التحقيق والبيان في شرح البرهان في أصول الفقه

الأبياري، علي بن إسماعيل

خطبة الكتاب (الشرح)

بسم الله الرحمن الرحيم [و] صلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم الحمد لله ذي الجلال والإكرام، والآلاء العظام، والإفضال والإنعام، والعفو والانتقام. خالق الأعراض والأجرام، ومخترع الأشباح والأجسام. الموجود الذي لا أول لوجوده، إذ لو كان محدثا، لافتقر إلى

هل يجوز تعليق المدح والذم على الصفات المشتقة؟

محدث إلى غير أول، وذلك لا يتصور في الأوهام. فهو الباقي إلى غير نهاية، إذ ما يثبت له القدم، استحال عليه الانعدام. نبه العقول على قدرته باختراعه المخترعات على غير مثال وإمام. وأرشدها إلى علمه بعجائب مصنوعاته، بما فيه من الإتقان والإحكام، ودلها على إرادته المتعلقة بجميع المتجددات، من جهة تخصيصها مع تساويها بالتقدم والتأخر، والإيجاد

معنى حدوث الحوادث عند أهل الكلام

والإعدام، المنزه عن كل ما قام بالحوادث، فدل على حدثها، فلا تجوز عليه المماسة، والمباينة، والمجاوزة، والمكان والزمان، ولا الساعات والأيام. فهو الواحد في ذاته، فلا يقبل الانقسام. المخصوص بصفاته،

معنى الكسب عند الأشعرية والسلف

ليس كمثله شيء، وهو السميع العلام. المنفرد بخلق الخلائق وأعمالهم، فلا شريك له عند أهل الإسلام. خلق القدرة لعباده على بعض الأفعال التي اخترعها، فهي مقدورة لهم من غير تأثير له في خلقها، إذ يستحيل أن

معنى تعلق بصر الله تعالى بالموجودات

يتطرق إلى المتحد الانقسام. فلا يتصور خلق بين خالقين عند ذوي الأفهام. البصير الذي يتعلق بصره بجميع الموجودات، فلا يخفى عليه شيء

زيادة الصفات على الذات محل وفاق بين السلف والأشعرية

في الأرض ولا في السموات، وإن غلظ الحجاب، واشتد الظلام. السميع بسمع، محيط بالموجودات، فيسمع دبيب النمل على الصخرة في قعر البحر على الدوام. المتكلم بكلام قديم أزلي، قائم به، ليس بأصوات تتقطع، وحروف تتوالى، موصوفة بالتقدم والانصرام.

ملخص اعتقاد الأشعرية في الكلام الإلهي

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

بل كلامه واحد، [أمر] بالمأمورات، ونهي عن المنهيات، وخبر عن المخبرات، لا تتصور فيه حقيقة الاستفهام، إذ هو العالم بالمعلومات غير المتناهيات، فمن المحال من العالم الاستعلام. وخبره صدق، لا يتصور فيه كب، إذ يستحيل الكذب في كلام النفس على من يستحيل عليه الجهل والأوهام. وهذه الصفات قديمة، أزلية قائمة به، بدليل اتصافه بأحكامها على الدوام.

ويستحيل أن يكون محلا للحوادث، ثبت ذلك بواضح الأعلام. وهو المريد لجميع المتجددات، وأعمال العباد خيرها وشرها نفعها وضرها. فلا مانع له مما أراد، ولا معارض له فيما فعل من صحة وإسقام. لا جائز في صفاته، ولا واجب في أفعاله. فإن عفا فبفضله، وإن عذب

صفة الانتقام وثبوتها لله تعالى

فبعدله، لا للتشفي والانتقام. رحم عباده بإسقاط التكليف عنهم قبل ورود الأنبياء، وبعثة الرسل الكرام. ثم أرسل الرسل، وأيدهم بالمعجزات الظاهرة، دلالة على صدقهم فيما يبلغونه عن الملك العلام. بعث محمدا - صلى الله عليه وسلم -، بشيرا ونذيرا إلى الأحمر

والأسود، مبينا للأحكام، وموضحا للحلال والحرام، داعيا إلى الله بإذنه، بأوضح الدلائل والأعلام- وهو القرآن المجيد- فلا يشبهه شيء من الكلام. بل لو اجتمعت الإنس على أن يأتوا بسورة من مثله لعجزوا، مدى الدهور والأعوام، مشتمل على الفصاحة والجزالة، (2/ب) والبلاغة، قد تحيرت فيه عقول ذوي الأفهام. فيه نبأ من كان قبلنا من الأمم الخالية، والقرون البالية، على أكمل تفسير وأحسن نظام، عما سيكون من الأمور، فصودفت على حسب ما أخبر، من غير انقسام. والمخمن والمنجم لا تتفق له الإصابة في كل الأحكام، لا جرم انقادت العرب العاربة، وهم اللد الفصحاء، واللسن

حكم تعلم علم الأصول

البلغاء، واعترفت بالعجز، مع استبدادهم بفصيح الكلام. فأوضح الحجة، وأظهر المحجة، ودعا إلى شريعة الإسلام. وأمر بالصلاة والصدقة الصيام، وحث على الجهاد والحج وصلة الأرحام. وجاهد في الله حق جهاده حتى أمات الكفر وأبطل عبادة الأصنام. ونهى عن الظلم، والبغي والفواحش، وجميع الآثام. حتى انقاد الناس لحكم الله - عز وجل -، وترك التحاكم إلى الأزلام. وزهد في الدنيا قولا وفعلا، فإنها أشبه شيء بالأحلام. ورغب في الآخرة التي هي دار الدوام. صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأصهاره وأنصاره البررة الكرام. أما بعد، فإنه لا أهم بعد العلم بالله - عز وجل -، وصفاته ورسله، من أحكامه ليحصل الامتثال لأمره، والانكفاف عما نهى عنه. قال الله تعالى: {وما خلقت [الجن والإنس] إلا ليعبدون}. وقال تعالى: {قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني}. وقال: {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله}. فلا نجاة إلا بسلوك طريق الله - عز وجل -. والعلم هو الدليل على الطريق، وهو الميراث الذي ورثه الأنبياء، قال - صلى الله عليه وسلم -: (إن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، وإنما ورثوا العلم).

دوافع المؤلف في شرح كتاب البرهان

ولا تصح معرفة الفروع دون تحصيل علم الأصول. وقد رأيت كتاب الشيخ الإمام، إمام الحرمين رحمة الله عليه الملقب (بالبرهان)، من أحل ما صنف في أصول الفقه، لمكان مصنفه من العلم، وحرصه على التحقيق، ميله عن التقليد، وإضرابه عن التطويل والتكرير، وانصرافه عن الاستدلال عن الخيالات البعيدة، والاستدلالات الركيكة، مع فصاحة في اللفظ واختصار، واعتناء بالمعنى وعدم انتشار. فاستخرت الله تعالى في الاعتناء بشرحه، وحل ما أشكل من ألفاظه، وعسر من معانيه، مع الحرص على إيضاح الحق، والانحراف عن التعصب، مستعينا بالله - عز وجل -، متبرئا من الحول والقوة إلا بالله، وهو الموفق للصواب. قال الإمام رحمة الله عليه: (الحمد لله رب العالمين والصلاة) [على محمد خاتم النبيين]). قال الشيخ [- رضي الله عنه -]: الحمد: لفظة يراد بها الثناء

معنى لفظ الجلالة "الله"

بصفات الكمال ومحاسن الأمور والأفعال والأقوال. فقد يحمد الإنسان على الشجاعة والعلم والمعرفة، وإن كانت هذه الصفات مختصة به، قاصرة عليه. والشكر للمنعم بآلائه ونعمه، إنما يشكر على ما أولى من إحسانه. فالحمد أعم والشكر أخص. هذا هو الأمر المشهور عند أهل اللسان. وقد يوضع الحمد موضع الشكر، فيقال: حمدتك على ما صنعت إلي من خير، ولا يوضع الشكر موضع الحمد، فلا يقال: شكرتك على شجاعتك وغيرها. وعند أهل التصوف: يرجع الشكر إلى العمل، ويرجع الحمد إلى الثناء الجميل. وقد قال الله تعالى: {وقل الحمد لله}. وقال: {وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين}. (3/أ) وقال: {اعملوا آل داود شكرا}. فالشكر عندهم: صرف النعم إلى جهات يرضى بها المشكور المنعم. وقوله: (الله)، قد اختلف في أصل هذه الكلمة ومعناها. فذهب

اشتقاق اسم "الله"

[البصريون] إلى أن أصلها (لاه)، فزيدت (اللام) للتعريف ساكنة، فأدغمت اللام في اللام، فإن [ابتدئ] بها، اجتلبت همزة الوصل لها، وإن كان في حال التدرج سقطت. وقال أهل الكوفة: أصلها (إله) ثم ادخلت الألف واللام، فصار (الإلاه)، ثم حذفت الهمزة لكثرة الاستعمال، ثم أدغمت (اللام) في (اللام) فقيل: (الله). والقول الأول أصح لوجهين: أحدهما- لزوم [التمسك] [بهاء] الاسم عليه. وما ذكروه دعوى من غير دليل. الثاني- أنه قد سمع (لاه أبوك) بمعنى الله أبوك، فتحرك حرف الجر، وبقيت الكلمة على ما هي عليه. واختلف الناس في هذا الاسم، هل هو مشتق أو جامد؟ فذهب أكثر أهل العلم إلى أنه مشتق. ثم اختلفوا في اشتقاقه، فقال النضر بن شميل: هو من

التأله، وهو التعبد [والتنسك]. وقيل: هو من (الإلاه)، وهو الاعتماد، إذ الخلق معتمدون عليه. وقال أبو عمرو بن العلاء: هو من ألهت إلى الشيء، إذا تحيرت فيه. وقال المبرد: هو من قول العرب: ألهت إلى الشيء، إذا سكنت إليه. وقيل: هو من (الوله)، وهو فقدان العقل لفوات المحبوب، فأبدلت من (الواو) (همزة)، كما يقال: إشاح ووشاح. وقيل معناه: المحتجب، لأن العرب تقول: لاهت العروس، إذا احتجبت. وقيل: معناه المتعالي، ومنه قيل للشمس: [إلهة]. وقد قيل غير هذا. وهذه الأقاويل أجودها.

معنى "رب العالمين"، و "الصلاة على محمد"

وقوله: (رب العالمين)، أي خالق الخلق، وسيدهم، ومالكهم، والقائم بأمورهم. العالمين: جمع عالم، ولا واحد له من لفظه، كالرهط والناس، وقيل: إنه اسم للجمع. قاله النضر بن شميل. واختلفوا في مدلوله، فقيل: هم الملائكة، وقيل: هم [بنو] آدم، وقيل: هم الإنس والجن، وقيل: الروحانيون. قاله أبو عمرو بن العلاء. وهو معنى قول ابن عباس: كل ذي روح. وقال سفيان بن عيينة: هم الخلق أجمعون. وهذا قول أهل الكلام. وسبب الاختلاف أنه: هل أخذ من العلم أو العلامة؟ وقوله: (الصلاة على محمد)، الصلاة من الله الرحمة. ومحمد: اسم

موضوع أصول الفقه وحده واستمداده

دال على كثرة المحامد، ومذمم بخلافه. وخاتم النبيين: بعموم المعنى. قال الإمام: (حق على كل من يحاول الخوض في فن من فنون العلم) إلى قوله (حظ من العلم الجملي). قال الشيخ - رضي الله عنه -: الحق: خلاف الباطل. والحق بمعنى الثبوت، يقال: استحق عليه حقا، أي ثبت له ولزمه. أي لازم لكل من يحاول الخوض، يقال: حاولت الأمر، أي أردته. فعلى مريد علم من العلوم هذه الوظائف الثلاث، وهي: الإحاطة بالمقصود الذي يراد له الفن، لتجر الداعية إلى الطلب، غذ صرف الهمة لما لا يتعلق به غرض، لا يتأتى للعقلاء اعتيادا. عن، الباري سبحانه لا يقصد إلى الأمور، ولا يريدها لغرض، لاستحالة الغرض عليه. وقوله: (بالمواد التي منها يستمد ذلك الفن). المادة: زيادة متصلة.

إطلاقات الحد

قال الله تعالى: {والبحر يمده من بعده سبعة أبحر .. }. وقوله: (وبحقيقته وحده)، الحقيقة: لفظ مشترك، وقد يراد بها الذات، فيقال: حقيقة الشيء ونفسه وعينه بمعنى واحد. وقد يراد بها خلاف المجاز، وهي من أقسام الألفاظ، فيقال: اللفظ ينقسم (3/ب) إلى الحقيقة والمجاز. والمراد هنا بالحقيقة: الذات دون اللفظ. والضمير عائد على الفن، أي بحقيقة الفن، وليست هذه الإضافة إضافة الشيء إلى نفسه، فإن تلك ممنوعة، وهي كإضافة الأسماء إلى الكنى، والكنى إلى الأسماء، وذلك لا يسوغ عند أهل اللسان. نعم، الإضافة على وجهين: لفظية ومعنوية. فاللفظية في اللفظ دون المعنى، كالحسن الوجه، فلا تفيد تخصيصا ولا تعريفا. والإضافة المعنوية: [ما أفادت]

أحدهما، ثم هي على وجهين: إضافة الشيء لغيره، كغلام زيد، وسرج الدابة. وقد تكون كإضافة النوع إلى الجنس، كخاتم حديد، ونفس زيد، إذ لفظ الخاتم لا يختص بالحديد، ولا النفس بزيد، فأفادت الإضافة التخصيص. وقوله: (وحده). اعلم أن لفظ الحد ينطلق في اللغة على جهات: إذ يطلق على الحاجز بين شيئين. فيقال: بيني وبينه حد. وقد يطلق على منتهى الشيء، فحدود الدار منتهاها. ويطلق أيضا على المنع، ومنه تسمى المرأة حادا، لامتناعها من الزينة والأزواج. وحدود الشرع موانع من المحرمات. وسمي الحديد حديدا، لامتناعه لشدته. وسمي السجان حدادا، لمنعه من في السجن من الخروج. وهو في عرف العلماء: مشترك بين اللذات واللفظ، فيقال فيه على الوجه الأول: حد الشيء نفسه. وعلى الثاني: حد الشيء هو اللفظ المفسر لمعناه. ثم إنه أيضا على هذا الوجه مشترك بين [ثلاثة] أمور: فيطلق على اللفظ الحد، باعتبار دلالته على الأوصاف النفسية عند

مثبتي الأحوال، ولابد أن يكون دالا على جميع الأوصاف، وإن كانت ألفا، ولا [تبال] بالتطويل، حتى يكون السامع للحد متصور للمحدود، بحيث إذا رآه، لم يستفد معلوما جديدا، بل لا يتجدد له سوى الرؤية، ولكن يحترز من التكرار. وإذا كان اللفظ يدل على الشيء بطريق الضمن، فلا يذكر أولا صريحا، ثم يذكر ثانيا ضمنا، فيحصل التكرار. ومثاله: أن يقول في حد الشراب: إنه مسكر معتصر من العنب. ولا يقول: إنه جسم مائع. والأحسن أن يبدأ بالأعم ويختم بالأخص. فلا يقول: مسكر معتصر من العنب، بل العكس. والسبب فيه أنه لا يمكن معرفة الأخص مع الغفلة عن الأعم، فإذا ذكر الأخص أولا، تعذر الفهم حتى يذكر الأعم، ثم يفهم الأخص، [فيتراخى] الفهم عن الذكر، وليس كذلك إذا ذكر الأعم

أولا، فإن الفهم يساوق الذكرن فكان [أولى]. واعلم أن المقصود بالحد: الإرشاد إلى المحدود وإيضاحه، فلا يصح أن يأتي بالألفاظ المجملة من غير قرينة، لتعذر البيان، فأما إذا اقترنت قرينة معرفة، ففيه خلاف. والصحيح القبول، والأحسن الترك. ولا حاجة في الحد النفسي إلى ذكر الاطراد والانعكاس، والجمع والمنع، فإنه إذا [أتى] به على شرطه، لا يكون إلا كذلك. الاصطلاح الثاني: للحد باعتبار اللفظ: الحد الرسمي، والمقصود منه بيان من حيث الجملة، إما بذكر بعض صفات النفس المختصة، أو بذكر اللوازم والتوابع المشهورة، بحيث تكون مختصة به، ولا تثبت لغيره. والفرق بينه وبين الأول: أن هذا لا تتصور به الحقيقة في النفس، ولكن إذا صودفت عرف (4/أ) عندها المحدود. ولابد في هذا من شرط الجمع والمنع، والاطراد

والانعكاس. ونعني بالجمع: أنه لا يخرج من المحدود عن الحد شيء. وبالمنع: انه لا يدخل فيه غيره. ونعني بالاطراد: وجود كل واحد منهما مع وجود صاحبه. وبالانعكاس: انتفاؤه مع انتفائه. وهل الطر والعكس شرط في الحصة أو دليلها؟ فإن كان شرطا، لم يلزم من وجوده صحة الحد، ويلزم من الانتفاء الفساد. وإن كان دليل الصحة، لزم من الوجود الصحة، ولم يلزم من الانتفاء الفساد. والصحيح أنه شرط لا دليل. لأنا نجد حدودا مطردة منعكسة، ولا يحصل منها مقصد صحيح. وأما قول الأصوليين في المناظرة: عرفت صحته باطراده وانعكاسه، فهو

كلام متجوز به. وإنما اكتفى بذلك في المناظرة، من جهة أنه لا يمكن سواه، إذ الحدود لا تقتنص بالبرهان، إذ البرهان إنما يقام على الجملة الخبرية بعد معرفة مفرداتها، ثم تق النسبة القابلة للصدق والكذب، فتطلب البرهان. وأما الحد، فإنه وإن كان على صورة الجملة، فهو في التحقيق مفرد. مثاله: أنا إذا قلنا: الخمر شراب مسكر، فالشراب المسكر هو الخمر بعينه، ولم يعقل أولا خمرا ثم وصفناه بكونه شرابا مسكرا، بخلاف قولنا: زيد عالم، فإنا لما عقلنا زيدا، قضينا عليه بكونه عالما، فأمكن الصدق والكذب في

النسبة، فافتقر إلى البرهان. فلما لم تتصور إقامة الدليل على الحد، وأمكن أيضا من الحاد العبد الكثير، كان أقرب الطرق البيان بالاطراد والانعكاس، ويفوض إلى الخصم الاعتراض. الاصطلاح الثالث: لإطلاق الحد على اللفظ باعتبار كونه شارحا للفظ: وهو بمثابة قولنا: العلم معرفة. وهذا لا يتحصل منه بيان الحقيقة بأوصاف النفوس، ولا باللوازم، بل يكون المتكلم فهم عن السائل أنه فهم الحقيقة، وإنما جهل نسبة اللفظ إليها، فيبين له بلفظ واضح النسبة عند السائل، أن اللفظ المسؤول عن بيانه [وينسب] إلى ما ينسب إليه الآخر.

وشرطه: أن يكون اللفظ الثاني أوضح عند السائل من الأول. وقد يجوز باعتبار سائل غيره أن ينعكس الأمر في حقه، فيبين له بما سأل عن بيانه غيره. فإذا ثبت هذا، فقول الإمام: (بحقيقته وحده)، لم يرد بالحد الحقيقة لقوله: (إن أمكنت عبارة سديدة)، بل إنما أراد اللفظ باعتبار كونه يدل على الذات. وهذا أمر لا يحتاج إليه مريد الفن، لتصور المطلوب عند الإحاطة بالحقيقة، وإن لم يدر الطالب التحديد. ثم إنه هل يحد لنفسه، أو يطلب من غيره التحديد؟ فإن كان يحد لنفسه ليبين، فذلك محال، وإن طلب من غيره الحد ليتبين بعد درك الحقيقة، فهو أيضا باطل، إذ الحاصل لا

[يبتغي]. والظاهر أن هذا خلل في العبارة. والمراد- والله أعلم- وبحقيقته بحده، ملتمسا ذلك من غيره. فلم يرد الحد لعينه، وإنما أريد ليتصور السائل المحدود ليمكنه طلبه. ثم قال: (وإن [عسرت]، حاول المدرك بمسلك التقاسيم). والمدرك ههنا: اسم مصدر، كمالضرب، والمراد: حاول الدرك. وهذا الكلام قد تكرر من الإمام مرارا في غير موضع. ورأي أن التقسيم يتوصل به إلى درك الحقيقة. وهذا الكلام (4/ب) فيه نظر. فإن الشيء على ما ذكرناه، إنما

تتبين حقيقته بالوقوف على أوصافه النفسية. وسلب أمر عن أمر لا يبينه بوجه، إذ نفي الضد ليس بصفة لضده نفسية، ولا معنوية. ولو تصور إنسان لا يعرف البياض مثلا، ولا تصوره، وعرف كل لون سواه، لم يكن نفي الألوان في حقه كافيا في تصور البياض. نعم، إن انضبط المطلوب في النفس مع معان سواه، وحصلت الإحاطة بالجميع، والتبست نسبة الاسم إلى معين منها، وعرف الإنسان اسم ما سواه، كان التقسيم في هذه الصورة يفيد في معرفة التسمية. وسيأتي لهذا مزيد تقرير في مسألة حد العلم، إن شاء الله. وقد بينا أن الإحاطة بالمقصود لابد منها ليتأتى الطل اعتيادا. وأما تصور المطلوب في النفس، فشرط تصور الطلب عقلا. وأما تحصيل المواد، فقد يكون الاستمداد عقليا، وقد يكون عاديا، وسنتكلم على ذلك عند ذكر أصول الفقه. قال: (والغرض من ذلك أن يكون الإقدام على تعلمه مع حظ من العلم). قد بينا توقف الطلب على تصور المطلوب. فإن قيل: فإذا علمه، فكيف يتصور الطلب مع حصول العلم؟ قلنا: علم الجملة لا يمنع من علم

استمداد أصول الفقه

التفصيل، فإن من علم أن الفقه: هو العلم بالأحكام الشرعية، لم يصر بذلك فقيها، وكذلك من علم أن النحو: معرفة جهات كلام العرب، لم يكن بذلك نحويا، وكذلك من علم أن أصول الفقه: أدلته، لم يكن بذلك أصوليا. ثم قال: (والعلم الذي يحاول الخوض فيه) إلى قوله (وهو مستمد من الكلام والعربية والفقه). اعلم أن أصول الفقه يطلق لقبا، ويطلق مضافا على حد الإضافة. فإذا أطلق لقبا، كان عبارة عن فن من الفنون، مشتمل على جملة معلومات، وهي الأحكام الشرعية، وحقائقها وأقسامها، والمثمر لها، وهي أدلتها، وبيان أقسامها، وشرائط دلالتها، وهي كيفية الاستثمار من الأدلة، من جهة المنظوم والمفهوم، والمعنى المعقول، وعلى من له استنباط الأحكام من الأدلة. فهذا هو العلم المعبر عنه بأصول الفقه. وإذا أطلق مضافا، كان عبارة عن الأدلة خاصة. وهذا هو الذي أراده

تعريف الفقه

الإمام [ههنا]. وإذا كان هذا هو المراد، فلا يصح أن يكون الكلام مادة لأدلة الأحكام، فإنه قد فسر الكلام بأنه (معرفة العالم) إلى آخره. ولا يصح أن تكون هذه المعرفة مادة لأنفس هذه الأدلة، لصحة ثبوت الكتاب والسنة والإجماع في أنفسها، وإن لم يحصل [إلباس] بعلم الكلام. وكذلك العربية، كيف تكون مادة، والمادة زيادة متصلة، والكتاب والسنة من جملة العربية؟ والفقه أيضا لا يصح أن يكون مادة للأصول، إذ العلم بالأحكام إنما يتلقى منها. فلابد من تأويل في اللفظ. فالمراد: أن العلم بهذه الأدلة لا يحصل دون تقديم هذه المواد، على ما سنبين وجه ذلك. ثم قال: (فالكلام نعني به معرفة العالم، وأقسامه، [وحقيقته]،

[وحدثه]، والعلم بمحدثه، وما يجب له من الصفات، وما يستحيل عليه، وما يجوز في [حقه] والعلم بالنبوات، وتمييزها بالمعجزات عن دعاوى (5/أ) المبطلين، وأحكام النبوات، والقول فيما يجوز ويمتنع من كليات الشرائع). الفصل واضح، وفيه العلم بما يجب له من الصفات. يعني بالواجب [ههنا]: ما لو قدر عدمه لزم منه محال. وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلام على الواجب، واختلاف معانيه. وصفاته سبحانه وتعالى لا جائز فيها، إذ الجائز لا وجود له بنفسه، وهو مفتقر إلى من يوجده، فتحقق فيه حقيقة الحدث. والقديم سبحانه يستحيل أن

يكون محلا للحوادث، إذ لو قامت به لم يخل عنها، وما لا يعرى عن الحوادث حادث. ويستحيل عليه كل ما [يناقض] وصف القدم. وجميع أفعاله مما يجوز في حكمه، فلا تجب ولا تستحيل، ومن ذلك جواز بعثة الأنبياء وتأييدهم بالمعجزات. فإن ذلك يدرك من علم الكلام. وقوله: ([فيما] يجوز ويمتنع من كليات الشرائع). يمكن أن يريد به ما يتعلق بالتحسن والتقبيح، ونفي الواجبات عقلا، وما يتعلق بجواز نسخ الأحكام، وجواز تكليف المحال. وقوله: (ولا يندرج المطلوب من الكلام تحت حد). يعني بذلك المطلوب: الحد النفسي والرسمي دون اللفظي. فإن هذا الفن قد اشتمل على ذكر القديم والحادث، والصفة والموصوف، والنفي والإثبات، والعلم والاعتقاد، والبرهان والشبهة. وهذه الأمور لا يتصور أن تدخل تحت حقيقة.

جنس، ولا خاصة نوع، ولا يتصور أيضا أن تشترك في لوازم جامعة مانعة، لتنافيها وتنافي كثير منها، وتضاد بعضها. وأما الحد اللفظي، فلا يمتنع، إذ هو يرجع إلى تبديل الأسامي، وتعدد الألفاظ، كعلم الكلام، وأصول الدين، وقواعد العقائد، وغير ذلك من الألفاظ. وسيأتي الكلام على بقية الفصل، إن شاء الله تعالى. وأما المادة الثانية: وهي العربية، والعربية في العرف: عبارة عن معرفة النطق بالكلمات العربية، وإن لم يدر مدلولاتها. وهذا وإن كان يحتاج إليه، إلا أن الحاجة إليه قليلة، والحاجة إلى معرفة مدلولات الألفاظ في اللغة أهم من ذلك. وقد ذكره الإمام بعد ذلك فقال: ([ولن] يكون المرء على ثقة من هذا

الطرف حتى يكون محققا [في اللغة] والعربية]. وهذا التعداد أيضا إنما هو من جهة الاستعمال، وإلا باللغة تشتمل على معرفة المدلولات وكيفية النطق. وقد تقدم الكلام أن اللغة ليست مادة للأدلة، وإنما العلم على ثقة من هذا الطرف حتى بكون متحققا، مستقلا في [اللغة] العربية). ثم قال رحمه الله: (ومن مواد أصول الفقه؛ الفقه، فإنه مدلول الأصول، ولا يتصور درك الدليل دون درك المدلول). وقد بينا أيضا أن الفقه لا يصح أن يكون مادة للأدلة، إذ الفقه في غرضنا: هو العلم بالأحكام الشرعية، وذلك لا يتلقى إلا من الأدلة، فيكف يتصور أن يكون مادة لها؟ نعم، العلم بكونها أصول فقه، لا يتصور إلا إذا تصور الفقه. ويدل على ذلك أمران:

أحدهما- بالنظر إلى صناعة العربية. والثاني- بالنظر إلى البحث العقلي. (5/ب) فأما الأمر الأول: فهو أن المضاف إلى معرفة إضافة حقيقية، لابد أن [يتعرف] بها، وكذلك يشترط سلبه للتعريف إن كان معرفة، لتعذر أن يتعرف الاسم من وجهين مختلفين. فإذا اشترط في صحة الإضافة التنكير، لم تتعرف إلا على تقدير المضاف إليه. فغن لم يكن المضاف إليه معرفة، لم يتعرف المضاف، إلا أن النحوي يكتفي في التعريف بكون الفقه معرفة، وإن كان لا يدري معناه، والأصولي ينقل هذا الكلام بعينه إلى المعنى، ويقول: إن لم يكن الفقه متصورا عندنا، لم ندر خصوصية الدليل المرتبط به. وأما حصول العلم بثبوت الأحكام الشرعية، فلا يثمره إلا الأدلة، فلا يصح أن يكون مادة لها. قال: (ثم يكتفي الأصولي بأمثلة من الفقه يتمثل بها [في كليات من] أصول الفقه). أما الأمثلة، فغير محتاج إليها، وإن كان ذكرها معينا على

السلوك. ولكن لابد من تصور الأدلة في النفوس حتى تتقرر دلالتها، ومن أي جهة دلت. وإذا تصورت من جهة دلالتها، تصور مدلولها، وهذا القدر مكتفى به. ولما حكم بأن من مواد الأصول: الفقه، افتقر إلى حد الفقه فقال: (فإن قيل: فما الفقه؟ قلنا: هو في اصطلاح علماء الشريعة: العلم بأحكام التكليف). اعلم أن الفقه في اللغة: هو العلم مطلقا. يقال: فقهت الشيء وعلمته بمعنى واحد. قال الله تعالى: {فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا}. وقال: {وعلم آدم الأسماء كلها}. فسمى ذلك علما، ولكن صار بعرف العلماء- علم الشريعة- مخصوصا بعلم الأحكام الشرعية، حتى لا يطلق بحكم العادة اسم [الفقيه] على متكلم ونحوي ومفسر. وأما قول الإمام: (إنه العلم بأحكام التكليف)، فليس ذلك وضع

اللغة، ولا عرف الاستعمال. أما وضع اللغة، فقد بينا عمومه، وأما عرف الاستعمال، فلا يوافقه هذا من وجهين مختلفين: أحدهما: أن الإباحة ليست من التكليف عند المحقيين، ولا الندب والكراهة عند الإمام. والعلم بها من الفقه، فلم يجمع الحد. الثاني أن إضافة الإحكام إلى التكليف، ليست من قبيل إضافة الشيء إلى غيره، كغلام زيد، ولا من إضافة النوع إلى جنسه، كباب ساج، بل إضافة الجنس إلى نوعه، وليس ذلك بمعروف عند أهل اللغة، إلا أن يكون أطلق هذا على رأي الأستاذ الذي عد الإباحة من التكليف، فيكون لهذا وجه، والإمام ينكر هذا أشد الإنكار

الفرق بين الظن والعلم

ثم قال: (فإن قيل: فمعظم متضمن مسائل الشريعة ظنون. قلنا: ليست الظنون فقها، وإنما الفقه العلم بوجوب العمل عند قيام الظنون. ولذلك قال المحققون: أخبار الآحاد والأقسية لا توجب عملا، وإنما يجب العمل بما يجب به العلم بالعمل، وهي الأدلة القاطعة). في الكلام اختصار، ومقصد مورده الاعتراض على حد الفقه بالعلم بالأحكام الشرعية في العرف، فقال: كيف يقول ذلك، وأكثر مسائل الفقه مظنونة، وسموا فقهاء بسببها؟ فقال: إنما سموا فقهاء باعتبار (6/أ) ما عملوا، وإنما الظنون أمارات على حصول العلم بالأدلة القاطعة، وهو الإجماع المنعقد على وجوب العمل عند أخبار الآحاد وإجراء الأقيسة. فأقول: هذا كلام غامض، وموضع ملتبس، فلابد فيه من فضل تحقيق

فاعلم أن ظن الشيء والعلم به ضدان، فلا يتصور أن يكون الشيء مظنونا معلوما في وقت واحد، على وجه واحد. والمجتهد إذا ظن الحكم مستندا إلى خبر الواحد والقياس، كيف يصح أن ينتهض ظنه علامة على علم الحكم؟ وإنما يستديم الحكم، ما دام الظن قائما حتى لو زال ظنه بالصدق والإلحاق، لامتنع الحكم عليه. فلا يصح أن يكون استمرار ظن الحكم شرط دوام العلم به، فإن ذلك محال. نعم، يجوز أن يحصل ظن الاستواء في الجامع في باب القياس، أو ظن صدق العدل شرطا في العلم بالحكم ابتداء، ويرتبط استمراره باستمراره، ويجوز خلافه. فيكون ما ذكره الإمام في هذا المقام على القول بتصويب المجتهدين.

تعريف أصول الفقه

وأما على القول بان المصيب واحد، فلا يصح أن تجعل الظنون على الوجه المذكور شرطا في انتصاب الأدلة القاطعة. إذ لو كان كذلك، لقطع بتصويب المجتهدين. والذي نختاره خلاف ذلك. على ما سيأتي بيانه، إن شاء الله تعالى. فالصحيح عندنا في إطلاق اسم الفقيه في العرف على: من تجوز له الفتوى، إما لكونه مجتهدا، أو لمن يجوز له الفتوى من المقلدين. ثم قال: (فإن قيل: فما أصول الفقه؟ قلنا: هي أدلته، وأدلة الفقه هي

القواطع السمعية. وأقسامها: نص الكتاب، ونص السنة المتواترة، والإجماع، ومستند جميعها قول الله - عز وجل -، ومن هذه الجهة تستمد أصول الفقه من الكلام). قال الشيخ - رضي الله عنه -: قد ذكرت أن أصول الفقه قد تطلق لقبا، وقد تطلق مضافا. والإمام رحمه الله إنما أطلقه مضافا. وإذا كان كذلك، فلا يصح أن يكون الفقه مدلول القواطع السمعية لوجهين: أحدهما: أن الأدلة إنما باشرت الأحكام، فالأحكام هي المدلولات على الحقيقة. ومن أحاط بالدليل علم مدلوله. وقد اختلف المتكلمون في مسألة، وهي أنا إذا أقمنا دليلا على حدث العالم، فهل المدلول حدث العالم، أو العلم بحدث العالم؟ والصحيح أن المدلول الحدث، بدليل أن حدث الأكوان دال على حدث الجواهر، سواء نظر الناظرون أو لم ينظروا، لأن حد الدليل: هو الذي يتوصل بصحيح النظر فيه إلى علم ما لا يعلم في مستقر العادة اضطرارا. والنظر

الصحيح يتضمن العلم بالمدلول. الثاني: أن الناظر لو أخطأ جهة النظر في الدليل، لم يعلم الحكم، ولا يخرج الدليل عن كونه دليلا. فثبت بهذا أنها أدلة الأحكام، لا أدلة العلم بالأحكام. ومعنى قولنا أدلة الأحكام: أي أدلة نسبة الأحكام إلى أفعال المكلفين، إما على جهة إثبات أو نفي. إذ نفس الحكم باعتبار كونه مفردا لا يقبل الدليل. كما قررناه في امتناع إقامة الدليل على المفردات. نعم، إذا حصل النسبة، أمكن الصدق والكذب، فافتقر إلى دليل.

فأما إحدى النسبتين، وهي نسبة الإناث، فلا تتلقى إلا من الأدلة السمعية. فأما النسبة الأخرى، وهي نسبة النفي، فتتلقى من الأدلة السمعية، ولا تقتصر عليها. فإنا نعلم انتفاء الأحكام قبل ورود الشرع. كما سنقرره، إن شاء الله تعالى. وقوله: (وأقسامها: نص الكتاب، (6/ب) ونص السنة المتواترة، والإجماع). وقد اختلفت عبارات الأصوليين في هذا، فمنهم من لا يقيد هذا التقييد، ويذكر الكتاب والسنة والإجماع. وإذا قيل لهم: فالظواهر وأخبار الآحاد؟ فيقولون: إنما أردنا بذلك ما تحقق اشتمال الكتاب عليه، ولم نتحقق اشتمال الكتاب على الصورة المعينة من صور العموم. وكذلك يقولون في أخبار الآحاد: لم نتحقق كونه سنة. ومنهم من يقيد لإزالة هذا اللبس. ومنهم من يقول: ما دل على الحكم، ولو كان بوجه مظنون، ولو كان بوجه مظنون، فهو دليل. فهذا لا يفتقر إلى التقييد، فيعد من جملة الأدلة الظواهر وأخبار الآحاد. ويرى

أن الحكم استند إليهما. وهذا هو واللائق بمذهب من يقول المصيب واحد، ويظن الإصابة بناء على ظن الدليل. والإمام رحمه الله قيد في الدليلين الأولين، ولم يقيد في الإجماع، ويمكن أن يكون ترك التقييد فيه لأمرين: أحدهما- أن يكون جعل (الألف) و (اللام) في الإجماع للعهد، يعني والإجماع الذي هو حجة في عرف الأصوليين على شرطه. والعهد في الكتاب والسنة مفقود. الثاني- أن الشروط المعتبرة في كون الإجماع حجة كثيرة، لا يمكن ضبطها إلا بتفريغ المسائل وتمهيد الأبواب. والكلام يجمل في غير مقصوده، لاسيما إذا كان التفصيل يطول. وإنما قصر الأدلة على ثلاثة، لإخراجه (شرع من قبلنا) عن كونه حجة. وأما من يرى ذلك حجة، فلا تقتصر الأدلة عنده على ذلك. وهذا هو المختار عندنا. وقوله: (ومستمد جميعها قول الله - عز وجل -، ومن هذه الجهة تستمد أصول الفقه في الكلام). اعلم أنه لا حاكم إلا الله تعالى، وأما النبي والزوج والسيد والوالد وغيرهم، إذا أمروا أو أوجبوا، لم يجب شيء بإيجابهم، بل بإيجاب الله

مادة علم الكلام، هل هي شرط في نيل درجة الاجتهاد؟

تعالى طاعتهم، فلا حكم ولا أمر إلا الله تعالى: {ألا له الخلق والأمر}. وقول الرسول تستند إلى الأحكام، لأنه {وما ينطق عن الهوى. إن هو إلا وحي يوحى}. والإجماع إنما استند إلى قوله، إما لكونه يدل على نص بلغهم، أو بناء على أن الله عصمهم عن الخطأ في الأحكام، فيرجع الإجماع إلى قول الرسول، ويرجع وجوب ابتاع قول الرسول إلى قول الله - عز وجل -، فافتقر بذلك إلى إثبات قول الله - عز وجل -، وإثبات صدق الرسول بالمعجزة. وقد بينا أن الذي يستمد من ذلك ليس الأدلة، وإنما افتقر العالم بالأدلة إلى تقديم هذه المعرفة، ليصح كونه عالما بالأحكام على الحقيقة. وقد اختلف الأصوليون في هذه المادة، هل هي شرط في نيل درجة الاجتهاد، أو لا تشترط؟ فذهب أبو حامد الغزالي إلى أنها غير مشروطة في الأصل. ولكنها مشروطة في الإحاطة بالعلوم الدينية، وإلا فيتصور عنده أن يكون مجتهدا، وإن كان مقلدا في العقائد.

وذهب غيره من الأصوليين إلى الاشتراط، وهو الصحيح عندنا في حصول العلم بالحكم، فإنه لا سبيل إلى حصول العلم مترتبا على دليل لم يعلم بعض مقدماته. وإذا كان المستدل غير عالم ببعض مقدمات الدليل، أو غير عالم بما يترتب عليه، لم يتصور أن يكون عالما بالحكم. نعم، يصح أن يكون عالما بنسبة (7/أ) الفعل إلى الخطاب، وإن لم يعلم المخاطب. وإذا سمعنا نحن شعرا، علمنا مدلوله، وإن لم نعلم قائله. وهذا هو الذي أراده من نفى الاشتراط. والمشترط قصد أن تكون الأحكام معلومة، فلابد من تحصيل [علم] ما يترتب عليه. ثم قال: (فإن قيل: تفصيل أخبار الآحاد والأقيسة لا تلفى إلا في أصول الفقه، وليست قواطع. قلنا: حظ [الأصولي] إبانة القاطع في العمل عندها،

المعنى الكلي للأحكام الشرعية

ولكن لابد من ذكرها ليتبين المدلول ويرتبط الدليل به). وجه ورود السؤال أنه لما فسر أصول الفقه: بأنها القواطع في عرف الأصوليين، قيل له: هذه مذكورة في الأصول، وليست قواطع. فإن كانت من الأدلة، فلم يجمع الحد، فيكون مختلا، وإن لم تكن من الأدلة، فأي حاجة إلى ذكرها؟ فأجاب: بأنها ليست من الأدلة، ولكن الأصولي مفتقر إلى إقامة الدليل على وجوب العمل عندها، فإن لم يتصور حقائقها، تعذر الاستدلال عليها، فذكرت من هذه الجهة، لا لكونها أدلة. ثم قال: (فصل- قد ذكرنا أن الفقه: هو العلم بالأحكام الشرعية، ونحن الآن نذكر معنى الأحكام ذكرا [كليا]، ثم نفصلها بعد ذلك) إلى قوله (وليس لما يتعلق به قول قائل على جهة صفة حقيقية من ذلك القول.

وهو كتسميتنا الشيء معلوما، مع القطع بأنه ليس له من تعلق العلم به صفة حقيقية). أما قوله: ليس الحكم المضاف إلى متعلقه صفة، فالأمر على ذلك، ولكن لا يتبين بهذا الحكم، لا من جهة الجملة، ولا من جهة التفصيل، فإنا قد بينا أن سلب شيء عن شيء لا يبين حقيقته بوجه. وإذا لم يكن الحكم صفة في المحكوم فيه ثابتة، وج أن تبقى الذات التي [هي] متعلق الحكم بعد التعلق على ما كانت عليه من قبل. ولكن قصد بهذا الكلام بيان مخالفتنا للمعتزلة في رد الأحكام إلى صفات الأعيان. على ما سيأتي بيان

مذهبهم، إن شاء الله تعالى. نعم، قوله: إن الحكم يرجع إلى القول، هو بيان الحكم من أعم الوجوه، ولا يتحصل من ذلك ضبط جنس الحكم. ولم يذكر الإمام حد الجنس، لا في هذا المكان، ولا في غيره، مما سيأتي. وإنما تعرض بعد ذلك لحد التفاصيل. ولكن قد يؤخذ من حد التفصيل ضمنا حد الجنس، على ما سنبين، إن شاء الله تعالى. وقد اختلفت عبارات الأصوليين في حد الحكم، فقال قائلون: هو خطاب الشارع إذا تعلق بأفعال المكلفين. وفي ظاهر هذا الكلام ما يدل على تجدد التعلق، وهذا يلائم قول من يقول: إن الله تعالى ليس [آمرا] في الأزل،

وهو القلانسي، وأبو الحسن يأباه. وقال قائلون: هو خطاب الشارع المتعلق بأفعال المكلفين. وهذا لا يظهر فيه ما ظهر من الأول، لكن يلزم منه أن يكون قول الله تعالى: {وعصى آدم ربه فغوى} - إذا خوطبنا به- حكما. وقال قائلون: الحكم يرجع إلى تعلق الخطاب. ويرد عليه ما يرد على الأول. ولكن الفرق بين القولين: أن الأول رد الحكم إلى الخطاب المنسوب، والثاني رد الحكم إلى النسبة. والأول أصح. لأن الحكم يرجع إلى الأمر

الحكم الوضعي

والنهي (7/ب)، وهو القول على جهة مخصوصة. وسيأتي حده بعد ذلك. والصحيح في حده أنه: خطاب الشارع المتعلق بأفعال المكلفين على جهة ترجيح أو تخيير. وقولنا: بأفعال المكلفين، تجوز، فإنه لا يتعلق التكليف إلا بمعدوم يمكن حدوث. والمعدوم ليس بفعل على الحقيقة. وهذا التجوز مشهور عند أهل اللسان. وإن أردنا الاحتراز عن هذا، قلنا: هو خطاب الشارع للمخاطبين المتعلق بما يصح أن يكون فعلا على طريق ترجيح أو تخيير. فإن قيل: فقد عد الأصوليون من جملة الأحكام: وضع الأسباب والشروط، وليست متعلقة بما يصح أن يكون فعلا للمكلفين، كزوال الشمس

مسائل التحسين والتقبيح

وغيره. قلنا: هذا متجوز به، ولكن الأحكام ترتبط بما يصح أن يكون فعلا عند حصول هذه الشروط، فسمي نصبها حكما، من جهة ثبوت الأحكام عندها. وأما قوله: (وليس لما يتعلق به قول قائل على جهة مخصوصة صفة حقيقية من ذلك القول). فكلام واضح، غير مفتقر إلى شرح وإيضاح، ولذلك تعلق القول بما لا يقبل التأثير، كالواجب والمستحيل، فتعلق القول به كتعلق العلم. ثم قال: (ومن الأحكام: التحسين والتقبيح، وهما راجعان إلى الأمر والنهي، فلا يحسن شيء في علم الله تعالى لعينه، ولا يقبح شيء لعينه). اعلم أن هذه النسبة لا يرجع عندهم التحسين والتقبيح إلى صفات الأفعال بوجه. وإنما يرجع ذلك إلى النسب والإضافات. فقد يحسن شيء بالإضافة إلى زيد، وهو بعينه قبيح بالإضافة إلى عمرو. والاصطلاح في ذلك يختلف بحسب الإضافة، وهي على ثلاثة أوجه:

إطلاقات الحسن والقبح

الأول: وهو المشهور العام: إطلاقه بإزاء الأغراض، وميل الطباع ونفرتها، فيقال على ما يميل الطبع إليه وتستريح إليه النفس: إنه حسن، وعلى عكسه: غنه قبيح. وقد تميل نفس زيد إلى ما تنفر عنه نفس عمرو، كالألوان والأشكال، فمن مال طبعه إلى صورة أو صوت استحسنه، وقضى بحسنه، ومن نفر طبعه عنه استقبحه. وليس ذلك راجعا إلى الذات، بل إلى الإضافة. ولو قيل: هل هذا عند الله حسن أو قبيح؟ قلنا: هو عند الله حسن باعتبار زيد، وقبيح باعتبار عمرو. ومن أطلق لفظ الحسن والقبيح بهذا الاعتبار، لم يمنع الإطلاق. الثاني: إطلاق لفظ الحسن على ما ورد الشرع بالثناء على فاعله، فيكون فعل الله تعالى، حسنا، وافق الغرض أو خالف، لثنائه على فاعله، ويكن المأمور به من الشرع جسنا، سواء كان واجبا أو ندبا، ولا يكون المباح حسنا. الثالث: إطلاق الحسن على: ما لفاعله أن يفعله، وإن لم يكن مطلوبا، فيكون فعل الله تعالى حسنا، ويكون المباح على هذا حسنا، ولا يكون المنهي عنه حسنا. والإمام إنما اختار هذا الثالث، وهو المشهور عند العلماء، ولا سبيل إلى منع القسمين الآخرين.

وقد قال الكعبي: إن المباح حسن بالاعتبار الثالث، وهو غلط، على ما سيأتي، إن شاء الله تعالى.

ثم قال: (وقسمت المعتزلة الأفعال قسمين: فقالوا: يثبت حكم القبح (8/أ) والحسن في أحدهما، مستدركا بالعقول، غير متوقف على ورود الأمر والنهي، ثم قسموا هذا القسم قسمين) إلى قوله (فإنا ندرك بمبادئ العقول أنه لا يجوز في استمرار العرف مخالفة الجم الغفير فيه). قال الشيخ أيده الله: نقل المذاهب صحيح. والفرق بين ما يدرك ضرورة ونظرا، أن ما ظهرت مصلحته، ولم تقابله مفسدة، علم حسنه ضرورة، وما علمت مفسدته، ولم تقابله مصلحة، علم قبحه ضرورة. وإنما ينشأ النظر عند اختلاف الجهتين في المعارضة، كالكذب المفيد والصدق المضر.

وأما اختلاف النقلة في الحسن والقبح، هل هما وصفان نفسيان أم لا؟ فيفتقر إلى بيان أقسام الصفات عند المعتزلة. فالصفات التي لا ترجع إلى السلب تنقسم إلى: معللة وإلى غير معللة. وما ليست بمعللة تنقسم إلى:

ما يقال إنها صفة النفس، وإلى ما ليست كذلك. والتي ليست كذلك تنقسم إلى: ما يقتضي مقتضيا تستند إليه، وإلى ما لا يقتضي ذلك. وهذا الأخير قد سمي التابع للحدوث. وهذا التقسيم إنما يصح عند إطلاق الصفة على الحكم، وفي ذلك تنازع. فمن الأصوليين من يطلق الصفات على الأحكام، ومنهم من يطلق الصفات على المعاني. والتقسيم إنما يصح على هذا التفسير. فمثال الصفات المعللة: الأحكام الثابتة للذوات بمعاني قائمة بها.

ككونه قادرا وعالما ومريدا، إلى ما يضاهي ذلك. وأما صفات النفس عند المعتزلة الثابتة للذوات عدما ووجودا، فككون الجوهر جوهرا، والعرض عرضا. وكذلك القول في جميع الأوصاف التي قضوا بثبوتها في العدم. وأما الصفات المتعلقة بالمقتضيات، كالحدوث والتخصيص والإحكام، فالذي يقتضي الحدوث القدرة، والذي يقتضي الإحكام العلم، والذي يقتضي التخصيص الإرادة. وأما الصفات التابعة للحدوث، فكتحيز الجوهر، وقيام العرض بالمحل. إلى ما يضاهي ذلك. فمن النقلة من جعله من قبيل كون الجوهر جوهرا، ومنهم من جعله من قبيل تحيز الجواهر. ولا ذاهب يذهب إلى تنزيل الصفات من الحسن والقبح منزلة التخصيص والإحكام والحدوث.

والصحيح أن الحسن والقبح لا يكون وصفا نفسيا، لأنه لا يقضى على الفعل بالحسن والقبح في الأزل، فامتنع لذلك أن يكون من الأوصاف النفسية. وقول الإمام: (كل ذلك جهدا بمذهبهم، فمعنى قولهم: يقبح الشيء أو يحسن لعينه، فإن ذلك يدرك منه عقلا من غير إخبار مخبر). ليس في هذا الكلام مذهب من المذاهب، و [لا] الإرشاد إلى جهة مخصوصة، إلا أن يكون المراد بذلك التعرض لإظهار الخلاف بيننا وبينهم، فإنا نقول: يفتقر في التحسين والتقبيح إلى ورود الشرع، والمعتزلة [تقول: ] لا تفتقر إلى ذلك

في بعض الصفات. فأما تعميم القول بأن المعنى أنه يدرك عقلا من غير إخبار مخبر، فلا يصح، لقضاء المعتزلة بأن بعض هذه الأوصاف لا تدرك (8/ب) إلا شرعا، إلا أن يريد أنه إذا ورد الشرع بذلك كان مخبرا لا مبتدأ لشر الحكم. والعبارة لا تحتمل ذلك. ورد القاضي رحمه الله في مسلكه الأول صحيح. والأمر الذي يدرك

بمبادئ العقول، لا يجوز في مطرد العرف مخالفة الجم الغفير فيه. أما الضروري المحض الذي نفس العقل كاف في الإدراك فيه، فلا يصح أن يجهله بعض العقلاء. وهل تعذر جهله عقلي أو عادي؟ أما من ذهب إلى أن العقل علوم ضرورية، فيحيل أن يجهل العاقل هذه العلوم عقلا، لأنها نفس العقل، فكيف يكون عاقلا من لا عقل له؟ وأما من ذهب إلى أن العقل صفة يتأتى بها درك العلوم، وليست منها، فيجوز أن يخلق الله لشخص تلك الصفة، وإن لم يخلق له العلوم الضرورية، لأن تلك الصفة واقعة في باب الشروط دون العلل، فيصح وجدان الشرط دون المشروط، وإن لم يتصور وجدان المشروط دون الشرط.

وإذا ثبت أنه لابد من اشتراك جميع العقلاء في العلوم، إما عقلا وإما اعتياديا، فالمخالفة من العقلاء إنما تكون باللسان دون القلب، فيكون ذلك [تواطؤ] على الكذب، والكثرة تحيل التواطؤ اعتيادا. على ما سنبينه في أبواب التواتر. وإن تصور كذب وتواطؤ في الأخبار المتواترة، فذلك عند حامل يحمل عليه، وملجئ يلجئ إليه، ولكن لابد من ظهور القضية بعد زوال الحامل. والأشعريون زائدون على عدد التواتر أضعافا مضاعفة، وهم مصرون على المخالفة، مستمرون عليها على مر الآباد من غير نكر وعناد، فبطل بذلك ادعاء العلم الضروري. فإن فيل: فكما استحال أن يتواطأ العقلاء الجم الغفير على الكتمان، فكذلك يستحيل أن يخبروا بخلاف ما يضمرون. ونحن أيضا الجم الغفير، والعدد الكثير، وقد أخبرنا عن العلم الضروري أنه قام بنا بحسن بعض الأشياء وقبح بعضها، ولم يستند على نظر حتى يصح الغلط فيه، فلنكن صادقين فيما أخبرنا به عن أنفسنا من العلم الضروري. قلنا: قد بينا استحالة كونه ضروريا بما فيه مقنع وكفاية.

وأما ما ذكرتموه، فوهم وخيال، وذلك أنا لم ننسب المعتزلة إلى التواطؤ على الكذب والكتمان، وإظهار خلاف ما أضمروا، فإن ذلك هو الذي قررنا استحالته. وإنما جاءهم الغلط من جهة كون الاعتقاد علما. والعادة لا تؤمن من الغلط في ذلك. وهذه الوهميات قد تصادف في النفس كالأوليات، ولا يشعر الإنسان بوقت حصولها، ولا يشعر باكتسابها، فتنغرس في النفس حكمها، ويفتقر العاقل إلى التصديق بها مطلقا. فلا تفارق الأوليات العقلية، إلا أن الأوليات لا يتصور التشكك فيها، وإن حصل إصغاء، وهذه يمكن التشكك فيها. فإن الصغير يلقى إليه منذ الصبا تقبيح بعض هذه الصور وتحسين بعضها، ويستمر عليه دهرا، فيجد التصديق به، فيعتقده ضروريا، وهو وهمي. فهذا سبب الغلط. وأما تعمد الكذب فمحال، مع الكثرة وطول الزمان وانتفاء الإيالات الحاملة. (9/أ). ثم قال القاضي - رضي الله عنه -: (وإنما منشأ الخلاف في النظريات) إلى قوله (بطل النظر المستند إليه). قال الشيخ - رضي الله عنه -: قد اختلف الناس في جواز الاتفاق على النظري العقلي في الاعتياد، هل وقع ذلك أم لا؟ وأما التجويز العقلي، فلا

ذاهب إلى منعه، إذ هو من قبيل الممكنات، والقدرة الأولية ليست قاصرة عنه. وقد وضح ذلك من بعض العقلاء مع الاستواء في قبول خلق العلم، وما جاز على أحد المثلين، جاز على مثله. أما الوقوع، فقد قال أبو حامد الغزالي: (يجوز الاتفاق على ما ليس بضروري- يعني في العادة- قال: وقد اتفق العلماء على إثبات الصانع وجواز بعثة الأنبياء، ولم يخالف إلا الشواذ). فهذه منه غفلة عظيمة، وقد رد على نفسه بقوله: (لم يخالف إلا الشواذ). فقد صرح بامتناع الاتفاق من الجميع وقوعا، والقاضي لم يحل اتفاق الكثير، وإنما منع اتفاق الكافة، والأمر على ما قاله رحمه الله. ونقل [مصنفو] المقالات اتفاق العقلاء [على] استحالة عدم القديم. وجعل ذلك حجة على الاتفاق على النظري. وهذا أيضا غلط. والذين اتفقوا على هاذ إنما هم أرباب النظر. وفي الخلق من لم يخطر بباله هذا، وليس من أهل النظر، وإنما حصل الاتفاق من البعض. وقول الإمام: (ثم إذا ظهر النزاع في الأصل، وظهر بطلان دعوى الضرورة، بطل النظر المستند إليه). وهذا الكلام مقنع في الجدال، وأما في

التحقيق، فغير مفيد إلا على تقدير، وهو أن لا يكون للتقبيح والتحسين مستند إلا هذا الطريق. وأما إذا أمكن غيره، لم يحصل العلم بالنفي بإبطال طريق معين. ولكن نحن قد بينا أنهما لا يرجعان إلى الصفات على التحقيق، وإنما يغني الجواب عن شبه الخصوم. وهذا الكلام مقنع في الجواب. قال الإمام رحمه الله: (فإن قالوا: أنتم [توافقوننا] في التقبيح ما نقبحه وتحسين ما نحسنه) إلى قوله (بضرورة العقل). قال الشيخ: غرض المعتزلة بهذا الكلام أنه قد يقع الاتفاق على الحكم، وإن وقع الخلاف في الطريق، ولم تمكنهم المنازعة في أن الضروري يمتنع الخلاف فيه من الجم الغفير، ولم تمكنهم المنازعة في مخالفتنا إياهم مع الكثرة، أن هذه القضية إذا ثبتت، منعت

من دعوى الضرورة، فقصدوا دفعا لسؤال بصرف الخلاف إلى المأخذ. قالوا: والذي يقدح في دعوى الضرورة المخالفة في العلم، لا في الطريق. واحتجوا على ذلك: بأن أهل النظر متفقون على أن الخرم التواتر يحصل العلم، ثم تنازعوا، هل هو ضروري أو نظري، ولم يقدح في حصول العلم؟ فقدر القاضي عليهم: أنا خالفنا في نفس المعرفة. وبيان ذلك: أن القبيح عند المعتزلة ينقسم إلى ما يقبح من غير شرط، كالظلم والكذب والكفران والجهل، وإلى ما يقبح مشروطا كالإيلام. وإنما حملهم على ذلك أمران: أحدهما- أنهم مطبقون على أن الله تعالى لا يفعل قبيحا، ولم يمكنهم أن يناكروا في أن الله تعالى [آلم] بعض الخلق، بل كلهم بالموت. فقالوا: بعض الألم حسن. الثاني- أنهم إنما يستروحون إلى ما يحكمون به من التحسين والتقبيح

(9/ب) إلى العادات، والعقلاء يستحسنون بعض الآلام ويأمرون بها، وجاءت الشرائع بالحدود والتعزيزات، فلما ثبتت هذه الأمور، قضوا بتحسين بعض الآلام، وقبحوا بعضها، كالآلام التي يتجنبها العقلاء. والذي قضى المعتزلة بتحسينه من الآلام، ما تقدمته جناية، فيسوغ الألم في حقه، عقوبة وزجرا له ولغيره في مستقبل الزمان، أو ما يرجو بسببه نفعا، كالفصد والحجامة، أو ليثاب عليه، كما يتألم الأجير، ويستحسن ذلك لما يرجو من العوض. ويرون أن البهائم إنما جسن إيلامها، لأنها تثاب في الدار الآخرة، ولو عريت عن الثواب، لكان إيلامها قبيحا. وقد حسنا نحن الألم، ولا نعتقد لها جريمة سابقة، ولا ثوابا لاحقا. والألم إذا عري عن هذين الوجهين كان قبيحا بضرورة العقل عندهم. قال الإمام: (والمسلك الثاني للقاضي- أنه قال: نرى كذبة تنجي أمما) إلى قوله (فتبلد ولم [يجد] جوابا). قال الشيخ أيده الله: قد تقدم الكلام

أن المعتزلة ينقسم القبيح عندهم إلى قبيح مطلقا، وإلى قبيح مشروط. والمشروط عندهم هو الألم. وإنما حملهم على ذلك ما قررناه من الوجهين السابقين. فلما صادفوا الله تعالى يؤلم، مع استحالة فعل القبيح منه، تعذر عليهم القضاء بالتعميم، ولم يصادفوا في قول الله تعالى كذبا، فعمموا التقبيح. هذا هو سبب الفرق عند القوم. ونحن نساعد على استحالة الكذب على الله تعالى، وليس ذلك لما اعتقدوه من التقبيح، وإنما ذلك لاستحالة الكذب في كلام النفس على من يستحيل عليه الجهل. على ما يأتي بيانه، إن شاء الله تعالى. وإذا كان الألم إنما حسن في بعض الأحوال، لترتب المنافع المبرة عليه، تصور مثل ذلك في الكذب الذي ينجي الأمم من الأنبياء والأولياء والمسلمين، والإلزام صحيح. وقد أجاب بعض الناس بأن قال: يتصور الإنجاء من الله تعالى من غير حاجة إلى الكذب، بصرف الظالم ومنعه، فلا حاجة تدعو إلى الكذب. قلنا: وهذا بعينه مطرد في الألم، فإن الله سبحانه قادر على أن ينعم عباده بلا ضرر سابق، فإن الثواب تفضل من الله تعالى، كيف وهو لا يتصور أن يستفيد

بإيلامهم غرضا حتى يترتب عليه عوض؟ وأما الإيلام الذي هو جزاء الأعمال السيئة السابقة، فباطل لوجهين: أحدهما- أن الله تعالى قادر على منعهم من ذلك. فلئن قالوا: القدرة على الطاعة قدرة على المعصية. فعنه جوابان: أحدهما- أنا لا نسلم ذلك، والقدرة مقارنة للمقدور، ولا يصح تقدمها عليه. على ما سيأتي بيانه. الثاني- أن الله تعالى قادر على منعهم جبرا، فليمنعهم قهرا. فكم من ممنوع من الفواحش لعجز أو عنة، فذلك [أولى] مما ذكروه. والذي شبب به بعض متأخريهم هو اللازم على أصولهم. والإلزام الذي ألزمه صحيح، لأنه إذا انقسم الكذب إلى الحسن والقبيح، والله تعالى لا يمتنع عليه فعل الحسن، فليجز أن يخلق الله تعالى كذبا نافعا (10/أ) يكون كاذبا به.

ومعنى قوله: (والكذب عندهم من صفات الفعل، إذ هو من أقسام الكلام). فالكلام عند المعتزلة: فعل المتكلم. والمتكلم عندنا: من قام به الكلام، كما أن المتحرك من قامت به الحركة، لا من فعلها. ولو كانت المعتزلة تقول ذلك وتعترف بقيام الكلام بالقديم، لما تصور منه الكذب، لأن الصفة القائمة لابد أن تكون قديمة، والصدق يضاد الكذب. وإذا ثبت له الصدق، استحال عليه الكذب، فلذلك كان الإلزام على قواعدهم أشد. قال الإمام رحمه الله: (والمسلك الحق عندي في ذلك، الجامع لمحاسن المذاهب) إلى قوله (ولا يجب عليه أن يعاقب أو يثيب). قال الشيخ وفقه

الله: قوله: والمسلك الحق عندي في ذلك الجامع لمحاسن المذاهب، الناقض لمساوئها. كلام موهم، وذلك أن المتقدم مذهبان: مذهب قوم يقولون: إن الحسن والقبح يرجع إلى وضع الشرع، مفتقر إلى وروده. وقوم يقولون: إن ذلك مدرك عقلا في شيء، ويتوقف إدراك شيء على ورود الشرع، ولكن ليس على الوجه الذي نريده نحن من الإثبات، ولكن يكون العقل قد قصر عن الإدراك، فنبه الشرع على ذلك. قوله: (محاسن المذاهب)، في ظاهره يدل على أن كل واحد من المذهبين يشتمل على حسن. وكذلك قوله: الناقض لمساوئها. هذا هو ظاهر

الكلام. ويحتمل أن [يريد] محاسن المذاهب، مذاهب الأشعرية، أي كلها حسنة. الناقض لمساوئها: يعني مذاهب خصومهم بجملتها. ولكن الأول أظهر، ويدل عليه قوله: (أن نقول: لسنا ننكر أن العقل يقضي من أربابه اجتناب المهالك وابتدار المصالح). وهذا أولا تجوز في اللفظ، ومسامحة عظيمة، وذلك أن العقول لا يتصور أن تكون مقتضية، لأن العقل، إما العلم

على قول، وإما صفة تشترط في حصول العلم على قول. ولا يصح على المذهبين جميعا أن تكون العقول مقتضية، وإنما المقتضي دواعي النفوس وصوارفها. والذي يدل على ذلك أن المريض يعلم أن الغذاء والدواء نافع له، ولكن لا يجد من نفسه داعية إلى تناوله، بل نفرة عنه. وإن كان العقل قد كشف له أنه نافع، وكذلك عكسه. فتبين بهذا أن إطلاق الداعي والمقتضي على العقل تجوز أو غلط. على أن هذا ليس مسألة نزاع، فإنا قد قدمنا أن إطلاق الحسن والقبح باعتبار الأغراض والمنافع والمضار مما لا ينكره أحد. فلا معنى لقول الإمام: لسنا ننكر ذلك. فإن ذلك مما لم يتلكم العلماء فيه فيما بيننا وبين القوم، وإنما الكلام مدار على ما يتعلق بالصفات الثابتة، إما نفسيه، وإما تابعة للحدوث. ولما استقر ذلك عند المعتزلة قضوا مطلقا بالإضافة إلى الخالق والمخلوق. والإمام إنما أدار الأمر بينهم على المنافع والمضار. وإذا امتنع العقلاء من إطلاق الحسن والقبح فيما بينهم على ما لا ينفع ولا يضر، لخلوه من الأغراض، امتنع إطلاق الحكمين على الله تعالى، لاستحالة الأغراض عليه.

ولا يمتنع إجراء هذين الوصفين فينا إذا [تنجز] ضرر أو أمكن نفع، بشرط أن يكون (10/) ذلك إضافيا لا وصفا ثابتا. ولكن هذا بشرط ألا يضاف إلى الله - عز وجل -، لأنه لا يتضرر بنفعنا وضرنا. وتكون نسبة الأفعال بجملتها إليه نسبة الفعل الذي لا يضر ولا ينفع بالإضافة إلينا. فإن العقلاء في هذا لا يطلقون عليه حسنا ولا قبحا، والله تعالى لا يتأثر بنفعنا ولا ضرنا، فيستحيل أن يوجب عليه العقل إثابة أو عقابا. قال الإمام رحمه الله: (وتتمة القول فيه أنه لو فرض ورود الأمر الجازم) إلى قوله (ولا يغمض معه في النفي والإثبات شيء على المتأمل في هذا الباب). قال الشيخ - رضي الله عنه -: قوله: لو فرض ورود الأمر الجازم من الله تعالى من غير وعيد على تركه، لما كان للحكم بالوجوب معنى معقول في حقوقنا. هذا موضع اختلف الناس فيه. فذهب القاضي أبو بكر إلى أن الله تعالى لو أوجب

شيئا لوجب، وإن لم يتوعد بالعقاب على تركه. وقد رجع الإمام إلى هذا فيما بعد، وذلك أنه لما تكلم على حد الواجب قال في حد قوم: قالوا: الواجب هو الذي توعد بالعقاب على تركه، هو فاسد، فإنه لو توعد، لوجب تحقيق الوعيد، فإن كلام الله - عز وجل - مستحيل أن يكون فيه الخلف، ويتصور أن يعفو ولا يعاقب. فقد اعترف الإمام أن الواجب لا يتوقف على الوعيد، وذلك الكلام صحيح. فإن أراد الإمام في هذا المكان أن الوجوب لا يعقل إلا بنوع من الترجيح، إما ذما أو غيره، فهذا موضع يجب التثبت فيه. فاعلم أن الوجوب هو قسم من أقسام الحكم، وله نسبة خاصة إلى المكلفين، على ما مر في بيان معنى الحكم. وهذه النسبة تثبت وإن لم تقترن بوعيد ولا عقاب. فلا يكون اقتران الوعيد من نفس الحكم، ولا يجب اقترانه به اقترانا عقليا، وسنبين في مسألة الواجب الموسع تحقق الوجوب في أول الوقت، وسقوط الذم والعقاب والوعيد [عمن] مات في وسط الوقت.

على أن الوعيد خبر، والوجوب طلب. فكيف تتوقف عقلية الطلب للشيء على الخبر عن غيره؟ فالصحيح أن عقلية الوجوب لا تتوقف على الاقتران بالوعيد ولا العقاب ولا الذم. نعم، يفتقر إلى أمر يبين الوجوب من الندب، وذلك قد يكون بقرائن الأحوال، وهي الغالبة، وقد يكون بصريح المقال، كقوله: أوجبت

وحتمت وألزمت، فهذه الأمور تطلب لتعريف المكلفين خصوصيات الطلب، لا أنها مأخوذة في معقول الطلب. قال الإمام: (شبه المعتزلة: قال أبو هاشم: من تصدى له أمر مرغوب فيه، وهو يناله بالصدق ويناله بالكذب) إلى قوله (فإن انتهى في التصوير إلى حقيقة الاستواء، لم يسلم له قضاء العقل بتعين الصدق). قال الشيخ أيده الله: اعلم أن المعتزلة حاولوا إثبات كون الحسن والقبح أوصافا ثابتة على الاستمرار، من غير التفات إلى الأغراض بطرق: قالوا: نحن نعلم قطعا أن من استوى عنده (11/أ) الصدق والكذب من العقلاء آثر الصدق ومال إليه، وإن لم يطمع بفائدة من أحدهما، ولا خشي من الآخر مضرة، ببل الملك يميل إلى إنقاذ [الغرقى] هلكى، وإن كان يناله في ذلك جهد وتعب به. وإن كان كافرا لا [يرجو] ثوابا في الآخرة، ولا نفعا في

الدنيا، بل لو كان المشرف على الهلاك صغيرا لا يعقل، أو بهيمة لا تميز، لفعل ذلك، لكونه من مكارم الأخلاق، ولا [يرجو] فائدة عاجلة ولا آجل، ولا [يرجو] مدحا ولا ثناء. فلما آثر الإنقاذ على الإهمال من غير غرض على حال، دل على كونه حسنا. وشبههم كلها ترجع إلى هذا المعنى. وهو محاولة إثبات هذه الأحكام مع انتفاء جميع الأغراض. وهذا الذي ذكره المعتزلة باطل من أوجه: أقربها- أنه استدلال في مواضع الضرورات، والضروري غير قابل للاستدلال، واستحسان هذه الأمور عندهم واقعة في أقسام الضرورات. الثاني- أنا لا نسلم استواء الأغراض مطلقا، بل ما انفك قسم من هذه الأقسام عن غرض، ولكن الأغراض قد تدق وتخفى. وللغلط في هذه الأمور أسباب: أحدها: أن الإنسان في غالب أمره إنما ينظر لنفسه في حالته الراهنة، ويغفل عن غيره، ولا يتلفت إليه من جهة أن كل طبع مشغوف بنفسه، غير

ملتفت لغيره، بل يغفل عن غير حالته الراهنة من أحواله، فإذا وافقه شيء، قضى بحسنه مطلقا، وأضاف الحسن إلى ذاته، فيقول هو في نفسه حسن، ويغفل عن قبحه لموافقته غرضه، فيكون قد قضى بثلاثة أمور: أحدها- كونه حسنا. والثاني- إضافة الحسن إلى نفسه. والثالث- قضاؤه بذلك على العموم. وهو مصيب في واحد منها، وهو أصل الاستحسان. ومخطئ في اثنين وهما: الإضافة إلى النفس، والقضاء على العموم. فإنه قد يستقبح عين ما استحسن إذا اختلف الغرض. السبب الثاني للغلط: إن ما هو مخالف للغرض في كثير من الأحوال إلا في حالة نادرة، لا يلتفت الذهن إلى تلك الحالة النادرة، بل لا يخطر بالبال، فيراه مخالفا للغرض في كثير من الأحوال، فيقضي بقبح الكذب مطلقا. فإنه [ألقي] ليه منذ الصبا على سبيل التأديب، أن الكذب قبيح لا ينبغي أن يقدم عليه أحد، ولم ينبه على حسنه في بعض الأحوال، خيفة من أن لا تستحكم نفرته عنه فيقدم عليه. فتقرر تقبيحه عنده مطلقا، فإن لم يكن على ذكره إلا أكثر الأحوال، وهو بالإضافة إليه كل الأحوال، فينفر عنه ويجد التصديق به مطلقا. فإذا عرضت عليه تلك الحال الخاصة، وجد في نفسه نفرة عنها، ويغلبه الوهم على القضاء به على العموم. السبب الثالث للغلط: أن المقرون بالشيء في بعض الأحوال، قد يسبق الوهم إلى الاقتران على العموم، لاسيما إذا كان الاقتران كثيرا. ومن هذا الوجه (11/ب) غلط الطاردون في ربط الأحكام بمجرد اقترانها بالأوصاف. على ما سيأتي بيانه، إن شاء الله تعالى. وذلك عمل الوهم.

ومما يشاهد في الاعتياد أنه إذا حضر طعام في إناء يثق العاقل بكونه لم يصادف نجاسة ولا قذرا، ولكنه على شكل الأواني [المعدة] لذلك، فينفر عنه ويتقذر الأكل. وكذلك يسمع الثناء الحسن إن كان قاطعا بأنه [معرى] عن تلك المعاني، فيجد لذلك انشرحا وميلا. وذلك عمل الوهم. فكذلك لما كانت هذه الأمور في أغلب الأحوال ترتبط بها [الأغراض] نفعا وضرا، إلا في نادر الأحوال، لم تنتبه النفس لتلك الأحوال النادرة، بل لو التفتت إليها، لم تنفر لمقتضى العلم فيها، [واستولى] الوهم عليها. والأمثلة في ذلك كثيرة. بل الإنسان إذا جالس من عشقه في مكان، فإذا انتهى إليه، أحس من نفسه تفرقة بين ذلك المكان وغيره. وذكر الشعر والأوطان والآثار والمنازل، كله من هذا القبيل. فنرجع إلى الكلام على المثال فنقول: إنما يترجح الإنقاذ على الإهلاك، إما من متشرع [يرجو] الثواب، وإما ممن يقصد أن يعرف بالإنعام والإفضال، وإما أن يتألم برؤية العذاب بغيره، فيزيل الألم عن نفسه، وإما أن يقدر نفسه في تلك البلية، ويقدر غيره قادرا على إنقاذه، وهو معرض عنه، فيستقبح ذلك منه، ثم يعود ويقدر ذلك الاستقباح عائدا عليه، فيزيله عن نفسه. وهذا طبع بني آدم، وهو طبع يتعذر الانكفاف عنه. فإن قدر فقدان هذا كله، فقد وجد الإنقاذ مقرونا بالثناء، فيحسب أنه يقترن به على الإطلاق.

مسألة: شكر المنعم

فإن فرض شخص لم يستول عليه شيء من هذه الأوهام، لم يسلم أن عقله يرشده إلى الترجيح على حال. (شبهة أخرى- فإن قالوا: البراهمة مع [إنكارها] الشرائع قبحت وحسنت) إلى قوله (وقد اشتمل كلامنا على تسليم ذلك). قال الشيخ - رضي الله عنه -: هذا الكلام واضح، لا يفتقر إلى زيادة، وبسطه المسلك السابق. قال الإمام: (مسألة: ترسم بشكر المنعم: لا يدرك وجوب شكر المنعم

بالعقل عندنا) إلى قوله (فكيف يقضي العقل بوجوب؟ ). قال الشيخ وفقه الله: قد تقدم [الكلام] على الشكر، وأنه يرجع إلى الثناء على المنعم بذكر آلاء المنعم وإحسانه. وقد قضى المعتزلة بوجوب ذلك عقلا، وجعلوه من مواقع الاستدلال. وفي الشكر مسألتان: إحداهما-[حسنه]. وهذا عند القوم واقع في قسم الضروريات المدركة بضرورات العقل. والثانية- وجوبه عقلا، وهو الذي يتوصل إليه بالنظر العقلي. وإنما منعهم من القضاء بالوجوب ضرورة، تعذر كل حسن، فإن ذلك مناقض لأحكام العقلاء في العادات، وهو مستند القوم فيما يحسنون ويقبحون، فلذلك قضوا بأنه لا يدرك إلا نظرا. وقد أشار الإمام إلى أصل الاستدلال، ولكن لم يأت بالكلام على وجه مضبوط.

وتحريره أن نقول: لا [يخلو]، إما أن يوجب الشكر لفائدة، أو لا لفائدة، (12/أ) ومحال أن يوجبه لا لفائدة، فإن ذلك عبث وسفه. وإن كان لفائدة، فلا [يخلو]، إما أ، ترجع إلى الشاكر أو إلى المشكور. ومحال أن ترجع إلى المشكور، فإنه يتعالى ويتقدس عن الأغراض، وقبول المنافع والمضار، فلم يبق إلا أن ترجع إلى الشاكر، ومنفعة الشاكر إما نفع أو دفع، إما في العاجل وإما في الآجل، فلا منفعة له في الدنيا، بل يتعب نفسه، ويتعرض إلى الآلام والأسقام، ولا منفعة له في [الآجل] باعتبار العقول، لأن الثواب تفضل من الله تعالى يعرف بوعده، فإذا لم يخبر عنه، من أين يعلم أنه يثيبه؟ قال المعتزلة: نسلم أنه لا فائدة له في الدنيا، بل فائدته في الآخرة، فإنه يفيد الشاكر الثواب الجزيل في [الآجل]، والعقل قاض باحتمال التعب

العاجل لارتقاب النفع [الآجل] المربي على التعب المحتمل. أجاب الإمام بأن قال: (كيف يدرك [العاقل] ذلك بالعقل؟ ومن أين يعرف العاقل هذا؟ والمشكور يقول: لا يجب على نفعك ابتداء، وما نفعتني فأعوضك. فإن قيل: يدرأ الشاكر بالشكر العقاب المرتقب على ترك الشكر. قلنا: كيف يعلم ذلك؟ والكفر والشكر سيان في حق المشكور. فإن قيل: إن لم يقطع بالعقاب، لم يأمنه. قلنا: إذا تحقق استواء الأمرين، فارتقاب العقاب على ترك الشكر كارتقابه على فعله، ولا يبقى بعد ذلك [مضطرب]. ومما ذكره الأستاذ في مفاوضة له [أن] قال: الشاكر متعب نفسه،

وهو ملك خالقه، فقد يتوقع على تنقيص ملك المالك من غير إذنه فيما لا ينتفع [به] المالك عقابا). هذا من الأستاذ رحمه الله إلزام عظيم على أصول المعتزلة، فإنهم يبنون أمرهم على التحسين والتقبيح. والتصرف في ملك الغير قبيح، والله تعالى هو المالك، ولم يأذن في الشكر، فتعاطيه قبل الأمر به، تصرف في الملك من غير إذن المالك. فلئن استروحوا إلى الشاهد في استحسان الشكر وقبح الكفر، فذلك مسلم، لأنهم يهتزون للشكر ويغتمون للكفران، والله تعالى يستوي في حقه الأمران، فالمعصية والطاعة في حقه سيان، بل يصح أن يكون الرب سبحانه وتعالى يمنع مما يرتاح به عباده، إجلالا وتعظيما. وعبادة العباد لا يتأثر بها الباري سبحانه وتعالى على حال، فهو بمثابة من أراد التقرب إلى السلطان بتحريك أنملته في زاوية حجرته، فإنه مستهين بنفسه،

مزر على عقله. وعبادة [الخلق] أجمعين كذلك بالإضافة إلى الله تعالى. الثاني: أن شكر العباد بأجمعهم ناقص بالإضافة إلى جلال الله تعالى وعظمته وكبريائه، قال الله سبحانه: {ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها}. ومع هذا، فكل من أثنى على الله، فثناؤه قاصر. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك). لاسيما وقد منه في الشرع من إطلاق بعض كلمات المدح، كالعقل والشجاعة، وإن وصف بالعلم والكرم والقدرة. قال الإمام: (وللخصوم مسلكان: أحدهما- التعلق بتعاقل العقلاء شاهدا) إلى قوله (والرب سبحانه [يتعالى] عن قبول النفع والضر كما سبق). قال

الشيخ أيده الله: (12/ب) ما تمسك به المعتزلة في هذه المسائل هو قياس في المعقولات. وقد اختلف الناس، هل يجري القياس في المعقولات؟ على ما سيأتي الكلام فيه، إن شاء الله تعالى. والمعتزلة ينكرون ذلك، ثم يتمسكون في المعقولات بأقيسة، مع عروها عما يعتبر في القياس العقلي من الجوامع العقلية. على ما سنبينه بعد ذلك، إن شاء الله تعالى. والذي يختص بهذا المكان أنه يرد عليه أوجه من الاعتراض: أحدها- منع حكم الأصل. فإنا لا نسلم اتفاق العقلاء على وجوب الشكر لكل منعم، لا قبل ورود الشرع ولا بعد وروده. الثاني- فساد وضع القياس. فإن هذا النوع من القياس لا يجير في المعقولات.

الثالث- الفرق بما ذكره الإمام. وقد فرق بفرق صحيح وكلام بالغ. الرابع-[النقض]، فإن الله تعالى قد تحسن منه أمور لا تحسن من الخلق لو فعلوها. وذلك أن السيد لو ترك عبيده [وإماءه] يزنون ويرتكبون الفواحش، وهو مطلع عليهم، عالم بهم، قادر على منعم، ولم يمنعهم، لعد ذلك قبحا. وقد فعل الله بعبيده، ولم يقبح منه. فإن قيل: تركهم لينزجروا بأنفسهم، فيستحقون الثواب. قلنا: قد علم أنهم لا ينزجرون، فليمنعهم كرها، فكم من ممنوع من الفواحش بعنة وعجز، فذلك [أولى] من تمكينهم مع العلم بأنهم لا ينزجرون. قال الإمام: (والمسلك الثاني- في توقع العقاب) إلى قوله (مع قيام البرهان القاطع الذي أقمناه على مخالفتهم). قال الشيخ - رضي الله عنه -: وجه تقرير

مسألة: وجوب النظر

الشبهة على أصولهم أنهم قالوا: ما أفضى إلى المحال، فهو محال. وهذا كلام صحيح. ثم قالوا: حجج الأنبياء متوجهة على الخلق، وهي حق، وما أفضى إلى إبطالها وامتناع توجيهها، فهو باطل. وهذا أيضا كلام صحيح. قالوا: والقصر في تلقي الوجوب على الشرع يفضي إلى إبطاله ورفعه بعد ثبوته، للزوم الدور، وتوقف وجوب النظر على تقدير الشرع، وتوقف تقدير الشرع على نظر الناظر، وتوقف نظر الناظر على وجوب النظر. وأما قول الإمام: (وهذا أولا ليس برهانا [على] وجوب النظر عقلا).

يعني أن هذا الكلام غنما يفيد مع من اعترف باستقرار الشرائع، وأما من جحد ذلك، فإن هذا الكلام لا ينتج له وجوب النظر عقلا. وهذه الشبهة أجاب عنها بوجهين: أحدهما- قوله: (ثم نفس العقل لا يدرك به وجوب النظر). اعلم أنا قد قدمنا أن ما يدرك بالعقل من المعقولات ينقسم إلى أولي، وهو الذي يصادف في أنفس العقلاء، غير مفتقر لسبب، ولا مقيد بشرط، وهذا هو الذي يجب اشتراك العقلاء فيه. وليس وجوب النظر عند المعتزلة من هذا القبيل. إذ لو كان كذلك، لما خلا عاقل في مضطرب

أحواله عن العلم بوجوب النظر. فلابد- والحالة هذه- أن يكون من القسم الثاني الذي يفتقر إلى سبق نظر. وإذا افتقر إلى سبق نظر، تأتى للعاقل التوقف حتى يعلم وجوب النظر، كما (13/أ) تأتى له ذلك عند دعاء الرسول، فيقول: لا أنظر حتى أعلم وجوب النظر، ولا أعلم وجوب النظر حتى أنظر، فيؤدي أيضا إلى الدور. فما لزمنا في السمع المنقول، ينعكس عليهم في قضيات العقول. فإذا رجعوا إلى دعوى الضرورة، لم يستقم لهم ذلك مع مخالفتنا لهم.

أم كيف ينقدح ما قالوه مع قيام البرهان القاطع الذي أقمناه على مخالفتهم، فيرجعون إلى النظر؟ قال الإمام: (فإن قالوا: يبعث الله إلى كل مدعو ملكا) إلى قوله (عما هذوا به). قال الشيخ - رضي الله عنه -: وهذا كلام واضح، ولئن وقع الاكتفاء في الإقدام على فعل النظر بخطور الخواطر حتى يكون ذلك قاطعا للدور، فخطور هذه الخواطر عند بعثة النبي أولى. فليقع الاكتفاء بذلك.

قال الإمام: (ثم التحقيق [في ذلك] أن النظر ممكن) إلى آخر المسألة. قال الشيخ وفقه الله: قوله: ثم التحقيق [في ذلك] أن النظر ممكن إلى آخره. اعلم أن هذا الخيال إنما يلزم على القول باستحالة تكليف ما لا يطاق عقلا. والصحيح عندنا جواز ذلك عقلا. وسنبينه في موضعه، إن شاء الله تعالى. فإذا صح ذلك، لم يكن للإلزام ورود على حال. فإن تنزلنا على

امتناعه، فليس بشرط في التكليف بالاتفاق علم المكلف به. إذ لو كان كذلك، لما تصورت معصية ممن يجهل الحكم، ولم يكن الكفار عصاة بتكذيب الشرائع واعتقاد نفي النبوات. وفي قواطع السمع ما يدل على خلاف ذلك والشرائع مستقرة ببعثة الأنبياء، وتأييدهم بالمعجزات، وحصول العقول، والتمكن من الاستدلال. وقوله: لا أنظر حتى أعلم [وجوب] النظر، ولا أعلم وجوب النظر حتى أنظر، كلام صحيح، ولكن لا تتوجه له به حجة، إذ لا حجة للخلق بعد إرسال الرسل. ويحمل ذلك من المدعو على الجدال والعناد. ومثاله: ما لو قال الأب لولده: التفت فإن رواءك سبعا عاديا يهجم عليك. فيقول: لا ألتفت حتى أعلم وجوب الالتفات، ولا أعلم وجوب الالتفات ما لم أعلم السبع، ولا أعلم السبع حتى ألتفت. فيقال له: لا جرم تهلك وأنت غير معذور.

وكذلك النبي إذا بعث، وأيد بالمعجزة، ودعا الخلق وقال: تعلمون ذلك بأدنى نظر في معجزتي، إذ العقول حاضرة، والأدلة منصوبة، والبراهين موجودة، والشواهد مشهودة. فهذا كلام واضح، لا تناقض فيه، ولا مانع يمنع من التحصيل. وأصل الشبهة غلط الخصوم واعتقادهم عنا أنا نقول: لا يستقر الشرع إلا بعد النظر. ولو كنا نقول ذلك، للزم السؤال. ولكنا نقول: الشرع مستقر ببعثة الرسل وتأييدهم بالمعجزات، نظر الناظر أو لم ينظر. وقول الإمام: (ولا يشترط في وجوب الشيء علم المخاطب بوجوبه عليه، بل يشترط تمكنه من العلم [به]). يجب النظر فيما يرجع عليه هذا الضمير، وهو (الهاء)، في (به): والصحيح أنه يرجع على الشيء، لا على الوجوب. فمعنى الكلام: لا يشترط في وجوب الشيء علم المكلف بوجوب ذلك عليه، بل يشترط تمكنه من العلم بالشيء. وإنما قلنا (13/ب) ذلك، لأن العلم بوجوب النظر مستحيل قبل انتهائه نهايته، فإذا كان العلم مستحيلا،

فكيف يكون إمكانه شرطا في الوجوب، وإمكان المستحيل مستحيل؟ ولو كان الممكن منه شرطا، لصح أن يكون حصوله شرطا، فلذلك حكمنا بأن الضمير إنما يعود على النظر، لا على العلم بوجوب النظر. ومعنى الكلام: صحة الوجوب على من يتمكن من النظر دون من يستحيل منه، كالأطفال والمجانين. وقال: (والسر في ذلك أن النظر الأول لا يتصور إلا كذلك، سوا فرض أخذه من السمع المنقول، أو من مدارك العقول). هذا كلام صحيح، إذ لا يتصور أن يعلم بوجوب واجب من لم يعلم الوجوب، فمن لم يستقر عنده بعد الحاكم، كيف يتصور أن يعلم حكمه؟ ومن هذا قضينا بأنه لا يتصور أن يكون الناظر عالما بالأحكام الشرعية إلا أ، يكون عالما بقواعد العقائد. [ومن]

هذا قيل: إن القربة التي لا يتصور التقرب بها إلى الله تعالى هي النظر الأول. وأراد [ههنا] بالتقرب: قصد الفاعل إلى إيقاع العمل طاعة. وهذا القصد قد يستحيل اشتراطه في بعض الطاعات، وقد يجب تحصيله في بعضها. فإذا وقع له الإخلال به، لم يصح العمل. وقد يجوز أن يحصل، ولكن لا يوجب الشرع ذلك. فأما الموضع الذي يستحيل القصد فيه، فهو النظر الأول، وكذلك القصد عند موجبه، وكذل المعرفة المترتبة على النظر الأول، فإنه لا يتصور إيقاعها طاعة، إذ الناظر لا يقصد إلى معرفة مخصوصة، إذ العلم يضاد النظر، وهو لو علم لم ينظر، لأنه لا يدري ما يفضي إليه النظر، فلا يتصور منه القصد إلى التقرب بالمعرفة التي لم تحصل له، ونظره ينافيها. وكذلك إدارة الطاعة أيضا لا يشترط أن يقصد بها التقرب، غذ لو افتقرت إلى إرادة، لتسلسل القول.

مسألة: حكم الأشياء قبل ورود الشرع

وأما الموضع الذي يجب تحصيل هذا القصد فيه: فكل عبادة بدنية لم يظهر لها مقصد عاجل، فإنها لا تقع إلا إذا قصد بها التقرب. وسيأتي لهذا تقرير حسن في موضعه من هذا الكتاب. وأما الموضع الذي يصح تحصيلها ويزداد ثواب المكلف بسببها، وإن كان لا يشترط ذلك في حقه: فاستصحاب النية بالتحقيق في أثناء الأعمال، فإن ذلك معفو عنه [تكرما] من الله تعالى على العباد. فلو اتفق حصول النيات، لكان [أعلى] وأفضل. قال الإمام: (مسألة: لا حكم على العقلاء قبل ورود الشرع، بناء على أن الأحكام هي الشرائع بأعيانها) إلى قوله (على من لا ينتفع ولا يتضرر). قال الشيخ - رضي الله عنه -: قوله: لا حكم على العقلاء قبل ورود الشرع، نفي عام لجميع الأحكام،

لكن المراد نفي الأحكام الشرعية بجملتها. على ما سيأتي بيان قسمتها. واختلفت مذاهب المعتزلة في الأحكام قبل ورود (14/أ) الشرع على ثلاثة مذاهب: ذكر الإمام مذهبين، ولم يذكر الثالث. والذي أغفله هو مذهب الوقف. إلا أن يكون لم ير الوقف مذهبا. إذ الواقف لم يحكم لا بنفي ولا بإثبات. ولكنه رد على الفريقين جميعا. ومن العجب أنهم حكموا بذلك فيما لا يقضي العقل فيه بتحسين ولا تقبيح، ثم حظر بعضهم مستندا إلى العقل، وتوقف بعضهم مستندا إلى العقل.

وهذا غريب أن يحكم بالعقل في موضع لا يقضي العقل فيه بحسن ولا قبح. وإنما احتيج إلى فرض المسألة فيما لا يقضي العقل فيه بحسن ولا قبح، لأن القوم متفقون على أن ما أدرك العقل حسنه، فليس بمحظور. وما أدرك العقل بقبحه فليس مباح. فلذلك كانت المسألة مفروضة فيما لا يقضي العقل فيه بحسن ولا بقبح. ولذلك ورد الإشكال وظهر التناقض ظاهرا. ولكن مراد القوم بهذا القسم الذي زعموا أنه يتلقى من الشارع، على حسب ما تقدم بيانه. هذا موضع الاختلاف. ومعنى قولهم: فيما لا يقضي العقل بحسنه ولا بقبحه، أي بالنظر إلى صفات نفسه على الاختلاف السابق أيضا. فإن الذي تستقل العقول بدركه لا يتوقف على ورود الشرائع، بلا لا يتصور أن يتصرف الشارع فيه بنسخ أو نفي أو إثبات، ولا يتصور أن يتغير حكمه. فهذا القسم خاصة إذا لم يرد الشرع بحكم فيه، تختلف مذاهبهم فيه.

والذي تقتضيه أصولهم هو الجاري عليها الوقف. وغنما كان هذا هو الجاري على أصولهم، لأن الشرع عندهم إذا ورد بحكم في هذا، فإنه إنما يدر به بناء على صفة تقتضي معنى أو طلبا أو إذنا. فالشرع في معنى الكاشف لمعقول الصفة المستورة، لا منشئ [حكم] على الحقيقة. وإذا كان كذلك، فما من فعل لم يظهر حسنه ولا قبحه، إلا ويتصور أن يرد الشرع بطلبه، فيتبين العقلاء أنه كان على صفة الحسنـ أو يمنعه فيظهر للعقلاء أنه كان على صفة القبح، أو بالتخيير فيه فيتبين للعقلاء استواء الأمرين وامتناع ترجيحه. وهذا المذهب الذي ذكرناه أنه أجرى المذاهب على أصولهم، هو الذي أغفل الإمام نقله. ومذهبنا نحن أيضا أن الأفعال قبل ورود الشرع على الوقف. ولكن المراد بالوقف عندنا غير ما أراده المعتزلة من الوقف،

لالتباس الأحكام بسبب التباس الصفات. بل المتكلمون قاطعون بانتفاء الأحكام قبل ورود الشرائع، بناء على استحالة تكليف ما لا يطاق عقلا. ومن التكليف بالمحال عندهم التكليف من غير دليل. وأما نحن فنقف عن الحكم قبل ورود الشرائع، تقديرا لاحتمال أن يكون الله تعالى كلف الخلق وإن لم يجعل لهم إلى معرفة الحكم طريقا. لا لأن الأحكام تتبع الصفات، وهي ملتبسة، ولكن لما جاءت الشرائع أخبرت عن انتفاء حكم الله تعالى عن العباد قبل ورود الأنبياء. قال الله تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا}. فمذهبنا يساوي مذهب المعتزلة في الحكم، ويفارقه في الطريق. وأما أصحاب الحظر، فيصح (14/ب) أن يتمسكوا بوجهين:

أحدهما- أن الشيء إذا احتمل أن يكون حسنا، وأن يكون قبيحا، فيكف عنه، لما ألف عند العقلاء من قضية الاحتياط. ويشهد له من الشرائع تغليب أمر الحظر عند اختلاط الميتة والمذكاة. الثاني- أن التصرف في ملك الغير بغير إذنه قبيح، والله تعالى هو المالك، ولم يأذن. والإلزام من الإمام صحيح في حظر الشيء وضده، مع استحالة الخلو عنهما جميعا، (فإن حظروا جميعها، كان ذلك تكليف ما لا يطاق، وإن خصصوا بالحظر شيئا عن شيء من غير تحسين العقل وتقبيحه، لم يخف سقوط هذا المذهب). وقول الإمام: (وإن خصصوا الحظر بما يعتقدون جواز الخلو عنه أصلا

لمستندهم أن التصرف في ملك الغير قبيح بغير إذنه). وهذا القسم الذي ذكره الإمام غير متصور عندي، بل ما من شيء يجوز العرو عنه أصلا، إلا وله ضد لابد من التلبس به. وتصوير شيء لا ضد له يصح العرو عنه محال. وفرض أمر يجوز العرو عنه وعن ضده باطل. فما ذكره ليس بعذر، ولا يمكن تنزيل المذهب عليه.

وقوله: (وأما أصحاب الإباحة، فلا خلاف على الحقيقة بيننا وبينهم) إلى آخره. ليس الأمر على ما قال. بل الخلاف قائم بيننا وبينهم، فإنا نقول: المباح اسم مفعول يستدعي مبيحا، فإن أسماء المفعولين تستدعي المصادر، وكذلك أسماء الفاعلين، والإباحة عندنا: هي التخيير من الله تعالى بين الفعل والترك، وذلك إنما يعرف بخبر الله تعالى، فإذا لم يخبر عنه، لم يتصور علم ذلك. والمعتزلة تزعم أنها توصلت بالعقول إلى الإذن، وذكروا وجوها نذكرها ثم نبين فسادها. فمنها- أنهم قالوا: إن الله خلقها من غير غرض له فيها، مشتملة على منافع [علمناها]، فلا مضرة عليه في الانتفاع [بها]، إذ لا يتصور أن تنقص مملكته بسبب ذلك، فهذه أشياء كل واحد منها يدل على الإذن.

فنقول: هذه أوهام باطلة وخيالات فاسدة. وأما قولهم: إنه لما خلقها نافعة، كان ذلك دليل الإذن، ففاسد، فإن إعلام المالك إيانا أن طعامه نافع لا يكون إذنا، وكذلك يمكن أن يكون إعلام الباري إيانا أنها نافعة ليس إذنا، بل ليدرك ثواب الاجتناب. فإن قالوا: الباري سبحانه وتعالى لا يتضرر، والواحد منا يتضرر بالتصرف في مخلوقاته، فإنه يجري مجرى التصرف في السراج بالاستضاءة، وفي الجدار بالاستظلال، ومنع ذلك قبيح. قلنا: إن صح ذلك، فليقبح من الله تعالى منع عباده من لذاتهم وقضاء أوطارهم، فإن ذلك لا يضره بوجه. فإن قالوا: إنما منع الله سبحانه العباد مما يعلم أنه يضرهم، وإن كانوا لا يقفون على وجه ذلك. فلنا: فما من شيء إلا ويمكن أن تكون فيه مضرة خفية، لا جرم فتوقف الإذن على ورود الشرع. فإن قالوا: فالله سبحانه قادر على أن يخلقها عرية عن الطعوم، وكان

قادرا على أن لا يخلق فينا الذوق، فخلق الطعم فيها والذوق فينا، دليل على أ، هـ أراد انتفاعنا بها. قلنا: (15/أ) الأشعرية وأكثر المعتزلة مطبقون على استحالة عروها عن الطعوم. فمن سلم أن ذلك مقدور؟ وإن سلم، فلسنا نسلم أنه خلقها لذلك. فعله [خلقه] لا لعلة، أو لعلة خلقها لندرك ثواب اجتنابها. ومن سلم أن أفعال الله تعالى كلها معللة؟ بل خلق العالم كله لا لعلة. ثم نقول: بما تنكرون على أصحاب الحظر إذا تمسكوا بأن التصرف في ملك الغير بغير إذنه قبيح؟ وبم تردون على أصحاب الوقف إذا توقفوا حتى يرد الشرع لا لالتباس الصفات؟ فلا يبقى مع القوم إلا محض التحكم. والكلام في هذه المسألة والتي قبلها فرع من فروع التحسين والتقبيح. وفي بناء المسألتين على الأصل السابق كفاية في إبطال مذاهب القوم.

فصل: يجمع التكليف ومعناه، ومن يكلف، وما يجوز التكليف به

وعلى الجملة، فالأوهام غالبة على القوم في اعتبارهم أفعال الله تعالى بأفعال عباده مع استيلاء الأغراض على البشر واستحالتها في حق الله - عز وجل - {وما قدروا الله حق قدره}. {لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون}. نسأل الله العصمة من الخذلان. قال الإمام: (فصل- يجمع التكليف ومعناه، ومن يكلف، وما يجوز التكليف به) إلى قوله (وذلك يستدعي قولا مقنعا في تكليف ما لا يطاق). قال الشيخ - رضي الله عنه -: التكليف لا يعقل إلا باجتماع أربعة أمور: التكليف، وهو

المصدر، والمكلف، وهو من يقوم به التكليف، والمكلف هو الذي استدعي منه الفعل، والمكلف به، وهو المطلوب. وإنما تشتق أسماء الفاعلين والمفعولين من المصادر. فلابد من تقديم الكلام على التكليف، وهو اسم مشتق من الكلفة، وهذا هو المعنى الغالب في الأحكام. وإلا فقد يطلب الله تعالى من العباد فعل ما لا مشقة عليهم فيه، وينهاهم عما لا مشقة عليهم في تركه، كالأمر بتناول الطعام والشراب، والنهي عن تناول السموم والقاذورات. ولكن هذه صور نادرة، فأطلق الاسم باعتبار الأمر العام، والخيرة تناقض التكليف، والإلزام التكليف فيه ظاهر، لا جرم اتفق القاضي والإمام على صحة إطلاق اللفظ على الوجوب والحظر، وعلى منع الإطلاق على الإباحة، واختلفا في الإطلاق

على الندب والكراهة. والذي منع الإمام من الإطلاق، اعتقاده أن الندب والكراهة يقترنان بالتخيير بين الفعل والترك. فقال: التخيير مع التكليف متناقض. والصحيح

عندنا ما قاله القاضي. والتخيير يضاد الكراهة والندب، كما يضاد الوجوب والحظر، غذ التخيير: عبارة عن الإذن في الفعل والترك والتساوي بينهما بتسوية الشرع. وهذا مفقود في الترجيح. وليس المراد في نفي الخيرة الطبيعية، فإن ذلك يتطرق إلى الواجب والحظر، فإذا تحقق الترجيح بالطلب، امتنع التخيير على التحقيق. فالتكليف محقق، والطلب جزم. وأما قول الأستاذ، فلا يستقيم على مراعاة الاشتقاق بحال، إلا أن يقول: إن هذا الاسم صار لقبا على الأحكام بجملتها، فيكون هذا من باب التقليد المحض. وهذا يداني قول الإمام في أول الكتاب: (إن الفقه: هو العلم بأحكام التكليف). وأما الركن الثاني: وهو المكلف، وهو الذي يقوم به التكليف، وأصله كل طالب وملزم. لكن قد حققنا أنه لا يجب إلا طاعة الله (15/ب) - عز وجل -، وطاعة من أوجب الله طاعته. فإن وقع النظر في التكليف، فهو عام، وإن وقع النظر فيمن تجب طاعته، فهو مختص بالله تعالى.

وأما الركن الثالث: وهو ما يكلف به، قال الإمام في بيانه: (فقد نقل النقلة عن أبي الحسن أنه كان يجوز تكليف ما لا يطاق) إلى قوله (ولا ينجي من ذلك تمويه المموه بذكر الكسب). قال الشيخ أيده الله: قول الإمام: وهذا سوء معرة بمذهب الرجل. إن ظاهر النقل يتضمن انقسام التكاليف إلى ما يطاق، وإلى ما لا يطاق، لاختلافهم في وقوع المجوز مع القطع بوقوع التكاليف. فإن كان كل تكليف تكليفا بما لا يطاق، لم يتصور الاختلاف في الوقوع.

وما ذكره الإمام من كون التكاليف- على مقتضى مذهبه- كلها على خلاف الاستطاعة، كلام يفتقر إلى بسط وشرح، وسنبينه في آخر هذا الفصل، إن شاء الله تعالى. [وقوله]: وما اعتذر به القوم من أن الأمر بالشيء نهي عن ضده. فالرد عليهم ظاهر، كما ذكره الإمام. وقولهم: (إن المكلف وإن لم يكن قادرا على المأمور به، فهو قادر على ضد من أضداده، وهو المنهي عنه). كلام باطل، وغفلة من المورد. والجواب أيضا حائد، فإن الضد الذي هو قادر عليه، ملابس له، ليس منهيا عنه، وإنما هو منهي عن مثله، مما لم تتعلق قدرته به. وأما الذي تعلقت به

القدرة وقت توجه الأمر عليه، فليس منهيا عنه. فلا يتعلق التكليف أمرا ونهيا إلا بمعدوم يمكن حدوثه. وأما الوجه الثاني: وهو أن العبد مطالب بما هو فعل ربه، فكلام صحيح. وقوله: (ولا ينجي من ذلك تمويه المموه بذكر الكسب). فإن المراد بالكسب: تعلق القدرة الحادثة بالمقدور من غير أن تكون فيه مؤثرة بحال. وهذا هو مذهب الشيخ أبي الحسن.

وقد اختلف الناس في هذا: فذهب أبو الحسن إلى ما حكيناه عنه من أن الله تعالى خلق القدرة الحادثة تؤثر كسبا، وهو الجهة الخاصة للحركة، ككونها حركة وكتابة، فيضاف إلى الله تعالى الخلق، ويضاف إلى العبد الكسب فيقال: العبد كاتب. وذهب المعتزلة إلى أن الأفعال الاختيارية تضاف إلى العبد إيجادا وإبداعا، وليس للقدرة الأزلية في الأفعال الاختيارية أثر على حال. وذهبت الجبرية إلى أن الأفعال واقعة بقدرة الله تعالى، كما صرنا إليه، ولكنهم ينكرون القدرة التي قضينا نحن بكونها مقترنة بالأفعال الاختيارية. والدليل على بطلان ما ذهب إليه المعتزلة من استبداد العبد بأفعال عن ربه، ما يدل على استحالة [إلهين]، وثبوت القدرة لله تعالى على الأمثال، واستحالة تغير القديم على كل حال. والحركة الاختيارية مماثلة للحركة الضرورية على القطع. إذ حقيقة الحركة لا تختلف. فلو لم تصلح القدرة القديمة للاختيارية،

لم تصلح للضرورية، فإن صلحت، ولكنها منعت، كان ذلك باطلا. إذ الصفة القديمة يستحيل منعها. ولئن كان العبد مانعا ربه بقدرة اخترعها الله له، فليكن الرب مانعا عبده لقدم قدرته أولى. وهذا قاطع في الرد. وتمام بسطه في الكلام (16/أ). وهذا بعينه يرد على القاضي في إضافة الكسب إلى القدرة الحادثة. والرد على الجبرية بين، فإنا ندرك بالضرورة تفرقة بين الحركة الاختيارية والحركة الضرورية، مع القطع بتماثلهما، فاستحال أن يرجع الفرق إلى ذواتهما. فلم يبق إلا رجوعه لأمر مقترن بإحداهما دون الأخرى. وهذا المقترن مدرك حالة التحرك، فبطل المعنى الذي وقع به الاقتران متقدما على الحركة، فالمعنى مدرك ضرورة، وهو المعبر عنه بالقدرة الحادثة. ونحن نقتصر في هذا المجموع على الرمز إلى الأدلة الكلامية، إذ ليس هذا موضع استقصائها. ثم قال الإمام: (فإن قيل: فما الصحيح عندكم في تكليف ما لا يطاق؟ قلنا: إن أريد بالتكليف طلب الفعل) إلى قوله (فلا يحتمله هذا الموضع).

قال الشيخ - رضي الله عنه -: اقتصر الإمام في هذا المكان على مجرد الدعوى ونقض المذهب. فإنه لم يدل على ما قال. وإنما قال: إن أريد بالتكليف طلب الفعل، فهو محال. فكأنه قال: إن أريد بالتكليف التكليف، فهو محال. فاقتصر على الدعوى وأتى بها في صورة التقسيم. ثم هو أيضا تقسيم باطل؛ فإنه إنما صح القسمة بعد الاشتراك في جهة الافتراق في غيرها. ومجرد الصيغة لم تشارك التكليف في شيء، فما معنى الاستفسار في غير موضع الاحتمال وعدم الإجمال؟ وليس السؤال عن مجرد ورود صيغة (افعل) نحو قول الشاعر: ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي ... ..... .... ...

أو ما يضارعه. نعم، إذا وقع النظر في محامل الصيغ، فإذ ذاك يحسن إيراد هذه الأقسام. وقد احتج في منع تكليف المحال بخيال، وفي إبطاله إزالة إشكال. وذلك أنهم قالوا: التكليف على وفق العلم، إذ هو من جملة كلام النفس. وما لا يعقل، لا يقوم بالنفس خبر عنه، وإذا استحال قيام الخبر، كيف يعقل قيام الطلب؟ وما لا يطاق، لا يعقل، فلا يقوم بالنفس خبر عنه. فلا يتصور طلبه. وهذا كلام قوي، وهذا الكلام يورده المعتزلة وبعض أصحابنا. أما من أورده من الأشعرية، فجوابه من ثلاثة أوجه: أحدها- ما صودف في الشرائع من تكليف العاصي الطاعة، والكافر الإسلام، مع القضاء بأن القدرة الحادثة مقارنة للمقدور، غير مؤثرة فيه، والمطلوب منه فعل اختياري. وفعل اختياري من غير قدرة عليه، غير معقول. فإن ذهب ذاهب إلى أن العاصي مأمور بالطاعة، فقد خرج عن الدين، وجحد متواترات الشريعة. وإذا وقع الاعتراف بالتكليف، مع فوات القدرة، فقد تحقق تكليف ما لا يطاق. فإن تمسك بذلك المعتزلة، فالجواب عنه من وجهين: أحدهما- أن ما لا يطاق لو كان بمثابة المذهول عنه، لاستحال التعبير عنه قصدا، ويصح للواحد منا أن يقول لعبده: اجمع بين الحركة والسكون، متكلما على الحقيقة، لا يعد ذلك من أبواب الذهول. نعم. يعلم أن الطالب لم يرد

الجمع، لعلمه بالاستحالة، والطلب عندنا لا يتوقف على الإرادة. الثاني- أن الجمع معقول، والضدان معقولان، وقد أمر أن يضيف الجمع المعقول للضدين المعقولين، فنبا المحل (16/ب) عن قبول ذلك، فقيل: إن ذلك غير معقول. وكذلك نعلم استحالة الجمع بينهما. ولو كان ذلك لا يقوم بالنفس من حيث الجملة، لم يتصور القضاء عليه بالاستحالة، كما لا يتصور ذلك في المذهول عنه بالكلية، فإن ذلك لا يمكن التعبير عنه قصدا. وهذان الوجهان أيضا اللذان ذكرناهما في الرد على المعتزلة، نرد بهما مع الوجه السابق على أصحابنا. فإن قيل: فما تقولون في تكليف ما لا يطاق؟ قلنا: نذكر أولا صوره، وما يدل عليه لفظه. فإنه يدل عند الأصوليين والمتكلمين على أربعة أوجه: أحدها- ما لا يعقل على حال، كالجمع بين الضدين، وقلب الأجناس، وإعدام القديم، وإيجاد الموجود، إلى ما يضاهي ذلك مما لا يعقل. الثاني- إطلاقه على ما لا يدخل تحت مقدور البشر، وإن كان ممكنا في نفسه، كخلق الجواهر والأعراض، فغن ذلك لا يدخل تحت القدرة الحادثة. وبرهانه: أنه لو كان مقدورا لهم، لأدركوا من أنفسهم عجزا عنه، إذ المحل القابل للشيء وضده. ألا ترى أن الحركة لما كانت من

جنس المقدور، أدرك العاقل عجزه عنها، واقتداره عليها؟ ونحن لا ندرك من أنفسنا عجزا عن خلق الأجسام والألوان، ثبت بذلك أنها ليست من جنس مقدورنا. الثالث- إطلاق ما لا يطاق على ما يقدر العباد عليه في الاعتياد، وإن كان من جنس مقدورهم، كالطيران في الهواء، والمشي على الماء، وجميع ما لم تجر العادة به، مع كونه من جنس مقدور العباد. الرابع- إطلاق اللفظ على جنس المقدور في الاعتياد، ولكن لم يخلق الله تعالى للعبد قدرة عليه. ومن هذا القبيل جميع الطاعات التي لم تقع، والمعاصي الواقعة. فإن الله تعالى لم يقدر العاصي على ترك المعصية، ولا الممتنع من الطاعة على فعلها. والذي نختاره أن التكليف بجميع ذلك جائز من جهة العقل، وقد دللنا على صحة ذلك فيما سبق. وأما الوقوع السمعي فلم يقع عندنا من هذه الأقسام إلا القسم [الأخير]. فأما ما سواه، فلم يقع. ودل على ذلك استقراء الشرائع ونصوص الكتاب. وقد قال الله تعالى: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها}. وقال حكاية

عن عبادة الصالحين: {ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به}. وقال في الحديث الصحيح: (إن الله تعالى قال: قد فعلت). وذلك لسر فهم من الشرائع أنها جاءت على حسب ما ألفه الناس في مطالبهم، واستقر في أنفسهم من عوائدهم. وليس يجري في الاعتياد أن يطلب السيد من العبد الأعمى حسن انتقاد الدراهم والدنانير. فالشرع من أوله إلى آخره جرى على هذا المذاق. وقد قال الله تعالى: {وجزاء سيئة سيئة مثلها}. وقال: {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره. ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره}. وقال: {[من] يعمل سوءا يجز به}. و {من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها}. ونظائرها مما لا يمكن حصرها، مصرح بتعلق التكاليف بما ألف البعاد أنه مقدورهم. وبذلك يحسن الوصف بالطاعة والمعصية. (17/أ) وبالله التوفيق. قال الإمام: (فإن قيل: [فقد] كلف الله أبا جهل أن يصدقه فيما

يخبر به) إلى قوله (فأما تكليفه الجمع بين النقيضين في التصديق فلا). قال الشيخ - رضي الله عنه -: تقدير السؤال أن الله تعالى أمر أبا جهل أن يصدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في كل ما أخبر به، وكان أخبر بأنه لا يصدقه، ووجب عليه تصديقه في هذا الخبر، وهو أنه يكذبه. فحاصل التكليف على هذا التقدير أن يكون مكلفا بالتصديق على الإطلاق، وفي ضمنه التكذيب. وهذا تخيل السائل. فأنكر الإمام هذا. وقال: يستحيل التكليف بالتصديق على هذا الوجه، بل كلفه أن يصدقه في أنه رسول الله، وذلك ممكن، فإن الأدلة منصوبة، والعقل حاضر، إذ لم يكن مجنونا، غير أن الله تعالى علم أنه سيترك ما كلف به حسدا وعنادا. والعناد لا يصير الممكن مستحيلا، وتعلق العلم بالمعلوم لا يغيره. ولو كان

العلم يؤثر في المعلوم، لما تعلق العلم بالقديم سبحانه وتعالى. وقد اختلف المتكلمون في هذه المسألة، وهو أن خلاف المعلوم، هل هو مستحيل أو ممكن؟ فقال قائلون: هو مستحيل، إذ حد المستحيل: ما لو قدر وجوده، للزم منه محال. والجائز: ما لو قدر وجوده، لم يلزم منه محال. وخلاف المعلوم لو قدر وجوده، لزم منه محال، وهو انقلاب العلم جهلا. وقال قائلون: إنه جائز، وهو الصحيح، لصحة وقوع مثله. وما جاز على أحد المثلين، جاز على مثله. والعلم يستحيل أن يؤثر في المعلوم، لصحة تعلقه

بالواجب والمستحيل، وهما لا يقبلا التأثير. وليس من شرط الممكن وقوعه، بل قبلوه للوقوع لو رجح. ويستحيل أن يقع بنفسه، إذ لو كان كذلك، لخرج عن كونه ممكنا، فلم يكن امتناع وقوعه لنفسه، لكن لأن المرجح لم يرجحه، فاستحال لذلك. وهذه الاستحالة لا ترجع إلى نفس الشيء، فلا تؤثر فيه. والمستحيل: ما لو قدر وجوده لنبا العقل عن قبوله، وليس خلاف المعلوم من هذا القبيل. قال الإمام: (فهذا منتهى [الكلام] في [منع] تكليف ما لا يطاق. [ونعود] بعده إلى المقصود بالفصل في ذكر من يكلف، وما يقع التكليف به. [والقول] الوجيز [فيه] أنه يكلف المتمكن، ويقع التكليف بالممكن، ولا نظر إلى الاستصلاح ونقيضه). قال الشيخ - رضي الله عنه -: قوله: يكلف المتمكن، هذا إنما بناه على أصله في تقدم القدرة على المقدور. فإن مذهبه في هذا الكتاب صحة ذلك. وهو خلاف ما يراه في الكلام. فأما على [ما اخترناه] نحن

من اقتران القدرة بالمقدور، فلا يشترط ذلك، على معنى أنه لا يكلف إلا قادر. وإن أطلقنا أنه لا يكلف إلا متمكن، [فإنا نريد] به أنه لا يكلف في الواقع إلا من لا يتحقق عجزه عن إيقاع المطلوب. فأما اشتراط تحقيق الإمكان الذي هو الاقتدار، فغير معتبر، بل لا سبيل إلا علمه أبدا في جريان العادة إلا بعد العمل. ومن المتعذر أن يشترط في توجيه التكليف علم ما لا يعلم إلا بعد الامتثال. وقوله: يقع التكليف بالممكن. ليس يعني به الممكن على الإطلاق، فإن خلق الجواهر ممكن من حيث (17/ب) الجملة، وإن كان يمتنع به التكليف عقلا عنده، وشرعا عندنا. وإنما مراده: ويقع التكليف بالممكن لمن كلف به. [وقوله]: ولا نظر إلى الاستصلاح ونقيضه. أراد بذلك مخالفة المعتزلة في بنائهم الأحكام على الاستصلاح والاستفساد.

مسألة: تكليف السكران

قال الإمام: (مسألة: السكران يمتنع تكليفه، خلافا لطوائف من الفقهاء) إلى آخر المسألة. قال الشيخ وفقه الله: هذا [الذي] ذكره الإمام في هذا الموضع، تعرض فيه لإثبات شرط زائد على تمكن الفاعل، وإمكان الفعل. فإن السكران قد يتمكن من الفعل، [ولكنه] غير متمكن من إيقاعه طاعة. وقد بينا أنه لا يشترط في التكليف التمكن من علم وجوب الفعل به. كما تقدم في وجوب النظر.

ولكن مسألة السكران تخالف تلك، من جهة تصور القصد إلى النظر بحصول الفعل، والسكران لا يصح منه القصد إلى فعل. فبهذا تفترق المسألتان. والصحيح عندنا جواز ذلك. وقد بينا أن عدم فهم الخطاب لا يمنع التكليف، وقد استحال فهم الطلب في مسألة وجوب النظر قبل إكماله. والإمام رحمه الله إنما جعل الاعتماد في منع التكليف على استحالة فهم الخطاب. وقد بينا أن المكلف لا يتصور أن يفهم خطاب الوجوب في النظر الأول على حال، ولا يعلمه إلا بعد تقضيه. وأيضا فإن الجاهل بالأحكام جملته قد توجه عليه التكليف، وإن كان لا يفهم. وقد قررنا أن التمكن يقارن بالفعل، فهو على الحقيقة لا يفهم، ولا يتمكن من الحال، والتكليف متوجه من غير إشكال. فثبت بذلك أن الفهم غير

مشترط في توجه التكليف من جهة العقل. وهذا يحقق صحة تكليف السكران من جهة العقل. وأما وقوع تكليف السكران، فغير مقطوع به نفيا ولا إثباتا، والظاهر عندنا تكليفه. وقد قال الله تعالى: {يا أيها الذين أمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون}. وهذا خطاب مع السكران, وقد تؤولت الآية على وجهين: أحدهما- أنه قيل: هذا خطاب مع المنتشي الذي ظهرت منه مبادئ النشاط والطرب، فإنه قد يستحسن فيه من الانبساط ما لا يتم معه مقصود الخشوع، فهو تسمية ما يؤول إليه، وهو منساغ. [الثاني-] وقيل: لم يرد بذلك النهي عن الصلاة مع السكر، وإنما أريد به الإفراط في الشرب عند وقت الصلاة، وكأنه قيل: لا تشرب فتمتنع عليك الصلاة، وأضيف النهي إلى الصلاة تجوزا. وهذا كما يقال: لا تقرب

مسألة: تكليف الناسي والغافل

التهجد وأنت شبعان، أي لا تشبع فيثقل عليك التهجد. وهذا الذي ذكره هؤلاء ممكن، ولكن لا معنى لترك الظاهر من غير ضرورة. [ولكن] حملهم على هذا التأويل اعتقادهم الاستحالة، وقد بينا أنه لا استحالة في ذلك. وحققنا توجه الخطاب على من لا يفهم التكليف. وهذا مقطوع به في الشرائع، فإن من لا يعلم أنه مكلف، فهو لا يفهم الخطاب قطعا. وقوله: إن الناسي كالسكران في سقوط التكليف عنه. والكلام أيضا عليهما سواء بالنظر إلى (18/أ) مقتضى العقول. وأما الواقع من التكليف في حق الناسي والغافل، ففي الشرع انقسام في أحوالهما: فرب موضع يسقط عنهما [فيه] التكليف والمؤاخذات. وهذا بمثابة [ما] إذا أفطر في رمضان ناسيا، أو تكلم في الصلاة ساهيا، أو كان نذر صلاة أو صوما فنسيه، فإنه لا مؤاخذة [عليهما] في هذه الجهات بإجماع من العلماء.

وأما [المواضع التي] تثبت فيها المؤاخذات، فهي المواضع التي لا يكون [فيها] امتلاء القلب بحب المعصية، فيمنعه من فهم حكمها، كمن رأى امرأة جميلة، وهو يعلم تحريم النظر، فنظر إليها غافلا عن تحريم النظر، فإن ذلك لا يسقط التكليف عنه، ولا يوجب العفو عن هذه الجريمة. وكذلك في الغيبة والنميمة والكبر والعجب والحسد والرياء والكذب، وغيره من محرمات الشريعة. فإن نسيان الأحكام بسبب قوة الشهوات، لا يسقط التكليف. وقد حكم العلماء أجمعون بصحة صوم النائم، وإن كان لا يفهم ذلك الوقت، فإنما يكون صموه طاعة على شرط كونه مأمورا به. وكذلك صلاة الغافل مقطوع بكونها قربة. وقد اعترف الإمام بهذا بعد هذا. على ما

مسألة: تكليف المكره

سنذكره في مسألة الصلاة في الدار المغصوبة. والعمدة في الباب على جواز التكليف بالنظر إلى مقتضى العقول، من غير اعتبار هذه الشروط، واستقراء الواقع في الشرع. فقد ثبت ذلك بوجه مقطوع به، كما في صوم النائم وصلاة الغافل في أثنائهما، وتوجه التكاليف على من استفزه الهوى وأغفلته شهوة المعصية. وقد ثبت ذلك بوجه مظنون، كما في السكران وصوم المغمى عليه، فإن هذه المسألة اختلف الفقهاء فيها، فيقضي كل مجتهد بما غلب على ظنه. والله الموفق للصواب. قال الإمام: (مسألة: المكره لا يمتنع تكليفه، لإمكان الفهم والامتثال) إلى آخر المسألة. قال الشيخ - رضي الله عنه -: المكره يطلق على وجهين: يطلق على

المضطر الذي لا قدرة له، ولا تمكن في حقه. وهذا غير مكلف بفعل مأمور، ولا بترك منهي، إما عقلا عند قوم، وإما شرعا عندنا. ويطلق على من لم يخل ودواعيه، بل حركت دواعيه من خارج. وهذا القسم هو الذي فيه الكلام. ومذهب أهل الحق صحة تكليفه بفعل المأمورات وترك المنهيات. ومنعت المعتزلة التكليف على وفق الإكراه، وجوزوا التكليف على خلاف

الإكراه، فإذا أكره على قتل مسلم، كلف ترك القتل. وإلزام القاضي صحيح على مقتضى الأصول. فإن المعتزلة والقاضي متفقون على استحالة تكليف ما لا يطاق عقلا. وأراد القاضي أن يبين أن الإكراه لا يصير الفعل واجبا من جهة العقل، بدليل عقلي، وآخر شرعي: أما العقلي: فهو أنه يمكنه الانكفاف، ولو كان الإكراه يصير الفعل حتما، لكان الانكفاف مستحيلا. الثاني: وهو الشرعي، أنه لو تحتم الإيقاع بسبب الإكراه، لاستحال التحريم في توجه التحريم بالاتفاق، [مما] يدل على بقاء الإمكان. وإذا تحقق الإمكان، صح التكليف. والمعتزلة ثبتت على أصولها في اشتراط انضمام شرط آخر إلى الإمكان، وهو استحقاق الثواب [مع] [امتناع] التكليف. (18/ب) وهذا من

تحكماتهم الباردة؛ ولا يمتنع التكليف من غير إثابة، ولا يمتنع أن يثيب لله المكره إذا فعل. وقد وجه أبو احمد أشكالا على من يقول: يصح التكليف مع الإكراه. وتلخيص سؤاله أن قال: المكره لا يخلو: إما أن يقدم بباعث السيف، فلا يكون فعله طاعة، أو يقدم بباعث الأمر خاصة، بل كان يفعله لو أكره على تركه، فلا يكون مكرها. ثم قال: فلينتبه لهذه الدقيقة. ومقصوده أنه لا يصح أن يكون مكرها مطيعا، فيخرج منه أن لا يكون مكلفا مطيعا. وهذا زلل. وإذا تحقق الإمكان، تصور التكليف. فإن كانت النية شرطا، وجب الإتيان بها. وإن فقدت، بكل العمل، لا لاستحالة التكليف، بل للإخلال بشرطه. وإن لم تكن النية شرطا، حصل المطلوب، وإن لم يكن الفاعل مكرها. كما لو أكره على رد الغصب والودائع، وقضاء الديون بأنواع العذاب. فلا حاصل لما ذكره هذا الإنسان.

قال الإمام: (مسألة: ذهب بعض أصحاب أبي حنيفة إلى أن الكفار غير مخاطبين بفروع الشريعة) إلى قوله (ما لم يقدم رفع الحدث عليها). قال الشيخ وفقه الله: ظاهر مذهب مالك رحمه الله كما حكي عن أصحاب أبي حنيفة، وعندنا قول ليس بمشهور: أنهم مخاطبون.

وأما الذين فصلوا من العلماء، فالسبب عندهم في الفرق، أن المنهيات يكتفى فيها بمجرد الكف دون النية، وذلك متأت من الكفار. وأما المأمورات، فمفتقرة إلى نية التقرب، وذلك لا يتصور من الكافر. وهذا خيال ضعيف. فإنه وإن تصور منهم مجرد الانكفاف، تصور منهم أيضا صورة الطاعة. وكما استحال منهم القصد مع الكفر، استحال منهم فهم التحريم مع جحود المحرم، فلا وجه لهذه التفرقة. وما ذكره الإمام من تقسيم الكلام إلى الجواز والوقوع، حق لا مزيد عليه. وتلخيص القول: أنه لو فرض الخطاب بإقامة الفروع، لكان خطابا بتصحيح

الفروع، وذلك ممكن ممن لا يعتقد الصانع المختار. معناه: أن الفاسد غير مأمور به، وإنما يؤمر بالفعل الصحيح. والفعل الصحيح مع الكفر مستحيل، فلا يمكن إلا الفاسد، وهو غير مأمور به. فالممكن ليس مأمورا به. وما يقدر مأمورا به لا يمكن. فلا يتصور الأمر على هذا إلا بتقديم الإيمان. وإذا حصل، صح الأمر بالفروع. هذا تقرير الشبهة. والجواب بالنقض لازم. ونحن نذكر حقيقة النقض، وما ينفع منه في الدين والجدل، وما يفيد في القواطع والمظنونات، وما لا ينفع في واحد منهما، وما ينفع منه في المظنون دون المقطوع به.

فالنقض في وضع اللغة: مأخوذ من تفريق الأجزاء، وإفساد البنية، ومنه قوله تعالى: {كالتي نقضت غزلها}. ويقال: نقضت البناء. وهو عند الأصوليين يرجع إلى وجهين: انتقاض الأدلة، وانتقاض العلل، وكلاهما يرجع إلى بيان حال الربط الذي ادعاه المستدل أو المعلل ببيان الافتراق بينهما في الوجود. وهذا قد يكون قادحا، وقد لا يكون قادحا. والذي ينتفع به في القطعيات قسم واحد، (19/أ) وهو أن تكون المسألة الناقضة مقطوعا بحكمها. ويقطع [القاطع] بمساواة المنقوضة لها مع امتناع الاستثناء عليها. فإذا اجتمعت هذه الشروط، قطع بمساواة حكم المنقوضة لحكم الناقضة. وهذه المسألة من هذا القبيل، فإن الأمة مجمعة على ثبوت التكليف بالإيمان بالله - عز وجل - وبرسول، وإن كان ذلك لا يمكن إلا بتقديم النظر. وكذلك المحدث مأمور بالصلاة، وإن كان لا يتأتى منه إقامتها دون تقديم رفع الحدث عليها. فعلم بذلك، وهو قاطع، أن تقديم الشرط غير مشروط في تحقيق التكليف بالمشروط قبل وجود شرطه. وأما بقية أقسام النقض، فسيأتي إن شاء الله تعالى الكلام عليها في باب النقض. وإنما ذكرنا [ههنا] ما تمس الحاجة إليه الآن.

وجواب آخر: وهو أنا بينا أن الإمكان لا يتشرط عقلا في تصور التكليف، بدليل ما أسلفناه. ولو سلم ذلك، فليس المراد بالإمكان اقتران القدرة بالمقدور، وإنما المراد بذلك أن يكون الفعل من قبيل الممكنات لمن كلف به في الاعتياد، بحيث تتأتى منه داعية الإقدام والإحجام، والمكلف يتأتى منه القصد إلى إقامة الفروع بتقديم شروطها. فإن امتنع من تقديم الشرط عد مخالفا. وهذا أمر بين عند العقلاء. والعبد المأمور بشراء حاجة من مكان بعيد، يعلم أن سيده أمره بالشراء، وإن كان لا يتأتى منه ذلك دون الوصول إلى مكانها. ولا يقال: إنه لا يكون مأمورا بالشراء إلا بعد الوصول، وهذا إنما اتخذ السير وسيلة إلى تحصيل الواجب، فإذا لم يجب شراء البتة. ولو استحال التكليف بالمشروط قبل حصول الشرط، لم يجب أيضا الإيمان بالله، ولا النظر في الأدلة، إذ شرط ذلك القصد، فلا يكون الخلق مطالبين إلا بالقصد خاصة. فأما الإيمان بالله ورسوله، فلا يتوجه على الكفار أمر به. وهذا خلاف دين الأمة قطعا. وكذلك القول في الصلاة باعتبار الطهارة، ولا يكون الإنسان أيضا مأمورا

مسألة: تكليف الكفار بفروع الشريعة

بالطهارة عند من يشترط النية، بل بالنية على الخصوص. ثم لا يصح أن يقصد الإنسان إلى إيقاع علم على وجه الطاعة يعلم أنه لم يؤمر به. والنية قصد يتبع العلم. فإذا علم، انتفى التكليف بالطهارة. كيف يتصور أن يقصد إلى الامتثال من يعلم أنه لم يتوجه عليه أمر؟ هذا محال لا شك فيه. قال الإمام رحمه الله: (التحقيق في ذلك كله عندي أن الكافر

يستحيل أن يخاطب بإنشاء فرع على الصحة) إلى قوله (فهذا هو الكلام في طرف الجواز). قال الشيخ - رضي الله عنه -: ما ذكره الإمام في هذا الموضع، كلام فيه لبس، وهو قوله: والذي أراه أنه يستحيل أن يخاطب الكافر في حال كفره بإنشاء فرع على الصحة. وهذا الكلام يصح على وجه، وهو أن يقال له: أوقعه صحيحا مع كونك كافرا، ويجعل كفره شرطا في كونه مطلوبا بالعمل، فإن ذلك لا يعقل. فأما أن يصادفه التكليف بالصلاة الصحيحة مع كونه كافرا، فإن ذلك غير مستحيل، بدليل ما قررناه قبل من المعقولات والأمثلة المعتادات.

ولكن هذه المقالة بناها الإمام على قاعدة له سيأتي بيانها، وهو أن الأمر بالشرط لا يتحقق (19/ب) أنه أمر في الحال. وإذا كان الشرط عنده مفقودا، علم نفي الأمر. وبنى على ذلك مسائل كثيرة في الأوامر ومسائل النسخ. وأنه إذا ورد المانع من الفعل، تبين أنه لم يكن مأمورا على حال. وهذا غلط عند أهل التحقيق، كما قررناه فيما مضى. وعلى ما سنبينه بعد ذلك، إن شاء الله تعالى. ثم أفضى به الأمر إلى إثبات العقاب على ترك المشروطات من غير تكليف بها على حال. والأمة مجمعة على أن لا عقاب إلا على العاصي،

وإن كان الله تعالى يتفضل بإثابة من لم يطعه، كالمظلوم يؤخذ ماله وعرضه. إلا أنه تعالى قد تفضل بأنه لا يعاقب إلا من عصاه. وقد يتفضل بترك العقاب بعد المعصية. ولا يشذ عن هذا الأصل إلا مسألة واحدة، اختلف الناس فيها على مذاهب كثيرة، وهم أولاد المشركين. فأما ما سوى هذه المسألة، فمجمع عليها بين علماء الأمة. قال الإمام: (فإن قيل: إن ثبت لكم الجواز على تأويل التوصل وفرض العقاب) إلى قوله (وتقرر في أصل الدين ومستفيض الأخبار أن الله لا يعفو عن الكفار). قال الشيخ - رضي الله عنه -: ما ذكره القاضي رحمه الله من كون المسألة مظنونة،

كلام صحيح، والأدلة القطعية مفقودة من الجانبين. والمسألة من مسائل الفروع، وليست من مسائل الأصول بحال. إذ ليس النظر فيها متعلقا بأدلة قطعية، [وإنما] فيما يصح أن يكون أمارة، فهي بمجال الفقه أجدر. ولكن الأغلب على الظن عندنا أنهم غير مكلفين بالفروع. ويدل عليه أمران: نقلي وفقهي. أما النقلي: فلما روي في الحديث الصحيح: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أرسل بعض رسله إلى قوم من المشركين وقال له: (فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فإن أجابوا، فأعلمهم أن الله أوجب عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة). فجعل الإعلام بالفروع بعد الإجابة إلى الإسلام.

وأما من جهة المعنى: فطلب الفروع [يكون لإيقاعها]. والإيقاع مع الكفر متعذر، وإذا قدم الإسلام، فإن كانت أوقات الفروع قائمة، استقبل المكلف الفعل، لتوجه الخطاب عليه في الحال. فإن فاتت أوقاتها، فالإسلام يمنع من التدارك. فأي حاجة إلى تحقيق التكليف ثم الحكم بالسقوط؟ فهذه الفروع لا تفعل في حال الكفر، ولا تقضى بعد الإسلام. فكان الظاهر أنهم لم يخاطبوا بها، إذ لا يحصل منها مقصود التكليف. وهذا واضح، فإنا لم نقطع بذلك، لاحتمال أن يكون التكليف تظهر فائدته في الآخرة عند الموت على

الكفر في مضاعفة العذاب. وهذا بعيد، فإن المقصد الأصلي من التكليف الطاعة بالفعل. وقد بينا أن هذا ممتنع في [حق] الكفار في حال الكفر وبعد الإسلام. فكان الظاهر عندنا نفي التكليف بالفروع. وقوله: (والذي أراه أن الكفار مأمورون بالتزام الشرع جملة، والقيام بمعالمه تفصيلا). [فيه] اقتصار على نفس المذهب، معرى عن الدليل. وأما وجوب التوصل، (20/أ) فقد بينا صحة التكليف من جهة العقل، وحققنا أن مقتضى مذهبه، امتناع التكليف بالوسائل عند العلم بعدم وجوب المتسول إليه. والإيمان وجب [لا] لاعتبار كونه وسيلة عندنا، بل لأنه مقصود في

نفسه. حتى لو علم الإنسان بوجه من الوجوه أنه لا يمكنه أن يفعل [شيئا] من الفروع، لكان الإيمان عليه واجبا. وما ادعاه من القطع بأنهم معذبون في الدار الآخرة، دعوى القطع من غير برهنا، ولا أمارة ظنية. وقوله: (والموصل إليه أنه قد ثبت [قطعا] وجوب التوصل). فمن العجب أن يجب التوصل إلى ما ليس بواجب. [وقوله: ] (وتقرر في أصل الدين ومستفيض الأخبار أن الله تعالى لا يعفو عن الكفار فيما تعبدهم به).

القول في العلوم ومداركها وأدلتها

[ولكن] النزاع، هل تعبدوا بالفروع أم لا؟ ولا أرى لما ادعاه من القطع وجها. قال الإمام: (القول في العلوم ومداركها وأدلتها). قال الشيخ - رضي الله عنه -: قوله: العلوم: هو جمع علم، لا يصح على مقتضى العربية، فإن العلم مصدر، والمصدر لا يثنى ولا يجمع، لأنه يدل على القليل والكثير من جنسه، إلا أن تختلف أنواعه، نحو [الحلوم] والأشغال. والعلم لا يتصور أن تختلف أنواعه بوجه يرجع إلى انقسام العلم وتفاوت درجاته، وإن كانت تختلف متعلقاته، وليس اختلاف المتعلقات بالذي يوجب اختلاف العلم، من جهة كونه علما. وقد ذهب بعض الناس إلى أن العلم يختلف، وزعموا أنه يتصور أن يكون علم أوضح من علم. وهذا غلط بين. واعتذر هذا القائل بمثال محسوس تمسك به، وقال: إذا رأى الرائي جسما أبيض في غلس، فإنه يرى بياضه، وكلما اشتد الضياء، علم البياض على وجه أوضح مما علمه أولا بالإبصار. قال: فكذلك العلم الذي لا يرجع إلى حاسة البصر.

وربما تمسك بأن علم النبي بربه لا يساوي علم غيره به. وهذا غلط عندنا. وخياله فيما تمسك به من رؤية الأبيض على جهة رؤيته على أوضح من ذلك، ليس بصحيح، وإنما يرجع ذلك إلى رؤية أجسام لطيفة مسودة، فإذا قوى البياض ذهب اسودادها. وأما ما شنع به من أن علم النبي بربه لا يساوي علم غيره، فليس الأمر في ذلك يرجع إلى تفاوت العلمين، وإنما يرجع ذلك إلى كثرة معلومات النبي وقلة معلومات غيره، أو لدوام علمه، وتوالي الغفلات على غيره. وأما تفاوت العلم حقا وحظا، فمحال، إذ حقيقته الكشف. وكمال التقرير فيه أن العالم إذا اطلع على معلوم، فلا يخلو: إما أن يحيط به من كل وجه، أو من بعض الوجوه، فإن أحاط به علما من كل وجه، استحال أن يعلم ثانيا ما لم يعلم أولا، فلا يصادف العلم الثاني متعلقا. وإن أحاط ثانيا بما لم يحط به أولا،

فهذا علم آخر، متعلق بمعلوم آخر، ولا يرجع ذلك إلى إيضاح في الأول بحال. (20/ب). وإن قال قائل: يصح جمعه بالنظر إلى متعلقاته، فيقال له: فجوز جمع الضرب باعتبار تعدد متعلقاته، فقل: ضروب. وكذلك يلزم جمع النظر، لاختلاف المنظور فيه، حتى يقال: أنظار. بل منع أهل اللغة من جمع المصدر، وإن اختلف قلة وكثرة، وقوة وشدة. فكيف يجمع ما لا يقبل الاختلاف بوجه؟ وقد قال سيبويه رحمه الله: لا يجمع العلم ولا النظر. لما قررناه. والكلام في الدليل يأتي بعد ذلك، إن شاء الله تعالى. قال الإمام: (الوجه تصدير الباب بقول مقنع في العقل) إلى قوله (فهذا لباب كلامه بعد تطويل وإطناب). قال الشيخ - رضي الله عنه -: قد اختلف في إلحاق لفظ

العقل [بالعلم]، واختلفوا في ماهيته: فذهب الخوارج إلى أن العاقل: من عقل عن الله. وقال الشيخ أبو الحسن: العقل هو العلم. وهو مختار الأستاذ أبي إسحاق.

ماهية العقل

وذهب الحارث بن أسد المحاسبي إلى أن العقل: غريزة يتوصل بها إلى المعرفة. وقد أوضح ذلك في كتاب: (الرعاية) وبسطه بسطا كثيرا، وأتى له بمثال فقال: (مثل العقل مثل البصر، ومثل العلم مثل السراج، فمن لا بصر له، لا ينتفع بالسراج، ومن له بصر بلا سراج، لا يرى ما يحتاج إليه). فقد صرح بمخالفة العقل العلم. وقال الجبائي: العقل هو الصارف عن القبيح، الداعي إلى الحسن. وعباراتهم في ذلك كثيرة. وكلها ترجع إلى هذا. فلم نر الاشتغال بنقلها والإكثار منها. وقال بعض المحصلين: إن العقل هو الذي يصح معه الاستدلال. قال القاضي: لست أنكر تفسير العقل بالعلم في وضع اللغة، فإن العرب تقول:

عقلت الشيء وعلمته وفهمته. فلا امتناع في تسمية العقل علما والعلم عقلا. ولكن غرضنا بالكلام أن نوضح العقل الذي هو شرط صحة التكليف. وأما التطويل الذي ذكره الإمام في احتجاج القاضي، فلابد منه ليتبين مأخذه. فإن الرد على القائل قبل معرفة مأخذه فيه نظر. قال القاضي: العقل أمر وجودي، إذ لو كان عدما، لما اختص به بعض الجواهر دون بعض، إذ النفي لا اختصاص له. فإذا ثبت وجوده، فلا يخلو: إما أن يكون قديما أو حادثا، ويستحيل الحكم بقدمه، لدلالة الأدلة على أن لا قديم إلا الله وصفاته، إذ لو كان قديما، لاستحال أن يتصف به المحدث، ولا معنى للإطناب في ذلك. وأيضا فإن ذات القديم لا يختص بها بعض الجواهر دون بعض، فكان يجب أن يثبت العقل لجميع جواهر العالم. وقد صار كثير من الحشوية إلى أن العقل قديم. وهم أقل من أن يفردوا بكلام. وهذا كقولهم بقدم الروح.

وإذا بطل كون العقل قديما، وجب القطع بحدثه. ثم الحادث لا يخلو: إما أن يكون جوهرا أو عرضا، وباطل أن يكون العقل جوهرا، لأدلة: منها- تماثل الجواهر. ومنها- أنه لا يوجب جوهر حكما لجوهر، مع اختصاص كل واحد بحيزه. ومنها- تجدد حكم العقل على الجوهر مع استمرار وجوده. ويتحقق ذلك بوجوب قيام الموجب بمن له الحكم، فوجب أن يكون من قبيل الأعراض. ولا يصح وقوعه على جميعها، لأنها مضادة. وأيضا فإنه (21/أ) يتصف بالعقل مع فقدان جملة من الأعراض. فإذا ثبت أنه بعض الأعراض، فلا يخلو: إما أن يكون غير المعلوم، وإما أن يكون من العلوم. باطل أن يكون غير العلوم، إذ لو كان كذلك، لصح أن يتصف بالعقل خال عن العلوم كلها. فدل أنه من ضروب العلم. والذي يحقق ذلك، أنه ما من ضرب من ضروب الأعراض زائد على الحياة، إلا ويصح تقدير العقل مع عدمه إلا العلوم. وإذا كان كذلك، وصح أن العقل من العلوم، ومحال أن يكون جميعها، لصحة الاتصاف بالعقل مع فقدان جملة من العلوم. ولا يصح أن يكون من العلوم النظري، لأن النظر لا يقع ابتداؤه إلا مسبوقا بالعقل. ولا يصح أن يقال: إنه جملة من العلوم الضرورية، فإن العلم بالمحسوسات من الضروريات. وقد يعقل من لا يحس أصلا. فثبت أنه بعض العلوم الضرورية.

ثم سبيل التنصيص عليه أن [يقال]: كل علم لا يخلو العاقل منه عند الذكر، ولا يشاركه فيه من ليس بعاقل، فهو العقل. وتحصيل ذلك: أن العلم بالآلام واللذات والعلم بالنفس، لما اشترك فيه العاقل وغير العاقل، لم تكن هذه الضروب من العقل. فأما العلم بأنه لا يخلو المعدوم عن النفي والإثبات، ولا يخلو الموجود عن قدم وحدوث، فلا يشارك العقل فيه غيره فهو العقل. وعد القاضي من

ذلك، العلم بأن الخبر لا يكون إلا صدقا أو كذبا. وعد منه العلم باستحالة اجتماع المتضادات. فهذا هو التطويل الذي ترك الإمام ذكره. والاعتراض عندي على هذه الطريقة أن يقال: العقل معنى واحد مفرد، فكيف يتصور أن يكون مركبا من علوم متعددة، وكل علم مخالف للعلم الآخر؟ هذا عندي لا يصح. وقد قال بعض أصحاب القاضي: إن العقل يرجع إلى علم المرء بأنه عالم، فإن المعلوم ينقسم إلى النفي والإثبات، والإثبات ينقسم إلى القديم والحادث، فيرجع العقل إلى علم واحد، حتى لا يلزم التركيب في العقل. ولكن هذا أيضا غير سديد، فإنا نختار في الكلام: أن كل معلومين يتصور العلم بأحدهما مع الغفلة عن الآخر، فغنما يعلمان بعلمين. والعلم يتعلق بالمعلوم وبنفسه، فلا يكون علم واحد يتعلق بهذه المعلومات. فلا يصح أن تصير العلوم المتعددة عقلا. قال الإمام: (وهذا الذي ذكره فيه نظر) إلى قوله (وهذا سبيل كل شرط ومشروط). قال الشيخ: قول الإمام: إنه لا يمتنع أن يكون العقل مشروطا

بعلوم. لا يصح، إذ لو كان كذلك، لأمكن وجود العلم دون العقل، إذ لا يمتنع وجود الشرط دون المشروط. ومن المحال أن يعلم العلوم الضرورية من لا عقل له. ولكن يتوجه على القاضي فيما ذكره اعتراض، وهو أن يكون العاقل شرطا في العلوم الضرورية، فلا تحصل إلا لمن حصل له العقل. وهذا الذي قصده الإمام، وإن كانت العبارة غير محررة، ولكن يجاب عن هذا: بأنه لو كان العقل شرطا، لأمكن وجدانه دون العلوم. وهذا الذي ادعاه الإمام من أن الذاهل عن الفكر في الجواز والاستحالة عاقل، فهذا الذي ذكره غير مسلم، فإنه إذا ذهل عن جميع العلوم، لم يكن عاقلا. فإن قال قائل: ما المانع من كون العقل شرطا في العلوم، والعلوم شرطا في العقل (21/ب)، فيكون الاشتراط من الجانبين، فيوجب ذلك الاقتران من الطرفين؟ وهذا السؤال غامض، وينقدح في دفعه طريقان: أحدهما- أن التحكم بادعاء شرط لا يعلم ضرورة ولا نظرا باطل. فإن قيل: لسنا ندعيه، ولكن نقول: ما المانع منه؟ فعنه جوابان:

أحدهما- أن هذا التقدير يفضي إلى ما لا نهاية له، فإنه يمتنع تقدير شرط للشرط المقدر، ولا يقف الأمر على حد. الثاني- أنه لو كان كذلك، لوجب أن يثبت ذلك في حق الله سبحانه وتعالى، فإن الشرط العقلي يجب طرده شاهدا وغائبا، فيكون للباري تعالى عقل زائد على العلم، وذلك باطل بإجماع الأمة. وهذا هو الطريق الثاني في الجواب عن السؤال الأول. فإن قيل: هذا تمسك بالإجماع في مسائل الكلام وقضايا العقول. فنقول: لا يمتنع أن يتلقى هذا الضرب من المعقولات من الإجماع. والضابط: أن كل ما يصح أن يتلقى من الرسول - عليه السلام - من قضايا العقول، جاز أن يتلقى من الإجماع. ولو أخبر الرسول - عليه السلام - أنه ليس لله تعالى صفة هي شرط في العلم إلا الحياة، لعلم ذلك منه. وسيأتي لهذا مزيد تقرير، إن شاء الله تعالى.

قال الإمام: (فإن قيل: فما العقل؟ قلنا: ليس الكلام فيه بالهين. وما حوم عليه أحد من علمائنا غير الحارث بن أسد المحاسبي. فإنه قال: العقل: غريزة يتأتى بها درك العلوم وليست منها). قال الشيخ وفقه الله: وقد أنكر الإمام [هذه المقالة] في (الشامل)، ومنه كون المحاسبي يقول ذلك: (ولعمري إنه لبعيد من نفس ذلك الرجل، وغير لائق بمذهب أهل الحق). ثم تأوله الإمام هنالك، وقال: (لعله أراد بذلك معرفة الله - عز وجل - والتشمير للعمل، ولم يرد به مطلق العلم). وللتأويل مجال. ولكن قد ذكر المحاسبي هذه المسألة في (الرعاية)،

ونص على الفرق بين العلم والعقل. على ما قررناه. والله أعلم بصحة ذلك. قال الإمام: ([والقدر] الذي يتحمله [هذا الموضع]) إلى قوله (والأدلة عليها). قال الشيخ وفقه الله: ما ذكره الإمام، لا خلاف بينه وبين ما حكاه عن (المحاسبي). إلا أن لفظ الغريزة ليست عبارة المتكلمين. فقد يوهم إطلاقها باختلاف في الجواهر على ما ذهب إليه الفلاسفة، وليس هذا اعتقاد أحد من أهل الإسلام. ولفظة (الصفة) مشهورة عندهم. وقوله: ليس الكلام في بالهين، يشير إلى اشتراك لفظه، وتعدد مدلولاته. والفلاسفة يقولون: العقل يرجع إلى العالم العلوي. في مذاهبهم في

العقول والنفوس. وهذا الأصل لا سبيل للخوض فيه في هذا الفن. وليس النزاع الحقيقي بين المتكلمين وراء الألفاظ، إلا في إثبات هذه الصفة ونفيها. والذي يصح عندنا في العقل ما حكيناه عن أبي الحسن أنه يرجع إلى العلم من غير زيادة. وهو مطابق للغة، وإن كان لفظ العقل قد يطلق على زاد على العلم، ولكن إنما [نريد] نحن بعض مسمياته، وهو ما يرادف العلم منها، إذ يقال: علمت وعقلت وفهمت بمعنى واحد. وقد اعترض على هذا، بأن الله سبحانه عالم، ولا يقال له عاقل. والجواب عنه: (22/أ) أن إطلاق الأسماء على الله - عز وجل - موقوف على ورود السمع. فأما وضع الاسم تلقيبا، فمجمع على منعه. وأما إطلاق الأسماء المشتقة من المعاني عند ثبوت اتصافها بالمعاني، فمختلف فيه. وللمسألة ثلاثة أحوال: إما أن يرد الإذن، كالعالم والقادر، وإما أن يثبت المنع، كالسخي، وإن أطلق عليه لفظ الكريم، وإما أن ينتفي الأمران. فهذا موضع خلاف، فمن مانع، ومن مجيز، ومن متوقف. والظاهر عندي المنع، لحصول القصر، بالنظر إلى مفهوم العدد، حيث

قال - عليه السلام -: (إن لله تسعة وتسعين اسما، مائة إلا واحدا). فانظر كيف قال: (إلا واحدا). وكأن المنع من إطلاق العقل عليه لذلك. وأظن- والعلم عند الله- أن سبب المنع ما يتطرق إلى اللفظ من اشتراك. إذ قد يطلق العاقل على من عنده سكون وهدوء، وملازمة الطريق الحميدة عند العقلاء، لداع يدعوه إليها، والانصراف عن الرذائل لصارف يصرفه عنها. فلما كان ذلك قد يفهم من اللفظ، منع من إطلاقه على الله سبحانه وتعالى. وهذا الاعتراض أيضا يتوجه على من قال في حد العلم: إنه المعرفة. فإن الله سبحانه وتعالى لا يسمى عارفا، كما لا يمسى عاقلا. والكلام في المعقولات غير الكلام في جواز الإطلاق على الله [في السمعيات]. قال الإمام: (فصل- لم ينكر من يبالي به من العقلاء أصل العلوم) إلى

آخر الفصل. قال الشيخ: هذا الذي ذكره الإمام ظاهر، لا مزيد عليه،

(فصل- في حد العلم وحقيقته)

ولا يحتمل أكثر من هذا. قال الإمام: (فصل- في حد العلم وحقيقته) إلى قوله (وهذا لا يرشد إليه

تغاير العبارات). قال الشيخ - رضي الله عنه -: ننبه في ابتداء هذا الكلام على أصل في الحدود، وهو أن اللفظ إذا كان نصا، فهو أحسن ما استعمل في الحدود. وكذلك إن كان ظاهرا واحتماله بعيد، فاستعماله أيضا حسن. وإن كان مشتركا وملتبسا، فلا يصح استعماله في الإفهام مجردا عن القرينة بحال. واختلف أصحاب الحدود فيما إذا بينته القرينة المقالية، كقولنا: العلم:

الثقة بالمعلوم. فإن الثقة مشتركة بين الأمانة والعلم. ولكن ذكر المعلوم يقطع ذلك الاشتراك في المحل المخصوص، ويبين مقصود المتكلم منه. وكذلك إذا قلنا: العلم إدراك المعلوم. وقد حد به أيضا الشيخ أبو الحسن. من جهة أن الإيهام الذي فيه يزيله التقييد بالمعلوم والإضافة إليه. وهل يكون اقتران القرينة الحالية فيما بين المتخاطبين تقوم مقام القرينة اللفظية؟ هذا أيضا متنازع فيه. وإذا رأينا أن ذلاك لا يبطل، فالمراد ههنا بالتبيين: مجرد الكشف. ويكون ذلك استعمال اللفظ في خصوص ما وضع له. نعم، إن كان لا يطلق لفظ التبيين أبدا لا حقيقة ولا مجازا، إلا على ما سبق فيه إيهام، امتنع التحديد، ولست أرى الأمر كذلك.

وأما قول أبي الحسن: العلم ما يوجب لمن قام به كونه عالما. فهو ضعيف من أوجه: منها- أن إيجاب الأحكام إنما يكون على القول بإثبات الأحوال. وأما نفاة الأحوال، فلا معنى عندهم للإيجاب. ولا يرجع ذلك إلا إلى مجرد التسمية، فكأنه قال: العلم إذا قام بذات سميت عالمة. لا فائدة فيه بوجه من الوجوه. ومعرفة (22/ب) المصادر عليها تترتب أسماء الفاعلين والمفعولين، إذ لا يتصور أن يفهم الضارب من لا يفهم الضرب. وأما على القول بإثبات الأحوال، فالمعنى الموجب للحكم، قد يكون أخفى من الحكم،

فيصح بيانه به. وهذا بمثابة قولنا: الحركة ما يوجب لمن قامت به كونه متحركا. ولعل أبا الحسن إنما أتى بذلك ردا على المعتزلة، فإنهم يثبتون للقديم أحكام الصفات وينفون الصفات. فيمكن أن يكون هذا الكلام جرى منه في مكالمتهم. وأما القسم الثاني: وهو إذا كانت الصفات واضحة جلية وأحكامها ملتبسة خفية، فلا يكون ذكر الحكم مبنيا للمعنى بحال. وهذا بمثابة كون الألوان إذا قامت بمحال، هل تحب لها أحكاما؟ وفيه نظر. فإذا قيل لنا: ما البياض؟ تعذر علينا أن نقول لمن التبس عليه البياض: هو الذي يوجب لمن قام به كونه أبيض.

وأما حد الأستاذ، فقد قصد أوجها من التقريب، ووقع في أكثر مما منه فر. وذلك أن الحدود التي ذكرناها كلها ترجع إلى الألفاظ دون الحقائق واللوازم. وقد بينا أن التبيين على التكميل في التحديد، بذكر أوصاف النفوس، ويليه في التعيين، التعريف باللوازم. وأما تبديل العبارات المترادفةـ، فبمعزل عن البيان. ورأى صحة الإتقان والإحكام من لوازم العلم، فبينه [وبينها] ملازمة، غير أنه لم يجمع ولم يمنع.

أما كونه غير جامع، فإن العلم المتعلق بالواجب والمستحيل، والباقي والموجود، لا يتأتى به الإحكام والإتقان. وإنما يندرج تحت ما قاله ضرب واحد من العلوم، وهو العلم المتعلق بالممكن على الخصوص. وأما كونه غير مانع، فلأنه لا يصح الإحكام والإتقان دون القدرة، فليجب أن تكون القدرة علما؟ هذا إذا سلم أن للإحكام والإتقان أثرا محققا. وفيه نزاع عند المتكلمين. فقال طائفة: ليس إلا الإيجاد، والتخصيص يدل على الإرادة، والإرادة تدل على العلم. وسيأتي تقريره بعد هذا. وحد المعتزلة أيضا غير جامع وغير مانع. وأما كونه غير جامع، فلتقييدهم العلم بالشيء. فإن الشيء عند القوم: هو الموجود، أو المعدوم الذي يمكن وجوده، وأما ما لا يمكن وجوده من المنفيات، فليس شيئا، فهذه علوم وليست علوما بأشياء. وأيضا فإن أبا هاشم أثبت علوما ليست متعلقة بمعلومات،

وهذا كالعلم بأن لا شريك لله، فقد خرج هذا الضرب عن الحد. وأما كونه غير مانع، فالعقود المصممة إذا كانت صحيحة، فإنها ليست علوما. وقد زاد بعض المتأخرين منهم زيادة أخرجت هذين الضربين، فقالوا: اعتقاد المعتقد على ما هو به، إذا وقع ضرورة أو نظرا. فقالوا: المعتقد، ليتناول الحد جميع أنواع العلم. وقالوا: إذا وقع ضرورة أو نظرا، ليخرج عقود المقلدة عن الحد. لكن يبقى مع هذا كله أمران: أحدهما- إثبات أبي هاشم علما (23/أ) لا معلوم له، إذا توجه ذلك عليه، بطل الاعتماد على ذكر المعتقد، فيجب طرحه. وإذا أسقطت هذه اللفظة بقي: (العلم: [اعتقاد])، فإذا اقتصر على ذلك، بطل بالجهل. وعن هذه الدقيقة كان مذهبه أن العلم بالشيء والجهل به مثلان. على ما سيأتي بعد ذلك، إن شاء الله تعالى. والأمر الثاني: أن الاعتقاد لفظ مشترك، والعلم لا اشتراك فيه، فكأنه بين الواضح بالخفي.

وأما قول القاضي: العلم معرفة المعلوم على ما هو به. فهو عندي ضعيف، لأنه إن حاول بذلك بيان العلم- إن تصور افتقاره إلى بيان- فلا يصح هذا اللفظ لذلك، وإن بدل لفظا بلفظ، فيغتفر في هذا، إلا أن تكون الأسامي مترادفة، ويكون الثاني عند السائل أوضح من الأول. وليس لفظ المعرفة مرادفا للفظ العلم عند أهل اللسان. بل خص اسم العلم بما يتعلق بالجملة، واسم المعرفة بما يتعلق بالمفرد. فإن قيل: هما مشتركان في حقيقة الكشف، وإن كثرت متعلقات أحدهما وانفرد متعلق الآخر. قلنا: غرضنا أن نبين أن هذا لا يجري على ذوق الحد اللفظي. وأيضا فإن علم الباري سبحانه وتعالى لا يطلق عليه اسم المعرفة. وقد تنازع أصحابه في قوله: المعلوم، هل هو محتاج إليه في الحد؟ فقال قائلون: لا حاجة إليه، فإنه لو قال: العلم: المعرفة، واقتصر، لكان الكلام

كافيا. وقال قائلون: لابد من ذكر المعلوم، حذارا من أن يظن بالقاضي أنه يقول بقول أبي هاشم في تصور علم لا معلوم له. وهذا ضعيف، فإن الحاد لا يلتزم في حده أن يحترز عن أن يضاف حده إلى حدود باطلة. ولم يتكلم أصحاب القاضي في الزيادة الأخرى، وهي قوله: على ما هو به. وهذه الزيادة أبعد من الأولى. ويمكن أن يعتذر عنها بما اعتر به عن ذكر المعلوم. فإنه أيضا لو قال: العلم معرفة المعلوم، [لأمكن] أن يقال: لفظ العلم والمعرفة والاعتقاد عند المعتزلة يجري على جنس واحد. فعلى هذا يصير كأنه قال: العلم اعتقاد المعتقد. ومتى رد الكلام إلى هذا، وجب أن يصون بقول: على ما هو به. احترازا عن الاعتقاد الفاسد. وذكر الإمام لفظة: (وبها تميزه الذاتي عما عداه). وهذه اللفظة لا تجوز في العربية، وذلك أن النسبة ترد الكلمات إلى أصولها، وأصل (ذات)

(ذوية). وإنما قلنا ذلك، لأنه لا يوجد اسم متمكن على أقل من ثلاثة

أحرف. و (الهاء) ليست أصلية، وإنما هي علامة التأنيث، فتبقى الكلمة على حرفين، وهي لا تكون كذلك. فحذف منها (لامها)، وهي (ياء). [وإنما] قلنا: إن (اللام) (ياء)، لأنه لا تكون كلمة (عينها) و (لامها) (واوين) إلا قليلا جدا، كباب (فوه). فقضينا بكون (اللام) (ياء). وإنما قلنا: إن (العين) (واو) في الأصل، لظهورها في التثنية والجمع، فيقال: ذواتا، وذوات، فهي إذا (ذوي). وإنما تحركت (الواو) وانفتح ما قبلها (ألفا)، ثم خففت، فحذفت (اللام) وصارت (هاء) التأنيث كالعوض. فإذا جاء النسب، حذفت (الهاء)، لأنها زيادة متصلة بآخر الاسم، فلم (23/ب) يجمع بينهما وبين (ياء) النسب. وأيضا فغنها قد تنسب بـ (هاء) مثل [مماليه] وصياقله وصيارفه، فلما حذفت (الهاء) التي كانت كالعوض من (اللام)، رجعت (لاما)، وكان حقها أن ترجع (ياء)، إذ هو أصلها.

ولكن يلزم منه أن يقال: [ذويي]. فتكثر الياءات والكسرات، فأبدل من (الياء) (واوا)، كما في رحوي، وهو من رحيت الرحى. وهذا الموضع من العربية غلبت فيه (الواو) على (الياء)، وإن كانت (الياء) غالبة على (الواو) في غيره، لأنها أخف منها. وكذلك إذا اجتمعت هي و (الواو) وسبقت إحداهما بالسكون، فلبت (الواو) (ياء)، فيقال: [كي] من كويت، كما يقال [حي] من حييت، وإنما نسب إلى ذات ذووي، على ما تقتضيه اللغة العربية. قال الإمام رحمه الله: (فإن قيل: فما المرتضى عندكم في حقيقة العلم؟ ) إلى قوله (وحذار مخالفة الماضين). قال الشيخ: قوله: الرأي عندنا أن

نتوصل إلى درك حقيقة العلم بمباحثة نبتغي بها ميز مطلوبنا مما ليس منه. قد تقدم في أول الكتاب الإرشاد إلى بيان امتناع إدراك حقيقة ملتبسة بسلب أمر عنها. وحققنا أن المطلوب إنما يعرف بدرك جميع أوصافه النفسية، وحققنا ذلك أبلغ تحقيق. والذي نريده الآن أن الذي جعله الإمام في [هذا المكان] يوصله إلى معرفة أضداد العلم، هو أيضا تبديل الألفاظ. فلئن كان تبديل لفظ العلم بالمعرفة لا يرشد إلى حقيقة العلم، فقوله: الجهل عقد يتعلق بالمعتقد على خلاف ما هو عليه، لا يكون مرشدا إلى حقيقة الجهل، إذ ليس إلا تبديل الألفاظ.

وقوله: والظن والشك ترددان بين معتقدين. أما الظن فإنه يرجع إلى ميل النفس إلى أحد الأمرين أو الأمور، فليس هو على ذوق الشك، ولا على حقيقته. وأما الشك، فقد اختلف الناس فيه، هل هو معنى أو لا؟ والصحيح أنه معنى، ويدل عليه ما يدل على جملة المعاني المستدل عليها، لتجدد أحكامها. وقد ذهب الجبائي في أحد قوليه إلى أن الجهل عبارة عن نفس العلم. وهذا خطأ بين، وهو يفضي إلى نفي الأعراض. فيصح أن يقال- على هذا

الرأي- إن العلم يرجع إلى نفي الجهل. وقال في [موضع] آخر: إن الشك يرجع إلى توالي اعتقادين متناقضين على العاقل، فيكون في زمن معتقدا نفيا، وفي الثاني معتقدا إثباتا، فلا ينفك في زمن من الأزمان عن الاعتقاد. وهذا القول باطل، فإن العاقل يدرك من نفسه تردده وعدم تصميمه على جهة. [ولو] صح أن يكون الشرك يرجع إلى تعاقب معنيين متناقضين على القلب، لكان الإنسان إذا اعتقد قدم العالم دهرا، ثم اعتقد حدثه أن يكون شاكا، وهو في جميع أزمنته مصمم. وأما قوله الإمام: إنه تردد بين معتقدين. فهو لفظ متجوز به، وهو يفهم منه ما حكيناه عن أبي هاشم. والأحوط أن يجتنب في الحدود الألفاظ الموهمة، فيقال: هو تردد بني أمرين من غير ترجيح في أحدهما. (24/أ)

وهذا الموضع غامض. [فإن قيل]: هل المتعلق بالأمرين معنى واحد أو معنيان؟ فنقول: المتعلق بالأمرين معنى [واحد]، إذ لا يتصور الشك مع اتحاد المتعلق، فلابد أن يكون متعلق الشك أمرين. والذي خالفوا في تعلق العلم الحادث بمعلومين، سلموا تعلق الواحد بأمرين. فإن قيل: إذا شك الإنسان في ثلاثة أمور، فقد تعلق شك واحد بأمرين، ولا يبقى للشك الثاني إلا متعلق واحد. قلنا: قد استحال تطرق الشك إلى أمر واحد. فنقول: على هذا يصح أن يتعلق الشك الواحد بأكثر من اثنين، فهو متردد بين الجهات الكثيرة ترددا واحدا. وما انحصر إليه الكلام من طلب الفرق بين الاعتقاد الصحيح وبين العلم، فهو لعمري مكان غامض، [ومتاهة] مظلمة. ومنها نشأ اختلاف الأولين والآخرين في المذاهب والمعتقدات، فإن كل معتقد مصمم على أنه عالم. ومن المستحيل أن يعرف المعتقد كونه معتقدا، سواء كان اعتقاده موافقا للمعتقد أو مخالفا، فإنه إنما يدري أن الحاصل ليس يعلم بتجويزه النقيض. وعند تجويزه النقيض يبطل الاعتقاد.

والبحث عن الأسباب المرشدة للفرق بين الاعتقاد والعلم مهم جدا. وقد سلك الإمام في ذلك طرقا: أحدها- أنه قال: لا يخفى الفرق بين العلم والجهل. والمماثل للمخالف مخالف. هذا مقصوده في قوله: إن الاعتقاد يماثل الجهل، والجهل مخالف للعلم. وصدق في قوله: المماثل للمخالف مخالف. وأما قضاؤه بأن الاعتقاد الصحيح من جنس الجهل، فكلام مبهم، وقول مظلم، فإنه إن أراد به أنه من جنسه، باعتبار أعم أوصافه، فالعلم أيضا من جنس الجهل. فإنه معنى من المعاني. وأن أراد أنه من جنسه، من جهته الخاصة، وهو الذي قصدها- والله أعلم- ولذلك أتى بالمثال، وهو قوله: إذا اعتقد المعتقد أن زيدا في الدار، ولم يكن فيها، ثم استمر العقد إلى أن دخلها زيد، فحال المعتقد لا يختلف، وإن اختلف المعتقد. فقد قضى باستواء حال الجاهل والمعتقد اعتقادا صحيحا. ولو كانت المعاني القائمة مختلفة، لما تصور استواء حال من قامت به، وهذا القول خطأ بين. وبيانه من وجهين: أحدهما- أن المثلين هما اللذان يقوم أحدهما مقام الآخر ويسد مسده، ولو كان الاعتقاد صحيح مماثلا للجهل، للزم أن يكون المعتقد اعتقادا صحيحا جاهلا، حتى يعتقد المعتقد على خلاف ما هو به، فيكون اعتقاده صحيحا وباطلان معا.

الثاني- أنا قررنا أن ضرورة المعتقد أن لا يدري كونه معتقدا، لأنه إنما يدري كونه معتقدا إذا أدرك الفرق، وإنما يدرك الفرق على تقدير الإحاطة بالأمرين. فإذا لم يحط بالأمرين، كيف يتصور أن يدرك الفرق؟ وما نقله الإمام عن أبي هاشم من قوله: إن العلم بالشيء والجهل به مثلان، هو اللازم على قوله من وجهين: أحدهما- أن العلم عنده يرجع إلى اعتقاد المعتقد على ما هو عليه بلا زيادة، وهذا هو المراد بالاعتقاد (24/ب) الصحيح. وقد اعترف الإمام بأن هذا مماثل للجهل. الثاني- أن أبا هاشم لما حد العلم بأنه اعتقاد المعتقد، وقد بينا أن الإضافة إلى المعتقد ليست لازمة عنده ولا شرطا، فوجب حذفها، والاكتفاء بأن العلم: اعتقاد، والجهل أيضا: اعتقاد، فلزم أن يكون الجهل علما. بل يلزم على قوله أن يكون الشاك علما، لأنه في كل زمان معتقد. وهذه جهالة لا تنسب إلى لبيب.

وقول الإمام: الشاك يرتبط عقده بأن زيدا في الدار أم لا؟ . كلام فيه ضعف وإيهام، إذ كيف يكون معتقدا ولا اعتقاد عنده؟ بل شك محض. وقوله: [المعتقد] سابق إلى أحد المعتقدين. يعني اللذين أضيفا إلى الشاك، والكلام فيه على ما تقدم. قال الإمام: (ومن أحكام عقد المقلد) إلى قوله (وترى معارضه جدلا محجاجا). قال الشيخ: قصد الإمام في هذا المكان أن يفرق بين العلم والاعتقاد بطريقين: أحدهما- تصور حقيقتهما مع الاختلاف.

والثاني- النظر إلى الآثار والخواص. فأما الأول وهو قوله: الاعتقاد مأخوذ من الربط، والعلم يشعر بالانشراح والثلج. فهذا الأمر يرجع إلى تفسير اللغة ووضع الألفاظ، [ولا تتلقى من ذلك المعقولات]. وأيضا فإنه قد قررنا أن ضرورة المعتقد أن يعتقد كونه عالما. فلو كانت المعاني واضحة الاختلاف باعتبار حقائقها، لم يتصور اللبس. وأكثر الخلق حصل الالتباس في حقهم حتى حسبوا الاعتقاد علما. وأما الكلام الثاني: وهو قبول التشكيك عند نهاية الإصغاء، ففيه عسر من

جهة الاعتياد، فإن التصميم على الأمر يمنع من كمال الإصغاء إلى نقضيه. ولكن إذا اتفق ذلك، وحصل الإنصاف، ووقع الالتفات إلى التجويز في المعتقدات، أمكن الاضطراب. لكن يبقى على هذا سؤال، فيقال: هل يحصل الشك عند الإصغاء في حالة بقاء الاعتقاد أو عند زواله؟ فإن كان مع بقاء الاعتقاد، فمحال، وإن كان بعد زواله، فقد خلفه ضد من أضداده، وذلك أيضا يصح في العالم إذا زال علمه، صح أن يخلفه الشك، فبماذا يفارق العلم الاعتقاد؟ فنقول والله المستعان: يمكن أن يشكك المعتقد وإن بقي ذاكرا لسبب اعتقاده، فإنا نبين له أنه لا ربط بينه وبين معتقده، وإلا لو استند إلى وجه صحيح يقتضيه، لكان علما، ولكان السبب دليلا، بخلاف العلم إذا استند إلى سبب يقتضيه، لم يتصور بيان بطلان السبب. فلذلك استحال أن يشكك العالم مع ذكر سبب العلم، وأمكن أن يتشكك المعتقد على ما قررناه. وهذا واضح فيما إذا استندت العلوم والاعتقادات إلى أسباب مختلفة، وإنما تغمض إذا صودفت الاعتقادات في النفوس مضاهية للأوليات من العلوم، فإنه قد يجد الإنسان نفسه مصممه على أمور وهمية لا يقدر على صرف نفسه عنها. وهذا كالاعتقاد أنه لابد من خلاء أو ملاء وراء العالم. هذا في النفس مضاه

لكون الشخص لا يخلو من كونه متحركا أو ساكنا. (25/أ) والأول عمل الوهم، والثاني ضروري. ولكن طريق الفصل في ذلك أن الوهمي العقل يصد عنه، فإن الخلاء لا معنى له، والملاء باطل بانحصار العالم، [والأولي] العقلي لا يتصور أن يقدح فيه شيء. فإذا يدرك الميز إما: بالثمرات من قبول التشكيك وامتناعه، أو بالنظر إلى الطرق وقبولها للفساد وامتناع ذلك. هذا هو المعتمد في الفرق بين العلم والاعتقاد. قال الإمام: (وقد يطرأ على العالم المحقق) إلى قوله (وسأتحفك إن ساعدت الأقدار بلباب هذه الفنون، مستعينا بالله، وهو خير معين). قال الشيخ - رضي الله عنه -: لما قال الإمام: إن العالم لا يتصور تشكيكه إلى آخره، وجه على نفسه هذا السؤال، يشير به إلى أنه قد يتوهم المتوهم [تشكيكا]. ومثال ما ذكر: أن المعتزلة إذا قضوا بأنه لا يصح قيام المعنى بنفسه، كان في ذلك على

بصيرة وبرهان. ثم اعتقد أن القدم أخص أوصاف الباري تعالى، وأن الاشتراك في الأخص يوجب الاشتراك في الأعم. وهو في هذا مصمم غالط. فإذا جاءت مسألة الإرادة، فلم يمكنه أن يقول: الباري تعالى مريد لنفسه. فإن مقتضى مذهبه أن الحكم الثابت للنفس، إذا كان يقتضي تعلقا، وجب أن يعم تعلقه، كما قالوا في كونه تعالى عالما، فإنه عالم بكل معلوم. قالوا: فلو كان مريدا لنفسه÷ لكان مريدا لكل أمر، حتى يكون مريدا للقبائح، وذلك عندهم محال. ولا يصح أن يكون مريدا بإرادة قديمة، لأن القدم عندهم أخص أوصاف الباري تعالى، فلو كانت إرادته قديمة لكانت إلها. ولا يصح أن يقال: غير مريد، لوجود التخصيص الدال على ذلك. ولا يصح أن يقال: إنه مريد لا لنفسه، ولا لمعنى، فإن ذلك محال، فلم يبق إلا أن يقال: إنه مريد بإرادة حادثة. ولا يصح أن يقال: إنها قائمة بذاته، فإنه

يستحيل أن يكون محلا للحوادث. ولا يصح أن يقال: إنها قائمة بغيره، فإنه يكون من قامت به مريدا بها، ولا يرجع حكمها إلى الباري سبحانه، فلم يبق إلا أن يقال: إنه مريد بإرادة قائمة بنفسها، وهذا يناقض ما تقدم من استحالة قيام المعنى بنفسه. ولا يتصور قيام المتضادات بالقلب في حالة واحدة، فيصير الإنسان على هذا مترددا بين الاعتقادين، فيكون أشبه شيء بالشك على مذهب أبي هاشم. قيل للإمام: فهذا عالم متردد. فقال: (ليس ذلك شكا، إن كان الحاصل له علما، وإنما هو إيثار ذهول عن الأول، ليستمر ما يحاوله من الاستقرار على العقد التقليدي). وأما ما هو عالم به، فلا يجد في نفسه ترددا ولا ميلا عنه.

وقوله: (ولن يبالي بذلك، إلا من ضعفت غريزة عقله). كلام صحيح، فإنه لا يصح للعاقل أن يترك ما علمه، بناء على الوهم، وإنما يعتري ذلك من ضعف العقل. والله المستعان. هذا نهاية كلام الأصوليين والمتكلمين. والذي عندي في العلم غير ذلك كله. فنقول والله المستعان: من أحاط بحقيقة الشيء، فهو مستغن عن حده، ليعرف به المحدود. وقد تقدم الكلام (25/ب) على هذا في أول الكتاب. فإن طلب العالم حدا، فإنما يريد إرشاد غيره، لا ليتعرف هو في نفسه، وإذا كان كذلك، فالأمر ينقسم إلى ثلاثة أقسام: قسم لا يتصور جهله بوجه، وهو العلم، إذ من ضرورة من قام به العلم أن يعلمه. فإن المذهب الصحيح أن العلم يتعلق بالمعلوم وبنفسه. ولو لم نقل

ذلك، للزمنا أمور ممنوعة، وهو القضاء بكون العلم لا يتصور أن يعلم، وذلك محال، فإنا نعلم علم غيرنا وعلمنا. ويلزمنا أيضا أن يكون الواحد منا عالما بالعلوم الكثيرة، وهو لا يعلم ذلك من نفسه، وذلك معلوم بطلانه ضرورة. أو يقال: يعلم العلم بعلم آخر، وذلك باطل، لإفضائه إلى التسلسل، إذ لا ينتهي إلى حد يوقف عنده، فلم يبق إلا أن العلم يتعلق بالمعلوم ويتعلق بنفسه. وإذا كان كذلك، وجب أن يكون العالم عالما بحقيقة العلم، فكيف يتصور أن يطلب العاقل أن يكشف له حقيقة العلم؟ وظني بالأئمة - رضي الله عنهم - أنهم ما سلكوا في التحديد التعرض لتبديل الألفاظ، إلا لما قررته من كون الحقيقة مكشوفة. وإنما التبس على السامع نسبة اللفظ إلى المعنى، فأوضحوا له بلفظ أوضح دلالة ونسبة من الأول. فإن قيل: فإذا كان من ضرورة العالم أن يحيط بحقيقة العلم، فكيف يتصور التباس العلم بالاعتقاد، حتى قلتم: إن ذلك من أغمض الأمور؟ فيقال: إنما جاء ذلك من خفاء الاعتقاد وشدة التباسه، إذ ضرورة المعتقد أن يعتقد كونه عالما، فلما كان ذلك من ضرورته، التبس أمره، فذكرنا تلك الطرق، ليتبين بها الاعتقاد، لا أن العلم مفتقر إلى البيان، إذ ليس بعد العلم كشف على حال. وهذا الذي ذكرته في هذا المكان من جواهر الكلام. ولم أر أحدا من الأصوليين والمتكلمين ذكر ذلك، ولكنه شيء من الله سبحانه، فله الحمد وله المنة.

(فصل- يحتوي على أقاويل في مدارك العلوم)

قال الإمام: (فصل- يحتوي على أقاويل في مدارك العلوم) إلى قوله (لا مدرك للعلوم إلا الكتاب والسنة والإجماع). قال الشيخ: هذا المذهب عن الأوائل مشهور، وفي كتب الأئمة كلها مسطور، وهو أول ناقل له في كتاب الكلام. وقد ناظر القوم على إبطال كون النظر غير مفيد للعلم، [وأوسع]

القول. وكيف ينكر ذلك، وينسب النقلة إلى الغلط، وهو الناقل عن السوفسطائية إنكار العلوم على الإطلاق؟ كيف وهؤلاء أقل شرا من أولئك؟ وأما الذين قالوا: إن مدارك العلوم الإلهام، فإن زعموا أن الله تعالى قد [يلهم] بعض أوليائه بمعرفة أمور من غير نظر، فنحن لا نمنع من ذلك،

لكن بشرط أن لا تكون تلك العلوم متعلقة بالأحكام الشرعية، لانعقاد الإجماع على أنه لا طريق إلى معرفة أحكام الله تعالى إلا أدلتها. وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينتظر الوحي في الأحكام. وإن أراد القوم أنه لا طريق سوى الإلهام، فهؤلاء قد جحدوا العلوم الضرورية وأدلة العقول. وسنبين أنها موصلة إلى العلم. ويتصل القول بالرد على منكري النظر. وما ذهب (26/أ) إليه الحشوية من أن مدارك العلوم: الكتاب والسنة والإجماع، [لولا كمال العمى وتمام الجهل]. قال الإمام: (وقال المحققون: مدارك العلوم: الضروريات) إلى قوله (على ما سيأتي تفصيله). قال الشيخ - رضي الله عنه -: ذكر المحققون أن مدارك العلوم الضروريات التي تهجم مبادئ فكر العقلاء عليها. يريد بالمدارك: الطرق التي

بها تدرك العلوم. وإذا كان كذلك، لم تكن النظريات طرقا، وإنما النظريات: العلوم التي يتوصل إليها بالنظر. وقول الأئمة صحيح بالنظر إلى العادات. وفي المقدور خرقها وإحداث علوم من غير تقدم نظر. أما وقوعها ضرورة، فمتفق عليه بين العقلاء. وأما وقوعها كسبية من غير تقدم نظر، هل يجوز ذلك عقلا أم لا؟ فيه خلاف. ذهب القاضي إلى منع ذلك. وذهب الأستاذ إلى جوازه، وهو الصحيح عندنا. وتمسك القاضي بأن قال: لو جاز أن يحصل العلم النظري من غير سبق نظر، لجاز أن يوجد النظر الصحيح، ولا يحصل العلم به. وهذا الذي ذكره وجعله أصلا، مختلف فيه أيضا. فذهب ذاهبون إلى أن ترتب العلم على النظر الصحيح معتاد، وفي المقدور أن يسبق النظر، ويتم على سداده، ولا يحصل العلم. وذهب الأكثرون إلى وجوب حصول العلم عند تمام النظر وانتفاء الآفات، وهذا هو الصحيح عندنا. وتمسك الفريق الأول بأن قالوا: النظر يضاد العلم بالمنظور فيه، وإنما

يحصل العلم عند تصرم النظر، فزمان عدم النظر هو زمان حصول النظر، وإنما ينحتم حصول أحد الضدين بعينه، إذا كانت القسمة محصورة في الضدين، كالحركة والسكون. فإنه إذا عدمت الحركة، ففي ذلك الزمان يخلق السكون. فإنه لو لم يكن كذلك، لخلا المحل عن الضدين، وذلك محال. وليس النظر مع العلم كذلك. إذ للنظر أضداد كثيرة، فهو بمثابة اللون، فلا يلزم إذا عدم البياض أن يخلفه السواد. وكذلك إذا عدم النظر، لم يلزم أن يخلفه العلم. وقد وقع الاتفاق على جواز خلق الضد العام من الغفلة والغشية والبهيمة. ولا يقال: النظر بوجوب العلم إيجاب العلة معلولها، لما قررنا من التضاد الحاصل بين النظر والعلم. والعلة عند مثبتيها توجب معلولها لنفسها، ولا يتصور انفصال بينهما. وإنما اطردت العادة بأن النظر إذا تم على سداده، ولم تعقبه آفة، فالعلم يحصل. وقال المحققون: لا يتصور عند تمام النظر، وانتفاء الآفات، أن لا

يحصل العلم، لأن النظر إذا تم، فهو المفضي بالناظر إلى الإطلاع على الوجه الذي منه يدل الدليل، فكيف يتصور أن يكون محيطا بالوجه الذي منه يدل الدليل، مع ذكره له، ولا يحصل العلم بالمدلول؟ وإذا بينا على وجوب الحصول بمقتضى العقول- عند الإحاطة وعدم الذهول- من أين يلزم إذا انقضى النظر أن يستحيل خلق العلم (26/ب) المقدور؟ والعلم الضروري مماثل للكسبي، باعتبار أنفسهما. وإنما يفترقان في خلق القدرة مقترنة بأحدهما دون الآخر. وإذا جاز أن يخلق الله القدرة والعلم جميعا، جاز أن يخلق العلم دون القدرة. وقال القاضي أبو بكر: لو جاز ذلك، لبطل النظر، وسقطت احجج، وتمكن المتحكمون بإسقاط الأدلة. وهذا الذي قاله تؤمن منه العادة، فلا نرى ما قاله مستقيما على ما بيناه. فيكو تقسيم المدارك إلى الضروريات والنظريات عقليا عند القاضي، واعتياديا عندنا. قال الإمام: (فأما الضروريات: فإنها تقع بقدرة الله تعالى غير مقدورة للعباد). قال الشيخ أيده الله: هذا الذي قاله متفق عليه باعتبار العادات، لكن اختلف العلماء، هل يجوز في العقل خلاف ذلك؟ فذهب ذاهبون إلى تجويزه، وأن تقع الضروريات نظريات على العموم. ومنع آخرون ذلك، وقالوا: لا يتصور في العقل أن تقع نظرية مكتسبة. وقال القاضي أبو بكر: أما العلم الذي هو عقل، فلا يتصور أن يقع

مستدلا عليه، إذ لا يصح أن يستدل إلا بعد كمال العقل. فكيف يدرك العقل بالنظر من لا عقل له، ولا ينظر إلا عاقل؟ وأما ما ليس عقلا من العلوم الضرورية، فلا بعد في أن يقع نظريا. ومن جوز الاقتدار على الجمع، [تمسك] بتماثل العلوم، وعموم قدرة القديم. وإذا صح خلق القدرة على علم بعد سبق النظر، صح ذلك في [مثله]. وأما الذين منعوا ذلك، وهو الصحيح عندنا، فالمعتمد أن [يقال]: لو كانت العلوم الضرورية تقبل الاستدلال، لم يخل الدليل من أن يكون نفيا أو إثباتا، والنفي لا اختصاص له بمعلوم دون معلوم، والثابت: إما قديم أو حادث، والحادث: إما جوهر أو عرض. وهذه الأمور معقولة، ولا دلالة عليها عقلا على العلوم الضرورية. فكيف يتصور أن تغير أدلته؟ أم كيف يتصور عقلية غيرها؟ ولذلك قضى الأئمة بأنه لا يصح في المقدور دليل على صدق الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلا المعجزات على الخصوص، فإن الدليل إما أن يكون معتادا، فلا اختصاص له، أو غير معتاد، فهو الخارق بعينه. قال الإمام: (والنظريات في رأي معظم الأصحاب مقدورة بالقدرة الحادثة).

قال الشيخ - رضي الله عنه -: الذي ذهب إليه أكثر المتكلمين هو الذي ذكره الإمام. وقد قال بعض الناس: إنها غير مقدورة، وهو الذي اختاره الإمام ههنا. والأستاذ أبو إسحاق يبدي توقفا في المسألة، ولم يحك هذا القول إلا [لقربه] من الصواب. والذي اعتمده المتكلمون في كون العلوم النظرية مقدورة بالقدرة الحادثة: هو الدليل الدال على انقسام الحركات إلى الضرورية والاختيارية. وقد سبق في هذا الكتاب تقرير ذلك، فهو بعينه (27/أ) جار ههنا. وهل سبق النظر في العلم المكتسب شرط من جهة العقل، أو من جهة العادة؟ [فذهب] القاضي إلى أنه شرط عقلي. وذهب الأستاذ أبو إسحاق إلى أنه شرط من جهة العادة. وهذا هو الصحيح عندي. والدليل عليه أن العلم لا يجامع النظر، وإنما يخلق في حال نفيه، وهو من قبيل الممكنات. والقدرة الصالحة لا قصور فيها، فإذا صح خلقه والإقدار عليه من غير نظر، [نظرنا] إلى تماثل العلمين، وصلاحية القدرة، وكون قدرة العبد مقارنة غير مؤثرة.

قال الإمام: (والمرتضى المقطوع به عندنا، أن العلوم كلها ضرورية. والدليل القاطع على ذلك، أن من استد نظره، وانتهى نهايته، ولم يستعقب النظر ضد من أضداد العلم المنظور فيه، فالعلم يحصل لا محالة من غير تقدير خيرة فيه). قال الشيخ: ما ذكره الإمام غير صالح للاستدلال على سلب الاقتدار، وذلك أنه جعل الدليل على كون الشيء مقدورا، التمكن من الانكفاف عنه. وهذا لا يصلح على مذهب أهل السنة، فإن القدرة الحادثة عندهم تقارن

حدوث المقدور، ولا تتعلق إلا بمقدور واحد، ولا تصلح لغيره. فكيف يستدل بتحتم حصول العلم مقارنا للقدرة، على أنه غير مقدور؟ وما من فعل عندنا تتعلق القدرة به إلا يتحتم حصوله، ويمتنع الانكفاف عنه، إذ هما في وقت واحد. وسيأتي الكلام عليه في غير هذا المكان، إن شاء الله تعالى. قال الإمام: (فأما المعتزلة فإنهم فهموا أن العلوم ليست مباشرة بالقدرة [الحادثة]، وعلموا أن النظر يستعقبها استعقابا لا دفع له، فزعموا أن النظر يولدها توليد الأسباب مسبباتها. والمقدور الذي هو مرتبط التكليف والثواب هو النظر عندي). قال الشيخ: ما ذهب إليه المعتزلة من كون العلوم ليست مباشرة بالقدرة الحادثة، من جهة أن القدرة عندهم تصلح للإقدام والإحجام، وبعد النظر لا يتصور الإحجام، فلزم ألا تكون مباشرة بالقدرة. وقد علموا أن النظر يستعقبها، مع تحققهم طلب الشرع العلوم، واستحالة تكليف ما لا يطاق، فقالوا: إن النظر يولدها.

والمولد عندهم: هو فعل فاعل السبب، وأصل التوليد عندنا باطل. والصحيح عندنا أن القدرة الحادثة غير مؤثرة على حال، ولا في محلها، فكيف بالمنفصل عن محلها؟ وقد ساعدت المعتزلة على أن تذكر النظر لا يولد العلم، وإن كان يحصل عقيبه. واتفقوا على أن أفعاله تعالى لا تقع مولدة. ويلزم على ما قالوه بدعة شنعاء، وهي من رمى سهما إلى رمية، واتصل السهم بالرمية بعد موت الرامي وعدمه، ثم أفضت الجراحة إلى هلاكه، فإن قتله مقدور للرامي، وإن كان عدما محضا. وأي جهالة تزيد على هذا في إضافة فعل على التحقيق إلى عدم محض؟ نعوذ بالله من الجهل والضلال. قال الإمام: (والمقدور الذي هو مرتبط التكليف والثواب هو النظر عندي). قال الشيخ: وإنما حمله على ذلك أصلان:

أحدهما- استحالة تكليف (27/ب) ما لا يطاق. والثاني- ما تخيله من أن العلم النظري [غير مقدور بالقدرة الحادثة]. فلهذين الأصلين ارتكب ما قال، وشذ عن قول أهل الإجماع. فإن الأمة مجمعة على تحريم الشك في الله - عز وجل -، وعلى تحصيل عقد يتعلق به على ما هو عليه، إما علما عند المتكلمين، وإما اعتقادا عند بعض الناس. وقد قال الله تعالى: {فاعلم أنه لا إله إلا الله}. {واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه}. وكم من آية في كتاب الله تعالى مصرحة بالأمر بالعلم. وهذا ما لا خفاء به عند العلماء.

قال الإمام: (ثم رتب أئمتنا [أدلة العقل] ترتيبا ننقله) إلى قوله (وهذا الفن لا يفيد علما قط). قال الشيخ: ما ذكره الأئمة في تقسيم أدلة العقول إلى أربعة أقسام، لا تصلح لضبط الأدلة، وليس فيه ما يقتضي القصر على ذلك. وبعضها غير صالح للعد في الأدلة، كإنتاج المقدمات النتائج، على ما سنبينه. والاستدلال بالمتفق على المختلف يضاهي إلحاق الغائب

بالشاهد، إذ حقيقته ترجع إلى القياس، فلا يبقى إلا السبر والتقسيم. وليس السبر والتقسيم من الأدلة بحال، فإن السبر هو الاختبار، يقال للمرود الذي يختبر به الجرح مسبر. والتقسيم يرجع إلى حصر الأقسام، إما علما، كما تدور في النفي والإثبات. وإما علما، كما تدور في النفي والإثبات. وإما ظنا. وليس في الحصر على التعيين

بحال، وقد يكون انحصار القسمة ضروريا، فلم يبق مما ذكروه إلا القياس خاصة. وما ذكروه من التحكم بالإلحاق، فصحيح، والجمع بالعلة وبقية الجوامع، إنما تصح عندي على القول بالأحوال، فإذ ذاك يتصور الالتفات إلى الجوامع. [وهذا لدقيقة، وهي] أن من أنكر الحال يمتنع عنده الاشتراك إلا في اللفظ، ولا يلزم من ثبوت حكم عقلي لمسمى، أن يثبت لما يشاركه في التسمية. والاشتراك في المعقول منتف عند هذا القائل. وقد حاول القاضي أن يمشي [على] طريقة الجمع بالحقائق على القول بنفي الحال. وهذا عندي غير صحيح، فإنه إذا كانت حقيقة العلم الحادث تخالف حقيقة العلم القديم، فمن أين يلزم من القضاء على أحدهما القضاء على

الآخر؟ وكذلك نطرد هذا في الشرط والدليل، فلا يلزم من ثبوت الاشتراط في شيء، أن يكون شرطا فيما يخالفه في الحقيقة عند مشاركته في الاسم. [إلا] إذا [بنى] الأمر على القول بالأحوال في صحة الجوامع، على ما سنبينه. أما الجمع بالعلة: فاقتضاء العلة معلولها اقتضاء نفسيا. ولا يتصور في العقل وجود الموصوف دون وصفه النفسي، ولا ثبوت الوصف دون الموصوف. وكذلك إذا قضى باستواء الحقيقتين وتماثلهما، فمن المحال أن يختص أحدهما بحكم عقلي دون مماثله. وكذلك إذا افتقر شيء إلى شرط عقلا، فمن المحال ثبوته دون [مشروطه]. والدليل يدل بصفة هو عليها، فلا يتصور وجوده غير دال.

وقول الإمام: إن الدليل الذي قام في الشاهد، إن قام في الغائب، أغناك عن الاستشهاد بالشاهد. فهو كذلك، ولكن لم ينتبه العقل للدليل (28/أ) إلا لما نظر في الشاهد. بيانه: أن القائل لو قال: كون العالم عالما، وصف يرجع إلى نفس العالم، وثبت كون الباري تعالى عالما. وقال قائل: لعله عالم لنفسه. فإذا تجرد كون الشاهد عالما، استحال أن يرجع إلى نفسه، ولزم أن يكون الحكم معللا، على ما يفهم من العلة والمعلول، فلا استرابة في أن ذلك يرشد إلى [أن] الباري عالم بعلم. فما ذكره الإمام لا يعترض على طريقة الأئمة. لكن بعد إثبات الحال.

ولا يستغني متكلم في هذا الفن على القول بالأحوال، إما بأن يسميها أحوالا، أو وجوها واعتبارات. وقولهم: الشيء يعلم من وجه ويجهل من وجه، إشارة إلى الأحوال. وأما بناء النتائج على المقدمات، فليس ذلك من أصناف أدلة العقول، وإنما هو راجع إلى التعبير عن الأدلة بصيغ مختلفة، وليس اختلاف العبارات بالذي يوجب اختلاف الأدلة. فإنا إذا قلنا: [عن] النبيذ: إنه مسكر فيحرم، قياسا على الخمر، كان ذلك قياسا. فيغير هذا النظام، فيقال: كل مسكر حرام، والنبيذ مسكر، فكان حراما. فليس هذا دليل آخر من جهة الحقيقة، وإنما هو تغيير النظم خاصة.

وأما قولهم: إن المقدمة الواحدة منتجة. فهذا الكلام غير صحيح، إلا أن يكونوا أهملوا ذكر المقدمة الثانية [لوضوحها]. فأما ترتب النتيجة على المقدمة، فلا يصح ذلك، إذ أل ما يتركب منه البرهان مقدمتان يحصل بينهما ازدواج بذكر أمر يكون موجودا في المقدمتين جميعا، وهو الرابط، ولولاه لم تحصل النتيجة أبدا. فإنا لو قلنا: النبيذ مسكر، فكان حراما، لم يلزم ذلك إلا

إذا قلنا: وكل مسكر حرام. وقوله تعالى: {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا}. إنما حصل المقصود للعلم بالمقدمة الأخرى، إذ المشاهدة على أنهما لم تفسدا. وكذلك قولهم: تحرك الجوهر، ولم يكن متحركا، فلابد من فرض زائد الذات. وهذا لا يكون منتجا حتى ينضم إليه كل طارئ على الذات، فلابد من مقتض. وقد طرأ التحرك على الذات، فلابد له من مقتض. والقول في المقدمات وشروطها

ونتائجها طويل، وله فن مخصوص به، فلم نر التطويل به. وقولهم: قد تكون المقدمة نظرية والنتيجة ضرورية، إن أريد بذلك الضروري الذي يلازم أنفس العقلاء، فهذا محال. إذ كيف يكون هذا ملازما لأنفس لعقلاء، وهو لا يحصل إلا بعد النظر في تحصيل مقدمته؟ وإن أريد به أن المقدمتين إذا علمتا، وعلم الازدواج، وتنبه الذهن لاشتمال المقدمتين على النتيجة، فلابد من حصول العلم بها، فهذا صحيح. وتقدم في أثناء الكلام القول في الاستدلال بالمتفق على المختلف، وأنه يرجع إلى القياس، وشرط صحته الجوامع المقتضية للتسوية، على ما ذكرناه. وأما السبر والتقسيم، فإذا لم ينحصر في نفي وإثبات، لم يصح لإثمار العلم. ويصح أن يستعمل في غلبات الظنون، إن كان الحصر مظنونا. وإن انحصر في النفي والإثبات، فلا يكون نفس الحصر دليلا، فإن الإنسان يعلم أن

(فصل- يجمع قول الأصحاب في مراتب العلوم)

العالم لا يخلو من وصف الحدوث والقدم، (28/ب) ولكن لا يكون هذا دليلا على معرفة وصفه. فعد السبر والتقسيم من الأدلة لا يصح، إلا أن يراد أن التقسيم إذا دل على بطلان أحد القسمين تعين الثاني، فهذا صحيح. والاعتماد على الدليل في التعيين، لا على نفس التقسيم. قال الإمام: (فصل- يجمع قول الأصحاب في مراتب العلوم) إلى قوله

(فيستحيل اعتقاد ترتيبها). قال الشيخ: الأمر على ما ذكره الإمام من استحالة تفاوت العلوم. وقد سبق الدليل على ذلك. والضروريات في سرعة الحصول والاستمرار، مقدمة على النظريات من غير إشكال. وما ذكره الكعبي من كون العلم بخبر التواتر نظريا، سيأتي الكلام عليه، إن شاء الله. واختلف أصحابنا في العلوم بالحرف والصناعات، هل هي مكتسبة أم ضرورية؟ فقال قائلون: إنها مكتسبة، وهو الظاهر، ولذلك افتقر إلى تعلمها.

وقال آخرون: هي ضرورية، وهو ظاهر هذا الكلام. والظاهر عندنا الأول. وأما من قدم المعقول على المحسوس، من جهة أن الحواس عرضة للآفات والتخييلات، فخيال باطل، فإن الإدراك القائم بالحاسة لا يتصور الخطأ

فيه. نعم، قد يتخيل للإنسان شيء على خلاف ما هو به، وليس بمدرك على الحقيقة، ما يتوهم المتوهم أمرا ويعتقد معقولا، ولا يكون كذلك. وأما قول من قدم البصر لتعلقه بجميع الموجودات بزعمه، فهذا ليس هو الواقع، فلئن قال: كل موجود يجوز أن يرى، وما لم ير، إنما لم ير لمانع. فكذلك عندنا كل موجود يجوز أن يسمع، وما لم يسمع، إنما لم يسمع لمانع. وتقرير ذلك في فن الكلام. وما اعتمده القتبي في التقديم من الترتيب في الذكر، فلا يخفى سقوطه.

وما احتج به أيضا من أن الله تعالى لن يبعث أصم، وفي الأنبياء عميان، فذلك أن الأنبياء بعثوا لإرشاد الخلق، واستماع أقوالهم وجوابهم عن سؤالهم، والصمم يخل بذلك دون العمى. وأما تفاوت طرق العلم، فمحال أيضا، فإنها كلها قصاراها العلم، فلا يتصور دليل أشد ارتباطا من دليل. وسننبه على وجه تفاوت النظر. وما ذكره الإمام [من] منع التفاوت في العلم على كونه ضروريا، كلام صحيح، وسواء قلنا إن العلم ضروري أو مقدور، فلا تفاوت فيه، لما

(فصل- فيما يدرك بالعقل لا غير)

[مر] من البرهان. قال الإمام: (فصل- فيما يدرك بالعقل لا غير) إلى قوله (لا يمتنع اشتراك السمع والعقل فيه). قال الشيخ: قوله: أما ما لا يدرك إلا بالعقل، فحقائق

الأشياء. كلام ليس على عمومه، وقد تعرض لتخصيصه بعد ذلك بقوله: كل مدرك. إلى آخره. فالمراد من العمومات: ما يتقدم ثبوته على الكلام الصدق. والضابط فيما يجوز إدراكه بهما جميعا هو: كل أمر من المعقولات يصح الكلام مع الغفلة عنه. فهذا هو الذي يجوز إدراكه بهما جميعا. وأما قولهم: إن كلام الله تعالى لا يجوز أن يدرك بسمع، فهذا ينبني على خلاف المتكلمين في مدلول المعجزة، هل مدلولها كون الرسول (29/أ) صادقا أو مصدقا؟ ذهب الإمام في هذا الكتاب إلى أن المدلول كونه صادقا.

(فصل- يشتمل على مقدار من مدارك العقول)

فيعلم صدق الرسول - صلى الله عليه وسلم - من هو غافل عن ثبوت الكلام لله سبحانه. وقد مال الإمام إلى هذا في (الإرشاد). وضرب في ذلك [مثالا] للملك المتصدي للرعية، المخالف للعادة، على حسب سؤال المدعي. قال: فيحصل للحاضرين العلم، مع الغفلة عن كلام النفس. بل لو كان في المجلس من يعتقد نفي كلام النفس، لحصل له العلم. وسيأتي لهذا مزيد تقرير، إن شاء الله تعالى. قال الإمام: (فصل- يشتمل على مقدار من مدارك العقول) إلى قوله (على الألوان بحكم الأكوان من غير بصيرة). قال الشيخ: قوله: لا يجول العقل في كل شيء. الشيء: هو الموجود عندنا. فإن أراد أن بعض الموجودات لا

يصح علمه، فهذا غير صحيح. ومن أصول أهل الحق أن كل موجود يجوز أن يرى. والرؤية إما علم خاص، وإما إدراك زائد على العلم، فالعلم أعم تعلقا. فإذا كان كذلك، صح أن يعلم كل موجود. وأيضا فإن العلم لا يصحح لتعلقه، فإنه يتعلق بالواجب والجائز والمستحيل. وإن أراد [أن] بعض الموجودات لا يصح الاستدلال عليها، فهذا قد تقدم الكلام عليه عندما تكلمنا على أن الضروريات، هل يصح أن تكون مستدلا عليها؟ وقوله: (فالنظر عندنا: عبارة عن المباحثة في أنحاء العلوم الضرورية). وأراد بالمباحثة: الفكر، لكنه تجوز بإطلاق لفظ (المفاعلة) في غير موضعها، فإنها تستدعي تعددا في غالب الأمر. والعبارة السديدة ما قاله المتكلمون،

فإن النظر عندهم: هو الفكر الذي يطلب به من قام به علما أو غلبة ظن. وقوله: (في أنحاء الضروريات وأساليبها)، يعني الطرق، ثم العلوم الحاصلة على إثرها كلها ضرورية، يعني أنها ليست مقدورة على ما مر. وقد تقدم الكلام على السبر والتقسيم، وأنه غير مكتفى به في حصول العلم، بلا لابد من إقامة الدليل على التعيين. وقوله: (وليس للدليل تحصيل إلا تجريد الفكر). كلام غير معقول، فإنه لابد للفكر من متعلق، فإذا لم يكن متفكر فيه، كيف يتصور الفكر لحصول

العلم؟ وقوله: (إذا استد النظر) إلى قوله (فهو الذي يسمى نظرا ودليلا). فقد جعل في هذا المكان أن النظر هو الدليل، وليس الأمر كذلك؛ فإن الدليل قد

قررنا: أنه مرتبط بالمدلول، سواء نظر الناظر أو لم ينظر. وههنا أربعة أمور متعددة: فالدليل مرتبط بالمدلول، والنظر في الدليل إذا تم على سداده يتضمن العلم. وعلى ما نراه ههنا يسقط من الأقسام، ولا يبقى إلا النظر والعلم والمعلوم. والعلم غير منظور فيه، وكذلك المعلوم، فلا يبقى للنظر مورد. فإذا بطل متعلق النظر، بطل النظر. فإما أن تصير الأمور كلها معلومة، وإما أن يتعذر علم شيء منها ليس بضروري. وهذا يشير (29/ب) إلى مذهب منكري النظر.

وما ذكره من الأمثلة لا [يدفع] هذا التحقيق. وقد بينا أن الأدلة ترجع إلى أمور مرتبطة بأمور على جهات من الارتباط، فمن اطلع على جهة ارتباط الدليل بمدلوله، حصل له العلم بالمدلول. وحصره جولان العقول في التقسيم المنضبطة التي يهتدي العقل إلى تعيين بعضها، غير صحيح. فإن البرهان ينقسم إلى البرهان المستد وإلى برهان الخلف. فالبرهان المستد: هو الذي يفضي بالناظر إلى العثور على عين المطلوب، كالإحكام الدال على العلم، أو على كون العالم عالما عند المعتزلة. وكذلك القول في الإيجاد والتخصيص. وبرهان الخلف: هو الذي لا يهجم على المطلوب بنفسه، ولكن يريد الناظر المطلوب بين قسمين، نفي وإثبات، ثم يقوم البرهان على استحالة الثبوت، فيتعين النفي أو بالعكس من ذلك.

والكلام في استحالة العرو عن الألوان مشكل، وهو مما استخير الله فيه. وطرق المتكلمين فيه مشهورة، فلم نر الإكثار بذكرها. وأما ما ذكره في منع القياس إلى آخره. فقد سبق الكلام على مثله عند كلامنا على إلحاق الكاتب بالشاهد. قال الإمام: (ومما يتعين على الطالب الاهتمام به في مضايق هذه الحقائق) إلى قوله (يستحيل أن يدرك حقيقة ما لا يتناهى). قال الشيخ: ما ذكره في هذا المكان من أن الأحكام الإلهية تستحيل الإحاطة بها، وإنما يتعلق العلم بأمور جميلة منها. اختلف المتكلمون في جواز تعلق العلم بمعلوم على الجملة دون التفصيل. فذهب الأكثرون إلى جواز ذلك.

واختلف في ذلك قول ابن الجبائي، وقد نقل عن الشيخ أبي الحسن أنه منع من ذلك، وله أيضا كلام يقتضي التجويز. وقد تمسك المنكرون بنكتتين نذكرهما ونذكر الكلام عليهما: إحداهما- أنهم قالوا: حقيقة العلم الكشف، ونحن لا ننكر أن يعلم المعلوم من وجه، ويجهل من وجه. والوجه الذي علم منه منكشف، ليس فيه إجمال بحال. بل ذلك الوجه مفصل عند العالم به. [الثانية]: أن العلم بالجملة يناقض العلم بالتفصيل، فلا يتصور اجتماع العلم بالجملة مع العلم بالتفصيل، فلا يتصور أن يعلم الباري تعالى معلوما أو معلومات على الجملة. فاستحال تعلق العلم على الجملة، ولا يتصور أن يتعلق العلم الحادث به، فإن العلم الحادث مخلوق لله - عز وجل -، وتعلقه بالمعلوم لنفسه، فلابد أن يكون فاعل العلم عالما بمتعلقه، فيقتضي ذلك أن يكون الباري تعالى يعلم المعلومات على الجملة، وهو عالم بها على التفصيل، وذلك متناقض على ما قررناه.

وأما المجوزون، فقد قالوا: لا ننكر العلم على الجملة، فإنا إذا علمنا أن معلومات الباري تعالى لا تتناهى، فقد علمنا أمرا لا محالة، إذ يستحيل علم لا معلوم له، ومعلومة المعلومات غير المتناهية، وهي غير مفصلة عندنا قطعا، لاستحالة تعلق العلم الحادث بما لا يتناهى على التفضيل، وأن كل معلومين يصح (30/أ) العلم بأحدهما مع الغفلة عن الآخر، فإذا علما، فإنما يعلمان بعلمين مختلفين، فإنه لو تعلق بما علم واحد، لاستحال أن يعلم أحدهما مع الغفلة عن الآخر، وكان يجب عقلا أن يعلما معا. وقد صورنا جواز العلم بأحدهما مع الغفلة عن الآخر، وكل ما أفضى إلى استحالة المجوز، فهو باطل وانقلاب الجائز محالا محال. وما أفضى إلى المحال فهو محال. وإذا كان كذلك، فلو قدرنا كون الحادث يصح منه أن يعلم ما لا يتناهى، للزم أن يعلمها بعلوم لا تتناهى، وتوجد تلك العلوم قائمة بالعلم، وما حصره الوجود، فهو متناهٍ ضرورة، فاستحال أن يعلم المخلوق ما لا يتناهى على التفصيل، فإذا لم يعلم المعلومات غير المتناهيات، إلا من حيث الجملة، لا من حيث التفصيل.

وأما الاستدلال الثاني، وهو قولهم: لو علم الواحد منا معلوما من حيث الجملة، للزم أن يكون الباري تعالى عالما به مع علم بالتفصيل، والعلمان متناقضان. إذ قد بينا أن العلم بالجملة يناقض العلم بالتفصيل. فقد اختلف جواب أهل الحق عن هذا السؤال، فذهب القاضي أبو بكر إلى التزام ذلك، وقضى بأن الباري تعالى لا يتصور أن يعلم شيئا من حيث الجملة لإحاطته بالتفاصيل. والتزم أن قال: إذا خلق الله لعبده علما متعلقا من حيث الجملة، لم يكن عالما بمعلوم العبد، وإن كان عالما بعلمه، لأن خالقه ومبتدعه. قال: ولا بعد في خروج بعض المعلومات عن أن يتعلق بها العلم القديم. قال: والمحقق هو الذي يدور مع الدليل ولا يجبن. وهذا يناظر ما ذهب إليه من أن القدرة الحادثة تؤثر في حال، والكسب، ولا تتعلق [بقدرة] القديم. وهذا القول لا نراه ولا نرضاه، ومن المستحيل أن يخرج ممكن عن القدرة القديمة، مع عموم التعلق، وتحقق التماثل في المتجددات. وكذلك لا سبيل إلى أن يخرج معلوم عن العلم القديم، لما قررناه من استواء المعلومات بالإضافة إلى العلم، إذ ما تعلق بأحد المثلين، مع صحة تعلقه بالمعدودات التي يجوز افتراقها، وجب أن تستوي النسبة إلى الجميع. وقد أجمع أهل الإسلام على أن الله تعالى عالم بجميع المعلومات، لا يشذ عن علمه معلوم.

وما ذكروه من أن العلم بالجملة يناقض العلم بالتفصيل، فلا نسلم المضادة في ذلك، ولو قدرنا أن الإنسان علم جواهر جسم وعددها، وعلم أن غيره يعلم الجسم من حيث جملة الجسم، [لما كان في ذلك مضادة]. وهذا هو الذي لا يصلح عندنا غيره. وقوله: وإفضاء العقل إلى أمور جميلة منها، اقتصار على الدعوى. وما ذكره من أن المتناهي يستحيل أن يدرك حقيقة ما لا يتناهى، دعوى ثانية غير مقترنة ببرهان. نعم، الذي يستحيل أن يعلم [معلومات لا تتناهى عددا، هو الحادث]، لما قررناه من الدليل. أما المتعلق بمطلق لفظ ما لا يتناهى، فلا يفيد. والباري تعالى غير متناه وجوده، بمعنى أنه لا آخر له، وذلك غير مانع من علم ذاته. ويعتقد أهل السنة أن الله تعالى يرى في الآخرة، والرؤيا أخص من العلم. على ما سبق تقريره. قال (30/ب) الإمام: (وعبر الأوائل عن ذلك) إلى قوله (سلطنة الكل على الجزء). قال الشيخ: ماذكره الإمام حكاية عن الأوائل، مبني على غير

أصول أهل الشريعة، فإنهم ينفون الصانع المختار، ويثبتون الفيض على الدوام. فلا منع ولا إعطاء، وإنما يرجع ذلك إلى اختلاف القوابل، وذلك يرجع إلى اختلاف التهيؤ للقبول. وهذه أصول باطلة كلها. وأدلة حدث العالم يسقط جميع هذا الهذيان. ولو وقع التنزل على فاسد أصلهم، فقضاؤهم بأنه لا يبلغ النهى مبلغا يقبل من الفيض ما يحيط من الكل. فليس في هذا إلا اقتصار على محض الدعوى. وكذلك قولهم: وأما الاحتواء على الحقيقة، فهو سلطنة الكل على الجزء. قال الإمام: (وأما ما يحمل على تبلد العقل) إلى قوله (في زمن ما مع تكرر المقتضيات). قال الشيخ: هذه الأمور كلها هي أصول الفلاسفة

المنكرين للخلق والإيجاد، الذاهبين إلى العلل والمعلولات. وقواعد أهل الإسلام على خلافها. ثم أيضا هم متحكمون في قولهم: إنه من الممكن أن يدرك بالعقل الخاصية الجاذبة للحديد في المغناطيس. فإن قالوا: يستحيل خرق العوائد، لاعتقادهم إياها عقليات، وليس في العقول صانع مختار ليخرق، فهو أيضا مبني على تلك الأصول الباطلة. ثم نقول لهم: ما المانع من وصول بعض العقلاء إلى إدراك هذا؟ وبأي

طريق علمتم نفيه؟ وما كل من أحاط بعلم يكشفه لأهل الأرض. فلا يرجعون إلا إلى محض الدعوى العرية عن البرهان. فأما ما يتعلق بالخواص وتأثيرها، فهو باطل عندنا، ولا فاعل إلا الله. والجواهر متماثلة والأعراض لا تنتقل. وكل ذلك مدلول عليه في إثبات الإلهية والوحدانية. وإنما الغامض في هذا الفصل قول الإمام: (ولكن ينقدح عندي في ذلك أمر يحمل التعذر عليه) إلى آخره. لا يتصور أن يكون ما ذكره عذرا عند أهل الإسلام، ولكن الظن به أنه إنما أراد: أنه ينقدح عندي لبعضهم على بعض. فإن الأوائل اختلفوا في ذلك. فكأنه يقول: وينقدح عندي لهم أمر يحمل التعذر عليه على مقتضى قواعدهم.

ثم قوله بعد ذلك: (وعلى الجملة لا يقوم برهان على التحاق هذا القسم بالمواقف) إلى آخره. هذا أيضا كلام صعب، فإنه إذا جعل استقراء العوائد دليلا على استحالة ما لم تجر به العادة، أفضى ذلك إلى جحد النبوات، وإنكار المعجزات، واستحالة بعث الأموات. وهذا كفر بلا إشكال. ويعتذر أيضا عن هذا بأن يقال: لا يقوم لبعضهم برهان على بعض في أن ذلك موقف بالنظر إلى عد صلاحية تهيؤ المفيض إلى آخره. وإذا بطل التلقي من هذه الجهة، رجع إلى استقراء العوائد على أصولهم، في اعتقاد وجوب الأطراد، واستحالة الخرق عقلا. هذا هو الذي أراده الإمام رحمه الله، ولا يصح غيره. قال الإمام: (وأما الميز بين الجواز المحكوم به، ويبن الجواز بمعنى (31/أ) التردد والشك، فلائح. ومثاله: أن العقل يقضي بجواز تحرك جسم ساكن) إلى قوله (وإذا لاحت الحقائق، فليقل الأخرق بعدها ما شاء).

قال الشيخ - رضي الله عنه -: الجواز كما ذكر، قد يعبر به عن: قبول المعلوم لأمري على البدل، كقبول الجوهر أن يكن متحركا أو ساكنا. وهذا الجواز نقيض الاستحالة. وقد يعبر به عن: التباس المر بحيث لا يدري الناظر كيف الحال فيه، فيقول: يجوز أن يكون العالم قديما، ويجوز أن يكون حادثا. هذا هو الجواز بمعنى التردد. وما ذكره في المثال، وهو انحصار الأجناس، واستدلاله على ذلك بأنها معلومة على التفصيل، وذلك مستحيل في غير المتناهي، كلام باطل، وقول غير صحيح. والذي عليه أهل الإسلام أن الله تعالى عالم بالمعلومات

على التفصيل. فاقتصر على الدعوى في مثل هذا الأمر العظيم. ولم يأت بدليل بحال. وقوله: فإن ما يحيل دخول ما لا يتناهى في الوجود، يحيل وقوع تقديرات غير متناهية في العلم. دعوى، ما الدليل على ذلك؟ ومن أين يلزم من كون

الموجود متناهي العدد أن يكون المعلوم متناهيا، وقد حصل موجوداً؟ فقد

هجم على أمر عظيم، وخالف أدلة العقول، وراغم إجماع المسلمين. وأقرب ما يدل على كون الباري تعالى عالما بما لا يتناهى على التفصيل، أن نقول: ما من معلوم إلا ويصح من الباري تعالى أن يخلق لعبده علما متعلقا به، ولا يختص هذا بموجود أو معدوم، محقق أو مقدور. وإذا جاز أن يخلق علما بمعلوم، وعلما آخر بمعلوم آخر، امتنع الانتهاء إلى حد يستحيل معه تقدير خلق علم آخر، وكذلك إلى غير نهاية. فوجب لذلك كونه عالما بالمعلومات غير المتناهية على التفصيل. وللمتكلمين في ذلك أدلة كثيرة. والذي ذكرناه مقدار غرضنا، وقواطع السمع على تأبيد نعيم أهل الجنان، وعذاب أهل النار

(فصل- مدارك العقول في الدين ثلاثة)

إلى غير نهاية، والله تعالى عالم بتفصيل ذلك. قال الإمام رحمه الله: (فصل- مدارك العقول في الدين ثلاثة) إلى قوله (العقل المحض في الديانات). قال الشيخ: قد سبق في أول الكتاب أن صفات الله تعالى واجبة لا جائز فيها، وأفعاله جائزة لا واجب فيها، فإنه يستحيل عليه كل ما قام بالحوادث، فدل على حدثها، وأفعاله دالة على صفاته. ولما ثبت للعالم الحدث، دل على جوازه. وهذا يستقصى في علم الكلام. قال الإمام: (والمدرك الثاني- هو المرشد) إلى قوله (مقنع في غرض هذا الفصل). قال الشيخ أيده الله: أما المدرك الثاني، فسيأتي الكلام عليه [بعد

تعريف المعجزة

هذا]. أما المدرك الثالث، وهو أدلة السمع، فقد تقدم الكلام عليها. وقوله: (والتحقيق في ذلك يستدعي تقديم أصلين). إما يفتقر إلى تقديم، لأنه لا يرى أن المعجزة تدل من جهة نزولها منزلة التصديق بالقول، فيفتقر حينئذ إلى إثبات العلم بصدقه، ليعلم صدق من صدقه. وأما من رأى أن المعجزة يحصل بها العلم بصدق المدعي، فلا يفتقر إلى تقديم هذا الأصل. نعم، (31/ب) لابد من تقديم الكلام على الأصل الثاني، وهو بيان اقتضاء المعجزة صدق من ظهرت على يديه، فإنه إذا لم يثبت صدقه، لم نتحقق الأحكام المتوجهة علينا أنها من عند الله.

قال الإمام: (ولكن القدر الذي يتفطن له العاقل أن [العالم] لا يخلو عن [نطق نفسي]، ثم النطق النفسي لا يكون إلا على حسب تعلق العلم. وإذا كان كذلك، لم يكن إلا صادقا). قال: (فإن فرض فارض إجراء شيء في النفس على خلاف العلم، فهو وسواس وتقديرات، ولا يتصور فرضها إلا حادثة. وهذا لقدر على إيجازه مقنع في غرض هذا الفصل). قال الشيخ: الباري تعالى متكلم بكلام أزلي، قائم به، ليس حرفا ولا صوتا، وخبره سبحانه صدق، لا يتصور الخلف فيه والكذب، ولابد من دليل على الأمرين جميعا. أما إثبات كونه متكلما، فقد ذكر الأئمة في ذلك طرقا: منها- أن الحي إما أن يتصف بالكلام، وإما أن يتصف بأضداده، وأضداد الكلام آفات، وهي مستحيلة على القديم سبحانه وتعالى.

وجه دلالة المعجزة

الثاني- أن الكلام له، إما أن يكون مستحيلا، وإما أن يكون جائزا. ونعلم نفي الاستحالة ضرورة، إذ حاصله راجع إلى أن العالم بالشيء يستحيل أن يخبر عن معلومه. وهذا ظاهر البطلان. فإذا بطلت الاستحالة، فمن المحال أن يكون جائزا، إذ الجائز لا يتصور قيامه بالقديم، وهذا يفتقر إلى بيان أن المتكلم من قام به الكلام. وهذا واضح، كما أن العالم من قام به العلم. فإنا لو سمعنا متكلما يتكلم، لعلمنا كونه متكلما، من جهة قيام الكلام به، وإن لم يخطر ببالنا، ل هو خالق الكلام أم لا؟ ولو كان حقيقة المتكلم من فعل الكلام، لم يعلم كونه متكلما إلا من أحاط بذلك علما. الثالث- أن الأمة مجمعة على أن الله تعالى متكلم بكلام حق. وهذه الدلالة لا تستمر إلا على [القول] بأن المعجزة تدل على الصدق.

وأما الدليل على كون الكلام صدقا، فإن الصدق: هو الخبر على وفق العلم. والله تعالى عالم بالمعلومات على ما هي عليه. وكلامه قائم به وفق علمه، فوجب أن يكون حادثا. أما الكذب الذي هو كلام النفس على الحقيقة، فلا يتصور إلا من الجاهل الذي يعتقد على نقيض ما هو عليه، فيخبر عنه على ذلك. قال الإمام: (والأصل الثاني- في اقتضاء المعجزة) إلى قوله (يكفي من

مدلول المعجزة

غير حاجة إلى رابط). قال الشيخ وفقه الله: قد اختلف الناس في حد المعجزة، وجهة دلالتها، وفي مدلولها. فأما أحدها: فقد ذكر الإمام حده. وقد ذكر غيره غيره. وقال أبو الحسن: فعل أو ما يقوم مقامه. وإنما افتقر إلى هذه الزيادة، لأنه يصح [عنده] أن تكون المعجزة عدما خارقا، كما لو تحدى بأن ينعدم جبل فينعدم، كان ذلك خارقا، وصح أن يكون معجزة، وإن كان العدم ليس بفعل. ولا فرق في التحقيق بين الإعدام والعدم، إن ذلك يرجع إلى نفي محض. ويعترض أيضا على الحد (32/أ) [بما] إذا ظهر الخارق مكذبا، فإنه لا يكون معجزة. وهذا له صورتان:

إحداهما- أن يدعي أن آيته أن تنطق يده، فتنطق مكذبا له. والصورة الثانية- أن يتحدى بإحياء ميت، فيحيا قم يكذبه. فأما الصورة الأولى، فمتفق على أنها لا تكون معجزة، لأن الخارق خرق للصدق، فإذا كان الخارق مكذبا، لم يصح أن يكون مصدقا. وهذا في التمثيل بمثابة ما لو قال المدعي: أنه رسول الملك، وأن آية صدقه أن يكلم الملك رعيته على خلاف عادته، ثم يستدعي ذلك من الملك، فيقول: هو كاذب فيما قال، فلا يستريب الحاضرون في كونه لم يصدقه بنطقه، وإن كان خارقا لعادته. وأما الصورة الثانية، ففيها نظر، إذ يمكن أن يحتج المدعي بأن الخارق قد وجد، ولما حيي هذا، صار من جملة المعاندين المكذبين. والذي نختاره

أنه لا يكون صادقا في ذلك أيضا. فإن الحاضرين إذا شاهدوه حيي وكذب، ثم مات على الفور، لا يحصل لهم العلم بالصدق على حال. فإذا الصحيح في حدها أن يقال: المعجزة معلوم خارق للعادة ظاهرا على حسب سؤال مدعي النبوة، غير مكذب، مع امتناع وقوعه في الاعتياد من غيره، إذا كان يبغي معارضة. وقد نوزع في كون ما ظهر خارقا. وقالوا: ما المانع من كون ذلك ما

وقع في العادة؟ واتفق لبعض الناس، ففرق بين النادر والخارق. وهذا هوس، فإن من تخيل أن انقلاب العصا حية، وانقلاب البحر أطوادا، وإحياء الموتى، مما جرى بصفة الندرة، فقد خرج عن حكم المعقول بالكلية. وأما وجه دلالتها: فقد ذهب ذاهبون إلى أنها تجري مجرى أدلة العقول، فلا يتصور عقلا إظهارها على أيدي الكذابين. وهذا اختيار الأستاذ أبي إسحاق، والإمام في (الإرشاد) يشير إليه. واستدل على ذلك بأن قال: لو دلت من جهة العادات، لأمكن خرقها، وأن توجد غير دالة، وإذا خرجت عن أن تدل لنفسها، لم يتوصل الباري سبحانه إلى تصديق رسله بالمعجزات، والعجز عليه محال. وهذا الكلام فيه نظر، وإنما يصح العجز، لو كان نصب دليل عقلي للصدق ممكنا،

وعجز عنه الباري تعالى، فحينئذ يقضى بالاستحالة. وأما الخصم فإنه يقول: ليس في الإمكان دليل يدل على الصدق لنفسه، لأن المقدور إنما يكون معتادا أو غير معتاد، فإن كان معتاداً، فلا اختصاص له ببعض المتحدين. وأما غير المعتاد، فهو الذي يقول الخصم: إنه يدل لنفسه. وقال كثير من المتكلمين: إنها تدل على جهة العادات، ولا تتنزل منزلة أدلة العقول. وذا القول والصحيح عندنا.

ودليله أنه لو [كانت] الدلالة على الصدق من صفة نفس الخارق، لما تصور خارق إلا دالا على الصدق، وهذا باطل بالاتفاق. فإن قيل: الخارق المقترن بالدعوى هو الذي يدل لنفسه. قلنا: لا يصح ذلك، إذ ما يدل لنفسه، لا يتصور فيه الشرط، وليس الاقتران بالدعوى مما يغير صفة الخارق ويجعل له صفة نفسية لم تكن له. قال الإمام: (فإن قيل: أيتصف (32/ب) الرب تعالى [بالاقتدار] بأن

يظهرها) إلى قوله: (لانسلت العلوم عن الصدور، كما سبق تمثيله في قرائن الأحوال). قال الشيخ: هذا هو الصحيح، على ما اختناه من دلالتها من جهة العادات. فإن العادات يصح خرقها، وتجويز الخرق لا يمنع من حصول العلم. وما ذكره الإمام من كونه يعرض لسبب إنكار العلم بصدق الرسل تقدير

اعتراض، فإنه لما قال: تتنزل منزلة قرائن الأحوال، قيل له: العلم المترتب على قرائن الأحوال ليس نظريا حتى يتصور اختلاف العقلاء فيه، بل الحاصل على إثرها ضروريا. فلو كانت المعجزات تدل من جهة العادات، لاشترك المطلعون عليها في حصول العلم، وقد وقع الاختلاف- بعد الاطلاع- من الخلق الكثير. وهذا سؤال مخيل. فأجاب رحمه الله بأن قال: إنما يحصل العلم للمشتركين في كمال السبب، فلا يترتب العلم عليه. وهذا بمثابة ما لو سمع بعض الناس أخبار التواتر، فإن العلم يحصل لهم، ولا يدل ذلك

على أن العلم المترتب على سبب التواتر ليس ضروريا. وقوله: (وما أتى منكر لصدق نبي [محق]، إلا من جهات) إلى آخره. يشير إلى أن كل منكر إنما ينكر، لاختلاف بعض القيود في حقه. وهذا الذي ذكره ممكن، لكنه لم يدل عليه. ووجه تقرير الدليل فيه، الاستقراء للعوائد في المنكرين، فإن كلامهم قد أسند إنكاره إلى جحد القيود أو بعضها. فقال بعضهم: {إنما يعلمه بشر}. وقال بعضهم: {هذا ساحر كذاب}. وقال بعضهم: {أساطير الأولين اكتتبها}. فكل مكذب قد قدح في المعجزة ولم يعترف بها. وأما الأمر الثالث: وهو مدلولها، فقد قال قائلون: مدلولها كونه صادقا.

مراتب الأدلة

وهؤلاء لا يفتقرون إلى إثبات الكلام لله - عز وجل -. وقال قائلون: مدلولها كونه مصدقا، وهو الصحيح. فإنه قد ادعى واستدعى من الله تعالى ما يدل الخلق على صدقه، فيفعل فعلا مطابقا لدعواه، ليقوم مقام قوله: صدق. فلابد على هذا من إثبات الكلام الصدق. وقوله: (ولو خرق الله تعالى العادة بإظهارها على أيدي الكذابين، لانسلت العلوم عن الصدور). قال الشيخ: هذا كلام حسن، وذلك أن الأدلة العقلية والسمعية يترتب العلم [فيها] على استتمام النظر في الدليل. وأما العلم المترتب على قرائن الأحوال، فلا سبيل إلى ضبطها حتى يحصل من ضبطها ترتب العلم عليها. وهذا كالعلم المترتب على خبر التواتر، والشبع المترتب على الأكل، والري الترتب على الشرب. وكذلك كل علم

مترتب على أساس غير مضبوطة. وإنما يستدل على جريان السبب بكماله بالعلم المترتب عليه. فإذا ظهرت المعجزة، وحصل العلم بصدق المدعي، أمنا من كونه كاذبا، لحصول العلم بصدقه. فإذا أظهرها الله تعالى على أيدي الكذابين، لم يخلق العلم المترتب عليها. وكذلك القول في الخبر المتواتر الذي يترتب العلم عليه، فإن كانوا كذلك، أو كان فيهم (33/أ) كاذب، لم يخلق الله تعالى له العلم بالصدق. قال الإمام: (ونقول بعد هذين الأصلين: الأصل في السمعيات: كلام الله

[تعالى]، وهو مستند قول [الرسول - عليه السلام -]) إلى قوله (فمنها تلقي الكتاب، والأصل الكتاب). قال الشيخ: قوله: الأصل في السمعيات كلام الله. قد تقدم الكلام قبل هذا على أنه لا حاكم على الحقيقة، باعتبار الشرع إلا الله - عز وجل - فالحكم يرجع إلى كلام الله القديم. وإذا قلنا: أمر الرسول، أو القاضي، فبمعنى أنهم يبلغون أحكام الله - عز وجل -، لا أنهم مستبدون بحكم من قبل أنفسهم. فإذا جردوا النظر، وميزوا الحكم، بان أن الحاكم هو الله تعالى خاصة، وإن نظروا إلى المبلغ المعرف، فهو الرسول خاصة، فإن الله تعالى إنما علمنا أحكامه بواسطة الرسل، ولا حاكم إلا الله، ولا مبلغ إلا الرسول - عليه السلام -.

قال الإمام: (وأما الإجماع فقد أسنده معظم العلماء) إلى قوله (عنينا به المتواتر النص الذي ثبت أصله وفحواه قطعا). قال الشيخ - رضي الله عنه -: قوله: إن الآية ليست على مرتبة الظواهر. اقتصارا على الدعوى من غير أن يبين الوجه في ذلك. ولكن تقرير خروجها عن الظواهر من وجوه: أحدها- أن (غير) لا تتعرف إلا بالإضافة إلى معرفة، إن تعددت الأغيار، باتفاق من أئمة اللسان. وإن انضبطت القسمة، فقد قال بعضهم: إن الإضافة في هذه الصورة إلى المعرفة تقتضي تعريفا، كقوله تعالى: {غير المغضوب عليهم ولا الضالين}.

وهذا هو اختيار ابن السراج. وأطلق آخرون القول بأن (غير) لا تتعرف بالإضافة. وهذا القول أقرب إلى العربية من جهة أن التعيين لم يأت من جهة الإضافة، وإنما جاء من الحصر، حتى أن من لا يعرف الحصر لا يدله اللفظ على التعيين. فإذا ثبت ذلك من المذهبين، فـ {غير سبيل المؤمنين}، لا تتعرف بهذه الإضافة، إذ الأغيار هاهنا كثيرة: من الكفر والشقاق، والخروج على الأئمة، والمخالفة في الأحكام، وارتكاب محرمات الشريعة، إلى غير ذلك.

وقد جاء النبي - عليه السلام -: (من غشنا فليس منا). و (سباب المؤمن فسوق، وقتال كفر). و (من حمل علينا السلاح فليس منا). فهذه كلا غير سبيل المؤمنين. الوجه الثاني- أنه قال: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين}. فهل الجملتان [شرطا جزاء]، أو كل واحدة شرط مستقل، ويكون الكلام اشتمل على ذكر أحد الجملتين، ولم يذكر جزاء الأخرى لدلالة الكلام عليه؟ فعلى التقدير الأول، لا يكون في [الآية] تعرض لمخالفة أهل الإجماع على انفرادها، وإنما يكون فيها ظهور على التقدير الثاني. الثالث- هو أن سياق الآية يدل على أنه أريد بغير طريق المؤمنين، ما يرجع إلى المناصرة والمعاضدة والجهاد وإعلاء كلمة الإسلام. فإن الآية إنما سبقت لهذا الغرض، فإن لم يكن ظاهرا، فهو محتمل، على أن أقصى الممكن فيه تسليم ظاهره. ولا يصح (33/ب) الاستدلال على القطعيات بالظواهر، فإن الظاهر ملتحق في محل طلب العلم بالمجملات.

وأما ما ذكره الإمام هاهنا، فإن ذلك يتضمن استقصاء مسائل الإجماع، وهذا له كتاب تام، فليؤخر إلى موضعه. وبقية الكلام قد تقدم. قال الإمام: (وما ذكرناه من الخبر عنينا به: التواتر النص). قد تقدم أيضا الكلام على ذلك، ووجه الاشتراط، واختلاف الأصوليين في الاحتراز بهذه القيود، والإضراب عنها. قال الإمام: (وأما الخبر الواحد) إلى قوله (طريق نقله أو مستند إليه). قال الشيخ أيده الله: قد تقدم الكلام أيضا على هذا. وهل يقطع بالعمل عند خبر الواحد، أو يظن الحكم بمقتضاه؟ بما يغني عن الإعادة. وقوله: (وما عداه طريق نقله). يعني الكتاب والسنة جميعا، فإنه إذا

دل على كلام نفسه بألفاظ تتلى، سمي كتابا، وإن كان بلفظ لا يتلى، سمع من الرسول - عليه السلام - سمي سنة، والمستند إليه هو الإجماع. قال الإمام: (فهذا بيان العقلي المحض) إلى قوله (وإلا فليس في حقيقة

النظر العقلي المفضي إلى العلم تفاوت). قال الشيخ: هذا الكلام من الإمام أورده حكاية عن الأصوليين، وإلا فمذهبه أن العلوم ضرورية. والضروري لا يقبل الاستدلال.

وقولهم: تدل لأنفسها. كلام متجوز به، فإن العدم قد يدل ولا نفس له، وإنما يعنون بذلك: وجوب الارتباط عقلا. واعتذار الإمام عندما حكم بكون العلوم ضرورية في سبب التفاوت في الإدراك، فإن الشيء قد يحوج إلى مزيد تدبر، كيف يفتقر في الضروري إلى تدبر؟ فإن قال قائل: التدبر يرجع إلى النظر، فقد بينا أن النظر على أصله لا يتأتى. وأما الوجه الثاني من تعدد الرتب، بكأنه يقول: لا بعد في اشتراط الترتيب في العلوم الضرورية، ويكون الترتيب فيها لابد منه. قلنا: يلزم على

البرهان وأقسامه

أن الرتبة الأولى إذا حصلت، فتحصل الرتبة الثانية ضرورة وبديهة، إذ العلوم ضرورية، والشرط- وهو الترتيب- قد وجد. فلا يستقيم هذا الكلام مع إنكار الاستدلال. قال الإمام: (ثم البرهان ينقسم إلى البرهان المسند) إلى قوله (وقد رسمه الأصوليون وطولوا أنفاسهم فيه، فنبدأ به). قال الشيخ: انقسام البرهان على

ما ذكره صحيح. ومذهبه أن الدليل لا يرجع إلى مجرد النظر، فكيف يستقيم البرهان إذ لا برهان؟ وقضاؤه بأن الأحكام الإلهية كلها ترجع إلى برهان الخلف. فقد بينا أن من الأدلة على الأحكام الإلهية ما يرجع إلى [المستد] الاستدلالي بالإيجاد والتخصيص. وقوله: (إن البرهان المستد يجري في غير الإلهيات في جميع مطالب العقل، لا ما استثناه). دعوى مجردة عن البرهان. وأما أحد ما استثناه من

القول في البيان ومراتبه

أحكام الأزل ونفي الولية، فهو راجع إلى أحكام الإلهية. وأما الثاني، وهو كون الجوهر الفرد لا ينقسم، فلا يتلقى إلا من برهان الخلف، فإن العقل لا يقف على حد، ولا يمنع من قسمته، ولكن يقول: لو انقسم إلى غير نهاية (34/أ)، لدخ غير المتناهي الوجود، وبراهين من هذا الجنس. ودخول ما لا يتناهى الوجود محال. قال الإمام: (القول في البيان) إلى قوله (إذا استقل كلامه بالإبانة

والإشعار بالغرض. فهذا منتهى المقصود في هذا الفن). قال الشيخ - رضي الله عنه -: ظاهر كلامه أن أصحاب العبارة الأولى والثالثة متفقون، وإن كان أحد اللفظين أكثر احترازا، وليس الأمر كذلك. بل القائل الأول يرد البيان إلى الاستدلال بالدليل، والإرشاد إلى جهة دلالته. والثالث رد البيان إلى نفس الدليل، على أن لفظ الدليل مشترك عند المتكلمين، فإنه قد يطلق على الدال، وقد يطلق على الدلالة، وهذا الثاني هو اختيار القاضي رحمه الله. والأمر في ذلك قريب، وإنما ترجع المسألة فيه إلى اللفظ.

قال الإمام: (فأما الكلام في مراتب البيان) إلى قوله (والاكتفاء بذكر الإجماع أولى، ولا دفع للسؤال). قال الشيخ: الكلام واضح كله. وما اعترض به أبو بكر على الشافعي غير لازم، وذلك أن الشافعي رحمه الله

عد ما تستند إليه الأحكام مباشرة. والمراتب السابقة كلها كذلك. وأما

الإجماع فهو على الحقيقة ليس دليل الحكم، وإنما هو دليل دليله. وهذا واضح إذا ظهر مستند الإجماع. وإن لم يظهر مستنده، فقد يظن الظان أن الحكم أسند إليه مباشرة، وليس كذلك. بل إنما يثبت الحكم، لصحة العصمة في المستند. والإجماع يدلنا على طريق لا نص فيه، ولا دليل سواه. وإن كنا نعلم نفي بقية الأدلة. ولو كان الإجماع كذلك، لتصور أن ينعقد الإجماع ويكون حجة مع فقدان تلك الطرق، وفرض ذلك محال، لأنه يناقض العصمة؛ إذ [يكونوا] قد حكموا من غير دليل. وقد قال الشافعي رحمه الله ما أشرنا إليه، فقال في كتاب القياس: ([لا أرى] للصحابة في القراض [مستندا] إلا ما صح عن

رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المساقاة). يقول: إنهم سلكوا فيه مسلك القياس. قيل: هذا منه قلب لمجاري القياس، فإن سبيل القياس الصحيح اعتبار المختلف فيه بالمتفق عليه. وهذا اعتبر المتفق عليه بالمختلف فيه. قال الشافعي: الإجماع لا ينعقد [هزلا]. وتمام التقرير يقتضي الالتفات إلى الأدلة التوقيفية، نقلية أو قياسية. فإليها يستند أهل الإجماع. فتبين بهذا سقوط السؤال. وسيأتي مقررا بأبلغ من هذا في ذلك المكان، إن شاء الله تعالى، وهو حسبنا ونعم الوكيل. قال الإمام: (وقد ذكر بعض الأصوليين صنفا آخر من الترتيب) إلى قوله

(في لفظ الشارع له ذكر. ثم له مراتب، لسنا لها الآن). قال الشيخ: هذا الترتيب غير صحيح، فإنه قدم لفظ الشارع مطلقا على الفعل الواقع بيانا. وقد

يكون اللفظ ظاهرا، وقد يعلم بالقرائن ما قصده بالفعل، [فكيف يصح التقديم مطلقا؟ والإشارة (34/ب) أيضا فعل] اقترن به القول للبيان، فلم تأخرت عن قضية الصلاة الواقعة بيانا؟ وكذلك تأخير المفهوم عن العموم مع [أنه] يؤخر من جهة كونه من توابع اللفظ، لا من جهة مفهومه. وكذلك القول في القياس، إذ لا يصح أن يقدم كل لفظ على كل قياس، إلا أن يكون المقصود أنه لولا شرعيته، لم تدل الألفاظ على أحكام الفروع، ولم تستند إليها، فيكون لهذا وجه. فأما أن يعتقد الترتيب في قوة الدليل وضعفه، فغير صحيح.

قال الإمام: (والقول الحق عندي أن البيان: هو الدليل. وهو ينقسم إلى العقلي والسمعي. فأما العقلي، فلا ترتيب فيه على التحقيق في الجلاء والخفاء،

(مسألة: في تأخير البيان)

وإنما يتباين من الوجهين) إلى آخر المسألة. هذا الكلام واضح، لا يحتمل أكثر من هذا. قال الإمام: (مسألة: في تأخير البيان) إلى قوله (ولو بين لهم أولا لفسدوا). قال الشيخ: اختلفت مذاهب المعتزلة في تأخير البيان إلى وقت الحاجة. فمنهم من منع ذلك عموما، ومنهم من فرق بين العام والمجمل، فقال: يجوز تأخير بيان المجمل، إذ لا يحصل منه تجهيل، ولا يجوز تأخير بيان العموم، لما فيه من إلباس. ومنهم من عكس ذلك، وقال: يجوز تأخير بيان العموم، لما فيه من أصل الفائدة. بخلاف المجمل، فإن وروده لا فائدة فيه بحال. ومنهم من جوز في الأحكام، لقبولها النسخ، وهو عندهم يرجع إلى

البيان، دون الوعد والوعيد. والقول الحق يقتضي جواز تأخير [الجميع]. والقوم منعوه [بناء] على قواعد التحسين والتقبيح. [هذا] تقرير مأخذ [الخصم] والاعتراض عليه. ولا يحصل من مثل هذا علم، إلا أن يثبت بالبرهان انحصار المأخذ، ثم يبطل ذلك، فيحصل منه أن الحاكم متحكم، ولكن لا يحصل من هذا القول

بطلان المذهب قطعا، إلا ببرهان يقوم على إبطاله. وليس في إبطال المآخذ المعينة، بطلان كل ما يقدر مأخذا. ولو قطعنا ببطلان كل مأخذ، لم يحصل العلم ببطلان المذهب، إذ يحتمل أن يكون صحيحا، ولم يتفق لقائله الوقوف على دليله، أو يكون مما لا دليل عليه. ومن أين يلزم أن يكون كل شيء مدلولا عليه؟ ومن أين يلزم أن يكون كل دليل يعرفه الحاكم؟ فلا يحصل من مثل هذا علم في العقليات. نعم، يكون هذا الطريق نافعا في السمعيات، من حيث تقرر أن الله تعالى لا يحكم على العباد بحكم حتى ينصب لهم عليه دليلا. فإذا علم انتفاء الأدلة، علم نفي الحكم، لاستحالة تكليف ما لا يطاق، إما عقلا، وإما سمعا.

ولكن الدليل على أنه ممكن، صحة وجوده، فإن المستحيل لا يتصور وجوده بحال، ويصح للواحد منا أن يأمر عبده ووكيله بخطاب عام، وهو يقصد تخصيصه بعد ذلك، لمصلحة يراها، أو بخطاب مجمل، [وهو] يقصد بيانه بعد ذلك. ولو كان [ذلك] مستحيلا، لم يتصور بوجه. قال الإمام: (الثاني: يتعلق بمناقضتهم مذهبهم هاهنا بأصلهم في النسخ، [فإنه] عندهم: بيان مدة التكليف. [وليس هذا] البيان مقترنا بمورد الخطاب الأول. وليس لهم عن هذا جواب). قال الشيخ وفقه الله: ما ذكره الإمام غير (35/أ) لازم للقوم، فإن البيان هو الدليل على حسب ما مر. وإذا كان كذلك، لم يمنع ورود دليل، وإنما الممتنع أن يكون الدليل يتعرض للدليل الأول، إما بتخصيص أو تفسير. فأما إذا كان لا يتعرض له، وإنما يتضمن قضية أخرى، فلا مانع من ذلك. والنسخ عند المعتزلة لا يتعرض للفظ

الأول بحال، فإن الذي دل عليه اللفظ الأول لا يرفع. نعم، [إذا] كانوا يجوزون [ورود] مثله، فالخطاب الثاني منع مثل الحكم الأول من الورود. يدل على ذلك ورود النسخ على النص الذي لا يقبل البيان بوجه. فإذا البيان يرجع إلى إزالة ظاهر أو اشتراك مجمل. وهذان النوعان هما اللذان منعهما القوم. قال الإمام: (والمسلك [الثالث]: يتعلق بمطالبتهم) إلى قوله (ثم يفسر لهم في وقت الحاجة). قال الشيخ: هذا المسلك الشرعي مقطوع به تواترا

واستفاضة، فإنا نعلم بالضرورة أن تفاصيل الصلاة، وما تفتقر إليه من شروط وبيان أركانها، وما تتوقف صحتها عليه، من قراءة، أو طهارة، وستر عورة، واستقبال قبلة، وما يقدح في صحتها من المفسدات، وكذلك الزكاة، والصيام، والحج، وما يتعلق بالبيع، والنكاح، وما يصح تزويجه، وما شروط العقد، مما لا يمكن أن يبين في وقت واحد. وهذه الطرق تجري على جميع المذاهب، ولا يفرق بين عام ومجمل، ولا بين حكم ووعيد. تبقى المسألة مع المجوزين، اختلفت مذاهبهم في جواز التدريج في البيان. فقال قائلون: إذا شرع، وجب أن يبين الجميع، فإن اقتصاره على إخراج صورة من العموم، يوهم كون الباقي مقطوعا باستقراره. وهذا أيضا باطل من وجهين: أحدهما- أن من توهم ذلك تاما، فقد أخطأ كمن توهمه أولا، والسابق

القول في اللغات ومأخذها

من الأدلة يقضي عليه. الثاني- أنه قد نقل في الشريعة أنه كان [يبين] ما تدعوا الحاجة إلى بيانه، فلما سئل عن الاستطاعة، فقال: (زاد وراحلة). ولم يتعرض لأمن الطريق في ذلك الوقت، وإن كان شرطا. بل كان - عليه السلام - لا يعتني بالبيان وقت توجه الخطاب اعتناءه بوظائف النقل، فضلا عن المقترنات. وقد منع قوم تأخير المخصص عن اللفظ العام، بناء على غير هذا الأصل، مصيرا منهم إلى أنه لو تجرد اللفظ عن القرائن، لكان نصا في الاستغراق، فيرجع ذلك إلى استحالة بيان النصوص. وهذا الأصل سيأتي الكلام عليه بعد هذا، إن شاء الله تعالى. قال الإمام: (القول في اللغات ومأخذها) إلى قوله (ونحن نذكر الآن

مسائل على شرط هذه الترجمة، إن شاء الله تعالى). قال الشيخ: قوله: معظم الكلام في الأصول يتعلق بالألفاظ والمعاني. لم يرد بذلك عموم المعاني المعقولة، فإنه لو أراد ذلك، لم يبق من أصول الفقه شيء. وإنما أراد المعاني القياسية. وإذا كان كذلك، لم يكن معرفة وضع الفقه ومعرفة عرف الشريعة مكتفى به في علم الأصول، لتعلق الكلام فيه بطرف صالح من المعقولات. فلذلك قال: معظم الكلام. وقوله: لما كان فنا مجموعا ينتحي ويقصد، لم يكثر منه الأصوليون.

اكتفاء بما ذكره أهل اللسان، إلا أن تدعوه ضرورة إلى ذكر شيء مما ذكره أهل اللسان، ولا يجدون بدا من الكلام عليه، كالكلام على (من) الزائدة (35/ب)، هل تكون مؤكدة للنفي؟ وغير ذلك. ثم صرفوا عنايتهم لما لم يذكره أئمة اللسان، وإن كان من اللغة، لأن أئمة اللسان لم يقصدوا إلى معرفة مدلولات الألفاظ، وإنما قصدوا النطق على حسب ما نطق [به] أهل اللسان، حتى إنهم يتكلمون على الكلمة باعتبار إعرابها، وغير ذلك، وإن كانوا لا يفهمون المدلول في اللغة. واللغوي المحض الباحث عن [معرفة] [مدلولات الألفاظ] لا يحسن صنعة الإعراب وعلم التصريف. وقصد الأصوليون إلى شرح المدلول، باعتبار الألفاظ التي ظهر مقصد الشرع فيها، ليحصل الغرض من فهم مقصود الشرع بألفاظه.

(مسألة: اختلف أرباب الأصول في مأخذ اللغات. فذهب قوم إلى أنها توقيف من الله تعالى)

قال الإمام: (مسألة: اختلف أرباب الأصول في مأخذ اللغات. فذهب قوم إلى أنها توقيف من الله تعالى) إلى قوله ([وإذا احتمل الكلام الأمرين، لم يكن فيه حجة]). قال الشيخ: قد تردد الناس في البحث عن هذه المسألة، هل لها تعلق بأصول الفقه، أو لا فائدة فيها؟ والصحيح عندنا أنه لا فائدة

فيها، وذلك أن كل أمر يستوي العلم به وعدمه، بالإضافة إلى حصول أمر آخر، فلا حاجة إلى علمه في تحصيل مطلوبه. وقد بينا أن الاحتياج إلى معرفة اللغة العربية، إنما احتيج إليه بالإضافة إلى فهم الأحكام، وقد أمرنا الله تعالى بتنزيل أحكامه على ما نفهمه من اللغة العربية، إلا أن يثبت للشرع تصرف في بعضها، فيجب التنزيل على ما قرره الشارع من اللغة. على ما سيأتي مفصلا، إن شاء الله تعالى. وإذا (2/ب) كان كذلك، [فمفهومها لا يختلف، سواء كانت]

اصطلاحا أو توقيفا. ولذلك قال بعض الأصوليين: الكلام عليها في الإطلاق وامتناعه. وهذا كإطلاق زيد قاتلا مثلا، وكون الخمر محرمة، مع قضاء العقول بأن مزهق الأرواح من الأشباح هو الله سبحانه. وأن الأعياد لا تكون متعلق التحريم. فإن كانت توقيفا من الله تعالى، استحال أن يكون الوضع لإزهاق الروح على التحقيق، بل إنما يكون معنى قتله، أي فعل عنده [فعلا] يحصل عنده الموت، أو يكون القتل عبارة عن زهوق النفس، فيكون قولنا: قتل زيد تجوزا. كما قال تعالى: {وسئل القرية}. فإنه لا يقال في هذا إنه جعل القرية اسما للأهل، بل للقرية، وأضمر الأهل. فإن كانت اللغة اصطلاحا،

أمكن الغلط على الواضع في المعقولات، كما وقع للمعتزلة. وأمكن أيضا أن يكون عالما بالمدلولات، فيكون الاصطلاح على هذا التقرير كالتوقف. قال الإمام: (مسألة: ذهب بعض من ينتمي إلى [أصحابنا]) إلى قوله (لا يجري هذا في محل النزاع قطعا). قال الشيخ: هذه المسألة يحتاج إليها في الأصول، فإنه إذا ثبت عموم الاسم بطريق القياس اللغوي، اندرجت

المسميات تحت العموم، ولم يحتج إلى القياس وشرائطه، حتى يكون قوله: حرمت الخمر، يتناول النبيذ. وكذلك اسم السارق يتناول النباش، فدخل تحت قوله: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما}. والأمر في التقدير على ما ذكره الإمام [بلا] مزيد. هذا إذا ثبت اختصاص اللغة في أصل الوضع، ولم يثبت طرد القياس في اللغات بحال، فإنا نعلم من مذهب العرب أنهم لا يلتزمون بطرد (36/أ) الاشتقاق وإن كان الاسم مشتقا، لأنهم قد يأخذون المحل قيدا في التسمية، فيسمون الفرس أدهما،

لسواده، وكميتا لحمرته. والآدمي المتلون بذلك اللون أو الثوب، لا يستحق هذا الاسم. فإذا لم [يطرد] ذلك في لغتها، بل وجد الانقسام، امتنع القياس مضافا إليهم. وإن أطلق المطلق اللفظ، ولم يسنده إلى لغة العرب، لم يمتنع منه. وأما أسماء الفاعلين والمفعولين، فقد ثبت عموم الاشتقاق منهم فيها، فلا يكون ذلك قياسا. بل ذلك وضع منهم، فثبت أن اللغة نقل كلها. قال الإمام: (مسألة: في ألفاظ استعملها العرب، وجرت في ألفاظ

(مسألة: في ألفاظ استعملها العرب، وجرت في ألفاظ الشرع)

الشرع) إلى قوله (ومساق ما ذكره أن المسمى [بالصلاة]: الدعاء فحسب، وليس الأمر كذلك). قال الشيخ: رد على القاضي من غير أن يذكر له مستندا. وقد ذكر القاضي مستندين: أحدهما- أن هذه الألفاظ لغوية، وقد تعبدنا بفهم لغة العرب، فلو نقلها الشارع وجعل لها مدلولات أخر، لم يكن بد من بيان التغير، وإلا [جر] ذلك تلبيسا وتجهيلا وتكليفا بمحال. الثاني- أن هذه الألفاظ مذكورة في القرآن، والقرآن عربي كله، وإنما

يكون اللفظ عربيا، إذا كان منطوقا به، دالا على مدلوله عندهم. فإذا جعل اللفظ عبارة عن غير مدلوله، أو عبارة [عن] مدلوله، أو عبارة عن بعض مدلوله]، فليس ذلك لغة العرب. ولو قال: أكرم العلماء، وأراد المجانين، لم يكن آتيا بلغة العرب، وإن كان لفظ العلماء لغويا. وقد وجه القاضي على نفسه [أسئلة] فقال: قال الله تعالى: {وما كان الله ليضيع إيمانكم}. قال المفسرون: أراد به صلاتكم نحو بيت المقدس. وقال - عليه السلام -: (الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها شهادة أن [لا إله إلا الله]،

وأدناها إماطة الأذى عن الطريق). فقال: هذا يجاب عنه بأن الصلاة دليل الإيمان، وكذلك إماطة الأذى عن الطريق أمارة للتصديق بالثواب، فيجوز تسميته إيمانا، وتسمية الشيء بما له تعلق به صحيح [لغة]. ووجه سؤالا فقال: لا يفهم واضع اللغة من لفظ الصلاة إلا الدعاء، ويفهم منه في الشرع غير ذلك. قال القاضي: وهو المفهوم منه أيضا في الشرع، ولكن شرط في الاعتداد به أمورا أخر من أقوال وأفعال. فالشرع تصرف بوضع الشرط، لا بتغيير الوضع. هذا تلخيص قوله. أما ما احتج به من أن التغيير يفتقر إلى التعريف، فالأمر على ما قاله، وقد حصل التعريف بقرائن الأحوال، وبيان الأعمال، والتكريرات والإشارات، إلى حد لا يبقى معه ريب في المفهوم.

وأما قوله: [القرآن] عربي كله، لا عجمة فيه بوجه، فهذا خلاف أئمة اللسان بالنظر إلى المدلول والإعراب. أما المدلول فإن: (الإستبرق) ليس في كلام العرب، وكذلك قال بعضهم: ليس (الأب) من كلام العرب. وأما ما يتلقى من الإعراب، فمنع بعض الأسماء [من] الصرف، بناء على العجمة والتعريف، وهذا مقطوع به عند أهل الفن. وفي العجمة المانعة من الصرف كلام طويل يتعلق بفن العربية، وفي الموضع الذي يمنع. ولكن ما ذكرنا مقدار غرضنا. وأما قوله: (وإنما سميت إيمانا [لأنها] دليل الإيمان). فكلام [لا يصح]، إذ هو قياس في اللغة، (3/ب) ونحن [قد] منعنا من إجراء

الحقيقة العرفية وأقسامها

القياس في اللفظ الدال حقيقة، [فكيف] يصح القياس في المجاز؟ فيفتقر القاضي (36/ب) إلى أن ينقل عن أهل اللسان أنهم تجوزوا هذا النوع من التجوز. قال الإمام: (وأما المختار عندنا، فيقتضي ببيانه تقديم أصل) إلى قوله ([والإمساك] في الصلاة والحج والصوم. فهذا حاصل هذه المسألة). قال الشيخ: ما ذكره الإمام من بيان العرف، وتسمية الأفعال عرفية، إنما هذا في عرف أهل اللغة، وأما عرف غيرهم، فلا التفات إليه. ولو التفتنا إلى عرف

غيرهم، لكانت الأسماء كلها عرفية. وأما تصرف [الشرع] بهذين الوجهين، [فلا يوجب] أن يكون هذا أمرا لغويا، أصليا ولا فرعيا، إذ لم ينطق أهل اللغة بذلك. ولو اعتبر غير الشارع مثل هذا المعنى، أو وضع اسما يقتضي ذلك، لم تكن تلك الأسماء عرفية عند الأصوليين، بل أسماء شرعية. وليس يلزم من إثبات هذه الأسماء لهذه المسميات شرعا، الإضراب عن اللغة أصلا. وهو معنى قول القاضي: ثم الشرع لا يزجر عن تسمية الدعاء المحض صلاة.

ثم اختلف الأصوليين بعد هذا [فيما] إذا دار الاسم بين معناه اللغوي ومعناه الشرعي، فقال القاضي: مجمل. وهذا يناقض مذهبه في حجد الأسماء الشرعية، اللهم إلا أن يكون له قول آخر بإثباتها، وإلا فالإجمال مع اتحاد جهة الدلالة محال. أو يكون هذا منه تفريعا على قول من يثبتها. وهذا ضعيف، فإنه من أين له الحكم عليهم بأنهم يسوون بين [التسمية] إلى المسمين؟ وقال قائلون: هو لمعناه الشرعي، إلا أن يقوم دليل على أنه أراد المعنى اللغوي. وهذا هو الأظهر عندنا، لاستقراء عرف الشرع غالبا في إطلاق ألفاظ

الصلاة والصوم وغيرها، مما ثبت له فيه عرف استعمال، فيصير هذا بمثابة المجاز المشهور، كالغائط والعذرة. وقال أبو حامد: أما ما ورد في صيغ الأمر والإثبات، فهو للأمر الشرعي، وأما ما ورد في النهي، فهو مجمل. واحتج على ذلك بقوله - عليه السلام -: (دعي الصلاة إلى أقرائك). وأنه إنما أراد المعنى اللغوي، فإن الصلاة الشرعية غير ممكنة، وما لا يمكن، لا ينهى عنه. وهذا [الكلام] ضعيف، [فإنه لم يرد أيضا في الحديث الصلاة اللغوية، وهي الدعاء، فإنه غير منهي عنه. [وسيأتي] الكلام عليه] في مسألة الصلاة في الدار المغصوبة. وقوله في تمثيل المجاز، إطلاق التحريم على الخمر، فإنه مستعار متجوز به. لا يلزم ذلك، ومن أين يلزم من كون العقل يحيل [إضافته] إليها أن يكون الإطلاق اللغوي مجازا، وهم يقولون: قتل زيد عمرا؟ وإن كانت

الكلام في الحقيقة والمجاز

القدرة الحادثة لا [تعدو] محلها، ولا ذاهب إلى كون هذا اللفظ مجازا. وأما قوله: (إن من قال: إنها (4/أ) نقلت نقلا كليا، فقد زل). [فصحيح] على وجه كلامهم، [فإن] الاسم إذا دل على [مدلول على صفة]، ولم تستعمله العرب إلا على تلك الجهة، فمن زاد فيه، أو نقص [منه]، أو تعداه إلى غيره، فقد غير الوضع بالكلية. وإن كان الشرع قد جعل اللفظ دالا على الدعاء والركوع والسجود، وغير ذلك. فهو نقل كلي. نعم، سبب النقل ما ذكر، من اعتبار أصل موضوع اللغة. ومما يتصل بهذا الموضع الكلام في الحقيقة والمجاز. والحقيقة:

عبارة عن اللفظ الدال بالإضافة على مدلوله، غير مقبول من غيره، ولا مستغنى [عنه]. وقد ذهب بعض الناس إلى إنكار المجاز في القرآن. وذهب المحققون إلى اشتمال (37/أ) القرآن عليه. ويمكن أن يكون المنكر، إنما أنكر المجاز في القرآن، على معنى الخلف والكذب، فقد يطلق لفظ المجاز على الباطل، فيقال: هذا القول مجاز لا حقيقة له. والظاهر خلاف ذلك. وسبب خيالهم في ذلك، أن المجاز إنما يصار إليه لضرورة أو حاجة، وهو خلاف الفصاحة. وليس الأمر على ما تخيلوه. ورب مجاز لا تقوم الحقيقة مقامه. وقد عد من أقسام الكلام الفصيح البليغ، التجوز، كقوله تعالى: {واخفض لهما جناح الذل من الرحمة}. وكيف ينكر ذلك، وفي كتاب الله

تعالى: {يريد أن ينقض}. {ويمكرون ويمكر الله}. {أحاط بهم سرادقها}. و {كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله}. إلى غير ذلك مما لا يحصى كثرة. والمجاز: ما تجوز به عن أصل موضوعه. وذلك لأسباب: إما لمشاركته إياه في التعيين، وإما لملازمته إياه غالبا، كتسمية الغائط والعذرة. وإما لكونه من أثره، كقولهم: انظر إلى قدرة الله، يعني الثبات، لأنه من أثر قدرة الله، ودليل عليها. وهو على ثلاثة أنواع:

أحدها- إطلاق الاسم على غير ما سمي به في أصل الوضع، فتكثر المسميات بعد أن كانت قليلة، كتسمية الرجل الشجاع أسدا، والجواد بحرا. الثاني- الزيادة التي لا تفيد، كقوله تعالى: {ليس كمثله شيء}. فإن (الكاف) وضع للإفادة، وهو ههنا غير مفيد، ولو جرى على حقيقته، لأثبت مثلا، ونفى التشبيه عنه، وهو محال. الثالث- النقصان الذي لا يمنع فهم المعنى، ولا يلبس، كقوله تعالى: {وسئل القرية}. {والعير}. ولا يجوز: سل زيدا، وأنت تريد غلامه، إلا في الشعر. وهذا النقصان اعتادته العرب، فهو توسع وتجوز. فإن قيل: لم قضي على هذه الأضرب بكونها مجازا، وهي منطوق بها عند أهل اللسان؟ قلنا: هذا معلوم ضرورة، كما أن العرب سمت عمرا مخصوصا، وآخر زيدا. وكذلك نعلم الأسماء الدالة بالإضافة أو التجوز.

وطريق معرفة ذلك: النقل المتواتر، إما صريحا، وإما استقراء، وهو طريق معرفة أوضاع اللغة، وليس [للقياس] في ذلك مجال. وقد ذكر بعض الأصوليين طرقا لمعرفة الفرق: إحداها- أن الحقيقة جارية على العموم، إذ قولنا: عالم، لما صدق على عالم، صدق على ذي علم، {وسئل القرية} يصح في بعض الجمادات (4/ب)، ولا يصح في الجميع. وهذا عندنا غير صحيح. فأما اطراد الحقيقة، فغير صحيح، فإنا قد بينا أن بعض الألفاظ الحقيقية مختصة. وأما أسماء الفاعلين والمفعولين، فقد تبين من العرب طردها. وقد يطرد بعض المجاز، فإن كل كريم [سمي] بحرا، وكل شجاع [سمي] أسدا.

الطريق الثاني: أنه قال: يعرف المجاز بامتناع الاشتقاق منه، إذ (الأمر) إذا استعمل في الأمر حقيقة، اشتق منه (أمر)، فإذا استعمل في الشأن، لم يشتق منه (أمرا). وهذا أيضا ضعيف، لأن (الأمر) قد يكون مصدر (أمر) فليشتق منه لذلك، وقد يكون اسما للحال، كزيد وعمرو، فامتنع الاشتقاق لذلك. الثالث: أن تختلف صيغ الجمع على الاسم، فيعلم أنه في أحدها [مجاز]، [إذ] الأمر إذا كان بمعنى القول، جمع على أوامر، وإذا كان بمعنى الشأن جمع على أمور. [وهذا] أيضا غير مطرد، فإن صيغة الجمع قد تختلف، فإنك قد تجمع فلا على فعال وفعول (37/ب)، وكل ذلك حقيقة. وقد تجمعه على فعيل، ككليب وعبيد، في جمع كلب وعبد، ولا يدل على أن لفظ (فعل) مجاز في (فلس)، [ولا في (فعل)]، وإن كان (فلس) لا يجمع على فعيل، وإن صح جمع كلب على أكلب، وكذلك يجمع فعيل على فعلاء، كشريف وشرفاء، ويجمع فعيل على فعلان، كقضيب وقضبان، ولا يجمع شريف على شرفان. ولا يدل ذلك على أن اللفظ [مجاز] في أحدهما.

الرابع: أنهم قالوا: إذا كان اللفظ له في الأصل الدلالة على تعلق بالغير، فإذا استعمل فيما لا يتعلق له [كان] مجازا. وهذا أيضا لا يفيد، لأنه يفتقر فيه إلى معرفة الوضع، وأنه وضع بالإضافة إلى ذلك المعنى دون غيره، فيثبت عدم الاشتراك والتجوز بمعرفة الوضع. واعلم أن كل حقيقة لا يلزم أن يكون لها [مجاز]، وأن كل مجاز لابد له من حقيقة. بل ضربان من الكلام لا يدخلهما المجاز، وهما: [الأول]-[أسماء] الأعلام، [لأنها] وضعت للفرق بين ذات وذات، فلو دخلها المجاز، لبطل هذا الغرض. الثاني- الأسماء التي تستغرق كل مسمى بأصل الوضع، فلا [تقبل] هذا التجوز، إذ جميع المسميات دلت عليها حقيقة، فكيف يتجوز بها إلى غير مدلولها الأصلي؟ وقد توهم بعض الناس التجوز في الأعلام، واحتج بأنه يقال: قرأت

(فصل- في ألفاظ جرى رسم الأصوليين (5/أ) بالخوض فيها)

(سيبويه)، وهو يريد الكتاب، وقد تجوز بإطلاق اسم صاحب الكتاب عليه. وهذا غلط، بل (سيبويه باق على الدلالة على الرجل، وإنما [جاء] التجوز من حذف الكتاب، لا من جهة إطلاق لفظ صاحب الكتاب. وكذلك قوله تعالى: {وسئل القرية}. لم يجعل القرية عبارة عن الأهل، بل القرية باقية على مدلولها. حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، فيما يتعلق بالإعراب، أي يعرب المضاف إليه بما كان يعرب المضاف، لا أنه جعل الاسم للمحذوف. قال الإمام: (فصل- في ألفاظ جرى رسم الأصوليين (5/أ) بالخوض فيها) إلى قوله (وهي تنطلق على ما يفيد، وعلى ما يفيد). قال الشيخ: قوله: الكلام: هو المفيد. اختلف الناس [فيه]، فذهب الأكثرون إلى هذا،

وهو اختيار سيبويه. وقال آخرون: القول: هو الكلام. واحتج الأولون بأن الكلام: اسم لمصدر تكلم، وهذا البناء يقتضي مبالغة، فلابد فيه من الإشعار بالتركيب، والكلمة الواحدة لا يصح ذلك فيها، وليس المراد تركيب الحروف، وإنما يراد تركيب الكلمات. الأمر الثاني- أن الكلام قد شرف في قلوبهم، وجل في صدورهم، وكان أعظم الأمور عندهم، وما ذاك إلا لفهم معناه، وحسن الدلالة به، والكلمة الواحدة لا تستحق ذلك، فلا يحصل منها مقصود التفاهم، ولا تستحق إعرابا، وسبيلها الأصوات التي ينعق بها. وقوله: (والجملة معقودة من مبتدأ وخبر، [أو فعل] وفاعل). يصح على التأويل، وأم كلام أئمة العربية، فبخلاف ذلك، فإن الجمل عندهم أربع: جملة من مبتدأ وخبر، وجمل من فعل وفاعل، وجملة من جار

ومجرور، وجملة من شرط ومشروط، [ولكنها] في الحقيقة [ترجع] إلى جملة اسمية، وأخرى فعلية. وهذا هو الذي قصده الإمام (38/أ). وقوله: ([والكلم]: جمع كلمة، كالنبق والنبقة، واللبن واللبنة). هذا محل غامض في علم العربية، فقد يكون الاسم [جمعا]، كما ذكر. وقد يكون مفردا يدل على الجنس. فليس قولنا: كلم، كقولنا: نبق. إذ يقال: نبق طيب أو حسن، ولا يقال: كلم حسن، لإشعار اللفظ بالجمع. وأكثر ما تصادف أسماء الأجناس الدالة على الجنس، مع كونها [لفظا مفردا] في المخلوقات دون المصنوعات. قال النحويون: الجنس أخو الجمع. ولم يجعلوه جمعا، لإفراد لفظه. وجعلوه أخاه، بالنظر إلى كثرة الداخل [تحتهما] جميعا. ولكن الفرق عندي [بينهما]، أن واضع لفظ الجنس قصد إلى وضع الاسم بإزاء معقول الجنس، فلم يتعرض في التسمية إلى الأعداد. وواضع لفظ الجمع تعرض للدلالة على الأعداد.

معنى الكلام

وإنما كثر ذلك في المخلوقات، لأن الغالب فيها ما استوى المندرجات تحت مقتضى التسمية، [وإن] وقع الاختلاف في أمور عارضة. وليس المصنوعات كذلك، لكثرة الاختلاف ووجوه التباين. وهذا بمثابة الصدر، فإنه لما وضع للقليل والكثير من جنسه، استغنى عن جمعه، لعدم تعلق غرض المسمى بالأعداد. فإن حاول التعرض للأعداد، زاد (هاء) فأحد وثنى وجمع، فقال: ضربة وضربتين وثلاث ضربات، وكذلك يقول: تمرة وتمرتان وتمرات. وقوله: ([والكلم] الذي ينتظم منه الكلام: اسم وفعل وحرف). قلت: يفتقر في هذا المكان إلى معرفة الاسم ومدلوله واشتقاقه. أما الاسم: فإنه ينطلق على المسمى، وينطلق على التسمية، والأكثر عند المتكلمين دلالة على المسمى. قال الله تعال: {ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها}. [و] لم يكونوا يعبدون المسميات. قال الشاعر:

إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ... .... ... ... وما أراد على القطع إلا السلام. فإنه لم يقصد (5/ب): عليكم تسمية السلام. وقالت المعتزلة: الاسم يرجع إلى قول المسمين. وهذا أيضا كثير في اللغة. ويدل عليه قوله تعالى: (ولله الأسماء الحسنى}. وقوله - عليه السلام -: (إن لله تسعة وتسعين اسما .. ). والإنصاف الاعتراف بالاشتراك في اللغة، وينزل الأمر على ما يقتضيه ظهور غرض المطلق. والكلام بين الفريقين في ذلك يطول، ولا يتعلق به غرض في الأصول. وغرضنا في هذا المكان، الكلام على الاسم باعتبار المسمين التي هي أقوال المسمي، ثم يتصدى بعد ذلك بحث آخر في إشعار الألفاظ بما في النفس إذا أطلق الاسم، كالأمر والنهي عليهما جميعا. وهل هو حقيقة [فيهما]، أو مجاز في [أحدهما]؟ وفيه أيضا نظر. سيأتي الكلام عليه في أول كتاب الأوامر، إن شاء الله تعالى.

اشتقاق الاسم وحده

وغرضنا الآن الكلام على الاسم الذي هو لفظ. قال الإمام: (كقولك: رجل وفرس ودار، وكل ما دل على [معنى] سمى به). قال الشيخ: الاسم مختلف في اشتقاقه وحده. أما اشتقاقه: فقد ذهب البصريون إلى أنه من السمو، وهو الارتفاع، فكأنه سما بمسماه، أي رفعه عن اللبس حتى [عرف]. وذهب الكوفيون إلى أنه من الوسم، وهي العلامة. وكأن هذا القول أقرب من جهة المعنى، فإن الأسماء علامات تعرف بها المسميات، [ولكن] القول الأول أجرى (38/ب) على قياس العربية، باعتبار التصغير والتصريف والتكسير. فإنك تقول: سمي: ولو كان من الوسم لقلت: وسيم. وأما التصريف، فإنك تقول: سميت تسمية، ولا تقول: [وسميت]. وأما التكسير. [فتقول]: أسماء، ولا تقول: أوسام. وأما حده بأنه: الدال على معني سمي به. فغير مانع، إذ يدخل فيه الفعل، فإنه يدل على [معنى] [وضعه] المسمى للدلالة عليه. فلابد من زيادة تخرجه، فتقول: غير مقترن بزمان محصل.

تعريف الفعل

وقوله: (إنها ثلاثة: اسم وفعل وحرف). فدليل حصر القسمة: أن اللفظ إما أن يدل، وإما أن لا يدل. فإن لم يدل بوجه من الوجوه، فليس من أقسام الكلام. وإن دل، فلا [يخلو]: إما أن يدل على معنى في نفسه، أو على معنى في غيره. والقسمة صحيحة بعد ثبوت أصل الدلالة، فإن دل على معنى في الغير، فهو الحرف. وإن دل على معنى في النفس، فإما أن يتعرض في الدلالة لمعنى أو لذات، فإن تعرض للذات، فهو اسم، وإن تعرض للمعنى، فلا يخلو: إما أن يدل على [زمان] وجود ذلك المعنى مقرونا بالمعنى، أو لا يباشر بالدلالة الزمان. فإن دل مباشرة على الزمان، فهو الفعل، وإن لم يباشر الدلالة على الزمان، فهو المصدر، وهو من الأسماء. قال الإمام: (ثم الأسماء تنقسم إلى: متمكن) إلى قوله (وما لا ينصرف

يسمى متمكنا ولا ينون ولا يجر). قال الشيخ [- رضي الله عنه -]: تقسيم الأسماء كما ذكره، صحيح. وأما اقتصار البناء على [شبه] الحروف، فغير صحيح، فإن كثيرا من المبنيات لا تشبه الحروف والمنادى المضموم، ونزال بمعنى: أنزل، ودراك بمعنى: أدرك. وقد (6/أ) أطبق أئمة العربية على أن هذا المعنى لا يقتصر البناء عليه. نعم، هذا أحد الأسباب في نحو (ما) ونظائرها. بل الصحيح أن السبب مناسبة ما لا تمكن [فيه]، كنزال أو ما [شاكله] الواقع موقعه، كفجار، أو وقوعه موقع: ما أشبهه، كالمنادى [المضموم]. أو إضافته إليه، كقوله تعالى: {من عذاب يومئذ}، و {هذا يوم لا ينطقون}.

على قراءة من فتح. قال الإمام: (والأفعال: صيغ دالة على أحداث الأسماء، مشعرة بالأزمان.

والأحداث: هي المصادر، وهي أسماء ولكنها لصيغ الأفعال، كالتبر للصورة المصوغة. ثم الأفعال المبنية خلا المضارع) إلى قوله (ثم لا أجد بدا من ذكر معاني حروف كثيرة التدوار في الكتاب والسنة). قال الشيخ: قوله في الأفعال: إنها صيغ دالة على أحداث الأسماء، مشعرة بالأزمان، هو قول النحويين. وقد اعترض على ذلك بـ (كان) الناقصة، فإنها غير دالة على ما حدث، [وإنما] دلت على زمن الحدث خاصة. وهذا ضعيف، فإنها دلت على زمن ذلك الحدث، [فإنا] إذا قلنا: كان [زيد] قائما، فإنها دلت على زمن الحدث بـ (كان). فلأجل تعلق مدلولها [بالحدث]، جعلت دالة على الأحداث،

مسألة: الباء إذا اتصلت بالكلام

ومدلولها [المباشر] المقصود [هو] الزمان. قال الإمام: (مسألة: ذهب بعض الفقهاء إلى أن (الباء) إذا اتصلت بالكلام (39/أ) إلى قوله (في مثل قولك: مررت بزيد). قال الشيخ: هذا الكلام كله ظاهر، إلا الإلصاق في: مررت بزيد، لأنه محمول على التوسع،

معاني "الواو"

أي: اتصل مروري بزيد. قال الإمام: (ومن أحكامه: تعدية الفعل اللازم من: قمت [وقمت] به، وذهبت وذهبت به. وهذا قياس جار مطرد). قال الإمام: (مسألة: مما خاض [فيه] الفقهاء) إلى قوله (فالقول الأخير بعد استكمال الكلام الأول في حكم البيان له، فكان الكلام بآخره). قال الشيخ [أيده الله]: الأمر كما ذكر في (الواو) لا تقتضي ترتيبا. وقد يصح

في وضع اللغة أن يقول القائل: جاءني زيد اليوم، وعمرو أمس، ولا يكون بذلك متجوزا. وقد قال الله تعالى: {وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة}. وفي موضع آخر: {وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدا}. ويقول القائل: ([وسيان] قيامك وقعودك)، ولا يدل على تقديم أحدهما على الآخر. واستعمالهم إياه في باب التفاعل، دليل واضح على بطلان الترتيب.

فلئن قال قائل: هي ليست نصا في الترتيب ولكنها ظاهر، فإن دل دليل على تقدير الترتيب، بقي على اقتضائه في غير هذا المكان. قلنا: لو كان كذلك، لكان قول القائل: تقاتل زيد وعمرو مجازا، وليس الأمر كذلك. وأما مسألة القائل: أنت طالق وطالق. أما من ذهب إلى أنهما يلزمان جميعا، فلا خفاء بعدم ورود السؤال عليه. فإن المذهب بعيد عن غرض الترتيب. وليس الأمر كذلك، فإن هذا إنما يتخيل في الإخبار عن الأمور التي تقبل التقديم والتأخير [والاجتماع]. وأما الأمور المنشأة التي ترتب وجودا، فلا يتصور فيها هذا. وإذا قال الحالف لامرأته: أنت طالق، فهو منشئ لذلك، وإنما تأتي الطلقة الثانية بعد البينونة، فلم تصادف (6/ب) محلا لذلك. وهذا ظاهر، ولكن مالكا رحمه الله لم ير ذلك. وقول الإمام: (إن الكلام الأول تام، فبانت به). فنحن لا نسلم تمامه،

ولو قال قائل: أنت طالق إن كان كذا، لاعتبر الشرط، ولم نقل: بانت بالكلام الأول. وكذلك لو قال: هذا المال لزيد وعمرو، فقد نزل العطف في عدم تمام الجملة منزلة الشرط. فلا يتم قولهم: أنت طالق، ويكون كلاما، إلا إذا اقتصر عليه. فأما إذا عطف عليه، صار الاسمان كالجملة الواحدة، وكذلك عطف جميع المفردات. فإن قيل: يلزم على هذا إذا قال للمدخول بها: أنت طالق ثلاثا، وأنت علي كظهر أمي، أن [يلزماه] جميعا. قلنا: ينبغي أن يتنبه لأصل، وهو أن التثنية أصلها العطف، وإنما جعلت التثنية طلبا للاختصار، فإذا اضطر الشاعر إليها قال: كأن بين فكها والفك ... ... ... فنحن إنما نقيم العطف مقام التثنية في المفردات التي يصح أن تثنى أو

تتجانس. فأما الجمل المتقاطعة، فلا يمكن ذلك فيها، والطلاق جنس خلاف الظهار، فلا يصح [جعلهما] جملة واحدة. قال الإمام: (وأما من [قال] إنها للجمع، فهو أيضا متحكم، فإنا على القطع نعلم أن من قال: رأيت زيدا وعمرا، لم يقتض ذلك أنه رآهما [جميعا]. فإذا مقتضى (الواو) العطف والاشتراك، وليس فيه إشعار بجمع ولا ترتيب. نعم، قد [ترد] في غير غرض المسألة بمعنى الجمع، إذا قلت: لا تأكل السمك وتشرب اللبن، أي لا تجمع بينهما. ومنه قول الشاعر: لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم فلا تكون (الواو) عاطفة في ذلك. فإن أردت العطف قلت: لا تأكل السمك وتشرب اللبن، وأنت تعني النهي عن كل واحد منهما. والمعنى: لا

معاني "الفاء"

تأكل السمك ولا تشرب اللبن. [وقد] ترد (الواو) في باب المفعول معه بمعنى (مع) تقول: استوى الماء والخشبة) إلى قوله (ولكنه للترتيب مع التراخي). قال الشيخ [أيده الله]: وقد قدمت الكلام على هذا بأنها تستعمل فيما [يعقل] [منه] الاجتماع، كما ذكرناه. وإذا قال: جاءني زيد أمس وعمرو اليوم، فقد صرح بضد الاجتماع، والكلام حقيقة لا مجاز فيه. وقوله: إنها ترد في غبر غرض المسألة لغير العطف في قولك: لا تأكل السمك وتشرب اللبن. قال الشيخ: (الواو) لا تصلح لنصب الفعل بحال. وسنتكلم عليه في باب (ما) إن شاء الله. وإنما يقع الانتصاب بعدها بإضمار (أن) وهي تضمر بعد خمسة أحرف: حتى، واللام، [و] (أو)، بمعنى (إلى)، و (واو الجمع)، و (الفاء)، بعد الأمر والنهي، والنفي والاستفهام

والتمني والعرض. والضابط لذلك أن لا يكون الكلام ثابتا، كقولك: مررت حتى أدخلها، وجئتك لتكرمني، ولألزمنك أو تقضيني حقي، ولا تأكل السمك وتشرب اللبن، واتيني فأكرمك، ولا تشتمني فأشتمك، وما تأتينا فتحدثنا، وهل لي من شفيع فيشفع لي. ولا يقع النصب إلا (بأن)، وإنما كان كذلك (7/أ)، لأن الحروف الداخلة على الاسم والفعل لا تعمل في واحد منهما. والناصب أيضا للفعل لا يكون إلا ناصبا، وهذه قد توجد غير ناصبة. وإنما وجب في العوامل أن [تكون] على صفة واحدة، لأنها لو لم تعمل مرة، لم تعمل مطلقا. فلذلك قلنا: إن النصب لغيرها. وإنما اختص الإضمار بالنفي، لأن الكلام يحتمل معه جهات لا يحتملها الإثبات. وقد تتوسع العرب في النفي حتى قالوا: مررت برجل لا قائم ولا قاعد. ولا يقولون: مررت برجل قائم وقاعد. وربما جاء النصب بعد (أن) مضمرة في الإيجاب. قال الشاعر: سأترك منزلي لبني تميم ... وألحق بالحجاز فأستريحا وهو ضرورة. ولكن الذي حسنه عندي أنه غير ثابت من جهة المعنى، لقوله: سأترك، [وسألحق].

وسننبه على لطيفة في العربية في هذا المكان، وذلك أنه لما تقدم في هذا الموضع الجملة الفعلية، وجهات هذه الحروف الصالحة للعطف، ولم يقصد الناطق العطف، تحول الكلام إلى الاسم، فلو بقى إعراب الثانية على حسب إعراب الأولى، لفهم العطف، فأرادت العرب إزالة اللبس بنصب الفعل الثاني، ليعلم أنه لم يقصد عطفا. وإنما يصير الكلام إلى الاسم عند وجدان الفعل، إذا رد إلى المصدر، وإنما يكون كذلك، إذا قدرت فيه (أن)، فيكون الفعل معها مقدرا بتأويل المصدر، فنصبوا لها الغرض. ولكن يبقى في هذا نظر، وهو عطف الجملة الاسمية على الجملة الفعلية، وهو أيضا رديء، فيفتقر إلى تأويل الجملة الأولى. قال سيبويه: (لقولك: ما تأتينا فتحدثنا، معنيان: أحدهما- ما تأتينا، فكيف (40/أ) تحدثنا؟ أي لو أتيتنا لحدثتنا. والآخر- ما تأتينا أبدا إلا لم تحدثنا، أي منك إتيان كثير، ولا حديث [معه]). فانظر كيف رد الجملتين جميعا إلى المصدر. وطريقه ما قررناه، ووجه الحاجة إليه ما بيناه. ويمتنع إظهار (أن) مع كل هذه الأحرف إلا (اللام) إذا كانت لام (كي)، فإن الإضمار واجب تارة، وجائز تارة، وممتنع تارة. فأما الموضع الذي يجب فيه الإضمار، فإنه إذا كان الذي تدخل عليه [داخلة عليه] (لا)

كقولك: كيلا [يعطيني]. ويجوز الإظهار إذا لم يكن الفعل كذلك. وأما المؤكدة، فليس معها إلا التزام الإضمار، في مثل قوله {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم}. {وما كان الله ليضيع إيمانكم}. وقوله: ([وقد] ترد (الواو) في باب المفعول معه بمعنى (مع) تقول: استوى الماء والخشبة). كما قال، ولكن يشترط في انتصاب المذكور [بعد (الواو)] أن يكون الكلام الأول يشتمل على فعل أو على رائحة فعل. وأما إذا لم يكن كذلك، فليس إلا الرفع، كقولك: ما أنت وقصعة من ثريد. والنصب في الوجه الأول حسن، والرفع جائز، كقولك: استوى الماء والخشبة، أي تساويا. وإنما لم يجز النصب في الوجه الثاني، لأن الفعل تعدى إلى الاسم الثاني بواسطة (الواو). وهذا نظير الاستثناء في قولك: قام القوم إلا زيدا.

وقوله: (فأما (الفاء) فإنها للترتيب والتعقيب والتسبيب (7/ب)، وقد ترد بمعنى (الواو) للعطف). قال الشيخ: (للفاء) محلان عند النحويين: أحدهما- أن تكون عاطفة. والثاني- أن تكون جواب شرط صريح، كقوله: (من أحيا أرضا ميتة فهي له). أو مقدر، كقوله تعالى: {فأما اليتيم فلا تقهر}.

وكذلك قوله تعالى: {الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم}. فأتى بالفاء في معنى الجواب. وهي في كلا حالتيها لابد [فيها] من الترتيب. واختلف النحويون، هل تكون زائدة؟ أنكره سيبويه، وأثبته الأخفش. واحتج بقوله: وقائلة: خولان فانكح فتاتهم ... ... ... ... وللتأويل فيه مساغ، إذ يمكن أن تكون عاطفة، [ويكون التقدير]: هذه خولان فانكح فتاتهم. وقد اعترض على هذا بقوله تعالى: {وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا}. والبأس قيل: الهلاك. وله تأويلان: أحدهما- أن يكون المراد: أردنا إهلاكها.

(مسألة: تحوي مراسم الأصوليين في معاني الحروف)

والثاني- أن يكون المراد: أهلكناها، فحكمنا بأن البأس جاءها، أي أخبرنا بمجيء البأس. قال الإمام: (مسألة: تحوي مراسم الأصوليين في معاني الحروف) إلى قوله {والسماء وما بناها}. معناه: [و (بنيناها)]. قال الشيخ: تنقسم (ما) إلى الحروف والاسم، كما ذكره. و(ما) النافية لا يعلمها بنو تميم، والحجازيون يعلمونها بشرط أن لا يليها إلا الامس، وأن يبقى الخبر منفيا، فإن تقدم الخبر، كقولك: ما قائم زيد،

أو [انتقض] النفي (بإلا)، كقولك: ما زيد إلا قائم، اتفقت المذاهب، وبطل العمل في القول الفرزدق: فأصبحوا قد أعاد الله نعمتهم إذ هم قريش وإذ ما مثلهم بشر كلام طويل يخرجنا عن الغرض. والنكتة فيه أن [بني] تميم لا تعملها وإن تقدم الاسم، (40/ب) فكيف تعملها إذا عكس الترتيب؟ وإنما فعل بنو تميم هذا لأمرين: أجدهما- أن كل حرف داخل على البابين، حقه أن لا يعمل في واحد منهما لأمرين:

[أحدهما]- الاستقراء. والثاني- المعنى. وذلك أنا قد بينا أن عمل العامل لا يفارقه بحال. والأثر الذي تقبله الأسماء، لا تقبله الأفعال، والذي تقبله الأفعال، لا تقبله الأسماء، فلو علمت في الأسماء، لم يفارقها العمل عند الدخول على الأفعال، والمحل لا يقبل. الوجه الثاني- أن الحروف اختص عملها بجهة واحدة، فحروف النصب لا تصلح لغيره، والجزم كذلك. وإنما يعمل العملين المختلفين الأفعال، لقوتها ك (كان) وأخواتها. وإنما خرج عن هذا، الحروف المشبهة بالأفعال (كإن) وأخواتها، ولكن [تلك] يمتنع دخولها على الأفعال بالكلية. وأما ما يشبهها بالأفعال، فهي أبعد من تلك، [لأن] تلك أخذت شبه الأفعال لفظا ومعنى، و (ما) ليس [فيها] إلا شبه معنوي لفعل ضعيف. وقد قال سيبويه: ومذهب بني تميم هو القياس، ولكنا نختار مذهب الحجازيين لوجهين: أحدهما- أن القرآن أفصح اللغات، وهو على ذلك، قال الله تعالى: {ما هذا بشرا}. الثاني- أن الشبه الخاص مقدم على الشبه العام، وفي (ما) مشابهة عامة

للحروف، [وللداخلة] على البابين في ظاهر الحال شبه خاص، بالإضافة إلى (ليس)، لنفي الحال، و (ما) كذلك، فكان الالتفات (8/أ) إلى الشبه الخاص أولى. وأمل قولهم: الداخل على الأسماء والأفعال لا يعمل في واحد منهما. فاعلم أنا حققنا أنه ليس [للحروف] أن تفعل رفعا ونصبا، وإنما عملت ذلك، حملا لها على غيرها، وهي (ليس). و (ليس) لا يصح دخولها على الفعل، فـ (ما) الداخلة على الفعل لا تشبه (ليس) التي عملت، فلم تعمل الأخرى. وأما كونها إذا [نقض] النفي لم تعمل، فهي إنما شبهت (ليس)، من جهة اشتراكها في النفي. فإذا رجع الكلام إلى الإيجاب، بطلت المضارع. ولم تعمل (ليس) للشبه بشيء، بل بالإضافة، فاستوى في عملها النفي والإثبات. وقوله: (وأما [ما] وقع اسما، فينقسم إلى منكور وموصول) ,

القسمة صحيحة، إذ لا تخلو الأسماء: إما أن تكون معارف أو نكرات. فلنقدم الكلام على النكرات، إذ التنكير سابق على التعريف، ولذلك كان التعريف أحد الأسباب المانعة من الصرف، لأجل كونه فرعا. أما المنكور، فهي: الاستفهام، والشرط، والتعجب. أما في الاستفهام والشرط، فلأجل إيهامه وعدم اختصاصه، كان التنكير أليق به. وأما التعجب، فقد اختلف أئمة اللسان فيه؛ فذهب سيبويه إلى أن (ما) فيه نكرة. وقال الأخفش: بل هي معرفة موصوفة. وإنما حمل سيبويه على المصير إلى التنكير أمران: أحدهما- أن الجملة تكون معه تامة غير مفتقرة إلى حذف ولا إضمار.

المواضع التي يبدأ فيها بالنكرة

والثاني- أن المعنى الذي حسن التنكير في الاستفهام، حسنه في التعجب. فإنه لا يتعجب إلا مما خفي سببه، والتنكير مناسب لذلك. والذي حمل الأخفش على المصير إلى أنها معرفة، الفرار من الابتداء بالنكرة على غير شروطها، فإنما لزم في (41/أ) المبتدأ أن يكون معرفة أو قريبا منها، فأولى وأحرى ألا يعرف الخبر، فيخرج الكلام عن الفائدة. وقد يبتدأ بالنكرة إذا أفادت، وذلك في ستة مواضع: [الأول] إذا وصفت كقولك: رجل عالم خير من جاهل. الثاني: أن يتقدم الخبر، كقولك: في الدار رجل، وتحتك فرص، وهذا عجيب. والكلام بحالة والمفهوم سواء في التقديم والتأخير، ولكن السبب في ذلك: أن النكرة أحوج إلى الصفة منها إلى الخبر، فإذا وضعت صفتها متأخرة، أمكن تحصيل الغرض الأهم، فلزم أن تقع صفة، وأما إذا قدم قولك: في الدار، لم يتصور أن تكون صفة، لامتناع تقديم الصفة على الموصوف. فلما بطلت الصفة، وهي الأمر المهم عند التأخير، حمل الأمر على الخبر. فإن قيل: ولم امتنع تقديم الصفة، وجاز تقديم الخبر، وإن كانا لا يقعان إلا تابعين؟ فنقول: الصفة تعد جزءا من الموصوف، وكأن الاسم لا يتم عند السامع إلا بها، والخبر لا يؤتى به إلا بعد أن يفهم السامع المبتدأ، فهو من هذه الجهة غير تابع، وإن كان لا يخبر إلا عن مبتدأ. (8/ب)

الموضع الثالث الذي يبدأ فيه بالنكرة: أن يكون دعاء، كقولك: سلام عليك. قال الله تعالى: {سلام على آل ياسين}. {وويل للكافرين}. وإنما صح الابتداء بها في هذا المكان، حملا على الفعل، كأنه قال: سلمهم الله، وأهلكهم الله. الموضع الرابع: أن يكون الكلام معها غير موجب، كاستفهام أو نفي، كقولك: ما أحد في الدار، هل أحد في الدار؟ لما فيها من معنى العموم، وقد ارتفع بها الاسم كقولك: أقام الزيدان؟ الخامس: إذا كان جوابا، كما إذا قيل لك: من جاءك؟ قلت رجل، أي: رجل جاءني، وقد يصرح بذلك. وقولهم: (شر أهر ذا ناب). (وشيء ما جاء بك). كلام محمول على المعنى. والسبب فيه أن المتكلم سمع هرير الكلب فاستدل به على الشر، فكان الشر في موضع فاعل، لسبق الفعل عند المتكلم، فكأنه قال: أهر ذا ناب شر. وكذلك قوله: شيء ما جاء بك، فإنه سبق إليه مجيئه، وعلم أنه لا يجيء به إلا شيء. فاللفظ لفظ المبتدأ، والمعنى معنى الفاعل.

معاني "أو" و "أم"

ولما انحصرت هذه المواضع عند الأخفش، ورأى باب التعجب خارجا عنها، افتقر إلى أن يقدرها موصولة، ولكن على مذهبه، تنقص الجملة، وتفتقر إلى التكميل، إذ يصير التقدير: الذي حسن زيدا شيء، والإضمار على خلاف الأصل. وقد بينا أن السبب المحسن للابتداء بالنكرة في الشرط والاستفهام، موجود هاهنا. وأما قوله: (والموصول: ما له بد من صلة). فالأمر كذلك، وحصر الصلة في الجملتين قد تقدم الكلام عليه، بل الجمل التي يصح أن تقع صفات، تقع صلات، ولابد من الصلة من راجع منطوق به أو مقدر. وقد قال الله تعالى: {أهذا الذي بعث الله رسولا}. أي بعثه، وقال: {الذي يتخبطه الشيطان من المس}.فأظهر الضمير، وإنما افتقر إليه، ليربط الكلام. وأما لو قلنا: جاءني الذي عمرو منطلق، لم يكن كلاما. وسمع الخليل رجلا يقول: ما أنا بالذي قائل له سوءا، يريد هو [قائل]. قال الإمام: (فأما (أو) فهي (41/أ) للتردد والشك) إلى قوله (أو

تقضيني حقي. معناه: إلى أن تقضيني حقي). قال الشيخ [أيده الله]: النحويون يقولون: إنها على أربعة أوجه: الشك، والإباحة، والتخيير، والإبهام. فالشك في الأخبار، كقولك: جاءني زيد أو عمرو. والتخيير فيما كان المخاطب ممنوعا من تناوله. فيقال: خذ من مالي دينارا أو درهما. والإباحة فيما ليس أصله للحظر، كقولهم: (جالس الحسن أو ابن سيرين). والإبهام في مثل قول القائل: جاءني زيد أو عمرو، وهو يعلم من جاءه منهما. ويمكن أن يكون قوله تعالى: {مائة ألف أو يزيدون}. من هذا المعنى.

وقوله: ((وأم) في معناه، إلا أنه قد يقع في موضع الكلام مقرونا بالاستفهام). هذا الذي ذكره، لا تقتصر (أم) عليه، بل قد تقع بعد استفهام، وقد تقع من غير تقدم استفهام، فإن وقعت بع استفهام، سميت متصلة، أي تربط آخر الكلام بأوله. فإذا قال القائل: أزيد عندك (9/أ) أم عمرو؟ معناه: أيهما عندك؟ فهو سؤال عن التعيين، كقولك: أيهما عندك؟ ولا يصح في هذا المكان أن يقول المجيب: أحدهما، بل الجواب: زيد [أو] عمرو بالتعيين. ويصح أن يقول: زيد عندك أم عمرو؟ لا على طريق الاستفهام، وتسمى المنقطعة، أي انقطع عن الكلام الأول، واستأنف قضية أخرى. قال الله تعالى: {أم يقولون افتراه}. ولم يتقدم استفهام. ومن قول العرب: (إنها لإبل أم شاء)؟ . معناه: (بل أهي شاء)؟ وأما إذا قال: رأيت زيدا أو عمرا،

فيصح أن يقول: أحدهما، لتردد السائل في أصل الرؤية، فهو يسأل عن أصلها. أما قول الإمام: (إنه لا يصح أن يقول: زيدا أم عمرا). فقد بينا أنه

يصح على المنقطعة، وفي المتصلة على تقدير أن تزاد الهمزة. قال الشاعر: لعمرك ما أدري وإن كنت داريا ... بسبع رمين الجمر أم بثمان وقوله: (لا يصح أن يقال: أرأيت زيدا أو عمرا؟ ). فقد قال أهل العربية: إنه يصح ذلك، ولا أعرف فيه خلافا. وقد نصوا على قولك: أرأيت زيدا أو عمرا؟ وردوا الفرق بين (أم) و (أو) إلى ما ذكرناه من أن (أم) لتحقيق الأصل والتباس التعيين، وليس (أو) كذلك. وبقية ما ذكرناه واضح.

معاني "هل" و "الهمزة"

وقوله: (قد تكون (أو) بمعنى (إلى). قد تقدم كلامنا عليه، وكيف الوجه في النصب قبل هذا. وباقي الكلام مفهوم. قال الإمام: (وأما (هل) فمعناه: الاستفهام) إلى قوله (وأنت تبغي الحث على المجيء). قال الشيخ [وفقه الله]: (هل)، [و (الهمزة)] [حرفا] استفهام، ولا يتحتم [لهما] ذلك في كل موضع، ولكن الهمزة أعم تصرفا من (هل). تقول: أبصرت زيدا وهو أخوك؟ قال الله تعالى: {ألست

معاني "لا"

بربكم قالوا بلى}. ولا يصح دخول (هل) في هذا. وكذلك لمن قال مررت بزيد: أبزيد مررت؟ وتوقعها قبل (الفاء) و (الواو) و (ثم). قال الله تعالى: {أو كلما عاهدوا عهدا}. وقال: {افمن كان على بينة من ربه}. وقال: {أثم إذا ما وقع آمنتم}. فلا تقع (هل) في هذه المواضع. وقال الشاعر: أطربا وأنت قنسري؟ ... .... ... .... ... .... ولا يجوز أن يقال: هل طربا وأنت قنسري؟ قال الإمام: (وأما (لا) فمعناه: النفي، وقد تكون (42/أ) للتبرئة، فتتصل إذا باسم منكور) إلى قوله (وفي الشاذ: [{لأقسم}]. قال الشيخ: (لا)

معاني "لو"

تكون للنفي خاصة إذا جاءت لمعنى، وقد تكون زائدة، كما ذكر. وقوله: إذا كانت زائدة لا تكون إلا لتأكيد نفي اشتمل الكلام عليه، ليس بصحيح، وقد قال الله تعالى: {لئلا يعلم أهل الكتاب}. أي ليعلم أهل الكتاب. وليس هنا: نفي تؤكده (لا). قوله: وفي الشاذ: [{لأقسم}]. ليس كذلك، بل في السبع. قال الإمام: (وّأما (لو) فحرف يدل على امتناع الشيء لامتناع غيره، تقول: لو جئتني لجئتك، أي امتناع مجيئي لامتناع مجيئك. وقد تكون بمعنى

(إن) قال الله تعالى: {ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم}. معناه: وإن أعجبتكم. وقد تفيد معنى التقليل كقوله - عليه السلام -: (انقوا النار ولو بشق تمرة) إلى قوله (9/ب) (هلا نفر). قال الشيخ: (لو) حرف يدل على امتناع الشيء لامتناع غيره، كما ذكر الإمام. والأقسام التي ذكرها صحيحة، ولكن بقي من مواضعها أغفله، وهو أنه قد تكون بمعنى التمني، تقول: لو تأتيني فتحدثني بالنصب، أي [أتمنى] ذلك، ويجوز الرفع. قال الله تعالى: {ودوا لو تدهن فيدهنون}. وفي بعض المصاحف: {فيدهنوا}.

معاني "لولا"

وأما (لولا)، فهي على ما ذكره في التقسيم، ولكن [تفسيره]: لولا زيد لأكرمتك، أي امتنع إكرامي إياك لوجود زيد. فإن هذا يوهم صحة دخول (لولا) على الفعل، إذا كانت للامتناع. وبينهما أيضا فرق، وذلك أن (لو) لا تدخل إلا على جملتين كاملتين نطقا، كقولك: لو جئتني لأكرمتك. وأما (لولا) فقد التزم العرب حذف خبر الجملة الأولى، وقد سد الكلام مسد الخبر. ونظيره قولك: ظننت أن زيدا منطلق، فإن تقديره: ظننت انطلاق زيد، كائنا أو واقعا، ولكن استغنى عنه، لطول الكلام. والسبب في اختصاص (لو) بالفعل أنها للشرط، والشرط بالأفعال أليق، والسبب في اختصاص (لو) بالفعل أنها للشرط، والشرط بالأفعال أليق، فالاسم يرتفع بعدها بأنه فاعل. وقد امتنع في اللغة إضمار فعل الفاعل، إلا على شريطة التفسير.

معاني "عن"

وخصت (لولا) بالاسم فرقا بينها وبين (لو)، وحذف خبر المبتدأ سائغ. وإذا وقع الاسم بعد (لو) أو حرف الشرط، فيرتفع بأنه فاعل بفعل مضمر، يفسره هذا الظاهر. تقديره في قوله: [(لو)] زيد قائم لو زيد قام. وكذلك متى وقع الاسم بعد حرف الشرط، أو ما في معناه، كقوله: {إذا [السماء] انشقت}. معناه: [إذا] انشقت السماء انشقت. وأما إذا كانت للتخصيص، فلا تدخل إلا على الفعل، وتصير حينئذ كحروف الشرط في استدعاء الفعل، ولا تدخل إلا على فعل ماض أو مستقبل. فإن وقع بعدها اسم منصوب أو مرفوع، فبإضمار رافع أو ناصب. قال الشاعر: تعدون عقر النيب أفضل مجدكم ... ني ضوطرى لولا الكمي المقنعا

قال الإمام: (وأما (من) فحرف جار خافض) إلى قوله (تقول: أخذت من [على] الفرس جله). قال الشيخ: النحويون يقولون: (عن) للمجاوزة والبعد، [وإذا] كانت

معاني "إلى" و "مع"

(عن) لا تقتضي الفصل [والبعض]، وهذا معنى (من)، فكيف تكون في معناها؟ والعبارة الأولى التي عبر بها النحويون أولى. قال الإمام: (42/ب) (وأما (إلى) فحرف جار، وهو للغاية) إلى قوله (من الجمعة إلى الجمعة). قال الشيخ: (إلى) كما ذكره، لانتهاء الغاية. وقد ذهب بعض النحويين إلى أنها في قوله تعالى: {إلى المرافق} بمعنى (مع). فهذا موضع اختلف الفقهاء فيه: فمنهم من أوجبه، ومنهم من لم يوجبه.

والسبب في هذا الاختلاف: تقابل أصلين عند اللفظ. فإن صح أنها ظاهرة في انتهاء الغاية، لزم من ذلك الانتهاء إلى المرافق. وإن كانت مترددة، فحينئذ يتقابل الأصلان. والالتفات إلى (10/أ) براءة الذمة يقتضي أن لا تشتغل إلا بلفظ دال، إما قطعا وإما ظنا. والالتفات إلى شغل الذمة بطلب شرط الصلاة، يقتضي أن لا يقدم عليها إلا [محقق] الشرط. وأما قوله: (إن (من) تدخل الزمان والمكان). هذا مذهب الكوفيين، أما البصريون فإنهم يمنعون ذلك، ويقولون: كما اختصت (منذ) بالزمان، اختصت بالمكان. ويتأولون قوله تعالى: {من أول يوم}. أي من تأسيس أول يوم. وكذلك يتأولون قول الشاعر: .... ... .... ... أقوين من حجج ومن دهر

معاني "مذ" و "منذ"

والظاهر ما ذهب إليه الكوفيون. والمصير إلى التأويل من غير دليل لا وجه له، إلا أن يستقرأ أن العرب لم تدخلها على الزمان، فيصح ما قالوه. قال الإمام: (وأما (مذ) و (منذ)، فيختصان بالزمان. ولا يدخلان [على المكان]، واستعمالهما في الزمان، أفصح من استعمال (من). تقول: منذ أسبوع انتظره. [وهذا] أحسن من قولك: من أسبوع [انتظره]. وإذا استعملت (من) قرينة (إلى)، لم تقم [(عن)] مقامها أصلا. فإن قيل: زيد أفضل من [عمرو] من أي قبيل؟ هو لاقتضاء الغاية. والمعنى: [ساوى] زيد عمرا في فضله، وابتدأ زيد زيادة عليه في الفضل. كما تقول: سرت من البصرة إلى بغداد. ولهذا لا تستعمل (عن) في هذا الباب).

معاني "على"

قال الشيخ: قوله (مذ) و (منذ) يختصان بالزمان، كلام صحيح. وقوله: واستعمالهما في الزمان أفصح من استعمال (من). هذا إنما هو على مذهب الكوفيين. وأما قوله: زيد أفضل من عمرو، يعني (من) الداخلة على عمرو، من أي قبيل هي؟ قال: هي [لابتداء] الغاية، إذ التفضيل يشعر بأنه بلغ إليه وزاد عليه. والكلام في (أفضل) طويل. ولم يورده الإمام إلا لغرض، ولذلك تركنه الكلام عليه. قال الإمام: (وأما (على) فلفظة تقع اسما وفعلا وحرفا) إلى قوله (حتى تقضيني حقي، أي إلى أن تقضيني حقي). قال الشيخ: (حتى) تكون على ثلاثة أوجه: تكون عاطفة، كالواو، ولكنها تفارقها في أن المعطوف بها لابد أن يكون مجانسا لما قبلها، إما لفضله، كقولك: مات الناس حتى الأنبياء، أو لدونه، كقولك: قدم [الحاج] حتى المشاة. وتكون للابتداء، كقوله:

معاني "حتى"

.. وحتى الجياد ما يقدن بأرسان وتكون جارة، وهذه الجارة هي التي ينتصب الفعل بعدها بإضمار (أن)، لأنه إذا قال: لألزمنك حتى تقضيني حقي، فمعناه: إلى أن تقضيني حقي، لأنا قد بينا أن العامل في الاسم لا يعمل في الفعل. وهذه الجارة في معنى (إلى). ولكن الفرق بينهما أن (إلى) لا يقتضي وضعها أن يدخل ما بعدها (43/أ) في حكم ما قبلها، إلا إذا كانت بمعنى (مع). و (حتى) توجب التشريك في ذلك، لأن معنى قولهم: حتى رأسها، أي تصرمت شيئا [فشيئا] حتى فرغ منها. فقول الإمام: (إنك إذا قلت: [أكلت] السمكة حتى رأسها، فقد أنبأت

معاني "إي"

أنك لم تأكل رأسها). غير صحيح، ومن العجب (10/أ) احتجاجه بالبيت على ذلك، وقد روي على الوجوه الثلاثة: بالرفع والنصب والخفض. وإذا كان الخفض عنده يقتضي أن الثاني لم يدخل فيما دخل فيه الأوا، كيف يصح أن يقال: (حتى نعله ألقاها)، فيجمع بين النفي بالحرف وبين الإثبات بالفعل؟ نعم، الافتراق يرجع إلى الإعراب واستئناف الجملة، إذا عدم استئفافها. قال الإمام: (فأما (أي) فمعناه: أجل) إلى قوله (فليكن جوابك إذا رأيته: نعم). قال الشيخ: الأمر على ما ذكر في (بلى). وأما (نعم) فيجاب بها

في الإثبات والنفي جميعا، وهي حرف تصديق لما سبق من الجملة. فإذا قال القائل: أقام زيد أو لم يقم؟ فصدقته، قلت: نعم. أي: الأمر على ما تقول. قال الإمام: (وأما (من) فلا تكون إلا اسما بخلاف (ما) إلى قوله (مع اعترافنا بأن حقائقها [تتلقى] من فن النحو). قال الشيخ: ما ذكره الإمام في هذه الحروف واضح، ولكن قوله: ((أي) إنها اسم معرب). فهذا موضع اختلف النحويون فيه إذا جاءت موصولة، وجاءت صلتها محذوفة الصدر. فقد ذهب سيبويه إلى أنها مبنية، وذهب غيره إلى أنها معربة في هذه الحالة. وقد تمسك سيبويه بالقرآن والشعر. قال الله تعالى: {ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمن عتيا}.

وأنشد أبو عمرو الشيباني: إذا ما أتيت بني مالك ... فسلم على أيهم أفضل

فضم [أيهم]، وهذا شاعر. وأكثر النحويين على خلاف سيبويه في ذلك. والوجه في ذلك عنده: أنه إذا كان موصولا تنزل من صلته منزلة الاسم الواحد، فإذا حذفت بعض الصلة، نقص الاسم، فأشبه الحروف. ونظير ذلك (قبل) و (بعد)، فإنه إذا نطق بما يضافان إليه، وجب إعرابهما، وإذا حذف ما يضافان إليه، فإن كان المحذوف مقصودا، وجب البناء، وإن أعرض عنه، والتفت إلى الباقي، لزم الإعراب. قال الله تعالى: {لله الأمر من قبل ومن بعد}. وقد قرئ: (من قبل [ومن] بعد). فتكون (أي) مع صلتها كذلك. وهذا كلام واضح، والسماع يعضده. قال الإمام: ([لما] قسم أهل العربية الكلام إلى الاسم والفعل والحرف) إلى قوله (يجوز فرض السكوت عليه). قال الشيخ: القول عندي

أحكام النداء والتلهف والترجي والتمني

في النداء أنه من أبواب الخير، فإن التقدير: أنادي زيدا، [أو ناديت زيدا]. ولو صرح بذلك، لكان مخبرا. ولكنه لا يجري على مقصود الخبر، والمراد به الإنشاء، كقول القائل: بعت واشتريت. وأما (يا) فحرف، كأنه يرجع إلى التنبيه، فكأنه يقول: (يا) لتنبيه من يقصد نداءه، ثم يقول: أنادي زيدا. واستغنى عن إظهار الفعل، لدلالة الحرف عليه، ولكثرة دوره في الكلام. وهذا الفعل التزمت العرب إضماره. قال الإمام: (11/أ) (وقال الأستاذ: التلهف والترجي والتني من أقسام الخبر) إلى آخر الفصل. (43/ب)

كتاب الأوامر

قال الإمام: (كتاب الأوامر). قال الشيخ [وفقه الله]: ينبغي أن ينظر، هذا جمع ماذا؟ والذي عليه الأصوليون أن الأوامر جمع أمر. وأهل العربية الذين وقفنا على أقوالهم كسيبويه وأبي علي والمتأخرين، لا يرو هذا الجمع أصلا. ويقولون: لا يصح أن يجمع فعل على فواعل، وقد ذكروا [أمثلة] جمعه، وليس منها هذا البناء. إلا أن الجوهري صاحب (الصحاح) قد قال: ويقول: (أمرته بكذا أمرا، والجمع الأوامر). وهذا شاذ غير معروف عند أئمة العربية.

وقال بعض الناس: إن هذا جمع أمر، وفواعل لا يخلو: إما أن يكون [اسما] أو صفة لمذكر. فإن كان اسما، صح جمعه على فواعل، تقول: خاتم وخواتم، وتابل وتوابل. وإن كان صفة لمذكر، لم يجمع على فواعل. وقد شذ فارس وفوارس وهالك في الهوالك. فأما فارس وفوارس، فلعدم اللبس، إذ لا يكون هذا صفة للمؤنث. وأما هالك في الهوالك، فكأنهم نحوا به ناحية النفس، [إذا] قصد تأنيثها. وقال بعض الناس: المراد الصيغة، فإنه قد تسمى الصيغة آمرة تجوزا. وإذا كان المراد (فاعلة) صح الجمع على فواعل، اسما كان المفرد، كفاطمة وفواطم، أو صفة، ككاتبة وكواتب. وهذا بعيد في التجوز، وليس هو المقصود ههنا، إذ الكلام في الأمر الحقيقي. وأما الألفاظ، فلم يأت الكلام فيها إلى الآن، إلا أن يكون قصد الكلمة باعتبار كونها قائمة بالنفس، ويسمى الأمر آمرا. والظاهر عند أنه [إنما] قصد ما ذكره صاحب (الصحاح) من جمع الأمر على أوامر. ثم لفظة الأمر مصدر، والمصدر لا يثنى ولا يجمع، إلا أن تختلف أنواعه. وقد بينا أنه لا التفات عند أهل اللسان إلى تعدد المحال، كما قلنا: إن سيبويه منع جمع العلم، ولم يلتفت إلى [تعدد] متعلقاته. فلا يصح

جمع الأمر إلا إذا تحقق اختلاف لا يرجع إلى تعدد المحال. وهذا ثابت في الأمر، إذ أمر الوجوب يباين أمر الندب، باعتبار الذات، لا المتعلق، فصح جمعه لذلك. فإذا تقرر هذا، فلفظ الأمر يدل على ثلاثة أمور: أحدها- إطلاق الأمر على الشأن والحال، كما يقول القائل: أمر فلا مستقيم، أي حاله مرضية. وق تقول عكس ذلك، قال الله تعالى: {وما أمر فرعون برشيد}. [الثاني]- وينطلق الأمر على اللفظ الدال على الطلب القائم بالنفس، عند مثبتي كلام النفس. وعند نفاته، اللفظ: هو الأمر نفسه. أما مثبتوه، فيطلقون الاسم عليه، من جهة أنه دليل الطلب. وأما نفاته، فيقولون: إنه الأمر لاعتبار نسبة الدلالة. ولا يطلق عند هؤلاء على المعنى القائم بالنفس.

(مسألة: الأمر: قسم من أقسام الكلام. والقول فيه

قال الإمام: (مسألة: الأمر: قسم من أقسام الكلام. والقول فيه (11/ب) وفيما بعده من معاني الصيغ واللفاظ، يستدعي [قولا] في إثبات كلام النفس) إلى قوله (مما يتفق التواطؤ [عليه] علما [لحله] محل [العبارة]). قال الشيخ [- رضي الله عنه -]: قد قدمت (44/أ) أن لفظ الأمر ينطلق على ثلاث معان على حسب ما مر. وإنما تكلم الإمام هاهنا على أمرين:

تعريف الأمر عند الأشعرية

أحدهما- اللفظ. والثاني- المعنى القائم بالنفس. فإذا أطلق اللفظ على المعنيين قيل: هل هو فيهما حقيقة، وفي الآخر مجاز؟ فيه ثلاثة مذاهب: قول بالاشتراك، وقولان متقابلانفي النفي والإثبات فالمسألة لغوية محضة، والقطع بأحدهما، لم يثبت عندي. وأهل العربية مطبقون على إطلاق [الكلام] على الألفاظ. وقد سمى الله تعالى ما في النفس قولا، فقال: {ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله}. وقال الله تعال والفقهاء لا يكتفون في القراءة في الصلاة

تعريف الأمر عند المعتزلة والاعتراض عليه

بكلام النفس. ولكن يمكن أن يكون ذلك لتعبد في اللفظ، وهو السبب، إذ باللفظ يتحقق الإعجاز. وقال الأخطل: إن الكلام لفي الفؤاد وإنما ... جعل اللسان على الفؤاد دليلا فقد أثبت الكلام قائما بالنفس، وجعل اللفظ دليلا عليه. وأما ما ذهب إليه الإمام [من] أن الكلام الحقيقي هو القائم بالنفس، فحيد عن المقصود، فإن النزاع ليس في كون المعنى القائم بالنفس على حقيقة لا يختلف، وأن الألفاظ اصطلاحية وضعية، فإن هذه أمور معقولة لا تتعلق باللغات والتسميات، وإنما النظر في إطلاق اللفظ حقيقة أو مجازا. وهذا البحث لا يرشد إلى ذلك. قال الإمام: (وأما المعتزلة وكل من خالف عصبة أهل الحق) إلى قوله

(ولا علما بكيفية الصيغة، فلم يبق إلا ما حاولناه). قال الشيخ: قول الإمام: ولا نجد بدا من ذكر ما يقع الاستقلال به إلى آخره. كلام فيه إشكال، وذلك أنه لم يبين في أول الكلام إلا ادعاء الضرورة، وعليه سؤلان: أحدهما- أن الضروري لا يقبل الاستدلال. والثاني- أنه لا يتصور فيه من العقلاء النزاع. وأكثر الخلق على جحد كلام النفس، فكيف يتصور دعوى الضروري فيه؟ لكن يجاب عن هذا: بأنه لم يقصد الاستدلال على ما ادعى الضرورة فيه، فإنه يقول: أصل المعنى الذي نحن [نثبته]، لا ينفيه خصومنا، ولكنهم يردونه إلى الإرادة تارة، وإلى العلم أخرى. وربما أثبت ابن الجبائي كلام النفس، وسماه الهواجس. والكلام

على هذا الوجه صحيح. وإذا رده المعتزلة إلى الإرادة، وحققنا أمرا غير مريد، ثبت العدد. وما ذكره الأئمة من الصورة المفروضة، وكون السيد لا يريد الامتثال، فكلام صحيح، لا نزاع فيه، وإنما النزاع في أنه آمر أو لا؟ فالمعتزلة منعت كونه آمرا، لتحقيق أنه غير مريد. وعند أصحابنا أنه آمر على الحقيقة. ولكن هذه دعوى برهانها (12/أ) عندهم علم العبد والحاضرين بحقيقة الأمر، مستندين إلى قرائن الأحوال, وهذا يمنعه الخصم، ويقول: بل الحاضرون يعلمون خلاف ذلك. وأما العبد، فمعتقد يمكن تشكيكه عند اطلاعه على باطن الأمر.

فتنتهي المسألة إلى هذا الحد، ولا يثبت بذلك استدلال على (44/ب) الحقيقة. وقد التزمنا في هذا الكتاب الإنصاف، وترك التعصب، بحسب الإمكان، ولا حول ولا قوة إلا بالله. لكن الصواب عندي في المسألة بناؤها على ما يتعلق بعموم الخلق وشمول الإرادة للكائنات جميعا. وإذا تقرر ذلك، بنينا عليه غرضنا، وقلنا: لو كان الله تعالى أمر بالإيمان عموما، ولا يريد الإيمان ممن كفر، وقد قال تعالى: {ولو شئنا لأتينا كل نفس هداها}.

{ولو شاء ربك ما فعلوه}. {ولو شاء الله لجمعهم على الهدى}. ومما اجتمعت [الأمة عليه] كلمة متلقاة بالقبول غير معدودة من محتملات الألفاظ، وهي قولهم: (ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن). ومعنى قول الإمام في الرد عليه: (الصيغة المنبئة عن العلم بالصيغة ليست هذه). يريد بذلك أنه لو اتحد المعنى، لم تختلف دلالة الألفاظ. والمفهوم

من قول الإمام: قم، ليس هو المفهوم من قوله: صيغة (قاف) و (ميم) محذوفة العين، منقولة من (قوم) إلى (قوم)، لسكون آخر الفعل، فيحذف العين ويرد الفعل إلى بناء آخر. هذا طريق معرفة الصيغة، وليس مدلول (قم) هذا قطعا. وكلامه في هذا حسن جدا. قال الإمام: (ثم أثبت المعتزلة النظر طلبا زائدا على الإرادة) إلى قوله (ونحن نذكر بعد ذلك القول في حقيقة الأمر). قال الشيخ: قصد الإمام بهذا أنهم أثبتوا الطلب الذي هو النظر، والنظر هو الفكر، وأنكروا فكر النفس، [فكأنه] نسبهم إلى [إثبات] شيء وجحد ما يضاهيه في الوضوح والقيام به. بل يظهر من كلامه أن الفكر الذي هو كلام النفس أجلى من النظر، إذ يتأتى للإنسان أن يبقى مدة هو غافل لا يتظر في دليل، ولا يتصور أن يكون عريا

من كلام النفس. ولهذا قال: وجدان المرء [جولان] الفكر الذي هو كلام النفس من قبيل الضروريات. وما ذكره ثانيا من (أن كل أمر جرى عليه كلام النفس، فالإنسان يخبر عنه بأنه يخبر عن كونه عالما بكيفية نظم الصيغة). هذا معنى كلامه. وقوله: (إن العلم الحق لا يدركه الإنسان من نفسه إدراكه آلامه ولذاته). كلام مشكل، إن أراد أن العلم لا يعلم، فذلك محال، وقد بينا استحالته. وإن أراد أن إدراك الآلام [واللذات] يستمر، والعلم النظري لا يستمر، فهذا صحيح. ولكن العلم الضروري يضاهي الآلام واللذات، باعتبار

الاستمرار وامتناع الغفلة. وإن أراد أن مدرك الآلام يتألم، والعالم ليس كذلك، ولكن لا يحصل منه مقصوده. وغرضه بهذا أن الإرادة كالعلم، وكلام (12/ب) النفس كالآلام، ليثبت التعدد والتغاير. وجنح في هذا الاستدلال

(مسألة: الأمر: هو [القول] المقتضي بنفسه طاعة المأمور)

بإدراك الأوائل في كونهم فرقوا بين الإرادة التي هي توقان وشهوة، [وبين] العلم، [و] بين الآلام واللذات، حتى جعلوا العلم والإرادة على [النفس والعقل] المباينين لعوالم الأفلاك، وليس الآلام واللذات كذلك. وهذا لعمري كلام ضعيف. وكيف (45/أ) يتمسك بقول قوم نحن نعلم أنهم على ضلال؟ ولكنه يزعم أنهم على بصيرة في إدراك الفرق. والخصم لا يساعد على ذلك. فلا وجه لهذا الكلام على حال. قال الإمام: (مسألة: الأمر: هو [القول] المقتضي بنفسه طاعة المأمور) إلى قوله (جزم في طلب الطاعة). قال الشيخ: قوله: الأمر هو القول، فعدل

عن لفظ الكلام. وهذا عدول إلى القول الذي هو أعم. وقد كنا بينا أن الحاد يجتنب اللفظ البعيد إذا وجد القريب، بما فيه مقنع. ولكن قد قدمنا أن لفظ الكلام، هل يرادف لفظ القول، أمر لا ينطلق إلا على المفيد؟ فإذا قلنا لا ينطلق إلا على المفيد، وهو الظاهر، فهل نقول: الأمر جملة، حتى يكون كلاما؟ أو مفردا، حتى يطلق عليه قول دون كلام؟ والصحيح أنه مفرد. فإن الأمر هو الكلمة الواحدة، ولكنها متعلق بمأمور، فيكون من الأمر. والضمير كلام، وإنما أراد هاهنا حد الأمر على انفراده، وهو بمثابة ما لو سئلنا عن حد الفعل، لم يصح أن يقال: هو كلام يشعر بالزمان مقترنا بالحدث. بل يقول: هو لفظ، فيعدل عن الكلام إلى اللفظ. فهذا- والعلم عند الله- هو الذي قصد.

قوله: (المقتضي). لفظ الاقتضاء فيه نظر وإلباس. فإنه قد يقال: اقتضى فلان حقه من فلان، ولا يكون مقتضيا على هذه الصفة. فمعنى قوله: المقتضي أنه [لا يعقل] إلا منسوبا إلى متعلقه. وقوله: بنفسه، قد بين الغرض من ذلك. وقوله: طاعة المأمور بفعل المأمور به. فقد بين أيضا أنه أراد بذكر الطاعة أن ينفصل الأمر عن الدعاء والرغبة. وهل يسمى الدعاء أمرا؟ أما النحويون فيأبونه، ويقولون: إنه يشاركه في الإعراب والبناء، وكذلك أكثر الأصوليين. ومنهم من يقول: يصح أن يأمر الأدنى الأعلى. وهذا غير محقق في الجزم والإيجاب. ولكن يعترض على الحد عندي بأنه تعرض لبيان الأمر بأمور لا تعرف إلا بعد بيان الأمر، فإن الفعل إنما يكون طاعة على تقدير تعلق

الأمر به، وكذلك [المأمور] إنما يكون مأمورا على تقدير تعلق الأمر بفعله وتوجهه عليه. فمن جهل الأمر، فهو جاهل بكل أمر يتلقى منه. بل الصحيح في حده أن يقال: هو القول المقتضي تحصيل ما نسب إليه من المخاطب به [على وجه يكون به] الفاعل ممتثلا. قال الإمام: (وأما المعتزلة فقد أوضحنا من مذهبهم أن الكلام ليس جنسا) إلى قوله (وأما في وقوع اللفظ أمرا، فصفة تلزم [اللفظ]، ولا حاجة في (13/أ) تحصيلها إلى الإرادة). قال الشيخ [أيده الله]: قوله: قول المعتزلة: الأمر: قول القائل لمن دونه: افعل، إنه منقوض بما إذا قال لمن في درجته: افعل، فإنه يكون أمرا. وهم لا يسلمون ذلك، بل يقولون: ذلك رغبة وسؤال. أما تحقيق الأمر، فليس كذلك.

وقوله: وليست هذه اللفظة بعينها كل الأمر. هو كذلك، وإنما هذه أمثلة وضعها النحويون كالموازين توزن بها الصيغ، نحو قولهم: (يفعلان) وما ضاهى ذلك. [وقوله]: (ولو [اهتدوا] لبناء الأمر على حقيقة أصلهم، لما التزموا تحديد الأمر، وهو قسم (45/ب) لا حقيقة لأصله). إن أراد بذلك الحد النفسي، فهو صحيح. وإن أراد امتناع الحدود اللفظية، فليس كذلك. فإن الحدود اللفظية تتطرق إلى الألفاظ اللغوية. وإنما لم تتأت الحدود النفسية في الأمر على مذهب المعتزلة، لأنه أمر يرجع إلى الأوضاع، وليس [أمرا

لنفسه]. ولذلك اشترط فيه الإرادات. نعم، إنما يستقيم هذا على أصل البلخي الذي ذهب إلى [أن] قول القائل: افعل، أمر لنفسه من غير محال. فقيل له: فهذه الصيغة قد ترد للتهديد أو الإباحة. فقال: هذا جنس وذلك جنس. وهذه مناكرة حس، ومدافعة ضرورة. ولذلك أضرب بقية المعتزلة عن هذه المقالة، لركاكتها وفساد عقل موردها. وقال بعض المعتزلة: تكفي إرادة واحدة، وهي إرادة الامتثال. وذهب إلى هذا المذهب أبو هاشم، [فقيل] له: فيلزم أن يكون الله تعالى آمرا لأهل

الجنة بقوله: {كلوا واشربوا} و {ادخلوها بسلام آمنين}. فالتزم ذلك، وقد خرق إجماع المسلمين. فإن الآخرة ليست دار تكليف. وقد قال: إن الله تعالى يريد دخولهم الجنة ويكره امتناعهم، إذ لو لم يدخلوها، لما وجدوا ثواب أعمالهم، وذلك ظلم، والله تعالى يكره الظلم. والأكثر شرطوا [ثلاث] إرادات، كما ذكره. وطائفة شرطوا إرادتين. قال الإمام: (ولا يتبين مذهبهم إلا بذكر قواعدهم في الصفات) إلى قوله

(ومن ظن أنه يتمكن من فصل بين مذهبهم وبين معتقد أصحاب الهيولي، فقد ظن محالاً). قال الشيخ: الأمر على ما قرر الإمام في هذا. وذلك أنه

إذا حكم القوم بأن صفات النفوس ثابتة أزلية، فمن أنكر الحال، فلا يخفى أن المصير [إلى] قدم الذوات تصريح بنفي على الإطلاق. وأما إذا

سلمت الحال، فهي عند أبي هاشم غير معلومة ولا مجهولة، فكيف يصح أن تتعلق بها القدرة؟ والوجود على هذا الرأي حال. وتمام التحقيق فيه أن الذوات إذا دخلت الوجود، وقيل للمعتزلة: هذا الموجود بصفاته النفسية، هل تعلقت [بذاته] قدر القادر، أو أثر فيه كونه قادرا؟ فيلزم أن [يقولوا]: لا، بل قد [اعترفوا] به، فنفس (13/ب) العرض والجوهر قديمان. نعم، إنما تجدد عند القوم التسمية والإطلاق، دون الحقائق والمعقولات. قال الإمام: (فأما الصفات التابعة للحدوث، فقولهم مختبط فيها) إلى قوله (فقد كفى هذا القدر، وأغنى عن التطويلات). قال الشيخ: الصفات

التابعة للحدوث عند المعتزلة يبني أمرها على الأصل من اعتقاد صفات النفوس في الأزل. وإذا تبين بطلان ذلك، فإن العدم ليس على صفة من صفات الإثبات، والله تعالى مخترع الموصوف بجميع صفاته، إن سلم الحال، فإن منع، فليس إلا مفرد هو متعلق القدرة، فلا تبقى صفة قديمة وأخرى متجددة ليست من أثر القدرة. ولو صير إلى تعدد الصفات، فالمصير إلى وجوب بعضها وجواز الآخر، تحكم محض بعارضه عكسه. قال الإمام: (فأما المصير إلى أن الحدوث من أثر القدرة، فباطل) (46/أ) إلى قوله (نعم، الآمر يجد في نفسه إرادة وتجريد قصد). قال

الشيخ: [أيده الله]: مذهب المعتزلة أن الأمر عندهم هو اللفظ إذا اقترنت به الإرادة المتقدمة. وإذا كان كذلك، لم يتصور عندهم إلا أن يكون أمرا، ولا يرجع إلى الأدلة الوضعية التي يتصور تغيرها وتبديلها. ويتنزل عندهم منزلة أدلة

العقول، ولذلك التزموا تجديد الأمر. فنقول للقوم: إذا بطل الاعتماد على مجرد الصيغة عند الأكثر، ولم يكن بد من إرادة جعل اللفظ أمرا، فما الأمر؟ وما حقيقته حتى يقصد أن يجعل اللفظ أمرا؟ وهل للأمر معنى سوى الصيغة حتى يقصد إلى ذلك المعنى؟ فلا يبقى على التحقيق إلا أن يقصد التعبير باللفظ عما في النفس، وهو عين ما صرنا إليه. ثم كيف يتصور القطع بتساوي الحروف والأصوات مع ادعاء الافتراق في

صفات؟ وهذا تناقض بين، ومكابرة حسن. نعم، الأمر يجد في نفسه إرادة وتجريد قصد، للتعبير باللفظ عما في نفسه. قال الإمام: (ثم التطم البصريون والبغداديون) إلى قوله (فلا فرق في أصل الصفة). قال الشيخ: معنى ذلك أن البصريين قالوا للكعبي: أنت إذا جعلت كون اللفظ أمرا من قبيل الصفات التابعة للحدوث، المستغنية عن الإرادة، فالصفة التابعة للحدوث [تتبع حقيقة] وجود الذات، ولا يتصور أن يمتاز بها بعض الذوات المتماثلات. ألا ترى أن التحيز لما كان عند القوم من الصفات التابعة للحدوث، لم يتصور أن يمتاز بذلك بعض الجواهر عن بعض؟ فلو كان كونه أمرا يتبع حقيقة اللفظ، وهو [قول القائل]: (14/أ) (افعل)، للزم أن يتبع كل قول على هذا الوجه، لاشتراكها في حقيقة الحروف والأصوات. والفرق بينهما مكابرة وجحد لإدراك حاسة السمع.

وأجاب الكعبي بأن قال: قد استوينا في التحكم وادعاء ما لا دليل عليه، وألتزم الفرق بين ما قطع بتماثل، باعتبار إدراك السمع، إلا أني جعلت الصفة المتحكم بها من قبيل الصفات التابعة للحدوث. وإنما حمله على ذلك، السؤال الذي قدمناه، وهو المطالبة بمعقول الأمر حتى يقصد بجعل اللفظ أمرا. قال: وأنتم أثبتم الصفة من أثر الإرادة، مع القطع باستواء الصيغتين، فلا فرق على الحقيقة بين المذهبين في التحكم على نقيض الحس. قال الإمام: (فإن قيل: ما أنكرتموه منهم يلزمكم مثله) إلى قوله (فهو [ملتحق] [بقرائن] الأحوال). قال الشيخ: تقرير هذا السؤال: أن

المتماثلين لا سبيل إلى امتياز أحدهما بحكم عن مماثله. قالوا: وقد حكمتم باستواء الحروف والأصوات من الحاكي والآمر، وإذا تحقق الاستواء من كل وجه، امتنع الاستدلال على المختلفين بأمرين متماثلين، إذا حاصله راجع إلى إثبات التماثل والاختلاف معا. وهذا إنما يلزم أن لو صرنا إلى نفس الاكتفاء بمجرد اللفظ. فأما إذا اشترطنا انضمام القرائن إلى اللفظ، فلا يتحقق التماثل، إذا القرائن التي تقترن بلفظ الحاكي، ليست كالقرائن المقترنة بلفظ (46/ب) الطالب، فتحقق الاختلاف لهذا، فأمكن لذلك الاستدلال على المختلفات.

(مسألة: في صيغة الأمر)

قال الإمام: (مسألة: في صيغة الأمر) إلى قوله (فهذا هو التنبيه على سر مذهب أبي الحسن وطبقة الواقفية). قال الشيخ: قوله: الصيغة هي العبارة، هذا هو عرف الأصوليين. وأما أهل النحو، فعبارتهم غير هذا، وهو أن الصيغة ترجع إلى كيفية نظم اللفظ. ولذلك قالوا: إن الفعل يدل على الزمان بصيغته، وعلى المكان بضرورته، وعلى المصدر بلفظه. وكأنهم ردوا الصيغة

إذا أضيفت إلى الأمر- على مذهب المعتزلة- لم تكن حقيقة، إذا الصيغة هي الأمر، وهي في مذهب قول القائل: نفس الشيء وذاته. أما كون الصيغة هي الأمر مطلقا، فقد بينا أن هذا مذهب البلخي خاصة. وبعضهم يضيف إليه الشروط، على حسب ما تقدم. وقوله: (إن الإضافة على هذا الوجه غير [حقيقة]). ليس الأمر كذلك عند أئمة العربية. فإن الإضافة غير الحقيقية هي التي يعني بها الانفصال، كإضافة اسم الفاعل إذا كان بمعنى الاستقبال. ولذلك لا يتعرف وإن أضيف

إلى معرفة، كقوله: {هذا عارض ممطرنا}. فقد جرى (ممطرنا) نعتا لعارض، فلو لم يكن نكرة، لم ينعت به (14/ب) النكرة. وكذلك قول جرير: يا رب غابطنا لو كان يطلبكم .... لاقى [مباعدة منكم] وحرمانا فقال: (رب غابطنا)، و (رب) لا تدخل إلا على النكرات. وأما قولنا: (نفس زيد)، فقد أفادنا تعريفا باتفاق أهل اللسان، ولا أحد يقضي على النفس عند الإضافة إلى زيد بكونها نكرة. والإضافة الحقيقية هي التي تفيد تعريفا، كنفس زيد، أو تخصصا، كخاتم حديد.

وقوله: (إن الناقلين الذين نقلوا أن أبا الحسن يستمر على القول بالوقف على فرض قرائن الأحوال). فإذا اقترنت باللفظ المجمل أو الملتبس يظهر أثرها، باعتبار غرض المتكلم. فأما اللفظ، فباق على إجماله أو التباسه، باعتبار وضع اللغة. وأبو الحسن وأصحابه إنما تكلموا باعتبار وضع اللغة. فإذا استقر فيه ظهور أو [نصوصية]، تمسك به على حسب ما يقتضيه الكلام، من طلب قطع، أو اكتفاء بغلبة ظن، أو يثبت إجمال، فلا يتمسك بمطلقه على حال. فمصير الإمام إلى أن قرائن الحال توضح اللفظ، حيد عن المسألة،

وذهاب عن المقصود، وغير مفيد باعتبار الأصول. وليس ينكر أحد أن لفظ الماء يصلح للعذب والأجاج. [والجالسين] على المائدة إذا استدعي الماء [عند الغص] بلقمة، فهم منه طلب العذب، ولا يوجب خروج اللفظ عن اشتراكه في الأصل. وقوله أيضا: (إن أبا الحسن لا ينكر صيغة مشعرة بالوجوب القائم بالنفس، نحو قول القائل: أوجبت). هذا أيضا حيد عن المقصود، وليس الكلام إلا في الصيغة التي يقال فيها إنها صيغة الجزاء، ولا أحد منهم يذهب

إلى أن قول القائل: أمرتك، أن هذا فعل أمر. ثم رجع إلى أنه لا يتوقف في هذه الصورة أصلا. وهذا [الذي] قاله لا ينكره أحد. فلا وجه لكونه رأى ذلك رأيا عن أبي الحسن، منفردا به. فإنه لا يتصور أن يتوقف في غرض المتكلم بلفظه عند قرائن (47/أ) أحواله، أوت صريح عبارته. والوقف لازم باعتبار أصل الوضع. وهذا الذي يبنى عليه قواعد الأصول. وقوله: (قد يتردد المتردد في الألفاظ التي ذكرناها إذا اقترنت بقول القائل) إلى آخره. هذا عندي لا يصح أن يتردد فيه، وكيف يتأتى ذلك، وقول القائل حتما تفسير لقوله (افعل)، لإزالة ما فيه من الإيهام والالتباس؟ فكيف يصير العمدة على المفسر دون المفسر؟ فلا وجه لحمل تردد المتردد على هذا أبدا.

وقوله: (وهذا عندي- إن صح- محمول على قرائن المقال على ما فيها من الخبط). كلام ضعيف، وكيف يدعي الخبط في قرائن المقال على الإطلاق، وقد قال هو: إنها واضحة جلية، كقول القائل: افعل حتما أو واجبا؟ (15/أ) قال الإمام: فأما المعتزلة، فلم يقف على حقيقة مذهبهم إلا خواص الأصوليين) إلى قوله (وإنما معناه الإرادة، [والوجوب] متلقى من الوعيد

المقترن به). قال الشيخ: إنما بعد القول الأول عن مذهب المعتزلة، من جهة أن الأمر الحقيقي: هو قول القائل لمن دونه: افعل، وهو يرجع إلى [الإلزام] والتسخير. وإذا كان كذلك، فالإباحة لا إلزام فيها، ولا تسخير، ولا [اقتضاء]. فكيف يصح أن يكون قول القائل: (افعل) للإباحة بالإضافة؟ ثم يلزم منه إذا استعمل في الأمر خروج عن حقيقته ولا يبقى أمر حقيقي بحال. وليس عند القوم كلام نفس، حتى يكتفي بهن ويعبر عنه باللفظ المجازي، فيفوت الأمر باعتبار الكلام النفسي، ولا وجود له باعتبار الوضع الحقيقي. فهذا بعيد جدا عن مذاهبهم، إلا أن ينبني الأمر على ما قاله الكعبي، من كون المباح حسنا، ويجوز أن يطلبه الطالب، باعتبار كونه حسنا، ولهذا قال: المباح مأمور به، فهذا ربما يمشي على هذا المذهب، وهو رديء جدا عند المعتزلة. وسيأتي الكلام عليه بعد هذا، إن شاء الله تعالى.

وأما من ذهب إلى أنه للندب، فهو أقرب من جهة ما في الندب من الاقتضاء، ولكن يلزم منه أن يكون طلب جازم معقول، على حسب ما مر في كونه للإباحة، إلا أن ينبني الأمر على أن الندب طلب جازم. وهذا الذي يختاره القاضي. وسيأتي أيضا الكلام عليه. ولكن مع هذا إذا جعل الندب، باعتبار خصوصيته، خرج الوجوب عن قسم الطلب، وليس الأمر كذلك. لا جرم أن عبد الجبار من هذه الإلزامات فر، وقال: الصيغة تدل على إرادة مطلقها الامتثال، فهذا مقتضاها فحسب. وهذا الكلام أيضا غير صحيح، فإن إرادة الامتثال ليس مدلول الصيغة، وإنما إرادة الامتثال شرط في كون اللفظ أمرا، فكيف يصح أن تكون مدلول اللفظ؟ ولو كان هذا مدلول الصيغة، لم يكن معنى إلا الإرادة من غير طلبن فيخرج الطلب عن حقيقته. ولا يلزم أن يقال: كل مراد مأمور به. وكل هذا إنما هو

تحير، وتغير لنفي كلام النفس. ويطلبون معقول الأمر، ويعرفون أن الألفاظ لا تدل لأعيانها، فتحيروا هذا التحير. وقوله: (بيد أن المراد لا يكون إلا طاعة). ليس كما قال، بل إنما يكون طاعة على تقدير تعلق الأمر به، حتى يكون طاعة مرادا؟ وقصد عبد الجبار بما قاله أن يشمل حقيقة الأمر الوجوب والندب جميعا (47/ب)، لا من جهة خصوصيتهما، بل من جهة اشتراكهما في كونهما مطلوبين مرادين، ثم يقع الافتراق من وجه توجه الذم وانتفائه. فهذا هو مقصوده، والاعتراض عليه ما (15/ب) سبق.

قال الإمام: (وأما الفقهاء، فالمشهور من مذهب الجمهور أن الصيغة التي فيها الكلام للإيجاب، إذا تجردت عن القرائن. وهذا مذهب الشافعي. والمتكلمون من أصحابنا مجمعون على اتباع أبي الحسن في الوقف، ولم يساعد الشافعي غير الأستاذ أبي إسحاق). قال الشيخ: هذا الذي ذكره الإمام حكاية عن الشافعي، قد نقل أبو حامد عن الشافعي خلافه. فقال: صيغة الأمر مترددة بين الندب والوجوب، وصيغة النهي للتحريم. ووجه على نفسه اعتراضا، فقال: إنما أوجبنا تزويج الأمة، بقوله: {[فلا] تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن}. ولم نوجب تزويج العبد، لأنه لم يرد فيه إلا قوله: {وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم}. فيمكن أن يكون له في المسألة قولان.

قال الإمام: (والذي يقتضيه الترتيب المفضي إلى درك الحق) إلى قوله (وقد يستحق بدون ذلك التأديب). قال الشيخ: الصحيح من مذهب القاضي التوقف في اللفظ، وامتناع القضاء عليه بجهة، وطريقته لا تقتضي إلا ذلك. وحاصله أنه مطالبة بالدليل، إن من لم يحكم لا يستدل، وهو لم يحكم على اللفظ بجهة حتى يدل عليها. وإنما غايته أنه يقول: الطرق التي يعرف بها الوضع مفقودة، إن أراد أنه لم يقف على شيء منها، فذلك مسلم له، لأنه أعلم

بحاله، وإن أراد أنه لا سبيل لأحد إلى عملها، فهذا تحكم، فمن أين القضاء على الناس كلهم بذلك؟ وقوله: إن (النقل إما أن يعرف صريحا، أو استنباط، تواترا أو آحادا). هذا تقسيم من جهة النقل بلا ريب، ونحن نعلم من اللغة ضرورة أن لفظ البحر وضع للماء، وإن كان يطلق على الكريم، فلا يمنعنا وجدان اللفظ دالا على معنيين، إلا بعلم الحقيقة من المجاز.

والذي يظهر من كلام القاضي أنه أراد نفي الطرق، بالإضافة إلى [أهل] الزمان بجملتهم، ولذلك تعرض لضبطها ونفيها. وقوله: (فإن النقل المتواتر يحصل العلم الضروري، ويتضمن استواء طبقات جميع العقلاء فيه). [هو] كما قال، إذا وقع الاشتراك في

السبب، وأما إذا لم يطلع بعض العقلاء على النقل، أو على كماله، لم يلزم أن يحصل العلم، ولا يتبين بذلك غلط المحيط عند حصول العلم له. وأما رد الإمام على القاضي عندما [مال] إلى دعوى التشارك، فصحيح لا شك فيه، لأن تلك الطرق تفضي إلى اللبس، لا إلى تعيين جهة. فمن عين الاشتراك، كمن عين غيره. والإمام إنما أورد هذا الكلام، لاعتقاده أن يصلح لإبطال (16/أ) الاشتراك، فإنه يلزمه أن لا يعين جهة من الجهات. وإن

أورده [على المعارضة المحضة، ومقابلة الفاسد بالفاسد، صلح للجدل دون التحقيق. وأما رد عليه عندما ذهب إلى] التوقف بقوله: (لم يترك والركون إلى هذه العماية العمياء، والجهالة والجهلاء) إلى آخره. فكلام ضعيف. وقول: (إن اللفظ التداور مع الجواز). أمر لا يفيد، وإن قدرنا أن اللفظ معروف الدلالة عند أهل اللغة وغيرهم، فما الذي يعين (48/أ) ذلك في

حق من جهل مدلول، والتبست عليه طرقه، والقاضي ما أحال علم هذا على الخلق، وإنما منع من معرفته في عصر، لما قرره من الطرق المنحسمة التي يرجع النقل إليها. وقوله: (وتنسل بفرض هذا دعوى القطع من يده). نعم، إن قطع القاضي بأنه لا يعلم ذلك أحد، فهذا غير سديد. وكيف يمكن دعوى ذلك،

وأهل اللغة يعرون مرادهم بألفاظهم من اشتراك أو غيره؟ وما ذكره القاضي من الاشتراك على الإيهام بالاستفهام، فغير مفيد، فإنه وإن اتفق أن يكون السامع بفهم المدلول على وجه مظنون، فقد يقصد قطع الاحتمال وإزالة الإشكال. ويمكن أيضا أن يكون المستفهم ممن يرى له إجمالا، فلا يكون- في رأيي- احتجاجا، إلا أن يثبت أنه من أهل اللسان، [وينفي] تعارض قرائن الأحوال، ويكون ممن يكتفي بالظن في فهم المقال، ولم يقصد الارتقاء إلى حد الاستيقان، فحينئذ يكون في ذلك متعلق. [واجتماع] هذه الشروط

[عسير]، وقد يستحق التأديب على وجه الاستفصال من غير حاجة إليه. قال الإمام: (وأما المعتزلة فقد بنوا حقيقة أصلهم في ذلك) إلى قوله (وكل ما كان كذلك لا يكون واجبا. فهذا منتهى المسألة). قال الشيخ: ما ذكره الإمام في هذا الموضع من التقسيم، قد نقضه على نفسه في صيغة

(افعل) بعد الحظر، فإنه ذهب فيها إلى الوقف. ويمكن سلوك هذا الطريق نفسه. فيقال: من أنكر أن العرب ما فصلت بين قول القائل: إذا حللت فاصطد، وبين قوله: إذا حللت، فلا حرج عليك، اصطدت أو تركت؟ فليس من التحقيق على شيء. فإنا على اضطرار نعلم الفصل في ذلك، وهلم جرا إلى بقية الأقسام. والإمام قد توقف فيها، والتقسيم بعينه جار فيها. ثم قوله: (من أنكر أن العرب ما فصلت). عبارة فيها وهم، وذلك أن من أنكر عدم الفصل، فقد اعترف بالفصل، وهو الذي يريده الإمام. وإنما المراد: من قال أو من زعم أن العرب ما فصلت؟ هذا مراده. وقصاراه فيما قال ادعاء الضرورة.

وأما الفصل الذي ذكره، فمعترف به، ولن لا يحصل منه مقصود، وذلك أنه قابل بين المجمل وبين اللفظ النص، فظهر التفاوت بلا إشكال. ولا يوجب إدراك (16/ب) الفصل أن يكون اللفظ المجمل لا يحتمل تلك الجهة، وهو بمثابة ما لو قال القائل: لفظ العين لا يتناول الذهب. وقال: من زعم أن العرب ما فصلت بين قول القائل: العين، وبين قوله: الذهب، فليس من التحقيق على شيء، لكان مصيبا، ولم يلزم منه أن يكون لفظ العين لا يتناول الذهب مع غيره. كذلك الإمام قابل بين لفظ (افعل) المحتمل لجهات، وبين نص الإباحة ونص الندب، فظهر التفاوت، ولا يمتنع ذلك التناول.

وقوله: (إن من ضرورة الندب تخيير في الترك). غير صحيح، وقد مر الكلام عليه في حد التكليف. والندب عندنا أمر محقق، والمندوب مأمور به. وسيأتي تحقيقه بعد هذا، إن شاء الله تعالى. وقوله في الجواب عن سؤال: (إن هذا مذهب الشافعي: بأن الوجوب لا يعقل دون التقييد بالوعيد على الترك). فقد مر الكلام عليه. وهو نقض هذا بعينه (48/ب)، وأفسد حد من حد الواجب: بأنه المتوعد بالعقاب على تركه. على ما سيأتي. فإذا انتهى الكلام إلى هذا الحد، فلننبه على أصل كلي، لا بد من التنبه

له، وذلك أنه إنما احتاج الأصوليون إلى معرفة الأوضاع اللغوية، لتفهم الأحكام الشرعية، وإلا فلا حاجة بالأصولي إلى معرفة ما لا يتعلق بالأحكام من الألفاظ. وإذا كان كذلك، افتقر إلى تقديم أمر آخر، وهو أن الشرع، هل تصرف في اللغة أم لا؟ فإن ثبت عدم التصرف، اكتفى الأصولي بمعرفة وضع الشرع في الاسم، ولا يحتاج معه إلى معرفة اللغة في ذلك اللفظ. وإن عرف وضع اللغة، والتبس عليه، هل الشرع تصرف في الاسم أو لا؟ لم يجز له الحكم بوضع اللغة، حتى يستقر عنده وضع الشرع فيه، ولهذا إن الفقهاء أول ما يتكلمون على الألفاظ باعتبار وضع اللغة، لأنهم يرون تصرف الشرع في الأسماء، فترام يجنحون إلى الإجماع وغيره، وهم في ذلك على بصيرة، إذ عرف الشرع مكتفى به، مصار إليه. وعرف اللغة على هذا التقدير عند احتمال التغيير لا يفيد. والذي نراه في هذه المسألة أن (افعل) عند الإطلاق يقتضي طلبا لا محالة، وذلك ثابت عند أئمة العربية أجمعين، فإنهم فرقوا بين باب الأمر وباب النهي، فقالوا: باب الأمر (افعل) وباب النهي (لا تفعل). لا يبدي أحد

(فصل- الصيغة التي تكلمنا على أصلها تفرض مطلقة ومقيدة)

في ذلك خلافا. وإنما اختلفوا في أن مبني عند عدم الزوائد أو معرب؟ فأما جحد كونه أمرا، فلا ذاهب إليه، [وإن] كان قد يستعمل اللفظ في الإباحة طويلا. نعم، يؤخذ من هذا أنه ليس نصبا في الطلب، وإنما هو ظاهر. وكذلك الفقهاء مجمعون على أن هذا مقتضاه في الشريعة، لكنهم يترددون في الوجوب أو الندب. ولعمري إنها مسألة غامضة. (17/أ) والظاهر عندي أنه متردد بينهما، وإنما تبين القرائن، فإنها صيغة طلب، والطلب محقق في الندب، كما هو في الوجوب، فلا سبيل إلى تعيين أحدهما بالتحكم. وكذلك القول في قول القائل (لا تفعل). وبالله أستعين. قال الإمام: (فصل- الصيغة التي تكلمنا على أصلها تفرض مطلقة ومقيدة) إلى قوله (والسبب في ذلك أن ما يقع ضمنا، فإنه يتبع المتضمن في

مقتضاه لا محالة). قال الشيخ [أيده الله]: أما إذا اعترف القوم بالتعدد، وسلكوا مسلك القياس، فهو ضعيف، وقد تقدم الكلام على القياس في

اللغة. وإن سلك الناظر مسلكا آخر، وقال: إن لفظ الأمر بالشيء، يرادف لفظ النهي عن ضده، والألفاظ المترادفة لا يمكن اختلافها. وتقرير ذلك: أن القائل: (تحرك) مطلوبه عين مطلوب من قال: (لا تسكن)، فإن نفي السكون لا يصح أن يكون مطلوبا. على ما سيأتي الأمر بالشيء، هل هو نهي عن ضده؟

ولو قال له: (لا تسكن) تضمن ذلك أمرا بالحركة مطلقا، فكذلك إذا قال له: (تحرك)، إذ قد تحقق بهذا التقدير ترادف اللفظين واتحاد المعنى. وهذا كلام مخيل، تحقيقه بعد هذا يأتي إن شاء الله. ولكن القدر الذي ننبه عليه ههنا أقوله: (لا تسكن)، وإن رجع إلى طلب الحركة (49/أ) -[ولا يمكن] الافتراق بحرف النهي الذي يضارع النفي- يكون قرينة [منضمة] إلى الطلب، يفهم منها عموم استرسال طلب الحركة. وإنما تكلمنا ههنا في الطلب المطلق دون المقيد.

وإن لم يسلك الاتحاد، وسلك مسلك التضمن، لصح الجواب، وبطل الإلزام، [وظهر] ما قاله الإمام، فإن المتضمن يتبع المتضمن. والأمر كما قدره، مع أنه لو وقع التقييد في الأمر بالمرة الواحدة، لتضمن ذلك- على هذا الرأي المسلم جدلا- تباين الأضداد من غير استيعاب. قال الإمام: (ومما تمسك به أصحاب التكرار) إلى قوله (وأما العزم فسأذكر فيه فصلا مقنعا في المسألة التي [تلي] هذه، إن شاء الله تعالى). قال الشيخ [وفقه الله]: ما قاله الإمام في هذا الموضع، كلام صحيح، لا يفتقر إلى أكثر من هذا. ولكن خيال القوم من حيث الجملة، أن الأمور

[الثلاثة] [وهي]: الامتثال والعزم واعتقاد الوجوب، استندت إلى اللفظ استنادا واحدا، فلا يصح تفاوتها بحال. وقد سلم عدم اختصاص الوجوب والعزم بالمرة الواحدة، فليكن كذلك الامتثال. [ومعنى] الإمام أن اعتقاد دوام [الوجوب] لا يرجع إلى أنا نعتقد أن الفعل دائم وجوبه، فهذا محال، وإنما أريد أن ما أوجبه الله تعالى، فهو واجب على الحقيقة، فهو كذلك، ولا يتلقى من هذا (17/ب) وجوب الامتثال. وكذلك معتقدنا في الأمر المقيد بالمرة الواحدة.

قال الإمام: (فأما الصائرون إلى أن الصيغة المطلقة تقتضى امتثال المأمور به مرة واحدة) إلى قوله (سيما مع العلم بتفاوت صيغ الأفعال، واختلاف مقتضياتها). قال الشيخ: أما إذا سلك أصحاب هذا المذهب مسلك القياس، فالأمر على ما قاله الإمام. وأما إذا سلكوا مسلكا آخر، وهو أن الفعل [إذا]

تلقي من المصدر كان مطلوبا أو مخيرا. فمطلق المصدر لا يتعرض للأعداد بحال. فهذا الكلام له أوضح. وسنذكره في آخر المسألة قال الإمام: (المسلك الثاني للقوم- أنهم قالوا: من امتثل الأمر مرة واحدة) إلى قوله (والنفي لا اختصاص له، فكان الجنس كالشخص في حقه). قال الشيخ: ما ذكره الإمام من أن الأمر استدعاء المصدر، والمصدر لا يتضمن استغراقا، ولا يشعر بالمرة الواحدة اقتصارا عليها. هو كما قال. وأما الوقف في الزائد على المرة الواحدة، من غير نفي ولا إثبات، فغير مستقيم،

فإن المصدر لا يتعرض للأعداد بحال، لا من جهة الوضع، ولا من جهة التهيؤ والصلاح للدلالة. وإنما هو مطلق في الحدوث. وهو بمثابة الدلالة على (رقبة) عند الطلب. ولو قال له: اعتق رقبة، وقع الاكتفاء بكل ما يسمى (رقبة). فكذلك يجب أن يقع الاكتفاء بكل ما يسمى

صلاة عند الأمر بمطلق صلاة، ولا يتوقف في الزيادة عليها على حال. فالوقف غير صحيح مع المصير إلى أن المصدر لا تعرض له للعدد بحال. فإن قيل: فهذا مذهب من قال إنه يتضمن الامتثال مرة واحدة. قلنا: هو في [الحكم] كذلك، ولكن إن قال صاحب هذه لمقالة: إن اللفظ له إشعار بالمرة، من جهة كونها مرة، فليس كذلك. وإنما حكمنا بثبوتها ضرورة. فإنه

إذا أمر بإعتاق عبد، فأعتق [أسود]، حكمنا بإجزاء عتق الأسود (49/ب). لا من جهة [كونه أسود، بل من جهة] كونه عبدا. كذلك إذا أمر بصلاة، فصلى صلاة واحدة، حكمنا بكونه مطيعا، من جهة كونه مصليا، لا من جهة كونه صلى صلاة واحدة. وكذلك الأمثلة التي ذكرت في الحالف [والمخبر]، [يبر] الحالف، ويصدق المخبر. من جهة حصول أصل المصدر. لا من جهة إفراده وجمعه. وهذا واضح للتأمل. وبالله التوفيق. قال الإمام: (مسألة الصيغة التي فيها الكلام، إن قيل: إنها تقتضي

(مسألة الصيغة التي فيها الكلام، إن قيل: إنها تقتضي استغراق الأوقات بالامتثال)

استغراق الأوقات بالامتثال) إلى قوله (ونحرر بعد المباحثة ما اخترناه. فلتقع البداية بأصحاب الفور). قال الشيخ: المذاهب كما نقلها بينة، والمؤاخذة على من قال إنها على التراخي متوجهة. ولكنه لم يوجه الاعتراض على من قال إنها على الفور. فإن مقتضى هذا (18/أ) النقل إذا وقع التأخير لا

يجدي. وهو ينكر أن يكون هذا مذهبهم، فلا تختص المؤاخذة بمن قال إنها على التراخي. نعم، قد [ذهب بعض الأصوليين] إلى أن من أخر، لا يعتد منه بما فعل مؤخرا. والترجمة على هذا المذهب لا مؤاخذة عليها. وما قال أيضا من أن (مصير القاضي إلى الامتثال، من غير نظر إلى زمان ولا [وقت] على حال. [وهذا بعيد] من قياس مذهبه، مع [استمكانه] بالوقف، وتجهيله من لا يراه). فقد غفل الإمام عن كلام القاضي ووجهه، وألزمه ما لا يلزمه، فإنه لا خلاف في تعدد محامل الصيغة للجهات التي

ذكرها القاضي، وإنما النظر في أن اللفظة حقيقة في الجمع، أو حقيقة في الجمع، أو حقيقة في بعضها، مجازا في البعض؟ والقاضي لم يثبت عنده التفاوت في الإطلاق، ولا التساوي، و [لا] الاشتراط، فلم يكن بد من الوقف، بخلاف تعرض لفظ الفعل والمصدر للأعداد، فإنه لم يوضع لها، ولا يصلح للدلالة عليها. فإن أراد مريد أن يكون المصدر يدل على الأعداد، صرفه عن حكم إطلاقه، وزاد (هاء) فأحد وثنى وجمع. فمن أين يلزم من الوقف عند تعدد

أدلة أصحاب الفور

المدلولات، الوقف مع نفي التعرض لهذه الجهات- أعني الأعداد والمبادرة والتأخير؟ وقد سلك القاضي مسلكا واحدا في المسألتين. وكذلك فعل الإمام فيهما. قال الإمام: (فما اعتمده [أصحاب الفور] أن الصيغة إذا وردت واقتضت إيجابا) إلى قوله (فاز بالأجر، وإن أخلى العمر منه، تعرض للمعصية، فلا استحالة فيه). قال الشيخ: الكلام في المسألة من وجهين: أحدهما- بالنظر إلى المعقول في تصور الوجوب مع المهلة، أو منع ذلك. الثاني- فيما يقتضيه وضع اللغة وإشعار اللسان، وهو الذي ابتدأ به الإمام على المسألة، باعتبار معقول الوجوب. وما ذكره الإمام على الطريقة من النقض بجوار تأخير قضاء الصلوات التي فاتت بأعذار، مستدلا بالإجماع. وقوله: ثم العمر وقتها على الفسحة. أما القضاء، فمجمع عليه، وأما الفسحة في

شرط سلامة العاقبة والخلاف فيه

القضاء، فلا إجماع فيها، وقضاء المنسيات عندنا على الفور. وأما المسلك الثاني- وهو تقدير عقلية الوجوب مع القسمة، فهذا محز الكلام. وما ذكره من: أن العقل لا يحيل اقتضاء وجوب شيء، ثم يكون العمر مهلة. فهذا ينازع فيه أصحاب أبي حنيفة (50/أ) أشد نزاع. فكيف قال: ولا يخالف في ذلك مخالفة فنثبته؟ ولأجل استحالة هذا عند القوم، ذهبوا إلى أن المأمور به، إن ضبط آخر وقته، فإنما يتحقق الوجوب آخر الوقت، وإن أطلق مع تحقيق الوجوب، فلا بد من الفور. فمن العجب كونه ادعى الاتفاق على المعقول، والقوم ينكرون ذلك أشد إنكار. فلم يحصل برهان ولا إجماع.

حقيقة الواجب الموسع

وأما الوجه الثاني الذي عينه وهو: (18/ب) أن المكلف إذا مات، ولم يكن امتثل، لقي الله عاصيا. فقد اقتصر على الدعوى من غير برهان. ولكن طريق التقريب أن نقول: إذا قال السيد لعبده: أوجبت عليك خياطة هذا الثوب في أول النهار أو آخره أو وسطهن فلا يخلو: إما أن يقال: إنه لم يوجب شيئا أصلا، وهو باطل، لأنه صرح بالإيجاب، أو يقال: أوجب مضيقا، وهو باطل، لأنه صرح [بالتوسيع]، فلم يبق إلا أن يقال: أوجب موسعا. ونحن نجد هذا من أنفسنا، فيطلب الطالب من غيره تحصيل أمر في يومه، ولا يرتبط غرضه بساعة من ساعاته، بل [متى] حصل [العمل] في ذلك اليوم، حصل المقصود. هذا مما لا شك فيه. ويدل [عليه] أيضا الإجماع على وجوب الصلاة في أول الوقت، وأنه

[مهما] فعل، كان ممتثلا مؤديا فرض الله، كما نواه [وأداه]، ولا تضييق. هذا ما درج عليه الأولون قطعا. فإن قيل: ليس حكم العمل بالإضافة إلى آخر الوقت وأوله حكم واحد، بل الفعل في أول الوقت- إن أوقع- كان مندوبا إليه، إذ المندوب: ما

يكون فعله خيرا من تركه، بالإضافة إلى مقصود الطالب، من غير ذم يلحق بالترك. والصلاة مثلا في أول الوقت كذلك، وإن أضيف إلى آخر الوقت، كانت واجبة. إذ يلحق الذم [تاركها] الآن. فهما فعلان في وقتين يختلف حكمهما، باختلاف الإضافة إلى الأوقات، كما يختلف حكم الصوم بالإضافة إلى الأزمنة، كصوم رمضان ويوم العيد. فنقول: التحقيق في ذلك أن نبين الحقائق، ثم نجعل الألفاظ تابعة لها. فإن حق الأمور المختلفة، أن تختلف العبارات الدالة عليها، فهو أبعد عن الإيهام، وأجلب للأفهام. فنقوم: الفعل المطلوب قد يلحق الذم بتركه عند أول الخطاب وإمكان الامتثال، وهو الواجب المضيق. ومعنى التضييق فيه: أن المكلف لم يجعل له فسحة في التأخير من زمان إلى زمان آخر. وفعل مطلوب يلحق الذم بتركه، بالإضافة إلى مجموع الوقت، [ولا] يلحق بالإضافة إلى إخلاء بعض الأوقات. وما جاز تركه مطلقان يخالف ما لا يجوز

تأخيره، وما يجوز تأخيره دون تركه، أو الواجب الموسع. والعبارة الثاية أولى من وجهين: لأن الندب مع امتناع الترك، متناقض بالإضافة إلى [عرفهم]. والوجوب: [التحتيم] في تحصيل الفعل، دون التعرض لأزمنة الإيقاع. والإجماع أيضا منعقد على كون الصلاة واجبة عند دخول الوقت، (19/أ) وإن لم تجب المبادرة، والتضييق منتف. ويحقق ذلك أن المصلي في أول الوقت ينوي فرض الصلاة، ويثاب ثواب الفرض لا ثواب النفل. فقد تبين تعدد الأقسام عقلا وشرعا، نية ولفظا. (50/ب) وقوله: (والمختار تعيين قسم من الأقسام التي [ذكروها]، وهو التعصية إذا مات ولم يفعل). والكلام ههنا مفروض في الواجب الذي ضبط آخر وقته بغير العمر. واقتصر الإمام في هذا المكان على الدعوى من غير برهان ولم يزد على قوله: (ولا [مبالاة] بقول من يقول من الفقهاء: إنه مات غير

عاص). وما ذكره القوم من امتناع إيهام الشرط، لم يدل على الجواز، بل قال: (فإن هذا النوع من الجهالة محتمل على الجملة). اقتصر في جميع هذه الأطراف على الدعاوى من غير برهان. أما الأول، [فإنه] يقول: إذا مات في أثناء الوقت بحيث يبقى عليه من الوقت المختار ما يسع الفعل، فإنه لا يموت عاصيا بترك الصلاة، وإن كان عازما على أن لا يصلي، فإنه يأثم، لا لأجل إضاعة الواجب، بل لمجرد العزم على المخالفة. حتى لو عزم على ذلك قبل دخول الوقت وتاب، كان عاصيا لعزمه، وإن كان لا يتأتى منه إيقاع الفعل المطلوب قبل دخول وقته، [فمعصية] ترك العزم غير معصية ترك الفعل. والذي يدل على ذلك: أنا نعلم أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا لا يعصون من مات فجأة بعد مضي مقدار ركعتين بعد الفجر، أو أربع ركعات بعد الزوال، وكانوا لا ينسبونه إلى التفريط. بل كيف يعصي وقد جوز له

التأخير؟ ولما بين الرسول صلى الله عليه وسلم الأوقات قال: (الوقت بين هذين). في معرض التعليم. وهذا وقت الحاجة إلى البيان. فلو كان يتطرق إلى المؤخِر عصيان، لبينه عندما سأله، لإزالة الإشكال. وأما قوله ثانيا: (فإن هذا النوع من الجهالة محتمل). فغير صحيح، فإن الشروط إنما هي أعلام منبهة للمشروطات، وشروط الساعة: أعلامها، وسمي الشرط شرطا لإعلامه نفسه بلباس يعرف به، فكيف يصح أن يكون الشرط الذي علق الشرط الحكم عليه لا يتصور للمكلف معرفته؟ وقد تقدم كلامه أنه لا يشترط في الوجوب علم المكلف به، بل يشترط تمكنه من العلم. وكما يشترط التمكن من العلم باعتبار الوجوب، فكذلك يشترط باعتبار التحريم والجواز جميعا. وهذا حكم لا يتصور علمه بحال، فيكون محالا عقلا عند قوم، وشرعا عند آخرين.

وقوله: (وإنما الذي يستحيل جهالة تمنع فهم الخطاب، أو إمكان امتثال). راجع إلى قوله: (يكلف المتمكن، ويقع التكليف بالممكن). ولكننا نقول: هذه الجهالة تمنع فهم الخطاب، فإنه لا يدري، هل خوطب بجواز التأخير أو تحريمه؟ ولكنا نقول: تحقق الوجوب (19/ب) باعتبار الطلب. فإذا قيل: هل جاز التأخير أم لا؟ قلنا: لم يتعرض له الدليل، لا مطلقا ولا مشروطا. فإن قيل: إذا تحقق الوجوب ومات ولم يفعل، فقد ترك الواجب،

فيكون مذموما، فإن حد الواجب: هو الذي يذم تاركه بوجه ما. وهذا الحد ليس باعتبار المعقول، لأنا قد بينا أن كون الفعل واجبا، إنما كان كذلك، لتعلق الإيجاب به. والإيجاب: قول في النفس يباين الندب. ولكن هذا أمر يكون لتعريف خصوصية الطلب. وقد بينا صحة ما قال القاضي من أن الله تعالى لو أوجب شيئا لوجب، وإن لم يتوعد (51/أ) بعقاب على تركه. والمقصود إثبات مزيد معرفة، لفصل الواجب [عن] المندوب، ولحوق الذم بترك المطلوب، يميز بين القسمين، ونعني بقولنا: (بوجه ما)، أن تارك الصلاة حتى يخرج وقتها

مذموم. فلحوق الذم في هذه الحالة، يبين أنها ليست من قبيل المندوبات، فيعقل الوجوب بالنظر إلى الطلب الجازم شرعا، ويتحقق كون الفعل واجبا في أول الوقت بدليل الإجماع، بالنظر إلى نية الوجوب، وحصول الامتثال، ويلحق الذم مخلي الوقت بكماله عن العمل، ويسقط الذم عن الميت في وسط الوقت، بناء على أن ما بقي منه يسمع الفعل، موافقة لأهل الإجماع. والتمييز بين الوجوب والندب قد حصل. وهذا كلام في غاية الحسن. وقد لاحظ مالك رضي الله عنه [هذا] الأصل في الصلوات والأيمان. فأما الصلوات، فإن المرأة الطاهر إذا لم تصل في أول الوقت، وأصابها الحيض، وقد بقي ما يسع الصلاة، ولم تطهر حتى خرج وقت الصلاة، فإنه لا قضاء عليها. لأن الحيض أصابها في وقت الأداء، فنافى الوجوب، فتصير بمثابة ما إذا أصابها الحيض من أول الوقت.

والشافعي أوجب القضاء، وكأنه نظر إلى أنها جاز [لها] التأخير، لتفعل فيما بعد. ومالك [رضي الله عنه] لم ير هذا شرطا، لحصول الإبهام فيه، وخروجه عن حقيقة الشرط، فإنه غير صالح لتعريف المشروط. وكذلك [قال] فيمن أخر قضاء رمضان مع التمكن منه، فإنه عندنا يوسع له في القضاء إلى شعبان، لقول عائشة رضي الله عنها: (كان يكون علي قضاء رمضان، فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان، يمنعني الشغل برسول الله صلى الله عليه وسلم). فلو كان القضاء على الفور، لما أخرته. ولو كان يتسع أكثر، لما استمر على القضاء فيه، وأمكن في بعض الأوقات أن يؤخر عنه. فلو أخر القضاء إلى شعبان، واتفق عذر يمنعه من القضاء فيه، لم تكن عليه فدية المؤخر، حتى يدخل رمضان، لأنه أخره إلى بعض الوقت المتسع.

وكذلك قال رحمه الله في الحالف ليفعلن: فإن لم يضرب أجلا، (20/أ) فهو على حنث، كما نقول في الأمر المطلق. وإن ضرب أجلا، كان على بر حتى يحل الأجل، ويصير كالأمر إذا ضبط له وقت، ولم يأت آخر وقته. وفائدة كونه على بر أو حنث، فيما يتعلق بوطء الزوجة أو الأمة المحلوف بعتقها. وقوله: (فأما تكليف المرء شيئا، مع تقدير عمر مهلة وفسحة، إن امتثله فاز بالأجر، وإن أخلى العمر منه، تعرض للمعصية). كلام صحيح، وهو ربط الطلب بالفعل، مع قطع النظر عن زمان مخصص. قال الإمام: (ومما تمسك به هؤلاء، وهو قريب المأخذ مما سبق) إلى قوله (لا يتأتى للقوم التعلق به، لإثباتهم واجبا مقيدا بجواز التأخير). قال

الشيخ: هذا السؤال مشكل، لأن الوجوب يضاد الجواز. وإذا كان كذلك، فكيف يصح أن يقال: الفعل واجب، والترك جائز؟ ومعقول الجواز يقتضي التخيير بين الأمرين، ولا يعقل الجواز باعتبار جهة واحدة. فإذا قلنا بجواز الترك، فقد خيرناه بين الفعل والترك، مع ترجيحنا الفعل على الترك، فهذا متناقض. وقد أجيب عن هذا، فقيل: الذي يتناقض وجوب الفعل جواز الترك. وأما جواز التأخير، فلا يناقض. قالوا: والتأخير ليس هو الترك. واعترض عليه: بأن التأخير ترك على (51/ب) الحقيقة، فإن الترك: هو التلبس بضد الفعل، فيكون بذلك تاركا للضد الآخر. فإذا لم يحتم الإقدام، فقد جوز الترك في ذلك الزمان. ويؤكد هذا الإلزام أن يقال: هل الفعل واجب أول وقت الفهم والإمكان أم لا؟ فإن كان واجبا فيه، فقد [جو إخلاؤه] عنه، فهو مناقض. وإلى هذا المعنى يرجع الإشكال، وإن اختلفت الصيغ في الإلزام. والنقض عليهم- إن سلموه- لازم، وإن منعوه، أثبت بالبراهين السابقة.

قال الإمام: (ولكن الإشكال قائم في النفس في الصور المتفق عليها) إلى قوله (ولا ينبغي أن يظن بهذا الرجل العظيم غير هذا. غير أنا لا نرى ذلك رأيا). قال الشيخ: اقتصر الإمام على ذكر مذهب القاضي، واشتغل بالرد عليه. [وكثيرا] ما يفعل هذا في هذا الكتاب. وهو تقصير كثير، من أعظم الإعانة على تعقب المذاهب ببيان مستنداتها. ومستند القاضي [والرد]

عليه، [من حيث] الجملة، أمور حصرته إلى هذا القول: أحدها- ما استقر عنده من حد الواجب: أنه الذي يذم تاركه. وتقرر عنده أن التأخير ترك من جهة العقل، واستقر عنده بالإجماع وجوب الصلاة في أول الوقت، وتقرر أيضا بالإجماع أن المؤخر عند العزم غير مذموم. فتقرر بهذا أن الواجب ليس متحدا، إذ لو اتحد الواجب وترك، لم يكن من الذم، فتقدر واجبا ليس متحدا، إذ لو اتحد الواجب وترك، لم يكن بد من الذم، فقدر واجبا آخر. فإذا قيل له: فما الذي يدل على أن المقدر العزم؟ استدل (20/ب) على ذلك: بأنه [[إن فعل الفعل]، لم يجب العزم]. وإن فعل العزم، لم يجب الفعل. فهذا الذي دل على تعيينه دون غيره. فإنه لو فعل كل واجب دون الصلاة، ولم يعزم على فعلها، لم يكن ذلك مسقطا عنه إثم

الترك. هذا تقرير كلامه. وقول الإمام: (وهذا خروج عظيم من مسلك التحقيق) إلى تمامه. والتشنيع عليه بأنه توقف في أصل الصيغة، من حيث لم يسنح له دليل على التعيين. فكيف أثبت وجوب العزم من غير أن تتعرض الصيغة له بحال؟ وهذا كلام ضعيف، فإن القاضي لم يثبت العزم تلقيا من الصيغة المتقاصرة عليه، بل يقطع القاضي بأن اللفظ لا يصلح لإيجاب العزم، وإنما يتلقى وجوب العزم من الطريق الذي قررناه. بل في الصيغة احتمال [الوجوب والندب،

وأما وجوب العزم فلا تحتمله بحال. والعجب من الإمام كيف وجه هذا الإلزام]؟ وكيف غفل عن هذا المستند؟ فإن قيل: أنتم قد منعتم أن يتلقى حكم شرعي من العقول، واعترفتم بتقاعد الصيغة عن الدلالة على وجوب العزم، ثم قضيتم بأنه واجب، وهذا تصريح يتلقى الأحكام من العقل. قلنا: نحن ننبه ههنا على دقيقة يتكرر الاحتياج إليها في الكتاب. أعلم أن الذي منعناه: أن تستقل العقول بالأحكام، غير مفتقرة إلى ورود الشرائع، فأما إذا وردت الشرائع، ودلت الأدلة على طلب، وكان لا يتمكن تحصيله إلا بتعاطي غيره، والانكفاف عنه، فإنه قد ثبت وجوب الوسيلة أو تحريم المانع، فلا تكون العقول مستقلة بأصل الحكم، دون ورود الشرع، ولكن لما طلب أحد الأمرين، تلقينا منه الآخر. (52/أ)

وقول الإمام: (وفيما صار إليه خصلة أخرى عظيمة الموقع). وهو أنه يلزم منه المصير إلى أن الصلاة ليست واجبة تعينا، وإنما تكون أحد الواجبين لا بعينه. فقد صرح القاضي بذلك، وقال: إنها كواجب المخير، بالإضافة إلى أول الزمان وإلى آخره أيضا، ولم يناقض أصله في الواجب المخير. وقوله: (ثم إنما كان يستقيم ما ذكره، لو ساعده حملة الشريعة) إلى آخره، (وقد أجمع حملة الشريعة على أنه لو أضرب عن العزم، واتفق منه الفعل، فليس من العلماء من يعصيه). هذا الكلام ليس ببين، فيقال له: ما

معنى قولك: لو أضرب عن العزم: أمع الذكر، أو مع النسيان؟ فإن قال: مع النسيان، فصحيح. وسببه أن الناسي غير مكلف. وإن قال مع الذكر، فغير صحيح، لأنه [لا] يضرب عن العزم على القيام بالواجب، إلا إذا تلبس بضده، وهو العزم على الترك، أو التردد في المعصية، وكلاهما حرام. هذا تقرير [دليل] الفريقين. ولكنا نقول: ما ذكره القاضي غير صحيح عندنا. وإنما ألجأه إلى هذا المجال الضيق، ما اعتقده من أن الواجب: هو الذي يذم تاركه مطلقا. على ما

قررناه: ونحن إذا رددنا (ما يذم تاركه بوجه ما)، وفسرناه على حسب ما ذكرناه، (21/أ) تحقق الوجوب، ولم يفتقر إلى عزم يكون بدلا عن الفعل. [ثم ما ذكره متناقض في نفسه، فإنا نقول له: هل العزم عندك بدل من الفعل الواجب، بحيث إذا فعل العزم، سقط وجوب الفعل؟ أو يبقى الفعل على وجوبه، ويكون العزم بدلا عن المبادرة؟ فإن اختار القسم الأول، وهو الذي صرح به، فيقال له: إذا كان العزم بدلا عن الفعل الواجب]، فإن عزم على الفعل الواجب، سقط وجوب الفعل، ويستحيل بقاء العزم واجبا على [فعلٍ] نفي وجوبه. هذا متناقض لا شك فيه. وإن قال: ليس العزم بدلا عن الفعل، بل عن المبادرة، فقد رجع إلى [ما] منه فر. فإنه على هذا التقدير، قد عقل الوجوب، من غير مبادرة إلى الإيقاع، فلا حاجة مع عقلية هذا، إلى إثبات العزم بدلا على حال. ثم نقول: وجوب العزم على الطاعة الواجبة، [وترك] المحرمات، ليس بدلا في الشرع على حال، ولذلك يجب في

الواجبات التي لم تدخل أوقاتها، ولم يمكن في الحال فعلها، وإنما يرجع ذلك إلى اعتقاد الشريعة وتصديق موردها. فلا وجه لقوله على حال. قال الإمام: (فإن قيل: فما وجه الجواب عن السؤال) إلى قوله (فيؤول الأمر إلى الترهيب والخوف. وليس بعد هذا البيان بيان، وهذا نجاز الطريقة). قال الشيخ [أيده الله]: ما ذكره الإمام عن الشافعي، من كون الصلاة تجب في أول الوقت. كلام صحيح، ومصيره إلى أنه لا يأثم إذا مات في أثناء الوقت كلام المحققين. وقد [نقلنا] إجماع المتقدمين، واستدللنا على ذلك ببراءة الذمة وتحقيق النية. ومن تحقق أن الفعل لم يجب في الحال، كيف يتصور أن يقصد إلى إيقاعه واجبا؟ ولو كان كذلك، لم يكن بد

من نية التقديم، كما في الزكاة، فإنه لو أخرج المال قبل حلول (52/ب) [الحول]، ولم يقصد أنه قدم ما سيجب عليهن لم يكن كذلك مجزئا له. ونحن على بصيرة أنه ما نوى أحد من السلف في الصلاة في أول الوقت إلا ما نواه في آخره، ولم يفرقوا أصلا، وهو مقطوع به. [وأما] كون الإمام بنى انتفاء الوجوب على سقوط الإثم، [فجنوح] إلى ما ذهب إليه القاضي، من أنه في ترك الواجب من الذم، ولكنه يفارقه من وجه آخر، وهو أن القاضي لا يفرق بين الترك والتأخير، [والتأخير] [ترك] على الحقيقة، وهما جمعا- إذا كان المكلف [متمكنا] منهما- ناقص ذلك الوجوب. والإمام يرى أن التأخير المسوغ غير مناقص، فصح عنده أن يجب الفعل، وإن لم تجب المبادرة إليه.

والمذهب الثالث: وهو الذي اخترناه، أن مطلق الترك مع سقوط الذم عن فاعله، لا يناقض الوجوب في الشرع، إلا إذا انقضى الوقت بكماله، والمكلف متمكن من إدامة [ما كلف] به. ولم يذمه الشرع على تركه. فهذا يمنع تحقيق الوجوب فيه، بالنظر إلى المشروع دون المعقول. وأما تعجيل الزكاة قبل حلول [الحول]، فمختلف فيه بين العلماء، فذهب ذاهبون إلى منعه مطلقا، وذهب ذاهبون إلى تجويزه مطلقا، بعد ملك النصاب. وذهب ذاهبون إلى جواز التقديم، إذا بقي [زمان قليل، والمنع إذا بقي] كثير من الزمان. وسبب هذا التردد: دوران المسألة بين قضاء الديون (21/ب) ومحض العبادات. فالالتفات إلى مضاهاة الديون يصحح التقديم، والالتفات إلى محض العبادات، بدليل اشتراط النيات، يوجب الاقتران أن يتصرم الحول. وهذا هو أحد قولي مالك رضي الله عنه.

فالالتفات إلى دوران المسألة بين [الأصلين]، وأخذ شبهين من الطرفين، رجح بعض شائبة الدين عن قرب الحول. وهذا هو اختيار ابن القاسم وروايته عن مالك. وقد فعل ذلك عبد الله بن عمر (فكان يخرج فطرة رمضان قبل يوم العيد باليوم واليومين). وليس [من] الإنصاف إلزام مسألة مقطوع بها، وهي إجزاء الصلاة في أول الوقت، على مسألة الزكاة المختلف فيها. فالصحيح وقوع الصلاة واجبة مجزئة، وسقوط الذم عن المؤخر إلى وسط الوقت. وإن اتفق عذر يمنعه الإيقاع، لم يكن عاصيا على حال. وقوله: (وسبيل مكالمة أصحاب أبي حنيفة، إن استنكروا الوجوب على

حكم الجواز التأخير، كسبيل مكالمة أصحاب الفور في الطريقة الأولى). يرجع إلى ما قررناه من أن التسويغ لا يمنع الوجوب. وقوله: (وإن تفطنوا لنفي المأثم في الصلاة، وسلم لهم ذلك، لم يبق لادعاء الوجوب معنى). لأنه يرى أن الترك من غير خوف ذم يمنع الوجوب. وقوله قبل هذا: (فإن الذي ذكرناه إظهار منا لخلاف [ما استبعدوه قطعا]. لا يصح إذا كانت (ما) بمعنى الذي، فإنه يكون تقدير الكلام: فإن الذي ذكرناه إظهار منا لخلاف] استبعادهم، أي اخترنا ما استبعدوه. وهذا الذي أراده. والعلم عند الله تعالى. وقوله: (فإن أصر مصر على المخالفة، لم ينتظم له ذلك، إلا من تأثيم من يموت في أثناء الوقت، وقد ذهب شرذمة إلى ذلك من الأصحاب). هذا

ما قررناه عنه من أن جواز التأخير، لا ينافي الوجوب (53/أ) دون جواز الترك. وأما قوله: (وأما الأمر المسترسل على العمر، فالذي أراه أن من أخره، فلا يقطع القول فيه بنفي الإثم عنه، ولا يطلق ذلك إلا مشروطا). فالأمر على ما ذكرناه عند من يرى الفور. وقوله: (والذي يكشف الغطاء في ذلك، أن الواجب المضيق المحقق، لا

ينفصل عما ليس بوقوع العقاب [بالتارك لا محالة] إلى آخر. تخيل توجه اعتراض وهو: كيف يتحقق الوجوب مع كونه لا يؤثم بالتأخير؟ فقال: تحقق الوجوب بأنه خائف من الانحراف، فيفوت الفعل، فإن الواجب على التضييق، لا يتحقق العقاب فيه. فأين هذا من قوله: لا يعقل وجوب من غير وعيد؟ فقد رجع إلى ما أنكره على القاضي فيما تقدم. تنبيه على أصل: وهو أن الأوامر المطلقة إذا لم يصر إلى أنها على الفور، وجوز فيها التأخير، فالمجوزون افترقوا ثلاث فرق: فذهب فرقة إلى أن التأخير مشروط بشرط سلامة العاقبة، والفعل فيما بعد. وهذا الذي فسره الإمام ههنا: (إن مات ولم يحج، انبسطت المعصية على جميع سني الإمكان). وطائفة ذهبت إلى أن الوجوب متعلق بالفعل من غير نظر إلى زمان. وهذا (22/أ) هو الذي نختاره. وإذا مات في هذه الصورة بعد الإمكان، تحققت المعصية، لا باعتبار التأخير، بل من جهة ترك الواجب. والقاضي

إنما يجوز له التأخير بشرط العزم على الفعل. على حسب ما تقدم. وإنما يصح العزم إذا أخر إلى أمد يغلب على ظنه البقاء إليه، كتأخير الصلاة من وقت إلى وقت، وتأخير الصوم من يوم إلى يوم. وأما تأخير الحج من سنة إلى سنة، فهل ذلك مما يغلب على الظن؟ قال أبوحنيفة: لا يغلب على الظن. وكذلك أيضا يقول القاضي في الواجب الذي انضبط إلى آخر وقته، لا يجوز التأخير إلا بشرط العزم. ولا يتصور العزم على الفعل مع التأخير، إلا إذا أخر إلى أمد لا يغلب على ظن الهلاك إليه. فلو ظن أنه يموت في وسط الوقت، لم يجز له التأخير- على هذا الرأي- ويكون [عاصيا] بذلك.

فلو أخر ثم لم يمت، فإذا وقع الفعل، فهل يكون الفعل قضاء؟ [وإنما] قال القاضي: يكون قضاء، لأنه يقيد الوقت في حقه بغلبة ظنه، فيكون هذا كل الوقت في حقه، وإن كان بعض الوقت في حق غيره. وكذلك يلزم عليه إذا غلب على ظنه أنه يموت قبل سنة أخرى، ووجب عليه الفور، فلم يفعل، ولم يمت، ووفق للعمل، فالذي يقتضيه قول القاضي أنه قضاء، وكذلك يقول في كل واجب تعين البدار إليه، ثم فعل، فيجيء على أصل القاضي أنه قضاء. والرأي الحق عندنا أنه أداء. ولننبه هنا دقيقة، وهي أن كل فعل يتلقى وجوبه من الدليل الأول، من غير حاجة إلى دليل جديد، ويقع الفعل موافقا لذلك الطلب، فهو أداء. وكل فعل افتقر المكلف في إيقاعه طاعة إلى خطاب جديد، تداركا لفوات متعلق الطلب الأول، فهو قضاء. فعلى هذا من غلب على ظنه أنه يموت قبل

(53/ب) عام آخر جديد، ولم يحج عصى، من جهة عزمه على ترك الواجب. فإذا لم يمت، فهو مطالب بالحج بخطاب الله تعالى: {والله على الناس حج البيت}، فلا يكون قاضيا بحال. قال الإمام: (ومما تمسك به أصحاب الفور، النهي على النسق [المتقدم] في مسألة التكرار) إلى قوله (وشرطنا قبض الكلام بعد الوضوح، وإعداد جمام التقرير للمشكلات. فهذا منتهى مسلك أصحاب الفور). قال الشيخ: قوله واضح كله، غير مفتقر إلى زيادة إلا وجها واحدا، وهو قوله: (فالنهي بالاتفاق يقتضي الاستغراق). ليس هذا قول جميع الأصوليين. وقد خالف في ذلك بعض الناس، وقال: النهي أيضا الانكفاف مطلقا. ولو قال له: لا تفعل كذا. حسن أن يقول: انتهائي أبدا أم مرة واحدة؟ ولكن

الصحيح أن النهي المطلق يقتضي (22/ب) الاستغراق. وقد أشار إليه الإمام فيما سبق، ولكنه لم يستوعب الكلام عليه. إلا أنه قال: ([والقول] الكافي فيه أن الإثبات يختص بثابت، والنفي لا اختصاص له، [فكان] الجنس كالشخص في حقه). ولنبسط القول فيه ههنا بعض البسط، فنقول: قد اختلف الناس في معنى قول القائل: لا تقم. فذهب كثير من الناس إلى أن معناه: لا يوجد منك قيام. فـ (لا) حرف نفي، فإن دخلت على اسم منكر، كانت نفيا، وإن دخلت على فعلن سميت حرف نهي. والمراد: نفي المصدر بواسطة إشعار الفعل به. فيكون التقدير: لا يوجد منك قيام.

وهو لو قال ذلك، لدخل في باب النكرة المنفية بـ (لا) نحو: فلا رجل في الدار. وقد ذهب إلى هذا كثير من المعتزلة. وهو اختيار القاضي أنه يصح طلب النفي. ولعل هذا [بناه] على القول بصحة تعلق القدرة بالإعدام. وقال قائلون: لا يصح أن يكون النفي مطلوبا لأنه يتعلق بشيء. و (لا تفعل) عدم، وليس بشيء. ولا يصح الإعدام بالقدرة. قالوا: والمنتهى بالنهي مثاب، ولا يثاب إلا على شيء. والنظر في المسألة يتعلق بالبحث عن متعلق التكليف. والذي اختاره حذاق الأصوليين أن متعلق أفعال المكلفين. وقد بينا أن هذا تجوز، والمراد ما يصح أن يكون فعلا، والنفي لا

أدلة من لم ير الفور

يصح أن يكون فعلا، وكذلك الانتفاء. فإذا [انبنى] الأمر على المذهب الأول، في أن النفي مطلوب، وهو متعلق النهي، واستقر أن أصل المصادر التنكير، اتضح جدا أن يكون النهي على العموم، إلا أن يدل دليل على الاختصاص، وضده الأمر بالظاهر عند الاستغراق، إلا أن يقوم دليل على خلاف ذلك. وإن فرع على المذهب الثاني، وهو الصحيح، رجع النهي إلى طلب الترك، فيشق على هذا التقدير كونه مستغرقا. ولكن يقرر الكلام من وجه آخر، فيقال: لا يعدل العربي عن قوله (لا تسكن) طالبا لمطلق الحركة، فإنه يكون مطولا، من جهة دخول الحرف الزائد، ومن جهة أنه لم يذكر حقيقة المطلوب، فحمل الأمر على أنه طلب حركة يحصل عندها نفي السكون، ولا اختصاص في النفي، [فلزم] [بذلك] عموم النفي بهذا التقرير. والله المستعان. [وكلامه] في بقية الطريقة بين، لا يفتقر إلى زيادة. وقد تقدم الإرشاد إليه قبل هذا. قال الإمام: (فأما من لم ير الفور، وجوز (54/أ) التأخير: فمن مسالكهم

ما ذكره القاضي معتمدا لنفسه) إلى قوله (فقد أبعد). قال الشيخ: الذي ذكره القاضي من [الاحتجاج]، صحيح، وما أتى به استشهادا، تقريب وتمثيل، من غير أن يقصد القياس والاستدلال. وإنما وسع المقال وضرب الأمثال. والمقصود من الكلام: أن اللفظ لا تعرض له للازمان بحال. والتقديم والتأخير إنما هو بالنسبة إلى الزمان، وذلك من ضرورات الأفعال، (23/أ) لا من معقول التكليف، والزمان كالمكان من غير إشكال. وكما يصح أن يربط التكليف [بالزمان، كذلك يصح أن يربط بالمكان. ولكن إذا قصد ذلك الطالب،

فعليه التعريف بنصب الدليل، وإلا كان ذلك] من قبيل التكليف بالمستحيل. وكون القاصد يريد ذلكن لا ينكر على الجملة، وليس الحق إلا ما قاله القاضي - رضي الله عنه -. وقوله: (ومن عد النظر في هذا الفن من قبيل النظر في الغيم والإصحاء) إلى آخر كلامه. ليس فيه تحقيق، فإن القاضي إنما يسوي بين هذه الأمور، بالنظر إلى قصور إشعار اللفظ عن هذه الجهات كلها. وهذا

بالإضافة إليها دلالة على جهة واحدة في القصور وعدم التعرض لشيء منها، فيجب فهم مدلول اللفظ، وقطعه عن الأوقات كلها. لكنا نقول للقاضي: إذا عقل عندك تعلق الطلب بالفعل من غير نظر إلى زمان، فأي حاجة مع هذا إلى تقدير عزم يكون بدلا من الفعل، وقد ربط الطالب طلبه بالفعل، معرضا عن جميع الأزمنة؟ وهذا غير مستنكر عرفا وعقلا. فالوجه كما قال: فهم الامتثال وقطعه عن الأزمنة على الإطلاق، إلا] أن يتعرض لها [الطالب]، وينصب عليها دليلا. وقوله: (فالقول الحق في ذلك: أن الأمر اقتضاء ناجز، فليقتض الوفاء الناجز). كلام ضعيف، ومن العجب ادعاؤه كونه حقا مع اعترافه بعد هذا

(بأنه لا يستقل [بإثبات] غرض، فإن الطلب ليس مجحودا). ومعنى قوله: (إنه طلب ناجز). أي توجه الطلب على المكلف في الحال. وهذا مسلم من غير إشكال. قال الشيخ: كلام القوم صحيح، وما ذكره الإمام ضعيف. وبيان صحته: التمسك [بأن] القائل إذا قال: (افعل)، فقد ألزم غيره الفعل، غير متعرض للأزمنة. وإذا التزم الفعل، فقد التزمه أيضا، مع قطع النظر عن أزمنة الفعل. وقد تقدم تقرير هذا في طريق القاضي. وإيراد الالتزام على الإلزام، لم يكن على جهة القياس، وإنما المراد أن الملتزم والملزم جميعا، لم يتعرضا

للأزمنة، فإن [قصدا] إليها، فلينصبا الدليل الدال عليها. فيقول الملزم: (افعل غدا)، فإذا وقع التقييد بذلك، لم يثبت الامتثال، ولا الخروج عن الالتزام بالتأخير عن ذلك الزمان. قال الإمام: (فأما من قال من أصحاب الوقف: إن من بادر إلى إيقاع [الفعل] المطلوب، لم يقطع بكونه ممتثلا) إلى قوله (في مظان الضروريات). قال الشيخ: [- رضي الله عنه -]: الأمر على ما قاله من لزوم القضاء بامتثال المبادر لاقتضاء الطلب للفعل، ودلالة الصيغة عليه، وعدم التعرض لأزمنة الفعل، وصحة نسبة الفعل الواقع في أول الوقت إليه، ولا معنى لوقوع الفعل طاعة إلا من جهة موافقته للطلب. قال الإمام: (والذي يجب القطع به) إلى قوله (فإن اللفظ (54/ب) لا

اختصاص له بوقت). قال الشيخ [أيده الله]: أما قوله: (إن المطالب (23/ب) [مهما] أتى بالفعل، فإنه بحكم الصيغة ممتثل). فالأمر على ذلك، وهو اختيارنا واختيار القاضي أيضا، وقد بينا وجهه. وأما التوقف في المؤخر، فلا وجه [له]، لما قررناه من وجوب الافتقار في الطلب [إلى] ما دل عليه اللفظ، واللفظ لم يفتقر في دلالته [إلى] زمان، ولم يتعرض له

بحال. وإذا أمكن الطلب من غير نصب دليل عليه، لزم من ذلك التوقف في المبادر أيضا، لاحتمال أن يكون المقصود التأخير، وهو تمام هذا المذهب. ثم أيضا يلزم منه التوقف في أصل امتثال، لأنه يمكن أن يقول، ويضمر مبادرا، ويصح أن يقال: (افعل وبادر). فعلى التقدير الأول، يخرج المؤخر عن كونه ممتثلا. وعلى التقدير الثاني، لا يخرج عن كونه ممتثلا. وإذا تحقق استواء الأمرين بالنظر إلى اللفظ، لم يكن سبيل إلى تعيين أحدهما بالتحكم. وما اعتذر به الإمام من (أن اللفظ الدال على الطلب لا اختصاص له بزمان). يحقق إبطال الوقف في المؤخر على كل حال.

[وأما قوله]: (أجمع المسلمون على أن كل مأمور به بأمر مطلق، إن لم يجز تأخيره، فإذا فرض تأخيره ثم إقامته، فليس ما أقيم مقضيا، وإنما هو

(مسألة لفظية: ذهب القاضي في جماعة من الأصوليين إلى أن المندوب إليه مأمور به)

مؤدى). فليس الأمر كذلك في ادعاء الإجماع. وقد ذهب بعض الناس إلى أنه لا يكون [ممتثلا] بحال، وهذا هو الذي يقتضيه قول من يعتقد أن الأمر على الفور، باعتبار وضع اللغة. فعلى هذا لو قال له: (افعل على الفور) وأخر، لم يكن ممتثلا. وكذلك إذا كان مقتضي اللفظ ذلك. نعم. لما غلب في الشرع قضاء المؤقتات بعد ذهاب الأوقات، ظن ذلك من مقتضي الطلب الأول. وسيأتي هذا في مسألة أخرى، إن شاء الله. قال الإمام [رحمه الله]: (مسألة لفظية: ذهب القاضي في جماعة من الأصوليين إلى أن المندوب إليه مأمور به) إلى آخر المسألة. قال الشيخ: الذي ذهب إليه القاضي هو الصحيح. والحد الذي ذكره الإمام [للأمر] يتناول الندب، لأن الأمر: هو القول المقتضي الطاعة بالفعل. هذا حده عنده. وفاعل

المندوب مطيع. وإذا وجد الحد، فكيف يتخلف المحدود؟ وأيضا فإنه شاع في ألسنة العلماء أن الأمر ينقسم إلى أمر إيجاب وأمر استحباب. وما شاع أنه انقسم إلى أمر إباحة وأمر إيجاب. وقد قدمنا أن (افعل) الذي هو لفظ الأمر، إنما يقتضي الطلب من غير زيادة. وأما قول الإمام: إنها مسألة لفظية. إن أراد أنه لا فائدة لها في الأصول، فليس بصحيح. وإن أراد أن البحث [فيها] يتعلق باللغة، فالأمر على ما قال. وبيان الحاجة [إليها] في الأصول أنه إذا قال: أمرتكم، أو أنتم مأمورون. إن قلنا: إن لفظ الأمر يختص بالوجوب، كان اللفظ ظاهرا في ذلك، حتى يقوم دليل (24/أ) على خلافه. وإن قلنا: إنه متردد بينهما، لزم أن يكون

مجملا. وهذه المسألة خولف فيها من وجهين: أحدهما- البحث العقلي، هل وجد في الندب حقيقة الأمر؟ والثاني- هل يسمى الندب أمرا؟ وهذا بحث لغوي. وقد نوزع في الأمر الأول. فقال الإمام فيما سبق: (والندب من ضرورته تخيير في الترك يفوت جزم الطلب). وهذا هو الذي حمل من صار إلى أن المندوب إليه غير مأمور به. وهذا (55/أ) عندنا غير صحيح، والمندوب إليه [مطلوب] طلبا

محققا، لا تخيير فيه بوجه. فإن التخيير: عبارة عن استواء الفعل والترك، والتساوي بينهما بتسوية الشرع. على ما سيأتي في حد المباح. وهذا المعنى غير موجود في المندوب إليه. فإن قيل: بقيت له خيرة. [قلنا: خيرة] من جهة الدواعي والصوارف، أو من جهة الشرع؟ الأول مسلم، والثاني ممنوع. وتسلم الأول [لا] يضر في تحقيق الطلب، فإنه يتطرق إلى الواجب. وقد قال الله سبحانه وتعالى في المحرمات: {فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر}. هذه خيرة باعتبار الطباع، لا باعتبار الشرع، فلا يمنع من تحقيق الطلب. قال الإمام: (مسألة: ذهب بعض أئمتنا إلى أن الأمر بالشيء نهي عن

(مسألة: ذهب بعض أئمتنا إلى أن الأمر بالشيء نهي عن أضداد المأمور به)

أضداد المأمور به) إلى قوله (فلم [يستقم] الحكم بأن قيام الأمر بالنفس مشروط بقيام النهي). قال الشيخ: أكثر المتكلمين صاروا إلى أن الأمر بالشيء نهي عن ضده، وهو المنصور للقاضي وغيره من الأئمة. وهم إنما يقضون بذلك باعتبار الكلام القائم بالنفس. وما ذكره الإمام عن القاضي، فلم أره له صريحان وإنما قد يشتمل كلامه على ذلك تلويحا.

وأما المعتزلة، فهم متفقون على نفي كلام النفس، صائرون إلى [أن] الكلام هو العبارات، فلم يكونوا أن يقولوا: الأمر بالشيء نهي عن ضده. فإن الألفاظ مختلفة لا مراء في اختلافها، فقالوا: إنه يقتضيه ويتضمنه، وليس يعنون بذلك إشعارا لغويا، وأمرا لفظيا فقط، فإنه لو كان كذلك، لأمكن أن يأمر بالشيء من لا ينهي عن ضده. ولكن القوم قد قالوا: الأمر: قول القائل لمن دونه: (افعل) مع إدارات. على حسب ما قدمناه من مذاهبهم. ومريد الشيء عندهم لا بد أن يكون كارها لضده، فلزم أن يكون الآمر بالشيء ناهيا عن ضده، فيكون في اللفظ إشعار بصيغة أخرى، وفي الشرط تلازم باعتبار المعقول. هذا تفصيل مذهب القوم وتحصيله. ولم يذكر الإمام مستند من قال: إن الأمر بالشيء نهي عن ضده، واقتصر في الرد عليهم على دعوى الضرورة، ونسبة القوم إلى مراغمة البديهة، وأن من خالفه سقطت مكالمته. وزعم أن هذا كاف. وكيف يرد على فحول النظار

وجماهير المتكلمين في أمر استمروا عليه خلفا عن سلف بمثل هذا القول الباطل، والنسبة إلى الجحد الضرورة؟ (24/ب) ثم إنه حمل عليهم غير ما قالوه، وهو أنه قال: (من زعم أن القول القائم بالنفس الذي يعبر عن بـ (افعل) هو القول الذي يعبر عنه بـ (لا تفعل) سقطت مكالمته). والقوم لا يقولون هذا، وإنما يقولون: القول القائم بالنفس الذي هو (تحرك)، هو القول الذي هو (لا تسكن)، لا أنه القول الذي هو (لا تتحرك).

وقد استدل القاضي على ذلك بما سنذكره. وذلك أنه قال: إذا اتحد الفعل، لم يتصور تعدد الطلب، إذا المحل لا يقبل الامتثال. والقائل إذا قال: (تحرك) فله مطلوب، وهي الحركة. وإذا قال: (لا تسكن)، فله مطلوب، وقد امتنع أن يكون مطلوبه السكون، فإنه هو المنهي عنه. فإذا تعذر أن يكون السكون مطلوبا، وقد تحقق الطلب، وطلب لا مطلوب له محال. وإذا ثبت ذلك، وامتنع أن يكون السكون مطلوبا، وقد تحقق الطلب، وطلب لا مطلوب له محال. وإذا ثبت ذلك، وامتنع أن يكون السكون مطلوبا، ولا درجة بين الحركة والسكون، وجب أن تكون الحكة هي المطلوبة. ولا يصح أن يكون نفي السكون مطلوبا، لا بالنظر إلى حد الحكم، ولا بالنظر إلى نفي تكليف المحال، إما عقلا وإما شرعا، فلا بد أن يكون المطلوب مما يصح فعله. ونفي السكون لا يتصور أن يكون فعلا بحال. نعم، الذي يصح أن يكون فعلا هو الحركة والسكون. وإذا بطل أن يكون

(لا تسكن) طلبا للسكون، وجب أن يكون طلبا للحركة، التي هي ترك السكون. ولهذا صار المتكلمون إلى أن النهي طلب الترك، والترك فعل على الحقيقة. وقرره أيضا بوجه آخر، وذلك أنه قال: قرب الحركة إلى جهة المغرب، هي بعينها بعد عن المشرق، وشغل الجوهر بحيز انتقل إليه، [عين] تفريغه للحيز المنتقل عنه. كذلك ههنا طلب واحد، هو بالإضافة إلى السكون نهي، وبالإضافة إلى الحركة أمر. هذا تقرير كلامه، وهو في غاية الصعوبة، والانفصال عنه غامض. على ما سننبه عليه في آخر المسألة، إن شاء الله تعالى. وأما الذي حكاه عن القاضي أخيرا، من أنه ليس عينه، ولكن يقتضيه ويتضمنه. فهذا المذهب ضعيف، ولا صبر له على مأخذ الأدلة، فإنه على هذا الرأي يعترف بتعدد المتعلق، ثم يدعي وجوب الاقتران من جهة العقل بلا برهان. ولكن يمكن أن يكون مستنده في ذلك، من حيث الجملة، الالتفات إلى وجوب الوسائل، وتحريم الموانع، وهو لا يصح منه فعل الحركة، مع مانع السكون، فحرم السكون لأجل ذلك.

وسنتكلم على هذه القواعد بعد هذان إن شاء الله تعالى. وهذا يتنزل على هذا الرأي منزلة الجوهر والعرض، لا يمكن انفصالهما بحال. وقوله: (إنه يتنزل منزلة الحياة والعلم). ليس كما قال، فإنه لو كان كذلك، لجاز وجود أحدهما دون الآخر. وهذا مما لا يصير إليه القاضي بحال، لأن له مذهبين: أحدهما- اتحاد الطلب، فكيف على هذا أن يكون آمرا بالشيء من لا (25/أ) ينهي عن ضده؟ والمذهب الثاني- التعدد مع التلازم عقلا، فلا يصح أيضا الانفصال بوجه، فكأن هذا [يشبه] افتقار الجواهر إلى جنس [الأعراض].

[قوله]: (فإن قيام الأمر بالنفس مشروط بقيام النهي). قال الشيخ: إذا ثبت له أن الآمر بالشيء، قد لا تخطر بباله أضداده من وجه، بطل المصير إلى اتحاد الطلب المتعلق بالحركة، الذي [هو] بعينه طلب ترك السكون، وبطل أيضا التلازم من جهة العقل، بين الأمر بالشيء وبين النهي عن ضده. ولكن [المتكلمين] لا يسلمون هذا، ويقولون: لا يتصور أن يأمر بالحركة من هو ذاهل عن السكون، فإن معقول الحركة: استقرار الجوهر في حيز بعد أن كان مستقرا في غيره، ونفس الاستقرار في الحيز الثاني سكون فيه. فمن سلم أنه قد يأمر بالحركة من لا يخطر له السكون؟ قال الإمام: (فإذا لاح سقوط المذهبين انبنى عليه ما هو الحق المبين عندنا) إلى آخر المسألة. قال الشيخ: عمدته في المسألة على صحة طلب

الحركة مع الذهول عن السكون. وقد قررنا أن ذلك ممتنع، وحاصله راجع إلى طلب الشيء مع الذهول عنه، وذلك مستحيل. نعم. قد لا تخطر بباله الجهات التي يقع السكون عليها، من نوم أو جلوس أو غيره. فأما الغفلة عن السكون (56/أ) مع طلب الحركة، فمحال. وأما قوله: (إنه إذا كان ذاكرا للأضداد عند طلب الفعل، فلا يكون قيام

به). فهذا كلام مشكل، فإن هذا الكلام يفهم منه أن يكون الانكفاف عنها ذريعة إلى إيقاع حركة. وقد علم ضرورة أنه ليس بين السكون والحركة واسطة. وما ذكره [من أن] (في تحقيق المسألة فرض مستحيل). لا يفيد،

فإن القوم إنما وضعوا كلامهم على اتحاد المطلوب، ورد التعبد إلى العبارات. فإذا تحد المطلوب، كيف يتصور فرض التعدد؟ هذا باطل لا شك فيه. فإن قيل: فما الذي ترونه في ذلك؟ قلنا: الذي نختاره أن الأمر بالشيء لا يكون نهيا عن ضده، ولا يتضمنه. والدليل على ذلك: أن الطالب لحركة القيام، [مقصوده] حصوله، وإن كان لا يتصور حصوله إلا والقعود ينتفي حالة حصول القيام. فالنظر إلى مقصود الطالبين يحقق هذا التقرير. وما ذكرناه في الاعتراض من أن التكليف لا بد له من متعلق، وانحصار الأمر في فعل الحركة أو نفي السكون إلى آخره، فالقسم صحيحة، وتخيل واسطة بين السكون والحركة محال. وكون السكون مطلوبا، باطل لا شك فيه، ورجوع التكليف إلى نفي السكون غلط، وليس نفي السكون فعلا، حتى يتعلق به التكليف.

ولكن وجه الجواب أن طالب الحركة (25/ب) قد يتفق أن يطلبها من جهة كونها شغلا لحيز، غير الحيز الأول، وقد يطلبها من جهة كونها تفريغا للحيز الأول. فإن طلبها من جهة كونها شغلا لحيز آخر، فقد تضمن ذلك [إثباتا]. فيعبر عن ذلك الطلب بكونه أمرا. فإن طلبت من جهة كونها تفريغا للحيز الأول، عبر عن ذلك بأنه طلب ترك أو نهي، ويفرق بذلك حرف النهي، ليشير إلى أنها طلبت من جهة ما يقاربها من نفي السكون. هذا هو الفرق، فلا يتعلق التكليف إلا بأفعال المكلفين. وقد حد النهي بأنه: طلب [ترك]، والترك فعل على الحقيقة. ولا يتصورها غير هذا. فأما أن يجعل الترك للسكون ذريعة إلى تحصيل الحركة، فهذا محال، إذا يوجب إثبات واسطة بين الحركة والسكون، كما تقدم تقريره. والالتفات إلى

(مسألة: إذا وقع المأمور به [المقتضى] على حسب الاقتضاء، [جزى] وكفى)

تعدد الجهات، يوجب التغاير بين متعلق الأمر والنهي، وإن اتحد الفعل. وستأتي مسائل الأمر والنهي على هذه القاعدة. ومن لم يتقن هذا الأصل، تناقضت عليه المسائل، واضطربت القواعد. وعليه تخرج مسألة الصلاة في الدار المغصوبة وغيرها. وبالله التوفيق. قال الإمام: (مسألة: إذا وقع المأمور به [المقتضى] على حسب الاقتضاء، [جزى] وكفى) إلى آخر المسألة. قال الشيخ: اختلف الناس في أن موافقة الأمر، هل يتضمن الإجزاء؟ وهل لفظ الصحة والإجزاء [مترادفان] أو مختلفان؟ و (الصحيح) عند المتكلمين: عبارة عما وافق

معنى الصحة والإجزاء

الأمر. والإجزاء: يرجع إلى سقوط القضاء وحصول الاكتفاء. وهذان أمران لا يتلازمان، حتى أن صلاة من ظن أنه متطهر صحيحة (56/ب) عند المتكلم، وإن وجب القضاء. وعند أكثر الفقهاء أن الصحيح: عبارة عما أجزأ وأسقط القضاء. فالصلاة في الدار المغصوبة صحيحة عند الفقيه، لأنها مجزئة، وفاسدة على رأي المتكلمين.

فعلى ما يقوله المتكلم، تصح الموافقة، ولا يعلم من ذلك امتناع القضاء، ولا تحقق براءة الذمة. وهذا الذي ذكره المتكلمون ظاهر الفساد. فأما إطلاق لفظ الصحة على الفعل الموافق، فلا مشاحة فيه، ولكن المصير إلى أنه يكون موافقا للطلب، ولا تبرأ [به] الذمة، ويتوجه الأمر بالقضاء، فهذا باطل، فإنه إذا لم يتضمن الطلب إلا فعلا واحدا، ولا نسبة بينه وبين فعل آخر [بحال] ن فإذا فعل مقتضى هذا، فقد انقطعت النسبة بدخول المطلوب الوجود، فإنه إذا وجد، لم يبق مطلوبا، ولا نسبة للطلب إلى غيره بحال. فيستحيل أن يبقى على المكلف علقة من ذلك الخطاب. أما ما تمسكوا به من أن صلاة من ظن أنه متطهر موافقة للطلب، والإجزاء غير حاصل، فهذا وهم وزلل. أما من يذهب إلى أن المصيب واحد، فإنه لا

يقطع بأنه مأمور به عند ظن الطهارة، بل يظن أيضا أن الفعل إذا (26/ب) أتي به، فإذا تبين له الحدث، تبين أنه لم يأت بالمطلوب. وأما من ذهب إلى أن كل مجتهد نصيب، فهو عندما ظن الطهارة، قطع بوجوب الصلاة عليه، بضرورة حاله، فإذا تبين له الحدث بعد ذلك لم يخرج الفعل الواقع عنده عن أن يكون طاعة. ولكن يعلم في الحال أن الخطاب الذي توجه عليه بفعل الصلاة بالطهارة لم يمتثل، وكأ التكليف سقط عنه، لضرورة عجزه، فلا يكون ممتثلا له على وجهه، ثم وجب عليه تداركه بعد فعله على شرطه. وسنبين أن القضاء إنما يثبت لاستدراك مصلحة لم تحصل من الطلب الأول.

وقد تمسكوا أيضا بالمضي في فاسد الحج، فإنه إذا أفسد [أمر] بالتمادي وبالقضاء جميعا. فقد امتثل ما أمر به على وجهه، وقد أمر بقضائه. وهذا زلل بين، ونحن نقول: ما حصل فيه الامتثال من غير إخلال، فلا سبيل إلى قضائه بحال. والحج الذي خاض فيه- إن [كان] [حجة] الإسلام- فالكلام المأتي به امتثالا لذلك الطلب، ويجب التمادي بخطاب جديد، ويبقى عليه حق القيام بالطلب الأول. وإن كان تطوعان فقد تعين إتمامه بالشروع. فإذا أفسده، وجب التمادي والقضاء جميعا بخطاب جديد. ولا مانع من تقدير ذلك، وطلب دليلهما من فن الفقه لا من الأصول. (وحظ الأصول تقدير أمر جديد في كل ما لا يتلقى من الأمر الأول). ومعنى قوله: (وقد يعتاص على الفقيه الفرق بين الفساد والفوات

[والتحلل] بعد الإحصار). ومقصود هذا الكلام أن الجميع اشتركوا في عدم الإتيان بالعمل [على وجهه]، ثم اختلفت أحكامهم. فالمفسد متماد على العمل، ومن فاته الحج تحلل بعمرة، والمحصر بغير عمرة، والمفسد ومن فاته الحج يقضيان. والمتحلل بعذر الإحصار يتحلل، ولا قضاء عليه في حج التطوع عند مالك، ولا في الفرض عند عبد الملك. فقيل الإمام: ما سبب اختلاف هذه (57/أ) الأحكام في الأمر بالقضاء وسقوطه، مع التساوي في أن العبادة لم يؤت بها على وجهها؟ قال: هذا أمر [لا يتلقى من فن الأصول]، وإنما يطلب فيه أدله الشرع في الفروع. قال الإمام: (الأمر بالشيء يتضمن اقتضاء ما يفتقر المأمور إليه في وقوعه

شرعا) إلى الفصل. قال الشيخ: اختلف الناس فيما لا يتوصل إلى الواجب إلا به من الأمور الاعتيادية أو العقلية، هل يتصل بالوجوب؟ أما ما لا يتوصل إلى الواجب إلا به من [الشروط] الشرعية، فلا خلاف أن إيجاب [المشروط] عين إيجاب الشرط أو يتضمنه. فإذا (26/ب) قلنا يتضمنه، فعلى أي وجه يقع الضمن؟ وما معناه؟ فهما مسألتان نتكلم على كل واحدة منهما. أما المسألة الأولى: وهي الشرط من جهة العادة أو العقل، فقد قال قائلون: ما لا يتوصل إلى الواجب [إلا] به، فهو واجب. وزاد أبو حامد

قيدًا احترز به عن نقوض توهمها فقال: ما لا يتوصل إلى الواجب إلا به، وهو فعل المكلف، فهو واجب. قال: لأنه لا يتوصل إلى الكتابة إلا باليد، ولا إلى المشي إلا بالرجل، ولا تكون اليد والرجل واجبتين، فافتقر إلى أن يقول: وهو فعل المكلف. وهذا وإن كان كذلك، فهو مقصود القوم، وإن كان في اللفظ نقص. وقال قائلون: يجب التوصل إلى الواجب بما ليس واجبا، وهذا ضعيف، فإنه تناقض بين في قولهم: يجب ما ليس واجبا. فنضرب عن تعدد العبارات بعد فهم المقصود. ولنذكر عمدة من ذهب إلى وجوب الوسائل على الضبط المذكور.

قالوا: إذا استحال تكليف المحال، فإنما يطلب الفعل بصفة الإمكان، فكأنه قال له: اغتسل غسلا ممكنا، والغسل الممكن في الوجه هو الذي يدخل فيه جزء من الرأس، فليكن ذلك القدر واجبا. وعلى هذا [التقدير] يثبت ذلك بمقتضى الطلب الأول، ولا يفتقر إلى طلب آخر. قالوا: وهذا الوصف- وإن لم يكن مذكورا- فلا بد منه، حذرا من تكليف ما لا يطاق. ونحن نقول: وإن كان كذلك، إلا أنا نلتفت إلى تعدد الجهات ومقاصد [الطالبين]. كما سبق الكلام عليه في مسألة الأمر بالشيء، هل يكون نهيا عن ضده؟ وإذا تقرر ذلك الأصل، فنسلك هذا المسلك ههنا، ونقول: طالب غسل الوجه إنما طلب غسله، وقد يتيقن- في حال الأمر بغسله- أن لا يخطر له أخذ شيء من الرأس، ولا الحاجة إليه. وإذا أمكن ذلك، فكيف نقول: لا بد أن يطلب مع تصور غفلته عنه؟ وإن ذكره، فلا رأي له فيه بحال.

فإن قيل: هذا الذي تمسك به الإمام في أن الأمر بالشيء لا يكون نهيا ع ضده، وقد أنكرتموه. قلنا: أنكره القاضي لإنكاره، ونحن إنما أنكرنا أن يكون ترك السكون وسيلة إلى فعل الحركة، لما فهم من هذا الكلام من واسطة بين الحركة والسكون. نعم، لو حرم الوسيلة العقلية أو العادية، لكان تكليف ما لا يستطاع، وذلك محال [عقلا عند قوم]، شرعا عند آخرين. فالمراتب إذا ثلاث: أحدها- أن تتعرض الأدلة الشرعية للوسائل بالطلب. فهذا واضح أنه مطلوب. والثانية- أن يقدر النهي عنها، فهذا يمنع التكليف. والثالثة- أن تفقد الدلالة على الطلب والزجر جميعا. فهذا (27/أ) موضع الخلاف. والذي نختاره أنه لا يثبت الطلب، نظرا إلى تعدد الجهات، ومقصود (57/ب) الطالبين. وقوله: (ويظهر أثر ذلك بأن الصائم يخص بنيته اليوم دون أخذ طرفين من الليلتين). قال الشيخ: بهذا تسمك الإمام، ولكن لا يقوى التمسك به،

لأصل نمهده، وهذا كثير التداور، عظيم الفائدة. وهو أن ما طلبه الشرع، قد لا يفهم من طلبه غرض عاجل، لغلبة التعبد عليه، فهذا يقع طاعة بالنية المشروطة في هذا النوع من المأمورات. وإن ظهر له غرض عاجل، فلا يفتقر إلى نية في الاجتزاء به، ولكنه إنما يثاب عليه إذا قصد التقرب به، إلا فيما شذ من مسائل، فإن الثواب حاصل، وإن كان القصد [مفقودا]، كمسألة النظر الأول. وسيأتي لهذا تقرير حسن في موضعه، إن شاء الله تعالى. فإذا تحقق ذلك، فأخذ طرفين من الليلتين، قد ظهر له مقصد عاجل، [وهو] الإتيان بالمطلوب بكماله. فإذا ظهر هذا المقصود، استغنى ع النية، ويصير كرد الغصوب والودائع، وكإزالة النجاسة، عند بعض

العلماء. فلا يقوى التمسك بهذا الطريق في نفي الوجوب، والمعتمد على ما ذكرنا. [المسألة] الثانية: الشروط الشرعية التي يلفي كونها شرطا شرعا، وهذا بمثابة الطهارة في الصلاة وغيرها من الواجبات. وصورة المسألة: ما إذا قال الشارع: (لا صلاة إلا بطهور). ولم يوجب الطهارة إيجابا يخصها، [ويوجب] الصلاة، فهل يفهم من هذا إيجاب الطهارة أم لا؟ وإذا فهم إيجاب الطهارة، فهل إيجاب الصلاة عين إيجاب الطهارة، أو تجب الطهارة بإيجاب آخر؟ هذا مما اختلف فيه.

أما الأول، وهو فهم وجوب الطهارة، فلا شك فيه، وطريق تقريره: أن الواجب: هو الذي يذم تاركا شرعا. على ما سيأتي تحريره بعد ذلك. وبعد هذا الخطاب لا تقبل الصلاة من المصلي إلا بالطهارة، فإذا لم يفعلها، كان ملوما، وما سبب ذلك إلا فقدان الطهارة، فتحقق فيها حد الواجب. وأما كونه بذلك الطلب أو بطلب آخر يقع ضمنا؟ فالصحيح أنه بطلب آخر. وتحقيقه أن نقول: مفهوم الألفاظ يستقر في النفوس قبل النظر في الأمر والنهي، ولا يكون تلعق الطلب بالمسمى بغير التسمية على حال. وإذا كان كذلكن فمسمى الصلاة في لسان الشرع: أفعال مخصوصة، وليست الطهارة من

مسمى الصلاة، فوجوب الصلاة لا يوجب اتساع التسمية وتغير مدلولها. فعقل من هذا وجوب الصلاة خاصة، ومن عدم اكتفاء الشرع بفعلها وجوب أمر آخر يتصل بها، فلا يكون ذلك الأمر من جملة مسمى الصلاة، ولا يكون أيضا من إشعار اللغة، ولكنه يكون في لسان الشرع، فشابه المفهوم اللغوي. فإن قاعدته أن [اللغوي] (27/ب) أشعرنا بأنه [متى] خص شيئا بالذكر على جهة، فهو يبغي قصر الحكم عليه، ونفيه عما سواه، فيستدل بالمذكور نطقا على أنه قام بنفسه [مذكور] آخر، لم يعبر عنه بعبارة صريحة، فسمى لذلك مفهوما. وكذلك إذا قال الشرع: الطهارة شرط في صحة الصلاة، فقد قال: لا أقبلها إلا بها. ولم يأمر الشرع بصلاة فاسدة، فلزم أن يكون ذلك يتضمن [طلبا] آخر [مشروطا] في هذه العبادة. (58/أ)، فوجب الاعتراف بأن إيجاب المشروط يتضمن إيجاب شرطه الشرعي. والله المستعان. قال الإمام: (ونحن الآن نذكر الصيغة المقيدة، [ووجوه] التقييد) إلى آخر المسألة. قال الشيخ: قول الأصوليين: صيغة مطلقة، يدل ظاهره على

الإطلاق من سائر قيوم المقال والمحال، وذلك محال، فلا تتصور أبدا صيغة مطلقة بهذا الاعتبار. فإن الناطق لا بد أن يكون على حاله سهو أو ضده، فقرينة السهو والغفلة تمنع أن يكون اللفظ مقصود الدلالة. (فإذا لا تلفى صيغة أبدا على حقيقة الإطلاق). وإذا كانت القرائن لا بد منها، ولا يمكن أيضا النزاع في مقصود المتكلم بلفظه عند ظهور قرائن أحواله، فيفتقر إلى معرفة محل

تعريف المطلق والمقيد

الخلاف بين الأصوليين. وما المقصود بقولهم: الصيغة المطلقة والمقيدة، مع استحالة الإطلاق العام ووجوب التقييد في كل حال؟ فنقول: مرادهم بذلك إطلاق من بعض الوجوه، وهو أن يبين، إما على وجه مقطوع به، أو على وجه مظنون، أن المتكلم أورد اللفظ قاصدا به الدلالة على الموضوع اللغوي بالإضافة، غير حاكٍ لذلك عن غيره، فهذه هي الصورة التي يعبر عنها الأصوليون بكونها (مطلقة) على ما بيناه. فيرجع البحث إلى المفهوم اللغوي [ما هو]؟

وأما إذا التبست القرائن على الإطلاق، فلا يتصور إلا الوقف، كما ذهب إليه القاضي. وإذا ثبتت القرينة المعينة لمقصود المتكلم، فلا وقف في فهم كلامه، وإن بقي القاضي وأصحابه على الوقف في مدلول الصيغة، بالإضافة إلى أصل الوضع، كما تقدم الكلام عليه. والصورة الثالثة في هذه التي شرحناها، وهي الصورة المطلقة في عرف الأصوليين. قال الإمام: (ما ثبت فيه الخطر ثم وردت فيه صيغة الأمر) إلى آخر

المسألة. قال الشيخ: الصحيح أن (افعل) بعد تقدم الحظر باقية على الدلالة على الطلب، كما تقررناه، وهو اختيار القاضي. والوجه فيه ما قررناه من أن تقدم الحظر ليس من القيود الحالية، ولا المقالية، فإن القيود المقالية: ألفاظ تقترن بالصيغة تبين مقصود المتكلم بها، كقوله: (افعل حتما أو ندبا أو إباحة). وليس تقدم الحظر من هذا الجنس. وأيضا فإنا ما اعتمدنا في أنها تدل على الطلب عند أهل (28/أ) اللغة، إلا من جهة كونها فعل أمر بالإضافة إلى أصل الصناعة. وهذه الطريقة موجودة، وإن تقدم الحظر، فلا ريب ولا إشكال. وأهل اللغة يتسامحون بإطلاق لفظ الطلب على الإباحة، ولكن عند قيام دليل يدل عليه. وما ذكره من التقسيم السابق من كونها للطلب، موجود في هذا المكان

بعينه، فلا حاجة إلى إعادته. هذا هو الصواب عندي، ولمذهب القاضي الثاني وجه، وهو كونها تبقى دالة على الطلب، لكن على وجه أضعف مما

كانت عليه قبل ذلك. ولا يظهر لهذا المذهب مستند إلا الاستقراء، وهو أنها صودفت في الكتاب والسنة دالة على رفع الحظر السابق، كقوله: {وإذا حللتم فاصطادوا}. ولا يجب الاصطياد. وكذلك قوله: {[فإذا] قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله}. (58/ب) وقوله - صلى الله عليه وسلم -: (قد كنت نهيتكم عن الانتباذ فانتبذوا، وكل مسكر حرام). وكذلك قوله: (كنت نهيتكم

عن ادخار لحوم الأضاحي، فالآن ادخروها). فهذه المواضع وردت فيها الصيغة، وفهم منها رفع الحجر السابق. فهذا هو خيال من فرق بين أن يكون الحظر مطلقا، وبين أن يكون محدودا إلى غاية علق زواله على صيغة (افعل). ولكن ينقدح في هذه الآي والأخبار أن فهم الإباحة لم يقتصر على محض سبق الحظر، ولكن دلت الدلالة على الإباحة، واللفظ ليس بنص، فترك ظاهر الدليل. والأدلة واضحة في نفي وجوب الاصطياد والبيع والانتشار وادخار اللحوم، فإلى هذه الأدلة استند في الوجوب، لا إلى سبق تقدم الحظر. وما ذكره الأستاذ من اتفاق الأصوليين على مسألة سبق الطلب إذا ورد الحظر بعد ذلك، وادعاؤه الوفاق. له وجه ظاهر، فإن هؤلاء الفقهاء إنما منعهم من الجريان على ظاهر اللفظ، ما ذكرناه من آي الكتاب ومن السنة، الدالة على رفع الحظر والحرج السابق، وهذا مفقود فيما إذا وردت صيغة

(مسألة: الصيغة إذا تضمنت فعلا مؤقتا)

الحظر بعد سبق الطلب، فبقيت دالة عليه. وقد بينا أن الوجه في المسألة الأخرى أيكون الأمر كذلك. قال الإمام: (مسألة: الصيغة إذا تضمنت فعلا مؤقتا) إلى آخر قوله (ولا سبيل إلى إثبات ذلك). قال الشيخ [أيده الله]: ما ذكره الإمام من أن بعض الفقهاء ذهب إلى أن القضاء متلقى من الأمر الأول، [هو] كما قال.

والرد عليهم واضح، لا إشكال فيه. ونزيده تقريرا وتقريبا، فنقول: إن [الفهم] متعلق الخطاب قبل الشروع في العمل، فإذا تعلق الطلب بفعل مخصوص، لم يكن له تعلق بغيره. فلو تعذر الفعل المطلوب، لم يصح للمكلف أن يفعل غير ذلك الفعل الذي لا يتعلق به

الطلب، لأجل فوات المطلوب، وهو بمثابة ما لو طلبت منه الصلاة فتعذر عليه (28/ب) فعلها، فلا يصح أن يأتي بالصوم بدلا منها، اقتصارا على الخطاب الأول. وكذلك إذا طلبت الصلاة على وجه مخصوص، كما إذا قال: ليصل قائما، فتعذر عليه القيام، فلا يتمكن بهذا الخطاب خاصة أن يصلي على غير تلك الجهة. وهذا أيضا واضح. وكذلك إذا أمر بالصلاة إلى الكعبة، فتعذر عليه الاستقبال، وقدر الاقتصار على ذلك الخطاب، ولم يرد سواه، امتنع عليه أن يصلي إلى غير القبلة. وكذلك القول في الطهارة وستر العورة وغيره. وكذلك إذا قال له: صم يوم الاثنين مثلا، فما تعلق الخطاب بالصوم إلا مضافا إلى يوم الاثنين، فليس له تعلق به، بالإضافة إلى يوم الأحد والثلاثاء. إذا تقاعد الخطاب عنهما جميعا تقاعدا واحدا. فإذا لم يرتبط الطلب بالفعل مطلقا، ولم يرد خطاب جديد يتضمن الفعل، امتنع

إيقاعه امتثالا. وإلى هذا الحرف أشار الأستاذ أبو إسحاق فإنه قال: إنما يملك من منافع الدار وغيرها بالإجارة ما كان بينه وبين العقد نسبة. وإذا استأجر الدار (59/أ) شهرا بعينه، فإنما ملك من المنافع ما يكون الشهر المعين ظرفا لها ووعاء. وليس بين العقد وبين منافع تضاف إلى شهر آخر نسبة بحال. فإذا فات الشهر، فليس إلا الحكم بفوات متعلق العقد، فيجب فسخه. وهذا كلام صحيح. والأمة مجمعة على امتناع تقديم العبادة على وقتها، إذا لم يقم دليل ذلك. فكذلك يجب القضاء في التأخير عن وقت الفعل الذي أضافه الشرع إليه. وهذا واضح لا خفاء به. والمسلك الأول لهم غير صحيح، والرد عليهم كما ذكره الإمام، [ونزيده] زيادة تحققها، وهو أنه إذا وقع الاعتراف بتقاعد اللفظ عن تناول الفعل في غير ذلك الزمان، وتحقق انتفاء طلب آخر، وسلم أن الفعل لا يكون طاعة إلا إذا كان مطلوبا، فكيف

يتصور مع ذلك نزاع؟ وأما قول الإمام: ([وجه] تسميته قضاء عند [فرض] أمر جديد، من جهة مضاهاة الواقع آخرا لما استدعي أولا). فهذا الكلام ضعيف، ولو كان كذلك، لكانت كل عبادة سبق طلب مثلها قضاء، وليس الأمر كذلك،

بل القضاء: عبارة عما فعل بعد خروج وقته، استدراكا لمصلحة أدائه الفائتة على المكلف. فلنذكر في هذا الباب حقيقة القضاء والأداء والإعادة، ووجه التسمية، وانقسام الأمر في الألفاظ إلى الحقيقة والمجاز، وبيان سبب القضاء. فالأداء: عبارة عن الفعل في وقته ابتداء، على حكم الامتثال والموافقة. والإعادة: عبارة ع الفعل المطلوب ثانيا في وقته، لجبر خلل في الفعل الأول. وذلك الخلل قد يخل بالإجزاء، وقد (29/أ) يخلل بالكمال، فإن أخل بالإجزاء، وجبت الإعادة، [إن] كان مطلوبا [طلبا] على

حقيقة القضاء والأداء والإعادة

الوجوب. وإن أخل بالكمال، استحبت الإعادة. والاسم مقصور على تفاوت الفعل. والقضاء: عبارة [عما] فعل بعد خروج وقته، استدراكا لمصلحة أدائه على المكلف، إما لعذر أو لغير عذر. وهل إذا غلب على ظن المكلف في الواجب الموسع المنضبط آخر وقته كالصلاة، أو غير المنضبط كالحج، والهلاك إلى وقت، وأمر بالفعل قبله فلم يفعل، ثم لم يمت ووفق للعمل، فهل ينوي الأداء أو الاقتضاء؟ فقد أشرنا فيما سبق إلى خلاف فيه، وحققنا أنه مؤدين نظرا إلى الاكتفاء بالطلب الأول، وافتقار القضاء إلى طلب جديد. وكذلك لزمه قضاء صلاة على الفور فلم يفعل، ثم فعل فيما بعد، فلا نقول إنه قضاء القضاء. وإذا كان القضاء إنما يشرع استدراكا لمصلحة الأداء، فللأداء ثلاثة أحوال: أحدها- أن يجب الأداء، ولا يكون كذلك، إلا إذا جرى السبب ووجد الشرط، ثم لم يتفق الفعل. فهذا إذا شرع في حقه القضاء لاستدراك مصلحة

الأداء، فهذه حقيقة في أعلى [درجات] القضاء. وهذا كمن ترك الصلاة عمدا. قال أبو حامد: وكذلك إذا تركها سهوا، فإنه يقضي حقيقة. وهذا تناقض بين منه، فإنه يذهب إلى استحالة تكليف النائم والناسي. وهو يقول: لا يكون القضاء حقيقة إلا إذا كان الأداء لازمان فالنوم ينافي التكليف على زعمه عقلا، فما كان ينبغي أن يكون قاضيا إلا مجازا. الحالة الثانية: أن لا يجب [الأداء، بل يمتنع منه، كالصوم في حق الحائض، فإنها لو صامت عصت، فتسمية صومها قضاء مجاز محض]، وحقيقته: (59/ب) أنه فرض مبتدأ .. ووجه التحوز: أنه لما كان الأمر سببه حالة عرضت منعت من الصوم، حتى فات بسببها التكليف، سمي ذلك قضاء.

والصحيح أنه أداء. وقد توهم بعض الفقهاء من هذا أن صوم أيام الحيض واجب على الحائض، ولكن الحيض يمنع من الفعل. قالوا: بدليل وجوب القضاء عليها. وهذا غلط عظيم. وكيف يصح أن يقال إن الصوم واجب عليها، وهي لو صامت عصت؟ وليس الحيض كالحدث، فإن إزالته ممكنة، فيكون المكلف متمكنا من فعل ما كلف به بعد تحصيل شرطه الداخل تحت قدرته. وليس الحيض كذلك، إذا إزالته غير ممكنة. وإنما اغتر هؤلاء بإطلاق كونها تقضي، وجعل هذا

الاسم مجازا أولى من خلاف الإجماع، وتسويغ تكليف ما لا يطاق، وإيجاب الفعل مع تحريم إيقاعه. فإن قيل: فلم تنوي قضاء رمضان؟ قلنا: بمعنى أن سبب وجوبه حالة عرضالبلوغ القضاءإن عنيت أنه قضاء، لما وجب عليها في حالة الحيض من صيام أيام الحيض، فخطأ أو محال. فإن قيل: فيلزم أن ينوي الصبي بعد البلوغ القضاء، لما فات من الصيام بالصبا. قلنا: لم نجعل فوات العبادة بسبب (29/ب) الصبا، سببا لوجوب القضاء لما فات في زمان الصبا بخلاف الحيض. ولننبه على سر يعتمد عليه في الأصول والفروع جميعا، وهو أن فوات المخاطبة بالعبادة، إما أن يكون لفوات السبب، لم يشرع الشرع التدارك، كما في الصبي، فإن السبب مفقود. وإن فات التكليف لأجل فوات الشروط مع حصول السبب فههنا قد شرع الشرع القضاء، كما في حق الحائض. فإن السبب الطاقة مع شهود الشهر، وقد وجد ذلك في حق الحائض، لكن فات الشرط، وهو الطهر، فورد الشرع بالقضاء، استدراكا لمصلحة السبب الموجود، ولا سبب في حق الصبي، إذا الطاقة مفقودة. فإن قيل: إذا كان السبب الطاقة ووجود الشهر، فينبغي إذا قارب البلوغ وأطاق، أن يؤمر بالقضاء بعد البلوغ من ذلك الوقت. فنقول لما كانت

الطاقة والعقل حقيقتين تختلف فيهما الناس اختلافا ظاهرا، حجز الشرع الخلق عن مظنة في هذه الأمور المضطربات، وناط التكليف بالبلوغ، إما الاحتلام أو بالسن. كما ناط القصر بسفر طويل مقدر بمرحلتين، أو يوم وليلة. وكذلك فعل في نصاب السرقة ونصاب الزكاة. وسيأتي لهذا مزيد تقرير في موضعه، إن شاء الله تعالى. وقد اختلف الفقهاء في مسائل تتعلق بالقضاء، لترددهم في أن اللفظ شرطا لقدان السبب أو لتخلف الشرط؟ فمن ذلك اختلافهم في قضاء المجنون الصوم. فقال بعضهم: يقضي الصوم، كما تقضي الحائض. وهو المشهور من مذهب مالك رضي الله عنه. وقال قائلون: لا يقضي اعتبارا بالصبي. وقال قائلون:

إن بلغ مجنونا، لم يقض. وإن بلغ صحيحا ثم جن، قضى. وقال قائلون: إن قلت السنون، قضى اعتبارا بقضاء الحائض الصوم، وإن كثرت، لم يقض، اعتبارا بترك قضاء الحائض الصلاة. والقول الأول أشهر عندنا، لأن الطاقة في حقه موجودة، وشهود الشهر أيضا كذلك. فكان امتناع التكليف بفوات شرط التكليف، وهو عقل. وهذا هو الذي اختاره المتكلمون، فإنهم جعلوا العقل شرطا في توجه التكليف. واعلم أن (60/أ) الناس اختلفوا، هل من فرق بين السبب والشرط؟ فذهب الأستاذ أبو إسحاق إلى أنه لا فرق بينهما، وأن الحكم يتوقف على الجميع. وقال الأكثرون بفرق بينهما، وعلى ذلك ينبني إثبات الرخص في الشريعة ونفيها، وإثبات الموانع وغيره. والأستاذ ينكر ذلك كله، ويقول: جميع ما يتوقف الحكم عليه [يكون] جزءا من السبب. ولذلك منع مانعون من

إطلاقات السبب والشرط

تخصيص العلة (30/أ) على كل حال. وسيأتي مزيد بيان في باب النقض، إن شاء الله تعالى. فإذا اخترنا الفرق بين السبب والشرط، فطريق معرفة الفرق [ثبوت] مناسبة الاقتضاء، من غير ظهور مناسبة للشرط في الثبوت. والذي يناسب التكليف الطاقة. وأما العقل، فيناسب معرفة الحكم حتى يتصور الامتثال. هذا هو السبب الذي لأجله ثبت القضاء عند فوات بعض الأعمال وانتفائه، وهو أصل حسن في الشريعة. الحالة [الثالثة]: حالة المريض والمسافر إذا لم يجب تضييقا، ولكنهما إن صاما، فقد فعلا الواجب، ونعني إذا كان الصوم يضر بالمريض ولا يهلكه، فقد أبيح له الفطر، ولم يحتم عليه، فهو كالمسافر، فإنهما إن صاما امتثلا، فإن لم يفعلا، وقضيا بعد ذلك، فهل اسم القضاء يطلق عليهما حقيقة أو مجازا؟ والصحيح أنه مجاز، لثبوت التخيير، فلم يفت وقت الوجوب، بدليل أنهما غير مفتقرين إلى خطاب جديد، وهو ضابط القضاء الحقيقي. وقوله تعالى: {فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر}. محتمل أن يقال: إنه [حقيقة]، لأنه لو فعله في وقته لصح منه، فإخراج عن مظنة إيجابه، يوهم كونه قضاء حقيقة، والصحيح أنه أداء. وقد

خير الله المريض والمسافر بين صوم رمضان، [أو أيام من] غيره، فهو كالواجب المخير. ومن فعل إحدى خصال الكفارة، لم يكن قاضيا. وهذا أيضا يضعف إطلاق القضاء عليه مجازا. ولكن لما كان التدارك في هذه الصورة لا يمكن إلا بعد فوات الزمان الأول، [أشبه] ذلك العبادة بعد خروج وقتها. فلذلك أطلق عليها لفظ القضاء مجازا. ولكن مقتضى هذا أن تسمى الصلاة في آخر الوقت قضاء مجازا، لأنه لا يمكن إيقاعها آخر الوقت، إلا إذا لم تفعل في أوله. لكن [إيجاب] عليه بأن لرمضان خصوص نسبة إلى الصوم ليست شوال ولا لغيره، بدليل أن الصبي المسافر لو بلغ في أثناء رمضان، لزمه صوم ما بقي منه، ولو بلغ بعد مضيه، لم يلزمه شيء، دل ذلك على قبول اختصاص رمضان بالصيام، وليست السنة كلها للصيام، كوقت الصلاة المتسع. فإن الصبي إذا بلغ في أثناء وقت الصلاة لزمته. وإن بلغ بعد خروج رمضان، لم يلزمه. هذا إذا قلنا إن المسافر مخير بين الإفطار

والصيام، فالأظهر أن تسمية صومه قضاء مجاز محض. وقد قال قائلون: إن فرضه أيام أخر، ولكن إن صام رمضان، فهو معجل للواجب. فلا يتأتى على هذا أن يكون صومه قضاء بحال. وهذا ضعيف، لأن الآية لا تفهم الترخص للمشقة. ويظهر ذلك من قوله: {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان}. فبين فيه شرفية الشهر أولا، ثم عقب ذلك بذكر صيامه، ففهم (60/ب) أن ذلك لأجل شرفه، ورخص للمسافر لمشقته في تأخير الصوم عن وقته، لأجل عذره. وهذا الذي ذكرناه (30 ـ/ب) مذهب الكرخي. وذهب أهل الظاهر إلى أن المسافر لا يجزئه صوم رمضان، وهو مذهب بعض التابعين. وهو ضعيف، لأن مساق الآية يفهم الإضمار، بمثابة قوله: {وسئل القرية}. والتقدير: من غيرن منكم مريضا أو على سفر فأفطر. وأيضا فإن (أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يصومون ويفطرون في السفر من غير

نكير من بعضهم على بعض). الحالة الرابعة: حالة المريض الذي يخشى الهلاك على نفسه، لا يحل له الصوم، فإن صام وسلم فقد عصى. وهل يكون مؤديا للواجب؟ فيه نظر. ذهب بعض الفقهاء إلى أنه لا يجزئه الصوم، وجعلوه بمثابة صوم يوم النحر الذي لا ينعقد عند بعض الفقهاء، وهو مالك والشافعي رضي الله عنهما، وأبو حنيفة حكم بانعقاده. فلا يخفى حكمه بصحة صوم المريض. ومن العلماء من فرق بينهما، فأبطل صوم يوم النحر، فإنه مأمور بالفطر لإجابة دعوة الله تعالى إلى أكل القرابين، فكيف يقال له أجب الدعوة، أي كل وصم؟ هذا متناقض. وفي المريض قيل له: لا تهلك نفسك، فيصح أن يقال له: صم مع ذلك. وقد يقال في المريض: لا تهلك فسك بالصوم، فكيف يقال له مع هذا: صم؟ قال أبو حامد: ويعسر الفرق بينهما جدا. والصحيح عندنا هو الفرق والقضاء ببطلان صوم يوم النحر، وصحة صوم المريض، فإنه لم يتعرض في

(مسألة: الأمر بالشيء من أشياء، إذا كان محمولا على الوجوب)

حق المريض لخصوصية الصوم. وإنما تعلق النهي بجنس المضرة. حتى قد يمتنع الأكل إذا كان مضرا، فيصير بمنزلة النهي عن الصلاة في الدار المغصوبة، لانحراف النهي عن خصوصية الصلاة إلى التصرف في ملك الغير بغير إذنه، بخلاف صوم يوم النحر، فإن النهي تعرض له من جهة كونه صوما. ولم يصح عندنا انصراف النهي إلى جهة غير الصوم. وهذا واضح. والله المستعان. قال الإمام: (مسألة: الأمر بالشيء من أشياء، إذا كان محمولا على الوجوب) إلى آخر المسألة. قال الشيخ هذه المسألة خلاف المعتزلة فيها من جهة المعنى مشهور، وفي كتب الأئمة مسطور، وقواعدهم على منعها تدور.

ورد الخيرة في التعيين إلى المكلف عندهم غير معقول. ونحن بعون الله وتأييده نتكلم على أًصل المسألة، ثم نبين قواعد المعتزلة، ثم نتعقبها بالأبطال. ونوضح الغرض بثلاثة أمور: أحدها- تصور المسألة من جهة المعقول. والثاني- ثبوت وقوعها في الشرع المنقول. والثالث- توجه النقوض التي أجمع عليها أهل الإسلام، وساعد المعتزلة عليها من غير منع ولا إنكار. أما الطريق العقلي: فهو أن الآمر إذا قال لمأموره: أوجبت عليك خياطة هذا الثوب، أو بناء هذا الحائط في هذا اليوم، كان هذا كلاماً (31/أ) معقولا، وأمرا متصورا، وصرح له مع ذلك: بأني لم أوجب عليك الجميع، ولا مكنتك (61/أ) من ترك الجميع، ومهما فعلت، فقد امتثلت إيجابي. فلا يخلو- بعد ورود هذا الخطاب، وتصور الطلب، وفهم المخاطب- إما أن يقال: لم يوجب شيئا أصلا، وهو محال، لأنه نقيض ما صرح به، أو يقال: أوجب الجميع، وهو أيضا باطل، لأنه صرح بضده، أو أوجب معينا، وهو قد صرح بالتخيير وعدم

التعيين، فلم يبق إلا أن يقال: أوجب مخيرا. ويدل عليه من جهة الشرع ثلاثة أمور: أحدها: النص الصريح، وهو قوله تعالى: {فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة}. ولفظ (أو) لا يتحمل الجميع بحال عند أهل اللسان. الثاني: الإجماع على أنه لا يجب على الحانث فعل الخصال الثلاث، وأن الواجب عليه [أحدها] لا بعينه. الثالث: أنه كان يلزم من مساق ما ذكروه م منع الخيرة في الواجب، أن يجب إعتاق العبيد، وإطعام جميع مساكين العالم، جميع أنواع الأطعمة، وكسوة جميع [الثياب]، حذرا من تطرق الخيرة إلى الواجب. وإذا اعترف الخصم بتحقق الوجوب، مع ثبوت الخيرة في التعيين في بعض الأحايين، فقد اعترف بالمسألة، وكفى المؤنة.

وقد تمسك المعتزلة بطرفين: أحدهما- يتلقى من تصور الطلب. والثاني- ينبي على قواعدهم. أما الأول: فقد قالوا: الوجوب طلب محتم، والخيرة ضد ذلك، فكيف يتصور أن يكون واجبا مخيرا؟ وحاصله راجع إلى أنه مطلوب غير مطلوب، وذلك غير معقول. قالوا: فإذا تعلق الطلب بخصلة، فإما أن يتعلق بها من جهة خصوصيتها، فتجب على انفرادها، وإما أن يتعلق بها من جهة تشمل بقية الخصال، فينتفي وجوب الجميع. هذا تقرير هذا الطريق المتلقي من مضادة الوجوب التخيير. والجواب عنه من الأوجه المتقدمة العقلية والنقلية. ونخص هذا الكلام بجواب يتعرض البيان تعدد الجهات. فنقول: تعلق الطلب بالخصلة من جهة كونها خصلة مفردة، فقيل له: افعل خصلة من هذه

الخصال، كما تقول المرأة لوليها: زوجني من أحد الخاطبين، والخيرة في التعيين إليك. ويقال: بايع أحد الإمامين الصالحين للإمامة. ولا يتصور في هذه الصورة أن يقال: جعلت له تزويجا منهما جميعا، فإن ذلك لا يصح شرعا. [وكذلك] يمنع عقد الإمامة لإمامين في وقت واحد. احتجوا بأن الخصال الثلاث إن كانت متساوية الصفات في أنفسها، فينبغي أن تجب جميعها، [تسوية] بين المتساويات، وإن انفرد بعضها بوجه يقتضي إيجابه، فينبغي أن يعين للمكلف، حتى لا يلتبس بغيره. وهذا مبني على أصول القوم؛ فإن الوجوب يتبع الصفات الثابتة التي (31/ب) لا تبديل فيها ولا تحويل. وقد مر الكلام على هذا الأصل، فلا نعيده. ثم إنه باطل بالمسائل المسلمة الإجماعية، ويصح أن يكون مقصود الطالب أحد الفعلين. وقد بينا أن الإيجاب يرجع إلى تعلق الخطاب، أو إلى

الخطاب المتعلق. وليس تعيين متعلق الذكر، كما إذا [قيل]: أكرم رجلا. وإذا لم يشترط تعيين متعلق الذكر، فلا يشترط تعيين متعلق الإيجاب. وإنما وقع هذا من حيث ضاهى الوصف (61/ب) بالحل والحرمة، الوصف بالعجز والقدرة والسواد والبياض، وذلك وهم نبهنا عليه. فإن قيل: الله تعالى يعلم ما يأتي به المكلف، وما يتأدى به الواجب، فيكون معينا في علمه، وإنما هو متلبس علينا. قلنا: هذا باطل من أوجه: أحدها- أن هذا تكليف ما لا يطاق، فإن الجوب على هذا متعلق بعين مخصوصة، وقد كلف فعلها بعينها، ولم ينصب له دليل عليها، وذلك محال.

الثاني: أن نقول: العلم يتعلق بالمعلوم على ما هو عليه، ولا يغيره. وإذا كان كذلك، فيجب النظر إلى التكليف حتى يعلم، هل تعلق بمعين أو بمبهم، فيعلمه الله تعالى كذلك؟ فأما إذا [كان] متعلقا بمبهم، فكيف يعلمه الله تعالى متعلقا بمعين، وهو خلاف حقيقته؟ فيكون المتعلق جهلا [لا] علما. الثالث: إنا وإن قدرنا أن الله تعالى يعلم ما سيوقعه العبد، إلا أن لا نسلم أنه متعلق [الوجوب]، من جهة [تعينه]، وإنما هو تعيين باعتبار الوجود، لا باعتبار تعيين التكليف، فإنه لو قال: اعتق رقبة، وكان الله سبحانه يعلم أنه يعتق زيدا مثلا، لم يكن زيد متعلق الخطاب، من جهة كونه زيدا، وإنما كان متعلق الخطاب من جهة كونه عبدا.

الرابع: أن نقول لهم: ما قولكم لو علم الله أنه لا يوقع شيئا، أو علم أنه يوقع الجميع، فما الذي تقولون؟ إن قلتم: إنه لم يوجب شيئا، فهو محال. وإن قلتم: إنه أوجب واحدا من آحاد، ورد الخيرة في التعيين إلى خيرة المكلف، فمتعلق الوجوب خصلة، من جهة كونها خصلة، ولا خيرة في ذلك، ومتعلق التخيير التعيين، ولم يتعرض له التكليف. وإن كان من ضرورة دخول الشيء الوجود أن يكون متعينا. فإن قيل: فإذا صح تعلق التكليف بأحد فعلين لا بعينه، فهل يصح تعلق التكليف بأحد شخصين لا بعينه؟ وما حقيقة فرض الكفاية، أهو فرض على الجميع ويسقط بفعل واحد، أو هو واجب على بعض لا بعينه؟ قلنا: هذا محل غامض، وأمر ملتبس، ونحن نكشف الحق في ذلك بعون الله وتوفيقه. وأعلم أنه لا يعقل التكليف إلا عند اجتماع أربعة أمور: أحدها- التكليف، والثاني- المكلف، والثالث- المكلف، والرابع- ما يتعلق بالتكليف. (32/أ) وقد مرت هذه القسمة في أول الكتاب. وإذا كان كذلك، وجب عقلا تعيين المكلف، لقيام التكليف به، وتعيين التكليف أيضا، فإن ل في نفسه حقيقة معقولة، لا يعقل اللبس في ذاته. الثالث: المكلف به، وهو الذي نازع فيه المعتزلة، هل يجب تعينه عقلا أم لا؟ وهم متفقون على استحالة الإبهام، ولكن لهم مذهبان: أحدهما-

وجوب الجميع. والثاني- أن الواجب معيين، وهما جميعا يقضيان إلى نفي الخبرة، ومنع الفرق بين المتماثلات في الصفات. وأما الركن الرابع: وهو المكلف، فقد ذهب أبو حامد إلى أنه يستحيل أن يكون مبهما. واحتج بأن الوجوب إنما يعقل على تقدير ذم التارك أو عقابه، ويستحيل أن يعاقب أحد الشخصين لا بعينه، فيستحيل توجه الوجوب على واحد لا بعينه. كما يستحيل خلق السواد في واحد لا بعينه، وكذلك الضرب وغيره. والذي نختاره خلاف ذلك، وندل عليه بالمعقول والمنقول. أما (62/أ) المعقول: فإن السيد إذا قال لعبيده: ليأتني أحدكم بشيء من الأشياء، وحتم ذلك وضيقه، وعلم منه بقرائن أحواله إيجابه لذلك الشيء. فلا يخلو: إما أن يقال: لم يطلب [منهم] شيئا، وهو ضد ما صرح به. أو يقال: طلب من جميعهم. وهو باطل، لأنه قال: ليأتني أحدكم. وإما أن يقال: أوجب الإتيان على واحد بعينه، فهو باطل من وجهين: أحدهما- تعيين من غير نصب دليل عليه. الثاني: أنه قد يصرح، ويقول: أي واحد كان. وأما المنقول: فقد قال الله تعالى: {فلولا نفر من كل فرقة}. ولم يعين تلك الطائفة. وكذلك قوله: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف}. ولم يعين تلك الأمة. وأيضا فإن الطلب قد يوجه على وجه لا يتصور أن يعم الجميع، كما إذا كان عند السيد مائة عبد مثلا، وقال: [ليأتني] أحدكم بكوز ماء، فيعلم على القطع أنه لم يأمر بجميعهم بذلك، وكيف يمكنهم

[جميعا] فعل ما طلب، مع اتحاد المطلوب، وامتناع المشاركة فيه؟ لا سيما إذا كان للسيد أشغال أخر، يعلم أن ذهاب الجميع لتلك الحاجة يفوت مقاصد السيد من غيرها. فيعلم بالضرورة أنه لم يوجه الطلب على الجميع بصفة الاجتماع على العمل الذي قصد انفراد البعض به. هذا واضح، لا خفاء فيه. فإذا تصور ترك الجميع ذلك المطلوب، صح أن يعاقبهم أجمعين، لما صح في حق كل واحد من استهانة وقلة احترام. هذا هو الذي يصح عندنا. وقد حققنا وجوب شيء من أشياء. وبهذا التقرير أيضا نرد على من قال في مسألة الأمر بالشيء نهي عن ضده، أن الأمر نهي عن الأضداد، والنهي ليس أمراً بواحد من الأضداد، فإنه قد تناقض كلامه، فإنه كما يستحيل (32/ ب) الإتيان بالمأمور دون الانكفاف عن جميع أضداده، فكذلك يستحيل الانكفاف عن المنهي عنه دون التلبس ببعض أضداده. وإنما حملهم على الفرق أن الانكفاف عن جميع أضداد المأمور به يتأتى، والإتيان بجميع أضداد المنهي عنه لا يتأتى. فلم يبق إلا أن يقال: إنه مأمور بواحد منها لا بعينه. وهذا منعه المعتزلة. وقال الإمام: (لا يمتنع وجوب شيء من أشياء، وتعينه إلى خيرة

المكلف). وهذا القرير جدير بأن يذكر في تلك المسألة، ولكنا أغفلنا ذكره هناك، فذكرناه في هذا المكان، لكونه يليق به. وبالله التوفيق. قال الإمام: (مسألة: اشتهر من مذهب شيخنا أبي الحسن - رضي الله عنه - مصيره إلى أن المعدوم الذي سبق في العلم وجوده) إلى آخر المسألة. قال الشيخ: ذهب

القلانسي إلى أنه لا يتصف الباري تعالى في الأزل بكونه آمرا ناهيا، إلى بقية الأوصاف. لكن اختلف الناس في تأويل لفظه: فذهب جماعة من الناس إلى أنه منع الوصف الذي هو الإطلاق من جهة النطق. وأما حقيقة الكلام فثابتة له. وهذا هو الأقرب. وذهب ذاهبون إلى أنه منع حقيقة الصفة، فلا أمر ولا نهي له في الأزل، كما أنه لا يسمى خالقا في الأزل. وهذا غير صحيح على رأي أهل السنة،

الذاهبين إلى إثبات كلام النفس أزلا. وليس للباري سبحانه وتعالى من كونه خالقا حكم حقيقي. ومعنى كونه خالقا: (62/ب) وقوع الخلق بقدرته. وإذا سلم القلانسي للشيخ أن الكلام قديم، فكونه آمرا، من حقيقته النفسية وصفته الأزلية. ويستحيل ثبوت الموصوف مع فقدان وصفه النفسي. ووجه آخر: وهو أنه لم يثبت كونه آمرا في الأزل، لم يثبت كونه آمرا فيما لا يزال، لتجدد الحقائق وصفات النفوس، وذلك غير معقول. وأيضا فإنه يقتضي تجدد حوادث قائمة بالقديم، وذلك مستحيل. ويلزم

منه أيضا أن تكون الصفة ليست كلاما، ويتجدد كونها كلاما، وذلك غير معقول. وهذه وجوه قطعية في إبطال ما صار إليه، إن لم يرد النزاع إلى اللفظ. وأما المسلك الأول للأصحاب: فإن الرسول في حكم من يبتدئ أمرا، إلى آخره. فكلام ضعيف، واعتراض الإمام عليه صحيح. وتحقيق سقوطه: أن الأمر لا يتصور قيامه بنفسه، فإنه من جملة المعاني. وإذا كان كذلك، فكيف يتصور أمرا لا آمر له، وهو بمثابة علم لا عالم به، وقدرة لا قادر بها، وذلك غير معقول. والإجماع أيضا على منعه. فكيف يسوغ الاستشهاد بممتنع وفاقا؟ وأدلة العقول تمتنع منه أيضا، كما قررناه. والرسول ليس مستقلا بأمر، وإنما هو مبلغ أمر الله تعالى. وإذا تم التبليغ، لم يؤثر موت المبلغ، ومن

له الأمر حي، (33/أ) لم يزل ولا يزال. وأما المسلك الثاني لهم: وهو أن المأمور به، وهو الفعل، لا يمتنع أن يكون معدوما. العبارة فيها قصور، فإنه يوجب أن لا يتوجه الأمر إلا بمعدوم، إما عقلا عند من أحال تكليف المحال عقلا، أو شرعا عندنا. فلا بد إذا من تعلق الأمر بالمعدوم. وقيل يبقى مستمرا حتى يدخل الفعل الوجود، أو ينقطع تعلق الفعل حالة الوجود. كما سيأتي بيانه بعد هذا. وهذا لا يصح التمسك به، فإن مقصود الطلب تحصيل ما ليس حاصلا، ولو كان حاصلا، لم

يطلب، فأين هذا من توجه الأمر على المعدوم، وتحقيق الطلب في حقه؟ لكن المعتزلة إذا ذهبت إلى تجدد الأمر، وامتناع بقائه، فقد التزموا أنه لا أمر لله - عز وجل - في زماننا [هذا] متوجه على عباده. وهذا أشد وأشنع من المصير إلى كون الباري تعالى [ليس] آمرا في الأزل، فإن هذا منع للشرائع أن تكون متوجهة علينا في الحال، ومخالفة لإجماع المسلمين، فإن الأمة مجمعة على أن أوامر الله تعالى متوجهة علينا في زماننا. وقوله في تقرير طريقة الشيخ: (إنه لا يمتنع قيام الأمر [بالنفس] مع غيبة المأمور). كلام صحيح. ولو بقي ذلك الطلب حتى يحصل المأمور،

لارتبط به، ولكنه لا يتصور بقاؤه لكونه عرضا. والواحد منا يتبينه في حق مأموره، فإنه يقول القائل: إذا لقيت فلانا فقل له: إني أمرته أن يفعل كذا، وإذا فعل، يقال فيه: امتثل، وإذا بعد التبليغ، يقال: إنه خالف، ويستحق التأديب. وهذا مقطوع به عند العقلاء، وعليه يبنون أوامرهم ونواهيهم، وجاحد ذلك مخالف للعقلاء في مطالبهم. وإذا لم يبعد ذلك في كلامنا، فهو المعني بكلام (63/أ) النفس. والذي قلناه في حق الغائب، لا يختص به، بل يقوم بذات الأب طلب تعليم العلم من الولد الذي سيوجد، ويقول لوصيه: إذا بلغ الولد، فعرفه أني أمرته بكذا. وإذا فعل ذلك، يقال: أطاع أباه، وامتثل أمره، وإن كان الأب الآن معدوما، والولد كان وقت أمر الأب معدوما. هذا معقول عند العقلاء. وقوله: ([فلست أرى] ذلك أمرا حاقا، [وإنما يقدر الأمر] لو كان، كيف يكون؟ ). ليس كما قال، فإنه كان تقدير أمر، لم يكن بعد ذلك، إذ

لم يتجدد له غيره، ولا كان الولد أو الغائب ممتثلا أمره عند بلوغه. وقوله: (وغرض المسألة إثبات الأمر أزلا، من غير مأمور، لا محاولة إثبات [المنفي] مأمورا). هو كما قال: وإذا صح قيام الأمر بالنفس من غير مأمور، ارتفع السؤال. وما ذكره من أن: (من ظن أن المعدوم مأمور، فقد خرج عن حد المعقول). هو كما قال. ولا يتصور أن يكون المعدوم- وهو في نحض- مدعوا بأمر، ولا مصروفا بزجر، (فلا شك أن الوجود شرط في كون المأمور مأمورا).

وقوله: (33/ب) (وإذا لاح ذلك، بقي النظر في أمر بلا مأمور، وهذا [معضل] [أزب]). أشار إلى صعوبة الكلام، ثم صرح بالاستحالة. فقوله: (الأمر [من الصفات] المتعقلة [بالنفس]، وفرض متعلق لا متعلق له محال). [هذا] تصريح بتجدد الأمر، بلا ريب، وقدم الكلام يمنع من هذا، فلا يتصور أن يكون الأمر متجددا، والكلام قديما، لما رددناه به على القلانسي. ثم هذا الإشكال لا يختص بالأمر، فإذا أحال الإمام متعلقا لا

متعلق له، لزمه أن يحيل القدرة في الأزل، أو كونه قادرا. وقد اعترفت المعتزلة بكونه قادرا أزلا. وإن كان قادرا حكما متعلقا، ولا فرق بين أن يكون المعلق حكما أو صفة، وكذلك الإرادة عندنا والرؤية. فليس يستمر للإمام ما ذكره، إلا بنفي الصفات والأحكام في الأزل، ثم يحكم بتجددها فيما لا يزال. كما ذكره في قضية الأمر. وإذا حكم بأن الباري تعالى ليس قادرا في الأزل، استحال أن يكون قادرا فيما لا يزال، لأنه لا يكون قادرا إلا بقدرة متجددة، ويستحيل القدرة إلا بسبق قدرة أخرى، وكذلك القول إلى ما لا يتناهى، وذلك محال. فوجب بهذا التقدير إثبات الصفات في الأزل من غير تجديد، ورجوع التجدد والطريان إلى المتعلقات.

ولله تعالى رؤية قائمة به، وهو بها راءٍ. وليس المراد بكونه رائيا، أنه رأى المعدوم، وإنما كان باعتبار قيام الرؤية به، فإذا وجد الموجود، كان مرئيا بتلك الرؤية. وكذلك القول في السمع، فهو سميع في الأزل، باعتبار قيام السمع به، فإذا وجدت الأصوات، كان سامعا لها بسمعه القديم، وكذلك جميع صفاته إلا العلم، فإن العلم لا يخصص بوجود وعدم، وكذلك الخبر الذي هو من الكلام. والأصل الذي إليه المرجوع، وجوب القدم لله سبحانه وصفاته، واستحالة الجواز والتجدد في ذلك. وإنما غمض هذا على الخلق بالنظر إلى معانيهم،

(مسألة: ذهب الأصوليون من أصحاب أبي الحسن - رضي الله عنه - إلى أن الفعل في حال الحدوث مأمور به)

فإنها متجددة غير باقية. فلو تقدمت الرؤية في حقنا على (63/ب) المرئي، لعدمت ولم تتعلق بشيء. ولا تصلح أيضا للتعلق، فتخرج عن كونها رؤية. فلما استقر هذا في أوصاف الخلق، شق عليهم فهمه بالإضافة إلى صفات الله - عز وجل -. وإذا دل الدليل على قدم الذات والصفات، واستحال التجدد على كل حال، لم يلتفت لعمل الوهم في اشتراط الاقتران. والله الموفق للصواب بحوله وقوته. قال الإمام: (مسألة: ذهب الأصوليون من أصحاب أبي الحسن - رضي الله عنه - إلى أن الفعل في حال الحدوث مأمور به) إلى قوله (فهذا وجه هذه المسألة إن

اتجه). قال الشيخ: (34/أ) المسألة مبنية على الاستطاعة، كما ذكره الإمام. وهذا على رأي من يحيل تكليف المحال. فأما مجوزه، فلا يشترط من جهة العقل شيئا من ذلك، وإن كان يمنع من التكليف وقوعا فيما لا يعقل. ومذهب المعتزلة أن القدرة الحادثة لا تقارن حدوث [المقدور]،

بل تتقدم عليه بزمان، فتتعلق في الزمان الأول، ويقع المقدور في الزمان الثاني. وإنما حملهم على ذلك أنهم قالوا: سبيل القادر على الشيء أن يكون قادرا على تركه، وحالة الحدوث لا يكون قادرا على الترك، فلا يكون قادرا على ترك الفعل. وقد نقضوا هذا بالمقيد المربوط، فإنهم قد حكموا بأنه قادر، وإن لم يكن متمكنا من

الترك. وطريق الرد عليهم باستحالة بقاء الأعراض كلها. ودليله أنها لو بقيت لاستحال عدمها، وقد عدمت، فيستحيل بقاؤها، فإنها لو بقيتن لبقيت بنفسها، وصفة النفس لا يتصور تبدلها. وقد ساعدت المعتزلة على استحالة بقاء الأعراض، كالأصوات وغيرها. وأيضا فإنا نقول لهم: إذا كانت القدرة لا تتعلق بالمقدور حالة حدوثه، بل كانت القدرة غير مرتبطة به، لم يكن الفعل واقعا بها، بل يصح عند المعتزلة أن تتقدم في حال وجود المقدور، فكيف تكون مؤثرة وهي معدومة؟ وقوله: (لا حاصل لتلقي حكم تعلق الأمر من القدرة) إلى آخره. كلام [ضعيف]، فإن أبا الحسن إذا [جوز] تعلق الأمر بما [لا] يصح أن يكون مقدورا، فكيف لا يجوز أن يكون الأمر متعلق بالمقدور؟ نعم، إنما يكون هذا الكلام قادحا لو كان أبو الحسن يمنع تعلق الأمر بمقدور، فحينئذ يكون الدليل منقوضا.

وقوله: (فإن القاعد في حال العقود مأمور بالقيام على رأي أهل الإسلام). وهو على ما قال، ولكنه نقضه في المسألة التي بعد هذه، وفي مسألة النسخ، فإنه ذهب فيهما جميعا إلى أنه لا يعلم توجه التكليف تحقيقا، ومنعه من ذلك الموت أو النسخ. فإذا أجمع المسلمون على كونه مأمورا بالقيام، وجب أن يكون عالما به، إذ الإجماع دليل قاطع. وقوله: (ولو تنزلنا على اقتران القدرة بالمقدور، فيستحيل مع ذلك كونه مأمورا به). اقتصر على دعوى الاستحالة من غير برهان أكثر من قوله: (فإن

اقتران القدرة الحادثة بالمقدور معناه أنه بها وقع). وهذا ليس ببرهان، وما المانع من تعلقهما جميعا- أعني الأمر والقدرة؟ ولا يزال (64/أ) الأمر متعلقا مستمرا حتى ينقطع تعلق القدرة، هذا لا مانع يمنع منه. وأما قوله: (لم يشترط أبو الحسن اقتران القدرة بالمقدور، بالنظر إلى خصوصية القدرة، وإنما كان كذلك من جهة كونها عرضا). فهو كلام صحيح. (34/ب) قال الإمام [رحمه الله]: (وإن تفطن ذكي لوجه الحق، خطر له في معارضة ذلك) إلى آخر المسألة. قال الشيخ: ما ذكره من أن القدرة لا توجب المقدور لعينها، كلام صعب، إن عم به القول في القدرة القديمة والحادثة، فإن القدرة توقع المقدور لعينها، ولكن لو لم تكن كذلك، لاستحال أن توقعه، إذ الصفة لا توصف بغير الأوصاف النفسية. وقوله: (لو أوجبت لعينها، لكان العالم أزليا). هذه شبهة ابن

سينا في إثبات قدم العالم، فإنه قال: إما أن يرجع العالم إلى نفس الذات، أو يرجع إلى صفة الذات، فإن رجع إلى الذات، لزم أن يكون قديما، وإن رجع إلى صفة، على ما يقوله أهل الإسلام، فالصفة قديمة، فيجب أن يكو قديما. وجوابنا أن نقول: يقع العالم بالقدرة القديمة عند إرادة الموقع، فإذا قال: الإرادة أيضا قديمة، فلم تأخر المراد؟ قلنا: معقول الإرادة أن يفعل أو يترك على حسب ما يريد من غير تحتيم. فالعلم عندنا يقع بالقدرة من غير زيادة. ولزوم القدرة باطل بما قررناه في الافتقار في التخصيص إلى الإرادة. وقوله: (ومن أنصف من نفسه، علم أن معنى القدرة: التمكن من الفعل، وهذا إنما يعقل قبل الفعل). هذا عين مذهب المعتزلة في صحة تقديم القدرة

على المقدور. وقد بينا بطلان ذلك. وقد بينا بطلان ذلك. وأما التمكن المدرك قبل الفعل، فذل يرجع إلى غلبة العادة في تسيير بعض الأفعال دون بعض. وكم من توهم ذلك، ثم منع منن العمل وقت الحاجة. وقوله: (لو قدرنا اقتران القدرة بالمقدور، فيستحيل مع ذلك كونه مأمورا به، فإن الأمر طلب، فكيف يطلب كائن ويقتضي حاصل؟ ). أما أبو الحسن، فيجوز ذلك كله عقلا. وإنما يبقى النظر في [مواقعه] شرعا، والتكليف يستمر

حتى يمتثله المكلف، أو يفوت التمكن. ومقتضى ما قاله الإمام أن لا تتصور طاعة من أحد من الخلق، فإنه لما كان مأمورا، لم يكن فاعلا، ولما كان فاعلا، لم يكن مأمورا على حال. والعبد عند شروعه في الفعل، إنما يقصد طاعة الله تعالى بفعله. ولو علم سقوط الطلب المتعلق بالفعل، لم يتصور أن يقصد إلى الطاعة به، وتصير حالة الفعل- على هذا الرأي- مضادة للتكليف، كما تكون حالة ورود النسخ مضادة لبقاء الطلب. فكما لا يتصور حالة ورود المنع أن يطيع بالفعل، فكذلك لا يتصور حالة سقوط التكليف أن يكون مطيعا بالفعل. فهذا باطل قطعا من جهة الشريعة، فإن مقتضاه أن أحدا لم يطع ربه بفعل يفعله. قال الإمام: (مسألة: ذهب أصحابنا (35/أ) إلى أن المخاطب إذا خص بالخطاب) إلى قوله (ونحن الآن نأخذ في النواهي، إن شاء الله تعالى). قال

الشيخ: قوله: إنما منعت المعتزلة أن يعلم، لأنه جاهل ببقاء الإمكان له إلى وقت التكليف. فهذا غير صحيح، فإن المعتزلة مجمعون على أن الواحد منا إذا أمر غلامه أو مأموره بفعل من الأفعال، فهو يعلم قيام الأمر به، وتعلقه بمأموره، والمأمور يعلم ذلك من أمره، مستندا إلى قرائن أحواله، (64/ب) ولا يخالجه ريب في أمره المتعلق به، وهو لا يعلم بقاء الإمكان له إلى حين امتثاله. فلو كان علم الإمكان شرطا في حصول العلم بالطلب، لم يعلم على حال والأمر بخلافه، والمذهب على نقيضه. وقوله: (الجاهل بالشرط جاهل بالمشروط). كلام صحيح، لكن هل

الإمكان شرط في توجه التكليف، أو شرط في حصول الفعل المكلف به؟ فإن كان شرطا في التكليف، فممنوع بأدلة سبقت قبل هذا. وإن كان شرطا في الإيقاع، فهو كذلك، ولا يمنع جهله التكليف، كما ذكرنا في حق الشاهد. وأما مسلك القاضي الأول، فهو صحيح. وقد نقله الإمام في المسألة المتقدمة، فإنه قال: (القاعد في حال القعود مأمور بقيام باتفاق أهل الإسلام). والإجماع دليل، فمن ثبت عنده الإجماع على الحكم، كيف لا

يعلمه؟ ولا يصح أن يقال: إنما ذكره الإمام حكاية عن أبي الحسن، فإنه أورده محتجا عليه في أنه لا ربط بين القدرة والتكليف، ولذلك أنه قال: (ولا قدرة له عند أبي الحسن). فلم يتمسك أبو الحسن إلا بعين ما نقله هو. وكيف لا يعلم المكلف توجه الحكم عليه قبل الشروع فيه، وهو [لا] يشرع فيه إلا بنية؟ والنية [قصد] يتبع العلم، فلو لم يعلم لم يقصد. هذا تقرير القاضي،

وهو جارٍ على أصله في أن كل مجتهد مصيب، وأنه إذا [انتهضت] الأمارات، حصل العلم بالحكم. أما نحن إذا بنينا على أن المصيب واحد، لم نشترط في نية العبادة العلم بوجوبها، بل يكتفي بالظن في ذلك. وأما المسلك الثاني للقاضي، وهو الذي بنى النسخ عليه، أن الحكم يثبت قطعان ثم يرتفع بالنسخ. فالكلام فيه طويل. وسيأتي مقررا في كتاب (النسخ). إن شاء الله تعالى. وقوله: (فلا يتوجه القطع بتوجه التكليف، إلا مع القطع بالإمكان، أو مع اعتقاد التكليف من غير إمكان. وهذه قسمة بديهية لا يتصور مزيد عليها). ونحن قررنا أن الإمكان شرط في إيقاع الفعل، وليس شرطا في توجه التكليف، فإن التكليف يتحقق من غير أن يعلم المكلف تمكنه (35/ب) من

الفعل في مستقبل الزمان. هذا تمام كلام الإمام، واعتراضه والرد عليه. وللمسألة عندي طريق آخر، ليس هو شيئا من هذا، وذلك أنا نقول: إنما يتصور أن يعلم المأمور كونه مأمورا قبل التمكن من الامتثال، إذا تصور أن يؤمر قبل ذلك. فإن العلم يتبع المعلوم على ما هو به، فإذا تصور أن يؤمر قبل التمكن، أمكن أن يعلم ذلك، إذا نصب له عليه دليل، وإنما يكون مأمورا، إذا توجه الأمر عليه. وهل يصح أن [يتوجه] الأمر عليه قبل أن يعلم تمكنه من الفعل المكلف [به]؟ وقد بينا أن ذلك يتصور، وبينا ثبوته في حقوق البشر وأوامرهم مع عبيدهم. ولو اتفق أن يكون مستحيلا، لما تصور شاهدا وغائبا. فإذا قال السيد لعبده: صم غدا، فقد أوجب وألزم في الحال صوم الغد، وإن كان الإيقاع مشروطا ببقاء العبد إلى الغد. فقد تنجز التكليف، وتحقق الخطاب، وإن لم يكن الفعل في الحال، ولا علم إمكانه في الغد، لاحتمال طريان موت أو عجز.

فلما ثبت ذلك في الشاهد، أطبقت المعتزلة على أن الأمر بالشرط أمر في الحال، لكن يشترط أن تكون عاقبة الشرط ملتبسة على الآمر (65/أ) الطالب. أما إذا كانت منكشفة له، لم يكن أمر بشرط في حقه، بل إن كان عالما بالثبوت، فأمر مؤقت، وإن كان عالما بالانتفاء، فلا أمر على حال. وإنما حملهم على ذلك أصلان: أحدهما- أن الشرط هو الذي يمكن أن يكون، وأن لا يكون، أما ما يتحقق ثبوته أو نفيه، فلا يصلح للشرطية. الثاني- أن الأمر مريدا للفعل الذي علق طلبه على الشرط. فإن من قال لعبده: صم إن صعدت السماء، لم يرد صومه بحال. فلما تقرر ذلك عند القوم، قالوا: لا يتصور الأمر بالشرط في حق الله - عز وجل -، لعلمه بعواقب الأمور، ولامتناع الإرادة في الفعل. وأما نحن، فلا نقول باقتران الأمر بالإرادة. وقد تقدم الدليل على ذلك، فيصح أن يأمر، وإن لم يكن مريدا للمأمور به. هذا حرف المسألة بين الفريقين. ونحن نقول: متى كان الشرط منكشفا [للمأمور]، فالأمر على ما قالوه، لامتناع مقصد التكليف، من تجريد الرغبات، وانتفاء الابتلاء والامتحان. هذا

عندنا ممتنع، باعتبار الواقع لا المعقول. فإذا اشتبهت عاقبة الأمر على المطلوب منه، صح أن يكلف، كما فعل في حق إبراهيم - عليه السلام -، وقد سماه الله تعالى مبينا. والمعتزلة بنت ما قررناه من أصولها، وزادوا وجها آخر، فقالوا: (36/أ) إذا كان الأمر بالشرط مشروطا بجهله، فليكن ذلك في حق الآمر، إذا هو الذي قام به الأمر، فالمؤثر فيه صفة، لا صفة غيره. وقد قدمنا نحن من أصولنا ما [يحقق] وقوع التكليف بما لا يقدر المكلف عليه، وبينا ذلك بيانا شافيا، وحققنا أن العاصي غير قادر على الطاعة، ولا يخرجه ذلك عن كونه مأمورا منهيا. ولكن لما أمكن تحريك الرغبات في الاعتياد، والصوارف بالنهي، صح التكليف. ويكتفي في حق المكلف بأن لا يعلم عجزه عن الفعل. فأما أن يشترط علمه بالإمكان وقت العمل فلا. وهذا هو الثابت في الشرائع، فإن أحدا من المكلفين لا يعلم وقوع الفعل الذي يكلف به قبل وقوعه في جريان العادة، بل يتحقق التكيف علما، وإن أمكن الاخترام قبل ذلك. وإن جاء الاخترام أو العجز أو النسخ، لم يتبين أنه لم يكن مأمورا، بل نقول: أمر ثم انقطع التكليف عنه.

وعلى هذا قضى مالك - رضي الله عنه - بأن المرأة لو أفطرت في أول النهار، ثم حاضت في آخره في رمضان، لوجبت عليها الكفارة، لأنها أفسدت الصوم المأمور به على الحقيقة. وليس طريان الحيض يبين سقوط التكيف بصوم اليوم من أوله، بل يقطعه بعد توجهه. فإن قيل: فلو علمت المرأة بقول نبي صادق أنها تحيض في أثناء النهار، فهل تتمكن من الإفطار، من [جهة] أن صوم بعض اليوم غير مأمور به، وهي لا تستطيع صوم الجميع؟ قلنا: يجب عليها الصيام في الحال، فإن المرخص للإفطار لم يوجد بعد، والميسور لا يسقط بالمعسور. نعم. لو علمت أنها لا تتمكن من صوم اليوم بوجه، بالإخبار أنها تحيض قبل الفجر، لم يتأت منها اعتقاد الوجوب في هذه الصورة، لفوات مقصد التكليف [من الابتلاء] والعزم، والاهتمام بالعمل. هذا تقرير الكلام على المذهبين جميعا. والله المستعان وعليه أتوكل وإليه أنيب. (65/ب) قال الإمام [رحمه الله]: (القول في النواهي: النهي من أقسام الكلام

القول في النواهي

القائم بالنفس، وهو في اقتضاء الانكفاف عن المنهي عنه) إلى آخر المسألة. قال الشيخ: قوله: القول في النواهي. وإيراد الجميع على هذه الصيغة، هو بمثابة قوله: الأوامر. والكلام على المفرد والجمع، واشتراك الاسم على ما سبقن فلا نعيده. وقد رد النهي في هذا المكان إلى طلب الانكفاف، لا إلى نفي المنفي عنه، فإن الكف: فعل يدخل تحت المقدور، والنفي ليس بمقدور. على حسب ما سبق، فلا نعيده. قال الإمام: (مسألة: ذهب المحققون إلى أن الصيغة المطلقة في النهي) (36/ب) إلى قوله (وأبو هاشم لا يسلم ذلك ولا أمثاله، ولا هو ممن يروعه

[التهويل]). قال الشيخ: الكلام مع أبي هاشم في موضعين: أحدهما- في تصور الطاعة في الأرض المغصوبة وامتناع ذلك. والثاني- وإذا لم نتصور الطاعة، فهل يبقى الأمر متوجها على المكلف، أم ينقطع عنه؟ أما البحث العقلي، فقد اتفق عليه القاضي وأبو هاشم. وأما الأمر الشرعي، وهو أن الأمر يبقى مستمرا أو ينقطع؟ فإن الظاهر ما قاله أبو

هاشم، من أن الفعل إذا خرج عن كونه طاعة، وبقي العمل قائما، وجب الامتثال، تلقيا من الخطاب. هذا ظاهر إلا أن يقوم دليل على سقوط الطلب. [والمسائل التي أوردت نقوضا عليه] لازمة بغير إشكال، ولا قدرة له على منع جميعها بحال.

وقول الإمام: (إنه لا يسلمها ولا شيئا منها، وليس هو ممن يروعه التهويل). تنويه من الإمام بقول خارق [الإجماع]، فإنه [إذا] ذهب إلى بطلان صلاة من توجه عليه قضاء دين، لم يختص ذلك ببطلان الصلاة، بل يتعدى إلى النكاح والبيع [وغيرهما]، [وكذلك لا يختص الأمر بقضاء الدين، بل التحلل من الحقوق التي يجب التنصل منها، كالغيبة وغيرها]، وجميع ما يتعلق بحقوق العباد. فيفضي ذلك إلى بطلان أعمال أكثر الخلق من صلاة وصوم وزكاة وحج وبيع وشراء وإعتاق، إلى غير ذلك من التصرفات التي

هي ضروريات الخلق. وهذا معلوم بطلانه من أدلة الشريعة علما ضروريا. وأما ما تمسك به من البحث العقلي في اتحاد الفعل فالرد عليه هو والقاضي يأتي في آخر المسألة، إن شاء الله تعالى. قال الإمام: (ومما ألزمه القاضي من هذا الفن أنه قال: المصلي في حال غفلاته، ليس قائما بحقيقة العبادة) إلى قوله (فهذا م كلام المعترضين). قال الشيخ: إلزام القاضي صحيح، وعذر الإمام ضعيف، والانفصال [عما] ذكره غير متجه. وبيان تقرير الالتزام أن أبا هاشم اعتمد على بقاء الأمر متوجها على من لم يمتثل، ورأى أن المصلي في الدار المغصوبة غير ممتثل- على زعمه- فيبقى الأمر متوجها.

قال القاضي: إنما يكو الفعل امتثالا، إذا كان الطلب متوجها، وإذا سقط تعلق الطلب بالفعل، كيف يتصور أن يكون امتثالا، وهو غير مطلوب، والغفلة حالة استمرار التكليف؟ فإذا صح أن يكون هذا الفعل مسقطا للخطاب، وإن لم يكن طاعة، لم يبعد أيضا في مسألة المصلي في الدار المغصوبة أن يسقط التكليف، وإن لم يكن مطيعا. والفرق بأن المصلي في الدار المغصوبة (66/أ) عاص بفعله، والغافل غير مكلف في حال غفلته، لا يقدح فيما قرراه. فإن أبا هاشم إنما اعتمد في بقاء التكليف مستمرا على كون الفاعل غير مطيع (37/أ)، فإنه قال: إن المعصية لا يتصور أن تكو طاعة، وكذلك الفعل في [حال] الغفلة لا يتصور أن يكون طاعة، إذ لا تكليف. هذا هو التحقيق.

وقول الإمام: (وإنما غائلة [كلام] أبي هاشم، أن المعصية لا يصلح أن تكون مأمورا بها على جهة العبادة، ولا على جهة أخرى). ومثله يطرد في الفعل في حال الغفلة من غير إشكال. قال الإمام [رحمه الله]: (وأما القاضي فقد سلك مسلكا آخر،

[وسلم] أن الصلاة في الدار المغصوبة) إلى قوله (ممن يدعي وفاق الماضي على إسقاط الأمر بسبب معصية). قال الشيخ: أما كون القاضي سلم أن الصلاة الواقعة في الأرض المغصوبة ليست طاعة. فسيأتي وجه الرد عليه. [وأما تمسكه] بالإجماع على سقوط القضاء، فلم يقل في ذلك إجماع مصرح به. وقول الإمام: (هذا حائد عن التحصيل). وقوله: (فإن الأعذار التي تسقط التكليف محصورة، والمصير إلى سقوط التكليف بسبب معصية مع التمكن، لا أصل له في الشريعة). كلام كله ضعيف، ومن ساعده على انحصار الأعذار فيما تخيله؟

وقوله: (السقوط في هذه الصورة لا أصل له). إن أراد أنه لا أصل له يشبهه بقياس عليه، [فقد] سلم ذلك. وإن أراد أنه لا دليل عليه، فالقاضي قد ادعى الإجماع في ذلك، فلا يبقى إلا المطالبة بتحقيق نقل الإجماع. وهذا لعمري نقله [صعب]، وطريقه مشكل، ولا يصح إجماع على التواتر، وإن قدرنا نقل الآحاد، صارت المسألة ظنية، وخرجت عن نظر الأصول. وقد ذهب أبو حامد إلى أنها قطعية واحتج بأن: من أبطل أخذه من دليل العقل، وهو مقطوع به. ومن [صحح]، أخذه من الإجماع، وهو أيضا مقطوع به. فكأنه يقول: انعقد الإجماع على أنها قطعية، وإنما يبقى النظر في [تعيين] [مأخذه] لا طريقه. والإجماع لم ينقله القاضي صريحا، وإنما تلقاه بمسلك استنباطي على

زعمه. فقال: (لم يأمر أئمة السلف الغصاب بإعادة الصلوات التي أقاموها في الأراضي المغصوبة). ورد عليه الإمام بقوله: (قد كان في السلف متعمقون في [الفتوى] يأمرون بالقضاء بدون ما فرضه القاضي). وهذا الرد ضعيف، [وكأنه] راجع إلى نقل الإجماع بطريق القياس، إذ معنى الكلام: إذا كانوا يأمرون بالقضاء بدونه، فكيف لا يأمرون بالقضاء بهذا؟ وهذا لا يتصور أن يرد به على من نقل الإجماع. نعم، يطالب بتقرير صحة النقل. فأما وجه الإمام، فلا يتوجه. والطريق الذي أسند إليه القاضي الإجماع، لا يصلح عندي للثبوت، فإنه قال: لم يأمر أئمة السلف الغصاب بإعادة الصلوات، وهذا يحتمل [أمورا] كثيرة، إما أن يكونوا أمروا ولم يتفق نقله تواترا، فإن هذا ليس من الأمور العظيمة التي تتوفر (37/ب) الدواعي على نقلها على مرور [الآماد] وتمادي الزمان، فمن أي يحصل العلم بأنهم لم يأمروا بجملتهم حتى يكون

ذلك إجماعا على سقوط القضاء؟ وقد يمكن أن يكون بعضهم يرى القضاء، ولا يرى المسألة قطعية، ولم يستفت فيها، واكتفى بجواب غيره، أو ما أراد أن يرد على المجتهد في محل الاجتهاد، أو لعل جميع العلماء ما اطلعوا على المصلي في الأرض المغصوبة من الأمراء بعد التوبة. وهذه احتمالات كثيرة تمنع من العلم بإضرابهم (66/ب) عن الأمر بالقضاء. وههنا مسألة عظيمة ستأتي إن شاء الله تعالى في كتاب الإجماع، وهي أن الأمة، هل [عصمت] عن [المعصية] على الإطلاق، أو عصمت عن الخطأ في الأحكام؟ فإذا قلنا: إنها لم تعصم إلا عن الخطأ في الأحكام، وهو اختيار القاضي أبي بكر، فغاية ما فيه لو ثبت النقل عن جميعهم أنهم لم يأمروا بالقضاء، فهل قضوا مع ذلك ببراءة الذمة وسقوط المطالبة، واقتصروا على الإضراب، فيكون ذلك من باب تعاطي الفعل، لا من أبواب الفتوى؟ وإن صرنا- وهو الصحيح- إلى العصمة على الإطلاق، فتبقى الاحتمالات السابقة، فيفوت العلم بسببها.

وقوله: (ثم إن صح عندهم ما ذكره) إلى آخره. كلام ضعيف، مبني على تحريف، فإذا كان الإمام لم يثبت عنده الإجماع على عدم الأمر بالقضاء، كيف يتفق أن يرتب على ذلك نقل الإجماع على أن الموقع صلاة مجزئة؟ فهذا محل غفلة، إلا أن يصدق القاضي في نقل الإجماع، ثم يزعم أنهم أفتوا بكونها صحيحة، فيكون هذا ضدا لما نقله من الخلاف أولا. فإنه قال: (وتقدير الإجماع مع ظهور خلاف السلف عسر). وقوله: (فلا ينبغي أن يجريه في عين [ما نقله]). القاضي لم ينقل أن الموقع صلاة حتى يكون قد [أجرى] المنقول، ولكنه أخذ من الإجماع سقوط القضاء، وتلقي من العقل استحالة كون الموقع طاعة، هذا طريقه

قال الإمام: (فإذا لاح بطلان هذه الوجوه، فقد حان أن نذكر طريق التحقيق، ونبوح بالسر والغرض) إلى قوله (وهذا في [نهاية] الوضوح). قال الشيخ: ما ذكره الإمام في هذا المكان كلام حسن، وهو رأي الفقهاء. وحاصله راجع إلى تعدد الجهات، وإقامتها مقام متعدد الذوات، وينظر في ذلك إلى غرض الطالب فقد يطلب الشيء من جهة، وينهي عنه من جهة، ولكن يشترط في ذلك أمران: أحدهما- بيان تعدد الجهات. والثاني- صحة الانفصال. أما إذا تعددت الجهات، ولم يمكن الفصل، استحال تعلق الأمر بجهة والنهي بأخرى، وكذلك يقال في الفعلين المتلازمين. وقد بينا ذلك في مسألة

غسل الوجه، وأنه لو منع أخذ أطراف في الرأس، كان (38/أ) ذلك يجر إلى تكليف ما لا يطاق. فعلينا الآن أن نبين تعدد الجهات، وإمكان الانفصال، فنقول: الناهي عن الغصب إنما نهى عنه باعتبار معقول، وهو وضع اليد العادية على ملك الغير، وقد يكون الإنسان عاصيا، وإن لم يكن في المكان بالكلية، فضلا عن أن يكون مصليا، فإذا لم ينه عن الغضب باعتبار حركة أو سكون، فهذه جهة معقولة، غير متوقفة على تخيير في البقعة المغصوبة أو غير ذلك. وقد يأمر بالصلاة من لا يخطر بباله تخير مكان مخصوص لها، وإن كانت الصلاة لا تقع إلا في مكان. لكن هذا من ضرورة الوجود، لا من مقصود الطلب، فليس من ضرورة مصادفتها للبقعة المغصوبة أو مباينتها لها، ولا تتوقف عقليه [إحداهما] على تصور الأخرى. وإن كان كذلك، فقد قررنا فيما قدمنا أنه يجب فهم الخطاب قبل الشروع

في العمل. فإذا فهم الخطاب على حقيقته، نسب الحاصل إلى ما فهم. فإذا وجد موافقا له، قضي بكونه امتثالا. فليفهم أولا معنى قوله (صل)، فإذا أحيط به فهما، نسبت الصلاة الواقعة في (67/أ) الأرض المغصوبة إلى الطلب السابق، [ووجب] القضاء بالامتثال. وليفهم [أولا] النهي عن الغصب،

ثم ينسب الفعل الواقع في الأرض المغصوبة إليه، فتصح النسبة، فيقضى عليه من هذه الجهة بكونه معصية، لا باعتبار خصوصية الصلاة. والمثال المذكور فيه مزيد بيان، وتمام إيضاح، وهو: إذا أمره بالخياطة ونهاه عن دخول الدار مطلقا، فهو يفهم طلب الخياطة أولا، ويفهم النهي عن دخول الدار أيضا، فإذا خاط في تلك الدار، فقد أتى بالمطلوب، لأن معقول الخياطة قد حصل، والمخالفة بالدخول قد تحققت، ولا شك أن طلب الخياطة لا تعلق [له] بمكان مخصوص، بل تعلقه بالخياطة في تلك الدار، كتعلقه بها في غيرها. وهذا واضح. ومعنى قول الإمام: (وليس للفعل من نسبة الخطاب إليه صفة، حتى يقال يتصف بكونه حسنا، باعتبار تعلق الأمر به، وينصف بكونه قبيحا، باعتبار تعلق النهي به). والأمر على ما قال الإمام من: (أن الفعل لا [يكتسب] من

تعلق الحكم به صفة). ولو صرنا إلى صبوت الصفات، لم يتناقض، إذا صح تعدد الجهات، وتنزيلها منزلة تعدد الذوات. وسيأتي هذا في مسألة السجود بين يدي الصنم. وقوله: (وما ذكرناه وما لم نذكره [تضبطه] الآن [أقسام] ثلاثة: [الأول]: وهو أنه لا يتصور أن يجتمع الأمر والنهي على فعل واحد من وجه

واحد، بل هما يتعاقبان [ويتضادان]. [والثاني]: وهو أن يرد أمر بفعل، ثم يرد [نهي] عن إيقاع ذلك المأمور به على وجه، فهذا يتضمن إلحاق شرط (38/ب) بالأمر الأول [ويكون] الإتيان به مع تفويت شرطه منهيا، كما لو باشر النهي عنه). هذا القسم مما اختلف الناس فيه. فذهب الشافعي ومالك إلى ما قاله الإمام من بطلان العمل عند [فوات] الوصف المطلوب. وخالف في ذلك أبو حنيفة، وزعم أن ذلك يتضمن فساد الوصف [لا انتفاء] الأصل. واقتصر الإمام على ذكر الحكم ولم يذكر الخلاف ولا الدليل.

وهذه المسألة غامضة جدا، ولنصورها أولا، فنقول: إذا قال الله تعالى: {وليطوفوا بالبيت العتيق}. ثم نهى عن الطواف مع الحدث، أو أمر بالبيع ونهى عن إيقاعه مشتملا على زيادة في العوض في الربويات، وأمر بالصيام ونهى عن إيقاعه يوم النحر، وشرع الطلاق ونهى عن إيقاعه في حالة الحيض، فيقال: الصوم من حيث أنه صوم مشروع، ومن حيث وقوعه يوم النحر غير مشروع، وكذلك الطواف مشروع بقوله تعالى: {وليطوفوا بالبيت العتيق}. ولكن من جهة وقوعه مع الحدث غير مشروع، إلى بقية الأقسام. فالفساد عندنا يرجع إلى الأصل. وأبو حنيفة جعل هذا درجة بين الممنوع بأصله ووصفهن وبين المشروع بهما جميعا، ولهذا قضى بصحة صوم يوم النحر، ووقوعه طاعة، وإن [كان] المكلف عاصيا، وحيث أبطل صلاة المحدث

دون طوافه. وزعم أن الدليل قد دل على الشرطية، لا من جهة النهي عن الوصف، فقال: قال صلى الله عليه وسلم: (لا صلاة إلا بطهور). والشافعي ومالك حين نفذ الطلاق في الحيض، بينا انصراف النهي عن الطلاق ووصفه، الذي [هو] أمر يجاوره، وهو تطويل العدة، أو لحوق الندم عند الشك في الولد. وفي المسألة نظران يتعلق أحدهما بالأمر المعقول، وهو أنه هل (67/ب) يتصور النهي عن الوصف مع بقاء الأصل مطلوبا، أو كل نهي رجع غلى الوصف [رجع] إلى الأصل؟ فإن كان كذلك، استحال أن يقضى بالطاعة والمعصية جميعا مع اتحاد الجهة، إذ من المحال أن يقول: أمرتك بالخياطة وأنهاك عنها. ويصح أن يقال: اجمع بين المطلوب والمكروه، إذ دخول الدار أمر زائد على الخياطة. كما سبق تقريره. وإذا قال: آمرك بالخياطة وأنهاك عن

إيقاعها وقت الزوال، فهل يقال: جمع بين المكروه والمطلوب، أو ما أتى بالمطلوب؟ فالصحيح عندنا أنه ما أتى بالمطلوب. والدليل عليه أن إيقاع الخياطة هو عين الخياطة، وليس إيقاع الخياطة زائدا عليها. ولو قال: آمرك بالخياطة وأنهاك عنها وقت الزوال، تضمن ذلك تخصيص الطلب الأول ببعض الأوقات، إذ لو كانت مطلوبة في كل وقت، لأفضى أن تكون الخياطة مطلوبة وقت الزوال، ومنهيا عنها في ذلك (39/أ) الوقت، وذلك محال. ومن زعم أن الخياطة مطلوبة، فلا بد أن يبين للنهي مصرفا آخر، يمكن انفصاله عن الخياطة، وذلك غير ممكن. وكذلك إذا قال: {وأحل الله البيع} مطلقا، ثم نهى عن البيع المشتمل على الزيادة في الربويات، اقتضى ذلك تخصيصا وتقييدا في الخطاب الأول، فيكون البيع المشتمل على الزيادة ليس بمشروع على حال. فإن الشيء لا يصح أن يكون مشروعا ممنوعا، فيفتقر- على

رأيهم- إلى أن يبين أن بيع الربا مندرج تحت آية الحل، ومندرج تحت آية التحريم، وذلك متناقض لا شك فيه. وأما النظر الثاني: وهو أن مطلق النهي، هل ينصرف إلى العين، أو إلى الوصف، أو إلى المجاور؟ وسنتكلم عليه بعد هذا، إن شاء الله تعالى. قال الإمام [رحمه الله]: (فإذا [تبين] ما ذكرناه، انعطفنا بعده على القول في الصلاة في الدار المغصوبة. وقلنا: لم يثبت النهي عن الكون في الدار المغصوبة) إلى قوله (لم تصح، كما لا تصح صلاة المحدث، لما صح النهي عن الصلاة مع الحدث). قال الشيخ: قوله: لم يثبت النهي عن الكون في الدار المغصوبة، باعتبار مقصد الصلاة. فقد تقدم الكلام عليه.

وقوله: (وإن [ورد] نهي مقصود عن الصلاة في [البقعة] المغصوبة، فلا تصح). قصد [بهذا]، [أنه] قد يرد النهي عن الصلاة في مكان، ولكن يقوم الدليل على أن النهي لم يكن لأجل نفس الصلاة، بل لأمر يجاورها، فلا يمنع ذلك صحتها. وهذا بمثابة النهي عن الصلاة في المواضع السبعة. وكذلك النهي عن البيع وقت النداء يوم الجمعة. فالحكم في صحة الصلاة في بعض الصور [يكون] عندما يقوم الدليل على الصرف عن الأصل [إلى الوصف]. ولكن [ما] يقتضي مطلق النهي، هل يتناول الذات حتى

يقوم الدليل على الانصراف إلى جهة أخرى، ويكون منصرفا حتى يفتقر إلى دليل المباشرة؟ فالذي ذهب إليه الجماهير أن الطاهرة مباشرة النهي لعين المنهي عنه، حتى يقوم دليل على خلاف ذلك. وإنما أخذ هذا من قضائهما بأن النهي تضمن صحة المنهي عنه، وأنه استدل بالنهي عن صوم يوم النحر على صحة صومه، وأنه لو استحال انعقاده، لما نهي عنه، إذ المحال لا ينهى عنه، فإنه مندفع بنفسه، إذ لا يقال للأعمى: لا تبصر، كما لا يقال له: أبصر. وقالوا: إن النهي عن الزنا يدل على انعقاده. وهذا فاسد، بل النهي لا يدل إلا على طلب الترك. فأما أن يدل على كون الشيء مثمرا إن وقع، فهذا (68/أ) محال. وحجتهم في هذا من حيث الجملة، بعد التقرير الأول، هو امتناع النهي عن المحال، وطلب الإمكان في الأمر والنهي جميعا. وهذا مسلم. قالوا:

والشرع قد تصرف في (39/ ب) الأسماء، فيكون اسم البيع للبيع الشرعي. وهذا كم قررناه أولا، لأنه يجب فهم مدلول الأسماء، ثم ينسب إليها الأمر والنهي، ولا تتغير النسبة بالنظر إلى تعلق الأمر والنهي. قالوا: وإذا كان كذلك، صار معنى الكلام: نهيتكم عن البيع الشرعي، والبيع الشرعي هو المستجمع لشرائط الصحة. وإذا كان كذلك، تعذر فساده والنهي عنه، ولزم من ذلك أن يكون الكلام مؤولا ولا منصرفا إلى جهة غير جهة البيع. وهذا باطل قطعا، فإنه صرف اللفظ عن مدلوله، ورده إلى جهة غير مذكورة، مع ادعاء أن هذا ظاهر اللفظ، وهذا محال. فيجب تنزيل اللفظ على ظاهره إلا أن يدل دليل على خلافه. هذا هو طريق التحقيق في مقتضى العقل واللغة والشرع. والله المستعان. قال الإمام: (فهذا تمام المقصود في المقدمة الموعودة، [والآن يرجع بنا الكلام] إلى القول في أن النهي عن الشيء يدل على الفساد) إلى قوله

([وهذا] بلاغ كامل). قال الشيخ: ينبغي أن يفهم معنى الفساد والصحة أولا، ثم ينظر في النهي، هل يتضمن الفساد أم لا؟ فيعبر عن الصحيح: بما أثمر الثمرة المقصودة منه، ويعبر بالفساد: عما تخلفت عنه ثمرته. والفاسد مرادف للباطل عندنا. وعند أبي حنيفة الفاسد: عبارة عن الممنوع بوصفه، المشروع بأصله، كصوم يوم النحر، والباطل: عبارة عما لم يشرع أصله. ورتب على ذلك أن البيع الفاسد ينقل الملك نقلا خبيثا مستحقا للنقض،

بخلاف بيع الخمر، فإنه لا يفيد [شيئا [أصلا، وكذلك بيع الخمر، بخلاف الربا، فإنه قال: يصح إذا سقطت الزيادة. وكذلك البيع بشرط خيار طويل يزيد عنده ثلاثة أيام. قال: إذا سقط اليوم الرابع قبل حلوله، صح البيع. فإذا تبين ذلك، فقد اختلف الناس في النهي، هل يدل على الفساد وتخلف الثمرات أم لا؟ فقال قائلون: إنه يدل. وقال آخرون: لا يدل. وفرق آخرون بين ما نهي عنه لعينه أو لوصفه.

والصحيح عندنا التفصيل. وهو أن ينظر إلى ثمرة السبب ومقصوده، هل ثمرته الثواب؟ [أو] [المدح] شرعا؟ أو براءة الذمة وسقوط القضاء؟ أو ثمرته ترجع إلى حصول أملاك، واستباحة فروج، وما يرجع إلى فوائد العقود؟ فإن كانت الثمرة من الجنس الأول، فالنهي يقتضي تخلفها، فينبغي أن يقتضي فسادا، إذ لا يصلح أن يكون الفعل حراما طاعة، [أو] منهيا عنه امتثالا، أو مذموما على فعله ممدوحا، أو معاقبا عليه مثابا، هذا متناقض لا إشكال فيه، فيكون النهي في هذا الصنف يدل على الفساد إلا أن يتبين انصراف النهي عن ذات العمل ووصفه إلى أمر يجاوره ويلازمه، فلا يقتضي ذلك فسادا، لكون العمل على الحقيقة غير منهي عنه. وأما ما يتعلق بالعقود (40/ أ)، فهذا محل غامض. وقد صار كثير من المتكلمين والفقهاء إلى أنه لا يدل على الفساد، وقالوا: تخلف الثمرات عند كون الفعل منهيا عنه، إما أن يكون لتناقض من جهة العقل، [أو من جهة اللغة،

معنى الفساد والبطلان

أو من جهة تقدير (68/ب) الشريعة. لا يصح أن يقال تناقض من جهة العقل] أن يكون البيع إذا وقع منهيا عنه [مفيدا] للملك، فإنه يجوز من جهة العقل أن نقول: هذا البيع محرم لعينه، ولكن إذا وقع أفاد الملك للفريقين. وكذلك نقول: ينهى الأب أن يطأ جارية الابن، لكنه إن وطئ واستولد [تم] الملك، والتحق الولد. فليس في ذلك مناقضة عقلية. وكذلك لا يتناقض من جهة اللغة، فإنه يصح للعربي أن يقول مثل ذلك. على أن الأحكام الشرعية لا تترتب على اللسان ولابد، وإنما هذه أمور ترجع إلى وضع الشرع، فله وضعها كيف يشاء. فإن كان يقضي فسادا، فلابد [و] أن يسند هذا إلى الشرع، وإذا ورد الشرع به، تلقى بالقبول. وذلك إما أن يكون نقلا صريحا أو استنباطا. أما الإجماع فمفقود، والنقل الصريح: إما تواترا أو آحادا، ولم يثبت شيء من ذلك. فلزم منع الإطلاق بأن النهي يدل على الفساد في هذه الأسباب. وهذا كلام قوي، والإمام لم يدل على ذلك، ولم يتعرض لما قررناه. وإنما قال: (نحن إنما نعني بالفساد: الحيد عن سنن

الامتثال). وهذا كلام ضعيف، لأن هذا لا يطرد في العقود المشروعة على جهة الإذن دون الطلب، كالبيع والإجارة وغيرهما. وإذا كان هو إنما يريد بالفساد تحقيق المخالفة، وخروج الفعل عن كونه امتثالا، لم ينازع فيه، ولكن لا يحصل منه غرضه في كل الأبواب. فإن هذا إنما يجري في العبادات دون المعاملات. [وهو] [سيتكلم] بعد على أن البيع الفاسد لا ينقل الملك، ويحيل الدليل [على] هذا المكان. وهذا لا ينتفع به على حال. وإذ تحقق ما قلناه، فالصحيح من مذهب مالك أن النهي يدل على الفساد. وتقريره هو أن هذه العقود ورد الشرع بها تحصيلا لمصالح الخلق منها، لما علم في ذلك من لطف واستصلاح. فإذا ورد النهي عنها، فقد منع من الإقدام عليها، فقد علم أن لا مصلحة له فيها، أو مفسدتها [تربو] على مصلحتها. فلو أفادت المقصود عند الإقدام عليها، كان ذلك محركا للنفوس لتعاطيها، ومفسدتها الراجحة تمنع من الإقدام عليها، فيتناقض من قبل الشارع

الصارف والباعث، وحكم الشرع على خلاف ذلك. قال المغيرة من أصحاب مالك في النكاح الفاسد: إنه لا يحل المبتوتة، قال: ولا يكون ما حرم الله تعالى طريقا إلى ما أحل. يشير إلى ما قررناه. ويظهر من كلام الشافعي أنه سلك بالعقود مسلك العبادات. ولهذا إنما تفيد إذا جرت على وفق الشرع، نظرا إلى ما تمهد فيها من الشروط، وقيدت به من القيود، ومنع الخلق من كثير مما يرضون به، فلما تمهدت هذا التمهيد، أشبهت العبادات، فيكون انتقال الأملاك متوقفا على جريان عقود مشروعة. ولهذا منع من انعقاد النكاح بلفظ (40/أ) الهبة، إلى غير ذلك من مسائله. ولقد بنى على هذا أنه عد أبواب الخيار والأجل من الرخص. فإذا تحقق ذلك، فكلام الإمام خارج عن كلام الفريقين، لأنه عمم القول بأن النهي يدل على الفساد، وخصص الدليل يكون المنهي عنه لا يكون امتثالا. وهذا إنما يجري في العبادات دون المعاملات.

(مسألة: الرد على الكعبي في مصيره إلى أنه لا مباح في الشريعة)

قال الإمام: (مسألة: مما يتعلق بالمناهي (69/أ) الرد على الكعبي في مصيره إلى أنه لا مباح في الشريعة) إلى آخر المسألة. قال الشيخ: ما ذهب إليه من ر مباح في الشريعة، له مأخذان: أحدهما- وهو الصحيح عنده- أن المباح به، ولكنه دون الندب، كما أن المندوب مأمور به، ولكنه دون الواجب. وهذا بناه على أن المباح حسن، ويصح أن يطلبه الطالب [لحسنه]. هذا هو الطريق الذي اعتمده الكعبي في الفتوى. وهذا الذي قاله غير معقول، فإن هذا المطلوب: إما أن يترجح فعله على تركه، أو لا يترجح، فإن لم يترجح، فهو المباح بعينه، وإن ترجح، فلا يخلو: أن يلحق الذم بتركه على وجه ما أو لا يلحق، فإن لحق الذم

بتركه على وجه ما، فهو الواجب، وإلا فهو المندوب. ومن تخيل مرتبة في الطلب بعد هاتين، فلا عقل له بوجه. وأما الطريق الثاني- وهو أن المباح يقع تركا لمحظور، فيقع من هذه الجهة واجبا. فهذا يمنع من أن يكون التخيير ثابتا في الشرع على حال، وهو فاسد لأدلة: أحدها- أنه يفضي إلى تناقض، فإنه قد يترك بالفعل واجبا وحراما، قليكن حراما واجبا، ويمنع أيضا من إثبات المندوب والمكروه، فترجع الأحكام إلى قسمين، ثم يتأتى التناقض في القسمين، فإذا تعاطى محرما، فقد ينكف به عن حرام آخر، فليكن واجبا من جهة انكفافه به عن محرم، وليكن حراما. وكذلك يقال في الواجب، فإنه قد يترك بفعله واجبا.

وأيضا فإن هذا مخالف لإجماع الأمة، فإن المباحات مقصودة منتحاة [بقصد] الإباحة، وليست مقصودة بإيجاب. وما قررناه في مسألة الصلاة في دار المغصوبة من الالتفاف إلى المقاصد يبين هذا كله. فلا ينبغي أن تقع الالغفلة عن مقصد الطالبين في مطالبتهم.

(مسألة: المكروه لا يدخل تحت الأمر المطلق عند المحققين)

قال الإمام: (مسألة: المكروه لا يدخل تحت الأمر المطلق عند المحققين) إلى آخر المسألة. قال الشيخ: الأمر على ما ذكره الإمام من حيث أن المكروه مطلوب تركه، فكيف يندرج تحت الأمر الذي هو طلب الفعل؟ والجمع بين طلب الفعل وطلب الترك في فعل واحد من وجه واحد متناقض. فإذا تحقق ذلك، وجب أن يكون المأمور بفعل إذا فعله على وجه، كره الشرع إيقاعه عليه ألا يكون ذلك الفعل امتثالا، ولا يكون الفاعل ممتثلا. هذا

لا إشكال فيه. وينعطف من كراهية (41/ أ) الإيقاع على هذا الوجه قيد على الأمر المطلق. وهذا بمثابة ما مثله في القسم الثاني في مسألة الصلاة في الدار المغصوبة. وكما قررناه فيما إذا أمر بالطواف ونهى عن إيقاعه مع الحدث. وإذا تقرر أن الوضوء المنكس مكروه عند الشرع، فلا يصح أن يكون مأمورا به بحال، ويكون قوله تعالى: {إذا قمتم إلى الصلاة}. الآية، يتضمن وضوءا ليس هو المنكس، فلا يبقى للآية محمل إلى الوضوء المرتب.

وقول الإمام: (إنه لا يمتنع الإجزاء مع الحكم بالكراهة، ومن تتبع قواعد الشريعة ألفي من ذلك أمثلة تفوق الحصر). وليس الأمر على ما قاله بوجه. بل يستحيل أن يكون المكروه طاعة على حال. فكيف يصح اجتماع الحكمين وهما متضادان؟ نعم، إن تعددت الوجوه، أمكن ذلك. كما قررناه

في الوجوب والتحريم في مسألة الصلاة في الدار المغصوبة. والسر في ذلك (69/ ب) أن الأحكام الخمسة متضادة، لا يصح اجتماعها، ولا اجتماع اثنين منها بحال. نعم، إن تعددت الجهات، وأمكن الفصل، صح التعدد. ومسألة الوضوء المنكس لم يكن [مكروها] من جهة كونه تنكيسا، وإنما كانت الكراهة بالنظر إلى مخالفة السلف الصالح، لا من جهة خصوصية التنكيس. فليفرض الأمر الأول عاما شاملا للمنكس والمرتب، من غير تعرض [لصفة] مخصوصة. كما قلنا في الصلاة في الأرض المغصوبة. فإنه لم يتعرض لمكان مخصوص [لما كان] الأمر

(مسألة: من توسط أرضا مغصوبة على علم، فهو معتد، مأمور بالخروج)

مرسلا في تناول الصلاة، وقعت في تلك البقعة أو غيرها، ثم نهى عن غصب، لا باعتبار صلاة ولا غيرها. كذلك أمر بالوضوء، ونهى عن مخالفة السلف الصالح، أو نهى عن (وقوع العمل على وجه يخالف في صحته جماعة من حملة الشريعة، من غير عسر ولا عذر في ارتياد الموافقة). وهذا كلام واضح. قال الإمام: (مسألة: من توسط أرضا مغصوبة على علم، فهو معتد، مأمور بالخروج) إلى قوله ([وكذلك] الذاهب إلى صوب الخروج ممتثل في وجه، عاص [ببقائه] من وجه). قال الشيخ: ما ذكره الإمام صحيح،

وإذا تحقق الامتثال من كل وجه، استحالت المعصية. ولله حكم على هذا المتوسط، فإذا أمره بالخروج، وحرم عليه المكث، ولم يتوجب واجب آخر، وفعل ما طلب منه من كل وجه، فكيف يتصور أن يكون عاصيا؟ وذهاب أبي هاشم إلى (أنه إلى الانفصال عاص). وهو مقتضى قواعده الفاسدة، إذ تصرف التصرف في ملك الغير بغير إذنه قبيح، [والقبيح] لا يصح أن يكون مطلوبا.

ولكن أوقعه في ذلك أمر عظيم، وهو تكليف ما لا يطاق، فإنه قال: لو خرج عصى، وحرم عليه الشيء وضده جميعا. وهذا أشد من القول في الصلاة في الدار المغصوبة. فإذا قلنا هناك: الواجب الصلاة، والمحرم الغصب. وهاهنا الواجب الخروج، وهو تصرف في ملك الغير، فكيف يصح أن (41/ ب) يكون واجبا محرما؟ ونحن نقول: ليس التصرف في ملك الغير حراما لصفة وهو عليها، وإنما حرم بتحريم الشرع. وهذا التصرف واجب، فلا يصح أن يكون معصية، فيؤمر بالخروج، لأنه تقليل الضرر، وفي المكث تكثيره، وأيسر الضررين يصار إليه، فرارا من ضرر أشد منه. ولذلك أنه لو على إتلاف ملك الغير، وجب أو جاز. وقول الإمام في الغاصب: (إذا ندم وتاب، وأتى بنوبته على شرطها، فإن

ما يتعلق بحق الله تعالى يتنجز سقوطه، إما مقطوعا به على رأي، أو مظنونا على رأي). هذه المسألة تتعلق بالكلام على التوبة وأحكامها وهي كثيرة، وإنما تتكلم هاهنا على حكم واحد، وهو كونها [مكفرة لما سبق من الذنوب. فا] لتوبة بهذا الاعتبار تنقسم قسمين: أحدهما- توبة عن الكفر. والثاني- توبة عن الذنوب سواه. فأما التوبة عن الكفر، فمجمع على أنها تجب ما قبلها، وهذا مقطوع به. وأما التوبة [عما] سواه، فلا يخلو: إما أن تكون توبة عن قتل المؤمن متعمدا، أو غير ذلك، فإن كانت توبة عن القتل، فأكثر أهل العلم يقول: هي [مفيدة]. وذهب بعض العلماء إلى أن القاتل لا توبة له، وهو ضعيف. وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (التوبة تجب ما قبلها). (70/أ) والقسم الثاني من هذا القسم: التوبة عن الذنوب سوى القتل، فقد قال قائلون: إنها تجب قطعا، وقال آخرون: إنها تجب ظنا. والصحيح عندنا

هل التوبة مكفرة للذنوب

القطع بالمحو، ومستندنا انعقاد الإجماع على المحو، وإن اختلفوا في القطع والظن، فمن قال: إنها غير ماحية، فقد خرق الإجماع. وهذا سيأتي له مزيد تقرير في كتاب الإجماع، وفيه نبين أنه إذا اتفقت الأمة على قولين، لم يجز إحداث قول ثالث. فإن قيل: فبعض الأمة ظانة، فكيف ينتج القطع مستندا إلى قولها، والقائل لم يقطع؟ قلنا: يلزم من هذا إذا اتفقت الأمة على قول مظنون، أن لا يكون حجة. وهذا يأتي تقريره. ونحن إنما نختار أن الإجماع حجة على كل حال، فظن بعضهم لا يزيد على ظن جميعهم. وأما قول الإمام: (وأما ما يتعلق [بمطالبة] الآدمي، فالتوبة [لا تنجيه] إلى آخره. فقد تقدم الكلام على ذلك. وقول الإمام هو قول

أبي هاشم حرفا حرفا، وهو يرى استمرار المعصية إلى وصول المال لربه، كما يرى أبو هاشم المعصية إلى انفصاله من البقعة المغصوبة. والرد عليه كالرد عليه. وقوله: (وهذا يلتفت [عليه] الصلاة في الدار المغصوبة، وأنها تقع امتثالا من وجه، وغصبا واعتداء من وجه). فقد تقدم الكلام على الفرق بين المسألتين. ثم إن الإمام حكم بأن الأمر يتناول الصلاة، فهو مأمور بها على التحقيق، والنهي يتناول الغصب، وهو منهي عنه، وذلك (42/ أ) الكلام

صحيح، جار على الأصول. وهذه المسألة [متعددة] الجهات كتعددها هناك، فينبغي أن [يقول: ] إن النهي متوجه عليه [مع] الأمر، فلم افتقر إلى أن يقول العصيان مستمر، والنهي متوجه؟ فقد اعترف بالفرق بين المسألتين. قال الإمام: (فإن قيل: إدامة حكم العصيان عليه [من] ارتكابه نهيا) إلى آخر المسألة. قال الشيخ: أما السؤال الذي وجهه الإمام على نفسه،

فلازم، ولم يحصل عنه انفصال. وقد مر في ذلك ما فيه كفاية وبلاغ. ومسألة أبي هاشم التي ألقاها، تخرج عليها، والنظر إلى أرجح الضررين يدفعه، وإن قدر استواء الضرر في المقام الأول والانتقال، ففي هذه الصورة تردد. فقال قائلون: يتخير، لاستواء الأعمال. وقال قائلون: يمكث، لأن الانتقال فعل مبتدأ، خلاف اللبث، فإنه لا يفتقر إلى استعمال قدرة. وهذا ضعيف، لأن مكثه اختياري كانتقاله، فلا فصل. ويحتمل أن يقال: لا حكم لله، ولا يبعد خلو واقعة عن الحكم، وهذه المسألة ليست منصوصة، ولا نظير لها في المنصوصات. ومذهب الإمام في

هذه سقوط التكليف عن صاحب الواقعة، مع استمرار حكم سخط الله عليه. أما استمرار السخط مع سقوط التكليف، فقد تقدم الكلام عليه. فأما قوله: (إن التكليف ساقط). فعجب، مع كونه يقول: لا تخلو واقعة عن الحكم. وقد سأل أبو حامد الغزالي الإمام أبا المعالي عن هذا، فقال له: كيف تقول: لا حكم وأنت ترى أنه لا تخلو واقعة عن حكم؟ فقال: حكم

الله أن لا حكم. قال أبو حامد: فقلت له: لا أفهم هذا. وهذا أدب حسن منه، وتعظيم المشايخ. والقول بأن حكم الله أن لا حكم متناقض، وجمع بين النفي والإثبات. (لا حكم) نفي عام (70/ ب)، كيف يتصور ثبوت الحكم مع نفيه على العموم؟ وقولنا: حكم الله، أي: حكم لله تعلق بفعل المكلف، فكيف يصير هذا عبارة عن عدم تعلق الخطاب بفعل المكلف؟ هذا لا يهم، لا لعجز السامع عن الفهم، بل لكونه غير مفهوم في نفسه. وأما المسألة الأخرى: (وهو المواقع النازع مع أول الفجر، وتفرقته بين أن يكون تعمد أو لم يتعمد). فكلام ضعيف، وفرق لا يصح، وذلك أن مدار

(مسألة: السجود بين يدي الصنم مع قصد التقرب إليه محرم)

المسألة على حرف، وهو النزع، هل هو وطء [أم] لا؟ فإن كان وطأ، فإنه يبطل صوم النازع عند مقارنة الفجر، سواء كان متعمدا لذلك، أو غير متعمد، فإن لم يكن النزع وطأ، فلا يفسد الصوم، سواء كان تعمد أو لم يتعمد. وهذا الذي يقوله مالك والشافعي. فالتفصيل لا وجه له. والله أعلم. قال الأمام: (مسألة: السجود بين يدي الصنم مع قصد التقرب إليه محرم) إلى آخر المسألة. قال الشيخ: (42/ب) الأمر على ما ذكره من كون السجود بين يدي الصنم، تعظيما له، محرم بلا إشكال، والمحرم لا يكون طاعة بوجه، إذا اتحد الوجه، ولكن للواحد أربعة أحوال: إما أن يتحد الجنس [وتختلف الأنواع، وإما] أن يتحد النوع وتتعدد الصور، وإما أن تتحد الصورة وتتعدد الوجوه.

أما اتحاد الجنس، فلا يمتنع باتفاق، لاختلاف الأحكام باعتبار اختلاف الأنواع، وهذا كإيجاب الصلاة، وتحريم [الربا]، وإن اشتركا في كونهما فعلين اختياريين. وأما اتحاد الوجه، فيمنع تعدد الأحكام عند من يحيل تكليف المحال. وأما اتحاد العين، فيمنع التعدد عند أبي هاشم والقاضي، نظرا إلى اتحاد الفعل. وقد تقدم الكلام عليه في مسألة الصلاة في الدار المغصوبة. وأما اتحاد النوع، فلا يمنع عند علماء الشريعة، وجعله أبو هاشم كاتحاد العين. وهذا هو الذي يقتضيه أصله؛ فإن الأحكام تتبع الصفات، التي هي الحسن والقبح. وهذه الصفات تلحق في الوجود عند الاشتراك في حقيقة النوع، إذ لا يتعدد إلا الصور، فلا يصلح أن يتبع الحسن صورة، ولا يتبع مثلها، كما لا يصح أن يتحيز أحد الجوهرين دون الثاني. هذا أصله. ونحن نرد عليه بوجوه: أحدهما- منازعته في الأصل الذي بنى عليه مذهبه. الثاني- إلزام النقض عليه، فإنه قد حكم بأن القتل يحسن تارة، ويقبح أخرى، وحقيقته لا تختلف. فلئن قال: اختلف الأمر باختلاف سبق الجناية

ولحوق العوض. قلنا: هذا لا يوجب اختلاف صفة القتل. ثم إن ساغ ذلك، ساغ أيضا أن يختلف وصف السجود بحسب اختلاف الإضافة، كما يجب صوم رمضان، ويحرم صوم يوم العيد. الثالث- أنه لم تحكم بأن صفته الحسن؟ وبم تنكرون على من يزعم أن صفته القبح؟ وإنما [يطيع] الساجد لله بالقصد. فلئن قال: أمر الله بالسجود له. قلنا: ونهى عن السجود للصنم. بل النهي هو السابق. الرابع-انعقاد الإجماع على أن الساجد للصنم عاص بفعله وقصده جميعا. الخامس- أن هذا (يوجب الخروج الأفعال الظاهرة عن كونها قربا أو محرمات، وإنما يرجع الأمر إلى التعظيم والاستهانة. وهذا خروج عظيم عن الدين).

قال الإمام: (مسألة: إذا اتصلت صيغة (لا) في النفي بجنس من الأجناس، فقد اضطرب فيها رأي أصحاب الأصول) إلى قوله (ورد معنى اللفظ (71/ أ) إلى الحكم). قال الشيخ: (لا) إذا دخلت على اسم منكور، إنما تكون لنفي الجنس، إذا كان الاسم معها مبنيا على الفتح، أما إذا وقع الاسم بعدها معربا، فإنها لا تقتضي نفي الجنس. هكذا ذكر أئمة العربية. وظاهر كلام الأصوليين أنهم اكتفوا بالتنكير مع النفي. وقد تقدم تقرير هذا فيما سبق. وقول الإمام: (إن النفي لا اختصاص [له]، إنما [انضم] للنكرة،

فاقتضى اجتماعهما (43/ أ) استغلاقا). والمصير إلى دعوى [الاجتماع] [بناء] على تعمد التمسك، إذ هو يتضمن نفي الصوم حسا ووجودا. وليس الأمر كذلك، فلم يدر ما المراد به بعد ذلك. وهذا يرجع إلى أصل، وهو أن الأسامي الشرعية، [هل] بقيت ظاهرة على الوضع اللغوي؟ وإنما تصرف إلى غيرها بدليل، وإذا صير إلى ذلك، فقد

تقرر إجراء اللفظ على ظاهره، ويرد عليه بوجهين: أحدهما: أن القرينة من الرسول - عليه السلام - ترشد إلى أنه إنما قصد نفي الحكم، دون التعرض للحس نفيا وإثباتا. وهذا مقطوع به. والثاني: أنا قد بينا فيما تقدم أن اللفظ إذا دار بين معناه اللغوي ومعناه الشرعي، فالظاهر هو الجريان على الوضع الشرعي، إذ هو غالب عرف الاستعمال. وأما قول الإمام: (أنا إذا تحققنا وقوع الجنس الذي ذكروه، فقد اضطررنا إلى أن الرسول لم يرده). وهذا ليس ردا عليهم، بل هو عين ما قدروه، وهو يثبت كونه مجملا، إذ تعذر حمله على ظاهره، ولم يعرف مراد الناطق به.

قال الإمام: (قيل: هذا [تشكك] في صدق الرواة. [قيل]: المسألة في اللفظ المقطوع به جارية، كقوله تعالى: {لا إكراه في الدين}، وغيره). قال الشيخ: معنى الكلام: أن القوم [كأنهم] صاروا إلى تقرير اللفظ على الوضع اللغوي، فلا يصح نفي ما هو موجود من الصادق، فلا يكون صادقا. ولكن هذا الطريق لا يفضي إلى التشكك في الرواة، بل يفضي إلى التكذيب. وقول الإمام: (المسألة في اللفظ به جارية). يبطل هذا الكلام، إذ لا سبيل إلى الشك في الصدق فيه. قال الإمام: (وذهب نازلون عن هذه المرتبة إلى صرف دعوى الإجمال

إلى تردد اللفظة بين نفي الجواز ونفي الكمال) إلى قوله (والرسول - عليه السلام -[تعرض] لنفي الصوم). قال الشيخ: إنما صار القاضي إلى الإجمال، لأنه نفى الأسماء الشرعية. والذي دل ظاهر اللفظ على نفيه موجود، فافتقر إلى التقدير وتعدد المقدر. ولننبه هاهنا على أصل، وهو إن تعدد مدلول اللفظ من جهة الحقيقة، واستوت النسبة، لزم الإجمال. وإن [تفاوتت]، ثبت الظهور، باعتبار الراجح، وكان الوجه الآخر خفيا، فإن دل دليل على وجوب الرد إلى جهة الاحتمال، فلا يخلو: إما أن يتحد، أو يتعدد على تساو، أو تفاوت. فإن اتحدت الجهة، صار اللفظ نصا في جهة احتماله عندما يتعذر على وجه مقطوع به حمله على جهة ظهوره. وهذا كقوله تعالى: {وسئل القرية}.

وإن تعددت جهة الاحتمال واستوت، لزم الإجمال بين الجهات، كما لزم الإجمال في اللفظ المشترك. وإن تفاوتت النسبة، كان اللفظ ظاهرا في الاحتمال اللغوي (45/ب) عند قيام الدليل الدال على منع التمسك بالظاهر، ولا يصار إلى الآخر إلا بدليل، وهذا كالعام (71/ب) إذا خصص، فإن الاحتمالات في الرد على أحد الأبعاض متعددة، ولكن الظاهر في عرف الشريعة تناول ما دون المخرج. وكذلك قوله تعالى: {حرمت عليكم أمهاتكم}. فإنه لما استحال تعلق الأحكام بالأعيان، لزم الرد إلى بعض الأفعال، ولكن عرف أهل اللغة في مثل هذا متعين. فإن قال القائل: إذا قال حرمت عليك الطعام، أراد أكله، وإذا قال: حرمت امرأة، أراد وطأها. وقد ذهبت المعتزلة إلى أنه مجمل، وليس الأمر كما قالوا، لأن عرف الاستعمال يعرفنا المضمر، كصريح النطق في

مسألة (لا صيام)، [لما تعذر نفي الصوم حسا، وجب] الرد إلى الحكم، وهو متعدد، لدوران الأمر بين الجواز والكمال. فلئن قال قائل: [ما] المانع من نفيها جميعا؟ فنقول: إنما وجب التقدير ضرورة طلب فائدة الخطاب، والفائدة تحصل بنفي أحدهما، فلا ضرورة تلجئ إلى نفي الثاني، ولا معنى للتحكم بالتعيين. ووجه يمنع نفيهما جميعا، سنذكره في آخر المسألة. قال الإمام: ([فالمذهب] المختار: أن اللفظ ظاهر في نفي الجواز، مجاز في نفي الكمال، كما سنوضح مراتب التأويلات ومناصبها في كتاب التأويلات، إن شاء الله). قال الشيخ: هذا إنما يصح للإمام إذا أثبت الأسامي

الشرعية، ويبين أن الغالب في الشرع إطلاق الألفاظ على المعنى الشرعي، وهو لم يدل على هذا فيما سبق، وإنما قرر أن الشرع تصرف، وجعل للألفاظ مفهوما آخر. وقد تقدم كلامنا على هذا. فإذا ثبت عليه عرف الشرع، صار معنى الكلام: لا صوم شرعي، والذي ليس بكامل صوم شرعي، فيجب على مقتضى ذلك، أن ينتفي الأجزاء، ويصير نفي الكمال تأويلا، وهذا كلام صحيح. قال الإمام: (وذهب جماهير الفقهاء إلى أن اللفظ عامة تتناول نفي الوجود ونفي الحكم) إلى قوله (فكيف يفهم معه [نفي الحكم]؟ ). قال الشيخ: تردد الناس في اللفظ المجمل، كالمشترك إذا دخل عليه حرف نفي، هل يكون مشتركا في الأجناس، كما كان مشتركا في الآحاد عند الإثبات؟ فلا يعرف أي جنس نفي، فيتوقف في الأجناس؟ أو يكون ذلك يتضمن نفي الأجناس كلها؟ كما إذا قال: لا تمس النساء- إذا صرنا إلى أن المس يتناول المس باليد والوقاع- أو نقول: دخل النفي على واحد مشترك، فانتقل الواحد لأجل النفي، فصار جنسا، فيثبت الاشتراك باعتبار الأجناس؟ فمذهب هؤلاء القوم أن المشترك عام، وهو اختيار القاضي والشافعي.

وستأتي المسألة (46/ أ) بعد هذا. فعلى هذا يكون اللفظ يتناول الوجود والحكم، ثم يعلم أن الوجود غير مراد، فكان ذلك تخصيصا بمسلك الحس وقضية العقل. ومعنى قول الإمام: (لأن العموم إنما يتناول [مسميين] يتصور اجتماعهما في النفي). وهذا كلام صحيح، وذلك أن العموم إنما وضع للاختصار، وللغنية عن تكرار اللفظ، فيكون معنى الكلام: لا وجود، ولا حكم. وهذا الكلام على هذا الوجه فاسد، فإنه إذا نفى الوجود، لم يتصور ثبوت حكم، حتى يفتقر إلى نفيه، (72/ أ) وكذلك لا يتصور أن ينفي ذات زيد، ثم يفتقر إلى نفي علمه، مع تحقق نفي الذات.

(فصل- قد اشتمل [ما جرى] في أحكام الأوامر والنواهي)

قال الإمام: (وذهب ذاهبون من الفقهاء إلى أن الوجود غير معني [بالنفي] إلى قوله (واستبان ظهور] اللفظ في نفي الجواز، وكونه مؤولا في نفي الكمال).قال الشيخ: هذا كلام واضح، وتقريره قد سبق. وفي هذا الموضع وجه آخر ذكره الإمام بعد، وهو أن نفي الكمال متضمن ثبوت الجواز، فعندما نقول ينفي الكمال، فقد أثبتنا الجواز، وقد نفيناه في تلك الحال، وهو محال. قال الإمام: (فصل- قد اشتمل [ما جرى] في أحكام الأوامر والنواهي)

إلى قوله (إذ لو لم يكن كذلك، لكن الوعيد خلفا تعالى الله عنه). قال الشيخ: اختلف الناس، هل يصح العفو في الوعيد؟ فذهب أكثر المتكلمين إلى أن ذلك غير جائز، وأن اللفظ الذي دل على الوعيد، إما أن يكون نصا، وإما أن يكون ظاهرا، فإذا لم يعرف، تبينا التخصيص، والتخصيص: بيان لا رفع. فتبين أنه لم يكن في جملة ما اندرج تحت اللفظ. وإن كان نصا، فهو يدل على ما في النفس دلالة مقطوعة بها، وكلام النفس على وفق العلم، وإذا علم الله تعالى أنه يعاقب شخصا، فلا يتصور العفو عنه، لئلا ينقلب العلم جهلا، ويصير القول خلفا، والله تعالى متقدس عن الأمرين. وذهب ذاهبون إلى أنه يجوز العفو في الوعيد، ولا يجوز المنع عند الوعد، ويقولون: إن أهل اللغة لا يعدون العفو من باب الخلف، وينشدون قول الشاعر: [وإني وإن] أوعدته [أو] وعدته ... لمخلف إيعادي [ومنجز] موعدي

وهذا كلام ضعيف، ولا محمل لذلك عندي إلا وجه واحد؛ وهو أن يكون واضع اللغة جعل لفظ الوعيد محتملا إضمار الشريط، ولم يجعل لفظ الوعد كذلك، فيكون معنى الكلام عند الوعيد: أعاقبك إن شئت. ولم يروا ذلك من باب الوعد. وهذا حسن بالإضافة إلى مكارم الأخلاق، فإن لم يكن الأمر كذلك، فهو فاسد قطعا، وخلف في الكلام الأزلي، وبداء صراح، وذلك على الله تعالى محال. وقد صار الإمام فيما سبق إلى هذا الحد، عندما تكلم القاضي على معنى الواجب وقال: (لو أوجب الله تعالى شيئا، لوجب، وإن لم يتوعد بعقاب على (46/ ب) تركه) من غير وعيد على الترك، لما كان للحكم بالوجوب معنى

معنى الواجب

معقول في حقوقنا). فقد التزم هناك أن عقلية الواجب [تتوقف] على التقييد بالوعيد. قال الإمام: (وقال قائلون: الواجب: ما يخاف المكلف العقاب على تركه) إلى قوله (وقد لا يكون كذلك). قال الشيخ: ويفسد أيضا بالواجب

الذي لا يعرفه المرء واجبا، فإنه لا يخاف العقاب على تركه، ولا يخرجه ذلك عن كونه واجبا فلم يجمع الحد، ولم يمنع. قال الإمام: (فالمرضي في معنى الواجب: أنه الفعل المقتضي من الشارع الذي يلام تاركا شرعا) إلى آخر المسألة. قال الشيخ: قوله: وإنما [قلنا]: المقتضي من الشارع، لأنه معنى الإيجاب. كلام ضعيف، لأنه إذا كان الاقتضاء هو الإيجاب، لزم (72/ب) أن يكون المندوب واجبا، لأنه مقتضي، بلا خلاف، ولم يكن أيضا لقوله: (الذي يذم تاركا شرعا). فائدة جديدة، لأنه قال ذلك لينفصل عن المندوب. فإذا كان لفظ الاقتضاء ينبئ عن الوجوب، فلا دخول في ذلك للمندوب. ويفتقر إلى معرفة اللوم الذي يريده الأصوليون، وليس المراد به التوبيخ من قبلنا، ولا إطلاق ألسنة [باللعنة] في ذلك، فإن ذلك حرام، وإنما أرادوا به أنه منسوب إلى المعصية شرعا. وقد زال أبو حامد في هذا المكان، واعتقد أن اللوم من قبلنا، فقال: هذا الحد يبطل بمعاصي الأنبياء، فإنه قد دل على وقوعها

منهم، [ولم] نؤمر بإهانتهم وذمهم، والمعصية محققة ولا لوم. وهذا ضعيف، وليس ما ذكره هو المراد، بل لا يجوز لنا أيضا في حق غيرهم. وإنما المراد ما ذكرناه من النسبة إلى المعصية شرعا. وقول الإمام: (هو الذي [يذم] تاركه شرعا).جار على أصله، فإنه التزم في الواجب الموسع الذي يضبط آخر وقته أنه إذا مات في وسطه ولم يفعل، كان آثما. أما نحن فلا نرتضي بذلك، على حسب ما قررناه. فنفتقر إلى أن نزيد (بوجه ما). وقد بيناه فيما سبق. وأما انفصاله عن السؤال (بأنه لا وجوب على من لا يعلم الوجوب). فيبطل من وجهين: أحدهما- أنه قد أفسد هذا على نفسه فيما سبق، فإنه قال في مسألة

وجوب النظر: (لا يشترط في وجوب الشيء علم المكلف بوجوبه عليه). الثاني- أن الذي ذكره: أنه لا وجوب على من لم يعلم الوجوب، باطل بأدلة سمعية قطعية، وقد قال الله تعالى: {[الذين] ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا}. وقال تعالى: {وإن الظن لا يغني من (47/أ) الحق شيئا}. وقال: {[يومئذ] خاشعة. عاملة ناصبة. تصلى نارا حامية}. وقواطع السمع دلت على تعذيب الكفار، وإن كانوا يجهلون وجوب الإيمان، فلا يصح القول بأنه: لا وجوب على من لا يعلم الوجوب بحال. وإنما ينقل هذا المذهب عن الجاحظ والعنبري. وسيأتي الرد عليهما في كتاب

مسألة: اضطراب الأصوليين في معنى المكروه

الترجيح، إن شاء الله تعالى. وكان الإمام قد قال: (ونحن نذكر حقيقة كل حكم من هذه الأحكام). أعني الوجوب والحظر والندب والكراهة والإباحة. ولم يذكر حد شيء منها، وإنما حد الأفعال التي تعلقت بها الأحكام. وهذا غلط بين، وذلك بمثابة من تعرض لحد العلم فقال في حده: المعلوم ما كشفه العلم. فليس هذا [حدا] للعلم بحال. [وإنما الأحكام الخمسة هي التي ذكرناها آنفا]. أما الواجب والمحظور والمباح والمكروه والمندوب، فهي الأفعال التي تعلقت بها الأحكام. فإن قيل: فما الصحيح عندكم في حد الوجوب الذي هو الحكم على الحقيقة؟ قلنا: الوجوب هو القول المقتضي حصول الفعل على وجه يكون المخالف مذموما بوجه ما. قال الإمام: (مسألة: اضطرب الأصوليون في معنى المكروه) إلى آخر

المسألة. قال الشيخ: المكروه أيضا: هو الفعل الذي تعلقت به الكراهة. والكراهة: هي القول المقتضي ترك الفعل، بحيث يمدح التارك، ولا يذم الفاعل. هذا حد الحكم. ولنتكلم ها هنا على وضع باعتبار اللغة والشريعة.

أما من جهة اللغة، فالكراهة ضد الإرادة. (73/أ) وترجع إلى صوارف تصرف عن الفعل، وليس المراد بها ذلك عند علماء الشريعة، بل تطلق الكراهة في حق الله تعالى على معنيين: أحدهما- يرجع إلى الإرادة، وعليه نزل قوله تعالى: {ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم}. والمراد: أراد [التثبيط]، فمنعهم الانبعاث، فسميت

إرادة الضد كراهة، باعتبار ضده. وإنما قلنا ذلك، لأن الباري سبحانه واحد، [فلا يصح] أن تقوم به المتضادات. وهي إذا أطلقت في الأحكام، مختلف فيها عند الأصوليين؛ فقد يطلق المكروه على المحظور، فيقال للمحرم مكروه، فكثيرا ما يقول الشافعي: أكره كذا، وهو يريد تحريمه. وكذلك يقول مالك أيضا. الثاني: وهو المشهور- ما نهي عنه نهي تنزيه، وهذا هو الذي حددناه. الثالث: ترك الأولى، كترك الصلاة، لا لنهي [ورد] عنها، ولكن

لكثرة ثواب الفعل. فعلى هذا يصح أن يقال: ترك استيعاب الزمان على حسب الإمكان بالنوافل مكروه. الرابع: ما وقعت الشبهة في تحريمه، كلحم السبع ويسير النبيذ، وهذا أضعفها، فإن من أراده اجتهاده إلى أنه حرام، فهو حرام عليه، ومن أداه (47/ب) [اجتهاده] إلى الحل، فلا معنى للكراهة في حقه. وهذا متجه على قول من يقول كل مجتهد مصيب. أما من قال المصيب واحد، فقد يقول بالكراهية إذا بقي في نفسه حزازة من كلام الخصم. وليس في مسائل الفقه مسألة أصعب من القضاء بالكراهة، لأجل مخالفة الخصم، ولاسيما إذا كان المجتهد يرى الحل، وغيره يرى التحريم. فإذا ذهب إلى الكراهة، فقد خالف الدليلين جميعا، وإن كان القولان متفقا عليهما، كان المصير إلى الكراهة خرقا للإجماع. ثم الذي يتأتى في هذا المكان التوقف عن

الفعل، وإن كان يغلب على ظنه الحل، لاحتمال التحريم. أما حمل غيره عليه أو الفتوى بالكراهة، فلا وجه [له عندي]. قال الإمام: ([مسألة: تجمع] محامل الصيغ التي يقال [لها] صيغ

([مسألة: تجمع] محامل الصيغ التي يقال [لها] صيغ [الأوامر]

[الأوامر]. أما [المطلق] فقد سبق الكلام في محمله، وإنما تتعدد المحامل بالقيود، ونحن نذكر منها جملا تشارف الاستيعاب). وهذا الذي ذكروه واضح، لا يفتقر إلى أكثر من هذا.

وقد ترد بمعنى التعجيز، كقوله تعالى: {فأتوا بسورة من مثله}. وقوله تعالى: {قل كونوا حجارة أو حديدا}. وترد بمعنى التحكيم والتفويض، كقوله تعالى: {فاقض ما أنت قاض}. ثم صيغة الأمر من جميع مل ذكرناه، ما يقتضي الإيجاب، وفيما يقتضي الندب خلاف، كما تقدم. واللوجوه الباقية ليست من معاني الأمر. وأما صيغة النهي إذا تقيدت، فإنها ترد على وجوه على مناقضة الأمر، لا يعسر على الباحث طلبها. ومطلقها للحظر، [والمقيد] منها يرد على وجوه: منها التنزيه، ومنها الوعيد، ومنها الدعاء، كقوله تعالى: {ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا}. ومنها: الإرشاد، كقوله تعالى: {لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم}. ومنها: بيان العاقبة، كقوله تعالى: {ولا تحسبن (64/ب) الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا [بل أحياء]}. وترد بمعنى التحقير والتقليل، كقوله تعالى: {ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم [أزواجا منهم]}. وترد بمعنى إثبات اليأس، كقوله تعالى: {لا تعتذروا اليوم}.

قال الإمام: ([كتاب] العموم والخصوص. قال المحققون من أئمتنا: العام والخاص قولان قائمان بالنفس كالأمر والنهي، والعبارات تراجم [عنها]) إلى قوله (ونعود الآن إلى المقصود اللائق بما نحن فيه). قال الشيخ: مذهب أهل السنة أن الكلام: هو القائم بالنفس، والعبارات تراجم. على ما سبق في كتاب الأوامر. والطريق في إثباته واحد. وما تخيله الإمام مشكلا، فهو أنه قال: (الاقتضاء يجده العاقل من نفسه ضرورة، ويترجم بالعبارة). على ما سبق متضحا. فلا معنى للإعادة.

كتاب العموم والخصوص

قال: (وأما العموم والخصوص، فما أراها كذلك في الوضوح). إذ ليس في العموم اقتضاء، والذي نقرر به العموم: (كل ما ثبت العلم به، ففي النفس كلام عنه، والعلم محيط بمعنى الجميع، وفي النفس فكر به، وحديث عنه). ومعنى ذلك أن الإنسان يعلم الجميع، ولا ينفك (73/ب) عن كلام النفس. وقد تقدم بيان ذلك في المقدمة أن العالم لا يخلو عن النظر النفسي. وقوله: (وليعلم طالب هذا الشأن أن معظم ما يحسبه من لم يعظم حظه في الحقائق علما فهو فكر). وإنما كان كذلك، من جهة أن الإنسان إذا علم أمرا، أخبر عنه، وأعلم به غيره. وما أخبر عنه، إلا من جهة قوله معلوما. فإن كلام النفس خبر عن المعلوم، لا خبر عن العلم. والذي يحقق ذلك أن من صار إلى أن العلم يقوم بالعالم ولا يعلمه، يستحيل منه في حالته تلك أن يخبر عنه،

مع كونه لا يعلمه، ونحن نقول: كل من قام به العلم لابد أن يعلمه، فيكون معلوما (48/أ) فيخبر عنه، من جهة كونه معلوما له. وقوله: (ومن دقيق ما يتعلق بمدارك العقول، أن فكر النفس متعلقة بالمعلومات والمعتقدات). يريد بذلك إثبات الاختلاف بين كلام النفس وبين العلم، ف'ن العلم لا يتعلق بالمعتقدات، وكلام النفس يتعلق بها. وقوله: (ولا تنطق النفس بالعلم الحق). الظاهر فيه أنه لا يصح الخبر عن العلم، باعتبار كونه علما، بل باعتبار كونه معلوما. وقوله: (ومهما ظن ذو الفكر أنه ناطق بالعلم، فهو [متخيل] العلم معلوما). كلام محتمل، فإن أراد به لا ينطق بالعلم بوجه، فهذا محال، إذ

يتضمن ذلك أن العلم لا يعلم. وإن أراد به لا يخبر عنه باعتبار كونه معلوما، فهذا صحيح. وقوله: ([وهذا الذي] اختلج [في عقول المتكلمين وطيش] أحلامهم حتى اضطربوا في أن العلم بالشيء، هل هو علم بأنه علم به؟ وهذا الذي اختبطوا فيه اضطراب منهم في فكر النفس، لا في العلم نفسه). فيقول: إن العالم لا ينفك عن اقتران كلام النفس، فقد يظن التلازم [و] الاتحاد، وقد لا يظن ذلك، فيقع الاضطراب لذلك. وقوله: (فنعود الآن إلى المقصود [و] اللائق بما نحن فيه). لم يتكلم الأصوليون على العموم والخصوص، إلا باعتبار الألفاظ اللغوية، إذ هي

الأدلة، وهم إنما يتكلمون على أدلة الأحكام، التي هي الكتاب والسنة، وهي ألفاظ لغوية، فلذلك قال: نعود إلى المقصود، [و] اللائق بما نحن فيه. قال الإمام: (اختلف الأصوليون في صيغة العموم اختلافهم في صيغة

الأمر والنهي) إلى قوله (وما يقع منكرا منفيا، فهو كذلك [أيضا يتعين] القطع بوضع العرب إياه للعموم [كقولك]: لم أر رجلا). قال الشيخ: مذاهب

الناس كما نقلها الإمام، وطرق الواقفية، على حسب ما مضى في صيغة الأمر، ومذاهبهم في الاشتراك والالتباس كذلك، بلا مزيد. وإنما تنازع الناس فيما ذكره في قسم واحد. وهو [ظرف] الزمان، [كقوله]: متى جئتني أكرمتك، هل يتضمن ذلك كل زمان أو يتضمن ذلك زمانا مطلقا؟ حتى إذا جاءه وأكرمه، لم يبق عليه عهدة من الخطاب؟ فظاهر كلام الأصوليين أنه يعم جميع الأزمنة، والفقهاء لا يرون هذا، وإنما يقولون: يتضمن إكراما واحدا، في أي

زمان كان. قال مالك: إذا قال: متى دخلت الدار، فأنت طالق، فإنها لا تطلق عليه إلا طلقة واحدة، بخلاف قوله: كلما دخلت، فأنت طالق، فإنها تطلق متى دخلت. وهذا ظاهر، وكأنه قال: إن دخلت الدار (74/أ) فأنت طالق. [وأتى بها] يشير إلى أنه لا يختص بعينه بزمان مخصوص. [وأما] قوله: (وما يقع منكرا ومنفيا). ونحن بينا أن سيبويه وغيره من أئمة العربية أن ذلك إنما يكون على تقدير بناء النكرة (48/ب) مع النفي على الفتح. فأما إذا جاءت معرفة، فلا يفهم منها العموم. والمسألة نقلية محضة، وأهل اللغة بذلك أقعد. وأما قوله: (واسم مبهم يختص بما لا يعقل [في رأي]. فهذا إنما هو فيما إذا كانت بمعنى (الذي) فهي التي [فيها] نزاع أهل اللغة، كقوله:

عرفت ما عندك، أي الذي عندك. ومذهب سيبويه أنها تعم من يعقل وما لا يعقل. وأما إذا وقع شرطا، فليس من هذا القبيل، فإن الشرط يستدعي الفعل، ولا يدخل على الأسماء على حال. قال الإمام: (وأما صيغ الجموع، فلو قسمناها على مراسم صناعة النحو، لأطلنا أنفاسنا، ولكنا نذكر مراسم على قدر مسيس الحاجة) إلى قوله (ثم لم يفصلوا الجمع إلى جمع القلة وإلى جمع الكثرة). قال الشيخ: ما ذكره ينقسم إلى ما ليس للأصول به تعلق بوجه، كالقول في علامات الإعراب، واختصاصها بهذه الحروف، واختلاف أحوالها رفعا ونصبا، وامتناع جمع بعضها جمع سلامة. هذا محض إدخال علم النحو في الأصول، ولكنه اقتصر على ذكر الأحكام دون العلل والأسباب. ونحن بعون الله وتوفيقه [نتوجه] ما ذكره على شرط أئمة العربية. فالجمع كما ذكر ينقسم إلى جمع سلامة وجمع تكسير، ومعنى كونه جمع سلامة: أنه يسلم فيها بناء الواحد، كقولك: زيد، ثم تقول: الزيدون، فقد سلم بناء الواحد. يقال فيه إنه الجمع الذي على حد التثنية. وإذا قلنا: موسيان وعيسيان وعصوان، فبناء الواحد مقدر، ولكنه على غير الإفراد، ولما جاءت

صيغ الجموع

التثنية، رجع الاسم [إلى] أصله. وكذلك إذا قلنا: مصطفون، فهو جمع سلامة، والتقدير: مصطفيون، ولكن استثقلت الضمة على الياء، فحذفت فسكنت، والواو ساكنة، فحذفت الياء، لالتقاء الساكنين، وبقيت الواو لتدل على الجمع والرفع. وكذلك يقال في المنصوب. وقوله: (وهو ينقسم إلى جمع الذكور والإناث). وليس يعني بالذكور: ما له ذكر، ولا بالإناث، ما له فرج، بل المراد بكونه جمع مذكر: أن الاسم عري عن علامة التأنيث لفظا وتقديرا. ويراد بالاسم المؤنث: ما فيه العلامة لفظا أو تقديرا، واختص المؤنث بالعلامة، لأنه منقول عن الأصل، والأصل في الأسماء التذكير، ويدل على ذلك أمور: منها: ما ذكره أئمة العربية أن لفظ الشيء ينطلق على كل موجود، والشيء مذكر. ومنها: أن التأنيث صار إحدى الأسباب المانعة من الصرف، ومنع [الصرف] عارض على الكلام، لأنه يمنع الاسم بعض الحركات، ويوجب ضربا من الإلباس.

الثالث: الافتقار في الإرشاد إلى التأنيث إلى الزيادة. فهذه الأسباب تبين الفرعية. وقوله: ([فأما] جمع الذكور، فبزيادة (واو) (49/أ) قبلها ضمة، و (نون) بعدها في محل الرفع، وبزيادة (ياء) قبلها كسرة (ونون) بعدها في محل النصب والجر). اعلم أن الإعراب أصله أن يكون بالحركات، والسبب فيه أن الاسم تختلف أحواله، وتختلف الأغراض بحسب (74/ب) اختلاف الأحوال، كما تختلف الأغراض باختلاف المسميات. فوضعت العرب الأسماء المختلفة دالة على المسميات المختلفة. فإذا اختلفت الاسم، فإما أن يرشدوا إلى اختلاف أحواله أو لا يرشدوا، فإن لم يرشدوا، فات غرض مهم، كمعرفة كون الشخص فاعلا أو مفعولا، فلابد من الإرشاد. وإذا أرشدوا، فإما أن يغيروا الأسماء على تقدير اختلاف الأحوال، أو لا يغيروا الأسماء، [فإن يغيروا الأسماء بالكلية، لم يحصل المقصود]، فإنا لا ندري أن الذي كان مفعولا هو الذي كان فاعلا، فلا يحصل المقصود. وأيضا فإنه كانت الأسماء تكثر كثرة مفرطة، وأثبتوا والاسم الواحد تغييرا يرشد إلى اختلاف أحواله مع بقاء الاسم، فيكون الاسم واحدا، كما

الذات واحدة، ويكون اللفظ متغير الحال، كما كانت الذات متغيرة الحال. وإذا كان كذلك, فحروف الكلمة كأجزائها، وحركاتها بمثابة الأعراض الواردة عليها، فخص الإعراب بالحركات، ليحصل المقصود مع بقاء الاسم، فما أعرب بالحركات، فجار على الأصل، وما أعرب من الأسماء بالحروف، فلعلة، وذلك ثلاثة أنواع: الأسماء الستة المضافة. الثاني: المثنى والمجموع. الثالث: ك (لا) إذا أضيفت للمضمر على اللغة الفصيحة. فأما المثنى والمجموع، فأعرب بالحروف، فرقا بينه وبين الواحد، ولزيادة دلالة على المفرد. وأما الأسماء الستة، فأعربت بالحروف، لاعتلالها، ولزوم إضافتها، فكأنها إنما أعربت بالحروف، عوضا لها مما سلبته، وخص ذلك بحال الإضافة، لتقرب من الجمع، باعتبار الزيادة. ووقع الاقتصار في علامات الإعراب على حروف العلة، لأنها قريبة من الحركات، إذ (الألف) عن الفتحة، و (الياء) عن الكسرة، و (الواو) عن الضمة. وأما قوله: (وأما الاسم المؤنث: فهو ينقسم إلى ما في آخره علم التأنيث). يريد في اللفظ، وأما في المحل والموضع، فلابد من العلامة،

يدلك على ذلك التصغير والتكسير. وكون جمع السلامة بالألف [والتاء]، مطرد في الإناث على الإطلاق، ولا يختص جمع السلامة في الإناث بمن يعقل، وإن جمع السلامة في الذكور يختص بمن يعقل، أو صفات من يعقل. فعلوا ذلك، إثباتا لشرفية الأعلام بالامتياز. وإنما دخلت التاء هاهنا، وإن لم تكن من حروف العلة، فإن التاء تعرف بتاء التأنيث المفرد، فدخلت في الجمع [مرشدة] إلى ذلك، والألف لابد منها. إذ بها يقع الفصل بين الواحد والجمع. وأما ما في آخره علم التأنيث، فعلامات التأنيث [ثلاث]: (49/ب) التاء والألف والياء. فالتاء في قولك: (فاطمة وقائمة)، والألف في قولك: (حبلى وخنساء)، والياء في قولك: (قومي واخرجي وتذهبين). هذا مذهب

البصريين. وأما الهاء والهمزة، فليست علامة تأنيث عندهم. وإنما التاء إذا وقفت عليها، صارت هاء. وبعض العرب يقف بالتاء أيضا، فقال: (مثل ظهور الجحفت). يريد الجحفة. وإنما قالوا: مسلمات، ولم يقولوا: مسلمتات، حذرا من اجتماع متجانستين في اسم واحد. وإذا لم يكن بد من حذف واحدة، فالأولى تدل على التأنيث خاصة، والثانية تدل على الجمع والتأنيث، فكان حذف الأولى أولى. وقوله: (وأما (75/أ) ما يكون [علم] التأنيث فيه ألفا، فينقسم إلى ألف ممدودة). وقد يفهم من هذا الكلام أن الألف تمد وتتحرك، وهذا محال، بل لا تقبل الألف الحركة بحال، وإنما يعنون بكونها ممدودة أن [يتقدمها] ألف وتاء في الألف الآخرة، فلا يتصور اجتماعهما، لسكونهما، فتقلب الآخرة منهما همزة، [فيقال: لف ممدودة لهذا. وإنما تقلب همزة]،

لقرب الهمزة من الألف. هذا هو الكلام في المفرد. وإذا صرت إلى الجمع، قلبت الهمزة واوا، ويستوي في ذلك من يعقل وما لا يعقل، تقول: خنفساوات. ولو سميت امرأة صحراء، لقلت صحراوات، إلا الصفة على فعلاء إذا كان المذكر أفعل، فإن العرب لا تنطق بجمع السلامة. أما قلب الهمزة واوا، فالهمزات بالإضافة إلى القلب والإقدار عند التثنية والجمع أربع همزات: أصلية، فهذه تستقر، كقولك: قراء ووضاء، فإنك تقول: قراءان و [قراؤون]. ومنقلبة عن ألف، كالتأنيث، فهذه تقلب، كما تقدم. وإنما قلبت هذه، لأن الهمزة قريبة من الألف، فلو استوت، لثبت قريب من ثلاث ألفات. وذلك مستكره، فعدل عنه إلى ما هو أخف، بشرط ألا تكون الهمزة أصلية. وأما الهمزة الأصلية، فاغتفر فيها [الاستثقال] حفظا للأصل.

الهمزة [الثالثة] ما هي مبدلة عن حرف أصلي، كهمزة (كساء) و (رداء). والأكثر الإقرار، فيقال: [كساءان]، ورداءان، وقد جاء القلب. والتي للإلحاق تتنزل هذه المنزلة. والهمزة في هذا المكان ليست أصلية، وإنما هي مبدلة عن حرف أصلي، والهمزة في هذا المكان ليست أصلية، وإنما هي مبدلة عن حرف أصلي، كهمزة (كساء) بدلا من الواو، وكقوله: كسوت، وفي رداء عن الياء، كقولك: رديت. والياء والواو إذا تطرفتا، ووقعت الألف قبلهما، قلبت ألفا، لكن بشرط ألا يكونا أصليين. وشرط القلب في هذه الصورة، أن الألف لا تتحرك أبدا، فلما ماتت بالكلية، قدرت عدما. والياء والواو إذا تحركتا، وانفتح ما قبلهما ألفا، إذا لم يمنع من ذلك مانع، فقدرت الألف السابقة كالمعدومة، حتى كأن الفتحة باشرت الواو والياء، فقلبتهما. ولكن إنما يقال هذا في الألف الزائدة التي للمد.

فأما الألف التي ليست زائدة، فلا يعد فيها ذلك، (50/ أ) كألف (رأي) و (أرى). وهذا من دقيق [علم] العربية أن يقع الالتفات في الحرف الواحد لجهتين، حتى يقوى باعتبار جهة، ويضعف باعتبار أخرى. وهذا فيما ذكرنا في الألف التي يأتي بعدها الياء والواو. والالتفات إلى بعضها يقتضي الإعراض عنها، وتقدر الحركة، وهي الفتحة باشرت حرف العلة. والالتفات إلى وجودها، يقتضي إقرار حروف العلة. والتفت أهل اللغة إلى ضعفها، إن كانت زائدة، وإلى وجودها، إن كانت أصلية، أو نازلة منزلتها. زمن تصفح كلام أهل العربية، وجد من ذلك كثيرا، وإنما عدل أهل اللغة عن جمع المؤنث بالألف [والتاء] في الصفة، إذا كان المذكر فيه (أفعل) ليسر، وذلك أنهم يقصدون إلى طلب الخفة. [والثقل] تارة يحصل بكثرة الحروف، وتارة بإعمال الذهن في كثرة فهم المعاني، والصفات أثقل من

الأسماء، ولذلك [وقعت] الصفة إحدى العلل المانعة من الصرف، فلم يريدوا إلا الإشعار بالصفة، [وهذه] الزيادة في المؤنث. فإن قيل: هذا يلزمكم أن تقولوا: مسلمات، فإن فيه الصفة والتأنيث والزيادة. قلنا: هذا (75/ب) إنما خص بالصفة، إذا كان المذكر منها (أفعل) دون غيره. فإن قيل: فأي مناسبة لهذا الشرط؟ قلنا: استعمال لفظ (أفعل) في المذكر، تدل على المبالغة في الوصف، بخلاف مسلم ومسلمة، فلا تظهر فيه المبالغة بحال. وإن جرى هذا اللفظ لقبا، لم يمنع بالألف والتاء، كما جاء: (ليس في الخضروات صدقة). وأما ما ألفه مقصورة، كحبلى، وسكرى، فإنك تقلب فيه الألف ياء، لأن الياء أقرب إليها. فإن قيل: فأنتم قد قلتم في جمع مسلمة: مسلمات، وإنما لم تقولوا: مسلمتات، حذرا من الجمع بين علامتي تأنيث، وقد صرتم إلى ذلك في حبليات وسكريات، فما وجه ذلك؟ قلنا: بينهما فرقان: أحدهما- أن العلامتين هاهنا [متماثلتان]، بخلاف مسلمات،

[وقيل]: ويكره من اجتماع الأمثال، ما لا يكره مع الاختلاف. الثاني- أن الياء ليست علامة تأنيث في هذا المكان على الحقيقة، وإنما العلامة الألف، وقد زالت، وقد فرق بين ثبوت الشيء، وبين ثبوت بدل عنه. وأما قوله: (وأما جمع التكسير، فهو الذي ينكسر فيه بناء الواحد). فهذا لعمري هو الغالب، ولكن لا يجري الباب كله على ذلك. وقد يأتي لفظ الجمع على إلف الواحد بلا فصل، وقد يكون بزيادة علامة تلحق المفرد، وقد تكون بالعكس من هذا. فالأول كالفلك، فإنه يكون للواحد والجمع بلفظ واحد. قال الله تعالى: {في الفلك المشحون}. وقال: {والفلك تجري في البحر}. وكذلك الخلفاء والظرفاء، قال سيبويه: يكون للواحد والجمع بلفظ واحد. وأما القسم الذي يأتي للجمع بلفظ المفرد بزيادة (الهاء)، كالكلم والكلمة، والتهم والتهمة، وعكس ذلك الكم والكمة (50/ ب)، الكم للواحد، والكمة للجمع، فلم يستمر القول بأن جمع التكسير، هو الذي ينكسر فيه بناء الواحد. وحصر جمع القلة في أبنية التكسير، صحيح. وقد نظم ذلك في

بيت أذكره، ليكون حفظه أسهل. قال الشاعر: بأفعل وبأفعال وأفعلة ... وفعلة يعرف الأدنى من العدد وقول الإمام: (إنه لما دون العشرة). يظهر منه أنه لا يتناول العشرة، وليس كذلك عند النحويين، بل للعشرة فما دون. ووجه آخر: أنا إذا قلنا: هذا جمع قلة، فلا نعني أنه لا يتناول بوجه الكثرة، ولكن نعني أنه ظاهر في القلة، محتمل للكثرة. قال الشاعر: بنا الجفنات [الغر] يلمعن بالضحى ... وأسيافنا يقطرن من نجدة دما ولم يرد أن لهم عشر جفان. وقوله: (ثم حظ الأصول أن الجمع ينقسم انقساما آخر، فمنه ما هو جمع

القلة، ومنه ما هو جمع الكثرة). هذا هو المقصود في الأصول، ولكن يتعلق النظر لأجل هذا الغرض بالتعريف والتنكير والسلامة والتكسير. فإذا تكلمنا على الجمع باعتبار السلامة والتكسير، فإن ذلك من غرض الأصول، لما يترتب عليه من معرفة التقليل والتكثير. وإن تكلم على الجمع باعتبار التعريف، فعلى هذا الحد يدخل تحت قسم الأصول، لا من غير هذه الجهة. قال الإمام: (ونحن نقول: أما [ما ذكرناه] (76/أ) فعلى تقاسيم الجموع [من الشرط] والتنكير في النفي، فلا شك أنه لاقتضاء العموم) إلى قوله ([إلا أن يقيد] بقرينة حالية [ينزل] على حسبها). قال الشيخ:

الأمر على ما ذكره في الشرط، فإن الشرط وضع على الإبهام، لا اختصاص له في وضع اللسان. وأما التنكير، فقد تقدم كلامنا عليه. وأما قوله: (فأما جمع القلة، فلم يوضع للاستغراق قطعا). إن أراد أنه ليس ظاهرا فيه، فهو مسلم، وإن أراد أنه لا يحتمله قطعا، فهذا باطل على القطع. وقد قال أئمة العربية: قد يوضع القليل موضع الكثير، وكذلك عكسه. وأما قوله: (وأما جمع الكثرة، فهو الاستغراق). هذا غلط، بل هو صالح له ولما دونه. ولا ينضبط مقداره، إلا أنه ظاهر فيما يزيد على العشرة، لاسيما في الجمع الذي ليس له جمع قلة، كرجال، [ودراهم]، تقول: ثلاثة رجال، وأربعة [دراهم].

صيغ العموم، هل تدل على الاستغراق قطعا أو ظنا؟

قال الإمام: (ونحن من هذا المنتهى نفرع ذروة في التحقيق لم يبلغ حضيضها، ونفترع معنى [بكرا] هو على التحقيق منشأ اختباط الناس في

[عمايتهم] إلى قوله (فهذا بيان الطرفين). قال الشيخ الكلام كما ذكره واضح. فأما الرتبة الأولى، وهي رتبة النص في الأعداد، فليست مما نحن (51/ أ) فيه، فإن [أهل] العربية قالوا: إنه يقع على القليل والكثير من جنسه.

ولذلك لا يثنى ولا يجمع، إذ في لفظه ما يغني عن ذلك. فهو يتخيل فيه عموم. والصحيح أنه لم يوضع للأعداد بحال. وإن مطلق [(الضرب)] و (القيام)، إنما باعتبار معقول هذه الهيئة. كما أن مطلق لفظ الرجل غير متعرض لصفاته وهيآته، وإن كان الرجل يصلح للوصف بهذه الجهات.

والقلة والكثرة أوصاف للمصدر، كما أن الطول والقصر أوصاف للرجل، والنعت ليس للغير اللفظ المنعوت، وإنما هو إلحاق زيادة يتقاعد اللفظ الأول عن الدلالة عليها. قال سيبويه: ولو كان لفظ الموصوف يشعر بالصفة، لاستغني عنها، ولجرت الصفة مجرى التوكيد. كلام حسن بالغ. والفرق بين صلاحية الدلالة [وصلاحية الوصف]، أن يكون في طباع

اللفظ لغة، ما يصلح للدلالة والإطلاق. [و] صلاحية الوصف ترجع إلى أنه يصح وصفه بما يذكر. هذا كلام التمام على الطرفين. قال الإمام: ([وأما] القيمان المتوسطان، فعلى [ضربين]: نحن [نصفها]: أحد القسمين: [ما وضع في اللسان للعموم]) إلى قوله ([و] أمكن [أن يحمل الذين] جرى ذكرهم [تخصيصا]). قال الشيخ [أيده الله] اختلف الناس في صيغ العموم بعد المصير إلى [أنها] مستغرقة، هل تدل على الاستغراق قطعا أو ظنا؟ أو بعضها يستغرق قطعا، وبعضها

يستغرق ظنا؟ فذهب الشافعي والمعتزلة إلى أنها إذا تجردت عن القرائن، دلت على الاستغراق قطعا، ولكن المعتزلة تلقته من مأخذ، والشافعي من (76/ ب) غيره. أما المعتزلة، فتلقوا ذلك من استحالة تأخير البيان عن مورد الخطاب، فلو كان المراد به غير ما هو ظاهر فيه، لكان تأخيرا للبيان، وذلك محال. وأما الشافعي، فلم يتلق من هذا، وإنما كأنه يرى أن التخصيص، إنما يكون واردا على كلام المتكلم، لاقتران اللفظة المخصصة عند [الإطلاق]. وهذا إنما يكون نظرا إلى اللغة، فيفتقر فيه إلى النقل.

وقال الفقهاء: الألفاظ ظواهر، لا تدل دلالة قطعية إلا بالقرائن، كما أنه لا تسقط دلالتها إلا بالقرائن. وهذا هو المختار عندنا. وفرق أبو المعالي هاهنا بين أدولت الشرط وغيرها، فرأى أن أدوات الشرط تدل دلالة قطعية، وإنما تقبل التخصيص، بناء على القرائن. وهذا مذهبه معرى عن الدليل. ودليل التعميم عندنا: أنا وجدنا هذه الألفاظ تستعمل للاستغراق تارة، وللبعض أخرى، فامتنعنا من القطع، ولم نصر على الإجمال، لعلمنا من أهل اللغة والصحابة طلب دليل الخصوص. والأمثلة في ذلك واضحة. فلو قال القائل: أكرموا من يزورنا، أو عبيدي (51/أ) أحرار، [ودوري محبسة]، وما لقيت اليوم أحدا، وكل رجل يأتيني فله درهم، أو {ما فرطنا في الكتاب من شيء}. لفهم العموم في هذه الأحوال، ولذلك ورد النقض على الخبر العام، قال الله تعالى: {قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى}. ولما نزل قوله تعالى: {إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم}. قال ابن

الزبعري: إذا أخصم لكم محمدا، فقال: يا محمد عبدت الملائكة، وعبد المسيح، فليكونوا في النار. فأنزل الله تعالى: {إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون}. وطلب دليل الخصوص، لا دليل العموم. قال الإمام: (وأما القسم الثاني من القسمين المتوسطسن: فهو الجمع الذي ليس له جمع قلة) إلى قوله (ونذكر في كل مسألة ما يليق بها. [وبالله التوفيق]). كلامه واضح.

(مسألة: ذكر سيبويه- وغيره من أئمة [العربية] أن جمع السلامة من أبنية جمع القلة)

قال الإمام: (مسألة: ذكر سيبويه- وغيره من أئمة [العربية] أن جمع السلامة من أبنية جمع القلة) إلى قوله (أنه لا يتعرف المثنى والمجموع إلا [بالألف] واللام، [وهما] يعرفان كل نكرة). قال الشيخ [أيده الله]: قوله: إن الأصوليين القائلين بالعموم، مجمعون على حمل جمع السلامة على الاستغراق، صائرون إلى تنزيله منزلة الكثرة من أبنية التكسير. ليس الأمر على ما قال من الإجماع، وقد قال بعض [أهل العموم] إنه

مستغرق، كما ذهب إليه أئمة العرب. وقوله: ([أهم] مقصود [في] المسألة محاولة الجمع بين مسالك الأئمة). هو كذلك إن قدر عليه. وقوله: (الاسم العلمي إذا ثني أو جمع، خرج عن كونه، [معرفة] وتنكر). خلاف أهل اللسان أجمعين، فإنهم مطبقون على أن العلم لا يثنى ولا يجمع بالألف واللام.

فقوله: (إذا قلت: زيدان فقد نكرت، باتفاق أئمة العرب). هذا لا يصح باتفاق أئمة العربية، إلا في مواضع مخصوصة، وهو أن تبقى العلمية [للفرق بيننا وبينه] (77/ أ)، وبين الجنس، وما في معناهما. والسبب في امتناع التثنية والجمع بغير الألف واللام: أن المفرد علم، ونحن إنما أردنا تثنيته أو جمعه، فلو جئنا بالتثنية والجمع على التنكير، لحصل الشياع، ولم ترجع التثنية على العلم بعينه، فتكون تثنيته لا يحصل منها مقصود تثنية، فيفوت الغرض في التثنية، وكذلك الجمع. [فصح] أن قوله قول من لا يحيط بهذه القاعدة.

قال الإمام: (فنعود بعد ذلك إلى [بيان] الكلام في المسألة) إلى قوله (إذ ذكر حكم التثنية والجمع على [التمحيض]). قال الشيخ: قوله: إن كل نكرة لا تقتضي استغراقا. قد قال بعض الأصوليين: إنه لا فرق بين قول القائل: اقتلوا رجالا، وبين قوله: اقتلوا الرجال. وإن كان الأكثرون قد ذهبوا إلى الفرق. والصحيح عندي في ذلك أن جمع الكثرة، لم يوضع (52/ أ) مختصا بالاستغراق، بل هو فيما يزيد على أقل الجمع المشترك، على أي عدد أطلق كان حقيقة، فإذا [لا] يعم الجميع]، وإن كان للكثرة لعينه، وإنما يعم بسبب القرائن. وأما إذا عرف، فينظر إلى الألف واللام، هل كانت للعهد؟ فينظر إلى مقدار ذلك المعهود أو الجنس، فينزل الأمر على ذلك. وأما قوله تعالى: {ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الأشرار}. فلا يدل

على التبعيض ولابد، إذ يحتمل أن يكون لبيان الجنس، ويكون التقدير: كنا نعدهم أشرارا، لكن هذا على مذهب الأخفش، الذي يجوز زيادتها في الواحد. وإن قدرنا أنها للتبعيض، فليس فيه إلا أن جمع الكثرة في هذا المكان المخصوص، لم يقصد به الاستغراق، ونحن ما حتمنا أنه يراد للاستغراق، بل فلنا إنه مشترك بين الأعداد بعد مجاوزة الأول. وأما قوله: ([وإذا] عرف، ولم يكن على بيان التقليل، فهو للاستغراق). واحتج على ذلك بقوله تعالى: {إن الأبرار لفي نعيم}.

وهذا أمر عجيب، وما أدري، هل استدل به على أن جمع القلة لا يستغرق حتى يكون المراد بالقرائن أن دون العشرة من [الأبرار]؟ أو استدل به على أنه إذا عرف استغرق؟ وهذا هو الظاهر من عرضه. وغفل الرجل عن كونه جمع قلة. ثم قال بعد ذلك: وإذا عرف، ولم يكن على بناء التقليل، فهو للاستغراق. فقد اشترط في الاستغراق شرطين: أحدهما- أن يكون الجمع جمع كثرة. والثاني- أن يكون معرفا بالألف واللام. وهب أن جمع السلامة عرف، فقد عدم الشرط الآخر، وهو أن يكون الجمع جمع كثرة، فلم يظهر لما قاله وجه أصلا. وأما التعريف، فلا يتلقى منه تخصيص ولا تعميم، وإنما هو مرشد إلى العهد والجنس. قال الإمام: ([فينتظم] من ذلك: أن كل جمع في عالم الله تعالى، فإنه لا يقتضي الاستغراق بوضعه) إلى آخر المسألة. قال الشيخ: هذا الكلام الذي ذكره في هذا المكان، من أفسد شيء، وقد ناقض به كل ما تقدم، وهو فقد قال: (إن جمع القلة لما دون العشرة، وجمع الكثرة يزيد على ذلك). فقد صار في

هذا إلى أن الجمع بجملته لأقل الجمع، وإن كان جمع كثرة. وإن كان كل جمع في حال التنكير لأقل الجمع، بطل انقسام الجمع إلى جمع قلة وجمع كثرة، فإن التعريف يجعل جمع (77/ ب) القلة جمع كثرة. وإن قدرنا محالا، وهو أن التعريف ينتقل فينتقل الجميع. وهذا الذي قاله خلاف إجماع أهل اللغة وأئمة العربية. وما حكاه عن سيبويه من (أن جمع السلامة من أبنية القلة). فهو يقول: إنه إنما يستغرق إذا لم يعرف، ولم يكن جمع قلة، فإذا حصل التعريف، فقد فات الشرط الآخر، وهو أن يكون جمع كثرة. فهذا كلام متناف كله. هذا نهاية الكلام على ما قال. ونحن نرى أن نذكر هاهنا متمسك أصحاب المذاهب المعممين والمخصصين، (52/ب) ونرمز إلى مأخذ الموافقة فنطلبها. أما المعممون، فقد تمسكوا بطرق:

أدلة المعممين والخصصين

أحدها- أنهم قالوا: إن أهل اللغة، بل أهل جميع اللغات، كما فهموا الأعداد والأشخاص والأنواع، ووضعوا لها ألقابا تدل عليها، لدعاء حاجتهم إليها، فكذلك فهموا العموم واستغراق الجنس، فاحتاجوا إلى التعريف، فكيف لا [يضعون] عبارات تدل على ذلك؟ قلنا: هذا كلام ضعيف من أوجه: أحدها- أن هذا قياس في اللغة، ومن أين يلزم إذا وضع عبارة عن بعض الأشياء، أن يضع عبارة عن كل ما علم؟ الثاني: أن هذا منقوض بالتعبير عن خصوصية الأرائح، فإنهم كانوا فهموا الألوان حتى أبيض وأسود، وبياض وسواد، فكذلك الأرائح، ولم يضعوا لها عبارة، حتى لزم تفريقها بالمحل حتى يقال: رائحة المسك. والثالث: وإن سلمنا [أن] ذلك مقتضى الحكمة، فمن أين يلزم أن واضع اللغة راعي الحكمة؟ وكم من حكيم يترك ما لا تقتضي الحكمة تركه؟ . الرابع: أنا وإن سلمنا أنه لابد من العبارة، فنقول: قد عبر عنه، ولكن باللفظ المشترك، ولا ينكر اشتمال اللغة على الألفاظ المشتركة. فإن قيل: ذلك يخل بالبيان. قلنا: إذا صح الوضع، اندفع السؤال، على أن البيان يحصل بقرائن الأحوال المزيلة للإجمال.

الشبهة الثانية: أنهم قالوا: يحسن أن نقول: اقتلوا المشركين إلا زيدا، ومن دخل الدار فأكرمه إلا الفاسق، ومن عصاني فعاقبه إلا المعتذر، فيصح الاستثناء، والاستثناء لاستخراج ما كان يدخل تحت اللفظ أولا، فلو لم يكن اللفظ الأول مستغرقا، لما حسن الاستثناء. وهذا الكلام ضعيف من أوجه: أحدها- أن الاستثناء قد يؤتى به لذلك، وقد يؤتى به لقطع صلاحية الدخول، وقد يجيء الاستثناء من غير الجنس، فيمكن أن يكون الآتي بالاستثناء في هذه الصورة جيء به لقطع الصلاحية، لا لإخراج ما يتناوله اللفظ ولابد، بل لقطع الصلاحية خاصة. وإذا أمكن ذلك سقط الاستدلال. الشبهة الثالثة: قولهم: إن تأكيد الشيء ينبغي أن يكون موافقا لمعناه، فلا يؤكد العموم إلا بالعموم، ولا الخصوص إلا بالخصوص، ويصح أن يقال: جاءني القوم كلهم، (وكل) للاستغراق، فليكن لفظ القوم كذلك. ويقال: اضرب القوم أجمعين، ولا يقال: اضرب القوم نفسه، واضرب زيدا نفسه، ولا يقال: اضرب زيدا أجمعين. قلنا: هذا الاستدلال باطل، [فإن] النزاع في [التوابع] المؤكدة، كالنزاع في المؤكد. ومن سلم أنه إذا قال: اضرب القوم

كلهم أنه مستغرق؟ بل أكد القوم الذين أرادهم بلفظه الأول، وفيه النزاع. فلا يزول [الإشكال] بقضية (53/أ) التوكيد على الحال. فإن قيل: [إذا قال]: أكرم (78/أ) الناس أجمعين أكتعين أبصعين، صغيرهم وكبيرهم، ذكرهم وأنثاهم، حرهم وعبدهم، على أي وجه كانوا، وعلى أي حال، فلابد من فهم العموم بلا ريب، والتوكيدات توابع المؤكد [للعموم] الأول. وهذا أيضا ضعيف، فإن الواقفية في هذا على [معتقدهم] في الوقف، وإن الجماعة التي أكدت، لم تبين، والتوكيد تابع. وقد اعترف بعضهم بالعموم، وتلقاه من قرائن الأحوال، وعرف الاستعمال في ذلك، فيكون زائدا على فهم مقتضى الألفاظ. الشبهة الرابعة: أنهم قالوا: إن هذه الألفاظ إما أن تكون للاستغراق- وهو ما [يريدون]- وإما أن تكون لأقل الجمع، وهو باطل. كما سيأتي في الرد

على أصحاب الخصوص. وإما أن تكون مشتركة، ولا يصح أن تبقى مجملة، ولا يحصل منها بيان، فيتعين أن تكون للعموم. وهذا ضعيف، فإن للقائل أن يقول: لا تحمل على جهة من الجهات إلا بقرينة تبين المقصود، كالألفاظ المشتركة، ولا ينكر اشتمال اللغة على ذلك. الشبهة الخامسة: تمسكهم بالإجماع، وأن الصحابة - رضي الله عنهم - تمسكوا بعمومات الكتاب والسنة في إثبات الأحكام وبنائها عليها، فكانوا يطلبون دليل الخصوص، لا دليل العموم. ففهموا من قوله: {يوصيكم الله في أولادكم}. ميراث فاطمة، حتى روى أبو بكر - رضي الله عنه - أن النبي - عليه السلام - قال: _نحن معاشر الأنبياء لا نورث).

وتمسكوا بآية المواريث، حتى روي لهم: (القاتل [لا يرث]). وكذلك جميع الأحكام. وهذا من أظهر ما يتمسك به أصحاب العموم. ولكن يصح أن يقال: إنما فعلوا ذلك عند ظهور القرائن، وهي غالبة جدا في هذا الباب. وكل مسلك من الكلام تطرق إليه إمكان، لم يفض إلى القطع. شبهة أرباب الخصوص: قالوا: هذه الألفاظ لابد أن تدل، وأقل الجمع لابد منه، والزيادة مشكوك [فيها]، فلا سبيل إلى إثباتها بالتوهم. وهذا فاسد من وجهين: أحدهما- أنه لا نسلم أن أقل الجمع لابد منه، فقد ذهب أبو الحسن [إلى] أن اللفظ مشترك بين الواحد، اقتصارا عليه، وبين أقل الجمع فما فوقه. الثاني: أنه ليس النزاع في ثبوت أقل الجمع، وإنما النزاع في اقتصار اللفظ عليه، أو تصح الزيادة في الدلالة، أو الأمر ملتبس؟ فإلى هذا يرجع

الخلاف. فلا يخلو الخصم: إما أن يمنع الدلالة، أو يشك فيها؟ فإن منع وقال: لا يدل، افتقر إلى الاستدلال. فإن قال: لا أعرف، لم يأت بالدليل، ولكنه غير عارف بالوضع. وليس محل النزاع إثبات الأقل، فهذا النوع من الاستدلال لا يصلح في اللغات على حال. وأما مستند أصحاب الوقف: فعلى حسب ما مضى في صيغة الأمر حرفا حرفا، فلا معنى للإعادة. وقد تمسكوا أيضا في هذه المسألة بحسن الاستفهام، والجواب كما تقدم. وطريق الرد عليهم من (53/ب) ثلاثة أوجه: أحدها- التحاكم إلى أهل اللغة أجمعين، ومصيرهم إلى انقسام الجمع إلى جمع قلة وإلى جمع كثرة، وضبطوا جمع القلة بأبنية معدودة، وقالوا: إنه للعشرة فما دونها، وقالوا: جمع الكثرة للزيادة على ذلك، ولكنهم لم يثبتوه للعموم، بل للزيادة. وهذا هو الصحيح عندنا، ويفتقر في التعميم إلى دليل (78/ب) آخر تبينه قرينة الحال، أو صريح المقال. وهذا التفصيل [عند أهل] اللغة إنما هو في الجموع. فأما الشرط والتنكير في النفي مع الفتح، فقد

قضى أهل اللغة بكونه للعموم. الثاني- إجماع الصحابة. كما سبق تقريره. وما ذكره القاضي والواقفية من أن ذلك يرجع إلى القرائن، كلام ضعيف، فإن القرينة يتعذر مصادفتها لجميع المعلومات اعتيادا. فلو كان التمسك بالقرينة [دليلا]، لوجب اختلاف الفهم، إلا أن تكون القرينة أمرا كليا لا تختلف باختلاف الصيغ، فيحصل [المقصود] من الاستغراق، وإن أمكن النزاع من جهة وضع اللسان. وكأن الخصم وافق في الحكم، وخالف في الطريق. الوجه الثالث- أن نقول: غاية الواقفية أن يدعو الالتباس أو الاشتراك، ولا يمنعون صلاحية اللفظ على حال. وإذا استقر في الشرع أن الحكم في المتماثلات واحد، حتى لو ثبت اقتصار اللفظ لغة [عممنا] بطريق القياس. فإذا كان للفظ صلاحية الدلالة، وجب التمسك به، بعدما استقر في الشرع المقصد إلى التسوية في الأحكام. فإن ثبت أنه ظاهر اللغة، فلا إشكال، وإن أمكن الإجمال، فيجب التعميم، لما قررناه من قرينة الاستواء في غرض المتكلم. وإنما يقصد بيان مدلول اللفظ في الشريعة. وقد استبان ذلك بما

(مسألة: قال أصحاب العموم: النكرة في النفي [تعم]، وفي الإثبات تخض. فلابد من تفصيل القول في الطرفين)

قررناه، واندفع عنه الإشكال. والحمد لله رب العالمين. قال الإمام: (مسألة: قال أصحاب العموم: النكرة في النفي [تعم]، وفي الإثبات تخض. فلابد من تفصيل القول في الطرفين) إلى قوله ([ولم يسغ] حملها من غير قرينة مخصصة على الخصوص). قال الشيخ: أما قولهم: النكرة في النفي تعم، قد تقدم الكلام أن (لا) إذا دخلت على اسم منكور، فإن بني معها على الفتح، فهي [محل] اتفاق بين النحويين والأصوليين. وإن بقي الاسم معربا، فقال أئمة العربية: إن دلالتها على نفي الجنس عند البناء. وظاهر كلام الأصوليين التسوية. كما تقدم الكلام. وأما (ما) النافية إذا دخلت على فعل واقع على نكرة، فإنها تعم، كقولك: ما رأيت رجلا، والبناء في هذا لا يصح. وأما قولهم وفي الإثبات تخص، فكلام صحيح، إذ النكرة: كل اسم شائع في جنسه، لا [يختص] به واحد دون آخر.

وما ذكره الإمام من التفصيل في هذا القسم: وهو (أن النكرة الواقعة في سياق الشرط محمولة على العموم). فلا يصح عندي، ولو كان اللفظ في هذه الصورة للعموم، لما استحق الإكرام من أتى بمال واحد، بل كان يفتقر إلى الإتيان بالأموال، كما (54/أ) لو قال: من أتاني بكل مال أجازه، فإنه لا يستحق الآتي بمال واحد الإكرام، بل النكرة باقية على إطلاقها، تعم الشرط، وتثبت عموما في الآتين بالمال، حتى لا [تختص] بآت واحد. ولو اتفق أن

يأتي جماعة بمال، لاستحقوا بجملتهم الإكرام، فالعموم في الشرط، لا فيما تعلق الشرط به. فكلام الأمة صحيح، ومؤاخذة الإمام غير متوجهة. وأما قولهم: إنها في النفي تعم، فلا نزاع فيه، ولا تقسيم يرد على أصل الحكم. نعم، التفاوت ظاهر، باعتبار ورود الحرف المؤكد، والأئمة لا ينازعون في ذلك. قال الإمام: (مسألة: اللفظ الموضوع للإشعار بالجنس، الذي واحده

(مسألة: اللفظ الموضوع للإشعار بالجنس، الذي واحده بزيادة (الهاء) كالتمر والتمرة، والشجر والشجرة)

بزيادة (الهاء) كالتمر والتمرة، والشجر والشجرة) إلى قوله (فهذا قولنا (79/أ) في هذه [المسألة]). قال الشيخ أما الكلام على ألفاظ الجنس التي يميز فيها الواحد عن الجنس بالهاء، كالثمر والثمرة، وما يقضي فيه بكونه [جمعا]، أو جنسا مفردا، فقد تقدم الكلام عليه. وإنما نخص في هذا المكان الكلام بلفظ الجنس. وإنما [قال] الإمام: (إنه يضم إلى المسألة مسألة أخرى). فجهة

المقاربة بين المسألتين حتى جمعا في نظم واحد، أن لفظ الجنس هناك امتاز عن المفرد بالهاء، ولفظ الجنس هنا امتاز عن الواحد [بالألف] واللام للعهد، عند سبق التنكير. وإنما اختار الكلام على المسألة الثانية، لأنها أغمض، إذ لا امتياز من جهة اللفظ، وإنما الاعتماد على قرائن الأحوال، فإذا صح له فيها التعميم مع فقدان الفرق اللفظي، فلأن يثبت التعميم في باب التمر والتمرة أولى. وقد اختلف الأصوليين في هاتين المسألتين على مذاهب: فقال قائلون: إنه للجنس، وقال قائلون: لا يثبت ذلك فيه، وقال قائلون: إنه مشترك، وفرق

الإمام بين ما فيه (الهاء)، وبين ما لا (هاء) فيه. فذهب إلى [أن] ما فيه (الهاء) [أنه] للجنس عند فقدانها، وذهب في القسم الآخر إلى الوقف. وهذا هو الصحيح عندنا.

أما من ذهب إلى أنه مفرد، فقد تمسك بإفراد لفظه وقبوله للتثنية، فيقال: الرجل والرجلان. قالوا: وأصل اللغة اختصاص دلالة الألفاظ المفردة على المفرد، والتثنية على التثنية، والجمع على الجمع. هذا هو الأصل، وإن كان يصح إطلاق الجمع على التثنية، ولكنه مجاز قليل. وكذلك إذا أطلق لفظ المفرد على الجمع، فمجاز. وأما الذين ذهبوا إلى أنه الجنس، فقد تمسكوا بأمرين: أحدهما- استواء الجنس في إطلاق اللفظ، فهم لو ذكره مرتين، لصح أن يريد به الاثنين، والاختصار في إسقاط التكرار، والإتيان بالإفراد. وقد تمسكوا أيضا بأمثلة كثيرة جرى اللفظ فيها على الجنس، كقوله تعالى: {إن الإنسان لفي خسر}. وكقوله: {لقد خلقنا الإنسان في أحسن

تقويم}. وغير ذلك، [كقولهم]: الدينار أشرف من الدرهم، والرجل أفضل من (54/ب) المرأة. وقالوا أيضا: [يكفي] في كونه للجنس، أن لا يتقدم منكر سابق، ولا يكفي في كونه لتعريف العهد، أن يسبق التنكير، بل يفتقر إلى قرينة زائدة تنضم إلى ذلك، وهو أن يقصد العهد، فلما كان عدم التنكير يحقق الجنس، ولم يكن تقدمه يوجب العهد، كان الظاهر أنه للجنس. هذا توجيه المذاهب. فأما قولهم: إفراد اللفظ يقتضي إفراد المعنى، فغير مسلم على الإطلاق، وهل النزاع إلا فيه؟ وألفاظ العرب والكتاب والسنة تثبت أسماء الأجناس، بدليل صحة الاستثناء منها، ولا يستثنى من الواحد. وقولهم: إنه مجاز، غير مسلم، وألفاظ الجنس [حقائق عند] أهل اللسان. وأما من قال: إنه للجنس، فقد غلط، ولا يلزم من الاشتراك في حقيقة الجنس، أن لا يعبر الإنسان إلا عن الجنس بكماله، ولا ذاهب يذهب إلى أن القائل إذا قال: أقبل الرجل، يكون متجوزا، بل مستعملا للفظ على حقيقته.

وأما تمسكهم بأنه يكفي في الرد إلى الجنس، فقدان التنكير السابق، فصحيح، ولكنهم لم يفهموه على وجهه، وذلك أن اللفظ المجمل إذا انحسمت إحدى جهتيه، بقيت الأخرى. والإجمال إنما ينشأ من احتمال العهد والجنس، (79/ب) فإذا انحسمت إحدى الجهتين، بقيت الأخرى. فالصحيح إذا في [هذا] القسم الإجمال، كما ذهب إليه الإمام. قال الإمام [رحمه الله]: (وأما التمر والتمرة، فمطلق اللفظ الذي واحده بزيادة (الهاء) للعموم عند محققى المعممين) إلى آخر المسألة. قال الشيخ: قوله: مطلق اللفظ الذي واحده بزيادة (الهاء) للعموم عند المعممين. هذا إنما يكون كذلك، إذا كان معرفا بالألف و (اللام). [وأما إذا كان] منكرا، فإنه لا يشعر بالاستغراق بحال. أما على مذهبه، [فيصح] أن يكون كجمع الكثرة، وهو يرى جمع الكثرة لا يستغرق إلا إذا كان معرفة، فكيف

باسم الجنس؟ وأما نحن فنرى الاشتراك في جمع الكثرة من فوق العشرة إلى غير نهاية. ويريد هاهنا أنه صالح أيضا مع ذلك لما دون العشرة. وإذا صح ذلك، بطل المصير إلى أنه بمطلقه للاستغراق، ويكون قول القائل: إذا أطلق لفظ (ثمر) على القليل والكثير حقيقة، ولا تجوز في ذلك بحال. وإن كان كلامه منزلا على ما إذا كان نكرة، فباطل بالقطع، وإن كان إنما يتكلم عليه إذا كان معرفة، ولم يقصد عهدا، فكلام صحيح. ويصير الكلام في هذه المسألة كالتي سبقت من كل وجه، إلا في صورة واحدة، وهو أن المسألة السابقة يدور الأمر فيها بين الواحد وغيره، والإطلاق هاهنا لا يقبل الإفراد، فإن العرب في هذا المجال جعلت [في] المفرد حرفا زائدا، وهو (الهاء)، وإذا نزعت منه (الهاء)، بطلت الوحدة. وأما (إنكار بعض أصحاب العموم الدلالة على العموم، من جهة أنه ليس

بجمع ولا شرط). فكأنهم يقولون: إنما يكون العموم بناء على جمع، (55/أ) من جهة اللفظ كالمجموع، أو النظر إلى الإبهام كالشروط، وإن لم يكن شيء من ذلك، فلا يثبت العموم. وهذا غلط من القوم في ادعاء حصر الأسباب. ومن جملة الأسباب: النكرة في النفي، كما تقدم. والقوم قد اقتصروا على محض الدعوى، وقالوا: لا مقتضى للتعميم إلا الإبهام والجمع. وقولهم: (وربما يجمع في نفسه، فيقول: تمور)، واستدلوا بذلك على أنه مفرد، وعارضه بقوله: (يمتنع أن يقال: تمر واحد). هذا إنما يمتنع على تقدير أن يراد تمرة واحدة. وأما أن يراد نوع من التمر، فلا يمتنع ذلك. وقوله: (هذا أظهر من متعلقهم). يريد إن دلالة الجمع على الإفراد

ليست مستمرة، لصحة جمع الجمع، بخلاف دلالة الواحد على الواحدة، فإنها مستمرة. فإذا انتفى النعت بالواحد، انتفت الوحدة. فأما كون الجمع يجمع، فلا ريب فيه، وإنما يجمع على تقدير أن يتخيل الجمع مفردا، ثم يتخيل اجتماع أفراد من ذلك الجنس، فيجمع على هذا الجنس. وقول الإمام: ([ومما ينبغي أن يتنبه له الناظر أن لفظ التمر] أحرى [باستيعاب] الجنس من التمور، فإن التمر يسترسل على الجنس لا بصيغة لفظية). معناه أن المطلق يطلق اللفظة بإزاء المعنى الشامل لآحاد. والتمور يلتفت فيه إلى الوحدان، ثم الاستغراق بعده بصيغة الجمع. وفي صيغة الجمع مضطرب عندهم. وسر هذا يتبين في مسألة أقل الجمع. قال الإمام: (مسألة: اللفظ المشترك كالقرء والعين وما في معناها، إذا

ورد مطلقا) إلى قوله (وهذا القول يجري في الحقائق وجهات المجاز). (80/أ) قال الشيخ: اللفظ إذا دل على مسميين فصاعدا، إما أن تستوي نسبته إليهما جميعا، فيكون مشتركا، وإما أنة تتفاوت النسبة، فهو الظاهر باعتبار معناه السابق، والمؤول باعتبار المعنى الخفي. وقد اختلف الناس في القسمين. والشافعي يذهب إلى حمله على المعنيين، ولم يفرق بين النسبة المستوية والمختلفة. ووافقه القاضي عند استواء النسبة أن يكون للعموم. واستدل القاضي بدليل لا يليق بمثله الاستدلال به، فقال: لو كرر اللفظ مرتين، وأراد المعنيين، لصح له ذلك، فما الذي يمنع من

إرادتهما جميعا مرة واحدة؟ قلنا: لا مانع من ذلك من جهة العقل، وإنما يتبع في ذلك موجب اللغة، فكيف يتمسك في ذلك بالتجويز العقلي؟ والاعتماد على استواء النسبة [غير مفيد حتى يثبت، هل استوت النسبة] في الإرادة؟ وفي مصير القاضي إلى ذلك مع ذهابه إلى الوقف في صيغة العموم، [يمنع] من حمل اللفظ على جميع المسميات. وأقصى ما سلم له ثبوت الاشتراك، وهو قد ذهب إلى أن [المشترك] عام، أو لعله إنما تكلم على هذا (55/ب) تفريعا على قول من يقول بالعموم.

وأما المصير إلى إجمال اللفظ الذي يظهر منه العموم لكونه قد يدل على البعض، [وادعاء] العموم في اللفظ المشترك، فبعيد جدا. وكذلك وقفه في صيغة الأمر وادعاء الإجمال، فما الذي [منعه] من المصير إلى العموم؟ ولكن هذا لا يلزم لوجهين: أحدهما- أن الفعل لا عموم له، بخلاف الاسم. والثاني- أنه [إنما] يذهب إلى العموم إذا لم يمنع من ذلك مانع. وإذا نزلنا اللفظ على الندب، امتنع أن يحمل في تلك الصورة على الوجوب. والصحيح عندنا أن اللفظ المشترك لم يوضع للعموم [بحال]، فإن العرب لم تستعمله [ليفيد] الاحتواء على جميع المسميات. [وكل ما] ذكرناه في الرد على القاضي يتوجه على الشافعي وزيادة، وهو حمل اللفظ على الحقيقة والمجاز جميعا. وهو [الاعتراض] الذي وجهه القاضي. وتقريره: أن معنى

كون اللفظ حقيقة، أنها اقتصرت في الدلالة على الوضع الأصلي بلا زيادة ولا نقصان، [كما تقدم الكلام عليه. وإذا أطلقت على زيادة أو نقصان]، فقد تغير الوضع اللغوي بلا إشكال. قال الإمام: (فإن قيل: [أتجوزون] أن يراد به جميع محامله؟ ) [إلى قوله] (ويتبين من حاله أنه يريد [أن يطبق] ذلك على جميع ما جرى). قال الشيخ: [ما ذكره الإمام]، كلام لا يغني في هذا المكان، فإن [النطق] على هذا الوجه غير محرم، [وإنما] النظر: [هل] إذا نطق بذلك

[أيكون] اللفظ لغويا، أو حائدا عن مقتضى اللغة؟ ولم يتعرض الإمام لهذا، وإنما قال: يصح. وإذا قررنا أنه يصح لغة، فهل جمع بين الحقيقة والمجاز، أو يكون مجازا محضا؟ وهذا أيضا لم يتعرض [له]. [والصحيح] عندنا أنه ثبت أنه نطق به على هذا الوجه، فإنه إذا كان الوضع الأصلي [للاقتصار]، فعند الزيادة [يفوت الوضع الأصلي، كما في جانب النقصان. وسيأتي تقرير ذلك في مسألة] العام إذا خص، هل يصير مجازا، أو يجتمع فيه موجب الحقيقة والمجاز؟ والصحيح عندنا أنه مجاز محض، إذ يؤخذ في حد الحقيقة: الانطباق على الوضع الأصلي. هذا تمام كلام الأصوليين.

وعندي في المسألة نظر آخر، (80/ب) وهو أن نقول: المصير إلى أن المشترك عام على الإطلاق غلط، [ولا] يتأتى أن تكون دلالة المشترك على آحاد كل جنس، بأعظم من دلالة النكرة [الشائعة] في الجنس الواحد. وكيف يصح أن يقال إذا قيل للمرأة: تربصي [قرءا] أن يكون هذا [أمرا] بتربص [كل] الأقراء؟ هذا محال لا شك فيه. ولما قال الله تعالى: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء}. أجمع الناس على أنه ليس المراد جميع الأقراء، ولا الطهر ولا الحيض [معا]، وإنما أريد ثلاثة من أحد النوعين، وإن اختلف الناس في التعيين. وهذا أيضا يدل على أنه وقع في قسم الإجمال، إلى البيان، وإلا كان يصح أن يقال: إذا تربصت ثلاثة بين طهر وحيض اكتفى بذلك. والذي أظنه بالقاضي أنه يقصد أن تكون النكرة التي اختلفت الأجناس في دلالتها في شياعها في أجناسها، كالنكرة الشائعة في الجنس الواحد، ويشيع لفظ

العين في كل ما يسمى عينا، [وإن] اختلفت الأجناس، كما يشيع لفظ الرجل في الجنس الواحد، (56/أ) وفي الموضع الذي [يقضي] فيه بعموم هذه النكرة في آحاد جنسها، يقضي فيه بعموم المشترك في جميع أجناسه. وفي الموضع الذي تكون فيه تلك مطلقة- حتى يقع الاكتفاء بواحد من الجنس، أي واحد كان- يكون اللفظ المشترك في آحاد أجناسه. مثاله إذا قال: رأيت رجلا، اقتضى ذلك واحدا بعينه، [مختصا] برؤيته، [لا بلفظه]. وإذا قال: أكرم رجلا، [اقتضى إكرام واحد من الجنس. وإذا قال: ما رأيت رجلا]، أو لا تكرم رجلا، اقتضى ذلك عموما واستغراقا، فقد صار للنكرة الشائعة في الجنس الواحد ثلاثة أحوال: الإجمال والإطلاق والعموم. كذلك ينبغي أن يكون اللفظ المشترك مجملا تارة، كما إذا قال: رأيت عينا. ومطلقا تارة، [كما] إذا قال: تربصي قرءا. وعموما [تارة]، [كما] إذا قال: لا قرء، وما رأيت قرءا. هذا تحقيق المسألة عندي على مذهب القاضي وغيره، ممن يصير إلى [أن] المشترك عام. فأما المصير إلى التعميم عند إفراد اللفظ في جانب الإثبات، فمحال، لا ينتحله لبيب. ويتعلق بهذا الغرض مسائل، لم يذكرها الإمام في كتابه، وهي

[حرية] بأن تذكر في هذا المحل. وتلك المسائل: مسألة المفهوم، هل له عموم أم لا؟ والفعل، هل له عموم [أم] لا؟ وكذلك الفعل المتعدي إلى مفعولاته، هل يكون عاما بالإضافة إلى مفعولاته؟ وكذلك قول الصحابي: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -[عن كذا]، وقضى بكذا. [هذه مسائل اختلف الأصوليون فيها]، ونحن [نذكرها] مسألة مسألة، ونبين في كل مسألة ما فيها [من الدقائق]. مسألة: من يقول بالمفهوم، [فقد] يظن له عموما. وفيه نظر، وإنما قيل: إن له عموما، من جهة أن القائل بالمفهوم يزعم أنه إذا قال: (في سائمة الغنم الزكاة). فقد تضمن ذلك قولا آخر، وهو: لا زكاة في المعلوفة. ولو قال صريحا (لا زكاة في المعلوفة)، لكان عاما يقبل التخصيص.

[ومقصود] المسألة: أنا إذا وجدنا صورة من صور المفهوم موافقة للمنطوق به، فهل نقول: بطل المفهوم بالكلية، حتى لا يتمسك به في غير تلك الصورة؟ أو نقول: يتمسك به فيما وراء ذلك؟ هذا موضع فيه نظر، ونحن نقول: لا يخلو: إما أن يستند المفهوم [إلى] البحث عن طلب فوائد (81/أ) التخصيص، وهو اختيار الشافعي، أو نقول: استقر في اللغة أنه إذا خص [المذكور] بالذكر على جهات مخصوصة، [اقتضى] هذا قيام قول آخر به، يتضمن نفي الحكم عما عداه، انتفاء ظاهرا، فإن بني على الطريق الأول، لا يصح أن يثبت للمفهوم عموم، لأنا إنما [أثبتناه] طلبا لفائدة المخالفة. فإنهم قالوا: [لو] استوى المنطوق به والمسكوت عنه في الحكم، لما كان للتخصيص [بالذكر] فائدة، فيظهر أن المخالفة هي الفائدة. فإذا وجدنا بعض صور المفهوم، بطل أن تكون الفائدة المخالفة، ولزم طلب فائدة أخرى. وأما إذا قلنا: إن المفهوم استند إلى عرف لغوي في قيام المعنيين

بالنفس، والاكتفاء في الدلالة بالعبارة الواحدة، حتى كأنه عبر عن الأمرين، فقال: لا زكاة في المعلوفة، فيصح (56/ب) على [هذا التقدير]، إذا دل دليل على وجوب الزكاة في بعض المعلوفة، أن يتمسك بالمفهوم في البقية. وأما نحن فلا نرى للمفهوم دلالة فضلا عن سقوطها بقيام دليل الموافقة في البعض. وأما المسألة الثانية: وهو المقتضى، [هل له عموم أم] لا؟ وصورة المقتضى: [فما لابد منه] في فهم مقصود المتكلم، وهو غير منطوق به. إما أن يكون [الاضطرار] من جهة العقل، كقوله: {[وسئل] القرية}. فإنه لا يمكن للجماد. وإما من جهة وجوب صدق المتكلم، كقوله: ([رفع] عن أمتي الخطأ [والنسيان]). وإما بالإضافة إلى الشريعة،

كقولك: اعتق عبدك عني فإنه يتضمن حصول الملك [للملتمس]، فإن شرط نفوذ العتق عنه ثبوت الملك [له]، عند بعض العلماء. فإذا تقرر أن المقتضى لا لفظ له، وإنما ثبت [ضرورة]، فالعموم من عوارض الألفاظ، فما ليس متلفظا به، فلا عموم له. هذا كلام الأصوليين. والصحيح عندنا أنه لا يمكن دعوى العموم [فيه]، لأن الضرورة ألجأت إلى تقدير مصدر ليثبت الصدق للمتكلم، ولم تلجئ إلى أكثر من ذلك. والعموم لابد أن يتناول [مسميين] أو أكثر من ذلك. فإذا لم يتحقق التعدد، كيف

يثبت العموم؟ وكذلك قوله: (لا صيام). عند من ينكر الأسماء الشرعية، يجب إضمار الحكم، وهو متعدد. فإن قال قائل: ما بال هذا لا يكون من باب حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه؟ فلما قال: (لا صيام)، فكأنه [قال]: لا حكم للصيام. وهو لو قال: لا حكم للصيام، لتضمن ذلك نفي الإجزاء والكمال. قلنا: قد بينا قبل هذا أن اللفظ المشترك لا عموم له بحال. وقد حققنا أنه لا يتضمن أن يكون اللفظ عاما بين نفي الجواز ونفي الكمال. على ما بيناه فيما سبق. مسألة: الفعل المتعدي إلى مفعولين، [اختلفوا] في أنه بالإضافة إلى مفعولاته، هل يجري مجرى العموم؟ فذهب أصحاب أبي حنيفة إلى أنه لا عموم له، حتى لو قال: والله لا آكل، ونوى طعاما بعينه، أو قال: إن أكلت فأنت طالق، ونوى طعاما بعينه، أو قال: إن خرجت فأنت طالق، ثم قال: أردت مكانا بعينه، لم يقبل. [وكذلك] إذا نوى بالضرب آلة بعينها.

واستدل أصحاب أبي حنيفة بأن هذا من قبيل المقتضى، فلا عموم له. وألحقوا أيضا بذلك دلالة المصدر على العدد. [وإنما جعلوه من باب المقتضي من جهة أنا قد بينا المصدر عن الدلالة على العدد]، وإن كان [العدد] من ضرورته. قالوا: فلو قال: أنت طالق، ونوى اثنين، لم تلزم إلا واحدة، ولم تنفعه نية العدد. وكذلك لا تنفعه (81/ب) نية بعض الأطعمة عند قوله: لا آكل. بل متى وجد معقول الأكل، وجب أن يكون [حانثا]. وكذلك القول في الزمان والمكان والآلة، وكل ما ليس في اللفظ تعرض له وإشعار به. [كما لو] قال: أنت [طالق]، وقال: أردت به: إن دخلت الدار، أو يوم الجمعة. وكذلك قالوا: لو نوى بقوله: أنت طالق غدا، [لم يجزه]، وجوز أصحاب [الشافعي] ذلك. والصحيح عندنا قبول نية التخصيص، وقصد (57/أ) الزيادة في التطليق على مقتضى المصدر، فيلزمه إذا قال: أنت طالق طلقتين، ويرجع ذلك عندنا

إلى [أن] التطليق [الذي] نطق به، لم ينطق به على جهة الإطلاق، بل إنما قصده من جهة كونه مخصوصا. ويدل عليه أنه لم نطق بطلقتين، لقبل ذلك منه، فلو لم يكن للإطلاق صلاحية ذلك، لم يقبل التقييد بالعدد بعد ذلك. ولما قبل العدد على جهة التفسير، دل على أنه قام بقلب المطلق [خاصا]. [ولا] نقول: إن هذه زيادة على ما تضمنه [اللفظ] الأول، بل تفسير له، فيصير بمثابة ما لو قال: زوجتي طالق، وأراد [زينب]. وكذلك التقييد بالزمان والمكان والآلة. فإذا لم يرد أن اللفظ [تعرض] لهذه الجهات، ولكن كان للفظ صلاحية الشمول والقصر على البعض، [فإذا] قصد المتكلم القصر، فقد حمل اللفظ على ما يسوغ حمله عليه، ويكون ما يذكره مبينا لما قصده، بالإضافة إلى من يخاطبه. وقد توهم بعض الأصوليين دلالة لفظ الأكل على المأكول، حتى أرادوا أن يوردوا التحصيل عن

الطعام، والآلة في الضرب. فقالوا: إذا حلف أنه لا يأكل، حنث بأكل أي [طعام] كان، فيدل على أن اللفظ تعرض له. قلنا: ليس كذلك، بل إنما حنث من جهة أن حقيقة الأكل موجودة، فحنث بذلك، وهو لو قال: أكرم رجلا، فأكرم زيدا، [لامتثل]، لا من جهة كونه زيدا، الذي ليس في اللفظ [تعرض له]، [بل] من جهة كونه رجلا. مسألة: لا يمكن دعوى العموم في الفعل، لأن الفعل لا صيغة له، حتى يتمسك [بعمومه]، وإن استوت نسبة الفعل بالإضافة إلى أحكام كثيرة، لأنه إن وقع [نفلا]، فلا يقع فرضا، وإن وقع [أداء]، فلا يقع قضاء، وهو إنما يقع على جهة واحدة. ففرق بين استواء [النسبة] لأشياء يصح [اجتماعها] كالعموم، وبين استواء [النسبة] لأشياء لا يتصور اجتماعها.

ومثاله: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - (صلى في الكعبة). فقال قائلون: إنه صلى النافلة. وقال قائلون: يصح أن يكون صلى النفل، ويكون صلى الفرض، [فنحمله] عليهما جميعا، إذ لا يصح في الصلاة الواحدة أن تكون نفلا فرضا، [اللهم] إلا أن [يكون] حكم الشرع في اشتراط الكعبة في النفل والفرض على جهة واحدة، فيكون هذا إثبات الحكم بطريق القياس، لا بطريق العموم. وكذلك روي أنه [- صلى الله عليه وسلم -] (صلى بعد غيبوبة الشفق). فقال [قائلون]: [نحمله] على أنه صلى بعد الشفقين: الحمرة والبياض [جميعا]. وهذا تحكم، لأنه إذا صلى بعد غيبوبة [الحمرة]، لم يلتفت إلى البياض، وإن صلى (82/أ) بعد غيبوبة البياض، فلا التفات إلى الحمرة، والمصير إلى التعميم، تحكم من غير دليل. مسألة: [فعل رسول الله]- صلى الله عليه وسلم - كما لا عموم له بالإضافة إلى أحوال الفعل، فلا عموم له بالإضافة إلى غيره، بل يكون مختصا به، إلا أن يتبين أنه

أراد به [بيان] [أحكامنا]، [كصلاته] مع قوله: (صلوا كما رأيتموني أصلي). و (خذوا عني مناسككم). لأن فعله (57/ب) قاصر [عليه] لا يتعداه باعتبار حقيقته، ولم تجعل الأفعال أدلة حتى ينظر في [خصوصها] وعمومها. فإن استقر في الشرع قصد المساواة في الحكم، كما في حق الواحد منا، فهذا يتلقى من أمر زائد على الفعل، لا من جهة الفعل على الخصوص. مسألة: لا يمكن دعوى العموم في قول الصحابي: أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بكذا، ونهى عن كذا، كقوله مثلا: (نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الغرر). (ونكاح الشغار). لأن الحجة في المحكي. وما سمعه الراوي

[ورآه] حتى روى، يمكن أن يكون قضية مخصوصة، وسؤال خاص حكم على وفقه، وابتدأ أمرا للعموم، أو خروج الكلام تعريفا لمنكر سابق، وإذا احتمل ذلك، فلا معنى إثبات العموم بالتوهم. وكذلك إذا قال: (قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالشفعة للجار). (وبالشفعة فيما لم يقسم). هو من هذا القبيل. وقد يقال: إن الراوي لو لم يفهم العموم. لم يرو على ذلك. وهذا ضعيف، لأنه صادق على الأوجه كلها، وإنما [يثبت] العموم في الموضع الذي [يثبت] النقل، فينظر فيه وفي دلالته على العموم، [وأما] أن [يثبت] بالتوهم فلا.

(مسألة: في ألفاظ الشارع في حكايات الأحوال

قال الإمام: (مسألة: في ألفاظ الشارع في حكايات الأحوال، [قال الشافعي: ترك الاستفصال في حكايات الأحوال مع الاحتمال يتنزل منزلة [عموم] المقال] على قوله (وادعاء قصد ظهوره في حكايات الأحوال المرسلة). قال الشيخ: ما ذكره الشافعي من أن ترك الاستفصال إلى آخره، للمسألة صور: أحدها- أن [يثبت] عند الشارع ثبوت الوصف الخاص الذي وقعت الواقعة عليه، وتنتفي جهات اللبس، بمثابة ما لو ظهر من قرائن الأحوال أنه يريد

به الوجه الخاص، فهذا لا يتصور فيه خلاف أنه لا يثبت فيه مقتضى العموم. [الثانية]- أن يتحقق الاستبهام من كل وجه، فهذا يتنزل منزلة العموم، وليس عمومًا [على الحقيقة]، لأن قوله: (عليك عتق رقبة). لا عموم فيه، وكذلك قوله: (واقعت أهلي في نهار رمضان). فلا عموم، لا في الفعل ولا في الجواب، وإنما قلنا إنه في معنى العموم، نعني باعتبار [الأحوال] التي يمكن أن [تقع] الواقعة على آحادها، وإنما ذلك من جهة أن الحكم لو كان يختلف باختلاف الأحوال، حتى يثبت تارة، وينتفي أخرى، لما صح لمن التبس [الحال عليه] أن يطلق الحكم، لاحتمال أن تكون الحال مما لا

[يستقر] معها الحكم على حال، فلابد من التعميم على حال، ولابد من التعميم على هذا التقدير بالإضافة إلى أحوال صاحب الواقعة. (82/ب). الثالثة: أن يطلق السؤال عن الواقعة، فلا يخلو: إما أن يسأل عنها، [باعتبار] دخولها الوجود، [بأن] يقال: ما تقول فيمن واقع في نهار رمضان؟ [فيقول]: عليه كذا [وكذا]. فهذا عندنا يقتضي استرسال الحكم على جميع الأحوال، لأنه لما سئل عنها على الإبهام، لم يتعين [الحال] بحال.

وكذلك إذا كان الفعل المسئول عنه غير داخل في الوجود، مثل أن يُسأل عمن يواقع في نهار رمضان. بل هذا أبعد من التخصيص، لأن الفعل لا يدخل الوجود إلا مخصصا. أما إذا لم (58/أ) يدخل، [فالإطلاق] حاصل، باعتبار السؤال، ولا وجود يخصص الواقعة. [فهذه الأوجه لا] يتأتى الخلاف في شيء منها، وإنما يتصور الخلاف في [نفي] وجه واحد، وهو إذا [كانت] الواقعة حاصلة في الوجود، وأطلق السؤال عنها، والالتفاف إلى القيد الوجودي، يمنع القضاء على الأحوال [كلها]، والالتفاف إلى الإطلاق في السؤال، يقتضي استواء [الأحوال] في غرض المجيب، [فالتفت] الشافعي [لهذا] الوجه. وهذا أقرب إلى مقصود الإرشاد، وإزالة الإشكال، وحصول تمام البيان، فإن الشارع، وإن قدر إحاطته بقيد الواقعة، لكن ظاهر الحال أنه رتب الجواب على مطلق السؤال.

[وأبو حنيفة] يقول: هذا تعميم بالتحكم، وما المانع من ترتيب الجواب على ما [علم] المجيب من [قضية] حال الواقعة؟ فإذا قيل له: يحصل [التلبيس]. قال: لا لبس في ذلك، فإن الجواب لا عموم [له]، وإنما يتلقى العموم من الاستبهام، ولم يتحقق، [فمن اعتقد] [الاسترسال] على الأحوال، فقد [تحكم]. هذا القول أدق في نظر الأصول، وإن كان [للأول] [وجهٌ] بين في قصد تمام البيان. قال الإمام: (ولكن [وجه] الدليل [في الخبر] واضح [في قصة

غيلان، فإنه صلى الله عليه وسلم قال: (أمسك أربعا)). إلى آخر المسألة]. قال الشيخ: ما ذكره النقلة عن أبي حنيفة أنه عمم أمورًا لا يصير إلى تعميمها [شاد] في الأصول، [فقد صار الإمام] إلى مثل ذلك. قال في كتاب

القياس: (قد يقول القائل: من باع ثوبًا، زال ملكه عنه، [وهو] يقصد جنس المال، ولكنه يريد [ضرب مثلٍ] لخفته عليه. وكذلك يقول من باع عبدا وهو يريد جنس الرقيق، فيكون اللفظ عامًا، ويكون المقيد غير مقصود بالتقييد. وكذلك قال بعض العلماء في قوله تعالى: {ومن قتله منكم متعمدًا}. هذا يتناول المخطئ. قال: والتقييد [بالعمد] ليس بمقصود، لكنه [ذكر] لكونه المعتاد، فكأنه قال: ومن قتله منكم- والغالب أنه لا يقتله إلا متعمدًا- فجزاء مثل ما قتل من النعم. وأبو حنيفة يمنع القياس في الكفارات، ويقول: إن الآكل يكفر، فليس ذلك بقياس عنده، ولكنه [قال: هو] من باب

تنقيح المناط، فيرجع حاصل الكلام [إلى أنه تمسك] باللفظ المؤول الدال الظاهر. وسنذكر طريقه فيه. فيقدر أن السائل قال: (هلكت وأهلكت، أفطرت في نهار رمضان). فذكر الجماع من جهة كونه إفطارًا، لا من (83/أ) جهة كونه وقاعا. ولو قال: أفطرت في نهار رمضان، لكان في معنى العموم، [إذ] أطلق الجواب. لكن هذا لا يمشي على أصل أبي حنيفة [الذي يقول]: تطرق الاحتمال إلى حكايات الأحوال يتنزل منزلة الإجمال في المقال، إلا أن يتبين

استبهام الحال على المسؤول، أو يتبين من غرضه استواء الأحوال. فيقال له: إن كان تنقيحا، فتمسك بتأويل لفظ، وإن كان استنباطا، فقياس. [والقائس] أيضًا يبدي قضية عامة يتمسك بها في تعميم الحكم، ويعرض عن خصوصية اللفظ، والمنقح أيضًا كذلك يفعل، فلابد من الوجه الذي يقتضي الفرق بين البابين. فيقول: الفرق بينهما أن المنقح يرد اللفظ (58/ب) [بعد التنقيح إلى] جهة تقبل من جهة اللغة، [يدل] اللفظ عليها. والقائس يبدي قضية لا يصلح [اللفظ من جهة] اللغة للدلالة عليها، فيعم الحكم، مع اعترافه بفقدان دلالة [اللفظ] لغة، ظهورًا [واحتمالا]. والمنقح إنما يبغي الدلالة من جهة [الظهور، لا من جهة] الاحتمال. وإذا تقرر ذلك، وجب الالتفات إلى اللغة، هل أطلق واضع اللغة لفظ الجماع، باعتبار كونه إفطارًا؟ [أو ما وضع] إلا للدلالة على الخصوصية، التي هي الوطء؟ والصحيح عندنا هذا، فإن الجماع لفظ معقول قبل ورود الشريعة، وكذلك الوقاع، فتصرف أبي حنيفة في اللفظ، باعتبار إبداء الاحتمال، ضعيف، وهو لو اعترف بقصور اللفظ، لم يعد الحكم بحال.

(مسألة: في أقل الجمع، اضطرب رأي العلماء في ذلك)

قال الإمام: (مسألة: في أقل الجمع، اضطرب رأي العلماء في ذلك) إلى قوله (غير مستحسن في هذا الفن). قال الشيخ: أما قوله: إن مذهب ابن عباس لم يوجد إلا استنباطا. ليس كما قال، [فإنه قال] لعثمان رضي الله عنه: (ليس الأخوان إخوة في لسان قومك). [فقد صرح] بأن التثنية

[ليست] بجمع. وأما أخذ [ابن مسعود] من الصورة المذكورة، [لا] يظهر [وجهه] ظهورًا جليًا، إذ يحتمل أن يكون قيام الرجلين عن يمينه وشماله من سنن الصلاة، ولم يبن الأمر [لا] على تثنية، ولا على جمع. وأما الصورة التي تمسكوا بها، فلا متمسك فيها، فإن العرب كرهت الجمع بين مثنيين، وقد يجوز إطلاقها، وقد جمع الشاعر [بينهما] في بيت، فقال

. .... .... ظهراهما مثل الترسين. وإنما فعل [هذا] عند عدم اللبس، إذ قد عرف أنه ليس للشخص إلا قلب واحد، فلا يوهم إطلاق لفظ الجمع [لبسا]. [ويمتنع] أن يقال: [فقأت] أعينهما، إذا أراد عينين، للبس الحاصل. وقد

[جاء]: وضعت [رحاليهما]، وهو شاذ. فإن قيل: قد جاء في كتاب الله [عز وجل]: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما}. فذلك يوهم قطع الجميع، وليس الحكم كذلك. قلنا: لا جرم أن في حرف عبد الله [بن مسعود] (فاقطعوا أيمانهما). حذرًا من هذا اللبس. ووجه الرواية المشهورة: أن الله [تعالى] [لما] بين على لسان

رسول [صلى الله عليه وسلم] جميعا، وأنه تقطع له يد واحدة، صار هذا البيان مزيلا لذلك الإشكال، وإلا فالإشكال مانع من الجمع في محل اللبس. وفيها لغتان [أخريان]. إحداهما- إطلاق التثنية حرصًا على البيان، فيقال: ظهراهما. وقد يقال: ظهرهما، وينوي الجنس في لغة الجمع، إذا كان لفظ الجمع (83/ب) يصادف على [صيغته] [مفرد]، كالقلوب والظهور، فكأنما إنما نطقنا بمفرده وأضفناه. قال الإمام: ([ومما] تمسكوا به الضمير الذي يعني به المتكلم نفسه وغيره [منفصلا] [ومتصلا] إلى قوله ([فلا يحكم] [بهذا اللقب الذي استحدثه] المتأخرون على موضع اللفظ). قال الشيخ [أيده الله]: ما

ذكره الإمام في هذا واضح. وقد (59/أ) صار القاضي إلى أن أقل الجمع اثنان. وتمسك بما تقدم ذكره، وزاد أيضًا التمسك بآيات من كتاب الله تعالى جاء فيها لفظ الضمير مجموعًا، عائدا على اثنين. [فقال]: قال الله تعالى لموسى وهارون لما بعثهما إلى فرعون: {إنا معكم مستمعون}. وقال: {وهل أتئك نبؤا الخصم إذ تسوروا المحراب (21) إذ دخلوا على داود ففزع متهم [قالوا] لا تخف خصمان}. وقد أجيب عن هذا بأن قيل: إنما قال: {إنا معكم مستمعون} نستمع إليكما مع فرعون. وقالوا: الخصم ينطلق على الواحد والاثنين والثلاثة، [فلسنا] نسلم

[أنهما] كانا اثنين فقط، وهذا كقوله [تعالى]: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا}. إذ كل طائفة جماعة. قال القاضي: هذه تكلفات وتعسفات لا حاجة [إليها]. ومما رد به عليه: أنه لو كان الاثنان جمعا، لصح أن يقال: رأيت اثني رجال، كما يقال: ثلاثة رجال، وهذا واقع، ولكن قال القاضي: لم نقل ذلك، لأن أهل اللغة لم يطلقوه. وهذا ضعيف. وحاصله تسليم الاستدلال، فإنهم استدلوا بذلك على أن التثنية ليست جمعا، إذ لا يمتنع في الأعداد إضاقة الجمع [إلى الجمع]. ولكن السبب في امتناع ذلك عندي: أن الاثنين في باب الأعداد لا تضاف على حال، [لا] إلى اثنين، ولا إلى أكثر من ذلك، فإنه [يمتنع]

أن يقال [اثني] رجلين. [ولفظ] الواحد والاثنين في العدد لا يضاف بحال. والسبب في افتقار الجمع إلى [ذكر] العدد والمعدود جميعا، ما في لفظ الجمع من اشتراك، ولما كان المفرد والمثنى لا اشتراك فيه، اقتصروا على لفظ واحد، [فقالوا]: رجل، ورجلان، وثلاثة رجال، إذ لو [قالوا]: رجال، لم يتبين المقصود من المعدود، [وافتقر] [إلى ذكر] [العدد]. والذي يصح [عندي] في هذه المسألة: أنه لا يمتنع إطلاق لفظ الجمع على الاثنين مجازا، لما فيهما من معنى [الاجتماع]، ولكن [لا

يصار] إلى ذلك إلا بدليل. وقد قال النحويون: التثنية ضم شيء إلى مثله، والجمع: ضم [شيء] إلى أكثر منه. هذا هو الظاهر عندهم. وما وقع التمسك به من هذه الآيات، [فإن] وجد [فيه] الثلاثة، فقد جرى لفظ الجمع على الحقيقة. وإن وجد [فيه] الاثنان، فقد جرى اللفظ على جهة المجاز. [وهل يصح] [رده] إلى الواحد؟ هذا فيه خلاف. والذي عليه الأكثرون أنه لا يصح الرد إلى الواحد، لبطلان حقيقة الجمع. ولذلك صار

معظم الناس إلى أن ألفاظ العموم نصوص في [أقل] الجمع، [وإن] اختلفوا في أقل الجمع، هل هو اثنان أو ثلاثة؟ وقد نقل عن أبي الحسن وأصحابه أنهم قالوا: اللفظ مشترك بين الواحد، اقتصارًا عليه، وبين أقل الجمع فما فوقه. (84/أ) والمصير إلى حمل لفظ المشترك على مشترك واحد مكابرة [للغة]، وإن كان الرجل العظيم قد يقول: فعلنا، فليس ذلك [بجمع]، وإنما هو للتعظيم، وكذلك لفظة نحن. هذا هو الذي يصح عندي في هذه المسألة. وبالله التوفيق. قال الإمام [رحمه الله]: (فإن قيل: فما [المرتضى] [إذًا]؟

[قلنا: هذه المسألة موضوعة على رأي المعممين، فمطلق اللفظ معناه في مختارنا ما سبق] إلى قوله ([على ما سنوضحه في كتاب (التأويلات)، إن شاء الله]). قال الشيخ رضي الله عنه: قول الإمام: هذه المسألة موضوعة على رأي العممين، [يرى] أنه لا حاجة إليها، إلا إذا قامت المخصصات، (59/ب) وإلا [فالألفاظ للعموم] عند فقدان أدلة التخصيص، والذي قال غير صحيح، لا على أصله، ولا على أصل غيره. أما أصله، فهو يرى أن الألفاظ عند التنكير لأقل الجمع، فإذا لم يعرف اقل الجمع، كيف يحكم بأن الألفاظ مقتصرة عليه؟ وكذلك يقول في جمع القلة. [وإن] عرف أنه لأقل الجمع، فلابد إذًا من بيان أقل الجمع، بالإضافة إلى جمع الكثرة المنكر، [وإلى] جمع القلة وإن عرف

وأما على رأي الفقهاء، فإنهم مفتقرون إلى ذلك فيما يتعلق بالإقرار والإنكار والالتزام والإلزام والوصايا وغيرها. [فقوله]: إنها موضوعة على رأي المعممين. لا يظهر له وجه. وأما الرد إلى [الاثنين]، فقد [بينا] صحة الرد إليه، فلا يمتنع ذلك. وإذا ثبت كون اللفظ ظاهرًا في الاستغراق عند وجدان صيغ العموم، فإذا طلب التخصيص، [فكلما] كثر المخرج، افتقر إلى قوة الدليل المخرج. فإذا انتهى إلى اثنين، [بطل [التخصيص، [إذ] انتهى اللفظ إلى ما هو نص فيه.

قال الإمام [رحمه الله]. (والذي أراه أن الرد إلى الواحد ليس بدعًا [أيضًا]، ولكنه أبعد من الرد [اثنين] [بكثير]) [إلى قوله] (فهذا ما [أردنا] في هذه المرتبة). قال الشيخ: ما ذكره من صحة الرد إلى

الواحد، فقد بينا بطلان ذلك، وأن اللفظ نص في أقل الجمع. وما ذكره من المثال، لا حجة فيه بحال، وقد قال هو: إنه ليس من مقتضى اللفظ. وإنما [صارت] رؤية الواحد [سببًا] للتوبيخ على التبرج للجنس. والذي يحقق ذلك، أن [صيغة] الجمع في الصورة أحسن. ولو كان المراد التعبير عن الواحد. لم يختلف أهل اللغة [قي] أن الجمع لا يكون أحسن من الواحد. فلما اختير لفظ الجمع، دل على أن المراد النهي والتقريع في التبرج للجنس. وقد يصح أن يقصر الزجر على من رآها تبرجت له، والأول

أحسن، لاستواء الحمية في التبرج للجنس آحادًا [أو] جمعًا. ففرقٌ بين إطلاق لفظ الجمع على الواحد، وبين كون الواحد سببًا لإطلاق لفظ الجمع على حقيقته. قال الإمام: ([وإما] الرد إلى اثنين، فيسوغ بما يسوغ (60/ أ) به الرد إلى الواحد) إلى قوله (في صيغة العموم [نوضح] ذلك كله). قال الشيخ: قوله: أما الرد إلى اثنين فيسوغ بما ذكرناه. قد بينا في الرتبة السابقة أن لفظ الجمع لم يرجع إلى [الاثنين] بحال، وإنما كان رؤية الاثنين، سببًا لإطلاق لفظ الجمع على مائة دالًا على حقيقته. وأما الجنس الآخر، وهو إذا بدا [للرجل] رجلان، وكان لا يخاف الواحد منهما، وإنما خشي اجتماعهما، فإنه يحسن أن يقول: أقبل الرجال، فيطلق لفظ الجمع بإزاء [المتجمع]،

(84/ب)، لأنه إنما كره التجمع، والتجمع موجود. هذا قوله. وأما نحن فنرى [صحة إطلاق] لفظ الجمع على الاثنين مجازًا، فلا حاجة إلى كل هذا [التكلف]. وقوله: (وإطلاق صيغة التثنية [ههنا] [أشكل] [وأوفق]). الأمر على ما قال، لأن من يتقي التجمع [يحذر] من الثلاثة ما لا [يحذر] من الاثنين. فلا يقال في هذه الرتبة: استوى في غرضه الاثنان والثلاثة، كما قيل رتبة التبرج، [فإن الغرض [هناك] يقتضي استواء غرض العقلاء في كراهية التبرج] على الإطلاق.

قال الإمام: (فأما [القول في الرتبة الثالثة، وهو] الرد إلى الثلاثة، فلا يستدعي ذلك قرينة حاقة في جنس مخصوص، وبهذا تنفصل المسألة). قال الشيخ: مراده بهذا الكلام أنه يرى أن اللفظ في الزيادة على الواحد لا يتغير، [إلا] [بقرينة] واحدة، وهو نص في الزيادة [على] الاثنين، لا ينقص عن ذلك إلا بالقرينة السابقة، وبقرينة أخرى، وهي كراهة التجمع، ويرى أنه ليس بنص في الزيادة على الثلاثة بحال، بل إما أن يكون مقتصرًا، أو ظاهرًا في الزيادة. فإذا دل الدليل على إزالة الظاهر، ترك ولم يقتصر على نوع مخصوص، كسائر الظواهر. قال: وبهذا تنفصل المسألة. وهذا هو الذي أراده في أول المسألة. وقوله: (وحق الناظر في هذه المسألة أن ييأس من [الوقوف عليها]، ما لم يستكملها). معناه: أن المقصود منها لا يحصل إلا على التدريج. [و] في بعض الكتب: (ألا ييأس من الوقوف عليها، ما لم يستكملها).

[معنى] هذه الرواية: أن الناظر في أول أمره، لا يظهر له مقصودها، فلا ينبغي أن يكون ذلك سببا يمنعه من التكميل، فإن المقصد منها يظهر على التدرج. قال الإمام [رحمه الله]: (نعم، إن لم يقم دليل هو مستند التأويل، فقد بان وجوب الجريان على الظاهر، [فجمع الكثرة] للاستغراق) إلى قوله (ولا أرى للنزاع في أقل الجمع معنى إلا ما ذكرته). قال الشيخ: قد تقدم الكلام أن فائدة المسألة معرفة ما يتيقن دخوله تحت اللفظ، بحيث لا يجوز التنقيص منه. وإذا تحقق ذلك، امتنع إخراج بطريق التخصيص، وامتنع أيضًا النزول عنه في جانب الإقرار والوصايا وغيرها.

وأما مالك رحمه الله فإنه لم ير للمقر التفسير باثنين على حال. وكذلك يقول الشافعي. وهذا يدل على أنهم رأوا أقل الجمع ثلاثة. وأما كون [مالك] يحجب الأم من الثلث إلى السدس باثنين من الإخوة، فلا يلزم أن يكون [يرى] الاثنين جمعا، ولكن استقر في قاعدة المواريث أن كل موضع فرق فيه بين الواحد والجمع، سلك بالاثنين مسلك (60/ب) الجمع، لا مسلك الواحد. من ذلك للبنات الثلثان، [وللبنت النصف]، وللاثنتين الثلثان، وكذلك الأخوات. فيمكن أن يكون مالك سلك هذا المسلك في الحجب، لا أنه رأى الأخوين إخوة، وإلا فمسائله في الوصايا والإقرارات أنه لابد من ثلاثة).

قال الإمام [رحمه الله]: ([وليعلم] الناظر أن معظم الخلاف سببه توسط النظار النظر من غير استتمام له. وقد ظهر في [المعقول] تباين الرتب [الثلاث]) (85/أ) [إلى قوله] (لما كان لاختلافهم معنى). قال الشيخ: قوله: إن سبب الاختلاف توسط النظار النظر من غير استتمام له. كلام لا يستقيم، فإن فيه نسبة العلماء إلى التقصير في النظر وعدم الاستتمام، وذلك حرام، لاسيما على قول من يقول: كل مجتهد مصيب، فلو لم يستتم النظر، لم يكن مصيبا، وإن قيل: [المصيب] واحد، فإنما يكون المخطئ [مثابا] على تقدير أن يفعل ما يمكنه من الاجتهاد. فأما إذا قصر، فعاص

(فصل-[الصيغة] الموضوعة للعموم تنقسم إلى المطلق والمقيد)

بالاتفاق. فكيف يحل أن ينسب العلماء إلى توسط النظر من غير استتمام؟ وسيأتي له [أيضًا] مثل هذا. قال الإمام: (فصل-[الصيغة] الموضوعة للعموم تنقسم إلى المطلق والمقيد) إلى آخر [الفصل]. قال الشيخ [وفقه الله]: ما ذ كره ههنا، كما مضى في صيغة الأمر، فالمراد بالإطلاق ههنا، هو المراد بالإطلاق هناك، والتجرد عن جميع القرائن محال. كما تقدم. وإذا قلنا: صيغة مطلقة في

(مسألة: إذا ورد [في] الشرع [لفظ] يتناول في اللغة الأحرار والعبيد، فهو عند المحققين محمول على الجنسين)

العموم، فإنما نعني بها صيغة تحقق قصد مطلقها [إلى وضعها] دالة على ما تدل عليه عند أهل اللسان في أصل الوضع، وعريت عما وراء ذلك من قرائن الحال والمقال. قال الإمام: (مسألة: إذا ورد [في] الشرع [لفظ] يتناول في اللغة الأحرار والعبيد، فهو عند المحققين محمول على الجنسين) إلى آخر المسألة. (61/أ) قال الشيخ: الأمر على ما ذكره الإمام بلا مزيد عليه.

والذي تخيله القوم من حيث الجملة أن متعلق التكليف أفعال المكلفين، وتلك الأفعال ملكها الشرع للسادات من العبيد قبل جريان [التكليف]، فلم تأت التكاليف إلا والأفعال مملوكة عن العبيد، ولا يندرجون تحت مطلق الخطاب، إلا أن يأتي خطاب خاص يقتضي اقتضاء حقوق السادات من منافع العبيد. وهو خطأ من وجهين: أحدهما- أن بعض التكاليف [متعلق] [بما] لا يزاحم [حقوق السادات] من أعمال القلوب، وبعض أعمال الجوارح، فكان يجب اندراجهم تحت مطلق الخطاب في هذه الأفعال [التي] لا تتعلق بها حقوق السادات. الوجه الثاني- أن تلك الأفعال إنما ملكها السادات بتمليك الشرع، والذي ملك بعض الأفعال جعل التكاليف متعلقة ببعضها. ويدل عليه: أن ورود الخطاب الخاص يقدم على ملك [السادات]. وإذا ورد الظاهر في محل العمل تنزل منزلة النص. نعم، إن اقتضى الظاهر اندراجًا، واقتضت سلطنة

الملك إخراجًا، نظر في الترجيح. [وقد يندرج] كما في الصلاة والصوم، وقد يترجح الإخراج، كما في الجهاد والحج والزكاة. وقد تتعارض الجهات، فيجري الاختلاف، كما في الجمعة. وقد اختلف أهل العلم هل على العبيد جمعة [أم لا]؟ واختلف فيه قول مالك، والأكثر [على] قوله أنه لا جمعة عليهم، لأنها شرعت لإظهار شرف الإسلام بإقامة ذوي الهيئات والأقدار، والعبيد ليسوا كذلك. وأما ما [سقط] من الأحكام عنهم، لمزاحمة حقوق السادات، فالإقرار فيما يتعلق بالأموال، لتعلق حقوق السادات بها، فليس للعبد أن يقر في المال الذي بيده، ليفوت حق سيده، إما من ملكه، أو من حق التمليك (85/ب)،

عند من يرى العبد [مالكًا]. وهل يصح إقرار فيما يتعلق ببدنه؟ هذا مما اختلف العلماء فيه، فذهب مالك [رضي الله عنه] إلى قبوله والقضاء به، بشرط أن يقتص المقر [له]. وأما إن [عفا] على أخذه، بطل إقراراه، وعاد إلى الإقرار في المال. وذهب غيره [إلى رده]، لأنه [يتضمن] تفويت ملك سيده. ومحط النظر أن [قوله] دائر بين الإقرار والشهادة، لأنه من حيث [تناول] إقراره حق السيد شاهد، ومن حيث إنه يتصرف في نفسه مقر، [فرجح] مالك أمر الإقرار، باعتبار النفس، وأمر الشهادة، باعتبار المال، لانتفاء التهمة بالعقوبة الراجعة إلى البدن.

(مسألة: ] إذا ورد في لفظ الشارع صيغة جمع السلامة كالمسلمين والمؤمنين، [مما هو مرتب] على [تثنية] مؤمن [وأشباه ذلك] في الذكور

[قال الإمام: (مسألة: ] إذا ورد في لفظ الشارع صيغة جمع السلامة كالمسلمين والمؤمنين، [مما هو مرتب] على [تثنية] مؤمن [وأشباه ذلك] في الذكور. ففي تناول هذه الصيغة عند الإطلاق للنساء خلاف. فذهب ذاهبون إلى أنه يتناول النساء، واستدلوا عليه: بأن العرب إذا حاولت التعبير عن الذكور والإناث بصيغ جمع السلامة، فمن [مذهبها] المطرد تغليب التذكير، وهذا مشهور عنهم، مسطور في كتب أئمة العربية، والرأي الحق عندنا خلاف

ذلك، والذي (61/ب) تخيله هؤلاء وهم [وزلل]، [وذلك أنه] لا يخفى [على من] [شدا] طرفا من العربية [أن] قول القائل: [مسلمان]، [مبني على قول القائل: مسلم]، وقول القائل: [مسلمون] مبني على قوله: مسلم [ومسلمين]. وهذه التقاسيم أظهر [من] أن يحتاج [في] إثباتها إلى تكلف وإطناب. ثم [ميزت] العرب [باب] الإناث) [إلى

قوله] (فلا شك في تناولها [لهما] كالناس والقوم [وما أشبههما]). قال الشيخ [أيده الله]: لا خلاف بين أهل العربية والأصول أن جمع المذكر السالم لا يتناول عند إطلاقه الإناث بحال، وقد قال الله تعالى: {إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات} [الآية]. وهذا مقطوع به

على كل حال. ولم يذهب من ذهب من الأصوليين إلى أنه يتناول [الجنسين]، لأجل المنازعة في ذلك، ولا المناكرة فيه، ولكنه لما كثر في أحكام الشرع أن حكم [الذكور] والإناث واحد، وصار ذلك غالباً، [كان] تقدير هذه العادة الغالبة، تبين أن الشرع لا يقصد قصر الأحكام على الذكور، ولو ثبت بصريح اللفظ القصر على الذكور، لتعدي الحكم، بناء على القياس، إلا أن يثبت التخصيص [مقصودًا] بالقصر. وإذا كان الحكم يتعدى، [بناء على القياس]، فإنما يصار إلى القياس، بنا على قصور اللفظ عن التناول. والحكم ههنا يصح استناده إلى اللفظ، وإن كان بطريق المجاز. ولا خلاف أن قول الله عز وجل: {يأيها الذين امنوا}.

لا يختص بالذكور، فهذا مستند الأصوليين الذاهبين إلى تناول [الجنسين]. ولكن هذا أيضًا غير مطرد، فإنه قد ثبتت أحكام للذكور دون الإناث، وللإناث دون الذكور، ولكن الغلبة في جانب المساواة. وإذا حكمنا بتناول اللفظ للذكور والإناث، فهل نقول: اجتمع في اللفظ موجب الحقيقة والمجاز، أو يكون تناولها جميعًا [مجازًا]؟ هذا مما يختلف فيه، وقياس مذهب القاضي (86/ب) أن يكون مجازًا [صرفًا]، وقياس قول الإمام أنه اجتمع في اللفظ موجب الحقيقة والمجاز. وسيأتي لهذا مزيد تقرير في العام إذا تطرق إليه التخصيص. قال الإمام: ([مسألة]: (من) من الألفاظ المبهمة، [وهي] إحدى

([مسألة]: (من) من الألفاظ المبهمة، [وهي] إحدى صيغ العموم [في اقتضاء الاستغراق، إذا وقع شرطا، ويتناول الذكور والإناث])

صيغ العموم [في اقتضاء الاستغراق، إذا وقع شرطًا، ويتناول الذكور والإناث]) [إلى قوله] (في قضية من القضايا). قال الشيخ: ما ذكره الإمام من كون [) من)] الشرطية غير مختصة بذكور وإناث، وجمع ووحدان. الأمر على ما ذكره، لا خلاف عند أئمة العربية في ذلك.

ويثبت ذلك من (62/أ) إبهام [الشرط] وعدم اختصاصه. إلا أنه [إن] كان مستند أصحاب أبي حنيفة ما ذكره من صورة جمع الذكور فيها على خلاف صورة [جمع] الإناث. فمتضمن هذا الطريق أن لا يتناول أيضًا جمع الذكور، نظرًا إلى أفراده، فلا يكون متناولًا واحدًا من الذكور، كالنكرة في الإثبات. وهذا لا يذهب إليه أحد، فلا يصح أن يكون هذا مستند القوم. نعم، إن التفت إلى [أن] لفظه لفظ الذكور، ثم يتمسك في التعميم بالإبهام، فهذا قد يكون وجهًا، وإن كان مريبا. أما التقرير الأول، فلا يتخيل له وجه بحال. والذي يحقق أن لفظه لفظ الذكور، عود الضمير عليه في قوله:

(من بدل دينه فاقتلوه). وكذلك قوله: (من أحيا أرضا ميتة فهي له). وأما قول الشاعر، ففيه شذوذ من أوجه: أحدها- أنه استعمل اللفظة في الخبر دون الحكاية، وهي لا تستعمل إلا في الحكاية بالزيادة. والثاني- أنه أثبت الزيادة في الوصل، وهي لا تثبت إلا في الوقف. الثالث- أنه حرك، وهي لا تستعمل إلا ساكنة. فلا التفات إلى [هذه الجهات] من الشذوذ].

قال الإمام: (ثم للعرب مذهبان [سائغان]: [فمنهم من يكني عن معنى (من)، ومنهم من يرد الكناية إلى [اللفظ]]) إلى قوله ([والقانون المتفق عليه ما ذكرناه]). قال الشيخ: (من) [منفردة] اللفظ معناها

معنى الجمع في كثرة [التناول]، فيجوز رد الكناية إلى اللفظ تارة، وإلى المعنى أخرى، وكذلك القول في التذكير والتأنيث. وقد قرئ قوله تعالى: {ومن يقنت}. و} [من] تقنت}. واتفقوا على قوله: {وتعمل صلحًا}. وأما [قوله]: [إنهم] اعتبروا [بالبيت]، فقد بينا أنه لا يصلح أن يكون ذلك مستندًا. وقوله أيضًا: (إن بعض العرب يقول .. ). ليس كما قال، وإنما [تقول] [العرب] للواحد من [الذكور]: [منه]، بشرط أن يكون

نكرة، هو في حال الوقف، فإذا صار إلى [الدرج]، أسقط العلامة. وقوله بعد ذلك: (إنه من شواذ اللغة). [إن أراد] أنه لا يستعمل إلا في هذا المكان، فصحيح، وإن [أراد] أن شاذ في باب الحكاية للنكرات، فليس كذلك، فلا شي في حكايات [النكرات] إلا هذا. وقوله: (إن ما ذكروه-[إن ساغ]-[فالأفصح] غيره). لا وجه له، فإنه لا طريق في حكايات [النكرات] إلا هو، فكيف يصح أن يكون الأفصح غيره؟ وإن أراد ما ذكره أصحاب أبي حنيفة من الاختصاص بالذكور، فليس [ذلك] لغة العرب بحال.

(مسألة: اختلف الأصوليون في دخول المخاطب تحت الخطاب [في مثل القائل لمأموره: ) إلى آخر المسألة]

قال الإمام: (مسألة: اختلف الأصوليون في دخول المخاطب تحت الخطاب [في مثل القائل لمأموره: ) إلى آخر المسألة]. قال الشيخ:

هذا قول [بعض] الأصوليين، إلا أن أهل اللغة يفرقون بين (87/أ) ألفاظ الحضور وبين ألفاظ الغيبة، فجعلوا للحضور الضمائر: كأنا وأنت ونحن، وما أشبه ذلك، وجعلوا الأسماء الظاهرة كلا للغيبة، وكذلك بعض المبهمات، ك (من). والذي يدل على صحة ذلك، لحوق علامة الغيبة الفعل، كقولك: زيد يفعل، وعمر يقوم، ولا تقول: زيد تقوم، [والتاء] علامة الخطاب في [المذكر]. وإذا كان كذلك، فقوله: من دخل الدار فله درهم، هذا كلام لا يتناول إلا الغائب. فكون القائل يكون داخلا تحته [مع] كونه مخاطبا متعذر،

إلا أن يعرض عن قضية الحضور والغيبة، ويلتفت إلى كونه داخلا. وهذا ضعيف، فإنه لو قال: من دخلها من جنس سماه، لم يتناول الخطاب غيره من الداخلين. وهذا أمر يفتقر إلى دليل، وليس ظاهر الخطاب يدل عليه، إلا أن يثبت أن واضع اللغة جعل ألفاظ الغيبة العامة تتناول المخاطب، وهذا لم يثبت. فالظاهر عندي ما قالته الطائفة [الثانية] من الأصوليين.

([مسألة: إذا ورد] خطاب مطلق في الكتاب [يشمل الأمة] بصيغة تصلح في الوضع للرسول - عليه السلام -)

قال الإمام: (63/ب) ([مسألة: إذا ورد] خطاب مطلق في الكتاب [يشمل الأمة] بصيغة تصلح في الوضع للرسول - عليه السلام -) [إلى آخر المسألة]. قال الشيخ: الأمر [على] ما ذكره من شمول اللفظ من جهة

اللسان، وقبول الرسول الحكم، ومصير المحققين إليه. ومعنى كلام من ذهب إلى أنه غير داخل، أنه على خصائص، لم يرد أنه ثبت [له أحكام] يخالف فيها [الأمة] فقط، بل ترجع تلك الخصائص إلى تشريف وتعظيم لا توجد في حق غيره. وأما الأحكام التي [تثبت] للمسافرين من دون المقيمين، والحيض [من] دون الطاهرات، فليس ذلك لمقتضى التشريف، لا جرم اشترك الجنس

في ذلك، [واللائق] بخطاب الإكرام [أن] لا يندرج [المكرم] مع عموم المخاطبين، وإن اتفق أن يكون هذا، فليس ذلك بضربة لازم، بل إن فعل ذلك، فإنه حسن، وقد قال الله تعالى: {لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار}. وقال الله تعالى: {يأيها النبي إذا طلقتم النساء}. فخصه بالخطاب [وإن] أراد الأمة، وكذلك قال الله تعالى: {يأيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين}. فخض بالخطاب وذكرت الأمة [بعده]. هذا نهاية التشريف والتكريم، فلما قاله القوم وجه بين، وليس [يرجع] [إلى]

محض ثبوت أحكام امتاز بها عن الأمة، كما ذهب إليه الإمام. والذي رد به الإمام على الحليمي والصيرفي، كلام بين، فإن الأمر بالتبليغ ثابت في جميع (64/أ) آي القرآن، إما [مصرحًا به]، أو مقدرًا، والقائل هو الله عز وجل، ولم يؤمر الرسول بأن يقول: [إن القرآن ليس إليه وضعه، ولو كان المراد الأمر بأن يقول]، لأسقط [) قل)] من التلاوة

(مسألة: إذا وردت صيغة مختصة [في وضع اللسان برسول الله صلى الله عليه وسلم] إلى قوله (في طرد اعتقاد المشاركة)

وابتدأ: يا [أيها]، فهذا خيال باطل، لاشك فيه، والقائل هو الله تعالى، وليس للرسول إلا التبليغ، والخطاب العام لا يغيره أمر بالتبيلغ. قال الإمام: (مسألة: إذا وردت صيغة مختصة [في وضع اللسان برسول الله صلى الله عليه وسلم] إلى قوله (في طرد اعتقاد المشاركة). قال الشيخ: الأمر على ما (87/ب) ذكره الإمام [من] قصور اللفظ، من جهة وضع اللسان، ولكن يبقى النظر فيما استقر الشرع عليه. والصحيح أنه واحد من المكلفين، يطرد عليه ما اطرد على الخلق إلا ما ثبتت الخاصية فيه. كاختصاصه بصفي

المغنم، وتزويج تسع، وإسقاط فرض القسمة بين الزوجات عند بعض العلماء. فهذا [لا] سبيل إلى المشاركة فيه. فإذا الأصول باعتبار غرضنا تنقسم: إلى أصل ظهرت المساواة فيه [بيننا] وبينه، فهذا [إذا] استقر فيه حكم له، ساويناه فيه. ولما (رأى ابن

عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم على لبنتين مستقبلا بيت المقدس، مستدبرا الكعبة لحاجت). استدل بذلك على عدم تحريم الاستقبال إذا كان في بناء. وكذلك ما يتعلق بالوضوء والغسل والصلاة [والبيع] وغيره. هذا مقطوع به. [الأصل] [الثاني]: [أن تظهر] الخاصية في غير القضية، فهذا لا سبيل إلى التمسك به بالكلية، كتزويج تسع، ووجوب قيام الليل عند بعض الناس. وكذلك تفرقته بينه وبينهم في الوصال.

الثالث: أن يكون [الحكم] في قاعدة ظهرت فيها الخواص، ولكن لم تثبت الخاصية في الحكم المعين، فهل يقع الاقتصار عليه، أو يحكم بتعدية الحكم إلى غيره؟ هذا في محل النظر. [فقد] يقال: إن خاصيته في القاعدة في القليل منها، والكثير جرى فيه على المساواة، فيقضى بالمساواة إلى كثرة الأحكام التي ساوى الأمة فيها. وقد يقال: [يقع] الاقتصار [لاقتضاء] الصيغة التخصيص، والعلم بخصائص الرسول في القاعدة. والأغلب [على الظن] الالتفات إلى الكثرة في الاقتصار والمجاوزة. فهذا يقضى [فيه] بالقياس، نظرا منا إلى أكثر الأحكام المعللة. وإن أمكن الاستثناء والتعبد، فلا تكون الأمور النادرة مانعة لنا من إجراء الأمر على الغالب

في مسائل الظنون. هذا هو الظاهر عندنا [في] هذه القاعدة. قال الإمام: (ومما يتعين [له التنبيه] [الآن إلى أن يجيء تقريره في باب (التأويلات) أن كل ظهور متلقى من وضع اللسان]) إلى آخر المسألة. قال الشيخ: قول الإمام: (إنه نظر أن الصحابة كان يحتج بعضهم على بعض بالآيات الواردة في حق الرسول صلى الله عليه وسلم). وقال: (لا أقطع بهذا منهم في اعتقادهم طرد المشاركة). ورتب على ذلك أنه (لا يتمسك بهذا النوع من غلبة الظن). يقول: إنه لا يعمل في الأصول بشيء مظنون، إلا إذا انعقد عليه إجماع أو نص عن الرسول صلى الله عليه وسلم. وهذا الأصل فيه تنازع كثير، ولم

[يف] الإمام [بطرده] في [ذلك]، وقد قال هو: إنه إذا نقل الإجماع على ألسنة الآحاد، تُلقي منه العمل، ونُزِّل منزلة أخبار الآحاد الثابتة عن الرسول [صلى الله عليه وسلم]. لأولم ينعقد على تنزيله منزلة أخبار الآحاد إجماع]، إذ العلماء في ذلك مختلفون. وكذلك يقول القاضي في قياس الشبه: إنه باطل. وقال: لا أخطيء من

قبله، وسلك به مسلك مسائل الإجماع، وإن كان الكلام في نوع من أنواع الأقيسة. وكذلك قال الإمام في كتاب الأخبار: ([إن أخبارًا كانت] تنقل عن الصحابة، فيعمل بها قوم ويردها آخرون. وكانوا ينزلون ذلك منزلة مسائل الظنون). وهذا هو الصحيح عندنا. وإذا ظن الإنسان إجماع الأمة بناء على نقل [العدل] أو غيره (88/أ)، فكيف يتفق له ترك الحكم وهو يظن ثبوته؟ هذا هو الأصل، إلا في مواضع منعت الشريعة من العمل [بها]، وإن كانت غلبة الظن حاصلة، نظرًا للتعبُّد، كما في أبواب الشهادات. ومن عجيب الأمر أنه إذا ظفر بالفعل منقولًا عن الرسول [صلى الله عليه وسلم]، [استند الفعل إليه قطعًا، لأنه ثبت] عند من سيرة الصحابة أنهم كانوا يعتقدون المشاركة في الفعل. [وإنما] يصير الفعل دليلًا (62/ب) في حقه وفي حق غيره، لكونه مشروعًا [له]، وثبوت اعتقاد المشاركة بيننا وبينه، فإذا صودف دليل الحكم، كيف تنقطع المشاركة التي ثبتت عندما لا يوجد سوى الفعل؟ هذا ظاهر في التناقض. وقد يعتذر له بعذر ضعيف، فيقال: إذا ثبت الفعل، أمكن أن يكون

الدليل الذي دله على الحكم مسترسلًا، يتناوله وغيره، فاعتقدت المشاركة لإمكان ذلك، وأما الخطاب المختص به، فلا يمكن اعتقاد الاسترسال فيه. وهذا ضعيف، وما استدل القوم بالفعل إلا لاعتقادهم المشاركة في التكليف. فإذًا الصحيح عندنا أن نتمسك بفعله المطلق، وبالخطاب المختص، إذا انتفت الأدلة الدالة على أنه من خاصيته. وكذلك فهمت الأمة أن الرسول صلى الله عليه وسلم والناس في التكاليف شرع، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (صلوا كما رأيتموني أصلي). وقال (خذوا عني مناسككم). وقال للذي سأل عن القبلة للصائم بأنه يفعله، ولم يقنع المستفتي بذلك وطلب صريح الفتوى، [فقال صلى الله عليه وسلم]: إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله [عز وجل] وأعلمكم بما أتقي). واستدل العلماء على جواز التخيير للزوجات بتخيير رسول صلى الله عليه وسلم نساءه. ولما ذهب بعض الناس [إلى] أن بنفس التخيير تطلق المخيرة، ردت عائشة رضي الله عنها على ذلك القائل، وقالت: (قد خير رسول الله صلى الله عليه وسلم أزواجه

(مسألة: إذا [خصص] رسول الله صلى الله عليه وسلم واحدا من أمته بخطاب)

فاخترنه، فلم يعد ذلك طلاقًا). وإن كان التخيير ورد فيه خطاب مختص بالرسول صلى الله عليه وسلم. وهو أيضًا في قاعدة ظهرت [منها] خصائصه، ولم يمنعهم ذلك من اعتقاد المشاركة في الحكم. فإذًا الصواب ثبوت الاشتراك على الإطلاق في المنقول، وفي الخطاب المختص، إلا أن يدل دليل على أنه خاصية. وبالله التوفيق. قال الإمام: (مسألة: إذا [خصص] رسول الله صلى الله عليه وسلم واحدًا من أمته بخطاب) إلى آخر المسألة. قال الشيخ: إذا خُص واحد من الأمة.

بخطاب، فالمسألة من جهة اللغة واضحة في الاختصاص. وإن تعدى الحكم عنه إلى غيره، فإنما يكون [ذلك على] تقدير مساواة المحكوم فيه لغيره، ولم يثبت كون المحكوم فيه مختصًا بذلك الحكم، وإن ثبت اختصاصه [به]، فلا سبيل إلى أن يتجاوزه الحكم، كما قال [صلى الله عليه وسلم] لأبي بردة بن نيار: (تجزئك ولا تجزئ عن [أحد] بعدك). وقال في شأن مكة: (إنما أحلت

لي ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها ليوم خلق [الله] السموات والأرض). وكذلك قبول شهادة خزيمة وحده. فإذا ثبتت الخاصية، اقتصر الحكم.

فإن قيل: إذا وجد في الشريعة التسوية بين المخاطب وغيره، ووجد اختصاصه بالحكم دون سواه، فكيف السبيل إلى التعميم مع ثبوت الانقسام؟ قلنا: لما قرر (88/ب) الشرع أن الحكم على الواحد حكم على الجماعة، وقرر التسوية في الأحكام إلا في محل الخصائص، مع كونه صلى الله عليه وسلم كان لا يؤخر البيان عن وقت الحاجة، وهو يعلم أنه لما قرر تلك الأدلة، فالنا (63/أ) يعممون الأحكام، على حسب ما قرره [لهم]، فلو كان الحكم يختص، لنبَّه على اختصاص المخاطب به، [كما قال] في حق أبي بردة [بن نيار]. هذا هو المعروف من الشريعة، لكن لا يثبت تعميم [الحكم] إلا بعد تحقيق المساواة بين المخاطب وغيره. وهذا يفتقر إلى تمام بحث وكشف عما يمكن أن يكون له [أثر] في الحكم. قال الإمام: (مسألة: إذا ورد خطاب الشارع على سبب مخصوص

(مسألة: إذا ورد خطاب الشارع على سبب مخصوص وسؤال عن واقعة معينة)

وسؤال عن واقعة معينة) إلى قوله ([وهذا كافٍ في [مسلك] الكلام على هذه الآية]). قال الشيخ: ما ذكره الإمام في هذه المسألة مع التمسك بعموم اللفظ دون خصوص السبب واضح، لا إشكال فيه. وينبغي أن ننبه على أصل ترجع إليه مسائل كثيرة، وهو أنه لما تقرر أن التمسك بالعموم لازم في مسائل الظنون، فلابد [من التمسك به، ولا سبيل]

إلى تعطيله من غير معارض، [إذ] المعارض هو المناقض، بحيث لا يتأتى التمسك بالدليل على وجهه، والمعارض يدافعه. [وأما] إذا كان الوارد على الدليل لا يعارضه، فكيف يسوغ ترك دلالته من غير (64/ب) [معارض]؟ ويتبين انتفا المعارضة بالتمكن من التمسك بالدليل والاعتراف بصحة ما أورد عليه، فيتبين بذلك [أن لا] معارضة. إذ المتعارضان متضادان، ومن المحال اجتماع المتضادات. ويصح في هذه المسألة أن يعترف بخصوصية السؤال، وتحصيل جوابه، مع تمسكنا بعموم اللفظ فيما وراء ذلك، فلما تصور هذا، بطل التضاد. وقول القائل: إنه [إنما] قصد جواب السؤال خاصة، غير مسلم. نعم، قصد جواب السؤال من غير إشكال، فأما الاقتصار عليه، فهو محل النزاع، واللفظ ظاهره دال، فلا معنى لترك دلالته بالوهم الصرف. وإن أمكن تخصيصه بالسؤال، أمكن أن تخصيصه بالسؤال، أمكن أن يقصد ابتداء التأسيس. وإذا لم يترجح أحدهما على الآخر، وجب التمسك باللفظ ومقتضاه العموم.

وأما معنى كلام الشافعي على الآية، [فإنه] قال: حرمت الكفار ما أحل الله، وأحلوا ما حرم الله، فكانوا على المضادة والمحاداة، فجات الآية مناقضة لغرضهم، فكأنه قال: لا حلال إلا ما حرمتموه، ولا حرام إلا ما [أحللتموه]، نازلا منزلة قول القائل [لمن] يقول له: [لا] تأكل اليوم حلاوة، فقال: ما أكلت اليوم إلا حلاوة. والغرض المضادة، لا النفي والإثبات على الحقيقة، فكأنه تعالى قال: لا حرام إلا ما أحللتموه من الميتة والدم و [الخنزير]، وما أهل لغير الله به، ولم [يقصد] [حل] ما وراءه، إذ القصد إثبات التحريم لا إثبات الحل. وأما قوله: (ولولا سبق الشافعي [إلى] ذلك، [لما] كنا

نستجيز مخالفة مالك فيما ذكره الله تعالى). وقوله: (ومسألة الخلاف فيما إذا كان كلام الشارع مستقلا). ترجمة المسألة ترشد إلى ذلك، فإنها

مترجمة: بورود العام على [سبب] خاص. [وأما] إذا كان الجواب لا يفرض له رتبة الاستقلال، لو قدر الابتداء [به]، فليس موضع خلاف، بل إنما يصير خلافا [في المستقبل] بارتباطه بالسؤال، فينتظم منهما جميعا كلام.

وقوله: ([وما] ذكره (89/أ) الشافعي من الكلام على الآية، فهو في غاية الحسن، ولولا [ما عهدناه]، لكانت الآية نصا). هذا عندنا غلط، [وليست] الآية نصا على حال. وتوهمه النص فيها، من جهة ما اشتملت عليه من نفي وإثبات، فاللفظ نص في النفي والإثبات جميعا. وهذا لا نزاع فيه، وإنما الكلام في عموم ما اشتمل النفي عليه في قوله: {لا أجد في ما أوحى إلى محرمًا [على طاعم يطعمه]}. والنكرة في النفي إحدى صيغ العموم. وقد تقدم أن المذهب الصحيح أن الألفاظ ظواهر في الاستغراق على الشروط التي تقدمت. فهي وإن كانت نصا في [أصل] النفي، إلا أنها ظاهرة في عموم النفي.

[وقوله]: (ولم يدع أحد من حملة علوم القرآن النسخ فيها). ليس كما قال، بل للعلماء في هذه الآية مذاهب: [منهم] من يقول: [إنها منسوخة، ومنهم من يقول إنها مخصوصة، ومنهم من يقول: ] إنها مقرة على ما دل عليه ظاهرها، ومنهم من يقول: إنها مقرة، لكن ألحق بهذه [الأشياء] غيرها. وكأن هذا القائل سلك مسلك الخبر، أي: لا محرم ذلك الوقت إلا ما اشتملت عليه الآية، ثم تجددت بعد ذلك أحكام. فدعوى الإجماع على نفي النسخ [باطلة]. وقوله بعد ذلك: (وأنا أقول: مقتضى هذا السياق الذي هو

[متمسك] إمام دار الهجرة مالك يقتضي تحليل الحشرات والقاذورات والعذرات). غفلة عن مقتضى (65/أ) الآية، [ووضع اللغة العربية. أما مقتضى الآية]، فإنها لا تتضمن الحل، وإنما تضمنت نفي التحريم. فلو قال: مقتضى ما ذكره نفي تحريم هذه الأشياء، لأمكن قبوله. أم كونه يقول يقتضي تحليلها، فغلط وما إدخال العذرات في هذا الباب، فهو [خطأٌ] بين من الملزم، فإن أهل اللغة يطلقون الطعم على غير ما ذكره هذا الإنسان، ولما أطلق لفظ (طاعم)، أشعر ذلك بطعام، فليس العذرة مما يطلق عليه طعام بحال. وأما كونه يدعي على السلف القطع بالتحريم، فيا لله ويا للمسلمين، [أيكون] الإمام أعرف من مالك بمواضع إجماع الصحابة واختلافهم، مع قرب عصره ومحل ولادته وتربيته، ودوام اشتغال بالبحث عن أحوالهم وأقوالهم؟ هذا والله محال. [غير] أنه قد نقل عن القوم خلاف ما ذكره، (سئل ابن عباس عن الحشرات، فأفتى بحلها، وتلا الآية).

ثم إنه اقتصر في نسبة مالك [رحمه الله] إلى خرق الإجماع على التمسك بعادة الصحابة، ولم ينقل في ذلك شيئا أصلا، غير أنه قال: قطع السلف بالتحريم فيه). ثم قال: ([ورُبَّ] شيء لما استقر عنده من مذهبه ومذهب أصحاب تحريم هذه الأشياء، قضي بأن [الآية] كذلك عند الصحابة. [وهذا] نقل إجماع بطريق القياس [على مذهبه]، وهذا [فيه] نهاية التمويه والإلباس. وسننبه في هذا المكان على أمر ينبغي أن يعتني بحفظه، وذلك أن الأمور

التي تعلم من أحوال الماضين، فيها ما كان لعادة فيها تصرف، [وقضي بأن] من تقدم كانوا يأكلون ويشربون ويفرحون ويحزنون، ولا ينفك عصرهم من مائل إلى الشهوات، وراكن إلى اللذات والراحات، لا جرم لا يخلو عصر من الأعصار عن ذلك. نعم، قد يتفق أن [يقل] في قوم، ويكثر في آخرين، كل ذلك [نظرًا] منا إلى العوائد، وتلقي الأحكام منها، فهذا [هو] (89/ب) الذي [يُقْضَى] على أهل الأعصار [الخيالية] فيه، تمسكًا بالعادات، والأمن من انخراقها، وكذلك القول في عيافة الطبع المستقذرات، وميل النفوس إلى الثناء، ونفرتها عن الذم. كل ذلك العادة وأهلها [فيه] على التداني. وأما ما يرجع إلى الأحكام الشرعية، فمن أين يلزم إذا ظن قوم شيئا، وليسوا [من] أهل الإجماع، أن يكون ظن الأولين بجملتهم على ما ظنه البعض في هذه الأعصار؟ ولو صير إلى التمسك بالعوائد، فما صح أن يختلف أهل هذا العصر [فيه، صح أن يختلف فيه أهل العصر] الأول، ولم ينقل عن الأولين تحريم الحشرات بحال.

نقل أبو داود: (أن ابن عمر كرهها، وأبى ذلك البحر، يعني ابن عباس). ثم أطلق لسانه في مالك رحمه الله، ونسبه إلى [استيطاء مركب العقوق]. فيا ليت شعري ما الذي عنه بكونه عاقا؟ هل عقه؟ فهو بحمد الله غير ملتفت إلى أصحاب هذه المقالة [حتى يعقهم]، إذ هو [مجتهد] [يعمل] بما أراه لله تعالى، أم عق صاحب الشريعة؟ وهذا هو الذي أراده صاح الكتاب، لأنه نسبه إلى جحد الأدلة القاطعة. ومعاذ لله أن يكون الأمر كذلك، وما ينبغي أن تطلق الألسنة في الأئمة على هذا الوجه، فإن هذا يقبح (65/ب) من العوام فيما بينهم. رحمه الله ورضوانه على القاضي أبي بكر حيث يحسن العبارة في الرد على الشافعي، فإنه [لما قال] قال الشافعي: ([مراسيل] [ابن

المسيب] حسنة). قال القاضي: لست أدري ما الذي يحسنها؟ ثم قال: بلغت عن هذا الحبر أنه قال كذا. فهذا طريق مكالمة الأئمة بعضهم بعضا. فأما هذا النوع من الكلام، فلا يليق بأهل العلم على حال. وقوله: [ونحن [وإن كنا لا نرى تطرق التخصيص إلى اللفظ مقتضيا مصير اللفظ مجملا، كما سنذكره في مسائل الخصوص، فإنا [نرى] أن ذلك- إن [جرى]- يخرج اللفظ عن مراتب [النصوص] في العموم، ويلحقه بقبيل الظواهر، وهذا كافٍ في [مسلك] الكلام على هذه الآية). [فقد

اقتصر] الإمام في هذا المكان على مجرد الدعوى في قوله: إن اللفظ يضعف ظهوره، وينحط عن مرتبة في الظهور. وهذا ما دليله؟ ومن أين يقوله؟ وكيف يصح في علم الأصول الاقتصار على محض الدعوى؟ أيريد أن يقلده الناس في ذلك؟ وعلم الفروع إذا جرى على هذا الوجه كان فيه تقصير، فما الظن بالأصول؟ [ولكن] [تقدير] [الضعف] فيما وراء محل السبب أن اللفظ قبل أن يرد على السبب، فيه جهة مقطوع بها، وأخرى مظنونة. [وما] انحصر المقطوع به [متعينا] في شي مخصوص، فما من صورة من صور العموم إلا ويمكن أن تكون هي المقطوع [بها]، فتردد بين أن تكون هي التي اللفظ فيها نص أو ظاهر. وإذا تعين محل السبب للنصوصية انحصر الظاهر في البقية، فانحط ما وراء السبب رتبة، من جهة بطلان احتمال القطع [فيه]. وقد قال بعض الناس: سبب ضعفه تطرق الخلاف إليه، فإن من العلماء من يقول: إنه صار مجملا، وإذا قوبل ما وقع الإطباق على نفي إجماله.

[كان] مقدما على ما اختلف في إجماله. وهذا ضعيف، لأنا نقطع بخطأ من صار إلى الإجمال، وكيف يصح بناء التضعيف على قول مقطوع ببطلانه؟ وقال قائلون: جهة الضعف فيه أن اللفظ إذا خص، صار مجازا في الباقي، وإذا لم يخص، فهو حقيقة، وجهة دلالة الحقيقة فوق [جهة] دلالة المجاز. (90/أ) وهذا لعمري حسن، لكن على رأي من يذهب إلى أن إذا خص، صار مجازا. وأما الإمام فإنه يراه حقيقة في تناوله على ما كان عليه [أولًا] فيما عدا المحل المخصوص. فلا يتصور على مذهبه الترجيح في ذلك [القدر] على حال، فتضعف دلالته على قاعدته، بالإضافة إلى محل [معارضته] ظاهر التناقض من غير إشكال. [واعلم] أن الناس أطبقوا على أن [لتقدم] السبب على ورود

العموم أثر، ولا التفات إلى ما يحكى عن أبي حنيفة من تجويز استخراج [محل] [السبب] [بطريق] التخصيص. فإن هذا لا يصح على حال. واتفقوا على أنه يفيد النصوصية في السبب، من جهة استحالة تأخير البيان عن وقت الحاجة، ويؤثر أيضًا فيما وراء السبب [أثرا]، وهو إبطال الدلالة على قول، وتضعيف الدلالة على قول. أما وجه التضعيف، فقد ذكرناه. وأما وجه الإبطال، (66/أ) [فلم يذكر الإمام لقائله مستندا. فقد [تمسكوا] بشبه ننقلها ثم نبين ضعفها. منها: أنهم قالوا: لو لم يكن للسبب تأثير، وبقي العموم على ما كان عليه، فينبغي أن يجوز إخراج السبب] بطريق التخصيص، كما [لو] لم يكن سبب. وهذا فاسد، لأنا قد بينا أن تقدم السبب له أثر، وإنما النزاع فيه. فهؤلاء [يرون تأثيره] في [التعيين] والإسقاط. ونحن لا نرى الإسقاط. وقد تقدم بيانه.

الشبهة الثانية: أنهم قالوا: لو لم يكن للسبب أثر، لما نقله الراوي، واعتناؤه بنقله يدل على فهمه قصر الحكم عليه. وهذا أيضًا ضعيف، وبيان ضعفه: أنه لو لم ينقل السبب، لصح للناظر إخراجه [بطريق] التخصيص، وذلك غلط، فاعتنى بنقله ليبين موضع القطع من الظهور. على أن الراوي يروي ما اطلع عليه، ولا يلزم أن يكون كل المنقول له أثر [في الحكم]. ألا ترى الراوي روى (أن الأعرابي جاء يلطم نحره، وينتف شعره، ويقول: هلكت وأهلكت، [واقعت] أهلي في نهار رمضان). فنقل ما للحكم به تعلق، وما لا تعلق له به. الشبهة الثالثة: أنهم قالوا: لو كان المراد بيان الحكم دون اختصاص السبب، لما أخر إلى حين السؤال، فالتأخير يدل على الاختصاص. وهذا باطل، [فما] المانع من كون التأسيس مقصودًا، وذلك وقت ابتداء التكليف؟

الشبهة الرابعة: أنهم قالوا: العموم هو الذي تستوي نسبته إلى المسميات، من غير تفاوت على حال، ولا خلاف أن النسبة في هذه غير مستوية، فإن حد العموم: هو الذي يدل من جهة [واحدة] على [مسميين] فصاعدًا، فلما اختلف [السبب]، بطلت حقيقة العموم. وهذا ضعيف، ونحن نسلم أن حد العموم ما ذكروه، ولكن لسنا نسلم [أن النسبة] [اختلفت]، نظرًا إلى مجرد اللفظ، وإنما جاء القطع من دليل من خارج، زائد على اللفظ، فلا يبطل ذلك حقيقة العموم. وهذا بمثابة ما لو اعتضد بعض صور العموم بمقتضى العقل، ولم يناف الدليل الباقي، فإنا نقطع بما وافقه [دليل العقل]، ونبقى على الظن فيما وراءه. [قال الإمام]: (وقد حان الآن أن نذكر ما نقل [من] سرف

أبي حنيفة [في] عدم الالتفات إلى السبب) [إلى قوله] (وإن لم يرد في اللعان عن النبي صلى الله عليه وسلم غير [قصة] العجلاني). قال (66/ب) الشيخ: قوله: وإن لم يرد عن [المصطفى صلى الله عليه وسلم] غير [قصة] العجلاني. ليس الأمر فيه على ما قال، وقد رويت [قصة] العجلاني، وقد روي أيضًا حديث هلال بن أمية الواقفي، وهو أحد الثلاثة المخلفين عن غزوة تبوك، الذين

تاب الله عليهم. [وقصته] [مشهورة] عند أهل الحديث. وقد جاء [عن] النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (الولد للفراش، وللعاهر الحجر). وهذا واضح جدًا في جانب القياس، أعني (90/ب) مذهب أبي حنيفة؛ فإنه لو تحقق زناه، لم ينتف الولد، فكيف بالدعوى المحلوف على

كذبها؟ ولكن السنة أولى بالإتباع من القياس. فمن سلم أنه لم يطلع على الحديثين [بكمالهما]؟ ولعله اطلع، ورأى التعارض، ورجح القياس. والخبر خبر واحد غير متواتر. قال الإمام: (والحديث [الآخر] حديث عبد بن زمعة) [إلى قوله] (ولم يلحق ولد المملوكة بمولاها، وإن أقرَّ بالوطء والافتراش).

قال الشيخ [أيده الله]: قوله: إن أبا حنيفة ألحق الولد بالزوج، وإن تيقن استحالة العلوق من مائه. غير صحيح، فإنه قد قال: لو أتت بولد في الحال، أو في [أمد] قريب، لا يكون [أقل] الحمل، [لم] يلحق بالزوج. نعم، [قضى] في المشرقي يتزوج المغربية، وتأتي بالولد بعد مدة الحمل أن يلحق به، [لإمكان] الوصول بخرق العادة. وأما كونه [لم] يلحق ولد الأمة بمولاها، فهذا شديد. ولكن معتمده من حيث الجملة، أنها [مدعية] للحرية، فلا [تعتق] بدعواها. وهذا

ضعيف مع النص على لحوق الولد بالواطئ، وليس دعواها الاستيلاد ينبغي أن [تعارض] هذا الخبر، ولكن نسبته [إلى] أنه لم يحط بالحديث، غير مستقيم، مع أنه لم يرد الخبر [إلا] متصلا بزيادة. قال الإمام: ([والذي] عندي أنه لا يجوز أن ينسب إلى متعاقل [تجويز استخراج [السبب] تخصيصا) إلى قوله (فهذا ما أردنا ذكره في القرائن الحالية. [وأما] القرائن [المقالية] التي ليست [أحوالا]، فهي

مسائل الاستثناء

تنقسم إلى الاستثناء والتخصيص، ونحن نبدأ بالاستثناء]، [مستعينين بالله، وهو خير معين]). قال الإمام: (مسائل الاستثناء: الاستثناء: استفعال [من الثني، يقال: [ثنيت] الشيء [أثنيه]، إذا طويته]) إلى قوله ([فقالوا: ] جاء القوم إلا زيدًا). قال الشيخ: [رضي الله عنه]: الاستثناء عند أئمة العربية: إخراج بعض من كل (بإلا)، أو بكلمة تقوم مقام (إلا). [وهل] يشترط في البعض [المخرج] أن يكون أقل من المبقى؟ اشترط ذلك كثير من النحويين، وقالوا: إن الاستثناء في معنى الاستدراك، وجوز بعض البصريين إخراج

النصف، فأما استثناء أكثر من النصف، فلم يجزه أحد من البصريين. وسيأتي الكلام على ذلك بعد هذا. وقول الإمام هو: (مأخوذ من الثني). راجع إلى هذا، فكأنك [قلت]: ثنيت الكلام عن بعض ما كان يقتضيه إطلاقه لولا الثني (بإلا). ولكن هذا يوجب أن يكون الاستثناء من غير الجنس مجازًا. وسنتكلم عليه بعد هذا، إن شاء الله تعالى. وقوله: (وله أدوات في اللسان). الأمر على ما [ذكر]. والاستثناء قد يكون بالحروف، وقد يكون بالأفعال، وقد يكون بالأسماء. فالحروف: ك (إلا) [و) حاشا). والأسماء: ] (67/أ) ك (سيما) و (سوى) و (سوى).

والأفعال ك (ليس)، [و) لا يكون)]. وأم الباب (إلا)، لأنها لا تنفك عن الاستثناء بحال. [وقوله: (ثم لا يخلو الاستثناء: إما أن يتصل بكرم موجب أو منفي). القسمة صحيحة [في الغالب]. يظهر هذا في الخبر، فأما الأمر والنهي والاستفهام، فيرجع [إليه] بطريق التأويل. (فإن كان في [إيجاب]، فكم اللسان فيه اقتضاء النصب). [الأمر] على ما قال، كقولك: قام القوم إلا زيدًا.

وقوله: (فهو حرف). يعني (إلا)، [دال] على فعل ناصب، والتقدير عند أهل الصناعة: أستثني [زيدًا]، هذا لم [أره] لأحد من [أئمة] العربية على هذا التقدير. [وللنحويين] في عامل النصب أربعة أقوال: أحدها: مذهب الأكثرين من المتقدمين [والمتأخرين] من البصريين (91/أ) أن العامل الفعل بواسطة الحرف، لأن الفعل القاصر قد يعدى بالحروف، تقول: قام زيد، فلا [يتعدى]، ثم تقول: أقام زيد عمرًا. ونظير هذا الباب المفعول معه، في قولك: استوى الماء والخشبة، [فتنصب] الخشبة [بقولك]: استوى، بواسطة الحرف، فكذلك ينصب زيد ب (قام) بواسطة (إلا)، فإن لم يكن الفعل، [وكان] [في معناه] (فعل)، [وذلك] [كقولك]: في الدار القوم إلا زيدًا، ففي هذا الكلام رائحة الفعل.

وذهب أبو العباس المبرد إلى أن الحرف هو العامل، لشبهه بالفعل، [لأنه دال على الفعل]، كما علمت الحروف [الشبيهة] [) بكان) و (إن)] و) لكن) و) كأن) و) ليت) و) لعل)، فهو يرى أن الحرف ناصب، ولم يقل إنه يدل على ناصب. وهذا الذي قاله ضعيف، فإنه لو عملت الحروف يتضمنها معاني الأفعال، لم يبق حرف إلا عاملًا، [كحروف النفي والاستفهام]. وأيضًا فإنه لو كان الحرف عاملًا، لجاز (إلا زيدًا قام القوم)، [كما يجوز (قام القوم إلا زيدا)]، ولو كان [النصب أيضًا]- لما في [) إلا) من] معنى الاستثناء- لاستوى الموجب والمنفي في النصب. وذهب الفراء إلى أن [) إلا)] [مركبة] من (إن) الناصبة و (لا)

النافية، فإن نصبت، اعتمدت على [) إن)]، [وإن رفعت، اعتمدت على (لا)]. وهذا أيضًا ضعيف، وهو تحكم من غير دليل، [مع] أن المعنى لا يساعد عليه، فإن هذا التضعيف لو فك، لبطل الفهم [من] قولك: قام القوم إلا زيدا. وذهب الكسائي إلى أن الاسم ينتصب (بأن) مضمرة. والتقدير عنده: (قام القوم إلا أن زيدا لم يقم. وهذا رديء، فإنه أضمر الحرف وأبقى عمله، والحروف ضعيفة لا تعمل مضمرة، إلا على تقدير دلالة، أو ثرة استعمال، كما قيل في بعض الأوقات في الاسم [المخفوض] بعد [كم]. وفيه أيضًا وجه بعيد، وهو إثبات (إن) دون خبرها. فإذًا الصحيح هو المذهب الأول. وما ذكره الإمام خارج عن الجميع، وإنما فرق بين الإثبات والنفي،

[من حيث] أن النفي يمكن فيه البدل، [والإثبات] يتعذر ذلك فيه، فإنك في البدل تقدر طرح الأول، إذ [العمدة] على الآخر، وذلك يصح في قولك: ما قام [القوم] إلا زيدا، تريد: ما قام إلا زيد، فيلتئم الكلام. ولا يصح في قولك: [قام] القوم إلا [زيدا]، [أن تقدر] حذف القوم، [وتقول]: قام [إلا زيدا]، فلما لم يجز ذلك، لم يكن إلى الرفع على طريق البدل في الإيجاب سبيل. وقول الإمام: (وقد يأتي [ما بعد] (إلا) في الإيجاب مرفوعا).

كلام يوهم أن الباب بحاله في الاستثناء، (67/ب) [وأن الرفع والنصب جائز فيه]، وليس الأمر كذلك، لا من جهة الإعراب، ولا من جهة المعنى. أما من جهة المعنى، فإنك إذا قلت: قام القوم إلا زيدا، [فهذا] يتضمن الإخبار أن زيدا لم يقم، وإذا قلت: قام القوم إلا زيدا، فأنت في هذه الصورة لم تتعرض لزيد بإخبار من عدم قيامه، بل أنت ساكت عنه، وكأنك قلت: قام القوم المغايرون لزيد، ولهذا قال الفقهاء: إذا قال المقر له: عندي درهم إلا قيراطا، [يلزمه] [بعض الدرهم، وهو الدرهم الذي ينقص قيراطا، وإذا قال: إلا قيراطا، لزمه الدرهم بكماله]، فيخرج الباب عن الاستثناء إلى الصفة، على تقدير الرفع في الإيجاب. [وعليه نزل] قول الشاعر، وهو [عمرو بن

معدي كرب] في البيت الذي سبق، فكأنه لم يخبر عن الفرقدين بافتراق [ولا غيره]، ولكن أخرجهما من خبره. وعليه نزل [قوله تعالى]: {لو كان فيهما إلهه إلا الله لفسدتا}. وإنما قال الإمام (91/ب): إن [) إلا)] محمولة على (غير)، لاشتراكهما في أصل المعنى، [ولكنهما] أيضًا مفترقان من وجه. فنذكر ما لكل واحدة بالإضافة، وموضع الاشتراك، [وخاصية] [الافتراق]. أما الذي لـ (إلا) بالإضافة، فالاستثناء، والذي (لغير) بالإضافة، الصفة، وإجراؤها على إعراب الموصوف، وحكم الاستثناء في غير موضع البدل

النصب، فإذا جرت (غير) على إعراب ما قبلها، فهي على أصالتها، وإذا جرت (إلا) على النصب، فهو بابها. ولكنهما متقاربان في وجه، وهو أن الكلام بعد ورودهما جميعا ينقص عما كان يقتضيه إطلاقه لولاهما، فإنه كان خبرا عن الجميع، إلا أن ورود [إحداهما] وهي (غير) تقتضي القصر على البعض، معرضة [عن] الدلالة على ما بعدها. [و) إلا)] تدل على ما قبلها وما بعدها، فلما حصل الاشتراك من هذه الجهة، حسن حمل إحداهما على الأخرى، فيما يتعلق بالعمل، إلا أن (إلا) لما كانت حرفا، لم يتصور أن تعمل المضارعة فيها، فانتقل الأمر إلى ما بعدها، (وغير) اسم يقبل الإعراب، فانتقل إعراب ما بعد (إلا) إلى (غير) فقيل: قام القوم غير زيد، وقيل: قام القوم إلا زيدا. وهذا كلام حسن بالغ في فن العربية، وحسن تصرف أهل اللغة. قال الإمام: ([فإذا] [اتصل] الكلام [بكلام] مبني على النفي، فلا يخلو: إما [أن يتم] الكلام دونه، [وإما أن] لا يتم الكلام دونه) إلى

قوله (وكل ما ذكرناه [من] الاستثناء من الجنس). قال الشيخ: [إذا جرى الاستثناء في جانب النفي، ولم يتم الكلام، لم تعمل (إلا) شيئا، وتسمى [المفرغة]، وإنما كان كذلك، لأن الفعل يطلب فاعله، وهو إليه

أحوج من المفعول، فإذا لم يستوف الفعل فاعله، وسبق حرف النفي أُتي (بإلا) لنفي النفي، ويصير الكلام في المعنى موجبا، كأنك قلت: قام زيد، ورأيت زيدا، ومررت بزيد، أما إذا استوفى الفعل فاعله، وجيء بالمستثنى، أمكن البدل، وهو الأصل، لأن المراد إثبات القيان لزيد. والقائل: لا إله إلا الله، الغرض الأصلي إثبات الإلهية لله تعالى، ونفي ما سواه، لتأكيد الإثبات، فعلى هذا يقوى جانب البدل. ويجوز الاستثناء تعرضًا للأمرين جميعا مقصودًا، والأول أكثر، وإنما جاز الأمران، لصحة معنى

الاستثناء من غير الجنس

الاستثناء والبدل جميعا. وإذا دار الأمر بين شيئين، لا أكثر منهما، فعندما يدل دليل على سقوط أحدهما، يتعين الآخر. وإذا بطل البدل، تعين الاستثناء، ويبطل البدل على تقدير تأخير المبدل منه، وتقدم البدل، فإن التوابع الأربعة لا يجوز أن يتقدم شي منها على متبوعه، كالتوكيد والنعت والعطف والبدل، وإنما كان كذلك، من جهة أنها أتباع ينصبُّ عمل العامل عليها انصبابة واحدة، فلذلك يمتنع أن تقول: [قام] وعمرو زيد، لأنك عطفت قبل ذكر المعطوف عليه، وكما امتنع ذلك في العطف، فيمتنع في الصفة، فلا يجوز أن يقال: ([قام] العاقل زيد) على إرادة النعت، وكذلك لا يصح أن يقال: [قام] كلهم الناس. قال الإمام: ([وأما] الاستثناء من غير الجنس-[والكلام] مبني على النفي حيث انتهى الترتيب إليه) إلى آخر المسألة. قال الشيخ]: الاستثناء

من غير الجنس ليس فيه (92/أ) عند أهل اللغة إلا النصب، إذا لم يكن للمستثنى تعلق بالمستثنى منه بوجه، وإن كان له تعلق به، كالتوابع للمذكور والسابق، فهذا موضع خلاف أهل اللغة. ) فالحجازيون) التفتوا إلى [الظاهر] من عدم المجانسة (68/أ)، [وأجروه] [مجرى] ما تحقق [فيه] [التقاطع] من كل وجه، فلم يروا البدل. (وبنو تميم) جوزوا البدل، ولمذهبهم ثلاثة أوجه: أحدها- أن يكون غلب من يعقل، [فكأنه] قال: ما جاني شيء، وذكر الأحد تغليبا، فيكون استثني من المقدر في النطق، فلا يكون منقطعا بالكلية. والثاني- أن يكون أجرى ذكر الأحد توكيدا، والمراد: ما جاءني إلا

حمار، ولو [قال] كذلك، لفهم أن الأحدين لم يأتوه. الثالث- أن يكون قال: ما جاءني [أحد]، ولا يتبع الأحدين من [إبلهم] ودوابهم. واستغنى عن ذكر التابع لفظا، للعلم بأن مجيء المتبوع يتضمن مجيء التابع. وأما قول الإمام: (أقبل أحد الحمارين). فليس بظاهر، وإذا أطلق لفظ الأحد على من يعقل وما لا يعقل، خرج عن باب [الاستثناء من غير الجنس]. هذا ما يحتمله الكلام، وفيه في علم العربية كلام [طويل]. قال الإمام: (مسألة: صيغة الاستثناء إذا [انقطعت]، لم تعمل

(مسألة: صيغة الاستثناء إذا [انقطعت]، لم تعمل وألغيت)

وألغيت) إلى آخر المسألة. قال الشيخ: ما ذكره الإمام في وجوب اتصال الاستثناء، هو الصحيح، والفصل به يفضي إلى ما ذكره الإمام من عدم الوثوق بالنصوص، وفقد الصدق [بالوعد والوعيد]، [إلى] غير ذلك من

ضروب الفساد، وثبوت الاختلال بوضع اللغة، وامتناع الفهم من الألفاظ. وأيضًا فإنه إذا فصل ما بعد (إلا) مما قبلها (بإلا)، [خرج] عن أن يكون كلاما مفهوما، فضلا عن أن يكون مخرجا شيئًا فهم. وكذلك الكلام في كل [جزء] لا يستقل بنفسه، كالشرط وخبر المبتدأ وغيره، وهذا أظهر من أن يفتقر إلى [تقريره]. وكلام ابن عباس غامض شديد، والله تعالى أعلم بصحته ومراده.

وأما ما ذهب إليه بعض الفقهاء [من] تجويز ذلك في [كلام] الله [تعالى] دون غيره، فخطأ بين، وقول باطل، وما ذهبوا إليه من اتحاد الكلام القديم، [أمر] [لا] يفيد، ولا يغني، الأمر [على] ما ذكره الإمام، من الالتفات إلى [لغة] العرب، وهي متعددة [مرتبة]، لا خلاف في ذلك. وقد كان القرآن ينزل [شيئا] بعد شيء، فما الذي يفيد النظر إلى قدم الكلام واتحاده؟ هذا مقصود الأصول في الرد على جوز فصل الاستثناء في كلام الله تعالى دون غيره.

وأما ما تكلم به الإمام من الإشكال المتوجه في اتحاد الكلام، باعتبار ثبوت الاستثناء، واشتمال الكلام على النفي والإثبات، فكيف تتحقق مع ذلك الوحدة؟ وهذا الذي قاله [ظاهره يشير] إلى تعدد الكلام، وتعدد الكلام باطل، بلا إشكال. والدليل على ذلك، هو الدليل على اتحاد العلم، وقد سبق وجه ذلك في مقدمة [الكتاب]. والذي نعيده [الآن] أن الكلام ليس لمتعلقه مصحح، لصحة تعلقه بالواجب والجائز والمستحيل، فلو تعدد الكلام بتعدد متعلقاته، لوجب أن يثبت للباري [سبحانه] كلمات لا تتناهى، ودخول مالا يتناهى الوجود محال، (68/ب) والقصر على عدد باطل، للتحكم في ذلك.

وقد ذهب القاضي في بعض مقالاته إلى أن اتحاد الصفات [لا يتلقى] من العقل، (92/ب) وإنما هو متلقى من الإجماع. وهذا فيه نظر. وقد وجه عليه أنه، كيف يدعي الإجماع على [نفي] تعدد العلم، ومن الأمة من لا يثبت أصل العلم للقديم؟ فكيف يدعي الإجماع على اتحاده؟ [أجاب] القاضي عن هذا بأن قال: أجمعت على نفي علم ثان قديم، فلا ذاهب من الأمة [إلى] إثباته، وأصل العلم دلت الأدلة العقلية على ثبوته. [هذه طريقته]، والذي قاله صحيح، وفي أدلة العقل غنية وبلاغ.

(مسألة: إذا اشتمل الكلام على جمل، واستعقب الجملة الأخيرة استثناء)

قال الإمام: (مسألة: إذا اشتمل الكلام على جمل، واستعقب الجملة الأخيرة استثناء) [إلى قوله] (وفصل الجمل إجمالا ووقفا). قال الشيخ: اختلف الأصوليون في هذه المسألة على ثلاثة مذاهب، وأثبت الإمام تفصيلا، فتصير المذاهب على هذا أربعة: ما في الكتاب، ومذهب ثالث،

وهو مذهب الواقفية. أما أصحاب الشمول، فقد ذهبوا إلى ما ذكره، محتجين بما قرره [لهم]، وبأمرين آخرين: أحدهما- أنهم قالوا: الاستثناء كالشرط والصفة، والشرط اللاحق، والصفة أيضًا اللاحقة ترجع إلى الجميع، فينبغي أن يكون الاستثناء كذلك.

والجواب عنه: أن هذا قياس في اللغة، واللغة تثبت نقلا لا قياسا. كما سبق. الثاني- أن [لا نسلم] رجوع الصفة والشرط إلى الجميع، بل [يختص] عند المخصص، أو [يتوقف] فيه عند الواقف. نعم، سلم ذلك بعض أصحاب أبي حنيفة، وهو صعب على القوم، [ولكن] يمكن أن يكون مستندهم من حيث الجملة أن الشرط له صدر الكلام وإن تأخر. ولهذا يقدر

في [قولك]: أكرمك إن جاء زيد، معناه: إن جاء زيد أكرمتك. هذا هو التقدير عند أهل اللسان. [فإن] كان كذلك، فالشرط متقدم في الحقيقة، والاستثناء [مؤخر]. وهذا الكلام [فيه ضعف]، فإنا لا ننازع في أن الشرط يجب تقديمه، [و] لكن على أي جملة؟ هل على الجمل كلها، أو على الأخيرة منها؟ فلا يرجع الأمر إلا إلى الدعوى. وقالوا أيضًا: [تكرير] الاستثناء عقيب كل جملة قبيح، [وعيُّ]

[من] القول، [لا] سبيل إلى النطق به في الكلام الفصيح. وهذا فاسد لا خفاء بفساده. وقولهم: إنه قبيح، لا يسلم الواقف [قبحه]، بل يقول: [لا تحصل] [العبارة] إلا به. ثم [لو قدر] أنه قبيح، فمن أين يتحقق أن المتكلم قصد الجميع، [مع] صحة صرف الاستثناء إلى الأخير، وقصره عليه؟

وأما المخصصة فقد تمسكوا باستقلال الجمل، وأن الآخذ في الجملة الثانية معرض [عن] الأولى، [فلا يرجع الاستثناء إليها، وهذا باطل من وجهين: أحدهما- أنه لا نسلم انه معرض عن الأولى]، إلا بتقدير الاقتصار عليها، [وأما] إذا كان في [مساق] كلامه، لم يسكت عليه، ولا اقتصر، فمن أين يتحقق إضرابه [عن الأولى]؟ ويحقق هذا أيضًا اعترافهم برجوع الشرط والصفة إلى الجميع.

وأما الواقفية فقد قالوا: (69/أ) إذا بطل كلام المعممين، ووضح تحكم المخصصين، لم يبق سوى الوقف. ويسلكون في هذه المسألة مسلكهم في بطلان كون الأمر له صيغة، وهل للعموم صيغة؟ والكل على [حدِّ] واحد، فيما يتعلق بالقياس ووضع اللغات. ولكن سلك القوم [مسلكا] عظيما في هذه المسألة. وذلك أن القاضي وأصحابه يقولون: إنه يصح أن ينفصل الاستثناء عن الجملة الأخيرة، فتبقى الجملة على (93/أ) إطلاقها، ويرجع الاستثناء على ما قبلها. وهذا بعيد عن وضع اللغة بالكلية، [فهلا] جعلت الجمل كلها كجملة واحدة، لأجل

) الواو) المشتركة، ولا حكم [لكل جملة] [بالاستقلال] والتقاطع؟ فهذا مذهب غريب جدا. وأما [مذهب] الإمام، فلم يبن على وضع اللغة، وإنما [بني كرمه] على قضية فقهية في تباين المقاصد [ومقاربتها]. [والظاهر] [عندنا] أيضًا خلاف ما ذهب إليه، والجمل [بالتشريك] [بالواو] في معنى الجملة الواحدة. هذا هو الظاهر في العطف، إلا أن تكون (الواو) للابتداء فتنفصل الجملة [الثانية] عن الأولى، وقد قال الله تعالى: {لنبين لكم ونقر

في الأرحام ما نشاء}. وقال: {فإن يشا الله يختم على قلبك ويمح الله الباطل ويحق الحق}. [وإذا} ترددنا في العطف [والاستئناف]، حكمنا بأن الاستثناء ينعطف على الجملة الأخيرة، لاتصاله بها. وتوقفنا [عن] انعطافه على ما سبق. هذا هو الذي يصح عندنا. والله الموفق للصواب. وقد [استدل] القاضي في صحة صرفه عن الأخيرة إلى غيرها بقوله تعالى: {ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولى الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لأتبعتم الشيطان إلا قليلًا}. قال: لا يصح أن يرجع هذا الاستثناء إلى الجملة الأخيرة، فإن من لا يصبه فضل الله، لابد أن يتبع الشيطان، فلزم صرفه إلى ما تقدم من الجمل، وهي قوله: {لعلمه الذين يستنبطونه منهم} إلا قليلًا ممن قصر في النظر، ولم يستوعب الفكر، ولم يكمل

[السبر]، فيظن أنه من أهل الاستنباط، وليس منهم. وهذا الذي قاله ممكن، ويمكن خلافه. والتقدير عندنا: ولولا فضل الله عليكم ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم لاتبعتم الشيطان، إلا قليلًا ممن من الله عليه بالإسلام والتوحيد، كقس بن ساعدة، وأويس القرني. هذا [عندنا أولى] مما ذكره القاضي. ومحط المسألة اللغة. والذي ذكرناه نقطع به، ولكنه يظهر من كلام أئمة العربية في التشريك بالواو. قال الإمام: ([وما آية القذف]، فإنها خارجة عن القسمين جميعًا،

[على] ما [سنوضحه] الآن) [إلى قوله] (مع استمساكنا بالحق [اليقين] في مأخذ الأصول). (69/ب) قال الشيخ: ما ذكره الإمام في معنى [الآية] أمر عجيب، وتفسير غريب، وكون (الواو) من حروف التعليل، مما لم يقله أحد من أئمة العربية. وللتعليل حروف صراح وظواهر [وإيماءات]. فصرائحه معروفة، [كاللام] و) كي) [و) لأجل)] و (من أجل) و) بأن ذلك). [وللإماءة] [صور] كثيرة، [و) الفاء) من جملتها]، كقوله: (سها فسجد)،

(وزنى ماعز فرجمه رسول الله صلى الله عليه وسلم). [ومنها] ترتيب الحكم على الأسماء المشتقة، إما مطلقًا، وإما بشرط المناسبة، إلى غير ذلك من [كلمات الإيماء] [والتنبيه]. وأما عد [) الواو)] من هذا الباب، فلم يصر إليه [فيما] عرفناه من الأصوليين [والنحويين أحد]. وقد عد الناس محامل (الواو)، وهي إما أن تكون عاطفة أو للابتداء. [وكونه] يقول: ([فصار] كأنه قال: لأنهم

فاسقون). هذا [إبداء] إمكان من غير استدلال. بل نقول: الجمل [مستقلة] بأنفسها. وقوله: ([فإن] الشهادة في [هذه] المحال [بالفسق] (93/ب) ترد). لا يسلم له ذلك، بل يصح أن يكون رد الشهادة زيادة عقوبة في حقه، حتى يعذب بالعذاب الحسَّى، وهو الحد، والعذاب المعنوي، وهو سلب منصب الشهادة، ويكون فاسقًا [بذلك]، وأما الحد، فلا ينعطف الاستثناء عليه، لأنه تعلق به حق المقذوف من أن تظهر راءته بحده له، فيصير من حقوق الآدميين التي لا تؤثر التوبة فيها. ولا خلاف بين الناس أن حقوق الآدميين لا تسقطها التوبة، بل لابد من التنصل من مظالم العباد، وذلك من جملة التوبة.

وهل تسقط التوبة [الحدود] أم لا؟ مع اتفاقهم [على] أنها تسقط الآثام المختصة بالله [سبحانه]. ذهب مالك [رضي الله عنه] إلى أن التوبة لا تسقط الحدود، وهو أحد قولي الشافعي، والقول الآخر للشافعي أنها مسقطة. وهم متفقون على أن التوبة تسقط [حد] الحرابة، بقول الله تعالى: {إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فأعلموا أن الله غفور رحيم}. والشافعي جعل هذا أصلا، وقاس عليه في أحد قوليه. ومالك تمسك بالخبر الصحيح: [رجم] رسول الله صلى الله عليه وسلم الغامدية، وقال في حقها: (لقد تابت توبة (70/أ)

لو تابها أهل بلدة لوسعتهم). وفي حديث آخر: (وهل وجدت أفضل [من] أن جادت بنفسها). وهذا تصريح بكمال التوبة مع إقامة الحد. وكذلك سائر الحدود، إلا حد الحرابة. وسبب خروجه عن قاعدة الحدود: شدة الشوكة، وعظيم المفسدة، بما تعاطوه من المغالبة، فجعل ذلك لاستنزالهم عن شوكتهم، كما فعل ذلك في الحربي. [فثبت بهذا] أن التوبة لا تتعدى إلى الحد بالوجهين المذكورين. [وأما رد] الشهادة، فليس من أبواب الحدود، وإنما هو [زيادة سلب منصب، لتتحقق الصيانة عن الإقدام على القذف]. فصح أن تؤثر التوبة فيه. قال الإمام: (فإن قيل: إذا حبس على فرق وطوائف، [وعقب الجملة] الأخيرة استثناء، فبم تفتون؟ ) إلى قوله (على جميع المذكورين).

(مسألة: إذا استغرق الاستثناء الجميع كان باطلا [ولغوا] إلى آخر المسألة

قال الشيخ: ما ذكره الإمام واضح، [وقد] يقول [قائل]: إن الأولين [قد] ثبت في حقهم الأخذ بالقول الأول، وإنما نحن على تردد في انعطاف الاستثناء المخرج، ولا يمنع بالشك والاحتمال. وللقائل أن يقول: إنما [يثبت] استحقاق الأولين على تقدير السكوت، فأما إذا لم يتفق السكوت عليهم، فنحن [نتردد] في الاستحقاق. هذا هو الظاهر في ذلك. قال الإمام [رحمه الله]: (مسألة: إذا استغرق الاستثناء الجميع كان باطلا [ولغوا] إلى آخر المسألة. قال الشيخ: قد قدمت أن مذهب

القاضي في الاستثناء هو مذهب البصريين من النحويين، وهم [ذوو] التحقيق في فن العربية، وإليهم المرجوع في فهم اللغة، لاسيما الخليل بن أحمد، والنضر بن شميل وسيبويه، وهم متفقون على ذلك. ولكن لم أظفر لهم بدليل واضح يدل على هذا الحكم، إلا أن يكون النقل عندهم [ثابتا]، فهذا إذا كان كذلك، فمسلم، وإن لم يثبت النقل، فلم يبق إلا الاستقراء، والاستقراء ثابت في اللغة أنه لن يستثن النصف، بل إنما يأتي الاستثناء على طريق الاستدراك [للقليل]، بالإضافة إلى الكثير. (94/أ). هذا هو المنقول، وهو الثابت في الكتاب، قال الله تعالى: {فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا}. وقال: {فسجد الملائكة كلهم أجمعون (73) إلا

إبليس}. وقال: {يوم لا ينفع مال ولا بنون (88) إلا من أتى الله بقلب سليم}. وهذا عدد قليل بالإضافة إلى غيره، فيجب الاقتصار على المسموع، ونمنع الزيادة، بناء على القياس، لامتناع القياس في اللغة. وقد صار إلى مذهب القاضي من الفقهاء عبد الملك بن الماجشون من أصحاب مالك، وأكثر الفقهاء على خلاف ذلك، [ويجوزون] الاستثناء مطلقا. أما من يراعي المقاصد، فكرمه [واضح]، وأما من يراعي ظواهر اللغة، ويقتصر عليها، فيضعف كلامه [بما] قررناه. والظاهر عندي من جهة اللغة الوقوف على المسموع. والله المستعان.

قال الإمام: (مسألة: ذكر الفقهاء اختلاف الشافعي وأبي حنيفة) [إلى قوله (يضاهي ذلك]). قال الشيخ: [الاستثناء من غير الجنس يسمى الاستثناء المنقطع، وهو ثابت في اللغة والقرآن العزيز، قال الله تعالى: {فإنهم عدو لي إلا رب العالمين}. وقال: {فسجد الملائكة كلهم أجمعون (73) إلا إبليس}. وقال: {لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم}. والمرحوم ليس بعاصم، ولكنه معصوم.

واختلف الناس بعد ذلك، هل الاستثناء [حقيقة] أم لا؟ واختلف فيه قول القاضي، والظاهر من كلام أهل العربية أنه استثناء حقيقة، بل لا وجه فيه إلا الاستثناء. وقد تقدم أن جانب النظر باطل فيه. وأما حقيقة الشيء، فيجوز أن يكون المراد به ههنا انعطاف الكلام على خلاف جهته، من نفي إثبات، أو من إثبات إلى نفي، فيسمى ذلك استثناء، وإن لم يكن فيه حقيقة الإخراج. فإن قيل: فينبغي إذا نطق الإنسان بجملة إثباتية أو سلبية، ثم نطق بضها، أن يكون مستثنيا، وليس الأمر كذلك. قلنا: قد بينا أن الاستثناء يعد جزءا من الكلام الأول، ولا يقدر جملة مستقلة بحال، فإذا جيء به على الجملة [الثانية]، لم يكن استثناء، إذ خرج عن كونه جزءا. هذا هو الظاهر. وأما إذا قال: عندي ألف درهم إلا ثوبا، فالظاهر ما قاله أبو حنيفة، إذ الاستثناء من غير الجنس غير [منقض] للكلام الأول، فبقي على ما كان عليه. وإذا قال الشافعي: يقبل ذلك، وينقص من المقر به مقدار القيمة، فهذا عدول عن الظاهر بالكلية.

وقول الإمام: (فإن صح في [مسائل] الظنون التعبير بالثوب عن قيمته، فالقيمة هي المستثناة إذًا، إذ هي المجانسة). فكلام] غير صحيح، ولا سبيل أبدا إلى أن يجعل الثوب [عبارة] عن القيمة. وإنما يكون هذا من باب حذف المضاف، وإقامة المضاف إليه مقامه، كما [قررناه] في أبواب المجاز، وهي كقوله تعالى: {وسئل القرية}. فليس نقول: إن القرية عبارة عن الأهل، ولكن المراد: اسأل أهل القرية. هذا النوع من المجاز يفتقر إلى استعمال، فإنا قد قررنا أن هذا مقصور على السماع، فيقال: سل الطلل، والربع، والمنازل، والدار، ولا يقال: سل

[البساط] والكوز، ويراد به صاحبه، فإذ تقرر ذلك، امتنع هذا النوع من التجوز، [لعدم] سماعه. [ولكن] [أبا حنيفة] نقض [قوله] [بتجويز] استثناء (94/ب) المكيل من الموزون، والموزون من المكيل. وهذا لعمري نقض بين، والتعلق بالمناقضات غير مفيد، فيما يتعلق بالحقائق، إلا على جهات تقدم ذكرها، وسيأتي لها مزيد تحقيق في باب النقض.

وأما مالك رحمه الله، فقد سلك بالمعاوضات في الاستثناء من غر الجنس مسلكا آخر، فقال: إذا قال الرجل: بعتك هذه السلعة بدينار إلا قفيز حنطة، كان القفيز مبيعا من السلعة. وهذا عجيب، فلم يلغ الاستثناء [بخروجه] عن الجنس، كما قال أبو حنيفة، ولم يجعله منقصًا، ردًا إلى التأويل الذي ذكره الشافعي، ولكنه في التحقيق راجع إلى قول الشافعي، [ولكنه] زاد زيادة من وجه آخر. [وبيان] رجوعه إلى طريق الشافعي: أنه يقول: لما قال: (بدينار إلا قفيز حنطة) وأورد لفظة الاستثناء على الدينار، اقتضى ذلك تنقيصًا من جهة مقصد المتكلم، [فإنه] لم يجعل الدينار بكماله ثمنًا للسلعة، وأبقى منه مقدرًا يقابل القفيز، [فكأنه] قال: ذلك البعض من الدينار يجعل عوضًا للقفيز. فمن هذه الجهة يكونان مبيعين. وإنما فعل ذلك، لأنه [لو] استثنى

(فصل- قد ذكرنا ما يتعلق بالأصول من [حكم] الاستثناء)

من الدينار قيمة القفيز للإسقاط، للزم أن يكون (71/أ) البيع فاسدا في السلعة. [فإذا] جعلت ذلك ثمنًا للقفيز، لم يضر الجهل بما ينوب كل واحد من القفيز والسلعة، لما كان المالك واحدًا. [فهذا] [وجه] هذا المذهب، وهو لعمري يمشي على أصل مالك، في أنه لا يراعي مناسبة الألفاظ، من جهة اللغة في صحة العقود، إذا فهم المقصود. وإنما يعسر الأمر على الشافعي، الذي يشترط مناسبة الألفاظ. هذه نهاية الكلام على الاستثناء وفصوله. قال الإمام: (فصل- قد ذكرنا ما يتعلق بالأصول من [حكم] الاستثناء) إلى قوله (وأمثلة ذلك تكثر). قال الشيخ: أما التخصيص فهو:

الإفراد في اللغة، من غير قصر على الذكر، يقال: خص المطر بني فلان، وخصه الله تعالى بأمر من فضله. ولكن غلب [في] عرف الأصوليين [إطلاقه على] ما يتعلق بالذكر. وهل يكون العموم والخصوص من عوارض الألفاظ، أو يرجعان إلى الكلام، [لا إلى] الألفاظ؟ وقد تقدم [من] كلام الأئمة أن العام والخاص قولان قائمان بالنفس. وقال أبو حامد: إنهما من عوارض الألفاظ. وما يظن به إنكار كلام

النفس، [وإنما] الظن به أنه أراد الصيغ، لانتشار الكلام [عليها]، والحاجة إلى معرفة وضع اللغة فيها. وقول الإمام: (إن اللفظ باعتبار العموم والخصوص ينقسم ثلاثة أقسام: إما خاص مطلقًا، كزيد، وهذا الرجل، وإما عام مطلقًا، كالمعلوم والمذكور، وإما [خاص] من وجه، [وعام] من وجه، كالزَّيدَيْن [والزَّيدِين]). كلام صحيح، والمراد بالمذكور: ما يصح تعلق الذكر به، [أو ما] هو مذكور لله عز وجل. [وإذا] [أريد] ذلك، لم يتصور وجود لفظ أعم من هذا [بوجه]. ولهذا [كان] هذا النحو من الألفاظ لا يتصور التجوز فيه بحال. [إذ] كيف يتصور أن يكون مجازًا فيما هو حقيقة فيه؟ وقد اعترض أبو حامد

الفرق بين التخصيص والاستثناء

على هذا، وقال: المذكور لا يتناول المسكوت عنه، والمعلوم لا يتناول المجهول. قال: ومن هذه الجهة يمكن أن يقال: ليس [يوجد] في الألفاظ عام مطلقًا. وقد (95/أ) بينا نحن المراد الإطلاق، وأن المراد به: إما ما يصح أن يكون مذكورًا، او كونه مذكورًا لله [عز وجل]. قال الإمام: (ثم ذكر [أرباب الأصول] طرفًا [في] الفرق بين التخصيص والاستثناء) إلى قوله (والازدياد بعد البيان لا يفيد). قال الشيخ: [ما ذكره] الإمام هو حقيقة الفرق، [فإن] الاستثناء يعد

خلاف الأصوليين في قول القائل: عشرة إلا خمسة

جزءًا، والتخصيص بيان ودليل، ولا يشترط [المقارنة] في الأدلة، ولا القصر أيضًا على الألفاظ، ولا يشترط القاطع في المبين، ولا ورود البيان على النص. وإذا كان الاستثناء [جزءًا]، اقتصر على اللفظ واشترط الاتصال. [وهما] يشتركان في امتناع الاستغراق، فلا يصح أن (71/ب) يكون استثناء [مستغرقا]، ولا التخصيص مسقطًا. [وقول] الإمام: (إن الاستثناء مع المستثنى [منه] في حكم الواحد [المسوق] لما يبقى بعد الاستثناء). كلام فيه إشكال، وذلك أن

[الأصوليين] اختلفوا في قول القائل: عشرة إلا خمسة، هل هذا اللفظ عبارة عن خمسة، [أو العشرة] عبارة عن العشرة والخمسة للخمسة، و) إلا) للنفي بعد الثبوت؟ ذهب القاضي [رحمه الله] إلى أن اللفظ [بجملته] عبارة [عما] بقي بعد الاستثناء. قال: ويكون الكلام بسبب الزيادة شيئا آخر، موضوعًا لشيء

آخر، كما تقول: زيد، فيكون للواحد، فتزيد (الواو) و) النون) فيصير للجمع. وقصد [بهذا] أن يفرق بين التخصيص بدليل متصل أو منفصل، فإن كان بدليل متصل، [كان] الباقي حقيقة، وإن كان بدليل منفصل، تناول اللفظ الباقي مجازًا. وكذلك قال في الاستثناء: [إن الكلام] بجملته يصير عبارة عن أمر آخر. [وذهب] غيره من الأصوليين إلى خلاف هذا، [وأن العشرة للعشرة، والخمسة للخمسة]، كما ذكرناه. ويظهر مذهب [القاضي] من وجهين: أحدهما- أنه لو كان الأمر كذلك، للزم أن يكون العربي الذي لا يعرف الحساب إذا قال: عشرة إلا ثلاثة [أن] لا يفهم المدلول من لغته، وهذا غير صحيح.

الثاني- أن الله تعالى إذا قال: {فلبث فيهم ألف سنة [إلا خمسين عامًا]}. فكلام السنين على وفق العلم، والله تعالى إنما علم لبثه تسع مائة وخمسين [عامً]، فجعل هذا عبارة عن ذلك. قال القاضي: فقد وضعت العرب لتسع مائة وخمسين عبارتين: إحداهما- ألف سنة [إلا خمسين]. والأخرى- تسع مائة وخمسين. [والذي] ذكره القاضي ظاهر، والفقهاء مجمعون على [أنه] [إذا] قال له: عندي عشرة إلا درهما، [لم يقر] إلا بتسعة. ولا يقال: أقر بعشرة ثم رفع درهما منها، [هذا لا يصح]. ولكن

إطباق أهل اللسان يظهر منه خلاف هذا، فإنهم يقولون: الاستثناء من النفي إثبات، ومن الإثبات نفي، وحدوه: بأنه [المخرج] من الكلام ما لولاه لكان داخلا فيه. فهذا كلام أهل العربية بجملتهم، ففيه إثبات ونفي. ولو كان عبارة عن [تسعة]، [أعني] في قوله: (عشرة إلا درهما)، لم يكن فيه إثبات ونفي، ولهذا قال الإمام في هذا المكان: (إن المستثنى مع المستثنى عنه في حكم الكلام [المسوق] لما يبقى بعد الاستثناء). ولم يقل هو كلام واحد، وإنما قال: في حكم الكلام الواحد، يعني باعتبار ما يلزم من الإقرار، [وما] يستقر في النفس من حال المخبر عنه. والمسألة غامضة باعتبار اختلاف هذه [الجهات]. [والذي] يصح عندنا فيها الطريق الثاني، ومعنى قوله: له عندي عشرة إلا درهما، معناه: عشرة تنقص درهما، وكذلك الجواب عن الآية وهي قول: {ألف سنةٍ إلا خمسين

هل يدخل العموم الأفعال والحروف؟

(95/ب) عامًا}. معناه: ألف سنة ناقصة خمسين [عاما، ولا نقول: ألف سنة إلا خمسين]، عبارة عن [واحدة] عن تسع مائة [وخمسين]. هذا هو الذب نراه في ذلك. قال الإمام: ([وليعلم] [الناظر] أن ما (72/أ) نذكره في العموم

والخصوص إنما يختص بالأسماء دون الفعال والحروف) إلى آخر المسألة. قال الشيخ [أيده الله]: قوله: [إن ما] [نذكره] في العموم والخصوص. لا يريد أنه لا يثبت عموم الألفاظ، [لأنه] قد تقدم إثبات كلام النفس. وإنما [يعني] ههنا أنا إنما نتكلم على الصيغ الدالة على العموم والخصوص. وإذا تكلمنا في الألفاظ في هذه المواضع، فقد [تقدم] أن الكلمات اللغوية تنحصر في ثلاثة أقسام: أسماء وأفعال وحروف، أما الحروف فكما ذكر، ليس لها معان في [نفسها]، وعموم المعنى بعد ثبوته، وكذلك خصوصه، وأما الأفعال، فلا يلحقها معنى التعميم، ولا التخصيص على

حدهم، [فإنهم] قالوا: [العموم] الشمول، والعام: هو الذي يتناول مسميين فصاعدًا، [يجوز] إفراد كل واحد منهما عن الآخر. والخاص: هو اللفظ الذي ينبئ عن أمر يجوز إدراجه مع غيره تحت لفظ آخر. [وإنما] المشكل عدم عموم [الفعل] وخصوصه. وتمسك الإمام في أنه لا يتصف بالخصوص، لأنه لا يقبل التثنية والجمع. وهذا يستدل به من يقول إنه خاص، ولكنه لما قال: إن الخصوص

(مسألة: لا يمتنع ورود اللفظ العام مع استئخار المخصص عنه إلى وقت الحاجة)

لا يتصور إلا حيث يمكن [التعميم]، [لزم أن يكون الفعل غير خاص، ولكن من أين يلزم أن لا يثبت الخصوص إلا حيث يمكن العموم]؟ [هذه] دعوى محضة، ولكن نحن إنما نعني [في] هذا المكان بالفعل (الفعل الصناعي)، نحو (قام) و) قعد)، وهذا إنما جيء به على الحقيقة للإشعار بزمان الحدث، والإرشاد إلى [مضيه] [أو] حلوله [أو] استقباله، ففهم مقصوده يمنع من شموله، إذ لا مقصود إلا الإرشاد إلى أحد هذه الأزمان، فلا يتحقق فيه شمول المسميات. إذ لا دلالة له على أصل المسميات، فكيف يكون عاما أو خاصا فيها، ولا دلالة عليها؟ قال الإمام: (مسألة: لا يمتنع ورود اللفظ العام مع استئخار المخصص عنه إلى وقت الحاجة) إلى آخر المسألة. قال الشيخ: هذه المسألة بعينها

تقدمت، وأدلتها سبقت. والذي أراده الإمام في هذا المكان غير مفيد،

وذلك أن الذين اشترطوا اقتران البيان، لم يشترطوا إلا اقتران الدليل المخصص، ولم [يلتزموا] أن يكون ذلك الدليل أوضح الأدلة، بل اشترطوا أن يكون الدليل غير متأخر فقط. وقوله: (لو بين ذلك بالنص، [كان] أحرى. [وقد] يقول القائل: قد يتطرق إلى الألفاظ الاحتمال، [وأدلة] العقول لا تقبل ذلك بحال).

[وحاصل] كلام الإمام [أن] البيان بالقول أصلح، ومن اوجب الصلاح لم يوجب الأصلح، فالذي قاله غير لازم للقول بحال. [فالاجتزاء] بما سبق هو الأصل في المسألة. وقد كنا بينا أن أدل الأدلة على الجواز العقلي الوقوع السمعي، ونحن نعلم ضرورة أن الآيات العامة، كالزكاة والسرقة، وحل البيع والنكاح، وغيره من قواعد الشريعة كثيرة مسائلها، وأشكال شروطها، وما يعتبر فيها، مما يستحيل أن يبين وقت الورود. وهذا معلوم بالضرورة والبديهة، وفيه [أبلغ] حجة، [وأوضح] دليل. (72/ب).

(مسألة: إذا وردت الصيغة [الظاهرة] في اقتضاء العموم، ولم يدخل وقت العمل بموجبها)

قال الإمام: (96/أ) (مسألة: إذا وردت الصيغة [الظاهرة] في اقتضاء العموم، ولم يدخل وقت العمل بموجبها) إلى آخر المسألة. قال الشيخ: مذهب الصيرفي أنه يمتنع تأخير البيان عن مورد الخطاب إلى وقت الحاجة. هكذا [حكاه] [عنه أبو حامد]، [وتفريعه] لا يقتضي إلا ذلك. ومعنى قوله: إن [تبين] ذلك، أي إن لم يرد [ما يناقض].

العموم، وإن ورد [مناقض، تغير] العقد. يعني- والله أعلم- أن الوارد [يعد] ناسخا، [فينتفي] الحكم الذي تيقنا ثبوته أولًا، لا وجه غير ذلك. فأما المصير إلى اعتقاد الظهور، وصحة ورود البيان، ثم القطع بالحكم، هذا محال [لا يلتئم] في الفكر على حال. وقول الإمام: (إن أبا بكر يرد على هؤلاء في تصانيفه). هل يرد

عليهم في [عين] المسألة، أو رد عليهم في غيرهم؟ فالرد [عليهم] في غيرها، لا يمنع الموافقة فيها، ولو رد عليهم في عينها، لوجب أن يكون له في المسألة قولان، [ولا وجه] غير ذلك. واشتمال [الفكر] على القطع بالعموم، [وتجويز] إرادة البعض باللفظ في حالة واحدة، [لا] يعقل بحال. وقوله: (والذي نختاره أن [المكلف] قبل أن [يتنجز] العمل يتردد، وقد يغلب غلى ظنه العموم). عبارة ضعيفة، فإن (قد) إذا صحبت الأفعال [المستقبلية]، أفادت تقليلا. [والمفهوم] من هذه العبارة أن الغالب أن المكلف قبل دخول وقت العمل لا يظن، وليس الأمر كذلك إلا عند الواقفية.

وقوله: ([إذا] دخل وقت العمل كان ذلك على وجهين: أحدهما- القطع بالعمل مستندا إلى قرائن الأحوال). وهذا [أيضًا كلام] ضعيف، لأنه إذا اعتمد في حصول العلم على قرائن الأحوال، فهي راجعة إلى حال المتكلم وقت نطقه، فلا [ينظر] في حصول العلم [ودخول] وقت العمل، [لتقديم دليل] الاستغراق قطعا. وقوله: (والثاني-[إلا] تظهر قرائن [يعلم] بها العموم، فيبقى

[الأمر] في العموم [مظنونا]، واعتذر بأن الأعمال لا يشترط فيها الأدلة القاطعة [في ظن] الاستغراق، وإن كنا نعلم العمل، كما نقول في خبر الواحد والقياس، وكل ما [ليس] مقطوعا به). هذا [كلام] ضعيف، وبيان ضعفه: هو أنا وإن قلنا: إن الأعمال تثبت من غير اشتراط أدلة قطعية في [أفراد] المسائل، [بل] يستند العمل عندها إلى الإجماع. لكن يبقى وراء ذلك أمر آخر، وهو أن العموم إنما لم يحصل القطع باستغراقه، لاحتمال أن يكون المتكلم إنما قصد به البعض دون الجميع. هذا هو السبب في عدم حصول العلم. وإنما [هنا] علمنا أنه لم يرد جهة الاحتمال، مع القطع بأصل الدلالة، فيحصل (73/أ) من هذه الجهة القطع

بأنه أراد الاستغراق، إذ لو كان قصد بلفظه الدلالة على البعض، فهذا أمر يفتقر إلى البيان عند الحاجة، فلا يسوغ تأخيره بحال، عند من صوب كل مجتهد، فكيف يجوز أن يبقى يظن الاستغراق، وقد انفصل الزمان، وامتثل المكلف الجميع؟ هذا باطل، على من أحال تأخير البيان، وصوب كل مجتهد. والإمام ممن أحال تأخير البيان عن وقت الحاجة. وإذا كان اللفظ لا يحتمل قطعا إلا إحدى جهتين بأعيانها، فإذا قام دليل قاطع على أنه لم يرد به إحداهما، [بقيت] الجهة الأخرى على قطع. فلا وجه عندي لما قاله الإمام. نعم، هذا يمشي على [مذهب] من يقول المصيب واحد، فإنه يعمل بما غلب على ظنه، وإن أمكن أن يكون الباطن خلافه. وعلى (96/ب) هذا لا [يمتنع] تأخير البيان عن وقت الحاجة. قال الإمام: (مسألة: [اللفظ الظاهر] في العموم إذا اقتضى العقل

(مسألة: [اللفظ الظاهر] في العموم إذا اقتضى العقل [تخصيصه] إلى آخر المسألة

[تخصيصه] إلى آخر المسألة. قال الشيخ: ما ذهب إليه الأصوليون بين في هذه المسألة، ولم يذكر الإمام مستندا للقوم، ويمكن أن يكون مستندهم أن الواضع للغة إذا عقل الأمور، فإنه لا يضع اللفظ دالًا على ما [لا] يعقل، لاسيما إذا قلنا إنها [توقيف] من الله تعالى، فإنه يظهر ظهورًا جليًا أنها إنما تثبت على مقتضى المعقولات. وقد تكلمنا على قريب من هذا في إظهار فائدة الخلاف في اللغة،

[هل] هي اصطلاح أو توقيف؟ . وإذا كان كذلك، كان معنى قوله: {الله على كل شيء قدير}. [أي: على كل شيء] مقدور غيره [قدير]. ولا التفات لكون لفظ الشيء ينطلق على القديم والحادث، ويكون اقتران الاقتدار باللفظ يبين اقتصاره. هذا [وجه مسوغ بين في مقصوده. وأما الذي يلجئنا إلى أن اللفظ يتناول كل شيء، ثم] يفتقر إلى التخصيص بعد ذلك، فلا يقع بخطأ هؤلاء القوم في هذه المسألة. قال الإمام: (مسألة: الصيغة الظاهرة في العموم إذا تطرق إليها

(مسألة: الصيغة الظاهرة في العموم إذا تطرق إليها التخصيص، فقد صار جماهير المعتزلة وطوائف من أصحاب [أبي حنيفة] [إلى] أنها صارت مجملة في بقية المسميات

التخصيص، فقد صار جماهير المعتزلة وطوائف من أصحاب [أبي حنيفة] [إلى] أنها صارت مجملة في بقية المسميات، لا يسوغ التمسك بها إلا أن يرد خطاب بتنزيلها على بقية المسميات، [وبالتعبد والعمل] بموجبها) إلى قوله (وفي تناول البقية مجاز في الاختصاص). قال الشيخ: الكلام في هذه المسألة [يتعلق بطرفين]: [أحدهما-] في الحقيقة والمجاز والإجمال والبيان. [والثاني-] ما يتعلق بالعمل. أما الأول- فقد اختلف الناس (73/ب) فيه [على] مذهبين: الأول-

ما ذهب إليه المعتزلة أنه صار مجملا. والثاني- مذهب الفقهاء والإمام والقاضي: أنه مبين. ثم هؤلاء اختلفوا، هل هو حقيقة، أو مجاز، أو حقيقة تارة، أو مجاز أخرى؟ فذهب أكثر الفقهاء إلى أنه حقيقة. وذهب القاضي إلى الفرق بين أن يكون التخصيص بدليل متصل لفظي، أو يكون على خلاف ذلك. فإن كان بدليل متصل لفظي، فهو حقيقة، وإن كان على خلاف ذلك، فهو مجاز. وذهب الإمام إلى [أنه] حقيقة في تناوله، مجاز في الاقتصار. أما مأخذ المعتزلة، فهو أن اللفظ إذا تعددت دلالته، واستوت نسبته، ولم يقصد جميع المسميات، [وجب]، قالوا: وهذا محقق في العموم

إذا [خصص]، فإن ظاهر اللغة يقتضي استغراقا، وجهة الاستغراق واحدة، وإذا ثبت الخصوص، بطل الاستغراق [المتحد] [الجهة]، ولزم رد اللفظ [إلى جهة المجاز]، وهو الدلالة على البعض. [وإذا] تعددت جهات المجاز، واستوت النسبة، كان ذلك بمثابة [ما لو] [تعددت] الحقائق على استواء النسبة، وامتناع قصد [الجميع]، فلابد في ذلك من الإجمال. والكلام قوي، ونحن نقول: الأمر كذلك إذا لم تغلب إحدى جهات المجاز، أما إذا غلبت [بعرف] [لغة]، أو عادة شرع، لزم أن [تكون] الجهة

الغالبة مصارًا إليها، بعد قيام دليل التخصيص. كما تقدم في قوله: {حرمت عليكم أمهاتكم}. و} حرمت عليكم الميتة}. فإن أهل اللغة كانوا يفقهون قول القائل: حرمت عليه الطعام، أنه إنما يريد أكله، (97/أ) والمرأة إنما يريد وطأها والتلذذ بها، فيفتقر [هنا] إلى دليل يقتضي تغليب بعض الأبعاض على بعض، ولم يثبت ذلك عند المعتزلة. وأما القاضي رحمه الله، فإنه قال: إن كان التخصيص بدليل متصل لفظي، وجب المصير إليه، وكان باقيا على حقيقته، وإن اقتصر على البعض، لأن الكلام باتصال الزيادة، كلام آخر، موضوع لشيء آخر. وقد تقدم كلامنا على هذا قبل ذلك في مسألة الاستثناء. وإن كان التخصيص بدليل منفصل، كان اللفظ مجازًا، [إذ تجريد] النظر إليه يقتضي استغراقًا، باعتبار وضع اللغة، ولم يبق دالًا على ذلك، وكل لفظ دل على غير ما دل عليه عند أهل اللسان بالوضع الأصلي، فهو مجاز. هذا تقرير كلام القاضي. وهذا أصعب شيء على القاضي، فإنه ذهب إلى تنزيله

على ما عدا المخصوص، مع تطرق احتمالات كثيرة. واحتج في ذلك بأن الصحابة رضي الله عنهم كانوا لا يقفون [عن] العمل بالعمومات، إذا تطرق التخصيص [إليها]. وهذا لا يصح من القاضي في العموم، [لأنه] [لا ينكر] دلالته قبل أن يثبت تخصيصه، [وينكر] [الإجماع] على ذلك أشد الإنكار، فكيف يسوغ منه أن يدعي الإجماع على العمل بعد التخصيص، والعموم إذا ثبت خصوصه ضعيف في نفسه؟ [فهو] ينكر الإجماع عندما يكون العموم قويًا، فكيف حاله عندما (74/أ) يضعف بالتخصيص؟ وحجته أنه وجده [يستعمل] تارة للاستغراق، وتارة للبعض، والمصير إلى الحوالة على [القرينة] في إحدى الحالتين دون الأخرى، تحكم من غير دليل، يعارضه عكسه من غير ترجيح. وهذا المسلك بعينه يجري فيه إذا

خصص، فإنه قد يقصر تارة على الكثير، وتارة على القليل، وتارة على [المتوسط، فلا] يجري على قاعدته إلا [طرد] الوقف، أو يكون القاضي له قول آخر بإثبات صيغ العموم، ويكون هذا منه تفريعا على ذلك القول، أو يكون تكلم على التفريع على [مذهب] المعممين. وهذا قد تأوله بعض الناس عليه، [وهو] ضعيف جدًا، إذ كيف يقول: أجمع المسلمون على العمل بالعموم بعد التخصيص، محتجًا به على إبطال الإجمال، وهو لا يرى ذلك على حال، ويغلط مدعي الإجماع على العمل قبل التخصيص، وينسبه إلى الغفلة والجهالة؟ فلا يصح في هذا عندي إلا وجه واحد، وهو أن يكون القاضي يرى القول بصيغ العموم، فيكون فيكون هذا طريقًا صحيحًا، وتفريعًا مستقيمًا، ويكون قد رجع إلى [قول] الفقهاء في معرفة أحوال الصحابة من العمل بالعمومات، إذا لم توجد الأدلة المخصصة، ويكون

الإجماع عند قيام الدليل على التخصيص، اقتضى الاعتماد فيما وراء ذلك. فأما قول الإمام إنه: ([اجتمع] في اللفظ موجب الحقيقة والمجاز). فكلام ضعيف، وقد نقضه على نفسه في كتاب التأويلات. وقال: لما قال أصحاب أبي حنيفة: قوله - عليه السلام -: (لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل). هو عام في جميع أنواع الصوم، إلا أنه يحمل [في] بعضها على الأجزاء، وفي بعضها على الكمال، رد ذلك بقوله: (فإن الإنسان الفصيح [ذا الجد] لا [يطلق] لفظة [واحدة]، وهو يبغي حقيقتها من وجه، [ومجازها] من وجه). وقد التزم هو ذلك في الكتاب (97/ب) والسنة [جميعًا، فكيف يصح أن يسلب الفصاحة عن الكتاب والسنة؟ ].

وقوله: (لو أفنى] الطالب عمره مكبًا على الطلب [الحثيث]، لم [يظفر] [بعام] شرعي [لم] يتطرق إليه [التخصيص]). هذه مبالغة، وإلا [ففي] كتاب الله عز وجل: {فأعلم أنه لا إله إلا الله}. و} وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا}. و} الله لا إله إلا هو الحي القيوم}. وغيره، ولكن المراد المبالغة في ذلك. وكونه يقول: (إن تناوله لبقية المسميات لا تجوُّز فيه، واقتصاره عليها وانحصاره فيها، جهة في المجاز). هذا الكلام ضعيف، وذلك أنه إذا ثبت أن وضعه الاستغراق والشمول، فهذه جهة متحدة، لا تقبل التعدد بحال، فإذا لم يشمل، فقد خالف الوضع، وصير إلى جهة المجاز، وهي متعددة. وإنما وقع للإمام هذا الوهم، من جهة أنه قدر استرسال اللفظ على المسميات، استرسالًا لا يضاهي مدَّ الأجرام بعضها على بعض، فإذا أزيل الساتر عن بعضها، بقي

(فصل- قد ذكرنا أن الأولى [تقديم] كلام يحوي حقيقة النص والظاهر والمجمل [والمفسر] والمتشابه [والمحكم) إلى قوله () فإذا وجد فجوة نص)]

ساترًا لما بقي تحته من غير تغيير. وليس تناول اللفظ للمسميات على هذا النحو بحال، بل الجهة متحدة، كما قررناه. قال الإمام [رحمه الله]: (فصل- قد ذكرنا أن الأولى [تقديم] كلام يحوي حقيقة النص والظاهر والمجمل [والمفسر] والمتشابه [والمحكم) إلى قوله () فإذا وجد فجوة نص)] (74/ب) وهذا الآن كاف في معنى النص). قال الشيخ: قد بينا أن الألفاظ لا تخلو من أن تكون مفهومة المعنى بوضع اللغة، أو لا تكون مفهومة المعنى، ونعني بذلك بعد ما تقرر كونه كلامًا. وقد قدمنا سؤالا على ذلك، إذ حددنا الكلام: بأنه المفيد، [ثم] قلنا:

ومن [جملته] المجمل: وهو الذي لا يدرك معناه، وأجبنا عن ذلك. فاللفظ إن لم يفهم معناه بوضع اللغة، فهو المجمل، وإن فهم، فلا يخلو: إما أن يقطع بالمفهوم منه، أو يظن، فإن قطع به، فقد اتحدت جهة الدلالة، وإن لم يقطع به، بل ظن ذلك ظنًا، [فهو] بالإضافة إلى المعنى المظنون يسمى ظاهرًا، وبالإضافة إلى المعنى الخفي يسمى مؤوَّلًا، فانحصرت الألفاظ اللغوية في النصوص والظواهر والمجملات. فأما النص: فلفظ [مشترك] في عرف الأصوليين، يطلق على ما لا يتطرق إليه [تأويل، وهو الأشهر الأبعد عن الاشتراك. ويطلق [على] ما يتطرق إليه] احتمال، وسواء عضد بدليل، أو لم يعضد. هذا هو الذي ذكره [الشافعي]. وهو اختيار القاضي. وهذا هو طبق اللغة، فإن النص في اللغة

معناه: الظهور، يقال: نصَّت الظبية رأسها، إذا رفعته. وقال بعض الأصوليين: النص [ينطلق] على ما لا يقبل التأويل، وعلى ما لا يتطرق إليه تأويل، غير مقصود بدليل، أما إذا عضد بدليل، خرج عن كونه نصًا. وهذه اصطلاحات قريبة، والمعنى المهم معرفة تطرق الاحتمال وانقطاعه. هذا [هو] الذي يحتاج إلى معرفته على الحقيقة. فاللفظ قد يكون نصًا بوضع اللغة، وقد يكون نصًا بالقرينة. فأما ما ذكره الإمام: (من اعتراض [من اعترض] بالفحوى، فإنها تقع [نصًا]، وإن لم يكن لفظًا، وجوابه: بأنها ليست مستقلة [بنفسها]). فليس

هذا جوابًا على الحقيقة، فإن الفحوى ليست لفظًا. [نعم]، لها استناد إليه كما يستند المفهوم، ولكن ليست متلفظًا بها.

وقول بعضهم: (استوى [ظاهره] وباطنه). يشير بالباطن (98/أ)

معنى الظاهر

إلى المفهوم، وإلا فليس للفظ ظاهر [ولا] باطن على الحقيقة. قال الإمام: ([وأما] الظاهر، [فقد فقال] القاضي

[أبو بكر]: [هو] لفظة معقولة [المعنى] إلى قوله ([فالاستمساك به] تعلق بالظاهر، وتركه في حكم التأويل). قال الشيخ: [ما ذكره

الإمام] من [الاعتراض] على القاضي غير صحيح عندي، ولم يزل اللفظ على ظهوره في المسائل التي ذكرها، بالنظر إلى أصل [اللغة]، وإنما صير [إلى جهة] [المجاز] فيما ذكره، لأدلة ظاهرة جلية. وانصراف اللفظ عن أصل موضوعه إلى جهة مجازه بالدليل، لا يخرجه عن كونه [ظاهرًا]، لاسيما إذا كان الدليل جليًا واضحًا. وقد تقدم للإمام ما يدل على هذا في الصيغة الظاهرة إذا اقتضى العقل تخصيصها، فإنها تكون مخصصة بدليل العقل، ولا يخرجها ذلك عن كونها ظاهرة، وإن كان العقلاء لا يفهمون منها جهة ظهورها، وكذلك يكون عرف استعمال أهل اللغة أو عرف الشريعة دليلًا يخرج اللفظ عن ظهوره، ويوجب المصير إلى جهة احتماله، ولا يسلبه ذلك اسم الظهور [عنه].

قال الإمام: (ثم الظهور] (75/أ) قد يقع في الأسماء) إلى قوله ([فهذه] معاقد تفصلها التأويلات). قال الشيخ: قد تقدم في معاني الحروف أن سيبويه قال: وإن استعملت (إلى) قرينة (من) كانت للحد، ولم يدخل الحد في المحدود، وإن لم تستعمل مع (من)، احتمل أن تكون للغاية، واحتمل أن تكون بمعنى (مع). ولم يقل إنها أظهر في أحدهما. وقد قال الإمام: إنها في قوله تعالى: {وأيديكم إلى المرافق}. بمعنى (مع)، ولم يدل على ذلك. فإن كان ذلك لدليل خاص، فلا مناقضة بينه

معنى المجمل

وبين هذا الكلام. وإن كان اقتصارًا على محض [ورود الآية، فهو هذا]. قال الإمام: ([فأما المجملات]، فقد يطلق المجمل على العموم [في قولك: أجملت الحساب، إذا جمعت آحاد [وأدرجتها] تحت صيغة جامعة لها) إلى فقوله] (والتفصيل محال [به] على باب

التأويلات) قال الشيخ: ما ذكره [من جهة بيان] الإجمال واضح، وحاصله أن ما للحكم به تعلق بوجه من الوجوه، قد [يتبين] ذلك الوجه، وقد يكون أمره ملتبسًا، فتتعدد جهات الإجمال، بالإضافة إلى تعدد متعلقات الحكم. غير أن الكلام جرى فيه نوع من التجوز، وهو قوله: قد يكون الحكم [مجملًا]. ومثله بقوله: {وءاتوا حقه يوم

حصاده}. ليس الحق المجمل حكمًا، وإنما الحكم وجوب أداء الحق، فإن الحكم قد تحقق أنه يرجع [إلى] الخطاب، و) الحق) إنما هو العشر [أو] نصفه، وهذا لا يتصور أن يكون خطابًا، ولا يصح أيضًا أن يكون متعلق الحكم، فإن العشر أو نصفه ليس من أفعال المكلفين، فقد جرى في الكلام تجوز كثير. وكذلك أيضًا قوله لفلان: (في بعض مالي حق). جعل أيضًا [الحق] حكمًا. وأما قوله: (إذا قال لنسائه: إحداكن طالق، أن الحكم الطلاق). فهذا الكلام [أيضًا] محتمل، [إن أراد بالطلاق قول الزوج: إحداكن طالق، فهو غير صحيح، إذ قول الزوج ليس بحكم]، وإن أراد الطلاق الذي حكم الشر عبه عند قول الزوج، فصحيح. وأما كون المشترك مجملًا. فقد تقدم الكلام عليه مبسوطًا.

وقوله: (ومن وجوه [الإجمال]: أن يكون اللفظ لو فرض [الاقتصار] عليه، [كان مفهومًا]، ولكنه [وصل] باستثناء (98/ب) مجهول)، ومثله بالآية. فهو كلام صحيح، لأنه إذا كان المخرج غير معلوم، لم يعلم المنفي. وهذا قول قد يتفق أن يكون المخرج نسبته إلى سائر المنفي نسبة واحدة، فهذا يصير جميع الباقي مجملًا، وقد يكون التردد في البعض، فيكون ذلك البعض مجملًا خاصة، ويبقى الأول على بيانه. مثاله: ما لو قال: أكرم الناس إلا رجلًا من بني تميم، معينٍ عند الآمر، فمن سوى بني تميم [على] ظاهر التعميم في الإكرام، وإنما التوقف في بني تميم على الخصوص. والقسم المذكور بعده راجع [إلى هذا]، وهو أن يعلم أنه لابد من إخراج صورة من العموم، ولم تتعين، فيبقى على الإجمال في

البقية، حتى [يتعين] ما اقتضى العقل إخراجه، كالقسم الذي قبله. فأما قوله تعالى: {وأحل الله البيع [وحرم الربوا]}. فقد اختلف الناس أولًا: هل هو عام أو خاص؟ للتردد في أن (الألف) و) اللام) للعهد [أو للجنس]؟ [فإذا] جعلت للعهد، وهو البيع الذي عرفت شروطه، لم يكن قوله: {وحرم الربوا} لا استثناء ولا تخصيصًا، بل استئناف جملة أخرى. وإلى هذا ذهب كثير من أصحابنا. وقال قائلون: (الألف) و) اللام) للجنس، إذ لم يتقدم منكر ينعطف التعريف عليه. وعلى هذا ينظر نظرًا [آخر، ] وهو أن البيع، هل تصرف الشرع فيه، حتى يكون الاسم ينصرف إلى الجنس المشروع؟ على حسب ما مر في قوله: (لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل). فيه للعلماء خلاف.

ولقد اختلفوا فيمن حلف: [أن لا] يبيع، فباع الخمر، هل يحنث [أو لا يحنث]؟ فذهب قوم إلى أنه يُسمَّى بيعًا، وأنه يحنث. وقال قائلون: لا يحنث، إذ ليس ببيع، والبيع هو البيع الشرعي. وقال مالك رحمه الله: يحنث إن باعها (75/ب)، وإن حلف ليبيعن، لم يبر ببيعها. وهذا القول صعب، لأنه لم يتمسك بالإطلاق اللغوي، ولا [نزل] الأمر على البيع الشرعي. ولكنه بناه [على] أصله، [من الاحتياط] فيما يتعلق بالبر والحنث في الأيمان، فلا يبر إلا بما لا إشكال فيه، ويحنث عند إمكان الحنث احتياطًا. وكذلك جرى له فيمن حلف

ليأكلن هذا الرغيف، لم يبر إلا بأكل جميعه، وإن حلف أنه لا يأكله، حنث [بأكل اليسير منه]. و [اعتمد أصحابه في ذلك طريقين: أحدهما]- أنه إذا حلف ليأكلنه، فكل جزء محلوف على إيقاع الكل فيه، [فإذا] حلف أن لا يأكله، فكل جزء محلوف على أنه لا يوقع فيه أكلًا. وقال قائلون: إنما بنى الأمر فيهما جميعًا على الاحتياط، [برًا] وحنثًا. ونظير هذا أن الله تعالى لما حرم ما نكح الآباء من النساء، حرمت من وطئها الأب على ابنه وطئًا صحيحًا أو فاسدًا، وكذلك بالعقد دون الوطء. ولما قال الله تعالى في المطلقة ثلاثًا: {فلا تحل له}. أي للزوج المطلق} حتى تنكح زوجًا غيره}، لم يحلها مجرد العقد دون الوطء، فإنه قال - عليه السلام - فيها:

(لا حتى تذوق العسيلة). فاشترط عند الحل كمال الوطء، ولم يشترط ذلك في التحريم. هذا [توجيه] ما قاله مالك رحمه الله. وإذا قلنا: إن الشرع ليس له تصرف في لفظ البيع، [وأنه] باقٍ على أصل الوضع اللغوي، فقد امتنع إبقاؤه على ظاهره بلا شك، فإن الله تعالى [قد] حرم بيوعا، منها بيع الربا، فقد استثنى [مجهولا]، فإن الربا: الزيادة، ولا تحرم كل زيادة. ولكن هل ينعكس هذا الإجمال على جميع ما تضمنه (99/أ) أول المقال حتى يكون بمثابة قوله: {إلا ما يتلى عليكم}؟ أو ينعكس الإجمال على بعضه دون بعض، حتى يكون كقول القائل: أكرم الناس إلا رجلا من بني تميم أعينه لك؟ هذا موضع اختلاف الإمام والشافعي. ورأى الشافعي أنه من القبيل الأول، وقال الإمام: بل من الثاني. وحجته أن الربا: الزيادة، ولا تحرم

معنى المحكم والمتشابه

[كل] زيادة، [فإذا] وقع البيع غير مشتمل على زيادة، فهو مندرج تحت الظاهر، ولم يرجع إليه إجمال بحال. ولمذهبه وجه بين. ومعتمد القول الآخر: أن الزيادة في الشرع لا ترجع إلى المحسوسة، اقتصارا عليها، فإنه قد حرم في بيع الطعام بالطعام الأجل، وإن اختلف الجنس، وعُدَّ ذلك من أبواب الربا. فإذا كانت الزيادة، [فقد] تكون حسية، وقد تكون معنوية فالله تعالى أعلم بها. ويدل على صحة هذا القول (أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزلت هذه الآية تلاها على المنبر، وحرم التجارة في الخمر). ويظن من التلاوة والتحريم عقيبها الاستدلال. وليس لكون بيع الخمر محرما، بنا على الربا الحسي، بل [لأنه] أخذ الثمن زيادة بلا مقابل، فيصح بهذا أن يكون كل بيع لا مقابل للعوض، أو المعوض فيه، من أبواب الربا، وله وجه بين. فعلى هذا ينعكس الإجمال على [أول] المقال. قال الإمام: (فأما [المحكم والمتشابه]) إلى (76/أ) قوله

(والمتشابه: [هو] المجمل، وقد سبق معناه). قال الشيخ: الكلام في المحكم والمتشابه، [إما] أن يرجع إلى أصل وضع اللغة، [وإما] أن يكون على ما قصده الله [تعالى] في كتابه. فأما ما يتعلق منه بالكتاب، فيرجع إلى علم التفسير. [والمحكم] في اللغة: هو المتقن، [ومنه قوله تعالى: {منه ءايات محكمات}]، أي منه آيات [متقنات] مبينات مفصلات، } وأخر متشابهات}، أي يشبه بعضه بعضا. هذا هو الاشتقاق من حيث

اللغة. واختلف علماء التفسير في المراد بهما في القرآن: فقال قتادة والربيع [والضحاك] والسدي: المحكم: الناسخ الذي يعمل به،

والمتشابه: المنسوخ الذي [يؤمن] به، ولا يعمل به. و [هي رواية عطية عن ابن عباس]. وروي عن ابن عباس أيضًا أنه قال: (محكمات القرآن: ناسخه، وحلاله، وحرامه، وحدوده، وفرائضه، وما [يؤمن] به ويعمل به. ومتشابهه: منسوخه، ومقدمه، ومؤخره، [وأمثاله]، وأقسامه، وما [يؤمن] به، ولا [يعمل] به). وروي عن ابن عباس أيضًا في قوله [تعالى]: {ءايات محكمات}.

قال: هي الثلاث الآيات في سورة الأنعام: {قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم .. } إلى آخر [الثلاث] الآيات. ونظيرها في سورة بني إسرائيل: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه}. وقال مجاهد وعكرمة: المحكم: ما فيه من الحلال والحرام، وما سوى ذلك متشابه يصدق بعضه بعضا. وروي عن محمد بن جعفر بن الزبير أنه قال: المحكم: ما لا يحتمل من التأويل غير وجه واحد. والمتشابه: ما احتمل من التأويل أوجها. وهذا هو الذي اختاره الإمام. وقال ابن زيد: المحكم: ما ذكره الله تعالى في كتابه من قصص

الأنبياء، ففصله وبينه [لمحمد]- عليه السلام - وأمته، كما ذكر قصة نوح - عليه السلام - في أربع وعشرين آية، وقصة هود - عليه السلام - في [ثماني] آيات، وإبراهيم - عليه السلام - في [ثماني] آيات، ولوط - عليه السلام - في [ثماني] آيات، وشعيب - عليه السلام - في ثلاث [عشرة] آية، وموسى - عليه السلام - في آيات كثيرة، وذكر حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في أربع وعشرين (99/ب) آية. [والمتشابه: ] هو ما [اختلفت] فيه الألفاظ من [قصصهم] عند التكرار، كما قال [تعالى] في قصة نوح: {قلنا [أحمل]}. وقال في

موضع آخر: {(فأسلك] فيها}. وقال في ذكر موسى: {فإذا هي حية تسعى}. وقال في [موضع] آخر: {[فإذا هي] ثعبان مبين}. وقال بعضهم: المحكم: ما عرف العلماء تأويله وفهموا معناه. والمتشابه: ما ليس لأحد من العلماء [إلى] فهمه سبيل، [مما] استأثر الله تعالى بعلمه، [كالخبر] عن [وقت] خروج الدجال، ونزول عيسى - عليه السلام -، وطلوع الشمس من مغربها، وقيام الساعة، وفناء الدنيا ونحوها. وقال [ابن فاتخة]: المحكم: أوئل السور، منها يستخرج القرآن.} آلم (1) ذلك الكتاب} منها استخرجت البقرة، و} آلم (1) الله .. }

منها استخرجت آل عمران. وقال ابن كيسان: المحكمات: حججها واضحة، ودلائلها لائحة لمن سمعها إلى طلب معانيها. والمتشابه: (76/ب) هو الذي يدرك علمه بالنظر، ولا يعرف العوام تفصيل الحق فيه من الباطل. وقال بعضهم: المحكم: ما اجتمع على تأويله. والمتشابه: [ما] ليس فيه بيان قاطع. وقال أبو عثمان: المحكم: فاتحة [الكتاب] التي لا تجزئ الصلاة [إلا] بها. وقال محمد بن الفضل: هي [سورة] الإخلاص، لأنه ليس فيها إلا التوحيد فقط. وقيل: المتشابه: [أمر] القدر. وهذا ضعيف، لأن أمر

القدر منكشف عند العلماء بأدلة العقول. واعلم أن القرآن كله محكم، بمعنى الإتقان والنظم، وحسن الترتيب، وثبوت الفصاحة والبلاغة، والانتهاء إلى أقصى درجات الجزالة. [ومتشابه] من وجه، أي يشبه بعضه بعضا، ويصدق بعضه بعضا.} ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيًرا}. وقد روي [عن] ابن عباس أن المتشابه: حروف [التهجي] في أوائل السور. [وله] قصة مع حيي بن أخطب لم [أذكرها]. [هذه] أقاويل [أهل التفسير] من أهل العلم والسنة. وأما واصل بن عطاء ............................................

والأصم، فأهل بدعة وضلال، فلا معنى للاشتغال بنقل مذاهبهم في التفسير، فإنهم فسروا بناء على قواعد فاسدة. وأما إذا [جرى] الكلام في المحكم والمتشابه في غير القرآن، فالمحكم: المتقن، ويستحق اللفظ أن يكون متقنا بحسن نظمه ودلالته، وسواء كان ظاهرًا أو نصًا، إلا أنه إذا قطع بمعناه، كان أبلغ في بعده عن الاشتباه باعتبار المعنى. والمتشابه إما أن يرجع إلى المتلبس باعتبار معناه، أي اشتبهت نسبته إلى المعاني المتعددة التي لا تجتمع. ويصح أن يكون متشابها، أي مستوي النظم، حسن السياق. هذا معنى الفظ بالنظر إلى مطلق الوضع، وقد ذكرنا التفسير. [قال الإمام]: (فإن قيل: هل بقي في كتاب الله [عز وجل] وقد استأثر

الله برسوله [صلى الله عليه وسلم] [مجمل]؟ ) إلى آخر المسألة. قال الشيخ: وجه الإمام [سؤالا]، [وهو] أنه هل بقي في القرآن مجمل؟ فأجاب باستحالة ذلك في التكاليف، وهذا جواب حسن، مفرع على وجوب [البيان] في الأحكام. وأما الكلام الثاني، فليس فيه جواب عن السؤال على الحقيقة، لأنه أجاب بأن ذلك جائز في العقل، ولم يرد سمع [قاطع] بنفيه، فلم يبق (77/أ) سوى التجويز. [والسائل] إنما [سأل] عن الوقوع،

ولنتكلم نحن على الوقوع، وقد اختلف الناس فيه. فذهب ذاهبون إلى أنه لم يمت الرسول صلى الله عليه وسلم وبقي في كتاب الله كلمة إلا [وقد فهم] معناها، [وجعلوا] في (100/أ) قوله تعالى: {والراسخون في العلم}. (واو) العطف، ومعناه: أن الله تعالى يعلم تأويله، ويعلمه الراسخون في العلم، ومع علمهم يقولون: آمنا به. [وهذا قول مجاهد، والربيع، محمد بن جعفر بن الزبير. ويكون قوله: {ويقولون ءامنا به}]، أي قائلين: آمنا به. واحتجوا بأن الله تعالى لم ينزل كتابه إلا ليعمل به، ويفهم معناه. قال الله تعالى: {كتاب أنزلنه إليك مبارك ليدبروا ءايته}. وقال: {[بلسانٍ] عربي

مبين}. والمبين: الظاهر. وقال: {[بكتب] فصلنه على علم}. فوصف جميعه بالتفصيل والتبيين. وقال تعالى: {لتبين للناس ما نزل إليهم}. ولا يجوز أن يبين ما لم يعلم. وإذا جاز أن يعرفه الرسول، [فالرسول]- عليه السلام - لم يكتم من العلم عن الأمة شيئا من فهم كتاب ربه تعالى. ولأن المفسرين لم يتوقفوا عن شيء في القرآن لم يفسروه، ذهابًا منهم إلى [أنه] لا يعلم تأويله إلا الله. وكان ابن عباس يقول: (أنا ممن يعلم تأويله). وقال آخرون: (الواو) في قوله تعالى: {والراسخون في العلم} للاستئناف وتم الكلام، والقطع عند قوله [تعالى]: {إلا الله}، [أي: ]} وما يعلم تأويله إلا الله}، واستأنف} والراسخون في العلم يقولون ءامنا [به]}.

[وهذا] قول عائشة [رضي الله عنها] وعروة بن الزبير، ورواه طاووس عن ابن عباس. [واختار] الكسائي والفراء والفضل بن سلمة ومحمد بن جرير: أن الراسخين لا يعلمون تأويله، ولكنهم يؤمنون به. والآية راجعة -

(مسألة: عموم الكتاب، هل [يخصص] بالخبر الناص الذي [ينقله] الآحاد)؟

على [هذا] التأويل- إلى العلم بمدة أجل الدنيا، ووقت القيامة وفناء الدنيا، ووقت طلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى [ابن مريم]- عليه السلام -، وخروج الدجال، ويأجوج ومأجوج، وعلم الروح ونحوها، مما استأثر الله تعالى بعلمه، ولم يطلع عليه [أحدا] من خلقه. وهذا القول أشبه. وقد وقف الخلق عن معرفة أجل الساعة وغيرها. قال الله تعالى: {ويسئلونك كأنك حفى عنها}. [والله تعالى أعلم]. قال الإمام: (مسألة: عموم الكتاب، هل [يخصص] بالخبر الناص الذي [ينقله] الآحاد)؟ إلى آخر المسألة. قال الشيخ: اختلف الناس

في تخصيص عموم الكتاب بخبر الواحد على أربعة مذاهب: فقال بتقديم العموم قوم، وبتقديم الخبر قوم، وبتقابلهما والتوقف إلى دليل آخر قوم. وقال قوم: إن كان العموم مما تطرق [إليه] التخصيص بدليل قاطع، فالخبر أولى، لأنه قد ضعف بالتخصيص وصار مجازًا، وإلا فالعموم أولى، وإليه ذهب عيسى ابن أبان. [واحتجوا [بمسلكين: أحدهما- ما ذكره الإمام، وعليه أوجه من الكلام: [أحدها]: أن دخول الصورة التي تضمنها الخبر لا يقطع بدخولها تحت العموم، بل يستند إلى

ظهور صيغة العموم (77/ب)، وقد أنكره الواقفية، وزعموا أنه [مجمل]، فكيف ينفع [كون] أصل العموم مقطوعا ب فيما لا يقطع بكونه مرادا بلفظ الكتاب؟ الثاني- أنه لو كان ثابتا قطعا، للزم تكذيب [الراوي] إذا رواه مخصصا، ولا شك في إمكان صدقه. فإن قيل: لو نقل النسخ، فصدقه أيضًا ممكن، ولا يقبل. قلنا: لا جرم لا يعلل بكون الآية مقطوعًا بها، لأن دوام [حكمها] إنما يقطع به، بشرط أن لا يرد ناسخ، فلا يبقى القطع مع وروده، لكن الإجماع منع من نسخ القرآن بخبر الواحد، [ولا مانع من التخصيص]. الثالث- أن براءة الذمة قبل ورود السمع [مقطوع] بها، ثم ترفع بخبر الواحد، [لأنها] مقطوع (100/ب) [بها]، بشرط أن لا يرد سمع مغير. وماء البحر مقطوع بطهارته، إذا جعل في كوز، لكن بشرط أن لا يخبر عدل

بوقوع نجاسة فيه. كذلك العموم ظاهر في الاستغراق، بشرط أن لا يرد خاص. الرابع- أن [وجوب] العمل بخبر الواحد مقطوع به بالإجماع، وإنما الاحتمال في صدق الراوي، ولا تكليف علينا في اعتقاد صدقه، فإن سفك الدم وتحليل البضع واجب بقول عدلين، مع أنا لا نقطع بصدقهما. المسلك الثاني [لهم]: قولهم: إن خبر الواحد، إما أن يكون نسخا، وإما أن يكون بيانا، فإن كان نسخًا، فلاشك في رده، وإن كان بيانًا، فمحال، إذ البيان ما يقترن بالمبين، ويلقيه الشارع إلى [عدد] التواتر، حتى تقوم الحجة به. [قلنا: ] [هو للبيان]، ولا يجب اقترانه، كما قدمناه. وأما كونه لابد أن يلقيه [لعدد] التواتر، فذلك غير لازم، وإنما يفتقر

إلى القاطع في رفع القاطع. وأما [ما] يظن دخوله تحت اللفظ، فلا يجب ذلك في. وأما من قدم الخبر، فقد ذكر الإمام حجتهم في ذلك، وهو أنهم استندوا إلى إجماع الصحابة على التقديم، فمنعوا نكاح المرأة على عمتها، وعلى خالتها، بما رواه أبو هريرة من النهي عن ذلك. [ورفعوا] عموم آية

الوصية بقوله: (لا وصية لوارث). وهذا الذي ذكروه من إجماع الصحابة غير مسلم، وقد ردت فاطمة [قول] أبي بكر [رضي الله عنه] في منعها الميراث [حتى] روى عن النبي [صلى الله عليه وسلم] أنه قال: (لا يقسم ورثتي دينارا ولا درهما، ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤنة عاملي، فهو صدقة). وقوله: (إنهم كانوا يعملون بالخبر في تفسير مجملات القرآن). هذا مسلم، لأن المجمل لا يتلقى منه حكم، حتى يكون خبر الواحد يناقضه، بخلاف العموم، فإن الحكم ثابت، تلقيًا منه، قبل أن يروى الخبر. فهذا ضعيف. وقد [تمسك] هؤلاء [أيضًا]: بأنا إذا أعملنا خبر الواحد في

تخصيص عموم الكتاب، فقد جمعنا بين الدليلين، وإذا أعملنا العموم، عطلنا الخبر، ولا يجوز تعطيل الدليل مع إمكان إعماله بحال. وهذا وهم وزلل، وذلك أنهم إذا أعلموا الخبر، فقد أسقطوا عمل العموم في محل المعارضة، إذ التضاد حاصل، وإعمال المتضادين محال. فلو قدر على إعمال الدليلين، لم يجز التعطيل لأحدهما بوجه. والذي نختاره (78/أ) في هذه المسألة العمل بخبر الواحد النص، [لا] لأن الإجماع [ينقله] في ذلك، ولكن لحصول غلبة الظن في الحكم الثابت على المكلف، [فإن] الأمر منحصر في أن يكون الحكم على مقتضى العموم، أو على مقتضى الخبر، [فإذا] أنحسم القطع، وبقي الأمر مناطًا بغلبة الظن، فإنا على بصيرة من أن سكون النفس إلى قول العدل أغلب، من سكونها إلى اندراج الصورة المخصصة تحت العموم، فإن غلبة الظن تقوى على

تقدير ضعف الاحتمال المقابل لها، ويقوى بضعف الظاهر. [والظن تطرق] إلى قول العدل، وتعذر القطع، بالنظر إلى احتمال الكذب عمدًا أو سهوًا. [فهذا هو الذي منع من القطع به، [والظن تطرق] إلى العموم باعتبار تطرق التخصيص إليه. وقل من العمومات ما بقي على عمومه. وقل من العدول من اطلع على كذبه سهوًا أو عمدًا]. فإذًا قد ضعف في جانب العدل الاحتمال المعارض للصدق، وقوي في جانب العموم وجدان التخصيص، فلا يخفى أن غلبة الظن بصدق الراوي، تزيد على غلبة الظن، باشتمال العموم على الصورة المعينة، لاسيما إذا كانت تلك الصورة نادرة قليلة، كميراث فاطمة، بالإضافة إلى آية المواريث. وكذلك مسألة [القاتل] (101/أ) في المواريث أيضًا. ذا هو الصواب عندنا. [والله أعلم]. وهذا الكلام يأتي على تفصيل عيسى بن أبان الذي فرق بين أن يكون العموم [تطرق] إلي التخصيص [أم لا]. قال الإمام: (مسألة: اضطراب الناس في تخصيص عموم الكتاب

(مسألة: اضطراب الناس في تخصيص عموم الكتاب بالقياس على النحو المتقدم)

بالقياس على النحو المتقدم) إلى آخر المسألة. قال الشيخ: اختلف الناس في تخصيص عموم الكتاب بالقياس على خمسة مذاب: فذهب قوم إلى تقديم العموم، وإلى تقديم القياس قوم، وإلى [تعارضهما] وطلب دليل آخر قوم، وفرق قوم بين أن يكون العموم مما تطرق إليه التخصيص، أو كان باقيًا على عمومه، فإن [تطرق] إليه التخصيص، قدم القياس عليه، وإلا قدم

العموم. وهذا قول عيسى بن أبان. وفرق قوم بين جلي القياس وخفيه، فقدموا الجلي، وأخروا الخفي. واحتج القائلون بتقديم العموم بثلاثة أوجه: أحدها- أن العموم أصل، والقياس فرع، فكيف يقدم الفرع على الأصل؟ وعليه سؤالان: أحدهما: أن هذا القياس ليس هو فرع العموم الذي عارضه، وإنما هو فرع أصل آخر. والنص قد يخصص العموم بلفظه، وقد يخصصه بمعقول لفظه. فإذا خصصنا بقياس الأرز على البر عموم قوله: {وأحل الله لبيع وحرم الربوأ}، لم يخصص الأصل بفرعه، فإن الأرز فرع حديث البر، لا فرع [آية إحلال] البيع. الاعتراض الثاني: أنه يلزم منه إلا يخصص عموم القرآن بخبر الواحد، لأن خبر الواحد فرع. وهذا يتوجه على من اعترف بتخصيص العموم بخبر الواحد، وإن منعه مانع أثبتناه بما سبق. [والوجه الثاني] (78/ب) لهم: أنهم ..............................

[قالوا]: إنما يطلب بالقياس [حكم] ما ليس منطوقا به، [فما هو منطوق به، كيف يطلب حكمه بالقياس؟ والجواب: أنه ليس منطوقا به] نطقا صريحا، بل [يظن] على بعد. فإذا ورد القياس مخصصا، لم يبق عليه ظن من دخول الصورة المعينة تحت العموم. فما خصه من خصه، وهو [معترف] باندراجه تحت [عموم] الكتاب بحال. فإن العموم إذا أريد به الخصوص، كان نطقا بذلك القدر، اقتصارا عليه. والدليل على لك: جواز تخصيص العموم بالعقل. ودليل العقل لا يجوز أن يخالف النص بحال. لأن الأدلة لا تتعارض. فإن قيل: فما أخرجه العقل، عرف أنه لم يدخل تحت العموم. قلنا: كذلك نقول: ما أخرجه القياس، يبين أنه لم يقصد بالعموم، ولا فرق. الوجه الثالث [لهم]: قالوا: إن رسول الله صلى الله علي وسلم قال لمعاذ: (بم تحكم؟ قال: بكتاب الله. قال: فإن لم تجد؟ [قال]: بسنة رسول الله

[صلى الله عليه وسلم]. قال: فإن لم تجد؟ قال: اجتهد رأيي). فجعل الاجتهاد مؤخرًا، فكيف يقدم على الكتاب؟ الجواب: أن كونه مذكورًا في الكتاب، ينبني على كونه مرادًا بالعموم، وهو محل التردد، بعد ورود القياس. ثم أنه كان يلزم- لو لزم هذا [الترتيب]- أن يقدم عموم الكتاب على الخبر المتواتر، ولا خلاف في كونه لا يتقدم عليه. وكذلك كان يلزم أن يقدم العموم على القياس المعلوم على الأصل المعلوم الحكم، وهو خلاف الإجماع. [وللحديث معنى] خلاف هذا، [وهو أن المبدوء] بالنظر فيه الكتاب، لانضباطه وقلة انتشاره، فإذا ظفر بالحكم فيه، افتقر الناظر إلى تمام بحث عن نفي [معارضه] [وثبوته]، ولكن الغالب فقدان التعارض فيه، فجري الترتيب [منه]، بنا على هذا في الوجود. وسيأتي الكلام عليه

بأشبع من هذا، إن شاء الله عز وجل في كتاب (101/ب) الترجيح. واحتج القائلون بتقديم القياس بأمرين: أحدهما-[أنهم] قالوا: العموم يحتمل المجاز والخصوص، والاستعمال في غير ما وضع له، والقياس [لا] يحتمل شيئًا من ذلك، [ولأنه يخصص] العموم [بالنص] الخاص، مع إمكان كونه مجازًا [ومؤولًا]، [فالقياس] أولى. [والجواب: ] أن ما ذكروه تعدد ألفاظ لنوع من الإيهام، ليبينوا تعدد الاحتمالات المتطرقة إلى العموم، ويقولون: [إن] القياس لا يتطرق إليه إلا احتمال واحد، وهو احتمال المخالفة. وإذا بينا أن العبارات المتعددة ترجع إلى معنى واحد، وهو احتمال إرادة البعض، استوى الأمران. الوجه الثاني- أن نقول: ليس من ضرورة تعدد الاحتمالات في شيء وقلة الاحتمالات في غيره، أن يكون الذي قلت الاحتمالات فيه مقدما على الآخر،

فإنه [قد] تكثر الاحتمالات، ولكنها ضعيفة، ويتطرق إلى [الآخر] احتمال واحد، ولكنه قوي جدا، [فتكون قوته] تضاهي كثرة الاحتمالات في الشيء الآخر، وربما زادت عليه. وهذا بمثابة تعارض العدول، فقد يكون واحد (79/أ) تزيد عدالته على عدالة جماعة سواء، فلا [التفات إلى] محض العدد دون الوقوف على الاستواء والتفاوت. على أن التحقيق يقتضي أنه لا يتطرق إلى العموم إلا احتمال واحد، والاحتمالات المتطرقة إلى القياس كثيرة جدا، فإنه يحتمل أن لا يكون الأصل معللا، [ولو كان معللا]، فيحتمل أن يكون [بغير العلة] التي جمع [بها] الجامع، وإن كان بها، [فيحتمل أن يكون أغفل قيدا أو وصفا، وإن لم يغفل]، فيحتمل أن يقع فرق خفي بين الأصل والفرع. فهذه الجهات كلها مختلفة على الحقيقة، فتقتضي تأخرا [عن] العموم الذي [لا] يتطرق إليه إلا احتمال واحد.

الحجة الثانية لهم: أنهم قالوا: العمل بالقياس جمع بين العموم والقياس جميعا، وإذا [دار الأمر] بين [احتمالين]، أحدهما يقتضي إسقاط دليل، والآخر يقتضي إعماله، وجب الأخذ بالأمر الذي يقتضي الإعمال. ووجه الرد [عليه] قد سبق في الكلام على معارضة العموم الخبر. وأما الذين ذهبوا إلى التوقف، وهو القاضي والإمام، فإنهم قالوا: إذا تطرق الظن إلى كل واحد من العموم والقياس، وبطل القطع في التقديم، فلابد من الوقف. وقد اعترض عليه: بأن الوقف خلال الإجماع، فإن الأمة على [فريقين]: فريق يقدم العموم، وفريق يقدم [القياس]. فمن صار إلى الوقف، فقد خالف الفريقين. أجاب القاضي: بأنهم لم يصرحوا بإبطال الوقف قطعا، ولم يجمعوا عليه، ولكن كل واحد رأى ترجيحا، والإجماع لا يثبت بمثل [ذلك]، كيف

ومن لا يقطع [ببطلان] [مذهب] مخالفة في ترجيح القياس، كيف يقطع [بخطئه] إن توقف؟ قال الشيخ: هذا الكلام ضعيف، فإن الأمة إذا اختلفت على قولين، فكل واحد لا يقطع بخطأ مخالفه، لكونه في محل الاجتهاد، ولكن إذا صار صائر إلى قول ثالث، قطع [بخطئه]، لأنه خرج عن القولين جميعا. [فنقول للقاضي]: ما هذا التوقف؟ أتوقف من التبس عليه الأمر، أم مصير منك إلى الاستواء وإبطال الترجيح؟ فإن قال: التبس على الراجح من المرجوح، [لم ينسب] إلى خرق إجماع، وإن حكم بالاستواء، وأبطل الترجيح، فقد خلف الفريقين جميعًا، كما [سيأتي] في مسألة: إحداث قول ثالث، في مسألة (اختلفت (102/أ) الأمة فيها على قولين). ثم نقول لمن صار إلى الوقف: لا يكفي في الوقف انتفاء القاطع في التقديم، حيث يثبت الاستواء في غلبة الظن، فيجب النظر في هذه المسألة إلى أسباب غلبة الظن، هل هي [مستوية] .................

[في] الجانبين، [أم] [ثبت] [التفاوت] في جانب؟ هذا أصل المسألة. والمفرق بين جلي القياس وخفيه، والمفرق بين كون العموم تطرق إليه التخصيص، [أو لم] يتطرق، تشوف إلى بيان تفاوت غلبة الظن بالقوة والضعف. وهذا أمر لا يتبين ضبطه باعتبار الآحاد. والصواب عندي في هذه المسألة: أن يرد المجتهد في ذلك إلى ما غلب على ظنه، فرب عموم ضعيف، والقياس الذي يقابله بالغ (79/ب) قوي، [فالصواب] في [مثل هذه] الصورة الاعتماد على القياس، وقد يكون الأمر على العكس من ذلك، [أن] يكون العموم، مثلا مستندا إلى أدوات الشرط مع التوكيد، والقياس [من] أبواب الأشباه [أو المعاني] الضعيفة. فالحكم في هذه الصورة: أن يقدم [العموم]. وقد يضعف العموم، بأن لا يظهر منه قصد الاستغراق بكثرة المخصص منه، ولوروده مثلا على سبب

خاص، وأن يظهر منه قصد الفصل، كما في قوله: (فيما سقت السماء العشر). فإذا ورد (ليس فيما دون خمسة أوسق من تمر صدقة). كان القياس على هذا في اشتراط النصاب أقوى في الدلالة من التمسك بقوله: (فيما سقت السماء العشر). وقد تكون بعض [الصور] يقوى في [النفوس] اندراجها تحت العموم، ويضعف الظن في بعضها، ويشك في بعض، ويظن خروج البعض، فليس [كلها] يدخل تحت العموم، بالإضافة إلى غلبة الظن على حد واحد، وإن كانت [النسبة] من جهة اللفظ مستوية. [فلابد أن] ينظر المجتهد إلى آحاد المسائل نظرًا خاصًا، ولا يستمر في ذلك حكم عام أصلا. هذا هو الصحيح عندنا. والله أعلم. لكن في ترجمة المسألة إطلاق لابد من تفسيره، [وتبيين] محل الخلاف فيه، فإن بعض أنواع القياس [يجب] تقديمه على العموم بلا شك، وهو إذا كان الأصل الذي يستند إليه حكم الفرع مقطوعًا به، [وكانت] نسبة

الفرع إلى [الأصل] نسبة العلم، [كالقياس] الذي يسمى [في] معنى الأصل، والمنصوص [على] علته، مع [مصادفتهما] في [الفروع] من غير فارق قطعًا، فهذا النوع من القياس لا يتصور [الخلاف] في أنه مقدم، فيجب إخراج هذه الصورة عن ترجمة المسألة. الصورة [الثانية]: أن يكون الأصل إلي استند الفرع إليه ثابتا بأخبار الآحاد، ونسبة الفرع إليه أيضًا نسبة العلم، على النحو [المتقدم]. فهذا يجري مجرى أصله، وهو خبر الواحد. فإن فرض الكلام مع من يقدم الخبر على العموم، وجب أيضًا أن يقدم هذا القياس. ومن قدم العموم على الخبر، فكذلك يقول في قياسه المعلوم، ويتوقف أيضًا في هذا القياس المتوقف في العموم الذي عارضه خبر الواحد، وإنما يقوى الخلاف فيما إذا كان الأصل مقطوعا به، وكانت نسبة الفرع إليه ظنية. فهذه هي المسألة الأصولية على الحقيقة، [وكلامنا] فيها على حسب

ما سبق، وهذه هي الصورة الثالثة. الصورة الرابعة: أن يكون الأصل ثبت بخبر الواحد، ونسبة الفرع إليه غير معلومة، فهذه الصورة تضعف عن التي قبلها، من جهة أنه تطرق إليها الظن من جهتين: من جهة ثبوت حكم الأصل، ومن جهة ظن الإلحاق. ولا بعد في تقديم العموم في هذه (102/ب) الصورة، [فإنه] لما [تزايد] احتمال أن لا يكون الأصل ثابتًا، ضعف القياس. الصورة الخامسة: أن يكون حكم القياس استند إلى ظاهر عموم من الكتاب، وتكون نسبة الفرع إلى الأصل مظنونة أيضًا. فهذا في محل (80/أ) الاجتهاد. [وأضعف] الصور [التي] لا ينبغي أن تقف [للعموم] على حال، أن يكون حكم الأصل ثبت بظاهر خبر الواحد، وكانت نسبة الفرع إلى [الأصل] مظنونة، فهذا يبعد المصير إلى تقديم القياس في هذه الصورة. بل الصحيح أن ظاهر خبر الواحد لا يقف لعموم الكتاب، [وإن خالف القاضي فيه. كما سيأتي في كتاب الترجيح. فإذا كنا نرى تقديم الكتاب على ظاهر خبر الواحد]، فكيف [بنا في] الفرع المقيس على الأصل الثابت بظاهر خبر الواحد، مع كون الإلحاق مظنونا؟ هذه تقاسيم [صور] معارضة القياس

العموم. وقد أطلق الأصوليون القول، ولم يفصلوا هذا التفصيل، ولابد منه في التحصيل. والله المستعان. [وقول] الإمام: (ثم يحصل [من] الوقف ما [يحاوله]) إلى نجاز المسألة. [فنقول: الواقف يمنع التمسك بالعموم، ولا يعمل القياس، فإسقاط العموم في محل المعارضة متفق عليه بين المخصص والواقف، والمخصص يدعو إلى العمل بالقياس، والواقف يأباه، وفيه يختلف المسلكان]. قال الإمام: (مسألة: تخصيص الخبر العام المتواتر بالقياس، أو

(مسألة: تخصيص الخبر العام المتواتر بالقياس، أو [بالخبر] الناص الذي [نقله] [الآحاد]، كتخصيص عموم الكتاب بهما)

[بالخبر] الناص الذي [نقله] [الآحاد]، كتخصيص عموم الكتاب بهما) إلى آخر المسألة. قال الشيخ: ذهاب الإمام [إلى] الوقف في تخصيص عموم خبر الواحد بالقياس، كلام ضعيف، وذلك [أنه] قد حكم بأن القياس يساوي عموم الخبر المتواتر، ولا شك أن الوقف [يقتضي] [المساواة]، إذ لو ثبت الترجيح، لامتنع الوقف، [وهو] قد نقل

الإجماع على أنه [لو تعارض] عموم خبر متواتر وعموم خبر واحد، لكان العموم المتواتر [مقدما]، فإذا كان القياس يساوي العموم المتواتر، والعموم المتواتر مقدم على عموم خبر الواحد، وجب أن يقدم القياس على عموم خبر الواحد، إذ قد تحقق مساواته للعموم المتواتر، بدليل امتناع تقدم العموم المتواتر عليه. هذا هو الصحيح، إلا أن يكون الإمام يلتفت إلى كون كل واحد منهما أمارة على تقدير الانفراد، [بدليل] الإجماع، فقد تحقق القطع بنصب الأمارة. ولقد ذهب إلى هذا المذهب [جعل] من المعتزلة، ولكنه يفضي إلى إنكار الترجيح بالكلية، فإنه إنما يطلب الترجيح على تقدير كون كل أمارة -

لو انفردت- لصح إسناد العمل بالإجماع، ولا ترجيح في محل الإجماع. هذا مستند هذا المذهب. ولكنه يرد عليه: [أولا]: بإجماع الأمة على الترجيح، وإن كان لا يتصور إلا بعد استجماع كل علامة أسباب الصحة، إذ لا ترجيح بين فاسدين، ولا [بين] فاسد وصحيح. الثاني: أنه لو كان [النصب [مقطوعا به مطلقا، لاستحال التعارض، إذ يفضي إلى تناقض القواطع. الثالث: أنه إنما انعقد الإجماع على تقدير كون كل إمارة [منفردة]، أما إذا اجتمعتا وتناقضتا، فلا إجماع (80/ب) على حال، [فيجب] النظر [إلى] الأقوى في النفوس. وقد تحققنا- على مقتضى مذهب الإمام- مساواة القياس لعموم الكتاب [والخبر المتواتر]، وتحققنا تأخر عموم خبر الواحد عن العمومين المتواترين، فكيف يكون فرعه (103/أ) يخصص به عموم الكتاب؟ هذا عندي لا وجه له. والله أعلم.

(مسألة: في حمل المطلق على المقيد)

قال الإمام: (مسألة: في حمل المطلق على المقيد) إلى قوله (ونحن ننبه الآن على ما تخيلوه أخذًا من النسخ). قال الشيخ: قد تقدم الكلام على معنى كون اللفظ مطلقا ومعنى التقييد. وأما تقسيم النقلة القول، وجعلهم إياه ثلاثة أقسام، فهذه عبارة الأصوليين. [وعندي] أن القسمة غير

منحصرة فيما ذكروه، ويبقى قسم رابع، وهو أن يتحد الموجب، وتختلف صفة الموجب، وهو بمثابة ما إذا قيد الرقبة في كفارة الظهار بالإسلام مثلا، ثم أطلق في جانب الإطعام ذكر المساكين، فهل يتقيد به المسكين، بأن يكون مسلما كالرقبة المعتقة؟ فهذا اتحاد الموجب، واختلاف قبيل الموجب. فلابد

من الكلام على هذه الصورة، فإن الأصوليين أغفلوها. وأما العبارتان المنقولتان عن [الأصوليين] في ضبط صور الوفاق [والخلاف]، فإحدى العبارتين أضبط من الأخرى، وأدل على المقصود،

فإن المعبر الأول عبر بلفظ التباعد والتقارب. وهذه ألفاظ نسبية. [فرب] قريب باعتبار جهة، بعيدٍ باعتبار أخرة، بخلاف ما عبر به الآخرون من الاتفاق في الموجب والموجب، والاختلاف فيهما، [أو الاتفاق] في أحدهما دون الآخر. ومن هذه الجهة تصير الأقسام أربعة. وقول الإمام: (إن المسألة تتعلق بالنسخ، [وهي] مناسبة لأحكام

العموم والخصوص). أما مناسبته للعموم، فإن العموم على الحقيقي: هو [الذي] يتناول مسميين فصاعدا، والمطلق لا يتناول إلا مسمى واحدا. ولكن لما كان يجزئ أي واحد، [فكأنه] صار في اللفظ استرسال على النوع بكماله. فمن هذه الجهة حصلت مناسبته للعموم، ويكون التقييد الوارد يمنع اللفظ من الشياع في بعض ما كان يظهر [فيه شياعه]، فقد أزيل اللفظ عن ظاهره. و[أما] مناسبته لأحكام النسخ، فمن جهة أن الذي فهم من اللفظ [الأول]، أزيل [التكليف] عنه بعد ثبوته. والنسخ: هو رفع الحكم بعد [ثبوته]. على ما سيأتي في حده. فسلك أبو حنيفة بالمسألة مسلك النسخ، نظرًا للثبوت، وسلك الشافعي ومالك بها مسلك التأويل وإزالة الظاهر.

قال الإمام: ([فقالوا] [في] قوله [تعالى] [في كفارة الظهار]: {فتحرير [رقبة] من قبل أن يتماسا}. [يقتضي أجزاء الرقبة المطلقة]) إلى قوله ([وإذا] وجهت عليهم سكتوا لها، مقرين [بالحق]، [وناطقين] بالصدق). قال الشيخ: [المسألة] مترجمة بأن الزيادة

على النص، هل هي نسخ [أو] لا؟ [فقال قائلون: هي نسخ]. وقال آخرون: ليست نسخا. وللمسألة [ثلاث] صور: إحداها-[أن] لا تتعلق الزيادة [بما] سبق بوجه. وهذا بمثابة (81/أ) ما لو وجبت الصلاة ثم وجبت الزكاة، [فلا] ذاهب إلى [أن] هذا

نسخ، وإن كان قد فات نعت الكلية [للصلاة]، فإنه لما كانت الصلاة واجبة [وحدها]، كان من أتى بها، [فقد أتى] بكلية الواجب، [ولما] وجبت الزكاة، خرجت الصلاة عن كونها كلية الواجب. فقد يظن أنه [لما] تغير هذا الوصف، أن ذلك نسخ، وليس كذلك، فإن النسخ إنما: [هو] رفع حكم شرعي. وكون الصلاة كانت كل الواجب، غنما معناه أنه لم يجب غيرها. وهذا مما لا خلاف فيه. الصورة الثانية: (103/ب) وهي غي أقصى البعد من الأولى، أن تتصل الزيادة بالمزيد عليه اتصال اتحاد، يمنع التعدد والانفصال، وهذا بمثابة ما روي (أن الصلاة وجبت ركعتين ركعتين في الحضر والسفر، فأقرت صلاة السفر،

وزيد في صلاة الحضر). [فهذا يجب أن يكون نسخًا، فإن الركعتين كانتا مجزئتين]، وهذا حكم شرعي، فلما وجبت الركعتان الآخريان، خرجت الركعتان الأولتان عن أن تكونا مجزئتين. فالصحيح أن تلك [العبادة] نسخت واستؤنفت عبادة أخرى. وقد يتوهم أن الركعتين قارتان وزيد عليهما ركعتان، وهذا غي صحيح. والدليل عليه أن الركعتين كانتا مطلوبتين بصفة الاقتصار عليهما، [فقد صار الاقتصار عليهما] وصفا مقصودا، ولذلك أنه لو زاد عليهما متعمدًا

بطلتا، وإذا كان القصر [مقصودًا]، فإذا جاءت الزيادة متصلة، فهذه عبادة أخرى. [فهو بمثابة ما لو أوجب عليه الصلاة جالسًا، ثم [أوجبها] قائما، فإن هذه عبادة] جديدة. [الصورة] الثالثة: زيادة عشرين جلدة على الثمانين مثلا، وليس [انفصال] هذه كانفصال الزكاة عن الصلاة، ولا اتصالها كاتصال الركعتين بالركعتين، فقال أبو [حنيفة]: هو نسخ. وليس بصحيح، بل هو كالمنفصل، بدليل أنه لو ضرب القاذف تسعين، [لم يبطل الحد] بهذه الزيادة التي ليست مشروعة. فإذا الاقتصار عليها، لم يكن لقصد [القصر] وضعًا، بل لانقياد دليل وجوب الزيادة، فيكون بمثابة إيجاب الزكاة بعد الصلاة. وإنما العمدة في الباب النظر إلى أن الاقتصار على الأول، هل كان

مقصودًا، [أو صفة] للعبادة، أو كان الاقتصار لعذر دليل الزيادة؟ ففي الصلاة ثبت القصر على الركعتين وصفًا مقصودًا، وفي الثمانين اقتصر عليها، لعدم دليل الزيادة. ومقصود هذا الكلام أنه إذا لم يكن القصر مقصودًا وصفًا، وإنما [انتفى] لعدم دليل الوجوب، فإذا وجدنا دليل الوجوب، أثبتناه، وسواء [كان الدليل قطعيًا أو ظنيًا، وسواء] كان [ذلك] الدليل [الدال] على الحكم الأول أيضًا قطعيًا أو ظنيًا. لأنا إنما أثبتنا [حكمًا] ابتداء، وانتقلنا عن براءة أصلية، [فلا] يشترط في هذا أن يكون الدليل قطعيا. كما لو وجبت الصلاة بالتواتر، ثم جاء خبر [الواحد] يتضمن وجوب وتر أو غيره، فإنا لا نمنع من الإثبات، نظرًا [منا] إلى سبق واجب متواتر، وعلى هذا يثبت التغريب بخبر الواحد، ون كان القرآن لم يتضمن إلا الجلد، ويكون التغريب غير [متعرض] له، فهو مسكوت عنه، وأبو حنيفة يزعم (81/ب) أن التغريب منفي بالقرآن، فلا يصح إثباته بخبر الواحد. وهذا غير صحيح، لما قررناه.

فإن قيل: [قد كانت الثمانون] حدا كاملا، وإذا وجب التغريب، خرجت الثمانون عن كونها كلية الواجب، والكلية ثابتة بالنص المتواتر، وإسقاطها بخبر الواحد ممتنع. قلنا: قد كانت الثمانون حدا كاملًا، على معنى [أننا لم نجد] دليلا يقتضي [زيادة عليها، كما مثلناه] في صورة الصلاة والزكاة، فإن أثبت مثبت [أن] الاقتصار على الثمانين حكم مقصود ثابت بنص القرآن، امتنعت الزيادة عليها بخبر الواحد. فإن قيل: تحقق النسخ يوجب الاقتصار على الثمانين، فإنه لو أوجب [الثمانين]، كان ذلك مانعا من الزيادة. قلنا: لم يثبت منع الزيادة بطريق (104/أ) المنطوق، بل بالمفهوم، ولا يقول به أصحاب أبي حنيفة ولا نحن. وإن قلنا بالمفهوم، فترك المفهوم غايته أن يكون [كإزالة] ظاهر، فيكون [كتخصيص] العموم، ولا يكون نسخا بحال. هذا لو ثبت المفهوم.

واستقر، ويحتمل أن يكون خبر التغريب ورد متصلا بيانًا، لا [ناسخًا] رافعا. وقد سلك بعض أصحاب أبي حنيفة مسلكا آخر فقال: التفسيق ورد الشهادة يرتبط [بالحد] [الكامل]، فإذا زيدت العشرون على الثمانين، امتنع أن يكون التفسيق والرد مرتبطا بالثمانين، فيكون تغييرا لحكم شرعي، فيكون نسخا. وقد أجيب عن هذا: بأن الحكمين لم [يرتبطا] بالثمانين، بالنظر على كونها ثمانين، بل باعتبار كونها حدا كاملا، فكأن [الشارع] يقول: من كمل حده، ردت شهادته، وثبت فسقه. فتصرف الشرع في الجلد بالزيادة والنقصان، ليس تصرفًا في ارتباط الفسق ورد الشهادة [بالحد] الكامل. ونظير هذا أن الله تعالى أحل المرأة للأزواج بعد انقضاء العدة، وتصرف الشرع في العدة بالنقل من سنة إلى أربعة أشهر [وعشر]، [ليس] تصرفا في حل النكاح المرتبط بانقضاء العدة.

خلاف الفقهاء في رد شهادة القاذف متى ترد؟

وقد اختلف الفقهاء في رد شهادة القاذف متى ترد؟ فذهب مالك [رحمه الله] إلى أنها لا ترد حتى يحد. وقال بعض أصحابه والشافعي: ترد بنفس القذف، لأنه بالقذف فسق، إذا لم تقم البينة على ذلك. والذي اعتمده مالك في ذلك أن [سلب] منصب الشهادة في حق القاذف، إنما هو زيادة عذاب معنوي، فهو كالتتمة للعذاب الحسي، إذ الغالب [من القاذف أنه لا يكون صاحب منصب]، فكان العقاب الحسي في باب [زجر] القاذف هو المهم [الأصلي] وسلب المنصب في معنى التتمة. وإذا كان كذلك، فلا تثبت التتمة إلا لعد ثبوت الأصل. ونظير هذا [له] أنه- رحمه الله- يرى [الموالاة] في لطهارة مقصودة مع الذكر، والترتيب [فيها] مستحب. وإنما يستحب الترتيب، إذا كانت العبادة واحدة بإثبات موالاتها، فإذا [إذا] وقعت التفرقة الكثيرة المعفو عنها في حال النسيان، فلا يثبت الترتيب في هذه الحال.

وصورة المسألة: ما إذا نسي مسح رأسه، وغسل رجليه، ثم ذكر ذلك، (82/أ) قال مالك رحمه الله: يمسح رأسه ثم ينظر، فإن كان [ذكر] ذلك قريبًا، بحيث تبقى [البلة]، أعاد غسل رجليه، لتحصل الموالاة، [وإن] بعد الأمر، وجف وضوؤه، فقد فاتت الموالاة، فلا يستحب الترتيب في هذه الصورة، لأنا نستحب الترتيب عندما [تكون] العبادة بموالاتها. وليس من هذا القبيل ما إذا [أمر] بالصلاة مطلقًا، ثم [إنه] شرط الطهارة، فإنا نرى ذلك نسخًا على الحقيقة، لكن بشرط أن يقطع [بأنه] طلب الصلاة من غير شرط [منضم]، فإذا فعلت الصلاة بغير طهارة- على مقتضى هذا- أجزأت، [وإذا زيد] شرط [الطهارة]، لم تجز الصلاة مع

فقدانها، وقد كانت مجزئة قبل ذلك. وهذا نسخ محقق. فإن قيل: فالطهارة كانت مسكوتًا عنها، [ثم] استؤنف إيجابها، [وقد] قلتم: إن استئناف الأحكام، وإن زالت به براءة الذمة، لا يكون نسخًا. قلنا: لم يثبت النسخ [بالإضافة إلى وجوب الطهارة التي لم تكن واجبة، لكن هذا نسخ]، من جهة سقوط الأجزاء الذي فهم من النص الأول. فإن قيل: يلزمكم المصير إلى أن اشتراط الطهارة (104/ب) في الطواف نسخ، فإن الله تعالى قال: {[وليطوفوا] بالبيت العتيق}. ولم يشترط طهارة، وقد قضيتم [بأنها] شرط، ومنعتم الأجزاء بقوله - عليه السلام -: (الطواف بالبيت صلاة). وأبو حنيفة قال: هذا يوجب الوضوء، منضمًا إلى الطواف دون الاشتراط. قلنا: لو ثبت بالقرآن أجزاء الطواف على كل حال، بطهارة

وبغير طهارة، لم يبطل طواف المحدث بخبر الواحد، ولكنه ليس فيه إلا مطلق يقبل التقييد. [وسنتكلم] عليه [بعد هذا]. فأما مصير أبي حنيفة إلى أنه يعصي بالطواف محدثًا، ويصح له الطواف. فهذا قد تكلمنا [عليه] وقلنا: إن النهي عن [الوصف] يرجع إلى الأصل، فلا [نعيده]. وكذلك يقال في سائر المطلقات والعمومات، إن تحقق الشياع [والشمول] قطعا، امتنع التخصيص والتقييد بأخبار الآحاد والمقاييس المظنونة. فإن قيل: فقد قال الله تعالى في آية الوضوء: {وأرجلكم إلى الكعبين}. فأوجب الله تعالى بنص القرآن غسل الرجلين، فمن جوز المسح على الخفين، فقد رفع حكمًا ثبت بالقرآن وبأخبار الآحاد، وذلك ممتنع، [إذ] لا يصح نسخ القرآن بأخبار الآحاد، وهذا من أعظم ما تمسك به الخوارج في إبطال المسح على الخفين.

وقد نقل عن مالك قريبا من هذا قال: (إني لأقولن اليوم [مقالة] ما قلتها قط في ملأ من الناس، لا يمسح على الخفين، وقد [أقام] رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة وأبو بكر [وعمر] وعثمان، فلم ينقل عنهم المسح، وإنما هي أخبار، وكتاب [الله] أحق أن يتبع). قال الراوي عنه: وكأنه [كره] المسح على الخفين مطلقا. والصحيح من مذهبه [ومذهب] غيره من العلماء، جواز المسح على الخفين. وليس ذلك بنسخ للقرآن، فإن القرآن ليس بنص في وجوب غسل الرجلين على كل مصل، [بل] يحتمل أن يكون ذلك في حق من [لم] يلبس خفا. [وإذا] (82/ب) كان ذلك ممكنا، [ورويت] الأخبار

الصحاح فيه، وجب المصير إليها. على أنه لا يثبت دعوى العموم في خطاب المواجهة من نفس اللغة، [إذا ذلك] يصح عند [كون] المخاطب جمعا، قليلا أو كثيرًا، فلا صيغة يتمسك بعمومها، وإنما يعتمد في [فهم] التعميم على قرائن الأحوال. [فإذا] لم يكن للفظ ظهور في العموم، كيف يدعي النصوصية فيه؟ ومن هذا القبيل قوله تعالى: {[واستشهدوا] شهدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان}. وقد ذهب أبو حنيفة إلى رد الشاهد واليمين، بناء منه على أنه إثباته يناقض حكم القرآن. وليس كذلك، ولم يتضمن القرآن [إلا] ذكر بعض الحجج، ولا يلزم من ذكر بعض الحجج، استفاء [جميعها]، ولذلك أنه لم يذكر في هذا الموضع الحكم [بالإقرار]. وإن تمسكوا بقوله: {فإن لم يكونا رجلين}. من حيث مفهوم الشرط،

فالقوم لا يقولون به، وكذلك نحن أيضًا على ما سيأتي. وإن قلنا به، فليس بنص، وقد سبق الجواب عن مثله، فلا [نعيده]. وبالله التوفيق. وقد سلك من ذهب إلى [أن] تقييد المطلق من باب النسخ مسلكا آخر، فقال: إذا اقتضى [الكتاب] حكما، [وأورد] مريد أن يغير حكمه بإبداء ما لا يحتمله [اللفظ]، لم يكن ما جاء به واقعا في أواب التأويل، إذ التأويل: إبداء ما يحتمله اللفظ. [وإذا أبدى ما لا يحتمله اللفظ]، وتصور معه استقراء حكم اللفظ، لما بينهما من مناقضة، فلا محط لذلك، ولا محمل سوى النسخ. قالوا: وذكر (105/أ) [الرقبة] لا يشعر بالإيمان، [ولا] يحتمله على حال. والذي يحقق ذلك، ما تقدم في مسألة المصدر، وكونه لا يشعر بالأعداد، وقد بينا ذلك أوضح بيان. وكذلك الموصوف [بالصفة] لا

يشعر بها. وإذا كان كذلك، فالذي يبدي [الإيمان] شرطًا، مع كون اللفظ لا يحتمله أصلًا، فقد غير مدلول اللفظ الأول، بإبداء ما لا يحتمله. وهذا [هوي] التعطيل دون التأويل. [والظواهر والمقاييس في تأويلات المتواترات دون تعطيلها]. وهذا سؤال مشكل، وهو عمدة القوم. والجواب هو: أنا نسلم أن التأويل: إبداء ما يحتمله اللفظ، ونسلم أيضًا أن الموصوف لا يشعر بالصفة، ونسلم أن لفظ الرقبة لا يحتمل الدلالة على المؤمنة بوجه، ونسلم [أيضًا] أن من أبدى ما لا يحتمله اللفظ، وتغير به حكم اللفظ، أنه يقع في أبواب التعطيل جون التأويل. ولكنا نقول: هل قوله: {فتحرير رقبة] نص في أجزاء كل رقبة، أو يحتمل أن يشيع في البعض دون البعض؟ فإن قيل: إنه نص في أجزاء كل رقبة، قلنا: ذلك باطل من وجهين: أحدهما- أن شياع النكرة في الجنس من أبواب الظواهر، لا من أبواب النصوص. الثاني- أن القوم قد نقضوا هذا فيما [إذا] اتحد الموجب والموجب، وهي مسألة إجماع. وصورتها: أن نقول في كفارة القتل: فتحرير رقبة، فإذا قطع بإجزاء كل

رقبة، لزم إذا قال في موضع آخر: (مؤمنة) أن يكون نسخا، وأهل الإجماع على خلاف ذلك، [فإن] هذا لا يكون من أبواب النسخ (83/أ) على حال. وهذه [المسألة] واضحة جدا على [مذهب من] رأى بين الخاص والعام [مقابلة] الناسخ والمنسوخ [من الفقهاء] [والأصوليين]. وقد خالف في ذلك [القاضي أبو بكر، وقال] بالتعارض. وقد [نقل] من مذهب أبي حنيفة أنه قدم العام على الخاص، [وأخذ هذا من حكمه] بوجوب الزكاة [في المال] دون اعتبار النصاب بقوله [- عليه السلام -]: (فيما سقت السماء العشر). وترك قوله (ليس فيما دون خمسة

أوسق من تمر صدقة). ولكن القاضي مع مصيره إلى المعارضة بين [الخاص والعام] نقل الإجماع عن العلماء على أن المطلق محمول على المقيد. وفي ذلك أبلغ دليل على أن المطلق لا يشيع في الجنس على جهة القطع، بل على [وجه] [ظاهر]، فإزالة [الظاهر] ليست بدعا، ولا يقع في [أقسام] النسخ بحال. [فلنجب] عن السؤال، ثم [ننعطف] على كلام القاضي، [فنقول]: إنما صح إبداء الوصف، وهو الإيمان، لا على [أن] لفظ الرقبة يحتمل الدلالة عليه، فإن الموصوف لا يشعر بالصفة، ولا يحتمل الدلالة عليها بحال، [وإنما] قول رقبة- من جهة استرساله على جميع الجنس-[يتنزل] منزلة العموم. وإذا كان كذلك، فاللفظ العام [يصح] أن يراد

به البعض، ويفتقر من يرى [البعض] عند إرادة التبيين للمخاطب أن يبين له [مراده]، فيكون ذكر الإيمان بعد ذلك مبينا للبعض المراد، لا أنه محتمل اللفظ في الدلالة والإشعار. وهذا يتنزل منزلة ما إذا قال: {فاقتلوا المشركين}. ثم خص بالحربيين، [فإن ذلك يعد تخصيصا لا نسخا. [ففرق] بين أن تذكر الصفة لكونها] مدلول اللفظ، أو تذكر مبينة لما يحتمل اللفظ [الاقتصار] عليه. وهذا كلام حسن بالغ. وأما ما ذكره القاضي من ادعاء الإجماع على [أن] المطلق محمول على المقيد عند اتحاد الواقعة، فهو صحيح. ولكنه مشكل على القاضي، (105/ب) فإنه يذهب إلى أن الخاص والعام إذا كانا في واقعة واحدة، فهما [متعارضان]. مثاله: قوله [- عليه السلام -]: (فيما سقت السماء العشر). فإنه يعم ما دون النصاب، مع قوله: (ليس فيما دون خمسة أوسق من حب صدقة). فإنه

خاص يتضمن اشتراط النصاب. [وقوله تعالى]: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما}. [مع قوله: ] (لا قطع في [تمر] ولا كثر). قال القاضي: يتعارضان، فإنه يجوز أن يكون الخاص ورد سابقا، ثم ورد العام بعده [مستغرقا]، فيكون ناسخا، ويجوز أن يكون المراد بالعموم ما دون المحل الخاص المنصوص عليه. وإذا احتمل النسخ والبيان جميعا، [لم] [يحكم] بحمله [على] البيان دون النسخ، [ولم] يضرب عن احتمال أن يكون الخاص [مقدما] منسوخا. [وهذا] هو الظاهر من مذهب أبي حنيفة. ولكن لا يصح هذا فيما

إذا ثبت تقدم العام وتأخر الخاص فإنه إما أن يكون [بيانا، وإما أن يكون] [نسخا]، وكلا الوجهين يقتضي إعماله. نعم، يقال هذا فيما [إذا] [التبس التاريخ]، أو ثبت أن العموم متأخر. ونحن نختار الحمل على البيان دون النسخ، وذلك أن في المصير إلى التعارض إثبات [الحكم، ثم الحكم برفعه بطريق النسخ، وهذا إثبات ورفع بالتوهم. والبيان أغلب في] الشريعة [من] النسخ، [ولذلك] أنه لم يشتغل العلماء بمعرفة [طلب] التواريخ في العام (83/ب) والخاص، بل نزلوا الأمر على البيان. وهذا هو الأغلب من عادة الشريعة، إذ النسخ في معنى النادر، والبيان غالب معتاد، [بل] لا تكاد العمومات المتعلقة بالأحكام تنفك عن التخصيص بشروط في السبب والحل والشرط، كآية السرقة وغيرها. وإذا كان البيان أغلب في عادة الشرع، وجب التنزيل عليه. قال القاضي: إذا أمكن الأمران جميعا، فلم يتحكم [بتعيين] أحدهما

من غير دليل [عقلي] [أو سمعي]؟ قال: ولم يبق معكم سوى ادعاء الكثرة. وتارة [يقول: ] مجرد الكثرة لا [يقتضي] ترجيحًا. ولو اختلطت [أخته] بعشرة نسوة، فالأكثر حلال، ولا يجوز [ترجيح] واحدة، بناء على الكثرة، وكذلك ميتة [بعشر] ذكيات، وإناء [نجس بعشر أوان] طاهرة، فإنه يمتنع [مد اليد]، بناء على الغالب، والنسخ ممكن، والبيان كذلك. هذا [كلامه]. والصحيح عندنا خلافه. [أما] قوله: إنه لا يجوز اعتماد الأغلب إلا بدليل [زائد]، واحتجاجه بما ذكره، فعنه جوابان: أحدهما- أن نقول: ما يغلب على الظن أنه [الحاصل]، لزم التمسك به، إلا ما منعت الأدلة منه، والأصل إتباع غلبة الظن مطلقا، لأنه إذا تعذر حصول العلم بالحكم، ولم يبق سوى غلبة الظن مطلقا، لأنه إذا تعذر حصول العلم بالحكم، ولم يبق سوى غلبة الظن في موضع لا يشترط العلم فيه،

فلو لم نقض بغلبة الظن، لكنا [تاركين] لحكم الله [تعالى] علينا على حسب ما ظننا، ونكون قد أقدمنا على المخالفة ظنًا، وذلك ممتنع، إلا أن يثبت تعبُّدٌ في الشريعة، كمنع القضاء بشهادة الواحد، وإن كان يغلب قوله على الظن، [ولكن هذه أمور نادرة، وأكثر الأحكام خرجت على أسباب مغلبة على الظن]، فلا وجه [لترك] المغلب على الظن في محل لا يطلب العلم فيه. [الجواب] الثاني- أنا نعلم من تصرف الصحابة رضوان الله عليهم أنهم في العمومات [التي] [ثبت] [الانتقال] عنها لأدلة خاصة، أنهم ما صاروا على أنها منسوخة، فإن ذلك لو تطرق، للزم أن يكون القرآن من أوله إلى آخره منسوخًا، (106/أ) ولكن نزل الأمر على البيان، ولذلك لم يشتغلوا بطلب التواريخ. وهذا أمر معلوم. ويتأيد هذا بما في تخصيص العموم بخبر الواحد. [وهذا أيضًا مما يضعف قول القاضي، فإنه إذا توقف في تخصيص العموم بخبر الواحد]- والنص المتواتر مقدم على خبر الواحد قطعا- وإذا

كان نص خبر الواحد عنده [يوقف] العموم ويقابله، وجب أن يتقدم على العموم [ما يسقط] نص خبر الواحد. وهذا واضح، وبنحو هذا رددنا على [الإمام في] العموم في قوله: إن القياس على أصل ثبت بخبر الواحد يعارض العموم. وقد تقدم هذا. قال الإمام: [فمما يلزمهم [من ذلك] اشتراطهم سلامة الرقبة عن كثير من العيوب]) إلى قوله (فهذه أحد الوجوه الثلاثة). قال الشيخ: هذا الكلام واضح، والمناقضة كما ذكرها الإمام متوجهة. والذي يذكرونه إنما هو تعليل للنقض، واعتراف (84/أ) بأن التقييد لا يغير النص، وهو المقصود. والذي تخيله [القوم أن] السلامة من كل عيب، قليلا كان أو كثيرا، متعذر،

[فعلم] أن [بعض] العيوب [مغتفر، لتعذر] [الانكفاف] عنه في العرف، [فوجب] أن يكون [المعتبر] بذهاب ما تجب فيه [الدية من الحد، إذ] وجوب الدية في [الذاهب] تدل على أنه [يتنزل] منزلة الرقبة بكمالها. [وهذا] كلام ضعيف، واسم الرقبة مطلق، وإن كان الذاهب [تجب] فيه من الحر كل الدية. [وأما] ما وجهه عليهم في تقييد [ذوي] القربى بالفقر والاستحقاق، فللقوم في هذا أصل ننبه عليه، وذلك أن المعنى المفهوم من

العموم: إما أن يكون [مساوقا] للفهم عند استماع العموم بحيث لا يتراخى عنه بحال، وهذا بمثابة قوله صلى الله عليه وسلم: (لا يقضي القاضي وهو غضبان). وما يجري مجراه. فالمعنى السابق إلى [الفهم]، هو [المحكم] في التخصيص والإلحاق. لا جرم يجوز القضاء مع الغضب اليسير، ويمنع مع الجوع المفرط، والألم المبرح، ولا ينظر في هذا على كثرة المخرج، ولا إلى قلته، إذ اللفظ وإن كان [في] وضعه يصلح للتعميم، إلا أن هذا المعنى المساوق للفهم، أوجب التقييد، حتى كأنه قال: لا يقضي القاضي [الدهش] الذي لا يتأتى منه استيعاب الحجج. ولو صرح بهذا، لم يتناول من غضب يسيرا، لأن اللفظ [لا] يدل على المعنى لعينه، وإنما يدل باعتبار غرض مطلقه، فإذا كانت هذه القرينة مقترنة باللفظ، منعت التمسك بالعموم قطعا، فلا دلالة لهذا على

الاستغراق، حتى يفتقر إلى دليل مخصص أو رافع، [لعدم] استقرار الحكم على التعميم. الصور الثانية: أن يكون المعنى مستنبطا بالتأمل من مورد العموم، فهذا لا يخلو: إما أن يساوق العموم في جميع صوره، وإما أن يكون استنباطه يقتضي إخراج الكثير، أو يقتضي إخراج القليل، فإن ساوق، فصحيح، وإن أخرج الكثير، فباطل، وإن أخرج القليل، فمختلف فيه، ذهب أبو حنيفة إلى رده، وذهب ذاهبون إلى قبوله. وغموض المسألة من جهة أن المعنى المستنبط من العموم أو الظاهر، [لا يتصور] أن يعارض بجهة طرده، إذ من المستحيل أن يستنبط من محل التحريم معنى يقتضي الحل، فلا يبقى إلا أن يستنبط معنى يقتضي [التحريم]، ويصادف ذلك المعنى في كثير من صور العموم، ويختلف عن بعضها، (106/ب) فيكون العموم موجودا، والمعنى مفقودا. فإما أن يقال: إن نفي المعنى لا دالة له بحال، وإما أن يقال يدل [على] العكس دلالة ضعيفة

تضاهي مزية ترجيحه، فلم يعطل عمل العموم، بناء على أن المعنى لم يوجد في المحل المخصوص؟ وهذا غامض، والقول بمنع التخصيص قوي واضح. وتمام التقرير [فيه] يأتي في كتاب (التأويل). والمقصود منه ههنا أن أبا حنيفة زعم أن [سد الخلة] فيما يتعلق [بمال] بيت المال، أمر معلوم من الشرع بنصوص [متفرقة]، وقرائن متعددة. [و] يتنزل هذا [المفهوم] (84/ب) منزلة فهم قاعدة القضاء [المرتبة] على فصل الخصومات بفهم الحجج. وإذا كان [هذا] المعنى مساوقا للفهم، صار قيدا مقترنا، ويكون التقدير: (ولذي القربى المحتاجين).

كما كان التقدير في قوله: (لا يقضي القاضي وهو غضبان). أي وهو متحير العقل، لا يهتدي لفهم الحجج. والقاعدة الأصولية [لا] نزاع فيها، وهي أنه إذا كان المعنى [مساوقًا للفهم]، غير متأخر عنه، أنه المحكم في التخصيص والتعميم. والنظر في آحاد الأمثلة من [أي] قبيل، هو محض علم الفقه. [ولكنا] أردنا التنبيه على أن هذا ليس بقضاء على مقتضى أصول [القوم]. قال الإمام: ([الوجه الثاني]) - أن نقول: أتدعون أن ذكر الرقبة على

الإطلاق نص في إجراء كل رقبة؟ ) [إلى قوله] (هذا هو الوجه الثاني من الكلام). قال الشيخ: قد قدمت الكلام على هذا الفصل بعينه بكلام شاف. [ولكن] يبقى في هذا الموضع شيء، [وهو] النظر إلى سياق الكلام في ذكر الرقبة في كفارة اليمين، فإنه إنما ذكر أصل الخصال، ولم يتعرض لتفصيل شيء منها على حال. وقد أطبقنا على أنه لا يقع الاكتفاء بما يسمى إطعاما، بل لابد من تقدير مخصوص، وكذلك مطلق ما يسمى كسوة، لا يكتفى [به]، فكما صح التقييد في الخصلتين، صح في الثالثة. وقد منع

مانعون أن يكون للرقبة ظهور في أجزاء كل رقبة، وقال: لم [تسق] لغرض التعميم، وإنما سيقت لغرض التأصيل. وهذا الكلام يناسب قول من يقول: إذا ظهر للعموم مقصد سوى التعميم، لم يتمسك بظاهره في العموم، في مثل قوله: (فيما سقت السماء العشر). فإن الإمام قال: (إذا تمسك [الحنفي] به في كل ما تسقيه السماء، لم يكن متمسكا بظاهر). وهذا مثله. وسيأتي الكلام عليه في كتاب (الترجيح). إن شاء الله [تعالى]. قال الإمام: ([والوجه] الثالث - أن الرقبة المطلقة تعم كل رقبة، [فحملها على خصوص من الرقاب [عين] التخصيص]) إلى قوله (ولا يطيب التصرف في [تفاصيل] ذلك إلا [في كتاب] التأويل). (85/أ)

قال الشيخ: إذا تقرر أن المطلق [يشيع] في الجنس على البدل شياعا ظاهر، وإنما يسقط الظاهر [بمعارض راجح، والمعارض] [المناقض]. فكل [أمرين] أمكن اجتماعهما، فلا معارضة بينهما على الحقيقة. [وإذا كان] كذلك، فليس [يتناقض] [اشتراط] الإيمان في القتل، وجواز الكافرة في [الظهار]، فإذا أمكن الجمع، وإقرار كل واحد على بابه، فبأي وجه [يزال] ظهور الظاهر في الرقبة [المطلقة]؟ هذا باطل، لا خفاء ببطلانه. وإذا [تقرر] ذلك، [فإن] وجد في الشرع دليل آخر يقتضي إزالة ظاهر الإطلاق، [وترجح] عليه، صح ذلك. ولا فرق بين كونه قياسا، أو خبرا، أو غيره، وسلك به [مسلك] المخصصات. هذا هو الحق، والمسلك الواضح. والله الموفق.

وبقي علينا الكلام مع القاضي في كونه صار إلى أن العام والخاص يتعارضان، (107/أ) مع [نقله] الإجماع على أن المطلق محمول على المقيد عند اتحاد الموجب والموجب، وهو لم يبين الفرق. ولكن الذي [يمكن] أن يعتذر به عن الفرق بين البابين، أن الخاص [يناقض] [العام] في جهة مدلوله في محل التعارض، فإن العام ينفي الحكم مثلا في محل النزاع، والخاص [يثبته]، فعقل التعارض من هذه الجهة. وأما المطلق، فقد [بينا] أنه لا [يتعرض] [للصفات] بنفي ولا إثبات. والإيمان [مسكوت] عنه، وإذا كان كذلك، وجب أن يثبت، إذا دل دليل عليه، لكونه لم يتعرض العام لنفيه، [ولا] دليل على النفي، وقد وجد دليل الإثبات، فلا وجه لتعطيله. وهذا كلام صحيح، [وهو] يقتضي أن [تثبت] الصفة بأي طريق دل على إثباتها، سواء كان ذلك

[الطريق] قاطعًا أو ظنيًا. [وأما] قول الإمام: (إن التخصيص يكون على وجهين: أحدهما: [قصره] على بعض المسميات، من غير فرض [تعيين] ما وقع القصر عليه

[بصفة]، كحمل آية الفقراء على ثلاثة منهم). وهذا صحيح، إذ الصفة المعتبرة الفقر، وهو موجود في الجميع، وقد بطل الاستيعاب، لتعذره وخروجه عن الإمكان. [والاقتصار] على عدد دون عدد، تحكم من غير برهان، فلم يبق إلا أقل الجميع، [إذ لا يمكن التنقيص منه. وهذه إحدى الفوائد

في معرفة أقل الجمع]. فهو على الحقيقة تقييد بعدد. [والثانية]: تقييد بالصفات، والمطلق لا يتعرض لواحد [منها]. وقال أبو حنيفة: يقتضي منع التخصيص بأخبار الآحاد [على الإطلاق]، سواء كان بعدد أو صفات، إذ اللفظ المطلق، لا يشعر بعدد ولا صفة. قال الإمام: (فإن قيل: فما معتمدكم في [اشتراط الإيمان] [في الرقبة في كفارة الظهار])؟ إلى آخر المسألة. قال الشيخ: [أما] الكلام على [اشتراط الإيمان] في كفارة الظهار، فخارج عن فن الأصول، بعد أن أوضحنا إمكان إجراء كل آية على حدتها، فيرجع الاشتراط إلى الفقه، ونظر المجتهدين في الفروع، [بناء على طريقين]:

أحدهما - أنهم يتلقون ذلك من الخبر، فإن في الحديث: (إن الذي لطم جاريته في وجهها وعظم ذلك عليه (85/ب) رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له الرجل: إن علي رقبة، أفأعتقها؟ فدعاها [رسول] الله صلى الله عليه وسلم فسألها، [فاعترفت] بالله، وصدقت رسوله). [هذا] معنى الخبر دون لفظه، فقال - عليه السلام -: (اعتقها فإنها مؤمنة). فرتب الأمر بعتقها على إيمانهم [) بالفاء)، التي] هي [للسبب]. والرجل قال: (علي رقبة) مطلقة، [فأشعر] ذلك بأن الرقبة إذا وجب إعتاقها اشترط الإيمان فيها. والطريق الثاني - القياس على كفارة القتل، والجامع أنها رقبة طلب عتقها

على طريق التكفير الماحي، فوجب أن يكون الإيمان مطلوبا، [تحليلا] للعبادة، وإلحاقا [لها] بكفارة قتل النفس، هذا طريق الفقهاء في اشتراط الإيمان. وأما الصورة الرابعة التي أثبتناها، وهي ما إذا اتحد الموجب واختلف [صنف] الموجب، ومثلناها باشتراط الإيمان في كفارة الظهار تقديرا، [وإطلاق] ذكر المساكين [في] كفارة اليمين بالله، أن لو ثبت النص على إيمان الرقبة، هل [كان يتقيد] به لفظ المساكين في الكفارة، حتى يشترط فيهم الإيمان؟ فنقول: ذلك يصح، ويمكن أن يسلك فيه مسلك القياس، كما سلكناه في مسألة تقييد الرقبة في الظهار على الرقبة في القتل على ذلك المنهاج، من غير (107/ب) فرق بحال. هذا تمام الكلام [في] المطلق.

القول في دخول الشرط على الكلام

ومما يتعلق [به الكلام] [القول] في دخول الشرط على الكلام، [فإن] التقييد [اشتراط]. [وإذا استوفينا الكلام على التقييد، فلابد من الكلام على الشرط] فنقول: الشرط عبارة عما لا يوجد المشروط إلا عند وجوده، ولكن لا يلزم من وجوده وجوده، [بدلالة] في جانب نفيه، فإنه إذا انتفى، انتفى المشروط، [ولا] دلالة في جانب الوجود. [والشرط] [عقلي] وشرعي ولغوي. فالعقلي: كالحياة للعلم، والعلم للإرادة، وكذلك الحياة شرط في السمع والبصر والكلام، ولا يلزم [من وجود الحياة]، وجود هذه الصفات، ويلزم من [عدمها] عدمها.

والشرط الشرعي: كالطهارة للصلاة، وستر العورة وغير ذلك، فلا تصح صلاح المحدث، ولا يلزم إذا كان متطهرًا، أن تصح صلاته ولابد. والشرط اللغوي: كقولك: إذا دخلت الدار فأنت طالق، فإنها لا تطلق إذا لم تدخل بمقتضى الشرط، وإن أمكن أن تطلق طلاقا آخر غير الطلاق المعلق على الدخول، ويكون هذا الاشتراط قد منع الطلاق من أن يكون مطلقا. [ولا] [نقول: ] إنه نطق بالطلاق مطلقًا، ثم خصصه بالدخول، فإنه لو كان كذلك، لم يقدر على التخصيص [بعد] الطلاق، بل إنما يكون بالطلاق مضافا إلى الدخول. وكذلك النعت [يقتضي] تخصيص لفظ المنعوت، الذي لولا النعت، لكان مسترسلا، [فإن] قال: ([اقتلوا] المشركين الحربيين)، كان الأمر بالقتل مختصا بسبب النعت، ولو لم يقتل (الحربيين)، لاقتضى اللفظ قتل كل مشرك، فكذلك لو قال: أنت طالق، لوقع الطلاق ناجزا، إذ لا اختصاص له بزمان أو مكان. (86/أ) فإذا قال: أنت طالق إن دخلت الدار، فإذا لم يكن دخول، [فلا دلالة] للفظ على غير حالة [الدخول

بحال]. [فهكذا] ينبغي أن تفهم حقيقة الشرط. فإن قيل: [فإذا كان] الشرط لا دلالة له على [جانب الإثبات] بحال، وإنما يدل على أنها إذا لم تدخل الدار [لم تطلق]، فينبغي إذا دخلت أن [لا تطلق]، إذ اللفظ لا دلالة له على الإثبات بحال. [قلنا]: لم تطلق إذا [دخلت] الدار، بناء على كون دخول الدار شرطا، وأن الشرط اقتضى الطلاق، هذا باطل لاشك فيه، وإنما طلقت عند دخول الدار بوجود السبب، وهو تطليق الزوج، فإن دخول الدار لا يقتضي تطليقها على حال، وإنما هو شرط في وجود السبب، فإذا لم يكن دخول، لو يوجد السبب، [وإذا] وجد الدخول، وجد السبب، [فاستند] التطليق إلى جريان سببه عند وجود شرطه. ولقد رتب على الفرق بين السبب والشرط أحكام في الفقه: منها: صحة تقديم الزكاة قبل الحول، مع امتناع التقديم قبل النصاب. ومنها: صحة التفكير [قبل الحنث في اليمين بالله]، مع امتناع التفكير قبل اليمين. [والسند] في ذلك قوله - عليه السلام -: (من حلف على يمين فرأى غيرها

خيرا منها، فليفكر عن يمينه، وليأت الذي هو خير). فاليمين سبب، والخنث شرط. وقد صح تقديم الكفارة، بناء على جريان السبب، [وإن] تأخر الشرط. وكذلك جوز العلماء عفو المجروح عن قاتله، بناء على [جريان] السبب، [وإن] تأخر الشرط، وهو الزهوق. ولمعرفة الفرق بين السبب والشرط طرق، نذكرها إن شاء (108/أ) الله في كتاب القياس. ولقد بالغ [مالك] [رحمه الله] في الغوص على هذه القاعدة حتى قال: إذا أسقط الشريك في العقار حقه [من] الشفعة، لمن طلب [ذلك] قبل الشراء، لم يلزمه هذا الإسقاط، وكان له القيام بحقه. وقال: إذا جعل الرجل أمر امرأة يتزوجها بيد الزوجة التي [له] في الطلاق [أو الإبقاء]، فاستأذنها في التزويج، فأذنت له، فلما تزوج، أرادت

أن تطلق عليه. قال رحمه الله: ليس لها ذلك. فألزمها الإسقاط وإن كان التزويج لم يحصل، ولم يلزم الشريك الإسقاط، بناء على [أن] [الشرط] لم يحصل، [وكلاهما] قد أسقط حقه قبل تمكنه منه. ولهذا ذهب عبد الملك إلى [أنه] لا فرق بين المسألتين، [وألزم] الشريك الإسقاط. ولكن مالكا رحمه الله رأى أن الزوجة أسقطت بعد جريان السبب، والشريك أسقط قبل جريانه، [وهو] غامض، ولكن فهمه يترتب على معرفة الفرق بين [السبب والشرط]. ففي [السبب] مناسبة للحكم. [وتقريره] ههنا أن الذي يناسب أن تطلق المرأة ضرتها، تمكين الزوج لها من ذلك، إذ العصمة بيده، وأما التزويج [عليها]، فلا يصلح أن يكون سببًا لطلاق نفسها، ولا لطلاق ضرتها. وإذا كان السبب هو تمليك الزوج، فهو حاصل قبل [التزويج]، ولم يتأخر إلا الشرط، فصح الإسقاط، بناء على جريان السبب، كما صح في (86/ب) تعجيل الكفارة قبل الحنث. [والسبب]

(مسألة: الصحابي إذا روى خبرا وعمل بخلافه)

في الاستشفاع إنما هو لحوق الضرر، والشركة شرط، فإن الشركة لا تناسب إزالة ملك الشريك، وإنما الذي يناسب دخول المشتري الجديد عليه، لما يلزمه من المضايقة في الربع، فكان إسقاط الشريك [للمنفعة] قبل شراء المشتري إسقاط قبل جريان السبب، فلم يلزم. هذا [تقرير] الفرق بين السبب والشرط، وبيان دلالة الشرط، ووجه كونها إذا دخلت الدار تطلق. [والله المستعان]. قال الإمام: (مسألة: الصحابي إذا روى خبرًا وعمل بخلافه) إلى آخر المسألة. قال الشيخ: ما ذكره الشافعي [رحمه الله] ظاهر في نظر

الأصول، فإن الخبر حجة، وأعمال الصحابة إذا لم ينعقد عليها إجماع، ليست حججًا، وترك الحجة لما ليس بحجة صعب شديد. وستأتي المسألة بعينها في كتاب الترجيح. وما أحد من العلماء [يترك] الخبر بمحض [عمل] العامل، وإنما [يستدل] الناظر بالعمل على خبر على وفق العمل،

[فيترك] الخبر للخبر، لا [للعمل]. وترك الخبر بخبر متأخر عنه، ولا إشكال فيه، وإنما الشأن في تلقي الخبر من العمل. هذا هو العسر، وفيه [غموض] كثير. والمسألة لها صور نفرد كل صورة بالكلام. [فأعلاها: ] أن يكون الراوي [ذاكرًا] للخبر، والخبر يتضمن [تحريم] أمر، فيتعاطاه [الراوي]، [فلا شك] أنه لم يتركه إلا لمستند عنده اقتضى الترك، واحتمال الترك، بناء على الجرأة حرام، لا يحل المصير إليه بحال، مع إمكان مأخذ سواه، [فيتعين] المصير [إلى] أنه [تركه] لمستند

عنده. ولكن انحصار المستند الذي [استند إليه] في نص ناسخ، اتفق بلوغه إليه ولم يبلغنا، صعب شديد. إذ للقائل أن يقول: ما المانع من إسناده العمل [والمخالفة] إلى أمر لا يصلح عندنا للإسقاط؟ بل [لو ظهر، فربما] كنا نحن نقدم الخبر عليه، وهو لو عين مستنده، وأسند [المخالفة] إليه، لم نكتف نحن برأيه، ولم نقلده، فإذا كان الأمر [مبهمًا] فهو أشد. وهذا كلام واقع، والانفصال عنه شديد. ولكنا (108/ب) نقول: لا ننكر حصول غلبة الظن قبل الوقوف على سبب الترك، في أن [الخبر] ساقط متروك، [وأنه] إذا نقل للمجتهد حكم [المجتهدين] من حيث الجملة، فإنه يغلب على ظنه [الإصابة]، نظرًا إلى حصول درجة الاجتهاد، وإن أمكن عند التعيين أن [تفوت] غلبة الظن، إذ

صور تقديم عمل أهل المدينة على الأخبار

الأغلب على المجتهد الإصابة، والخطأ قليل، لاسيما إذا كانت المسألة نقلية محضة، ليس للرأي فيها مجال. وإنما كثر الاختلاف في المسائل الراجعة إلى الرأي. فأما المسائل التوقيفية، فالخلاف فيها من أهل العصر الأول قليل، فإذا غلب على الظن [عند ترك الراوي للخبر سقوط الخبر، امتنع التمسك بخبر يغلب على الظن] سقوطه. فإن قيل: إذا سلكتم هذا المسلك، فجوزوا للمجتهد [تقليد] المجتهد، فإنه يغلب على ظنه [إصابته] (87/أ) قبل بحثه، فليكتف بهذا النوع من غلبة الظن. [وإذا] لم تكتفوا [بذلك، فلا تكتفوا] بغلبة الظن الحاصلة بسقوط الخبر، بناء على ترك الراوي [له]. قلنا: [قد اختلف الناس] في جواز تقليد المجتهد للمجتهد. وليست المسألة قطعية، وهي في محل

[الاجتهاد]. وإن كان الأغلب على ظننا منع ذلك. ولكن الفرق بين المسألتين أنا لا نكتفي بغلبة الظن من حيث الجملة، إذا [قدرنا] على تلقي الأمر من جهة البحث والتفصيل والتعيين. وقد قررنا - عند كون العالم [مجتهدًا]- أن يجتهد كاجتهاده، فلم يكتف بنظره [إذا] قدرنا على مثل ما قدر عليه، وليس كذلك إذا خالف الخبر، فإنه لم يخالفه إلا لخبر عنده اتفق أنه بلغه ولم يبلغنا، وإذا تعذر [علينا] [الإطلاع] على [غير] المعارض، تعذر علينا أن نعرف التفاوت على التعيين والتفصيل، فاكتفينا بغلبة الظن

الحاصلة بسقوط الخبر تلقيًا من مخالفة [راوية] له. وهذا الطريق الذي قلناه، يطرد فيما إذا غلب الظن بلوغ الخبر له ثم خالفه، وكذلك يطرد فيما إذا غلب على ظننا أنه لم [ينسه] وجوزنا ذلك، فإن هذه الصور كلها تجري على نحو واحد، [وإن] كان بعضها في غلبة الظن أقوى [من البعض]. و [لكن] غلبة الظن حاصلة في الجميع، [لسقوط] الدليل، وليس كذلك ما إذا [شككنا] في البلوغ، ولم يغلب على الظن بوجه، فلا يسقط الأصل بسبب التردد، ويصح [حينئذ] قول

الإمام: ([إنا] على ثبت من أصول الشريعة -[أعني] الخبر [المنقول]-[ولا] يسقط الأصل بسبب التردد). وهذا الكلام صحيح عند الشك، وليس كذلك ما إذا غلب على الظن أنه بلغه. وأما [نقله] عن مالك من كونه يرى تقديم عمل أهل المدينة على الأخبار، فهذا له صور: أحدها - أن يكون الخبر بلغهم، فهذا قدر وافق الإمام على سقوط الخبر فيه. الصورة الثانية - أن يثبت عندنا أن الخبر لم يبلغهم، فلا يحل لأحد في مثل هذه الصورة أن يترك الخبر، وهم [لو بلغهم] الخبر، لما خالفوه [أصلًا].

الصورة الثالثة: أن نجد الأعمال على خلاف الأخبار، ولم نتحقق البلوغ، ولا انتفاء، [فالظاهر] من قول مالك- رحمه الله- أن الخبر متروك، بناء منه على أن الغالب أن الخبر لا يخفي [عنهم]، لقرب دراهم وزمانهم، وكثرة حثهم، وشدة اعتنائهم بحفظ أدلة الشريعة، فنقع المسألة في قسم ما إذا ظننا بلوغ الخبر، [ولم] نقطع به، وقد (109/أ) [اخترنا] في [هذه] الصورة سقوط التمسك بالخبر، ولزوم التمسك بالعمل. هذا هو الرأي الظاهر في ذلك. وعلى هذا التقدير ما [نبقى] على

شك، هل بلغهم الخبر أم لا؟ بل يغلب على الظن البلوغ مطلقا، نظرا للعادة. على أن هذه المسألة قد اختلف قول مالك فيها، فروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (البينة على المدعي، واليمين على من أنكر). (87/ب) فعم. وقال [الفقهاء] السبعة: لا تتوجه اليمين إلا بمعاملة [أو مخالطة] أو ظنه. والمشهور من مذهب مالك هذا. وله قول آخر في تعميم توجه اليمين، على

حسب ما اقتضاه الظاهر من التعميم. وأما إذا روى [الراوي، وأول وذكر] محامل، فهذا مما اختلف الناس فيه. أما من ذهب إلى أن قول الصحابي حجة، فيصير ذلك الاحتمال مرجحا، لوجدان الدليل الدال عليه. [وإذا] قلنا- وهو الصحيح- إنه لا يكون حجة، [فهل] يصلح مرجحا ومعينِّا، [وأنه] قد [ثبت] الترجيح بما [لا] يستقل [دليلا]؟ ذهب الشافعي [رحمه الله] إلى ذلك. والذي يظهر لي- والله أعلم- أنه لا يثبت [بذلك] ترجيح، إلا أن يقول الصحابي: علمت ذلك من قرائن أحوا الرسول [صلى الله عليه وسلم]. فإن صير إلى

[تعينه، فبناء] على أنه أعلم، لا باعتبار كونه راويا، [واطراد] ذلك في بقية الصحابة إذا [أولوا]- أعني كل واحد منهم على انفراد. وكل هذا إنما هو مع المصير إلى أن أقوال الصحابة ليست حججا. وما ذكره الإمام آخر المسألة من أن المخالفة إنما تكون معتبرة إذا جرت في زمن العدالة. فكرم صحيح، لأن الدليل إنما [تم] [بقولنا: ] إن كان الخبر صحيحا معتمدًا، فالعامل فاسق، ولا يحل نسبة ذلك إليه. فإذا تحقق فسقه، لم ينضبط المأخذ في الدليل المخالف، [فأمكن] أن تحمل المخالفة على [الجرأة]، [فيرجع] هذا بمثابة ما إذا لم نتحقق المخالفة. فإن قيل: فالأمر دائر بين أن يكون الخبر [متروكا]، أو [الراوي] فاسقا، وكلاهما [يقتضي] أن لا يتمسك بالخبر. قلنا: لهذا افتقر إلى أن يقدر تخلل زمان طويل، بحيث لا تنعطف [غوائل] الفسق على الخبر، فيبقى الخبر معمولًا به. هذا نهاية المسألة.

(مسألة: إذا ورد [لفظ الشارع]، وله مقتضى في وضع اللسان، [ولكن عم في عرف أهل الزمان استعمال ذلك اللفظ على خصوص في بعض المسميات])

قال الإمام: (مسألة: إذا ورد [لفظ الشارع]، وله مقتضى في وضع اللسان، [ولكن عم في عرف أهل الزمان استعمال ذلك اللفظ على خصوص في بعض المسميات]) إلى آخر المسألة. قال الشيخ: هذه المسألة، وهي تخصيص العموم بالعرف تنقسم أقساما، بعضها متفق عليه في النفي، [وبعضها متفق عليه في الإثبات]، وبعضها مختلف فيه. [والمتفق] عليه من ذلك أن يكون العرف أهل اللسان، كالدابة والغائط، وما يجري مجراه. هذا

[إن] قلنا إن الشارع لم يتصرف في اللغة، وإن بني على أنه تصرف [في اللغة]، [تنزل] عرفه [منزلة] عرف أهل اللسان، ووجب التخصيص [به]. الثاني: أن يكون العرف لغير أهل اللغة، ولم يكن [الشارع] يعرف عرفهم في الاختصاص. فهذا يجب أن تنزل ألفاظ الشارع على مقتضاها [في اللغة]، [أو في] عرف الشرع. وهذا لا يتجه فيه خلاف، إذ كيف

[يتصور أن] يكون قصد [مناطقتهم] على حسب عرفهم، ولا يعرفه؟ الثالث: أن يكون للمخاطبين، وليسوا أهل اللغة (109/ب)، والشارع يعرف عرفهم، ولكنه لم يظهر منه مناطقتهم على مقتضى عرفهم، ولا ظهر أيضًا منه الإضراب [عن] ذلك. فهذا موضع خلاف، فذهب ذاهبون إلى انه ينزل على مقتضى عرفهم، وهو تحكم، والدليل عليه ما ذكره الإمام، [وهو] كون الشارع خاطب الشريعة العربية الخلق أجمعين، على أن يفهموا من الألفاظ مقتضاها. الرابع: أن يكون المخاطبون (88/أ) اعتادوا تعاطي بعض ما يدل عليه العموم فعلا، وهذا بمثابة [ما لو] نهى عن أكل اللحم مثلا، وكان أولئك القوم اعتادوا أكل لحم مخصوص، [فهل] يكون النهي مقصورا على ما اعتادوا أكله أم لا؟ اختلف الفقهاء فيه، وكذلك الأصوليون.

وعليه خرج تخصيص الأيمان بالعرف الفعلي، فإذا حلف أن لا يأكل لحمًا، حنث بأكل [لحم] السمك، وكذلك إذا حلف أنه لا يأكل بيضًا، حنث بأكل بيض العصافير. وكذلك إذا حلف أن لا يدخل بيتًا، حنث بدخول بيت الشعر، [أو يقتصر] يمينه على [ما اعتاده]؟ هذا مما اختلف فيه. وعليه خرج الاختلاف بين أصحابنا، هل يجب على صاحب [السلس] الوضوء، أو على [من] أنزل من حكة أو ضرب غسل أم لا؟ والشهور من المذهب وجوب الوضوء على [صاحبه]، ..........................

لأن الله تعالى [قال]: {أو جاء أحد منكم من الغائط}. وهذا هو اختيار ابن القاسم. وذهب بعض أصحابنا إلى أنه لا يجب الوضوء على صاحب السلس، ونزل قوله [تعالى]: {أو جاء أحد منكم من الغائط} على المعتاد من الفعل، وخص به عموم الخطاب، وهذا ضعيف. وقد قررنا أنه إذا تحقق الظهور لغة، ولم يمنع مانع [منه]، وجب التمسك بالعموم، ولا مناقضة بين حمل اللفظ [على] عمومه، وقصور

القول في المفهوم

[التعاطي] على شيء مخصوص. هذا [أمرُ] ما ذكره الإمام [في] المخصصات، وبقي من المخصصات شيئان: أحدهما- فعل [الرسول صلى الله عليه وسلم]. والثاني- تقريره واحدا من أمته على خلاف مقتضى العموم. أما التقرير، فداخل تحت قسم [الناص] الخاص، إما تواترا، وإما آحادا. وأما الفعل فأخر الإمام الكلام فيه، لأنه طويل، وفيه تقسيم وتفصيل. ونحن نرى أن [نؤخر الكلام] فيه إلى موضعه. وإذا استقر أمره، نبهنا على كونه مخصصا أم لا؟ والله الموفق للصواب. قال الأمام [رحمه الله]: (القول في المفهوم-[ما يستفاد] من

اللفظ نوعان) إلى قوله (فلتقع البداية بالمسألة الأولى). قال الشيخ [أيده الله]: اللفظ عند أهل اللغة يدل على وجهين: أحدهما- من جهة نظمه [وصيغته]. [والآخر-] من جهة [اقتران] أمر آخر بالمتلفظ به، [قائما] بنفس المتكلم، استغني عن التعبير عنه بالتعبير [عن ملازمه]، وهذه الملازمة، قد تكون على وجه مقطوع به، وقد تكون على وجه مظنون، وقد تكون أيضًا على جهة موافقة، وقد تكون على جهة مناقضة، وقد تكون على جهة مخالفة، [لا مناقضة] ولا مماثلة. فهذه [خمسة] أمور لابد من النظر فيها.

دلالة الاقتضاء

الأول: ما يسمى اقتضاء، وهو أمرٌ مفهوم [عند] اللفظ، ولا يكون منطوقا [به]، ولكن (88/ب) يكون من ضرورة [المنطوق] به، إما من حيث [أنه] لا يمكن أن يكون المتكلم صادقا إلا به، أو من جهة (110/أ) كونه لا يصح الملفوظ [به شرعا إلا به، أو من] حيث يمتنع ثبوته عقلا إلا به. أما المقتضى الذي [هو ضرورة] صدق المتكلم، [فكقوله: (لا عمل] إلا بنية). و) رفع عن أمتي الخطأ والنسيان). فإن الخطأ والنسيان موجودان، وكذلك العمل بغير [نية] موجود أيضًا، فيفتقر إلى

إضمار، ليصح صدق المتكلم، فيضمر الحكم [أو الإثم]، أو ما يشبه ذلك. [وكذلك] قال القاضي هذا في قوله [صلى الله عليه وسلم]: (لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل). يجب إضمار الحكم، وإنما لزم ذلك، من جهة أنه [ينفي] [الأسماء] الشرعية، ويرى أن الصوم لمحض الإمساك، وهو موجود، فيجب إضمار الحكم، على حسب ما [مر]. [وأما] من جعله عبارة عن الصوم الشرعي، فيمكن انتفاؤه بطريق النطق. ولهذا قال القاضي: إنه لا عموم له، لأنه [ثبت] اقتضاء. وأما الاقتضاء الذي لا يتصور ثبوته شرعًا إلا به، فإذا أمر بالصلاة أو التزمها، [فإن] ذلك يتضمن [الطهارة لا محالة. وقد دللنا على أنه لابد من

الطهارة. وإنما يثبت ضمنًا لا تصريحًا. ومن هذا القبيل عند بعض العلماء، قول القائل لغيره: اعتق عبدك عني، فإن ذلك يتضمن] الملك للملتمس، [وإن لم يتلفظ به]، [لكنه] ضرورة المتلفظ به شرعًا. هذا مذهب الشافعي [رحمه الله]، وأما مالك، فإنه لا يرى ذلك، ويرى أن الإنسان إذا أعتق عن غيره، أن المعتق عنه، لم يملك، وإنما يثبت له الولاء [بالسنة]، [يدل] على ذلك صحة العتق عن الميت، وإن كان لا يملك. وأما المقتضي الذي يستحيل ثبوت [المذكور] عقلا إلا به، فكقوله:

دلالة الإشارة

{حرمت عليكم أمهاتكم}. فلا يتصور إضافة الأحكام إلى الأعيان، فلابد من إضمار الحكم، فالمراد: وطء أمهاتكم. وهذا كله قد تقدم كلامنا عليه. وكذلك قوله: {أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم}. [ويقرب] منه قوله تعالى: {وسئل القرية}. إذ لا يمكن سؤال الجماد، فيفتقر إلى إضمار [الأهل]. وقد عبر بعضهم عن هذا بالإضمار دون الاقتضاء، والقول في ذلك قريب. الضرب الثاني: ما يؤخذ من [إشارة] اللفظ، وإن لم تدع إليه ضرورة، بل يصح الاقتصار على المذكور، ولكن [تشير] الألفاظ إلى جهة أخرى.

وكما أن [المتكلم] قد [يعرف] بحركاته أمورًا، لا يدل عليها صريح لفظه، فكذلك يؤخذ من إشارة الألفاظ أمور ليست هي المقصود الأصلي، الذي وقع التعبير عنه، ولكنها [تقع] من توابعه. مثاله: استدلال العلماء على أن أقل الطهر خمسة عشر يوما، وأكثر الحيض خمسة عشر يوما [بقوله]- عليه السلام -: (إنكن ناقصات عقل ودين، قيل: ما

نقصان [عقلهن] ودينهن؟ قال: تمكث إحداهن شطر [عمرها] لا تصلي). فالكلام [لم يسق] [لبيان] مدة الحيض، [وإنما] سيق لنقصان الدين، ولكن نعلم من جهة العادة أن النساء [لا يحضن كلهن] شطر الدهر، وإنما القليل منهن يحضن كذلك. فنعرف (89/أ) أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقصد الغالب في ذلك، بل [قصد] القليل النادر عند مقصد التنقيص، فلو أيقن أن يكون في النساء من [تحيض] أكثر من ذلك، لارتقى إليه عند القصد إلى المبالغة في الذم.

[ومن هذا القبيل] استدلال العلماء على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر، لقوله تعالى: {وحمله وفصله ثلاثون شهرًا}. وقال: {وفصله في عامين}. فالباقي للحمل ستة أشهر، وبه استدل علي [رضي الله عنه] في المرأة التي وضعت في ستة أشهر، فأمر [عثمان] برجمها (110/ب) فقال علي رضي الله عنه: (ليس ذلك عليها). وتمسك بهذا. ومن هذا القبيل [الحكم] بأن من أصبح جنبا صح صومه، لقوله تعالى:

فهم التعليل من إضافة الحكم إلى الوصف المناسب

{حتى يتبين لكم الحيط الأبيض من الحيط الأسود من الفجر}. فبمد الرخصة إلى الفجر يعرف أن من [وطئ] عند الفجر، [فغسله يقع] بعد طلوعه. ونظائر ذلك [مما] يكثر. الضرب الثالث: فهم التعليل من إضافة الحكم إلى الوصف المناسب، كقوله: أكرم العالم، وأهن الفاسق، وامدح المطيع، فإن أهل اللغة يفهمون [من] ذلك التعليل، وإن لم يصرح به. وكذلك [كل] ما يخرج مخرج المدح والذم، والترغيب والترهيب. ومن هذا قوله تعالى: {إن الأبرار لفي نعيمٍ وإن الفجار لفي جحيم}. أي [لبرهم] وفجورهم، وهذا قد يسمى إيماء

فهم غير المنطوق من المنطوق بدلالة سياق الكلام

وإشارة، وإليك الخيرة في التعبير عنه، [بعد فهم حقيقته]. الضرب الرابع: فهم غير المنطوق من المنطوق، بدلالة سياق الكلام ومقصوده، كفهم تحريم الشتم والضرب من قوله تعالى: {فلا تقل لهما أفٍ}. وفهم تحريم الاتلاف من قوله [تعالى]: {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلمًا}. وفهم ما وراء [الذرة] [والدينار] من قوله تعالى: {فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره}. وقوله: {ومنهم من إن تأمنه

تعريف المفهوم

بدينار لا يؤده إليك}. [وكذلك] قول القائل: ما أكلت له برة، ولا شربت له جرعة، ولا أخذت من ماله حبة، فإنه يدل على [ما وراءه]. فإن قيل: هذا من قبيل التنبيه بالأدنى على الأعلى. قلنا: إذا وقع [الاعتراف] بأن مجرد اللفظ لا يقتضي ذلك، وإنما هو مفهوم من أمر زائد على اللفظ، فلا حجر في [العبارة]. فإن قيل: هو ملتقى من القياس. قلنا: ليس كذلك، فإنه لو كان من القياس، لتوقف فيه منكرو القياس، [ولكنا] لا نفهمه قبل ورود الشرع بالقياس، وأهل اللغة، بل أهل [كل] [لغة] يفهمون من هذا السياق

كمال التعظيم، وتمام الاحترام، ومجرد اللفظ لا يقتضيه، إذ قد يؤمر بقتل الرجل العظيم، وينهى عن مواجهته بالإهانة والقول القبيح. وقد يحلف الحالف ويقول: والله ما أكلت له لقمة، ويكون قد أحرق ماله أو ضيعه، فلا يحنث. وهذا قد يسمى مفهوم الخطاب، وقد يسمى فحوى الخطاب، [والخطب] في اللفظ [قريب] إذا [اعترف] أن [التأفيف] ليس عبارة عن نفي الأذية على الإطلاق. وقد زعم بعض الأصوليين أن هذا من قبيل الألفاظ العرفية، فيصير بمثابة الغائط والبول (89/ب)، الذي ألف في العرف انطلاقه على غير ما وضع له، فيكون على هذا منطوقًا به. وقد بينا خلاف ذلك.

وقال قائلون: هو من القياس والاعتبار، فإن أراد القوم أن المنطوق به هو الذي [عرف] حكم المسكوت عنه، فهو [صحيح]. وإن أرادوا أنه من القياس [الذي] جاءت الشريعة بإثباته وشروطه، فليس كذلك، فإنا قد قلنا: إن العقلاء قبل ورود [الشرع]- عند فهم هذا السياق - يفهمون تحريم الأذية، ووجوب الاحترام. الضرب [الخامس]: المفهوم: ومعناه الاستدلال بتخصيص الشيء بالذكر على نفي الحكم [عما] عداه.

وسمي مفهوما، لا لأنه [يفهم غيره، بل] [المنطوق] به أيضًا مفهوم، [بل لما] فهم من غير تصريح بالتعبير عنه، سمي مفهومًا، وهذا أيضًا لا يقال على الإطلاق، فإنه لو سمي مفهوما لهذا، اقتصارًا عليه، لسميت الأقسام (111/أ) الأربعة السابقة [مفهومًا]، فهو مخصوص عند الأصوليين بما فهم عند النطق على وجه مناقض للمنطوق به. أما إذا كان يوافقه، [فإن] انتهى إلى حد يقطع به، سمي فحوى، وإن كان على وجه مظنون، أطلق عليه إلحاق الأدنى بالأعلى. وقصر الشافعي [المقطوع به في] إلحاق الأدنى بالأعلى، وليس كذلك، فإنه قد يكون مساويًا، كقوله - عليه السلام -: (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم). فإنه لو صب بولًا

من إناء في الماء، [لكان] في معناه. وإنما عظم الأمر وطال النزاع في مفهوم المخالفة. وأما مفهوم الموافقة، فإنه يرجع إلى فهم سياق، أو ثبوت استواء في نظر الشرع، فلا [تنازع] فيه، إذا كان جليًا. وقد يتنازع في المنطوق [منه]، [كما قال] الشافعي: إذا وجبت الكفارة في الخطأ، فلأن تجب في العمد أولى. وقد نازعه مالك في ذلك، ولم يوجب الكفارة في العمد، ورأى أنه أعظم من أن يكفر. وقد تعرض الشافعي [لبيان] [درجات] المفهوم، ولم يستوعب الأقسام، ولم يذكر مواضع الاختلاف منها. ونحن نذكرها، ونبين تفاوتها. إن شاء الله تعالى.

مفهوم اللقب

[الرتبة] الأولى: وهي أبعدها، بحيث يجب أن يقر ببطلانها كل ذي عقل، تخصيص المسميات بألقابها، كتخصيص الأشياء الستة في الربا، ، فإن ذلك إنما قصد به تعريف المسميات، ولم يقصد به النفي. وسيأتي الدليل عليه. الرتبة الثانية: تخصيص الأوصاف التي [لا] تطرأ ولا تزول، كأسماء الأجناس، كقوله: ([لا تبيعوا البر بالبر]، ولا تبيعوا الطعام بالطعام). [وهذا] فيه خلاف وتفصيل، ولا فرق بين أن يقول: (لا تبيعوا البر بالبر)، [وبين أن يقول: ] (لا تبيعوا الطعام بالطعام)، إذ هذا الاسم جعل لقبًا لجنس أوسع من الأول. الرتبة الثالثة: تخصيص الأوصاف التي تطرأ وتزول، كقوله: (الثيب أحق

مفهوم الصفة

بنفسها من وليها). و) السائمة تجب فيها الزكاة). [فلأجل] [أن] السوم يطرأ ويزول، قد يتوهم [أن] [لطيران] [الزكاة] [صلة] [بطريان] السوم، وأن ذلك يتضمن نفيًا عما سواه، إذ لما كانت غير سائمة، لم تذكر [الزكاة] [فيها]، وهذا عندنا ضعيف. وفرق الإمام بين الصفة المناسبة وغيرها، (90/أ) وسنتكلم على ذلك. الرتبة الرابعة: أن يُذكر الاسم العام، ثم [تذكر] الصفة الخاصة في

معرض [الاستدراك]، كقوله: (من باع ثمرة مؤبرة فثمرتها للبائع). [وكما] لو قال: (أكرموا العلماء الصالحين، واقتلوا المشركين الحربيين)، فقد يقول القائل: لو كان الحكم [يعمها] لما أنشأ بعد ذلك استدراكًا، وهذا عندنا ضعيف. نعم، هذا التخصيص يفهم أن هذا [هو] المنطوق به، أما أن يعرفنا نفي الحكم عما عداه فلا. [فيقول] القائل: فما سبب الاستدراك؟ قلنا: سببه أن يبين المحل المحكوم فيه، أو لسر آخر، فلا يلزم من ذلك إشعار اللفظ بالنفي عما سواه بحال. وسبب تفاوت هذه الدرجات: أن ذاكر [اللقب] [يحتمل] أن يقال لم يحضره سوا، فلذلك عبر عنه على الخصوص. فهذا سبب، وهو الغفلة عن غيره. [وتبعد] الغفلة عن الفكر عند ذكر [النعت]، لأن الصفة

مفهوم الشرط

[بذكر] ضدها [يضعف] احتمال [النسيان]، فكأنه [يقوي] احتمال قصد القصر عند ذكر الضد، وإذا ذكر الجنس، ثم استدرك بالفصل، انقطع هذا (111/ب) الاحتمال بالكلية، فقوي احتمال المفهوم عند انقطاع [احتمال] الغفلة. [فهذا] بيان تفاوت هذه الجهات. والصحيح أن ما سوى هذه المذكورات مسكوت عنه على الإطلاق. [الرتبة] الخامسة: الشرط وأبوابه، على حسب ما ذكر الإمام. [الرتبة] السادسة: قوله - عليه السلام -: (إنما الماء من الماء). و) إنما الشفعة فيما لم يقسم). و) إنما الولاء لمن أعتق). و) إنما الربا في

مفهوم الحصر والغاية والعدد

النسيئة). و (إنما الأعمال بالنيات). وقد أخذ على هذه [الرتبة] بعض المنكرين للمفهوم. وهذا عندنا خطأ، وسنبينه بعد ذلك، إن شاء الله تعالى. [الرتبة] السابعة: [مد] الحكم [إلى غاية] [بصيغة] (إلى) و) حتى) كقوله [تعالى]: {[ولا] تقربوهن حتى يطهرن}. و} حتى يعطوا الجزية}. وقد جحد المفهوم فيه بعض المنكرين للمفهوم، وقالوا: هذا نطق بما قبل الغاية، وسكوت عما بعد الغاية، فيبقى على ما كان عليه. واعترف القاضي به، وهو الظاهر. ويقرب منه التحديد

مفهوم الاستثناء

بالعدد، كقوله: (اضرب عشر ضربات). و} الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة}. [الرتبة] الثامنة: الاستثناء، كقوله: (لا عالم في البلد إلا زيد)، و) لا إله إلا الله)، فقد ذهب قوم إلى أنه إنما نطق بالنفي، ولم ينطق بما [تثبت] له القضية، فكأنه قال: (ما سوى الله ليس بإله)، ولم يتعرض في كلامه لإثبات الآلهية [لله تعالى]. [وهذا] سرف عظيم، وجهل باللغة، وخروج عن مقصد العقلاء، وإنما غرهم في هذا، أن القائل [قد] يقول: (لا سيف إلا ذو الفقار)، وإن كان لا يقصد النفي. وهذا خطأ من وجهين: أحدهما- أن هذا اعتراض على النفي، لا على الإثبات. الثاني- أنه لم يرد نفي ذات السيوف، وإنما أراد نفي الكمال والجودة، وقصرها على ذي الفقار، فهو يدل على ضد مقصودهم. وتمسكوا أيضًا بقول [صلى الله عليه وسلم]: (لا صلاة إلا بطهور). و) لا عمل إلا بنية). قالوا: هذا إنما (90/ب) نطق بالنفي [دون الإثبات]. وهذا كلام

(مسألة: نذكر وجوه احتجاج القائلين بالمفهوم، [ونتتبع]

صحيح، ولكنه ليس من الباب لوجهين: [أحدهما-] أن [) الباء)] التي هي [) باء)] السببية [موجودة، فهي مرشدة] إلى الاشتراط والاستعانة، فالمقصود بهذا: الإخبار عن امتناع [الصلاة بلا طهارة]، فيرجع [إلى]، باب الشرط الذي انحصرت دلالته على النفي. الثاني- أن قوله: (لا صلاة) [لا] يتضمن نفي الطهارة حتى يستدركها ب) إلا)، فلما لم تكن داخلة تحت لفظ المنفي، لم يتصور فيها الاستثناء، بناء على الإثبات، فالمراد الاشتراط خاصة، بخلاف قوله: (لا إله إلا الله)، فإن من قال ذلك، [فقد نفى وأثبت] قطعا. قال الإمام: (مسألة: نذكر وجوه احتجاج القائلين بالمفهوم، [ونتتبع].

ما لا نرضى فيها [بالإبطال]، ثم [نعقبها] بوجه الحق) إلى قوله ([ولا نجد في أنفسنا العلم الضروري [باعتقاد] الأولين] اقتضاء التخصيص نفي ما عدا الخصوص). قال الشيخ: جميع ما ذكره الإمام [مستقيم]، إلا في قضية واحدة، [وهي] إنكار صحة قوله - عليه السلام -: (لأزيدن على السبعين). فإن هذه الزيادة صحيحة، ثابتة في الصحاح، ذكرها [) مسلم)]

في (صحيحه). وما ذكره القاضي في إنكار استفاضة الأخبار، بالنظر إلى جملة (112/أ) الرواة، حسن بالغ، وذلك أنه إذا افترقت الرواة في نقل الأقاصيص، فلا تخلو تلك الأقاصيص: إما أن تشترك في أصل واحد، وتختلف في التفصيل، أو لا تشترك بحال، او تشترك في [الجهة] الخاصة. فإن اشتركت في الجهة الخاصة، مع [توافر] عدد التواتر، واجتماع الشرائط، فهو الخبر المتواتر، على ما يأتي بيانه. وإن لم تشترك الأقاصيص في أصل، ولم يحصل في كل قصة عدد التواتر، لم يحصل العلم بشيء منها، لا أصلا ولا تفصيلا. وإن اشتركت في الأصل، وافترقت في التفصيل، فإن كان جملة الرواة للأقاصيص، لو اشتركوا في نقل جهة خاصة، لتواترت بنقلهم، وحصلت بقية

[الشروط]، فإذا [أخبروا عن] التفصيل، حصل العلم بالأصل دون التفصيل، لاشتراك العدد في الأصل. وهذا كشجاعة علي [رضي الله عنه]، وكرم الطائي، فإن تفصيل القضية [تشترك] في أصل الشجاعة والكرم، لا جرم علم الكرم، وإن لم يعلم [آحاد] الوقائع. وليس كذلك تفصيل المفهوم، فإنه لم يحصر الرواة في [حد يتواتر] النقل بعددهم. [وأيضًا] لو قدرنا أنهم قطعوا بالمفهوم، [فمستندين] إلى علم ضروري، على حسب ما يأتي في شرح التواتر. والأخبار المنقولة أيضًا لا يقطع

بأنها استندت إلى المفهوم، فشرائط التواتر [مختلفة] كلها. [قال الإمام]: (طريقة [أخرى لهم] ضعيفة) [إلى قوله] (بمثابة

فرض التخصيص باللقب). (91/أ) قال الشيخ: الأمر على ما ذكره الإمام، ونزيده [تقريرًا] وتقريبًا، ونبين [وجه] الوهم فيه. اعلم أن هذا الأصل، وهو إذا كان الحكم يتناول صورا كثيرة، فنص

[على] بعضها، وخص بالذكر في خلاف ذلك الحكم، [فلاشك] أن الفرق يدرك بين المقتطع، وبين المنفي، ولم يكن الفرق قبل ذلك ثابتا، فلما وقع التخصيص في البعض [بالنقيض]، عقل الفرق حينئذ، وعماد الفرق أمران:

أحدهما- ثبوت الحكم الأول في [المنفي]. والثاني- ثبوت الحكم الثاني في المقتطع، وإنما [تنبه] الذهن [للفرق]، بسبب النص على المقتطع، [فيظن] أن الحكم في القسمين [استند] إليه، وليس الأمر كذلك، بل الحكم في الأول مستمر، على ما

يقتضيه الأصل السابق، والحكم الثاني هو المتلقى من الخطاب الجديد، فتوهم قوم [أن] الخطاب الجديد هو الذي أفهم الحكمين المتناقضين في [المحل]، وذلك غلط بين. والاستشهاد على فساد هذا الوهم بالتنصيص على اللقب عند الاقتطاع، استدلال [غير] صحيح، إذ اللقب لا مفهوم له. وصورته: ما إذا قال الرجل [لوكيله]: بع سالما، [فإنه] لا يتمكن من بيع غانم، لا لأجل النص على

بيع سالم، ولكن لأنه لا يبيع إلا إذن، والحجر سابق، والإذن قاصر، فبقي الحجر على ما كان عليه في غير محل الإذن. فليتنبه لهذا. قال الإمام: ([وأما] الإمام الشافعي، فإنه احتج في إثبات القول بالمفهوم) إلى قوله (وليس في كلام الشافعي التزام ذلك، على ما ينبغي من اختصاص أثر التخصيص بالمواصفات [عنده]). قال الشيخ: هذا الذي

ذكره الإمام هو تقرير الشافعي، وقال: إنه حسن بالغ، وإنما اعترض عليه بالنقض [باللقب خاصة، فإذا الطريق صالح، وإنما جاء الخلل من النقض]، [فيقتضي ذلك] أنه إذا اطرد الطريق، صلح [للاعتماد] والوفاق، [فقد] طرد هذا، فينبغي أن يكون مذهبه مستقيمًا، وذلك غير صحيح، فإذًا الطريق غير صالح (112/ب) [ولا] حسن، سواء [اطرد أو انتقض]. فيا ليت شعري من أي [وجه] حسن [هذا] المأخذ؟ على أن النقض على الحقيقة لا يتوجه على الشافعي، فإنه لم يجع انحصار الفائدة في المخالفة قطعًا، إذ لو كان كذلك، لقطع بالمفهوم، وغايته أن يكون مظنونًا. وإذا

كنا نظن أن الشارع قصد المخالفة عند التخصيص بالصفات- إذ هو الغرض في هذا الباب- فنحن على بصيرة أن التخصيص بالألقاب لا يقصد به المخالفة [على حال، لقيام دليل القياس. فهذه الصورة دلت الأدلة على أن] المخالفة في الحكم، ليست مقصودة. [ولا] يلزم من ترك الظاهر في صورة، [لدليل] دل عليه، [سقوطه] على الإطلاق. هذا [هو] مستند الشافعي في الفرق بين الصفات والألقاب. ولكن الطريق [الموثق به عندنا] غير صالح، لا باعتبار انتفاضه، ولكن لأمور أُخر: منها- أن هذا القائل جعل [طلب] فوائد الألفاظ دليلًا على الوضع، (91/ب) والأمر بالضد من ذلك. ولو [صرنا] إلى ما قاله، للزم جحد

المشتركات والمجملات من اللغات، بل يجب فهم اللفظ أولًا، ثم ينظر في [فائدته] وإجماله، وتعدد الفائدة وانفرادها. هذا هو الصحيح، [فأما] أن يجعل الوضع تابعًا [للفائدة] فلا. الثاني-[أنا] نسلم أن التخصيص [لا يكون إلا لفائدة]، فمن أين يلزم أن تكون الفائدة اختصاص المذكور بالحكم واقتصاره عليه؟ والفوائد كثيرة، والبواعث على التخصيص متعددة، إما بالإضافة إلى كونه خطر بباله دون غيره، أو حاجة ناجزة، أو جوابا عن واقعة [خاصة]. فإن قيل: لو كان عليه باعث آخر، لعرفناه. قلنا: ومن اين يلزم أن يكون كل باعث معروفا لكم؟ وهذا الكلام [كثيرا] ما يستعمله بعض الأصوليين، فيجعل عدم علمه بالشيء دليلًا على عدم ذلك الشيء، وهذا غلط بين، وقد

تقدم تقرير فساده قبل هذا. الثالث- أن ما ذكره يبطل بتخصيص اللقب، على حسب ما مر، إذ لابد للتخصيص من فائدة عند القوم، إلا الاختصاص بالحكم، والقصر على المذكور. الرابع- أنا [نبدي للنص] على الموصوف فوائد زائدة على قصر الحكم عليه. منها- أن ينص عليه، ليخرج [عن] محل الاجتهاد، ويكون الحكم ثابتا فيه بطريق التوقف، حتى يتمكن المجتهد من إخراجه بطريق النظر والرأي. وفائدة أخرى: وهي أن يحصل أصلا معتبرا في [الإلحاق] به [والاعتبار].

[وثالثة]: أن يرد الخلق إلى القياس [والاستنباط]، ليؤجروا على ذلك، ولولا هذا [لذكر لكل] حكم رابطة كلية، ولكن علم الله تعالى [صلاحًا للخلق] في تحريك [دواعي] المجتهدين في بالبحث والاستنباط، وإبداء [سرائر الشريعة]. ولهذا السر [حسن] استنباط العلة القاصرة، للوقف على حكم الشريعة. الرابعة: أن يكون الله تعالى إنما تعبده بالنص على هذا الخصوص بالصفة، وما كان له أن [يخالف] أمر الله تعالى، كما أمره [الله تعالى] بذكر الأشياء الستة، فذكرها للتعبد الوارد عليه، لا لقصر الحكم عليها، فكل ذلك ممكن. فكيف يدعي أنه لا فائدة في الشريعة إلا قصر الحكم على المذكور؟ وهذا وهم محض، وخيال ضعيف. قال الإمام [رحمه الله]: (وقد [حان] أن [نبين مسلك] الحق

أدلة إمام الحرمين على القول المختار

على (113/أ) وجه [يشتمل على بيان] المختار) إلى قوله (فهذا منتهى المراد في هذا الطرف). قال الشيخ: اقتصر في هذا [المكان] على التشنيع والتهويل، ولم يأت على المسألة بدليل، غير أنه وقع له الوهم في فهم المسألة. وذلك أنه لا خلاف أن باب الشرط يتضمن اختصاص الجواب به، وأن القائل إذا قال: من أتاني أكرمته، أن هذا الكلام لا يحتمل قط أن يكون وضعه أن يكرم [مكرمه]، ويكرم غيره. [ومنكرو] المفهوم لا يقولون هذا، ولا يصيرون إليه، فكيف يصح أن يضاف إليهم أنهم يرون استرسال هذا الكلام على [إكرام] الآتي وغيره؟ هذا محال، بل الصحيح أن هذا الناطق لم يلتزم [إلا إكرام] الآتي خاصة. ولا

يكون الإكرام [متلقى] من الشرط، ولكن من الالتزام عند الشرط. [فالشرط [بين أنه لم [يلتزم] (92/أ) الإكرام لغير الآتي. فإنا قد بينا أن [دلالة] الشرط انحصرت في النفي دون الإثبات، فلو قال: أنا أكرم الناس، لم يختص بآت من غيره، فلما قال: من أتاني، اقتضى هذا الكلام أن غير الآتي لا مدخل له في التزام الإكرام، [فأفاد] الشرط التخصيص خاصة، دون الإعطاء والإكرام. وقد تقدم تحقيق هذا في فصل الشرط، فيكون غير الآتي غير مذكور بحال. وأصحاب المفهوم [يقولون: ] إنه [قال: ] لا أكرم من لا يأتي، وهذا تحكم محض، وخروج عن حقيقة الشرط. [وحمل] الإمام [على]

منكري المفهوم أنهم يقولون: [إنا نكرم] الآتي وغيره، وليس كذلك. ففرق بين أن يتقاعد اللفظ عن التعرض لغير الآتي، وبين أن يتعرض [لمنعه] وإعطائه. أما إعطاؤه، فلا ذاهب إليه، وأما قصور اللفظ [عنه]، فهو الذي نختاره، وهو الجاري على ذوق الشرط. وأما [كونه] تعرض فيه للمنع، فبيس كذلك، [ونظير] هذا لو قال القائل: أنا أكرم الصالحين، لم يكن في هذا الإخبار ما يدل على أنه لا يكرم غيرهم، فالتخصيص بالصفة، كالتخصيص بالشرط. فإذا قال القائل: أنت طالق إن دخلت الدار، فالفقهاء متفقون على أن هذا الكلام لا يتضمن أنه لا يطلقها إذا لم تدخل الدار، بل هذا الكلام يتضمن أنه [لا يلزم] طلاقها بهذا اللفظ إلا إذا [دخلت]، وإذا دخلت، طلقت

بالالتزام، [لا] بالشرط. فإن قيل: [فقد] قلتم: إن الشرط لا دلالة [له] إلا على انتفاء المشروط، ولا يدل [على [ثبوته، [وإذا صرتم] إلى الكلام إلى أن الطلاق لا يفهم نفيه عند عدم الشرط، فقد نقضتم [ما قلتم]، ورجعتم عما أثبتم. قلنا: ليس الأمر كذلك، [فإنه إذا] انتفى الدخول، [انتفى الطلاق] المعلق عليه، وكذلك إذا قال: إن جئتني أكرمتك، فهذا القول لا تعلق له بغير [حالة] المجيء [بحال. فحالة عدم المجيء مسكوت عنها]، وحالة عدم دخول الدار [مسكوت عنها، باعتبار هذا الكلام، فإن أكرمه، أو طلقها من غير دخول الدار] [أو الإتيان]، لم يكن مناقضا

مسالك بطلان القول بالمفهوم عند الأبياري

لشرطه، ولا مخالفا لقوله، [ولا مؤوِّلًا]، بل تصرف في محل مسكوت عنه. هذا هو [التحقيق] في المسألة، وفيه تقدير الشرط على بابه، وقصر دلالته على النفي عند انتفائه، أي لا تكون [غير] الصورة المشروطة مذكورة بحال. وهذا سر عجيب، فليقف الإنسان عنده ليقف عليه. وأبو المعالي إنما رد الصور كلها إلى هذه الصورة، وقد ظهر بطلانها، فجميع (113/ب) ما يأتي يرجع إليها. قال الإمام: (ومما نذكره التحديد بالزمان أو المكان أو العدد) [إلى قوله] (وهو من صور المفهوم). قال الشيخ: هذا أيضًا من الطراز الأول، ونحن نسلِّم أن الحدود تتضمن حصر [المحدودات]، وأن المتكلم

[لم] يتكلم إلا بذلك المحدود، ولم يتكلم بغيره بحال. [مثاله]: إذا قال: اضربه عشر ضربات، أو [اجلده] ثمانين جلدة، فاللفظ [لم يتناول] إلا الثمانين خاصة، (92/ب) وما زاد عليها، فغير مذكور. وتوهم [الإمام أيضًا] أن منكري المفهوم يزعمون أن اللفظ لا اختصاص له يالثمانين، وذلك خطأ قطعًا، ففرق بين كون اللفظ مقتصرًا على الثمانين، وبين أن يكون صالحًا لا، وللزيادة عليها، وبين أن يكون [مقتصرًا] عليها، لا تعلق له بغيرها. فأصحاب المفهوم يزعمون أنه [دال] على الثمانين إثباتًا، وعلى الزائد نفيًا. [وإما إضافة] الإمام [إلى منكري] المفهوم يزعم أنه يحمل الدلالة على الزيادة إثباتًا، [فهذا] خطأ قطعًا. ونحن نرى أنه يدل على الثمانين [إثباتًا]، ولا دلالة له على ما زاد عليها، [فيبقى] المحل [مسكوتًا]

عنه، فيثبت بدليله، إما موافقًا [له]، وإما مخالفًا. قال الإمام: (ومن الصور تخصيص الموصوفات بالذكر) [إلى قوله] (فهذا ما أردناه). قال الشيخ: ما ذكره في الصيغة وتقسيمها غلى المناسب [وغيره]، كلام صحيح، وقد قدمنا (93/أ) في القسم [الثالث] من أقسام المفهوم، فهم التعليل من تعليق الحكم على الصفات المناسبة، كقول القائل:

ذم [الفاجر]، وأكرم المطيع. وقصارى ذلك الكلام، فهم التعليل، وأنه الباعث له على الحكم الخاص، بحيث لم يأمر إلا بذلك المعلول، أو لم يحكم إلا فيه. [فأما] أن يفهم من هذا أنه يحكم بالنقيض في غيره فلا، إذ لا يستفاد من التعليل إلا معرفة الباعث. فلو قال القائل: أكرم زيدًا، لم يفهم من هذا الكلام أنه [ينهى] عن إكرام غيره، وكذلك في الخبر لو قال: أكرمت زيدًا، لم يتضمن هذا أنه لم يكرم غيره، فإذا كان اللفظ مقتصرًا على زيد [عند] عدم التعليل، فالتعليل لا يصير له مفهوما آخر، لم يكن له قبل ذلك. هذا أمر واضح، ومن زعم أن دلالة اللفظ تزيد عند تعليله، فليس على بصيرة من أمره. فالعام قبل التعليل لا يصير خاصاً بعد التعليل، بالإضافة إلى وضع اللغة، [هذا إذا كانت العلة] تطابق جميع الصور. وكذلك الخاص لا يصير عامًا بحال. وقوله: (إن الحكم إذا ارتبط بعلة أشعر وضع اللسان بثبوته [بها]

و [انتفائه] عند انتفائها). هذا قد يسلم، [ولكن] هذا كله فيما يتعلق بالمذكور [المعلل] إكرامه بالإتيان، [يعني] أنه إنما التزم إكرامه على تقدير إتيانه. وأما عدم الإتيان، فلم يجر له ذكر، لا بالإكرام، ولا بمنعه. وقد حققنا ذلك في باب الشرط تحقيقًا بالغًا، فلا نعيده. [وأما] تشبيهه بقوله: (إنما أكرم الرجل لاختلافه إلى). فهذا [أيضًا فيه] خلاف، فإنه إنما تضمن إكرامه عند الاختلاف، ولم يتعرض لحاله إذا لم يختلف. فعلى هذا لا يحصل للإمام مقصود. وإن سلمنا - وهو الصحيح -[فـ) إنما)] كلمة حصر عند أهل اللغة تتنزل منزلة النفي والإثبات في أبواب الاستثناء، قال الله

[سبحانه]: {إنما الله إله واحد}. وأراد قصر [الألوهية] عليه، واختصاصه [بها]، وينزل (114/أ) ذلك منزلة قوله: {لا إله إلا الله}. فالاعتماد في [مسألة التمثيل] في صورة التعليل على حرف الحصر، وهي (إنما)، لا على مجرد لفظ التعليل. وإنما صورة المسألة أن يقول القائل: أكرمت زيدًا، لاختلافه إلي، فإن هذا لا يتضمن منعًا من إكرامه إذا لم يختلف، ولا تحقيق الإكرام، بل [هذه] حالة مسكوت عنها. على ما تقدم [فيما مضى من] الأبواب.

قال الإمام: (فإن قيل: خصصتم [بالذكر] الصفات [المناسبة للأحكام]) إلى ذكره ([الدقاق]). قال الشيخ. [أما] تفرقة الإمام بين الصفة المناسبة وغيرها، فهو صحيح على أصله، فإنه لم يصر إلى القول

بالمفهوم، بناء على طلب التخصيص، لانتقاضه بتخصيص اللقب، فسلك مسلكًا آخر، وهو الصفة المناسبة، لتفهمه التعليل، ويتلقى المفهوم من التعليل. على حسب ما [مضى]. وقوله: (ومن سر هذا الفصل) إلى آخره. [كلام] يفيد ظاهره الفرق بين العلة المستنبطة والمومأ إليها، وليس الأمر (93/ب) كذلك، وإنما [اشترطت] تلك الشروط في المستنبطة، ليثبت كونها علة، فإن الناظر عند اطلاعه على الوصف المناسب مثلًا، يجوز كونه علة، ويغلب ذلك على ظنه، إن وجد بقية شروطه، فكانت الشروط في المستنبطة، ليثبت بها التعليل. أما النص فقد [أغنى] عن شروط الاستنباط، [وقد ثبت، فمالنا نطلب شروط ثبوته؟ فهذا فرق بين الاستنباط] والنص، [وفرق] بين المستنبطة والمنصوص عليها.

المسألة المعقودة على الدقاق في القول بمفهوم اللقب

هذا تمام ما اشتمل عليه الكتاب، وبقي علينا أن ندل على إبطال المفهوم، على حسب ما نختاره. وكلامنا مخصوص بما إذا لم يوجد سوى تخصيص الشيء بالذكر من غير دليل زائد، ويدل على بطلانه مسالك: الأول: أن نقول: إثبات الحكم [للمنطوق] به ثابت، أما نفيه عما سواه، تلقيا من ذكره، واستنادًا إليه، [فلا] يعلم إلا بنقل من أهل اللغة، [متواتر] أو جار مجرى التواتر، [والجاري مجرى التواتر]: هو أن يطرد الأمر في لغتهم اطرادًا لا [يقتصر]، كأسماء الفاعلين والمفعولين، وكأمثلة المبالغة، [كضروب وقتولٍ]، والأعلم والأفضل، وإن كان هذا قد يستعمل بمعنى العالم، ولكن [الغالب] المبالغة والإشعار بالزيادة. أما نقل الآحاد، [فلا يكتفي به] [عند كثير من الأصوليين. قالوا: إن إثبات لغة ينزل عليها كتاب الله وسنة نبيه بقول الآحاد، لا يكفي]. وهذا قد ذكره القاضي وغيره. وهو اقتصار منهم على مجرد الدعوى، معراة عن

الدليل، وأئمة العربية متفقون على خلاف ذلك. هذا سيبويه - على جلالة قدره في هذا الفن - يرجع إلى ما ينقله [الخليل] وأبو عمرو. فإن قيل: لا يصار إلى القوم فيما يتعلق بالأعمال. قلنا: لو نقل سيبويه أن أبنية السلامة من أبنية القلق، [وكذلك] غيره من أئمة العربية، ولم يبلغوا عدد التواتر، لصير إلى قولهم في ذلك، وكذلك أبو عبيدة وغيره. وأكثر تفسير ألفاظ الكتاب [وغيره] رجعت إلى قول طائفة من هؤلاء. [واشتراطه] النقل المتواتر في [تفسير] كل لفظة من كتاب الله عز وجل متعذر، لا شك فيه، لاسيما عند [بعد] الأعصار، وفساد لغات العرب، [فتكليف] [أهل] العلم بالنقل المتواتر في كل كلمة تكليف شطط. فالصحيح عندي الاكتفاء بغلبات الظنون فيما يتعلق بفهم آحاد الكلمات، ولا ينفك أحد من الأئمة عن التمسك في آحاد كلمات العربية بقول بعض [أئمتها].

المسلك الثاني: حسن الاستفهام، (114/ب) فإن من قال: إن ضربك زيد عامدًا فاضربه، حسن أن يقال: فإن ضربني خطأ، فهل أضربه؟ وإذا قال: أخرج الزكاة من سائمتك، حسن أن يقال: وهل أخرجها من المعلوفة؟ وحسن الاستفهام [بذلك] يدل على أن ذلك غير مفهوم، فإنه لا يحسن في المنطوق، وحسن [في المفهوم] المسكوت عنه. المسلك الثالث: أنا نجدهم [يعقلون] الحكم، تارة على الصفة، مع مساواة المنطوق به المسكوت عنه، وتارة يقصدون القصر عليه، فالثبوت للمنطوق به قد عرف، فأما الاقتصار عليه، [فدعوى] عرية عن [التحصيل، يعارضها عكسها من غير ترجيح. المسلك الرابع: أن الخبر عن] ذي (94/أ) الصفة، لا يتضمن نفي [غير] الموصوف؛ فإذا قال: قام الأبيض وخرج وقعد، لم [يدل] على نفيه عن [الأسود]، بل هو [سكوت] عن [الأسود]. وإن منع ذلك

مانع - وقد قيل [به]-[لزمه] تخصيص اللقب [والاسم] العلم، حتى يكون قوله: رأيت زيدا، نفيا للرؤية عن غيره، وإذا قال: ركب زيد، اقتضى ذلك أنه لم يركب غيره. وقد [التزم] هذا بعض أصحاب المفهوم، وهو بهت، واجتراء على أهل اللغة. ومتضمن هذا أن القائل إذا قال: محمد رسول الله، أن يكون كافرًا، لأنه نفى الرسالة [عن موسى] وعيسى [وغيرهما من الأنبياء [عليهم السلام]. فإن قيل: هذا إنما يلزم في اللقب بخلاف الصفة. قلنا: طلب فوائد التخصيص فيهما جميعًا على حد واحد، [فاللقب] لتعريف العين، [والصفة] لتعريف الجنس. وقوله: (في الغنم زكاة) [في] الاقتصار عليها، وعدم التعرض لغيرها، كقوله: (في السائمة الزكاة) في عدم التعرض للمعلوفة.

[المسلك] الخامس: أنا نعلم أن العرب كما أخبرت عن الأشخاص والأعيان بأسمائها، فاقتضى [ذلك] قصرًا عليها، وكذلك أخبرت عن الموصوفات بصفاتها، [فليقتض] ذلك اقتصارًا عليها. ولو قال القائل: تزوجت امرأة ثيباً، ثم قال بعد ذلك: [تزوجت] بكرًا، يعني [غير] الأولى، لم يكن كاذبًا، ولا كان قوله متناقضًا. وكذلك لو قال: اشتريت سائمة، وكان قد اشترى معلوفة [أخرى]، لم يكن كاذبًا. وكذلك [في] النخل المؤبرة وغيرها من الموصوفات. ولو كان ذلك يقتضي حصرًا وقصرًا، لكان ذلك كذبًا منه. فإن قيل: هل تدل على القصر دلالة ظاهرة وتقبل التأويل؟ قلنا: فإذا كان كذلك، فينبغي أن نظن به الكذب، حتى [تبين] جهة التأويل، وليس [الأمر] كذلك على حال. فتقرر بهذا كله أن ذكر الشيء [مختصًا]، لا يتضمن نفي غيره أصلًا، اللهم إلا أن تظهر قرينة حالية أو مقالية [والمقالية] كلفظ (إنما) المؤذن بالحصر، [أو لفظ] (إلا) كما في قولهم: قام القوم إلا زيدًا.

وهل يكون [مد] الحكم إلى غاية بضيغة (إلى) و) حتى) من جملة القرائن اللفيظة [الدالة] على القصر والاختصاص، وثبوت النقيض [لما] بعد الغاية والحد؟ هذا مما اختلف فيه من رد المفهوم. ذهب القاضي إلى أن ذلك يدل، وقوله تعالى: {[ولا تقربوهن حتى يطهرن}. يدل عنده على تحريم الوطء قبل انقطاع الدم، وعلى جوازه بعد الانقطاع والغسل، حتى أنه لو لم يرد قوله: {فإذا تطهرن فأتوهن}، لكان ذلك يفهم من مجرد قوله: {حتى يطهرن}. وقال أبو حنيفة وجماعة من المنكرين للمفهوم: [هذا] نطق بما قبل الغاية، وسكوت (115/أ) عما بعد الغاية، فيبقى على ما كان عليه قبل النطق. واحتج بأن قوله تعالى: {فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجًا غيره}. و} حتى يطهرن}، ليس كاملا مستقلا، [فأنه] لم يتعلق بقوله} ولا تقربوهن}. فيكون لغوا، وإنما يصح لما فيه من إضمار، وهو قوله: (حتى يطهرن فاقربوهن)، و) حتى تنكح زوجا [غيره] فتحل).

وبهذا يقبح (94/ب) الاستفهام إذا قال: لا تعط زيدا حتى يقوم، فإذا قال: أفأعطيه إذا قام؟ فلا يحسن، إذ معناه: أعطه إذا قام. لأن الغاية نهاية، ونهاية [كل] شيء [مقطعه]. فإن لم يكن [مقطع]، فلا [يكون] نهاية. فإذا قال [له]: اضربه حتى [يتوب]، فلا يحسن معه أن يقول: وهل أضربه إذا تاب؟ هذا تمام كلام القاضي. وفيه [نظر]. أما قوله: {حتى يطهرن}، لا يكون كاملا إلا بارتباطه بقوله: {ولا تقربوهن}، فهو صحيح، لأن (حتى) حرف غاية، والغاية لا تتصور إلا بذي ابتداء، فكيف يكون قوله: {حتى يطهرن} كلاما مستقلا؟ هذا محال. فقال: إذا لم يكن كاملا إلا بانضمامه إلى قوله: {حتى يطهرن}} فأتوهن}. فلابد من إتمام، فإما أن يكون المراد: (حتى يطهرن فلا تقربوهن)، وذلك محال، أو يكون الحكم [مستمرا]، ولا يكون الطهر غاية، فلم يبق إلا أن يكون المراد: (حتى يطهرن] فأقربوهن). وهذا الذي قاله غير لازم، وليست القسمة محصورة في أن [يكون]

{[ولا] تقربوهن}، بل يكون المعنى: (فإذا تطهرن انتهى النهي). ولا يكون ما بعد الطهر منهيا عنه، [ولا] مأذونًا فيه، بل أفادت (حتى) انتهاء التحريم خاصة، كما [أفاد] الشرط قصر الحكم على حالة وجود الشرط. وأما ما وراء الشرط، فليس فيه حكم، لا بالنفي، ولا بالإثبات. هذا يتوجه على القاضي، إلا أن ينقل أن أهل اللغة جعلوا [ما] بعد الغاية ضد الحكم المذكور قبلها، ولم يجعلوه مسكوتًا عنه على حال، فيسند الحكم إلى [النقل]، لا إلى فقه [حروف] الغاية. وأما الأمثلة التي استشهد بها في قبح الاستفهام في الصورة المذكورة، فلعمري إنه يقبح الاستفهام فيها، [لا لمحض] الغاية، بل لأجل المناسبة [الحاصلة]، فإن الضرب وتعليقه على التوبة، يقتضي منعًا من الإقدام عليه عند وجودها. وإنما يكون الاحتجاج مستقيما، لو أتى بشيء لا مناسبة فيه، مع تسليم قبح الاستفهام، فحينئذ ينتفع بذلك. والمخالفون لا يسلمون ذلك بحال، فليست هذه المرتبة بمثابة ما تقدم من قوله: (إنما الماء من الماء). (وإنما العالم زيد). والله الموفق للصواب.

قال الإمام [رحمه الله]: ([المسألة الثانية المعقودة على الدقاق]) إلى قوله (وحصر المفهوم فيما [يناسب]. [فهذا منتهى الكلام]). قال الشيخ: ما ذكره الأئمة من الرد على الدقاق صحيح، ومراغمته [للشريعة

واللغة] ثابتة، والإلزامات عليه شديدة، واعتذار الإمام عنه بارد، فأن الأئمة لم ينكروا أن الإنسان لا يتكلم إلا لفائدة، ولا [يخصص] [إلا لغرض]، هذا ضرورة كون المتكلم [عاقلا]. [وإنما] الذي أنكره الأصوليون ذهاب

الرجل إلى تعيين الغرض في مخالفة المسكوت عنه المنطوق به في الحكم، هذا هو الذي أنكروه، بل زاد الإمام عليهم زيادة، وقال: [بل] لا يجوز أن يكون قصر الاختصاص أحد الأغراض. وهذا الذي قاله (115/ب) الإمام [يصح] على وجه، ويبطل على وجه، فإن أراد أن لفظ التخصيص [بما يذكر] لقبا، لا يقتضي نطقا في خلافه [قصر] الحكم، [فهو] (95/أ) صحيح، وإن أراد أن ذاكر اللقب لا يصح منه قصد قصر الحكم [على المذكور] فهذا غير صحيح، [والظاهر] [أنه] إنما أراد القسم [الأول].

وأما بقية كلامه، فهو إعادة ما مر من [المذاهب] في المسألة، وقد تبين اختيارنا فيها، وأنا لا نرى محض التخصيص بالذكر يقتضي نفي الحكم عن غير المخصوص على حال. والمواضع التي اعترفنا فيها بالمخالفة، إنما كان ذلك لزيادات وضعت عند أهل اللسان، مشعرة [بالقصر]، [كـ) إنما) و) إلا)]. وقد أبدينا في (حتى) التي للغاية [احتمالا]. والله الموفق للصواب. قال الإمام: (مسألة: [قد ذكرنا] أن المفهوم [ينقسم] [إلى ما يقع

(مسألة: [قد ذكرنا] أن المفهوم [ينقسم] [إلى ما يقع نصا، غير قابل للتأويل، ويغلب ذلك في مفهوم الموافقة])

نصا، غير قابل للتأويل، ويغلب ذلك في مفهوم الموافقة]) إلى قوله (المفهومات). قال الشيخ: لا يكاد عند القائلين [بمفهوم] المخالفة أن [يرقى] الأمر [إلى] حد يحصل [العلم]. وإنما هو عند القائلين به ظاهر، ولكن كل ظاهر بالضرورة لابد فيه من جهة مقطوع بها، هي التي لا يتوصل [إلى] إزالتها بوجه، [والعموم] لا يسقط جميعه، حتى [يصير] اللفظ لغوًا، وكذلك [صيغة] الطلب، فكل ظاهر فلا بد فيه من

ثلاث جهات: مقطوع بها، وهي أصل الدلالة، ومظنونة، [وهي] جهة الظهور، وبعيدة، وهي جهة التأويل، فبالإضافة إلى جهة القطع، يمنع التصرف بالإسقاط، وبالإضافة إلى جهة الظهور، [يكتفي] في مسائل الظنون بالسبق إلى الفهم. وبالإضافة إلى جهة الاحتمال، يصح التأويل، والعضد بالدليل الراجح، [ليصار] إلى تلك الجهة في مسائل الظنون. ومجرد الاحتمال يمنع التعلق بجهة الظهور [في] مطالب العلم. وإذا قضينا بأن المفهوم ظاهر عند مثبتيه، فهل يصح إسقاطه بجملته، حتى يكون كإزالة الظاهر، [أو إنما] يؤول، حتى يرد إلى البعض، كما في تخصيص العموم؟ قلنا: يصح إسقاطه بجملته.

فإن قيل: هذا تعطيل، [وتناقض] لما سبق، فإنكم قلتم: كل ظاهر لابد فيه من جهة مقطوع بها، [وإذا] أسقط المفهوم بكماله، لزم أن تسقط الجهة المقطوع بها. قلنا: ليس كذلك، فإن المفهوم لا استقلال له بنفسه، وإنما هو مستند إلى لفظ آخر، فإذا دل دليل على إسقاط المفهوم بكماله، بقي اللفظ معتمدا فيما دل عليه نطقا، فخرج [اللفظ] عن كونه لغوًا، لبقائه دليلا على ما تحته. وأما العموم، [فإذا] أخرج [كل] ما دخل [تحته]، بقي اللفظ

لغوًا، وبطلت جهة النصوصية منه قطعا، فكان المفهوم [كصورة] من صور العموم، فكان ترك المفهوم بمثابة تخصيص العموم، وليس كترك جميع مقتضى [اللفظ]، فكان تركه من السائغ الذي [لا يستنكر]. والسبب فيه عند مثبتيه: أنهم رأوا العرب تخصص الشيء بالذكر، [وهي تقصد] مخالفة [المسكوت] عنه المنطوق به، [وتارة] لا [تقصد]

شروط القول بمفهوم المخالفة

ذلك، فلم يكن في ترك المفهوم خروج عن مقتضى اللسان. (95/ب)] كما [أنها تستعمل لفظ العموم تارة مستغرقًا، وتارة غير مستغرق، فكان ترك المفهوم، وتخصيص العموم، من السائغ الذي لا يستنكر. وقد تقدم الكلام على أنه إذا دل دليل على إخراج صورة من صور المفهوم، فهل يسقط المفهوم] بالكلية [؟ أو يتمسك] به [(116/أ)] في البقية [؟ وهذا على القول بأن العموم إذا خص لا يكون مجملا. أما من ذهب إلى أن إخراج صورة من صور العموم، توجب الإجمال،

[وتمنع] التمسك باللفظ فيما وراء المحل المخصوص، فلأن يقول ذلك في المفهوم، إذا تركت منه صورة بدليل أولى. أما من لا يرى] أن [التخصيص في العموم يوجب إجمالا، فهو] لا يتردد [-] إذا دل [دليل على إسقاط المفهوم - في صورة] أن يتمسك بغيرها [. أما الشافعي فمقتضى مأخذه] ترك [المفهوم بالكلية، لأنه إنما يتلقاه

بالنظر إلى فوائد التخصيص، ] وأنه [لا فائدة إلا] مخالفة [المسكوت عنه] للمنطوق [به.] وإذا [ثبت أن بعض المسكوت عنه يوافق المنطوق به، بطل أن تكون تلك هي الفائدة، فتطلب فائدة أخرى. وإنما نحن لو كنا من القائلين بالمفهوم، لأثبتنا له] ظهورا [شاملا، فإذا دل دليل على سقوط المفهوم في بعض الصور، بقينا على التمسك بالمفهوم] في بقيتها [، ويكون ذلك بمثابة تخصيص العموم.] الأجرم [نقول بالمفهوم بعد التخصيص في المواضع] التي [اعترفنا بفهم المخالفة فيها، كما إذا قال: إنما العالم زيد،

أو لا عالم إلا زيد.] فإذا [دل] الدليل [على إثبات عالم غير زيد، اقتصرنا في الإثبات على ما أثبته الدليل الجديد، وبقينا على النفي فيما سواه. والدليل على ما اخترناه: أن اللفظ أشعر بنفي عام، ] وإنما [استثنى في الخطاب الأول صورة واحدة، فلم يبق اللفظ شاملا] إلا لنفي [ما سواها. واللفظ الشامل في النفي إذا أخرجت] منه [صورة، ] بقي على العموم [فيما سواها. هذا هو التحقيق عندي في ذلك. وعلى هذا] تقبل [نية التخصيص فيما إذا حلف، وقال: لا أكلت إلا السمك مثلا، ونوى تخصيص] النفي [بغيره، لقبل] ذلك منه [في الفتيا. نعم، قد لا يقبل منه ي القضاء فيما] يجيز [عليه، تعلقاً بظاهر اللفظ. هذا

هو الحق، والمسلك الواضح. ] فأما [الأمر الثاني: وهو أن] الشافعي [يسقط] التعلق [بالمفهوم] إذا [جرى التخصيص على وفق العرف، ومعنى ذلك أن يكون الجاري] المعتاد [هو الحالة المخصوصة بالذكر، ] وما [سوى تلك الحالة، ] فنادر [، كالشقاق] المذكور [في الخلع، وكاستشهاد النساء في الدين، وكخوف المسافر، وكقصر الصلاة عند الخوف، وكتزويج المرأة نفسها، ] إذا [الغالب أنه لا تفعل ذلك إلا عند الالتفات إلى الأولياء. فهذه الجهات هي الغالبة المعتادة. وكذلك القائلون] بمفهوم اللفظ [أقروا بأنه لا مفهوم لقوله: (صبوا

عليه ذنوبا من ماء). ولا لقوله: (] فليستنج [بثلاثة أحجار). لأن هذا إنما ذكر، أنه الغالب المعتاد عندهم.) 96/أ) وإنما صار الشافعي في القول المشهور إلى ترك المفهوم في هذه الصورة، ] جريا [على أصله، في كونه أثبت المفهوم، بناء على طلب الفائدة، وحصرها في مخالفة المكسوت عنه] المنطوق [به، فإذا ظهرت فائدة، وهي إجراء] الكلام [على مقتضى العرف، إذ قد يعرض عن النادر، ولا يخطر بالبال، وإن خطر، فقد يعبر عن الغالب، ويقصد بنفيه] النادر [. وإنما] أنتج الكلام [القول بالمفهوم، عند حصر الفائدة في المخالفة، ] وعند إمكان فائدة أخرى، يفوت الحصر، وهو إحدى مقدمتي الدليل، فلا

ينتج. وهل [تكون هذه الفائدة تقتضى إجمالًا، حتى لا يحكم بمخالفة ولا موافقة؟ أو تقتضي] تضعيفًا حتى يقل الظهور، مع بقاء الأصل، فتظهر (116/ب) الفائدة عند] وجود [المعارض، حتى لا يطلب دليل بالغ في القوة؟ أو يكون هذا قرينة تقتضى أن يكون السكوت عنه مساوياً للمنطوق به؟ وهذا أضعف الأوجه. والمصير إلى الإجمال هو الجاري على قاعدة الشافعي، والضعف والنزول عن قوة الظهور، هو مقتضى قاعدة الإمام، وقد تبين وجهه. وإنما قلنا: إن المصير إلى مساواة المسكوت عنه [المنطوق به] ضعيف، من جهة أنه إثبات حكم غير مستند [للفظ] عام، ولا [لطلب] فوائد التخصيص، أما اللفظ فقاصر عن الدلالة، موافقة على المسكوت عنه. وأما طلب فوائد التخصيص، فلا ترشد إلى الاستواء بحال، بل ترشد إلى

المخالفة. ويمكن أن يكون مستندهم من حيث الجملة، استقراء المخصصات على وفق العرف، [ومصادقة] موافقة المسكوت [عنه] للمنطوق به. وهذا كقصر الصلاة في السفر خوفًا وأمنًا، وجواز المفاداة حبًا وبغضًا، وثبوت الهلكة إلا ما وقى الله عز وجل حضرًا وسفرًا. فلما استقرت المساواة على الإطلاق في هذه المخصوصات، اعتقد أن ذلك مقتضى اللغات، وليس كذلك، فإنما تثبت المساواة في هذه [الجهات] [بدلالة] خاصة، دلت على التسوية. وأما قول الإمام: (ومن [حسائك] الصدور ترك المفهوم في مسألة النكاح بلا ولى). [فإنما] صعبت المسألة عليه، لأنه يرى أن الصفة إذا

كانت مناسبة، اقتضت اختصاصًا، ويرى أن تزويجها نفسها بغير إذن وليها، مناسب [لفسخ] النكاح، نظرًا إلى افتياتها على [أوليائها]، وهذه المناسبة ضعيفة، فيما يتعلق بفساد النكاح، فإنها لو وضعت نفسها في أفضل الناس وأحسنهم حالًا، لم يلحق الأولياء من ذلك نقص، إلا من وجهة كونها باشرت العقد بنفسها، فإنها تنسب بذلك إلى شهوة الرجال، وعدم الحياء، والخروج عن دأب الخفرات. وإذا كان هذا هو السبب، فهو موجود، وإن [أذن الولي]، بل يزداد الأمر قبحًا، من جهة عدم غيرة الولي حتى أذن لوليته في مباشرة العقد، فهو [بالفسخ] أولى. وأما نحن فقد استقر من أصلنا أن لا نقول بالمفهوم على حال. فحالة إذن الولي مسكوت عنها على حكمها من دليلها، وقد أرشدنا إلى الدليل المقتضي لإبطال النكاح الآن. وهذا أيضًا (96/ب) حجة واضحة على إبطال المفهوم، فإنه إذا ظهر مثل هذا الغرض، بطل القول بالمفهوم. فإذا لم يظهر، فمن أين [يعلم] انتفاؤه؟ إذ البواعث [على] التخصيص كثيرة، وقصد قصر الحكم أحدها، وقد سبق بيان ذلك، فلا نعيده. فإن قيل: فلو قطعنا بانتفاء الفوائد سوى المخالفة في الحكم، فماذا تقولون: أتثبتون المفهوم أم [تنفونه]؟ [فإن] نفيتموه، فهو باطل، إذ [فيه

إخراج] الكلام عن مقصد العقلاء، وهو بمثابة ما إذا قال القائل: السودان [إذا] عطشوا [لم] يروهم إلا الماء، مع القطع بأم من سواهم كذلك. وهذا لا يقوله القائل إلا تبين هزله وهزؤه أو جهله، [وفساد عقله]. وإن اعترفتم بالتخصيص عند عدم الفائدة، فإذا لم تظهر، فالأصل عدمها، فيجب القول بالمفهوم حتى يظهر أمر [آخر]، [غير] مقصد المخالفة. وأما ترك المفهوم [لمحض] الاحتمال، فلا وجه له. (117/أ) قلنا: هذا خيال باطل. وقول القائل: إذا لم تظهر الفائدة، فالأصل عدمها، كلام ضعيف، ومن سلم أن الأصل العدم؟ ولو صح هذا، لجاز للمجتهد عند مصادقة العموم [أو غيره، أن يبادر إلى الحكم به، بناء على أن الأصل عدم المخصصات، ففرق بين أن يثبت العدم]، [وبين] [أن لا] يعلم الثبوت. فإذا ثبت العدم في مسائل التقسيم، صح الاعتماد، وإن لم [يحصل] الثبوت، لم يجز [الإعدام].

مفهوم الحصر في قوله عليه السلام: "تحريم الصلاة التكبير وتحليلها التسليم"

وأما قول [الإمام]: (القائل: السودان إذا عطشوا لم يروها إلا الماء فهو قبيح لا شك فيه). لا لأجل مساواة المسكوت عنه المنطوق به، ولكن لكونه أخبر عما لا فائدة فيه. هذا تمام الكلام في المسألة. قال الإمام: (ما صار إليه المحققون [أن قوله صلى الله عليه وسلم: (تحريم الصلاة التكبير وتحليلها التسليم))] إلى قوله] (بكتاب التأويلات). قال الشيخ: ما ذكره الإمام في المثال الأول، وهو قوله [- عليه السلام -]: (تحريمها التكبير وتحليلها التسلم). من أن ذلك يتضمن حصر الصلاة وقصرها على

هاتين [القضيتين]، حتى لا يقوم لفظ آخر مقامها، [وقواه] [بوجهين]. [أحدهما -] ما ادعاه من الفرق بين قول القائل: زيد صديقي، من أن ذلك [لا يتضمن] أنه لا صديق له غيره، بخلاف قوله: صديقي زيد، فإن ذلك يتضمن قصر الصداقة على زيد، [ولا] يصح [على] هذا أن يكون له صديق غيره. وقرره [بأن] المبتدأ [وضعه] أن يكون [معرفا]،

حتى إذا فهم، [استند] إليه [الخبر الملتبس]، فوضع الكلام أن يقول: زيد صديقي، فإذا [قلب] الكلام وقال: صديقي زيد إلى آخره. [كلام عندي] في غاية الضعف؛ وذلك أن حق المبتدأ بالأصالة أن يكون معرفة أو قريبًا منها. وقد تكلمنا [على] المواضع التي [يحسن] الابتداء بالنكرة فيها. [ومن] حق الخبر أن يكون نكرة، [فإنه] محل [اللبس]

والفائدة. وقد يجيء [المبتدأ] نكرة [والخبر] معرفة، وهذا قليل جدًا وقد قال حسان [بن ثابت]: كأن سبيئة من بيت رأس *** يكون مزاجها عسل وماء وشجعه (97/أ) على ذلك [أمن] اللبس. [وقد تجيئان] [معرفتين]، وإذا [كانتا] كذلك، فالناطق [بالخيار]، يجعل [أيهما

شاء] الاسم، والآخر بالخبر، إلا أن [الأحسن] أن يجعل الأعراف اسماً. وهذا حسن، وليس بلازم. وإذا كان [كذلك]، فقوله: صديقي زيد، هذان [معرفتان]، [والناطق] بالخيار يجعل [أيهما شاء] الاسم، والآخر الخبر. وقد قال أئمة العربية: إن حكم المضاف إلى [المعرفة] حكم ما يضاف إليه. والمضمر عند سيبويه أعرف من العلم. والمضاف إليه ينبغي أن يكون أعرف. وإذا كان كذلك، فيكون الأحسن عندهم أن يقول القائل: صديقي زيد. وأبو المعالي يرى أنه [ما حسن] الابتداء به [إلا قصد] [قصر] الصداقة عليه. وهذا لا يقوله أحد من أهل الفن، أعني أئمة العربية.

والصحيح أنه لا فرق في الفهم بين أن يقول: صديقي زيد، أو زيد صديقي. وقد قال [هو (إن] هذا المعنى لا يفضي إلى القطع بنفسه). [قلت]) [ولا إلى غلبة] الظن بحال. وأما أبو حامد، فقد حكم بهذا الحكم، وسلك قريبًا من هذا الطريق، والتزم الفرق بين قول القائل: زيد صديقي، وبين قوله: صديقي زيد، وزعم أن إحدى الصيغتين تتضمن الحصر دون الأخرى. (117/ب) لكنه قال: السبب [فيه] أن المبتدأ لا يصح أن يكون أعم من خبره، بل إنما يكون مساوياً له، [أو] زائدًا. وتمسك في ذلك بأمثلة لم يحط بمعناها، وهي كلام أصحاب

القول في أفعال الرسول عليه السلام

المنطق، [الذين] لا يعرفون لغة العرب. قال: يصح أن القول القائل: الإنسان حيوان، لأن الحيوان أعم من الإنسان، ولا يجوز أن يقول: الحيوان إنسان، لأن الإنسان أخص. فرتب على ذلك أنه إذا قال: صديقي زيد [وضع] زيدًا [موضع] الخبر، فلا يجوز أن يكون [له] صديق غير زيد، [إذا] يلزم منه أن تكون الصداقة أعم من زيد، وقد وقع الصديق موقع المبتدأ، [وذلك محال]. فأما إذا قال: زيد

صديقي، فـ (زيد) مبتدأ، فلا يضر أن يكون له صديق غيره، إذ ليس فيه أكثر من [خصوص] المبتدأ، [وعموم] الخبر، وذلك صحيح. [هذا] تقريره. وهو عندنا في نهاية السقوط، وليس هذا [قول] من [شدا] طرفا من العربية بحال. والخبر عند أئمة العربية هو المبتدأ بعينه، أو منزلًا [منزلته] على طريق التجوز والاستعارة: [فالأول - قولنا: زيد قائم، والله ربنا، ومحمد نبينا. والثاني - كقولنا: الشافعي مالك]، أي يقوم مقامه [ويسدد مسده]. وإن أخبر [عن المبتدأ] بجملة، فإنها تؤول إلى مفرد، ليقع خبرًا عن المفرد، وكيف لا يكون كذلك؟ لأن الشخص إنما يخبر عنه بأحواله أو بشيء من سببه. فاعتقاد خصوص المبتدأ، أو عموم [الخبر] عين التخليط. وأما المثال [الثاني] الذي ذكره [في] صحة قول القائل: الإنسان

حيوان، [وأنه] أخبر بعام، فباطل قطعًا، وذلك أنه إن قصد الإخبار عن الإنسان [بعموم] الحيوان، فقد أخبر عنه بكونه حمارًا [أو فرسًا]، وذلك باطل، فالمراد: الإنسان حيوان مخصوص، لا عموم الحيوان ولا مطلقه. وإذا قال: [الحيوان إنسان]، إن أراد بالألف واللام العهد، ص (97/ب) ذلك، إذ يكون المبتدأ هو الخبر، وإن أراد بالحيوان العموم، فهو باطل، إذ يصير التقدير: كل الحيوان إنسان، وذلك باطل ضرورة. [والتحقيق] فيه أن الخبر هو المبتدأ مطلقًا، ويرجع [الأمر] في المثال إلى غرض الناطق في قصد الشمول فيهما، أو الاختصاص لهما، [أو الشمول] في أحدهما، والاختصاص في الآخر. [هذا] تحقيق المسألة. ومن الضلال البين تفسير العربية على اصطلاح أصحاب المنطق، [وهو] محاولة تفسيرها بالعجمية. ولقد [تعجبت] ممن يريد أن يتكلم في حقائق الأصول على مقتضى اللغة العربية [بمثل هذا الوهم، والخيال الباطل. وأما القسم] الثاني: وهو قوله - عليه السلام -: ([إنما] الشفعة فيما لم

يقسم). فهو من الحصر بلا ريب. وقد تقدم هذا في مراتب ما نقول به من التخصيصات. [وقصر] [القاضي] [الاعتراف] على هذا. [وأما] قوله: (الشفعة فيما لم يقسم)، فأنكره. والذي عندي فيه التفصيل، فإن قوله: (الشفعة فيما لم يقسم). هو اسم مفرد فيه الألف واللام، فإن ثبت أنه لتعريف معهود، فلا عموم له بحال، [وإن] ثبت أنه للجنس، فيكون المراد به الاستغراق، [فيصير] بمثابة قوله: (الشفعة في [كل] ما لم يقسم). وهو لو صرح بذلك، [لانحصرت] الشفعة فيما لم يقسم، فلا [تصادف] الشفعة في المقسم بحال، فيكون هذا حصرًا وقصرًا، بالنظر إلى العموم الثابت في [لفظ] الشفعة، لا من جهة التخصيص (118/أ) بالذكر. هذا تمام ما أردناه في هذه الفنون.

قال الإمام [رحمه الله]) (القول في أفعال رسول الله صلى الله عليه وسلم) إلى قوله (والظواهر [مشعرة بوقوعها منهم]). قال الشيخ [وفقه الله]: افتقر إلى الكلام في أفعال رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن من العلماء من قدرها [مأخذًا] للأحكام. فافتقر إلى الكلام عليها لذلك، ليتبين ما يصح من ذلك. [وإذا ثبت] أنها

مستند الأحكام، فعلى أي وجه يصح الاستناد إليها؟ وقدم الكلام على العصمة لغرض له، وذلك أنه يقول: إذا لم [يبعد] وقوع الذنب من الرسول، فلا يتخيل عاقل وجوب المتابعة، وسنتكلم عليه. وأما العصمة عما يناقض مدلول المعجزة، فلا إشكال فيه، ولو لم يعصم [الرسول] [عن] الكذب الذي دلت المعجزة على نفيه، لما كانت المعجزة دليلًا.

الخلاف في تعريف الكبيرة وعددها

وأما الكبائر، فمن ذهب إلى أنها مستحيلة عقلا، فليس على بصيرة. وغايته أن يتمسك [بأمر] ويحظر، ويقول: كيف يتصور مع كمال المعرفة وحصول [المراقبة] المجاهرة بالكبائر؟ وهذا وإن كان بعيدا، [إلا أن] العقل يجوزه، وقد يصادف في الوجود من يتجرأ على هواه، وإن كان السيف على رأسه. نعم، هي ممتنعة بالإجماع، على حسب ما قاله القاضي. وأما الصغائر، فقوله: (ففي إثباتها كلام أولًا). قد ذهب بعض الناس إلى أن الذنوب (98/أ) كلها كبائر، وإن كان بعضها أكبر من بعض، نظرا إلى

عظمة المخالف. وكم من أمر يسير بين الاكتفاء، إذا جرى في حق المكل [تضرب] له الرقاب، فلا ينظر إلى صغر الذنب، ولكن ينظر إلى عظمة من يعصى به. وهذا هو اختيار الإمام في [) الإرشاد)]. وإلى هذا ذهب الخوارج، ولكم زادوا زيادة أخرى، وهي أنهم كفروا مرتكب الكبيرة. والذنوب عندهم كلها كبائر، فأفضى الكلام إلى تكفير كل عاص. وهل هذا يرجع إلى كفران النعم، [أو] إلى الكفر [بالله] على الحقيقة؟ فقال بعضهم: هو كافر على الحقيقة، [مستوجب] للخلود في النار. وقال بعضهم: إنما هو من كفران النعم. فالذي عليه الأكثرون انقسام الذنوب إلى الصغائر والكبائر. وقد أرشد [القرآن] إلى هذا، حيث يقول: {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم}. [فلو] كانت الذنوب كلها كبائر، لكان المعنى: إن تجتنبوا الكبائر، وهي كل الذنوب، نكفر عنكم سيئاتكم.

وقد يعتذرون على هذا بأنه لما قال: {كبائر ما تنهون عنه}، قصد بذلك أكبر الكبائر، فكأنه [قال: (إن تجتبوا كبائر المحرمات). وهذا لعمري تأويل. وقد] قال صلى الله عليه وسلم: (الجمعة إلى الجمعة والصلوات الخمس مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر). ثم اختلفوا بعد ذلك في العدد، فقيل: أربع، [وقيل: سبع]، وقيل: سبع عشرة. وقال ابن عباس: (هي إلى السبعين أقرب منها إلى السبع). وقال قائلون: ما اشتملت عليه [سورة] بني إسرائيل من أولها إلى قوله تعالى: {كل ذلك كان سيئة عند ربك [مكروهًا}. فهو كبيرة]. وقوله: (ولكنا نعني بالصغيرة: ما لا يتضمن صدوره فسق من ظهر عليه، وانسلاله من نعت [العدالة]). فنقول: إن جعل ذلك حدًا للصغيرة، فلا

يصح، [إذ] بعض الصغائر [يسلب] العدالة. [وإن لم يرد الحد، وإنما أراد كل ما لا يسلب] العدالة، فهو [صغيرة]. (118/ب) فهذا لا [يفيد] ضبط جميع الصغائر، وهم [ضبطها] السؤال. على أن بعض الكبائر أيضا لا تسلب العدالة في حق من لم يعلم أنها كبيرة، عند بعض العلماء. وقد [قيل] الشافعي شهادة أهل الأهواء، وإن كانوا أصحاب كبائر. إلا أن يكون المراد: أن الكبيرة إذا صدرت ممن يعلم أنها كبيرة سلبت العدالة. فهذا كلام صحيح. وإنما قلنا: إن رد الشهادة لا يتوقف على الكبائر خاصة، من جهة أن قبول الشهادة مرتب على حصول غلبة الظن بتقوى الشخص، حذرًا من الله

[تعالى] أن يتعاطى الكذب. ومقتضى هذا [السياق] [أن كل] معصية تعاطاها المكلف، عالما بها، [تقدح] في الشهادة، ولكن لو استمر هذا، لردت شهادة أكثر الخلق، لامتناع [الانفكاك] عن المعاصي من حيث الجملة. فطريان [ما] يتعذر الانفكاك عنه، لا يقدح إذا كان الغالب التمسك بطريق الخير. قال الشافعي رحمه الله: (لسنا نعلم إلا قليلًا [ممن] يفعل الطاعة [ولا] يشوبها بمعصية، [وآحاد] الزلات [لا يعرى] من مثلها (98/ب) الصديقون). وقوله: (إن الضمائر مختلف [في وقوعها] من الأنبياء). فهو كذلك. ومذهب مالك [رحمه الله] أنها واقعة من حيث الجملة. واستدل على ذلك بقول الله عز وجل: {ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر}.

النسيان وأقسامه

[الآية] ظاهرة في القطع بالنفي، والإثبات مفقود. قال الإمام: ([ومما] نقدمه [قبل] الخوض في الغرض: [النسيان]) إلى قوله (في إيضاح المختار والدليل عليه). قال الشيخ: النسيان يكون على ثلاثة أوجه: أحدها - أن ينسى أن يبلغ ما أمر بتبليغه، [فلا يبلغه].

أقسام فعله صلى الله عليه وسلم

الثاني -[أن] ينسى، فيعتقد أنه كمل صلاته، ولا يكون كملها، أو يظن أنه بقي عليه شيء منها، [وينسى أن يكون كملها. والثالث - أن ينسى]، فيبلغ خلاف ما أنزل الله. أما القسم الأول: فليس في العقل ما يحيله بوجه، ولم يرد سمع دال على وقوعه بحال، فهو من المجوزات العقلية، وليس بواقع عندنا، ويعرف ذلك بالاستقراء. وأما القسم الثاني: وهو السهو في العبادات، زيادة ونقصانا، فهو ثابت وقد نقل ذلك في أخبار كثيرة. و) لما سلم [النبي] صلى الله عليه وسلم من [اثنتين] وقال [له] الصاحب: (أقصرت الصلاة أم نسيت؟ قال: ما قصرت ولا نسيت. قال له: بل نسيت). وهذا من الراوي فهم [ثابت]، فإنه كان الأمر مترددا عنده بين [نقصان] يبينه الرسول بفعله - فإنه كان يبين بالفعل تارة وبالقول أخرى -وبين سهو)، فلما نفى رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمرين، والراوي قاطع

بجريان أحدهما، لكن علم أن أحد الأمرين يستحيل الغلط فيه، وهو قوله: (ما قصرت الصلاة). انحصر الجانب الآخر، وهو النسيان، [فهذا] مجوز عقلا، [وواقع] سمعا. القسم الثالث: النسيان حتى ينقل على خلاف ما كان سمعه، [وأوحي] إليه سهوا. وهذا عندنا محال، لأن المعجزة دلت على أنه صادق في جميع [ما] يخبر به عن الله تعالى. فلو جوزنا أن ينسى حتى يبلغ خلاف ما [بلغه]، لم تدل المعجزة على الصدق في التبليغ مطلقا. ووجه آخر: وهو أنه كان يلزم منه أن لا [نثق] بكل ما يبلغنا، لاحتمال السهو والغلط فيه، وذلك محال. فيثبت (119/أ) [بما] قررناه انقسام النسيان إلى واقع [ومستحيل] عقلا، ومجوز عقلا، [منتف] وقوعا.

أدلة القائلين بالوجوب

قال الإمام: (ونحن نقول بعد ذلك: [إذا] لم يبعد وقوع الذنب من الرسول) [إلى قوله] (في حكم فعله). قال الشيخ: هذا الذي ذكره الإمام ضعيف، وذلك أنا جوزنا أن يقع الذنب منه، ويصح أن ينهض فعله علامة على وجوب مثل الفعل في حق غيره، فلا مناقضة بين وجوب الاقتداء به في مثل فعله، [وبين] تجويز وقوع الذنب منه. ونحن نرى التعلق بالعموم، وإن أمكن أن يكون مخصصًا. [وكذلك] [نقول: ] الغالب امتناع وقوع الذنب، والأكثر الأعم فقدانه، فلا يضر (99/أ) التجويز في أمر [القدوة] [بحال]. قال الإمام: (وأجمع تقسيم فيه أن نقول: فعله ينقسم) [إلى قوله]

(والظهور مع تطرق فنون الظنون [لا يقتنع به] في القطعيات). قال الشيخ. قول أبي الحسن: [المراد] بالآية: (ما أمركم)، لا [يصلح]، لا باعتبار وضع اللغة، ولا باعتبار قول أهل التفسير. أما أهل اللغة: فإنهم بقولون: (آتي) بمعنى: أعطى (99/ب)، تقول:

آتيته مالا، أي أعطيته، ولا [نطلق]: (آتى عمرو زيدًا)، بمعنى أمره بحال. وأما أهل [التفسير: فإنهم يقولون: {ما ءاتاكم}، أي ما أعطاكم من] الغنائم، } وما نهاكم عنه}: [أي] من الغلول والسرقة.

[وقوله: (إنه يدل على ذلك اقترانه بالنهي، والنهي] إنما يقارنه الأمر على طريق المضادة). فإنه من فصيح الكلام أن يقول: خذ ما أعطيتك، وانته عما نهيتك عنه من غير إشكال. وجميع ما ذكر غير هذا واضح صحيح. ومن العجب ممن ذهب إلى الوجوب أنه يجوز أن يكون الفعل في حق الرسول [صلى الله عليه وسلم] مندوبا، فكيف يكون في حق [غيره] واجبا؟ إلا أن يكون سلك به مسلك [المعاملات]، لا مسلك القدوة.

وأما إذا كان الفعل واقعا بيانا، فلا خلاف فيه. ولكن [الشأن] في معرفة كونه وقع بيانا. وهذا قد يعرف بقرينة الحال، [أو] بصريح المقال. [أما] صريح المقال فواضح، وأما قرينة الحال، فإن [تنجز] وقت العمل ولا يقبل التأخر بوجه وفقد البيان بالقول، وفعل فعلا صالحا للبيان، [فيجب] تنزيله عليه. فإن قال قائل: فما المانع من كون هذا حكما [مستفتحا]، ويبقى القرآن على الإجمال؟ قلنا: يمنع من ذلك تأخير البيان عن وقت الحاجة، ومثاله: قول الله (عز وجل): {وءاتوا حقه يوم حصاده}. ولم يرد منه قول يقتضي بيان قدر الحق، ولكنه [أحد]: العشر أو نصفه، فيدل ذلك على أنه مقدار الواجب. وكذلك (لما فرضت الصلاة على الجملة، ولم تبين صفاتها، أم جبريل

[- عليه السلام -] رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مبينًا له كيفية الصلاة). قال الإمام: (ومما [تمسك] به هؤلاء أن قالوا: أجمع المسلمون قبل [اختلاف الآراء]) [إلى قوله] (إلا إذا أمر به). [قال الشيخ: تمسكوا] [بما] ذكره الإمام لهم، وقد تمسكوا بشبه غير هذا، وذلك أنهم قالوا: لا بد من وصف فعله بكونه حقا وصوابا ومصلحة، [ولولاه لما] أقدم عليه، ولما تعبد به، فليجب على الأمة مثل ذلك. وهذا غلط من وجهين: أحدهما- أن هذه الأوصاف مسلمة، ولكنها لا تدل على الوجوب في

حقه، فضلًا عن أن تدل في حق غيره، [إذ كل] هذا يثبت للفعل المندوب إليه. الثاني-[أنا وإن] سلمنا أن الفعل واجب بالإضافة إليه، فمن أين يلزم وجوبه في حق غيره؟ والفعل لا دلالة [له]، (119/ب) فليختص حكمه بفعله. وقالوا أيضًا: أنه لو لم يتابع في أفعاله، [لصح أن] لا يتابع في أقواله، وذلك تصغير لقدره، وتنفير للقلوب (100/أ) عنه. وهذا هذيان، [فإن] المخالفة في القول عصيان، والطاعة واجبة، والتبليغ عن الله حق، [والتصديق] دليل الصدق،