَرَرَ، حَرُمَ الْمَنْعُ عَلَى وَلِيٍّ أَوْ عَلَى غَيْرِ أَبٍ. انْتَهَى. قَوْلُهُ (السُّنَّةُ أَنْ يَؤُمَّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ) أَيْ لِكِتَابِ اللَّهِ (ثُمَّ أَفْقُهُمْ) هَذَا الْمَذْهَبُ بِلَا رَيْبٍ نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، وَعَنْهُ يُقَدَّمُ الْأَفْقَهُ عَلَى الْأَقْرَأِ، إنْ قَرَأَ مَا يُجْزِئُ فِي الصَّلَاةِ اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَحَكَى ابْنُ الزَّاغُونِيِّ عَنْ بَعْضِ الْأَصْحَابِ: أَنَّهُ رَأَى تَقْدِيمَ الْفَقِيهِ عَلَى الْقَارِئِ. فَائِدَتَانِ. إحْدَاهُمَا: يُقَدَّمُ الْأَقْرَأُ الْفَقِيهُ عَلَى الْأَفْقَهِ الْقَارِئِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ قَدَّمَهُ فِي النَّظْمِ، وَقِيلَ: عَكْسُهُ فَعَلَى الْمَذْهَبِ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ: يُقَدَّمُ الْأَجْوَدُ قِرَاءَةً عَلَى الْأَكْثَرِ قُرْآنًا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ، وَالْفَائِقِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ، وَالنَّظْمِ، وَغَيْرِهِمْ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِ وَاخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالْمَجْدُ، وَالشَّارِحُ، وَغَيْرُهُمْ، وَقِيلَ: يُقَدَّمُ أَكْثَرُهُمْ قُرْآنًا اخْتَارَهُ صَاحِبُ رَوْضَةِ الْفِقْهِ، الثَّانِيَةُ: مِنْ شَرْطِ تَقْدِيمِ الْأَقْرَأِ حَيْثُ قُلْنَا بِهِ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا فِقْهَ صَلَاتِهِ فَقَطْ حَافِظًا لِلْفَاتِحَةِ، وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يَعْلَمَ أَحْكَامَ سُجُودِ السَّهْوِ. تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ: لَوْ كَانَ الْقَارِئُ جَاهِلًا بِمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ لَكِنْ يَأْتِي بِهَا فِي الْعَادَةِ صَحِيحَةً: أَنَّهُ يُقَدَّمُ عَلَى الْفَقِيهِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَالْخِرَقِيِّ، وَالْأَكْثَرِينَ، وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْأَفْقَهَ الْحَافِظَ مِنْ الْقُرْآنِ مَا يُجْزِئُهُ فِي الصَّلَاةِ يُقَدَّمُ عَلَى ذَلِكَ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ نَصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْوَجِيزِ وَجَزَمَ بِهِ فِي
الْمُحَرَّرِ وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَحَسَّنَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: وَهُوَ أَوْلَى وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ، وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ فَائِدَةٌ. قَوْلُهُ ثُمَّ أَفْقَهُهُمْ يَعْنِي إذَا اسْتَوَيَا فِي الْقِرَاءَةِ قُدِّمَ الْأَفْقَهُ، وَكَذَا لَوْ اسْتَوَيَا فِي الْفِقْهِ قُدِّمَ أَقْرَؤُهُمَا، وَلَوْ اسْتَوَيَا فِي جَوْدَةِ الْقِرَاءَةِ قُدِّمَ أَكْثَرُهُمَا قُرْآنًا، وَلَوْ اسْتَوَيَا فِي الْكَثْرَةِ قُدِّمَ أَجْوَدُهُمَا، وَلَوْ كَانَ أَحَدُ الْفَقِيهَيْنِ أَفْقَهَ، أَوْ أَعْلَمَ بِأَحْكَامِ الصَّلَاةِ قُدِّمَ، وَيُقَدَّمُ قَارِئٌ لَا يَعْرِفُ أَحْكَامَ الصَّلَاةِ عَلَى فَقِيهٍ أُمِّيٍّ. قَوْلُهُ (ثُمَّ أَسَنُّهُمْ) يَعْنِي إذَا اسْتَوَوْا فِي الْقِرَاءَةِ وَالْفِقْهِ قُدِّمَ أَسَنُّهُمْ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ جَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْإِيضَاحِ، وَالْمُبْهِجِ، وَالْخِرَقِيِّ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْوَجِيزِ، وَالْمُنْتَخَبِ، وَالْمَذْهَبِ الْأَحْمَدِ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ. وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: تَقْدِيمُ الْأَقْدَمِ هِجْرَةً عَلَى الْأَسَنِّ جَزَمَ بِهِ فِي الْإِفَادَاتِ، وَالنَّظْمِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ، وَالْمُنَوِّرِ وَقَدَّمَهُ فِي الْكَافِي، وَالْمُحَرَّرِ، الْفَائِقِ وَصَحَّحَهُ الشَّارِحُ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: اخْتَارَهُ الشَّيْخَانِ وَجَزَمَ بِهِ فِي النِّهَايَةِ وَنَظْمِهَا وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ بِتَقْدِيمِ الْأَقْدَمِ إسْلَامًا عَلَى الْأَسَنِّ، وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: يُقَدَّمُ الْأَشْرَفُ ثُمَّ الْأَقْدَمُ هِجْرَةً، ثُمَّ الْأَسَنُّ، عَكْسُ مَا قَالَ الْمُصَنِّفُ هُنَا، وَأَطْلَقَهُنَّ ابْنُ تَمِيمٍ. قَوْلُهُ (ثُمَّ أَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً، ثُمَّ أَشْرَفُهُمْ) هَذَا أَحَدُ الْوُجُوهِ، حَكَاهُ فِي التَّلْخِيصِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُبْهِجِ، وَالْإِيضَاحِ، وَالنَّظْمِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفَائِقِ وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يُقَدَّمُ الْأَشْرَفُ عَلَى الْأَقْدَمِ هِجْرَةً، وَهُوَ الْمَذْهَبُ وَجَزَمَ بِهِ الْخِرَقِيُّ، وَالْهِدَايَةُ وَالْمُذْهَبُ، وَالْخُلَاصَةُ، وَالْوَجِيزُ، وَالْمَذْهَبُ الْأَحْمَدُ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَاخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَقِيلَ: يُقَدَّمُ الْأَتْقَى عَلَى الْأَشْرَفِ، وَلَمْ يُقَدِّمْ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ بِالنَّسَبِ، ذَكَرَهُ عَنْ أَحْمَدَ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْإِيضَاحِ. فَائِدَةٌ: قِيلَ الْأَقْدَمُ هِجْرَةً: مَنْ هَاجَرَ بِنَفْسِهِ جَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ، وَقِيلَ. السَّبْقُ بِآبَائِهِ قَالَ الْآمِدِيُّ: الْهِجْرَةُ مُنْقَطِعَةٌ فِي وَقْتِنَا، وَإِنَّمَا يُقَدَّمُ بِهَا مَنْ كَانَ لِآبَائِهِ سَبْقٌ، وَقِيلَ: السَّبْقُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا قَطَعَ بِهِ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالزَّرْكَشِيُّ وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَةُ الْكُبْرَى، وَالْحَاوِي الْكَبِيرُ وَالْحَوَاشِي، وَأَطْلَقَهُنَّ فِي الْفُرُوعِ، وَأَمَّا الْأَشْرَفُ فَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالْمُرَادُ بِهِ الْقُرَشِيُّ، وَقَالَهُ الْمَجْدُ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ وَقَدَّمَهُ الزَّرْكَشِيُّ قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: وَمَعْنَى الشَّرَفِ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ مِنْهُ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ فَيُقَدَّمُ الْعَرَبُ عَلَى غَيْرِهِمْ، ثُمَّ قُرَيْشٌ، ثُمَّ بَنُو هَاشِمٍ، وَكَذَلِكَ أَبَدًا، وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَمَعْنَى الشَّرَفِ: عُلُوُّ النَّسَبِ وَالْقَدْرِ قَالَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ قُلْت: وَقَطَعَ بِهِ الْمُغْنِي، وَالْكَافِي، وَالشَّرْحُ، وَالْفَائِقُ، وَغَيْرُهُمْ. فَائِدَةٌ: السَّبْقُ بِالْإِسْلَامِ كَالْهِجْرَةِ، وَقَالَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ قَوْلُهُ (ثُمَّ أَتْقَاهُمْ) يَعْنِي بَعْدَ الْأَسَنِّ وَالْأَشْرَفِ وَالْأَقْدَمِ هِجْرَةً: الْأَتْقَى، وَهَذَا الْمَذْهَبُ جَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْوَجِيزِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْمَذْهَبِ الْأَحْمَدِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى وَغَيْرِهِمْ، وَقِيلَ: يُقَدَّمُ الْأَتْقَى عَلَى الْأَشْرَفِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَهُوَ
احْتِمَالٌ لِلْمُصَنِّفِ وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَهُوَ الصَّوَابُ، وَقِيلَ: يُقَدَّمُ الْأَعْمَرُ لِلْمَسْجِدِ عَلَى الْأَتْقَى وَالْأَوْرَعِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُبْهِجِ، وَالْإِيضَاحِ، وَالْفُصُولِ. وَزَادَ: أَوْ يَفْضُلُ عَلَى الْجَمَاعَةِ الْمُنْعَقِدَةِ قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَقِيلَ: بَلْ الْأَعْمَرُ لِلْمَسْجِدِ، الرَّاعِي لَهُ، وَالْمُتَعَاهِدُ لِأُمُورِهِ. فَائِدَةٌ ذَكَرَ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَحَوَاشِي الْفُرُوعِ، وَالزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُمْ: أَنَّ الْأَتْقَى وَالْأَوْرَعَ سَوَاءٌ، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: ثُمَّ الْأَتْقَى ثُمَّ الْأَوْرَعُ ثُمَّ مَنْ قَرَعَ، وَعَنْهُ يُقْسَمُ بَيْنَهُمَا قَوْلُهُ (ثُمَّ مَنْ تَقَعُ لَهُ الْقُرْعَةُ) يَعْنِي بَعْدَ الْأَتْقَى، وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ جَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْمَذْهَبِ الْأَحْمَدِ، وَالْكَافِي، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالْوَجِيزِ، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَالْمُنْتَخَبِ وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ. وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ، وَعَنْهُ يُقَدَّمُ مَنْ اخْتَارَهُ الْجَمَاعَةُ عَلَى الْقُرْعَةِ قَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَالْفَائِقُ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُبْهِجِ، وَالْإِيضَاحِ، وَالنَّظْمِ. قَالَ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ: فَإِنْ اسْتَوَوْا فِي التَّقْوَى أَقُرِعَ بَيْنَهُمْ نَصَّ عَلَيْهِ فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا يَقُومُ بِعِمَارَةِ الْمَسْجِدِ وَتَعَاهُدِهِ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ وَكَذَلِكَ إنْ رَضِيَ الْجِيرَانُ أَحَدَهُمَا دُونَ الْآخَرِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: فَإِنْ اسْتَوَوْا فِي التَّقْوَى وَالْوَرَعِ قُدِّمَ أَعْمَرُهُمْ لِلْمَسْجِدِ وَمَا رَضِيَ بِهِ الْجِيرَانُ أَوْ أَكْثَرُهُمْ فَإِنْ اسْتَوَوْا فِي الْقُرْعَةِ قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: ثُمَّ بَعْدَ الْأَتْقَى مَنْ يَخْتَارُهُ الْجِيرَانُ أَوْ أَكْثَرُهُمْ، لِمَعْنًى مَقْصُودٍ شَرْعًا، كَكَوْنِهِ أَعْمَرَ لِلْمَسْجِدِ، أَوْ أَنْفَعَ لِجِيرَانِهِ وَنَحْوِهِ مِمَّا يَعُودُ بِصَلَاحِ الْمَسْجِدِ وَأَهْلِهِ، ثُمَّ الْقُرْعَةُ. انْتَهَى. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَالْفُرُوعِ.
فَعَلَى الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ: لَوْ اخْتَلَفُوا فِي اخْتِيَارِهِمْ عَمِلَ بِاخْتِيَارِ الْأَكْثَرِ فَإِنْ اسْتَوَوْا فَقِيلَ: يُقْرَعُ. قُلْت: وَهُوَ أَوْلَى، وَقِيلَ: يَخْتَارُ السُّلْطَانُ الْأَوْلَى، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ فَعَلَى الْقَوْلِ بِاخْتِيَارِ السُّلْطَانِ: لَا يَتَجَاوَزُ الْمُخْتَلَفَ فِيهِمَا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَقِيلَ: لِلسُّلْطَانِ أَنْ يَخْتَارَ غَيْرَهُمَا، ذَكَرَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَهُمَا احْتِمَالَانِ مُطْلَقَانِ فِي الْفُرُوعِ. تَنْبِيهٌ: قَوْلِي فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ (مَنْ اخْتَارَهُ الْجَمَاعَةُ) هَكَذَا قَالَ فِي الْفُرُوعِ وَمُخْتَصَرِ ابْنِ تَمِيمٍ وَغَيْرِهِمَا، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: مَنْ رَضِيَهُ وَأَرَادَهُ الْمُصَلُّونَ، وَقِيلَ: الْجَمَاعَةُ، وَقِيلَ: الْجِيرَانُ، وَقِيلَ: أَكْثَرُهُمْ. تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ: أَنَّ الْقُرْعَةَ بَعْدَ الْأَتْقَى وَالْأَوْرَعِ، أَوْ مَنْ تَخْتَارُهُ الْجَمَاعَةُ عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَقِيلَ: يُقَدَّمُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ جَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ فِي مَوْضِعٍ، وَكَذَلِكَ ابْنُ تَمِيمٍ، وَقِيلَ: يُقَدَّمُ أَيْضًا بِحُسْنِ الْخِلْقَةِ، وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ. فَائِدَةٌ: تَحْرِيرُ الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ فِي الْأَوْلَى بِالتَّقْدِيمِ فِي الْإِمَامَةِ فَالْأَوْلَى: الْأَقْرَأُ جَوْدَةً، الْعَارِفُ فِقْهَ صَلَاتِهِ ثُمَّ الْقَارِئُ كَذَلِكَ ثُمَّ الْأَفْقَهُ ثُمَّ الْأَسَنُّ ثُمَّ الْأَشْرَفُ ثُمَّ الْأَقْدَمُ هِجْرَةً، وَالْأَسْبَقُ بِالْإِسْلَامِ ثُمَّ الْأَتْقَى وَالْأَوْرَعُ ثُمَّ مَنْ يَخْتَارُهُ الْجِيرَانُ، ثُمَّ الْقُرْعَةُ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْخِلَافَ إنَّمَا هُوَ فِي الْأَوْلَوِيَّةِ، لَا فِي اشْتِرَاطِ ذَلِكَ وَوُجُوبِهِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ، وَقَطَعُوا بِهِ وَنَصَّ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ يُكْرَهُ تَقْدِيمُ غَيْرِ الْأَوْلَى، وَيَأْتِي بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا قَرِيبًا.
قَوْلُهُ (وَصَاحِبُ الْبَيْتِ، وَإِمَامُ الْمَسْجِدِ أَحَقُّ بِالْإِمَامَةِ) يَعْنِي أَنَّهُمَا أَحَقُّ بِالْإِمَامَةِ مِنْ غَيْرِهِمَا مِمَّنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، إذَا كَانَ مِمَّنْ تَصِحُّ إمَامَتُهُ، قَالَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُمَا قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: قُلْت: إنْ صَلَحَا لِلْإِمَامَةِ بِهِمْ مُطْلَقًا، وَإِنْ كَانَ أَفْضَلَ مِنْهُمَا فَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: هُمَا أَحَقُّ مِنْ غَيْرِهِمَا مَعَ التَّسَاوِي وَوَجَّهَ فِي الْفُرُوعِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُمَا أَنْ يُقَدِّمَا أَفْضَلَ مِنْهُمَا. فَائِدَةٌ: لَهُمَا تَقْدِيمُ غَيْرِهِمَا، وَلَا يُكْرَهُ نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ يُكْرَهُ تَقْدِيمُ أَبَوَيْهِمَا مُطْلَقًا، فَغَيْرُهُمَا أَوْلَى أَنْ يُكْرَهَ وَكَذَا الْخِلَافُ فِي إذْنِ مَنْ اسْتَحَقَّ التَّقْدِيمَ غَيْرَهُمَا، وَيَأْتِي قَرِيبًا بِأَعَمَّ مِنْ هَذَا. فَائِدَةٌ الْمُعِيرُ وَالْمُسْتَأْجِرُ أَحَقُّ بِالْإِمَامَةِ مِنْ الْمُسْتَعِيرِ وَالْمُؤَجِّرِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: عَكْسُهُ، وَقَدَّمَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِيَيْنِ أَنَّ الْمُسْتَعِيرَ أَوْلَى مِنْ الْمَالِكِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: قُلْت: وَيُخَرَّجُ أَنَّ الْمُسْتَعِيرَ أَوْلَى، إنْ قُلْنَا: الْعَارِيَّةُ هِبَةُ مَنْفَعَةٍ، وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ فِي الْمُؤَجِّرِ وَالْمُسْتَأْجِرِ. قَوْلُهُ (إلَّا أَنْ يَكُونَ بَعْضُهُمْ ذَا سُلْطَانٍ) يَعْنِي فَيَكُونَ أَحَقَّ بِالْإِمَامَةِ مِنْ صَاحِبِ الْبَيْتِ، وَمِنْ إمَامِ الْمَسْجِدِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ نَصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: هُمَا أَحَقُّ مِنْهُ وَاخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ فِي صَاحِبِ الْبَيْتِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي التَّلْخِيصِ فِي صَاحِبِ الْبَيْتِ وَالسُّلْطَانِ. فَائِدَةٌ لَوْ كَانَ الْبَيْتُ لِعَبْدٍ فَسَيِّدُهُ أَحَقُّ مِنْهُ بِالْإِمَامَةِ، قَالَهُ فِي الْكَافِي وَغَيْرِهِ وَهُوَ وَاضِحٌ؛ لِأَنَّ السَّيِّدَ صَاحِبُ الْبَيْتِ، وَلَوْ كَانَ الْبَيْتُ لِلْمُكَاتَبِ كَانَ أَوْلَى، قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَقِيلَ: يُقَدَّمَانِ فِي بَيْتِهِمَا عَلَى غَيْرِ سَيِّدِهِمَا. قَوْلُهُ (وَالْحُرُّ أَوْلَى مِنْ الْعَبْدِ وَمِنْ الْمُكَاتَبِ، وَمَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ) ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ، وَالْمُحَرَّرِ،
وَالْفَائِقِ، وَالْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِمْ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ، وَعَنْهُ لَا يُقَدَّمُ عَلَيْهِ إلَّا إذَا تَسَاوَيَا، وَقِيلَ: إذَا لَمْ يَكُنْ أَحَدُهُمَا إمَامًا رَاتِبًا. ذَكَرَهُ فِي الرِّعَايَةِ. فَائِدَتَانِ إحْدَاهُمَا: الْعَبْدُ الْمُكَلَّفُ أَوْلَى مِنْ الصَّبِيِّ إذَا قُلْنَا: تَصِحُّ إمَامَتُهُ بِالْبَالِغِينَ، قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ، الثَّانِيَةُ: أَفَادَنَا الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ إمَامَةَ الْعَبْدِ صَحِيحَةٌ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ، وَهُوَ صَحِيحٌ لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا فِي الْمَذْهَبِ، إلَّا مَا يَأْتِي فِي إمَامَتِهِ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ، بَلْ وَلَا يُكْرَهُ بِالْأَحْرَارِ نَصَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (وَالْحَاضِرُ أَوْلَى مِنْ الْمُسَافِرِ) هَذَا الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْوَجِيزِ، وَالْفَائِقِ، وَشَرْحِ ابْنِ مُنَجَّا، وَغَيْرِهِمْ وَقَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ، وَغَيْرِهِمْ، وَقَالَ الْقَاضِي: إنْ كَانَ فِيهِمْ إمَامٌ، فَهُوَ أَحَقُّ بِالْإِمَامَةِ، قَالَ الْقَاضِي وَإِنْ كَانَ مُسَافِرًا وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ تَمِيمٍ. فَوَائِدُ. الْأُولَى: لَوْ أَتَمَّ الْإِمَامُ الْمُسَافِرُ الصَّلَاةَ صَحَّتْ صَلَاةُ الْمَأْمُومِ الْمُقِيمِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ عَامَّةُ الْأَصْحَابِ وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْمَيْمُونِيِّ، وَابْنِ مَنْصُورٍ، وَعِنْدَ أَبِي بَكْرٍ: إنْ أَتَمَّ الْمُسَافِرُ فَفِي صِحَّةِ صَلَاةِ الْمَأْمُومِ رِوَايَتَا مُتَنَفِّلٌ بِمُفْتَرِضٍ، وَذَكَرَهُمَا الْقَاضِي، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ: لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ فَلَيْسَ بِمُتَنَفِّلٍ قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: أَنْكَرَ عَامَّةُ الْأَصْحَابِ قَوْلَ أَبِي بَكْرٍ فِي صِحَّةِ صَلَاتِهِ خَلْفَهُ رِوَايَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ فِي الْأَخِيرَتَيْنِ مُتَنَفِّلٌ، لِسُقُوطِهِمَا بِالتَّرْكِ لَا إلَى بَدَلٍ، وَمَنَعَهُ
الْأَصْحَابُ؛ لِأَنَّ الْقَصْرَ عِنْدَنَا رُخْصَةٌ فَإِذَا لَمْ يَخْتَرْهُ تَعَيَّنَ الْفَرْضُ الْأَصْلِيُّ، وَهُوَ الْأَرْبَعُ، وَنَقَلَ صَالِحٌ التَّوَقُّفَ فِيهَا، وَقَالَ: دَعْهَا. انْتَهَى. وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي الِانْتِصَارِ: يَجُوزُ فِي رِوَايَةٍ، لِصِحَّةِ بِنَاءِ مُقِيمٍ عَلَى نِيَّةِ مُسَافِرٍ، وَهُوَ الْإِمَامُ. الثَّانِيَةُ: إذَا أَتَمَّ الْمُسَافِرُ كُرِهَ تَقْدِيمُهُ، لِلْخُرُوجِ مِنْ الْخِلَافِ، وَإِنْ قَصَرَ لَمْ يُكْرَهْ الِاقْتِدَاءُ بِهِ قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: إجْمَاعًا. الثَّالِثَةُ: لَوْ كَانَ الْمُقِيمُ إمَامًا لِمُسَافِرٍ، وَنَوَى الْمُسَافِرُ الْقَصْرَ: صَحَّتْ صَلَاتُهُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ: إنْ نَوَى الْمُسَافِرُ الْقَصْرَ احْتَمَلَ أَنْ لَا يُجْزِئَهُ، وَهُوَ أَصَحُّ، لِوُقُوعِ الْأُخْرَيَيْنِ مِنْهُ بِلَا نِيَّةٍ؛ وَلِأَنَّ الْمَأْمُومَ إذَا لَزِمَهُ حُكْمُ الْمُتَابَعَةِ لَزِمَهُ نِيَّةُ الْمُتَابَعَةِ، كَنِيَّةِ الْجُمُعَةِ مِمَّنْ لَا تَلْزَمُهُ خَلْفَ مَنْ يُصَلِّيهَا وَاحْتُمِلَ أَنْ يُجْزِئَهُ؛ لِأَنَّ الْإِتْمَامَ لَزِمَهُ حُكْمًا. الرَّابِعَةُ: الْحَضَرِيُّ أَوْلَى مِنْ الْبَدْوِيِّ، وَالْمُتَوَضِّئُ أَوْلَى مِنْ الْمُتَيَمِّمِ. قَوْلُهُ (وَالْبَصِيرُ أَوْلَى مِنْ الْأَعْمَى، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) ، وَهُمَا رِوَايَتَانِ فَالْخِلَافُ عَائِدٌ إلَيْهِمَا فَقَطْ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي التَّلْخِيصِ، وَالْفَائِقِ، أَحَدُهُمَا: الْبَصِيرُ أَوْلَى، وَهُوَ الْمَذْهَبُ قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَهُوَ أَوْلَى. قَالَ فِي الْمُذْهَبِ: هَذَا أَصَحُّ الْوَجْهَيْنِ قَالَ فِي الْبُلْغَةِ: وَالْبَصِيرُ أَوْلَى مِنْهُ، عَلَى الْأَصَحِّ قَالَ فِي الْهِدَايَةِ: وَالْبَصِيرُ أَوْلَى مِنْ الْأَعْمَى عِنْدِي وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ، وَالنِّهَايَةِ، وَنَظْمِهَا وَاخْتَارَهُ الشِّيرَازِيُّ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالشَّرْحِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالنَّظْمِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ الْوَجْهُ الثَّانِي: هُمَا سَوَاءٌ اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَقَدَّمَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَقِيلَ: الْأَعْمَى أَوْلَى مِنْ الْبَصِيرِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ فِي الرِّعَايَةِ وَغَيْرِهَا. فَائِدَةٌ لَوْ كَانَ الْأَعْمَى أَصَمَّ صَحَّتْ إمَامَتُهُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ قَدَّمَهُ فِي الْكَافِي، وَالْمُغْنِي، وَصَحَّحَهُ فِيهِمَا وَقَدَّمَهُ فِي الشَّرْحِ، وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ.
وَقَالَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ: لَا يَصِحُّ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِيضَاحِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالنَّظْمِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ. فَائِدَةٌ لَوْ أَذِنَ الْأَفْضَلُ لِلْمَفْضُولِ مِمَّنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ لَمْ تُكْرَهْ إمَامَتُهُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ نَصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: تُكْرَهُ، وَهُوَ رِوَايَةٌ فِي صَاحِبِ الْبَيْتِ، وَإِمَامِ الْمَسْجِدِ، كَمَا تَقَدَّمَ، وَفِي رِسَالَةِ أَحْمَدَ فِي الصَّلَاةِ، رِوَايَةُ مُهَنَّا: لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَدِّمُوا إلَّا أَعْلَمَهُمْ وَأَخْوَفَهُمْ، وَإِلَّا لَمْ يَزَالُوا فِي سَفَالٍ، وَكَذَا قَالَ فِي الْغُنْيَةِ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: يَجِبُ تَقْدِيمُ مَنْ يُقَدِّمُهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَلَوْ مَعَ شَرْطِ وَاقِفٍ بِخِلَافِهِ. انْتَهَى. فَإِمَامَةُ الْمَفْضُولِ بِدُونِ إذْنِ الْفَاضِلِ مَكْرُوهَةٌ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ نَصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: الْأَخْوَفُ أَوْلَى، وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ، وَأَطْلَقَ بَعْضُهُمْ النَّصَّ، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ سِوَى إمَامِ الْمَسْجِدِ، وَصَاحِبِ الْبَيْتِ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ، وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ: يُكْرَهُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَاحْتَجَّ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ الْقَاضِي، وَالْمَجْدُ عَلَى مَنْعِ إمَامَةِ الْأُمِّيِّ بِالْأَقْرَأِ بِأَمْرِ الشَّارِعِ بِتَقْدِيمِ الْأَقْرَأِ فَإِذَا قُدِّمَ الْأُمِّيُّ خُولِفَ الْأَمْرُ وَدَخَلَ تَحْتَ النَّهْيِ وَكَذَا احْتَجَّ فِي الْفُصُولِ، مَعَ قَوْلِهِ: يُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ إذَا اسْتَخْلَفَ أَنْ يُرَتِّبَ كَمَا يُرَتِّبُ الْإِمَامُ فِي أَصْلِ الصَّلَاةِ. كَالْإِمَامِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ نَوْعُ إمَامَةٍ. قَوْلُهُ (وَهَلْ تَصِحُّ إمَامُهُ الْفَاسِقِ وَالْأَقْلَفِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالْفَائِقِ أَمَّا الْفَاسِقُ: فَفِيهِ رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا: لَا تَصِحُّ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ سَوَاءٌ كَانَ فِسْقُهُ مِنْ جِهَةِ الِاعْتِقَادِ أَوْ مِنْ جِهَةِ الْأَفْعَالِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، قَالَ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ: هِيَ اخْتِيَارُ الْمَشَايِخِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هِيَ الْمَشْهُورَةُ. وَاخْتِيَارُ ابْنِ أَبِي مُوسَى،
وَالْقَاضِي، وَالشِّيرَازِيِّ، وَجَمَاعَةٍ قَالَ فِي الْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: لَا يَصِحُّ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ قَالَ فِي الْحَاوِي الْكَبِيرِ: هِيَ الصَّحِيحَةُ مِنْ الْمَذْهَبِ قَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ: هِيَ الْأَشْهَرُ، قَالَ النَّاظِمُ: الْأَوْلَى وَنَصَرَهَا أَبُو الْخَطَّابِ، وَالشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ وَاخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ، وَالْآمِدِيُّ، وَالْمَجْدُ، وَغَيْرُهُمَا وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ عَقِيلٍ فِي التَّذْكِرَةِ، وَغَيْرِهِ قَالَ فِي الْوَجِيزِ: وَلَا تَصِحُّ إمَامَةُ الْفَاسِقِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَغَيْرِهِمَا قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لَا تَصِحُّ خَلْفَ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ وَالْبِدَعِ وَالْفَسَقَةِ مَعَ الْقُدْرَةِ وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: تَصِحُّ، وَتُكْرَهُ، وَعَنْهُ تَصِحُّ فِي النَّفْلِ جَزَمَ بِهِ جَمَاعَةٌ قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَيَصِحُّ النَّفَلُ خَلْفَ الْفَاسِقِ، رِوَايَةً وَاحِدَةً، قَالَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا. وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَهُ: الْمَجْدُ، فَإِنَّهُ قَالَ ذَلِكَ، وَعَنْهُ لَا تَصِحُّ خَلْفَ فَاسِقٍ بِالِاعْتِقَادِ بِحَالٍ فَعَلَى الْمَذْهَبِ: يَلْزَمُ مَنْ صَلَّى خَلْفَهُ الْإِعَادَةُ، سَوَاءٌ عَلِمَ بِفِسْقِهِ وَقْتَ الصَّلَاةِ أَوْ بَعْدَهَا، وَسَوَاءٌ كَانَ فِسْقُهُ ظَاهِرًا أَوْ لَا، وَهَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ، وَالْأَثْرَمِ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْكَافِي، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَا إعَادَةَ إذَا جُهِلَ حَالُهُ مُطْلَقًا كَالْحَدَثِ، وَالنَّجَاسَةِ، وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ بِأَنَّ الْفَاسِقَ يَعْلَمُ بِالْمَانِعِ فِي حَقِّهِ، بِخِلَافِ الْمُحْدِثِ النَّاسِي. إذْ لَوْ عَلِمَ لَمْ تَصِحَّ خَلْفَهُ (بِحَالٍ) وَقِيلَ: إنْ كَانَ فِسْقُهُ ظَاهِرًا أَعَادَ، وَإِلَّا فَلَا، لِلْعُذْرِ، وَصَحَّحَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالْمَجْدُ وَجَزَمَ بِهِ الْخِرَقِيُّ، وَالْوَجِيزُ، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: الْأَصَحُّ أَنْ يُعِيدَ خَلْفَ الْمُعْلِنِ. وَفِي غَيْرِهِ رِوَايَتَانِ، وَقِيلَ: إنْ عَلِمَ لَمَّا سَلَّمَ فَوَجْهَانِ، وَإِنْ عَلِمَ قَبْلَهُ فَرِوَايَتَانِ، قَالَ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْفَائِقِ: وَإِنْ ائْتَمَّ بِفَاسِقٍ مَنْ يَعْلَمُ فِسْقَهُ: فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ وَقِيلَ: يُعِيدُ لِفِسْقِ إمَامِهِ الْمُجَرَّدِ، وَقِيلَ: تَقْلِيدًا فَقَطْ.
فَائِدَةٌ الْمُعْلِنُ بِالْبِدْعَةِ: هُوَ الْمُظْهِرُ لَهَا، ضِدُّ الْإِسْرَارِ، كَالْمُتَكَلِّمِ بِهَا، وَالدَّاعِي إلَيْهَا، وَالْمُنَاظِرِ عَلَيْهَا، وَهَكَذَا فَسَّرَهُ الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ وَغَيْرُهُمَا، وَقَالَ الْقَاضِي: الْمُعْلِنُ بِالْبِدْعَةِ: مَنْ يَعْتَقِدُهَا بِدَلِيلٍ، وَضِدُّهُ: مَنْ يَعْتَقِدُهَا تَقْلِيدًا، وَقَالَ: الْمُقَلِّدُ لَا يَكْفُرُ وَلَا يَفْسُقُ. فَوَائِدُ الْأُولَى: تَصِحُّ إمَامَةُ الْعَدْلِ إذَا كَانَ نَائِبًا لِفَاسِقٍ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُ: هَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الرِّوَايَتَيْنِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَعَنْهُ لَا تَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَنِيبُ مَنْ لَا يُبَاشِرُ، وَقِيلَ: إنْ كَانَ الْمُسْتَنِيبُ عَدْلًا وَحْدَهُ فَوَجْهَانِ صَحَّحَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَخَالَفَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ فَعَلَى الْمَذْهَبِ: لَا يُعِيدُ نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ يُعِيدُ. الثَّانِيَةُ: قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ: لَا يَؤُمُّ فَاسِقٌ فَاسِقًا، وَقَالَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ رَفْعُ مَا عَلَيْهِ مِنْ النَّقْصِ قُلْت: وَصَرَّحَ بِهِ ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ، فَقَالَا: وَلَا يَؤُمُّ فَاسِقٌ مِثْلَهُ. الثَّالِثَةُ: حَيْثُ قُلْنَا: لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ خَلْفَهُ، فَإِنَّهُ يُصَلِّي مَعَهُ خَوْفَ أَذًى وَيُعِيدُ نَصَّ عَلَيْهِ وَإِنْ نَوَى الِانْفِرَادَ وَوَافَقَهُ فِي أَفْعَالِهَا لَمْ يُعِدْهَا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَعَنْهُ يُعِيدُ. تَنْبِيهٌ: يُسْتَثْنَى مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ: صَلَاةُ الْجُمُعَةِ فَإِنَّهَا تُصَلَّى خَلْفَهُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَقَالَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ: يُصَلِّي خَلْفَهُ صَلَاةَ الْجُمُعَةِ، رِوَايَةً وَاحِدَةً لَكِنْ بِشَرْطِ عَدَمِ جُمُعَةٍ أُخْرَى خَلْفَ عَدْلٍ قَالَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ وَغَيْرِهِ، وَعَنْهُ لَا يُصَلِّي الْجُمُعَةَ أَيْضًا خَلْفَهُ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ مِنْ الْأَصْحَابِ. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَسَوَّى الْآمِدِيُّ بَيْنَ الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا فِي تَقْدِيمِ الْفَاسِقِ فَعَلَى
الْمَذْهَبِ: لَا يَلْزَمُهُ إعَادَتُهَا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: هِيَ أَشْهَرُ، وَعَنْهُ مَنْ أَعَادَهَا فَمُبْتَدِعٌ مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ لَيْسَ لَهُ مِنْ فَضْلِ الْجُمُعَةِ شَيْءٌ، إذَا لَمْ يَرَ الصَّلَاةِ خَلْفَهُ، وَعَنْهُ يُعِيدُهَا جَزَمَ بِهِ فِي الْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: فَيُعَادُ عَلَى الْمَذْهَبِ قَالَ فِي الْحَاوِيَيْنِ: هَذَا الصَّحِيحُ عِنْدِي، وَصَحَّحَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: ذِكْرُ غَيْرِ وَاحِدٍ الْإِعَادَةَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ كَغَيْرِهَا قُلْت: مِمَّنْ قَالَهُ: هُوَ فِي حَوَاشِيهِ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ. نَقَلَ ابْنُ الْحَكَمِ: أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ، ثُمَّ يُصَلِّي الظُّهْرَ أَرْبَعًا قَالَ: فَإِنْ كَانَتْ الصَّلَاةُ فَرْضًا، فَلَا تَضُرُّ صَلَاتِي، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ كَانَتْ تِلْكَ الصَّلَاةُ ظُهْرًا أَرْبَعًا، وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ: أَيُّهُمَا أَحَبُّ إلَيْك: أُصَلِّي قَبْلَ الصَّلَاةِ أَوْ بَعْدَهَا؟ قَالَ: بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَلَا أُصَلِّي قَبْلُ قَالَ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ: يُصَلَّى الظُّهْرُ بَعْدَ الْجُمُعَةِ لِيَخْرُجَ مِنْ الْخِلَافِ، وَأَطْلَقَ الرِّوَايَتَيْنِ وَهُمَا: الْإِعَادَةُ، وَعَدَمُهَا ابْنُ تَمِيمٍ. فَائِدَةٌ: أَلْحَقَ الْمُصَنِّفُ بِالْجُمُعَةِ صَلَاةَ الْعِيدَيْنِ، وَتَابَعَهُ فِي الشَّرْحِ، وَالنَّظْمِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَغَيْرِهِمْ، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَيُصَلِّي الْجُمُعَةَ، وَقِيلَ: وَالْعِيدَ قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَا يُقْتَدَى بِالْفَاسِقِ فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ، وَلَمْ يَذْكُرْهُمَا فِي الْفُرُوعِ. فَوَائِدُ إحْدَاهَا: حُكْمُ مَنْ صَلَّى الْجُمُعَةَ وَنَحْوَهَا فِي بُقْعَةِ غَصْبٍ لِلضَّرُورَةِ: حُكْمُ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ خَلْفَ الْفَاسِقِ، ذَكَرَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقَالَ: وَذَكَرَهُمَا ابْنُ عَقِيلٍ، وَصَاحِبُ الْمُحَرَّرِ فِيمَنْ كَفَرَ بِاعْتِقَادِهِ، وَيُعِيدُ، وَتَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَى ذَلِكَ فِي آخِرِ بَابِ اجْتِنَابِ النَّجَاسَةِ.
الثَّانِيَةُ: تَصِحُّ الصَّلَاةُ خَلْفَ إمَامٍ لَا يَعْرِفُهُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَنْهُ لَا تَصِحُّ. وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي إلَّا خَلْفَ مَنْ يَعْرِفُ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَهَذَا عَلَى الِاسْتِحْبَابِ. الثَّالِثَةُ: قَالَ الْمَجْدُ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ، وَصَاحِبُ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَغَيْرِهِمْ: تَصِحُّ الصَّلَاةُ خَلْفَ مَنْ خَالَفَ فِي الْفُرُوعِ، لِدَلِيلٍ أَوْ تَقْلِيدٍ نَصَّ عَلَيْهِ، مَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ تَرَكَ رُكْنًا أَوْ شَرْطًا عَلَى مَا يَأْتِي قَالَ الْمَجْدُ لِمَنْ قَالَ لَا تَصِحُّ: هَذَا خَرْقٌ لِإِجْمَاعِ مَنْ تَقَدَّمَ مِنْ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَمُرَادُ الْأَصْحَابِ: مَا لَمْ يَفْسُقْ بِذَلِكَ (وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى فِي الصَّلَاةِ خَلْفَ شَارِبِ نَبِيذٍ، مُعْتَقِدًا حِلَّهُ، رِوَايَتَيْنِ) وَذَكَرَ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي خَلْفَ مَنْ يَقُولُ الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ وَقِيلَ: وَلَا خَلْفَ مَنْ يُجِيزُ رِبَا الْفَضْلِ، كَبَيْعِ دِرْهَمٍ بِدِرْهَمَيْنِ. لِلْإِجْمَاعِ الْآنَ عَلَى تَحْرِيمِهَا، وَيَأْتِي قَرِيبًا إذَا تَرَكَ الْإِمَامُ رُكْنًا أَوْ شَرْطًا، وَأَمَّا الْأَقْلَفُ: فَأَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ فِي صِحَّةِ إمَامَتِهِ رِوَايَتَيْنِ، وَهُمَا رِوَايَتَانِ عِنْدَ الْأَكْثَرِ، وَقَدَّمَ فِي الرِّعَايَةِ: أَنَّهُمَا وَجْهَانِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَالشَّرْحِ، وَشَرْحِ ابْنِ مُنَجَّا، إحْدَاهُمَا: تَصِحُّ مَعَ الْكَرَاهَةِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ جَزَمَ بِهِ فِي الْخُلَاصَةِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَالْوَجِيزِ، وَالْمَذْهَبِ الْأَحْمَدِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَصَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ، وَالنَّظْمِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَا تَصِحُّ. صَحَّحَهُ فِي الْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَهِيَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ وَقَدَّمَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ.
وَقِيلَ: تَصِحُّ إمَامَةُ الْأَقْلَفِ الْمَفْتُوقِ قَلَفَتُهُ. وَخَصَّ فِي الْحَاوِي الْكَبِيرِ وَغَيْرِهِ الْخِلَافَ بِالْأَقْلَفِ الْمُرْتَتِقِ، وَقِيلَ: إنْ كَثُرَتْ إمَامَتُهُ لَمْ تَصِحَّ، وَإِلَّا صَحَّتْ. فَائِدَتَانِ إحْدَاهُمَا: هَلْ الْمَنْعُ مِنْ صِحَّةِ إمَامَتِهِ لِتَرْكِ الْخِتَانِ الْوَاجِبِ، أَوْ لِعَجْزِهِ عَنْ غَسْلِ النَّجَاسَةِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: اخْتَلَفَ الْأَصْحَابُ فِي مَأْخَذِ الْمَنْعِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: تَرْكُهُ الْخِتَانَ الْوَاجِبَ. فَعَلَى هَذَا إنْ قُلْنَا: بِعَدَمِ الْوُجُوبِ، أَوْ سَقَطَ الْقَوْلُ بِهِ لِضَرَرٍ: صَحَّتْ إمَامَتُهُ، وَقَالَ جَمَاعَةٌ آخَرُونَ: هُوَ عَجْزُهُ عَنْ شَرْطِ الصَّلَاةِ، وَهُوَ التَّطَهُّرُ مِنْ النَّجَاسَةِ فَعَلَى هَذَا: لَا تَصِحُّ إمَامَتُهُ إلَّا بِمِثْلِهِ، إنْ لَمْ يَجِبْ الْخِتَانُ. انْتَهَى. قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: إنْ كَانَ تَارِكًا لِلْخِتَانِ مِنْ غَيْرِ خَوْفِ ضَرَرٍ، وَهُوَ يَعْتَقِدُ وُجُوبَهُ: فَسَقَ عَلَى الْأَصَحِّ وَفِيهِ: الرِّوَايَتَانِ لِفِسْقِهِ، لَا لِكَوْنِهِ أَقْلَفَ، وَإِنْ تَرَكَهُ تَأَوُّلًا، أَوْ خَائِفًا عَلَى نَفْسِهِ التَّلَفَ لِكِبَرٍ وَنَحْوِهِ: صَحَّتْ إمَامَتُهُ. انْتَهَى. قُلْت: الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَابْنُ مُنَجَّا وَغَيْرُهُمْ: أَنَّ الْمَنْعَ لِعَجْزِهِ عَنْ غُسْلِ النَّجَاسَةِ. الثَّانِيَةُ: تَصِحُّ إمَامَةُ الْأَقْلَفِ بِمِثْلِهِ قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَالْحَوَاشِي قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: تَصِحُّ إمَامَتُهُ بِمِثْلِهِ إنْ لَمْ يَجِبْ الْخِتَانُ. انْتَهَى. وَقِيلَ: لَا تَصِحُّ مُطْلَقًا، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَقِيلَ: تَصِحُّ فِي التَّرَاوِيحِ إذَا لَمْ يَكُنْ قَارِئٌ غَيْرُهُ. قَوْلُهُ (وَفِي إمَامَةِ أَقْطَعِ الْيَدَيْنِ وَجْهَانِ) ، وَحَكَاهُمَا الْآمِدِيُّ رِوَايَتَيْنِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُذْهَبِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالشَّرْحِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالنَّظْمِ.
إحْدَاهُمَا: تَصِحُّ مَعَ الْكَرَاهَةِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، صَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْإِفَادَاتِ وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا تَصِحُّ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ. تَنْبِيهٌ: مَنْشَأُ الْخِلَافِ: كَوْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَتَوَقَّفَ. فَائِدَتَانِ إحْدَاهُمَا: حُكْمُ أَقْطَعِ الرِّجْلَيْنِ، أَوْ أَحَدِهِمَا، أَوْ أَحَدِ الْيَدَيْنِ: حُكْمُ أَقْطَعِ الْيَدَيْنِ، كَمَا تَقَدَّمَ، قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَغَيْرِهِمْ، وَأَطْلَقَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ: الْخِلَافَ فِي أَقْطَعِ الْيَدَيْنِ أَوْ الرِّجْلَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: وَقِيلَ أَوْ إحْدَاهُنَّ وَاخْتَارَ الْمُصَنِّفُ صِحَّةَ إمَامَةِ أَقْطَعَ أَحَدِ الرِّجْلَيْنِ دُونَ أَقْطَعِهِمَا، وَتَبِعَهُ الشَّارِحُ، وَأَطْلَقَ فِي الْفَائِقِ الْخِلَافَ فِي أَقْطَعَ يَدٍ أَوْ رِجْلٍ فَظَاهِرُهُ أَنَّ إمَامَةَ أَقْطَعِهِمَا لَا تَصِحُّ، قَوْلًا وَاحِدًا، وَصَرَّحَ بِصِحَّةِ إمَامَةِ أَقْطَعِ الْيَدِ أَوْ الرِّجْلِ بِمِثْلِهِ، وَأَطْلَقَ فِي الْمُحَرَّرِ فِي أَقْطَعِ الْيَدِ أَوْ الرِّجْلِ الْوَجْهَيْنِ الثَّانِيَةُ: قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: تُكْرَهُ إمَامَةُ مَنْ قُطِعَ أَنْفُهُ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْأَكْثَرُ، وَإِنَّمَا ذَكَرُوا الصِّحَّةَ. قَوْلُهُ (وَلَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ خَلْفَ كَافِرٍ) هَذَا الْمَذْهَبُ بِلَا رَيْبٍ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَقِيلَ: تَصِحُّ إنْ أَسَرَّ الْكُفْرَ، وَعَنْهُ لَا يُعِيدُ خَلْفَ مُبْتَدِعٍ كَافِرٍ بِبِدْعَتِهِ، وَحَكَى ابْنُ الزَّاغُونِيِّ رِوَايَةً بِصِحَّةِ صَلَاةِ الْكَافِرِ، بِنَاءً عَلَى صِحَّةِ إسْلَامِهِ بِهَا، وَبَنَى عَلَى صِحَّةِ صَلَاتِهِ صِحَّةَ إمَامَتِهِ عَلَى احْتِمَالٍ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَهُوَ بَعِيدٌ، وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ عِنْدَ قَوْلِهِ " وَإِذَا صَلَّى الْكَافِرُ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ. فَائِدَتَانِ إحْدَاهُمَا: لَوْ قَالَ بَعْدَ سَلَامِهِ مِنْ الصَّلَاةِ هُوَ كَافِرٌ، وَإِنَّمَا صَلَّى تَهَزُّؤًا فَنَصُّ أَحْمَدَ: يُعِيدُ الْمَأْمُومُ، كَمَنْ ظَنَّ كُفْرَهُ أَوْ حَدَثَهُ، فَبَانَ بِخِلَافِهِ، وَقِيلَ: لَا يُعِيدُ كَمَنْ جُهِلَ حَالُهُ. الثَّانِيَةُ: لَوْ عَلِمَ مِنْ إنْسَانٍ حَالَ رِدَّةٍ، وَحَالَ إسْلَامٍ، أَوْ حَالَ إفَاقَةٍ، وَحَالَ جُنُونٍ: كُرِهَ تَقْدِيمُهُ فَإِنْ صَلَّى خَلْفَهُ، وَلَمْ يَعْلَمْ عَلَى أَيِّ الْحَالَيْنِ هُوَ؟ أَعَادَ عَلَى الصَّحِيحِ قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَقِيلَ: لَا يُعِيدُ، وَقِيلَ: إنْ عَلِمَ قَبْلَ الصَّلَاةِ إسْلَامَهُ، وَشَكَّ فِي رِدَّتِهِ، فَلَا إعَادَةَ، وَأَطْلَقَهُنَّ فِي مُخْتَصَرِ ابْنِ تَمِيمٍ وَالْفُرُوعِ. تَنْبِيهٌ: دَخَلَ فِي قَوْلِهِ (وَلَا أَخْرَسَ) عَدَمُ صِحَّةِ إمَامَتِهِ بِمِثْلِهِ وَبِغَيْرِهِ أَمَّا إمَامَتُهُ بِغَيْرِهِ: فَلَا تَصِحُّ، قَوْلًا وَاحِدًا عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَقِيلَ: تَصِحُّ إمَامَةُ مَنْ طَرَأَ عَلَيْهِ الْخَرَسُ دُونَ الْأَصْلِيِّ، ذَكَرَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَأَمَّا إمَامَتُهُ بِمِثْلِهِ: فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ إمَامَتَهُ لَا تَصِحُّ، وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: اخْتَارَهُ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ مِنْهُمْ الْقَاضِي، وَالْآمِدِيُّ، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَالْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي وَجَزَمَ بِهِ، وَغَيْرُهُمْ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالتَّلْخِيصِ وَغَيْرِهِمْ، وَعِبَارَةُ كَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ كَعِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَقَالَ الْقَاضِي فِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ، وَالْمُصَنِّفُ فِي الْكَافِي: يَصِحُّ أَنْ يَؤُمَّ مِثْلَهُ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْحَاوِيَيْنِ قَالَ الشَّارِحُ: هَذَا قِيَاسُ الْمَذْهَبِ، وَهُوَ أَوْلَى. كَالْأُمِّيِّ وَالْعَاجِزِ عَنْ الْقِيَامِ يَؤُمُّ مِثْلَهُ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفَائِقِ، وَابْنُ تَمِيمٍ. تَنْبِيهٌ: دَخَلَ فِي قَوْلِهِ (وَلَا مَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ) عَدَمُ صِحَّةِ إمَامَتِهِ بِمِثْلِهِ،
وَبِغَيْرِهِ أَمَّا بِغَيْرِهِ: فَلَا تَصِحُّ إمَامَتُهُ بِهِ، وَأَمَّا بِمَنْ هُوَ مِثْلُهُ: فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: الصِّحَّةُ جَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْكَافِي، وَالْعُمْدَةِ، وَالشَّرْحِ، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: وَلَا تَصِحُّ إمَامَةُ مَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ لِمَنْ لَا سَلَسَ بِهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ فَإِنَّهُ قَالَ: وَلَا يَؤُمُّ أَخْرَسُ وَلَا دَائِمٌ حَدَثُهُ، وَعَاجِزٌ عَنْ رُكْنٍ، وَأُنْثَى بِعَكْسِهِمْ، وَقَالَ فِي الْمُحَرَّرِ: وَمَنْ عَجَزَ عَنْ رُكْنٍ، أَوْ شَرْطٍ: لَمْ تَصِحَّ إمَامَتُهُ بِقَادِرٍ عَلَيْهِ وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَقِيلَ: تَصِحُّ جَزَمَ بِهِ فِي الْخُلَاصَةِ، وَالْوَجِيزِ، وَصَحَّحَهُ النَّاظِمُ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ عَنْ التَّلْخِيصِ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ. قَوْلُهُ (وَلَا عَاجِزٍ عَنْ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالْقُعُودِ) الْوَاوُ هُنَا: بِمَعْنَى " أَوْ " وَكَذَلِكَ الْعَاجِزُ عَنْ الشَّرْطِ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْوَجِيزِ، وَالْمُذْهَبِ، وَغَيْرِهِمْ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: الصِّحَّةَ، قَالَهُ فِي إمَامَةِ مَنْ عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ يَعْجِزُ عَنْ إزَالَتِهَا. فَائِدَةٌ: يَصِحُّ اقْتِدَاؤُهُ بِمِثْلِهِ، قَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي التَّذْكِرَةِ، وَابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ وَغَيْرِهِمْ قَالَ الشَّارِحُ: وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ صِحَّتُهُ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ، وَمَنَعَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْمُفْرَدَاتِ الْإِمَامَةَ جَالِسًا مُطْلَقًا. فَائِدَةٌ: قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَا خِلَافَ أَنَّ الْمُصَلِّيَ خَلْفَ الْمُضْطَجِعِ لَا يَضْطَجِعُ، وَتَصِحُّ بِمِثْلِهِ. قَوْلُهُ (وَلَا تَصِحُّ خَلْفَ عَاجِزٍ عَنْ الْقِيَامِ) حُكْمُ الْعَاجِزِ عَنْ الْقِيَامِ: حُكْمُ الْعَاجِزِ عَنْ الرُّكُوعِ، أَوْ السُّجُودِ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ قَوْلُهُ (إلَّا إمَامُ الْحَيِّ الْمَرْجُوُّ زَوَالُ عِلَّتِهِ) الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ إمَامَةَ إمَامِ الْحَيِّ وَهُوَ الْإِمَامُ الرَّاتِبُ الْعَاجِزِ عَنْ
الْقِيَامِ لِمَرَضٍ يُرْجَى زَوَالُهُ جَالِسًا، صَحِيحَةٌ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِمْ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، وَقَالَ الْقَاضِي: لَا تَصِحُّ، وَمَنَعَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْمُفْرَدَاتِ الْإِمَامَةَ جَالِسًا مُطْلَقًا كَمَا تَقَدَّمَ قَوْلُهُ (وَيُصَلُّونَ وَرَاءَهُ جُلُوسًا) هَذَا الْمَذْهَبُ بِلَا رَيْبٍ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِمَا وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ قَالَ الْقَاضِي: هَذَا اسْتِحْسَانٌ. وَالْقِيَاسُ لَا يَصِحُّ، وَعَنْهُ يُصَلُّونَ قِيَامًا، ذَكَرَهَا فِي الْإِيضَاحِ وَاخْتَارَهُ فِي النَّصِيحَةِ، وَالتَّحْقِيقِ. قَوْلُهُ (فَإِنْ صَلَّوْا قِيَامًا صَحَّتْ صَلَاتُهُمْ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) يَعْنِي عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُمْ يُصَلُّونَ جُلُوسًا، وَهُمَا رِوَايَتَانِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ، وَالْفَائِقِ، وَالنَّظْمِ، أَحَدُهُمَا: تَصِحُّ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: صَحَّتْ عَلَى الْأَصَحِّ قَالَ فِي الْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ: هَذَا الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ قَالَ فِي الْبُلْغَةِ: صَحَّتْ فِي الْأَصَحِّ قَالَ فِي التَّلْخِيصِ، وَالْحَاوِيَيْنِ: صَحَّتْ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ، وَصَحَّحَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَنَاظِمُ الْمُفْرَدَاتِ، وَابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: قَطَعَ بِهِ الْقَاضِي فِي التَّعْلِيقِ فِيمَا أَظُنُّ وَاخْتَارَهُ عُمَرُ بْنُ بَدْرٍ الْمَغَارِبِيُّ فِي التَّصْحِيحِ الْكَبِيرِ اخْتَارَهُ فِي النَّصِيحَةِ وَالتَّحْقِيقِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْهِدَايَةِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا تَصِحُّ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ قَالَ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ: اخْتَارَهُ أَكْثَرُ الْمَشَايِخِ، قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ، وَقِيلَ: تَصِحُّ إذَا جَهِلَ وُجُوبَ الْجُلُوسِ، وَإِلَّا لَمْ تَصِحَّ، وَهُوَ احْتِمَالٌ لِلْمُصَنِّفِ.
تَنْبِيهَانِ. أَحَدُهُمَا: مَفْهُومُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: أَنَّ إمَامَ الْحَيِّ إذَا لَمْ يُرْجَ زَوَالُ عِلَّتِهِ أَنَّ إمَامَتَهُ لَا تَصِحُّ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ وَفِي الْإِيضَاحِ، وَالْمُنْتَخَبِ: إنْ لَمْ يُرْجَ صَحَّتْ مَعَ إمَامِ الْحَيِّ قَائِمًا. الثَّانِيَةُ: مَفْهُومُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَيْضًا: أَنَّهَا لَا تَصِحُّ مَعَ غَيْرِ إمَامِ الْحَيِّ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَعَنْهُ تَصِحُّ أَيْضًا، وَإِنْ لَمْ يُرْجَ زَوَالُ عِلَّتِهِ قَالَ فِي الْفَائِقِ: إلَّا إمَامَ الْحَيِّ، وَالْإِمَامَ الْكَبِيرَ قَوْلُهُ (وَإِنْ ابْتَدَأَ بِهِمْ الصَّلَاةَ قَائِمًا، ثُمَّ اعْتَدَلَ فَجَلَسَ: أَتَمُّوا خَلْفَهُ قِيَامًا) بِلَا نِزَاعٍ، وَلَمْ يَجُزْ الْجُلُوسُ نَصَّ عَلَيْهِ، وَذَكَرَ الْحَلْوَانِيّ: وَلَوْ لَمْ يَكُنْ إمَامَ الْحَيِّ. فَوَائِدُ الْأُولَى: لَوْ أُرْتِجَ عَلَى الْمُصَلِّي فِي الْفَاتِحَةِ، وَعَجَزَ عَنْ إتْمَامِهَا، فَهُوَ كَالْعَاجِزِ عَنْ الْقِيَامِ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ، يَأْتِي بِمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ وَلَا يُعِيدُهَا، ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيُؤْخَذُ مِنْهُ وَلَوْ كَانَ إمَامًا وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يَسْتَخْلِفُ وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي بَابِ النِّيَّةِ، وَفِي صِفَةِ الصَّلَاةِ، فِيمَا إذَا أُرْتِجَ الْإِمَامُ أَيْضًا. الثَّانِيَةُ: إذَا تَرَكَ الْإِمَامُ رُكْنًا أَوْ شَرْطًا عِنْدَهُ وَحْدَهُ، وَهُوَ عَالِمٌ بِذَلِكَ: لَزِمَ الْمَأْمُومَ الْإِعَادَةُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ مُطْلَقًا، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، كَالْإِمَامِ قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: يُعِيدُ إنْ عَلِمَ فِي الصَّلَاةِ وَإِلَّا فَلَا، وَرَدَّهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقَالَ: يَتَوَجَّهُ مِثْلُهُ فِي إمَامٍ يَعْلَمُ حَدَثَ نَفْسِهِ، وَإِنْ كَانَ الرُّكْنُ، وَالشَّرْطُ الْمَتْرُوكُ يَعْتَقِدُهُ الْمَأْمُومُ رُكْنًا وَشَرْطًا، دُونَ الْإِمَامِ:
لَمْ يَلْزَمْهُ الْإِعَادَةُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ قَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَالشَّارِحُ، وَمَالَ إلَيْهِ وَاخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَصَاحِبُ الْفَائِقِ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: لَوْ فَعَلَ الْإِمَامُ مَا هُوَ مُحَرَّمٌ عِنْدَ الْمَأْمُومِ دُونَهُ مِمَّا يَسُوغُ فِيهِ الِاجْتِهَادُ صَحَّتْ صَلَاتُهُ خَلْفَهُ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: الرِّوَايَاتُ الْمَنْقُولَةُ عَنْ أَحْمَدَ لَا تُوجِبُ اخْتِلَافًا دَائِمًا، ظَوَاهِرُهَا: أَنَّ كُلَّ مَوْضِعٍ يُقْطَعُ فِيهِ بِخَطَأٍ الْمُخَالِفِ يَجِبُ الْإِعَادَةُ، وَمَا لَا يُقْطَعُ فِيهِ بِخَطَأِ الْمُخَالِفِ لَا يُوجِبُ الْإِعَادَةَ، وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ السُّنَّةُ وَالْآثَارُ. وَقِيَاسُ الْأُصُولِ. انْتَهَى. وَعَنْهُ يُعِيدُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ اخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ قُلْت: صَحَّحَهُ النَّاظِمُ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِفَادَاتِ وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَقَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: إنْ كَانَ فِي وُجُوبِهِ عِنْدَ الْمَأْمُومِ رِوَايَتَانِ، فَفِي صَلَاتِهِ خَلْفَهُ رِوَايَتَانِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ. تَنْبِيهٌ: مَحَلُّ الْخِلَافِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: إذَا عَلِمَ الْمَأْمُومُ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ فَأَمَّا إذَا عَلِمَ بَعْدَ سَلَامِهِ: فَلَا إعَادَةَ. هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: لَا يُعِيدُ، وَهُوَ الْأَصَحُّ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَقِيلَ: يُعِيدُ أَيْضًا. فَائِدَةٌ لَوْ تَرَكَ الْمُصَلِّي رُكْنًا أَوْ شَرْطًا مُخْتَلَفًا فِيهِ، بِلَا تَأْوِيلٍ وَلَا تَقْلِيدٍ: أَعَادَ الصَّلَاةَ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ ذَكَرَهُ الْآجُرِّيُّ إجْمَاعًا، وَعَنْهُ لَا يُعِيدُ، وَعَنْهُ يُعِيدُ الْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَعَنْهُ لَا يُعِيدُ إنْ طَالَ. قَوْلُهُ (وَلَا تَصِحُّ إمَامَةُ الْمَرْأَةِ لِلرَّجُلِ) هَذَا الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: هَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ وَنَصَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَاخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ، وَالْإِفَادَاتِ وَقَدَّمَهُ فِي
الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالنَّظْمِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالشَّرْحِ، وَالْفَائِقِ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ، وَغَيْرِهِمْ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، وَعَنْهُ تَصِحُّ فِي النَّفْلِ، وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ، وَعَنْهُ تَصِحُّ فِي التَّرَاوِيحِ نَصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْأَشْهَرُ عِنْدَ الْمُتَقَدِّمِينَ قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ، وَقَالَ أَصْحَابُنَا: تَصِحُّ فِي التَّرَاوِيحِ قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ اخْتَارَهُ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: مَنْصُوصُ أَحْمَدَ وَاخْتِيَارُ عَامَّةِ الْأَصْحَابِ: يَجُوزُ أَنْ يَؤُمَّهُمْ فِي صَلَاةِ التَّرَاوِيحِ. انْتَهَى. وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ هُبَيْرَةَ عَنْ أَحْمَدَ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْفُصُولِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْبُلْغَةِ وَقَدَّمَهُ فِي التَّلْخِيصِ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. وَيَأْتِي كَلَامُهُ فِي الْفُرُوعِ قَالَ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ: وَلَا يَجُوزُ فِي غَيْرِ التَّرَاوِيحِ فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ، قِيلَ: يَصِحُّ إنْ كَانَتْ قَارِئَةً وَهُمْ أُمِّيُّونَ، جَزَمَ بِهِ فِي الْمُذْهَبِ، وَالْفَائِقِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالْحَاوِيَيْنِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَقَدَّمَهُ نَاظِمُ الْمُفْرَدَاتِ، وَالرِّعَايَةُ الْكُبْرَى. وَقِيلَ: إنْ كَانَتْ أَقْرَأَ مِنْ الرِّجَالِ، وَقِيلَ: إنْ كَانَتْ أَقْرَأَ وَذَا رَحِمٍ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَقِيلَ: إنْ كَانَتْ ذَا رَحِمٍ أَوْ عَجُوزٍ وَاخْتَارَ الْقَاضِي: يَصِحُّ إنْ كَانَتْ عَجُوزًا قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَاخْتَارَ الْأَكْثَرُ صِحَّةَ إمَامَتِهَا فِي الْجُمْلَةِ؛ لِخَبَرِ أُمِّ وَرَقَةَ الْعَامِّ وَالْخَاصِّ، وَالْجَوَابُ عَنْ الْخَاصِّ: رَوَاهُ الْمَرُّوذِيُّ بِإِسْنَادٍ يَمْنَعُ الصِّحَّةَ، وَإِنْ صَحَّ: فَيَتَوَجَّهُ حَمْلُهُ عَلَى النَّفْلِ، جَمْعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّهْيِ وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ فِي الْفَرْضِ وَالنَّهْيِ: تَصِحُّ مَعَ الْكَرَاهَةِ. انْتَهَى. فَائِدَةٌ: حَيْثُ قُلْنَا: تَصِحُّ إمَامَتُهَا بِهِمْ، فَإِنَّهَا تَقِفُ خَلْفَهُمْ. لِأَنَّهُ أَسْتَرُ، وَيَقْتَدُونَ بِهَا، هَذَا الصَّحِيحُ قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُذْهَبِ وَالْمُسْتَوْعِبِ قُلْت: فَيُعَايَى بِهَا، وَعَنْهُ تَقْتَدِي هِيَ بِهِمْ فِي غَيْرِ الْقِرَاءَةِ. فَيَنْوِي الْإِمَامَةَ أَحَدُهُمْ اخْتَارَهُ الْقَاضِي
فِي الْخِلَافِ فَقَالَ: إنَّمَا يَجُوزُ إمَامَتُهَا فِي الْقِرَاءَةِ خَاصَّةً، دُونَ بَقِيَّةِ الصَّلَاةِ قُلْت: فَيُعَايَى بِهَا أَيْضًا. قَوْلُهُ (وَلَا تَصِحُّ إمَامَةُ الْخُنْثَى لِلرِّجَالِ وَلَا لِلْخَنَاثَى) هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ، وَحَكَى ابْنُ الزَّاغُونِيِّ احْتِمَالًا بِصِحَّةِ إمَامَتِهِ بِمِثْلِهِ لِلتَّسَاوِي قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: يَقْتَدِي الْخُنْثَى بِمِثْلِهِ، وَهُوَ سَهْوٌ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَفِيهِ بُعْدٌ، وَقِيلَ: بَلْ هُوَ سَهْوٌ. تَنْبِيهَانِ. أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ أَنْ يَؤُمَّ الْخُنْثَى الرِّجَالَ فِيمَا يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَؤُمَّ فِيهِ الرَّجُلَ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ. الثَّانِي: مَفْهُومُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: صِحَّةُ إمَامَةِ الْخُنْثَى بِالنِّسَاءِ. وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَقِيلَ: لَا تَصِحُّ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي التَّلْخِيصِ، وَقَالَ أَبُو حَفْصٍ الْعُكْبَرِيِّ: لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ فِي جَمَاعَةٍ قَالَ الْقَاضِي: رَأَيْت لِأَبِي جَعْفَرٍ الْبَرْمَكِيِّ أَنَّ الْخُنْثَى لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ فِي جَمَاعَةٍ، لِأَنَّهُ إنْ قَامَ مَعَ الرِّجَالِ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ امْرَأَةً، وَإِنْ قَامَ مَعَ النِّسَاءِ، أَوْ وَحْدَهُ، أَوْ ائْتَمَّ بِامْرَأَةٍ، احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ رَجُلًا، وَإِنْ أَمَّ الرِّجَالَ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ امْرَأَةً قَالَ الزَّرْكَشِيُّ، قُلْت: وَهَذَا ظَاهِرُ إطْلَاقِ الْخِرَقِيِّ، انْتَهَى قُلْت: وَفِيهِ نَظَرٌ، إذْ لَيْسَ مُرَادُ الْخِرَقِيِّ بِقَوْلِهِ " وَإِنْ صَلَّى خَلْفَ مُشْرِكٍ، أَوْ امْرَأَةٍ أَوْ خُنْثَى مُشْكِلٍ أَعَادَ " الْعُمُومَ قَطْعًا فَإِنَّ إمَامَةَ الْمَرْأَةِ بِالْمَرْأَةِ صَحِيحَةٌ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ بَعْدُ، بَلْ مُرَادُهُ: وَلَا تَصِحُّ صَلَاةُ مَنْ صَلَّى خَلْفَهُمْ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ وَأَيْضًا: فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي كَلَامِهِ: أَنَّ الْخُنْثَى يَكُونُ مَأْمُومًا، وَرَدَّ عَلَى مَنْ يَقُولُ: لَا تَصِحُّ صَلَاةُ جَمَاعَةٍ لَوْ أَمَّ امْرَأَةٌ وَكَانَتْ خَلْفَهُ فَإِنَّ صَلَاتَهُمَا صَحِيحَةٌ؛ لِأَنَّهُ إنْ
كَانَ رَجُلًا صَحَّتْ صَلَاتُهُمَا، وَإِنْ كَانَتْ امْرَأَةً صَحَّتْ إمَامَتُهُ بِهَا؛ لِأَنَّ الْقَائِلَ بِذَلِكَ أَدْخَلَ فِي حَصْرِهِ إمَامَتَهُ بِقَوْلِهِ " وَإِنْ أَمَّ الرِّجَالَ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ امْرَأَةً " لَكِنَّهُ مَا ذَكَرَ: إذَا أَمَّ امْرَأَةً، وَلَكِنْ تُسَمَّى جَمَاعَةً فِي ذَلِكَ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَإِنْ قُلْنَا: لَا تَؤُمُّ خُنْثَى نِسَاءً، وَتَبْطُلُ صَلَاةُ امْرَأَةٍ بِجَنْبِ رَجُلٍ: لَمْ يُصَلِّ جَمَاعَةً. فَعَلَى الْمَذْهَبِ وَهُوَ صِحَّةُ إمَامَةِ الْخُنْثَى بِالْمَرْأَةِ فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهَا تَقِفُ وَرَاءَهُ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: إذَا أَمَّ الْخُنْثَى نِسَاءً قَامَ وَسَطَهُنَّ. فَائِدَةٌ لَوْ صَلَّى رَجُلٌ خَلْفَ مَنْ يَعْلَمُهُ خُنْثَى ثُمَّ بَانَ بَعْدَ الصَّلَاةِ رَجُلًا: لَزِمَتْهُ الْإِعَادَةُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَفِيهِ وَجْهٌ: لَا يُعِيدُ إذَا عَلِمَهُ خُنْثَى، أَوْ جَهِلَ إشْكَالَهُ. قَوْلُهُ (وَلَا إمَامَةُ الصَّبِيِّ لِبَالِغٍ إلَّا فِي النَّفْلِ، عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ) وَأَطْلَقَهُمَا فِي الشَّرْحِ، وَالنَّظْمِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالْفَائِقُ، وَالْمُحَرَّرُ، اعْلَمْ أَنَّ إمَامَةَ الصَّبِيِّ تَارَةً تَكُونُ فِي الْفَرْضِ وَتَارَةً تَكُونُ فِي النَّفْلِ فَإِنْ كَانَتْ فِي الْفُرُوضِ، فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهَا لَا تَصِحُّ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَعَنْهُ تَصِحُّ اخْتَارَهَا الْآجُرِّيُّ، وَحَكَاهَا فِي الْفَائِقِ تَخْرِيجًا، وَاخْتَارَهُ، وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يُخَرَّجُ فِي صِحَّةِ إمَامَةِ ابْنِ عَشْرٍ وَجْهٌ، بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ بِوُجُوبِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ فِي النَّفْلِ: فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهَا تَصِحُّ قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ: صَحَّ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَتَصِحُّ عَلَى الْأَصَحِّ اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ، وَكَذَا قَالَ الْمَجْدُ، وَمَجْمَعُ الْبَحْرَيْنِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْبُلْغَةِ، وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَالْمُنَوِّرِ،
وَالْمُنْتَخَبِ، وَالْإِفَادَاتِ وَاخْتَارَهُ أَبُو جَعْفَرٍ، وَأَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، قَالَهُ فِي التَّصْحِيحِ الْكَبِيرِ وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَا تَصِحُّ فِي النَّفْلِ أَيْضًا قَالَ فِي الْوَجِيزِ: وَلَا تَصِحُّ إمَامَةُ صَبِيٍّ وَلَا امْرَأَةٍ إلَّا بِمِثْلِهِمْ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي التَّعْلِيقِ الْكَبِيرِ، وَانْتِصَارِ أَبِي الْخَطَّابِ، وَالْكَافِي، وَالْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ. فَائِدَةٌ: قَالَ فِي الْفُرُوعِ وَالْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ تَبَعًا لِصَاحِبِ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: ظَاهِرُ الْمَسْأَلَةِ: وَلَوْ قُلْنَا يَلْزَمُهُ الصَّلَاةُ، وَصَرَّحَ بِهِ ابْنُ الْبَنَّا فِي الْعُقُودِ، فَقَالَ: لَا تَصِحُّ، وَإِنْ قُلْنَا تَجِبُ عَلَيْهِ وَبِنَاؤُهُمْ الْمَسْأَلَةَ عَلَى أَنَّ صَلَاتَهُ نَافِلَةٌ تَقْتَضِي صِحَّةَ إمَامَتِهِ إنْ لَزِمَتْهُ قَالَ ذَلِكَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ مِنْ عِنْدَهُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ مُتَّجَهٌ وَصَرَّحَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ وَجْهًا. انْتَهَى. قُلْت: قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ ابْنَ عَقِيلٍ خَرَّجَ وَجْهًا بِصِحَّةِ إمَامَةِ ابْنِ عَشْرٍ إنْ قُلْنَا بِوُجُوبِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَصَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي أَيْضًا فَقَالَ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَؤُمَّ فِي الْجُمُعَةِ، وَلَا فِي غَيْرِهَا، وَلَوْ قُلْنَا تَجِبُ عَلَيْهِ، نَقَلَهُ ابْنُ تَمِيمٍ فِي الْجُمُعَةِ، وَيَأْتِي، وَقَالَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ: تَصِحُّ فِي التَّرَاوِيحِ إذَا لَمْ يَكُنْ غَيْرُهُ قَارِئًا وَجْهًا وَاحِدًا قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ: تَنْبِيهٌ: مَفْهُومُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ " لِبَالِغٍ " صِحَّةُ إمَامَتِهِ بِمِثْلِهِ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَقَالَ فِي الْمُنْتَخَبِ عَنْ ابْنِ الشِّيرَازِيِّ: لَا تَصِحُّ إمَامَتُهُ بِمِثْلِهِ. قَوْلُهُ (وَلَا تَصِحُّ إمَامَةُ مُحْدِثٍ، وَلَا نَجِسٍ يَعْلَمُ ذَلِكَ) هَذَا الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَقَالَ فِي الْإِشَارَةِ: تَصِحُّ إمَامَةُ الْمُحْدِثِ، وَالنَّجِسِ، إنْ جَهِلَهُ الْمَأْمُومُ وَعَلِمَهُ الْإِمَامُ، وَبَنَاهُ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ أَيْضًا عَلَى إمَامَةِ الْفَاسِقِ لِفِسْقِهِ بِذَلِكَ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَتَصِحُّ إمَامَةُ مَنْ عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ يَعْجِزُ عَنْ إزَالَتِهَا بِمَنْ لَيْسَ عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ.
قَوْلُهُ (فَإِنْ جَهِلَ هُوَ وَالْمَأْمُومُ حَتَّى قَضَوْا الصَّلَاةَ صَحَّتْ صَلَاةُ الْمَأْمُومِ وَحْدَهُ) هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَعَنْهُ يُعِيدُ الْمَأْمُومُ أَيْضًا اخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ فِي الِانْتِصَارِ قَالَ الْقَاضِي: وَهُوَ الْقِيَاسُ، لَوْلَا الْأَثَرُ عَنْ عُمَرَ، وَابْنِهِ، وَعُثْمَانَ، وَعَلِيٍّ. تَنْبِيهٌ: مَفْهُومُ كَلَامِهِ: أَنَّهُ لَوْ عَلِمَ الْإِمَامُ بِذَلِكَ أَوْ الْمَأْمُومُ فِيهَا: أَنَّ صَلَاتَهُ بَاطِلَةٌ فَيَسْتَأْنِفُهَا، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَعَنْهُ يَبْنِي الْمَأْمُومُ، نَقَلَ بَكْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ: يَبْنُونَ جَمَاعَةً أَوْ فُرَادَى، فِيمَنْ صَلَّى بَعْضَ الصَّلَاةِ وَشَكَّ فِي وُضُوئِهِ لَمْ يُجْزِهِ، حَتَّى يَتَيَقَّنَ أَنَّهُ كَانَ عَلَى وُضُوءٍ، وَلَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُمْ إنْ شَاءُوا قَدَّمُوا وَاحِدًا، وَإِنْ شَاءُوا صَلَّوْا فُرَادَى قَالَ الْقَاضِي: نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى أَنَّ عِلْمَهُمْ بِفَسَادِ صَلَاتِهِ لَا يُوجِبُ عَلَيْهِمْ إعَادَةً. انْتَهَى. وَأَمَّا الْإِمَامُ: فَصَلَاتُهُ بَاطِلَةٌ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ. فَائِدَةٌ: لَوْ عَلِمَ مَعَ الْإِمَامِ وَاحِدٌ أَعَادَ جَمِيعُ الْمَأْمُومِينَ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ وَاخْتَارَ الْقَاضِي، وَالْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَصَاحِبُ الْحَاوِيَيْنِ: أَنَّهُ لَا يُعِيدُ إلَّا الْعَالِمُ فَقَطْ، وَكَذَا نَقَلَ أَبُو طَالِبٍ إنْ عَلِمَهُ اثْنَانِ، وَأَنْكَرَ هُوَ إعَادَةَ الْكُلِّ، وَاحْتَجَّ بِخَبَرِ ذِي الْيَدَيْنِ. قَوْلُهُ (وَلَا تَصِحُّ إمَامَةُ الْأُمِّيِّ) هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَعَنْهُ تَصِحُّ، وَقِيلَ: تَصِحُّ صَلَاةُ الْقَارِئِ خَلْفَهُ فِي النَّافِلَةِ، وَجَوَّزَ الْمُصَنِّفُ وَتَبِعَهُ الشَّارِحُ اقْتِدَاءَ مَنْ يُحْسِنُ قَدْرَ الْفَاتِحَةِ بِمَنْ لَا يُحْسِنُ قُرْآنًا قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَفِيهِ نَظَرٌ، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَلَا يَصِحُّ اقْتِدَاءُ الْعَاجِزِ عَنْ النِّصْفِ الْأَوَّلِ مِنْ الْحَمْدِ بِالْعَاجِزِ عَنْ النِّصْفِ الْآخَرِ وَلَا عَكْسُهُ.
قَوْلُهُ (إلَّا بِمِثْلِهِ) الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: صِحَّةُ إمَامَةِ الْأُمِّيِّ بِمِثْلِهِ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هُوَ الْمَعْرُوفُ مِنْ مَذْهَبِنَا، وَقِيلَ: لَا تَصِحُّ اخْتَارَهُ بَعْضُ الْأَصْحَابِ، وَقِيلَ: تَصِحُّ إذَا لَمْ يُمْكِنْهُ الصَّلَاةُ خَلْفَ قَارِئٍ جَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ بَعْدَ حِكَايَةِ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ وَقِيلَ: تُكْرَهُ إمَامَتُهُمْ، وَتَصِحُّ مُطْلَقًا، وَقِيلَ: إنْ كَثُرَ ذَلِكَ مَنَعَ الصِّحَّةَ، وَإِلَّا فَلَا، وَقِيلَ: لَا تَصِحُّ مُطْلَقًا، وَيَأْتِي قَرِيبًا فِي الْأَرَتِّ وَالْأَلْثَغِ، وَصِحَّةِ إمَامَتِهِمَا وَعَدَمِهَا، وَإِنْ كَانَا دَاخِلَيْنِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَتَقَدَّمَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ وَالشَّارِحِ فِي الَّتِي قَبْلَهَا. فَائِدَتَانِ إحْدَاهُمَا: لَوْ اقْتَدَى قَارِئٌ وَأُمِّيٌّ بِأُمِّيٍّ فَإِنْ كَانَا عَنْ يَمِينِهِ، أَوْ الْأُمِّيُّ عَنْ يَمِينِهِ: صَحَّتْ صَلَاةُ الْإِمَامِ وَالْأُمِّيِّ، وَبَطَلَتْ صَلَاةُ الْقَارِئِ، عَلَى الصَّحِيحِ، وَإِنْ كَانَا خَلْفَهُ، أَوْ الْقَارِئُ عَنْ يَمِينِهِ وَالْأُمِّيُّ عَنْ يَسَارِهِ: فَسَدَتْ صَلَاتُهُمَا جَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَغَيْرِهِ، وَفَسَدَتْ صَلَاةُ الْإِمَامِ أَيْضًا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: فَإِنْ كَانَا خَلْفَهُ فَإِنَّ صَلَاتَهُمَا تَفْسُدُ، وَهَلْ تَبْطُلُ صَلَاةُ الْإِمَامِ؟ فِيهِ احْتِمَالَانِ أَشْهَرُهُمَا الْبُطْلَانُ، وَقَالَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ: فَإِنْ كَانَا خَلْفَهُ بَطَلَ فَرْضُ الْقَارِئِ فِي الْأَصَحِّ، وَبَقِيَ نَفْلًا، وَقِيلَ: لَا يَبْقَى فَتَبْطُلُ صَلَاتُهُمْ، وَقِيلَ: إلَّا الْإِمَامَ. انْتَهَى. وَفِي الْمَذْهَبِ: وَجْهٌ آخَرُ حَكَاهُ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ أَنَّ الْفَسَادَ يَخْتَصُّ بِالْقَارِئِ، وَلَا تَبْطُلُ صَلَاةُ الْأُمِّيِّ قَالَ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ: وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِهَذَا الْوَجْهِ فِي تَعْلِيلِهِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لِأَنَّ الْقَارِئَ تَكُونُ صَلَاتُهُ نَافِلَةً، فَمَا خَرَجَ مِنْ الصَّلَاةِ فَلَمْ يَصِرْ الْأُمِّيُّ بِذَلِكَ فَذًّا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: صَلَاةُ الْقَارِئِ بَاطِلَةٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ، لَكِنَّ اعْتِبَارَ مَعْرِفَةِ هَذَا عَلَى النَّاسِ أَمْرٌ يَشُقُّ، وَلَا يُمْكِنُ الْوُقُوفُ عَلَيْهِ فَعُفِيَ عَنْهُ لِلْمَشَقَّةِ. انْتَهَى.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْخِرَقِيَّ اخْتَارَ هَذَا الْوَجْهَ، فَيَكُونُ كَلَامُهُ عَلَى إطْلَاقِهِ. انْتَهَى. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: فَإِنْ كَانَ خَلْفَهُ بَطَلَ فَرْضُ الْقَارِئِ، وَفِي بَقَائِهِ نَفْلًا وَجْهَانِ فَإِنْ قُلْنَا بِصِحَّةِ صَلَاةِ الْجَمِيعِ: صَحَّتْ، وَإِنْ قُلْنَا لَا تَصِحُّ: بَطَلَتْ صَلَاةُ الْمَأْمُومِ، وَفِي صَلَاةِ الْإِمَامِ وَجْهَانِ، وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَإِنْ بَطَلَ فَرْضُ الْقَارِئِ، فَهَلْ تَبْقَى نَفْلًا فَتَصِحُّ صَلَاتُهُمْ، أَمْ لَا يَبْقَى فَتَبْطُلُ، أَمْ تَبْطُلُ إلَّا صَلَاةَ الْإِمَامِ؟ فِيهِ أَوْجُهٌ الثَّانِيَةُ: الْأُمِّيُّ نِسْبَةً إلَى الْأُمِّ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْأُمِّيِّ الْبَاقِي عَلَى أَصْلِ وِلَادَةِ أُمِّهِ لَمْ يَقْرَأْ وَلَمْ يَكْتُبْ، وَقِيلَ: نِسْبَةً إلَى أُمَّةِ الْعَرَبِ قَوْلُهُ (وَهُوَ مَنْ لَا يُحْسِنُ الْفَاتِحَةَ، أَوْ يُدْغِمُ حَرْفًا لَا يُدْغَمُ، أَوْ يُبْدِلُ حَرْفًا، أَوْ يَلْحَنُ فِيهَا لَحْنًا يُحِيلُ الْمَعْنَى) فَاللَّحْنُ الَّذِي يُحِيلُ الْمَعْنَى: كَضَمِّ التَّاءِ أَوْ كَسْرِهَا مِنْ " أَنْعَمْتَ " أَوْ كَسْرِ كَافِ " إيَّاكَ " قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَقُلْنَا تَجِبُ قِرَاءَتُهَا، وَقِيلَ: أَوْ قِرَاءَةُ بَدَلِهَا انْتَهَى. فَلَوْ فَتَحَ هَمْزَةَ " اهْدِنَا " فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ هَذَا لَحْنٌ يُحِيلُ الْمَعْنَى قَالَ فِي الْفُرُوعِ: يُحِيلُ فِي الْأَصَحِّ قَالَ فِي مُخْتَصَرِ ابْنِ تَمِيمٍ: يُحِيلُ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ وَقِيلَ: فَتْحُهَا لَا يُحِيلُ الْمَعْنَى. فَائِدَةٌ: لَوْ قَرَأَ قِرَاءَةً تُحِيلُ الْمَعْنَى مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى إصْلَاحِهَا مُتَعَمِّدًا حَرُمَ عَلَيْهِ فَإِنْ عَجَزَ عَنْ إصْلَاحِهَا قَرَأَ مِنْ ذَلِكَ فَرْضَ الْقِرَاءَةِ، وَمَا زَادَ تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِعَمْدِهِ، وَيَكْفُرُ إنْ اعْتَقَدَ إبَاحَتَهُ، وَلَا تَبْطُلُ إنْ كَانَ لِجَهْلٍ أَوْ نِسْيَانٍ، أَوْ أَنَّهُ جَعْلًا لَهُ كَالْمَعْدُومِ فَلَا يَمْنَعُ إمَامَتَهُ، وَهَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: هَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ حَامِدٍ، وَالْقَاضِي، وَأَبِي الْخَطَّابِ وَأَكْثَرِ أَصْحَابِنَا وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَغَيْرِهِ.
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ بْنُ شَاقِلَا: هُوَ كَكَلَامِ النَّاسِ، فَلَا يَقْرَؤُهُ، وَتَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِهِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الرِّعَايَةِ، وَخَرَّجَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ مِنْ قَوْلِ أَبِي إِسْحَاقَ عَدَمَ جَوَازِ قِرَاءَةِ مَا فِيهِ لَحْنٌ يُحِيلُ مَعْنَاهُ، مَعَ عَجْزِهِ عَنْ إصْلَاحِهِ، وَكَذَا إبْدَالُ حَرْفٍ لَا يُبْدَلُ فَإِنْ سَبَقَ لِسَانُهُ إلَى تَغْيِيرِ نَظْمِ الْقُرْآنِ بِمَا هُوَ مِنْهُ عَلَى وَجْهٍ يُحِيلُ مَعْنَاهُ، كَقَوْلِهِ " إنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ " وَنَحْوِهِ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ عَلَى الصَّحِيحِ وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَكَمِ، وَإِلَيْهِ مَيْلُهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَةُ وَلَا يَسْجُدُ لَهُ، وَعَنْهُ تَبْطُلُ، نَقَلَهَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَهُوَ قَوْلٌ فِي الرِّعَايَةِ، وَمِنْهَا أَخَذَ ابْنُ شَاقِلَا قَوْلَهُ، قَالَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ. تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ قَوْلِهِ " أَوْ يُبْدِلُ حَرْفًا " أَنَّهُ لَوْ أَبْدَلَ ضَادَّ " الْمَغْضُوبِ " عَلَيْهِمْ وَ " الضَّالِّينَ " بِظَاءٍ مُشَالَةٍ: أَنْ لَا تَصِحَّ إمَامَتُهُ. (*) وَهُوَ أَحَدُ الْوُجُوهِ قَالَ فِي الْكَافِي: هَذَا قِيَاسُ الْمَذْهَبِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: تَصِحُّ قَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَقِيلَ: تَصِحُّ مَعَ الْجَهْلِ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: قُلْت: إنْ عَلِمَ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا لَفْظًا وَمَعْنًى بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَإِلَّا فَلَا، وَأَطْلَقَهُنَّ فِي الْفُرُوعِ فَائِدَةٌ: " الْأَرَتُّ " هُوَ الَّذِي يُدْغِمُ حَرْفًا لَا يُدْغَمُ، أَوْ حَرْفًا فِي حَرْفٍ، وَقِيلَ: مَنْ يَلْحَقُهُ دَغْمٌ فِي كَلَامِهِ، وَ " الْأَلْثَغُ " الَّذِي يُبَدِّلُ حَرْفًا بِحَرْفٍ لَا يُبَدَّلُ بِهِ، كَالْعَيْنِ بِالزَّايِ وَعَكْسِهِ، أَوْ الْجِيمِ بِالشِّينِ، أَوْ اللَّامِ أَوْ نَحْوِهِ. وَقِيلَ: مَنْ أَبْدَلَ حَرْفًا بِغَيْرِهِ قَالَ ذَلِكَ فِي الرِّعَايَةِ وَغَيْرِهِ فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: لَا تَصِحُّ إمَامَةُ الْأَرَتِّ وَالْأَلْثَغِ كَمَا تَقَدَّمَ وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْبَنَّا: صِحَّةُ إمَامَتِهِمَا مَعَ الْكَرَاهَةِ، وَقَالَ الْآمِدِيُّ: يَسِيرُ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ الصِّحَّةَ، وَيَمْنَعُ كَثِيرُهُ.
قَوْلُهُ (وَتُكْرَهُ إمَامَةُ اللَّحَّانِ) يَعْنِي الَّذِي لَا يُحِيلُ الْمَعْنَى، وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَنَقَلَ إسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ الثَّقَفِيُّ: لَا يُصَلَّى خَلْفَهُ. تَنْبِيهَانِ. إحْدَاهُمَا: قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: وَقَوْلُ الشَّيْخِ " وَيُكْرَهُ إمَامَةُ اللَّحَّانِ " أَيْ الْكَثِيرِ اللَّحْنِ، لَا مَنْ يَسْبِقُ لِسَانُهُ بِالْيَسِيرِ فَقَدْ لَا يَخْلُو مِنْ ذَلِكَ إمَامٌ أَوْ غَيْرُهُ. الثَّانِي: أَفَادَنَا الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ " وَتُكْرَهُ إمَامَةُ اللَّحَّانِ " صِحَّةُ إمَامَتِهِ مَعَ الْكَرَاهَةِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الْأَصْحَابِ. وَقَالَ ابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ: فَإِنْ تَعَمَّدَ ذَلِكَ، لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَهْزِئٌ وَمُتَعَمِّدٌ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ قَالَ: وَكَلَامُهُمْ فِي تَحْرِيمِهِ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ أَوَّلُهُمَا: يَحْرُمُ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُنُونِ، فِي التَّلْحِينِ الْمُغَيِّرِ لِلنَّظْمِ: يُكْرَهُ، لِقَوْلِهِ يَحْرُمُ؛ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ مِنْ اللَّحْنِ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَلَا بَأْسَ بِقِرَاءَتِهِ عَجْزًا قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَمُرَادُهُ غَيْرُ الْمُصَلِّي. قَوْلُهُ (وَالْفَأْفَاءُ) الَّذِي يُكَرِّرُ الْفَاءَ (وَالتَّمْتَامُ) الَّذِي يُكَرِّرُ التَّاءَ، وَلَا يُفْصِحُ بِبَعْضِ الْحُرُوفِ، تُكْرَهُ إمَامَتُهُمْ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَحُكِيَ قَوْلٌ: لَا تَصِحُّ إمَامَتُهُمْ. حَكَاهُ ابْنُ تَمِيمٍ قُلْت: قَالَ فِي الْمُبْهِجِ: وَالتَّمْتَامُ وَالْفَأْفَاءُ: تَصِحُّ إمَامَتُهُمْ بِمِثْلِهِمْ، وَلَا تَصِحُّ بِمَنْ هُوَ أَكْمَلُ مِنْهُمْ قُلْت: وَهُوَ بَعِيدٌ. تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ (وَمَنْ لَا يُفْصِحُ بِبَعْضِ الْحُرُوفِ) كَالْقَافِ وَالضَّادِ، وَتَقَدَّمَ قَرِيبًا إذَا أَبْدَلَ الضَّادَ ظَاءً.
قَوْلُهُ (وَأَنْ يَؤُمَّ نِسَاءً أَجَانِبَ لَا رَجُلَ مَعَهُنَّ) يَعْنِي يُكْرَهُ، هَذَا الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقِيلَ: وَلَا رَجُلَ مَعَهُنَّ قَرِيبٌ لِإِحْدَاهُنَّ جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَقِيلَ: وَلَا رَجُلَ مَعَهُنَّ مَحْرَمًا وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِفَادَاتِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَفَسَّرَ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ بِذَلِكَ، وَقَالَ فِي الْفُصُولِ آخِرَ الْكُسُوفِ يُكْرَهُ لِلشَّوَابِّ وَذَوَاتِ الْهَيْئَةِ الْخُرُوجُ، وَيُصَلِّينَ فِي بُيُوتِهِنَّ فَإِنْ صَلَّى بِهِمْ رَجُلٌ مَحْرَمٌ جَازَ، وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ، وَصَحَّتْ الصَّلَاةُ، وَعَنْهُ يُكْرَهُ فِي الْجَهْرِ فَقَطْ مُطْلَقًا. فَائِدَةٌ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا ذَكَرُوا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ وَظَاهِرُهُ: كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ فِيهِنَّ، هَذَا فِي مَوْضِعِ الْإِجَازَةِ فِيهِ فَلَا وَجْهَ إذَنْ لِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ مُسَبَّبًا وَمَحْرَمًا مَعَ أَنَّهُمْ احْتَجُّوا أَوْ بَعْضُهُمْ بِالنَّهْيِ عَنْ الْخَلْوَةِ بِالْأَجْنَبِيَّةِ فَيَلْزَمُ مِنْهَا التَّحْرِيمُ، وَالرَّجُلُ الْأَجْنَبِيُّ لَا يَمْنَعُ تَحْرِيمَهَا، عَلَى خِلَافٍ يَأْتِي آخِرَ الْعِدَدِ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ، لِلْعُرْفِ وَالْعَادَةِ، فِي إطْلَاقِهِمْ الْكَرَاهَةَ، وَيَكُونُ الْمُرَادُ الْجِنْسَ فَلَا تَلْزَمُ الْأَحْوَالُ، وَيُعَلَّلُ بِخَوْفِ الْفِتْنَةِ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ لَا وَجْهَ لِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ فِيهَا. انْتَهَى. وَقَدْ تَقَدَّمَ كَلَامُهُ فِي الْفُصُولِ قَرِيبًا قَالَ الشَّارِحُ: وَيُكْرَهُ أَنْ يَؤُمَّ نِسَاءً أَجَانِبَ لَا رَجُلَ مَعَهُنَّ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يَؤُمَّ ذَوَاتَ مَحَارِمِهِ. قَوْلُهُ (أَوْ قَوْمًا أَكْثَرُهُمْ لَهُ كَارِهُونَ) يَعْنِي يُكْرَهُ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ وَجَزَمَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ تَرْكَهُ أَوْلَى، وَقِيلَ: تَفْسُدُ صَلَاتُهُ. نَقَلَ أَبُو طَالِبٍ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يَؤُمَّهُمْ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: أَتَى بِوَاجِبٍ وَمُحَرَّمٍ يُقَاوِمُ صَلَاتَهُ فَلَمْ تُقْبَلْ، إذْ الصَّلَاةُ الْمَقْبُولَةُ مَا يُثَابُ عَلَيْهَا، وَهَذَا الْقَوْلُ مِنْ مُفْرَدَاتِ الْمَذْهَبِ، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَقِيلَ إنْ تَعَمَّدَهُ. تَنْبِيهَانِ. أَحَدُهُمَا: مَفْهُومُ قَوْلِهِ " أَكْثَرُهُمْ لَهُ كَارِهُونَ " أَنَّهُ لَوْ كَرِهَهُ النِّصْفُ: لَا يُكْرَهُ
أَنْ يَؤُمَّهُمْ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْهُمْ، وَقِيلَ: يُكْرَهُ أَيْضًا قَالَ الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ: فَإِنْ اسْتَوَى الْفَرِيقَانِ فَالْأَوْلَى أَنْ لَا يَؤُمَّهُمْ، إزَالَةً لِذَلِكَ الِاخْتِلَافِ، وَأَطْلَقَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِيمَا إذَا اسْتَوَيَا وَجْهَيْنِ. الثَّانِي: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: أَنَّ الْكَرَاهَةَ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْإِمَامِ فَقَطْ فَلَا يُكْرَهُ الِائْتِمَامُ بِهِ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ: يُكْرَهُ لَهُ الْإِمَامَةُ، وَيُكْرَهُ الِائْتِمَامُ بِهِ. فَائِدَتَانِ. إحْدَاهُمَا: قَالَ الْأَصْحَابُ: يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونُوا يَكْرَهُونَهُ بِحَقٍّ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: قَالَ الْأَصْحَابُ: يُكْرَهُ لِخَلَلٍ فِي دِينِهِ أَوْ فَضْلِهِ. اقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْفُصُولِ وَالْغُنْيَةِ وَغَيْرِهِمَا قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: إذَا كَانَ بَيْنَهُمْ مُعَادَاةٌ مِنْ جِنْسِ مُعَادَاةِ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ وَالْمَذَاهِبِ لَمْ يَنْبَغِ أَنْ يَؤُمَّهُمْ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالصَّلَاةِ جَمَاعَةً ائْتِلَافُهُمْ بِلَا خِلَافٍ، وَقَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ وَتَبِعَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: يَكْرَهُونَهُ لِشَحْنَاءَ بَيْنَهُمْ فِي أَمْرٍ دُنْيَوِيٍّ وَنَحْوِهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ مِنْ الْأَصْحَابِ. الثَّانِيَةُ: لَوْ كَانُوا يَكْرَهُونَهُ بِغَيْرٍ حَقٍّ كَمَا لَوْ كَرِهُوهُ لِدِينٍ أَوْ سُنَّةٍ لَمْ تُكْرَهْ إمَامَتُهُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَاسْتَحَبَّ الْقَاضِي أَنْ لَا يَؤُمَّهُمْ، صِيَانَةً لِنَفْسِهِ. قَوْلُهُ (وَلَا بَأْسَ بِإِمَامَةِ وَلَدِ زِنًا) هَذَا الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَعَنْهُ لَا بَأْسَ بِإِمَامَتِهِ إذَا كَانَ غَيْرَ رَاتِبٍ، وَهُوَ قَوْلٌ فِي الرِّعَايَةِ، وَعَدَمُ كَرَاهَةِ إمَامَتِهِ مِنْ مُفْرَدَاتِ الْمَذْهَبِ. قَوْلُهُ (وَالْجُنْدِيُّ) يَعْنِي لَا بَأْسَ بِإِمَامَتِهِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَعَنْهُ أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُصَلِّيَ خَلَفَ غَيْرِهِ.
فَائِدَتَانِ إحْدَاهُمَا: لَا بَأْسَ بِإِمَامَةِ اللَّقِيطِ، وَالْمَنْفِيِّ بِلِعَانٍ، وَالْخَصِيِّ، وَالْأَعْرَابِيِّ نَصَّ عَلَيْهِ، وَالْبَدْوِيُّ إنْ سَلِمَ دِينُهُمْ وَصَلَحُوا لَهَا قَالَ فِي الْفَائِقِ: وَكَذَا الْأَعْرَابِيُّ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ، وَعَنْهُ تُكْرَهُ إمَامَةُ الْبَدْوِيِّ قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ، الثَّانِيَةُ: فَائِدَةٌ غَرِيبَةٌ قَالَ أَبُو الْبَقَاءِ: تَصِحُّ الصَّلَاةُ خَلْفَ الْخُنْثَى، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْفَائِقِ، وَقَالَ فِي النَّوَادِرِ: تَنْعَقِدُ الْجَمَاعَةُ وَالْجُمُعَةُ بِالْمَلَائِكَةِ وَبِمُسْلِمِي الْجِنِّ، وَهُوَ مَوْجُودٌ زَمَنَ النُّبُوَّةِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَا، وَالْمُرَادُ فِي الْجُمُعَةِ: مَنْ لَزِمْته؛ لِأَنَّ الْمَذْهَبَ لَا تَنْعَقِدُ الْجُمُعَةُ بِآدَمِيٍّ لَا تَلْزَمُهُ، كَمُسَافِرٍ وَصَبِيٍّ فَهُنَا أَوْلَى. انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: الْجِنُّ كَالْإِنْسِ فِي الْعِبَادَاتِ وَالتَّكْلِيفِ قَالَ: وَمَذْهَبُ الْعُلَمَاءِ إخْرَاجُ الْمَلَائِكَةِ عَنْ التَّكْلِيفِ، وَالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَقَدْ عُرِفَ مِمَّا سَبَقَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ حَامِدٍ، وَأَبِي الْبَقَاءِ: أَنَّهُ يُعْتَبَرُ لِصِحَّةِ صَلَاتِهِ مَا يُعْتَبَرُ لِصِحَّةِ صَلَاةِ الْآدَمِيِّ. قَوْلُهُ (وَيَصِحُّ ائْتِمَامُ مَنْ يُؤَدِّي الصَّلَاةَ بِمَنْ يَقْضِيهَا) مِثْلَ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ ظُهْرُ أَمْسِ، فَأَرَادَ قَضَاءَهَا، فَائْتَمَّ بِهِ مَنْ عَلَيْهِ ظُهْرُ الْيَوْمِ فِي وَقْتِهَا، وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: يَصِحُّ، عَلَى الْأَصَحِّ قَالَ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ: أَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ الصِّحَّةُ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ وَاخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ، وَهَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدِي رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَغَلِطَ مَنْ نَقَلَ غَيْرَهَا قَالَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ: وَهُوَ أَظْهَرُ قَالَ النَّاظِمُ [هُوَ أَصَحُّ] وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ، وَصَاحِبُ الْفَائِقِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَالْإِفَادَاتِ قَالَ فِي الْفُصُولِ: تَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ اخْتِلَافٌ فِي الْوَقْتِ فَقَطْ، وَعَنْهُ لَا تَصِحُّ. نَقَلَهَا صَالِحٌ وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَالْخُلَاصَةِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنَوِّرِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ وَالتَّلْخِيصِ، وَالْمَذْهَبِ الْأَحْمَدِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالْفَائِقِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ.
فَائِدَتَانِ إحْدَاهُمَا: حُكْمُ ائْتِمَامِ مَنْ يَقْضِي الصَّلَاةَ بِمَنْ يُؤَدِّيهَا حُكْمُ ائْتِمَامِ مَنْ يُؤَدِّي الصَّلَاةَ بِمَنْ يَقْضِيهَا، عَكْسُ مَسْأَلَةِ الْمُصَنِّفِ، خِلَافًا وَمَذْهَبًا، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَابْنِ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَةِ، وَغَيْرِهِمْ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ: يَصِحُّ الْقَضَاءُ خَلْفَ الْأَدَاءِ وَفِي الْعَكْسِ رِوَايَتَانِ، وَكَذَا فِي الْمُذْهَبِ فَإِنَّهُ أَطْلَقَ الْخِلَافَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى، وَقَطَعَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِالصِّحَّةِ. وَقَالَ: وَجْهًا وَاحِدًا، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ، وَقِيلَ: إنْ قَضَى فَرْضًا خَلْفَ مَنْ يُؤَدِّيهِ صَحَّ عَلَى الْأَصَحِّ، وَإِنْ أَدَّاهُ خَلْفَ مَنْ يَقْضِيهِ لَمْ يَصِحَّ عَلَى الْأَصَحِّ، الثَّانِيَةُ: مِثْلُ ذَلِكَ أَيْضًا: ائْتِمَامُ قَاضِي ظُهْرِ يَوْمٍ بِقَاضِي ظُهْرِ يَوْمٍ آخَرَ، خِلَافًا وَمَذْهَبًا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ، وَقِيلَ: يَصِحُّ هُنَا وَجْهًا وَاحِدًا قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: كَمَا لَوْ كَانَا لِيَوْمٍ وَاحِدٍ. تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ (وَائْتِمَامُ الْمُتَوَضِّئِ بِالْمُتَيَمِّمِ) هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ وَجَدْتهَا فِي نُسْخَةٍ مَقْرُوءَةٍ عَلَى الْمُصَنِّفِ مِنْ أَوَّلِهَا إلَى آخِرِهَا، وَعَلَيْهَا خَطُّهُ، وَأَكْثَرُ النُّسَخِ لَيْسَ فِيهَا ذَلِكَ، وَالْحُكْمُ صَحِيحٌ، وَصَرَّحَ بِهِ الْأَصْحَابُ. فَائِدَةٌ لَا يَؤُمُّ مَنْ عَدِمَ الْمَاءَ وَالتُّرَابَ مَنْ تَطَهَّرَ بِأَحَدِهِمَا، وَيَأْتَمُّ الْمُتَوَضِّئُ بِالْمَاسِحِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ وَغَيْرِهَا. قَوْلُهُ (وَيَصِحُّ ائْتِمَامُ الْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّلِ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ) اخْتَارَهَا صَاحِبُ الْفُصُولِ، وَالتَّبْصِرَةِ، وَالْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَصَاحِبُ الْفَائِقِ وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى: لَا يَصِحُّ، وَهِيَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهَا جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: لَا يَصِحُّ فِي أَقْوَى الرِّوَايَتَيْنِ اخْتَارَهَا أَصْحَابُنَا قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ وَصَاحِبُ الْفُرُوعِ وَغَيْرُهُمْ: اخْتَارَهَا أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ.
قُلْت: مِنْهُمْ: الْقَاضِي، وَالشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ، وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَصَاحِبُ التَّلْخِيصِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَغَيْرُهُمْ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْكَافِي، وَابْنِ تَمِيمٍ، وَقِيلَ: يَصِحُّ لِلْحَاجَةِ، وَهِيَ كَوْنُهُ أَحَقَّ بِالْإِمَامَةِ، ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فَائِدَةٌ: عَكْسُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَهُوَ ائْتِمَامُ الْمُتَنَفِّلِ بِالْمُفْتَرِضِ يَصِحُّ وَقَطَعَ بِهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ قَالَ الْمُصَنِّفُ وَتَبِعَهُ الشَّارِحُ لَا نَعْلَمُ فِي صِحَّتِهَا خِلَافًا قَالَ فِي الْفُرُوعِ: يَصِحُّ عَلَى الْأَصَحِّ، وَعَنْهُ لَا يَصِحُّ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَقِيلَ يَصِحُّ عَلَى الْأَصَحِّ. قَوْلُهُ (وَمَنْ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِمَنْ يُصَلِّي الْعَصْرَ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ) ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْكَافِي، وَالشَّرْحِ، وَابْنِ تَمِيمٍ، وَالْفَائِقِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ. إحْدَاهُمَا: لَا يَصِحُّ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: لَا يَصِحُّ فِي أَقْوَى الرِّوَايَتَيْنِ اخْتَارَهُ أَصْحَابُنَا قَالَ فِي الْفُرُوعِ بَعْدَ قَوْلِهِ وَلَا يَصِحُّ ائْتِمَامُ مُفْتَرِضٍ بِمُتَنَفِّلٍ اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ، وَعَنْهُ يَصِحُّ وَالرِّوَايَتَانِ فِي ظُهْرٍ خَلْفَ عَصْرٍ، وَنَحْوُهَا عَنْ بَعْضِهِمْ قَالَ الشَّارِحُ بَعْدَ ذِكْرِهِ الرِّوَايَتَيْنِ فِيمَنْ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِمَنْ يُصَلِّي الْعَصْرَ وَهَذَا فَرْعٌ عَلَى صِحَّةِ إمَامَةِ الْمُتَنَفِّلِ بِالْمُفْتَرِضِ، وَقَدْ مَضَى ذِكْرُهَا. انْتَهَى. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَالنَّظْمِ وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: يَصِحُّ اخْتَارَهَا ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ، وَالْمُصَنِّفُ، وَصَاحِبُ الْفَائِقِ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَصَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ الْكَبِيرِ. فَائِدَةٌ عَكْسُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَهُوَ ائْتِمَامُ مَنْ يُصَلِّي الْعَصْرَ بِمَنْ يُصَلِّي الظُّهْرَ مِثْلُ الَّتِي قَبْلَهَا فِي الْحُكْمِ، قَالَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالتَّلْخِيصِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالرِّوَايَتَانِ فِي ظُهْرٍ خَلْفَ عَصْرٍ، وَنَحْوُهَا عَنْ بَعْضِهِمْ فَشَمَلَ كَلَامُهُ ائْتِمَامَ مَنْ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِمَنْ يُصَلِّي الْعِشَاءَ وَعَكْسَهُ.
تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: عَدَمُ صِحَّةِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ أَوْ الْفَجْرِ خَلْفَ مَنْ يُصَلِّي رُبَاعِيَّةً تَامَّةً أَوْ ثُلَاثِيَّةً، وَعَدَمُ صِحَّةِ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ خَلْفَ مَنْ يُصَلِّي الْعِشَاءَ، قَوْلًا وَاحِدًا، وَهُوَ أَحَدُ الطَّرِيقَتَيْنِ قَالَ الشَّارِحُ وَغَيْرُهُ: لَا تَصِحُّ رِوَايَةً وَاحِدَةً وَاخْتَارَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ مَعْنَى مَا فِي الْفُصُولِ وَغَيْرِهِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ، وَالرِّعَايَةِ، وَالطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ: الْخِلَافُ أَيْضًا جَارٍ هُنَا كَالْخِلَافِ فِيمَا قَبْلَهُ، وَأَطْلَقَ الطَّرِيقَتَيْنِ ابْنُ تَمِيمٍ وَاخْتَارَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَصَاحِبُ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: الصِّحَّةَ هُنَا قَالَ الْمَجْدُ: صَحَّ عَلَى مَنْصُوصِ أَحْمَدَ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: هِيَ أَصَحُّ الطَّرِيقَتَيْنِ. وَقِيلَ: تَصِحُّ. إلَّا الْمَغْرِبَ خَلْفَ الْعِشَاءِ فَإِنَّهَا لَا تَصِحُّ، وَحَكَى الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي صَلَاةِ الْفَرِيضَةِ خَلْفَ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ رِوَايَتَيْنِ وَاخْتَارَ الْجَوَازَ فَعَلَى الْقَوْلِ بِالصِّحَّةِ: مُفَارَقَةُ الْمَأْمُومِ عِنْدَ الْقِيَامِ إلَى الثَّالِثَةِ، وَيُتِمُّ لِنَفْسِهِ، وَيُسَلِّمُ قَبْلَهُ، وَلَهُ أَنْ يَنْتَظِرَهُ لِيُسَلِّمَ مَعَهُ. هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ قَالَ فِي التَّلْخِيصِ: هَذَا الْأَخِيرُ فِي الْمَذْهَبِ وَقَطَعَ بِهِ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَمَجْمَعُ الْبَحْرَيْنِ، وَنَصَرَاهُ قَالَ فِي التَّرْغِيبِ: يُتِمُّ وَقِيلَ: أَوْ يَنْتَظِرُهُ قَالَ فِي التَّلْخِيصِ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُفَارِقَهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَتَخَيَّرَ بَيْنَ انْتِظَارِ الْإِمَامِ وَالْمُفَارَقَةِ قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: هَلْ يَنْتَظِرُهُ، أَوْ يُسَلِّمُ قَبْلَهُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا: يُسَلِّمُ قَبْلَهُ، وَالثَّانِي: إنْ شَاءَ سَلَّمَ وَإِنْ شَاءَ انْتَظَرَ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَهَلْ يُتِمُّ هُوَ لِنَفْسِهِ وَيُسَلِّمُ، أَوْ يَصْبِرُ لِيُسَلِّمَ مَعَهُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَفِي تَخْيِيرِهِ بَيْنَهُمَا احْتِمَالٌ، وَقِيلَ: وَجْهٌ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَكَذَا يَعْنِي عَلَى الصِّحَّةِ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ إنْ اسْتَخْلَفَ فِي الْجُمُعَةِ صَبِيًّا، أَوْ مَنْ أَدْرَكَهُ فِي التَّشَهُّدِ خُيِّرُوا بَيْنَهُمَا، أَوْ قَدَّمُوا مَنْ يُسَلِّمُ بِهِمْ، حَتَّى يُصَلِّيَ أَرْبَعًا، ذَكَرَهُ أَبُو الْمَعَالِي.
وَقَالَ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ وَغَيْرِهِ: إنْ اسْتَخْلَفَ فِي الْجُمُعَةِ مَنْ أَدْرَكَهُ فِي التَّشَهُّدِ، إنْ دَخَلَ مَعَهُمْ بِنِيَّةِ الْجُمُعَةِ عَلَى قَوْلِ أَبِي إِسْحَاقَ صَحَّ، وَإِنْ دَخَلَ بِنِيَّةِ الظُّهْرِ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ فَرْضِهَا وَلَا أَصْلًا فِيهَا، وَخَرَّجَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ وَغَيْرِهِمْ عَلَى ظُهْرٍ مَعَ عَصْرٍ وَأَوْلَى، لِاتِّحَادِ وَقْتِهِمَا. انْتَهَى. تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَيْضًا: عَدَمُ صِحَّةِ صَلَاةِ الْمَأْمُومِ إذَا كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ صَلَاةِ الْإِمَامِ، كَمَنْ يُصَلِّي الظُّهْرَ أَوْ الْمَغْرِبَ خَلْفَ مَنْ يُصَلِّي الْفَجْرَ، أَوْ مَنْ يُصَلِّي الْعِشَاءَ خَلْفَ مَنْ يُصَلِّي التَّرَاوِيحَ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ جَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالشَّرْحِ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: لَمْ يَصِحَّ فِي الْأَقْوَى وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقِيلَ: يَصِحُّ فِيهِمَا وَنَصَّ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَلَى الصِّحَّةِ فِي التَّرَاوِيحِ قَالَ فِي الْفَائِقِ: وَتُشْرَعُ عِشَاءُ الْآخِرَةِ خَلْفَ إمَامِ التَّرَاوِيحِ نَصَّ عَلَيْهِ، وَمَنَعَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ. انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَإِنْ صَلَّى الظُّهْرَ أَرْبَعًا خَلْفَ مَنْ يُصَلِّي الْفَجْرَ فَطَرِيقَانِ قَطَعَ بَعْضُهُمْ بِعَدَمِ الصِّحَّةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَجْرَاهُ عَلَى الْخِلَافِ. انْتَهَى. وَأَطْلَقَ فِي الْكَافِي الْخِلَافَ بِصِحَّةِ الصَّلَاةِ خَلْفَ مَنْ يُصَلِّي التَّرَاوِيحَ فَعَلَى الْقَوْلِ بِالصِّحَّةِ: يُتِمُّ إذَا سَلَّمَ إمَامُهُ كَمَسْبُوقٍ وَمُقِيمٍ خَلْفَ قَاصِرٍ اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْفُرُوعِ، وَعَلَى الْقَوْلِ بِالصِّحَّةِ أَيْضًا: لَا يَجُوزُ الِاسْتِخْلَافُ إذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ، قَالَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ، وَنَقَلَهُ صَالِحٌ فِي مُقِيمِينَ خَلْفَ قَاصِرٍ لِأَنَّ الْأَوَّلَ لَا يُتِمُّ بِالْمَسْبُوقِ فَكَذَا بِنَاءٌ بِيَوْمٍ؛ لِأَنَّ تَحْرِيمَتَهُ اقْتَضَتْ انْفِرَادَهُ فِيمَا يَقْضِيهِ، وَإِذَا ائْتَمَّ بِغَيْرِهِ بَطَلَتْ كَمُنْفَرِدٍ صَارَ مَأْمُومًا، وَلِكَمَالِ الصَّلَاةِ جَمَاعَةً، بِخِلَافِهِ فِي سَبْقِ الْحَدَثِ، وَأَمَّا صَلَاةُ الظُّهْرِ خَلْفَ مُصَلِّي الْجُمُعَةِ مِثْلَ أَنْ يُدْرِكَهُمْ فِي التَّشَهُّدِ فَقَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَصَاحِبُ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَنْبَنِي عَلَى جَوَازِ بِنَاءِ الظُّهْرِ عَلَى نِيَّةِ الْجُمُعَةِ فَإِنْ قُلْنَا بِجَوَازِهِ صَحَّ الِاقْتِدَاءُ وَجْهًا وَاحِدًا. وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ تَمِيمٍ، وَإِنْ قُلْنَا بِعَدَمِ الْبِنَاءِ خُرِّجَ
الِاقْتِدَاءُ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِيمَنْ يُصَلِّي الظُّهْرَ خَلْفَ مَنْ يُصَلِّي الْعَصْرَ، وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَقَدْ اخْتَارَ الْخِرَقِيُّ جَوَازَ الِاقْتِدَاءِ، مَعَ مَنْعِهِ مِنْ بِنَاءِ الظُّهْرِ عَلَى الْجُمُعَةِ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَذْهَبَهُ جَوَازُ ائْتِمَامِ الْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّلِ، وَمُصَلِّي الظُّهْرِ بِمُصَلِّي الْعَصْرِ قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَاعْتَذَرَ لَهُ بِكَوْنِهِ لَمْ يُدْرِكْ مَا يُعْتَدُّ بِهِ، فَيَخْرُجُ مِنْهُ صِحَّةُ الدُّخُولِ إذَا أَدْرَكَ مَا يُعْتَدُّ بِهِ مَعَ اخْتِلَافِ الصَّلَاةِ. انْتَهَى. قَوْلُهُ (السُّنَّةُ أَنْ يَقِفَ الْمَأْمُومُونَ خَلْفَ الْإِمَامِ فَإِنْ وَقَفُوا قُدَّامَهُ لَمْ تَصِحَّ) هَذَا الْمَذْهَبُ بِلَا رَيْبٍ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَجْهًا قَالُوهُ: وَتَصِحُّ مُطْلَقًا قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالْمُرَادُ وَأَمْكَنَ الِاقْتِدَاءُ وَهُوَ مُتَّجَهٌ. انْتَهَى. وَقِيلَ: تَصِحُّ فِي الْجُمُعَةِ وَالْعِيدِ وَالْجِنَازَةِ وَنَحْوِهَا لَهُ لِعُذْرٍ. اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَقَالَ: مَنْ تَأَخَّرَ بِلَا عُذْرٍ، فَلَمَّا أَذَّنَ جَاءَ فَصَلَّى، قُدَّامَهُ عُذِرَ، وَاخْتَارَهُ فِي الْفَائِقِ، وَقَالَ: قُلْت وَهُوَ مُخَرَّجٌ مَنْ تَأَخُّرِ الْمَرْأَةِ فِي الْإِمَامَةِ. انْتَهَى. قُلْت: وَفِيهِ نَظَرٌ. تَنْبِيهَانِ. أَحَدُهُمَا: ظَاهِرُ قَوْلِهِ " فَإِنْ وَقَفُوا قُدَّامَهُ لَمْ تَصِحَّ " أَنَّ عَدَمَ الصِّحَّةِ مُتَعَلِّقٌ بِالْمَأْمُومِ فَقَطْ فَلَا تَبْطُلُ صَلَاةُ الْإِمَامِ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَقِيلَ: تَبْطُلُ أَيْضًا، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْحَاوِيَيْنِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالْفُرُوعِ، وَقَالَ فِي النُّكَتِ: الْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: إنْ نَوَى الْإِمَامَةَ مَنْ يُصَلِّي قُدَّامَهُ، مَعَ عِلْمِهِ، لَمْ تَنْعَقِدْ صَلَاتُهُ، أَوْ لَوْ نَوَتْ الْمَرْأَةُ الْإِمَامَةَ بِالرِّجَالِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَنْوِيَ الْإِمَامَةَ بِمَنْ يَصِحُّ اقْتِدَاؤُهُ بِهِ، وَإِنْ نَوَى الْإِمَامَةَ ظَنًّا وَاعْتِقَادًا أَنَّهُمْ يُصَلُّونَ خَلْفَهُ فَصَلَّوْا قُدَّامَهُ، انْعَقَدَتْ صَلَاتُهُ، عَمَلًا بِظَاهِرِ الْحَالِ. كَمَا لَوْ نَوَى الْإِمَامَةَ مَنْ عَادَتُهُ حُضُورُ جَمَاعَةٍ عِنْدَهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
الثَّانِيَةُ: أَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ هُنَا: عَدَمَ صِحَّةِ الصَّلَاةِ قُدَّامَ الْإِمَامِ، وَمُرَادُهُ غَيْرُ حَوْلِ الْكَعْبَةِ فَإِنَّهُ إذَا اسْتَدَارُوا حَوْلَ الْكَعْبَةِ، وَالْإِمَامُ مِنْهَا عَلَى ذِرَاعَيْنِ، وَالْمُقَابِلُونَ لَهُ عَلَى ذِرَاعٍ صَحَّتْ صَلَاتُهُمْ نَصَّ عَلَيْهِ قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا قَالَ أَبُو الْمَعَالِي، وَابْنُ مُنَجَّا: صَحَّتْ إجْمَاعًا قَالَ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ: أَوْمَأَ إلَيْهِ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ. انْتَهَى. هَذَا إذَا كَانَ فِي جِهَاتٍ أَمَّا إنْ كَانَ فِي جِهَةٍ، فَلَا يَجُوزُ تَقَدُّمُ الْمَأْمُومِ عَلَيْهِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: يَجُوزُ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: إنْ كَانَ خَارِجَ الْمَسْجِدِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَعْبَةِ مَسَافَةٌ فَوْقَ بَقِيَّةِ جِهَاتِ الْمَأْمُومِينَ فَهَلْ يَمْنَعُ الصِّحَّةَ، كَالْجِهَةِ الْوَاحِدَةِ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَمُرَادُهُ أَيْضًا: صَلَاةُ الْخَوْفِ فِي شِدَّةِ الْخَوْفِ، فَإِنَّهَا تَنْعَقِدُ مَعَ إمْكَانِ الْمُتَابَعَةِ، وَيُعْفَى عَنْ التَّقَدُّمِ عَلَى الْإِمَامِ نَصَّ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ مِنْهُمْ صَاحِبُ الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ وَغَيْرُهُمْ، وَقَالَ فِي الْفُصُولِ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُعْفَى، وَلَوْ لَمْ يَذْكُرْهُ غَيْرُهُ. قَالَ ابْنُ حَامِدٍ: لَا تَنْعَقِدُ وَرَجَّحَهُ الْمُصَنِّفُ، وَتَقَدَّمَ أَوَّلَ الْبَابِ، وَقَالَ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ، وَمُرَادُهُ: إذَا لَمْ يَكُنْ دَاخِلَ الْكَعْبَةِ، فَلَوْ كَانَ دَاخِلَهَا فَجَعَلَ ظَهْرَهُ إلَى ظَهْرِ إمَامِهِ صَحَّتْ إمَامَتُهُ بِهِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَعْتَقِدْ خَطَأَهُ، وَإِنْ جَعَلَ ظَهْرَهُ إلَى وَجْهِ إمَامِهِ لَمْ تَصِحَّ، لِأَنَّهُ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ، وَإِنْ تَقَابَلَا مِنْهَا صَحَّتْ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: صَحَّتْ فِي الْأَصَحِّ وَجَزَمَ بِهِ أَبُو الْمَعَالِي وَابْنُ مُنَجَّا، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، وَقِيلَ: لَا تَصِحُّ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفَائِقِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالتَّلْخِيصِ. فَائِدَةٌ: قَوْلُهُ {وَإِنْ كَانَ وَاحِدًا وَقَفَ عَنْ يَمِينِهِ} بِلَا نِزَاعٍ، لَكِنْ لَوْ بَانَ عَدَمُ صِحَّةِ مُصَافَّتِهِ لَمْ تَصِحَّ الصَّلَاةُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ وَالْمُرَادُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مِمَّنْ لَمْ يَحْضُرْهُ أَحَدٌ، فَيَجِيءُ الْوَجْهُ تَصِحُّ مُنْفَرِدًا، وَنَقَلَ
أَبُو طَالِبٍ فِي رَجُلٍ أَمَّ رَجُلًا قَامَ عَنْ يَسَارِهِ يُعِيدُ، وَإِنْ صَلَّى الْإِمَامُ وَحْدَهُ، وَظَاهِرُهُ: تَصِحُّ مُنْفَرِدًا دُونَ الْمَأْمُومِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَإِنَّمَا يَسْتَقِيمُ عَلَى الصَّلَاةِ بِنِيَّةِ الْإِمَامِ، ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ قَوْلُهُ {فَإِنْ وَقَفَ عَنْ يَسَارِهِ لَمْ تَصِحَّ} يَعْنِي إذَا لَمْ يَكُنْ عَنْ يَمِينِهِ أَحَدٌ فَإِنْ كَانَ عَنْ يَمِينِهِ أَحَدٌ صَحَّتْ، كَمَا جَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ هُنَا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَنْ يَمِينِهِ أَحَدٌ، فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ صَلَاتَهُ لَا تَصِحُّ إذَا صَلَّى رَكْعَةً مُنْفَرِدًا نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، وَعَنْهُ تَصِحُّ اخْتَارَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ التَّمِيمِيُّ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ أَظْهَرُ قَالَ فِي الْمُبْهِجِ، وَالْفَائِقِ: وَقَالَ الشَّرِيفُ: تَصِحُّ مَعَ الْكَرَاهَةِ قَالَ الشَّارِحُ: وَهُوَ الْقِيَاسُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: اخْتَارَهُ الشَّيْخُ يَعْنِي بِهِ الْمُصَنِّفَ وَلَمْ أَرَهُ فِي كُتُبِهِ. قُلْت: وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الصَّوَابُ، وَقِيلَ: تَصِحُّ إنْ كَانَ خَلْفَهُ صَفٌّ، وَإِلَّا فَلَا، وَهُوَ احْتِمَالٌ لِلْمُصَنِّفِ وَقَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ. فَائِدَةٌ: قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: لَوْ انْقَطَعَ الصَّفُّ عَنْ يَمِينِهِ أَوْ خَلْفِهِ فَلَا بَأْسَ، وَإِنْ كَانَ الِانْقِطَاعُ عَنْ يَسَارِهِ، فَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: إنْ كَانَ بَعْدَهُ مَقَامُ ثَلَاثِ رِجَالٍ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَجَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَا بَأْسَ بِقَطْعِ الصَّفِّ عَنْ يَمِينِهِ أَوْ خَلْفِهِ، وَكَذَا إنْ بَعُدَ الصَّفُّ مِنْهُ نَصَّ عَلَيْهِ. انْتَهَى. تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ قَوْلِهِ {وَإِنْ أَمَّ امْرَأَةً وَقَفَتْ خَلْفَهُ} أَنَّهُ لَيْسَ لَهَا مَوْقِفٌ إلَّا خَلْفَ الْإِمَامِ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَإِنْ وَقَفَتْ عَنْ يَسَارِهِ فَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ إنْ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهَا وَلَا صَلَاةَ مَنْ يَلِيهَا: أَنَّهَا كَالرَّجُلِ، وَكَذَا ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ يَصِحُّ إنْ وَقَفَتْ عَنْ يَمِينِهِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ الْوَجْهُ فِي تَقْدِيمِهَا أَمَامَ النِّسَاءِ. انْتَهَى.
قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: وَإِذَا كَانَ الْمَأْمُومُ رَجُلًا وَاحِدًا، فَمَوْقِفُهُ عَنْ يَمِينِ الْإِمَامِ فَإِنْ كَانَ امْرَأَةً وَحْدَهَا فَمَوْقِفُهَا خَلْفَ الْإِمَامِ فَظَاهِرُ كَلَامِهِ: أَنَّ صَلَاتَهَا لَا تَصِحُّ إذَا وَقَفَتْ عَنْ يَمِينِ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ لَهَا مَوْقِفًا كَمَا جَعَلَ لِلرَّجُلِ مَوْقِفًا. فَوَائِدُ. الْأُولَى: قَالَ الْقَاضِي فِي التَّعْلِيقِ: لَوْ كَانَ الْإِمَامُ رَجُلًا عُرْيَانًا، وَالْمَأْمُومُ امْرَأَةً فَإِنَّهَا تَقِفُ إلَى خَلْفِهِ قُلْت: فَيُعَايَى بِهَا. الثَّانِيَةُ: لَوْ أَمَّ رَجُلٌ خُنْثَى صَحَّ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَغَيْرِهِ: هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ. اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ وَأَبُو حَفْصٍ، فَعَلَى الْمَذْهَبِ، قِيلَ: يَقِفُ عَنْ يَمِينِهِ قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: وَالصَّحِيحُ عِنْدِي عَلَى أَصْلِنَا أَنَّهُ يَقِفُ عَنْ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ وُقُوفَ الْمَرْأَةِ جَنْبَ الرَّجُلِ غَيْرُ مُبْطِلٍ، وَوُقُوفُهُ خَلْفَهُ فِيهِ احْتِمَالُ كَوْنِهِ رَجُلًا فَذًّا، وَلَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ فِي الْبُطْلَانِ بِهِ قَالَ: وَمَنْ تَدَبَّرَ هَذَا مِنْهُمْ، عَلِمَ أَنَّ قَوْلَ الْقَاضِي وَابْنِ عَقِيلٍ سَهْوٌ عَلَى الْمَذْهَبِ انْتَهَى. قَالَ الشَّارِحُ: فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَقِفُ عَنْ يَمِينِهِ، وَقِيلَ: يَقِفُ خَلْفَهُ اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ. قَوْلُهُ {فَإِنْ اجْتَمَعَ أَنْوَاعٌ يُقَدَّمُ الرِّجَالُ، ثُمَّ الصِّبْيَانُ، ثُمَّ الْخَنَاثَى، ثُمَّ النِّسَاءُ} أَيْ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِحْبَابِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ اخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الشَّرْحِ، وَالْوَجِيزِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَابْنِ تَمِيمٍ، وَالْمُنْتَخَبِ، وَالْمَذْهَبِ الْأَحْمَدِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالنَّظْمِ.
وَعَنْهُ تُقَدَّمُ الْمَرْأَةُ عَلَى الصَّبِيِّ فَالْخُنْثَى بِطَرِيقِ أَوْلَى، ذَكَرَهَا ابْنُ الْجَوْزِيِّ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِفَادَاتِ. فَائِدَةٌ: قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ وَتَابَعَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: اخْتِيَارُ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ فِي الْخَنَاثَى: جَوَازُ صَلَاتِهِمْ صَفًّا. قُلْت: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا قَالَا: فَإِنْ بَنَيْنَاهُ عَلَى أَنَّ وُقُوفَ الرَّجُلِ مَعَ الْمَرْأَةِ لَا يُبْطِلُ، وَلَا يَكُونُ فَذًّا كَمَا يَجِيءُ عَنْ الْقَاضِي فَلَا إشْكَالَ فِي صِحَّتِهِ. وَأَمَّا إذَا أَبْطَلْنَا صَلَاةَ مَنْ يَلِيهَا كَقَوْلِ أَبِي بَكْرٍ أَوْ جَعَلْنَاهُ مَعَهَا فَذًّا كَقَوْلِ ابْنِ حَامِدٍ، وَأَبِي الْخَطَّابِ، وَأَكْثَرِ الْأَصْحَابِ بَعُدَ الْقَوْلُ جِدًّا بِجَعْلِ الْخَنَاثَى صَفًّا، لِتَطَرُّقِ الْفَسَادِ إلَى بَعْضِهِمْ بِالْأَمْرَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا، وَاَلَّذِي يُمْكِنُ أَنْ يُوَجَّهَ بِهِ قَوْلُهُمْ: كَوْنُ الْفَسَادِ هُنَا أَنَّهَا تَقَعُ فِي حَقِّ مُكَلَّفٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ، وَذَلِكَ لَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ. كَالْمَنِيِّ وَالرِّيحِ مِنْ وَاحِدٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ فَإِنَّا لَا نُوجِبُ غُسْلًا وَلَا وُضُوءًا، كَذَا هُنَا قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: وَالصَّحِيحُ عِنْدِي: فَسَادُ صَلَاتِهِمْ صَفًّا، لِشَكِّنَا فِي انْعِقَادِ صَلَاةِ كُلٍّ مِنْهُمْ مُنْفَرِدًا. وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ، وَإِنْ نَظَرْنَا إلَيْهِمْ مُجْتَمَعِينَ، فَقَدْ شَكَكْنَا فِي الِانْعِقَادِ فِي الْبَعْضِ فَيَلْزَمُهُمْ الْإِعَادَةُ، وَلَا يُمْكِنُ إلَّا بِإِعَادَةِ الْجَمِيعِ فَيَلْزَمُهُمْ ذَلِكَ لِيَخْرُجُوا مِنْ الْعُهْدَةِ بِيَقِينٍ، كَقَوْلِهِ فِي الْجُمُعَةِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ إذَا جُهِلَتْ السَّابِقَةُ. انْتَهَيَا. وَتَابَعَهُمَا فِي الْفُرُوعِ قَالَ فِي التَّلْخِيصِ: وَالْخَنَاثَى يَقِفُونَ خَلْفَ الرِّجَالِ، وَعِنْدِي: أَنَّ صَلَاةَ الْخَنَاثَى جَمَاعَةً إنَّمَا تَصِحُّ إذَا قُلْنَا بِصِحَّةِ صَلَاةِ مَنْ يَلِي الْمَرْأَةَ إذَا صَلَّتْ فِي صَفِّ الرِّجَالِ فَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ يُبْطِلُهَا مِنْ أَصْحَابِنَا: فَلَا يَصِحُّ لِلْخَنَاثَى جَمَاعَةٌ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ رَجُلًا إلَى جَنْبِ امْرَأَةٍ،
وَإِنْ لَمْ يَقِفُوا صَفًّا، بِاحْتِمَالِ الذُّكُورِيَّةِ فَيَكُونَ فَذًّا فَإِذَا حَكَمْنَا بِالصِّحَّةِ وَقَفُوا كَمَا قُلْنَا. انْتَهَى. قَوْلُهُ {وَكَذَلِكَ يَفْعَلُ فِي تَقْدِيمِهِمْ إلَى الْإِمَامِ إذَا اجْتَمَعَتْ جَنَائِزُهُمْ} ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ أَيْضًا. نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَالْمُنْتَخَبِ، وَالْفَائِقِ، وَغَيْرِهِمْ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ، وَلَكِنْ يُقَدَّمُ الصَّبِيُّ عَلَى الْعَبْدِ اخْتَارَهَا الْخَلَّالُ، وَعَنْهُ تُقَدَّمُ الْمَرْأَةُ عَلَى الصَّبِيِّ اخْتَارَهَا الْخِرَقِيُّ، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَنَصَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ، وَهُوَ مِنْ مُفْرَدَاتِ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: تُقَدَّمُ الْمَرْأَةُ عَلَى الصَّبِيِّ وَالْعَبْدِ، وَهُوَ خِلَافُ مَا ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ إجْمَاعًا، وَيَأْتِي ذَلِكَ أَيْضًا فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ {وَيُقَدَّمُ إلَى الْإِمَامِ أَفْضَلُهُمْ} . فَائِدَتَانِ. إحْدَاهُمَا: السُّنَّةُ أَنْ يَتَقَدَّمَ فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ أُولُو الْفَضْلِ وَالسِّنِّ، وَأَنْ يَلِيَ الْإِمَامَ أَكْمَلُهُمْ وَأَفْضَلُهُمْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ " يَلِي الْإِمَامَ الشُّيُوخُ، وَأَهْلُ الْقُرْآنِ، وَيُؤَخَّرُ الصِّبْيَانُ " لَكِنْ لَوْ سَبَقَ مَفْضُولٌ هَلْ يُؤَخَّرُ الْفَاضِلُ؟ جَزَمَ الْمَجْدُ أَنَّهُ لَا يُؤَخَّرُ، وَقَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: قَدْ تَقَدَّمَ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ: أَنَّ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ أَخَّرَ قَيْسَ بْنَ عُبَادَةَ مِنْ الصَّفِّ الْأَوَّلِ، وَوَقَفَ مَكَانَهُ، وَقَالَ فِي النُّكَتِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ النَّقْلَ فِي الْمَسْأَلَةِ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ فَظَهَرَ مِنْ ذَلِكَ: أَنَّهُ هَلْ يُؤَخَّرُ الْمَفْضُولُ بِحُضُورِ الْفَاضِلِ، أَوْ لَا يُؤَخَّرُ، أَوْ يُفَرَّقُ بَيْنَ الْجِنْسِ وَالْأَجْنَاسِ؛ أَوْ يُفَرَّقُ بَيْنَ مَسْأَلَةِ الْجَنَائِزِ وَمَسْأَلَةِ الصَّلَاةِ؟ فِيهِ أَقْوَالٌ. انْتَهَى. قُلْت: الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْعَلَّامَةُ ابْنُ رَجَبٍ فِي الْقَاعِدَةِ الْخَامِسَةِ وَالثَّمَانِينَ: جَوَازَ تَأْخِيرِ الصَّبِيِّ عَنْ الصَّفِّ الْفَاضِلِ، وَإِذَا كَانَ فِي وَسَطِ الصَّفِّ، وَقَالَ: صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَعَلَيْهِ حُمِلَ فِعْلُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ بِقَيْسِ بْنِ عُبَادَةَ. انْتَهَى.
وَتَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَى ذَلِكَ فِي أَوَّلِ صِفَةِ الصَّلَاةِ، وَيَأْتِي بَعْضُهُ فِي آخِرِ بَابِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ. الثَّانِيَةُ: لَوْ اجْتَمَعَ رِجَالٌ أَحْرَارٌ وَعَبِيدٌ قُدِّمَ الْأَحْرَارُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَنْهُ يُقَدَّمُ الْعَبْدُ عَلَى الْحُرِّ إذَا كَانَ دُونَهُ. قَوْلُهُ {وَمَنْ لَمْ يَقِفْ مَعَهُ إلَّا كَافِرٌ أَوْ امْرَأَةٌ، أَوْ مُحْدِثٌ يَعْلَمُ حَدَثَهُ فَهُوَ فَذٌّ} . أَمَّا إذَا لَمْ يَقِفْ مَعَهُ إلَّا كَافِرٌ: فَإِنَّهُ يَكُونُ فَذًّا، بِلَا خِلَافٍ أَعْلَمُهُ، وَكَذَا لَوْ وَقَفَ مَعَهُ مَجْنُونٌ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَقِفْ مَعَهُ إلَّا امْرَأَةٌ، فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يَكُونُ فَذًّا، وَذَكَرَهُ الْمَجْدُ وَصَاحِبُ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ عَنْ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ مِنْهُمْ ابْنُ حَامِدٍ، وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَابْنُ الْبَنَّا، وَالْمُصَنِّفُ، وَأَبُو الْمَعَالِي وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالنَّظْمِ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، وَعَنْهُ لَا يَكُونُ فَذًّا اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُحَرَّرِ، وَالشَّرْحِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالْفَائِقِ، وَالْحَاوِيَيْنِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَإِنْ وَقَفَتْ مَعَ رَجُلٍ. فَقَالَ جَمَاعَةٌ: فَذٌّ، وَعَنْهُ لَا. فَائِدَتَانِ. إحْدَاهُمَا: حُكْمُ وُقُوفِ الْخُنْثَى الْمُشْكِلِ: حُكْمُ وُقُوفِ الْمَرْأَةِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ. الثَّانِيَةُ: لَوْ وَقَفَتْ امْرَأَةٌ مَعَ رَجُلٍ فَإِنَّهَا تَبْطُلُ صَلَاةُ مَنْ يَلِيهَا، وَلَا تَبْطُلُ صَلَاةُ مَنْ خَلْفَهَا وَلَا أَمَامَهَا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ قَدَّمَهُ فِي الْهِدَايَةِ وَالْخُلَاصَةِ، وَالْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالشَّرْحِ، وَالْفَائِقِ، وَالْكَافِي، وَغَيْرِهِمْ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: ذَكَرَهُ ابْنُ حَامِدٍ وَاخْتَارَهُ وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ رِوَايَةً:
تَبْطُلُ صَلَاةُ مَنْ يَلِيهَا قَالَ فِي الْفُصُولِ: هُوَ الْأَشْبَهُ، وَأَنَّ أَحْمَدَ تَوَقَّفَ، وَذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي الْمَنْصُوصِ عَنْ أَحْمَدَ وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، ذَكَرَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ وَغَيْرِهِمْ، وَقِيلَ: تَبْطُلُ أَيْضًا صَلَاةُ مَنْ خَلْفَهَا وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ أَيْضًا قَالَ الشَّارِحُ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: تَبْطُلُ صَلَاةُ مَنْ يَلِيهَا وَمَنْ خَلْفَهَا قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَفِيهِ بُعْدٌ، وَأَطْلَقَ الْأَوَّلَ وَالثَّالِثَ ابْنُ تَمِيمٍ، وَقِيلَ: تَبْطُلُ أَيْضًا صَلَاةُ مَنْ أَمَامَهَا وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ أَيْضًا فِي الْفُصُولِ، تَنْبِيهٌ: هَذَا الْحُكْمُ فِي صَلَاتِهِمْ فَأَمَّا صَلَاتُهَا: فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهَا لَا تَبْطُلُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: صَحِيحَةٌ عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَقَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ، وَقَالَ ابْنُ الشَّرِيفِ، وَابْنُ عَقِيلٍ: تَبْطُلُ، هَذَا الْأَشْبَهُ بِالْمَذْهَبِ عِنْدِي، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. وَأَمَّا إذَا لَمْ يَقِفْ مَعَهُ إلَّا مُحْدِثٌ يَعْلَمُ حَدَثَهُ: فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يَكُونُ فَذًّا، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَكَذَا لَوْ وَقَفَ مَعَهُ نَجِسٌ. تَنْبِيهٌ: مَفْهُومُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: أَنَّهُ إذَا لَمْ يَعْلَمْ حَدَثَهُ، بَلْ جَهِلَهُ، وَجَهِلَ مُصَافَّتَهُ أَيْضًا: أَنَّهُ لَا يَكُونُ فَذًّا، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ نَصَّ عَلَيْهِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْفَائِقِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالشَّرْحِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ: حُكْمُهُ حُكْمُ جَهْلِ الْمَأْمُومِ حَدَثَ الْإِمَامِ، عَلَى مَا سَبَقَ. قَوْلُهُ {وَكَذَلِكَ الصَّبِيُّ إلَّا فِي النَّافِلَةِ} يَعْنِي لَوْ وَقَفَ مَعَ رَجُلٍ خَلْفَ الْإِمَامِ كَانَ الرَّجُلُ فَذًّا، إلَّا فِي النَّافِلَةِ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ فَذًّا، وَتَصِحُّ مُصَافَّتُهُ، وَهَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ فِيهِمَا، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، وَاعْلَمْ أَنَّ حُكْمَ مُصَافَّةِ الصَّبِيِّ حُكْمُ إمَامَتِهِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ
جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَقِيلَ: تَصِحُّ مُصَافَّتُهُ، وَإِنْ لَمْ تَصِحَّ إمَامَتُهُ اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ: وَمَا، قَالَهُ أَصْوَبُ فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ: يَقِفُ الرَّجُلُ وَالصَّبِيُّ خَلْفَهُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ أَظْهَرُ، وَعَلَى الْمَذْهَبِ: يَقِفَانِ عَنْ يَمِينِهِ، أَوْ مِنْ جَانِبَيْهِ نَصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: تَصِحُّ إمَامَتُهُ دُونَ مُصَافَّتِهِ، ذَكَرَهُ فِي الرِّعَايَةِ. قَوْلُهُ {وَمَنْ جَاءَ فَوَجَدَ فُرْجَةً} {وَقَفَ فِيهَا} يَعْنِي إذَا كَانَتْ مُقَابِلَتَهُ فَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُقَابِلَةٍ لَهُ يَمْشِي إلَيْهَا عُرْضًا: كُرِهَ، عَلَى الصَّحِيحِ، وَعَنْهُ لَا يُكْرَهُ. فَائِدَةٌ: لَوْ كَانَ الصَّفُّ غَيْرَ مَرْصُوصٍ دَخَلَ فِيهِ نَصَّ عَلَيْهِ. كَمَا لَوْ كَانَتْ فُرْجَةٌ. قَوْلُهُ {فَإِنْ لَمْ يَجِدْ وَقَفَ عَنْ يَمِينِ الْإِمَامِ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ فَلَهُ أَنْ يُنَبِّهَ مَنْ يَقُومُ مَعَهُ} الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: إذَا لَمْ يَجِدْ فُرْجَةً وَكَانَ الصَّفُّ مَرْصُوصًا أَنَّ لَهُ أَنْ يَخْرِقَ الصَّفَّ، وَيَقِفَ عَنْ يَمِينِ الْإِمَامِ إذَا قَدَرَ جَزَمَ بِهِ ابْنُ تَمِيمٍ، وَقِيلَ: بَلْ يُؤَخِّرُ وَاحِدًا مِنْ الصَّفِّ إلَيْهِ، وَقِيلَ: يَقِفُ فَذًّا. اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ قَالَ فِي النُّكَتِ: وَهُوَ قَوِيٌّ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِالْمُصَافَّةِ: إنَّمَا هُوَ مَعَ الْإِمْكَانِ وَإِذَا لَمْ يَقْدِرْ أَنْ يَقِفَ عَنْ يَمِينِ الْإِمَامِ: فَلَهُ أَنْ يُنَبِّهَ مَنْ يَقُومُ مَعَهُ بِكَلَامٍ أَوْ نَحْنَحَةٍ أَوْ إشَارَةٍ، بِلَا خِلَافٍ أَعْلَمُهُ، وَيَتْبَعُهُ، وَيُكْرَهُ جَذْبُهُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ نَصَّ عَلَيْهِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيُكْرَهُ جَذْبُهُ فِي الْمَنْصُوصِ قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَصَاحِبُ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَصَحَّحَهُ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ وَنَصَرَهُ أَبُو الْمَعَالِي وَغَيْرُهُ، وَقِيلَ: لَا يُكْرَهُ وَاخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ، وَيَحْتَمِلُهُ كَلَامُهُ هُنَا قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ
اخْتَارَهُ الشَّيْخُ وَبَعْضُ أَصْحَابِنَا وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِفَادَاتِ قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ جَوَّزَ أَصْحَابُنَا جَذْبَ رَجُلٍ يَقُومُ مَعَهُ، وَقِيلَ: يَحْرُمُ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ وَالشَّرْحِ: اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ. قَالَ: وَلَوْ كَانَ عَبْدَهُ أَوْ ابْنَهُ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِيهِ حَالَ الْعِبَادَةِ. كَالْأَجْنَبِيِّ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَفِي جَوَازِ جَذْبِهِ وَجْهَانِ، وَقَالَ فِي الْفَائِقِ: وَإِذَا لَمْ يَجِدْ مَنْ يَقِفُ مَعَهُ، فَهَلْ يَخْرِقُ الصَّفَّ لِيُصَلِّيَ عَنْ يَمِينِ الْإِمَامِ، أَوْ يُؤَخِّرُ وَاحِدًا مِنْ الصَّفِّ، أَوْ يَقِفُ فَذًّا؟ عَلَى أَوْجُهٍ اخْتَارَ شَيْخُنَا الثَّالِثَ. انْتَهَى. وَمُرَادُهُ بِشَيْخِنَا: الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لَوْ حَضَرَ اثْنَانِ وَفِي الصَّفِّ فُرْجَةٌ، فَأَنَا أُفَضِّلُ وُقُوفَهُمَا جَمِيعًا، أَوْ يَسُدُّ أَحَدُهُمَا الْفُرْجَةَ، وَيَنْفَرِدُ الْآخَرُ رَجَّحَ أَبُو الْعَبَّاسِ: الِاصْطِفَافَ مَعَ بَقَاءِ الْفُرْجَةِ؛ لِأَنَّ سَدَّ الْفُرْجَةِ مُسْتَحَبٌّ، وَالِاصْطِفَافَ وَاجِبٌ. قَوْلُهُ {وَإِنْ صَلَّى رَكْعَةً فَذًّا} {لَمْ تَصِحَّ} هَذَا الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا بِلَا رَيْبٍ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هُوَ الْمَشْهُورُ وَجَزَمَ بِهِ فِي الشَّرْحِ، وَالْوَجِيزِ وَغَيْرِهِمَا وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُحَرَّرِ وَغَيْرِهِمَا، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، وَعَنْهُ تَصِحُّ مُطْلَقًا، وَعَنْهُ تَصِحُّ فِي النَّفْلِ فَقَطْ، وَهُوَ احْتِمَالٌ فِي تَعْلِيقِ الْقَاضِي، وَبَنَاهُ فِي الْفُصُولِ عَلَى مَنْ صَلَّى بَعْضَ الصَّلَاةِ مُنْفَرِدًا ثُمَّ نَوَى الِائْتِمَامَ، وَعَنْهُ تَبْطُلُ إنْ عَلِمَ النَّهْيَ، وَإِلَّا فَلَا، وَيَكُونُ. وَأَنَّهُ يَصِحُّ صَلَاتُهُمْ تَلْفِيقًا قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ قَوْلًا، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ بَعْضِهِمْ: لِعُذْرٍ. قُلْت: قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَقِيلَ يَقِفُ فَذًّا مَعَ ضِيقِ الْمَوْضِعِ أَوْ ارْتِصَاصِ الصَّفِّ، وَكَرَاهَةِ أَهْلِهِ دُخُولَهُ. انْتَهَى. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَتَصِحُّ صَلَاةُ الْفَذِّ لِعُذْرٍ. انْتَهَى.
وَقِيلَ: لَا تَصِحُّ إنْ كَانَ لِغَيْرِ غَرَضٍ وَإِلَّا صَحَّتْ، وَقِيلَ: يَقِفُ فَذًّا فِي الْجِنَازَةِ اخْتَارَهُ الْقَاضِي فِي التَّعْلِيقِ، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَأَبُو الْمَعَالِي، وَابْنُ مُنَجَّا، قَالَ: فَإِنَّهُ أَفْضَلُ أَنْ يَقِفَ صَفًّا ثَالِثًا وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِفَادَاتِ قَالَ فِي الْفُصُولِ: فَتَكُونُ مَسْأَلَةَ مُعَايَاةٍ، وَيَأْتِي قَرِيبًا إذَا صَلَّتْ امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ خَلْفَ امْرَأَةٍ. تَنْبِيهَانِ. أَحَدُهُمَا: حَيْثُ قُلْنَا " يَصِحُّ فِي غَيْرِ الْجِنَازَةِ " فَالْمُرَادُ مَعَ الْكَرَاهَةِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ وَقَالَ: وَيَتَوَجَّهُ يُكْرَهُ إلَّا لِعُذْرٍ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ شَيْخِنَا يَعْنِي بِهِ الشَّيْخَ تَقِيَّ الدِّينِ، قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ. مَفْهُومُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي قَوْلِهِ " وَإِنْ صَلَّى رَكْعَةً فَذًّا لَمْ تَصِحَّ " أَنَّهُ إذَا لَمْ تَفْرُغْ الرَّكْعَةُ، حَتَّى دَخَلَ مَعَهُ آخَرُ، أَوْ دَخَلَ هُوَ فِي الصَّفِّ: أَنَّهُ لَا يَكُونُ فَذًّا، وَأَنَّ صَلَاتَهُ صَحِيحَةٌ، وَهُوَ كَذَلِكَ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَقِيلَ: تَبْطُلُ بِمُجَرَّدِ إحْرَامِهِ فَذًّا اخْتَارَهُ فِي الرَّوْضَةِ، وَذَكَرَهُ رِوَايَةً. فَائِدَةٌ: قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: إذَا صَلَّى رَكْعَةً مِنْ الْفَرْضِ فَذًّا بَطَلَ اقْتِدَاؤُهُ، وَلَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ فَرْضًا، وَفِي بَقَائِهَا نَفْلًا وَجْهَانِ، وَقَالَ فِي الْفَائِقِ: وَهَلْ تَبْطُلُ الصَّلَاةُ أَوْ الرَّكْعَةُ وَحْدَهَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ اخْتَارَ أَبُو حَفْصٍ الْبَرْمَكِيُّ الثَّانِيَةَ. قَوْلُهُ {وَإِنْ رَكَعَ فَذًّا، ثُمَّ دَخَلَ فِي الصَّفِّ، أَوْ وَقَفَ مَعَهُ آخَرُ قَبْلَ رَفْعِ الْإِمَامِ: صَحَّتْ صَلَاتُهُ} هَذَا الْمَذْهَبُ نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هَذَا الْمَنْصُوصُ الْمَشْهُورُ الْمَجْزُومُ بِهِ، وَعَنْهُ لَا تَصِحُّ قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: كَانَ الْقِيَاسُ أَنَّهَا تَنْعَقِدُ الرَّكْعَةُ. لِحَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ. وَعَنْهُ لَا تَصِحُّ إنْ عَلِمَ النَّهْيَ، وَإِلَّا صَحَّتْ، وَهُوَ
ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ وَغَيْرِهِ: وَقَالَ الْقَاضِي فِي شَرْحِهِ الصَّغِيرِ إذَا كَبَّرَ لِلْإِحْرَامِ دُونَ الصَّفِّ، طَمَعًا فِي إدْرَاكِ الرَّكْعَةِ جَازَ، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا لَا يَجُوزُ. قَوْلُهُ {وَإِنْ رَفَعَ وَلَمْ يَسْجُدْ صَحَّتْ} يَعْنِي إذَا رَكَعَ الْمَأْمُومُ فَذًّا، ثُمَّ دَخَلَ فِي الصَّفِّ رَاكِعًا، وَالْإِمَامُ قَدْ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ وَلَمْ يَسْجُدْ فَالصِّحَّةُ مُطْلَقًا إحْدَى الرِّوَايَاتِ، وَهِيَ الْمَذْهَبُ جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ قَالَ ابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ: هَذَا الْمَذْهَبُ وَقَدَّمَهُ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَالْحَوَاشِي وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَقِيلَ: إنْ عَلِمَ النَّهْيَ لَمْ تَصِحَّ، وَإِلَّا صَحَّتْ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ نَصَّ عَلَيْهَا وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِفَادَاتِ، وَالطُّوفِيُّ فِي شَرْحِهِ وَقَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي وَنَصَرَهُ، وَحَمَلَ هُوَ وَالشَّارِحُ كَلَامَ الْخِرَقِيِّ عَلَيْهِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: صَرَفَ أَبُو مُحَمَّدٍ كَلَامَ الْخِرَقِيِّ عَنْ ظَاهِرِهِ، وَحَمَلَهُ عَلَى مَا بَعْدَ الرُّكُوعِ، لِيُوَافِقَ الْمَنْصُوصَ، وَجُمْهُورَ الْأَصْحَابِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي التَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَعَنْهُ رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ: لَا تَصِحُّ مُطْلَقًا اخْتَارَهَا الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَقَدَّمَهَا فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ قَالَ فِي الْمُذْهَبِ: بَطَلَتْ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَأَطْلَقَهُنَّ فِي الْفُرُوعِ، وَالشَّرْحِ، وَالْكَافِي، وَالزَّرْكَشِيُّ. تَنْبِيهٌ: مَفْهُومُ قَوْلِهِ " وَإِنْ رَفَعَ وَلَمْ يَسْجُدْ صَحَّتْ " أَنَّهُ لَوْ رَفَعَ وَسَجَدَ إمَامُهُ قَبْلَ دُخُولِهِ فِي الصَّفِّ، أَوْ قَبْلَ وُقُوفِ آخَرَ مَعَهُ: أَنَّ صَلَاتَهُ لَا تَصِحُّ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: لَمْ تَصِحَّ تِلْكَ الرَّكْعَةُ بِلَا نِزَاعٍ، وَهَلْ يَخْتَصُّ الْبُطْلَانُ بِهَا حَتَّى لَوْ دَخَلَ الصَّفَّ بَعْدَهَا، أَوْ انْضَافَ إلَيْهِ آخَرُ، وَيَصِحُّ مَا بَقِيَ، وَيَقْضِي تِلْكَ الرَّكْعَةَ، أَمْ لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ رَأْسًا، وَهُوَ الْمَشْهُورُ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ مَنْصُوصَتَانِ حَكَاهُمَا أَبُو حَفْصٍ وَاخْتَارَ هُوَ أَنَّهُ يُعِيدُ مَا صَلَّى خَلْفَ الصَّفِّ. انْتَهَى. وَقَالَ فِي الْمُنْتَخَبِ وَالْمُوجَزِ: حُكْمُهُ حُكْمُ مَا لَوْ رَفَعَ الْإِمَامُ وَلَمْ يَسْجُدْ قَالَ فِي الْفَائِقِ: وَقَالَ الْحَلْوَانِيُّ تَصِحُّ وَلَوْ سَجَدَ. قَوْلُهُ {وَإِنْ فَعَلَهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ} {لَمْ تَصِحَّ} ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَإِنْ فَعَلَهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ لَمْ تَصِحَّ فِي الْأَصَحِّ قَالَ فِي الْفَائِقِ: وَلَوْ فَعَلَهُ لِغَيْرِ غَرَضٍ فَهُوَ بَاطِلٌ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ وَغَيْرِهِمْ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: لَا تَنْعَقِدُ الصَّلَاةُ عَلَى الْمُخْتَارِ مِنْ الْوَجْهَيْنِ لِأَبِي الْخَطَّابِ وَالشَّيْخَيْنِ، وَقِيلَ: حُكْمُهُ حُكْمُ فِعْلِهِ لِعُذْرٍ قَدَّمَهُ فِي الْكَافِي، وَأَطْلَقَهُمَا فِي التَّلْخِيصِ، وَالشَّرْحِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْمُغْنِي، وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ، وَقِيلَ: تَنْعَقِدُ صَلَاتُهُ وَتَصِحُّ إنْ زَالَتْ فُذُوذِيَّتُهُ قَبْلَ الرُّكُوعِ، وَإِلَّا فَلَا، وَأَطْلَقَ فِي الْفُصُولِ فِيمَا إذَا كَانَ لِغَرَضٍ فِي إدْرَاكِ الرَّكْعَةِ وَجْهَيْنِ. لِخَبَرِ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَعَلَّ الْمُرَادَ قَبْلَ رَفْعِ الْإِمَامِ. فَائِدَةٌ: مِثَالُ فِعْلِ ذَلِكَ لِغَيْرِ غَرَضٍ: أَنْ لَا يَخَافَ فَوْتَ الرَّكْعَةِ، قَالَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَغَيْرِهِ. فَائِدَةٌ: لَوْ زُحِمَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الْجُمُعَةِ، فَأُخْرِجَ مِنْ الصَّفِّ وَبَقِيَ فَذًّا فَإِنَّهُ يَنْوِي مُفَارَقَةَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهَا مُفَارَقَةٌ لِعُذْرٍ، وَيُتِمُّهَا جُمُعَةً؛ لِإِدْرَاكِهِ مَعَهُ رَكْعَةً. كَالْمَسْبُوقِ فَإِنْ أَقَامَ عَلَى مُتَابَعَةِ إمَامِهِ، وَتَابَعَهُ فَذًّا صَحَّتْ مَعَهُ قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ وَعَنْهُ يَلْزَمُهُ إعَادَتُهَا ظُهْرًا قَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَقِيلَ: بَلْ يُكْمِلُهَا بَعْدَ صَلَاةِ الْإِمَامِ جُمُعَةً، وَإِنْ كَانَ قَدْ صَلَّاهَا مَعَهُ.
قَوْلُهُ {وَإِذَا كَانَ الْمَأْمُومُ يَرَى مَنْ وَرَاءَ الْإِمَامِ صَحَّتْ صَلَاتُهُمْ بِهِ، إذَا اتَّصَلَتْ الصُّفُوفُ} عُمُومُهُ يَشْمَلُ إذَا كَانَا فِي الْمَسْجِدِ، أَوْ كَانَا خَارِجَيْنِ عَنْهُ، أَوْ كَانَ الْمَأْمُومُ وَحْدَهُ خَارِجًا عَنْ الْمَسْجِدِ فَإِنْ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ. فَلَا يُشْتَرَطُ اتِّصَالُ الصُّفُوفِ بِلَا خِلَافٍ، قَالَهُ الْآمِدِيُّ، وَحَكَاهُ الْمَجْدُ إجْمَاعًا قَالَ فِي النُّكَتِ وَغَيْرِهِ: وَقَطَعَ بِهِ الْأَصْحَابُ، وَإِنْ كَانَ خَارِجًا عَنْهُ، أَوْ الْمَأْمُومُ وَحْدَهُ فَاشْتَرَطَ الْمُصَنِّفُ هُنَا اتِّصَالَ الصُّفُوفِ مَعَ رُؤْيَةِ مَنْ وَرَاءَ الْإِمَامِ وَجَزَمَ بِهِ الْخِرَقِيُّ، وَالْكَافِي، وَالْمُغْنِي، وَنِهَايَةِ أَبِي الْمَعَالِي، وَالْمَذْهَبِ الْأَحْمَدِ، وَالشَّرْحِ، وَالْوَجِيزِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَغَيْرِهِمْ وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ اتِّصَالُ الصُّفُوفِ إذَا كَانَ يَرَى الْإِمَامَ، أَوْ مَنْ وَرَاءَهُ فِي بَعْضِهَا، وَأَمْكَنَ الِاقْتِدَاءُ، وَلَوْ جَاوَزَ ثَلَاثَمِائَةٍ ذِرَاعٍ جَزَمَ بِهِ أَبُو الْحُسَيْنِ وَغَيْرُهُ، وَذَكَرَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ الصَّحِيحَ مِنْ الْمَذْهَبِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ غَيْرِ الْخِرَقِيِّ مِنْ الْأَصْحَابِ قَالَ فِي النُّكَتِ: قَطَعَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ وَغَيْرِهِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ، وَابْنُ تَمِيمٍ. فَائِدَتَانِ. إحْدَاهُمَا: يُرْجَعُ فِي اتِّصَالِ الصُّفُوفِ إلَى الْعُرْفِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ حَيْثُ قُلْنَا بِاشْتِرَاطِهِ جَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي، وَنِهَايَةِ أَبِي الْمَعَالِي، وَابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ، وَصَاحِبُ الْفَائِقِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَمُخْتَصَرِ ابْنِ تَمِيمٍ، وَقَالَ فِي التَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ: اتِّصَالُ الصُّفُوفِ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا ثَلَاثَةُ أَذْرُعٍ، وَقِيلَ: مَتَى كَانَ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ مَا يَقُومُ فِيهِ صَفٌّ آخَرُ فَلَا اتِّصَالَ اخْتَارَهُ الْمَجْدُ، وَهُوَ مَعْنَى كَلَامِ الْقَاضِي وَغَيْرِهِ لِلْحَاجَةِ لِلرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، حَيْثُ اُعْتُبِرَ اتِّصَالُ الصُّفُوفِ.
وَفَسَّرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي اتِّصَالَ الصُّفُوفِ بِبُعْدٍ غَيْرِ مُعْتَادٍ لَا يَمْنَعُ الِاقْتِدَاءَ، وَفَسَّرَهُ الشَّارِحُ بِبُعْدٍ غَيْرِ مُعْتَادٍ، بِحَيْثُ يَمْنَعُ إمْكَانَ الِاقْتِدَاءِ؛ لِأَنَّهُ لَا نَصَّ فِيهِ وَلَا إجْمَاعَ فَرَجَعَ إلَى الْعُرْفِ قَالَ فِي النُّكَتِ عَنْ تَفْسِيرِ الْمُصَنِّفِ وَالشَّارِحِ تَفْسِيرُ اتِّصَالِ الصُّفُوفِ بِهَذَا التَّفْسِيرِ غَرِيبٌ، وَإِمْكَانُ الِاقْتِدَاءِ لَا خِلَافَ فِيهِ. انْتَهَى. وَقِيلَ: يَمْنَعُ شُبَّاكٌ وَنَحْوُهُ، وَحُكِيَ رِوَايَةً فِي التَّلْخِيصِ وَغَيْرِهِ، وَقَدْ يَكُونُ الِاتِّصَالُ حِسًّا مَعَ اخْتِلَافِ الْبُنْيَانِ، كَمَا إذَا وَقَفَ فِي بَيْتٍ آخَرَ عَنْ يَمِينِ الْإِمَامِ فَلَا بُدَّ مِنْ اتِّصَالِ الصَّفِّ بِتَوَاصُلِ الْمَنَاكِبِ، أَوْ وَقَفَ عَلَى عُلُوٍّ عَنْ يَمِينِهِ وَالْإِمَامُ فِي سُفْلٍ. فَالِاتِّصَالُ بِمُوَازَاةِ رَأْسِ أَحَدِهِمَا رُكْبَةَ الْآخَرِ. تَنْبِيهٌ: قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هَذَا فِيمَا إذَا تَوَاصَلَتْ الصُّفُوفُ لِلْحَاجَةِ كَالْجُمُعَةِ وَنَحْوِهَا أَمَّا لِغَيْرِ حَاجَةٍ بِأَنْ وَقَفَ قَوْمٌ فِي طَرِيقٍ وَرَاءَ الْمَسْجِدِ، وَبَيْنَ أَيْدِيهِمْ مِنْ الْمَسْجِدِ أَوْ غَيْرِهِ مَا يُمْكِنُهُمْ فِيهِ الِاقْتِدَاءُ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُمْ عَلَى الْمَشْهُورِ. انْتَهَى. الثَّانِيَةُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ نَهْرٌ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ: مَعَ الْقُرْبِ الصَّحِيحِ، وَكَانَ النَّهْرُ تَجْرِي فِيهِ السُّفُنُ، أَوْ طَرِيقٌ، وَلَمْ تَتَّصِلْ فِيهِ الصُّفُوفُ، إنْ صَحَّتْ الصَّلَاةُ فِيهِ لَمْ تَصِحَّ الصَّلَاةُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعِنْدَ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ قَالَ الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ: اخْتَارَ الْأَصْحَابُ عَدَمَ الصِّحَّةِ، وَكَذَا قَالَ فِي النُّكَتِ وَالْحَوَاشِي وَقَطَعَ بِهِ أَبُو الْمَعَالِي فِي النِّهَايَةِ وَغَيْرِهِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: أَمَّا إنْ كَانَ بَيْنَهُمَا طَرِيقٌ فَيُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الِاقْتِدَاءِ اتِّصَالُ الصُّفُوفِ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَعَنْهُ يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ بِهِ. اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ، وَإِلَيْهِ مَيْلُ الشَّارِحِ قَالَ الْمَجْدُ: هُوَ الْقِيَاسُ، لَكِنَّهُ تُرِكَ لِلْآثَارِ وَصَحَّحَهُ النَّاظِمُ وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ.
وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَعَنْهُ يَصِحُّ مَعَ الضَّرُورَةِ اخْتَارَهَا أَبُو حَفْصٍ، وَعَنْهُ يَصِحُّ فِي النَّفْلِ، وَمِثَالُ ذَلِكَ: إذَا كَانَ فِي سَفِينَةٍ وَإِمَامُهُ فِي أُخْرَى مَقْرُونَةٍ بِهَا؛ لِأَنَّ الْمَاءَ طَرِيقٌ، وَلَيْسَتْ الصُّفُوفُ مُتَّصِلَةً، قَالَهُ الْأَصْحَابُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالْمُرَادُ فِي غَيْرِ صَلَاةِ الْخَوْفِ، كَمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ، وَإِنْ كَانَتْ السَّفِينَةُ غَيْرَ مَقْرُونَةٍ لَمْ تَصِحَّ نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الطَّيِّبِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَخَرَّجَ الصِّحَّةَ مِنْ الطَّرِيقِ، وَأَلْحَقَ الْآمِدِيُّ النَّارَ وَالْبِئْرَ بِالنَّهْرِ، قَالَهُ أَبُو الْمَعَالِي فِي الشَّوْكِ وَالنَّارِ، وَأَلْحَقَ فِي الْمُبْهِجِ النَّارَ وَالسَّبُعَ بِالنَّهْرِ قَالَ الشَّارِحُ وَغَيْرُهُ: وَإِنْ كَانَتْ صَلَاةَ جُمُعَةٍ، أَوْ عِيدٍ، أَوْ جِنَازَةٍ: لَمْ يُؤَثِّرْ ذَلِكَ فِيهَا، وَتَقَدَّمَ فِي اجْتِنَابِ النَّجَاسَةِ جَوَازَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدِ وَغَيْرِهِمَا فِي الطَّرِيقِ وَغَيْرِهِ لِلضَّرُورَةِ. قَوْلُهُ {وَإِنْ لَمْ يَرَ مَنْ وَرَاءَهُ} {لَمْ تَصِحَّ} شَمَلَ مَا إذَا كَانَا فِي الْمَسْجِدِ، أَوْ كَانَا خَارِجَيْنِ عَنْهُ، أَوْ كَانَ الْمَأْمُومُ وَحْدَهُ خَارِجًا عَنْهُ فَإِنْ كَانَ فِيهِ لَكِنَّهُ لَمْ يَرَهُ وَلَمْ يَرَ مَنْ وَرَاءَهُ وَيَسْمَعُ التَّكْبِيرَ: فَعُمُومُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا يَقْتَضِي عَدَمَ الصِّحَّةِ، وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَاتِ. (*) قَالَ ابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ: هُوَ ظَاهِرُ الْمُغْنِي، وَصَحَّحَهُ فِي النِّهَايَةِ، وَالْخُلَاصَةِ وَقَدَّمَهُ فِي الْحَاوِيَيْنِ فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ، وَقَالَ: نَصَّ عَلَيْهِ وَقَدَّمَهُ فِي الْهِدَايَةِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالْفَائِقِ، وَعَنْهُ تَصِحُّ إذَا سَمِعَ التَّكْبِيرَ، وَهِيَ الْمَذْهَبُ اخْتَارَهُ الْقَاضِي قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: الصَّحِيحُ الصِّحَّةُ وَصَحَّحَهُ فِي الْكَافِي وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِفَادَاتِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُذْهَبِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالْمَذْهَبِ الْأَحْمَدِ.
وَعَنْهُ يَصِحُّ فِي النَّفْلِ دُونَ الْفَرْضِ، وَعَنْهُ لَا يَضُرُّ الْمِنْبَرُ مُطْلَقًا، وَعَنْهُ لَا يَضُرُّ لِلْجُمُعَةِ وَنَحْوِهَا نَصَّ عَلَيْهِ فَمِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ قَالَ: هَذَا قَالَهُ عَلَى رِوَايَةِ عَدَمِ اعْتِبَارِ الْمُشَاهَدَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ خَصَّ الْجُمُعَةَ وَنَحْوَهَا. فَقَالَ: يَجُوزُ فِيهَا ذَلِكَ عَلَى كِلَا الرِّوَايَتَيْنِ، نَظَرًا لِلْحَاجَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَلْحَقَ بِذَلِكَ الْبِنَاءَ إذَا كَانَ لِمَصْلَحَةِ الْمَسْجِدِ قَالَ فِي النُّكَتِ وَالرِّعَايَةِ، وَقِيلَ: إنْ كَانَ الْمَانِعُ لِمَصْلَحَةِ الْمَسْجِدِ صَحَّ وَإِلَّا لَمْ تَصِحَّ. قُلْت: قَطَعَ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَغَيْرِهِمْ بِصِحَّةِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ إذَا سَمِعَ التَّكْبِيرَ، مَعَ عَدَمِ رُؤْيَةِ الْإِمَامِ وَمَنْ خَلْفَهُ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، قُلْت: وَهُوَ كَالْإِجْمَاعِ، وَفَعَلَ النَّاسُ ذَلِكَ مَعَ عَدَمِ الرُّؤْيَةِ بِالْمِنْبَرِ وَنَحْوِهِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَرَهُ وَلَا مَنْ وَرَاءَهُ، وَلَمْ يَسْمَعْ التَّكْبِيرَ: فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ اقْتِدَاؤُهُ قَوْلًا وَاحِدًا، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، لَكِنْ يُحْمَلُ عَلَى سَمَاعِ التَّكْبِيرِ؛ لِعَدَمِ الْمُوَافِقِ عَلَى ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَا خَارِجَيْنِ عَنْ الْمَسْجِدِ، أَوْ كَانَ الْمَأْمُومِ خَارِجَ الْمَسْجِدِ وَالْإِمَامُ فِي الْمَسْجِدِ، وَلَمْ يَرَهُ وَلَا مَنْ وَرَاءَهُ، وَلَكِنْ سَمِعَ التَّكْبِيرَ، فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: لَا يَصِحُّ قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْفَائِقِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا، وَعَنْهُ يَصِحُّ قَالَ أَحْمَدُ فِي رَجُلٍ يُصَلِّي خَارِجَ الْمَسْجِدِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَأَبْوَابُ الْمَسْجِدِ مُغْلَقَةٌ أَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ. قُلْت: وَهُوَ عَيْنُ الصَّوَابِ فِي الْجُمُعَةِ وَنَحْوِهَا لِلضَّرُورَةِ، وَعَنْهُ يَصِحُّ فِي النَّفْلِ، وَعَنْهُ يَصِحُّ فِي الْجُمُعَةِ خَاصَّةً، وَعَنْهُ وَإِنْ كَانَ الْحَائِلُ حَائِطَ الْمَسْجِدِ لَمْ يَمْنَعْ، وَإِلَّا مَنَعَ، وَأَمَّا إنْ كَانَ يَرَاهُ مَنْ وَرَاءَهُ: فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْمَسْأَلَةِ. فَائِدَتَانِ. إحْدَاهُمَا: لَوْ مَنَعَ الْحَائِلُ الِاسْتِطْرَاقَ، دُونَ الرُّؤْيَةِ، كَالشُّبَّاكِ: لَمْ يُؤَثِّرْ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، كَمَا تَقَدَّمَ، وَحَكَى فِي التَّبْصِرَةِ رِوَايَةً بِتَأْثِيرِهِ، وَذَكَرَهُ الْآمِدِيُّ وَجْهًا،
الثَّانِيَةُ: تَكْفِي الرُّؤْيَةُ فِي بَعْضِ الصَّلَاةِ، صَرَّحَ بِهِ الْأَصْحَابُ. قَوْلُهُ {وَلَا يَكُونُ الْإِمَامُ أَعْلَى مِنْ الْمَأْمُومِينَ} يَعْنِي يُكْرَهُ، وَهَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ مُطْلَقًا، وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ، مِنْهُمْ الْقَاضِي، وَالشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ، وَالْمَجْدُ، وَصَاحِبُ الْمُسْتَوْعِبِ، وَعَنْهُ يُكْرَهُ اخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَعَنْهُ لَا يُكْرَهُ إنْ أَرَادَ التَّعْلِيمَ وَإِلَّا كُرِهَ اخْتَارَهُ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ قَوْلُهُ {فَإِنْ فَعَلَ وَكَانَ كَثِيرًا، فَهَلْ تَصِحُّ صَلَاتُهُ؟} {عَلَى وَجْهَيْنِ} وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، إحْدَاهُمَا: تَصِحُّ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ وَالْإِفَادَاتِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَغَيْرِهِمْ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَالشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ، وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَالْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَالنَّاظِمُ قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: لَمْ تَبْطُلْ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا تَصِحُّ اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ وَقَدَّمَهُ فِي التَّلْخِيصِ قَالَ النَّاظِمِ: وَهُوَ بَعِيدٌ. فَوَائِدُ. إحْدَاهَا: لَا بَأْسَ بِالْعُلُوِّ الْيَسِيرِ، كَدَرَجَةِ الْمِنْبَرِ وَنَحْوِهَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالْمَجْدُ وَابْنُ تَمِيمٍ، وَغَيْرُهُمْ، وَأَطْلَقَ فِي الْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَغَيْرِهِمَا: الْكَرَاهَةَ. الثَّانِيَةُ: مِقْدَارُ الْكَثِيرِ ذِرَاعٌ عَلَى الصَّحِيحِ، قَالَهُ الْقَاضِي، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ ابْنُ تَمِيمٍ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ وَقَطَعَ الْمُصَنِّفُ، وَالْمَجْدُ: أَنَّ الْيَسِيرَ كَدَرَجَةِ الْمِنْبَرِ وَنَحْوِهَا. كَمَا تَقَدَّمَ، وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي، فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ: مِقْدَارُهُ قَدْرُ قَامَةِ الْمَأْمُومِ، وَقِيلَ: مَا زَادَ عَلَى عُلُوِّ دَرَجَةٍ، وَهُوَ كَقَوْلِ الْمُصَنِّف وَالْمَجْدِ. الثَّالِثَةُ: لَوْ سَاوَى الْإِمَامُ بَعْضَ الْمَأْمُومِينَ صَحَّتْ صَلَاتُهُ وَصَلَاتُهُمْ عَلَى الصَّحِيحِ
مِنْ الْمَذْهَبِ، وَفِي صِحَّةِ صَلَاةِ النَّازِلِينَ عَنْهُمْ الْخِلَافُ الْمُتَقَدِّمُ، وَلِلْمُصَنِّفِ احْتِمَالٌ بِبُطْلَانِ صَلَاةِ الْجَمِيعِ. الرَّابِعَةُ: لَا بَأْسَ بِعُلُوِّ الْمَأْمُومِينَ عَلَى الْإِمَامِ مُطْلَقًا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ نَصَّ عَلَيْهِ، كَسَطْحِ مَسْجِدٍ وَنَحْوِهِ، وَعَنْهُ اخْتِصَاصُ الْجَوَازِ بِالضَّرُورَةِ، وَقِيلَ: يُبَاحُ مَعَ اتِّصَالِ الصُّفُوفِ نَصَّ عَلَيْهِ، قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ. قَوْلُهُ {وَيُكْرَهُ لِلْإِمَامِ أَنْ يُصَلِّيَ فِي طَاقِ الْقِبْلَةِ} هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَعَنْهُ لَا يُكْرَهُ كَسُجُودِهِ فِيهِ، وَعَنْهُ تُسْتَحَبُّ الصَّلَاةُ فِيهِ. تَنْبِيهٌ: مَحَلُّ الْخِلَافِ فِي الْكَرَاهَةِ: إذَا لَمْ تَكُنْ حَاجَةٌ فَإِنْ كَانَ ثَمَّ حَاجَةٌ كَضِيقِ الْمَسْجِدِ لَمْ يُكْرَهْ، رِوَايَةً وَاحِدَةً كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمُصَنِّفُ هُنَا. وَمَحَلُّ الْخِلَافِ أَيْضًا: إذَا كَانَ الْمِحْرَابُ يَمْنَعُ مُشَاهَدَةَ الْإِمَامِ فَإِنْ كَانَ لَا يَمْنَعُهُ كَالْخَشَبِ وَنَحْوِهِ لَمْ يُكْرَهْ الْوُقُوفُ فِيهِ.، قَالَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ. فَائِدَتَانِ. إحْدَاهُمَا: يُبَاحُ اتِّخَاذُ الْمِحْرَابِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَنَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَعَنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى الْكَرَاهَةِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ ابْنُ الْبَنَّا، وَعَنْهُ يُسْتَحَبُّ اخْتَارَهُ الْآجُرِّيُّ، وَابْنُ عَقِيلٍ وَقَطَعَ بِهِ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمُذْهَبِ، وَابْنُ تَمِيمٍ فِي مَوْضِعٍ وَقَدَّمَهُ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى. الثَّانِيَةُ: يَقِفُ الْإِمَامُ عَنْ يَمِينِ الْمِحْرَابِ إذَا كَانَ الْمَسْجِدُ وَاسِعًا نَصَّ عَلَيْهِ، قَالَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ. قَوْلُهُ {وَأَنْ يَتَطَوَّعَ فِي مَوْضِعِ الْمَكْتُوبَةِ إلَّا مِنْ حَاجَةٍ} يَعْنِي يُكْرَهُ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: تَرْكُهُ أَوْلَى. كَالْمَأْمُومِ.
قَوْلُهُ {وَيُكْرَهُ لِلْمَأْمُومَيْنِ الْوُقُوفُ بَيْنَ السَّوَارِي إذَا قَطَعَتْ صُفُوفَهُمْ} وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، وَعَنْهُ لَا يُكْرَهُ لَهُمْ ذَلِكَ كَالْإِمَامِ. وَكَالْمِنْبَرِ. تَنْبِيهٌ: مَحَلُّ الْخِلَافِ: إذَا لَمْ تَكُنْ حَاجَةٌ فَإِنْ كَانَ ثَمَّ حَاجَةٌ لَمْ يُكْرَهْ الْوُقُوفُ بَيْنَهُمَا. فَائِدَةٌ: قَوْلُهُ " إذَا قَطَعَتْ صُفُوفَهُمْ " أَطْلَقَ ذَلِكَ كَغَيْرِهِ، وَكَأَنَّهُ يَرْجِعُ إلَى الْعُرْفِ قَالَ ابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ: شَرَطَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: أَنْ يَكُونَ عُرْضُ السَّارِيَةِ ثَلَاثَةَ أَذْرُعٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الَّذِي يَقْطَعُ الصَّفَّ، وَنَقَلَهُ أَبُو الْمَعَالِي أَيْضًا، وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ أَكْثَرُ مِنْ ثَلَاثَةٍ أَوْ الْعُرْفُ، وَمَثَّلَ نَظَائِرَهُ. تَنْبِيهٌ: مَفْهُومُ قَوْلِهِ {وَيُكْرَهُ لِلْإِمَامِ إطَالَةُ الْقُعُودِ بَعْدَ الصَّلَاةِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ} أَنَّ الْقُعُودَ الْيَسِيرَ لَا يُكْرَهُ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَنْهُ يُكْرَهُ. قَوْلُهُ {وَإِذَا صَلَّتْ امْرَأَةٌ بِنِسَاءٍ قَامَتْ وَسَطَهُنَّ} هَذَا مِمَّا لَا نِزَاعَ فِيهِ لَكِنْ لَوْ صَلَّتْ أَمَامَهُنَّ وَهُنَّ خَلْفَهَا، فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ الصَّلَاةَ تَصِحُّ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالْأَشْهَرُ يَصِحُّ تَقْدِيمُهَا قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هَذَا أَشْهَرُ الرِّوَايَتَيْنِ، وَقِيلَ: يَتَعَيَّنُ كَوْنُهَا وَسَطًا فَإِنْ خَالَفَتْ بَطَلَتْ الصَّلَاةُ، وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ، وَتَقَدَّمَ مُوجَبُهُ لِصَاحِبِ الْفُرُوعِ عِنْدَ قَوْلِهِ " وَإِنْ أَمَّ امْرَأَةٌ ". فَائِدَةٌ: لَوْ أَمَّتْ امْرَأَةٌ وَاحِدَةً، أَوْ أَكْثَرَ، لَمْ يَصِحَّ وُقُوفُ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ خَلْفَهَا مُنْفَرِدَةً، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ قَطَعَ بِهِ الْقَاضِي فِي التَّعْلِيقِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَصَحَّحَ الْمُصَنِّفُ فِي الْكَافِي الصِّحَّةَ.
قُلْت: فَيُعَايَى بِهَا، وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ. قَوْلُهُ {وَيُعْذَرُ فِي تَرْكِ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ الْمَرِيضُ} بِلَا نِزَاعٍ، وَيُعْذَرُ أَيْضًا فِي تَرْكِهِمَا لِخَوْفِ حُدُوثِ الْمَرَضِ. فَائِدَتَانِ. إحْدَاهُمَا: إذَا لَمْ يَتَضَرَّرْ بِإِتْيَانِهَا رَاكِبًا، أَوْ مَحْمُولًا، أَوْ تَبَرَّعَ أَحَدٌ بِهِ، أَوْ بِأَنْ يَقُودَ أَعْمَى: لَزِمَتْهُ الْجُمُعَةُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: لَا تَلْزَمُهُ كَالْجَمَاعَةِ، وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ، وَنَقَلَ الْمَرُّوذِيُّ فِي الْجُمُعَةِ: يَكْتَرِي وَيَرْكَبُ، وَحَمَلَهُ الْقَاضِي عَلَى ضَعْفٍ عَقِبَ الْمَرَضِ فَأَمَّا مَعَ الْمَرَضِ: فَلَا يَلْزَمُهُ، لِبَقَاءِ الْعُذْرِ، وَنَقَلَ أَبُو دَاوُد فِيمَنْ يَحْضُرُ الْجُمُعَةَ فَيَعْجِزُ عَنْ الْجَمَاعَةِ يَوْمَيْنِ مِنْ التَّعَبِ قَالَ: لَا أَدْرِي. الثَّانِيَةُ: تَجِبُ الْجَمَاعَةُ عَلَى مَنْ هُوَ فِي الْمَسْجِدِ، مَعَ الْمَرَضِ وَالْمَطَرِ، قَالَهُ ابْنُ تَمِيمٍ. قَوْلُهُ {أَوْ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ هُوَ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ} . بِلَا نِزَاعٍ وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ حَتَّى يَشْبَعَ نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْحَوَاشِي، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَعَنْهُ: يَأْكُلُ مَا يُسْكِنُ نَفْسَهُ فَقَطْ، وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ وَجَزَمَ بِهِ جَمَاعَةٌ فِي الْجُمُعَةِ مِنْهُمْ ابْنُ تَمِيمٍ قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: وَيَأْكُلُ، تَبِعَهُ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْجَمَاعَةِ لَا الْجُمُعَةِ وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: بِقَدْرِ مَا يُسْكِنُ نَفْسَهُ وَيَسُدُّ رَمَقَهُ كَأَكْلِ خَائِفٍ فَوَاتَ الْجُمُعَةِ. قُلْت: هَذَا إذَا رَجَى إدْرَاكَهَا. انْتَهَى. وَاَلَّذِي يَظْهَرُ: أَنَّ هَذَا مُرَادُ الْأَصْحَابِ، وَالْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَإِلَّا فَمَا كَانَ فِي الْخِلَافِ فَائِدَةٌ قَالَ ابْنُ حَامِدٍ: إنْ بَدَأَ بِالطَّعَامِ، ثُمَّ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ، ابْتَدَرَ إلَى الصَّلَاةِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَعَلَّ مُرَادَهُ مَعَ عَدَمِ الْحَاجَةِ.
قَوْلُهُ {وَالْخَائِفُ مِنْ ضَيَاعِ مَالِهِ} كَشُرُودِ دَابَّتِهِ، وَإِبَاقِ عَبْدِهِ، وَنَحْوِهِ، أَوْ يَخَافُ عَلَيْهِ مِنْ لِصٍّ أَوْ سُلْطَانٍ، أَوْ نَحْوِهِ قَوْلُهُ {أَوْ فَوَاتِهِ} كَالضَّائِعِ، فَدُلَّ عَلَيْهِ فِي مَكَان، أَوْ قَدِمَ بِهِ مِنْ سَفَرٍ لَكِنْ قَالَ الْمَجْدُ: الْأَفْضَلُ تَرْكُ مَا يَرْجُو وُجُودَهُ، وَيُصَلِّي الْجُمُعَةَ مَعَ الْجَمَاعَةِ. قَوْلُهُ {أَوْ ضَرَرٍ فِيهِ} كَاحْتِرَاقِ خُبْزِهِ أَوْ طَبِيخِهِ، أَوْ أَطْلَقَ الْمَاءَ عَلَى زَرْعِهِ وَيَخَافُ إنْ تَرَكَهُ فَسَدَ، وَنَحْوُهُ قَالَ الْمَجْدُ: وَالْأَفْضَلُ فِعْلُ ذَلِكَ، وَتَرْكُ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، وَلَوْ تَعَمَّدَ سَبَبَ ضَرَرِ الْمَالِ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يُعْذَرُ فِي تَرْكِ الْجُمُعَةِ إذَا تَعَمَّدَ السَّبَبَ قَالَ: كَسَائِرِ الْحِيَلِ لِإِسْقَاطِ الْعِبَادَاتِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا أَطْلَقَ، وَاسْتَدَلَّ، وَعَنْهُ إنْ خَافَ ظُلْمًا فِي مَالِهِ فَلْيَجْعَلْهُ وِقَايَةً لِدِينِهِ، ذَكَرَهُ الْخَلَّالُ. فَائِدَةٌ: وَمِمَّا يُعْذَرُ بِهِ فِي تَرْكِ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ: خَوْفُ الضَّرَرِ فِي مَعِيشَةٍ يَحْتَاجُهَا، أَوْ مَالٍ اُسْتُؤْجِرَ عَلَى حِفْظِهِ، وَكَنِطَارَةِ بُسْتَانٍ وَنَحْوِهِ، أَوْ تَطْوِيلِ الْإِمَامِ. قَوْلُهُ {أَوْ مَوْتِ قَرِيبِهِ} . بِلَا نِزَاعٍ وَنَصَّ عَلَيْهِ قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: إذَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَنْ يَسُدُّ مَسَدَّهُ فِي أُمُورِهِ. فَائِدَةٌ: وَيُعْذَرُ أَيْضًا فِي تَرْكِهَا لِتَمْرِيضِ قَرِيبِهِ، وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ فِيهِ: وَلَيْسَ لَهُ مَنْ يَخْدُمُهُ، وَأَنَّهُ لَا يَتْرُكُ الْجُمُعَةَ، وَقَالَ فِي النَّصِيحَةِ: وَلَيْسَ لَهُ مَنْ يَخْدُمُهُ، إلَّا أَنْ يَتَضَرَّرَ، وَلَمْ يَجِدْ بُدًّا مِنْ حُضُورِهِ وَمِثْلُهُ مَوْتُ رَقِيقِهِ أَوْ تَمْرِيضُهُ.
تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ {أَوْ مِنْ فَوَاتِ رُفْقَتِهِ} هَكَذَا قَالَ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَقَيَّدَهُ بَعْضُهُمْ بِأَنْ يَكُونَ فِي سَفَرٍ مُبَاحٍ إنْشَاءً وَاسْتِدَامَةً، مِنْهُمْ ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ. قَوْلُهُ {أَوْ غَلَبَةِ النُّعَاسِ} هَذَا الْمَذْهَبُ فِيهِمَا، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَعَدَّ فِي الْكَافِي الْأَعْذَارَ ثَمَانِيَةً، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهَا " غَلَبَةَ النُّعَاسِ ". تَنْبِيهٌ: يُشْتَرَطُ فِي غَلَبَةِ النُّعَاسِ: أَنْ يَخَافَ فَوْتَ الصَّلَاةِ فِي الْوَقْتِ، وَكَذَا مَعَ الْإِمَامِ مُطْلَقًا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ جَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَقِيلَ: ذَلِكَ عُذْرٌ فِي تَرْكِ الْجَمَاعَةِ وَالْجُمُعَةِ قَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ وَجَزَمَ بِهِ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَقِيلَ: لَيْسَ ذَلِكَ عُذْرٌ فِيهِمَا، ذَكَرَهُ فِي الْفُرُوعِ وَقَطَعَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمُذْهَبِ، وَصَاحِبُ الْوَجِيزِ: أَنَّهُ يُعْذَرُ فِيهِمَا بِخَوْفِهِ بُطْلَانَ وُضُوئِهِ بِانْتِظَارِهِمَا. فَائِدَةٌ: قَالَ الْمَجْدُ، وَصَاحِبُ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَغَيْرُهُمَا: الصَّبْرُ وَالتَّجَلُّدُ عَلَى دَفْعِ النُّعَاسِ وَيُصَلِّي مَعَهُمْ أَفْضَلُ. قَوْلُهُ {وَالْأَذَى بِالْمَطَرِ وَالْوَحْلِ} ، وَكَذَا الثَّلْجُ، وَالْجَلِيدُ هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَعَنْهُ ذَلِكَ عُذْرٌ فِي السَّفَرِ فَقَطْ. قَوْلُهُ {وَالرِّيحُ الشَّدِيدَةُ فِي اللَّيْلَةِ الْمُظْلِمَةِ الْبَارِدَةِ} اشْتَرَطَ الْمُصَنِّفُ فِي الرِّيحِ: أَنْ تَكُونَ شَدِيدَةً بَارِدَةً، وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ فِي رِعَايَتَيْهِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْمُذْهَبِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: يَكْفِي كَوْنُهَا بَارِدَةً فَقَطْ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْفَائِقِ، وَاشْتَرَطَ الْمُصَنِّفُ أَيْضًا: أَنْ تَكُونَ اللَّيْلَةُ مُظْلِمَةً، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، وَلَمْ يَذْكُرْ بَعْضُ الْأَصْحَابِ " مُظْلِمَةً " إذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ هَذِهِ أَعْذَارٌ صَحِيحَةٌ فِي تَرْكِ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ مُطْلَقًا، خَلَا الرِّيحِ الشَّدِيدَةِ فِي اللَّيْلَةِ الْمُظْلِمَةِ الْبَارِدَةِ، وَعَنْهُ فِي السَّفَرِ لَا فِي الْحَضَرِ، وَقَالَ فِي الْفُصُولِ: يُعْذَرُ فِي الْجُمُعَةِ بِمَطَرٍ وَخَوْفٍ وَبَرْدٍ وَفِتْنَةٍ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ. فَوَائِدُ. إحْدَاهُمَا: نَقَلَ أَبُو طَالِبٍ: مَنْ قَدَرَ أَنْ يَذْهَبَ فِي الْمَطَرِ فَهُوَ أَفْضَلُ، وَذَكَرَهُ أَبُو الْمَعَالِي، ثُمَّ قَالَ: لَوْ قُلْنَا يَسْعَى مَعَ هَذِهِ الْأَعْذَارِ، لَأَذْهَبَتْ الْخُشُوعَ، وَجَلَبَتْ السَّهْوَ فَتَرْكُهُ أَفْضَلُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: ظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي الْمَعَالِي: أَنَّ كُلَّ مَا أَذْهَبَ الْخُشُوعَ كَالْحَرِّ الْمُزْعِجِ عُذْرٌ، وَلِهَذَا جَعَلَهُ أَصْحَابُنَا كَالْبَرْدِ الْمُؤْلِمِ فِي مَنْعِ الْحُكْمِ، وَإِلَّا فَلَا. الثَّانِيَةُ: قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْمُفْرَدَاتِ: تَسْقُطُ الْجُمُعَةُ بِأَيْسَرِ عُذْرٍ، كَمَنْ لَهُ عَرُوسٌ تُجَلَّى عَلَيْهِ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ، فِي آخِرِ الْجُمُعَةِ: كَذَا قَالَ. الثَّالِثَةُ: قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: الزَّلْزَلَةُ عُذْرٌ؛ لِأَنَّهَا نَوْعُ خَوْفٍ. الرَّابِعَةُ: مِنْ الْأَعْذَارِ: مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِ قَوَدٌ إنْ رَجَا الْعَفْوَ عَنْهُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ مُطْلَقًا قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَقِيلَ: لَيْسَ بِعُذْرٍ، إذَا رَجَاهُ عَلَى مَالٍ فَقَطْ، وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَمْ يَذْكُرْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ جَمَاعَةٌ، وَأَمَّا مَنْ عَلَيْهِ حَدُّ اللَّهِ، أَوْ حَدُّ قَذْفٍ: فَلَا يُعْذَرُ بِهِ، قَوْلًا وَاحِدًا قَالَهُ فِي
الْفُرُوعِ وَيَتَوَجَّهُ فِي حَدِّ الْقَذْفِ: أَنَّهُ عُذْرٌ إنْ رَجَا الْعَفْوَ. الْخَامِسَةُ: ذَكَرَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ: أَنَّ فِعْلَ جَمِيعِ الرُّخَصِ أَفْضَلُ مِنْ تَرْكِهَا، غَيْرَ الْجَمْعِ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْمَجْدَ وَغَيْرَهُ قَالَ: التَّجَلُّدُ عَلَى دَفْعِ النُّعَاسِ وَيُصَلِّي مَعَهُمْ أَفْضَلُ، وَأَنَّ الْأَفْضَلَ تَرْكُ مَا يَرْجُوهُ، لَا مَا يَخَافُ تَلَفَهُ، وَتَقَدَّمَ كَلَامُ أَبِي الْمَعَالِي قَرِيبًا، وَنَقْلُ أَبِي طَالِبٍ، السَّادِسَةُ: لَا يُعْذَرُ بِمُنْكَرٍ فِي طَرِيقِهِ نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ لِنَفْسِهِ لَا قَضَاءَ حَقٍّ لِغَيْرِهِ وَقَالَ فِي الْفُصُولِ: كَمَا لَا يَتْرُكُ الصَّلَاةَ عَلَى الْجِنَازَةِ لِأَجْلِ مَا يَتْبَعُهَا مِنْ نَوْحٍ وَتَعْدَادٍ، فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ، وَكَذَا هُنَا قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ السَّابِعَةُ: لَا يُعْذَرُ أَيْضًا بِجَهْلِ الطَّرِيقِ إذَا وَجَدَ مَنْ يَهْدِيهِ. الثَّامِنَةُ: لَا يُعْذَرُ أَيْضًا بِالْعَمَى إذَا وَجَدَ مَنْ يَقُودُهُ، وَقَالَ فِي الْفُنُونِ: الْإِسْقَاطُ بِهِ هُوَ مُقْتَضَى النَّصِّ، وَقَالَ فِي الْفُصُولِ: الْمَرَضُ وَالْعَمَى مَعَ عَدَمِ الْقَائِدِ لَا يَكُونُ عُذْرًا فِي حَقِّ الْمُجَاوِرِ فِي الْجَامِعِ، وَلِلْمُجَاوِرِ لِلْجَامِعِ لِعَدَمِ الْمَشَقَّةِ، وَتَقَدَّمَ هَلْ يَلْزَمُهُ إذَا تَبَرَّعَ لَهُ مَنْ يَقُودُهُ أَوَّلَ الْفَصْلِ قَالَ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ، وَغَيْرِهِ: وَيَلْزَمُهُ إنْ وَجَدَ مَا يَقُومُ مَقَامَ الْقَائِدِ، كَمَدِّ الْحَبْلِ إلَى مَوْضِعِ الصَّلَاةِ. التَّاسِعَةُ: يُكْرَهُ حُضُورُ الْمَسْجِدِ لِمَنْ أَكَلَ ثُومًا أَوْ بَصَلًا أَوْ فُجْلًا أَوْ نَحْوَهُ، حَتَّى يَذْهَبَ رِيحُهُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَنْهُ يَحْرُمُ، وَقِيلَ: فِيهِ وَجْهَانِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُهُ وَلَوْ خَلَى الْمَسْجِدُ مِنْ آدَمِيٍّ لِتَأَذِّي الْمَلَائِكَةِ قَالَ: وَالْمُرَادُ حُضُورُ الْجَمَاعَةِ، وَلَوْ لَمْ تَكُنْ بِمَسْجِدٍ، وَلَوْ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ قَالَ: وَلَعَلَّهُ مُرَادُ قَوْلِهِ فِي الرِّعَايَةِ وَهُوَ ظَاهِرُ الْفُصُولِ وَتُكْرَهُ صَلَاةُ مَنْ أَكَلَ ذَا رَائِحَةٍ كَرِيهَةٍ مَعَ بَقَائِهَا، أَرَادَ دُخُولَ الْمَسْجِدِ أَوْ لَا، وَقَالَ فِي الْمُغْنِي فِي الْأَطْعِمَةِ: يُكْرَهُ أَكْلُ كُلِّ ذِي رَائِحَةٍ كَرِيهَةٍ، لِأَجْلِ رَائِحَتِهِ
باب صلاة أهل الأعذار
أَرَادَ دُخُولَ الْمَسْجِدِ أَوْ لَا، وَاحْتَجَّ بِخَبَرِ الْمُغِيرَةِ لِأَنَّهُ لَا يَحْرُمُ؛ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ لَمْ يُخْرِجْهُ مِنْ الْمَسْجِدِ، وَقَالَ " إنَّ لَك عُذْرًا " قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُخْرَجُ، وَأَطْلَقَ غَيْرُ وَاحِدٍ: أَنَّهُ يُخْرَجُ مِنْهُ مُطْلَقًا قَالَ فِي الْفُرُوعِ: لَكِنْ إنْ حَرُمَ دُخُولُهُ وَجَبَ إخْرَاجُهُ وَإِلَّا اُسْتُحِبَّ قَالَ: وَيَتَوَجَّهُ مِثْلُهُ مَنْ بِهِ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ، وَلِهَذَا سَأَلَهُ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ النَّفْطِ، أَيُسْرَجُ بِهِ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ فِيهِ شَيْئًا، وَلَكِنْ يُتَأَذَّى بِرَائِحَتِهِ، ذَكَرَهُ ابْنُ الْبَنَّا فِي أَحْكَامِ الْمَسَاجِدِ. [بَابُ صَلَاةِ أَهْلِ الْأَعْذَارِ] ِ قَوْلُهُ وَيُصَلِّي الْمَرِيضُ، كَمَا «قَالَ النَّبِيُّ لِعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ صَلِّ قَائِمًا» ، وَهَذَا بِلَا نِزَاعٍ، مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، وَكَذَا يَلْزَمُهُ لَوْ أَمْكَنَهُ الْقِيَامَ مُعْتَمِدًا عَلَى شَيْءٍ، أَوْ مُسْتَنِدًا عَلَى حَائِطٍ، أَوْ غَيْرِهِ، وَعِنْدَ ابْنِ عَقِيلٍ: لَا يَلْزَمُهُ اكْتِرَاءُ مَنْ يُقِيمُهُ وَيَعْتَمِدُ عَلَيْهِ. فَائِدَةٌ: لَوْ قَدَرَ عَلَى قِيَامٍ فِي صُورَةِ رَاكِعٍ لِحَدَبٍ أَوْ كِبَرٍ، أَوْ مَرَضٍ وَنَحْوِهِ لَزِمَهُ ذَلِكَ بِقَدْرِ مَا أَمْكَنَهُ، وَيَأْتِي كَلَامُ ابْنِ عَقِيلٍ فِي الْأَحْدَبِ. قَوْلُهُ {فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا} بِلَا نِزَاعٍ، وَكَذَا إنْ كَانَ يَلْحَقُهُ بِالْقِيَامِ ضَرَرٌ، أَوْ زِيَادَةُ مَرَضٍ، أَوْ تَأَخُّرُ بُرْءٍ وَنَحْوُهُ فَإِنَّهُ يُصَلِّي قَاعِدًا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَنْهُ لَا يُصَلِّي قَاعِدًا إلَّا إذَا عَجَزَ عَنْ الْقِيَامِ رَوَيْنَاهُ، وَأَسْقَطَ الْقَاضِي الْقِيَامَ بِضَرَرٍ مُتَوَهَّمٍ، وَأَنَّهُ لَوْ تَحَمَّلَ الصِّيَامَ وَالْقِيَامَ حَتَّى زَادَ مَرَضُهُ أَثِمَ، وَنَقَلَ عَبْدُ اللَّهِ: إذَا كَانَ قِيَامُهُ يُوهِنُهُ وَيُضْعِفُهُ: أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُصَلِّيَ قَاعِدًا، وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: يُصَلِّي شَيْخٌ كَبِيرٌ قَاعِدًا إنْ أَمْكَنَ مَعَهُ الصَّوْمُ.
فَائِدَتَانِ. إحْدَاهُمَا: لَوْ كَانَ فِي سَفِينَةٍ، أَوْ بَيْتٍ قَصِيرٍ سَقْفُهُ، وَتَعَذَّرَ الْقِيَامُ وَالْخُرُوجُ، أَوْ خَافَ عَدُوًّا إنْ انْتَصَبَ قَائِمًا: صَلَّى جَالِسًا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ نَصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: يُصَلِّي قَائِمًا مَا أَمْكَنَهُ، لِأَنَّهُ إنْ جَلَسَ جَلَسَ مُنْحَنِيًا ثُمَّ إذَا رَكَعَ، فَقِيلَ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَزِيدَ قَلِيلًا، وَقِيلَ: يَزِيدُ فَإِنْ عَجَزَ حَنَى رَقَبَتَهُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَظَاهِرُهُ يَجِبُ، وَجَزَمَ بِالثَّانِي ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، الثَّانِيَةُ: حَيْثُ قُلْنَا " يُصَلِّي قَاعِدًا " فَإِنَّهُ يَتَرَبَّعُ اسْتِحْبَابًا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَنْهُ يَجِبُ التَّرَبُّعُ، وَعَنْهُ إنْ أَطَالَ الْقِرَاءَةَ تَرَبَّعَ، وَإِلَّا افْتَرَشَ وَحَيْثُ تَرَبَّعَ فَإِنَّهُ يُثْنِي رِجْلَيْهِ. كَالْمُتَنَفِّلِ قَاعِدًا عَلَى مَا مَرَّ، لَكِنْ إنْ قَدَرَ أَنْ يَرْتَفِعَ إلَى حَدِّ الرُّكُوعِ لَزِمَهُ ذَلِكَ، وَإِلَّا رَكَعَ قَاعِدًا، قَالَهُ أَبُو الْمَعَالِي فِي النِّهَايَةِ، وَصَاحِبُ الرِّعَايَةِ، وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَيُثْنِي رِجْلَيْهِ فِي سُجُودِهِ، وَفِي الرُّكُوعِ رِوَايَتَانِ وَتَقَدَّمَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: هَلْ يُثْنِي رِجْلَيْهِ فِي رُكُوعِهِ كَسُجُودِهِ أَمْ لَا؟ فِي بَابِ صَلَاةِ التَّطَوُّعِ. تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ قَوْلِهِ {فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ} أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَشُقَّ الْقُعُودُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي عَلَى جَنْبٍ، بَلْ يُصَلِّي قَاعِدًا، وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يُصَلِّي عَلَى جَنْبِهِ إذَا شَقَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ قَاعِدًا وَلَوْ بِتَعَدِّيهِ بِضَرْبِ سَاقِهِ وَنَحْوِهِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَيَحْتَمِلُهُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ، فَائِدَةٌ: حَيْثُ جَازَ لَهُ الصَّلَاةُ عَلَى جَنْبِهِ فَالْأَفْضَلُ: أَنْ يَكُونَ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ الصَّلَاةُ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ.
قَوْلُهُ {فَإِنْ صَلَّى عَلَى ظَهْرِهِ، وَرِجْلَاهُ إلَى الْقِبْلَةِ، صَحَّتْ صَلَاتُهُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ} ، وَهُمَا رِوَايَتَانِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ، إحْدَاهُمَا: تَصِحُّ صَلَاتُهُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ جَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْعُمْدَةِ [وَالتَّلْخِيصِ] وَالْمُحَرَّرِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَالْوَجِيزِ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ وَصَحَّحَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَنَصَرَهُ وَقَدَّمَهُ فِي الْكَافِي، وَالْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ، وَالنَّظْمِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هَذَا الْأَشْهَرُ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَصِحُّ وَنَصَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَمَالَ إلَيْهِ قَالَ فِي الشَّرْحِ: عَدَمُ الصِّحَّةِ أَظْهَرُ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ فِي الْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ، وَالْمَذْهَبِ الْأَحْمَدِ؛ لِأَنَّهُمْ مَا أَبَاحُوا الصَّلَاةَ عَلَى الظَّهْرِ إلَّا مَعَ الْعَجْزِ عَنْ الصَّلَاةِ عَلَى جَنْبِهِ، وَعَنْهُ يُخَيَّرُ. نَقَلَ الْأَثْرَمُ وَغَيْرُهُ: يُصَلِّي كَيْفَ شَاءَ كِلَاهُمَا جَائِزٌ، وَنَقَلَ صَالِحٌ، وَابْنُ مَنْصُورٍ: يُصَلِّي عَلَى مَا قَدَرَ وَتَيَسَّرَ لَهُ. انْتَهَى. فَعَلَى الْمَذْهَبِ: يُكْرَهُ فِعْلُ ذَلِكَ قَطَعَ بِهِ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ، وَقَالَ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَغَيْرِهِمَا: يَكُونُ تَارِكًا لِلْمُسْتَحَبِّ قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: يَكُونُ تَارِكًا لِلْأَوْلَى. تَنْبِيهٌ: مَحَلُّ الْخِلَافِ: إذَا كَانَ قَادِرًا عَلَى الصَّلَاةِ عَلَى جَنْبِهِ وَصَلَّى عَلَى ظَهْرِهِ أَمَّا إذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الصَّلَاةِ عَلَى جَنْبِهِ: فَإِنَّ صَلَاتَهُ صَحِيحَةٌ عَلَى ظَهْرِهِ بِلَا نِزَاعٍ. فَائِدَةٌ: قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: فَعَلَى الْقَوْلِ بِالصِّحَّةِ: صَلَاتُهُ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْسَرِ أَفْضَلُ مِنْ اسْتِلْقَائِهِ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ، وَعَكْسُهُ ظَاهِرُ كَلَامِ الْقَاضِي، وَأَبِي الْخَطَّابِ قَوْلُهُ (وَيُومِئُ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ) .
يَعْنِي مَهْمَا أَمْكَنَهُ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: أَقَلُّ رُكُوعِهِ مُقَابَلَتُهُ وَجْهَهُ مَا وَرَاء رُكْبَتِهِ مِنْ الْأَرْضِ أَدْنَى مُقَابَلَةٍ، وَتَتِمَّتُهَا الْكَمَالُ. فَائِدَةٌ: لَوْ سَجَدَ قَدْرَ مَا أَمْكَنَهُ عَلَى شَيْءٍ رَفَعَهُ: كُرِهَ، وَأَجْزَأَهُ نَصَّ عَلَيْهِمَا، وَعَنْهُ يُخَيَّرُ، وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ رِوَايَةً: لَا يُجْزِئُهُ كَيَدِهِ. انْتَهَى. وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِسُجُودِهِ عَلَى وِسَادَةٍ وَنَحْوِهَا، وَعَنْهُ: هُوَ أَوْلَى مِنْ الْإِيمَاءِ. قَوْلُهُ {فَإِنْ عَجَزَ عَنْهُ} {أَوْمَأَ بِطَرْفِهِ} هَذَا الْمَذْهَبُ بِلَا رَيْبٍ، وَيَكُونُ نَاوِيًا مُسْتَحْضِرًا لِلْفِعْلِ وَالْقَوْلِ إنْ عَجَزَ عَنْهُ بِقَلْبِهِ، وَقَالَ فِي التَّبْصِرَةِ: صَلَّى بِقَلْبِهِ أَوْ طَرَفِهِ، وَقَالَ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ وَتَبِعَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: أَوْمَأَ بِعَيْنَيْهِ وَحَاجِبَيْهِ، أَوْ قَلْبِهِ. وَقَاسَ عَلَى الْإِيمَاءِ بِرَأْسِهِ، وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ لَا يَلْزَمُهُ الْإِيمَاءُ بِطَرَفِهِ، وَهُوَ مُتَّجَهٌ، لِعَدَمِ ثُبُوتِهِ انْتَهَى قَالَ فِي النُّكَتِ عَنْ كَلَامِ الْقَاضِي وَصَاحِبِ الْمُسْتَوْعِبِ: ظَاهِرُهُ الِاكْتِفَاءُ بِعَمَلِ الْقَلْبِ، وَلَا يَجِبُ الْإِيمَاءُ بِالطَّرْفِ، وَلَيْسَ بِبَعِيدٍ، وَلَعَلَّ مُرَادَهُ: أَوْ بِقَلْبِهِ، إنْ عَجَزَ عَنْ الْإِيمَاءِ بِطَرْفِهِ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لَوْ عَجَزَ الْمَرِيضُ عَنْ الْإِيمَاءِ بِرَأْسِهِ سَقَطَتْ عَنْهُ الصَّلَاةُ، وَلَا يَلْزَمُهُ الْإِيمَاءُ بِطَرْفِهِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، فَائِدَةٌ: قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُنُونِ: الْأَحْدَبُ يُجَدِّدُ لِلرُّكُوعِ نِيَّةً، لِكَوْنِهِ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ كَمَرِيضٍ لَا يُطِيقُ الْحَرَكَةَ يُجَدِّدُ لِكُلِّ فِعْلٍ وَرُكْنٍ قَصْدًا، كَ " فُلْكٍ " فَإِنَّهُ يَصْلُحُ فِي الْعَرَبِيَّةِ لِلْوَاحِدِ وَالْجَمْعِ بِالنِّيَّةِ. قَوْلُهُ {وَلَا تَسْقُطُ الصَّلَاةُ} يَعْنِي بِحَالٍ مِنْ الْأَحْوَالِ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَقَالَ فِي الْكَافِي كَمَا قَالَ هُنَا، وَزَادَ " مَا دَامَ عَقْلُهُ ثَابِتًا " قَالَ فِي النُّكَتِ: فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ إذَا عَجَزَ عَنْ الْإِيمَاءِ بِطَرْفِهِ سَقَطَتْ الصَّلَاةُ، وَيَكُونُ قَوْلُهُ " وَلَا تَسْقُطُ الصَّلَاةُ مَا دَامَ عَقْلُهُ
ثَابِتًا " عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ، وَهُوَ قُدْرَتُهُ عَلَى الْإِيمَاءِ بِطَرْفِهِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ: أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ يَنْوِي بِقَلْبِهِ مَعَ الْإِيمَاءِ بِطَرَفِهِ. انْتَهَى. وَعَنْهُ تَسْقُطُ الصَّلَاةُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ اخْتَارَهَا الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَضَعَّفَهَا الْخَلَّالُ. قَوْلُهُ {فَإِنْ قَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ، أَوْ الْقُعُودِ فِي أَثْنَائِهَا: انْتَقَلَ إلَيْهِ، وَأَتَمَّهَا} وَهَذَا بِلَا نِزَاعٍ، لَكِنْ إنْ كَانَ لَمْ يَقْرَأْ قَامَ فَقَرَأَ، وَإِنْ كَانَ قَدْ قَرَأَ قَامَ وَرَكَعَ بِلَا قِرَاءَةٍ، وَيَبْنِي عَلَى إيمَائِهِ، وَيَبْنِي عَاجِزٌ فِيهِمَا، وَلَوْ طَرَأَ عَجْزٌ فَأَتَمَّ الْفَاتِحَةَ فِي انْحِطَاطِهِ أَجْزَأَ، إلَّا مَنْ بَرِئَ فَأَتَمَّهَا فِي ارْتِفَاعِهِ، فَإِنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ قَطَعَ بِهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ مِنْ عَدَمِ الْإِجْزَاءِ بِالتَّحْرِيمَةِ مُنْحَطًّا لَا تُجْزِئُهُ، وَقَالَ الْمَجْدُ: لَا تُجْزِئُهُ التَّحْرِيمَةُ. فَوَائِدُ. إحْدَاهَا: لَوْ قَدَرَ عَلَى الصَّلَاةِ قَائِمًا مُنْفَرِدًا وَجَالِسًا فِي الْجَمَاعَةِ: خُيِّرَ بَيْنَهُمَا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ قَطَعَ بِهِ فِي الْكَافِي، وَالْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَغَيْرِهِمْ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ [وَالنُّكَتِ] ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَغَيْرِهِمْ قَالَ فِي النُّكَتِ: قَدَّمَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، وَقِيلَ: صَلَاتُهُ فِي الْجَمَاعَةِ أَوْلَى، وَقِيلَ: تَلْزَمُهُ الصَّلَاةُ قَائِمًا. قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ؛ لِأَنَّ الْقِيَامَ رُكْنٌ لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ إلَّا بِهِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، وَهَذَا قَادِرٌ، وَالْجَمَاعَةُ وَاجِبَةٌ تَصِحُّ الصَّلَاةُ بِدُونِهَا، وَقُعُودُهُمْ خَلْفَ إمَامِ الْحَيِّ لِدَلِيلٍ خَاصٍّ ثُمَّ وَجَدْت أَبَا الْمَعَالِيَ قَدَّمَ هَذَا، وَتَقَدَّمَ لَوْ كَانَ بِهِ رِيحٌ وَنَحْوُهُ، وَيَقْدِرُ عَلَى حَبْسِهِ حَالَ الْقِيَامِ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى حَبْسِهِ حَالَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، فَهَلْ يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ، أَوْ يُومِئُ؟ فِي بَابِ الْحَيْضِ عِنْدَ قَوْلِهِ " وَكَذَلِكَ مَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ ".
الثَّانِيَةُ: لَوْ قَالَ: إنْ أَفْطَرْت فِي رَمَضَانَ قَدَرْت عَلَى الصَّلَاةِ قَائِمًا، وَإِنْ صُمْت صَلَّيْت قَاعِدًا أَوْ قَالَ: إنْ صَلَّيْت قَائِمًا لَحِقَنِي سَلَسُ الْبَوْلِ، أَوْ امْتَنَعَتْ عَلَيَّ الْقِرَاءَةُ، وَإِنْ صَلَّيْت قَاعِدًا امْتَنَعَ السَّلَسُ فَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: يُصَلِّي قَاعِدًا فِيهِمَا، لِمَا فِيهِ مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا فِي الْأَوْلَى، وَلِسُقُوطِ الْقِيَامِ فِي النَّفْلِ، وَلَا صِحَّةَ مَعَ تَرْكِ الْقِرَاءَةِ وَالْحَدَثِ، وَقَالَ فِي النُّكَتِ: وَمُقْتَضَى إطْلَاقِ كَلَامِ الْمَجْدِ: أَنَّهُ يُصَلِّي قَائِمًا. قُلْت: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا. الثَّالِثَةُ: لَوْ عَجَزَ الْمَرِيضُ عَنْ وَضْعِ جَبْهَتِهِ عَلَى الْأَرْضِ، وَقَدَرَ عَلَى وَضْعِ بَقِيَّةِ أَعْضَاءِ السُّجُودِ: لَمْ يَلْزَمْهُ وَضْعُ ذَلِكَ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا وَجَبَ تَبَعًا، وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ، قَالَهُ فِي الْقَاعِدَةِ الثَّامِنَةِ. تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ قَوْلِهِ {وَإِذَا قَالَ ثِقَاتٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ بِالطِّبِّ لِلْمَرِيضِ: إنْ صَلَّيْت مُسْتَلْقِيًا: أَمْكَنَ مُدَاوَاتُك. فَلَهُ ذَلِكَ} إلَّا أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ إلَّا قَوْلُ ثَلَاثَةٍ فَصَاعِدًا قَالَ فِي الْفَائِقِ: لَهُ الصَّلَاةُ كَذَلِكَ إذَا قَالَ أَهْلُ الْخِبْرَةِ إنَّهُ يَنْفَعُهُ قَالَ فِي الْمُحَرَّرِ: وَيَجُوزُ لِمَنْ بِهِ رَمَدٌ أَنْ يُصَلِّيَ مُسْتَلْقِيًا إذَا قَالَ ثِقَاتُ الطِّبِّ: إنَّهُ يَنْفَعُهُ، وَكَذَا قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي حَوَاشِيهِ: ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ وَجَمَاعَةٍ: أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ إلَّا قَوْلُ ثَلَاثَةٍ، وَقَالَ ابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ: وَلَيْسَ بِمُرَادٍ. انْتَهَى. قُلْت: الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ مُرَادَ الْمُصَنِّفِ: الْجِنْسُ مَعَ الصِّفَةِ، وَلَيْسَ مُرَادُهُ الْعَدَدَ إذْ لَمْ يَقُلْ بِاشْتِرَاطِ الْجَمْعِ فِي ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ الْأَصْحَابِ فِيمَا وَقَفْت عَلَيْهِ مِنْ كَلَامِهِمْ، وَأَيْضًا فَإِنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا مَفْهُومُهُ عَدَمُ الْقَبُولِ فِي غَيْرِ الْجَمْعِ وَلَيْسَ بِمُرَادٍ، وَاعْلَمْ أَنَّ الصَّحِيحَ مِنْ الْمَذْهَبِ: جَوَازُ فِعْلِ ذَلِكَ، بِقَوْلِ مُسْلِمٍ ثِقَةٍ، إذَا كَانَ طَبِيبًا حَاذِقًا فَطِنًا، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ،
وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ، وَالْإِفَادَاتِ، وَالْمُنْتَخَبِ، وَغَيْرِهِمْ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَغَيْرِهِمْ، وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ اثْنَانِ، وَتَقَدَّمَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ. فَوَائِدُ. إحْدَاهُمَا: حَيْثُ قَبِلْنَا قَوْلَ الطَّبِيبِ: فَإِنَّهُ يَكْفِي فِيهِ غَلَبَةُ الظَّنِّ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ لِقَبُولِ خِبْرَةٍ أَنْ يَكُونَ عَنْ يَقِينٍ. قُلْت: وَهُوَ بَعِيدٌ جِدًّا. الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ {وَلَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ فِي السَّفِينَةِ قَاعِدًا لِقَادِرٍ عَلَى الْقِيَامِ} بِلَا نِزَاعٍ، وَلَوْ كَانَتْ سَائِرَةً، وَيَجُوزُ إقَامَةُ الْجَمَاعَةِ فِيهَا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَنْهُ لَا تُقَامُ إنْ صَلَّوْا جُلُوسًا نَصَّ عَلَيْهِ، حَكَاهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى. الثَّالِثَةُ: لَوْ كَانَ فِي السَّفِينَةِ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى الْخُرُوجِ مِنْهَا: صَلَّى عَلَى حَسَبِ حَالِهِ فِيهَا، وَأَتَى بِمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ الْقِيَامِ وَغَيْرِهِ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَكُلَّمَا دَارَتْ انْحَرَفَ إلَى الْقِبْلَةِ فِي الْفَرْضِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَقِيلَ: لَا تَجِبُ كَالنَّفْلِ، عَلَى الْأَصَحِّ فِيهِ. قُلْت: فَيُعَايَى بِهَا عَلَى هَذَا الْقَوْلِ، وَعَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي فِي النَّافِلَةِ. وَتَقَدَّمَ هَذَا فِي بَابِ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ. تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: صِحَّةُ الصَّلَاةِ فِي السَّفِينَةِ، مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْخُرُوجِ مِنْهَا، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَنْهُ لَا تَصِحُّ قَوْلُهُ {وَتَجُوزُ صَلَاةُ الْفَرْضِ عَلَى الرَّاحِلَةِ، خَشْيَةَ التَّأَذِّي بِالْوَحْلِ} وَكَذَا بِالْمَطَرِ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَعَنْهُ لَا تَصِحُّ وَاخْتَارَهُ فِي الْإِرْشَادِ. قَوْلُهُ {وَهَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ لِلْمَرِيضِ؟} {عَلَى رِوَايَتَيْنِ} وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَابْنِ تَمِيمٍ، وَالْإِرْشَادِ.
إحْدَاهُمَا: لَا يَجُوزُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ نَقَلَهُ الْأَكْثَرُ وَاخْتَارَهُ أَيْضًا أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ قَالَ الْمَجْدُ، وَصَاحِبُ الْفُرُوعِ، وَمَجْمَعُ الْبَحْرَيْنِ: اخْتَارَهُ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ وَصَحَّحَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ وَصَحَّحَهُ فِي النَّظْمِ إذَا لَمْ يَتَضَرَّرْ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَغَيْرِهِمْ وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: يَجُوزُ. صَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْفَائِقِ، وَالْحَوَاشِي، قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ، وَعَنْهُ يَجُوزُ إذَا لَمْ يَسْتَطِعْ النُّزُولَ نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ إبْرَاهِيمَ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَمْ يُصَرِّحْ بِخِلَافِهِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْفُصُولِ وَغَيْرِهِ، وَقِيلَ: إنْ زَادَ تَضَرُّرُهُ جَازَ، وَإِلَّا فَلَا وَجَزَمَ بِهِ فِي الشَّرْحِ وَقَدَّمَهُ فِي النَّظْمِ قَالَ الْمَجْدُ: وَالصَّحِيحُ عِنْدِي: أَنَّهُ مَتَى تَضَرَّرَ بِالنُّزُولِ، أَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْ يُسَاعِدُهُ عَلَى نُزُولِهِ وَرُكُوبِهِ: صَلَّى عَلَيْهَا، وَإِنْ لَمْ يَتَضَرَّرْ بِهِ كَانَ كَالصَّحِيحِ. انْتَهَى. وَقَالَ فِي الْمَذْهَبِ: إنْ كَانَتْ صَلَاتُهُ عَلَيْهَا كَصَلَاتِهِ عَلَى الْأَرْضِ: لَمْ يَلْزَمْهُ النُّزُولُ فَإِنْ كَانَ إذَا نَزَلَ أَمْكَنَهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْأَرْكَانِ أَوْ بَعْضِهَا، أَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُمْكِنًا عَلَى الرَّاحِلَةِ: لَزِمَهُ النُّزُولُ إذَا كَانَ لَا يَشُقُّ عَلَيْهِ مَشَقَّةً شَدِيدَةً فَإِنْ كَانَتْ الْمَشَقَّةُ مُتَوَسِّطَةً فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَتَقَدَّمَ فِي بَابِ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ صِفَةُ الصَّلَاةِ عَلَى الرَّاحِلَةِ فِي الْفَرْضِ وَغَيْرِهِ. فَوَائِدُ. إحْدَاهُمَا: أُجْرَةُ مَنْ يُنْزِلُهُ لِلصَّلَاةِ. كَمَاءِ الْوُضُوءِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، ذَكَرَهُ أَبُو الْمَعَالِي الثَّانِيَةُ: لَوْ خَافَ الْمَرِيضُ بِالنُّزُولِ: أَنْ يَنْقَطِعَ عَنْ رُفْقَتِهِ إذَا نَزَلَ، أَوْ يَعْجِزَ مِنْ رُكُوبِهِ إذَا نَزَلَ: صَلَّى عَلَيْهَا. كَالْخَائِفِ عَلَى نَفْسِهِ بِنُزُولِهِ مِنْ عَدُوٍّ وَنَحْوِهِ. الثَّالِثَةُ: وَكَذَا حُكْمُ غَيْرِ الْمَرِيضِ، ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ، مِنْهُمْ الْقَاضِي
وَابْنُ عَقِيلٍ، وَنَقَلَ مَعْنَاهُ ابْنُ هَانِئٍ، وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ عُذْرًا نَادِرًا، وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: إنْ لَمْ يَسْتَقْبِلْ لَمْ يَصِحَّ إلَّا فِي حَالِ الْمُسَايَفَةِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَمُقْتَضَى كَلَامِ الشَّيْخِ يَعْنِي بِهِ الْمُصَنِّفَ جَوَازُهُ لِخَائِفٍ وَمَرِيضٍ. الرَّابِعَةُ: لَوْ كَانَ فِي مَاءٍ وَطِينٍ أَوْمَأَ. كَمَصْلُوبٍ وَمَرْبُوطٍ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَنْهُ يَسْجُدُ عَلَى مَتْنِ الْمَاءِ كَالْغَرِيقِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ فِيهِ وَقِيلَ فِي الْغَرِيقِ: يُومِئُ وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ لَا إعَادَةَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ، وَعَنْهُ يُعِيدُ الْكُلَّ. الْخَامِسَةُ: لَوْ أَتَى بِالْمَأْمُورِ الَّذِي عَلَيْهِ، وَصَلَّى عَلَى الرَّاحِلَةِ بِلَا عُذْرٍ قَائِمًا، أَوْ صَلَّى فِي السَّفِينَةِ مَنْ أَمْكَنَهُ الْخُرُوجُ مِنْهَا، وَهِيَ وَاقِفَةٌ أَوْ سَائِرَةٌ: صَحَّ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَعَنْهُ لَا تَصِحُّ وَقَطَعَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالْمُغْنِي، وَغَيْرِهِمَا فِي الرَّاحِلَةِ وَقَدَّمَهُ أَبُو الْمَعَالِي وَغَيْرُهُ، وَقَالَ فِي الْفُصُولِ فِي السَّفِينَةِ: هَلْ تَصِحُّ، كَمَا لَوْ كَانَتْ وَاقِفَةً أَمْ لَا كَالرَّاحِلَةِ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ انْتَهَى. وَحُكْمُ الْعَجَلَةِ وَالْمِحَفَّةِ وَنَحْوُهُمَا فِي الصَّلَاةِ فِيهَا: حُكْمُ الرَّاحِلَةِ وَالسَّفِينَةِ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَفِي الصَّلَاةِ عَلَى الْعَجَلَةِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: الصِّحَّةُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَقَطَعَ جَمَاعَةٌ لَا تَصِحُّ هُنَا. كَمُعَلَّقٍ فِي الْهَوَاءِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: الْمَنْعُ هُنَا أَوْجَهُ مِنْ الْمَنْعِ هُنَاكَ قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَا تَصِحُّ فِي الْعَجَلَةِ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مُسْتَقِرَّةٍ. كَالْأُرْجُوحَةِ، مَعَ أَنَّهُ اخْتَارَ الصِّحَّةَ عَلَى الرَّاحِلَةِ وَالسَّفِينَةِ كَمَا تَقَدَّمَ قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: وَمَا، قَالَهُ بَعِيدٌ جِدًّا، لِكَوْنِ السَّفِينَةِ فَوْقَ الْمَاءِ، وَظَهْرُ الْحَيَوَانِ أَقْرَبُ إلَى التَّزَلْزُلِ وَعَدَمِ الْقَرَارِ مِنْ جَمَادٍ مُعْظَمُهُ عَلَى الْأَرْضِ فَهِيَ أَوْلَى بِالصِّحَّةِ. انْتَهَى.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ أَبُو الْمَعَالِي وَغَيْرُهُ: أَنَّهَا تَصِحُّ فِي الْوَاقِفَةِ، وَجَزَمَ أَبُو الْمَعَالِي وَغَيْرُهُ: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ السُّجُودُ، وَأَنَّهَا لَا تَصِحُّ فِي أُرْجُوحَةٍ لِعَدَمِ تَمَكُّنِهِ عُرْفًا قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ، وَابْنُ شِهَابٍ: وَمِثْلُهَا زَوْرَقٌ صَغِيرٌ وَجَزَمَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: أَنَّهَا لَا تَصِحُّ فِي أُرْجُوحَةٍ، وَلَا مِنْ مُعَلَّقٍ فِي الْهَوَاءِ وَسَاجِدٍ عَلَى هَوَاءٍ أَوْ مَاءٍ قُدَّامَهُ، أَوْ عَلَى حَشِيشٍ أَوْ قُطْنٍ أَوْ ثَلْجٍ، وَلَمْ يَجِدْ حَجْمَهُ وَنَحْوُ ذَلِكَ، لِعَدَمِ إمْكَانِ الْمُسْتَقَرِّ عَلَيْهِ. انْتَهَى. فَعَلَى رِوَايَةِ عَدَمِ الصِّحَّةِ فِي السَّفِينَةِ: يَلْزَمُهُ الْخُرُوجُ مِنْهَا لِلصَّلَاةِ، زَادَ ابْنُ حَمْدَانَ وَغَيْرُهُ: إلَّا أَنْ يَشُقَّ عَلَى أَصْحَابِهِ نَصَّ عَلَيْهِ. السَّادِسَةُ: لَا يُشْتَرَطُ كَوْنُ مَا يُحَاذِي الصَّدْرَ مُقِرًّا فَلَوْ حَاذَاهُ رَوْزَنَةً وَنَحْوَهَا صَحَّتْ، بِخِلَافِ مَا تَحْتَ الْأَعْضَاءِ فَلَوْ وَضَعَ جَبْهَتَهُ عَلَى قُطْنٍ مُنْتَفِشٍ لَمْ تَصِحَّ. [قَصْرُ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ] تَنْبِيهٌ: اشْتَمَلَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ فِي قَصْرِ الصَّلَاةِ {وَمَنْ سَافَرَ سَفَرًا مُبَاحًا} عَلَى مَنْطُوقٍ وَمَفْهُومٍ، وَالْمَفْهُومُ يَنْقَسِمُ إلَى قِسْمَيْنِ: مَفْهُومُ مُوَافَقَةٍ، وَمَفْهُومُ مُخَالَفَةٍ فَالْمَنْطُوقُ: جَوَازُ الْقَصْرِ فِي السَّفَرِ الْمُبَاحِ مُطْلَقًا، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَعَنْهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مُبَاحًا غَيْرَ نُزْهَةٍ وَلَا فُرْجَةٍ اخْتَارَهُ أَبُو الْمَعَالِي؛ لِأَنَّهُ لَهْوٌ بِلَا مَصْلَحَةٍ وَلَا حَاجَةٍ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْمُذْهَبِ، وَنَقَلَ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ: يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ سَفَرَ طَاعَةٍ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ حَامِدٍ، وَقَالَ فِي الْمُبْهِجِ: إذَا سَافَرَ لِلتِّجَارَةِ مُكَاثِرًا فِي الدُّنْيَا فَهُوَ سَفَرُ مَعْصِيَةٍ.
قَالَ فِي الرِّعَايَةِ، وَحَوَاشِي ابْنِ مُفْلِحٍ: وَفِيهِ نَظَرٌ فَعَلَى الْمَذْهَبِ: إنْ كَانَ أَكْثَرُ قَصْدِهِ فِي سَفَرِهِ مُبَاحًا جَازَ الْقَصْرُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ وَجَزَمَ بِهِ الْمَجْدُ، وَمَجْمَعُ الْبَحْرَيْنِ، وَغَيْرُهُمَا قَالَ فِي الْفُرُوعِ: هُوَ الْأَصَحُّ، وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ، وَلَوْ تَسَاوَيَا فِي قَصْدِهِ، أَوْ غَلَبَ الْحَظْرُ: لَمْ يَقْصُرْ قَوْلًا وَاحِدًا. فَوَائِدُ. إحْدَاهُمَا: لَوْ نَقَلَ سَفَرَهُ الْمُبَاحَ إلَى مُحَرَّمٍ، امْتَنَعَ الْقَصْرُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِ وَاخْتَارَهُ الْمَجْدُ، وَغَيْرُهُ وَصَحَّحَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ [وَالنَّظْمِ] وَغَيْرِهِمَا قَالَ الْقَاضِي فِي التَّعْلِيقِ: هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، وَقِيلَ: لَهُ الْقَصْرُ، وَأَطْلَقَهُمَا الزَّرْكَشِيُّ، وَلَوْ نَقَلَ سَفَرَهُ الْمُحَرَّمَ إلَى مُبَاحٍ كَمَا لَوْ تَابَ، وَقَدْ بَقِيَ مَسَافَةُ قَصْرٍ فَلَهُ الْقَصْرُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ، وَقِيلَ: لَا يَقْصُرُ، وَقِيلَ: يَقْصُرُ وَلَوْ بَقِيَ أَقَلُّ مِنْ مَسَافَةِ الْقَصْرِ، وَقَطَعَ بِهِ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ. الثَّانِيَةُ: يَجُوزُ التَّرَخُّصُ لِلزَّانِي إذَا غُرِّبَ، وَلِقَاطِعِ الطَّرِيقِ إذَا شُرِّدَ، وَنَحْوِهِمَا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: جَازَ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ وَقَدَّمَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَحَوَاشِي ابْنِ مُفْلِحٍ، وَالْفُرُوعِ، وَكَلَامُهُ فِيهِ بَعْضُ تَعْقِيدٍ، وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ لَهُمْ التَّرَخُّصُ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ. الثَّالِثَةُ: يَجُوزُ الْقَصْرُ وَالتَّرَخُّصُ لِلْمُسَافِرِ مُكْرَهًا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ كَالْأَسِيرِ، وَعَنْهُ لَا يَقْصُرُ الْمُكْرَهُ، وَقَالَ الْخَلَّالُ: إنْ أُكْرِهَ عَلَى سَفَرٍ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ قَصَرَ، وَفِي دَارِ الْحَرْبِ لَا يَقْصُرُ، وَمَتَى صَارَ الْأَسِيرُ فِي بَلَدِ الْكُفَّارِ أَتَمَّ نَصَّ عَلَيْهِ، وَفِيهِ وَجْهٌ يَقْصُرُ.
الرَّابِعَةُ: تَقْصُرُ الزَّوْجَةُ وَالْعَبْدُ تَبَعًا لِلزَّوْجِ وَالسَّيِّدِ، فِي نِيَّتِهِ وَسَفَرِهِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ قُلْت: فَيُعَايَى بِهَا، وَفِيهَا وَجْهٌ فِي النَّوَادِرِ: لَا قَصْرَ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، لَكِنْ قَالَ: الْأَوَّلُ أَقْيَسُ وَأَشْهَرُ، وَذَكَرَ أَبُو الْمَعَالِي: تُعْتَبَرُ نِيَّةُ مَنْ لَهَا أَنْ تَمْتَنِعَ قَالَ: وَالْجَيْشُ مَعَ الْأَمِيرِ، وَالْجُنْدِيُّ مَعَ أَمِيرِهِ، إنْ كَانَ رِزْقُهُمْ مِنْ مَالِ أَنْفُسِهِمْ، فَفِي أَيِّهِمَا تُعْتَبَرُ نِيَّتُهُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ رِزْقُهُمْ فِي مَالِهِمْ كَالْأَجِيرِ وَالْعَبْدِ لِشَرِيكَيْنِ تُرَجَّحُ نِيَّةُ إقَامَةِ أَحَدِهِمَا. الْخَامِسَةُ: يَقْصُرُ مَنْ حُبِسَ ظُلْمًا، أَوْ حَبَسَهُ مَرَضٌ، أَوْ مَطَرٌ وَنَحْوُهُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ بِخِلَافِ الْأَسِيرِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَبْطُلَ حُكْمُ سَفَرِهِ؛ لِوُجُودِ صُورَةِ الْإِقَامَةِ قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: كَقَصْرِهِ لِوُجُودِ صُورَةِ السَّفَرِ فِي الَّتِي قَبْلَهَا، وَأَمَّا الْمَفْهُومُ: فَمَفْهُومُ الْمُوَافَقَةِ، وَهُوَ مَا إذَا كَانَ سَفَرُهُ مُسْتَحَبًّا أَوْ وَاجِبًا، كَسَفَرِ الْحَجِّ، وَالْجِهَادِ وَالْهِجْرَةِ، وَزِيَارَةِ الْإِخْوَانِ، وَعِيَادَةِ الْمَرْضَى، وَزِيَارَةِ أَحَدِ الْمَسْجِدَيْنِ وَالْوَالِدَيْنِ وَنَحْوِهِ فَيَجُوزُ الْقَصْرُ فِيهِ بِلَا نِزَاعٍ. وَمَفْهُومُ الْمُخَالَفَةِ: يَشْمَلُ قِسْمَيْنِ. الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: سَفَرُ الْمَعْصِيَةِ فَلَا يَجُوزُ الْقَصْرُ فِيهِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ جَوَازَ الْقَصْرِ فِيهِ وَرَجَّحَهُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ، وَقَالَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ فَعَلَى الْمَذْهَبِ: لَا يَجُوزُ لَهُ الْقَصْرُ، وَلَا أَكْلُ الْمَيْتَةِ إذَا اُضْطُرَّ إلَيْهِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَنَصَّ عَلَيْهِ قَالَ فِي التَّلْخِيصِ: وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ.
وَقِيلَ: يَجُوزُ لَهُ أَكْلُ الْمَيْتَةِ، وَلَا يُمْنَعُ مِنْهُ اخْتَارَهُ فِي التَّلْخِيصِ وَحَكَاهُ فِي الْفُرُوعِ رِوَايَةً، وَقَالَ: هِيَ أَظْهَرُ فَعَلَى الْمَذْهَبِ: إنْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ قِيلَ: لَهُ تُبْ وَكُلْ. وَيَأْتِي فِي أَوَّلِ الْحَجْرِ إذَا سَافَرَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ يَحِلُّ فِي سَفَرِهِ، أَوْ هُوَ حَالٌّ: هَلْ لَهُ التَّرَخُّصُ أَمْ لَا؟ فَائِدَةٌ: قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: لَا يَتَرَخَّصُ مَنْ قَصَدَ مَشْهَدًا أَوْ مَسْجِدًا غَيْرَ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ، أَوْ قَصَدَ قَبْرًا غَيْرَ قَبْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. قُلْت: أَوْ نَبِيٍّ غَيْرِهِ. وَجَزَمَ بِهِ بِهَذَا فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى قَالَ فِي التَّلْخِيصِ: قَاصِدُ الْمَشَاهِدِ وَزِيَادَتُهَا لَا يَتَرَخَّصُ انْتَهَى. [وَجَزَمَ بِهِ فِي النَّظْمِ] وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: جَوَازُ التَّرَخُّصِ، قَالَهُ فِي الْمُغْنِي وَغَيْرِهِ. الْقِسْمُ الثَّانِي: السَّفَرُ الْمَكْرُوهُ فَلَا يَجُوزُ الْقَصْرُ فِيهِ صَرَّحَ بِهِ ابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ، وَقَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي السَّفَرِ إلَى الْمَشَاهِدِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ. قُلْت: قَالَ فِي الْهِدَايَةِ: إذَا سَافَرَ سَفَرًا فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ فَلَهُ أَنْ يَقْصُرَ، وَكَذَا فِي الْخُلَاصَةِ.
فَظَاهِرُهُمَا: جَوَازُ الْمَسْحِ فِي السَّفَرِ الْمَكْرُوهِ. قَالَ فِي تَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ: وَيُسَنُّ لِمُسَافِرٍ لِغَيْرِ مَعْصِيَةٍ. انْتَهَى. وَمَنْ يُجِيزُ الْقَصْرَ فِي سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ فَهُنَا بِطَرِيقِ أَوْلَى قَوْلُهُ {يَبْلُغُ سِتَّةَ عَشَرَ فَرْسَخًا} الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي جَوَازِ الْقَصْرِ: أَنْ تَكُونُ مَسَافَةُ السَّفَرِ سِتَّةَ عَشَرَ فَرْسَخًا بَرًّا أَوْ بَحْرًا، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَعَنْهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ عِشْرِينَ فَرْسَخًا. حَكَاهَا ابْنُ أَبِي مُوسَى فَمَنْ بَعْدَهُ وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ جَوَازَ الْقَصْرِ فِي مَسَافَةِ فَرْسَخٍ، وَقَالَ أَيْضًا: إنْ حَدَّ فَتَحْدِيدُهُ بِبَرِيدٍ أَجْوَدُ، وَقَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أَيْضًا: لَا حُجَّةَ لِلتَّحْدِيدِ، بَلْ الْحُجَّةُ مَعَ مَنْ أَبَاحَ الْقَصْرَ لِكُلِّ مُسَافِرٍ، إلَّا أَنْ يَنْعَقِدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى خِلَافِهِ. فَوَائِدُ. إحْدَاهُمَا: الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، أَنَّ مِقْدَارَ الْمَسَافَةِ: تَقْرِيبٌ لَا تَحْدِيدٌ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ تَقْرِيبٌ، وَهُوَ أَوْلَى قُلْت: هَذَا مِمَّا لَا يُشَكُّ فِيهِ، وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: الْمَسَافَةُ تَحْدِيدٌ قَالَ ابْنُ رَجَبٍ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ: الْأَمْيَالُ تَحْدِيدٌ نَصَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ. الثَّانِيَةُ: السِّتَّةَ عَشَرَ فَرْسَخًا يَوْمَانِ قَاصِدَانِ، وَذَلِكَ أَرْبَعَةُ بُرُدٍ. وَالْبَرِيدُ أَرْبَعَةُ فَرَاسِخَ. وَالْفَرْسَخُ ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ هَاشِمِيَّةٍ، وَبِأَمْيَالِ بَنِي أُمَيَّةَ مِيلَانِ وَنِصْفٌ. وَالْمِيلُ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ قَدَمٍ، قَالَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ وَقَطَعَ بِهِ فِي الْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِ، وَذَلِكَ سِتَّةُ آلَافِ ذِرَاعٍ. وَالذِّرَاعُ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ إصْبَعًا مُعْتَرِضَةً مُعْتَدِلَةً قَطَعَ بِهِ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ، وَقَالَ أَبُو الْفَرَجِ بْنُ أَبِي الْفَهْمِ: الْمِيلُ أَرْبَعَةُ آلَافِ ذِرَاعٍ بِالْوَاسِطِيِّ. انْتَهَى.
وَقِيلَ: هُوَ أَلْفُ خُطْوَةٍ بِخُطَى الْجَمَلِ، وَقَدَّمَ فِي الرِّعَايَةِ أَنَّهُ أَلْفَا خُطْوَةٍ، ثُمَّ قَالَ قُلْت: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْخِلَافُ بِاخْتِلَافِ خُطْوَتَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: وَقِيلَ الْمِيلُ أَلْفُ بَاعٍ كُلُّ بَاعٍ أَرْبَعَةُ أَذْرُعٍ فَقَطْ، كُلُّ ذِرَاعٍ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ إصْبَعًا، كُلُّ إصْبَعٍ سِتُّ حَبَّاتِ شَعِيرٍ بُطُونُ بَعْضِهَا إلَى بُطُونِ بَعْضٍ، عُرْضُ كُلِّ شَعِيرَةٍ سِتُّ شَعَرَاتِ بِرْذَوْنٍ. انْتَهَى. وَقَالَ الْحَافِظُ الْعَلَّامَةُ ابْنُ حَجَرٍ، فِي فَتْحِ الْبَارِي شَرْحِ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ: وَقِيلَ: الْمِيلُ ثَلَاثَةُ آلَافِ ذِرَاعٍ. نَقَلَهُ صَاحِبُ الْبَيَانِ، وَقِيلَ: ثَلَاثَةُ آلَافٍ وَخَمْسُمِائَةٍ وَصَحَّحَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، ثُمَّ قَالَ: الذِّرَاعُ الَّذِي ذَكَرَ: قَدْ حُرِّرَ بِذِرَاعِ الْحَدِيدِ الْمُسْتَعْمَلِ الْآنَ فِي مِصْرَ وَالْحِجَازِ فِي هَذِهِ الْأَعْصَارِ يَنْقُصُ عَنْ ذِرَاعِ الْحَدِيدِ بِقَدْرِ الثُّمُنِ فَعَلَى هَذَا: فَالْمِيلُ بِذِرَاعِ الْحَدِيدِ عَلَى الْقَوْلِ الْمَشْهُورِ: خَمْسَةُ آلَافِ ذِرَاعٍ وَمِائَتَانِ وَخَمْسُونَ ذِرَاعًا قَالَ: وَهَذِهِ فَائِدَةٌ نَفِيسَةُ قَلَّ مَنْ تَنَبَّهَ إلَيْهَا. انْتَهَى. الثَّالِثَةُ: قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الْمِيلُ مِنْ الْأَرْضِ: مُنْتَهَى مَدِّ الْبَصَرِ، وَقِيلَ: حَدُّهُ أَنْ يَنْظُرَ إلَى الشَّخْصِ فِي أَرْضٍ مُسَطَّحَةٍ، فَلَا يَدْرِي: هُوَ رَجُلٌ أَوْ امْرَأَةٌ، أَهُوَ ذَاهِبٌ أَمْ هُوَ آتٍ؟ الرَّابِعَةُ: الْمُعْتَبَرُ نِيَّةُ الْمَسَافَةِ لَا حَقِيقَتُهَا فَلَوْ رَجَعَ قَبْلَ اسْتِكْمَالِهَا فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَنْهُ يُعِيدُ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ الْمَسَافَةَ، حَكَاهَا الْقَاضِي فِي شَرْحِهِ قَالَ: وَهِيَ أَصَحُّ، وَهِيَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، وَلَوْ شَكَّ فِي قَدْرِ الْمَسَافَةِ لَمْ يَقْصُرْ فَلَوْ خَرَجَ لِطَلَبِ آبِقٍ وَنَحْوِهِ عَلَى أَنَّهُ مَتَى وَجَدَهُ رَجَعَ: لَمْ يَقْصُرْ وَلَوْ بَلَغَ مَسَافَةَ الْقَصْرِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ نَصَّ عَلَيْهِ وَاخْتَارَ ابْنُ أَبِي مُوسَى، وَابْنُ عَقِيلٍ: الْقَصْرَ بِبُلُوغِ الْمَسَافَةِ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِهَا وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ. كَنِيَّةِ بَلَدٍ بِعَيْنِهِ يَجْهَلُ مَسَافَتَهُ ثُمَّ عَلِمَهَا، فَإِنَّهُ يَقْصُرُ بَعْدَ عِلْمِهِ كَجَاهِلٍ بِجَوَازِ الْقَصْرِ ابْتِدَاءً.
وَيَأْتِي إذَا سَافَرَ غَيْرَ مُكَلَّفٍ سَفَرًا طَوِيلًا، ثُمَّ كُلِّفَ فِي أَثْنَائِهِ بَعْدَ قَوْلِهِ " وَإِذَا أَقَامَ لِقَضَاءِ حَاجَتِهِ ". الْخَامِسَةُ: لَا يَقْصُرُ سَائِحٌ وَلَا هَائِمٌ لَا يَقْصِدُ مَكَانًا مُعَيَّنًا جَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى قَالَ فِي الْكُبْرَى: لَا يَتَرَخَّصُ فِي الْأَصَحِّ، وَقَالَ: كَذَا لَا يَتَرَخَّصُ تَائِهٌ. تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ وَمَنْ حَوْلَهُمْ كَغَيْرِهِمْ إذَا ذَهَبُوا إلَى عَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ وَمِنًى، وَهُوَ صَحِيحٌ فَلَا يَجُوزُ لَهُمْ الْقَصْرُ وَلَا الْجَمْعُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَنَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَغَيْرِهِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقَالَ: اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ وَقَدَّمَهُ فِي الْفَائِقِ، وَقَالَ: لَا يُجْمِعُونَ وَلَا يَقْصُرُونَ عِنْدَ جُمْهُورِ أَصْحَابِنَا وَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي الْعِبَادَاتِ الْخَمْسِ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: جَوَازَ الْقَصْرِ وَالْجَمْعِ لَهُمْ فَيُعَايَى بِهَا وَاخْتَارَ الْمُصَنِّفُ جَوَازَ الْجَمْعِ فَقَطْ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ الْأَشْهَرُ عَنْ أَحْمَدَ، فَيُعَايَى بِهَا. تَنْبِيهَاتٌ. أَحَدُهَا: ظَاهِرُ قَوْلِهِ {إذَا فَارَقَ بُيُوتَ قَرْيَتِهِ} أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يُفَارِقَ الْبُيُوتَ الْعَامِرَةَ وَالْخَرِبَةَ، وَهُوَ وَجْهٌ اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ: أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يُفَارِقَ الْبُيُوتَ الْخَرِبَةَ، بَلْ لَهُ الْقَصْرُ إذَا فَارَقَ الْبُيُوتَ الْعَامِرَةَ، سَوَاءٌ وَلِيَهَا بُيُوتٌ خَرِبَةٌ أَوْ الْبَرِّيَّةُ، وَيَحْتَمِلُهُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ هُنَا أَمَّا إنْ وَلِيَ الْبُيُوتَ الْخَرِبَةَ بُيُوتٌ عَامِرَةٌ: فَلَا بُدَّ مِنْ مُفَارَقَةِ الْبُيُوتِ الْخَرِبَةِ وَالْعَامِرَةِ الَّتِي تَلِيهَا قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: وَكَذَا لَوْ جَعَلَ الْخَرَابَ مَزَارِعَ وَبَسَاتِينَ يَسْكُنُهُ أَهْلُهُ وَلَوْ فِي فَصْلِ النُّزْهَةِ. الثَّانِي: مَفْهُومُ كَلَامِهِ: أَنَّهُ لَا يَقْصُرُ إلَّا إذَا فَارَقَ الْبُيُوتَ، سَوَاءٌ كَانَتْ دَاخِلَ السُّورِ أَوْ خَارِجَهُ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ.
وَقِيلَ: لَهُ الْقَصْرُ إذَا فَارَقَ سُورَ بَلَدِهِ، وَلَوْ لَمْ يُفَارِقْ الْبُيُوتَ قَدَّمَهُ فِي الْفَائِقِ. الثَّالِثُ: ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَيْضًا وَكَثِيرٌ مِنْ الْأَصْحَابِ: جَوَازُ الْقَصْرِ إذَا فَارَقَ بُيُوتَ قَرْيَتِهِ، سَوَاءٌ اتَّصَلَ بِهِ بَلَدٌ آخَرُ أَوْ لَا، وَاعْتَبَرَ أَبُو الْمَعَالِي انْفِصَالَهُ وَلَوْ بِذِرَاعٍ، مَوْجُودٌ فِي كَلَامِ الْمَجْدِ وَغَيْرِهِ: لَا يَتَّصِلُ، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَإِذَا تَقَارَبَتْ قَرْيَتَانِ أَوْ حُلَّتَانِ فَهُمَا كَوَاحِدَةٍ، وَإِنْ تَبَاعَدَنَا فَلَا. فَائِدَتَانِ إحْدَاهُمَا: قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: لَوْ بَرَزُوا بِمَكَانٍ لِقَصْدِ الِاجْتِمَاعِ، ثُمَّ بَعْدَ اجْتِمَاعِهِمْ يُنْشِئُونَ السَّفَرَ مِنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ فَلَا قَصْرَ حَتَّى يُفَارِقُوهُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ يَقْصُرُونَ، وَهُوَ مُتَّجَهٌ. انْتَهَى. الثَّانِيَةُ: يُعْتَبَرُ فِي سُكَّانِ الْقُصُورِ وَالْبَسَاتِينِ مُفَارَقَةُ مَا نُسِبُوا إلَيْهِ عُرْفًا، وَاعْتَبَرَ أَبُو الْمَعَالِي، وَأَبُو الْوَفَاءِ مُفَارَقَةَ مَنْ صَعِدَ جَبَلًا: الْمَكَانَ الْمُحَاذِيَ لِرُءُوسِ الْحِيطَانِ وَمُفَارَقَةَ مَنْ هَبَطَ: لِأَسَاسِهَا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا اعْتَبَرَ مُفَارَقَةَ الْبُيُوتِ إذَا كَانَتْ مُحَاذِيَةً اعْتَبَرَ هُنَا مُفَارَقَةَ سَمْتِهَا. قَوْلُهُ {وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ الْإِتْمَامِ} ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ بِلَا رَيْبٍ نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَقِيلَ: الْإِتْمَامُ أَفْضَلُ قَوْلُهُ {وَإِنْ أَتَمَّ} {جَازَ} يَعْنِي مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ الْإِتْمَامُ قَالَ فِي الْفَائِقِ: وَعَنْهُ التَّوَقُّفُ، وَعَنْهُ لَا يُعْجِبُنِي الْإِتْمَامُ، وَقِيلَ: يُكْرَهُ الْإِتْمَامُ اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ أَظْهَرُ، قُلْت: وَيَحْتَمِلُهُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ قَالَ فِي الْقَاعِدَةِ الثَّالِثَةِ، وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ: أَنَّ الرَّكْعَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ تَنَفُّلٌ،
لَا يَصِحُّ اقْتِدَاءُ الْمُفْتَرِضِ بِهِ فِيهِمَا، وَهُوَ مُتَمَشٍّ عَلَى أَصْلِهِ، وَهُوَ عَدَمُ اعْتِبَارِ نِيَّةِ الْقَصْرِ، وَيَأْتِي عَنْهُ اشْتِرَاطُ النِّيَّةِ: هَلْ الْأَصْلُ فِي صَلَاةِ الْمُسَافِرِ أَرْبَعٌ أَوْ رَكْعَتَانِ.؟ فَائِدَةٌ: يُوتِرُ فِي السَّفَرِ، وَيُصَلِّي سُنَّةَ الْفَجْرِ أَيْضًا، وَيُخَيَّرُ فِي غَيْرِهَا، هَذَا الْمَذْهَبُ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: يُسَنُّ تَرْكُ التَّطَوُّعِ بِغَيْرِ الْوِتْرِ، وَسُنَّةِ الْفَجْرِ قِيلَ لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ: التَّطَوُّعُ فِي السَّفَرِ؟ قَالَ: أَرْجُو أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ، وَأَطْلَقَ أَبُو الْمَعَالِي التَّخْيِيرَ فِي النَّوَافِلِ وَالسُّنَنِ الرَّاتِبَةِ. قُلْت: هُوَ فِعْلُ كَثِيرٍ مِنْ السَّلَفِ، وَنَقَلَ ابْنُ هَانِئٍ: يَتَطَوَّعُ أَفْضَلُ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْفُصُولِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالرِّعَايَةِ، وَغَيْرِهِمْ وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي غَيْرِ الرَّوَاتِبِ، وَنَقَلَهُ بَعْضُهُمْ إجْمَاعًا قَالَ فِي الْفَائِقِ: لَا بَأْسَ بِتَنَفُّلِ الْمُسَافِرِ. نَصَّ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ {فَإِنْ أَحْرَمَ فِي الْحَضَرِ ثُمَّ سَافَرَ، أَوْ فِي السَّفَرِ ثُمَّ أَقَامَ: لَزِمَهُ أَنْ يُتِمَّ} هَذَا الْمَذْهَبُ بِلَا رَيْبٍ فِيهِمَا قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَمَنْ أَوْقَعَ بَعْضَ صَلَاتِهِ مُقِيمًا كَرَاكِبِ سَفِينَةٍ أَتَمَّ، وَجَعَلَهَا الْقَاضِي وَغَيْرُهُ أَصْلًا لِمَنْ ذَكَرَ صَلَاةَ سَفَرٍ فِي حَضَرٍ وَقِيلَ: إنْ نَوَى الْقَصْرَ، مَعَ عِلْمِهِ بِإِقَامَتِهِ فِي أَثْنَائِهَا، صَحَّ فَعَلَى الْمَذْهَبِ: لَوْ كَانَ مَسَحَ فَوْقَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ بَطَلَتْ فِي الْأَشْهَرِ؛ لِبُطْلَانِ الطَّهَارَةِ بِبُطْلَانِ الْمَسْحِ. فَائِدَتَانِ. إحْدَاهُمَا: لَوْ دَخَلَ وَقْتُ الصَّلَاةِ عَلَى مُقِيمٍ ثُمَّ سَافَرَ: أَتَمَّهَا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ قَالَ فِي الْحَوَاشِي: هُوَ قَوْلُ أَصْحَابِنَا، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، وَعَنْهُ يَقْصُرُ اخْتَارَهُ فِي الْفَائِقِ، وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إجْمَاعًا، كَقَضَاءِ الْمَرِيضِ مَا تَرَكَهُ فِي الصِّحَّةِ نَاقِصًا، وَكَوُجُوبِ الْجُمُعَةِ عَلَى الْعَبْدِ الَّذِي عَتَقَ بَعْدَ
الزَّوَالِ. وَكَالْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ، وَقِيلَ: إنْ ضَاقَ الْوَقْتُ لَمْ يَقْصُرْ، وَعَنْهُ إنْ فَعَلَهَا فِي وَقْتِهَا قَصَرَ. اخْتَارَهَا ابْنُ أَبِي مُوسَى. الثَّانِيَةُ: لَوْ قَصَرَ الصَّلَاتَيْنِ فِي السَّفَرِ فِي وَقْتِ أُولَاهُمَا، ثُمَّ قَدِمَ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِ الثَّانِيَةِ: أَجْزَأَهُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: لَا يُجْزِئُهُ، وَمِثْلُهُ لَوْ جَمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي وَقْتِ أُولَاهُمَا بِتَيَمُّمٍ، ثُمَّ دَخَلَ وَقْتُ الثَّانِيَةِ وَهُوَ وَاجِدٌ لِلْمَاءِ. قَوْلُهُ {وَإِذَا ذَكَرَ صَلَاةَ حَضَرٍ فِي سَفَرٍ، أَوْ صَلَاةَ سَفَرٍ فِي حَضَرٍ لَزِمَهُ أَنْ يُتِمَّ} هَذَا الْمَذْهَبُ فِيهِمَا نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَقِيلَ: يَقْصُرُ فِيمَا إذَا ذَكَرَ صَلَاةَ سَفَرٍ فِي حَضَرٍ وَحُكِيَ وَجْهٌ يَقْصُرُ أَيْضًا فِي عَكْسِهَا، اعْتِبَارًا بِحَالَةِ أَدَائِهَا. كَصَلَاةِ صِحَّةٍ فِي مَرَضٍ، وَهُوَ خِلَافُ مَا حَكَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَابْنُ الْمُنْذِرِ إجْمَاعًا. قَوْلُهُ {أَوْ ائْتَمَّ بِمُقِيمٍ، أَوْ بِمَنْ يَشُكُّ فِيهِ: لَزِمَهُ أَنْ يُتِمَّ} وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَعَنْهُ لَا يَلْزَمُهُ الْإِتْمَامُ إلَّا إذَا أَدْرَكَ مَعَهُ رَكْعَةً فَأَكْثَرَ اخْتَارَهُ فِي الْفَائِقِ فَعَلَيْهَا يَقْصُرُ مَنْ أَدْرَكَ التَّشَهُّدَ فِي الْجُمُعَةِ، وَعَلَى الْمَذْهَبِ: يُتِمُّ نَصَّ عَلَيْهِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ تَخْرِيجٌ مِنْ صَلَاةِ الْخَوْفِ يَقْصُرُ مُطْلَقًا، كَمَا خَرَّجَ بَعْضُهُمْ إيقَاعَهَا مَرَّتَيْنِ عَلَى صِحَّةِ اقْتِدَاءِ مُفْتَرِضٍ بِمُتَنَفِّلٍ. فَائِدَةٌ: لَوْ نَوَى الْمُسَافِرُ الْقَصْرَ حَيْثُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ عَالِمًا بِهِ، كَمَنْ نَوَى الْقَصْرَ خَلْفَ مُقِيمٍ عَالِمًا فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ صَلَاتَهُ لَا تَنْعَقِدُ، لِنِيَّتِهِ تَرْكَ الْمُتَابَعَةِ ابْتِدَاءً. كَنِيَّةِ مُقِيمٍ الْقَصْرَ وَنِيَّةِ مُسَافِرٍ، وَعَقَدَ الظُّهْرَ خَلْفَ إمَامِ جُمُعَةٍ نَصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: تَنْعَقِدُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ لِلْإِتْمَامِ تَعْيِينُهُ بِنِيَّةٍ فَيُتِمُّ تَبَعًا. كَمَا لَوْ كَانَ غَيْرَ
عَالِمٍ، وَإِنْ صَحَّ الْقَصْرُ بِلَا نِيَّةِ قَصْرٍ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ وَتَابَعَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ وَتَتَخَرَّجُ الصِّحَّةُ فِي الْعَبْدِ إنْ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ، وَإِنْ صَلَّى الْمُسَافِرُ خَلْفَ مَنْ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ وَنَوَى الْقَصْرَ: لَزِمَهُ الْإِتْمَامُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: يُتَّجَهُ أَنْ تُجْزِئَهُ إنْ قُلْنَا الْجُمُعَةُ ظُهْرٌ مَقْصُورَةٌ، قَالَ أَبُو الْمَعَالِي وَغَيْرُهُ: وَإِنْ ائْتَمَّ مَنْ يَقْصُرُ الظُّهْرَ بِمُسَافِرٍ أَوْ مُقِيمٍ يُصَلِّي الصُّبْحَ: أَتَمَّ. قَوْلُهُ {أَوْ أَحْرَمَ بِصَلَاةٍ يَلْزَمُهُ إتْمَامُهَا فَفَسَدَتْ وَأَعَادَهَا لَزِمَهُ أَنْ يُتِمَّ} إذَا أَحْرَمَ بِصَلَاةٍ يَلْزَمُهُ إتْمَامُهَا فَفَسَدَتْ إنْ كَانَ فَسَادُهَا وَإِعَادَتُهَا عَنْ غَيْرِ حَدَثِ الْإِمَامِ، لَزِمَهُ إتْمَامُهَا، قَوْلًا وَاحِدًا، وَإِنْ كَانَ فَسَادُهَا لِكَوْنِ الْإِمَامِ بَانَ مُحْدِثًا بَعْدَ السَّلَامِ: لَزِمَهُ الْإِتْمَامُ أَيْضًا، وَإِنْ بَانَ مُحْدِثًا قَبْلَ السَّلَامِ: فَفِي لُزُومِ الْإِتْمَامِ وَجْهَانِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي التَّلْخِيصِ، وَالْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: فَلَهُ الْقَصْرُ فِي الْأَصَحِّ قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: إنْ بَانَ مُحْدِثًا مُقِيمًا مَعًا قَصَرَ، وَكَذَا إنْ بَانَ حَدَثُهُ أَوَّلًا، لَا عَكْسُهُ. فَائِدَتَانِ. إحْدَاهُمَا: لَوْ صَلَّى مُسَافِرٌ خَائِفٌ بِالطَّائِفَةِ الْأُولَى رَكْعَةً، ثُمَّ أَحْدَثَ وَاسْتَخْلَفَ مُقِيمًا، لَزِمَ الطَّائِفَةَ الثَّانِيَةَ الْإِتْمَامُ لِائْتِمَامِهِمْ بِمُقِيمٍ، وَأَمَّا الطَّائِفَةُ الْأُولَى: فَإِنْ نَوَوْا مُفَارَقَةَ الْأَوَّلِ قَصَرُوا، وَإِنْ لَمْ يَنْوُوا مُفَارَقَتَهُ أَتَمُّوا، لِائْتِمَامِهِمْ بِمُقِيمٍ، قَالَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِمَا. الثَّانِيَةُ: لَوْ ائْتَمَّ مَنْ لَهُ الْقَصْرُ جَاهِلًا حَدَثَ نَفْسِهِ بِمُقِيمٍ، ثُمَّ عَلِمَ حَدَثَ نَفْسِهِ فَلَهُ الْقَصْرُ؛ لِأَنَّهُ بَاطِلٌ لَا حُكْمَ لَهُ. قَوْلُهُ {أَوْ لَمْ يَنْوِ الْقَصْرَ} يَعْنِي عِنْدَ الْإِحْرَامِ {لَزِمَهُ أَنْ يُتِمَّ} .
عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي جَوَازِ الْقَصْرِ: أَنْ يَنْوِيَهُ عِنْدَ الْإِحْرَامِ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا يَحْتَاجُ الْقَصْرُ وَالْجَمْعُ إلَى نِيَّةٍ وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَاخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ فِي الْقَصْرِ قَالَ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ: وَالنُّصُوصُ صَرِيحَةٌ فِي أَنَّ الْقَصْرَ أَصْلٌ فَلَا حَاجَةَ إلَى نِيَّتِهِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالْأَشْهَرُ وَلَوْ نَوَى الْإِتْمَامَ ابْتِدَاءً؛ لِأَنَّهُ رُخْصَةٌ فَيَتَخَيَّرُ مُطْلَقًا كَالصَّوْمِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: قُلْت قَدْ يَنْبَنِي عَلَى ذَلِكَ فِعْلُ الْأَصْلِ فِي صَلَاةِ الْمُسَافِرِ الْأَرْبَعِ وَجَوَّزَ لَهُ تَرْكَ رَكْعَتَيْنِ فَإِذَا لَمْ يَنْوِ الْقَصْرَ لَزِمَهُ الْأَصْلُ، وَوَقَعَتْ الْأَرْبَعُ فَرْضًا أَوْ أَنَّ الْأَصْلَ فِي حَقِّهِ رَكْعَتَانِ، وَجَوَّزَ لَهُ أَنْ يَزِيدَ رَكْعَتَيْنِ تَطَوُّعًا فَإِذَا لَمْ يَنْوِ الْقَصْرَ فَلَهُ فِعْلُ الْأَصْلِ، وَهُوَ رَكْعَتَانِ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ الْمَشْهُورُ مِنْهُمَا: الْأَوَّلُ. وَالثَّانِي: أَظُنُّهُ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ، وَيَنْبَنِي عَلَى ذَلِكَ إذَا ائْتَمَّ بِهِ مُقِيمٌ: هَلْ يَصِحُّ بِلَا خِلَافٍ، أَوْ هُوَ كَالْمُفْتَرِضِ خَلْفَ الْمُتَنَفِّلِ؟ وَيُشْتَرَطُ أَيْضًا: أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ إمَامَهُ إذَنْ مُسَافِرٌ، وَلَوْ بِأَمَارَةٍ وَعَلَامَةٍ كَهَيْئَةِ لِبَاسٍ؛ لِأَنَّ إمَامَهُ نَوَى الْقَصْرَ عَمَلًا بِالظَّنِّ؛ لِأَنَّهُ يَتَعَذَّرُ الْعِلْمُ، وَلَوْ قَالَ: إنْ قَصَرَ قَصَرْت، وَإِنْ أَتَمَّ أَتْمَمْت: لَمْ يَضُرَّ ثُمَّ فِي قَصْرِهِ إنْ سَبَقَ إمَامَهُ الْحَدَثُ قَبْلَ عِلْمِهِ بِحَالِهِ وَجْهَانِ لِتَعَارُضِ الْأَصْلِ وَالظَّاهِرِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ [وَمُخْتَصَرِ ابْنِ تَمِيمٍ] قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَلَهُ الْقَصْرُ فِي الْأَصَحِّ [وَقَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ] . فَائِدَةٌ: لَوْ اسْتَخْلَفَ الْإِمَامُ الْمُسَافِرُ مُقِيمًا لَزِمَ الْمَأْمُومِينَ الْإِتْمَامُ؛ لِأَنَّهُمْ بِاقْتِدَائِهِمْ الْتَزَمُوا حُكْمَ تَحْرِيمَتِهِ؛ وَلِأَنَّ قُدُومَ السَّفِينَةِ بَلَدَهُ يُوجِبُ الْإِتْمَامَ وَإِنْ لَمْ يَلْتَزِمْهُ، وَتَقَدَّمَ إذَا اسْتَخْلَفَ مُسَافِرٌ مُقِيمًا فِي الْخَوْفِ، وَإِذَا اسْتَخْلَفَ مُقِيمٌ مُسَافِرًا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ: قَصَرَ.
فَوَائِدُ. مِنْهَا: لَوْ شَكَّ فِي الصَّلَاةِ: هَلْ نَوَى الْقَصْرَ أَمْ لَا؟ لَزِمَهُ الْإِتْمَامُ، وَإِنْ ذَكَرَ فِيمَا بَعْدَ أَنَّهُ كَانَ نَوَى، لِوُجُودِ مَا يُوجِبُ الْإِتْمَامَ فِي بَعْضِهَا فَكَذَا فِي جَمِيعِهَا، قَالَهُ الْأَصْحَابُ، وَقَالَ الْمَجْدُ: يَنْبَغِي عِنْدِي أَنْ يُقَالَ فِيهِ مِنْ التَّفْضِيلِ مَا يُقَالُ فِيمَنْ شَكَّ هَلْ أَحْرَمَ بِفَرْضٍ أَوْ نَفْلٍ.؟ وَمِنْهَا: لَوْ ذَكَرَ مَنْ قَامَ إلَى ثَالِثَةٍ سَهْوًا قَطَعَ، فَلَوْ نَوَى الْإِتْمَامَ أَتَمَّ وَأَتَى لَهُ بِرَكْعَتَيْنِ سِوَى مَا سَهَا بِهِ فَإِنَّهُ يَلْغُو، وَلَوْ كَانَ مَنْ سَهَا إمَامًا بِمُسَافِرٍ تَابَعَهُ، إلَّا أَنْ يَعْلَمَ سَهْوَهُ فَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ بِمُتَابَعَتِهِ، وَيَتَخَرَّجُ لَا تَبْطُلُ. وَمِنْهَا: لَوْ نَوَى الْقَصْرَ فَأَتَمَّ سَهْوًا: فَفَرْضُهُ الرَّكْعَتَانِ، وَالزِّيَادَةُ سَهْوٌ يَسْجُدُ لَهَا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: لَا. قُلْت: فَيُعَايَى بِهَا. وَمِنْهَا: لَوْ نَوَى الْقَصْرَ، ثُمَّ رَفَضَهُ وَنَوَى الْإِتْمَامَ جَازَ قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: وَتَكُونُ الْأُولَيَانِ فَرْضًا، وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ عَمْدًا مَعَ بَقَاءِ نِيَّةِ الْقَصْرِ، بَطَلَتْ صَلَاتُهُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي مُخْتَصَرِ ابْنِ تَمِيمٍ وَالْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، قُلْت: الصَّوَابُ الْجَوَازُ، وَفِعْلُهُ دَلِيلُ بُطْلَانِ نِيَّةِ الْقَصْدِ. قَوْلُهُ {وَمَنْ لَهُ طَرِيقَانِ طَرِيقٌ بَعِيدٌ وَطَرِيقٌ قَرِيبٌ فَسَلَكَ الْبَعِيدَ فَلَهُ الْقَصْرُ} هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ. وَقِيلَ: لَا يَقْصُرُ إلَّا لِغَرَضٍ لَا فِي سُلُوكِهِ سِوَى الْقَصْرِ. وَخَرَّجَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ عَلَى سَفَرِ النُّزْهَةِ، وَرَدَّهُ فِي الْفُرُوعِ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَقِيلَ لَا يَقْصُرُ إنْ سَلَكَهُ لِيَقْصُرَ فَقَطْ، ثُمَّ قَالَ وَقُلْت: وَمِثْلُهُ بَقِيَّةُ رُخَصِ السَّفَرِ. قَوْلُهُ {أَوْ ذَكَرَ صَلَاةَ سَفَرٍ فِي آخَرَ فَلَهُ الْقَصْرُ} هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ وَقَدَّمَهُ
فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَغَيْرِهِمْ وَصَحَّحَهُ الزَّرْكَشِيُّ، وَغَيْرُهُ وَنَصَرَهُ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ، وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ الْإِتْمَامُ، وَهُوَ احْتِمَالٌ فِي الْمُغْنِي وَغَيْرِهِ وَصَحَّحَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَنَظْمِ نِهَايَةِ ابْنِ رَزِينٍ، وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْفَائِقِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ. فَائِدَةٌ: قَالَ فِي الْفُرُوعِ: لَوْ ذَكَرَهَا فِي إقَامَةٍ مُتَخَلَّلَةٍ أَتَمَّ، وَقِيلَ: يَقْصُرُ، لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ ابْتِدَاءُ وُجُوبِهَا فِيهِ. انْتَهَى. وَاَلَّذِي يَظْهَرُ: أَنَّ مُرَادَهُ بِالْإِقَامَةِ الْمُتَخَلَّلَةِ: الَّتِي يُتِمُّ فِيهَا الصَّلَاةَ فِي أَثْنَاءِ سَفَرِهِ، وَمُرَادُهُ أَيْضًا: إذَا كَانَ سَفَرًا وَاحِدًا. بِدَلِيلِ قَوْلِهِ قَبْلَ ذَلِكَ " وَمَنْ ذَكَرَ صَلَاةَ حَضَرٍ فِي سَفَرٍ أَوْ عَكْسَهُ " وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَإِنْ نَسِيَهَا فِي سَفَرٍ، ثُمَّ ذَكَرَهَا فِي حَضَرٍ، ثُمَّ قَضَاهَا فِي سَفَرٍ آخَرَ: أَتَمَّهَا فَيُحْتَمَلُ أَنَّ صَاحِبَ الْفُرُوعِ أَرَادَ هَذَا، وَيَكُونُ قَوْلُهُ " وَمَنْ ذَكَرَ صَلَاةَ سَفَرٍ فِي حَضَرٍ وَأَرَادَ قَضَاءَهَا فِي الْحَضَرِ ". تَنْبِيهَانِ. أَحَدُهُمَا: مَفْهُومُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَهُوَ مِنْ مَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ أَنَّهُ لَوْ ذَكَرَ الصَّلَاةَ فِي ذَلِكَ السَّفَرِ: أَنَّهُ يَقْصُرُ بِطَرِيقِ أَوْلَى، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ الْإِتْمَامُ؛ لِأَنَّهُ مُخْتَصٌّ بِالْأَدَاءِ كَالْجُمُعَةِ، وَنَقَلَ الْمَرُّوذِيُّ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، قَالَهُ الْمَجْدُ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. الثَّانِي: ظَاهِرُ قَوْلِهِ " أَوْ ذَكَرَ صَلَاةَ سَفَرٍ " أَنَّهُ لَوْ تَعَمَّدَ الْمُسَافِرُ تَرْكَ الصَّلَاةِ حَتَّى خَرَجَ وَقْتُهَا، أَوْ ضَاقَ عَنْهَا: أَنَّهُ لَا يَقْصُرُ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَنَظْمِ الْمُفْرَدَاتِ قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَابْنِ تَمِيمٍ، وَالْفَائِقِ، وَقَالَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَأَخَذَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ مِنْ تَقْيِيدِ الْمَسْأَلَةِ يَعْنِي الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ
بِالنَّاسِي، وَمِمَّا ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى فِي الَّتِي قَبْلَهَا يَعْنِي إذَا سَافَرَ بَعْدَ وُجُوبِهَا عَلَيْهِ مَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ يُتِمُّ مَنْ تَعَمَّدَ تَأْخِيرَهَا بِلَا عُذْرٍ حَتَّى ضَاقَ وَقْتُهَا عَنْهَا. وَقَاسَهُ عَلَى السَّفَرِ الْمُحَرَّمِ، وَقَالَهُ الْحَلْوَانِيُّ، فَإِنَّهُ اعْتَبَرَ أَنْ تُفْعَلَ فِي وَقْتِهَا، وَقَالَ الْقَاضِي فِي التَّعْلِيقِ فِي وُجُوبِ الصَّلَاةِ بِأَوَّلِ الْوَقْتِ: إنْ سَافَرَ بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِهَا لَمْ يَقْصُرْهَا؛ لِأَنَّهُ مُفَرِّطٌ، وَلَا تَثْبُتُ الرُّخْصَةُ مَعَ التَّفْرِيطِ فِي الْمُرَخَّصِ فِيهِ. انْتَهَى. قَالَ شَيْخُنَا فِي حَوَاشِي الْفُرُوعِ: لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مَا ذَكَرَهُ الْحَلْوَانِيُّ مَأْخَذًا لِمَسْأَلَةِ الْمُحَرَّرِ؛ لِأَنَّهُ جَزَمَ بِعَدَمِ قَصْرِهَا وَجَزَمَ بِأَنَّهُ إذَا نَسِيَ صَلَاةً فِي سَفَرٍ فَذَكَرَهَا: أَنَّهُ يَقْصُرُهَا فَعُلِمَ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ لِلْقَصْرِ كَوْنُهَا مُؤَدَّاةً؛ لِأَنَّهُ لَوْ اعْتَبَرَهُ لَمْ يَصِحَّ قَصْرُ الْمَنْسِيَّةِ. انْتَهَى. قُلْت: فِي قَوْلِ شَيْخِنَا نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا اسْتَدَلَّ عَلَى صَاحِبِ الْفُرُوعِ بِمَا إذَا نَسِيَهَا، وَصَاحِبُ الْفُرُوعِ إنَّمَا قَالَ " إذَا تَرَكَهَا عَمْدًا " وَأَنَّهُ مُقَاسٌ عَلَى السَّفَرِ الْمُحَرَّمِ، وَأَنَّ الْحَلْوَانِيَّ قَالَ ذَلِكَ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَجْوِيزِ الْحَلْوَانِيِّ قَصْرَهَا إذَا نَسِيَهَا: أَنْ يَقْصُرَهَا إذَا تَرَكَهَا عَمْدًا قَالَ ابْنُ رَجَبٍ: وَلَا يُعْرَفُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كَلَامٌ لِلْأَصْحَابِ. إلَّا أَنَّ بَعْضَ الْأَئِمَّةِ الْمُتَأَخِّرِينَ ذَكَرَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْقَصْرُ، وَاسْتَشْهَدَ عَلَى ذَلِكَ بِكَلَامِ جَمَاعَةٍ مِنْ الْأَصْحَابِ فِي مَسَائِلَ، وَلَيْسَ فِيمَا ذَكَرَهُ حُجَّةٌ. انْتَهَى. وَأَرَادَ بِذَلِكَ الْمَجْدَ قَالَ فِي النُّكَتِ: وَلَمْ أَجِدْ أَحَدًا ذَكَرَهَا قَبْلَ صَاحِبِ الْمُحَرَّرِ. انْتَهَى. وَقِيلَ: لَهُ الْقَصْرُ، وَلَوْ تَعَمَّدَ التَّأْخِيرَ، وَهُوَ احْتِمَالٌ فِي ابْنِ تَمِيمٍ. وَقَالَ: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ يَعْنِي بِهِ الْمُصَنِّفَ وَاخْتَارَهُ فِي الْفَائِقِ، وَإِلَيْهِ مَيْلُ ابْنِ رَجَبٍ وَنَصَرَهُ فِي النُّكَتِ، وَرَدَّ مَا اسْتَدَلَّ بِهِ الْمَجْدُ قَالَ ابْنُ الْبَنَّا فِي شَرْحِ الْمَجْدِ: مَنْ أَخَّرَ الصَّلَاةَ عَمْدًا فِي السَّفَرِ وَقَضَاهَا فِي السَّفَرِ، فَلَهُ الْقَصْرُ كَالنَّاسِي قَالَ: فَلَمْ يُفَرِّقْ أَصْحَابُنَا بَيْنَهُمَا، وَإِنَّمَا يَخْتَلِفَانِ فِي الْمَأْثَمِ. انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ رَجَبٍ: وَهُوَ غَرِيبٌ جِدًّا، وَذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى الصَّغِيرُ فِي شَرْحِ الْمَذْهَبِ نَحْوَهُ، وَقَالَ فِي النُّكَتِ: وَعُمُومُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الْقَصْرِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَصَرَّحَ بِهِ بَعْضُهُمْ، وَذَكَرَهُ فِي الرِّعَايَةِ وَجْهًا، وَهُوَ ظَاهِرُ اخْتِيَارِهِ فِي الْمُغْنِي، وَذَكَرَ عَنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، وَجَعَلَ نَاظِمُ الْمُفْرَدَاتِ إتْمَامَ الصَّلَاةِ إذَا تَرَكَهَا عَمْدًا حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُهَا: مِنْ الْمُفْرَدَاتِ فَقَالَ: وَهَكَذَا فِي الْحُكْمِ مَنْ إذَا تَرَكْ ... صَلَاتَهُ حَتَّى إذَا الْوَقْتُ انْفَرَكْ وَكَانَ عَمْدًا فَرْضُهُ الْإِتْمَامَ ... وَلَيْسَ كَالنَّاسِي يَا غُلَامَ وَهُوَ قَدْ قَالَ " هَيَّأْتُهَا عَلَى الصَّحِيحِ الْأَشْهَرِ " وَكَأَنَّهُ اعْتَمَدَ عَلَى مَا فِي الْمُحَرَّرِ قَوْلُهُ {إذَا نَوَى الْإِقَامَةَ فِي بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْ إحْدَى وَعِشْرِينَ صَلَاةً أَتَمَّ، وَإِلَّا قَصَرَ} هَذَا إحْدَى الرِّوَايَاتِ عَنْ أَحْمَدَ اخْتَارَهَا الْخِرَقِيُّ، وَأَبُو بَكْرٍ، وَالْمُصَنِّفُ قَالَ فِي الْكَافِي: هِيَ الْمَذْهَبُ قَالَ فِي الْمُغْنِي: هَذَا الْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ، وَنَصَرَهَا فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ قَالَ ابْنُ رَجَبٍ، فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ: هَذَا مَذْهَبُ أَحْمَدَ الْمَشْهُورُ عَنْهُ، وَاخْتِيَارُ أَصْحَابِهِ، وَجَعَلَهُ أَبُو حَفْصٍ الْبَرْمَكِيُّ مَذْهَبَ أَحْمَدَ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ عَنْهُ، وَتَأَوَّلَ كُلَّ مَا خَالَفَهُ مِمَّا رُوِيَ عَنْهُ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْعُمْدَةِ، وَنَاظِمُ الْمُفْرَدَاتِ، وَهُوَ مِنْهَا وَقَدَّمَهُ النَّاظِمُ، وَعَنْهُ إنْ نَوَى الْإِقَامَةَ أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ صَلَاةً أَتَمَّ، وَإِلَّا قَصَرَ، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ هِيَ الْمَذْهَبُ قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: هَذِهِ الْمَذْهَبُ قَالَ فِي عُمْدَةِ الْأَدِلَّةِ، وَالْقَاضِي فِي خِلَافِهِ: هَذِهِ أَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِيضَاحِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَالْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَنِهَايَةِ ابْنِ رَزِينٍ، وَنَظْمِهَا، وَمُنْتَخَبِ الْأَدَمِيِّ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْهِدَايَةِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَابْنِ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُحَرَّرِ.
وَعَنْهُ إنْ نَوَى الْإِقَامَةَ أَكْثَرَ مِنْ تِسْعَةَ عَشَرَ صَلَاةً أَتَمَّ وَإِلَّا قَصَرَ قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى وَأَطْلَقَهُنَّ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَقَالَ فِي النَّصِيحَةِ: إنْ نَوَى الْإِقَامَةَ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ أَتَمَّ وَإِلَّا قَصَرَ. فَائِدَتَانِ. إحْدَاهُمَا: يَحْسِبُ يَوْمَ الدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ مِنْ الْمُدَّةِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَنْهُ لَا يُحْسَبَانِ مِنْهَا. الثَّانِيَةُ: لَوْ نَوَى الْمُسَافِرُ إقَامَةً مُطْلَقَةً، أَوْ أَقَامَ بِبَادِيَةٍ لَا يُقَامُ بِهَا، أَوْ كَانَتْ لَا تُقَامُ فِيهَا الصَّلَاةُ: لَزِمَهُ الْإِتْمَامُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ جَزَمَ بِهِ فِي الْفَائِقِ وَغَيْرِهِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَابْنِ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَةِ، وَغَيْرِهِمْ، وَقِيلَ: لَا يَلْزَمُهُ الْإِتْمَامُ إلَّا أَنْ يَكُونَ بِمَوْضِعٍ تُقَامُ فِيهِ الْجُمُعَةُ، وَقِيلَ: أَوْ غَيْرُهَا، ذَكَرَهُ أَبُو الْمَعَالِي، وَقَالَ فِي التَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ: إقَامَةُ الْجَيْشِ لِلْغَزْوِ لَا تَمْنَعُ التَّرَخُّصَ وَإِنْ طَالَتْ. لِفِعْلِهِ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ قَالَ فِي النُّكَتِ: يُشْتَرَطُ فِي الْإِقَامَةِ الَّتِي لَا تَقْطَعُ السَّفَرَ، إذَا نَوَاهَا: الْإِمْكَانُ بِأَنْ يَكُونَ مَوْضِعَ لُبْثٍ وَقَرَارٍ فِي الْعَادَةِ فَعَلَى هَذَا: لَوْ نَوَى الْإِقَامَةَ بِمَوْضِعٍ لَا يُمْكِنُ لَمْ يَقْصُرْ، لِأَنَّ الْمَانِعَ نِيَّةُ الْإِقَامَةِ فِي بَلْدَةٍ، وَلَمْ تُوجَدْ، وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي، فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ: فَإِنْ كَانَ لَا يُتَصَوَّرُ الْإِقَامَةُ فِيهَا أَصْلًا، كَالْمَفَازَةِ فَفِيهِ وَجْهَانِ. انْتَهَى. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَغَيْرُهُ: إنَّ لَهُ الْقَصْرَ وَالْفِطْرَ، وَإِنَّهُ مُسَافِرٌ، مَا لَمْ يَجْمَعْ عَلَى إقَامَةٍ وَيَسْتَوْطِنُ. قَوْلُهُ {وَإِذَا أَقَامَ لِقَضَاءِ حَاجَةٍ} قَصَرَ أَبَدًا. يَعْنِي إذَا لَمْ يَنْوِ الْإِقَامَةَ، وَلَا يَعْلَمُ فَرَاغَ الْحَاجَةِ قَبْلَ فَرَاغِ مُدَّةِ الْقَصْرِ، وَهَذِهِ الصُّورَةُ يَجُوزُ فِيهَا الْقَصْرُ بِلَا خِلَافٍ، وَإِنْ ظَنَّ أَنَّ الْحَاجَةَ لَا تَنْقَضِي إلَّا بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةِ الْقَصْرِ فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ
فوائد
الْقَصْرُ. قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ. وَقِيلَ: لَهُ ذَلِكَ. جَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي، وَمُخْتَصَرِ ابْنِ تَمِيمٍ. قَالَ فِي الْحَوَاشِي: وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ. [فَوَائِد] ُ. إحْدَاهَا: لَوْ نَوَى إقَامَةً بِشَرْطٍ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: إنْ لَقِيتُ فُلَانًا فِي هَذَا الْبَلَدِ أَقَمْتُ فِيهِ، وَإِلَّا فَلَا: لَمْ يَصِرْ مُقِيمًا بِذَلِكَ. ثُمَّ إنْ لَمْ يَلْقَهُ فَلَا كَلَامَ. وَإِنْ لَقِيَهُ صَارَ مُقِيمًا إذَا لَمْ يَفْسَخْ نِيَّتَهُ الْأُولَى. فَإِنْ فَسَخَهَا قَبْلَ لِقَائِهِ، أَوْ حَالَ لِقَائِهِ: فَهُوَ مُسَافِرٌ. فَيَقْصُرُ بِلَا نِزَاعٍ. وَإِنْ فَسَخَهَا بَعْدَ لِقَائِهِ، فَهُوَ كَمَنْ نَوَى الْإِقَامَةَ الْمَانِعَةَ مِنْ الْقَصْرِ، ثُمَّ نَوَى السَّفَرَ قَبْلَ تَمَامِ الْإِقَامَةِ، هَلْ لَهُ الْقَصْرُ قَبْلَ شُرُوعِهِ فِي السَّفَرِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.، قَالَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَةُ. وَقَدَّمَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ. وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الْقَصْرُ حَتَّى يَشْرَعَ فِي السَّفَرِ. وَيَكُونُ كَالْمُبْتَدِئِ لَهُ كَمَا لَوْ تَمَّتْ مُدَّةُ الْإِقَامَةِ. وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، قَالَهُ الْمَجْدُ، وَمَجْمَعُ الْبَحْرَيْنِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَاخْتَارَ الْأَكْثَرُ: يَقْصُرُ إذَا سَافَرَ، كَمَا لَوْ تَمَّتْ مُدَّةُ الْإِقَامَةِ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَنَقَلَهُ صَالِحٌ: أَنَّهُ يَقْصُرُ مِنْ حِينِ نَوَى السَّفَرَ. فَأَبْطَلَ النِّيَّةَ الْأُولَى بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ؛ لِأَنَّهَا تَثْبُتُ بِهَا. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ. الثَّانِيَةُ: لَوْ مَرَّ بِوَطَنِهِ أَتَمَّ مُطْلَقًا. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ يَقْصُرُ، إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ حَاجَةٌ سِوَى الْمُرُورِ. وَلَوْ مَرَّ بِبَلَدٍ لَهُ فِيهِ امْرَأَةٌ، أَوْ تَزَوَّجَ فِيهِ، أَتَمَّ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ يُتِمُّ أَيْضًا إذَا مَرَّ بِبَلَدٍ لَهُ فِيهِ أَهْلٌ أَوْ مَاشِيَةٌ. وَهِيَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. وَقِيلَ: أَوْ مَالٌ وَقَالَ فِي عُمَدِ الْأَدِلَّةِ: لَا مَالَ مَنْقُولٌ. وَقِيلَ: إنْ كَانَ لَهُ بِهِ وَلَدٌ أَوْ وَالِدٌ أَوْ دَارٌ: قَصَرَ، وَفِي أَهْلِ غَيْرِهِمَا، أَوْ مَالٌ: وَجْهَانِ.
الثَّالِثَةُ: لَوْ فَارَقَ وَطَنَهُ بِنِيَّةِ رُجُوعِهِ بِقُرْبٍ لِحَاجَةٍ: لَمْ يَتَرَخَّصْ حَتَّى يَرْجِعَ وَيُفَارِقَهُ. نَصَّ عَلَيْهِ، وَكَذَا إنْ رَجَعَ عَلَيْهِ لِغَرَضِ الِاجْتِيَازِ بِهِ فَقَطْ، لِكَوْنِهِ فِي طَرِيقِ مَقْصِدِهِ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ. قَالَ الْمَجْدُ، وَمَجْمَعُ الْبَحْرَيْنِ: هَذَا ظَاهِرُ مَذْهَبِنَا، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِنَا " يَقْصُرُ الْمُجْتَازُ عَلَى وَطَنِهِ " فَيَقْصُرُ هُنَا فِي خُرُوجِهِ مِنْهُ أَوَّلًا، وَعَوْدِهِ إلَيْهِ وَاجْتِيَازِهِ بِهِ. قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، قُلْت: وَهُوَ ظَاهِرُ عِبَارَةِ الْكَافِي. انْتَهَى. وَإِذَا فَارَقَ أَوَّلًا وَطَنَهُ بِنِيَّةِ الْمُضِيِّ بِلَا عَوْدٍ، ثُمَّ بَدَا لَهُ الْعَوْدُ لِحَاجَةٍ فَتَرَخُّصُهُ قَبْلَ نِيَّةِ عَوْدِهِ جَائِزٌ. وَبَعْدَهَا غَيْرُ جَائِزٍ، لَا فِي عَوْدِهِ وَلَا فِي بَلَدِهِ حَتَّى يُفَارِقَهُ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، قَدَّمَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ. وَقَالَ: ذَكَرَهُ الْقَاضِي. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَعَنْهُ يَتَرَخَّصُ فِي عَوْدِهِ إلَيْهِ لَا فِيهِ، كَنِيَّةٍ طَارِئَةٍ لِلْإِقَامَةِ بِقَرْيَةٍ قَرِيبَةٍ مِنْهُ. قَالَ الْمَجْدُ: وَيَقْوَى عِنْدِي أَنَّهُ لَا يَقْصُرُ إذَا دَخَلَ وَطَنَهُ، وَلَكِنْ يَقْصُرُ فِي عَوْدِهِ إلَيْهِ. الرَّابِعَةُ: لَا يَنْتَهِي حُكْمُ السَّفَرِ بِبُلُوغِ الْبَلَدِ الَّذِي يَقْصِدُهُ إلَّا إذَا لَمْ يَنْوِ الْإِقَامَةَ هَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، نَصَّ عَلَيْهِ، قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: اخْتَارَهُ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هُوَ الْمَنْصُوصُ وَالْمُخْتَارُ لِلْأَكْثَرِ. وَقِيلَ: بَلَى. الْخَامِسَةُ: لَوْ سَافَرَ مَنْ لَيْسَ بِمُكَلَّفٍ مِنْ كَافِرٍ وَحَائِضٍ سَفَرًا طَوِيلًا، ثُمَّ كُلِّفَ بِالصَّلَاةِ فِي أَثْنَائِهِ، فَلَهُ الْقَصْرُ مُطْلَقًا فِيمَا بَقِيَ. وَقِيلَ: يَقْصُرُ إنْ بَقِيَ مَسَافَةُ الْقَصْرِ، وَإِلَّا فَلَا. وَاخْتَارَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ. السَّادِسَةُ: لَوْ رَجَعَ إلَى بَلَدٍ أَقَامَ بِهِ إقَامَةً مَانِعَةً: تَرَخَّصَ مُطْلَقًا حَتَّى فِيهِ. نَصَّ عَلَيْهِ، لِزَوَالِ نِيَّةِ إقَامَتِهِ. كَعَوْدِهِ مُخْتَارًا. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: كَوَطَنِهِ.
فَائِدَةٌ: كُلُّ مَنْ جَازَ لَهُ الْقَصْرُ جَازَ لَهُ الْفِطْرُ، وَلَا عَكْسَ. لِأَنَّ الْمَرِيضَ وَنَحْوَهُ لَا مَشَقَّةَ عَلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ، بِخِلَافِ الصَّوْمِ، وَقَدْ يَنْوِي الْمُسَافِرُ مَسِيرَةَ يَوْمَيْنِ وَيَقْطَعُهُمَا مِنْ الْفَجْرِ إلَى الزَّوَالِ مَثَلًا فَيُفْطِرُ، وَإِنْ لَمْ يَقْصُرْ. أَشَارَ إلَيْهِ ابْنُ عَقِيلٍ، لَكِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ الْفِطْرَ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَقَدْ يُعَايَى بِهَا. وَقَالَ أَيْضًا: وَلَعَلَّ ظَاهِرَ مَا سَبَقَ: أَنَّ مَنْ قَصَرَ جَمَعَ. لِكَوْنِهِ فِي حُكْمِ الْمُسَافِرِ. قَالَ: وَظَاهِرُ مَا ذَكَرُوهُ فِي بَابِ الْجَمْعِ لَا يَجْمَعُ. وَقَالَ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ فِي بَحْثِ الْمَسْأَلَةِ إذَا نَوَى إقَامَةَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ: لَهُ الْجَمْعُ، لَا مَا زَادَ. وَقِيلَ لِلْقَاضِي: إذَا لَمْ يَجْمَعْ إقَامَةً لَا يَقْصُرُ، لِأَنَّهُ لَا يَجْمَعُ؟ فَقَالَ: لَا يُسَلَّمُ هَذَا، بَلْ لَهُ الْجَمْعُ. انْتَهَى. وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهَلْ يَمْسَحُ مَسْحَ مُسَافِرٍ مَنْ قَصَرَ؟ قَالَ الْأَصْحَابُ كَالْقَاضِي وَغَيْرِهِ هُوَ مُسَافِرٌ مَا لَمْ يَفْسَخْ، أَوْ يَنْوِي الْإِقَامَةَ، أَوْ يَتَزَوَّجُ، أَوْ يَقْدِرُ عَلَى أَهْلٍ. وَقَالَ الْأَصْحَابُ مِنْهُمْ ابْنُ عَقِيلٍ الْأَحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالسَّفَرِ الطَّوِيلِ أَرْبَعَةٌ: الْقَصْرُ، وَالْجَمْعُ، وَالْمَسْحُ، ثَلَاثًا، وَالْفِطْرُ. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: فَإِنْ نَوَى إقَامَةً تَزِيدُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ صَارَ مُقِيمًا. وَخَرَجَ عَنْ رُخْصَةِ السَّفَرِ، وَيَسْتَبِيحُ الرُّخْصَ وَلَا يَخْرُجُ عَنْ حُكْمِ السَّفَرِ إذَا نَوَى مَا دُونَهَا. تَنْبِيهٌ: مَفْهُومُ قَوْلِهِ (وَالْمَلَّاحُ الَّذِي مَعَهُ أَهْلُهُ، وَلَيْسَ لَهُ نِيَّةُ الْإِقَامَةِ بِبَلَدٍ لَيْسَ لَهُ التَّرَخُّصُ) أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ أَهْلُهُ: لَهُ التَّرَخُّصُ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ. وَلَمْ يَعْتَبِرْ الْقَاضِي فِي مَوْضِعٍ مِنْ كَلَامِهِ فِي الْمَلَّاحِ وَمَنْ فِي حِكْمَةِ كَوْنُ أَهْلِهِ مَعَهُ، فَلَا يَتَرَخَّصُ وَحْدَهُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ خِلَافُ نُصُوصِهِ. فَعَلَى قَوْلِ الْقَاضِي، وَعَلَى الْمَذْهَبِ أَيْضًا فِيمَا إذَا كَانَ مَعَهُ أَهْلُهُ مَعَ عَدَمِ التَّرَخُّصِ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. قَالَ الْأَصْحَابُ: لِتَفْوِيتِ رَمَضَانَ بِلَا فَائِدَةٍ، لِأَنَّهُ يَقْضِيهِ فِي السَّفَرِ، وَكَمَا تَقْعُدُ امْرَأَتُهُ مَكَانَهَا كَمُقِيمٍ.
فَائِدَةٌ: قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَمِثْلُ الْمَلَّاحِ مَنْ لَا أَهْلَ لَهُ، وَلَا وَطَنَ، وَلَا مَنْزِلَ يَقْصِدُهُ، وَلَا يُقِيمُ بِمَكَانٍ، وَلَا يَأْوِي إلَيْهِ. انْتَهَى. وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْهَائِمَ وَالسَّائِحَ وَالتَّائِهَ لَا يَتَرَخَّصُونَ. فَائِدَتَانِ. إحْدَاهُمَا: الْمُكَارِي وَالرَّاعِي وَالْفَيْجُ وَالْبَرِيدُ وَنَحْوُهُمْ: كَالْمَلَّاحِ لَا يَتَرَخَّصُونَ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. وَقِيلَ: عَنْهُ يَتَرَخَّصُونَ، وَإِنْ لَمْ يَتَرَخَّصْ الْمَلَّاحُ. اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ. وَقَالَ: سَوَاءٌ كَانَ مَعَهُ أَهْلُهُ أَوْ لَا. لِأَنَّهُ مُسَافِرٌ مَشْقُوقٌ عَلَيْهِ. بِخِلَافِ الْمَلَّاحِ، وَاخْتَارَهُ أَيْضًا الشَّارِحُ، وَأَبُو الْمَعَالِي، وَابْنُ مُنَجَّا. وَإِلَيْهِ مَيْلُ صَاحِبِ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، الثَّانِيَةُ: الْفَيْجُ بِالْفَاءِ الْمَفْتُوحَةِ وَالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتٍ السَّاكِنَةِ، وَالْجِيمِ رَسُولُ السُّلْطَانِ مُطْلَقًا. وَقِيلَ: رَسُولُ السُّلْطَانِ إذَا كَانَ رَاجِلًا. وَقِيلَ: هُوَ السَّاعِي.، قَالَهُ أَبُو الْمَعَالِي. وَقِيلَ: هُوَ الْبَرِيدُ. قَوْلُهُ (فَصْلٌ فِي الْجَمْعِ. وَيَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَالْعِشَاءَيْنِ فِي وَقْتِ إحْدَاهُمَا. لِثَلَاثَةِ أُمُورٍ: السَّفَرِ الطَّوِيلِ) . الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِجَوَازِ الْجَمْعِ فِي السَّفَرِ: أَنْ تَكُونَ مُدَّتُهُ مِثْلَ مُدَّةِ الْقَصْرِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ وَقِيلَ: وَيَجُوزُ أَيْضًا الْجَمْعُ فِي السَّفَرِ الْقَصِيرِ. ذَكَرَهُ فِي الْمُبْهِجِ. وَأَطْلَقَهُمَا. تَنْبِيهٌ: يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ " وَيَجُوزُ الْجَمْعُ " أَنَّهُ لَيْسَ بِمُسْتَحَبٍّ. وَهُوَ كَذَلِكَ، بَلْ تَرْكُهُ أَفْضَلُ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. قَالَهُ الْمَجْدُ، وَصَاحِبُ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ. وَنَصَّ عَلَيْهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَغَيْرِهِ. وَعَنْهُ الْجَمْعُ أَفْضَلُ. اخْتَارَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ وَغَيْرُهُ، كَجَمْعَيْ عَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ. وَعَنْهُ التَّوَقُّفُ.
قَوْلُهُ (فِي وَقْتِ إحْدَاهُمَا) . الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: جَوَازُ الْجَمْعِ فِي وَقْتِ الْأُولَى كَالثَّانِيَةِ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هُوَ الْمَشْهُورُ الْمَعْمُولُ بِهِ فِي الْمَذْهَبِ. قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: هَذَا الْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ. وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ الْجَمْعُ لِلْمُسَافِرِ إلَّا فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ، إذَا كَانَ سَائِرًا فِي وَقْتِ الْأُولَى. اخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ. وَحَكَاهُ ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ رِوَايَةً. وَحَمَلَهُ بَعْضُ الْأَصْحَابِ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، قَالَهُ فِي الْحَوَاشِي. وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ الْجَمْعُ إلَّا لِسَائِرٍ مُطْلَقًا. وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: الْأَظْهَرُ مِنْ مَذْهَبِهِ: أَنَّ صِفَةَ الْجَمْعِ: فِعْلُ الْأُولَى آخَرَ وَقْتِهَا وَفِعْلُ الثَّانِيَةِ أَوَّلَ وَقْتِهَا. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: الْجَمْعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي السَّفَرِ يَخْتَصُّ بِمَحَلِّ الْحَاجَةِ، لَا أَنَّهُ مَنْ رُخَصِ السَّفَرِ الْمُطْلَقَةِ كَالْقَصْرِ. وَقَالَ أَيْضًا: فِي جَوَازِ الْجَمْعِ لِلْمَطَرِ فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ وَجْهَانِ. لِأَنَّا لَا نَثِقُ بِدَوَامِ الْمَطَرِ إلَى وَقْتِهَا. وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ جَمْعُ الْمُسْتَحَاضَةِ إلَّا فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ فَقَطْ. قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ. تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ قَوْلِهِ " السَّفَرِ الطَّوِيلِ " أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْجَمْعُ لِلْمَكِّيِّ وَمَنْ قَارَبَهُ بِعَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ وَمِنًى. وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ [أَكْثَرُ] الْأَصْحَابِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ، وَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي الْعِبَادَاتِ الْخَمْسِ وَالْمُصَنِّفُ وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: جَوَازَ الْجَمْعِ لَهُمْ. وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ قَرِيبًا أَوَّلَ الْبَابِ فِي الْقَصْرِ. قَوْلُهُ (وَالْمَرَضُ الَّذِي يَلْحَقُهُ بِتَرْكِ الْجَمْعِ فِيهِ مَشَقَّةٌ وَضَعْفٌ) . الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يَجُوزُ الْجَمْعُ لِلْمَرَضِ بِشَرْطِهِ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَعَنْهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الْجَمْعُ. ذَكَرَهَا أَبُو الْحُسَيْن فِي تَمَامِهِ، وَابْنُ عَقِيلٍ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنْ جَازَ لَهُ تَرْكُ الْقِيَامِ جَازَ لَهُ الْجَمْعُ، وَإِلَّا فَلَا.
فَوَائِدُ. مِنْهَا: يَجُوزُ الْجَمْعُ لِلْمَرَضِ لِلْمَشَقَّةِ بِكَثْرَةِ النَّجَاسَةِ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ نَصَّ عَلَيْهِ. وَذَكَرَ فِي الْوَسِيلَةِ رِوَايَةً: لَا يَجُوزُ. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ. وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: هُوَ كَمَرِيضٍ. وَمِنْهَا: يَجُوزُ الْجَمْعُ أَيْضًا لِعَاجِزٍ عَنْ الطَّهَارَةِ وَالتَّيَمُّمِ لِكُلِّ صَلَاةٍ. جَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ. وَالْفُرُوعِ. وَمِنْهَا: يَجُوزُ الْجَمْعُ لِلْمُسْتَحَاضَةِ وَمَنْ فِي مَعْنَاهَا. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ. وَعَنْهُ إنْ اغْتَسَلَتْ لِذَلِكَ جَازَ وَإِلَّا فَلَا. وَتَقَدَّمَ وَجْهٌ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهَا الْجَمْعُ إلَّا فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ. وَمِنْهَا: يَجُوزُ الْجَمْعُ أَيْضًا لِلْعَاجِزِ عَنْ مَعْرِفَةِ الْوَقْتِ، كَالْأَعْمَى وَنَحْوِهِ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: أَوْمَأَ إلَيْهِ. وَمِنْهَا: مَا، قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ وَغَيْرِهَا: يَجُوزُ الْجَمْعُ لِمَنْ لَهُ شَغْلٌ أَوْ عُذْرٌ يُبِيحُ تَرْكَ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ، كَخَوْفِهِ عَلَى نَفْسِهِ، أَوْ حَرَمِهِ، أَوْ مَالِهِ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ. انْتَهَى. وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ مُشَيْشٍ: الْجَمْعُ فِي الْحَضَرِ إذَا كَانَ عَنْ ضَرُورَةٍ مِثْلُ مَرَضٍ أَوْ شُغْلٍ. قَالَ الْقَاضِي: أَرَادَ بِالشُّغْلِ مَا يَجُوزُ مَعَهُ تَرْكُ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ مِنْ الْخَوْفِ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ. قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ وَتَبِعَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: وَهَذَا مِنْ الْقَاضِي يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَعْذَارَ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ كُلَّهَا تُبِيحُ الْجَمْعَ. وَقَالَا أَيْضًا: الْخَوْفُ يُبِيحُ الْجَمْعَ فِي ظَاهِرِ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، كَالْمَرَضِ وَنَحْوِهِ. وَأَوْلَى، لِلْخَوْفِ عَلَى ذَهَابِ النَّفْسِ وَالْمَالِ مِنْ الْعَدُوِّ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ وَشَرْحِهِ، [وَيُتَوَجَّهُ أَنَّ] مُرَادَ الْقَاضِي غَيْرُ غَلَبَةِ النُّعَاسِ. قُلْت: صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي الْوَجِيزِ. فَقَالَ: وَيَجُوزُ الْجَمْعُ لِمَنْ لَهُ شُغْلٌ أَوْ عُذْرٌ يُبِيحُ تَرْكَ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ، عَدَا نُعَاسٍ وَنَحْوِهِ.
وَقَالَ فِي الْفَائِقِ بَعْدَ كَلَامِ الْقَاضِي قُلْت: إلَّا النُّعَاسَ. وَجَزَمَ فِي التَّسْهِيلِ بِالْجَوَازِ فِي كُلِّ مَا يُبِيحُ تَرْكَ الْجُمُعَةِ. وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيَّ الدِّينِ جَوَازَ الْجَمْعِ لِلطَّبَّاخِ، وَالْخَبَّازِ وَنَحْوِهِمَا، مِمَّنْ يُخْشَى فَسَادُ مَالِهِ وَمَالِ غَيْرِهِ بِتَرْكِ الْجَمْعِ. قَوْلُهُ (وَالْمَطَرُ الَّذِي يَبُلُّ الثِّيَابَ) . وَمِثْلُهُ: الثَّلْجُ وَالْبَرَدُ وَالْجَلِيدُ. وَاعْلَمْ أَنَّ الصَّحِيحَ مِنْ الْمَذْهَبِ: جَوَازُ الْجَمْعِ لِذَلِكَ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ بِشَرْطِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ الْجَمْعُ. وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ. تَنْبِيهٌ: مُرَادُهُ بِقَوْلِهِ " الَّذِي يَبُلُّ الثِّيَابَ " أَنْ يُوجَدَ مَعَهُ مَشَقَّةٌ، قَالَهُ الْأَصْحَابُ. وَمَفْهُومُ كَلَامِهِ: أَنَّهُ إذَا لَمْ يَبُلَّ الثِّيَابَ لَا يَجُوزُ الْجَمْعُ. وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ. وَقِيلَ: يَجُوزُ الْجَمْعُ لِلطَّلِّ. قُلْت: وَهُوَ بَعِيدٌ. وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ. قَوْلُهُ (إلَّا أَنَّ جَمْعَ الْمَطَرِ يَخْتَصُّ الْعِشَاءَيْنِ، فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ) . وَهُمَا رِوَايَتَانِ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ بِلَا رَيْبٍ. نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ. وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، مِنْهُمْ أَبُو الْخَطَّابِ فِي رُءُوسِ الْمَسَائِلِ. فَإِنَّهُ جَزَمَ بِهِ فِيهَا. وَالْوَجْهُ الْآخَرُ: يَجُوزُ الْجَمْعُ كَالْعِشَاءَيْنِ. اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينُ وَغَيْرُهُمْ. وَلَمْ يَذْكُرْ ابْنُ هُبَيْرَةَ عَنْ أَحْمَدَ غَيْرَهُ. وَجَزَمَ بِهِ فِي نِهَايَةِ ابْنِ رَزِينٍ، وَنَظْمِهَا، وَالتَّسْهِيلِ. وَصَحَّحَهُ فِي الْمُذْهَبِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْخُلَاصَةِ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي مَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَخِصَالِ ابْنِ الْبَنَّا، وَالطُّوفِيِّ فِي شَرْحِ الْخِرَقِيِّ، وَالْحَاوِيَيْنِ. فَعَلَى الثَّانِي: لَا يَجْمَعُ الْجُمُعَةَ مَعَ الْعَصْرِ [فِي مَحَلٍّ يُبِيحُ الْجَمْعَ] قَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى الصَّغِيرُ وَغَيْرُهُ: ذَكَرُوهُ فِي الْجُمُعَةِ، وَيَأْتِي هُنَاكَ.
قَوْلُهُ (وَهَلْ يَجُوزُ لِأَجْلِ الْوَحْلِ؟) . عَلَى وَجْهَيْنِ عِنْدَ الْأَكْثَرِ. وَهُمَا رِوَايَتَانِ عِنْدَ الْحَلْوَانِيِّ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْبُلْغَةِ، وَشَرْحِ ابْنِ مُنَجَّا، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالشَّرْحِ، أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ، قَالَ الْقَاضِي قَالَ أَصْحَابُنَا: الْوَحْلُ عُذْرٌ يُبِيحُ الْجَمْعَ. قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، قَالَ ابْنُ رَزِينٍ: هَذَا أَظْهَرُ وَأَقْيَسُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُصَنِّفِ فِي الْمُغْنِي، وَصَاحِبِ التَّلْخِيصِ، وَشَرْحِ الْمَجْدِ، وَالنَّظْمِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالتَّصْحِيحِ وَغَيْرِهِمْ. وَجَزَمَ بِهِ الشَّرِيفُ، وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي رُءُوسِ مَسَائِلِهِمَا. وَالْمُبْهِجُ، وَتَذْكِرَةُ ابْنِ عَبْدُوسٍ، وَالْإِفَادَاتُ، وَالتَّسْهِيلُ وَغَيْرُهُمْ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْكَافِي، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَجُوزُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْعُمْدَةِ. فَإِنَّهُ قَالَ: وَيَجُوزُ الْجَمْعُ فِي الْمَطَرِ بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ خَاصَّةً. وَقِيلَ: يَجُوزُ إذَا كَانَ مَعَهُ ظُلْمَةٌ. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ أَبِي مُوسَى. فَائِدَتَانِ. إحْدَاهُمَا: لَمْ يُقَيِّدْ الْجُمْهُورُ الْوَحْلَ بِالْبَلَلِ. وَذَكَرَ الشَّرِيفُ، وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي رُءُوسِ مَسَائِلِهِمَا وَغَيْرُهَا: أَنَّ الْجَوَازَ مُخْتَصٌّ بِالْبَلَلِ. الثَّانِيَةُ: إذَا قُلْنَا يَجُوزُ لِلْوَحِلِ، فَمَحَلُّهُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ. فَلَا يَجُوزُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، إنْ جَوَّزْنَاهُ لِلْمَطَرِ، عَلَى الصَّحِيحِ، قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَأَطْلَقَ بَعْضُهُمْ الْجَوَازَ. قَوْلُهُ (وَهَلْ يَجُوزُ لِأَجْلِ الرِّيحِ الشَّدِيدَةِ الْبَارِدَةِ؟) عَلَى وَجْهَيْنِ عِنْدَ الْأَكْثَرِ. وَهُمَا رِوَايَتَانِ عِنْدَ الْحَلْوَانِيِّ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْحُكْمَ هُنَا كَالْحُكْمِ فِي الْوَحْلِ خِلَافًا وَمَذْهَبًا. فَلَا حَاجَةَ إلَى إعَادَتِهِ. فَائِدَةٌ: الصَّحِيحُ أَنَّ ذَلِكَ مُخْتَصٌّ بِالْعِشَاءَيْنِ. ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ. زَادَ فِي الْمُذْهَبِ وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْكَافِي: مَعَ ظُلْمَةٍ. وَأَطْلَقَ الْخِلَافَ كَالْمُصَنِّفِ فِي التَّلْخِيصِ وَالْمُحَرَّرِ. قَوْلُهُ (وَهَلْ يَجُوزُ لِمَنْ يُصَلِّي فِي بَيْتِهِ، أَوْ فِي مَسْجِدِ طَرِيقِهِ تَحْتَ سَابَاطٍ) ؟ (عَلَى وَجْهَيْنِ) . وَكَذَا لَوْ نَالَهُ شَيْءٌ يَسِيرٌ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْكَافِي، وَالْمُغْنِي، وَالْخُلَاصَةِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَشَرْحِ ابْنِ مُنَجَّا، فَالْمُحَرَّرِ، وَالشَّرْحِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ، أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ، قَالَ الْقَاضِي: هَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، وَصَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ. وَنَصَرَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرِينَ. قَالَ فِي الْمُنَوِّرِ: وَيَجُوزُ لِمَطَرٍ يَبُلُّ الثِّيَابَ لَيْلًا. وَجَزَمَ بِهِ فِي النَّظْمِ، وَنِهَايَةِ ابْنِ رَزِينٍ وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالنَّظْمِ، وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَجُوزُ. اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ. وَصَحَّحَهُ فِي الْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْعُمْدَةِ، كَمَا تَقَدَّمَ. وَقِيلَ: يَجُوزُ الْجَمْعُ هُنَا لِمَنْ خَافَ فَوْتَ مَسْجِدٍ أَوْ جَمَاعَةٍ جَمَعَ. قَالَ الْمَجْدُ: هَذَا أَصَحُّ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِفَادَاتِ، وَالْحَاوِيَيْنِ. وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، مَعَ أَنَّهُمْ أَطْلَقُوا الْخِلَافَ فِي غَيْرِ هَذِهِ الصُّورَةِ كَمَا تَقَدَّمَ. وَقَدَّمَ أَبُو الْمَعَالِي يَجْمَعُ الْإِمَامُ. وَاحْتَجَّ بِفِعْلِهِ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ. فَائِدَةٌ: لَا يَجُوزُ الْجَمْعُ لِعُذْرٍ مِنْ الْأَعْذَارِ سِوَى مَا تَقَدَّمَ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: جَوَازَ الْجَمْعِ لِتَحْصِيلِ الْجَمَاعَةِ، وَلِلصَّلَاةِ فِي حَمَّامٍ مَعَ جَوَازِهَا فِيهِ خَوْفَ فَوْتِ الْوَقْتِ، وَلِخَوْفٍ يَخْرُجُ فِي تَرْكِهِ أَيُّ مَشَقَّةٍ.
قَوْلُهُ (وَيَفْعَلُ الْأَرْفَقَ بِهِ: مِنْ تَأْخِيرِ الْأُولَى إلَى وَقْتِ الثَّانِيَةِ، أَوْ تَقَدُّمُ الثَّانِيَةِ إلَيْهَا) . هَذَا أَحَدُ الْأَقْوَالِ مُطْلَقًا. اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَقَالَ: هُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ الْمَنْصُوصِ عَنْ أَحْمَدَ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ، وَشَرْحِ ابْنِ مُنَجَّا وَقِيلَ: يَفْعَلُ الْمَرِيضُ الْأَرْفَقَ بِهِ، مِنْ التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ، وَهُوَ أَفْضَلُ، ذَكَرَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَصَاحِبُ الْفَائِقِ، وَالْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُمْ. زَادَ الْمُصَنِّفُ: فَإِنْ اسْتَوَيَا عِنْدَهُ، فَالْأَفْضَلُ التَّأْخِيرُ. وَقَالَ ابْنُ رَزِينٍ: وَيَفْعَلُ الْأَرْفَقَ إلَّا فِي جَمْعِ الْمَطَرِ. فَإِنَّ التَّقْدِيمَ أَفْضَلُ. وَعَنْهُ جَمْعُ التَّأْخِيرِ أَفْضَلُ. جَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالنَّظْمِ، وَالْحَوَاشِي. وَقَالَ: ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ. قَالَ الشَّارِحُ: لِأَنَّهُ أَحْوَطُ. وَفِيهِ خُرُوجٌ مِنْ الْخِلَافِ، وَعَمَلًا بِالْأَحَادِيثِ كُلِّهَا. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: الْمَنْصُوصُ وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ أَنَّ جَمْعَ التَّأْخِيرِ أَفْضَلُ. ذَكَرَهُ فِي جَمْعِ السَّفَرِ. وَقَالَ فِي رَوْضَةِ الْفِقْهِ: الْأَفْضَلُ فِي جَمْعِ الْمَطَرِ: التَّأْخِيرُ. وَقِيلَ: جَمْعُ التَّأْخِيرِ أَفْضَلُ فِي السَّفَرِ دُونَ الْحَضَرِ. جَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْخُلَاصَةِ. وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ فِي حَقِّ الْمُسَافِرِ. وَقَالَ: نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَالَ الْآمِدِيُّ: إنْ كَانَ سَائِرًا فَالْأَفْضَلُ التَّأْخِيرُ، وَإِنْ كَانَ فِي الْمَنْزِلِ فَالْأَفْضَلُ التَّقْدِيمُ. وَقَالَ فِي الْمُذْهَبِ: الْأَفْضَلُ فِي حَقِّ مَنْ يُرِيدُ الِارْتِحَالَ فِي وَقْتِ الْأُولَى، وَلَا يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ النُّزُولُ فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ: أَنْ يُقَدِّمَ الثَّانِيَةَ. وَفِي غَيْرِ هَذِهِ الْحَالَةِ الْأَفْضَلُ تَأْخِيرُ الْأُولَى إلَى دُخُولِ وَقْتِ الثَّانِيَةِ. انْتَهَى. وَقِيلَ: جَمْعُ التَّقْدِيمِ أَفْضَلُ مُطْلَقًا. وَقِيلَ: جَمْعُ التَّقْدِيمِ أَفْضَلُ فِي جَمْعِ الْمَطَرِ، نَقَلَهُ الْأَثْرَمُ، وَجَمْعُ التَّأْخِيرِ أَفْضَلُ فِي غَيْرِهِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي، وَالْحَاوِيَيْنِ. وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَتَيْنِ.
وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: فِي جَوَازِ الْجَمْعِ لِلْمَطَرِ فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ وَجْهَانِ، لِأَنَّا لَا نَثِقُ بِدَوَامِهِ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْهُ. قُلْت: ذَكَرَ فِي الْمُبْهِجِ وَجْهًا بِأَنَّهُ لَا يَجْمَعُ مُؤَخَّرًا بِعُذْرٍ الْمَطَرِ. نَقَلَهُ ابْنُ تَمِيمٍ. وَقَالَ: هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ. وَظَاهِرُ الْفُرُوعِ: إطْلَاقُ هَذِهِ الْأَقْوَالِ. فَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ يَفْعَلُ الْأَرْفَقَ بِهِ عِنْدَهُ: فَلَوْ اسْتَوَيَا، فَقَالَ فِي الْكَافِي، وَابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ: الْأَفْضَلُ التَّأْخِيرُ فِي الْمَرَضِ، وَفِي الْمَطَرِ التَّقْدِيمُ، وَتَقَدَّمَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ فِي الْمَرَضِ. قَوْلُهُ (وَلِلْجَمْعِ فِي وَقْتِ الْأُولَى ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ: نِيَّةُ الْجَمْعِ) يَعْنِي أَحَدَهَا: نِيَّةُ الْجَمْعِ. وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. وَقِيلَ: لَا تُشْتَرَطُ النِّيَّةُ لِلْجَمْعِ. اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. وَقَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ. وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ، وَالْمُسْتَوْعِبُ. وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ. قَوْلُهُ (عِنْدَ إحْرَامِهَا) الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَأْتِيَ بِالنِّيَّةِ عِنْدَ إحْرَامِ الصَّلَاةِ الْأُولَى، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. (وَيُحْتَمَلُ أَنْ تُجْزِئَهُ النِّيَّةُ قَبْلَ سَلَامِهَا) وَهُوَ وَجْهٌ، اخْتَارَهُ بَعْضُ الْأَصْحَابِ. قَالَ فِي الْمُذْهَبِ: وَفِي وَقْتِ نِيَّةِ الْجَمْعِ هَذِهِ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: أَنَّهُ يَنْوِي الْجَمْعَ فِي أَيِّ جَزْءٍ مِنْ الصَّلَاةِ الْأُولَى، مِنْ حِينِ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ إلَى أَنْ يُسَلِّمَ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُسْتَوْعِبِ. وَقِيلَ: تُجْزِئُهُ النِّيَّةُ بَعْدَ السَّلَامِ مِنْهَا، وَقَبْلَ إحْرَامِ الثَّانِيَةِ. ذَكَرَهُ ابْنُ تَمِيمٍ عَنْ أَبِي الْحُسَيْنِ. وَقِيلَ: تُجْزِئُهُ النِّيَّةُ عِنْدَ إحْرَامِ الثَّانِيَةِ. اخْتَارَهُ فِي الْفَائِقِ. وَقِيلَ: مَحَلُّ النِّيَّةِ إحْرَامُ الثَّانِيَةِ، لَا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ. ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ. وَجَزَمَ فِي التَّرْغِيبِ بِاشْتِرَاطِ النِّيَّةِ عِنْدَ إحْرَامِ الْأُولَى وَإِحْرَامِ الثَّانِيَةِ أَيْضًا. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَمَتَى قُلْنَا:
مَحَلُّ النِّيَّةِ الْأُولَى، فَهَلْ تَجِبُ فِي الثَّانِيَةِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَقَالَ فِي الْحَوَاشِي: وَمَتَى قُلْنَا مَحَلُّ النِّيَّةِ الْأُولَى: لَمْ تَجِبْ فِي الثَّانِيَةِ. وَقِيلَ: تَجِبُ. قَوْلُهُ (وَأَنْ لَا يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا إلَّا بِقَدْرِ الْإِقَامَةِ وَالْوُضُوءِ) اعْلَمْ أَنَّ الصَّحِيحَ مِنْ الْمَذْهَبِ وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ بِهِ أَكْثَرُهُمْ أَنَّهُ تُشْتَرَطُ الْمُوَالَاةُ فِي الْجَمْعِ فِي وَقْتِ الْأُولَى. وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ عَدَمَ اشْتِرَاطِ الْمُوَالَاةِ. وَأَخَذَهُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ، وَالْمَرُّوذِيِّ " لِلْمُسَافِرِ أَنْ يُصَلِّيَ الْعِشَاءَ قَبْلَ مَغِيبِ الشَّفَقِ " وَعَلَّلَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِأَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الْجَمْعُ. وَأَخَذَهُ أَيْضًا: مِنْ نَصِّهِ فِي جَمْعِ الْمَطَرِ إذَا صَلَّى إحْدَاهُمَا فِي بَيْتِهِ، وَالصَّلَاةُ الْأُخْرَى فِي الْمَسْجِدِ، فَلَا بَأْسَ. تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ " وَأَنْ لَا يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا إلَّا بِقَدْرِ الْإِقَامَةِ وَالْوُضُوءِ " هَكَذَا قَالَ كَثِيرٌ مِنْ الْأَصْحَابِ، مِنْهُمْ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَغَيْرِهِمْ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ. زَادَ جَمَاعَةٌ فَقَالُوا: لَا يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا إلَّا بِقَدْرِ الْإِقَامَةِ وَالْوُضُوءِ إذَا أَحْدَثَ. وَالتَّكْبِيرِ فِي أَيَّامِ الْعِيدِ، أَوْ ذِكْرٍ يَسِيرٍ، مِنْهُمْ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ فِيهَا. وَهُوَ قَوْلٌ فِي الرِّعَايَةِ. وَقَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي وَالشَّارِحُ: الْمَرْجِعُ فِي الْيَسِيرِ وَالْكَثِيرِ إلَى الْعُرْفِ. لَا حَدَّ لَهُ سِوَى ذَلِكَ. قَالَ: وَقَدَّرَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا بِقَدْرِ الْإِقَامَةِ وَالْوُضُوءِ. وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ لَا حَدَّ لَهُ، وَقَدَّمَ مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَحَوَاشِي ابْنِ مُفْلِحٍ. قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ وَتَبِعَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: وَالْمَرْجِعُ فِي طُولِهِ إلَى الْعُرْفِ وَإِنَّمَا قَرُبَ تَحْدِيدُهُ بِالْإِقَامَةِ وَالْوُضُوءِ. لِأَنَّ هَذَا هُوَ مَحَلُّ الْإِقَامَةِ، وَقَدْ يَحْتَاجُ إلَى الْوُضُوءِ فِيهِ. وَهُمَا مِنْ مَصَالِحِ الصَّلَاةِ. وَلَا تَدْعُو الْحَاجَةُ غَالِبًا إلَى غَيْرِ ذَلِكَ،
وَلَا إلَى أَكْثَرِ مِنْ زَمَنِهِ. انْتَهَيَا. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ. قَالَ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ: وَهُوَ أَقْيَسُ، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَإِنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا عُرْفًا، أَوْ أَزْيَدَ مِنْ قَدْرِ وُضُوءٍ مُعْتَادٍ، أَوْ إقَامَةِ صَلَاةٍ: بَطَلَ. وَاعْتَبَرَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ الْمُوَالَاةُ. وَقَالَ: مَعْنَاهَا أَنْ لَا يَفْصِلَ بَيْنَهُمَا بِصَلَاةٍ وَلَا كَلَامٍ، لِئَلَّا يَزُولَ مَعْنَى الِاسْمِ. وَهُوَ الْجَمْعُ. وَقَالَ أَيْضًا: إنْ سَبَقَهُ الْحَدَثُ فِي الثَّانِيَةِ وَقُلْنَا: تَبْطُلُ بِهِ فَتَوَضَّأَ أَوْ اغْتَسَلَ وَلَمْ يُطِلْ، فَفِي بُطْلَانِ جُمْعِهِ احْتِمَالَانِ، وَحَكَى الْقَاضِي فِي شَرْحِهِ الصَّغِيرِ وَجْهًا: أَنَّ الْجَمْعَ يُبْطِلُهُ التَّفْرِيقُ الْيَسِيرُ. فَعَلَى الْأَوَّلِ، قَالَ فِي النُّكَتِ: هَذَا إذَا كَانَ الْوُضُوءُ خَفِيفًا. فَأَمَّا مَنْ طَالَ وُضُوءُهُ، بِأَنْ يَكُونُ الْمَاءُ مِنْهُ عَلَى بُعْدٍ، بِحَيْثُ يَطُولُ الزَّمَانُ. فَإِنَّهُ يَبْطُلُ جَمْعُهُ. انْتَهَى. وَفِي كَلَامِ الرِّعَايَةِ الْمُتَقَدِّمِ إيمَاءٌ إلَيْهِ. وَقَطَعَ بِهِ الزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُ. قَوْلُهُ (فَإِنْ صَلَّى السُّنَّةَ بَيْنَهُمَا) (بَطَلَ الْجَمْعُ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ) وَهِيَ الْمَذْهَبُ، صَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالنَّظْمِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَالزَّرْكَشِيُّ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَالْمُنَوِّرِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُغْنِي، وَالْمُحَرَّرِ، وَالشَّرْحِ، وَحَوَاشِي ابْنِ مُفْلِحٍ، وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَا تَبْطُلُ كَمَا لَوْ تَيَمَّمَ. قَالَ الطُّوفِيُّ فِي شَرْحِ الْخِرَقِيِّ: أَظْهَرُ الْقَوْلِ دَلِيلًا عَلَى عَدَمِ الْبُطْلَانِ إلْحَاقًا لِلسُّنَّةِ الرَّاتِبَةِ بِجُزْءٍ مِنْ الصَّلَاةِ لِتَأَكُّدِهَا. وَأَمَّا صَلَاةُ غَيْرِ الرَّاتِبَةِ: فَيَبْطُلُ الْجَمْعُ عِنْدَ الْأَكْثَرِ. وَقَطَعُوا بِهِ، وَقَالَ فِي الِانْتِصَارِ: يَجُوزُ التَّنَفُّلُ أَيْضًا بَيْنَهُمَا. وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ: لَا بَأْسَ أَنْ يَتَطَوَّعَ بَيْنَهُمَا قَالَ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ: رِوَايَةُ أَبِي طَالِبٍ تَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الْجَمْعِ، وَإِنْ لَمْ تَحْصُلْ الْمُوَالَاةُ. وَتَقَدَّمَ أَنَّ الشَّيْخَ تَقِيَّ الدِّينِ لَا يَشْتَرِطُ الْمُوَالَاةَ فِي الْجَمْعِ.
وَأَطْلَقَ الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْكَافِي، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَابْنِ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ. تَنْبِيهٌ: مَحَلُّ الْخِلَافِ: إذَا لَمْ يُطِلْ الصَّلَاةَ. فَإِنْ أَطَالَهَا بَطَلَ الْجَمْعُ، رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ، قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُ، وَتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ فِي الْوُضُوءِ. فَائِدَةٌ: يُصَلِّي سُنَّةَ الظُّهْرِ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ.، قَالَهُ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ. وَقِيلَ: إنْ جَمَعَ فِي وَقْتِ الْعَصْرِ لَمْ يَجُزْ، وَإِلَّا جَازَ، لِبَقَاءِ الْوَقْتِ إذَنْ [وَيُصَلِّي فِي جَمْعٍ، وَلِتَقْدِيمِ سُنَّةِ الْعِشَاءِ بَعْدَ سُنَّةِ الْمَغْرِبِ، عَلَى الصَّحِيحِ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: الْأَشْبَهُ عِنْدِي: أَنْ يُؤَخِّرَهَا إلَى دُخُولِ وَقْتِ الْعِشَاءِ. وَذَكَرَ الْأَوَّلَ احْتِمَالًا] . قَوْلُهُ (وَأَنْ يَكُونَ الْعُذْرُ مَوْجُودًا عِنْدَ افْتِتَاحِ الصَّلَاتَيْنِ، وَسَلَامِ الْأُولَى) . هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْكَافِي، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَالْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ، وَالْفَائِقِ، وَالشَّرْحِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَشَرْحِ الْمَجْدِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَحَوَاشِي ابْنِ مُفْلِحٍ، وَغَيْرِهِمْ. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَسَوَاءٌ قُلْنَا بِاعْتِبَارِ نِيَّةِ الْجَمْعِ أَمْ لَا. وَقِيلَ: لَا يُشْتَرَطُ وُجُودُ الْعُذْرِ عِنْدَ سَلَامِ الْأُولَى. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَا أَثَرَ لِانْقِطَاعِهِ عِنْدَ سَلَامِ الْأُولَى إذَا عَادَ قَبْلَ طُولِ الْفَصْلِ. وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ. وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ وُجُودُ الْعُذْرِ فِي جَمِيعِ الصَّلَاةِ الْأُولَى. اخْتَارَهُ صَاحِبُ التَّبْصِرَةِ. فَوَائِدُ. مِنْهَا: لَوْ أَحْرَمَ بِالْأُولَى مَعَ قِيَامِ الْمَطَرِ، ثُمَّ انْقَطَعَ، وَلَمْ يَعُدْ. فَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ وَحَلَّ بَطَلَ الْجَمْعُ، وَإِلَّا إنْ حَصَلَ مِنْهُ وَحَلَّ وَقُلْنَا: يَجُوزُ الْجَمْعُ لِأَجْلِهِ لَمْ
تَبْطُلُ. جَزَمَ بِهِ ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ مُفْلِحٍ فِي حَوَاشِيهِ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَإِنْ حَصَلَ بِهِ وَحَلَّ، فَوَجْهَانِ، انْتَهَى. وَلَوْ شَرَعَ فِي الْجَمْعِ مُسَافِرٌ لِأَجْلِ السَّفَرِ. فَزَالَ سَفَرُهُ وَوُجِدَ وَحْلٌ أَوْ مَرَضٌ أَوْ مَطَرٌ، بَطَلَ الْجَمْعُ. وَمِنْهَا: يُعْتَبَرُ بَقَاءُ السَّفَرِ وَالْمَرَضِ، حَتَّى يَفْرُغُ مِنْ الثَّانِيَةِ. فَلَوْ قَدِمَ فِي أَثْنَائِهَا أَوْ صَحَّ، أَوْ أَقَامَ. بَطَلَ الْجَمْعُ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. كَالْقَصْرِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْعُمْدَةِ. فَقَالَ: وَاسْتِمْرَارُ الْعُذْرِ حَتَّى يَشْرَعَ فِي الثَّانِيَةِ فَيُتِمُّهَا نَفْلًا، وَقِيلَ: تَبْطُلُ. وَقِيلَ: لَا يَبْطُلُ الْجَمْعُ. كَانْقِطَاعِ الْمَطَرِ فِي الْأَشْهَرِ. وَالْفَرْقُ: أَنَّ نَتِيجَةَ الْمَطَرِ وَحْلٌ فَتَبِعَهُ. وَهُمَا فِي الْمَعْنَى سَوَاءٌ، قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَقَالَ فِي الْحَوَاشِي: وَالْفَرْقُ أَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ انْقِطَاعُ الْمَطَرِ لِاحْتِمَالِ عَوْدِهِ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ. وَقَدْ يَخْلُفُهُ عُذْرٌ مُبِيحٌ. وَهُوَ الْوَحْلُ. بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا. انْتَهَى. وَمِنْهَا: ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ ثَلَاثَ شُرُوطٍ، وَبَقِيَ شَرْطٌ رَابِعٌ. وَهُوَ التَّرْتِيبُ، لَكِنْ تَرَكَهُ لِوُضُوحِهِ. قَوْلُهُ (وَإِنْ جَمَعَ فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ كَفَاهُ نِيَّةُ الْجَمْعِ فِي وَقْتِ الْأُولَى مَا لَمْ يَضِقْ عَنْ فِعْلِهَا) . هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ، قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ. قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، قَالَ الشَّارِحُ: مَتَى جَمَعَ فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ نِيَّةِ الْجَمْعِ فِي وَقْتِ الْأُولَى. وَمَوْضِعُهَا فِي وَقْتِ الْأُولَى: مِنْ أَوَّلِهِ إلَى أَنْ يَبْقَى مِنْهُ قَدْرُ مَا يُصَلِّيهَا. هَكَذَا ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا. انْتَهَى. وَقَالَ الْمَجْدُ: وَإِنْ جَمَعَ فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ: اُشْتُرِطَتْ نِيَّةُ الْجَمْعِ قَبْلَ أَنْ يَبْقَى مِنْ وَقْتِ الْأُولَى بِقَدْرِهَا، لِفَوَاتِ فَائِدَةِ الْجَمْعِ. وَهُوَ التَّخْفِيفُ بِالْمُقَارَنَةِ بَيْنَهُمَا. وَقَالَهُ غَيْرُهُ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ. وَقِيلَ: يَصِحُّ وَلَوْ بَقِيَ قَدْرُ تَكْبِيرَةٍ مِنْ وَقْتِهَا أَوْ رَكْعَةٍ. قَالَ ابْنُ الْبَنَّا فِي
الْعُقُودِ: وَقْتُ النِّيَّةِ إذَا أَخَّرَ مِنْ زَوَالِ الشَّمْسِ أَوْ غُرُوبِهَا إلَى أَنْ يَبْقَى مِنْ وَقْتِ الْأُولَى قَدْرُ مَا يَنْوِيهَا فِيهِ. لِأَنَّهُ بِهِ يَكُونُ مُدْرِكًا لَهَا أَدَاءً. قَوْلُهُ (وَاسْتِمْرَارُ الْعُذْرِ إلَى دُخُولِ وَقْتِ الثَّانِيَةِ مِنْهُمَا) . لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا. قَوْلُهُ (وَلَا يُشْتَرَطُ غَيْرُ ذَلِكَ) . مُرَادُهُ غَيْرُ التَّرْتِيبِ. فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ بَيْنَهُمَا مُطْلَقًا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. وَجَعَلَهُ فِي الْكَافِي، وَالْمُغْنِي، وَنِهَايَةِ أَبِي الْمَعَالِي: أَصْلًا لِمَنْ قَالَ بِعَدَمِ سُقُوطِ التَّرْتِيبِ بِالنِّسْيَانِ فِي قَضَاءِ الْفَوَائِتِ. قَالَ فِي النُّكَتِ: فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمَذْهَبَ لَا يَسْقُطُ بِالنِّسْيَانِ. وَقِيلَ: يَسْقُطُ التَّرْتِيبُ بِالنِّسْيَانِ. لِأَنَّ إحْدَاهُمَا هُنَا تَبَعٌ لِاسْتِقْرَارِهِمَا. كَالْفَوَائِتِ. وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَالْفَائِقُ. قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ وَتَبِعَهُ الزَّرْكَشِيُّ: التَّرْتِيبُ مُعْتَبَرٌ هُنَا، لَكِنْ بِشَرْطِ الذِّكْرِ، كَتَرْتِيبِ الْفَوَائِتِ. وَوَجَّهَ فِي الْفُرُوعِ مِنْهَا تَخْرِيجًا بِالسُّقُوطِ مُطْلَقًا. وَقِيلَ: وَيَسْقُطُ التَّرْتِيبُ أَيْضًا بِضِيقِ وَقْتِ الثَّانِيَةِ، كَفَائِتَةٍ مَعَ مُؤَدَّاةٍ، وَإِنْ كَانَ الْوَقْتُ لَهَا أَدَاءً، قَالَهُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ. تَنْبِيهٌ: أَخْرَجَ بِقَوْلِهِ (وَلَا يُشْتَرَطُ غَيْرُ ذَلِكَ) الْمُوَالَاةُ. فَلَا تُشْتَرَطُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. وَقِيلَ: تُشْتَرَطُ. فَيَأْثَمُ بِالتَّأْخِيرِ عَمْدًا، وَتَكُونُ الْأُولَى قَضَاءً. وَلَا يَقْصُرُهَا الْمُسَافِرُ. وَقَدَّمَ أَبُو الْمَعَالِي: أَنَّهُ لَا يَأْثَمُ بِهِ، وَأَمَّا الصَّلَاةُ: فَصَحِيحَةٌ بِكُلِّ حَالٍ. كَمَا لَوْ صَلَّى الْأُولَى فِي وَقْتِهَا مَعَ نِيَّةِ الْجَمْعِ، ثُمَّ تَرَكَهُ. فَعَلَى الْمَذْهَبِ: لَا بَأْسَ بِالتَّطَوُّعِ بَيْنَهُمَا. نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ مَنْعُهُ. فَائِدَةٌ: لَا يُشْتَرَطُ اتِّخَاذُ الْإِمَامِ وَلَا الْمَأْمُومِ فِي صِحَّةِ الْجَمْعِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ
فصل في صلاة الخوف
الْمَذْهَبِ، فَلَوْ صَلَّى الْأُولَى وَحْدَهُ، ثُمَّ صَلَّى الثَّانِيَةَ إمَامًا أَوْ مَأْمُومًا، أَوْ تَعَدَّدَ الْإِمَامُ بِأَنْ صَلَّى بِهِمْ الْأُولَى، وَصَلَّى الثَّانِيَةَ إمَامٌ آخَرُ أَوْ تَعَدَّدَ الْمَأْمُومُ فِي الْجَمْعِ، بِأَنْ صَلَّى مَعَهُ مَأْمُومٌ فِي الْأُولَى. وَصَلَّى فِي الْأُخْرَى مَأْمُومٌ آخَرُ. أَوْ نَوَى الْجَمْعَ الْمَعْذُورَ مِنْ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ. كَمَنْ نَوَى الْجَمْعَ خَلَفَ مَنْ لَا يَجْمَعُ أَوْ بِمَنْ لَا يَجْمَعُ: صَحَّ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: صَحَّ فِي الْأَشْهَرِ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: إذَا صَلَّى إحْدَى صَلَاتَيْ الْجَمْعِ فِي بَيْتِهِ، وَالْأُخْرَى مَعَ الْإِمَامِ فَلَا بَأْسَ (وَصَحَّحَهُ ابْنُ تَمِيمٍ. وَقَدَّمَ فِي الرِّعَايَةِ عَدَمَ اتِّخَاذِهِ الْإِمَامَ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يُعْتَبَرُ اتِّخَاذُهُ الْمَأْمُومَ) قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: يُعْتَبَرُ فِي الْأَصَحِّ، وَقِيلَ: يُعْتَبَرُ اتِّخَاذُ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ أَيْضًا. ذَكَرَهُ فِي الرِّعَايَةِ. [فَصْلٌ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ] قَوْلُهُ (فَصْلٌ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَاةُ الْخَوْفِ مِنْ خَمْسَةِ أَوْجُهٍ، أَوْ سِتَّةٍ. كُلُّ ذَلِكَ جَائِزٌ لِمَنْ فَعَلَهُ) . وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ " مِنْ سِتَّةِ أَوْجُهٍ أَوْ سَبْعَةٍ " قَالَ الزَّرْكَشِيُّ. وَقِيلَ: أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ. (فَمِنْ ذَلِكَ: إذَا كَانَ الْعَدُوُّ فِي جِهَةِ الْقِبْلَةِ) ، (صَفَّ الْإِمَامُ الْمُسْلِمِينَ خَلَفَهُ صَفَّيْنِ) . يَعْنِي فَأَكْثَرَ. فَهَذِهِ صِفَةُ مَا صَلَّى عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ فِي عُسْفَانَ. (فَيُصَلِّي بِهِمْ جَمِيعًا إلَى أَنْ يَسْجُدَ، فَيَسْجُدُ مَعَهُ الصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ وَيَحْرُسُ الْآخَرُ حَتَّى يَقُومَ الْإِمَامُ إلَى الثَّانِيَةِ، فَيَسْجُدُ وَيَلْحَقُهُ) . الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ الْأَوْلَى أَنَّ الصَّفَّ الْمُؤَخَّرَ هُوَ الَّذِي يَحْرُسُ أَوَّلًا كَمَا قَالَ الْمُصَنِّف. قَالَ فِي النُّكَتِ: هُوَ الصَّوَابُ. وَاخْتَارَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ.
وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَشَرْحِ ابْنِ مُنَجَّا، وَالْوَجِيزِ، وَالنَّظْمِ، وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ، وَالتَّسْهِيلِ، وَحَوَاشِي ابْنِ مُفْلِحٍ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَغَيْرِهِمْ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ. وَقَالَ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ: يَحْرُسُ الصَّفُّ الْأَوَّلُ أَوَّلًا. لِأَنَّهُ أَحْوَطُ. قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: ذَكَرَهُ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ، وَالْفَائِقِ وَغَيْرِهِمْ. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ. وَابْنُ حَمْدَانَ، وَغَيْرُهُمَا: وَإِنْ صَفَّ فِي نَوْبَةِ غَيْرِهِ فَلَا بَأْسَ. فَوَائِدُ. إحْدَاهَا: قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: يَكُونُ كُلُّ صَفٍّ ثَلَاثَةً أَوْ أَكْثَرَ. وَقِيلَ: أَوْ أَقَلَّ. وَلَمْ أَرَهُ لِغَيْرِهِ. الثَّانِيَةُ: لَوْ تَأَخَّرَ الصَّفُّ الْمُقَدَّمُ، وَتَقَدَّمَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ كَانَ أَوْلَى، لِلتَّسْوِيَةِ فِي فَضِيلَةِ الْمَوْقِفِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْوَجِيزِ، وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ، وَابْنُ تَمِيمٍ. وَقِيلَ: يَجُوزُ مِنْ غَيْرِ أَفْضَلِيَّةٍ. جَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ. الثَّالِثَةُ: لَوْ حَرَسَ بَعْضُ الصَّفِّ، أَوْ جَعَلَهُمْ الْإِمَامُ صَفًّا وَاحِدًا جَازَ. الرَّابِعَةُ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَحْرُسَ صَفٌّ وَاحِدٌ فِي الرَّكْعَتَيْنِ. الْخَامِسَةُ: يُشْتَرَطُ فِي صَلَاةِ هَذِهِ الصِّفَةِ: أَنْ لَا يَخَافُوا كَمِينًا، وَأَنْ يَكُونَ قِتَالُهُمْ مُبَاحًا، سَوَاءٌ كَانَ حَضَرَا أَوْ سَفَرًا، وَأَنْ يَكُونَ الْمُسْلِمُونَ يَرَوْنَ الْكُفَّارَ لِخَوْفِ هُجُومِهِمْ قَوْلُهُ (الْوَجْهُ الثَّانِي: إذَا كَانَ الْعَدُوُّ فِي غَيْرِ جِهَةِ الْقِبْلَةِ) : (جَعَلَ طَائِفَةً حِذَاءَ الْعَدُوِّ) .
بِلَا نِزَاعٍ، لَكِنْ يُشْتَرَطُ فِي الطَّائِفَةِ: أَنْ تَكْفِيَ الْعَدُوَّ. زَادَ أَبُو الْمَعَالِي: بِحَيْثُ يَحْرُمُ فِرَارُهَا، فَلَا يُشْتَرَطُ فِي الطَّائِفَةِ عَدَدٌ عَلَى كِلَا الْقَوْلَيْنِ. وَهَذَا الْمَذْهَبُ. وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ فِي الْخِرَقِيُّ، وَالْمُبْهِجِ، وَالْإِيضَاحِ، وَالْعُقُودِ لِابْنِ الْبَنَّا، وَالْمُحَرَّرِ وَالْإِفَادَاتِ، وَالْوَجِيزِ، وَالنَّظْمِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَغَيْرِهِمْ. لِإِطْلَاقِهِمْ الطَّائِفَةَ. قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: هَذَا الْقِيَاسُ. وَصَحَّحَهُ فِي الْفَائِقِ، وَابْنُ تَمِيمٍ. قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَالْأَوْلَى أَنْ لَا يُشْتَرَطَ عَدَدٌ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ كَوْنُ كُلِّ طَائِفَةٍ ثَلَاثَةً فَأَكْثَرَ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَهُوَ أَشْهَرُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ. وَقَدَّمَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ. وَقِيلَ: يُكْرَهُ أَنْ تَكُونَ الطَّائِفَةُ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةٍ. اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَالْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ. وَيَأْتِي فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْحُدُودِ مِقْدَارُ الطَّائِفَةِ. فَائِدَةٌ: لَوْ فَرَّطَ الْإِمَامُ فِي ذَلِكَ أَوْ فِيمَا فِيهِ حَظٌّ لِلْمُسْلِمِينَ: أَثِمَ، وَيَكُونُ قَدْ أَتَى صَغِيرَةً. هَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ [تَبَعًا لِصَاحِبِ الْفُصُولِ، وَلَا يَقْدَحُ فِي الصَّلَاةِ إنْ قَارَنَهَا عَلَى الْأَشْبَهِ، قَالَ فِي الْفُصُولِ وَتَبِعَهُ فِي الْفُرُوعِ] . وَقِيلَ: يَفْسُقُ بِذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَتَكَرَّرْ مِنْهُ. كَالْمُودَعِ وَالْوَصِيِّ وَالْأَمِينِ إذَا فَرَّطَ فِي الْأَمَانَةِ. ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَقَالَ: وَتَكُونُ الصَّلَاةُ مَعَهُ مَبْنِيَّةً عَلَى إمَامَةِ الْفَاسِقِ. وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ. قُلْت: إنْ تَعَمَّدَ ذَلِكَ فَسَقَ قَطْعًا، وَإِلَّا فَلَا. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيُتَوَجَّهُ فِي الْمُودَعِ وَالْوَصِيِّ وَالْأَمِينِ إذَا فَرَّطَ: هَذَا الْخِلَافُ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الرِّعَايَةِ.
قَوْلُهُ (فَإِذَا قَامُوا إلَى الثَّانِيَةِ ثَبَتَ قَائِمًا، وَأَتَمَّتْ لِأَنْفُسِهَا أُخْرَى، وَسَلَّمَتْ وَمَضَتْ إلَى الْعَدُوِّ) . الرَّكْعَةُ الثَّانِيَةُ الَّتِي تُتِمُّهَا لِنَفْسِهَا: تَقْرَأُ فِيهَا بِالْحَمْدِ وَسُورَةٍ. وَتَنْوِي الْمُفَارَقَةَ؛ لِأَنَّ مَنْ تَرَكَ الْمُتَابَعَةَ وَلَمْ يَنْوِ الْمُفَارَقَةَ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ. وَيَلْزَمُهَا أَيْضًا أَنْ تَسْجُدَ لِسَهْوِ إمَامِهَا الَّذِي وَقَعَ مِنْهُ قَبْلَ الْمُفَارَقَةِ عِنْدَ فَرَاغِهَا. قُلْت: فَيُعَايَى بِهَا. وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهَا بَعْدَ الْمُفَارَقَةِ مُنْفَرِدَةٌ. قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ. وَقِيلَ ابْنُ حَامِدٍ: هِيَ مَنْوِيَّةٌ. وَأَمَّا الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ: فَهِيَ مَنْوِيَّةٌ فِي كُلِّ صَلَاتِهِ فَيَسْجُدُونَ لِسَهْوِهِ فِيمَا أَدْرَكُوهُ وَفِيمَا فَاتَهُمْ كَالْمَسْبُوقِ. وَلَا يَسْجُدُونَ لِسَهْوِهِمْ، وَمَنَعَ أَبُو الْمَعَالِي انْفِرَادَهُ. فَإِنَّ مَنْ فَارَقَ إمَامَهُ فَأَدْرَكَهُ مَأْمُومٌ بَقِيَ عَلَى حُكْمِ إمَامَتِهِ. تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ " ثَبَتَ قَائِمًا " يَعْنِي يُطِيلُ الْقِرَاءَةَ حَتَّى تَحْضُرُ الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى. قَوْلُهُ (وَجَاءَتْ الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى، فَصَلَّتْ مَعَهُ الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ) . فَيَقْرَأُ الْإِمَامُ إذَا جَاءُوا الْفَاتِحَةَ وَسُورَةً، إنْ لَمْ يَكُنْ قَرَأَ، وَإِنْ كَانَ قَرَأَ قَرَأَ بِقَدْرِ الْفَاتِحَةِ وَسُورَةٍ. وَلَا يُؤَخِّرُ الْقِرَاءَةَ إلَى مَجِيئِهَا. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ السُّكُوتُ، وَلَا التَّسْبِيحُ، وَلَا الدُّعَاءُ، وَلَا الْقِرَاءَةُ بِغَيْرِ الْفَاتِحَةِ. لَمْ يَبْقَ إلَّا الْقِرَاءَةُ بِالْفَاتِحَةِ وَسُورَةٍ طَوِيلَةٍ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ " لَا يَجُوزُ " أَيْ يُكْرَهُ. فَائِدَةٌ: يَكْفِي إدْرَاكُهَا لِرُكُوعِهَا. وَيَكُونُ تَرْكُ الْإِمَامِ الْمُسْتَحَبَّ، وَفِي الْفُصُولِ: فَعَلَ مَكْرُوهًا. قَوْلُهُ (فَإِذَا جَلَسَ لِلتَّشَهُّدِ أَتَمَّتْ لِأَنْفُسِهَا أُخْرَى، وَتَشَهَّدَتْ وَسَلَّمَ بِهِمْ) . هَذَا الْمَذْهَبُ أَعْنِي أَنَّهَا تُتِمُّ صَلَاتَهَا إذَا جَلَسَ الْإِمَامُ لِلتَّشَهُّدِ، يَنْتَظِرُهُمْ حَتَّى
يُسَلِّمَ بِهِمْ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَجَزَمَ بِهِ الْخِرَقِيُّ، وَالْمُحَرَّرُ، وَالْوَجِيزُ، وَغَيْرُهُمْ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَغَيْرِهِمْ. وَقِيلَ: لَهُ أَنْ يُسَلِّمَ قَبْلَهُمْ. وَجَزَمَ بِهِ النَّاظِمُ. قَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: لَوْ أَتَمَّتْ بَعْدَ سَلَامِهِ جَازَ. وَقِيلَ: تَقْضِي الطَّائِفَةُ بَعْدَ سَلَامِهِ. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي بَكْرٍ فِي التَّنْبِيهِ. فَوَائِدُ. الْأُولَى: تَسْجُدُ الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ مَعَهُ لِسَهْوِهِ، وَلَا تُعِيدُهُ؛ لِأَنَّهَا تَنْفَرِدُ عَنْهُ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَجَعَلَهَا الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ كَمَسْبُوقٍ. وَقِيلَ: إنْ سَهَا فِي حَالِ انْتِظَارِهَا، أَوْ سَهَتْ بَعْدَ مُفَارَقَتِهِ. فَهَلْ يَثْبُتُ حُكْمُ الْقُدْوَةِ؟ وَإِذَا لَحِقُوهُ فِي التَّشَهُّدِ هَلْ يُعْتَبَرُ تَجْدِيدُ نِيَّةِ الِاقْتِدَاءِ؟ فِيهِ خِلَافٌ مَأْخُوذٌ مِمَّنْ زُحِمَ عَنْ سُجُودٍ إذَا سَهَا فِيمَا يَأْتِي بِهِ، أَوْ سَهَا إمَامُهُ قَبْلَ لُحُوقِهِ، أَوْ سَهَا الْمُنْفَرِدُ، ثُمَّ دَخَلَ فِي جَمَاعَةٍ. وَفِيهِ وَجْهَانِ، قَالَهُ أَبُو الْمَعَالِي. وَأَوْجَبَ أَبُو الْخَطَّابِ سُجُودَ السَّهْوِ عَلَى الْمَزْحُومِ؛ لِانْفِرَادِهِ بِفِعْلِهِ وَقِيَاسُ قَوْلِهِ فِي الْبَاقِي كَذَلِكَ. قَالَ الْمَجْدُ: وَانْفِرَادُ أَبُو الْخَطَّابِ عَنْ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا وَعَامَّةِ الْعُلَمَاءِ: أَنَّ انْفِرَادَ الْمَأْمُومِ بِمَا لَا يَقْطَعُ قُدْوَتَهُ، مَتَى سَهَا فِيهِ، أَوْ بِهِ حَمَلَهُ عَنْهُ الْإِمَامُ. وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي مَوَاضِعَ، لِبَقَاءِ حُكْمِ الْقُدْوَةِ. وَأَمَّا الطَّائِفَةُ الْأُولَى: فَهِيَ فِي حُكْمِ الِائْتِمَامِ قَبْلَ مُفَارَقَتِهِ. إنْ سَهَا لَزِمَهُمْ حُكْمُ سَهْوِهِ، وَسَجَدُوا لَهُ، وَإِنْ سَهَوْا لَمْ يَلْحَقْهُمْ حُكْمُ سَهْوِهِمْ. وَإِذَا فَارَقُوهُ صَارُوا مُنْفَرِدِينَ لَا يَلْحَقُهُمْ سَهْوُهُ. وَإِنْ سَهَوْا سَجَدُوا، قَالَهُ فِي الْكَافِي. وَهُوَ مُشْكِلٌ بِمَا تَقَدَّمَ فِي آخِرِ بَابِ السَّهْوِ: أَنَّ الْمَسْبُوقَ لَوْ سَهَا مَعَ الْإِمَامِ أَنَّهُ يَسْجُدُ. الثَّانِيَةُ: هَذِهِ الصَّلَاةُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ اخْتَارَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَصْحَابُهُ، حَتَّى قَطَعَ بِهَا كَثِيرٌ مِنْهُمْ. وَقَدَّمُوهَا عَلَى الْوَجْهِ الثَّالِثِ الْآتِي بَعْدُ. وَفَضَّلُوهَا عَلَيْهِ. وَفَعَلَهَا عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ بِذَاتِ الرِّقَاعِ.
الثَّالِثَةُ: هَذِهِ الصِّفَةُ تُفْعَلُ وَإِنْ كَانَ الْعَدُوُّ فِي جِهَةِ الْقِبْلَةِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، نَصَّ عَلَيْهِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ، وَابْنُ تَمِيمٍ. وَقَالَ الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ وَجَمَاعَةٌ: مِنْ شُرُوطِ هَذِهِ الصَّلَاةِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ: كَوْنُ الْعَدُوِّ فِي غَيْرِ جِهَةِ الْقِبْلَةِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ. قَالَ الْمَجْدُ: نَصُّ أَحْمَدَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا لَمْ تَكُنْ صَلَاةَ عُسْفَانَ. لِاسْتِئْثَارِ الْعَدُوِّ، وَقَوْلُ الْقَاضِي مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا كَانَتْ صَلَاةَ عُسْفَانَ. قَوْلُهُ (وَإِنْ كَانَتْ الصَّلَاةُ مَغْرِبًا صَلَّى بِالْأُولَى رَكْعَتَيْنِ وَبِالثَّانِيَةِ رَكْعَةً) . بِلَا نِزَاعٍ. وَنَصَّ عَلَيْهِ، وَلَوْ صَلَّى بِالْأُولَى رَكْعَةً وَبِالثَّانِيَةِ رَكْعَتَيْنِ عَكْسُ الصِّفَةِ الْأُولَى صَحَّتْ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَنَصَّ عَلَيْهِ، وَفِي الْفُرُوعِ تَخْرِيجٌ بِفَسَادِهَا مِنْ بُطْلَانِهَا إذَا فَرَّقَهُمْ أَرْبَعَ فِرَقٍ. قَوْلُهُ (وَإِنْ كَانَتْ رُبَاعِيَّةً غَيْرَ مَقْصُورَةٍ صَلَّى بِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ) بِلَا نِزَاعٍ. وَلَوْ صَلَّى بِطَائِفَةٍ رَكْعَةً، وَبِالْأُخْرَى ثَلَاثًا. صَحَّ وَلَمْ يُخَرِّجْ فِيهَا فِي الْفُرُوعِ. وَخَرَّجَ ابْنُ تَمِيمٍ الْبُطْلَانَ. وَهُوَ احْتِمَالٌ فِي الرِّعَايَةِ. قَوْلُهُ (وَهَلْ تُفَارِقُهُ الْأُولَى فِي التَّشَهُّدِ، أَوْ فِي الثَّالِثَةِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَالشَّرْحِ، أَحَدُهُمَا: تُفَارِقُهُ عِنْدَ فَرَاغِ التَّشَهُّدِ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ، جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَالْخُلَاصَةِ وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَغَيْرِهِمْ. وَصَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: تُفَارِقُهُ فِي الثَّالِثَةِ. قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: هَذَا أَصَحُّ الْوَجْهَيْنِ
فَعَلَى الْمَذْهَبِ: يَنْتَظِرُ الْإِمَامُ الطَّائِفَةَ الثَّانِيَةَ جَالِسًا، يُكَرِّرُ التَّشَهُّدَ. فَإِذَا أَتَتْ. قَامَ زَادَ أَبُو الْمَعَالِي: تُحْرِمُ مَعَهُ ثُمَّ يَنْهَضُ بِهِمْ. وَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي: يَكُونُ الِانْتِظَارُ فِي الثَّالِثَةِ، فَيَقْرَأُ سُورَةً مَعَ الْفَاتِحَةِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، قُلْت: فَيُعَايَى بِهَا. وَفِيهَا احْتِمَالٌ لِابْنِ عَقِيلٍ فِي الْفُنُونِ: يُكَرِّرُ الْفَاتِحَةَ. فَائِدَةٌ: لَا تَتَشَهَّدُ الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ بَعْدَ ثَالِثَةِ الْمَغْرِبِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَحَلُّ تَشَهُّدِهَا. وَقِيلَ: تَتَشَهَّدُ مَعَهُ، إنْ قُلْنَا تَقْضِي رَكْعَتَيْنِ مُتَوَالِيَتَيْنِ، لِئَلَّا تُصَلِّيَ الْمَغْرِبَ بِتَشَهُّدٍ وَاحِدٍ. قُلْت: فَعَلَى الْأَوَّلِ إنْ قُلْنَا: تَقْضِي رَكْعَتَيْنِ مُتَوَالِيَتَيْنِ يُعَايَى بِهَا، لَكِنْ يَظْهَرُ بَعْدَ هَذَا أَنْ يُقَالَ: لَا تَتَشَهَّدُ بَعْدَ الثَّالِثَةِ، وَإِذَا قَضَتْ تَقْضِي رَكْعَتَيْنِ مُتَوَالِيَتَيْنِ. وَيُتَصَوَّرُ فِي الْمَغْرِبِ أَيْضًا سِتُّ تَشَهُّدَاتٍ بِأَنْ يُدْرِكَ الْمَأْمُومُ الْإِمَامَ فِي التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ، فَيَتَشَهَّدَ مَعَهُ. وَيَكُونُ عَلَى الْإِمَامِ سُجُودُ سَهْوٍ مَحَلُّهُ بَعْدَ السَّلَامِ. فَيَتَشَهَّدُ مَعَهُ ثَلَاثُ تَشَهُّدَاتٍ. ثُمَّ يَقْضِي فَيَتَشَهَّدُ عَقِيبَ رَكْعَةٍ، وَفِي آخِرِ صَلَاتِهِ. وَلِسَهْوٍ لِمَا يَجِبُ سُجُودُهُ بَعْدَ السَّلَامِ، بِأَنْ يُسَلِّمَ قَبْلَ إتْمَامِ صَلَاتِهِ، فَيُعَايَى بِهَا. قَوْلُهُ (وَإِنْ فَرَّقَهُمْ أَرْبَعَ فِرَقٍ، فَصَلَّى بِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَةً، صَحَّتْ صَلَاةُ الْأُولَيَيْنِ) . لِمُفَارَقَتِهِمَا قَبْلَ الِانْتِظَارِ الثَّالِثِ، وَهُوَ الْمُبْطِلُ. ذَكَرَ هَذَا التَّعْلِيلَ ابْنُ حَامِدٍ وَغَيْرُهُ. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ: سَوَاءٌ احْتَاجَ إلَى هَذَا التَّفْرِيقِ أَوْ لَا. قَوْلُهُ (وَبَطَلَتْ صَلَاةُ الْإِمَامِ، وَالْأُخْرَيَيْنِ إنْ عَلِمَتَا بُطْلَانَ صَلَاتِهِ) وَهَذَا الْمَذْهَبُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ. وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَقَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: وَالصَّحِيحُ عِنْدِي عَلَى أَصْلِنَا إنْ كَانَ هَذَا الْفِعْلُ لِحَاجَةٍ صَحَّتْ صَلَاةُ الْكُلِّ كَحَاجَتِهِمْ
إلَى ثَلَاثِمِائَةٍ بِإِزَاءِ الْعَدُوِّ، وَالْجَيْشُ أَرْبَعُمِائَةٍ. لِجَوَازِ الِانْفِرَادِ لِعُذْرٍ. وَالِانْتِظَارُ إنَّمَا هُوَ تَطْوِيلُ قِيَامٍ وَقِرَاءَةٍ وَذِكْرٍ. وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ حَاجَةٍ صَحَّتْ صَلَاةُ الْأُولَى، لِجَوَازِ مُفَارَقَتِهَا. بِدَلِيلِ جَوَازِ صَلَاتِهِ بِالثَّانِيَةِ الرَّكَعَاتِ الثَّلَاثَ. وَبَطَلَتْ صَلَاةُ الْإِمَامِ وَالثَّانِيَةُ لِانْفِرَادِهَا بِلَا عُذْرٍ. وَهُوَ مُبْطِلٌ عَلَى الْأَشْهَرِ، وَبَطَلَتْ صَلَاةُ الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ، لِدُخُولِهِمَا فِي صَلَاةٍ بَاطِلَةٍ. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَهُوَ أَحْسَنُ، وَقِيلَ: تَبْطُلُ صَلَاةُ الْكُلِّ بِنِيَّةِ صَلَاةٍ مُحَرَّمٍ ابْتِدَاؤُهَا. وَقِيلَ: تَصِحُّ صَلَاةُ الْإِمَامِ فَقَطْ. وَجَزَمَ بِهِ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ، وَوَجَّهَ فِي الْفُرُوعِ بُطْلَانَ صَلَاةِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ، لِانْصِرَافِهِمَا فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ. تَنْبِيهٌ: مَفْهُومُ قَوْلِهِ " وَبَطَلَتْ صَلَاةُ الْإِمَامِ وَالْأُخْرَيَيْنِ. إنْ عَلِمَتَا بُطْلَانَ صَلَاتِهِ " أَنَّهُمَا إذَا جَهِلَتَا بُطْلَانَ صَلَاتِهِ تَصِحُّ صَلَاتُهُمَا. وَهُوَ صَحِيحٌ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ بِشَرْطِ أَنْ يَجْهَلَ الْإِمَامُ أَيْضًا بُطْلَانَ صَلَاتِهِ. اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ وَغَيْرُهُ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُعْتَبَرَ جَهْلُ الْإِمَامِ أَيْضًا. وَقِيلَ: لَا تَبْطُلُ، وَلَوْ لَمْ يَجْهَلْ الْإِمَامُ بُطْلَانَ صَلَاتِهِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَفِيهِ نَظَرٌ. وَلِهَذَا قِيلَ: لَا تَصِحُّ كَحَدَثِهِ. وَقِيلَ: لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُمْ وَلَوْ جَهِلُوا، لِلْعِلْمِ بِالْمُفْسِدِ. قَالَ الْمَجْدُ: وَهُوَ أَقْيَسُ عَلَى أَصْلِنَا. وَالْجَهْلُ بِالْحُكْمِ لَا تَأْثِيرَ لَهُ كَالْحَدَثِ. قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: قُلْت: وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ بِبُطْلَانِ صَلَاةِ الْجَمْعِ إذَا لَمْ يَكُنْ التَّفْرِيقُ لِحَاجَةٍ، وَلَمْ يَعْذُرْ الْمَأْمُومِينَ لِجَهْلِهِمْ، لَمْ يَبْعُدْ. قَوْلُهُ (الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنْ يُصَلِّيَ بِطَائِفَةٍ رَكْعَةً، ثُمَّ تَمْضِيَ إلَى الْعَدُوِّ، وَتَأْتِيَ الْأُخْرَى، فَيُصَلِّيَ بِهَا رَكْعَةً، وَيُسَلِّمَ وَحْدَهُ. وَتَمْضِيَ هِيَ، ثُمَّ تَأْتِيَ الْأُولَى فَتُتِمَّ صَلَاتَهَا، ثُمَّ تَأْتِيَ الْأُخْرَى فَتُتِمَّ صَلَاتَهَا) وَهَذَا بِلَا نِزَاعٍ. لَكِنْ إذَا أَتَمَّتْهَا الطَّائِفَةُ الْأُولَى تَلْزَمُهَا الْقِرَاءَةُ فِيمَا تَقْضِيهِ
عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَابْنُ تَمِيمٍ. وَقَالَ الْقَاضِي فِي جَامِعِهِ الصَّغِيرِ: لَا قِرَاءَةَ عَلَيْهَا، بَلْ إنْ شَاءَتْ قَرَأَتْ وَإِنْ شَاءَتْ لَمْ تَقْرَأْ. لِأَنَّهَا مُؤْتَمَّةٌ بِالْإِمَامِ حُكْمًا. انْتَهَى. وَلَوْ زَحَمَ الْمَأْمُومُ أَوْ نَامَ حَتَّى سَلَّمَ إمَامُهُ قَرَأَ فِيمَا يَقْضِيهِ. نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَى قَوْلِ الْقَاضِي: لَا يَحْتَاجُ إلَى قِرَاءَةٍ، قَالَهُ ابْنُ تَمِيمٍ وَصَاحِبُ الْفُرُوعِ. قُلْت: فَيُعَايَى بِهَا عَلَى قَوْلٍ فِيهِمَا. وَأَمَّا الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى: فَتَلْزَمُهَا الْقِرَاءَةُ فِيمَا تَقْضِيهِ وَجْهًا وَاحِدًا. فَائِدَتَانِ. إحْدَاهُمَا: هَذِهِ الصَّلَاةُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ: وَرَدَتْ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ، وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُمْ، وَلَيْسَتْ مُخْتَارَةً عِنْدَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَالْأَصْحَابِ، بَلْ الْمُخْتَارُ عِنْدَهُمْ: الْوَجْهُ الثَّانِي، كَمَا تَقَدَّمَ. الثَّانِيَةُ: لَوْ قَضَتْ الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى رَكْعَتَهَا حِينَ تُفَارِقُ الْإِمَامَ وَسَلَّمَتْ، ثُمَّ مَضَتْ، وَأَتَتْ الْأُولَى فَأَتَمَّتْ كَخَبَرِ ابْنِ مَسْعُودٍ صَحَّ. وَهَذِهِ الصِّفَةُ أَوْلَى عِنْدَ بَعْضِ الْأَصْحَابِ، قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَهُوَ أَحْسَنُ. قَوْلُهُ (الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنْ يُصَلِّيَ بِكُلِّ طَائِفَةٍ صَلَاةً وَيُسَلِّمَ بِهَا) تَصِحُّ الصَّلَاةُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَإِنْ مَنَعْنَا اقْتِدَاءَ الْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّلِ. نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالْفَائِقِ وَقَالَ: هُوَ أَصَحُّ وَغَيْرِهِمْ. وَبَنَاهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ عَلَى اقْتِدَاءِ الْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّلِ. وَهَذِهِ الصِّفَةُ فَعَلَهَا عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ. رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ. قَوْلُهُ (الْوَجْهُ الْخَامِسُ: أَنْ يُصَلِّيَ الرُّبَاعِيَّةَ الْمَقْصُورَةَ تَامَّةً. وَتُصَلِّيَ
مَعَهُ كُلُّ طَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ. وَلَا يَقْضِيَ شَيْئًا. فَتَكُونُ لَهُ تَامَّةً، وَلَهُمْ مَقْصُورَةً) الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ الصَّلَاةَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ صَحِيحَةٌ. نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ. وَقَالَ الْمَجْدُ: لَا تَصِحُّ، لِاحْتِمَالِ سَلَامِهِ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ. فَتَكُونُ الصِّفَةُ الَّتِي قَبْلَهَا. قَالَ: وَتَبِعَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، فَلَا يَجُوزُ إثْبَاتُ هَذِهِ الصِّفَةِ مَعَ الشَّكِّ وَالِاحْتِمَالِ. وَنَصَرَاهُ. وَهَذِهِ الصِّفَةُ فَعَلَهَا عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ فِي ذَاتِ الرِّقَاعِ. رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَالْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ. قُلْت: فَعَلَى الْمَذْهَبِ يُعَايَى بِهَا. فَائِدَتَانِ. إحْدَاهُمَا: لَوْ قَصَرَ الصَّلَاةَ الْجَائِزَ قَصْرُهَا، وَصَلَّى بِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَةً بِلَا قَضَاءٍ صَحَّ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِ. قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالْفَائِقِ. وَقَالَ: وَهُوَ الْمُخْتَارُ، وَاخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ. وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَمَنَعَ الْأَكْثَرُ صِحَّةَ هَذِهِ الصِّفَةِ. قَالَ الشَّارِحُ: وَهَذَا قَوْلُ أَصْحَابِنَا، وَمَالَ إلَيْهِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هَذَا الْمَشْهُورُ، قَالَ الْقَاضِي: الْخَوْفُ لَا يُؤَثِّرُ فِي نَقْصِ الرَّكَعَاتِ. قَالَ فِي الْكَافِي: كَلَامُ أَحْمَدَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ مِنْ الْوُجُوهِ الْجَائِزَةِ إلَّا أَنَّ أَصْحَابَهُ قَالُوا: لَا تَأْثِيرَ لِلْخَوْفِ فِي عَدَدِ الرَّكَعَاتِ. وَحَمَلُوا هَذِهِ الصِّفَةَ عَلَى شِدَّةِ الْخَوْفِ. انْتَهَى. وَهَذَا: هُوَ الْوَجْهُ السَّادِسُ. قَالَ الشَّارِحُ: وَذَكَرَ شَيْخُنَا: (الْوَجْهُ السَّادِسُ: أَنْ يُصَلِّيَ بِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَةً وَلَا يَقْضِيَ شَيْئًا) وَكَذَا قَالَ ابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ، وَكَانَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا يَقُولُ: الْوَجْهُ السَّادِسُ:
إذَا اشْتَدَّ الْخَوْفُ. وَهَذِهِ الصِّفَةُ صَلَّاهَا عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ بِذِي قِرْدٍ. رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَالْأَثْرَمُ، مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَحُذَيْفَةَ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَغَيْرِهِمْ. الثَّانِيَةُ: تَصِحُّ صَلَاةُ الْجُمُعَةِ فِي الْخَوْفِ. فَيُصَلِّي بِطَائِفَةٍ رَكْعَةً بَعْدَ حُضُورِهَا الْخُطْبَةَ فَيُشْتَرَطُ لِصِحَّتِهَا: حُضُورُ الطَّائِفَةِ الْأُولَى لَهَا. وَقِيلَ: أَوْ الثَّانِيَةِ، قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ. وَإِنْ أَحْرَمَ بِاَلَّتِي لَمْ تَحْضُرْهَا، لَمْ تَصِحَّ حَتَّى يَخْطُبَ لَهَا. وَيُعْتَبَرُ أَنْ تَكُونَ كُلُّ طَائِفَةٍ أَرْبَعِينَ، بِنَاءً عَلَى اشْتِرَاطِهِ فِي الْجُمُعَةِ، وَتَقْضِي كُلُّ طَائِفَةٍ رَكْعَةً بِلَا جَهْرٍ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ أَنْ تَبْطُلَ إنْ بَقِيَ مُنْفَرِدًا بَعْدَ ذَهَابِ الطَّائِفَةِ، كَمَا لَوْ نَقَصَ الْعَدَدُ. وَقِيلَ: يَجُوزُ هُنَا لِلْعُذْرِ. لِأَنَّهُ مُتَرَقِّبٌ لِلطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ. قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: وَإِنْ صَلَّاهَا كَخَبَرِ ابْنِ عُمَرَ جَازَ. وَأَمَّا صَلَاةُ الِاسْتِسْقَاءِ: فَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْفُرُوعِ: تُصَلَّى ضَرُورَةً كَالْمَكْتُوبَةِ. وَكَذَا الْكُسُوفُ وَالْعِيدُ. إلَّا أَنَّهُ آكَدُ مِنْ الِاسْتِسْقَاءِ. قَوْلُهُ (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَحْمِلَ مَعَهُ فِي الصَّلَاةِ مِنْ السِّلَاحِ مَا يَدْفَعُ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ، وَلَا يُثْقِلُهُ، كَالسَّيْفِ وَالسِّكِّينِ) . وَهَذَا الْمَذْهَبُ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَجِبَ. وَهُوَ وَجْهٌ اخْتَارَهُ صَاحِبُ الْفَائِقِ. وَنَصَرَهُ الْمُصَنِّفُ. وَحَكَاهُ أَبُو حَكِيمٍ النَّهْرَوَانِيُّ عَنْ أَبِي الْخَطَّابِ. قَالَ الشَّارِحُ: هَذَا الْقَوْلُ أَظْهَرُ. وَقَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، قُلْت: أَمَّا عَلَى بَعْضِ الْوُجُوهِ فِيمَا إذَا حَرَسَتْ إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ، وَهِيَ فِي حُكْمِ الصَّلَاةِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ قَوْلًا وَاحِدًا؛ لِوُجُوبِ الدَّفْعِ عَنْ الْمُسْلِمِينَ. وَأَمَّا فِي غَيْرِ ذَلِكَ، فَإِنْ قُلْنَا: يَجِبُ الدَّفْعُ عَنْ النَّفْسِ، فَكَذَلِكَ. وَإِلَّا كَانَ مُسْتَحَبًّا. انْتَهَى. وَقَالَ فِي الْمُنْتَخَبِ: هَلْ يُسْتَحَبُّ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ، نَقَلَ ابْنُ هَانِئٍ: لَا بَأْسَ. وَقِيلَ: يَجِبُ مَعَ عَدَمِ أَذَى مَطَرٍ أَوْ مَرَضٍ. وَلَوْ كَانَ السِّلَاحُ مُذَهَّبًا. وَلَا يُشْتَرَطُ حَمْلُهُ قَوْلًا وَاحِدًا. وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيُتَوَجَّهُ فِيهِ تَخْرِيجٌ وَاحْتِمَالٌ.
تَنْبِيهَانِ. أَحَدُهُمَا: مَفْهُومُ قَوْلِهِ " وَلَا يُثْقِلُهُ " أَنَّهُ إذَا أَثْقَلَهُ لَا يُسْتَحَبُّ حَمْلُهُ فِي الصَّلَاةِ كَالْجَوْشَنِ وَهُوَ صَحِيحٌ، بَلْ يُكْرَهُ، قَالَهُ الْأَصْحَابُ. الثَّانِي: يُسْتَثْنَى مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مَا لَا يُثْقِلُهُ، وَلَكِنْ يَمْنَعُهُ مِنْ إكْمَالِ الصَّلَاةِ كَالْمِغْفَرِ، أَوْ يُؤْذِي غَيْرَهُ كَالرُّمْحِ إذَا كَانَ مُتَوَسِّطًا. فَإِنْ حَمَلَ ذَلِكَ لَا يُسْتَحَبُّ، بَلْ يُكْرَهُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، إلَّا مِنْ حَاجَةٍ. وَقَدْ جَزَمَ الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ وَغَيْرُهُمَا بِأَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ: يُكْرَهُ مَا يَمْنَعُهُ مِنْ اسْتِيفَاءِ الْأَرْكَانِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ وَمُرَادُهُ: اسْتِيفَاؤُهَا عَلَى الْكَمَالِ. وَقَالَ فِي الْفُصُولِ، فِي مَكَان آخَرَ: إلَّا فِي حَرْبٍ مُبَاحٍ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ. وَلَمْ يَسْتَثْنِ فِي مَكَان آخَرَ. فَائِدَتَانِ. إحْدَاهُمَا: يَجُوزُ حَمْلُ النَّجَسِ فِي هَذِهِ الْحَالِ لِلْحَاجَةِ. جَزَمَ بِهِ فِي الْفُرُوعِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ: وَلَا يَجُوزُ حَمْلُ نَجَسٍ إلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ كَمَنْ يَخَافُ وُقُوعَ الْحِجَارَةِ وَالسِّهَامِ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَيُسَنُّ حَمْلُ كَذَا. وَقِيلَ: يَجِبُ مَعَ عَدَمِ أَذًى، وَإِنْ كَانَ لِلسِّلَاحِ مَذْهَبًا. وَقِيلَ: أَوْ نَجَسًا، مِنْ عَظْمٍ أَوْ جِلْدٍ أَوْ عَصَبٍ، وَرِيشٍ، وَشَهْمٍ. وَنَحْوُ ذَلِكَ. وَقَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَحْمِلَ فِي الصَّلَاةِ سِلَاحًا فِيهِ نَجَاسَةٌ. فَلَعَلَّهُ أَرَادَ: مَعَ عَدَمِ الْحَاجَةِ، جَمْعًا بَيْنَ الْأَقْوَالِ، لَكِنَّ ظَاهِرَ الرِّعَايَةِ: أَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافًا وَحَيْثُ حَمَلَ ذَلِكَ وَصَلَّى، فَفِي الْإِعَادَةِ رِوَايَتَانِ. ذَكَرَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَأَطْلَقَهُمَا. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: مِنْ عِنْدِهِ يَحْتَمِلُ الْإِعَادَةَ وَعَدَمَهَا وَجْهَيْنِ. قُلْت: يُعْطَى لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ حُكْمُ نَظَائِرِهَا، مِثْلُ مَا لَوْ تَيَمَّمَ خَوْفًا مِنْ الْبَرْدِ. وَصَلَّى، عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
الثَّانِيَةُ: قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: حَمْلُ السِّلَاحِ فِي غَيْرِ الْخَوْفِ فِي الصَّلَاةِ مَحْظُورٌ. وَقَالَهُ الْقَاضِي. وَقَالَ الْقَاضِي أَيْضًا: مِنْ رَفْعِ الْجُنَاحِ عَنْهُمْ رَفْعُ الْكَرَاهَةِ عَنْهُمْ، لِأَنَّهُ مَكْرُوهٌ فِي غَيْرِ الْعُذْرِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ كَلَامِ الْأَكْثَرِ: وَلَا يُكْرَهُ فِي غَيْرِ الْعُذْرِ، وَهُوَ أَظْهَرُ. انْتَهَى. قَوْلُهُ (وَإِذَا اشْتَدَّ الْخَوْفُ صَلُّوا رِجَالًا وَرُكْبَانًا، إلَى الْقِبْلَةِ وَغَيْرِهَا يُومِئُونَ إيمَاءً عَلَى الطَّاقَةِ) فَأَفَادَنَا الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: أَنَّ الصَّلَاةَ لَا تُؤَخَّرُ فِي شِدَّةِ الْخَوْفِ. وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَعَنْهُ لَهُ التَّأْخِيرُ إذَا احْتَاجَ إلَى عَمَلٍ كَثِيرٍ. قَالَ فِي الْفَائِقِ: وَفِي جَوَازِ تَأْخِيرِ الصَّلَاةِ عَنْ وَقْتِهَا لِقِتَالٍ رِوَايَتَانِ، قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: رَجَعَ أَحْمَدُ عَنْ جَوَازِ تَأْخِيرِهَا حَالَ الْحَرْبِ. قَالَ فِي التَّلْخِيصِ: وَالصَّحِيحُ الرُّجُوعُ. قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، فَعَلَى الْمَذْهَبِ: فَالْحُكْمُ فِي صَلَاةٍ تُجْمَعُ مَعَ مَا بَعْدَهَا، فَإِنْ كَانَتْ أَوْلَى الْمَجْمُوعَتَيْنِ، فَالْأَوْلَى تَأْخِيرُهَا. وَالْخَوْفُ يُبِيحُ الْجَمْعَ فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ، كَالْمَرَضِ وَنَحْوِهِ. قَوْلُهُ (فَإِنْ أَمْكَنَهُمْ افْتِتَاحُ الصَّلَاةِ إلَى الْقِبْلَةِ، فَهَلْ يَلْزَمُهُمْ ذَلِكَ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) . وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْفَائِقِ، وَابْنُ تَمِيمٍ. إحْدَاهُمَا: لَا يَلْزَمُهُمْ. وَهِيَ الْمَذْهَبُ، صَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ. قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: أَصَحُّهُمَا لَا يَجِبُ. قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ، وَالْبُلْغَةِ: وَلَا يَجِبُ عَلَى الْأَصَحِّ، قَالَ فِي التَّلْخِيصِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ: وَلَا يَلْزَمُ عَلَى الْأَظْهَرِ، قَالَ ابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ: وَالصَّحِيحُ لَا يَجِبُ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَغَيْرِهِمْ. وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: يَلْزَمُهُمْ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هَذَا الْمَشْهُورُ، وَجَزَمَ بِهِ الْخِرَقِيُّ، وَفِي الْوَجِيزِ. تَنْبِيهَانِ. أَحَدُهُمَا: مَفْهُومُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: أَنَّهُ إذَا لَمْ يُمْكِنْهُ افْتِتَاحُ الصَّلَاةِ مُتَوَجِّهًا إلَيْهَا: أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ. وَهُوَ صَحِيحٌ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ، رِوَايَةً وَاحِدَةً عَنْ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ. وَحَكَى أَبُو بَكْرٍ فِي الشَّافِي وَابْنُ عَقِيلٍ رِوَايَةً بِاللُّزُومِ، وَالْحَالَةُ هَذِهِ. وَهُوَ بَعِيدٌ. وَكَيْفَ يَلْزَمُ شَيْءٌ لَا يُمْكِنُ فِعْلُهُ؟ وَقَدَّمَ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ فِي الرِّعَايَةِ. وَيَحْتَمِلُهُ كَلَامُ الْخِرَقِيِّ. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَفِي وُجُوبِ افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ إلَى الْقِبْلَةِ رِوَايَتَانِ، قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: ذَلِكَ مَعَ الْقُدْرَةِ. وَلَا يَجِبُ ذَلِكَ مَعَ الْعَجْزِ رِوَايَةً وَاحِدَةً. وَقَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ فِي الشَّافِي: يَجِبُ ذَلِكَ مَعَ الْقُدْرَةِ. وَمَعَ عَدَمِ الْإِمْكَانِ رِوَايَتَانِ، وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ ذَلِكَ. انْتَهَى. الثَّانِي: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: أَنَّ صَلَاةَ الْجَمَاعَةِ وَالْحَالَةُ هَذِهِ تَنْعَقِدُ. وَهُوَ صَحِيحٌ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْهَادِي. وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ. قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ: قَالَهُ الْأَصْحَابُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: تَنْعَقِدُ. نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْمَنْصُوصِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا تَجِبُ. وَهُوَ ظَاهِرُ مَا احْتَجُّوا بِهِ. انْتَهَى. وَاخْتَارَ ابْنُ حَامِدٍ، وَالْمُصَنِّفُ أَنَّهَا لَا تَنْعَقِدُ. وَقِيلَ: تَنْعَقِدُ وَلَا تَجِبُ. قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: وَلَيْسَ بِبَعِيدٍ. قَالَ: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ مِنْ قَوْلِهِمْ " وَيَجُوزُ أَنْ يُصَلُّوا جَمَاعَةً " فَعَلَى الْمَذْهَبِ: يُعْفَى عَنْ تَقَدُّمِ الْإِمَامِ وَعَنْ الْعَمَلِ الْكَثِيرِ، بِشَرْطِ إمْكَانِ الْمُتَابَعَةِ. وَيَكُونُ سُجُودُهُ أَخْفَضَ مِنْ رُكُوعِهِ، وَلَا يَجِبُ سُجُودُهُ عَلَى دَابَّتِهِ. وَلَهُ الْكَرُّ، وَالْفَرُّ، وَالضَّرْبُ وَالطَّعْنُ، وَنَحْوُ ذَلِكَ لِلْمَصْلَحَةِ ، وَلَا يَزُولُ الْخَوْفُ إلَّا بِانْهِزَامِ الْكُلِّ.
قَوْلُهُ (وَمَنْ هَرَبَ مِنْ عَدُوٍّ هَرَبًا مُبَاحًا، أَوْ مِنْ سَيْلٍ، أَوْ مِنْ سَبُعٍ كَالنَّارِ. فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ كَذَلِكَ) وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ. وَقِيلَ: إنْ كَثُرَ دَفْعُ الْعَدُوِّ مِنْ سَيْلٍ وَسَبُعٍ، وَسُقُوطِ جِدَارٍ وَنَحْوِهِ أَبْطَلَ الصَّلَاةَ. فَائِدَةٌ: مِثْلُ السَّيْلِ وَالسَّبُعِ: خَوْفُهُ عَلَى نَفْسِهِ، أَوْ أَهْلِهِ، أَوْ مَالِهِ، أَوْ ذَبُّهُ عَنْهُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، أَوْ خَوْفُهُ عَلَى غَيْرِهِ. وَعَنْهُ لَا يُصَلِّي كَذَلِكَ لِخَوْفِهِ عَلَى غَيْرِهِ. وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ لَا يُصَلِّي كَذَلِكَ لِخَوْفِهِ عَلَى مَالِ غَيْرِهِ، وَعَنْهُ بَلَى. قَوْلُهُ (وَهَلْ لِطَالِبِ الْعَدُوِّ الْخَائِفِ فَوْتَهُ الصَّلَاةُ كَذَلِكَ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) . وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالشَّرْحِ، وَابْنِ تَمِيمٍ، وَالْحَاوِيَيْنِ. إحْدَاهُمَا: تَجُوزُ لَهُ الصَّلَاةُ كَذَلِكَ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَصَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ. قَالَ فِي النَّظْمِ يَجُوزُ فِي الْأُولَى. وَنَصَرَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ. قَالَ فِي تَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ: يَجُوزُ عَلَى الْأَظْهَرِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ. وَقَدَّمَهُ الْخِرَقِيُّ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالْفُرُوعِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَغَيْرِهِمْ. وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَا يَجُوزُ. اخْتَارَهُ الْقَاضِي. وَصَحَّحَهَا ابْنُ عَقِيلٍ. قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ: وَلَا يُصَلِّيهَا إلَّا إذَا كَانَ طَالِبًا لِلْعَدُوِّ عَلَى الْأَصَحِّ، وَقِيلَ: إنْ خَافَ عَوْدَهُ عَلَيْهِ صَلَّى كَخَائِفٍ، وَإِلَّا فَكَآمِنٍ، قَالَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى. وَجَزَمَ بِهِ الشَّارِحُ وَنَقَلَ أَبُو دَاوُد فِي الْقَوْمِ يَخَافُونَ فَوْتَ الْغَارَةِ، فَيُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، أَوْ يُصَلُّونَ عَلَى دَوَابِّهِمْ؟ قَالَ: كُلٌّ أَرْجُو.
فَوَائِدُ. إحْدَاهَا: مَنْ خَافَ كَمِينًا، أَوْ مَكِيدَةً، أَوْ مَكْرُوهًا، إنْ تَرَكَهَا: صَلَّى صَلَاةَ خَوْفٍ. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ وَابْنُ حَمْدَانَ وَغَيْرُهُمَا: رِوَايَةً وَاحِدَةً. وَلَا يُعِيدُ، عَلَى الصَّحِيحِ، قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَابْنُ تَمِيمٍ. وَعَنْهُ تَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ. الثَّانِيَةُ: يَجُوزُ التَّيَمُّمُ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ لِلْخَائِفِ فَوْتَ عَدُوِّهِ كَالصَّلَاةِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ هُنَا، فَيُعَايَى بِهَا. وَعَنْهُ: لَا يَجُوزُ. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ. وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ: وَفِي فَوْتِ مَطْلُوبِهِ رِوَايَتَانِ. الثَّالِثَةُ: يَجُوزُ لِلْخَائِفِ فَوْتَ وَقْتِ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ صَلَاةُ الْخَوْفِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. وَهُوَ الصَّوَابُ. وَهُوَ احْتِمَالُ وَجْهٍ فِي الرِّعَايَةِ. قَالَ ابْنُ أَبِي الْمَجْدِ فِي مُصَنَّفِهِ: صَلَّى مَاشِيًا فِي الْأَصَحِّ. الرَّابِعَةُ: لَوْ رَأَى سَوَادًا، فَظَنَّهُ عَدُوًّا أَوْ سَبُعًا، فَتَيَمَّمَ وَصَلَّى، ثُمَّ بَانَ بِخِلَافِهِ، فِي الْإِعَادَةِ وَجْهَانِ، ذَكَرَهُمَا الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ. وَصَحَّحَ عَدَمَ الْإِعَادَةِ لِكَثْرَةِ الْبَلْوَى بِذَلِكَ فِي الْأَسْفَارِ، بِخِلَافِ صَلَاةِ الْخَوْفِ. فَإِنَّهَا نَادِرَةٌ فِي نَفْسِهَا. وَقِيلَ: يُقَدِّمُ الصَّلَاةَ. وَلَا يُصَلِّي صَلَاةَ خَائِفٍ، وَهُوَ احْتِمَالُ وَجْهٍ فِي الرِّعَايَةِ أَيْضًا. وَقِيلَ: يُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ إلَى أَمْنِهِ، وَهُوَ احْتِمَالٌ أَيْضًا فِي مُخْتَصَرِ ابْنِ تَمِيمٍ. وَأَطْلَقَهُنَّ فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ. وَهُنَّ أَوْجَهُ فِي الْفُرُوعِ. قَوْلُهُ (وَمَنْ صَلَّى صَلَاةَ الْخَوْفِ لِسَوَادٍ ظَنَّهُ عَدُوًّا. فَبَانَ أَنَّهُ لَيْسَ بِعَدُوِّ. فَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ) . هَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. وَقِيلَ: لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ.
وَذَكَرَهُ ابْنُ هُبَيْرَةَ رِوَايَةً. وَقَالَ فِي التَّبْصِرَةِ: إذَا ظَنُّوا سَوَادًا عَدُوًّا لَمْ يَجُزْ أَنْ يُصَلُّوا صَلَاةَ الْخَوْفِ. فَائِدَةٌ: لَوْ ظَهَرَ أَنَّهُ عَدُوٌّ، وَلَكِنَّهُ يَقْصِدُ غَيْرَهُ، فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ، لِوُجُودِ سَبَبِ الْخَوْفِ بِوُجُودِ عَدُوٍّ يَخَافُ هُجُومَهُ كَمَا لَا يُعِيدُ مَنْ خَافَ عَدُوًّا فِي تَخَلُّفِهِ عَنْ رَفِيقِهِ فَصَلَّاهَا، ثُمَّ بَانَ أَمْنُ الطَّرِيقِ. وَقِيلَ: عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ. قَوْلُهُ (أَوْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ مَا يَمْنَعُهُ. فَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ) وَهُوَ الْمَذْهَبُ أَيْضًا. وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. وَقِيلَ: لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ. وَقِيلَ: لَا إعَادَةَ إنْ خَفِيَ الْمَانِعُ، وَإِلَّا أَعَادَ. فَائِدَتَانِ. إحْدَاهُمَا: لَوْ خَافَ هَدْمَ سُورٍ، أَوْ طَمَّ خَنْدَقٍ إنْ صَلَّى آمِنًا، صَلَّى صَلَاةَ خَائِفٍ مَا لَمْ يُعْلَمْ خِلَافُهُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يُصَلِّي آمِنًا مَا لَمْ يَظُنَّ ذَلِكَ. الثَّانِيَةُ: صَلَاةُ النَّفْلِ مُنْفَرِدًا يَجُوزُ فِعْلُهَا. كَالْفَرْضِ. وَتَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ بَابِ سُجُودِ السَّهْوِ " هَلْ يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ فِي اشْتِدَادِ الْخَوْفِ؟ "
باب صلاة الجمعة
[بَابُ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ] ِ فَائِدَتَانِ. إحْدَاهُمَا: سُمِّيَتْ " جُمُعَةً " لِجَمْعِهَا الْخَلْقَ الْكَثِيرَ. قَدَّمَهُ الْمَجْدُ، وَابْنُ رَزِينٍ، وَغَيْرُهُمَا. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ: إنَّمَا سُمِّيَتْ جُمُعَةً لِجَمْعِهَا الْجَمَاعَاتِ. قَدَّمَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ. وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ الْأَوَّلِ. وَقِيلَ: لِجَمْعِ طِينِ آدَمَ فِيهَا. قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: وَهُوَ أَوْلَى. وَقِيلَ: لِأَنَّ آدَمَ جُمِعَ فِيهَا خَلْقُهُ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ مَرْفُوعًا. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَاشْتِقَاقُهَا قِيلَ: مِنْ اجْتِمَاعِ النَّاسِ لِلصَّلَاةِ، قَالَهُ ابْنُ دُرَيْدٍ. وَقِيلَ: بَلْ لِاجْتِمَاعِ الْخَلِيفَةِ فِيهِ وَكَمَالِهَا، وَيُرْوَى عَنْهُ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ: أَنَّهَا سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِاجْتِمَاعِ آدَمَ فِيهِ مَعَ حَوَّاءَ فِي الْأَرْضِ. الثَّانِيَةُ: الْجُمُعَةُ أَفْضَلُ مِنْ الظُّهْرِ بِلَا نِزَاعٍ. وَهِيَ صَلَاةٌ مُسْتَقِلَّةٌ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، لِعَدَمِ انْعِقَادِهَا بِنِيَّةِ الظُّهْرِ مِمَّنْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ، وَلِجَوَازِهَا قَبْلَ الزَّوَالِ لَا أَكْثَرَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ. قَالَ أَبُو يُعْلَى الصَّغِيرُ وَغَيْرُهُ: فَلَا يُجْمَعُ فِي مَحَلٍّ يُبِيحُ الْجَمْعَ، وَلَيْسَ لِمَنْ قَلَّدَهَا أَنْ يَؤُمَّ فِي الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ. ذَكَرَهُ فِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ، وَغَيْرِهِمَا. وَجَزَمَ بِهِ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ. وَعَنْهُ هِيَ ظُهْرٌ مَقْصُورَةٌ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي التَّلْخِيصِ، وَالرِّعَايَةِ. قَالَ فِي الِانْتِصَارِ وَالْوَاضِحِ وَغَيْرِهِمَا: الْجُمُعَةُ هِيَ الْأَصْلُ، وَالظُّهْرُ بَدَلٌ. زَادَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ: رُخْصَةً فِي حَقِّ مَنْ فَاتَتْهُ. وَذَكَرَ أَبُو إِسْحَاقَ وَجْهَيْنِ. هَلْ هِيَ فَرْضُ الْوَقْتِ، أَوْ الظُّهْرُ فَرْضُ الْوَقْتِ، لِقُدْرَتِهِ عَلَى الظُّهْرِ بِنَفْسِهِ بِلَا شَرْطٍ؟ وَلِهَذَا يَقْضِي مَنْ فَاتَتْهُ ظُهْرًا. وَقَطَعَ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ وَغَيْرِهِ بِأَنَّهَا فَرْضُ الْوَقْتِ عِنْدَ أَحْمَدَ، لِأَنَّهَا الْمُخَاطَبُ بِهَا، وَالظُّهْرُ بَدَلٌ. وَذُكِرَ كَلَامُ أَبِي إِسْحَاقَ: وَيَبْدَأُ بِالْجُمُعَةِ خَوْفَ فَوْتِهَا، وَيَتْرُكُ فَجْرًا فَائِتَةً. نَصَّ عَلَيْهِ،
وَقَالَ فِي الْقَصْرِ: قَدْ قِيلَ: إنَّ الْجُمُعَةَ تُقْضَى ظُهْرًا. وَيَدُلُّ عَلَيْهِ: أَنَّهَا قَبْلَ فَوَاتِهَا لَا يَجُوزُ الظُّهْرُ. وَإِذَا فَاتَتْ الْجُمُعَةُ لَزِمَتْ الظُّهْرُ. قَالَ: فَدَلَّ أَنَّهَا قَضَاءٌ لِلْجُمُعَةِ تَنْبِيهَانِ. أَحَدُهُمَا: مَفْهُومُ قَوْلِهِ (وَهِيَ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ مُكَلَّفٍ) . أَنَّهَا لَا تَجِبُ عَلَى غَيْرِ الْمُكَلَّفِ. فَلَا تَجِبُ عَلَى الْمَجْنُونِ، بِلَا نِزَاعٍ، وَلَا عَلَى الصَّبِيِّ. لَكِنْ إنَّ لَزِمَتْهُ الْمَكْتُوبَةُ لَزِمَتْهُ الْجُمُعَةُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَقِيلَ: لَا تَجِبُ عَلَيْهِ، وَإِنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْمَكْتُوبَةُ. اخْتَارَهُ الْمَجْدُ، وَقَالَ: هُوَ كَالْإِجْمَاعِ. وَصَحَّحَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَصَاحِبُ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالْقَوَاعِدُ الْأُصُولِيَّةُ، وَالزَّرْكَشِيُّ. وَتَقَدَّمَ هَذَا فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ. الثَّانِي: مَفْهُومُ قَوْلِهِ (مُسْتَوْطِنٍ بِبِنَاءٍ) أَنَّهَا لَا تَجِبُ عَلَى غَيْرِ مُسْتَوْطِنٍ، وَلَا عَلَى مُسْتَوْطِنٍ بِغَيْرِ بِنَاءٍ، كَبُيُوتِ الشَّعْرِ، وَالْحَرَاكِي، وَالْخِيَامِ وَنَحْوِهَا. وَهُوَ صَحِيحٌ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. وَقَدَّمَ الْأَزَجِيُّ صِحَّتَهَا وَوُجُوبَهَا عَلَى الْمُسْتَوْطِنِينَ بِعَمُودٍ أَوْ خِيَامٍ. وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ مُتَّجَهٌ، وَهُوَ مِنْ مُفْرَدَاتِ الْمَذْهَبِ. وَاشْتَرَطَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ كَلَامِهِ: أَنْ يَكُونُوا يَزْرَعُونَ كَمَا يَزْرَعُ أَهْلُ الْقَرْيَةِ. وَيَأْتِي ذَلِكَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ صَرِيحًا. قَوْلُهُ (لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَوْضِعِ الْجُمُعَةِ أَكْثَرُ مِنْ فَرْسَخٍ) هَذَا الْمَذْهَبُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْخِرَقِيِّ، وَابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ، وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى. وَعَنْهُ الْمُعْتَبَرُ إمْكَانُ سَمَاعِ النِّدَاءِ. قَدَّمَهُ فِي الْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ،
وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَابْنُ تَمِيمٍ. وَزَادَ فَقَالَ: الْمُعْتَبَرُ إمْكَانُ سَمَاعِ النِّدَاءِ غَالِبًا. انْتَهَى. وَعَنْهُ بَلَى الْمُعْتَبَرُ سَمَاعُ النِّدَاءِ لِإِمْكَانِهِ. وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ ابْنُ رَزِينٍ، وَصَاحِبُ تَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ. وَقَالَ فِي الْهِدَايَةِ: إذَا كَانَ مُسْتَوْطِنًا يَسْمَعُ النِّدَاءَ، أَوْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَوْضِعٍ مَا تُقَامُ فِيهِ الْجُمُعَةُ " فَرْسَخٌ " وَتَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ فِي الْخُلَاصَةِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَالْإِفَادَاتِ وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ وَغَيْرِهِمْ. وَعَنْهُ إنْ فَعَلُوهَا، ثُمَّ رَجَعُوا لِبُيُوتِهِمْ لَزِمَتْهُمْ، وَإِلَّا فَلَا. وَأَطْلَقَ الْأُولَى وَالثَّالِثَةَ فِي التَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ. وَأَطْلَقَ الْأُولَى وَالثَّانِيَةَ وَالرَّابِعَةَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ. تَنْبِيهَانِ. أَحَدُهُمَا: أَطْلَقَ أَكْثَرَ الْأَصْحَابِ ذِكْرَ الْفَرْسَخِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: فَرْسَخٌ تَقْرِيبًا. وَهُوَ الصَّوَابُ. الثَّانِي: أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ يَحْكِي الرِّوَايَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ. كَمَا تَقَدَّمَ. وَقَالَ فِي الْفَائِقِ: وَالْمُعْتَبَرُ إمْكَانُ السَّمَاعِ فَيُحَدُّ بِفَرْسَخٍ، وَعَنْهُ بِحَقِيقَتِهِ. وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ بَعْدَ أَنْ قَدَّمَ الرِّوَايَةَ الثَّانِيَةَ وَعَنْهُ تَحْدِيدُهُ بِالْفَرْسَخِ فَمَا دُونَ فَمِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ حَكَى ذَلِكَ رِوَايَةً ثَانِيَةً. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هُمَا سَوَاءٌ، الصَّوْتُ قَدْ يُسْمَعُ عَنْ فَرْسَخٍ. فَائِدَةٌ: فَعَلَى رِوَايَةِ " أَنَّ الْمُعْتَبَرَ إمْكَانُ سَمَاعِ النِّدَاءِ " فَمَحَلُّهُ: إذَا كَانَ الْمُؤَذِّنُ صَيِّتًا، وَالْأَصْوَاتُ هَادِئَةً، وَالرِّيَاحُ سَاكِنَةً، وَالْمَوَانِعُ مُنْتَفِيَةً. تَنْبِيهَانِ. أَحَدُهُمَا: قَوْلُهُ " لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَوْضِعِ الْجُمُعَةِ أَكْثَرُ مِنْ فَرْسَخٍ " إذَا حَدَّدْنَا بِالْفَرْسَخِ، أَوْ بِاعْتِبَارِ إمْكَانِ السَّمَاعِ، فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ ابْتِدَاءَهُ مِنْ مَوْضِعِ الْجُمُعَةِ. قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْحَوَاشِي.
وَعَنْهُ ابْتِدَاؤُهُ مِنْ أَطْرَافِ الْبَلَدِ، صَحَّحَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَصَاحِبُ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالنَّظْمِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي التَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالْوَجِيزِ. وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَالزَّرْكَشِيُّ. وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ، وَالْفَائِقُ. وَيَكُونُ إذَا قُلْنَا " مِنْ مَكَانِ الْجُمُعَةِ " مِنْ الْمَنَارَةِ وَنَحْوِهَا. نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: الْمُعْتَبَرُ مِنْ أَيِّهِمَا وُجِدَ: مِنْ مَكَانِ الْجُمُعَةِ، أَوْ مِنْ أَطْرَافِ الْبَلَدِ. الثَّانِي: مَحَلُّ الْخِلَافِ فِي التَّقْدِيرِ بِالْفَرْسَخِ، أَوْ إمْكَانِ سَمَاعِ النِّدَاءِ، أَوْ سَمَاعِهِ، أَوْ ذَهَابِهِمْ وَرُجُوعِهِمْ فِي يَوْمِهِمْ: إنَّمَا هُوَ فِي الْمُقِيمِ بِقَرْيَةٍ لَا يَبْلُغُ عَدَدُهُمْ مَا يُشْتَرَطُ فِي الْجُمُعَةِ، أَوْ فِيمَنْ كَانَ مُقِيمًا فِي الْخِيَامِ وَنَحْوِهَا، أَوْ فِيمَنْ كَانَ مُسَافِرًا دُونَ مَسَافَةِ قَصْرٍ. فَمَحَلُّ الْخِلَافِ فِي هَؤُلَاءِ وَشَبَهِهِمْ. أَمَّا مَنْ هُوَ فِي الْبَلَدِ الَّتِي تُقَامُ فِيهَا الْجُمُعَةُ فَإِنَّهَا تَلْزَمُهُ، وَلَوْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَوْضِعُ الْجُمُعَةِ فَرَاسِخُ، سَوَاءٌ سَمِعَ النِّدَاءَ أَوْ لَمْ يَسْمَعْهُ، وَسَوَاءٌ كَانَ بُنْيَانُهُ مُتَّصِلًا أَوْ مُتَفَرِّقًا، إذَا شَمِلَهُ اسْمٌ وَاحِدٌ. فَوَائِدُ. الْأُولَى: حَيْثُ قُلْنَا: تَلْزَمُ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وَسَعَى إلَيْهَا، أَوْ كَانَ فِي مَوْضِعِ الْجُمُعَةِ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا، وَإِنَّمَا هُوَ [فِيهَا] لِتَعَلُّمِ الْعِلْمِ، أَوْ شُغْلٍ غَيْرِهِ، غَيْرُ مُسْتَوْطِنٍ، أَوْ كَانَ مُسَافِرًا سَفَرًا لَا قَصْرَ مَعَهُ فَإِنَّمَا يَلْزَمُهُمْ بِغَيْرِهِمْ لَا بِأَنْفُسِهِمْ، عَلَى مَا يَأْتِي فِي بَعْضِهَا مِنْ الْخِلَافِ. وَلَا تَنْعَقِدُ بِهِمْ، لِئَلَّا يَصِيرَ التَّابِعُ أَصْلًا. وَفِي صِحَّةِ إمَامَتِهِمْ وَجْهَانِ، وَوَجْهُهُمَا كَوْنُهَا وَاجِبَةً عَلَيْهِمْ، وَكَوْنُهَا لَا تَنْعَقِدُ بِهِمْ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَالْحَوَاشِي. وَأَطْلَقَهُمَا فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، فِي الْمُقِيمِ غَيْرِ الْمُسْتَوْطِنِ. أَحَدُهُمَا: لَا تَصِحُّ إمَامَتُهُمْ. وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْقَاضِي. وَصَحَّحَهُ فِي النَّظْمِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِفَادَاتِ. وَالثَّانِي: تَصِحُّ إمَامَتُهُمْ. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَأَبِي بَكْرٍ. لِأَنَّهُمَا عَلَّلَا مَنْعَ إمَامَةِ الْمُسَافِرِ فِيهَا بِأَنَّهَا لَا تَجِبُ عَلَيْهِ، قَالَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ.
الثَّانِيَةُ: لَوْ سَمِعَ النِّدَاءَ أَهْلُ قَرْيَةٍ صَغِيرَةٍ مِنْ فَوْقِ فَرْسَخٍ، لِعُلُوِّ مَكَانِهَا، أَوْ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ دُونِهِ لِجَبَلٍ حَائِلٍ أَوْ انْخِفَاضِهَا. فَعَلَى الْخِلَافِ الْمُتَقَدِّمِ، قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَقَدَّمَ ابْنُ تَمِيمٍ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى الْوُجُوبَ. وَقَدَّمَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ عَدَمَ الْوُجُوبِ. فَإِنْ قُلْنَا: الِاعْتِبَارُ بِهِ فِي الْمُنْخَفِضَةِ، أَوْ مَنْ كَانَ بَيْنَهُمْ حَائِلٌ: لَزِمَهُمْ قَصْدُ الْجُمُعَةِ. وَإِنْ قُلْنَا: الِاعْتِبَارُ بِالسَّمَاعِ فِيهَا. فَقَالَ الْقَاضِي: تُجْعَلُ كَأَنَّهَا عَلَى مُسْتَوًى مِنْ الْأَرْضِ، وَلَا مَانِعَ. فَإِنْ أَمْكَنَ سَمَاعُ النِّدَاءِ وَجَبَتْ عَلَيْهِ، وَإِلَّا فَلَا. وَقِيلَ: لَا تَجِبُ عَلَيْهِ بِحَالٍ. الثَّالِثَةُ: لَوْ وُجِدَ قَرْيَتَانِ مُتَقَارِبَتَانِ لَيْسَ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ الْعَدَدُ الْمُعْتَبَرُ: لَمْ يُتَمِّمْ الْعَدَدَ مِنْهُمَا، لِعَدَمِ اسْتِيطَانِ الْمُتَمِّمِ. وَلَا يَجُوزُ تَجْمِيعُ أَهْلِ بَلَدٍ كَامِلٍ فِي نَاقِصٍ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَاخْتَارَ الْمَجْدُ: الْجَوَازَ إذَا كَانَ بَيْنَهُمَا كَمَا بَيْنَ الْبُنْيَانِ وَمُصَلَّى الْعِيدِ، لِعَدَمِ خُرُوجِهِمْ عَنْ حُكْمِ بَعْضِهِمْ. وَجَزَمَ بِهِ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، تَبَعًا لِلْمَجْدِ. الرَّابِعَةُ: لَوْ وُجِدَ الْعَدَدُ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْبَلْدَتَيْنِ. فَالْأَوْلَى تَجْمِيعُ كُلِّ قَوْمٍ فِي بَلَدِهِمْ. وَقِيلَ: يَلْزَمُ الْقَوْمَ قَصْدُ مِصْرٍ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُمَا فَرْسَخٌ فَأَقَلَّ. وَلَوْ كَانَ فِيهِمَا الْعَدَدُ الْمُعْتَبَرُ. وَحُكِيَ رِوَايَةً. قَوْلُهُ (وَلَا تَجِبُ عَلَى مُسَافِرٍ) . يُحْتَمَلُ أَنَّ مُرَادَهُ: الْمُسَافِرُ السَّفَرَ الطَّوِيلَ. فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مُرَادُهُ وَهُوَ الظَّاهِرُ فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ كَمَا قَالَ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَؤُمَّ فِيهَا. وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. يُحْتَمَلُ أَنْ تَلْزَمَهُ تَبَعًا لِلْمُقِيمِينَ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ:
وَهُوَ مُتَّجَهٌ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. وَذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَجْهًا وَحُكِيَ رِوَايَةً: تَلْزَمُهُ بِحُضُورِهَا فِي وَقْتِهَا، مَا لَمْ يَتَضَرَّرْ بِالِانْتِظَارِ، وَتَنْعَقِدُ بِهِ وَيَؤُمُّ فِيهَا. وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَات أَيْضًا. فَعَلَى الْمَذْهَبِ: لَوْ أَقَامَ مُدَّةً تَمْنَعُ الْقَصْرَ، وَلَمْ يَنْوِ اسْتِيطَانًا. فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ الْجُمُعَةَ تَلْزَمُهُ بِغَيْرِهِ، قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَقَالَ: إنَّهُ الْأَشْهَرُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالْمُحَرَّر، وَالزَّرْكَشِيُّ فِي مَوْضُوعٍ، وَغَيْرِهِمْ. وَعَنْهُ لَا تَلْزَمُهُ. جَزَمَ بِهِ فِي التَّلْخِيصِ، وَغَيْرِهِ. وَهُوَ ظَاهِرٌ مَا فِي الْكَافِي. وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ، وَالْفَائِقُ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ: مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ. فَيَشْمَلُ الْمُسَافِرَ سَفَرًا قَصِيرًا فَوْقَ فَرْسَخٍ. وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهَا لَا تَجِبُ عَلَيْهِ وَلَا تَلْزَمُهُ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْفُرُوعِ. وَقِيلَ: تَلْزَمُهُ بِغَيْرِهِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالزَّرْكَشِيُّ. وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ، وَالْفَائِقِ. قَوْلُهُ (وَلَا عَبْدٍ) . يَعْنِي لَا تَجِبُ عَلَيْهِ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هَذَا أَشْهَرُ الرِّوَايَاتِ وَأَصَحُّهَا عِنْدَ الْأَصْحَابِ. وَعَنْهُ تَجِبُ عَلَيْهِ. اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ. وَهِيَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُسْتَوْعِبِ فَعَلَيْهَا: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْتَأْذِنَ سَيِّدَهُ. وَيَحْرُمُ عَلَى سَيِّدِهِ مَنْعُهُ. فَلَوْ مَنَعَهُ خَالَفَهُ وَذَهَبَ إلَيْهَا. وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَحَكَى الشَّيْخُ رِوَايَةَ الْوُجُوبِ. وَقَالَ: لَا يَذْهَبُ بِغَيْرِ إذْنِهِ. وَعَنْهُ تَجِبُ عَلَيْهِ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ. وَهِيَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ أَيْضًا. وَعَلَى الْمَذْهَبِ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَؤُمَّ فِيهَا، عَلَى الصَّحِيحِ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، قَالَهُ نَاظِمُهَا، وَعَنْهُ يَجُوزُ أَنْ يَؤُمَّ فِيهَا.
فَائِدَةٌ: الْمُدَبَّرُ وَالْمُكَاتَبُ، وَالْمُعَلَّقُ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ: كَالْقِنِّ فِي ذَلِكَ. وَأَمَّا الْمُعْتَقُ بَعْضُهُ: فَظَاهِرُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ " وَلَا تَجِبُ عَلَى عَبْدٍ " وُجُوبُهَا عَلَيْهِ. لِأَنَّهُ لَيْسَ بِعَبْدٍ. وَظَاهِرُ قَوْلِهِ: فِي أَوَّلِ الْبَابِ " حُرًّا " أَنَّهَا لَا تَجِبُ عَلَيْهِ. لِأَنَّهُ لَيْسَ بِحُرٍّ. وَفِيهِ خِلَافٌ. وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهَا لَا تَجِبُ عَلَيْهِ مُطْلَقًا. وَقِيلَ: تَلْزَمُهُ إذَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَيِّدِهِ مُهَايَأَةٌ. وَكَانَتْ الْجُمُعَةُ فِي نَوْبَتِهِ. وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ. وَأَمَّا إذَا قُلْنَا: بِوُجُوبِهَا عَلَى الْقِنِّ: فَالْمُعْتَقُ بَعْضُهُ بِطَرِيقِ أَوْلَى. قَوْلُهُ (وَلَا امْرَأَةٍ) . يَعْنِي لَا تَجِبُ عَلَيْهَا. وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ. وَحَكَى الْأَزَجِيُّ فِي نِهَايَتِهِ: رِوَايَةً بِوُجُوبِهَا عَلَى الْمَرْأَةِ. قُلْت: وَهَذِهِ مِنْ أَبْعَدِ مَا يَكُونُ، وَمَا أَظُنُّهَا إلَّا غَلَطًا. وَهُوَ قَوْلٌ لَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ. وَلَعَلَّ الْإِجْمَاعَ عَلَى خِلَافِهِ فِي كُلِّ عَصْرٍ وَمِصْرٍ. ثُمَّ وَجَدْت ابْنَ الْمُنْذِرِ حَكَاهُ إجْمَاعًا [وَوَجَدْت ابْنَ رَجَبٍ، فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ غَلَّطَ مَنْ قَالَهُ] وَلَعَلَّهُ أَرَادَ: إذَا حَضَرَتْهَا. وَالْخُنْثَى كَالْمَرْأَةِ. قَوْلُهُ (وَمَنْ حَضَرَهَا مِنْهُمْ أَجْزَأَتْهُ) . بِلَا نِزَاعٍ. وَلَمْ تَنْعَقِدْ بِهِ. وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَؤُمَّ فِيهَا. وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهَا عَلَيْهِمْ. أَمَّا الْمَرْأَةُ: فَلَا نِزَاعَ فِيهَا. وَتَقَدَّمَ حُكْمُ الْمُسَافِرِ. وَأَمَّا الْعَبْدُ إذَا قُلْنَا. لَا تَجِبُ عَلَيْهِ فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ: أَنَّهَا لَا تَنْعَقِدُ بِهِ، وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَؤُمَّ فِيهَا. وَعَنْهُ تَنْعَقِدُ بِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَؤُمَّ فِيهَا وَالْحَالَةُ هَذِهِ. وَتَقَدَّمَ إذَا قُلْنَا: تَجِبُ عَلَيْهِ. وَكَذَلِكَ الصَّبِيُّ الْمُمَيِّزُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ " وَمُمَيِّزٌ كَعَبْدٍ " وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. فَإِنْ قُلْنَا: تَجِبُ عَلَيْهِ انْعَقَدَتْ بِهِ وَأَمَّ فِيهَا. وَإِلَّا فَلَا. هَذَا الصَّحِيحُ، وَقَالَ الْقَاضِي: لَا تَنْعَقِدُ بِالصَّبِيِّ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَؤُمَّ فِيهَا. وَإِنْ قُلْنَا: تَجِبُ عَلَيْهِ. قَالَ. وَكَذَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَؤُمَّ فِي غَيْرِهَا، وَإِنْ قُلْنَا: تَجِبُ عَلَيْهِ، قَالَهُ ابْنُ تَمِيمٍ.
فَائِدَتَانِ. إحْدَاهُمَا: كُلُّ مَنْ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ، لِمَرَضٍ أَوْ سَفَرٍ، أَوْ اُخْتُلِفَ فِي وُجُوبِهَا عَلَيْهِ كَالْعَبْدِ وَنَحْوِهِ فَصَلَاةُ الْجُمُعَةِ أَفْضَلُ فِي حَقِّهِ. ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ. وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْفُرُوعِ. قُلْت: لَوْ قِيلَ: إنْ كَانَ الْمَرِيضُ يَحْصُلُ لَهُ ضَرَرٌ بِذَهَابِهِ إلَى الْجُمُعَةِ: أَنَّ تَرْكَهَا أَوْلَى: لَكَانَ أَوْلَى. الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ (وَمَنْ سَقَطَتْ عَنْهُ لِعُذْرٍ إذَا حَضَرَهَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ وَانْعَقَدَتْ بِهِ) . قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: نَحْوُ الْمَرَضِ وَالْمَطَرِ، وَمُدَافَعَةِ الْأَخْبَثَيْنِ، وَالْخَوْفِ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ. وَهُوَ ذَلِكَ. فَلَوْ حَضَرَهَا إلَى آخِرِهَا وَلَمْ يُصَلِّهَا، أَوْ انْصَرَفَ لِشُغْلٍ غَيْرِ دَفْعِ ضَرَرِهِ: كَانَ عَاصِيًا. أَمَّا لَوْ اتَّصَلَ ضَرَرُهُ بَعْدَ حُضُورِهِ، فَأَرَادَ الِانْصِرَافَ لِدَفْعِ ضَرَرِهِ: جَازَ عِنْدَنَا، لِوُجُودِ الْمُسْقِطِ كَالْمُسَافِرِ سَوَاءٌ. لَكِنَّ كَلَامَ الشَّيْخِ هُنَا عَامٌّ يَدْخُلُ فِيهِ الْمُسَافِرُ وَمَنْ دَامَ ضَرَرُهُ بِمَطَرٍ وَنَحْوِهِ فَإِنَّهُ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ. وَيَجُوزُ لَهُ الِانْصِرَافُ عَلَى مَا حَكَاهُ الْأَصْحَابُ. فَيَكُونُ مُرَادُهُ التَّخْصِيصَ. وَهُوَ مَا إذَا لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى جَمَعُوا. فَإِنَّهُ يُوجَدُ الْمُسْقِطُ فِي حَقِّهِمْ. وَهُوَ اشْتِغَالُهُمْ بِدَفْعِ ضَرَرِهِمْ. فَبَقِيَ الْوُجُوبُ بِحَالَةٍ فَيَخْرُجُ الْمُسَافِرُ. فَإِنَّ سَفَرَهُ هُوَ الْمُسْقِطُ، وَهُوَ بَاقٍ. ذَكَرَهُ الْمَجْدُ. قُلْت: وَهُوَ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ الْمُوجِبَ: هُوَ حُضُورُهُمْ وَتَجْمِيعُهُمْ، فَيَكُونُ عِلَّةَ نَفْسِهِ. انْتَهَى كَلَامُ صَاحِبِ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ. وَقَالَ فِي مَوْضُوعٍ آخَرَ: مُرَادُهُ الْخَاصُّ، إنْ أَرَادَ بِالْحُضُورِ حُضُورَ مَكَانِهَا وَإِنْ أَرَادَ فِعْلَهَا: فَخِلَافُ الظَّاهِرِ. انْتَهَى.
قَوْلُهُ (وَمَنْ صَلَّى الظُّهْرَ مِمَّنْ عَلَيْهِ حُضُورُ الْجُمُعَةِ قَبْلَ صَلَاةِ الْإِمَامِ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ) . هَذَا الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. فَإِنْ ظَنَّ أَنَّهُ يُدْرِكُهَا لَزِمَهُ السَّعْيُ إلَيْهَا. وَإِنْ ظَنَّ أَنَّهُ لَا يُدْرِكُهَا انْتَظَرَ حَتَّى يَتَيَقَّنَ أَنَّ الْإِمَامَ قَدْ صَلَّى وَفَرَغَ، ثُمَّ يُصَلِّي. وَفِي مُخْتَصَرِ ابْنِ تَمِيمٍ: احْتِمَالُ أَنَّهُ مَتَى ضَاقَ الْوَقْتُ عَنْ إدْرَاكِ الْجُمُعَةِ، فَلَهُ الدُّخُولُ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ. وَهُوَ قَوْلٌ فِي الْفُرُوعِ. وَقَالَ: وَسَبَقَ وَجْهٌ أَنَّ فَرْضَ الْوَقْتِ الظُّهْرُ. فَعَلَيْهِ تَصِحُّ مُطْلَقًا. وَقِيلَ: إنَّ أَخَّرَ الْإِمَامُ الْجُمُعَةَ تَأْخِيرًا مُنْكَرًا، فَلِلْغَيْرِ أَنْ يُصَلِّيَ ظُهْرًا، وَتُجْزِئُهُ عَنْ فَرْضِهِ. جَزَمَ بِهِ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ. وَقَالَ: هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ. لِخَبَرِ تَأْخِيرِ الْأُمَرَاءِ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا. وَتَبِعَهُ ابْنُ تَمِيمٍ. وَقَيَّدَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى بِالتَّأْخِيرِ، إلَى أَنْ يَخْرُجَ أَوَّلَ الْوَقْتِ. فَائِدَةٌ: وَكَذَا الْحُكْمُ لَوْ صَلَّى الظُّهْرَ أَهْلُ بَلَدٍ مَعَ بَقَاءِ وَقْتِ الْجُمُعَةِ. فَلَا تَصِحُّ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: تَصِحُّ. قَوْلُهُ (وَالْأَفْضَلُ لِمَنْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ: أَنْ لَا يُصَلِّيَ الظُّهْرَ حَتَّى يُصَلِّيَ الْإِمَامُ) . وَهَذَا بِلَا نِزَاعٍ. وَأَفَادَنَا أَنَّهُمْ لَوْ صَلُّوا قَبْلَ صَلَاةِ الْإِمَامِ: أَنَّ صَلَاتَهُمْ صَحِيحَةٌ. وَظَاهِرُهُ: سَوَاءٌ زَالَ عُذْرُهُمْ أَوْ لَا، وَهُوَ كَذَلِكَ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، فِي غَيْرِ الصَّبِيِّ إذَا بَلَغَ. وَعَنْهُ لَا تَصِحُّ مُطْلَقًا قَبْلَ صَلَاةِ الْإِمَامِ. اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ فِي التَّنْبِيهِ. وَفِي الْإِمَامَةِ فِي الشَّافِي. وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْمَرِيضِ.
وَقِيلَ: لَا تَصِحُّ إنْ زَالَ الْعُذْرُ قَبْلَ صَلَاةِ الْإِمَامِ، وَإِلَّا صَحَّتْ. وَهُوَ رِوَايَةٌ فِي التَّرْغِيبِ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: مَنْ لَزِمَتْهُ الْجُمُعَةُ بِحُضُورِهِ، لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ قَبْلَ صَلَاةِ الْإِمَامِ. انْتَهَى وَقَالَ الْقَاضِي فِي مَوْضِعٍ مِنْ تَعْلِيقِهِ: نَقَلَهُ ابْنُ تَمِيمٍ. فَعَلَى الْمَذْهَبِ: لَوْ حَضَرَ الْجُمُعَةَ فَصَلَّاهَا كَانَتْ نَفْلًا فِي حَقِّهِ. عَلَى الصَّحِيحِ، وَقِيلَ: فَرْضًا. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ قُلْت: فَتَكُونُ الظُّهْرُ إذَنْ نَفْلًا. وَأَمَّا الصَّبِيُّ إذَا بَلَغَ قَبْلَ صَلَاةِ الْإِمَامِ، فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ صَلَاتَهُ لَا تَصِحُّ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: لَا تَصِحُّ فِي الْأَشْهَرِ، وَقِيلَ: تَصِحُّ كَغَيْرِهِ. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ. وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالْأَصَحُّ فِيمَنْ دَامَ عُذْرُهُ كَامْرَأَةٍ تَصِحُّ صَلَاتُهُ، قَوْلًا وَاحِدًا. وَقِيلَ: الْأَفْضَلُ لَهُ التَّقْدِيمُ. قَالَ: وَلَعَلَّهُ مُرَادُ مَنْ أَطْلَقَ. انْتَهَى. فَائِدَةٌ: لَا يُكْرَهُ لِمَنْ فَاتَتْهُ الْجُمُعَةُ، أَوْ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ وُجُوبِهَا: صَلَاةُ الظُّهْرِ فِي جَمَاعَةٍ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَغَيْرِهِ. وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَا يُكْرَهُ لِمَنْ فَاتَتْهُ، أَوْ لِمَعْذُورٍ، الصَّلَاةُ جَمَاعَةً فِي الْمِصْرِ. وَفِي مَكَانِهَا وَجْهَانِ، وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ. وَلَمْ يَكْرَهْهُ أَحْمَدُ. ذَكَرَهُ الْقَاضِي. قَالَ: وَمَا كَانَ يَكْرَهُ إظْهَارَهَا. وَنَقَلَ الْأَثْرَمُ وَغَيْرُهُ: لَا يُصَلِّي فَوْقَ ثَلَاثَةٍ جَمَاعَةً. ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُمَا. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: وَكَرِهَ قَوْمٌ التَّجْمِيعَ لِلظُّهْرِ فِي حَقِّ أَهْلِ الْعُذْرِ، لِئَلَّا يُضَاهِيَ بِهَا جُمُعَةً أُخْرَى، احْتِرَامًا لِلْجُمُعَةِ الْمَشْرُوعَةِ فِي يَوْمِهَا كَامْرَأَةٍ. وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. قَوْلُهُ (وَلَا يَجُوزُ لِمَنْ تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ السَّفَرُ فِي يَوْمِهَا بَعْدَ الزَّوَالِ) مُرَادُهُ: إذَا لَمْ يَخَفْ فَوْتَ رُفْقَتِهِ. فَإِنْ خَافَ فَوْتَهُمْ جَازَ، قَالَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَالْمَجْدُ، وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَغَيْرُهُمْ مِنْ الْأَصْحَابِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا يُعْذَرُ فِيهِ فِي تَرْكِ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ.
فَإِذَا لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ لَمْ يَجُزْ السَّفَرُ بَعْدَ الزَّوَالِ، حَتَّى يُصَلِّيَ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، بِنَاءً عَلَى اسْتِقْرَارِهَا بِأَوَّلِ وَقْتِ وُجُوبِهَا. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَلِهَذَا خَرَجَ الْجَوَازُ مَعَ الْكَرَاهَةِ مَا لَمْ يُحْرِمْ؛ لِعَدَمِ الِاسْتِقْرَارِ. قَوْلُهُ (وَيَجُوزُ قَبْلَهُ) يَعْنِي وَبَعْدَ الْفَجْرِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَقْتٍ لِلُزُومٍ عَلَى الصَّحِيحِ، عَلَى مَا يَأْتِي. وَهَذَا الْمَذْهَبُ، قَالَ ابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ: هَذَا الْمَذْهَبُ، قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: هَذَا أَصَحُّ الرِّوَايَاتِ، وَاخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ، وَابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالْفَائِقِ، وَالنَّظْمِ، وَعَنْهُ لَا يَجُوزُ. جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ. وَصَحَّحَهُ ابْنُ عَقِيلٍ. وَعَنْهُ يَجُوزُ لِلْجِهَادِ خَاصَّةً. جَزَمَ بِهِ فِي الْإِفَادَاتِ، وَالْكَافِي وَقَدَّمَهُ فِي الشَّرْحِ. قَالَ فِي الْمُغْنِي: وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْقَاضِي. وَهَذَا يَكُونُ الْمَذْهَبُ عَلَى مَا أَسْلَفْنَاهُ فِي الْخُطْبَةِ، وَأَطْلَقَهُنَّ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ. وَمَسْبُوكِ الْمَذْهَبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَشَرْحِ الطُّوفِيِّ، وَالْفُرُوعِ. وَأَطْلَقَ فِي الْكَافِي فِي غَيْرِ الْجِهَادِ الرِّوَايَتَيْنِ، وَقَالَ الطُّوفِيُّ فِي شَرْحِهِ: قُلْت يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: لَا يَجُوزُ لَهُ السَّفَرُ بَعْدَ الزَّوَالِ أَوْ حِينَ يَشْرَعُ فِي الْأَذَانِ لَهَا، لِجَوَازِ أَنْ يَشْرَعَ فِي ذَلِكَ فِي وَقْتِ صَلَاةِ الْعِيدِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَلَا نِزَاعَ فِي تَحْرِيمِ السَّفَرِ حِينَئِذٍ. لِتَعَلُّقِ حَقِّ اللَّهِ بِالْإِقَامَةِ وَلَيْسَ ذَلِكَ بَعْدَ الزَّوَالِ. انْتَهَى. تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ: هَذَا الَّذِي قُلْنَا مِنْ ذِكْرِ الرِّوَايَاتِ هُوَ أَصَحُّ الطَّرِيقَتَيْنِ، أَعْنِي أَنَّ مَحَلِّ الرِّوَايَاتِ: فِيمَا إذَا سَافَرَ قَبْلَ الزَّوَالِ وَبَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ. وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ
الْأَصْحَابِ. وَهُوَ ظَاهِرُ مَا قَطَعَ بِهِ الْمُصَنِّفُ هُنَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ وَقْتَ وُجُوبِهَا، عَلَى مَا يَأْتِي قَرِيبًا. قَالَ الْمَجْدُ: الرِّوَايَاتُ الثَّلَاثُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَنَّ الْجُمُعَةَ بِالزَّوَالِ، وَمَا قَبْلَهُ وَقْتُ رُخْصَةٍ وَجَوَازٍ، لَا وَقْتُ وُجُوبٍ، وَهُوَ أَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ، وَعَنْهُ تَجِبُ بِدُخُولِ وَقْتِ جَوَازِهَا. فَلَا يَجُوزُ السَّفَرُ فِيهِ قَوْلًا وَاحِدًا. انْتَهَى وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَقَالَ: وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي مَوْضُوعٍ: مَنْعُ السَّفَرِ بِدُخُولِ وَقْتِ فِعْلِ الْجُمُعَةِ، وَجَعَلَ الِاخْتِلَافَ فِيمَا قَبْلَ ذَلِكَ. انْتَهَى. الثَّانِي: مَحَلُّ الْخِلَافِ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ: إذَا لَمْ يَأْتِ بِهَا فِي طَرِيقِهِ. فَأَمَّا إنْ أَتَى بِهَا فِي طَرِيقِهِ: فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ السَّفَرُ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ. الثَّالِثُ: إذَا قُلْنَا بِرِوَايَةِ الْجَوَازِ، فَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ يُكْرَهُ. قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ. قَالَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ: يُكْرَهُ رِوَايَةً وَاحِدَةً. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: قَلَّ مَنْ يَفْعَلُهُ إلَّا رَأَى مَا يَكْرَهُ. وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ لَا يُكْرَهُ. قَوْلُهُ (وَيُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الْجُمُعَةِ أَرْبَعَةُ شُرُوطٍ. أَحَدُهَا: الْوَقْتُ، وَأَوَّلُهُ: أَوَّلُ وَقْتِ صَلَاةِ الْعِيدِ) هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. وَنَصَّ عَلَيْهِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: اخْتَارَهُ عَامَّةُ الْأَصْحَابِ. قُلْت: مِنْهُمْ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ. وَقَدَّمَهُ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ وَغَيْرِهِمْ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ. وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: يَجُوزُ فِعْلُهَا فِي السَّاعَةِ السَّادِسَةِ. وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ. اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ، وَابْنُ شَاقِلَا، وَالْمُصَنِّفُ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ أَيْضًا. وَاخْتَارَ ابْنُ أَبِي مُوسَى يَجُوزُ فِعْلُهَا فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِفَادَاتِ.
وَهُوَ فِي نُسْخَةٍ مِنْ نُسَخِ الْخِرَقِيِّ. وَجَزَمَ بِهِ عَنْهُ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَأَبُو إِسْحَاقَ بْنُ شَاقِلَا، وَغَيْرِهِمْ. وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي عُمَدِ الْأَدِلَّةِ وَالْمُفْرَدَاتِ عَنْ قَوْمٍ مِنْ أَصْحَابِنَا: يَجُوزُ فِعْلُهَا بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَقَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. وَقَالَ فِي الْفَائِقِ: وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. وَتَلْخِيصُهُ: أَنَّ كُلَّ قَوْلٍ قَبْلَ الزَّوَالِ فَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. وَعَنْهُ أَوَّلُ وَقْتِهَا: بَعْدَ الزَّوَالِ. اخْتَارَهُ الْآجُرِّيُّ. وَهُوَ الْأَفْضَلُ. فَائِدَةٌ: الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهَا تَلْزَمُ بِالزَّوَالِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: اخْتَارَهُ الْأَصْحَابُ. وَعَنْهُ تَلْزَمُ بِوَقْتِ الْعِيدِ. اخْتَارَهَا الْقَاضِي. قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَأَبُو حَفْصٍ الْمَغَازِلِيُّ. وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ. وَتَقَدَّمَ أَنَّ صَاحِبَ الْفُرُوعِ ذَكَرَ: هَلْ تَسْتَقِرُّ بِأَوَّلِ وَقْتِ وُجُوبِهَا أَوْ لَا تَسْتَقِرُّ حَتَّى يُحْرِمَ بِهَا؟ . قَوْلُهُ (وَإِنْ خَرَجَ وَقَدْ صَلُّوا رَكْعَةً: أَتَمُّوهَا جُمُعَةً) وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَعَنْهُ يُعْتَبَرُ الْوَقْتُ فِيهَا كُلِّهَا إلَّا السَّلَامَ. قَوْلُهُ (وَإِنْ خَرَجَ قَبْلَ رَكْعَةٍ، فَهَلْ يُتِمُّونَهَا ظُهْرًا، أَوْ يَسْتَأْنِفُونَهَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) . وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْكَافِي، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْفُرُوعِ، وَابْنِ تَمِيمٍ، وَشَرْحِ ابْنِ مُنَجَّا، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَالْحَوَاشِي، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَشَرْحِ الْمَجْدِ. أَحَدُهُمَا: يُتِمُّونَهَا ظُهْرًا. وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، صَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُذْهَبِ، وَالْوَجِيزِ. وَقَدَّمَهُ فِي النَّظْمِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَسْتَأْنِفُونَهَا ظُهْرًا. قَالَ فِي الْمُغْنِي: قِيَاسُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ تُسْتَأْنَفُ ظُهْرًا. وَلَمْ يَحْكِ خِلَافًا. قَالَ الطُّوفِيُّ فِي شَرْحِهِ: الْوَجْهَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى قَوْلِ أَبِي إِسْحَاقَ وَالْخِرَقِيِّ الْآتِيَانِ. قَالَ الشَّارِحُ: فَعَلَى قِيَاسِ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ: تَفْسُدُ صَلَاتُهُ، وَيَسْتَأْنِفُهَا ظُهْرًا. وَعَلَى قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي إِسْحَاقَ: يُتِمُّهَا ظُهْرًا. تَنْبِيهٌ: فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ إشْعَارٌ أَنَّ الْوَقْتَ إذَا خَرَجَ قَبْلَ رَكْعَةٍ لَا يَجُوزُ إتْمَامُهَا جُمُعَةً. وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، وَصَاحِبِ الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِمَا. وَقَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ. وَاخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ. قَالَ ابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ: هُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا، وَلَيْسَ كَمَا قَالَ. وَعَنْهُ يُتِمُّونَهَا جُمُعَةً. وَهُوَ الْمَذْهَبُ، نَصَّ عَلَيْهِ، قَالَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: هُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، قَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ: مَنْ تَلَبَّسَ بِهَا فِي وَقْتِهَا أَتَمَّهَا جُمُعَةً. قِيَاسًا عَلَى سَائِرِ الصَّلَوَاتِ. وَقَالُوا: هُوَ الْمَذْهَبُ، وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَابْنُ حَامِدٍ، وَابْنُ أَبِي مُوسَى، وَالْقَاضِي، وَأَصْحَابُهُ. قَالَ فِي الْمَذْهَبِ: أَتَمَّهَا جُمُعَةً. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، قَالَ الْمَجْدُ: اخْتَارَهُ الْأَصْحَابُ إلَّا الْخِرَقِيَّ. وَتَبِعَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ. وَسَبَقَهُمَا الْفَخْرُ فِي التَّلْخِيصِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ، وَنَاظِمِ الْمُفْرَدَاتِ. وَهُوَ مِنْهَا. فَعَلَى الْمَذْهَبِ: لَوْ بَقِيَ مِنْ الْوَقْتِ قَدْرُ الْخُطْبَةِ وَالتَّحْرِيمَةِ لَزِمَهُمْ فِعْلُهَا، وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ. وَكَذَا يَلْزَمُهُمْ إنْ شَكُّوا فِي خُرُوجِهِ، عَمَلًا بِالْأَصْلِ. وَعَلَيْهِ: لَوْ دَخَلَ وَقْتُ الْمَغْرِبِ وَهُوَ فِيهَا، فَهُوَ كَدُخُولِ وَقْتِ الْعَصْرِ. قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. وَقِيلَ: يَبْطُلُ وَجْهًا وَاحِدًا. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ. وَالظَّاهِرُ: أَنَّ مُرَادَهُمْ إذَا جَوَّزْنَا الْجَمْعَ بَيْنَ الْجُمُعَةِ وَالْعَصْرِ، وَجَمَعَ جَمْعَ تَأْخِيرٍ.
قَوْلُهُ (الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ بِقَرْيَةٍ يَسْتَوْطِنُهَا أَرْبَعُونَ مِنْ أَهْلِ وُجُوبِهَا. فَلَا يَجُوزُ إقَامَتُهَا فِي غَيْرِ ذَلِكَ) وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ. وَقَدَّمَ الْأَزَجِيُّ صِحَّتَهَا وَوُجُوبَهَا عَلَى الْمُسْتَوْطِنِينَ بِعَمُودٍ أَوْ خِيَامٍ. وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ مُتَّجَهٌ، وَاشْتَرَطَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي مَوْضِعٍ مِنْ كَلَامِهِ: أَنْ يَكُونُوا يَزْرَعُونَ كَمَا يَزْرَعُ أَهْلُ الْقَرْيَةِ. وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ " مُسْتَوْطِنِينَ " قَوْلُهُ (وَيَجُوزُ إقَامَتُهَا فِي الْأَبْنِيَةِ الْمُتَفَرِّقَةِ، إذَا شَمِلَهَا اسْمٌ وَاحِدٌ وَفِيمَا قَارَبَ الْبُنْيَانُ مِنْ الصَّحْرَاءِ) . وَهُوَ الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا. وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ. وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ إقَامَتُهَا إلَّا فِي الْجَامِعِ. قَالَ ابْنُ حَامِدٍ: هِيَ فِي غَيْرِ مَسْجِدٍ لِغَيْرِ عُذْرٍ بَاطِلَةٌ وَقَالَ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ: كَلَامُ أَحْمَدَ يَحْتَمِلُ إبْرَازَهُ وَلَوْ بَعُدَ، وَأَنَّ الْأَشْبَهَ بِتَأْوِيلِهِ الْمَنْعُ. كَالْعِيدِ. يَجُوزُ فِيمَا قَرُبَ لَا فِيمَا بَعُدَ. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: إذَا أُقِيمَتْ فِي صَحْرَاءَ اسْتَخْلَفَ مَنْ يُصَلِّي بِالضَّعَفَةِ. قَوْلُهُ (الثَّالِثُ: حُضُورُ أَرْبَعِينَ مِنْ أَهْلِ الْقَرْيَةِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ) وَكَذَا قَالَ فِي الْفُرُوعِ، وَالشَّرْحِ، وَالْفَائِقِ، وَغَيْرِهِمْ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ بِلَا رَيْبٍ. وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. وَنَصَرُوهُ. قَالَ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ: اخْتَارَهُ عَامَّةُ الْمَشَايِخِ. وَعَنْهُ تَنْعَقِدُ بِثَلَاثَةٍ. اخْتَارَهَا الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. وَعَنْهُ تَنْعَقِدُ فِي الْقُرَى بِثَلَاثَةٍ. وَبِأَرْبَعِينَ فِي أَهْلِ الْأَمْصَارِ. نَقَلَهَا ابْنُ عَقِيلٍ. قَالَ فِي الْحَاوِيَيْنِ: وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدِي. وَعَنْهُ تَنْعَقِدُ بِحُضُورِ سَبْعَةٍ. نَقَلَهَا ابْنُ حَامِدٍ، وَأَبُو الْحُسَيْنِ فِي رُءُوسِ مَسَائِلِهِ. وَعَنْهُ تَنْعَقِدُ بِخَمْسَةِ. وَعَنْهُ تَنْعَقِدُ بِأَرْبَعَةٍ. وَعَنْهُ لَا تَنْعَقِدُ إلَّا بِحُضُورِ خَمْسِينَ.
تَنْبِيهٌ: حَيْثُ اشْتَرَطْنَا عَدَدًا مِنْ هَذِهِ الْأَعْدَادِ. فَيُعَدُّ الْإِمَامُ مِنْهُمْ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمَذْهَبِ وَغَيْرِهِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَغَيْرِهِمْ. قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالزَّرْكَشِيُّ: هَذَا أَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ، وَعَنْهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ زَائِدًا عَنْ الْعَدَدِ. وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. قَالَ فِي الْحَاوِيَيْنِ: وَهَلْ يُشْتَرَطُ كَوْنُ الْإِمَامِ مِنْ جُمْلَةِ الْعَدَدِ عَلَى كُلِّ رِوَايَةٍ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ أَصَحُّهُمَا: لَا يُشْتَرَطُ. حَكَاهُ أَبُو الْحُسَيْنِ فِي رُءُوسِ الْمَسَائِلِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفَائِقِ. فَعَلَى الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ: لَوْ بَانَ الْإِمَامُ مُحْدِثًا نَاسِيًا لَهُ، لَا يُجْزِهِمْ، إلَّا أَنْ يَكُونُوا بِدُونِهِ الْعَدَدَ الْمُعْتَبَرَ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَخَرَّجُ لَا يُجْزِيهِمْ مُطْلَقًا. قَالَ الْمَجْدُ: بِنَاءً عَلَى رِوَايَةِ: أَنَّ صَلَاةَ الْمُؤْتَمِّ بِنَاسٍ حَدَثَهُ: يُفِيدُ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَرَأَ خَلْفَهُ بِقَدْرِ الصَّلَاةِ صَلَاةَ انْفِرَادٍ. فَوَائِدُ. لَوْ رَأَى الْإِمَامُ اشْتِرَاطَ عَدَدٍ دُونَ الْمَأْمُومِينَ، فَنَقَصَ عَنْ ذَلِكَ: لَمْ يَجُزْ أَنْ يَؤُمَّهُمْ. وَلَزِمَهُ اسْتِخْلَافُ أَحَدِهِمْ. وَلَوْ رَآهُ الْمَأْمُومُونَ دُونَ الْإِمَامِ: لَمْ يَلْزَمْ وَاحِدًا مِنْهُمَا. وَلَوْ أَمَرَ السُّلْطَانُ أَنْ لَا يُصَلِّيَ إلَّا بِأَرْبَعِينَ، لَمَا يَجُزْ بِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ الْعَدَدِ، وَلَا أَنْ يَسْتَخْلِفَ، لِقَصْرِ وِلَايَتِهِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ أَحَدُهُمْ. قَوْلُهُ (فَإِنْ نَقَصُوا قَبْلَ إتْمَامِهَا اسْتَأْنَفُوا ظُهْرًا) هَذَا الْمَذْهَبُ، نَصَّ عَلَيْهِ، جَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالْوَجِيزِ وَغَيْرِهِمْ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَغَيْرِهِمْ. قَالَ الشَّارِحُ: الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يُشْتَرَطُ كَمَالُ الْعَدَدِ فِي جَمِيعِ الصَّلَاةِ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا أَعْلَمُ خِلَافًا عَنْ أَحْمَدَ: إنْ لَمْ يَتِمَّ الْعَدَدُ فِي الصَّلَاةِ وَالْخُطْبَةِ أَنَّهُمْ يُعِيدُونَ الصَّلَاةَ. انْتَهَى.
وَقِيلَ: يُتِمُّونَهَا ظُهْرًا. اخْتَارَهُ الْقَاضِي. وَقِيلَ: يُتِمُّونَهَا جُمُعَةً. وَقِيلَ: يُتِمُّونَهَا جُمُعَةً إنْ بَقِيَ مَعَهُ اثْنَا عَشَرَ. وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُمْ إنْ نَقَصُوا قَبْلَ رَكْعَةٍ أَتَمُّوا ظُهْرًا، وَإِنْ نَقَصُوا بَعْدَ رَكْعَةٍ أَتَمُّوا جُمُعَةً. وَاخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ. وَقَالَ: هُوَ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ كَمَسْبُوقٍ. قَالَ بَعْضُهُمْ: وَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ. وَقَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: احْتِمَالُ الْمُصَنِّفِ إنَّمَا هُوَ عَلَى قَوْلِ ابْنِ شَاقِلَا فِي الْمَسْبُوقِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ النِّيَّةَ، كَقَوْلِ الْخِرَقِيِّ. انْتَهَى. وَفَرَّقَ ابْنُ مُنَجَّا بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْمَسْبُوقَ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ جُمُعَةٍ تَمَّتْ شَرَائِطُهَا وَصَحَّتْ، فَجَازَ الْبِنَاءُ عَلَيْهَا، خِلَافُ هَذِهِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَفَرَّقَ غَيْرُ الْمُصَنِّفِ بِأَنَّهَا صَحَّتْ مِنْ الْمَسْبُوقِ تَبَعًا. كَصِحَّتِهَا مِمَّنْ لَمْ يَحْضُرْ الْخُطْبَةَ تَبَعًا. انْتَهَى. فَائِدَةٌ: لَوْ نَقَصُوا، وَلَكِنْ بَقِيَ الْعَدَدُ الْمُعْتَبَرُ أَتَمُّوا جُمُعَةً. قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: سَوَاءٌ كَانُوا سَمِعُوا الْخُطْبَةَ، أَوْ لَحِقُوهُمْ قَبْلَ نَقْصِهِمْ بِلَا خِلَافٍ، كَبَقَائِهِ مَعَ السَّامِعِينَ. وَجَزَمَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ، وَابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرِهِمَا: لَوْ أَحْرَمَ بِثَمَانِينَ رَجُلًا، قَدْ حَضَرَ الْخُطْبَةَ مِنْهُمْ أَرْبَعُونَ ثُمَّ انْفَضُّوا، وَبَقِيَ مَعَهُ مَنْ لَمْ يَحْضُرْهَا: أَتَمُّوا جُمُعَةً. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ كَلَامِ بَعْضِهِمْ خِلَافُهُ. قَوْلُهُ (وَمَنْ أَدْرَكَ مَعَ الْإِمَامِ مِنْهَا رَكْعَةً أَتَمَّهَا جُمُعَةً) بِلَا خِلَافٍ أَعْلَمُهُ، وَإِنْ أَدْرَكَ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ أَتَمَّهَا ظُهْرًا، إذَا كَانَ قَدْ نَوَى الظُّهْرَ فِي قَوْلِ الْخِرَقِيِّ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ. حَكَاهُ ابْنُ عَقِيلٍ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْفُرُوعِ، وَالنَّظْمِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ، وَغَيْرِهِمْ. وَصَحَّحَهُ الْحَلْوَانِيُّ. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ مُفْلِحٍ فِي حَوَاشِيهِ: هَذَا أَظْهَرُ الْوَجْهَيْنِ، وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ بْنُ شَاقِلَا: يَنْوِي جُمُعَةً، وَيُتِمُّهَا ظُهْرًا. وَذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ رِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ. وَهِيَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. قَالَ الْقَاضِي فِي مَوْضِعٍ مِنْ التَّعْلِيقِ: هَذَا
الْمَذْهَبُ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْعُمْدَةِ، فَإِنَّهُ قَالَ: فَمَنْ أَدْرَكَ مِنْهَا رَكْعَةً أَتَمَّهَا جُمُعَةً، وَإِلَّا أَتَمَّهَا ظُهْرًا. انْتَهَى. قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ وَهُوَ ضَعِيفٌ: فَإِنَّهُ فَرَّ مِنْ اخْتِلَافِ النِّيَّةِ، ثُمَّ الْتَزَمَهُ فِي الْبِنَاءِ. وَالْوَاجِبُ الْعَكْسُ أَوْ التَّسْوِيَةُ. وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ بِالْبِنَاءِ اخْتِلَافٌ. يَمْنَعُ الِاقْتِدَاءَ. انْتَهَى. قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: قَوْلُهُ بَعِيدٌ جِدًّا. يَنْقُضُ بَعْضُهُ بَعْضًا. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْكَافِي، وَالْهِدَايَةِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَقِيلَ إنَّ مَبْنَى الْوَجْهَيْنِ: أَنَّ الْجُمُعَةَ هَلْ هِيَ ظُهْرٌ مَقْصُورَةٌ، أَوْ صَلَاةٌ مُسْتَقِلَّةٌ؟ فِيهِ وَجْهَانِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ أَوَّلَ الْبَابِ. وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ إتْمَامُهَا وَلَا يَصِحُّ، لِاخْتِلَافِ النِّيَّةِ. قَالَ ابْنُ مُنَجَّا وَغَيْرُهُ: وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: لَا يُصَلِّيهَا مَعَ الْإِمَامِ. لِأَنَّهُ إنْ نَوَى الظُّهْرَ خَالَفَ نِيَّةَ إمَامِهِ. وَإِنْ نَوَى الْجُمُعَةَ وَأَتَمَّهَا ظُهْرًا فَقَدْ صَحَّتْ لَهُ الظُّهْرُ مِنْ غَيْرِ نِيَّتِهَا. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي عُمَدِ الْأَدِلَّةِ، أَوْ الْفُنُونِ: لَا يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَهَا وَلَا يَنْوِيَهَا ظُهْرًا. لِأَنَّ الْوَقْتَ لَا يَصْلُحُ. فَإِنْ دَخَلَ نَوَى جُمُعَةً وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَلَا يَعْتَدُّ بِهَا. تَنْبِيهَانِ. أَحَدُهُمَا: قَالَ ابْنُ رَجَبٍ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ: إنَّمَا قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: يَنْوِي جُمُعَةً وَيُتِمُّهَا أَرْبَعًا وَهِيَ جُمُعَةٌ لَا ظُهْرٌ، لَكِنْ لَمَّا قَالَ " يُتِمُّهُمَا أَرْبَعًا " ظَنَّ الْأَصْحَابُ أَنَّهَا تَكُونُ ظُهْرًا، وَإِنَّمَا هِيَ جُمُعَةٌ، قَالَ ابْنُ رَجَبٍ: وَأَنَا وَجَدْت لَهُ مُصَنَّفًا فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ صَلَاةَ الْجُمُعَةِ كَصَلَاةِ الْعِيدِ. فَصَلَاةُ الْعِيدِ إذَا فَاتَتْهُ صَلَّاهَا أَرْبَعًا. انْتَهَى. الثَّانِي: ظَاهِرُ قَوْلِهِ (وَإِنْ أَدْرَكَ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ أَتَمَّهَا ظُهْرًا) أَنَّهُ لَا يَصِحُّ إتْمَامُهَا جُمُعَةً، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَا يَخْتَلِفُ الْأَصْحَابُ فِيهِ قَالَ فِي النُّكَتِ: قَطَعَ بِهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَعَنْهُ يُتِمُّهَا جُمُعَةً. ذَكَرَهَا أَبُو بَكْرٍ، وَأَبُو حَكِيمٍ فِي شَرْحِهِ. قِيَاسًا عَلَى غَيْرِهَا مِنْ
الصَّلَوَاتِ؛ وَلِأَنَّ مَنْ لَزِمَهُ أَنْ يَبْنِيَ عَلَى صَلَاةِ الْإِمَامِ بِإِدْرَاكِ رَكْعَةٍ لَزِمَهُ بِإِدْرَاكِ أَقَلَّ مِنْهَا. كَالْمُسَافِرِ يُدْرِكُ الْمُقِيمَ، وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْمُسَافِرَ إدْرَاكُهُ إدْرَاكُ إلْزَامٍ. وَهَذَا إدْرَاكُ إسْقَاطٍ لِلْعَدَدِ فَافْتَرَقَا، وَبِأَنَّ الظُّهْرَ لَيْسَ مِنْ شَرْطِهَا الْجَمَاعَةُ، خِلَافُ مَسْأَلَتِنَا. فَائِدَةٌ: إنْ كَانَ الْإِمَامُ صَلَّى الْجُمُعَةَ قَبْلَ الزَّوَالِ، لَمْ يَصِحَّ دُخُولُ مَنْ فَاتَتْهُ مَعَهُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْوَجْهَيْنِ جَزَمَ بِهِ فِي الشَّرْحِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَغَيْرِهِمَا؛ لِأَنَّهَا فِي حَقِّهِ ظُهْرًا، وَلَا يَجُوزُ قَبْلَ الزَّوَالِ فَإِنْ دَخَلَ انْعَقَدَتْ نَفْلًا وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَصِحُّ أَنْ يَدْخُلَ بِنِيَّةِ الْجُمُعَةِ ثُمَّ يَبْنِيَ عَلَيْهَا ظُهْرًا، حَكَاهُ الْقَاضِي فِي الرِّوَايَتَيْنِ، وَالْآمِدِيُّ عَنْ ابْنِ شَاقِلَا، وَيَجِبُ أَنْ يُصَادِفَ ابْتِدَاءُ صَلَاتِهِ زَوَالَ الشَّمْسِ عَلَى هَذَا. قَوْلُهُ (وَمَنْ أَحْرَمَ مَعَ الْإِمَامِ ثُمَّ زُحِمَ عَنْ السُّجُودِ سَجَدَ عَلَى ظَهْرِ إنْسَانٍ أَوْ رِجْلِهِ) هَذَا الْمَذْهَبُ، يَعْنِي أَنَّهُ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ إنْ أَمْكَنَهُ نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْكَافِي، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِمْ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَصَحَّحُوهُ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ وَغَيْرُهُمْ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَا يَسْجُدُ عَلَى ظَهْرِ أَحَدٍ، وَلَا عَلَى رِجْلِهِ. وَيُومِئُ غَايَةَ الْإِمْكَانِ وَعَنْهُ إنْ شَاءَ سَجَدَ عَلَى ظَهْرِهِ، وَإِنْ شَاءَ انْتَظَرَ زَوَالَ الزِّحَامِ، وَالْأَفْضَلُ السُّجُودُ، وَيَحْتَمِلُهُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ. فَائِدَتَانِ. إحْدَاهُمَا: لَوْ احْتَاجَ إلَى مَوْضِعِ يَدَيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ أَيْضًا، فَهَلْ يَجُوزُ وَضْعُهُمَا إذَا قُلْنَا بِجَوَازِهِ فِي الْجَبْهَةِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ،
أَحَدُهُمَا: لَا يَجُوزُ. قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: هَذَا الْأَقْوَى عِنْدِي، وَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَجُوزُ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَقَدَّمَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَالتَّفْرِيعُ عَلَى الْجَوَازِ قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ السُّجُودُ إلَّا عَلَى مَتَاعِ غَيْرِهِ صَحَّتْ، كَهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَجَعَلَ طَرَفَ الْمُصَلِّي وَذَيْلَ الثَّوْبِ أَصْلًا لِلْجِوَازِ. الثَّانِيَةُ: الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ التَّخَلُّفَ عَنْ السُّجُودِ مَعَ الْإِمَامِ لِمَرَضٍ أَوْ غَفْلَةٍ بِنَوْمٍ أَوْ غَيْرِهِ، أَوْ سَهْوٍ وَنَحْوِهِ كَالْمُتَخَلِّفِ بِالزِّحَامِ، وَاخْتَارَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا فَيَسْجُدُ الْمَزْحُومُ إذَا أَمِنَ فَوَاتَ الثَّانِيَةِ، وَلَا يَسْجُدُ السَّاهِي بِحَالٍ، بَلْ تُلْغَى رَكْعَتُهُ قَوْلُهُ (فَإِنْ يُمْكِنُهُ سَجَدَ إذَا زَالَ الزِّحَامُ) بِلَا نِزَاعٍ بِشَرْطِهِ. قَوْلُهُ (إلَّا أَنْ يَخَافَ فَوْتَ الثَّانِيَةِ، فَيُتَابَعَ الْإِمَامَ فِيهَا، وَتَصِيرَ أُولَاهُ فَتَلْغُو الْأُولَى، وَيُتِمَّهَا جُمُعَةً) هَذَا الْمَذْهَبُ وَالصَّحِيحُ مِنْ الرِّوَايَاتِ جَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْكَافِي، وَالْمُغْنِي، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِمْ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَقَالَ: هَذَا أَصَحُّ. قَالَ الشَّارِحُ: هَذَا قِيَاسُ الْمَذْهَبِ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ لَا يُتَابِعُهُ، بَلْ يَشْتَغِلُ بِسُجُودِ الْأُولَى، وَعَنْهُ: رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ تَلْغُو الْأُولَى وَيُتَابِعُ الْإِمَامَ، وَإِنْ لَمْ يَخَفْ فَوْتَ الثَّانِيَةِ، وَلَا يَشْتَغِلُ بِسُجُودٍ.
فَوَائِدُ. وَلَوْ أَدْرَكَ مَعَ الْإِمَامِ مَا تَنْعَقِدُ بِهِ فَأَحْرَمَ ثُمَّ زُحِمَ عَنْ السُّجُودِ أَوْ نَسِيَهُ، وَأَدْرَكَ الْقِيَامَ، وَزُحِمَ عَنْ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، حَتَّى سَلَّمَ أَوْ تَوَضَّأَ لِحَدَثٍ وَقُلْنَا: يَبْنِي وَنَحْوُ ذَلِكَ اسْتَأْنَفَ ظُهْرًا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ نَصَّ عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ، وَابْنُ أَبِي مُوسَى، وَالْخِرَقِيُّ، وَالْقَاضِي، قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ، وَعَنْهُ يُتِمُّهَا ظُهْرًا، وَعَنْهُ جُمُعَةً وَاخْتَارَهُ الْخَلَّالُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى، وَعَنْهُ يُتِمُّ جُمُعَةً مَنْ زُحِمَ عَنْ سُجُودٍ أَوْ نَسِيَهُ، لِإِدْرَاكِهِ الرُّكُوعَ كَمَنْ أَتَى بِالسُّجُودِ قَبْلَ سَلَامِ إمَامِهِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الرِّوَايَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِهِ فِي جَمَاعَةٍ، وَالْإِدْرَاكُ الْحُكْمِيُّ كَالْحَقِيقِيِّ. كَحَمْلِ الْإِمَامِ السَّهْوَ عَنْهُ، وَإِنْ أَحْرَمَ فَزُحِمَ وَصَلَّى فَذًّا لَمْ تَصِحَّ، وَإِنْ أَخْرَجَ فِي الثَّانِيَةِ: فَإِنْ نَوَى مُفَارَقَتَهُ أَتَمَّ جُمُعَةً، وَإِلَّا فَعَنْهُ يُتِمُّ جُمُعَةً، وَعَنْهُ يُعِيدُ؛ لِأَنَّهُ فَذٌّ فِي رَكْعَةٍ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ. تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ (إلَّا أَنْ يَخَافَ فَوْتَ الثَّانِيَةِ) الِاعْتِبَارُ فِي فَوْتِ الثَّانِيَةِ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ، فَمَنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ الْفَوْتُ، فَتَابَعَ إمَامَهُ فِيهَا، ثُمَّ طَوَّلَ: لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ، وَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ الْفَوْتُ، فَبَادَرَ الْإِمَامَ فَرَكَعَ: لَمْ يَضُرَّهُ الْإِمَامُ، قَالَهُ ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ فَعَلَى الْمَذْهَبِ مِنْ أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ: لَوْ زَالَ عُذْرُ مَنْ أَدْرَكَ رُكُوعَ الْأُولَى وَقَدْ رَفَعَ إمَامُهُ مِنْ رُكُوعِ الثَّانِيَةِ تَابَعَهُ فِي السُّجُودِ، فَتَتِمُّ لَهُ رَكْعَةٌ مُلَفَّقَةٌ مِنْ رَكْعَتَيْ إمَامِهِ يُدْرِكُ بِهَا الْجُمُعَةَ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ فَيُعَايَى بِهَا، وَلَوْ لَمْ نَقُلْ بِالتَّلْفِيقِ فِيمَنْ نَسِيَ أَرْبَعَ سَجَدَاتٍ مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ، لِتَحْصِيلِ الْمُوَالَاةِ بَيْنَ رُكُوعٍ وَسُجُودٍ مُعْتَبَرٍ، وَقِيلَ: لَا يَعْتَدُّ لَهُ بِهَذَا السُّجُودِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ فَيَأْتِي
بِسَجْدَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ وَالْإِمَامُ فِي تَشَهُّدِهِ، وَإِلَّا عِنْدَ سَلَامِهِ ثُمَّ فِي إدْرَاكِهِ الْجُمُعَةَ الْخِلَافُ. وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ بَعْدَ قَوْلِهِ " إذَا رَكَعَ وَرَفَعَ قَبْلَ رُكُوعِهِ ". فَائِدَتَانِ. إحْدَاهُمَا: لَوْ زُحِمَ عَنْ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فَهُوَ كَالْمَزْحُومِ عَنْ السُّجُودِ فَيَشْتَغِلُ بِقَضَاءِ ذَلِكَ، مَا لَمْ يَخَفْ فَوْتَ الثَّانِيَةِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَفِيهِ وَجْهٌ تَلْغُو رَكْعَتُهُ بِكُلِّ حَالٍ، وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ: إنْ زُحِمَ عَنْ الرُّكُوعِ وَحْدَهُ فَوَجْهَانِ أَحَدُهُمَا: يَأْتِي بِهِ وَيَلْحَقُهُ اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَالثَّانِي: تَلْغُو رَكْعَتُهُ. وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ، الثَّانِيَةُ: لَوْ زُحِمَ عَنْ الْجُلُوسِ لِلتَّشَهُّدِ فَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: يَأْتِي بِهِ قَائِمًا وَيُجْزِيهِ، وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: الْأَوْلَى انْتِظَارُ زَوَالِ الزِّحَامِ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ، قَوْلُهُ (فَإِنْ لَمْ يُتَابِعْهُ عَالِمًا بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ) بِلَا نِزَاعٍ (وَإِنْ جَهِلَ تَحْرِيمَةً فَسَجَدَ ثُمَّ أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي التَّشَهُّدِ أَتَى بِرَكْعَةٍ أُخْرَى بَعْدَ سَلَامِهِ، وَصَحَّتْ جُمُعَتُهُ) وَهُوَ الْمَذْهَبُ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَعَنْهُ يُتِمُّهَا ظُهْرًا. وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ فَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ يُتِمُّهَا ظُهْرًا: فَهَلْ يَسْتَأْنِفُ أَوْ يَبْنِي؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ قَدَّمَ فِي الرِّعَايَةِ أَنَّهُ يَبْنِي. تَنْبِيهٌ: أَفَادَنَا الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الِاعْتِدَادَ بِسُجُودِهِ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ كَسُجُودِهِ يَظُنُّ إدْرَاكَ الْمُتَابَعَةِ فَفَاتَتْ وَاخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَغَيْرُهُ، وَقِيلَ: لَا يَعْتَدُّ بِهِ اخْتَارَهُ الْقَاضِي؛ لِأَنَّ فَرْضَهُ الرُّكُوعُ، وَلَمْ يَبْطُلْ لِجَهْلِهِ فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ: لَوْ أَتَى بِالسُّجُودِ، ثُمَّ أَدْرَكَهُ فِي رُكُوعِ الثَّانِيَةِ تَبِعَهُ فَصَارَتْ الثَّانِيَةُ أُولَاهُ، وَأَدْرَكَ بِهَا الْجُمُعَةَ.
فَوَائِدُ. إحْدَاهَا: لَوْ سَجَدَ جَاهِلًا تَحْرِيمَ الْمُتَابَعَةِ، ثُمَّ أَدْرَكَهُ فِي رُكُوعِ الثَّانِيَةِ: تَبِعَهُ فِيهِ، وَتَمَّتْ جُمُعَتُهُ، وَإِنْ أَدْرَكَهُ بَعْدَ رَفْعِهِ تَبِعَهُ، وَقَضَى كَمَسْبُوقٍ، يَأْتِي بِرَكْعَةٍ فَتَتِمُّ لَهُ جُمُعَةٌ، قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: إنْ أَدْرَكَ مَعَهُ السُّجُودَ فِيهَا فَهَلْ تَكْمُلُ بِهِ الْأُولَى؟ عَلَى وَجْهَيْنِ فَإِنْ قُلْنَا: تَكْمُلُ، حَصَلَ لَهُ رَكْعَةٌ، وَيَقْضِي أُخْرَى بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ، وَتَصِحُّ جُمُعَتُهُ. انْتَهَى. الثَّانِيَةُ: قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ وَجَمَاعَةٌ: يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ كَذَلِكَ. وَقَالَ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ: لَا يَسْجُدُ قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَهُوَ أَظْهَرُ قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: خَالَفَ أَبُو الْخَطَّابِ أَكْثَرَ الْأَصْحَابِ. الثَّالِثَةُ: قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَإِنْ أَدْرَكَهُ بَعْدَ رَفْعِهِ وَتَبِعَهُ فِي السُّجُودِ، فَيَحْصُلُ الْقَضَاءُ وَالْمُتَابَعَةُ مَعًا، وَتَتِمُّ لَهُ رَكْعَةٌ يُدْرِكُ بِهَا الْجُمُعَةَ، وَقِيلَ: لَا يَعْتَدُّ اخْتَارَهُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ؛ لِأَنَّهُ مُعْتَدٌّ بِهِ لِلْإِمَامِ مِنْ رَكْعَةٍ فَلَوْ اعْتَدَّ بِهِ الْمَأْمُومُ مِنْ غَيْرِهَا: احْتَمَلَ مَعْنَى الْمُتَابَعَةِ، فَيَأْتِي بِسُجُودٍ آخَرَ وَإِمَامُهُ فِي التَّشَهُّدِ، وَإِلَّا بَعْدَ سَلَامِهِ. انْتَهَى. وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ كُلُّهُ بِأَبْسَطَ مِنْ هَذَا فِي بَابِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ. قَوْلُهُ (الرَّابِعُ: أَنْ يَتَقَدَّمَهَا خُطْبَتَانِ) هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَعَنْهُ يُجْزِئُهُ خُطْبَةٌ وَاحِدَةٌ. فَائِدَتَانِ. إحْدَاهُمَا: هَاتَانِ الْخُطْبَتَانِ بَدَلٌ عَنْ رَكْعَتَيْنِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: قُلْت هَذَا إنْ قُلْنَا: إنَّهَا ظُهْرٌ مَقْصُورَةٌ، وَإِنْ قُلْنَا: إنَّهَا صَلَاةٌ تَامَّةٌ فَلَا. انْتَهَى، وَقِيلَ: لَيْسَتَا بَدَلًا عَنْهُمَا.
الثَّانِيَةُ: لَا تَصِحُّ الْخُطْبَةُ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ مَعَ الْقُدْرَةِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: تَصِحُّ، وَتَصِحُّ مَعَ الْعَجْزِ قَوْلًا وَاحِدًا، وَلَا يُعْتَبَرُ عَنْ الْقِرَاءَةِ بِكُلِّ حَالٍ. قَوْلُهُ (مِنْ شَرْطِ صِحَّتِهِمَا: حَمْدُ اللَّهِ) بِلَا نِزَاعٍ فَيَقُولُ (الْحَمْدُ لِلَّهِ) بِهَذَا اللَّفْظِ قَطَعَ بِهِ الْأَصْحَابُ مِنْهُمْ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ، وَغَيْرُهُمْ قَالَ فِي النُّكَتِ: لَمْ أَجِدْ فِيهِ خِلَافًا. قَوْلُهُ (وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ وَاخْتَارَ الْمَجْدُ: يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ يَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ فَالْوَاجِبُ عِنْدَهُ ذِكْرُ الرَّسُولِ لَا لَفْظُ الصَّلَاةِ وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ وَاجِبَةٌ لَا شَرْطٌ، وَأَوْجَبَ فِي مَكَان آخَرَ الشَّهَادَتَيْنِ، وَأَوْجَبَ أَيْضًا الصَّلَاةَ عَلَيْهِ مَعَ الدُّعَاءِ الْوَاجِبِ، وَتَقْدِيمُهَا عَلَيْهِ لِوُجُوبِ تَقْدِيمِهِ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَى النَّفْسِ، وَالسَّلَامُ عَلَيْهِ فِي التَّشَهُّدِ، وَقِيلَ: لَا يُشْتَرَطُ ذِكْرُهُ. فَائِدَتَانِ. إحْدَاهُمَا: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: عَدَمُ وُجُوبِ السَّلَامِ عَلَيْهِ مَعَ الصَّلَاةِ، وَهُوَ صَحِيحٌ هُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ وَظَاهِرُ رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ: وُجُوبُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ. الثَّانِيَةُ: يُشْتَرَطُ فِي الْخُطْبَتَيْنِ أَيْضًا دُخُولُ الْجُمُعَةِ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ بَعْضُهُمْ، مِنْهُمْ الْمُصَنِّفُ، وَالْمَجْدُ فِي مُحَرَّرِهِ. قَوْلُهُ (وَقِرَاءَةُ آيَةٍ) الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الْخُطْبَتَيْنِ قِرَاءَةُ آيَةٍ مُطْلَقًا فِي كُلِّ خُطْبَةٍ نَصَّ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. لِأَنَّهَا بَدَلٌ مِنْ رَكْعَتَيْنِ
وَعَنْهُ لَا تَجِبُ قِرَاءَةٌ اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ، وَقِيلَ: لَا تَجِبُ قِرَاءَةٌ فِي الثَّانِيَةِ، ذَكَرَهُ فِي التَّلْخِيصِ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ صَدَقَةُ بْنُ الْحَسَنِ الْبَغْدَادِيُّ الْحَنْبَلِيُّ فِي كِتَابِهِ. نَقَلَهُ عَنْهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَعَنْهُ يُجْزِئُ بَعْضُ آيَةٍ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، وَهُوَ تَخْرِيجُ ابْنِ عَقِيلٍ مِنْ صِحَّةِ خُطْبَةِ الْجُنُبِ. وَقِيلَ: يُجْزِئُ بَعْضُهَا فِي الْخُطْبَةِ الْأُولَى، وَقِيلَ: يُجْزِئُ بَعْضُهَا فِي الْخُطْبَةِ الثَّانِيَةِ. وَلِلْمَجْدِ احْتِمَالُ يُجْزِئُ بَعْضُ آيَةٍ تُفِيدُ مَقْصُودَ الْخُطْبَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ} [النساء: 1] وَقَالُوهُ الْقَاضِي فِي مَوْضِعٍ مِنْ كَلَامِهِ، ذَكَرَهُ عَنْهُ ابْنُ تَمِيمٍ قَالَ فِي تَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ: وَهُوَ الْأَظْهَرُ عِنْدِي، وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: لَوْ قَرَأَ آيَةً لَا تَسْتَقِلُّ بِمَعْنًى أَوْ حُكْمٍ كَقَوْلِهِ {ثُمَّ نَظَرَ} [المدثر: 21] أَوْ: {مُدْهَامَّتَانِ} [الرحمن: 64] لَمْ يَكْفِ ذَلِكَ، وَهُوَ احْتِمَالُ الْمَجْدِ أَيْضًا، وَقَالَهُ الْقَاضِي أَيْضًا فِي مَوْضِعٍ مِنْ كَلَامِهِ، وَمَثَّلَهُ بِقَوْلِهِ {ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ} [المدثر: 22] ذَكَرَهُ عَنْهُ ابْنُ تَمِيمٍ أَيْضًا، قَالَ فِي تَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ أَيْضًا: وَهُوَ الْأَظْهَرُ عِنْدِي. فَائِدَةٌ: لَوْ قَرَأَ مَا يَتَضَمَّنُ الْحَمْدَ وَالْمَوْعِظَةَ، ثُمَّ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: كَفَى عَلَى الصَّحِيحِ وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: فِيهِ نَظَرٌ؛ لِقَوْلِ أَحْمَدَ لَا بُدَّ مِنْ خُطْبَةٍ، وَنَقَلَ ابْنُ الْحَكَمِ: لَا تَكُونُ خُطْبَةً إلَّا كَمَا خَطَبَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أَوْ خُطْبَةً تَامَّةً قَوْلُهُ (وَالْوَصِيَّةُ بِتَقْوَى اللَّهِ) يَعْنِي يُشْتَرَطُ فِي الْخُطْبَتَيْنِ الْوَصِيَّةُ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ ذَلِكَ فِي الثَّانِيَةِ فَقَطْ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي الثَّانِيَةِ وَقَرَأَ، وَوَعَظَ وَلَمْ يَقُلْ: فِي الْأُولَى وَوَعَظَ وَقَدَّمَ ابْنُ رَزِينٍ فِي
شَرْحِهِ، وَالْمُصَنِّفُ، احْتِمَالُ لَا يَجِبُ إلَّا حَمْدُ اللَّهِ تَعَالَى وَالْمَوْعِظَةُ فَقَطْ، وَذَكَرَ أَبُو الْمَعَالِي، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: أَنَّهُ لَا يَكْفِي ذَمُّ الدُّنْيَا، وَذِكْرُ الْمَوْتِ، زَادَ أَبُو الْمَعَالِي: الْحِكَمُ الْمَعْقُولَةُ الَّتِي لَا تَتَحَرَّك لَهَا الْقُلُوبُ، وَلَا تَنْبَعِثُ بِهَا إلَى الْخَيْرِ فَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ أَطِيعُوا اللَّهَ، وَاجْتَنِبُوا مَعَاصِيَهُ فَالْأَظْهَرُ: لَا يَكْفِي ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ تَوْصِيَةٌ، لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ اسْمِ الْخُطْبَةِ عُرْفًا وَلَا تَحْصُلُ بِاخْتِصَارٍ يَفُوتُ بِهِ الْمَقْصُودُ. فَوَائِدُ. مِنْهَا: أَوْجَبَ الْخِرَقِيُّ وَابْنُ عَقِيلٍ: الثَّنَاءَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَاخْتَارَهُ صَدَقَةُ بْنُ الْحَسَنِ الْبَغْدَادِيُّ فِي كِتَابِهِ، وَجَعَلَهُ شَرْطًا، نَقَلَهُ عَنْهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ وَالْمَذْهَبُ خِلَافُهُ، وَمِنْهَا: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَبْدَأَ بِالْحَمْدِ، وَيُثَنِّي بِالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيُثَلِّثُ بِالْمَوْعِظَةِ، وَيُرَبِّعُ بِقِرَاءَةِ آيَةٍ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ جَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي وَغَيْرِهِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ، وَقِيلَ: يَجِبُ تَرْتِيبُ ذَلِكَ، وَأَطْلَقَهُمَا الزَّرْكَشِيُّ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَةُ، وَالتَّلْخِيصُ، وَالْبُلْغَةُ، لَكِنْ حَكَاهُمَا احْتِمَالَيْنِ فِيهِمَا، وَمِنْهَا: يُشْتَرَطُ أَيْضًا الْمُولَاةُ بَيْنَ أَجْزَاءِ الْخُطْبَتَيْنِ، وَبَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الصَّلَاةِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ قَطَعَ بِهِ الْمَجْدُ، وَغَيْرُهُ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ، وَقِيلَ: لَا يُشْتَرَطُ، وَمِنْهَا: يُشْتَرَطُ تَقَدُّمُهُمَا عَلَى الصَّلَاةِ بِلَا نِزَاعٍ. وَمِنْهَا: يُشْتَرَطُ أَيْضًا الْمُوَالَاةُ بَيْنَ أَجْزَاءِ الْخُطْبَةِ قَوْلًا وَاحِدًا. وَحَكَى بَعْضُهُمْ قَوْلًا، وَمِنْهَا: يُشْتَرَطُ أَيْضًا النِّيَّةُ، ذَكَرَهُ فِي الْفُنُونِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ غَيْرِهِ، قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ،
وَمِنْهَا: تَبْطُلُ الْخُطْبَة بِكَلَامٍ يَسِيرٍ مُحَرَّمٍ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: لَا تَبْطُلُ كَالْأَذَانِ وَأَوْلَى. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَإِنْ حَرُمَ الْكَلَامُ لِأَجْلِ الْخُطْبَةِ وَتَكَلَّمَ فِيهَا لَمْ تَبْطُلْ بِهِ قَوْلًا وَاحِدًا. وَمِنْهَا: الْخُطْبَةُ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ كَالْقِرَاءَةِ، وَهَلْ يَجِبُ إبْدَالُ عَاجِزٍ عَنْ الْقِرَاءَةِ بِذِكْرٍ أَمْ لَا؟ لِحُصُولِ مَعْنَاهَا مِنْ بَقِيَّةِ الْأَرْكَانِ فِيهِ وَجْهَانِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ وَابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ، وَهُمَا احْتِمَالَانِ مُطْلَقَانِ فِي شَرْحِ الزَّرْكَشِيّ، قُلْت: الصَّوَابُ الْوُجُوبُ. قَوْلُهُ (وَحُضُورُ الْعَدَدِ الْمُشْتَرَطِ) يَعْنِي فِي الْقَدْرِ الْوَاجِبِ مِنْ الْخُطْبَةِ كَذَا سَائِرُ شُرُوطِ الْجُمُعَةِ. فَوَائِدُ. مِنْهَا: يُعْتَبَرُ لِلْخَطِيبِ رَفْعُ الصَّوْتِ بِهَا، بِحَيْثُ يَسْمَعُ الْعَدَدُ الْمُعْتَبَرُ، فَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ سَمَاعٌ لِعَارِضٍ، مِنْ نَوْمٍ أَوْ غَفْلَةٍ أَوْ مَطَرٍ أَوْ نَحْوِهِ، صَحَّتْ. وَتَقَدَّمَ أَنَّهَا لَا تَصِحُّ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ مَعَ الْقُدْرَةِ، عَلَى الصَّحِيحِ، وَإِنْ كَانَ لِبُعْدٍ، أَوْ خَفْضِ صَوْتِهِ: لَمْ تَصِحَّ وَلَوْ كَانُوا طُرْشًا أَوْ عُجْمًا، وَكَانَ عَرَبِيًّا سَمِيعًا: صَحَّتْ، وَإِنْ كَانُوا كُلُّهُمْ صُمًّا فَذَكَرَ الْمَجْدُ تَصِحُّ وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ تَمِيمٍ، وَقَالَ غَيْرُ الْمَجْدِ: لَا تَصِحُّ وَجَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ وَظَاهِرُ الْفُرُوعِ الْإِطْلَاقُ، وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ صُمٌّ وَفِيهِمْ مَنْ يَسْمَعُ، وَلَكِنَّ الْأَصَمَّ قَرِيبٌ، وَمَنْ يَسْمَعُ بَعِيدٌ فَقِيلَ: لَا تَصِحُّ، لِفَوَاتِ الْمَقْصُودِ [وَهُوَ أَوْلَى، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ وَغَيْرِهِمَا، وَهُوَ ظَاهِرٌ] قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَهُوَ أَوْلَى فِي مَوْضِعٍ، وَذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مَا يَدُلُّ عَلَى إطْلَاقِ الْخِلَافِ، وَقِيلَ: تَصِحُّ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي التَّلْخِيصِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالْفُرُوعِ، وَالنُّكَتِ، وَالزَّرْكَشِيِّ،
وَإِنْ كَانُوا كُلُّهُمْ خُرْسًا مَعَ الْخَطِيبِ. فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُمْ يُصَلُّونَ ظُهْرًا لِفَوَاتِ الْخُطْبَةِ صُورَةً وَمَعْنًى قُلْت: فَيُعَايَى بِهَا، وَفِيهِ وَجْهٌ: يُصَلُّونَ جُمُعَةً، وَيَخْطُبُ أَحَدُهُمْ بِالْإِشَارَةِ، فَيَصِحُّ كَمَا تَصِحُّ جَمِيعُ عِبَادَاتِهِ مِنْ صَلَاتِهِ وَإِمَامَتِهِ، وَظِهَارِهِ وَلِعَانِهِ وَيَمِينِهِ، وَتَلْبِيَتِهِ وَشَهَادَتِهِ، وَإِسْلَامِهِ وَرِدَّتِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. قُلْت: فَيُعَايَى بِهَا أَيْضًا. فَائِدَةٌ: لَوْ انْفَضُّوا عَنْ الْخَطِيبِ، وَعَادُوا، وَكَثُرَ التَّفَرُّقُ عُرْفًا فَقِيلَ: يَبْنِي عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْخُطْبَةِ، وَقِيلَ: يَسْتَأْنِفُهَا، وَهَذَا الْوَجْهُ ظَاهِرُ كَلَامِ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ لِاشْتِرَاطِهِمْ سَمَاعَ الْعَدَدِ الْمُعْتَبَرِ لِلْخُطْبَةِ، وَقَدْ انْتَفَى قَالَ فِي الْمُذْهَبِ: فَإِنْ انْفَضُّوا ثُمَّ عَادُوا قَبْلَ أَنْ يَتَطَاوَلَ الْفَصْلُ صَلَّاهَا جُمُعَةً فَمَفْهُومُهُ: أَنَّهُ إذَا تَطَاوَلَ الْفَصْلُ لَا يُصَلِّي جُمُعَةً مَا لَمْ يَسْتَأْنِفْ الْخُطْبَةَ وَجَزَمَ بِهِ فِي النَّظْمِ [وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ وَغَيْرِهِمْ، وَصَحَّحَهُ فِي التَّلْخِيصِ] وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ: إنْ انْفَضُّوا لِفِتْنَةٍ أَوْ عَدُوٍّ: ابْتَدَأَهَا كَالصَّلَاةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا تَبْطُلَ كَالْوَقْتِ يَخْرُجُ فِيهَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْوَقْتَ يَتَقَدَّمُ وَيَتَأَخَّرُ لِلْعُذْرِ، وَهُوَ الْجَمْعُ. قَوْلُهُ (وَهَلْ يُشْتَرَطُ لَهُمَا الطَّهَارَةُ، وَأَنْ يَتَوَلَّاهُمَا مَنْ يَتَوَلَّى الصَّلَاةَ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) أَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ فِي اشْتِرَاطِ الطَّهَارَةِ لِلْخُطْبَتَيْنِ أَعْنِي الْكُبْرَى وَالصُّغْرَى الرِّوَايَتَيْنِ وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُذْهَبِ وَالشَّرْحِ، إحْدَاهُمَا: لَا يُشْتَرَطَانِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ
قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: لَا يُشْتَرَطُ لَهُمَا الطَّهَارَتَانِ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ اخْتَارَهُ أَكْثَرُنَا قَالَ فِي تَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ: وَخُطْبَتَيْنِ، وَلَوْ مِنْ جُنُبٍ نَصًّا وَصَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ، وَالنَّظْمِ وَاخْتَارَهُ الْآمِدِيُّ، وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَابْنُ الْبَنَّا، وَالْمَجْدُ وَغَيْرُهُمْ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ وَغَيْرِهِمْ وَقَدَّمَهُ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْكَافِي، وَالْمُغْنِي، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَقَالَ: جَزَمَ الْأَكْثَرُ بِعَدَمِ اشْتِرَاطِ الطَّهَارَةِ الصُّغْرَى: الْقَاضِي، وَالشَّرِيفُ، وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي خِلَافَيْهِمَا، وَالشِّيرَازِيُّ، وَالْمَجْدُ وَغَيْرُهُمْ وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: يُشْتَرَطُ لَهُمَا الطَّهَارَةُ. قَدَّمَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ قَالَ فِي الْحَوَاشِي: قَدَّمَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَغَيْرِهِ، وَعَنْهُ رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ: يُشْتَرَطُ لَهُمَا الطَّهَارَةُ الْكُبْرَى دُونَ الصُّغْرَى قَالَ فِي الْفُرُوعِ: اخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ قَالَ الْمُصَنِّفُ: الْأَشْبَهُ بِأُصُولِ الْمَذْهَبِ: اشْتِرَاطُ الطَّهَارَةِ الْكُبْرَى. قَالَ فِي التَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالصَّحِيحُ عِنْدِي: أَنَّ الطَّهَارَةَ مِنْ الْجَنَابَةِ تُشْتَرَطُ لَهُمَا. قَالَ الشَّرِيفُ: هُوَ قِيَاسُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ عَدَمِ اعْتِدَادِهِ بِأَذَانِ الْجُنُبِ. وَقَالَ فِي الْبُلْغَةِ: قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ: فَلَوْ خَطَبَ جُنُبًا جَازَ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ خَارِجَ الْمَسْجِدِ. قُلْت: قَالَهُ الْقَاضِي فِي جَامِعِهِ وَتَعْلِيقِهِ، وَقَدَّمَهُ فِي التَّلْخِيصِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَقَالَ: يَتَوَضَّأُ وَيَخْطُبُ فِي الْمَسْجِدِ فَعَلَى الْمَذْهَبِ: تُجْزِئُ خُطْبَةُ الْجُنُبِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ وَهُوَ عَاصٍ بِقِرَاءَةِ الْآيَةِ؛ لِأَنَّ لُبْثَهُ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِوَاجِبِ الْعِبَادَةِ كَصَلَاةِ مَنْ مَعَهُ دِرْهَمٌ غَصْبٌ، وَقِيلَ: لَا تُجْزِئُ وَهُوَ تَخْرِيجٌ فِي الْمُحَرَّرِ كَتَحْرِيمِ لُبْثِهِ، وَإِنْ عَصَى بِتَحْرِيمِ
الْقِرَاءَةِ، فَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِفَرْضٍ لَهَا، فَهُوَ كَصَلَاتِهِ بِمَكَانٍ غَصْبٍ، قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَقَالَ فِي الْفُصُولِ: نَصَّ أَحْمَدُ أَنَّ الْآيَةَ لَا تُشْتَرَطُ، وَهُوَ أَشْبَهُ، أَوْ جَوَازُ قِرَاءَةِ الْآيَةِ لِلْجُنُبِ، وَإِلَّا فَلَا وَجْهَ لَهُ، وَقَالَ فِي الْفُنُونِ، أَوْ عُمَدِ الْأَدِلَّةِ: يُحْمَلُ عَلَى النَّاسِ إذَا ذَكَرَ اعْتَدَّ بِخُطْبَتِهِ، بِخِلَافِ الصَّلَاةِ، وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ، وَإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ. كَطَهَارَةٍ صُغْرَى. وَقَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: فَعَلَى الْمَذْهَبِ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَخْطُبَ فِي الْمَسْجِدِ عَالِمًا بِحَدَثِ نَفْسِهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مُتَوَضِّئًا فَإِذَا وَصَلَ الْقِرَاءَةَ اغْتَسَلَ وَقَرَأَ، إنْ لَمْ يُطِلْ أَوْ اسْتَنَابَ مَنْ يَقْرَأُ، ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَابْنُ الْجَوْزِيِّ، وَغَيْرُهُمَا فَإِنْ قَرَأَ جُنُبًا، أَوْ خَطَبَ فِي الْمَسْجِدِ عَالِمًا مِنْ غَيْرِ وُضُوءٍ، صَحَّ مَعَ التَّحْرِيمِ، وَقَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: وَالتَّحْقِيقُ صِحَّةُ خُطْبَةِ الْجُنُبِ فِي الْمَسْجِدِ إذَا تَوَضَّأَ ثُمَّ اغْتَسَلَ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ، وَكَانَ نَاسِيًا لِلْجَنَابَةِ، وَإِنْ عُدِمَ ذَلِكَ كُلُّهُ خَرَجَ عَلَى الصَّلَاةِ فِي الْمَوْضِعِ الْغَصْبِ قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَهَذَا بِنَاءً عَلَى مَنْعِ الْجُنُبِ مِنْ قِرَاءَةِ آيَةٍ أَوْ بَعْضِهَا، وَعَدَمِ الْأَجْزَاءِ فِي الْخُطْبَةِ بِالْبَعْضِ، وَمَتَى قُلْنَا: يُجْزِئُ بَعْضُ آيَةٍ، أَوْ تَعْيِينُ الْآيَةِ وَلَا يُمْنَعُ الْجُنُبُ مِنْ ذَلِكَ، أَوْ لَا تَجِبُ الْقِرَاءَةُ فِي الْخُطْبَةِ خَرَجَ فِي خُطْبَتِهِ وَجْهَانِ. قِيَاسًا عَلَى أَذَانِهِ. فَائِدَةٌ: حُكْمُ سَتْرِ الْعَوْرَةِ وَإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ: حُكْمُ الطَّهَارَةِ الصُّغْرَى فِي الْأَجْزَاءِ وَعَدَمِهِ، قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَأَبُو الْمَعَالِي، وَابْنُ مُنَجَّا، وَقَالَ الْقَاضِي: يُشْتَرَطُ ذَلِكَ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ ابْنُ تَمِيمٍ، وَأَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ الرِّوَايَتَيْنِ فِي اشْتِرَاطِ تَوَلِّي الصَّلَاةِ مَنْ تَوَلَّى الْخُطْبَةَ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، إحْدَاهُمَا: لَا يُشْتَرَطُ [ذَلِكَ] وَهُوَ الْمَذْهَبُ جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَقَدَّمَهُ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: صَحَّتْ أَوْ جَازَ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ
قَالَ فِي التَّلْخِيصِ: مِنْ سُنَنِهِمَا: أَنْ يَتَوَلَّاهُمَا مَنْ يَتَوَلَّى الصَّلَاةَ عَلَى الْمَشْهُورِ قَالَ فِي الْبُلْغَةِ: سُنَّةٌ عَلَى الْأَصَحِّ وَصَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ، فَعَلَيْهَا لَوْ خَطَبَ مُمَيِّزٌ وَنَحْوَهُ، وَقُلْنَا: لَا تَصِحُّ إمَامَتُهُ فِيهَا فَفِي صِحَّةِ الْخُطْبَةِ وَجْهَانِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ وَالرِّعَايَةِ، وَمُخْتَصَرِ ابْنِ تَمِيمٍ، وَبَيَّنَّا الْخِلَافَ عَلَى الْقَوْلِ بِصِحَّةِ أَذَانِهِ. قُلْت: الصَّوَابُ عَدَمُ الصِّحَّةِ؛ لِأَنَّ الْمَذْهَبَ الْمَنْصُوصَ أَنَّهَا بَدَلٌ عَنْ رَكْعَتَيْنِ، كَمَا تَقَدَّمَ وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: يُشْتَرَطُ قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَنَسَبَ الزَّرْكَشِيُّ إلَى صَاحِبِ التَّلْخِيصِ أَنَّهُ قَالَ: هَذَا الْأَشْهَرُ، وَلَيْسَ كَمَا قَالَ وَقَدْ تَقَدَّمَ لَفْظُهُ قَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: لَا تَخْتَلِفُ الرِّوَايَةُ أَنَّ ذَلِكَ شَرْطٌ مَعَ عَدَمِ الْعُذْرِ فَأَمَّا مَعَ عُذْرٍ فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَفِي الْمُغْنِي احْتِمَالَانِ مُطْلَقَانِ مَعَ عَدَمِ الْعُذْرِ، وَعَنْهُ رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ: أَنَّ ذَلِكَ شَرْطٌ إنْ لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ جَزَمَ بِهِ فِي الْإِفَادَاتِ وَقَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالْكَافِي قَالَ فِي الْفُصُولِ: هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ قَالَ فِي الشَّرْحِ: هَذَا الْمَذْهَبُ، وَأَطْلَقَهُنَّ فِي تَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ، فَائِدَةٌ: وَكَذَا الْحُكْمُ وَالْخِلَافُ إذَا تَوَلَّى الْخُطْبَتَيْنِ أَوْ إحْدَاهُمَا اثْنَانِ، عَلَى الصَّحِيحِ، وَقِيلَ: إنْ جَازَ فِي الَّتِي قَبْلَهَا، فَهُنَا وَجْهَانِ، وَهِيَ طَرِيقُ ابْنِ تَمِيمٍ، وَابْنِ حَمْدَانَ وَقَطَعَ ابْنُ عَقِيلٍ، وَالْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ بِالْجَوَازِ قَالَ فِي النُّكَتِ: يُعَايَى بِهَا فَيُقَالُ: عِبَادَةٌ وَاحِدَةٌ بِدْعَةٌ مَحْضَةٌ تَصِحُّ مِنْ اثْنَيْنِ فَعَلَى الْمَذْهَبِ، لَوْ قُلْنَا: تَصِحُّ لِعُذْرٍ لَا يُشْتَرَطُ حُضُورُ النَّائِبِ الْخُطْبَةَ كَالْمَأْمُومِ، لِتَعَيُّنِهَا عَلَيْهِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَنْهُ يُشْتَرَطُ حُضُورُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا تَصِحُّ جُمُعَةَ مَنْ لَا يَشْهَدُ الْخُطْبَةَ إلَّا تَبَعًا كَالْمُسَافِرِ، وَأَطْلَقَهُنَّ فِي الْفَائِقِ، وَالْكَافِي، وَالْمُغْنِي. فَائِدَةٌ: لَوْ أَحْدَثَ الْخَطِيبُ فِي الصَّلَاةِ، وَاسْتَخْلَفَ مَنْ لَمْ يَحْضُرْ الْخُطْبَةَ صَحَّ
فِي أَشْهَرِ الْوَجْهَيْنِ، قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ صَلَّى مَعَهُ عَلَى أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ إنْ أَدْرَكَ مَعَهُ مَا تَتِمُّ بِهِ جُمُعَتُهُ. وَكَوْنُهُ يَصِحُّ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ صَلَّى مَعَهُ: مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. وَإِنْ أَدْرَكَهُ فِي التَّشَهُّدِ فَسَبَقَ فِي ظُهْرٍ مَعَ عَصْرٍ، وَإِنْ مَنَعْنَا الِاسْتِخْلَافَ أَتَمُّوا فُرَادَى، قِيلَ: ظُهْرًا؛ لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ شَرْطٌ كَمَا لَوْ نَقَصَ الْعَدَدُ، وَقِيلَ: جُمُعَةٌ بِرَكْعَةٍ مَعَهُ كَمَسْبُوقٍ قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَقِيلَ: جُمُعَةٌ مُطْلَقًا، لِبَقَاءِ حُكْمِ الْجَمَاعَةِ لِمَنْعِ الِاسْتِخْلَافِ، وَأَطْلَقَهُنَّ فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَإِنْ جَازَ الِاسْتِخْلَافُ فَأَتَمُّوا فُرَادَى لَمْ تَصِحَّ جُمُعَتُهُمْ، وَلَوْ كَانَ فِي الثَّانِيَةِ كَمَا لَوْ نَقَصَ الْعَدَدُ. وَإِنْ جَازَ أَنْ يَتَوَلَّى الْخُطْبَةَ غَيْرُ الْإِمَامِ اُعْتُبِرَتْ عَدَالَتُهُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ: قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَتَخَرَّجَ رِوَايَتَانِ. فَوَائِدُ. إحْدَاهَا: قَوْلُهُ (وَمِنْ سُنَنِهَا: أَنْ يَخْطُبَ عَلَى مِنْبَرٍ، أَوْ مَوْضِعٍ عَالٍ) بِلَا نِزَاعٍ، لَكِنْ يَكُونُ الْمِنْبَرُ عَنْ يَمِينِ مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةِ كَذَا كَانَ مِنْبَرُهُ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ، وَكَانَ ثَلَاثُ دَرَجٍ، وَكَانَ يَقِفُ عَلَى الثَّالِثَةِ الَّتِي تَلِي مَكَانَ الِاسْتِرَاحَةِ ثُمَّ وَقَفَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى الثَّانِيَةِ ثُمَّ عُمَرُ عَلَى الْأُولَى تَأَدُّبًا ثُمَّ وَقَفَ عُثْمَانُ مَكَانَ أَبِي بَكْرٍ ثُمَّ وَقَفَ عَلِيُّ مَوْقِفَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ فِي زَمَنِ مُعَاوِيَةَ قَلَعَهُ مَرْوَانُ، وَزَادَ فِيهِ سِتَّ دَرَجٍ فَكَانَ الْخُلَفَاءُ يَرْتَقُونَ سِتَّ دَرَجٍ، وَيَقِفُونَ مَكَانَ عُمَرَ، وَأَمَّا إذَا وَقَفَ الْخَطِيبُ عَلَى الْأَرْضِ: فَإِنَّهُ يَقِفُ عَنْ يَسَارِ مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةِ، بِخِلَافِ الْمِنْبَرِ، قَالَهُ أَبُو الْمَعَالِي. الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ (وَيُسَلِّمُ عَلَى الْمَأْمُومِينَ إذَا أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ)
بِلَا نِزَاعٍ. وَيُسَلِّمُ أَيْضًا عَلَى مَنْ عِنْدَهُ إذَا خَرَجَ. الثَّالِثَةُ: رَدُّ هَذَا السَّلَامِ وَكُلِّ سَلَامٍ مَشْرُوعٍ فَرْضُ كِفَايَةٍ عَلَى الْجَمَاعَةِ الْمُسَلَّمِ عَلَيْهِمْ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: سُنَّةٌ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ كَابْتِدَائِهِ، وَفِيهِ وَجْهٌ غَرِيبٌ، ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: يَجِبُ. الرَّابِعَةُ: لَوْ اسْتَدْبَرَ الْخَطِيبُ السَّامِعِينَ صَحَّتْ الْخُطْبَةُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: لَا تَصِحُّ، وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ. الْخَامِسَةُ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَنْحَرِفَ الْمَأْمُومُونَ إلَى الْخُطْبَةِ لِسَمَاعِهَا، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَنْحَرِفُونَ إلَيْهِ إذَا خَرَجَ، وَيَتَرَبَّعُونَ فِيهَا، وَلَا تُكْرَهُ الْحَبْوَةُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ نَصَّ عَلَيْهِ، وَكَرِهَهُمَا الْمُصَنِّفُ، وَالْمَجْدُ. السَّادِسَةُ: قَوْلُهُ (ثُمَّ يَجْلِسُ إلَى فَرَاغِ الْأَذَانِ) الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ الْأَذَانَ الْأَوَّلَ مُسْتَحَبٌّ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: الْأَذَانُ الْمُحَرِّمُ لِلْبَيْعِ وَاجِبٌ. ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ رِوَايَةً، وَقَالَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ: يَسْقُطُ الْفَرْضُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِأَوَّلِ أَذَانٍ، وَقَالَ ابْنُ الْبَنَّا فِي الْعُقُودِ: يُبَاحُ الْأَذَانُ الْأَوَّلُ، وَلَا يُسْتَحَبُّ، وَقَالَ الْمُصَنِّفُ: وَمِنْ سُنَنِ الْخُطْبَةِ: الْأَذَانُ لَهَا إذَا جَلَسَ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ. قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: إنْ أَرَادَ: مَشْرُوعٌ، مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ، أَوْ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ. فَلَا كَلَامَ، وَإِنْ أَرَادَ بِهِ: سُنَّةً يَجُوزُ تَرْكُهُ فَلَيْسَ كَذَلِكَ بِغَيْرِ خِلَافٍ ثُمَّ قَالَ: قُلْت: فَإِنْ صَلَّيْنَاهَا قَبْلَ الزَّوَالِ، فَلَمْ أَجِدْ لِأَصْحَابِنَا فِي الْأَذَانِ الْأَوَّلِ كَلَامًا فَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يُشْرَعَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُشْرَعَ كَالثَّانِي. انْتَهَى. وَأَمَّا وُجُوبُ السَّعْيِ إلَيْهَا: فَيَأْتِي حُكْمُهُ وَالْخِلَافُ فِيهِ عِنْدَ قَوْلِهِ وَيُبَكِّرُ إلَيْهَا مَاشِيًا ".
قَوْلُهُ (وَيَجْلِسُ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ) الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ جُلُوسَهُ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ سُنَّةٌ، وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَعَنْهُ أَنَّهُ شَرْطٌ جَزَمَ بِهِ فِي النَّصِيحَةِ، وَقَالَهُ أَبُو بَكْرٍ النَّجَّادِ. فَائِدَتَانِ إحْدَاهُمَا: حَيْثُ جَوَّزْنَا الْخُطْبَةَ جَالِسًا عَلَى مَا يَأْتِي بَعْدَ ذَلِكَ فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ سَكْتَةً بَدَلَ الْجِلْسَةِ، قَالَهُ الْأَصْحَابُ. الثَّانِيَةُ: تَكُونُ الْجِلْسَةُ خَفِيفَةً جِدًّا قَالَ جَمَاعَةٌ: بِقَدْرِ سُورَةِ الْإِخْلَاصِ، وَحَكَاهُ فِي الرِّعَايَةِ قَوْلًا وَجَزَمَ بِهِ فِي التَّلْخِيصِ فَلَوْ أَبِي الْجُلُوسَ فَصَلَ بَيْنَهُمَا بِسَكْتَةٍ. قَوْلُهُ (وَيَخْطُبُ قَائِمًا) الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ الْخُطْبَةَ قَائِمًا سُنَّةٌ نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ، قَالَهُ فِي الْحَوَاشِي وَغَيْرِهِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هَذَا الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْأَصْحَابِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ، وَعَنْهُ: شَرْطٌ جَزَمَ بِهِ فِي النَّصِيحَةِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفَائِقِ. فَوَائِدُ. مِنْهَا: قَوْلُهُ (وَيَعْتَمِدُ عَلَى سَيْفٍ أَوْ قَوْسٍ أَوْ عَصَى) بِلَا نِزَاعٍ، وَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي يُمْنَاهُ أَوْ يُسْرَاهُ، وَوَجَّهَ فِي الْفُرُوعِ تَوْجِيهًا يَكُونُ فِي يُسْرَاهُ. وَأَمَّا الْيَدُ الْأُخْرَى فَيَعْتَمِدُ بِهَا عَلَى حَرْفِ الْمِنْبَرِ أَوْ يُرْسِلُهَا، وَإِذَا لَمْ يَعْتَمِدْ عَلَى شَيْءٍ أَمْسَكَ يَمِينَهُ بِشِمَالِهِ أَوْ أَرْسَلَهُمَا. وَمِنْهَا: قَوْلُهُ (وَيَقْصُرُ الْخُطْبَةُ) هَذَا بِلَا نِزَاعٍ؛ لِكَيْ تَكُونَ الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ أَقَصَرَ.، قَالَهُ الْقَاضِي فِي التَّعْلِيقِ: وَالْوَاقِعُ كَذَلِكَ، وَمِنْهَا: يَرْفَعُ صَوْتَهُ حَسَبِ طَاقَتِهِ. وَمِنْهَا: قَوْلُهُ (وَيَدْعُو لِلْمُسْلِمِينَ) يَعْنِي عُمُومًا، وَهَذَا بِلَا نِزَاعٍ، وَيَجُوزُ لِمُعَيِّنٍ مُطْلَقًا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ
وَقِيلَ: يُسْتَحَبُّ لِلسُّلْطَانِ، وَمَا هُوَ بِبَعِيدٍ، وَالدُّعَاءُ لَهُ مُسْتَحَبٌّ فِي الْجُمْلَةِ، حَتَّى قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ: لَوْ كَانَ لَنَا دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ لَدَعَوْنَا بِهَا لِإِمَامٍ عَادِلٍ؛ لِأَنَّ فِي صَلَاحِهِ صَلَاحًا لِلْمُسْلِمِينَ قَالَ فِي الْمُغْنِي وَغَيْرِهِ: وَإِنْ دَعَا لِسُلْطَانِ الْمُسْلِمِينَ فَحَسَنٌ، وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ، وَمِنْهَا: لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي الدُّعَاءِ وَالْحَالَةُ هَذِهِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: هَذَا أَصَحُّ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِنَا، وَقِيلَ: يَرْفَعُهُمَا وَجَزَمَ بِهِ فِي الْفُصُولِ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، وَقِيلَ: لَا يُسْتَحَبُّ قَالَ الْمَجْدُ: هُوَ بِدْعَةٌ. قَوْلُهُ (وَلَا يُشْتَرَطُ إذْنُ الْإِمَامِ) هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَعَنْهُ يُشْتَرَطُ. وَعَنْهُ يُشْتَرَطُ إنْ قَدَرَ عَلَى إذْنِهِ، وَإِلَّا فَلَا. قَالَ فِي الْإِفَادَاتِ: تَصِحُّ بِلَا إذْنِ الْإِمَامِ مَعَ الْعَجْزِ عَنْهُ، وَعَنْهُ يُشْتَرَطُ لِوُجُوبِهَا لَا لِجَوَازِهَا، وَنَقَلَ أَبُو الْحَارِثِ، وَالشَّالَنْجِيُّ: إذَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمِصْرِ قَدْرُ مَا يَقْصُرُ فِيهِ الصَّلَاةُ جَمَعُوا وَلَوْ بِلَا إذْنٍ. تَنْبِيهٌ: حَيْثُ قُلْنَا: يُشْتَرَطُ إذْنُهُ فَلَوْ مَاتَ، وَلَمْ يَعْلَمْ بِمَوْتِهِ إلَّا بَعْدَ الصَّلَاةِ: لَمْ تَلْزَمْ الْإِعَادَةُ، عَلَى أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ لِلْمَشَقَّةِ قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: هَذَا أَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ وَصَحَّحَهُمَا فِي الْحَوَاشِي، وَعَنْهُ عَلَيْهِمْ الْإِعَادَةُ؛ لِبَيَانِ عَدَمِ الشَّرْطِ اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ قَالَ فِي التَّلْخِيصِ: وَمَعَ اعْتِبَارِهِ فَلَا تُقَامُ إذَا مَاتَ حَتَّى يُبَايِعَ عِوَضَهُ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَإِنْ عَلِمَ مَوْتَهُ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَفِي الْإِعَادَةِ رِوَايَتَانِ، وَقِيلَ: مَعَ اعْتِبَارِ الْإِذْنِ، وَقِيلَ: إنْ اعْتَبَرْنَا الْإِذْنَ أَعَادُوا، وَإِلَّا فَلَا، وَقِيلَ: إنْ اُعْتُبِرَ إذْنُهُ فَمَاتَ لَمْ تَقُمْ حَتَّى يُبَايِعَ عِوَضَهُ. فَائِدَتَانِ. إحْدَاهُمَا: لَوْ غَلَبَ الْخَوَارِجُ عَلَى بَلَدٍ فَأَقَامُوا فِيهِ الْجُمُعَةَ فَنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى جَوَازِ
اتِّبَاعِهِمْ قَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، قَالَ الْقَاضِي: وَلَوْ قُلْنَا مِنْ شَرْطِهَا الْإِمَامُ، إذَا كَانَ خُرُوجُهُمْ بِتَأْوِيلٍ سَائِغٍ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: إذَا غَلَبَ الْخَارِجِيُّ عَلَى بَلَدٍ، وَصَلَّى فِيهِ الْجُمُعَةَ أُعِيدَتْ ظُهْرًا. الثَّانِيَةُ: إذَا فَرَغَ مِنْ الْخُطْبَةِ نَزَلَ، وَهَلْ يَنْزِلُ عِنْدَ لَفْظَةِ الْإِقَامَةِ، أَوْ إذَا فَرَغَ بِحَيْثُ يُصَلِّ إلَى الْمِحْرَابِ عِنْدَ قَوْلِهَا؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ، قَالَهُ فِي التَّلْخِيصِ: وَتَبِعَهُ فِي الْفُرُوعِ [وَابْنُ تَمِيمٍ فِي أَوَّلِ صِفَةِ الصَّلَاةِ] أَحَدُهُمَا: يَنْزِلُ عِنْدَ لَفْظِ الْإِقَامَةِ قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالثَّانِي: يَنْزِلُ عِنْدَ فَرَاغِهِ. قَوْلُهُ (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ فِي الْأُولَى بِسُورَةِ الْجُمُعَةِ، وَفِي الثَّانِيَةِ: بِالْمُنَافِقِينَ) ، هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ وَجَزَمَ بِهِ فِي النَّظْمِ، وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ، وَالتَّسْهِيلِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفُرُوعِ، وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ، وَالْفَائِقِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ وَغَيْرِهِمْ، وَعَنْهُ: يَقْرَأُ فِي الْأُولَى بِسُورَةِ الْجُمُعَةِ هُوَ فِي الثَّانِيَةِ بِسُورَةِ سَبِّحْ اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ فِي التَّنْبِيهِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمَذْهَبِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَعَنْهُ: يَقْرَأُ فِي الْأُولَى بِسَبِّحْ وَفِي الثَّانِيَةِ بِالْغَاشِيَةِ قَدَّمَهُ فِي تَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ وَغَيْرُهُمْ: وَإِنْ قَرَأَ فِي الْأُولَى بِسَبِّحْ وَفِي الثَّانِيَةِ بِالْغَاشِيَةِ فَحَسَنٌ، وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: يَقْرَأُ بِالْحَمْدِ وَسُورَةً، وَقَالَ فِي الْوَجِيزِ: يُصَلِّيهَا رَكْعَتَيْنِ جَهْرًا. فَوَائِدُ. يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ فِي فَجْرِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى الم السَّجْدَةَ وَفِي الثَّانِيَةِ هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لِتَضَمُّنِهِمَا ابْتِدَاءَ خَلْقِ
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَخَلْقِ الْإِنْسَانِ إلَى أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ أَوْ النَّارَ. انْتَهَى. وَتُكْرَهُ الْمُدَاوَمَةُ عَلَيْهِمَا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ نَصَّ عَلَيْهِ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: لِئَلَّا يُظَنَّ أَنَّهَا مُفَضَّلَةٌ بِسَجْدَةٍ، وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ: لِئَلَّا يُظَنَّ وُجُوبُهَا. وَقِيلَ: تُسْتَحَبُّ الْمُدَاوَمَةُ عَلَيْهِمَا قَالَ ابْنُ رَجَبٍ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ: وَرَجَّحَهُ بَعْضُ الْأَصْحَابِ، وَهُوَ أَظْهَرُ. انْتَهَى. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَيُكْرَهُ تَحَرِّيهِ قِرَاءَةَ سَجْدَةٍ غَيْرِهَا قَالَ ابْنُ رَجَبٍ: وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّ تَعَمُّدَ قِرَاءَةِ سُورَةِ سَجْدَةٍ غَيْرَ {الم - تَنْزِيلُ} [السجدة: 1 - 2] فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ بِدْعَةٌ قَالَ: وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ الْأَمْرَ بِخِلَافِ ذَلِكَ. فَائِدَةٌ: الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يُكْرَهُ قِرَاءَةُ سُورَةِ الْجُمُعَةِ فِي لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ، زَادَ فِي الرِّعَايَةِ: وَالْمُنَافِقِينَ، وَعَنْهُ: لَا يُكْرَهُ. تَنْبِيهٌ: قَدْ يُقَالُ: إنَّ مَفْهُومَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَتَجُوزُ إقَامَةُ الْجُمُعَةِ فِي مَوْضِعَيْنِ مِنْ الْبَلَدِ لِلْحَاجَةِ وَلَا يَجُوزُ إقَامَتُهَا فِي أَكْثَرِ مِنْ مَوْضِعَيْنِ، وَلَوْ كَانَ هُنَاكَ حَاجَةٌ، وَهُوَ قَوْلٌ لِبَعْضِ الْأَصْحَابِ، وَذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي كِتَابِ التَّخْرِيجِ، وَهُوَ بَعِيدٌ جِدًّا وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ: جَوَازُ إقَامَتِهَا فِي أَكْثَرِ مِنْ مَوْضِعَيْنِ لِلْحَاجَةِ. قَالَ فِي النُّكَتِ: هَذَا الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْأَصْحَابِ، وَهُوَ الْمَنْصُورُ، فِي كُتُبِ الْخِلَافِ. انْتَهَى، وَيَحْتَمِلُهُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ هُنَا قَالَ الزَّرْكَشِيُّ، هُوَ الْمَشْهُورُ وَمُخْتَارُ الْأَصْحَابِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفَائِقِ، وَعَنْهُ: لَا يَجُوزُ إقَامَتُهَا فِي أَكْثَرَ مِنْ مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُحَرَّرِ قَوْلُهُ (وَلَا يَجُوزُ مَعَ عَدَمِهَا) يَعْنِي: لَا يَجُوزُ إقَامَتُهَا فِي أَكْثَرِ مِنْ مَوْضِعٍ وَاحِدٍ إذَا لَمْ يَكُنْ حَاجَةٌ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ قَالَ فِي النُّكَتِ: هَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ فِي الْمَذْهَبِ، وَعَنْهُ: يَجُوزُ مُطْلَقًا، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، وَحَمَلَهُ الْقَاضِي عَلَى الْحَاجَةِ.
فَائِدَتَانِ. إحْدَاهُمَا: الْحَاجَةُ هُنَا الضِّيقُ، أَوْ الْخَوْفُ مِنْ فِتْنَةٍ أَوْ بُعْدٍ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ: إنْ كَانَ الْبَلَدُ قِسْمَيْنِ بَيْنَهُمَا نَائِرَةٌ كَانَ عُذْرًا أَبْلَغُ مِنْ مَشَقَّةِ الِازْدِحَامِ. الثَّانِيَةُ: الْحُكْمُ فِي الْعِيدِ فِي جَوَازِ صَلَاتِهِ فِي مَوْضِعَيْنِ فَأَكْثَرَ، وَالِاقْتِصَارِ عَلَى مَوْضِعٍ مَعَ عَدَمِ الْحَاجَةِ: كَالْجُمُعَةِ، قَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْفُرُوعِ. قَوْلُهُ (فَإِنْ فَعَلُوا فَجُمُعَةُ الْإِمَامِ هِيَ الصَّحِيحَةُ) يَعْنِي إذَا أَقَامُوا فِي أَكْثَرَ مِنْ مَوْضِعٍ لِغَيْرِ حَاجَةٍ وَقُلْنَا: لَا يَجُوزُ فَتَكُونُ جُمُعَةُ الْإِمَامِ هِيَ الصَّحِيحَةَ. وَاعْلَمْ أَنَّهُ إذَا كَانَتْ الْجُمُعَةُ الَّتِي أَذِنَ فِيهَا الْإِمَامُ هِيَ السَّابِقَةَ وَالْحَالَةُ هَذِهِ فَهِيَ الصَّحِيحَةُ بِلَا نِزَاعٍ، وَإِنْ كَانَتْ مَسْبُوقَةً فَهِيَ الصَّحِيحَةُ أَيْضًا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ جَزَمَ بِهِ فِي الْإِفَادَاتِ، وَالْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَصَحَّحَاهُ، وَغَيْرِهِمْ قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: اخْتَارَهُ الشَّيْخُ وَأَكْثَرُ الْأَصْحَابِ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَهُوَ أَوْلَى، وَقِيلَ: السَّابِقَةُ هِيَ الصَّحِيحَةُ جَزَمَ بِهِ فِي التَّسْهِيلِ، وَنِهَايَةِ ابْنِ رَزِينٍ، وَنَظْمِهَا وَصَحَّحَهُ فِي النَّظْمِ. وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي التَّلْخِيصِ، وَالْفَائِقِ، وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ فَإِنْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا بِإِذْنِ الْإِمَامِ وَقُلْنَا: إذْنُهُ شَرْطٌ فَهِيَ الصَّحِيحَةُ فَقَطْ، وَإِنْ قُلْنَا: لَيْسَ إذْنُهُ بِشَرْطٍ. فَوَجْهَانِ أَحَدُهُمَا: صِحَّةُ مَا أَذِنَ فِيهَا، وَإِنْ تَأَخَّرَتْ، وَالثَّانِي: صَحَّتْ السَّابِقَةُ. فَوَائِدُ. إحْدَاهُمَا: لَوْ اسْتَوَيَا فِي الْإِذْنِ أَوْ عَدَمِهِ لَكِنْ إحْدَاهُمَا فِي الْمَسْجِدِ الْأَعْظَمِ، وَالْأُخْرَى فِي مَكَان لَا يَسَعُ النَّاسَ، أَوْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ، لِاخْتِصَاصِ السُّلْطَانِ
وَجُنْدِهِ بِهِ، أَوْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا فِي قَصَبَةِ الْبَلَدِ، وَالْأُخْرَى فِي أَقْصَى الْمَدِينَةِ: فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّ السَّابِقَةَ هِيَ الصَّحِيحَةُ قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ، وَقِيلَ: صَلَاةُ مَنْ فِي الْمَسْجِدِ الْأَعْظَمِ وَمَنْ فِي قَصَبَةِ الْبَلَدِ هِيَ الصَّحِيحَةُ مُطْلَقًا صَحَّحَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَصَاحِبُ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالْحَوَاشِي وَقَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، الثَّانِيَةُ: السَّبْقُ يَكُونُ بِتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ، وَالْإِفَادَاتِ وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَغَيْرِهِمْ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَالتَّلْخِيصِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالْفَائِقِ، وَغَيْرِهِمْ، وَقِيلَ: بِالشُّرُوعِ فِي الْخُطْبَةِ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَقُلْت: أَوْ بِالسَّلَامِ. الثَّالِثَةُ: حَيْثُ صَحَّحْنَا وَاحِدَةً مِنْهَا أَوْ مِنْهَا فَغَيْرُهَا بَاطِلَةٌ، وَلَوْ قُلْنَا: يَصِحُّ بِنَاءُ الظُّهْرِ عَلَى تَحْرِيمِ الْجُمُعَةِ لِعَدَمِ انْعِقَادِهَا لِفَوْتِهَا هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: يُتِمُّونَ ظُهْرًا. كَالْمُسَافِرِ يَنْوِي الْقَصْرَ فَيَتَبَيَّنُ أَنَّ إمَامَهُ مُقِيمٌ. قَوْلُهُ (وَإِنْ وَقَعَتَا مَعًا بَطَلَتَا مَعًا) بِلَا نِزَاعٍ. وَيُصَلُّونَ جُمُعَةً، إنْ أَمْكَنَ بِلَا نِزَاعٍ قَوْلُهُ (فِيمَا إذَا اسْتَوَيَا فِي إذْنِ الْإِمَامِ أَوْ عَدَمِهِ، أَوْ جُهِلَتْ الْأُولَى بَطَلَتَا مَعًا) بِلَا نِزَاعٍ أَيْضًا، وَيُصَلُّونَ ظُهْرًا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: هَذَا أَصَحُّ وَاخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَصَحَّحَهُ، وَقِيلَ: يُصَلُّونَ جُمُعَةً. اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: وَهَذَا ظَاهِرُ عِبَارَةِ أَبِي الْخَطَّابِ قَالَ الْقَاضِي: يُحْتَمَلُ أَنَّ لَهُمْ إقَامَةَ الْجُمُعَةِ؛ لِأَنَّا حَكَمْنَا بِفَسَادِهِمَا مَعًا، فَكَأَنَّ الْمِصْرَ مَا صُلِّيَتْ فِيهِ جُمُعَةٌ صَحِيحَةٌ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ.
فَوَائِدُ. إحْدَاهَا: لَوْ جَهِلَ هَلْ وَقَعَتَا مَعًا، أَوْ وَقَعَتْ إحْدَاهُمَا قَبْلَ الْأُخْرَى؟ بَطَلَتَا مَعًا فَإِنْ قُلْنَا تُعَادُ فِي الَّتِي قَبْلَهَا جُمُعَةً فَهُنَا أَوْلَى، وَإِنْ قُلْنَا تُعَادُ ظُهْرًا أُعِيدَتْ هُنَا ظُهْرًا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَقَالَ: هُوَ أَوْلَى وَقِيلَ: تُعَادُ هُنَا جُمُعَةً. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَهُوَ الْأَشْبَهُ، وَهُوَ احْتِمَالُ الْقَاضِي، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ. الثَّانِيَةُ: لَوْ عُلِمَ سَبْقُ إحْدَاهُمَا، وَجُهِلَتْ السَّابِقَةُ مِنْهُمَا، صَلَّوْا ظُهْرًا، عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ، قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ، الثَّالِثَةُ: لَوْ عُلِمَ بِسَبَقِ إحْدَاهُمَا وَعُلِمَتْ السَّابِقَةُ فِي وَقْتٍ، ثُمَّ نُسِيَتْ: صَلَّوْا ظُهْرًا جَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ، الرَّابِعَةُ: لَوْ عَلِمَ أَنَّهُ سَبَقَهُ غَيْرُهُ: أَتَمَّهَا ظُهْرًا، وَقِيلَ يَسْتَأْنِفُ ظُهْرًا، وَقِيلَ: إنْ عَلِمَ قَبْلَ السَّلَامِ أَنَّ غَيْرَهَا سَبَقَتْ أَوْ فَرَغَتْ. فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَنْبَنِي الظُّهْرَ عَلَى نِيَّةِ الْجُمُعَةِ، اسْتَأْنَفُوا ظُهْرًا، وَإِنْ قُلْنَا: يَنْبَنِي فَوَجْهَانِ فِي الْبِنَاءِ وَالِابْتِدَاءِ. قَوْلُهُ (وَإِذَا وَقَعَ الْعِيدُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَاجْتَزَأَ بِالْعِيدِ وَصَلَّى ظُهْرًا جَازَ) هَذَا الْمَذْهَبُ بِلَا رَيْبٍ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، وَعَنْهُ لَا يَجُوزُ، وَلَا بُدَّ مِنْ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ فَعَلَى الْمَذْهَبِ: إنَّمَا تَسْقُطُ الْجُمُعَةُ عَنْهُمْ إسْقَاطَ حُضُورٍ لَا وُجُوبٍ فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْمَرِيضِ لَا الْمُسَافِرِ وَالْعَبْدِ فَلَوْ حَضَرَ الْجَامِعَ لَزِمَتْهُ كَالْمَرِيضِ، وَتَصِحُّ إمَامَتُهُ فِيهَا، وَتَنْعَقِدُ بِهِ، حَتَّى لَوْ صَلَّى الْعِيدَ أَهْلُ بَلَدٍ كَافَّةً كَانَ لَهُ التَّجْمِيعُ بِلَا خِلَافٍ، وَأَمَّا مَنْ لَمْ يُصَلِّ الْعِيدَ فَيَلْزَمُهُ السَّعْيُ إلَى الْجُمُعَةِ بِكُلِّ حَالٍ، سَوَاءٌ بَلَغُوا الْعَدَدَ الْمُعْتَبَرَ أَوْ لَمْ يَبْلُغُوا ثُمَّ إنْ بَلَغُوا بِأَنْفُسِهِمْ، أَوْ حَضَرَ مَعَهُمْ تَمَامُ الْعَدَدِ لَزِمَتْهُمْ الْجُمُعَةُ، وَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ مَعَهُمْ تَمَامُهُ فَقَدْ تَحَقَّقَ عِنْدَهُمْ قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: قُلْت: وَقَالَ بَعْضُ
أَصْحَابِنَا: إنَّ تَتْمِيمَ الْعَدَدِ وَإِقَامَةَ الْجُمُعَةِ إنْ قُلْنَا: تَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ حِينَئِذٍ يَكُونُ فَرْضَ كِفَايَةٍ قَالَ: وَلَيْسَ بِبَعِيدٍ قَوْلُهُ (إلَّا لِلْإِمَامِ) يَعْنِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ تَرْكُهَا، وَلَا تَسْقُطُ عَنْهُ الْجُمُعَةُ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ فِي الْخُلَاصَةِ وَالْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَغَيْرِهِمْ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ وَاخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ قَالَ فِي التَّلْخِيصِ: وَلَيْسَ لِلْإِمَامِ ذَلِكَ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ قَالَ فِي تَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ: هَذَا الْأَظْهَرُ وَصَحَّحَهُ نَاظِمُ الْمُفْرَدَاتِ، وَعَنْهُ يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَيْضًا، وَتَسْقُطُ عَنْهُ لِعِظَمِ الْمَشَقَّةِ عَلَيْهِ فَهُوَ أَوْلَى بِالرُّخْصَةِ وَاخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ، مِنْهُمْ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفَائِقِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَعَنْهُ لَا تَسْقُطُ عَنْ الْعَدَدِ الْمُعْتَبَرِ قَالَ فِي التَّلْخِيصِ: وَعِنْدِي أَنَّ الْجُمُعَةَ لَا تَسْقُطُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْمِصْرِ بِحُضُورِ الْعِيدِ، مَا لَمْ يَحْضُرْ الْعَدَدُ الْمُعْتَبَرُ، وَتُقَامُ. انْتَهَى. قَالَ ابْنُ رَجَبٍ فِي الْقَوَاعِدِ عَلَى رِوَايَةِ عَدَمِ السُّقُوطِ عَنْ الْإِمَامِ: يَجِبُ أَنْ يَحْضُرَ مَعَهُ مَنْ تَنْعَقِدُ بِهِ تِلْكَ الصَّلَاةُ، ذَكَرَهُ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ وَغَيْرُهُ، فَتَصِيرُ الْجُمُعَةُ فَرْضَ كِفَايَةٍ تَسْقُطُ بِحُضُورِ أَرْبَعِينَ. انْتَهَى. وَأَمَّا صَاحِبُ الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهَا: فَحَكَوْا ذَلِكَ رِوَايَةً كَمَا تَقَدَّمَ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا وَغَيْرِهِ، فَيَكُونُ الْوُجُوبُ عِنْدَ هَؤُلَاءِ مُخْتَصًّا بِالْإِمَامِ لَا غَيْرُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَصَرَّحَ بِهِ ابْنُ تَمِيمٍ، فَعَلَى هَذَا: إنْ اجْتَمَعَ الْعَدَدُ الْمُعْتَبَرُ لِلْجُمُعَةِ مَعَهُ أَقَامَهَا الْإِمَامُ، وَإِلَّا صَلَّوْا ظُهْرًا، وَصَرَّحَ بِذَلِكَ ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ. وَجَزَمَ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ بِأَنَّ لِلْإِمَامِ الِاسْتِنَابَةَ. وَقَالَ: الْجُمُعَةُ تَسْقُطُ بِأَيْسَرِ عُذْرٍ كَمَنْ لَهُ عَرُوسٌ تَجَلَّى عَلَيْهِ. فَكَذَا الْمَسَرَّةُ بِالْعِيدِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ، وَقَالَ الْمَجْدُ: لَا وَجْهَ لِعَدَمِ سُقُوطِهَا مَعَ إمْكَانِ الِاسْتِنَابَةِ. فَائِدَةٌ: الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: سُقُوطُ صَلَاةِ الْعِيدِ بِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ، وَسَوَاءٌ فُعِلَتَا
قَبْلَ الزَّوَالِ أَوْ بَعْدَهُ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْفَائِقِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَغَيْرِهِمْ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: تَسْقُطُ فِي الْأَصَحِّ الْعِيدُ بِالْجُمُعَةِ، كَإِسْقَاطِ الْجُمُعَةِ بِالْعِيدِ، وَأَوْلَى وَصَحَّحَهُ الْمَجْدُ، وَصَاحِبُ الْحَاوِي، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَغَيْرُهُمْ وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَمَجْمَعُ الْبَحْرَيْنِ، وَالرِّعَايَةُ الْكُبْرَى، وَغَيْرُهُمْ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. وَقِيلَ: لَا تَسْقُطُ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي التَّلْخِيصِ، وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ، وَالْمُصَنِّفُ وَمَنْ تَابَعَهُمَا: تَسْقُطُ إنْ فَعَلَهَا وَقْتَ الْعِيدِ وَإِلَّا فَلَا، وَفِي مُفْرَدَاتِ ابْنِ عَقِيلٍ: احْتِمَالُ يَسْقُطُ الْجَمْعُ وَيُصَلِّي فُرَادَى فَعَلَى الْمَذْهَبِ: يُعْتَبَرُ الْعَزْمُ عَلَى فِعْلِ الْجُمُعَةِ، قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: إنْ فُعِلَتْ بَعْدَ الزَّوَالِ اُعْتُبِرَ الْعَزْمُ عَلَى الْجُمُعَةِ لِتَرْكِ صَلَاةِ الْعِيدِ. قَوْلُهُ (وَأَقَلُّ السُّنَّةِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ: رَكْعَتَانِ، وَأَكْثَرُهَا سِتُّ رَكَعَاتٍ) هَذَا الْمَذْهَبُ نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْهَادِي، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَابْنِ تَمِيمٍ، وَالْوَجِيزِ، وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَغَيْرِهِمْ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ، وَقِيلَ: أَكْثَرُهَا أَرْبَعٌ، اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ قَالَ فِي الْإِفَادَاتِ: وَالْأَرْبَعُ أَشْهَرُ قَالَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرِهِمْ: وَإِنْ شَاءَ صَلَّى أَرْبَعًا بِسَلَامٍ أَوْ سَلَامَيْنِ، وَقَالَ فِي التَّبْصِرَةِ، قَالَ شَيْخُنَا، أَدْنَى الْكَمَالِ سِتٌّ. وَحَكَى عَنْهُ: لَا سُنَّةَ لَهَا بَعْدَهَا، قَالَ فِي الْفَائِقِ وَغَيْرِهِ: وَعَنْهُ لَيْسَ لَهَا بَعْدَهَا سُنَّةٌ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَإِنَّمَا قَالَ أَحْمَدُ: لَا بَأْسَ بِتَرْكِهَا فَعَلَهُ عِمْرَانُ. فَائِدَةٌ: الْأَفْضَلُ أَنْ يُصَلِّيَ السُّنَّةَ مَكَانَهُ فِي الْمَسْجِدِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ بَلْ فِي بَيْتِهِ أَفْضَلُ، وَالسُّنَّةُ أَنْ يَفْصِلَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الصَّلَاةِ بِكَلَامٍ أَوْ انْتِقَالٍ وَنَحْوِهِ.
تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: أَنَّهُ لَا سُنَّةَ لَهَا قَبْلَهَا رَاتِبَةٌ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ وَنَصَّ عَلَيْهِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ وَغَيْرِهِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ، وَالرِّعَايَةِ، وَابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرِهِمْ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيِّ الدِّينِ: هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَأَكْثَرُ أَصْحَابِهِ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَئِمَّةِ؛ لِأَنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ ظُهْرًا مَقْصُورَةً فَتُفَارِقُهَا فِي أَحْكَامٍ، كَمَا أَنَّ تَرْكَ الْمُسَافِرِ السُّنَّةَ أَفْضَلُ لِكَوْنِ ظُهْرِهِ مَقْصُورَةً وَعَنْهُ لَهَا رَكْعَتَانِ اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: هُوَ قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ. قُلْت: اخْتَارَهُ الْقَاضِي مُصَرِّحًا بِهِ فِي شَرْحِ الْمُذْهَبِ، قَالَهُ ابْنُ رَجَبٍ فِي كِتَابِ نَفْيِ الْبِدْعَةِ عَنْ الصَّلَاةِ قَبْلَ الْجُمُعَةِ، وَعَنْهُ أَرْبَعٌ بِسَلَامٍ أَوْ سَلَامَيْنِ، قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ أَيْضًا قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: هُوَ قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا أَيْضًا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: رَأَيْت أَبِي يُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ إذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ رَكَعَاتٍ. وَقَالَ: رَأَيْته يُصَلِّي رَكَعَاتٍ قَبْلَ الْخُطْبَةِ، فَإِذَا قَرُبَ الْأَذَانُ أَوْ الْخُطْبَةُ: تَرَبَّعَ وَنَكَّسَ رَأْسَهُ، وَقَالَ ابْنُ هَانِئٍ: رَأَيْته إذَا أَخَذَ فِي الْأَذَانِ قَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ أَوْ أَرْبَعًا قَالَ وَقَالَ: أَخْتَارُ قَبْلَهَا رَكْعَتَيْنِ وَبَعْدَهَا سِتًّا. وَصَلَاةُ أَحْمَدَ تَدُلُّ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ. قُلْت: قَطَعَ ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ بِاسْتِحْبَابِ صَلَاةِ أَرْبَعٍ قَبْلَهَا، وَلَيْسَتْ رَاتِبَةً عِنْدَهُمْ، وَقَالَ فِي تَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ: وَأَقَلُّ سُنَّةٍ قَبْلَهَا رَكْعَتَانِ، وَلَيْسَتْ رَاتِبَةً عَلَى الْأَظْهَرِ قُلْت: وَفِيهِ نَظَرٌ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيِّ الدِّينِ: الصَّلَاةُ قَبْلَهَا جَائِزَةٌ حَسَنَةٌ، وَلَيْسَتْ رَاتِبَةً فَمَنْ فَعَلَ لَمْ يُنْكَرْ عَلَيْهِ، وَمَنْ تَرَكَ يُنْكَرْ عَلَيْهِ قَالَ: وَهَذَا أَعْدَلُ الْأَقْوَالِ كَلَامُ أَحْمَدَ يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَحِينَئِذٍ فَقَدْ يَكُونُ تَرْكُهَا أَفْضَلَ إذَا كَانَ الْجُهَّالُ يَعْتَقِدُونَ أَنَّهَا سُنَّةً
رَاتِبَةٌ، أَوْ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ، فَتُتْرَكُ حَتَّى يَعْرِفَ النَّاسُ أَنَّهَا لَيْسَتْ سُنَّةً رَاتِبَةً وَلَا وَاجِبَةً لَا سِيَّمَا إذَا دَاوَمَ النَّاسُ عَلَيْهَا، فَيَنْبَغِي تَرْكُهَا أَحْيَانًا. انْتَهَى. وَلَمْ يَرْتَضِهِ ابْنُ رَجَبٍ فِي كِتَابِهِ، بَلْ مَالَ إلَى الِاسْتِحْبَابِ مُطْلَقًا. قَوْلُهُ (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَغْتَسِلَ لِلْجُمُعَةِ فِي يَوْمِهَا) هَذَا الْمَذْهَبُ وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَنَصَّ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ يَجِبُ عَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، لَكِنْ لَا يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ اتِّفَاقًا، وَأَوْجَبَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ عَلَى مَنْ لَهُ عَرَقٌ أَوْ رِيحٌ يَتَأَذَّى بِهِ النَّاسُ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ أَيْضًا، وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ مُسْتَوْفًى فِي الْأَغْسَالِ الْمُسْتَحَبَّةِ فِي بَابِ الْغُسْلِ. فَائِدَتَانِ. إحْدَاهُمَا: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ الْغُسْلُ عَنْ جَمَاعَةٍ، نَصَّ عَلَيْهِ الثَّانِيَةُ: غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ آكَدُ مِنْ سَائِرِ الْأَغْسَالِ، سِوَى الْغُسْلِ مِنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ فَإِنَّهُ آكَدُ مِنْ غُسْلِ الْجُمُعَةِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقِيلَ: غُسْلُ الْجُمُعَةِ آكَدُ صَحَّحَهُ فِي الرِّعَايَةِ، قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ قَوْلُهُ (فِي يَوْمِهَا) اعْلَمْ أَنَّ الصَّحِيحَ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ أَوَّلَ وَقْتِ الْغُسْلِ: بَعْدَ الْفَجْرِ وَقَطَعَ بِهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَعَنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّتِهِ سَحَرًا، وَقِيلَ: أَوَّلُهُ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَآخِرُ وَقْتِهِ إلَى الرَّوَاحِ إلَيْهَا. جَزَمَ بِهِ فِي الْمُذْهَبِ، وَغَيْرِهِ، إذَا عَلِمْتَ ذَلِكَ، فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ أَفْضَلَهُ كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ وَالْأَفْضَلُ فِعْلُهُ عِنْدَ مُضِيِّهِ إلَيْهَا وَقِيلَ: الْأَفْضَلُ مِنْ أَوَّلِ الْوَقْتِ.
قَوْلُهُ (وَيَتَنَظَّفُ، وَيَتَطَيَّبُ، وَيَلْبَسُ أَحْسَنَ ثِيَابِهِ) بِلَا نِزَاعٍ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَأَفْضَلُهَا الْبَيَاضُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي آخِرِ سَتْرِ الْعَوْرَةِ: أَنَّهُ يُسَنُّ لُبْسُ الْبَيَاضِ مُطْلَقًا. قَوْلُهُ (وَيُبَكِّرُ إلَيْهِ مَاشِيًا) الْمُسْتَحَبُّ: أَنْ يَكُونَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: لَا يُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ التَّبْكِيرُ إلَيْهَا. فَائِدَةٌ: يَجِبُ السَّعْيُ إلَيْهَا بِالنِّدَاءِ الثَّانِي، وَهُوَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْ الْمِنْبَرِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَنْهُ: يَجِبُ بِالنِّدَاءِ الْأَوَّلِ: قَالَ بَعْضُهُمْ: لِسُقُوطِ الْفَرْضِ وَقِيلَ: لِأَنَّ عُثْمَانَ سَنَّهُ. وَعَمِلَتْ بِهِ الْأُمَّةُ، وَخُرِّجَ رِوَايَةً: تَجِبُ بِالزَّوَالِ. تَنْبِيهٌ: مَحَلُّ الْخِلَافِ: فِيمَنْ مَنْزِلُهُ قَرِيبٌ أَمَّا مَنْ مَنْزِلُهُ بَعِيدٌ: فَيَلْزَمُهُ السَّعْيُ فِي وَقْتٍ يُدْرِكُهَا كُلَّهَا، إذَا عَلِمَ حُضُورَ الْعَدَدِ، وَيَكُونُ السَّعْيُ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ لَا قَبْلَهُ قَالَ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ وَغَيْرِهِ: إنَّهُ لَيْسَ بِوَقْتِ السَّعْيِ إلَيْهَا أَيْضًا. قَوْلُهُ (وَيَدْنُو مِنْ الْإِمَامِ، وَيَشْتَغِلُ بِالْقِرَاءَةِ وَالذِّكْرِ) وَكَذَا الصَّلَاةُ نَفْلًا، وَيَقْطَعُ التَّطَوُّعُ بِجُلُوسِ الْإِمَامِ عَلَى الْمِنْبَرِ، قَالَهُ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ. قَوْلُهُ (وَيَقْرَأُ سُورَةَ الْكَهْفِ فِي يَوْمِهَا) هَكَذَا قَالَ جُمْهُورِ الْأَصْحَابِ. وَنَصَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي يَقْرَأُ سُورَةَ الْكَهْفِ فِي يَوْمِهَا وَلَيْلَتِهَا لِلْخَبَرِ قَالَ فِي الْوَجِيزِ:
وَيَقْرَأُ سُورَةَ الْكَهْفِ فِي يَوْمِهَا أَوْ لَيْلَتِهَا، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَيُسَنُّ أَنْ يَقْرَأَ فِي يَوْمِهَا سُورَةَ الْكَهْفِ وَغَيْرَهَا. قَوْلُهُ (وَيُكْثِرُ الدُّعَاءَ) يَعْنِي فِي يَوْمِهَا، وَأَفْضَلُهُ بَعْدَ الْعَصْرِ، لِسَاعَةِ الْإِجَابَةِ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَكْثَرُ الْأَحَادِيثِ: أَنَّهَا فِي السَّاعَةِ الَّتِي تُرْجَى فِيهَا الْإِجَابَةُ بَعْدَ الْعَصْرِ وَتُرْجَى بَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ. قُلْت: ذَكَرَ الْحَافِظُ شِهَابُ الدِّينِ أَحْمَدُ بْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ فِيهَا: ثَلَاثَةً وَأَرْبَعِينَ قَوْلًا، وَذَكَرَ الْقَائِلَ بِكُلِّ قَوْلٍ وَدَلِيلَهُ. فَأَحْبَبْت أَنْ أَذْكُرَهَا مُلَخَّصَةً: فَأَقُولُ، قِيلَ: رُفِعَتْ مَوْجُودَةٌ فِي جُمُعَةٍ وَاحِدَةٍ فِي كُلِّ سُنَّةٍ مُخْفِيَةٌ فِي جَمِيعِ الْيَوْمِ تَنْتَقِلُ فِي يَوْمِهَا، وَلَا تَلْزَمُ سَاعَةً مُعَيَّنَةً، لَا ظَاهِرَةً وَلَا خَفِيَّةً إذَا أُذِّنَ لِصَلَاةِ الْغَدَاةِ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ مِثْلُهُ وَزَادَ مِنْ الْعَصْرِ إلَى الْغُرُوبِ مِثْلُهُ وَزَادَ مَا بَيْنَ أَنْ يَنْزِلَ الْإِمَامُ مِنْ الْمِنْبَرِ إلَى أَنْ يُكَبِّرَ أَوَّلَ سَاعَةٍ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ عِنْدَ طُلُوعِهَا فِي آخِرِ السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ مِنْ النَّهَارِ مِنْ زَوَالٍ إلَى أَنْ يَصِيرَ الظِّلُّ نِصْفَ ذِرَاعٍ مِثْلُهُ إلَى أَنْ يَصِيرَ الظِّلُّ ذِرَاعًا بَعْدَ الزَّوَالِ بِشِبْرٍ إلَى ذِرَاعٍ إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ إذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ لِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ مِنْ زَوَالٍ إلَى أَنْ يَدْخُلَ فِي الصَّلَاةِ مِنْ الزَّوَالِ إلَى خُرُوجِ الْإِمَامِ مَا بَيْنَ خُرُوجِ الْإِمَامِ إلَى أَنْ تُقَامَ الصَّلَاةُ مَا بَيْنَ خُرُوجِهِ إلَى أَنْ تَنْقَضِيَ الصَّلَاةُ مَا بَيْنَ تَحْرِيمِ الْبَيْعِ إلَى حِلِّهِ مَا بَيْنَ الْأَذَانِ إلَى انْقِضَاءِ الصَّلَاةِ مَا بَيْنَ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى الْمِنْبَرِ إلَى انْقِضَاءِ الصَّلَاةِ
عِنْدَ خُرُوجِ الْإِمَام عِنْدَ التَّأْذِينِ وَالْإِقَامَةِ وَتَكْبِيرِ الْإِمَامِ مِثْلُهُ. لَكِنْ قَالَ: إذَا أَذَّنَ وَإِذَا رَقَى الْمِنْبَرَ وَإِذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ مِنْ حِينِ يَفْتَتِحُ الْخُطْبَةَ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهَا إذَا بَلَغَ الْخَطِيبُ الْمِنْبَرَ وَأَخَذَ فِي الْخُطْبَةِ عِنْدَ الْجُلُوسِ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ عِنْدَ نُزُولِهِ مِنْ الْمِنْبَرِ حِينَ تُقَامُ حِينَ يَقُومُ الْإِمَامُ فِي مَقَامِهِ مِنْ إقَامَةِ الصَّلَاةِ إلَى تَمَامِ الصَّلَاةِ وَقْتَ قِرَاءَةِ الْإِمَامِ الْفَاتِحَةَ إلَى أَنْ يَقُولَ آمِينَ مِنْ الزَّوَالِ إلَى الْغُرُوبِ مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ إلَى غُرُوبِهَا فِي صَلَاةِ الْعَصْرِ بَعْدَ الْعَصْرِ إلَى آخِرِ وَقْتِ الِاخْتِيَارِ بَعْدَ الْعَصْرِ مُطْلَقًا مِنْ وَسَطِ النَّهَارِ إلَى قُرْبِ آخِرِ النَّهَارِ مِنْ اصْفِرَارِهَا إلَى أَنْ تَغِيبَ آخِرَ سَاعَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ مِنْ حِينِ يَغِيبُ نِصْفُ قُرْصِهَا أَوْ مِنْ حِينِ تَتَدَلَّى لِلْغُرُوبِ إلَى أَنْ يَتَكَامَلَ غُرُوبُهَا هِيَ السَّاعَةُ الَّتِي كَانَ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ يُصَلِّي فِيهَا قَالَ: وَلَيْسَتْ كُلُّهَا مُتَغَايِرَةً مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، بَلْ كَثِيرٌ مِنْهَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَّحِدَ مَعَ غَيْرِهِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ أَكْثَرِهَا: أَنَّهَا تَسْتَوْعِبُ جَمِيعَ الْوَقْتِ الَّذِي عُيِّنَ، بَلْ الْمَعْنَى: أَنَّهَا تَكُونُ فِي أَثْنَائِهِ. انْتَهَى. قَوْلُهُ (وَلَا يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ إمَامًا، أَوْ يَرَى فُرْجَةً فَيَتَخَطَّى إلَيْهَا) أَمَّا إذَا كَانَ إمَامًا: فَإِنَّهُ يَتَخَطَّى مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ، إنْ كَانَ مُحْتَاجًا لِلتَّخَطِّي. هَذَا الْمَذْهَبُ جَزَمَ بِهِ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَمَجْمَعُ الْبَحْرَيْنِ، وَحَوَاشِي ابْنِ مُفْلِحٍ قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: يُكْرَهُ تَخَطِّي رِقَابِ النَّاسِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ، وَقَالَ فِي الْكَافِي: إذَا أَتَى الْمَسْجِدَ كُرِهَ أَنْ يَتَخَطَّى النَّاسَ إلَّا أَنْ يَكُونَ إمَامًا وَلَا يَجِدُ طَرِيقًا فَلَا بَأْسَ بِالتَّخَطِّي. انْتَهَى. وَقِيلَ: يَتَخَطَّى الْإِمَامُ مُطْلَقًا، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا، وَابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ أَبُو الْخَطَّابِ، وَأَبُو الْمَعَالِي، وَصَاحِبُ التَّلْخِيصِ، وَالْوَجِيزُ، وَالْغُنْيَةُ، وَزَادَ: وَالْمُؤَذِّنُ أَيْضًا
وَأَمَّا غَيْرُ الْإِمَامِ: فَإِنْ وَجَدَ فُرْجَةً، فَإِنْ كَانَ لَا يَصِلُ إلَيْهَا إلَّا بِالتَّخَطِّي فَلَهُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ، وَإِنْ كَانَ يَصِلُ إلَيْهَا بِدُونِ التَّخَطِّي كُرِهَ لَهُ ذَلِكَ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ فِيهِمَا قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ فِيهِمَا قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَيُكْرَهُ تَخَطِّي رِقَابِ النَّاسِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ فَإِنْ رَأَى فُرْجَةً لَمْ يُكْرَهْ التَّخَطِّي إلَيْهَا. انْتَهَى. وَيَأْتِي كَلَامُ الْمَجْدِ وَغَيْرِهِ، وَعَنْهُ لَا يُكْرَهُ التَّخَطِّي فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ هُنَا، وَالْخُلَاصَةُ، وَالْإِفَادَاتُ، وَالْوَجِيزُ وَصَحَّحَهُ فِي الْبُلْغَةِ، وَالنَّظْمِ وَقَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ لِيَدْخُلَ فِي الصَّفِّ إذْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيْهِ فُرْجَةٌ، لَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلَا غَيْرَهُ. وَعَنْهُ يُكْرَهُ التَّخَطِّي فِيهَا قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَعَنْهُ يُكْرَهُ أَنْ يَتَخَطَّى ثَلَاثَ صُفُوفٍ فَأَكْثَرَ، وَإِلَّا فَلَا وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي قَالَ فِي الْكَافِي: فَإِنْ كَانَ لَا يَصِلُ إلَيْهَا إلَّا بِتَخَطِّي الرَّجُلِ وَالرَّجُلَيْنِ فَلَا بَأْسَ وَإِنْ تَرَكُوا أَوَّلَ الْمَسْجِدِ فَارِغًا وَجَلَسُوا دُونَهُ فَلَا بَأْسَ بِتَخَطِّيهِمْ. انْتَهَى. وَعَنْهُ يُكْرَهُ إنْ تَخَطَّى أَرْبَعَ صُفُوفٍ فَأَكْثَرَ، وَإِلَّا فَلَا، وَقِيلَ: إنْ كَانَتْ الْفُرْجَةُ أَمَامَهُ لَمْ يُكْرَهْ، وَإِلَّا كُرِهَ، وَأُطْلِقَ فِي التَّلْخِيصِ رِوَايَتَانِ فِي كَرَاهَةِ التَّخَطِّي إذَا كَانَتْ الْفُرْجَةُ أَمَامَهُ وَقَطَعَ الْمَجْدُ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ التَّخَطِّي لِلْحَاجَةِ مُطْلَقًا وَابْنُ تَمِيمٍ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ، وَغَيْرِهِمْ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ غَيْرُ الْإِمَامِ فُرْجَةً، فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يُكْرَهُ لَهُ التَّخَطِّي، وَإِنْ كَانَ وَاحِدًا، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَقَطَعَ بِهِ الْأَكْثَرُ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ
وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي، وَصَاحِبُ النَّصِيحَةِ، وَالْمُنْتَخَبِ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: يَحْرُمُ التَّخَطِّي، وَفِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي مَسْأَلَةِ التَّبْكِيرِ إلَى الْجُمُعَةِ: أَنَّ التَّخَطِّيَ مَذْمُومٌ. وَالظَّاهِرُ: أَنَّ الذَّمَّ إنَّمَا يَتَوَجَّهُ عَلَى فِعْلٍ مُحَرَّمٍ. قَوْلُهُ (وَلَا يُقِيمُ غَيْرَهُ، فَيَجْلِسُ مَكَانَهُ) هَكَذَا عِبَارَةُ غَالِبِ الْأَصْحَابِ فَيُحْتَمَلُ التَّحْرِيمُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالنَّظْمِ، وَغَيْرِهِمْ، وَجَزَمُوا بِهِ قَالَ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْكَافِي، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَغَيْرِهِمْ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: يُكْرَهُ ذَلِكَ، وَقَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، قُلْت: الْقِيَاسُ جَوَازُ إقَامَةِ الصِّبْيَانِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَوْضِعِهِمْ، وَتَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ صِفَةِ الصَّلَاةِ، وَفِي الْمَوْقِفِ فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ: هَلْ يُؤَخَّرُ الْمَفْضُولُ مِنْ الصَّفِّ الْأَوَّلِ لِلْفَاضِلِ؟ . تَنْبِيهٌ: شَمِلَ قَوْلُهُ (وَلَا يُقِيمُ غَيْرَ عَبْدِهِ وَوَلَدِهِ) وَهُوَ صَحِيحٌ، حَتَّى لَوْ كَانَتْ عَادَتُهُ الصَّلَاةَ فِيهِ، حَتَّى الْمُعَلِّمُ وَنَحْوُهُ، قَالَهُ الْأَصْحَابُ. فَعَلَى الْمَذْهَبِ وَهُوَ الْقَوْلُ بِالتَّحْرِيمِ: لَوْ أَقَامَة قَهْرًا فَفِي صَلَاتِهِ وَجْهَانِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفَائِقِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، ذَكَرَهُ فِي بَابِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ، قُلْت: الَّذِي تَقْضِيهِ قَوَاعِدُ الْمَذْهَبِ: عَدَمُ الصِّحَّةِ لِارْتِكَابِ النَّهْيِ. قَوْلُهُ (إلَّا مَنْ قَدَّمَ صَاحِبًا لَهُ، فَجَلَسَ فِي مَوْضِعٍ يَحْفَظُهُ لَهُ) ، قَالَهُ الْأَصْحَابُ، وَقَالَ أَكْثَرُهُمْ: سَوَاءٌ حَفِظَهُ بِإِذْنِهِ أَوْ بِدُونِ إذْنِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ جَمَاعَةٌ الْحِفْظَ بِدُونِ إذْنِهِ، مِنْهُمْ الْمُصَنِّفُ، وَالنَّاظِمُ قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: قُلْت: الْقِيَاسُ كَرَاهَتُهُ لِلْوَكِيلِ؛ لِأَنَّهُ إيثَارٌ بِأَمْرٍ دِينِيٍّ، وَهُوَ الصَّوَابُ
تَنْبِيهٌ: اخْتَلَفَ الْأَصْحَابُ فِي الْعِلَّةِ فِي جَوَازِ الْجُلُوسِ: فَقِيلَ: لِأَنَّهُ يَقُومُ بِاخْتِيَارِهِ. جَزَمَ بِهِ فِي التَّلْخِيصِ، وَبِهِ عَلَّلَ الشَّارِحُ، وَالْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ جَلَسَ لِحِفْظِهِ لَهُ، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ إلَّا بِإِقَامَتِهِ. فَائِدَتَانِ. إحْدَاهُمَا: لَوْ آثَرَ بِمَكَانِهِ وَجَلَسَ فِي مَكَان دُونَهُ فِي الْفَضْلِ، وَكُرِهَ لَهُ ذَلِكَ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ جَزَمَ بِهِ فِي الْفُصُولِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْكَافِي، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالنَّظْمِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَغَيْرِهِمْ وَقَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ، وَالْحَوَاشِي، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَغَيْرِهِمْ قَالَ فِي النُّكَتِ: هَذَا الْمَشْهُورُ، وَقِيلَ: يُبَاحُ، وَهُوَ احْتِمَالُ الْمَجْدِ فِي شَرْحِهِ كَمَا جَلَسَ فِي مِثْلِهِ، أَوْ أَفْضَلَ مِنْهُ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ: لَا يَجُوزُ الْإِيثَارُ، وَقِيلَ: يَجُوزُ إنْ آثَرَ مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُ، وَهُوَ احْتِمَالٌ فِي الْمُغْنِي وَغَيْرِهِ، وَقَالَ فِي الْفُنُونِ: إنْ آثَرَ ذَا هَيْئَةٍ بِعِلْمٍ وَدَيْنٍ جَازَ، وَلَيْسَ إيثَارًا حَقِيقَةً، بَلْ اتِّبَاعًا لِلسُّنَّةِ، وَأَطْلَقَهُنَّ فِي الْفُرُوعِ، وَقَالَ: وَيُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِهِمْ: تَخْرِيجُ سُؤَالِ ذَلِكَ عَلَيْهَا قَالَ: وَهُوَ مُتَّجَهٌ، وَصَرَّحَ فِي الْهَدْيِ فِيهَا بِالْإِبَاحَةِ، وَيَأْتِي آخِرَ الْجَنَائِزِ إهْدَاءُ التُّرْبَةِ لِلْمَيِّتِ فَعَلَى الْمَذْهَبِ: لَا يُكْرَهُ قَبُولُهُ عَلَى الصَّحِيحِ وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، قَالَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ وَجَزَمَ بِهِ فِي التَّلْخِيصِ وَغَيْرِهِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ، وَقِيلَ: يُكْرَهُ، وَهُوَ احْتِمَالٌ لِلْمَجْدِ فِي شَرْحِهِ؛ لِأَنَّهُ إعَانَةٌ لِصَاحِبِهِ عَلَى مَكْرُوهٍ وَإِقْرَارُهُ عَلَيْهِ قَالَ سِنْدِيٌّ: رَأَيْت الْإِمَامَ أَحْمَدَ قَامَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ مَوْضِعِهِ فَأَبَى أَنْ يَجْلِسَ فِيهِ، وَقَالَ لَهُ: ارْجِعْ إلَى مَوْضِعِك، فَرَجَعَ إلَيْهِ، وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ
الثَّانِيَةُ: لَوْ آثَرَ شَخْصًا بِمَكَانِهِ فَسَبَقَهُ غَيْرُهُ إلَيْهِ جَازَ، ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَصَحَّحَهُ النَّاظِمُ وَقَدَّمَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالْحَوَاشِي وَصَحَّحَهُ النَّاظِمُ، وَقِيلَ: بِالْمَنْعِ مُطْلَقًا، وَهُوَ الصَّحِيحُ قَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَصَحَّحَاهُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حَمْدَانَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى وَقَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَيَأْتِي نَظِيرُهَا فِي إحْيَاءِ الْمَوَاتِ. قَوْلُهُ (وَإِنْ وَجَدَ مُصَلَّى مَفْرُوشًا فَهَلْ لَهُ رَفْعُهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ وَالْمُغْنِي، وَالْكَافِي، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالشَّرْحِ، وَشَرْحِ ابْنِ مُنَجَّا، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالنَّظْمِ، وَالْفُرُوعِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ، وَشَرْحِ الْخِرَقِيِّ لِلطُّوفِيِّ أَحَدُهُمَا: لَيْسَ لَهُ رَفْعُهُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ صَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْهِدَايَةِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْفَائِقِ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ، وَغَيْرِهِمْ. الثَّانِي: لَهُ رَفْعُهُ جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَقَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لِغَيْرِهِ رَفْعُهُ فِي أَظْهَرِ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ، وَقَالَ فِي الْفَائِقِ قُلْت: فَلَوْ حَضَرَتْ الصَّلَاةُ، وَلَمْ يَحْضُرْ: رُفِعَ. انْتَهَى. قُلْت: هَذَا الصَّوَابُ، وَقِيلَ: إنْ وَصَلَ إلَيْهِ صَاحِبُهُ مِنْ غَيْرِ تَخَطِّي أَحَدٍ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ، وَإِلَّا جَازَ رَفْعُهُ. فَائِدَةٌ: تَحْرُمُ الصَّلَاةُ عَلَى الْمُصَلَّى الْمَفْرُوشِ لِغَيْرِهِ جَزَمَ بِهِ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ، وَقَدَّمَ فِي الْفُرُوعِ بِأَنَّهُ لَا يُصَلِّي عَلَيْهِ، وَقِيلَ: يُكْرَهُ جُلُوسُهُ عَلَيْهِ قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيُتَوَجَّهُ إنْ حَرُمَ رَفْعُهُ فَلَهُ فَرْشُهُ: وَإِلَّا كُرِهَ
وَأَطْلَقَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لَيْسَ لَهُ فَرْشُهُ، وَأَمَّا صِحَّةُ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ: فَقَالَ فِي الْفُرُوعِ، فِي بَابِ سَتْرِ الْعَوْرَةِ: وَلَوْ صَلَّى عَلَى أَرْضِهِ أَوْ مُصَلَّاهُ بِلَا غَصْبٍ. صَحَّ فِي الْأَصَحِّ وَقِيلَ: حَمْلُهُمَا عَلَى الْكَرَاهَةِ أَوْلَى قَوْلُهُ (وَمَنْ قَامَ مِنْ مَوْضِعِهِ لِعَارِضٍ لَحِقَهُ، ثُمَّ عَادَ إلَيْهِ فَهُوَ أَحَقُّ: بِهِ) هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ، وَغَيْرِهِمْ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ فِي الْأَصَحِّ، وَقِيلَ: لَيْسَ هُوَ أَحَقَّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ فَعَلَى الْمَذْهَبِ: يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ الصَّبِيُّ إذَا قَامَ مِنْ صَفٍّ فَاضِلٍ، أَوْ فِي وَسَطِ الصَّفِّ فَإِنَّهُ يَجُوزُ نَقْلُهُ عَنْهُ، صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَام أَحْمَدَ، قَالَهُ فِي الْقَاعِدَةِ الْخَامِسَةِ وَالثَّمَانِينَ، وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ فِي الْمَوْقِفِ بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا فَلْيُعَاوَدْ. فَائِدَتَانِ إحْدَاهُمَا: أَطْلَقَ كَثِيرٌ مِنْ الْأَصْحَابِ الْمَسْأَلَةَ، وَشَرَطَ بَعْضُهُمْ أَنْ يَكُونَ عَوْدُهُ قَرِيبًا. قُلْت: فَلَعَلَّهُ مُرَادُ مَنْ أَطْلَقَ. قَالَ فِي الْوَجِيزِ: ثُمَّ عَادَ وَلَمْ يَتَشَاغَلْ بِغَيْرِهَا. الثَّانِيَةُ: إذَا لَمْ يَصِلْ إلَى مَوْضِعِهِ إلَّا بِالتَّخَطِّي، فَعَلَى الْخِلَافِ الْمُتَقَدِّمِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَجَوَّزَ أَبُو الْمَعَالِي التَّخَطِّيَ هُنَا، وَإِنْ مَنَعْنَاهُ هُنَاكَ وَقَطَعَ بِهِ فِي الْخُلَاصَةِ. قَوْلُهُ (وَمَنْ دَخَلَ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ لَمْ يَجْلِسْ حَتَّى يَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ يُوجِزُ فِيهِمَا) .
هَذَا الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا أَطْلَقَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّارِحِ، وَصَاحِبُ التَّلْخِيصِ، وَالْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَصَاحِبُ الْفَائِقِ، وَالرِّعَايَةِ، وَابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُمْ: يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ إنْ لَمْ يَفُتْهُ مَعَ الْإِمَامِ تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ. فَوَائِدُ. لَوْ جَلَسَ قَبْلَ صَلَاتِهِمَا قَامَ فَأَتَى بِهِمَا، قَالَهُ الْأَصْحَابُ [وَأَطْلَقُوا. وَذَكَرَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ وَغَيْرِهِ فِي سُجُودِ التِّلَاوَةِ فِي فَصْلِ إذَا قَرَأَ السَّجْدَةَ مُحْدِثًا أَنَّ التَّحِيَّةَ تَسْقُطُ بِطُولِ الْفَصْلِ] وَوَجَّهَ فِي الْفُرُوعِ احْتِمَالًا بِسُقُوطِهَا مِنْ عَالِمٍ، وَمِنْ جَاهِلٍ لَمْ يَعْلَمْ عَنْ قُرْبٍ، وَلَا تُسْتَحَبُّ التَّحِيَّةُ لِلْإِمَامِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَنْقُلْ، ذَكَرَهُ أَبُو الْمَعَالِي وَغَيْرُهُ فَعَلَى هَذَا يُعَايَى بِهَا، وَلَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَى رَكْعَتَيْنِ. ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ، وَإِنْ صَلَّى فَائِتَةً كَانَتْ عَلَيْهِ أَجْزَأَ عَنْهُمَا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: لَا تُجْزِئُ لِلْخَبَرِ وَكَالْفَرْضِ عَنْ السُّنَّةِ فَعَلَى الْمَذْهَبِ: قَالَ فِي الْفُرُوعِ: ظَاهِرُهُ حُصُولُ ثَوَابِهَا، وَإِنْ كَانَتْ الْجُمُعَةُ فِي غَيْرِ مَسْجِدٍ لَمْ يُصَلِّ شَيْئًا، قَالَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ، وَالنَّاظِمُ وَغَيْرُهُمْ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ قُلْت: فَيُعَايَى بِهَا، وَتَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرِ بَابِ الْأَذَانِ: الصَّحِيحُ مِنْ الرِّوَايَتَيْنِ لَا يُصَلِّي التَّحِيَّةَ قَبْلَ فَرَاغِ الْمُؤَذِّنِ، وَيَأْتِي قَرِيبًا ابْتِدَاءُ النَّافِلَةِ حَالَ الْخُطْبَةِ.
قَوْلُهُ (وَلَا يَجُوزُ الْكَلَامُ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ، إلَّا لَهُ، أَوْ لِمَنْ كَلَّمَهُ) الْكَلَامُ تَارَةً يَكُونُ بَيْنَ الْإِمَامِ وَبَيْنَ مَنْ يُكَلِّمُهُ، وَتَارَةً يَكُونُ بَيْنَ غَيْرِهِمَا فَإِنْ كَانَ بَيْنَ الْإِمَامِ وَغَيْرِهِ، فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: إبَاحَةُ ذَلِكَ إذَا كَانَ لِمَصْلَحَةٍ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَعَنْهُ يُكْرَهُ لَهُمَا مُطْلَقًا. وَعَنْهُ: يُبَاحُ لَهُمَا مُطْلَقًا، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَجَمَاعَةٍ مِنْ الْأَصْحَابِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَإِنْ كَانَ الْكَلَامُ مِنْ غَيْرِهِمَا: فَقَدَّمَ الْمُصَنِّفُ التَّحْرِيمَ مُطْلَقًا، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ قَالَ فِي التَّلْخِيصِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: لَا يَجُوزُ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ، جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَقَدَّمَهُ فِي الْخُلَاصَةِ، وَابْنُ تَمِيمٍ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ، وَغَيْرِهِمْ، وَعَنْهُ: يَحْرُمُ عَلَى مَنْ يَسْمَعُ دُونَ غَيْرِهِ، اخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ، مِنْهُمْ الْقَاضِي وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِفَادَاتِ، وَعَنْهُ يُكْرَهُ مُطْلَقًا، وَعَنْهُ يَجُوزُ. فَائِدَةٌ: قَالَ فِي النُّكَتِ: وَرِوَايَةُ عَدَمِ التَّحْرِيمِ عَلَى ظَاهِرِهَا، عِنْدَ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ أَبُو الْمَعَالِي: وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى الْكَلِمَةِ وَالْكَلِمَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُخِلُّ بِسَمَاعِ الْخُطْبَةِ، وَلَا يُمْكِنُهُ التَّحَرُّزُ مِنْ ذَلِكَ غَالِبًا لَا سِيَّمَا إذَا لَمْ يَفُتْهُ سَمَاعُ أَرْكَانِهَا. تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ قَوْلِهِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ أَنَّ الْكَلَامَ يَجُوزُ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ إذَا سَكَتَ وَالصَّحِيحُ: أَنَّ الْكَلَامَ بَيْنَهُمَا يُبَاحُ، وَهُوَ أَحَدُ الْوُجُوهِ، قَالَ الْمَجْدُ: هَذَا عِنْدِي أَصَحُّ وَأَقْيَسُ وَقَدَّمَ ابْنُ رَزِينٍ الْجَوَازَ قَالَ: لِأَنَّهُ لَيْسَ بِخَاطِبٍ، وَقِيلَ: يُكْرَهُ، وَقِيلَ: يَحْرُمُ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْقَاضِي قَالَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَأَطْلَقَهُنَّ فِي الْفُرُوعِ، وَالْحَوَاشِي، وَأَطْلَقَ الثَّانِيَ وَالثَّالِثَ فِي الْفَائِقِ قَالَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ: فِي كَرَاهَتِهِ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ وَجْهَانِ قَالَ فِي الْحَاوِيَيْنِ، وَفِي الْكَلَامِ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ وَجْهَانِ، وَفِي إبَاحَتِهِ فِي الْجُلُوسِ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ وَجْهَانِ.
فَوَائِدُ. الْأُولَى: لَوْ تَنَفَّسَ الْإِمَامُ فَهُوَ فِي حُكْمِ الْخُطْبَةِ، وَوَجَّهَ فِي الْفُرُوعِ احْتِمَالًا بِالْجَوَازِ حَالَةَ التَّنَفُّسِ. الثَّانِيَةُ: لَا يَحْرُمُ الْكَلَامُ إذَا شَرَعَ الْخَطِيبُ فِي الدُّعَاءِ مُطْلَقًا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَقَدْ يَحْرُمُ مُطْلَقًا، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْكَافِي، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالنَّظْمِ، وَقِيلَ: يَحْرُمُ فِي الدُّعَاءِ الْمَشْرُوعِ دُونَ غَيْرِهِ، وَأَطْلَقَهُنَّ ابْنُ تَمِيمٍ، وَالْفَائِقُ، الثَّالِثَةُ: يُسْتَثْنَى مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ أَطْلَقَ: مَا إذَا احْتَاجَ إلَى الْكَلَامِ كَتَحْذِيرِ ضَرِيرٍ أَوْ غَافِلٍ عَنْ بِئْرٍ، أَوْ هَلَكَةٍ وَنَحْوِهِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ الْكَلَامُ، بَلْ يَجِبُ، كَمَا يَجُوزُ قَطْعُ الصَّلَاةِ. الرَّابِعَةُ: تَجُوزُ الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا سَمِعَهَا، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَالَ الْقَاضِي فِي كِتَابِ التَّخْرِيجِ: يَكُونُ ذَلِكَ فِي نَفْسِهِ. الْخَامِسَةُ: يَجُوزُ تَأْمِينُهُ عَلَى الدُّعَاءِ، وَحَمِدَهُ خُفْيَةً إذَا عَطَسَ، نَصَّ عَلَيْهِ. السَّادِسَةُ: يَجُوزُ رَدُّ السَّلَامِ، وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ نُطْقًا مُطْلَقًا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: يَجُوزُ ذَلِكَ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ اخْتَارَهُ الْمَجْدُ وَجَمَاعَةٌ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَعَنْهُ يَجُوزُ لِمَنْ لَمْ يَسْمَعْ، وَهُوَ قَوْلٌ فِي الرِّعَايَةِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْكَافِي، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالنَّاظِمُ، وَالْحَوَاشِي قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيُتَوَجَّهُ يَجُوزُ إنْ سَمِعَ وَلَمْ يَفْهَمْهُ، وَعَنْهُ يَحْرُمُ مُطْلَقًا، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ فِي التَّلْخِيصِ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَأَطْلَقَ فِي رَدِّ السَّلَامِ الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْفَائِقِ، السَّابِعَةُ: إشَارَةُ الْأَخْرَسِ الْمَفْهُومَةُ كَالْكَلَامِ، وَفِي كَلَامِ الْمَجْدِ: لَهُ تَسْكِيتُ الْمُتَكَلِّمِ بِالْإِشَارَةِ، وَقَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَغَيْرِهِ: يُسْتَحَبُّ.
قَوْلُهُ (وَيَجُوزُ الْكَلَامُ قَبْلَ الْخُطْبَةِ وَبَعْدَهَا) يَعْنِي مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ وَنَصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: يُكْرَهُ. فَوَائِدُ. مِنْهَا: يَحْرُمُ ابْتِدَاءُ النَّافِلَةِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَا يَحْرُمُ عَلَى مَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُذْهَبِ وَغَيْرِهِ، وَقِيلَ: يُكْرَهُ فَعَلَى الْمَذْهَبِ: قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فِي كَلَامِ بَعْضِ الْأَصْحَابِ: يَتَعَلَّقُ التَّحْرِيمُ بِجُلُوسِهِ عَلَى الْمِنْبَرِ. قُلْت: جَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي، وَالنَّظْمِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَابْنُ حَمْدَانَ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَفِي كَلَامِ بَعْضِهِمْ: يَتَعَلَّقُ بِخُرُوجِهِ وَقَطَعَ بِهِ أَبُو الْمَعَالِي، قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَهُوَ الْأَشْهَرُ فِي الْأَخْبَارِ، وَلَوْ لَمْ يَشْرَعْ فِي الْخُطْبَةِ وَظَاهِرُ كَلَامِ بَعْضِهِمْ، وَفِي الْخِلَافِ لِلْقَاضِي وَغَيْرِهِ: يُكْرَهُ ابْتِدَاءُ التَّطَوُّعِ بِخُرُوجِهِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ: لَا تَحْرِيمَ إنْ لَمْ يَحْرُمْ الْكَلَامُ فِيهَا. قَالَ: وَهُوَ مُتَّجَهٌ فَلَوْ كَانَ فِي الصَّلَاةِ وَخَرَجَ الْإِمَامُ خَفَّفَهَا فَلَوْ نَوَى أَرْبَعًا صَلَّى رَكْعَتَيْنِ قَالَ الْمَجْدُ: يَتَعَيَّنُ ذَلِكَ، بِخِلَافِ السُّنَّةِ، وَمِنْهَا: يَجُوزُ لِمَنْ بَعُدَ عَنْ الْخَطِيبِ وَلَمْ يَسْمَعْهُ الِاشْتِغَالُ بِالْقِرَاءَةِ وَالذِّكْرِ خُفْيَةً، وَفِعْلُهُ أَفْضَلُ نَصَّ عَلَيْهِ فَيَسْجُدُ لِلتِّلَاوَةِ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ: إنْ بَعُدُوا فَلَمْ يَسْمَعُوا صَوْتَهُ جَازَ لَهُمْ إقْرَاءُ الْقُرْآنِ وَالْمُذَاكَرَةُ فِي الْعِلْمِ، وَقِيلَ: لَا. وَمِنْهَا: يُكْرَهُ الْعَبَثُ حَالَةَ الْخُطْبَةِ. وَكَذَا شُرْبُ الْمَاءِ إنْ سَمِعَهَا، وَقَالَ الْمَجْدُ: يُكْرَهُ مَا لَمْ يَشْتَدَّ عَطَشُهُ وَجَزَمَ أَبُو الْمَعَالِي بِأَنَّ شُرْبَهُ إذَا اشْتَدَّ عَطَشُهُ أَوْلَى، وَقَالَ فِي النَّصِيحَةِ: إنْ عَطِشَ فَشَرِبَ فَلَا بَأْسَ قَالَ فِي الْفُصُولِ: وَكَرِهَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ شَرْبَةً بِقِطْعَةٍ بَعْدَ الْأَذَانِ، لِأَنَّهُ بَيْعٌ مَنْهِيٍّ عَنْهُ، وَأَكْلُ مَالٍ بِالْبَاطِلِ قَالَ
باب صلاة العيدين
وَكَذَا شُرْبُهُ عَلَى أَنْ يُعْطِيَهُ الثَّمَنَ بَعْدَ الصَّلَاةِ لِأَنَّهُ بَيْعٌ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَأَطْلَقَ قَالَ: وَيُتَوَجَّهُ يَجُوزُ لِلْحَاجَةِ، دَفْعًا لِلضَّرُورَةِ، وَتَحْصِيلًا لِاسْتِمَاعِ الْخُطْبَةِ. انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ:. وَلَا بَأْسَ بِشِرَاءِ مَاءِ الطَّهَارَةِ بَعْدَ أَذَانِ الْجُمُعَةِ، وَقَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ وَغَيْرِهِ، وَزَادَ: وَكَذَا شِرَاءُ السُّتْرَةِ، وَيَأْتِي أَحْكَامِ الْبَيْعِ بَعْدَ النِّدَاءِ فِي كِتَابِ الْبَيْعِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. [بَابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ] ِ قَوْلُهُ (وَهِيَ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ) هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: فَرْضُ كِفَايَةٍ، عَلَى الْأَصَحِّ قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: فَرْضُ كِفَايَةٍ فِي أَظْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ قَالَ فِي الْحَوَاشِي: هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هَذَا الْمَذْهَبُ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْكَافِي، وَالْخُلَاصَةِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَالْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِمْ وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالنَّظْمِ، وَالْفَائِقِ، وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ، وَغَيْرِهِمْ. وَعَنْهُ هِيَ فَرْضُ عَيْنٍ اخْتَارَهَا الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَقَالَ: قَدْ يُقَالُ بِوُجُوبِهَا عَلَى النِّسَاءِ وَغَيْرُهُنَّ، وَعَنْهُ هِيَ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ جَزَمَ بِهِ فِي التَّبْصِرَةِ، فَعَلَى الْمَذْهَبِ: يُقَاتَلُونَ عَلَى تَرْكِهَا، وَعَلَى أَنَّهَا سُنَّةٌ لَا يُقَاتَلُونَ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ كَالْأَذَانِ. وَالتَّرَاوِيحِ، وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي فِي النِّهَايَةِ: يُقَاتَلُونَ أَيْضًا. فَوَائِدُ. مِنْهَا: قَوْلُهُ (فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِالْعِيدِ إلَّا بَعْدَ الزَّوَالِ خَرَجَ مِنْ الْغَدِ فَصَلَّى بِهِمْ) هَذَا بِلَا نِزَاعٍ، وَلَكِنْ تَكُونُ قَضَاءً مُطْلَقًا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبَ
وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي فِي النِّهَايَةِ: تَكُونُ أَدَاءً مَعَ عَدَمِ الْعِلْمِ لِلْعُذْرِ. انْتَهَى. وَمِنْهَا: أَنَّهَا تُصَلَّى وَلَوْ مَضَى أَيَّامٌ، وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ قَالَ فِي النُّكَتِ: قَطَعَ بِهِ جَمَاعَةٌ قَالَهُ ابْنُ حَمْدَانَ: وَفِيهِ نَظَرٌ، وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يُصَلُّونَ. وَقَالَ فِي التَّعْلِيقِ: إنْ عَلِمُوا بَعْدَ الزَّوَالِ، فَلَمْ يُصَلُّوا مِنْ الْغَدِ، لَمْ يُصَلُّوهَا، وَيَأْتِي فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ آخِرَ الْبَابِ اسْتِحْبَابُ قَضَائِهَا إذَا فَاتَتْهُ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ قَبْلَ الزَّوَالِ وَبَعْدَهُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَمِنْهَا. قَوْلُهُ (وَيُسَنُّ تَقْدِيمُ الْأَضْحَى وَتَأْخِيرُ الْفِطْرِ، بِحَيْثُ يُوَافِقُ أَهْلَ مِنًى فِي ذَبْحِهِمْ) نَصَّ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ (وَالْأَكْلُ فِي الْفِطْرِ قَبْلَ الصَّلَاةِ) يَعْنِي قَبْلَ الْخُرُوجِ إلَى الصَّلَاةِ. وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ تَمَرَاتٍ، وَأَنْ يَكُونَ وِتْرًا قَالَ الْمَجْدُ، وَتَبِعَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: هُوَ آكَدُ مِنْ إمْسَاكِهِ فِي الْأَضْحَى. قَوْلُهُ (وَالْإِمْسَاكُ فِي الْأَضْحَى حَتَّى يُصَلِّيَ) وَذَلِكَ لِيَأْكُلَ مِنْ أُضْحِيَّتِهِ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أُضْحِيَّةٌ أَكَلَ إنْ شَاءَ قَبْلَ خُرُوجِهِ نَصَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَقَالَهُ الْأَصْحَابُ. قَوْلُهُ (وَالْغُسْلُ) ، تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي بَابِ الْغُسْلِ فِي الْأَغْسَالِ الْمُسْتَحَبَّةِ. قَوْلُهُ (وَالتَّكْبِيرُ إلَيْهَا بَعْدَ الصُّبْحِ) هَكَذَا قَيَّدَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ بِقَوْلِهِمْ بَعْدَ الصُّبْحِ يَعْنِي بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ مِنْهُمْ الْمُصَنِّفُ هُنَا، وَفِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْوَجِيزِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَغَيْرِهِمْ، وَأَطْلَقَ الْأَكْثَرُ
قَوْلُهُ (مَاشِيًا) هَذَا الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: إنْ كَانَ الْبَلَدُ ثَغْرًا اُسْتُحِبَّ الرُّكُوبُ وَإِظْهَارُ السِّلَاحِ، وَقَالَ الشَّارِحُ وَغَيْرُهُ: وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا فَلَا بَأْسَ أَنْ يَرْكَبَ نَصَّ عَلَيْهِ، وَزَادَ ابْنُ رَزِينٍ وَغَيْرُهُ أَوْ لِعُذْرٍ، وَهُوَ مُرَادٌ قَطْعًا. فَائِدَةٌ: لَا بَأْسَ بِالرُّكُوبِ فِي الرُّجُوعِ. وَكَذَا مِنْ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ. قَوْلُهُ (عَلَى أَحْسَنِ هَيْئَةٍ إلَّا الْمُعْتَكِفَ، وَيَخْرُجُ فِي ثِيَابِ اعْتِكَافِهِ) الذَّاهِبُ إلَى الْعِيدِ لَا يَخْلُو: إمَّا أَنْ يَكُونَ مُعْتَكِفًا، أَوْ غَيْرَ مُعْتَكِفٍ فَإِنْ كَانَ مُعْتَكِفًا، فَلَا يَخْلُو: إمَّا أَنْ يَكُونَ الْإِمَامَ أَوْ غَيْرَهُ فَإِنْ كَانَ الْإِمَامَ، فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يَخْرُجُ فِي ثِيَابِ اعْتِكَافِهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ، وَقِيلَ: يُسْتَحَبُّ لَهُ التَّجَمُّلُ وَالتَّنَظُّفُ جَزَمَ بِهِ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَمُخْتَصَرِ ابْنِ تَمِيمٍ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: يُسَنُّ التَّزَيُّنُ لِلْإِمَامِ الْأَعْظَمِ، وَإِنْ خَرَجَ مِنْ الْمُعْتَكَفِ، نَقَلَهُ عَنْهُ فِي الْفَائِقِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: يَخْرُجُ فِي ثِيَابِ اعْتِكَافِهِ قَالَ جَمَاعَةٌ: إلَّا الْإِمَامَ. وَإِنْ كَانَ غَيْرَ الْإِمَامِ، فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يَخْرُجُ فِي ثِيَابِ اعْتِكَافِهِ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَقَالَ الْقَاضِي فِي مَوْضُوعٍ مِنْ كَلَامِهِ: الْمُعْتَكِفُ كَغَيْرِهِ فِي الزِّينَةِ وَالطِّيبِ وَنَحْوِهِمَا، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُعْتَكِفٍ، فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ فِي حَقِّهِ: أَنْ يَأْتِيَ إلَيْهَا عَلَى أَحْسَنِ هَيْئَةٍ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَعَنْهُ الثِّيَابُ الْجَيِّدَةُ وَالرَّثَّةُ فِي الْفَضْلِ سَوَاءٌ، وَسَوَاءٌ كَانَ مُعْتَكِفًا أَوْ غَيْرَهُ. فَائِدَةٌ: إنْ كَانَ الْمُعْتَكِفُ فَرَغَ مِنْ اعْتِكَافِهِ قَبْلَ لَيْلَةِ الْعِيدِ، اُسْتُحِبَّ لَهُ الْمَبِيتُ
لَيْلَةَ الْعِيدِ فِي الْمَسْجِدِ، وَالْخُرُوجُ مِنْهُ إلَى الْمُصَلَّى، وَإِنْ كَانَ اعْتِكَافُهُ مَا انْقَضَى فَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا: جَوَازُ الْخُرُوجِ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَصَرَّحَ بِهِ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ وَابْنُ تَمِيمٍ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ وَغَيْرِهِمْ قَالَ الْمَجْدُ: يَجُوزُ لَهُ الْخُرُوجُ، وَلُزُومُهُ مُعْتَكَفَهُ أَوْلَى. وَتَابَعَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ وَغَيْرُهُمْ. قَوْلُهُ (وَإِذَا غَدَا مِنْ طَرِيقٍ رَجَعَ فِي أُخْرَى) هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَقِيلَ: يَرْجِعُ فِي الطَّرِيقِ الْأَقْرَبِ إلَى مَنْزِلِهِ، وَيَذْهَبُ فِي الطَّرِيقِ الْأَبْعَدِ. فَائِدَةٌ: ذَهَابُهُ فِي طَرِيقٍ وَرُجُوعُهُ فِي أُخْرَى: فَعَلَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فَقِيلَ: فَعَلَ ذَلِكَ لِيَشْهَدَ لَهُ الطَّرِيقَانِ، وَقِيلَ: لِيَشْهَدَ لَهُ سُكَّانُ الطَّرِيقِينَ مِنْ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ، وَقِيلَ: لِيَتَصَدَّقَ عَلَى أَهْلِ الطَّرِيقِينَ، وَقِيلَ: لَهُ لِيُسَاوِيَ بَيْنَهُمَا فِي التَّبَرُّكِ بِهِ، وَفِي الْمَسَرَّةِ بِمُشَاهَدَتِهِ، وَالِانْتِفَاعِ بِمَسْأَلَتِهِ، وَقِيلَ: لِيَغِيظَ الْمُنَافِقِينَ أَوْ الْيَهُودَ، وَقِيلَ: لِأَنَّ الطَّرِيقَ الَّذِي يَغْدُو مِنْهُ كَانَ أَطْوَلَ فَيَحْصُلُ كَثْرَةُ الثَّوَابِ بِكَثْرَةِ الْخُطَى إلَى الطَّاعَةِ، وَقِيلَ: لِأَنَّ طَرِيقَهُ إلَى الْمُصَلَّى كَانَتْ عَلَى الْيَمِينِ فَلَوْ رَجَعَ لَرَجَعَ إلَى جِهَةِ الشِّمَالِ، وَقِيلَ: لِإِظْهَارِ شِعَارِ الْإِسْلَامِ فِيهِمَا، وَقِيلَ: لِإِظْهَارِ ذِكْرِ اللَّهِ، وَقِيلَ: لِيُرْهِبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْيَهُودَ بِكَثْرَةِ مَنْ مَعَهُ. وَرَجَّحَهُ ابْنُ بِطَالٍ، وَقِيلَ: حَذَرًا مِنْ كَيْدِ الطَّائِفَتَيْنِ أَوْ إحْدَاهُمَا، وَقِيلَ: لِيَزُورَ أَقَارِبَهُ الْأَحْيَاءَ وَالْأَمْوَاتِ، وَقِيلَ: لِيَصِلَ رَحِمَهُ، وَقِيلَ: لِيَتَفَاءَلَ بِتَغْيِيرِ الْحَالِ إلَى الْمَغْفِرَةِ وَالرِّضَا، وَقِيلَ: كَانَ فِي ذَهَابِهِ يَتَصَدَّقُ فَإِذَا رَجَعَ لَمْ يَبْقَ مَعَهُ شَيْءٌ فَيَرْجِعُ فِي طَرِيقٍ أُخْرَى، لِئَلَّا يَرُدَّ مَنْ يَسْأَلُهُ قَالَ الْحَافِظُ شِهَابُ الدِّينِ أَحْمَدُ بْنُ حَجَرٍ: وَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا.
وَقِيلَ: فَعَلَ ذَلِكَ لِتَخْفِيفِ الزِّحَامِ، وَقِيلَ: لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَقِفُ عَلَى الطُّرُقَاتِ فَأَرَادَ أَنْ يَشْهَدَ لَهُ فَرِيقَانِ مِنْهُمْ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ: هُوَ فِي مَعْنَى قَوْلِ يَعْقُوبَ لِبَنِيهِ {لا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ} [يوسف: 67] فَأَشَارَ إلَى أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ حَذَرًا مِنْ إصَابَةِ الْعَيْنِ، وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ لِجَمِيعِ مَا ذُكِرَ مِنْ الْأَشْيَاءِ الْمُحْتَمَلَةِ الْقَرِيبَةِ. انْتَهَى. قُلْت: فَعَلَى الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ: يَخْرُجُ لَنَا فِعْلُ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَقَدْ نَصَّ الْإِمَامُ أَحْمَدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَلَى اسْتِحْبَابِ ذَلِكَ فِي الْجُمُعَةِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: لَا يُسْتَحَبُّ. قَوْلُهُ (وَهَلْ مِنْ شَرْطِهَا: الِاسْتِيطَانُ، وَإِذْنُ الْإِمَامِ، وَالْعَدَدُ الْمُشْتَرَطُ لِلْجُمُعَةِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْحَاوِي، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْحَوَاشِي، وَشَرْحِ الْمَجْدِ، أَمَّا الِاسْتِيطَانُ وَالْعَدَدُ: فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُمَا يُشْتَرَطَانِ كَالْجُمُعَةِ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَالْآمِدِيُّ، وَأَكْثَرُنَا، قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ: يُشْتَرَطَانِ عَلَى الْأَصَحِّ قَالَ فِي الْوَسِيلَةِ: هَذَا أَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ وَصَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ وَنَصَرَهُ الشَّرِيفُ، وَأَبُو الْخَطَّابِ وَجَزَمَ بِهِ فِي تَذْكِرَةِ ابْنِ عَقِيلٍ، وَالْمُنَوِّرِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْهِدَايَةِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْفَائِقِ، وَمُخْتَصَرِ ابْنِ تَمِيمٍ وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَا يُشْتَرَطَانِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: اخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ. قُلْت: مِنْهُمْ الْمَجْدُ، وَصَاحِبُ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَنَظْمِهِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَنَظْمِ الْوَجِيزِ، وَصَحَّحَهُ فِي تَصْحِيحِ الْمُحَرَّرِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْكَافِي، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُحَرَّرِ، وَأَوْجَبَ فِي الْمُنْتَخَبِ صَلَاةَ الْعِيدِ بِدُونِ الْعَدَدِ الْمُشْتَرَطِ لِلْجُمُعَةِ
وَقَالَ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ: يُشْتَرَطُ الِاسْتِيطَانُ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يُشْتَرَطُ الِاسْتِيطَانُ، رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَذَكَرَ فِي اشْتِرَاطِ الْعَدَدِ الرِّوَايَتَيْنِ وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يَكْتَفِي بِاسْتِيطَانِ أَهْلِ الْبَادِيَةِ إذَا لَمْ نَعْتَبِرْ الْعَدَدَ، وَقَالَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ أَيْضًا: إذَا قُلْنَا بِاعْتِبَارِ الْعَدَدِ وَكَانَ فِي الْقَرْيَةِ أَقَلُّ مِنْهُ، وَإِلَى جَنْبِهِ مِصْرٌ أَوْ قَرْيَةٌ يُقَامُ فِيهَا الْعِيدُ لَزِمَهُمْ السَّعْيُ إلَيْهِ، قَرُبُوا أَوْ بَعُدُوا، لِأَنَّ الْعِيدَ لَا يَتَكَرَّرُ فَلَا يَشُقُّ إتْيَانُهُ، بِخِلَافِ الْجُمُعَةِ قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَفِيهِ نَظَرٌ، وَقَالَ الْمَجْدُ: لَيْسَتْ بِدُونِ اسْتِيطَانٍ وَعَدَدٍ سُنَّةً مُؤَكَّدَةً إجْمَاعًا، وَأَمَّا إذْنُ الْإِمَامِ: فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ وَالرِّوَايَتَيْنِ: أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ كَالْجُمُعَةِ، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: يُشْتَرَطُ إذْنُهُ قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ: يُشْتَرَطُ عَلَى الْأَصَحِّ وَقَدَّمَهُ فِي الْهِدَايَةِ هُنَا، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْفَائِقِ، وَالْقَاضِي أَبُو الْحُسَيْنِ، وَذَكَرَ فِي الْوَسِيلَةِ: أَنَّهُ أَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ وَنَصَرَهُ الشَّرِيفُ، وَأَبُو الْخَطَّابِ، مَعَ أَنَّ فِي الْهِدَايَةِ وَالْفَائِقِ قَدَّمَا فِي كِتَابِ الْجُمُعَةِ عَدَمَ اشْتِرَاطِ إذْنِ الْإِمَامِ فِي صَلَاةِ الْعِيدِ، وَقَدَّمَا فِي هَذَا الْبَابِ اشْتِرَاطَ إذْنِهِ. فَنَاقَضَا، وَأَطْلَقَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ هُنَا فِي إذْنِهِ الرِّوَايَتَيْنِ، مَعَ أَنَّهُمَا قَدَّمَا فِي الْجُمُعَةِ عَدَمَ الِاشْتِرَاطِ فَيَكُونُ الْخِلَافُ هُنَا أَقْوَى عِنْدَهُمْ فِي الِاشْتِرَاطِ، يُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ قَدَّمَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالْخُلَاصَةِ هُنَاكَ: عَدَمَ الِاشْتِرَاطِ، وَقَدَّمَا هُنَا الِاشْتِرَاطَ، قُلْت: وَهُوَ ضَعِيفٌ وَالظَّاهِرُ: أَنَّ مُرَادَ صَاحِبِ الرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِيَيْنِ: ذِكْرُ الْخِلَافَ، لَا إطْلَاقُهُ لِقُوَّتِهِ، وَجَعَلَهَا فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ فِي الشُّرُوطِ كَالْجُمُعَةِ قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: وَرِوَايَتَا إذْنِ الْإِمَامِ هُنَا فَرْعُ رِوَايَتَيْ الْجُمُعَةِ. وَتَحْرِيرُ الْمَذْهَبِ فِي ذَلِكَ: أَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي الْجُمُعَةِ، فَهُنَا أَوْلَى، وَإِنْ لَمْ نَعْتَبِرْهَا ثَمَّ
فَأَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ هُنَا: لَا يُعْتَبَرُ أَيْضًا. كَالْعَدَدِ وَالِاسْتِيطَانِ. انْتَهَى. قُلْت: الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْقَوْلَ بِاشْتِرَاطِهِمَا فِي الْجُمُعَةِ أَوْلَى مِنْ الْقَوْلِ بِالِاشْتِرَاطِ فِي الْعِيدِ فَعَلَى الْمَذْهَبِ يَفْعَلُهَا الْمُسَافِرُ وَالْعَبْدُ وَالْمَرْأَةُ وَالْمُنْفَرِدُ وَنَحْوُهُمْ تَبَعًا. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْضِيَهَا مِنْ فَاتَتْهُ كَمَا يَأْتِي وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لَا يُسْتَحَبُّ، وَعَلَى الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ: يَفْعَلُونَهَا أَصَالَةً. قَوْلُهُ (وَتُسَنُّ، فِي الصَّحْرَاءِ) وَهَذَا بِلَا نِزَاعٍ إلَّا مَا اُسْتُثْنِيَ عَلَى مَا يَأْتِي. (وَتُكْرَهُ فِي الْجَامِعِ إلَّا مِنْ عُذْرٍ) ، وَهَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَقِيلَ: لَا تُكْرَهُ فِيهِ مُطْلَقًا. تَنْبِيهٌ: يُسْتَثْنَى مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ أَطْلَقَ مَكَّةَ فَإِنَّ الْمَسْجِدَ فِيهَا أَفْضَلُ مِنْ الصَّحْرَاءِ قَطْعًا، ذَكَرَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ مَحَلُّ وِفَاقٍ، وَقَالَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ، وَغَيْرِهِمَا فَيُعَايَى بِهَا. فَائِدَةٌ: يَجُوزُ الِاسْتِخْلَافُ لِلضَّعَفَةِ مَنْ يُصَلِّي بِهِمْ فِي الْمَسْجِدِ، قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ، وَصَاحِبُ الْفَائِقِ: يُسْتَحَبُّ نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَالَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَصَاحِبُ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَغَيْرُهُمْ. وَيَخْطُبُ بِهِمْ إنْ شَاءَ وَإِنْ تَرَكُوهَا فَلَا بَأْسَ لَكِنَّ الْمُسْتَحَبَّ أَنْ يَخْطُبَ، وَلَهُمْ فِعْلُهَا قَبْلَ الْإِمَامِ وَبَعْدَهُ وَالْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ بَعْدَ صَلَاةِ الْإِمَامِ فَإِنْ خَالَفُوا وَفَعَلُوا: سَقَطَ الْفَرْضُ، وَجَازَتْ التَّضْحِيَةُ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَغَيْرِهِمْ، وَقَالَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ: إنْ صَلَّاهَا أَرْبَعًا لَمْ يُصَلِّهَا قَبْلَ مُسْتَخْلِفِهِ، لِأَنَّ تَقْيِيدَهُ يُظْهِرُ شِعَارَ الْيَوْمِ وَيَنْوِيهَا كَمَسْبُوقَةٍ نَفْلًا قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ، وَقَالَ: فَإِنْ نَوَوْهُ فَرْضَ كِفَايَةٍ أَوْ عَيْنٍ، وَصَلَّوْا السَّبْقَ، فَنَوَوْهُ فَرْضًا أَوْ سُنَّةً: فَوَجْهَانِ انْتَهَى
وَيُصَلِّي بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ كَصَلَاةِ الْخَلِيفَةِ قَدَّمَهُ فِي الْفَائِقِ. وَعَنْهُ أَرْبَعًا قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ وَابْنُ تَمِيمٍ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَفِي صِفَةِ صَلَاةِ الْخَلِيفَةِ الْخِلَافُ، لِاخْتِلَافِ الرِّوَايَةِ فِي صِفَةِ صَلَاةِ عَلِيٍّ وَأَبِي مَسْعُودٍ الْبَدْرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -. وَعَنْهُ رَكْعَتَيْنِ إنْ خَطَبَ، وَإِنْ لَمْ يَخْطُبْ فَأَرْبَعٌ. فَائِدَةٌ: يُبَاحُ لِلنِّسَاءِ حُضُورُهَا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَنْهُ يُسْتَحَبُّ اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ، وَالْمَجْدُ فِي غَيْرِ الْمُسْتَحْسَنَةِ، وَجَزَمَ بِالِاسْتِحْبَابِ فِي التَّلْخِيصِ، وَعَنْهُ يُكْرَهُ، وَعَنْهُ يُكْرَهُ لِلشَّابَّةِ دُونَ غَيْرِهَا قَالَ النَّاظِمُ: وَأَكْرَهُ لِخُرَّدٍ بِأَوْكَدَ، وَعَنْهُ لَا يُعْجِبُنِي، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: قَدْ يُقَالُ بِوُجُوبِهَا عَلَى النِّسَاءِ. قَوْلُهُ (فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، يُكَبِّرُ فِي الْأُولَى أَرْبَعًا، بَعْدَ الِاسْتِفْتَاحِ، وَقِيلَ التَّعَوُّذُ سِتًّا) هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَعَنْهُ يُكَبِّرُ سَبْعًا، وَعَنْهُ يُكَبِّرُ خَمْسًا، وَفِي الثَّانِيَةِ أَرْبَعًا كَمَا يَأْتِي، وَقَوْلُهُ (بَعْدَ الِاسْتِفْتَاحِ) وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ. وَعَنْهُ يَسْتَفْتِحُ بَعْدَ التَّكْبِيرَاتِ الزَّوَائِدِ اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ الْخَلَّالُ وَصَاحِبُهُ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَعَنْهُ يُخَيَّرُ بَيْنَ ذَلِكَ. قَوْلُهُ (وَفِي الثَّانِيَةِ بَعْدَ الْقِيَامِ مِنْ السُّجُودِ خَمْسًا) هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَتَقَدَّمَ رِوَايَةٌ: أَنَّهُ يُكَبِّرُ فِي الْأُولَى خَمْسًا، وَفِي الثَّانِيَةِ أَرْبَعًا. تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى وَالْأَمْصَارِ فِي هَذِهِ الصِّفَةِ عَلَى حَدٍّ
سَوَاءٌ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَعَنْهُ يُصَلِّي أَهْلُ الْقُرَى بِلَا تَكْبِيرٍ، وَنَقَلَ جَعْفَرٌ: يُصَلِّي أَهْلُ الْقُرَى أَرْبَعًا، إلَّا أَنْ يَخْطُبَ رَجُلٌ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ قَوْلُهُ (وَيَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، وَسُبْحَانَ اللَّهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا، وَصَلِّ اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ وَآلِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيمًا، وَإِنْ أَحَبَّ قَالَ غَيْرَ ذَلِكَ) هَكَذَا قَالَ كَثِيرٌ مِنْ الْأَصْحَابِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الذِّكْرَ بَيْنَ التَّكْبِيرِ غَيْرُ مَخْصُوصٍ بِذِكْرٍ، نَقَلَهُ حَرْبٌ عَنْهُ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ " يَحْمَدُ وَيُكَبِّرُ وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " وَعَنْهُ يَقُولُ ذَلِكَ وَيَدْعُو، وَعَنْهُ " يُسَبِّحُ وَيُهَلِّلُ " وَعَنْهُ " يَذْكُرُ وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " وَعَنْهُ " يَدْعُو وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " كُلُّ ذَلِكَ قَدْ وَرَدَ عَنْهُ، فَلِذَلِكَ قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَإِنْ أَحَبَّ قَالَ غَيْرَ ذَلِكَ. فَائِدَةٌ: يَأْتِي بِالذِّكْرِ أَيْضًا بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الْأَخِيرَةِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْوَجْهَيْنِ قَالَ الْمَجْدُ وَهُوَ أَصَحُّ الْوَجْهَيْنِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي الْخَطَّابِ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَأْتِي بِهِ، قَالَهُ الْقَاضِي، وَابْنُهُ أَبُو الْحُسَيْنِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفَائِقِ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ: وَبِقَوْلِهِ فِي وَجْهٍ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْمُغْنِي وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُمْ قَالُوا: يَأْتِي بِالذِّكْرِ بَيْنَ تَكْبِيرَتَيْنِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَابْنِ تَمِيمٍ. قَوْلُهُ (ثُمَّ يَقْرَأُ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ فِي الْأُولَى بِسَبِّحْ، وَفِي الثَّانِيَةِ بِالْغَاشِيَةِ) هَذَا الْمَذْهَبُ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَعَنْهُ يَقْرَأُ فِي الْأُولَى بِ " ق "، وَفِي الثَّانِيَةِ بِ " اقْتَرَبَتْ " اخْتَارَهَا الْآجُرِّيُّ، وَعَنْهُ يَقْرَأُ فِي الثَّانِيَةِ بِالْفَجْرِ. وَعَنْهُ لَا تَوْقِيتَ اخْتَارَهَا الْخِرَقِيُّ.
قَوْلُهُ (وَتَكُونُ بَعْدَ التَّكْبِيرِ) يَعْنِي الْقِرَاءَةَ تَكُونُ بَعْدَ التَّكْبِيرِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَنَصَرُوهُ. وَعَنْهُ يُوَالِي بِالْقِرَاءَتَيْنِ اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، فَتَكُونُ الْقِرَاءَةُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ عَقِبَ الْقِيَامِ، وَعَنْهُ يُخَيَّرُ، قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُ. تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ (فَإِذَا سَلَّمَ خَطَبَ خُطْبَتَيْنِ يَجْلِسُ بَيْنَهُمَا) صَرَّحَ بِأَنَّ الْخُطْبَةَ بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَهُوَ كَذَلِكَ فَلَوْ خَطَبَ قَبْلَهَا لَمْ يَعْتَدَّ بِهَا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَذَكَرَهُ الْمَجْدُ قَوْلَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَذَكَرَ أَبُو الْمَعَالِي وَجْهَيْنِ. فَائِدَةٌ: خُطْبَةُ الْعِيدَيْنِ فِي أَحْكَامِهَا كَخُطْبَةِ الْجُمُعَةِ فِي أَحْكَامِهَا غَيْرُ التَّكْبِيرِ مَعَ الْخَطِيبِ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ نَصَّ عَلَيْهِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ: عَلَى الْأَصَحِّ، زَادَ فِي الرِّعَايَةِ: وَقَدَّمَهُ فِي الْفَائِقِ حَتَّى فِي أَحْكَامِ الْكَلَامِ، عَلَى الْأَصَحِّ، حَتَّى قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: إذَا لَمْ يَسْمَعْ الْخَطِيبُ فِي الْعِيدِ إنْ شَاءَ رَدَّ السَّلَامَ وَشَمَّتَ الْعَاطِسَ، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَفْعَلْ، وَقَدَّمَهُ فِي الْحَاوِيَيْنِ إلَّا فِي الْكَلَامِ قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَهِيَ فِي الْإِنْصَاتِ وَالْمَنْعِ مِنْ الْكَلَامِ كَخُطْبَةِ الْجُمُعَةِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ لَا بَأْسَ بِالْكَلَامِ فِيهِمَا بِخِلَافِ الْجُمُعَةِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْحَاوِيَيْنِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فِي تَحْرِيمِ الْكَلَامِ رِوَايَتَانِ، إمَّا كَالْجُمُعَةِ، أَوْ لِأَنَّ خُطْبَتَهَا مَقَامُ رَكْعَتَيْنِ بِخِلَافِ الْعِيدِ، وَاسْتَثْنَى جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ أَنَّهَا تُفَارِقُ الْجُمُعَةَ فِي الطَّهَارَةِ، وَاتِّحَادِ الْإِمَامِ وَالْقِيَامِ، وَالْجِلْسَةِ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ، وَالْعَدَدِ، لِكَوْنِهَا سُنَّةً لَا شَرْطَ لِلصَّلَاةِ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: وَتُفَارِقُ خُطْبَةُ الْعِيدِ خُطْبَةَ الْجُمُعَةِ فِي سِتَّةِ أَشْيَاءَ: فَلَا تَجِبُ هُنَا الطَّهَارَةُ، وَلَا اتِّحَادُ الْإِمَامِ، وَلَا الْقِيَامُ، وَلَا الْجِلْسَةُ هُنَا، قَوْلًا وَاحِدًا بِخِلَافِ الْجُمُعَةِ فِي وَجْهٍ، وَلَا يُعْتَبَرُ لَهَا الْعَدَدُ، وَإِنْ اعْتَبَرْنَاهُ لِلصَّلَاةِ، بِخِلَافِ الْجُمُعَةِ، وَلَا يَجْلِسُ عَقِيبَ صُعُودِهِ لِلْخُطْبَةِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، لِعَدَمِ انْتِظَارِ فَرَاغِ الْأَذَانِ هُنَا. انْتَهَى
وَاسْتَثْنَى ابْنُ تَمِيمٍ، وَالنَّاظِمُ، وَصَاحِبُ الْفَائِقِ، وَالْحَوَاشِي: الْأَرْبَعَةَ الْأُوَلَ. وَأَطْلَقَ ابْنُ تَمِيمٍ وَابْنُ حَمْدَانَ فِي الْكُبْرَى وَجْهَيْنِ فِي اعْتِبَارِ الْعَدَدِ لِلْخُطْبَةِ، إنْ اعْتَبَرْنَاهُ فِي الصَّلَاةِ وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يَجْلِسُ إذَا صَعِدَ الْمِنْبَرَ لِيَسْتَرِيحَ نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْكَافِي (وَالْمُغْنِي وَالشَّرْحِ) وَالْفَائِقِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ وَغَيْرِهِمْ. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: الْمَنْصُوصُ أَنَّهُ يَجْلِسُ (صَحَّحَهُ فِي الْفُصُولِ) قَالَ الْمَجْدُ: الْأَظْهَرُ أَنَّهُ يَجْلِسُ لَيَسْتَرِيحَ وَيَتَرَادَّ نَفَسُهُ إلَيْهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَاخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ، وَقِيلَ: لَا يَجْلِسُ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْحَاوِيَيْنِ، قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ، وَقَالَ الْمَجْدُ أَيْضًا: وَيُفَارِقُهَا أَيْضًا فِي تَأْخِيرِهَا عَنْ الصَّلَاةِ وَاسْتِفْتَاحِهَا بِالتَّكْبِيرِ، وَبَيَانِ الْفِطْرَةِ وَالْأُضْحِيَّةِ، وَأَنَّهُ لَا يَجِبُ الْإِنْصَاتُ لَهَا، بَلْ يُسْتَحَبُّ، وَقَالَ فِي النَّصِيحَةِ: إذَا اسْتَقْبَلَهُمْ سَلَّمَ وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ. قَوْلُهُ (يَسْتَفْتِحُ الْأُولَى بِتِسْعِ تَكْبِيرَاتٍ) الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ افْتِتَاحَهَا يَكُونُ بِالتَّكْبِيرِ، وَتَكُونُ التَّكْبِيرَاتُ مُتَوَالِيَةً نَسَقًا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقَالَ الْقَاضِي: إنْ هَلَّلَ بَيْنَهُمَا أَوْ ذَكَرَ فَحَسَنٌ، وَالنَّسَقُ أَوْلَى، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: جَازَ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ تَكُونُ التَّكْبِيرَاتُ وَهُوَ جَالِسٌ، وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَقُولُهَا وَهُوَ قَائِمٌ. قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ، وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا وَغَيْرِهِ. حَيْثُ جَعَلَ التَّكْبِيرَ مِنْ الْخُطْبَةِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ بَعْدَ ذِكْرِ هَذَا الْوَجْهِ فَلَا جِلْسَةَ لِيَسْتَرِيحَ إذَا صَعِدَ، لِعَدَمِ الْأَذَانِ هُنَا، بِخِلَافِ الْجُمُعَةِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الرِّعَايَةِ وَالْفَائِقِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَابْنُ تَمِيمٍ وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ افْتِتَاحَ خُطْبَةِ الْعِيدِ بِالْحَمْدِ قَالَ: لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ النَّبِيِّ
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ افْتَتَحَ خُطْبَةً بِغَيْرِهِ، وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ فَهُوَ أَجْذَمُ» . انْتَهَى. قَوْلُهُ (وَالثَّانِيَةُ بِتِسْعٍ) الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ مَحَلَّ التَّكْبِيرِ فِي الْخُطْبَةِ الثَّانِيَةِ فِي أَوَّلِهَا، وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ. وَعَنْهُ مَحَلُّهُ فِي آخِرِهَا اخْتَارَهُ الْقَاضِي. فَائِدَةٌ: هَذِهِ التَّكْبِيرَاتُ الَّتِي فِي الْخُطْبَةِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ: سُنَّةٌ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: شَرْطٌ. قَوْلُهُ (وَالتَّكْبِيرَاتُ الزَّوَائِدُ، وَالذِّكْرُ بَيْنَهُمَا سُنَّةٌ) . يَعْنِي تَكْبِيرَاتِ الصَّلَاةِ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَعَنْهُ هُمَا شَرْطٌ اخْتَارَهُ الشَّيْخُ أَبُو الْفَرَجِ الشِّيرَازِيُّ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَهُوَ بَعِيدٌ، وَقَالَ فِي الرَّوْضَةِ: إنْ تَرَكَ التَّكْبِيرَاتِ الزَّوَائِدَ عَامِدًا أَثِمَ، وَلَمْ تَبْطُلْ، وَسَاهِيًا لَا يَلْزَمُهُ سُجُودٌ؛ لِأَنَّهُ هَيْئَةٌ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ، وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ: وَعَلَى الْأَوْلَى إنْ تَرَكَهُ سَهْوًا، فَهَلْ يُشْرَعُ لَهُ السُّجُودُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. قَوْلُهُ (وَالْخُطْبَتَانِ سُنَّةٌ) هَذَا الْمَذْهَبُ بِلَا رَيْبٍ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَقِيلَ: هُمَا شَرْطٌ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي التَّذْكِرَةِ: هُمَا مِنْ شَرَائِطِ صَلَاةِ الْعِيدِ. قَوْلُهُ (وَلَا يَتَنَفَّلُ قَبْلَ الصَّلَاةِ وَلَا بَعْدَهَا فِي مَوْضِعِهَا) الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: كَرَاهَةُ التَّنَفُّلِ قَبْلَ صَلَاةِ الْعِيدِ وَبَعْدَهَا فِي مَوْضِعِهَا قَالَ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ: هَذَا الْمَذْهَبُ، وَكَذَا قَالَ فِي النُّكَتِ، وَقَالَ: هَذَا مَعْنَى كَلَامِ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ. انْتَهَى. وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ. وَنَصَّ عَلَيْهِ، وَنَقَلَ الْجَمَاعَةُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ لَا يُصَلِّي، وَقَالَ فِي الْمُوجِزِ: لَا يَجُوزُ، وَقَالَ صَاحِبُ الْمُسْتَوْعِبِ،
وَابْنُ رَزِينٍ، وَغَيْرُهُمَا: لَا يُسَنُّ. وَقَالَ فِي النَّصِيحَةِ: لَا يَنْبَغِي، وَقَدَّمَ فِي الْفُرُوعِ أَنَّ تَرْكَهُ أَوْلَى، وَقِيلَ: يُصَلِّي تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ اخْتَارَهُ أَبُو الْفَرَجِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْغُنْيَةِ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ أَظْهَرُ وَرَجَّحَهُ فِي النُّكَتِ، وَنَصُّهُ: لَا يُصَلِّيهَا، وَقَالَ: تَجُوزُ التَّحِيَّةُ قَبْلَ صَلَاةِ الْعِيدِ لَا بَعْدَهَا، وَهُوَ احْتِمَالٌ لِابْنِ الْجَوْزِيِّ قَالَ فِي تَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ: الْأَظْهَرُ عِنْدِي: يَأْتِي بِتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ قَبْلَهَا. قَالَ فِي الْفَائِقِ: فَلَوْ أَدْرَكَ الْإِمَامُ يَخْطُبُ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ: لَمْ يُصَلِّ التَّحِيَّةَ عِنْدَ الْقَاضِي، وَخَالَفَهُ الشَّيْخُ يَعْنِي بِهِ الْمُصَنِّفَ قُلْت: وَقَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الشَّرْحِ، وَابْنُ حَمْدَانَ، وَقَالَ فِي الْمُحَرَّرِ: وَلَا سُنَّةَ لِصَلَاةِ الْعِيدِ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ. تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ قَوْلِهِ (فِي مَوْضِعِهَا) جَوَازُ فِعْلِهَا فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ، وَهُوَ صَحِيحٌ وَهُوَ الْمَذْهَبُ وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، وَقَالَ فِي النَّصِيحَةِ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يُصَلِّيَ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ. لَا فِي بَيْتِهِ وَلَا فِي طَرِيقِهِ، اتِّبَاعًا لِلسُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ. فَائِدَةٌ: كَرِهَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ قَضَاءَ الْفَائِتَةِ فِي مَوْضِعِ صَلَاةِ الْعِيدِ فِي هَذَا الْوَقْتِ، لِئَلَّا يَقْتَدِيَ بِهِ. قَوْلُهُ (وَمَنْ كَبَّرَ قَبْلَ سَلَامِ الْإِمَامِ صَلَّى مَا فَاتَهُ عَلَى صِفَتِهِ) هَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. وَقَالَ الْقَاضِي: هُوَ كَمَنْ فَاتَتْهُ الْجُمُعَةُ، لَا فَرْقَ فِي التَّحْقِيقِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى الْفَرْقِ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ فَيَمْتَنِعُ الْإِلْحَاقُ، وَقَالَ الْقَاضِي أَيْضًا: يُصَلِّي أَرْبَعًا، إذَا قُلْنَا: يَقْضِي مَنْ فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ أَرْبَعًا. فَوَائِدُ. إحْدَاهَا: يُكَبِّرُ الْمَسْبُوقُ فِي الْقَضَاءِ بِمَذْهَبِهِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: بِمَذْهَبِ إمَامِهِ
الثَّانِيَةُ: لَوْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ قَائِمًا، بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ التَّكْبِيرَاتِ أَوْ بَعْضِهَا، أَوْ ذَكَرَهَا قَبْلَ الرُّكُوعِ: لَمْ يَأْتِ بِهَا مُطْلَقًا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي الْمَسْبُوقِ وَكَمَا لَوْ أَدْرَكَهُ رَاكِعًا نَصَّ عَلَيْهِ قَالَ جَمَاعَةٌ: كَالْقِرَاءَةِ وَأَوْلَى؛ لِأَنَّهَا رُكْنٌ، قَالَ الْأَصْحَابُ: أَوْ ذَكَرَهُ فِيهِ، وَقِيلَ: يَأْتِي بِهِ. وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَعَنْ أَحْمَدَ: إنْ سَمِعَ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ لَمْ يُكَبِّرْ، وَإِلَّا كَبَّرَ قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَاخْتَارَهُ بَعْضُ الْأَصْحَابِ. الثَّالِثَةُ: لَوْ نَسِيَ التَّكْبِيرَ حَتَّى رَكَعَ: سَقَطَ، وَلَا يَأْتِي بِهِ فِي رُكُوعِهِ، وَإِنْ ذَكَرَهُ قَبْلَ الرُّكُوعِ فِي الْقِرَاءَةِ أَوْ بَعْدَهَا: لَمْ يَأْتِ بِهِ، عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ، كَمَا تَقَدَّمَ فَإِنْ كَانَ قَدْ فَرَغَ مِنْ الْقِرَاءَةِ، لَمْ يَعُدَّهَا، وَإِنْ كَانَ فِيهَا أَتَى بِهِ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ الْقِرَاءَةَ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَقِيلَ: لَا يُسْتَأْنَفُ إنْ كَانَ يَسِيرًا، وَأَطْلَقَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ. قَوْلُهُ (وَإِنْ فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ اُسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يَقْضِيَهَا) يَعْنِي مَتَى شَاءَ، قَبْلَ الزَّوَالِ وَبَعْدَهُ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يَقْضِيهَا قَبْلَ الزَّوَالِ، وَإِلَّا قَضَاهَا مِنْ الْغَدِ. قَوْلُهُ (عَلَى صِفَتِهَا) هَذَا الْمَذْهَبُ، اخْتَارَهُ الْجُوزَجَانِيُّ، وَأَبُو بَكْرٍ بْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ وَغَيْرِهِمْ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُغْنِي [وَالْمُنْتَخَبِ] وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالشَّرْحِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالنَّظْمِ، وَالْفَائِقِ، وَالنِّهَايَةِ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ، وَغَيْرِهِمْ قَالَ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ: هَذَا أَقْيَسُ قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: هَذَا أَشْهَرُ الرِّوَايَاتِ، وَعَنْهُ يَقْضِيهَا أَرْبَعًا بِلَا تَكْبِيرٍ، وَيَكُونُ بِسَلَامٍ، قَالَ فِي التَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ: كَالظُّهْرِ،
وَعَنْهُ يَقْضِيهَا أَرْبَعًا بِلَا تَكْبِيرٍ أَيْضًا بِسَلَامٍ، أَوْ سَلَامَيْنِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هَذِهِ الْمَشْهُورَةُ مِنْ الرِّوَايَاتِ. اخْتَارَهَا الْخِرَقِيُّ، وَالْقَاضِي، وَالشَّرِيفُ، وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي خِلَافَتِهِمْ، وَأَبُو بَكْرٍ فِيمَا حَكَاهُ عَنْهُ الْقَاضِي وَالشَّرِيفُ. وَقَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ الْبَنَّا فِي الْعُقُودِ، وَعَنْهُ يُخَيَّرُ بَيْنَ رَكْعَتَيْنِ وَأَرْبَعٍ، وَعَنْهُ يُخَيَّرُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَتَرْكِهِ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَعَنْهُ يُخَيَّرُ بَيْنَ رَكْعَتَيْنِ بِتَكْبِيرٍ وَغَيْرِهِ، وَقِيلَ: بَلْ كَالْفَجْرِ، وَبَيْنَ أَرْبَعٍ بِسَلَامٍ أَوْ سَلَامَيْنِ، وَبَيْنَ التَّكْبِيرِ الزَّائِدِ. وَعَنْهُ لَا يُكَبِّرُ الْمُنْفَرِدُ، وَعَنْهُ وَلَا غَيْرُهُ، بَلْ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ كَالنَّافِلَةِ، وَخَيَّرَهُ فِي الْمُغْنِي بَيْنَ الصَّلَاةِ أَرْبَعًا، إمَّا بِسَلَامٍ وَاحِدٍ وَإِمَّا بِسَلَامَيْنِ، وَبَيْنَ الصَّلَاةِ رَكْعَتَيْنِ كَصَلَاةِ التَّطَوُّعِ، وَبَيْنَ الصَّلَاةِ عَلَى صِفَتِهَا، وَقَالَ فِي الْعُمْدَةِ: فَإِنْ أَحَبَّ صَلَّاهَا تَطَوُّعًا، إنْ شَاءَ رَكْعَتَيْنِ، وَإِنْ شَاءَ أَرْبَعًا، وَإِنْ شَاءَ صَلَّاهَا عَلَى صِفَتِهَا، وَقَالَ فِي الْإِفَادَاتِ: قَضَاهَا عَلَى صِفَتِهَا، أَوْ أَرْبَعًا سَرْدًا أَوْ بِسَلَامَيْنِ، وَأَطْلَقَ رِوَايَةً: الْقَضَاءُ عَلَى صِفَتِهَا، أَوْ أَرْبَعًا، أَوَالتَّخْيِيرُ بَيْنَ أَرْبَعٍ وَرَكْعَتَيْنِ: فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، وَالْهِدَايَةِ، وَالْمُبْهِجِ، وَالْإِيضَاحِ، وَالْفُصُولِ، وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَقِيلٍ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْكَافِي، وَالتَّلْخِيصِ، وَابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرِهِمْ. فَائِدَةٌ: لَوْ خَرَجَ وَقْتُهَا وَلَمْ يُصَلِّهَا: فَحُكْمُهَا حُكْمُ السُّنَنِ الرَّوَاتِبِ فِي الْقَضَاءِ، قَالَهُ الْأَصْحَابُ. قَالَ فِي الْفُصُولِ وَغَيْرِهِ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَجْمَعَ أَهْلَهُ وَيُصَلِّيهَا جَمَاعَةً فَعَلَهُ أَنَسٌ. قَوْلُهُ (وَيُسَنُّ التَّكْبِيرُ فِي لَيْلَتَيْ الْعِيدَيْنِ) أَمَّا لَيْلَةُ عِيدِ الْفِطْرِ: فَيُسَنُّ التَّكْبِيرُ فِيهَا بِلَا نِزَاعٍ أَعْلَمُهُ وَنَصَّ عَلَيْهِ، وَيُسْتَحَبُّ أَيْضًا: أَنْ يُكَبِّرَ مِنْ الْخُرُوجِ إلَيْهَا إلَى فَرَاغِ الْخُطْبَةِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ مِنْهُمْ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ.
وَعَنْهُ إلَى خُرُوجِ الْإِمَامِ إلَى صَلَاةِ الْعِيدِ، وَقِيلَ: إلَى سَلَامِهِ. وَعَنْهُ إلَى وُصُولِ الْمُصَلِّي إلَى الْمُصَلَّى، وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ الْإِمَامُ. فَائِدَتَانِ. إحْدَاهُمَا: لَا يُسَنُّ التَّكْبِيرُ عَقِيبَ الْمَكْتُوبَاتِ الثَّلَاثِ فِي لَيْلَةِ عِيدِ الْفِطْرِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَا يُكَبِّرُ عَقِيبَ الْمَكْتُوبَةِ فِي الْأَشْهَرِ وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ، وَقِيلَ: يُكَبِّرُ عَقِيبَهَا، وَهُوَ وَجْهٌ ذَكَرَهُ ابْنُ حَامِدٍ، وَغَيْرُهُ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَالْحَاوِيَيْنِ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى قَالَ فِي الْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ: وَهُوَ عَقِيبُ الْفَرَائِضِ أَشَدُّ اسْتِحْبَابًا، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. الثَّانِيَةُ: يَجْهَرُ بِالتَّكْبِيرِ فِي الْخُرُوجِ إلَى الْمُصَلَّى فِي عِيدِ الْفِطْرِ خَاصَّةً وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ، وَعَنْهُ يُظْهِرُهُ فِي الْأَضْحَى أَيْضًا. جَزَمَ بِهِ فِي النَّظْمِ وَقَدَّمَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ وَنَصَرَهُ، وَأَمَّا صَاحِبُ الْفُرُوعِ، فَقَالَ فِيهِ: وَيُكَبِّرُ فِي خُرُوجِهِ إلَى الْمُصَلَّى، وَأَمَّا التَّكْبِيرُ فِي لَيْلَةِ عِيدِ الْأَضْحَى: فَيُسَنُّ فِيهَا التَّكْبِيرُ الْمُطْلَقُ بِلَا نِزَاعٍ، وَفِي الْعَشْرِ كُلِّهِ لَا غَيْرُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَقِيلَ: يُسَنُّ الْمُطْلَقُ مِنْ أَوَّلِ الْعَشْرِ إلَى آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ. جَزَمَ بِهِ فِي الْغُنْيَةِ، وَالْكَافِي، وَغَيْرِهِمَا. فَائِدَتَانِ. إحْدَاهُمَا: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالتَّكْبِيرِ. الثَّانِيَةُ: التَّكْبِيرُ فِي لَيْلَةِ الْفِطْرِ آكَدُ مِنْ التَّكْبِيرِ فِي لَيْلَةِ الْأَضْحَى، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ.
وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي الْفَتَاوَى الْمِصْرِيَّةِ، أَنَّ التَّكْبِيرَ فِي عِيدِ الْأَضْحَى آكَدُ، وَنَصَرَهُ بِأَدِلَّةٍ كَثِيرَةٍ، وَقَالَ فِي النُّكَتِ: التَّكْبِيرُ لَيْلَةَ الْفِطْرِ آكَدُ مِنْ جِهَةِ أَمْرِ اللَّهِ بِهِ، وَالتَّكْبِيرُ فِي عِيدِ النَّحْرِ آكَدُ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ يُشْرَعُ أَدْبَارَ الصَّلَوَاتِ، وَأَنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ (وَفِي الْأَضْحَى يُكَبِّرُ عَقِيبَ كُلِّ فَرِيضَةٍ فِي جَمَاعَةٍ) هَذَا الْمَذْهَبُ. يَعْنِي أَنَّهُ لَا يُكَبِّرُ إلَّا إذَا كَانَ فِي جَمَاعَةٍ جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ وَقَدَّمَهُ الْخِرَقِيُّ، وَالْفُرُوعُ، وَالنَّظْمُ، وَالْحَوَاشِي، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ رَزِينٍ. وَنَصَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَقَالَ: هُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: هَذَا أَقْوَى الرِّوَايَتَيْنِ قَالَ فِي تَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ: عَلَى الْأَظْهَرِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: الْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يُكَبِّرُ وَحْدَهُ، وَهِيَ اخْتِيَارُ أَبِي حَفْصٍ، وَالْقَاضِي، وَعَامَّةِ أَصْحَابِهِ. انْتَهَى، وَعَنْهُ أَنَّهُ يُكَبِّرُ، وَإِنْ كَانَ وَحْدَهُ قَالَ فِي الْإِفَادَاتِ: وَيُكَبِّرُ بَعْدَ الْفَرْضِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْبُلْغَةِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ أَبِي مُوسَى، وَصَحَّحَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَقَدَّمَهُ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْكَافِي، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْمَجْدِ فِي شَرْحِهِ. . تَنْبِيهٌ: مَفْهُومُ قَوْلِهِ " عَقِيبَ كُلِّ فَرِيضَةٍ " أَنَّهُ لَا يُكَبِّرُ عَقِيبَ النَّوَافِلِ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَغَيْرِهِ: لَا يُكَبِّرُ رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَقَالَ الْآجُرِّيُّ مِنْ أَئِمَّةِ أَصْحَابِنَا: يُكَبِّرُ عَقِيبَهَا. قَوْلُهُ (مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ) هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَعَنْهُ هُوَ كَالْمُحْرِمِ، عَلَى مَا يَأْتِي، وَعَنْهُ يُكَبِّرُ مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ يَوْمَ النَّحْرِ قَوْلُهُ (إلَّا الْمُحْرِمَ فَإِنَّهُ يُكَبِّرُ مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ يَوْمَ النَّحْرِ) وَآخِرُهُ كَالْمَحَلِّ، وَهُوَ إلَى الْعَصْرِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ
وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، وَعَنْهُ يَنْتَهِي تَكْبِيرُ الْمُحْرِمِ صُبْحَ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ. اخْتَارَهُ الْآجُرِّيُّ، وَأَمَّا الْمَحَلُّ: فَلَا أَعْلَمُ فِيهِ نِزَاعًا أَنَّ آخِرَهُ إلَى الْعَصْرِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ. تَنْبِيهٌ: قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: لَوْ رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ قَبْلَ الْفَجْرِ، فَمَفْهُومُ كَلَامِ أَصْحَابِنَا: يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا فَرْقَ، حَمْلًا عَلَى الْغَالِبِ وَالْمَنْصُوصُ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّهُ يَبْدَأُ بِالتَّكْبِيرِ ثُمَّ يُلَبِّي. إذْ التَّلْبِيَةُ قَدْ خَرَجَ وَقْتُهَا الْمُسْتَحَبُّ، وَهُوَ الرَّمْيُ ضُحًى فَلِذَلِكَ قَدَّمَ التَّكْبِيرَ عَلَيْهَا. انْتَهَى، قُلْت: فَيُعَايَى بِهَا. فَوَائِدُ. الْأُولَى: يُكَبِّرُ الْإِمَامُ إذَا سَلَّمَ مِنْ الصَّلَاةِ، وَهُوَ مُسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةِ، عَلَى ظَاهِرِ مَا نَقَلَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْهُ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَالْفَائِقِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ وَابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَالْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالْأَشْهَرُ فِي الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يُكَبِّرُ مُسْتَقْبِلَ النَّاسِ. قَالَ فِي تَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ: هُوَ الْأَظْهَرُ وَجَزَمَ بِهِ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَالْحَوَاشِي، وَقِيلَ: يُخَيَّرُ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ احْتِمَالٌ فِي الشَّرْحِ. وَقِيلَ: يُكَبِّرُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، وَيُكَبِّرُ أَيْضًا مُسْتَقْبِلَ النَّاسِ. الثَّانِيَةُ: لَوْ قَضَى صَلَاةً مَكْتُوبَةً فِي أَيَّامِ التَّكْبِيرِ، وَالْمَقْضِيَّةُ مِنْ غَيْرِ أَيَّامِ التَّكْبِيرِ كَبَّرَ لَهَا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ جَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ، وَعَنْهُ لَا يُكَبِّرُ قَالَ الْمَجْدُ: الْأَقْوَى عِنْدِي أَنَّهُ لَا يُكَبِّرُ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ [الْكُبْرَى وَجَزَمَ بِهِ فِي الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ، قُلْت: وَالنَّفْسُ تَمِيلُ إلَيْهِ] وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَلَوْ قَضَاهَا فِي أَيَّامِ التَّكْبِيرِ وَالْمَقْضِيَّةُ مِنْ أَيَّامِ التَّكْبِيرِ أَيْضًا كَبَّرَ لَهَا، عَلَى
الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ جَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَابْنُ رَزِينٍ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَقَيَّدَهُ بِأَنْ يَقْضِيَهَا فِي تِلْكَ السَّنَةِ، وَكَذَا فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَقَالَ وَقِيلَ: مَا فَاتَتْهُ صَلَاةٌ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فَقَضَاهَا فِيهَا، فَهِيَ كَالْمُؤَدَّاةِ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فِي التَّكْبِيرِ وَعَدَمِهِ، وَقَالَ [فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ: حُكْمُهَا حُكْمُ الْمُؤَدَّاةِ فِي التَّكْبِيرِ؛ لِأَنَّهَا صَلَاةٌ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَقَالَ] فِي الْفُرُوعِ: يُكَبِّرُ، وَقِيلَ: فِي حُكْمِ الْمَقْضِيِّ كَالصَّلَاةِ، وَقِيلَ: لَا؛ لِأَنَّهُ تَعْظِيمٌ لِلزَّمَانِ. انْتَهَى. وَلَوْ قَضَاهَا بَعْدَ أَيَّامِ التَّكْبِيرِ: لَمْ يُكَبِّرْ لَهَا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَقَطَعَ بِهِ الْأَكْثَرُ؛ لِأَنَّهَا سُنَّةٌ فَاتَ مَحَلُّهَا، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: هَذَا التَّعْلِيلُ بَاطِلٌ بِالسُّنَنِ الرَّوَاتِبِ فَإِنَّهَا تُقْضَى مَعَ الْفَرَائِضِ أَشْبَهَ التَّلْبِيَةَ، وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَإِنْ قَضَاهَا فِي غَيْرِهَا فَهَلْ يُكَبِّرُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. الثَّالِثَةُ: تُكَبِّرُ الْمَرْأَةُ كَالرَّجُلِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، مَعَ الرِّجَالِ وَمُنْفَرِدَةً لَكِنْ لَا تَجْهَرُ بِهِ، وَتَأْتِي بِهِ كَالذِّكْرِ عَقِيبَ الصَّلَاةِ، وَعَنْهُ لَا تُكَبِّرُ كَالْأَذَانِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي التَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَعَنْهُ تُكَبِّرُ تَبَعًا لِلرِّجَالِ فَقَطْ وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْ الْأَصْحَابِ قَالَ فِي النُّكَتِ: هَذَا الْمَشْهُورُ، وَفِي تَكْبِيرِهَا إذَا لَمْ تُصَلِّ مَعَهُمْ رِوَايَتَانِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَقَالَ فِي التَّرْغِيبِ: هَلْ يُسَنُّ لَهَا التَّكْبِيرُ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ الرَّابِعَةُ: الْمُسَافِرُ كَالْمُقِيمِ فِيمَا ذَكَرْنَا. قَوْلُهُ (وَإِنْ نَسِيَ التَّكْبِيرَ قَضَاهُ) ، وَهَذَا بِلَا نِزَاعٍ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ فَيَقْضِيهِ فِي الْمَكَانِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ فَإِنْ قَامَ مِنْهُ أَوْ ذَهَبَ عَادَ وَجَلَسَ وَقَضَاهُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: جَلَسَ جِلْسَةَ التَّشَهُّدِ، وَقِيلَ: لَهُ قَضَاؤُهُ مَاشِيًا وَجَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ.
قَوْلُهُ (مَا لَمْ يُحْدِثْ، أَوْ يَخْرُجُ مِنْ الْمَسْجِدِ فَإِذَا أَحْدَثَ، أَوْ خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ: لَمْ يُكَبِّرْ) عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ فِي التَّلْخِيصِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ وَغَيْرِهِمْ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَالْمُغْنِي، وَقِيلَ: يُكَبِّرُ قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ، وَقَالَ فِي الْكَافِي: فَإِنْ أَحْدَثَ قَبْلَ التَّكْبِيرِ لَمْ يُكَبِّرْ، وَإِنْ نَسِيَ التَّكْبِيرَ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَكَبَّرَ، مَا لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الْمَسْجِدِ. انْتَهَى. وَقِيلَ: إنْ نَسِيَهُ حَتَّى خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ كَبَّرَ، وَهُوَ احْتِمَالٌ فِي الرِّعَايَةِ، وَزَادَ: وَإِنْ بَعُدَ. تَنْبِيهَانِ. أَحَدُهُمَا: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: أَنَّهُ يُكَبِّرُ إذَا لَمْ يُحْدِثْ، وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ الْمَسْجِدِ وَلَوْ تَكَلَّمَ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَقِيلَ: لَا يُكَبِّرُ إذَا تَكَلَّمَ اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي تَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ، الثَّانِي: ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَيْضًا: أَنَّهُ يُكَبِّرُ إذَا لَمْ يُحْدِثْ، وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ الْمَسْجِدِ وَلَوْ طَالَ الْفَصْلُ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ مِنْ الْأَصْحَابِ، قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَجَعَلَ الْقَوْلَ بِهِ تَوْجِيهَ احْتِمَالٍ وَتَخْرِيجٍ مِنْ عِنْدِهِ. قُلْت: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تُشْبِهُ مَا إذَا نَسِيَ سُجُودَ السَّهْوِ قَبْلَ السَّلَامِ فَإِنَّ لَنَا قَوْلًا يَقْضِيهِ، وَلَوْ طَالَ الْفَصْلُ وَخَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، كَمَا تَقَدَّمَ وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ لَا يَقْضِيهِ إذَا طَالَ الْفَصْلُ، سَوَاءٌ خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ أَوْ لَا وَقَطَعَ بِهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ فَائِدَةٌ: يُكَبِّرُ الْمَأْمُومُ إذَا نَسِيَهُ الْإِمَامُ، وَيُكَبِّرُ الْمَسْبُوقُ إذَا كَمَّلَ وَسَلَّمَ. نَصَّ
عَلَيْهِ وَيُكَبِّرُ مَنْ لَمْ يَرْمِ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ ثُمَّ يُلَبِّي نَصَّ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ (وَفِي التَّكْبِيرِ عَقِيبَ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ وَجْهَانِ) ، وَكَذَا فِي الْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَالشَّرْحِ وَغَيْرِهِمْ، وَحَكَى كَثِيرٌ مِنْ الْأَصْحَابِ الْخِلَافَ رِوَايَتَيْنِ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَفِي التَّكْبِيرِ بَعْدَ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ رِوَايَتَانِ وَقِيلَ: فِيهِ بَعْدَ صَلَاةِ الْأَضْحَى وَجْهَانِ قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ، وَالزَّرْكَشِيُّ: وَفِي التَّكْبِيرِ عَقِيبَ صَلَاةِ الْأَضْحَى وَجْهَانِ وَحَكَى فِي التَّلْخِيصِ فِي التَّكْبِيرِ عَقِيبَ صَلَاةِ الْعِيدِ رِوَايَتَيْنِ، وَقَالَ فِي النُّكَتِ عَنْ كَلَامِ الْمُحَرَّرِ سِيَاقُ كَلَامِهِ: فِي عِيدِ الْأَضْحَى، وَهُوَ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ عِيدَ الْفِطْرِ لَيْسَ فِيهِ تَكْبِيرٌ مُقَيَّدٌ، وَكَذَا قَطَعَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَلَنَا وَجْهٌ: أَنَّ فِي عِيدِ الْقَطْرِ تَكْبِيرًا مُقَيَّدًا فَعَلَيْهِ يُخَرَّجُ فِي التَّكْبِيرِ عَقِيبَ عِيدِ الْفِطْرِ وَجْهَانِ كَالْأَضْحَى. انْتَهَى. وَأَطْلَقَ الْخِلَافَ فِي الْكَافِي، وَالْمُحَرَّرِ، وَالشَّرْحِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالنَّظْمِ، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، أَحَدُهُمَا: لَا يُكَبِّرُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ قَدَّمَهُ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْفُرُوعِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ، وَغَيْرِهِمْ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يُكَبِّرُ عَقِبَهَا اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَقَالَ: هُوَ أَشْبَهُ بِالْمَذْهَبِ وَأَحَقُّ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ قَالَ فِي الْفَائِقِ: يُكَبِّرُ عَقِيبَ صَلَاةِ الْعِيدِ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: اخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْإِفَادَاتِ وَقَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ وَاخْتَارَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ وَصَحَّحَهُ فِي تَصْحِيحِ الْمُحَرَّرِ.
باب صلاة الكسوف
قَوْلُهُ (وَصِفَةُ التَّكْبِيرِ شَفْعًا: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ. لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ) ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَاسْتَحَبَّ ابْنُ هُبَيْرَةَ تَثْلِيثَ التَّكْبِيرِ أَوَّلًا وَآخِرًا. فَائِدَتَانِ إحْدَاهُمَا: لَا بَأْسَ بِقَوْلِهِ لِغَيْرِهِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْخُطْبَةِ " تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنَّا وَمِنْك " نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ كَالْجَوَابِ، وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَيْضًا " لَا أَبْدَأُ بِهِ " وَعَنْهُ الْكُلُّ حَسَنٌ، وَعَنْهُ يُكْرَهُ قِيلَ لَهُ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ: تَرَى أَنْ تَبْدَأَ بِهِ؟ قَالَ: لَا، وَنَقَلَ عَلِيُّ بْنُ سَعِيدٍ، مَا أَحْسَنَهُ، إلَّا أَنْ يَخَافَ الشُّهْرَةَ، وَقَالَ فِي النَّصِيحَةِ: هُوَ فِعْلُ الصَّحَابَةِ وَقَوْلِ الْعُلَمَاءِ. الثَّانِيَةُ: لَا بَأْسَ بِالتَّعْرِيفِ بِالْأَمْصَارِ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَالَ: إنَّمَا هُوَ دُعَاءٌ وَذِكْرٌ، وَقِيلَ لَهُ: تَفْعَلُهُ أَنْتَ؟ قَالَ: لَا، وَعَنْهُ يُسْتَحَبُّ، ذَكَرَهَا الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَهِيَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، وَلَمْ يَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ التَّعْرِيفَ بِغَيْرِ عَرَفَةَ، وَأَنَّهُ لَا نِزَاعَ فِيهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، وَأَنَّهُ مُنْكَرٌ، وَفَاعِلُهُ ضَالٌّ. [بَابُ صَلَاةِ الْكُسُوفِ] ِ فَائِدَةُ: " الْكُسُوفُ " وَ " الْخُسُوفُ " بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَهُوَ ذَهَابُ ضَوْءِ شَيْءٍ، كَالْوَجْهِ وَاللَّوْنِ، وَالْقَمَرِ وَالشَّمْسِ، وَقِيلَ. الْخُسُوفُ الْغَيْبُوبَةُ، وَمِنْهُ {فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ} [القصص: 81] وَقِيلَ " الْكُسُوفُ " ذَهَابُ بَعْضِهَا، وَ " الْخُسُوفُ " ذَهَابُ كُلِّهَا، وَقِيلَ: الْكُسُوفُ لِلشَّمْسِ، وَالْخُسُوفُ لِلْقَمَرِ. يُقَالُ: كَسَفَتْ
بِفَتْحِ الْكَافِ وَضَمِّهَا وَمِثْلُهُ خَسَفَتْ. وَقِيلَ: الْكُسُوفُ: تَغَيُّرُهُمَا، وَالْخُسُوفُ: تَغَيُّبُهُمَا فِي السَّوَادِ قَوْلُهُ (وَإِذَا كَسَفَتْ الشَّمْسُ أَوْ الْقَمَرُ: فَزِعَ النَّاسُ إلَى الصَّلَاةِ جَمَاعَةً وَفُرَادَى) تَجُوزُ صَلَاةُ الْكُسُوفِ مَعَ الْجَمَاعَةِ، وَتَجُوزُ صَلَاتُهَا مُنْفَرِدًا فِي الْجَامِعِ وَغَيْرِهِ، لَكِنَّ فِعْلَهَا مَعَ الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ، وَفِي الْجَامِعِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَعَنْهُ تُفْعَلُ فِي الْمُصَلَّى. قَوْلُهُ (بِإِذْنِ الْإِمَامِ وَغَيْرِ إذْنِهِ) لَا يُشْتَرَطُ إذْنُ الْإِمَامِ فِي فِعْلِهَا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ وَعَنْهُ يُشْتَرَطُ، ذَكَرَهَا أَبُو بَكْرٍ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفَائِقِ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَفِي اعْتِبَارِ إذْنِ الْإِمَامِ فِيهَا لِلْجَمَاعَةِ رِوَايَتَانِ، وَقِيلَ: النَّصُّ عَدَمُهُ. انْتَهَى. قَوْلُهُ (وَيُنَادَى لَهَا: الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ) الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يُنَادَى لَهَا. وَيُجْزِئُ قَوْلُهُ " الصَّلَاةُ " فَقَطْ، وَعَنْهُ لَا يُنَادَى لَهَا، وَهُوَ قَوْلٌ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ. وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ آخِرَ الْأَذَانِ. فَائِدَةٌ: النِّدَاءُ لَهَا سُنَّةٌ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَقَالَ الْقَاضِي، وَابْنُ الزَّاغُونِيِّ: هُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ كَالْأَذَانِ. فَائِدَةٌ: قَوْلُهُ (ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ. يَقْرَأُ فِي الْأُولَى بَعْدَ الْفَاتِحَةِ سُورَةً طَوِيلَةً) قَالَ الْأَصْحَابُ: الْبَقَرَةَ أَوْ قَدْرَهَا، قُلْت: الَّذِي يَظْهَرُ: أَنَّ مُرَادَهُمْ إذَا امْتَدَّ الْكُسُوفُ أَمَّا إذَا كَانَ الْكُسُوفُ يَسِيرًا: فَإِنَّهُ يَقْرَأُ عَلَى قَدْرِهِ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ " فَإِنْ تَجَلَّى الْكُسُوفُ أَتَمَّهَا خَفِيفَةً "
فَائِدَةٌ: الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ صَلَاةَ الْكُسُوفِ سُنَّةٌ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. وَقَطَعَ بِهِ أَكْثَرُهُمْ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ فِي الشَّافِي: هِيَ وَاجِبَةٌ عَلَى الْإِمَامِ وَالنَّاسِ، وَأَنَّهَا لَيْسَتْ بِفَرْضٍ. قَالَ ابْنُ رَجَبٍ: وَلَعَلَّهُ أَرَادَ أَنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ قَوْلُهُ (وَيَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ) ، هَذَا الْمَذْهَبُ بِلَا رَيْبٍ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَالْجَهْرُ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، وَعَنْهُ لَا يَجْهَرُ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ اخْتَارَهُ الْجُوزَجَانِيُّ، وَعَنْهُ لَا بَأْسَ بِالْجَهْرِ، قَوْلُهُ (ثُمَّ يَرْكَعُ رُكُوعًا طَوِيلًا) هَكَذَا قَالَ كَثِيرٌ مِنْ الْأَصْحَابِ، وَأَطْلَقُوا وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَغَيْرِهِمْ. وَقَطَعَ بِهِ الْخِرَقِيُّ، وَإِدْرَاكُ الْغَايَةِ، وَتَذْكِرَةُ ابْنِ عَبْدُوسٍ، وَالْمُنْتَخَبُ وَغَيْرُهُمْ، وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ: يَكُونُ رُكُوعُهُ قَدْرَ قِرَاءَةِ مِائَةِ آيَةٍ مِنْهُمْ الْقَاضِي، وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَتَبِعَهُمْ صَاحِبُ الْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْمُغْنِي، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالشَّرْحِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالنَّظْمِ، وَالْوَجِيزِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَغَيْرِهِمْ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، قُلْت: وَالْأُولَى أَوْلَى، وَأَنَّ الطُّولَ وَالْقِصَرَ يَرْجِعُ إلَى طُولِ الْكُسُوفِ وَقِصَرِهِ. كَمَا قُلْنَا فِي الْقِرَاءَةِ، وَقِيلَ: يَكُونُ رُكُوعُهُ قَدْرَ مُعْظَمِ الْقِرَاءَةِ وَاخْتَارَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى، وَالْمَجْدُ، وَقِيلَ: يَكُونُ قَدْرَ نِصْفِ الْقِرَاءَةِ، وَقَالَ فِي الْمُبْهِجِ: يُسَبِّحُ فِي الرُّكُوعِ بِقَدْرِ مَا قَرَأَ. فَائِدَةٌ: ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْفُرُوعِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَالزَّرْكَشِيُّ: أَنَّ الْأَقْوَالَ الَّتِي حَكَوْهَا فِي قَدْرِ الرُّكُوعِ مُتَنَافِيَةٌ. لِقَوْلِهِمْ " ثُمَّ يَرْكَعُ فَيُطِيلُ " وَقَالَ فُلَانٌ: بِقَدْرِ كَذَا بِالْوَاوِ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ: قَوْلُ مَنْ قَالَ " يَرْكَعُ رُكُوعًا طَوِيلًا " لَا يُنَافِي مَا حَكَى مِنْ الْأَقْوَالِ، بَلْ اخْتِلَافُهُمْ فِي تَفْسِيرِ الطَّوِيلِ، وَلِذَلِكَ قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ:
ثُمَّ يَرْكَعُ فَيُطِيلُ " قَالَ الْقَاضِي " بِقَدْرِ مِائَةِ آيَةٍ " وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى " بِقَدْرِ مُعْظَمِ الْقِرَاءَةِ " فَفَسَّرَ قَدْرَ الْإِطَالَةِ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ " ثُمَّ يَرْكَعُ وَيُسَبِّحُ قَدْرَ مِائَةِ آيَةٍ " وَقِيلَ " بَلْ قَدْرَ مُعْظَمِ الْقِرَاءَةِ " وَقِيلَ: قَدْرَ نِصْفِهَا فَلَمْ يَحْكِ خِلَافًا فِي الْإِطَالَةِ، وَإِنَّمَا حَكَى الْخِلَافَ فِي قَدْرِهَا. قَوْلُهُ (ثُمَّ يَرْفَعُ فَيُسَمِّعُ وَيَحْمَدُ ثُمَّ يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ، وَسُورَةً، وَيُطِيلُ، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ) قَالَ فِي الْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالرِّعَايَةِ، وَغَيْرِهِمْ: يَقْرَأُ آلَ عِمْرَانَ، أَوْ قَدْرَهَا قَالَ ابْنُ رَجَبٍ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ وَقَالَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ: تَكُونُ كَمُعْظَمِ الْقِرَاءَةِ الْأُولَى، وَقِيلَ: تَكُونُ قِرَاءَةُ الثَّانِيَةِ قَدْرَ ثُلُثَيْ قِرَاءَةِ الْأُولَى، وَقِرَاءَةُ الثَّالِثَةِ نِصْفُ قِرَاءَةِ الْأُولَى، وَقِرَاءَةُ الرَّابِعَةِ بِقَدْرِ ثُلُثَيْ قِرَاءَةِ الثَّالِثَةِ وَاخْتَارَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى، ذَكَرَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ. قَوْلُهُ (ثُمَّ يَرْكَعُ فَيُطِيلُ، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ) فَتَكُونُ نِسْبَتُهُ إلَى الْقِرَاءَةِ كَنِسْبَةِ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ مِنْ الْقِرَاءَةِ الْأُولَى كَمَا تَقَدَّمَ ثُمَّ يَرْكَعُ بِقَدْرِ ثُلُثَيْ رُكُوعِهِ الْأَوَّلِ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ وَقِيلَ: يَكُونُ كُلُّ رُكُوعٍ بِقَدْرِ ثُلُثَيْ الْقِرَاءَةِ الَّتِي قَبْلَهُ. قَوْلُهُ (ثُمَّ يَرْفَعُ، ثُمَّ يَسْجُدُ) لَكِنْ لَا يُطِيلُ الْقِيَامَ مِنْ رَفْعِهِ الَّذِي يَسْجُدُ بَعْدَهُ. جَزَمَ بِهِ فِي الْفُرُوعِ قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ، وَالزَّرْكَشِيُّ: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا، وَصَرَّحَ بِهِ ابْنُ عَقِيلٍ، قُلْت: وَحَكَاهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ إجْمَاعًا قَوْلُهُ (سَجْدَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ) هَذَا الْمَذْهَبُ جَزَمَ بِهِ الْخِرَقِيُّ، وَالْمُذْهَبُ، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحُ، وَالْوَجِيزُ، وَإِدْرَاكُ الْغَايَةِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيُطِيلُهُمَا فِي الْأَصَحِّ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى
وَقِيلَ: يُطِيلُهُمَا كَإِطَالَةِ الرُّكُوعِ. جَزَمَ بِهِ فِي التَّذْكِرَةِ لِابْنِ عَقِيلٍ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَقِيلَ: لَا يُطِيلُهُمَا، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ حَامِدٍ، ابْنِ أَبِي مُوسَى، وَأَبِي الْخَطَّابِ فِي الْهِدَايَةِ، تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَكَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ: أَنَّهُ لَا يُطِيلُ الْجِلْسَةَ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، لِعَدَمِ ذِكْرِهِ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ قَالَ الْمَجْدُ: هُوَ أَصَحُّ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ، وَقِيلَ: يُطِيلُهُ. اخْتَارَهُ الْآمِدِيُّ قَالَ فِي التَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ: وَيُطِيلُ الْجُلُوسَ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ كَالرُّكُوعِ وَجَزَمَ بِهِ فِيهِمَا أَيْضًا فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفَائِقِ. قَوْلُهُ (ثُمَّ يَقُومُ إلَى الثَّانِيَةِ، فَيَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ) يَعْنِي فِي الرُّكُوعَيْنِ وَغَيْرِهِمَا، لَكِنْ يَكُونُ دُونَ الْأُولَى قِيَامًا وَقِرَاءَةً، وَرُكُوعًا وَسُجُودًا، وَتَسْبِيحًا وَاسْتِغْفَارًا قَالَ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَالْمَجْدُ، وَغَيْرُهُمْ: الْقِرَاءَةُ فِي كُلِّ قِيَامٍ أَقْصَرُ مِمَّا قَبْلَهُ، وَكَذَلِكَ التَّسْبِيحُ قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: يَقْرَأُ فِي الثَّانِيَةِ فِي الْقِيَامِ الْأَوَّلِ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ سُورَةَ النِّسَاءِ أَوْ قَدْرَهَا، وَفِي الثَّانِي بَعْدَ الْفَاتِحَةِ سُورَةَ الْمَائِدَةِ أَوْ قَدْرَهَا، وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ وَغَيْرُهُ الْقِيَامَ الثَّالِثَ أَطْوَلَ مِنْ الثَّانِي، وَقِيلَ: بِقَدْرِ النِّصْفِ مِمَّا قَرَأَ أَوْ سَبَّحَ فِي رُكُوعِ الْأُولَى وَقِيَامِهَا. قَوْلُهُ (فَإِنْ تَجَلَّى الْكُسُوفُ فِيهَا أَتَمَّهَا خَفِيفَةً) يَعْنِي عَلَى صِفَتِهَا، وَهُوَ الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا، وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ، وَقِيلَ: يُتِمُّهَا كَالنَّافِلَةِ إنْ تَجَلَّى قَبْلَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ أَوْ فِيهِ، وَإِلَّا أَتَمَّهَا عَلَى صِفَتِهَا، لِتَأَكُّدِهَا بِخَصَائِصِهَا، وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: مَنْ جَوَّزَ الزِّيَادَةَ عِنْدَ حُدُوثِ
الِامْتِدَادِ عَلَى الْقَدْرِ الْمَنْقُولِ جَوَّزَ النُّقْصَانَ عِنْدَ التَّجَلِّي، وَمَنْ مَنَعَ مَنَعَ النَّقْصَ، لِأَنَّهُ الْتَزَمَ رُكْنًا بِالشُّرُوعِ فَتَبْطُلُ بِتَرْكِهِ، وَقِيلَ: لَا تُشْرَعُ الزِّيَادَةُ لِحَاجَةٍ زَالَتْ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ. قَوْلُهُ (وَإِنْ تَجَلَّى قَبْلَهَا، أَوْ غَابَتْ الشَّمْسُ كَاسِفَةً، أَوْ طَلَعَتْ وَالْقَمَرُ خَاسِفٌ: لَمْ يُصَلِّ) بِلَا خِلَافٍ أَعْلَمُهُ لَكِنْ إذَا غَابَ الْقَمَرُ خَاسِفًا لَيْلًا، فَالْأَشْهَرُ فِي الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يُصَلَّى لَهُ، قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ، قَالَ فِي النُّكَتِ: هَذَا الْمَشْهُورُ قَالَ: وَقَطَعَ بِهِ جَمَاعَةٌ، كَالْقَاضِي وَأَبِي الْمَعَالِي، وَقِيلَ: لَا يُصَلَّى لَهُ، جَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْوَجِيزِ، وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ، وَالْمُنَوِّرِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفَائِقِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ، وَابْنُ تَمِيمٍ. فَوَائِدُ. إحْدَاهَا: إذَا طَلَعَ الْفَجْرُ وَالْقَمَرُ خَاسِفٌ لَمْ يَمْنَعْ مِنْ الصَّلَاةِ، إذَا قُلْنَا: إنَّهَا تُفْعَلُ فِي وَقْتِ نَهْيٍ اخْتَارَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: لَمْ يَمْنَعْ فِي أَظْهَرِ الْوَجْهَيْنِ قَالَ: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي الْخَطَّابِ، وَقِيلَ: يَمْنَعُ اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ، قَالَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ قَالَ الشَّارِحُ: فِيهِ احْتِمَالَانِ ذَكَرَهُمَا الْقَاضِي الثَّانِيَةُ: لَا تَقْضِي صَلَاةَ الْكُسُوفِ، كَصَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ، وَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ، وَسُجُودِ الشُّكْرِ. الثَّالِثَةُ: لَا تُعَادُ إذَا فَرَغَ مِنْهَا وَلَمْ يَنْقَضِ الْكُسُوفُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ: وَجَزَمَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْ الْأَصْحَابِ
وَقِيلَ: تُعَادُ رَكْعَتَيْنِ، وَأَطْلَقَ أَبُو الْمَعَالِي فِي جَوَازِهِ وَجْهَيْنِ فَعَلَى الْمَذْهَبِ وَحَيْثُ قُلْنَا: لَا تُصَلَّى فَإِنَّهُ يَذْكُرُ اللَّهَ تَعَالَى وَيَدْعُوهُ، وَيَسْتَغْفِرُهُ حَتَّى تَنْجَلِيَ. قَوْلُهُ (وَإِنْ أَتَى فِي كُلِّ رَكْعَةٍ بِثَلَاثِ رُكُوعَاتٍ، أَوْ أَرْبَعٍ، فَلَا بَأْسَ) . يَعْنِي أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ مِنْ غَيْرِ فَضِيلَةٍ، بَلْ الْأَفْضَلُ: رُكُوعَانِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ، وَعَنْهُ أَرْبَعُ رُكُوعَاتٍ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ أَفْضَلُ. تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ قَوْلِهِ " فَلَا بَأْسَ " أَنَّهُ لَا يُزَادُ عَلَى أَرْبَعِ رُكُوعَاتٍ، وَلَا يَجُوزُ، وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ وَقَدَّمَهُ فِي الْفَائِقِ، وَالْعُذْرُ لِمَنْ قَالَ ذَلِكَ: أَنَّهُ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى الْوَارِدِ فِيهِ قَالَ الْمُصَنِّفُ لَا يُجَاوِزُ أَرْبَعَ رُكُوعَاتٍ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِنَا عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَسَلَّمَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ. انْتَهَى. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَجُوزُ فِعْلُهَا بِكُلِّ صِفَةٍ وَرَدَتْ فَمِنْهُ حَدِيثُ كَعْبٍ «خَمْسُ رُكُوعَاتٍ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَهَذَا الْمَذْهَبُ قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ وَاخْتَارَهُ الشَّارِحُ وَجَزَمَ بِهِ الزَّرْكَشِيُّ، وَتَجْرِيدُ الْعِنَايَةِ. وَمِنْهُ: أَنَّهُ يَأْتِي بِهَا كَالنَّافِلَةِ، وَقَدْ وَرَدَ ذَلِكَ فِي السُّنَنِ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ أَيْضًا، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ؛ لِأَنَّ الثَّانِيَ سُنَّةٌ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، لَكِنَّ الْأَفْضَلَ رُكُوعَانِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، كَمَا تَقَدَّمَ. وَظَاهِرُ مَا قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ: أَنَّهُ لَا يَزِيدُ عَلَى رُكُوعَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ. فَإِنَّهُمَا بَعْدَمَا ذَكَرَا رُكُوعَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ قَالَا: أَرْبَعُ رُكُوعَاتٍ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَقِيلَ: أَوْ ثَلَاثٌ
قَالَ فِي الْكُبْرَى: وَعَنْهُ تَكُونُ كُلُّ رَكْعَةٍ بِمَا شَاءَ مِنْ رُكُوعٍ، أَوْ اثْنَيْنِ، أَوْ ثَلَاثٍ أَوْ أَرْبَعٍ، أَوْ خَمْسٍ. فَائِدَةٌ: الرُّكُوعُ الثَّانِي وَمَا بَعْدَهُ سُنَّةٌ، بِلَا نِزَاعٍ، وَتُدْرَكُ بِهِ الرَّكْعَةُ فِي أَحَدِ الْوُجُوهِ قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْوَجْهِ الثَّانِي: لَا تُدْرَكُ بِهِ الرَّكْعَةُ مُطْلَقًا اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِفَادَاتِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالْحَوَاشِي، وَهُمَا احْتِمَالَانِ مُطْلَقَانِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: تُدْرَكُ بِهِ الرَّكْعَةُ إنْ صَلَّاهَا بِثَلَاثِ رُكُوعَاتٍ أَوْ أَرْبَعٍ، لِإِدْرَاكِهِ مُعْظَمَ الرَّكْعَةِ اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَقَدَّمَهُ فِي الشَّرْحِ، تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: أَنَّهُ لَا يَخْطُبَ لَهَا، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، قَالَ أَصْحَابُنَا: لَا خُطْبَةَ لِصَلَاةِ الْكُسُوفِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ قَالَ ابْنُ رَجَبٍ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ: هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ انْتَهَى، وَعَنْهُ يُشْرَعُ بَعْدَ صَلَاتِهَا خُطْبَتَانِ. سَوَاءٌ تَجَلَّى الْكُسُوفُ أَوْ لَا. اخْتَارَهَا ابْنُ حَامِدٍ، وَالْقَاضِي فِي شَرْحِ الْمَذْهَبِ، وَحَكَاهُ عَنْ الْأَصْحَابِ وَقَدَّمَهُ ابْنُ رَجَبٍ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ، وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ، وَقَالَ فِي النَّصِيحَةِ: أُحِبُّ أَنْ يَخْطُبَ بَعْدَهَا، وَقِيلَ: يَخْطُبُ خُطْبَةً وَاحِدَةً مِنْ غَيْرِ جُلُوسٍ، وَأَطْلَقَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ فِي اسْتِحْبَابِ الْخُطْبَةِ رِوَايَتَيْنِ وَلَمْ يَذْكُرْ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ نَصًّا عَنْ أَحْمَدَ: أَنَّهُ لَا يَخْطُبُ. إنَّمَا أَخَذُوهُ مِنْ نَصِّهِ " لَا خُطْبَةَ فِي الِاسْتِسْقَاءِ " وَقَالَ أَيْضًا: لَمْ يَذْكُرْ لَهَا أَحْمَدُ خُطْبَةً.
قَوْلُهُ (وَلَا يُصَلِّي لِشَيْءٍ مِنْ سَائِرِ الْآيَاتِ) هَذَا الْمَذْهَبُ، إلَّا مَا اسْتَثْنَى، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، بَلْ جَمَاهِيرُهُمْ، وَعَنْهُ يُصَلِّي لِكُلِّ آيَةٍ، وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أَنَّ هَذَا قَوْلُ مُحَقِّقِي أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ، كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ السُّنَنُ وَالْآثَارُ، وَلَوْلَا أَنَّ ذَلِكَ قَدْ يَكُونُ سَبَبًا لِشَرٍّ وَعَذَابٍ لَمْ يَصِحَّ التَّخْوِيفُ بِهِ. قُلْت: وَاخْتَارَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى، وَالْآمِدِيُّ قَالَ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ: وَهُوَ أَظْهَرُ، وَحَكَى مَا وَقَعَ لَهُ فِي ذَلِكَ، وَقَالَ فِي النَّصِيحَةِ: يُصَلُّونَ لِكُلِّ آيَةٍ مَا أَحَبُّوا، رَكْعَتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ، كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ، وَيَخْطُبُ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي التَّلْخِيصِ وَغَيْرِهِ، وَقِيلَ: يَجُوزُ وَلَا يُكْرَهُ، ذَكَرَهُ فِي الرِّعَايَةِ قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَقَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي تَذْكِرَتِهِ، وَلَمْ أَرَهُ فِيهَا، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ وَقِيلَ: يُصَلِّي لِلرَّجْفَةِ، وَفِي الصَّاعِقَةِ وَالرِّيحِ الشَّدِيدَةِ، وَانْتِشَارِ النُّجُومِ، وَرَمْيِ الْكَوَاكِبِ، وَظُلْمَةِ النَّهَارِ، وُضُوءِ اللَّيْلِ: وَجْهَانِ. انْتَهَى. قَوْلُهُ (إلَّا الزَّلْزَلَةَ الدَّائِمَةَ) الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يُصَلَّى لَهَا عَلَى صِفَةِ صَلَاةِ الْكُسُوفِ نَصَّ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَغَيْرُهُمَا: قَالَ الْأَصْحَابُ: يُصَلَّى لَهَا، وَقِيلَ: لَا يُصَلَّى لَهَا، ذَكَرَهُ فِي التَّبْصِرَةِ، وَذَكَرَ أَبُو الْحُسَيْنِ: أَنَّهُ يُصَلَّى لِلزَّلْزَلَةِ، وَالرِّيحِ الْعَاصِفِ، وَكَثْرَةِ الْمَطَرِ: ثَمَانِ رُكُوعَاتٍ، وَأَرْبَعِ سَجَدَاتٍ، وَذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الزَّلْزَلَةِ. فَوَائِدُ. لَوْ اجْتَمَعَ جِنَازَةٌ وَكُسُوفٌ، قُدِّمَتْ الْجِنَازَةُ، وَلَوْ اجْتَمَعَ مَعَ الْكُسُوفِ جُمُعَةٌ، قُدِّمَ الْكُسُوفُ إنْ أُمِنَ فَوْتُهَا، أَوْ لَمْ يُشْرَعْ فِي خُطْبَتِهَا، وَلَوْ اجْتَمَعَ مَعَ الْكُسُوفِ عِيدٌ، أَوْ مَكْتُوبَةٌ، قُدِّمَ عَلَيْهَا إنْ أُمِنَ الْفَوْتُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ
الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: يُقَدَّمَانِ عَلَيْهِ وَاخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، وَلَوْ اجْتَمَعَ كُسُوفٌ وَوِتْرٌ، وَضَاقَ وَقْتُهُ، قُدِّمَ الْكُسُوفُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقَالَ الْمَجْدُ: هَذَا أَصَحُّ قَالَ فِي الْمَذْهَبِ: بَدَأَ بِالْكُسُوفِ، فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ وَقَدَّمَهُ فِي الْخُلَاصَةِ، وَالْهِدَايَةِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ، وَصَحَّحَهُ فِي النَّظْمِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ لِلْأَدَمِيِّ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يُقَدِّمُ الْوِتْرَ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالْفَائِقِ وَلَوْ اجْتَمَعَ كُسُوفٌ، وَتَرَاوِيحُ، وَتَعَذَّرَ فِعْلُهُمَا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، قُدِّمَتْ التَّرَاوِيحُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ قَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يُقَدَّمُ الْكُسُوفُ، قَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ، قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ؛ لِأَنَّهُ آكَدُ مِنْهَا. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْفُرُوعِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَالْفَائِقِ، وَقِيلَ: إنْ صُلِّيَتْ التَّرَاوِيحُ جَمَاعَةً، قُدِّمَتْ لِمَشَقَّةِ الِانْتِظَارِ، وَلَوْ اجْتَمَعَ جِنَازَةٌ، وَعِيدٌ أَوْ جُمُعَةٌ: قُدِّمَتْ الْجِنَازَةُ إنْ أُمِنَ فَوْتُهَا قَالَ فِي الْفُرُوعِ فِي الْجَنَائِزِ: تَقَدَّمَ أَنَّ الْجِنَازَةَ تُقَدَّمُ عَلَى الْكُسُوفِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا تُقَدَّمُ عَلَى مَا يُقَدَّمُ الْكُسُوفُ عَلَيْهِ، وَصَرَّحُوا مِنْهُ بِالْعِيدِ، وَالْجُمُعَةِ، وَصَرَّحَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ أَيْضًا بِالْمَكْتُوبَاتِ، وَنَقَلَ الْجَمَاعَةُ: تَقْدِيمَ الْجِنَازَةِ عَلَى فَجْرٍ وَعَصْرٍ فَقَطْ وَجَزَمَ بِهِ جَمَاعَةٌ، مِنْهُمْ ابْنُ عَقِيلٍ، وَفِي الْمُسْتَوْعِبِ: يُقَدَّمُ الْمَغْرِبُ عَلَيْهَا، لَا الْفَجْرُ، وَلَوْ حَصَلَ كُسُوفٌ بِعَرَفَةَ صَلَّى لَهُ ثُمَّ دَفَعَ. تَنْبِيهٌ: قَوْلُنَا " وَلَوْ اجْتَمَعَ مَعَ الْكُسُوفِ صَلَاةُ عِيدٍ " هُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ
باب صلاة الاستسقاء
مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ: أَنَّهُمَا قَدْ يَجْتَمِعَانِ، سَوَاءٌ كَانَ أَضْحَى أَوْ فِطْرًا، وَلَا عِبْرَةَ بِقَوْلِ الْمُنَجِّمِينَ فِي ذَلِكَ، وَقِيلَ: إنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ كُسُوفُ الشَّمْسِ إلَّا فِي الثَّامِنِ وَالْعِشْرِينَ وَالتَّاسِعِ وَالْعِشْرِينَ، وَلَا خُسُوفُ الْقَمَرِ إلَّا فِي إبْدَارِهِ وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَرُدَّ هَذَا الْقَوْلُ بِوُقُوعِهِ فِي غَيْرِ الْوَقْتِ الَّذِي قَالُوهُ. فَذَكَرَ أَبُو شَامَةَ فِي تَارِيخِهِ: أَنَّ الْقَمَرَ خُسِفَ لَيْلَةَ السَّادِسِ عَشَرَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ وَسِتِّمِائَةٍ، وَكَسَفَتْ الشَّمْسُ فِي غَدِهِ، وَاَللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. انْتَهَى. وَكَسَفَتْ الشَّمْسُ يَوْمَ مَاتَ إبْرَاهِيمُ، وَهُوَ يَوْمُ عَاشِرٍ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَالْآمِدِيُّ، وَالْفَخْرُ فِي تَلْخِيصِهِ اتِّفَاقًا عَنْ أَهْلِ السِّيَرِ. قَالَ فِي الْفُصُولِ: لَا يَخْتَلِفُ النَّقْلُ فِي ذَلِكَ، نَقَلَهُ الْوَاقِدِيُّ، وَالزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ، وَأَنَّ الْفُقَهَاءَ فَرَّعُوا وَبَنَوْا عَلَى ذَلِكَ: لَوْ اتَّفَقَ عِيدٌ وَكُسُوفٌ، وَقَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ وَغَيْرِهِ: لَا سِيَّمَا إذَا اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ. فَائِدَةٌ: يُسْتَحَبُّ الْعِتْقُ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ نَصَّ عَلَيْهِ لِأَمْرِهِ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ بِذَلِكَ فِي الصَّحِيحَيْنِ. قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَغَيْرِهِ: يُسْتَحَبُّ لِقَادِرٍ. [بَابُ صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ] ِ تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ قَوْلِهِ (إذَا أَجْدَبَتْ الْأَرْضُ فَزِعَ النَّاسُ إلَى الصَّلَاةِ) أَنَّهُ إذَا خِيفَ مِنْ جَدْبِهَا لَا يُصَلَّى، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَقِيلَ: يُصَلَّى. قَوْلُهُ (وَقُحِطَ الْمَطَرُ) أَيْ اُحْتُبِسَ الْقَطْرُ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ إذَا اُحْتُبِسَ عَنْ قَوْمٍ صَلَّوْا بِلَا نِزَاعٍ، وَإِنْ اُحْتُبِسَ عَنْ آخَرِينَ، فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يُصَلِّي لَهُمْ غَيْرُ مَنْ لَمْ يُحْبَسْ عَنْهُمْ قَطَعَ بِهِ ابْنُ عَقِيلٍ، وَصَاحِبُ التَّلْخِيصِ، وَالنَّظْمُ، وَمَجْمَعُ الْبَحْرَيْنِ، وَالْإِفَادَاتُ، وَالْفَائِقُ وَغَيْرُهُمْ قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: لَا يَخْتَصُّ بِأَهْلِ الْجَدْبِ قَالَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ: إنْ اسْتَسْقَى مُخْصَبٌ
لِمُجْدِبٍ جَازَ، وَقِيلَ: يُسْتَحَبُّ قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ، وَقِيلَ: لَا يُصَلِّي لَهُمْ غَيْرُهُمْ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ. فَائِدَةٌ: لَوْ غَارَ مَاءُ الْعُيُونِ أَوْ الْأَنْهَارِ، وَضَرَّ ذَلِكَ: اُسْتُحِبَّ أَنْ يُصَلُّوا صَلَاةَ الِاسْتِسْقَاءِ جَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَالنَّظْمِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، قَالَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ: اسْتَسْقُوا عَلَى الْأَقْيَسِ وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَعَنْهُ لَا يُصَلُّونَ قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ وَتَبِعَهُ الشَّارِحُ قَالَ أَصْحَابُنَا: لَا يُصَلُّونَ وَقَدَّمَهُ فِي الْفَائِقِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَهُمَا وَجْهَانِ فِي شَرْحِ الْمَجْدِ. قَوْلُهُ (وَصِفَتُهَا فِي مَوْضِعِهَا وَأَحْكَامِهَا: صِفَةُ صَلَاةِ الْعِيدِ) هَذَا الْمَذْهَبُ وَالصَّحِيحُ مِنْ الرِّوَايَتَيْنِ. وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَعَنْهُ يُصَلِّي بِلَا تَكْبِيرَاتٍ زَوَائِدَ، وَلَا جَهْرٍ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْبَرْمَكِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ قَوْلٌ قَدِيمٌ رَجَعَ عَنْهُ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْكَافِي، وَمُخْتَصَرِ ابْنِ تَمِيمٍ، وَقَالَ فِي النَّصِيحَةِ: يَقْرَأُ فِي الْأُولَى {إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا} [نوح: 1] وَفِي الثَّانِيَةِ مَا أَحَبَّ وَجَزَمَ بِهِ فِي تَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ، وَقَالَ ابْنُ رَجَبٍ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ: وَإِنْ قَرَأَ بِذَلِكَ كَانَ حَسَنًا وَاخْتَارَ أَبُو بَكْرٍ: أَنْ يَقْرَأَ بِالشَّمْسِ وَضُحَاهَا، وَاللَّيْلِ إذَا يَغْشَى. انْتَهَى. وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنْ يَقْرَأَ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ بِمَا يَقْرَأُ بِهِ فِي صَلَاةِ الْعِيدِ فَائِدَتَانِ. إحْدَاهُمَا: لَا تُصَلَّى الِاسْتِسْقَاءُ وَقْتَ نَهْيٍ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالْمَجْدُ، وَصَاحِبُ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ وَغَيْرُهُمْ: بِلَا خِلَافٍ. قَالَ ابْنُ رَزِينٍ: إجْمَاعًا، وَأَطْلَقَ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ وَغَيْرِهِمْ: رِوَايَتَيْنِ، وَصَحَّحُوا جَوَازَ الْفِعْلِ
قُلْت: وَهُوَ بَعِيدٌ، وَالْعَجَبُ مِنْ صَاحِبِ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ كَوْنُهُ قَطْعَ هُنَا بِأَنَّهَا لَا تُصَلَّى، وَقَالَ: بِلَا خِلَافٍ، وَذَكَرَ فِي أَوْقَاتِ النَّهْيِ رِوَايَتَيْنِ، وَصَحَّحَ أَنَّهَا تُصَلَّى، وَهُوَ ذُهُولٌ مِنْهُ، وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي أَوْقَاتِ النَّهْيِ. الثَّانِيَةُ: وَقْتُ صَلَاتِهَا وَقْتُ صَلَاةِ الْعِيدِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: بَعْدَ الزَّوَالِ. قَوْلُهُ (وَأَمَرَهُمْ بِالتَّوْبَةِ مِنْ الْمَعَاصِي وَالْخُرُوجِ مِنْ الْمَظَالِمِ، وَالصِّيَامِ وَالصَّدَقَةِ) وَالتَّوْبَةُ فِي كُلِّ وَقْتٍ مَطْلُوبَةٌ شَرْعًا، وَكَذَا الْخُرُوجُ مِنْ الْمَظَالِمِ، لَكِنْ هُنَا يَتَأَكَّدُ ذَلِكَ، وَأَمَّا الصِّيَامُ وَالصَّدَقَةُ: فَيَأْمُرُهُمْ بِهِمَا الْإِمَامُ مِنْ غَيْرِ عَدَدٍ فِي الصَّوْمِ، كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا، وَقَالَهُ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْكَافِي، وَالْمُغْنِي، وَالْخُلَاصَةِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ، وَالتَّسْهِيلِ وَغَيْرِهِمْ، وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: وَيُسْتَحَبُّ الْخُرُوجُ صَائِمًا، وَتَبِعَهُ جَمَاعَةٌ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ: يَكُونُ الصَّوْمُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْهُمْ صَاحِبُ الْمُسْتَوْعِبِ، وَالرِّعَايَة الْكُبْرَى، وَالْفَائِق، وَلَمْ يَذْكُرْ جَمَاعَةٌ الصَّوْمَ وَالصَّدَقَةَ، مِنْهُمْ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمُ، وَإِدْرَاكُ الْغَايَةِ، وَتَذْكِرَةُ ابْنِ عَبْدُوسٍ، وَغَيْرُهُمْ، وَذَكَرَ ابْنُ تَمِيمٍ: الصَّدَقَةَ، وَلَمْ يَذْكُرْ الصَّوْمَ، وَذَكَرَ ابْنُ الْبَنَّا فِي الْعُقُودِ: الصَّوْمَ، وَلَمْ يَذْكُرْ الصَّدَقَةَ. فَائِدَةٌ: هَلْ يَلْزَمُ الصَّوْمُ بِأَمْرِ الْإِمَامِ؟ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ لَا يَلْزَمُ، وَقَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَغَيْرِهِ: تَجِبُ طَاعَتُهُ فِي غَيْرِ الْمَعْصِيَةِ، وَذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ
إجْمَاعًا ثُمَّ قَالَ صَاحِبُ الْفُرُوعِ: وَلَعَلَّ الْمُرَادَ فِي السِّيَاسَةِ وَالتَّدْبِيرِ وَالْأُمُورِ الْمُجْتَهَدِ فِيهَا، لَا مُطْلَقًا، وَلِهَذَا جَزَمَ بَعْضُهُمْ تَجِبُ الطَّاعَةُ فِي الْوَاجِبِ، وَتُسَنُّ فِي الْمَسْنُونِ، وَتُكْرَهُ فِي الْمَكْرُوهِ، وَقَالَ فِي الْفَائِقِ: قُلْت: وَيَأْمُرُهُمْ بِصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَيَجِبُ، وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ، وَأَبُو الْمَعَالِي: لَوْ نَذَرَ الْإِمَامُ الِاسْتِسْقَاءَ مِنْ الْجَدْبِ وَحْدَهُ، أَوْ هُوَ وَالنَّاسُ، لَزِمَهُ فِي نَفْسِهِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُلْزِمَ غَيْرَهُ بِالْخُرُوجِ مَعَهُ، وَإِنْ نَذَرَ غَيْرُ الْإِمَامِ انْعَقَدَ أَيْضًا. قَوْلُهُ (وَيَتَنَظَّفُ لَهَا) هَذَا الْمَذْهَبُ وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَقِيلَ: لَا يَتَنَظَّفُ، كَمَا أَنَّهُ لَا يَتَطَيَّبُ قَوْلُهُ (وَيَجُوزُ خُرُوجُ الصِّبْيَانِ) يَعْنِي لِأَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ، فَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُمَيِّزٍ جَازَ خُرُوجُهُ بِلَا خِلَافٍ، وَكَذَلِكَ الطِّفْلُ مِنْ غَيْرِ اسْتِحْبَابٍ، بِلَا خِلَافٍ فِيهِمَا، وَإِنْ كَانَ مُمَيِّزًا: فَقَدَّمَ الْمُصَنِّفُ جَوَازَ خُرُوجِهِ مِنْ غَيْرِ اسْتِحْبَابٍ، وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ وَقَدَّمَهُ فِي الْهِدَايَةِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: يُسْتَحَبُّ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْكَافِي، وَالْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَالْآمِدِيُّ، وَالْقَاضِي وَغَيْرُهُمْ قَالَ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ: نَحْنُ لِخُرُوجِ الصِّبْيَانِ وَالشُّيُوخِ أَشَدُّ اسْتِحْبَابًا قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: هَذَا أَصَحُّ الْوَجْهَيْنِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُذْهَبِ، وَالْفَائِقِ، وَابْنُ تَمِيمٍ. فَوَائِدُ. مِنْهَا: يَجُوزُ خُرُوجُ الْعَجَائِزِ مِنْ غَيْرِ اسْتِحْبَابٍ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ
قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ، وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ، وَجَعَلَهُ ابْنُ عَقِيلٍ ظَاهِرَ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَقِيلَ: يُسْتَحَبُّ خُرُوجُهُنَّ اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ، قَالَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَاخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَالْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَمِنْهَا: لَا تَخْرُجُ امْرَأَةٌ ذَاتُ هَيْئَةٍ، وَلَا شَابَّةٍ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ إجَابَةُ الدُّعَاءِ وَضَرَرُهَا أَكْثَرُ. قَالَ الْمَجْدُ: يُكْرَهُ، وَمِنْهَا: يَجُوزُ إخْرَاجُ الْبَهَائِمِ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَقِيلَ: يُكْرَهُ قَالَ الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ: لَا يُسْتَحَبُّ إخْرَاجُهَا وَنَصَرَاهُ، وَمِنْهَا: مَا قَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَالْآمِدِيُّ: إنَّهُ يُؤْمَرُ سَادَةُ الْعَبِيدِ بِإِخْرَاجِ عَبِيدِهِمْ وَإِمَائِهِمْ، وَلَا يَجِبُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَمُرَادُهُ مَعَ أَمْنِ الْفِتْنَةِ. قَوْلُهُ (وَإِنْ خَرَجَ أَهْلُ الذِّمَّةِ لَمْ يُمْنَعُوا، وَلَمْ يَخْتَلِطُوا بِالْمُسْلِمِينَ) وَهَذَا بِلَا نِزَاعٍ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: أَنَّهُمْ لَا يُفْرِدُونَ بِيَوْمٍ، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ وَنَصَرَهُ الْمَجْدُ، وَصَاحِبُ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ قَالَ فِي تَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ: لَا يُفْرَدُ أَهْلُ الذِّمَّةِ بِيَوْمٍ فِي الْأَظْهَرِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالنَّظْمِ وَالْإِفَادَاتِ وَاخْتَارَهُ الْمَجْدُ، وَغَيْرُهُ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالْحَوَاشِي، وَالزَّرْكَشِيُّ قَالَ فِي الْبُلْغَةِ: فَإِنْ خَرَجَ أَهْلُ الذِّمَّةِ فَلْيَنْفَرِدُوا قَالَ فِي الْوَجِيزِ: وَيَنْفَرِدُ أَهْلُ الذِّمَّةِ إنَّ خَرَجُوا قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: فَإِنْ خَرَجُوا لَمْ يُمْنَعُوا، وَأُمِرُوا بِالِانْفِرَادِ عَنْ الْمُسْلِمِينَ. قَالَ الْخِرَقِيُّ: لَمْ يُمْنَعُوا، وَأُمِرُوا أَنْ يَكُونُوا مُنْفَرِدِينَ عَنْ الْمُسْلِمِينَ، فَكَلَامُ هَؤُلَاءِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُمْ بِالِانْفِرَادِ: عَدَمَ الِاخْتِلَاطِ، وَهُوَ الَّذِي يَظْهَرُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُمْ بِالِانْفِرَادِ: الِانْفِرَادَ بِيَوْمٍ، وَقِيلَ: الْأَوْلَى خُرُوجُهُمْ مُنْفَرِدِينَ بِيَوْمٍ اخْتَارَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى وَجَزَمَ بِهِ فِي التَّلْخِيصِ فَقَالَ: وَخُرُوجُهُمْ فِي يَوْمٍ آخَرَ أَوْلَى، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى
وَقَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: لَوْ قَالَ قَائِلٌ: إنَّهُ لَا يَجُوزُ خُرُوجُهُمْ فِي وَقْتٍ مُفْرَدٍ لَمْ يُبْعِدْ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ يَسْقُونَ فَتُخْشَى الْفِتْنَةُ عَلَى ضَعَفَةِ الْمُسْلِمِينَ. فَوَائِدُ. مِنْهَا: يُكْرَهُ إخْرَاجُ أَهْلِ الذِّمَّةِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَغَيْرُهُمْ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي بَكْرٍ فِي التَّنْبِيهِ: أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ، وَهُوَ قَوْلٌ فِي الْفُرُوعِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الرِّعَايَةِ، وَنَقَلَ الْمَيْمُونِيُّ: يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ فَأَمَّا خُرُوجُهُمْ مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِهِمْ فَلَا يُكْرَهُ قَوْلًا وَاحِدًا، وَمِنْهَا: حُكْمُ نِسَائِهِمْ وَرَقِيقِهِمْ وَصِبْيَانِهِمْ: حُكْمُهُمْ، ذَكَرَهُ الْآمِدِيُّ، وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَفِي خُرُوجِ عَجَائِزِهِمْ الْخِلَافُ، وَقَالَ: وَلَا تَخْرُجُ شَابَّةٌ مِنْهُمْ بِلَا خِلَافٍ فِي الْمَذْهَبِ ذَكَرَهُ فِي الْفُصُولِ، وَجَعَلَ كَأَهْلِ الذِّمَّةِ كُلَّ مَنْ خَالَفَ دَيْنَ الْإِسْلَامِ فِي الْجُمْلَةِ. وَمِنْهَا: يَجُوزُ التَّوَسُّلُ بِالرَّجُلِ الصَّالِحِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: يُسْتَحَبُّ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: الْمَرُّوذِيُّ يَتَوَسَّلُ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي دُعَائِهِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَغَيْرِهِ، وَجَعَلَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ كَمَسْأَلَةِ الْيَمِينِ بِهِ قَالَ: وَالتَّوَسُّلُ بِالْإِيمَانِ بِهِ وَطَاعَتِهِ وَمَحَبَّتِهِ وَالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ، وَبِدُعَائِهِ وَشَفَاعَتِهِ، وَنَحْوِهِ مِمَّا هُوَ مِنْ فِعْلِهِ أَوْ أَفْعَالِ الْعِبَادِ الْمَأْمُورِ بِهَا فِي حَقِّهِ: مَشْرُوعٌ إجْمَاعًا، وَهُوَ مِنْ الْوَسِيلَةِ الْمَأْمُورِ بِهَا فِي قَوْله تَعَالَى {اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ} [المائدة: 35] وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ مِنْ الْعُلَمَاءِ: فِي قَوْلِهِ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ «أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ» الِاسْتِعَاذَةُ لَا تَكُونُ بِمَخْلُوقٍ.
قَوْلُهُ (ثُمَّ يَخْطُبُ خُطْبَةً وَاحِدَةً) هَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَنُصَّ عَلَيْهِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، وَعَنْهُ يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ قَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ فِي الْإِفْصَاحِ: اخْتَارَهَا الْخِرَقِيُّ، وَأَبُو بَكْرٍ، وَابْنُ حَامِدٍ، قُلْت: الْخِرَقِيُّ قَالَ: ثُمَّ يَخْطُبُ. فَكَلَامُهُ مُحْتَمَلٌ فَائِدَةٌ: الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ إذَا صَعِدَ الْمِنْبَرَ وَاسْتَقْبَلَ النَّاسَ يَجْلِسُ جِلْسَةَ الِاسْتِرَاحَةِ جَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: يَجْلِسُ فِي الْأَصَحِّ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ ثُمَّ يَقُومُ يَخْطُبُ. انْتَهَى. وَقِيلَ: لَا يَجْلِسُ، وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ، تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ قَوْلِهِ " فَيُصَلِّي بِهِمْ، ثُمَّ يَخْطُبُ " أَنَّ الْخُطْبَةَ تَكُونُ بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ مِنْهُمْ الْقَاضِي فِي رِوَايَتَيْهِ وَالْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ وَغَيْرُهُمْ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هَذَا الْمَشْهُورُ وَعَنْهُ يُخَيَّرُ اخْتَارَهَا جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ، وَابْنُ أَبِي مُوسَى، وَالْمَجْدُ، وَأَطْلَقَهُنَّ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، تَنْبِيهٌ: أَفَادَنَا الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِقَوْلِهِ " ثُمَّ يَخْطُبُ " أَنَّهُ يَخْطُبُ لِلِاسْتِسْقَاءِ وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَر الْأَصْحَاب مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ، وَالْقَاضِي، فِي الرِّوَايَتَيْنِ، وَالْمَجْدُ وَغَيْرُهُمْ قَالَ الْمُصَنِّفُ: هَذَا الْمَشْهُورُ، وَقَالَهُ الْخِرَقِيُّ وَغَيْرُهُ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ، وَقَالَ الْقَاضِي: فَحَمَلَ الرِّوَايَةَ الْأُولَى وَقَوْلَ الْخِرَقِيِّ عَلَى الدُّعَاءِ وَعَنْهُ يَدْعُو مِنْ غَيْرِ خُطْبَةٍ نَصَرَهُ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ وَغَيْرِهِ: قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِهِ، وَذَكَرَ أَيْضًا: أَنَّهُ أَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ قَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ، وَصَاحِبُ الْوَسِيلَةِ: هِيَ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهَا. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هِيَ الْأَشْهَرُ عَنْ أَحْمَدَ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالْكَافِي.
قَوْلُهُ (يَفْتَتِحُهَا بِالتَّكْبِيرِ) هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ مُعْظَمُ الْأَصْحَابِ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، وَقِيلَ: يَفْتَتِحُهَا بِالِاسْتِغْفَارِ، وَقَالَهُ أَبُو بَكْرٍ فِي الشَّافِي، وَعَنْهُ يَفْتَتِحُهَا بِالْحَمْدِ، قَالَهُ الْقَاضِي فِي الْخِصَالِ، وَاخْتَارَهُ فِي الْفَائِقِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، كَمَا تَقَدَّمَ عَنْهُ فِي خُطْبَةِ الْعِيدِ قَالَ ابْنُ رَجَبٍ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ: وَهُوَ الْأَظْهَرُ. فَائِدَةٌ: قَوْلُهُ (وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ فَيَدْعُو) ، وَهَذَا بِلَا نِزَاعٍ، لَكِنْ يَكُونُ ظُهُورُ يَدَيْهِ نَحْوَ السَّمَاءِ؛ لِأَنَّهُ دُعَاءُ رَهْبَةٍ، ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ وَجَمَاعَةٌ: دُعَاءُ الرَّهْبَةِ بِظُهُورِ الْأَكُفِّ، وَذَكَرَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ وَجْهًا: أَنَّ دُعَاءَ الِاسْتِسْقَاءِ كَغَيْرِهِ فِي كَوْنِهِ يَجْعَلُ بُطُونَ أَصَابِعِهِ نَحْوَ السَّمَاءِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ. قُلْت: قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَزَادَ: وَيُقِيمُ إبْهَامَهُمَا فَيَدْعُو بِهِمَا، وَقَدَّمَهُ فِي الْحَوَاشِي وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَقَالَ: صَارَ كَفُّهَا نَحْوَ السَّمَاءِ لِشِدَّةِ الرَّفْعِ، لَا قَصْدًا لَهُ، وَإِنَّمَا كَانَ يُوَجِّهُ بُطُونَهُمَا مَعَ الْقَصْدِ، وَأَنَّهُ لَوْ كَانَ قَصْدُهُ فَغَيْرُهُ أَوْلَى وَأَشْهَرُ قَالَ: وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِمَّنْ يَرَى رَفْعَهُمَا فِي الْقُنُوتِ: إنَّهُ يَرْفَعُ ظُهُورَهُمَا، بَلْ بُطُونَهُمَا. قَوْلُهُ (وَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ فِي أَثْنَاءِ الْخُطْبَةِ) هَذَا الْمَذْهَبُ وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْكَافِي، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالْوَجِيزِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالشَّرْحِ، وَغَيْرِهِمْ، وَقِيلَ: لَا يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ إلَّا بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الْخُطْبَةِ قَالَ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْفَائِقِ،
وَغَيْرِهِمَا: وَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ فِي أَثْنَاءِ دُعَائِهِ، وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ فِي أَثْنَاءِ كَلَامِهِ، قِيلَ: بَعْدَ خُطْبَتِهِ وَقِيلَ فِيهَا فَائِدَةٌ: قَوْلُهُ (وَيُحَوِّلُ رِدَاءَهُ) مَحَلُّ التَّحْوِيلِ: بَعْدَ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ. قَوْلُهُ (وَإِنْ سُقُوا قَبْلَ خُرُوجِهِمْ شَكَرُوا اللَّهَ تَعَالَى) ، وَتَحْرِيرُ الْمَذْهَبِ فِي ذَلِكَ: أَنَّهُمْ إنْ كَانُوا لَمْ يَتَأَهَّبُوا لِلْخُرُوجِ لَمْ يُصَلُّوا، وَإِنْ كَانُوا تَأَهَّبُوا لِلْخُرُوجِ خَرَجُوا وَصَلَّوْا شُكْرًا لِلَّهِ. وَسَأَلُوهُ الْمَزِيدَ مِنْ فَضْلِهِ، وَهَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُمَا وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَغَيْرِهِمَا وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقِيلَ: يَخْرُجُونَ وَيَدْعُونَ وَلَا يُصَلُّونَ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْآمِدِيِّ وَقِيلَ: يُصَلُّونَ وَلَا يَخْرُجُونَ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا فِي الْمُذْهَبِ، وَالْمُحَرَّرِ، فَإِنَّهُمَا قَالَا: يُصَلُّونَ، وَلَمْ يَتَعَرَّضَا لِلْخُرُوجِ. وَقِيلَ: لَا يَخْرُجُونَ وَلَا يُصَلُّونَ اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: فَإِنْ سُقُوا قَبْلَ خُرُوجِهِمْ صَلَّوْا فِي الْأَصَحِّ، وَشَكَرُوا اللَّهَ، وَسَأَلُوهُ الْمَزِيدَ مِنْ فَضْلِهِ، وَقِيلَ: فِي خُرُوجِهِمْ إلَى الصَّلَاةِ وَالدُّعَاءِ، أَوْ الدُّعَاءِ وَحْدَهُ: وَجْهَانِ، وَقِيلَ: شُكْرُهُمْ لَهُ بِإِدْمَانِ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ. انْتَهَى. وَإِنْ كَانُوا تَأَهَّبُوا لِلْخُرُوجِ وَخَرَجُوا وَسُقُوا بَعْدَ خُرُوجِهِمْ وَقَبْلَ صَلَاتِهِمْ صَلَّوْا بِلَا خِلَافٍ أَعْلَمُهُ. قَوْلُهُ (وَيُنَادَى لَهَا: الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ) وَهَذَا الْمَذْهَبُ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَقِيلَ: لَا يُنَادَى لَهَا، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا قَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ، فَإِنَّهُ قَالَ وَقِيلَ: يُنَادَى لَهَا " الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ " وَلَا نَصَّ فِيهِ. انْتَهَى.
قَوْلُهُ (وَهَلْ مِنْ شَرْطِهَا إذْنُ الْإِمَامِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَعُقُودِ ابْنِ الْبَنَّا، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالنَّظْمِ، وَالرِّعَايَةِ، وَالشَّرْحِ وَغَيْرِهِمْ. إحْدَاهُمَا: لَا يُشْتَرَطُ، وَهِيَ الْمَذْهَبُ قَالَ فِي الْفَائِقِ: وَلَا يُشْتَرَطُ إذْنُ الْإِمَامِ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: يُشْتَرَطُ جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَعَنْهُ يُشْتَرَطُ إذْنُهُ فِي الصَّلَاةِ وَالْخُطْبَةِ، دُونَ الْخُرُوجِ لَهَا وَالدُّعَاءِ، نَقَلَهَا الْبُزْرَاطِيُّ، وَقِيلَ: وَإِنْ خَرَجُوا بِلَا إذْنِهِ صَلَّوْا وَدَعَوْا بِلَا خُطْبَةٍ اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ. تَنْبِيهٌ: مَحَلُّ الْخِلَافِ فِي اشْتِرَاطِ إذْنِ الْإِمَامِ: إذَا صَلَّوْا جَمَاعَةً فَأَمَّا إنْ صَلَّوْا فُرَادَى فَلَا يُشْتَرَطُ إذْنُهُ بِلَا نِزَاعٍ. فَائِدَتَانِ. إحْدَاهُمَا: قَالَ الْقَاضِي وَتَبِعَهُ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ وَالِاسْتِسْقَاءُ ثَلَاثَةٌ أَضْرُبٍ أَحَدُهَا: الْخَرُوجُ وَالصَّلَاةُ، كَمَا وَصَفْنَا. الثَّانِي: اسْتِسْقَاءُ الْإِمَامِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى الْمِنْبَرِ. الثَّالِثُ: أَنْ يَدْعُوَ اللَّهَ عَقِيبَ صَلَوَاتِهِمْ، وَفِي خَلَوَاتِهِمْ قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَغَيْرِهِ: الِاسْتِسْقَاءُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ. أَكْمَلُهَا الِاسْتِسْقَاءُ عَلَى مَا وَصَفْنَا. الثَّانِي بَلْ الْأَوْلَى فِي الِاسْتِحْبَابِ، وَهُوَ أَنْ يَسْتَسْقُوا عَقِيبَ صَلَوَاتِهِمْ وَفِي خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ فَإِذَا فَرَغَ صَلَّى الْجُمُعَةَ. الثَّالِثُ: وَهُوَ أَقْرَبُهَا أَنْ يَخْرُجَ وَيَدْعُوَ بِغَيْرِ صَلَاةٍ. الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقِفَ فِي أَوَّلِ الْمَطَرِ وَيُخْرِجُ رَحْلَهُ وَثِيَابَهُ لِيُصِيبَهَا) قَالَ الْأَصْحَابُ: وَيَتَوَضَّأُ مِنْهُ وَيَغْتَسِلُ، وَذَكَرَ الشَّارِحُ وَغَيْرُهُ الْوُضُوءَ فَقَطْ.
كتاب الجنائز
قَوْلُهُ (وَإِنْ زَادَتْ الْمِيَاهُ، فَخِيفَ مِنْهَا اُسْتُحِبَّ أَنْ يَقُولَ كَذَا إلَى آخِرِهِ) الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ الْمِيَاهَ إذَا زَادَتْ وَخِيفَ مِنْهَا: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ، ذَلِكَ حَسْبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعُوا بِهِ، وَقِيلَ: يُسْتَحَبُّ مَعَ ذَلِكَ صَلَاةُ الْكُسُوفِ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ فَاسْتُحِبَّ لَهُمْ صَلَاةُ الْكُسُوفِ كَالزَّلْزَلَةِ، وَهَذَا الْوَجْهُ اخْتِيَارُ الْآمِدِيِّ. فَائِدَةٌ: يَحْرُمُ أَنْ يَقُولَ " مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا " لِمَا وَرَدَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَلَا يُكْرَهُ أَنْ يَقُولَ " مُطِرْنَا فِي نَوْءِ كَذَا " عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقَالَ الْآمِدِيُّ: يُكْرَهُ، إلَّا أَنْ يَقُولَ مَعَ ذَلِكَ " بِرَحْمَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى " [كِتَابُ الْجَنَائِزِ] ِ فَائِدَةٌ: الْجَنَائِزُ بِفَتْحِ الْجِيمِ جَمْعُ جِنَازَةٍ بِالْكَسْرِ وَالْفَتْحُ لُغَةٌ، وَيُقَالُ بِالْفَتْحِ: لِلْمَيِّتِ، وَبِالْكَسْرِ: لِلنَّعْشِ عَلَيْهِ الْمَيِّتُ، وَيُقَالُ: عَكْسُهُ. ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْمَشَارِقِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ الْمَيِّتُ عَلَى السَّرِيرِ لَا يُقَالُ لَهُ جِنَازَةٌ، وَلَا نَعْشٌ، وَإِنَّمَا يُقَالُ لَهُ سَرِيرٌ قَوْلُهُ (وَيُسْتَحَبُّ عِيَادَةُ الْمَرِيضِ) يَعْنِي مِنْ حِينِ شُرُوعِهِ فِي الْمَرَضِ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَقِيلَ: يُسْتَحَبُّ عِيَادَتُهُ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ. وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ تَمِيمٍ، وَقَالَ فِي الْمُبْهِجِ: تَجِبُ الْعِيَادَةُ. وَاخْتَارَهُ الْآجُرِّيُّ، وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالْمُرَادُ مَرَّةً، وَقَالَ فِي أَوَاخِرِ الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: عِيَادَةُ الْمَرِيضِ فَرْضُ كِفَايَةٍ
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّصُّ وَصَوَّبَ ذَلِكَ فَيُقَالُ: هُوَ وَاجِبٌ عَلَى الْكِفَايَةِ وَاخْتَارَهُ فِي الْفَائِقِ، وَقَالَ أَبُو حَفْصٍ الْعُكْبَرِيُّ: السُّنَّةُ عِيَادَةُ الْمَرِيضِ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَمَا زَادَ نَافِلَةٌ. فَوَائِدُ. الْأُولَى: قَالَ أَبُو الْمَعَالِي ابْنُ مُنَجَّا: ثَلَاثَةٌ لَا تُعَادُ، وَلَا يُسَمَّى صَاحِبُهَا مَرِيضًا: وَجَعُ الضِّرْسِ، وَالرَّمَدُ، وَالدُّمَّلُ، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «ثَلَاثَةٌ لَا تُعَادُ» فَذَكَرَهُ رَوَاهُ النَّجَّادُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْفُرُوعِ وَقَالَ فِي الْآدَابِ: وَظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ يَدُلُّ عَلَى خِلَافِ هَذَا، وَكَذَا ظَاهِرُ الْأَحَادِيثِ، وَالْخَبَرُ الْمَذْكُورُ لَا تُعْرَفُ صِحَّتُهُ، بَلْ هُوَ ضَعِيفٌ، وَذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمَوْضُوعَاتِ. وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي تَارِيخِهِ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ قَوْلُهُ وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ «عَادَنِي النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ وَجَعِ عَيْنِي» . انْتَهَى. الثَّانِيَةُ: لَا يُطِيلُ الْجُلُوسَ عِنْدَ الْمَرِيضِ، وَعَنْهُ قَدْرُهُ كَمَا بَيْنَ خُطْبَتَيْ الْجُمُعَةِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيُتَوَجَّهُ اخْتِلَافُهُ بِاخْتِلَافِ النَّاسِ، وَالْعَمَلُ بِالْقَرَائِنِ وَظَاهِرِ الْحَالِ، وَمُرَادُهُمْ فِي الْجُمْلَةِ. انْتَهَى. وَهُوَ الصَّوَابُ ثُمَّ رَأَيْت النَّاظِمَ قَطَعَ بِهِ. الثَّالِثَةُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: يَعُودُ الْمَرِيضُ بُكْرَةً وَعَشِيًّا، وَقَالَ: عَنْ قُرْبٍ وَسَطَ النَّهَارِ لَيْسَ هَذَا وَقْتُ عِيَادَةٍ فَقَالَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ: يُكْرَهُ إذَنْ نَصَّ عَلَيْهِ قَالَ الْمَجْدُ: لَا بَأْسَ بِهِ فِي آخِرِ النَّهَارِ. وَنَصَّ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَلَى أَنَّ الْعِيَادَةَ فِي رَمَضَانَ لَيْلًا. قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ: وَتَكُونُ الْعِيَادَةُ غِبًّا قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ إطْلَاقِ جَمَاعَةٍ خِلَافُ ذَلِكَ، قَالَ: وَيُتَوَجَّهُ اخْتِلَافُهُ بِاخْتِلَافِ النَّاسِ، وَالْعَمَلُ بِالْقَرَائِنِ وَظَاهِرِ الْحَالِ، قَالَ: وَمُرَادُهُمْ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ فِي الْجُمْلَةِ. الرَّابِعَةُ: نَصَّ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: أَنَّ الْمُبْتَدِعَ لَا يُعَادُ، وَقَالَ فِي النَّوَادِرِ: تَحْرُمُ عِيَادَتُهُ وَعَنْهُ لَا يُعَادُ الدَّاعِيَةُ فَقَطْ، وَاعْتَبَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: الْمَصْلَحَةَ فِي ذَلِكَ، وَأَمَّا مَنْ
جَهَرَ بِالْمَعْصِيَةِ مُطْلَقًا مَعَ بَقَاءِ إسْلَامِهِ: فَهَلْ يُسَنُّ هَجْرُهُ؟ وَهُوَ الصَّحِيحُ قَدَّمَهُ ابْنُ عَبْدِ الْقَوِيِّ فِي آدَابِهِ، وَالْآدَابُ الْكُبْرَى وَالْوُسْطَى لِابْنِ مُفْلِحٍ، أَوْ يَجِبُ إنْ اُرْتُدِعَ، أَوْ يَجِبُ مُطْلَقًا إلَّا مِنْ السَّلَامِ أَوْ تَرْكُ السَّلَامِ فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَيُكْرَهُ لِبَقِيَّةِ النَّاسِ؟ فِيهِ أَوْجُهٌ لِلْأَصْحَابِ وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَتَرْكُ الْعِيَادَةِ مِنْ الْهَجْرِ. الْخَامِسَةُ: تُكْرَهُ عِيَادَةُ الذِّمِّيِّ، وَعَنْهُ تُبَاحُ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ، قُلْت: وَيَجُوزُ الدُّعَاءُ لَهُ بِالْبَقَاءِ وَالْكَثْرَةِ لِأَجْلِ الْجِزْيَةِ. السَّادِسَةُ: يُحْسِنُ الْمَرِيضُ ظَنَّهُ بِرَبِّهِ قَالَ الْقَاضِي: يَجِبُ ذَلِكَ قَالَ الْمَجْدُ: يَنْبَغِي أَنْ يُحْسِنَ الظَّنَّ بِاَللَّهِ تَعَالَى، وَتَبِعَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يُغَلِّبُ رَجَاءَهُ عَلَى خَوْفِهِ، وَقَالَ فِي النَّصِيحَةِ يُغَلِّبُ الْخَوْفَ وَنَصَّ أَحْمَدُ يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَكُونَ رَجَاؤُهُ وَخَوْفُهُ وَاحِدًا، زَادَ فِي رِوَايَةٍ: فَأَيُّهُمَا غَلَبَ صَاحِبَهُ هَلَكَ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: هَذَا هُوَ الْعَدْلُ. السَّابِعَةُ: تَرْكُ الدَّوَاءِ أَفْضَلُ وَنَصَّ عَلَيْهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ، وَاخْتَارَ الْقَاضِي ابْنُ عَقِيلٍ، وَابْنُ الْجَوْزِيِّ وَغَيْرُهُمْ: فِعْلُهُ أَفْضَلُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِفْصَاحِ، وَقِيلَ: يَجِبُ، زَادَ بَعْضُهُمْ: إنْ ظَنَّ نَفْعَهُ، وَيَحْرُمُ بِمُحَرَّمٍ مَأْكُولٍ وَغَيْرِهِ، وَصَوْتِ مَلْهَاةٍ وَغَيْرِهِ، وَيَجُوزُ التَّدَاوِي بِبَوْلِ الْإِبِلِ فَقَطْ، ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ نَصَّ عَلَيْهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي مَوْضِعٍ لَا يَجُوزُ، وَهُوَ ظَاهِرُ التَّبْصِرَةِ وَغَيْرِهَا قَالَ: وَكَذَا كُلُّ مَأْكُولٍ مُسْتَخْبَثٍ كَبَوْلٍ مَأْكُولٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَكُلُّ مَائِعٍ نَجَسٍ، وَنَقَلَهُ أَبُو طَالِبٍ، وَالْمَرُّوذِيُّ، وَابْنُ هَانِئٍ، وَغَيْرُهُمْ، وَيَجُوزُ بِبَوْلِ مَا أُكِلَ لَحْمُهُ، وَفِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالتَّرْغِيبِ: يَجُوزُ بِدِفْلِيٍّ وَنَحْوِهِ لَا يَضُرُّ. نَقَلَ ابْنُ هَانِئٍ وَالْفَضْلُ فِي حَشِيشَةٍ تُسْكِرُ تُسْحَقُ وَتُطْرَحُ مَعَ دَوَاءٍ: لَا بَأْسَ إلَّا مَعَ الْمَاءِ فَلَا، وَذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ: أَنَّ الدَّوَاءَ الْمَسْمُومَ إنْ غَلَبَتْ مِنْهُ السَّلَامَةُ، زَادَ بَعْضُهُمْ: وَهُوَ مَعْنَى كَلَامِ غَيْرِهِ، وَرُجِيَ نَفْعُهُ: أُبِيحَ شُرْبُهُ، لِدَفْعِ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ كَغَيْرِهِ مِنْ الْأَدْوِيَةِ، وَقِيلَ: لَا، وَفِي الْبُلْغَة: لَا يَجُوزُ التَّدَاوِي بِخَمْرٍ فِي مَرَضٍ، وَكَذَا
بِنَجَاسَةٍ أَكْلًا وَشُرْبًا، وَظَاهِرُهُ يَجُوزُ بِغَيْرِ أَكْلٍ وَشُرْبٍ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ بِطَاهِرٍ، وَفِي الْغُنْيَةِ: يَحْرُمُ بِمُحَرَّمٍ كَخَمْرٍ وَمَنِيٍّ نَجِسٍ، وَنَقَلَ الشَّالَنْجِيُّ: لَا بَأْسَ، بِجَعْلِ الْمِسْكِ فِي الدَّوَاءِ وَيُشْرَبُ، وَذَكَرَ أَبُو الْمَعَالِي: يَجُوزُ اكْتِحَالُهُ بِمِيلِ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ، وَذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَقَالَ: لِأَنَّهُ حَاجَةٌ، وَفِي الْإِيضَاحِ: يَجُوزُ بِتِرْيَاقٍ. انْتَهَى. وَلَا بَأْسَ بِالْحِمْيَةِ، نَقَلَهُ حَنْبَلٌ. الثَّامِنَةُ: يُكْرَهُ الْأَنِينُ عَلَى أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ وَالْمَذْهَبُ مِنْهُمَا. تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ قَوْلِهِ (وَتَذْكِيرُهُ التَّوْبَةَ وَالْوَصِيَّةَ) أَنَّهُ سَوَاءٌ كَانَ مَرَضُهُ مَخُوفًا أَوْ لَا، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ، وَصَرَّحَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ، خُصُوصًا التَّوْبَةُ فَإِنَّهَا مَطْلُوبَةٌ فِي كُلِّ وَقْتٍ، وَتَتَأَكَّدُ فِي الْمَرَضِ، وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي الْهِدَايَةِ: هَذَا فِي الْمَرَضِ عَصَبَاتِهِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْخُلَاصَةِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالرِّعَايَةِ، وَالْحَوَاشِي، وَابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرِهِمْ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ فِي الْوَصِيَّةِ، قُلْت: وَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا فِي التَّوْبَةِ. قَوْلُهُ (فَإِذَا نَزَلَ بِهِ تَعَاهَدَ بَلَّ حَلْقِهِ بِمَاءٍ أَوْ شَرَابٍ، وَنَدَّى شَفَتَيْهِ بِقُطْنَةٍ) بِلَا نِزَاعٍ، وَقَوْلُهُ (وَلَقَّنَهُ قَوْلَ " لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ " مَرَّةً وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ثَلَاثٍ إلَّا أَنْ يَتَكَلَّمَ بَعْدَهُ، فَيُعِيدُ تَلْقِينَهُ بِلُطْفٍ وَمُدَارَاةٍ) الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يُلَقِّنُ ثَلَاثًا، وَيُجْزِئُ مَرَّةً، مَا لَمْ يَتَكَلَّمُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، وَنَقَلَ مُهَنَّا وَأَبُو طَالِبٍ: يُلَقِّنُ مَرَّةً قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وِفَاقًا لِلْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: الْمَنْصُوصُ أَنَّهُ لَا يَزِيدُ عَلَى مَرَّةٍ مَا لَمْ يَتَكَلَّمْ، وَإِنَّمَا اُسْتُحِبَّ تَكْرَارُ الثَّلَاثِ إذَا لَمْ يَجِبْ أَوَّلًا، لِجَوَازِ أَنْ
يَكُونَ سَاهِيًا أَوْ غَافِلًا، وَإِذَا كَرَّرَ الثَّلَاثَ: عَلِمَ أَنَّ ثَمَّ مَانِعًا. فَائِدَةٌ: قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: يُكْرَهُ تَلْقِينُ الْوَرَثَةِ لِلْمُحْتَضَرِ بِلَا عُذْرٍ. تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ " وَلَقَّنَهُ قَوْلَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ " قَالَ الْأَصْحَابُ: لِأَنَّ إقْرَارَهُ بِهَا إقْرَارٌ بِالْأُخْرَى قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيُتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ بِأَنْ يُلَقِّنَهُ الشَّهَادَتَيْنِ كَمَا ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ؛ لِأَنَّ الثَّانِيَةَ تَبَعٌ فَلِهَذَا اقْتَصَرَ فِي الْخَبَرِ عَلَى الْأُولَى. قَوْلُهُ (وَيَقْرَأُ عِنْدَهُ سُورَةَ يس) ، قَالَهُ الْأَصْحَابُ، وَكَذَا يَقْرَأُ عِنْدَهُ سُورَةَ الْفَاتِحَةِ وَنَصَّ عَلَيْهِمَا وَاقْتَصَرَ الْأَكْثَرُ عَلَى ذَلِكَ، وَقِيلَ: يَقْرَأُ أَيْضًا سُورَةَ تَبَارَكَ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ. قَوْلُهُ (وَيُوَجِّهُهُ إلَى الْقِبْلَةِ) وَهَذَا مِمَّا لَا نِزَاعَ فِيهِ لَكِنَّ أَكْثَرَ النُّصُوصِ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: عَلَى أَنْ يُجْعَلَ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ قَالَ فِي الْفَائِقِ: وَهُوَ الْأَفْضَلُ قَالَ الْمَجْدُ: وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْهُ، وَهُوَ أَصَحُّ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقَالَ: نَقَلَهُ الْأَكْثَرُ وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَةُ، وَعَنْهُ مُسْتَلْقٍ عَلَى قَفَاهُ أَفْضَلُ، وَعَلَيْهَا أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: اخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَالشَّيْخُ يَعْنِي بِهِ الْمُصَنِّفَ وَعَلَيْهَا الْأَصْحَابُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَاخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: اخْتَارَهُ أَصْحَابُنَا، قُلْت: وَهَذَا الْمَعْمُولُ بِهِ، بَلْ رُبَّمَا شَقَّ جَعْلُهُ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ، وَزَادَ جَمَاعَةٌ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ: يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَلِيلًا، لِيَصِيرَ وَجْهُهُ إلَى الْقِبْلَةِ دُونَ السَّمَاءِ مِنْهُمْ ابْنُ عَقِيلٍ، وَالْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَعَنْهُ هُمَا سَوَاءٌ قَطَعَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ، وَقَالَ الْقَاضِي: إنْ كَانَ الْمَوْضِعُ وَاسِعًا فَعَلَى جَنْبِهِ، وَإِلَّا فَعَلَى ظَهْرِهِ وَقَدَّمَهُ فِي الشَّرْحِ.
تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ قَوْلِهِ " وَإِذَا نَزَلَ بِهِ فَعَلَ كَذَا وَيُوَجِّهُهُ " أَنَّهُ لَا يُوَجِّهُهُ قَبْلَ النُّزُولِ بِهِ وَتَيَقُّنِ مَوْتِهِ وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ الْأَوْلَى التَّوْجِيهُ قَبْلَ ذَلِكَ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هَذَا الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ. فَائِدَةٌ: اسْتَحَبَّ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، تَطْهِيرَ ثِيَابِهِ قُبَيْلَ مَوْتِهِ. تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ (فَإِذَا مَاتَ غَمَّضَ عَيْنَيْهِ) هَذَا صَحِيحٌ فَلِلرَّجُلِ أَنْ يُغَمِّضَ ذَاتِ مَحَارِمِهِ، وَلِلْمَرْأَةِ أَنْ تُغَمِّضَ ذَا مَحْرَمِهَا، وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: يُكْرَهُ أَنْ يُغَمِّضَهُ جُنُبٌ، أَوْ حَائِضٌ، أَوْ يَقْرَبَاهُ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ عِنْدَ تَغْمِيضِهِ " بِسْمِ اللَّهِ، وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ " نَصَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (وَجَعَلَ عَلَى بَطْنِهِ مِرْآةً أَوْ نَحْوَهَا) . يَعْنِي مِنْ الْحَدِيدِ، أَوَالطِّينِ، وَنَحْوِهِ قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: هَذَا لَا يُتَصَوَّرُ إلَّا وَهُوَ عَلَى ظَهْرِهِ قَالَ: فَيُجْعَلُ تَحْتَ رَأْسِهِ شَيْءٌ عَالٍ، لِيُجْعَلَ مُسْتَقْبِلًا بِوَجْهِهِ الْقِبْلَةَ. تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ (وَيُسَارِعُ فِي قَضَاءِ دِينِهِ) ، وَكَذَا قَالَ الْأَصْحَابُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالْمُرَادُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ يَجِبُ ذَلِكَ. قَوْلُهُ (وَتَجْهِيزِهِ) قَالَ فِي الْفُرُوعِ، قَالَ الْأَصْحَابُ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يُسْرِعَ فِي تَجْهِيزِهِ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ «لَا يَنْبَغِي لِجِيفَةِ مُسْلِمٍ أَنْ تُحْبَسَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ أَهْلِهِ» قَالَ: وَ " لَا يَنْبَغِي " لِلتَّحْرِيمِ، وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ بِاسْتِعْمَالِ الشَّارِعِ كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ فِي الْحَرِيرِ «لَا يَنْبَغِي هَذَا لِلْمُتَّقِينَ» . وَاعْلَمْ أَنَّ مَوْتَهُ تَارَةً يَكُونُ فَجْأَةً، وَتَارَةً يَكُونُ غَيْرَ فَجْأَةٍ فَإِنْ كَانَ غَيْرَ فَجْأَةٍ، بِأَنْ يَكُونَ عَنْ مَرَضٍ وَنَحْوِهِ فَيُسْتَحَبُّ الْمُسَارَعَةُ فِي تَجْهِيزِهِ إذَا تَيَقَّنَ مَوْتَهُ،
وَلَا بَأْسَ أَنْ يَنْتَظِرَ بِهِ مَنْ يَحْضُرُهُ، إنْ كَانَ قَرِيبًا وَلَمْ يَخْشَ عَلَيْهِ، أَوْ يَشُقَّ عَلَى الْحَاضِرِينَ نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ لِمَا يُرْجَى لَهُ بِكَثْرَةِ الْجَمْعِ، وَلَا بَأْسَ أَيْضًا أَنْ يَنْتَظِرَ وَلِيُّهُ جَزَمَ بِهِ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ وَقِيلَ: لَا يَنْتَظِرُ، وَأَطْلَقَ أَحْمَدُ تَعْجِيلَهُ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَإِنْ كَانَ مَوْتُهُ فَجْأَةً كَالْمَوْتِ بِالصَّعْقَةِ وَالْهَدْمِ، وَالْغَرَقِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ فَيُنْتَظَرُ بِهِ حَتَّى يُعْلَمَ مَوْتُهُ قَدَّمَهُ الْمُغْنِي، وَالشَّرْحُ، وَالْفُرُوعُ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَةُ قَالَ فِي الْفَائِقِ: سَاغَ تَأْخِيرُهُ قَلِيلًا، وَعَنْهُ يُنْتَظَرُ يَوْمًا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: يُتْرَكُ يَوْمًا، وَقَالَ أَيْضًا: يُتْرَكُ مِنْ غَدْوَةٍ إلَى اللَّيْلِ. وَقِيلَ: يُتْرَكُ يَوْمَانِ مَا لَمْ يُخَفْ عَلَيْهِ قَالَ الْآمِدِيُّ: أَمَّا الْمَصْعُوقُ، وَالْخَائِفُ، وَنَحْوُهُ: فَيُتَرَبَّصُ بِهِ فَإِنْ ظَهَرَ عَلَامَةُ الْمَوْتِ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ، وَقَالَ: إنْ لَا يَطُلْ مَرَضُهُ بُودِرَ بِهِ عِنْدَ ظُهُورِ عَلَامَاتِ الْمَوْتِ، وَقَالَ الْقَاضِي: يُتْرَكُ يَوْمًا أَوْ ثَلَاثَةً، مَا لَمْ يُخَفْ فَسَادُهُ. قَوْلُهُ (إذَا تُيُقِّنَ مَوْتُهُ بِانْخِسَافِ صُدْغَيْهِ، وَمَيْلِ أَنْفِهِ، وَانْفِصَالِ كَفِيهِ، وَاسْتِرْخَاءِ رِجْلَيْهِ) هَكَذَا قَالَ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالشَّرْحِ، وَغَيْرِهِمْ، وَزَادَ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَغَيْرِهِمْ: وَامْتَدَّتْ جِلْدَةُ وَجْهِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْخُلَاصَةِ انْفِصَالَ كَفِيهِ وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ تَيَقُّنَ مَوْتِهِ بِانْخِسَافِ صُدْغَيْهِ، وَمَيْلِ أَنْفِهِ جَزَمَ بِهِ فِي الْمُذْهَبِ وَغَيْرِهِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ. تَنْبِيهَانِ. أَحَدُهُمَا: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: أَنَّ ذَلِكَ يُعْتَبَرُ فِي كُلِّ مَيِّتٍ وَالْأَصْحَابُ إنَّمَا ذَكَرُوا ذَلِكَ فِي مَوْتِ الْفُجَاءَةِ وَنَحْوِهِ، إذَا شَكَّ فِيهِ
قُلْت: وَيُعْلَمُ الْمَوْتُ بِذَلِكَ فِي غَيْرِ الْمَوْتِ فَجْأَةً بِطَرِيقِ أَوْلَى. الثَّانِي: قَوْلُهُ (إذَا تُيُقِّنَ مَوْتُهُ) رَاجِعٌ إلَى الْمُسَارَعَةِ فِي تَجْهِيزِهِ فَقَطْ، فِي ظَاهِرِ كَلَامِ السَّامِرِيِّ، وَصَاحِبِ التَّلْخِيصِ،، قَالَهُ فِي الْحَوَاشِي، قَالَ: وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ تَمِيمٍ: أَنَّهُ رَاجِعٌ إلَى قَوْلِهِ " وَلِينُ مَفَاصِلِهِ " وَمَا بَعْدَهُ قَالَ ابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ: هُوَ رَاجِعٌ إلَى قَضَاءِ الدَّيْنِ وَتَفْرِيقِ الْوَصِيَّةِ، وَالتَّجْهِيزِ قَالَ: وَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْمُذْهَبِ. فَوَائِدُ. الْأُولَى: قَالَ الْآجُرِّيُّ فِيمَنْ مَاتَ عَشِيَّةً: يُكْرَهُ تَرْكُهُ فِي بَيْتٍ وَحْدَهُ، بَلْ يَبِيتُ مَعَهُ أَهْلُهُ. انْتَهَى. وَلَا بَأْسَ بِتَقْبِيلِ الْمَيِّتِ، وَالنَّظَرِ إلَيْهِ، وَلَوْ بَعْدَ تَكْفِينَهُ، نَصَّ عَلَيْهِ. الثَّانِيَةُ: لَا يُسْتَحَبُّ النَّعْيُ، وَهُوَ النِّدَاءُ بِمَوْتِهِ، بَلْ يُكْرَهُ نَصَّ عَلَيْهِ وَنَقَلَ صَالِحٌ: لَا يُعْجِبُنِي، وَعَنْهُ يُكْرَهُ إعْلَانُ غَيْرِ قَرِيبٍ، أَوْ صَدِيقٍ، وَنَقَلَ حَنْبَلٌ: أَوْ جَارٍ. وَعَنْهُ أَوْ أَهْلُ دِينٍ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ اسْتِحْبَابُهُ، قَالَ: وَلَعَلَّ الْمُرَادَ لِإِعْلَامِهِ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ أَصْحَابَهُ بِالنَّجَاشِيِّ، وَقَوْلُهُ عَنْ الَّذِي كَانَ يَقُمْ الْمَسْجِدَ (أَلَا آذَنْتُمُونِي) انْتَهَى. الثَّالِثَةُ: إذَا مَاتَ لَهُ أَقَارِبُ فِي دَفْعَةٍ وَاحِدَةٍ كَهَدْمٍ وَنَحْوِهِ وَلَمْ يُمْكِنْ تَجْهِيزُهُمْ دَفْعَةً وَاحِدَةً، بَدَأَ بِالْأَخْوَفِ فَالْأَخْوَفِ، فَإِنْ اسْتَوَوْا بَدَأَ بِالْأَبِ، ثُمَّ بِالِابْنِ، ثُمَّ بِالْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ، فَإِنْ اسْتَوَوْا كَالْإِخْوَةِ وَالْأَعْمَامِ قَدَّمَ أَفْضَلَهُمْ جَزَمَ بِهِ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَقِيلَ: يُقَدَّمُ الْأَسَنُّ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَأَطْلَقَ الْآجُرِّيُّ: أَنَّهُ يُقَدَّمُ الْأَخْوَفُ، ثُمَّ الْفَقِيرُ، ثُمَّ مَنْ سَبَقَ، فَعَلَى الْمَذْهَبِ: لَوْ اسْتَوَوْا فِي الْأَفْضَلِيَّةِ، قَدَّمَ أَسَنَّهُمْ فَإِنْ اسْتَوَوْا فِي السِّنِّ قُدِّمَ أَحَدُهُمْ بِالْقُرْعَةِ.
فَوَائِدُ. قَوْلُهُ (غُسْلُ الْمَيِّتِ فَرْضُ كِفَايَةٍ) اعْلَمْ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِغُسْلِهِ شُرُوطٌ مِنْهَا: أَنْ يَكُونَ بِمَاءٍ طَهُورٍ، وَمِنْهَا: أَنْ يَكُونَ الْغَاسِلُ مُسْلِمًا، فَلَا يَصِحُّ غُسْلُ كَافِرٍ لِمُسْلِمٍ، إنْ اُعْتُبِرَتْ لَهُ النِّيَّةُ، وَإِنْ لَمْ تُعْتَبَرْ لَهُ النِّيَّةُ صَحَّ، قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَلَا يُغَسِّلُ الْكَافِرُ مُسْلِمًا نَصَّ عَلَيْهِ، وَفِيهِ وَجْهٌ: يَجُوزُ إذَا لَمْ تُعْتَبَرْ النِّيَّةُ، وَهُوَ تَخْرِيجٌ لِلْمَجْدِ، وَكَذَا قَالَ فِي الرِّعَايَةِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، قُلْت: الصَّحِيحُ مَا قَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ، سَوَاءٌ اعْتَبَرْنَا لَهُ النِّيَّةَ أَمْ لَا، وَأَمَّا إذَا حَضَرَ مُسْلِمٌ وَأَمَرَ كَافِرًا بِمُبَاشَرَةِ غُسْلِهِ، فَغَسَّلَهُ نَائِبًا عَنْهُ: صَحَّ غُسْلُهُ قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ قَالَ الْمَجْدُ: يُحْتَمَلُ عِنْدِي أَنْ يَصِحَّ الْغُسْلُ هُنَا، لِوُجُودِ النِّيَّةِ مِنْ أَهْلِ الْغُسْلِ. فَيَصِحُّ كَالْحَيِّ إذَا نَوَى رَفْعَ الْحَدَثِ فَأَمَرَ كَافِرًا بِغَسْلِ أَعْضَائِهِ. وَكَذَا الْأُضْحِيَّةُ إذَا بَاشَرَهَا ذِمِّيٌّ عَلَى الْمَشْهُورِ، اعْتِمَادًا عَلَى نِيَّةِ الْمُسْلِمِ. انْتَهَى. وَظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ، وَهُوَ رِوَايَةٌ فِي الْفُرُوعِ، وَوَجْهٌ فِي مُخْتَصَرِ ابْنِ تَمِيمٍ، وَأَطْلَقَهُمَا هُوَ وَصَاحِبُ الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالْمُرَادُ إنْ صَحَّ غُسْلُ الْكَافِرِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُمَكَّنَ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: فَإِنْ غَسَلَهُ الْكَافِرُ وَقُلْنَا: يَصِحُّ يَمَّمَهُ مَعَهُ مُسْلِمٌ. وَيَأْتِي غُسْلُ الْمُسْلِمِ الْكَافِرَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ. وَمِنْ الشُّرُوطِ: كَوْنُ الْغَاسِلِ عَاقِلًا، وَيَجُوزُ كَوْنُهُ جُنُبًا وَحَائِضًا مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ نَصَّ عَلَيْهِ وَعَنْهُ يُكْرَهُ فِيهِمَا وَجَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى وَقَدَّمَهُ فِي الْكُبْرَى، وَعَنْهُ فِي الْحَائِضِ: لَا يُعْجِبُنِي، وَالْجُنُبُ أَيْسَرُ، وَقِيلَ: الْمُحْدِثُ مِثْلُهُمَا، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَيَجُوزُ أَنْ يُغَسِّلَ حَلَالٌ مُحْرِمًا وَعَكْسُهُ، قَالَ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ: الْأَفْضَلُ أَنْ يَكُونَ ثِقَةً عَارِفًا بِأَحْكَامِ الْغُسْلِ، وَقَالَ
أَبُو الْمَعَالِي: يَجِبُ ذَلِكَ، نَقَلَ حَنْبَلٌ: لَا يَنْبَغِي إلَّا ذَلِكَ، وَقِيلَ: تُعْتَبَرُ الْمَعْرِفَةُ، وَقِيلَ: تُعْتَبَرُ الْعَدَالَةُ، وَيَصِحُّ غُسْلُ الْمُمَيِّزِ لِلْمَيِّتِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ قَالَ فِي الْفَائِقِ، وَابْنُ تَمِيمٍ: وَيَجُوزُ مِنْ مُمَيِّزٍ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ وَصَحَّحَهُ النَّاظِمُ قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ: وَالصَّحِيحُ السُّقُوطُ وَقَدَّمَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالرِّعَايَةِ، وَالزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرِهِمْ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى: يُكْرَهُ أَنْ يَكُونَ الْغَاسِلُ مُمَيِّزًا. وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ لَا يَصِحُّ غُسْلُ الْمُمَيِّزِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَقَالَ كَأَذَانِهِ، وَقَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ بَعْدَ أَنْ قَدَّمَ الصِّحَّةَ قَالَ الْمَجْدُ: وَيَتَخَرَّجُ أَنَّهُ إذَا اسْتَقَلَّ بِغُسْلِهِ لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ. كَمَا لَمْ يُعْتَدَّ بِأَذَانِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ أَهْلًا لِأَدَاءِ الْفَرْضِ، بَلْ يَقَعُ فِعْلُهُ نَفْلًا. انْتَهَى. وَقَالَ فِي الْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ: حَكَى بَعْضُهُمْ فِي جَوَازِ كَوْنِهِ غَاسِلًا لِلْمَيِّتِ، وَيَسْقُطُ بِهِ الْفَرْضُ، رِوَايَتَيْنِ، وَطَائِفَةٌ وَجْهَيْنِ قَالَ: وَالصَّحِيحُ السُّقُوطُ كَمَا تَقَدَّمَ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَفِي مُمَيِّزٍ رِوَايَتَانِ كَأَذَانِهِ فَدَلَّ أَنَّهُ لَا يَكْفِي مِنْ الْمَلَائِكَةِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَكْثَرِ، وَقَالَ فِي الِانْتِصَارِ: يَكْفِي إنْ عَلِمَ، وَكَذَا قَالَ الْقَاضِي فِي التَّعْلِيقِ، وَذَكَرَ ابْنُ شِهَابٍ مَعْنَى كَلَامِ الْقَاضِي: وَيُتَوَجَّهُ فِي مُسْلِمِي الْجِنِّ كَذَلِكَ وَأَوْلَى، لِتَكْلِيفِهِمْ. انْتَهَى كَلَامُ صَاحِبِ الْفُرُوعِ،، وَتَأْتِي النِّيَّةُ وَالتَّسْمِيَةُ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَيَأْتِي ذَلِكَ هُنَاكَ أَيْضًا: هَلْ يُشْتَرَطُ الْعَقْلُ؟ . قَوْلُهُ (غُسْلُ الْمَيِّتِ وَتَكْفِينُهُ وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ وَدَفْنُهُ: فَرْضُ كِفَايَةٍ) بِلَا نِزَاعٍ فَلَوْ دُفِنَ قَبْلَ الْغُسْلِ مَنْ أَمْكَنَ غُسْلُهُ لَزِمَ نَبْشُهُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ نَصَّ عَلَيْهِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي وَغَيْرِهِ وَأَطْلَقَهُ بَعْضُهُمْ وَجَزَمَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ: أَنَّهُ يَجِبُ نَبْشُهُ، إذَا لَمْ يُخْشَ تَفَسُّخُهُ، زَادَ بَعْضُهُمْ: أَوْ تَغَيُّرُهُ، وَقِيلَ: يَحْرُمُ نَبْشُهُ مُطْلَقًا. وَمِثْلُهُ مَنْ دُفِنَ غَيْرَ مُتَوَجِّهٍ إلَى
الْقِبْلَةِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: قَالَ أَصْحَابُنَا: يُنْبَشُ إلَّا أَنْ يُخَافَ أَنْ يَتَفَسَّخَ، وَقِيلَ: يَحْرُمُ نَبْشُهُ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ وَقَدَّمَ ابْنُ تَمِيمٍ: أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ نَبْشُهُ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ أَيْضًا. وَلَوْ دُفِنَ قَبْلَ تَكْفِينِهِ فَقِيلَ حُكْمُهُ حُكْمُ مَنْ دُفِنَ قَبْلَ الْغُسْلِ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ. وَقَالَ فِي الْوَسِيلَةِ: نَصَّ عَلَيْهِ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَقِيلَ: لَا. كَسَتْرِهِ بِلَا تُرَابٍ وَصَحَّحَهُ فِي الْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَالنَّاظِمِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَمُخْتَصَرِ ابْنِ تَمِيمٍ [وَالْفُصُولِ، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ] وَفِي الْمُنْتَخَبِ فِيهِ رِوَايَتَانِ، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ، وَقِيلَ: وَلَوْ بَلِيَ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ فَمَعَ تَفَسُّخِهِ لَا يُنْبَشُ فَإِذَا بَلِيَ كُلُّهُ فَأَوْلَى أَنْ لَا يُنْبَشَ. وَلَوْ كُفِّنَ بِحَرِيرٍ فَذَكَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي نَبْشِهِ وَجْهَيْنِ وَتَبِعَهُ فِي الْفُرُوعِ، قُلْت: الْأَوْلَى عَدَمُ نَبْشِهِ. وَلَوْ دُفِنَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَكَالْغُسْلِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، كَمَا تَقَدَّمَ نَصَّ عَلَيْهِ لِيُوجِدَ شَرْطَ الصَّلَاةِ، وَهُوَ عَدَمُ الْحَائِلِ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، وَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ وَالْقَاضِي: لَا يُنْبَشُ. وَيُصَلَّى عَلَى الْقَبْرِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ؛ لِإِمْكَانِهَا عَلَيْهِ، وَعَنْهُ يُخَيَّرُ قَالَ بَعْضُهُمْ: فَكَذَا غَيْرُهَا، وَيَجُوزُ نَبْشُهُ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ نَصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، كَتَحْسِينِ كَفَنِهِ، وَدَفْنِهِ فِي بُقْعَةٍ خَيْرٍ مِنْ بُقْعَتِهِ، وَدَفْنِهِ لِعُذْرٍ بِلَا غُسْلٍ وَلَا حَنُوطٍ، وَكَإِفْرَادِهِ لِإِفْرَادِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ لِأَبِيهِ، وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ قَالَ الْقَاضِي فِي أَحْكَامِهِ: يُمْنَعُ مِنْ نَقْلِ الْمَوْتَى مِنْ قُبُورِهِمْ إذَا دُفِنُوا فِي مُبَاحٍ، وَيَأْتِي إذَا وَقَعَ فِي الْقَبْرِ مَا لَهُ قِيمَةٌ، أَوْ كُفِّنَ بِغَصْبٍ، أَوْ بَلَغَ مَالُ غَيْرِهِ: هَلْ يُنْبَشُ؟ وَهَلْ يَجُوزُ نَقْلُهُ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ؟ .
قَوْلُهُ (وَأَوْلَى النَّاسُ بِهِ وَصِيُّهُ) هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَهُوَ مِنْ مُفْرَدَاتِ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: لَا يُقَدَّمُ الْوَصِيُّ عَلَى الْوَلِيِّ، وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ، تَنْبِيهٌ: أَفَادَنَا الْمُصَنِّفُ صِحَّةَ الْوَصِيَّةِ بِالْغُسْلِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، وَقِيلَ: لَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِهِ، وَقِيلَ: لَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِهِ وَلَوْ صَحَّحْنَا الْوَصِيَّةَ بِالصَّلَاةِ فَائِدَةٌ: حَيْثُ قُلْنَا: يُغَسِّلُ الْوَصِيُّ فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ عَدْلًا، وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ، وَقِيلَ: لَا تُشْتَرَطُ الْعَدَالَةُ قَوْلُهُ (ثُمَّ أَبُوهُ) بِلَا نِزَاعٍ بَيْنَ الْأَصْحَابِ، وَوَجَّهَ فِي الْفُرُوعِ تَخْرِيجًا مِنْ النِّكَاحِ بِتَقْدِيمِ الِابْنِ عَلَى الْأَبِ. قَوْلُهُ (ثُمَّ جَدُّهُ) هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَعَنْهُ يُقَدَّمُ الِابْنُ عَلَى الْجَدِّ فَقَطْ، وَعَنْهُ يُقَدَّمُ الْأَخُ وَبَنُوهُ عَلَى الْجَدِّ حَكَاهَا الْآمِدِيُّ وَغَيْرُهُ، وَعَنْهُ هُمَا سَوَاءٌ. قَوْلُهُ (ثُمَّ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ مِنْ عَصَبَاتِهِ) نَسَبًا وَنِعْمَةً فَيُقَدَّمُ الْأَخُ مِنْ الْأَبَوَيْنِ عَلَى الْأَخِ مِنْ الْأَبِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقَالَ الْقَاضِي: إذْ قُلْنَا: هُمَا سَوَاءٌ فِي وِلَايَةِ النِّكَاحِ. فَكَذَا هُنَا، وَحَكَاهُ الْآمِدِيُّ رِوَايَةً، وَاخْتَارَهَا وَقَدَّمَهُ نَاظِمُ الْمُفْرَدَاتِ، وَهُوَ مِنْهَا، ذَكَرَهُ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ، قُلْت: وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْعَمُّ مِنْ الْأَبَوَيْنِ وَمِنْ الْأَبِ كَذَلِكَ. وَكَذَلِكَ أَعْمَامُ الْأَبِ وَنَحْوِهِ، وَبَنُو الْإِخْوَةِ مِنْ الْأَبَوَيْنِ أَوْ الْأَبِ ثُمَّ وَجَدْت الْمُصَنِّفَ وَالشَّارِحَ وَغَيْرَهُمَا ذَكَرُوا ذَلِكَ.
قَوْلُهُ (ثُمَّ ذَوُو أَرْحَامِهِ) كَالْمِيرَاثِ فِي التَّرْتِيبِ ثُمَّ مِنْ بَعْدِهِمْ الْأَجَانِبُ، قَالَهُ ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ، وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ قَالَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ أَوْ صَاحِبُ النَّظْمِ: ثُمَّ بَعْدَ ذَوِي الْأَرْحَامِ صَدِيقُهُ وَوَجَّهَ فِي الْفُرُوعِ عَنْ هَذَا الْقَوْلِ تَقْدِيمَ الْجَارِ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ قَالَ: وَفِي تَقْدِيمِهِ عَلَى الصَّدِيقِ نَظَرٌ. انْتَهَى. وَقَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: ثُمَّ ذَوِي رَحِمِهِ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ ثُمَّ أَصْدِقَاؤُهُ مِنْ الْأَجَانِبِ، ثُمَّ غَيْرُهُمْ الْأَدْيَنُ الْأَعْرَفُ الْأَوْلَى فَالْأَوْلَى. تَنْبِيهٌ: مَحَلُّ هَذَا كُلِّهِ فِي الْأَحْرَارِ، أَمَّا الرَّقِيقُ: فَإِنَّ سَيِّدَهُ أَحَقُّ بِغُسْلِ عَبْدِهِ بِلَا نِزَاعٍ، وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: لَا حَقَّ لِلْقَاتِلِ فِي الْمَقْتُولِ إنْ لَمْ يَرِثْهُ، لِمُبَالَغَتِهِ فِي قَطِيعَةِ الرَّحِمِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَمْ أَجِدْ أَحَدًا ذَكَرَهُ غَيْرُهُ، وَلَا يُتَّجَهُ فِي قَتْلٍ لَا يَأْثَمُ فِيهِ. انْتَهَى. قَوْلُهُ (إلَّا الصَّلَاةَ عَلَيْهِ فَإِنَّ الْأَمِيرَ أَحَقُّ بِهَا بَعْدَ وَصِيِّهِ) هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ قَبْلَ ذَلِكَ مِنْ الْأَوْلَوِيَّةِ وَالتَّرْتِيبِ فِي التَّقْدِيمِ: إنَّمَا هُوَ فِي غُسْلِهِ أَمَّا الصَّلَاةُ عَلَيْهِ: فَأَحَقُّ النَّاسِ بِهَا وَصِيُّهُ كَمَا، قَالَهُ الْمُصَنِّفُ ثُمَّ الْأَمِيرُ كَمَا قَالَ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْحَاوِي، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ وَغَيْرِهِمْ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ، وَقِيلَ: يُقَدَّمُ الْأَمِيرُ عَلَى الْوَصِيِّ اخْتَارَهُ الْآجُرِّيُّ. وَقِيلَ: يُقَدَّمُ الْأَبُ عَلَى الْوَصِيِّ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي عَنْ. ابْنِ أَحْمَدَ، نَقَلَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَعَنْهُ يُقَدَّمُ الْوَلِيُّ عَلَى السُّلْطَانِ جَزَمَ بِهِ ابْنُ عَقِيلٍ فِي التَّذْكِرَةِ، تَنْبِيهٌ: أَفَادَنَا الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - صِحَّةَ الْوَصِيَّةِ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ، وَهُوَ صَحِيحٌ. وَاعْلَمْ أَنَّ صِحَّةَ الْوَصِيَّةِ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ: حُكْمُهَا حُكْمُ الْوَصِيَّةِ إلَيْهِ بِالنِّكَاحِ، عَلَى مَا يَأْتِي فِي أَثْنَاءِ بَابِ أَرْكَانِ النِّكَاحِ " وَإِبْخَاسُ الْأَبِ لَا يَمْنَعُ الصِّحَّةَ "
فَوَائِدُ. إحْدَاهُمَا: صِحَّةُ وَصِيَّتُهُ إلَى فَاسِقٍ يَنْبَنِي عَلَى صِحَّةِ إمَامَتِهِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي وَغَيْرُهُ: لَا تَصِحُّ وَصِيَّتُهُ إلَيْهِ، وَإِنْ صَحَّحْنَا إمَامَتَهُ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ الزَّرْكَشِيُّ، الثَّانِيَةُ: لَوْ وَصَّى بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ إلَى اثْنَيْنِ فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: صِحَّةُ الْوَصِيَّةِ وَقِيلَ لَا تَصِحُّ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ فَعَلَى الْمَذْهَبِ قِيلَ: يُصَلِّيَانِ مَعًا صَلَاةً وَاحِدَةً قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَقَالَ: فِيهِ نَظَرٌ، وَقِيلَ: يُصَلِّيَانِ مُنْفَرِدَيْنِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ. الثَّالِثَةُ: الظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَهُ بِالْأَمِيرِ هُنَا: هُوَ السُّلْطَانُ، وَهُوَ الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ أَوْ نَائِبُهُ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ إذَا اجْتَمَعَ السُّلْطَانُ وَغَيْرُهُ قُدِّمَ السُّلْطَانُ فَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ فَأَمِيرُ الْبَلَدِ فَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ أَمِيرُ الْبَلَدِ فَالْحَاكِمُ، قَالَهُ فِي الْفُصُولِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقَالَ: وَذَكَرَ غَيْرُ صَاحِبِ الْفُصُولِ: إنْ لَمْ يَكُنْ الْأَمِيرُ فَالنَّائِبُ مِنْ قَبْلِهِ فِي الْإِمَامَةِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَالْحَاكِمُ. الرَّابِعَةُ: لَيْسَ تَقْدِيمُ الْخَلِيفَةِ وَالسُّلْطَانِ عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ. إذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَبَعْدَ الْوَصِيِّ وَالْحَاكِمُ فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ أَبُوهُ، ثُمَّ جَدُّهُ، ثُمَّ أَقْرَبُ الْعَصَبَةِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي غُسْلِهِ. فَيُقَدَّمُ الْأَخُ وَالْعَمُّ وَعَمُّ الْأَبِ وَابْنُ الْأَخِ مِنْ الْأَبَوَيْنِ عَلَى مَنْ كَانَ لِأَبٍ مِنْهُمْ، وَجَعَلَهُمَا الْقَاضِي فِي التَّسْوِيَةِ كَالنِّكَاحِ وَقَطَعَ بِهِ الزَّرْكَشِيُّ، وَقَالَ فِي الْفُصُولِ فِي تَقْدِيمِ أَخٍ الْأَبَوَيْنِ عَلَى أَخٍ لِأَبٍ: رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا: هُمَا سَوَاءٌ، قَالَ: وَهُوَ الْأَشْبَهُ، وَذَكَرَ أَبُو الْمَعَالِي أَنَّهُ قِيلَ فِي التَّرْجِيحِ بِالْأُمُومَةِ وَجْهَانِ. كَنِكَاحٍ وَتَحَمُّلِ
عَقْلٍ؛ لِأَنَّهُ لَا مَدْخَلَ لَهَا فِي وِلَايَةِ الصَّلَاةِ، وَقَالَ فِي التَّلْخِيصِ، وَالْمُحَرَّرِ: يُقَدَّمُ بَعْدَ الْأَمِيرِ أَقْرَبُ الْعَصَبَةِ. فَيُحْتَمَلُ مَا قَالَ الْأَصْحَابُ، وَيُحْتَمَلُ تَقْدِيمُ الِابْنِ عَلَى الْأَبِ، وَلَمْ أَرَهُ هُنَا لِلْأَصْحَابِ ثُمَّ الزَّوْجِ بَعْدَ الْعَصَبَةِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَقَالَا: أَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ عَنْ أَحْمَدَ: تَقْدِيمُ الْعَصَبَاتِ عَلَى الزَّوْجِ قَالَ فِي الْكَافِي: هَذَا أَشْهَرُ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ وَاخْتَارَهُ الْخَلَّالُ، وَالْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَغَيْرُهُمْ، وَنَقَلَ ابْنُ الْحَكَمِ: يُقَدَّمُ الزَّوْجُ عَلَى الْعَصَبَةِ كَغُسْلِهَا، وَهِيَ مِنْ مُفْرَدَاتِ الْمَذْهَبِ اخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ، مِنْهُمْ الْآجُرِّيُّ، وَالْقَاضِي فِي التَّعْلِيقِ، وَالْآمِدِيُّ، وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي الْخِلَافِ، وَابْنُ الزَّاغُونِيِّ، وَالْمَجْدُ وَغَيْرُهُمْ قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: وَهِيَ أَصَحُّ قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: هَذَا أَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ وَصَحَّحَهُ فِي النَّظْمِ وَتَصْحِيحِ الْمُحَرَّرِ، وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمَذْهَبِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَذَكَرَ الشَّرِيفُ: يُقَدَّمُ الزَّوْجُ عَلَى ابْنِهِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَاقْتَصَرَ ابْنُ تَمِيمٍ عَلَى كَلَامِ الشَّرِيفِ، فَأَبْطَلَهُ أَبُو الْمَعَالِي بِتَقْدِيمِ أَبٍ عَلَى جَدٍّ، وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الْخِلَافِ لِلْقَاضِي: الزَّوْجُ أَوْلَى مِنْ ابْنِ الْمَيِّتَةِ مِنْهُ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: أَوْلَى مِنْ سَائِرِ الْعَصَبَاتِ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَقَاسَ عَلَيْهِ ابْنُهُ مِنْهَا، وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَخَرَّجُ مِنْ تَقْدِيمِ الزَّوْجِ: تَقْدِيمُ الْمَرْأَةِ عَلَى ذَوَاتِ قَرَابَتِهِ، وَعِنْدَ الْآجُرِّيِّ: يُقَدَّمُ السُّلْطَانُ، ثُمَّ الْوَصِيُّ، ثُمَّ الزَّوْجُ، ثُمَّ الْعَصَبَةُ فَعَلَى الْمَذْهَبِ وَهُوَ تَقْدِيمُ الْعَصَبَاتِ عَلَى الزَّوْجِ يُقَدَّمُ ذَوُو الْأَرْحَامِ عَلَى الزَّوْجِ أَيْضًا قَالَ فِي الْفُرُوعِ: ثُمَّ السُّلْطَانُ، ثُمَّ أَقْرَبُ الْعَصَبَةِ، ثُمَّ ذَوُو الْأَرْحَامِ، وَالْمُرَادُ ثُمَّ الزَّوْجُ، إنْ لَمْ يُقَدَّمْ عَلَى عَصَبَةٍ. انْتَهَى.
فَبَيَّنَ أَنَّ مُرَادَ الْأَصْحَابِ: إذَا قَدَّمْنَا الْعَصَبَةَ عَلَى الزَّوْجِ، يُقَدَّمُ عَلَيْهِ ذَوُو الْأَرْحَامِ، وَإِذَا قَدَّمْنَاهُ عَلَى الْعَصَبَةِ، فَيُقَدَّمُ عَلَى ذَوِي الْأَرْحَامِ بِطَرِيقِ أَوْلَى. تَنْبِيهٌ: مَحَلُّ هَذَا الْخِلَافِ فِي الْأَحْرَارِ وَأَمَّا لَوْ كَانَ الْمَيِّتُ رَقِيقًا: فَإِنَّ سَيِّدَهُ أَحَقُّ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ مِنْ السُّلْطَانِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَعَنْهُ السُّلْطَانُ أَحَقُّ وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، وَهُوَ احْتِمَالٌ فِي مُخْتَصَرِ ابْنِ تَمِيمٍ. فَوَائِدُ. مَنْ قَدَّمَهُ الْوَلِيُّ فَهُوَ بِمَنْزِلَتِهِ، قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: وَوَكِيلُ كُلٍّ يَقُومُ مَقَامَهُ فِي رُتْبَتِهِ، إذَا كَانَ مِمَّنْ يَصِحُّ مُبَاشَرَتُهُ لِلْفِعْلِ كَوِلَايَةِ النِّكَاحِ وَأَوْلَى، وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: فَإِنْ غَابَ الْأَقْرَبُ بِمَكَانٍ تَفُوتُ الصَّلَاةُ بِحُضُورِهِ تَحَوَّلَتْ لِلْأَبْعَدِ، فَلَهُ مَنْعُ مَنْ قُدِّمَ بِوَكَالَةٍ وَرِسَالَةٍ قَالَ فِي الْفُرُوعِ كَذَا قَالَ، وَلَوْ قَدَّمَ الْوَصِيُّ غَيْرَهُ فَوَجْهَانِ وَأَطْلَقَهُمَا فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى وَالْفُرُوعِ، قُلْت: الْأَوْلَى أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، وَيَنْتَقِلُ إلَى مَنْ بَعْدَ الْوَصِيِّ، أَوْ يَفْعَلُهُ الْوَصِيُّ، وَلَوْ تَسَاوَى اثْنَانِ فِي الصِّفَاتِ. فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: يُقَدَّمُ الْأَوْلَى بِالْإِمَامَةِ قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ وَنَصَرَاهُ، وَغَيْرُهُمْ، وَقِيلَ: يُقَدَّمُ الْأَسَنُّ قَالَ الْقَاضِي: يُحْتَمَلُ تَقْدِيمُ الْأَسَنِّ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى إجَابَةِ الدُّعَاءِ، وَأَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ قَدْرًا. جَزَمَ بِهِ فِي الْبُلْغَةِ، [وَنَظْمِهَا النِّهَايَةُ] وَقَدَّمَهُ فِي الْفَائِقِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَنِهَايَةِ ابْنِ رَزِينٍ، وَنَظْمِهَا، وَأَطْلَقَهُمَا فِي التَّلْخِيصِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَقَالَ: فَإِنْ اسْتَوَوْا أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ: لَوْ اجْتَمَعَ اثْنَانِ مِنْ أَوْلِيَاءِ الْمَيِّتِ وَاسْتَوَيَا وَتَشَاحَّا فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا، وَيُقَدَّمُ الْحُرُّ الْبَعِيدُ عَلَى الْعَبْدِ الْقَرِيبِ، وَوَجَّهَ فِي الْفُرُوعِ احْتِمَالًا بِتَقْدِيمِ الْقَرِيبِ
وَيُقَدَّمُ الْعَبْدُ الْمُكَلَّفُ عَلَى الصَّبِيِّ الْحُرِّ وَالْمَرْأَةِ، قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَلَوْ تَقَدَّمَ أَجْنَبِيٌّ وَصَلَّى، فَإِنْ صَلَّى الْوَلِيُّ خَلْفَهُ صَارَ إذْنًا قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: وَيُشْبِهُ تَصَرُّفَ الْفُضُولِيِّ إذَا أُجِيزَ، وَإِلَّا فَلَهُ أَنْ يُعِيدَ الصَّلَاةَ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ، وَظَاهِرُهُ: لَا يُعِيدُ غَيْرُ الْوَلِيِّ قَالَ: وَتَشْبِيهُهُ الْمَسْأَلَةَ بِتَصَرُّفِ الْفُضُولِيِّ يَقْتَضِي مَنْعَ التَّقْدِيمِ بِلَا إذْنٍ قَالَ: وَيُتَوَجَّهُ أَنَّهُ كَتَقْدِيمِ غَيْرِ صَاحِبِ الْبَيْتِ، وَإِمَامِ الْمَسْجِدِ بِلَا إذْنٍ كَمَا تَقَدَّمَ، وَيُحْتَمَلُ الْمَنْعُ هُنَا لِمَنْعِ الصَّلَاةِ ثَانِيًا، وَكَوْنُهَا نَفْلًا عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ. انْتَهَى. وَقَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ قُلْت: فَلَوْ صَلَّى الْأَبْعَدُ، أَوْ أَجْنَبِيٌّ مَعَ حُضُورِ الْأَوْلَى بِغَيْرِ إذْنِهِ صَحَّ، كَصَلَاةِ غَيْرِ إمَامِ الْمَسْجِدِ الرَّاتِبِ؛ وَلِأَنَّ مَقْصُودَ الصَّلَاةِ الدُّعَاءُ لِلْمَيِّتِ، وَقَدْ حَصَلَ، وَلَيْسَ فِيهَا كَبِيرُ افْتِيَاتٍ تَشِحُّ بِهِ الْأَنْفُسُ عَادَةً، بِخِلَافِ وِلَايَةِ النِّكَاحِ، وَلَوْ مَاتَ بِأَرْضٍ فَلَاةٍ فَقَالَ فِي الْفُصُولِ: يُقَدَّمُ أَقْرَبُ أَهْلِ الْقَافِلَةِ إلَى الْخَيْرِ وَالْأَشْفَقُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالْمُرَادُ كَالْإِمَامَةِ. قَوْلُهُ (وَغُسْلُ الْمَرْأَةِ أَحَقُّ النَّاسِ بِهِ: الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ مِنْ نِسَائِهَا) حُكْمُ غُسْلِ الْمَرْأَةِ، إذَا أَوْصَتْ: حُكْمُ الرَّجُلِ إذَا أَوْصَى عَلَى مَا سَبَقَ، وَأَمَّا الْأَقَارِبُ، فَأَحَقُّ النَّاسِ يَغْسِلُهَا: أُمُّهَا ثُمَّ أُمَّهَاتُهَا وَإِنْ عَلَتْ، ثُمَّ بِنْتُهَا وَإِنْ نَزَلَتْ، ثُمَّ الْقُرْبَى. كَالْمِيرَاثِ، وَعَمَّتُهَا وَخَالَتُهَا سَوَاءٌ؛ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْقُرْبِ وَالْمَحْرَمِيَّةِ، وَكَذَا بِنْتُ أَخِيهَا وَبِنْتُ أُخْتِهَا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَشَرْحِ الْمَجْدِ، وَقَالَ فِي الْهِدَايَةِ: يُقَدَّمُ بَنَاتُ الْأَخِ عَلَى بَنَاتِ الْأُخْتِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَدَلَّ أَنَّ مَنْ كَانَتْ عَصَبَةً وَلَوْ كَانَتْ ذَكَرًا فَهِيَ أَوْلَى، لَكِنَّهُ سَوَّى بَيْنَ الْعَمَّةِ وَالْخَالَةِ. قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: وَهُوَ فِي غَايَةِ الْإِشْكَالِ قَالَ: وَالضَّابِطُ فِي ذَلِكَ: أَنَّ أَوْلَى النِّسَاءِ ذَاتُ الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ، ثُمَّ ذَاتُ الرَّحِمِ غَيْرُ الْمَحْرَمِ، وَيُقَدَّمُ الْأَقْرَبُ
فَالْأَقْرَبُ فَإِذَا اسْتَوَتْ امْرَأَتَانِ فِي الْقُرْبِ مَعَ الْمَحْرَمِيَّةِ فِيهَا، أَوْ عَدَمِهَا فَعِنْدَنَا هُمَا سَوَاءٌ، اعْتِبَارًا بِالْقُرْبِ وَالْمَحْرَمِيَّةِ فَقَطْ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: مَنْ كَانَتْ فِي مَحَلِّ الْعُصُوبَةِ لَوْ كَانَتْ ذَكَرًا: فَهِيَ أَوْلَى، وَبِهِ قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي بِنْتَيْ الْأَخِ وَالْأُخْتِ دُونَ الْعَمَّةِ وَالْخَالَةِ، وَلَمْ يَحْضُرْنِي لِتَفْرِقَتِهِ وَجْهٌ. انْتَهَى. وَيُقَدَّمُ مِنْهُنَّ مَنْ يُقَدَّمُ مِنْ الرِّجَالِ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ يُقَدَّمُ فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ: حَتَّى وَالِيهِ وَقَاضِيهِ، ثُمَّ بَعْدَ أَقَارِبِهَا الْأَجْنَبِيَّاتُ، ثُمَّ الزَّوْجُ، أَوْ السَّيِّدُ، عَلَى الصَّحِيحِ، عَلَى مَا يَأْتِي قَرِيبًا. قَوْلُهُ (وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الزَّوْجَيْنِ غُسْلُ صَاحِبِهِ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ) اعْلَمْ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تُغَسِّلَ زَوْجَهَا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ نَصَّ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إجْمَاعًا وَجَزَمَ بِهِ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ، وَنَفَى الْخِلَافَ فِيهِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هَذَا الْمَنْصُوصُ الْمَشْهُورُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ، وَلَوْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ، أَوْ بَعْدَ طَلَاقٍ رَجْعِيٍّ، إنْ أُبِيحَتْ الرَّجْعِيَّةُ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ، وَقِيلَ: أَوْ حُرِّمَتْ، وَكَذَا لَوْ وَلَدَتْ عَقِبَ مَوْتِهِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَفِيهِ وَجْهٌ: لَا تَغْسِلُهُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَا تُغَسِّلُهُ مُطْلَقًا كَالصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ فِيمَنْ أَبَانَهَا فِي مَرَضِهِ، وَحُكِيَ عَنْهُ رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ: تُغَسِّلُهُ لِعَدَمِ مَنْ يُغَسِّلُهُ فَقَطْ فَيَحْرُمُ عَلَيْهَا النَّظَرُ إلَى الْعَوْرَةِ قَالَ فِي الْإِفَادَاتِ: وَلِأَحَدِ الزَّوْجَيْنِ غُسْلُ الْآخَرِ لِضَرُورَةٍ. فَائِدَةٌ: قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: وَلَوْ وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ بَعْدَ مَوْتِهِ، أَوْ قَبَّلَتْ ابْنَهُ لِشَهْوَةٍ لَمْ تُغَسِّلْهُ؛ لِرَفْعِ ذَلِكَ حِلَّ النَّظَرِ وَاللَّمْسِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَلَوْ وَطِئَ أُخْتَهَا بِشُبْهَةٍ ثُمَّ مَاتَ
فِي الْعِدَّةِ لَمْ تُغَسِّلْهُ إلَّا أَنْ تَضَعَ عَقِيبَ مَوْتِهِ لِزَوَالِ الْحُرْمَةِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْفُرُوعِ تَنْبِيهٌ: أَثْبَتَ الرِّوَايَةَ الثَّانِيَةَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي الْهِدَايَةِ، وَصَاحِبُ الْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبُ، وَالْخُلَاصَةُ، وَالتَّلْخِيصُ، وَالْمُصَنِّفُ، وَغَيْرُهُمْ، وَحَكَى الْمَجْدُ: أَنَّ ابْنَ حَامِدٍ وَغَيْرَهُ أَثْبَتَهَا، وَلَمْ يُثْبِتْهَا الْمَجْدُ وَجَمَاعَةٌ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَحُكِيَ عَنْهُ الْمَنْعُ مُطْلَقًا فَذَكَرَهَا بِصِيغَةِ التَّمْرِيضِ، وَأَمَّا الرَّجُلُ: فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُغَسِّلَ امْرَأَتَهُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَنَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، وَالشَّرِيفُ، وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي خِلَافَيْهِمَا وَالشِّيرَازِيُّ فِي الْمُبْهِجِ وَالْإِيضَاحِ، وَصَاحِبُ الْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْفَائِقِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالشَّرْحِ، وَقَالَ: هُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ وَنَصَرَهُ هُوَ وَالْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُمَا، وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْأَصْحَابِ، وَعَنْهُ لَا يُغَسِّلُهَا مُطْلَقًا، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْكَافِي، وَعَنْهُ يُغَسِّلُهَا عِنْدَ الضَّرُورَةِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ، وَقَدْ سُئِلَ: هَلْ يُغَسِّلُ الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ، وَالْمَرْأَةُ زَوْجَهَا؟ فَقَالَ: كِلَاهُمَا وَاحِدٌ إذَا لَمْ يَكُنْ، مَنْ يُغَسِّلُهُمَا فَأَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ وَاخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ، وَابْنُ أَبِي مُوسَى، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِفَادَاتِ. تَنْبِيهٌ: حَمَلَ الْمُصَنِّفُ وَمَنْ تَابَعَهُ كَلَامَ الْخِرَقِيِّ عَلَى التَّنْزِيهِ، وَنَفْيِ الْقَوْلِ بِذَلِكَ، وَحَمَلَهُ ابْنُ حَامِدٍ وَالْقَاضِي عَلَى ظَاهِرِهِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَهُوَ أَوْفَقُ لِنَصِّ أَحْمَدَ. قَوْلُهُ (وَكَذَا السَّيِّدُ مَعَ سَرِيَّتِهِ وَهِيَ مَعَهُ) الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ لِلسَّيِّدِ غُسْلَ سُرِّيَّتِهِ، وَكَذَا الْعَكْسُ، لِبَقَاءِ الْمِلْكِ مِنْ وَجْهٍ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ تَجْهِيزُهَا، أَوْ أَنَّ النَّفْيَ إذَا انْتَهَى تَقَرَّرَ حُكْمُهُ، وَعَنْهُ لَا يُغَسِّلُهَا وَلَا تُغَسِّلُهُ، وَقِيلَ: لَهُ تَغْسِيلُهَا دُونَهَا
فَائِدَتَانِ. إحْدَاهُمَا: أُمُّ الْوَلَدِ مَعَ السَّيِّدِ وَهُوَ مَعَهَا كَالسَّيِّدِ مَعَ أَمَتِهِ وَهِيَ مَعَهُ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ، هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: بِالْمَنْعِ فِي أُمِّ الْوَلَدِ، وَإِنْ جَوَّزْنَاهُ لِلْأَمَةِ؛ لِبَقَاءِ الْمِلْكِ فِي الْأَمَةِ مِنْ وَجْهٍ كَقَضَاءِ دَيْنٍ وَوَصِيَّةٍ. الثَّانِيَةُ: حَيْثُ جَازَ الْغُسْلُ، جَازَ النَّظَرُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا غَيْرِ الْعَوْرَةِ. ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ وَجَوَّزَهُ فِي الِانْتِصَارِ وَغَيْرِهِ بِلَا لَذَّةٍ، وَجَوَّزَ فِي الِانْتِصَارِ وَغَيْرِهِ: اللَّمْسَ وَالْخَلْوَةَ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيُتَوَجَّهُ أَنَّهُ ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَكَلَامِ ابْنِ شِهَابٍ، وَاخْتَلَفَ كَلَامُ الْقَاضِي فِي نَظَرِ الْفَرْجِ فَمَرَّةً أَجَازَهُ بِلَا لَذَّةٍ، وَمَرَّةً مَنَعَ قَالَ: وَالْمُعِينُ فِي الْغُسْلِ وَالْقِيَامِ عَلَيْهِ كَالْغَاسِلِ فِي الْخَلْوَةِ بِهَا، وَالنَّظَرِ إلَيْهَا. وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الزَّوْجَيْنِ النَّظَرُ إلَى الْآخَرِ بَعْدَ الْمَوْتِ، مَا عَدَا الْفَرْجَ، قَالَهُ أَصْحَابُنَا وَسُئِلَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: قَدْ اُخْتُلِفَ فِي نَظَرِ الرَّجُلِ إلَى امْرَأَتِهِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْفَائِقِ وَغَيْرِهِ. فَائِدَةٌ: تَرْكُ التَّغْسِيلِ مِنْ الزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ وَالسَّيِّدِ أَوْ مَنْ فَعَلَهُ وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ الْأَجْنَبِيَّ يُقَدَّمُ عَلَى الزَّوْجَةِ جَزَمَ بِهِ ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ وَصَحَّحَهُ فِي الرِّعَايَةِ وَغَيْرِهَا قَالَ فِي الْفُرُوعِ: هُوَ الْأَشْهَرُ وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ، وَقِيلَ: لَا يُقَدَّمُ عَلَيْهِمَا [وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي فِي السَّيِّدِ] وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَيْضًا: أَنَّ الْمَرْأَةَ الْأَجْنَبِيَّةَ: تُقَدَّمُ عَلَى الزَّوْجِ وَالسَّيِّدِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: هَذَا الْأَشْهَرُ وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ. وَقِيَاسٌ: لَا تُقَدَّمُ عَلَيْهِمَا وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي فِي السَّيِّدِ وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ الزَّوْجَةَ أَوْلَى مِنْ أُمِّ الْوَلَدِ وَاخْتَارَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ. وَفِيهِ وَجْهٌ: هُمَا سَوَاءٌ، فَيُقْرَعُ بَيْنَهُمَا قَالَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ، وَصَاحِبُ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَفِي تَقْدِيمِ أُمِّ الْوَلَدِ عَلَى زَوْجَتِهِ وَعَكْسِهِ وَجْهَانِ فَحَكَى
الْخِلَافَ فِي أَنَّ الزَّوْجَةَ هَلْ هِيَ أَوْلَى مِنْ أُمِّ الْوَلَدِ، أَوْ أُمُّ الْوَلَدِ أَوْلَى مِنْ الزَّوْجَةِ؟ وَأَطْلَقَهُمَا، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ الَّذِي رَأَيْنَاهُ: هَلْ الزَّوْجَةُ أَوْلَى، أَوْ هُمَا سَوَاءٌ؟ فَلَعَلَّهُ اطَّلَعَ عَلَى نَقْلٍ فِي ذَلِكَ، وَفِي تَقْدِيمِ زَوْجٍ عَلَى سَيِّدٍ وَعَكْسِهِ، وَتَسَاوِيهِمَا فَيَقْرَعُ: أَوْجُهٌ، وَأَطْلَقَهُنَّ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالْحَوَاشِي قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: الزَّوْجُ أَوْلَى مِنْ السَّيِّدِ فِي أَصَحِّ الِاحْتِمَالَيْنِ وَظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي الْخَطَّابِ تَسَاوِيهِمَا، قُلْت: الصَّوَابُ مَا صَحَّحَهُ. تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ قَوْلِهِ " وَكَذَلِكَ السَّيِّدُ مَعَ سَرِيَّتِهِ " أَنَّهُ لَا يُغَسِّلُ أَمَتَهُ الْمُزَوَّجَةَ وَلَا الْمُعْتَدَّةَ مِنْ زَوْجٍ، وَقَدْ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَا يُغَسِّلُ أَمَتَهُ الْمُزَوَّجَةَ وَالْمُعْتَدَّةَ مِنْ زَوْجٍ فَإِنْ كَانَتْ فِي اسْتِبْرَاءٍ فَوَجْهَانِ وَلَا الْمُعْتَقُ بَعْضُهَا. انْتَهَى. وَهَذَا فِيهِ إشْكَالٌ وَوَجْهُهُ: أَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ الْأَصْحَابِ: جَوَازُ غُسْلِ السَّيِّدِ لِأَمَتِهِ، وَهُوَ كَالصَّرِيحِ مِنْ قَوْلِهِمْ: إذَا اجْتَمَعَ سَيِّدٌ وَزَوْجٌ هَلْ يُقَدَّمُ الزَّوْجُ أَوْ السَّيِّدُ؟ كَمَا تَقَدَّمَ فَلَوْ يُجَوِّزُوا لِلسَّيِّدِ غُسْلَهَا لَمَّا تَأَتَّى الْخِلَافُ فِي الْأَوْلَوِيَّةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الزَّوْجِ، وَلَمْ يَحْضُرْنِي عَنْ ذَلِكَ جَوَابٌ، وَلَعَلَّ هَذَا مِنْ كَلَامِ أَبِي الْمَعَالِي. فَإِنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ بَعْدَ كَلَامِ أَبِي الْمَعَالِي فِي الْفُرُوعِ فَيَكُونُ مِنْ تَتِمَّةِ كَلَامِهِ، وَيَكُونُ قَوْلًا لَا تَفْرِيعَ عَلَيْهِ. فَائِدَةٌ: لِلسَّيِّدِ غَسْلُ مُكَاتَبَتِهِ مُطْلَقًا، وَلَيْسَ لَهَا غَسْلُهُ إنْ لَمْ يَشْتَرِطْ وَطْأَهَا. قَوْلُهُ (وَلِلرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ غُسْلُ مَا لَهُ دُونَ سَبْعِ سِنِينَ) مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، وَلَوْ كَانَ دُونَهَا بِلَحْظَةٍ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَنَصَّ عَلَيْهِ قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالْفُرُوعِ وَغَيْرِهِمْ: اخْتَارَهُ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَغَيْرِهِمْ وَصَحَّحَهُ فِي الْبُلْغَةِ وَغَيْرِهَا. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ وَغَيْرِهِمْ
وَعَنْهُ التَّوَقُّفُ فِي غُسْلِ الرَّجُلِ لِلْجَارِيَةِ. وَقَالَ: لَا أَجْتَرِئُ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ يُمْنَعُ مِنْ غُسْلِهَا اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ، وَقَالَ: هُوَ أَوْلَى مِنْ قَوْلِ الْأَصْحَابِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَعَنْهُ غُسْلِ ابْنَتِهِ الصَّغِيرَةِ. وَقِيلَ: يُكْرَهُ دُونَ سَبْعٍ إلَى ثَلَاثٍ، وَقَالَ الْخَلَّالُ: يُكْرَهُ لِلرَّجُلِ الْغَرِيبِ غُسْلُ ابْنَةِ ثَلَاثِ سِنِينَ، وَالنَّظَرُ إلَيْهَا، وَحَكَى ابْنُ تَمِيمٍ وَجْهًا: لِلرَّجُلِ غُسْلُ بِنْتِ خَمْسٍ فَقَطْ قَوْلُهُ (وَفِي غُسْلِ مَنْ لَهُ سَبْعٌ وَجْهَانِ) وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالْفَائِقِ، وَالنَّظْمِ وَشَرْحِ ابْنِ مُنَجَّا أَحَدُهُمَا: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ وَاخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ، وَصَاحِبُ الْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ: اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ وَابْنُ حَامِدٍ، فَلَعَلَّهُ اطَّلَعَ عَلَى قَوْلٍ لِأَبِي بَكْرٍ، وَهَذَا الْوَجْهُ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْكَافِي، وَالْهَادِي، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ، وَغَيْرِهِمْ؛ لِاقْتِصَارِهِمْ عَلَى جَوَازِ غُسْلِ مَنْ لَهُ دُونَ سَبْعِ سِنِينَ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَجُوزُ لَهَا غُسْلُهُ وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ رَزِينٍ فِي نِهَايَتِهِ، قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَصَاحِبُ الْمُسْتَوْعِبِ، وَالْفُرُوعِ وَغَيْرُهُمْ: اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ: وَحَكَى بَعْضُهُمْ الْجَوَازَ قَوْلَ أَبِي بَكْرٍ. انْتَهَى. وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ لَهُ فِيهَا قَوْلَانِ، وَقِيلَ: يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ غُسْلُهُ دُونَ الرَّجُلِ. جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ فَقَالَا: وَلِلْأُنْثَى غُسْلُ ذَكَرٍ لَهُ سَبْعُ سِنِينَ وَلَا عَكْسَ. وَاخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ وَصَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ، فَجَعَلَهُ الْوَجْهَ الثَّانِيَ مِنْ الْوَجْهَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ، وَأَمَّا الشَّارِحُ، وَابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ: فَإِنَّمَا حَكَيَا الْوَجْهَيْنِ كَمَا ذَكَرْنَاهُمَا أَوَّلًا، وَهُوَ أَوْلَى
تَنْبِيهٌ: مَفْهُومُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُمَا غُسْلُ مَنْ لَهُ أَكْثَرُ مِنْ سَبْعِ سِنِينَ قَوْلًا وَاحِدًا، وَهُوَ صَحِيحٌ قَالَ ابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ: صَرَّحَ بِهِ أَبُو الْمَعَالِي فِي النِّهَايَةِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ، وَعَنْهُ يَجُوزُ غُسْلُ مَنْ لَهُ سَبْعٌ إلَى عَشْرِ اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَهُوَ احْتِمَالٌ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، أَمْكَنَ الْوَطْءَ أَمْ لَا، قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقَالَ: فَلَا عَوْرَةَ إذَنْ، وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا لَا تُغَسِّلُهُ إذَا بَلَغَ عَشْرًا وَجْهًا وَاحِدًا. انْتَهَى. وَقِيلَ: تُحَدُّ الْجَارِيَةُ بِتِسْعٍ، وَقِيلَ: يَجُوزُ لَهُمَا غُسْلُهُمَا إلَى الْبُلُوغِ وَحَكَاهُ أَبُو الْخَطَّابِ رِوَايَةً. قَوْلُهُ (وَإِنْ مَاتَ رَجُلٌ بَيْنَ نِسَاءٍ، أَوْ امْرَأَةٌ بَيْنَ رِجَالٍ، أَوْ خُنْثَى مُشْكِلٌ: يُمِّمَ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ) وَهُوَ الْمَذْهَبُ وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى: يُصَبُّ عَلَيْهِ الْمَاءُ مِنْ فَوْقِ الْقَمِيصِ، وَعَنْهُ التَّيَمُّمُ وَصَبُّ الْمَاءِ سَوَاءٌ فَعَلَى الْمَذْهَبِ: يَكُونُ التَّيَمُّمُ بِحَائِلٍ عَلَى الصَّحِيحِ وَقِيلَ: أَوْ بِدُونِ حَائِلٍ، وَعَلَى الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ: لَا يَمَسُّ عَلَى الصَّحِيحِ، وَقِيلَ: يَمَسُّ بِحَائِلٍ فَائِدَةٌ: يَجُوزُ أَنْ يَلِيَ الْخُنْثَى الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ، وَالرِّجَالُ أَوْلَى مِنْهُنَّ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: هُنَّ أَوْلَى مِنْهُمْ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الرِّعَايَةِ. قَوْلُهُ (وَلَا يُغَسِّلُ مُسْلِمٌ كَافِرًا، وَلَا يَدْفِنُهُ) ، وَكَذَا لَا يُكَفِّنُهُ، وَلَا يَتَّبِعُ جِنَازَتَهُ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ. وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَعَنْهُ يَجُوزُ ذَلِكَ اخْتَارَهُ الْآجُرِّيُّ، وَأَبُو حَفْصٍ الْعُكْبَرِيُّ قَالَ أَبُو حَفْصٍ: رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ، وَلَعَلَّ مَا رَوَاهُ ابْنُ مُشَيْشٍ: قَوْلٌ قَدِيمٌ، أَوْ يَكُونُ
قَرَابَةً بَعِيدَةً، وَإِنَّمَا يُؤْمَرُ بِذَلِكَ إذَا كَانَتْ قَرِيبَةً مِثْلَ مَا رَوَاهُ حَنْبَلٌ. انْتَهَى. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ، وَعَنْهُ يَجُوزُ فِعْلُ ذَلِكَ بِهِ دُونَ غُسْلِهِ اخْتَارَهُ الْمَجْدُ، قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَهُوَ أَظْهَرُ وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ قَالَ الْمَجْدُ: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ: لَا بَأْسَ أَنْ يَلِيَ قَرَابَتَهُ الْكَافِرَ، وَعَنْهُ يَجُوزُ دَفْنُهُ خَاصَّةً قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُنَا قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَعَلَّ الْمُرَادَ إذَا غُسِّلَ أَنَّهُ كَثَوْبٍ نَجَسٍ فَلَا يُوَضَّأُ وَلَا يَنْوِي الْغُسْلَ، وَيُلْقَى فِي حُفْرَةٍ. قُلْت: هَذَا مُتَعَيَّنٌ قَطْعًا قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ: وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَّبِعَهَا رَكِبَ وَسَارَ أَمَامَهَا، قُلْت: قَدْ رُوِيَ ذَلِكَ الطَّبَرَانِيُّ وَالْخَلَّالُ مِنْ حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ «أَنَّهُ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ أَمَرَ ثَابِتَ بْنَ قَيْسٍ بِذَلِكَ، لَمَّا مَاتَتْ أُمُّهُ: وَهِيَ نَصْرَانِيَّةٌ» فَيُعَايَى بِهَا تَنْبِيهٌ: مَحَلُّ الْخِلَافِ الْمُتَقَدِّمِ: إذَا كَانَ الْكَافِرُ قَرَابَةً أَوْ زَوْجَةً أَوْ أُمَّ وَلَدٍ فَأَمَّا إنْ كَانَتْ أَجْنَبِيَّةً: فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُمْنَعُ مِنْ فِعْلِ ذَلِكَ بِهِ قَوْلًا وَاحِدًا، وَسَوَّى فِي التَّبْصِرَةِ بَيْنَ الْقَرِيبِ وَالْأَجْنَبِيِّ. قُلْت: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا، وَأَمَّا غُسْلُ الْكَافِرِ لِلْمُسْلِمِ: فَتَقَدَّمَ حُكْمُهُ فِي أَوَّلِ الْفَصْلِ قَوْلُهُ (إلَّا أَنْ يَجِدَ مَنْ يُوَارِيهِ غَيْرَهُ، فَيَدْفِنُهُ) قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَمَنْ تَابَعَهُ: إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَحَدٌ لَزَمَنَا دَفْنُهُ، ذِمِّيًّا كَانَ أَوْ حَرْبِيًّا أَوْ مُرْتَدًّا، فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَصْحَابِنَا، وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي وَغَيْرُهُ: لَا يَلْزَمُنَا ذَلِكَ، وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي أَيْضًا: مَنْ لَا أَمَانَ لَهُ كَمُرْتَدٍّ فَنَتْرُكُهُ طُعْمَةَ الْكَلْبِ، وَإِنْ غَيَّبْنَاهُ فَكَجِيفَةٍ.
قَوْلُهُ (وَإِذَا أَخَذَ فِي غُسْلِهِ سَتَرَ عَوْرَتَهُ) عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي حَدِّهَا بِلَا نِزَاعٍ، إلَّا أَنْ يَكُونَ صَبِيًّا صَغِيرًا دُونَ سَبْعٍ فَإِنَّهُ يُغَسَّلُ مُجَرَّدًا بِغَيْرِ سُتْرَةٍ وَيَجُوزُ مَسُّ عَوْرَتِهِ. فَائِدَةٌ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَبْدَأَ فِي الْغُسْلِ بِمَنْ يَخَافُ عَلَيْهِ، ثُمَّ الْأَقْرَبُ، ثُمَّ الْأَفْضَلُ بَعْدَهُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: يُقَدَّمُ عَلَيْهِ الْأَسَنُّ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَأَطْلَقَ الْآجُرِّيُّ يُقَدَّمُ الْأَخْوَفُ، ثُمَّ الْفَقِيرُ، ثُمَّ مَنْ سَبَقَ. قَوْلُهُ (وَجَرَّدَهُ) هَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ نَصَّ عَلَيْهِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ، وَالْمُنَوِّرِ، وَغَيْرِهِمْ قَالَ الْخِرَقِيُّ: فَإِذَا أَخَذَ فِي غُسْلِهِ سَتَرَ مِنْ سُرَّتِهِ إلَى رُكْبَتِهِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالنَّظْمِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ وَنَصَرَاهُ، وَغَيْرُهُمْ وَاخْتَارَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى، وَالشِّيرَازِيُّ، وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي الْهِدَايَةِ، وَقَالَ الْقَاضِي: يُغَسَّلُ فِي قَمِيصٍ وَاسِعٍ [الْكُمَّيْنِ] جَزَمَ بِهِ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، وَالتَّعْلِيقِ، وَالشَّرِيفِ، وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي خِلَافَيْهِمَا، وَابْنُ الْبَنَّا وَغَيْرِهِمْ. قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَسَائِرُ أَصْحَابِهِ، وَالْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَابْنُ الْجَوْزِيِّ، انْتَهَى، وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ هُبَيْرَةَ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: يُعْجِبُنِي أَنْ يُغَسَّلَ الْمَيِّتُ وَعَلَيْهِ ثَوْبٌ، يُدْخِلُ يَدَهُ مِنْ تَحْتِ الثَّوْبِ فَإِنْ كَانَ الْقَمِيصُ ضَيِّقَ الْكُمَّيْنِ: فَتَقَ الدَّخَارِيصَ فَإِنْ تَعَذَّرَ جَرَّدَهُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: اخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ، وَقَدَّمَهُ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ قَالَ فِي الْبُلْغَةِ: وَلَا يَنْزِعُ قَمِيصَهُ إلَّا أَنْ لَا يَتَمَكَّنَ فَيَفْتُقُ
الْكُمَّ، أَوْ رَأْسَ الدَّخَارِيصِ، أَوْ يُجَرِّدُهُ وَيَسْتُرُ عَوْرَتَهُ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُذْهَبِ قَوْلُهُ (وَيَسْتُرُ الْمَيِّتَ عَنْ الْعُيُونِ) فَيَكُونُ تَحْتَ سِتْرٍ، كَسَقْفٍ أَوْ خَيْمَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ وَنَقَلَ أَبُو دَاوُد: يُغَسَّلُ فِي بَيْتٍ مُظْلِمٍ. قَوْلُهُ (وَلَا يَحْضُرُ إلَّا مَنْ يُعِينُ فِي غُسْلِهِ) وَيُكْرَهُ لِغَيْرِهِمْ الْحُضُورُ مُطْلَقًا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقَالَ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ: لِوَلِيِّهِ الدُّخُولُ عَلَيْهِ كَيْفَ شَاءَ، وَمَا هُوَ بِبَعِيدٍ. فَائِدَتَانِ. إحْدَاهُمَا: لَا يُغَطَّى وَجْهُهُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَنَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ وَظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي بَكْرٍ: أَنَّهُ يُسَنُّ ذَلِكَ، وَأَوْمَأَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا تَغَيَّرَ لِدَمٍ، أَوْ غَيْرِهِ فَيُظَنُّ بِهِ السُّوءُ، وَنَقَلَ حَنْبَلٌ: إنْ فَعَلَهُ أَوْ تَرَكَهُ فَلَا بَأْسَ. الثَّانِيَةُ: يُسْتَحَبُّ تَوْجِيهُهُ فِي كُلِّ أَحْوَالِهِ، وَكَذَا عَلَى مُغْتَسَلِهِ مُسْتَلْقِيًا، قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقَدَّمَهُ، وَقَالَ: وَنُصُوصُهُ يَكُونُ كَوَقْتِ الِاحْتِضَارِ. قَوْلُهُ (ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ بِرِفْقٍ إلَى قَرِيبٍ مِنْ الْجُلُوسِ، وَيَعْصِرُ بَطْنَهُ عَصْرًا رَفِيقًا، وَيُكْثِرُ صَبَّ الْمَاءِ حِينَئِذٍ) يَفْعَلُ بِهِ ذَلِكَ كُلَّ غَسْلَةٍ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَعَنْهُ لَا يَفْعَلُهُ إلَّا فِي الْغَسْلَةِ الثَّانِيَةِ، وَعَنْهُ لَا يَفْعَلُهُ إلَّا فِي الثَّالِثَةِ. تَنْبِيهٌ: مُرَادُ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ أَطْلَقَ: غَيْرُ الْحَامِلِ فَإِنَّهُ لَا يَعْصِرُ بَطْنَهَا، لِئَلَّا يُؤْذِيَ الْوَلَدَ. صَرَّحَ بِهِ ابْنُ تَمِيمٍ، وَصَاحِبُ الْحَوَاشِي، وَغَيْرُهُمَا. [قَوْلُهُ (ثُمَّ يَلُفُّ عَلَى يَدِهِ خِرْقَةً وَيُنَجِّيهِ) ، وَصِفَتُهُ: أَنْ يَلُفَّهَا عَلَى يَدِهِ، فَيَغْسِلُ بِهَا أَحَدَ الْفَرْجَيْنِ، ثُمَّ يُنَجِّيهِ، وَيَأْخُذُ
أُخْرَى لِلْفَرْجِ الْآخَرِ، وَفِي الْمُجَرَّدِ: يَكْفِي خِرْقَةٌ وَاحِدَةٌ لِلْفَرْجَيْنِ، وَحُمِلَ عَلَى أَنَّهَا غُسِلَتْ وَأُعِيدَتْ] . تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ (وَلَا يَحِلُّ مَسُّ عَوْرَتِهِ وَلَا النَّظَرُ فِيهَا) يَعْنِي: إذَا كَانَ الْمَيِّتُ كَبِيرًا فَإِنْ كَانَ صَغِيرًا فَقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا. قَوْلُهُ (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَمَسَّ سَائِرَ بَدَنِهِ إلَّا بِخِرْقَةٍ) ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: بَدَنُهُ كُلُّهُ عَوْرَةٌ إكْرَامًا لَهُ، مِنْ حَيْثُ وَجَبَ سِتْرُ جَمِيعِهِ فَيَحْرُمُ نَظَرُهُ، وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَحْضُرَهُ إلَّا مَنْ يُعِينُ عَلَى أَمْرِهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي بَكْرٍ، وَقَالَ فِي الْغُنْيَةِ كَقَوْلِ الْأَصْحَابِ، مَعَ أَنَّهُ قَالَ: جَمِيعُ بَدَنِهِ عَوْرَةٌ؛ لِوُجُوبِ سَتْرِ جَمِيعِهِ. قَوْلُهُ (ثُمَّ يَنْوِي غُسْلَهُ) الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ النِّيَّةَ لِغُسْلِهِ فَرْضٌ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَرْضٌ عَلَى الْأَصَحِّ قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: فَرْضٌ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ وَصَحَّحَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَابْنُ تَمِيمٍ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي وَغَيْرِهِ، وَابْنُ حَمْدَانَ وَغَيْرُهُمْ، وَعَنْهُ: لَيْسَتْ بِفَرْضٍ. ذَكَرَهَا الْقَاضِي وَجْهًا قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَابْنُ أَبِي مُوسَى. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، لِحُصُولِ تَنْظِيفِهِ بِدُونِهَا، وَهُوَ الْمَقْصُودُ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْفَائِقِ. وَقِيلَ: إنْ قُلْنَا: يَنْجُسُ بِمَوْتِهِ، صَحَّ غُسْلُهُ بِلَا نِيَّةٍ، ذَكَرَهُ فِي الرِّعَايَةِ فَائِدَةٌ: لَا يُعْتَبَرُ نَفْسُ فِعْلِ الْغُسْلِ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ اخْتَارَهُ الْمَجْدُ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا قَدَّمَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، قَالَ فِي الْحَوَاشِي: وَهُوَ ظَاهِرُ مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ وَغَيْرُهُ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يُعْتَبَرُ قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ قَالَ فِي التَّلْخِيصِ: وَلَا بُدَّ مِنْ إعَادَةِ الْغَرِيقِ عَلَى الْأَظْهَرِ فَظَاهِرُهُ اعْتِبَارُ الْفِعْلِ، قَالَهُ فِي الْحَوَاشِي
وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ وَمُخْتَصَرِ ابْنِ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى فَعَلَى الْأَوَّلِ: لَوْ تُرِكَ الْمَيِّتُ تَحْتَ مِيزَابٍ، أَوْ أُنْبُوبَةٍ، أَوْ مَطَرٍ، أَوْ كَانَ غَرِيقًا فَحَضَرَ مَنْ يَصْلُحُ لِغُسْلِهِ وَنَوَى غُسْلَهُ إذَا اشْتَرَطْنَاهَا وَمَضَى زَمَنٌ يُمْكِنُ غُسْلُهُ فِيهِ: أَجْزَأَ ذَلِكَ، وَعَلَى الثَّانِي: لَا تُجْزِئُهُ. وَإِذَا كَانَ الْمَيِّتُ مَاتَ بِغَرَقٍ أَوْ بِمَطَرٍ فَقَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: يَجِبُ تَغْسِيلُهُ، وَلَا يُجْزِئُ مَا أَصَابَهُ مِنْ الْمَاءِ نَصَّ عَلَيْهِ قَالَ الْمَجْدُ: هَذَا إنْ اعْتَبَرْنَا الْفِعْلَ أَوْ لَمْ يَكُنْ، ثُمَّ نَوَى غُسْلَهُ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ قَالَ: وَيَتَخَرَّجُ أَنْ لَا حَاجَةَ إلَى غُسْلِهِ إذَا لَمْ يُعْتَبَرْ الْفِعْلُ وَلَا النِّيَّةُ، وَقَالَ فِي الْفَائِقِ: وَيَجِبُ غُسْلُ الْغَرِيقِ، عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ، وَمَأْخَذُهَا وُجُوبُ الْفِعْلِ قَوْلُهُ (وَيُسَمِّي) حُكْمُ التَّسْمِيَةِ هُنَا: فِي الْوُجُوبِ وَعَدَمِهِ حُكْمُهَا فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ. عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي بَابِهَا قَوْلُهُ (وَيُدْخِلُ إصْبَعَيْهِ مَبْلُولَتَيْنِ بِالْمَاءِ بَيْنَ شَفَتَيْهِ فَيَمْسَحُ أَسْنَانَهُ، وَفِي مَنْخِرَيْهِ فَيُنَظِّفُهُمَا) هَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَقِيلَ: يَفْعَلُ ذَلِكَ بِخِرْقَةٍ خَشِنَةٍ مَبْلُولَةٍ، أَوْ بِقُطْنَةٍ يَلُفُّهَا عَلَى الْخَلَّالِ قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: هَذَا الْأَوْلَى نَصَّ عَلَيْهِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ، وَكَذَا الزَّرْكَشِيُّ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: يَصُبُّ الْمَاءَ عَلَى فِيهِ وَأَنْفِهِ وَلَا يُدْخِلُهُ فِيهِمَا. فَائِدَةٌ: فِعْلُ ذَلِكَ مُسْتَحَبٌّ لَا وَاجِبٌ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، قَالَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ وَغَيْرِهِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ وَعَامَّةِ أَصْحَابِهِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ
وَصَحَّحَهُ فِي الْفَائِقِ وَغَيْرِهِ، وَقِيلَ: وَاجِبٌ اخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ فِي الْخِلَافِ، وَكَالْمَضْمَضَةِ. فَائِدَةٌ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِخِرْقَةٍ نَصَّ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ (وَيُوَضِّئُهُ) الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ وُضُوءَهُ مُسْتَحَبٌّ لَا وَاجِبٌ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، لِقِيَامِ مُوجِبِهِ، وَهُوَ زَوَالُ عَقْلِهِ، وَقِيلَ: وَاجِبٌ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْقَاضِي فِي مَوْضِعٍ مِنْ تَعْلِيقِهِ، وَابْنِ الزَّاغُونِيِّ قَوْلُهُ (وَيَضْرِبُ السِّدْرَ، فَيَغْسِلُ بِرَغْوَتِهِ رَأْسَهُ وَلِحْيَتَهُ) بِلَا نِزَاعٍ، وَقَوْلُهُ (وَسَائِرَ بَدَنِهِ) هُوَ اخْتِيَارُ الْمُصَنِّفِ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ، وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ هُبَيْرَةَ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَجَزَمَ بِهِ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَشَرْحِ ابْنِ مُنَجَّا. وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ لَا يَغْسِلُ بِرَغْوَةِ السِّدْرِ إلَّا رَأْسَهُ وَلِحْيَتَهُ فَقَطْ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِمَا. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ وَاخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَغَيْرِهِ، وَإِذَا ضَرَبَ السِّدْرَ وَغَسَلَ بِرَغْوَتِهِ رَأْسَهُ وَلِحْيَتَهُ، أَوْ رَأْسَهُ وَلِحْيَتَهُ وَسَائِرَ بَدَنِهِ، وَأَرَادَ أَنْ يَغْسِلَهُ، فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يَجْعَلُ السِّدْرَ فِي كُلِّ مَرَّةٍ مِنْ الْغَسَلَاتِ نَصَّ عَلَيْهِ قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّارِحُ، وَالزَّرْكَشِيُّ: وَمَنْصُوصُ أَحْمَدَ، وَالْخِرَقِيُّ [أَنَّ السِّدْرَ يَكُونُ فِي الْغَسَلَاتِ الثَّلَاثِ. وَجَزَمَ بِهِ الْخِرَقِيُّ] وَغَيْرُهُ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ. قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا. لِقَوْلِهِ " يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلَاثًا " بَعْدَ ذِكْرِ السِّدْرِ وَغَيْرِهِ، وَنَقَلَ حَنْبَلٌ يَجْعَلُ السِّدْرَ فِي أَوَّلِ مَرَّةٍ اخْتَارَهُ
جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ أَبُو الْخَطَّابِ، وَعَنْهُ يَجْعَلُ السِّدْرَ فِي الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ، فَيَكُونُ فِي الثَّالِثَةِ الْكَافُورُ وَنَقَلَ حَنْبَلٌ أَيْضًا: ثَلَاثًا بِسِدْرٍ، وَآخِرُهَا بِمَاءٍ. وَقَالَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ: يُمْرَجُ جَسَدُهُ كُلَّ مَرَّةٍ بِالسِّدْرِ، ثُمَّ يُصَبُّ عَلَيْهِ الْمَاءُ بَعْدَ ذَلِكَ وَيُدْلَكُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيُمْرَخُ بِسِدْرٍ مَضْرُوبٍ أَوَّلًا، وَأَمَّا صِفَةُ السِّدْرِ مَعَ الْمَاءِ، فَقَالَ الْخِرَقِيُّ: يَكُونُ فِي كُلِّ الْمِيَاهِ شَيْءٌ مِنْ السِّدْرِ قَالَ فِي الْمُغْنِي، وَالزَّرْكَشِيُّ: هَذَا الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ: لَا يُشْتَرَطُ كَوْنُ السِّدْرِ يَسِيرًا، وَلَا يَجِبُ الْمَاءُ الْقَرَاحُ بَعْدَ ذَلِكَ قَالَ: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ فِي الْأَوَّلِ وَنَصُّهُ فِي الثَّانِي قَالَ فِي الْفُرُوعِ، وَقِيلَ: يُذَرُّ السِّدْرُ فِيهِ وَإِنْ غَيَّرَهُ قَالَ فِي الْمُغْنِي: وَذَهَبَ كَثِيرٌ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا: أَنَّهُ لَا يُتْرَكُ مَعَ الْمَاءِ سِدْرٌ يُغَيِّرُهُ ثُمَّ اخْتَلَفُوا، فَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: يُطْرَحُ فِي كُلِّ الْمَاءِ شَيْءٌ يَسِيرٌ مِنْ السِّدْرِ لَا يُغَيِّرُهُ، وَقَالَ: الَّذِي وَجَدْت عَلَيْهِ أَصْحَابَنَا أَنَّهُ يَكُونُ فِي الْغَسْلَةِ وَزْنُ دِرْهَمٍ وَنَحْوُهُ مِنْ السِّدْرِ فَإِنَّهُ إذَا كَانَ كَثِيرًا سَلَبَهُ الطَّهُورِيَّةَ، وَقَالَ الْقَاضِي، وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَطَائِفَةٌ مِمَّنْ تَبِعَهُمَا: يُغَسَّلُ أَوَّلَ مَرَّةٍ بِثِقَلِ السِّدْرِ، ثُمَّ يُغَسَّلُ بَعْدَ ذَلِكَ بِالْمَاءِ الْقَرَاحِ. فَيَكُونُ الْجَمِيعُ غَسْلَةً وَاحِدَةً وَالِاعْتِدَادُ بِالْآخَرِ دُونَ الْأَوَّلِ، سَوَاءٌ زَالَ السِّدْرُ أَوْ بَقِيَ مِنْهُ شَيْءٌ، وَقَالَ الْآمِدِيُّ: لَا يَعْتَدُّ بِشَيْءٍ مِنْ الْغَسَلَاتِ الَّتِي فِيهَا السِّدْرُ فِي عَدَدِ الْغَسَلَاتِ. فَائِدَةٌ: يَقُومُ الْخِطْمِيُّ وَنَحْوُهُ مَقَامَ السِّدْرِ قَوْلُهُ (ثُمَّ يَغْسِلُ شِقَّهُ الْأَيْمَنَ ثُمَّ الْأَيْسَرَ) هَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: يَبْدَأُ فِي غُسْلِ شِقِّهِ الْأَيْمَنِ بِصَفْحَةِ عُنُقِهِ، ثُمَّ بِالْكَتِفِ إلَى الرَّجُلِ، ثُمَّ الْأَيْسَرُ كَذَلِكَ [ثُمَّ يَرْفَعُ جَانِبَهُ الْأَيْمَنَ وَيَغْسِلُ ظَهْرَهُ وَوَرِكَهُ وَفَخِذَهُ، وَيَفْعَلُ بِجَانِبِهِ الْأَيْسَرِ كَذَلِكَ] ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَهُوَ الَّذِي فِي
الْكَافِي، وَمُخْتَصَرِ ابْنِ تَمِيمٍ، وَغَيْرِهِمَا. قَالَ فِي الْحَوَاشِي: وَهُوَ أَشْبَهُ بِفِعْلِ الْحَيِّ، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَقِيلَ لَا يَغْسِلُ الْأَيْسَرَ قَبْلَ إكْمَالِ غَسْلِ الْأَيْمَنِ فَائِدَةٌ: يُقَلِّبُهُ عَلَى جَنْبِهِ مَعَ غَسْلِ شِقَّيْهِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: يُقَلِّبُهُ بَعْدَ غَسْلِهِمَا. قَوْلُهُ (يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلَاثًا) يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ ذَلِكَ مَعَ الْوُضُوءِ، وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَحَكَى رِوَايَةً قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَعَنْهُ يُوَضِّئُ لِكُلِّ غَسْلَةٍ وَاخْتَارَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى وَقَدَّمَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ مُرَادَهُ بِالتَّثْلِيثِ: غَيْرُ الْوُضُوءِ، وَهُوَ الْوَجْهُ الثَّانِي، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ فَلَا يُوَضِّئُ إلَّا أَوَّلَ مَرَّةٍ، إلَّا أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُ شَيْءٌ، فَيُعَادُ وُضُوءُهُ، قَالَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَائِدَةٌ: يُكْرَهُ الِاقْتِصَارُ فِي غُسْلِهِ عَلَى مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَعَنْهُ لَا يُعْجِبُنِي. قَوْلُهُ (وَيُمِرُّ فِي كُلِّ مَرَّةٍ يَدَهُ) ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ جَزَمَ بِهِ ابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ وَالْوَجِيزِ وَغَيْرِهِمَا وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَالْفَائِقِ، وَالرِّعَايَةِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَغَيْرِهِمْ، وَعَنْهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ عَقِبَ الثَّانِيَةِ [نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ؛ لِأَنَّهُ يَلِينُ فَهُوَ أَمَكْنُ، وَعَنْهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ عَقِبَ الثَّالِثَةِ] وَقِيلَ: هَلْ يُمِرُّ يَدَهُ ثَلَاثًا، أَوْ مَرَّتَيْنِ، أَوْ مَرَّةً؟ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ. قَوْلُهُ (فَإِنْ لَمْ يُنَقَّ بِالثَّلَاثِ، أَوْ خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ، غَسَلَهُ إلَى خَمْسٍ. فَإِنْ زَادَ فَإِلَى سَبْعٍ) ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ هُنَا مَسْأَلَتَيْنِ. إحْدَاهُمَا: إذَا لَمْ يُنَقَّ بِالثَّلَاثِ غَسَلَ إلَى خَمْسٍ فَإِنْ لَمْ يُنَقَّ بِالْخَمْسِ غَسَلَ إلَى سَبْعٍ فَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: أَنَّهُ لَا يُزَادُ عَلَى سَبْعٍ، وَنَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَجَزَمَ بِهِ جَمَاعَةٌ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، وَالْأَصْحَابُ. وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ: لَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ وَنَقَلَ ابْنُ وَاصِلٍ: يُزَادُ إلَى خَمْسٍ وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يُزَادُ عَلَى سَبْعٍ إلَى أَنْ يَنْفِيَ، وَيَقْطَعُ عَلَى وِتْرٍ. قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَجَزَمَ بِهِ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَقَالَ: إنَّمَا يَذْكُرُ أَصْحَابُنَا ذَلِكَ لِعَدَمِ الِاحْتِيَاجِ إلَيْهِ غَالِبًا، وَلِذَلِكَ لَمْ يُسَمِّ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ فَوْقَهَا عَدَدًا، وَقَوْلُ أَحْمَدَ " لَا يُزَادُ عَلَى سَبْعٍ " مَحْمُولٌ عَلَى ذَلِكَ، أَوْ عَلَى مَا إذَا غَسَلَ غُسْلًا مُنَقِّيًا إلَى سَبْعٍ ثُمَّ خَرَجَتْ مِنْهُ نَجَاسَةٌ. انْتَهَى. قُلْت: قَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ حَدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ «اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا، أَوْ خَمْسًا، أَوْ سَبْعًا، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ» . الثَّانِيَةُ: إذَا خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ بَعْدَ الثَّلَاثِ فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يَغْسِلُ إلَى خَمْسٍ فَإِنْ خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِلَى سَبْعٍ نَصَّ عَلَيْهِ قَالَ الْمَجْدُ، وَصَاحِبُ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالْفُرُوعُ: اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، وَقَدَّمَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ: لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ فِيهِ؛ لِأَنَّ هَذَا الْغُسْلَ وَجَبَ لِزَوَالِ عَقْلِهِ. فَقَدْ وَجَبَ بِمَا لَا يُوجِبُ الْغُسْلَ فَجَازَ أَنْ يَبْطُلَ بِمَا تَبْطُلُ بِهِ الطَّهَارَةُ الصُّغْرَى، بِخِلَافِ غُسْلِ الْجَنَابَةِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُمْتَنِعٍ أَنْ يَبْطُلَ الْغُسْلُ بِأَنْ لَا يُوجِبَ الْغُسْلَ كَخَلْعِ الْخُفِّ لَا يُوجِبُ غَسْلَ الرِّجْلِ، وَيَنْقُضُ الطَّهَارَةَ بِهِ. انْتَهَى. مَعَ أَنَّ صَاحِبَ الْفُرُوعِ وَغَيْرَهُ قَطَعُوا أَنَّ غُسْلَ الْمَيِّتِ تَعَبُّدِيٌّ لَا يُعْقَلُ مَعْنَاهُ، وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ، وَابْنُ عَقِيلٍ: لَا تَجِبُ إعَادَةُ غُسْلِهِ بَعْدَ الثَّلَاثِ، بَلْ تُغْسَلُ النَّجَاسَةُ وَيُوَضَّأُ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَيَأْتِي إذَا خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ بَعْدَ السَّبْعِ قَرِيبًا. فَائِدَةٌ: لَوْ لَمَسَتْهُ أُنْثَى لِشَهْوَةٍ، وَانْتَقَضَ طُهْرُ الْمَلْمُوسِ: غُسِّلَ عَلَى قَوْلِ أَبِي الْخَطَّابِ وَمَنْ تَابَعَهُ. فَيُعَايَى بِهَا، وَعَلَى الْمَذْهَبِ: يَوَضَّأُ فَقَطْ، ذَكَرَهُ أَبُو الْمَعَالِي
فَائِدَتَانِ. إحْدَاهُمَا: قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: لَفْظُ الْمُصَنِّفِ وَإِطْلَاقُهُ يَعُمُّ الْخَارِجَ النَّاقِضَ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ، وَأَنَّهُ يُوجِبُ إعَادَةَ غُسْلِهِ، وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ وَنَقَلَ عَنْهُ أَبُو دَاوُد أَنَّهُ قَالَ: هُوَ أَسْهَلُ. فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ: لَا يُعَادُ الْغُسْلُ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّ فِي كَوْنِهِ حَدَثًا مِنْ الْحَيِّ خِلَافًا فَنَقَصَتْ رُتْبَتُهُ عَنْ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ هُنَا، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ: لَا يُعَادُ الْغُسْلُ مِنْ يَسِيرِهِ كَمَا يُنْقَضُ وُضُوءُ الْحَيِّ. انْتَهَى. وَقَدَّمَ الرِّوَايَةَ الْأُولَى ابْنُ تَمِيمٍ، وَالزَّرْكَشِيُّ، الثَّانِيَةُ: يَجِبُ الْغُسْلُ بِمَوْتِهِ. وَعَلَّلَهُ ابْنُ عَقِيلٍ بِزَوَالِ عَقْلِهِ، وَتَجِبُ إعَادَتُهُ إذَا خَرَجَ مِنْ السَّبِيلَيْنِ شَيْءٌ، وَكَذَا لَوْ خَرَجَ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ عَلَى رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَجَمِيعِ ذَلِكَ مِنْ مُوجِبَاتِ الْوُضُوءِ لَا غَيْرُ فَيُعَايَى بِهِنَّ. قَوْلُهُ (وَيَجْعَلُ فِي الْغَسْلَةِ الْأَخِيرَةِ كَافُورًا) هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَقِيلَ: يُجْعَلُ الْكَافُورُ فِي كُلِّ الْغَسَلَاتِ وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ فَعَلَى الْمَذْهَبِ: يَكُونُ مَعَ الْكَافُورِ سِدْرٌ، عَلَى الصَّحِيحِ نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ قَالَ الْخَلَّالُ: وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ وَاخْتَارَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَقِيلَ: يُجْعَلُ وَحْدَهُ فِي مَاءٍ قَرَاحٍ اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ. قَوْلُهُ (وَالْمَاءُ الْحَارُّ وَالْخِلَالُ وَالْأُشْنَانُ يُسْتَعْمَلُ إنْ اُحْتِيجَ إلَيْهِ) إنْ اُحْتِيجَ إلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَسْتَعْمِلُهُ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ بِلَا كَرَاهَةٍ. وَمَفْهُومُهُ: أَنَّهُ إذَا لَمْ يَحْتَجْ إلَيْهِ أَنَّهُ لَا يَسْتَعْمِلُهُ فَإِنْ اسْتَعْمَلَهُ كُرِهَ فِي الْخِلَالِ وَالْأُشْنَانِ بِلَا نِزَاعٍ، وَيُكْرَهُ فِي الْمَاءِ الْحَارِّ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ لِأَنَّهُ مُوجِبُهُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَعَنْهُ لَا يُكْرَهُ، وَاسْتَحَبَّهُ ابْنُ حَامِدٍ. فَائِدَةٌ: لَا بَأْسَ بِغُسْلِهِ فِي الْحَمَّامِ نَقَلَهُ مُهَنَّا.
فَائِدَةٌ. قَوْلُهُ (وَيَقُصُّ شَارِبَهُ) بِلَا نِزَاعٍ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلٌ كَذَلِكَ. قَوْلُهُ (وَيُقَلِّمُ أَظْفَارَهُ) هَذَا الْمَذْهَبُ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. وَعَنْهُ لَا يُقَلِّمُهَا قَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُغْنِي، وَالْفَائِقِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَقِيلَ: إنْ طَالَتْ وَفَحُشَتْ أُخِذَتْ وَإِلَّا فَلَا. فَوَائِدُ. إحْدَاهَا: يَأْخُذُ شَعْرَ إبْطَيْهِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْفَائِقِ وَغَيْرِهِ. قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ، وَقِيلَ: لَا يَأْخُذُهُ، وَقِيلَ: إنْ فَحُشَ أَخَذَهُ، وَإِلَّا فَلَا. الثَّانِيَةُ: لَا يَأْخُذُ شَعْرَ عَانَتِهِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، وَالْمُصَنِّفِ، وَغَيْرِهِمَا وَصَحَّحَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّارِحُ، وَغَيْرُهُمَا وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِ، وَعَنْهُ يَأْخُذُهُ اخْتَارَهُ الْقَاضِي فِي التَّعْلِيقِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ، وَالْفَائِقِ، وَغَيْرِهِمْ وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَالْحَاوِيَيْنِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هَذَا اخْتِيَارُ الْجُمْهُورِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالنَّظْمِ، وَعَنْهُ إنْ فَحُشَ أَخَذَهُ: وَإِلَّا فَلَا، وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: وَيَأْخُذُ مَا بَيْنَ فَخِذَيْهِ فَعَلَى رِوَايَةِ جَوَازِ أَخْذِهِ: يَكُونُ بِنَوْرَةٍ، لِتَحْرِيمِ النَّظَرِ. قَالَ فِي الْفُصُولِ: لِأَنَّهَا أَسْهَلُ مِنْ الْحَلْقِ بِالْحَدِيدِ وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَقِيلَ: يُؤْخَذُ بِحَلْقٍ أَوْ قَصٍّ قَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ، وَحَوَاشِي ابْنِ مُفْلِحٍ، وَقَالَ: نَصَّ عَلَيْهِ
قُلْت: وَهُوَ الْمَذْهَبُ فَإِنَّ أَحْمَدَ نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ، وَعَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ] ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ. [وَظَاهِرُ الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالزَّرْكَشِيُّ: إطْلَاقُ الْخِلَافِ] ، وَقِيلَ: يُزَالُ بِأَحَدِهِمَا قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَيُزَالُ شَعْرُ عَانَتِهِ بِالنُّورَةِ، أَوْ بِالْحَلْقِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَغَيْرِهِمْ [وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى] وَعَلَى كُلِّ قَوْلٍ: لَا يُبَاشِرُ ذَلِكَ بِيَدِهِ: بَلْ يَكُونُ عَلَيْهَا حَائِلٌ، وَكُلُّ مَا أُخِذَ: فَإِنَّهُ يُجْعَلُ مَعَ الْمَيِّتِ كَمَا لَوْ كَانَ عُضْوًا سَقَطَ مِنْهُ، وَيُعَادُ غُسْلُ الْمَأْخُوذِ نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ جَزْءٌ مِنْهُ كَعُضْوٍ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالْمُرَادُ يُسْتَحَبُّ غُسْلُهُ. الثَّالِثَةُ: يَحْرُمُ خَتْنُهُ، بِلَا نِزَاعٍ فِي الْمَذْهَبِ، الرَّابِعَةُ: يَحْرُمُ حَلْقُ رَأْسِهِ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ قَالَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ: وَلَا يَحْلِقُ رَأْسَهُ فِي الْأَصَحِّ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَالْمُصَنِّفِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَغَيْرِهِمْ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقَالَ: ظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ يُكْرَهُ قَالَ: وَهُوَ أَظْهَرُ قَالَ الْمَرُّوذِيُّ: لَا يَقُصُّ، وَقِيلَ: يَحْلِقُ وَجَزَمَ بِهِ فِي التَّبْصِرَةِ. الْخَامِسَةُ: يُسْتَحَبُّ خِضَابُ شَعْرِ الْمَيِّتِ بِحِنَّاءٍ نَصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: يُسْتَحَبُّ لِلشَّائِبِ دُونَ غَيْرِهِ اخْتَارَهُ الْمَجْدُ، وَحَمَلَ نَصَّ أَحْمَدَ عَلَيْهِ، وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: يُخَضَّبُ مَنْ كَانَ عَادَتُهُ الْخِضَابَ فِي الْحَيَاةِ. قَوْلُهُ (وَلَا يُسَرَّحُ شَعْرُهُ وَلَا لِحْيَتُهُ) . هَكَذَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ قَالَ الْقَاضِي: يُكْرَهُ ذَلِكَ، وَقِيلَ: لَا يُسَرَّحُ الْكَثِيفُ. وَاسْتَحَبَّ ابْنُ حَامِدٍ يُمَشَّطُ بِمُشْطٍ وَاسِعِ الْأَسْنَانِ. تَنْبِيهٌ: مَحَلُّ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ: فِي غَيْرِ الْمُحْرِمِ فَأَمَّا الْمُحْرِمُ: فَإِنَّهُ لَا يَأْخُذُ مِنْهُ شَيْئًا مِمَّا تَقَدَّمَ، عَلَى مَا يَأْتِي قَرِيبًا.
وَقَوْلُهُ (وَيُضْفَرُ شَعْرُ الْمَرْأَةِ ثَلَاثَةَ قُرُونٍ، وَيُسْدَلُ مِنْ وَرَائِهَا) هَذَا الْمَذْهَبُ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يُسْدَلُ أَمَامَهَا. قَوْلُهُ (ثُمَّ يُنَشِّفُهُ بِثَوْبٍ) ؛ لِئَلَّا يَبْتَلَّ كَفَنُهُ. وَقَالَ فِي الْوَاضِحِ: لِأَنَّهُ سُنَّةٌ لِلْحَيِّ فِي رِوَايَةٍ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ، وَفِي الْوَاضِحِ أَيْضًا: لِأَنَّهُ مِنْ كَمَالِ غُسْلِ الْحَيِّ، وَاعْلَمْ أَنَّ تَنْشِيفَ الْمَيِّتِ مُسْتَحَبٌّ، وَقَطَعَ بِهِ الْأَكْثَرُ، وَذَكَرَ فِي الْفُرُوعِ فِي أَثْنَاءِ غُسْلِ الْمَيِّتِ رِوَايَةً بِكَرَاهَةِ تَنْشِيفِ الْأَعْضَاءِ كَدَمِ الشَّهِيدِ، وَفِي الْفُصُولِ فِي تَعْلِيلِ الْمَسْأَلَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ فَائِدَةٌ: لَا يَتَنَجَّسُ مَا نَشَّفَ بِهِ نَصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: يَتَنَجَّسُ. قَوْلُهُ (فَإِنْ خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ بَعْدَ السَّبْعِ حَشَاهُ بِالْقُطْنِ فَإِنْ لَمْ يُمْسِكْ فَبِالطِّينِ الْحُرِّ) إذَا خَرَجَ مِنْهُ بَعْدَ السَّبْعِ شَيْءٌ، سَدَّ الْمَكَانَ بِالْقُطْنِ وَالطِّينِ الْحُرِّ، وَلَا يُكْرَهُ حَشْوُ الْمَحَلِّ إنْ لَمْ يَسْتَمْسِكْ بِذَلِكَ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَعَنْهُ: يُكْرَهُ. حَكَاهَا ابْنُ أَبِي مُوسَى، وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ قَوْلُهُ (ثُمَّ يُغْسَلُ الْمَحَلُّ) ، وَيُوَضَّأُ، وَلَا يُزَادُ عَلَى السَّبْعِ، رِوَايَةً وَاحِدَةً لَكِنْ إنْ خَرَجَ شَيْءٌ غُسِلَ الْمَحَلُّ. قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، قُلْت: فَإِنْ لَمْ يَعْدُ الْخَارِجُ مَوْضِعَ الْعَادَةِ. فَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ فِيهِ الِاسْتِجْمَارُ. قَوْلُهُ (وَيُوَضَّأُ) هَذَا الْمَذْهَبُ وَعَلَيْهِ الْأَصْحَاب. وَعَنْهُ لَا يُوَضَّأُ لِلْمَشَقَّةِ وَالْخَوْفِ عَلَيْهِ. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، وَهُمَا رِوَايَتَانِ مَنْصُوصَتَانِ
تَنْبِيهٌ: قَالَ ابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ: لَمْ يَتَعَرَّضْ الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّهُ يُلْجِمُ الْمَحَلَّ بِالْقُطْنِ فَإِنْ لَمْ يَمْنَعْ حَشَاهُ بِهِ. قَالَ: وَصَرَّحَ بِهِ أَبُو الْخَطَّابِ، وَصَاحِبُ النِّهَايَةِ فِيهَا يَعْنِي بِهِ أَبَا الْمَعَالِي وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُذْهَبِ، وَالْخُلَاصَةِ. قَوْلُهُ (وَإِنْ خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ بَعْدَ وَضْعِهِ فِي أَكْفَانِهِ: لَمْ يَعُدْ إلَى الْغُسْلِ) ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ، وَهُوَ أَصَحُّ، وَعَنْهُ يُعَادُ غُسْلُهُ، وَيَطْهُرُ كَفَنُهُ، وَعَنْهُ يُعَادُ غُسْلُهُ، إنْ كَانَ غُسِلَ دُونَ سَبْعٍ، وَعَنْهُ يُعَادُ غُسْلُهُ مِنْ الْخَارِجِ، إذَا كَانَ كَثِيرًا قَبْلَ تَكْفِينَهُ وَبَعْدَهُ وَصَحَّحَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَهِيَ أَنَصُّهَا، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُحَرَّرِ، وَعَنْهُ خُرُوجُ الدَّمِ أَيْسَرُ، وَتَقَدَّمَ الِاحْتِمَالُ فِي ذَلِكَ. قَوْلُهُ (وَيُغَسَّلُ الْمُحْرِمُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ) هَذَا الْمَذْهَبُ وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَعَنْهُ يُصَبُّ عَلَيْهِ الْمَاءُ وَلَا يُغَسَّلُ كَالْحَلَالِ، لِئَلَّا يَتَقَطَّعَ شَعْرُهُ. تَنْبِيهٌ: مَفْهُومُ قَوْلِهِ (وَلَا تُخَمَّرُ رَأْسُهُ) أَنَّهُ يُغَطِّي سَائِرَ بَدَنِهِ، فَيُغَطِّي رِجْلَيْهِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَنَقَلَ حَنْبَلٌ: الْمَنْعُ مِنْ تَغْطِيَةِ رِجْلَيْهِ جَزَمَ بِهِ الْخِرَقِيُّ، وَصَاحِبُ الْعُمْدَةِ، وَالتَّلْخِيصُ قَالَ الْخَلَّالُ: هُوَ وَهْمٌ مِنْ نَاقِلِهِ، وَقَالَ: لَا أَعْرِفُ هَذَا فِي الْأَحَادِيثِ، وَلَا رَوَاهُ أَحَدٌ عَنْ أَبِي عَبْد اللَّهِ غَيْرُ حَنْبَلٍ، وَهُوَ عِنْدِي وَهْمٌ مِنْ حَنْبَلٍ، وَالْعَمَلُ عَلَى أَنَّهُ يُغَطِّي جَمِيعَ بَدَنِ الْمُحْرِمِ إلَّا رَأْسَهُ، لِأَنَّ الْإِحْرَامَ لَا يَتَعَلَّقُ بِالرِّجْلَيْنِ. وَلِهَذَا لَا يُمْنَعُ مِنْ تَغْطِيَتِهِمَا فِي حَيَاتِهِ. فَهَكَذَا بَعْدَ مَمَاتِهِ، وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: قُلْت: فَلَا يُقَالُ: كَلَامُ الْخِرَقِيِّ خَرَجَ عَلَى الْمُعْتَادِ. إذْ فِي الْحَدِيثِ «أَنَّهُ يُكَفَّنُ فِي ثَوْبَيْهِ» أَيْ الْإِزَارِ وَالرِّدَاءِ. وَالْعَادَةُ: أَنَّهُ لَا يُغَطَّى مِنْ سُرَّتِهِ إلَى رِجْلَيْهِ. انْتَهَى.
وَقَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: يُمْكِنُ تَوْجِيهُ تَحْرِيمِ أَنَّ الْإِحْرَامَ يُحَرِّمُ تَغْطِيَةَ قَدَمَيْ الْحَيِّ بِمَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ، كَالْخُفِّ وَالْجَوْرَبِ وَالْجُمْجُمِ وَنَحْوِهِ، وَقَدْ اسْتَيْقَنَا تَحْرِيمَ ذَلِكَ بَعْدَ الْمَوْتِ، مَعَ كَوْنِهِ لَيْسَ بِمُعْتَادٍ فِيهِ، وَإِنَّمَا الْمُعْتَادُ فِيهِ: سَتْرُهُمَا بِالْكَفَنِ فَكَانَ التَّحْرِيمُ أَوْلَى. انْتَهَى. وَمَفْهُومُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَيْضًا: أَنَّهُ يُغَطِّي وَجْهَهُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَالْمَشْهُورُ مِنْ الرِّوَايَتَيْنِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ تَغْطِيَةُ وَجْهِهِ فِي حَالِ حَيَاتِهِ، وَعَنْهُ لَا يُغَطِّي وَجْهَهُ، وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ فَوَائِدُ. إحْدَاهُمَا: يُجَنَّبُ الْمُحْرِمُ الْمَيِّتُ مَا يُجَنَّبُ فِي حَيَاتِهِ لِبَقَاءِ الْإِحْرَامِ، لَكِنْ لَا يَجِبُ الْفِدَاءُ عَلَى الْفَاعِلِ بِهِ مَا يُوجِبُ الْفِدْيَةَ لَوْ فَعَلَهُ حَيًّا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: تَجِبُ عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ، وَقَالَ فِي التَّبْصِرَةِ: يَسْتُرُ عَلَى نَفْسِهِ بِشَيْءٍ. الثَّانِيَةُ: قَالَ فِي الْفُرُوعِ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَالْأَصْحَابِ: أَنَّ بَقِيَّةَ كَفَنِهِ كَحَلَالٍ. وَذَكَرَ الْخَلَّالُ عَنْ أَحْمَدَ: أَنَّهُ يُكَفَّنُ فِي ثَوْبَيْهِ لَا يُزَادُ عَلَيْهِمَا. وَاخْتَارَهُ الْخَلَّالُ، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ: يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ فَيَكُونُ كَمَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ، وَغَيْرُهُ، وَذَكَرَ فِي الْمُغْنِي وَغَيْرِهِ: الْجَوَازَ. انْتَهَى. تَنْبِيهٌ: هَذَا كُلُّهُ فِي أَحْكَامِ الْمُحْرِمِ. فَأَمَّا إنْ كَانَ الْمَيِّتُ امْرَأَةً: فَإِنَّهُ يَجُوزُ إلْبَاسُهَا الْمَخِيطَ، وَتُجَنَّبُ مَا سِوَاهُ، وَلَا يُغَطَّى وَجْهُهَا رِوَايَةً وَاحِدَةً، قَالَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، الثَّالِثَةُ: لَا تُمْنَعُ الْمُعْتَدَّةُ إذَا مَاتَتْ مِنْ الطِّيبِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: تُمْنَعُ. قَوْلُهُ (وَالشَّهِيدُ لَا يُغَسَّلُ) سَوَاءٌ كَانَ مُكَلَّفًا أَوْ غَيْرَهُ، وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَصْحَابِ: يَحْتَمِلُ أَنَّ
غُسْلَهُ مُحَرَّمٌ، وَيَحْتَمِلُ الْكَرَاهَةَ قَطَعَ أَبُو الْمَعَالِي بِالتَّحْرِيمِ، وَحَكَى رِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ، وَقَالَ فِي التَّبْصِرَةِ: لَا يَجُوزُ غُسْلُهُ، وَقَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: قُلْت: لَمْ أَقِفْ عَلَى تَصْرِيحٍ لِأَصْحَابِنَا: هَلْ غُسْلُ الشَّهِيدِ حَرَامٌ أَوْ مَكْرُوهٌ؟ فَيُحْتَمَلُ الْحُرْمَةُ لِمُخَالَفَةِ الْأَمْرِ. انْتَهَى. قَوْلُهُ (إلَّا أَنْ يَكُونَ جُنُبًا) يَعْنِي فَيُغَسَّلُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ. وَعَنْهُ لَا يُغَسَّلُ أَيْضًا. فَوَائِدُ. إحْدَاهَا: حُكْمُ مَنْ طَهُرَتْ مِنْ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ حُكْمُ الْجُنُبِ، خِلَافًا وَمَذْهَبًا، وَكَذَا كُلُّ غُسْلٍ وَجَبَ قَبْلَ الْقَتْلِ كَالْكَافِرِ يُسْلِمُ ثُمَّ يُقْتَلُ، وَقِيلَ فِي الْكَافِرِ: لَا يُغَسَّلُ، وَإِنْ غُسِّلَ غَيْرُهُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ تَمِيمٍ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمْ، وَأَمَّا إذَا مَاتَتْ فِي أَثْنَاءِ حَيْضِهَا أَوْ نِفَاسِهَا: فَقَدْ سَبَقَتْ الْمَسْأَلَةُ فِي بَابِ الْغُسْلِ. فَعَلَى الْمَذْهَبِ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ: لَوْ مَاتَ وَعَلَيْهِ حَدَثٌ أَصْغَرُ: فَهَلْ يُوَضَّأُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالْحَوَاشِي، قُلْت: الَّذِي ظَهَرَ أَنَّهُ لَا يُوَضَّأُ لِأَنَّهُ تَبَعٌ لِلْغُسْلِ [وَهُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ] . الثَّانِيَةُ: لَوْ كَانَ عَلَى الشَّهِيدِ نَجَاسَةٌ غَيْرُ الدَّمِ فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهَا تُغَسَّلُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَفِيهِ احْتِمَالٌ بِبَقَائِهَا كَالدَّمِ فَعَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ: لَوْ لَمْ تَزُلْ النَّجَاسَةُ إلَّا بِزَوَالِ الدَّمِ لَمْ يَجُزْ إزَالَتُهَا، ذَكَرَهُ أَبُو الْمَعَالِي قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَجَزَمَ غَيْرُهُ بِغَسْلِهَا مِنْهُمْ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ فِي رِعَايَتِهِ، قُلْت: فَيُعَايَى بِهَا.
الثَّالِثَةُ: صَرَّحَ الْمَجْدُ بِوُجُوبِ بَقَاءِ دَمِ الشَّهِيدِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ، وَذَكَرُوا رِوَايَةَ كَرَاهَةِ تَنْشِيفِ الْأَعْضَاءِ، كَدَمِ الشَّهِيدِ. قَوْلُهُ (وَإِنْ أَحَبَّ كَفَّنَهُ فِي غَيْرِهَا) يَعْنِي إنْ أَحَبَّ كَفَّنَ الشَّهِيدَ فِي ثِيَابٍ غَيْرِ الثِّيَابِ الَّتِي قُتِلَ فِيهَا. وَهَذَا قَوْلُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَشَذَّ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ فَجَعَلَ ذَلِكَ مُسْتَحَبًّا، وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ أَبُو مُحَمَّدٍ، قُلْت: جَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَنَصَرَاهُ وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يَجِبُ دَفْنُهُ فِي ثِيَابِهِ الَّتِي قُتِلَ فِيهَا نَصَّ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَهُوَ الْمَنْصُوصُ، وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ مِنْهُمْ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَجِبُ دَفْنُهُ فِي بَقِيَّةِ ثِيَابِهِ فِي الْمَنْصُوصِ، وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ فَلَا يُزَادُ عَلَى ثِيَابِهِ، وَلَا يُنْقَصُ عَنْهَا بِحَسَبِ الْمَسْنُونِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: لَا بَأْسَ بِالزِّيَادَةِ أَوْ النَّقْصِ لِيَحْصُلَ الْمَسْنُونُ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي التَّخْرِيجِ وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ تَمِيمٍ. قَوْلُهُ (وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ) وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: هَذَا أَصَحُّ الرِّوَايَاتِ، وَهُوَ قَوْلُ الْخِرَقِيِّ، وَالْقَاضِي قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هَذَا الْمَشْهُورُ مِنْ الرِّوَايَاتِ، وَاخْتِيَارُ الْقَاضِي، وَعَامَّةِ أَصْحَابِهِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَغَيْرِهِمْ. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: تَجِبُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ اخْتَارَهَا جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ، مِنْهُمْ الْخَلَّالُ، وَأَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ فِي التَّنْبِيهِ، وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَحُكِيَ عَنْهُ: تَحْرُمُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ إنْ شَاءَ صَلَّى وَإِنْ شَاءَ لَمْ يُصَلِّ
فَعَلَيْهَا: الصَّلَاةُ أَفْضَلُ، عَلَى الصَّحِيحِ قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَعَنْهُ تَرْكُهَا أَفْضَلُ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ: أَنَّهُمَا سَوَاءٌ فِي الْأَفْضَلِيَّةِ. تَنْبِيهٌ: مَحَلُّ الْخِلَافِ: فِي الشَّهِيدِ الَّذِي لَا يُغَسَّلُ فَأَمَّا الشَّهِيدُ الَّذِي يُغَسَّلُ: فَإِنَّهُ يُصَلَّى عَلَيْهِ عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ، رِوَايَةً وَاحِدَةً. فَائِدَةٌ جَلِيلَةٌ قِيلَ: سُمِّيَ شَهِيدًا لِأَنَّهُ حَيٌّ، وَقِيلَ: لِأَنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يَشْهَدُونَ لَهُ بِالْجَنَّةِ. [وَقِيلَ: لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَشْهَدُ لَهُ] وَقِيلَ: لِقِيَامِهِ بِشَهَادَةِ الْحَقِّ حَتَّى قُتِلَ. وَقِيلَ: لِأَنَّهُ يَشْهَدُ مَا أُعِدَّ لَهُ مِنْ الْكَرَاهَةِ بِالْقَتْلِ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ شَهِدَ لِلَّهِ بِالْوُجُودِ وَالْإِلَهِيَّةِ بِالْفِعْلِ، كَمَا شَهِدَ غَيْرُهُ بِالْقَوْلِ، وَقِيلَ: لِسُقُوطِهِ بِالْأَرْضِ. وَهِيَ الشَّهَادَةُ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ شَهِدَ لَهُ بِوُجُوبِ الْجَنَّةِ، وَقِيلَ: مِنْ أَجْلِ شَاهِدِهِ، وَهُوَ دَمُهُ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ شَهِدَ لَهُ بِالْإِيمَانِ وَبِحُسْنِ الْخَاتِمَةِ بِظَاهِرِ حَالِهِ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ يُشْهَدُ لَهُ بِالْأَمَانِ مِنْ النَّارِ، وَقِيلَ: لِأَنَّ عَلَيْهِ شَاهِدًا بِكَوْنِهِ شَهِيدًا، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ لَا يَشْهَدُهُ عِنْدَ مَوْتِهِ إلَّا مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ الَّذِي يَشْهَدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِإِبْلَاغِ الرُّسُلِ فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ عَشَرَ قَوْلًا، ذَكَرَ السَّبْعَةَ الْأُولَى: ابْنُ الْجَوْزِيِّ، وَالثَّلَاثَةَ الَّتِي بَعْدَهَا: ابْنُ قُرْقُورٍ فِي الْمَطَالِعِ، وَالْأَرْبَعَةَ الْبَاقِيَةَ: ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ وَقَالَ: وَبَعْضُ هَذَا يَخْتَصُّ بِمَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَبَعْضُهَا يَعُمُّ غَيْرَهُ. انْتَهَى. وَلَا يَخْلُو بَعْضُهَا مِنْ نَوْعِ تَدَاخُلٍ. قَوْلُهُ (وَإِنْ سَقَطَ مِنْ دَابَّتِهِ، أَوْ وُجِدَ مَيِّتًا وَلَا أَثَرَ بِهِ) يَعْنِي غُسِّلَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ. وَكَذَا لَوْ سَقَطَ مِنْ شَاهِقٍ فَمَاتَ، أَوْ رَفَسَتْهُ دَابَّةٌ فَمَاتَ مِنْهَا قَالَ الْأَصْحَابُ: وَكَذَا لَوْ مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، وَكَذَا مَنْ عَادَ عَلَيْهِ سَهْمُهُ فِيهَا نَصَّ عَلَيْهِ فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ: أَنَّهُ يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى
عَلَيْهِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ. وَقِيلَ: لَا يُغَسَّلُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَحُكِيَ رِوَايَةً وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي قَدِيمًا فِيمَنْ سَقَطَ عَنْ دَابَّتِهِ، أَوْ عَادَ عَلَيْهِ سِلَاحُهُ فَمَاتَ، أَوْ سَقَطَ مِنْ شَاهِقٍ، أَوْ فِي بِئْرٍ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِفِعْلِ الْعَدُوِّ وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي أَيْضًا فِي شَرْحِ الْمَذْهَبِ فِيمَنْ وُجِدَ مَيِّتًا، وَلَا أَثَرَ بِهِ [قَدَّمَهُ الشَّيْخُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّارِحُ أَنَّهُ إذَا عَادَ عَلَيْهِ سِلَاحُهُ فَقَتَلَهُ لَا يُغَسَّلُ، وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ وَنَصَرَاهُ] . تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ (وَإِنْ وُجِدَ مَيِّتًا وَلَا أَثَرَ بِهِ) هَكَذَا عِبَارَةُ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ، وَزَادَ أَبُو الْمَعَالِي " وَلَا دَمَ فِي أَنْفِهِ وَدُبُرِهِ، أَوْ ذَكَرِهِ " قَوْلُهُ (أَوْ حُمِلَ فَأَكَلَ أَوْ طَالَ بَقَاؤُهُ) يَعْنِي لَوْ جُرِحَ فَأَكَلَ فَإِنَّهُ يُغَسَّلُ، وَيُصَلَّى عَلَيْهِ. وَكَذَا لَوْ جُرِحَ فَشَرِبَ، أَوْ نَامَ، أَوْ بَالَ، أَوْ تَكَلَّمَ، زَادَ جَمَاعَةٌ: أَوْ عَطَسَ نَصَّ عَلَيْهِ مِنْهُمْ ابْنُ تَمِيمٍ، وَصَاحِبُ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَابْنُ حَمْدَانَ فِي رِعَايَتِهِ الْكُبْرَى، وَهَذَا الْمَذْهَبُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، وَلَوْ لَمْ يَطُلْ الْفَصْلُ وَجَزَمَ بِهِ فِي التَّلْخِيصِ وَغَيْرِهِ وَقَدَّمَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْفُرُوعِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، وَقِيلَ: لَا يُغَسَّلُ إلَّا إذَا طَالَ الْفَصْلُ، أَوْ أَكَلَ فَقَطْ. اخْتَارَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ فَقَالَ: الصَّحِيحُ عِنْدِي: التَّحْدِيدُ بِطُولِ الْفَصْلِ أَوْ الْأَكْلِ؛ لِأَنَّهُ عَادَةُ ذَوِي الْحَيَاةِ الْمُسْتَقِرَّةِ، وَطُولُ الْفَصْلِ دَلِيلٌ عَلَيْهَا فَأَمَّا الشُّرْبُ وَالْكَلَامُ: فَيُوجَدَانِ مِمَّنْ هُوَ فِي السِّيَاقِ قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَهُوَ أَصَحُّ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَصَحَّحَهُ الْمُصَنِّفُ، قُلْت: وَهُوَ عَيْنُ الصَّوَابِ، وَعَنْهُ يُغَسَّلُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ إلَّا مَعَ جِرَاحَةٍ كَثِيرَةٍ، وَلَوْ طَالَ الْفَصْلُ مَعَهَا قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: وَالْأَوْلَى أَنَّهُ إنْ لَمْ يَتَطَاوَلْ بِهِ ذَلِكَ، فَهُوَ كَغَيْرِهِ مِنْ الشُّهَدَاءِ. وَاخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَقِيلَ: الِاعْتِبَارُ بِتَقَضِّي الْحَرْبِ فَمَتَى مَاتَ وَهِيَ قَائِمَةٌ لَمْ يُغَسَّلْ، وَلَوْ وُجِدَ مِنْهُ
شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنْ مَاتَ بَعْدَ انْقِضَائِهَا غُسِّلَ قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، قُلْت: كَذَا نَقَلَهُ ابْنُ الْبَنَّا فِي الْعُقُودِ عَنْ مَذْهَبِنَا. انْتَهَى. قَالَ الْآمِدِيُّ: إذَا خَرَجَ الْمَجْرُوحُ مِنْ الْمَعْرَكَةِ، ثُمَّ مَاتَ بَعْدَ تَقَضِّي الْقِتَالِ فَهُوَ كَغَيْرِهِ مِنْ الْمَوْتَى قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَظَاهِرُ كَلَامِ الْقَاضِي فِي مَوْضِعٍ: أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِقِيَامِ الْحَرْبِ فَإِنْ مَاتَ وَهِيَ قَائِمَةٌ لَمْ يُغَسَّلْ، وَإِنْ انْقَضَتْ قَبْلَ مَوْتِهِ غُسِّلَ، وَلَمْ يُعْتَبَرْ خُرُوجُهُ مِنْ الْمَعْرَكَةِ. انْتَهَى. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: نَقَلَ الْجَمَاعَةُ: إنَّمَا يُتْرَكُ غُسْلُ مَنْ قُتِلَ فِي الْمَعْرَكَةِ، وَإِنْ حُمِلَ وَفِيهِ رَوْحٌ غُسِّلَ. تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ " أَوْ طَالَ بَقَاؤُهُ " قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالْمُرَادُ عُرْفًا. قَوْلُهُ (وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا) كَقَتِيلِ اللُّصُوصِ وَنَحْوِهِ (فَهَلْ يُلْحَقُ بِالشَّهِيدِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفَائِقِ، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، إحْدَاهُمَا: يُلْحَقُ بِشَهِيدِ الْمَعْرَكَةِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ اخْتَارَهُ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَا يُغَسَّلُ الْمَقْتُولُ ظُلْمًا عَلَى الْأَصَحِّ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَعَامَّةُ أَصْحَابِهِ وَصَحَّحَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ الرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَا يُلْحَقُ بِشَهِيدِ الْمَعْرَكَةِ. اخْتَارَهُ الْخَلَّالُ، وَصَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، تَنْبِيهٌ: قَدْ يُقَالُ: دَخَلَ فِي كَلَامِهِ: إذَا قَتَلَ الْبَاغِي الْعَادِلَ، وَهُوَ أَحَدُ الطَّرِيقَتَيْنِ اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَالْقَاضِي، وَقِيلَ: بَلْ حُكْمُهُ حُكْمُ قَتِيلِ الْكُفَّارِ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ وَاخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَالْمَجْدُ وَغَيْرُهُمْ، وَعَنْهُ يَلْحَقُ بِشَهِيدِ الْمَعْرَكَةِ إنْ قُتِلَ فِي مُعْتَرَكٍ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ. كَقَتِيلِ الْبُغَاةِ وَالْخَوَارِجِ فِي الْمَعْرَكَةِ، أَوْ قَتَلَهُ الْكُفَّارُ صَبْرًا فِي غَيْرِ حَرْبٍ، كَخُبَيْبٍ، وَإِلَّا فَلَا.
فَوَائِدُ. إحْدَاهُمَا: قِيلَ: إنَّمَا لَمْ يُغَسَّلْ الشَّهِيدُ دَفْعًا لِلْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ، لِكَثْرَةِ الشُّهَدَاءِ فِي الْمَعْرَكَةِ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُمْ لَمَّا لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِمْ لَمْ يُغَسَّلُوا، وَقِيلَ وَهُوَ الصَّحِيحُ لِئَلَّا يَزُولَ أَثَرُ الْعِبَادَةِ الْمَطْلُوبُ بَقَاؤُهَا، وَإِنَّمَا لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ قِيلَ: لِأَنَّهُمْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ، وَالصَّلَاةُ إنَّمَا شُرِعَتْ فِي حَقِّ الْمَوْتَى، وَقِيلَ: لِغِنَاهُمْ عَنْ الشَّفَاعَةِ. الثَّانِيَةُ: قَالَ فِي الْفُرُوعِ: الشَّهِيدُ غَيْرُ شَهِيدِ الْمَعْرَكَةِ: بِضْعَةُ عَشَرَ، مُفَرَّقَةٌ فِي الْأَخْبَارِ، وَمِنْ أَغْرَبِهَا «مَوْتُ الْغَرِيبِ: شَهَادَةٌ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْخَلَّالُ مَرْفُوعًا وَأَغْرَبُ مِنْهُ «مَنْ عَشِقَ وَعَفَّ وَكَتَمَ فَمَاتَ مَاتَ شَهِيدًا» ذَكَرَهُ أَبُو الْمَعَالِي وَابْنُ مُنَجَّا، وَقَالَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ الْمُتَأَخِّرِينَ: كَوْنُ الْعِشْقِ شَهَادَةً مُحَالٌ، وَرَدَّهُ فِي الْفُرُوعِ. تَنْبِيهٌ: مَفْهُومُ قَوْلِهِ (وَإِذَا وُلِدَ السِّقْطُ لِأَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ غُسِّلَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ) أَنَّهُ لَوْ وُلِدَ لِدُونِ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ: أَنَّهُ لَا يُغَسَّلُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَهُوَ صَحِيحٌ وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِمَا وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ قَالَ فِي الْفُصُولِ: لَمْ يَجُزْ أَنْ يُصَلَّى عَلَيْهِ وَجَزَمَ بِهِ فِي النَّظْمِ، وَنَاظِمِ الْمُفْرَدَاتِ فَقَالَ: بَعْدَ أَرْبَعِ الشُّهُورِ سِقْطٌ يُغَسَّلُ ... وَصُلِّيَ وَلَوْ لَمْ يَسْتَهِلَّ نَقَلُوا وَعَنْهُ مَتَى بَانَ فِيهِ خَلْقُ الْإِنْسَانِ غُسِّلَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ. [وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ فِي التَّنْبِيهِ، وَابْنُ أَبِي مُوسَى] وَجَزَمَ بِهِ فِي، الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ وَالْبُلْغَةِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَقَالَ: وَقَدْ ضَبَطَهُ بَعْضُ الْأَصْحَابِ: بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ؛ لِأَنَّهَا مَظِنَّةُ الْحَيَاةِ وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ
فَوَائِدُ. إحْدَاهَا: يُسْتَحَبُّ تَسْمِيَةُ هَذَا الْمَوْلُودِ نَصَّ عَلَيْهِ وَاخْتَارَهُ الْخَلَّالُ وَغَيْرُهُ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَعَنْهُ لَا يُسَمَّى إلَّا بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ. نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ قَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ: لِأَنَّهُ لَا يُبْعَثُ قَبْلَهَا، وَقَالَ الْقَاضِي فِي الْمُعْتَمَدِ: يُبْعَثُ قَبْلَهَا. وَقَالَ: هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَهُوَ قَوْلُ كَثِيرٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ، وَقَالَ فِي نِهَايَةِ الْمُبْتَدِئِ: لَا يُقْطَعُ بِإِعَادَتِهِ وَعَدَمِهَا كَالْجَمَادِ، وَقَالَ فِي الْفُصُولِ: لَا يَجُوزُ أَنْ يُصَلَّى عَلَيْهِ كَالْعَلَقَةِ، لِأَنَّهُ لَا يُعَادُ وَلَا يُحَاسَبُ. الثَّانِيَةُ: يُسْتَحَبُّ تَسْمِيَةُ مَنْ لَمْ يَسْتَهِلَّ أَيْضًا، وَإِنْ جُهِلَ ذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى؟ سُمِّيَ بِاسْمٍ صَالِحٍ لَهُمَا، كَطَلْحَةَ وَهِبَةَ اللَّهِ. الثَّالِثَةُ: لَوْ كَانَ السِّقْطُ مِنْ كَافِرٍ فَإِنَّ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ فَكَمُسْلِمٍ، وَإِلَّا فَلَا، وَنَقَلَ حَنْبَلٌ: يُصَلَّى عَلَى كُلِّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ. الرَّابِعَةُ: مَنْ مَاتَ فِي سَفِينَةٍ غُسِّلَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ بَعْدَ تَكْفِينَهُ، وَأُلْقِيَ فِي الْبَحْرِ سَلًّا. كَإِدْخَالِهِ فِي الْقَبْرِ مَعَ خَوْفِ فَسَادٍ أَوْ حَاجَةٍ، وَنَقَلَ عَبْدُ اللَّهِ يُثْقَلُ بِشَيْءٍ، وَذَكَرَهُ فِي الْفُصُولِ عَنْ أَصْحَابِنَا قَالَ: وَلَا مَوْضِعَ لَنَا الْمَاءُ فِيهِ بَدَلٌ عَنْ التُّرَابِ إلَّا هُنَا فَيُعَايَى بِهَا. قَوْلُهُ (وَمَنْ تَعَذَّرَ غُسْلُهُ يُمِّمَ وَكُفِّنَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ، مِثْلُ اللَّدِيغِ وَنَحْوِهِ) وَهَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَعَنْهُ لَا يُيَمَّمُ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ التَّنْظِيفُ، قُلْت: فَيُعَايَى بِهَا، وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى فِي الْمُحْتَرِقِ وَنَحْوِهِ: يُصَبُّ عَلَيْهِ الْمَاءُ. كَمَنْ خِيفَ عَلَيْهِ بِمَعْرَكَةٍ. وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ رِوَايَةً فِيمَنْ خِيفَ تَلَاشِيهِ بِهِ يُغَسَّلُ، وَذَكَرَ أَبُو الْمَعَالِي فِيمَنْ تَعَذَّرَ خُرُوجُهُ مِنْ تَحْتِ هَدْمٍ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ؛ لِتَعَذُّرِ الْغُسْلِ كَمُحْتَرِقٍ.
قَوْلُهُ (وَعَلَى الْغَاسِلِ سَتْرُ مَا رَآهُ إنْ لَمْ يَكُنْ حَسَنًا) شَمِلَ مَسْأَلَتَيْنِ. إحْدَاهُمَا: إذَا رَأَى غَيْرَ الْحَسَنِ. الثَّانِيَةُ: إذَا رَأَى حَسَنًا. الْأُولَى صَرِيحَةٌ فِي كَلَامِهِ، وَالثَّانِيَةُ: مَفْهُومَةٌ مِنْ كَلَامِهِ وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ سَتْرُ غَيْرِ الْحَسَنِ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ " وَعَلَى الْغَاسِلِ " لِأَنَّ " عَلَى " ظَاهِرَةٌ فِي الْوُجُوبِ وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ لَا يَجِبُ إظْهَارُ الْحَسَنِ، بَلْ يُسْتَحَبُّ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَلْزَمُ الْغَاسِلَ سِتْرُ الشَّرِّ، لَا إظْهَارُ الْخَيْرِ فِي الْأَشْهَرِ فِيهِمَا نَقَلَ ابْنُ الْحَكَمِ: لَا يُحَدِّثُ بِهِ أَحَدًا وَاخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَالْمُصَنِّفُ، وَأَكْثَرُ الْأَصْحَابِ قَالَ الْمَجْدُ: وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ وَاجِبٌ، وَالتَّحَدُّثُ بِهِ حَرَامٌ وَقَدَّمَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ وَغَيْرِهِ وَقَطَعَ بِهِ أَبُو الْمَعَالِي فِي شَرْحِهِ وَغَيْرُهُ، وَقِيلَ: لَا يَجِبُ سَتْرُ مَا رَآهُ مِنْ قَبِيحٍ، بَلْ يُسْتَحَبُّ وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ الْجَوْزِيِّ وَغَيْرُهُ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَقِيلَ: يَجِبُ إظْهَارُ الْحَسَنِ، وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ: إنْ كَانَ الْمَيِّتُ مَعْرُوفًا بِبِدْعَةٍ أَوْ قِلَّةِ دِينٍ أَوْ فُجُورٍ وَنَحْوِهِ، فَلَا بَأْسَ بِإِظْهَارِ الشَّرِّ عَنْهُ، وَسَتْرُ الْخَيْرِ عَنْهُ، لِتُجْتَنَبَ طَرِيقَتُهُ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالْكَافِي، وَأَبُو الْمَعَالِي، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ عَقِيلٍ، فَقَالَ: لَا بَأْسَ عِنْدِي بِإِظْهَارِ الشَّرِّ عَنْهُ لِتُحْذَرَ طَرِيقُهُ. انْتَهَى. لَكِنْ هَلْ يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ أَوْ يُبَاحُ؟ قَالَ فِي النُّكَتِ: فِيهِ خِلَافٌ، قُلْت: الْأَوْلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ، وَظَاهِرُ تَعْلِيلِهِمْ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ. قَوْلُهُ (وَيَجِبُ كَفَنُ الْمَيِّتِ فِي مَالِهِ، مُقَدَّمًا عَلَى الدَّيْنِ وَغَيْرِهِ) ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ الْمَقْطُوعُ بِهِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ وَاخْتَارُوهُ، وَقِيلَ: لَا يُقَدَّمُ عَلَى دَيْنِ الرَّهْنِ، وَأَرْشِ الْجِنَايَةِ وَنَحْوِهِمَا. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْحَاوِي الصَّغِيرِ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْفَرَائِضِ.
فَوَائِدُ. الْأُولَى: الْوَاجِبُ لِحَقِّ لِلَّهِ تَعَالَى ثَوْبُ وَاحِدٍ بِلَا نِزَاعٍ، فَلَوْ وَصَّى بِأَقَلَّ مِنْهُ لَمْ تُسْمَعْ وَصِيَّتُهُ، وَكَذَا لِحَقِّ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقَالَ: اخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هَذَا الْمَشْهُورُ اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَأَبُو مُحَمَّدٍ، وَقِيلَ: ثَلَاثَةٌ. اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَحَكَى رِوَايَةً. قَالَ الْمَجْدُ: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ، فَلَوْ أَوْصَى أَنْ يُكَفَّنَ بِثَوْبٍ وَاحِدٍ صَحَّ قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: وَجْهًا وَاحِدًا، وَقَالَ فِي التَّلْخِيصِ: إذَا قُلْنَا يَجِبُ ثَلَاثَةُ أَثْوَابٍ: لَمْ تَصِحَّ الْوَصِيَّةُ بِأَقَلَّ مِنْهَا. انْتَهَى. وَقِيلَ: يُقَدَّمُ الثَّلَاثَةُ عَلَى الْإِرْثِ وَالْوَصِيَّةِ، لَا عَلَى الدَّيْنِ [اخْتَارَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ وَجَزَمَ بِهِ أَبُو الْمَعَالِي، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَأَطْلَقَ فِي تَقْدِيمِهَا عَلَى الدَّيْنِ] وَجْهَيْنِ وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: إنْ كُفِّنَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، فَثَوْبٌ وَاحِدٌ، وَفِي الزَّائِدِ لِلْجَمَالِ وَجْهَانِ، وَقِيلَ: تَجِبُ ثَلَاثَةٌ لِلرَّجُلِ، وَخَمْسَةٌ لِلْمَرْأَةِ. وَيَأْتِي ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ " وَالْوَاجِبُ مِنْ ذَلِكَ ثَوْبٌ يَسْتُرُ جَمِيعَهُ ". الثَّانِيَةُ: يَجِبُ مَلْبُوسُ مِثْلِهِ فِي الْجُمَعِ وَالْأَعْيَادِ إذَا لَمْ يُوَصِّ بِدُونِهِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ وَجَزَمَ بِهِ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَقَالَ فِي الْفُصُولِ: يَكُونُ بِحَسَبِ حَالِهِ كَنَفَقَتِهِ فِي حَيَاتِهِ. الثَّالِثَةُ: الْجَدِيدُ أَفْضَلُ مِنْ الْعَتِيقِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ [مَا لَمْ يُوَصِّ بِغَيْرِهِ] ، وَقِيلَ: الْعَتِيقُ الَّذِي لَيْسَ بِبَالٍّ أَفْضَلُ، قَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْفُصُولِ وَقِيلَ لِأَحْمَدَ: يُصَلِّي فِيهِ أَوْ يُحْرِمُ فِيهِ ثُمَّ يَغْسِلُهُ وَيَضَعُهُ لِكَفَنِهِ؟ فَرَآهُ حَسَنًا، وَعَنْهُ يُعْجِبُنِي جَدِيدٌ أَوْ غَسِيلٌ، وَكُرِهَ لُبْسُهُ حَتَّى يُدَنِّسَهُ، وَقَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي: جَرَتْ الْعَادَةُ بِتَحْسِينِهِ وَلَا يَجِبُ، وَكَذَا قَالَ فِي الْوَاضِحِ وَغَيْرِهِ: يُسْتَحَبُّ بِمَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ الْحَيْضِ.
الرَّابِعَةُ: يُشْتَرَطُ فِي الْكَفَنِ: أَنْ لَا يَصِفَ الْبَشَرَةَ، وَيُكْرَهُ إذَا كَانَ يَحْكِي هَيْئَةَ الْبَدَنِ، وَإِنْ لَمْ يَصِفْ الْبَشَرَةَ نَصَّ عَلَيْهِ، وَيُكْرَهُ أَيْضًا بِشَعْرٍ وَصُوفٍ، وَيَحْرُمُ بِجُلُودٍ، وَكَذَا بِحَرِيرٍ لِلْمَرْأَةِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ نَصَّ عَلَيْهِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَجَعَلَهُ الْمَجْدُ وَمَنْ تَابَعَهُ احْتِمَالًا لِابْنِ عَقِيلٍ، [قُلْت: صَرَّحَ بِهِ فِي الْفُصُولِ، وَلَمْ يَطَّلِعْ عَلَى النَّصِّ] وَعَنْهُ يُكْرَهُ وَلَا يَحْرُمُ قَدَّمَهُ فِي التَّلْخِيصِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَقِيلَ: لَا يُكْرَهُ، وَيَجُوزُ التَّكْفِينُ بِالْحَرِيرِ عِنْدَ الْعَدَمِ لِلضَّرُورَةِ، وَيَكُونُ ثَوْبًا وَاحِدًا وَالْمُذَهَّبُ مِثْلُ الْحَرِيرِ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَحْكَامِ. وَيُكْرَهُ تَكْفِينُهَا بِمُزَعْفَرٍ وَمُعَصْفَرٍ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيُتَوَجَّهُ فِيهِ كَمَا سَبَقَ فِي سَتْرِ الْعَوْرَةِ فَيَجِيءُ الْخِلَافُ فَلَا يُكْرَهُ لَهَا، لَكِنَّ الْبَيَاضَ أَوْلَى. انْتَهَى. وَزَادَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: يُكْرَهُ بِمَا فِيهِ النُّقُوشُ، وَهُوَ مَعْنَى مَا فِي الْفُصُولِ وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ، وَيَحْرُمُ تَكْفِينَ الصَّبِيِّ بِحَرِيرٍ. وَلَوْ قُلْنَا: بِجَوَازِ لُبْسِهِ فِي حَيَاتِهِ، قَالَهُ فِي التَّلْخِيصِ، وَالْفُرُوعِ. الْخَامِسَةُ: لَا يُكْرَهُ تَعْمِيمُهُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ قَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَةُ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَقَالَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ: يُكْرَهُ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ [وَابْنُ حَمْدَانَ] . السَّادِسَةُ: لَوْ سُرِقَ كَفَنُ مَيِّتٍ كُفِّنَ ثَانِيًا نَصَّ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ ثَانِيًا، وَثَالِثًا فِي الْمَنْصُوصِ، وَسَوَاءٌ قُسِّمَتْ التَّرِكَةُ أَوْ لَا، مَا لَمْ يُصْرَفْ فِي دَيْنٍ أَوْ وَصِيَّةٍ، وَلَوْ جُبِيَ لَهُ كَفَنٌ فَمَا فَضَلَ فَلِرَبِّهِ فَإِنْ جُهِلَ كُفِّنَ بِهِ آخَرُ نَصَّ عَلَيْهِ فَإِنْ تَعَذَّرَ تَصَدَّقَ بِهِ، هَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَقِيلَ: تُصْرَفُ الْفَضْلَةُ فِي كَفَنِ آخَرَ، وَلَوْ عَلِمَ رَبُّهَا جَزَمَ بِهِ فِي
الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَقَدَّمَهُ فِي الْكُبْرَى، وَقَالَ: نَصَّ عَلَيْهِ، وَفِي مُنْتَخَبِ وَلَدِ الشِّيرَازِيِّ: هُوَ كَزَكَاةٍ فِي رِقَابٍ أَوْ غُرْمٍ. وَجَعَلَ الْمُدَّ اخْتِلَاطُهُ كَجَهْلِ رَبِّهِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَكَلَامُ غَيْرِهِ خِلَافُهُ، وَهُوَ أَظْهَرُ. انْتَهَى. وَقِيلَ: الْفَضْلَةُ لِوَرَثَةِ الْمَيِّتِ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَهُوَ بَعِيدٌ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَعَلَّ الْمُرَادَ وَرَثَةُ رَبِّهِ فَهُوَ إذْنٌ وَاضِحٌ مُتَعَيَّنٌ، قَالَا لِضَعْفٍ وَسَهْوٍ، وَلَوْ أَكَلَ الْمَيِّتَ سَبُعٌ أَوْ أَخَذَهُ بِكَفَنِهِ تَرَكَهُ، وَإِنْ كَانَ تَبَرَّعَ بِهِ أَجْنَبِيٌّ فَهُوَ لَهُ دُونَ الْوَرَثَةِ قَطَعَ بِهِ ابْنُ تَمِيمٍ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَقِيلَ: لِلْوَرَثَةِ قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَأَمَّا لَوْ اُسْتُغْنِيَ عَنْهُ قَبْلَ الدَّفْنِ: فَإِنَّهُ لِلْأَجْنَبِيِّ إجْمَاعًا، قَالَهُ فِي الْحَاوِيَيْنِ، وَيَأْتِي بَعْضُ ذَلِكَ فِي الْقَطْعِ وَالسَّرِقَةِ. قَوْلُهُ (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ فَعَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ) ثُمَّ فِي بَيْتِ الْمَالِ فَإِنْ تَعَذَّرَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَعَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ عَالِمٍ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: أَطْلَقَهَا لِأَصْحَابٍ قَالَ فِي الْفُنُونِ، قَالَ حَنْبَلٌ: وَيَكُونُ بِثَمَنِهِ، كَالْمُضْطَرِّ، وَذَكَرَهُ أَيْضًا غَيْرُهُ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَمَنْ ظَنَّ أَنَّ غَيْرَهُ لَا يَقُومُ بِهِ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ فَائِدَةٌ: لَا يُكَفَّنُ ذِمِّيٌّ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ لِلْعَدَمِ كَمُرْتَدٍّ، وَقِيلَ: يَجِبُ كَالْمَخْمَصَةِ، وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ لَا يُنْفَقُ عَلَيْهِ، لَكِنْ لِلْإِمَامِ أَنْ يُعْطِيَهُ. وَجَزَمَ بِهِ الْمَجْدُ، وَابْنُ تَمِيمٍ، زَادَ بَعْضُهُمْ: لِمَصْلَحَتِنَا. فَائِدَةٌ: لَوْ وُجِدَ ثَوْبٌ وَاحِدٌ، وَوُجِدَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَمْوَاتِ فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يَجْمَعُ فِي الثَّوْبِ مَا يُمْكِنُ جَمْعُهُ فِيهِ مِنْهُمْ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: هُوَ الْأَشْهَرُ وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَصَاحِبُ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَقَالَ: قَالَهُ أَصْحَابُنَا وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِفَادَاتِ قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَقَالَ شَيْخُنَا: يُقَسَّمُ الْكَفَنُ بَيْنَهُمْ وَيَسْتُرُ بِمَا يَحْصُلُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَوْرَتَهُ، وَلَا يُجْمَعُونَ فِيهِ
وَقَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ تَفْرِيعًا عَلَى الْأَوَّلِ قُلْت: فَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ يُجْعَلَ بَيْنَ كُلِّ اثْنَيْنِ حَاجِزٌ مِنْ عَسْبٍ وَنَحْوِهِ، فَلَا بَأْسَ. انْتَهَى. قُلْت: يَنْبَغِي أَنْ يُسْتَحَبَّ هَذَا، وَلَوْ لَمْ يَجِدْ مَا يَسْتُرَ كُلَّ الْمَيِّتِ سَتَرَ رَأْسَهُ وَبَاقِيَهُ بِحَشِيشٍ أَوْ وَرَقٍ قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ (وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى) ، وَقِيلَ: بَلْ يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ، وَمَا فَضَلَ يَسْتُرُ بِهِ رَأْسَهُ، وَمَا يَلِيهِ. [قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ] وَجَزَمَ بِهِ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالنَّظْمِ وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ وَالْحَوَاشِي، وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهَلْ يُقَدَّمُ سَتْرُ رَأْسِهِ، لِأَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ بَاقِيهِ بِحَشِيشٍ، أَوْ كَحَالِ الْحَيَاةِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَقَالَ فِي الْقَاعِدَةِ السِّتِّينَ بَعْدَ الْمِائَةِ: إذَا اجْتَمَعَ مَيِّتَانِ فَبُذِلَ لَهُمَا كَفَنَانِ، وَكَانَ أَحَدُ الْكَفَنَيْنِ أَجْوَدَ، وَلَمْ يُعَيِّنُ الْبَاذِلُ مَا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَإِنَّهُ يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا وَقَطَعَ بِهِ، وَقَالَ: فِي كَلَامِ أَحْمَدَ مَا يُشْعِرُ بِأَنَّهُ أَخَذَ بِالْحَدِيثِ الْوَارِدِ فِي ذَلِكَ. فَائِدَةٌ: يُقَدَّمُ الْكَفَنُ عَلَى دَيْنِ الرَّهْنِ وَأَرْشِ الْجِنَايَةِ وَنَحْوِهِمَا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: لَا يُقَدَّمُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْحَاوِي الصَّغِيرِ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْفَرَائِضِ. قَوْلُهُ (إلَّا الزَّوْجَ لَا يَلْزَمُهُ كَفَنُ امْرَأَتِهِ) هَذَا الْمَذْهَبُ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ. وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ، وَحُكِيَ رِوَايَةً، وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ مَعَ عَدَمِ التَّرِكَةِ اخْتَارَهُ الْآمِدِيُّ، فَعَلَى الْمَذْهَبِ: إذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا تَرِكَةٌ فَعَلَى مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهَا لَوْ كَانَتْ خَالِيَةً مِنْ الزَّوْجِ. قَوْلُهُ (وَيُسْتَحَبُّ تَكْفِينُ الرَّجُلِ فِي ثَلَاثِ لَفَائِفَ بِيضٍ، يُبْسَطُ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ بَعْدَ تَجْمِيرِهَا)
بِلَا نِزَاعٍ. زَادَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْأَصْحَابِ مِنْهُمْ الْمُصَنِّفُ فِي الْكَافِي يُجَمِّرُهَا ثَلَاثًا. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالْمُرَادُ وِتْرًا، بَعْدَ رَشِّهَا بِمَاءِ وَرْدٍ وَغَيْرِهِ، لِيَعْلَقَ بِهَا الْبَخُورُ. فَائِدَةٌ: يُكْرَهُ زِيَادَةُ الرَّجُلِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ جَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ وَغَيْرِهِمْ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، وَقِيلَ: لَا يُكْرَهُ قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَابْنِ تَمِيمٍ، وَصَحَّحَهُ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ قَوْلُهُ (ثُمَّ يُوضَعُ عَلَيْهَا مُسْتَلْقِيًا، وَيُجْعَلُ الْحَنُوطُ فِيمَا بَيْنَهُمَا) بِلَا نِزَاعٍ، وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُذَرَّ بَيْنَ اللَّفَائِفِ حَتَّى عَلَى اللِّفَافَةِ وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَالْأَصْحَابُ. فَائِدَةٌ: الْحَنُوطُ وَالطِّيبُ مُسْتَحَبٌّ، وَلَا بَأْسَ بِالْمِسْكِ فِيهِ نَصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: يَجِبُ الْحَنُوطُ وَالطِّيبُ قَوْلُهُ (وَيُجْعَلُ مِنْهُ فِي قَطَنٍ يُجْعَلُ مِنْهُ أَلْيَتَيْهِ، وَيُشَدُّ فَوْقَهُ خِرْقَةٌ مَشْقُوقَةُ الطَّرَفِ، كَالتُّبَّانِ، تَجْمَعُ أَلْيَتَيْهِ وَمَثَانَتَهُ، وَيُجْعَلُ الْبَاقِي عَلَى مَنَافِذِ وَجْهِهِ وَمَوَاضِعِ سُجُودِهِ) قَوْلُهُ (وَإِنْ طَيَّبَ جَمِيعَ بَدَنِهِ كَانَ حَسَنًا) هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، لَكِنْ يُسْتَثْنَى دَاخِلَ عَيْنَيْهِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ نَصَّ عَلَيْهِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالْمَنْصُوصُ يَكُونُ دَاخِلُ عَيْنَيْهِ وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ تَمِيمٍ، وَقِيلَ: يُطَيِّبُ أَيْضًا دَاخِلَ عَيْنَيْهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَجَزَمَ بِهِ الشَّارِحُ، وَقِيلَ: التَّطْيِيبُ وَعَدَمُهُ سَوَاءٌ. فَائِدَتَانِ. إحْدَاهُمَا: لَا يُوضَعُ فِي عَيْنَيْهِ كَافُورٌ. الثَّانِيَةُ: يُكْرَهُ الْوَرْسُ وَالزَّعْفَرَانُ فِي الْحَنُوطِ
قَوْلُهُ (ثُمَّ يَرُدُّ طَرَفَ اللِّفَافَةِ الْعُلْيَا عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ، وَيَرُدُّ طَرَفَهَا الْآخَرَ فَوْقَهُ ثُمَّ يَفْعَلُ بِالثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ كَذَلِكَ) فَظَاهِرُهُ: أَنَّ طَرَفَ اللِّفَافَةِ الَّتِي مِنْ جَانِبِهِ الْأَيْسَرِ تُرَدُّ عَلَى اللِّفَافَةِ الَّتِي مِنْ الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ، وَقَالَا: لِئَلَّا يَسْقُطَ عَنْهُ الطَّرَفُ الْأَيْمَنُ إذَا وُضِعَ عَلَى يَمِينِهِ فِي الْقَبْرِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْحَوَاشِي، وَعَلَّلَهُ بِذَلِكَ، وَزَادَ فَقَالَ: لِأَنَّ ذَلِكَ عَادَةُ الْأَحْيَاءِ فِي لُبْسِ الْأَقْبِيَةِ وَالْفُرْجِيَّاتِ، وَعَلَّلَهُ ابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ بِالْكَلَامِ الْأَخِيرِ، وَزَادَ: وَالْأَرْدِيَةِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: جَزَمَ بِهِ الشَّيْخُ وَغَيْرُهُ وَقَدَّمَ فِي الْفُرُوعِ: أَنَّهُ يَرُدُّ طَرَفَ اللِّفَافَةِ الْعُلْيَا مِنْ الْجَانِبِ الْأَيْسَرِ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ، ثُمَّ طَرَفَهَا الْأَيْمَنَ عَلَى الْأَيْسَرِ، ثُمَّ الثَّانِيَةُ وَالثَّالِثَةُ كَذَلِكَ عَكْسُ الْأُولَى، وَقَالَ: جَزَمَ بِهِ جَمَاعَةٌ، قُلْت: مِنْهُمْ صَاحِبُ الْفُصُولِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْمُحَرَّرِ وَالنَّظْمِ وَالْمُنَوِّرِ قَالَ الْمَجْدُ: لِأَنَّهُ عَادَةُ لُبْسِ الْحَيِّ فِي قَبَاءٍ وَرِدَاءٍ وَنَحْوِهِمَا، وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ مِنْ عِنْدِهِ: وَيُتَوَجَّهُ احْتِمَالُ أَنَّهُمَا سَوَاءٌ. قَوْلُهُ (وَتُحَلُّ الْعُقَدُ فِي الْقَبْرِ) بِلَا نِزَاعٍ (وَلَا يُخَرَّقُ الْكَفَنُ) الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: كَرَاهَةُ تَخْرِيقِ الْكَفَنِ مُطْلَقًا، وَكَرِهَهُ أَحْمَدُ، وَقَالَ: فَإِنَّهُمْ يَتَزَاوَرُونَ فِيهَا، وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: لَا يُخَرَّقُ إلَّا لِخَوْفِ نَبْشِهِ قَالَ أَبُو الْوَفَاءِ: وَلَوْ خِيفَ نَبْشُهُ لَا يُخَرَّقُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: لَا يُخَرَّقُ إلَّا لِخَوْفِ نَبْشِهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ غَيْرِهِ. قَوْلُهُ (وَإِنْ كُفِّنَ فِي قَمِيصٍ وَمِئْزَرٍ وَلِفَافَةٍ جَازَ) مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي الْهِدَايَةِ: فَإِنْ تَعَذَّرَتْ اللَّفَائِفُ كُفِّنَ فِي مِئْزَرٍ وَقَمِيصٍ وَلِفَافَةٍ فَظَاهِرُهُ: الْكَرَاهَةُ مَعَ عَدَمِ التَّعَذُّرِ، أَوْ لَا يَجُوزُ
فَائِدَتَانِ. إحْدَاهُمَا: يَكُونُ الْقَمِيصُ بِكُمَّيْنِ وَدَخَارِيصَ، الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ نَصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: لَا. الثَّانِيَةُ: الْإِزَارُ: الْقَمِيصُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَهُوَ قَوْلُ الْخِرَقِيِّ وَغَيْرِهِ، وَعَنْهُ يُزَرُّ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ (وَتُكَفَّنُ الْمَرْأَةُ فِي خَمْسَةِ أَثْوَابٍ: إزَارٍ، وَخِمَارٍ، وَقَمِيصٍ وَلِفَافَتَيْنِ) هَذَا الْمَذْهَبُ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَأَكْثَرُ الْأَصْحَابِ قَالَ فِي الْمُغْنِي: هَذَا الَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا. وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَكَذَا قَالَ الشَّارِحُ قَالَ الطُّوفِيُّ فِي شَرْحِ الْخِرَقِيِّ: وَهُوَ أَوْلَى وَأَظْهَرُ قَالَ ابْنُ رَزِينٍ: عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَشْيَاخِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْعُقُودِ لِابْنِ الْبَنَّا، وَالْمُذْهَبِ وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْكَافِي، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالنَّظْمِ، وَالْوَجِيزِ وَقَدَّمَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَالْفُرُوعِ وَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ: أَنَّ الْمَرْأَةَ تُكَفَّنُ بِخِرْقَةٍ يُشَدُّ بِهَا فَخِذَاهَا، ثُمَّ مِئْزَرٍ، ثُمَّ قَمِيصٍ وَخِمَارٍ، ثُمَّ لِفَافَةٍ وَاحِدَةٍ وَجَزَمَ بِهِ الْخِرَقِيُّ، وَالْمُحَرَّرُ، وَالْإِفَادَاتُ، وَالْمُنَوِّرُ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ، وَالْفَائِقُ، وَمَجْمَعُ الْبَحْرَيْنِ، وَقَالَ: هُوَ الِاخْتِيَارُ، وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ، وَقَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: وَعِنْدِي أَنَّهُ يُشَدُّ فَخِذَاهَا بِالْإِزَارِ تَحْتَ الدِّرْعِ، وَتُلَفُّ فَوْقَ الدِّرْعِ وَالْخِمَارِ بِاللِّفَافَتَيْنِ، جَمْعًا بَيْنَ الْأَحَادِيثِ، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ: وَتُكَفَّنُ الْمَرْأَةُ فِي قَمِيصٍ وَإِزَارٍ وَخِمَارٍ وَلِفَافَتَيْنِ، وَمَا يَشُدُّ بِهِ فَخِذَيْهَا، وَهُوَ قَوْلٌ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَشَذَّ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، فَزَادَ عَلَى الْخَمْسَةِ مَا يَشُدُّ بِهِ فَخِذَيْهَا. انْتَهَى.
وَقَالَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ: لَا بَأْسَ أَنْ تُنَقَّبَ، وَذَكَرَ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ وَجْهًا: أَنَّهَا تَسْتُرُ بِالْخِرْقَةِ، وَهُوَ أَنْ يُشَدَّ فِي وَسَطِهَا، ثُمَّ يُؤْخَذُ أُخْرَى فَيُشَدُّ أَحَدُ طَرَفَيْهَا مِمَّا يَلِي ظَهْرَهَا وَالْأُخْرَى مِمَّا يَلِي السُّتْرَةَ، وَيَكُونُ لِجَامُهَا عَلَى الْفَرْجَيْنِ لِيُوقِنَ بِذَلِكَ مِنْ عَدَمِ خُرُوجِ خَارِجٍ، وَقَالَ: هُوَ الْأَشْهَرُ عِنْدَ الْأَصْحَابِ. فَائِدَتَانِ. إحْدَاهُمَا: لَمْ يَذْكَرْ الْمُصَنِّفُ مَا يُكَفَّنُ بِهِ الْخُنْثَى، وَكَذَا غَيْرُهُ، قَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ فِي حَوَاشِي الْفُرُوعِ: إلَّا أَنَّهُ جَعَلَهُ كَالْمَرْأَةِ. الثَّانِيَةُ: يُكَفَّنُ الصَّغِيرُ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، وَيَجُوزُ فِي ثَلَاثَةٍ، نَصَّ عَلَيْهِ قَالَ الْمَجْدُ: وَإِنْ وَرِثَهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ لَمْ تَجُزْ الزِّيَادَةُ عَلَى ثَوْبٍ، لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ. وَتُكَفَّنُ الصَّغِيرَةُ فِي قَمِيصٍ وَلِفَافَتَيْنِ إنْ كَانَ لَهَا دُونَ تِسْعٍ، وَكَذَا ابْنَةُ تِسْعٍ إلَى الْبُلُوغِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَنَقَلَ الْجَمَاعَةُ: أَنَّهَا مِثْلُ الْبَالِغَةِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَتُكَفَّنُ الْجَارِيَةُ الَّتِي لَمْ تَبْلُغْ فِي لِفَافَتَيْنِ وَقَمِيصٍ ثُمَّ اُخْتُلِفَ فِي حَدِّ الْبُلُوغِ، فَقِيلَ عَنْهُ: إنَّهُ الْبُلُوغُ الْمُعْتَادُ، وَقِيلَ وَهُوَ الْأَكْثَرُ عَنْهُ إنَّهُ بُلُوغُ تِسْعِ سِنِينَ. انْتَهَى. وَحَكَاهُمَا فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ رِوَايَتَيْنِ، وَأَطْلَقَهُمَا قَوْلُهُ (وَالْوَاجِبُ مِنْ ذَلِكَ: سَتْرُ جَمِيعِهِ) يَعْنِي الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى وَالْكَبِيرَ وَالصَّغِيرَ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. وَقِيلَ: تَجِبُ ثَلَاثَةُ أَثْوَابٍ. اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَقِيلَ: تَجِبُ خَمْسَةٌ، ذَكَرَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ أَوَّلَ الْفَصْلِ بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا وَزِيَادَةً.
فَوَائِدُ. وَأَقْوَالٌ قَوْلُهُ (فَصْلٌ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ) تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: أَنَّ الصَّلَاةَ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ، وَتَقَدَّمَ مَنْ أَوْلَى بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ، فِي كَلَامِهِ أَيْضًا. وَتُسَنُّ لَهَا الْجَمَاعَةُ بِلَا نِزَاعٍ وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهَا تَسْقُطُ بِصَلَاةِ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَةِ. وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَعَنْهُ لَا تَسْقُطُ إلَّا بِثَلَاثَةٍ فَصَاعِدًا، وَقِيلَ: لَا تَسْقُطُ إلَّا بِاثْنَيْنِ فَصَاعِدًا اخْتَارَهُ صَاحِبُ الرَّوْضَةِ، وَقِيلَ: تَسْقُطُ بِنِسَاءٍ وَخَنَاثَى عِنْدَ عَدَمِ الرِّجَالِ وَإِلَّا فَلَا. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ بَعْضِ أَصْحَابِنَا وَجَزَمَ بِهِ فِي التَّلْخِيصِ، وَالْفَائِقِ، وَقَدَّمَ الْمَجْدُ سُقُوطَهُ الْفَرْضَ بِفِعْلِ الْمُمَيِّزِ كَغُسْلِهِ. وَقَدَّمَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَقِيلَ: لَا تَسْقُطُ، لِأَنَّهَا نَفْلٌ جَزَمَ بِهِ أَبُو الْمَعَالِي، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الرِّعَايَةِ، وَالْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ، وَيَأْتِي هَلْ يُسَنُّ لِلنِّسَاءِ الصَّلَاةُ عَلَى الْمَيِّتِ جَمَاعَةً؟ عِنْدَ قَوْلِهِ " وَإِنْ لَمْ يَحْضُرْهُ غَيْرُ النِّسَاءِ، صَلَّيْنَ عَلَيْهِ " مُسْتَوْفًى فَائِدَتَانِ. إحْدَاهُمَا: يُسْتَحَبُّ أَنْ لَا تَنْقُصَ الصُّفُوفُ عَنْ ثَلَاثَةٍ نَصَّ عَلَيْهِ فَلَوْ وَقَفَ فِيهَا فَذًّا جَازَ، عِنْدَ الْقَاضِي فِي التَّعْلِيقِ، وَابْنِ عَقِيلٍ وَأَبِي الْمَعَالِي، وَأَنَّهُ أَفْضَلُ أَنْ يُعَيِّنَ صَفًّا ثَالِثًا وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِفَادَاتِ قَالَ فِي الْفُصُولِ: فَتَكُونُ مَسْأَلَةً يُعَايَى بِهَا. انْتَهَى. وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: عَدَمُ الصِّحَّةِ، كَصَلَاةِ الْفَرْضِ، وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ مُسْتَوْفًى فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ، عِنْدَ قَوْلِهِ " وَإِنْ صَلَّى رَكْعَةً فَذًّا لَمْ تَصِحَّ ". الثَّانِيَةُ: لَمْ يُصَلَّ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِإِمَامٍ. إجْمَاعًا، قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبِرِّ احْتِرَامًا لَهُ وَتَعْظِيمًا، وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ وَالْبَزَّارُ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْصَى
بِذَلِكَ» فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ قُلْت: وَلِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَدْ اسْتَقَرَّ خَلِيفَةً بَعْدُ، فَيُقَدَّمُ فَلَوْ تَقَدَّمَ أَحَدٌ رُبَّمَا أَفْضَى إلَى شَحْنَاءَ. انْتَهَى. قُلْت: وَفِيهِ نَظَرٌ، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ تَوَلَّى الْخِلَافَةَ قَبْلَ دَفْنِهِ. قَوْلُهُ (السُّنَّةُ: أَنْ يَقُومَ الْإِمَامُ عِنْدَ رَأْسِ الرَّجُلِ) . هَذَا إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ جَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي، وَابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ وَقَدَّمَهُ فِي الشَّرْحِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ يَقِفُ عِنْدَ صَدْرِ الرَّجُلِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ وَنَقَلَهَا الْأَكْثَرُ أَيْضًا. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: نَقَلَهُ وَاخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: نَصَّ عَلَيْهَا فِي رِوَايَةِ عَشَرَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي: لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَقِفُ عِنْدَ صَدْرِ الرَّجُلِ، وَعِنْدَ مَنْكِبَيْهِ وَجَزَمَ بِهِ الْخِرَقِيُّ، وَالْمُذْهَبُ، وَالْمُسْتَوْعِبُ، وَالتَّلْخِيصُ، وَالْبُلْغَةُ، وَالْمُحَرَّرُ، وَالنَّظْمُ، وَالْإِفَادَاتُ، وَالْوَجِيزُ، وَالْمُنَوِّرُ، وَغَيْرُهُمْ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَغَيْرِهِمْ وَصَحَّحَهُ ابْنُ هُبَيْرَةَ قَالَ الْمَجْدُ، وَالشَّارِحُ: الْقَوْلَانِ مُتَقَارِبَانِ. فَإِنَّ الْوَاقِفَ عِنْدَ أَحَدِهِمَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ الْآخَرِ لِتَقَارُبِهِمَا فَالظَّاهِرُ: أَنَّهُ وَقَفَ بَيْنَهُمَا: وَأَطْلَقَهُمَا فِي تَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ، وَقِيلَ: يَقُومُ عِنْدَ مَنْكِبَيْهِ، وَتَقَدَّمَ فِي كَلَامِهِ فِي الْمُغْنِي، قَوْلُهُ (وَوَسَطِ الْمَرْأَةِ) هَذَا الْمَذْهَبُ وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ وَنَقَلَهُ الْأَكْثَرُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَعَنْهُ يَقِفُ عِنْدَ صَدْرِ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ، وَهُوَ قَوْلٌ فِي الرِّعَايَةِ، قَالَ الْخَلَّالُ: رِوَايَةُ قِيَامِهِ
عِنْدَ صَدْرِ الْمَرْأَةِ سَهْوٌ، فِيمَا حَكَى عَنْهُ، وَالْعَمَلُ عَلَى مَا رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي تَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ. فَعَلَى الْمَذْهَبِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ: يَقُومُ مِنْ الْخُنْثَى بَيْنَ الصَّدْرِ وَالْوَسَطِ. وَيَأْتِي ذِكْرُ الْخِلَافِ فِي مَحَلِّ الْوُقُوفِ إذَا اجْتَمَعَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ قَرِيبًا، وَتَحْدِيدُهُ فَائِدَةٌ: لَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ، وَلَا غَيْرُهُ: مَوْقِفَ الْمُنْفَرِدِ. قَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ كَالْإِمَامِ. انْتَهَى. وَهُمْ كَمَا قَالَ، وَلَوْ اجْتَمَعَ رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَاتِ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ وَاخْتِيَارُ أَبِي الْخَطَّابِ فِي خِلَافِهِ قَالَ: وَالْمَنْصُوصُ وَبِهَا قَطَعَ الْقَاضِي فِي التَّعْلِيقِ، وَالْجَامِعِ، وَالشَّرِيفِ يُسَوَّى بَيْنَ رَأْسَيْهِمَا، وَيَقِفُ حِذَاءَ صَدْرِهِمَا، وَعَنْهُ التَّخْيِيرُ، مَعَ اخْتِيَارِ التَّسْوِيَةِ قَوْلُهُ (وَيُقَدَّمُ إلَى الْأَمَامِ أَفْضَلُهُمْ) . هَذَا الْمَذْهَبُ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالرِّعَايَةِ، وَغَيْرِهِمْ وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ تَمِيمٍ، وَقِيلَ: يُقَدَّمُ الْأَكْبَرُ، وَقِيلَ: يُقَدَّمُ الْأَدْيَنُ، وَقِيلَ: يُقَدَّمُ السَّابِقُ، إلَّا الْمَرْأَةَ جَزَمَ بِهِ أَبُو الْمَعَالِي، وَقَالَ: لَا يَجُوزُ تَقْدِيمُ النِّسَاءِ عَلَى الرِّجَالِ. انْتَهَى. ثُمَّ الْقُرْعَةُ، وَمَعَ التَّسَاوِي يُقَدَّمُ مَنْ اتَّفَقَ. فَوَائِدُ. إحْدَاهَا: يُسْتَحَبُّ أَنْ يُقَدَّمَ إلَى الْأَمَامِ الرَّجُلُ الْحُرُّ، ثُمَّ الْعَبْدُ الْبَالِغُ، ثُمَّ الصَّبِيُّ، ثُمَّ الْحُرُّ، ثُمَّ الْعَبْدُ، ثُمَّ الْخُنْثَى، ثُمَّ الْمَرْأَةُ الْحُرَّةُ، ثُمَّ الْأَمَةُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَنَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِفَادَاتِ، وَالْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَقَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، وَصَحَّحَهُ فِي الْبُلْغَةِ وَقَدَّمَهُ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْكَافِي، وَالتَّلْخِيصِ وَالْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَابْنُ تَمِيمٍ
وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفُرُوعِ، وَالْحَوَاشِي، وَالْفَائِقِ، وَالشَّرْحِ، وَغَيْرِهِمْ، وَعَنْهُ تُقَدَّمُ الْمَرْأَةُ عَلَى الصَّبِيِّ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ وَاخْتَارَهَا الْخِرَقِيُّ، وَأَبُو الْوَفَاءِ، وَنَصَرَهَا الْقَاضِي وَغَيْرُهُ، وَعَنْهُ تُقَدَّمُ الْمَرْأَةُ عَلَى الصَّبِيِّ وَالْعَبْدِ، وَهُوَ خِلَافُ مَا ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ إجْمَاعًا، وَعَنْهُ يُقَدَّمُ الصَّبِيُّ عَلَى الْعَبْدِ اخْتَارَهَا الْخَلَّالُ، وَعَنْهُ يُقَدَّمُ الْعَبْدُ عَلَى الْحُرِّ إذَا كَانَ دُونَهُ. وَقِيلَ: هُمَا سَوَاءٌ، وَتُقَدَّمُ ذَلِكَ فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ " وَكَذَلِكَ يُفْعَلُ بِهِمْ فِي تَقْدِيمِهِمْ إلَى الْأَمَامِ إذَا اجْتَمَعَتْ جَنَائِزُهُمْ ". الثَّانِيَةُ: يُقَدَّمُ الْأَفْضَلُ أَمَامَهُمَا فِي الْمَسِيرِ. ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ. الثَّالِثَةُ: قَالَ فِي الْحَوَاشِي، قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ: وَالْحُكْمُ فِي التَّقْدِيمِ إذَا دُفِنُوا فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ حُكْمُ التَّقْدِيمِ إلَى الْأَمَامِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَقَطَعَ بِهِ ابْنُ تَمِيمٍ. الرَّابِعَةُ: جَمْعُ الْمَوْتَى فِي الصَّلَاةِ أَفْضَلُ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ مُنْفَرِدِينَ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: عَكْسُهُ قَالَ فِي الْمَذْهَبِ: إذَا اجْتَمَعَتْ جَنَائِزُ رِجَالٍ وَنِسَاءٍ، فَإِنْ أَمِنَ التَّغَيُّرُ عَلَيْهِمْ: فَالْأَفْضَلُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى كُلِّ جِنَازَةٍ وَحْدَهَا فَإِنْ خِيفَ عَلَيْهِمْ التَّغَيُّرُ، وَأَمْكَنَ أَنْ يَجْعَلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ إمَامٌ فَعَلَ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ ذَلِكَ صَلَّى عَلَيْهِمْ صَلَاةً وَاحِدَةً. انْتَهَى. وَوَجَّهَ فِي الْفُرُوعِ احْتِمَالًا بِالتَّسْوِيَةِ. قَوْلُهُ (وَيَجْعَلُ وَسَطَ الْمَرْأَةِ حِذَاءَ رَأْسِ الرَّجُلِ) ، وَهَذَا بِنَاءً مِنْهُ عَلَى مَا، قَالَهُ أَوَّلًا: أَنَّهُ يَقُومُ عِنْدَ رَأْسِ الرَّجُلِ وَوَسَطِ الْمَرْأَةِ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ الصَّحِيحَ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يَقُومُ عِنْدَ صَدْرِ الرَّجُلِ وَوَسَطِ الْمَرْأَةِ. فَكَذَا يُجْعَلُ إذَا اجْتَمَعُوا، وَهَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ قَدَّمَهُ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ وَغَيْرِهِمْ، وَقَدَّمَ الْمُصَنِّفُ هُنَا بِأَنَّهُ يُخَالِفُ بَيْنَ رُءُوسِهِمْ عِنْدَ
الِاجْتِمَاعِ، قَالَ فِي الْمُغْنِي: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ قَالَ ابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ: هَذَا الْمَذْهَبُ وَاخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَالشِّيرَازِيُّ وَقَدَّمَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقَالَ الْقَاضِي: يُسَوِّي بَيْنَ رُءُوسِهِمْ وَيَقُومُ مَقَامَهُ مِنْ الرِّجَالِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، نَقَلَهَا جَمَاعَةٌ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: اخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هِيَ الْمَنْصُوصَةُ عَنْ أَحْمَدَ وَاخْتَارَهَا الْقَاضِي فِي الْجَامِعِ، وَالتَّعْلِيقِ، وَالشَّرِيفُ، وَأَبُو جَعْفَرٍ وَجَزَمَ بِهِ فِي مَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْهَادِي، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَالْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ وَقَدَّمَهُ فِي الْكَافِي، وَالْفَائِقِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَنَصَرَهُ وَصَحَّحَهُ فِي النَّظْمِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الشَّرْحِ، وَالْمُذْهَبِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ، وَعَنْهُ التَّخْيِيرُ مَعَ اخْتِيَارِ التَّسْوِيَةِ قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: إنْ جَعَلَ الْمَرْأَةَ عِنْدَ صَدْرِ الرَّجُلِ أَوْ أَسْفَلَهُ فَلَا بَأْسَ. فَائِدَتَانِ. إحْدَاهُمَا: لَوْ اجْتَمَعَ رِجَالٌ مَوْتَى فَقَطْ، أَوْ نِسَاءٌ فَقَطْ فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يُسَوِّي بَيْنَ رُءُوسِهِمْ. وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَعَنْهُ يُجْعَلُونَ دَرَجًا. رَأْسَ هَذَا عِنْدَ رِجْلِ هَذَا، وَأَنَّ هَذَا وَالتَّسْوِيَةَ سَوَاءٌ قَالَ الْخَلَّالُ: عَلَى هَذَا ثَبَتَ قَوْلُهُ، وَأَمَّا الْخَنَاثَى إذَا اجْتَمَعُوا: فَإِنَّهُ يُسَوِّي بَيْنَ رُءُوسِهِمْ. الثَّانِيَةُ: إذَا اجْتَمَعَ مَوْتَى قُدِّمَ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ لِلصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ أَوْلَاهُمْ بِالْإِمَامَةِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ جَزَمَ بِهِ فِي الْمُذْهَبِ وَغَيْرِهِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُغْنِي وَنَصَرَهُ، وَغَيْرُهُمَا، وَقِيلَ: يُقَدَّمُ وَلِيُّ أَسْبَقِهِمْ حُضُورًا اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَقِيلَ: يُقَدَّمُ وَلِيُّ أَسْبَقِهِمْ مَوْتًا، وَقِيلَ: يُقَدَّمُ وَلِيُّ أَسْبَقِهِمْ غُسْلًا. وَأَطْلَقَهُنَّ ابْنُ تَمِيمٍ فَإِنْ تَسَاوَوْا أُقْرِعَ، وَلِوَلِيِّ كُلِّ مَيِّتٍ أَنْ يَنْفَرِدَ بِصَلَاتِهِ عَلَى مَيِّتِهِ.
قَوْلُهُ (وَيُكَبِّرُ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ، يَقْرَأُ فِي الْأُولَى بِالْفَاتِحَةِ) هَذَا الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَعَنْهُ لَا يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ إنْ صَلَّى فِي الْمَقْبَرَةِ نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْبُزْرَاطِيِّ. تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: أَنَّهُ لَا يَزِيدُ عَلَى الْفَاتِحَةِ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعُوا بِهِ، حَتَّى قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ: لَا يَقْرَأُ غَيْرَهَا بِغَيْرِ خِلَافٍ فِي مَذْهَبِنَا، وَقَالَ فِي التَّبْصِرَةِ: يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ وَسُورَةً. فَائِدَتَانِ. إحْدَاهُمَا: يَتَعَوَّذُ قَبْلَ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَعَنْهُ لَا يَتَعَوَّذُ قَالَ الْقَاضِي: يَخْرُجُ فِي الِاسْتِعَاذَةِ رِوَايَتَانِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُذْهَبِ، وَالتَّلْخِيصِ وَالْبُلْغَةِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَغَيْرُهُمْ. الثَّانِيَةُ: لَا يَسْتَفْتِحُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَعَنْهُ بَلَى اخْتَارَهُ الْخَلَّالُ وَجَزَمَ بِهِ فِي التَّبْصِرَةِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُذْهَبِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ قَوْلُهُ (وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الثَّانِيَةِ) كَمَا فِي التَّشَهُّدِ، وَلَا يَزِيدُ عَلَيْهِ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ بِهِ أَكْثَرُهُمْ، وَاسْتَحَبَّ الْقَاضِي أَنْ يَقُولَ بَعْدَ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مَلَائِكَتِك الْمُقَرَّبِينَ، وَأَنْبِيَائِك الْمُرْسَلِينَ، وَأَهْلِ طَاعَتِك أَجْمَعِينَ، مِنْ أَهْلِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِينَ؛ لِأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ نَقَلَ " يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ "، وَقِيلَ: لَا تَتَعَيَّنُ الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ تَكُونَ كَاَلَّتِي فِي التَّشَهُّدِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا وَجَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي.
تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ (وَيَدْعُو فِي الثَّالِثَةِ) يَعْنِي يُسْتَحَبُّ أَنْ يَدْعُوَ بِمَا وَرَدَ، وَمِمَّا وَرَدَ: مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ وَوَرَدَ غَيْرُهُ وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ الدُّعَاءَ يَكُونُ فِي الثَّالِثَةِ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَنَقَلَ جَمَاعَةٌ عَنْ أَحْمَدَ: يَدْعُو لِلْمَيِّتِ بَعْدَ الرَّابِعَةِ، وَلِلْمُسْلِمِينَ بَعْدَ الثَّالِثَةِ اخْتَارَهُ الْخَلَّالُ، وَاحْتَجَّ الْمَجْدُ فِي ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ الدُّعَاءُ لِلْمَيِّتِ فِي الثَّالِثَةِ، بَلْ يَجُوزُ فِي الرَّابِعَةِ، وَلَمْ يَحْكِ خِلَافًا. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ بَعْدَ ذِكْرِ الرِّوَايَتَيْنِ هُنَا قَالَ الْأَصْحَابُ: لَا تَتَعَيَّنُ الثَّالِثَةُ لِلدُّعَاءِ، بَلْ لَوْ أَخَّرَ الدُّعَاءَ لِلْمَيِّتِ إلَى الرَّابِعَةِ جَازَ قَوْلُهُ (وَإِنْ كَانَ صَبِيًّا قَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ ذُخْرًا لِوَالِدَيْهِ إلَى آخِرِهِ) وَكَذَا يُقَالُ فِي الْأُنْثَى الصَّغِيرَةِ، وَلَا يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ، وَذَكَرَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَغَيْرِهِ: إنْ كَانَ صَغِيرًا زَادَ الدُّعَاءَ لِوَالِدَيْهِ بِالْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ لِلْخَبَرِ [وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَاقْتَصَرَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ عَلَى الدُّعَاءِ لِوَالِدَيْهِ بِالْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ لِلْخَبَرِ] لَكِنْ زَادَ الدُّعَاءَ لَهُ، وَزَادَ جَمَاعَةٌ: سُؤَالُ الْمَغْفِرَةِ لَهُ، وَفِي الْخِلَافِ لِلْقَاضِي وَغَيْرِهِ فِي الصَّبِيِّ الْأَشْبَهُ: أَنَّهُ يُخَالِفُ الْكَبِيرَ فِي الدُّعَاءِ لَهُ بِالْمَغْفِرَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا ذَنْبَ عَلَيْهِ، وَكَذَا فِي الْفُصُولِ: أَنَّهُ يَدْعُو لِوَالِدَيْهِ، لِأَنَّهُ لَا ذَنْبَ لَهُ فَالْعُدُولُ إلَى الدُّعَاءِ لِوَالِدَيْهِ هُوَ الْأَشْبَهُ. فَوَائِدُ. إحْدَاهَا: إنْ لَمْ يُعْرَفْ إسْلَامُ وَالِدِيهِ دَعَا لِمَوَالِيهِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَمُرَادُهُمْ فِيمَنْ بَلَغَ مَجْنُونًا وَمَاتَ أَنَّهُ كَصَغِيرٍ. الثَّانِيَةُ: نَقَلَ حَنْبَلٌ وَغَيْرُهُ: أَنَّهُ يُشِيرُ فِي الدُّعَاءِ بِإِصْبَعَيْهِ، وَنَقَلَ الْأَثْرَمُ وَغَيْرُهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ، وَالْفَائِقُ: لَا بَأْسَ بِالْإِشَارَةِ حَالَ الدُّعَاءِ لِلْمَيِّتِ نَصَّ عَلَيْهِ
الثَّالِثَةُ: يَقُولُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْخُنْثَى الْمُشْكِلِ: إنْ كَانَ هَذَا الْمَيِّتُ أَوْ الشَّخْصُ إلَى آخَرَ، قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ وَغَيْرِهِ، وَقَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَأَبُو الْمَعَالِي وَغَيْرُهُمْ. وَيَقُولُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْمَرْأَةِ: إنَّ هَذِهِ أَمَتُك بِنْتُ أَمَتِك إلَى آخِرِهِ. قَوْلُهُ (وَيَقِفُ بَعْدَ الرَّابِعَةِ قَلِيلًا) هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَقَطَعُوا بِهِ، وَلَمْ يَذْكُرُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ الْوُقُوفُ بَعْدَ الرَّابِعَةِ. تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: أَنَّهُ لَا يَدْعُو بِشَيْءٍ بَعْدَ الرَّابِعَةِ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَإِنَّمَا يَقِفُ قَلِيلًا بَعْدَهَا لِيُكَبِّرَ آخَرَ الصُّفُوفِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ. نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَاخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَالْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُمْ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالشَّرْحِ، وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ، وَالْمُنْتَخَبِ، وَالْمَذْهَبِ الْأَحْمَدِ، وَعَنْهُ يَقِفُ وَيَدْعُو. اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ وَالْآجُرِّيُّ، وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَالْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ وَغَيْرُهُمْ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالتَّرْغِيبِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْإِفَادَاتِ وَقَدَّمَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَالنَّظْمِ قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: هَذَا أَظْهَرُ الرِّوَايَتَيْنِ وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُذْهَبِ، وَالْكَافِي، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ " اللَّهُمَّ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ " عَلَى الصَّحِيحِ اخْتَارَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالتَّلْخِيصِ وَالْحَاوِيَيْنِ، وَحَكَاهُ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ عَنْ الْأَكْثَرِينَ وَاخْتَارَهُ الْمَجْدُ، وَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ
وَقِيلَ: الْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ، وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُ اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، قَالَهُ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ، وَقَالَ أَيْضًا: كُلٌّ حَسَنٌ، وَذَكَرَ فِي الْوَسِيلَةِ رِوَايَةً: وَيَقُولُ أَيُّهُمَا شَاءَ قَالَ فِي الْإِفَادَاتِ يَقُولُ " رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً إلَى آخِرِهِ " أَوْ يَدْعُو. وَقَالَ فِي الْبُلْغَةِ: وَيَدْعُو بَعْدَ الرَّابِعَةِ دُعَاءً يَسِيرًا، وَعَنْهُ يُخْلِصُ الدُّعَاءَ لِلْمَيِّتِ فِي الرَّابِعَةِ وَاخْتَارَهُ الْخَلَّالُ، وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ قَرِيبًا. فَائِدَةٌ: الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ لَا يَتَشَهَّدُ بَعْدَ الرَّابِعَةِ وَلَا يُسَبِّحُ مُطْلَقًا، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. وَقَطَعُوا بِهِ وَنَصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ وَاخْتَارَ حَرْبٌ مِنْ كِبَارِ أَئِمَّةِ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ يَقُولُ (السَّلَامُ عَلَيْك أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ السَّلَامُ عَلَيْنَا، وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ) قَوْلُهُ (وَيُسَلِّمُ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً) هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَنَصَّ عَلَيْهِ، وَاسْتَحَبَّ الْقَاضِي أَنْ يُسَلِّمَ تَسْلِيمَةً ثَانِيَةً عَنْ يَسَارِهِ. ذَكَرَهُ الْحَلْوَانِيُّ وَغَيْرُهُ رِوَايَةً فَعَلَى الْمَذْهَبِ: يَجُوزُ الْإِتْيَانُ بِالثَّانِيَةِ مِنْ غَيْرِ اسْتِحْبَابٍ، وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيُتَوَجَّهُ أَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ أَحْمَدَ يُكْرَهُ، لِأَنَّهُ لَمْ يَعْرِفْهُ. قَوْلُهُ (عَلَى يَمِينِهِ) بِلَا نِزَاعٍ وَنَصَّ عَلَيْهِ، وَيَجُوزُ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ نَصَّ عَلَيْهِ، وَجَعَلَهُ بَعْضُ الْأَصْحَابِ الْأَوْلَى، وَتَقَدَّمَ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ " هَلْ تَجِبُ: وَرَحْمَةُ اللَّهِ أَمْ لَا؟ ". فَائِدَةٌ: قَالَ فِي الْفُرُوعِ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ: أَنَّ الْإِمَامَ يَجْهَرُ بِالتَّسْلِيمِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ: أَنَّهُ يُسِرُّ. انْتَهَى. قُلْت: قَالَ فِي الْمَذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ: وَالْهَيْئَاتُ رَفْعُ الْيَدَيْنِ مَعَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ، وَالْإِخْفَاتُ بِالْأَذْكَارِ مَا عَدَا التَّكْبِيرَةَ، وَالِالْتِفَاتُ فِي التَّسْلِيمِ إلَى الْيَمِينِ
انْتَهَى. وَقَالَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ: ثُمَّ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ نَصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: يُسِرُّهُ. قَوْلُهُ (وَالْوَاجِبُ مِنْ ذَلِكَ: الْقِيَامُ) تَبِعَ فِي ذَلِكَ أَكْثَرَ الْأَصْحَابِ، وَمُرَادُهُ: إذَا كَانَتْ الصَّلَاةُ فَرْضًا، قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالْحَاوِي، وَغَيْرُهُمْ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُهُ وَلَوْ تَكَرَّرَتْ أَنَّ فِعْلَ الصَّلَاةِ الثَّانِيَةِ فَرْضٌ، وَقَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، قُلْت: وَقِيَاسُ جَوَازِ صَلَاةِ النَّافِلَةِ مِنْ الْقَاعِدِ، وَجَوَازُ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ قَاعِدًا: إذَا كَانَ قَدْ صَلَّى عَلَيْهِ مَرَّةً. انْتَهَى. قُلْت: قَدْ ذَكَرُوا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ: الْأَرْكَانَ، وَلَمْ يَذْكُرُوا الْقِيَامَ فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ غَيْرُ رُكْنٍ، وَلَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِذَلِكَ مُطْلَقًا. قَوْلُهُ (وَالتَّكْبِيرَاتُ) بِلَا نِزَاعٍ، لَكِنْ لَوْ تَرَكَ تَكْبِيرَةً عَمْدًا بَطَلَتْ الصَّلَاةُ، وَسَهْوًا يُكَبِّرُهَا مَا لَمْ يُطِلْ الْفَصْلَ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: يُعِيدُهَا كَمَا لَوْ طَالَ قَوْلُهُ (وَالْفَاتِحَةُ) هَذَا الْمَذْهَبُ وَالصَّحِيحُ مِنْ الرِّوَايَتَيْنِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَعَنْهُ لَا تَجِبُ وَلَمْ يُوجِبْ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ الْقِرَاءَةَ. بَلْ اسْتَحَبَّهَا، وَهُوَ ظَاهِرُ نَقْلِ أَبِي طَالِبٍ، وَنَقَلَ ابْنُ وَاصِلٍ وَغَيْرُهُ: لَا بَأْسَ، وَعَنْهُ لَا يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ فِي الْمَقْبَرَةِ، وَتَقَدَّمَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ قَوْلُهُ (وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَأَطْلَقَهُ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالنَّظْمِ، وَالْحَاوِي وَغَيْرُهُمْ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْحَوَاشِي قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى:
فِي الْأَصَحِّ، وَقَالَ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ: يَجِبُ إنْ وَجَبَتْ فِي الصَّلَاةِ، وَإِلَّا فَلَا وَقَطَعَ بِهِ ابْنُ تَمِيمٍ، وَصَاحِبُ الْفَائِقِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا اخْتَارَهُ فِي النُّكَتِ قَوْلُهُ (وَالسَّلَامُ) الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: وُجُوبُ التَّسْلِيمَةِ الْوَاحِدَةِ، وَهِيَ الْأُولَى، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَعَنْهُ ثِنْتَانِ خَرَّجَهَا أَبُو الْحُسَيْنِ وَغَيْرُهُ، وَهِيَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. فَائِدَةٌ: قَالَ فِي الْفُرُوعِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الْوَاجِبَ وَلَعَلَّ ظَاهِرَ ذَلِكَ: تَعَيُّنُ الْقِرَاءَةِ فِي الْأُولَى، وَالصَّلَاةِ فِي الثَّانِيَةِ، وَالدُّعَاءِ فِي الثَّالِثَةِ، خِلَافًا لِلْمُسْتَوْعِبِ، وَالْكَافِي، وَلَمْ يَسْتَدِلَّ فِي الْكَافِي لِمَا قَالَ، وَقَالَهُ فِي الْوَاضِحِ فِي الْقِرَاءَةِ فِي الْأُولَى، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي الْمَعَالِي وَغَيْرِهِ، وَسَبَقَ كَلَامُ الْمَجْدِ، انْتَهَى، قُلْت: صَرَّحَ فِي التَّلْخِيصِ وَالْبُلْغَةِ بِالتَّعْيِينِ فَقَالَ: وَأَقَلُّ مَا يُجْزِئُ فِي الصَّلَاةِ سِتَّةُ أَرْكَانٍ: النِّيَّةُ، وَالتَّكْبِيرَاتُ الْأَرْبَعُ، وَالْفَاتِحَةُ بَعْدَ الْأُولَى، بَعْدَ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ الثَّانِيَةِ، وَالدُّعَاءُ لِلْمَيِّتِ بَعْدَ الثَّالِثَةِ، وَالتَّسْلِيمَةُ مَرَّةً وَاحِدَةً. انْتَهَى. فَوَائِدُ. يُشْتَرَطُ لِصَلَاةِ الْجِنَازَةِ مَا يُشْتَرَطُ لِلصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، إلَّا الْوَقْتَ قَالَ الْمَجْدُ، وَصَاحِبُ الْخُلَاصَةِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالْفَائِقِ، وَغَيْرُهُمْ: وَيُشْتَرَطُ أَيْضًا حُضُورُ الْمَيِّتِ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ عَلَى جِنَازَةٍ مَحْمُولَةٍ. وَصَرَّحَ بِهِ جَمَاعَةٌ فِي الْمَسْبُوقِ قَالَ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ: قُرْبُهَا مِنْ الْإِمَامِ مَقْصُودٌ، كَقُرْبِ الْمَأْمُومِ مِنْ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ يُسَنُّ الدُّنُوُّ مِنْهَا قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لِلصَّلَاةِ عَلَى جِنَازَةٍ مَحْمُولَةٍ مَأْخَذَانِ. الْأَوَّلُ: اشْتِرَاطُ اسْتِقْرَارِ الْمَحَلِّ فَقَدْ يَخْرُجُ فِيهِ مَا فِي الصَّلَاةِ فِي السَّفِينَةِ وَعَلَى الرَّاحِلَةِ مَعَ اسْتِيفَاءِ الْفَرَائِضِ وَإِمْكَانِ الِانْتِقَالِ. وَفِيهِ رِوَايَتَانِ، وَالثَّانِي: اشْتِرَاطُ مُحَاذَاةِ الْمُصَلِّي لِلْجِنَازَةِ، بِحَيْثُ لَوْ كَانَتْ أَعْلَى مِنْ رَأْسِهِ، وَهَذَا قَدْ يَخْرُجُ فِيهِ مَا فِي عُلُوِّ الْإِمَامِ عَلَى الْمَأْمُومِ.
فَلَوْ وُضِعَتْ عَلَى كُرْسِيٍّ عَالٍ، أَوْ مِنْبَرٍ: ارْتَفَعَ الْمَحْذُورُ الْأَوَّلُ دُونَ الثَّانِي. انْتَهَى. وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي أَيْضًا: لَوْ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ وَهِيَ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْأَعْنَاقِ، أَوْ عَلَى دَابَّةٍ، أَوْ صَغِيرٌ عَلَى يَدَيْ رَجُلٍ: لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ الْجِنَازَةَ بِمَنْزِلَةِ الْإِمَامِ، وَلَوْ صَلَّى عَلَيْهَا، وَهِيَ مِنْ وَرَاءِ جِدَارٍ: لَمْ يَصِحَّ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقَالَ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ: صَلَاةُ الصَّفِّ الْأَخِيرِ بِلَا حَاجَةٍ، وَلَوْ حَصَلَ بَيْنَ الْجِنَازَةِ وَبَيْنَهُ مَسَافَةٌ بَعِيدَةٌ، وَلَوْ وَقَفَ فِي مَوْضِعِ الصَّفِّ الْأَخِيرِ بِلَا حَاجَةٍ: لَمْ يَجُزْ، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَلَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ عَلَى مَنْ فِي تَابُوتٍ مُغَطَّى، وَقِيلَ: إنْ أَمْكَنَ كَشْفُهُ عَادَةً، وَلَا مِنْ وَرَاءِ جِدَارٍ أَوْ حَائِلٍ غَيْرِهِ، وَقُلْت: يَصِحُّ كَالْمَكِّيَّةِ. انْتَهَى. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ أَيْضًا: وَلَا يَجِبُ أَنْ يُسَامِتَ الْإِمَامُ الْمَيِّتَ فَإِنْ لَمْ يُسَامِتْهُ كُرِهَ، وَصَحَّتْ صَلَاتُهُ. انْتَهَى. وَيُشْتَرَطُ أَيْضًا: تَطْهِيرُ الْمَيِّتِ بِمَاءٍ، أَوْ تَيَمُّمٍ لِعُذْرٍ أَوْ عَدَمٍ فَإِنْ تَعَذَّرَ صَلَّى عَلَيْهِ، وَيُشْتَرَطُ أَيْضًا: إسْلَامُ الْمَيِّتِ، وَلَا يُشْتَرَطُ مَعْرِفَةُ عَيْنِ الْمَيِّتِ، فَيَنْوِي الصَّلَاةَ عَلَى الْحَاضِرِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: إنْ جَهِلَهُ نَوَى مَنْ يُصَلِّي عَلَيْهِ الْإِمَامَ، وَقِيلَ: لَا فَعَلَى الْمَذْهَبِ: الْأَوْلَى مَعْرِفَةُ ذُكُورِيَّتَهُ وَأُنُوثِيَّتَهُ، وَاسْمَهُ، وَتَسْمِيَتُهُ فِي دُعَائِهِ، وَإِنْ نَوَى أَحَدَ الْمَوْتَى اُعْتُبِرَ تَعْيِينُهُ. كَتَزْوِيجِهِ إحْدَى مُوَلِّيَتَيْهِ فَإِنْ بَانَ غَيْرُهُ: فَجَزَمَ أَبُو الْمَعَالِي: أَنَّهَا لَا تَصِحُّ، وَقَالَ: إنْ نَوَى عَلَى هَذَا الرَّجُلِ فَبَانَ امْرَأَةً أَوْ عَكْسَهُ. فَالْقِيَاسُ: الْإِجْزَاءُ، لِقُوَّةِ التَّعْيِينِ عَلَى الصِّفَةِ فِي الْأَيْمَانِ وَغَيْرِهَا قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ مَعْنَى كَلَامِ غَيْرِهِ، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَإِنْ نَوَى أَحَدَ الْمَوْتَى عَيْنَهُ فَإِنَّ عَيَّنَ مَيِّتًا فَبَانَ غَيْرُهُ احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ. قَوْلُهُ (وَإِنْ كَبَّرَ خَمْسًا كَبَّرُوا بِتَكْبِيرِهِ، وَلَمْ يُتَابَعْ عَلَى أَزِيدَ مِنْهَا) وَهَذَا إحْدَى الرِّوَايَاتِ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هِيَ أَشْهَرُ الرِّوَايَاتِ قَالَ الشَّارِحُ: هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ وَاخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ، وَالْمُصَنِّفُ وَقَدَّمَهُ فِي التَّلْخِيصِ، وَالنَّظْمِ وَعَنْهُ لَا يُتَابَعُ فِي زِيَادَةٍ عَلَى أَرْبَعٍ قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: هَذَا الْمَذْهَبُ قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: هِيَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي الْخَطَّابِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنَوِّرِ وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ وَقَدَّمَهُ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ، وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ، وَعَنْهُ يُتَابَعُ إلَى سَبْعٍ، وَهِيَ الْمَذْهَبُ نَقَلَهَا الْجَمَاعَةُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَاخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ الْخَلَّالِ، وَأَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ، وَابْنُ بَطَّةَ، وَأَبُو حَفْصٍ، وَالْقَاضِي، وَالشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ، وَأَبُو الْخَطَّابِ وَأَبُو الْحُسَيْنِ، وَالْمَجْدُ وَغَيْرُهُمْ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: اخْتَارَهَا عَامَّةُ الْأَصْحَابِ قَالَ فِي تَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ: تُوبِعَ عَلَى الْأَظْهَرِ إلَى سَبْعٍ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِفَادَاتِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالْفَائِقِ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، وَأَطْلَقَهُنَّ فِي الْمَذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَعَلَى الرِّوَايَاتِ كُلِّهَا: الْمُخْتَارُ أَرْبَعًا نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ. فَوَائِدُ. إحْدَاهُمَا: لَا يُتَابَعُ الْإِمَامُ إذَا زَادَ عَلَى أَرْبَعٍ، إذَا عَلِمَ أَوْ ظَنَّ بِدْعَتَهُ أَوْ رَفَضَهُ لِإِظْهَارِ شِعَارِهِمْ، ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ مَحَلَّ وِفَاقٍ. نَقَلَهُ عَنْهُ فِي الْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ فَيَكُونُ مُسْتَثْنًى مِنْ الْخِلَافِ فِي كَلَامِ الْأَصْحَابِ، مَعَ أَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ خِلَافُ ذَلِكَ. الثَّانِيَةُ: قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ وَتَبِعَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ هَلْ يَدْعُو بَعْدَ الزِّيَادَةِ؟ يُحْتَمَلُ أَنْ يَخْرُجَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي الدُّعَاءِ بَعْدَ الرَّابِعَةِ، وَهَذَا الصَّحِيحُ قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَدْعُوَ هُنَا. [وَإِنْ قُلْنَا يَدْعُو هُنَاكَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَدْعُوَ هُنَا فِيمَا قَبْلَ الْأَخِيرَةِ، وَإِنْ قُلْنَا لَا يَدْعُو هُنَاكَ] وَأَطْلَقَهُنَّ ابْنُ تَمِيمٍ.
الثَّالِثَةُ: لَوْ كَبَّرَ، فَجِيءَ بِجِنَازَةٍ ثَانِيَةٍ، أَوْ أَكْثَرَ، فَكَبَّرَ وَنَوَاهَا لَهُمَا، وَقَدْ بَقِيَ فِي تَكْبِيرِهِ أَرْبَعٌ جَازَ عَلَى غَيْرِ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ نَصَّ عَلَيْهِ، وَخَرَّجَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ عَدَمَ الْجَوَازِ بِكُلِّ حَالٍ فَعَلَى الْمَنْصُوصِ: يَدْعُو عَقِيبَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ اخْتَارَهُ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: عَدَمُ الْجَوَازِ فِي كُلٍّ، وَهُوَ أَصَحُّ، وَقِيلَ: يُكَبِّرُ بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الرَّابِعَةِ مُتَتَابِعًا. كَالْمَسْبُوقِ [وَهُوَ احْتِمَالٌ لِابْنِ عَقِيلٍ] وَقِيلَ: يَقْرَأُ فِي الْخَامِسَةِ، وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي السَّادِسَةِ وَيَدْعُو فِي السَّابِعَةِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ [قَدَّمَهُ] فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي وَغَيْرِهِ، وَأَطْلَقَهُنَّ فِي الْفُرُوعِ وَأَطْلَقَ الْقَوْلَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ فِي الْمَذْهَبِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَابْنُ تَمِيمِ، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ وَقِيلَ: يَقْرَأُ " الْحَمْدُ لِلَّهِ " فِي الرَّابِعَةِ، وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْخَامِسَةِ وَيَدْعُو ولِلْمَيِّتِ فِي السَّادِسَةِ فَيَحْصُلُ لِلرَّابِعِ أَرْبَعُ تَكْبِيرَاتٍ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَفِي إعَادَةِ الْقِرَاءَةِ [وَالصَّلَاةِ] الَّتِي حَضَرَتْ الْوَجْهَانِ [وَأَطْلَقَهُمْ أَيْضًا ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَالصَّوَابُ: أَنَّ الْقِرَاءَةَ وَالصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْجِنَازَةِ لَا تُشْرَعُ بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الثَّانِيَةِ، وَهُوَ مُرَادُ صَاحِبِ الْفُرُوعِ، صَرَّحَ بِهِ ابْنُ حَمْدَانَ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالْأَلِفُ فِي قَوْلِهِ " وَالصَّلَاةُ " زَائِدَةٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ] . فَوَائِدُ. الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَبْطُلُ بِمُجَاوَزَةِ سَبْعِ تَكْبِيرَاتٍ عَمْدًا نَصَّ عَلَيْهِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى وَغَيْرِهَا وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقِيلَ: تَبْطُلُ، وَذَكَرَ ابْنُ حَامِدٍ وَغَيْرُهُ: تَبْطُلُ بِمُجَاوَزَةِ أَرْبَعٍ عَمْدًا، وَبِكُلِّ تَكْبِيرَةٍ لَا يُتَابَعُ عَلَيْهَا فَعَلَى الْمَذْهَبِ: لَا يَجُوزُ لِلْمَأْمُومِ أَنْ يُسَلِّمَ [قَبْلَ الْإِمَامِ] نَصَّ عَلَيْهِ وَجَزَمَ
بِهِ فِي الرِّعَايَةِ وَغَيْرِهَا وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَذَكَرَ أَبُو الْمَعَالِي وَجْهًا يَنْوِي مُفَارَقَتَهُ وَيُسَلِّمُ، وَالْمُنْفَرِدُ كَالْإِمَامِ فِي الزِّيَادَةِ، وَالْمَسْبُوقُ خَلْفَ الْإِمَامِ الْمُجَاوِزِ: إنْ شَاءَ قَضَى مَا فَاتَهُ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ، وَإِنْ شَاءَ سَلَّمَ مَعَهُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ قَالَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ: وَالسَّلَامُ مَعَهُ أَوْلَى، وَقَالَ فِي الْفُصُولِ: إنْ دَخَلَ مَعَهُ فِي الرَّابِعَةِ، ثُمَّ كَبَّرَ الْإِمَامُ عَلَى الْجِنَازَةِ الرَّابِعَةِ ثَلَاثًا: تَمَّتْ لِلْمَسْبُوقِ صَلَاةُ جِنَازَةٍ، وَهِيَ الرَّابِعَةُ فَإِنْ أَحَبَّ سَلَّمَ مَعَهُ، وَإِنْ أَحَبَّ قَضَى ثَلَاثَ تَكْبِيرَاتٍ لِتَتِمَّ صَلَاتُهُ عَلَى الْجَمِيعِ وَيُتَوَجَّهُ احْتِمَالُ تَتِمُّ صَلَاتُهُ عَلَى الْجَمِيعِ، وَإِنْ سَلَّمَ مَعَهُ لِتَمَامِ أَرْبَعِ تَكْبِيرَاتِ لِلْجَمِيعِ، وَالْمَحْذُورُ النَّقْصُ عَنْ ثَلَاثٍ، وَمُجَاوَزَةُ سَبْعٍ. وَلِهَذَا لَوْ جِيءَ بِجِنَازَةٍ خَامِسَةٍ لَمْ يُكَبِّرْ عَلَيْهَا الْخَامِسَةَ، قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَيَجُوزُ لِلْمَسْبُوقِ أَنْ يَدْخُلَ بَيْنَ التَّكْبِيرَتَيْنِ كَالْحَاضِرِ. إجْمَاعًا وَكَغَيْرِهِ، وَعَنْهُ يَنْتَظِرُ تَكْبِيرَهُ، وَقَالَ فِي الْفُصُولِ: إنْ شَاءَ كَبَّرَ وَإِنْ شَاءَ انْتَظَرَ، وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا أَوْلَى مِنْ الْآخَرِ كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ. وَيَقْطَعُ قِرَاءَتَهُ لِلتَّكْبِيرَةِ الثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّهَا سُنَّةٌ، وَيَتَّبِعُهُ كَمَسْبُوقٍ يَرْكَعُ إمَامُهُ وَاخْتَارَ الْمَجْدُ: يُتِمُّهَا مَا لَمْ يَخَفْ فَوْتَ الثَّانِيَةِ، وَإِذَا كَبَّرَ الْإِمَامُ قَبْلَ فَرَاغِهِ أَدْرَكَ التَّكْبِيرَةَ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. كَالْحَاضِرِ. وَكَإِدْرَاكِهِ رَاكِعًا، وَذَكَرَ أَبُو الْمَعَالِي وَجْهًا لَا يُدْرِكُ، وَيَدْخُلُ الْمَسْبُوقُ بَعْدَ الرَّابِعَةِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: لَا يَدْخُلُ، وَقِيلَ: يَدْخُلُ إنْ قُلْنَا بَعْدَهُمَا ذِكْرٌ، وَإِلَّا فَلَا، وَيَقْضِي ثَلَاثَ تَكْبِيرَاتٍ عَلَى الصَّحِيحِ، وَقِيلَ: أَرْبَعًا. قَوْلُهُ (وَمَنْ فَاتَهُ شَيْءٌ مِنْ التَّكْبِيرَاتِ قَضَاهُ عَلَى صِفَتِهِ) هَذَا الْمَذْهَبُ قَالَ ابْنُ مَنْجَا فِي شَرْحِهِ: هَذَا الْمَذْهَبُ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ،
وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ، وَغَيْرِهِمْ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ [وَالْحَاوِيَيْنِ] وَالشَّرْحِ، وَالْفَائِقِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ، وَغَيْرِهِمْ، وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: يَقْضِيهِ مُتَتَابِعًا، وَنَصَّ عَلَيْهِ وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي التَّذْكِرَةِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنَوِّرِ وَقَدَّمَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَقَالَ: هُوَ مَنْصُوصُ أَحْمَدَ، وَقَالَ الْقَاضِي، وَأَبُو الْخَطَّابِ وَغَيْرُهُمَا: إنْ رُفِعَتْ الْجِنَازَةُ قَبْلَ إتْمَامِ التَّكْبِيرِ قَضَاهُ مُتَوَالِيًا، وَإِنْ لَمْ تُرْفَعْ قَضَاهُ صِفَتَهُ، ذَكَره الشَّارِحُ، وَقَالَ الْمَجْدُ بَعْدَ أَنْ حَكَى الْقَوْلَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ وَمَحَلُّ الْخِلَافِ: فِيمَا إذَا خَشِيَ رَفْعَ الْجِنَازَةِ أَمَّا إنْ عَلِمَ بِعَادَةٍ أَوْ قَرِينَةٍ أَنَّهَا تَنْزِلُ: فَلَا تَرَدُّدَ أَنَّهُ يَقْضِي التَّكْبِيرَاتِ بِذِكْرِهَا، عَلَى مُقْتَضَى تَعْلِيلِ أَصْحَابِنَا. انْتَهَى. وَأَمَّا صَاحِبُ الْفُرُوعِ فَقَالَ: وَيَقْضِي مَا فَاتَهُ عَلَى صِفَتِهِ فَإِنْ خَشِيَ رَفْعَهَا تَابَعَ. رُفِعَتْ أَمْ لَا نَصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: عَلَى صِفَتِهِ وَالْأَصَحُّ إلَّا أَنْ تُرْتَفَعَ، فَيُتَابِعُ. انْتَهَى. قُلْت: وَقَطَعَ غَالِبُ الْأَصْحَابِ بِالْمُتَابَعَةِ، وَعَلَى الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ: إنْ رُفِعَتْ الْجِنَازَةُ: قَطَعَهُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَقِيلَ: يُتِمُّهُ مُتَتَابِعًا قَوْلُهُ (فَإِنْ سَلَّمَ وَلَمْ يَقْضِهِ فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ) وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالْحَاوِيَيْنِ، إحْدَاهُمَا: لَا يَجِبُ الْقَضَاءُ، بَلْ يُسْتَحَبُّ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ الْمَنْصُوصُ نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ قُلْت: مِنْهُمْ الْخِرَقِيُّ، وَالْقَاضِي، وَأَصْحَابُهُ، وَالْمُصَنِّفُ، وَالْمَجْدُ، وَغَيْرُهُمْ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَالْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَنَاظِمِ الْمُفْرَدَاتِ وَغَيْرِهِمْ.
وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالنَّظْمِ، وَالْفَائِق وَغَيْرِهِمْ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: يَجِبُ الْقَضَاءُ اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ، وَالْآجُرِّيُّ، وَالْحَلْوَانِيُّ، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَقَالَ: اخْتَارَهُ شَيْخُنَا، وَقَالَ: وَيَقْضِيهِ بَعْدَ سَلَامِهِ لَا يَأْتِي بِهِ، ثُمَّ يَتْبَعُ الْإِمَامَ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ. فَائِدَةٌ: يُكْرَهُ لِمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا أَنْ يُعِيدَ الصَّلَاةَ مَرَّةً ثَانِيَةً، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ وَنَصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: يَحْرُمُ، وَذَكَرَهُ فِي الْمُنْتَخَبِ نَصَّا، وَفِي كَلَامِ الْقَاضِي: الْكَرَاهَةُ وَعَدَمُ الْجَوَازِ وَقَالَ فِي الْفُصُولِ: لَا يُصَلِّيهَا مَرَّتَيْنِ. كَالْعِيدِ، وَقِيلَ: يُصَلِّي ثَانِيًا اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُنُونِ، وَالْمَجْدُ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَقَالَ أَيْضًا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: وَمَنْ صَلَّى عَلَى الْجِنَازَةِ فَلَا يُعِيدُهَا إلَّا لِسَبَبٍ مِثْلُ أَنْ يُعِيدَ غَيْرُهُ الصَّلَاةَ فَيُعِيدُهَا مَعَهُمْ أَوْ يَكُونُ هُوَ أَحَقَّ بِالْإِمَامَةِ مِنْ الطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ، فَيُصَلِّي بِهِمْ، وَأَطْلَقَ فِي الْوَسِيلَةِ، وَفُرُوعِ أَبِي الْحُسَيْنِ عَنْ ابْنِ حَامِدٍ [أَنَّهُ يُصَلِّي ثَانِيًا؛ لِأَنَّهُ دُعَاءٌ وَاخْتَارَ ابْنُ حَامِدٍ] وَالْمَجْدُ: يُصَلِّي عَلَيْهَا ثَانِيًا تَبَعًا، لَا اسْتِقْلَالًا إجْمَاعًا، وَيَأْتِي قَرِيبًا اسْتِحْبَابُ الصَّلَاةِ لِمَنْ لَمْ يُصَلِّ، وَيَأْتِي أَنَّهُ إذَا صَلَّى عَلَى الْغَائِبِ، ثُمَّ حَضَرَ: اسْتِحْبَابُ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ، بَعْدَ قَوْلِهِ " وَإِنْ كَانَ فِي أَحَدِ جَانِبَيْ الْبَلَدِ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ " فَهُوَ مُسْتَثْنًى مِنْ النُّصُوصِ. قَوْلُهُ (وَمَنْ فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ عَلَى الْجِنَازَةِ صَلَّى عَلَى الْقَبْرِ إلَى شَهْرٍ) هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَالْمُنَوِّرِ وَقَدَّمَهُ فِي التَّلْخِيصِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، [وَالْحَاوِيَيْنِ] وَالنَّظْمِ، وَالْفَائِقِ، وَالْفُرُوعِ، وَقِيلَ: يُصَلِّي عَلَيْهَا إلَى سَنَةٍ، وَقِيلَ: يُصَلِّي عَلَيْهَا مَا لَمْ يَبْلَ فَعَلَيْهِ لَوْ شَكَّ فِي بِلَاهُ صَلَّى، عَلَى الصَّحِيحِ، وَقِيلَ: لَا يُصَلِّي، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، [وَابْنُ تَمِيمٍ] .
وَقِيلَ: يُصَلِّي عَلَيْهِ أَبَدًا اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ قَالَ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ: وَهُوَ أَظْهَرُ فَعَلَى الْمَذْهَبِ: ذَكَرَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ مِنْهُمْ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَغَيْرُهُمْ: لَا تَضُرُّ الزِّيَادَةُ الْيَسِيرَةُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَعَلَّهُ مُرَادُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ قَالَ الْقَاضِي كَالْيَوْمِ وَالْيَوْمَيْنِ. فَوَائِدُ. إحْدَاهَا: مَتَى صَلَّى عَلَى الْقَبْرِ كَانَ الْمَيِّتُ كَالْإِمَامِ، قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى وَغَيْرُهُ. الثَّانِيَةُ: حَيْثُ قُلْنَا بِالتَّوْقِيتِ، فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ أَوَّلَ الْمُدَّةِ مِنْ وَقْتِ دَفْنِهِ جَزَمَ بِهِ فِي التَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِمْ وَقَدَّمَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَقَالَ: هَذَا الْمَشْهُورُ وَاخْتَارَهَا ابْنُ أَبِي مُوسَى. فَعَلَيْهِ: لَوْ لَمْ يُدْفَنْ مُدَّةً تَزِيدُ عَلَى شَهْرٍ: جَازَ أَنْ يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَقِيلَ: أَوَّلَ الْمُدَّةِ مِنْ حِينِ الْمَوْتِ اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، الثَّالِثَةُ: وَحَيْثُ قُلْنَا بِالتَّوْقِيتِ أَيْضًا: فَإِنَّ الصَّلَاةَ تَحْرُمُ بَعْدَهُ، نَصَّ عَلَيْهِ الرَّابِعَةُ: قَوْلُهُ " صَلَّى عَلَى الْقَبْرِ " هَذَا مِمَّا لَا نِزَاعَ فِيهِ فِيمَا أَعْلَمُهُ. يَعْنِي أَنَّهُ يُصَلَّى عَلَى الْمَيِّتِ وَهُوَ فِي الْقَبْرِ، صَرَّحَ بِهِ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ. فَأَمَّا الصَّلَاةُ وَهُوَ خَارِجُ الْقَبْرِ فِي الْمَقْبَرَةِ: فَتَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِيهِ فِي بَابِ اجْتِنَابِ النَّجَاسَةِ. الْخَامِسَةُ: مَنْ شَكَّ فِي الْمُدَّةِ: صَلَّى حَتَّى يَعْلَمَ فَرَاغَهَا، قَالَهُ الْأَصْحَابُ، وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيُتَوَجَّهُ الْوَجْهُ فِي شَكِّهِ فِي بَقَائِهِ. السَّادِسَةُ: حُكْمُ الصَّلَاةِ عَلَى الْغَرِيقِ وَنَحْوِهِ فِي مِقْدَارِ الْمُدَّةِ: كَحُكْمِ الصَّلَاةِ عَلَى الْقَبْرِ. هَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ.
وَقَالَ الْقَاضِي فِي تَخْرِيجِهِ: إذَا تَفَسَّخَ الْمَيِّتُ فَلَا صَلَاةَ. السَّابِعَةُ: لَوْ فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ مَعَ الْجَمَاعَةِ: اُسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهَا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ جَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي، وَصَاحِبُ التَّلْخِيصِ وَغَيْرُهُمَا وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ، وَقِيلَ: يُصَلِّي مَنْ لَمْ يُصَلِّ إلَى شَهْرٍ، وَقَيَّدَهُ ابْنُ شِهَابٍ، وَقِيلَ: لَا تُجْزِيهِ الصَّلَاةُ بِنِيَّةِ السُّنَّةِ جَزَمَ بِهِ أَبُو الْمَعَالِي، لِأَنَّهُ لَا يَنْتَفِلُ بِهَا لِيَقْضِيَهَا بِدُخُولِهِ فِيهَا قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ، وَذَكَر الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: أَنَّ بَعْضَ الْأَصْحَابِ ذَكَرَ وَجْهًا: أَنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ، مَعَ سُقُوطِ الْإِثْمِ بِالْأَوْلَى، وَقَالَ أَيْضًا: فُرُوضُ الْكِفَايَاتِ إذَا قَامَ بِهَا رَجُلٌ سَقَطَتْ، ثُمَّ إذَا فَعَلَ الْكُلُّ ذَلِكَ كَانَ كُلُّهُ فَرْضًا، ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ مَحَلَّ وِفَاقٍ، لَكِنْ يُعْلَمُ إذَا فَعَلُوهُ جَمِيعًا، فَإِنَّهُ لَا خِلَافَ فِيهِ، وَفِي فِعْلِ الْبَعْضِ بَعْدَ الْبَعْضِ: وَجْهَانِ الثَّامِنَةُ: لَا يَجُوزُ الصَّلَاةُ عَلَى الْمَيِّتِ مِنْ وَرَاءِ حَائِلٍ قَبْلَ الدَّفْنِ نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ، وَسَبَقَ أَنَّهُ كَإِمَامٍ فَيَجِيءُ الْخِلَافُ، قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ وَصَحَّحَ فِي الرِّعَايَةِ الصِّحَّةَ كَالْمِلْكِيَّةِ، وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي شُرُوطِ صِحَّةِ الصَّلَاةِ عَلَيْهَا. قَوْلُهُ (وَيُصَلِّي عَلَى الْغَائِبِ بِالنِّيَّةِ) هَذَا الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَعَنْهُ لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: يُصَلِّي عَلَيْهِ إنْ لَمْ يَكُنْ صَلَّى عَلَيْهِ، وَإِلَّا فَلَا اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَابْنُ عَبْدِ الْقَوِيِّ، وَصَاحِبُ النَّظْمِ، وَمَجْمَعُ الْبَحْرَيْنِ. تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: صِحَّةُ الصَّلَاةِ عَلَى الْغَائِبِ عَنْ الْبَلَدِ، سَوَاءٌ كَانَ قَرِيبًا أَوْ بَعِيدًا، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْغَائِبُ مُنْفَصِلًا عَنْ الْبَلَدِ بِمَا يُعَدُّ الذَّهَابُ إلَيْهِ نَوْعَ سَفَرٍ وَقَالَ: أَقْرَبُ الْحُدُودِ: مَا تَجِبُ فِيهِ الْجُمُعَةُ، وَقَالَ الْقَاضِي: يَكْفِي خَمْسُونَ خُطْوَةً.
فَائِدَةٌ: مُدَّةُ جَوَازِ الصَّلَاةِ عَلَى الْغَائِبِ كَمُدَّةِ جَوَازِ الصَّلَاةِ عَلَى الْقَبْرِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَقَالَ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ: يُصَلِّي عَلَى الْغَائِبِ مُطْلَقًا، قُلْت: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ، وَهُوَ الْوَاقِعُ فِي الْبِلَادِ الْبَعِيدَةِ. قَوْلُهُ (وَإِنْ كَانَ فِي أَحَدِ جَانِبَيْ الْبَلَدِ: لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ بِالنِّيَّةِ، فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ) ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يُصَلَّى عَلَيْهِ لِلْمَشَقَّةِ اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ، وَأَبْطَلَهُ الْمَجْدُ بِمَشَقَّةِ الْمَرَضِ وَالْمَطَرِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيُتَوَجَّهُ فِيهَا تَخْرِيجٌ. تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: أَنَّ الْخِلَافَ جَارٍ، سَوَاءٌ كَانَتْ الْبَلَدُ صَغِيرَةً أَوْ كَبِيرَةً، وَهُوَ ظَاهِرُ إطْلَاقِ بَعْضِهِمْ وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ مَحَلَّ الْخِلَافِ فِي الْبَلَدِ الْكَبِيرِ، وَيَحْتَمِلُهُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ، وَأَمَّا الْبَلَدُ الصَّغِيرُ: فَلَا يُصَلَّى عَلَى مَنْ فِي جَانِبِهِ بِالنِّيَّةِ، قَوْلًا وَاحِدًا قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: الْقَائِلُونَ بِالْجَوَازِ قَيَّدَ مُحَقِّقُوهُمْ الْبَلَدَ بِالْكَبِيرِ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَطْلَقَ وَلَمْ يُقَيِّدْ. انْتَهَى. قُلْت: الَّذِي يَظْهَرُ: أَنَّ مُرَادَ مَنْ أَطْلَقَ: الْبَلَدُ الْكَبِيرُ. فَائِدَتَانِ. إحْدَاهُمَا: لَوْ حَضَرَ الْغَائِبُ الَّذِي كَانَ قَدْ صَلَّى عَلَيْهِ اُسْتُحِبَّ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ ثَانِيًا، جَزَمَ بِهِ ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْفُرُوعِ، قُلْت: فَيُعَايَى بِهَا، وَهِيَ مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ قَوْلِهِمْ (لَا يُسْتَحَبُّ إعَادَةُ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ) عَلَى مَا تَقَدَّمَ. الثَّانِيَةُ: لَا يُصَلَّى مُطْلَقًا عَلَى الْمُفْتَرَسِ الْمَأْكُولِ فِي بَطْنِ السَّبُعِ، وَاَلَّذِي قَدْ اسْتَحَالَ بِاحْتِرَاقِ النَّارِ وَنَحْوِهِمَا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ قَالَ فِي التَّلْخِيصِ: عَلَى الْأَظْهَرِ
قَالَ فِي الْفُصُولِ: فَأَمَّا إنْ حَصَلَ فِي بَطْنِ السَّبُعِ لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ مَعَ مُشَاهَدَةِ السَّبُعِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُذْهَبِ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَقِيلَ: يُصَلَّى عَلَيْهِمَا، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَمُخْتَصَرِ ابْنِ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ فَتَقَدَّمَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ إذَا تَعَذَّرَ غُسْلُهُ: أَنَّهُ يُيَمَّمُ، وَيُكَفَّنُ، وَيُصَلَّى عَلَيْهِ. قَوْلُهُ (وَلَا يُصَلِّي الْإِمَامُ عَلَى الْغَالِّ وَلَا مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ) مُرَادُهُ لَا يُسْتَحَبُّ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، وَقِيلَ: يَحْرُمُ، وَهُوَ وَجْهٌ حَكَاهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَحَكَى رِوَايَةً حَكَاهَا فِي الرِّعَايَةِ، وَهَذَا ظَاهِرُ مَا قَدَّمَهُ الزَّرْكَشِيُّ، وَقَالَ: هَذَا الْمَذْهَبُ الْمَنْصُوصُ بِلَا رَيْبٍ، وَيَحْتَمِلُهُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرُهُ، وَعَنْهُ: يُصَلَّى عَلَيْهِمَا حَتَّى بَاغٍ وَمُحَارِبٍ وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ. تَنْبِيهَانِ. الْأَوَّلُ: مَفْهُومُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: أَنَّهُ يُصَلَّى عَلَى غَيْرِ الْغَالِّ وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ، وَذَلِكَ قِسْمَانِ. أَحَدُهُمَا: أَهْلُ الْبِدَعِ وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِمْ، وَعَنْهُ يُصَلَّى عَلَيْهِمْ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا. الثَّانِي: غَيْرُ أَهْلِ الْبِدَعِ فَيُصَلَّى عَلَيْهِمْ مُطْلَقًا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَعَنْهُ لَا يُصَلَّى عَلَى أَهْلِ الْكَبَائِرِ، وَهِيَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ وَجَزَمَ بِهِ فِي التَّرْغِيبِ وَغَيْرِهِ وَقَدَّمَهُ فِي التَّلْخِيصِ، وَاخْتَارَ الْمَجْدُ أَنَّهُ لَا يُصَلَّى عَلَى مَنْ مَاتَ عَلَى مَعْصِيَةٍ ظَاهِرَةٍ بِلَا تَوْبَةٍ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ مُتَّجَهٌ وَعَنْهُ وَلَا يُصَلَّى عَلَى مَنْ قُتِلَ فِي حَدٍّ، وَقَالَ فِي التَّلْخِيصِ: لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ: أَنَّهُ إذَا مَاتَ الْمَحْدُودُ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْإِمَامِ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ. فَإِنَّهُ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ صَلَّى عَلَى الْغَامِدِيَّةِ.
وَجَزَمَ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ: أَنَّ الشَّارِبَ الَّذِي لَمْ يُحَدَّ كَالْغَالِّ وَقَاتِلِ النَّفْسِ، وَذَكَرَهُ فِي الْكُبْرَى رِوَايَةً، وَعَنْهُ وَلَا عَلَى مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ لَمْ يُخَلِّفْ وَفَاءً، وَهِيَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. التَّنْبِيهُ الثَّانِي: الْمُرَادُ هُنَا بِالْإِمَامِ: إمَامُ الْقَرْيَةِ، وَهُوَ وَالِيهَا فِي الْقَضَاءِ قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ، نَقَلَ حَرْبٌ: إمَامُ كُلِّ قَرْيَةٍ وَالِيهَا، وَخَطَّأَهُ الْخَلَّالُ. قَالَ الْمَجْدُ: وَالصَّوَابُ تَسْوِيَتُهُ فَإِنَّ أَعْظَمَ مُتَوَلٍّ لِلْإِمَامَةِ فِي كُلِّ بَلْدَةٍ يَحْصُلُ بِامْتِنَاعِهِ الرَّدْعُ وَالزَّجْرُ. وَنَقَلَ الْجَمَاعَةُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ وَاخْتَارَهُ الْخَلَّالُ وَجَزَمَ بِهِ فِي التَّبْصِرَةِ وَقَدَّمَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَقَالَ: هُوَ أَشْهُرُ الرِّوَايَتَيْنِ. وَقِيلَ: الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ أَوْ نَائِبُهُ. فَائِدَةٌ: إذَا قُتِلَ الْبَاغِي غُسِّلَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ. وَأَمَّا قَاطِعُ الطَّرِيقِ: فَإِنَّهُ يُقْتَلُ أَوَّلًا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، فَعَلَيْهِ يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصَلَّبُ، عَلَى الصَّحِيحِ قَدَّمَهُ فِي التَّلْخِيصِ وَابْنُ تَمِيمٍ، وَقِيلَ: يُصْلَبُ عَقِيبَ الْقَتْلِ، ثُمَّ يُنْزَلُ فَيُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ، وَيُدْفَنُ [جَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى فِي بَابِ الْمُحَارِبِينَ] ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَقِيلَ: يُصْلَبُ قَبْلَ الْقَتْلِ، وَيَأْتِي فِي بَابِ حَدِّ الْمُحَارِبِينَ. قَوْلُهُ (وَإِنْ وُجِدَ بَعْضُ الْمَيِّتِ) يَعْنِي تَحْقِيقًا: غُسِّلَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ يَعْنِي غَيْرَ شَعْرٍ وَظُفُرٍ وَسِنٍّ وَظَاهِرُهُ: سَوَاءٌ كَانَ الْبَعْضُ الْمَوْجُودُ يَعِيشُ مَعَهُ، كَيَدٍ وَرَجُلٍ وَنَحْوِهِمَا، أَوْ لَا، كَرَأْسٍ وَنَحْوِهِ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ تَبَعًا لِلْمَجْدِ فِي شَرْحِهِ هَذَا أَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالشَّرْحِ، قَالَ: هُوَ الْمَشْهُورُ. قَالَ فِي الْوَجِيزِ: وَبَعْضُ الْمَيِّتِ كَكُلِّهِ، وَعَنْهُ لَا يُصَلَّى عَلَى الْجَوَارِحِ قَالَ الْخَلَّالُ: لَعَلَّهُ قَوْلٌ قَدِيمٌ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ، وَاَلَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ هُوَ الْأَوَّلُ.
فَعَلَيْهَا: الِاعْتِبَارُ بِالْأَكْثَرِ مِنْهُ فَإِنْ وُجِدَ الْأَكْثَرُ أَوَّلًا صُلِّيَ عَلَيْهِ، وَلَوْ وُجِدَ بَعْدَهُ الْأَقَلُّ لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ، وَإِنْ وُجِدَ الْأَقَلُّ أَوَّلًا لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ لِفَقْدِ الْأَكْثَرِ فَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ أَبِي مُوسَى: أَنَّ مَا دُونَ الْعُضْوِ الْكَامِلِ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ، وَقِيلَ: مَا دُونَ الْعُضْوِ الْقَاتِلِ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَقَالَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَهُوَ فِي بَعْضِ نُسَخِ ابْنِ تَمِيمٍ. قَوْلُهُ (وَصُلِّيَ عَلَيْهِ) تَحْرِيرُ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ إنْ عُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ وَجَبَتْ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ، قَوْلًا وَاحِدًا، وَإِنْ كَانَ صُلِّيَ عَلَيْهِ، فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ قَالَ الْمَجْدُ وَتَبِعَهُ ابْنُ تَمِيمٍ وَهُوَ الْأَصَحُّ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَقِيلَ: يَجِبُ أَيْضًا اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَصَحَّحَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَحَيْثُ قُلْنَا يُصَلَّى: فَإِنَّهُ يُنْوَى عَلَى الْبَعْضِ الْمَوْجُودِ فَقَطْ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: يُنْوَى الْجُمْلَةُ وَاخْتَارَهُ فِي التَّلْخِيصِ، وَأَمَّا غُسْلُهُ: فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ وَاجِبٌ قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ: رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ، وَكَذَا تَكْفِينُهُ وَدَفْنُهُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: يُغَسَّلُ وَيُكَفَّنُ وَيُدْفَنُ فِي الْأَصَحِّ، وَقِيلَ: لَا يَجِبُ ذَلِكَ كُلُّهُ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَحَكَى الْآمِدِيُّ سُقُوطَ الْغُسْلِ إنْ قُلْنَا لَا يُصَلَّى عَلَيْهَا. فَائِدَتَانِ. إحْدَاهُمَا: إذَا صُلِّيَ عَلَى الْبَعْضِ، ثُمَّ وُجِدَ الْأَكْثَرُ فَقَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: احْتَمَلَ أَنْ لَا تَجِبُ الصَّلَاةُ، وَاحْتَمَلَ أَنْ تَجِبُ، وَإِنْ تَكَرَّرَ الْوُجُوبُ، جَعْلًا لِلْأَكْثَرِ كَالْكُلِّ، وَهُوَ الصَّحِيحُ جَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَتَبِعَ الْمَجْدُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ، وَقِيلَ: لَا يُصَلَّى عَلَى الْأَقَلِّ، وَعَنْهُ يُصَلَّى قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَإِذَا وُجِدَتْ جَارِحَةٌ
مِنْ جُمْلَةٍ لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهَا، وَإِنْ قُلْنَا بِالصَّلَاةِ عَلَى الْجَوَارِحِ: وَجَبَ أَنْ يُصَلَّى عَلَيْهَا، ثُمَّ إذَا وُجِدَ الْجُمْلَةُ: فَهَلْ تَجِبُ إعَادَةُ الصَّلَاةِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ تَقَدَّمَا، وَفِيهِ وَجْهٌ ثَالِثٌ: يَجِبُ هُنَا، وَإِنْ لَمْ تَجِبْ فِيمَا إذَا صُلِّيَ عَلَى الْأَكْثَرِ، ثُمَّ وُجِدَتْ الْجَارِحَةُ، وَهَلْ يُنْبَشُ لِيُدْفَنَ مَعَهُ أَوْ بِجَنْبِهِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ [وَابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ] قَالَ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ: وَإِنْ وُجِدَ الْجُزْءُ بَعْدَ دَفْنِ الْمَيِّتِ غُسِّلَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ وَدُفِنَ إلَى جَانِبِ الْقَبْرِ، أَوْ يُنْبَشُ بَعْضُ الْقَبْرِ وَيُدْفَنُ فِيهِ، وَقَالَ ابْنُ رَزِينٍ: دُفِنَ بِجَنْبِهِ وَلَمْ يُنْبَشْ، لِأَنَّهُ مِثْلُهُ. الثَّانِيَةُ: مَا بَانَ مِنْ حَيٍّ كَيَدٍ وَسَاقٍ انْفَصَلَ فِي وَقْتٍ لَوْ وُجِدَتْ فِيهِ الْجُمْلَةُ لَمْ يُغَسَّلْ لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهَا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: يُصَلَّى عَلَيْهَا إنْ اُحْتُمِلَ مَوْتُهُ، قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ. قَوْلُهُ (وَإِنْ اخْتَلَطَ مَنْ يُصَلَّى عَلَيْهِ بِمَنْ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ يَنْوِي مَنْ يُصَلِّي عَلَيْهِ) وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَكَذَا حُكْمُ غُسْلِهِمْ وَتَكْفِينِهِمْ، بِلَا نِزَاعٍ، وَعَنْهُ إنْ اخْتَلَطُوا بِدَارِ الْحَرْبِ فَلَا صَلَاةَ، وَأَمَّا دَفْنُهُمْ: فَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: إنْ قَدَرُوا دَفَنُوهُمْ مُنْفَرِدِينَ، وَإِلَّا فَمَعَ الْمُسْلِمِينَ. قَوْلُهُ (وَلَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ فِي الْمَسْجِدِ) يَعْنِي أَنَّهَا لَا تُكْرَهُ فِيهِ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ بِلَا رَيْبٍ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَقِيلَ: الصَّلَاةُ فِيهِ أَفْضَلُ قَالَ الْآجُرِّيُّ: السُّنَّةُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ فِيهِ وَأَنَّهُ قَوْلُ أَحْمَدَ، وَقِيلَ: عَدَمُ الصَّلَاةِ فِيهِ أَفْضَلُ، وَخَيَّرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ فِيهِ وَعَدَمِهَا. تَنْبِيهٌ: مَحَلُّ الْخِلَافِ: إذَا أُمِنَ تَلْوِيثُهُ فَأَمَّا إذَا لَمْ يُؤْمَنْ تَلْوِيثُهُ، لَمْ تَجُزْ الصَّلَاةُ فِيهِ، ذَكَرَهُ أَبُو الْمَعَالِي وَغَيْرُهُ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ لَمْ يَحْضُرْهُ غَيْرُ النِّسَاءِ صَلَّيْنَ عَلَيْهِ) الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يُسَنُّ لَهُنَّ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ جَمَاعَةً إذَا لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ رِجَالٌ نَصَّ عَلَيْهِ كَالْمَكْتُوبَةِ، وَقِيلَ: لَا يُسَنُّ لَهُنَّ جَمَاعَةً، بَلْ الْأَفْضَلُ فَرَادَى اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَعَلَى الْقَوْلَيْنِ يَسْقُطُ فَرْضُ الصَّلَاةِ بِهِنَّ، وَلَوْ كَانَتْ وَاحِدَةً، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْفَصْلِ، وَيُقَدَّمُ مِنْهُنَّ مَنْ يُقَدَّمُ مِنْ الرِّجَالِ فِي الْفُصُولِ: حَتَّى وَلَوْ مِنْهُنَّ وَالِيَةً وَقَاضِيَةً فَأَمَّا إذَا صَلَّى الرِّجَالُ: فَإِنَّهُنَّ يُصَلِّينَ فُرَادَى، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقِيلَ جَمَاعَةً، وَيَحْتَمِلُهُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ هُنَا، وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ وَابْنُ حَمْدَانَ. فَائِدَةٌ: لَهُ بِصَلَاةِ الْجِنَازَةِ قِيرَاطٌ، وَهُوَ [أَمْرٌ] مَعْلُومٌ عِنْدَ اللَّهِ فَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ أَنَّهُ قِيرَاطٌ نِسْبَتُهُ مِنْ أَجْرِ صَاحِبِ الْمُصِيبَةِ، وَلَهُ بِتَمَامِ دَفْنِهَا قِيرَاطٌ آخَرُ، وَذَكَرَ أَبُو الْمَعَالِي وَجْهًا: أَنَّ الثَّانِيَ بِوَضْعِهِ فِي قَبْرِهِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيُتَوَجَّهُ احْتِمَالُ إذَا سُتِرَ بِاللَّبِنِ. فَائِدَةٌ: قَوْلُهُ (فَصْلٌ فِي حَمْلِ الْمَيِّتِ وَدَفْنِهِ) تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ فَصْلِ غُسْلِ الْمَيِّتِ أَنْ حَمْلَهُ وَدَفْنَهُ: فَرْضُ كِفَايَةٍ إجْمَاعًا، لَكِنْ لَا يَخْتَصُّ كَوْنُ حَامِلِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرْبَةِ، وَلِهَذَا يَسْقُطُ بِالْكَافِرِ وَغَيْرِهِ. فَائِدَةٌ: يُكْرَهُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ لِلْحَمْلِ وَالْحَفْرِ وَالْغُسْلِ وَنَحْوِهِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ وَصَحَّحَهُ فِي الْحَاوِي الصَّغِيرِ قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: وَيَجُوزُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ، وَعَنْهُ لَا يُكْرَهُ [وَعَنْهُ يُكْرَهُ] بِلَا حَاجَةٍ قَدَّمَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: كَرِهَ أَحْمَدُ أَخْذَ أُجْرَةٍ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مُحْتَاجًا فَمِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَإِنْ تَعَذَّرَ أُعْطِيَ قَدْرَ عَمَلِهِ، وَعَنْهُ لَا بَأْسَ وَالصَّحِيحُ: جَوَازُ أَخْذِهَا عَلَى مَا لَا يُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ فَاعِلُهُ
مِنْ أَهْلِ الْقُرْبَةِ، قَالَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا. انْتَهَى. وَأَطْلَقَهُنَّ فِي الْفُرُوعِ، وَقِيلَ: يَحْرُمُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ، وَقَالَهُ الْآمِدِيُّ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. قَوْلُهُ (يُسْتَحَبُّ التَّرْبِيعُ فِي حَمْلِهِ) هَذَا الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَقَطَعَ بِهِ أَكْثَرُهُمْ، وَقَالَ أَبُو حَفْصٍ، وَالْآجُرِّيُّ وَغَيْرُهَا: يُكْرَهُ التَّرْبِيعُ إنْ ازْدَحَمُوا عَلَيْهِ أَيُّهُمْ يَحْمِلُهُ. تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ (وَهُوَ أَنْ يَضَعَ قَائِمَةَ السَّرِيرِ الْيُسْرَى الْمُقَدَّمَةَ عَلَى كَتِفِهِ الْيُمْنَى، ثُمَّ يَنْتَقِلُ إلَى الْمُؤَخَّرَةِ) مُرَادُهُ بِقَائِمَةِ السَّرِيرِ الْيُسْرَى: الْمُقَدَّمَةُ الَّتِي مِنْ جِهَةِ يَمِينِ الْمَيِّتِ قَوْلُهُ (ثُمَّ يَضَعُ قَائِمَتَهُ الْيُمْنَى الْمُقَدَّمَةَ عَلَى كَتِفِهِ الْيُسْرَى، ثُمَّ يَنْتَقِلُ إلَى الْمُؤَخَّرَةِ) ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَنَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، فَتَكُونُ الْبُدَاءَةُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ مِنْ عِنْدِ رَأْسِهِ [الْخِتَامُ مِنْ عِنْدِ رِجْلَيْهِ] وَعَنْهُ يُبْدَأُ بِالْمُؤَخَّرَةِ وَهِيَ الثَّالِثَةُ، يَجْعَلُهَا عَلَى كَتِفِهِ الْأَيْسَرِ ثُمَّ الْمُقَدَّمَةِ فَتَكُونُ الْبُدَاءَةُ بِالرَّأْسِ وَالْخِتَامُ بِهِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُحَرَّرِ قَوْلُهُ (وَإِنْ حُمِلَ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ فَحَسَنٌ) يَعْنِي لَا يُكْرَهُ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ وَنَصَّ عَلَيْهِ وَعَنْهُ يُكْرَهُ وَعَنْهُ التَّرْبِيعُ وَالْحَمْلُ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ سَوَاءٌ فَعَلَيْهَا: الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَوْلَى، زَادَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: إذَا جُمِعَ وَحُمِلَ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ فَمِنْ عِنْدِ رَأْسِهِ، ثُمَّ مِنْ رِجْلَيْهِ، وَقَالَ فِي الْمَذْهَبِ: مِنْ عِنْدِ نَاحِيَةِ رِجْلَيْهِ لَا يَصِحُّ إلَّا التَّرْبِيعُ. فَائِدَةٌ: يُسْتَحَبُّ سَتْرُ نَعْشِ الْمَرْأَةِ، ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ، مِنْهُمْ ابْنُ حَمْدَانَ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: يُسْتَرُ بِالْمَكِّيَّةِ، وَمَعْنَاهُ فِي الْفُصُولِ.
قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: أَوَّلُ مَنْ اُتُّخِذَ ذَلِكَ لَهَا زَيْنَبُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ، وَمَاتَتْ سَنَةَ عِشْرِينَ، وَقَالَ فِي التَّلْخِيصِ: لَا بَأْسَ بِجَعْلِ الْمَكِّيَّةِ عَلَيْهِ وَفَوْقَهَا ثَوْبٌ. انْتَهَى. وَيُكْرَهُ تَغْطِيَتُهُ بِغَيْرِ الْبَيَاضِ، وَيُسَنُّ بِهِ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ، وَابْنُ الْجَوْزِيِّ وَغَيْرُهُمَا: لَا بَأْسَ بِحَمْلِهَا فِي تَابُوتٍ، وَكَذَا مَنْ لَمْ يُمْكِنْ تَرْكُهُ عَلَى النَّعْشِ إلَّا بِمِثْلِهِ كَالْأَحْدَبِ وَنَحْوِهِ قَالَ فِي الْفُصُولِ: الْمُقَطَّعُ تُلَفَّقُ أَعْضَاؤُهُ بِطِينٍ حُرٍّ وَيُغَطَّى حَتَّى لَا يُتَبَيَّنَ تَشْوِيهُهُ، وَقَالَ أَيْضًا: الْوَاجِبُ جَمْعُ أَعْضَائِهِ فِي كَفَنٍ وَاحِدٍ وَقَبْرٍ وَاحِدٍ، وَقَالَ أَبُو حَفْصٍ وَغَيْرُهُ: يُسْتَحَبُّ شَدُّ النَّعْشِ بِعِمَامَةٍ. انْتَهَى. وَلَا بَأْسَ بِحَمْلِ الطِّفْلِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَلَا بَأْسَ بِحَمْلِ الْمَيِّتِ بِأَعْمِدَةٍ لِلْحَاجَةِ، وَعَلَى دَابَّةٍ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ، وَيَجُوزُ لِبُعْدِ قَبْرِهِ، وَعَنْهُ يُكْرَهُ. قَوْلُهُ (يُسْتَحَبُّ الْإِسْرَاعُ بِهَا) مُرَادُهُ إذَا لَمْ يُخَفْ عَلَيْهِ بِالْإِسْرَاعِ فَإِنْ خِيفَ عَلَيْهِ قَالَ وَإِنْ لَمْ يُخَفْ عَلَيْهِ، فَنَصَّ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: أَنَّهُ يُسْرَعُ، وَيَكُونُ دُونَ الْخَبَبِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ قَالَ الْمَجْدُ: يَمْشِي أَعْلَى الدَّرَجَاتِ الْمَشْيُ الْمُعْتَادُ، وَقَالَ فِي الْمَذْهَبِ: يُسْرِعُ فَوْقَ الْمَشْيِ وَدُونَ الْخَبَبِ، وَقَالَ الْقَاضِي: يُسْتَحَبُّ الْإِسْرَاعُ بِهَا يَسِيرًا، بِحَيْثُ لَا يَخْرُجُ عَنْ الْمَشْيِ الْمُعْتَادِ، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: يُسَنُّ الْإِسْرَاعُ بِهَا يَسِيرًا قَالَ فِي الْكَافِي: لَا يُفْرِطُ فِي الْإِسْرَاعِ فَيَمْخُضُهَا وَيُؤْذِي مُتَّبِعِيهَا. انْتَهَى. وَكَلَامُهُمْ مُتَقَارِبٌ. فَائِدَةٌ: يُرَاعَى بِالْإِسْرَاعِ الْحَاجَةُ نَصَّ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ (وَأَنْ يَكُونُ الْمُشَاةُ أَمَامَهَا) يَعْنِي يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ وَاخْتَارَ صَاحِبُ الرِّعَايَةِ: يَمْشِي حَيْثُ شَاءَ، وَقَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْكَافِي: حَيْثُ مَشَى فَحَسَنٌ، وَعَلَى الْأَوَّلِ: لَا يُكْرَهُ خَلْفَهَا وَحَيْثُ شَاءَ قَالَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ قَوْلُهُ (وَالرُّكْبَانُ خَلْفَهَا) يَعْنِي يُسْتَحَبُّ، وَهَذَا بِلَا نِزَاعٍ فَلَوْ رَكِبَ وَكَانَ أَمَامَهَا كُرِهَ، قَالَهُ الْمَجْدُ.
وَمُرَادُ مَنْ قَالَ " الرُّكْبَانُ خَلْفَهَا " إذَا كَانَتْ جِنَازَةَ مُسْلِمٍ، وَأَمَّا إذَا كَانَتْ جِنَازَةَ كَافِرٍ: فَإِنَّهُ يَرْكَبُ وَيَتَقَدَّمُهَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ. فَائِدَتَانِ. إحْدَاهُمَا: يُكْرَهُ الرُّكُوبُ لِمَنْ تَبِعَهَا بِلَا عُذْرٍ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: لَا يُكْرَهُ كَرُكُوبِهِ فِي عَوْدِهِ قَالَ الْقَاضِي فِي تَخْرِيجِهِ: لَا بَأْسَ بِهِ، وَالْمَشْيُ أَفْضَلُ الثَّانِيَةُ: فِي رَاكِبِ السَّفِينَةِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا: هُوَ كَرَاكِبِ الدَّابَّةِ فَيَكُونُ خَلْفَهَا وَقَدَّمَهُ صَاحِبُ الْفُرُوعِ فِي بَابِ جَامِعِ الْأَيْمَانِ لَوْ حَلَفَ لَا يَرْكَبُ حَنِثَ بِرُكُوبِ سَفِينَةٍ فِي الْمَنْصُوصِ، تَقْدِيمًا لِلشَّرْعِ وَاللُّغَةِ فَعَلَى هَذَا: يَكُونُ رَاكِبًا خَلْفَهَا، قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ، وَالثَّانِي: يَكُونُ مِنْهَا كَالْمَاشِي فَيَكُونُ أَمَامَهَا، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَةِ، وَالْفَائِقِ وَالْحَوَاشِي قَالَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ: هَذَانِ الْوَجْهَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى أَنَّ حُكْمَهُ كَرَاكِبِ الدَّابَّةِ، أَوْ كَالْمَاشِي، وَأَنَّ عَلَيْهِمَا يَنْبَنِي دَوَرَانُهُ فِي الصَّلَاةِ. قَوْلُهُ (وَلَا يَجْلِسُ مَنْ تَبِعَهَا حَتَّى تُوضَعَ) يَعْنِي يُكْرَهُ ذَلِكَ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَعَنْهُ لَا يُكْرَهُ الْجُلُوسُ لِمَنْ كَانَ بَعِيدًا عَنْهَا. تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ " حَتَّى تُوضَعَ " يَعْنِي بِالْأَرْضِ لِلدَّفْنِ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ، وَعَنْهُ حَتَّى تُوضَعَ لِلصَّلَاةِ، وَعَنْهُ حَتَّى تُوضَعَ فِي اللَّحْدِ قَوْلُهُ (وَإِنْ جَاءَتْ وَهُوَ جَالِسٌ لَمْ يَقُمْ لَهَا) ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ وَغَيْرِهِمْ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُغْنِي وَالشَّرْحِ، وَغَيْرِهِمْ.
وَعَنْهُ يُسْتَحَبُّ الْقِيَامُ لَهَا، وَلَوْ كَانَتْ كَافِرَةً نَصَرَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَصَاحِبُ الْفَائِقِ فِيهِ، وَعَنْهُ الْقِيَامُ وَعَدَمُهُ سَوَاءٌ، وَعَنْهُ يُسْتَحَبُّ الْقِيَامُ حَتَّى تَغِيبَ أَوْ تُوضَعَ، وَقَالَهُ ابْنُ مُوسَى قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَعَلَّ الْمُرَادَ عَلَى هَذَا: يَقُومُ حِينَ يَرَاهَا قَبْلَ وُصُولِهَا إلَيْهِ؛ لِلْخَبَرِ. فَوَائِدُ. إحْدَاهُمَا: كَانَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إذَا صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ هُوَ وَلِيُّهَا لَمْ يَجْلِسْ حَتَّى تُدْفَنَ، وَنَقَلَ حَنْبَلٌ. لَا بَأْسَ بِقِيَامِهِ عَلَى الْقَبْرِ حَتَّى تُدْفَنَ. جَبْرًا وَإِكْرَامًا قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: هَذَا حَسَنٌ لَا بَأْسَ بِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ. الثَّانِيَةُ: اتِّبَاعُ الْجِنَازَةِ سُنَّةٌ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقَالَ فِي آخِرِ الرِّعَايَةِ: اتِّبَاعُهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ. انْتَهَى. وَهُوَ حَقٌّ لَهُ وَلِأَهْلِهِ، وَذَكَرَ الْآجُرِّيُّ: أَنَّ مِنْ الْخَيْرِ أَنْ يَتْبَعَهَا لِقَضَاءِ حَقِّ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ. الثَّالِثَةُ: يَحْرُمُ عَلَيْهِ أَنْ يَتْبَعَهَا وَمَعَهَا مُنْكَرٌ عَاجِزٌ عَنْ مَنْعِهِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ نَصَّ عَلَيْهِ، نَحْوَ طَبْلٍ أَوْ نَوْحٍ أَوْ لَطْمِ نِسْوَةٍ، وَتَصْفِيقٍ وَرَفْعِ أَصْوَاتِهِنَّ، وَعَنْهُ يَتْبَعُهَا وَيُنْكِرُ بِحَسَبِهِ، وَيَلْزَمُ الْقَادِرَ فَلَوْ ظَنَّ أَنَّهُ إذَا تَبِعَهَا أُزِيلَ الْمُنْكَرُ، لَزِمَهُ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ، لِحُصُولِ الْمَقْصُودَيْنِ، ذَكَرَهُ الْمَجْدُ، وَتَبِعَهُ فِي الْفُرُوعِ، فَيُعَايَى بِهَا، وَقِيلَ فِي الْعَاجِزِ كَمَنْ دُعِيَ إلَى غُسْلٍ مَيِّتٍ فَسَمِعَ طَبْلًا أَوْ نَوْحًا، وَفِيهِ رِوَايَتَانِ نَقَلَ الْمَرُّوذِيُّ: لَا، وَنَقَلَ أَبُو الْحَارِثِ وَأَبُو دَاوُد: يُغَسِّلُهُ وَيَنْهَاهُمْ، قُلْت: إنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ الزَّجْرُ غَسَّلَهُ وَإِلَّا ذَهَبَ. الرَّابِعَةُ: يُكْرَهُ لِلْمَرْأَةِ اتِّبَاعُهَا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ [نَصَّ عَلَيْهِ،
وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَقِيلَ: يُكْرَهُ لِلْأَجْنَبِيَّةِ قَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: قَدْ رَخَّصَ بَعْضُهُمْ لَهَا فِي شُهُودِ أَبِيهَا وَوَلَدِهَا وَذِي قَرَابَتِهَا، مَعَ التَّحَفُّظِ وَالِاسْتِحْيَاءِ وَالتَّسَتُّرِ] وَقَالَ الْآجُرِّيُّ: يَحْرُمُ، وَمَا هُوَ بِبَعِيدٍ فِي زَمَنِنَا هَذَا قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: يَمْنَعُهُنَّ مِنْ اتِّبَاعِهَا، وَقَالَ أَبُو حَفْصٍ: هُوَ بِدْعَةٌ، يُطْرَدْنَ فَإِنْ رَجَعْنَ وَإِلَّا رَجَعَ الرِّجَالُ، بَعْدَ أَنْ يَحْثُوَا عَلَى أَفْوَاهِهِنَّ التُّرَابَ قَالَ: وَرَخَّصَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي اتِّبَاعِ جِنَازَةٍ يَتْبَعُهَا النِّسَاءُ قَالَ أَبُو حَفْصٍ: وَيَحْرُمُ بُلُوغُ الْمَرْأَةِ الْقَبْرَ. قَوْلُهُ (وَيَدْخُلُ قَبْرَهُ مِنْ عِنْدِ رِجْلِ الْقَبْرِ إنْ كَانَ أَسْهَلَ عَلَيْهِمْ) ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَقِيلَ: يَبْدَأُ بِإِدْخَالِ رِجْلَيْهِ مِنْ عِنْدِ رَأْسِهِ، ذَكَرَهُ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ. فَوَائِدُ. إحْدَاهَا: إذَا كَانَ دُخُولُهُ مِنْ عِنْدِ رِجْلِ الْقَبْرِ يَشُقُّ أَدْخَلَهُ مِنْ قِبْلَتِهِ مُعْتَرِضًا، قَالَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالْفَائِقِ وَغَيْرِهِمَا، وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: لَا يَدْخُلُ الْمَيِّتُ مُعْتَرِضًا مِنْ قِبْلَتِهِ، وَنَقَلَ الْجَمَاعَةُ: الْأَسْهَلُ، ثُمَّ سَوَاءٌ. الثَّانِيَةُ: أَوْلَى النَّاسِ بِالتَّكْفِينِ وَالدَّفْنِ: أَوْلَاهُمْ بِالْغُسْلِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَقَالَ فِي الْمُحَرَّرِ وَغَيْرِهِ: وَالسُّنَّةُ أَنْ يَتَوَلَّى دَفْنَ الْمَيِّتِ غَاسِلُهُ، وَالْأَوْلَى لِمَنْ هُوَ أَحَقُّ بِذَلِكَ أَنْ يَتَوَلَّاهُمَا بِنَفْسِهِ، ثُمَّ بِنَائِبِهِ إنْ شَاءَ، ثُمَّ بَعْدَهُمْ الْأَوْلَى بِالدَّفْنِ: الرِّجَالُ الْأَجَانِبُ، ثُمَّ مَحَارِمُهُ مِنْ النِّسَاءِ، ثُمَّ الْأَجْنَبِيَّاتُ، وَمَحَارِمُهَا مِنْ الرِّجَالِ أَوْلَى مِنْ الْأَجَانِبِ، وَمِنْ مَحَارِمِهَا: النِّسَاءُ يَدْفِنُهَا، وَهَلْ يُقَدَّمُ الزَّوْجُ عَلَى مَحَارِمِهَا الرِّجَالِ أَمْ لَا؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالنُّكَتِ، إحْدَاهُمَا: يُقَدَّمُ الْمَحَارِمُ عَلَى الزَّوْجِ قَالَ الْخَلَّالُ: اسْتَفَاضَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: أَنَّ الْأَوْلِيَاءَ يُقَدَّمُونَ عَلَى الزَّوْجِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، وَظَاهِرُ مَا قَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي وَقَدَّمَهُ فِي النَّظْمِ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: الزَّوْجُ أَحَقُّ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ بِذَلِكَ اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَأَبُو الْمَعَالِي فَإِنْ عُدِمَ الزَّوْجُ وَمَحَارِمُهَا الرِّجَالُ، فَهَلْ الْأَجَانِبُ أَوْلَى، أَوْ نِسَاءُ مَحَارِمِهَا مَعَ عَدَمِ مَحْظُورٍ مِنْ تَكَشُّفِهِنَّ بِحَضْرَةِ الرِّجَالِ أَوْ غَيْرِهِ؟ قَالَ الْمَجْدُ: وَأَتْبَاعُهُنَّ فِيهِمْ رِوَايَتَانِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالنُّكَتِ، إحْدَاهُمَا: الْأَجَانِبُ أَوْلَى، وَهُوَ الصَّحِيحُ قَالَ الْمُصَنِّفُ: هَذَا أَصَحُّ وَأَحْسَنُ وَاخْتَارَهُ الْمَجْدُ وَقَدَّمَهُ النَّاظِمُ، وَقَالَ: هُوَ أَشْهَرُ الْقَوْلَيْنِ، وَالثَّانِيَةُ: نِسَاءُ مَحَارِمِهَا أَوْلَى جَزَمَ بِهِ الْخِرَقِيُّ وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَأَبُو الْمَعَالِي وَقَدَّمَهُ الزَّرْكَشِيُّ، وَابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ، وَقَالَ: نَصَّ عَلَيْهِ قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: هَذِهِ الرِّوَايَةُ مَحْمُولَةٌ عِنْدِي عَلَى مَا إذَا لَمْ يُمْكِنْ فِي دَفْنِهِنَّ مَحْذُورٌ مِنْ اتِّبَاعِ الْجِنَازَةِ، أَوْ التَّكَشُّفِ بِحَضْرَةِ الْأَجَانِبِ أَوْ غَيْرِهِ فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ: يُقَدَّمُ الْأَقْرَبُ مِنْهُنَّ فَالْأَقْرَبُ، كَمَا فِي حَقِّ الرَّجُلِ، وَعَلَى كِلَا الرِّوَايَتَيْنِ: لَا يُكْرَهُ دَفْنُ الرِّجَالِ لِلْمَرْأَةِ، وَإِنْ كَانَ مَحْرَمُهَا حَاضِرًا نَصَّ عَلَيْهِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيُتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ يَحْمِلُهَا مِنْ الْمُغْتَسَلِ إلَى النَّعْشِ. الثَّالِثَةُ: يُقَدَّمُ مِنْ الرِّجَالِ الْخَصِيُّ، ثُمَّ الشَّيْخُ، ثُمَّ الْأَفْضَلُ دِينًا وَمَعْرِفَةً، وَمَنْ بَعُدَ عَهْدُهُ بِجِمَاعٍ أَوْلَى مِمَّنْ قَرُبَ. الرَّابِعَةُ: يُسْتَحَبُّ تَعْمِيقُ الْقَبْرِ وَتَوْسِعَتُهُ مِنْ غَيْرِ حَدٍّ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ نَصَّ عَلَيْهِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي، وَقَالَ أَحْمَدُ أَيْضًا: إلَى الصَّدْرِ، وَقَالَ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ: قَامَةٍ وَبَسْطَةٍ، قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ نَصًّا عَنْ أَحْمَدَ، وَالْبَسْطَةُ الْبَاعُ. الْخَامِسَةُ: يَكْفِي مِنْ ذَلِكَ مَا يَمْنَعُ ظُهُورَ الرَّائِحَةِ وَالسِّبَاعَ، ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ. قَوْلُهُ (وَيُلْحَدُ لَهُ لَحْدًا) . الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ اللَّحْدَ أَفْضَلُ مِنْ الشَّقِّ، بَلْ يُكْرَهُ الشَّقُّ بِلَا عُذْرٍ،
وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَعَنْهُ لَيْسَ اللَّحْدُ بِأَفْضَلَ مِنْهُ، ذَكَرَهَا فِي الْفُرُوعِ وَالرِّعَايَةِ قَوْلُهُ (وَيَنْصِبُ عَلَيْهِ اللَّبِنَ نَصْبًا) الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ اللَّبِنَ أَفْضَلُ مِنْ الْقَصَبِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ وَعَنْهُ يُنْصَبُ عَلَيْهِ قَصَبٌ اخْتَارَهُ الْخَلَّالُ، وَصَاحِبُهُ، وَابْنُ عَقِيلٍ. تَنْبِيهٌ: مُرَادُهُ بِقَوْلِهِ (وَلَا يَدْخُلُهُ خَشَبٌ) إذَا لَمْ يَكُنْ ضَرُورَةً فَإِنْ كَانَ ثَمَّ ضَرُورَةٌ أُدْخِلَ الْخَشَبُ. فَائِدَتَانِ. إحْدَاهُمَا: يُكْرَهُ الدَّفْنُ فِي تَابُوتٍ، وَلَوْ كَانَ الْمَيِّتُ امْرَأَةً نَصَّ عَلَيْهِ زَادَ بَعْضُهُمْ: وَيُكْرَهُ فِي حَجَرٍ مَنْقُوشٍ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَوْ يُجْعَلُ فِيهِ حَدِيدٌ، وَلَوْ كَانَتْ الْأَرْضُ رِخْوَةً أَوْ نَدِيَّةً. الثَّانِيَةُ: لَا تَوْقِيتَ فِيمَنْ يَدْخُلُ الْقَبْرَ، بَلْ ذَلِكَ بِحَسَبِ الْحَاجَةِ نَصَّ عَلَيْهِ كَسَائِرِ أُمُورِهِ، وَقِيلَ: الْوَتْرُ أَفْضَلُ قَوْلُهُ (وَيَقُولُ الَّذِي يُدْخِلُهُ: بِسْمِ اللَّهِ وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ) ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ وَعَنْهُ يَقُولُ " اللَّهُمَّ بَارِكْ فِي الْقَبْرِ وَصَاحِبِهِ " قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَإِنْ قَرَأَ {مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى} [طه: 55] وَإِنْ أَتَى بِذِكْرٍ وَدُعَاءٍ يَلِيقُ عِنْدَ وَضْعِهِ وَإِلْحَادِهِ: فَلَا بَأْسَ؛ لِفِعْلِهِ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ، وَفِعْلِ الصَّحَابَةِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ -. قَوْلُهُ (وَيَضَعُهُ فِي لَحْدِهِ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ) ، وَضْعُهُ فِي لَحْدِهِ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ مُسْتَحَبٌّ، بِلَا نِزَاعٍ، وَكَوْنُهُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ وَاجِبٌ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ، وَالْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُمْ،
وَقَطَعَ بِهِ الْآمِدِيُّ، وَالشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ، وَالْقَاضِي أَبُو الْحُسَيْنِ وَغَيْرُهُمْ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقَالَ صَاحِبُ الْخُلَاصَةِ، وَالْمُحَرَّرِ: يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، فَعَلَى الْمَذْهَبِ: لَوْ وُضِعَ غَيْرَ مُسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةِ نُبِشَ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ، قَالَ أَصْحَابُنَا: يُنْبَشُ إلَّا أَنْ يُخَافَ أَنْ يَتَفَسَّخَ، وَعَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي: لَا يُنْبَشُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، قَالَهُ فِي النُّكَتِ، وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ مُسْتَوْفًى فِي أَوَّلِ فَصْلِ غُسْلِ الْمَيِّتِ بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا. فَوَائِدُ. مِنْهَا: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَضَعَ تَحْتَ رَأْسِهِ لَبِنَةً كَالْمِخَدَّةِ لِلْحَيِّ، وَيُكْرَهُ وَضْعُ بِسَاطٍ تَحْتَهُ مُطْلَقًا قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ: أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالْقَطِيفَةِ مِنْ عِلَّةٍ، قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَعَنْهُ لَا بَأْسَ بِهَا مُطْلَقًا قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَإِنْ جَعَلَ تَحْتَهُ قَطِيفَةً فَلَا بَأْسَ نَصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: يُسْتَحَبُّ، وَمِنْهَا: يُكْرَهُ وَضْعُ مُضَرَّبَةٍ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: لَا بَأْسَ بِهَا، وَتُكْرَهُ الْمِخَدَّةُ، قَوْلًا وَاحِدًا. وَمِنْهَا: كَرِهَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ الدَّفْنَ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَغُرُوبِهَا، وَكَذَا عِنْدَ قِيَامِهَا، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ وَجَزَمَ بِهِ نَاظِمُهَا، وَقَالَ فِي الْمُغْنِي: لَا يَجُوزُ، وَذَكَرَ الْمَجْدُ: أَنَّهُ يُكْرَهُ. وَمِنْهَا: الدَّفْنُ فِي النَّهَارِ أَوْلَى، وَيَجُوزُ لَيْلًا نَصَّ عَلَيْهِ وَعَنْهُ يُكْرَهُ، ذَكَرَهُ ابْنُ هُبَيْرَةَ اتِّفَاقَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، وَعَنْهُ لَا يَفْعَلُهُ إلَّا لِضَرُورَةٍ. وَمِنْهَا: الدَّفْنُ فِي الصَّحْرَاءِ أَفْضَلُ، وَكَرِهَ أَبُو الْمَعَالِي وَغَيْرُهُ فِي الْبُنْيَانِ. قَوْلُهُ (وَيَحْثُو التُّرَابَ فِي الْقَبْرِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ) الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: اسْتِحْبَابُ فِعْلِ ذَلِكَ مُطْلَقًا، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَقِيلَ: يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ لِلْقَرِيبِ مِنْهُ فَقَطْ، وَعَنْهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ، وَحَيْثُ قُلْنَا " يَحْثُو " فَيَأْتِي بِهِ مِنْ أَيِّ جِهَةٍ كَانَتْ، وَقِيلَ: مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ، وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ تَمِيمٍ
فَائِدَةٌ: يُكْرَهُ [الزِّيَادَةُ عَلَى تُرَابِهِ] نَصَّ عَلَيْهِ قَالَ فِي الْفُصُولِ: إلَّا أَنْ يَحْتَاجَ إلَيْهِ، نَقَلَ أَبُو دَاوُد: إلَّا أَنْ يَسْتَوِيَ بِالْأَرْضِ، وَلَا يُعْرَفُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالْمُرَادُ مَعَ أَنَّ تُرَابَ قَبْرٍ لَا يُنْقَلُ إلَى آخَرَ. فَائِدَةٌ: لَا بَأْسَ بِتَعْلِيمِهِ بِحَجَرٍ، أَوْ خَشَبَةٍ أَوْ نَحْوِهِمَا نَصَّ عَلَيْهِ وَنَصَّ أَيْضًا: أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ، وَلَا بَأْسَ بِلَوْحٍ، نَقَلَهُ الْمَيْمُونِيُّ، وَنَقَلَ الْمَرُّوذِيُّ: يُكْرَهُ، وَنَقَلَ الْأَثْرَمُ: مَا سَمِعْت فِيهِ شَيْئًا. قَوْلُهُ (وَيُرَشُّ عَلَيْهِ الْمَاءُ) ، وَكَذَا قَالَ الْأَصْحَابُ، وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيُرَشُّ عَلَيْهِ الْمَاءُ، وَعَنْهُ لَا بَأْسَ بِهِ. فَائِدَةٌ: يُسْتَحَبُّ تَلْقِينُ الْمَيِّتِ بَعْدَ دَفْنِهِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: اسْتَحَبَّهُ الْأَكْثَرُ قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَأَصْحَابُهُ، وَأَكْثَرُنَا وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَمُخْتَصَرِ ابْنِ تَمِيمٍ، وَغَيْرِهِمْ فَيَجْلِسُ الْمُلَقِّنُ عِنْدَ رَأْسِهِ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: تَلْقِينُهُ بَعْدَ دَفْنِهِ مُبَاحٌ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَبَعْضِ أَصْحَابِنَا، وَقَالَ: الْإِبَاحَةُ أَعْدَلُ الْأَقْوَالِ، وَلَا يُكْرَهُ قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: لَوْ انْصَرَفُوا قَبْلَهُ لَمْ يَعْرِفُوا؛ لِأَنَّ الْخَبَرَ قَبْلَ انْصِرَافِهِمْ، وَقَالَ الْمُصَنِّفُ: لَمْ نَسْمَعْ فِي التَّلْقِينِ شَيْئًا عَنْ أَحْمَدَ، وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ لِلْأَئِمَّةِ قَوْلًا سِوَى مَا رَوَاهُ الْأَثْرَمُ قَالَ: قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: فَهَذَا الَّذِي يَصْنَعُونَ إذَا دَفَنُوا الْمَيِّتَ، يَقِفُ الرَّجُلُ فَيَقُولُ (يَا فُلَانَ بْنَ فُلَانَةَ إلَى آخِرِهِ) فَقَالَ: مَا رَأَيْت أَحَدًا فَعَلَ هَذَا إلَّا أَهْلَ الشَّامِ، حِين مَاتَ أَبُو الْمُغِيرَةِ، وَقَالَ فِي الْكَافِي: سُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ تَلْقِينِ الْمَيِّتِ فِي قَبْرِهِ؟ فَقَالَ: مَا رَأَيْت أَحَدًا يَفْعَلُهُ إلَّا أَهْلَ الشَّامِ، وَقَدْ رَوَى الطَّبَرَانِيُّ، وَابْنُ شَاهِينَ، وَأَبُو بَكْرٍ فِي الشَّافِي وَغَيْرُهُمْ فِي ذَلِكَ حَدِيثًا، وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَفِي تَلْقِينِ غَيْرِ الْمُكَلَّفِ وَجْهَانِ، بِنَاءً
عَلَى نُزُولِ الْمَلَكَيْنِ إلَيْهِ، وَسُؤَالِهِ وَامْتِحَانِهِ. النَّفْيُ: قَوْلُ الْقَاضِي، وَابْنِ عَقِيلٍ، وَالْإِثْبَاتُ: قَوْلُ أَبِي حَكِيمٍ، وَغَيْرِهِ قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي الْخَطَّابِ، [قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ فِي نِهَايَةِ الْمُبْتَدِئِ، قَالَ ابْنُ عَبْدُوسٍ: يُسْأَلُ الْأَطْفَالُ عَنْ الْأَوَّلِ حِينَ الذُّرِّيَّةِ، وَالْكِبَارُ يُسْأَلُونَ عَنْ مُعْتَقَدِهِمْ فِي الدُّنْيَا، وَإِقْرَارِهِمْ الْأَوَّلِ] قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، قَالَ شَيْخُنَا: يُلَقَّنُ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَحَكَاهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ الْمُقَدَّمُ عَنْ الْأَصْحَابِ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَهُوَ أَصَحُّ [فَعَلَى هَذَا: يَكُونُ الْمَذْهَبُ التَّلْقِينُ، وَالنَّفْسُ تَمِيلُ إلَى عَدَمِهِ، وَالْعَمَلِ عَلَيْهِ، وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ فِي مُخْتَصَرِهِ، وَالْحَاوِيَيْنِ] . قَوْلُهُ (وَلَا بَأْسَ بِتَطْيِينِهِ) هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَقِيلَ: يُسْتَحَبُّ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، وَقَالَ أَبُو حَفْصٍ: يُكْرَهُ قَوْلُهُ (وَيُكْرَهُ تَجْصِيصُهُ، وَالْبِنَاءُ، وَالْكِتَابَةُ عَلَيْهِ) أَمَّا تَجْصِيصُهُ: فَمَكْرُوهٌ بِلَا خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، وَكَذَا الْكِتَابَةُ عَلَيْهِ، وَكَذَا تَزْوِيقُهُ، وَتَخْلِيقُهُ، وَنَحْوُهُ، وَهُوَ بِدْعَةٌ، وَأَمَّا الْبِنَاءُ عَلَيْهِ: فَمَكْرُوهٌ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، سَوَاءٌ لَاصَقَ الْبِنَاءُ الْأَرْضَ أَمْ لَا، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: أَطْلَقَهُ أَحْمَدُ، وَالْأَصْحَابُ، وَقَالَ صَاحِبُ الْمُسْتَوْعِبِ، وَالْمَجْدُ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَغَيْرُهُمْ: لَا بَأْسَ بِقُبَّةٍ وَبَيْتٍ وَحَظِيرَةٍ فِي مِلْكِهِ وَقَدَّمَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، لَكِنْ اخْتَارَ الْأَوَّلَ. وَقَالَ الْمَجْدُ:
يُكْرَهُ ذَلِكَ فِي الصَّحْرَاءِ، لِلتَّضْيِيقِ وَالتَّشْبِيهِ بِأَبْنِيَةِ أَهْلِ الدُّنْيَا، وَقَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: وَيُكْرَهُ إنْ كَانَ فِي مُسَبَّلَةٍ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَمُرَادُهُ الصَّحْرَاءُ، وَقَالَ فِي الْوَسِيلَةِ: وَيُكْرَهُ الْبِنَاءُ الْفَاخِرُ كَالْقُبَّةِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُهُ لَا بَأْسَ بِبِنَاءٍ، وَعَنْهُ مَنْعُ الْبِنَاءِ فِي وَقْفٍ عَامٍّ، وَقَالَ أَبُو حَفْصٍ: تَحْرُمُ الْحُجْرَةُ، بَلْ تُهْدَمُ، وَحَرُمَ الْفُسْطَاطُ أَيْضًا، وَكَرِهَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ الْفُسْطَاطَ وَالْخَيْمَةَ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: إنْ بَنَى مَا يَخْتَصُّ بِهِ فِيهَا، فَهُوَ غَاصِبٌ، وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: فِيهِ تَضْيِيقٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَفِيهِ فِي مِلْكِهِ إسْرَافٌ وَإِضَاعَةُ مَالٍ، وَقَالَ فِي الْفُصُولِ: الْقُبَّةُ وَالْحَظِيرَةُ وَالتُّرْبَةُ، إنْ كَانَ فِي مِلْكِهِ فَعَلَ مَا شَاءَ، وَإِنْ كَانَ فِي مُسَبَّلَةٍ كُرِهَ لِلتَّضْيِيقِ بِلَا فَائِدَةٍ، وَيَكُونُ اسْتِعْمَالًا لِلْمُسَبَّلَةِ فِيمَا لَمْ تُوضَعْ لَهُ. قَوْلُهُ (وَيُكْرَهُ الْجُلُوسُ وَالْوَطْءُ عَلَيْهِ وَالِاتِّكَاءُ إلَيْهِ) هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَكَرَاهَةُ الْمَشْيِ فِي الْمَقَابِرِ بِالنَّعْلَيْنِ مِنْ مُفْرَدَاتِ الْمَذْهَبِ وَجَزَمَ بِهِ نَاظِمُهَا، وَقَالَ الْقَاضِي فِي التَّعْلِيقِ: لَا يَجُوزُ، وَقَالَهُ فِي الْكَافِي، وَغَيْرِهِ وَقَدَّمَ ابْنُ تَمِيمٍ، وَغَيْرُهُ: لَهُ الْمَشْيُ عَلَيْهِ لِيُصَلِّ إلَى مَنْ يَزُورُهُ لِلْحَاجَةِ، وَفَعَلَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَسَأَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ: يُكْرَهُ دَوْسُهُ وَتَخَطِّيهِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، يُكْرَهُ دَوْسُهُ، وَلَمْ يَكْرَهْ الْآجُرِّيُّ تَوَسُّدُهُ لِفِعْلِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، رَوَاهُ مَالِكٌ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَيَتَوَجَّهُ مِثْلُهُ فِي الْجُلُوسِ. فَائِدَةٌ: لَا يَجُوزُ التَّخَلِّي عَلَيْهِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقَالَ فِي نِهَايَةِ الْأَزَجِيِّ: يُكْرَهُ التَّخَلِّي، قُلْت: فَلَعَلَّهُ أَرَادَ بِالْكَرَاهَةِ التَّحْرِيمَ، وَإِلَّا فَبَعِيدٌ جِدًّا، وَيُكْرَهُ التَّخَلِّي بَيْنَهَا، وَكَرِهَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، زَادَ حَرْبٌ: كَرَاهِيَةً شَدِيدَةً، وَقَالَ فِي الْفُصُولِ: حُرْمَتُهُ ثَابِتَةٌ، وَلِهَذَا يُمْنَعُ مِنْ جَمِيعِ مَا يُؤْذِي الْحَيَّ أَنْ يَنَالَ بِهِ، كَتَقْرِيبِ النَّجَاسَةِ مِنْهُ. انْتَهَى.
فَائِدَةٌ: يُكْرَهُ الْحَدِيثُ عِنْدَ الْقُبُورِ، وَالْمَشْيُ بِالنَّعْلِ، وَيُسْتَحَبُّ قَلْعُهُ إلَّا خَوْفَ نَجَاسَةٍ أَوْ شَوْكٍ وَنَحْوِهِ. وَعَنْهُ لَا يُسْتَحَبُّ خَلْعُ النَّعْلِ كَالْخُفِّ، وَفِي الشمشك وَجْهَانِ وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْفَائِقِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالنُّكَتِ، وَالْفُرُوعِ، وَقَالَ: نَظَرًا إلَى الْمَعْنَى، وَالْقَصْرِ عَلَى النَّصِّ أَحَدُهُمَا: لَا يُكْرَهُ وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيُّ. الثَّانِي: يُكْرَهُ كَالنَّعْلِ وَقَطَعَ ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ، بِأَنَّهُ لَا يُكْرَهُ بِالنِّعَالِ قَالَ فِي النُّكَتِ: وَهُوَ غَرِيبٌ ضَعِيفٌ مُخَالِفٌ لِلْخَبَرِ وَالْمَذْهَبِ. قَوْلُهُ (وَلَا يُدْفَنُ فِيهِ اثْنَانِ إلَّا لِضَرُورَةٍ) وَكَذَا قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ، وَالْمَجْدُ، وَغَيْرُهُمَا وَظَاهِرُهُ التَّحْرِيمُ إذَا لَمْ يَكُنْ ضَرُورَةً وَهُوَ الْمَذْهَبُ نَصَّ عَلَيْهِ وَجَزَمَ بِهِ أَبُو الْمَعَالِي وَغَيْرُهُ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ [وَغَيْرِهِ وَعَنْهُ: يُكْرَهُ اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَغَيْرُهُمَا قَالَ فِي الْفُرُوعِ] وَهُوَ أَظْهَرُ وَقَطَعَ بِهِ الْمَجْدُ فِي نَبْشِهِ لِغَرَضٍ صَحِيحٌ، وَلَمْ يُصَرِّحْ بِخِلَافِهِ فَدَلَّ أَنَّ الْمَذْهَبَ عِنْدَهُ رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ لَا يُحَرَّمُ. انْتَهَى. وَعَنْهُ يَجُوزُ. نَقَلَ أَبُو طَالِبٍ وَغَيْرُهُ لَا بَأْسَ، وَعَنْهُ يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الْمَحَارِمِ، وَقِيلَ: يَجُوزُ فِيمَنْ لَا حُكْمَ لِعَوْرَتِهِ، وَهُوَ احْتِمَالٌ لِلْمَجْدِ فِي شَرْحِهِ قَوْلُهُ (وَيُقَدَّمُ الْأَفْضَلُ إلَى الْقِبْلَةِ) يَعْنِي حَيْثُ جَوَّزْنَا دَفْنَ اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يُقَدَّمُ إلَى الْقِبْلَةِ الْأَفْضَلُ، وَقِيلَ: يُقَدَّمُ الْأَكْبَرُ، وَقِيلَ: يُقَدَّمُ الْأَدْيَنُ، وَالْخِلَافُ هُنَا كَالْخِلَافِ فِي تَقْدِيمِهِمْ إلَى الْإِمَامِ فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ كَمَا يُقَدَّمُ، وَكَذَا لَوْ اخْتَلَفَتْ أَنْوَاعُهُمْ، كَرِجَالٍ وَنِسَاءٍ وَصِبْيَانٍ قُدِّمَ إلَى الْقِبْلَةِ مَنْ يُقَدَّمُ إلَى الْأَمَامِ فِي
الصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ كَمَا تَقَدَّمَ، قَالَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ وَغَيْرِهِ فَإِنْ اسْتَوَوْا فِي الصِّفَاتِ: قُدِّمَ أَحَدُهُمْ إلَى الْقِبْلَةِ بِالْقُرْعَةِ، قَالَهُ فِي الْقَوَاعِدِ قَوْلُهُ (وَيُجْعَلُ بَيْنَ كُلِّ اثْنَيْنِ حَاجِزٌ مِنْ التُّرَابِ) هَذَا الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، إلَّا أَنَّ الْآجُرِّيَّ قَالَ: إنَّمَا يُجْعَلُ ذَلِكَ إذَا كَانَ رِجَالٌ وَنِسَاءٌ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ. فَوَائِدُ. إحْدَاهَا: قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ وَغَيْرُهُ: وَإِنْ جُعِلَ الْقَبْرُ طَوِيلًا، وَجُعِلَ رَأْسُ كُلِّ وَاحِدٍ عِنْدَ رِجْلَيْ الْآخَرِ، أَوْ وَسَطِهِ [جَازَ، وَهُوَ أَحْسَنُ مِمَّا قَبْلَهُ، وَيَكُونُ رَأْسُ الْمَفْضُولِ عِنْدَ رِجْلَيْ الْفَاضِلِ أَوْ سَاقِهِ] كَالدَّرَجِ. الثَّانِيَةُ: يُسْتَحَبُّ جَمْعُ الْأَقَارِبِ فِي بُقْعَةٍ وَاحِدَةٍ، لِأَنَّهُ أَسْهُلُ لِزِيَارَتِهِمْ وَأَبْعَدُ، لِانْدِرَاسِهِمْ، وَيُسْتَحَبُّ الدَّفْنُ فِي الْبُقْعَةِ الَّتِي، يَكْثُرُ فِيهَا الصَّالِحُونَ وَالشُّهَدَاءُ، وَكَذَا الْبِقَاعُ الشَّرِيفَةُ. الثَّالِثَةُ: مَنْ سَبَقَ إلَى مَقْبَرَةٍ مُسَبَّلَةٍ قُدِّمَ فَإِنْ جَاءَا مَعًا: أُقْرِعَ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقَالَ الْمَجْدُ وَتَبِعَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَصَاحِبُ الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ: إذَا جَاءَا مَعًا قُدِّمَ مَنْ لَهُ مَزِيَّةٌ وَشَوْكَةٌ عِنْدَ أَهْلِهِ قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ قُلْت: وَكَذَا لَوْ كَانَ وَاقِفُ الْأَرْضِ إنْ جَازَ أَنْ لَا يُدْفَنَ فِيهَا، كَمَا قَدَّمْنَا مَنْ لَهُ مَزِيَّةٌ بِإِخْرَاجِ السَّبْقِ فِي الْمُفَاضَلَةِ ثُمَّ قَالَ: فَإِنْ تَسَاوَيَا أُقْرِعَ، قُلْت: فَإِنْ خِيفَ عَلَى أَحَدِهِمَا بِتَفْوِيتِهِ هَذِهِ الْبُقْعَةَ فَيَنْبَغِي أَنْ يُقَدَّمُ ذَلِكَ، كَمَا يُقَدَّمُ الْمُضْطَرُّ عَلَى صَاحِبِ الطَّعَامِ وَنَحْوِهِ. انْتَهَى. الرَّابِعَةُ: مَتَى عُلِمَ أَنَّ الْمَيِّتَ صَارَ تُرَابًا قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَمُرَادُهُمْ ظُنَّ أَنَّهُ صَارَ تُرَابًا وَلِهَذَا ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ: يُعْمَلُ بِقَوْلِ أَهْلِ الْخِبْرَةِ فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ
يَجُوزُ دَفْنُ غَيْرِهِ فِيهِ نَقَلَ أَبُو الْمَعَالِي: جَازَ الدَّفْنُ، وَالزِّرَاعَةُ، وَغَيْرُ ذَلِكَ، وَمُرَادُهُ: إذَا لَمْ يُخَالَفْ شَرْطُ وَاقِفِهِ لِتَعْيِينِهِ الْجِهَةَ، وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ قَالَ الْآمِدِيُّ: ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَصِرْ تُرَابًا: فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الدَّفْنُ فِيهِ نَصَّ عَلَيْهِ، وَنَقَلَ أَبُو طَالِبِ تَبْقَى عِظَامُهُ مَكَانَهُ وَيُدْفَنُ اخْتَارَهُ الْخَلَّالُ. الْخَامِسَةُ: قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ، مِنْهُمْ أَبُو الْمَعَالِي كَمَا تَقَدَّمَ لَهُ حَرْثُ أَرْضِهِ إذَا بَلِيَ الْعَظْمُ. قَوْلُهُ (وَإِنْ وَقَعَ فِي الْقَبْرِ مَا لَهُ قِيمَةٌ نُبِشَ وَأُخِذَ) هَذَا الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَعَنْهُ الْمَنْعُ إنْ بُذِلَ لَهُ عِوَضُهُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَدَلَّ عَلَى رِوَايَةٍ: يُمْنَعُ مِنْ نَبْشِهِ بِلَا ضَرُورَةٍ. تَنْبِيهٌ: مُرَادُهُ بِقَوْلِهِ " مَا لَهُ قِيمَةٌ " يَعْنِي فِي الْعَادَةِ وَالْعُرْفِ فَإِنْ قَلَّ خَطَرُهُ، قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا قَالَ: وَيُحْتَمَلُ مَا يَجِبُ تَعْرِيفُهُ أَوْ مَا رَمَاهُ بِهِ فِيهِ. قَوْلُهُ (وَإِنْ كُفِّنَ بِثَوْبٍ غَصْبٍ لَمْ يُنْبَشْ، لِهَتْكِ حُرْمَتِهِ) وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، مِنْهُمْ الْقَاضِي وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالشَّرْحِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ، وَقَالَ الْمَجْدُ: إنْ تَغَيَّرَ الْمَيِّتُ أَوْ خُشِيَ عَلَيْهِ الْمُثْلَةُ لَمْ يُنْبَشْ، وَإِلَّا نُبِشَ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنَوِّرِ، وَقِيلَ: يُنْبَشُ مُطْلَقًا، وَيُؤْخَذُ الْكَفَنُ صَحَّحَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِفَادَاتِ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالنَّظْمِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَأَطْلَقَهُنَّ ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَأَطْلَقَ الْأَوَّلَ وَالْأَخِيرَ فِي التَّلْخِيصِ فَعَلَى الْمَذْهَبِ: يُغْرَمُ ذَلِكَ مِنْ تِرْكَتِهِ، كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: قَالَهُ أَصْحَابُنَا. وَقَالَ الْمَجْدُ: يَضْمَنُهُ مِنْ كَفَنِهِ فِيهِ، لِمُبَاشَرَتِهِ الْإِتْلَافَ عَالِمًا فَإِنْ جَهِلَ فَالْقَرَارُ عَلَى الْغَاصِبِ،
وَلَوْ كَانَ الْمَيِّتَ وَجَزَمَ بِهِ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ. فَائِدَةٌ: حَيْثُ تَعَذَّرَ الْغُرْمُ نُبِشَ، قَوْلًا وَاحِدًا. قَوْلُهُ (أَوْ بَلَعَ مَالَ غَيْرِهِ غُرِمَ ذَلِكَ مِنْ تِرْكَتِهِ) وَهَذَا الْمَذْهَبُ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ، وَمَالَ إلَيْهِ الشَّارِحُ، وَقِيلَ: يُنْبَشُ وَيُشَقُّ جَوْفُهُ فَيُخْرَجُ مِنْهُ صَحَّحَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ وَقَدَّمَهُ فِي النَّظْمِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي التَّلْخِيصِ، وَالشَّرْحِ، وَالْفَائِقِ فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ: لَوْ كَانَ ظَنَّهُ مِلْكَهُ فَوَجْهَانِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَمُخْتَصَرِ ابْنِ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، قُلْت: الصَّوَابُ: نَبْشُهُ، وَقَالَ الْمَجْدُ هُنَا كَمَا قَالَ فِي الَّتِي قَبْلَهَا، وَأَطْلَقَهُنَّ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ: أَنَّهُ يُغْرَمُ الْيَسِيرُ مِنْ تِرْكَتِهِ وَجْهًا وَاحِدًا، وَمَا هُوَ بِبَعِيدٍ، وَحَيْثُ قُلْنَا: يُغْرَمُ مِنْ تِرْكَتِهِ، فَتَعَذَّرَ فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يُنْبَشُ وَيُشَقُّ جَوْفُهُ، وَقَالَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ [إنْ بُذِلَتْ قِيمَتُهُ لَمْ يُشَقَّ وَجَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَقَالَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ] أَيْضًا: إنْ بَذَلَهَا وَارِثٌ لَمْ يُشَقَّ، وَإِلَّا شُقَّ، وَقِيلَ: لَمْ يُشَقَّ مُطْلَقًا. تَنْبِيهٌ: مَفْهُومُ قَوْلِهِ (أَوْ بَلَعَ مَالَ غَيْرِهِ) أَنَّهُ لَوْ بَلَعَ مَالَ نَفْسِهِ: أَنَّهُ لَا يُنْبَشُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ قَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْفُرُوعِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُنْبَشَ إذَا كَانَ لَهُ قِيمَةٌ. وَقَالَ فِي الْمُبْهِجِ: يُحْسَبُ مِنْ ثُلُثِهِ فَعَلَى الْمَذْهَبِ: يُؤْخَذُ إذَا بَلِيَ، وَعَلَى الْمَذْهَبِ أَيْضًا: لَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ نُبِشَ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ جَزَمَ بِهِ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ وَظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ: أَنَّهُ لَا يُنْبَشُ.
فَائِدَةٌ: لَوْ بَلَعَ مَالَ غَيْرِهِ بِإِذْنِهِ: أُخِذَ إذَا بَلِيَ الْمَيِّتُ، وَلَا يُعْرَضُ لَهُ قَبْلَهُ، وَلَا يَضْمَنُهُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: هُوَ كَمَالِهِ، وَقَالَ فِي الْفُصُولِ: إنْ بَلَعَهُ بِإِذْنِهِ فَهُوَ الْمُتْلِفُ لِمَالِهِ، كَقَوْلِهِ: أَلْقِ مَتَاعَك فِي الْبَحْرِ فَأَلْقَاهُ قَالَ: وَكَذَا لَوْ رَآهُ مُحْتَاجًا إلَى رَبْطِ أَسْنَانِهِ بِذَهَبٍ فَأَعْطَاهُ خَيْطًا مِنْ ذَهَبٍ، أَوْ أَنْفًا مِنْ ذَهَبٍ فَأَعْطَاهُ فَرَبَطَهُ بِهِ وَمَاتَ، لَمْ يَجِبْ قَلْعُهُ وَرَدُّهُ، لِأَنَّ فِيهِ مُثْلَةً قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ. فَائِدَةٌ: لَوْ مَاتَ وَلَهُ أَنْفُ ذَهَبٍ يُقْلَعُ، لَكِنْ إنْ كَانَ بَائِعُهُ لَمْ يَأْخُذْ ثَمَنَهُ أَخَذَهُ مِنْ تِرْكَتِهِ، وَمَعَ عَدَمِ التَّرِكَةِ يَأْخُذُهُ إذَا بَلِيَ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَقِيلَ: يُؤْخَذُ فِي الْحَالِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ لِلرُّجُوعِ حَيَاةُ الْمُفْلِسِ فِي قَوْلٍ، مَعَ أَنَّ فِيهِ هُنَا مُثْلَةً. . فَوَائِدُ. دَفْنُ الشَّهِيدِ بِمَصْرَعِهِ سُنَّةٌ نَصَّ عَلَيْهِ، حَتَّى لَوْ نُقِلَ رُدَّ إلَيْهِ. (وَقَالَ فِي الْكَافِي: وَحَمْلُ الْمَيِّتِ إلَى غَيْرِ بَلَدِهِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ مَكْرُوهٌ) وَيَجُوزُ نَقْلُ غَيْرِهِ أَطْلَقَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالْمُرَادُ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ إنْ أُمِنَ تَغَيُّرُهُ، وَذَكَرَ الْمَجْدُ إنْ لَمْ يُظَنَّ تَغَيُّرُهُ. انْتَهَى. وَلَا يُنْقَلُ إلَّا لِغَرَضٍ صَحِيحٍ كَبُقْعَةٍ شَرِيفَةٍ وَمُجَاوَرَةِ صَالِحٍ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ: وَلَوْ رَضِيَ بِهِ، وَصَرَّحَ بِهِ أَبُو الْمَعَالِي فَقَالَ: يَجِبُ نَقْلُهُ لِضَرُورَةٍ، نَحْوِ كَوْنِهِ بِدَارِ حَرْبٍ، أَوْ مَكَان يُخَافُ فِيهِ نَبْشُهُ وَتَحْرِيقُهُ، أَوَالْمُثْلَةُ بِهِ قَالَ: فَإِنْ تَعَذَّرَ نَقْلُهُ بِدَارِ حَرْبٍ، فَالْأَوْلَى: تَسْوِيَتُهُ بِالْأَرْضِ وَإِخْفَاؤُهُ مَخَافَةَ الْعَدُوِّ، وَمَعْنَاهُ كَلَامُ غَيْرِهِ فَيُعَايَى بِهَا، وَتَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْفَصْلِ الْأَوَّلِ مِنْ هَذَا الْبَابِ " لَوْ دُفِنَ قَبْلَ غُسْلِهِ أَوْ تَكْفِينِهِ، أَوْ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ. هَلْ يُنْبَشُ أَمْ لَا؟ وَهَلْ يَجُوزُ نَبْشُهُ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ؟ فَلْيُرَاجَعْ هُنَاكَ
قَوْلُهُ (وَإِنْ مَاتَتْ حَامِلٌ لَمْ يُشَقَّ بَطْنُهَا) وَهَذَا الْمَذْهَبُ نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هَذَا الْمَنْصُوصُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ قَوْلُهُ (وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُشَقَّ بَطْنُهَا إذَا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ يَحْيَى) ، وَهُوَ وَجْهٌ فِي ابْنِ تَمِيمٍ وَغَيْرِهِ فَعَلَى الْمَذْهَبِ (تَسْطُو عَلَيْهِ الْقَوَابِلُ فَيُخْرِجْنَهُ) إذَا اُحْتُمِلَ حَيَاتُهُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقَالَ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ: إنْ لَمْ يُوجَدْ أَمَارَاتُ الظُّهُورِ بِانْفِتَاحِ الْمَخَارِجِ وَقُوَّةِ الْحَرَكَةِ فَلَا تَسْطُو الْقَوَابِلُ فَعَلَى الْأَوَّلِ: إنْ تَعَذَّرَ إخْرَاجُهُ بِالْقَوَابِلِ فَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ لَا يُشَقُّ بَطْنُهَا، قَالَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْفُرُوعِ وَغَيْرِهِمْ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. وَاخْتَارَ ابْنُ هُبَيْرَةَ: أَنَّهُ يُشَقُّ وَيُخْرَجُ الْوَلَدُ، قُلْت: وَهُوَ أَوْلَى فَعَلَى الْمَذْهَبِ: يُتْرَكُ وَلَا يُدْفَنُ حَتَّى يَمُوتَ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: هَذَا الْأَشْهَرُ وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَالْمُصَنِّفُ، وَصَاحِبُ التَّلْخِيصِ، وَغَيْرُهُمْ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَعَنْهُ يَسْطُو عَلَيْهِ الرِّجَالُ، وَالْأَوْلَى بِذَلِكَ الْمَحَارِمُ اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَالْمَجْدُ: كَمُدَاوَاةِ الْحَيِّ وَصَحَّحَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَهُوَ أَقْوَى مِنْ الَّذِي قَبْلَهُ، وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ، وَلَمْ يُقَيِّدْهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِالْمَحْرَمِ، وَقَيَّدَهُ ابْنُ حَمْدَانَ بِذَلِكَ. فَائِدَةٌ: لَوْ خَرَجَ بَعْضُ الْحَمْلِ حَيًّا شُقَّ بَطْنُهَا حَتَّى يَكْمُلَ خُرُوجُهُ فَلَوْ مَاتَ قَبْلَ خُرُوجِهِ، وَتَعَذَّرَ خُرُوجُهُ، غُسِّلَ مَا خَرَجَ مِنْهُ وَأَجْزَأَ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ قُلْت: فَيُعَايَى بِهَا، وَأَوَّلُ مَنْ أَفْتَى فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ابْنُ عَقِيلٍ، وَقِيلَ: تُيَمَّمُ لِمَا لَمْ يَخْرُجْ، وَهُوَ احْتِمَالٌ لِابْنِ الْجَوْزِيِّ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ مَاتَتْ ذِمِّيَّةٌ حَامِلٌ مِنْ مُسْلِمٍ دُفِنَتْ وَحْدَهَا إنْ أَمْكَنَ، وَإِلَّا دُفِنَتْ مَعَ الْمُسْلِمِينَ) ، وَهَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ وَاخْتَارَ الْآجُرِّيُّ: تُدْفَنُ بِجَنْبِ مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَنَّ الْمَرُّوذِيَّ قَالَ كَلَامُ أَحْمَدَ: لَا بَأْسَ بِهِ مَعَنَا، لِمَا فِي بَطْنِهَا. قَوْلُهُ (وَيُجْعَلُ ظَهْرُهَا إلَى الْقِبْلَةِ) يَعْنِي وَتَكُونُ عَلَى جَنْبِهَا الْأَيْسَرِ؛ لِيَكُونَ وَجْهُ الْجَنِينِ إلَى الْقِبْلَةِ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ. فَائِدَتَانِ. إحْدَاهُمَا: لَا يُصَلَّى عَلَى هَذَا الْجَنِينِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَوْلُودٍ وَلَا سِقْطٍ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَذَكَرَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ: يُصَلَّى عَلَيْهِ إنْ مَضَى زَمَنُ تَصْوِيرِهِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَعَلَّ مُرَادَهُ إذَا انْفَصَلَ. الثَّانِيَةُ: يُصَلَّى عَلَى الْمُسْلِمَةِ الْحَامِلِ، بِلَا نِزَاعٍ، وَيُصَلَّى عَلَى حَمْلِهَا إنْ كَانَ قَدْ مَضَى زَمَنُ تَصْوِيرِهِ، وَإِلَّا صُلِّيَ عَلَيْهَا دُونَهُ. هَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي فُنُونِهِ: لَا يَنْوِي بِالصَّلَاةِ عَلَى حَمْلِهَا، وَعَلَّلَهُ بِالشَّكِّ فِي وُجُودِهِ. قَوْلُهُ (وَلَا تُكْرَهُ الْقِرَاءَةُ عَلَى الْقَبْرِ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ) ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ، قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ وَنَصَّ عَلَيْهِ قَالَ الشَّارِحُ: هَذَا الْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ قَالَ الْخَلَّالُ، وَصَاحِبُ الْمَذْهَبِ: رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ لَا تُكْرَهُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ مِنْهُمْ الْقَاضِي وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالْفَائِقِ وَغَيْرِهِمْ وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: تُكْرَهُ اخْتَارَهَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الْوَرَّاقُ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ وَاخْتَارَهَا أَيْضًا أَبُو حَفْصٍ.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: نَقَلَهَا جَمَاعَةٌ، وَهِيَ قَوْلُ جُمْهُورِ السَّلَفِ، وَعَلَيْهَا قُدَمَاءُ أَصْحَابِهِ، وَسَمَّى الْمَرُّوذِيُّ، انْتَهَى، قُلْت: قَالَ كَثِيرٌ مِنْ الْأَصْحَابِ: رَجَعَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ فَقَدْ رَوَى جَمَاعَةٌ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: أَنَّهُ مَرَّ بِضَرِيرٍ يَقْرَأُ عِنْدَ قَبْرٍ فَنَهَاهُ، وَقَالَ: الْقِرَاءَةُ عِنْدَ الْقَبْرِ بِدْعَةٌ. فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ الْجَوْهَرِيُّ: يَا أَبَا عَبْدَ اللَّهِ، مَا تَقُولُ فِي حَبَشٍ الْحَلَبِيِّ؟ فَقَالَ: ثِقَةٌ فَقَالَ: حَدَّثَنِي مُبَشِّرٌ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ أَوْصَى إذَا دُفِنَ أَنْ يُقْرَأَ عِنْدَهُ بِفَاتِحَةِ الْبَقَرَةِ وَخَاتِمَتِهَا، وَقَالَ: سَمِعْت ابْنَ عُمَرَ يُوصِي بِذَلِكَ فَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: ارْجِعْ فَقُلْ لِلرَّجُلِ: يَقْرَأُ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى رُجُوعِهِ، وَعَنْهُ لَا يُكْرَهُ وَقْتَ دَفْنِهِ دُونَ غَيْرِهِ قَالَ فِي الْفَائِقِ: وَعَنْهُ يُسَنُّ وَقْتَ الدَّفْنِ اخْتَارَهَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الْوَرَّاقُ وَشَيْخُنَا، وَعَنْهُ الْقِرَاءَةُ عَلَى الْقَبْرِ بِدْعَةٌ، لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ فِعْلِهِ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ وَلَا فِعْلِ أَصْحَابِهِ فَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ لَا يُكْرَهُ: فَيُسْتَحَبُّ، عَلَى الصَّحِيحِ قَالَ فِي الْفَائِقِ: يُسْتَحَبُّ الْقِرَاءَةُ عَلَى الْقَبْرِ نَصَّ عَلَيْهِ أَخِيرًا قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: لَا تُكْرَهُ الْقِرَاءَةُ عَلَى الْقَبْرِ، بَلْ تُسْتَحَبُّ نَصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: تُبَاحُ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَتُبَاحُ الْقِرَاءَةُ عَلَى الْقَبْرِ نَصَّ عَلَيْهِ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ قَالَ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ: لَا بَأْسَ بِالْقِرَاءَةِ عِنْدَ الْقَبْرِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ. قَوْلُهُ (وَأَيُّ قُرْبَةٍ فَعَلَهَا وَجَعَلَهَا لِلْمَيِّتِ الْمُسْلِمِ نَفَعَهُ ذَلِكَ) . وَهُوَ الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَهُوَ
مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، وَقَالَ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ: مَنْ حَجَّ نَفْلًا عَنْ غَيْرِهِ وَقَعَ عَمَّنْ حَجَّ لِعَدَمِ إذْنِهِ. فَائِدَةٌ: نَقَلَ الْمَرُّوذِيُّ: إذَا دَخَلْتُمْ الْمَقَابِرَ فَاقْرَءُوا آيَةَ الْكُرْسِيِّ وَثَلَاثَ مَرَّاتٍ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1] ثُمَّ قُولُوا: اللَّهُمَّ إنَّ فَضْلَهُ لِأَهْلِ الْمَقَابِرِ يَعْنِي ثَوَابَهُ وَقَالَ الْقَاضِي: لَا بُدَّ مِنْ قَوْلِهِ " اللَّهُمَّ إنْ كُنْتَ أَثَبْتَنِي عَلَى هَذَا، فَقَدْ جَعَلْتُ ثَوَابَهُ أَوْ مَا تَشَاءُ مِنْهُ لِفُلَانٍ " لِأَنَّهُ قَدْ يَتَخَلَّفُ فَلَا يَتَحَكَّمُ عَلَى اللَّهِ وَقَالَ الْمَجْدُ: مَنْ سَأَلَ الثَّوَابَ ثُمَّ أَهْدَاهُ، كَقَوْلِهِ: اللَّهُمَّ أَثِبْنِي عَلَى عَمَلِي هَذَا أَحْسَنَ الثَّوَابِ، وَاجْعَلْهُ لِفُلَانٍ كَانَ أَحْسَنَ، وَلَا يَضُرُّ كَوْنُهُ مَجْهُولًا؛ لِأَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ، وَقِيلَ: يُعْتَبَرُ أَنْ يَنْوِيَهُ بِذَلِكَ قَبْلَ فِعْلِ الْقُرْبَةِ [وَقَالَ الْحَلْوَانِيُّ فِي التَّبْصِرَةِ: يُعْتَبَرُ أَنْ يَنْوِيَهُ بِذَلِكَ قَبْلَ فِعْلِ الْقُرْبَةِ] وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي مُفْرَدَاتِهِ: يُشْتَرَطُ أَنْ تَتَقَدَّمَ نِيَّةٌ ذَلِكَ وَتُقَارِنُهُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَإِنْ أَرَادُوا أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِلْإِهْدَاءِ وَنَقْلِ الثَّوَابِ: أَنْ يَنْوِيَ الْمَيِّتَ بِهِ ابْتِدَاءً، كَمَا فَهِمَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ وَبَعْدَهُ فَهُوَ مَعَ مُخَالَفَتِهِ لِعُمُومِ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَالْأَصْحَابِ لَا وَجْهَ لَهُ، فِي أَثَرٍ لَهُ وَلَا نَظَرٍ، وَإِنْ أَرَادُوا أَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ تَقَعَ الْقُرْبَةُ عَنْ الْمَيِّتِ ابْتِدَاءً بِالنِّيَّةِ لَهُ: فَهَذَا مُتَّجَهٌ، وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: ثَوَابُ الْقُرْآنِ يَصِلُ إلَى الْمَيِّتِ إذَا نَوَاهُ قَبْلَ الْفِعْلِ، وَلَمْ يُعْتَبَرْ الْإِهْدَاءُ فَظَاهِرُهُ عَدَمُهُ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا سَبَقَ فِي التَّبْصِرَةِ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُنُونِ: قَالَ حَنْبَلُ: يُشْتَرَطُ تَقْدِيمُ النِّيَّةِ؛ لِأَنَّ مَا تَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ مِنْ الْأَعْمَالِ لَا يَحْصُلُ لِلْمُسْتَنِيبِ إلَّا بِالنِّيَّةِ مِنْ النَّائِبِ قَبْلَ الْفَرَاغِ. تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ " وَأَيُّ قُرْبَةٍ فَعَلَهَا، وَجَعَلَهَا لِلْمَيِّتِ الْمُسْلِمِ نَفَعَهُ ذَلِكَ " وَكَذَا لَوْ أَهْدَى بَعْضَهُ كَنِصْفِهِ، أَوْ ثُلُثِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ الْقَاضِي وَغَيْرِهِ.
وَهَذِهِ قَدْ يُعَايَى بِهَا فَيُقَالُ: أَيْنَ لَنَا مَوْضِعٌ تَصِحُّ فِيهِ الْهَدِيَّةُ، مَعَ جَهَالَةِ الْمُهْدَى بِهَا؟ ذَكَرَهَا فِي النُّكَتِ، وَتَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرِ بَابِ الْجُمُعَةِ كَرَاهَةُ إيثَارِ الْإِنْسَانِ بِالْمَكَانِ الْفَاضِلِ، وَهُوَ إيثَارٌ بِفَضِيلَةٍ فَيُحْتَاجُ إلَى تَفْرِقَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ إهْدَاءِ الْقُرَبِ. تَنْبِيهٌ: شَمِلَ قَوْلُهُ (وَأَيُّ قُرْبَةٍ فَعَلَهَا) الدُّعَاءَ وَالِاسْتِغْفَارَ، وَالْوَاجِبَ الَّذِي تَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ، وَصَدَقَةَ التَّطَوُّعِ وَالْعِتْقَ، وَحَجَّ التَّطَوُّعِ فَإِذَا فَعَلَهَا الْمُسْلِمُ وَجَعَلَ ثَوَابَهَا لِلْمَيِّتِ الْمُسْلِمِ نَفَعَهُ ذَلِكَ إجْمَاعًا، وَكَذَا تَصِلُ إلَيْهِ الْقِرَاءَةُ وَالصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ. فَائِدَتَانِ. إحْدَاهُمَا: قَالَ الْمَجْدُ: يُسْتَحَبُّ إهْدَاءُ الْقُرَبِ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي الْفُنُونِ: يُسْتَحَبُّ إهْدَاءُ الْقُرَبِ، حَتَّى لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فَلَمْ يَرَهُ لِمَنْ لَهُ ثَوَابٌ بِسَبَبِ ذَلِكَ، كَأَجْرِ الْعَامِلِ، كَالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمُعَلِّمِ الْخَيْرِ، بِخِلَافِ الْوَالِدِ فَإِنَّ لَهُ أَجْرًا كَأَجْرِ الْوَلَدِ. الثَّانِيَةُ: الْحَيُّ فِي كُلِّ مَا تَقَدَّمَ كَالْمَيِّتِ فِي انْتِفَاعِهِ بِالدُّعَاءِ وَنَحْوِهِ كَذَا الْقِرَاءَةُ وَنَحْوُهَا. قَالَ الْقَاضِي: لَا نَعْرِفُ رِوَايَةً بِالْفَرْقِ بَيْنَ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ قَالَ الْمَجْدُ: هَذَا أَصَحُّ قَالَ فِي الْفَائِقِ: هَذَا أَظْهَرُ الْوَجْهَيْنِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقَالَ: لَا يَنْتَفِعُ بِذَلِكَ الْحَيُّ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا، وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ وَجَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ فِي حَجِّ النَّفْلِ عَنْ الْحَيِّ لَا يَنْفَعُهُ، وَلَمْ يَسْتَدِلَّ لَهُ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْمُفْرَدَاتِ: الْقِرَاءَةُ وَنَحْوُهَا لَا تَصِلُ إلَى الْحَيِّ. قَوْلُهُ (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُصْلَحَ لِأَهْلِ الْمَيِّتِ طَعَامٌ يُبْعَثُ بِهِ إلَيْهِمْ) بِلَا نِزَاعٍ، وَزَادَ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ: وَيَكُونُ ذَلِكَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَقَالَ: إنَّمَا يُسْتَحَبُّ إذَا قَصَدَ أَهْلَ الْمَيِّتِ فَأَمَّا لِمَا يَجْتَمِعُ عِنْدَهُمْ: فَيُكْرَهُ لِلْمُسَاعَدَةِ عَلَى الْمَكْرُوهِ. انْتَهَى
قَوْلُهُ (وَلَا يُصْلِحُونَ هُمْ طَعَامًا لِلنَّاسِ) يَعْنِي لَا يُسْتَحَبُّ، بَلْ يُكْرَهُ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ وَغَيْرِهِمْ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ، وَعَنْهُ يُكْرَهُ إلَّا لِحَاجَةٍ، وَقِيلَ: يُحَرَّمُ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ: أَنَّهُ يُبَاحُ لِغَيْرِ أَهْلِ الْمَيِّتِ، وَلَا يُبَاحُ لِأَهْلِ الْمَيِّتِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: يُسَنُّ لِغَيْرِ أَهْلِ الْمَيِّتِ، وَيُكْرَهُ لِأَهْلِهِ. قَوْلُهُ (وَيُسْتَحَبُّ لِلرِّجَالِ زِيَارَةُ الْقُبُورِ) هَذَا الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَحَكَاهُ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ النَّوَوِيُّ إجْمَاعًا قَالَ فِي الشَّرْحِ: لَا نَعْلَمُ خِلَافًا [بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي اسْتِحْبَابِ زِيَارَةِ الرِّجَالِ الْقُبُورَ، وَأَمَّا الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي فَقَالَ: لَا نَعْلَمُ خِلَافًا] فِي إبَاحَةِ زِيَارَتِهَا لِلرِّجَالِ قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: يُسْتَحَبُّ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هَذَا الْمَنْصُوصُ وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الْأَصْحَابِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْكَافِي، وَالنَّظْمِ، وَالْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِمْ، وَعَنْهُ لَا بَأْسَ بِزِيَارَتِهَا، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ [وَغَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ الْأَصْحَابِ، وَقَدْ أَخَذَ أَبُو الْمَعَالِي، وَالْمَجْدُ، وَالزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُمْ: الْإِبَاحَةَ مِنْ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ] فَقَالُوا: وَقِيلَ: يُبَاحُ، وَلَا يُسْتَحَبُّ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ بَعْدَ حَظْرٍ لَكِنَّ الْجُمْهُورَ قَالُوا: الِاسْتِحْبَابُ لِقَرِينَةِ تَذَكُّرِ الْمَوْتِ، أَوْ لِلْأَمْرِ. قَوْلُهُ (وَهَلْ يُكْرَهُ لِلنِّسَاءِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْكَافِي، وَالتَّلْخِيصِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالشَّرْحِ، إحْدَاهُمَا: يُكْرَهُ لَهُنَّ، وَهِيَ الْمَذْهَبُ جَزَمَ بِهِ الْخِرَقِيُّ، وَالْوَجِيزُ، وَالْمُنَوِّرُ، وَغَيْرُهُمْ وَصَحَّحَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَابْنُ مَنْجَا فِي الْخُلَاصَةِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْفَائِقِ قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: هَذَا أَظْهَرُ الرِّوَايَاتِ قَالَ فِي النَّظْمِ: وَهُوَ أَوْلَى، وَرَجَّحَهُ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَا يُكْرَهُ فَيُبَاحُ، وَعَنْهُ رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ: يَحْرُمُ، كَمَا لَوْ عَلِمْت أَنَّهُ يَقَعُ مِنْهَا مُحَرَّمٌ، ذَكَرَهُ الْمَجْدُ وَاخْتَارَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ، وَحَكَاهَا ابْنُ تَمِيمٍ وَجْهًا قَالَ فِي جَامِعِ الِاخْتِيَارَاتِ: وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ: تَرْجِيحُ التَّحْرِيمِ. لِاحْتِجَاجِهِ بِلَعْنِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ، وَتَصْحِيحُهُ إيَّاهُ، وَأَطْلَقَهُنَّ فِي الْحَاوِيَيْنِ، وَتَقَدَّمَ فِي فَصْلِ الْحَمْلِ: أَنَّهُ يُكْرَهُ لَهُنَّ اتِّبَاعُ الْجَنَائِزِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. فَوَائِدُ. إحْدَاهَا: يَجُوزُ زِيَارَةُ قَبْرِ الْكَافِرِ قَالَهُ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: يَجُوزُ زِيَارَتُهُ لِلِاعْتِبَارِ، وَقَالَ أَيْضًا: لَا يُمْنَعُ الْكَافِرُ مِنْ زِيَارَةِ قَبْرِ أَبِيهِ الْمُسْلِمِ. الثَّانِيَةُ: الْأَوْلَى لِلزَّائِرِ أَنْ يَقِفَ أَمَامَ الْقَبْرِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَعَنْهُ يَقِفُ حَيْثُ شَاءَ، وَالْأَوْلَى: أَنْ يَكُونَ حَالَ الزِّيَارَةِ قَائِمًا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَعَنْهُ قُعُودُهُ كَقِيَامِهِ، ذَكَرَهُ أَبُو الْمَعَالِي، وَيَنْبَغِي أَنْ يَقْرُبَ مِنْهُ، كَزِيَارَتِهِ حَالَ حَيَاتِهِ، ذَكَرَهُ فِي الْوَسِيلَةِ وَالتَّلْخِيصِ. الثَّالِثَةُ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ: اسْتِحْبَابُ كَثْرَةِ زِيَارَةِ الْقُبُورِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ قَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ وَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: كَيْفَ يَرِقُّ قَلْبِي؟ قَالَ: اُدْخُلْ الْمَقْبَرَةَ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ «زُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْآخِرَةَ» وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَيُكْرَهُ الْإِكْثَارُ مِنْ زِيَارَةِ الْمَوْتَى قُلْت: وَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُ سَلَفٌ. الرَّابِعَةُ: يَجُوزُ لَمْسُ الْقَبْرِ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْفُرُوعِ، وَعَنْهُ يُكْرَهُ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَعَنْهُ يُسْتَحَبُّ قَالَ
أَبُو الْحُسَيْنِ فِي تَمَامِهِ: وَهِيَ أَصَحُّ، وَقَالَ فِي الْوَسِيلَةِ: هَلْ يُسْتَحَبُّ عِنْدَ فَرَاغِ دَفْنِهِ وَضْعُ يَدِهِ عَلَيْهِ، وَجُلُوسُهُ عَلَى جَانِيَيْهِ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ. قَوْلُهُ (وَيَقُولُ إذَا زَارَهَا، أَوْ مَرَّ بِهَا: سَلَامٌ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ إلَى آخِرِهِ) نَكَّرَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَفْظَ (السَّلَامِ) وَقَالَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ وَنَصَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَوَرَدَ الْحَدِيثُ فِيهِ مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَعَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وَجَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ يَقُولُ مُعَرِّفًا، فَيَقُولُ (السَّلَامُ عَلَيْكُمْ) وَنَصَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ الْأَشْهَرُ فِي الْأَخْبَارِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَبُرَيْدَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وَجَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْكَافِي، وَغَيْرِهِمْ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَخَيَّرَهُ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ بَيْنَهُمَا مِنْهُمْ صَاحِبُ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ. وَقَالُوا: نَصَّ عَلَيْهِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفَائِقِ، وَقَالَ ابْنُ نَاصِرٍ: يَقُولُ لِلْمَوْتَى " عَلَيْكُمْ السَّلَامُ ". فَائِدَةٌ. إذَا سَلَّمَ عَلَى الْحَيِّ، فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يُخَيَّرُ بَيْنَ التَّعْرِيفِ وَالتَّنْكِيرِ قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَقَالَ: ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، قُلْت: مِنْهُمْ الْمَجْدُ، وَصَاحِبُ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَعَنْهُ تَعْرِيفُهُ أَفْضَلُ قَالَ النَّاظِمُ كَالرَّدِّ، وَقِيلَ: تَنْكِيرُهُ أَفْضَلُ اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَرَدَّهُ الْمَجْدُ، وَقَالَ ابْنُ الْبَنَّا: سَلَامُ التَّحِيَّةِ مُنَكَّرٌ، وَسَلَامُ الْوَدَاعِ مُعَرَّفٌ. قَوْلُهُ (وَيُسْتَحَبُّ تَعْزِيَةُ أَهْلُ الْمَيِّتِ) يَعْنِي سَوَاءً كَانَ قَبْلَ الدَّفْنِ أَوْ بَعْدَهُ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ وَقَالَ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ، فِي التَّعْزِيَةِ بَعْدَ الدَّفْنِ أَوْلَى، لِلْإِيَاسِ التَّامِّ مِنْهُ.
فَائِدَةٌ: يُكْرَهُ تَكْرَارُ التَّعْزِيَةِ نَصَّ عَلَيْهِ فَلَا يُعَزِّي عِنْدَ الْقَبْرِ مَنْ عَزَّى قَبْلَ ذَلِكَ، قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقَالَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَعَنْهُ يُكْرَهُ عِنْدَ الْقَبْرِ لِمَنْ عَزَّى وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ، قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: أَكْرَهُ التَّعْزِيَةَ عِنْدَ الْقَبْرِ إلَّا لِمَنْ لَمْ يُعَزِّ، وَأَطْلَقَ جَوَازَ ذَلِكَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى. انْتَهَى. وَتُكْرَهُ التَّعْزِيَةُ لِامْرَأَةٍ شَابَّةٍ أَجْنَبِيَّةٍ لِلْفِتْنَةِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: يُتَوَجَّهُ فِيهِ مَا فِي تَشْمِيتِهَا إذَا عَطَسَتْ، وَيُعَزَّى مَنْ شَقَّ ثَوْبَهُ نَصَّ عَلَيْهِ، لِزَوَالِ الْمُحَرَّمِ وَهُوَ الشَّقُّ وَيُكْرَهُ اسْتِدَامَةُ لُبْسِهِ. تَنْبِيهَانِ. أَحَدُهُمَا: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فَغَيْرُهُ: أَنَّ التَّعْزِيَةَ لَيْسَتْ مُحَدَّدَةً بِحَدٍّ، وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنْ الْأَصْحَابِ فَظَاهِرُهُ: يُسْتَحَبُّ مُطْلَقًا، وَهُوَ ظَاهِرُ الْخَبَرِ، وَقِيلَ: آخِرُهَا يَوْمَ الدَّفْنِ، وَقِيلَ: تُسْتَحَبُّ إلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالْفَائِقِ، وَالْحَاوِيَيْنِ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَذَكَرَ ابْنُ شِهَابٍ، وَالْآمِدِيُّ، وَأَبُو الْفَرَجِ، وَالْمَجْدُ، وَابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُمْ: يُكْرَهُ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ؛ لِتَهْيِيجِ الْحُزْنِ قَالَ الْمَجْدُ: لِإِذْنِ الشَّارِعِ فِي الْإِحْدَادِ فِيهَا، وَقَالَ: لَمْ أَجِدْ فِي آخِرِهَا كَلَامًا لِأَصْحَابِنَا، وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: اتَّفَقُوا لِكَرَاهِيَتِهِ بَعْدَهَا، وَلَا يَبْعُدُ تَشْبِيهُهَا بِالْإِحْدَادِ عَلَى الْمَيِّتِ، وَقَالَ: إلَّا أَنْ يَكُونَ غَائِبًا فَلَا بَأْسَ بِتَعْزِيَتِهِ إذَا حَضَرَ وَاخْتَارَهُ النَّاظِمُ، وَقَالَ: مَا لَمْ تُنْسَ الْمُصِيبَةُ الثَّانِي: قَوْلُهُ (وَيُسْتَحَبُّ تَعْزِيَةُ أَهْلِ الْمَيِّتِ) وَهَكَذَا قَالَ غَيْرُهُ مِنْ الْأَصْحَابِ قَالَ فِي النُّكَتِ: وَقَوْلُ الْأَصْحَابِ " أَهْلُ الْمَيِّتِ خَرَجَ عَلَى الْغَالِبِ، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ: أَهْلُ الْمُصِيبَةِ وَقَطَعَ بِهِ ابْنُ عَبْدِ الْقَوِيِّ
فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ مَذْهَبًا لِأَحْمَدَ، لَا تَفَقُّهًا مِنْ عِنْدِهِ قَالَ فِي النُّكَتِ: فَيُعَزَّى الْإِنْسَانُ فِي رَفِيقِهِ وَصَدِيقِهِ وَنَحْوِهِمَا، كَمَا يُعَزَّى فِي قَرِيبِهِ، وَهَذَا مُتَوَجَّهٌ. انْتَهَى. قَوْلُهُ (وَيُكْرَهُ الْجُلُوسُ لَهَا) هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ وَنَصَّ عَلَيْهِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ. قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: هَذَا اخْتِيَارُ أَصْحَابِنَا وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ وَغَيْرِهِمْ، وَعَنْهُ مَا يُعْجِبُنِي، وَعَنْهُ الرُّخْصَةُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ عَزَّى وَجَلَسَ قَالَ الْخَلَّالُ: سَهَّلَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي الْجُلُوسِ إلَيْهِمْ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ قَالَ فِي الْحَاوِيَيْنِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَقِيلَ: يُبَاحُ ثَلَاثًا كَالنَّعْيِ، وَنُقِلَ عَنْهُ الْمَنْعُ مِنْهُ، وَعَنْهُ الرُّخْصَةُ لِأَهْلِ الْمَيِّتِ نَقَلَهُ حَنْبَلٌ وَاخْتَارَهُ الْمَجْدُ، وَمَعْنَاهُ اخْتِيَارُ أَبِي حَفْصٍ. وَعَنْهُ الرُّخْصَةُ لِأَهْلِ الْمَيِّتِ وَلِغَيْرِهِمْ، خَوْفَ شِدَّةِ الْجَزَعِ، وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: أَمَّا وَالْمَيِّتُ عِنْدَهُمْ: فَأَكْرَهُهُ، وَقَالَ الْآجُرِّيُّ: يَأْثَمُ إنْ لَمْ يَمْنَعْ أَهْلَهُ، وَقَالَ فِي الْفُصُولِ: يُكْرَهُ الِاجْتِمَاعُ بَعْدَ خُرُوجِ الرُّوحِ، لِأَنَّ فِيهِ تَهْيِيجًا لِلْحُزْنِ. فَائِدَةٌ: لَا بَأْسَ بِالْجُلُوسِ بِقُرْبِ دَارِ الْمَيِّتِ، لِيَتْبَعَ الْجِنَازَةَ، أَوْ يَخْرُجَ وَلِيُّهُ فَيُعَزِّيَهُ فَعَلَهُ السَّلَفُ. قَوْلُهُ (وَيَقُولُ فِي تَعْزِيَةِ الْمُسْلِمِ بِالْمُسْلِمِ: أَعْظَمَ اللَّهُ أَجْرَك، وَأَحْسَنَ عَزَاءَك، وَغَفَرَ لِمَيِّتِك) ، وَلَا يَتَعَيَّنُ ذَلِكَ. بَلْ إنْ شَاءَ، قَالَهُ، وَإِنْ شَاءَ قَالَ غَيْرَهُ فَإِنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ فِيهِ شَيْءٌ فَقَدْ عَزَّى الْإِمَامُ أَحْمَدُ رَجُلًا، فَقَالَ " آجَرَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ، فِي هَذَا الرَّجُلِ " وَعَزَّى أَبَا طَالِبٍ فَقَالَ " أَعْظَمَ اللَّهُ أَجْرَكُمْ، وَأَحْسَنَ عَزَاءَكُمْ " قَوْلُهُ (وَفِي تَعْزِيَةٍ عَنْ كَافِرٍ: أَعْظَمَ اللَّهُ أَجْرَك، وَأَحْسَنَ عَزَاءَك) يَعْنِي إذَا عَزَّى مُسْلِمٌ مُسْلِمًا عَنْ مَيِّتٍ كَافِرٍ فَأَفَادَنَا الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: أَنَّهُ
يُعَزِّيهِ عَنْهُ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ، وَقِيلَ: لَا يُعَزِّيهِ عَنْ كَافِرٍ، وَهُوَ رِوَايَةٌ فِي الرِّعَايَةِ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ، وَقِيلَ: يَقُولُ: أَعْظَمَ اللَّهُ أَجْرَك، وَأَحْسَنَ عَزَاءَك، وَصَارَ لَك خَلَفًا عَنْهُ. قَوْلُهُ (وَفِي تَعْزِيَةِ الْكَافِرِ بِمُسْلِمٍ: أَحْسَنَ اللَّهُ عَزَاءَك وَغَفَرَ لِمَيِّتِك، وَفِي تَعْزِيَتِهِ عَنْ كَافِرٍ: أَخْلَفَ اللَّهُ عَلَيْك، وَلَا نَقَصَ عَدَدُك، أَوْ أَكْثَرَ عَدَدَك) فَيَدْعُو لِأَهْلِ الذِّمَّةِ بِمَا يَرْجِعُ إلَى طُولِ الْعُمُرِ وَكَثْرَةِ الْمَالِ وَالْوَلَدِ، وَلَا يَدْعُو لِكَافِرٍ حَيٍّ بِالْأَجْرِ، وَلَا لِكَافِرٍ مَيِّتٍ بِالْمَغْفِرَةِ، وَقَالَ أَبُو حَفْصٍ الْعُكْبَرِيُّ: وَيَقُولُ لَهُ أَيْضًا: وَأَحْسَنَ عَزَاءَك، وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَطَّةَ يَقُولُ: أَعْطَاك اللَّهُ عَلَى مُصِيبَتِك أَفْضَلَ مَا أَعْطَى أَحَدًا مِنْ أَهْلِ دِينِك، وَقَالَ فِي الْفَائِقِ: قُلْت: لَا يَنْبَغِي تَعْزِيَتُهُ عَنْ كَافِرٍ، وَلَا الدُّعَاءُ بِالْإِخْلَافِ عَلَيْهِ، وَعَدَمِ تَنْقِيصِ عَدَدِهِ، بَلْ الْمَشْرُوعُ [الدُّعَاء] بِعَدَمِ الْكَافِرِينَ وَإِبَادَتِهِمْ، كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ قَوْمِ نُوحٍ. انْتَهَى. تَنْبِيهٌ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ بِتَعْزِيَةِ الْكَافِرِ بِمُسْلِمٍ، أَوْ عَنْ كَافِرٍ حَيْثُ قِيلَ: بِجَوَازِ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى أَنَّ الْمُصَنِّفَ اخْتَارَ ذَلِكَ أَوْ لَا، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ مُرَادَهُ: جَوَازُ التَّعْزِيَةِ عِنْدَهُ فَيَكُونُ قَدْ اخْتَارَ جَوَازَ ذَلِكَ، وَالْأَوَّلُ: أَوْلَى، وَاعْلَمْ أَنَّ الصَّحِيحَ مِنْ الْمَذْهَبِ: تَحْرِيمُ تَعْزِيَتِهِمْ، عَلَى مَا يَأْتِي فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي بَابِ أَحْكَامِ الذِّمَّةِ، وَلَنَا رِوَايَةٌ بِالْكَرَاهَةِ قَدَّمَهَا فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَرِوَايَةٌ بِالْإِبَاحَةِ فَعَلَيْهَا يَقُولُ مَا تَقَدَّمَ. فَوَائِدُ. إحْدَاهَا: قَالَ فِي الْفُرُوعِ: لَمْ يَذْكُرْ الْأَصْحَابُ: هَلْ يَرُدُّ الْمُعَزَّى شَيْئًا أَمْ لَا؟
وَقَدْ رَدَّ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَلَى مَنْ عَزَّاهُ فَقَالَ: اسْتَجَابَ اللَّهُ دُعَاءَك، وَرَحِمَنَا وَإِيَّاكَ. انْتَهَى. وَكَفَى بِهِ قُدْوَةً وَمَتْبُوعًا، قُلْت: جَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ وَغَيْرِهِمْ. الثَّانِيَةُ: مَعْنَى " التَّعْزِيَةِ " التَّسْلِيَةُ، وَالْحَثُّ عَلَى الصَّبْرِ بِوَعْدِ الْأَجْرِ، وَالدُّعَاءُ لِلْمَيِّتِ وَالْمُصَابِ. الثَّالِثَةُ: لَا يُكْرَهُ أَخْذُهُ بِيَدِ مَنْ عَزَّاهُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ نَصَّ عَلَيْهِ وَعَنْهُ الْوَقْفُ، وَكَرِهَهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ الْوَرَّاقُ قَالَ الْخَلَّالُ: أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ لَا يَفْعَلَهُ، وَكَرِهَهُ أَبُو حَفْصٍ عِنْدَ الْقَبْرِ. قَوْلُهُ (وَيَجُوزُ الْبُكَاءُ عَلَى الْمَيِّتِ) يَعْنِي مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ، سَوَاءٌ كَانَ قَبْلَ مَوْتِهِ أَوْ بَعْدَهُ، لِكَثْرَةِ الْأَحَادِيثِ فِي ذَلِكَ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَوَجَّهَ فِي الْفُرُوعِ احْتِمَالًا يُحْمَلُ النَّهْيُ عَنْ الْبُكَاءِ بَعْدَ الْمَوْتِ: عَلَى تَرْكِ الْأَوْلَى قَالَ الْمَجْدُ: أَوْ أَنَّهُ [كَرِهَ] كَثْرَةَ الْبُكَاءِ وَالدَّوَامِ عَلَيْهِ أَيَّامًا قَالَ جَمَاعَةٌ: الصَّبْرُ عَنْ الْبُكَاءِ أَجْمَلُ مِنْهُمْ ابْنُ حَمْدَانَ، وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: أَنَّ الْبُكَاءَ يُسْتَحَبُّ رَحْمَةً لِلْمَيِّتِ، وَأَنَّهُ أَكْمَلُ مِنْ الْفَرَحِ كَفَرَحِ الْفُضَيْلِ لَمَّا مَاتَ ابْنُهُ عَلِيٌّ، قُلْت: اسْتِحْبَابُ الْبُكَاءِ رَحْمَةً لِلْمَيِّتِ سُنَّةٌ صَحِيحَةٌ لَا يُعْدَلُ عَنْهَا. قَوْلُهُ (وَأَنْ يَجْعَلَ الْمُصَابَ عَلَى رَأْسِهِ ثَوْبًا يُعْرَفُ بِهِ) يَعْنِي يَجُوزُ ذَلِكَ لِيَكُونَ عَلَامَةً يُعْرَفُ بِهَا، وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَقَالَ فِي الْمَذْهَبِ: يُكْرَهُ لُبْسُهُ خِلَافَ زِيِّهِ الْمُعْتَادِ. فَائِدَةٌ: يُكْرَهُ لِلْمُصَابِ تَغْيِيرُ حَالِهِ مِنْ خَلْعِ رِدَائِهِ وَنَعْلِهِ، وَتَغْلِيقِ حَانُوتِهِ،
وَتَعْطِيلِ مَعَاشِهِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: لَا يُكْرَهُ، وَسُئِلَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ مَسْأَلَةٍ يَوْمَ مَاتَ بِشْرٌ؟ فَقَالَ: لَيْسَ هَذَا يَوْمَ جَوَابٍ هَذَا يَوْمُ حُزْنٍ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَقَالَ الْمَجْدُ: لَا بَأْسَ بِهَجْرِ الْمُصَابِ الزِّينَةَ وَحُسْنَ الثِّيَابِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ. قَوْلُهُ (وَلَا يَجُوزُ النَّدْبُ وَلَا النِّيَاحَةُ) هَذَا الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمَذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالنَّظْمِ، وَالْوَجِيزِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَالْمُنْتَخَبِ قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: اخْتَارَهُ الْمَجْدُ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَقَالَ: هُوَ الْمَذْهَبُ وَعَنْهُ يُكْرَه النَّدْبُ وَالنَّوْحُ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ إلَّا تَعْدَادُ الْمَحَاسِنِ بِصِدْقٍ جَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْكَافِي قَالَ الْآمِدِيُّ: يُكْرَهُ فِي الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ قَالَ: وَاخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ، وَابْنُ بَطَّةَ، وَأَبُو حَفْصٍ الْعُكْبَرِيُّ، وَالْقَاضِي أَبُو يَعْلَى، وَالْخِرَقِيُّ. انْتَهَى. نَقَلَهُ عَنْهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَقَالَ: اخْتَارَهُ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفَائِقِ، وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى إبَاحَتِهِمَا، وَأَنَّهُ اخْتِيَارُ الْخَلَّالِ وَصَاحِبِهِ، قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ، قُلْت: قَدْ نَقَلَهُ الْآمِدِيُّ عَنْ الْخَلَّالِ وَصَاحِبِهِ قَبْلَ الْمُصَنِّفِ، ذَكَرَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ وَقَطَعَ الْمَجْدُ: أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِيَسِيرِ النَّدْبِ إذَا كَانَ صِدْقًا، وَلَمْ يَخْرُجْ مَخْرَجَ النَّوْحِ، وَلَا قُصِدَ نَظْمُهُ كَفِعْلِ أَبِي بَكْرٍ، وَفَاطِمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، وَتَابَعَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالزَّرْكَشِيُّ، قُلْت: وَهَذَا مِمَّا لَا شَكَّ فِيهِ قَالَ فِي الْفَائِقِ: وَيُبَاحُ يَسِيرُ النَّدْبِ الصِّدْقِ نَصَّ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ (وَلَا يَجُوزُ شَقُّ الثِّيَابِ وَلَطْمُ الْخُدُود، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ) مِنْ الصُّرَاخِ، وَخَمْشِ الْوَجْهِ، وَنَتْفِ الشَّعْرِ، وَنَشْرِهِ وَحَلْقِهِ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ ابْنُ حَمْدَانَ، وَالنَّخَعِيُّ قَالَ فِي الْفُصُولِ: يَحْرُمُ النَّحِيبُ وَالتَّعْدَادُ، وَالنِّيَاحَةُ، وَإِظْهَارُ الْجَزَعِ. فَوَائِدُ. مِنْهَا: قَالَ فِي الْفُرُوعِ: جَاءَتْ الْأَخْبَارُ الْمُتَّفَقُ عَلَى صِحَّتِهَا بِتَعْذِيبِ الْمَيِّتِ بِالنِّيَاحَةِ وَالْبُكَاءِ عَلَيْهِ فَحَمَلَهُ ابْنُ حَامِدٍ عَلَى مَا إذَا أَوْصَى بِهِ؛ لِأَنَّ عَادَةً الْعَرَبُ كَانَتْ الْوَصِيَّةَ بِهِ فَخَرَجَ عَلَى عَادَتِهِمْ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: هُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَهُوَ ضَعِيفٌ فَإِنَّ سِيَاقَ الْخَبَرِ يُخَالِفُهُ. انْتَهَى. وَحَمَلَهُ الْأَثْرَمُ عَلَى مَنْ كَذَّبَ بِهِ حِينَ يَمُوتُ، وَقِيلَ: يَتَأَذَّى بِذَلِكَ مُطْلَقًا وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَقِيلَ: يُعَذَّبُ بِذَلِكَ، وَقَالَ فِي التَّلْخِيصِ: يَتَأَذَّى بِذَلِكَ إنْ لَمْ يُوصِ بِتَرْكِهِ كَمَا كَانَ السَّلَفُ يُوصُونَ وَلَمْ يُعْتَبَرْ كَوْنُ النِّيَاحَةِ عَادَةَ أَهْلِهِ، وَاخْتَارَ الْمَجْدُ إذَا كَانَ عَادَةَ أَهْلِهِ وَلَمْ يُوصِ بِتَرْكِهِ يُعَذَّبُ، لِأَنَّهُ مَتَى ظَنَّ وُقُوعَهُ وَلَمْ يُوصِ فَقَدْ رَضِيَ، وَلَمْ يَنْهَ مَعَ قُدْرَتِهِ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْحَوَاشِي وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي الْمُغْنِي: أَنَّهُ يُعَذَّبُ بِالْبُكَاءِ الَّذِي مَعَهُ نَدْبٌ، أَوْ نِيَاحَةٌ بِكُلِّ حَالٍ. وَمِنْهَا: مَا هَيَّجَ الْمُصِيبَةَ، مِنْ وَعْظٍ، أَوْ إنْشَادِ شِعْرٍ فَمِنْ النِّيَاحَةِ، قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَمَعَنَا لِابْنِ عَقِيلٍ فِي الْفُنُونِ. وَمِنْهَا يُكْرَهُ الذَّبْحُ عِنْدَ الْقَبْرِ، وَأَكْلُ ذَلِكَ. نَصَّ عَلَيْهِ، وَجَزَمَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، بِحُرْمَةِ الذَّبْحِ وَالتَّضْحِيَةِ عِنْدَهُ قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: وَفِي مَعْنَى ذَلِكَ مَا يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ زَمَانِنَا مِنْ
التَّصَدُّقِ عِنْدَ الْقَبْرِ بِخُبْزٍ أَوْ نَحْوِهِ فَإِنَّهُ بِدْعَةٌ، وَفِيهِ رِيَاءٌ وَسُمْعَةٌ، وَإِشْهَارٌ لِصَدَقَةِ التَّطَوُّعِ الْمَنْدُوبِ إلَى إخْفَائِهَا. انْتَهَى. وَتَبِعَهُ جَمَاعَةٌ قَالَ فِي الْفُرُوعِ، قَالَ جَمَاعَةٌ: وَفِي مَعْنَى الذَّبْحِ عَلَى الْقَبْرِ: الصَّدَقَةُ عِنْدَهُ فَإِنَّهُ مُحْدَثٌ، وَفِيهِ رِيَاءٌ وَسُمْعَةٌ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: إخْرَاجُ الصَّدَقَةِ مَعَ الْجِنَازَةِ بِدْعَةٌ مَكْرُوهَةٌ، وَهُوَ يُشْبِهُ الذَّبْحَ عِنْدَ الْقَبْرِ، وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ: لَمْ أَسْمَعْ فِيهِ بِشَيْءٍ، وَأَكْرَهُ أَنْ أَنْهَى عَنْ الصَّدَقَةِ.
كتاب الزكاة
[كِتَابُ الزَّكَاةِ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كِتَابُ الزَّكَاةِ فَائِدَةٌ: " الزَّكَاةُ " فِي اللُّغَةِ: النَّمَاءُ. وَقِيلَ: النَّمَاءُ وَالتَّطْهِيرُ؛ لِأَنَّهَا تُنَمِّي الْمَالَ وَتُطَهِّرُ مُعْطِيَهَا، وَقِيلَ: تُنَمِّي أَجْرَهَا، وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ: تُنَمِّي الْفُقَرَاءَ. قُلْت: لَوْ قِيلَ: إنَّ هَذِهِ الْمَعَانِيَ كُلَّهَا فِيهَا لَكَانَ حَسَنًا: فَتُنَمِّي الْمَالَ، وَتُنَمِّي أَجْرَهَا، وَتُنَمِّي الْفُقَرَاءَ، وَتُطَهِّرُ مُعْطِيَهَا، وَسُمِّيَتْ " زَكَاةً " فِي الشَّرْعِ لِلْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ. وَحَدُّهَا فِي الشَّرْعِ: حَقٌّ يَجِبُ فِي مَالٍ خَاصٍّ. قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ. قَوْلُهُ {وَلَا تَجِبُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ} يَعْنِي لَا تَجِبُ فِي غَيْرِ السَّائِمَةِ، وَالْخَارِجِ مِنْ الْأَرْضِ، وَالْأَثْمَانِ، وَعُرُوضِ التِّجَارَةِ وَقَوْلُهُ وَقَالَ {أَصْحَابُنَا تَجِبُ فِي الْمُتَوَلِّدِ بَيْنَ الْوَحْشِيِّ وَالْأَهْلِيِّ} ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. وَجَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِي الْهَادِي، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: جَزَمَ بِهِ الْأَكْثَرُ، قَالَ: وَلَمْ أَجِدْ فِيهِ نَصًّا، وَإِنَّمَا أَوْجَبُوا فِيهِ، تَغْلِيبًا وَاحْتِيَاطًا كَتَحْرِيمِ قَتْلِهِ وَإِيجَابِ الْجَزَاءِ بِقَتْلِهِ. وَالنُّصُوصُ تَتَنَاوَلُهُ، قَالَ الْمَجْدُ: تَتَنَاوَلُهُ بِلَا شَكٍّ. وَاخْتَارَ الْمُصَنِّفُ: لَا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِيهِ. وَإِلَيْهِ مَيْلُ الشَّارِحُ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ مُتَّجَهٌ، وَأَطْلَقَ فِي التَّبْصِرَةِ فِيهِ وَجْهَيْنِ. وَذَكَرَ ابْنُ تَمِيمٍ: أَنَّ الْقَاضِيَ ذَكَرَهُمَا، وَحَكَى فِي الرِّعَايَةِ فِيهِ رِوَايَتَيْنِ، وَأَطْلَقَ الْخِلَافَ فِي الْفَائِقِ. قَوْلُهُ {وَفِي بَقَرِ الْوَحْشِ رِوَايَتَانِ} ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْفَائِقِ، وَالْمُحَرَّرِ.
إحْدَاهُمَا: تَجِبُ فِيهَا، وَهِيَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: هُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، وَاخْتَارَهُ أَصْحَابُنَا، قَالَ الْمَجْدُ: اخْتَارَهُ الْأَصْحَابُ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِيهَا، اخْتَارَهَا الْمُصَنِّفُ. وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ " وَلَا تَجِبُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ " قَالَ الشَّارِحُ: وَهِيَ أَصَحُّ، قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: وَلَا زَكَاةَ فِي بَقَرِ الْوَحْشِ، فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ، قَالَ ابْنُ رَزِينٍ: وَهُوَ أَظْهَرُ، وَصَحَّحَهُ فِي تَصْحِيحِ الْمُحَرَّرِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ: وَفَائِدَتُهُ تَكْمِيلُ النِّصَابِ بِبَقَرَةِ وَحْشٍ. انْتَهَى. وَالظَّاهِرُ: أَنَّهُ أَرَادَ فِي الْغَالِبِ، وَإِلَّا فَمَتَى كَمُلَ النِّصَابُ مِنْهُ وَجَبَتْ فِيهِ، عِنْدَ مَنْ يَقُولُ ذَلِكَ. فَوَائِدُ: مِنْهَا: حُكْمُ الْغَنَمِ الْوَحْشِيَّةِ حُكْمُ الْبَقَرِ الْوَحْشِيَّةِ، خِلَافًا وَمَذْهَبًا، وَالْوُجُوبُ فِيهَا مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. وَمِنْهَا: لَا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي الظِّبَاءِ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَحَكَى الْقَاضِي فِي الطَّرِيقَةِ، وَابْنُ عَقِيلٍ فِي الْمُفْرَدَاتِ، عَنْ ابْنِ حَامِدٍ: وُجُوبَ الزَّكَاةِ فِيهَا، وَحَكَى رِوَايَةً؛ لِأَنَّهَا تُشْبِهُ الْغَنَمَ. وَالظَّبْيَةُ تُسَمَّى عَنْزًا، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُحَرَّرِ، وَمِنْهَا: تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي مَالِ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ، بِلَا خِلَافٍ عِنْدَنَا. وَهَلْ تَجِبُ فِي الْمَالِ الْمَنْسُوبِ إلَى الْجَنِينِ، إذَا انْفَصَلَ حَيًّا أَمْ لَا؟ ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَكْثَرِ: عَدَمُ الْوُجُوبِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمَجْدِ فِي مَسْأَلَةِ زَكَاةِ مِلْكِ الصَّبِيِّ، مُعَلِّلًا بِأَنَّهُ لَا مَالَ لَهُ. بِدَلِيلِ سُقُوطِهِ. لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ لَيْسَ حَمْلًا، أَوْ أَنَّهُ لَيْسَ حَيًّا، وَقَالَ الْمُصَنِّفُ فِي فِطْرَةِ الْجَنِينِ: لَمْ يَثْبُتْ لَهُ أَحْكَامُ الدُّنْيَا إلَّا فِي الْإِرْثِ وَالْوَصِيَّةِ
بِشَرْطِ خُرُوجِهِ حَيًّا، وَاخْتَارَ صَاحِبُ الرِّعَايَةِ الْوُجُوبَ بِحُكْمِنَا لَهُ بِالْمِلْكِ ظَاهِرًا، حَتَّى مَنَعْنَا بَاقِيَ الْوَرَثَةِ، وَهُمَا وَجْهَانِ. ذَكَرَهُمَا أَبُو الْمَعَالِي، وَمَنَعَهُ فِي الْفُرُوعِ. تَنْبِيهٌ: دَخَلَ فِي قَوْلِهِ {وَلَا تَجِبُ إلَّا بِشُرُوطٍ خَمْسَةٍ: الْإِسْلَامُ، وَالْحُرِّيَّةُ} الْمُعْتَقُ بَعْضُهُ، فَتَجِبُ الزَّكَاةُ فِيمَا يَمْلِكُهُ بِجُزْئِهِ الْحُرِّ. قَالَهُ الْأَصْحَابُ. قَوْلُهُ {وَلَا تَجِبُ عَلَى كَافِرٍ} هَذَا الْمَذْهَبُ، وَقَطَعَ بِهِ الْأَكْثَرُ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: لَا تَجِبُ عَلَى أَصْلِيٍّ، عَلَى الْأَشْهَرِ، كَذَا الْمُرْتَدُّ، نَصَّ عَلَيْهِ. سَوَاءٌ حَكَمْنَا بِبَقَاءِ مِلْكِهِ مَعَ الرِّدَّةِ أَوْ زَوَالِهِ، جَزَمَ بِهِ فِي الْمُذْهَبِ، وَالْكَافِي، وَالتَّلْخِيصِ، وَغَيْرِهِمْ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالْمَجْدِ فِي شَرْحِهِ، وَنَصَرَهُ، وَذَكَرَهُ فِي الشَّرْحِ ظَاهِرَ الْمَذْهَبِ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ وَغَيْرِهِ. وَهُوَ ظَاهِرُ مَا قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ [فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ] ، فَقِيلَ: لِكَوْنِهَا عِبَادَةً، قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ. وَقِيلَ: لِمَنْعِهِ مِنْ مَالِهِ، وَإِنْ قُلْنَا " يَزُولُ مِلْكُهُ " فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ. وَأَطْلَقَ الْقَوْلَيْنِ ابْنُ تَمِيمٍ، وَعَنْهُ تَجِبُ عَلَيْهِ، بِمَعْنَى أَنَّهُ يُعَاقَبُ عَلَيْهَا إذَا مَاتَ عَلَى كُفْرِهِ، وَعَنْهُ تَجِبُ عَلَى الْمُرْتَدِّ، نَصَرَهُ أَبُو الْمَعَالِي، وَصَحَّحَهُ الْأَزَجِيُّ فِي النِّهَايَةِ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ: تَجِبُ لِمَا مَضَى مِنْ الْأَحْوَالِ عَلَى مَالِهِ حَالَ رِدَّتِهِ؛ لِأَنَّهَا لَا تُزِيلُ مِلْكَهُ، بَلْ هُوَ مَوْقُوفٌ، وَحَكَاهُ ابْنُ شَاقِلَا رِوَايَةً، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُحَرَّرِ، وَمُخْتَصَرِ ابْنِ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا فِي أَوَّلِ كِتَابِ الصَّلَاةِ. قَوْلُهُ {وَلَا تَجِبُ عَلَى مُكَاتَبٍ} هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَعَنْهُ هُوَ كَالْقِنِّ، وَعَنْهُ يُزَكِّي بِإِذْنِ سَيِّدِهِ.
قَوْلُهُ {فَإِنْ مَلَّكَ السَّيِّدُ عَبْدَهُ مَالًا وَقُلْنَا: إنَّهُ يَمْلِكُهُ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ} . يَعْنِي عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ رَجَبٍ فِي قَوَاعِدِهِ، وَصَاحِبُ الْحَوَاشِي، وَالْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ: قَالَهُ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، قُلْت: مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ، وَالْقَاضِي، وَالزَّرْكَشِيُّ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ الْمَعْرُوفُ الْمَقْطُوعُ بِهِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَابْنِ تَمِيمٍ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَغَيْرِهِمْ وَعَنْهُ يُزَكِّيهِ الْعَبْدُ، ذَكَرَهَا فِي الْإِيضَاحِ وَغَيْرِهِ، وَقَالَهُ ابْنُ حَامِدٍ، وَاخْتَارَهُ فِي الْفَائِقِ. وَعَنْهُ يُزَكِّيهِ الْعَبْدُ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ: يُزَكِّي الْعَبْدُ مَالَهُ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، وَعَنْهُ التَّوَقُّفُ، وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ تَبَعًا لِابْنِ تَمِيمٍ وَغَيْرِهِ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُزَكِّيَهُ السَّيِّدُ، قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ، وَعَنْ ابْنِ حَامِدٍ: أَنَّهُ ذَكَرَ احْتِمَالًا بِوُجُوبِ زَكَاتِهِ عَلَى السَّيِّدِ، عَلَى كِلَا الرِّوَايَتَيْنِ فِيمَا إذَا مَلَّكَ السَّيِّدُ عَبْدَهُ سَوَاءٌ قُلْنَا يَمْلِكُهُ أَوْ لَا لِأَنَّهُ إمَّا مِلْكٌ لَهُ، أَوْ فِي حُكْمِ مِلْكِهِ؛ لِتَمَكُّنِهِ مِنْ التَّصَرُّفِ فِيهِ. كَسَائِرِ أَمْوَالِهِ، قُلْت: وَهُوَ مَذْهَبٌ حَسَنٌ، فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَمْلِكُهُ فَزَكَاتُهُ عَلَى سَيِّدِهِ بِلَا نِزَاعٍ. تَنْبِيهٌ: أَفَادَنَا الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ الْعَبْدَ إذَا مَلَّكَهُ سَيِّدُهُ مَالًا: أَنَّ فِي مِلْكِهِ خِلَافًا؛ لِقَوْلِهِ " وَقُلْنَا إنَّهُ يُمَلِّكُهُ "، وَاعْلَمْ أَنَّ الصَّحِيحَ مِنْ الْمَذْهَبِ وَالرِّوَايَتَيْنِ: أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ بِالتَّمْلِيكِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، مِنْهُمْ الْخِرَقِيُّ، وَأَبُو بَكْرٍ، وَالْقَاضِي، قَالَهُ ابْنُ رَجَبٍ فِي قَوَاعِدِهِ وَقَوَاعِدِ ابْنِ اللَّحَّامِ، وَقَالَ: هَذِهِ الرِّوَايَةُ أَشْهَرُ عِنْدَ الْأَصْحَابِ. قَالَ فِي التَّلْخِيصِ فِي بَابِ
الدُّيُونِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالرَّقِيقِ وَاَلَّذِي عَلَيْهِ الْفَتْوَى: أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ فِي آخِرِ بَابِ الْحَجْرِ اخْتَارَ الْأَصْحَابُ: أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: يَمْلِكُ بِالتَّمْلِيكِ. اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ شَاقِلَا، وَصَحَّحَهَا ابْنُ عَقِيلٍ، وَالْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي، قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ: وَهِيَ أَظْهَرُ، قَالَ فِي الْفَائِقِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ: وَيَمْلِكُ بِتَمْلِيكِ سَيِّدِهِ وَغَيْرِهِ، فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ، قَالَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ: لَوْ مَلَكَ مَلَكَهُ فِي الْأَقْيَسِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ. فَائِدَةٌ: لِهَذَا الْخِلَافِ فَوَائِدُ عَدِيدَةٌ. أَكْثَرُهَا مُتَفَرِّقَةٌ فِي الْكِتَابِ، وَمِنْهَا: مَا تَقَدَّمَ، وَهُوَ مَا إذَا مَلَّكَهُ سَيِّدُهُ مَالًا، وَمِنْهَا: إذَا مَلَّكَهُ سَيِّدُهُ عَبْدًا وَأَهَلَّ عَلَيْهِ هِلَالُ الْفِطْرِ، فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَمْلِكُهُ، فَفِطْرَتُهُ عَلَى السَّيِّدِ، وَإِنْ قُلْنَا: يَمْلِكُهُ، لَمْ يَجِبْ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَغَيْرُهُمَا اعْتِبَارًا بِزَكَاةِ الْمَالِ، وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَلَا فِطْرَةَ إذَنْ فِي الْأَصَحِّ، وَقِيلَ: تَجِبُ فِطْرَتُهُ عَلَى السَّيِّدِ، صَحَّحَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ، وَيُؤَدِّي السَّيِّدُ عَنْ عَبْدِ عَبْدِهِ؛ إذْ لَا يَمْلِكُ بِالتَّمْلِيكِ، وَإِنْ مَلَكَ فَلَا فِطْرَةَ لَهُ؛ لِعَدَمِ مِلْكِ السَّيِّدِ وَنَقْصِ مِلْكِ الْعَبْدِ، وَقِيلَ: يَلْزَمُ السَّيِّدَ الْحُرَّ كَنَفَقَتِهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ، وَاخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ [وَالشَّارِحُ] ، وَمِنْهَا: تَكْفِيرُهُ بِالْمَالِ فِي الْحَجِّ، وَالْأَيْمَانِ، وَالظِّهَارِ، وَنَحْوِهَا، وَفِيهِ لِلْأَصْحَابِ طُرُقٌ، ذَكَرَهَا ابْنُ رَجَبٍ فِي فَوَائِدِهِ، وَذَكَرْتُهَا فِي آخِرِ كِتَابِ الْأَيْمَانِ.
وَمِنْهَا: إذَا بَاعَ عَبْدًا، وَلَهُ مَالٌ. وَلِلْأَصْحَابِ أَيْضًا: فِيهَا طُرُقٌ، ذَكَرْتُهَا فِي آخِرِ بَابِ بَيْعِ الْأُصُولِ وَالثِّمَارِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَمِنْهَا: إذَا أَذِنَ لِعَبْدِهِ الذِّمِّيِّ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ بِمَالِهِ عَبْدًا مُسْلِمًا، فَاشْتَرَاهُ، فَإِنْ قُلْنَا: يَمْلِكُ بِالتَّمْلِيكِ، لَمْ يَصِحَّ شِرَاؤُهُ لَهُ، وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَمْلِكُ، صَحَّ، وَكَانَ مَمْلُوكًا لِلسَّيِّدِ، قَالَ الْمَجْدُ: هَذَا قِيَاسُ الْمَذْهَبِ عِنْدِي، قَالَ ابْنُ رَجَبٍ، قُلْت: وَيَتَخَرَّجُ فِيهِ وَجْهٌ: لَا يَصِحُّ عَلَى الْقَوْلَيْنِ بِنَاءً عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ شِرَاءُ الذِّمِّيِّ لِمُسْلِمٍ بِالْوَكَالَةِ. انْتَهَى. قُلْت: وَيَتَخَرَّجُ الصَّحِيحُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ، بِنَاءً عَلَى أَحَد الْوَجْهَيْنِ: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ شِرَاءُ الذِّمِّيِّ لِمُسْلِمٍ بِالْوَكَالَةِ، وَمِنْهَا: عَكْسُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَوْ أَذِنَ الْكَافِرُ لِعَبْدِهِ الْمُسْلِمِ الَّذِي يَثْبُتُ مِلْكُهُ عَلَيْهِ أَنْ يَشْتَرِيَ بِمَالِهِ رَقِيقًا مُسْلِمًا. فَإِنْ قُلْنَا: يَمْلِكُ، صَحَّ، وَكَانَ الْعَبْدُ لَهُ، وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَمْلِكُ، لَمْ يَصِحَّ، وَمِنْهَا: تَسَرِّي الْعَبْدِ، وَفِيهِ طَرِيقَانِ: أَحَدُهُمَا: بِنَاؤُهُ عَلَى الْخِلَافِ فِي مِلْكِهِ. فَإِنْ قُلْنَا: يَمْلِكُ، جَازَ تَسَرِّيهِ، وَإِلَّا فَلَا؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ بِغَيْرِ نِكَاحٍ وَلَا مِلْكِ يَمِينٍ: مُحَرَّمٌ، بِنَصِّ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَهِيَ طَرِيقَةُ الْقَاضِي، وَالْأَصْحَابِ بَعْدَهُ، قَالَهُ ابْنُ رَجَبٍ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالثَّانِي: يَجُوزُ تَسَرِّيهِ عَلَى كِلَا الرِّوَايَتَيْنِ. وَهِيَ طَرِيقَةُ الْخِرَقِيِّ، وَأَبِي بَكْرٍ، وَابْنِ أَبِي مُوسَى، وَأَبِي إِسْحَاقَ بْنِ شَاقِلَا، ذَكَرَهُ عَنْهُ فِي الْوَاضِحِ، وَرَجَّحَهَا الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي، قَالَ ابْنُ رَجَبٍ: وَهِيَ أَصَحُّ، وَحَرَّرَهَا فِي فَوَائِدِهِ، وَتَأْتِي هَذِهِ الْفَائِدَةُ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي آخِرِ بَابِ نَفَقَةِ الْأَقَارِبِ وَالْمَمَالِيكِ، فِي قَوْلِهِ " وَلِلْعَبْدِ أَنْ يَتَسَرَّى بِإِذْنِ سَيِّدِهِ " بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا، وَمِنْهَا: لَوْ بَاعَ السَّيِّدُ عَبْدَهُ نَفْسَهُ بِمَالٍ فِي يَدِهِ، فَهَلْ يُعْتَقُ؟ وَالْمَنْصُوصُ: أَنَّهُ
يُعْتَقُ بِذَلِكَ، وَذَكَرَهُ الْقَاضِي مَعَ قَوْلِهِ " إنَّ الْعَبْدَ لَا يَمْلِكُ " وَقَوْلُ الْقَاضِي عَلَى الْقَوْلِ بِالْمِلْكِ، وَمِنْهَا: إذَا أَعْتَقَهُ سَيِّدُهُ وَلَهُ مَالٌ، فَهَلْ يَسْتَقِرُّ مِلْكُهُ لِلْعَبْدِ أَمْ يَكُونُ لِلسَّيِّدِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، فَمِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ بَنَاهَا عَلَى الْقَوْلِ بِالْمِلْكِ وَعَدَمِهِ، فَإِنْ قُلْنَا: يَمْلِكُهُ اسْتَقَرَّ مِلْكُهُ عَلَيْهِ بِالْعِتْقِ، وَإِلَّا فَلَا، وَهِيَ طَرِيقَةُ أَبِي بَكْرٍ، وَالْقَاضِي فِي خِلَافِهِ، وَالْمَجْدُ، وَمِنْهُمْ: مَنْ جَعَلَ الرِّوَايَتَيْنِ عَلَى الْقَوْلِ بِالْمِلْكِ. وَمِنْهَا: لَوْ اشْتَرَى الْعَبْدُ زَوْجَتَهُ الْأَمَةَ بِمَالِهِ، فَإِنْ قُلْنَا: يَمْلِكُ، انْفَسَخَ نِكَاحُهُ، وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَمْلِكُ، لَمْ يَنْفَسِخْ، وَمِنْهَا: لَوْ مَلَّكَهُ سَيِّدُهُ أَمَةً فَاسْتَوْلَدَهَا، فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَمْلِكُ، فَالْوَلَدُ مِلْكُ السَّيِّدِ، وَإِنْ قُلْنَا: يَمْلِكُ، فَالْوَلَدُ مَمْلُوكُ الْعَبْدِ، لَكِنَّهُ لَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ، حَتَّى يُعْتَقَ فَإِذَا أُعْتِقَ وَلَمْ يَنْزِعْهُ مِنْهُ قَبْلَ عِتْقِهِ عَتَقَ عَلَيْهِ لِتَمَامِ مِلْكِهِ حِينَئِذٍ. ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ. وَمِنْهَا: هَلْ يَنْفُذُ تَصَرُّفُ السَّيِّدِ فِي مَالِ الْعَبْدِ دُونَ اسْتِرْجَاعِهِ؟ فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَمْلِكُ، صَحَّ بِغَيْرِ إشْكَالٍ، وَإِنْ قُلْنَا: يَمْلِكُ، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: أَنَّهُ يَنْفُذُ عِتْقُ السَّيِّدِ رَقِيقَ عَبْدِهِ، قَالَ الْقَاضِي: فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ رَجَعَ فِيهِ قَبْلَ عِتْقِهِ، قَالَ: وَإِنْ حُمِلَ عَلَى ظَاهِرِهِ، فَلِأَنَّ عِتْقَهُ يَتَضَمَّن الرُّجُوعَ فِي التَّمْلِيكِ، وَمِنْهَا: لَوْ وَقَفَ عَلَيْهِ. فَنَصَّ أَحْمَدُ: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ، فَقِيلَ: ذَلِكَ يَتَفَرَّعُ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ، فَأَمَّا إنْ قِيلَ: إنَّهُ يَمْلِكُ، فَيَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَيْهِ كَالْمُكَاتَبِ فِي أَظْهَرِ الْوَجْهَيْنِ، وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَيْهِ، عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ لِضَعْفِ مِلْكِهِ [وَيَأْتِي فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي أَوَّلِ الْوَقْفِ] . وَمِنْهَا: وَصِيَّةُ السَّيِّدِ لِعَبْدِهِ بِشَيْءٍ مِنْ مَالِهِ، فَإِنْ كَانَ بِجُزْءٍ مُشَاعٍ مِنْهُ: صَحَّ وَعَتَقَ مِنْ الْعَبْدِ بِنِسْبَةِ ذَلِكَ الْجُزْءِ، لِدُخُولِهِ فِي عُمُومِ الْمَالِ، وَيَكْمُلُ عِتْقُهُ مِنْ بَقِيَّةِ
الْوَصِيَّةِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَفِي تَعْلِيلِهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ. ذَكَرَهَا ابْنُ رَجَبٍ فِي فَوَائِدِ قَوَاعِدِهِ، وَعَنْهُ: لَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لِمُعَيَّنٍ، وَمِنْهَا: ذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ: وَإِنْ كَانَتْ الْوَصِيَّةُ بِجُزْءٍ مُعَيَّنٍ، أَوْ مُقَدَّرٍ، فَفِي صِحَّةِ الْوَصِيَّةِ رِوَايَتَانِ، أَشْهَرُهُمَا: عَدَمُ الصِّحَّةِ. فَمِنْ الْأَصْحَابِ: مَنْ بَنَاهُمَا عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ هَلْ يَتَمَلَّكُ أَمْ لَا؟ وَهُمَا طَرِيقَةُ ابْنِ أَبِي مُوسَى، وَالشِّيرَازِيِّ، وَابْنِ عَقِيلٍ، وَغَيْرِهِمْ، وَأَشَارَ إلَيْهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَ الصِّحَّةَ عَلَى أَنَّ لِلْوَصِيَّةِ لِقَدْرٍ [مِنْ] الْعَيْنِ، أَوْ لِقَدْرٍ مِنْ التَّرِكَةِ لَا بِعَيْنِهِ، فَيَعُودُ إلَى الْحَقِّ الْمُشَاعِ. قَالَ ابْنُ رَجَبٍ: وَهُوَ بَعِيدٌ جِدًّا، وَيَأْتِي ذَلِكَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، فِي بَابِ الْمُوصَى لَهُ بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا، وَمِنْهَا: لَوْ غَزَا الْعَبْدُ عَلَى فَرَسٍ مَلَّكَهُ إيَّاهُ سَيِّدُهُ، فَإِنْ قُلْنَا: يَمْلِكُهَا الْعَبْدُ لَمْ يُسْهَمْ لَهَا؛ لِأَنَّهَا تَبَعٌ لِمَالِكِهَا، فَيَرْضَخُ لَهَا، كَمَا يَرْضَخُ لَهُ. وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَمْلِكُهَا أَسْهَمَ لَهَا؛ لِأَنَّهَا لِسَيِّدِهِ، قَالَ ابْنُ رَجَبٍ، قَالَ الْأَصْحَابُ: وَالْمَنْصُوصُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: أَنَّهُ يُسْهِمُ لِفَرَسِ الْعَبْدِ. وَتَوَقَّفَ مَرَّةً أُخْرَى، وَلَا يُسْهِمُ لَهَا مُتَّحِدًا، وَمَوْضِعُ هَذِهِ الْفَوَائِدِ فِي كَلَامِ الْأَصْحَابِ، فِي آخِرِ بَابِ الْحَجْرِ فِي أَحْكَامِ الْعَبْدِ. تَنْبِيهٌ: هَلْ الْخِلَافُ فِي مِلْكِ الْعَبْدِ بِالتَّمْلِيكِ مُخْتَصٌّ بِتَمْلِيكِ سَيِّدِهِ أَمْ لَا؟ فَاخْتَارَ فِي التَّلْخِيصِ: أَنَّهُ مُخْتَصٌّ بِهِ، فَلَا يَمْلِكُ بِهِ مِنْ غَيْرِ جِهَتِهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَقَالَ فِي التَّلْخِيصِ: وَأَصْحَابُنَا لَمْ يُقَيِّدُوا الرِّوَايَتَيْنِ بِتَمْلِيكِ السَّيِّدِ، بَلْ ذَكَرُوهُمَا مُطْلَقًا فِي مِلْكِ الْعَبْدِ إذَا مَلَكَ، قُلْت: جَزَمَ بِهِ فِي الْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ، قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ: وَكَلَامُ الْأَكْثَرِينَ، يَدُلُّ عَلَى خِلَافِ مَا اخْتَارَهُ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ.
فَإِذَا عَلِمْت ذَلِكَ: فَيَتَفَرَّعُ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ مَسَائِلُ: مِنْهَا: اللُّقَطَةُ بَعْدَ الْحَوْلِ، قَالَ طَائِفَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ: تَنْبَنِي عَلَى رِوَايَتَيْ الْمِلْكِ وَعَدَمِهِ، جَعْلًا لِتَمْلِيكِ الشَّارِعِ كَتَمْلِيكِ السَّيِّدِ، مِنْهُمْ: صَاحِبُ الْمُسْتَوْعِبِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ أَبِي مُوسَى: أَنَّهُ يَمْلِكُ اللُّقَطَةَ، وَإِنْ لَمْ تُمْلَكْ بِتَمْلِيكِ سَيِّدِهِ، وَعِنْدَ صَاحِبِ التَّلْخِيصِ: لَا يَمْلِكُهَا بِغَيْرِ خِلَافٍ، كَذَلِكَ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُغْنِي، وَالْكَافِي، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْخُلَاصَةِ وَالْفَائِقِ، وَغَيْرِهِمْ: أَنَّهَا مِلْكٌ لِسَيِّدِهِ بِمُضِيِّ الْحَوْلِ، وَمِنْهَا: حِيَازَةُ الْمُبَاحَاتِ: مِنْ احْتِطَابٍ، أَوْ احْتِشَاشٍ، أَوْ اصْطِيَادٍ، أَوْ مَعْدِنٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، فَمِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ قَالَ: هُوَ مِلْكٌ لِسَيِّدِهِ دُونَهُ رِوَايَةً وَاحِدَةً، كَالْقَاضِي، وَابْنِ عَقِيلٍ لَكِنْ لَوْ أَذِنَ لَهُ السَّيِّدُ فِي ذَلِكَ فَهُوَ كَتَمْلِيكِهِ إيَّاهُ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ، وَخَرَّجَ طَائِفَةٌ الْمَسْأَلَةَ عَلَى الْخِلَافِ فِي مِلْكِ الْعَبْدِ وَعَدَمِهِ، مِنْهُمْ الْمَجْدُ. وَقَاسَهُ عَلَى اللُّقَطَةِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ عَقِيلٍ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، وَمِنْهَا: لَوْ أَوْصَى لِلْعَبْدِ، أَوْ وَهَبَ لَهُ، وَقَبِلَهُ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، أَوْ بِدُونِهِ إذَا أَجَزْنَا لَهُ ذَلِكَ عَلَى الْمَنْصُوصِ فَالْمَالُ لِلسَّيِّدِ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ، وَذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ، وَبَنَاهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ عَلَى الْخِلَافِ فِي مِلْكِ السَّيِّدِ، وَيَأْتِي أَيْضًا هَذَا فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي بَابِ الْمُوصَى لَهُ، وَمِنْهَا: لَوْ خَلَعَ الْعَبْدُ زَوْجَتَهُ بِعِوَضٍ فَهُوَ لِلسَّيِّدِ، ذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ. وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ عَقِيلٍ: بِنَاؤُهُ عَلَى الْخِلَافِ فِي مِلْكِ الْعَبْدِ، قَالَ ابْنُ رَجَبٍ: وَيُعَضِّدُهُ أَنَّ الْعَبْدَ هُنَا يَمْلِكُ الْبِضْعَ فَمَلَكَ عِوَضَهُ بِالْخُلْعِ لِأَنَّ مَنْ مَلَكَ شَيْئًا مَلَكَ عِوَضَهُ، فَأَمَّا مَهْرُ الْأَمَةِ: فَهُوَ لِلسَّيِّدِ، ذَكَرَ ذَلِكَ كُلَّهُ ابْنُ رَجَبٍ فِي الْفَائِدَةِ السَّابِعَةِ مِنْ قَوَاعِدِهِ بِأَبْسَطَ مِنْ هَذَا. فَائِدَةٌ: تَجِبُ الزَّكَاةُ عَلَى الْمُعْتَقِ بَعْضُهُ بِقَدْرِ مَا يَمْلِكُهُ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ (الثَّالِثُ: مِلْكُ نِصَابٍ، فَإِنْ نَقَصَ عَنْهُ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ نَقْصًا يَسِيرًا، كَالْحَبَّةِ وَالْحَبَّتَيْنِ) ، فَالنِّصَابُ تَقْرِيبٌ فِي النَّقْدَيْنِ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَذَهَبَ إلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ، قَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ [وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ] تَبَعًا لِلْمُصَنِّفِ فِي الْمُغْنِي، وَالْكَافِي، وَصَاحِبِ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَقَالَ: قَالَهُ غَيْرُ الْخِرَقِيِّ، قَالَ فِي الْفَائِقِ: وَلَوْ نَقَصَ النِّصَابُ مَا لَا يُضْبَطُ كَحَبَّةٍ وَحَبَّتَيْنِ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ، قَالَ فِي الْحَوَاشِي: قَالَهُ الْأَصْحَابُ، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْأَصْحَابِ: لَا يُعْتَبَرُ النَّقْصُ، كَالْحَبَّةِ وَالْحَبَّتَيْنِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي التَّلْخِيصِ، وَالنَّظْمِ وَعَنْهُ النِّصَابُ تَحْدِيدٌ، فَلَا زَكَاةَ فِيهِ، وَلَوْ كَانَ النَّقْصُ يَسِيرًا، قَالَ فِي الْمُبْهِجِ: هَذَا أَظْهَرُ وَأَصَحُّ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ. قَالَ فِي الشَّرْحِ: وَهُوَ ظَاهِرُ الْأَخْبَارِ، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُعْدَلَ عَنْهُ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي، إلَّا أَنَّهُ قَالَ: إلَّا أَنْ يَكُونَ نَقْصًا يَدْخُلُ فِي الْمَكَايِيلِ، كَالْأُوقِيَّةِ، وَنَحْوِهَا، فَلَا يُؤَثِّرُ وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَحَوَاشِيهِ وَالْكَافِي، وَالْمُقْنِعِ، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَعَنْهُ لَا يَضُرُّ النَّقْصَ، وَلَوْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ حَبَّتَيْنِ، وَعَنْهُ حَتَّى ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ وَنِصْفَ وَثُلُثَ مِثْقَالٍ، وَأَطْلَقَ فِي الْفَائِقِ فِي ثُلُثِ مِثْقَالٍ الرِّوَايَتَيْنِ، وَأَطْلَقَ ابْنُ تَمِيمٍ فِي الدَّانَقِ وَالدَّانَقَيْنِ الرِّوَايَتَيْنِ. وَقِيلَ: الدَّانَقُ وَالدَّانَقَانِ لَا يَمْنَعُ فِي الْفِضَّةِ، وَيَمْنَعُ فِي الذَّهَبِ، قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: هَذَا أَوْجَهُ، وَقِيلَ: يَضُرُّ النَّقْصُ الْيَسِيرُ فِي أَوَّلِ الْحَوْلِ أَوْ وَسَطِهِ، دُونَ آخِرَهُ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: لَا يُعْتَبَرُ النَّقْصُ الْيَسِيرُ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يُؤَثِّرُ نَقْصُ ثَمَنٍ، فِي رِوَايَةٍ اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ، وَفِي [أُخْرَى فِي] الْفِضَّةِ ثُلُثُ دِرْهَمٍ، وَفِي أُخْرَى فِي الذَّهَبِ نِصْفُ مِثْقَالٍ، وَلَا يُؤَثِّرُ الثُّلُثُ.
فَائِدَتَانِ: إحْدَاهُمَا: الصَّحِيحُ: أَنَّ نِصَابَ الزَّرْعِ وَالثَّمَرِ تَحْدِيدٌ، وَجَزَمَ بِهِ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ، وَالسَّامِرِيُّ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي، وَالْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، وَعَنْهُ نِصَابُ ذَلِكَ تَقْرِيبٌ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، فَعَلَى الْمَذْهَبِ: يُؤَثِّرُ نَحْوُ رَطْلَيْنِ وَمُدَّيْنِ، وَعَلَى الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ: لَا يُؤَثِّرُ، قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ، قَالَ: وَجَعَلَهُ فِي الرِّعَايَةِ مِنْ فَوَائِدِ الْخِلَافِ. الثَّانِيَةُ: لَا اعْتِبَارَ بِنَقْصٍ دَاخِلَ الْكَيْلِ، فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَجَزَمَ بِهِ الْأَئِمَّةُ، وَقِيلَ: يُعْتَبَرُ، وَقَالَ فِي التَّلْخِيصِ: إذَا نَقَصَ مَا لَوْ وُزِّعَ عَلَى الْخَمْسَةِ أَوْسُقٍ ظَهَرَ فِيهَا: سَقَطَتْ الزَّكَاةُ، وَإِلَّا فَلَا. قَوْلُهُ {وَتَجِبُ فِيمَا زَادَ عَلَى النِّصَابِ بِالْحِسَابِ، إلَّا فِي السَّاعَةِ} لَا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي وَقْصِ السَّائِمَةِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ بِهِ أَكْثَرُهُمْ، وَقِيلَ: تَجِبُ فِي وَقْصِهَا، اخْتَارَهُ الشِّيرَازِيُّ، فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ: لَوْ تَلِفَ بَعِيرٌ مِنْ تِسْعَةِ أَبْعِرَةٍ، أَوْ مَلَكَهُ قَبْلَ التَّمَكُّنِ إنْ اعْتَبَرْنَا التَّمَكُّنَ: سَقَطَ تِسْعُ شِيَاهٍ، وَلَوْ تَلِفَ مِنْ التِّسْعِ سِتَّةٌ زَكَّى الْبَاقِيَ ثُلُثَ شَاةٍ، وَلَوْ كَانَتْ مَغْصُوبَةً فَأَخَذَ مِنْهَا بَعِيرًا بَعْدَ الْحَوْلِ زَكَّاهُ بِتُسْعِ شَاةٍ.
وَلَوْ كَانَ بَعْضُهَا رَدِيئًا أَوْ صِغَارًا كَانَ الْوَاجِبُ وَسَطًا، وَيُخْرِجُ مِنْ الْأَعْلَى بِالْقِيمَةِ فَهَذِهِ أَرْبَعُ مَسَائِلَ مِنْ فَوَائِدِهِ، وَعَلَى الْمَذْهَبِ: يَجِبُ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى شَاةٌ، وَفِي الثَّانِيَةِ: ثَلَاثَةُ أَخْمَاسِهَا، وَفِي الثَّالِثَةِ: خُمُسُهَا، وَفِي الرَّابِعَةِ: يَتَعَلَّقُ الْوَاجِبُ بِالْخِيَارِ، وَيَتَعَلَّقُ الرَّدِيءُ بِالْوَقْصِ لِأَنَّهُ أَحَطُّ، وَاخْتَارَهُ أَبُو الْفَرَجِ أَيْضًا، وَمِنْ فَوَائِدِ الْخِلَافِ أَيْضًا: لَوْ تَلِفَ عِشْرُونَ بَعِيرًا مِنْ أَرْبَعِينَ قَبْلَ التَّمَكُّنِ، فَيَجِبُ عَلَى الْمَذْهَبِ: خَمْسَةُ أَتْسَاعِ بِنْتِ لَبُونٍ، وَعَلَى الثَّانِي: يَجِبُ نِصْفُ بِنْتِ لَبُونٍ وَعَلَى الْمَذْهَبِ: لَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ بِقَدْرِ الْوَقْصِ لَمْ يُؤَثِّرْ فِي وُجُوبِ الشَّاةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالنِّصَابِ، ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ، قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ. قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: وَفَوَائِدُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ. فَائِدَةٌ: قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فِي تَعَلُّقِ الْوُجُوبِ بِالزَّائِدِ عَلَى نِصَابِ السَّرِقَةِ احْتِمَالَانِ يَعْنِي أَنَّ الْقَطْعَ يَتَعَلَّقُ بِجَمِيعِ الْمَسْرُوقِ، أَوْ بِالنِّصَابِ مِنْهُ فَقَطْ، فَظَاهِرُ مَا قَطَعَ بِهِ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: أَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِالْجَمِيعِ، وَهِيَ نَظِيرُ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا. قَوْلُهُ {فَلَا زَكَاةَ فِي دَيْنِ الْكِتَابَةِ} هَذَا الْمَذْهَبُ، وَقَطَعَ بِهِ الْأَصْحَابُ؛ لِعَدَمِ اسْتِقْرَارِهَا، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلِهَذَا لَا يَصِحُّ ضَمَانُ دَيْنِ الْكِتَابَةِ، وَفِيهِ رِوَايَةٌ بِصِحَّةِ الضَّمَانِ، فَدَلَّ عَلَى الْخِلَافِ هُنَا. انْتَهَى. قَوْلُهُ {وَلَا فِي السَّائِمَةِ الْمَوْقُوفَةِ، وَلَا فِي حِصَّةِ الْمُضَارِبِ مِنْ الرِّبْحِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ فِيهِمَا} أَمَّا السَّائِمَةُ الْمَوْقُوفَةُ: فَإِنْ كَانَتْ عَلَى مُعَيَّنِينَ كَالْأَقَارِبِ وَنَحْوِهِمْ فَفِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيهَا وَجْهَانِ، وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ. أَحَدُهُمَا: تَجِبُ الزَّكَاةُ فِيهَا، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، نَصَّ عَلَيْهِ، قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَشَرْحِ الْمَجْدِ، وَالْفَائِقِ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَالنَّصُّ الْوُجُوبُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا زَكَاةَ فِيهَا قَدَّمَهُ فِي الشَّرْحِ، قَالَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ: الْوَجْهَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى مِلْكِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ وَعَدَمِهِ، وَجَزَمَ بِهِ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَعِنْدَ بَعْضِ الْأَصْحَابِ: الْوَجْهَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى رِوَايَةِ الْمِلْكِ فَقَطْ، قَالَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، فَعَلَى الْمَذْهَبِ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ عَيْنِهَا، لِمَنْعِ نَقْلِ الْمِلْكِ فِي الْوَقْفِ، فَيَخْرُجُ مِنْ غَيْرِهَا، قُلْت: فَيُعَايَى بِهَا، وَإِنْ كَانَتْ السَّائِمَةُ أَوْ غَيْرُهَا وَقْفًا عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ، أَوْ عَلَى الْمَسَاجِدِ وَالْمَدَارِسِ، وَالرُّبُطِ وَنَحْوِهَا، لَمْ تَجِبْ الزَّكَاةُ فِيهَا، وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ قَاطِبَةً، وَنَصَّ عَلَيْهِ، فَقَالَ فِي أَرْضٍ مَوْقُوفَةٍ عَلَى الْمَسَاكِينِ: لَا عُشْرَ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا كُلَّهَا تَصِيرُ إلَيْهِمْ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ خِلَافٌ. فَائِدَةٌ: لَوْ وَقَفَ أَرْضًا أَوْ شَجَرًا عَلَى مُعَيَّنٍ: وَجَبَتْ الزَّكَاةُ مُطْلَقًا فِي الْغَلَّةِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ لِجَوَازِ بَيْعِهَا، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ، وَجَزَمَ بِهِ الْخِرَقِيُّ، وَالتَّلْخِيصِ، وَابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَالْمُسْتَوْعِبِ وَقَالَ رِوَايَةً وَاحِدَةً وَغَيْرُهُمْ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. وَقِيلَ: تَجِبُ مَعَ غِنَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، دُونَ غَيْرِهِ، جَزَمَ بِهِ أَبُو الْفَرَجِ، وَالْحَلْوَانِيُّ، وَابْنُهُ، وَصَاحِبُ التَّبْصِرَةِ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَعَلَّهُ ظَاهِرُ مَا نَقَلَهُ عَلِيُّ بْنُ سَعِيدٍ وَغَيْرُهُ فَحَيْثُ قُلْنَا بِالْوُجُوبِ، فَإِنْ حَصَلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ نِصَابُ زَكَاةٍ، وَإِلَّا خَرَجَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي تَأْثِيرِ الْخَلْطِ فِي غَيْرِ السَّائِمَةِ، عَلَى مَا يَأْتِي. فَوَائِدُ: مِنْهَا: لَوْ أَوْصَى بِدَرَاهِمَ فِي وُجُوهِ الْبِرِّ، أَوْ لِيَشْتَرِيَ بِهَا مَا يُوقَفُ، فَاتَّجَرَ بِهِمَا الْوَصِيُّ: فَرِبْحُهُ مَعَ أَصْلِ الْمَالِ فِيمَا وَصَّى بِهِ، وَلَا زَكَاةَ فِيهِمَا، وَإِنْ خَسِرَ ضَمِنَ النَّقْصَ، نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَقِيلَ: رِبْحُهُ إرْثٌ.
وَقَالَ فِي الْمُؤَجَّرِ فِيمَنْ اتَّجَرَ بِمَالِ غَيْرِهِ إنْ رَبِحَ: لَهُ أُجْرَةُ مِثْلِهِ، وَيَأْتِي مَا إذَا بَنَى فِي الْمُوصَى بِوَقْفِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَقَبْلَ وَقْفِهِ: فِي كِتَابِ الْوَصَايَا فِي فَوَائِدِ مَا إذَا قَبِلَ الْوَصِيَّةَ بَعْدَ الْمَوْتِ مَتَى يَثْبُتُ لَهُ الْمِلْكُ. وَمِنْهَا: الْمَالُ الْمُوصَى بِهِ يُزَكِّيهِ مَنْ حَالَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ عَلَى مِلْكِهِ، وَمِنْهَا: لَوْ وَصَّى بِنَفْعِ نِصَابِ سَائِمَةٍ: زَكَّاهَا مَالِكُ الْأَصْلِ قَالَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَتَابَعَهُ فِي الْفُرُوعِ: وَيُحْتَمَلُ لَا زَكَاةَ إنْ وَصَّى بِهَا أَبَدًا، فَيُعَايَى بِهَا، وَأَمَّا حِصَّةُ الْمُضَارِبِ مِنْ الرِّبْحِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ: فَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيهَا وَجْهَيْنِ [وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفَائِقِ] وَقَالَ: إنَّ حِصَّةَ الْمُضَارِبِ مِنْ الرِّبْحِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ لَا تَخْلُو، إمَّا أَنْ نَقُولَ: لَا يَمْلِكُهَا بِالظُّهُورِ أَوْ يَمْلِكُهَا، فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَمْلِكُهَا بِالظُّهُورِ فَلَا زَكَاةَ فِيهَا، وَلَا يَنْعَقِدُ عَلَيْهَا الْحَوْلُ حَتَّى تُقْسَمَ، وَإِنْ قُلْنَا: تُمْلَكُ بِمُجَرَّدِ الظُّهُورِ فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: لَا تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ أَيْضًا، وَلَا يَنْعَقِدُ عَلَيْهَا الْحَوْلُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ، وَابْنُ أَبِي مُوسَى، وَالْقَاضِي، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْخِلَافِ وَالْمُجَرَّدِ، وَذَكَرَهُ فِي الْوَسِيلَةِ ظَاهِرَ الْمَذْهَبِ، وَاخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ، وَصَحَّحَهُ فِي تَصْحِيحِ الْمُحَرَّرِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الشَّرْحِ، وَالْفُرُوعِ، وَالْحَوَاشِي، وَغَيْرِهِمْ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي: تَجِبُ الزَّكَاةُ فِيهَا، وَيَنْعَقِدُ عَلَيْهَا الْحَوْلُ، اخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُذْهَبِ، وَشَرْحِ الْمَجْدِ وَغَيْرِهِ، وَالْفَائِقِ، وَقَالَ فِي الْفَائِقِ بَعْدَ إطْلَاقِ الْوَجْهَيْنِ وَالْمُخْتَارُ وُجُوبُهَا بَعْدَ الْمُحَاسَبَةِ. فَعَلَى الْقَوْلِ بِالْوُجُوبِ: يُعْتَبَرُ بُلُوغُ حِصَّتِهِ نِصَابًا، فَإِنْ كَانَتْ دُونَهُ انْبَنَى عَلَى الْخُلْطَةِ فِيهِ، عَلَى مَا يَأْتِي، وَلَا يَلْزَمُهُ إخْرَاجُهَا قَبْلَ الْقَبْضِ كَالدَّيْنِ، وَلَا يَجُوزُ إخْرَاجُهَا مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ بِلَا إذْنٍ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ.
قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ: وَأَمَّا حَقُّ رَبِّ الْمَالِ: فَلَيْسَ لِلْمُضَارِبِ تَزْكِيَتُهُ بِدُونِ إذْنِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْآجُرِّيِّ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَصِيرَ الْمُضَارِبُ شَرِيكًا، فَيَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ سَائِرِ الْخُلَطَاءِ، وَقِيلَ: يَجُوزُ؛ لِدُخُولِهِمَا عَلَى حُكْمِ الْإِسْلَامِ، وَمِنْ حُكْمِهِ: وُجُوبُ الزَّكَاةِ وَإِخْرَاجُهَا مِنْ الْمَالِ، صَحَّحَهُ صَاحِبُ الْمُسْتَوْعِبِ، وَالْمُحَرَّرِ أَطْلَقَهُمَا فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْفَائِقِ. فَائِدَةٌ: يَلْزَمُ رَبَّ الْمَالِ زَكَاةُ رَأْسِ مَالِهِ مَعَ حِصَّتِهِ مِنْ الرِّبْحِ، وَيَنْعَقِدُ عَلَيْهَا الْحَوْلُ بِالظُّهُورِ، نَصَّ عَلَيْهِ زَادَ بَعْضُهُمْ: فِي أَظْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ سَهْوٌ، وَقِيلَ: قَبْضِهَا، وَفِيهِ احْتِمَالٌ، وَيُحْتَمَلُ سُقُوطُهَا قَبْلَهُ لِتَزَلْزُلِهَا. انْتَهَى. وَأَمَّا حِصَّةُ الْمُضَارِبِ إذَا قُلْنَا " لَا يَمْلِكُهَا بِالظُّهُورِ " فَلَا يَلْزَمُ رَبَّ الْمَالِ زَكَاتُهَا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي، وَالْأَكْثَرِينَ، وَاخْتَارَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَحَكَى أَبُو الْخَطَّابِ فِي انْتِصَارِهِ عَنْ الْقَاضِي: يَلْزَمُ رَبَّ الْمَالِ زَكَاتُهُ، إذَا قُلْنَا: لَا يَمْلِكُهُ الْعَامِلُ بِدُونِ الْقِسْمَةِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ فِي مَسْأَلَةِ الْمُزَارَعَةِ، وَحَكَاهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَجْهًا، وَصَحَّحَهُ وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ: وَهُوَ ضَعِيفٌ، قَالَ فِي الْحَوَاشِي: وَهُوَ بَعِيدٌ، وَقَدَّمَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، لَكِنْ اخْتَارَ الْأَوَّلَ. فَائِدَةٌ: لَوْ أَدَّاهَا رَبُّ الْمَالِ مِنْ غَيْرِ مَالِ الْمُضَارَبَةِ: فَرَأْسُ الْمَالِ بَاقٍ، وَإِنْ أَدَّاهَا مِنْهُ: حُسِبَ مِنْ الْمَالِ وَالرِّبْحِ، عَلَى الصَّحِيحِ [مِنْ الْمَذْهَبِ] قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقَالَ: ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَتَبِعَهُ صَاحِبُ الْمُسْتَوْعِبِ، وَالْمُحَرَّرِ وَغَيْرُهُمَا، فَيَنْقُصُ رُبْعُ عُشْرِ رَأْسِ الْمَالِ، وَقَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّارِحُ: يُحْسَبُ مِنْ الرِّبْحِ فَقَطْ، وَرَأْسُ الْمَالِ بَاقٍ، وَجَزَمَا بِهِ؛ لِأَنَّ الرِّبْحَ وِقَايَةٌ لِرَأْسِ الْمَالِ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَالْحَوَاشِي، وَقَالَ فِي الْكَافِي: هِيَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ. لِأَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ كَدَيْنِهِ، وَقِيلَ: إنْ قُلْنَا الزَّكَاةُ فِي الذِّمَّةِ: فَمِنْ الرِّبْحِ وَرَأْسِ الْمَالِ، وَإِنْ قُلْنَا: فِي الْعَيْنِ، فَمِنْ الرِّبْحِ فَقَطْ.
قَوْلُهُ {وَمَنْ كَانَ لَهُ دَيْنٌ عَلَى مَلِيءٍ مِنْ صَدَاقٍ أَوْ غَيْرِهِ زَكَّاهُ إذَا قَبَضَهُ} هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَعَنْهُ لَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ، فَلَا يُزَكِّيهِ إذَا قَبَضَهُ، وَعَنْهُ يُزَكِّيهِ إذَا قَبَضَهُ، أَوْ قَبْلَ قَبْضِهِ، قَالَ فِي الْفَائِقِ: وَعَنْهُ يَلْزَمُهُ فِي الْحَالِ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ. تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ " عَلَى مَلِيءٍ " مِنْ شَرْطِهِ: أَنْ يَكُونَ بَاذِلًا. فَائِدَةٌ: الْحَوَالَةُ بِهِ وَالْإِبْرَاءُ مِنْهُ كَالْقَبْضِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: إنْ جُعِلَا وَفَاءً فَكَالْقَبْضِ، وَإِلَّا فَلَا. قَوْلُهُ {زَكَّاهُ إذَا قَبَضَهُ لِمَا مَضَى} يَعْنِي مِنْ الْأَحْوَالِ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ سَوَاءٌ قَصْد بِبَقَائِهِ الْفِرَارَ مِنْ الزَّكَاةِ أَوْ لَا وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِمْ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَعَنْهُ يُزَكِّيهِ لِسَنَةٍ وَاحِدَةٍ، بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ يُعْتَبَرُ لِوُجُوبِهَا إمْكَانُ الْأَدَاءِ، وَلَمْ يُوجَدْ فِيمَا مَضَى. فَوَائِدُ إحْدَاهَا: يُجْزِيهِ إخْرَاجُ زَكَاتِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ لِزَكَاةِ سِنِينَ، وَلَوْ وَقَعَ التَّعْجِيلُ لِأَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ لِقِيَامِ الْوُجُوبِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَجِبْ الْأَدَاءُ رُخْصَةً. الثَّانِيَةُ: لَوْ مَلَكَ مِائَةً نَقْدًا، وَمِائَةً مُؤَجَّلَةً: زَكَّى النَّقْدَ لِتَمَامِ حَوْلِهِ، وَزَكَّى الْمُؤَجَّلَ إذَا قَبَضَهُ. الثَّالِثَةُ: حَوْلُ الصَّدَاقِ: مِنْ حِينِ الْعَقْدِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، عَيْنًا كَانَ أَوْ دَيْنًا، مُسْتَقِرًّا كَانَ أَوْ لَا، نَصَّ عَلَيْهِ كَذَا عِوَضُ الْخُلْعِ وَالْأُجْرَةِ، وَعَنْهُ ابْتِدَاءُ حَوْلِهِ مِنْ حِينِ الْقَبْضِ لَا قَبْلَهُ.
وَعَنْهُ لَا زَكَاةَ فِي الصَّدَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ حَتَّى يُقْبَضَ، فَيَثْبُتُ الِانْعِقَادُ وَالْوُجُوبُ قَبْلَ الْحَوْلِ، قَالَ الْمَجْدُ: بِالْإِجْمَاعِ، مَعَ احْتِمَالِ الِانْفِسَاخِ، وَعَنْهُ تَمْلِكُ قَبْلَ الدُّخُولِ نِصْفَ الصَّدَاقِ، وَكَذَا الْحُكْمُ خِلَافًا وَمَذْهَبًا فِي اعْتِبَارِ الْقَبْضِ فِي كُلِّ دَيْنٍ، إذَا كَانَ فِي غَيْرِ مُقَابَلَةِ مَالٍ، أَوْ مَالٌ زَكَوِيٌّ عِنْدَ الْكُلِّ، كَمُوصًى بِهِ، وَمَوْرُوثٍ، وَثَمَنِ مَسْكَنٍ، وَعَنْهُ لَا حَوْلَ لِأُجْرَةٍ، فَيُزَكِّيهِ فِي الْحَالِ كَالْمَعْدِنِ، اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، وَقَيَّدَهَا بَعْضُ الْأَصْحَابِ بِأُجْرَةِ الْعَقَارِ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ أَيْضًا نَظَرًا إلَى كَوْنِهَا غَلَّةَ أَرْضٍ مَمْلُوكَةٍ لَهُ، وَعَنْهُ أَيْضًا لَا حَوْلَ لِمُسْتَفَادٍ، وَذَكَرَهَا أَبُو الْمَعَالِي فِيمَنْ بَاعَ سَمَكًا صَادَهُ بِنِصَابِ زَكَاةٍ فَعَلَى الْأَوَّلِ: لَا يَلْزَمُهُ الْإِخْرَاجُ قَبْلَ الْقَبْضِ. الرَّابِعَةُ: لَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ، فَلَا زَكَاةَ لِاشْتِرَاطِ السَّوْمِ فِيهَا، فَإِنْ عُيِّنَتْ زُكِّيَتْ كَغَيْرِهَا، وَكَذَا الدِّيَةُ الْوَاجِبَةُ لَا تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ، لِأَنَّهَا لَمْ تَتَعَيَّنْ مَالًا زَكَوِيًّا؛ لِأَنَّ الْإِبِلَ فِي الذِّمَّةِ فِيهَا أَصْلٌ أَوْ أَحَدُهَا. تَنْبِيهٌ: شَمِلَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ " مِنْ صَدَاقٍ أَوْ غَيْرِهِ " الْقَرْضَ، وَدَيْنَ عُرُوضِ التِّجَارَةِ، وَكَذَا الْمَبِيعُ قَبْلَ الْقَبْضِ، جَزَمَ بِهِ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ، فَيُزَكِّيهِ الْمُشْتَرِي، وَلَوْ زَالَ مِلْكُهُ عَنْهُ، أَوْ زَالَ، أَوْ انْفَسَخَ الْعَقْدُ، بِتَلَفِ مَطْعُومٍ قَبْلَ قَبْضِهِ. وَيُزَكَّى الْمَبِيعُ بِشَرْطِ الْخِيَارِ، أَوْ فِي خِيَارِ الْمَجْلِسِ مَنْ حُكِمَ لَهُ بِمِلْكِهِ، وَلَوْ فَسَخَ الْعَقْدَ. وَيُزَكَّى أَيْضًا دَيْنُ السَّلَمِ إنْ كَانَ لِلتِّجَارَةِ، وَلَمْ يَكُنْ أَثْمَانًا. وَيُزَكَّى أَيْضًا ثَمَنُ الْمَبِيعِ وَرَأْسُ مَالِ السَّلَمِ قَبْلَ قَبْضِ عِوَضِهِمْ، وَلَوْ انْفَسَخَ الْعَقْدُ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: جَزَمَ بِذَلِكَ جَمَاعَةٌ وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَإِنَّمَا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي مِلْكٍ تَامٍّ مَقْبُوضٍ، وَعَنْهُ أَوْ مُمَيَّزٍ لَمْ يُقْبَضْ ثُمَّ قَالَ قُلْت: وَفِيمَا صَحَّ تَصَرُّفُ رَبِّهِ فِيهِ قَبْلَ قَبْضِهِ أَوْ ضَمِنَهُ بِتَلَفِهِ، وَفِي ثَمَنِ الْمَبِيعِ، وَرَأْسِ مَالِ الْمُسْلِمِ قَبْلَ قَبْضِ عِوَضِهِمَا،
وَدَيْنُ السَّلَمِ إنْ كَانَ لِلتِّجَارَةِ، وَلَمْ يَكُنْ أَثْمَانًا، وَفِي الْمَبِيعِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ قَبْل الْقَبْضِ رِوَايَتَانِ. وَلِلْبَائِعِ إخْرَاجُ زَكَاةِ مَبِيعٍ فِيهِ خِيَارٌ مِنْهُ، فَيَبْطُلُ الْبَيْعُ فِي قَدْرِهِ، وَفِي قِيمَتِهِ رِوَايَتَا تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ، وَفِي أَيِّهِمَا تُقْبَلُ. قَوْلُهُ {وَفِي قِيمَةِ الْمُخْرَجِ وَجْهَانِ} وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ قُلْت: الصَّوَابُ قَوْلُ الْمُخْرَجِ، فَأَمَّا مَبِيعٌ غَيْرُ مُتَعَيَّنٍ وَلَا مُتَمَيِّزٍ فَيُزَكِّيهِ الْبَائِعُ. الْخَامِسَةُ: كُلُّ دَيْنٍ سَقَطَ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَلَمْ يَتَعَوَّضْ عَنْهُ: تَسْقُطُ زَكَاتُهُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: هَلْ يُزَكِّيهِ مَنْ سَقَطَ عَنْهُ؟ يُخَرَّجُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَإِنْ أَسْقَطَهُ رَبُّهُ زَكَاةٌ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، كَالْإِبْرَاءِ مِنْ الصَّدَاقِ وَنَحْوِهِ، وَقِيلَ: يُزَكِّيهِ الْمُبَرَّأُ مِنْ الدَّيْنِ، لِأَنَّهُ مُلِكَ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: لَا زَكَاةَ عَلَيْهِمَا. وَهُوَ احْتِمَالٌ فِي الْكَافِي، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، وَإِنْ أَخَذَ رَبُّهُ عِوَضًا، أَوْ أَحَالَ أَوْ احْتَالَ زَادَ بَعْضُهُمْ، وَقُلْنَا: الْحَوَالَةُ وَفَاءٌ زَكَّاهُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، كَعَيْنٍ وَهَبَهَا، وَعَنْهُ زَكَاةُ التَّعْوِيضِ عَلَى الدَّيْنِ، وَقِيلَ فِي ذَلِكَ، وَفِي الْإِبْرَاءِ يُزَكِّيهِ رَبُّهُ إنْ قَدَرَ وَإِلَّا الْمَدِينَ. السَّادِسَةُ: الصَّدَاقُ فِي هَذِهِ الْأَحْكَامِ كَالدَّيْنِ فِيمَا تَقَدَّمَ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: سُقُوطُهُ كُلُّهُ لِانْفِسَاخِ النِّكَاحِ مِنْ جِهَتِهَا كَإِسْقَاطِهَا، وَإِنْ زَكَّتْ صَدَاقَهَا، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَقِيلَ لَا يَنْعَقِدُ الْحَوْلُ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ فِيهِ غَيْرُ تَامٍّ، وَقِيلَ: مَحَلُّ الْخِلَافِ فِيمَا قَبْلَ الدُّخُولِ، هَذَا إذَا كَانَ فِي الذِّمَّةِ، أَمَّا إنْ كَانَ مُعَيَّنًا فَإِنَّ الْحَوْلَ يَنْعَقِدُ مِنْ حِينِ الْمِلْكِ، نَصَّ عَلَيْهِ. انْتَهَى
وَإِنْ زَكَّتْ صَدَاقَهَا كُلَّهُ، ثُمَّ تَنَصَّفَ بِطَلَاقٍ: رَجَعَ فِيمَا بَقِيَ بِكُلِّ حَقِّهِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: إنْ كَانَ مِثْلِيًّا، وَإِلَّا فَقِيمَةُ حَقِّهِ، وَقِيلَ: يَرْجِعُ بِنِصْفِ مَا بَقِيَ، وَنِصْفِ بَدَلِ مَا أَخْرَجَتْ، وَقِيلَ: يُخَيَّرُ بَيْنَ ذَلِكَ وَنِصْفِ قِيمَةِ مَا أَصْدَقَهَا يَوْمَ الْعَقْدِ أَوْ مِثْلَهُ، وَلَا تُجْزِيهَا زَكَاتُهَا مِنْهُ بَعْدَ طَلَاقِهِ، لِأَنَّهُ مُشْتَرَكٌ، وَقِيلَ: بَلَى عَنْ حَقِّهَا، وَتَغْرَمُ لَهُ نِصْفَ مَا أَخْرَجَتْ، وَمَتَى لَمْ تُزَكِّهِ رَجَعَ بِنِصْفِهِ كَامِلًا، وَتُزَكِّيهِ هِيَ، فَإِنْ تَعَذَّرَ، فَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: يَتَوَجَّهُ لَا يَلْزَمُ الزَّوْجَ، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: يَلْزَمُهُ، وَيَرْجِعُ عَلَيْهَا إنْ تَعَلَّقَتْ بِالْعَيْنِ وَقِيلَ: أَوْ بِالذِّمَّةِ. [فَائِدَةٌ: لَوْ وَهَبَتْ الْمَرْأَةُ صَدَاقَهَا لِزَوْجِهَا: لَمْ تَسْقُطْ عَنْهَا الزَّكَاةُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، قَالَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ، وَعَنْهُ تَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ، وَفِي الْكَافِي احْتِمَالٌ بِعَدَمِ الْوُجُوبِ عَلَيْهَا] . قَوْلُهُ {وَفِي الدَّيْنِ عَلَى غَيْرِ الْمَلِيءِ، وَالْمُؤَجَّلِ، وَالْمَجْحُودِ، وَالْمَغْصُوبِ، وَالضَّائِعِ: رِوَايَتَانِ} ، وَكَذَا لَوْ كَانَ عَلَى مُمَاطِلٍ، أَوْ كَانَ الْمَالُ مَسْرُوقًا، أَوْ مَوْرُوثًا، أَوْ غَيْرَهُ جَهِلَهُ أَوْ جَهِلَ عِنْدَ مَنْ هُوَ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَالشَّرْحِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْمَذْهَبُ الْأَحْمَدُ، وَالْمُحَرَّرِ. إحْدَاهُمَا: كَالدِّينِ عَلَى الْمَلِيءِ فَتَجِبُ الزَّكَاةُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ إذَا قَبَضَهُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ، وَذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَالْمَجْدُ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَابْنُ الْجَوْزِيِّ، وَالْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَصَاحِبُ الْخُلَاصَةِ، وَتَصْحِيحِ الْمُحَرَّرِ، وَنَصَرَهَا أَبُو الْمَعَالِي، وَقَالَ: اخْتَارَهَا الْخِرَقِيُّ، وَأَبُو بَكْرٍ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِيضَاحِ، وَالْوَجِيزِ
وَجَزَمَ بِهِ جَمَاعَةٌ فِي الْمُؤَجَّلِ وِفَاقًا لِلْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ، لِصِحَّةِ الْحَوَالَةِ بِهِ وَالْإِبْرَاءِ. وَشَمِلَهُ كَلَامُ الْخِرَقِيِّ، وَقَطَعَ بِهِ فِي التَّلْخِيصِ، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَا زَكَاةَ فِيهِ بِحَالٍ، صَحَّحَهَا فِي التَّلْخِيصِ وَغَيْرِهِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْعُمْدَةِ فِي غَيْرِ الْمُؤَجَّلِ [وَرَجَّحَهَا بَعْضُهُمْ] وَاخْتَارَهَا ابْنُ شِهَابٍ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَالْفَائِقُ. وَقِيلَ: تَجِبُ فِي الْمَدْفُونِ فِي دَارِهِ، وَفِي الدَّيْنِ عَلَى الْمُعْسِرِ وَالْمُمَاطِلِ، وَجَزَمَ فِي الْكَافِي بِوُجُوبِهَا فِي وَدِيعَةٍ جَهِلَ عِنْدَ مَنْ هِيَ، وَعَلَيْهِ: مَا لَا يُؤْمَلُ رُجُوعُهُ: كَالْمَسْرُوقِ، وَالْمَغْصُوبِ، وَالْمَجْحُودِ: لَا زَكَاةَ فِيهِ. وَمَا يُؤْمَلُ رُجُوعُهُ كَالدَّيْنِ، عَلَى الْمُفْلِسِ: أَوْ الْغَائِبُ الْمُنْقَطِعُ خَبَرُهُ فِيهِ الزَّكَاةُ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: هَذِهِ أَقْرَبُ، وَعَنْهُ إنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ يُؤَدِّي زَكَاتَهُ، فَلَا زَكَاةَ عَلَى رَبِّهِ، وَإِلَّا فَعَلَيْهِ الزَّكَاةُ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْمَجْحُودِ، ذَكَرَهُمَا الزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُ فَعَلَى الْمَذْهَبِ: يُزَكِّي ذَلِكَ كُلَّهُ إذَا قَبَضَهُ لِمَا مَضَى مِنْ السِّنِينَ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَجَزَمُوا بِهِ، وَقَالَ أَبُو الْفَرَجِ فِي الْمُبْهِجِ: إذَا قُلْنَا تَجِبُ فِي الدَّيْنِ وَقَبَضَهُ، فَهَلْ يُزَكِّيهِ لِمَا مَضَى أَمْ لَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ ذَلِكَ فِي بَقِيَّةِ الصُّوَرِ. تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ " الْمَجْحُودُ " يَعْنِي سَوَاءً كَانَ مَجْحُودًا بَاطِنًا أَوْ ظَاهِرًا أَوْ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا هَذَا الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ، وَقَيَّدَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ بِالْمَجْحُودِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: ظَاهِرًا. فَوَائِدُ: مِنْهَا: لَوْ كَانَ بِالْمَجْحُودِ بَيِّنَةٌ، وَقُلْنَا: لَا تَجِبُ فِي الْمَجْحُودِ، فَفِيهِ هُنَا وَجْهَانِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ [وَابْنُ تَمِيمٍ، وَقَالَ: ذَكَرَهُمَا الْقَاضِي] .
أَحَدُهُمَا: تَجِبُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، جَزَمَ بِهِ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفَائِقِ [وَالرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِيَيْنِ] . الثَّانِي: لَا تَجِبُ. وَمِنْهَا: لَوْ وَجَبَتْ فِي نِصَابٍ بَعْضُهُ دَيْنٌ عَلَى مُعْسِرٍ، أَوْ غَصْبٌ أَوْ ضَالٌّ وَنَحْوُهُ، فَفِي وُجُوبِ إخْرَاجِ زَكَاةِ مَا بِيَدِهِ قَبْلَ قَبْضِ الدَّيْنِ وَالْغَصْبِ وَالضَّالِّ وَجْهَانِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ. أَحَدُهُمَا: يَجِبُ إخْرَاجُ زَكَاةِ مَا بِيَدِهِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا قَدَّمَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، فَلَوْ كَانَتْ إبِلًا خَمْسًا وَعِشْرِينَ، مِنْهَا خَمْسٌ مَغْصُوبَةٌ أَرْضًا أَخْرَجَ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسٍ بِنْتَ مَخَاضٍ. وَالثَّانِي: لَا يَجِبُ حَتَّى يَقْبِضَ ذَلِكَ، فَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ: لَوْ كَانَ الدَّيْنُ عَلَى مَلِيءٍ فَوَجْهَانِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، قُلْت: الصَّوَابُ وُجُوبُ الْإِخْرَاجِ، وَمِنْهَا: لَوْ قَبَضَ شَيْئًا مِنْ الدَّيْنِ، أَخْرَجَ زَكَاتَهُ وَلَوْ لَمْ يَبْلُغْ نِصَابًا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ، وَأَبِي طَالِبٍ، وَابْنِ مَنْصُورٍ، وَقَالَ: يُخْرِجُ زَكَاتَهُ بِالْحِسَابِ وَلَوْ أَنَّهُ دِرْهَمٌ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ. وَالْفَائِقِ وَغَيْرُهُمْ، وَقَالَ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ، وَابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ: لَا يَلْزَمُهُ مَا لَمْ يَكُنْ الْمَقْبُوضُ نِصَابًا، أَوْ يَصِيرُ مَا بِيَدِهِ مَا يُتَمِّمُ بِهِ نِصَابًا، وَمِنْهَا: يَرْجِعُ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ عَلَى الْغَاصِبِ بِالزَّكَاةِ لِنَقْصِهِ بِيَدِهِ كَتَلَفِهِ، وَمِنْهَا: لَوْ غُصِبَ رَبُّ الْمَالِ بِأَسْرٍ أَوْ حَبْسٍ، وَمُنِعَ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ: لَمْ تَسْقُطْ زَكَاتُهُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ؛ لِنُفُوذِ تَصَرُّفِهِ فِيهِ، وَقِيلَ: تَسْقُطُ. قَوْلُهُ {وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: وَاللُّقَطَةُ إذَا جَاءَ رَبُّهَا زَكَّاهَا لِلْحَوْلِ الَّذِي كَانَ الْمُلْتَقِطُ مَمْنُوعًا مِنْهَا} اللُّقَطَةُ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ بِهَا رَبُّهَا حُكْمُهَا حُكْمُ الْمَالِ الضَّائِعِ. عَلَى مَا تَقَدَّمَ خِلَافًا
وَمَذْهَبًا، وَعِنْدَ الْخِرَقِيِّ: أَنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ فِيهَا إذَا وَجَدَهَا رَبُّهَا لِحَوْلِ التَّعْرِيفِ، وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ " الْخِرَقِيُّ " تَأْكِيدًا لِوُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيمَا ذَكَرَهُ فَوَائِدَ إذَا مَلَكَ الْمُلْتَقِطُ اللُّقَطَةَ، بَعْدَ الْحَوْلِ، اسْتَقْبَلَ بِهَا حَوْلًا وَزَكَّاهَا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَجَزَمَ بِهِ الْخِرَقِيُّ وَغَيْرُهُ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ، وَقِيلَ: لَا يَلْزَمُهُ لِأَنَّهُ مَدِينٌ بِهَا. وَحُكِيَ عَنْ الْقَاضِي: لَا زَكَاةَ فِيهَا، نَظَرًا إلَى أَنَّهُ مَلَكَهَا مَضْمُونَةً عَلَيْهِ بِمِثْلِهَا، أَوْ قِيمَتِهَا، فَهِيَ دَيْنٌ عَلَيْهِ فِي الْحَقِيقَةِ. انْتَهَى. وَلِذَلِكَ، قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَكِنْ نَظَرًا إلَى عَدَمِ اسْتِقْرَارِ الْمِلْكِ فِيهَا. انْتَهَى. فَعَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي: لَوْ مَلَكَ قَدْرَ مَا يُقَابِلُ قَدْرَ عِوَضِهَا: زَكَّى عَلَى الصَّحِيحِ وَقِيلَ: لَا؛ لِعَدَمِ اسْتِقْرَارِ مِلْكِهِ لَهَا، وَتَقَدَّمَ كَلَامُ ابْنِ عَقِيلٍ. وَإِذَا مَلَكَهَا الْمُلْتَقِطُ وَزَكَّاهَا فَلَا زَكَاةَ إذَنْ عَلَى رَبِّهَا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَنْهُ بَلَى، وَهَلْ يُزَكِّيهَا رَبُّهَا حَوْلَ التَّعْرِيفِ أَوْ بَعْدَهُ، إذْ لَمَّا يَمْلِكُهَا الْمُلْتَقِطُ؟ فِيهِ الرِّوَايَتَانِ فِي الْمَالِ الضَّالِّ، وَإِنْ لَمْ يَمْلِكْ اللُّقَطَةَ وَقُلْنَا: لَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهَا لَمْ يَضْمَنْ حَتَّى يَخْتَارَ بِهَا الضَّمَانَ فَتَثْبُتُ حِينَئِذٍ فِي ذِمَّتِهِ كَدَيْنٍ تَجَدَّدَ، فَإِنْ أَخْرَجَ الْمُلْتَقِطُ زَكَاتَهَا عَلَيْهِ مِنْهَا ثُمَّ أَخَذَهَا رَبُّهَا، رَجَعَ عَلَيْهِ بِمَا أَخْرَجَ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ، إنْ قُلْنَا لَا يَلْزَمُ رَبَّهَا زَكَاتُهَا، قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: لِوُجُوبِهَا عَلَى الْمُلْتَقِطِ إذَنْ. قَوْلُهُ {وَلَا زَكَاةَ فِي مَالِ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ يُنْقِصُ النِّصَابَ} هَذَا الْمَذْهَبُ، إلَّا مَا اسْتَثْنَى، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَعَنْهُ لَا يَمْنَعُ الدَّيْنُ الزَّكَاةَ مُطْلَقًا، وَعَنْهُ يَمْنَعُ الدَّيْنُ الْحَالُّ خَاصَّةً، جَزَمَ بِهِ فِي الْإِرْشَادِ، وَغَيْرِهِ.
قَوْلُهُ (إلَّا فِي الْحُبُوبِ وَالْمَوَاشِي) ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفَائِقِ، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: يَمْنَعُ أَيْضًا، وَهِيَ الْمَذْهَبُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هَذَا اخْتِيَارُ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ، قَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: هَذَا الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ أَحْمَدَ، قُلْت: اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَالْقَاضِي، وَأَصْحَابُهُ، وَالْحَلْوَانِيُّ، وَابْنُ الْجَوْزِيِّ، وَصَاحِبُ الْفَائِقِ، وَغَيْرُهُمْ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْعُمْدَةِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالْفُرُوعِ، وَصَحَّحَهُ فِي تَصْحِيحِ الْمُحَرَّرِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الشَّرْحِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَعَنْهُ يَمْنَعُ مَا اسْتَدَانَهُ لِلنَّفَقَةِ عَلَى ذَلِكَ، أَوْ كَانَ ثَمَنُهُ، وَلَا يَمْنَعُ مَا اسْتَدَانَهُ لِمُؤْنَةِ نَفْسِهِ، أَوْ أَهْلِهِ، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: فَعَلَى رِوَايَةِ عَدَمِ الْمَنْعِ: مَا لَزِمَهُ مِنْ مُؤْنَةِ الزَّرْعِ مِنْ أُجْرَةِ حَصَادٍ، وَكِرَاءِ أَرْضٍ وَنَحْوِهِ يَمْنَعُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى، وَقَالَ: رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَتَبِعَهُ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ، وَحَكَى أَبُو الْبَرَكَاتِ رِوَايَةً: أَنَّ الدَّيْنَ لَا يَمْنَعُ فِي الظَّاهِرِ مُطْلَقًا، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لَمْ أَجِدْ بِهَا نَصًّا عَنْ أَحْمَدَ. انْتَهَى. وَعَنْهُ يَمْنَعُ خَلَا الْمَاشِيَةِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ. فَوَائِدُ: الْأُولَى: فِي الْأَمْوَالِ: ظَاهِرَةً، وَبَاطِنَةً، فَالظَّاهِرَةُ: مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ الْحُبُوبِ وَالْمَوَاشِي، وَكَذَا الثِّمَارُ، وَالْبَاطِنَةُ: كَالْأَثْمَانِ، وَقِيمَةِ عُرُوضِ التِّجَارَةِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ، وَقَالَ أَبُو الْفَرَجِ الشِّيرَازِيُّ: الْأَمْوَالُ الْبَاطِنَةُ: هِيَ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ فَقَطْ. انْتَهَى. وَهَلْ الْمَعْدِنُ مِنْ الْأَمْوَالِ الظَّاهِرَةِ، أَوْ الْبَاطِنَةِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ. أَحَدُهُمَا: هُوَ مِنْ الْأَمْوَالِ الظَّاهِرَةِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الشِّيرَازِيِّ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
الثَّانِي: هُوَ مِنْ الْأَمْوَالِ الْبَاطِنِيَّةِ قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ؛ لِأَنَّهُ أَشْبَهُ بِالْأَثْمَانِ، وَقِيمَةِ عُرُوضِ التِّجَارَةِ، قَالَ فِي الْمُغْنِي: الْأَمْوَالُ الظَّاهِرَةُ: السَّائِمَةُ وَالْحُبُوبُ، وَالثِّمَارُ، قَالَ فِي الْفَائِقِ وَالْمَنْعُ فِي الْمَعْدِنِ، وَقِيلَ: لَا. الثَّانِيَةُ: لَا يَمْنَعُ الدَّيْنُ خُمُسَ الزَّكَاةِ بِلَا نِزَاعٍ. الثَّالِثَةُ: لَوْ تَعَلَّقَ بِعَبْدِ تِجَارَةٍ أَرْشُ جِنَايَةٍ: مَنَعَ الزَّكَاةَ فِي قِيمَتِهِ، لِأَنَّهُ وَجَبَ جَبْرًا لَا مُوَاسَاةً، بِخِلَافِ الزَّكَاةِ، وَجَعَلَهُ بَعْضُهُمْ كَالدَّيْنِ، مِنْهُمْ صَاحِبُ الْفُرُوعِ فِي حَوَاشِيهِ. الرَّابِعَةُ: لَوْ كَانَ لَهُ عَرَضُ قُنْيَةٍ يُبَاعُ لَوْ أَفْلَسَ بَقِيَ بِمَا عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ جُعِلَ فِي مُقَابَلَةِ مَا عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ، وَزَكَّى مَا مَعَهُ مِنْ الْمَالِ، عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، قَالَ الْقَاضِي: هَذَا قِيَاسُ الْمَذْهَبِ، وَنَصَرَهُ أَبُو الْمَعَالِي، اعْتِبَارًا بِمَا فِيهِ الْحَظَّ لِلْمَسَاكِينِ، وَعَنْهُ يُفْعَلُ فِي مُقَابَلَةِ مَا مَعَهُ وَلَا يُزَكِّيهِ، صَحَّحَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَصَاحِبُ الْحَوَاشِي، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَشَرْحِ الْمَجْدِ، وَالْفَائِقِ، وَيَنْبَنِي عَلَى هَذَا الْخِلَافِ: مَا إذَا كَانَ بِيَدِهِ أَلْفٌ، وَلَهُ أَلْفُ دِينَارٍ عَلَى مَلِيءٍ، وَعَلَيْهِ مِثْلُهَا، فَإِنَّهُ يُزَكِّي مَا مَعَهُ عَلَى الْأُولَى لَا الثَّانِيَةِ، قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفَائِقِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ هُنَا جَعَلَ الدَّيْنَ مُقَابِلًا لِمَا فِي يَدِهِ، وَقَالُوا: نَصَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالُوا: أَوْ قِيلَ مُقَابِلًا لِلدَّيْنِ. الْخَامِسَةُ: لَوْ كَانَ لَهُ عَرَضُ تِجَارَةٍ بِقَدْرِ الدَّيْنِ الَّذِي عَلَيْهِ، وَمَعَهُ عَيْنٌ بِقَدْرِ الدَّيْنِ الَّذِي عَلَيْهِ، فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يُجْعَلُ الدَّيْنُ فِي مُقَابَلَةِ الْعَرَضِ، وَيُزَكِّي مَا مَعَهُ مِنْ الْعَيْنِ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ، وَأَبِي الْحَارِثِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْحَوَاشِي، وَابْنُ تَمِيمٍ.
وَقِيلَ: إنْ كَانَ فِيمَا مَعَهُ مِنْ الْمَالِ الزَّكَوِيِّ جِنْسَ الَّذِي جُعِلَ فِي مُقَابَلَتِهِ، وَحَكَاهُ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ رِوَايَةً، وَتَابَعَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَغَيْرِهِمْ، وَإِلَّا اُعْتُبِرَ الْأَحَظُّ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَقِيلَ: يُعْتَبَرُ الْأَحَظُّ لِلْفُقَرَاءِ مُطْلَقًا، فَمَنْ لَهُ مِائَتَا دِرْهَمٍ وَعَشَرَةُ دَنَانِيرَ، قِيمَتُهَا مِائَتَا دِرْهَمٍ جَعَلَ الدَّنَانِيرَ قُبَالَةَ دَيْنِهِ، وَزَكَّى مَا مَعَهُ، وَمَنْ لَهُ أَرْبَعُونَ شَاةً وَعَشَرَةُ أَبْعِرَةٍ، وَدَيْنُهُ قِيمَةُ أَحَدِهِمَا: جَعَلَ قُبَالَةَ دَيْنِهِ الْغَنَمَ وَزَكَّى شَاتَيْنِ. السَّادِسَةُ: دَيْنُ الْمَضْمُونِ عَنْهُ، يَمْنَعُ الزَّكَاةَ بِقَدْرِهِ فِي مَالِهِ، دُونَ الضَّامِنِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، خِلَافًا لِأَبِي الْمَعَالِي. السَّابِعَةُ: لَا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي الْمَالِ الَّذِي حَجَرَ عَلَيْهِ الْقَاضِي لِلْغُرَمَاءِ كَالْمَالِ الْمَغْصُوبِ تَشْبِيهًا لِلْمَنْعِ الشَّرْعِيِّ بِالْمَنْعِ الْحِسِّيِّ هَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَالْقَاضِي، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَقَالَ الْأَزَجِيُّ فِي النِّهَايَةِ: هَذَا بَعِيدٌ، بَلْ إلْحَاقُهُ بِمَالِ الدُّيُونِ أَقْرَبُ، اخْتَارَهُ أَبُو الْمَعَالِي، وَظَاهِرُ الْفُرُوعِ: إطْلَاقُ الْخِلَافِ، وَقِيلَ: إنْ كَانَ الْمَالُ سَائِمَةً زَكَّاهَا، لِحُصُولِ النَّمَاءِ وَالنِّتَاجِ مِنْ غَيْرِ تَصَرُّفٍ، بِخِلَافِ غَيْرِهَا، وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: إنْ قَضَى الْحَاكِمُ دُيُونَهُ مِنْ مَالِهِ، وَلَمْ يَفْضُلْ شَيْءٌ مِنْ مَالِهِ، فَهُوَ الَّذِي مَلَكَ نِصَابًا وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، قَالَ: وَإِنْ سَمَّى لِكُلِّ غَرِيمٍ بَعْضَ أَعْيَانِ مَالِهِ، فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ، مَعَ بَقَاءِ مِلْكِهِ، لِضَعْفِهِ بِتَسْلِيطِ الْحَاكِمِ لِغَرِيمِهِ عَلَى أَخْذِ حَقِّهِ. انْتَهَى. وَإِنْ حَجَر عَلَيْهِ بَعْدَ وُجُوبِهَا، لَمْ تَسْقُطْ الزَّكَاةُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: تَسْقُطُ إنْ كَانَ قَبْلَ تَمَكُّنِهِ مِنْ الْإِخْرَاجِ، قَالَ فِي الْحَوَاشِي، وَابْنُ تَمِيمٍ: وَهُوَ بَعِيدٌ، وَلَا يَمْلِكُ إخْرَاجَهَا مِنْ الْمَالِ لِانْقِطَاعِ تَصَرُّفِهِ، قَالَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَالْأَوْلَى: أَنْ يَمْلِكَ ذَلِكَ كَالرَّاهِنِ، وَهُمَا وَجْهَانِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، فَإِنَّهُ قَالَ: لَا يُقْبَلُ إقْرَارُهُ بِهَا، وَجَزَمَ بِهِ بَعْضُهُمْ، وَلَا يُقْبَلُ إقْرَارُ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ بِالزَّكَاةِ، وَتَتَعَلَّقُ بِذِمَّتِهِ كَدَيْنِ الْآدَمِيِّ، ذَكَرَهُ
الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَأَبُو الْمَعَالِي، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَعَنْهُ يُقْبَلُ كَمَا لَوْ صَدَّقَهُ الْغَرِيمُ، وَيَأْتِي زَكَاةُ الْمَرْهُونِ فِي فَوَائِدِ الْخِلَافِ الْآتِي آخِرَ الْبَابِ. قَوْلُهُ {وَالْكَفَّارَةُ كَالدَّيْنِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ} وَحَكَاهُمَا أَكْثَرُهُمْ رِوَايَتَيْنِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَالْفُرُوعِ، وَالْحَوَاشِي، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالْمُحَرَّرِ: إذَا لَمْ يَمْنَعْ دَيْنُ الْآدَمِيِّ الزَّكَاةَ، فَدَيْنُ اللَّهِ مِنْ الْكَفَّارَةِ وَالنَّذْرِ الْمُطْلَقِ، وَدَيْنِ الْحَجِّ وَنَحْوِهِ: لَا يَمْنَعُ بِطَرِيقِ أَوْلَى، وَإِنْ مَنَعَ الزَّكَاةَ، فَهَلْ يَمْنَعُ دَيْنَ اللَّهِ؟ فِيهِ الْخِلَافُ. أَحَدُهُمَا: هُوَ كَالدَّيْنِ [الَّذِي] لِلْآدَمِيِّ، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، صَحَّحَهُ الْمَجْدُ، وَابْنُ حَمْدَانَ فِي رِعَايَتِهِ. وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي وَأَتْبَاعِهِ، وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ الْبَنَّا فِي خِلَافِهِ فِي الْكَفَّارَةِ وَالْخَرَاجِ، وَقَالَ: نَصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ الَّذِي احْتَجَّ بِهِ الْقَاضِي فِي الْكَفَّارَةِ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَمْنَعُ وُجُوبَ الزَّكَاةِ. فَائِدَتَانِ: إحْدَاهُمَا: النَّذْرُ الْمُطْلَقُ، وَدَيْنُ الْحَجِّ وَنَحْوُهُ كَالْكَفَّارَةِ، كَمَا تَقَدَّمَ، وَقَالَ فِي الْمُحَرَّرِ: وَالْخَرَاجُ مِنْ دَيْنِ اللَّهِ، وَتَابَعَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَغَيْرِهِمْ، قَالَهُ الْقَاضِي، وَابْنُ الْبَنَّا، وَغَيْرُهُمَا، فَفِيهِ الْخِلَافُ فِي إلْحَاقِهِ بِدُيُونِ الْآدَمِيِّينَ، وَأَمَّا الْإِمَامُ أَحْمَدُ: فَقَدَّمَ الْخَرَاجَ عَلَى الزَّكَاةِ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: الْخَرَاجُ مُلْحَقٌ بِدُيُونِ الْآدَمِيِّينَ. وَالثَّانِي: لَوْ كَانَ الدَّيْنُ زَكَاةً، هَلْ يَمْنَعُ؟ عِنْدَ قَوَاعِدِ الْخِلَافِ [فِي الزَّكَاةِ هَلْ تَجِبُ] فِي الْمُعَيَّنِ، أَوْ فِي الذِّمَّةِ؟ . الثَّانِيَةُ: لَوْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِهَذَا، أَوْ هُوَ صَدَقَةٌ، فَحَال الْحَوْلُ: فَلَا زَكَاةَ فِيهِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: فِيهِ الزَّكَاةُ، فَقَالَ
فِي قَوْلِهِ " إنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي تَصَدَّقْت مِنْ هَاتَيْنِ الْمِائَتَيْنِ بِمِائَةٍ " فَشَفَى، ثُمَّ حَالَ الْحَوْلُ قَبْلَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهَا: وَجَبَتْ الزَّكَاةُ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: إنْ نَذَرَ التَّضْحِيَةَ بِنِصَابٍ مُعَيَّنٍ، وَقِيلَ: أَوْ قَالَ: جَعَلْته ضَحَايَا، فَلَا زَكَاةَ، وَيُحْتَمَلُ وُجُوبُهَا إذَا تَمَّ حَوْلُهُ قَبْلَهَا. انْتَهَى. وَلَوْ قَالَ " عَلَيَّ لِلَّهِ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِهَذَا النِّصَابِ إذَا حَالَ الْحَوْلُ " وَجَبَتْ الزَّكَاةُ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، اخْتَارَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَقِيلَ: هِيَ كَاَلَّتِي قَبْلَهَا، اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ [وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ، وَالْفُرُوعُ] فَعَلَى الْأَوَّلِ: تُجْزِئُهُ الزَّكَاةُ [مِنْهُ] عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ، وَيَبْرَأُ بِقَدْرِهَا مِنْ الزَّكَاةِ وَالنَّذْرِ إنْ نَوَاهُمَا مَعًا، لِكَوْنِ الزَّكَاةِ صَدَقَةً، وَكَذَا لَوْ نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِبَعْضِ النِّصَابِ هَلْ يُخْرِجُهُمَا، أَوْ يُدْخِلُ النَّذْرَ فِي الزَّكَاةِ وَيَنْوِيهِمَا؟ وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَجَبَتْ الزَّكَاةُ وَوَجَبَ إخْرَاجُهُمَا مَعًا، وَقِيلَ: يُدْخِلُ النَّذْرَ فِي الزَّكَاةِ وَيَنْوِيهِمَا مَعًا. انْتَهَى. قَوْلُهُ {الْخَامِسُ مُضِيُّ الْحَوْلِ: شَرْطٌ، إلَّا فِي الْخَارِجِ مِنْ الْأَرْضِ} فَيُشْتَرَطُ مُضِيُّ الْحَوْلِ فِي الْأَثْمَانِ وَالْمَاشِيَةِ. وَعُرُوضِ التِّجَارَةِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: اشْتِرَاطُ مُضِيِّ الْحَوْلِ كَامِلًا، وَهُوَ أَحَدُ الْوُجُوهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ وَالْقَاضِي، لَكِنْ ذَكَرَهُ إذَا كَانَ النَّقْصُ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يُعْفَى عَنْ سَاعَتَيْنِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ الْأَشْهَرُ، قُلْت: عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَقَدَّمَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: أَنَّهُ لَا يُؤَثِّرُ أَقَلُّ مِنْ مُعْظَمِ الْيَوْمِ. وَقَالَ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْفَائِقِ: وَلَا يُؤَثِّرُ نَقْصٌ دُونَ الْيَوْمِ، وَقِيلَ: يُعْفَى عَنْ نِصْفِ يَوْمٍ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يُعْفَى عَنْ يَوْمٍ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَصَحَّحَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ وَغَيْرِهِ، وَلَيْسَ كَمَا قَالَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ لَفْظُهُ، وَقِيلَ: يُعْفَى عَنْ يَوْمَيْنِ، وَقِيلَ: الْخَمْسَةُ وَالسَّبْعَةُ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ.
وَقَالَ فِي الرَّوْضَةِ: يُعْفَى عَنْ أَيَّامٍ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَإِمَّا أَنَّ مُرَادَهُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ لِقِلَّتِهَا، وَاعْتِبَارِهَا فِي مَوَاضِعَ، أَوْ مَا لَمْ يُعَدَّ كَثِيرًا عُرْفًا، وَقِيلَ: يُعْتَبَرُ طَرَفَا الْحَوْلِ خَاصَّةً فِي الْعُرُوضِ خَاصَّةً. قَوْلُهُ {فَإِذَا اسْتَفَادَ مَالًا فَلَا زَكَاةَ فِيهِ حَتَّى يَتِمَّ عَلَيْهِ الْحَوْلُ} ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ، إلَّا مَا اسْتَثْنَى، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمُسْتَفَادُ مِنْ جِنْسِ مَا يَمْلِكُهُ أَوْ لَا، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَحُكِيَ عَنْهُ رِوَايَةٌ فِي الْأُجْرَةِ: أَنَّهَا تَتْبَعُ الْمَالَ الَّذِي مِنْ جِنْسِهَا. فَائِدَةٌ: يُضَمُّ الْمُسْتَفَادُ إلَى نِصَابٍ بِيَدِهِ مِنْ جِنْسِهِ أَوْ فِي حُكْمِهِ، وَيُزَكَّى كُلُّ مَالٍ إذَا تَمَّ حَوْلُهُ، وَهَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: وَيُعْتَبَرُ النِّصَابُ فِي الْمُسْتَفَادِ أَيْضًا. قَوْلُهُ {إلَّا نِتَاجَ السَّائِمَةِ وَرِبْحَ التِّجَارَةِ، فَإِنَّ حَوْلَهُمَا حَوْلُ أَصْلِهِمَا إنْ كَانَ نِصَابًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نِصَابًا فَحَوْلُهُ مِنْ حِينِ كَمُلَ النِّصَابُ} هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَعَنْهُ حَوْلُهُ مِنْ حِينَ مَلَكَ الْأُمَّاتِ نَقَلَهَا حَنْبَلٌ وَقِيلَ: حَوْلُ النِّتَاجِ مُنْذُ كَمَّلَ أُمَّهَاتُهُ نِصَابًا، وَحَوْلُ أُمَّهَاتِهِ مُنْذُ مَلَكَهُنَّ، ذَكَرَهُ فِي الرِّعَايَةِ. وَوَجَّهَ فِي الْفُرُوعِ تَخْرِيجًا وَاحْتِمَالًا فِي رِبْحِ التِّجَارَةِ: أَنَّ حَوْلَهُ حَوْلُ أَصْلِهِ. قُلْت: قَالَ الزَّرْكَشِيُّ، وَقِيلَ عَنْهُ: إذَا كَمُلَ النِّصَابُ بِالرِّبْحِ، فَحَوْلُهُ مِنْ حِينَ مَلَكَ الْأَصْلَ كَالْمَاشِيَةِ فِي رِوَايَةٍ، فَعَلَى رِوَايَةِ حَنْبَلٍ: لَوْ أَبْدَلَ بَعْضَ نِصَابٍ بِنِصَابٍ مِنْ جِنْسِهِ، كَعِشْرِينَ شَاةً بِأَرْبَعِينَ: اُحْتُمِلَ أَنْ يَنْبَنِيَ عَلَى حَوْلِ الْأُولَى، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَبْتَدِئَ الْحَوْلَ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَهُمَا وَجْهَانِ مُطْلَقَانِ فِي مُخْتَصَرِ ابْنِ تَمِيمٍ، وَرِوَايَتَانِ مُطْلَقَتَانِ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، قُلْت: الصَّوَابُ الثَّانِي مِنْ الِاحْتِمَالَيْنِ.
قَوْلُهُ {وَإِنْ مَلَكَ نِصَابًا صِغَارًا: انْعَقَدَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ مِنْ حِينَ مَلَكَهُ} وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَعَنْهُ لَا يَنْعَقِدُ، حَتَّى يَبْلُغَ سِنًّا يُجْزِئُ مِثْلُهُ فِي الْوَاجِبِ، وَحَكَى ابْنُ تَمِيمٍ: أَنَّ الْقَاضِيَ قَالَ فِي شَرْحِهِ الصَّغِيرِ: تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي الْحِقَاقِ، وَفِي بَنَاتِ الْمَخَاضِ [وَاللَّبُونِ، بِنَاءً عَلَى أَصْلِ السِّخَالِ. وَنَقَلَ حَرْبٌ: لَا زَكَاةَ فِي بَنَاتِ الْمَخَاضِ] حَتَّى يَكُونَ فِيهَا كَبِيرَةٌ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ، فَعَلَى الْمَذْهَبِ: لَوْ تَغَذَّتْ بِاللَّبَنِ فَقَطْ لَمْ تَجِبْ لِعَدَمِ السَّوْمِ الْمُعْتَبَرِ، اخْتَارَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَقِيلَ: تَجِبُ لِوُجُوبِهَا فِيهِ تَبَعًا لِلْأُمَّاتِ. كَمَا تَتْبَعُهَا فِي الْحَوْلِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَهُمَا احْتِمَالَانِ ذَكَرَهُمَا ابْنُ عَقِيلٍ، وَعَلَى الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ: يَنْقَطِعُ مَا لَمْ يَبْقَ وَاحِدَةً مِنْ الْأُمَّاتِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ عَلَيْهَا. وَقِيلَ: يَنْقَطِعُ، مَا لَمْ يَبْقَ نِصَابٌ مِنْ الْأُمَّاتِ. قَوْلُهُ {وَمَتَى نَقَصَ النِّصَابُ فِي بَعْضِ الْحَوْلِ} انْقَطَعَ الْحَوْلُ هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، وَتَقَدَّمَ قَوْلٌ: بِأَنَّهُ لَوْ انْقَطَعَ فِي أَثْنَاءِ حَوْلِ عُرُوضِ التِّجَارَةِ كَانَ كَامِلًا فِي أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ: أَنَّهُ لَا يَضُرُّ. قَوْلُهُ {أَوْ بَاعَهُ، أَوْ أَبْدَلَهُ بِغَيْرِ جِنْسِهِ: انْقَطَعَ الْحَوْلُ} هَذَا الْمَذْهَبُ بِشَرْطِهِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَإِنْ أَبْدَلَهُ لَا بِمِثْلِهِ مِمَّا فِيهِ الزَّكَاةُ: انْقَطَعَ عَلَى الْأَصَحِّ قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ: وَخَرَّجَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي الِانْتِصَارِ رِوَايَةً بِالْبِنَاءِ فِي الْإِبْدَالِ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ مُطْلَقًا. فَائِدَتَانِ: إحْدَاهُمَا: لَا يَنْقَطِعُ الْحَوْلُ بِإِبْدَالِ نِصَابِ ذَهَبٍ بِفِضَّةٍ، أَوْ بِالْعَكْسِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مُسْتَثْنًى مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ أَطْلَقَ، وَفِيهِ رِوَايَةٌ مُخَرَّجَةٌ مِنْ عَدَمِ ضَمِّ أَحَدِهِمَا إلَى الْآخَرِ، وَإِخْرَاجِهِ عَنْهُ، قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ:
إبْدَالُ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ بِالْآخِرِ يَنْبَنِي عَلَى الضَّمِّ، قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ: فِيهِ رِوَايَتَانِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: طَرِيقَةُ أَبِي مُحَمَّدٍ، وَطَائِفَةٍ وَصَحَّحَهَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مَبْنِيَّةٌ عَلَى الضَّمِّ. وَطَرِيقَةُ الْقَاضِي وَجَمَاعَةٍ مِنْهُمْ الْمَجْدُ أَنَّ الْحَوْلَ لَا يَنْقَطِعُ مُطْلَقًا، وَإِنْ لَمْ نَقُلْ بِالضَّمِّ. تَنْبِيهٌ: حَيْثُ قُلْنَا " لَا يَنْقَطِعُ الْحَوْلُ " فَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ يُخْرِجُ مِمَّا مَلَكَهُ عِنْدَ وُجُوبِ الزَّكَاةِ، قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقَالَ الْقَاضِي وَتَبِعَهُ فِي شَرْحِ الْمُذْهَبِ يُخْرِجُ مِمَّا مَلَكَهُ أَكْثَرَ الْحَوْلِ، قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى مِثْلُهُ. الثَّانِيَةُ: لَا يَنْقَطِعُ الْحَوْلُ فِي أَمْوَالِ الصَّيَارِفَةِ لِئَلَّا يُفْضِيَ إلَى سُقُوطِهَا فِيمَا يَنْمُو، أَوْ وُجُوبُهَا فِي غَيْرِهِ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالْأُصُولُ تَقْتَضِي الْعَكْسَ، وَهَذَا أَيْضًا يَكُونُ مُسْتَثْنًى مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ. قَوْلُهُ {إلَّا أَنْ يَقْصِدَ بِذَلِكَ الْفِرَارَ مِنْ الزَّكَاةِ} ، الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ إذَا قُصِدَ بِالْبَيْعِ أَوْ الْهِبَةِ أَوْ الْإِتْلَافِ أَوْ نَحْوِهِ الْفِرَارُ مِنْ الزَّكَاةِ لَمْ تَسْقُطْ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ بِهِ أَكْثَرُهُمْ، وَقَالَ أَبُو يَعْلَى الصَّغِيرُ فِي مُفْرَدَاتِهِ، عَنْ بَعْضِ الْأَصْحَابِ: تَسْقُطُ الزَّكَاةُ بِالتَّحَيُّلِ. وِفَاقًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ كَمَا فِي بَعْدَ الْحَوْلِ الْأَوَّلِ، قُلْت: وَقَوَاعِدُ الْمَذْهَبِ وَأُصُولُهُ تَأْبَى ذَلِكَ، فَعَلَى الْمَذْهَبِ: اشْتَرَطَ الْمُصَنِّفُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عِنْدَ قُرْبِ وُجُوبِهَا، وَجَزَمَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ، مِنْهُمْ أَبُو الْخَطَّابِ فِي الْهِدَايَةِ، وَقَدَّمَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ وَغَيْرِهِمْ: عَدَمَ السُّقُوطِ إذَا فَعَلَهُ فَارًّا قِبَلَ الْحَوْلِ بِيَوْمَيْنِ أَوْ يَوْمٍ فَأَكْثَرَ، وَفِي كَلَامِ الْقَاضِي: بِيَوْمَيْنِ أَوْ يَوْمٍ، وَقِيلَ: بِشَهْرَيْنِ، حَكَاهُ فِي الرِّعَايَةِ وَغَيْرِهَا، وَقَدَّمَ فِي الْفُرُوعِ: أَنَّهُ مَتَى قَصَدَ بِذَلِكَ الْفِرَارَ مِنْ الزَّكَاةِ مُطْلَقًا لَمْ تَسْقُطْ. وَسَوَاءٌ كَانَ فِي أَوَّلِ الْحَوْلِ أَوْ وَسَطِهِ أَوْ آخِرِهِ، قَالَ: وَأَطْلَقَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، فَلِهَذَا
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ فِي الْخُلَاصَةِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، وَهُوَ الْغَالِبُ عَلَى كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَاخْتِيَارُ طَائِفَةٍ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ، كَابْنِ عَقِيلٍ، وَالْمَجْدِ وَغَيْرِهِمَا، وَذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ قَوْلًا، وَقَالَ فِي الْفَائِقِ: نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى وُجُوبِهَا فِيمَنْ بَاعَ قَبْلَ الْحَوْلِ بِنِصْفِ عَامٍ، قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَالصَّحِيحُ تَأْثِيرُ ذَلِكَ بَعْدَ مُضِيِّ أَكْثَرِ الْحَوْلِ، وَقَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ وَغَيْرُهُ: لَا أَوَّلَ الْحَوْلِ، لِنُدْرَتِهِ، وَفِي كَلَامِ الْقَاضِي: فِي أَوَّلِ الْحَوْلِ نَظَرٌ، وَقَالَ أَيْضًا: فِي أَوَّلِهِ وَوَسَطِهِ لَمْ يُوجَدْ لِرَبِّ الْمَالِ الْغَرَضُ، وَهُوَ التَّرَفُّهُ بِأَكْثَرِ الْحَوْلِ وَالنِّصَابِ، وَحُصُولُ النَّمَاءِ فِيهِ. فَائِدَتَانِ: إحْدَاهُمَا: يُزَكَّى مِنْ جِنْسِ الْمَبِيعِ لِذَلِكَ الْحَوْلِ فَقَطْ. إذَا قَصَدَ الْفِرَارَ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: إنْ أَبْدَلَهُ بِعَقَارٍ وَنَحْوِهِ وَجَبَتْ زَكَاةُ كُلِّ حَوْلٍ، وَسَأَلَهُ ابْنُ هَانِئٍ فِيمَنْ مَلَكَ نِصَابَ غَنَمٍ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، ثُمَّ بَاعَهَا، فَمَكَثَتْ عِنْدَهُ سِتَّةَ أَشْهُرٍ؟ قَالَ: إذَا فَرَّ بِهَا مِنْ الزَّكَاةِ زَكَّى ثَمَنَهَا إذَا حَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ، وَقِيلَ: يُعْتَبَرُ الْأَحَظُّ لِلْفُقَرَاءِ. الثَّانِيَةُ: لَهُ ادَّعَى أَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ بِمَا فَعَلَ الْفِرَارَ مِنْ الزَّكَاةِ، قُبِلَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وَفِي الْحُكْمِ وَجْهَانِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، قُلْت: الْأَوْلَى أَنَّهُ إنْ عُرِفَ بِقَرَائِنَ أَنَّهُ قَصَدَ الْفِرَارَ: لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ وَإِلَّا قُبِلَ. قَوْلُهُ {وَإِنْ أَبْدَلَهُ بِنِصَابٍ مِنْ جِنْسِهِ بَنَى عَلَى حَوْلِهِ} ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَيَتَخَرَّجُ أَنْ يَنْقَطِعَ، وَهُوَ لِأَبِي الْخَطَّابِ، كَالْجِنْسَيْنِ، قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: لَمْ يَنْقَطِعْ عَلَى الْأَصَحِّ. وَقَاسَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ مِنْهُمْ الْقَاضِي
وَأَصْحَابُهُ، وَالْمُصَنِّفُ، وَالْمَجْدُ، وَغَيْرُهُمْ الْبِنَاءُ عَلَى الْحَوْلِ الْأَوَّلِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى عُرُوضِ التِّجَارَةِ تُبَاعُ بِنَقْدٍ أَوْ تُشْتَرَى بِهِ، فَإِنَّهُ يَبْنِي، وَحَكَى الْخِلَافَ. تَنْبِيهٌ: اعْلَمْ أَنَّ بَعْضَ الْأَصْحَابِ عَبَّرَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِالْبَيْعِ، كَمَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ هُنَا، وَعَبَّرَ بَعْضُهُمْ بِالْإِبْدَالِ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَدَلِيلُهُمْ يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ، وَعَبَّرَ الْقَاضِي بِالْإِبْدَالِ، ثُمَّ قَالَ: نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدٍ، فِي الرَّجُلِ يَكُونُ عِنْدَهُ غَنَمٌ سَائِمَةٌ، فَيَبِيعُهَا بِضَعْفِهَا مِنْ الْغَنَمِ، هَلْ يُزَكِّيهَا أَمْ يُزَكِّي الْأَصْلَ؟ فَقَالَ: بَلْ يُعْطِي زَكَاتَهَا؛ لِأَنَّ نَمَاءَهَا مِنْهَا. وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: الْمُبَادَلَةُ، هَلْ هِيَ بَيْعٌ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ ثُمَّ ذَكَرَ نَصَّهُ بِجَوَازِ إبْدَالِ الْمُصْحَفِ، لَا بَيْعِهِ، وَقَوْلُ أَحْمَدَ: الْمُعَاطَاةُ بَيْعٌ، وَالْمُبَادَلَةُ مُعَاطَاةٌ، وَأَنَّ هَذَا أَشْبَهُ. قَالَ: فَإِنْ قُلْنَا: هِيَ بَيْعٌ انْقَطَعَ الْحَوْلُ، كَلَفْظِ الْمَبِيعِ، لِأَنَّهُ ابْتِدَاءُ مِلْكٍ نَعَمْ الْمُبَادَلَةُ تَدُلُّ عَلَى وَضْعِ شَيْءٍ مُمَاثِلٍ لَهُ كَالتَّيَمُّمِ عَنْ الْوُضُوءِ، فَكُلُّ بَيْعٍ مُبَادَلَةٌ وَلَا عَكْسَ. انْتَهَى. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ فِي الْمُبَادَلَةِ: هَلْ هِيَ بَيْعٌ أَمْ لَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَأَنْكَرَ الْقَاضِي ذَلِكَ، وَقَالَ: هِيَ بَيْعٌ بِلَا خِلَافٍ، ذَكَرَهُ ابْنُ رَجَبٍ فِي الْقَاعِدَةِ الثَّالِثَةِ وَالْأَرْبَعِينَ بَعْدَ الْمِائَةِ، وَيَأْتِي هَذَا فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْبَيْعِ عِنْدَ حُكْمِ بَيْعِ الْمُصْحَفِ. فَائِدَةٌ: لَوْ زَادَ بِالِاسْتِبْدَالِ، تَبِعَ الْأُصُولَ فِي الْحَوْلِ أَيْضًا، نَصَّ عَلَيْهِ كَنِتَاجٍ، فَلَوْ أَبْدَلَ مِائَةَ شَاةٍ بِمِائَتَيْنِ لَزِمَهُ زَكَاةُ مِائَتَيْنِ إذَا حَالَ حَوْلُ الْمِائَةِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: يَسْتَأْنِفُ لِلزَّائِدِ حَوْلًا، وَقَالَ فِي الِانْتِصَارِ: إنْ أَبْدَلَهُ بِغَيْرِ جِنْسِهِ بَنَى، أَوْمَأَ إلَيْهِ ثُمَّ سَلَّمَهُ وَفَرَّقَ، وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ: لَا يَبْنِي فِي الْأَصَحِّ. فَائِدَةٌ: لَوْ أَبْدَلَهُ بِغَيْرِ جِنْسِهِ، ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِ بِعَيْبٍ وَنَحْوِهِ: اسْتَأْنَفَ الْحَوْلَ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ: إذَا أَبْدَلَ نِصَابًا بِغَيْرِ جِنْسِهِ، ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِ بِعَيْبٍ وَنَحْوِهِ. يَنْبَنِي عَلَى الْحَوْلِ الْأَوَّلِ إذَا لَمْ تَحْصُلْ الْمُبَادَلَةُ بَيْعًا وَفِي نُسْخَةٍ إذَا لَمْ نَقُلْ الْمُبَادَلَةُ بَيْعٌ وَلَوْ أَبْدَلَ نِصَابَ سَائِمَةٍ بِمِثْلِهِ ثُمَّ ظَهَرَ فِيهِ عَلَى عَيْبٍ، بَعْدَ أَنْ
وَجَبَتْ الزَّكَاةُ، فَلَهُ الرَّدُّ، وَلَا تَسْقُطُ الزَّكَاةُ عَنْهُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: إذَا دَلَّسَ الْبَائِعُ الْعَيْبَ فَرَدَّ عَلَيْهِ. فَزَكَاتُهُ عَلَيْهِ، فَإِنْ خَرَجَ مِنْ النِّصَابِ فَلَهُ رَدُّ مَا بَقِيَ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَفِي الْآخَرِ: يَتَعَيَّنُ لَهُ الْأَرْشُ، قُلْت: هَذَا الْمَذْهَبُ، عَلَى مَا يَأْتِي فِي خِيَارِ الْعَيْبِ، وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ، فَعَلَى الْأَوَّلِ: لَوْ اخْتَلَفَا فِي قِيمَةِ الْمُخْرَجِ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُخْرِجِ قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ، وَقِيلَ: الْقَوْلُ قَوْلُ صَاحِبِهِ، وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ، وَالْفُرُوعُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ. قَوْلُهُ {وَإِذَا تَمَّ الْحَوْلُ وَجَبَتْ الزَّكَاةُ فِي عَيْنِ الْمَالِ} هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: نَقَلَهُ وَاخْتَارَهُ الْجَمَاعَةُ، قَالَ الْجُمْهُورُ: وَهَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ حَكَاهُ أَبُو الْمَعَالِي وَغَيْرُهُ. انْتَهَى. قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ: هِيَ الظَّاهِرَةُ عِنْدَ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِرْشَادِ وَالْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ، وَالتَّعْلِيقِ، وَالْجَامِعِ، وَصَاحِبُ الْوَجِيزِ وَغَيْرُهُمْ، وَاخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ فِي خِلَافِهِ الصَّغِيرِ، وَصَحَّحَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَغَيْرُهُ، وَقَدَّمَهُ فِي الْهِدَايَةِ وَالْخُلَاصَةِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَالْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِمْ، وَعَنْهُ تَجِبُ فِي الذِّمَّةِ. قَالَ فِي الْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ: يَتَعَلَّقُ بِالذِّمَّةِ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ، قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: هُوَ الْأَشْبَهُ بِمَذْهَبِنَا، وَجَزَمَ بِهِ الْخِرَقِيُّ، وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي الِانْتِصَارِ، وَقَالَ: رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ، وَقَدَّمَهُ فِي التَّلْخِيصِ، وَالْفَائِقِ، وَابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ، وَنِهَايَتُهُ وَنَظْمُهَا، وَاخْتَارَهُ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُبْهِجِ، وَالْإِيضَاحِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالشَّرْحِ، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَقِيلَ: تَجِبُ فِي الذِّمَّةِ، وَتَتَعَلَّقُ بِالنِّصَابِ، قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ: وَوَقَعَ ذَلِكَ فِي كَلَامِ الْقَاضِي، وَأَبِي الْخَطَّابِ وَغَيْرِهِمَا، وَهِيَ طَرِيقَةُ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ.
قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ: وَفِي كَلَامِ أَبِي بَكْرٍ إشْعَارٌ بِتَزَيُّلِ الرِّوَايَتَيْنِ عَلَى اخْتِلَافِ حَالَيْنِ، وَهُمَا يَسَارُ الْمَالِكِ وَإِعْسَارُهُ، فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا وَجَبَتْ فِي ذِمَّتِهِ، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا وَجَبَتْ فِي عَيْنِ الْمَالِ، قَالَ: وَهُوَ غَرِيبٌ. تَنْبِيهٌ: لِهَذَا الْخِلَافِ أَعْنِي أَنَّهَا: هَلْ تَجِبُ فِي الْعَيْنِ، أَوْ فِي الذِّمَّةِ؟ فَوَائِدُ جَمَّةٌ: مِنْهَا: مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ هُنَا، وَهُوَ مَا إذَا مَضَى حَوْلَانِ عَلَى النِّصَابِ لَمْ تُؤَدَّ زَكَاتُهُمَا. فَعَلَيْهِ زَكَاةٌ وَاحِدَةٌ، إنْ قُلْنَا: تَجِبُ فِي الْعَيْنِ، وَزَكَاتَانِ إنْ قُلْنَا: تَجِبُ فِي الذِّمَّةِ. هَكَذَا أَطْلَقَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: أَنَّ عَلَيْهِ زَكَاتَيْنِ، إذَا قُلْنَا: تَجِبُ فِي الذِّمَّةِ وَتَبِعَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ. مِنْهُمْ الْمُصَنِّفُ هُنَا، فَأَطْلَقُوا، حَتَّى قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ، وَصَاحِبُ التَّلْخِيصِ، وَلَوْ قُلْنَا: إنَّ الدَّيْنَ يَمْنَعُ وُجُوبَ الزَّكَاةِ لَمْ تَسْقُطْ هُنَا؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ لَا يُسْقِطُ نَفْسَهُ وَقَدْ يُسْقِطُ غَيْرَهُ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَقَالَ صَاحِبُ الْمُسْتَوْعِبِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَمَنْ تَابَعَهُمَا: إنْ قُلْنَا تَجِبُ فِي الذِّمَّةِ زَكَّى لِكُلِّ حَوْلٍ، إلَّا إذَا قُلْنَا دَيْنُ اللَّهِ يَمْنَعُ، فَيُزَكِّي عَنْ حَوْلٍ وَاحِدٍ، وَلَا زَكَاةَ لِلْحَوْلِ الثَّانِي لِأَجْلِ الدَّيْنِ، لَا لِلتَّعْلِيقِ بِالْعَيْنِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هَذَا قَوْلُ الْأَكْثَرِ وَزَادَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: مَتَى قُلْنَا يَمْنَعُ الدَّيْنَ، فَلَا زَكَاةَ لِلْعَامِ الثَّانِي، تَعَلَّقَتْ بِالْعَيْنِ أَوْ الذِّمَّةِ، وَقَالَ: حَيْثُ لَمْ يُوجِبْ أَحْمَدُ زَكَاةَ الْعَامِ الثَّانِي، فَإِنَّهُ بَنَى عَلَى رِوَايَةِ مَنْعِ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّ زَكَاةَ الْعَامِ الْأَوَّلِ صَارَتْ دَيْنًا عَلَى رَبِّ الْمَالِ، وَالْعَكْسُ بِالْعَكْسِ، وَجَعَلَ مِنْ فَوَائِدِ الرِّوَايَتَيْنِ: إخْرَاجَ الرَّاهِنِ الْمُوسِرِ مِنْ الرَّهْنِ بِلَا إذْنٍ إنْ عَتَقَتْ بِالْعَيْنِ. وَاخْتَارَ سُقُوطَهَا بِالتَّلَفِ وَتَقْدِيمَهَا عَلَى الدَّيْنِ، قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقَالَ غَيْرُهُ خِلَافَهُ، وَيَأْتِي أَيْضًا. وَقَالَ فِي الْقَوَاعِدِ: قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: تَتَكَرَّرُ زَكَاتُهُ لِكُلِّ حَوْلٍ عَلَى الْقَوْلَيْنِ، وَتَأَوَّلَ كَلَامَ أَحْمَدَ بِتَأْوِيلٍ فَاسِدٍ.
تَنْبِيهٌ: مَحَلُّ هَذِهِ الْفَائِدَةِ: فِي غَيْرِ مَا زَكَاتُهُ الْغَنَمُ مِنْ الْإِبِلِ، كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ. فَأَمَّا مَا زَكَاتُهُ الْغَنَمُ مِنْ الْإِبِلِ: فَإِنَّ عَلَيْهِ لِكُلِّ حَوْلٍ زَكَاةً، عَلَى كِلَا الرِّوَايَتَيْنِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَنَصَّ عَلَيْهِ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: أَمَّا لَوْ كَانَ الْوَاجِبُ غَيْرَ الْجِنْسِ، بَلْ الْإِبِلُ الْمُزَكَّاةُ بِالْغَنَمِ فَنَصَّ أَحْمَدُ: أَنَّ الْوَاجِبَ فِيهِ فِي الذِّمَّةِ، وَإِنْ كَانَتْ الزَّكَاةُ فِيهِ تَتَكَرَّرُ، وَفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْوَاجِبِ مِنْ الْجِنْسِ، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَالشِّيَاهُ عَنْ الْإِبِلِ تَتَعَلَّقُ بِالذِّمَّةِ فَتَتَعَدَّدُ وَتَتَكَرَّرُ. قُلْت: هَذَا إنْ قُلْنَا لَا تَسْقُطُ بِدَيْنِ اللَّهِ. انْتَهَى. وَقَالَ أَبُو الْفَرَجِ الشِّيرَازِيُّ، فِي الْمُبْهِجِ: حُكْمُهُ حُكْمُ مَا لَوْ كَانَ الْوَاجِبُ مِنْ جِنْسِ الْمُخْرَجِ عَنْهُ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي الْخَطَّابِ وَاخْتَارَهُ صَاحِبُ الْمُسْتَوْعِبِ وَالْمُحَرَّرِ أَنَّهُ كَالْوَاجِبِ مِنْ الْجِنْسِ، عَلَى مَا سَبَقَ مِنْ الْعَيْنِ وَالذِّمَّةِ؛ لِأَنَّ تَعَلُّقَ الزَّكَاةِ كَتَعَلُّقِ الْأَرْشِ بِالْجَانِي، وَالدَّيْنِ بِالرَّهْنِ، فَلَا فَرْقَ إذَنْ، فَعَلَى الْمَذْهَبِ: لَوْ لَمْ يَكُنْ سِوَى خَمْسٍ مِنْ الْإِبِلِ، فَفِي امْتِنَاعِ زَكَاةِ الْحَوْلِ الثَّانِي لِكَوْنِهَا دَيْنًا الْخِلَافُ، وَقَالَ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ، فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: لَا يَلْزَمُهُ، وَعَلَى الْمَذْهَبِ أَيْضًا: فِي خَمْسٍ وَعِشْرِينَ بَعِيرًا فِي ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ. الْأَوَّلُ: حَوْلُ بِنْتِ مَخَاضٍ، ثُمَّ ثَمَانِ شِيَاهٍ؛ لِكُلِّ حَوْلٍ أَرْبَعُ شِيَاهٍ، وَعَلَى كَلَامِ أَبِي الْخَطَّابِ: أَنَّهَا تَجِبُ فِي الْعَيْنِ مُطْلَقًا كَذَلِكَ لِأَوَّلِ حَوْلٍ، ثُمَّ لِلثَّانِي، ثُمَّ إنْ نَقَصَ النِّصَابُ بِذَلِكَ عَنْ عِشْرِينَ بَعِيرًا إذَا قَوَّمْنَاهُ، فَلِلثَّالِثِ ثَلَاثُ شِيَاهٍ وَالْأَرْبَعُ. فَوَائِدُ: إحْدَاهَا: مَتَى أَفْنَتْ الزَّكَاةُ الْمَالَ: سَقَطَتْ بَعْدَ ذَلِكَ، صَرَّحَ بِهِ فِي التَّلْخِيصِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْفُرُوعِ، لَكِنْ نَصَّ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ مِنْهَا عَلَى وُجُوبِهَا فِي الدَّيْنِ بَعْدَ
اسْتِغْرَاقِهِ بِالزَّكَاةِ، قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ: فَإِمَّا أَنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلَى الْقَوْلِ بِالْوُجُوبِ فِي الذِّمَّةِ، وَإِمَّا أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ الدَّيْنِ وَالْعَيْنِ بِأَنَّ الدَّيْنَ وَصْفٌ حُكْمِيٌّ لَا وُجُودَ لَهُ فِي الْخَارِجِ، فَتَتَعَلَّقُ زَكَاتُهُ بِالذِّمَّةِ رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَلَكِنْ نَصَّ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ غَيْرِ وَاحِدٍ عَلَى التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الدَّيْنِ وَالْعَيْنِ فِي امْتِنَاعِ الزَّكَاةِ فِيمَا بَعْدَ الْحَوْلِ الْأَوَّلِ، وَصَرَّحَ بِذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ وَغَيْرُهُ. الثَّانِيَةُ: تَعَلُّقُ الزَّكَاةِ بِالْعَيْنِ مَانِعٌ مِنْ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْحَوْلِ الثَّانِي وَمَا بَعْدَهُ بِلَا نِزَاعٍ، وَلَيْسَ بِمَانِعٍ مِنْ انْعِقَادِ الْحَوْلِ الثَّانِي ابْتِدَاءً، وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ، وَابْنِ عَقِيلٍ، وَنَقَلَ الْمَجْدُ الِاتِّفَاقَ عَلَيْهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا ذَكَرَهُ الْخَلَّالُ فِي الْجَامِعِ. وَأَوْرَدَ عَنْ أَحْمَدَ مِنْ رِوَايَةِ حَنْبَلٍ مَا يَشْهَدُ لَهُ، وَقِيلَ: إنَّهُ مَانِعٌ مِنْ انْعِقَادِ الْحَوْلِ الثَّانِي ابْتِدَاءً، وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي فِي شَرْحِ الْمُذْهَبِ، وَالْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْقَوَاعِدِ، وَيَأْتِي مَعْنَى ذَلِكَ فِي الْخُلْطَةِ إذَا بَاعَ بَعْضَ النِّصَابِ. الثَّالِثَةُ: إذَا قُلْنَا: تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي الْعَيْنِ، فَقَالَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ: يَتَعَلَّقُ بِهِ كَتَعَلُّقِ أَرْشِ جِنَايَةِ الرَّقِيقِ بِرَقَبَتِهِ، فَلَزِمَهُ إخْرَاجُ زَكَاتِهِ مِنْ غَيْرِهِ، وَالتَّصَرُّفُ فِيهِ بِبَيْعِ غَيْرِهِ، بِلَا إذْنِ السَّاعِي، كُلُّ النَّمَاءِ لَهُ، وَإِنْ أَتْلَفَهُ لَزِمَهُ قِيمَةُ الزَّكَاةِ دُونَ جِنْسِهِ، حَيَوَانًا كَانَ النِّصَابُ أَوْ غَيْرَهُ، وَلَوْ تَصَدَّقَ بِكُلِّهِ بَعْدَ وُجُوبِ الزَّكَاةِ وَلَمْ يَنْوِهَا، لَمْ يُجْزِهِ، وَإِذَا كَانَ كُلُّهُ مِلْكًا لِرَبِّهِ لَمْ يَنْقُصْ بِتَعَلُّقِ الزَّكَاةِ، بَلْ يَكُونُ دَيْنًا يَمْنَعُ الزَّكَاةَ كَدَيْنِ آدَمِيٍّ، أَوْ لَا يَمْنَعُ لِعَدَمِ رُجْحَانِهَا عَلَى زَكَاةِ غَيْرِهَا، بِخِلَافِ دَيْنِ الْآدَمِيِّ. وَقِيلَ: بَلْ يَتَعَلَّقُ بِهِ كَتَعَلُّقِ الدَّيْنِ بِالرَّهْنِ، وَبِمَالِ مَنْ حُجِرَ عَلَيْهِ لِفَلْسِهِ، فَلَا يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ فِيهِ قَبْلَ وَفَائِهِ أَوْ إذْنِ رَبِّهِ، وَقِيلَ: بَلْ كَتَعَلُّقِهِ بِالتَّرِكَةِ، قَالَ: وَهُوَ أَقْيَسُ، قَالَ فِي الْقَاعِدَةِ الْخَامِسَةِ وَالثَّمَانِينَ: تَعَلُّقُ الزَّكَاةِ بِالنِّصَابِ، هَلْ هُوَ تَعَلُّقُ شَرِكَةٍ أَوْ ارْتِهَانٍ، أَوْ تَعَلُّقُ اسْتِيفَاءٍ
كَالْجِنَايَةِ؟ اضْطَرَبَ كَلَامُ الْأَصْحَابِ اضْطِرَابًا كَثِيرًا، وَيَحْصُلُ مِنْهُ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ. أَحَدُهَا: أَنَّهُ تَعَلُّقُ شَرِكَةٍ، وَصَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي فِي مَوْضِعٍ مِنْ شَرْحِ الْمُذْهَبِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي بَكْرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَقَدْ بَيَّنَهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، وَالثَّانِي: تَعَلُّقُ اسْتِيفَاءٍ. وَصَرَّحَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ، مِنْهُمْ الْقَاضِي ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ يُشَبِّهُهُ بِتَعَلُّقِ الْجِنَايَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُشَبِّهُهُ بِتَعَلُّقِ الدَّيْنِ بِالتَّرِكَةِ، وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ تَعَلُّقُ رَهْنٍ، وَيَنْكَشِفُ هَذَا النِّزَاعُ بِتَحْرِيرِ مَسَائِلَ، مِنْهَا: أَنَّ الْحَقَّ هَلْ يَتَعَلَّقُ بِجَمِيعِ النِّصَابِ، أَوْ بِمِقْدَارِ الزَّكَاةِ فِيهِ غَيْرَ مُعَيَّنٍ؟ وَنَقَلَ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ الِاتِّفَاقَ عَلَى الثَّانِي، وَمِنْهَا: أَنَّهُ مَعَ التَّعَلُّقِ بِالْمَالِ، هَلْ يَكُونُ ثَابِتًا فِي ذِمَّةِ الْمَالِكِ أَمْ لَا؟ ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَكْثَرِ: أَنَّهُ عَلَى الْقَوْلِ بِالتَّعَلُّقِ بِالْعَيْنِ لَا يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ شَيْءٌ، إلَّا أَنْ يَتْلَفَ الْمَالُ، أَوْ يَتَصَرَّفَ فِيهِ الْمَالِكُ بَعْدَ الْحَوْلِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي الْخَطَّابِ وَالْمَجْدِ فِي شَرْحِهِ إذَا قُلْنَا الزَّكَاةُ فِي الذِّمَّةِ يَتَعَلَّقُ بِالْعَيْنِ تَعَلُّقَ اسْتِيفَاءٍ مَحْضٍ كَتَعَلُّقِ الدُّيُونِ بِالتَّرِكَةِ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَهُوَ حَسَنٌ، وَمِنْهَا: مَنْعُ التَّصَرُّفِ، وَالْمَذْهَبُ لَا يَمْنَعُ. انْتَهَى. قَوْلُهُ {وَلَا يُعْتَبَرُ فِي وُجُوبِهَا إمْكَانُ الْأَدَاءِ، وَلَا تَسْقُطُ بِتَلَفِ الْمَالِ} هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ، وَعَنْهُ أَنَّهَا تَسْقُطُ إذَا لَمْ يُفَرِّطْ، فَيُعْتَبَرُ التَّمَكُّنُ مِنْ الْأَدَاءِ مُطْلَقًا، اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ، وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أَنَّ النِّصَابَ إذَا تَلِفَ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ مِنْ الْمَالِكِ لَمْ يَضْمَنْ الزَّكَاةَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ، قَالَ: وَاخْتَارَهُ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَذَكَرَ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ رِوَايَةً بِاعْتِبَارِ إمْكَانِ الْأَدَاءِ فِي غَيْرِ الْمَالِ الظَّاهِرِ، وَذَكَرَ أَبُو الْحُسَيْنِ
رِوَايَةً: لَا يَسْقُطُ بِتَلَفِ النِّصَابِ غَيْرُ الْمَاشِيَةِ، وَقَالَ الْمَجْدُ عَلَى الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ تَسْقُطُ فِي الْأَمْوَالِ الظَّاهِرَةِ دُونَ الْبَاطِنَةِ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ النَّيْسَابُورِيِّ وَغَيْرِهِ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ، وَقَالَ أَبُو حَفْصٍ الْعُكْبَرِيُّ: رَوَى أَبُو عَبْدِ اللَّهِ النَّيْسَابُورِيُّ: الْفَرْقُ بَيْنَ الْمَاشِيَةِ وَالْمَالِ، وَالْعَمَلِ عَلَى مَا رَوَى الْجَمَاعَةُ: أَنَّهَا كَالْمَالِ. ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ، وَقَالَ فِي الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ: وَعَنْهُ رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ تَسْقُطُ الزَّكَاةُ إذَا تَلِفَ النِّصَابُ أَوْ بَعْضُهُ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ أَدَاءِ الزَّكَاةِ، وَبَعْدَ تَمَامِ الْحَوْلِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هِيَ عَامَّةٌ فِي جَمِيعِ الْأَمْوَالِ. وَمِنْهُمْ مَنْ خَصَّهَا بِالْمَالِ الْبَاطِنِ دُونَ الظَّاهِرِ، وَمِنْهُمْ مَنْ عَكَسَ ذَلِكَ، وَمِنْهُمْ مَنْ خَصَّهَا بِالْمَوَاشِي. تَنْبِيهٌ: يُسْتَثْنَى مِنْ عُمُومِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ: زَكَاةُ الزُّرُوعِ إذَا تَلِفَتْ بِجَائِحَةٍ قَبْلَ الْقَطْعِ، كَأَنَّهَا تَسْقُطُ. وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِي بَابِ زَكَاةِ الْخَارِجِ مِنْ الْأَرْضِ عِنْدَ قَوْلِهِ " فَإِنْ تَلِفَتْ قَبْلَهُ بِغَيْرِ تَعَدٍّ مِنْهُ سَقَطَتْ الزَّكَاةُ " قَالَ الْقَوَاعِدُ: اتِّفَاقًا، قَالَ: وَخَرَّجَ ابْنُ عَقِيلٍ [وَجْهًا بِوُجُوبِ زَكَاتِهَا أَيْضًا، قَالَ: وَهُوَ ضَعِيفٌ مُخَالِفٌ لِلْإِجْمَاعِ الَّذِي حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ، قُلْت: قَدْ قَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ] فِي عُمَدِ الْأَدِلَّةِ رِوَايَةً، ذَكَرَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَأَظُنُّ فِي الْمُغْنِي أَنَّهُ قَالَ: قِيَاسُ مَنْ جَعَلَ وَقْتَ الْوُجُوبِ بُدُوَّ الصَّلَاحِ، وَاشْتِدَادَ الْحَبِّ: أَنَّهُ كَنَقْصِ نِصَابٍ بَعْدَ الْوُجُوبِ قَبْلَ التَّمَكُّنِ. انْتَهَى. وَيَأْتِي ذَلِكَ فِي بَابِ زَكَاةِ الْخَارِجِ مِنْ الْأَرْضِ، فَعَلَى الْمَذْهَبِ: لَوْ النِّصَابُ بَعْدَ الْحَوْلِ وَقَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ الْأَدَاءِ ضَمِنَهَا، وَعَلَى الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ: لَا يَضْمَنُهَا، وَجَزَمَ فِي الْكَافِي، وَنِهَايَةِ أَبِي الْمَعَالِي، بِالضَّمَانِ وَعَلَى الْمَذْهَبِ أَيْضًا: لَوْ تَلِفَ النِّصَابُ ضَمِنَهَا، وَعَلَى الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ: لَا يَضْمَنُهَا وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ: أَنَّهُ لَا يَضْمَنُهَا مُطْلَقًا، وَاخْتَارَهُ فِي النَّصِيحَةِ، وَصَاحِبُ
الْمُسْتَوْعِبِ، وَالْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. وَذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ رِوَايَةً عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَلَوْ أَمْكَنَهُ إخْرَاجُهَا، لَكِنْ خَافَ رُجُوعَ السَّاعِي، فَهُوَ كَمَنْ لَمْ يُمْكِنْهُ إخْرَاجُهَا، فَلَوْ نَتَجَتْ السَّائِمَةُ لَمْ تُضَمَّ فِي حُكْمِ الْحَوْلِ الْأَوَّلِ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَتُضَمُّ عَلَى الثَّانِيَةِ. تَنْبِيهٌ: اخْتَلَفَ الْأَصْحَابُ فِي مَأْخَذِ الْخِلَافِ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ، فَقِيلَ: الْخِلَافُ هُنَا مَبْنِيٌّ عَلَى الْخِلَافِ فِي مَحَلِّ الزَّكَاةِ، فَإِنْ قِيلَ فِي الذِّمَّةِ لَمْ تَسْقُطْ وَإِلَّا سَقَطَتْ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَلْوَانِيِّ فِي التَّبْصِرَةِ، وَالسَّامِرِيِّ، وَقِيلَ: إنَّهُ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، وَفِي كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ إيمَاءٌ إلَيْهِ أَيْضًا، فَتَكُونُ مِنْ جُمْلَةِ فَوَائِدِ الْخِلَافِ. وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ لَيْسَتْ مَبْنِيَّةً عَلَى الْخِلَافِ فِي مَحَلِّ الزَّكَاةِ: هَلْ هِيَ فِي الذِّمَّةِ أَوْ فِي الْعَيْنِ؟ قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ: وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي وَالْأَكْثَرِينَ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَمِنْ الْفَوَائِدِ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ {وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مَنْ نِصَابٍ. فَعَلَيْهِ زَكَاةُ جَمِيعِهِ لِكُلِّ حَوْلٍ، إنْ قُلْنَا: تَجِبُ فِي الذِّمَّةِ، وَإِنْ قُلْنَا: تَجِبُ فِي الْعَيْنِ، نَقَصَ مِنْ زَكَاتِهِ لِكُلِّ حَوْلٍ بِقَدْرِ نَقْصِهِ مِنْهَا} . قَوْلُهُ {وَإِذَا مَاتَ مَنْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ أُخِذَتْ مِنْ تَرِكَتِهِ} هَذَا الْمَذْهَبُ. أَوْصَى بِهَا أَوْ لَمْ يُوصِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَنَقَلَ إِسْحَاقُ بْنُ هَانِئٍ فِيمَنْ عَلَيْهِ حَجٌّ لَمْ يُوصِ بِهِ، وَزَكَاةٌ وَكَفَّارَةٌ: مِنْ الثُّلُثِ، وَنُقِلَ عَنْهُ: مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، مَعَ عِلْمِ وَرَثَتِهِ بِهِ، وَنُقِلَ عَنْهُ أَيْضًا فِي زَكَاةٍ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ مَعَ صَدَقَةٍ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَهَذِهِ أَرْبَعُ رِوَايَاتٍ فِي الْمَسْأَلَةِ، وَلَفْظُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ يَحْتَمِلُ تَقْيِيدَهُ بِعَدَمِ وَصِيَّتِهِ. كَمَا قَيَّدَ الْحَجَّ. يُؤَيِّدُهُ: أَنَّ الزَّكَاةَ مِثْلُهُ أَوْ آكَدُ وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ عَلَى إطْلَاقِهِ، وَلَمْ أَجِدْ فِي كَلَامِ الْأَصْحَابِ سِوَى النَّصِّ السَّابِقِ. انْتَهَى. قَوْلُهُ {فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ اقْتَسَمُوا بِالْحِصَصِ} هَذَا الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا، نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَنَقَلَ عَبْدُ اللَّهِ: يَبْدَأُ
بِالدَّيْنِ، وَذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ قَوْلًا، مِنْهُمْ ابْنُ تَمِيمٍ، وَالْفَائِقُ، وَغَيْرُهُمَا كَعَدَمِهِ بِالرَّهِينَةِ، وَقِيلَ: تُقَدَّمُ الزَّكَاةُ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ، وَصَاحِبُ الْمُسْتَوْعِبِ وَغَيْرُهُمَا، قَالَ الْمَجْدُ: تُقَدَّمُ الزَّكَاةُ، كَبَقَاءِ الْمَالِ الزَّكَوِيِّ فَجَعَلَهُ أَصْلًا، وَذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ تَتِمَّةِ الْقَوْلِ، وَحَكَى ابْنُ تَمِيمٍ وَجْهًا: تُقَدَّمُ الزَّكَاةُ، وَلَوْ عُلِّقَتْ بِالذِّمَّةِ، وَقَالَ: هُوَ أَوْلَى. وَقَالَهُ الْمَجْدُ قَبْلَهُ، وَقِيلَ: إنْ تَعَلَّقَتْ الزَّكَاةُ بِالْعَيْنِ قُدِّمَتْ وَإِلَّا فَلَا، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى قُلْت: إنْ تَعَلَّقَتْ الزَّكَاةُ بِالذِّمَّةِ تَحَاصَّا، وَإِلَّا فَلَا، بَلْ يُقَدَّمُ دَيْنُ الْآدَمِيِّ، وَيَأْتِي بَعْضُ ذَلِكَ فِي آخِرِ كِتَابِ الْوَصَايَا. فَائِدَتَانِ: إحْدَاهُمَا: لَوْ كَانَ الْمَالِكُ حَيًّا وَأَفْلَسَ، فَصَرَّحَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: أَنَّ الزَّكَاةَ تُقَدَّمُ حَتَّى فِي حَالِ الْحَجْرِ. وَقَالَ: سَوَاءٌ قُلْنَا تَتَعَلَّقُ الزَّكَاةُ بِالْعَيْنِ أَوْ بِالذِّمَّةِ، إذَا كَانَ النِّصَابُ بَاقِيًا، قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْقَاضِي، وَالْأَكْثَرِينَ. وَظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ: تَقْدِيمُ الدَّيْنِ عَلَى الزَّكَاةِ. الثَّانِيَةُ: دُيُونُ اللَّهِ كُلُّهَا سَوَاءٌ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، نَصَّ عَلَيْهِ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَعَنْهُ تُقَدَّمُ الزَّكَاةُ عَلَى الْحَجِّ، وَقَالَهُ بَعْضُهُمْ. وَذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ قَوْلًا، وَأَمَّا النَّذْرُ بِمُتَعَيِّنٍ: فَإِنَّهُ يُقَدَّمُ عَلَى الزَّكَاةِ وَالدَّيْنِ، قَالَهُ الْأَصْحَابُ، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، قُلْت: وَيُحْتَمَلُ تَقْدِيمُ الدَّيْنِ. انْتَهَى. وَمِنْ الْفَوَائِدِ: إنْ كَانَ النِّصَابُ مَرْهُونًا، وَوَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ، فَهَلْ تُؤَدَّى زَكَاتُهُ مِنْهُ؟ هُنَا حَالَتَانِ. إحْدَاهُمَا: أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ يُؤَدِّي مِنْهُ الزَّكَاةَ فَهُنَا يُؤَدِّي الزَّكَاةَ مِنْ عَيْنِ الرَّهْنِ، صَرَّحَ بِهِ الْخِرَقِيُّ وَالْأَصْحَابُ. الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ لِلْمَالِكِ مَالٌ يُؤَدِّي مِنْهُ الزَّكَاةَ غَيْرَ الرَّهْنِ، فَهُنَا لَيْسَ لَهُ أَدَاءُ الزَّكَاةِ مِنْهُ بِدُونِ إذْنِ الْمُرْتَهِنِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ أَيْضًا، وَذَكَرَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ أَنَّهُ مَتَى قُلْنَا: الزَّكَاةُ تَتَعَلَّقُ بِالدَّيْنِ قَبْلَهُ،
أَخْرَجَهَا، مِنْهُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ تَعَلُّقٌ قَهْرِيٌّ، وَيَنْحَصِرُ فِي الْعَيْنِ. فَهُوَ كَحَقِّ الْجِنَايَةِ وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيُزَكَّى الْمَرْهُونُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَيُخْرِجُهَا الرَّاهِنُ مِنْهُ بِلَا إذْنٍ إنْ عُدِمَ. كَجِنَايَةِ رَهْنٍ عَلَى دِيَتِهِ، وَقِيلَ: مِنْهُ مُطْلَقًا، وَقِيلَ: إنْ عُلِّقَتْ بِالْعَيْنِ. وَقِيلَ: يُزَكِّي رَاهِنٌ مُوسِرٌ، وَإِنْ أَيْسَرَ مُعْسِرٌ جَعَلَ بَدَلَهُ رَهْنًا، وَقِيلَ: لَا. انْتَهَى. وَمِنْ الْفَوَائِدِ: التَّصَرُّفُ فِي النِّصَابِ أَوْ بَعْضِهِ بِبَيْعٍ، أَوْ غَيْرِهِ، وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: صِحَّتُهُ، وَنَصَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ. قَالَ الْأَصْحَابُ: وَسَوَاءٌ قُلْنَا الزَّكَاةُ فِي الْعَيْنِ أَوْ فِي الذِّمَّةِ، وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ فِي الشَّافِي، إنْ قُلْنَا: الزَّكَاةُ فِي الذِّمَّةِ، صَحَّ التَّصَرُّفُ مُطْلَقًا، وَإِنْ قُلْنَا: فِي الْعَيْنِ، لَمْ يَصِحَّ التَّصَرُّفُ فِي مِقْدَارِ الزَّكَاةِ، قَالَ ابْنُ رَجَبٍ: وَهَذَا مُتَوَجِّهٌ عَلَى قَوْلِنَا: إنَّ تَعَلُّقَ الزَّكَاةِ تَعَلُّقُ شَرِكَةٍ أَوْ رَهْنٍ، صَرَّحَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ، قُلْت: تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي الْفَائِدَةِ الثَّالِثَةِ قَرِيبًا، وَنَزَّلَ أَبُو بَكْرٍ هَذَا عَلَى اخْتِلَافِ الرِّوَايَتَيْنِ الْمَنْصُوصَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ فِي الْمَرْأَةِ إذَا وَهَبَتْ زَوْجَهَا مَهْرَهَا الَّذِي لَهَا فِي ذِمَّتِهِ، فَهَلْ تَجِبُ زَكَاتُهُ عَلَيْهِ أَوْ عَلَيْهَا؟ قَالَ: فَإِنْ صَحَّحْنَا هِبَةَ الْمَهْرِ جَمِيعِهِ فَعَلَى الْمَرْأَةِ إخْرَاجُ زَكَاتِهِ مِنْ مَالِهَا، وَإِنْ صَحَّحْنَا الْهِبَةَ فِيمَا عَدَا مِقْدَارَ الزَّكَاةِ قَدْرُ الزَّكَاةِ حَقٌّ لِلْمَسَاكِينِ فِي ذِمَّةِ الزَّوْجِ فَيَلْزَمُهُ أَدَاؤُهُ إلَيْهِمْ، وَيَسْقُطُ عَنْهُ بِالْهِبَةِ مَا عَدَاهُ، قَالَ ابْنُ رَجَبٍ: وَهَذَا بِنَاءٌ غَرِيبٌ جِدًّا، وَعَلَى الْمَذْهَبِ: لَوْ بَاعَ النِّصَابَ كُلَّهُ، تَعَلَّقَتْ الزَّكَاةُ بِذِمَّتِهِ حِينَئِذٍ بِغَيْرِ خِلَافٍ كَمَا لَوْ تَلِفَ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ أَدَائِهَا، فَقَالَ الْمَجْدُ: إنْ قُلْنَا: الزَّكَاةُ فِي الذِّمَّةِ ابْتِدَاءً لَمْ يُفْسَخْ الْبَيْعُ، وَإِنْ قُلْنَا: فِي الْعَيْنِ فُسِخَ الْبَيْعُ فِي قَدْرِهَا، تَقْدِيمًا لَحِقَ الْمَسَاكِينِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْقَاعِدَةِ الرَّابِعَةِ وَالْعِشْرِينَ. وَقَالَ الْمُصَنِّفُ: تَتَعَيَّنُ فِي ذِمَّتِهِ كَسَائِرِ الدُّيُونِ بِكُلِّ حَالٍ ثُمَّ ذَكَرَ احْتِمَالًا بِالْفَسْخِ فِي مِقْدَارِ الزَّكَاةِ مِنْ غَيْرً بِنَاءٍ عَلَى مَحَلِّ التَّعَلُّقِ.
وَمِنْ الْفَوَائِدِ: إذَا كَانَ النِّصَابُ غَائِبًا عَنْ مَالِكِهِ، لَا يَقْدِرُ عَلَى الْإِخْرَاجِ مِنْهُ، لَمْ يَلْزَمْهُ إخْرَاجُ زَكَاتِهِ حَتَّى يَتَمَكَّنَ مِنْ الْأَدَاءِ مِنْهُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَصَرَّحَ بِهِ الْمَجْدُ فِي مَوْضِعٍ مِنْ شَرْحِهِ. وَنَصَّ أَحْمَدُ فِيمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ زَكَاةُ مَالٍ فَأَقْرَضَهُ، لَا يَلْزَمُهُ أَدَاءُ زَكَاتِهِ حَتَّى يَقْبِضَهُ، قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ: وَلَعَلَّهُ يَرْجِعُ إلَى أَنَّ أَدَاءَ الزَّكَاةِ لَا يَجِبُ عَلَى الْفَوْرِ، وَقَالَ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ: وَيَلْزَمُهُ أَدَاءُ زَكَاتِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ؛ لِأَنَّهُ فِي يَدِهِ حُكْمًا وَلِهَذَا يَتْلَفُ مِنْ ضَمَانِهِ بِخِلَافِ الدَّيْنِ فِي ذِمَّةِ غَرِيمِهِ، وَكَذَا ذَكَرَهَا الْمَجْدُ فِي مَوْضِعٍ مِنْ شَرْحِهِ، وَأَشَارَ فِي مَوْضِعٍ إلَى بِنَاءِ ذَلِكَ عَلَى مَحَلِّ الزَّكَاةِ. فَإِنْ قُلْنَا: الذِّمَّةُ، لَزِمَهُ الْإِخْرَاجُ عَنْهُ مِنْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ زَكَاتَهُ لَا تَسْقُطُ بِتَلَفِهِ، بِخِلَافِ الدَّيْنِ، وَإِنْ قُلْنَا: الْعَيْنُ، لَمْ يَلْزَمْهُ الْإِخْرَاجُ حَتَّى يَتَمَكَّنَ مِنْ قَبْضِهِ، وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ، وَصَاحِبُ الْفُرُوعِ: وَمَنْ كَانَ لَهُ مَالٌ غَائِبٌ، وَقُلْنَا: الزَّكَاةُ فِي الْعَيْنِ، لَمْ يَلْزَمْهُ الْإِخْرَاجُ عَنْهُ، وَإِنْ قُلْنَا: فِي الذِّمَّةِ، فَوَجْهَانِ، قَالَ ابْنُ رَجَبٍ: وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، وَقَالَ: وَوُجُوبُ الزَّكَاةِ عَلَى الْغَائِبِ إذَا تَلِفَ قَبْلَ قَبْضِهِ، مُخَالِفٌ لِكَلَامِ أَحْمَدَ، وَمِنْ الْفَوَائِدِ: مَا تَقَدَّمَ عَلَى قَوْلٍ، وَهُوَ مَا إذَا أَخْرَجَ رَبُّ الْمَالِ زَكَاةَ حَقِّهِ مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ مِنْهُ فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يُحْسَبُ مَا أَخْرَجَهُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ وَنَصِيبُهُ مِنْ الرِّبْحِ، كَمَا تَقَدَّمَ، وَقِيلَ: يُحْسَبُ مِنْ نَصِيبِهِ مِنْ الرِّبْحِ خَاصَّةً، اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي، وَقَالَ فِي الْكَافِي: هِيَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، فَبَعْضُ الْأَصْحَابِ بَنَى الْخِلَافَ عَلَى الْخِلَافِ فِي مَحَلِّ التَّعَلُّقِ، فَإِنْ قُلْنَا: الذِّمَّةُ فَهِيَ مَحْسُوبَةٌ مِنْ الْأَصْلِ وَالرِّبْحِ، كَقَضَاءِ الدُّيُونِ. وَإِنْ قُلْنَا: الْعَيْنُ، حُسِبَتْ مِنْ الرِّبْحِ كَالْمُؤْنَةِ، قَالَ ابْنُ رَجَبٍ فِي الْقَوَاعِدِ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُبْنَى عَلَى هَذَا الْأَصْلِ أَيْضًا: الْوَجْهَانِ فِي جَوَازِ إخْرَاجِ الْمُضَارِبِ زَكَاةَ حِصَّتِهِ مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ، فَإِنْ قُلْنَا: الزَّكَاةُ
باب زكاة بهيمة الأنعام
تَتَعَلَّقُ بِالْعَيْنِ، فَلَهُ الْإِخْرَاجُ مِنْهُ، وَإِلَّا فَلَا، قَالَ: وَفِي كَلَامِ بَعْضِهِمْ إيمَاءٌ إلَى ذَلِكَ. فَائِدَةٌ: قَالَ فِي الْفُرُوعِ: النِّصَابُ الزَّكَوِيُّ سَبَبٌ لِوُجُوبِ الزَّكَاةِ، وَكَمَا يَدْخُلُ فِيهِ إتْمَامُ الْمِلْكِ يَدْخُلُ فِيهِ مَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَوْ يُقَالُ: الْإِسْلَامُ وَالْحُرِّيَّةُ شَرْطَانِ لِلسَّبَبِ. فَعَدَمُهُمَا مَانِعٌ مِنْ صِحَّةِ السَّبَبِ وَانْعِقَادِهِ، وَذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ هَذِهِ الْأَرْبَعَةَ، شُرُوطًا لِلْوُجُوبِ كَالْحَوْلِ، فَإِنَّهُ شَرْطٌ لِلْوُجُوبِ بِلَا خِلَافٍ لَا أَثَرَ لَهُ فِي السَّبَبِ، وَأَمَّا إمْكَانُ الْأَدَاءِ فَشَرْطٌ لِلُزُومِ الْأَدَاءِ، وَعَنْهُ لِلْوُجُوبِ. انْتَهَى. [بَابُ زَكَاةِ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ] ِ قَوْلُهُ (وَلَا تَجِبُ إلَّا فِي السَّائِمَةِ مِنْهَا) هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَقِيلَ: تَجِبُ فِي الْمَعْلُوفَةِ أَيْضًا، قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَنَصْرُ ابْنُ عَقِيلٍ وُجُوبُ الزَّكَاةِ فِي الْمَعْلُوفَةِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ فَنُونِهِ. انْتَهَى. وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي عُمَدِ الْأَدِلَّةِ وَالْفُنُونِ تَخْرِيجًا بِوُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيمَا أُعِدَّ لِلْإِجَارَةِ مِنْ الْعَقَارِ وَالْحَيَوَانِ وَغَيْرِهِ فِي الْقِيمَةِ وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: فَلَوْ كَانَ نِتَاجُ النِّصَابِ الْمُبَاعِ لَهُ فِي الْحَوْلِ رَضِيعًا غَيْرَ سَائِمٍ فِي بَقِيَّةِ حَوْلِ أُمَّهَاتِهِ، فَوَجْهَانِ. انْتَهَى، وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ، وَأَطْلَقَهُمَا بَعْضُهُمْ احْتِمَالَيْنِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَقِيلَ: تَجِبُ فِيمَا أُعِدَّ لِلْعَمَلِ كَالْإِبِلِ الَّتِي تُكْرَى، وَهُوَ أَظْهَرُ وَنَصُّهُ لَا. انْتَهَى. قَوْلُهُ وَهِيَ الَّتِي تَرْعَى فِي أَكْثَرِ الْحَوْلِ هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ وَغَيْرِهِ، وَقِيلَ: يُعْتَبَرُ أَنْ تَرْعَى الْحَوْلَ كُلَّهُ. زَادَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ: وَلَا أَثَرَ لِعَلَفِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْقَاضِي فِي أَحْكَامِهِ: عَدَمُ اشْتِرَاطِ أَكْثَرِ الْحَوْلِ، قَالَهُ ابْنُ تَمِيمٍ
تَنْبِيهٌ: يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ الْعَوَامِلُ، وَلَوْ كَانَتْ سَائِمَةً، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ، وَقَالَهُ الْمَجْدُ، وَابْنُ حَمْدَانَ، وَصَاحِبُ الْحَاوِي، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِمْ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَلَا زَكَاةَ فِي عَوَامِلِ أَكْثَرِ السُّنَّةِ بِحَالٍ وَلَوْ بِأُجْرَةٍ، وَقِيلَ: تَجِبُ فِي الْمُؤَجَّرَةِ السَّائِمَةِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ أَظْهَرُ، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَلَا تَجِبُ فِي الرَّبَائِب فِي الْأَصَحِّ، وَإِنْ كَانَتْ سَائِمَةً. انْتَهَى. فَوَائِدُ: إحْدَاهَا: لَا يُعْتَبَرُ لِلسَّوْمِ وَالْعَلَفِ نِيَّةٌ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ نَصَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَرَجَّحَهُ أَبُو الْمَعَالِي، قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ، وَصَاحِبُ الْفَائِقِ، وَحَوَاشِي ابْنِ مُفْلِحٍ: لَا يُعْتَبَرُ فِي السَّوْمِ وَالْعَلَفِ نِيَّةٌ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ، وَقِيلَ: تُعْتَبَرُ النِّيَّةُ لَهُمَا، قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: وَهُوَ أَصَحُّ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالزَّرْكَشِيُّ. فَلَوْ اعْتَلَفَتْ بِنَفْسِهَا، أَوْ عَلَفَهَا غَاصِبٌ، فَلَا زَكَاةَ عَلَى الْأَوَّلِ؛ لِفَقْدِ السَّوْمِ الْمُشْتَرَطِ وَعَلَى الثَّانِي: تَجِبُ كَمَا لَوْ غَصَبَ حَبًّا وَزَرَعَهُ فِي أَرْضِ رَبِّهِ، فَإِنَّ فِيهِ الزَّكَاةَ عَلَى مَالِكِهِ، كَمَا لَوْ نَبَتَ بِلَا زَرْعٍ، وَفِعْلُ الْغَاصِبِ مُحَرَّمٌ، كَمَا لَوْ غَصَبَ أَثْمَانًا فَضَاعَفَهَا، وَلِعَدَمِ الْمُؤْنَةِ كَمَا لَوْ ضَلَّتْ فَأَكَلَتْ الْمُبَاحَ، قَالَ الْمَجْدُ: وَطَرَدَهُ مَا لَوْ سَلَّمَهَا إلَى رَاعٍ يُسِيمُهَا فَعَلَفَهَا. وَعَكْسُهُمَا: لَوْ تَبَرَّعَ حَاكِمٌ، أَوْ وَصِيٌّ بِعَلَفِ مَاشِيَةِ يَتِيمٍ، أَوْ صَدِيقٍ بِذَلِكَ بِإِذْنِ صَدِيقِهِ، لِفَقْدِ قَصْدِ الْإِسَامَةِ مِمَّنْ يُعْتَبَرُ وُجُودُهُ مِنْهُ، وَقِيلَ: تَجِبُ إذَا عَلَفَهَا غَاصِبٌ، اخْتَارَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، وَفِي مَأْخَذِهِ وَجْهَانِ: تَحْرِيمُ عَلَفِ الْغَاصِبِ، أَوْ لِانْتِفَاءِ الْمُؤْنَةِ عَنْ رَبِّهَا، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ.
قُلْت: الصَّوَابُ الثَّانِي، وَاخْتَارَهُ الْأَبْهَرِيُّ، وَالْأَوَّلُ: اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَرَدَّهُ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ، وَلَوْ سَامَتْ بِنَفْسِهَا، أَوْ أَسَامَهَا غَاصِبٌ، وَجَبَتْ الزَّكَاةُ عَلَى الْأَوَّلِ لَا الثَّانِي؛ لِأَنَّ رَبَّهَا لَمْ يَرْضَ بِإِسَامَتِهَا، فَقَدْ فُقِدَ قَصْدُ الْإِسَامَةِ الْمُشْتَرَطِ، زَادَ صَاحِبُ الْمُغْنِي، وَالْمُحَرَّرِ: كَمَا لَوْ سَامَتْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُسِيمَهَا، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَجَعَلَاهُ أَصْلًا. وَكَذَا قَطَعَ بِهِ أَبُو الْمَعَالِي. وَقِيلَ: يَجِبُ إنْ أَسَامَهَا الْغَاصِبُ، لِتَحَقُّقِ الشَّرْطِ، كَمَا لَوْ كَمُلَ النِّصَابُ بِيَدِ الْغَاصِبِ، وَإِنْ لَمْ يُعْتَدَّ بِسَوْمِ الْغَاصِبِ: فَفِي اعْتِبَارِ كَوْنِ سَوْمِ الْمَالِكِ أَكْثَرَ السَّنَةِ وَجْهَانِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ فِي الْكُبْرَى. أَحَدُهُمَا: عَدَمُ اعْتِبَارِ ذَلِكَ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّارِحِ، وَابْنُ رَزِينٍ، وَقَالَ الْأَصْحَابُ: يَسْتَوِي غَصْبُ النِّصَابِ وَضَيَاعُهُ كُلَّ الْحَوْلِ أَوْ بَعْضَهُ وَقِيلَ: إنْ كَانَ السَّوْمُ عِنْدَ الْغَاصِبِ أَكْثَرَ، فَالرِّوَايَتَانِ، وَإِنْ كَانَ عِنْدَ رَبِّهَا أَكْثَرَ وَجَبَتْ، وَإِنْ كَانَتْ سَائِمَةً عِنْدَهُمَا وَجَبَتْ الزَّكَاةُ، عَلَى رِوَايَةِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْمَغْصُوبِ وَإِلَّا فَلَا. الثَّانِيَةُ: يُشْتَرَطُ فِي السَّوْمِ أَنْ تَرْعَى الْمُبَاحَ، فَلَوْ اشْتَرَى مَا تَرْعَاهُ، أَوْ جَمَعَ لَهَا مَا تَأْكُلُ، فَلَا زَكَاةَ فِيهَا، قَالَهُ الْأَصْحَابُ. الثَّالِثَةُ: هَلْ السَّوْمُ شَرْطٌ، أَوْ عَدَمُ السَّوْمِ مَانِعٌ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَأَطْلَقَهَا فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ. وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَالْفَائِقِ، فَعَلَى الْأَوَّلِ: لَا يَصِحُّ التَّعْجِيلُ قَبْلَ الشُّرُوعِ، وَيَصِحُّ عَلَى الثَّانِي، قُلْت: قَطَعَ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي وَالشَّارِحُ وَغَيْرِهِمَا بِأَنَّ السَّوْمَ شَرْطٌ، قُلْت: مَنَعَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ فِي حَوَاشِي الْفُرُوعِ مِنْ تَحَقُّقِ هَذَا الْخِلَافِ، وَقَالَ: كُلُّ مَا كَانَ وُجُودُهُ شَرْطًا كَانَ عَدَمُهُ مَانِعًا، كَمَا أَنَّ كُلَّ مَانِعٍ فَعَدَمُهُ شَرْطٌ، وَلَمْ
يُفَرِّقْ أَحَدٌ بَيْنَهُمَا بَلْ نَصُّوا عَلَى أَنَّ الْمَانِعَ عَكْسُ الشَّرْطِ، وَأَطَالَ الْكَلَامَ عَلَى ذَلِكَ وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ فِي الْخُلْطَةِ، فِي أَوَّلِ الْفَصْلِ الثَّانِي: التَّعَلُّقُ بِالْعَيْنِ لَا يَمْنَعُ انْعِقَادَ الْحَوْلِ اتِّفَاقًا. الرَّابِعَةُ: لَوْ غَصَبَ رَبُّ السَّائِمَةِ عَلَفَهَا، فَعَلَفَهَا وَقَطَعَ السَّوْمَ: فَفِي انْقِطَاعِهِ شَرْعًا وَجْهَانِ، قَطَعَ فِي الْمُغْنِي بِسُقُوطِ الزَّكَاةِ، قُلْت: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ، وَكَذَا لَوْ قَطَعَ مَاشِيَتَهُ عَنْ السَّوْمِ لِقَصْدِ قَطْعِ الطَّرِيقِ بِهَا وَنَحْوِهِ، أَوْ نَوَى قِنْيَةَ عَبِيدِ التِّجَارَةِ لِذَلِكَ، أَوْ نَوَى بِثِيَابِ الْحَرِيرِ الَّتِي لِلتِّجَارَةِ لُبْسَهَا، وَأَطْلَقَهُمَا فِي ذَلِكَ كُلِّهِ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ، وَابْنُ تَمِيمٍ قُلْت: الصَّوَابُ أَنَّهُ لَا يَنْقَطِعُ بِذَلِكَ، وَقَالَ فِي الرَّوْضَةِ: إنْ أَسَامَهَا بَعْضَ الْحَوْلِ، ثُمَّ نَوَاهَا لِعَمَلٍ أَوْ حَمْلٍ، فَلَا زَكَاةَ كَسُقُوطِ زَكَاةِ التِّجَارَةِ بِنِيَّةِ الْقِنْيَةِ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ، وَهِيَ مُحْتَمَلَةٌ، وَبَيْنَهُمَا فَرْقٍ، وَجَزَمَ جَمَاعَةٌ بِأَنَّ مَنْ نَوَى بِسَائِمَةٍ عَمَلًا لَمْ تَصِرْ لَهُ قِنْيَةً. انْتَهَى. الْخَامِسَةُ: تَجِبُ الزَّكَاةُ فِيمَا تَوَلَّدَ بَيْنَ سَائِمَةٍ وَمَعْلُوفَةٍ، قَالَهُ الْأَصْحَابُ، وَقَطَعُوا بِهِ، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَتَجِبُ عَلَى الْأَظْهَرِ فِيمَا وُلِدَ بَيْنَ سَائِمَةٍ وَمَعْلُوفَةٍ. تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ قَوْلِهِ (أَحَدُهَا: الْإِبِلُ، فَلَا زَكَاةَ فِيهَا حَتَّى تَبْلُغَ خَمْسًا فَتَجِبُ فِيهَا شَاةٌ) . أَنَّ الْقِيمَةَ لَا تُجْزِئُ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: تُجْزِئُهُ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ؛ لِأَنَّهَا بَدَلُ شَاةِ الْجُبْرَانِ، أَطْلَقَهُ بَعْضُ الْأَصْحَابِ وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ: لَا تُجْزِئُهُ مَعَ وُجُودِ الشَّاةِ، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ مِنْهُمْ ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ. فَائِدَةٌ: يُشْتَرَطُ فِي الشَّاةِ الْمُخْرَجَةِ عَنْ الْإِبِلِ: أَنْ تَكُونَ بِصِفَتِهَا، فَفِي كِرَامٍ سِمَانٍ كَرِيمَةٌ سَمِينَةٌ، وَالْعَكْسُ بِالْعَكْسِ، وَإِنْ كَانَتْ الْإِبِلُ مَعِيبَةً، فَقِيلَ: يُخْرِجُ شَاةً
كَشَاةِ الصِّحَاحِ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْمَالِ، فَلَمْ يُؤَثِّرْ فِيهَا عَيْبُهُ كَشَاةِ الْفِدْيَةِ وَالْأُضْحِيَّةِ، وَقِيلَ: تُجْزِئُهُ شَاةٌ صَحِيحَةٌ قِيمَتُهَا عَلَى قَدْرِ [قِيمَةِ] الْمَالِ تَنْقُصُ قِيمَتُهَا عَلَى قَدْرِ نَقْصِ الْإِبِلِ كَالْمُخْرَجَةِ عَنْ الْغَنَمِ. قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ لِلْمُوَاسَاةِ [ثُمَّ رَأَيْت الْمُصَنِّفَ فِي الْمُغْنِي قَدَّمَهُ، وَكَذَلِكَ الشَّارِحُ، وَابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ وَهُوَ ظَاهِرُ مَا قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى] ، وَعَلَيْهَا لَا يُجْزِئُهُ شَاةٌ مَعِيبَةٌ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الْمَالِ، وَقِيلَ: تُجْزِئُهُ شَاةٌ تُجْزِئُ فِي الْأُضْحِيَّةِ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَأَطْلَقَهُنَّ فِي الْفُرُوعِ وَالْمَجْدِ فِي شَرْحِهِ. قَوْلُهُ {فَإِنْ أَخْرَجَ بَعِيرًا لَمْ يُجْزِئْهُ} هَذَا الْمَذْهَبُ الْمَنْصُوصُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ أَصْحَابِهِ، وَقِيلَ: يُجْزِئُهُ إنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ قِيمَةَ شَاةٍ وَسَطٍ فَأَكْثَرَ، بِنَاءً عَلَى إخْرَاجِ الْقِيمَةِ، وَقِيلَ: يُجْزِئُهُ إنْ أَجْزَأَ عَنْ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ. وَإِلَّا فَلَا، فَعَلَى الْقَوْلِ بِالْإِجْزَاءِ: هَلْ الْوَاجِبُ كُلُّهُ أَوْ خُمُسُهُ؟ حَكَى الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى الصَّغِيرِ وَجْهَيْنِ، فَعَلَى الثَّانِي: يُجْزِئُ عَنْ الْعِشْرِينَ بَعِيرًا، وَعَلَى الْأَوَّلِ: لَا يُجْزِئُ عَنْهَا إلَّا أَرْبَعَةُ أَبْعِرَةٍ، قُلْت: الْأَوْلَى أَنَّ الْوَاجِبَ كُلُّهُ، وَأَنَّهُ يُجْزِئُ عَنْ الْعِشْرِينَ [بَعِيرًا] عَلَى الْأَوَّلِ أَيْضًا، قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ، قُلْت: وَيَنْبَنِي عَلَيْهَا لَوْ اقْتَضَى الْحَالُ الرُّجُوعَ، فَهَلْ يَرْجِعُ بِكُلِّهِ أَوْ خُمُسِهِ؟ فَإِنْ قُلْنَا: الْجَمِيعُ وَاجِبٌ رَجَعَ. وَإِنْ قُلْنَا: الْوَاجِبُ الْخُمُسُ، وَالزَّائِدُ تَطَوُّعٌ رَجَعَ بِالْوَاجِبِ لَا التَّطَوُّعِ وَمِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يَنْبَنِيَ عَلَيْهِ أَيْضًا: النِّيَّةُ، فَإِنْ جَعَلْنَا الْجَمِيعَ فَرْضًا نَوَى الْجَمِيعَ فَرْضًا لُزُومًا، وَإِنْ قُلْنَا الْوَاجِبُ الْخُمُسُ كَفَاهُ الِاقْتِصَارُ عَلَيْهِ فِي النِّيَّةِ. انْتَهَى.
وَيَأْتِي نَظِيرُ ذَلِكَ فِي أَوَاخِرِ بَابِ الْفِدْيَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ " وَكُلُّ دَمٍ ذَكَرْنَاهُ يُجْزِئُ فِيهِ شَاةٌ أَوْ سُبُعُ بَدَنَةٍ " وَفِي الْهَدْيِ وَالْأَضَاحِيِّ، عِنْدَ قَوْلِهِ " إذَا نَذَرَ هَدْيًا مُطْلَقًا ". فَوَائِدُ: مِنْهَا: لَوْ أَخْرَجَ بَقَرَةً لَمْ تُجْزِهِ، قَوْلًا وَاحِدًا، وَإِنْ أَخْرَجَ نِصْفَيْ شَاتَيْنِ لَمْ يُجْزِهِ أَيْضًا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَقِيلَ: يُجْزِئُ، وَمِنْهَا: قَوْلُهُ فِي بِنْتِ الْمَخَاضِ {فَإِنْ عَدِمَهَا أَجْزَأَهُ ابْنُ لَبُونٍ} الْعَدَمُ إمَّا لِكَوْنِهَا لَيْسَتْ فِي مَالِهِ، أَوْ كَانَتْ فِي مَالِهِ وَلَكِنَّهَا مَعِيبَةٌ. تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ قَوْلِهِ {فَإِنْ عَدِمَهَا أَجْزَأَهُ ابْنُ لَبُونٍ} أَنَّ خُنْثَى ابْنِ لَبُونٍ لَا يُجْزِئُ، وَهُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: الْإِجْزَاءُ، جَزَمَ بِهِ فِي الْفَائِقِ وَغَيْرِهِ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ الْأَشْهَرُ، قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَيُجْزِئُ الْخُنْثَى الْمُشْكِلُ فِي الْأَقْيَسِ. قَالَ فِي تَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ: هَذَا الْأَظْهَرُ، وَمِنْهَا: يَجُوزُ إخْرَاجُ الْحِقَّةِ وَالْجَذَعَةِ وَالثَّنِيُّ عَنْ بِنْتِ الْمَخَاضِ إذَا عَدِمَهَا، عَلَى الْمَذْهَبِ بَلْ هِيَ أَوْلَى لِزِيَادَةِ السِّنِّ، وَلَوْ وُجِدَ ابْنُ لَبُونٍ، وَأَمَّا بِنْتُ اللَّبُونِ: فَجَزَمَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ: بِالْجَوَازِ، مَعَ وُجُودِ ابْنِ لَبُونٍ، وَلَهُ جِيرَانٌ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ غَيْرِهِمْ عَلَى مَا يَأْتِي، وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَفِي بِنْتِ لَبُونٍ وَجْهَانِ؛ لِاسْتِغْنَائِهِ بِابْنِ اللَّبُونِ عَنْ الْجِيرَانِ، وَجَزَمَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ بِالْجَوَازِ؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ لَمْ يَشْتَرِطْ لِأَحَدِهِمَا عَدَمَ الْإِجْزَاءِ. انْتَهَى. وَمِنْهَا: لَوْ كَانَ فِي مَالِهِ بِنْتُ مَخَاضٍ أَعْلَى مِنْ الْوَاجِبِ لَمْ يُجْزِئْهُ ابْنُ لَبُونٍ جَزَمَ بِهِ الْأَصْحَابُ، لَكِنْ لَا يَلْزَمُهُ إخْرَاجُهَا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ بَلْ يُخَيَّرُ بَيْنَ إخْرَاجِهَا وَبَيْنِ شِرَاءِ بِنْتِ مَخَاضٍ لِصِفَةِ الْوَاجِبِ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: هَذَا الْأَشْهَرُ، وَجَزَمَ بِهِ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ إخْرَاجُهَا، وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ، وَمِنْهَا: لَا يَجْبُرُ فَقْدَ الْأُنُوثِيَّةِ بِزِيَادَةِ السِّنِّ فِي مَالِهِ غَيْرُ بِنْتِ مَخَاضٍ، عَلَى
الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، فَلَا يُخْرِجُ عَنْ بِنْتِ لَبُونٍ حِقًّا إذَا لَمْ تَكُنْ فِي مَالِهِ، وَلَا عَنْ الْحِقِّ جَذَعًا، قَالَهُ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ، وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ، وَنَصَرَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، قَالَ فِي الْفَائِقِ: لَا يُجْبَرُ نَقْصُ الذُّكُورِيَّةِ بِزِيَادَةِ سَنٍّ، فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ، وَقِيلَ: يَجْبُرُ، ذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي مَوْضِعٍ مِنْ الْفُصُولِ جَوَازَ الْجَذَعِ عَنْ الْحِقَّةِ، وَعَنْ بِنْتِ لَبُونٍ [قَالَ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ: اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ] وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ وَالرِّعَايَةِ. قَوْلُهُ (فَإِنْ عَدِمَهُ أَيْضًا: لَزِمَهُ بِنْتُ مَخَاضٍ) هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ؛ لِقَوْلِهِ فِي خَبَرِ أَبِي بَكْرٍ الصَّحِيحِ «فَمَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ بِنْتُ مَخَاضٍ عَلَى وَجْهِهَا وَعِنْدَهُ ابْنُ لَبُونٍ، فَإِنَّهُ يُقْبَلُ مِنْهُ» ذَكَرَهُ ابْنُ حَامِدٍ وَتَبِعَهُ الْأَصْحَابُ، قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقِيلَ: يُجْزِئُهُ ابْنُ لَبُونٍ إذَا حَصَّلَهُ، اخْتَارَهُ أَبُو الْمَعَالِي، قَالَ فِي تَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ: فَإِنْ عَدِمَ ابْنَ لَبُونٍ حَصَّلَ أَصْلًا، لَا بَدَلًا، فِي الْأَظْهَرِ. تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ قَوْلِهِ {وَفِي سِتٍّ وَثَلَاثِينَ بِنْتُ لَبُونٍ} عَدَمُ إجْزَاءِ ابْنِ لَبُونٍ إذَا عَدِمَهَا، وَلَوْ جَبَرَهُ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ. وَقِيلَ: يُجْزِئُ، وَقِيلَ: يُجْزِئُ وَيَجْبُرُهُ. فَوَائِدُ: الْأُولَى: يُجْزِئُ الثَّنِيَّةُ عَنْ الْجَذَعَةِ بِلَا جُبْرَانٍ، بِلَا نِزَاعٍ، قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: وَلَا يُجْزِئُ سِنٌّ فَوْقَ الثَّنِيَّةِ، وَأَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ مِنْ الْأَصْحَابِ: الْإِجْزَاءَ فِي مَسْأَلَةِ الْجُبْرَانِ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ أَظْهَرُ، وَقِيلَ: تُجْزِئُ حِقَّتَانِ، أَوْ ابْنَتَا لَبُونٍ عَنْ الْجَذَعَةِ، وَابْنَتَا لَبُونٍ عَنْ الْحِقَّةِ، جَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ، قَالَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ: وَيَنْتَقِضُ بِنْتُ مَخَاضٍ عَنْ عِشْرِينَ وَثَلَاثُ بَنَاتِ مَخَاضٍ عَنْ الْجَذَعَةِ.
الثَّانِيَةُ: الْأَسْنَانُ الْمَذْكُورَةُ فِي الْإِبِلِ، فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْفُقَهَاءِ، هُوَ قَوْلُ أَهْلِ اللُّغَةِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَأَكْثَرُهُمْ قَطَعَ بِهِ وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى أَنَّ بِنْتَ الْمَخَاضِ عُمُرُهَا سَنَتَانِ، وَبِنْتُ اللَّبُونِ لَهَا ثَلَاثُ سِنِينَ، وَالْحِقَّةُ أَرْبَعُ سِنِينَ، وَالْجَذَعَةُ خَمْسُ سِنِينَ كَامِلَةٌ، وَحَمَلَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ عَلَى بَعْضِ السَّنَةِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَكَيْفَ يَحْمِلُهُ عَلَى بَعْضِ السَّنَةِ، مَعَ قَوْلِهِ: كَامِلَةٌ؟ . انْتَهَى. وَقِيلَ: لِبِنْتِ الْمَخَاضِ نِصْفُ سَنَةٍ، وَلِبِنْتِ اللَّبُونِ سَنَةٌ، وَلِلْحِقَّةِ سَنَتَانِ، وَلِلْجَذَعَةِ ثَلَاثُ سِنِينَ، وَقِيلَ: لِلْجَذَعَةِ سِتُّ سِنِينَ، وَقِيلَ: سِنُّ بِنْتِ الْمَخَاضِ مُدَّةُ الْحَمْلِ، وَعَنْ أَحْمَدَ بِنْتُ الْمَخَاضِ الَّتِي أُمُّهَا تَتَمَخَّضُ بِغَيْرِهَا. الثَّالِثَةُ: سُمِّيَتْ بِنْتَ مَخَاضٍ، لِأَنَّ أُمَّهَا قَدْ حَمَلَتْ غَالِبًا، وَلَيْسَ بِشَرْطٍ، وَالْمَخَاضُ: الْحَمْلُ، وَسُمِّيَتْ بِنْتَ لَبُونٍ: لِأَنَّ أُمَّهَا وَضَعَتْ وَهِيَ ذَاتُ لَبَنٍ، وَسُمِّيَتْ حِقَّةً: لِأَنَّهَا اسْتَحَقَّتْ أَنْ تُرْكَبَ، وَيُحْمَلَ عَلَيْهَا، وَيَطْرُقَهَا الْفَحْلُ، وَسُمِّيَتْ جَذَعَةً: لِأَنَّهَا تَجْذَعُ إذَا سَقَطَتْ سِنُّهَا. وَالثَّنِيَّةُ: يَأْتِي مِقْدَارُ سِنِّهَا فِي بَابِ الْأُضْحِيَّةِ. قَوْلُهُ {إلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ، فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةٌ فَفِيهَا ثَلَاثُ بَنَاتِ لَبُونٍ} ، الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ: أَنَّ الْفَرْضَ يَتَغَيَّرُ بِزِيَادَةِ وَاحِدَةٍ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ، وَعَنْهُ لَا يَتَغَيَّرُ الْفَرْضُ حَتَّى تَبْلُغَ ثَلَاثِينَ وَمِائَةً، فَيَكُونُ فِيهَا حِقٌّ وَبِنْتًا لَبُونٍ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ فِي كِتَابِ الْخِلَافِ، وَأَبُو بَكْرٍ الْآجُرِّيُّ، فَعَلَيْهَا: وُجُوبُ الْحِقَّتَيْنِ إلَى تِسْعَةٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ، وَعَنْهُ فِي إحْدَى وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ حِقَّتَانِ وَبِنْتُ مَخَاضٍ إلَى أَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ.
قَالَ الْقَاضِي: وَذَلِكَ سَهْوٌ مِنْ نَاقِلِهِ، وَنَقَلَ حَرْبٌ: أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ، قَالَهُ ابْنُ تَمِيمٍ فِي بَعْضِ النُّسَخِ، فَعَلَى الْمَذْهَبِ: هَلْ الْوَاحِدَةُ عَفْوٌ، وَإِنْ تَغَيَّرَ الْفَرْضُ بِهَا يَتَعَلَّقُ بِهَا الْوُجُوبُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، ذَكَرَهُمَا ابْنُ عَقِيلٍ فِي عُمَدِ الْأَدِلَّةِ، وَتَابَعَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَصَاحِبُ الْفُرُوعِ، وَأَطْلَقَهُمَا، قُلْت: الصَّوَابُ أَنَّ الْوُجُوبَ يَتَعَلَّقُ بِهَا، وَكَذَا فِي غَيْرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ. فَائِدَةٌ: لَا يَتَغَيَّرُ الْوَاجِبُ بِزِيَادَةِ بَعْضِ بَعِيرٍ، وَلَا بَقَرَةٍ وَلَا شَاةٍ، بِلَا نِزَاعٍ أَعْلَمُهُ فِي الْمَذْهَبِ. قَوْلُهُ (فَإِذَا بَلَغَتْ مِائَتَيْنِ اتَّفَقَ الْفَرْضَانِ، فَإِنْ شَاءَ أَخْرَجَ أَرْبَعَ حِقَاقٍ، وَإِنْ شَاءَ أَخْرَجَ خَمْسَ بَنَاتِ لَبُونٍ) هَذَا عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ، وَابْنُ حَامِدٍ، وَالْقَاضِي، قَالَ فِي كِتَابِ الرِّوَايَتَيْنِ: هَذَا الْأَشْبَهُ، وَاخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ، قَالَ الْآمِدِيُّ: هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، وَيَحْتَمِلُهُ كَلَامُ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ، وَابْنِ مَنْصُورٍ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ، وَقَالَ: وَهُوَ الْأَظْهَرُ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَابْنُ حَامِدٍ، وَجَمَاعَةٌ، قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى نَظِيرِهِ فِي زَكَاةِ الْبَقَرِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِفَادَاتِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْوَجِيزِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَمُخْتَصَرِ ابْنِ تَمِيمٍ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ، وَالْمَنْصُوصُ: أَنَّهُ يُخْرِجُ الْحِقَاقَ، وَقَالَهُ الْقَاضِي فِي شَرْحِهِ وَمُقْنِعِهِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَقَدَّمَهُ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْهَادِي، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ. وَاسْتَثْنَى فِي الْوَجِيزِ، وَالزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرِهِمَا: مَالَ الْيَتِيمِ وَالْمَجْنُونِ، فَإِنَّهُ يَتَعَيَّنُ إخْرَاجُ الْأَدْوَنِ الْمُجْزِئِ مِنْهُمَا، وَقَدَّمَ الْقَاضِي فِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ: أَنَّ
السَّاعِيَ يَأْخُذُ أَفْضَلَهُمَا إذَا وُجِدَا فِي مَالِهِ، وَقَالَ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُمَا: يَتَعَيَّنُ مَا وُجِدَ عِنْدَهُ مِنْهُمَا، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَمُرَادُهُمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ السَّاعِيَ لَيْسَ لَهُ تَكْلِيفُ الْمَالِكِ سِوَاهُ، وَفِي كَلَامِ غَيْرِ وَاحِدٍ مَا يَدُلُّ عَلَى هَذَا، قَالَ: وَلَمْ أَجِدْ تَصْرِيحًا بِخِلَافِهِ، وَإِلَّا فَالْقَوْلُ بِهِ مُطْلَقًا بَعِيدٌ عِنْدَ غَيْرِ وَاحِدٍ، لَا وَجْهَ لَهُ. تَنْبِيهٌ: مَنْصُوصُ أَحْمَدَ عَلَى التَّعْيِينِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، فَتَجِبُ الْحِقَاقُ عَيْنًا مُطْلَقًا، جَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ، وَغَيْرِهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَأَوَّلَهُ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ عَلَى صِفَةِ التَّخْيِيرِ، وَتَقَدَّمَ قَوْلُ الْقَاضِي، وَابْنِ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُمَا: أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ مَا وُجِدَ عِنْدَهُ مِنْهُمَا. فَائِدَتَانِ. إحْدَاهُمَا: لَوْ كَانَتْ [إبِلٌ] أَرْبَعَمِائَةٍ، فَعَلَى الْمَنْصُوصِ: لَا يُجْزِئُ غَيْرُ الْحِقَاقِ وَعَلَى قَوْلِ الْأَصْحَابِ: يُخَيَّرُ بَيْنَ إخْرَاجِ ثَمَانِ حِقَاقٍ، أَوْ عَشْرِ بَنَاتِ لَبُونٍ، فَإِنْ أَخْرَجَ أَرْبَعَ حِقَاقٍ وَخَمْسَ بَنَاتِ لَبُونٍ جَازَ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: هَذَا الْمَعْرُوفُ، وَجَزَمَ بِهِ الْأَئِمَّةُ ثُمَّ قَالَ: فَإِطْلَاقُ وَجْهَيْنِ سَهْوٌ، قَالَ فِي الْقَاعِدَةِ الْحَادِيَةِ بَعْدَ الْمِائَةِ: جَازَ بِغَيْرِ خِلَافٍ، قُلْت: ذَكَرَ الْوَجْهَيْنِ ابْنُ تَمِيمٍ. أَمَّا لَوْ أَخْرَجَ مَعَ التَّشْقِيصِ، كَحِقَّتَيْنِ وَبِنْتَيْ لَبُونٍ، وَنِصْفٍ عَنْ مِائَتَيْنِ، لَمْ يَجُزْ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ، قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: لَمْ يَجُزْ عَلَى الْأَصَحِّ، وَفِيهِ وَجْهٌ لَا يَجُوزُ مُطْلَقًا. انْتَهَى. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَفِيهِ تَخْرِيجٌ مِنْ عِتْقِ نِصْفَيْ عَبْدٍ فِي الْكَفَّارَةِ، قَالَ: وَهُوَ ضَعِيفٌ. الثَّانِيَةُ: أَفَادَنَا الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِقَوْلِهِ (وَلَيْسَ فِيمَا بَيْنَ الْفَرْضَيْنِ شَيْءٌ) أَنَّ الزَّكَاةَ تَتَعَلَّقُ بِالنِّصَابِ، لَا بِمَا زَادَ مِنْ الْأَوْقَاصِ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ.
وَقِيلَ: تَجِبُ فِي وَقْصِهَا أَيْضًا. اخْتَارَهُ الشِّيرَازِيُّ، وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ مُسْتَوْفًى بِفَوَائِدِهِ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ " وَتَجِبُ فِيمَا زَادَ عَلَى النِّصَابِ بِالْحِسَابِ إلَّا فِي السَّائِمَةِ ". قَوْلُهُ (وَمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ سِنٌّ فَعَدِمَهَا: أَخْرَجَ سِنًّا أَسْفَلَ مِنْهَا، وَمَعَهَا شَاتَانِ، أَوْ عِشْرُونَ دِرْهَمًا، وَإِنْ شَاءَ أَخْرَجَ سِنًّا أَعْلَى مِنْهَا، وَأَخَذَ مِثْلَ ذَلِكَ) ، وَهَذَا بِلَا نِزَاعٍ بِشَرْطِهِ، وَيُعْتَبَرُ فِيمَا عَدَلَ إلَيْهِ: أَنْ يَكُونَ فِي مِلْكِهِ، فَلَوْ عَدِمَهَا لَزِمَهُ تَحْصِيلُ الْأَصْلِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعُوا بِهِ، وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: لَا يُعْتَبَرُ كَوْنُ ذَلِكَ فِي مِلْكِهِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي بِنْتِ الْمَخَاضِ إذَا عَدِمَهَا أَوْ عَدِمَ ابْنَ اللَّبُونِ. تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَكَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ [وَالْمُغْنِي] أَنَّهُ لَوْ أَخْرَجَ شَاةً أَوْ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ، أَوْ أَخَذَ شَاةً وَعَشَرَةَ دَرَاهِمَ: أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ، وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ هُوَ احْتِمَالٌ فِي الْكَافِي، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَمَالَا إلَيْهِ وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَقِيلَ: يُجْزِئُهُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَقَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: وَهُوَ أَقْيَسُ بِالْمَذْهَبِ، قَالَ ابْنُ أَبِي الْمَجْدِ فِي مُصَنَّفِهِ: أَجْزَأَهُ فِي الْأَظْهَرِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِفَادَاتِ، وَصَحَّحَهُ فِي تَصْحِيحِ الْمُحَرَّرِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْكَافِي، وَابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمَذْهَبِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَشَرْحِ الْهِدَايَةِ لَهُ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالنَّظْمِ، وَالْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَالْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ. قَوْلُهُ (فَإِنْ عَدِمَ السِّنَّ الَّتِي تَلِيهَا: انْتَقَلَ إلَى الْأُخْرَى، وَجَبَرَهَا بِأَرْبَعِ شِيَاهٍ، أَوْ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا) وَهُوَ الْمَذْهَبُ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ، قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: هُوَ أَقْيَسُ بِالْمَذْهَبِ، قَالَ ابْنُ أَبِي الْمَجْدِ: وَأَوْمَأَ إلَيْهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَقَالَ النَّاظِمِ: هَذَا الْأَقْوَى، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ،
وَمُنْتَخَبِ الْأَدَمِيِّ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفَائِقِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالشَّرْحِ، وَمَالَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي، وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: لَا يَنْتَقِلُ إلَّا إلَى سِنٍّ تَلِي الْوَاجِبَ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، قَالَ فِي النِّهَايَةِ: هُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ فِي الْخُلَاصَةِ وَقَدَّمَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُذْهَبِ، وَالْكَافِي، وَالتَّلْخِيصِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَالْفُرُوعِ، فَعَلَى الْمَذْهَبِ: يَجُوزُ الِانْتِقَالُ إلَى جُبْرَانٍ ثَالِثٍ إذَا عَدِمَ الثَّانِيَ كَمَا لَوْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ جَذَعَةٌ وَعَدِمَ الْحِقَّةَ وَبِنْتَ اللَّبُونِ، فَلَهُ الِانْتِقَالُ [إلَى بِنْتِ مَخَاضٍ، أَوْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ بِنْتُ مَخَاضٍ، وَعَدِمَ بِنْتَ لَبُونٍ، وَابْنَ لَبُونٍ، وَالْحِقَّةَ فَلَهُ الِانْتِقَالُ] إلَى الْجَذَعَةِ، قَالَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَالْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ وَغَيْرُهُمْ. فَوَائِدُ. إحْدَاهَا: حَيْثُ جَوَّزْنَا الْجُبْرَانَ فَالْخِيَرَةُ فِيهِ لِرَبِّ الْمَالِ مُطْلَقًا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالْكَافِي، وَالشَّرْحِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَابْنُ رَزِينٍ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرِهِمَا. إلَّا وَلِيَّ الْيَتِيمِ وَالْمَجْنُونِ، فَإِنَّهُ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ إخْرَاجُ الْأَدْوَنِ الْمُجْزِئِ فَيُعَايَى بِهَا، وَقَالَ الْقَاضِي: الْخِيَرَةُ فِيهِ لِمَنْ أَعْطَى، سَوَاءٌ كَانَ رَبَّ الْمَالِ أَوْ الْآخِذَ، وَاخْتَارَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَوَجَّهَ فِي الْفُرُوعِ تَخْرِيجًا بِتَخْيِيرِ السَّاعِي. الثَّانِيَةُ: حَيْثُ تَعَدَّدَ الْجُبْرَانُ، جَازَ إخْرَاجُ جُبْرَانٍ غَنَمًا، وَجُبْرَانٍ دَرَاهِمَ، فَيَجُوزُ إخْرَاجُ شَاتَيْنِ، أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا، وَهَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، جَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ وَغَيْرِهِمَا، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ، وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ، قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ: كَذَا الْحُكْمُ فِي الْجُبْرَانِ الَّذِي يُخْرِجُهُ عَنْ فَرْضِ الْمِائَتَيْنِ مِنْ الْإِبِلِ إذَا أَخْرَجَ عَنْ خَمْسِ بَنَاتٍ لَبُونٍ خَمْسَ بَنَاتِ
مَخَاضٍ، أَوْ مَكَانَ أَرْبَعِ حِقَاقٍ أَرْبَعَ بَنَاتِ لَبُونٍ، وَقَالَهُ غَيْرُهُمَا، وَهُوَ دَاخِلٌ فِي كَلَامِ صَاحِبِ الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ، وَأَمَّا الْجُبْرَانُ الْوَاحِدُ: فَفِيهِ الْخِلَافُ الْمُتَقَدِّمُ. الثَّالِثَةُ: إذَا عَدِمَ السِّنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ، وَالنِّصَابُ مُعَيَّبٌ: فَلَهُ دَفْعُ السِّنِّ السُّفْلِيِّ مَعَ الْجُبْرَانِ، وَلَيْسَ لَهُ دَفْعُ مَا فَوْقَهَا مَعَ أَخْذِ الْجُبْرَانِ؛ لِأَنَّ الْجُبْرَانَ قَدَّرَهُ الشَّارِعُ وَفْقَ مَا بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ، وَمَا بَيْنَ الْمَعِيبَيْنِ أَقَلُّ مِنْهُ، فَإِذَا دَفَعَ الْمَالِكُ جَازَ التَّطَوُّعُ بِالزَّائِدِ، بِخِلَافِ السَّاعِي، وَبِخِلَافِ وَلِيِّ الْيَتِيمِ وَالْمَجْنُونِ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ إخْرَاجُ الْأَدْوَنِ، وَهُوَ أَقَلُّ الْوَاجِبِ كَمَا لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَبَرَّعَ، كَمَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا. الرَّابِعَةُ: لَوْ أَخْرَجَ سِنًّا أَعْلَى مِنْ الْوَاجِبِ، فَهَلْ كُلُّهُ فَرْضٌ، أَوْ بَعْضُهُ تَطَوُّعٌ؟ قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: كُلُّهُ فَرْضٌ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلْقَاعِدَةِ، وَقَالَ الْقَاضِي: بَعْضُهُ تَطَوُّعٌ، قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ [بَعْضُهُ تَطَوُّعٌ، قَالَ ابْنُ رَجَبٍ] وَهُوَ الصَّوَابُ؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ أَعْطَاهُ جُبْرَانًا عَنْ الزِّيَادَةِ. فَائِدَتَانِ. إحْدَاهُمَا: قَوْلُهُ (فِي زَكَاةِ الْبَقَرِ: فَيَجِبُ فِيهَا تَبِيعٌ أَوْ تَبِيعَةٌ) " التَّبِيعُ " مَا عُمُرُهُ سَنَةٌ وَدَخَلَ فِي الثَّانِيَةِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: ذَكَرَهُ الْأَكْثَرُ، وَقَالَ فِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ: هِيَ الَّتِي لَهَا نِصْفُ سَنَةٍ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: سَنَتَانِ، وَقِيلَ: مَا يَتْبَعُ أُمَّهُ إلَى الْمَرْعَى، وَقِيلَ: مَا انْعَطَفَ شَعْرُهُ، وَقِيلَ: مَا حَاذَى قَرْنُهُ أُذُنَهُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، " وَالتَّبِيعُ " جَذَعُ الْبَقَرِ. الثَّانِيَةُ: يُجْزِئُ إخْرَاجُ مُسِنٍّ عَنْ تَبِيعٍ وَتَبِيعَةٍ، قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ. قَوْلُهُ (وَفِي أَرْبَعِينَ مُسِنَّةٌ، وَهِيَ الَّتِي لَهَا سَنَتَانِ) وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، أَعْنِي أَنَّ الْمُسِنَّةَ هِيَ الَّتِي لَهَا سَنَتَانِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَقَالَ الْقَاضِي فِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ: هِيَ الَّتِي لَهَا سَنَةٌ، وَقِيلَ: هِيَ الَّتِي
لَهَا ثَلَاثُ سِنِينَ، وَقِيلَ: هِيَ الَّتِي لَهَا أَرْبَعُ سِنِينَ. وَقِيلَ: هِيَ الَّتِي يَلِدُ مِثْلُهَا، وَقِيلَ: هِيَ الَّتِي لَهَا ثَلَاثُ سِنِينَ، وَقِيلَ: هِيَ الَّتِي بَلَغَتْ سِنَّ أُمِّهَا حِينَ وَضَعَتْهَا، وَقِيلَ: هِيَ الَّتِي أَلْقَتْ سِنًّا، نَصَّ عَلَيْهِ، وَحَزَمَ بِهِ فِي الْفُرُوعِ، وَلَهَا سَنَتَانِ. فَوَائِدُ. مِنْهَا: " الْمُسِنَّةُ " هِيَ ثَنِيَّةُ الْبَقَرِ ، وَمِنْهَا: يَجُوزُ إخْرَاجُ أَعْلَى مِنْ الْمُسِنَّةِ مِنْهَا عَنْهَا، وَمِنْهَا: لَا يُجْزِئُ إخْرَاجُ مُسِنٍّ عَنْ مُسِنَّةٍ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ، وَقِيلَ: يُجْزِئُ، وَجَزَمَ بِهِ بَعْضُهُمْ، فَعَلَيْهِ يُجْزِئُ إخْرَاجُ ثَلَاثَةِ أَتْبِعَةٍ عَنْ مُسِنَّتَيْنِ، وَمِنْهَا: قَوْلُهُ (ثُمَّ فِي ثَلَاثِينَ تَبِيعٌ، وَفِي كُلّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةٌ) بِلَا نِزَاعٍ. لَكِنْ لَوْ اجْتَمَعَ الْفَرْضَانِ كَمِائَةٍ وَعِشْرِينَ فَحُكْمُهَا حُكْمُ الْإِبِلِ إذَا اجْتَمَعَ الْفَرْضَانِ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ لَك، نَصَّ الْإِمَامُ أَحْمَدَ هُنَا عَلَى التَّخْيِيرِ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَقَالَ فِي مُخْتَصَرِ ابْنِ تَمِيمٍ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ: فَإِنْ اجْتَمَعَ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ. فَهَلْ يَتَعَيَّنُ فِيهَا ثَلَاثُ مُسِنَّاتٍ، أَوْ يُخَيَّرُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ أَرْبَعَةِ أَتْبِعَةٍ؟ وَجْهَانِ، وَقَالَ الْقَاضِي فِي أَحْكَامِهِ: يَأْخُذُ الْعَامِلُ الْأَفْضَلَ، وَقِيلَ: الْمُسِنَّاتِ. قَوْلُهُ (وَلَا يُجْزِئُهُ الذَّكَرُ فِي الزَّكَاةِ فِي غَيْرِ هَذَا، إلَّا ابْنَ لَبُونٍ مَكَانَ بِنْتِ مَخَاضٍ إذَا عَدِمَهَا) كَمَا تَقَدَّمَ، وَهَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، إلَّا مَا اسْتَثْنَى، عَلَى مَا يَأْتِي قَرِيبًا، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَقِيلَ: يُجْزِئُ ذَكَرُ الْغَنَمِ عَنْ الْإِبِلِ وَالْغَنَمِ أَيْضًا. قَوْلُهُ (إلَّا أَنْ يَكُونَ النِّصَابُ كُلُّهُ ذُكُورًا، فَيُجْزِئُ الذَّكَرُ فِي الْغَنَمِ، وَجْهًا وَاحِدًا) ، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْ الْأَصْحَابِ، كَالْمُصَنِّفِ.
وَقِيلَ: لَا يُجْزِئُ، فَعَلَيْهِ: يُجْزِئُ أُنْثَى بِقِيمَةِ الذَّكَرِ، فَيُقَوَّمُ النِّصَابُ مِنْ الْأَنَاثَى، وَتُقَوَّمُ فَرِيضَتُهُ، وَيُقَوَّمُ نِصَابُ الذُّكُورِ وَتُؤْخَذُ أُنْثَى بِقِسْطِهِ. قَوْلُهُ (وَفِي الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) يَعْنِي يُجْزِئُ إخْرَاجُ الذَّكَرِ إذَا كَانَ النِّصَابُ كُلُّهُ ذُكُورًا فِي الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، صَحَّحَهُ فِي النَّظْمِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْعُمْدَةِ، وَغَيْرِهِمَا، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ، وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ، وَغَيْرِهِمْ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يُجْزِئُ فِيهَا إلَّا أُنْثَى، فَتُقَدَّمُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي نِصَابِ ذُكُورِ الْغَنَمِ عَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَقِيلَ: يُجْزِئُ عَنْ الْبَقَرِ لَا عَنْ الْإِبِلِ؛ لِئَلَّا يُجْزِئَ ابْنُ لَبُونٍ عَنْ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ وَعَنْ سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ، فَيُسَاوِي الْفَرْضَانِ، وَقِيلَ: يُجْزِئُ ابْنُ مَخَاضٍ عَنْ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ، فَيَقُومُ الذَّكَرُ مَقَامَ الْأُنْثَى الَّتِي فِي سِنِّهِ كَسَائِرِ النُّصُبِ، وَحَكَاهُ ابْنُ تَمِيمٍ عَنْ الْقَاضِي، وَأَنَّهُ أَصَحُّ، وَقَالَ الْقَاضِي: يُخْرِجُ عَنْ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ ابْنَ لَبُونٍ زَائِدَ الْقِيمَةِ عَلَى ابْنِ مَخَاضٍ بِقَدْرِ مَا بَيْنَ النِّصَابَيْنِ، وَقَالَ فِي الْمُذْهَبِ: فَإِنْ كَانَتْ كُلُّهَا ذُكُورًا أَجْزَأَ إخْرَاجُ الذَّكَرِ فِي الْبَقَرِ، قَوْلًا وَاحِدًا، وَفِي الْإِبِلِ وَالْغَنَمِ وَجْهَانِ، كَذَا وَجَدْته فِي نُسْخَتَيْنِ، الْقَطْعُ بِالْإِجْزَاءِ فِي الْبَقَرِ، وَإِطْلَاقُ الْخِلَافِ فِي الْإِبِلِ وَالْغَنَمِ، وَلَمْ أَرَ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ لِغَيْرِهِ، فَلَعَلَّهُ تَصْحِيفٌ مِنْ الْكَاتِبِ. قَوْلُهُ (وَيُؤْخَذُ مِنْ الصِّغَارِ صَغِيرَةٌ، وَمِنْ الْمِرَاضِ مَرِيضَةٌ) هَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي الصَّغِيرَةِ وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا يُؤْخَذُ إلَّا كَبِيرَةٌ صَحِيحَةٌ، عَلَى قَدْرِ الْمَالِ، وَحَكَاهُ عَنْ أَحْمَدَ قَالَ الْقَاضِي: أَوْمَأَ إلَيْهِ أَحْمَدُ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ، وَذَكَرَهُ فِي الِانْتِصَارِ، وَالْوَاضِحِ رِوَايَةً
قَالَ الْحَلْوَانِيُّ: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، كَشَاةِ الْإِبِلِ، وَفَرَّقَ بَيْنَهَا، فَعَلَى الْمَذْهَبِ: يُتَصَوَّرُ أَخْذُ الصَّغِيرَةِ إذَا أَبْدَلَ الْكِبَارَ بِصِغَارٍ، أَوْ مَاتَتْ الْأُمَّاتُ وَبَقِيَتْ الصِّغَارُ، وَذَلِكَ عَلَى الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ: أَنَّ الْحَوْلَ يَنْعَقِدُ عَلَى الصِّغَارِ مُنْفَرِدًا كَمَا تَقَدَّمَ. تَنْبِيهٌ: شَمِلَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ " وَيُؤْخَذُ مِنْ الصِّغَارِ صَغِيرَةٌ " الْفُصْلَانَ مِنْ الْإِبِلِ، وَالْعَجَاجِيلَ مِنْ الْبَقَرِ، فَيُؤْخَذُ مِنْهَا كَالسِّخَالِ، وَهُوَ أَحَدُ الْوُجُوهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَالْفَائِقُ، وَالرِّعَايَةُ الْكُبْرَى، وَالْحَاوِي الْكَبِيرُ، وَالشَّرْحُ، وَشَرْحُ ابْنِ رَزِينٍ وَغَيْرُهُمْ، فَلَا أَثَرَ لِلسِّنِّ، وَيُعْتَبَرُ الْعَدَدُ. فَيُؤْخَذُ مِنْ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ إلَى إحْدَى وَسِتِّينَ وَاحِدَةً مِنْهَا، ثُمَّ فِي سِتٍّ وَسَبْعِينَ ثِنْتَانِ، كَذَا فِي إحْدَى وَتِسْعِينَ. وَيُؤْخَذُ فِي ثَلَاثِينَ عِجْلًا إلَى تِسْعٍ وَخَمْسِينَ وَاحِدٌ وَيُؤْخَذُ فِي سِتِّينَ إلَى تِسْعٍ وَثَمَانِينَ اثْنَانِ، وَفِي التِّسْعِينَ ثَلَاثٌ مِنْهَا، فَيُعَايَى بِذَلِكَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، وَالتَّعْدِيلُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ بِالْقِيمَةِ، وَكَانَ زِيَادَةُ السِّنِّ كَمَا سَبَقَ فِي إخْرَاجِ الذُّكُورِ مِنْ الذُّكُورِ، فَلَا يُؤَدِّي إلَى تَسْوِيَةِ النُّصُبِ الَّتِي غَايَرَ الشَّرْعُ بِالْأَحْكَامِ فِيهَا بِاخْتِلَافِهَا. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَجُوزُ إخْرَاجُ الْفُصْلَانِ وَالْعَجَاجِيلِ، وَهُوَ احْتِمَالٌ فِي الْمُغْنِي، وَقَوَّاهُ وَمَالَ إلَيْهِ، وَاخْتَارَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ عَلَى مَا اصْطَلَحْنَاهُ، فَيُقَوَّمُ النِّصَابُ مِنْ الْكِبَارِ، وَيُقَوَّمُ فَرْضُهُ، ثُمَّ يُقَوَّمُ الصِّغَارُ، وَيُؤْخَذُ عَنْهَا كَبِيرَةٌ بِالْقِسْطِ، لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى تَسْوِيَةِ النُّصُبِ فِي سِنِّ الْمُخْرَجِ، وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ وَقَالَهُ أَبُو الْخَطَّابِ فِي الِانْتِصَارِ بِضِعْفِ سِنِّ الْمُخْرَجِ فِي الْإِبِلِ فَيُخْرِجُ عَنْ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ وَاحِدَةً مِنْهَا، وَيُخْرِجُ عَنْ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ وَاحِدَةً مِنْهَا، كَسِنِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ مَرَّتَيْنِ.، وَفِي سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ مِثْلُ وَاحِدَةٍ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَفِي إحْدَى وَسِتِّينَ مِثْلُ أَرْبَعِ مَرَّاتٍ، وَالْعُجُولُ عَلَى هَذَا، وَأَطْلَقَهُنَّ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ
وَالْوَجْهُ الرَّابِعُ وَاخْتَارَهُ أَيْضًا أَبُو الْخَطَّابِ فِي الِانْتِصَارِ: يُضَعَّفُ ذَلِكَ فِي الْإِبِلِ خَاصَّةً، وَالْوَجْهُ الْخَامِسُ وَقَالَهُ السَّامِرِيُّ فِي الْمُسْتَوْعِبِ يُخْرِجُ عَنْ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ فَصِيلًا وَاحِدًا مِنْهَا [وَعَنْ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ فَصِيلًا وَاحِدًا مِنْهَا] وَمَعَهُ شَاتَانِ أَوْ عِشْرُونَ دِرْهَمًا، وَعَنْ سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ وَاحِدًا مِنْهَا، وَمَعَهُ الْجُبْرَانُ مُضَاعَفًا مَرَّتَيْنِ، فَيَكُونُ أَرْبَعُ شِيَاهٍ وَأَرْبَعُونَ دِرْهَمًا، أَوْ شَاتَانِ مَعَ عِشْرِينَ دِرْهَمًا، وَعَنْ إحْدَى وَسِتِّينَ وَاحِدًا مِنْهَا، وَمَعَهُ الْجُبْرَانُ مُضَاعَفًا مَرَّتَيْنِ، فَيَكُونُ سِتُّ شِيَاهٍ أَوْ سِتِّينَ دِرْهَمًا. وَيُخْرِجُ عَنْ ثَلَاثِينَ عِجْلًا وَاحِدًا مِنْهَا، وَعَنْ أَرْبَعِينَ وَاحِدًا وَثُلُثَ قِيمَةِ آخَرَ. انْتَهَى. وَأَطْلَقَهُنَّ فِي الْفُرُوعِ، وَقِيلَ: يُؤْخَذُ مِنْ الصِّغَارِ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ سِنٍّ، وَقِيلَ: يُعْتَبَرُ بِغَنَمِهِ دُونَ غَنَمِ غَيْرِهِ. فَائِدَةٌ: لَوْ كَانَ عِنْدَهُ أَقَلُّ مِنْ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ مِنْ الْإِبِلِ صِغَارًا، وَجَبَتْ عَلَيْهِ فِي كُلِّ خَمْسٍ شَاةٌ كَالْكِبَارِ قَوْلُهُ (فَإِنْ اجْتَمَعَ صِغَارٌ وَكِبَارٌ، وَصِحَاحٌ وَمِرَاضٌ، وَذُكُورٌ وَإِنَاثٌ لَمْ يُؤْخَذْ إلَّا أُنْثَى صَحِيحَةٌ كَبِيرَةٌ، عَلَى قَدْرِ قِيمَةِ الْمَالَيْنِ) ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، فَعَلَى هَذَا: لَوْ كَانَ قِيمَةُ الْمَالِ الْمُخْرَجِ، إذَا كَانَ الْمَالُ الْمُزَكَّى كُلُّهُ كِبَارًا صِحَاحًا عِشْرِينَ، وَقِيمَتُهُ بِالْعَكْسِ عَشَرَةً، وَجَبَتْ كَبِيرَةٌ صَحِيحَةٌ قِيمَتُهَا خَمْسَةَ عَشَرَ مَعَ تَسَاوِي الْعَدَدَيْنِ، وَلَوْ كَانَ الثُّلُثُ أَعْلَى، وَالثُّلُثَانِ أَدْنَى، فَشَاةٌ قِيمَتُهَا ثَلَاثَةَ عَشَرَ وَثُلُثٌ، وَبِالْعَكْسِ فَشَاةٌ قِيمَتُهَا سِتَّةَ عَشَرَ وَثُلُثَانِ، وَعِنْدَ ابْنِ عَقِيلٍ مَنْ لَزِمَهُ رَأْسَانِ فِيمَا نِصْفُهُ صَحِيحٌ وَمَعِيبٌ: أَخْرَجَ صَحِيحَهُ وَمَعِيبَهُ كَنِصَابٍ صَحِيحٍ مُفْرَدٍ، وَهَذَا الْقَوْلُ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ.
فَائِدَةٌ: لَوْ كَانَ مَالُهُ مِائَةً وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ شَاةً، وَالْجَمِيعُ مَعِيبٌ إلَّا وَاحِدَةً أَوْ كَانَ عِنْدَهُ مِائَةٌ وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ شَاةً كَبِيرَةً، أَوْ الْجَمِيعُ سِخَالٌ إلَّا وَاحِدَةً كَبِيرَةً، فَإِنَّهُ يُجْزِئُهُ عَلَى الْأَوَّلِ صَحِيحَةٌ وَمَعِيبَةٌ، وَعَنْ الثَّانِي: شَاةٌ كَبِيرَةٌ وَسَخْلَةٌ، إنْ وَجَبَتْ الزَّكَاةُ فِي سِخَالٍ مُفْرَدَةٍ، وَإِلَّا وَجَبَتْ كَبِيرَةٌ بِالْقِسْطِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِمْ: وَإِنْ كَانَ الصَّحِيحُ غَيْرَ وَاجِبٍ لَزِمَهُ إخْرَاجُ الْوَاجِبِ صَحِيحًا بِقَدْرِ الْمَالِ. قَوْلُهُ (وَإِنْ كَانَ نَوْعَيْنِ كَالْبَخَاتِيِّ وَالْعِرَابِ، وَالْبَقَرِ وَالْجَوَامِيسِ وَالضَّأْنِ وَالْمَعْزِ أَوْ كَانَ فِيهِ كِرَامٌ وَلِئَامٌ، وَسِمَانٌ، وَمَهَازِيلُ: أُخِذَتْ الْفَرِيضَةُ مِنْ أَحَدِهِمَا عَلَى قَدْرِ قِيمَةِ الْمَالَيْنِ) . اعْلَمْ أَنَّهُ إذَا كَانَ النِّصَابُ مِنْ نَوْعَيْنِ كَمَا مَثَّلَ الْمُصَنِّفُ أَوَّلًا، فَقَطَعَ بِأَنَّهُ تُؤْخَذُ الْفَرِيضَةُ مِنْ أَحَدِهِمَا عَلَى قَدْرِ قِيمَةِ الْمَالَيْنِ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَغَيْرِهِمْ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ، وَقِيلَ: يُخَيَّرُ السَّاعِي، وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَنَقَلَ حَنْبَلٌ فِي ضَأْنٍ وَمَعْزٍ: يُخَيَّرُ السَّاعِي لِاتِّحَادِ الْوَاجِبِ، وَلَمْ يَعْتَبِرْ أَبُو بَكْرٍ الْقِيمَةَ فِي النَّوْعَيْنِ، قَالَ الْمَجْدُ: وَهُوَ ظَاهِرُ مَا نَقَلَ حَنْبَلٌ، وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ فِي حِنْثِ مَنْ حَلَفَ: لَا يَأْكُلُ لَحْمَ بَقَرٍ بِأَكْلِهِ لَحْمَ جَامُوسٍ: الْخِلَافُ لَنَا هُنَا فِي تَعَارُضِ الْحَقِيقَةِ اللُّغَوِيَّةِ وَالْعُرْفِيَّةِ، أَيُّهُمَا يُقَدَّمُ؟ وَأَمَّا إذَا كَانَ النِّصَابُ فِيهِ كِرَامٌ وَلِئَامٌ وَسِمَانٌ وَمَهَازِيلُ: فَجَزَمَ الْمُصَنِّفُ هُنَا بِأَنَّهُ يُؤْخَذُ الْفَرِيضَةُ مِنْ أَحَدِهِمَا عَلَى قَدْرِ قِيمَةِ الْمَالَيْنِ، وَهُوَ اخْتِيَارُهُ، وَذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ فِي هَزِيلَةٍ بِقِيمَةِ سَمِينَةٍ، وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يَجِبُ فِي ذَلِكَ الْوَسَطُ، نَصَّ عَلَيْهِ، بِقَدْرِ قِيمَةِ الْمَالَيْنِ، جَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى
فَوَائِدُ. إحْدَاهُمَا: لَوْ أَخْرَجَ عَنْ النِّصَابِ مِنْ غَيْرِ نَوْعِهِ مَا لَيْسَ فِي مَالِهِ مِنْهُ: جَازَ، إنْ لَمْ تَنْقُصْ قِيمَةُ الْمُخْرَجِ عَنْ النَّوْعِ الْوَاجِبِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ: يَجُوزُ وَلَوْ نَقَصَتْ، وَقِيلَ: لَا يُجْزِئُ هُنَا مُطْلَقًا، كَغَيْرِ الْجِنْسِ، وَجَازَ مِنْ أَحَدِ نَوْعَيْ مَالِهِ، لِتَشْقِيصِ الْفَرْضِ، وَقِيلَ: يُجْزِئُ ثَنِيَّةٌ مِنْ الضَّأْنِ عَنْ الْمَعْزِ، وَجْهًا وَاحِدًا. الثَّانِيَةُ: لَا يُضَمُّ الظِّبَاءُ إذَا قُلْنَا: تَجِبُ الزَّكَاةُ فِيهَا إلَى الْغَنَمِ فِي تَكْمِيلِ النِّصَابِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَاخْتَارَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: أَنَّهَا تُضَمُّ، وَحُكِيَ وَجْهًا، وَحُكِيَ رِوَايَةً أَيْضًا. الثَّالِثَةُ: يُضَمُّ مَا تَوَلَّدَ بَيْنَ وَحْشِيٍّ وَأَهْلِيٍّ، إنْ وَجَبَتْ. قَوْلُهُ (فِي زَكَاةِ الْغَنَمِ: إلَى مِائَتَيْنِ، فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةً فَفِيهَا ثَلَاثُ شِيَاهٍ) هَذَا بِلَا نِزَاعٍ. قَوْلُهُ (ثُمَّ فِي كُلِّ مِائَةِ شَاةٍ، شَاةٌ) فَتَكُونُ فِي أَرْبَعِمِائَةِ شَاةٍ أَرْبَعُ شِيَاهٍ، وَفِي خَمْسِمِائَةٍ خَمْسُ شِيَاهٍ، وَعَلَى هَذَا فَقِسْ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ بِلَا رَيْبٍ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَجُمْهُورُ الْأَصْحَابِ، وَعَنْهُ فِي ثَلَاثِمِائَةٍ وَوَاحِدَةٍ أَرْبَعُ شِيَاهٍ ثُمَّ فِي كُلِّ مِائَةِ شَاةٍ شَاةٌ، فَيَكُونُ فِي خَمْسِمِائَةِ شَاةٍ خَمْسُ شِيَاهٍ، فَالْوَقْصُ مِنْ ثَلَاثِمِائَةٍ وَوَاحِدَةٍ إلَى خَمْسِمِائَةٍ، وَعَنْهُ أَنَّ الْمِائَةَ زَائِدَةٌ. فَفِي أَرْبَعِمِائَةٍ وَوَاحِدَةٍ خَمْسُ شِيَاهٍ.، وَفِي خَمْسِمِائَةٍ وَوَاحِدَةٍ سِتُّ شِيَاهٍ، وَعَلَى هَذَا أَبَدًا
فَائِدَتَانِ. إحْدَاهُمَا: مِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ ذَكَرَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ الْأَخِيرَةَ، وَقَالَ: اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ، وَأَنَّ الَّتِي قَبْلَهَا سَهْوٌ [مِنْهُمْ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ] وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ الرِّوَايَةَ الثَّانِيَةَ وَقَالَ: اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ الثَّالِثَةَ [وَهُوَ مَعْنَى مَا فِي الْمُغْنِي] وَذَكَرَهَا بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ، مِنْهُمْ ابْنُ حَمْدَانَ [وَابْنُ تَمِيمٍ] . الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ (وَيُؤْخَذُ مِنْ الْمَعْزِ الثَّنِيُّ، وَمِنْ الضَّأْنِ الْجَذَعُ) فَالثَّنِيُّ مِنْ الْمَعْزِ: مَالَهُ سَنَةٌ. وَالْجَذَعُ مِنْ الضَّأْنِ: مَالَهُ نِصْفُ سَنَةٍ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ، وَقِيلَ: الْجَذَعُ مِنْ الضَّأْنِ مَالَهُ ثَمَانِ شُهُورٍ، اخْتَارَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى فِي الْإِرْشَادِ، وَيَأْتِي ذَلِكَ فِي أَوَّلِ بَابِ الْهَدْيِ وَالْأَضَاحِيِّ. قَوْلُهُ {وَلَا يُؤْخَذُ تَيْسٌ وَلَا هَرِمَةٌ} أَمَّا التَّيْسُ: فَتَارَةً يَكُونُ تَيْسَ الضِّرَابِ، وَهُوَ فَحْلُهُ، وَتَارَةً يَكُونُ غَيْرَهُ، فَإِنْ كَانَ فَحْلَ الضِّرَابِ: فَلَا يُؤْخَذُ لِخَبَرِهِ إلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهُ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ، قَالَ الْمَجْدُ: اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَالْقَاضِي، وَكَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَغَيْرُهُ، فَلَوْ بَذَلَهُ الْمَالِكُ لَزِمَ قَبُولُهُ، حَيْثُ يُقْبَلُ الذَّكَرُ، وَقِيلَ: لَا يُؤْخَذُ، لِنَقْصِهِ وَفَسَادِ لَحْمِهِ، وَإِنْ كَانَ التَّيْسُ غَيْرَ فَحْلِ الضِّرَابِ فَلَا يُؤْخَذُ لِنَقْصِهِ وَفَسَادِ لَحْمِهِ. قَوْلُهُ (وَلَا ذَاتُ عَوَارٍ، وَهِيَ الْمَعِيبَةُ) لَا يُجْزِئُ إخْرَاجُ الْمَعِيبَةِ، وَهِيَ الَّتِي لَا يُضَحَّى بِهَا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَنَصَّ عَلَيْهِ، وَقَالَ الْأَزَجِيُّ فِي نِهَايَتِهِ
وَأَوْمَأَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْعَيْبُ يُرَدُّ بِهِ فِي الْبَيْعِ، وَنُقِلَ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: لَا تُؤْخَذُ عَوْرَاءُ وَلَا عَرْجَاءُ وَلَا نَاقِصَةُ الْخَلْقِ، وَاخْتَارَ الْمَجْدُ الْإِجْزَاءَ إنْ رَآهُ السَّاعِي أَنْفَعَ لِلْفُقَرَاءِ لِزِيَادَةِ صِفَةٍ فِيهِ، وَأَنَّهُ أَقْيَسُ بِالْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ مِنْ أَصْلِنَا: إخْرَاجَ الْمُكَسَّرَةِ عَنْ الصِّحَاحِ، وَرَدِيءِ الْحَبِّ عَنْ جَيِّدِهِ، إذَا زَادَ قَدْرُ مَا بَيْنَهَا مِنْ الْفَضْلِ عَلَى مَا يَأْتِي. فَائِدَةٌ: قَوْلُهُ (وَلَا الرُّبَّى وَهِيَ الَّتِي تُرَبِّي وَلَدَهَا وَلَا الْحَامِلُ) وَهَذَا بِلَا نِزَاعٍ، قَالَ الْمَجْدُ: وَلَوْ كَانَ الْمَالُ كَذَلِكَ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ مُجَاوَزَةِ الْأَشْيَاءِ الْمَحْدُودَةِ، وَمِثْلُ ذَلِكَ طَرُوقَةُ الْفَحْلِ، قُلْت: لَوْ قِيلَ بِالْجَوَازِ إذَا كَانَ النِّصَابُ كَذَلِكَ، لَكَانَ قَوِيًّا فِي النَّظَرِ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِقَوَاعِدِ الْمَذْهَبِ. قَوْلُهُ (وَلَا تَجُوزُ إخْرَاجُ الْقِيمَةِ) هَذَا الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا أَعْنِي سَوَاءٌ كَانَ ثَمَّ حَاجَةٌ أَمْ لَا، لِمَصْلَحَةٍ أَوْ لَا، لِفِطْرَةٍ وَغَيْرِهَا، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ، وَعَنْهُ تُجْزِئُ الْقِيمَةُ مُطْلَقًا، وَعَنْهُ يُجْزِئُ فِي غَيْرِ الْفِطْرَةِ، وَعَنْهُ تُجْزِئُ لِلْحَاجَةِ، مِنْ تَعَذُّرِ الْفَرْضِ وَنَحْوِهِ، نَقَلَهَا جَمَاعَةٌ، مِنْهُمْ الْقَاضِي فِي التَّعْلِيقِ، صَحَّحَهَا جَمَاعَةٌ، مِنْهُمْ ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَقِيلَ: وَلِمَصْلَحَةٍ أَيْضًا، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أَيْضًا، وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ رِوَايَةَ تُجْزِئُ لِلَجَاجَةِ، وَقَالَ ابْنُ الْبَنَّا فِي شَرْحِ الْمُحَرَّرِ: إذَا كَانَتْ الزَّكَاةُ جُزْءًا لَا يُمْكِنُ قِسْمَتُهُ جَازَ صَرْفُ ثَمَنِهِ إلَى الْفُقَرَاءِ، قَالَ: وَكَذَا كُلُّ مَا يُحْتَاجُ إلَى بَيْعِهِ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ بَعِيرًا لَا يَقْدِرُ عَلَى الْمَشْيِ، وَعَنْهُ تُجْزِئُ عَمَّا يُضَمُّ دُونَ غَيْرِهِ. وَعَنْهُ تُجْزِئُ الْقِيمَةُ، وَهِيَ الثَّمَنُ لِمُشْتَرِي ثَمَرَتِهِ الَّتِي لَا تَصِيرُ تَمْرًا أَوْ زَبِيبًا عَنْ السَّاعِي قَبْل جِدَادِهِ، وَالْمَذْهَبُ لَا يَصِحُّ شِرَاؤُهُ، فَلَا تُجْزِئُ الْقِيمَةُ عَلَى مَا يَأْتِي.
فَائِدَةٌ قَوْلُهُ (لَوْ بَاعَ النِّصَابَ قَبْلَ إخْرَاجِ زَكَاتِهِ) وَقُلْنَا بِالصِّحَّةِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الزَّكَاةِ فَعَنْهُ لَهُ أَنْ يُخْرِجَ عُشْرَ ثَمَنِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَأَنْ يُخْرِجَ مِنْ جِنْسِ النِّصَابِ، وَنَقَلَ صَالِحٌ، وَابْنُ مَنْصُورٍ: وَإِنْ بَاعَ تَمْرَهُ أَوْ زَرْعَهُ، وَقَدْ بَلَغَ، فَفِي ثَمَنِهِ: الْعُشْرُ أَوْ نِصْفُهُ، وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ: يَتَصَدَّقُ بِعُشْرِ الثَّمَنِ، قَالَ الْقَاضِي: أَطْلَقَ الْقَوْلَ هُنَا: أَنَّ الزَّكَاةَ فِي الثَّمَنِ، وَخَبَرُهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد. انْتَهَى. وَعَنْهُ رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ: لَا يَجُوزُ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ الثَّمَنِ، قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ [وَصَحَّحَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ] وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَقَالَ الْقَاضِي: الرِّوَايَتَانِ بِنَاءً عَلَى رِوَايَتَيْ إخْرَاجِ الْقِيمَةِ، وَقَالَ هَذَا الْمَعْنَى قَبْلَهُ أَبُو إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ، وَقَالَهُ بَعْدَهُ آخَرُونَ، وَقَالَ أَبُو حَفْصٍ الْبَرْمَكِيُّ: إذَا بَاعَ فَالزَّكَاةُ فِي الثَّمَنِ، وَإِنْ لَمْ يَبِعْ فَالزَّكَاةُ فِيهِ، وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي إخْرَاجِ ثَمَنِ الزَّكَاةِ بَعْدَ الْبَيْعِ إذَا تَعَذَّرَ الْمِثْلُ، وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ: إنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى تَمْرٍ وَزَبِيبٍ، وَوَجَدَهُ رُطَبًا. أَخْرَجَهُ، وَزَادَ بِقَدْرِ مَا بَيْنَهُمَا ذَكَرَهُ الْآمِدِيُّ، وَصَاحِبُ الْفُرُوعِ وَغَيْرُهُمَا عَنْهُ. قَوْلُهُ (وَإِنْ أَخْرَجَ سِنًّا أَعْلَى مِنْ الْفَرْضُ مِنْ جِنْسِهِ: جَازَ) هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَتَقَدَّمَ جَوَازُ إخْرَاجِ الْمُسِنِّ عَنْ التَّبِيعِ وَالتَّبِيعَةِ، وَإِخْرَاجُ الثَّنِيَّةِ عَنْ الْجَذَعَةِ، وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي عُمَدِ الْأَدِلَّةِ وَجْهًا بِعَدَمِ الْجَوَازِ، قَالَ الْحَلْوَانِيُّ، فِي التَّبْصِرَةِ: إنْ شَاءَ رَبُّ الْمَالِ أَخْرَجَ الْأَكُولَةَ، وَهِيَ السَّمِينَةُ، وَلِلسَّاعِي قَبُولُهَا، وَعَنْهُ لَا، لِأَنَّهَا قِيمَةٌ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ، وَهُوَ غَرِيبٌ بَعِيدٌ، قُلْت: يُنَزَّهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَنْ يَقُولَ مِثْلَ ذَلِكَ.
فَائِدَتَانِ. إحْدَاهَا: قَوْلُهُ (وَإِذَا اخْتَلَطَ نَفْسَانِ أَوْ أَكْثَرُ مِنْ أَهْلِ الزَّكَاةِ فِي نِصَابٍ مِنْ الْمَاشِيَةِ حَوْلًا، لَمْ يَثْبُتْ لَهُمَا حُكْمُ الِانْفِرَادِ فِي بَعْضِهِ فَحُكْمُهُمَا فِي الزَّكَاةِ حُكْمُ الْوَاحِدِ) وَهَذَا بِلَا نِزَاعٍ، سَوَاءٌ أَثَّرَتْ الْخُلْطَةُ فِي إيجَابِ الزَّكَاةِ أَوْ إسْقَاطِهَا، أَوْ أَثَّرَتْ فِي تَغْيِيرِ الْفَرْضِ أَوْ عَدَمِهِ. فَلَوْ كَانَ لِأَرْبَعَيْنِ مِنْ أَهْلِ الزَّكَاةِ أَرْبَعُونَ شَاةً مُخْتَلِطَةً لَزِمَهُمْ شَاةٌ وَاحِدَةٌ [وَمَعَ انْفِرَادِهِمْ لَا يَلْزَمُهُمْ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ لِثَلَاثَةِ أَنْفُسٍ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ شَاةً لَزِمَهُمْ وَاحِدَةٌ] وَمَعَ انْفِرَادِهِمْ ثَلَاثُ شِيَاهٍ، وَيُوَزَّعُ الْوَاجِبُ عَلَى قَدْرِ الْمَالِ مَعَ الْوَقْصِ، فَسِتَّةُ أَبْعِرَةٍ مُخْتَلِطَةٌ مَعَ تِسْعَةٍ: يَلْزَمُ رَبَّ السِّتَّةِ شَاةٌ وَخُمُسُ شَاةٍ، وَيَلْزَمُ رَبَّ التِّسْعَةِ شَاةٌ وَأَرْبَعَةُ أَخْمَاسِ شَاةٍ. الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ (سَوَاءٌ كَانَتْ خُلْطَةَ أَعْيَانٍ بِأَنْ تَكُونَ مَشَاعًا بَيْنَهُمَا) تُتَصَوَّرُ الْإِشَاعَةُ بِالْإِرْثِ وَالْهِبَةِ وَالشِّرَاءِ أَوْ غَيْرِهِ. قَوْلُهُ (أَوْ خُلْطَةَ أَوْصَافٍ، بِأَنْ يَكُونَ مَالُ كُلِّ وَاحِدٍ مُتَمَيِّزًا) فَلَوْ اسْتَأْجَرَهُ لِيَرْعَى غَنَمَهُ بِشَاةٍ مِنْهَا، فَحَالَ الْحَوْلُ وَلَمْ يُفْرِدْهَا فَهُمَا خَلِيطَانِ، وَإِنْ أَفْرَدَهَا فَنَقَصَ النِّصَابُ، فَلَا زَكَاةَ. قَوْلُهُ (فَخَلَطَاهُ وَاشْتَرَكَا فِي الْمُرَاحِ وَالْمَسْرَحِ وَالْمَشْرَبِ وَالْمَحْلَبِ وَالرَّاعِي وَالْفَحْلِ) وَهَكَذَا جَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْكَافِي، وَالنَّظْمِ، وَالتَّسْهِيلِ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ، وَاعْلَمْ أَنَّ لِلْأَصْحَابِ فِي ضَبْطِ مَا يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ الْخَلْطِ طُرُقًا. أَحَدُهَا هَذَا. الطَّرِيقُ الثَّانِي: اشْتِرَاطُ الْمَرْعَى، وَالْمَسْرَحِ، وَالْمَبِيتِ، وَهُوَ الْمُرَاحُ وَالْمَحْلَبُ، وَالْفَحْلُ لَا غَيْرُ، وَهِيَ الْمَذْهَبُ، قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَجَزَمَ بِهَا الْخِرَقِيُّ، وَالْمَجْدُ فِي مُحَرَّرِهِ. وَابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ، فَزَادُوا عَلَى الْمُصَنِّفِ: الْمَرْعَى، وَأَسْقَطُوا الرَّاعِيَ وَالْمَشْرَبَ.
الطَّرِيقُ الثَّالِثُ: اشْتِرَاطُ الْمُرَاحِ، وَهُوَ الْمَأْوَى وَالْمَرْعَى وَالرَّاعِي، وَالْمَشْرَبِ وَهُوَ مَوْضِعُ الشُّرْبِ وَآنِيَتُهُ، وَالْمَحْلَبِ: وَهُوَ مَوْضِعُ الْحَلْبِ وَآنِيَتُهُ، وَالْمَسْرَحِ وَهُوَ مُجْتَمَعُهَا لِتَذْهَبَ، وَالْفَحْلُ، قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، فَزَادُوا عَلَى الْمُصَنِّفِ: الْمَرْعَى، وَآنِيَةَ الشُّرْبِ، وَآنِيَةَ الْحَلْبِ. الطَّرِيقُ الرَّابِعُ: اشْتِرَاطُ الْمَسْرَحِ، وَالْمَرْعَى، وَالْمَشْرَبِ، وَالْمُرَاحِ، وَالْمَحْلَبِ، وَالْفَحْلِ، وَبِهِ جَزَمَ فِي التَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، فَأَسْقَطَ الرَّاعِيَ. الطَّرِيقُ الْخَامِسُ: اشْتِرَاطُ الرَّاعِي، وَالْمَرْعَى، وَمَوْضِعِ شُرْبِهَا وَحَلْبِهَا وَآنِيَتِهَا وَمَحَلِّهَا وَمَسْرَحِهَا، وَبِهِ جَزَمَ فِي الْوَجِيزِ، فَأَسْقَطَ الْمُرَاحَ، وَزَادَ الْآنِيَةَ وَالْمَرْعَى. الطُّرُقُ السَّادِسُ: اشْتِرَاطُ الرَّاعِي، وَالْمَسْرَحِ، وَالْمَبِيتِ، وَالْمَحْلَبِ، وَالْفَحْلِ قَدَّمَهَا فِي الْفَائِقِ، فَأَسْقَطَ الْمَشْرَبَ. الطَّرِيقُ السَّابِعُ: اشْتِرَاطُ الرَّاعِي، وَالْفَحْلِ، وَالْمَسْرَحِ، وَالْمُرَاحِ، وَجَزَمَ بِهَا فِي الْفُصُولِ، وَقَدَّمَهَا فِي الْمُسْتَوْعِبِ فَأَسْقَطَ الْمَحْلَبَ وَالْمَشْرَبَ. الطَّرِيقُ الثَّامِنُ: اشْتِرَاطُ الْفَحْلِ، وَالرَّاعِي، وَالْمَرْعَى، وَالْمَأْوَى، وَهُوَ الْمَبِيتُ وَالْمَحْلَبِ، وَبِهِ جَزَمَ فِي الْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، فَزَادَ: الْمَرْعَى، وَأَسْقَطَ: الْمَشْرَبَ وَالْمَسْرَحَ. الطَّرِيقُ التَّاسِعُ: اشْتِرَاطُ الْمَبِيتِ، وَالْمَسْرَحِ، وَالْمَحْلَبِ، وَآنِيَتِهِ، وَالْمَشْرَبِ، وَالرَّاعِي، وَالْمَرْعَى، وَالْفَحْلِ، قَدَّمَهَا ابْنُ أَبِي الْمَجْدِ فِي مُصَنَّفِهِ، فَزَادَ الْمَرْعَى وَآنِيَةَ الْحَلْبِ. الطَّرِيقُ الْعَاشِرُ: اشْتِرَاطُ الْمُرَاحِ، وَالْمَسْرَحِ، وَالْمَبِيتِ، وَالْفَحْلِ، وَبِهِ قَطَعَ فِي الْإِيضَاحِ، فَجَمَعَ بَيْنَ الْمُرَاحِ وَالْمَبِيتِ، وَأَسْقَطَ الْحَلْبَ وَالْمَشْرَبَ وَالرَّاعِيَ. الطَّرِيقُ الْحَادِيَ عَشَرَ: اشْتِرَاطُ الْمُرَاحِ، وَالْمَسْرَحِ، وَالْفَحْلِ، وَالْمَرْعَى، وَهِيَ
طَرِيقَةُ الْآمِدِيِّ، فَزَادَ: الْمَرْعَى، وَأَسْقَطَ: الْمَشْرَبَ، وَالْمَحْلَبَ وَالرَّاعِيَ. الطَّرِيقُ الثَّانِيَ عَشَرَ: اشْتِرَاطُ الْفَحْلِ، وَالرَّاعِي، وَالْمَحْلَبِ فَقَطْ، وَهِيَ طَرِيقَةُ ابْنِ الزَّاغُونِيِّ فِي الْوَاضِحِ، فَأَسْقَطَ الْمَشْرَبَ، وَالْمُرَاحَ، وَالْمَسْرَحَ. الطَّرِيقُ الثَّالِثَ عَشَرَ: اشْتِرَاطُ الْمَرْعَى، وَالْمَسْرَحِ، وَالشِّرْبِ، وَالرَّاعِي، وَبِهَا قَطَعَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي تَذْكِرَتِهِ. الطَّرِيقُ الرَّابِعَ عَشَرَ: اشْتِرَاطُ الْمُرَاحِ، وَالْمَسْرَحِ، وَالْمُحْلَبِ، وَالْمَبِيتِ، وَالْفَحْلِ، وَبِهَا قَطَعَ فِي الْمُبْهِجِ، فَجَمَعَ بَيْنَ الْمُرَاحِ وَالْمَبِيتِ، كَمَا فَعَلَ فِي الْإِيضَاحِ، إلَّا أَنَّهُ زَادَ عَلَيْهِ الْمَحْلَبَ، وَأَسْقَطَ الْمَشْرَبَ وَالرَّاعِيَ. الطَّرِيقُ الْخَامِسَ عَشَرَ: اشْتِرَاطُ الرَّاعِي فَقَطْ، وَهِيَ طَرِيقَةُ بَعْضِ الْأَصْحَابِ ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي شَرْحِ الْمُذْهَبِ عَنْهُ، وَعَنْ أَحْمَدَ نَحْوُهُ. الطَّرِيقُ السَّادِسَ عَشَرَ: اشْتِرَاطُ الْمُرَاحِ، وَالْمَسْرَحِ، وَالْفَحْلِ، وَالْمَشْرَبِ. وَبِهَا قَطَعَ ابْنُ الْبَنَّا فِي الْخِصَالِ، وَالْعُقُودِ. الطَّرِيقُ السَّابِعَ عَشَرَ: اشْتِرَاطُ الرَّاعِي، وَالْمَرْعَى، وَالْفَحْلِ، وَالْمَشْرَبِ، وَبِهَا قَطَعَ فِي الْخُلَاصَةِ، فَزَادَ الْمَرْعَى، وَأَسْقَطَ الْمَسْرَحِ. الطَّرِيقُ الثَّامِنَ عَشَرَ: اشْتِرَاطُ الْمَسْرَحِ، وَالْمَرْعَى، وَالْمَحْلَبِ، وَالْمَشْرَبِ، وَالْمَقِيلِ، وَالْفَحْلِ، وَبِهَا قَطَعَ فِي الْإِفَادَاتِ، فَزَادَ الْمَقِيلَ، وَالْمَرْعَى، وَأَسْقَطَ الرَّاعِيَ وَالْمُرَاحَ. الطَّرِيقُ التَّاسِعَ عَشَرَ: اشْتِرَاطُ الْمَرْعَى، وَالْفَحْلِ، وَالْمَبِيتِ، وَالْمَحْلَبِ، وَالْمَشْرَبِ، وَبِهَا قَطَعَ فِي الْعُمْدَةِ. الطَّرِيقُ الْعِشْرُونَ: اشْتِرَاطُ الْمَرْعَى، وَالْمَسْرَحِ، وَالْمَشْرَبِ، وَالْمَبِيتِ، وَالْمَحْلَبِ، وَالْفَحْلِ، وَبِهَا جَزَمَ فِي الْمُنَوِّرِ، فَزَادَ الْمَرْعَى، وَأَسْقَطَ الرَّاعِيَ. الطَّرِيقُ الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ: اشْتِرَاطُ الْمُرَاحِ، وَالْمَسْرَحِ، وَالْمَشْرَبِ، وَالرَّاعِي وَالْفَحْلِ، وَبِهَا قَطَعَ فِي الْمُنْتَخَبِ، فَأَسْقَطَ الْمَحْلَبَ
الطَّرِيقُ الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ: اشْتِرَاطُ الرَّاعِي، وَالْمَبِيتِ فَقَطْ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عِنْدَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، ذَكَرَهَا الْقَاضِي فِي شَرْحِهِ. الطَّرِيقُ الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ: اشْتِرَاطُ الْحَوْضِ، وَالرَّاعِي، وَالْمُرَاحِ فَقَطْ، وَهُوَ أَيْضًا رِوَايَةٌ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، فَهَذِهِ ثَلَاثَةٌ وَعِشْرُونَ طَرِيقَةً، لَكِنْ قَدْ تَرْجِعُ إلَى أَقَلَّ مِنْهَا بِاعْتِبَارِ مَا تُفَسَّرُ بِهِ الْأَلْفَاظُ عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ. فَائِدَةٌ: الْمُرَاحُ بِضَمِّ الْمِيمِ مَكَانُ مَبِيتِهَا، وَهُوَ الْمَأْوَى، فَالْمَبِيتُ هُوَ الْمُرَاحُ، فَسَّرُوا وَاحِدًا مِنْهُمَا بِالْآخَرِ، وَهَذَا الصَّحِيحُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَقِيلَ: الْمُرَاحُ رَوَاحُهَا مِنْهُ جُمْلَةً إلَى الْمَبِيتِ، ذَكَرَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَجَمَعَ فِي الْمُبْهِجِ وَالْإِيضَاحِ بَيْنَ الْمُرَاحِ وَالْمَبِيتِ كَمَا تَقَدَّمَ، فَعِنْدَهُ أَنَّهُمَا مُتَغَايِرَانِ، وَأَمَّا الْمَسْرَحُ: فَهُوَ الْمَكَانُ الَّذِي تَرْعَى فِيهِ الْمَاشِيَةُ، اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالْمَجْدُ وَابْنُ حَامِدٍ، وَقَالَ: إنَّمَا ذَكَرَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ " الْمَسْرَحَ " لِيَكُونَ فِيهِ رَاعٍ وَاحِدٌ. قَدَّمَهُ فِي الْمَطْلَعِ، فَعَلَيْهِ يَلْزَمُ مِنْ اتِّحَادِهِ اتِّحَادُ الْمَرْعَى، وَلِذَلِكَ قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالْمَجْدُ، وَابْنُ حَامِدٍ: الْمَسْرَحُ وَالْمَرْعَى شَيْءٌ وَاحِدٌ، وَقِيلَ: الْمَسْرَحُ مَكَانُ اجْتِمَاعِهَا لِتَذْهَبَ إلَى الْمَرَاعِي، جَزَمَ بِهِ فِي الْفُصُولِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَهُوَ أَوْلَى دَفْعًا لِلتَّكْرَارِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَفَسَّرَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ بِمَوْضِعِ رَعْيِهَا وَشُرْبِهَا، وَفَسَّرَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ بِمَوْضِعِ الْمَرْعَى، مَعَ أَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي الْمُحَرَّرِ، مُتَابَعَةً لِلْخِرَقِيِّ، وَقَالَ: يُحْتَمَلُ أَنَّ الْخِرَقِيَّ أَرَادَ بِالْمَرْعَى الرَّعْيَ، الَّذِي هُوَ الْمَصْدَرُ لَا الْمَكَانُ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِالْمَسْرَحِ الْمَصْدَرَ الَّذِي هُوَ الْمَسْرُوحُ لَا الْمَكَانَ، لِأَنَّا قَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُمَا وَاحِدٌ، بِمَعْنَى الْمَكَانِ، فَإِذَا حَمَلْنَا أَحَدَهُمَا عَلَى الْمَصْدَرِ زَالَ التَّكْرَارُ، وَحَصَلَ بِهِ اتِّحَادُ الرَّاعِي وَالْمَشْرَبِ. انْتَهَى.
وَقَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي: يُحْتَمَلُ أَنَّ الْخِرَقِيَّ أَرَادَ بِالْمَرْعَى: الرَّاعِيَ؛ لِيَكُونَ مُوَافِقًا لِقَوْلِ أَحْمَدَ، وَلِكَوْنِ الْمَرْعَى هُوَ الْمَسْرَحَ. انْتَهَى. وَأَمَّا الْمَشْرَبُ: فَهُوَ مَكَانُ الشُّرْبِ فَقَطْ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَقِيلَ: مَوْضِعُ الشُّرْبِ، وَمَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ حَوْضٍ وَنَحْوِهِ، وَبِهِ قَطَعَ ابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَأَمَّا الْمَحْلَبُ: فَهُوَ مَوْضِعُ الْحَلْبِ، عَلَى الصَّحِيحِ، وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ، وَقِيلَ: مَوْضِعُ الْحَلْبِ وَآنِيَتُهُ، وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ تَمِيمٍ، وَصَاحِبُ الرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِيَيْنِ، وَغَيْرُهُمْ. تَنْبِيهٌ: لَا يُشْتَرَطُ خَلْطُ اللَّبَنِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، بَلْ مَنَعُوا مِنْ خَلْطِهِ وَحَرَّمُوهُ، وَقَالُوا: هُوَ رِبًا وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ خَلْطُهُ، وَقَالَهُ الْقَاضِي فِي شَرْحِهِ الصَّغِيرِ، وَأَمَّا الرَّاعِي: فَمَعْرُوفٌ، وَمَعْنَى الِاشْتِرَاكِ فِيهِ: أَنْ لَا يَرْعَى أَحَدَ الْمَالَيْنِ دُونَ الْآخَرِ، كَذَا لَوْ كَانَ رَاعِيَانِ فَأَكْثَرُ، قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَلَا يَرْعَى غَيْرَ مَالِ الشَّرِكَةِ وَأَمَّا الْفَحْلُ: فَمَعْرُوفٌ، وَمَعْنَى الِاشْتِرَاكِ فِيهِ: أَنْ لَا تَكُونَ فُحُولَةُ أَحَدِ الْمَالَيْنِ تَطْرُقُ الْمَالَ الْآخَرَ، قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَلَا يَنْزُو عَلَى غَيْرِ مَالِ الشَّرِكَةِ، وَأَمَّا الْمَرْعَى: فَهُوَ مَوْضِعُ الرَّعْيِ وَوَقْتُهُ، قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَتَقَدَّمَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ وَالْمَجْدِ وَغَيْرِهِمَا: أَنَّ الْمَرْعَى هُوَ الْمَسْرَحُ. تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ نِيَّةُ الْخُلْطَةِ، فَإِنْ كَانَتْ خُلْطَةَ أَعْيَانٍ لَمْ تُشْتَرَطْ لَهَا النِّيَّةُ إجْمَاعًا، وَإِنْ كَانَتْ خُلْطَةَ أَوْصَافٍ فَفِيهَا وَجْهَانِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَالزَّرْكَشِيُّ
أَحَدُهُمَا: لَا تُشْتَرَطُ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَصَحَّحَهُ فِي الْكَافِي، وَالْخُلَاصَةِ، وَالنَّظْمِ، وَشَرْحِ الْمَجْدِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْهِدَايَةِ وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَنَصَرَاهُ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ، وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ، وَقَالَ عَنْ الْقَوْلِ الثَّانِي: لَيْسَ بِشَيْءٍ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي: تُشْتَرَطُ النِّيَّةُ. اخْتَارَهُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ، وَالْمَجْدُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُبْهِجِ، وَالْإِيضَاحِ، وَالْحَلْوَانِيُّ وَغَيْرُهُمَا، وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ الْخِلَافِ: لَوْ وَقَعَتْ الْخُلْطَةُ اتِّفَاقًا، أَوْ فَعَلَهُ الرَّاعِي، وَتَأَخَّرَتْ النِّيَّةُ عَنْ الْمِلْكِ، وَقِيلَ: لَا يَضُرُّ تَأْخِيرُهَا عَنْهُ بِزَمَنٍ يَسِيرٍ، كَتَقَدُّمِهَا عَلَى الْمِلْكِ، بَلْ مِنْ يَسِيرٍ. قَوْلُهُ (فَإِنْ اخْتَلَّ شَرْطٌ مِنْهَا، أَوْ ثَبَتَ لَهُمَا حُكْمُ الِانْفِرَادِ فِي بَعْضِ الْحَوْلِ: زُكِّيَا زَكَاةَ الْمُنْفَرِدِينَ فِيهِ) فَيَضُمُّ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الزَّكَاةِ مَالَهُ بَعْضَهُ إلَى بَعْضٍ وَيُزَكِّيهِ إنْ بَلَغَ نِصَابًا وَإِلَّا فَلَا، وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي الِانْتِصَارِ: إنْ تُصُوِّرَ بِضَمٍّ وَحُوِّلَ إلَى آخَرَ يَقَعُ كَمَسْأَلَتِنَا يَعْنِي مَسْأَلَةَ الْخُلْطَةِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ. فَائِدَةٌ: قَوْلُهُ (أَوْ ثَبَتَ لَهُمَا حُكْمُ الِانْفِرَادِ فِي بَعْضِ الْحَوْلِ زُكِّيَا زَكَاةَ الْمُنْفَرِدِينَ فِيهِ) مِثَالُ ذَلِكَ: لَوْ خَلَطَا فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلِ نِصَابَيْنِ ثَمَانِينَ شَاةً، زَكَّى كُلُّ وَاحِدٍ إذَا تَمَّ حَوْلُهُ الْأَوَّلُ: زَكَاةَ انْفِرَادٍ، وَفِيمَا بَعْدَ الْحَوْلِ الْأَوَّلِ: زَكَاةَ خُلْطَةٍ، فَإِنْ اتَّفَقَ حَوْلَاهُمَا: أَخْرَجَا شَاةً عِنْدَ تَمَامِ الْحَوْلِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ نِصْفُهَا، وَإِنْ اخْتَلَفَ، فَعَلَى الْأَوَّلِ: نِصْفُ شَاةٍ عِنْدَ تَمَامِ حَوْلِهِ، فَإِنْ أَخْرَجَهَا مِنْ غَيْرِ الْمَالِ، فَعَلَى الثَّانِي: نِصْفُ شَاةٍ أَيْضًا، إذَا تَمَّ حَوْلُهُ، وَإِنْ أَخْرَجَهَا مِنْ الْمَالِ، فَقَدْ تَمَّ حَوْلُ الثَّانِي عَلَى تِسْعَةٍ وَسَبْعِينَ شَاةً وَنِصْفِ شَاةٍ لَهُ مِنْهَا أَرْبَعُونَ شَاةً، فَيَلْزَمُهُ
أَرْبَعُونَ جُزْءًا مِنْ تِسْعَةٍ وَسَبْعِينَ جُزْءًا وَنِصْفَ جُزْءٍ مِنْ شَاةٍ، فَنُضَعِّفُهَا فَتَكُونُ ثَمَانِينَ جُزْءًا مِنْ مِائَةِ جُزْءٍ وَتِسْعَةً وَخَمْسِينَ جُزْءًا مِنْ شَاةٍ ثُمَّ كُلَّمَا تَمَّ حَوْلُ أَحَدِهِمَا لَزِمَهُ مِنْ زَكَاةِ الْجَمِيعِ بِقَدْرِ مَا لَهُ فِيهِ. فَائِدَةٌ. قَوْلُهُ (فَإِنْ ثَبَتَ لِأَحَدِهِمَا حُكْمُ الِانْفِرَادِ وَحْدَهُ فَعَلَيْهِ زَكَاةُ الْمُنْفَرِدِ وَعَلَى الْآخَرِ زَكَاةُ الْخُلْطَةِ) مِثَالُهُ: إنْ مَلَكَا نِصَابَيْنِ فَخَلَطَاهُمَا، ثُمَّ يَبِيعُ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ أَجْنَبِيًّا، فَقَدْ مَلَكَ الْمُشْتَرِي أَرْبَعِينَ، لَمْ يَثْبُتْ لَهَا حُكْمُ الِانْفِرَادِ، فَإِذَا تَمَّ حَوْلُ الْأَوَّلِ لَزِمَهُ زَكَاةُ انْفِرَادٍ: شَاةٌ، فَإِذَا تَمَّ حَوْلُ الثَّانِي لَزِمَهُ زَكَاةُ خُلْطَةٍ: نِصْفُ شَاةٍ، إنْ كَانَ الْأَوَّلُ أَخْرَجَ الشَّاةَ مِنْ غَيْرِ الْمَالِ، وَإِنْ أَخْرَجَهَا مِنْهُ لَزِمَ الثَّانِيَ أَرْبَعُونَ جُزْءًا مِنْ تِسْعَةٍ وَسَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ شَاةٍ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَقِيلَ: يُزَكِّي الثَّانِي عَنْ حَوْلِهِ الْأَوَّلِ زَكَاةَ انْفِرَادٍ؛ لِأَنَّ خَلِيطَهُ لَمْ يَنْتَفِعْ بِالْخُلْطَةِ قَوْلُهُ (ثُمَّ يُزَكِّيَانِ فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ الْحَوْلِ زَكَاةَ الْخُلْطَةِ، كُلَّمَا تَمَّ حَوْلُ أَحَدِهِمَا، فَعَلَيْهِ بِقَدْرِ مَا لَهُ مِنْهَا) بِلَا نِزَاعٍ أَعْلَمُهُ. فَائِدَةٌ: لَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا نِصَابُ خُلْطَةٍ ثَمَانُونَ شَاةً، فَبَاعَ مِنْهُمَا غَنَمَهُ بِغَنَمِ صَاحِبِهِ، وَاسْتَدَامَا الْخُلْطَةَ: لَمْ يَنْقَطِعْ حَوْلُهُمَا، وَلَمْ تَزُلْ خُلْطَتُهُمَا فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، فَإِنَّ إبْدَالَ النِّصَابِ بِجِنْسِهِ لَا يَقْطَعُ الْحَوْلَ، وَكَذَا لَوْ تَبَايَعَا الْبَعْضَ بِالْبَعْضِ، قَلَّ أَوْ أَكْثَرَ، وَتَبْقَى الْخُلْطَةُ فِي غَيْرِ الْمَبِيعِ إنْ كَانَ نِصَابًا، فَيُزَكِّي بِشَاةٍ زَكَاةَ انْفِرَادٍ عَلَيْهِمَا لِتَمَامِ حَوْلِهِ، وَإِذَا حَالَ حَوْلُ الْمَبِيعِ، وَهُوَ أَرْبَعُونَ: فَفِيهِ الزَّكَاةُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، قَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَشَرَحَ ابْنِ رَزِينٍ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَصَحَّحَهُ، وَقِيلَ: لَا زَكَاةَ فِيهِ، اخْتَارَهُ فِي الْمُجَرَّدِ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ
فَعَلَى الْمَذْهَبِ: هِيَ زَكَاةُ خُلْطَةٍ، عَلَى الصَّحِيحِ، قَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ، وَابْنُ تَمِيمٍ وَصَحَّحَهُ، وَقِيلَ: زَكَاةُ انْفِرَادٍ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، فَأَمَّا إنْ أَفْرَدَاهَا، ثُمَّ تَبَايَعَاهَا ثُمَّ خَلَطَاهَا، فَإِنْ طَالَ زَمَنُ الِانْفِرَادِ: بَطَلَ حُكْمُ الْخُلْطَةِ، وَكَذَا إنْ لَمْ يَطُلْ، عَلَى الصَّحِيح مِنْ الْمَذْهَبِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا صَحَّحَهُ الْمَجْدُ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ فِي مَكَان، وَقِيلَ: لَا أَثَرَ لِلِانْفِرَادِ الْيَسِيرِ، وَأَطْلَقَهُمَا الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَالْفُرُوعِ، وَإِنْ زَكَّى بَعْضَ النِّصَابِ وَتَبَايَعَاهُ، كَانَ الْبَاقِي عَلَى الْخُلْطَةِ نِصَابًا بَقِيَ حُكْمُ الْخُلْطَةِ فِيهِ، وَهُوَ يَنْقَطِعُ فِي الْمَبِيعِ؛ لِأَنَّ الْخِلَافَ فِي ضَمِّ مَالِ الرَّجُلِ الْمُنْفَرِدِ إلَى مَالِهِ الْمُخْتَلِطِ، وَإِنْ بَقِيَ دُونَ نِصَابٍ بَطَلَتْ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: تَبْطُلُ الْخُلْطَةُ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ، بِنَاءً عَلَى انْقِطَاعِ الْحَوْلِ بِبَيْعِ النِّصَابِ بِجِنْسِهِ، وَفِي كَلَامِ الْقَاضِي كَالْأَوَّلِ وَالثَّانِي. قَوْلُهُ (وَلَوْ مَلَكَ رَجُلٌ نِصَابًا شَهْرًا ثُمَّ بَاعَ نِصْفَهُ مَشَاعًا، أَوْ أَعْلَمَ عَلَى بَعْضِهِ وَبَاعَهُ مُخْتَلِطًا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَنْقَطِعُ الْحَوْلُ، وَيَسْتَأْنِفَانِهِ مِنْ حِينِ الْبَيْعِ) وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَصَحَّحَهُ فِي تَصْحِيحِ الْمُحَرَّرِ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالنَّظْمِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ، وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: لَا يَنْقَطِعُ حَوْلُ الْبَائِعِ، وَعَلَيْهِ عِنْدَ تَمَامِ حَوْلِهِ زَكَاةُ حِصَّتِهِ، قَدَّمَهُ فِي الْخُلَاصَةِ، وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ وَالْفُصُولِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْمُغْنِي، وَالْكَافِي، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَابْنُ تَمِيمٍ: وَالشَّرْحِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَشَرْحِ الْهِدَايَةِ وَالْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ، وَمُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي الْمَجْدِ، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَابْنُ مُنَجَّى فِي شَرْحِهِ
قَوْلُهُ (فَإِنْ أَخْرَجَهَا مِنْ الْمَالِ: انْقَطَعَ حَوْلُ الْمُشْتَرِي، لِنُقْصَانِ النِّصَابِ) وَهَذَا الصَّحِيحُ عَلَى قَوْلِ ابْنِ حَامِدٍ، وَقَالَهُ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ، ذَكَرَهُ الْمَجْدُ إجْمَاعًا، وَهُوَ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا لَمْ يَسْتَدِمْ الْفَقِيرُ الْخُلْطَةَ بِنِصْفِهِ، فَإِنْ اسْتَدَامَهَا لَمْ يَنْقَطِعْ حَوْلُ الْمُشْتَرِي، وَقِيلَ: إنْ زَكَّى الْبَائِعُ مِنْهُ إلَى فَقِيرٍ زَكَّى الْمُشْتَرِي، وَقِيلَ: يَسْقُطُ كَأَخْذِ السَّاعِي مِنْهُ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهَذَا الْقَوْلُ الثَّانِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ عَلَى قَوْلِ أَبَى بَكْرٍ. قَوْلُهُ (وَإِنْ أَخْرَجَهَا مِنْ غَيْرِهِ وَقُلْنَا الزَّكَاةُ فِي الْعَيْنِ فَكَذَلِكَ) يَعْنِي يَنْقَطِعُ حَوْلُ الْمُشْتَرِي لِنُقْصَانِ النِّصَابِ، وَهَذَا اخْتِيَارُ الْمُصَنِّفِ هُنَا، وَفِي الْمُغْنِي، وَالْكَافِي، وَاخْتَارَهُ أَبُو الْمَعَالِي، وَالشَّارِحُ، وَذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ عَنْ أَبِي الْخَطَّابِ، قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: هَذَا مُخَالِفٌ لِمَا ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ فِي كِتَابِهِ الْهِدَايَةِ، وَلَا نَعْرِفُ لَهُ مُصَنَّفًا يُخَالِفُهُ. انْتَهَى. وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ الْمُشْتَرِيَ يُزَكِّي بِنِصْفٍ إذَا تَمَّ حَوْلُهُ، قَالَ الْمَجْدُ: لِأَنَّ التَّعَلُّقَ بِالْعَيْنِ لَا يَمْنَعُ الْحَوْلَ بِالِاتِّفَاقِ، قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقَالَ: جَزَمَ بِهِ الْأَكْثَرُ، مِنْهُمْ أَبُو الْخَطَّابِ فِي هِدَايَتِهِ، قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ بِلَا شَكٍّ، وَذَكَرَ ابْنُ مُنَجَّى فِي شَرْحِهِ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ، وَقَالَ: إنَّهُ خَطَأٌ فِي النَّقْلِ وَالْمَعْنَى، وَبَيَّنَ ذَلِكَ. فَوَائِدُ. مِنْهَا: إذَا لَمْ يَلْزَمْ الْمُشْتَرِيَ زَكَاةُ الْخُلْطَةِ، فَإِنْ كَانَ لَهُ غَنَمٌ سَائِمَةٌ ضَمَّهَا إلَى حِصَّتِهِ فِي الْخُلْطَةِ، وَزَكَّى الْجَمِيعَ زَكَاةَ انْفِرَادٍ، وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ
وَمِنْهَا: حُكْمُ الْبَائِعِ بَعْدَ حَوْلِهِ الْأَوَّلِ مَا دَامَ نِصَابُ الْخُلْطَةِ نَاقِصًا كَذَلِكَ، وَمِنْهَا: إنْ كَانَ الْبَائِعُ اسْتَدَانَ مَا أَخْرَجَهُ، وَلَا مَالَ لَهُ يُجْعَلُ فِي مُقَابَلَةِ دَيْنِهِ إلَّا مَالُ الْخُلْطَةِ، أَوْ لَمْ يُخْرِجْ الْبَائِعُ الزَّكَاةَ حَتَّى تَمَّ حَوْلُ الْمُشْتَرِي، فَإِنْ قُلْنَا: الدَّيْنُ لَا يَمْنَعُ وُجُوبَ الزَّكَاةِ أَوْ قُلْنَا: يَمْنَعُ، لَكِنْ لِلْبَائِعِ مَالٌ يَجْعَلُهُ فِي مُقَابَلَةِ دَيْنِ الزَّكَاةِ زَكَّى الْمُشْتَرِي حِصَّتَهُ زَكَاةَ الْخُلْطَةِ نِصْفَ شَاةٍ، وَإِلَّا فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ. قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقَدَّمَهُ، وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى: وَإِنْ أَخْرَجَ مِنْ غَيْرِهِ فَوَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: لَا زَكَاةَ عَلَيْهِ، وَيَسْتَأْنِفُ الْحَوْلَ مِنْ حِينِ الْإِخْرَاجِ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي شَرْحِ الْمُذْهَبِ، بِنَاءً عَلَى تَعَلُّقِ الزَّكَاةِ بِالْعَيْنِ، وَالثَّانِي: عَلَيْهِ الزَّكَاةُ، وَبِهِ قَطَعَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا، وَلَا يَمْنَعُ التَّعَلُّقُ بِالْعَيْنِ وُجُوبَهَا مَا لَمْ يَحُلْ حَوْلُهَا قَبْلَ إخْرَاجِهَا، وَلَا انْعِقَادَ الْحَوْلِ الثَّانِي فِي حَقِّ الْبَائِعِ حَتَّى يَمْضِيَ قَبْلَ الْإِخْرَاجِ، فَلَا تَجِبُ الزَّكَاةُ لَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَخْرَجَ حَتَّى حَالَ حَوْلُ الْمُشْتَرَى فَهِيَ مِنْ صُوَرِ تَكْرَارِ الْحَوْلِ قَبْلَ إخْرَاجِ الزَّكَاةِ. انْتَهَى. وَاقْتَصَرَ فِي مَسْأَلَةِ تَعَلُّقِ الزَّكَاةِ بِالْعَيْنِ: أَنَّهُ لَا يَمْنَعُ التَّعَلُّقُ بِالْعَيْنِ انْعِقَادَ الْحَوْلِ الثَّانِي قَبْلَ الْإِخْرَاجِ، وَقَالَ: قَطَعَ بِهِ بَعْضُ أَصْحَابِنَا كَمَا تَقَدَّمَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْلُهُ (وَإِنْ أَفْرَدَ بَعْضَهُ وَبَاعَهُ، ثُمَّ اخْتَلَطَا: انْقَطَعَ الْحَوْلُ) هَذَا الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ، وَقَالَ الْقَاضِي: يُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَنْقَطِعَ [إذَا كَانَ زَمَنًا يَسِيرًا] قَوْلُهُ. (وَإِنْ مَلَكَ نِصَابَيْنِ شَهْرًا ثُمَّ بَاعَ أَحَدَهُمَا مُشَاعًا، فَعَلَى قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ: يَثْبُتُ لِلْبَائِعِ حُكْمُ الِانْفِرَادِ، وَعَلَيْهِ عِنْدَ تَمَامِ حَوْلِهِ زَكَاةُ مُنْفَرِدٍ. وَعَلَى قِيَاسِ قَوْلِ ابْنِ حَامِدٍ: عَلَيْهِ زَكَاةُ خَلِيطٍ)
وَقَدْ عَلِمْت الصَّحِيحَ مِنْهُمَا فِيمَا تَقَدَّمَ لَكِنَّ صَاحِبَ الْفُرُوعِ وَغَيْرَهُ قَطَعُوا بِأَنَّ الْمَسْأَلَةَ مُفَرَّعَةٌ عَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ وَابْنِ حَامِدٍ، وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ، وَذَكَرَ ابْنُ تَمِيمٍ: أَنَّ الشَّيْخَ خَرَّجَ الْمَسْأَلَةَ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَأَنَّ الْأَوْلَى وُجُوبُ شَاةٍ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ، وَهَذَا التَّخْرِيجُ لَا يَخْتَصُّ بِالشَّيْخِ. انْتَهَى. فَائِدَتَانِ. إحْدَاهُمَا: لَوْ كَانَ الْمَالُ سِتِّينَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَالْمَبِيعُ ثُلُثَهَا: زَكَّى الْبَائِعُ ثُلُثَيْ شَاةٍ عَنْ الْأَرْبَعِينَ الْبَاقِيَةِ، عَلَى قَوْلِ ابْنِ حَامِدٍ، وَزَكَّى شَاةً عَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ. الثَّانِيَةُ: لَوْ مَلَكَ أَحَدُ الْخَلِيطَيْنِ فِي نِصَابٍ فَأَكْثَرَ حِصَّةَ الْآخَرِ مِنْهُ بِشِرَاءٍ أَوْ إرْثٍ، أَوْ غَيْرِهِ، فَاسْتَدَامَ الْخُلْطَةَ، فَهِيَ مِثْلُ مَسْأَلَةِ أَبِي بَكْرٍ، وَابْنِ حَامِدٍ فِي الْمَعْنَى، لَا فِي الصُّورَةِ؛ لِأَنَّ هُنَاكَ كَانَ خَلِيطَ نَفْسِهِ، فَصَارَ هُنَا خَلِيطٌ أَجْنَبِيٌّ، وَهُنَا بِالْعَكْسِ. فَعَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ: لَا زَكَاةَ حَتَّى يَتِمَّ حَوْلُ الْمَالَيْنِ مِنْ كَمَالِ مِلْكَيْهِمَا إلَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا نِصَابًا، فَيُزَكِّيهِ زَكَاةَ انْفِرَادٍ، وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ حَامِدٍ: يُزَكِّي مِلْكَهُ الْأَوَّلَ لِتَمَامِ حَوْلِهِ زَكَاةَ خُلْطَةٍ، وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ فِيمَا إذَا كَانَ بَيْنَ رَجُلٍ وَابْنِهِ حَوْلٌ مِنْ الْإِبِلِ خُلْطَةً، فَمَاتَ الْأَبُ فِي بَعْضِ الْحَوْلِ وَوَرِثَهُ الِابْنُ أَنَّهُ يَبْنِي عَلَى حَوْلِ الْأَبِ فِيمَا وَرِثَهُ وَيُزَكِّيهِ. قَوْلُهُ (وَإِذَا مَلَكَ نِصَابًا شَهْرًا ثُمَّ مَلَكَ آخَرَ لَا يَتَغَيَّرُ بِهِ الْفَرْضُ، مِثْلَ أَنْ مَلَكَ أَرْبَعِينَ شَاةً فِي الْمُحَرَّمِ وَأَرْبَعِينَ فِي صَفَرٍ، فَعَلَيْهِ زَكَاةُ الْأُولَى عِنْدَ تَمَامِ حَوْلِهِ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي الثَّانِي، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) صَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَهَذَا الْوَجْهُ وَجْهُ الضَّمِّ، وَفِي الْآخَرِ: عَلَيْهِ لِلثَّانِي زَكَاةُ خُلْطَةٍ كَالْأَجْنَبِيِّ فِي الَّتِي قَبْلَهَا، قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: وَهُوَ أَصَحُّ عَلَى مَا يَأْتِي فِي التَّفْرِيعِ وَأَطْلَقَهُمَا فِي الشَّرْحِ
وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ شَاةٌ، ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفَائِقِ، وَضَعَّفَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالْمَجْدُ، وَالشَّارِحُ، وَهُوَ وَجْهُ الِانْفِرَادِ، وَأَطْلَقَهُنَّ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالْفُرُوعِ، وَالْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ. وَقَالَ فِي أَوَّلِ الْفَائِدَةِ الثَّالِثَةُ: إذَا اسْتَفَادَ مَالًا زَكَوِيًّا مِنْ جِنْسِ النِّصَابِ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلِ، فَإِنَّهُ يَنْفَرِدُ بِحَوْلٍ عِنْدَنَا، وَلَكِنْ هَلْ يَضُمُّهُ إلَى النِّصَابِ فِي الْعَدَدِ أَوْ يَخْلِطُهُ بِهِ وَيُزَكِّيهِ زَكَاةَ خُلْطَةٍ، أَوْ يُفْرِدُهُ بِالزَّكَاةِ كَمَا أَفْرَدَهُ بِالْحَوْلِ؟ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ، وَصَحَّحَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ الْوَجْهَ الثَّالِثَ، وَزَعَمَ الْمَجْدُ: أَنَّ الْمُصَنِّفَ ضَعَّفَهُ، وَإِنَّمَا ضَعَّفَ الثَّالِثَ، فَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ: هَلْ الزِّيَادَةُ كَنِصَابٍ مُنْفَرِدٍ؟ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْخَطَّابِ فِي انْتِصَارِهِ، وَالْمَجْدِ أَوْ الْكُلُّ نِصَابٌ وَاحِدٌ؟ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْقَاضِي، وَابْنِ عَقِيلٍ، وَالْمُصَنِّفِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّارِحِ، قَالَ فِي الْفَوَائِدِ: وَهُوَ الْأَظْهَرُ، فِيهِ وَجْهَانِ، فَعَلَى الثَّانِي: إذَا تَمَّ حَوْلُ الْمُسْتَفَادِ: وَجَبَ إخْرَاجُ بَقِيَّةِ الْمَجْمُوعِ بِكُلِّ حَالٍ، وَعَلَى الْأَوَّلِ: إذَا تَمَّ حَوْلُ الْمُسْتَفَادِ: وَجَبَ فِيهِ مَا بَقِيَ مِنْ فَرْضِ الْجَمِيعِ، بَعْدَ إسْقَاطِ مَا أُخْرِجَ عَنْ الْأَوَّلِ مِنْهُ، إلَّا أَنْ يَزِيدَ بَقِيَّةُ الْفَرْضِ عَلَى فَرْضِ الْمُسْتَفَادِ بِانْفِرَادِهِ، أَوْ نَقَصَ عَنْهُ، أَوْ يَكُونُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْأَوَّلِ، فَإِنَّهُ يَتَعَذَّرُ هُنَا وَجْهُ الضَّمِّ، وَيَتَعَيَّنُ وَجْهُ الْخُلْطَةِ، وَيَلْغُو وَجْهُ الِانْفِرَادِ، صَرَّحَ بِذَلِكَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَالتَّفَارِيعُ الْآتِيَةُ بَعْدَ ذَلِكَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى هَذِهِ الْأَوْجُهِ الثَّلَاثَةِ. فَائِدَتَانِ. إحْدَاهُمَا: لَوْ مَلَكَ أَرْبَعِينَ شَاةً أُخْرَى فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، فِي مَسْأَلَتِنَا، فَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ سِوَى الشَّاةِ الْأُولَى، وَعَلَى الثَّانِي: عَلَيْهِ زَكَاةُ خُلْطَةٍ ثُلُثُ شَاةٍ [لِأَنَّهَا ثُلُثُ الْجَمِيعِ، وَعَلَى الثَّالِثِ: عَلَيْهِ شَاةٌ، وَفِيهَا بَعْدَ الْحَوْلِ الْأَوَّلِ، فِي كُلِّ ثُلُثٍ شَاةٌ] لِتَمَامِ حَوْلَهَا عَلَى الثَّالِثِ أَيْضًا الثَّانِيَةُ: لَوْ مَلَكَ خَمْسَةَ أَبْعِرَةٍ، بَعْدَ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ، فَعَلَى الْأَوَّلِ: لَا شَيْءَ
عَلَيْهِ سِوَى بِنْتِ مَخَاضٍ الْأُولَى، وَعَلَى الثَّانِي: عَلَيْهِ سُدُسُ بِنْتِ مَخَاضٍ، وَعَلَى الثَّالِثِ: عَلَيْهِ شَاةٌ، وَفِيمَا بَعْدَ الْحَوْلِ الْأَوَّلِ فِي الْأُولَى خَمْسَةُ أَسْدَاسِ بِنْتِ مَخَاضٍ؛ لِتَمَامِ حَوْلِهَا، وَسُدُسٌ عَلَى الْخُمُسِ الْبَاقِيَةِ لِتَمَامِ حَوْلِهَا، وَلَوْ مَلَكَ مَعَ ذَلِكَ سِتًّا فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، فَفِي الْخَمْسَةِ وَالْعِشْرِينَ الْأُولَى: بِنْتُ مَخَاضٍ، وَفِي الْأُخْرَى: عَشَرَةٌ لِتَمَامِ حَوْلِهَا، رُبْعُ بِنْتِ لَبُونٍ وَنِصْفُ تُسْعِهَا، وَعَلَى الثَّانِي: فِي الْخُمُسِ لِتَمَامِ حَوْلِهَا سُدُسُ بِنْتِ مَخَاضٍ، وَفِي السِّتِّ لِتَمَامِ حَوْلِهَا سُدُسُ بِنْتِ لَبُونٍ، وَعَلَى الثَّالِثِ: لِكُلٍّ مِنْ الْخَمْسِ وَالسِّتِّ شَاةٌ لِتَمَامِ حَوْلِهَا. قَوْلُهُ (وَإِنْ كَانَ الثَّانِي يَتَغَيَّرُ بِهِ الْفَرْضُ) ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ مِائَةَ شَاةٍ، فَعَلَيْهِ زَكَاتُهُ إذَا تَمَّ حَوْلُهَا، وَجْهًا وَاحِدًا، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ، وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ لِلثَّانِي شَاةٌ، وَثَلَاثَةُ أَسْبَاعِ شَاةٍ؛ لِأَنَّ فِي الْكُلِّ شَاتَيْنِ، وَالْمِائَةِ خَمْسَةُ أَسْبَاعِ الْكُلِّ، وَهَذَا الْقَوْلُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا مِنْ أَصْلِ الْمُصَنِّفِ، وَهُوَ أَنَّ عَلَيْهِ زَكَاةَ خُلْطَةٍ، وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: إنْ كَانَ الثَّانِي يَبْلُغُ نِصَابًا، وَجَبَتْ فِيهِ زَكَاةُ انْفِرَادٍ فِي وَجْهٍ، وَخُلْطَةٍ فِي وَجْهٍ، وَلَا يُضَمُّ إلَى الْأَوَّلِ فِيمَا يَجِبُ فِيهَا وَجْهًا وَاحِدًا، إذَا كَانَ الضَّمُّ يُوجِبُ تَغَيُّرَ الزَّكَاةِ أَوْ نَوْعِهَا، مِثْلُ: أَنْ مَلَكَ ثَلَاثِينَ مِنْ الْبَقَرِ بَعْدَ خَمْسِينَ، فَيَجِبُ إمَّا تَبِيعٌ، أَوْ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ مُسِنَّةٍ، وَلَا تَجِبُ الْمُسِنَّةُ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ فِي الَّتِي قَبْلَهَا، بَلْ يَجِبُ ضَمُّ الثَّانِي إلَى الْأَوَّلِ، وَيَخْرُجُ إذَا حَالَ الْحَوْلُ الثَّانِي مَا بَقِيَ مِنْ زَكَاةِ الْجَمِيعِ، فَتَجِبُ هُنَا الْمُسِنَّةُ، قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَهَذَا أَحْسَنُ. فَائِدَةٌ: لَوْ مَلَكَ مِائَةً أُخْرَى فِي رَبِيعٍ، فَفِيهَا شَاةٌ، وَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي وَهُوَ
وَجْهُ الْخُلْطَةِ عَلَيْهِ شَاةٌ وَرُبُعُ شَاةٍ؛ لِأَنَّ فِي الْكُلِّ ثَلَاثَ شِيَاهٍ، وَالْمِائَةُ رُبُعُ الْكُلِّ وَسُدُسُهُ، فَحِصَّتُهَا مِنْ فَرْضِهِ: رُبُعُهُ وَسُدُسُهُ. فَوَائِدُ. لَوْ مَلَكَ إحْدَى وَثَمَانِينَ شَاةً بَعْدَ أَرْبَعِينَ فَفِيهَا شَاةٌ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي: عَلَيْهِ شَاةٌ وَاحِدَةٌ وَأَرْبَعُونَ جُزْءًا مِنْ مِائَةٍ وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ جُزْءًا مِنْ شَاةٍ كَخَلِيطٍ، وَفِي مِائَةٍ وَعِشْرِينَ بَعْدَ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ شَاتَانِ، أَوْ شَاةٌ وَنِصْفٌ، أَوْ شَاةٌ عَلَى الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ.، وَفِي خَمْسَةِ أَبْعِرَةٍ بَعْدَ عِشْرِينَ بَعِيرًا شَاةٌ عَلَى [الصَّحِيحِ] الثَّالِثُ: زَادَ الْمُصَنِّفُ: وَعَلَى الْأَوَّلِ أَيْضًا اثْنَيْنِ، وَعَلَى الثَّانِي: خَمْسُ بَنَاتِ مَخَاضٍ، زَادَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَعَلَى الْأَوَّلِ أَيْضًا فِي ثَلَاثِينَ مِنْ الْبَقَرِ بَعْدَ خَمْسِينَ تَبِيعٌ عَلَى الثَّالِثِ، وَثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ مُسِنَّةٍ عَلَى الثَّانِي، قَالَ فِي الْفَوَائِدِ: وَهُوَ الْأَظْهَرُ، وَعِنْدَ الْمَجْدِ: لَا يَجِيءُ الْوَجْهُ الْأَوَّلُ فِي هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ يُفْضِي فِي الْأُولَى إلَى إيجَابِ مَا بَقِيَ مِنْ بِنْتِ مَخَاضٍ بَعْدَ إسْقَاطِ أَرْبَعِ شِيَاهٍ، وَهِيَ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ، وَيُفْضِي فِي الثَّانِيَةِ إلَى إيجَابِ فَرْضِ نِصَابٍ فَمَا دُونَهُ، فَلِهَذَا قَالَ: الْوَجْهُ الثَّانِي أَصَحُّ لِعَدَمِ اطِّرَادِ الْأَوَّلِ، وَضَعْفِ الثَّالِثِ، وَضَعَّفَهُ فِي الْمُغْنِي أَيْضًا. قَوْلُهُ (وَإِنْ كَانَ الثَّانِي يَتَغَيَّرُ بِهِ الْفَرْضُ وَلَا يَبْلُغُ نِصَابًا، مِثْلَ أَنْ يَمْلِكَ ثَلَاثِينَ مِنْ الْبَقَرِ فِي الْمُحَرَّمِ، وَعَشْرًا فِي صَفَرٍ، فَعَلَيْهِ فِي الْعَشْرِ إذَا تَمَّ حَوْلُهَا رُبُعُ مُسِنَّةٍ) هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَصَاحِبُ الْفَائِقِ: قَوْلًا وَاحِدًا، قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ: وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: قَطَعَ بِهِ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِ، وَقِيلَ: عَلَى الْوَجْهِ الثَّالِثِ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ هُنَا
قَوْلُهُ (وَإِنْ مَلَكَ مَا لَا يُغَيِّرُ الْفَرْضَ كَخَمْسٍ فَلَا شَيْءَ فِيهَا فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) ، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَصَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ وَغَيْرِهِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ. قَوْلُهُ (وَفِي الثَّانِي: عَلَيْهِ سُبْعُ تَبِيعٍ إذَا تَمَّ حَوْلُهَا) . فَائِدَةٌ: مِثْلُ ذَلِكَ لَوْ مَلَكَ عِشْرِينَ شَاةً بَعْدَ أَرْبَعِينَ بَقَرَةً، أَوْ مَلَكَ عَشْرًا مِنْ الْبَقَرِ بَعْدَ أَرْبَعِينَ بَقَرَةً، فَعَلَى الْمَذْهَبِ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَعَلَى الثَّانِي: عَلَيْهِ ثُلُثُ شَاةٍ فِي الْأُولَى أَوْ خُمُسُ مُسِنَّةٍ فِي الثَّانِيَةِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُحَرَّرِ فِي الْأُولَى. قَوْلُهُ (وَإِذَا كَانَ لِرَجُلٍ سِتُّونَ شَاةً، كُلُّ عِشْرِينَ مِنْهَا مُخْتَلِطَةٌ مَعَ عِشْرِينَ، لِرَجُلٍ آخَرَ فَعَلَى الْجَمِيعِ شَاةٌ، نِصْفُهَا عَلَى صَاحِبِ السِّتِّينَ وَنِصْفُهَا عَلَى خُلَطَائِهِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ سُدُسُ شَاةٍ) . اعْلَمْ أَنَّهُ إذَا كَانَ السِّتُّونَ مُخْتَلِطَةً كُلُّ عِشْرِينَ مِنْهَا مَعَ عِشْرِينَ لِآخَرَ فَإِنْ كَانَتْ مُتَفَرِّقَةً، وَبَيْنَهُمْ مَسَافَةُ قَصْرٍ، فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِمْ ثَلَاثُ شِيَاهٍ عَلَى رَبِّ السِّتِّينَ: شَاةٌ وَنِصْفٌ، وَعَلَى خَلِيطٍ: نِصْفُ شَاةٍ، إذَا قُلْنَا: إنَّ الْبُعْدَ يُؤَثِّرُ فِي سَائِمَةِ الْإِنْسَانِ، عَلَى مَا يَأْتِي قَرِيبًا، وَإِنْ قُلْنَا: لَا يُؤَثِّرُ، أَوْ كَانَتْ قَرِيبَةً وَهُوَ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ هُنَا فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفِ: عَلَى الْجَمِيعِ شَاةٌ. نِصْفُهَا عَلَى صَاحِبِ السِّتِّينَ، وَنِصْفُهَا عَلَى خُلَطَائِهِ. وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ، وَقَالَ: هَذَا قَوْلُ الْأَصْحَابِ، وَقِيلَ: عَلَى الْجَمِيعِ شَاتَانِ وَرُبُعٌ. وَعَلَى رَبِّ السِّتِّينَ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ شَاةٍ؛ لِأَنَّهَا مُخَالِطَةٌ لِعِشْرِينَ خُلْطَةَ وَصْفٍ، وَلِأَرْبَعِينَ بِجِهَةِ الْمِلْكِ، وَحِصَّةُ الْعِشْرِينَ مِنْ زَكَاةِ الثَّمَانِينَ رُبُعُ شَاةٍ، وَعَلَى كُلِّ خَلِيطٍ نِصْفُ شَاةٍ؛ لِأَنَّهُ مُخَالِطٌ لِعِشْرِينَ فَقَطْ
اخْتَارَهُ الْمَجْدُ فِي مُحَرَّرِهِ، وَقَالَ الْآمِدِيُّ بِهَذَا الْوَجْهِ، إلَّا أَنَّهُ قَالَ: يَلْزَمُ كُلَّ خَلِيطٍ رُبُعُ شَاةٍ؛ لِأَنَّ الْمَالَ الْوَاحِدَ يُضَمُّ، وَعِنْدَ ابْنِ عَقِيلٍ فِي الْجَمِيعِ ثَلَاثُ شِيَاهٍ عَلَى رَبِّ السِّتِّينَ: شَاةٌ وَنِصْفٌ، جَعْلًا لِلْخُلْطَةِ قَاطِعَةً بَعْضَ مِلْكِهِ عَنْ بَعْضٍ، بِحَيْثُ لَوْ كَانَ لَهُ مِلْكٌ آخَرُ مُنْفَرِدٌ اُعْتُبِرَ فِي تَزْكِيَتِهِ وَحْدَهُ، وَعَلَى كُلِّ خَلِيطٍ نِصْفُ شَاةٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُخَالِطْ سِوَى عِشْرِينَ، وَالتَّفَارِيعُ الْآتِيَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى هَذِهِ الْأَوْجُهِ. فَائِدَتَانِ إحْدَاهَا: لَوْ لَمْ يُخَالِطْ رَبَّ السِّتِّينَ مِنْهَا إلَّا بِعِشْرِينَ لِآخَرَ، فَعَلَى الْأَوَّلِ: فِي الْجَمِيعِ شَاةٌ عَلَى رَبِّ السِّتِّينَ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهَا، وَعَلَى رَبِّ الْعِشْرِينَ رُبُعُهَا، وَعَلَى الثَّانِي: عَلَى رَبِّ السِّتِّينَ فِي الْأَرْبَعِينَ الْمُنْفَرِدَةِ: ثُلُثَا شَاةٍ، ضَمًّا لَهَا إلَى بَقِيَّةِ مِلْكِهِ، وَفِي الْعِشْرِينَ: رُبُعُ شَاةٍ، ضَمًّا لَهَا إلَى بَقِيَّةِ مَالِهِ، وَهُوَ الْأَرْبَعُونَ الْمُنْفَرِدَةُ، وَإِلَى عِشْرِينَ الْآخَرُ لِمُخَالَطَتِهَا بَعْضَهُ وَصْفًا وَبَعْضَهُ مِلْكًا، وَعَلَى رَبِّ الْعِشْرِينَ نِصْفُ شَاةٍ، وَذَكَرَهُ فِي التَّلْخِيصِ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ عَلَى الثَّالِثِ كَالْأَوَّلِ هُنَا، وَعَلَى الرَّابِعِ: فِي الْأَرْبَعِينَ الْمُخْتَلِطَةِ شَاةٌ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ، وَفِي الْأَرْبَعِينَ الْمُنْفَرِدَةِ: شَاةٌ عَلَى رَبِّهَا. الثَّانِيَةُ: لَوْ كَانَ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ بَعِيرًا كُلُّ خَمْسَةٍ مِنْهَا خُلْطَةٌ بِخَمْسَةٍ لِآخَرَ، فَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ: عَلَيْهِ نِصْفُ حِقَّةٍ، وَعَلَى كُلِّ خَلِيطٍ عُشْرُهَا، وَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي: عَلَيْهِ خَمْسَةُ أَسْدَاسِ بِنْتِ مَخَاضٍ، وَعَلَى كُلِّ خَلِيطٍ شَاةٌ، وَعَلَى الْوَجْهِ الثَّالِثِ: عَلَيْهِ خَمْسَةُ أَسْدَاسِ بِنْتِ مَخَاضٍ، وَعَلَى كُلِّ خَلِيطٍ سُدُسُ بِنْتِ مَخَاضٍ، وَعَلَى الْوَجْهِ الرَّابِعِ: عَلَيْهِ خَمْسُ شِيَاهٍ، وَعَلَى كُلِّ خَلِيطٍ شَاةٌ. قَوْلُهُ (وَإِذَا كَانَتْ مَاشِيَةُ الرَّجُلِ مُتَفَرِّقَةً فِي بَلَدَيْنِ لَا تُقْصَرُ
بَيْنَهُمَا الصَّلَاةُ، فَهِيَ كَالْمُجْتَمِعَةِ إجْمَاعًا، وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا مَسَافَةُ الْقَصْرِ فَكَذَلِكَ عِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ) ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، وَاخْتَارَهَا الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَصَاحِبُ الْفَائِقِ، وَالْمَنْصُوصُ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ وَغَيْرِهِ: أَنَّ لِكُلِّ مَالٍ حُكْمَ نَفْسِهِ كَمَا لَوْ كَانَا لِرَجُلَيْنِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَالْمَشْهُورُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرِهِمْ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ عَلَى مَا اخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَالْمُصَنِّفُ: يَكْفِي إخْرَاجُ شَاةٍ بِبَلَدِ أَحَدِ الْمَالَيْنِ. لِأَنَّهُ حَاجَةٌ، وَقِيلَ: يُخْرِجُ مِنْ كُلِّ بَلَدٍ بِالْقِسْطِ. تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ: أَنَّ سَائِرَ الْأَمْوَالِ لَا يُؤَثِّرُ فِيهَا تَفَرُّقُ الْبُلْدَانِ قَوْلًا وَاحِدًا، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَحَكَاهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ إجْمَاعًا، وَجَعَلَ أَبُو بَكْرٍ فِي سَائِرِ الْأَمْوَالِ رِوَايَتَيْنِ كَالْمَاشِيَةِ، قَالَهُ ابْنُ تَمِيمٍ. قَوْلُهُ (وَلَا تُؤَثِّرُ الْخُلْطَةُ فِي غَيْرِ السَّائِمَةِ) هَذَا الصَّحِيحُ وَالْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ. وَعَنْهُ أَنَّهَا تُؤَثِّرُ خُلْطَةُ الْأَعْيَانِ، اخْتَارَهَا الْآجُرِّيُّ، وَصَحَّحَهَا ابْنُ عَقِيلٍ، قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي خِلَافِهِ الصَّغِيرِ: هَذَا أَقْيَسُ. وَخَصَّ الْقَاضِي فِي شَرْحِهِ الصَّغِيرِ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ: تُؤَثِّرُ خُلْطَةُ الْأَعْيَانِ بِلَا نِزَاعٍ، كَذَا الْأَوْصَافُ أَيْضًا، وَهُوَ تَخْرِيجُ وَجْهٍ لِلْقَاضِي، وَحَكَاهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ الْمُتَقَدِّمُ وَجْهًا. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَكْثَرِينَ لِإِطْلَاقِهِمْ الرِّوَايَةَ، وَقِيلَ: لَا تُؤَثِّرُ خُلْطَةُ الْأَوْصَافِ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَإِنْ أَثَّرَتْ خُلْطَةُ الْأَعْيَانِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَابْنُ حَمْدَانَ، وَغَيْرُهُمْ، وَأَطْلَقَهُمَا الزَّرْكَشِيُّ
قَالَ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ: نَقَلَ حَنْبَلٌ تُضَمُّ كَالْمَوَاشِي؟ فَقَالَ: إذَا كَانَ رَجُلَيْنِ لَهُمَا مِنْ الْمَالِ مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ مِنْ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ: فَعَلَيْهِمَا الزَّكَاةُ بِالْحِصَصِ، فَيُعْتَبَرُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ اتِّحَادُ الْمُؤَنِ وَمَرَافِقِ الْمِلْكِ، فَيُشْتَرَطُ اشْتِرَاكُهُمَا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِإِصْلَاحِ مَالِ الشَّرِكَةِ، فَإِنْ كَانَتْ فِي الزَّرْعِ وَالثَّمَرِ فَلَا بُدَّ مِنْ الِاشْتِرَاكِ فِي الْمَاءِ وَالْحَرْثِ وَالْبَيْدَرِ وَالْعُمَّالِ مِنْ النَّاطُورِ وَالْحَصَادِ وَالدَّوَابِّ وَنَحْوِهِ، وَإِنْ كَانَتْ فِي التِّجَارَةِ، فَلَا بُدَّ مِنْ الِاشْتِرَاكِ فِي الدُّكَّانِ، وَالْمِيزَانِ، وَالْمَخْزَنِ، وَنَحْوِهِ مِمَّا يُرْتَفَقُ بِهِ. قَوْلُهُ (وَيَجُوزُ لِلسَّاعِي أَخْذُ الْفَرْضِ مِنْ مَالِ أَيِّ الْخَلِيطَيْنِ شَاءَ، مَعَ الْحَاجَةِ وَعَدَمِهَا) يَعْنِي فِي خُلْطَةِ الْأَوْصَافِ، وَالْحَاجَةُ: أَنْ يَكُونَ مَالُ أَحَدِهِمَا صِغَارًا وَمَالُ الْآخَرِ كِبَارًا، أَوْ يَكُونُ مَالُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَرْبَعِينَ أَوْ سِتِّينَ وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَعَدَمُ الْحَاجَةِ وَاضِحٌ، وَهَذَا مِمَّا لَا نِزَاعَ فِيهِ فِي الْمَذْهَبِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ، لَكِنْ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُهُ وَلَوْ بَعْدَ قِسْمَةٍ فِي خُلْطَةِ أَعْيَانٍ مَعَ بَقَاءِ نَصِيبَيْنِ، وَقَدْ وَجَبَتْ الزَّكَاةُ، وَقَالَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ، وَقَالَ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ: لَا يَأْخُذُ إلَّا إذَا كَانَ نَصِيبُ أَحَدِهِمَا مَفْقُودًا، فَلَهُ أَخْذُ الزَّكَاةِ مِنْ النَّصِيبِ الْمَوْجُودِ، وَيَرْجِعُ عَلَى صَاحِبِهِ بِالْقِسْطِ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَا وَجْهَ لِمَا قَالَهُ الْقَاضِي إلَّا عَدَمُ الْحَاجَةِ، فَيَتَوَجَّهُ مِنْهُ: اعْتِبَارُ الْحَاجَةِ لِأَخْذِ السَّاعِي. قَوْلُهُ (فَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الْقِيمَةِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَرْجُوعِ عَلَيْهِ) . يَعْنِي مَعَ يَمِينِهِ إذَا اُحْتُمِلَ صِدْقُهُ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ غَارِمٌ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: يَتَوَجَّهُ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُعْطِي؛ لِأَنَّهُ كَالْأَمِينِ.
قَوْلُهُ (وَإِذَا أَخَذَ السَّاعِي أَكْثَرَ مِنْ الْفَرْضِ ظُلْمًا: لَمْ يَرْجِعْ بِالزِّيَادَةِ عَلَى خَلِيطِهِ) ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. إلَّا أَنَّ الشَّيْخَ تَقِيَّ الدِّينِ قَالَ: الْأَظْهَرُ أَنَّهُ يَرْجِعُ، فَعَلَى الْمَذْهَبِ: لَوْ أَخَذَ عَنْ أَرْبَعِينَ مُخْتَلِطَةٍ شَاتَيْنِ مِنْ مَالِ أَحَدِهِمَا، أَوْ أَخَذَ عَنْ ثَلَاثِينَ بَعِيرًا: جَذَعَةً رَجَعَ عَلَى خَلِيطِهِ فِي الْأُولَى بِقِيمَةِ نِصْفِ شَاةٍ، وَفِي الثَّانِيَةِ: بِقِيمَةِ نِصْفِ بِنْتِ مَخَاضٍ. قَوْلُهُ (وَإِنْ أَخَذَهُ بِقَوْلِ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ رَجَعَ عَلَيْهِ) ، كَأَخْذِهِ صَحِيحَةً عَنْ مِرَاضٍ، أَوْ كَبِيرَةً عَنْ صِغَارٍ، أَوْ قِيمَةِ الْوَاجِبِ وَنَحْوِهِ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ بِهِ أَكْثَرُهُمْ، وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: إنْ أَخَذَ الْقِيمَةَ وَجَازَ أَخْذُهَا رَجَعَ بِنِصْفِهَا، إنْ قُلْنَا: الْقِيمَةُ أَصْلٌ، وَإِنْ قُلْنَا: بَدَلٌ، فَيَرْجِعُ بِنِصْفِ قِيمَةِ شَاةٍ، وَإِنْ لَمْ تَجُزْ الْقِيمَةُ فَلَا رُجُوعَ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ، وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: إنْ أَخَذَ السَّاعِي فَوْقَ الْوَاجِبِ بِتَأْوِيلٍ، أَوْ أَخَذَ الْقِيمَةَ: أَجْزَأَتْ فِي الْأَظْهَرِ، وَرَجَعَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ. فَائِدَتَانِ. إحْدَاهُمَا: قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَإِطْلَاقُ الْأَصْحَابِ يَقْتَضِي الْإِجْزَاءَ، وَلَوْ اعْتَقَدَ الْمَأْخُوذُ مِنْهُ عَدَمَ الْإِجْزَاءِ، وَصَوَّبَ فِيهِ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ الْإِجْزَاءَ، وَجَعَلَهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ كَالصَّلَاةِ خَلْفَ تَارِكٍ شَرْطًا عِنْدَ الْمَأْمُومِ. الثَّانِيَةُ: يُجْزِئُ إخْرَاجُ بَعْضِ الْخُلَطَاءِ بِإِذْنِ بَاقِيهِمْ، وَبِغَيْرِ إذْنِهِمْ، غِيبَةً وَحُضُورًا، قَالَهُ ابْنُ حَامِدٍ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْفَائِقِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ
باب زكاة الخارج من الأرض
قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: عَقْدُ الْخُلْطَةِ جَعَلَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَالْآذِنِ لِخَلِيطِهِ فِي الْإِخْرَاجِ عَنْهُ، وَاخْتَارَ صَاحِبُ الرِّعَايَةِ: عَدَمَ الْإِجْزَاءِ؛ لِعَدَمِ نِيَّتِهِ. قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ. وَتَقَدَّمَ فِي زَكَاةِ حِصَّةِ الْمُضَارِبِ مِنْ الرِّبْحِ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إخْرَاجُ الزَّكَاةِ مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ بِلَا إذْنٍ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ وِقَايَةٌ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَدَلَّ أَنَّهُ يَجُوزُ لَوْلَا الْمَانِعُ وَقَالَ أَيْضًا: وَلَعَلَّ كَلَامَهُمْ فِي إذْنِ كُلِّ شَرِيكٍ لِلْآخَرِ فِي إخْرَاجِ زَكَاتِهِ يُوَافِقُ مَا اخْتَارَهُ فِي الرِّعَايَةِ. وَيُشْبِهُ هَذَا أَنَّ عَقْدَ الشَّرِكَةِ يُفِيدُ التَّصَرُّفَ بِلَا إذْنٍ صَرِيحٍ عَلَى الْأَصَحِّ. انْتَهَى. [بَابُ زَكَاةِ الْخَارِجِ مِنْ الْأَرْضِ] ِ قَوْلُهُ (تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي الْحُبُوبِ كُلِّهَا، وَفِي كُلِّ ثَمَرٍ يُكَالُ وَيُدَّخَرُ) هَذَا الْمَذْهَبُ عِنْدَ جَمَاعَةٍ مِنْ الْأَصْحَابِ، مِنْهُمْ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ جَمَاعَةٍ: تَجِبُ فِي كُلِّ مَكِيلٍ مُدَّخَرٍ مِنْ حَبٍّ وَثَمَرٍ. انْتَهَى. فَيَجِبُ عَلَى هَذَا فِي كُلِّ مَكِيلٍ يُدَّخَرُ مِنْ الْحُبُوبِ وَالثِّمَارِ، مِمَّا يُقْتَاتُ بِهِ وَغَيْرُهُ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، فَدَخَلَ فِي كَلَامِهِ الْبُرُّ، وَالْعَلَسُ، وَالشَّعِيرُ، وَالسُّلْتُ، وَالْأُرْزُ، وَالذُّرَةُ، وَالدُّخْنُ، وَالْفُولُ، وَالْعَدَسُ، وَالْحِمَّصُ، وَاللُّوبِيَا، وَالْجُلُبَّانُ، وَالْمَاشُ، وَالتُّرْمُسُ، وَالسِّمْسِمُ، وَالْخَشْخَاشُ وَنَحْوُهُ، وَيَدْخُلُ فِي كَلَامِهِ أَيْضًا: بَذْرُ الْبُقُولِ كَبَذْرِ الْهِنْدَبَا، وَالْكَرَفْسِ وَغَيْرِهِمَا، وَيَدْخُلُ بَذْرُ الرَّيَاحِينِ بِأَسْرِهَا، وَأَبَازِيرُ الْقُدُورِ كَالْكُسْفُرَةِ، وَالْكَمُّونِ
وَالْكَرَاوْيَا وَالشِّمْرِ، وَالْأَنِسُونِ، وَالْقُنَّبِ وَهُوَ الشَّهْدَانِجُ وَالْخَرْدَلُ، وَيَدْخُلُ بَذْرُ الْكَتَّانِ، وَالْقُرْطُمُ، وَالْقِثَّاءُ، وَالْخِيَارُ، وَالْبِطِّيخُ، وَحَبُّ الرَّشَادِ، وَالْفُجْلُ، وَيَخْرُجُ مِنْ قَوْلِهِ " فِي الْحُبُوبِ كُلِّهَا، وَفِي كُلِّ ثَمَرٍ " الصَّعْتَرُ، وَالْأُشْنَانُ الْوَرَقُ الْمَقْصُودُ، كَوَرَقِ السِّدْرِ وَالْخِطْمِيِّ، وَالْآسِ، وَنَحْوِهِ. وَيَأْتِي أَيْضًا قَرِيبًا مَا يَخْرُجُ مِنْ كَلَامِهِ، وَيَدْخُلُ فِي قَوْلِهِ " فِي كُلِّ ثَمَرٍ يُكَالُ وَيُدَّخَرُ " مَا هُوَ مِثْلُهُ مِنْ التَّمْرِ، وَالزَّبِيبِ، وَاللَّوْزِ، وَالْفُسْتُقِ، وَالْبُنْدُقِ وَغَيْرِهِ، وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ رِوَايَةً أَنَّهُ " لَا زَكَاةَ إلَّا فِي التَّمْرِ، وَالزَّبِيبِ، وَالْبُرِّ، وَالشَّعِيرِ " وَقَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي مُخْتَصَرِهِ، وَنَاظِمُهَا، وَاَلَّذِي قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَقَالَ: اخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ، وَجَزَمَ بِهِ آخَرُونَ: أَنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ فِي كُلِّ مَكِيلٍ مُدَّخَرٍ، وَنَقَلَهُ أَبُو طَالِبٍ وَنَقَلَ صَالِحٌ، وَعَبْدُ اللَّهِ " مَا كَانَ يُكَالُ وَيُدَّخَرُ، وَفِيهِ نَفْعُ الْفَقِيرِ الْعُشْرُ، وَمَا كَانَ مِثْلَ: الْقِثَّاءِ، وَالْخِيَارِ، وَالْبَصَلِ، وَالرَّيَاحِينِ، وَالرُّمَّانِ، فَلَيْسَ فِيهِ زَكَاةٌ إلَّا أَنْ يُبَاعَ، وَيَحُولَ الْحَوْلُ عَلَى ثَمَنِهِ "، فَهَذَا الْقَوْلُ أَعَمُّ مِنْ الْقَوْلِ الَّذِي قَالَهُ الْمُصَنِّفُ، فَيَدْخُلُ فِيهِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي الْقَوْلِ الَّذِي قَالَهُ الْمُصَنِّفُ، وَيَدْخُلُ فِيهِ أَيْضًا: الصَّعْتَرُ وَالْأُشْنَانُ، وَحَبُّهُ وَنَحْوُهُ، وَيَدْخُلُ أَيْضًا: كُلُّ وَرَقٍ مَقْصُودٍ: كَوَرَقِ السِّدْرِ، وَالْخِطْمِيِّ، وَالْآسِ، وَالْحِنَّاءِ، وَالْوَرْسِ، وَالنِّيلِ، وَالْغُبَيْرَاءِ، وَالْعُصْفُرِ وَنَحْوِهِ، وَهَذَا عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْوَجِيزِ، وَالْإِفَادَاتِ وَغَيْرِهِمْ، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَهُوَ اخْتِيَارُ الْعَامَّةِ، وَشَمِلَهُ كَلَامُ الْخِرَقِيِّ، وَأَطْلَقَ ابْنُ تَمِيمٍ، وَصَاحِبُ الرِّعَايَةِ، وَالْحَاوِي، وَالْفَائِقِ وَغَيْرُهُمْ: الْخِلَافَ فِي الْأُشْنَانِ، وَالْغُبَيْرَاءِ، وَالصَّعْتَرِ، وَالْكَتَّانِ، وَالْحِنَّاءِ، وَالْوَرِقِ الْمَقْصُودِ
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فِي الْحِنَّاءِ الْخِلَافُ، وَلَمْ يُوجِبْ فِي الْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ وَغَيْرِهِمَا فِي وَرَقِ السِّدْرِ وَالْخِطْمِيِّ الزَّكَاةَ، وَزَادَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ الْحِنَّاءَ، وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: لَا زَكَاةَ فِي حَبِّ الْبُقُولِ، كَحَبِّ الرَّشَادِ، وَالْأَبَازِيرِ كَالْكُسْبَرَةِ، وَالْكَمُّونِ، وَبَذْرِ الْقِثَّاءِ، وَالْخِيَارِ وَنَحْوِهِ. وَيَدْخُلُ فِي كَلَامِ ابْنِ حَامِدٍ: حَبُّ الْفُجْلِ، وَالْقُرْطُمِ، وَغَيْرُهُمَا، وَبَذْرُ الرَّيَاحِينِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِقُوتٍ، وَلَا أَدَم، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَدْخُلُ فِي هَذَا: بَذْرُ الْيَقْطِينِ، وَذَكَرَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ فِي الْمُقْتَاتِ، قَالَ: وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، وَيَأْتِي فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: مَا يَجْتَنِيهِ مِنْ الْمُبَاحِ وَمَا يَكْتَسِبُهُ اللَّقَّاطُ وَنَحْوُ ذَلِكَ. تَنْبِيهٌ: دَخَلَ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ (وَلَا تَجِبُ فِي سَائِرِ الثَّمَرِ) التُّفَّاحُ، وَالْإِجَّاصُ، وَالْمِشْمِشُ، وَالْخَوْخُ، وَالْكُمَّثْرَى، وَالسَّفَرْجَلُ، وَالرُّمَّانُ، وَالنَّبْقُ، وَالزُّعْرُورُ، وَالْمَوْزُ، وَالتُّوتُ وَنَحْوُهُ، وَدَخَلَ فِي الْخُضَرِ: الْبِطِّيخُ، وَالْقِثَّاءُ، وَالْخِيَارُ، وَالْبَاذِنْجَانُ، وَاللِّفْتُ وَهُوَ السَّلْجَمُ وَالسِّلْقُ، وَالْكَرْنِيجُ وَهُوَ الْقُنَّبِيطُ وَالْبَصَلُ، وَالثُّومُ، وَالْكُرَّاتُ، وَالْبَتُّ، وَالْجَوْزُ، وَالْفُجْلُ وَنَحْوُهُ، وَدَخَلَ فِي الْبُقُولِ: الْهِنْدَبَا، وَالْكَرَفْسُ، وَالنَّعْنَاعُ، وَالرَّشَادُ، وَالْبَقْلَةُ الْحَمْقَاءُ، وَالْقَرَظُ، وَالْكُسْبَرَةُ الْخَضْرَاءُ، وَالْجِرْجِيرُ وَنَحْوُهُ، وَيَأْتِي حُكْمُ مَا يَجْتَنِيهِ مِنْ الْمُبَاحِ. فَائِدَةٌ: لَا تَجِبُ أَيْضًا فِي الرَّيْحَانِ، وَالْمِسْكِ، وَالْوَرْدِ، وَالْبُومُ وَالْبَنَفْسَجُ، وَاللِّينُوفَرُ وَالْيَاسَمِينُ، وَالنِّرْجِسِ، وَالْمَرْدَكُوشُ، وَالْمَنْثُورُ، وَلَا فِي طَلْعِ الْفُحَّالِ، وَلَا فِي سَعَفِ النَّخْلِ وَالْخُوصِ، وَلَا فِي تِينِ الْبَرِّ وَغَيْرِهِ، وَلَا فِي الْوَرَقِ، وَلَا فِي لَبَنِ الْمَاشِيَةِ، وَصُوفِهَا، وَوَبَرِهَا، وَلَا فِي الْقَصَبِ الْفَارِسِيِّ، وَالْحَرِيرِ، وَدُودَةِ الْقَزِّ. تَنْبِيهٌ: دَخَلَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: الزَّيْتُونُ، وَالْقُطْنُ، وَالزَّعْفَرَانُ، أَمَّا الزَّيْتُونُ: فَقَدْ تَقَدَّمَ عَدَمُ الْوُجُوبِ فِيهِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ
وَالشَّارِحُ، وَالْخِرَقِيُّ، وَأَبُو بَكْرٍ، وَالْقَاضِي فِي التَّعْلِيقِ، قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ، وَالْكَافِي، وَالْهَادِي، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: تَجِبُ فِيهِ، صَحَّحَهُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ، وَالشِّيرَازِيِّ فِي الْمُبْهِجِ، وَأَبُو الْمَعَالِي فِي الْخُلَاصَةِ، وَاخْتَارَهَا الْقَاضِي، وَالْمَجْدِ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِيضَاحِ، وَالتَّذْكِرَةِ لِابْنِ عَقِيلٍ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفُرُوعِ وَالْفَائِقِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَأَمَّا الْقُطْنُ: فَقَدَّمَ الْمُصَنِّفُ: أَنَّهَا لَا تَجِبُ فِيهِ، وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَالْمَذْهَبُ مِنْهُمَا. وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَالْقَاضِي فِي التَّعْلِيقِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ وَاخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ، وَالْكَافِي، وَالْمُغْنِي، وَالْهَادِي، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: تَجِبُ فِيهِ، اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَصَحَّحَهَا فِي الْمُبْهِجِ، وَالْخُلَاصَةِ وَقَدَّمَهَا ابْنُ تَمِيمٍ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِفَادَاتِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ، وَحَكَاهُمَا فِي الْإِيضَاحِ وَجْهَيْنِ وَأَطْلَقَهُمَا. فَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا لَا تَجِبُ: فَإِنَّهَا تَجِبُ فِي حَبِّهِ، عَلَى الصَّحِيحِ، جَزَمَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ الْمُصَنِّفُ، وَقَدَّمَ ابْنُ تَمِيمٍ: عَدَمَ الْوُجُوبِ، وَأَطْلَقَ بَعْضُهُمْ وَجْهَيْنِ. فَائِدَةٌ: الْكَتَّانُ كَالْقُطْنِ فِيمَا تَقَدَّمَ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَكَذَا الْقُنَّبُ ذَكَرَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ: إنْ وَجَبَتْ فِي الْقُطْنِ: فَفِيهِمَا احْتِمَالَانِ، وَأَمَّا الزَّعْفَرَانُ: فَقَدَّمَ الْمُصَنِّفُ: أَنَّهَا لَا تَجِبُ فِيهِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالْمَجْدُ، وَالشَّارِحُ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَعَلَّهُ اخْتِيَارُ الْأَكْثَرِ، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَالْقَاضِي فِي التَّعْلِيقِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالْهَادِي، وَالشَّرْحِ، وَالْكَافِي، وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: تَجِبُ اخْتَارَهَا ابْنُ عَقِيلٍ، وَصَحَّحَهَا فِي الْمُبْهِجِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَقَدَّمَهَا ابْنُ تَمِيمٍ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِفَادَاتِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفُرُوعِ وَالْفَائِقِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ وَغَيْرِهِمْ، وَتَقَدَّمَ حُكْمُ الْحِنَّاءِ. فَوَائِدُ. إحْدَاهَا: قَالَ الْقَاضِي: الْوَرْسُ عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ الزَّعْفَرَانِ يُخَرَّجُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، قَالَ فِي الْهِدَايَةِ: وَيُخَرَّجُ الْوَرْسُ وَالْعُصْفُرُ عَلَى وَجْهَيْنِ قِيَاسًا عَلَى الزَّعْفَرَانِ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ: وَيُخَرَّجُ عَلَى الزَّعْفَرَانِ الْعُصْفُرُ وَالْوَرْسُ وَالنِّيلُ، قَالَ الْحَلْوَانِيُّ: وَاللِّقْوَةُ، وَصَحَّحَ فِي الْخُلَاصَةِ الْوُجُوبَ فِي الزَّعْفَرَانِ، وَأَطْلَقَ الْوَجْهَيْنِ فِي الْعُصْفُرِ وَالْوَرْسِ، وَأَطْلَقَ الْخِلَافَ فِي الْعُصْفُرِ وَالْوَرْسِ وَالنِّيلِ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ. الثَّانِيَةُ: لَا زَكَاةَ فِي الْجَوْزِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، نَصَّ عَلَيْهِ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: لَا تَجِبُ فِيهِ فِي الْأَشْهَرِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِرْشَادِ، وَالْمُبْهِجِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَالزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُمْ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ، كَذَا لَا تَجِبُ فِي التِّينِ [وَالْمِشْمِشِ، وَالتُّوتِ، وَقَصَبِ السُّكَّرِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، قَالَ الْآمِدِيُّ، وَصَاحِبُ الْفَائِقِ] فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُبْهِجِ، وَالْإِيضَاحِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَالزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُمْ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ فِي الْكُلِّ، وَقِيلَ: تَجِبُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي التِّينِ، وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: الْأَظْهَرُ الْوُجُوبُ فِي الْعُنَّابِ، قَالَ: فَالتِّينُ وَالشَّمْسُ وَالتُّوتُ مِثْلُهُ، وَأَطْلَقَ فِي الْحَاوِيَيْنِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ: فِي التِّينِ وَقَصَب السُّكْرِ وَالْجَوْزِ الْخِلَافَ. الثَّالِثَةُ: تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي الْعُنَّابِ، عَلَى الصَّحِيحِ
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهَذَا أَظْهَرُ، وَجَزَمَ بِهِ الْقَاضِي فِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْكَافِي، وَقِيلَ: لَا زَكَاةَ فِيهِ، قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْحَاوِيَيْنِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْفَائِقِ. وَيَأْتِي بَعْدُ الْكَلَامُ عَلَى الْعَسَلِ: هَلْ تَجِبُ الزَّكَاةُ فِيمَا يَنْزِلُ مِنْ الْمَاءِ مِنْ الْمَنِّ وَنَحْوِهِ أَمْ لَا؟ . قَوْلُهُ (وَيُعْتَبَرُ لِوُجُوبِهَا شَرْطَانِ، أَحَدُهُمَا: أَنْ تَبْلُغَ نِصَابًا بَعْدَ التَّصْفِيَةِ فِي الْحُبُوبِ، وَالْجَفَافِ فِي الثِّمَارِ) . هَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هَذَا الْمَذْهَبُ عِنْدَ أَبِي مُحَمَّدٍ، وَصَاحِبِ التَّلْخِيصِ، وَابْنِ عَقِيلٍ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالْخُلَاصَةِ، قَالَ الْقَاضِي فِي التَّعْلِيقِ، وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي الْهِدَايَةِ، وَابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ: هَذَا أَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ، قَالَ الْقَاضِي فِي الرِّوَايَتَيْنِ: هَذَا الْأَشْبَهُ بِالْمَذْهَبِ. وَعَنْهُ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ نِصَابُ ثَمَرِ النَّخْلِ وَالْكَرْمِ رُطَبًا، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ الْخَلَّالِ، وَأَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ فِي خِلَافِهِ، وَالْقَاضِي، وَأَصْحَابُهُ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هَذِهِ الرِّوَايَةُ أَنَصُّ عَنْهُ، وَهِيَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، وَقَوْلُهُ (ثُمَّ يُؤْخَذُ عُشْرُهُ يَابِسًا) يَعْنِي عَلَى الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ، وَقَوْلُهُ " عُشْرُهُ " يَعْنِي: عُشْرَ الرُّطَبِ، فَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ يَأْخُذُ مِنْهُ إذَا يَبِسَ بِمِقْدَارِ عُشْرِ رُطَبِهِ، وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَقَالَ: نَصَّ عَلَيْهِ، وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ نَقَلَ الْأَثْرَمُ: أَنَّهُ قِيلَ لِأَحْمَدَ: خَرَصَ عَلَيْهِ مِائَةَ وَسْقٍ رُطَبًا، يُعْطِيهِ عَشَرَةَ أَوْسُقٍ تَمْرًا؟ قَالَ: نَعَمْ، عَلَى ظَاهِرِ الْحَدِيثِ
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ لَا يَأْخُذُ إلَّا عُشْرَ يَابِسِهِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، صَحَّحَهُ الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ، وَرَدَّ الْأَوَّلَ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. قَوْلُهُ (إلَّا الْأُرْزَ وَالْعَلَسَ نَوْعٌ مِنْ الْحِنْطَةِ يُدَّخَرُ فِي قِشْرِهِ، فَإِنَّ نِصَابَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَعَ قِشْرِهِ: عَشَرَةُ أَوْسُقٍ) ، مُرَادُ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَصْحَابِ مِمَّنْ أَطْلَقَ: أَنَّ نِصَابَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْأُرْزِ وَالْعَلَسِ: عَشَرَةُ أَوْسُقٍ فِي قِشْرِهِ، إذَا كَانَ بِبَلَدٍ قَدْ خَبَرَهُ أَهْلُهُ، وَعَرَفُوا أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْهُ مُصَفًّى النِّصْفُ، فَأَمَّا مَا يَخْرُجُ دُونَ النِّصْفِ كَغَالِبِ أُرْزِ حَرَّانَ أَوْ يَخْرُجُ فَوْقَ النِّصْفِ، كَجَيِّدِ الْأُرْزِ الشَّمَالِيِّ: فَإِنَّ نِصَابَهُ يَكُونُ بِقِشْرِهِ مَا يَكُونُ قَدْرَ الْخَارِجِ مِنْهُ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ، فَيُرْجَعُ فِي ذَلِكَ إلَى أَهْلِ الْخِبْرَةِ، قَالَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَغَيْرِهِمَا قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَنِصَابُهُمَا فِي قِشْرِهِمَا: عَشَرَةُ أَوْسُقٍ، وَإِنْ صُفِّيَا فَخَمْسَةُ أَوْسُقٍ، وَيَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِخِفَّةٍ وَثِقَلٍ، وَهُوَ وَاضِحٌ، فَلَوْ شَكَّ فِي بُلُوغِ النِّصَابِ خُيِّرَ بَيْنَ أَنْ يَحْتَاطَ وَيُخْرِجَ عُشْرَهُ قَبْلَ قِشْرِهِ وَبَيْنَ قِشْرِهِ وَاعْتِبَارِهِ بِنَفْسِهِ كَمَغْشُوشِ النَّقْدَيْنِ عَلَى مَا يَأْتِي، وَقِيلَ: يَرْجِعُ فِي نِصَابِ الْأُرْزِ إلَى أَهْلِ الْخِبْرَةِ، ذَكَرَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ. فَائِدَتَانِ. إحْدَاهُمَا: لَوْ صَفَّى الْأُرْزَ وَالْعَلَسَ، فَنِصَابُهُمَا خَمْسَةُ أَوْسُقٍ بِلَا نِزَاعٍ. الثَّانِيَةُ: قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَتَبِعَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِمَا: الْوَسْقُ وَالصَّاعُ كَيْلَانِ، لَا صَنْجَتَانِ، نُقِلَ إلَى الْوَزْنِ لِيُحْفَظَ وَيُنْقَلَ، وَكَذَا الْمُدُّ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَكِيلَ يَخْتَلِفُ فِي الْوَزْنِ، فَمِنْهُ الثَّقِيلُ كَالْأَرْزِ وَالتَّمْرِ الصَّيْحَانِيِّ وَالْمُتَوَسِّطُ، كَالْحِنْطَةِ وَالْعَدَسِ، وَالْخَفِيفُ: كَالشَّعِيرِ وَالذُّرَةِ، وَأَكْثَرُ التَّمْرِ أَخَفُّ مِنْ الْحِنْطَةِ، عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يُكَالُ شَرْعًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ عَلَى هَيْئَتِهِ غَيْرُ مَكْبُوسٍ، وَنَصَّ
الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ: عَلَى أَنَّ الصَّاعَ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثٌ بِالْحِنْطَةِ، أَيْ بِالرَّزِينِ مِنْهَا؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يُسَاوِي الْعَدَسَ فِي وَزْنِهِ، فَتَجِبُ الزَّكَاةُ فِي الْخَفِيفِ إذَا قَارَبَ هَذَا الْوَزْنَ، وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْهُ، لِأَنَّهُ فِي الْكَيْلِ كَالرَّزِينِ، وَمَنْ اتَّخَذَ مَكِيلًا يَسَعُ خَمْسَةَ أَرْطَالٍ وَثُلُثًا مِنْ جَيِّدِ الْحِنْطَةِ ثُمَّ كَالَ بِهِ مَا شَاءَ عَرَفَ مَا بَلَغَ الْوُجُوبَ مِنْ غَيْرِهِ، نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى ذَلِكَ، وَقَالَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَقَالَ: إنَّهُ الْأَصَحُّ، وَحَكَى الْقَاضِي عَنْ ابْنِ حَامِدٍ: يُعْتَبَرُ أَبْعَدُ الْأَمْرَيْنِ فِي الْكَيْلِ أَوْ الْوَزْنِ، وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ: أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِالْوَزْنِ، قَالَ فِي الْفَائِقِ: وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَقَالَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ: وَالْوَسْقُ سِتُّونَ صَاعًا، وَالصَّاعُ أَرْبَعَةُ أَمْدَادٍ، وَالْمُدُّ رَطْلٌ وَثُلُثٌ بِالْعِرَاقِيِّ بُرًّا، وَقِيلَ: بَلْ عَدَسًا، وَقُلْت: بَلْ مَاءً. انْتَهَى، وَكَذَا قَالَ فِي الْفَائِقِ. لَكِنْ حَكَى الْقَوْلَ فِي الْعَدَسِ رِوَايَةً، وَقَالَ فِي الْإِفَادَاتِ: مِنْ بُرٍّ، أَوْ عَدَسٍ، أَوْ مَاءٍ، وَقَالَ فِي الْحَاوِيَيْنِ: بُرًّا ثُمَّ مِثْلُ كَيْلِهِ مِنْ غَيْرِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: بَلْ وَزْنُهُ، وَمَثَّلَ ابْنُ تَمِيمٍ بِالْحِنْطَةِ فَقَطْ. قَالَ فِي التَّلْخِيصِ: وَلَا تَعْوِيلَ عَلَى هَذَا الْوَزْنِ إلَّا فِي الْبُرِّ، ثُمَّ مِثْلُ مَكِيلِ ذَلِكَ مِنْ جَمِيعِ الْحُبُوبِ، وَتَقَدَّمَ: هَلْ نِصَابُ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ تَقْرِيبٌ أَوْ تَحْدِيدٌ؟ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ عِنْدَ قَوْلِهِ " الثَّالِثُ مِلْكُ نِصَابٍ ". فَوَائِدُ. الْأُولَى: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: أَنَّ نِصَابَ الزَّيْتُونِ كَغَيْرِهِ، وَهُوَ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَنَقَلَهُ صَالِحٌ، وَقَالَ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ: نِصَابُهُ سِتُّونَ صَاعًا، قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَنَقَلَهُ صَالِحٌ عَنْ
أَبِيهِ، وَلَعَلَّهُ سَهْوٌ، قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَهُوَ سَهْوٌ وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي الْهِدَايَةِ، وَتَبِعَهُ فِي الْمُذْهَبِ: لَا نَصَّ فِيهَا عَنْ أَحْمَدَ ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ الْقَاضِي: يَتَوَجَّهُ أَنْ يُجْعَلَ نِصَابُهُ مَا يَبْلُغُ قِيمَتُهُ قِيمَةَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنْ أَدْنَى مَا تُخْرِجُ الْأَرْضُ مِمَّا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ، قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ أَبَا الْخَطَّابِ سَهَا عَلَى شَيْخِهِ بِذِكْرِ الزَّيْتُونِ مَعَ الْقُطْنِ وَالزَّعْفَرَانِ، كَمَا سَهَا عَلَى أَحْمَدَ بِأَنَّهُ لَمْ يَنُصَّ فِيهِ بِشَيْءٍ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْقَاضِي اعْتِبَارَ النِّصَابِ بِالْقِيمَةِ فِي الْقُطْنِ، وَالزَّعْفَرَانِ، وَلَيْسَ الزَّيْتُونُ فِي ذَلِكَ. هَكَذَا ذَكَرَهُ فِي خِلَافِهِ، وَلَمْ نَجِدْ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِهِ اعْتِبَارَ نِصَابِهِ بِالْقِيمَةِ، وَقَدْ ذَكَرَ فِي الْمُجَرَّدِ اعْتِبَارَهُ بِالْأَوْسُقِ كَمَا قَدَّمْنَا. انْتَهَى كَلَامِ الْمَجْدِ. وَقَالَ الشِّيرَازِيُّ فِي الْإِيضَاحِ، وَتَبِعَهُ فِي الْفَائِقِ وَغَيْرِهِ: هَلْ يُعْتَبَرُ بِالزَّيْتِ أَوْ بِالزَّيْتُونِ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ، فَإِنْ اُعْتُبِرَ بِالزَّيْتِ: فَنِصَابُهُ خَمْسَةُ أَفْرَاقٍ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ، وَهُوَ غَرِيبٌ. الثَّانِيَةُ: يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ الزَّيْتُونِ، وَإِنْ أَخْرَجَ مِنْ الزَّيْتِ كَانَ أَفْضَلَ وَلَا يَتَعَيَّنُ. هَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: هَذَا الْمَشْهُورُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْفَائِقِ وَغَيْرِهِ، وَقِيلَ: يُخْرِجُ زَيْتُونًا حَتْمًا، كَالزَّيْتُونِ الَّذِي لَا زَيْتَ فِيهِ؛ لِوُجُوبِهَا فِيهِ، وَكَدُبْسٍ عَنْ تَمْرٍ، وَقِيلَ: يُخْرِجُ زَيْتًا، قَالَهُ ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ، قَالَ أَبُو الْمَعَالِي، عَنْ الْأَوَّلِ: وَيُخْرِجُ عُشْرَ كَسْبِهِ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَعَلَّهُ مُرَادُ غَيْرِهِ، لِأَنَّهُ مِنْهُ بِخِلَافِ التِّينِ، وَقَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: هَلْ يُخْرِجُ مِنْ الزَّيْتُونِ أَوْ مِنْ دُهْنِهِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَيُحْتَمَلُ أَنَّ مُرَادَهُ: أَنَّ الْخِلَافَ فِي الْوُجُوبِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ سِيَاقُ كَلَامِهِ، وَيُحْتَمَلُ فِي الْأَفْضَلِيَّةِ، وَظَاهِرُهُ: لَا يَلْزَمُ إخْرَاجُ غَيْرِ الدُّهْنِ، وَإِلَّا فَلَوْ أَخْرَجَهُ وَالْكُسْبِ: لَمْ يَكُنْ لِلْوَجْهِ الْآخَرِ وَجْهٌ؛ لِأَنَّ الْكُسْبَ يَصِيرُ وُقُودًا كَالتِّبْنِ، وَقَدْ يُنْبَذُ وَيُرْمَى رَغْبَةً عَنْهُ. انْتَهَى كَلَامُهُ.
الثَّالِثَةُ: يُخْرِجُ زَكَاةَ السِّمْسِمِ مِنْهُ كَغَيْرِهِ، قَالَهُ الْأَصْحَابُ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُهُ لَا يُجْزِئُ شَيْرَجٌ وَكُسْبٌ لِعَيْبِهِمَا لِفَسَادِهِمَا بِالِادِّخَارِ، كَإِخْرَاجِ الدَّقِيقِ وَالنُّخَالَةِ، بِخِلَافِ الزَّيْتِ وَكُسْبِهِ، وَهُوَ وَاضِحٌ. انْتَهَى. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَلَا يُخْرِجُ مِنْ دُهْنِ السِّمْسِمِ وَجْهًا وَاحِدًا. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَلَا يُجْزِئُ شَيْرَجٌ عَنْ سِمْسِمٍ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُهُ كَمَا سَبَقَ مِنْ قَوْلِ أَبِي الْمَعَالِي، وَأَنَّهُ لَوْ أَخْرَجَ الشَّيْرَجَ وَالْكُسْبَ أَجْزَأَ. الرَّابِعَةُ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَيْضًا: أَنَّ نِصَابَ الْقُطْنِ وَالزَّعْفَرَانِ وَغَيْرِهِمَا مِمَّا يُكَالُ كَالْوَرْسِ وَنَحْوِهِ أَلْفٌ وَسِتُّمِائَةِ رَطْلٍ، وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ، وَالْمُصَنِّفُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِفَادَاتِ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَالشَّارِحُ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ، وَغَيْرُهُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي: نِصَابُ ذَلِكَ أَنْ: تَبْلُغَ قِيمَتُهُ قِيمَةَ أَدْنَى نَبَاتٍ يُزَكَّى، وَهُوَ احْتِمَالٌ لِلْقَاضِي فِي التَّعْلِيقِ، وَاخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمَجْدُ، وَالْقَاضِي فِي الْخِلَافِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْحَاوِيَيْنِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْخُلَاصَةِ، وَظَاهِرُ الْفُرُوعِ: الْإِطْلَاقُ وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُذْهَبِ. زَادَ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ: إلَّا الْعُصْفُرَ، فَإِنَّهُ لِلْقُرْطُمِ، لِأَنَّهُ أَصْلُهُ، فَاعْتُبِرَ بِهِ، فَإِنْ بَلَغَ الْقُرْطُمُ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ، زُكِّيَ وَتَبِعَهُ الْعُصْفُرُ، وَإِلَّا فَلَا، وَقِيلَ: يُزَكَّى قَلِيلُ مَا لَا يُكَالُ وَكَثِيرُهُ، وَمِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ خَصَّ ذَلِكَ بِالزَّعْفَرَانِ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَا فَرْقَ، وَقِيلَ: نِصَابُ الزَّعْفَرَانِ وَالْوَرْسِ وَالْعُصْفُرِ: خَمْسَةُ أَمْنَاءٍ جَمْعُ مَنٍّ وَهُوَ رَطْلَانِ، وَهُوَ الْمَنُّ، وَجَمْعُهُ أَمْنَاءٌ. قَوْلُهُ (وَتُضَمُّ ثَمَرَةُ الْعَامِ الْوَاحِدِ بَعْضُهُمَا إلَى بَعْضٍ فِي تَكْمِيلِ النِّصَابِ) وَكَذَا زَرْعُ الْعَامِ الْوَاحِدِ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ
وَحُكِيَ عَنْ ابْنِ حَامِدٍ: لَا يُضَمُّ صَيْفِيٌّ إلَى شَتْوِيٍّ إذَا زُرِعَ مَرَّتَيْنِ فِي عَامٍ، وَقَالَ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ: وَالنَّخْلُ التِّهَامِيُّ يَتَقَدَّمُ لِشِدَّةِ الْحَرِّ، فَلَوْ طَلَعَ وَجُدَّ، ثُمَّ طَلَعَ النَّجْدِيُّ ثُمَّ لَمْ يُجَدَّ حَتَّى طَلَعَ التِّهَامِيُّ: ضُمَّ النَّجْدِيُّ إلَى التِّهَامِيِّ الْأَوَّلِ، لَا إلَى الثَّانِي؛ لِأَنَّ عَادَةَ النَّخْلِ يَحْمِلُ كُلَّ عَامٍ مَرَّةً، فَيَكُونُ التِّهَامِيُّ الثَّانِي ثَمَرَةَ عَامٍ ثَانٍ، قَالَ: وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْعَامِ هُنَا اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا، بَلْ وَقْتُ اسْتِغْلَالِ الْمُغَلِّ عَنْ الْعَامِ عُرْفًا، وَأَكْثَرُهُ عَادَةً نَحْوُ سِتَّةِ أَشْهُرٍ بِقَدْرِ فَصْلَيْنِ، وَلِهَذَا أَجْمَعْنَا أَنَّ مَنْ اسْتَغَلَّ حِنْطَةً أَوْ رُطَبًا آخِرَ تَمُّوزَ مِنْ عَامٍ ثُمَّ عَادَ فَاسْتَغَلَّ مِثْلَهُ فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ أَوَّلَ تَمُّوزَ، أَوْ حُزَيْرَانَ: لَمْ يُضَمَّا، مَعَ أَنَّ بَيْنَهُمَا دُونَ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا. انْتَهَى وَمَعْنَاهُ كَلَامِ ابْنِ تَمِيمٍ. قَوْلُهُ (فَإِنْ كَانَ لَهُ نَخْلٌ يَحْمِلُ فِي السَّنَةِ حَمْلَيْنِ: ضَمَّ أَحَدَهُمَا إلَى الْآخَرِ) هَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقَالَ: قَالَهُ الْأَصْحَابُ، وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يُضَمُّ، لِنُدْرَتِهِ، مَعَ تَنَافِي أَصْلِهِ، فَهُوَ كَثَمَرَةِ عَامٍ آخَرَ، بِخِلَافِ الزَّرْعِ، فَعَلَى هَذَا: لَوْ كَانَ لَهُ نَخْلٌ يَحْمِلُ بَعْضَهُ فِي السَّنَةِ حَمْلًا، وَبَعْضَهُ حَمْلَيْنِ: ضَمَّ مَا يَحْمِلُ حَمْلًا إلَى أَيِّهِمَا بَلَغَ مَعَهُ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا فَإِلَى أَقْرَبِهِمَا إلَيْهِ، وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ، وَقَالَ أَيْضًا: وَفِي ضَمِّ حَمْلِ نَخْلٍ إلَى حَمْلِ نَخْلٍ آخَرَ فِي عَامٍ وَاحِدٍ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ. قَوْلُهُ (وَلَا يُضَمُّ جِنْسٌ إلَى آخَرَ فِي تَكْمِيلِ النِّصَابِ) هَذَا إحْدَى الرِّوَايَاتِ، اخْتَارَهَا الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَصَاحِبُ الْفَائِقِ [وَصَحَّحَهُ
فِي إدْرَاكِ الْغَايَةِ] وَقَدَّمَهُ فِي النَّظْمِ، وَمُخْتَصَرِ ابْنِ تَمِيمٍ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ عَلَى مَا اصْطَلَحْنَاهُ فِي الْخُطْبَةِ، وَعَنْهُ أَنَّ الْحُبُوبَ يُضَمُّ بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ رَوَاهَا صَالِحٌ، وَأَبُو الْحَارِثِ، وَالْمَيْمُونِيُّ، وَصَحَّحَهَا الْقَاضِي وَغَيْرُهُ، وَاخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ، قَالَهُ الْمُصَنِّفُ قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ هَانِئٍ: رَجَعَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَدَمِ الضَّمِّ، وَقَالَ: يُضَمُّ، وَهُوَ أَحْوَطُ، قَالَ الْقَاضِي: وَظَاهِرُهُ الرُّجُوعُ عَنْ مَنْعِ الضَّمِّ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ [وَنِهَايَتِهِ] وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنَوِّرِ. وَعَنْهُ تُضَمُّ الْحِنْطَةُ إلَى الشَّعِيرِ، وَالْقُطْنِيَّاتُ بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ، اخْتَارَهَا الْخِرَقِيُّ، وَأَبُو بَكْرٍ، وَالشَّرِيفُ، وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي خِلَافَيْهِمَا، قَالَ فِي الْمُبْهِجِ: يُضَمُّ ذَلِكَ، فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ، قَالَ الْقَاضِي: وَهُوَ الْأَظْهَرُ. نَقَلَهُ ابْنُ رَزِينٍ عَنْهُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِيضَاحِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَالْوَجِيزِ، وَهِيَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، وَظَاهِرُ الْفُرُوعِ: إطْلَاقُ الْخِلَافِ، وَأَطْلَقَهُنَّ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَشَرْحِ الْمَجْدِ وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ، فَعَلَيْهَا تُضَمُّ الْأَبَازِيرُ بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ، وَحُبُوبُ الْبُقُولِ بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ. لِتُقَارِبَ الْمَقْصُودَ، كَذَا يُضَمُّ كُلُّ مَا تَقَارَبَ، وَمَعَ الشَّكِّ لَا يُضَمُّ. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَعَنْهُ يُضَمُّ مَا تَقَارَبَ فِي الْمَنْبِتِ وَالْمَحْصَدِ، وَحَكَى ابْنُ تَمِيمٍ أَيْضًا: رِوَايَةً تُضَمُّ الْحِنْطَةُ إلَى الشَّعِيرِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَعَلَّهُ عَلَى رِوَايَةِ أَنَّهُ جِنْسٌ، وَخَرَّجَ ابْنُ عَقِيلٍ: ضَمَّ التَّمْرِ إلَى الزَّبِيبِ، عَلَى الْخِلَافِ فِي الْحُبُوبِ، قَالَ الْمَجْدُ: وَلَا يَصِحُّ لِتَصْرِيحِ أَحْمَدَ بِالتَّفْرِقَةِ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْحُبُوبِ، عَلَى قَوْلِهِ بِالضَّمِّ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ، وَحَنْبَلٍ، وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ بَعْدَ كَلَامِ ابْنِ عَقِيلٍ وَقَالَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَتَوَقَّفَ عَنْهُ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ
فَائِدَةٌ: الْقُطْنِيَّاتُ حُبُوبٌ كَثِيرَةٌ، مِنْهَا: الْحِمَّصُ، وَالْعَدَسُ، وَالْمَاشُ، وَالْجُلْبَانُ وَاللُّوبِيَا، وَالدُّخْنُ، وَالْأُرْزُ، وَالْبَاقِلَا وَنَحْوِهَا، مِمَّا يُطْلَقُ عَلَيْهِ هَذَا الِاسْمُ تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ قَوْلِهِ " وَلَا يُضَمُّ جِنْسٌ إلَى آخَرَ " أَنَّهُ يُضَمُّ أَنْوَاعُ الْجِنْسِ بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ لِتَكْمِيلِ النِّصَابِ، وَهُوَ صَحِيحٌ، فَالسُّلْتُ نَوْعٌ مِنْ الشَّعِيرِ، جَزَمَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ، مِنْهُمْ الْمُصَنِّفُ، وَالْمَجْدُ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ؛ لِأَنَّهُ أَشْبَهُ الْحُبُوبِ بِالشَّعِيرِ فِي صُورَتِهِ، وَقَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: السُّلْتُ لَوْنُهُ لَوْنُ الْحِنْطَةِ، وَطَبْعُهُ طَبْعُ الشَّعِيرِ فِي الْبُرُودَةِ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ وَهَلْ يُعْمَلُ بِلَوْنِهِ أَوْ بِطَبْعِهِ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ. انْتَهَى. وَقَالَ فِي التَّرْغِيبِ: السُّلْتُ يُكَمَّلُ بِالشَّعِيرِ، وَقِيلَ: لَا، يَعْنِي أَنَّهُ أَصْلٌ بِنَفْسِهِ، قَالَهُ بَعْضُ الْأَصْحَابِ، قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَفِيهِ وَجْهٌ أَنَّهُ أَصْلٌ بِنَفْسِهِ، وَأَطْلَقَ فِي النَّظْمِ وَالْفَائِقِ فِي ضَمِّ السُّلْتِ إلَى الشَّعِيرِ وَجْهَيْنِ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْعَلَسَ نَوْعٌ مِنْ الْحِنْطَةِ يُضَمُّ إلَيْهَا، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَقِيلَ: لَا يُضَمُّ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفَائِقِ، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَقِيلَ فِي ضَمِّ الْعَلَسِ إلَى الْبُرِّ وَجْهَانِ، وَقَالَ أَيْضًا: وَالْحَارِسُ نَوْعٌ مِنْ الدَّخَنِ يُضَمُّ، وَقَالَ أَيْضًا: وَفِي ضَمِّ الدَّخَنِ إلَى الذُّرَةِ وَجْهَانِ. وَيَأْتِي ضَمُّ الذَّهَبِ إلَى الْفِضَّةِ فِي بَابِ زَكَاةِ الْأَثْمَانِ. فَائِدَةٌ: قَوْلُهُ (وَلَا تَجِبُ فِيمَا يَكْتَسِبُهُ اللَّقَّاطُ، أَوْ يَأْخُذُهُ أُجْرَةً بِحَصَادِهِ) بِلَا نِزَاعٍ، وَكَذَا مَا يَمْلِكُهُ بَعْدَ صَلَاحِهِ بِشِرَاءٍ أَوْ إرْثٍ أَوْ غَيْرِهِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: تَجِبُ لِلزَّكَاةِ يَوْمَ الْحَصَادِ وَالْجِدَادِ، فَتَجِبُ الزَّكَاةُ عَلَى الْمُشْتَرِي لِتَعَلُّقِ الْوُجُوبِ بِهِ وَهُوَ فِي مِلْكِهِ، وَيَأْتِي ذَلِكَ أَيْضًا عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ " وَإِذَا اشْتَدَّ الْحَبُّ وَبَدَا صَلَاحُ الثَّمَرَةِ "
قَوْلُهُ (وَلَا فِيمَا يَجْتَنِيهِ مِنْ الْمُبَاحِ) أَيْ لَا تَجِبُ (كَالْبُطْمِ وَالرَّعْبَلِ) وَهُوَ شَعِيرُ الْجَبَلِ (وَبِزِرٍّ قُطُونًا وَنَحْوَهُ) كَالْعَفْصِ وَالْأُشْنَانِ، وَالسُّمَّاقِ وَالْكَلَأِ، سَوَاءٌ أَخَذَهُ مِنْ مَوَاتٍ، أَوْ نَبَتَ فِي أَرْضِهِ وَقُلْنَا: لَا يَمْلِكُهُ إلَّا بِأَخْذِهِ فَأَخَذَهُ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ، وَالْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَالْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَقَالُوا: هَذَا الصَّحِيحُ، وَرَدُّوا غَيْرَهُ. وَقَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ، وَاخْتَارَهُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِفَادَاتِ فِيمَا يَجْتَنِيهِ مِنْ الْمُبَاحِ وَقِيلَ: تَجِبُ فِيهِ، جَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْخُلَاصَةِ وَغَيْرِهِمْ، وَقَالَ فِي الْمُذْهَبِ: تَجِبُ فِي ذَلِكَ، قَالَ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ، وَالْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ قِيَاسُ قَوْلِ أَحْمَدَ: وُجُوبُ الزَّكَاةِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ أَوْجَبَهَا فِي الْعَسَلِ، فَيُكْتَفَى بِمِلْكِهِ وَقْتَ الْأَخْذِ كَالْعَسَلِ. انْتَهَى. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: أَشْهَرُ الْوَجْهَيْنِ الْوُجُوبُ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْفَائِقِ، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِفَادَاتِ فِيمَا يَنْبُتُ فِي أَرْضِهِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ. فَائِدَةٌ. لَوْ نَبَتَ مَا يَزْرَعُهُ الْآدَمِيُّ، كَمَنْ سَقَطَ لَهُ حَبُّ حِنْطَةٍ فِي أَرْضِهِ، أَوْ أَرْضٍ مُبَاحَةٍ وَجَبَ عَلَيْهِ زَكَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ وَقْتَ الْوُجُوبِ، وَكَذَا إنْ قُلْنَا يَمْلِكُ مَا يَنْبُتُ فِي أَرْضِهِ مِنْ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ، قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ غَيْرِهِ. قَوْلُهُ (وَيَجِبُ الْعُشْرُ فِيمَا سُقِيَ بِغَيْرِ مُؤْنَةٍ، كَالْغَيْثِ وَالسُّيُوحِ وَمَا يَشْرَبُ بِرُوقِهِ، وَنِصْفُ الْعُشْرِ فِيمَا سُقِيَ بِكُلْفَةٍ، كَالدَّوَالِي وَالنَّوَاضِحِ) وَكَذَا مَا سُقِيَ بِالنَّاعُورَةِ أَوْ السَّاقِيَةِ، وَمَا يَحْتَاجُ فِي تَرَقِّي الْمَاءِ إلَى الْأَرْضِ إلَى آلَةٍ مِنْ عِرْقٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ مِنْهُمْ الْمُصَنِّفُ، وَالْمَجْدُ، وَالشَّارِحُ: لَا يُؤَثِّرُ حَفْرُ الْأَنْهَارِ وَالسَّوَّاقِي لِقِلَّةِ الْمُؤْنَةِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ إحْيَاءِ الْأَرْضِ، وَلَا يَتَكَرَّرُ
كُلَّ عَامٍ، وَكَذَا مَنْ يُحَوِّلُ الْمَاءَ فِي السَّوَّاقِي؛ لِأَنَّهُ كَحَرْثِ الْأَرْضِ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَمَا يُدِيرُ الْمَاءَ مِنْ النَّوَاعِيرِ وَنَحْوِهَا، مِمَّا يَصْلُحُ مِنْ الْعَامِ إلَى الْعَامِ، أَوْ فِي أَثْنَاءِ الْعَامِ، وَلَا يَحْتَاجُ إلَى دُولَابٍ تُدِيرُهُ الدَّوَابُّ يَجِبُ فِيهِ الْعُشْرُ؛ لِأَنَّ مُؤْنَتَهُ خَفِيفَةٌ، فَهِيَ كَحَرْثِ الْأَرْضِ، وَإِصْلَاحِ طُرُقِ الْمَاءِ. فَائِدَتَانِ. إحْدَاهُمَا: لَوْ اشْتَرَى مَاءَ بِرْكَةٍ أَوْ حَفِيرَةٍ، وَسَقَى بِهِ سَيْحًا، وَجَبَ عَلَيْهِ الْعُشْرُ فِي ظَاهِرِ كَلَامِ الْأَصْحَابِ، قَالَهُ الْمَجْدُ، وَقَالَ: وَيُحْتَمَلُ وُجُوبُ نِصْفِ الْعُشْرِ؛ لِأَنَّهُ سُقِيَ بِمُؤْنَةٍ، وَأَطْلَقَ ابْنُ تَمِيمٍ فِيهِ وَجْهَيْنِ. الثَّانِيَةُ: لَوْ جَمَعَ الْمَاءَ وَسَقَى بِهِ وَجَبَ الْعُشْرُ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ تَخْرِيجٌ مِنْهُ فِي الصُّورَتَيْنِ، وَإِطْلَاقُ غَيْرِ وَاحِدٍ يَقْتَضِيهِ، كَعَمَلِ الْعَيْنِ، ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، وَذَكَرَ ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ: إنْ كَانَتْ الْعَيْنُ أَوْ الْقَنَاةُ يَكْثُرُ تَصَوُّبُ الْمَاءِ عَنْهَا، وَيُحْتَاجُ إلَى حَفْرٍ مُتَوَالٍ، فَذَلِكَ مُؤْنَةٌ، فَيَجِبُ نِصْفُ الْعُشْرِ فَقَطْ. قَوْلُهُ (وَإِنْ سُقِيَ بِأَحَدِهِمَا أَكْثَرُ مِنْ الْآخَرِ: اُعْتُبِرَ أَكْثَرُهُمَا. نَصَّ عَلَيْهِ) وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. قَوْلُهُ (وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: يُؤْخَذُ بِالْقِسْطِ، فَإِنْ جُهِلَ الْمِقْدَارُ وَجَبَ الْعُشْرُ) . يَعْنِي: إذَا جُهِلَ مِقْدَارُ السَّقْيِ فَلَمْ يُعْلَمْ: هَلْ سَقَى سَيْحًا أَكْثَرَ، أَوْ الَّذِي بِمُؤْنَةٍ أَكْثَرَ؟ وَهَذَا الْمَذْهَبُ، نَصَّ عَلَيْهِ، فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: يُخْرِجُ حَتَّى يَعْلَمَ بَرَاءَةَ ذِمَّتِهِ. تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ " وَإِنْ سَقَى بِأَحَدِهِمَا أَكْثَرَ " الِاعْتِبَارُ بِالْأَكْثَرِ النَّفْعُ لِلزَّرْعِ وَالنُّمُوُّ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ
وَقِيلَ: الِاعْتِبَارُ بِأَكْثَرِ السَّقْيَاتِ، وَقِيلَ: الِاعْتِبَارُ بِالْأَكْثَرِ مُدَّةً، وَأَطْلَقَهُنَّ ابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ. فَائِدَتَانِ. إحْدَاهُمَا: مَنْ لَهُ بُسْتَانٌ أَوْ أَرْضٌ، يَسْقِي أَحَدَ الْبَسَاتِينَ بِكُلْفَةٍ وَالْآخَرَ بِغَيْرِهَا، أَوْ بَعْضَ الْأَرْضِ بِمُؤْنَةٍ وَبَعْضَهَا بِغَيْرِهَا: يُضَمُّ أَحَدُهُمَا إلَى الْآخَرِ فِي تَكْمِيلِ النِّصَابِ وَأَخَذَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ بِحَسَبِهِ. الثَّانِيَةُ: لَوْ اخْتَلَفَ السَّاعِي وَرَبُّ الْأَرْضِ فِيمَا سَقَى بِهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الْأَرْضِ مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقَطَعَ بِهِ الْأَكْثَرُ، وَقَالَ الْقَاضِي فِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ: لِلسَّاعِي اسْتِحْلَافُهُ، لَكِنْ إنْ ظَهَرَ لَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا مَا اعْتَرَفَ بِهِ، وَقَالَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ: تُعْتَبَرُ الْبَيِّنَةُ فِيمَا يَظْهَرُ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ مُرَادُ غَيْرِهِ، وَذَكَرَ ابْنُ تَمِيمٍ هَذَا وَجْهًا، قَالَ فِي الْفُرُوعِ كَذَا قَالَ. قَوْلُهُ (وَإِذَا اشْتَدَّ الْحَبُّ وَبَدَا صَلَاحُ الثَّمَرَةِ وَجَبَتْ الزَّكَاةُ) وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ وَأَكْثَرُهُمْ قَطَعَ بِهِ وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى تَجِبُ الزَّكَاةُ يَوْمَ الْحَصَادِ وَالْجِذَاذِ لِلْآيَةِ، فَيُزَكِّيهِ الْمُشْتَرِي لِتَعَلُّقِ الْوُجُوبِ بِهِ فِي مِلْكِهِ، وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ قَرِيبًا. فَائِدَةٌ: لَوْ بَاعَهُ رَبُّهُ وَشَرَطَ الزَّكَاةَ عَلَى الْمُشْتَرِي، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَإِطْلَاقُ كَلَامِهِمْ خُصُوصًا الشَّيْخَ يَعْنِي بِهِ الْمُصَنِّفَ: لَا يَصِحُّ، وَقَالَهُ الْمَجْدُ، وَقَطَعَ بِهِ ابْنُ تَمِيمٍ وَابْن حَمْدَان: أَنَّ قِيَاسَ الْمَذْهَبِ يَصِحُّ لِلْعِلْمِ بِهَا، فَكَأَنَّهُ اسْتَثْنَى قَدْرَهَا وَوَكَّلَهُ فِي إخْرَاجِهِ حَتَّى لَوْ لَمْ يُخْرِجْهَا الْمُشْتَرِي وَتَعَذَّرَ الرُّجُوعُ عَلَيْهِ أَلْزَمَ بِهَا الْبَائِعَ. قَوْلُهُ (فَإِنْ قَطَعَهَا قَبْلَهُ فَلَا زَكَاةَ فِيهَا) إلَّا أَنْ يَقْطَعَهُمَا فِرَارًا مِنْ الزَّكَاةِ فَيَلْزَمُهُ، تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ، وَالْخِلَافُ فِيهِ أَوَاخِرَ كِتَابِ الزَّكَاةِ فَلْيُعَاوَدْ
فَائِدَةٌ: قَالَ فِي الْفُرُوعِ: ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَوْ صَرِيحُ بَعْضِهِمْ أَنَّ صَلَاحَ الثَّمَرَةِ هُنَا حُكْمُهُ حُكْمُ صَلَاحِ الثَّمَرَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي بَابِ بَيْعِ الْأُصُولِ وَالثِّمَارِ عَلَى مَا يَأْتِي، قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: صَلَاحُ الْفُسْتُقِ وَالْبُنْدُقِ وَنَحْوِهِ إذَا انْعَقَدَ لُبُّهُ، وَصَلَاحُ الزَّيْتُونِ إذَا كَانَ لَهُ زَيْتٌ يَجْرِي فِي دُهْنِهِ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا زَيْتَ فِيهِ فَبِأَنْ يَصْلُحَ لِلْكَبْسِ، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَيَجِبُ إذَا اشْتَدَّ الْحَبُّ، وَبَدَا اشْتِدَادُهُ، وَبَدَا صَلَاحُ الثَّمَرَةِ بِحُمْرَةٍ أَوْ صُفْرَةٍ، وَانْعَقَدَ لُبُّ اللَّوْزِ وَالْبُنْدُقِ وَالْفُسْتُقِ وَالْجَوْزِ إنْ قُلْنَا يُزَكَّى وَجَرَى دُهْنُ الزَّيْتُونِ فِيهِ أَوْ بَدَا صَلَاحُهُ، وَطَابَ أَكْلُهُ، أَوْ صَلَحَ لِلْكَبْسِ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ زَيْتٌ، وَقِيلَ: صَلَاحُ الْحِنْطَةِ إذَا أَفْرَكَتْ، وَالْعِنَبُ إذَا انْعَقَدَ وَحَمُضَ، وَقِيلَ: وَتَمَوَّهَ وَطَابَ أَكْلُهُ. انْتَهَى. قَوْلُهُ (وَلَا يَسْتَقِرُّ الْوُجُوبُ إلَّا بِجَعْلِهَا فِي الْجَرِينِ) وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَعَنْهُ لَا يَسْتَقِرُّ الْوُجُوبُ إلَّا بِتَمَكُّنِهِ مِنْ الْأَدَاءِ، كَمَا سَبَقَ فِي أَثْنَاءِ كِتَابِ الزَّكَاةِ لِلُزُومِ الْإِخْرَاجِ إذَنْ. فَائِدَةٌ: " الْجَرِينُ " يَكُونُ بِمِصْرَ وَالْعِرَاقِ، وَ " الْبَيْدَرُ، وَالْأَيْدَرُ " يَكُونُ بِالشَّرْقِ وَالشَّامِ، وَ " الْمِرْبَدُ " يَكُونُ بِالْحِجَازِ، وَهُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي تُجْمَعُ فِيهِ الثَّمَرَةُ لِيَتَكَامَلَ جَفَافُهَا. وَ " الْجُوجَانُ " يَكُونُ بِالْبَصْرَةِ، وَهُوَ مَوْضِعُ تَشْمِيسِهَا وَتَيْبِيسِهَا، ذَكَرَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَسُمِّيَ بِلُغَةِ آخَرِينَ " السُّطَّاحَ " وَبِلُغَةِ آخَرِينَ " الطِّبَابَةَ ". قَوْلُهُ (فَإِنْ تَلِفَتْ قَبْلَهُ بِغَيْرِ تَعَدٍّ مِنْهُ سَقَطَتْ الزَّكَاةُ، سَوَاءٌ كَانَتْ قَدْ خُرِصَتْ أَوْ لَمْ تُخْرَصْ) . إذَا تَلِفَتْ بِغَيْرِ تَعَدٍّ فِي عِبَارَةِ جَمَاعَةٍ مِنْ الْأَصْحَابِ، مِنْهُمْ الْمَجْدُ، وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ قَبْلَ الْحَصَادِ وَالْجِدَادِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إجْمَاعًا، وَفِي عِبَارَةِ جَمَاعَةٍ أَيْضًا: قَبْلَ أَنْ تَصِيرَ فِي الْجَرِينِ وَالْبَيْدَرِ كَالْمُصَنِّفِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَغَيْرِهِمَا: سَقَطَتْ الزَّكَاةُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ
قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: قَطَعَ بِهِ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا. قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ: سَقَطَتْ اتِّفَاقًا، وَقِيلَ: لَا تَسْقُطُ. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي عُمَدِ الْأَدِلَّةِ رِوَايَةً أَنَّ الزَّكَاةَ لَا تَسْقُطُ عَنْهُ، وَقَالَهُ غَيْرُهُ. انْتَهَى. قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ: وَهُوَ ضَعِيفٌ، مُخَالِفٌ لِلْإِجْمَاعِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَأَظُنُّ أَنَّهُ قَالَ فِي الْمُغْنِي: قِيَاسُ مَنْ جَعَلَ وَقْتَ الْوُجُوبِ بُدُوَّ الصَّلَاحِ وَاشْتِدَادَ الْحَبِّ: أَنَّهُ كَنَقْصِ نِصَابٍ بَعْدَ الْوُجُوبِ قَبْلَ التَّمَكُّنِ. انْتَهَى، وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي آخِرِ كِتَابِ الزَّكَاةِ. فَائِدَةٌ: لَوْ بَقِيَ بَعْدَ التَّلَفِ نِصَابٌ: وَجَبَتْ الزَّكَاةُ فِيهِ، وَإِلَّا فَلَا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمَجْدِ فِي شَرْحِهِ، وَذَكَرَ ابْنُ تَمِيمٍ، وَصَاحِبُ الْفَائِقِ فِيمَا إذَا لَمْ يَبْقَ نِصَابٌ وَجْهَيْنِ، قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: اخْتَارَ الشَّيْخُ يَعْنِي بِهِ الْمُصَنِّفَ الْوُجُوبَ فِيمَا بَقِيَ بِقِسْطِهِ قَالَ: وَهُوَ أَصَحُّ، كَمَا لَوْ تَلِفَ بَعْضُ النِّصَابِ مِنْ غَيْرِ الزَّرْعِ وَالثَّمَرَةِ، بَعْدَ وُجُوبِ الزَّكَاةِ، قَبْلَ تَمَكُّنِهِ مِنْ الْإِخْرَاجِ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: أَظْهَرُهُمَا يُزَكِّي مَا بَقِيَ بِقِسْطِهِ. تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ قَوْلِهِ (وَإِنْ ادَّعَى تَلَفَهَا قَبْلَ قَوْلِهِ بِغَيْرِ يَمِينٍ) ، وَلَوْ اُتُّهِمَ فِي ذَلِكَ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، نَصَّ عَلَيْهِ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَهُوَ أَظْهَرُ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَجَزَمَ بِهِ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَنَصَرَهُ وَكَذَا صَاحِبُ الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَغَيْرُهُمْ، وَقِيلَ: يُقْبَلُ قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ. قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ وَيُصَدَّقُ فِي دَعْوَى غَلَطٍ مُمْكِنٍ مِنْ الْخَارِصِ. قَالَ فِي التَّلْخِيصِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُمْ كَالسُّدُسِ وَنَحْوِهِ، وَلَا يُقْبَلُ فِي الثُّلُثِ وَالنِّصْفِ، وَقِيلَ: إنْ ادَّعَى غَلَطًا مُحْتَمَلًا قُبِلَ بِلَا يَمِينٍ وَإِلَّا فَلَا، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَإِنْ فَحُشَ، فَقِيلَ: يُرَدُّ قَوْلُهُ، وَقِيلَ: ضَمَانًا كَانَتْ أَوْ أَمَانَةً يُرَدُّ فِي الْفَاحِشِ.
وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ: لَوْ ادَّعَى كَذِبَ الْخَارِصِ عَمْدًا لَمْ يُقْبَلْ. وَجَزَمَ بِهِ فِي التَّلْخِيصِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَلَوْ قَالَ: مَا حَصَلَ فِي يَدِي غَيْرُ كَذَا: قُبِلَ قَوْلًا وَاحِدًا. فَائِدَةٌ: لَا تُسْمَعُ دَعْوَاهُ فِي جَائِحَةٍ ظَاهِرَةٍ تَظْهَرُ عَادَةً إلَّا بِبَيِّنَةٍ، وَلَمْ يُصَدَّقْ فِي التَّلَفِ، جَزَمَ بِهِ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ، وَقِيلَ: يُصَدَّقُ مُطْلَقًا وَجَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ. قَوْلُهُ (وَيَجِبُ إخْرَاجُ زَكَاةِ الْحَبِّ مُصَفَّى، وَالثَّمَرِ يَابِسًا) هَذَا الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ، وَأَطْلَقَ ابْنُ تَمِيمٍ عَنْ ابْنِ بَطَّةَ: لَهُ أَنْ يُخْرِجَ رُطَبًا وَعِنَبًا. قَالَ وَسِيَاقُ كَلَامِهِ إنَّمَا هُوَ فِيمَا إذَا اعْتَبَرْنَا نِصَابَهُ كَذَلِكَ، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَقِيلَ يُجْزِئُ رَطْبُهُ، وَقِيلَ: فِيمَا لَا يُثْمِرُ وَلَا يُزَبِّبُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ، ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا وَأَمْثَالُهُ لَا عِبْرَةَ بِهِ، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ مِنْهَا بِمَا انْفَرَدَ بِهِ بِالتَّصْرِيحِ، وَكَذَا يُقَدَّمُ فِي مَوْضِعِ الْإِطْلَاقِ، وَيُطْلَقُ فِي مَوْضِعِ التَّقْدِيمِ، وَيُسَوَّى بَيْنَ شَيْئَيْنِ الْمَعْرُوفُ التَّفْرِقَةُ بَيْنَهُمَا وَعَكْسُهُ. قَالَ: فَلِهَذَا وَأَمْثَالِهِ حَصَلَ الْخَوْفُ وَعَدَمُ الِاعْتِمَادِ، فَعَلَى الْمَذْهَبِ: لَوْ خَالَفَ وَأَخْرَجَ سُنْبُلًا رَطْبًا وَعِنَبًا: لَمْ يُجْزِهِ وَوَقَعَ نَفْلًا، وَلَوْ كَانَ الْآخِذُ السَّاعِيَ، فَإِنْ جَفَّفَهُ وَجَاءَ بِقَدْرِ الْوَاجِبِ أَجْزَأَ، وَإِلَّا أَعْطَى إنْ زَادَ أَوْ أَخَذَ إنْ نَقَصَ، وَإِنْ كَانَ بِحَالَةٍ رَدِيئَةٍ، وَإِنْ تَلِفَ رَدَّ مِثْلَهُ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. قَالَهُ الْمَجْدُ، وَقَالَ: عِنْدِي لَا يَضْمَنُهُ وَيَأْخُذُهُ مِنْهُ بِاخْتِيَارِهِ وَلَمْ يَتَعَدَّ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ تَمِيمٍ أَيْضًا، وَقَدَّمَ يُضَمِّنُهُ قِيمَتَهُ. قَالَ: وَفِيهِ وَجْهٌ بِمِثْلِهِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ. قَوْلُهُ (فَإِنْ اُحْتِيجَ إلَى قَطْعِهِ قَبْلَ كَمَالِهِ لِضَعْفِ الْأَصْلِ وَنَحْوِهِ) كَخَوْفِ الْعَطَشِ، أَوْ لِتَحْسِينِ بَقِيَّتِهِ، أَوْ كَانَ رُطَبًا لَا يَجِيءُ مِنْهُ تَمْرٌ أَوْ عِنَبًا
لَا يَجِيءُ مِنْهُ زَبِيبٌ. زَادَ فِي الْكَافِي: أَوْ يَجِيءُ مِنْهُ زَبِيبٌ رَدِيءٌ انْتَهَى. قُلْت: وَعَلَى قِيَاسِهِ إذَا جَاءَ مِنْهُ تَمْرٌ رَدِيءٌ أَخْرَجَ مِنْهُ رُطَبًا وَعِنَبًا. يَعْنِي جَازَ قَطْعُهُ، وَإِخْرَاجُ زَكَاةٍ مِنْهُ، قَالَ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ: وَإِنْ كَانَ يَكْفِي التَّجْفِيفُ لَمْ يَجُزْ قَطْعُ الْكُلِّ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَفِي كَلَامِ بَعْضِهِمْ إطْلَاقٌ، فَقَدَّمَ الْمُصَنِّفُ هُنَا جَوَازَ إخْرَاجِ الرُّطَبِ وَالْعِنَبِ، وَالْحَالَةُ هَذِهِ، فَلَهُ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ هَذَا رُطَبًا وَعِنَبًا مُشَاعًا، أَوْ مَقْسُومًا بَعْدَ الْجِدَادِ، أَوْ قَبْلَهُ بِالْخَرْصِ، فَيُخَيَّرُ السَّاعِي بَيْنَ قَسْمِهِ مَعَ رَبِّ الْمَالِ قَبْلَ الْجِدَادِ بِالْخَرْصِ، وَيَأْخُذُ نَصِيبَهُمْ شَجَرَاتٍ مُفْرَدَةً، وَبَعْدَ الْجِدَادِ بِالْكَيْلِ. وَهَذَا الَّذِي قَدَّمَهُ الْمُصَنِّفُ هُنَا: اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ. قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ وَغَيْرُهُمَا، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْفَائِقِ، وَالنَّظْمِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ، فَأَوَّلُ كَلَامِ الْقَاضِي الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَهُوَ تَخْيِيرُ السَّاعِي مُوَافِقٌ لِمَا قَدَّمَهُ الْمُصَنِّفُ، وَبَاقِي كَلَامِهِ مُخَالِفٌ لِلنَّصِّ، وَالْمَنْصُوصُ: أَنَّهُ لَا يُخْرِجُ إلَّا يَابِسًا، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ فِي الْخِلَافِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِفَادَاتِ، وَالْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. قُلْت: هَذَا الْمَذْهَبُ، لِأَنَّهُ الْمَنْصُوصُ، وَاخْتَارَهُ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُذْهَبِ، وَعَنْهُ يَجُوزُ إخْرَاجُ الْقِيمَةِ هُنَا، وَإِنْ مَنَعْنَا مِنْ إخْرَاجِهَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. تَنْبِيهٌ: أَفَادَنَا الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وُجُوبَ الزَّكَاةِ فِي ذَلِكَ مُطْلَقًا، وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ قَاطِبَةً، وَالْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ يُعْتَبَرُ بِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْخُضَرِ، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، وَاحْتِمَالٌ فِيمَا لَا يُتْمِرُ وَلَا يَصِيرُ زَبِيبًا، وَهُوَ رِوَايَةُ مَالِكٍ. انْتَهَى.
فَوَائِدُ. الْأُولَى: لَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ حَتَّى يَبْلُغَ حَدًّا يَكُونُ مِنْهُ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ تَمْرًا أَوْ زَبِيبًا، عَلَى الصَّحِيحِ كَغَيْرِهِ، اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ. وَجَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ وَغَيْرُهُمْ. قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: هَذَا أَصَحُّ، وَقِيلَ: يُعْتَبَرُ نِصَابُهُ رُطَبًا وَعِنَبًا. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: اخْتَارَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّهُ نِهَايَتُهُ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَهُمَا وَجْهَانِ عِنْدَ الْأَكْثَرِ، وَرِوَايَتَانِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، فَعَلَى مَا اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَجَمَاعَةٌ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُصَنِّفُ وَغَيْرِهِمَا فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ: لَوْ أَتْلَفَ رَبُّ الْمَالِ نَصِيبَ الْفُقَرَاءِ ضَمِنَ الْقِيمَةَ كَالْأَجْنَبِيِّ. ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي، وَعَلَى الْمَنْصُوصِ: يَجِبُ فِي ذِمَّتِهِ تَمْرًا أَوْ زَبِيبًا. [وَلَوْ أَتْلَفَ رَبُّ الْمَالِ جَمِيعَ الثَّمَرَةِ، فَعَلَيْهِ قِيمَةُ الْوَاجِبِ عَلَى قَوْلِ الْقَاضِي وَمَنْ تَابَعَهُ كَمَا لَوْ أَتْلَفَهَا أَجْنَبِيٌّ، وَعَلَى الْمَنْصُوصِ يَضْمَنُ الْوَاجِبَ فِي ذِمَّتِهِ تَمْرًا أَوْ زَبِيبًا] كَغَيْرِهِمَا إذَا أَتْلَفَهُ، فَلَوْ لَمْ يَجُدَّ التَّمْرَ أَوْ الزَّبِيبَ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ بَقِيَ الْوَاجِبُ فِي ذِمَّتِهِ يُخْرِجُهُ إذَا قَدَرَ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: يُخْرِجُ قِيمَتَهُ فِي الْحَالِ، وَهُمَا رِوَايَتَانِ فِي الْإِرْشَادِ، وَوَجْهَانِ فِي غَيْرِهِ، وَهُمَا مَبْنِيَّانِ عَلَى جَوَازِ إخْرَاجِ الْقِيمَةِ عِنْدَ إعْوَازِ الْفَرْضِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَذَكَرَ هَذَا الْبِنَاءَ الْمَجْدُ، وَصَاحِبُ الْفُرُوعِ وَغَيْرُهُمَا [وَهِيَ طَرِيقَةٌ ثَانِيَةٌ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ] الثَّانِيَةُ: لَوْ أَخْرَجَ قِيمَةَ الْوَاجِبِ هُنَا وَمَنَعْنَا مِنْ إخْرَاجِ الْقِيمَةِ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ كَغَيْرِهِ، قَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ، وَصَاحِبُ الْحَاوِيَيْنِ، وَعَنْهُ يَجُوزُ، دَفْعًا لِمَشَقَّةِ إخْرَاجِهِ رُطَبًا بِعَيْنِهِ، فَإِنَّهُ عِنْدَ أَخْذِهِ قَدْ لَا يَحْضُرُهُ السَّاعِي وَالْفَقِيرُ، وَيُخْشَى فَسَادُهُ بِالتَّأْخِيرِ. وَلِذَلِكَ أَجَزْنَا لِلسَّاعِي بَيْعَهُ، وَلِلْمُخْرِجِ شِرَاءَهُ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ. قَالَهُ الْمَجْدُ، وَأَطْلَقَهُمَا هُوَ وَصَاحِبُ الْفُرُوعِ.
الثَّالِثَةُ: لَا يَجُوزُ قَطْعُ ذَلِكَ إلَّا بِإِذْنِ السَّاعِي إنْ كَانَ وَإِلَّا جَازَ. الرَّابِعَةُ: لَوْ قَطَعَهُ قَبْلَ الْوُجُوبِ لِأَكَلِهِ خَصُوبًا، أَوْ خِلَالًا، أَوْ لِبَيْعِهِ، أَوْ تَجْفِيفِهِ عَنْ النَّخْلِ، أَوْ لِتَحْسِينِ الْبَاقِي، أَوْ لِمَصْلَحَةٍ مَا: لَمْ تَجِبْ الزَّكَاةُ، وَإِنْ قَصَدَ بِهِ الْفِرَارَ وَجَبَتْ الزَّكَاةُ. تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ فِي تَتِمَّةِ الْقَاضِي (يُخَيَّرُ السَّاعِي بَيْنَ بَيْعِهِ مِنْهُ، أَوْ مِنْ غَيْرِهِ، وَالْمَنْصُوصُ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ شِرَاءُ زَكَاتِهِ) . اعْلَمْ أَنَّ الصَّحِيحَ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ شِرَاءُ زَكَاتِهِ مُطْلَقًا، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقَالَ: هُوَ أَشْهَرُ، قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: صَرَّحَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا وَأَهْلُ الظَّاهِرِ أَنَّ الْبَيْعَ. بَاطِلٌ احْتَجَّ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ «لَا تَشْتَرِهِ وَلَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِك» وَعَلَّلُوهُ بِأَنَّهُ وَسِيلَةٌ إلَى اسْتِرْجَاعِ شَيْءٍ مِنْهَا؛ لِأَنَّهُ يُسَامِحُهُ رَغْبَةً أَوْ رَهْبَةً، وَعَنْهُ يُكْرَهُ شِرَاؤُهَا، اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالنَّظْمِ، وَالْمَجْدِ فِي شَرْحِهِ، وَالْفَائِقِ، وَقَالَ فِي الْوَجِيزِ: وَلَا يَشْتَرِيهَا لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ. وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ فِي هَذَا الْبَابِ، وَعَنْهُ يُبَاحُ شِرَاؤُهَا كَمَا لَوْ وَرِثَهَا، نَصَّ عَلَيْهِ، وَأَطْلَقَهُنَّ فِي الْحَاوِيَيْنِ. فَوَائِدُ. مِنْهَا: لَوْ رَجَعَتْ الزَّكَاةُ إلَى الدَّافِعِ بِإِرْثٍ أُبِيحَتْ لَهُ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَعَلَّلَهُ جَمَاعَةٌ بِأَنَّهُ بِغَيْرِ فِعْلِهِ. قَالَ: فَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ حَصَلَ بِفِعْلِهِ كَالْبَيْعِ، وَنُصُوصُ أَحْمَدَ: إنَّمَا هِيَ فِي الشِّرَاءِ، وَصَرَّحَ فِي رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ سَعِيدٍ:
أَنَّ الْهِبَةَ كَالْمِيرَاثِ، وَنَقَلَ حَنْبَلٌ: مَا أَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَهُ فَلَا. إذَا كَانَ شَيْءٌ جَعَلَهُ لِلَّهِ فَلَا يَرْجِعُ فِيهِ. وَاحْتَجَّ الْمَجْدُ لِلْقَوْلِ بِصِحَّةِ الشِّرَاءِ بِأَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَأْخُذَهَا مِنْ دَيْنِهِ، وَيَأْخُذُهَا بِهِبَةٍ وَوَصِيَّةٍ، فَيُعَوَّضُ مِنْهَا أَوْلَى، وَمِنْهَا: قَالَ فِي الْفُرُوعِ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: أَنَّهُ سَوَاءٌ اشْتَرَاهَا مِمَّنْ أَخَذَهَا مِنْهُ، أَوْ مِنْ غَيْرِهِ. قَالَ: وَهُوَ ظَاهِرُ الْخَبَرِ، وَنَقَلَهُ أَبُو دَاوُد فِي فَرَسِ حُمَيْدٍ، وَهُوَ الَّذِي قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، فَإِنَّهُ قَالَ: وَيُكْرَهُ شِرَاءُ زَكَاتِهِ، وَصَدَقَتِهِ، وَقِيلَ: مِمَّنْ أَخَذَهَا مِنْهُ. انْتَهَى. قُلْت: وَظَاهِرُ مَنْ عَلَّلَ بِأَنَّهُ يُسَامِحُهُ: أَنَّهُ مَخْصُوصٌ بِمَنْ أَخَذَهَا، وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ أَيْضًا: كَذَا ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ: أَنَّ النَّهْيَ يَخْتَصُّ بِعَيْنِ الزَّكَاةِ، وَنَقَلَ حَنْبَلٌ: وَمَا أَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَهُ بِهِ، أَوْ شَيْئًا مِنْ نِتَاجِهِ، وَمِنْهَا: الصَّدَقَةُ كَالزَّكَاةِ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَحْكَامِ، لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا. قَوْلُهُ (وَيَنْبَغِي أَنْ يَبْعَثَ الْإِمَامُ سَاعِيًا إذَا بَدَا صَلَاحُ الثَّمَرِ فَيَخْرُصُهُ عَلَيْهِمْ لِيَتَصَرَّفُوا فِيهِ) . بَعْثُ الْإِمَامِ سَاعِيًا لِلْخَرْصِ مُسْتَحَبٌّ مُطْلَقًا، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ بِهِ أَكْثَرُهُمْ، وَذَكَرَ أَبُو الْمَعَالِي بْنُ مُنَجَّى: أَنَّ نَخْلَ الْبَصْرَةِ لَا يُخْرَصُ، وَقَالَ: أَجْمَعَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ، وَفُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ، وَعَلَّلَ ذَلِكَ بِالْمَشَقَّةِ وَغَيْرِهَا. قَالَ فِي الْفُرُوعِ كَذَا قَالَ. تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ (يَنْبَغِي) يَعْنِي: يُسْتَحَبُّ. فَوَائِدُ الْأُولَى: لَا يُخْرَصُ غَيْرُ النَّخْلِ وَالْكَرْمِ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: يُخْرَصُ غَيْرُ الزَّيْتُونِ. وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ، وَلَا فَرْقَ.
الثَّانِيَةُ: يُعْتَبَرُ كَوْنُ الْخَارِصِ مُسْلِمًا أَمِينًا خَبِيرًا. بِلَا نِزَاعٍ، وَيُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مُتَّهَمٍ. وَلَمْ يَذْكُرْهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ. مِنْهُمْ: ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ، وَصَاحِبُ الْحَاوِي، وَقِيلَ: عَدْلٌ، وَلَا يُعْتَبَرُ كَوْنُهُ حُرًّا. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ، وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: حُرٌّ فِي الْأَشْهَرِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْفَائِقِ. الثَّالِثَةُ: يَكْفِي خَارِصٌ وَاحِدٌ. بِلَا نِزَاعٍ بَيْنَ الْأَصْحَابِ، وَوَجَّهَ فِي الْفُرُوعِ تَخْرِيجًا بِأَنَّهُ لَا يَكْفِي إلَّا اثْنَانِ، كَالْقَائِفِ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِهِ. الرَّابِعَةُ: أُجْرَةُ الْخَرْصِ عَلَى رَبِّ النَّخْلِ وَالْكَرْمِ، جَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَغَيْرِهِمْ، وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ فِيهِ مَا يَأْتِي فِي حَصَادٍ. الْخَامِسَةُ: كَرِهَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ الْحَصَادَ وَالْجِذَاذَ لَيْلًا. السَّادِسَةُ: يَلْزَمُ خَرْصُ كُلِّ نَوْعٍ وَحْدَهُ، لِاخْتِلَافِ الْأَنْوَاعِ وَقْتَ الْجَفَافِ ثُمَّ يَعْرِفُ الْمَالِكُ قَدْرَ الزَّكَاةِ، وَيُخَيَّرُ بَيْنَ أَنْ يَتَصَرَّفَ بِمَا شَاءَ وَيَضْمَنُ قَدْرَهَا، وَبَيْنَ حِفْظِهَا إلَى وَقْتِ الْجَفَافِ، فَإِنْ لَمْ يَضْمَنْ الزَّكَاةَ وَتَصَرَّفَ صَحَّ تَصَرُّفُهُ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَكُرِهَ، وَقِيلَ: يُبَاحُ، وَحَكَى ابْنُ تَمِيمٍ عَنْ الْقَاضِي: أَنَّهُ لَا يُبَاحُ التَّصَرُّفُ، كَتَصَرُّفِهِ قَبْلَ الْخَرْصِ، وَأَنَّهُ قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: لَهُ ذَلِكَ كَمَا لَوْ ضَمِنَهَا، وَعَلَيْهِمَا يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ، وَإِنْ أَتْلَفَهَا الْمَالِكُ بَعْدَ الْخَرْصِ، أَوْ تَلِفَتْ بِتَفْرِيطِهِ ضَمِنَ زَكَاتَهَا بِخَرْصِهَا تَمْرًا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ تَجْفِيفُ هَذَا الرُّطَبِ بِخِلَافِ الْأَجْنَبِيِّ، وَعَنْهُ رُطَبًا كَالْأَجْنَبِيِّ، فَإِنَّهُ يَضْمَنُهُ بِمِثْلِهِ رُطَبًا يَوْمَ التَّلَفِ. وَقِيلَ: بِقِيمَتِهِ رُطَبًا، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: قَدَّمَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، وَتَقَدَّمَ قَرِيبًا: إذَا أَتْلَفَ رَبُّ الْمَالِ نَصِيبَ الْفُقَرَاءِ وَجَمِيعَ الْمَالِ فِيمَا إذَا كَانَ لَا يَجِيءُ مِنْهُ تَمْرٌ وَلَا زَبِيبٌ أَوْ تَلِفَتْ بِغَيْرِ تَفْرِيقٍ.
السَّابِعَةُ: لَوْ حَفِظَهَا إلَى وَقْتِ الْإِخْرَاجِ زَكَّى الْمَوْجُودَ فَقَطْ، سَوَاءٌ وَافَقَ قَوْلَ الْخَارِصِ أَوْ لَا، وَسَوَاءٌ اخْتَارَ حِفْظَهَا ضَمَانًا بِأَنْ يَتَصَرَّفَ، أَوْ أَمَانَةً؛ لِأَنَّهَا أَمَانَةٌ كَالْوَدِيعَةِ، وَإِنَّمَا يُعْمَلُ بِالِاجْتِهَادِ مَعَ عَدَمِ تَبَيُّنِ الْخَطَأِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ الْإِصَابَةُ وَعَنْهُ يَلْزَمُهُ مَا قَالَ الْخَارِصُ، مَعَ تَفَاوُتِ قَدْرِ يَسِيرٍ يُخْطِئُ فِي مِثْلِهِ، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: لَا يَغْرَمُ مَا لَمْ يُفَرِّطْ وَلَوْ خُرِصَتْ، وَعَنْهُ بَلَى. انْتَهَى. قَوْلُهُ (وَيَجِبُ أَنْ يَتْرُكَ فِي الْخَرْصِ لِرَبِّ الْمَالِ الثُّلُثَ، أَوْ الرُّبُعَ) بِحَسَبِ اجْتِهَادِ السَّاعِي، بِحَسَبِ الْمَصْلَحَةِ، فَيَجِبُ عَلَى السَّاعِي فِعْلُ ذَلِكَ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَقَالَ الْقَاضِي فِي شَرْحِ الْمُذْهَبِ: الثُّلُثُ كَثِيرٌ لَا يَتْرُكُهُ، وَقَالَ الْآمِدِيُّ، وَابْنُ عَقِيلٍ: يَتْرُكُ قَدْرَ أَكْلِهِمْ وَهَدِيَّتِهِمْ بِالْمَعْرُوفِ بِلَا تَحْدِيدٍ. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَهُوَ أَصَحُّ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ، وَقِيلَ: هُوَ أَصَحُّ. انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: إنَّمَا يَتْرُكُ فِي الْخَرْصِ إذَا زَادَتْ الثَّمَرَةُ عَلَى النِّصَابِ، فَلَوْ كَانَتْ نِصَابًا فَقَطْ لَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا. تَنْبِيهَانِ أَحَدُهُمَا: هَذَا الْقَدْرُ الْمَتْرُوكُ لِلْأَكْلِ لَا يَكْمُلُ بِهِ النِّصَابُ، عَلَى الصَّحِيحِ، مِنْ الْمَذْهَبِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَةِ، وَغَيْرِهِمْ، وَاخْتَارَ الْمَجْدُ: أَنَّهُ يُحْتَسَبُ بِهِ مِنْ النِّصَابِ، فَيَكْمُلُ بِهِ، ثُمَّ يَأْخُذُ زَكَاةَ الْبَاقِي سِوَاهُ. الثَّانِي: لَوْ لَمْ يَأْكُلْ رَبُّ الْمَالِ الْمَتْرُوكِ لَهُ بِلَا خَرْصٍ. أَخَذَ مِنْهُ زَكَاتَهُ، عَلَى الصَّحِيحِ، جَزَمَ بِهِ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ رَجَبٍ فِي الْقَاعِدَةِ الْحَادِيَةِ وَالسَّبْعِينَ وَغَيْرُهُمْ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَقَالَ صَاحِبُ الْفُرُوعِ: دَلَّ النَّصُّ الَّذِي فِي الْمَسْأَلَةِ قَبْلَهَا عَلَى أَنَّ رَبَّ الْمَالِ لَوْ لَمْ يَأْكُلْ شَيْئًا لَمْ يُزَكِّهِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ، وَأَظُنُّ بَعْضَهُمْ جَزَمَ بِهِ أَوْ قَدَّمَهُ، وَذَكَرَهُ فِي الرِّعَايَةِ احْتِمَالًا لَهُ. انْتَهَى.
فَائِدَتَانِ إحْدَاهُمَا قَوْلُهُ (فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلِرَبِّ الْمَالِ الْأَكْلُ بِقَدْرِ ذَلِكَ وَلَا يُحْتَسَبُ عَلَيْهِ) ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَكَذَا إذَا لَمْ يَبْعَثْ الْإِمَامُ سَاعِيًا، فَعَلَى رَبِّ الْمَالِ مِنْ الْخَرْصِ مَا يَفْعَلُهُ السَّاعِي، لِيَعْرِفَ قَدْرَ الْوَاجِبِ قَبْلَ أَنْ يَتَصَرَّفَ، لِأَنَّهُ مُسْتَخْلَفٌ فِيهِ، وَلَوْ تَرَكَ السَّاعِي شَيْئًا مِنْ الْوَاجِبِ أَخْرَجَهُ الْمَالِكُ، نَصَّ عَلَيْهِ. الثَّانِيَةُ: تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا يُخْرَصُ إلَّا النَّخْلُ وَالْكَرْمُ، فَلَا تُخْرَصُ الْحُبُوبُ إجْمَاعًا، لَكِنْ لِلْمَالِكِ الْأَكْلُ مِنْهَا هُوَ وَعِيَالُهُ، بِحَسَبِ الْعَادَةِ. كَالْفَرِيكِ وَمَا يَحْتَاجُهُ، وَلَا يُحْتَسَبُ بِهِ عَلَيْهِ، وَلَا يُهْدَى. نَصَّ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ، وَخَرَّجَ الْقَاضِي فِي جَوَازِ الْأَكْلِ مِنْهَا وَجْهَيْنِ: مِنْ الْأَكْلِ، وَمِنْ الزَّرْعِ الَّذِي لَيْسَ لَهُ خَلِيطٌ، وَقَالَ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ: أَسْقَطَ أَحْمَدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَنْ أَرْبَابِ الزَّرْعِ الزَّكَاةَ فِي مِقْدَارِ مَا يَأْكُلُونَ كَمَا أَسْقَطَ فِي الثِّمَارِ. قَالَ: وَذَكَرَهُ فِي رِوَايَةِ الْمَيْمُونِيِّ، وَجَعَلَ الْحُكْمَ فِيهِمَا سَوَاءً، وَقَالَ فِي الْمُجَرَّدِ، وَالْفُصُولِ، وَغَيْرِهِمَا: يُحْسَبُ عَلَيْهِ مَا يَأْكُلُهُ، وَلَا يُتْرَكُ لَهُ مِنْهُ شَيْءٌ، وَذَكَرَهُ الْآمِدِيُّ ظَاهِرُ كَلَامِهِ، كَالْمُشْتَرَكِ مِنْ الزَّرْعِ نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ الْقِيَاسُ، وَالْحَبُّ لَيْسَ فِي مَعْنَى الثَّمَرَةِ، وَحَكَى رِوَايَةً: أَنَّهُ لَا يُزَكِّي مَا يُهْدِيهِ أَيْضًا، وَقَدَّمَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ: أَنَّهُ يُزَكِّي مَا يَهْدِيهِ مِنْ الثَّمَرَةِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَجَزَمَ الْأَئِمَّةُ بِخِلَافِهِ، وَحَكَى ابْنُ تَمِيمٍ أَنَّ الْقَاضِيَ قَالَ فِي تَعْلِيقِهِ: مَا يَأْكُلُهُ مِنْ التَّمْرَةِ بِالْمَعْرُوفِ لَا يُحْسَبُ عَلَيْهِ، وَمَا يُطْعِمُهُ جَارَهُ وَصَدِيقَهُ يُحْسَبُ عَلَيْهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَذَكَرَ أَبُو الْفَرَجِ: لَا زَكَاةَ فِيمَا يَأْكُلُهُ مِنْ زَرْعٍ وَثَمَرٍ، وَفِيمَا يُطْعِمُهُ رِوَايَتَانِ، وَحَكَى الْقَاضِي فِي شَرْحِ الْمُذْهَبِ: فِي جَوَازِ أَكْلِهِ مِنْ زَرْعِهِ وَجْهَيْنِ.
قَوْلُهُ (وَيُؤْخَذُ الْعُشْرُ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ عَلَى حِدَةٍ) هَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. مِنْهُمْ الْمُصَنِّفُ، وَذَلِكَ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَشُقَّ عَلَى مَا يَأْتِي، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يُؤْخَذُ مِنْ أَحَدِهِمَا بِالْقِيمَةِ، كَالضَّأْنِ مِنْ الْمَعْزِ. قَوْلُهُ (فَإِنْ شَقَّ ذَلِكَ) يَعْنِي لِكَثْرَةِ الْأَنْوَاعِ وَاخْتِلَافِهَا (أَخَذَ مِنْ الْوَسَطِ) هَذَا أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ، اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ. قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَالْوَجِيزِ، وَغَيْرُهُمْ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَمُخْتَصَرِ ابْنِ تَمِيمٍ، وَغَيْرُهُمْ، وَقِيلَ: يُخْرِجُ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ، وَإِنْ شَقَّ، قَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالْكَافِي، وَالشَّرْحِ، وَصَحَّحَاهُ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ عَلَى مَا اصْطَلَحْنَاهُ، وَقِيلَ: يَأْخُذُ مِنْ الْأَكْثَرِ. فَوَائِدُ. إحْدَاهَا: لَوْ أَخْرَجَ الْوَسَطَ عَنْ جَيِّدٍ وَرَدِيءٍ بِقَدْرِ قِيمَتَيْ الْوَاجِبِ مِنْهُمَا أَوْ أَخْرَجَ الرَّدِيءَ عَنْ الْجَيِّدِ بِالْقِيمَةِ: لَمْ يُجْزِهِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: لَا يُجْزِئُ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَفِيهِ وَجْهٌ يُجْزِئُ. قَالَ الْمَجْدُ: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ جَوَازُهُ، وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي الِانْتِصَارِ: يُحْتَمَلُ فِي الْمَاشِيَةِ كَمَسْأَلَةِ الْأَثْمَانِ، عَلَى مَا يَأْتِي هُنَاكَ. الثَّانِي: لَا يَجُوزُ إخْرَاجُ جِنْسٍ عَنْ آخَرَ. لِأَنَّهُ قِيمَةٌ وَلَا مَشَقَّةَ. وَلَوْ قُلْنَا بِالضَّمِّ وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يَجُوزُ إنْ قُلْنَا بِالضَّمِّ وَإِلَّا فَلَا.
الثَّالِثَةُ قَوْلُهُ (وَيَجِبُ الْعُشْرُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ دُونَ الْمَالِكِ) بِلَا خِلَافٍ أَعْلَمُهُ، بِخِلَافِ الْخَرَاجِ، فَإِنَّهُ عَلَى الْمَالِكِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَنْهُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ أَيْضًا، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، وَيَأْتِي ذَلِكَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي بَابِ حُكْمِ الْأَرْضِينَ الْمَغْنُومَةِ، وَكَذَلِكَ الْمُسْتَعِيرُ لَا يَلْزَمُهُ خَرَاجٌ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَحُكِيَ عَنْهُ يَلْزَمُهُ، وَقِيلَ: يَلْزَمُ الْمُسْتَعِيرَ دُونَ الْمُسْتَأْجِرِ. الرَّابِعَةُ قَوْلُهُ (وَيَجْتَمِعُ الْعُشْرُ وَالْخَرَاجُ فِي كُلِّ أَرْضٍ فُتِحَتْ عَنْوَةً) وَكَذَا كُلُّ أَرْضٍ خَرَاجِيَّةٍ، نَصَّ عَلَيْهِ، فَالْخَرَاجُ فِي رَقَبَتِهَا، وَالْعُشْرُ فِي غَلَّتِهَا. الْخَامِسَةُ: لَا زَكَاةَ فِي قَدْرِ الْخَرَاجِ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ آخَرُ يُقَابِلُهُ. قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: لِأَنَّهُ كَدَيْنٍ آدَمِيٍّ، وَكَذَا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ: أَنَّهُ أَصَحُّ الرِّوَايَاتِ، وَأَنَّهُ اخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ؛ لِأَنَّهُ مِنْ مُؤْنَةِ الْأَرْضِ، فَهُوَ كَنَفَقَةِ زَرْعِهِ. وَسَبَقَ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ الرِّوَايَاتُ. السَّادِسَةُ: إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ سِوَى غَلَّةِ الْأَرْضِ، وَفِيهَا مَا لَا زَكَاةَ فِيهِ، كَالْخُضَرِ جَعَلَ الْخَرَاجَ فِي مُقَابَلَتِهِ؛ لِأَنَّهُ أَحْوَطُ لِلْفُقَرَاءِ. السَّابِعَةُ: لَا يَنْقُصُ النِّصَابُ بِمُؤْنَةِ الْحَصَادِ وَالدِّيَاسِ وَغَيْرِهِمَا مِنْهُ. لِسَبْقِ الْوُجُوبِ ذَلِكَ، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَيُحْتَمَلُ ضِدُّهُ، كَالْخَرَاجِ. وَيَأْتِي فِي مُؤْنَةِ الْمَعْدِنِ مَا يُشَابِهُ ذَلِكَ. الثَّامِنَةُ: تَلْزَمُ الزَّكَاةُ فِي الْمُزَارَعَةِ مَنْ حَكَمَ بِأَنَّ الزَّرْعَ لَهُ، وَإِنْ صَحَّتْ فَبَلَغَ نَصِيبُ أَحَدِهِمَا نِصَابًا زَكَّاهُ، وَإِلَّا فَرِوَايَتَا الْخَلْطِ فِي غَيْرِ السَّائِمَةِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ. التَّاسِعَةُ: مَتَى حَصَدَ غَاصِبُ الْأَرْضِ زَرْعَهُ اسْتَقَرَّ مِلْكُهُ، عَلَى مَا يَأْتِي فِي أَوَّلِ الْغَصْبِ، وَزَكَّاهُ، وَإِنْ مَلَكَهُ رَبُّ الْأَرْضِ قَبْلَ اشْتِدَادِ الْحَبِّ زَكَّاهُ، وَكَذَا قِيلَ بَعْدَ اشْتِدَادِهِ؛ لِأَنَّهُ اسْتَنَدَ إلَى أَوَّلِ زَرْعِهِ، فَكَانَ أَخْذُهُ إذَنْ. وَقِيلَ: يُزَكِّيهِ
الْغَاصِبُ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ وَقْتَ الْوُجُوبِ، وَيَأْتِي قَوْلُ: إنَّ الزَّرْعَ لِلْغَاصِبِ فَيُزَكِّيهِ. الْعَاشِرَةُ: لَا زَكَاةَ فِي الْمُعَشَّرَاتِ بَعْدَ أَدَاءِ الْعُشْرِ، وَلَوْ بَقِيَتْ أَحْوَالًا. مَا لَمْ تَكُنْ لِلتِّجَارَةِ. قَوْلُهُ (وَيَجُوزُ لِأَهْلِ الذَّمَّةِ شِرَاءُ الْأَرْضِ الْعُشْرِيَّةِ) . هَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ وَالرِّوَايَتَيْنِ، جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالشَّرْحِ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ، وَالْخُلَاصَةِ [وَالْمُغْنِي] وَالْكَافِي، وَنَصَرَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَعَنْهُ لَا يَجُوزُ لَهُمْ شِرَاؤُهَا. اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ الْخَلَّالِ، وَصَاحِبُهُ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَالْمُسْتَوْعِبُ، وَالْفَائِقُ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَالْهِدَايَةِ [وَالْمُذْهَبِ] ، فَعَلَى الرِّوَايَةِ الْأُولَى: اقْتَصَرَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ عَلَى الْجَوَازِ. كَالْمُصَنِّفِ هُنَا، وَبَعْضُهُمْ قَالَ: يَجُوزُ، وَيُكْرَهُ. مِنْهُمْ الْمُصَنِّفُ فِي الْكَافِي، وَقَالَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ: يَجُوزُ، وَعَنْهُ يُكْرَهُ، وَعَنْهُ يَحْرُمُ، وَعَلَى الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ: لَوْ خَالَفَ وَاشْتَرَى صَحَّ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: جَزَمَ بِهِ الْأَصْحَابُ، وَهُوَ كَمَا قَالَ، وَكَلَامُ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ فِي اقْتِضَاءِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ: يُعْطِي أَنَّ عَلَى الْمَنْعِ: لَا يَصِحُّ شِرَاؤُهُ، قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ. تَنْبِيهٌ: مَحَلُّ الْخِلَافِ، فِي غَيْرِ نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ، فَأَمَّا نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ: فَلَا يُمْنَعُونَ مِنْ شِرَاءِ الْأَرْضِ الْعُشْرِيَّةِ وَالْخَرَاجِيَّةِ، لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، وَنَقَلَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ أَحْمَدَ، وَعَلَيْهِمْ عُشْرَانِ كَالْمَاشِيَةِ. فَائِدَةٌ: يَجُوزُ لِأَهْلِ الذَّمَّةِ شِرَاءُ الْأَرْضِ الْخَرَاجِيَّةِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَأَلْحَقَهَا ابْنُ الْبَنَّا بِالْأَرْضِ الْعُشْرِيَّةِ.
قَوْلُهُ (وَلَا عُشْرَ عَلَيْهِمْ) . هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى مَا جَزَمَ بِهِ، مِنْ أَنَّهُمْ يَجُوزُ لَهُمْ شِرَاءُ الْأَرْضِ الْعُشْرِيَّةِ. وَهَذَا الصَّحِيحُ عَلَى التَّفْرِيعِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي شَرْحِهِ الصَّغِيرِ: أَنَّ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وُجُوبُ نِصْفِ الْعُشْرِ عَلَى الذِّمِّيِّ غَيْرِ التَّغْلِبِيِّ، سَوَاءٌ اتَّجَرَ بِذَلِكَ أَوْ لَمْ يَتَّجِرْ بِهِ، مِنْ مَالِهِ وَثَمَرَتِهِ وَمَاشِيَتِهِ، وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ (وَعَنْهُ عَلَيْهِمْ عُشْرَانِ) يَسْقُطُ أَحَدُهُمَا بِالْإِسْلَامِ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: ذَكَرَ شَيْخُنَا فِي اقْتِضَاءِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، عَلَى هَذَا: هَلْ عَلَيْهِمْ عُشْرَانِ، أَوْ لَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. قَالَ: وَهَذَا غَرِيبٌ، وَلَعَلَّهُ أَخَذَهُ مِنْ لَفْظِ الْمُقْنِعِ. انْتَهَى. يَعْنِي أَنَّ نَقْلَ هَذِهِ الرِّوَايَةِ عَلَى الْقَوْلِ بِجَوَازِ الشِّرَاءِ غَرِيبٌ، فَأَمَّا عَلَى رِوَايَةِ مَنْعِهِمْ مِنْ الشِّرَاءِ، لَوْ خَالَفُوا وَاشْتَرَوْا: لَصَحَّ الشِّرَاءُ بِلَا نِزَاعٍ عِنْدَ الْأَصْحَابِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَعَلَيْهِمْ عُشْرَانِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الشَّرْحِ وَغَيْرِهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ، وَصَحَّحَهُ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى وَغَيْرِهِ، قَالَ فِي الْإِفَادَاتِ: وَإِنْ اشْتَرَى ذِمِّيٌّ أَرْضًا عُشْرِيَّةً: فَعَلَيْهِ فِيهَا عُشْرَانِ، وَعَنْهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: قَدَّمَهُ بَعْضُهُمْ، وَعَنْهُ عَلَيْهِمْ عُشْرٌ وَاحِدٌ. ذَكَرَهَا الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ، كَمَا كَانَ قَبْلَ شِرَائِهِمْ، قَدَّمَهَا فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: لَا وَجْهَ لَهُ. انْتَهَى، وَقَالَ فِي الْفَائِقِ: وَيُمْنَعُ الذِّمِّيُّ مِنْ شِرَاءِ أَرْضٍ عُشْرِيَّةٍ، وَعَنْهُ لَا، وَعَنَّا يَحْرُمُ، وَيَصِحُّ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي الْخَارِجِ، اخْتَارَهُ الشَّيْخُ، وَعَنْهُ يَلْزَمُهُ عُشْرَانِ، اخْتَارَهُ شَيْخُنَا، وَعَنْهُ عُشْرٌ وَاحِدٌ. ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي التَّعْلِيقِ.
فَوَائِدُ مِنْهَا: حَيْثُ قُلْنَا عَلَيْهِمْ عُشْرَانِ، فَإِنَّ أَحَدَهُمَا يَسْقُطُ بِالْإِسْلَامِ عِنْدَ الْأَصْحَابِ، وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ رِوَايَةً: لَا يَسْقُطُ أَحَدُهُمَا بِالْإِسْلَامِ، وَمِنْهَا: حُكْمُ مَا مَلَكَهُ الذِّمِّيُّ بِالْإِحْيَاءِ حُكْمُ شِرَاءِ الْأَرْضِ الْعُشْرِيَّةِ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ. وَيَأْتِي حُكْمُ إحْيَاءِ الذِّمِّيِّ، وَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِي بَابِ إحْيَاءِ الْمَوَاتِ، وَمِنْهَا: حَيْثُ أُخِذَ مِنْهُمْ عُشْرٌ أَوْ عُشْرَانِ، فَإِنَّ حُكْمَ مَصْرِفِهِ حُكْمُ مَا يُؤْخَذُ مِنْ نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ، عَلَى مَا يَأْتِي، وَمِنْهَا: الْأَرْضُ الْخَرَاجِيَّةُ مَا فُتِحَ عَنْوَةً وَلَمْ يُقَسَّمْ، وَمَا جَلَا عَنْهَا أَهْلُهَا خَوْفًا، وَمَا صُولِحُوا عَلَيْهِ، عَلَى أَنَّهَا لَنَا، وَنُقِرُّهَا مَعَهُمْ بِالْخَرَاجِ، وَالْأَرْضُ الْعُشْرِيَّةُ عِنْدَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَأَصْحَابِهِ هِيَ مَا أَسْلَمَ عَلَيْهَا أَهْلُهَا. نَقَلَهُ حَرْبٌ كَالْمَدِينَةِ وَنَحْوِهَا، وَمَا أَحْيَاهُ الْمُسْلِمُونَ وَاخْتَطُّوهُ. نَقَلَهُ أَبُو الصَّقْرِ، كَالْبَصْرَةِ، وَمَا صُولِحَ أَهْلُهُ عَلَى أَنَّهُ لَهُمْ بِخَرَاجٍ يُضْرَبُ عَلَيْهِمْ. نَقَلَهُ ابْنُ مَنْصُورٍ، كَأَرْضِ الْيَمَنِ، وَمَا فُتِحَ عَنْوَةً وَقُسِمَ، كَنِصْفِ خَيْبَرَ، وَكَذَا مَا أَقَطَعَهُ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ مِنْ السَّوَادِ إنْ كَانَ إقْطَاعُ تَمْلِيكٍ، عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَلَمْ يَذْكُرْ جَمَاعَةٌ هَذَا الْقِسْمَ مِنْ أَرْضِ الْعُشْرِ. مِنْهُمْ الْمُصَنِّفُ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالْمُرَادُ أَنَّ الْعُشْرِيَّةَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُوضَعَ عَلَيْهَا خَرَاجٌ كَمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ، وَأَنَّ الْعُشْرَ وَالْخَرَاجَ يَجْتَمِعَانِ فِي الْأَرْضِ الْخَرَاجِيَّةِ، فَلِهَذَا لَا تَنَافِيَ بَيْنَ قَوْلِهِ فِي الْمُغْنِي وَالرِّعَايَةِ " الْأَرْضُ الْعُشْرِيَّةُ هِيَ الَّتِي لَا خَرَاجَ عَلَيْهَا " وَقَوْلِ غَيْرِهِ " مَا يَجِبُ فِيهِ الْعُشْرُ خَرَاجِيَّةً أَوْ غَيْرَ خَرَاجِيَّةٍ " وَجَعَلَهَا أَبُو الْبَرَكَاتِ فِي شَرْحِهِ قَوْلَيْنِ. كَانَ قَوْلُ غَيْرِ الشَّيْخِ أَظْهَرَ. قَوْلُهُ (وَفِي الْعَسَلِ الْعُشْرُ. سَوَاءٌ أَخَذَهُ مِنْ مَوَاتٍ أَوْ مِنْ مِلْكِهِ) هَذَا الْمَذْهَبُ رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَهُوَ مِنْ مُفْرَدَاتِ الْمَذْهَبِ، وَذَكَرَ فِي الْفُرُوعِ أَدِلَّةَ الْمَسْأَلَةِ، وَقَالَ: مَنْ تَأَمَّلَ هَذَا وَغَيْرَهُ ظَهَرَ لَهُ ضَعْفُ الْمَسْأَلَةِ،
وَأَنَّهُ يَتَوَجَّهُ لِأَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى: أَنَّهُ لَا زَكَاةَ فِيهِ، بِنَاءً عَلَى قَوْلِ الصَّحَابِيِّ. قَالَ: وَسَبَقَ قَوْلُ الْقَاضِي فِي التَّمْرِ يَأْخُذُهُ مِنْ الْمُبَاحِ: يُزَكِّيهِ فِي قِيَاسِ قَوْلِ أَحْمَدَ فِي الْعَسَلِ، فَقَدْ سَوَّى بَيْنَهُمَا عِنْدَ أَحْمَدَ، فَدَلَّ أَنَّ عَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ: لَا زَكَاةَ فِي الْعَسَلِ مِنْ الْمُبَاحِ [عِنْدَ أَحْمَدَ] وَقَدْ اعْتَرَفَ الْمَجْدُ: أَنَّهُ الْقِيَاسُ، لَوْلَا الْأَثَرُ، فَيُقَالُ: قَدْ تَبَيَّنَ الْكَلَامُ فِي الْأَثَرِ، ثُمَّ إذَا تَسَاوَيَا فِي الْمَعْنَى تَسَاوَيَا فِي الْحُكْمِ وَتُرِكَ الْقِيَاسُ. كَمَا تَعَدَّى فِي الْعَرَايَا إلَى بَقِيَّةِ الثِّمَارِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، عَلَى الْخِلَافِ فِيهِ. انْتَهَى. فَفِي كَلَامِ صَاحِبِ الْفُرُوعِ إيمَاءٌ إلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ، وَمَا هُوَ بِبَعِيدٍ. قَوْلُهُ (وَنِصَابُهُ عَشَرَةُ أَفْرَاقٍ) هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَوَجَّهَ فِي الْفُرُوعِ تَخْرِيجًا: أَنَّ نِصَابَهُ خَمْسَةُ أَفْرَاقٍ كَالزَّيْتِ. قَالَ: لِأَنَّهُ أَعْلَى مَا يُقَدَّرُ بِهِ فِيهِ، فَاعْتُبِرَ خَمْسَةُ أَمْثَالِهِ كَالْوَسْقِ. قَوْلُهُ (كُلُّ فَرَقٍ سِتُّونَ رَطْلًا) هَذَا قَوْلُ ابْنِ حَامِدٍ. وَالْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي التَّسْهِيلِ، وَالْمُبْهِجِ، وَقَدَّمَهُ فِي التَّلْخِيصِ، وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ الْفَرَقَ سِتَّةَ عَشَرَ رَطْلًا عِرَاقِيَّةً، وَنَصَّ عَلَيْهِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْقَاضِي فِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ. وَاخْتَارَهُ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَقِيلَ: سِتَّةٌ وَثَلَاثُونَ رَطْلًا. قَالَهُ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ، وَأَطْلَقَهُنَّ فِي الْمُحَرَّرِ، وَقِيلَ: مِائَةٌ وَعِشْرُونَ، وَنَفَاهُ الْمَجْدُ، وَحَكَى ابْنُ تَمِيمٍ قَوْلًا: أَنَّهُ مِائَةُ رَطْلٍ، قَالَ: وَعَنْ أَحْمَدَ نَحْوُهُ، وَقِيلَ: نِصَابُهُ أَلْفُ رَطْلٍ عِرَاقِيَّةٍ، وَهُوَ احْتِمَالٌ فِي الْمُغْنِي، وَقَدَّمَهُ فِي الْكَافِي نَقَلَ أَبُو دَاوُد: مِنْ كُلِّ عَشْرٍ قِرَبٍ قِرْبَةٌ.
فَائِدَةٌ " الْفَرَقُ " تُفْتَحُ الرَّاءُ، وَقِيلَ: بِفَتْحِهَا وَسُكُونِهَا مِكْيَالٌ مَعْرُوفٌ بِالْمَدِينَةِ ذَكَرَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ وَثَعْلَبٌ وَالْجَوْهَرِيُّ، وَغَيْرُهُمْ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ كَعْبٍ، وَهُوَ مُرَادُ الْفُقَهَاءِ، وَأَمَّا الْفَرْقُ بِالسُّكُونِ فَمِكْيَالٌ ضَخْمٌ مِنْ مَكَايِيلِ أَهْلِ الْعِرَاقِ. قَالَهُ الْخَلِيلُ. قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ وَغَيْرُهُ: يَسَعُ مِائَةً وَعِشْرِينَ رَطْلًا. قَالَ الْمَجْدُ: وَلَا قَائِلَ بِهِ هُنَا. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَحَكَى بَعْضُهُمْ قَوْلًا، وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ. فَائِدَةٌ: لَا زَكَاةَ فِيمَا يَنْزِلُ مِنْ السَّمَاءِ عَلَى الشَّجَرِ، كَالْمَنِّ، والترنجبين، والشيرخشك وَنَحْوِهَا، وَمِنْهُ اللَّادِنُ. هُوَ طَلٌّ وَنَدَا يَنْزِلُ عَلَى نَبْتٍ تَأْكُلُهُ الْمِعْزَى، فَتَعْلَقُ تِلْكَ الرُّطُوبَةُ بِهَا فَيُؤْخَذُ، قَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَالْفَائِقُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ، لِعَدَمِ النَّصِّ، وَجَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي، وَالْمَجْدِ فِي شَرْحِهِ، وَالشَّارِحُ فِي مَسْأَلَةِ عَدَمِ الْوُجُوبِ فِيمَا يَخْرُجُ مِنْ الْبَحْرِ، وَقِيلَ: تَجِبُ فِيهِ كَالْعَسَلِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ. قَالَ بَعْضُهُمْ: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ، وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَقِيلٍ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ. وَاقْتَصَرَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ عَلَى كَلَامِ ابْنِ عَقِيلٍ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: فِيهِ وَجْهَانِ، أَشْهَرُهُمَا الْوُجُوبُ، وَقِيلَ: عَدَمُهُ. انْتَهَى. وَظَاهِرُ الْفُرُوعِ: الْإِطْلَاقُ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي تَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ، فَعَلَى الْوُجُوبِ: نِصَابُهُ كَنِصَابِ الْعَسَلِ. صَرَّحَ بِهِ جَمَاعَةٌ، مِنْهُمْ صَاحِبُ الْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: هُوَ كَالْعَسَلِ. قَوْلُهُ (وَمَنْ اسْتَخْرَجَ مِنْ مَعْدِنٍ نِصَابًا مِنْ الْأَثْمَانِ) فَفِيهِ الزَّكَاةُ، الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ: أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْمَعْدِنِ: اسْتِخْرَاجُ نِصَابٍ، وَعَنْهُ لَا يُشْتَرَطُ، فَيَجِبُ فِي قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ، وَخَصَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ فِي الْفُرُوعِ بِالْأَثْمَانِ وَغَيْرِهَا، فَقَالَ قَالَ الْأَصْحَابُ: مَنْ أَخْرَجَ نِصَابَ نَقْدٍ، وَعَنْهُ أَوْ دُونَهُ، وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ تَمِيمٍ، وَالْفَائِقِ وَغَيْرِهِمَا: عُمُومُ الرِّوَايَةِ فِي الْأَثْمَانِ وَغَيْرِهَا، فَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَعَنْهُ تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي قَلِيلِ الْمَعْدِنِ وَكَثِيرِهِ.
ذَكَرَهَا ابْنُ شِهَابٍ فِي عُيُونِهِ، وَقَالَ فِي الْفَائِقِ: وَعَنْهُ لَا يُشْتَرَطُ لِلْمَعْدِنِ نِصَابٌ، ذَكَرَهَا ابْنُ شِهَابٍ. تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ " وَمَنْ اسْتَخْرَجَ مِنْ مَعْدِنٍ نِصَابًا فَفِيهِ الزَّكَاةُ " مُرَادُهُ: إذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الزَّكَاةِ، فَأَمَّا إنْ كَانَ ذِمِّيًّا أَوْ مُكَاتَبًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَلَا يُمْنَعُ مِنْهُ الذِّمِّيُّ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: يُمْنَعُ مِنْ مَعْدِنٍ بِدَارِنَا، جَزَمَ بِهِ جَمَاعَةٌ. مِنْهُمْ صَاحِبُ الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْمُنَوِّرِ. وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، فَعَلَيْهِ يَمْلِكُهُ آخِذُهُ قَبْلَ بَيْعِهِ مَجَّانًا، عَلَى الصَّحِيحِ، وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ، وَقَالَ فِي التَّلْخِيصِ: ذَلِكَ كَإِحْيَائِهِ الْمَوَاتَ، وَإِنْ أَخْرَجَهُ عَبْدٌ لِمَوْلَاهُ زَكَّاهُ سَيِّدُهُ، وَإِنْ كَانَ لِنَفْسِهِ انْبَنَى عَلَى مِلْكِ الْعَبْدِ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الزَّكَاةِ. فَائِدَةٌ: إذَا كَانَ الْمَعْدِنُ بِدَارِ الْحَرْبِ، وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى إخْرَاجِهِ إلَّا بِقَوْمٍ لَهُمْ مَنَعَةٌ، فَقِيمَتُهُ تُخَمَّسُ بَعْدَ رُبُعِ الْعُشْرِ. قَوْلُهُ (أَوْ مَا قِيمَتُهُ نِصَابٌ) فَفِيهِ الزَّكَاةُ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَأَكْثَرُهُمْ قَطَعَ بِهِ، وَاخْتَارَ الْآجُرِّيُّ وُجُوبَ الزَّكَاةِ فِي قَلِيلِ ذَلِكَ وَكَثِيرِهِ، وَتَقَدَّمَتْ الرِّوَايَةُ الَّتِي نَقَلَهَا ابْنُ شِهَابٍ. تَنْبِيهٌ: شَمِلَ قَوْلُهُ (مِنْ الْجَوْهَرِ وَالصُّفْرِ وَالزِّئْبَقِ وَالْقَارِ وَالنَّفْطِ وَالْكُحْلِ وَالزِّرْنِيخِ وَسَائِرِ مَا يُسَمَّى مَعْدِنًا) قَوْلُهُ: الْمَعْدِنُ الْمُنْطَبِعُ، وَغَيْرُ الْمُنْطَبِعِ، فَغَيْرُ الْمُنْطَبِعِ: كَالْيَاقُوتِ وَالْعَقِيقِ، وَالْبَنْغَشِ، وَالزَّبَرْجَدِ، وَالْفَيْرُوزَجِ، وَالْبِلَّوْرِ، وَالْمُومْيَا، وَالنُّورَةِ، وَالْمَغْرَةِ، وَالْكُحْلِ، وَالزِّرْنِيخِ، وَالْقَارِ، وَالنِّفْطِ، وَالسَّبْجِ، وَالْكِبْرِيتِ، وَالزِّفْتِ، وَالزُّجَاجِ، وَالْيَشْمِ، وَالزَّاجِ وَنَحْوِهِ، وَهُوَ صَحِيحٌ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ.
وَنَقَلَ مُهَنَّا: لَمْ أَسْمَعْ فِي مَعْدِنِ الْقَارِ وَالنِّفْطِ وَالْكُحْلِ وَالزِّرْنِيخِ شَيْئًا. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَظَاهِرُهُ التَّوَقُّفُ فِي غَيْرِ الْمُنْطَبِعِ. قُلْت: ذَكَرَ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالرِّعَايَةِ، وَالْفُرُوعِ وَغَيْرِهِمْ: الزُّجَاجُ مِنْ الْمَعْدِنِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّهُ مَصْنُوعٌ. اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُوجَدَ بَعْضُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ صُنْعٍ. فَائِدَةٌ: ذَكَرَ الْأَصْحَابُ مِنْ الْمَعَادِنِ: الْمِلْحَ، وَجَزَمَ فِي الرِّعَايَةِ وَغَيْرِهَا بِأَنَّ الرُّخَامَ وَالْبِرَامَ وَنَحْوَهُمَا مَعْدِنٌ، وَهُوَ مَعْنَى كَلَامِ جَمَاعَةٍ مِنْ الْأَصْحَابِ، وَمَالَ إلَيْهِ فِي الْفُرُوعِ. فَائِدَةٌ أُخْرَى: قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي التَّبْصِرَةِ فِي مَجْلِسِ ذِكْرِ الْأَرْضِ: وَقَدْ أُحْصِيَتْ الْمَعَادِنُ، فَوَجَدُوهَا سَبْعَمِائَةِ مَعْدِنٍ. قَوْلُهُ (فَفِيهِ الزَّكَاةُ فِي الْحَالِ: رُبُعُ الْعُشْرِ) هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، وَقَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ فِي الْإِفْصَاحِ: قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ: فِي الْمَعْدِنِ الْخُمُسُ، يُصْرَفُ مَصْرِفَ الْفَيْءِ. قَوْلُهُ (مِنْ قِيمَتِهِ) يَعْنِي إذَا كَانَ مِنْ غَيْرِ الْأَثْمَانِ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. وَقَالَ أَبُو الْفَرَجِ بْنُ أَبِي الْفَهْمِ شَيْخُ ابْنِ تَمِيمٍ: يُخْرِجُ مِنْ عَيْنِهِ، كَالْأَثْمَانِ. تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ (أَوْ مِنْ عَيْنِهَا إنْ كَانَتْ أَثْمَانًا) . لَيْسَ هَذَا مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَإِنَّمَا زَادَهُ بَعْضُ مَنْ أَجَازَ لَهُ الْمُصَنِّفُ الْإِصْلَاحَ قَالَهُ ابْنُ مُنَجَّى، وَقَالَ: إنَّمَا اقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ عَلَى قَوْلِهِ " مِنْ قِيمَتِهِ " إمَّا لِأَنَّ الْوَاجِبَ فِي الْأَثْمَانِ مِنْ جِنْسِهِ ظَاهِرٌ، وَإِمَّا عَلَى سَبِيلِ التَّغْلِيبِ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ الْأَثْمَانَ، وَأَجْنَاسُهَا كَثِيرَةٌ، فَغُلِّبَ الْأَكْثَرُ. انْتَهَى. قُلْت: الْأَوَّلُ أَوْلَى، وَالْقِيمَةُ إنَّمَا تَكُونُ فِي غَيْرِ الْأَثْمَانِ.
فَائِدَةٌ: قَوْلُهُ (سَوَاءٌ اسْتَخْرَجَهُ فِي دُفْعَةٍ أَوْ دُفُعَاتٍ، مَا لَمْ يَتْرُكْ الْعَمَلَ بَيْنَهَا تَرْكَ إهْمَالٍ) ، مِثَالُهُ: لَوْ تَرَكَهُ لِمَرَضٍ أَوْ سَفَرٍ، أَوْ لِإِصْلَاحِ آلَةٍ، أَوْ اسْتِرَاحَةٍ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا أَوْ اشْتِغَالِهِ بِتُرَابٍ خَرَجَ بَيْنَ النِّيلَيْنِ، أَوْ هَرَبِ عَبِيدِهِ، أَوْ أَجِيرِهِ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: أَوْ سَفَرٌ يَسِيرٌ. انْتَهَى، فَلَا أَثَرَ لِتَرْكِ ذَلِكَ، وَهُوَ فِي حُكْمِ اسْتِمْرَارِهِ فِي الْعَمَلِ. قَالَ الْأَصْحَابُ: إنْ أَهْمَلَهُ وَتَرَكَهُ، فَلِكُلِّ مَرَّةٍ حُكْمٌ [قَالَ ابْنُ مُنَجَّى: وَجْهُ الْإِهْمَالِ إنْ لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ وَإِلَّا فَمَعْدِنٌ] . قَوْلُهُ (وَلَا يَجُوزُ إخْرَاجُهَا إذَا كَانَتْ أَثْمَانًا إلَّا بَعْدَ السَّبْكِ وَالتَّصْفِيَةِ) ، وَذَلِكَ لِأَنَّ وَقْتَ الْإِخْرَاجِ مِنْهَا بَعْدَ السَّبْكِ وَالتَّصْفِيَةِ. وَوَقْتُ وُجُوبِهَا إذَا أُحْرِزَ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، جَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرِهِمَا، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَجَزَمَ الْمُصَنِّفُ فِي الْكَافِي، وَالْمَجْدِ فِي شَرْحِهِ: أَنَّ وَقْتَ وُجُوبِهَا بِظُهُورِهِ كَالثَّمَرَةِ بِصَلَاحِهَا. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَعَلَّ مُرَادَ الْأَوَّلِينَ: اسْتِقْرَارُ الْوُجُوبِ. فَوَائِدُ. الْأُولَى: لَا يُحْتَسَبُ بِمُؤْنَةِ السَّبْكِ وَالتَّصْفِيَةِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، كَمُؤْنَةِ اسْتِخْرَاجِهِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يُحْسَبُ النِّصَابُ بَعْدَهَا. الثَّانِيَةُ: إنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ اُحْتُسِبَ بِهِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: اُحْتُسِبَ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَجَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي، وَالْمَجْدِ فِي شَرْحِهِ. قَالَ الشَّارِحُ: اُحْتُسِبَ بِهِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. كَمَا يُحْتَسَبُ بِمَا عَلَى الزَّرْعِ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ، وَأَطْلَقَ فِي الْكَافِي وَغَيْرِهِ: أَنَّهُ لَا يَحْتَسِبُ بِهِ، كَمُؤْنَةِ الْحَصَادِ وَالزِّرَاعَةِ.
الثَّالِثَةُ: لَا يُضَمُّ جِنْسٌ مِنْ الْمَعْدِنِ إلَى جِنْسٍ آخَرَ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقِيلَ: يُضَمُّ، اخْتَارَهُ بَعْضُ الْأَصْحَابِ. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَهُوَ أَحْسَنُ، وَقِيلَ: يُضَمُّ إذَا كَانَتْ مُتَقَارِبَةً: كَقَارٍ، وَنِفْطٍ، وَحَدِيدٍ، وَنُحَاسٍ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِفَادَاتِ، وَقَالَ الْمُصَنِّفُ: وَالصَّوَابُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى إنْ كَانَ فِي الْمَعْدِنِ أَجْنَاسٌ مِنْ غَيْرِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ: ضُمَّ بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ، لِأَنَّ الْوَاجِبَ فِي قِيمَتِهَا، فَاشْتَبَهَتْ الْفُرُوضُ. الرَّابِعَةُ: فِي ضَمِّ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ إلَى الْآخَرِ الرِّوَايَتَانِ الِاثْنَتَانِ، نَقْلًا وَمَذْهَبًا، قَالَهُ الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ. الْخَامِسَةُ: لَوْ أَخْرَجَ نِصَابًا مِنْ نَوْعٍ وَاحِدٍ مِنْ مَعَادِنَ مُتَفَرِّقَةٍ: ضُمَّ بَعْضُهُ إلَى بَعْضٍ كَالزَّرْعِ مِنْ مَكَانَيْنِ، وَإِنْ أَخْرَجَ اثْنَانِ نِصَابًا فَقَطْ، فَإِخْرَاجُهُمَا لِلزَّكَاةِ مَبْنِيٌّ عَلَى خُلْطَةِ غَيْرِ السَّائِمَةِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ. قَوْلُهُ (وَلَا زَكَاةَ فِيمَا يَخْرُجُ مِنْ الْبَحْرِ مِنْ اللُّؤْلُؤِ وَالْمَرْجَانِ وَالْعَنْبَرِ وَنَحْوِهِ) هَذَا الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا، نَصَّ عَلَيْهِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَالنَّاظِمُ، وَالْفُرُوعِ، وَقَالَ: اخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ، وَأَبُو بَكْرٍ، وَاخْتَارَهُ أَيْضًا: الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَغَيْرُهُمْ. قَالَ فِي تَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ: لَا زَكَاةَ فِيهِ فِي الْأَظْهَرِ. قَالَ ابْنُ مُنَجَّى فِي شَرْحِهِ: هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَنْهُ فِيهِ الزَّكَاةُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: نَصَرَهُ الْقَاضِي، وَأَصْحَابُهُ. قَالَ نَاظِمُ الْمُفْرَدَاتِ: هُوَ الْمَنْصُورُ فِي الْخِلَافِ. قَالَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ: زَكَّاهُ عَلَى الْأَصَحِّ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُبْهِجِ، وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَقِيلٍ، وَابْنِ عَبْدُوسٍ، وَالْإِفَادَاتِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْخُلَاصَةِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَنَاظِمِ الْمُفْرَدَاتِ وَهُوَ مِنْهَا وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ،
وَخِصَالِ ابْنِ الْبَنَّا، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْهَادِي، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْفَائِقِ، وَالْبُلْغَةِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْكَافِي فِي غَيْرِ الْحَيَوَانِ، وَقِيلَ: يَجِبُ فِي غَيْرِ الْحَيَوَانِ، جَزَمَ بِهِ بَعْضُهُمْ كَصَيْدِ الْبَرِّ، وَقَدَّمَهُ فِي الْكَافِي، وَنَصُّ أَحْمَدَ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ مَا يَخْرُجُ مِنْ الْبَحْرِ. فَائِدَةٌ: مَثَّلَ فِي الْهِدَايَةِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْهَادِي، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَغَيْرِهِمْ: بِالْمِسْكِ وَالسَّمَكِ، فَعَلَى هَذَا: يَكُونُ الْمِسْكُ بَحْرِيًّا، وَذَكَرَ أَبُو يَعْلَى الصَّغِيرُ: أَنَّهُ يَرَى فِيهِ الزَّكَاةَ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ، ثُمَّ قَالَ: وَكَذَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ. يُؤَيِّدُهُ مِنْ كَلَامِ أَحْمَدَ: أَنَّ فِي الْخِلَافِ بَعْدَ ذِكْرِ الرِّوَايَتَيْنِ قَالَ: وَكَذَلِكَ السَّمَكُ وَالْمِسْكُ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْمَيْمُونِيِّ، فَقَالَ: كَانَ الْحَسَنُ يَقُولُ: فِي السَّمَكِ إذَا أَصَابَهُ صَاحِبُهُ: الزَّكَاةُ. شَبَّهَهُ بِالسَّمَكِ إذَا اصْطَادَهُ وَصَارَ فِي يَدِهِ مِائَتَا دِرْهَمٍ، وَمَا أَشْبَهَهُ، فَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ عَلَى هَذَا: لَا زَكَاةَ فِيهِ، وَلَعَلَّهُ أَوْلَى. انْتَهَى كَلَامُ صَاحِبِ الْفُرُوعِ، وَفَصَلَ الْقَاضِي فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، وَالنَّاظِمُ: بَيْنَ مَا يُخْرِجُهُ الْبَحْرُ، وَبَيْنَ الْمِسْكِ. كَمَا قَالَهُ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَمَنْ أَخْرَجَ مِنْ الْبَحْرِ كَذَا وَكَذَا، أَوْ أَخَذَ مِمَّا قَذَفَهُ الْبَحْرُ مِنْ عَنْبَرٍ وَعُودٍ وَسَمَكٍ، وَقِيلَ: وَمِسْكٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ انْتَهَى، وَقَطَعَ فِي بَابِ زَكَاةِ الزَّرْعِ وَالثِّمَارِ: أَنَّهُ لَا زَكَاةَ فِي الْمِسْكِ. كَمَا تَقَدَّمَ. قُلْت: قَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ: أَنَّ الْمِسْكَ سُرَّةُ الْغَزَالِ، عَلَى الصَّحِيحِ وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: دَمُ الْغِزْلَانِ، وَقِيلَ: مِنْ دَابَّةٍ فِي الْبَحْرِ لَهَا أَنْيَابٌ، فَيَكُونُ مَنْ مَثَّلَ بِالْمِسْكِ مِنْ الْأَصْحَابِ مَبْنِيٌّ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ أَوْ هُمْ قَائِلُونَ بِهِ. قَوْلُهُ (وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ، أَيَّ نَوْعٍ كَانَ مِنْ الْمَالِ، قَلَّ أَوْ كَثُرَ) هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ.
وَوَجَّهَ فِي الْفُرُوعِ تَخْرِيجًا: لَا يَجِبُ فِي قَلِيلِهِ إذَا قُلْنَا: إنَّ الْمُخْرَجَ زَكَاةٌ. فَائِدَةٌ: يَجُوزُ إخْرَاجُ الْخُمُسِ مِنْهُ وَمِنْ غَيْرِهِ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَقَالَ الْقَاضِي فِي مَوْضِعٍ: يَتَعَيَّنُ أَنْ يُخْرِجَ مِنْهُ، فَعَلَى هَذَا: لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْلَ إخْرَاجِ خُمُسِهِ. قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَغَيْرِهِمْ. قَوْلُهُ (لِأَهْلِ الْفَيْءِ) . هَذَا الْمَذْهَبُ، اخْتَارَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى، وَالْقَاضِي فِي التَّعْلِيقِ، وَالْجَامِعِ، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَالشِّيرَازِيُّ، وَالْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَابْنُ مُنَجَّى فِي شَرْحِهِ، وَقَالَ: هُوَ الْمَذْهَبُ، وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ، وَالْمُنْتَخَبِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْكَافِي، وَالنَّظْمِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ، وَصَحَّحَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَعَنْهُ أَنَّهُ زَكَاةٌ، جَزَمَ بِهِ الْخِرَقِيُّ، وَصَاحِبُ الْمُنَوِّرِ، وَقَدَّمَهُ فِي مَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالْفَائِقِ، وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْإِفْصَاحِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَقَالَ فِي الْإِفَادَاتِ: لِأَهْلِ الزَّكَاةِ أَوْ الْفَيْءِ، فَعَلَى الْمَذْهَبِ: يَجِبُ أَنْ يُخَمَّسَ كُلُّ أَحَدٍ وَجَدَ ذَلِكَ، مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ، وَيَجُوزُ لِمَنْ وَجَدَهُ تَفْرِقَتُهُ بِنَفْسِهِ، كَمَا إذَا قُلْنَا: إنَّهُ زَكَاةٌ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي وَغَيْرِهِ. وَقَالَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ، وَغَيْرِهِمْ، وَعَنْهُ لَا يَجُوزُ. وَهُوَ تَخْرِيجٌ فِي الْمُغْنِي، قَدَّمَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ وَغَيْرِهِ كَخُمُسِ الْغَنِيمَةِ وَالْفَيْءِ، وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ، فَعَلَى الْأَوَّلِ: يُعْتَبَرُ فِي إخْرَاجِهِ النِّيَّةُ، وَاخْتَارَ ابْنُ حَامِدٍ: يُؤْخَذُ الرِّكَازُ كُلُّهُ مِنْ الذِّمِّيِّ لِبَيْتِ الْمَالِ، وَلَا خُمُسَ عَلَيْهِ.
وَعَلَى الْقَوْلِ إنَّهُ زَكَاةٌ: لَا تَجِبُ عَلَى مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا، لَكِنْ إنْ وَجَدَهُ عَبْدُهُ فَهُوَ لِسَيِّدِهِ كَكَسْبِهِ، وَيَمْلِكُهُ الْمُكَاتَبُ، وَكَذَا الصَّبِيُّ، وَالْمَجْنُونُ، وَيُخْرِجُهُ عَنْهُمَا وَلِيُّهُمَا، وَصَحَّحَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ الْقَوْلَ بِأَنَّهُ زَكَاةٌ وَوُجُوبُهُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ، وَهُوَ تَخْرِيجٌ فِي التَّلْخِيصِ. نَقَلَهُ عَنْهُ الزَّرْكَشِيُّ، وَلَمْ أَرَهُ فِي النُّسْخَةِ الَّتِي عِنْدِي، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَصَحَّحَاهُ، وَجَعَلَا الْأَوَّلَ تَخْرِيجًا لَهُمَا، وَقَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ. فَوَائِدُ. الْأُولَى: يَجُوزُ لِلْإِمَامِ رَدُّ سَائِرِ الزَّكَوَاتِ عَلَى مَنْ أُخِذَتْ مِنْهُ إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِهَا، عَلَى الصَّحِيحِ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ، وَقَدَّمَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ وَنَصَرَهُ، وَصَاحِبُ الْحَاوِيَيْنِ [وَالرِّعَايَتَيْنِ] . قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي التَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَهَا بِسَبَبٍ مُتَجَدِّدٍ، كَإِرْثِهَا أَوْ قَبْضِهَا مِنْ دَيْنٍ، بِخِلَافِ مَا لَوْ تَرَكَهَا لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْرَأْ مِنْهَا، نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ لَا يَجُوزُ اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَذَكَرَهُ فِي الْمُذْهَبِ، قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: يَجُوزُ فِي رِوَايَةٍ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَقَالَ الْقَاضِي فِي مَوْضِعٍ مِنْ الْمُجَرَّدِ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ، ذَكَرَهُ فِي الرِّكَاز وَالْعُشْرِ، وَحَكَى أَبُو بَكْرٍ ذَلِكَ عَنْ أَحْمَدَ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ. كَذَا الْحُكْمُ فِي صَرْفِ الْخُمُسِ إلَى وَاجِدِهِ إذَا قُلْنَا: إنَّهُ زَكَاةٌ فَيَقْبِضُهُ مِنْهُ. ثُمَّ يَرُدُّهُ إلَيْهِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَقِيلَ: يَجُوزُ رَدُّ خُمُسِ الرِّكَازِ فَقَطْ، جَزَمَ بِهِ ابْنُ تَمِيمٍ، وَأَمَّا إذَا قُلْنَا: خُمُسُ الرِّكَازِ فَيْءٌ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ تَرْكُهُ لَهُ قَبْلَ قَبْضِهِ مِنْهُ، كَالْخَرَاجِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. قَالَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ: فِي الْأَقْيَسِ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ: وَالْفُرُوعِ.
وَعَنْهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ. الثَّانِيَةُ: يَجُوزُ لِلْإِمَامِ رَدُّ خُمُسِ الْفَيْءِ فِي الْغَنِيمَةِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ اخْتَارَهُ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ، وَابْنُ عَقِيلٍ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: لَهُ ذَلِكَ فِي الْأَصَحِّ، وَصَحَّحَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَقِيلَ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الرِّعَايَةِ، وَمُخْتَصَرِ ابْنِ تَمِيمٍ، وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ الْغَنِيمَةَ أَصْلًا لِلْمَنْعِ فِي الْفَيْءِ، وَذَكَرَ الْخَرَاجَ أَصْلًا لِلْجَوَازِ فِيهِ. الثَّالِثَةُ: الْمُرَادُ بِمَصْرِفِ الْفَيْءِ هُنَا: مَصْرِفُ الْفَيْءِ الْمُطْلَقِ لِلْمَصَالِحِ كُلِّهَا، فَلَا يَخْتَصُّ بِمَصْرِفِ خُمُسِ الْغَنِيمَةِ. تَنْبِيهَانِ. أَحَدُهُمَا: قَوْلُهُ (وَبَاقِيهِ لِوَاجِدِهِ) مُرَادُهُ: إنْ لَمْ يَكُنْ أَجِيرًا فِي طَلَبِ الرِّكَازِ، أَوْ اسْتَأْجَرَهُ لِحَفْرِ بِئْرٍ يُوجَدُ فِيهِ الرِّكَازُ، ذَكَرَهُ لِلزَّرْكَشِيِّ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ إلَّا الْأُجْرَةُ. الثَّانِي: قَوْلُهُ (وَبَاقِيهِ لِوَاجِدِهِ إنْ وَجَدَهُ فِي مَوَاتٍ، أَوْ أَرْضٍ لَا يُعْلَمُ مَالِكُهَا) وَكَذَا إنْ وَجَدَهُ فِي مِلْكِهِ الَّذِي مَلَكَهُ بِالْإِحْيَاءِ، أَوْ فِي شَارِعٍ أَوْ طَرِيقٍ غَيْرِ مَسْلُوكٍ، أَوْ قَرْيَةٍ خَرَابٍ، أَوْ مَسْجِدٍ، وَكَذَا لَوْ وَجَدَهُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ بِلَا نِزَاعٍ فِي ذَلِكَ. قَوْلُهُ (وَإِنْ عَلِمَ مَالِكَهَا، أَوْ كَانَتْ مُنْتَقِلَةً إلَيْهِ بِهِبَةٍ، أَوْ بَيْعٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، فَهُوَ لِوَاجِدِهِ أَيْضًا) هَذَا الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ. سَوَاءٌ ادَّعَاهُ وَاجِدُهُ أَوْ لَا. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: هَذَا أَشْهَرُ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هَذَا نَصُّ الرِّوَايَتَيْنِ. وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي فِي التَّعْلِيقِ، وَجَزَمَ
بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالْخُلَاصَةِ، وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ، وَصَحَّحَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَعَنْهُ أَنَّهُ لِمَالِكِهَا أَوْ لِمَنْ انْتَقَلَتْ عَنْهُ إنْ اعْتَرَفَ بِهِ، وَإِلَّا فَهُوَ لِأَوَّلِ مَالِكٍ، يَعْنِي عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ: إذَا لَمْ يَعْتَرِفْ بِهِ مَنْ انْتَقَلَتْ عَنْهُ: فَهُوَ لِمَنْ قَبْلَهُ، إنْ اعْتَرَفَ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَعْتَرِفْ بِهِ: فَهُوَ لِمَنْ قَبْلَهُ كَذَلِكَ، إلَى أَوَّلِ مَالِكٍ، فَيَكُونُ لَهُ، سَوَاءٌ اعْتَرَفَ بِهِ أَوْ لَا، ثُمَّ لِوَرَثَتِهِ إنْ مَاتَ، فَانٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَرَثَةٌ فَلِبَيْتٍ الْمَالِ، وَأَطْلَقَهَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْفَائِقِ، وَعَنْهُ رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ: يَكُونُ لِلْمَالِكِ قَبْلَهُ إنْ اعْتَرَفَ بِهِ، فَإِنْ لَمْ يَعْتَرِفْ بِهِ، أَوْ لَمْ يَعْرِفْ الْأَوَّلَ: فَهُوَ لِوَاجِدِهِ. عَلَى الصَّحِيحِ، وَقِيلَ: لِبَيْتِ الْمَالِ، فَعَلَى الْمَذْهَبِ: إنْ ادَّعَاهُ الْمَالِكُ قَبْلَهُ بِلَا بَيِّنَةٍ وَلَا وَصْفٍ: فَهُوَ لَهُ مَعَ يَمِينِهِ. جَزَمَ بِهِ أَبُو الْخَطَّابِ، وَالْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَغَيْرُهُمْ. وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفُرُوعِ، وَغَيْرُهُمْ، وَعَنْهُ لِوَاجِدِهِ، وَأَطْلَقَ بَعْضُهُمْ وَجْهَيْنِ، فَإِنْ ادَّعَاهُ بِصِفَةٍ وَحَلَفَ فَهُوَ لَهُ، وَعَلَى الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ: إنْ ادَّعَاهُ وَاجِدُهُ فَهُوَ لَهُ، جَزَمَ بِهِ بَعْضُ الْأَصْحَابِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ لَا يَكُونُ لَهُ، وَعَلَى الرِّوَايَةِ الثَّالِثَةِ: إنْ انْتَقَلَ إلَيْهِ الْمِلْكُ إرْثًا فَهُوَ مِيرَاثٌ، فَإِنْ أَنْكَرَ الْوَرَثَةُ أَنَّهُ لِمَوْرُوثِهِمْ، فَهُوَ لِمَنْ قَبْلَهُ عَلَى مَا سَبَقَ، وَإِنْ أَنْكَرَ وَاحِدٌ سَقَطَ حَقُّهُ فَقَطْ. فَوَائِدُ. مِنْهَا: مَتَى دَفَعَ إلَى مُدَّعِيهِ بَعْدَ إخْرَاجِ خُمُسِهِ: غَرِمَ وَاجِدُهُ بَدَلَهُ، إنْ كَانَ إخْرَاجُهُ بِاخْتِيَارِهِ. وَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ أَخَذَهُ مِنْهُ قَهْرًا غَرِمَهُ الْإِمَامُ، لَكِنْ هَلْ هُوَ مِنْ مَالِهِ، أَوْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ؟ فِيهِ الْخِلَافُ [قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ] قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ فِي الْحَاوِيَيْنِ: أَنَّهُ مِنْ مَالِ الْإِمَامِ. وَذَكَرَ أَبُو الْمَعَالِي: أَنَّهُ إذَا خَمَّسَ رِكَازًا فَادَّعَى بِبَيِّنَةٍ: هَلْ لِوَاجِدِهِ الرُّجُوعُ، كَزَكَاةٍ مُعَجَّلَةٍ؟ .
وَمِنْهَا: مِثْلُ ذَلِكَ الْحُكْمِ لَوْ وَجَدَ الرِّكَازَ فِي مِلْكِ آدَمِيٍّ مَعْصُومٍ، فَيَكُونُ لِوَاجِدِهِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ، فَإِنْ ادَّعَاهُ صَاحِبُ الْمِلْكِ، فَفِي دَفْعِهِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ الْخِلَافُ الْمُتَقَدِّمُ، وَعَنْهُ هُوَ لِصَاحِبِ الْمِلْكِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَقَطَعَ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ تَبَعًا لِأَبِي الْخَطَّابِ فِي الْهِدَايَةِ أَنَّهُ لِمَالِكِ الْأَرْضِ، وَعَنْهُ إنْ اعْتَرَفَ بِهِ، وَإِلَّا فَعَلَى مَا سَبَقَ، وَمِنْهَا: لَوْ وَجَدَ لُقَطَةً فِي مِلْكِ آدَمِيٍّ مَعْصُومٍ، فَوَاجِدُهَا أَحَقُّ بِهَا، عَلَى الصَّحِيحِ قَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَصَاحِبُ الْفَائِقِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَقَالَ: نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ، وَهُوَ الَّذِي نَصَرَهُ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ. وَلِذَلِكَ ذَكَرَهُ فِي الْمُجَرَّدِ فِي اللُّقَطَةِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ خِلَافًا. انْتَهَى. وَعَنْهُ هِيَ لِصَاحِبِ الْمِلْكِ بِدَعْوَاهُ بِلَا صِفَةٍ؛ لِأَنَّهَا تَبَعٌ لِلْمُلْكِ. حَكَاهَا الْقَاضِي، وَالْمَجْدُ فِي مُحَرَّرِهِ وَغَيْرِهِمَا، وَقَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْفُرُوعِ. وَكَذَا حُكْمُ الْمُسْتَأْجِرِ إذَا وَجَدَ فِي الدَّارِ الْمُؤَجَّرَةِ رِكَازًا أَوْ لُقْطَةً، عَلَى الصَّحِيحِ، وَعَنْهُ صَاحِبُ الْمِلْكِ: أَحَقُّ بِاللُّقَطَةِ، فَلَوْ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ مُكْرٍ وَمُكْتَرٍ: أَنَّهُ وَجَدَهُ أَوَّلًا. أَوْ أَنَّهُ دَفَنَهُ، فَوَجْهَانِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي التَّلْخِيصِ وَمُخْتَصَرِ ابْنِ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَتَيْنِ. وَالْحَاوِيَيْنِ، وَكَذَا فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَقَدَّمَ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ: أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُكْرِي. قُلْت: الصَّوَابُ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُسْتَأْجِرِ، وَعَلَيْهِمَا مِنْ وَصْفِهِ صِفَةٌ وَاحِدَةٌ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْفَضْلِ، وَكَذَا لَوْ عَادَتْ الدَّارُ إلَى الْمُكْرِي، وَقَالَ: دَفَنَتْهُ قَبْلَ الْإِجَارَةِ، وَقَالَ الْمُكْتَرِي: أَنَا وَجَدْته، عِنْدَ صَاحِبِ التَّلْخِيصِ، وَتَبِعَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ، وَصَاحِبُ الْفُرُوعِ. قُلْت: الصَّوَابُ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُسْتَأْجِرِ، وَمِنْهَا: لَوْ وَجَدَهُ مَنْ اُسْتُؤْجِرَ لِحَفْرِ شَيْءٍ أَوْ هَدْمِهِ، فَعَلَى مَا سَبَقَ مِنْ الْخِلَافِ عَلَى الصَّحِيحِ، جَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ وَغَيْرُهُمَا.
وَقِيلَ: هُوَ لِمَنْ اسْتَأْجَرَهُ، جَزَمَ بِهِ الْقَاضِي فِي مَوْضِعٍ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَمُخْتَصَرِ ابْنِ تَمِيمٍ، وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: أَنَّهُ لِوَاجِدِهِ، فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ. قَالَ ابْنُ رَزِينٍ: هُوَ لِلْأَجِيرِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَالثَّانِيَةُ: لِلْمَالِكِ، وَقَدَّمَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ: أَنَّهُ لُقَطَةٌ، ثُمَّ قَالَا: وَعَنْهُ رِكَازٌ يَأْخُذُهُ وَاجِدُهُ، وَعَنْهُ رَبُّ الْأَرْضِ، وَمِنْهَا: لَوْ دَخَلَ دَارَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَحَفَرَ لِنَفْسِهِ، فَقَالَ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ: لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ لَهُ، كَالطَّائِرِ وَالظَّبْيِ. انْتَهَى. وَمِنْهَا: الْمُعِيرُ وَالْمُسْتَعِيرُ كَمُكْرٍ وَمُكْتَرٍ، قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَجَزَمَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ وَتَبِعَهُ فِي الْحَاوِيَيْنِ: أَنَّهُمَا كَبَائِعٍ مَعَ مُشْتَرٍ. يُقَدَّمُ قَوْلُ صَاحِبِ الْيَدِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ، وَذَكَرَ الْقَاضِي الرِّوَايَتَيْنِ السَّابِقَتَيْنِ، إنْ كَانَ لُقَطَةً. نَقَلَ الْأَثْرَمُ لَا يَدْفَعُ إلَى الْبَائِعِ بِلَا صِفَةٍ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُجَرَّدِ، وَنَصَرَهُ فِي الْخِلَافِ، وَعَنْهُ بَلَى، لِسَبْقِ يَدِهِ، قَالَ: وَبِهَذَا قَالَ جَمَاعَةٌ. قَوْلُهُ (وَإِنْ وَجَدَهُ فِي أَرْضِ حَرْبِيٍّ مَلَكَهُ) . يَعْنِي أَنَّهُ رِكَازٌ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ، مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: هُوَ غَنِيمَةٌ. خَرَّجَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ مِنْ قَوْلِنَا: الرِّكَازُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ لِلْمَالِكِ، وَخَرَّجَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، مِمَّا إذَا وَجَدَهُ فِي بَيْتٍ أَوْ خَرَابَةٍ. قَوْلُهُ (إلَّا أَنْ لَا يَقْدِرَ عَلَيْهِ إلَّا بِجَمَاعَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ) يَعْنِي لَهُمْ مَنَعَةٌ، فَيَكُونُ غَنِيمَةً، ` وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَقَطَعُوا بِهِ. فَائِدَةٌ: قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَغَيْرُهُ: فِي الْمَدْفُونِ فِي دَارِ الْحَرْبِ: هُوَ كَسَائِرِ مَالِهِمْ الْمَأْخُوذِ مِنْهُمْ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَيْهِ عَلَامَةُ الْإِسْلَامِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي: إنْ وُجِدَ بِدَارِهِمْ لُقَطَةٌ مِنْ مَتَاعِنَا: فَكَدَارِنَا، وَمِنْ مَتَاعِهِمْ: غَنِيمَةٌ، وَمَعَ الِاحْتِمَالِ تُعَرَّفُ حَوْلًا بِدَارِنَا، ثُمَّ تُجْعَلُ فِي الْغَنِيمَةِ، نَصَّ عَلَيْهِ احْتِيَاطًا، وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمُذْهَبِ فِي اللُّقَطَةِ، فِي دَفِينٍ مَوَاتٍ عَلَيْهِ عَلَامَةُ الْإِسْلَامِ: لُقَطَةٌ، وَإِلَّا رِكَازٌ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَ دَارٍ وَدَارٍ، وَنَقَلَ إِسْحَاقُ: إذَا لَمْ تَكُنْ سِكَّةُ الْمُسْلِمِينَ فَالْخُمُسُ، وَكَذَا جَزَمَ فِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ مَا لَا عَلَامَةَ عَلَيْهِ رِكَازٌ، وَأَلْحَقَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ بِالْمَدْفُونِ حُكْمًا الْمَوْجُودَ ظَاهِرًا كَجِرَابٍ جَاهِلِيٍّ، أَوْ طَرِيقٍ غَيْرِ مَسْلُوكٍ. قَوْلُهُ (وَالرِّكَازُ مَا وُجِدَ مِنْ دِفْنِ الْجَاهِلِيَّةِ عَلَيْهِ عَلَامَتُهُمْ) بِلَا نِزَاعٍ، وَكَذَا لَوْ كَانَ عَلَيْهِ عَلَامَةُ مَنْ تَقَدَّمَ مِنْ الْكُفَّارِ فِي الْجُمْلَةِ، فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، أَوْ عَلَيْهِ، أَوْ عَلَى بَعْضِهِ عَلَامَةُ كُفْرٍ فَقَطْ، نَصَّ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ (فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ عَلَامَةُ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ لَمْ تَكُنْ عَلَيْهِ عَلَامَةٌ أَيْضًا: فَهُوَ لُقَطَةٌ) إذَا كَانَ عَلَيْهِ عَلَامَةُ الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ لُقَطَةٌ، وَكَذَا إنْ كَانَ عَلَى بَعْضِهِ عَلَامَةُ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ عَلَامَةٌ: فَالْمَذْهَبُ أَيْضًا أَنَّهُ لُقَطَةٌ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ فِي إنَاءٍ نَقْدٍ، إنْ كَانَ يُشْبِهُ مَتَاعَ الْعَجَمِ، فَهُوَ كَنْزٌ، وَمَا كَانَ مِثْلَ الْعِرْقِ فَمَعْدِنٌ، وَإِلَّا فَلُقَطَةٌ.
باب زكاة الأثمان
[بَابُ زَكَاةِ الْأَثْمَانِ] ِ. قَوْلُهُ (وَهِيَ الذَّهَبُ، وَالْفِضَّةُ. وَلَا زَكَاةَ فِي الذَّهَبِ حَتَّى يَبْلُغَ عِشْرِينَ مِثْقَالًا، فَيَجِبُ فِيهِ نِصْفُ مِثْقَالٍ، وَلَا فِي الْفِضَّةِ حَتَّى تَبْلُغَ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ، فَيَجِبُ فِيهَا خَمْسُ دَرَاهِمَ) ، مُرَادُهُ: وَزْنُ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. إلَّا الشَّيْخَ تَقِيَّ الدِّينِ، فَإِنَّهُ قَالَ: نِصَابُ الْأَثْمَانِ: هُوَ الْمُتَعَارَفُ فِي كُلِّ زَمَنٍ مِنْ خَالِصٍ وَمَغْشُوشٍ وَصَغِيرٍ وَكَبِيرٍ، وَكَذَا قَالَ فِي نِصَابِ السَّرِقَةِ وَغَيْرِهَا، وَلَهُ قَاعِدَةٌ فِي ذَلِكَ فَائِدَتَانِ. إحْدَاهُمَا: " الْمِثْقَالُ " وَزْنُ دِرْهَمٍ وَثَلَاثَةُ أَسْبَاعِ دِرْهَمٍ، وَلَمْ يَتَغَيَّرْ فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَا إسْلَامٍ، وَالِاعْتِبَارُ بِالدِّرْهَمِ الْإِسْلَامِيِّ الَّذِي وَزْنُهُ سِتَّةُ دَوَانِقَ، وَالْعَشَرَةُ سَبْعَةُ مَثَاقِيلَ، وَكَانَتْ الدَّرَاهِمُ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ صِنْفَيْنِ " سَوْدَاءَ " زِنَةُ الدِّرْهَمِ مِنْهَا ثَمَانِيَةُ دَوَانِقَ، وَ " طَبَرِيَّةً " زِنَةُ الدِّرْهَمِ مِنْهَا أَرْبَعَةُ دَوَانِقَ، فَجَمَعَهُمَا بَنُو أُمَيَّةَ وَجَعَلُوا الدِّرْهَمَ سِتَّةَ دَوَانِقَ. وَالْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ: أَنَّ الدَّرَاهِمَ لَمْ يَكُنْ مِنْهَا شَيْءٌ مِنْ ضَرْبِ الْإِسْلَامِ، فَرَأَى بَنُو أُمَيَّةَ صَرْفَهَا إلَى ضَرْبِ الْإِسْلَامِ وَنَقْشِهِ، فَجَمَعُوا أَكْبَرَهَا وَأَصْغَرَهَا، وَضَرَبُوا عَلَى وَزْنِهِمَا، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ، وَقِيلَ: زِنَةُ كُلِّ مِثْقَالٍ اثْنَانِ وَسَبْعُونَ حَبَّةَ شَعِيرٍ مُتَوَسِّطَةً، وَزِنَةُ كُلِّ دِرْهَمٍ إسْلَامِيٍّ: خَمْسُونَ حَبَّةَ شَعِيرٍ وَخُمُسَا حَبَّةَ شَعِيرٍ مُتَوَسِّطَةٍ. انْتَهَى. وَقِيلَ: الْمِثْقَالُ اثْنَتَانِ وَثَمَانُونَ حَبَّةً وَثَلَاثَةُ أَعْشَارِ حَبَّةٍ وَعُشْرُ عُشْرِ حَبَّةٍ. الثَّانِيَةُ: الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ الْفُلُوسَ كَعُرُوضِ التِّجَارَةِ فِيمَا زَكَاتُهُ الْقِيمَةُ، قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ.
وَقِيلَ: لَا زَكَاةَ فِيهَا، اخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ. مِنْهُمْ: الْحَلْوَانِيُّ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، فَقَالَ: وَالْفُلُوسُ أَثْمَانٌ، وَلَا تُزَكَّى، وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَقِيلَ: تَجِبُ إذَا بَلَغَتْ قِيمَتُهَا نِصَابًا، وَقِيلَ: إذَا كَانَتْ رَائِجَةً، وَأَطْلَقَ فِي الْفُرُوعِ، إذَا كَانَتْ نَافِقَةً وَجْهَيْنِ. ذَكَرَهُ فِي بَابِ الرِّبَا، وَقَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: فِيهَا الزَّكَاةُ إذَا كَانَتْ أَثْمَانًا رَائِجَةً، أَوْ لِلتِّجَارَةِ، وَبَلَغَتْ قِيمَتُهَا نِصَابًا فِي قِيَاسِ الْمَذْهَبِ، وَقَالَ أَيْضًا: لَا زَكَاةَ فِيهَا إنْ كَانَتْ لِلنَّفَقَةِ، وَإِنْ كَانَتْ لِلتِّجَارَةِ: قُوِّمَتْ كَعُرُوضٍ، وَقَالَ فِي الْحَاوِي الْكَبِيرِ: وَالْفُلُوسُ عُرُوضٌ، فَتُزَكَّى إذَا بَلَغَتْ قِيمَتُهَا نِصَابًا، وَهِيَ نَافِقَةٌ، وَقَالَ فِي الْحَاوِي الصَّغِيرِ: وَالْفُلُوسُ ثَمَنٌ فِي وَجْهٍ، فَلَا تُزَكَّى، وَقِيلَ: سِلْعَةٌ، فَتُزَكَّى إذَا بَلَغَتْ قِيمَتُهَا نِصَابًا وَهِيَ رَائِجَةٌ، وَكَذَا قَالَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ. ثُمَّ قَالَ فِي الْكُبْرَى، وَقِيلَ: فِي وُجُوبِ رَائِجَةٍ وَجْهَانِ، أَشْهَرُهُمَا: عَدَمُهُ، لِأَنَّهَا أَثْمَانٌ. قُلْت: وَيَحْتَمِلُ الْوُجُوبَ إذَنْ، وَإِنْ قُلْنَا: عَرَضٌ فَلَا إلَّا أَنْ تَكُونَ لِلتِّجَارَةِ. قَوْلُهُ (وَلَا زَكَاةَ فِي مَغْشُوشِهَا، حَتَّى يَبْلُغَ قَدْرَ مَا فِيهِ نِصَابًا) . يَعْنِي حَتَّى يَبْلُغَ الْخَالِصُ نِصَابًا، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، وَجَزَمَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَحَكَى ابْنُ حَامِدٍ فِي شَرْحِهِ وَجْهًا: إنْ بَلَغَ مَضْرُوبُهُ نِصَابًا زَكَّاهُ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُهُ لَوْ كَانَ الْغِشُّ أَكْثَرَ، وَتَقَدَّمَ اخْتِيَارُ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ، وَقَالَ أَبُو الْفَرَجِ الشِّيرَازِيُّ: يُقَوَّمُ مَضْرُوبُهُ كَالْعُرُوضِ. قَوْلُهُ (فَإِنْ شَكَّ فِيهِ خُيِّرَ بَيْنَ سَبْكِهِ وَبَيْنَ الْإِخْرَاجِ) . يَعْنِي لَوْ شَكَّ: هَلْ فِيهِ نِصَابٌ خَالِصٌ؟ فَإِنْ لَمْ يَسْبِكْهُ اسْتَظْهَرَ، وَأَخْرَجَ مَا يُجْزِئُهُ بِيَقِينٍ. وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَقِيلَ: لَا زَكَاةَ فِيهِ مَعَ الشَّكِّ، هَلْ هُوَ نِصَابٌ أَمْ لَا؟ .
فَوَائِدُ. إحْدَاهُمَا: لَوْ كَانَ مِنْ الْمَغْشُوشِ أَكْثَرُ مِنْهُ نِصَابٌ خَالِصٌ، لَكِنْ شَكَّ فِي قَدْرِ الزِّيَادَةِ، فَإِنَّهُ يَسْتَظْهِرُ وَيُخْرِجُ مَا يُجْزِئُهُ بِيَقِينٍ، فَلَوْ كَانَ الْمَغْشُوشُ وَزْنَ أَلْفٍ ذَهَبًا، وَفِضَّةً سِتُّمِائَةٍ مِنْ أَحَدِهِمَا، وَأَرْبَعُمِائَةٍ مِنْ الْأُخْرَى. زَكَّى سِتَّمِائَةٍ ذَهَبًا وَأَرْبَعَمِائَةٍ فِضَّةً، وَإِنْ لَمْ يُجْزِ ذَهَبٌ عَنْ فِضَّةٍ. زَكَّى سِتَّمِائَةٍ ذَهَبًا وَسِتَّمِائَةٍ فِضَّةً. الثَّانِيَةُ: إذَا أَرَدْت مَعْرِفَةَ قَدْرِ غِشِّهِ، فَضَعْ فِي مَاءٍ ذَهَبًا خَالِصًا بِوَزْنِ الْمَغْشُوشِ وَعَلِّمْ قَدْرَ عُلُوِّ الْمَاءِ، ثُمَّ ارْفَعْهُ، ثُمَّ ضَعْ فِضَّةً خَالِصَةً بِوَزْنِ الْمَغْشُوشِ وَعَلِّمْ عُلُوَّ الْمَاءِ. ثُمَّ ضَعْ الْمَغْشُوشَ وَعَلِّمْ عُلُوَّ الْمَاءِ، ثُمَّ امْسَحْ مَا بَيْنَ الْوُسْطَى وَالْعُلْيَا وَمَا بَيْنَ الْوُسْطَى وَالسُّفْلَى، فَإِنْ كَانَ الْمَمْسُوحَانِ سَوَاءً: فَنِصْفُ الْمَغْشُوشِ ذَهَبٌ، وَنِصْفُهُ فِضَّةٌ، وَإِنْ زَادَ أَوْ نَقَصَ فَبِحِسَابِهِ. الثَّالِثَةُ: قَالَ أَصْحَابُنَا: إذَا زَادَتْ قِيمَةُ الْمَغْشُوشِ بِصَنْعَةِ الْغِشِّ: أَخْرَجَ رُبُعَ عُشْرِهِ، كَحُلِيِّ الْكِرَاءِ إذَا زَادَتْ قِيمَتُهُ لِصِنَاعَتِهِ. الرَّابِعَةُ: لَوْ أَرَادَ أَنْ يُزَكِّيَ الْمَغْشُوشَةَ مِنْهَا، فَإِنْ عَلِمَ قَدْرَ الْغِشِّ فِي كُلِّ دِينَارٍ جَازَ، وَإِلَّا لَمْ يُجْزِهِ إلَّا أَنْ يَسْتَظْهِرَ، فَيُخْرِجَ قَدْرَ الزَّكَاةِ بِيَقِينٍ، وَإِنْ أَخْرَجَ مَالًا غَشَّ فِيهِ كَانَ أَفْضَلَ. وَإِنْ أَسْقَطَ الْغِشَّ وَزَكَّى عَلَى قَدْرِ الذَّهَبِ جَازَ، وَلَا زَكَاةَ فِي غِشِّهَا، إلَّا أَنْ تَكُونَ فِضَّةً وَلَهُ مِنْ الْفِضَّةِ مَا يَتِمُّ بِهِ نِصَابًا، أَوْ نَقُولُ بِرِوَايَةِ ضَمِّهِ إلَى الذَّهَبِ. زَادَ الْمَجْدُ: أَوْ يَكُونُ غِشُّهَا لِلتِّجَارَةِ. قَوْلُهُ (وَيُخْرِجُ مِنْ الْجَيِّدِ الصَّحِيحَ مِنْ جِنْسِهِ) هَذَا مِمَّا لَا نِزَاعَ فِيهِ، فَإِنْ أَخْرَجَ مُكَسَّرًا أَوْ بَهْرَجَاءَ وَهُوَ الرَّدِيءُ زَادَ قَدْرَ مَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْفَضْلِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَكَذَا لَوْ أَخْرَجَ مَغْشُوشًا مِنْ جِنْسِهِ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَقِيلَ: يُجْزِئُ الْمَغْشُوشُ، وَلَوْ كَانَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ.
وَقِيلَ: يَجِبُ الْمِثْلُ، اخْتَارَهُ فِي الِانْتِصَارِ، وَاخْتَارَهُ فِي الْمُجَرَّدِ فِي غَيْرِ مُكَسَّرٍ عَنْ صَحِيحٍ. قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَإِنْ أَخْرَجَ عَنْ صِحَاحٍ مُكَسَّرَةً، وَزَادَ بِقَدْرِ مَا بَيْنَهُمَا: جَازَ عَلَى الْأَصَحِّ. نَصَّ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَخْرَجَ عَنْ جِيَادٍ بَهْرَجًا بِقِيمَةِ جِيَادٍ: فَوَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: يُجْزِئُ، وَالثَّانِي: لَا يُجْزِئُ، وَلَا يَرْجِعُ فِيمَا أَخْرَجَ، قَالَهُ الْقَاضِي، وَقَيَّدَ بَعْضُهُمْ الْوَجْهَيْنِ بِمَا عَيَّنَهُ لَا مِنْ جِنْسِهِ. انْتَهَى. فَائِدَةٌ: يُخْرِجُ عَنْ جَدِيدٍ صَحِيحٍ وَرَدِيءٍ مِنْ جِنْسِهِ، وَيُخْرِجُ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ بِحِصَّتِهِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: إنْ شَقَّ لِكَثْرَةِ الْأَنْوَاعِ أَخْرَجَ مِنْ الْوَسَطِ كَالْمَاشِيَةِ، جَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ. وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ. قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ، وَلَوْ أَخْرَجَ عَنْ الْأَعْلَى مِنْ الْأَدْنَى، أَوْ مِنْ الْوَسَطِ وَزَادَ قَدْرَ الْقِيمَةِ جَازَ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، جَزَمَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ. مِنْهُمْ: ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُهُ كَلَامُ جَمَاعَةٍ وَتَعْلِيلُهُمْ أَنَّهَا كَمَغْشُوشٍ عَنْ جَيِّدٍ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَإِنْ أَخْرَجَ مِنْ الْأَعْلَى بِقَدْرِ الْقِيمَةِ دُونَ الْوَزْنِ لَمْ يُجْزِهِ، وَيُجْزِئُ قَلِيلُ الْقِيمَةِ عَنْ كَثِيرِهَا مَعَ الْوَزْنِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: وَزِيَادَةُ قَدْرِ الْقِيمَةِ. قَوْلُهُ (وَهَلْ يُضَمُّ الذَّهَبُ إلَى الْفِضَّةِ فِي تَكْمِيلِ النِّصَابِ، أَوْ يُخْرِجُ أَحَدَهُمَا عَنْ الْآخَرِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالتَّلْخِيصِ وَالْبُلْغَةِ، وَالشَّرْحِ، وَالنَّظْمِ. أَمَّا ضَمُّ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ إلَى الْآخَرِ فِي تَكْمِيلِ النِّصَابِ: فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: الضَّمُّ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: اخْتَارَهَا الْخَلَّالُ، وَالْقَاضِي، وَوَلَدُهُ، وَعَامَّةُ أَصْحَابِهِ. كَالشَّرِيفِ، وَأَبِي الْخَطَّابِ فِي
خِلَافَيْهِمَا، وَالشِّيرَازِيُّ، وَابْنُ عَقِيلٍ فِي التَّذْكِرَةِ، وَابْنُ الْبَنَّاءِ. انْتَهَى. قُلْت: وَنَصَرَهُ فِي الْفُصُولِ، وَاخْتَارَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، قَالَ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ: هَذَا أَظْهَرُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِيضَاحِ، وَالْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَالْهَادِي، وَصَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْحَاوِيَيْنِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَا يُضَمُّ. قَالَ الْمَجْدُ: يُرْوَى عَنْ أَحْمَدَ: أَنَّهُ رَجَعَ إلَيْهَا أَخِيرًا وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ فِي التَّنْبِيهِ مَعَ اخْتِيَارِهِ فِي الْحُبُوبِ الضَّمَّ. قَالَ فِي الْفَائِقِ: وَلَا يُضَمُّ أَحَدُ النَّقْدَيْنِ إلَى الْآخَرِ، فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ. انْتَهَى. قَالَ ابْنُ مُنَجَّى فِي شَرْحِهِ: هَذِهِ أَصَحُّ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا نَصَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنْتَخَبِ وَقَدَّمَهُ فِي الْكَافِي، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَهَذَا يَكُونُ الْمَذْهَبُ عَلَى الْمُصْطَلَحِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَأَمَّا إخْرَاجُ أَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ: فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ الْجَوَازُ. قَالَ فِي، الْفَائِقِ: وَيَجُوزُ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَهِيَ أَصَحُّ، وَنَصَرَهُ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ فِي رُءُوسِ الْمَسَائِلِ وَالشَّارِحُ، وَصَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِفَادَاتِ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ. قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَا يَجُوزُ، جَزَمَ بِهِ فِي الْمُنْتَخَبِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْخُلَاصَةِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، كَمَا اخْتَارَ عَدَمَ الضَّمِّ، وَوَافَقَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَصَاحِبُ الْخُلَاصَةِ هُنَا، وَخَالَفَاهُ فِي الضَّمِّ، فَاخْتَارَا جَوَازَهُ، وَصَحَّحَ الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ جَوَازَ الْإِخْرَاجِ، وَلَمْ يُصَحِّحَا شَيْئًا فِي الضَّمِّ، وَصَحَّحَ فِي الْفَائِقِ عَدَمَ الضَّمِّ، وَصَحَّحَ جَوَازَ إخْرَاجِ أَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ. كَمَا تَقَدَّمَ عَنْهُ. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَعَنْهُ لَا يَجُوزُ، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي ذَلِكَ، فَمِنْهُمْ مَنْ بَنَاهُ عَلَى الضَّمِّ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَطْلَقَ انْتَهَى.
قُلْت: بَنَاهُمَا عَلَى الضَّمِّ فِي الْكَافِي، وَالْمُسْتَوْعِبِ، قَالَ فِي الْحَاوِيَيْنِ: وَهَلْ يُجْزِئُ مُطْلَقًا إخْرَاجُ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ عَنْ الْآخَرِ، أَوْ إذَا قُلْنَا بِالضَّمِّ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ بَعْدَ ذِكْرِ الرِّوَايَتَيْنِ وَعَنْهُ يُجْزِئُ عَمَّا يُضَمُّ، وَأَطْلَقَ الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْفُصُولِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ حَامِدٍ: أَنَّهُ يُخْرِجُ مَا فِيهِ الْأَحَظُّ لِلْفُقَرَاءِ، فَعَلَى الْمَذْهَبِ: هَلْ يَجُوزُ إخْرَاجُ الْفُلُوسِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَالْفَائِقِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَقَالَ: قُلْت: إنْ جُعِلَتْ ثَمَنًا جَازَ، وَإِلَّا فَلَا، وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ قَدَّمَ أَنَّهَا أَثْمَانٌ، وَقَالَ فِي الْحَاوِيَيْنِ بَعْدَ أَنْ حَكَى الْخِلَافَ فِي إجْزَاءِ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ مُطْلَقًا أَوْ إذَا قُلْنَا بِالضَّمِّ، وَعَلَيْهِمَا يَخْرُجُ إجْزَاءُ الْفُلُوسِ، وَقَالَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ: وَعَنْهُ يَجُوزُ إخْرَاجُ أَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ بِالْحِسَابِ، مَعَ الضَّمِّ، وَقِيلَ: وَعَدَمُهُ مُطْلَقًا، وَفِي إجْزَاءِ الْفُلُوسِ عَنْهَا إذَنْ مَعَ الْإِخْرَاجِ الْمَذْكُورِ وَجْهَانِ. قَوْلُهُ (وَيَكُونُ الضَّمُّ بِالْأَجْزَاءِ) يَعْنِي إذَا قُلْنَا: بِالضَّمِّ فِي تَكْمِيلِ النِّصَابِ، وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ الضَّمَّ يَكُونُ بِالْأَجْزَاءِ كَمَا قَدَّمَهُ الْمُصَنِّفُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. مِنْهُمْ الْقَاضِي فِي تَعْلِيقِهِ وَجَامِعِهِ، وَالشَّرِيفُ، وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي خِلَافَيْهِمَا، وَالْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْكَافِي فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْهِدَايَةِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالشَّرْحُ، وَغَيْرُهُمْ، وَقِيلَ: بِالْقِيمَةِ فِيمَا فِيهِ الْحَظُّ لِلْمَسَاكِينِ، يَعْنِي يُكَمَّلُ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ بِمَا هُوَ أَحَظُّ لِلْفُقَرَاءِ مِنْ الْإِجْزَاءِ أَوْ الْقِيمَةِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، وَذَكَرَهَا الْقَاضِي وَغَيْرُهُ. قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَعَنْ الْقَاضِي أَظُنُّهُ فِي الْمُجَرَّدِ أَنَّهُ قَالَ: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ، أَنَّهُ يَعْتَبِرُ الْأَحَظَّ لِلْمَسَاكِينِ.
فَعَلَى هَذَا: لَوْ بَلَغَ أَحَدُهُمَا نِصَابًا ضَمَّ إلَيْهِ مَا نَقَصَ عَنْهُ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ، وَعَنْهُ يَكُونُ الضَّمُّ بِالْقِيمَةِ مُطْلَقًا. ذَكَرَهَا الْقَاضِي أَبُو الْحُسَيْنِ، وَصَاحِبُ الرِّعَايَةِ إلَى وَزْنِ الْآخَرِ، فَيُقَوَّمُ الْأَعْلَى بِالْأَدْنَى، وَعَنْهُ يُضَمُّ الْأَقَلُّ مِنْهُمَا إلَى الْأَكْثَرِ. ذَكَرَهَا الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، فَيُقَوَّمُ بِقِيمَةِ الْأَكْثَرِ، نَقَلَهَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ النَّيْسَابُورِيُّ. فَائِدَتَانِ. إحْدَاهُمَا: فِي فَوَائِدِ الْخِلَافِ: لَوْ كَانَ مَعَهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ وَعَشَرَةُ دَنَانِيرَ قِيمَتُهَا مِائَةُ دِرْهَمٍ: ضُمَّا. وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهَا دُونَ مِائَةِ دِرْهَمٍ: ضُمَّا، عَلَى غَيْرِ رِوَايَةِ الضَّمِّ بِالْقِيمَةِ، وَلَوْ كَانَتْ الدَّنَانِيرُ ثَمَانِيَةً، قِيمَتُهَا مِائَةُ دِرْهَمٍ: ضُمَّا عَلَى غَيْرِ رِوَايَةِ الضَّمِّ بِالْأَجْزَاءِ، وَإِنْ لَمْ تَبْلُغْ قِيمَتُهَا مِائَةَ دِرْهَمٍ فَلَا ضَمَّ. الثَّانِيَةُ: يُضَمُّ جَيِّدُ كُلِّ جِنْسٍ إلَى رَدِيئِهِ وَيُضَمُّ مَضْرُوبُهُ إلَى تِبْرِهِ. قَوْلُهُ (وَتُضَمُّ قِيمَةُ الْعُرُوضِ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) هَذَا الْمَذْهَبُ. جَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالشَّارِحُ، وَالْمُصَنِّفُ فِي كُتُبِهِ، وَقَالَ: لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا. فَائِدَةٌ: لَوْ كَانَ مَعَهُ ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ وَعُرُوضٌ، ضَمَّ الْجَمِيعَ فِي تَكْمِيلِ النِّصَابِ قَالَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي، وَالْكَافِي، وَالشَّارِحُ، وَغَيْرِهِمَا، وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ وَغَيْرُهُمَا. وَجَعَلَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ أَصْلًا لِرِوَايَةِ ضَمِّ الذَّهَبِ إلَى الْفِضَّةِ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: اعْتَرَفَ الْمَجْدُ أَنَّ الضَّمَّ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ كَعُرُوضِ التِّجَارَةِ، قَالَ: فَيَلْزَمُ حَيْثُ التَّخْرِيجُ مِنْ تَسْوِيَتِهِ بَيْنَهُمْ؛ لِأَنَّ التَّسْوِيَةَ مُقْتَضِيَةٌ لِاتِّحَادِ الْحُكْمِ وَعَدَمِ الْفَرْقِ. قَالَ: وَجَزَمَ بَعْضُهُمْ أَظُنُّهُ أَبَا الْمَعَالِي بْنَ مُنَجَّى بِأَنَّ مَا قُوِّمَ بِهِ الْعُرُوض، كَنَاضٍّ عِنْدَهُ، فَفِي ضَمِّهِ إلَى غَيْرِ مَا قُوِّمَ بِهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ، وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَتُضَمُّ الْعُرُوض إلَى أَحَدِ النَّقْدَيْنِ، بَلَغَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا
نِصَابًا أَوَّلًا، وَإِنْ كَانَ مَعَهُ ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ، وَعُرُوضٌ، الْكُلُّ لِلتِّجَارَةِ: ضَمَّ الْجَمِيعَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ النَّقْدُ لِلتِّجَارَةِ: ضَمَّ الْعُرُوضَ إلَى إحْدَاهُمَا، وَفِيهِ وَجْهٌ يُضَمُّ إلَيْهِمَا، وَكَذَا قَالَ فِي الرِّعَايَةِ، وَزَادَ بَعْدَ الْقَوْلِ الثَّانِي إنْ قُلْنَا: يُضَمُّ الذَّهَبُ إلَى الْفِضَّةِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ. قَوْلُهُ (وَلَا زَكَاةَ فِي الْحُلِيِّ الْمُبَاحِ الْمُعَدِّ لِلِاسْتِعْمَالِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ) وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَعَنْهُ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ. قَالَ فِي الْفَائِقِ: وَهُوَ الْمُخْتَارُ نَظَرًا، وَعَنْهُ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ إذَا لَمْ يُعَرْ وَلَمْ يُلْبَسْ، وَقَالَ الْقَاضِي فِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ: نَقَلَ ابْنُ هَانِئٍ " زَكَاتُهُ عَارِيَّتُهُ " وَقَالَ: هُوَ قَوْلُ خَمْسَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَذَكَرَهُ الْأَثْرَمُ عَنْ خَمْسَةٍ مِنْ التَّابِعِينَ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَسِيلَةِ وَذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي، وَالْمَجْدِ فِي شَرْحِهِ جَوَابًا. تَنْبِيهَانِ. أَحَدُهُمَا: قَوْلُهُ " وَلَا زَكَاةَ فِي الْحُلِيِّ الْمُبَاحِ " لِلرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ إذَا أُعِدَّ لِلُبْسِ الْمُبَاحِ أَوْ الْإِعَارَةِ. وَهُوَ صَحِيحٌ، وَكَذَا لَوْ اتَّخَذَهُ مَنْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ، كَرَجُلٍ يَتَّخِذُ حُلِيَّ النِّسَاءِ لِإِعَارَتِهِنَّ، أَوْ امْرَأَةٍ تَتَّخِذُ حُلِيَّ الرِّجَالِ لِإِعَارَتِهِمْ. ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ. مِنْهُمْ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ، وَابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ، وَصَاحِبُ الْمُسْتَوْعِبِ، وَالْمُصَنِّفُ، وَالْمَجْدُ وَغَيْرُهُمْ، وَقَالَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ: لَا زَكَاةَ فِيهِ، إلَّا أَنْ يَقْصِدَ بِذَلِكَ الْفِرَارَ مِنْ الزَّكَاةِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَعَلَّهُ مُرَادُ غَيْرِهِ. وَهُوَ أَظْهَرُ، وَوَجَّهَ احْتِمَالًا لَا يُعْدَمُ وُجُوبُ الزَّكَاةِ وَلَوْ قَصَدَ الْفِرَارَ مِنْهَا، وَحَكَى ابْنُ تَمِيمٍ: أَنَّ أَبَا الْحَسَنِ التَّمِيمِيِّ قَالَ: إنْ اتَّخَذَ رَجُلٌ حُلِيَّ امْرَأَةٍ: فَفِي زَكَاتِهِ رِوَايَتَانِ، وَحَكَاهُمَا فِي الْفَائِقِ، وَأَطْلَقَهُمَا. الثَّانِي: ظَاهِرُ كَلَامِهِ: أَنَّهُ سَوَاءٌ كَانَ مُعْتَادًا، أَوْ غَيْرَ مُعْتَادٍ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ، وَقَيَّدَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ مُعْتَادًا.
فَائِدَةٌ: لَوْ كَانَ الْحُلِيُّ لِيَتِيمٍ لَا يَلْبَسُهُ: فَلِوَلِيِّهِ إعَارَتُهُ، فَإِنْ فَعَلَ فَلَا زَكَاةَ، وَإِنْ لَمْ يُعِرْهُ فَفِيهِ الزَّكَاةُ. نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى ذَلِكَ. ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَأْتِي فِي الْعَارِيَّةِ: أَنَّهُ يُعْتَبَرُ كَوْنُ الْمُعِيرِ أَهْلًا لِلتَّبَرُّعِ، قَالَ: فَهَذَانِ قَوْلَانِ، أَوْ أَنَّ هَذَا لِمَصْلَحَةِ مَالِهِ، وَيُقَالُ: قَدْ يَكُونُ هُنَاكَ كَذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ لِمَصْلَحَةِ الثَّوَابِ تَوَجَّهَ خِلَافٌ، كَالْقَرْضِ. انْتَهَى. قَوْلُهُ (فَأَمَّا الْحُلِيُّ الْمُحَرَّمُ) قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: كَذَلِكَ الْمَكْرُوهُ. انْتَهَى. (وَالْآنِيَةُ، وَمَا أُعِدَّ لِلْكِرَاءِ أَوْ النَّفَقَةِ فَفِيهِ الزَّكَاةُ) تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي الْحُلِيِّ الْمُحَرَّمِ، وَالْآنِيَةِ الْمُحَرَّمَةِ، بِلَا خِلَافٍ أَعْلَمُهُ، وَكَذَا مَا أُعِدَّ لِلنَّفَقَةِ. أَوْ مَا أُعِدَّ لِلْفُقَرَاءِ، أَوْ الْقَنِيَّةِ أَوْ الِادِّخَارِ، وَحُلِيُّ الصَّيَارِفِ، فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: وُجُوبُ الزَّكَاةِ فِيهِ. وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ فِيمَا أُعِدَّ لِلْكِرَاءِ، وَقِيلَ: مَا اتَّخَذَهُ مِنْ ذَلِكَ لِسَرَفٍ أَوْ مُبَاهَاةٍ كُرِهَ، وَزُكِّيَ وَإِلَّا فَلَا، وَجَزَمَ بِهِ بَعْضُ الْأَصْحَابِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ قَوْلُ الْقَاضِي، إلَّا فِيمَنْ اتَّخَذَ خَوَاتِيمَ، وَمُرَادُهُ: مَعَ نِيَّةِ لُبْسٍ أَوْ إعَارَةٍ، قَالَ: وَظَاهِرُ كَلَامِ الْأَكْثَرِ: لَا زَكَاةَ، وَإِنْ كَانَ مُرَادُهُ اتِّخَاذَهُ لِسَرَفٍ أَوْ مُبَاهَاةٍ فَقَطْ، فَالْمَذْهَبُ قَوْلًا وَاحِدًا لَا تَجِبُ الزَّكَاةُ. انْتَهَى، وَاخْتَارَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي مُفْرَدَاتِهِ، وَعُمُدِ الْأَدِلَّةِ: أَنَّهُ لَا زَكَاةَ فِيمَا أُعِدَّ لِلْكِرَاءِ، وَقَالَ صَاحِبُ التَّبْصِرَةِ: لَا زَكَاةَ فِي حُلِيٍّ مُبَاحٍ، لَمْ يُعَدَّ لِلتَّكَسُّبِ بِهِ. فَائِدَةٌ: لَوْ انْكَسَرَ الْحُلِيُّ وَأَمْكَنَ لُبْسُهُ، فَهُوَ كَالصَّحِيحِ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ لُبْسُهُ، فَإِنْ لَمْ يَحْتَجْ فِي إصْلَاحِهِ إلَى سَبْكٍ وَتَجَدُّدِ صَنْعَةٍ، فَقَالَ الْقَاضِي: إنْ نَوَى إصْلَاحَهُ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ كَالصَّحِيحِ، وَجَزَمَ بِهِ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ نِيَّةَ إصْلَاحٍ وَلَا غَيْرَهَا
وَذَكَرَهُ ابْنُ تَمِيمٍ وَجْهًا، فَقَالَ: مَا لَمْ يَنْوِ كَسْرَهُ فَيُزَكِّيهِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مُرَادُ غَيْرِهِ، وَعِنْدَ ابْنِ عَقِيلٍ يُزَكِّيهِ، وَلَوْ نَوَى إصْلَاحَهُ. وَصَحَّحَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَجَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ، وَلَمْ يَذْكُرْ نِيَّةَ إصْلَاحٍ وَلَا غَيْرَهَا، وَأَمَّا إذَا احْتَاجَ إلَى تَجْدِيدِ صَنْعَةٍ: فَإِنَّهُ يُزَكِّيهِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: فِيهِ وَجْهَانِ، أَظْهَرُهُمَا: فِيهِ الزَّكَاةُ. وَقَالَ فِي الْمُبْهِجِ: إنْ كَانَ الْكَسْرُ لَا يَمْنَعُ مِنْ اللُّبْسِ، لَمْ تَجِبْ فِيهِ الزَّكَاةُ، وَحَكَى ابْنُ تَمِيمٍ كَلَامَ صَاحِبِ الْمُبْهِجِ: إنْ كَانَ الْكَسْرُ لَا يَمْنَعُ مِنْ اللُّبْسِ لَمْ تَجِبْ فِيهِ الزَّكَاةُ، فَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا حَكَاهُ ابْنُ تَمِيمٍ. وَإِنَّمَا هُوَ قَوْلُ الْقَاضِي الْمَذْكُورُ، وَ " لَا " زَائِدَةٌ غَلَطٌ. انْتَهَى. قُلْت: إنْ أَرَادَ أَنَّ ابْنَ تَمِيمٍ زَادَ " لَا " فَلَيْسَ كَمَا قَالَ، فَإِنَّ ذَلِكَ فِي الْمُبْهِجِ فِي نُسَخٍ مُعْتَمَدَةٍ، وَإِنْ أَرَادَ أَنَّ صَاحِبَ الْمُبْهِجِ زَادَ " لَا " غَلَطًا مِنْهُ، فَمِنْ أَيْنَ لَهُ أَنَّ ذَلِكَ غَلَطٌ؟ بَلْ هُوَ مُوَافِقٌ لِقَوَاعِد الْمَذْهَبِ، فَإِنَّ الْكَسْرَ إذَا لَمْ يَمْنَعْ مِنْ اللُّبْسِ، فَهُوَ كَالصَّحِيحِ، وَذَلِكَ لَا زَكَاةَ فِيهِ، فَكَذَا هَذَا. قَوْلُهُ (وَالِاعْتِبَارُ بِوَزْنِهِ) إلَّا مَا كَانَ مُبَاحَ الصِّنَاعَةِ، فَإِنَّ الِاعْتِبَارَ فِي النِّصَابِ بِوَزْنِهِ وَفِي الْإِخْرَاجِ بِقِيمَتِهِ الْحُلِيُّ الْمُبَاحُ الصِّنَاعَةِ عَنْهُ وَعَنْ غَيْرِهِ: الِاعْتِبَارُ فِي النِّصَابِ فِيهِ: بِوَزْنِهِ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: هَذَا الْمَذْهَبُ. قَالَ ابْنُ رَجَبٍ: هَذَا الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ، وَحَكَاهُ بَعْضُ الْأَصْحَابِ إجْمَاعًا، وَقِيلَ: الِاعْتِبَارُ بِقِيمَتِهِ. قَالَ ابْنُ رَجَبٍ: اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي مَوْضِعٍ فِي فُصُولِهِ، وَحَكَى رِوَايَةً. بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُحَرَّمَ لَا يُحَرَّمُ اتِّخَاذُهُ، وَتُضْمَنُ صَنْعَتُهُ بِالْكَسْرِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي التَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَقِيلَ: الِاعْتِبَارُ بِقِيمَتِهِ، إذَا كَانَ مُبَاحًا. وَبِوَزْنِهِ إذَا كَانَ مُحَرَّمًا، اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ أَيْضًا.
فَعَلَى هَذَا: لَوْ تَحَلَّى الرَّجُلُ بِحُلِيِّ الْمَرْأَةِ أَوْ بِالْعَكْسِ أَوْ اتَّخَذَ أَحَدُهُمَا حُلِيَّ الْآخَرِ قَاصِدًا لُبْسَهُ، أَوْ اتَّخَذَ أَحَدُهُمَا مَا يُبَاحُ لِمَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ، أَوْ لِمَنْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ يَحْرُمُ، وَتُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ لِإِبَاحَةِ الصَّنْعَةِ فِي الْجُمْلَةِ، وَجَزَمَ فِي الْبُلْغَةِ فِي حُلِيِّ الْكِرَاءِ بِاعْتِبَارِ الْقِيمَةِ، وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ وَجْهَيْنِ. تَنْبِيهٌ: مَحَلُّ الْخِلَافِ فِي مُبَاحِ الصِّنَاعَةِ، دُونَ الْحُلِيِّ الْمُبَاحِ لِلتِّجَارَةِ، فَأَمَّا الْمُبَاحُ لِلتِّجَارَةِ: فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ تُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ. نَصَّ عَلَيْهِ، فَعَلَى هَذَا: لَوْ كَانَ مَعَهُ نَقْدٌ مُعَدٌّ لِلتِّجَارَةِ، فَإِنَّهُ عَرَضٌ يُقَوَّمُ بِالْأَجْزَاءِ إنْ كَانَ أَحَظَّ لِلْفُقَرَاءِ، أَوْ نَقَصَ عَنْ نِصَابِهِ، وَقَالَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ: هَذَا ظَاهِرُ نَقْلِ إبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ، وَالْأَثْرَمِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي وَغَيْرِهِ، قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: وَنَصَّ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ. قَالَ: فَصَارَ فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَانِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَأَظُنُّ هَذَا مِنْ كَلَامِ وَلَدِهِ. وَحَمَلَ الْقَاضِي بَعْضَ الْمَرْوِيِّ عَنْ أَحْمَدَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، وَجَزَمَ بِهِ بَعْضُهُمْ، وَجَزَمَ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي بِالْأَوَّلِ إذَا كَانَ النَّقْدُ عَرَضًا. قَوْلُهُ (إلَّا مَا كَانَ مُبَاحَ الصِّنَاعَةِ، فَإِنَّ الِاعْتِبَارَ فِي النِّصَابِ بِوَزْنِهِ وَفِي الْإِخْرَاجِ بِقِيمَتِهِ) الْأَشْهَرُ فِي الْمَذْهَبِ: أَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي مُبَاحِ الصِّنَاعَةِ فِي الْإِخْرَاجِ بِقِيمَتِهِ. قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَالْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَغَيْرُهُمْ. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: هَذَا الْأَظْهَرُ. قَالَ ابْنُ رَجَبٍ: اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ. قَالَ الْقَاضِي: هُوَ قِيَاسُ قَوْلِ أَحْمَدَ " إذَا أَخْرَجَ عَنْ صِحَاحٍ مُكَسَّرَةً يُعْطِي مَا بَيْنَهُمَا " فَاعْتَبَرَ الصَّنْعَةَ دُونَ الْوَزْنِ، كَزِيَادَةِ الْقِيمَةِ لِنَفَاسَةِ جَوْهَرِهِ، وَقِيلَ: تُعْتَبَرُ الْقِيمَةَ فِي الْإِخْرَاجِ إنْ اُعْتُبِرَتْ فِي النِّصَابِ، وَإِنْ لَمْ تُعْتَبَرْ فِي النِّصَابِ لَمْ تُعْتَبَرْ فِي الْإِخْرَاجِ. قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: هَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ. وَصَحَّحَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَغَيْرِهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ.
فَائِدَةٌ: إنْ أَخْرَجَ رُبُعَ عُشْرِهِ مُشَاعًا، أَوْ مِثْلَهُ وَزْنًا مِمَّا يُقَابِلُ جُودَتَهُ زِيَادَةُ الصَّنْعَةِ جَازَ، وَإِنْ جَبَرَ زِيَادَةَ الصَّنْعَةِ بِزِيَادَةٍ فِي الْمُخْرَجِ فَكَمُكَسَّرَةٍ عَنْ صِحَاحٍ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَإِنْ أَرَادَ كَسْرَهُ مُنِعَ لِنَقْصِ قِيمَتِهِ. وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: إنْ أَخْرَجَ مِنْ غَيْرِهِ بِقَدْرِهِ جَازَ، وَلَوْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، وَإِنْ لَمْ تُعْتَبَرْ الْقِيمَةُ لَمْ يُمْنَعْ مِنْ الْكَسْرِ وَلَا يُخْرِجُ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ. كَذَا السَّبَائِكُ. انْتَهَى. قَوْلُهُ (وَيُبَاحُ لِلرِّجَالِ مِنْ الْفِضَّةِ الْخَاتَمُ) اتِّخَاذُ خَاتَمِ الْفِضَّةِ لِلرَّجُلِ مُبَاحٌ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. قَالَ ابْنُ رَجَبٍ فِي كِتَابِ الْخَوَاتِيمِ هَذَا اخْتِيَارُ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ. انْتَهَى. وَجَزَمَ بِهِ فِي التَّلْخِيصِ، وَالشَّرْحِ، وَالْوَجِيزِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى فِي بَابِ الْحُلِيِّ وَغَيْرِهِمْ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرِهِمَا. وَقِيلَ: يُسْتَحَبُّ، قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ فِي بَابِ اللِّبَاسِ وَقَدَّمَهُ فِي الْآدَابِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ، فِي بَابِ اللِّبَاسِ، وَقِيلَ: يُكْرَهُ لِقَصْدِ الزِّينَةِ، جَزَمَ بِهِ ابْنُ تَمِيمٍ. قَالَ ابْنُ رَجَبٍ فِي كِتَابِ الْخَوَاتِيمِ: قَالَهُ طَائِفَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ، وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: النَّهْيُ عَنْ الْخَاتَمِ لِيَتَمَيَّزَ السُّلْطَانُ بِمَا يَخْتِمُ بِهِ، فَظَاهِرُهُ الْكَرَاهَةُ إلَّا لِلسُّلْطَانِ. تَنْبِيهٌ: قَدَّمَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى وَجَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى وَالْحَاوِيَيْنِ فِي بَابِ اللِّبَاسِ: اسْتِحْبَابَ التَّخَتُّمِ بِخَاتَمِ الْفِضَّةِ، وَجَزَمُوا فِي بَابِ الْحُلِيِّ بِإِبَاحَتِهِ، وَظَاهِرُهُ: التَّنَاقُضُ، أَوْ يَكُونُ مُرَادُهُمْ فِي بَابِ الْحُلِيِّ: إخْرَاجَ الْخَاتَمِ مِنْ التَّحْرِيمِ لَا أَنَّ مُرَادَهُمْ لَا يُسْتَحَبُّ، وَهَذَا أَوْلَى. فَوَائِدُ. مِنْهَا: الْأَفْضَلُ لِلَابِسِهِ جَعْلُ فَصِّهِ مِمَّا يَلِي كَفِّهِ. لِأَنَّهُ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ كَانَ فَعَلَ ذَلِكَ، وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ. وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَجْعَلُهُ مِمَّا يَلِي
ظَهَرَ كَفِّهِ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَكَذَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ كَانَ يَفْعَلُهُ. رَوَاهُ أَبُو زُرْعَةَ الدِّمَشْقِيُّ، وَأَكْثَرُ النَّاسِ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ، وَمِنْهَا: جَوَازُ لُبْسِهِ فِي خِنْصَرِ يَدِهِ الْيُمْنَى وَالْيُسْرَى، وَالْأَفْضَلُ فِي لُبْسِهِ فِي إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى، قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَتَابَعَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْآدَابِ الْكُبْرَى وَالْوُسْطَى، وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ التَّخَتُّمَ فِي الْيَسَارِ أَفْضَلُ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ، وَالْفَضْلِ بْنِ زِيَادٍ، وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ " هُوَ أَقْرَبُ وَأَثْبَتُ، وَأَحَبُّ إلَيَّ " وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالْإِفَادَاتِ، وَغَيْرِهِمْ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْقَوِيِّ فِي آدَابِهِ الْمَنْظُومَةِ: وَيَحْسُنُ فِي الْيُسْرَى كَأَحْمَدَ وَصَحْبِهِ. انْتَهَى. قَالَ ابْنُ رَجَبٍ: وَقَدْ أَشَارَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إلَى أَنَّ التَّخَتُّمَ فِي الْيُمْنَى مَنْسُوخٌ، وَأَنَّ التَّخَتُّمَ فِي الْيَسَارِ آخِرُ الْأَمْرَيْنِ. انْتَهَى. قَالَ فِي التَّلْخِيصِ: ضَعَّفَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ حَدِيثَ التَّخَتُّمِ فِي الْيُمْنَى، وَهَذَا مِنْ غَيْرِ الْأَكْثَرِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي الْخُطْبَةِ: أَنَّ مَا قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ هُوَ الْمَذْهَبُ، وَقِيلَ: الْيُمْنَى أَفْضَلُ، قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ [فَلِصَاحِبِ الرِّعَايَةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثُ اخْتِيَارَاتٍ] ، وَمِنْهَا: يُكْرَهُ لُبْسُهُ فِي السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى لِلرَّجُلِ، نَصَّ عَلَيْهِ. لِلنَّهْيِ الصَّحِيحِ عَنْ ذَلِكَ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَغَيْرِهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقَالَ: وَلَمْ يُقَيِّدْهُ فِي التَّرْغِيبِ وَغَيْرِهِ. انْتَهَى. قُلْت: أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ لَمْ يُقَيِّدُوا الْكَرَاهَةَ فِي اللُّبْسِ بِالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى لِلرِّجَالِ. بَلْ أَطْلَقُوا. قَالَ ابْنُ رَجَبٍ فِي كِتَابِهِ: وَذَكَرَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ: أَنَّ ذَلِكَ خَاصٌّ بِالرِّجَالِ. انْتَهَى. قُلْت: مِنْهُمْ صَاحِبُ الْمُسْتَوْعِبِ وَالرِّعَايَةِ.
وَقَالَ ابْنُ رَجَبٍ أَيْضًا: وَظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ: جَوَازُ لُبْسِهِ فِي الْإِبْهَامِ وَالْبِنْصِرِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ ذَلِكَ لَا يُكْرَهُ فِي غَيْرِهِمَا، وَإِنْ كَانَ الْخِنْصَرُ أَفْضَلَ، اقْتِصَارًا عَلَى النَّصِّ، وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: الْإِبْهَامُ مِثْلُ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى. يَعْنِي فِي الْكَرَاهَةِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: مِنْ عِنْدِهِ، فَالْبِنْصِرُ مِثْلُهُ وَلَا فَرْقَ. قُلْت: لَوْ قِيلَ: بِالْفَرْقِ لَكَانَ مُتَّجَهًا. لِمُجَاوَرَتِهَا لِمَا يُبَاحُ التَّخَتُّمُ فِيهَا، بِخِلَافِ الْإِبْهَامِ لِبُعْدِهِ وَاسْتِهْجَانِهِ، وَمِنْهَا: لَا بَأْسَ بِجَعْلِهِ مِثْقَالًا وَأَكْثَرَ، مَا لَمْ يَخْرُجْ عَنْ الْعَادَةِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: هَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَالْأَصْحَابِ، وَقَالَ ابْنُ حَمْدَانَ فِي كُتُبِهِ الثَّلَاثَةِ يُسَنُّ جَعْلُهُ دُونَ مِثْقَالٍ، وَتَابَعَهُ فِي الْحَاوِيَيْنِ، وَالْآدَابِ، قَالَ ابْنُ رَجَبٍ فِي كِتَابِهِ: قِيَاسُ قَوْلِ مَنْ مَنَعَ مِنْ أَصْحَابِنَا تَحَلِّيَ النِّسَاءِ بِمَا زَادَ عَلَى أَلْفِ مِثْقَالٍ: أَنْ يُمْنَعَ الرَّجُلُ مِنْ لُبْسِ الْخَاتَمِ إذَا زَادَ عَلَى مِثْقَالٍ وَأَوْلَى. لِوُرُودِ النَّصِّ هُنَا، وَثَمَّ لَيْسَ فِيهِ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ، بَلْ مِنْ كَلَامِ بَعْضِ الْأَصْحَابِ. انْتَهَى. وَمِنْهَا: مَا ذَكَرَهُ ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ عَنْ الْقَاضِي أَنَّهُ قَالَ: لَوْ اتَّخَذَ لِنَفْسِهِ عِدَّةَ خَوَاتِيمَ، أَوْ مَنَاطِقَ: لَمْ تَسْقُطْ الزَّكَاةُ فِيمَا خَرَجَ عَنْ الْعَادَةِ، إلَّا أَنْ يَتَّخِذَ ذَلِكَ لِوَلَدِهِ، أَوْ عَبْدِهِ، قَالَ ابْنُ رَجَبٍ: فَهَذَا قَدْ يَدُلُّ عَلَى مَنْع لُبْسِ أَكْثَرِ مِنْ خَاتَمٍ وَاحِدٍ. لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْعَادَةِ، وَهَذَا قَدْ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْعَوَائِدِ. انْتَهَى. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلِهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ لَا زَكَاةَ فِي ذَلِكَ، قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَغَيْرِهِ: لَا زَكَاةَ فِي كُلِّ حُلِيٍّ أُعِدَّ لِاسْتِعْمَالٍ مُبَاحٍ، قَلَّ أَوْ كَثُرَ، لِرَجُلٍ كَانَ أَوْ امْرَأَةٍ. ثُمَّ قَالَ: وَعَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ يُخَرَّجُ جَوَازُ لُبْسِ خَاتَمَيْنِ فَأَكْثَرَ جَمِيعًا.
وَمِنْهَا: يُسْتَحَبُّ التَّخَتُّمُ بِالْعَقِيقِ، عِنْدَ صَاحِبِ الْمُسْتَوْعِبِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَالْآدَابِ. وَلَمْ يَسْتَحِبَّهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ، قَالَ ابْنُ رَجَبٍ فِي كِتَابِهِ: وَظَاهِرُ كَلَامِ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ: لَا يُسْتَحَبُّ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا، وَقَدْ سَأَلَهُ مَا السُّنَّةُ؟ يَعْنِي فِي التَّخَتُّمِ فَقَالَ: لَمْ تَكُنْ خَوَاتِيمُ الْقَوْمِ إلَّا فِضَّةً. قَالَ الْعُقَيْلِيُّ: لَا يَصِحُّ فِي التَّخَتُّمِ بِالْعَقِيقِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَيْءٌ، وَقَدْ ذَكَرَهَا كُلَّهَا ابْنُ رَجَبٍ، وَأَعَلَّهَا فِي كِتَابِهِ. وَمِنْهَا: فَصُّ الْخَاتَمِ إنْ كَانَ ذَهَبًا، وَكَانَ يَسِيرًا، فَإِنْ قُلْنَا: بِإِبَاحَةِ يَسِيرِ الذَّهَبِ، فَلَا كَلَامَ. وَإِنْ قُلْنَا: بِعَدَمِ إبَاحَتِهِ، فَهَلْ يُبَاحُ هُنَا؟ فِيهِ وَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: التَّحْرِيمُ أَيْضًا، وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى مَنْعِ مِسْمَارِ الذَّهَبِ فِي خَاتَمِ الْفِضَّةِ، فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ، وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ، وَهَذَا اخْتِيَارُ الْقَاضِي وَأَبِي الْخَطَّابِ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي: الْإِبَاحَةُ. وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالْمَجْدِ، وَالشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي الْعِلْمِ، وَإِلَيْهِ مَيْلُ ابْنِ رَجَبٍ. قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ، وَالْمَذْهَبُ عَلَى مَا اصْطَلَحْنَاهُ. وَمِنْهَا: يُكْرَهُ أَنْ يُكْتَبَ عَلَى الْخَاتَمِ ذِكْرُ اللَّهِ: قُرْآنٌ، أَوْ غَيْرُهُ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَعَنْهُ لَا يُكْرَهُ دُخُولُ الْخَلَاءِ بِذَلِكَ، فَلَا كَرَاهَةَ هُنَا. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَمْ أَجِدْ فِي الْكَرَاهَةِ دَلِيلًا إلَّا قَوْلَهُ: لِدُخُولِ الْخَلَاءِ بِهِ، وَالْكَرَاهَةُ تَفْتَقِرُ إلَى دَلِيلٍ. وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ. قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ. وَقَدْ وَرَدَ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ السَّلَفِ: كِتَابَةُ ذِكْرِ اللَّهِ عَلَى خَوَاتِيمِهِمْ. ذَكَرَهُ ابْنُ رَجَبٍ فِي كِتَابِهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ حِينَ قَالَ لِلنَّاسِ «إنِّي اتَّخَذْت خَاتَمًا، وَنَقَشْت فِيهِ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، فَلَا يَنْقُشُ أَحَدٌ عَلَى نَقْشِي» لِأَنَّهُ إنَّمَا نَهَاهُمْ عَنْ نَقْشِهِمْ " مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ " لَا عَنْ غَيْرِهِ. قَالَ فِي
الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ مَا وَرَدَ: لَا يُكْرَهُ غَيْرُ ذِكْرِ اللَّهِ، قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَذِكْرِ رَسُولِهِ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ لَا يُكْرَهُ ذَلِكَ. وَمِنْهَا: لَا يَجُوزُ أَنْ يَنْقُشَ عَلَى الْخَاتَمِ صُورَةَ حَيَوَانٍ. بِلَا نِزَاعٍ لِلنُّصُوصِ الثَّابِتَةِ فِي ذَلِكَ. لَكِنْ هَلْ يَحْرُمُ لُبْسُهُ، أَوْ يُكْرَهُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: يَحْرُمُ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَابْنُ عَقِيلٍ، فِي آخِرِ الْفُصُولِ، وَحَكَاهُ أَبُو حَكِيمٍ النَّهْرَوَانِيُّ عَنْ الْأَصْحَابِ. قَالَ ابْنُ رَجَبٍ: وَهُوَ مَنْصُوصٌ عَنْ أَحْمَدَ فِي الثِّيَابِ وَالْخَوَاتِمِ، وَذَكَرَ النَّصَّ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يُكْرَهُ، وَلَا يَحْرُمُ، وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ. ابْنُ أَبِي مُوسَى، وَذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ أَيْضًا فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ، وَصَحَّحَهُ أَبُو حَكِيمٍ، وَإِلَيْهِ مَيْلُ ابْنِ رَجَبٍ وَمِنْهَا: يُكْرَهُ لِلرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ لُبْسُ خَاتَمِ حَدِيدٍ وَصُفْرٍ وَنُحَاسٍ وَرَصَاصٍ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ، مِنْهُمْ إِسْحَاقُ، وَنَقَلَ مُهَنَّا " أَكْرَهُ خَاتَمَ الْحَدِيدِ؛ لِأَنَّهُ حِلْيَةُ أَهْلِ النَّارِ ". إذَا عَلِمْت ذَلِكَ، فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ الْمُرَادَ بِالْكَرَاهَةِ هُنَا: كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ. قَالَ ابْنُ رَجَبٍ: عِنْدَ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ، وَعَنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى التَّحْرِيمِ. نَقَلَهُ أَبُو طَالِبٍ وَالْأَثْرَمُ. قَالَ ابْنُ رَجَبٍ: عِنْدَ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ أَبِي مُوسَى: تَحْرِيمُهُ عَلَى الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَحُكِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ عَبْدِ الْعَزِيزِ: أَنَّهُ مَتَى صَلَّى وَفِي يَدِهِ خَاتَمٌ مِنْ حَدِيدٍ، أَوْ صُفْرٍ: أَعَادَ الصَّلَاةَ انْتَهَى، وَقَالَ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ فِي فَتَاوِيهِ: الدُّمْلُوجُ الْحَدِيدُ، وَالْخَاتَمُ الْحَدِيدُ: نَهَى الشَّرْعُ عَنْهُمَا، وَأَجَابَ أَبُو الْخَطَّابِ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: يَجُوزُ دُمْلُوجٌ مِنْ حَدِيدٍ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَيَتَوَجَّهُ مِثْلُهُ الْخَاتَمُ، وَنَحْوُهُ، وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ الرَّصَاصَ لَا أَعْلَمُ فِيهِ شَيْئًا وَلَهُ رَائِحَةٌ. قَوْلُهُ (وَفِي حِلْيَةِ الْمِنْطَقَةِ رِوَايَتَانِ) . وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ،
وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالْفَائِقِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ. إحْدَاهُمَا: يُبَاحُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَصَحَّحَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَصَاحِبُ التَّصْحِيحِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: تُبَاحُ حِلْيَةُ الْمِنْطَقَةِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَقَدَّمَهُ فِي الْكَافِي. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هَذَا الْمَشْهُورُ وَالْمُخْتَارُ لِلْأَصْحَابِ، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَا تُبَاحُ، فَفِيهَا الزَّكَاةُ، وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ أَبِي مُوسَى وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. قَوْلُهُ (وَعَلَى قِيَاسِهَا الْجَوْشَنُ وَالْخُوذَةُ وَالْخُفُّ وَالرَّانُ وَالْحَمَائِلُ) ، قَالَهُ الْأَصْحَابُ، وَجَزَمَ فِي الْكَافِي بِإِبَاحَةِ الْكُلِّ. قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ. قُلْت: قَدْ حَكَى فِي الْكَافِي عَنْ ابْنِ أَبِي مُوسَى: وُجُوبَ الزَّكَاةِ فِي ذَلِكَ، وَنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى تَحْرِيمِ الْحَمَائِلِ. وَمَنَعَ ابْنُ عَقِيلٍ عَنْ الْخُفِّ وَالرَّانِ، فَفِيهِمَا الزَّكَاةُ. كَذَا الْحُكْمُ عِنْدَهُ فِي الكمران وَالْخَرِيطَةِ، وَمَنَعَ الْقَاضِي مِنْ حَمَائِلِ السَّيْفِ، وَحَكَاهُ عَنْ أَحْمَدَ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ ذَلِكَ الِاقْتِصَارُ عَلَى هَذِهِ الْأَشْيَاءِ. وَقَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ بَعْدَ ذِكْرِ ذَلِكَ وَنَحْوُ ذَلِكَ، فَيُؤْخَذُ مِنْهُ مَا صَرَّحَ بِهِ بَعْضُهُمْ: أَنَّ الْخِلَافَ فِي الْمِغْفَرِ وَالنَّعْلِ وَرَأْسِ الرُّمْحِ وَشَعِيرَةِ السِّكِّينِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَهَذَا أَظْهَرُ لِعَدَمِ الْفَرْقِ. انْتَهَى. وَجَزَمَ ابْنُ تَمِيمٍ: أَنَّهُ لَا يُبَاحُ تَحْلِيَةُ السِّكِّينِ بِالْفِضَّةِ، وَجَزَمَ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى وَالْحَاوِيَيْنِ بِالْإِبَاحَةِ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَقَالَ عَنْ عَدَمِ الْإِبَاحَةِ وَهُوَ بَعِيدٌ. انْتَهَى. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَدَخَلَ فِي الْخِلَافِ تِرْكَاشُ النُّشَّابِ، وَقَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَقَالَ: وَكَذَلِكَ الْكَلَالِيبُ. لِأَنَّهُمَا يَسِيرٌ تَابِعٌ. وَتَقَدَّمَ كَلَامُ أَبِي الْحَسَنِ التَّمِيمِيِّ أَوَّلَ بَابِ الْآنِيَةِ.
فَائِدَتَانِ. إحْدَاهُمَا: لَا يُبَاحُ غَيْرُ مَا تَقَدَّمَ، فَلَا يُبَاحُ تَحْلِيَةُ الْمَرَاكِبِ، وَلِبَاسِ الْخَيْلِ، كَاللُّجُمِ وَقَلَائِدِ الْكِلَابِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَقَدْ نَصَّ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَلَى تَحْرِيمِ حِلْيَةِ الرِّكَابِ وَاللِّجَامِ، وَقَالَ: مَا كَانَ سَرْجٌ وَلِجَامٌ زُكِّيَ، وَكَذَا تَحْلِيَةُ الدَّوَاةِ وَالْمِقْلَمَةِ، والكمران، وَالْمِرْآةِ، وَالْمُشْطِ، وَالْمُكْحُلَةِ، وَالْمِيلِ، وَالْمِسْرَجَةِ، وَالْمِرْوَحَةِ، وَالْمِشْرَبَةِ، وَالْمُدْهُنِ، وَكَذَا الْمُسْعُطُ، وَالْمِجْمَرُ، وَالْقِنْدِيلُ، وَقِيلَ: يُكْرَهُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قِيلَ. وَلَا فَرْقَ، وَنَقَلَ الْأَثْرَمُ: أَكْرَهُ رَأْسَ الْمُكْحُلَةِ وَحِلْيَةَ الْمِرْآةِ فِضَّةً، ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا شَيْءٌ تَافِهٌ، فَأَمَّا الْآنِيَةُ: فَلَيْسَ فِيهَا تَحْرِيمٌ، قَالَ الْقَاضِي: ظَاهِرُهُ لَا يَحْرُمُ، لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْمُضَبَّبِ، فَيَكُونُ الْحُكْمُ فِي حِلْيَةِ جَمِيعِ الْأَوَانِي كَذَلِكَ. قَالَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ. وَسَبَقَ فِي بَابِ الْآنِيَةِ مَا حَكَاهُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ التَّمِيمِيِّ فِي كِتَابِهِ اللَّطِيفِ. الثَّانِيَةُ: يَحْرُمُ تَحْلِيَةُ مَسْجِدٍ وَمِحْرَابٍ، وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ لَوْ وَقَفَ عَلَى مَسْجِدٍ أَوْ نَحْوِهِ قِنْدِيلُ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ لَمْ يَصِحَّ، وَيَحْرُمُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَقَالَ الْمُصَنِّفُ: هُوَ بِمَنْزِلَةِ الصَّدَقَةِ، فَيُكْسَرُ وَيُصْرَفُ فِي مَصْلَحَةِ الْمَسْجِدِ وَعِمَارَتِهِ. انْتَهَى. وَيَحْرُمُ أَيْضًا: تَمْوِيهُ سَقْفٍ وَحَائِطٍ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ؛ لِأَنَّهُ سَرَفٌ وَخُيَلَاءُ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَدَلَّ الْخِلَافُ السَّابِقُ عَلَى إبَاحَتِهِ تَبَعًا. تَنْبِيهَانِ. أَحَدُهُمَا: حَيْثُ قُلْنَا: يَحْرُمُ، وَجَبَتْ إزَالَتُهُ وَزَكَاتُهُ، وَإِنْ اُسْتُهْلِكَ فَلَمْ يَجْتَمِعْ مِنْهُ شَيْءٌ فَلَهُ اسْتِدَامَتُهُ، وَلَا زَكَاةَ فِيهِ. لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ وَذَهَابِ الْمَالِيَّةِ. الثَّانِي: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَصْحَابِ: أَنَّهُ لَا يُبَاحُ مِنْ الْفِضَّةِ
إلَّا مَا اسْتَثْنَاهُ الْأَصْحَابُ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَقَالَ صَاحِبُ الْفُرُوعِ فِيهِ: وَلَا أَعْرِفُ عَلَى تَحْرِيمِ لُبْسِ الْفِضَّةِ نَصًّا عَنْ أَحْمَدَ، وَكَلَامُ شَيْخِنَا يَدُلُّ عَلَى إبَاحَةِ لُبْسِهَا لِلرِّجَالِ، إلَّا مَا دَلَّ الشَّرْعُ عَلَى تَحْرِيمِهِ انْتَهَى، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أَيْضًا: لُبْسُ الْفِضَّةِ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ لَفْظٌ عَامٌ بِالتَّحْرِيمِ لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ أَنْ يُحَرِّمَ مِنْهُ إلَّا مَا قَامَ الدَّلِيلُ الشَّرْعِيُّ عَلَى تَحْرِيمِهِ، فَإِذَا أَبَاحَتْ السُّنَّةُ خَاتَمَ الْفِضَّةِ دَلَّ عَلَى إبَاحَةِ مَا فِي مَعْنَاهُ، وَمَا هُوَ أَوْلَى مِنْهُ بِالْإِبَاحَةِ. وَمَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَيَحْتَاجُ إلَى نَظَرٍ فِي تَحْلِيلِهِ وَتَحْرِيمِهِ، وَالتَّحْرِيمُ يَفْتَقِرُ إلَى دَلِيلٍ. وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ، وَنَصَرَهُ صَاحِبُ الْفُرُوعِ، وَرَدَّ جَمِيعَ مَا اسْتَدَلَّ بِهِ الْأَصْحَابُ. قَوْلُهُ (وَمِنْ الذَّهَبِ قَبِيعَةُ السَّيْفِ) هَذَا الْمَذْهَبُ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: كَانَ فِي سَيْفِ عُمَرَ سَبَائِكُ مِنْ ذَهَبٍ، وَكَانَ فِي سَيْفِ عُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ مِسْمَارٌ مِنْ ذَهَبٍ. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ: جَعَلَ أَصْحَابُنَا الْجَوَازَ مَذْهَبَ أَحْمَدَ. قَالَ فِي تَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ: يُبَاحُ فِي الْأَظْهَرِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَشَرْحِ ابْنِ مُنَجَّى، وَالنَّظْمِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَمُنْتَخَبِ الْأَدَمِيِّ، وَقَدَّمَهُ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالْفَائِقِ، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هَذَا الْمَشْهُورُ، وَعَنْهُ لَا يُبَاحُ، قَدَّمَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي التَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ. تَنْبِيهٌ: حَكَى بَعْضُ الْأَصْحَابِ: عَدَمَ الْإِبَاحَةِ احْتِمَالًا، وَحَكَى بَعْضُهُمْ الْخِلَافَ وَجْهَيْنِ. كَصَاحِبِ الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَغَيْرِهِمْ، وَقَيَّدَ ابْنُ عَقِيلٍ الْإِبَاحَةَ بِالْيَسِيرِ، مَعَ أَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّ قَبِيعَةَ سَيْفِهِ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ ثَمَانِيَةُ مَثَاقِيلَ، وَذَكَرَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ: الرِّوَايَتَيْنِ فِي إبَاحَتِهِ فِي السَّيْفِ، وَتَقَدَّمَ مَا نَقَلَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ سَيْفِ عُمَرَ وَعُثْمَانَ، وَقِيلَ: يُبَاحُ الذَّهَبُ فِي السِّلَاحِ، وَاخْتَارَهُ الْآمِدِيُّ. وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ.
وَقِيلَ: كُلُّ مَا أُبِيحَ تَحْلِيَتُهُ بِفِضَّةٍ، أُبِيحَ تَحْلِيَتُهُ بِذَهَبٍ. كَذَا تَحْلِيَةُ خَاتَمِ الْفِضَّةِ بِهِ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يُبَاحُ يَسِيرُ الذَّهَبِ، تَبَعًا لَا مُفْرَدًا، كَالْخَاتَمِ وَنَحْوِهِ، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ، وَقِيلَ: يُبَاحُ يَسِيرُهُ تَبَعًا لِغَيْرِهِ، وَقِيلَ: مُطْلَقًا، وَقِيلَ: ضَرُورَةً. قُلْت: أَوْ حَاجَةً لَا ضَرُورَةً. انْتَهَى. وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي أَوَائِلِ بَابِ الْآنِيَةِ. وَتَقَدَّمَ هُنَاكَ كَلَامُ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ عَلَى اخْتِيَارِ أَبِي بَكْرٍ. قَوْلُهُ (وَيُبَاحُ لِلنِّسَاءِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ كُلُّ مَا جَرَتْ عَادَتُهُنَّ بِلُبْسِهِ قَلَّ أَوْ كَثُرَ) ، كَالطَّوْقِ، وَالْخَلْخَالِ، وَالسِّوَارِ، وَالدُّمْلُوجِ، وَالْقُرْطِ، وَالْعِقْدِ، وَالْمُقَلَّدَةِ، وَالْخَاتَمِ، وَمَا فِي الْمُخَانِقِ مِنْ حَرَائِزَ وَتَعَاوِيذَ، وَأُكَرَ، وَنَحْوِ ذَلِكَ. حَتَّى قَالَ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَةِ وَغَيْرِهِمْ: وَتَاجٍ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. قَالَ فِي التَّلْخِيصِ: وَيُبَاحُ لِلْمَرْأَةِ التَّحَلِّي بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ مُطْلَقًا فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَفِي الْأُخْرَى: إذَا بَلَغَ أَلْفًا، فَهُوَ كَثِيرٌ، فَيَحْرُمُ لِلسَّرَفِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَعَلَّ مُرَادَهُ عَنْ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ عَنْ الذَّهَبِ. كَمَا صَرَّحَ بِهِ بَعْضُهُمْ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ. انْتَهَى. وَقَالَ الْمُصَنِّفُ هُنَا، وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: إنْ بَلَغَ أَلْفَ مِثْقَالٍ حَرُمَ، وَفِيهِ الزَّكَاةُ. كَذَا قَالَ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْحَاوِي وَغَيْرِهِمْ، فَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ. وَعَنْهُ أَيْضًا أَلْفُ مِثْقَالٍ كَثِيرٌ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَعَنْهُ عَشَرَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ كَثِيرٌ، وَأَبَاحَ الْقَاضِي أَلْفَ مِثْقَالٍ فَمَا دُونُ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يُبَاحُ الْمُعْتَادُ. لَكِنْ
إنْ بَلَغَ الْخَلْخَالُ وَنَحْوُهُ خَمْسَمِائَةِ دِينَارٍ فَقَدْ خَرَجَ عَنْ الْعَادَةِ، وَتَقَدَّمَ قَوْلُهُ: مَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ لِسَرَفٍ أَوْ مُبَاهَاةٍ كُرِهَ وَزُكِّيَ. تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَكَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ: جَوَازُ تَحْلِيَةِ الْمَرْأَةِ بِدَرَاهِمَ وَدَنَانِيرَ مُعَرَّاةٍ وَفِي مُرْسَلَةٍ، وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ، فَلَا زَكَاةَ فِيهِ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَجُوزُ تَحْلِيَتُهَا بِذَلِكَ، فَعَلَيْهَا الزَّكَاةُ فِيهِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالْفَائِقِ، وَالْمُذْهَبِ. قُلْت: قَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ فِي بَابِ جَامِعِ الْأَيْمَانِ إذَا حَلَفَ لَا يَلْبَسُ حُلِيًّا، فَلَبِسَ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ فِي مُرْسَلَةٍ: فِي حِنْثِهِ وَجْهَيْنِ، جَزَمَ فِي الْوَجِيزِ بِعَدَمِ الْحِنْثِ وَصَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ. وَاخْتَارَ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ: الْحِنْثَ، فَالصَّوَابُ فِي ذَلِكَ: أَنْ يَرْجِعَ فِيهِ إلَى الْعُرْفِ وَالْعَادَةِ، فَمَنْ كَانَ عُرْفُهُمْ وَعَادَتُهُمْ اتِّخَاذَ ذَلِكَ حُلِيًّا، فَلَا زَكَاةَ فِيهِ، وَيَحْنَثُ فِي يَمِينِهِ، وَإِلَّا فَعَلَيْهِ الزَّكَاةُ وَلَا حِنْثَ. فَوَائِدُ. إحْدَاهَا: لَا زَكَاةَ فِي الْجَوْهَرِ، وَاللُّؤْلُؤِ. وَلَوْ كَانَ فِي حُلِيٍّ إلَّا أَنْ يَكُونَ لِتِجَارَةٍ، فَيُقَوَّمُ جَمِيعُهُ تَبَعًا، ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى: وَلَا زَكَاةَ فِي حُلِيِّ جَوْهَرٍ، وَعَنْهُ وَلُؤْلُؤٍ، وَقَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ: إلَّا أَنْ يَكُونَ لِتِجَارَةٍ أَوْ سَرَفٍ. مِنْهُمْ صَاحِبُ الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَهُوَ قَوْلٌ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَإِنْ كَانَ لِلْكِرَاءِ فَوَجْهَانِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي مُخْتَصَرِ ابْنِ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفُرُوعِ. قُلْت: الصَّوَابُ وُجُوبُ الزَّكَاةِ.
وَظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ عَدَمُ الْوُجُوبِ. الثَّانِيَةُ: يُبَاحُ لِلرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ التَّحَلِّي بِالْجَوْهَرِ وَنَحْوِهِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَذَكَرَ أَبُو الْمَعَالِي: يُكْرَهُ ذَلِكَ لِلرَّجُلِ لِلتَّشَبُّهِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَعَلَّ مُرَادَهُ غَيْرُ تَخَتُّمِهِ بِذَلِكَ. الثَّالِثَةُ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ وَهِيَ تَشَبُّهُ الرَّجُلِ بِالْمَرْأَةِ، وَالْمَرْأَةِ بِالرَّجُلِ فِي اللِّبَاسِ وَغَيْرِهِ يَحْرُمُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. قَالَ الْمَرُّوذِيُّ: كُنْتُ عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ فَمَرَّتْ بِهِ جَارِيَةٌ عَلَيْهَا قَبَاءٌ، فَتَكَلَّمَ بِشَيْءٍ. قُلْت: تَكْرَهُهُ؟ قَالَ: كَيْفَ لَا أَكْرَهُهُ جِدًّا. وَقَدْ «لَعَنَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمُتَشَبِّهَاتِ مِنْ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ» . قَالَ: وَكَرِهَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَنْ يَصِيرَ لِلْمَرْأَةِ مِثْلُ جَيْبِ الرِّجَالِ، وَجَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ. وَجَزَمَ بِهِ الْأَصْحَابُ. مِنْهُمْ صَاحِبُ الْفُصُولِ، وَالنِّهَايَةِ، وَالْمُغْنِي، وَالْمُحَرَّرِ، وَغَيْرُهُمْ فِي لُبْسِ الْمَرْأَةِ الْعِمَامَةَ، وَكَذَا قَالَ الْقَاضِي: يَجِبُ إنْكَارُ تَشَبُّهِ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ وَعَكْسِهِ، وَاحْتَجَّ بِمَا نَقَلَهُ أَبُو دَاوُد " وَلَا يُلْبِسُ خَادِمَتَهُ شَيْئًا مِنْ زِيِّ الرِّجَالِ. لَا يُشَبِّهُهَا بِهِمْ " وَنَقَلَ الْمَرُّوذِيُّ: لَا يُخَاطُ لَهَا مَا كَانَ لِلرَّجُلِ وَعَكْسُهُ، وَقَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَغَيْرُهُمْ: يُكْرَهُ التَّشَبُّهُ وَلَا يَحْرُمُ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ، مَعَ جَزْمِهِمْ بِتَحْرِيمِ اتِّخَاذِ أَحَدِهِمَا حُلِيَّ الْآخَرِ لِيَلْبَسَهُ، مَعَ أَنَّهُ دَاخِلٌ فِي الْمَسْأَلَةِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَعَلَّهُ الَّذِي عَنَاهُ أَبُو الْحَسَنِ التَّمِيمِيُّ بِكَلَامِهِ السَّابِقِ فِي الْفَصْلِ قَبْلَهُ، وَقَالَ فِي الْفُصُولِ: تَكْرَهُ صَلَاةُ أَحَدِهِمَا بِلِبَاسِ الْآخَرِ لِلتَّشَبُّهِ.
باب زكاة العروض
[بَابُ زَكَاةِ الْعُرُوضِ] ِ قَوْلُهُ (وَتُؤْخَذُ مِنْهَا لَا مِنْ الْعُرُوضِ) هَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَقَطَعَ بِهِ أَكْثَرُهُمْ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَيَجُوزُ الْأَخْذُ مِنْ عَيْنِهَا أَيْضًا. قَوْلُهُ (وَلَا تَصِيرُ لِلتِّجَارَةِ إلَّا أَنْ يَمْلِكَهَا بِفِعْلِهِ بِنِيَّةِ التِّجَارَةِ بِهَا، فَإِنْ مَلَكَهَا بِإِرْثٍ، أَوْ مَلَكَهَا بِفِعْلِهِ بِغَيْرِ نِيَّةٍ. ثُمَّ نَوَى التِّجَارَةَ بِهَا لَمْ تَصِرْ لِلتِّجَارَةِ، وَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ عَرَضٌ لِلتِّجَارَةِ فَنَوَاهُ لِلْقِنْيَةِ، ثُمَّ نَوَاهُ لِلتِّجَارَةِ. لَمْ يَصِرْ لِلتِّجَارَةِ) هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هَذَا أَنَصُّ الرِّوَايَتَيْنِ وَأَشْهَرُهُمَا، وَاخْتَارَهَا الْخِرَقِيُّ، وَالْقَاضِي، وَأَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. قَالَ فِي الْكَافِي وَالْفُرُوعِ: هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ مُجَرَّدَ النِّيَّةِ لَا يَنْقُلُ عَنْ الْأَصْلِ، كَنِيَّةِ إسَامَةِ الْمَعْلُوفَةِ، وَنِيَّةِ الْحَاضِرِ لِسَفَرَ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالْهِدَايَةِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالشَّرْحِ، وَالْكَافِي وَغَيْرِهِمْ. وَعَنْهُ أَنَّ الْعَرَضَ يَصِيرُ لِلتِّجَارَةِ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ. نَقَلَهُ صَالِحٌ، وَابْنُ إبْرَاهِيمَ، وَابْنُ مَنْصُورٍ، وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَابْنُ أَبِي مُوسَى، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَصَاحِبُ الْفَائِقِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي التَّبْصِرَةِ، وَالرَّوْضَةِ، وَالْمُصَنِّفُ فِي الْعُمْدَةِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُذْهَبِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ. تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ " إلَّا أَنْ يَمْلِكَهَا بِفِعْلِهِ " الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ فِيمَا مَلَكَهُ الْمُعَاوَضَةُ، فَحُصُولُهُ بِالنِّكَاحِ وَالْخُلْعِ وَالْهِبَةِ وَالْغَنِيمَةِ كَالْبَيْعِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: هَذَا الْأَشْهَرُ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ، وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي وَالْكَافِي، وَالشَّرْحِ، وَالْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرِهِمْ، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَمْلِكَهَا بِعِوَضٍ عَلَى الْأَصَحِّ
وَقِيلَ: تُعْتَبَرُ الْمُعَاوَضَةُ سَوَاءٌ تَمَحَّضَتْ، كَبَيْعٍ وَإِجَارَةٍ وَنَحْوِهِمَا أَوْ لَا، كَنِكَاحٍ وَخُلْعٍ وَصُلْحٍ عَنْ دَمٍ عَمْدٍ. قَالَ الْمَجْدُ: وَهَذَا نَصُّهُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ، فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ: لَوْ مَلَكَ بِغَيْرِ عِوَضٍ، كَالْهِبَةِ وَالْغَنِيمَةِ وَنَحْوِهِمَا: لَمْ يَصِرْ لِلتِّجَارَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْهُ بِعِوَضٍ. أَشْبَهَ الْمَوْرُوثَ، وَقَالَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ: وَإِنْ مَلَكَهُ بِفِعْلِهِ بِلَا عِوَضٍ، كَوَصِيَّةٍ وَهِبَةٍ مُطْلَقَةٍ وَغَنِيمَةٍ وَاحْتِشَاشٍ وَاحْتِطَابٍ وَاصْطِيَادٍ، أَوْ بِعِوَضٍ غَيْرِ مَالِيٍّ، كَدِيَةٍ عَنْ دَمٍ عَمْدٍ وَنِكَاحٍ وَخُلْعٍ زَادَ فِي الْكُبْرَى أَوْ بِعِوَضٍ مَالِيٍّ بِلَا عَقْدٍ، كَرَدٍّ بِعَيْبٍ أَوْ فَسْخٍ، أَوْ أَخْذِهِ بِشُفْعَةٍ فَوَجْهَانِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، وَعَنْهُ يُعْتَبَرُ كَوْنُ الْعِوَضِ نَقْدًا. ذَكَرَهُ أَبُو الْمَعَالِي، وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ رِوَايَةً فِيمَا إذَا مَلَكَ عَرَضًا لِلتِّجَارَةِ بِغَرَضِ قِنْيَةٍ لَا زَكَاةٍ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَهِيَ هَذِهِ الرِّوَايَةُ، وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: يَخْرُجُ مِنْهَا اعْتِبَارُ كَوْنِ بَدَلِهِ نَقْدًا أَوْ عَرَضَ تِجَارَةٍ. فَوَائِدُ. إحْدَاهَا: مَعْنَى " نِيَّةِ التِّجَارَةِ " أَنْ يَقْصِدَ التَّكَسُّبَ بِهِ بِالِاعْتِيَاضِ عَنْهُ لَا بِإِتْلَافِهِ، أَوْ مَعَ اسْتِبْقَائِهِ، فَإِذَا اشْتَرَى صَبَّاغٌ مَا يَصْبُغُ بِهِ وَيَبْقَى، كَزَعْفَرَانٍ وَنِيلٍ وَعُصْفُرٍ وَنَحْوِهِ، فَهُوَ عَرَضُ تِجَارَةٍ يُقَوِّمُهُ عِنْدَ حَوْلِهِ. كَذَا لَوْ اشْتَرَى دَبَّاغٌ مَا يَدْبُغُ بِهِ، كَعَفْصٍ وَقَرْضٍ، وَمَا يُدْهَنُ بِهِ، كَسَمْنٍ وَمِلْحٍ. ذَكَرَهُ ابْنُ الْبَنَّا، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ، وَذَكَرَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: لَا زَكَاةَ فِيهِ، وَقَالَ أَيْضًا: لَا زَكَاةَ فِيمَا لَا يَبْقَى لَهُ أَثَرٌ فِي الْعَيْنِ، كَالْحَطَبِ وَالْمِلْحِ وَالصَّابُونِ وَالْأُشْنَانِ وَالْقُلِّ وَالنُّورَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. الثَّانِيَةُ: لَا زَكَاةَ فِي آلَاتِ الصَّبَّاغِ، وَأَمْتِعَةِ النَّجَّارِ، وَقَوَارِيرِ الْعَطَّارِ وَالسَّمَّانِ وَنَحْوِهِمْ، إلَّا أَنْ يُرِيدُوا بَيْعَهَا بِمَا فِيهَا، وَكَذَا آلَاتُ الدَّوَابِّ إنْ كَانَتْ لِحِفْظِهَا، وَإِنْ كَانَ بَيْعُهَا مَعَهَا فَهِيَ مَالُ تِجَارَةٍ.
الثَّالِثَةُ: لَوْ لَمْ يَكُنْ مَا مَلَكَهُ عَيْنَ مَالٍ. بَلْ مَنْفَعَةُ عَيْنٍ وَجَبَتْ الزَّكَاةُ. عَلَى الصَّحِيح مِنْ الْمَذْهَبِ. قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ، وَقِيلَ: لَا تَجِبُ فِيهِ كَمَا لَوْ نَوَاهَا بِدَيْنٍ حَالٍّ. الرَّابِعَةُ: لَوْ بَاعَ عَرَضَ قِنْيَةٍ، ثُمَّ اسْتَرَدَّهُ نَاوِيًا التِّجَارَةَ. صَارَ لِلتِّجَارَةِ. ذَكَرَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَلَوْ اشْتَرَى عَرَضَ تِجَارَةٍ بِعَرَضِ قِنْيَةٍ، فَرُدَّ عَلَيْهِ بِعَيْبٍ: انْقَطَعَ الْحَوْلُ، وَمِثْلُهُ: لَوْ بَاعَ عَرَضَ تِجَارَةٍ بِعَرْضِ قِنْيَةٍ فَرُدَّ عَلَيْهِ. قَالَهُ ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ، وَلَوْ قَتَلَ عَبْدَ تِجَارَةٍ خَطَأً فَصَالَحَ عَلَى مَالٍ صَارَ لِلتِّجَارَةِ، وَإِنْ كَانَ عَمْدًا وَقُلْنَا: الْوَاجِبُ أَحَدُ شَيْئَيْنِ فَكَذَلِكَ، وَإِنْ قُلْنَا: الْوَاجِبُ الْقِصَاصُ عَيْنًا لَمْ يَصِرْ لِلتِّجَارَةِ إلَّا بِالنِّيَّةِ. ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي التَّخْرِيجِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَلَوْ اتَّخَذَ عَصِيرًا لِلتِّجَارَةِ فَتَخَمَّرَ، ثُمَّ تَخَلَّلَ: عَادَ حُكْمُ التِّجَارَةِ، وَلَوْ مَاتَتْ مَاشِيَةُ التِّجَارَةِ فَدَبَغَ جُلُودَهَا وَقُلْنَا: تَطْهُرُ فَهِيَ عَرَضُ تِجَارَةٍ، قَالَهُ الْقَاضِي، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُمَا. الْخَامِسَةُ: تَقْطَعُ نِيَّةُ الْقِنْيَةِ حَوْلَ التِّجَارَةِ، وَتَصِيرُ لِلْقِنْيَةِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهَا الْأَصْلُ كَالْإِقَامَةِ مَعَ السَّفَرِ، وَقِيلَ: لَا تَقْطَعُ إلَّا الْمُمَيِّزَةُ، وَقِيلَ: لَا تَقْطَعُ نِيَّةٌ مُحَرَّمَةٌ كَنَاوِ مَعْصِيَةٍ فَلَمْ يَفْعَلْهَا، فَفِي بُطْلَانِ أَهْلِيَّتِهِ لِلشَّهَادَةِ خِلَافٌ، ذَكَرَهُ أَبُو الْمَعَالِي. قَوْلُهُ (وَتُقَوَّمُ الْعُرُوض عِنْدَ الْحَوْلِ بِمَا هُوَ أَحَظُّ لِلْمَسَاكِينِ مِنْ عَيْنٍ أَوْ وَرِقٍ) هَذَا الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا. أَعْنِي سَوَاءٌ كَانَ مِنْ نَقْدِ الْبَلَدِ أَوْ لَا. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَقَالَ الْحَلْوَانِيُّ: تُقَوَّمُ بِنَقْدِ الْبَلَدِ، فَإِنْ تَعَدَّدَ فَبِالْأَحَظِّ.
وَعَنْهُ لَا يُقَوَّمُ نَقْدٌ بِنَقْدٍ آخَرَ، بِنَاءً عَلَى قَوْلِنَا: لَا يُبْنَى حَوْلُ نَقْدٍ عَلَى حَوْلِ نَقْدٍ آخَرَ، فَيُقَوَّمُ بِالنَّقْدِ الَّذِي اشْتَرَى بِهِ. فَوَائِدُ. الْأُولَى: مَا قَوَّمَهُ بِهِ لَا عِبْرَةَ بِتَلَفِهِ إلَّا قَبْلَ التَّمَكُّنِ. فَعَلَى مَا سَبَقَ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الزَّكَاةِ: وَلَا عِبْرَةَ أَيْضًا بِنَقْصِهِ بَعْدَ تَقْوِيمِهِ وَلَا بِزِيَادَتِهِ إلَّا قَبْلَ التَّمَكُّنِ، فَإِنَّهُ كَتَلَفِهِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا لَمْ تُؤَثِّرْ الزِّيَادَةُ؛ لِأَنَّهُ كَنِتَاجِ الْمَاشِيَةِ بَعْدَ الْحَوْلِ. الثَّانِيَةُ: لَوْ بَلَغَتْ قِيمَةُ الْعُرُوضِ بِكُلِّ نَقْدٍ نِصَابًا قُوِّمَ بِالْأَنْفَعِ لِلْفُقَرَاءِ عَلَى الصَّحِيحِ، صَحَّحَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ وَابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُمَا، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي وَالْمُصَنِّفِ وَصَاحِبُ التَّلْخِيصِ وَغَيْرُهُمْ. وَهُوَ الصَّوَابُ، وَقِيلَ: يُخَيَّرُ. قَالَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَغَيْرُهُ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَابْنُ تَمِيمٍ. وَقَالَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي، إلَّا أَنَّهُ قَالَ: يَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ بِنَقْدِ الْبَلَدِ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ، عَلَى مَا اصْطَلَحْنَاهُ فِي الْخُطْبَةِ، وَقِيلَ: يُقَوَّمُ بِفِضَّةٍ. الثَّالِثَةُ: لَوْ اتَّجَرَ فِي الْجَوَارِي لِلْغِنَاءِ قَوَّمَهُنَّ سَوَاذِجَ، وَلَوْ اتَّجَرَ فِي الْخُصْيَانِ قَوَّمَهُمْ عَلَى صِفَتِهِمْ، وَلَوْ اتَّجَرَ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ لَمْ يُنْظَرْ إلَى الْقِيمَةِ، وَهُوَ عَاصٍ بِذَلِكَ، بَلْ تَحْرِيمُ الْآنِيَةِ أَشَدُّ مِنْ تَحْرِيمِ اللِّبَاسِ. لِتَحْرِيمِهَا عَلَى الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ. وَالْخِرَقِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَطْلَقَ الْكَرَاهَةَ، وَمُرَادُهُ: التَّحْرِيمُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ " وَالْمُتَّخِذُ آنِيَةَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ عَاصٍ، وَعَلَيْهِ الزَّكَاةُ " وَذَلِكَ مُصْطَلَحُ الْمُتَقَدِّمِينَ فِي إطْلَاقِهِمْ " الْكَرَاهَةَ " وَإِرَادَتِهِمْ التَّحْرِيمَ، وَعَلَى هَذَا أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ فِي إرَادَةِ الْخِرَقِيِّ ذَلِكَ، وَقَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ: أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ أَصْحَابِنَا، وَفِي جَامِعِ الْقَاضِي وَالْوَسِيلَةِ: ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ. تَنْبِيهٌ: تَقَدَّمَ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ ضَمُّ الْعُرُوضِ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ النَّقْدَيْنِ، وَضَمُّ النَّقْدَيْنِ إلَى الْعُرُوضِ فِي تَكْمِيلِ النِّصَابِ وَنَحْوِهِ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ اشْتَرَاهُ بِنِصَابٍ مِنْ السَّائِمَةِ لَمْ يَبْنِ عَلَى حَوْلِهِ) وَكَذَا لَوْ بَاعَهُ بِنِصَابٍ مِنْ السَّائِمَةِ، وَهَذَا بِلَا نِزَاعٍ فِيهِمَا، إلَّا أَنْ يَشْتَرِيَ نِصَابَ سَائِمَةٍ لِلتِّجَارَةِ بِنِصَابِ سَائِمَةٍ لِلْقِنْيَةِ، فَإِنَّهُ يَبْنِي عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: يَبْنِي فِي الْأَصَحِّ، وَجَزَمَ بِهِ جَمَاعَةٌ، وَقِيلَ: لَا يَبْنِي. قَوْلُهُ (وَإِنْ مَلَكَ نِصَابًا مِنْ السَّائِمَةِ لِلتِّجَارَةِ فَعَلَيْهِ زَكَاةُ التِّجَارَةِ دُونَ السَّوْمِ) وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَقِيلَ: عَلَيْهِ زَكَاةُ السَّوْمِ دُونَ التِّجَارَةِ. ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ؛ لِأَنَّهُ أَقْوَى لِلْإِجْمَاعِ، وَتَعَلُّقُهَا بِالْعَيْنِ، لَكِنْ إنْ نَقَصَ نِصَابُهُ وَجَبَتْ زَكَاةُ التِّجَارَةِ، وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ أَنْ يُزَكِّيَ بِالْأَحَظِّ مِنْهُمَا لِلْفُقَرَاءِ، وَاخْتَارَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَيَظْهَرُ أَثَرُ الْخِلَافِ فِي الْأَمْثِلَةِ فِي الْإِبِلِ وَالْغَنَمِ، وَقَدْ ذَكَرَهَا هُوَ وَمَنْ تَبِعَهُ، وَأَطْلَقَهُنَّ فِي الْفَائِقِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَقَالَ فِي الرَّوْضَةِ: يُزَكِّي النِّصَابَ لِلْعَيْنِ، وَالْوَقْصَ لِلْقِيمَةِ. تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: أَنَّهُ سَوَاءٌ اتَّفَقَ حَوْلَاهُمَا أَوْ لَا. وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ، وَالصَّحِيحُ مِنْهُمَا، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وَجَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ، وَقِيلَ: قَدَّمَ السَّابِقَ فِي حَوْلِ السَّائِمَةِ أَوْ التِّجَارَةِ، اخْتَارَهُ الْمَجْدُ؛ لِأَنَّهُ وُجِدَ سَبَبُ زَكَاتِهِ بِلَا مُعَارِضٍ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ. قَوْلُهُ (فَإِنْ لَمْ تَبْلُغْ قِيمَتُهَا نِصَابَ التِّجَارَةِ، فَعَلَيْهِ زَكَاةُ السَّوْمِ) كَأَرْبَعِينَ شَاةً. قِيمَتُهَا دُونَ مِائَتَيْنِ، أَوْ دُونَ عِشْرِينَ مِثْقَالًا، وَكَذَا الْحُكْمُ فِي عَكْسِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: لَوْ كَانَ عِنْدَهُ ثَلَاثُونَ مِنْ الْغَنَمِ قِيمَتُهَا مِائَتَا
دِرْهَمٍ، أَوْ عِشْرُونَ مِثْقَالًا، فَعَلَيْهِ زَكَاةُ التِّجَارَةِ. هَذَا الْمَذْهَبُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ، وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْ الْأَصْحَابِ، قَالَ الْمُصَنِّفُ: لَا خِلَافَ فِيهِ، وَصَحَّحَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ وَغَيْرِهِ، وَقِيلَ: لَا يُقَدَّمُ مَا تَمَّ نِصَابُهُ، بَلْ يَغْلِبُ حُكْمُ مَا يَغْلِبُ إذَا اجْتَمَعَ النِّصَابَانِ، وَإِنْ أَدَّى إلَى إسْقَاطِ الزَّكَاةِ. قَالَهُ أَبُو الْخَطَّابِ فِي الْخِلَافِ، وَحَكَاهُ ابْنُ عَقِيلٍ عَنْ شَيْخِهِ مِنْ أَنَّهُ مَتَى نَقَصَتْ قِيمَةُ الْأَرْبَعِينَ شَاةً عَنْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ فَلَا شَيْءَ فِيهَا، قَالَ الْمَجْدُ: وَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِهِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَجَزَمَ غَيْرُ وَاحِدٍ بِأَنَّهُ إنْ نَقَصَ نِصَابُ السَّوْمِ وَجَبَتْ زَكَاةُ التِّجَارَةِ. انْتَهَى. [تَنْبِيهٌ: هَذَا الْحُكْمُ الْمُتَقَدِّمُ فِيمَا إذَا لَمْ تَبْلُغْ قِيمَتُهَا نِصَابَ التِّجَارَةِ كُلَّ الْحَوْلِ] وَهَذَا إذَا لَمْ يَسْبِقْ حَوْلُ السَّوْمِ، فَأَمَّا إنْ سَبَقَ حَوْلُ السَّوْمِ، وَكَانَتْ قِيمَتُهُ أَقَلَّ مِنْ نِصَابٍ فِي بَعْضِ الْحَوْلِ، فَلَا زَكَاةَ مُطْلَقًا، حَتَّى يَتِمَّ الْحَوْلُ مِنْ حِينِ يَبْلُغُ النِّصَابُ فِي وَجْهٍ اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَعَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ. وَفِي وَجْهٍ آخَرَ تَجِبُ زَكَاةُ السَّوْمِ عِنْدَ حَوْلِهِ، فَإِذَا حَالَ حَوْلُ التِّجَارَةِ وَجَبَتْ زَكَاةُ الزَّائِدِ عَلَى النِّصَابِ قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ، وَهُوَ احْتِمَالٌ فِي الشَّرْحِ، وَمَال إلَيْهِ، وَكَذَا حَكَى الْمُصَنِّفُ إذَا سَبَقَ حَوْلُ السَّوْمِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَأَمَّا إنْ نَقَصَ عَنْ نِصَابِ جَمِيعِ الْحَوْلِ وَجَبَتْ زَكَاةُ السَّوْمِ، عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ. لِئَلَّا يَسْقُطَ بِالْكُلِّيَّةِ، صَحَّحَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَقِيلَ: لَا تَجِبُ زَكَاةُ السَّوْمِ. فَائِدَةٌ: لَوْ مَلَكَ سَائِمَةً لِلتِّجَارَةِ نِصْفَ حَوْلٍ، ثُمَّ قَطَعَ نِيَّةَ التِّجَارَةِ، اسْتَأْنَفَ حَوْلًا وَلَمْ يَبْنِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَاخْتَارَ الْمُصَنِّفُ حَتَّى لَوْ وُجِدَ سَبَبُ
الزَّكَاةِ بِلَا مُعَارِضٍ، وَبَنَاهُ الْمَجْدُ عَلَى تَقْدِيمِ مَا وُجِدَ نِصَابُهُ فِي الْمَسْأَلَةِ السَّابِقَةِ، وَأَطْلَقَ ابْنُ تَمِيمٍ وَجْهَانِ. قَوْلُهُ (وَإِنْ اشْتَرَى أَرْضًا أَوْ نَخْلًا لِلتِّجَارَةِ، فَأَثْمَرَ النَّخْلُ وَزُرِعَتْ الْأَرْضُ، فَعَلَيْهِ الْعُشْرُ، وَيُزَكِّي الْأَصْلَ لِلتِّجَارَةِ) . يَعْنِي إذَا اتَّفَقَ حَوْلَاهُمَا، وَهَذَا أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ، اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَذَكَرَ ابْنُ مُنَجَّى فِي شَرْحِهِ: أَنَّ جَدَّهُ أَبَا الْمَعَالِي ذَكَرَ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ: أَنَّهُ اخْتِيَارُ الْقَاضِي، وَابْنِ عَقِيلٍ. قُلْت: جَزَمَ بِهِ الْقَاضِي فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، وَقَالَ الْقَاضِي: يُزَكِّي الْجَمِيعَ زَكَاةَ الْقِيمَةِ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ، وَصَحَّحَهُ فِي الْبُلْغَةِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ وَغَيْرُهُمَا: اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَأَصْحَابُهُ. قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: هَذَا الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ، وَنَصَرَهُ. قَوْلُهُ (وَلَا عُشْرَ عَلَيْهِ، إلَّا أَنْ يَسْبِقَ وُجُوبُ الْعُشْرِ حَوْلَ التِّجَارَةِ فَيُخْرِجُهُ) . اعْلَمْ أَنَّهُ تَارَةً يَتَّفِقُ حَوْلُ التِّجَارَةِ وَالْعُشْرِ فِي الْوُجُوبِ، بِأَنْ يَكُونَ بُدُوُّ الصَّلَاحِ فِي الثَّمَرَةِ وَاشْتِدَادُ الْحَبِّ عِنْدَ تَمَامِ الْحَوْلِ، وَكَانَتْ قِيمَةُ الْأَصْلِ تَبْلُغُ نِصَابَ التِّجَارَةِ، فَهَذِهِ مَسْأَلَةُ الْمُصَنِّفِ الْمُتَقَدِّمَةِ الَّتِي فِيهَا الْخِلَافُ، وَتَارَةً يَخْتَلِفَانِ فِي وَقْتِ الْوُجُوبِ، مِثْلَ أَنْ يَسْبِقَ وُجُوبُ الْعُشْرِ حَوْلَ التِّجَارَةِ، أَوْ عَكْسِهِ، أَوْ يَتَّفِقَانِ، وَلَكِنَّ أَحَدَهُمَا دُونَ نِصَابٍ، فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ حُكْمَ السَّبْقِ هُنَا حُكْمُ مَا لَوْ مَلَكَ نِصَابَ سَائِمَةٍ لِلتِّجَارَةِ، وَسَبَقَ حَوْلُ
أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ، وَحُكْمُ تَقْدِيمِ مَا كَمُلَ نِصَابُهُ هُنَا حُكْمُ مَا لَوْ وَجَدَ نِصَابَ أَحَدِهِمَا كَمَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا، جَزَمَ بِهِ الْمَجْدُ، وَصَاحِبُ الْفُرُوعِ وَغَيْرُهُمَا، فَقَالَا: وَإِنْ اخْتَلَفَ وَقْتُ الْوُجُوبِ، أَوْ وُجِدَ نِصَابُ أَحَدِهِمَا فَكَمَسْأَلَةِ سَائِمَةِ التِّجَارَةِ الَّتِي قَبْلَهَا فِي تَقْدِيمِ الْأَسْبَقِ، وَتَقْدِيمُ مَا تَمَّ نِصَابُهُ. انْتَهَيَا. وَقِيلَ: يُزَكِّي عُشْرَ الزَّرْعِ وَالثَّمَرِ إذَا سَبَقَ وُجُوبُهُ، جَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ وَالْوَجِيزِ، وَالْفَائِقِ. قَالَ ابْنُ مُنَجَّى فِي شَرْحِهِ: فَلَوْ سَبَقَ نِصَابُ الْعُشْرِ وَجَبَ الْعُشْرُ وَجْهًا وَاحِدًا، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ هُنَا. قُلْت: الَّذِي يَظْهَرُ: أَنَّهُ لَا تَنَافِيَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ، وَأَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ كَمَسْأَلَةِ السَّائِمَةِ الَّتِي لِلتُّجَّارِ، وَقَطَعَ هَؤُلَاءِ الْجَمَاعَةُ بِنَاءً مِنْهُمْ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ فِي مَسْأَلَةِ السَّائِمَةِ الَّتِي لِلتِّجَارَةِ. تَنْبِيهَانِ. أَحَدُهُمَا: حَيْثُ أَخْرَجَ الْعُشْرَ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ سِوَى زَكَاةِ الْأَصْلِ، وَحَيْثُ أَخْرَجَ عَنْ الْأَصْلِ وَالثَّمَرَةِ وَالزَّرْعِ زَكَاةَ الْقِيمَةِ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ عُشْرٌ لِلزَّرْعِ وَالثَّمَرَةِ. لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا بَيْنَ الْأَصْحَابِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: أَنَّهُ إذَا سَبَقَ وُجُوبُ الْعُشْرِ حَوْلَ التِّجَارَةِ: أَنَّ عَلَيْهِ الْعُشْرَ مَعَ إخْرَاجِهِ عَنْ الْجَمِيعِ زَكَاةَ الْقِيمَةِ. وَلَا قَائِلَ بِهِ، وَلِذَلِكَ قَالَ ابْنُ مُنَجَّى فِي شَرْحِهِ: يَنْبَغِي أَنْ يَعُودَ الِاسْتِثْنَاءُ إلَى الْخِلَافِ الْمَذْكُورِ فِي الْمَسْأَلَةِ إلَى الْخِلَافِ فِي اعْتِبَارِ الْقِيمَةِ فِي الْكُلِّ، أَوْ فِي الْأَصْلِ دُونَ النَّمَاءِ إذَا اتَّفَقَ وُجُوبُ الْعُشْرِ وَزَكَاةِ التِّجَارَةِ. الثَّانِي: فَعَلَى مَا قَدَّمَهُ الْمُصَنِّفُ: يَسْتَأْنِفُ حَوْلَ التِّجَارَةِ عَلَى زَرْعٍ وَثَمَرٍ مِنْ الْحَصَادِ وَالْجِدَادِ؛ لِأَنَّ بِهِ يَنْتَهِي وُجُوبُ الْعُشْرِ الَّذِي لَوْلَاهُ لَكَانَا جَارِيَيْنِ فِي حَوْلِ التُّجَّارِ. وَهَذَا الصَّحِيحُ، قَدَّمَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَصَاحِبُ الْفُرُوعِ، وَقِيلَ: لَا يَسْتَأْنِفُ عَلَيْهِمَا الْحَوْلَ حَتَّى يُبَاعَا، فَيَسْتَقْبِلُ بِثَمَنِهِمَا الْحَوْلَ كَمَالِ الْقِنْيَةِ، وَهُوَ تَخْرِيجٌ فِي شَرْحِ الْمَجْدِ، وَجَزَمَ ابْنُ تَمِيمٍ أَنَّهُ يَخْرُجُ عَلَى مَالِ الْقِنْيَةِ.
فَوَائِدُ. الْأُولَى: لَوْ نَقَصَ كُلُّ وَاحِدٍ عَنْ النِّصَابِ، وَجَبَتْ زَكَاةُ التِّجَارَةِ، وَإِنْ بَلَغَ أَحَدُهُمَا نِصَابًا: اُعْتُبِرَ الْأَحَظُّ لِلْفُقَرَاءِ. الثَّانِيَةُ: لَوْ زَرَعَ بَذْرًا لِلْقِنْيَةِ فِي أَرْضِ التِّجَارَةِ: فَوَاجِبُ الزَّارِعِ الْعُشْرُ، وَوَاجِبُ الْأَرْضِ: زَكَاةُ الْقِيمَةِ، وَلَوْ زَرَعَ بَذْرًا لِلتِّجَارَةِ فِي أَرْضٍ قِنْيَةٍ: فَهَلْ يُزَكِّي الزَّرْعَ زَكَاةَ عُشْرٍ، أَوْ قِيمَةٍ؟ فِيهِ الْخِلَافُ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ. الثَّالِثَةُ: لَوْ كَانَ الثَّمَرُ لَا زَكَاةَ فِيهِ، كَالسَّفَرْجَلِ وَالتُّفَّاحِ وَنَحْوِهِمَا، أَوْ كَانَ الزَّرْعُ لَا زَكَاةَ فِيهِ كَالْخَضْرَاوَاتِ، أَوْ كَانَ الْعَقَارُ لِتِجَارَةٍ وَعَبِيدُهَا أُجْرَةً: ضَمَّ قِيمَةَ الثَّمَرَةِ وَالْأُجْرَةِ إلَى قِيمَةِ الْأَصْلِ فِي الْحَوْلِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. كَالرِّيحِ، وَقِيلَ: لَا يَضُمُّ. الرَّابِعَةُ: لَوْ أَكْثَرَ مِنْ شِرَاءِ عَقَارٍ، فَارًّا مِنْ الزَّكَاةِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَكْثَرِ أَوْ صَرِيحُهُ: أَنَّهُ لَا زَكَاةَ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: عَلَيْهِ الزَّكَاةُ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَالْحَاوِيَيْنِ. الْخَامِسَةُ: لَا زَكَاةَ فِي قِيمَةِ مَا أُعِدَّ لِلْكِرَاءِ، مِنْ عَقَارٍ وَحَيَوَانٍ وَغَيْرِهِمَا، وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي ذَلِكَ تَخْرِيجًا مِنْ الْحُلِيِّ الْمُعَدِّ لِلْكِرَاءِ. السَّادِسَةُ: لَا زَكَاةَ فِي غَيْرِ مَا أُعِدَّ لِلتِّجَارَةِ، مِنْ عَرَضٍ وَحَيَوَانٍ وَعَقَارٍ، وَثِيَابٍ وَشَجَرٍ. وَتَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْبَابِ مَا لَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ مِنْ الْآلَاتِ وَالْأَمْتِعَةِ، وَالْقَوَارِيرِ وَنَحْوِهَا، الَّتِي لِلصُّنَّاعِ وَالتُّجَّارِ وَالسُّمَّانِ وَنَحْوِهِمْ. السَّابِعَةُ: لَوْ اشْتَرَى شِقْصًا لِلتِّجَارَةِ بِأَلْفٍ، فَصَارَ عِنْدَ الْحَوْلِ بِأَلْفَيْنِ: زَكَّاهُمَا وَأَخَذَهُ الشَّفِيعُ بِأَلْفٍ، وَلَوْ اشْتَرَاهُ بِأَلْفَيْنِ فَصَارَ عِنْدَ حَوْلِهِ بِأَلْفٍ: زَكَّى أَلْفًا وَاحِدَةً وَأَخَذَهُ الشَّفِيعُ بِأَلْفَيْنِ؛ لِأَنَّهُ يَأْخُذُ بِمَا وَقَعَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ
قَوْلُهُ (وَإِذَا أَذِنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الشَّرِيكَيْنِ لِصَاحِبِهِ فِي إخْرَاجِ زَكَاتِهِ، فَأَخْرَجَاهَا مَعًا: ضَمِنَ كُلُّ وَاحِدٍ نَصِيبَ صَاحِبِهِ) هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَقَدَّمُوهُ؛ لِأَنَّهُ انْعَزَلَ حُكْمًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ عَلَى الْمُوَكِّلِ زَكَاةٌ، كَمَا لَوْ عَلِمَ ثُمَّ نَسِيَ، وَالْعَزْلُ يَسْتَوِي فِيهِ الْعِلْمُ وَعَدَمُهُ بِدَلِيلِ مَا لَوْ وَكَّلَهُ فِي بَيْعِ عَبْدٍ، فَبَاعَهُ الْمُوَكِّلُ أَوْ أَعْتَقَهُ، وَزَادَ فِي شَرْحِ الْمُحَرَّرِ: وَجَهِلَ السَّبْقَ. قَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ: وَهُوَ غَرِيبٌ حَسَنٌ، وَقِيلَ: لَا يَضْمَنُ مَنْ لَمْ يَعْلَمْ بِإِخْرَاجِ صَاحِبِهِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْوَكِيلَ لَا يَنْعَزِلُ قَبْلَ الْعِلْمِ، وَقِيلَ: لَا يَضْمَنُ، وَإِنْ قُلْنَا: يَنْعَزِلُ قَبْلَ الْعِلْمِ؛ لِأَنَّهُ غَرَّهُ كَمَا لَوْ وَكَّلَهُ فِي قَضَاءِ دَيْنٍ، فَقَضَاهُ بَعْدَ قَضَاءِ الْمُوَكِّلِ وَلَمْ يَعْلَمْ، اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ، وَفَرَّقَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُ لَمْ يُفَوِّتْ حَقَّ الْمَالِكِ بِدَفْعِهِ. إذْ لَهُ الرُّجُوعُ عَلَى الْقَابِضِ، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: ضَمِنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَقَّ الْآخَرِ، وَقِيلَ: لَا، كَالْجَاهِلِ مِنْهُمَا، وَالْفَقِيرِ الَّذِي أَخَذَهَا مِنْهُمَا فِي الْأَقْيَسِ فِيهِمَا. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ. قَوْلُهُ (وَإِنْ أَخْرَجَهَا أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْآخَرِ ضَمِنَ الثَّانِي نَصِيبَ الْأَوَّلِ عَلِمَ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ) هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. وَيَتَخَرَّجُ أَنْ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إذَا لَمْ يَعْلَمْ، بِنَاءً عَلَى عَدَمِ انْعِزَالِ الْوَكِيلِ قَبْلَ عِلْمِهِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَتَأْتِي الْمَسْأَلَةُ فِي الْوَكَالَةِ، وَقِيلَ: لَا يَضْمَنُ، وَإِنْ قُلْنَا: يَنْعَزِلُ الْوَكِيلُ قَبْلَ عِلْمِهِ. كَمَا تَقَدَّمَ، اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ، وَهُمَا الْقَوْلَانِ اللَّذَانِ قَبْلَ ذَلِكَ. فَوَائِدُ. الْأُولَى: لَوْ أَذِنَ غَيْرُ الشُّرَكَاءِ كُلُّ وَاحِدٍ لِلْآخَرِ فِي إخْرَاجِ زَكَاتِهِ.
فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا. لَكِنْ هَلْ يَبْدَأُ بِزَكَاتِهِ وُجُوبًا؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ. إحْدَاهُمَا: لَا يَجِبُ إخْرَاجُ زَكَاتِهِ أَوَّلًا. بَلْ يُسْتَحَبُّ. وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَقَطَعَ بِهِ الْقَاضِي، وَفَرَّقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْحَجِّ، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: يَجِبُ إخْرَاجُ زَكَاتِهِ قَبْلَ زَكَاةِ الْآذِنِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَقَدْ دَلَّتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى أَنَّ نَفَلَ الصَّدَقَةِ قَبْلَ أَدَاءِ الزَّكَاةِ فِي جَوَازِهِ وَصِحَّتِهِ مَا فِي نَفْلِ بَقِيَّةِ الْعِبَادَاتِ قَبْلَ أَدَائِهَا. الثَّانِيَةُ: لَوْ لَزِمَتْهُ زَكَاةٌ وَنَذْرٌ. قَدَّمَ الزَّكَاةَ، فَإِنْ قَدَّمَ النَّذْرَ لَمْ يَصِرْ زَكَاةً، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَنْهُ يَبْدَأُ بِمَا شَاءَ، وَيَأْتِي نَظِيرُهُ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ قَبْلَ صَوْمِ النَّذْرِ. الثَّالِثَةُ: لَوْ وَكَّلَ فِي إخْرَاجِ زَكَاتِهِ، ثُمَّ أَخْرَجَهَا هُوَ، ثُمَّ أَخْرَجَ الْوَكِيلُ قَبْلَ عِلْمِهِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَيَتَوَجَّهُ أَنَّ فِي ضَمَانِهِ الْخِلَافَ السَّابِقَ، وَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرْهَا الْأَكْثَرُ، اكْتِفَاءً بِمَا سَبَقَ، وَأَطْلَقَ بَعْضُهُمْ ثَلَاثَةَ أَوْجُهٍ ثَالِثُهَا: لَا يَضْمَنُ إنْ قُلْنَا لَا يَنْعَزِلُ، وَإِلَّا ضَمِنَ، وَصَحَّحَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ. الرَّابِعَةُ: يُقْبَلُ قَوْلُ الْمُوَكِّلِ: أَنَّهُ أَخْرَجَ قَبْلَ دَفْعِ وَكِيلِهِ إلَى السَّاعِي، وَقَوْلُ مَنْ دَفَعَ زَكَاةَ مَالِهِ إلَيْهِ، ثُمَّ ادَّعَى: أَنَّهُ كَانَ أَخْرَجَهَا. الْخَامِسَةُ: حَيْثُ قُلْنَا: لَا يَصِحُّ الْإِخْرَاجُ، فَإِنْ وُجِدَ مَعَ السَّاعِي أُخِذَ مِنْهُ، وَإِنْ تَلِفَ، أَوْ كَانَ دَفَعَهُ إلَى الْفُقَرَاءِ، أَوْ كَانَا دَفَعَا إلَيْهِ: فَلَا. تَنْبِيهٌ: سَبَقَ حُكْمُ الْمُضَارِبِ وَرَبِّ الْمَالِ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ. عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ " وَلَا زَكَاةَ فِي حِصَّةِ الْمُضَارِبِ مِنْ الرِّبْحِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ ".
باب زكاة الفطر
[بَابُ زَكَاةِ الْفِطْرِ] ِ. قَوْلُهُ (وَهِيَ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ) هَذَا الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَقِيلَ: يَخْتَصُّ وُجُوبُ الْفِطْرَةِ بِالْمُكَلَّفِ بِالصَّوْمِ، وَحُكِيَ وَجْهٌ: لَا تَجِبُ فِي مَالِ صَغِيرٍ، وَالْمَنْصُوصُ خِلَافُهُ. تَنْبِيهٌ: مَفْهُومُ قَوْلِهِ " عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ " أَنَّهَا لَا تَجِبُ عَلَى غَيْرِهِ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَعَنْهُ رِوَايَةٌ مُخَرَّجَةٌ تَجِبُ عَلَى الْمُرْتَدِّ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ: أَنَّهَا لَا تَجِبُ عَلَى كَافِرٍ لِعَبْدِهِ الْمُسْلِمِ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ [وَنَصَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي. قَالَ فِي الْحَاوِي الْكَبِيرِ: هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ] وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ، وَعَنْهُ تَلْزَمُهُ. اخْتَارَهُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ تَمِيمٍ [وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إجْمَاعًا] وَكَذَا حُكْمُ كُلِّ كَافِرٍ لَزِمَتْهُ نَفَقَةُ مُسْلِمٍ، فِي فِطْرَتِهِ الْخِلَافُ الْمُتَقَدِّمُ، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: يَنْبَنِي الْخِلَافُ عَلَى أَنَّ السَّيِّدَ: هَلْ هُوَ مُتَحَمِّلٌ أَوْ أَصِيلٌ؟ فِيهِ قَوْلَانِ. إنْ قُلْنَا مُتَحَمِّلٌ: وَجَبَتْ عَلَيْهِ، وَإِنْ قُلْنَا أَصِيلٌ: لَمْ تَجِبْ. فَائِدَةٌ: قَوْلُهُ " وَهِيَ وَاجِبَةٌ " هَلْ تُسَمَّى فَرْضًا؟ فِيهِ الرِّوَايَتَانِ اللَّتَانِ فِي الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ. وَقَدْ تَقَدَّمَتَا فِي بَابِ الْوُضُوءِ، وَتَقَدَّمَتْ فَائِدَةُ الْخِلَافِ هُنَاكَ. قَوْلُهُ (إذَا فَضَلَ عِنْدَهُ عَنْ قُوتِهِ وَقُوتِ عِيَالِهِ يَوْمَ الْعِيدِ وَلَيْلَتَهُ) وَهَذَا بِلَا نِزَاعٍ، لَكِنْ يُعْتَبَرُ كَوْنُ ذَلِكَ فَاضِلًا عَمَّا يَحْتَاجُهُ لِنَفْسِهِ، أَوْ لِمَنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ: مِنْ مَسْكَنٍ، وَخَادِمٍ، وَدَابَّةٍ، وَثِيَابٍ بِذْلَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، جَزَمَ بِهِ فِي الْحَاوِيَيْنِ، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقَالَ: وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ هَذَا قَوْلًا. كَذَا قَالَ. انْتَهَى.
قُلْت: قَدَّمَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْفَائِقِ: وُجُوبَ الْإِخْرَاجِ مُطْلَقًا، وَذَكَرَ الْأَوَّلَ قَوْلًا مُوجَزًا. تَنْبِيهٌ: أَلْحَقَ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّارِحُ: بِمَا يَحْتَاجُهُ لِنَفْسِهِ: الْكُتُبَ الَّتِي يَحْتَاجُهَا لِلنَّظَرِ وَالْحِفْظِ، وَالْحُلِيَّ لِلْمَرْأَةِ لِلُبْسِهَا، أَوْ لِكِرَاءٍ تَحْتَاجُ إلَيْهِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَمْ أَجِدْ هَذَا فِي كَلَامِ أَحَدٍ قَبْلَهُ، وَلَمْ يَسْتَدِلَّ عَلَيْهِ. قَالَ: وَظَاهِرُ مَا ذَكَرَهُ الْأَكْثَرُ مِنْ الْوُجُوبِ. وَاقْتِصَارِهِمْ عَلَى مَا سَبَقَ مِنْ الْمَانِعِ: أَنَّ هَذَا لَا يَمْنَعُ وُجُوبَ زَكَاةِ الْفِطْرِ، وَوَجَّهَ احْتِمَالًا: أَنَّ الْكُتُبَ تَمْنَعُ، بِخِلَافِ الْحُلِيِّ لِلُبْسٍ، لِلْحَاجَةِ إلَى الْعِلْمِ وَتَحْصِيلِهِ. قَالَ: وَلِهَذَا ذَكَرَ الشَّيْخُ يَعْنِي بِهِ الْمُصَنِّفَ أَنَّ الْكُتُبَ تَمْنَعُ فِي الْحَجِّ وَالْكَفَّارَةِ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْحُلِيَّ، فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: الْمَنْعُ، وَعَدَمُهُ، وَالْمَنْعُ فِي الْكُتُبِ دُونَ الْحُلِيِّ، فَعَلَى مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ: هَلْ يَمْنَعُ ذَلِكَ مِنْ أَخْذِ الزَّكَاةِ؟ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالَانِ: الْمَنْعُ وَعَدَمُهُ. قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ، وَقَالَا الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: يَجُوزُ لِلْفَقِيرِ الْأَخْذُ مِنْ الزَّكَاةِ لِشِرَاءِ كُتُبٍ يَحْتَاجُهَا، وَعَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي الَّذِي هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ يَمْنَعُ ذَلِكَ أَخْذَ الزَّكَاةِ، وَعَلَى الِاحْتِمَالِ الْأَوَّلِ وَهُوَ الْمَنْعُ مِنْ أَخْذِ الزَّكَاةِ هَلْ يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ ذَلِكَ مَانِعًا مِنْ أَخْذِ الزَّكَاةِ: أَنْ يَكُونَ كَالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ فِي بَقِيَّةِ الْأَبْوَابِ، لِتَسْوِيَةٍ بَيْنَهُمَا أَمْ لَا؟ لِأَنَّ الزَّكَاةَ أَضْيَقُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: يَتَوَجَّهُ الْخِلَافُ، وَعَلَى الِاحْتِمَالِ الثَّانِي الَّذِي هُوَ الصَّوَابُ هُوَ كَسَائِرِ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ. ذَكَرَ ذَلِكَ فِي الْفُرُوعِ. فَائِدَةٌ: قَوْلُهُ (وَإِنْ كَانَ مُكَاتَبًا) . يَعْنِي: أَنَّهَا تَجِبُ عَلَى الْمُكَاتَبِ، وَهَذَا بِلَا نِزَاعٍ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ.
وَيَلْزَمُهُ أَيْضًا: فِطْرَةُ قَرِيبِهِ مِمَّنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ. وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ أَيْضًا. وَتَجِبُ فِطْرَةُ زَوْجَتِهِ عَلَيْهِ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ وَقِيلَ: لَا تَجِبُ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ (وَإِنْ فَضَلَ بَعْضُ صَاعٍ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ إخْرَاجُهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ وَالْكَافِي، وَالْهَادِي، وَالْمُغْنِي، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالشَّرْحِ، وَشَرْحِ ابْنِ مُنَجَّى وَشَرْحِ الْمَجْدِ، وَالْفُرُوعِ، وَقَالَ: التَّرْجِيحُ مُخْتَلِفٌ. إحْدَاهُمَا: يَلْزَمُهُ إخْرَاجُهُ، كَبَعْضِ نَفَقَةِ الْقَرِيبِ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ، صَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ، وَالنَّظْمِ، وَابْنُ رَجَبٍ فِي قَوَاعِدِهِ، وَفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَفَّارَةِ، قَالَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ: أَخْرَجَهُ، عَلَى أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِفَادَاتِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ وَغَيْرِهِمْ وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَا يَلْزَمُهُ إخْرَاجُهُ كَالْكَفَّارَةِ، جَزَمَ بِهِ [فِي الْإِرْشَادِ] وَابْنُ عَقِيلٍ فِي التَّذْكِرَةِ، وَقَالَ فِي الْفُصُولِ: هَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْوَجِيزِ، وَالْمُبْهِجِ، وَالْعُمْدَةِ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ، فَعَلَى الْمَذْهَبِ: يَخْرُجُ ذَلِكَ الْبَعْضُ، وَيَجِبُ الْإِتْمَامُ عَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ فِطْرَتُهُ، وَعَلَى الثَّانِيَةِ: يَصِيرُ الْبَعْضُ كَالْمَعْدُومِ، وَيَتَحَمَّلُ ذَلِكَ الْغَيْرُ جَمِيعَهَا. تَنْبِيهٌ: شَمِلَ قَوْلُهُ (وَيَلْزَمُهُ فِطْرَةُ مَنْ يَمُونُهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ) الزَّوْجَةَ، وَلَوْ كَانَتْ أَمَةً، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. وَقِيلَ: لَا يَلْزَمُهُ فِطْرَةُ زَوْجَتِهِ الْأَمَةِ. وَتَقَدَّمَ إذَا كَانَ لِلْكَافِرِ عَبْدٌ مُسْلِمٌ أَوْ أَقَارِبُ مُسْلِمُونَ، وَأَوْجَبْنَا عَلَيْهِ النَّفَقَةَ:
هَلْ تَجِبُ عَلَيْهِ الْفِطْرَةُ لَهُمْ أَمْ لَا؟ فِي أَوَّلِ الْبَابِ. وَتَقَدَّمَ إذَا مَلَكَ الْعَبْدُ عَبْدًا: هَلْ تَجِبُ عَلَيْهِ فِطْرَتُهُ؟ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الزَّكَاةِ. قَوْلُهُ (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَا يُؤَدِّي عَنْ جَمِيعِهِ بَدَأَ بِنَفْسِهِ) بِلَا نِزَاعٍ، ثُمَّ بِامْرَأَتِهِ، ثُمَّ بِرَقِيقِهِ، ثُمَّ بِوَلَدِهِ. هَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَقِيلَ: يُقَدِّمُ الرَّقِيقَ عَلَى امْرَأَتِهِ. لِئَلَّا تَسْقُطَ بِالْكُلِّيَّةِ، لِأَنَّ الزَّوْجَةَ تُخْرِجُ مَعَ الْقُدْرَةِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُصُولِ، وَقِيلَ: يُقَدِّمُ الْوَلَدَ عَلَى الزَّوْجَةِ، وَقِيلَ: يُقَدِّمُ الْوَلَدَ الصَّغِيرَ عَلَى الزَّوْجَةِ وَالْعَبْدِ قَوْلُهُ (ثُمَّ بِوَلَدِهِ، ثُمَّ بِأُمِّهِ، ثُمَّ بِأَبِيهِ) تَقْدِيمُ الْوَلَدِ عَلَى الْأَبَوَيْنِ أَحَدُ الْوُجُوهِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: جَزَمَ بِهِ جَمَاعَةٌ، وَقَدَّمَهُ آخَرُونَ. قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي [الْهَادِي] وَالْوَجِيزِ وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يُقَدَّمُ الْوَلَدُ مَعَ صِغَرِهِ عَلَى الْأَبَوَيْنِ، جَزَمَ بِهِ ابْنُ شِهَابٍ، وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: يُقَدَّمُ الْأَبَوَانِ عَلَى الْوَلَدِ، قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُذْهَبِ، وَجَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِي تَقْدِيمِ الْأُمِّ عَلَى الْأَبِ، جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ [وَالْهَادِي] وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَقِيلَ: يُقَدَّمُ الْأَبُ عَلَى الْأُمِّ، وَحَكَاهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى رِوَايَةً. وَقِيلَ: بِتَسَاوِيهِمَا فَائِدَةٌ: لَوْ اشْتَرَى اثْنَانِ فَأَكْثَرُ مِنْ الْقَرَابَةِ، وَلَمْ يَفْضُلْ سِوَى صَاعٍ فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يُقْرِعُ بَيْنَهُمْ. وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَقِيلَ: يُوَزِّعُ بَيْنَهُمْ، وَقِيلَ: يُخَيَّرُ فِي الْإِخْرَاجِ عَنْ أَيِّهِمْ شَاءَ.
قَوْلُهُ (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُخْرِجَ عَنْ الْجَنِينِ، وَلَا تَجِبُ) هَذَا الْمَذْهَبُ. بِلَا رَيْبٍ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَعَنْهُ تَجِبُ: نَقَلَهَا يَعْقُوبُ بْنُ بُخْتَانَ، وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَقَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ فِي حَوَاشِي الْفُرُوعِ: وَيُحْتَمَلُ وُجُوبُهَا إذَا مَضَتْ لَهُ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ، وَيُسْتَحَبُّ قَبْلَ ذَلِكَ. فَائِدَةٌ: يَلْزَمُهُ فِطْرَةُ الْبَائِنِ الْحَامِلِ، إنْ قُلْنَا النَّفَقَةُ لَهَا، وَإِنْ قُلْنَا لِلْحَمْلِ لَمْ تَجِبْ. عَلَى أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ. بِنَاءً عَلَى وُجُوبِهَا عَلَى الْجَنِينِ، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَيُسْتَحَبُّ فِطْرَةُ الْجَنِينِ، إنْ قُلْنَا النَّفَقَةُ لَهُ، وَعَنْهُ تَجِبُ، فَلَوْ أَبَانَ حَامِلًا لَزِمَتْهُ فِطْرَتُهَا إنْ وَجَبَتْ النَّفَقَةُ لَهَا، وَفِي فِطْرَةِ حَمْلِهَا إذْن وَجْهَانِ، وَإِنْ وَجَبَتْ النَّفَقَةُ لِلْحَمْلِ وَجَبَتْ فِطْرَتُهُ، وَفِي أُمِّهِ إذَنْ وَجْهَانِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ. وَقِيلَ: تُسَنُّ فِطْرَتُهُ، وَإِنْ وَجَبَتْ النَّفَقَةُ لَهُ، وَتَجِبُ فِطْرَتُهُ وَإِنْ وَجَبَتْ النَّفَقَةُ لِأُمِّهِ. قَوْلُهُ (وَمَنْ تَكَفَّلَ بِمُؤْنَةِ شَخْصٍ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ: لَمْ تَلْزَمْهُ فِطْرَتُهُ، عِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ) ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، وَاخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَحُمِلَ كَلَامُ أَحْمَدَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ. لِعَدَمِ الدَّلِيلِ، وَاخْتَارَهُ صَاحِبُ الْفَائِقِ أَيْضًا. قَالَ فِي التَّلْخِيصِ: وَالْأَقْيَسُ أَنْ لَا تَلْزَمَهُ. انْتَهَى. وَالْمَنْصُوصُ: أَنَّهَا تَلْزَمُهُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. قَالَهُ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ. قَالَ فِي الْهِدَايَةِ: قَالَهُ الْأَصْحَابُ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِ. وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفَائِقِ. تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ قَوْلِهِ " فِي شَهْرِ رَمَضَانَ " أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَمُونَهُ كُلَّ الشَّهْرِ، وَهُوَ
صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ: يَلْزَمُهُ إذَا مَانَهُ آخِرَ لَيْلَةٍ مِنْ الشَّهْرِ كَمَنْ مَلَكَ عَبْدًا وَزَوْجَةً قَبْلَ الْغُرُوبِ، وَمَعْنَاهُ فِي الِانْتِصَارِ وَالرَّوْضَةِ، وَأَطْلَقَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَغَيْرُهُمْ: وَجْهَيْنِ فِيمَنْ نَزَلَ بِهِ ضَيْفٌ قَبْلَ الْغُرُوبِ لَيْلَةَ الْعِيدِ. زَادَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: قُلْت أَوْ نَزَلَ بِهِ قَبْلَ فَجْرِهَا، إنْ عَلَّقْنَا الْوُجُوبَ بِهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَيْضًا عَلَى الْمَنْصُوصِ: أَنَّهُ لَوْ مَانَهُ جَمَاعَةٌ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ: أَنَّهَا لَا تَجِبُ عَلَيْهِمْ، وَهُوَ أَحَدُ الِاحْتِمَالَيْنِ. قُلْت: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْفَائِقِ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَالِاحْتِمَالُ الثَّانِي: تَجِبُ عَلَيْهِمْ بِالْحِصَصِ، كَعَبْدٍ مُشْتَرَكٍ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْفُرُوعِ، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَحَكَاهُمَا وَجْهَيْنِ، وَعَلَى قَوْل ابْنِ عَقِيلٍ: تَجِبُ فِطْرَتُهُ عَلَى مَنْ مَانَهُ آخِرَ لَيْلَةٍ. فَائِدَتَانِ. إحْدَاهُمَا: لَوْ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا أَوْ ظِئْرًا بِطَعَامِهِمَا لَمْ تَلْزَمْهُ فِطْرَتُهُمَا. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: بَلَى. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَهُوَ أَقْيَسُ. الثَّانِيَةُ: لَوْ وَجَبَتْ نَفَقَتُهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ فَلَا فِطْرَةَ لَهُ. قَالَهُ الْقَاضِي وَمَنْ بَعْدَهُ، وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِإِنْفَاقٍ. إنَّمَا هُوَ إيصَالُ الْمَالِ فِي حَقِّهِ، أَوْ أَنَّ الْمَالَ لَا مَالِكَ لَهُ. قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَالْمُرَادُ مُعَيَّنٌ، كَعَبِيدِ الْغَنِيمَةِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ وَالْفَيْءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. قَوْلُهُ (وَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ بَيْنَ شُرَكَاءَ، فَعَلَيْهِمْ صَاعٌ وَاحِدٌ) ، قَالَ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ: هَذَا الظَّاهِرُ عَنْهُ. قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: وَقَدْ نُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ رِوَايَةِ وُجُوبِ صَاعٍ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ: قَالَ فَوْزَانِ: رَجَعَ أَحْمَدُ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يَعْنِي عَنْ إيجَابِ صَاعٍ كَامِلٍ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ وَصَحَّحَهُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي التَّذْكِرَةِ، وَابْنُ مُنَجَّى فِي شَرْحِهِ، وَقَالَ: هُوَ الْمَذْهَبُ، وَاخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالْمَجْدُ، وَالشَّارِحُ، وَابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالْهِدَايَةِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَالْمُنْتَخَبِ، وَعَنْهُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ صَاعٌ، اخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ، وَأَبُو بَكْرٍ. قَالَهُ الْمَجْدُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: اخْتَارَهُ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ الْبَنَّا فِي عُقُودِهِ وَغَيْرُهُ، وَصَحَّحَهُ فِي الْمُبْهِجِ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْمُذْهَبِ وَالْحَاوِيَيْنِ. قَوْلُهُ (كَذَلِكَ الْحُكْمُ فِيمَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ) ، وَكَذَا الْحُكْمُ أَيْضًا: لَوْ كَانَ عَبْدَانِ فَأَكْثَرُ بَيْنَ شُرَكَاءَ، مِنْهُمْ أَوْ مِنْ وَرَثَةٍ اثْنَانِ فَأَكْثَرُ، أَوْ مَنْ أَلْحَقَتْهُ الْقَافَةُ بِاثْنَيْنِ أَوْ بِأَكْثَرَ وَنَحْوِهِمْ، حُكْمُهُمْ كَحُكْمِ الْعَبِيدِ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ نَقْلًا وَمَذْهَبًا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: لَوْ أَلْحَقَتْ الْقَافَةُ وَلَدًا بِاثْنَيْنِ، فَكَالْعَبْدِ الْمُشْتَرَكِ، جَزَمَ بِهِ الْأَصْحَابُ. مِنْهُمْ صَاحِبُ الْمُغْنِي، وَالْمُحَرَّرِ. قَالَ: وَتَبِعَ ابْنُ تَمِيمٍ قَوْلَ بَعْضِهِمْ: يَلْزَمُ كُلَّ وَاحِدٍ صَاعٌ، وَجْهًا وَاحِدًا، وَتَبِعَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ. ثُمَّ خَرَجَ خِلَافُهُ مِنْ عِنْدِهِ، وَجَزَمَ بِمَا جَزَمَ بِهِ ابْنُ تَمِيمٍ فِي الْحَاوِيَيْنِ. وُجُوبُ الصَّاعِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ مِنْ مُفْرَدَاتِ الْمَذْهَبِ، وَاخْتَارَ أَبُو بَكْرٍ فِيمَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ لُزُومَ السَّيِّدِ بِقَدْرِ مِلْكِهِ، وَلَا شَيْءَ عَلَى الْعَبْدِ فِي الْبَاقِي، وَيَأْتِي لَوْ كَانَ نَفْعُ الرَّقِيقِ لِوَاحِدٍ وَرَقَبَتُهُ لِآخَرَ: عَلَى مَنْ تَجِبُ فِطْرَتُهُ؟ بَعْدَ قَوْلِهِ " وَتَجِبُ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ ". فَائِدَةٌ: لَوْ هَايَأَ مَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ سَيِّدُهُ بَاقِيَهُ: لَمْ تَدْخُلْ الْفِطْرَةُ فِي الْمُهَايَأَةِ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَجَمَاعَةٌ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لِلَّهِ كَالصَّلَاةِ. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ،
وَابْنُ حَمْدَانَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: لَمْ تَدْخُلْ الْفِطْرَةُ فِيهَا عَلَى الْأَصَحِّ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنَوِّرِ، فَعَلَى هَذَا: أَيُّهُمَا عَجَزَ عَمَّا عَلَيْهِ لَمْ يَلْزَمْ الْآخَرَ قِسْطُهُ، كَشَرِيكٍ ذِمِّيٍّ لَا يَلْزَمُ الْمُسْلِمَ قِسْطُهُ، فَإِنْ كَانَ يَوْمُ الْعِيدِ نَوْبَةَ الْعَبْدِ الْمُعْتَقِ نِصْفُهُ مَثَلًا اُعْتُبِرَ أَنْ يَفْضُلَ عَنْ قُوتِهِ نِصْفُ صَاعٍ، وَإِنْ كَانَ نَوْبَةَ سَيِّدِهِ: لَزِمَ الْعَبْدَ نِصْفُ صَاعٍ، وَلَوْ لَمْ يَمْلِكْ غَيْرَهُ؛ لِأَنَّ مُؤْنَتَهُ عَلَى غَيْرِهِ. قُلْت: فَيُعَايَى بِهَا، وَقِيلَ: تَدْخُلُ الْفِطْرَةُ فِي الْمُهَايَأَةِ. بِنَاءً عَلَى دُخُولِ كَسْبٍ نَادِرٍ فِيهَا كَالنَّفَقَةِ. فَلَوْ كَانَ يَوْمُ الْعِيدِ نَوْبَةَ الْعَبْدِ وَعَجَزَ عَنْهَا: لَمْ يَلْزَمْ السَّيِّدَ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ لَا تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ، كَمُكَاتَبٍ عَجَزَ عَنْ الْفِطْرَةِ، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَقُلْت: تَلْزَمُهُ إنْ وَجَبَتْ بِالْغُرُوبِ فِي نَوْبَتِهِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ مُتَوَجَّهٌ، وَإِنْ كَانَتْ نَوْبَةُ السَّيِّدِ، وَعَجَزَ عَنْهَا: أَدَّى الْعَبْدُ قِسْطَ حُرِّيَّتِهِ، فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ. بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا عَلَيْهِ بِطَرِيقِ التَّحَمُّلِ، كَمُوسِرَةٍ تَحْتَ مُعْسِرٍ، وَقِيلَ: لَا تَلْزَمُهُ. قَوْلُهُ (وَإِنْ عَجَزَ زَوْجُ الْمَرْأَةِ عَنْ فِطْرَتِهَا، فَعَلَيْهَا، أَوْ عَلَى سَيِّدِهَا إنْ كَانَتْ أَمَةً؛ لِأَنَّهُ كَالْمَعْدُومِ) ، وَهَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا تَجِبَ، وَاخْتَارَهُ بَعْضُ الْأَصْحَابِ كَالنَّفَقَةِ. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَإِنْ أَعْسَرَ زَوْجُ الْأَمَةِ، فَهَلْ تَجِبُ عَلَى سَيِّدِهَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ فَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ الثَّانِي: هَلْ تَبْقَى فِي ذِمَّتِهِ كَالنَّفَقَةِ، أَمْ لَا؟ كَفِطْرَةِ نَفْسِهِ. يَتَوَجَّهُ احْتِمَالَيْنِ. قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ. قُلْت: الْأَوْلَى السُّقُوطُ، وَهُوَ كَالصَّرِيحِ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ.
وَعَلَى الْمَذْهَبِ: هَلْ تَرْجِعُ الْحُرَّةُ وَالسَّيِّدُ إذَا أَخْرَجَا عَلَى الزَّوْجِ إذَا أَيْسَرَ، كَالنَّفَقَةِ أَمْ لَا، كَفِطْرَةِ الْقَرِيبِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَأَطْلَقَهُمَا الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَصَاحِبُ الْفُرُوعِ، وَمُخْتَصَرِ ابْنِ تَمِيمٍ، وَالْحَاوِيَيْنِ. إحْدَاهُمَا: يَرْجِعَانِ عَلَيْهِ. قَالَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ فِي الْحُرَّةِ تَرْجِعُ عَلَيْهِ فِي الْأَقْيَسِ إذَا أَيْسَرَ بِالنَّفَقَةِ، وَقَالَ فِي مَسْأَلَةِ السَّيِّدِ: يَرْجِعُ عَلَى الزَّوْجِ الْحُرِّ فِي وَجْهٍ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَرْجِعَانِ عَلَيْهِ إذَا أَيْسَرَ، وَهُوَ ظَاهِرٌ. بَحَثَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَمَأْخَذُ الْوَجْهَيْنِ: أَنَّ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ فِطْرَةُ غَيْرِهِ: هَلْ تَجِبُ عَلَيْهِ بِطَرِيقِ التَّحَمُّلِ عَنْ ذَلِكَ الْغَيْرِ، أَوْ بِطَرِيقِ الْأَصَالَةِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ لِلْأَصْحَابِ. قَالَ فِي الْفَائِقِ: وَمَنْ كَانَتْ نَفَقَتُهُ عَلَى غَيْرِهِ، فَفِطْرَتُهُ عَلَيْهِ، وَهَلْ يَكُونُ مُتَحَمِّلًا، أَوْ أَصِيلًا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَكَذَا قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ، وَقَالَ: وَالْأَشْهَرُ أَنَّهُ مُتَحَمِّلٌ غَيْرُ أَصِيلٍ. قَالَ فِي التَّلْخِيصِ: ظَاهِرُ كَلَامِ أَصْحَابِنَا: أَنَّهُ يَكُونُ مُتَحَمِّلًا، وَالْمُخْرَجُ عَنْهُ أَصِيلٌ، بَلْ هُوَ أَصِيلٌ. فَوَائِدُ. الْأُولَى: الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: وُجُوبُ فِطْرَةِ زَوْجَةِ الْعَبْدِ عَلَى سَيِّدِهِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ: هَذَا قِيَاسُ الْمَذْهَبِ كَالنَّفَقَةِ، وَكَمَنْ زَوَّجَ عَبْدَهُ بِأَمَتِهِ. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: هَذَا أَصَحُّ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَقِيلَ: تَجِبُ عَلَيْهَا إنْ كَانَتْ حُرَّةً، وَعَلَى سَيِّدِهَا إنْ كَانَتْ أَمَةً، قَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ. قَالَ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ: قَالَهُ أَصْحَابُنَا الْمُتَأَخِّرُونَ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ [قَالَ فِي الْحَاوِيَيْنِ: هَذَا أَصَحّ الْوَجْهَيْنِ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى: هَذَا أَشْهَرُ الْوَجْهَيْنِ] وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ. قَالَ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ: الْقَوْلُ بِالْوُجُوبِ مَبْنِيٌّ عَلَى تَعَلُّقِ نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ بِرَقَبَةِ الْعَبْدِ. أَوْ أَنَّ السَّيِّدَ مُعْسِرٌ، فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا وَقُلْنَا: نَفَقَةُ زَوْجَةِ عَبْدِهِ عَلَيْهِ فَفِطْرَتُهُ عَلَيْهِ، وَتَبِعَهُ ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ.
الثَّانِيَةُ: لَوْ كَانَتْ زَوْجَتُهُ الْأَمَةُ عِنْدَهُ لَيْلًا، وَعِنْدَ سَيِّدِهَا نَهَارًا، فَفِطْرَتُهَا عَلَى سَيِّدِهَا. لِقُوَّةِ مِلْكِ الْيَمِينِ فِي تَحَمُّلِ الْفِطْرَةِ، عَلَى الصَّحِيحِ، وَإِلَيْهِ مَيْلُ الْمَجْدِ فِي شَرْحِهِ، وَجَزَمَ. فِي الْمُنَوِّرِ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ. وَالْحَاوِيَيْنِ، وَقِيلَ: بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ كَالنَّفَقَةِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَالْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ. وَتَقَدَّمَ وُجُوبُ فِطْرَةِ قَرِيبِ الْمَكَاتِبِ وَزَوْجَتِهِ. الثَّالِثَةُ: لَوْ زَوَّجَ قَرِيبَهُ، وَلَزِمَتْهُ نَفَقَةُ امْرَأَتِهِ، فَعَلَيْهِ فِطْرَتُهَا. قَوْلُهُ (وَمَنْ لَهُ غَائِبٌ أَوْ آبِقٌ فَعَلَيْهِ فِطْرَتُهُ) ، وَكَذَا الْمَغْصُوبُ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَقِيلَ: لَا تَجِبُ عَلَى الْغَائِبِ فِطْرَةُ زَوْجَتِهِ وَرَقِيقِهِ، وَحَكَاهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَغَيْرُهُ رِوَايَةً [وَاحِدَةً] قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَعَنْهُ رِوَايَةٌ مُخَرَّجَةٌ مِنْ زَكَاةِ الْمَالِ لَا تَجِبُ. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يَحْتَمِل أَنْ لَا يَلْزَمَهُ إخْرَاجُ زَكَاتِهِ حَتَّى يَرْجِعُ، كَزَكَاةِ الدَّيْنِ وَالْمَغْصُوبِ. فَائِدَةٌ: يُخْرِجُ الْفِطْرَةَ عَنْ الْعَبْدِ وَالْحُرِّ مَكَانَهُ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ. قَالَ الْمَجْدُ: نَصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: مَكَانَهُمَا. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: قَدَّمَهُ بَعْضُهُمْ، وَأَطْلَقَهُمَا. قَوْلُهُ (إلَّا أَنْ يَشُكَّ فِي حَيَاتِهِ، فَتَسْقُطُ) هَذَا الْمَذْهَبُ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ، وَالظَّاهِرُ مَوْتُهُ، كَالنَّفَقَةِ. وَذَكَرَ ابْنُ شِهَابٍ: أَنَّهَا لَا تَسْقُطُ فَتَلْزَمُهُ، لِئَلَّا تَسْقُطَ بِالشَّكِّ. قُلْت: وَهُوَ أَقْوَى فِي النَّظَرِ. وَالْأَصْلُ: عَدَمُ مَوْتِهِ، قَالَ ابْنُ رَجَبٍ فِي قَوَاعِدِهِ: وَيَتَخَرَّجُ لَنَا وَجْهٌ بِوُجُوبِ الْفِطْرَةِ لِلْعَبْدِ الْآبِقِ الْمُنْقَطِعِ خَبَرُهُ بِنَاءً عَلَى جَوَازِ عِتْقِهِ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ عَلِمَ حَيَاتَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: أَخْرَجَ لِمَا مَضَى) هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ فِي الَّتِي قَبْلَهَا. وَهَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ لُزُومُهُ. وَقِيلَ: لَا يُخْرِجُ، وَلَوْ عَلِمَ حَيَاتَهُ، وَقِيلَ: لَا يُخْرِجُ عَنْ الْقَرِيبِ فَقَطْ كَالنَّفَقَةِ، وَرُدَّ ذَلِكَ بِوُجُوبِهَا، وَإِنَّمَا تَعَذَّرَ أَيْضًا لَهَا كَتَعَذُّرِهِ بِحَبْسٍ وَمَرَضٍ وَنَحْوِهِمَا. قَوْلُهُ (وَلَا يَلْزَمُ الزَّوْجَ فِطْرَةُ النَّاشِزِ) هَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: تَلْزَمُهُ [قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ] وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْخُلَاصَةِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ. فَائِدَةٌ: وَكَذَا الْحُكْمُ فِي كُلِّ مَنْ لَا تَلْزَمُ الزَّوْجَ نَفَقَتُهَا كَالصَّغِيرَةِ وَغَيْرِهَا. قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ. قَوْلُهُ (وَمَنْ لَزِمَ غَيْرَهُ فِطْرَتُهُ، فَأَخْرَجَ عَنْ نَفْسِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، فَهَلْ تُجْزِئُهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْمُنْتَهَى، وَالْكَافِي، وَالْهَادِي، وَالتَّلْخِيصِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالْفُرُوعِ، وَالشَّرْحِ، وَالْفَائِقِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ. أَحَدُهُمَا: تُجْزِئُهُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، جَزَمَ بِهِ فِي الْإِفَادَاتِ، وَالْوَجِيزِ وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ. قَالَ فِي تَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ: أَجْزَأَهُ عَلَى الْأَظْهَرِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ. وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ، وَصَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ، وَالنَّظْمِ، [قَالَ ابْنُ مُنَجَّى فِي شَرْحِهِ: هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ] .
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا تُجْزِئُهُ، قَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ، وَقَالَ فِي الِانْتِصَارِ: فَإِنْ أَخْرَجَ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَنِيَّتِهِ، فَوَجْهَانِ. تَنْبِيهٌ: مَأْخَذُ الْخِلَافِ هُنَا: مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ مَنْ لَزِمَتْهُ فِطْرَةُ غَيْرِهِ، هَلْ يَكُونُ مُتَحَمِّلًا عَنْهُ أَوْ أَصِيلًا؟ فِيهِ وَجْهَانِ تَقَدَّمَا. ذَكَرَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَصَاحِبُ التَّلْخِيصِ، وَالْفُرُوعِ، وَغَيْرُهُمْ. وَذَكَرَ فِي الرِّعَايَةِ الْمَسْأَلَةَ، وَقَالَ إنْ أَخْرَجَ عَنْ نَفْسِهِ جَازَ، وَقِيلَ: لَا، وَقِيلَ: إنْ قُلْنَا الزَّوْجُ وَالْقَرِيبُ مُتَحَمِّلَانِ: جَازَ، وَإِنْ قُلْنَا هُمَا أَصِيلَانِ: فَلَا، فَظَاهِرُهُ: أَنَّ الْمُقَدَّمَ عِنْدَهُ عَدَمُ الْبِنَاءِ. فَوَائِدُ. إحْدَاهَا: لَوْ لَمْ يُخْرِجْ مَنْ لَزِمَتْهُ فِطْرَةُ غَيْرِهِ عَنْ ذَلِكَ الْغَيْرِ: لَمْ يَلْزَمْ الْغَيْرَ شَيْءٌ وَلِلْغَيْرِ مُطَالَبَتُهُ بِالْإِخْرَاجِ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: جَزَمَ بِهِ الْأَصْحَابُ. مِنْهُمْ أَبُو الْخَطَّابِ فِي الِانْتِصَارِ كَنَفَقَتِهِ، وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: لَيْسَ لَهُ مُطَالَبَتُهُ بِهَا، وَلَا افْتِرَاضُهَا عَلَيْهِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ، فَعَلَى الْمَذْهَبِ: هَلْ تُعْتَبَرُ نِيَّتُهُ فِيهِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ، وَابْنُ تَمِيمٍ. قُلْت: الصَّوَابُ لَا، اكْتِفَاءً بِنِيَّةِ الْمُخْرِجِ. الثَّانِيَةُ: لَوْ أَخْرَجَ عَمَّنْ لَا تَلْزَمُهُ فِطْرَتُهُ بِإِذْنِهِ أَجْزَأَ، وَإِلَّا فَلَا. قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْآجُرِّيُّ: هَذَا قَوْلُ فُقَهَاءِ الْمُسْلِمِينَ. الثَّالِثَةُ: لَوْ أَخْرَجَ الْعَبْدُ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ: لَمْ تُجْزِهِ مُطْلَقًا. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَلَعَلَّهُ خَارِجٌ عَنْ الْخِلَافِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَقِيلَ: إنْ مَلَّكَهُ السَّيِّدُ مَالًا وَقُلْنَا: يَمْلِكُهُ فَفِطْرَتُهُ عَلَيْهِ مِمَّا فِي يَدِهِ، فَيُخْرِجُ الْعَبْدُ عَنْ عَبْدِهِ مِمَّا فِي يَدِهِ.
وَقِيلَ: بَلْ تَسْقُطُ لِتَزَلْزُلِ مِلْكِهِ وَنَقْصِهِ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَعَلَى الْوُجُوبِ إنْ أَخْرَجَهَا بِلَا إذْنِ سَيِّدِهِ أَجْزَأَتْ. قُلْت: لَا تُجْزِئُهُ، وَقِيلَ: فِطْرَتُهُ عَلَيْهِ مِمَّا فِي يَدِهِ. فَإِنْ تَعَذَّرَ كَسْبُهُ فَعَلَى سَيِّدِهِ. انْتَهَى. قَوْلُهُ (وَلَا يَمْنَعُ الدَّيْنُ وُجُوبَ الْفِطْرَةِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مُطَالَبًا بِهِ) هَذَا الْمَذْهَبُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَصَاحِبُ الْفُرُوعِ وَغَيْرُهُمَا: هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هَذَا الْمَذْهَبُ الْمَجْزُومُ بِهِ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ وَغَيْرِهِمَا، وَجَزَمَ بِهِ الْخِرَقِيُّ. وَالْمُصَنِّفِ فِي الْمُغْنِي، وَصَاحِبُ الشَّرْحِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَالْمُنْتَخَبِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ وَغَيْرُهُمْ، وَعَنْهُ يَمْنَعُ، سَوَاءٌ كَانَ مُطَالَبًا بِهِ أَوْ لَا. وَقَالَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَعَنْهُ لَا يَمْنَعُ مُطْلَقًا، اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ الْبَنَّا فِي الْعُقُودِ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَجَعَلَ الْأَوَّلَ اخْتِيَارَ الْمُصَنِّفِ، وَأَطْلَقَهُنَّ فِي الْحَاوِيَيْنِ. قَوْلُهُ (وَتَجِبُ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ لَيْلَةِ الْفِطْرِ) هَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ. نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَعَنْهُ يَمْتَدُّ وَقْتُ الْوُجُوبِ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي مِنْ يَوْمِ الْفِطْرِ، وَاخْتَارَ مَعْنَاهُ الْآجُرِّيُّ، وَعَنْهُ تَجِبُ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ مِنْ يَوْمِ الْفِطْرِ. قَالَ فِي الْإِرْشَادِ: وَيَجِبُ إخْرَاجُ زَكَاةِ الْفِطْرِ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي مِنْ يَوْمِ الْفِطْرِ قَبْلَ صَلَاةِ الْعِيدِ، وَعَنْهُ يَمْتَدُّ الْوُجُوبُ إلَى أَنْ يُصَلَّى الْعِيدُ. ذَكَرَهَا الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، فَعَلَى الْمَذْهَبِ: لَوْ أَسْلَمَ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، أَوْ مَلَكَ عَبْدًا أَوْ زَوْجَةً، أَوْ وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ: لَمْ تَلْزَمْهُ فِطْرَتُهُ، وَإِنْ وَجَدَ ذَلِكَ قَبْلَ الْغُرُوبِ وَجَبَتْ، وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ الْغُرُوبِ وَنَحْوِهِ: لَمْ تَجِبْ وَلَا تَسْقُطُ بَعْدُ.
فَوَائِدُ. الْأُولَى: لَا يَسْقُطُ وُجُوبُ الْفِطْرَةِ بَعْدَ وُجُوبِهَا بِمَوْتٍ وَلَا غَيْرِهِ، بِلَا نِزَاعٍ أَعْلَمُهُ. وَلَوْ كَانَ مُعْسِرًا وَقْتَ الْوُجُوبِ ثُمَّ أَيْسَرَ: لَمْ تَجِبْ الْفِطْرَةُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَعَنْهُ يُخْرِجُ مَتَى قَدَرَ، فَتَبْقَى فِي ذِمَّتِهِ، وَعَنْهُ يُخْرِجُ إنْ أَيْسَرَ أَيَّامَ الْعِيدِ، وَإِلَّا فَلَا. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ: أَيَّامَ النَّحْرِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ: السِّتَّةَ مِنْ شَوَّالٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ نَصَّ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: أَنَّهُ إذَا قَدَرَ بَعْدَ خَمْسَةِ أَيَّامٍ: أَنَّهُ يُخْرِجُ. وَعَنْهُ تَجِبُ إنْ أَيْسَرَ يَوْمَ الْعِيدِ، اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. الثَّانِيَةُ: تَجِبُ الْفِطْرَةُ فِي الْعَبْدِ الْمَرْهُونِ وَالْمُوصَى بِهِ عَلَى مَالِكِهِ وَقْتَ الْوُجُوبِ. وَكَذَا الْمَبِيعُ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ، وَلَوْ زَالَ مِلْكُهُ، كَمَقْبُوضٍ بَعْدَ الْوُجُوبِ وَلَمْ يُفْسَخْ فِيهِ الْعَقْدُ، وَكَمَا لَوْ رَدَّهُ الْمُشْتَرِي بِعَيْبٍ بَعْدَ قَبْضِهِ. الثَّالِثَةُ: لَوْ مَلَكَ عَبْدًا دُونَ نَفْعِهِ، فَهَلْ فِطْرَتُهُ عَلَيْهِ، أَوْ عَلَى مَالِكِ نَفْعِهِ، أَوْ فِي كَسْبِهِ؟ فِيهِ الْأَوْجُهُ الثَّلَاثَةُ الَّتِي فِي نَفَقَتِهِ، الَّتِي ذَكَرَهُنَّ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ فِي بَابِ الْمُوصَى بِهِ لَهُ، فَالصَّحِيحُ هُنَاكَ هُوَ الصَّحِيحُ هُنَا. هَذَا أَصَحُّ الطَّرِيقِينَ، قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَقَدَّمَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ: أَنَّ الْفِطْرَةَ تَجِبُ عَلَى مَالِكِ الرَّقَبَةِ. لِوُجُوبِهَا عَلَى مَنْ لَا نَفْعَ فِيهِ، وَحَكَوْا الْأُوَلَ قَوْلًا. مِنْهُمْ الْمُصَنِّفُ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ، وَغَيْرُهُمْ، وَتَقَدَّمَ لَوْ كَانَ الْعَبْدُ مُسْتَأْجَرًا، أَوْ كَانَتْ الْأَمَةُ ظِئْرًا: أَنَّ فِطْرَتَهُمَا تَجِبُ عَلَى السَّيِّدِ، عَلَى الصَّحِيحِ. تَنْبِيهٌ: مَفْهُومُ قَوْلِهِ (وَيَجُوزُ إخْرَاجُهَا قَبْلَ الْعِيدِ بِيَوْمَيْنِ) . أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إخْرَاجُهَا بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، نَصَّ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، وَعَنْهُ يَجُوزُ تَقْدِيمُهَا بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ. قَالَ فِي الْإِفَادَاتِ: وَيَجُوزُ قَبْلَهُ بِيَوْمَيْنِ، أَوْ
ثَلَاثَةٍ، وَقَطَعَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالنَّظْمِ: أَنَّهُ يَجُوزُ تَقْدِيمُهَا بِأَيَّامٍ، وَهُوَ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْإِرْشَادِ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُمْ أَرَادُوا: ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، كَالرِّوَايَةِ، وَيُحْتَمَلُ غَيْرُ ذَلِكَ، وَقِيلَ: يَجُوزُ تَقْدِيمُهَا بِخَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَحُكِيَ رِوَايَةً. جَعْلًا لِلْأَكْثَرِ كَالْكُلِّ، وَقِيلَ: يَجُوزُ تَقْدِيمُهَا بِشَهْرٍ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي شَرْحِهِ الصَّغِيرِ. قَوْلُهُ (وَالْأَفْضَلُ إخْرَاجُهَا يَوْمَ الْعِيدِ، قَبْلَ الصَّلَاةِ، مِنْ بَعْدِ طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي) . صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالرِّعَايَةِ، وَغَيْرِهِمَا، أَوْ قَدْرَهَا إنْ لَمْ يُصَلِّ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: تُخْرَجُ قَبْلَهَا، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَغَيْرُهُ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ، وَقَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْأَصْحَابِ: الْأَفْضَلُ أَنْ تُخْرَجَ إذَا خَرَجَ إلَى الْمُصَلَّى، وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ تَمِيمٍ، فَدَخَلَ فِي كَلَامِهِمْ: لَوْ خَرَجَ إلَى الْمُصَلَّى قَبْلَ الْفَجْرِ. قَوْلُهُ (وَيَجُوزُ فِي سَائِرِ الْيَوْمِ) ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَقِيلَ: يَحْرُمُ التَّأْخِيرُ إلَى بَعْدِ الصَّلَاةِ، وَذَكَرَ الْمَجْدُ: أَنَّ الْإِمَامَ أَحْمَدَ أَوْمَأَ إلَيْهِ، وَيَكُونُ قَضَاءً، وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي كِتَابِ أَسْبَابِ الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَهَذَا الْقَوْلُ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ عَنْ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ قَضَاءٌ: وَهُوَ بَعِيدٌ. تَنْبِيهٌ: يُحْتَمَلُ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ " وَيَجُوزُ فِي سَائِرِ الْيَوْمِ " الْجَوَازُ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ، وَهُوَ بَعِيدٌ، وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَيُحْتَمَلُ إرَادَتُهُ الْجَوَازَ مَعَ الْكَرَاهَةِ، وَهُوَ الْوَجْهُ الثَّانِي، وَهُوَ الصَّحِيحُ. قَالَ فِي الْكَافِي، وَالْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: وَكَانَ تَارِكًا لِلِاخْتِيَارِ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ، الْقَوْلُ بِالْكَرَاهَةِ أَظْهَرُ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ وَغَيْرِهِمْ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ
قَوْلُهُ (فَإِنْ أَخَّرَهَا عَنْهُ أَثِمَ، وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ) ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَعَنْهُ لَا يَأْثَمُ. نَقَلَ الْأَثْرَمُ: أَرْجُو أَنْ لَا بَأْسَ وَقِيلَ لَهُ فِي رِوَايَةِ الْكَحَّالِ فَإِنْ أَخَّرَهَا؟ قَالَ: إذَا أَعَدَّهَا لِقَوْمٍ. قَوْلُهُ (وَالْوَاجِبُ فِي الْفِطْرَةِ: صَاعٌ مِنْ الْبُرِّ وَالشَّعِيرِ) هَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: إجْزَاءُ نِصْفِ صَاعٍ مِنْ الْبُرِّ. قَالَ: وَهُوَ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ فِي الْكَفَّارَةِ، وَأَنَّهُ يَقْتَضِيهِ مَا نَقَلَهُ الْأَثْرَمُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ، وَاخْتَارَ مَا اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ صَاحِبُ الْفَائِقِ. فَائِدَةٌ: الصَّاعُ قَدْرٌ مَعْلُومٌ. وَقَدْ تَقَدَّمَ قَدْرُهُ فِي آخِرِ بَابِ الْغُسْلِ، فَيُؤْخَذُ صَاعٌ مِنْ الْبُرِّ، وَمِثْلُ مَكِيلِ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِهِ، وَتَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ مُسْتَوْفًى فِي أَوَّلِ بَابِ زَكَاةِ الْخَارِجِ مِنْ الْأَرْضِ، وَلَا عِبْرَةَ بِوَزْنِ التَّمْرِ، وَقَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَلَا عِبْرَةَ بِوَزْنِ التَّمْرِ. قُلْت: وَكَذَا غَيْرُهُ مِمَّا يُخْرِجُهُ سِوَى الْبُرِّ، وَقِيلَ: يُعْتَبَرُ الصَّاعُ بِالْعَدَسِ كَالْبُرِّ، وَقُلْت: بَلْ بِالْمَاءِ كَمَا سَبَقَ. انْتَهَى. وَيُحْتَاطُ فِي الثَّقِيلِ لِيَسْقُطَ الْفَرْضُ بِيَقِينٍ. قَوْلُهُ (وَدَقِيقُهُمَا وَسَوِيقُهُمَا) يَعْنِي دَقِيقَ الْبُرِّ وَالشَّعِيرِ وَسَوِيقَهُمَا، فَيُجْزِئُ إخْرَاجُ أَحَدِهِمَا. هَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَعَنْهُ لَا يُجْزِئُ ذَلِكَ، وَقِيلَ: لَا يُجْزِئُ السَّوِيقُ، اخْتَارَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى، وَالْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، فَعَلَى الْمَذْهَبِ: يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ صَاعُ ذَلِكَ بِوَزْنِ حَبَّةٍ، بِلَا نِزَاعٍ أَعْلَمُهُ.
وَنَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَخْرَجَ الدَّقِيقَ بِالْكَيْلِ لَنَقَصَ عَنْ الْحَبِّ، لِتَفَرُّقِ الْأَجْزَاءِ بِالطَّحْنِ. تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: الْإِجْزَاءُ وَإِنْ لَمْ يُنْخَلْ، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، جَزَمَ بِهِ فِي التَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَغَيْرِهِمْ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُصُولِ، وَالْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَغَيْرِهِمْ، وَقِيلَ: لَا يُجْزِئُ إخْرَاجُهُ إلَّا مَنْخُولًا، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ. قَوْلِهِ (وَمِنْ الْأَقِطِ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ) ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْفُصُولِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ. إحْدَاهُمَا: الْإِجْزَاءُ مُطْلَقًا، وَهُوَ الْمَذْهَبُ. نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هَذَا الْمَذْهَبُ انْتَهَى، وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَابْنُ أَبِي مُوسَى، وَالْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي خِلَافَيْهِمَا، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَابْنُ عَبْدُوسٍ الْمُتَقَدِّمُ، وَابْنُ الْبَنَّا، وَالشِّيرَازِيُّ، وَغَيْرُهُمْ، وَجَزَمَ بِهِ فِي تَذْكِرَةِ ابْنِ عَقِيلٍ، وَالْمُبْهِجِ، وَالْعُقُودِ لِابْنِ الْبَنَّا، وَالْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ وَغَيْرِهِمْ، وَصَحَّحَهُ فِي الصَّحِيحِ، وَالْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَالنَّاظِمُ، قَالَ فِي تَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ: وَيُجْزِئُ صَاعُ أَقِطٍ عَلَى الْأَظْهَرِ، وَعَنْهُ يُجْزِئُ لِمَنْ يَقْتَاتُهُ دُونَ غَيْرِهِ، اخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ، وَقَدَّمَهُ، فِي الْمَذْهَبِ، نَقَلَهُ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ، وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ، وَالْمُصَنِّفِ، وَصَاحِبُ التَّلْخِيصِ، وَجَمَاعَةٌ: وَعَنْهُ لَا يُجْزِئُ إلَّا عِنْدَ عَدَمِ الْأَرْبَعَةِ، فَاخْتَلَفَ نَقْلُهُمْ فِي مَحَلِّ الرِّوَايَةِ، وَعَنْهُ لَا يُجْزِئُ مُطْلَقًا، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ فِي التَّسْهِيلِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ. قُلْت: قَالَ فِي الْهِدَايَةِ، فَأَمَّا الْأَقِطُ: فَعَنْهُ أَنَّهُ لَا يُخْرَجُ مِنْهُ مَعَ وُجُودِ هَذِهِ الْأَصْنَافِ، وَعَنْهُ أَنَّهُ يُخْرَجُ مِنْهُ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ، فَحَكَى اخْتِيَارَ أَبِي بَكْرٍ جَوَازَ الْإِخْرَاجِ مُطْلَقًا، وَحَكَى فِي الْفُرُوعِ اخْتِيَارَهُ عَدَمَ الْجَوَازِ مُطْلَقًا.
فَلَعَلَّ أَنْ يَكُونَ لَهُ فِي الْمَسْأَلَةِ اخْتِيَارَانِ، فَعَلَى الْمَذْهَبِ: هَلْ يُجْزِئُ اللَّبَنُ غَيْرُ الْمَخِيضِ وَالْجُبْنُ، أَوْ لَا يُجْزِئَانِ؟ أَوْ يُجْزِئُ اللَّبَنُ دُونَ الْجُبْنِ، أَوْ عَكْسُهُ؟ أَوْ يُجْزِئَانِ عِنْدَ عَدَمِ الْأَقِطِ؟ فِيهِ أَقْوَالٌ، وَأَطْلَقَهُنَّ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَأَطْلَقَ الثَّلَاثَةَ الْأُوَلَ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَأَطْلَقَ الْأُولَيَيْنِ: الزَّرْكَشِيُّ. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: إجْزَاءُ اللَّبَنِ، دُونَ الْجُبْنِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَاَلَّذِي وُجِدَ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: أَنَّهُ قَالَ " يُرْوَى عَنْ الْحَسَنِ صَاعُ لَبَنٍ؛ لِأَنَّ الْأَقِطَ رُبَّمَا ضَاقَ " فَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْجُبْنِ. انْتَهَى. قُلْت: الْجُبْنُ أَوْلَى مِنْ اللَّبَنِ، وَالْقَوْلُ الرَّابِعُ: احْتِمَالٌ فِي الرِّعَايَةِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالْفُرُوعِ، وَقَالَ فِي الْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ: إذَا قُلْنَا يَجُوزُ إخْرَاجُ الْأَقِطِ مُطْلَقًا، فَإِذَا عَدِمَهُ أَخْرَجَ عَنْهُ اللَّبَنَ. قَالَ الْقَاضِي: إذَا عَدِمَ الْأَقِطَ وَقُلْنَا: لَهُ إخْرَاجُهُ جَازَ إخْرَاجُ اللَّبَنِ، قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ: إذَا لَمْ يَجِدْ الْأَقِطَ عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي تَقُولُ يُجْزِئُ وَأَخْرَجَ عَنْهُ اللَّبَنَ: أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّ الْأَقِطَ مِنْ اللَّبَنِ؛ لِأَنَّهُ لَبَنٌ مُجَمَّدٌ مُجَفَّفٌ بِالْمَصْلِ، وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ، وَقَالَ: لِأَنَّهُ أَكْمَلُ مِنْهُ، وَقَالَ الْمُصَنِّفُ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ: أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ اللَّبَنُ بِحَالٍ، وَقَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: وَإِذَا قُلْنَا يَجُوزُ إخْرَاجُ الْأَقِطِ: لَمْ يَجُزْ إخْرَاجُ اللَّبَنِ مَعَ وُجُودِهِ، وَيُجْزِئُ مَعَ عَدَمِهِ. ذَكَرَهُ الْقَاضِي. وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: لَا يُجْزِئُ. قَوْلُهُ (وَلَا يُجْزِئُ غَيْرُ ذَلِكَ) يَعْنِي إذْ وُجِدَ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْأَجْنَاسِ الَّتِي ذَكَرَهَا لَمْ يُجْزِئْهُ غَيْرُهَا، وَإِنْ كَانَ يَقْتَاتُهُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، وَيَأْتِي كَلَامُ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ قَرِيبًا.
وَظَاهِرُ كَلَامِهِ: إجْزَاءُ أَحَدِ الْأَجْنَاسِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَإِنْ كَانَ يَقْتَاتُ غَيْرَهُ، وَهُوَ صَحِيحٌ. لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا. وَصَرَّحَ بِهِ الْأَصْحَابُ. تَنْبِيهٌ: دَخَلَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَهُوَ قَوْلُهُ " وَلَا يُجْزِئُ غَيْرُ ذَلِكَ " الْقِيمَةُ وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهَا لَا تُجْزِئُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ رِوَايَةٌ مُخَرَّجَةٌ يُجْزِئُ إخْرَاجُهَا، وَقِيلَ: يُجْزِئُ كُلُّ مَكِيلٍ مَطْعُومٍ، وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَقَدْ أَوْمَأَ إلَيْهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: يُجْزِئُهُ مِنْ قُوتِ بَلَدِهِ مِثْلُ الْأُرْزِ وَغَيْرِهِ. وَلَوْ قَدَرَ عَلَى الْأَصْنَافِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْحَدِيثِ، وَذَكَرَهُ رِوَايَةً، وَأَنَّهُ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ رَزِينٍ، وَحَكَاهُ فِي الرِّعَايَةِ قَوْلًا. قَوْلُهُ (إلَّا أَنْ يَعْدِمَهُ، فَيُخْرِجَ مِمَّا يَقْتَاتُ عِنْدَ ابْنِ حَامِدٍ) . سَوَاءٌ كَانَ مَكِيلًا أَوْ غَيْرَهُ، كَالذُّرَةِ وَالدُّخْنِ وَاللَّحْمِ وَاللَّبَنِ، وَسَائِرِ مَا يَقْتَاتُ بِهِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْعُمْدَةِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ. قَالَ فِي التَّلْخِيصِ: هَذَا الْمَذْهَبُ، وَقِيلَ: لَا يَعْدِلُ عَنْ اللَّحْمِ وَاللَّبَنِ. (وَعِنْدَ أَبِي بَكْرٍ: يُخْرِجُ مَا يَقُومُ مَقَامَ الْمَنْصُوصِ) مِنْ حَبٍّ وَتَمْرٍ يُقْتَاتُ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَكِيلًا مُقْتَاتًا يَقُومُ مَقَامَ الْمَنْصُوصِ. وَهَذَا الْمَذْهَبُ، قَالَ الْمَجْدُ: هَذَا أَشْبَهُ بِكَلَامِ أَحْمَدَ. نَقَلَ حَنْبَلٌ: مَا يَقُومُ مَقَامَهَا صَاعٌ، وَهُوَ قَوْلُ الْخِرَقِيِّ، وَمَعْنَاهُ: قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَغَيْرِهِمْ، وَقَدَّمَهُ فِي الْكَافِي، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالنَّظْمِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالْفَائِقِ، وَالْحَاوِيَيْنِ. زَادَ فِي التَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ: مِمَّا يَقْتَاتُ غَالِبًا، وَقِيلَ: يُجْزِئُ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَكِيلًا، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَلِأَبِي الْحَسَنِ بْنِ عَبْدُوسٍ احْتِمَالٌ: لَا يُجْزِئُ غَيْرُ الْخَمْسَةِ
الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا، وَتَبْقَى عِنْدَ عَدَمِ هَذِهِ الْخَمْسَةِ فِي ذِمَّتِهِ، حَتَّى يَقْدِرَ عَلَى أَحَدِهَا. قَوْلُهُ (وَلَا يُخْرِجُ حَبًّا مَعِيبًا) ، كَحَبٍّ مُسَوِّسٍ وَمَبْلُولٍ، وَقَدِيمٍ تَغَيَّرَ طَعْمُهُ وَنَحْوُهُ. وَهَذَا الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَقِيلَ: إنْ عَدِمَ غَيْرَهُ أَجْزَأَ، وَإِلَّا فَلَا. فَائِدَتَانِ. إحْدَاهُمَا: لَوْ خَالَطَ الَّذِي يُجْزِئُ مَا لَا يُجْزِئُ، فَإِنْ كَانَ كَثِيرًا لَمْ يُجْزِئْ، وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا زَادَ بِقَدْرِ مَا يَكُونُ الْمُصَفَّى صَاعًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ عَيْبًا، لِقِلَّةِ مَشَقَّةِ تَنْقِيَتِهِ. قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ. قُلْت: لَوْ قِيلَ بِالْإِجْزَاءِ وَلَوْ كَانَ مَا لَا يُجْزِئُ كَثِيرًا، إذَا زَادَ بِقَدْرِهِ لَكَانَ قَوِيًّا. الثَّانِيَةُ: نَصَّ الْإِمَامُ أَحْمَدَ عَلَى تَنْقِيَةِ الطَّعَامِ الَّذِي يُخْرِجُهُ. قَوْلُهُ (وَلَا خُبْزًا) هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. إلَّا ابْنَ عَقِيلٍ، فَإِنَّهُ قَالَ: يُجْزِئُ، وَحَكَاهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَغَيْرِهَا قَوْلًا، وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ فِي كِتَابِ الْكَفَّارَاتِ: لَوْ قِيلَ بِإِجْزَاءِ الْخُبْزِ فِي الْفِطْرَةِ: لَكَانَ مُتَوَجِّهًا، وَكَأَنَّهُ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى كَلَامِ ابْنِ عَقِيلٍ. قَوْلُهُ (وَيُجْزِئُ إخْرَاجُ صَاعٍ مِنْ أَجْنَاسٍ) هَذَا الْمَذْهَبُ، نَصَّ عَلَيْهِ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، لِتَفَاوُتِ مَقْصُودِهَا، وَاتِّحَادِهِ. وَقَاسَهُ الْمُصَنِّفُ عَلَى فِطْرَةِ الْعَبْدِ الْمُشْتَرَكِ، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَقُلْت لَا يُخْرِجُ فِطْرَةَ عَبْدِهِ مِنْ جِنْسَيْنِ إذَا كَانَ لِاثْنَيْنِ. احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ، وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ تَخْرِيجٌ، وَاحْتِمَالٌ مِنْ الْكَفَّارَةِ: لَا يُجْزِئُ لِظَاهِرِ الْأَخْبَارِ. إلَّا أَنْ تُعَدَّ بِالْقِيمَةِ، وَخَرَّجَ فِي الْقَوَاعِدِ وَجْهًا بِعَدَمِ الْإِجْزَاءِ. قَوْلُهُ (وَأَفْضَلُ الْمُخْرَجِ: التَّمْرُ) هَذَا الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا، وَنَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. اتِّبَاعًا لِلسُّنَّةِ، وَلِفِعْلِ
الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ؛ وَلِأَنَّهُ قُوتٌ وَحَلَاوَةٌ، وَأَقْرَبُ تَنَاوُلًا، وَأَقَلُّ كُلْفَةً. قُلْت: وَالزَّبِيبُ يُسَاوِيهِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ لَوْلَا الْأَثَرُ، وَقَالَ فِي الْحَاوِيَيْنِ، وَعِنْدِي: الْأَفْضَلُ أَعْلَى الْأَجْنَاسِ قِيمَةً وَأَنْفَعُ، فَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ لَوْ وُجِدَ ذَلِكَ لَكَانَ أَفْضَلَ مِنْ التَّمْرِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ غَيْرَ التَّمْرِ، وَقَالَ الشَّارِحُ، وَابْنُ رَزِينٍ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَفْضَلَهَا أَغْلَاهَا ثَمَنًا. كَمَا أَنَّ أَفْضَلَ الرِّقَابِ أَغْلَاهَا ثَمَنًا. قَوْلُهُ (ثُمَّ مَا هُوَ أَنْفَعُ لِلْفُقَرَاءِ) ، وَهَذَا أَحَدُ الْوُجُوهِ، اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ هُنَا، وَجَزَمَ بِهِ فِي التَّسْهِيلِ، وَقَدَّمَهُ فِي النَّظْمِ، وَقِيلَ: الْأَفْضَلُ بَعْدَ التَّمْرِ الزَّبِيبُ [وَهُوَ الْمَذْهَبُ] وَجَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَعُقُودِ ابْنِ الْبَنَّا، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْهِدَايَةِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ. قَالَ ابْنُ مُنَجَّى فِي شَرْحِهِ: وَالْأَفْضَلُ عِنْدَ الْأَصْحَابِ بَعْدَ التَّمْرِ الزَّبِيبُ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ، وَأَطْلَقَهُمَا الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَقِيلَ: الْأَفْضَلُ بَعْدَ التَّمْرِ الْبُرُّ، جَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي، وَالْوَجِيزِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ، وَنَصَرَاهُ، وَحَمَلَ ابْنُ مُنَجَّى فِي شَرْحِهِ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ هُنَا عَلَيْهِ، وَأَطْلَقَهُنَّ فِي الْفُرُوعِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ، وَعَنْهُ الْأَقِطُ أَفْضَلُ لِأَهْلِ الْبَادِيَةِ إنْ كَانَ قُوتَهُمْ، وَقِيلَ: الْأَفْضَلُ مَا كَانَ قُوتَ بَلَدِهِ غَالِبًا وَقْتَ الْوُجُوبِ. قُلْت: وَهُوَ قَوِيٌّ، قَالَ فِي الرِّعَايَةِ قُلْت: الْأَفْضَلُ مَا كَانَ قُوتَ بَلَدِهِ غَالِبًا وَقْتَ الْوُجُوبِ، لَا قُوتَهُ هُوَ وَحْدَهُ. انْتَهَى.
وَأَيَّهُمَا كَانَ أَعْنِي الزَّبِيبَ وَالْبُرَّ كَانَ أَفْضَلَ بَعْدَهُ فِي الْأَفْضَلِيَّةِ الْآخَرُ. ثُمَّ الشَّعِيرُ بَعْدَهُمَا. ثُمَّ دَقِيقُهُمَا، ثُمَّ سَوِيقُهُمَا. قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ. قَوْلُهُ (وَيَجُوزُ أَنْ يُعْطِيَ الْجَمَاعَةَ مَا يَلْزَمُ الْوَاحِدَ وَالْوَاحِدَ مَا يَلْزَمُ الْجَمَاعَةَ) هَذَا الْمَذْهَبُ، نَصَّ عَلَيْهِ. عَلَى مَا يَأْتِي فِي اسْتِيعَابِ الْأَصْنَافِ فِي بَابِ ذِكْرِ أَهْلِ الزَّكَاةِ. لَكِنَّ الْأَفْضَلَ: أَنْ لَا يَنْقُصَ الْوَاحِدُ عَنْ مُدِّ بُرٍّ، أَوْ نِصْفِ صَاعٍ مِنْ غَيْرِهِ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَعَنْهُ الْأَفْضَلُ: تَفْرِقَةُ الصَّاعِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ جَمَاعَةٌ. لِلْخُرُوجِ مِنْ الْخِلَافِ، وَعَنْهُ الْأَفْضَلُ: أَنْ لَا يَنْقُصَ الْوَاحِدُ عَنْ الصَّاعِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ لِلْمَشَقَّةِ، وَعَدَمِ نَقْلِهِ وَعَمَلِهِ، وَقَالَ فِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ: لَوْ فَرَّقَ فِطْرَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ عَلَى جَمَاعَةٍ لَمْ يُجْزِهِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ. فَوَائِدُ. الْأُولَى: الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ تَفْرِيقَ الْفِطْرَةِ بِنَفْسِهِ أَفْضَلُ، وَعَنْهُ دَفْعُهَا إلَى الْإِمَامِ الْعَادِلِ أَفْضَلُ. نَقَلَهُ الْمَرُّوذِيُّ، وَيَأْتِي مَزِيدُ بَيَانٍ عَلَى ذَلِكَ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ. الثَّانِيَةُ: لَوْ أَعْطَى الْفَقِيرَ فِطْرَةً، فَرَدَّهَا الْفَقِيرُ إلَيْهِ عَنْ نَفْسِهِ: جَازَ عِنْدَ الْقَاضِي. قَالَ فِي التَّلْخِيصِ: جَازَ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفَائِقِ. قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ إنْ لَمْ يَحْصُلْ حِيلَةٌ فِي ذَلِكَ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَذْهَبُ أَحْمَدَ لَا يَجُوزُ، كَشِرَائِهَا، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ.
باب إخراج الزكاة
وَلَوْ حَصَلَتْ عِنْدَ الْإِمَامِ فَقَسَّمَهَا عَلَى مُسْتَحِقِّيهَا، فَعَادَ إلَى إنْسَانٍ فِطْرَتُهُ: جَازَ عِنْدَ الْقَاضِي أَيْضًا، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، قَدَّمَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ وَنَصَرَهُ وَغَيْرُهُ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَذْهَبُ أَحْمَدَ لَا يَجُوزُ كَشِرَائِهَا، وَظَاهِرُ الْفُرُوعِ، وَابْنِ رَزِينٍ: إطْلَاقُ الْخِلَافِ فِيهِمَا، فَإِنَّهُمَا قَالَا: جَائِزٌ عِنْدَ الْقَاضِي، وَعِنْدَ أَبِي بَكْرٍ لَا يَجُوزُ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ. قَالَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ: الْخِلَافُ فِي الْإِجْزَاءِ، وَقِيلَ: فِي التَّحْرِيمِ. انْتَهَى. وَتَقَدَّمَتْ الْمَسْأَلَةُ بِأَعَمَّ مِنْ ذَلِكَ فِي الرِّكَازِ فَلْتُعَاوَدْ، وَلَوْ عَادَتْ إلَيْهِ بِمِيرَاثٍ جَازَ. قَوْلًا وَاحِدًا. الثَّالِثَةُ: مَصْرِفُ الْفِطْرَةِ مَصْرِفُ الزَّكَاةِ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، فَلَا يَجُوزُ دَفْعُهَا لِغَيْرِهِمْ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُنُونِ، عَنْ بَعْضِ الْأَصْحَابِ: تُدْفَعُ إلَى مَنْ لَا يَجِدُ مَا يَلْزَمُهُ. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لَا يَجُوزُ دَفْعُهَا إلَّا لِمَنْ يَسْتَحِقُّ الْكَفَّارَةَ، وَهُوَ مَنْ يَأْخُذُ لِحَاجَتِهِ. وَلَا تُصْرَفُ فِي الْمُؤَلَّفَةِ وَالرِّقَابِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. الرَّابِعَةُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْفَضْلِ بْنِ زِيَادٍ: مَا أَحْسَنَ مَا كَانَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ يَفْعَلُ: يُعْطِي عَنْ أَبَوَيْهِ صَدَقَةَ الْفِطْرِ حَتَّى مَاتَ، وَهَذَا تَبَرُّعٌ. [بَابُ إخْرَاجِ الزَّكَاةِ] ِ قَوْلُهُ (لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهَا عَنْ وَقْتِ وُجُوبِهَا، مَعَ إمْكَانِهِ) هَذَا الْمَذْهَبُ فِي الْجُمْلَةِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَقِيلَ: لَا يَلْزَمُ إخْرَاجُهَا عَلَى الْفَوْرِ. لِإِطْلَاقِ الْأَمْرِ كَالْكَفَّارَةِ. قَوْلُهُ (مَعَ إمْكَانِهِ) يَعْنِي أَنَّهُ إذَا قَدَرَ عَلَى إخْرَاجِهَا لَمْ يَجُزْ تَأْخِيرُهَا، وَإِنْ تَعَذَّرَ إخْرَاجُهَا مِنْ النِّصَابِ لِغَيْبَةٍ أَوْ غَيْرِهَا جَازَ التَّأْخِيرُ إلَى الْقُدْرَةِ. وَلَوْ كَانَ قَادِرًا عَلَى الْإِخْرَاجِ مِنْ غَيْرِهِ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ، قَدَّمَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَصَاحِبُ الْفُرُوعِ وَغَيْرُهُمَا.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَجُوزَ التَّأْخِيرُ إنْ وَجَبَتْ فِي الذِّمَّةِ. وَلَمْ تَسْقُطْ بِالتَّلَفِ، فَعَلَى الْمَذْهَبِ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ: يَجُوزُ التَّأْخِيرُ لِضَرَرٍ عَلَيْهِ (مِثْلَ أَنْ يَخْشَى رُجُوعَ السَّاعِي عَلَيْهِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ) كَخَوْفِهِ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ، وَيَجُوزُ لَهُ التَّأْخِيرُ أَيْضًا لِحَاجَتِهِ إلَى زَكَاتِهِ إذَا كَانَ فَقِيرًا مُحْتَاجًا إلَيْهَا تَخْتَلُّ كِفَايَتُهُ وَمَعِيشَتُهُ بِإِخْرَاجِهَا، نَصَّ عَلَيْهِ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ ذَلِكَ عِنْدَ مَيْسَرَتِهِ. قُلْت: فَيُعَايَى بِهَا، وَيَجُوزُ أَيْضًا التَّأْخِيرُ لِيُعْطِيَهَا لِمَنْ حَاجَتُهُ أَشَدُّ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. نَقَلَ يَعْقُوبُ: لَا أُحِبُّ تَأْخِيرَهَا، إلَّا أَنْ لَا يَجِدَ قَوْمًا مِثْلَهُمْ فِي الْحَاجَةِ فَيُؤَخِّرُهَا لَهُمْ، قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَالْفُرُوعِ، وَقَالَ: جَزَمَ بِهِ بَعْضُهُمْ. قُلْت: مِنْهُمْ صَاحِبُ الْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَابْنُ رَزِينٍ، وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ وَمُجَرَّدِهِ يَجُوزُ بِزَمَنٍ يَسِيرٍ لِمَنْ حَاجَتُهُ أَشَدُّ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إلَيْهِ، وَلَا يَفُوتُ الْمَقْصُودُ، وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ تَرْكُ وَاجِبٍ لِمَنْدُوبٍ، قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ: وَقَيَّدَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ بِالزَّمَنِ الْيَسِيرِ، قَالَ فِي الْمُذْهَبِ: وَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهَا مَعَ الْقُدْرَةِ، فَإِنْ أَمْسَكَهَا الْيَوْمَ وَالْيَوْمَيْنِ لِيَتَحَرَّى الْأَفْضَلَ جَازَ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ الْمَنْعُ، وَيَجُوزُ أَيْضًا التَّأْخِيرُ لِقَرِيبٍ، قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقُلْ: جَزَمَ بِهِ جَمَاعَةٌ. قُلْت: مِنْهُمْ ابْنُ رَزِينٍ، وَصَاحِبُ الْحَاوِيَيْنِ، وَقَدَّمَ جَمَاعَةٌ الْمَنْعَ، مِنْهُمْ صَاحِبُ الرِّعَايَتَيْنِ [وَالْحَاوِيَيْنِ] وَالْفَائِقِ، قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ: وَأَطْلَقَ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ رِوَايَتَيْنِ فِي الْقَرِيبِ، وَلَمْ يُقَيِّدَاهُ بِالزَّمَنِ الْيَسِيرِ، وَيَجُوزُ أَيْضًا التَّأْخِيرُ لِلْجَارِ كَالْقَرِيبِ، جَزَمَ بِهِ فِي الْحَاوِيَيْنِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَقَالَ: وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْأَكْثَرُ، وَقَدَّمَ الْمَنْعَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْفَائِقِ.
وَعَنْهُ لَهُ أَنْ يُعْطِيَ قَرِيبَهُ كُلَّ شَهْرٍ شَيْئًا، وَحَمَلَهَا أَبُو بَكْرٍ عَلَى تَعْجِيلِهَا. قَالَ الْمَجْدُ: وَهُوَ خِلَافُ الظَّاهِرِ، وَعَنْهُ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، وَأَطْلَقَ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ الرِّوَايَتَيْنِ. فَائِدَتَانِ. إحْدَاهُمَا: يَجُوزُ لِلْإِمَامِ وَالسَّاعِي تَأْخِيرُ الزَّكَاةِ عِنْدَ رَبِّهَا لِمَصْلَحَةٍ، كَقَحْطٍ وَنَحْوِهِ جَزَمَ بِهِ الْأَصْحَابُ. الثَّانِيَةُ وَهِيَ كَالْأَجْنَبِيَّةِ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ نَصَّ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَلَى لُزُومِ فَوْرِيَّةِ النَّذْرِ الْمُطْلَقِ وَالْكَفَّارَةِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ. قَالَهُ فِي الْقَوَاعِدُ وَغَيْرِهِ، وَقِيلَ: لَا يَلْزَمَانِ عَلَى الْفَوْرِ. قَالَ ذَلِكَ ابْنُ تَمِيمٍ. وَتَبِعَهُ صَاحِبُ الْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ، وَقَالَ فِي الْفَائِقِ: الْمَنْصُوصُ عَدَمُ لُزُومِ الْفَوْرِيَّةِ، وَلَعَلَّهُ سَبْقُ قَلَمٍ. قَوْلُهُ (وَمَنْ مَنَعَهَا بُخْلًا بِهَا: أُخِذَتْ مِنْهُ، وَعُزِّرَ) ، وَكَذَا لَوْ مَنَعَهَا تَهَاوُنًا. زَادَ فِي الرِّعَايَةِ مِنْ عِنْدِهِ " أَوْ هَمْلًا " قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا أَطْلَقَ جَمَاعَةٌ التَّعْزِيرَ. قُلْت: أَطْلَقَهُ كَثِيرٌ مِنْ الْأَصْحَابِ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَقَالَ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ: إنْ فَعَلَهُ لِفِسْقِ الْإِمَامِ، لِكَوْنِهِ لَا يَضَعُهَا مَوَاضِعَهَا: لَمْ يُعَزَّرْ، وَجَزَمَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْأَصْحَابِ، مِنْهُمْ صَاحِبُ الرِّعَايَةِ، وَالْفَائِقِ. قُلْت: وَهَذَا الصَّوَابُ. بَلْ لَوْ قِيلَ: بِوُجُوبِ كِتْمَانِهِ وَالْحَالَةُ هَذِهِ لَكَانَ سَدِيدًا. تَنْبِيهٌ: مُرَادُهُ بِقَوْلِهِ " وَعُزِّرَ " إذَا كَانَ عَالِمًا بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ، وَالْمُعَزِّرُ لَهُ هُوَ الْإِمَامُ أَوْ عَامِلُ الزَّكَاةِ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ، وَقِيلَ: إنْ كَانَ مَالُهُ بَاطِنًا عَزَّرَهُ الْإِمَامُ أَوْ الْمُحْتَسِبُ.
قَوْلُهُ (فَإِنْ غَيَّبَ مَالَهُ، أَوْ كَتَمَهُ، أَوْ قَاتَلَ دُونَهَا، وَأَمْكَنَ أَخْذُهَا، أُخِذَتْ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ) ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ فِي زَادِ الْمُسَافِرِ: يَأْخُذُهَا وَشَطْرَ مَالِهِ، وَقَدَّمَهُ الْحَلْوَانِيُّ فِي التَّبْصِرَةِ. وَذَكَرَهُ الْمَجْدُ رِوَايَةً، قَالَ أَبُو بَكْرٍ أَيْضًا: يَأْخُذُ شَطْرَ مَالِهِ الزَّكَوِيِّ، وَقَالَ إبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ: يُؤْخَذُ مِنْ خِيَارِ مَالِهِ زِيَادَةَ الْقِيمَةِ بِشَطْرِهَا مِنْ غَيْرِ زِيَادَةِ عَدَدٍ وَلَا سِنٍّ، قَالَ الْمَجْدُ: وَهَذَا تَكَلُّفٌ ضَعِيفٌ، وَعَنْهُ تُؤْخَذُ مِنْهُ وَمِثْلُهَا. ذَكَرَهَا ابْنُ عَقِيلٍ، وَقَالَهُ أَبُو بَكْرٍ أَيْضًا فِي زَادِ الْمُسَافِرِ وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي مَوْضِعٍ مِنْ كَلَامِهِ: إذَا مَنَعَ الزَّكَاةَ فَرَأَى الْإِمَامُ التَّغْلِيظَ عَلَيْهِ بِأَخْذِ زِيَادَةٍ عَلَيْهَا، اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِي ذَلِكَ. تَنْبِيهَاتٌ. أَحَدُهَا: مَحَلُّ هَذَا عِنْدَ صَاحِبِ الْحَاوِي وَجَمَاعَةٍ: فِيمَنْ كَتَمَ مَالَهُ فَقَطْ، وَقَالَ فِي الْحَاوِي: وَكَذَا قِيلَ: إنْ غَيَّبَ مَالَهُ، أَوْ قَاتَلَ دُونَهَا. الثَّانِي: قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ مِنْهُمْ ابْنُ حَمْدَانَ وَإِنْ أَخَذَهَا غَيْرُ عَدْلٍ فِيهَا لَمْ يَأْخُذْ مِنْ الْمُمْتَنِعِ زِيَادَةً. قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ، وَأَطْلَقَ جَمَاعَةٌ آخَرُونَ الْأَخْذَ، كَمَسْأَلَةِ التَّعْزِيرِ السَّابِقَةِ. الثَّالِثُ: قَدَّمَ الْمُصَنِّفُ هُنَا: أَنَّهُ إذَا قَاتَلَ عَلَيْهَا لَمْ يَكْفُرْ. وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ: هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: إنْ قَاتَلَ عَلَيْهَا كَفَرَ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَجَزَمَ بِهِ بَعْضُ الْأَصْحَابِ، وَأَطْلَقَ بَعْضُهُمْ الرِّوَايَتَيْنِ، وَعَنْهُ يَكْفُرُ وَإِنْ لَمْ يُقَاتِلْ عَلَيْهَا، وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ. قَوْلُهُ (فَإِنْ لَمْ يُمْكِنُ أَخْذُهَا: اُسْتُتِيبَ ثَلَاثًا، فَإِنْ تَابَ وَأَخْرَجَ وَإِلَّا قُتِلَ) . حُكْمُ اسْتِتَابَتِهِ هُنَا: حُكْمُ اسْتِتَابَةِ الْمُرْتَدِّ فِي الْوُجُوبِ وَعَدَمِهِ. عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي بَابِهِ، وَإِذَا قُتِلَ، فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يُقْتَلُ حَدًّا، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، وَعَنْهُ يُقْتَلُ كُفْرًا. فَائِدَةٌ: إذَا لَمْ يُمْكِنْ أَخْذُ الزَّكَاةِ مِنْهُ إلَّا بِالْقِتَالِ وَجَبَ عَلَى الْإِمَامِ قِتَالُهُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى رِوَايَةً: لَا يَجِبُ قِتَالُهُ إلَّا مِنْ جَحْدِ وُجُوبِهَا. قَوْلُهُ (وَإِنْ ادَّعَى مَا يَمْنَعُ وُجُوبَ الزَّكَاةِ: مِنْ نُقْصَانِ النِّصَابِ أَوْ الْحَوْلِ، أَوْ انْتِقَالِهِ عَنْهُ فِي بَعْضِ الْحَوْلِ وَنَحْوِهِ، كَادِّعَائِهِ أَدَاءَهَا، أَوْ أَنَّ مَا بِيَدِهِ لِغَيْرِهِ، أَوْ تَجَدَّدَ مِلْكُهُ قَرِيبًا، أَوْ أَنَّهُ مُنْفَرِدٌ مُخْتَلِطٌ قُبِلَ قَوْلُهُ بِغَيْرِ يَمِينٍ نَصَّ عَلَيْهِ) ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: يُسْتَحْلَفُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ. وَوَجَّهَ فِي الْفُرُوعِ احْتِمَالًا: يُسْتَحْلَفُ إنْ اُتُّهِمَ وَإِلَّا فَلَا، وَقَالَ الْقَاضِي فِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ: إنْ رَأَى الْعَامِلُ أَنَّهُ يَسْتَحْلِفُهُ فَعَلَ، فَإِنْ نَكَلَ لَمْ يَقْضِ عَلَيْهِ بِنُكُولِهِ، وَقِيلَ: يَقْضِي عَلَيْهِ. قُلْت: فَعَلَى قَوْلِ الْقَاضِي: يُعَايَى بِهَا. فَائِدَةٌ: قَالَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: أَنَّ الْيَمِينَ لَا تُشْرَعُ.
قَالَ فِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ: ظَاهِرُ قَوْلِهِ " لَا يُسْتَحْلَفُ النَّاسُ عَلَى صَدَقَاتِهِمْ " لَا يَجِبُ وَلَا يُسْتَحَبُّ، بِخِلَافِ الْوَصِيَّةِ لِلْفُقَرَاءِ بِمَالٍ. قَوْلُهُ (وَالصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ يُخْرِجُ عَنْهُمَا وَلِيُّهُمَا) هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَعَنْهُ لَا يَلْزَمُهُ الْإِخْرَاجُ إنْ خَافَ أَنْ يُطَالَبَ بِذَلِكَ، كَمَنْ يَخْشَى رُجُوعَ السَّاعِي، لَكِنْ يَعْلَمُهُ إذَا بَلَغَ وَعَقِلَ. قَوْلُهُ (وَيُسْتَحَبُّ لِلْإِنْسَانِ تَفْرِقَةُ زَكَاتِهِ بِنَفْسِهِ) . سَوَاءٌ كَانَتْ زَكَاةَ مَالٍ أَوْ فِطْرَةٍ، نَصَّ عَلَيْهِ. قَالَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ مِنْهُمْ ابْنُ حَمْدَانَ يُشْتَرَطُ أَمَانَتُهُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ مُرَادُ غَيْرِهِ، أَيْ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ. انْتَهَى. قَوْلُهُ (وَلَهُ دَفْعُهَا إلَى السَّاعِي، وَإِلَى الْإِمَامِ أَيْضًا) ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ مُطْلَقًا، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. قَالَ نَاظِمُهَا: زَكَاتُهُ يُخْرِجُ فِي الْأَيَّامِ بِنَفْسِهِ أَوْلَى مِنْ الْإِمَامِ، وَقِيلَ: يَجِبُ دَفْعُهَا إلَى الْإِمَامِ إذَا طَلَبَهَا وَفَاقَا لِلْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ، وَعَنْهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ الْعُشْرَ، وَيَتَوَلَّى هُوَ تَفْرِيقَ الْبَاقِي، وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: دَفْعُهَا إلَى الْإِمَامِ الْعَادِلِ أَفْضَلُ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى، لِلْخُرُوجِ مِنْ الْخِلَافِ وَزَوَالِ التُّهْمَةِ، وَعَنْهُ دَفْعُ الْمَالِ الظَّاهِرِ إلَيْهِ أَفْضَلُ، وَعَنْهُ دَفْعُ الْفِطْرَةِ إلَيْهِ أَفْضَلُ. نَقَلَهُ الْمَرُّوذِيُّ كَمَا تَقَدَّمَ فِي آخِرِ بَابِ الْفِطْرَةِ، وَقِيلَ: يَجِبُ دَفْعُ زَكَاةِ الْمَالِ الظَّاهِرِ إلَى الْإِمَامِ. وَلَا يُجْزِئُ دُونَهُ.
فَوَائِدُ. الْأُولَى: يَجُوزُ دَفْعُ زَكَاتِهِ إلَى الْإِمَامِ الْفَاسِقِ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقَالَ الْقَاضِي فِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ: يَحْرُمُ عَلَيْهِ دَفْعُهَا، إنْ وَضَعَهَا فِي غَيْرِ أَهْلِهَا، وَيَجِبُ كَتْمُهَا إذَنْ عَنْهُ، وَاخْتَارَهُ فِي الْحَاوِي. قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ، وَيَأْتِي فِي بَابِ قِتَالِ أَهْلِ الْبَغْيِ: أَنَّهُ يُجْزِئُ دَفْعُ الزَّكَاةِ إلَى الْخَوَارِجِ وَالْبُغَاةِ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْخَوَارِجِ. الثَّانِيَةُ: يَجُوزُ لِلْإِمَامِ طَلَبُ الزَّكَاةِ مِنْ الْمَالِ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. إنْ وَضَعَهَا فِي أَهْلِهَا، وَقَالَ الْقَاضِي فِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ: لَا نَظَرَ لَهُ فِي زَكَاةِ الْمَالِ الْبَاطِنِ، إلَّا أَنْ يُبْذَلَ لَهُ. وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: فِيمَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ، قَالَ الْقَاضِي: إذَا مَرَّ الْمُضَارِبُ أَوْ الْمُؤَذِّنُ لَهُ بِالْمَالِ عَلَى عَاشِرِ الْمُسْلِمِينَ: أَخَذَ مِنْهُ الزَّكَاةَ. قَالَ وَقِيلَ: لَا تُؤْخَذُ مِنْهُ حَتَّى يَحْضُرَ الْمَالِكُ. الثَّالِثَةُ: لَوْ طَلَّقَهَا الْإِمَامُ لَمْ يَجِبْ دَفْعُهَا إلَيْهِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُقَاتِلَهُ عَلَى ذَلِكَ إذَا لَمْ يَمْنَعْ إخْرَاجُهَا بِالْكُلِّيَّةِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ شِهَابٍ وَغَيْرِهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَمُخْتَصَرِ ابْنِ تَمِيمٍ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، وَقِيلَ: يَجِبُ عَلَيْهِ دَفْعُهَا إذَا طَلَبهَا إلَيْهِ، وَلَا يُقَاتَلُ لِأَجْلِهِ؛ لِأَنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، جَزَمَ بِهِ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَصَحَّحَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ فِي الْخِلَافِ. قُلْت: صَحَّحَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَقِيلَ: لَا يَجِبُ دَفْعُ الْبَاطِنَةِ بِطَلَبِهِ. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَجْهًا وَاحِدًا، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: مَنْ جَوَّزَ الْقِتَالَ عَلَى تَرْكِ طَاعَةِ وَلِيِّ الْأَمْرِ: جَوَّزَهُ هُنَا، وَمَنْ لَمْ يُجَوِّزْهُ إلَّا عَلَى تَرْكِ طَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ: لَمْ يُجَوِّزْهُ. الرَّابِعَةُ: يَجُوزُ لِلْإِمَامِ طَلَبُ النَّذْرِ وَالْكَفَّارَةِ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْكَفَّارَةِ وَالظِّهَارِ.
وَقِيلَ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ، وَصَاحِبُ الْفُرُوعِ. الْخَامِسَةُ: يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَبْعَثَ السُّعَاةَ عِنْدَ قُرْبِ الْوُجُوبِ لِقَبْضِ زَكَاةِ الْمَالِ الظَّاهِرِ، وَأَطْلَقَهُ الْمُصَنِّفُ، وَقَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَالْوُجُوبُ هُوَ الْمَذْهَبُ، وَلَمْ يَذْكُرْ جَمَاعَةٌ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ، فَيُؤْخَذُ مِنْهُ: لَا يَجِبُ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَعَلَّهُ أَظْهَرُ، وَفِي الرِّعَايَةِ قَوْلٌ يُسْتَحَبُّ، وَيَجْعَلُ حَوْلَ الْمَاشِيَةِ الْمُحَرَّمَ؛ لِأَنَّهُ أَوَّلُ السَّنَةِ، وَتَوَقَّفَ أَحْمَدُ، وَمِنْهُ إلَى شَهْرِ رَمَضَانَ، فَإِنْ وَجَدَ مَالًا لَمْ يَحُلْ حَوْلُهُ، فَإِنْ عَجَّلَ رَبُّهُ زَكَاتَهُ، وَإِنَّمَا وَكَّلَ ثِقَةً يَقْبِضُهَا ثُمَّ يَصْرِفُهَا فِي مَصَارِفِهَا، وَلَهُ جَعْلُ ذَلِكَ إلَى رَبِّ الْمَالِ إنْ كَانَ ثِقَةً، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ ثِقَةً، فَقَالَ الْقَاضِي: يُؤَخِّرُهَا إلَى الْعَامِ الثَّانِي، وَقَالَ الْآمِدِيُّ: لِرَبِّ الْمَالِ أَنْ يُخْرِجَهَا. قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ، وَقَالَ فِي الْكَافِي: إنْ لَمْ يُعَجِّلْهَا، فَإِمَّا أَنْ يُوَكِّلَ أَوْ يُؤَخِّرَهَا إلَى الْحَوْلِ الثَّانِي، وَإِذَا قَبَضَ السَّاعِي الزَّكَاةَ فَرَّقَهَا فِي مَكَانِهَا وَمَا قَارَبَهُ، فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ حَمَلَهُ، وَلَهُ بَيْعُ مَالِ الزَّكَاةِ: لِحَاجَةٍ أَوْ مَصْلَحَةٍ، وَصَرْفُهُ فِي الْأَحَظِّ لِلْفُقَرَاءِ أَوْ حَاجَتِهِمْ، حَتَّى فِي أُجْرَةِ مَسْكَنٍ، وَإِنْ بَاعَ لِغَيْرِ حَاجَةٍ، فَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَصِحُّ، وَقِيلَ: يَصِحُّ، وَقَدَّمَهُ بَعْضُهُمْ وَهُوَ ابْنُ حَمْدَانَ فِي رِعَايَتَيْهِ وَاقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْكَافِي عَلَى الْبَيْعِ إنْ خَافَ تَلَفَهُ، وَمَالَ إلَى الصِّحَّةِ، وَكَذَا جَزَمَ ابْنُ تَمِيمٍ. أَنَّهُ لَا يَبِيعُ لِغَيْرِ حَاجَةٍ لِخَوْفِ تَلَفٍ وَمُؤْنَةِ نَقْلٍ، فَإِنْ فَعَلَ فَفِي الصِّحَّةِ وَجْهَانِ، أَطْلَقَهُمَا فِي الْحَاوِيَيْنِ وَالْفُرُوعِ. قَوْلُهُ (وَلَا يَجُوزُ إخْرَاجُهَا إلَّا بِنِيَّةٍ) هَذَا بِلَا نِزَاعٍ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ، فَيَنْوِي الزَّكَاةَ أَوْ صَدَقَةَ الْفِطْرِ، فَلَوْ نَوَى صَدَقَةً مُطْلَقَةً: لَمْ يُجْزِهِ، وَلَوْ تَصَدَّقَ بِجَمِيعِ مَالِهِ، كَصَدَقَتِهِ بِغَيْرِ النِّصَابِ مِنْ جِنْسِهِ؛ لِأَنَّ
صَرْفَ الْمَالِ إلَى الْفَقِيرِ لَهُ جِهَاتٌ، فَلَا تَتَعَيَّنُ الزَّكَاةُ إلَّا بِالتَّعْيِينِ، وَقَالَ الْقَاضِي فِي التَّعْلِيقِ: إنْ تَصَدَّقَ بِمَالِهِ الْمُعَيَّنِ أَجْزَأَهُ، وَلَوْ نَوَى صَدَقَةَ الْمَالِ، أَوْ الصَّدَقَةَ الْوَاجِبَةَ أَجْزَأَهُ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: كَفَى فِي الْأَصَحِّ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقَالَ: جَزَمَ بِهِ جَمَاعَةٌ، وَقَالَ: وَظَاهِرُ التَّعْلِيلِ الْمُتَقَدِّمِ: لَا يَكْفِي نِيَّةُ الصَّدَقَةِ الْوَاجِبَةِ أَوْ صَدَقَةِ الْمَالِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ جَمَاعَةٌ، مِنْ أَنَّهُ يَنْوِي الزَّكَاةَ. قَالَ: وَهَذَا مُتَّجَهٌ. فَائِدَتَانِ. إحْدَاهُمَا: لَا تُعْتَبَرُ نِيَّةُ الْفَرْضِ، وَلَا تَعْيِينُ الْمَالِ الْمُزَكَّى. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَفِي تَعْلِيقِ الْقَاضِي فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ: وَجْهٌ تُعْتَبَرُ نِيَّةُ التَّعْلِيقِ إذَا اخْتَلَفَ الْمَالُ. مِثْلُ شَاةٍ عَنْ خَمْسٍ مِنْ الْإِبِلِ، وَشَاةٍ أُخْرَى عَنْ أَرْبَعِينَ مِنْ الْغَنَمِ، وَدِينَارٍ عَنْ نِصَابٍ تَالِفٍ، وَدِينَارٍ آخَرَ عَنْ نِصَابٍ قَائِمٍ، وَصَاعٍ عَنْ فِطْرَةٍ، وَصَاعٍ آخَرَ عَنْ عُشْرٍ، فَعَلَى الْمَذْهَبِ: لَوْ نَوَى زَكَاةً عَنْ مَالِهِ الْغَائِبِ، فَإِنْ كَانَ تَالِفًا فَعَنْ الْحَاضِرِ: أَجْزَأَ عَنْهُ إنْ كَانَ الْغَائِبُ تَالِفًا، وَإِنْ كَانَا سَالِمَيْنِ أَجْزَأَ عَنْ أَحَدِهِمَا. وَلَوْ كَانَ لَهُ خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ وَأَرْبَعُونَ مِنْ الْغَنَمِ، فَقَالَ: هَذِهِ الشَّاةُ عَنْ الْإِبِلِ أَوْ الْغَنَمِ: أَجْزَأَتْهُ عَنْ إحْدَاهُمَا، وَكَذَا لَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ حَاضِرٌ وَغَائِبٌ، وَأَخْرَجَ، وَقَالَ: هَذَا زَكَاةُ مَالِي الْحَاضِرِ أَوْ الْغَائِبِ، وَإِنْ قَالَ: هَذَا عَنْ مَالِي الْغَائِبِ إنْ كَانَ سَالِمًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ سَالِمًا فَتَطَوَّعَ، فَبَانَ سَالِمًا: أَجْزَأَهُ عَنْهُ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، قَدَّمَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَصَاحِبُ الْفُرُوعِ، وَالْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا يُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُخْلِصْ النِّيَّةَ لِلْفَرْضِ كَمَنْ قَالَ: هَذِهِ زَكَاةُ مَالِي، أَوْ نَفْلٌ، أَوْ هَذِهِ زَكَاةُ إرْثِي مِنْ مُوَرِّثِي إنْ كَانَ مَاتَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْنِ عَلَى أَصْلٍ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، قَالَ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ، كَقَوْلِهِ لَيْلَةَ الشَّكِّ: إنْ كَانَ غَدًا مِنْ رَمَضَانَ فَفَرْضِيٌّ
وَإِلَّا فَنَفْلِيٌّ، وَقَالَ الْمَجْدُ كَقَوْلِهِ: إنْ كَانَ وَقْتُ الظُّهْرِ دَخَلَ فَصَلَاتِي هَذِهِ عَنْهَا، وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ: لَوْ قَالَ فِي الصَّلَاةِ: إنْ كَانَ الْوَقْتُ دَخَلَ فَفَرْضٌ، وَإِلَّا فَنَفْلٌ، فَعَلَى الْوَجْهَيْنِ، وَقَالَ أَبُو الْبَقَاءِ فِيمَنْ بَلَغَ فِي الْوَقْتِ التَّرَدُّدُ فِي الْعِبَادَةِ يُفْسِدُهَا. وَلِهَذَا لَوْ صَلَّى أَوْ نَوَى: إنْ كَانَ الْوَقْتُ قَدْ دَخَلَ فَهِيَ فَرِيضَةٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ فَنَافِلَةٌ: لَمْ يَصِحَّ لَهُ فَرْضًا وَلَا نَفْلًا. وَتَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ فِي فَوَائِدِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْعَيْنِ أَوْ فِي الذِّمَّةِ " هَلْ يَلْزَمُهُ إخْرَاجُ زَكَاةِ مَالِهِ الْغَائِبِ أَمْ لَا؟ ". الثَّانِيَةُ: الْأَوْلَى مُقَارَنَةُ النِّيَّةِ لِلدَّفْعِ، وَيَجُوزُ تَقْدِيمُهَا عَلَى الدَّفْعِ بِزَمَنٍ يَسِيرٍ. كَالصَّلَاةِ، عَلَى مَا سَبَقَ مِنْ الْخِلَافِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ: يَجُوزُ تَقْدِيمُ النِّيَّةِ عَلَى الْأَدْنَى بِالزَّمَنِ الْيَسِيرِ. كَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ، وَقَالَ فِي الرَّوْضَةِ: تُعْتَبَرُ النِّيَّةُ عِنْدَ الدَّفْعِ. قَوْلُهُ (وَلَا يَجُوزُ إخْرَاجُهَا إلَّا بِنِيَّةٍ، إلَّا أَنْ يَأْخُذَهَا الْإِمَامُ مِنْهُ قَهْرًا) إذَا أَخَذَ الْإِمَامُ الزَّكَاةَ مِنْهُ وَأَخْرَجَهَا نَاوِيًا لِلزَّكَاةِ، وَلَمْ يَنْوِهَا رَبُّهَا: أَجْزَأَتْ عَنْ رَبِّهَا. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. قَالَ الْمَجْدُ: هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَالْخِرَقِيِّ لِمَنْ تَأَمَّلَهُ. قَالَ ابْنُ مُنَجَّى فِي شَرْحِهِ: هَذَا الْمَذْهَبُ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ. قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ: هَذَا أَصَحُّ الْوَجْهَيْنِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِمْ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالتَّلْخِيصِ، وَالشَّرْحِ، وَالْحَاوِيَيْنِ وَابْنُ رَزِينٍ. وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَصَحَّحَهُ، وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: لَا يُجْزِئُهُ أَيْضًا مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَصَاحِبُ الْمُسْتَوْعِبِ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أَيْضًا فِي فَتَاوِيهِ. قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ. قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ: وَهَذَا أَصْوَبُ، وَظَاهِرُ الْفُرُوعِ: الْإِطْلَاقُ، فَإِنَّهُ قَالَ: أَجْزَأَتْ عِنْدَ الْقَاضِي وَغَيْرِهِ، وَعِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ، وَابْنِ عَقِيلٍ: لَا يُجْزِئُ وَأَطْلَقَهُمَا الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَصَاحِبُ الْفَائِقِ.
فَعَلَى [الْمَذْهَبِ] الْأَوَّلِ: تُجْزِئُ ظَاهِرًا، وَبَاطِنًا، وَعَلَى الثَّانِي تُجْزِئُ ظَاهِرًا لَا بَاطِنًا. فَائِدَةٌ: مِثْلُ ذَلِكَ: لَوْ دَفَعَهَا رَبُّ الْمَالِ إلَى مُسْتَحِقِّهَا كُرْهًا وَقَهْرًا. قَالَهُ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ. تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: أَنَّهُ لَوْ دَفَعَ زَكَاتَهُ إلَى الْإِمَامِ طَائِعًا، وَنَوَاهَا الْإِمَامُ دُونَ رَبِّهَا: أَنَّهَا لَا تُجْزِئُ، بَلْ هُوَ كَالصَّرِيحِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، قَالَ الْمَجْدُ: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَالْخِرَقِيِّ، لِمَنْ تَأَمَّلَهُ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي الْخَطَّابِ، وَابْنِ عَقِيلٍ، وَابْنِ الْبَنَّاءِ، وَاخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي فَتَاوِيهِ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ رَزِينٍ، وَصَاحِبُ الْفَائِقِ، وَقِيلَ: تُجْزِئُ، اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ، وَالْقَاضِي وَغَيْرُهُمَا، قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: أَجْزَأَتْ عِنْدَ الْقَاضِي وَغَيْرِهِ، وَظَاهِرُ الْفُرُوعِ: الْإِطْلَاقُ. كَمَا تَقَدَّمَ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَنْوِهَا رَبُّهَا وَلَا الْإِمَامُ: فَإِنَّهَا لَا تُجْزِئُهُ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَقَالَ الْقَاضِي فِي مَوْضِعٍ مِنْ كَلَامِهِ: لَا يَحْتَاجُ الْإِمَامُ إلَى نِيَّةٍ مِنْهُ، وَلَا مِنْ رَبِّ الْمَالِ. قُلْت: فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ يُعَايَى بِهَا، وَأَطْلَقَهُمَا الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَالزَّرْكَشِيُّ، فَعَلَى الْمَذْهَبِ: تَقَعُ نَفْلًا وَطَالَبَ بِهَا. فَائِدَتَانِ. إحْدَاهُمَا: لَوْ غَابَ الْمَالِكُ، أَوْ تَعَذَّرَ الْوُصُولُ إلَيْهِ بِحَبْسٍ وَنَحْوِهِ، فَأَخَذَ السَّاعِي، مِنْ مَالِهِ: أَجْزَأَ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَجْهًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّ لَهُ وِلَايَةَ أَخْذِهَا إذَنْ، وَنِيَّةُ الْمَالِكِ مُتَعَذِّرَةٌ مِمَّا يُعْذَرُ فِيهِ.
الثَّانِيَةُ: إذَا دَفَعَ زَكَاتَهُ إلَى الْإِمَامِ، وَنَوَاهَا دُونَ الْإِمَامِ: أَجْزَأَتْهُ؛ لِأَنَّهُ لَا تُعْتَبَرُ نِيَّةُ الْمُسْتَحِقِّ، كَذَا نَائِبُهُ. تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ قَوْلِهِ (وَإِنْ دَفَعَهَا إلَى وَكِيلِهِ: اُعْتُبِرَتْ النِّيَّةُ مِنْ الْمُوَكِّلِ، دُونَ الْوَكِيلِ) . أَنَّهُ سَوَاءٌ بَعْدَ دَفْعِ الْوَكِيلِ أَوْ لَا، وَاعْلَمْ أَنَّهَا إذَا دَفَعَهَا الْوَكِيلُ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ، فَتَارَةً يَدْفَعُهَا بَعْدَ زَمَنٍ يَسِيرٍ، وَتَارَةً يَدْفَعُهَا بَعْدَ زَمَنٍ طَوِيلٍ، فَإِنْ دَفَعَهَا إلَى مُسْتَحِقِّهَا بَعْدَ زَمَنٍ يَسِيرٍ أَجْزَأَتْ، وَإِنْ دَفَعَهَا بَعْدَ زَمَنٍ طَوِيلٍ مِنْ نِيَّةِ الْوَكِيلِ، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: الْإِجْزَاءُ. وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ، اخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَالْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: تُجْزِئُ عِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ فِي الْخُلَاصَةِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمَذْهَبِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَالْفَائِقِ، وَقَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ: لَا بُدَّ مِنْ نِيَّةِ الْوَكِيلِ أَيْضًا وَالْحَالَةُ هَذِهِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ. وَابْنُ رَزِينٍ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَصَحَّحَهُ الشَّارِحُ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. فَوَائِدُ. الْأُولَى: لَوْ لَمْ يَنْوِ الْمُوَكِّلُ، وَنَوَاهَا الْوَكِيلُ عِنْدَ إخْرَاجِهَا. لَمْ تُجْزِهِ، وَإِنْ نَوَاهَا الْوَكِيلُ صَحَّ، وَهُوَ الْأَفْضَلُ بَعْدَ مَا بَيَّنَهُمَا أَوْ قَرُبَ. الثَّانِيَةُ: أَفَادَنَا الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - جَوَازَ التَّوْكِيلِ فِي دَفْعِ الزَّكَاةِ. هُوَ صَحِيحٌ. لَكِنْ يُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ ثِقَةً، نَصَّ عَلَيْهِ، وَأَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. قَالَ فِي الْفَائِقِ: مُسْلِمًا فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَمُخْتَصَرِ ابْنِ تَمِيمٍ، وَحَكَى الْقَاضِي فِي التَّعْلِيقِ وَجْهًا بِجَوَازِ تَوْكِيلِ الذِّمِّيِّ فِي
إخْرَاجِهَا، وَجَزَمَ بِهِ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ. وَنَقَلَهُ ابْنُ تَمِيمٍ عَنْ بَعْضِ الْأَصْحَابِ، وَلَعَلَّهُ عَنَى شَيْخَهُ الْمَجْدَ. كَمَا لَوْ اسْتَنَابَ ذِمِّيًّا فِي ذَبْحِ أُضْحِيَّةٍ جَازَ عَلَى اخْتِلَافِ الرِّوَايَتَيْنِ، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَيَجُوزُ تَوْكِيلُ الذِّمِّيِّ فِي إخْرَاجِ الزَّكَاةِ إذَا نَوَى الْمُوَكِّلَ وَكَفَتْ نِيَّتُهُ، وَإِلَّا فَلَا. انْتَهَى. قُلْت: وَهُوَ قَوِيٌّ. الثَّانِيَةُ: لَوْ قَالَ شَخْصٌ لِآخَرَ: أَخْرِجْ عَنِّي زَكَاتِي مِنْ مَالِكَ فَفَعَلَ: أَجْزَأَ عَنْ الْآمِرِ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْكَفَّارَةِ، وَجَزَمَ بِهِ جَمَاعَةٌ. مِنْهُمْ الْمُصَنِّفُ فِي الزَّكَاةِ. وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْفُرُوعِ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ بَعْدَ ذِكْرِ النَّصِّ وَأَلْحَقَ الْأَصْحَابُ بِهَا الزَّكَاةَ فِي ذَلِكَ. الرَّابِعَةُ: لَوْ وَكَّلَهُ فِي إخْرَاجِ زَكَاتِهِ، وَدَفَعَ إلَيْهِ مَالًا، وَقَالَ: تَصَدَّقْ بِهِ، وَلَمْ يَنْوِ الزَّكَاةَ، فَأَخْرَجَهَا الْوَكِيلُ مِنْ الْمَالِ الَّذِي دَفَعَهُ إلَيْهِ، وَنَوَاهَا زَكَاةً، فَقِيلَ: لَا تُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّهُ خَصَّهُ بِمَا يَقْتَضِي النَّفَلَ، وَقِيلَ: تُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ صَدَقَةٌ. قُلْت: وَهُوَ أَوْلَى، وَقَدْ سَمَّى اللَّهُ الزَّكَاةَ صَدَقَةً، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ، وَمُخْتَصَرِ ابْنِ تَمِيمٍ، وَلَوْ قَالَ: تَصَدَّقْ بِهِ نَفْلًا، أَوْ عَنْ كَفَّارَةٍ. ثُمَّ نَوَى الزَّكَاةَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَتَصَدَّقَ: أَجْزَأَ عَنْهُمَا؛ لِأَنَّ دَفْعَ وَكِيلِهِ كَدَفْعِهِ، فَكَأَنَّهُ نَوَى الزَّكَاةَ، ثُمَّ دَفَعَ بِنَفْسِهِ. قَالَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَعَلَّلَهُ بِذَلِكَ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ، وَمُخْتَصَرِ ابْنِ تَمِيمٍ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَقَالَ: فَظَاهِرُ كَلَامِ غَيْرِ الْمَجْدِ: لَا يُجْزِئُ، لِاعْتِبَارِهِمْ النِّيَّةَ عِنْدَ التَّوْكِيلِ. الْخَامِسَةُ: فِي صِحَّةِ تَوْكِيلِ الْمُمَيِّزِ فِي دَفْعِ الزَّكَاةِ وَجْهَانِ. ذَكَرَهُمَا فِي الْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَأَطْلَقَهُمَا هُوَ وَصَاحِبُ الْفُرُوعِ. قُلْت: الْأَوْلَى الصِّحَّةُ؛ لِأَنَّهُ أَهْلٌ لِلْعِبَادَةِ. السَّادِسَةُ: لَوْ أَخْرَجَ شَخْصٌ مِنْ مَالِهِ زَكَاةً عَنْ حَيٍّ بِغَيْرِ إذْنِهِ: لَمْ يَصِحَّ، وَإِلَّا صَحَّ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ قُلْت: فَإِنْ نَوَى الرُّجُوعَ بِهَا رَجَعَ فِي قِيَاسِ الْمَذْهَبِ
السَّابِعَةُ: لَوْ أَخْرَجَهَا مِنْ مَالِ مَنْ هِيَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَقُلْنَا: يَصِحُّ تَصَرُّفُ الْفُضُولِيِّ مَوْقُوفًا عَلَى الْإِجَازَةِ، فَأَجَازَهُ رَبُّهُ كَفَتْهُ. كَمَا لَوْ أَذِنَ لَهُ، وَإِلَّا فَلَا، قَالَ فِي الرِّعَايَةِ، وَقُلْت: إنْ كَانَ بَاقِيًا بِيَدِ مَنْ أَخَذَهُ أَجْزَأَتْ عَنْ رَبِّهِ، وَإِلَّا فَلَا، لِأَنَّهُ إذَنْ كَالدَّيْنِ، فَلَا يُجْزِئُ إسْقَاطُهُ مِنْ الزَّكَاةِ. الثَّامِنَةُ: لَوْ أَخْرَجَ زَكَاتَهُ مِنْ مَالِ غَصْبٍ: لَمْ يُجْزِهِ مُطْلَقًا. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: إنْ أَجَازَهَا رَبُّهُ، كَفَتْ مُخْرِجَهَا، وَإِلَّا فَلَا. التَّاسِعَةُ: قَوْلُهُ (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ عِنْدَ دَفْعِهَا: اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا مَغْنَمًا، وَلَا تَجْعَلْهَا مَغْرَمًا) ، وَهَذَا بِلَا نِزَاعٍ. زَادَ بَعْضُهُمْ: وَيَحْمَدُ اللَّهَ عَلَى تَوْفِيقِهِ لِأَدَائِهَا. قَوْلُهُ (وَيَقُولُ الْآخِذُ: أَجَرَك اللَّهُ فِيمَا أَعْطَيْت، وَبَارَكَ لَك فِيمَا أَبْقَيْت، وَجَعَلَهُ لَك طَهُورًا) . يَعْنِي يُسْتَحَبُّ لَهُ قَوْلُ ذَلِكَ، وَظَاهِرُهُ: سَوَاءٌ كَانَ الْآخِذُ الْفُقَرَاءَ، أَوْ الْعَامِلَ أَوْ غَيْرَهُمَا، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَقَالَ الْقَاضِي فِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ: عَلَى الْعَامِلِ إذَا أَخَذَ الزَّكَاةَ أَنْ يَدْعُوَ لِأَهْلِهَا، وَظَاهِرُهُ الْوُجُوبُ؛ لِأَنَّ لَفْظَةَ " عَلَى " ظَاهِرَةٌ فِي الْوُجُوبِ، وَأَوْجَبَ الدُّعَاءَ لَهُ الظَّاهِرِيَّةُ، وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ، وَذَكَرَ الْمَجْدُ فِي قَوْلِهِ " عَلَى الْعَاسِلِ سَتْرُ مَا رَآهُ " أَنَّهُ عَلَى الْوُجُوبِ، وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي الْعُمْدَةِ، وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي التَّمْهِيدِ فِي بَابِ الْحُرُوفِ أَنَّ " عَلَى " لِلْإِيجَابِ، وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي أُصُولِهِ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ، وَقِيلَ: عَلَى الْعَامِلِ أَنْ يَقُولَهَا. فَائِدَتَانِ. إحْدَاهُمَا: إنْ عَلِمَ رَبُّ الْمَالِ وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: إنْ ظَنَّ أَنَّ الْآخِذَ أَهْلٌ
لِأَخْذِهَا: كُرِهَ إعْلَامُهُ بِهَا. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَالَ: لِمَ يُبَكِّتُهُ؟ يُعْطِيهِ وَيَسْكُتُ. مَا حَاجَتُهُ إلَى أَنْ يُقَرِّعَهُ؟ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ وَمُخْتَصَرِ ابْنِ تَمِيمٍ، وَالْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ، وَذَكَرَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ: أَنَّ تَرْكَهُ أَفْضَلُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يُسْتَحَبُّ، نَصَّ عَلَيْهِ. قَالَ فِي الْكَافِي: لَا يُسْتَحَبُّ إعْلَامُهُ، وَقِيلَ: يُسْتَحَبُّ إعْلَامُهُ. وَقَالَ فِي الرَّوْضَةِ: لَا بُدَّ مِنْ إعْلَامِهِ. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَعَنْ أَحْمَدَ مِثْلُهُ. كَمَا لَوْ رَآهُ مُتَجَمِّلًا. هَذَا إذَا عَلِمَ أَنَّ مِنْ عَادَتِهِ أَخْذَ الزَّكَاةِ، فَأَمَّا إنْ كَانَ مِنْ عَادَتِهِ أَنْ لَا يَأْخُذَ الزَّكَاةَ: فَلَا بُدَّ مِنْ إعْلَامِهِ، فَإِنْ لَمْ يُعْلِمْهُ: لَمْ يُجْزِهِ. قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: هَذَا قِيَاسُ الْمَذْهَبِ عِنْدِي، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ، وَتَابَعَهُ فِي الْفُرُوعِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْبَلُ زَكَاةً ظَاهِرًا، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ ابْنُ تَمِيمٍ، وَقَالَ: فِيهِ بُعْدٌ. قُلْت: فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ قَدْ يُعَايَى بِهَا، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَإِنْ عَلِمَهُ أَهْلًا لَهَا، وَجَهِلَ أَنَّهُ يَأْخُذُهَا، أَوْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَأْخُذُهَا: لَمْ يُجْزِهِ. قُلْت: بَلَى. انْتَهَى. الثَّانِيَةُ: يُسْتَحَبُّ إظْهَارُ إخْرَاجِ الزَّكَاةِ مُطْلَقًا. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ: يُسْتَحَبُّ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَقِيلَ: لَا يُسْتَحَبُّ، وَقِيلَ: إنْ مَنَعَهَا أَهْلُ بَلَدِهِ اُسْتُحِبَّ لَهُ إظْهَارُهَا. وَإِلَّا فَلَا، وَأَطْلَقَهُنَّ ابْنُ تَمِيمٍ، وَقِيلَ: إنْ نُفِيَ عَنْهُ ظَنُّ السُّوءِ بِإِظْهَارِهِ اُسْتُحِبَّ، وَإِلَّا فَلَا، اخْتَارَهُ يُوسُفُ الْجَوْزِيُّ. ذَكَرَهُ فِي الْفَائِقِ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ فِي الْفُرُوعِ، وَأَطْلَقَهُنَّ فِي الْفَائِقِ. قَوْلُهُ (وَلَا يَجُوزُ نَقْلُهَا إلَى بَلَدٍ تُقْصَرُ إلَيْهِ الصَّلَاةُ) هَذَا الْمَذْهَبُ. قَالَهُ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هَذَا الْمَعْرُوفُ فِي النَّقْلِ. يَعْنِي أَنَّهُ يَحْرُمُ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ نَقْلُهَا لِرَحِمٍ أَوْ شِدَّةِ حَاجَةٍ أَوْ لَا، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَالَ الْقَاضِي فِي تَعْلِيقِهِ وَرِوَايَتَيْهِ وَجَامِعِهِ الصَّغِيرِ، وَابْنُ الْبَنَّاءِ
يُكْرَهُ نَقْلُهَا مِنْ غَيْرِ تَحْرِيمٍ، وَنَقَلَ بَكْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ: لَا يُعْجِبُنِي ذَلِكَ، وَعَنْهُ يَجُوزُ نَقْلُهَا إلَى الثَّغْرِ، وَعَلَّلَهُ الْقَاضِي بِأَنَّ مُرَابِطَةَ الْغَازِي بِالثَّغْرِ قَدْ تَطُولُ، وَلَا يُمْكِنُهُ الْمُفَارَقَةُ، وَعَنْهُ يَجُوزُ نَقْلُهَا إلَى الثَّغْرِ وَغَيْرِهِ. مَعَ رُجْحَانِ الْحَاجَةِ. قَالَ فِي الْفَائِقِ: وَقِيلَ: تُنْقَلُ لِمَصْلَحَةٍ رَاجِحَةٍ. كَقَرِيبٍ مُحْتَاجٍ وَنَحْوِهِ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ. انْتَهَى، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَقَالَ: يُقَيَّدُ ذَلِكَ بِمَسِيرَةِ يَوْمَيْنِ، وَتَحْدِيدُ الْمَنْعِ مِنْ نَقْلِ الزَّكَاةِ بِمَسَافَةِ الْقَصْرِ لَيْسَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ، وَجُعِلَ مَحَلَّ ذَلِكَ الْأَقَالِيمُ، فَلَا تُنْقَلُ الزَّكَاةُ مِنْ إقْلِيمٍ إلَى إقْلِيمٍ، وَتُنْقَلُ إلَى نَوَاحِي الْإِقْلِيمِ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ يَوْمَيْنِ انْتَهَى، وَاخْتَارَ الْآجُرِّيُّ جَوَازَ نَقْلِهَا لِلْقَرَابَةِ. تَنْبِيهٌ: مَفْهُومُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: جَوَازُ نَقْلِهَا إلَى مَا دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ. يَعْنِي بِالْمَنْعِ. قَوْلُهُ (فَإِنْ فَعَلَ فَهَلْ تُجْزِئُهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) ، ذَكَرَهُمَا أَبُو الْخَطَّابِ وَمَنْ بَعْدَهُ. يَعْنِي إذَا قُلْنَا: يَحْرُمُ نَقْلُهَا. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَعُقُودِ ابْنِ الْبَنَّا، وَالْفُصُولِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْكَافِي، وَالْهَادِي، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَشَرْحِ الْمَجْدِ، وَشَرْحِ ابْنِ مُنَجَّى، وَالشَّرْحِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ وَالزَّرْكَشِيُّ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ. إحْدَاهُمَا: تُجْزِئُهُ، وَهِيَ الْمَذْهَبُ، جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ، وَصَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ، وَاخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ، وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: اخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَالشَّيْخُ، وَغَيْرُهُمَا. قَالَ الْقَاضِي: ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ: يَقْتَضِي ذَلِكَ، وَلَمْ أَجِدْ عَنْهُ نَصًّا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ.
الرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَا تُجْزِئُهُ، اخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ، وَابْنُ حَامِدٍ، وَالْقَاضِي، وَجَمَاعَةٌ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَصَحَّحَهُ النَّاظِمُ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا فِي الْإِيضَاحِ، وَالْعُمْدَةِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالتَّسْهِيلِ، وَغَيْرِهِمْ؛ لِاقْتِصَارِهِمْ عَلَى عَدَمِ الْجَوَازِ. قَوْلُهُ (إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي بَلَدٍ لَا فُقَرَاءَ فِيهِ، أَوْ كَانَ بِبَادِيَةٍ، فَيُفَرِّقُهَا فِي أَقْرَبِ الْبِلَادِ إلَيْهِ) ، وَهَذَا عِنْدَ مَنْ لَمْ يَرَ نَقْلَهَا؛ لِأَنَّهُ كَمَنْ عِنْدَهُ الْمَالُ بِالنِّسْبَةِ إلَى غَيْرِهِ، وَأَطْلَقَ فِي الرَّوْضَةِ. فَوَائِدُ. الْأُولَى: أُجْرَةُ نَقْلِ الزَّكَاةِ حَيْثُ قُلْنَا بِهِ عَلَى رَبِّ الْمَالِ، كَوَزْنٍ وَكَيْلٍ. الثَّانِيَةُ: الْمُسَافِرُ بِالْمَالِ فِي الْبُلْدَانِ: يُزَكِّيهِ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي إقَامَةُ الْمَالِ فِيهِ أَكْثَرُ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ يُوسُفَ بْنِ مُوسَى، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْفَائِقِ وَغَيْرِهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَالْفُرُوعِ، وَقَالَ: نَقَلَهُ الْأَكْثَرُ، لِتَعَلُّقِ الْأَطْمَاعِ بِهِ غَالِبًا، وَقَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَتَبِعَهُ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ نَقْلِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَكَمِ: تَفْرِقَتُهُ فِي بَلَدِ الْوُجُوبِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْبُلْدَانِ الَّتِي كَانَ بِهَا فِي الْحَوْلِ. وَعِنْدَ الْقَاضِي: هُوَ كَغَيْرِهِ، اعْتِبَارًا بِمَكَانِ الْوُجُوبِ؛ لِئَلَّا يُفْضِيَ إلَى تَأْخِيرِ الزَّكَاةِ، وَقِيلَ: يُفَرِّقُهَا حَيْثُ حَالَ حَوْلُهُ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ كَانَ، وَظَاهِرُ الْمَجْدِ فِي شَرْحِهِ: إطْلَاقُ الْخِلَافِ. الثَّالِثَةُ: لَا يَجُوزُ نَقْلُ الزَّكَاةِ لِأَجْلِ اسْتِيعَابِ الْأَصْنَافِ إذَا أَوْجَبْنَاهُ، وَتَعَذَّرَ بِدُونِ النَّقْلِ، جَزَمَ بِهِ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقَالَ: وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ يَعْنِي بِالْجَوَازِ وَمَا هُوَ بِبَعِيدٍ.
قَوْلُهُ (فَإِنْ كَانَ فِي بَلَدٍ وَمَالُهُ فِي آخَرَ: أَخْرَجَ زَكَاةَ الْمَالِ فِي بَلَدِهِ) يَعْنِي فِي بَلَدِ الْمَالِ، وَهَذَا بِلَا نِزَاعٍ، نَصَّ عَلَيْهِ. لَكِنْ لَوْ كَانَ الْمَالُ مُتَفَرِّقًا زَكَّى كُلَّ مَالٍ حَيْثُ هُوَ، وَإِنْ كَانَ نِصَابًا مِنْ السَّائِمَةِ فِي بَلَدَيْنِ. فَعَنْهُ وَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: تَلْزَمُهُ فِي كُلِّ بَلَدٍ تَعَذَّرَ مَا فِيهِ مِنْ الْمَالِ؛ لِئَلَّا يَنْقُلَ الزَّكَاةَ إلَى غَيْرِ بَلَدِهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ، الْوَجْهُ الثَّانِي: يَجُوزُ إخْرَاجُهَا فِي أَحَدِهِمَا؛ لِئَلَّا يُفْضِيَ إلَى تَشْقِيصِ زَكَاةِ الْحَيَوَانِ. قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: هَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ. قُلْت: وَهُوَ أَوْلَى، وَيُغْتَفَرُ مِثْلُ هَذَا لِأَجْلِ الضَّرَرِ لِحُصُولِ التَّشْقِيصِ، وَهُوَ مُنْتَفٍ شَرْعًا، وَأَطْلَقَهُمَا الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَصَاحِبُ الْفُرُوعِ. قَوْلُهُ (وَفِطْرَتُهُ فِي الْبَلَدِ الَّذِي هُوَ فِيهِ) . وَهَذَا بِلَا نِزَاعٍ. لَكِنْ لَوْ نَقَلَهَا، فَفِي الْإِجْرَاءِ الرِّوَايَتَانِ الْمُتَقَدِّمَتَانِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّف نَقْلًا وَمَذْهَبًا. فَائِدَتَانِ. إحْدَاهُمَا: يُؤَدِّي زَكَاةَ الْفِطْرِ عَمَّنْ يُمَوِّنُهُ. كَعَبْدِهِ وَوَلَدِهِ الصَّغِيرِ وَغَيْرِهِمَا، فِي الْبَلَدِ الَّذِي هُوَ فِيهِ، قَدَّمَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَنَصَرَهُ، وَقَالَ: نَصَّ عَلَيْهِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ. كَذَا قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَقِيلَ: يُؤَدِّيهِ فِي بَلَدِ مَنْ لَزِمَهُ الْإِخْرَاجُ عَنْهُمْ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: قَدَّمَهُ بَعْضُهُمْ، قُلْت: قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى فِي الْفِطْرَةِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ. الثَّانِيَةُ: يَجُوزُ نَقْلُ الْكَفَّارَةِ وَالنَّذْرِ، وَالْوَصِيَّةِ الْمُطْلَقَةِ إلَى بَلَدٍ تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَى أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ، وَصَحَّحُوهُ، وَقَالَ فِي التَّلْخِيصِ: وَخَرَّجَ الْقَاضِي وَجْهًا فِي الْكَفَّارَةِ بِالْمَنْعِ، فَيُخَرَّجُ فِي النَّذْرِ وَالْوَصِيَّةِ مِثْلُهُ، أَمَّا الْوَصِيَّةُ
لِفُقَرَاءِ الْبَلَدِ: فَيَتَعَيَّنُ صَرْفُهَا فِي فُقَرَائِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ إبْرَاهِيمَ. فَائِدَةٌ: قَوْلُهُ (وَإِذَا حَصَلَ عِنْدَ الْإِمَامِ مَاشِيَةٌ اُسْتُحِبَّ لَهُ وَسْمُ الْإِبِلِ فِي أَفْخَاذِهَا) ، وَكَذَلِكَ الْبَقَرُ، وَأَمَّا الْغَنَمُ: فَفِي آذَانِهَا كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَهَذَا بِلَا نِزَاعٍ. لَكِنْ قَالَ أَبُو الْمَعَالِي بْنُ الْمُنَجَّى: الْوَسْمُ بِالْحِنَّاءِ أَوْ بِالْقِيرِ أَفْضَلُ. انْتَهَى. وَيَأْتِي مَتَى تُمْلَكُ الزَّكَاةُ وَالصَّدَقَةُ فِي أَوَاخِرِ الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ. قَوْلُهُ (وَيَجُوزُ تَعْجِيلُ الزَّكَاةِ عَنْ الْحَوْلِ إذَا كَمُلَ النِّصَابُ) هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَقَطَعُوا بِهِ، كَالدَّيْنِ وَدِيَةِ الْخَطَأِ. نَقَلَ الْجَمَاعَةُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: لَا بَأْسَ بِهِ. زَادَ الْأَثْرَمُ: هُوَ مِثْلُ الْكَفَّارَةِ قَبْلَ الْحِنْثِ، وَالظِّهَارُ أَصْلُهُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَظَاهِرُهُ: أَنَّهُمَا عَلَى حَدٍّ وَاحِدٍ، فِيهِمَا الْخِلَافُ فِي الْجَوَازِ وَالْفَضِيلَةِ. فَائِدَتَانِ. إحْدَاهُمَا: تَرْكُ التَّعْجِيلِ أَفْضَلُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: هَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ قَالَ: وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ: تُعْتَبَرُ الْمَصْلَحَةُ، قُلْت: وَهُوَ تَوْجِيهٌ حَسَنٌ، وَتَقَدَّمَ نَقْلُ الْأَثْرَمِ. الثَّانِيَةُ: قَالَ فِي الْفُرُوعِ، فِي كَلَامِ الْقَاضِي، وَصَاحِبِ الْمُحَرَّرِ وَغَيْرِهِمَا: إنَّ النِّصَابَ وَالْحَوْلَ سَبَبَانِ، فَقُدِّمَ الْإِخْرَاجُ عَلَى أَحَدِهِمَا، قُلْت: صَرَّحَ بِذَلِكَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَقَالَ فِي الْمُحَرَّرِ: الْحَوْلُ شَرْطٌ فِي زَكَاةِ الْمَاشِيَةِ وَالنَّقْدَيْنِ وَعُرُوضِ التِّجَارَةِ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَفِي كَلَامِ الشَّيْخِ وَغَيْرِهِ: أَنَّهُمَا شَرْطَانِ، قُلْت: صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي الْمُقْنِعِ، فَقَالَ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الزَّكَاةِ " الشَّرْطُ الثَّالِثُ مِلْكُ نِصَابٍ " وَقَالَ بَعْدَ ذَلِكَ " الْخَامِسُ: مُضِيُّ الْحَوْلِ شَرْطٌ " وَصَرَّحَ بِهِ فِي
الْمُبْهِجِ، وَالْكَافِي. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَفِي كَلَامِ بَعْضِهِمْ: أَنَّهُمَا سَبَبٌ وَشَرْطٌ، قُلْت: وَهُوَ أَيْضًا فِي كَلَامِ الْمَجْدِ فِي شَرْحِهِ، وَقَالَ فِي الْوَجِيزِ: وَمِلْكُ النِّصَابِ شَرْطٌ، وَسَكَتَ عَنْ الْحَوْلِ. تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: جَوَازُ تَعْجِيلِ زَكَاةِ مَالِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَكَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ، وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ، وَقَدَّمَهُ فِي تَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَجُوزُ تَعْجِيلُهَا، قُلْت: وَهُوَ الْأَوْلَى، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَالْفَائِقِ، وَابْنِ تَمِيمٍ قَوْلُهُ (وَفِي تَعْجِيلِهَا لِأَكْثَرَ مِنْ حَوْلِ: رِوَايَتَانِ) ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالتَّلْخِيصِ وَالْمُحَرَّرِ، وَمُنْتَهَى الْغَايَةِ لَهُ، وَالنَّظْمِ، وَالْفَائِقِ. وَالزَّرْكَشِيُّ، وَالشَّارِحُ. . إحْدَاهُمَا: يَجُوزُ تَعْجِيلُهَا لِحَوْلَيْنِ فَقَطْ. وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ. صَحَّحَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَصَاحِبُ الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالتَّصْحِيحِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَمَالَ إلَيْهِ فِي الشَّرْحِ، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَا تَجُوزُ لِأَكْثَرَ مِنْ حَوْلٍ؛ لِأَنَّ الْحَوْلَ الثَّانِيَ لَمْ يَنْعَقِدْ، جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالتَّسْهِيلِ. قَالَ فِي الْإِفَادَاتِ، وَالْمُنْتَخَبِ: وَيَحُوزُ لِحَوْلٍ، وَصَحَّحَهُ فِي الْخُلَاصَةِ [وَالْبُلْغَةِ، وَتَصْحِيحِ الْمُحَرَّرِ] وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ. وَابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، فَعَلَى الْمَذْهَبِ: لَا يَجُوزُ تَعْجِيلُهَا لِثَلَاثَةِ أَعْوَامٍ فَأَكْثَرَ. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي
الْفُصُولِ: لَا تَخْتَلِفُ الرِّوَايَةُ فِيهِ اقْتِصَارًا عَلَى مَا وَرَدَ. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ، وَصَاحِبُ الْفَائِقِ: رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَجَزَمَ بِهِ فِي الشَّرْحِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَعَنْهُ يَجُوزُ التَّعْجِيلُ لِثَلَاثَةِ أَعْوَامٍ فَأَكْثَرَ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا، وَهُوَ تَابِعٌ لِصَاحِبِ الْهِدَايَةِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ فِيهِمَا، وَهَكَذَا فِي التَّلْخِيصِ لَكِنْ وُجِدَ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْمُقْنِعِ " وَفِي تَعْجِيلِهَا لِحَوْلَيْنِ رِوَايَتَانِ " وَالنُّسْخَةُ الْأُولَى مَقْرُوءَةٌ عَلَى الْمُصَنِّفِ، قَالَ صَاحِبُ التَّبْصِرَةِ: يَجُوزُ أَعْوَامًا. نَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَقَالَ فِي الرَّوْضَةِ: يَجُوزُ لِأَعْوَامٍ. نَقَلَهُ عَنْهُ فِي الْفَائِقِ، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ، وَقِيلَ: أَوْ عَنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ، أَوْ عَنْ أَكْثَرَ. فَائِدَةٌ: إذَا قُلْنَا: يَجُوزُ التَّعْجِيلُ لِعَامَيْنِ، فَعَجَّلَ عَنْ أَرْبَعِينَ شَاةً شَاتَيْنِ مِنْ غَيْرِهَا جَازَ، وَمِنْهَا لَا يَجُوزُ عَنْهُ مَا وَيَنْقَطِعُ الْحَوْلُ، وَكَذَا لَوْ عَجَّلَ شَاةً وَاحِدَةً عَنْ الْحَوْلِ الثَّانِي وَحْدَهُ؛ لِأَنَّ مَا عَجَّلَهُ مِنْهُ لِلْحَوْلِ الثَّانِي زَالَ مِلْكُهُ عَنْهُ، وَلَوْ قُلْنَا يَرْتَجِعُ مَا عَجَّلَهُ؛ لِأَنَّهُ تَحْدِيدُ مِلْكٍ، فَإِنْ مَلَكَ شَاةً: اسْتَأْنَفَ الْحَوْلَ الْأَوَّلَ مِنْ الْكَمَالِ، وَقِيلَ: إنْ عَجَّلَ شَاةً مِنْ الْأَرْبَعِينَ أَجْزَأَ عَنْ الْحَوْلِ الْأَوَّلِ، إنْ قُلْنَا يَرْجِعُ، وَإِنْ عَجَّلَ وَاحِدَةً مِنْ الْأَرْبَعِينَ وَأُخْرَى مِنْ غَيْرِهَا جَازَ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. جَزَمَ بِهِ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَابْنُ حَمْدَانَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَقَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ: وَإِنْ أَخْرَجَ شَاةً مِنْهُ وَشَاةً مِنْ غَيْرِهِ: أَجْزَأَ عَنْ الْحَوْلِ الْأَوَّلِ، وَلَمْ يُجْزِئْ عَنْ الثَّانِي؛ لِأَنَّ النِّصَابَ نَقَصَ. وَإِنْ تَكَمَّلَ بِهِ ذَلِكَ صَارَ إخْرَاجُ زَكَاتِهِ وَتَعْجِيلُهُ لَهَا قَبْلَ كَمَالِ نِصَابِهَا. قَوْلُهُ (فَإِنْ عَجَّلَهَا عَنْ النِّصَابِ وَمَا يَسْتَفِيدُهُ: أَجْزَأَ عَنْ النِّصَابِ دُونَ الزِّيَادَةِ) .
وَكَذَا لَوْ عَجَّلَ زَكَاةَ نِصَابَيْنِ مَنْ مَلَكَ نِصَابًا، وَهَذَا الْمَذْهَبُ فِيهِمَا، نَصَّ عَلَيْهِ وَعَنْهُ تُجْزِئُ عَنْ الزِّيَادَةِ أَيْضًا، لِوُجُوبِ سَبَبِهَا فِي الْجُمْلَةِ. حَكَاهَا ابْنُ عَقِيلٍ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ احْتِمَالُ تَخْرِيجٍ بِضَمِّهِ إلَى الْأَصْلِ فِي حَوْلِ الْوُجُوبِ، وَكَذَا فِي التَّعْجِيلِ، وَلِهَذَا اخْتَارَ فِي الِانْتِصَارِ: تُجْزِئُ عَنْ الْمُسْتَفَادِ مِنْ النِّصَابِ فَقَطْ، وَقِيلَ بِهِ، إنْ لَمْ يَبْلُغْ الْمُسْتَفَادُ نِصَابًا؛ لِأَنَّهُ يَتْبَعُهُ فِي الْوُجُوبِ وَالْحَوْلِ كَوُجُودٍ، فَإِذَا بَلَغَهُ اُسْتُقْبِلَ بِالْوُجُوبِ فِي الْجُمْلَةِ، لَوْ لَمْ يُوجَدْ الْأَصْلُ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفَائِقِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى فِي الثَّانِيَةِ، وَقِيلَ: يُجْزِئُ عَنْ النَّمَاءِ إنْ ظَهَرَ، وَإِلَّا فَلَا، ذَكَرَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ. وَقَالَ فِي الْقَاعِدَةِ الْعِشْرِينَ: لَوْ عَجَّلَ الزَّكَاةَ عَنْ نَمَاءِ النِّصَابِ قَبْلَ وُجُودِهِ، فَهَلْ يُجْزِئُهُ؟ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ. ثَالِثُهَا: يُفَرَّقُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ النَّمَاءُ نِصَابًا فَلَا يَجُوزُ، وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ دُونَهُ فَيَجُوزُ. قَالَ: وَيَتَخَرَّجُ وَجْهٌ رَابِعٌ بِالْفَرْقِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ النَّمَاءُ نِتَاجَ مَاشِيَةٍ، أَوْ رِبْحَ تِجَارَةٍ، فَيَجُوزُ فِي الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي. فَوَائِدُ. إحْدَاهَا: لَوْ عَجَّلَ عَنْ خَمْسَ عَشْرَةَ مِنْ الْإِبِلِ وَعَنْ نِتَاجِهَا بِنْتَ مَخَاضٍ فَنَتَجَتْ مِثْلَهَا، فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهَا لَا تُجْزِئُهُ وَيَلْزَمُهُ بِنْتُ مَخَاضٍ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: هَذَا الْأَشْهَرُ، وَقِيلَ: يُجْزِئُهُ، وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، فَعَلَى الْمَذْهَبِ: هَلْ لَهُ أَنْ يَرْتَجِعَ لِلْمُعَجَّلَةِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَابْنُ تَمِيمٍ، قُلْت: الْأَوْلَى: جَوَازُ الِارْتِجَاعِ، فَإِنْ جَازَ الِارْتِجَاعُ فَأَخَذَهَا ثُمَّ دَفَعَهَا إلَى الْفَقِيرِ: جَازَ، وَإِنْ اعْتَدَّ بِهَا قَبْلَ أَخْذِهَا: لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهَا عَلَى مِلْكِ الْفَقِيرِ. الثَّانِيَةُ: لَوْ عَجَّلَ مُسِنَّةً عَنْ ثَلَاثِينَ بَقَرَةً وَنِتَاجِهَا فَنَتَجَتْ عَشْرًا، فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهَا لَا تُجْزِئُهُ عَنْ الْجَمِيعِ، بَلْ عَنْ الثَّلَاثِينَ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: هَذَا
الْأَشْهَرُ، وَقِيلَ: تُجْزِئُهُ عَنْ الْجَمِيعِ، وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، فَعَلَى الْمَذْهَبِ: لَيْسَ لَهُ ارْتِجَاعُهَا، وَيُخْرِجُ لِلْعُشْرِ رُبُعَ مُسِنَّةٍ، وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ حَامِدٍ: يُخَيَّرُ بَيْنَ ذَلِكَ، وَبَيْنَ ارْتِجَاعِ الْمُسِنَّةِ، وَيُخْرِجُهَا أَوْ غَيْرَهَا عَنْ الْجَمِيعِ. الثَّالِثَةُ: لَوْ عَجَّلَ عَنْ أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةً، ثُمَّ أَبْدَلَهَا بِمِثْلِهَا، أَوْ نَتَجَتْ أَرْبَعِينَ سَخْلَةً، ثُمَّ مَاتَتْ الْأُمَّاتُ أَجْزَأَ الْمُعَجَّلُ عَنْ الْبَدَلِ وَالسِّخَالِ؛ لِأَنَّهَا تُجْزِئُ مَعَ بَقَاءِ الْأُمَّاتِ عَنْ الْكُلِّ، فَعَنْ أَحَدِهِمَا أَوْلَى، وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَقَالَ: قَطَعَ بِهِ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَذَكَرَ أَبُو الْفَرَجِ بْنُ أَبِي الْفَهْمِ وَجْهًا: لَا تُجْزِئُ؛ لِأَنَّ التَّعْجِيلَ كَانَ لِغَيْرِهَا، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْحَاوِيَيْنِ، فَعَلَى الْمَذْهَبِ: لَوْ عَجَّلَ شَاةً عَنْ مِائَةِ شَاةٍ، أَوْ تَبِيعًا عَنْ ثَلَاثِينَ بَقَرَةً، ثُمَّ نَتَجَتْ الْأُمَّاتُ مِثْلَهَا وَمَاتَتْ: أَجْزَأَ الْمُعَجَّلُ عَنْ النِّتَاجِ؛ لِأَنَّهُ يَتْبَعُ فِي الْحَوْلِ، وَهَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقِيلَ: لَا يُجْزِئُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُجْزِئُ مَعَ بَقَاءِ الْأُمَّاتِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَهُمَا احْتِمَالَانِ مُطْلَقَانِ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ، فَعَلَى الْأَوَّلِ: لَوْ نَتَجَتْ نِصْفُ الشِّيَاهِ مِثْلَهَا ثُمَّ مَاتَتْ أُمَّاتُ الْأَوْلَادِ: أَجْزَأَ الْمُعَجَّلُ عَنْهَا، وَعَلَى الثَّانِي: يَجِبُ مِثْلُهُ. جَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ؛ لِأَنَّهُ نِصَابٌ لَمْ يُزَكِّهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَجَزَمَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ بِنِصْفِ شَاةٍ؛ لِأَنَّهُ قَسَّطَ السِّخَالَ مِنْ وَاجِبِ الْمَجْمُوعِ، وَلَمْ يَصِحَّ التَّعْجِيلُ عَنْهَا، وَقَالَ أَبُو الْفَرَجِ: لَا يَجِبُ شَيْءٌ. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَهُوَ الْأَشْبَهُ بِالْمَذْهَبِ، وَأَطْلَقَهُنَّ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. وَمُخْتَصَرِ ابْنِ تَمِيمٍ، وَلَوْ نَتَجَتْ نِصْفُ الْبَقَرِ مِثْلَهَا. ثُمَّ مَاتَتْ الْأُمَّاتُ: أَجْزَأَ الْمُعَجَّلُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. جَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَمُخْتَصَرِ ابْنِ تَمِيمٍ؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ وَجَبَتْ فِي الْعُجُولِ تَبَعًا، وَجَزَمَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ. عَلَى الثَّانِي بِنِصْفِ تَبِيعٍ بِقَدْرِ قِيمَتِهَا قِسْطُهَا مِنْ الْوَاجِبِ.
الرَّابِعَةُ: لَوْ عَجَّلَ عَنْ أَحَدِ نِصَابَيْهِ وَتَلِفَ: لَمْ يَصْرِفْهُ إلَى الْآخَرِ كَمَا لَوْ عَجَّلَ شَاةً عَنْ خَمْسٍ مِنْ الْإِبِلِ، فَتَلِفَتْ وَلَهُ أَرْبَعُونَ شَاةً: لَمْ يُجْزِهِ عَنْهَا، وَهَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقَالَ الْقَاضِي فِي تَخْرِيجِهِ: مَنْ لَهُ ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ وَعُرُوضٌ، فَعَجَّلَ عَنْ جِنْسٍ مِنْهَا ثُمَّ تَلِفَ: صَرَفَهُ إلَى الْآخَرِ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. الْخَامِسَةُ: لَوْ كَانَ لَهُ أَلْفُ دِرْهَمٍ وَقُلْنَا: يَجُوزُ التَّعْجِيلُ لِعَامَيْنِ، وَعَنْ الزِّيَادَةِ قَبْلَ حُصُولِهَا، فَعَجَّلَ خَمْسِينَ، وَقَالَ: إنْ رَبِحْت أَلْفًا قَبْلَ الْحَوْلِ فَهِيَ عَنْهَا، وَإِلَّا كَانَتْ لِلْحَوْلِ الثَّانِي جَازَ. السَّادِسَةُ: لَوْ عَجَّلَ عَنْ أَلْفٍ يَظُنُّهَا لَهُ، فَبَانَتْ خَمْسَمِائَةٍ أَجْزَأَ عَنْ عَامَيْنِ. قَوْلُهُ (وَإِنْ عَجَّلَ عُشْرَ الثَّمَرَةِ قَبْلَ طُلُوعِ الطَّلْعِ، وَالْحِصْرِمِ: لَمْ يُجْزِهِ) ، وَكَذَا لَوْ عَجَّلَ عُشْرَ الزَّرْعِ قَبْلَ ظُهُورِهِ، وَالْمَاشِيَةِ قَبْلَ سَوْمِهَا، وَهَذَا الْمَذْهَبُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَقِيلَ: يَجُوزُ بَعْدَ مِلْكِ الشَّجَرِ، وَوَضْعِ الْبَذْرِ فِي الْأَرْضِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ لِلْوُجُوبِ إلَّا مُضِيُّ الْوَقْتِ عَادَةً، كَالنِّصَابِ الْحَوْلِيِّ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُحَرَّرِ، وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ وَصَالِحٌ: لِلْمَالِكِ أَنْ يَحْتَسِبَ فِي الْعُشْرِ بِمَا زَادَ عَلَيْهِ السَّاعِي لِسَنَةٍ أُخْرَى. تَنْبِيهٌ: مَفْهُومُ قَوْلِهِ " قَبْلَ طُلُوعِ الطَّلْعِ وَالْحِصْرِمِ " جَوَازُ التَّعْجِيلِ بَعْدَ طُلُوعِ ذَلِكَ وَظُهُورِهِ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ. لِأَنَّ ظُهُورَ ذَلِكَ كَالنِّصَابِ، وَالْإِدْرَاكُ كَالْحَوْلِ. جَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالْوَجِيزِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ، وَمُخْتَصَرِ ابْنِ تَمِيمٍ، وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ حَتَّى يَشْتَدَّ الْحَبُّ وَيَبْدُوَ صَلَاحُ الثَّمَرَةِ؛ لِأَنَّهُ السَّبَبُ. جَزَمَ
بِهِ فِي الْمُبْهِجِ، وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ، وَاخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ فِي الِانْتِصَارِ، وَالْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى قُلْت: وَكَذَا يُخَرَّجُ الْخِلَافُ إنْ أَسَامَهَا دُونَ أَكْثَرِ السَّنَةِ، وَقَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ فِي حَوَاشِي الْفُرُوعِ: لَا يَجُوزُ تَعْجِيلُ الْعُشْرِ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ بِسَبَبٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ بُدُوُّ الصَّلَاحِ، وَجَوَّزَهُ أَبُو الْخَطَّابِ: إذَا ظَهَرَتْ الثَّمَرَةُ وَطَلَعَ الزَّرْعُ. انْتَهَى. فَائِدَةٌ: لَا يَصِحُّ تَعْجِيلُ زَكَاةِ الْمَعْدِنِ وَالرِّكَازِ بِحَالٍ، بِسَبَبِ أَنَّ وُجُوبَهَا يُلَازِمُ وُجُودَهَا. ذَكَرَهُ فِي الْكَافِي وَغَيْرِهِ. قَوْلُهُ (وَإِنْ عَجَّلَ زَكَاةَ النِّصَابِ، فَتَمَّ الْحَوْلُ وَهُوَ نَاقِصٌ قَدْرَ مَا عَجَّلَهُ: جَازَ) ، وَكَانَ حُكْمُ مَا عَجَّلَهُ كَالْمَوْجُودِ فِي مِلْكِهِ، يَتِمُّ بِهِ النِّصَابُ؛ لِأَنَّهُ كَمَوْجُودٍ فِي مِلْكِهِ وَقْتَ الْحَوْلِ فِي إجْزَائِهِ عَنْ مَالِهِ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ بِهِ أَكْثَرُهُمْ، وَقَالَ أَبُو حَكِيمٍ: لَا يُجْزِئُ، وَيَكُونُ نَفْلًا، وَيَكُونُ كَتَالِفٍ، فَعَلَى الْمَذْهَبِ: لَوْ مَلَكَ مِائَةً وَعِشْرِينَ شَاةً، فَعَجَّلَ شَاةً، ثُمَّ نَتَجَتْ قَبْلَ الْحَوْلِ وَاحِدَةً: لَزِمَهُ شَاةٌ ثَانِيَةٌ، وَعَلَى الثَّانِي: لَا يَلْزَمُهُ. قَوْلُهُ (وَإِنْ عَجَّلَ زَكَاةَ الْمِائَتَيْنِ، فَنَتَجَتْ عِنْدَ الْحَوْلِ سَخْلَةً: لَزِمَتْهُ، شَاةٌ ثَالِثَةٌ) بِنَاءً عَلَى الْمَذْهَبِ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا، وَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَكِيمٍ: لَا يَلْزَمُهُ وَمِنْ فَوَائِدِ الْخِلَافِ أَيْضًا: لَوْ عَجَّلَ عَنْ ثَلَاثِمِائَةِ دِرْهَمٍ خَمْسَ دَرَاهِمَ. ثُمَّ حَالَ الْحَوْلُ: لَزِمَهُ زَكَاةُ مِائَةٍ، دِرْهَمَانِ وَنِصْفٌ، وَنَقَلَهُ مُهَنَّا، وَعَلَى الثَّانِي: يَلْزَمُهُ زَكَاةُ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ دِرْهَمًا.
وَقَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ وَتَبِعَهُ فِي الْفُرُوعِ عَلَى الثَّانِي: يَلْزَمُهُ زَكَاةُ اثْنَيْنِ وَتِسْعِينَ وَنِصْفِ دِرْهَمٍ، وَهَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ سَهْوٌ؛ لِأَنَّ الْبَاقِيَ فِي مِلْكِهِ بَعْدَ إخْرَاجِ الْخَمْسَةِ الْمُعَجَّلَةِ مِائَتَانِ وَخَمْسَةٌ وَتِسْعُونَ، فَالْخَمْسَةُ الْمُخْرَجَةُ أَجْزَأَتْ عَنْ مِائَتَيْنِ، وَهِيَ كَالتَّالِفَةِ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَكِيمٍ، فَلَا تَجِبُ فِيهَا زَكَاةٌ، وَإِنَّمَا الزَّكَاةُ عَلَى الْبَاقِي، وَهِيَ خَمْسَةٌ وَتِسْعُونَ وَمِنْ فَوَائِدِ الْخِلَافِ أَيْضًا: لَوْ عَجَّلَ عَنْ أَلْفٍ خَمْسًا وَعِشْرِينَ مِنْهَا. ثُمَّ رَبِحَتْ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ: لَزِمَهُ زَكَاتُهَا. عَلَى الْمَذْهَبِ، وَعَلَى الثَّانِي: لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، وَمِنْهَا: لَوْ تَغَيَّرَ بِالْمُعَجَّلِ قَدْرُ الْفَرْضِ قُدِّرَ كَذَلِكَ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَعَلَى الثَّانِي: لَا فَائِدَتَانِ. إحْدَاهُمَا: لَوْ نَتَجَ الْمَالُ مَا يَتَغَيَّرُ بِهِ الْفَرْضُ، كَمَا لَوْ عَجَّلَ تَبِيعًا عَنْ ثَلَاثِينَ مِنْ الْبَقَرِ، فَنَتَجَتْ عَشْرًا، فَفِيهِ وَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: لَا يُجْزِئُهُ الْمُعَجَّلُ عَنْ شَيْءٍ، قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يُجْزِئُهُ عَمَّا عَجَّلَهُ، وَيَلْزَمُهُ لِلنِّتَاجِ رُبُعُ مُسِنَّةٍ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَمُخْتَصَرِ ابْنِ تَمِيمٍ، فَعَلَى الْأَوَّلِ: هَلْ لَهُ ارْتِجَاعُ الْمُعَجَّلِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَمُخْتَصَرِ ابْنِ تَمِيمٍ، قُلْت: إنْ كَانَ الْمُعَجَّلُ مَوْجُودًا سَاغَ ارْتِجَاعُهُ. الثَّانِيَةُ: لَوْ أَخَذَ السَّاعِي فَوْقَ حَقِّهِ مِنْ رَبِّ الْمَالِ اعْتَدَّ بِالزِّيَادَةِ مِنْ سَنَةٍ ثَانِيَةٍ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَيْضًا: يَحْسِبُ مَا أَهْدَاهُ لِلْعَامِلِ مِنْ الزَّكَاةِ أَيْضًا، وَعَنْهُ لَا يُعْتَدُّ بِذَلِكَ، وَجَمَعَ الْمُصَنِّفُ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ فَقَالَ: إنْ نَوَى الْمَالِكُ التَّعْجِيلَ اُعْتُدَّ بِهِ، وَإِلَّا فَلَا، وَحَمَلَهَا عَلَى ذَلِكَ، وَحَمَلَ الْمَجْدُ رِوَايَةَ الْجَوَازِ عَلَى أَنَّ السَّاعِيَ أَخَذَ الزِّيَادَةَ بِنِيَّةِ الزَّكَاةِ إذَا نَوَى التَّعْجِيلَ. قَالَ: وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهَا لَيْسَتْ عَلَيْهِ وَأَخَذَهَا لَمْ يُعْتَدَّ بِهَا.
عَلَى الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَهَا غَصْبًا. قَالَ: وَلَنَا رِوَايَةٌ: أَنَّ مَنْ ظُلِمَ فِي خَرَاجِهِ يَحْتَسِبُهُ مِنْ الْعُشْرِ، أَوْ مِنْ خَرَاجٍ آخَرَ، فَهَذَا أَوْلَى، وَنَقَلَ عَنْهُ حَرْبٌ فِي أَرْضِ صُلْحٍ يَأْخُذُ السُّلْطَانُ مِنْهَا نِصْفَ الْغَلَّةِ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ. قِيلَ لَهُ: فَيُزَكِّي الْمَالِكُ عَمَّا بَقِيَ فِي يَدِهِ؟ قَالَ: يُجْزِئُ مَا أَخَذَهُ السُّلْطَانُ مِنْ الزَّكَاةِ. يَعْنِي إذَا نَوَى بِهِ الْمَالِكُ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ: إنْ زَادَ فِي الْخِرْصِ، هَلْ يُحْتَسَبُ بِالزِّيَادَةِ مِنْ الزَّكَاةِ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ. قَالَ: وَحَمَلَ الْقَاضِي الْمَسْأَلَةَ عَلَى أَنَّهُ يُحْتَسَبُ بِنِيَّةِ الْمَالِكِ وَقْتَ الْأَخْذِ، وَإِلَّا لَمْ يُجْزِهِ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: مَا أَخَذَهُ بِاسْمِ الزَّكَاةِ وَلَوْ فَوْقَ الْوَاجِبِ بِلَا تَأْوِيلٍ، اُعْتُدَّ بِهِ، وَإِلَّا فَلَا، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: يُعْتَدُّ بِمَا أَخَذَهُ، وَعَنْهُ بِوَجْهٍ سَائِغٍ، وَكَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ تَمِيمٍ فِي آخِرِ فَصْلِ شِرَاءِ الذِّمِّيِّ لِأَرْضٍ عُشْرِيَّةٍ، وَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا يُعْتَدُّ بِهِ. قَوْلُهُ (وَإِنْ عَجَّلَهَا فَدَفَعَهَا إلَى مُسْتَحِقِّهَا، فَمَاتَ، أَوْ ارْتَدَّ، أَوْ اسْتَغْنَى) يَعْنِي مَنْ دُفِعَتْ إلَيْهِ مِنْ هَؤُلَاءِ (أَجْزَأَتْ عَنْهُ) وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. وَقِيلَ: لَا يُجْزِئُهُ وَهُوَ وَجْهٌ. ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ. تَنْبِيهٌ: مُرَادُهُ بِقَوْلِهِ (وَإِنْ دَفَعَهَا إلَى غَنِيٍّ فَافْتَقَرَ عِنْدَ الْوُجُوبِ لَمْ تُجْزِهِ) إذَا عَلِمَ أَنَّهُ غَنِيٌّ جَازَ الدَّفْعُ إلَيْهِ بِلَا نِزَاعٍ، وَإِمَّا إذَا دَفَعَهَا إلَيْهِ ظَانًّا أَنَّهُ فَقِيرٌ وَهُوَ فِي الْبَاطِنِ غَنِيٌّ فَيَأْتِي كَلَامُ الْمُصَنِّفِ فِي آخِرِ الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ عِنْدَ قَوْلِهِ " وَإِنْ دَفَعَهَا إلَى مَنْ لَا يَسْتَحِقُّهَا وَهُوَ لَا يَعْلَمُ. ثُمَّ عَلِمَ ". فَائِدَةٌ: أَفَادَنَا الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِقَوْلِهِ (وَإِنْ عَجَّلَهَا ثُمَّ هَلَكَ الْمَالُ قَبْلَ الْحَوْلِ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْمَسَاكِينِ) أَنَّ الزَّكَاةَ إذَا عَجَّلَهَا ثُمَّ هَلَكَ الْمَالُ قَبْلَ الْحَوْلِ: أَنَّهُ لَا زَكَاةَ عَلَيْهِ، وَهُوَ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّا تَبَيَّنَّا أَنَّ الْمُخْرَجَ غَيْرُ زَكَاةٍ، وَكَذَا الْحُكْمُ
لَوْ ارْتَدَّ الْمَالِكُ أَوْ نَقَصَ النِّصَابُ، وَكَذَا لَوْ مَاتَ الْمَالِكُ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَقِيلَ: إنْ مَاتَ بَعْدَ أَنْ عَجَّلَ وَقَعَتْ الْمَوْقِعَ، وَأَجْزَأَتْ عَنْ الْوَارِثِ. قَوْلُهُ (لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْمَسَاكِينِ) اعْلَمْ أَنَّهُ إذَا بَانَ أَنَّ الْمُخْرَجَ غَيْرُ زَكَاتِهِ، فَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الرُّجُوعَ فِيمَا أَخْرَجَهُ مُطْلَقًا، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ وَغَيْرُهُ قَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ: هَذَا الْمَذْهَبُ. لِوُقُوعِهِ نَفْلًا. بِدَلِيلِ مِلْكِ الْفَقِيرِ لَهَا. قَالَ الْمَجْدُ: هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: لَمْ يَرْجِعْ فِي الْأَصَحِّ، وَقِيلَ: يَمْلِكُ الرُّجُوعَ فِيهِ. قَالَ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ: أَوْمَأَ إلَيْهِ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا، فِيمَنْ دَفَعَ إلَى رَجُلٍ زَكَاةَ مَالِهِ، ثُمَّ عَلِمَ غِنَاهُ: يَأْخُذُهَا مِنْهُ، اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ، وَابْنُ شِهَابٍ، وَأَبُو الْخَطَّابِ. قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ابْنُ تَمِيمٍ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ: إنْ كَانَ الدَّافِعُ وَلِيَّ رَبِّ الْمَالِ رَجَعَ مُطْلَقًا، وَإِنْ كَانَ رَبَّ الْمَالِ وَدَفَعَ إلَى السَّاعِي مُطْلَقًا: رَجَعَ فِيهَا، مَا لَمْ يَدْفَعْهَا إلَى الْفَقِيرِ، وَإِنْ دَفَعَهَا إلَيْهِ فَهُوَ كَمَا لَوْ دَفَعَهَا رَبُّ الْمَالِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَجَزَمَ غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ ابْنِ حَامِدٍ: إنْ كَانَ الدَّافِعُ لَهَا السَّاعِيَ رَجَعَ مُطْلَقًا، قُلْت: مِنْهُمْ الْمُصَنِّفُ هُنَا، وَأَطْلَقَ الْوَجْهَيْنِ: فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ فِي الْفُرُوعِ، وَأَكْثَرُ الْأَصْحَابِ عَلَى أَنَّ الْخِلَافَ وَجْهَانِ، وَحَكَاهُ أَبُو الْحُسَيْنِ رِوَايَتَيْنِ، وَحَكَى فِي الْوَسِيلَةِ: أَنَّ مِلْكَهُ لِلرُّجُوعِ رِوَايَةٌ، وَتَقَدَّمَ قَوْلُ الْقَاضِي فِيهِ. فَائِدَةٌ: لَوْ أَعْلَمَ رَبُّ الْمَالِ السَّاعِيَ: أَنَّ هَذِهِ زَكَاةٌ مُعَجَّلَةٌ، وَدَفَعَهَا السَّاعِي إلَى الْفَقِيرِ: رَجَعَ عَلَيْهِ، أَعْلَمَهُ السَّاعِي بِذَلِكَ أَوْ لَمْ يُعْلِمْهُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، قَدَّمَهُ، فِي الْفُرُوعِ، وَمُخْتَصَرِ ابْنِ تَمِيمٍ، وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ وَغَيْرُهُ، وَقِيلَ: لَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ إذَا لَمْ يُعْلِمْهُ، اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ، كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ، وَهِيَ دَاخِلَةٌ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ
وَإِنْ دَفَعَهَا رَبُّ الْمَالِ إلَى الْفَقِيرِ وَأَعْلَمَهُ أَنَّهَا زَكَاةٌ مُعَجَّلَةٌ. رَجَعَ عَلَيْهِ، وَإِلَّا فَلَا. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ هُنَا، وَقِيلَ: يَرْجِعُ، وَإِنْ لَمْ يُعْلِمْهُ، وَإِنْ عَلِمَ الْفَقِيرُ أَنَّهَا زَكَاةٌ مُعَجَّلَةٌ رَجَعَ عَلَيْهِ: وَإِلَّا فَلَا. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: جَزَمَ بِهِ بَعْضُهُمْ، وَقَالَ: وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ فَأَوْجُهٌ. الثَّالِثُ: يَرْجِعُ إنْ أَعْلَمَهُ وَإِلَّا فَلَا، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا: أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ مُطْلَقًا عَلَى الْمُقَدَّمِ عِنْدَهُ، وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ، وَقِيلَ: فِي الْوَلِيِّ أَوْجُهٌ. الثَّالِثُ: يَرْجِعُ إنْ أَعْلَمَهُ. قَالَ كَذَا مَنْ دَفَعَ إلَى السَّاعِي، وَقِيلَ: يَرْجِعُ إنْ أَعْلَمَهُ. وَكَانَتْ بِيَدِهِ. فَائِدَةٌ: مَتَى كَانَ رَبُّ الْمَالِ صَادِقًا، فَلَهُ الرُّجُوعُ بَاطِنًا. أَعْلَمَهُ بِالتَّعْجِيلِ أَوْ لَا لَا ظَاهِرًا مَعَ إطْلَاقِ أَنَّهُ خِلَافٌ لِلظَّاهِرِ، وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي ذِكْرِ التَّعْجِيلِ صُدِّقَ الْآخِذُ، عَمَلًا بِالْأَصْلِ، وَيَحْلِفُ لَهُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَجَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي، وَالْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَالشَّارِحُ وَغَيْرُهُمْ، وَقِيلَ: لَا يَحْلِفُ، وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ، وَحَيْثُ قُلْنَا: لَهُ الرُّجُوعُ وَرَجَعَ، فَإِنْ كَانَتْ الْعَيْنُ بَاقِيَةً أَخَذَهَا بِزِيَادَتِهَا الْمُتَّصِلَةِ لَا الْمُنْفَصِلَةِ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ، قَالَ فِي الْقَاعِدَةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّمَانِينَ: وَهُوَ الْأَظْهَرُ. لِحُدُوثِهَا فِي مِلْكِ الْفَقِيرِ كَنَظَائِرِهِ، وَأَشَارَ أَبُو الْمَعَالِي إلَى تَرَدُّدِ الْأَمْرِ بَيْنَ الزَّكَاةِ وَالْفَرْضِ، فَإِذَا تَبَيَّنَّا أَنَّهَا لَيْسَتْ بِزَكَاةٍ بَقِيَ كَوْنُهَا فَرْضًا، وَقِيلَ: يَرْجِعُ بِالْمُنْفَصِلَةِ أَيْضًا، كَرُجُوعِ بَائِعِ الْمُفْلِسِ الْمُسْتَرِدِّ عَيْنَ مَالِهِ بِهَا. ذَكَرَهُ الْقَاضِي. قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ: اخْتَارَهُ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ، وَإِنْ نَقَصَتْ عِنْدَهُ ضَمِنَ نَقْصَهَا كَجُمْلَتِهَا وَأَبْعَاضِهَا، كَمَبِيعٍ وَمَهْرٍ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ. جَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ.
وَقِيلَ: لَا يَضْمَنُ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا قَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ. قَالَ: وَأَطْلَقَ بَعْضُهُمْ الْوَجْهَيْنِ يَعْنِي فِي ضَمَانِ النَّقْصِ وَلَوْ كَانَ جُزْءًا مِنْهَا، وَإِنْ كَانَتْ تَالِفَةً ضَمِنَ مِثْلَهَا أَوْ قِيمَتَهَا يَوْمَ التَّعْجِيلِ. قَالَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَصَاحِبُ الْفُرُوعِ، وَغَيْرُهُمْ مِنْ الْأَصْحَابِ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالْمُرَادُ مَا قَالَهُ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ يَوْمَ التَّلَفِ عَلَى صِفَتِهَا يَوْمَ التَّعْجِيلِ؛ لِأَنَّ مَا زَادَ بَعْدَ الْقَبْضِ حَدَثَ فِي مِلْكِ الْفَقِيرِ، وَلَا يَضْمَنُهُ، وَمَا نَقَصَ يَضْمَنُهُ. انْتَهَى. وَأَمَّا ابْنُ تَمِيمٍ، فَقَالَ: ضَمِنَهَا يَوْمَ التَّعْجِيلِ، وَقَالَ شَيْخُنَا يَعْنِي بِهِ الْمَجْدَ يَوْمَ التَّلَفِ عَلَى صِفَتِهَا يَوْمَ التَّعْجِيلِ، فَصَاحِبُ الْفُرُوعِ فَسَّرَ مُرَادَ الْأَصْحَابِ بِمَا قَالَهُ الْمَجْدُ، وَابْنُ تَمِيمٍ جَعَلَهُ قَوْلًا ثَانِيًا فِي الْمَسْأَلَةِ، وَتَفْسِيرُ صَاحِبِ الْفُرُوعِ أَوْلَى وَأَقْعَدُ، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَيَغْرَمُ نَقْصَهَا يَوْمَ رَدِّهَا أَوْ قِيمَتَهَا، إنْ تَلِفَتْ أَوْ مِثْلَهَا يَوْمَ عُجِّلَتْ، وَقِيلَ: بَلْ يَوْمَ التَّلَفِ. فَصِفَتُهَا يَوْمَ عُجِّلَتْ، وَقِيلَ: يَضْمَنُ الْمِثْلِيَّ بِمِثْلِهِ وَغَيْرَهُ بِقِيمَتِهِ يَوْمَ عُجِّلَ وَلَا يَضْمَنُ نَقْصَهُ. فَوَائِدُ. مِنْهَا: لَوْ اسْتَسْلَفَ السَّاعِي الزَّكَاةَ فَتَلِفَتْ فِي يَدِهِ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ لَمْ يَضْمَنْهَا، وَكَانَتْ مِنْ ضَمَانِ الْفُقَرَاءِ. سَوَاءٌ سَأَلَهُ الْفُقَرَاءُ ذَلِكَ أَوْ رَبُّ الْمَالِ، أَوْ لَمْ يَسْأَلْهُ أَحَدٌ. هَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَقِيلَ: إنْ تَلِفَتْ بِيَدِ السَّاعِي ضَمِنَ مِنْ مَالِ الزَّكَاةِ، قَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْحَاوِيَيْنِ، وَقِيلَ: لَا، وَذَكَرَ ابْنُ حَامِدٍ: أَنَّ الْإِمَامَ يَدْفَعُ إلَى الْفَقِيرِ عِوَضَهَا مِنْ مَالِ الصَّدَقَاتِ. وَمِنْهَا: لَوْ تَعَمَّدَ الْمَالِكُ إتْلَافَ النِّصَابِ أَوْ بَعْضِهِ بَعْدَ التَّعْجِيلِ، غَيْرَ قَاصِدٍ الْفِرَارَ مِنْهَا، فَحُكْمُهُ حُكْمُ التَّالِفِ بِغَيْرِ فِعْلِهِ فِي الرُّجُوعِ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، كَمَا لَوْ سَأَلَهُ الْفُقَرَاءُ قَبْضَهَا، أَوْ قَبْضَهَا لِحَاجَةِ صِغَارِهِمْ، وَكَمَا بَعْدَ الْوُجُوبِ، وَقِيلَ: لَا يَرْجِعُ.
وَقِيلَ: لَا يَرْجِعُ فِيمَا إذَا أُتْلِفَتْ دُونَ الزَّكَاةِ لِلتُّهْمَةِ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَهَلْ إتْلَافُهُ مَالَهُ عَمْدًا بَعْدَ التَّعْجِيلِ كَتَلَفِهِ لِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ، أَوْ كَإِتْلَافِ أَجْنَبِيٍّ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ. انْتَهَى. وَمِنْهَا: لَوْ أَخْرَجَ زَكَاتَهُ فَتَلِفَتْ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهَا الْفَقِيرُ لَزِمَهُ بَدَلُهَا وَمِنْهَا: يُشْتَرَطُ لِمِلْكِ الْفَقِيرِ لَهَا وَإِجْزَائِهَا عَنْ رَبِّهَا: قَبْضُهُ، فَلَا يُجْزِئُ غَدَاءُ الْفُقَرَاءِ وَلَا عَشَاؤُهُمْ. جَزَمَ بِهِ ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ، وَلَا يَصِحُّ تَصَرُّفُ الْفَقِيرِ فِيهَا قَبْلَ قَبْضِهَا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَخَرَّجَ الْمَجْدُ فِي الْمُعَيَّنَةِ الْمَقْبُولَةِ كَالْمَقْبُوضَةِ، كَالْهِبَةِ وَصَدَقَةِ التَّطَوُّعِ وَالرَّهْنِ. قَالَ: وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ. انْتَهَى. وَقَالَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ: وَإِنْ عَيَّنَ زَكَاتَهُ فَقَبِلَهَا الْفَقِيرُ فَتَلِفَتْ قَبْلَ قَبْضِهِ لَمْ يُجْزِهِ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ، قَالَ فِي الْقَاعِدَةِ التَّاسِعَةِ وَالْأَرْبَعِينَ: فِي الزَّكَاةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْفَرْضِ وَغَيْرِهَا طَرِيقَانِ. أَحَدُهُمَا: لَا يَمْلِكُ إلَّا بِالْقَبْضِ رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَهِيَ طَرِيقَةُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ، وَالشِّيرَازِيِّ فِي الْمُبْهِجِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي مَوَاضِعَ، وَالطَّرِيقُ الثَّانِي: لَا يَمْلِكُ فِي الْمُبْهَمِ بِدُونِ الْقَبْضِ. وَفِي الْمُعَيَّنِ يَمْلِكُ بِالْعَقْدِ، وَهِيَ طَرِيقَةُ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ وَابْنِ عَقِيلٍ فِي مُفْرَدَاتِهِ، وَالْحَلْوَانِيِّ وَابْنِهِ، إلَّا أَنَّهُمَا حَكَيَا فِي الْمُعَيَّنِ رِوَايَتَيْنِ كَالْهِبَةِ. انْتَهَى، فَإِذَا قُلْنَا: تُمْلَكُ بِمُجَرَّدِ الْقَبُولِ، فَهَلْ يَجُوزُ بَيْعُهَا؟ قَالَ فِي الْقَاعِدَةِ الثَّانِيَةِ وَالْخَمْسِينَ: نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى جَوَازِ التَّوْكِيلِ. قَالَ: وَهُوَ نَوْعُ تَصَرُّفٍ. فَقِيَاسُهُ سَائِرُ التَّصَرُّفَاتِ، وَتَكُونُ حِينَئِذٍ كَالْهِبَةِ الْمَمْلُوكَةِ بِالْعَقْدِ، وَلَوْ قَالَ الْفَقِيرُ لِرَبِّ الْمَالِ: اشْتَرِ لِي بِهَا ثَوْبًا، وَلَمْ يَقْبِضْهَا مِنْهُ: لَمْ يُجْزِهِ، وَلَوْ اشْتَرَاهُ كَانَ لِلْمَالِكِ وَلَوْ تَلِفَ كَانَ مِنْ ضَمَانِهِ. هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ تَخْرِيجٌ. مِنْ إذْنِهِ لِغَرِيمِهِ فِي الصَّدَقَةِ بِدَيْنِهِ عَنْهُ أَوْ صَرْفِهِ، أَوْ الْمُضَارَبَةِ بِهِ.
باب ذكر أهل الزكاة
قُلْت: وَالنَّفْسُ تَمِيلُ إلَى ذَلِكَ، وَيَأْتِي فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ: إذَا أَبْرَأَ الْغَرِيمُ غَرِيمَهُ، أَوْ أَحَالَ الْفَقِيرَ بِالزَّكَاةِ، هَلْ تَسْقُطُ الزَّكَاةُ عَنْهُ؟ عِنْدَ قَوْلِهِ " وَيَجُوزُ دَفْعُ الزَّكَاةِ إلَى مُكَاتَبِهِ وَإِلَى غَرِيمِهِ ". [بَابُ ذِكْرِ أَهْلِ الزَّكَاةِ] ِ قَوْلُهُ (وَهُمْ ثَمَانِيَةُ أَصْنَافٍ: الْفُقَرَاءُ، وَهُمْ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يَقَعُ مَوْقِعًا مِنْ كِفَايَتِهِمْ، وَالثَّانِي: الْمَسَاكِينُ، وَهُمْ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مُعْظَمَ الْكِفَايَةِ) ، الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ الْفَقِيرَ أَسْوَأُ حَالًا مِنْ الْمِسْكِينِ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَعَنْهُ عَكْسُهُ. اخْتَارَهُ ثَعْلَبٌ اللُّغَوِيُّ، وَهُوَ مِنْ الْأَصْحَابِ، وَصَاحِبُ الْفَائِقِ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: الْفَقْرُ وَالْمَسْكَنَةُ صِفَتَانِ لِمَوْصُوفٍ وَاحِدٍ. تَنْبِيهَاتٌ. أَحَدُهَا: قَوْلُ الْمُصَنِّفِ عَنْ الْمَسَاكِينِ " هُمْ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مُعْظَمَ الْكِفَايَةِ "، وَكَذَا قَالَ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْهَادِي، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ، وَقَالَ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْإِفَادَاتِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْوَجِيزِ، وَالْفَائِقِ، وَجَمَاعَةٌ: هُمْ الَّذِينَ لَهُمْ أَكْثَرُ الْكِفَايَةِ، وَقَالَ النَّاظِمُ: هُمْ الَّذِينَ يَجِدُونَ جُلَّ الْكِفَايَةِ، وَقَالَ فِي الْكَافِي: هُمْ الَّذِينَ لَهُمْ مَا يَقَعُ مَوْقِعًا مِنْ كِفَايَتِهِمْ، وَقَالَ فِي الْمُبْهِجِ، وَالْإِيضَاحِ، وَالْعُمْدَةِ: هُمْ الَّذِينَ لَهُمْ مَا يَقَعُ مَوْقِعًا مِنْ كِفَايَتِهِمْ، وَلَا يَجِدُونَ تَمَامَ الْكِفَايَةِ، وَهُوَ مُرَادُهُ فِي الْكَافِي، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي التَّذْكِرَةِ، وَصَاحِبُ الْخُلَاصَةِ، وَالْبُلْغَةِ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ: هُمْ الَّذِينَ يَقْدِرُونَ عَلَى بَعْضِ كِفَايَتِهِمْ، وَقَالَ ابْنُ رَزِينٍ: الْمِسْكِينُ مَنْ لَمْ يَجِدْ أَكْثَرَ كِفَايَتِهِ، فَلَعَلَّهُ: مَنْ يَجِدُ بِإِسْقَاطِ " لَمْ " أَوْ أَرَادَ نِصْفَ الْكِفَايَةِ فَقَطْ.
وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: هُمْ الَّذِينَ لَهُمْ أَكْثَرُ كِفَايَتِهِمْ، وَهُوَ مُعْظَمُهَا، أَوْ مَا يَقَعُ مَوْقِعًا مِنْهَا. كَنِصْفِهَا. وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ، وَصَاحِبُ الْفُرُوعِ: وَالْمِسْكِينُ مَنْ وَجَدَ أَكْثَرَهَا أَوْ نِصْفَهَا، فَتَلَخَّصَ مِنْ عِبَارَاتِهِمْ: أَنَّ الْمِسْكِينَ مَنْ يَجِدُ مُعْظَمَ الْكِفَايَةِ، وَمَعْنَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَكْثَرُهَا، وَكَذَا جُلُّهَا، وَقَدْ فَسَّرَ فِي الرِّعَايَةِ أَكْثَرَهَا بِمُعْظَمِهَا. لَكِنَّ أَعْظَمَهَا وَجُلَّهَا فِي النَّظَرِ أَخَصُّ مِنْ أَكْثَرِهَا، فَإِنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى أَكْثَرِ مِنْ النِّصْفِ وَلَوْ بِيَسِيرٍ. بِخِلَافِ جُلِّهَا. وَقَرِيبٌ مِنْهُ مُعْظَمُهَا، وَفِي عِبَارَاتِهِمْ " مَنْ يَقْدِرُ عَلَى بَعْضِهَا وَنِصْفِهَا " فَيُمْكِنُ حَمْلُ مَنْ ذَكَرَ بَعْضَهَا عَلَى نِصْفِهَا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَقَلَّ مِنْ النِّصْفِ، وَأَنَّهَا أَقْوَالٌ، وَأَمَّا الْفُقَرَاءُ فَهُمْ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يَقَعُ مَوْقِعًا مِنْ كِفَايَتِهِمْ، أَوْ لَا يَجِدُونَ شَيْئًا أَلْبَتَّةَ، وَقَالَ فِي الْمُبْهِجِ وَالْإِيضَاحِ: هُمْ الَّذِينَ لَا صَنْعَةَ لَهُمْ، وَالْمَسَاكِينُ: هُمْ الَّذِينَ لَهُمْ صَنْعَةٌ وَلَا مَغْنَمَ بِهِمْ، وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: الْفُقَرَاءُ الزَّمْنَى وَالْمَكَافِيفُ، وَلَعَلَّهُمْ أَرَادُوا: فِي الْغَالِبِ، وَإِلَّا حَيْثُ وُجِدَ مَنْ لَيْسَ مَعَهُ شَيْءٌ، أَوْ مَعَهُ وَلَكِنْ لَا يَقَعُ مَوْقِعًا مِنْ كِفَايَتِهِمْ فَهُوَ فَقِيرٌ، وَإِنْ كَانَ لَهُ صَنْعَةٌ، أَوْ غَيْرَ زَمِنٍ وَلَا ضَرِيرٍ. الثَّانِي: قَوْلُهُ " وَهُمْ ثَمَانِيَةُ أَصْنَافٍ " حَصَرَ مَنْ يَسْتَحِقُّ الزَّكَاةَ فِي هَذِهِ الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ، وَهُوَ حَصْرُ الْمُبْتَدَأِ فِي الْخَبَرِ، فَلَا يَجُوزُ لِغَيْرِهِمْ الْأَخْذُ مِنْهَا مُطْلَقًا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: جَوَازَ الْأَخْذِ مِنْ الزَّكَاةِ لِشِرَاءِ كُتُبٍ يَشْتَغِلُ فِيهَا بِمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ كُتُبِ الْعِلْمِ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْهَا لِمَصْلَحَةِ دِينِهِ وَدُنْيَاهُ. انْتَهَى، وَهُوَ الصَّوَابُ. فَائِدَةٌ: لَوْ قَدَرَ عَلَى الْكَسْبِ، وَلَكِنْ أَرَادَ الِاشْتِغَالَ بِالْعِبَادَةِ لَمْ يُعْطَ مِنْ الزَّكَاةِ قَوْلًا وَاحِدًا.
قُلْت: وَالِاشْتِغَالُ بِالْكَسْبِ وَالْحَالَةُ هَذِهِ أَفْضَلُ مِنْ الْعِبَادَاتِ، وَلَوْ أَرَادَ الِاشْتِغَالَ بِالْعِلْمِ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الْكَسْبِ، وَتَعَذَّرَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، فَقَالَ فِي التَّلْخِيصِ: لَا أَعْلَمُ لِأَصْحَابِنَا فِيهَا قَوْلًا، وَاَلَّذِي أَرَاهُ جَوَازُ الدَّفْعِ إلَيْهِ. انْتَهَى، قُلْت: الْجَوَازُ قَطَعَ بِهِ النَّاظِمُ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ فِي رِعَايَتِهِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقِيلَ: لَا يُعْطَى إلَّا إذَا كَانَ الِاشْتِغَالُ بِالْعِلْمِ يَلْزَمُهُ. الثَّالِثُ: شَمَلَ قَوْلُهُ " الْفُقَرَاءُ وَالْمَسَاكِينُ " الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى، وَالْكَبِيرَ وَالصَّغِيرَ، وَهُوَ صَحِيحٌ فَالذَّكَرُ وَالْأُنْثَى الْكَبِيرُ لَا خِلَافَ فِي جَوَازِ الدَّفْعِ إلَيْهِ. وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: جَوَازُ إعْطَاءِ الصَّغِيرِ مُطْلَقًا. وَعَلَيْهِ مُعْظَمُ الْأَصْحَابِ، وَعَنْهُ يُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَأْكُلَ الطَّعَامَ. ذَكَرَهَا الْمَجْدُ، وَنَقَلَهَا صَالِحٌ وَغَيْرُهُ، وَهِيَ قَوْلٌ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَجُوزُ دَفْعُهَا إلَى صَبِيٍّ لَمْ يَأْكُلْ الطَّعَامَ، وَقَدَّمَهُ نَاظِمُ الْمُفْرَدَاتِ. ذَكَرَهُ فِي بَابِ الظِّهَارِ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، وَحَيْثُ جَازَ الْأَخْذُ، فَإِنَّهَا تُصْرَفُ فِي أُجْرَةِ رَضَاعَتِهِ وَكِسْوَتِهِ، وَمَا لَا بُدَّ مِنْهُ إذَا عَلِمْت ذَلِكَ، فَاَلَّذِي يَقْبَلُ وَيَقْبِضُ لَهُ الزَّكَاةَ وَالْهِبَةَ وَالْكَفَّارَةَ: مَنْ يَلِي مَالَهُ، وَهُوَ وَلِيُّهُ مِنْ أَبٍ وَوَصِيٍّ وَحَاكِمٍ وَأَمِينِهِ وَوَكِيلِ الْوَلِيِّ الْأَمِينِ، قَالَ ابْنُ مَنْصُورٍ: قُلْت لِأَحْمَدَ: قَالَ سُفْيَانُ " لَا يَقْبِضُ لِلصَّبِيِّ إلَّا الْأَبُ أَوْ وَصِيٌّ أَوْ قَاضٍ " قَالَ أَحْمَدُ " جَيِّدٌ "، وَقِيلَ لَهُ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ: قَبَضَتْ الْأُمُّ وَأَبُوهُ حَاضِرٌ؟ فَقَالَ: لَا أَعْرِفُ لِلْأُمِّ قَبْضًا، وَلَا يَكُونُ إلَّا الْأَبُ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَمْ أَجِدْ عَنْ أَحْمَدَ تَصْرِيحًا بِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ قَبْضُ غَيْرِ الْوَلِيِّ مَعَ عَدَمِهِ، مَعَ أَنَّهُ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ.
وَذَكَرَ الشَّيْخُ يَعْنِي بِهِ الْمُصَنِّفَ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ خِلَافًا، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ يَصِحُّ قَبْضُ مَنْ يَلِيهِ، مِنْ أُمٍّ أَوْ قَرِيبٍ وَغَيْرِهِمَا، عِنْدَ عَدَمِ الْوَلِيِّ؛ لِأَنَّ حِفْظَهُ مِنْ الضَّيَاعِ وَالْهَلَاكِ أَوْلَى مِنْ مُرَاعَاةِ الْوِلَايَةِ. انْتَهَى، وَذَكَرَ الْمَجْدُ: أَنَّ هَذَا مَنْصُوصُ أَحْمَدَ. نَقَلَ هَارُونُ الْحَمَّالُ فِي الصِّغَارِ: يُعْطِي أَوْلِيَاؤُهُمْ. فَقُلْت: لَيْسَ لَهُمْ وَلِيٌّ؟ قَالَ: يُعْطِي مَنْ يَعْنِي بِأَمْرِهِمْ. وَنَقَلَ مِنْهَا فِي الصَّبِيِّ، وَالْمَجْنُونِ يَقْبِضُ لَهُ وَلِيُّهُ. قُلْت: لَيْسَ لَهُ وَلِيٌّ؟ قَالَ: يُعْطِي الَّذِي يَقُومُ عَلَيْهِ، وَذَكَرَ الْمَجْدُ نَصًّا ثَالِثًا بِصِحَّةِ الْقَبْضِ مُطْلَقًا. قَالَ بَكْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ: يُعْطِي مِنْ الزَّكَاةِ الصَّبِيَّ الصَّغِيرَ؟ قَالَ: نَعَمْ يُعْطِي أَبَاهُ أَوْ مَنْ يَقُومُ بِشَأْنِهِ، وَذَكَرَ فِي الرِّعَايَةِ هَذِهِ الرِّوَايَةَ. ثُمَّ قَالَ: قُلْت: إنْ تَعَذَّرَ وَإِلَّا فَلَا. فَائِدَةٌ: يَصِحُّ مِنْ الْمُمَيِّزِ قَبْضُ الزَّكَاةِ وَالْهِبَةِ وَالْكَفَّارَةِ وَنَحْوِهَا، قَدَّمَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَقَالَ: عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِهِ. قَالَ الْمَرُّوذِيُّ: قُلْت لِأَحْمَدَ: يُعْطِي غُلَامًا يَتِيمًا مِنْ الزَّكَاةِ؟ قَالَ: نَعَمْ، يَدْفَعُهَا إلَى الْغُلَامِ. قُلْت: فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يُضَيِّعَهُ، قَالَ: يَدْفَعُهُ إلَى مَنْ يَقُومُ بِأَمْرِهِ، وَهَذَا اخْتِيَارُ الْمُصَنِّفِ وَالْحَارِثِيِّ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالْمُمَيِّزُ كَغَيْرِهِ. وَعَنْهُ لَيْسَ أَهْلًا لِقَبْضِ ذَلِكَ، قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: ظَاهِرُ كَلَامِ أَصْحَابِنَا: الْمَنْعُ مِنْ ذَلِكَ وَأَنَّهُ لَا يَصِحُّ قَبْضُهُ بِحَالٍ. قَالَ: وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي فِي تَعْلِيقِهِ فِي كِتَابِ الْمُكَاتَبِ. قَالَ: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ، وَابْنِ مَنْصُورٍ. انْتَهَى. قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ: فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَانِ. أَشْهَرُهُمَا: لَيْسَ هُوَ أَهْلًا، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ، وَعَلَيْهِ مُعْظَمُ الْأَصْحَابِ، وَأَبْدَى فِي الْمُغْنِي احْتِمَالًا أَنَّ صِحَّةَ قَبْضِهِ تَقِفُ عَلَى إذْنِ الْوَلِيِّ دُونَ الْقَبُولِ.
قَوْلُهُ (وَمَنْ مَلَكَ مِنْ غَيْرِ الْأَثْمَانِ مَا لَا يَقُومُ بِكِفَايَتِهِ، فَلَيْسَ بِغَنِيٍّ وَإِنْ كَثُرَتْ قِيمَتُهُ) ، وَهَذَا بِلَا نِزَاعٍ أَعْلَمُهُ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: إذَا كَانَ لَهُ عَقَارٌ أَوْ ضَيْعَةٌ يَسْتَغِلُّهَا عَشَرَةُ آلَافٍ أَوْ أَكْثَرُ لَا تُقِيمُهُ يَعْنِي لَا تَكْفِيهِ يَأْخُذُ مِنْ الزَّكَاةِ، وَقِيلَ لَهُ: يَكُونُ لَهُ الزَّرْعُ الْقَائِمُ، وَلَيْسَ عِنْدَهُ مَا يَحْصُدُهُ، أَيَأْخُذُ مِنْ الزَّكَاةِ؟ قَالَ: نَعَمْ، يَأْخُذُ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَفِي مَعْنَاهُ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِإِقَامَةِ مُؤْنَتِهِ. تَنْبِيهٌ: تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ زَكَاةِ الْفِطْرِ عِنْدَ قَوْلِهِ " إذَا فَضَلَ عَنْ قُوتِهِ وَقُوتِ عِيَالِهِ " لَوْ كَانَ كُتُبٌ وَنَحْوُهَا يَحْتَاجُهَا. هَلْ يَجُوزُ لَهُ أَخْذُ الزَّكَاةِ أَمْ لَا؟ قَوْلُهُ (وَإِنْ كَانَ مِنْ الْأَثْمَانِ فَكَذَلِكَ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ) نَقَلَهَا مُهَنَّا، وَاخْتَارَهَا ابْنُ شِهَابٍ الْعُكْبَرِيُّ، وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَالْمَجْدُ، وَصَاحِبُ الْحَاوِي، وَغَيْرُهُمْ، قَالَ ابْنُ مُنَجَّى فِي شَرْحِهِ: هِيَ الصَّحِيحَةُ مِنْ الرِّوَايَتَيْنِ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ، وَأَبِي الْخَطَّابِ وَلَمْ أَجِدْ ذَلِكَ صَرِيحًا فِي كُتُبِ الْمُصَنِّفِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْفَائِقِ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ، وَصَحَّحَهُ فِي مَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ عَلَى مَا اصْطَلَحْنَاهُ فِي الْخُطْبَةِ، وَ (الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى إذَا مَلَكَ خَمْسِينَ دِرْهَمًا أَوْ قِيمَتَهَا مِنْ الذَّهَبِ فَهُوَ غَنِيٌّ) فَلَا يَجُوزُ الْأَخْذُ لِمَنْ مَلَكَهَا، وَإِنْ كَانَ مُحْتَاجًا، وَيَأْخُذُهَا مَنْ لَمْ يَمْلِكْهَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُحْتَاجًا، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ عَلَيْهَا جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَهِيَ الْمَذْهَبُ عِنْدَهُمْ، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هَذَا الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْأَصْحَابِ، حَتَّى أَنَّ عَامَّةَ مُتَقَدِّمِيهِمْ لَمْ يَحْكُوا خِلَافًا. قَالَ ابْنُ مُنَجَّى فِي شَرْحِهِ: هَذَا الْمَذْهَبُ. قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: اخْتَارَهَا أَصْحَابُنَا وَلَا وَجْهَ لَهُ فِي الْمُغْنِي، وَإِنَّمَا ذَهَبَ إلَيْهِ أَحْمَدُ لِخَبَرِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَلَعَلَّهُ لَمَّا بَانَ لَهُ
ضَعْفُهُ رَجَعَ عَنْهُ. أَوْ قَالَ ذَلِكَ لِقَوْمٍ بِأَعْيَانِهِمْ كَانُوا يَتَّجِرُونَ بِالْخَمْسِينَ، فَتَقُومُ بِكِفَايَتِهِمْ، وَأَجَابَ غَيْرُهُ بِضَعْفِ الْخَبَرِ، وَحَمَلَهُ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ عَلَى الْمَسْأَلَةِ، فَتَحْرُمُ الْمَسْأَلَةُ، وَلَا يَحْرُمُ الْأَخْذُ، وَحَمَلَهُ الْمَجْدُ عَلَى أَنَّهُ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ قَالَهُ فِي وَقْتٍ كَانَتْ الْكِفَايَةُ الْغَالِبَةُ فِيهِ بِخَمْسِينَ، وَمِمَّنْ اخْتَارَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ: الْخِرَقِيُّ، وَابْنُ أَبِي مُوسَى، وَالْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ، فَقَطَعُوا بِذَلِكَ، وَنَصَرَهُ فِي الْمُغْنِي، وَقَالَ: هَذَا الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِهِ. قَالَ فِي الْهَادِي: هَذَا الْمَشْهُورُ مِنْ الرِّوَايَتَيْنِ، وَهِيَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْخُلَاصَةِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَابْنُ رَزِينٍ، وَغَيْرُهُمْ، وَنَقَلَهَا الْجَمَاعَةُ عَنْ أَحْمَدَ، قُلْت: نَقَلَهَا الْأَثْرَمُ، وَابْنُ مَنْصُورٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ، وَأَحْمَدُ بْنُ هَاشِمٍ الْأَنْطَاكِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ، وَبِشْرُ بْنُ مُوسَى، وَبَكْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَأَبُو جَعْفَرِ بْنِ الْحَكَمِ، وَجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَحَنْبَلٌ، وَحَرْبٌ، وَالْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَأَبُو حَامِدِ بْنِ أَبِي حَسَّانٍ، وَحَمْدَانُ بْنُ الْوَرَّاقِ، وَأَبُو طَالِبٍ، وَابْنَاهُ: صَالِحٌ وَعَبْدُ اللَّهِ، وَالْمَرُّوذِيُّ، وَالْمَيْمُونِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ دَاوُد، وَمُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى، وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو مُحَمَّدٍ مَسْعُودٌ، وَيُوسُفُ بْنُ مُوسَى، وَالْفَضْلُ بْنُ زِيَادٍ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ وَالْكَافِي، وَالشَّرْحِ، وَعَنْهُ الْخَمْسُونَ: تَمْنَعُ الْمَسْأَلَةَ لَا الْأَخْذَ، ذَكَرَهَا أَبُو الْخَطَّابِ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْمُصَنِّفَ حَمَلَ الْخَبَرَ عَلَى ذَلِكَ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي التَّلْخِيصِ، وَنَصَّ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِيمَنْ مَعَهُ خَمْسُمِائَةٍ وَعَلَيْهِ أَلْفٌ لَا يَأْخُذُ مِنْ الزَّكَاةِ، وَحُمِلَ عَلَى أَنَّهُ مُؤَجَّلٌ، أَوْ عَلَى مَا نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ. تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ " أَوْ قِيمَتُهَا مِنْ الذَّهَبِ " هَلْ يُعْتَبَرُ الذَّهَبُ بِقِيمَةِ الْوَقْتِ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَحُدَّهُ، أَوْ يُقَدَّرُ بِخَمْسَةِ دَنَانِيرَ، لِتَعَلُّقِهَا بِالزَّكَاةِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَالْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَقَالَ: ذَكَرَهُمَا الْقَاضِي فِيمَا وَجَدْته بِخَطِّهِ عَلَى تَعْلِيقِهِ وَاخْتَارَ فِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ الْوَجْهَ الثَّانِيَ.
قُلْت: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ: الْأَوَّلُ. وَهُوَ الصَّوَابُ، وَيَأْتِي فِي الْبَابِ قَدْرُ مَا يَأْخُذُ الْفَقِيرُ وَالْمِسْكِينُ وَغَيْرُهُمَا، وَيَأْتِي بَعْدَهُ إذَا كَانَ لَهُ عِيَالٌ. فَائِدَةٌ: مَنْ أُبِيحَ لَهُ أَخْذُ شَيْءٍ، أُبِيحَ لَهُ سُؤَالُهُ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَعَنْهُ يَحْرُمُ السُّؤَالُ، لَا الْأَخْذُ، عَلَى مَنْ لَهُ قُوتُ يَوْمٍ غَدَاءً وَعَشَاءً. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: اخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ، وَعَنْهُ يَحْرُمُ ذَلِكَ عَلَى مَنْ لَهُ قُوتُ يَوْمٍ غَدَاءً وَعَشَاءً. ذَكَرَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ الْخَلَّالُ، وَذَكَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمِنْهَاجِ: إنْ عَلِمَ أَنَّهُ يَجِدُ مَنْ يَسْأَلُهُ كُلَّ يَوْمٍ: لَمْ يَجُزْ أَنْ يَسْأَلَ أَكْثَرَ مِنْ قُوتِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَإِنْ خَافَ أَنْ لَا يَجِدَ مَنْ يُعْطِيهِ، أَوْ خَافَ أَنْ يَعْجِزَ عَنْ السُّؤَالِ: أُبِيحَ لَهُ السُّؤَالُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَأَمَّا سُؤَالُ الشَّيْءِ الْيَسِيرِ: كَشِسْعِ النَّعْلِ، أَوْ الْحِذَاءِ، فَهَلْ هُوَ كَغَيْرِهِ فِي الْمَنْعِ، أَوْ يُرَخَّصُ فِيهِ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، قُلْت: الْأَوْلَى الرُّخْصَةُ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ جَارِيَةٌ بِهِ. فَائِدَتَانِ. إحْدَاهُمَا: قَوْلُهُ (وَالْعَامِلُونَ عَلَيْهَا، وَهُمْ الْجُبَاةُ لَهَا، وَالْحَافِظُونَ لَهَا) . الْعَامِلُ عَلَى الزَّكَاةِ: هُوَ الْجَابِي لَهَا، وَالْحَافِظُ لَهَا، وَالْكَاتِبُ، وَالْقَاسِمُ، وَالْحَاشِرُ، وَالْكَيَّالُ، وَالْوَزَّانُ، وَالْعَدَّادُ، وَالسَّاعِي، وَالرَّاعِي، وَالسَّائِقُ، وَالْحَمَّالُ، وَالْجَمَّالُ، وَمَنْ يُحْتَاجُ إلَيْهِ فِيهَا، غَيْرُ قَاضٍ وَوَالٍ، وَقِيلَ لِأَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ الْكَتَبَةُ مِنْ الْعَامِلِينَ؟ قَالَ: مَا سَمِعْت. الثَّانِيَةُ: أُجْرَةُ كَيْلِ الزَّكَاةِ وَوَزْنِهَا وَمُؤْنَةِ دَفْعِهَا عَلَى الْمَالِكِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَى ذَلِكَ. قَوْلُهُ (وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْعَامِلُ مُسْلِمًا أَمِينًا مِنْ غَيْرِ ذَوِي الْقُرْبَى) . يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْعَامِلُ مُسْلِمًا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي
قَالَهُ فِي الْهِدَايَةِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَأَظُنُّهُ فِي الْمُجَرَّدِ، وَالْمُصَنِّفُ، وَالْمَجْدُ، وَالنَّاظِمُ، وَنَصَرَهُ الشَّارِحُ، وَقَدَّمَهُ الْمُصَنِّفُ هُنَا، وَصَاحِبُ الْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ، وَالْإِفَادَاتِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ، وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يُشْتَرَطُ إسْلَامُهُ، اخْتَارَهُ فِي التَّعْلِيقِ، وَالْجَامِعِ الصَّغِيرِ، وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَاخْتَارَهَا أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ وَتَبِعَهُ فِي الْفُرُوعِ اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ، وَجَزَمَ بِهِ الْخِرَقِيُّ، وَصَاحِبُ الْفُصُولِ، وَالتَّذْكِرَةِ. وَالْمُبْهِجِ، وَالْعُقُودِ لِابْنِ الْبَنَّا، وَقَدَّمَهُ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ، وَنَظْمِ الْمُفْرَدَاتِ، وَهُوَ مِنْهَا، وَظَاهِرُ الْفُرُوعِ: الْإِطْلَاقُ، فَإِنَّهُ قَالَ: يُشْتَرَطُ إسْلَامُهُ فِي رِوَايَةٍ، وَعَنْهُ لَا يُشْتَرَطُ إسْلَامُهُ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمَذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُغْنِي، وَالتَّلْخِيصِ وَالْبُلْغَةِ، وَشَرْحِ الْمَجْدِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ، وَفِي الْكَافِي وَقِيلَ: وَفِي الذِّمِّيِّ رِوَايَتَانِ، وَقَالَ الْقَاضِي فِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْكَافِرُ عَامِلًا فِي زَكَاةٍ خَاصَّةٍ عَرَفَ قَدْرَهَا، وَإِلَّا فَلَا. فَائِدَتَانِ. إحْدَاهُمَا: بَنَى بَعْضُ الْأَصْحَابِ الْخِلَافَ هُنَا عَلَى مَا يَأْخُذُهُ الْعَامِلُ، فَإِنْ قُلْنَا: مَا يَأْخُذُهُ أُجْرَةٌ: لَمْ يُشْتَرَطْ إسْلَامُهُ، وَإِنْ قُلْنَا: هُوَ زَكَاةٌ: اُشْتُرِطَ إسْلَامُهُ، وَيَأْتِي فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: أَنَّ مَا يَأْخُذُهُ الْعَامِلُ أُجْرَةٌ فِي الْمَنْصُوصِ. الثَّانِيَةُ: قَالَ الْأَصْحَابُ: إذَا عَمِلَ الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ عَلَى الزَّكَاةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَخْذٌ مِنْهَا؛ لِأَنَّهُ يَأْخُذُ رِزْقَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَنَقَلَ صَالِحٌ عَنْ أَبِيهِ: الْعَامِلُ هُوَ السُّلْطَانُ الَّذِي جَعَلَ اللَّهُ لَهُ الثَّمَنَ فِي كِتَابِهِ، وَنَقَلَ عَبْدُ اللَّهِ نَحْوَهُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا ذَكَرَ، وَمُرَادُ أَحْمَدَ: إذَا لَمْ يَأْخُذْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ شَيْئًا فَلَا اخْتِلَافَ، أَوْ أَنَّهُ عَلَى ظَاهِرِهِ. انْتَهَى.
قُلْت: فَيُعَايَى بِهَا، وَيَأْتِي نَظِيرُهَا فِي رَدِّ الْآبِقِ فِي آخِرِ الْجَعَالَةِ، وَأَمَّا اشْتِرَاطُ كَوْنِ الْعَامِلِ مِنْ غَيْرِ ذَوِي الْقُرْبَى: فَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ عَلَى مَا اصْطَلَحْنَاهُ فِي الْخُطْبَةِ. قَدَّمَهُ الْمُصَنِّفُ هُنَا، وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَالشَّارِحُ، وَالنَّاظِمُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: هَذَا الْأَظْهَرُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ، وَاخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالْمَجْدُ، وَالشَّارِحُ، وَالنَّاظِمُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: هَذَا الْأَظْهَرُ، وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ مِنْ غَيْرِ ذَوِي الْقُرْبَى، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هَذَا الْمَشْهُورُ وَالْمُخْتَارُ لِجُمْهُورِ الْأَصْحَابِ. قَالَ فِي الْمُغْنِي: هُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا. قَالَ الشَّارِحُ، وَقَالَ أَصْحَابُنَا: لَا يُشْتَرَطُ. قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: هَذَا الْأَشْهَرُ. قَالَ فِي تَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ: هَذَا الْأَظْهَرُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَعُقُودِ ابْنِ الْبَنَّا، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ، وَابْنُ رَزِينٍ. لِعَدَمِ ذِكْرِهِمْ لَهُ فِي الشُّرُوطِ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ. وَنَظْمِ الْمُفْرَدَاتِ، وَهُوَ مِنْهَا، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ، وَبَنَاهُمَا فِي الْفُصُولِ وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ وَغَيْرِهِمْ عَلَى مَا يَأْخُذُهُ الْعَامِلُ: هَلْ هُوَ أُجْرَةٌ أَوْ زَكَاةٌ؟ وَظَاهِرُ كَلَامِ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ عَدَمُ الْبِنَاءِ، وَقِيلَ: إنْ مَنَعَ مِنْهُ الْخُمُسَ جَازَ وَإِلَّا فَلَا. وَقَالَ الْمُصَنِّفُ: إنْ أَخَذَ أُجْرَتَهُ مِنْ غَيْرِ الزَّكَاةِ جَازَ وَإِلَّا فَلَا، وَتَابَعَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَأَمَّا اشْتِرَاطُ كَوْنِهِ أَمِينًا، فَهُوَ الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَتَوَجَّهَ مِنْ جَوَازِ كَوْنِهِ كَافِرًا جَوَازُ كَوْنِهِ فَاسِقًا مَعَ الْأَمَانَةِ. قَالَ: وَالظَّاهِرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ مُرَادَهُمْ بِالْأَمَانَةِ الْعَدَالَةُ، وَذَكَرَ الشَّيْخُ وَغَيْرُهُ: أَنَّ الْوَكِيلَ لَا يُوَكِّلُ إلَّا أَمِينًا، وَأَنَّ الْفِسْقَ يُنَافِي ذَلِكَ. انْتَهَى.
قَوْلُهُ (وَلَا يُشْتَرَطُ حُرِّيَّتُهُ وَلَا فَقْرُهُ) هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَذَكَرَهُ الْمَجْدُ إجْمَاعًا فِي عَدَمِ اشْتِرَاطِ فَقْرِهِ، وَقِيلَ: يُشْتَرَطَانِ. ذَكَرَ الْوَجْهَ بِاشْتِرَاطِ حُرِّيَّتِهِ أَبُو الْخَطَّابِ، وَأَبُو حَكِيمٍ، وَذَكَرَ الْوَجْهَ بِاشْتِرَاطِ فَقْرِهِ ابْنُ حَامِدٍ، وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ إسْلَامُهُ وَحُرِّيَّتُهُ فِي عِمَالَةِ تَفْوِيضٍ لَا تَنْفِيذٍ، وَجَوَازُ كَوْنِ الْعَبْدِ عَامِلًا مِنْ مُفْرَدَاتِ الْمَذْهَبِ. فَوَائِدُ. الْأُولَى: قَالَ الْقَاضِي فِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ: يُشْتَرَطُ عِلْمُهُ بِأَحْكَامِ الزَّكَاةِ إنْ كَانَ مِنْ عُمَّالِ التَّفْوِيضِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ مُنَفِّذًا: فَقَدْ عَيَّنَ الْإِمَامُ مَا يَأْخُذُهُ، فَيَجُوزُ أَنْ لَا يَكُونَ عَالِمًا. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَأَطْلَقَ غَيْرُهُ أَنْ لَا يُشْتَرَطَ إذَا كَتَبَ لَهُ مَا يَأْخُذُهُ كَسُعَاةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَذَكَرَ أَبُو الْمَعَالِي: أَنَّهُ يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ كَافِيًا قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ مُرَادُ غَيْرِهِ. قَالَ: وَظَاهِرُ مَا سَبَقَ لَا يُشْتَرَطُ ذُكُورِيَّتُهُ، وَهَذَا مُتَوَجِّهٌ. انْتَهَى، قُلْت: لَوْ قِيلَ بِاشْتِرَاطِ ذُكُورِيَّتِهِ، لَكَانَ لَهُ وَجْهٌ، فَإِنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ أَنَّ امْرَأَةً وُلِّيَتْ عِمَالَةَ زَكَاةٍ أَلْبَتَّةَ، وَتَرْكُهُمْ ذَلِكَ قَدِيمًا وَحَدِيثًا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ جَوَازِهِ، وَأَيْضًا ظَاهِرُ قَوْله تَعَالَى {وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا} [التوبة: 60] لَا يَشْمَلُهَا. الثَّانِيَةُ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَمَّالُ الزَّكَاةِ وَرَاعِيهَا وَنَحْوُهُمَا كَافِرًا وَعَبْدًا وَمِنْ ذَوِي الْقُرْبَى وَغَيْرِهِمْ. بِلَا خِلَافٍ أَعْلَمُهُ؛ لِأَنَّ مَا يَأْخُذُهُ أُجْرَةٌ لِعَمَلِهِ لَا لِعِمَالَتِهِ. الثَّالِثَةُ: يُشْتَرَطُ فِي الْعَامِلِ أَنْ يَكُونَ مُكَلَّفًا بَالِغًا. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ فِي الْمُمَيِّزِ الْعَاقِلِ الْأَمِينِ تَخْرِيجٌ. يَعْنِي بِجَوَازِ كَوْنِهِ عَامِلًا.
الرَّابِعَةُ: لَوْ وَكَّلَ غَيْرَهُ فِي تَفْرِقَةِ زَكَاتِهِ لَمْ يَدْفَعْ إلَيْهِ مِنْ سَهْمِ الْعَامِلِ. قَوْلُهُ (وَإِنْ تَلِفَتْ الزَّكَاةُ فِي يَدِهِ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ أُعْطِيَ أُجْرَتَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ) هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. قَالَ الْمَجْدُ: يُعْطَى أُجْرَتَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا، وَفِيهِ وَجْهٌ لَا يُعْطَى شَيْئًا. قَالَ فِي الْفُرُوعِ، قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَاخْتَارَهُ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ، وَلَقَدْ اطَّلَعْت عَلَى نُسَخٍ كَثِيرَةٍ لِمُخْتَصَرِ ابْنِ تَمِيمٍ، فَلَمْ أَجِدْ فِيهِ " اخْتَارَهُ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ " بَلْ يُحْكَى الْوَجْهُ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ، فَلَعَلَّ الشَّيْخَ اطَّلَعَ عَلَى نُسْخَةٍ فِيهَا ذَلِكَ، وَاَلَّذِي قَالَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: وَالْأَقْوَى عِنْدِي التَّفْصِيلُ، وَهُوَ أَنَّهُ إنْ كَانَ شَرَطَ لَهُ جُعْلًا عَلَى عَمَلِهِ فَلَا شَيْءَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُكْمِلْ الْعَمَلَ. كَمَا فِي سَائِرِ أَنْوَاعِ الْجَعَالَاتِ، وَإِنْ اسْتَأْجَرَهُ إجَارَةً صَحِيحَةً بِأُجْرَةٍ مُسَمَّاةٍ مِنْهَا فَكَذَلِكَ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ مُخْتَصٌّ بِالتَّالِفِ، فَيَذْهَبُ مِنْ الْجَمِيعِ، وَإِنْ اسْتَأْجَرَهُ إجَارَةً صَحِيحَةً بِأُجْرَةٍ مُسَمَّاةٍ. وَلَمْ يُقَيِّدْهَا بِهَا، أَوْ بَعَثَهُ وَلَمْ يُسَمِّ لَهُ شَيْئًا، فَلَهُ الْأُجْرَةُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ؛ لِأَنَّ دَفْعَ الْعِمَالَةِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ مَعَ بَقَائِهِ جَائِزٌ لِلْإِمَامِ، وَلَمْ يُوجَدْ فِي هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ مَا يُعَيِّنُهَا مِنْ الزَّكَاةِ، فَلِذَلِكَ تَعَيَّنَتْ فِيهِ عِنْدَ التَّلَفِ. انْتَهَى وَهَذَا لَفْظُهُ. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَهُوَ الْأَصَحُّ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا الْمَكَانَ مِنْ الْفُرُوعِ غَيْرُ مُحَرَّرٍ. فَائِدَةٌ: يُخَيَّرُ الْإِمَامُ، إنْ شَاءَ أَرْسَلَ الْعَامِلَ مِنْ غَيْرِ عَقْدٍ وَلَا تَسْمِيَةِ شَيْءٍ، وَإِنْ شَاءَ عَقَدَ لَهُ إجَارَةً. ثُمَّ إنْ شَاءَ جَعَلَ إلَيْهِ أَخْذَ الزَّكَاةِ وَتَفْرِقَتَهَا، وَإِنْ شَاءَ جَعَلَ إلَيْهِ أَخْذَهَا فَقَطْ، فَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِي تَفْرِيقِهَا، أَوْ أَطْلَقَ فَلَهُ ذَلِكَ، وَإِلَّا فَلَا. قَوْلُهُ (الرَّابِعُ: الْمُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ. وَهُمْ السَّادَةُ الْمُطَاعُونَ فِي عَشَائِرِهِمْ مِمَّنْ يُرْجَى إسْلَامُهُ، أَوْ يُخْشَى شَرُّهُ، أَوْ يُرْجَى بِعَطِيَّتِهِ قُوَّةُ إيمَانِهِ، أَوْ إسْلَامُ نَظِيرِهِ، أَوْ جِبَايَةُ الزَّكَاةِ مِمَّنْ لَا يُعْطِيهَا، أَوْ الدَّفْعُ عَنْ الْمُسْلِمِينَ) .
الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ حُكْمَ الْمُؤَلَّفَةِ بَاقٍ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، وَعَنْهُ أَنَّ حُكْمَهُمْ انْقَطَعَ مُطْلَقًا. قَالَ فِي الْإِرْشَادِ: وَقَدْ عُدِمَ فِي هَذَا الْوَقْتِ الْمُؤَلَّفَةُ، وَعَنْهُ أَنَّ حُكْمَ الْكُفَّارِ مِنْهُمْ انْقَطَعَ، وَاخْتَارَ فِي الْمُبْهِجِ أَنَّ الْمُؤَلَّفَةَ مَخْصُوصَةٌ بِالْمُسْلِمِينَ. وَظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ: أَنَّهُ مَخْصُوصٌ بِالْمُشْرِكِينَ، وَصَاحِبُ الْهِدَايَةِ وَالْمُذْهَبِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَجَمَاعَةٌ: حَكَوْا الْخِلَافَ فِي الِانْقِطَاعِ فِي الْكُفَّارِ، وَقَطَعُوا بِبَقَاءِ حُكْمِهِمْ فِي الْمُسْلِمِينَ، فَعَلَى رِوَايَةِ الِانْقِطَاعِ: يُرَدُّ سَهْمُهُمْ عَلَى بَقِيَّةِ الْأَصْنَافِ، أَوْ يُصْرَفُ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ نَصَّ عَلَيْهِ، وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ تَمِيمٍ، وَصَاحِبُ الْفَائِقِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ: يُرَدُّ عَلَى بَقِيَّةِ الْأَصْنَافِ فَقَطْ، قُلْت: قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ، قَالَ الْمَجْدُ: يُرَدُّ عَلَى بَقِيَّةِ الْأَصْنَافِ. لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا إلَّا مَا رَوَاهُ حَنْبَلٌ، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: فَيُرَدُّ سَهْمُهُمْ إلَى بَقِيَّةِ الْأَصْنَافِ، وَعَنْهُ فِي الْمَصَالِحِ، وَمَا حَكَى الْخِيَرَةُ، وَلَعَلَّهُ " وَعَنْهُ وَفِي الْمَصَالِحِ " بِزِيَادَةِ وَاوٍ. فَائِدَتَانِ. إحْدَاهُمَا: قَالَ فِي الْفُرُوعِ: هَلْ يَحِلُّ لِلْمُؤَلَّفِ مَا يَأْخُذُهُ؟ يَتَوَجَّهُ: إنْ أُعْطِيَ الْمُسْلِمُ لِيُكَفَّ ظُلْمُهُ: لَمْ يَحِلَّ. كَقَوْلِنَا فِي الْهِدَايَةِ لِلْعَامِلِ لِيُكَفَّ ظُلْمُهُ، وَإِلَّا حَلَّ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ. الثَّانِيَةُ: يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي ضَعْفِ إسْلَامِهِ، وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ: إنَّهُ مُطَاعٌ إلَّا بِبَيِّنَةٍ. قَوْلُهُ (الْخَامِسُ: الرِّقَابُ، وَهُمْ الْمُكَاتَبُونَ) الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ: أَنَّ الْمُكَاتَبِينَ مِنْ الرِّقَابِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ: لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ فِي ذَلِكَ، وَعَنْهُ الرِّقَابُ عَبِيدٌ يُشْتَرَوْنَ وَيُعْتَقُونَ مِنْ الزَّكَاةِ لَا غَيْرُ، فَلَا تُصْرَفُ إلَى مُكَاتَبٍ، وَلَا يُفَكُّ بِهَا أَسِيرٌ وَلَا غَيْرُهُ، سِوَى مَا ذَكَرَ
تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ قَوْلِهِ " الرِّقَابُ وَهُمْ الْمُكَاتَبُونَ " أَنَّهُ لَا يَجُوزُ دَفْعُهَا إلَى مَنْ عُلِّقَ عِتْقُهُ بِمَجِيءِ الْمَالِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ: كَالْمُكَاتَبِينَ فَيُعْطَوْنَ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُبْهِجِ، وَالْإِيضَاحِ، وَمُخْتَصَرِ ابْنِ تَمِيمٍ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَيْضًا: جَوَازُ أَخْذِ الْمُكَاتَبِ قَبْلَ حُلُولِ نَجْمٍ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هَذَا أَشْهَرُ الْقَوْلَيْنِ [وَقَطَعَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ، وَغَيْرِهِمْ] ، وَقِيلَ: لَا يَأْخُذُ إلَّا إذَا حَلَّ نَجْمٌ، وَأَطْلَقَ بَعْضُهُمْ وَجْهَيْنِ، فِي الْمُؤَجَّلِ. فَوَائِدُ. إحْدَاهَا: لَوْ دَفَعَ إلَى الْمُكَاتَبِ مَا يَقْضِي بِهِ دَيْنَهُ، لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَصْرِفَهُ فِي غَيْرِهِ. الثَّانِيَةُ: لَوْ عَتَقَ الْمُكَاتَبُ تَبَرُّعًا مِنْ سَيِّدِهِ أَوْ غَيْرِهِ فَمَا مَعَهُ مِنْهَا لَهُ، قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَقِيلَ: مَعَ فَقْرِهِ، وَقِيلَ: بَلْ لِلْمُعْطِي، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَالْقَاضِي. قَالَهُ فِي الْحَاوِيَيْنِ، قَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ [وَظَاهِرُ الْفُرُوعِ: إطْلَاقُ الْخِلَافِ] وَقِيلَ: بَلْ هُوَ لِلْمُكَاتَبِينَ. وَلَوْ عَجَزَ أَوْ مَاتَ وَبِيَدِهِ وَفَاءٌ، وَلَمْ يُعْتَقْ بِمِلْكِهِ الْوَفَاءَ، فَمَا بِيَدِهِ لِسَيِّدِهِ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. قَالَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ: هُوَ أَصَحُّ. زَادَ فِي الْكُبْرَى: وَأَشْهَرُ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَاخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَقَالَهُ الْخِرَقِيُّ فِيمَا إذَا عَجَزَ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَقَدَّمَ فِي الْمُحَرَّرِ: أَنَّهَا تُسْتَرَدُّ إذَا عَجَزَ، وَعَنْهُ يُرَدُّ لِلْمُكَاتَبِينَ. نَقَلَهَا حَنْبَلٌ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُذْهَبِ فِيمَا إذَا عَجَزَ، حَتَّى وَلَوْ كَانَ سَيِّدُهُ قَبَضَهَا، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ بِعَنْهُ وَعَنْهُ، وَقِيلَ: هُوَ لِلْمُعْطِي. حَتَّى قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَالْقَاضِي: وَلَوْ كَانَ دَفَعَهَا إلَى سَيِّدِهِ، وَقِيلَ: لَا تُؤْخَذُ مِنْ سَيِّدِهِ، كَمَا لَوْ قَبَضَهَا مِنْهُ ثُمَّ أَعْتَقَهُ، وَقَطَعَ بِهِ الزَّرْكَشِيُّ.
وَإِنْ اشْتَرَى بِالزَّكَاةِ شَيْئًا ثُمَّ عَجَزَ، وَالْعَرْضُ بِيَدِهِ، فَهُوَ لِسَيِّدِهِ عَلَى الْأَوْلَى، وَعَلَى الثَّانِيَةِ: فِيهِ وَجْهَانِ وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَةُ الْكُبْرَى، وَالْفُرُوعُ، قُلْت: الصَّوَابُ أَنَّهُ فِي الرِّقَابِ، وَيَأْتِي قَرِيبًا فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ إذَا فَضَلَ مَعَ الْمُكَاتَبِ شَيْءٌ بَعْدَ حَاجَتِهِ، وَلَوْ أُعْتِقَ بِالْأَدَاءِ وَالْإِبْرَاءِ، فَمَا فَضَلَ مَعَهُ فَهُوَ لَهُ، قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ. كَمَا لَوْ فَضَلَ مَعَهُ مِنْ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ، وَقِيلَ: بَلْ هُوَ لِلْمُعْطِي كَمَا لَوْ أَعْطَى شَيْئًا لِفَكِّ رَقَبَةٍ. صَحَّحَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا قَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَقِيلَ: الْخِلَافُ رِوَايَتَانِ، وَقِيلَ: هُوَ لِلْمُكَاتَبِينَ أَيْضًا. تَنْبِيهٌ: هَذِهِ الْأَحْكَامُ فِي الزَّكَاةِ. أَمَّا الصَّدَقَةُ الْمَفْرُوضَةُ: فَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ فِي الْمُغْنِي: يَقْتَضِي جَرَيَانَ الْخِلَافِ فِيهَا، وَكَذَا كَلَامُهُ فِي الْفُرُوعِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْمُحَرَّرِ: اخْتِصَاصُهُ بِالزَّكَاةِ. وَيَأْتِي فِي أَوَائِلِ الْكِتَابَةِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ " إذَا مَاتَ الْمُكَاتَبُ قَبْلَ الْأَدَاءِ: هَلْ يَكُونُ مَا فِي يَدِهِ لِسَيِّدِهِ أَوْ الْفَاضِلُ لِوَرَثَتِهِ؟ ". الثَّالِثَةُ: يَجُوزُ الدَّفْعُ إلَى سَيِّدِ الْمُكَاتَبِ بِلَا إذْنِهِ. قَالَ الْأَصْحَابُ: وَهُوَ أَوْلَى كَمَا يَجُوزُ لِلْإِمَامِ، فَإِنْ رُقَّ لِعَجْزِهِ أُخِذَتْ مِنْ سَيِّدِهِ. هَذَا الصَّحِيحُ، وَقَالَ الْمَجْدُ: إنَّمَا يَجُوزُ بِلَا إذْنِهِ إنْ جَازَ الْعِتْقُ مِنْهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَدْفَعْ إلَيْهِ وَلَا إلَى نَائِبِهِ. كَقَضَاءِ دَيْنِ الْغَرِيمِ بِلَا إذْنِهِ، وَيَأْتِي فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ قَبْلَ الْفَصْلِ: جَوَازُ دَفْعِ السَّيِّدِ زَكَاتَهُ إلَى مُكَاتَبِهِ، وَيَأْتِي أَيْضًا إذَا فَضَلَ مَعَ الْمُكَاتَبِ شَيْءٌ بَعْدَ الْعِتْقِ. الرَّابِعَةُ: لَوْ تَلِفَتْ الزَّكَاةُ بِيَدِ الْمُكَاتَبِ أَجْزَأَتْ، وَلَمْ يَغْرَمْهَا عِتْقٌ، لَوْ رُدَّ رَقِيقًا الْخَامِسَةُ: مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ الدَّفْعِ إلَى الْمُكَاتَبِ مِنْ الزَّكَاةِ: أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا لَا يَجِدُ وَفَاءً.
قَوْلُهُ (وَيَجُوزُ أَنْ يَفْدِيَ بِهَا أَسِيرًا مُسْلِمًا، نَصَّ عَلَيْهِ) ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ. جَزَمَ بِهِ فِي الْعُمْدَةِ، وَالْمُغْنِي، وَالْمُحَرَّرِ، وَالشَّرْحِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَالْوَجِيزِ، وَالْفَائِقِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ، وَشَرْحِ ابْنِ مُنَجَّى، وَاخْتَارَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ، وَالْقَاضِي فِي التَّعْلِيقِ وَغَيْرُهُ، وَصَحَّحَهُ النَّاظِمُ، وَقَدَّمَهُ شَرْحُ ابْنِ رَزِينٍ، وَالْفُرُوعُ، وَقَالَ: اخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ، وَجَزَمَ بِهِ آخَرُونَ، وَعَنْهُ لَا يَجُوزُ، قَدَّمَهُ فِي الْخُلَاصَةِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَاخْتَارَهُ الْخَلَّالُ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي التَّلْخِيصِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ، وَأَطْلَقَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ الرِّوَايَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ. فَائِدَةٌ: قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: مِثْلُ الْأَسِيرِ الْمُسْلِمِ: لَوْ دُفِعَ إلَى فَقِيرٍ مُسْلِمٍ غَرَّمَهُ سُلْطَانٌ مَالًا لِيَدْفَعَ جَوْرَهُ. قَوْلُهُ (وَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهَا رَقَبَةً يُعْتِقُهَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُغْنِي، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالشَّرْحِ، وَمُخْتَصَرِ ابْنِ تَمِيمٍ، وَالْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ. إحْدَاهُمَا: يَجُوزُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ. جَزَمَ بِهِ فِي الْمُبْهِجِ، وَالْعُمْدَةِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَالْوَجِيزِ، وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ، وَنَظْمِ نِهَايَةِ ابْنِ رَزِينٍ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ، وَاخْتَارَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَالشَّارِحُ، وَالْقَاضِي فِي التَّعْلِيقِ وَغَيْرُهُمْ. الثَّانِيَةُ: لَا يَجُوزُ، قَدَّمَهُ فِي الْخُلَاصَةِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالنَّظْمِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ، وَاخْتَارَهُ الْخَلَّالُ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: رَجَعَ أَحْمَدُ عَنْ الْقَوْلِ بِالْعِتْقِ. حَكَاهُ مِنْ رِوَايَةِ صَالِحٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى. وَالْقَاسِمِ، وَسِنْدِيٍّ [وَرَدَّهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي وَغَيْرِهِ] ، وَعَنْهُ لَا يُعْتِقُ مِنْ زَكَاتِهِ رَقَبَةً. لَكِنْ يُعَيِّنُ فِي ثَمَنِهَا. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا يُعْتِقُ رَقَبَةً كَامِلَةً. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَعَنْهُ لَا يُعْتِقُ مِنْهَا رَقَبَةً تَامَّةً، وَعَنْهُ وَلَا بَعْضَهَا. بَلْ يُعَيِّنُ فِي ثَمَنِهَا.
تَنْبِيهٌ: يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ " يُعْتِقُهَا " أَنَّهُ لَوْ اشْتَرَى ذَا رَحِمِهِ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ عَتَقَ بِمُجَرَّدِ الشِّرَاءِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُعْتِقَهُ هُوَ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، فَعَلَى الْمَذْهَبِ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ: لَوْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ أَوْ مُكَاتَبَهُ عَنْ زَكَاتِهِ، فَفِي الْجَوَازِ وَجْهَانِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالْفَائِقِ. أَحَدُهُمَا: عَدَمُ الْجَوَازِ، جَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، الْوَجْهُ الثَّانِي: الْجَوَازُ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي. فَائِدَتَانِ. إحْدَاهُمَا: حَيْثُ جَوَّزْنَا الْعِتْقَ مِنْ الزَّكَاةِ: غَيْرَ الْمُكَاتَبِ إذَا مَاتَ وَخَلَّفَ شَيْئًا، رُدَّ مَا رَجَعَ مِنْ وَلَائِهِ فِي عِتْقِ مِثْلِهِ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: وَفِي الصَّدَقَاتِ أَيْضًا، قَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ. وَهَلْ يَعْقِلُ عَنْهُ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، قُلْت: الصَّوَابُ عَدَمُ الْعَقْلِ. ثُمَّ وَجَدْته فِي الْمُغْنِي قُبَيْلَ كِتَابِ النِّكَاحِ قَدَّمَهُ وَنَصَرَهُ، وَعَنْهُ: وَلَاؤُهُ لِمَنْ أَعْتَقَهُ، وَمَا أَعْتَقَهُ السَّاعِي مِنْ الزَّكَاةِ فَوَلَاؤُهُ لِلْمُسْلِمِينَ، وَأَمَّا الْمُكَاتَبُ: فَوَلَاؤُهُ لِسَيِّدِهِ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَحَكَى بَعْضُهُمْ وَجْهًا: أَنَّ حُكْمَهُمْ حُكْمُ غَيْرِهِمْ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْخِلَافِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفَائِقِ. الثَّانِيَةُ: يُعْطِي الْمُكَاتَبَ لِفَقْرِهِ. ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّارِحِ، وَصَاحِبِ الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى وَغَيْرِهِمْ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْفُرُوعِ؛ لِأَنَّهُ عَبْدٌ.
قَوْلُهُ (السَّادِسُ: الْغَارِمُونَ، وَهُمْ الْمَدِينُونَ. وَهُمْ ضَرْبَانِ. ضَرْبٌ غَرِمَ لِإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ) يُعْطَى مَنْ غَرِمَ لِإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ بِلَا نِزَاعٍ فِيهِ لَكِنْ شَرَطَ الْمُصَنِّفُ فِي الْعُمْدَةِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: كَوْنَهُ مُسْلِمًا، وَيَأْتِي ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ " وَلَا يَجُوزُ دَفْعُهَا إلَى كَافِرٍ " بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا. تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ (وَضَرْبٌ غَرِمَ لِإِصْلَاحِ نَفْسِهِ فِي مُبَاحٍ) ، وَكَذَا مَنْ اشْتَرَى نَفْسَهُ مِنْ الْكُفَّارِ جَازَ لَهُ الْأَخْذُ مِنْ الزَّكَاةِ. فَوَائِدُ. مِنْهَا: لَوْ كَانَ غَارِمًا، وَهُوَ قَوِيٌّ مُكْتَسِبٌ: جَازَ لَهُ الْأَخْذُ لِلْغُرْمِ. قَالَهُ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ، وَابْنُ عَقِيلٍ فِي عُمَدِهِ فِي الزَّكَاةِ، وَذَكَرَهُ أَيْضًا فِي الْمُجَرَّدِ وَالْفُصُولِ فِي بَابِ الْكِتَابَةِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ. جَزَمَ بِهِ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْقَاعِدَةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّلَاثِينَ بَعْدَ الْمِائَةِ، وَقَالَ: هَذَا الْخِلَافُ رَاجِعٌ إلَى الْخِلَافِ فِي إجْبَارِهِ عَلَى التَّكَسُّبِ لِوَفَاءِ دَيْنِهِ، قُلْت: الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ الْإِجْبَارُ عَلَى مَا يَأْتِي فِي بَابِ الْحَجْرِ. وَمِنْهَا: لَوْ دَفَعَ إلَى غَارِمٍ مَا يَقْضِي بِهِ دَيْنَهُ لَمْ يَجُزْ صَرْفُهُ فِي غَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا، وَلَوْ دَفَعَ إلَيْهِ لِفَقْرِهِ جَازَ أَنْ يَقْضِيَ بِهِ دَيْنَهُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَحَكَى فِي الرِّعَايَةِ وَجْهًا: لَا يَجُوزُ. وَمِنْهَا: لَوْ تَحَمَّلَ بِسَبَبِ إتْلَافِ مَالٍ أَوْ نَهْبٍ. جَازَ لَهُ الْأَخْذُ مِنْ الزَّكَاةِ وَكَذَا إنْ ضَمِنَ عَنْ غَيْرِهِ مَالًا، وَهُمَا مُعْسِرَانِ: جَازَ الدَّفْعُ إلَى كُلٍّ مِنْهُمَا، وَإِنْ كَانَا مُوسِرَيْنِ أَوْ أَحَدُهُمَا: لَمْ يَجُزْ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: يَجُوزُ إنْ كَانَ الْأَصْلُ مُعْسِرًا وَالْحَمِيلُ مُوسِرًا، وَهُوَ احْتِمَالٌ فِي التَّلْخِيصِ، وَقَالَ فِي التَّرْغِيبِ: يَجُوزُ إنْ ضَمِنَ مُعْسِرًا مُوسِرًا بِلَا أَمْرِهِ.
وَمِنْهَا: جَوَازُ الْأَخْذِ لِلْغَارِمِ لِذَاتِ الْبَيْنِ قَبْلَ حُلُولِ دَيْنِهِ، وَفِي الْغَارِمِ لِنَفْسِهِ الْوَجْهَانِ. قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَمِنْهَا: يَجُوزُ الْأَخْذُ لِدَيْنِ اللَّهِ تَعَالَى، وَمِنْهَا: لَوْ وَكَّلَ الْغَرِيمُ مَنْ عَلَيْهِ زَكَاةٌ قَبْلَ قَبْضِهِ مِنْهُ لِنَفْسِهِ أَوْ بِوَكِيلِهِ فِي دَفْعِهَا عَنْهُ إلَى مَنْ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ عَنْ دَيْنِهِ جَازَ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَقَالَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ قُلْت: وَيَحْتَمِلُ ضِدَّهُ، وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَإِنْ قِيلَ: قَدْ وَكَّلَ الْمَالِكُ. قِيلَ: فَلَوْ قَالَ اشْتَرِ لِي بِهَا شَيْئًا وَلَمْ يَقْبِضْهَا مِنْهُ فَقَدْ وَكَّلَهُ أَيْضًا، وَلَا يُجْزِئُ لِعَدَمِ قَبْضِهَا، وَلَا فَرْقَ. قَالَ: فَتَتَوَجَّهُ فِيهِمَا التَّسْوِيَةُ وَتَخْرِيجُهُمَا عَلَى قَوْلِهِ لِغَرِيمِهِ " تَصَدَّقْ بِدَيْنِي عَلَيْك، أَوْ ضَارِبْ بِهِ " لَا يَصِحُّ لِعَدَمِ قَبْضِهِ، وَفِيهِ تَخْرِيجٌ يَصِحُّ، بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ: هَلْ يَصِحُّ [قَبْلَ] قَبْضِهِ لِمُوَكِّلِهِ؟ وَفِيهِ رِوَايَتَانِ. انْتَهَى، وَتَأْتِي هَاتَانِ الرِّوَايَتَانِ فِي آخِرِ بَابِ السَّلَمِ. وَمِنْهَا: لَوْ دَفَعَ الْمَالِكُ إلَى الْغَرِيمِ بِلَا إذْنِ الْفَقِيرِ، فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يَصِحُّ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: صَحَّحَهَا غَيْرُ وَاحِدٍ. كَدَفْعِهَا إلَى الْفَقِيرِ، وَالْفَرْقُ وَاضِحٌ. انْتَهَى. قَالَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ: وَعَلَى الْأَصَحِّ، وَكَلَامُ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ يَقْتَضِيهِ، وَعَنْهُ لَا يَصِحُّ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَأَمَّا إذَا دَفَعَهَا الْإِمَامُ فِي قَضَاءِ الدَّيْنِ: فَإِنَّهُ يَصِحُّ قَوْلًا وَاحِدًا، لِوِلَايَتِهِ عَلَيْهِ فِي إبْقَائِهِ، وَلِهَذَا يُجْبِرُهُ عَلَيْهِ إذَا امْتَنَعَ. وَمِنْهَا: يُشْتَرَطُ فِي إخْرَاجِ الزَّكَاةِ تَمْلِيكُ الْمُعْطِي. كَمَا تَقَدَّمَ فِي آخِرِ الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُغَدِّيَ الْفُقَرَاءَ وَلَا يُعَشِّيَهُمْ، وَلَا يَقْضِيَ مِنْهَا دَيْنَ مَيِّتٍ غَرِمَ لِمَصْلَحَةِ نَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ، وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ الْجَوَازَ، وَذَكَرَهُ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ؛ لِأَنَّ الْغَارِمَ لَا يُشْتَرَطُ تَمْلِيكُهُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ " وَالْغَارِمِينَ " وَلَمْ يَقُلْ
لِلْغَارِمِينَ، وَيَأْتِي بَقِيَّةُ أَحْكَامِ الْغَارِمِ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ " وَيَجُوزُ دَفْعُ زَكَاتِهِ إلَى مُكَاتَبِهِ وَإِلَى غَرِيمِهِ " وَيَأْتِي أَيْضًا إذَا غَرِمَ فِي مَعْصِيَةٍ. قَوْلُهُ (السَّابِعُ: فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَهُمْ الْغُزَاةُ الَّذِينَ لَا دِيوَانَ لَهُمْ) فَلَهُمْ الْأَخْذُ مِنْهَا بِلَا نِزَاعٍ. لَكِنْ لَا يَصْرِفُونَ مَا يَأْخُذُونَ إلَّا لِجِهَةٍ وَاحِدَةٍ. كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمُكَاتَبِ وَالْغَارِمِ. تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ قَوْلِهِ " وَهُمْ الَّذِينَ لَا دِيوَانَ لَهُمْ " أَنَّهُ لَوْ كَانَ يَأْخُذُ مِنْ الدِّيوَانِ لَا يُعْطَى مِنْهَا. وَهُوَ صَحِيحٌ. لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ فِيهِ مَا يَكْفِيهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَا يَكْفِيهِ فَلَهُ أَخْذُ تَمَامِ مَا يَكْفِيهِ. قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ وَغَيْرِهَا. فَائِدَةٌ: لَا يَجُوزُ لِلْمُزَكِّي أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ الدَّوَابَّ وَالسِّلَاحَ وَنَحْوَهُمَا. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هَذَا أَشْهَرُ الرِّوَايَتَيْنِ، فَيَجِبُ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ الْمَالَ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: الْأَشْهَرُ الْمَنْعُ مِنْ شِرَاءِ رَبِّ الْمَالِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْغَازِي ثُمَّ صَرْفِهِ إلَيْهِ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ. وَنَقَلَهُ صَالِحٌ وَعَبْدُ اللَّهِ. كَذَا نَقَلَهُ ابْنُ الْحَكَمِ، وَنَقَلَ أَيْضًا يَجُوزُ، وَقَالَ: ذَكَرَ أَبُو حَفْصٍ فِي جَوَازِهِ رِوَايَتَيْنِ. قَوْلُهُ (وَلَا يُعْطِي مِنْهَا فِي الْحَجِّ) هَذَا إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَقَالَا: هِيَ أَصَحُّ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَعَنْهُ يُعْطِي الْفَقِيرَ مَا يَحُجُّ بِهِ الْفَرْضَ، أَوْ يَسْتَعِينُ بِهِ فِيهِ، وَهِيَ الْمَذْهَبُ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ، وَالْمَرُّوذِيِّ، وَالْمَيْمُونِيِّ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالْحَجُّ مِنْ السَّبِيلِ نَصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْأَصْحَابِ. انْتَهَى. قَالَ فِي الْفُصُولِ: وَالْمُذْهَبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَغَيْرِهِمْ: الْحَجُّ مِنْ السَّبِيلِ عَلَى الْأَصَحِّ. قَالَ فِي تَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ: عَلَى الْأَظْهَرِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُبْهِجِ، وَالْإِيضَاحِ، وَالْخِرَقِيِّ، وَالْإِفَادَاتِ، وَنِهَايَةِ ابْنِ رَزِينٍ، وَالْمُنَوِّرِ، وَغَيْرِهِمْ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي فِي التَّعْلِيقِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْفُرُوعِ، وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ، وَنَظْمِ الْمُفْرَدَاتِ.
وَهُوَ مِنْهَا، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ. وَعُقُودِ ابْنِ الْبَنَّاءِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالنَّظْمِ، وَالْفَائِقِ، فَعَلَى الْمَذْهَبِ: لَا يَأْخُذُ إلَّا الْفَقِيرُ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِي الرِّوَايَةِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ جُمْهُورٌ مِنْ الْأَصْحَابِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْمُصَنِّفُ، وَالْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ. وَابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ، وَصَاحِبُ الْحَاوِيَيْنِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى وَغَيْرُهُمْ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَقِيلَ: يَأْخُذُ الْغَنِيُّ أَيْضًا، وَهُمَا احْتِمَالَانِ فِي التَّلْخِيصِ. قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: كَمَا لَوْ أَوْصَى بِثُلُثِهِ فِي السَّبِيلِ، وَعَلَى الْمَذْهَبِ أَيْضًا: لَا يَأْخُذُ إلَّا لِحَجِّ الْفَرْضِ، أَوْ يَسْتَعِينُ بِهِ فِيهِ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَقَالَ: جَزَمَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ، قُلْت: مِنْهُمْ صَاحِبُ الْإِفَادَاتِ فِيهَا. وَالْمُصَنِّفُ هُنَا، قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَهُوَ أَوْلَى، وَعَنْهُ يَأْخُذُ لِحَجِّ النَّفْلِ أَيْضًا، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، وَابْنِ الْجَوْزِيِّ فِي مَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ وَنِهَايَتِهِ. وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَلَمْ يَشْتَرِطْ الْفَرْضَ الْأَكْثَرُونَ: الْخِرَقِيُّ، وَالْقَاضِي، وَصَاحِبُ التَّلْخِيصِ. وَأَبُو الْبَرَكَاتِ وَغَيْرُهُمْ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَصَحَّحَهُ بَعْضُهُمْ. قَالَ الْقَاضِي: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَأَطْلَقَهُمَا الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَصَاحِبُ الْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ. فَائِدَةٌ: الْعُمْرَةُ كَالْحَجِّ فِي ذَلِكَ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. نَقَلَ جَعْفَرٌ " الْعُمْرَةُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ " وَعَنْهُ هِيَ سُنَّةٌ. قَوْلُهُ (الثَّامِنُ: ابْنُ السَّبِيلِ، وَهُوَ الْمُسَافِرُ الْمُنْقَطِعُ بِهِ)
هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، إلَّا أَنَّ الشِّيرَازِيَّ قَدَّمَ فِي الْمُبْهِجِ وَالْإِيضَاحِ أَنَّ ابْنَ السَّبِيلِ هُمْ السُّؤَالُ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ إذَا كَانَ السَّفَرُ فِي الطَّاعَةِ: أُعْطِيَ بِلَا نِزَاعٍ بِشَرْطٍ، وَإِنْ كَانَ مُبَاحًا فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يُعْطَى أَيْضًا، وَقِيلَ: لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ سَفَرَ طَاعَةٍ، فَلَا يُعْطَى فِي سَفَرٍ مُبَاحٍ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ، وَجَزَمَ بِهِ أَيْضًا فِي الْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَإِنْ كَانَ سَفَرَ نُزْهَةٍ: فَفِي جَوَازِ إعْطَائِهِ وَجْهَانِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ، وَالزَّرْكَشِيُّ. أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ الْأَخْذُ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ. قَالَ فِي التَّلْخِيصِ: فَيُعْطَى بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكُونَ سَفَرَ مَعْصِيَةٍ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَهُوَ مِمَّنْ انْقَطَعَ بِهِ فِي سَفَرٍ مُبَاحٍ. قَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ فِي حَوَاشِي الْفُرُوعِ: وَالْأَصَحُّ يُعْطَى؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَقْسَامِ الْمُبَاحِ فِي الْأَصَحِّ كَمَا تَقَدَّمَ فِي صَلَاةِ الْمُسَافِرِ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَجُوزُ الْأَخْذُ، وَلَا يُجْزِئُ، قَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ [قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ بَعْدَ أَنْ أَطْلَقَ الْوَجْهَيْنِ وَالصَّحِيحُ: الْجَوَازُ فِي سَفَرِ التِّجَارَةِ دُونَ التَّنَزُّهِ] ، وَأَمَّا السَّفَرُ الْمَكْرُوهُ: فَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةِ الْأَصْحَابِ: أَنَّهُ لَا يُعْطَى. مِنْهُمْ صَاحِبُ الرِّعَايَةِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ: أَنَّهُ يُعْطَى، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي التَّلْخِيصِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَعَلَّلَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ بِأَنَّهُ لَيْسَ مَعْصِيَةً، فَدَلَّ أَنَّهُ يُعْطَى فِي سَفَرٍ مَكْرُوهٍ. قَالَ: وَهُوَ نَظِيرُ إبَاحَةِ التَّرْخِيصِ فِيهِ. انْتَهَى. وَأَمَّا سَفَرُ الْمَعْصِيَةِ: فَإِنَّهُ لَا يُعْطَى فِيهِ، وَقَطَعَ بِهِ الْأَكْثَرُ، وَظَاهِرُ مَا قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ: أَنَّهُ نَظِيرُ إبَاحَةِ التَّرَخُّصِ فِيهِ جَرَيَانُ خِلَافٍ هُنَا، فَإِنَّ الشَّيْخَ تَقِيَّ الدِّينِ اخْتَارَ هُنَاكَ جَوَازَ التَّرَخُّصِ فِي سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ، وَرَجَّحَهُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ. كَمَا تَقَدَّمَ.
وَقَالَ فِي إدْرَاكِ الْغَايَةِ: وَابْنُ السَّبِيلِ الْآيِبُ إلَى بَلَدِهِ، وَلَوْ مِنْ فُرْجَةٍ أَوْ مَحْرَمٍ فِي وَجْهٍ. وَيَأْتِي قَرِيبًا فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ إذَا تَابَ مِنْ الْمَعْصِيَةِ. قَوْلُهُ (دُونَ الْمُنْشِئِ لِلسَّفَرِ مِنْ بَلَدٍ) يَعْنِي أَنَّهُ لَا يُعْطَى، وَهَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَعَنْهُ يُعْطَى أَيْضًا. فَائِدَتَانِ. إحْدَاهُمَا: يُعْطَى ابْنُ السَّبِيلِ قَدْرَ مَا يُوَصِّلُهُ إلَى بَلَدِهِ، وَلَوْ مَعَ غِنَاهُ فِي بَلَدِهِ، وَيُعْطَى أَيْضًا مَا يُوَصِّلُهُ إلَى مُنْتَهَى مَقْصِدِهِ، وَلَوْ اجْتَازَ عَنْ وَطَنِهِ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ. قَالَ الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ: اخْتَارَهُ أَصْحَابُنَا لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ إنَّمَا فَارَقَ وَطَنَهُ لِقَصْدٍ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هُوَ قَوْلُ عَامَّةِ الْأَصْحَابِ، وَاخْتَارَ الْمُصَنِّفُ: أَنَّهُ لَا يُعْطَى، وَذَكَرَهُ الْمَجْدُ ظَاهِرَ رِوَايَةِ صَالِحٍ وَغَيْرِهِ، وَظَاهِرَ كَلَامِ أَبِي الْخَطَّابِ. الثَّانِيَةُ: لَوْ قَدَرَ ابْنُ السَّبِيلِ عَلَى الِاقْتِرَاضِ، فَأَفْتَى الْمَجْدُ بِعَدَمِ الْأَخْذِ مِنْ الزَّكَاةِ وَأَفْتَى الشَّارِحُ بِجَوَازِ الْأَخْذِ، وَقَالَ: لَمْ يَشْتَرِطْ أَصْحَابُنَا عَدَمَ قُدْرَتِهِ عَلَى الِاقْتِرَاضِ؛ وَلِأَنَّ كَلَامَ اللَّهِ عَلَى إطْلَاقِهِ، وَهُوَ كَمَا قَالَ، وَهُوَ الصَّوَابُ. قَوْلُهُ (وَيُعْطَى الْفَقِيرُ وَالْمِسْكِينُ مَا يُغْنِيهِ) ، الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْفَقِيرِ وَالْمِسْكِينِ يَأْخُذُ تَمَامَ كِفَايَتِهِ سَنَةً. قَالَ النَّاظِمُ: وَهُوَ أَوْلَى. قَالَ فِي الْحَاوِيَيْنِ: هَذَا أَصَحُّ عِنْدِي. قَالَ فِي تَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ: وَيُعْطَيَانِ كِفَايَتَهُمَا لِتَمَامِ سَنَةٍ، لَا أَكْثَرَ. عَلَى الْأَظْهَرِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْإِفَادَاتِ وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُحَرَّرِ وَالْفَائِقِ. قَالَ نَاظِمُ الْمُفْرَدَاتِ: وَلَا يَجُوزُ الدَّفْعُ لِلْفَقِيرِ ... أَكْثَرَ مِنْ غِنَاهُ فِي التَّقْدِيرِ ، وَعَنْهُ يَأْخُذُ تَمَامَ كِفَايَتِهِ دَائِمًا بِمَتْجَرٍ أَوْ آلَةِ صَنْعَةٍ، وَنَحْوَ ذَلِكَ، اخْتَارَهُ فِي الْفَائِقِ، وَهِيَ قَوْلٌ فِي الرِّعَايَةِ.
وَعَنْهُ لَا يَأْخُذُ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسِينَ دِرْهَمًا حَتَّى تَفْرُغَ، وَلَوْ أَخَذَهَا فِي السَّنَةِ مِرَارًا، وَإِنْ كَثُرَ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ. وَاخْتَارَ الْآجُرِّيُّ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: جَوَازَ الْأَخْذِ مِنْ الزَّكَاةِ جُمْلَةً وَاحِدَةً مَا يَصِيرُ بِهِ غَنِيًّا وَإِنْ كَثُرَ، وَالْمَذْهَبُ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ. وَتَقَدَّمَ آخِرَ بَابِ إخْرَاجِ الزَّكَاةِ اشْتِرَاطُ قَبْضِ الْفَقِيرِ لِلزَّكَاةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ وَتَقَدَّمَ أَيْضًا ذَلِكَ قَرِيبًا. قَوْلُهُ (وَالْعَامِلُ قَدْرَ أُجْرَتِهِ) ، الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ مَا يَأْخُذُهُ الْعَامِلُ أُجْرَةٌ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. وَذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إجْمَاعًا، وَقِيلَ: مَا يَأْخُذُهُ زَكَاةٌ، فَعَلَى الْمَذْهَبِ: يَسْتَحِقُّ أُجْرَةَ الْمِثْلِ، وَجَاوَزَ الثَّمَنَ أَوْ لَمْ يُجَاوِزْهُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَعَنْهُ لَهُ ثَمَنُ مَا يَجْنِيهِ. قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ إنْ جَاوَزَتْ أُجْرَتُهُ ذَلِكَ أُعْطِيَهُ مِنْ الْمَصَالِحِ. انْتَهَى. هَذَا الْحُكْمُ إذَا لَمْ يَسْتَأْجِرْهُ الْإِمَامُ، وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ بِالشَّرْعِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. قَالَ الْقَاضِي فِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ إذَا لَمْ يُشْرَطْ لَهُ جَعْلٌ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مَعْرُوفًا بِأَخْذِ الْأُجْرَةِ عَلَى عَمَلِهِ. ذَكَرَهُ فِي الْقَاعِدَةِ الرَّابِعَةِ وَالسَّبْعِينَ، فَأَمَّا إنْ اسْتَأْجَرَهُ: فَتَقَدَّمَ آخِرَ فَصْلِ الْعَامِلِ. فَائِدَةٌ: يُقَدَّمُ الْعَامِلُ بِأُجْرَتِهِ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الزَّكَاةِ، وَإِنْ نَوَى التَّطَوُّعَ بِعَمَلِهِ فَلَهُ الْأَخْذُ. قَالَهُ الْأَصْحَابُ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْإِمَامَ وَنَائِبَهُ فِي الزَّكَاةِ لَا يَأْخُذُ شَيْئًا عِنْدَ اشْتِرَاطِ إسْلَامِهِ. قَوْلُهُ (وَالْمُؤَلَّفُ مَا يَحْصُلُ بِهِ التَّأْلِيفُ) هَكَذَا قَالَ الْأَصْحَابُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُعْطَى الْغَنِيُّ مَا يَرَى الْإِمَامُ. قَالَ فِي
الْفُرُوعِ: وَمُرَادُهُ مَا ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ مَا يَحْصُلُ بِهِ التَّأْلِيفُ؛ لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ، وَلَا يُزَادُ عَلَيْهِ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ. فَائِدَةٌ: قَوْلُهُ (وَالْغَازِي مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِغَزْوِهِ) ، وَهَذَا بِلَا نِزَاعٍ، لَكِنْ لَا يَشْتَرِي رَبُّ الْمَالِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْغَازِي ثُمَّ يَدْفَعُهُ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهُ قِيمَةٌ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فِيهِ رِوَايَتَانِ. ذَكَرَهُمَا أَبُو حَفْصٍ الْأَشْهَرُ الْمَنْعُ، وَنَقَلَهُ صَالِحٌ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَكَمِ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ، وَعَنْهُ يَجُوزُ، وَنَقَلَهُ ابْنُ الْحَكَمِ أَيْضًا، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، فَقَالَ: وَيَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ أَحَدٌ مِنْ زَكَاتِهِ خَيْلًا وَسِلَاحًا، وَيَجْعَلَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى، وَعَنْهُ الْمَنْعُ مِنْهُ. انْتَهَى. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَقَالَ: وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ الزَّكَاةِ فَرَسًا يَصِيرُ حَبِيسًا فِي الْجِهَادِ، وَلَا دَارًا، وَلَا ضَيْعَةً لِلرِّبَاطِ، أَوْ يَقِفَهَا عَلَى الْغُزَاةِ، وَلَا غَزْوَهُ عَلَى فَرَسٍ أَخْرَجَهُ مِنْ زَكَاتِهِ. نَصَّ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُعْطِهَا لِأَحَدٍ، وَيَجْعَلُ نَفْسَهُ مَصْرِفًا، وَلَا يُغْزَى بِهَا عَنْهُ. كَذَا لَا يَحُجُّ بِهَا، وَلَا يُحَجُّ بِهَا عَنْهُ، وَأَمَّا إذَا اشْتَرَى الْإِمَامُ فَرَسًا بِزَكَاةِ رَجُلٍ: فَلَهُ دَفْعُهَا إلَيْهِ يَغْزُو عَلَيْهَا، كَمَا لَهُ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ زَكَاتَهُ لِفَقْرِهِ أَوْ غُرْمِهِ. قَوْلُهُ (وَمَنْ كَانَ ذَا عِيَالٍ أَخَذَ مَا يَكْفِيهِمْ) تَقَدَّمَ قَرِيبًا فِي قَوْلِهِ " وَيُعْطَى الْفَقِيرُ وَالْمِسْكِينُ مَا يُغْنِيهِ " أَنَّ الصَّحِيحَ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يَأْخُذُ تَمَامَ كِفَايَتِهِ سَنَةً، وَتَقَدَّمَ رِوَايَةُ: أَنَّهُ لَا يَأْخُذُ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسِينَ دِرْهَمًا، فَعَلَى الْمَذْهَبِ: يَأْخُذُ لَهُ وَلِعِيَالِهِ قَدْرَ كِفَايَتِهِمْ سَنَةً، وَعَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى: يَأْخُذُ لَهُ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ عِيَالِهِ خَمْسِينَ خَمْسِينَ. قَوْلُهُ (وَلَا يُعْطَى أَحَدٌ مِنْهُمْ مَعَ الْغِنَى، إلَّا أَرْبَعَةً: الْعَامِلُ، وَالْمُؤَلَّفُ، وَالْغَارِمُ لِإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ، وَالْغَازِي) . أَمَّا الْعَامِلُ: فَلَا يُشْتَرَطُ فَقْرُهُ. بَلْ يُعْطَى مَعَ الْغِنَى. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ
الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ بِهِ أَكْثَرُهُمْ، وَذَكَرَهُ الْمَجْدُ إجْمَاعًا، وَذَكَرَ ابْنُ حَامِدٍ وَجْهًا بِاشْتِرَاطِ فَقْرِهِ، وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ " وَلَا شَرْطُ حُرِّيَّتِهِ وَلَا فَقْرِهِ "، وَأَمَّا الْمُؤَلَّفُ: فَيُعْطَى مَعَ غِنَاهُ. لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، وَأَمَّا الْغَارِمُ لِإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ: فَيَأْخُذُ مَعَ غِنَاهُ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمَا، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَا يَأْخُذُ مَعَ الْغِنَى [وَمَحَلُّ هَذَا إذَا لَمْ يَدْفَعْهَا مِنْ مَالِهِ، فَإِنْ دَفَعَهَا لَمْ يَجُزْ لَهُ الْأَخْذُ عَلَى مَا يَأْتِي قَرِيبًا] ، وَأَمَّا الْغَازِي: فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ جَوَازُ أَخْذِهِ مَعَ غِنَاهُ، وَنَقَلَ صَالِحٌ: إذَا أَوْصَى بِفَرَسٍ يَدْفَعُ إلَى مَنْ لَيْسَ لَهُ فَرَسٌ، أَحَبُّ إلَيَّ إذَا كَانَ ثِقَةً. تَنْبِيهٌ: صَرَّحَ الْمُصَنِّفُ أَنَّ بَقِيَّةَ الْأَصْنَافِ لَا يُدْفَعُ إلَيْهِمْ مِنْ الزَّكَاةِ مَعَ غِنَاهُمْ وَهُوَ صَحِيحٌ أَمَّا الْفَقِيرُ وَالْمِسْكِينُ: فَوَاضِحٌ، وَكَذَا ابْنُ السَّبِيلِ، وَأَمَّا الْمُكَاتَبُ: فَلَا يُعْطَى لِفَقْرِهِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ، مِنْهُمْ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّارِحُ، وَابْنُ حَمْدَانَ، وَغَيْرُهُمْ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْفُرُوعِ؛ لِأَنَّهُ عَبْدٌ، وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ، وَأَمَّا الْغَارِمُ لِنَفْسِهِ فِي مُبَاحٍ: فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ لَا يُعْطَى إلَّا مَعَ فَقْرِهِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَهُ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَقِيلَ: يُعْطَى مَعَ غِنَاهُ أَيْضًا، وَنَقَلَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَكَمِ، وَتَأَوَّلَهُ الْقَاضِي عَلَى أَنَّهُ بِقَدْرِ كِفَايَتِهِ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ عَنْ هَذَا الْقَوْلِ وَهُوَ بَعِيدٌ، فَعَلَى الْمَذْهَبِ: لَوْ كَانَ فَقِيرًا وَلَكِنَّهُ قَوِيٌّ يَكْتَسِبُ. جَازَ لَهُ الْأَخْذُ أَيْضًا. قَالَهُ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ، وَابْنُ عَقِيلٍ فِي عُمَدِهِ فِي الزَّكَاةِ، وَذَكَرَهُ أَيْضًا فِي الْمُجَرَّدِ، وَالْفُصُولِ فِي بَابِ الْكِتَابَةِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ.
وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ، وَجَزَمَ بِهِ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ. قُلْت: هَذَا الْمَذْهَبُ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْقَاعِدَةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّلَاثِينَ بَعْدَ الْمِائَةِ، وَقَالَ: هَذَا الْخِلَافُ رَاجِعٌ إلَى الْخِلَافِ فِي إجْبَارِهِ عَلَى التَّكَسُّبِ لِوَفَاءِ دَيْنِهِ. انْتَهَى، قُلْت: الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: الْإِجْبَارُ عَلَى مَا يَأْتِي فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي بَابِ الْحَجْرِ. فَائِدَةٌ: لَوْ غَرِمَ لِضَمَانٍ، أَوْ كَفَالَةٍ، فَهُوَ كَمَنْ غَرِمَ لِنَفْسِهِ فِي مُبَاحٍ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: هُوَ كَمَنْ غَرِمَ لِإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ، فَيَأْخُذُ مَعَ غِنَاهُ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الْأَصِيلُ مُعْسِرًا. ذَكَرَهُ الزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُ. فَائِدَةٌ: إذَا قُلْنَا: الْغَنِيُّ مَنْ مَلَكَ خَمْسِينَ دِرْهَمًا وَمَلَّكَهَا: لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ مِنْ الْأَخْذِ بِالْغُرْمِ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَالرِّوَايَتَيْنِ. وَعَنْهُ: يَمْنَعُ. فَعَلَى الْمَذْهَبِ: مَنْ لَهُ مِائَةٌ وَعَلَيْهِ مِثْلُهَا أُعْطِيَ خَمْسِينَ. وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ مِائَةٍ تُرِكَ لَهُ مِمَّا مَعَهُ خَمْسُونَ، وَأُعْطِيَ تَمَامَ دَيْنِهِ، وَعَلَى الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ: لَا يُعْطَى شَيْئًا حَتَّى يَصْرِفَ جَمِيعَ مَا فِي يَدِهِ، فَيُعْطَى وَلَا يُزَادُ عَلَى خَمْسِينَ، فَإِذَا صَرَفَهَا فِي دَيْنِهِ أُعْطِيَ مِثْلَهَا مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، حَتَّى يَقْضِيَ دَيْنَهُ. قَوْلُهُ (وَإِنْ فَضَلَ مَعَ الْغَارِمِ، وَالْمُكَاتَبِ، وَالْغَازِي، وَابْنِ السَّبِيلِ شَيْءٌ بَعْدَ حَاجَتِهِمْ: لَزِمَهُمْ رَدُّهُ) . إذَا فَضَلَ مَعَ الْغَازِي شَيْءٌ بَعْدَ قَضَاءِ دَيْنِهِ: لَزِمَ رَدُّهُ. بِلَا خِلَافٍ أَعْلَمُهُ. لَكِنْ لَوْ أُبْرِئَ الْغَرِيمُ مِمَّا عَلَيْهِ، أَوْ قَضَى دَيْنَهُ مِنْ غَيْرِ الزَّكَاةِ، فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يَرُدُّ مَا مَعَهُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: اسْتَرَدَّ مِنْهُ عَلَى الْأَصَحِّ. ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ، وَجَزَمَ بِهِ آخَرُونَ، وَذَكَرَهُ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ. قَالَ
فِي الرِّعَايَتَيْنِ: رَدَّهُ فِي الْأَصَحِّ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَابْنِ رَزِينٍ، وَالْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِمْ. وَعَنْهُ لَا يَسْتَرِدُّ مِنْهُ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْحَاوِيَيْنِ قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: قَالَ الْقَاضِي فِي تَعْلِيقِهِ: وَهُوَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْمُكَاتَبِ، فَإِذَا قُلْنَا: أَخْذُهُ هُنَاكَ مُسْتَقِرٌّ، فَكَذَا هُنَا. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: فَإِنْ كَانَ فَقِيرًا فَلَهُ إمْسَاكُهَا، وَلَا تُؤْخَذُ مِنْهُ. ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَقَالَ الْقَاضِي فِي مَوْضِعٍ مِنْ كَلَامِهِ، وَالْمُصَنِّفُ فِي الْكَافِي، وَالْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: إذَا اجْتَمَعَ الْغُرْمُ وَالْفَقْرُ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ: أَخَذَ بِهِمَا، فَإِنْ أُعْطِيَ لِلْفَقْرِ فَلَهُ صَرْفُهُ فِي الدَّيْنِ، وَإِنْ أُعْطِيَ لِلْغُرْمِ لَمْ يَصْرِفْهُ فِي غَيْرِهِ، وَقَاعِدَةُ الْمَذْهَبِ فِي ذَلِكَ: أَنَّ مَنْ أَخَذَ بِسَبَبٍ يَسْتَقِرُّ الْأَخْذُ بِهِ وَهُوَ الْفَقْرُ، وَالْمَسْكَنَةُ، وَالْعِمَالَةُ، وَالتَّأْلِيفُ صَرَفَهُ فِيمَا شَاءَ كَسَائِرِ مَالِهِ، وَإِنْ كَانَ بِسَبَبٍ لَا يَسْتَقِرُّ الْأَخْذُ بِهِ. لَمْ يَصْرِفْهُ إلَّا فِيمَا أَخَذَهُ لَهُ خَاصَّةً. لِعَدَمِ ثُبُوتِ مِلْكِهِ عَلَيْهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَلِهَذَا يُسْتَرَدُّ مِنْهُ إذَا أُبْرِئَ، أَوْ لَمْ يَغْزُ. قَالَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَتَبِعَهُ صَاحِبُ الْفُرُوعِ، وَأَمَّا إذَا فَضَلَ مَعَ الْمُكَاتَبِ شَيْءٌ، فَجَزَمَ الْمُصَنِّفُ: أَنَّهُ يَرُدُّهُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي، وَالْوَجِيزِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ، وَغَيْرِهِمْ. قَالَ ابْنُ مُنَجَّى فِي شَرْحِهِ: هَذَا الْمَذْهَبُ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ، وَالنَّظْمِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَصَحَّحَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَأْخُذُونَ أَخْذًا مُسْتَقِرًّا، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ. كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي شَرْحِ الْمَجْدِ، وَابْنِ تَمِيمٍ، وَالْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ، وَالْخِلَافُ وَجْهَانِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَقِيلَ: رِوَايَتَانِ، وَقِيلَ: مَا فَضَلَ لِلْمُكَاتَبِينَ غَيْرُهُ، وَكَذَا الْحُكْمُ لَوْ عَتَقَ بِإِبْرَاءٍ. قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ.
وَتَقَدَّمَ فِي أَحْكَامِ الْمُكَاتَبِ إذَا عَتَقَ تَبَرُّعًا مِنْ سَيِّدِهِ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ عَجَزَ أَوْ مَاتَ، وَبِيَدِهِ وَفَاءٌ. فَائِدَةٌ: لَوْ اسْتَدَانَ مَا عَتَقَ بِهِ وَبِيَدِهِ مِنْ الزَّكَاةِ قَدْرُ الدَّيْنِ فَلَهُ صَرْفُهُ. لِبَقَاءِ حَاجَتِهِ إلَيْهِ بِسَبَبِ الْكِتَابَةِ، وَأَمَّا الْغَازِي إذَا فَضَلَ مَعَهُ فَضْلٌ: فَجَزَمَ الْمُصَنِّفُ هُنَا: أَنَّهُ يَلْزَمُهُ رَدُّهُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ. جَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي أَيْضًا، وَالْمُذْهَبِ لِابْنِ الْجَوْزِيِّ وَابْنِ مُنَجَّى، فِي شَرْحِهِ وَالْوَجِيزِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ لِلْآدَمِيِّ، وَغَيْرِهِمْ [وَصَحَّحَهُ فِي تَصْحِيحِ الْمُحَرَّرِ] ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: جَزَمَ بِهِ جَمَاعَةٌ، وَقَدَّمَهُ فِي النَّظْمِ، وَالشَّرْحِ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَرُدُّهُ. جَزَمَ بِهِ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَصَحَّحَهُ النَّاظِمُ. قَالَ فِي الْقَاعِدَةِ الثَّانِيَةِ وَالسَّبْعِينَ، قَالَ الْخِرَقِيُّ وَالْأَكْثَرُونَ: لَا يُسْتَرَدُّ. انْتَهَى، وَحَمَلَ الزَّرْكَشِيُّ كَلَامَ الْخِرَقِيِّ الَّذِي فِي الْجِهَادِ عَلَى غَيْرِ الزَّكَاةِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَقَالَ أَيْضًا فِي الْقَوَاعِدِ: إذَا أَخَذَ مِنْ الزَّكَاةِ لِيَحُجَّ عَلَى الْقَوْلِ بِالْجَوَازِ وَفَضَلَ مِنْهُ فَضْلَةٌ: الْأَظْهَرُ أَنَّهُ يَسْتَرِدُّهُ كَالْوَصِيَّةِ وَأَوْلَى. وَقِيَاسُ قَوْلِ الْأَصْحَابِ فِي الْغَازِي: إنَّهُ لَا يُسْتَرَدُّ، وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ الْمَيْمُونِيِّ: أَنَّ الدَّابَّةَ لَا تُسْتَرَدُّ، وَلَا يَلْزَمُ مِثْلُهُ فِي النَّفَقَةِ، وَأَمَّا ابْنُ السَّبِيلِ إذَا فَضَلَ مَعَهُ شَيْءٌ، فَجَزَمَ الْمُصَنِّفُ: أَنَّهُ يَرُدُّ الْفَاضِلَ بَعْدَ وُصُولِهِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعُوا بِهِ، وَعَنْهُ لَا يَرُدُّهُ، بَلْ هُوَ لَهُ، فَيَكُونُ أَخْذُهُ مُسْتَقِرًّا. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْحَاوِيَيْنِ، وَقَالَ الْآجُرِّيُّ: يَلْزَمُهُ صَرْفُهُ لِلْمَسَاكِينِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ، وَلَعَلَّ مُرَادَهُ مَعَ جَهْلِ أَرْبَابِهِ.
قَوْلُهُ (وَالْبَاقُونَ يَأْخُذُونَ أَخْذًا مُسْتَقِرًّا، فَلَا يَرُدُّونَ شَيْئًا) . بِلَا نِزَاعٍ فِي الْجُمْلَةِ. قَوْلُهُ (وَإِذَا ادَّعَى الْفَقْرَ مَنْ عُرِفَ بِالْغِنَى) لَمْ يُقْبَلْ إلَّا بِبَيِّنَةٍ، وَهَذَا بِلَا نِزَاعٍ. وَالْبَيِّنَةُ هُنَا ثَلَاثَةُ شُهُودٍ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَهُوَ مِنْ مُفْرَدَاتِ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: يَكْفِي اثْنَانِ كَدَيْنِ الْآدَمِيِّ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، وَجَمَاعَةٍ فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ. وَتَأْتِي بَيِّنَةُ الْإِعْسَارِ فِي أَوَائِلِ بَابِ الْحَجِّ. قَوْلُهُ (أَوْ ادَّعَى إنْسَانٌ أَنَّهُ مُكَاتَبٌ، أَوْ غَارِمٌ، أَوْ ابْنُ سَبِيلٍ: لَمْ يُقْبَلْ إلَّا بِبَيِّنَةٍ) . إذَا ادَّعَى أَنَّهُ مُكَاتَبٌ، أَوْ غَارِمٌ لِنَفْسِهِ لَمْ يُقْبَلْ إلَّا بِبَيِّنَةٍ. بِلَا خِلَافٍ أَعْلَمُهُ، فَإِنْ ادَّعَى أَنَّهُ غَارِمٌ لِإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ، فَالظَّاهِرُ: يُغْنِي عَنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ، فَإِنْ خَفِيَ لَمْ يُقْبَلْ إلَّا بِبَيِّنَةٍ. قَالَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي. وَتَبِعَهُ الشَّارِحُ، وَأَطْلَقَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ الْبَيِّنَةَ، وَلَا يُقْبَلُ بِالْغَارِمِ لِنَفْسِهِ، وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَا يُقْبَلُ أَنَّهُ غَارِمٌ بِلَا بَيِّنَةٍ، وَإِنْ ادَّعَى أَنَّهُ ابْنُ سَبِيلٍ: فَجَزَمَ الْمُصَنِّفُ هُنَا أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ. جَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَشَرْحِ الْمَجْدِ، وَالنَّظْمِ، وَشَرْحِ ابْنِ مُنَجَّى. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: قَدَّمَهُ جَمَاعَةٌ، وَجَزَمَ بِهِ آخَرُونَ. مِنْهُمْ أَبُو الْخَطَّابِ، وَالشَّيْخُ، وَقِيلَ: يُقْبَلُ قَوْلُهُ بِلَا بَيِّنَةٍ. جَزَمَ بِهِ فِي التَّلْخِيصِ. وَالْبُلْغَةِ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ.
فَائِدَتَانِ. إحْدَاهُمَا: لَوْ ادَّعَى ابْنُ السَّبِيلِ أَنَّهُ فَقِيرٌ: لَمْ يُدْفَعْ إلَيْهِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ إنْ عُرِفَ بِمَالٍ، وَإِلَّا فَلَا. الثَّانِيَةُ: لَوْ ادَّعَى أَنَّهُ يُرِيدُ السَّفَرَ قُبِلَ قَوْلُهُ بِلَا يَمِينٍ. تَنْبِيهٌ: مَفْهُومُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: أَنَّهُ لَوْ ادَّعَى الْغَزْوَ قُبِلَ قَوْلُهُ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ. جَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَصَاحِبُ التَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ وَالزَّرْكَشِيُّ. قَالَ فِي الْفَائِقِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ: يُقْبَلُ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِ، وَقِيلَ: لَا يُقْبَلُ [إلَّا بِبَيِّنَةٍ] وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ. قَوْلُهُ (فَإِنْ صَدَّقَ الْمُكَاتَبَ سَيِّدُهُ، أَوْ الْغَارِمَ غَرِيمُهُ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ) إذَا صَدَّقَ الْمُكَاتَبَ سَيِّدُهُ. أَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ وَجْهَيْنِ فِي أَنَّهُ: هَلْ يُقْبَلُ قَوْلُهُ بِمُجَرَّدِ تَصْدِيقِهِ، أَمْ لَا بُدَّ مِنْ الْبَيِّنَةِ؟ وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْمُغْنِي، وَالْكَافِي، وَالْهَادِي، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَابْنِ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالنَّظْمِ، وَشَرْحِ ابْنِ مُنَجَّى، وَالْفَائِقِ وَالشَّرْحِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ. أَحَدُهُمَا: لَا يُقْبَلُ تَصْدِيقُهُ لِلتُّهْمَةِ، فَلَا بُدَّ مِنْ الْبَيِّنَةِ، قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَلَمْ أَرَ مَنْ تَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ. قَالَ فِي إدْرَاكِ الْغَايَةِ: وَفِي تَصْدِيقِهِ غَرِيمَهُ وَالسَّيِّدَ وَجْهٌ. الثَّانِي: يُقْبَلُ قَوْلُهُ بِمُجَرَّدِ تَصْدِيقِ سَيِّدِهِ. قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: وَهُوَ الْأَصَحُّ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِفَادَاتِ، وَالْوَجِيزِ، وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، قُلْت: وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَإِذَا صَدَّقَ الْغَرِيمَ غَرِيمُهُ، فَأَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ فِيهِ وَجْهَيْنِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ،
وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْمُغْنِي، وَالْكَافِي، وَالْهَادِي، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالنَّظْمِ، وَالْفَائِقِ. أَحَدُهُمَا: يُقْبَلُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ. قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: الصَّحِيحُ الْقَبُولُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيُقْبَلُ إنْ صَدَّقَهُ غَرِيمٌ فِي الْأَصَحِّ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يُقْبَلُ. قَوْلُهُ (وَإِنْ رَآهُ جَلْدًا، أَوْ ذَكَرَ أَنَّهُ لَا كَسْبَ لَهُ أَعْطَاهُ مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ) بِلَا نِزَاعٍ، وَذَلِكَ بَعْدَ أَنْ يُخْبِرَهُ أَنَّهُ لَا حَظَّ فِيهَا لِغَنِيٍّ، وَلَا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ، بِلَا نِزَاعٍ لَكِنَّ إخْبَارَهُ بِذَلِكَ: هَلْ هُوَ وَاجِبٌ أَمْ لَا؟ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: يَتَوَجَّهُ وُجُوبُهُ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ " أَعْطَاهُ بَعْدَ أَنْ يُخْبِرَهُ " وَقَوْلُهُمْ " أَخْبَرَهُ وَأَعْطَاهُ " انْتَهَى وَتَقَدَّمَ أَوَّلَ الْبَابِ: لَوْ اشْتَغَلَ بِالْعِلْمِ قَادِرٌ عَلَى الْكَسْبِ وَتَعَذَّرَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا. قَوْلُهُ (وَإِنْ ادَّعَى أَنَّ لَهُ عِيَالًا قَلَّدَ وَأَعْطَى) هَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَالْأَكْثَرُ، وَيَحْتَمِلُ: أَنْ لَا يُقْبَلَ ذَلِكَ إلَّا بِبَيِّنَةٍ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ. قَوْلُهُ (وَمَنْ غَرِمَ أَوْ سَافَرَ فِي مَعْصِيَةٍ لَمْ يُدْفَعْ إلَيْهِ) إذَا غَرِمَ فِي مَعْصِيَةٍ لَمْ يُدْفَعْ إلَيْهِ مِنْ الزَّكَاةِ بِلَا نِزَاعٍ، وَإِذَا سَافَرَ فِي مَعْصِيَةٍ لَمْ يُدْفَعْ إلَيْهِ أَيْضًا. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقَطَعَ بِهِ الْأَكْثَرُونَ. وَقَدْ حَكَى فِي إدْرَاكِ الْغَايَةِ وَجْهًا بِجَوَازِ الْأَخْذِ لِلرَّاجِعِ مِنْ سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ، وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ. قَوْلُهُ (فَإِنْ تَابَ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ) ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُغْنِي، وَشَرْحِ الْمَجْدِ، وَالشَّرْحِ، وَالنَّظْمِ، وَالْفَائِقِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْغَارِمِ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى.
أَحَدُهُمَا: يُدْفَعُ إلَيْهِمَا، وَهُوَ الْمَذْهَبُ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ: دُفِعَ إلَيْهِ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُذْهَبِ وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْوَجِيزِ، وَالْمُنْتَخَبِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالْمُنَوِّرِ [فِي الْغَارِمِ] وَلَمْ يَذْكُرُوا الْمُسَافِرَ إذَا تَابَ، وَهُوَ مِثْلُهُ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ فِي الْغَارِمِ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ تَمِيمٍ فِي الْغَارِمِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ فِي الْغَارِمِ: فَإِنْ تَابَ دُفِعَ إلَيْهِ فِي الْأَصَحِّ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ فِي الْغَارِمِ: الْمَذْهَبُ الْجَوَازُ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَأَبُو الْبَرَكَاتِ، وَصَاحِبُ التَّلْخِيصِ، وَغَيْرُهُمْ. انْتَهَى، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى فِي الْمُسَافِرِ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يُدْفَعُ إلَيْهِمَا. وَقَدَّمَ ابْنُ رَزِينٍ عَدَمَ جَوَازِ الدَّفْعِ إلَى الْغَارِمِ إذَا تَابَ، وَجَوَازَ الدَّفْعِ لِلْمُسَافِرِ إذَا تَابَ. قَوْلُهُ (وَيُسْتَحَبُّ صَرْفُهَا فِي الْأَصْنَافِ كُلِّهَا) ؛ لِكُلِّ صِنْفٍ ثَمَنُهَا إنْ وُجِدَ، حَيْثُ وَجَبَ الْإِخْرَاجُ، فَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى إنْسَانٍ وَاحِدٍ أَجْزَأَهُ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: اخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ، وَالْقَاضِي، وَالْأَصْحَابُ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ، كَمَا لَوْ فَرَّقَهَا السَّاعِي، وَذَكَرَهُ الْمَجْدُ فِيهِ إجْمَاعًا، وَعَنْهُ يَجِبُ اسْتِيعَابُ الْأَصْنَافِ كُلِّهَا، اخْتَارَهَا. أَبُو بَكْرٍ، وَأَبُو الْخَطَّابِ، فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ: يَجِبُ الدَّفْعُ إلَى ثَلَاثَةٍ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ. عَلَى الصَّحِيحِ، إلَّا الْعَامِلَ. كَمَا جَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ هُنَا فِي الرِّوَايَةِ، وَعَنْهُ يُجْزِئُ وَاحِدٌ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ، اخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ فِي الِانْتِصَارِ، وَالْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يُمْكِنْ الِاسْتِغْرَاقُ حُمِلَ عَلَى الْجِنْسِ، وَكَالْعَامِلِ. مَعَ أَنَّهُ فِي الْآيَةِ بِلَفْظِ الْجَمْعِ، وَفِي " سَبِيلِ اللَّهِ، وَابْنِ السَّبِيلِ " لَا جَمْعَ فِيهِ، وَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَيْضًا: لَوْ دَفَعَ إلَى اثْنَيْنِ ضَمِنَ نَصِيبَ الثَّالِثِ، وَهَلْ يَضْمَنُ الثُّلُثَ، أَوْ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ؟ فَخَرَّجَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ وَجْهَيْنِ مِنْ الْأُضْحِيَّةِ. عَلَى
مَا يَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَحَكَاهُمَا ابْنُ رَجَبٍ فِي قَوَاعِدِهِ مِنْ غَيْرِ تَخْرِيجٍ، وَالصَّحِيحُ هُنَاكَ: أَنَّهُ يَضْمَنُ أَقَلَّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ عَلَى مَا يَأْتِي، وَقَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الثَّالِثَةِ " إلَّا الْعَامِلَ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وَاحِدًا " هَذَا الصَّحِيحُ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَنَصَّ عَلَيْهِ. اخْتَارَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى أَنَّهُ إنْ قُلْنَا مَا يَأْخُذُهُ أُجْرَةٌ: أَجْزَأَ عَامِلٌ وَاحِدٌ، وَإِلَّا فَلَا يُجْزِئُ وَاحِدٌ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، وَعَلَى الرِّوَايَةِ الثَّالِثَةِ أَيْضًا: إنْ حَرُمَ نَقْلُ الزَّكَاةِ كَفَى الْمَوْجُودُ مِنْ الْأَصْنَافِ الَّذِي بِبَلَدِهِ عَلَى الصَّحِيحِ، فَتُقَيَّدُ الرِّوَايَةُ بِذَلِكَ، وَقِيلَ: لَا يَكْفِي، وَعَلَيْهَا أَيْضًا: لَا تَجِبُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْأَصْنَافِ، كَتَفْضِيلِ بَعْضِ صِنْفٍ عَلَى بَعْضٍ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَقَالَ الْمَجْدُ: وَظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي بَكْرٍ: إعْطَاءُ الْعَامِلِ الثَّمَنَ، وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى وُجُوبِ التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمْ. فَوَائِدُ. إحْدَاهَا: يَسْقُطُ الْعَامِلُ إنْ فَرَّقَهَا رَبُّهَا بِنَفْسِهِ. الثَّانِيَةُ: مَنْ فِيهِ سَبَبَانِ مِثْلُ إنْ كَانَ فَقِيرًا غَارِمًا أَوْ غَازِيًا، وَنَحْوَ ذَلِكَ جَازَ أَنْ يُعْطَى بِهِمَا. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَقَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: جَازَ أَنْ يُعْطَى بِهِمَا، عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ يَعْنِي فِي الِاسْتِيعَابِ وَعَدَمِهِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعْطَى بِأَحَدِهِمَا لَا بِعَيْنِهِ لِاخْتِلَافِ أَحْكَامِهِمَا فِي الِاسْتِقْرَارِ وَعَدَمِهِ، وَقَدْ يَتَعَذَّرُ الِاسْتِيعَابُ، فَلَا يُعْلَمُ الْمُجْمَعُ عَلَيْهِ مِنْ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ، وَإِنْ أُعْطِيَ بِهِمَا وَعَيَّنَ لِكُلِّ سَبَبٍ قَدْرًا فَذَاكَ، وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ: كَانَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، وَتَظْهَرُ فَائِدَتُهُ لَوْ وَجَدَ مَا يُوجِبُ الرَّدَّ. الثَّالِثَةُ: قَوْلُهُ (وَيُسْتَحَبُّ صَرْفُهَا إلَى أَقَارِبِهِ الَّذِينَ لَا تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُمْ وَتَفْرِيقُهَا فِيهِمْ عَلَى قَدْرِ حَاجَتِهِمْ) ، وَهَذَا بِلَا نِزَاعٍ [وَقَدْ حَكَاهُ الْمَجْدُ إجْمَاعًا وَصَاحِبُ الْفُرُوعِ وِفَاقًا] لَكِنْ
يُسْتَحَبُّ تَقْدِيمُ الْأَقْرَبِ وَالْأَحْوَجِ، وَإِنْ كَانَ الْأَجْنَبِيُّ أَحْوَجَ أُعْطِيَ الْكُلَّ، وَلَمْ يُحَابِ بِهَا قَرِيبَهُ، وَالْجَارُ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ، وَالْقَرِيبُ أَوْلَى مِنْ الْجَارِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَيُقَدَّمُ الْعَالِمُ وَالدَّيِّنُ عَلَى ضِدِّهِمَا، وَإِذَا دَفَعَ رَبُّ الْمَالِ زَكَاتَهُ إلَى الْعَامِلِ، وَأَحْضَرَ مِنْ أَهْلِهِ مَنْ لَا تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ، لِيَدْفَعَ إلَيْهِمْ زَكَاتَهُ: دَفَعَهَا إلَيْهِمْ قَبْلَ خَلْطِهَا بِغَيْرِهَا، وَإِنْ خَلَطَهَا بِغَيْرِهَا: فَهُمْ كَغَيْرِهِمْ، وَلَا يُخْرِجُهُمْ مِنْهَا؛ لِأَنَّ فِيهَا مَا هُمْ بِهِ أَخَصُّ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ. قَوْلُهُ (وَيَجُوزُ لِلسَّيِّدِ دَفْعُ زَكَاتِهِ إلَى مُكَاتَبِهِ وَإِلَى غَرِيمِهِ) يَجُوزُ دَفْعُ زَكَاتِهِ إلَى مُكَاتَبِهِ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَصَحَّحُوهُ. قَالَ الْمَجْدُ: هَذَا أَشْهَرُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ، وَعَنْهُ لَا يَجُوزُ، اخْتَارَهَا الْقَاضِي فِي التَّعْلِيقِ وَالتَّخْرِيجِ. قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: هَذَا أَقْيَسُ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفَائِقِ، وَيَجُوزُ دَفْعُ زَكَاتِهِ إلَى غَرِيمِهِ. لِيَقْضِيَ دَيْنَهُ إذَا كَانَ غَيْرَ حِيلَةٍ، سَوَاءٌ دَفَعَهَا إلَيْهِ ابْتِدَاءً أَوْ اسْتَوْفَى حَقَّهُ، ثُمَّ دَفَعَ إلَيْهِ لِيَقْضِيَ دَيْنَ الْمُقْرَضِ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ إذَا لَمْ يَكُنْ حِيلَةً. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: إنْ أَرَادَ إحْيَاءَ مَالِهِ لَمْ يَجُزْ، وَقَالَ أَيْضًا: إذَا كَانَ حِيلَةً فَلَا يُعْجِبُنِي، وَقَالَ أَيْضًا: أَخَافُ أَنْ يَكُونَ حِيلَةً، فَلَا أَرَاهُ، وَنَقَلَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ أَرَادَ حِيلَةً لَمْ يَصْلُحْ، وَلَا يَجُوزُ، قَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ: يَعْنِي بِالْحِيلَةِ: أَنْ يُعْطِيَهُ بِشَرْطِ أَنْ يَرُدَّهَا عَلَيْهِ مِنْ دَيْنِهِ فَلَا يُجْزِئُهُ، وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ: أَنَّهُ حَصَلَ مِنْ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: أَنَّهُ إذَا قَصَدَ بِالدَّفْعِ إحْيَاءَ مَالِهِ أَوْ اسْتِيفَاءَ دَيْنِهِ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهَا لِلَّهِ فَلَا يَصْرِفُهَا إلَى نَفْعِهِ، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى: إنْ قَضَاهُ بِلَا شَرْطٍ: صَحَّ، كَمَا لَوْ قَضَى دَيْنَهُ بِشَيْءٍ. ثُمَّ دَفَعَهُ إلَيْهِ زَكَاةً
وَيُكْرَهُ حِيلَةً. انْتَهَى. قَالَ فِي الْفُرُوعِ. كَذَا قَالَ: وَتَبِعَ صَاحِبَ الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى فِي الْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَذَكَرَ أَبُو الْمَعَالِي: الصِّحَّةُ وِفَاقًا إلَّا بِشَرْطِ تَمْلِيكٍ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ، وَاخْتَارَ الْأَزَجِيُّ فِي النِّهَايَةِ الْإِجْزَاءَ؛ لِأَنَّ اشْتِرَاطَ الرَّدِّ لَا يَمْنَعُ التَّمْلِيكَ التَّامَّ؛ لِأَنَّ لَهُ الرَّدَّ مِنْ غَيْرِهِ، فَلَيْسَ مُسْتَحَقًّا. قَالَ: وَكَذَا الْكَلَامُ إنْ أَبْرَأَ الْمَدِينَ مُحْتَسِبًا مِنْ الزَّكَاةِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ، وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَيَجُوزُ دَفْعُ الزَّكَاةِ إلَى الْغَرِيمِ، نَصَّ عَلَيْهِ، فَإِنْ شَرَطَ عَلَيْهِ رَدَّ الزَّكَاةِ وَفَاءً فِي دَيْنِهِ لَمْ يُجْزِهِ. قَالَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ. قَالَ الْقَاضِي: وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ أَحْمَدَ " لَا يُعْجِبُنِي إذَا كَانَ حِيلَةً " ثُمَّ قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ إذَا دَفَعَ إلَيْهِ بِجِهَةِ الْغُرْمِ: لَمْ يَمْنَعْ الشَّرْطُ الْإِجْزَاءَ، وَإِنْ قَصَدَ بِدَفْعِهِ إلَيْهِ إحْيَاءَ مَالِهِ: لَمْ يُجْزِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ. قَالَهُ الْمُوَفَّقُ. ثُمَّ قَالَ: وَإِنْ رَدَّ الْغَرِيمُ إلَيْهِ مَا قَبَضَهُ قَضَى دَيْنَهُ فَلَهُ أَخْذُهُ. نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ فِيمَنْ دَفَعَ إلَى غَرِيمِهِ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ مِنْ الزَّكَاةِ. ثُمَّ قَبَضَهَا مِنْهُ وَفَاءً عَنْ دَيْنِهِ: لَا أَرَاهُ. أَخَافُ أَنْ يَكُونَ حِيلَةً. انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ تَمِيمٍ. فَائِدَتَانِ. إحْدَاهُمَا: لَوْ أَبْرَأَ رَبُّ الْمَالِ غَرِيمَهُ مِنْ دَيْنِهِ بِنِيَّةِ الزَّكَاةِ لَمْ يُجْزِهِ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ بِهِ أَكْثَرُهُمْ، سَوَاءٌ كَانَ الْمُخْرَجُ عَنْهُ عَيْنًا أَوْ دَيْنًا، وَاخْتَارَ الْأَزَجِيُّ فِي النِّهَايَةِ الْجَوَازَ. كَمَا تَقَدَّمَ، وَهُوَ تَوْجِيهُ احْتِمَالٍ وَتَخْرِيجٍ لِصَاحِبِ الْفُرُوعِ، وَقَالَ: بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ هَلْ هُوَ تَمْلِيكٌ أَمْ لَا؟ وَقِيلَ: يُجْزِئُهُ أَنْ يَسْقُطَ عَنْهُ قَدْرُ زَكَاةِ ذَلِكَ الدَّيْنِ مِنْهُ، وَيَكُونُ ذَلِكَ زَكَاةَ ذَلِكَ الدَّيْنِ. حَكَاهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَاخْتَارَهُ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ مُوَاسَاةٌ. الثَّانِيَةُ: لَا تَكْفِي الْحَوَالَةُ بِالزَّكَاةِ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. جَزَمَ بِهِ ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ وَغَيْرُهُمَا، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَذَكَرَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ: أَنَّ
الْحَوَالَةَ وَفَاءٌ، وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي انْتِقَالِ الْحَقِّ بِالْحَوَالَةِ: أَنَّ الْحَوَالَةَ بِمَنْزِلَةِ الْقَبْضِ، وَإِلَّا كَانَ بَيْعَ دَيْنٍ بِدَيْنٍ، وَذَكَرَ أَيْضًا إذَا حَلَفَ لَا يُفَارِقُهُ حَتَّى يَقْضِيَهُ حَقَّهُ فَأَحَالَهُ بِهِ، فَفَارَقَهُ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهُ قَدْ بَرِئَ: أَنَّهُ كَالنَّاسِي، وَتَقَدَّمَ بَعْضُ فُرُوعِ الْغَارِمِ فِي فَصْلِهِ. وَتَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الزَّكَاةِ إذَا أَحَالَهُ بِدَيْنِهِ: هَلْ يَكُونُ قَبْضًا؟ . عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ " وَمَنْ كَانَ لَهُ دَيْنٌ عَلَى مُسْلِمٍ مِنْ صَدَاقٍ أَوْ غَيْرِهِ ". قَوْلُهُ (وَلَا يَجُوزُ دَفْعُهَا إلَى كَافِرٍ) يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ الْمُؤَلَّفُ. كَمَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَأَمَّا الْعَامِلُ: فَقَدْ قَدَّمَ الْمُصَنِّفُ هُنَاكَ مِنْ شَرْطِهِ: أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا، وَكَلَامُهُ هُنَا مُوَافِقٌ لِذَلِكَ. وَتَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِيهِ هُنَاكَ، وَأَمَّا الْغَارِمُ لِذَاتِ الْبَيْنِ، وَالْغَازِي: فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الدَّفْعُ إلَيْهِمَا إذَا كَانَا كَافِرَيْنِ. قَالَهُ الْمُصَنِّفُ وَالْمَجْدُ وَغَيْرُهُمَا، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْفَائِقِ وَغَيْرِهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَجَزَمَ فِي الْمُذْهَبِ وَالْمُسْتَوْعِبِ بِالْجَوَازِ، قَالَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ: وَمَنْ حَرُمَتْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ بِمَا سَبَقَ فَلَهُ أَخْذُهَا لِغَزْوٍ وَتَأْلِيفٍ وَعِمَالَةٍ وَغُرْمٍ لِذَاتِ الْبَيْنِ، وَهَدِيَّةٍ مِمَّنْ أَخَذَهَا وَهُوَ مِنْ أَهْلِهَا، وَجَزَمَ ابْنُ تَمِيمٍ أَنَّهَا لَا تُدْفَعُ إلَى غَارِمٍ لِنَفْسِهِ كَافِرٍ، فَظَاهِرُهُ: يَجُوزُ لِذَاتِ الْبَيْنِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَعَلَّهُ ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ يَعْنِي بِهِ الْمُصَنِّفَ فَإِنَّهُ ذَكَرَ الْمَنْعَ فِي الْغَارِمِ لِنَفْسِهِ قَوْلُهُ (وَلَا إلَى عَبْدٍ) هَذَا الْمَذْهَبُ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ إلَّا مَا اسْتَثْنَى مِنْ كَوْنِهِ عَامِلًا. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَقَالَ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ وَغَيْرِهِمَا: وَمَنْ حَرُمَتْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ، مِنْ ذَوِي الْقُرْبَى وَغَيْرِهِمْ: فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا لِكَوْنِهِ غَازِيًا أَوْ عَامِلًا أَوْ مُؤَلَّفًا أَوْ لِإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ. تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ دَفْعُهَا إلَى عَبْدٍ، وَلَوْ كَانَ سَيِّدُهُ فَقِيرًا.
وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَقَالَ الْمَجْدُ فِي تَعْلِيلِ الْمَسْأَلَةِ: لِأَنَّ الدَّفْعَ إلَيْهِ دَفْعٌ إلَى سَيِّدِهِ؛ لِأَنَّهُ إنْ قُلْنَا: يَمْلِكُ فَلَهُ تَمَلُّكُهُ عَلَيْهِ، وَالزَّكَاةُ دَيْنٌ أَوْ أَمَانَةٌ، فَلَا يَدْفَعُهَا إلَى مَنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ الْمُسْتَحِقُّ. وَإِنْ كَانَ عَبْدَهُ، كَسَائِرِ الْحُقُوقِ، وَقَالَ الْقَاضِي فِي التَّعْلِيقِ، فِي بَابِ الْكِتَابَةِ: إذَا كَانَ الْعَبْدُ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَكَاتَبَهُ أَحَدُهُمَا يَجُوزُ، وَمَا قَبَضَهُ مِنْ الصَّدَقَاتِ فَنِصْفُهُ يُلَاقِي نِصْفَهُ الْمُكَاتَبَ فَيَجُوزُ، وَمَا يُلَاقِي نِصْفَ السَّيِّدِ الْآخَرِ، إنْ كَانَ فَقِيرًا: جَازَ فِي حِصَّتِهِ، وَإِنْ غَنِيًّا لَمْ يَجُزْ. انْتَهَى، قَالَ الْمَجْدُ: وَكَذَا إنْ كَاتَبَ بَعْضَ عَبْدِهِ، فَمَا أَخَذَهُ مِنْ الصَّدَقَةِ يَكُونُ لِلْحِصَّةِ الْمُكَاتَبَةِ مِنْهُ بِقَدْرِهَا، وَالْبَاقِي لِحِصَّةِ السَّيِّدِ مَعَ فَقْرِهِ. انْتَهَى، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ أَنَّ ذَلِكَ يُشْبِهُ دَفْعَ الزَّكَاةِ بِغَيْرِ إذْنِ الْمَدِينِ فِي فَصْلِ الْغَارِمِ، وَجَزَمَ غَيْرُ الْقَاضِي مِنْ الْأَصْحَابِ أَنَّ جَمِيعَ مَا يَأْخُذُهُ مَنْ بَعْضُهُ مُكَاتَبٌ يَكُونُ لَهُ؛ لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّهُ بِجُزْئِهِ الْمُكَاتَبِ، كَمَا لَوْ وَرِثَ بِجُزْئِهِ الْحُرِّ. فَائِدَةٌ: الْمُدَبَّرُ وَأُمُّ الْوَلَدِ وَالْمُعَلَّقُ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ كَالْعَبْدِ فِي عَدَمِ الْأَخْذِ مِنْ الزَّكَاةِ، وَأَمَّا مَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ: فَإِنَّهُ يَأْخُذُ مِنْ الزَّكَاةِ بِقَدْرِ حُرِّيَّتِهِ بِنِسْبَتِهِ مِنْ خَمْسِينَ أَوْ مِنْ كِفَايَتِهِ، عَلَى الْخِلَافِ الْمُتَقَدِّمِ أَوَّلَ الْبَابِ، فَمَنْ نِصْفُهُ حُرٌّ يَأْخُذُ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ أَوْ نِصْفَ كِفَايَتِهِ. قَوْلُهُ (وَلَا فَقِيرَةٌ لَهَا زَوْجٌ غَنِيٌّ) . هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَيَأْتِي قَرِيبًا فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: هَلْ يَجُوزُ دَفْعُهَا إلَى سَائِرِ مَنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ مِنْ أَقَارِبِهِ؟ . فَوَائِدُ. إحْدَاهَا: لَا يَجُوزُ دَفْعُهَا إلَى غَنِيٍّ بِنَفَقَةٍ لَازِمَةٍ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ، وَأَطْلَقَ فِي التَّرْغِيبِ وَالرِّعَايَةِ وَجْهَيْنِ، وَجَزَمَ فِي الْكَافِي بِجَوَازِ الْأَخْذِ. قَالَ الْمَجْدُ: لَا أَحْسَبُ مَا قَالَهُ إلَّا مُخَالِفًا لِلْإِجْمَاعِ فِي الْوَلَدِ الصَّغِيرِ.
الثَّانِيَةُ: هَلْ يَجُوزُ دَفْعُهَا إلَى غَنِيٍّ بِنَفَقَةٍ تَبَرَّعَ بِهَا قَرِيبُهُ أَوْ غَيْرُهُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَاخْتَارَ فِيهِمَا الْجَوَازَ، وَهُوَ الصَّوَابُ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. الثَّالِثَةُ: لَوْ تَعَذَّرَتْ النَّفَقَةُ مِنْ زَوْجٍ أَوْ قَرِيبٍ بِغَيْبَةٍ أَوْ امْتِنَاعٍ، أَوْ غَيْرِهِ: جَازَ أَخْذُ الزَّكَاةِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ. كَمَنْ غُصِبَ مَالُهُ، أَوْ تَعَطَّلَتْ مَنْفَعَةُ عَقَارِهِ. قَوْلُهُ (وَلَا الْوَالِدَانِ، وَإِنْ عَلَوْا، وَلَا الْوَلَدُ وَإِنْ سَفَلَ) . إنْ كَانَ الْوَالِدَانِ وَإِنْ عَلَوْا وَالْوَلَدُ وَإِنْ سَفَلَ فِي حَالِ وُجُوبِ نَفَقَتِهِمْ عَلَيْهِ: لَمْ يَجُزْ دَفْعُهَا إلَيْهِمْ إجْمَاعًا، وَإِنْ كَانُوا فِي حَالٍ لَا تَجِبُ نَفَقَتُهُمْ عَلَيْهِ، كَوَلَدِ الْبِنْتِ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ ذَكَرَ [كَمَا إذَا لَمْ يَتَّسِعْ لِلنَّفَقَةِ مَالُهُ] لَمْ يَجُزْ أَيْضًا دَفْعُهَا إلَيْهِمْ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. وَقِيلَ: يَجُوزُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ. اخْتَارَهُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ. وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَصَاحِبُ الْفَائِقِ، وَذَكَرَهُ الْمَجْدُ ظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي الْخَطَّابِ، وَأَطْلَقَ فِي الْوَاضِحِ فِي جَدٍّ وَابْنِ ابْنٍ مَحْجُوبَيْنِ وَجْهَيْنِ. فَائِدَةٌ: لَا يُعْطَى عَمُودِيٌّ نَسَبُهُ لِغُرْمٍ لِنَفْسِهِ وَلَا لِكِتَابَتِهِ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ، وَقِيلَ: يَجُوزُ. اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَلَا يُعْطَوْا لِكَوْنِهِمْ ابْنَ سَبِيلٍ، جَزَمَ بِهِ فِي التَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ وَهُوَ ظَاهِرُ مَا قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ، وَذَكَرَ الْمَجْدُ أَنَّهُ يُعْطَى، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَيَأْخُذُ لِكَوْنِهِ عَامِلًا وَمُؤَلَّفًا وَغَازِيًا وَغَارِمًا لِذَاتِ الْبَيْنِ، جَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ. وَالْحَاوِيَيْنِ وَغَيْرِهِمْ. قَوْلُهُ (وَلَا بَنِي هَاشِمٍ) هَذَا الْمَذْهَبُ مُطْلَقٌ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَكَالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إجْمَاعًا.
وَقِيلَ: يَجُوزُ إنْ مُنِعُوا الْخُمُسَ؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّ حَاجَةٍ وَضَرُورَةٍ، اخْتَارَهُ الْآجُرِّيُّ. قَالَ فِي الْفَائِقِ: وَقَالَ الْقَاضِي يَعْقُوبُ، وَأَبُو الْبَقَاءِ، وَأَبُو صَالِحٍ: إنْ مُنِعُوا الْخُمُسَ جَازَ. ذَكَرَهُ الصَّيْرَفِيُّ. انْتَهَى، وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَمَالَ شَيْخُنَا إلَى أَنَّهُمْ إنْ مُنِعُوا الْخُمُسَ أَخَذُوا الزَّكَاةَ، وَرُبَّمَا مَالَ إلَيْهِ أَبُو الْبَقَاءِ، وَقَالَ: إنَّهُ قَوْلُ الْقَاضِي يَعْقُوبَ مِنْ أَصْحَابِنَا. ذَكَرَهُ ابْنُ الصَّيْرَفِيِّ فِي مُنْتَخَبِ الْفُنُونِ، وَاخْتَارَهُ الْآجُرِّيُّ فِي كِتَابِ النَّصِيحَةِ. انْتَهَى. وَزَادَ ابْنُ رَجَبٍ عَلَى مَنْ سَمَّاهُمْ فِي الْفَائِقِ: نَصْرُ بْنُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ الْجِيلِيُّ. قُلْت: وَاخْتَارَهُ فِي الْحَاوِيَيْنِ، وَقَالَ جَامِعُ الِاخْتِيَارَاتِ: وَبَنُو هَاشِمٍ إذَا مُنِعُوا مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ جَازَ لَهُمْ الْأَخْذُ مِنْ الزَّكَاةِ، وَيَجُوزُ لَهُمْ الْأَخْذُ مِنْ زَكَاةِ الْهَاشِمِيِّينَ. انْتَهَى. فَتَلَخَّصَ جَوَازُ الْأَخْذِ لِبَنِي هَاشِمٍ إذَا مُنِعُوا مِنْ [خُمُسِ] الْخُمُسِ عِنْدَ الْقَاضِي يَعْقُوبَ، وَأَبِي الْبَقَاءِ، وَأَبِي صَالِحٍ، وَنَصْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ وَأَبِي طَالِبٍ الْبَصْرِيِّ، وَهُوَ صَاحِبُ الْحَاوِيَيْنِ. وَالشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ. تَنْبِيهٌ: تَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِي جَوَازِ كَوْنِ ذَوِي الْقُرْبَى عَامِلِينَ فِي فَصْلِهِ، وَلَمْ يَسْتَثْنِ جَمَاعَةٌ سِوَاهُ، وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ: أَنَّ بَنِي هَاشِمٍ يُعْطَوْنَ لِلْغَزْوِ وَالْعِمَالَةِ، وَأَنَّ الْأَصْحَابَ قَالُوا: يُعْطَى لِغُرْمِ نَفْسِهِ. ثُمَّ ذَكَرَ احْتِمَالًا بِعَدَمِ الْجَوَازِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ أَظْهَرُ. قُلْت: جَزَمَ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَغَيْرِهِمْ بِجَوَازِ أَخْذِ ذَوِي الْقُرْبَى مِنْ الزَّكَاةِ إذَا كَانُوا غُزَاةً، أَوْ عُمَّالًا أَوْ مُؤَلَّفِينَ، أَوْ غَارِمِينَ لِذَاتِ الْبَيْنِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: يَجُوزُ أَنْ يُعْطَوْا لِكَوْنِهِمْ غُزَاةً أَوْ غَارِمِينَ لِإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ. قَالَ الْقَاضِي: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُمْ يَأْخُذُونَ لِمَصْلَحَتِنَا لَا لِحَاجَتِهِمْ وَفَقْرِهِمْ. كَذَا قَالَ الْمَجْدُ، وَزَادَ: أَوْ مُؤَلَّفِهِ. فَائِدَةٌ: بَنُو هَاشِمٍ مَنْ كَانَ مِنْ سُلَالَةِ هَاشِمٍ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
وَذَكَرَهُ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ، وَجَزَمَ بِهِ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ وَغَيْرُهُ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، فَيَدْخُلُ فِيهِمْ آلُ الْعَبَّاسِ، وَآلُ عَلِيٍّ وَآلُ جَعْفَرٍ، وَآلُ عَقِيلٍ، وَآلُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَآلُ أَبِي لَهَبٍ، وَجَزَمَ فِي التَّلْخِيصِ وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: أَنَّ بَنِي هَاشِمٍ هُمْ آلُ الْعَبَّاسِ، وَآلُ عَلِيٍّ، وَآلُ جَعْفَرٍ، وَآلُ عَقِيلٍ، وَآلُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَلَمْ يُدْخِلَا أَبَا لَهَبٍ مَعَ كَوْنِهِ أَخَا الْعَبَّاسِ وَأَبِي طَالِبٍ قَوْلُهُ (وَلَا لِمَوَالِيهِمْ) . هَذَا الْمَذْهَبُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، وَأَوْمَأَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ يَعْقُوبَ إلَى الْجَوَازِ فَوَائِدُ. إحْدَاهَا: يَجُوزُ دَفْعُهَا إلَى مَوَالِي مَوَالِيهِمْ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَسُئِلَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ الْمَيْمُونِيِّ: مَوْلَى قُرَيْشٍ يَأْخُذُ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: مَا يُعْجِبُنِي. قِيلَ لَهُ: فَإِنْ كَانَ مَوْلَى مَوْلًى؟ قَالَ: هَذَا أَبْعَدُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَيَحْتَمِلُ التَّحْرِيمَ. الثَّانِيَةُ: يَجُوزُ دَفْعُهَا إلَى وَلَدِ هَاشِمِيَّةٍ مِنْ غَيْرِ هَاشِمِيٍّ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، اعْتِبَارًا بِالْأَبِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: يَجُوزُ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ، وَقَالَهُ الْقَاضِي فِي التَّعْلِيقِ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ التَّنْبِيهُ وَالشَّافِي: لَا يَجُوزُ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَتَيْنِ. وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَظَاهِرُ شَرْحِ الْمَجْدِ: الْإِطْلَاقُ. الثَّالِثَةُ: لَا يَحْرُمُ أَخْذُ الزَّكَاةِ عَلَى أَزْوَاجِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ظَاهِرِ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَالْأَصْحَابِ. قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي، وَتَبِعَهُ الشَّارِحُ فِي قَوْلِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - " إنَّا آلَ مُحَمَّدٍ لَا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ " هَذَا يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِهَا عَلَى أَزْوَاجِهِ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ، وَلَمْ يَذْكُرَا مَا يُخَالِفُهُ، وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ رَزِينٍ
فِي شَرْحِهِ، وَقَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: أَزْوَاجُهُ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ الْمُحَرَّمُ عَلَيْهِمْ الزَّكَاةُ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ. الثَّانِيَةُ: لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِنَّ. انْتَهَى. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: فِي تَحْرِيمِ الصَّدَقَةِ عَلَيْهِنَّ، وَكَوْنُهُنَّ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ رِوَايَتَانِ، أَصَحُّهُمَا: التَّحْرِيمُ، وَكَوْنُهُنَّ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ. قَوْلُهُ (وَيَجُوزُ لِبَنِي هَاشِمٍ الْأَخْذُ مِنْ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ، وَوَصَايَا الْفُقَرَاءِ) . هَذَا الْمَذْهَبُ نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَحَكَاهُ فِي الْفُرُوعِ إجْمَاعًا، وَنَقَلَ الْمَيْمُونِيُّ: أَنَّ التَّطَوُّعَ لَا يَحِلُّ لَهُمْ أَيْضًا. قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: فَيَكُونُ النَّذْرُ وَالْوَصِيَّةُ لِلْفُقَرَاءِ أَوْلَى بِالتَّحْرِيمِ، وَجَزَمَ فِي الرَّوْضَةِ بِتَحْرِيمِ أَخْذِ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ وَمَوَالِيهمْ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ. قَوْلُهُ (وَفِي النَّذْرِ) . يَعْنِي: يَجُوزُ لَهُمْ الْأَخْذُ مِنْ النَّذْرِ. كَصَدَقَةِ التَّطَوُّعِ وَوَصَايَا الْفُقَرَاءِ. وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَجَزَمَ بِهِ أَكْثَرُهُمْ، وَقَطَعَ فِي الرَّوْضَةِ بِتَحْرِيمِهِ أَيْضًا عَلَيْهِمْ. وَحَكَى فِي الْحَاوِيَيْنِ فِي جَوَازِ أَخْذِهِمْ مِنْ النُّذُورِ: وَجْهَيْنِ، وَأَطْلَقَهُمَا هُوَ وَصَاحِبُ تَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ. قَوْلُهُ (وَفِي الْكَفَّارَةِ: وَجْهَانِ) . قَالَ فِي الْهِدَايَةِ: وَيَتَخَرَّجُ فِي الْكَفَّارَةِ وَجْهَانِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالْخُلَاصَةِ، وَالْمُغْنِي، وَالْكَافِي، وَالْهَادِي، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالشَّرْحِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَالزَّرْكَشِيُّ. وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ. أَحَدُهُمَا: هِيَ كَالزَّكَاةِ، فَلَا يَجُوزُ لَهُمْ الْأَخْذُ مِنْهَا لِوُجُوبِهَا بِالشَّرْعِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ. صَحَّحَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَقَالَ: بَلْ هِيَ أَوْلَى مِنْ الزَّكَاةِ فِي الْمَنْعِ، وَهُوَ
ظَاهِرُ الْوَجِيزِ، فَإِنَّهُ قَالَ: وَلِلْهَاشِمِيِّ وَالْمُطَّلِبِيِّ الْأَخْذُ مِنْ الْوَصِيَّةِ، وَصَدَقَةِ التَّطَوُّعِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي: هِيَ كَصَدَقَةِ التَّطَوُّعِ، قَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ، وَصَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ. وَالنَّظْمِ. تَنْبِيهٌ: رَأَيْت فِي نُسْخَتَيْنِ عَلَيْهِمَا خَطُّ الْمُصَنِّفِ " وَيَجُوزُ لِبَنِي هَاشِمٍ الْأَخْذُ مِنْ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ، وَوَصَايَا الْفُقَرَاءِ، وَفِي النَّذْرِ وَجْهَانِ " بِغَيْرِ ذِكْرِ الْكَفَّارَةِ، وَأَيْضًا: وَإِطْلَاقُ الْخِلَافِ فِي النَّذْرِ، ثُمَّ أُصْلِحَ وَعُمِلَ كَمَا فِي الْأَصْلِ، وَهُوَ " وَيَجُوزُ لِبَنِي هَاشِمٍ الْأَخْذُ مِنْ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ، وَوَصَايَا الْفُقَرَاءِ وَالنَّذْرِ، وَفِي الْكَفَّارَةِ وَجْهَانِ " وَهُوَ الْأَلْيَقُ بِالْمَشْهُورِ بَيْنَ الْأَصْحَابِ، وَلَكِنْ قَدْ ذَكَرْنَا الْخِلَافَ فِي النَّذْرِ أَيْضًا فَائِدَةٌ: إذَا حَرُمَتْ الصَّدَقَةُ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ فَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِطَرِيقٍ أَوْلَى، وَنَقَلَهُ الْمَيْمُونِيُّ، وَإِنْ لَمْ تَحْرُمْ عَلَيْهِمْ فَهِيَ حَرَامٌ عَلَيْهِ أَيْضًا عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَى الصَّحِيحِ. قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقَالَ: اخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ، وَصَحَّحَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ. قَالَ فِي الْفَائِقِ: وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ. عَلَى أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ. وَنَقَلَ جَمَاعَةٌ عَنْ أَحْمَدَ: لَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَذَكَرَهَا ابْنُ الْبَنَّا وَجْهَيْنِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَشَرْحِ الْمَجْدِ، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ. قَوْلُهُ (وَهَلْ يَجُوزُ دَفْعُهَا إلَى سَائِرِ مَنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ مِنْ أَقَارِبِهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُغْنِي، وَالْكَافِي، وَالْهَادِي، وَالشَّرْحِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَالْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَالْمَذْهَبِ الْأَحْمَدِ. إحْدَاهُمَا: لَا يَجُوزُ دَفْعُهَا إلَيْهِمْ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، جَزَمَ بِهِ الْخِرَقِيُّ، وَصَاحِبُ الْمُبْهِجِ، وَالْإِيضَاحِ، وَعُقُودِ ابْنِ الْبَنَّا، وَالْعُمْدَةِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَالتَّسْهِيلِ، وَالْمُنْتَخَبِ
وَنَاظِمِ الْمُفْرَدَاتِ، وَهُوَ مِنْهَا، وَصَحَّحَهُ فِي التَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ [وَتَصْحِيحِ الْمُحَرَّرِ] وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي فِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ، وَالتَّعْلِيقِ. وَقَالَ: هَذِهِ الرِّوَايَةُ أَشْهَرُهُمَا. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هِيَ أَشْهَرُهُمَا، وَأَنَصُّهُمَا. قَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ: هِيَ الْأَظْهَرُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ. مِنْهُمْ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: يَجُوزُ دَفْعُهَا إلَيْهِمْ. نَقَلَهُمَا الْجَمَاعَةُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ. قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي، وَتَبِعَهُ الشَّارِحُ: هِيَ الظَّاهِرُ عَنْهُ. رَوَاهَا عَنْهُ الْجَمَاعَةُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَصَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ. قَالَ الْقَاضِي فِي التَّعْلِيقِ: يُمْكِنُ حَمْلُهَا عَلَى اخْتِلَافِ حَالَيْنِ، فَالْمَنْعُ إذَا كَانَتْ النَّفَقَةُ وَاجِبَةً، وَالْجَوَازُ إذَا لَمْ تَجِبْ، فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ: لَوْ دَفَعَهَا إلَيْهِ وَقَبِلَهَا، لَمْ تَلْزَمْهُ نَفَقَتُهُ لِاسْتِغْنَائِهِ بِهَا، وَالنَّفَقَةُ لَا تَجِبُ فِي الذِّمَّةِ، وَإِنْ لَمْ يَقْبَلْهَا وَطَالَبَهُ بِنَفَقَتِهِ الْوَاجِبَةِ أُجْبِرَ عَلَى دَفْعِهَا، وَلَا يُجْزِئُهُ فِي هَذِهِ الْحَالِ جَعْلُهَا زَكَاةً. تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: جَوَازُ دَفْعِهَا إلَى أَقَارِبِهِ الَّذِينَ لَا تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُمْ إذَا كَانَ يَرِثُهُمْ، وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَاتِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ. نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ، وَهُوَ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ " وَيُسْتَحَبُّ صَرْفُهَا إلَى أَقَارِبِهِ الَّذِينَ لَا يَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُمْ " وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي النَّظْمِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي. وَقَدَّمَهُ فِي الْخُلَاصَةِ، وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: جَازَ الدَّفْعُ إلَيْهِمْ، بِلَا نِزَاعٍ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ. مِنْهُمْ الْخِرَقِيُّ، وَالْقَاضِي، وَصَاحِبُ الْمُحَرَّرِ، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَا يَجُوزُ دَفْعُهَا إلَيْهِمْ. صَحَّحَهُ فِي التَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّوَايَةُ الثَّالِثَةُ: إنْ كَانَ يُمَوِّنُهُمْ عَادَةً: لَمْ يَجُزْ دَفْعُهَا إلَيْهِمْ، وَإِلَّا جَازَ. ذَكَرَهَا ابْنُ الزَّاغُونِيِّ.
فَوَائِدُ. الْأُولَى: لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا يَرِثُ الْآخَرَ، وَلَا يَرِثُهُ الْآخَرُ، كَعَمَّةٍ وَابْنِ أَخِيهَا، وَعَتِيقٍ وَمُعْتِقِهِ، وَأَخَوَيْنِ لِأَحَدِهِمَا ابْنٌ وَنَحْوُهُ. فَالْوَارِثُ مِنْهُمَا تَلْزَمُهُ النَّفَقَةُ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَالرِّوَايَتَيْنِ، عَلَى مَا يَأْتِي فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي بَابِ نَفَقَةِ الْأَقَارِبِ، فَعَلَيْهَا فِي جَوَازِ دَفْعِ الزَّكَاةِ إلَيْهِمْ: الْخِلَافُ الْمُتَقَدِّمُ، وَعَكْسُهُ الْآخَرُ ذَكَرَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَتَبِعَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ. الثَّانِيَةُ: يَجُوزُ دَفْعُهَا إلَى ذَوِي الْأَرْحَامِ، وَلَوْ وَرِثُوا. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَالرِّوَايَتَيْنِ. لِضَعْفِ قَرَابَتِهِمْ. قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَتَبِعَهُ الشَّارِحُ: هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ. وَعَنْهُ لَا يَجُوزُ دَفْعُهَا إلَيْهِمْ الثَّالِثَةُ: فِي الْإِرْثِ بِالرَّدِّ: الْخِلَافُ الْمُتَقَدِّمُ. قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ وَقَدَّمَهُ، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: يَجُوزُ. وَفِيهِ رِوَايَةٌ، وَتَقَدَّمَ إذَا كَانَ غَنِيًّا بِنَفَقَةٍ لَازِمَةٍ أَوْ تَبَرُّعٍ: هَلْ يَجُوزُ الدَّفْعُ إلَيْهِ؟ عِنْدَ قَوْلِهِ " وَلَا فَقِيرَةٌ لَهَا زَوْجٌ غَنِيٌّ؟ ". الرَّابِعَةُ: يَجُوزُ كَوْنُ قَرِيبِ الْمُزَكِّي عَامِلًا، وَيَأْخُذُ مِنْ زَكَاتِهِ بِلَا نِزَاعٍ جَزَمَ بِهِ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ. وَقَالَ الْمَجْدُ: لَا تَخْتَلِفُ الرِّوَايَةُ: أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَدْفَعَ إلَى أَقَارِبِهِ غَيْرَ النَّفَقَةِ الْوَاجِبَةِ عَلَيْهِ، إذَا كَانَ غَارِمًا أَوْ مُكَاتَبًا، أَوْ ابْنَ سَبِيلٍ. بِخِلَافِ عَمُودِيِّ نِسْبَةٍ لِقُوَّةِ الْقَرَابَةِ، وَجَعَلَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ: الْأَقَارِبَ كَعَمُودَيْ النَّسَبِ فِي الْإِعْطَاءِ لِغُرْمٍ وَكِتَابَةٍ لَا غَيْرُ عَلَى قَوْلٍ، فَقَالُوا وَقِيلَ: يُعْطَى عَمُودِيٌّ نَسَبُهُ وَبَقِيَّةُ أَقَارِبِهِ لِغُرْمٍ وَكِتَابَةٍ، وَأَطْلَقَ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ فِي الْحَاوِيَيْنِ، وَقَالَ فِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ: لَا يَدْفَعُ إلَى أَقَارِبِهِ مِنْ سَهْمِ الْغَارِمِينَ إذَا كَانُوا مِنْهُمْ. وَجَزَمَ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ: أَنَّهُ يُعْطِي قَرَابَتَهُ لِعِمَالَةٍ، وَتَأْلِيفٍ، وَغُرْمٍ لِذَاتِ الْبَيْنِ، وَغَزْوٍ، وَلَا يُعْطِي لِغَيْرِ ذَلِكَ.
الْخَامِسَةُ: لَوْ تَبَرَّعَ بِنَفَقِهِ قَرِيبٍ أَوْ يَتِيمٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَضَمَّهُ إلَى عِيَالِهِ: جَازَ لَهُ دَفْعُ الزَّكَاةِ إلَيْهِ. قَالَ الْمَجْدُ: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، وَالْقَاضِي، وَأَكْثَرِ الْأَصْحَابِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ. مِنْهُمْ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَنَقَلَ الْأَكْثَرُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ دَفْعُهَا إلَيْهِ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ فِي التَّنْبِيهِ، وَابْنُ أَبِي مُوسَى فِي الْإِرْشَادِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَشَرْحِ الْمَجْدِ. قَوْلُهُ (أَوْ إلَى الزَّوْجِ؟) . عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُبْهِجِ، وَالْإِيضَاحِ، وَعُقُودِ ابْنِ الْبَنَّا، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْكَافِي، وَالْهَادِي، وَالْمُغْنِي، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالشَّرْحِ، وَالنَّظْمِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ. . إحْدَاهُمَا: يَجُوزُ، وَهِيَ الْمَذْهَبُ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ، وَالْمُصَنِّفُ. قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ [وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّا لَمْ نَجِدْ الْمُصَنِّفَ اخْتَارَهُ فِي كُتُبِهِ، بَلْ الْمَجْزُومُ بِهِ فِي الْعُمْدَةِ خِلَافُ ذَلِكَ] قَالَ ابْنُ رَزِينٍ: هَذَا أَظْهَرُ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ. قَالَهُ شَيْخُنَا فِي تَصْحِيحِ الْمُحَرَّرِ، وَصَحَّحَهُ فِي الْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالتَّصْحِيحِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَقَدَّمَهُ فِي إدْرَاكِ الْغَايَةِ، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَا يَجُوزُ. قَالَ ابْنُ مُنَجَّى فِي شَرْحِهِ: هَذَا الْمَذْهَبُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْخِرَقِيِّ، وَالْعُمْدَةِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالتَّسْهِيلِ، وَصَحَّحَهُ فِي تَصْحِيحِ الْمُحَرَّرِ، وَقَالَ: اخْتَارَهُ الْقَاضِي فِي التَّعْلِيقِ. وَقَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ، وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَالْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَقَالَ: اخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَاخْتَارَهُ الْخَلَّالُ أَيْضًا، وَقَالَ: هَذَا الْقَوْلُ الَّذِي عَلَيْهِ أَحْمَدُ، رِوَايَةُ الْجَوَازِ قَوْلٌ قَدِيمٌ رَجَعَ عَنْهُ. فَائِدَةٌ: لَمْ يَسْتَثْنِ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ مِنْهُمْ الْمُصَنِّفُ هُنَا جَوَازَ أَخْذِ
الزَّوْجِ مِنْ الزَّوْجَةِ، وَأَخْذِهَا مِنْهُ لِسَبَبٍ مِنْ الْأَسْبَابِ غَيْرِ الْفَقْرِ وَالْمَسْكَنَةِ، فَلَا يَجُوزُ أَخْذُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِغَزْوٍ وَلَا لِكِتَابَةٍ، وَلَا لِقَضَاءِ دَيْنٍ [وَنَحْوِهِ. قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ: لَا يَجُوزُ أَخْذُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ الْآخَرِ لِقَضَاءِ دَيْنٍ وَلَا لِكِتَابَةٍ] ، وَقَالَ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ: يَجُوزُ الْأَخْذُ لِقَضَاءِ دَيْنٍ أَوْ كِتَابَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ نَفَقَةً وَاجِبَةً، كَعَمُودَيْ النَّسَبِ، وَأَمَّا الْأَخْذُ لِغَيْرِهِمَا: فَلَا يَجُوزُ قَوْلًا وَاحِدًا. قَوْلُهُ (أَوْ بَنِي الْمُطَّلِبِ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) . وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْمُغْنِي، وَالْكَافِي، وَالْهَادِي، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالشَّرْحِ، وَالنَّظْمِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ، وَالزَّرْكَشِيُّ [وَالْمَذْهَبُ الْأَحْمَدِ] . إحْدَاهُمَا: يَجُوزُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، وَالْمُصَنِّفِ فِي الْعُمْدَةِ، وَابْنِ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ. لِمَنْعِهِمْ بَنِي هَاشِمٍ وَمَوَالِيهِمْ، وَاقْتِصَارِهِمْ عَلَى ذَلِكَ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: اخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَصَاحِبُ الْمُحَرَّرِ، وَغَيْرُهُمْ، وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ الْبَنَّا فِي الْعُقُودِ، وَصَاحِبُ الْمُنَوِّرِ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَا يَجُوزُ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ، وَصَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ، وَتَصْحِيحِ الْمُحَرَّرِ، وَابْنِ مُنَجَّى فِي شَرْحِهِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُبْهِجِ، وَالْإِيضَاحِ، وَالْإِفَادَاتِ وَالْوَجِيزِ، وَالتَّسْهِيلِ، وَإِلَيْهِ مَيْلُ الزَّرْكَشِيّ. فَائِدَةٌ: قَالَ فِي الْفُرُوعِ لَمْ يَذْكُرْ الْأَصْحَابُ مَوَالِيَ بَنِي الْمُطَّلِبِ، قَالَ: وَيَتَوَجَّهُ أَنَّ مُرَادَ أَحْمَدَ وَالْأَصْحَابِ: أَنَّ حُكْمَهُمْ كَمَوَالِي بَنِي هَاشِمٍ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْخَبَرِ وَالْقِيَاسِ، وَسُئِلَ فِي رِوَايَةِ الْمَيْمُونِيِّ عَنْ مَوْلَى قُرَيْشٍ، يَأْخُذُ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: مَا يُعْجِبُنِي. قِيلَ لَهُ: فَإِنْ كَانَ مَوْلَى مَوْلًى؟ قَالَ: هَذَا أَبْعَدُ، فَيَحْتَمِلُ التَّحْرِيمَ. انْتَهَى كَلَامُ صَاحِبِ الْفُرُوعِ.
وَالظَّاهِرُ: أَنَّهُ تَابَعَ الْقَاضِيَ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي بَعْضِ كَلَامِهِ: لَا يَعْرِفُ فِيهِمْ رِوَايَةً، وَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ نَقُولَ فِيهِمْ مَا نَقُولُ فِي مَوَالِي بَنِي هَاشِمٍ. انْتَهَى. قُلْت: لَمْ يَطَّلِعْ صَاحِبُ الْفُرُوعِ عَلَى كَلَامِ الْقَاضِي وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَصْحَابِ فِي ذَلِكَ، فَقَدْ قَالَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، وَالْإِشَارَةِ، وَالْخِصَالِ لَهُ: تَحْرُمُ الصَّدَقَةُ الْمَفْرُوضَةُ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ، وَبَنِي الْمُطَّلِبِ، وَمَوَالِيهِمْ. كَذَا قَالَ فِي الْمُبْهِجِ، وَالْإِيضَاحِ، وَقَالَ فِي الْوَجِيزِ: وَلَا تُدْفَعُ إلَى هَاشِمِيٍّ وَمُطَّلِبِيٍّ وَمَوَالِيهِمَا. قَوْلُهُ (وَإِنْ دَفَعَهَا إلَى مَنْ لَا يَسْتَحِقُّهَا، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ، ثُمَّ عَلِمَ: لَمْ يُجْزِهِ إلَّا لِغَنِيٍّ إذَا ظَنَّهُ فَقِيرًا، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ) . اعْلَمْ أَنَّهُ إذَا دَفَعَهَا إلَى مَنْ لَا يَسْتَحِقُّهَا وَهُوَ لَا يَعْلَمُ ثُمَّ عَلِمَ فَتَارَةً يَكُونُ عَدَمُ اسْتِحْقَاقِهِ لِغِنَاهُ، وَتَارَةً يَكُونُ لِغَيْرِهِ، فَإِنْ كَانَ لِكُفْرِهِ أَوْ لِشَرَفِهِ أَوْ كَوْنِهِ عَبْدًا: فَجَزَمَ الْمُصَنِّفُ هُنَا: أَنَّهَا لَا تُجْزِئُهُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: لَمْ تُجْزِهِ فِي الْأَشْهَرِ. قَالَ صَاحِبُ الْمَذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ: لَمْ تُجْزِهِ رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْوَجِيزِ، وَالْفَائِقِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَقِيلَ: حُكْمُهُ حُكْمُ مَا لَوْ بَانَ غَنِيًّا، عَلَى مَا يَأْتِي قَرِيبًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ عَقِيلٍ فِي فُنُونِهِ، وَكَذَلِكَ ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، وَحَكَاهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ طَرِيقَتَيْنِ. وَأَطْلَقَهُمَا. قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ: فِيهِ طَرِيقَانِ. أَحَدُهُمَا: كَالْغَنِيِّ، وَالثَّانِي: لَا تُجْزِئُهُ قَطْعًا، فَعَلَى الْمَذْهَبِ: يَسْتَرِدُّهَا بِزِيَادَةٍ مُطْلَقًا. ذَكَرَهُ الْآجُرِّيُّ، وَأَبُو الْمَعَالِي، وَغَيْرُهُمَا، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْفُرُوعِ، وَإِنْ ظَهَرَ قَرِيبًا لِلْمُعْطِي، فَجَزَمَ الْمُصَنِّفُ هُنَا: أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ. هُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. قَالَهُ الْمَجْدُ، وَتَبِعَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَسَوَّى فِي الرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِيَيْنِ
بَيْنَ مَا إذَا بَانَ قَرِيبًا غَيْرَ عَمُودَيْ النَّسَبِ، وَبَيْنَ مَا إذَا بَانَ غَنِيًّا، وَأَطْلَقَ الرِّوَايَتَيْنِ وَالْمَنْصُوصُ: أَنَّهُ يُجْزِئُهُ إذَا بَانَ قَرِيبًا مُطْلَقًا. قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: هَذَا أَصْوَبُ عِنْدِي، لِخُرُوجِهَا عَنْ مِلْكِهِ إلَى مَنْ يَجُوزُ دَفْعُ زَكَاةِ سَائِرِ النَّاسِ إلَيْهِ، وَلِحَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ مَعْنٍ. انْتَهَى. قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ: فَإِنْ بَانَ نَسِيبًا فَطَرِيقَانِ. أَحَدُهُمَا: لَا يُجْزِئُهُ قَوْلًا وَاحِدًا، وَالثَّانِي: هُوَ كَمَا لَوْ بَانَ غَنِيًّا، وَالْمَنْصُوصُ هُنَا: الْإِجْزَاءُ؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ خَشْيَةُ الْمُحَابَاةِ، وَهُوَ مُنْتَفٍ مَعَ عَدَمِ الْعِلْمِ وَأَمَّا إذَا دَفَعَهَا إلَى غَنِيٍّ، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ. ثُمَّ عَلِمَ: فَأَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ فِي الْإِجْزَاءِ رِوَايَتَيْنِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْكَافِي، وَالْمُغْنِي، وَالْمُحَرَّرِ، وَالشَّرْحِ، وَالْفَائِقِ. إحْدَاهُمَا: يُجْزِئُهُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ: هَذَا الصَّحِيحُ، وَقَالَ فِي الْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ: هَذَا الْمَذْهَبُ. قَالَ الْمَجْدُ: اخْتَارَهُ أَصْحَابُنَا، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَا يُجْزِئُهُ، اخْتَارَهُ الْآجُرِّيُّ، وَالْمَجْدُ، وَغَيْرُهُمَا، فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ: يَرْجِعُ عَلَى الْغَنِيِّ بِهَا إنْ كَانَتْ بَاقِيَةً، وَإِنْ كَانَتْ تَلِفَتْ رَجَعَ بِقِيمَتِهَا يَوْمَ تَلَفِهَا إذَا عَلِمَ أَنَّهَا زَكَاةٌ، رِوَايَةً وَاحِدَةً. ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ. قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَلَا يَلْزَمُ إذَا دَفَعَ صَدَقَةَ تَطَوُّعٍ إلَى فَقِيرٍ، فَبَانَ غَنِيًّا؛ لِأَنَّ مَقْصِدَهُ فِي الزَّكَاةِ إبْرَاءُ الذِّمَّةِ، وَقَدْ بَطَلَ ذَلِكَ، فَيَمْلِكُ الرُّجُوعَ، وَالسَّبَبُ الَّذِي أَخْرَجَ لِأَجْلِهِ فِي التَّطَوُّعِ الثَّوَابُ وَلَمْ يَفُتْ، فَلَمْ يَمْلِكْ الرُّجُوعَ، وَسَبَقَ رِوَايَةُ مُهَنَّا فِي آخِرِ الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ عِنْدَ قَوْلِهِ " لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْمِسْكِينِ "، وَسَبَقَ كَلَامُ أَبِي الْخَطَّابِ وَغَيْرِهِ هُنَاكَ.
وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ أَنَّ كُلَّ زَكَاةٍ لَا تُجْزِئُ، وَإِنْ بَانَ الْآخِذُ غَنِيًّا، فَالْحُكْمُ فِي الرُّجُوعِ كَالزَّكَاةِ الْمُعَجَّلَةِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي آخِرِ الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَتَقَدَّمَ هُنَاكَ تَفَارِيعُ ذَلِكَ كُلِّهِ. فَوَائِدُ. إحْدَاهَا: لَوْ دَفَعَ الْإِمَامُ أَوْ السَّاعِي الزَّكَاةَ إلَى مَنْ يَظُنُّهُ أَهْلًا لِأَخْذِهَا، لَمْ يَضْمَنْ إذَا بَانَ غَنِيًّا. وَيَضْمَنُ فِي غَيْرِهِ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: هَذَا الْأَشْهَرُ. قَالَ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ: لَا يَضْمَنُ الْإِمَامُ إذَا بَانَ غَنِيًّا بِغَيْرِ خِلَافٍ. وَصَحَّحَهُ فِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ، وَجَزَمَ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ بِعَدَمِ الضَّمَانِ إذَا بَانَ غَنِيًّا، وَفِي غَيْرِهِ رِوَايَتَانِ انْتَهَى، وَعَنْهُ يَضْمَنُ فِي الْجَمِيعِ، قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَلَمْ يَذْكُرْ رِوَايَةَ التَّفْرِقَةِ وَتَابَعَهُ فِي الْحَاوِيَيْنِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ، وَعَنْهُ لَا يَضْمَنُ فِي الْجَمِيعِ، وَذَكَرَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: رِوَايَةَ التَّفْرِقَةِ، وَقَدَّمَ الضَّمَانَ مُطْلَقًا، وَأَطْلَقَهُنَّ ابْنُ تَمِيمٍ. الثَّانِيَةُ: لَا يَجُوزُ دَفْعُ الزَّكَاةِ إلَّا لِمَنْ يَظُنُّهُ مِنْ أَهْلِهَا، فَلَوْ لَمْ يَظُنَّهُ مِنْ أَهْلِهَا، فَدَفَعَهَا إلَيْهِ، ثُمَّ بَانَ مِنْ أَهْلِهَا: لَمْ تُجْزِهِ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ تَخْرِيجٌ مِنْ الصَّلَاةِ إذَا أَصَابَ الْقِبْلَةَ. الثَّالِثَةُ: الْكَفَّارَةُ كَالزَّكَاةِ، فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَحْكَامِ، وَمَنْ مَلَكَ فِيهِمَا الرُّجُوعَ مَلَكَهُ وَارِثُهُ. فَائِدَةٌ: قَوْلُهُ (وَالصَّدَقَةُ عَلَى ذِي الرَّحِمِ صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ) هَذَا بِلَا نِزَاعٍ، وَهِيَ أَفْضَلُ مِنْ الْعِتْقِ. نَقَلَهُ حَرْبٌ لِحَدِيثِ مَيْمُونَةَ، وَالْعِتْقُ أَفْضَلُ مِنْ الصَّدَقَةِ عَلَى الْأَجَانِبِ، إلَّا زَمَنَ الْغَلَاءِ وَالْحَاجَةِ. نَقَلَهُ بَكْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ
وَأَبُو دَاوُد، وَقَالَ الْحَلْوَانِيُّ فِي التَّبْصِرَةِ، وَصَاحِبُ الْحَاوِي الصَّغِيرِ: الْعِتْقُ أَحَبُّ الْقُرَبِ إلَى اللَّهِ. انْتَهَيَا. وَيَأْتِي ذَلِكَ أَوَّلَ كِتَابِ الْعِتْقِ. وَهَلْ الْحَجُّ أَفْضَلُ، أَمْ الصَّدَقَةُ مَعَ عَدَمِ الْحَاجَةِ، أَمْ مَعَ الْحَاجَةِ؟ وَعَلَى الْقَرِيبِ، أَمْ عَلَى الْقَرِيبِ مُطْلَقًا؟ فِيهِ أَرْبَعُ رِوَايَاتٍ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: الْحَجُّ أَفْضَلُ مِنْ الصَّدَقَةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ. انْتَهَى. قُلْت: الصَّدَقَةُ زَمَنَ الْمَجَاعَةِ لَا يَعْدِلُهَا شَيْءٌ. لَا سِيَّمَا الْجَارُ. خُصُوصًا الْقَرَابَةَ، وَقَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: وَصِيَّتُهُ بِالصَّدَقَةِ أَفْضَلُ مِنْ وَصِيَّتِهِ بِالْحَجِّ التَّطَوُّعِ، فَيُؤْخَذُ مِنْهُ: أَنَّ الصَّدَقَةَ أَفْضَلُ بِلَا حَاجَةٍ، فَيَبْقَى قَوْلٌ خَامِسٌ، وَفِي كِتَابِ الصَّفْوَةِ لِابْنِ الْجَوْزِيِّ: الصَّدَقَةُ أَفْضَلُ مِنْ الْحَجِّ وَمِنْ الْجِهَادِ، وَسَبَقَ فِي أَوَّلِ صَلَاةِ التَّطَوُّعِ: أَنَّ الْحَجَّ أَفْضَلُ مِنْ الْعِتْقِ، فَحَيْثُ قُدِّمَتْ الصَّدَقَةُ عَلَى الْحَجِّ، فَعَلَى الْعِتْقِ بِطَرِيقِ أَوْلَى، وَحَيْثُ قُدِّمَ الْعِتْقُ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَالْحَجُّ بِطَرِيقِ أَوْل