التفسير البسيط
الواحدي
الملكة العربية السعودية وزارة التعليم العالي جامعة الإمام محمد بن سعود الإِسلامية عمادة البحث العلمي التَّفْسِيرُ البَسِيْط لأبي الحَسن عَلي بن أحمَد بن محمَّد الواحدي (ت 468 هـ) الدراسة - التحقيق مقدمة المصنف - سورة الفاتحة تحقيق د. محمَّد بن صالح بن عبد الله الفوزان أشرف على طباعته وإخراجه د. عبد العزيز بن سطام آل سعود ... أ. د. تركي بن سهو العتيبي الجزء الأول
جامعة الإِمام محمد بن سعود الإِسلامية 1430هـ فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر الواحدي، علي بن أحمد التفسير البسيط لأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي (ت 468هـ)./ علي بن أحمد الواحدي، محمد بن صالح بن عبد الله الفوزان، الرياض 1430 هـ. 25 مج. (سلسلة الرسائل الجامعية) ردمك: 4 - 857 - 04 - 9960 - 978 (مجموعة) 1 - 858 - 04 - 9960 - 978 (ج 1) 1 - القرآن تفسير ... 2 - الواحدي، علي بن أحمد أ- العنوان ... ب- السلسلة ديوي 22703 ... 868/ 1430 رقم الإيداع: 868/ 1430هـ ردمك 4 - 857 - 04 - 9960 - 978 (مجموعة) 1 - 858 - 04 - 9960 - 978 (ج 1)
مقدمة معالي مدير الجامعة الأستاذ الدكتور/ سليمان بن عبد الله أبا الخيل
بسم الله الرحمن الرحيم مقدمة معالي مدير الجامعة الأستاذ الدكتور/ سليمان بن عبد الله أبا الخيل الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير الأنبياء والمرسلين أما بعد: فقد دأبت حكومة خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود -حفظه الله- على دعم الجامعات السعودية، لتقوم بدورها الرائد في خدمة هذا البلد على أفضل صورة وأرقاها، ولتنافس الجامعات العالمية بجهودها وأعمالها المتميزة، ودعمه -رعاه الله- لجامعة الإِمام محمد بن سعود يذكر بأسطر من نور، ويسجل بمداد من ذهب. والجامعة تسعى بكل طاقاتها وإمكاناتها لتحقق هذه الأهداف السامية ومنها خدمة البحث العلمي، ونشر العلم والمعرفة على أوسع مجال، وأكثره نفعاً، في مختلف مناحي الحياة. وقد زخرت الجامعة بأعمال علمية كبيرة في مجالات كثيرة من تخصصاتها العلمية المختلفة، ومن هذه الأعمال تحقيق كتاب (البسيط في التفسير للإمام الواحدي) وقد حقِّق في الجامعة في خمس عشرة رسالة، وهو من الأعمال الكبيرة، فبعد الطباعة وصلت أجزاؤه إلى خمسة وعشرين جزءاً مع الفهارس، وتجاوزت صفحاته أربعة عشر ألفاً، مما دل على ضخامة العمل وصعوبة نشره. وقد كوَّنت لجنة لمتابعة ما بدئ به من هذا العمل برئاسة صاحب السمو الملكي الأمير الدكتور عبد العزيز بن سطَّام بن عبد العزيز آل سعود لما أعرفه عن سموَّه من جدٍّ ونشاط وعلميَّةٍ متميَّزةٍ، وحرصٍ على العلمِ، مع اهتمامه البالغ بنشر هذا الكتاب، وقد قام بهذه المسؤولية خير قيام، وبذل من جهده ووقته وفكره وخبرته، بل وماله ما سدَّد العمل، وأنجزه بوقتٍ قياسيٍّ، وجعل هذا الكتاب يخرج بهذه الصورة الرائعة والثوب - أ -
القشيب، والحلة الجميلة، شكلاً ومضموناً، فجزاه الله خيراً على جهوده المتواصلة، وأعماله الخيرة، فمثله في علمه وخلقه أهل لكل خير. كما أنَّني كلّفت الأستاذ الدكتور تركي بن سهو العتيبي صاحب الخبرة الطويلة والعمق العلمي والمعرفي والإتقان المعروف -عميد البحث العلمي السابق- بأن يكون نائباً للرئيس، لمعرفتي أنه هو الذي قد بدأ هذا المشروع قبل ثلاث سنوات من نهاية مدَّته الأخيرة التي انتهت في نهاية شهر ربيع الآخر من عام 1427 هـ، ولأنه من أعرف الناس بالكتاب ومراحل طباعته، وبالشروط التي اشترطت لإخراجه ولخبرته في هذا المجال، وقد قبل مشكوراً بالأمر وأسهم إسهاماً كبيراً في متابعته ليرى النور. أما هذا الكتاب فهو التفسير البسيط للإمام أبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي المتوفى سنة 464هـ، فهو من علماء القرن الخامس، وكتابه هذا من أشهر كتب التفسير بالمأثور، وهو واحد من كتبه الثلاثة في التفسير؛ البسيط وهو هذا الكتاب الذي أقدِّم له وهو أكبر تفاسيره وأقدمها تأليفاً، واسمه دليل على مراد مصنفه منه، وكتابه الثاني الوسيط، واسمه دل على أنه بين البسيط والمختصر، والثالث كتاب الوجيز. هذا العمل العلمي الكبير يعدُّ بحقٍّ مفخرة من مفاخر الجامعة التي سعت إلى تحقيقه أولاً، ثم وفّق الله سبحانه وتعالى إلى إخراجه، فهو عملٌ علميٌّ ضخم أفنى فيه الباحثون سنين مهمة من أعمارهم لو قيست برأس المال المعرفي لوجدت أن متوسط سنوات إعداد كل رسالة ثلاث سنوات علماً بأن إعداد بعض هذه الرسائل قد تجاوز ثلاث سنوات من تاريخ التسجيل حتى المناقشة، ومنها ما أنجز في حدود السنتين، وليست هناك رسالة تتم في أقل من هذا، فهذا الكتاب بذل فيه ما يزيد على ثلاثين سنة عملٍ، واستغرقت الطباعة والإخراج ما زاد على خمس سنوات، إن الجهود الكبيرة التىِ بذلت وتبذل لهي عنوان كبير على قيمة هذا العمل، وهذا فضل الله سبحانه وتعالى يؤتيه من يشاء. - ب -
وفي الختام أشكر رئيس اللجنة التي قامت على إخراج هذا العمل العلمي الكبير صاحب السمو الملكي الأمير الدكتور/ عبد العزيز بن سطام بن عبد العزيز، وسعادة نائبه الأستاذ الدكتور/ تركي بن سهو العتيبي والعاملين معهم في اللجنة على ما قدموه من خدمة عظيمة لكتاب الله، ولهذا الكتاب الأصيل، ولطلاب العلم والباحثين في كل مكان. وأخيراً أسجَّل شكري وتقديري للأخوة الباحثين أصحاب الرسائل الجامعية الذين قاموا بالتحقيق، ونالوا به درجاتهم العلمية، وأشكر المراجعين والمصححين الذين قاموا على أعمال الطباعة والإخراج، ولكلِّ من قدَّم جهداً في نشر هذا العمل الموسوعي. وفي الختام أحمد الله أن قيَّض لهذا البلد الطاهر خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود وصاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبد العزيز آل سعود ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع والطيران والمفتش العام، وصاحب السمو الملكي، الأمير نايف بن عبد العزيز النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية الذين يحرصون على العلم النافع والعمل الصالح، فلم يدخروا وسعاً في دعم البحث العلمي وتشجيعه ونشره، وخدمة الإِسلام والمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها. وصلَّى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه. أ. د. سليمان بن عبد الله أبا الخيل مدير جامعة الإِمام محمد بن سعود الإِسلامية - جـ -
مقدمة صاحب السمو الملكي الأمير الدكتور عبد العزيز بن سطام بن عبد العزيز آل سعود
بسم الله الرحمن الرحيم مقدمة صاحب السمو الملكي الأمير الدكتور عبد العزيز بن سطام بن عبد العزيز آل سعود الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبيَّ بعده، أما بعد: فمن نعم الله الكثيرة أن هيَّأ سبل السعي إلى طلب العلم وتحصيله، وذلَّلَ طرقه، وفتح آفاقاً من المعرفة كثيرة، ينهل منها أهل العلم وطلابه في مجال من مجالاته المختلفة. ومن خير الأعمال التي تبذل فيها الأوقات نشر الكتب ولا سيما كتب العلوم الشرعية في مختلف تخصصاتها، وجميع ما يتصل بنشرها وتوزيعها، ودون شكٍّ أن من أشرف العلوم ما كان متَّصلاً بكتاب الله سبحانه وتعالى، تفسيراً وقراءات وإعراباً وتوجيهاً، ومنها هذا المشروع الكبير المتصل بتفسير كتاب الله وإعرابه، فقد سجَّل خمسة عشر طالباً من قسم القرآن وعلومه رسائلهم لنيل درجة الدكتوراه في كتاب التفسير البسيط للواحدي، وهو يستحقُّ كل هذا العدد الكبير من الرسائل لكونه من كتب التفسير والإعراب الواسعة، وكما نصَّ على هذا مؤلفه فوافقت حقيقته واقع الكتاب، وجاءت هذه الرسائل لتلبي الحاجة الملحة للعمل في هذا السفر الكبير، وقد بذل المحققون جهوداً كبيرة في إخراج رسائلهم التي أمضوا في إعدادها سنوات مهمة من أعمارهم لينالوا الدرجات العلمية التي سجلوا الكتاب من أجل الحصول عليها، وقد حصلوا عليها بفضل الله سبحانه وتعالى، وبقي هذا العمل حبيس الأدراج حتى قيَّضَ له الأخ الزميل الدكتور تركي بن سهو العتيبي عميد البحث العلمي السابق ليبذل جهده لإخراج الكتاب مع إدراكه أن هناك عقبات كثيرة تحول دون نشره، ومن أصعبها تعدد الرسائل في هذا الكتاب، وتباعد الباحثين، وضخامة العمل، ولزوم إخراجه كاملاً في وقت واحدٍ. - هـ -
وبدأ العمل في الكتاب منذ ست سنوات، وكان عملاً متواصلاً لا ينفك البتة، مما جعل اللجنة المشكلة تبذل جهوداً متواصلة لإخراجه وطباعته، ومحاولة توحيد عمل المحققين، والسعي لتوحيد الإخراج، ليكون الكتاب كله على نسق متقارب. وقد أخذت اللجنة العلمية على عاتقها تطبيق ملحوظات الفاحصين على جميع الرسائل، من خلال المراجعين الذين كلفوا بالمراجعة والتصحيح والتدقيق، كما قررت اللجنة أن تدوِّن أسماء الباحثين على الأجزاء التي حقّقوها، وبذلت خطوات علمية وعملية حيث قامت اللجان بمقابلة النص كاملاً على إحدى النسخ الخطية للتأكد من خلوه من الأسقاط، والالتزام برسم المصحف، والضبط بالشكل للمشكل من الكلمات، أو ما يستدعي السياق ضبطه، ورفع الإبهام عن النصِّ، والتخلص من تراجم المشهورين، ومحاولة عدم تكرار التخريج للنصوص، وعدم تكرار توثيق الشواهد ما أمكن، إلا ما دعت الحاجة إلى تكراره، وبعد هذا كلِّه الإشراف على الفهرسة العلمية الكاملة لهذا الكتاب. هذا جهد استمر من منتصف عام 1425 هـ، حتى الآن، وبعد جهود متواصلة، ومتابعة متلاحقة خرج هذا العمل الذي أسأل الله سبحانه وتعالى أن يكون عملاً صالحاً مقبولاً، وأن يجزي الباحثين أصحاب الرسائل كل خير. وأخيراً أشكر الله سبحانه وتعالى على ما أعان ويسر وتمَّم، وأثني بالشكر والعرفان لخادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز، وصاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبد العزيز نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع والطيران والمفتش العام، وصاحب السمو الملكي الأمير نايف بن عبد العزيز النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية على ما أولوه للعلم والمعرفة من عناية ورعاية واهتمام، وما قدموه وما يقدمونه للجامعات السعودية من جهود مباركة. - و -
وأشكر معالي مدير الجامعة الأخ الأستاذ الدكتور سليمان بن عبد الله أبا الخيل اهتمامه بهذا الكتاب، ومباركته هذا التوجه وتأييده له، وحرصه الشديد على الإسراع بنشره، وتأكيده الدائم بأن الجامعة ستدعم هذا المشروع بكلِّ ما تستطيع. وأسجِّل عرفاني وتقديري لأعضاء اللجنة جميعاً على صبرهم وتحملهم هذا العمل، مع مشاغلهم الكثيرة، وبذلهم جهوداً متواصلة من غير كللٍ ولا مللٍ، كان العمل متواصلاً طيلة هذه السنوات، وقد ظنَّ الكثيرون بأن العمل توقَّف، لكنه لم يتوقف بحمد الله، لكن رغبة في الإنجاز حرص أعضاء اللجنة على العمل الدائم بصمتٍ تامٍّ حتى يتحقَّق إنجازه وقد تمَّ بفضل الله سبحانه وتعالى. وأشكر كذلك لجان المتابعة والمراجعين، وجميع من ضرب مع اللجنة بسهم في العمل. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. عبد العزيز بن سطام بن عبد العزيز آل سعود - ز -
مقدمة التحقيق
مقدمة التحقيق بسم الله الرحمن الرحيم إنَّ الحمدَ لله، نَحْمده، ونَستعينه، ونستغفره، ونعوذُ بالله مِنْ شرورِ أنفسنا، وسيئاتِ أعمالِنا، مَنْ يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إلله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وآله وسلم تسليمًا. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُون} [آل عمران: 102]. {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: 1]. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 70، 71]. أما بعد: فإن أجل ما صرفت فيه الأعمار، وقضيت فيه الأيام، الاشتغال بكتاب الله جل وعلا، قراءة وتعلُّماً وتعليماً وتفسيراً، فهو الحجة البالغة والصراط المستقيم، وه و"كتابه الدالُّ عليه لمن أراد معرفته، وطريقه الموصلة لسالكها إليه، ونوره المبين الذي أشرقت له الظلمات، ورحمته المهداة التي بها صلاح جميع المخلوقات، والسبب الواصل بينه وبين عباده إذا انقطعت الأسباب، وبابه الأعظم الذي منه الدخول، فلا يغلق إذا أغلقت الأبواب، وهو الصراط المستقيم الذي لا تميل به الآراء، والذكر الحكيم الذي لا تزيغ به الأهواء، والنُزُل الكريم الذي لا يشبع منه العلماء، ولا تفنى عجائبه، ولا تُقْلِع سحائبه، ولا تنقضي آياته، ولا تختلف دلالاته، كلما ازدادت البصائر
فيه تأملاً وتفكيرًا زادتْ هداية وتبصيرًا، وكلما بَجَسَتْ (¬1) مَعينه فجّر لها ينابيع الحكمة تفجيرًا، فهو نور البصائر من عماها، وشفاء الصدور من أدوائها وجواها (¬2)، وحياة القلوب.، ولذة النفوس" (¬3). ولذلك عكف العلماء على مائدة القرآن منذ نزوله، تلاوةً وحفظاً، وتدبراً واستنباطاً، وتفسيراً وبياناً، وتأليفاً وبحثًا عن أسراره وعجائبه التي لا تنفد ولا تنقضي، لذلك تعددت الدراسات حول القرآن؛ فمنهم من عُني بقراءاته وعللها، ومنهم من عُني بغريبه ومعانيه، ومنهم من عني بإعرابه وبلاغته، ومنهم من عني بأحكامه وتشريعاته، ومنهم من عني بمشكله ومتشابهه، ومنهم من عُني بأسباب نزوله وناسخه ومنسوخه، وقد استأثر التفسير بالنصيب الأوفى من هذِه الدراسات، حيث أُلفت في هذا الباب كتبٌ عديدة ومصنفاتٌ عجيبة، ما بين مطيل متوسع، ومختصر موجز، ومتوسط مقتصد. وممن وفقهم الله لذلك العلامة المفسّر اللغوي: أبو الحسن علي بن أحمد الواحدي، حيث ألف في التفسير فأكثر ولوّن، وبسط وأوجز، وجمع وحقق، وزيَّن ونمَّق، واشتهر بين الناس بمصنفاته في التفسير، وسارت بها الركبان، وتداولها شُداة العلم، وأفادوا منها، وأثنوا عليها غاية الثناء، وذلك أنه كما قال عن نفسه: "وأظنني لم آلُ جهداً في إحكام أصول هذا العلم، على حسب ما يليق بزماننا هذا، ويسعه سنو عمري، على قلة ¬
أعدادها، فقد وفق الله تعالى، وله الحمد، حتى اقتبست كل ما احتجت إليه في هذا الباب من مظانه، وأخذته من معادنه". فجاءت مؤلفاته مليئة بالفوائد، جامعة للعلوم والمعاني، حسنة في الألفاظ والمباني. ومع قناعة أبي الحسن الواحدي بأن الأول لم يترك للآخر شيئاً، إلا أنه اعتذر لنفسه بقوله: "إن المتأخر بلطيف حيلته، ودقيق فطنته، يلتقط الدرر، ويجمع الغرر، فينظمها كالعقد على صدر الكعاب (¬1)، يروق (¬2) المتأملين، ويؤنق (¬3) الناظرين، فيستحق به في الأولى حمد الحامدين، وفي العقبي ثواب رب العالمين". وكان -رحمه الله- تحدثه نفسه أن يعلق في تفسير القرآن فِقَراً (¬4) في الكشف عن غوامض معانيه، ونكتاً في الإشارة إلى علل القراءات فيه، في ورقات يصغر حجمها، ويكثر غُنْمها، والأيام تَمْطله بصروفها، على اختلاف صنوفها، إلى أن شدد عليه خناق التقاضي قوم لهم في العلم سابقة، وفي التحقيق همم صادقة، فسمحت قَرُوْنَتُه بعد الإباء، وذلت صعوبته بعد النفرة والالتواء. قال: "وقد استخرت الله العظيم في جمع كتاب أرجو أن يمدني الله فيه بتوفيقه وحسن تيسيره، حتى أبرزه كالقمر انجاب سحابه، والزلال صفا متنه واطرد حُبابه، يؤدي إلى المتأمل نُضرة الكلم العِذاب، ورونق الذهب ¬
المذاب، سألكٌ نهج الإعجاز في الإيجاز، مشتمل على ما نقمت على غيري إهماله، ونعيت عليه إغفاله، خالٍ عما يكسب المستفيد مَلالة، ويتصور عند المتصفح إطالة، لا يدع لمن تأمله حازة في صدره، حتى يخرجه من ظلمة الريب والتخمين إلى نور العلم وثَلَج اليقين". ولما كان الكتاب بهذه المثابة، ومؤلفه بهذه المنزلة، فقد ظل الكتاب مغموراً محبوساً بين المخطوطات في خزائن كتب التراث في الخافقين، حتى قيض الله له من ينفض عنه الغبار، وهم مجموعة من الأساتذة الافاضل، نالوا بها درجة الدكتوراه وهم: 1 - الدكتور/ محمد بن صالح بن عبد الله الفوزان. من أول الكتاب إلى آخر الآية رقم 74 من سورة البقرة. 2 - الدكتور/ محمد بن عبد العزيز الخضيري. من آية 75 حتى آية من سورة البقرة إلى آخر السورغ 3 - الدكتور/ أحمد بن محمد بن صالح الحمادي. سورة آل عمران كلها. 4 - الدكتور/ محمد بن حمد بن عبد الله المحيميد. من أول سورة النساء إلى آخر سورة المائدة. 5 - الدكتور/ محمد بن منصور الفايز. من أول سورة الأنعام إلى آخر سورة الأعراف. 6 - الدكتور/ إبراهيم بن علي الحسن. من أول سورة الأنفال إلى آخر سورة يونس. 7 - الدكتور/ عبيد الله بن إبراهيم الريس. من أول سورة هود إلى آخر سورة الرعد.
8 - الدكتور/ عبد الرحمن بن عبد الجبار بن صالح هوساوي. من أول سورة إبراهيم إلى آخر سورة الإسراء. 9 - الدكتور/ عبد العزيز بن محمد اليحيى. من أول سورة الكهف إلى آخر سورة طه. 10 - الدكتور/ عبد الله بن عبد العزيز بن محمد المديميغ. من أول سورة الأنبياء إلى آخر سورة النور. 11 - الدكتور/ سليمان بن إبراهيم بن محمد الحصين. من أول سورة الفرقان إلى آخر سورة الروم. 12 - الدكتور/ محمد بن عبد الله بن سايح الطيار. من أول سورة لقمان إلى آخر سورة (ص). 13 - الدكتور/ علي بن عمر السحيباني. من أرل سورة الزمر إلى آخر سورة الحجرات. 15 - الدكتور/ فاضل بن صالح بن عبد الله الشهري. من أول سورة (ق) إلى آخر سورة القلم. 15 - الدكتورة/ نورة بنت عبد الله بن عبد العزيز الورثان. من أول سورة الحاقة إلى آخر الكتاب. فجزاهم الله خير الجزاء
أهمية هذا الكتاب وسبب اختياره
أهمية هذا الكتاب وسبب اختياره: يُبَيِّن أهمية هذا الكتاب ما للمؤلف من مكانة علمية عالية وما لكتابه "البسيط" من قيمة علمية كبيرة، فقد برز الواحدي في علوم كثيرة كالتفسير والعربية وتصدر للتدريس في زمانه، يقول الحافظ الذهبي عنه: "الإِمام، العلامة، الأستاذ ... صاحب التفسير، وإمام علماء التأويل ... كان طويل الباع في العربية .. تصدر للتدريس مدة وعظم شأنه" (¬1). وقد أثنا عليه وأشاد بمؤلفاته كثيرٌ من العلماء (¬2). فالواحدي قد بلغ مرتبة الإمامة في كثير من العلوم الشرعية. أما كتابه "البسيط" فإن له قيمة علمية كبيرة في مجال التفسير التحليلي للآيات بذكر معاني المفردات وما يتعلق بها من حيث اللغة والنحو، والعناية بالقراءات وبيان أوجهها وعللها، وسياق الأقوال والأوجه في التفسير مع الموازنة بينها أو الترجيح في كثير من الأحيان، وذكر أسباب النزول واستنباط ما تدل عليه الآيات من أحكام، فهذا الكتاب يعتبر من التفاسير الجامعة. من جهة أخري فإن "البسيط" قد امتاز بمراجعه الأصيلة في التفسير والعربية، كما أنه يعتبر مصدراً مهماً لنصوص كثيرة من كتب مفقودة كـ"المصادر" للفراء و"نظم القرآن" للجرجاني وبعض كتب ابن الأنباري، ¬
وغيرها، حيث اعتمد الواحدي كثيراً على هؤلاء في تفسيره، وكان حسن الانتقاء للنقول، وإجادة الربط بين الكلام ولو كان من مصادر متعددة. ومن أهمية هذا التفسير أن الواحدي تصدى فيه للرد على الفرق الضالة -خاصة القدرية- كلما سنحت له فرصة، فيبين بُعد منهجهم عن الصواب، ومجانبتهم لما دلت عليه الآيات القرآنية والسنة المطهرة. كما يعتبر "البسيط" مصدراً أصيلاً قديماً من تفاسير القرن الخامس الهجري نقل منه كثير ممن جاء بعده من المفسرين، وكذلك غزارة مادة "البسيط" العلمية وتنوعها، ففيه مادة لغوية ونحوية، وفيه كثير من الأقوال والآثار التي لم يعثر عليها في كتب التفسير الأخري. كما أن الواحدي يتصف بدقة البحث للمسائل وتحريرها وحسن ترجيحها مما جعل كثيراً من المفسرين يتبنى آراءه ويستشهد بها في مواطن الخلاف. كما يعتبر "البسيط" من كتب التفسير الكبيرة الجامعة لمختلف العلوم، وكذلك المكانة العلمية البارزة لمؤلف هذا الكتاب وهو الإِمام الواحدي فهو من كبار العلماء بالتفسير والعربية. صحيح أن المؤلف -رحمه الله- وقع فيما أُخذ عليه، وانتُقِد بسببه، لكن تلك المآخذ لا تقلل كثيراً من شأن الكتاب، ولا تطمس محاسنه ومزاياه؛ ولهذا فإن المكتبة القرآنية بحاجة إلى نشر هذا الكتاب محققًا، لتعم به الفائدة، ويكثر به النفع، وأسأل الله أن يوفقنا إلى إبراز هذا وإخراجه بالصورة التي تليق به.
خطة العمل
خطة العمل: يتكون هذا الكتاب من: مقدمة، وقسمين، وفهارس. المقدمة: أشرنا فيها إلى أهمية الكتاب المحقق، وسبب اختياره. القسم الأول: الدراسة: وتنقسم إلى فصلين: الفصل الأول: التعريف بالمؤلف. وفيه مبحثان: المبحث الأول: التعريف بالمؤلف. وفيه تسعة مطالب: المطلب الأول: اسمه، ونسبه، وكنيته، وأسرته. المطلب الثاني: ولادته ووفاته. المطلب الثالث: موطنه. المطلب الرابع: طلبه للعلم، ورحلاته في طلب العلم، والعلوم التي برز فيها. المطلب الخامس: عقيدته ومذهبه. المطلب السادس: شيوخه وتلاميذه مع تعريف لكل واحد منهم. المطلب السابع: مؤلفاته. المطلب الثامن: مكانته. المطلب التاسع: أقوال العلماء فيه، وما كتبه العلماء عن الواحدي ثناءً أو نقداً له، والصواب من ذلك. المبحث الثاني: الأوضاع السياسية في عصر الواحدي، وأثرها على
الناحية العلمية. الفصل الثاني: دراسة عن كتاب "البسيط". وفيه عشرة مباحث: المبحث الأول: اسم الكتاب. المبحث الثاني: ثبوت نسبة الكتاب للوحدي. المبحث الثالث: الباعث على إنشائه. المبحث الرابع: تاريخ البدء فيه والانتهاء منه. المبحث الخامس: مصادر الواحدي في "البسيط"، ثم التعريف بهذِه المصادر وطريقته في الأخذ منها، وما هي المادة التي أخذها. المبحث السادس: منهج الواحدي في البسيط. وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: منهجه إجمالاً كما وصفه في مقدمة كتابه. المطلب الثاني: منهجه تفصيلاً. وفيه تسع مسائل: المسألة الأولى: منهجه في تفسير القرآن بالقرآن. المسألة الثانية: منهجه في تفسير القرآن بالسنة. المسألة الثالثة: منهجه في تفسير القرآن بأقوال الصحابة والتابعين. المسألة الرابعة: منهجه في ذكر الإسرائيليات. المسألة الخامسة: منهجه في القراءات. المسألة السادسة: منهجه في علوم القرآن. 1 - أسباب النزول. 2 - الوقف والابتداء.
3 - الناسخ والمنسوخ. 4 - الربط بين الآيات. المسألة السابعة: منهجه في مسائل العقيدة، والرد على الفرق. المسألة الثامنة: منهجه في المسائل الفقهية والأصولية. المسألة التاسعة: منهجه في اللغة وفنونها. المطلب الثالث: مقارنة بين تفاسير الواحدي الثلاثة. المبحث السابع: قيمة البسيط العلمية. المبحث الثامن: أثر الواحدي فيمن بعده من خلال كتابه "البسيط" وفيه ذكرت أهم الذين تأثروا بتفسير "البسيط" وأفادوا منه، فمن المفسرين: 1 - الفخر الرازي في تفسيره: "مفاتيح الغيب". 2 - أبو حيان في تفسيره: "البحر المحيط". 3 - السمين الحلبي في تفسيره: "الدر المصون". 4 - الجمل في تفسيره: "الفتوحات الإلهية". 5 - الألوسي في تفسيره: "روح المعاني". ومن المؤلفين في علوم القرآن: 1 - الزركشي في "البرهان". 2 - السيوطي في "الإتقان". ومن الفقهاء: الطحطاوي في "حاشية على المراقي"، والنووي في "المجموع شرح المهذب"، والخطيب في "مغني المحتاج"، والشوكاني في "نيل الأوطار"، والصنعاني في "سبل السلام". ومن شرح الحديث: النووي في "شرح مسلم"، والحافظ في
"الفتح"، وبدر العيني في "عمدة القاري"، والسيوطي في "تنوير الحوالك"، وشرح "سنن النسائي"، والمناوي في "فيض القدير". المبحث التاسع: منهج تحقيق الكتاب المبحث العاشر: النسخ الخطية لتفسير البسيط. القسم الثاني: تحقيق نص الكتاب. الفهارس: تم عمل فهارس متنوعة، تذليلاً للبحث في الكتاب، وتيسيراً على الباحثين وهي كالتالي: 1 - فهرس الآيات التي ورد بها أسباب نزول. 2 - فهرس الأحاديث. 3 - فهرس الآثار. 4 - فهرس الأعلام المترجم لهم. 5 - فهرس الأبيات الشعرية. 6 - فهرس الكلمات اللغوية. 7 - فهرس الكلمات النحوية. 8 - فهرس البلدان والمواضع. 9 - فهرس الطوائف والفرق والقبائل. 10 - فهرس المصادر والمراجع. 11 - فهرس المحتويات.
المبحث الأول التعريف بالواحدي حياته وآثاره
المبحث الأول التعريف بالواحدي حياته وآثاره وفيه تسعة مطالب: المطلب الأول: اسمه، ونسبه، وكنيته، وأسرته. المطلب الثاني: ولادته ووفاته. المطلب الثالث: طلبه للعلم، ورحلاته في طلب العلم، والعلوم التي برز فيها. المطلب الرابع: موطنه. المطلب الخامس: عقيدته ومذهبه. المطلب السادس: شيوخه وتلاميذه مع تعريف لكل واحد منهم. المطلب السابع: مؤلفاته. المطلب الثامن: مكانته. المطلب التاسع: أقوال أهل العلم فيه، وما كتبه العلماء عن الواحدي ثناءً أو نقداً له، والصواب من ذلك.
المطلب الأول اسمه ونسبه، وكنيته، وأسرته
المطلب الأول اسمه ونسبه، وكنيته، وأسرته أولاً: اسمه ونسبه: هو علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي النيسابوري الشافعي. هذا نسبه في أكثر المصادر التي وردت فيها ترجمته (¬1). وزاد بعضهم في نسبه فذكر "متويه" أحد أجداده ونسبه له، فقال ابن خلكان (¬2): "المتُّوي" وقال ابن الأثير (¬3): "المتويي". أما ابن كثير فقال في نسبه: "علي بن حسن بن أحمد بن بويه الواحدي" (¬4). ولم يذكر أحد غيره أن اسم أبيه "حسن" بل أجمعت المصادر على أنه "أحمد" فلعله تصحيف. وقعت كنيته "أبو الحسن" مكان اسم أبيه. أما قوله: "ابن بويه" فلعلها كذلك تصحيف "متويه" (¬5). و"الواحدي" بفتح الواو، وبعد الألف حاء مهملة مكسورة، وهذه ¬
ثانيا: كنيته
النسبة إلى الواحد بن الدين (¬1) بن مهرة، ذكره ابن خلكان عن أبي أحمد العسكري. وقال أبو الفداء: "الواحدي"، نسبة إلى الواحد بن ميسرة (¬2). و"بنو مهرة" قبيلة عربية مشهورة ترجع إلى قضاعة (¬3). وشهرته بالواحدي هي المعروفة المذكورة في المصادر. أما "المتوي" فنسبة إلى "مَتُّويه" بفتح الميم والتاء المشددة المضمومة، أحد أجداده المنسوب له، قاله ابن خلكان (¬4)، وذكر هذا النسب السمعاني (¬5) فقال: "المتويي"، ولم يذكر الواحدي ضمن من ذكر فيمن نسب لهذا الجد، وتعقبه ابن الأثير (¬6) فذكر الواحدي ونسبه إلى هذا الجد، فقال: "المتوبي". و"النيسابوري" نسبة إلى موطنه "نيسابور" كما سبق. ثانيًا: كنيته: يكنى "أبا الحسن" على هذا أكثر المصادر، سوى القفطي في "إنباه الرواة" فإنه قال: "الحسين" (¬7). ولعله تصحيف عن "الحسن" وهذا يحصل كثيراً في كتب التراجم بين اسم "الحسن" و"الحسين". ¬
ثالثا: أسرته
ثالثًا: أسرته: لم تذكر المصادر شيئاً كثيراً عن أسرة الواحدي، وكل ما قيل عنها: أن أباه يعد من التجار (¬1)، فالواحدي نشأ في أسرة ذات يسار، وهذا يهيئ لطالب العلم التفرغ له، فلا ينشغل بطلب قوته غالباً. ومما ذكر عن أسرته أن له أخوين: أحدهما: عبد الرحمن، ذكره في "المنتخب من السياق" فقال: عبد الرحمن بن أحمد بن محمد بن علي بن متُّويه الواحدي، أبو القاسم، مستور صالح، أخو الإِمام علي الواحدي، الأكبر منه، وأصلهم من ساوة من أولاد التجار سمع من الزيادي وابن يوسف ومن بعدهم من أصحاب الأصم، وعقد له مجلس الإملاء في الجامع المنيعي .. وتوفي يوم الأربعاء غرة شهر ربيع الآخر سنة سبع وثمانين وأربعمائة، روى عنه أبو الحسن (¬2). والثاني: سعيد، قال في المنتخب: "سعيد بن أحمد بن محمد السمسار، أبو بكر الواحدي، أخو الإِمام المفسر علي الواحدي، شيخ ثقة مستور عفيف كان يحترف السمسرة سمع من أصحاب الأصم" (¬3). ¬
المطلب الثاني
المطلب الثاني ولادته لم يذكر أحد ممن ترجم للواحدي تاريخ ميلاده، وهذا واقع في تراجم أغلب العلماء، ذلك أن العالم حين ولادته لم يظهر له نبوغ يذكر، ولا أثر يستحق التسجيل، وربما كان لبعض الأسر دور في تسجيل تاريخ ميلاد أبنائهم. والواحدي لم ينص أحد على تاريخ ميلاده، وإنما ذكر تاريخ وفاته. وفاته: توفي أبو الحسن الواحدي سنة 468 في جمادى الآخرة بنيسابور (¬1)، بعد مرض ألم به طويل (¬2)، خلافاً لما ذكره بعضهم (¬3) من أن مرضه لم يدم طويلاً. وذكر بعضهم (¬4) قولاً: إنه توفي سنة 469 ثم رجح الأول وقد ذكروا أنه شاخ (¬5) وكان عند وفاته من أبناء السبعين (¬6). ¬
المطلب الثالث موطنه
المطلب الثالث موطنه أصل الواحدي من "ساوة" كما قال ذلك ياقوت وغيره (¬1)، ولكن أسرته انتقلت منها واستقرت في "نيسابور" حيث ولد الواحدي وتوفي فيها (¬2)، و"نيسابور" إحدى مدن "خراسان" الهامة. فهو خراساني نيسابوري. أما "ساوة" فقد قال عنها ياقوت: "مدينة حسنة بين الري وهمذان في وسط .. وبقربها مدينة يقال لها "آوة" فـ"ساوة" سنية شافعية، و"آوة" أهلها شيعة إمامية وبينهما نحو فرسخين، ولا يزال يقع بينهما عصبية .. " (¬3) ولا نقف عندها كثيراً حيث تركتها أسرة الواحدي قبل ولادته (¬4)، فأثرها على حياته قليل. أما "خراسان" وهو الإقليم الذي عاش الواحدي في إحدى مدنه، فهو منطقة واسعة قال ياقوت في بيان حدودها: "خراسان: بلاد واسعة أول حدودها مما يلي العراق "أزاذوار" قصبة جوين "وبيهق"، وآخر حدودها مما يلي الهند "طخارستان" و"غزنة" و"سجستان" و"كرمان"، وليس ذلك منها، إنما هو أطراف حدودها" (¬5). وفي خراسان أمهات البلاد منها: بلخ ¬
ونيسابور وبوشنج ومرو وهراة وطالقان وغيرها (¬1)، فتحت خراسان في أيام عثمان -رضي الله عنه- بإمارة عبد الله بن عامر بن كريز (¬2). وقد وصف المقدسي إقليم خراسان فقال: "اعلم أن لهذا الإقليم فضائل تنسب إلى هذا الجانب ويشركه في أكثرها جانب هيطل" (¬3)، إلا أن هذا لما كان أقدم في الاختطاط والفتح في الإِسلام، وأقرب إلى أقاليم العرب خص بالذكر وعرف عند النسبة، يحكى عن ابن قتيبة أنه قال: "أهل خراسان أهل الدعوة وأنصار الدولة .. " قال: "ويقال: إن محمد بن (¬4) عبد الله قال لدعاته: أما الكوفة وسوادها فشيعة علي، وأما البصرة فعثمانية تدين بالكف، وأما الجزيرة فحرورية صادقة، وأعراب كأعلاج، ومسلمون في أخلاق النصارى، وأما أهل الشام فلا يعرفون غير معاوية، وطاعة بني أمية وعداوة راسخة وجهل متراكم، وأما مكة والمدينة فقد غلب عليهم أبو بكر ¬
وعمر، ولكن عليكم بخراسان فإن هناك العدد الكثير والجلد الظاهر وهناك صدور سليمة وقلوب فارغة لم تتقسمها الأهواء ولم تتوزعها النحل ولم يقدح فيها فساد، وهم جند لهم أبدان وأجسام ومناكب وكواهل وهامات ولحى وشوارب وأصوات هائلة ولغات فخمة تخرج من أجواف منكرة، وبعد فإني أتفاءل إلى المشرق وإلى مطلع سراج الدنيا ومصباح الخلق". وقال المقدسي (¬1): " .. واعلم أن هذا الجانب في الحقيقة خراسان وهو أجل الجانبين لأن به المصر الأعظم وأهله أظرف وأحلم وبالخير والشر أعلم إلا أقاليم العرب ورسومهم أقرب .. " (¬2). وكانت خراسان موطن العلم والعلماء قال ياقوت (¬3): " .. فأما العلم فهم فرسانه وساداته وأعيانه، ومن أين لغيرهم مثل محمد بن إسماعيل البخاري (¬4)، ¬
ومثل مسلم بن الحجاج (¬1)، وأبي عيسى الترمذي (¬2)، وإسحاق بن راهويه (¬3)، وأحمد بن حنبل وأبي حامد الغزالي (¬4)، والجويني إمام الحرمين (¬5) والحاكم ¬
أبي عبد الله النيسابوري (¬1) وغيرهم من أهل الحديث والفقه، ومثل الأزهري (¬2) والجوهري (¬3) وعبد الله بن المبارك .. " (¬4) هذا عن خراسان. أما "نيسابور" موطن الواحدي وبلده، فهي كما وصفها ياقوت حين قال: "نيسابور" بفتح أوله والعامة يسمونه: "نشاوور" وهي مدينة عظيمة ذات فضائل جسيمة معدن الفضلاء، ومنبع العلماء، لم أر فيما طوفت من البلاد مدينة كانت مثلها .. " (¬5). واختلف في سبب تسميتها بذلك، فقيل: إنها سميت بذلك لأن سابور ¬
مر بها، وفيها قصب كثير، فقال: يصلح أن يكون ههنا مدينة، فسميت نيسابور وقيل: إن سابور خرج من مملكته لقول المنجمين فخرجوا يطلبونه فبلغوا "نيسابور" فقالوا: نيست سابور، أي ليس سابور (¬1). قال ياقوت: " .. وأكثر شرب أهل نيسابور من قنى تجري تحت الأرض ينزل إليها في سراديب مهيأة لذلك، فيوجد الماء تحت الأرض، ليس صادق الحلاوة، وعهدي بها كثيرة الفواكه والخيرات .. " (¬2). وذكر ياقوت أنها فتحت أيام عثمان -رضي الله عنه - وقد فتحها الأمير عبد الله بن كريز في سنة 30 هـ صلحا وبنى بها جامعا. وقيل: فتحت أيام عمر -رضي الله عنه - على يد الأحنف بن قيس، وانتقضت أيام عثمان فأرسل إليها عبد الله بن كريز ففتحها ثانية (¬3). ومما يجدر ذكره أن نيسابور أصابها ما أصاب الدولة الإِسلامية في العهد الثاني للعباسيين فتقلبت بين السامانيين والغزنويين والسلاجقة فكانت تحت ولاية السامانيين، فحاول محمود الغزنوي أخذها سنة (388 هـ) فاحتلها ولكن لما علم بمسير الأمير منصور بن نوح إليه سار عنها وتركها، ثم عاد إليها سنة (389هـ) واحتلها (¬4)، وبقيت تحت الدولة الغزنوية إلى سنة (432هـ) حيث احتلها السلاجقة. قال ابن الأثير عن حادثة احتلال السلاجقة لها: " .. وسار طغرلبك إلى نيسابور وملكها ودخل إليها آخر سنة إحدى وثلاثين وأول سنة اثنتين ¬
وثلاثين ونهب أصحابه الناس .. وكان العيارون قد عظم ضررهم واشتد أمرهم وزادت البلية بهم على أهل نيسابور فهم ينهبون الأموال ويقتلون النفوس ويرتكبون الفروج الحرام .. فلما دخل طغرلبك البلد خافه العيارون وكفوا عما كانوا يفعلون وسكن الناس واطمأنوا .. " (¬1) وحصلت لها بلية أخري على يد الغز سنة (548 هـ)، ثم خربت مرة أخري على يد التتر سنة (618 هـ) (¬2). أما العلم بها فهو كما قال عنها ياقوت في كلامه السابق: "معدن الفضلاء ومنبع العلماء .. " وقد اشتهرت بمدارسها العامرة، وذكر السبكي بعض مدارسها، وذلك لما تحدث عن المدارس في عهد "نظام الملك" فذكر منها المدرسة "البيهقية" و"السعدية" بناها الأمير نصر بن سبكتكين أخو السلطان محمود، ومدرسة بناها أبو إسماعيل بن علي الاستراباذى الواعظ، ومدرسة "أبي إسحاق الإسفراييني" ثم بني "نظام الملك" المدرسة "النظامية" بها (¬3)، هذا شيء عن المدارس وبيوت العلم التي قامت بنيسابور، فتخرج فيها فحول العلماء. وقد ألف في أسماء علماء نيسابور ومشايخها كتب، وأول من كتب في هذا "الإِمام أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم" المتوفى سنة (405 هـ)، قال السمعاني: "والمنتسب إليها جماعة لا يحصون وقد جمع الحاكم أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ البيع، تاريخ علمائها في ثمان ¬
مجلدات .. " (¬1) وذيَّله عبد الغافر بن إسماعيل الفارسي، المتوفى سنة (529 هـ) في كتاب اسمه "السباق في ذيل تاريخ نيسابور" (¬2)، وذكر الثعالبي (ت 429 هـ) في "يتيمة الدهر" باباً في ذكر النيسابوريين، وباباً آخر في ذكر الطارئين على نيسابور من بلاد شتى (¬3). ومن مشاهير العلماء المنسوبين لنيسابور، الإِمام مسلم بن الحجاج، مؤلف "الصحيح"، ومنهم: "أبو بكر عبد الله بن محمد النيسابوري الشافعي، مولى أبان بن عثمان" توفي سنة (324 هـ) (¬4)، وسيأتي ذكر عدد منهم في شيوخ الواحدي وتلامذته. ومما ينبغي ذكره عن نيسابور وبلاد خراسان عامة أوضاع الفرق والطوائف والتعصب فيها، وقد وصف المقدسي ذلك فقال عن خراسان عامة: "وبه يهود كثيرة ونصارى قليلة، وأصناف المجوس، وليس فيه مجذومون، ولا يعرفون الجذام، وأولاد علي -رضي الله عنه - فيه على غاية الرفعة، ولا تري به هاشميا إلا غريبا ومذاهبهم مستقيمة غير أن الخوارج "بسجستان" ونواحي "هراة" و"كروخ" و"استربيان" كثيرة، وللمعتزلة بنيسابور ظهور بلا غلبة، وللشيعة والكرامية بها جلبة، والغلبة في الإقليم أصحاب أبي حنيفة، إلا في كورة "الشاش" و"إيلاق" و"طوس" و"نسا" و"أبيورد" و"طراز" و"ضنغاج" وسواد "بخارى" و"سنج" و"الدَّنْدَانَقَان" و"أسفراين" و"جويان" فإنهم شفعوية كلهم والعمل في هذه المواضع على مذهبهم .. و"نيسابور"- ¬
أيضًا - شفعوية .. وأهل ترمذ جهمية، وأهل "الرقة" شيعة، وأهل "غندر" قدرية .. " (¬1). هذا الوصف من المقدسي يصور لنا حالة تلك البلاد التي عاش بها الواحدي فهي معدن العلم والعلماء وهي مع ذلك موطن اضطراب وتقلبات سياسية، ومواطن الفرق والصراع بينها، وما حصلت تلك المحن على تلك البلاد وعلى الأمة جميعها إلا بسبب ظهور المعاصي والتفرق في الدين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ¬
المطلب الرابع طلبه للعلم، ورحلاته في طلب العلم، والعلوم التي برز فيها
المطلب الرابع طلبه للعلم، ورحلاته في طلب العلم، والعلوم التي برز فيها لقد نشأ الواحدي في تلك المدينة العامرة بالعلم والعلماء نيسابورَ، مع سعة الرزق التي هيأت له أسباب التحصيل والطلب، وكان الكُتَّاب (¬1) هو المدرسة الابتدائية التي تلقا فيها أبو الحسن الواحديُّ تعليمه، حيث دخل كتاب الشيخ أبي عمرو سعيد بن هبة الله البسطامي (¬2). ثم شرع في السماع من العلماء، والأخذ عنهم، حيث سمع من شيخه أبي طاهر محمد بن محمد بن مَحْمِش الزيادي (¬3) محدث نيسابور وفقيهها، وكان ذلك عام (409) (¬4) فيكون سماعه منه، وهو في الثانية عشرة من عمره تقريباً، أو فوق ذلك بقليل. ثم انضم الواحدي إلا دار السُّنة -وهي مدرسة يدرِّس فيها كبار العلماء والمحدثين- ليتلقى العلم عن أجلَّة علمائها، وكان منهم: القاضي أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري في سنة (410) وهذا وما قبله يدلان على شغف الواحدي بالعلم ولزوم حلق العلماء منذ نعومة أظفاره، ومَيْعة (¬5) صباه (¬6). ولعل الواحدي رحمه الله أحب أن يتقن علوم الآلة التي يتوصل بها إلى فهم القرآن والسنة، قبل أن يخوض في علوم المقاصد، ليكون على ¬
فهم تام بها، ومعرفة بحقائقها، يحدث عن ذلك فيقول: "وأما النحو فإني لما كنت في مَيعة صباي، وشرخ شبيبتي، وقعت إلى الشيخ أبي الحسن علي بن محمد الضرير رحمه الله ... ولعله تفرَّس فيّ وتوسم أثر الخير لديّ فتجرد لتخريجي وصرف وَكْده (¬1) إلى تأديبي، ... وسعدت به أفضل ما سعد تلميذ بأستاذه، وقرأت عليه جوامع النحو والتصريف والمعاني، وعلقت عنه قريبا من مائة جزء في المسائل المشكلة، وسمعت منه أكثر مصنفاته في النحو والعروض والعلل .. " (¬2). ولم يقض نهمته من علم اللغة والأدب اللذين لا يستغنى عنهما في فهم النصوص، يقول الواحدي: "ولئن استغنى علم عن الأدب فمن ضرورة التفسير وعلم القرآن: الأدب ومعرفة اللغة العربية" (¬3)، فانقطع لتعلم اللغة على شيخ اللغة في وقته: أبي الفضل أحمد بن محمد بن عبد الله بن يوسف العروضي، حيث لازمه ملازمة الظل لصاحبه، يدخل عليه عند طلوع الشمس، ويخرج من عنده غروبها، يسمع ويعلق ويبحث، ويذاكر أصحابه ما بين طرفي النهار، وقرأ عليه كثيراً من دواوين الشعر وكتب اللغة، قال: ولم أغب عن زيارته يوماً من الأيام إلى أن حال بيننا الحمام (¬4). ثم لما توفي الشيخ أبو الفضل العروضي عام (416) تنقل الواحدي في مساجد البلد ومدارسه، بين العلماء والعلوم (¬5)، يحدثنا أبو الحسن الواحدي عن تلقيه للقرآن ولعلم القراءات، فيقول: "وأما القرآن وقراءات ¬
أهل الأمصار، واختيارات الأئمة، فإني اختلفت أولاً إلى الأستاذ أبي القاسم علي بن أحمد البستي -رحمه الله (¬1) - وقرأت عليه القرآن ختمات كثيرة لا تحصى، حتى قرأت عليه أكثر طريقة الأستاذ: أبي بكر أحمد بن الحسين بن مهران -رحمه الله (¬2) - ثم ذهبت إلى الإمامين أبي عثمان سعيد ابن محمد الحيري، وأبي الحسن علي بن محمد الفارسي -رحمهما الله (¬3) - فقرأت عليهما وأخذت من كل منهما حظّاً وافراً بعون الله وحسن توفيقه. وقرات على الأستاذ سعيد مصنفات ابن مهران، وروى لنا كتب أبي علي الفسوي (¬4) عنه، وقرأت عليه بلفظي كتاب الزجاج (¬5) في "المعاني" (¬6). ¬
لقد كانت كل تلك الدراسات تهيئة من الواحدي لنفسه، وتدرجاً للوصول إلى علوم المقاصد، وهذا يظهر من حديثه عن نفسه في آخر تفسيره "البسيط"، حين قال: "وقد كنت تعبت دهراً طويلاً، من عنفوان صباي إلى تناهي أيام شبيبتي في إحكام مقدمات هذا العلم" (¬1). كما يظهر لنا من خلال حديث الواحدي مع شيخه أبي الفضل العروضي حين قال: "وقرأت عليه الكثير من الدواوين وكتب اللغة حتى عاتبني شيخي -رحمه الله- يوماً من الأيام، وقال: إنك لم تبق ديواناً من الشعر إلا قضيت حقه، أما آن لك أن تتفرغ لتفسير كتاب الله العزيز، تقرأه على هذا الرجل الذي يأتيه البعداء من أقاصي البلاد، وتتركه أنت على قرب ما بيننا من الجوار؟ يعني: الأستاذ الإِمام أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي -رحمه الله (¬2) - فقلت يا أبت إنما أتدرج بهذا إلى ذلك الذي تريد، وإذا لم أحكم الأدب بجد وتعب لم أَرْمِ في غرض التفسير عن كثب .. " (¬3). ولقد رضي عن جهده في هذا الباب حين قال: "وأظنني لم آل جهداً في إحكام أصول هذا العلم على حسب ما يليق بزماننا هذا، ويسعه سِنُو عمري على قلة أعدادها، فقد وفق الله تعالى وله الحمد، حتى اقتبست كل ما احتجت إليه في هذا الباب من مظانه، وأخذته من معادنه" (¬4). ثم تفرغ من بعد ذلك -تبعًا-، لخطته، ومنهجيته التي ارتضاها لنفسه، وإنفاذاً لوصية شيخه - للقراءة على الإِمام: أبي إسحاق أحمد بن حمد بن ¬
رحلاته
إبراهيم الثعلبي، وقرأ عليه من مصنفاته أكثر من خمسمائة جزء، وتفسيره الكبير "الكشف والبيان" وكتابه "الكامل في علم القرآن" وغيرها، ولشدة ملازمته إياه عرف في الأوساط العلمية آنذاك بتلميذ الثعلبي. رحلاته: ولقد رحل الواحدي. بعد ذلك في طلب العلم، يبحث عن أساطينه فيتلقى عنهم، وقد عبر عن تلك الرحلات بقوله: " .. ولو أثبت المشايخ الذين أدركتهم واقتبست عنهم هذا العلم من مشايخ نيسابور وسائر البلاد التي وطئتها طال الخطب ومل الناظر .. " (¬1). ولم تذكر المصادر البلاد التي رحل إليها الواحدي، ولكن صرح هو في بعض رواياته بمكان التلقي، فمثلا قال في "أسباب النزول": "قال الشيخ: أشهد بالله لقد أخبرنا أبو الحارث محمد بن عبد الرحيم الحافظ بجرجان قال: أشهد بالله لقد أخبرنا أبو نعيم أحمد بن محمد بن إبراهيم البزاز .. " (¬2). فهذا يدل على أنه رحل إلى جرجان (¬3) وأخذ عن شيوخها. العلوم التي برز فيها: لقد تنوعت مشارب الواحدي العلمية، وتعددت، وأخذ من كل فن بطرف، ذلك لأن من خصائص العلوم الشرعية أنها مترابطة، فبعضها غايات وبعضها وسائل كاللغة والأصول ونحوهما، ولابد لمن أراد تعلم الغايات أن يدرس الوسائل، فالمفسر مثلاً: يلزمه معرفة السنة حتى يميز بها بين ما صح ¬
وما ليس كذلك، كما أن فهم اللفظ القرآني متوقف على معرفة اللغة والنحو وأصول كلام العرب، ولا بد أن يعرف القراءات وعلوم القرآن وهكذا. ولقد كان ذلك دافعاً قوياً للواحدي ليحكم الأصول كما قال في مقدمة كتابه "البسيط": " ... وأظنني لم آل جهدًا في إحكام أصول هذا العلم على حسب ما يليق بزماننا هذا ويسعه سنو عمري على قلة أعدادها، فقد وفق الله تعالى، وله الحمد، حتى اقتبست كل ما احتجت إليه في هذا الباب من مظانه وأخذته من معادنه، أما اللغة فقد درستها على الشيخ أبي الفضل أحمد بن محمد بن عبد الله بن يوسف العروضي، رحمه الله .. " (¬1). وتحدث بعد ذلك عن أخذه النحو والقراءات والتفسير. ويؤكد كلامه بقوله: " .. ولئن استغنى علم عن الأدب فمن ضرورة التفسير وعلم القرآن: الأدب، ومعرفة اللغة العربية .. " (¬2). وكان للواحدي مشاركة في سائر العلوم. ففي السنة أخذ عن كبار المحدثين وأدرك الإسناد العالي (¬3)، وقال عنه ابن تغري بردي: "كان إماماً عالماً بارعاً محدثاً" (¬4)، وكتابه "أسباب النزول" يشهد بمكانته في هذا الفن. على أنه لم يصل فيها إلى المستوى الذي وصل إليه في اللغة والتفسير، ولهذا روى بعض الأحاديث الضعيفة والموضوعة وسيأتي تفصيل هذه المسألة عند الحديث عن منهجه في التفسير في كتابه "البسيط". أما الفقه فيعتبر أحد أعلام مذهب الإِمام الشافعي وتوجد ترجمته في ¬
جميع كتب تراجم طبقات علماء الشافعية (¬1)، وله آراء فقهية ذكرها في "البسيط" معتمدة في مذهبهم، نقل منها النووي في "المجموع شرح المهذب" (¬2). ومع هذه المشاركات من الواحدي في السنة والفقه فقد برز في علوم "التفسير" و"النحو"، "واللغة" وشهر بها وصار من أعلامها. وصفه بعض المترجمين له بإمامته فيها، قال في "المنتخب من السياق": "الإِمام المصنف المفسر النحوي" (¬3)، وقال ابن خلكان: "كان أستاذ عصره في النحو والتفسير" (¬4)، وقال القفطي: "الإِمام المصنف المفسر النحوي .. " (¬5)، وقال أبو الفداء: "وكان أستاذ عصره في النحو والتفسير" (¬6). وقال الأسنوي: "كان فقيها إماما في النحو واللغة وغيرهما شاعرًا، وأستاذ عصره في التفسير .. " (¬7)، وقال الفيروزابادي: "الإِمام المفسر النحوي اللغوي .. " (¬8). أما عن إمامته في علم التفسير فيشهد بذلك كتبه الثلاثة في التفسير "البسيط" و"الوسيط" و"الوجيز" ويأتي الحديث عنها في مؤلفاته، وأكبرها "البسيط"، كذلك كتابه "أسباب النزول"، وقد ترجم له السيوطي والداودي ¬
في "طبقات المفسرين" (¬1). أما عن إمامته في النحو واللغة فإن الواحدي قد تحدث عن ذلك في مقدمة "البسيط" وبين سبب اتجاهه للنحو واللغة حيث إن معرفة ذلك هو طريق لمعرفة كلام الله وتفسيره فيقول: "فقلت: إن طريق معرفة تفسير كلام الله تعالى تعلم النحو والأدب فإنهما عمدتاه .. " (¬2). ويعتبر النحو واللغة من علم الوسائل الواجبة فيقول: " .. فعلينا أن نجتهد في تعلم ما يتوصل بتعلمه إلى معرفة ضروب خطاب الكتاب .. " (¬3)، ثم يقول "فإن من جهل لسان العرب وكثرة ألفاظها وافتنانها في مذاهبها جهل جمل علم الكتاب .. " (¬4). لقد أدرك الواحدي منذ صغره أهمية اللغة والنحو والأدب لفهم كتاب الله والتصدي لتفسيره؛ لأن هذا الكتاب منزل بلسان عربي مبين، فلا بد لمن رام فهم معانيه أو تصدى لتفسيره أن يكون متضلعاً من هذه اللغة التي نزل بها. فكان ذلك دافعاً قوياً له أن يتجه إلى بحار اللغة ليغرف منها. يقول الباخرزي عنه: "وقد خبط ما عند أئمة الأدب من أصول كلام العرب خبط عصا الراعي فروع الغَرَب (¬5)، وألقى الدلاء في بحارهم حتى نزفها، ومد البنان إلى ثمارهم إلا أن قطفها" (¬6). وقد تحدث الواحدي عن مقدار ما بذل في هذا المجال فيذكر تتلمذه ¬
في اللغة على العروضي (¬1) فيقول: "وكنت لازمته سنين أدخل عليه عند طلوع الشمس وأخرج لغروبها أسمع، وأقرأ، وأعلق، وأحفظ، وأبحث، وأذاكر أصحابه ما بين طرفي النهار، وقرأت عليه الكثير من الدواوين وكتب اللغة" (¬2)، ويذكر تتلمذه في النحو على "أبي الحسن الضرير" (¬3)، فيقول: "وقرأت عليه جوامع النحو والتصريف والمعاني، وعلقت عنه قريبا من مائة جزء في المسائل المشكلة، وسمعت منه أكثر مصنفاته في النحو والعروض والعلل .. " (¬4)، كذلك تتلمذ على "أبي الحسن عمران بن موسى المغربي" (¬5) يقول: "ولقد صحبته مدة مقامه عندنا حتى استنزفت غرر ما عنده .. " (¬6). ولقد تضلع الواحدي في علم اللغة والنحو ومما يشهد لذلك كتابه الذي بين أيدينا "البسيط" فلقد بسط فيه من المسائل النحوية ما عُدّ خروجاً عن منهج التفسير، من كثرة ما حواه الكتاب من المسائل النحوية، قال السيوطي وهو يتكلم عن طبقات المفسرين: "فالنحوي تراه ليس له هم إلا الإعراب وتكثير الأوجه المحتملة ونقل قواعد النحو ومسائله وفروعه وخلافياته كالزجاج والواحدي في "البسيط" وأبي حيان في "البحر" و"النهر" (¬7). قال القفطي: "وصنف التفسير الكبير وسماه "البسيط" وأكثر فيه من ¬
الواحدي والشعر
الإعراب والشواهد واللغة ومن رآه علم مقدار ما عنده من علم العربية .. " (¬1) ويأتي مزيد بسط لهذِه المسألة -إن شاء الله - عند دراسة الكتاب. كما تشهد مؤلفاته الأخرى بتضلعه في علم اللغة والنحو فله في هذه الميادين عدة كتب منها "شرح ديوان المتنبي" و"الإغراب في الإعراب" و"شرح أسماء الله الحسنى" و"تفسير أسماء النبي - صلى الله عليه وسلم -" و"شرح قصيدة للنابغة الذبياني" ويأتي الحديث عنها -إن شاء الله- مع مؤلفاته. الواحدي والشعر: ليس غريباً على الواحدي الذي تضلع في علم اللغة والأدب والنحو، وقرأ دواوين الشعر وأكثر منها حتى عاتبه شيخه العروضي كما حكى عنه فقال: "حتى عاتبني شيخي - رحمه الله - يوماً من الأيام وقال: إنك لم تبق ديواناً من الشعر إلا قضيت حقه" (¬2)، ليس غريباً عليه أن تتفتح قريحته بالقريض، خصوصاً وأن الموهبة والملكة كان يتمتع بهما منذ الصغر، فلقد بدأت محاولة نظم القريض وهو في الكتاب حيث أنشد للباخرزي وهو في الكتاب قوله: إنَّ الربيعَ بحسنِه وبهائِه ... يحكيهِما خطُّ الرئيسِ أبي عُمرْ فكأنَّه في الدَّرج (¬3) يرقُم كاتبًا ... أَولى (¬4) لِطاف بنانِه فتْقَ الزهرْ خطٌّ غدا ملءَ العيونِ ملاحةٌ ... متنزَّهاً لِلَّحْظِ قيداً للبصرْ ¬
أخزَتْ نقوشَ الصِّينِ بدعَةُ صُنعهِ ... فتَعطَّلت ورقومَ مَوشِيِّ الحِبَرْ (¬1) قال الذهبي: "له شعر رائق" (¬2)، وقال الأسنوي: "كان فقيهاً إماما في النحو واللغة وغيرهما شاعراً .. " (¬3). وقد أنشد ياقوت شيئاً من شعره ومنه قوله: أَيا قَادِماً مِنْ طُوسَ أَهْلاً وَمَرْحَباً ... بَقيِتَ عَلَى الأَيَّامِ مَا هَبَّتِ الصِّبا لعَمْرِي لَئِنْ أَحْياَ قُدُومُك مُدْنَفاً ... بِحُبِّكَ صَبّاً في هَوَاكَ مُعَذَّبَا الأبيات. وقوله: تَشَوَّهت الدُّنْياَ وَأَبْدَت عَوَارَهَا ... وَضَاقَتْ عَليَّ الأَرْضُ بِالرُحْبِ وَالسَّعَهْ وَأَظلَمَ في عَيْنِي ضِيَاءُ نَهَارِهَا ... لِتَوْدِيع مَنْ قَدْ بَانَ عَنِّي بِأَرْبَعَهْ فؤَادِي وَعَيْشِي وَالمَسرّة والكرى ... فَإنْ عَادَ عَادَ الكُلُّ والأُنْسُ والدَّعَهْ (¬4) ¬
المطلب الخامس مذهبه وعقيدته
المطلب الخامس مذهبه وعقيدته: مذهبه: لقد كان سائدًا في موطن الواحدي نيسابور مذهب الشافعي في الفقه، ومذهب الأشعرية (¬1) في العقيدة، وكانت هناك علاقة وثيقة بين المذهبين في نهاية القرن الرابع وأول الخامس، وهو العصر الذي عاش فيه الواحدي، وسبب تلك العلاقة والارتباط أن حاملي عقيدة الأشعرية معظمهم من الشافعية، خصوصاً في المشرق الإِسلامي، خلافاً لما كان ¬
عليه الحنفية في تلك البلاد إذ أغلبهم ماتريدية (¬1)، بينما غلب على الحنابلة في بغداد التمسك بمذهب السلف (¬2). تلك هي البيئة التي عاشها الواحدي، والغالب أن الإنسان لا يكاد ينفك عما عهد الناس عليه، وما كان سائدًا في بيئته، ومن ثم فإن الواحدي -رحمه الله- كان شافعياً أشعرياً بغير خلاف بين كافة مترجميه، فكونه شافعياً أظهر من أن يُشهر، ويدل له أمور: منها: تلقيب بعض مترجميه له بالشافعي، كالذهبي وابن العماد (¬3). ومنها: أن كتب طبقات الشافعية قد عدته ضمن علمائهم (¬4). ومنها: أن كتب الفقه الشافعي كانت تنقل أقواله مبينة أنه من أصحابهم (¬5). ¬
عقيدته
ومنها: أنه يقول في كثير من المواضع في تفسيره هذا: وقال أصحابنا، يعني بهم الشافعية (¬1). ومنها: أنه يقتصر في الغالب على قول الشافعي، ويُعْنى بذكره، من بين المذاهب (¬2). عقيدته: وأما أشعريته: فهي واضحة من خلال كتبه، فالمتتبع لمواضع الاختلاف بين أهل السنة والأشاعرة، أو بين المعتزلة والأشاعرة، يجده يقرر بكل وضوح عقيدة الأشاعرة، ولا غرو فهي العقيدة الغالبة على أهل بلده، وفي أشياخه أعلام كبار من حملة لواء العقيدة الأشعرية، ممن قرروا قواعده وأصّلوا أصوله، كأبي إسحاق الإسفراييني (¬3) الذي أخذ عند عامة شيوخ نيسابور الأصول وعلم الكلام (¬4)، وعبد القاهر البغدادي (¬5) الذي يعَدّ -كذلك- من أئمة الشافعية الأشاعرة والمبرزين فيهم (¬6). ولعلي أضرب أمثلة من خلال تفسيريه "البسيط" و"الوسيط" تدل على، ذلك وتؤكده: 1 - فعند قوله تعالى: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 163] قال: "قال أصحابنا: حقيقة الواحد في وصف الباري سبحانه ¬
أنه واحد لا قسيم له في ذاته ولا بعض له في وجوده بخلاف الجملة التي يطلق عليها لفظ الواحد مجازًا كقوله: دار واحدة، وشخص واحد، وعبَّر بعض أصحابنا عن التوحيد فقال: هو نفي الشريك والقسيم والشبيه فالله واحد في أفعاله لا شريك له يشاركه في إثبات المصنوعات وواحد في ذاته لا قسيم له، وواحد في صفاته لا يشبه الخلق فيها .. " (¬1). ويقول أيضاً: وعند متكلمي أصحابنا: أن الإله من له الإلهية، والإلهيه القدرة على اختراع الأعيان .. " (¬2) وهذا الذي قرره الواحدي هنا هو قول متكلمي الأشاعرة (¬3)، قال شيخ الإِسلام ابن تيمية وهو يتحدث عن التوحيد عند المتكلمين: " .. حتى يجعلون معنى الإلهية القدرة على الاختراع" (¬4)، ثم قال بعد ذلك: "وليس المراد بـ"الإله" هو القادر على الاختراع كما ظنه من ظنه من أئمة المتكلمين، حيث ظن أن "الإلهية" هي القدرة على الاختراع، وأن من أقر بأن الله هو القادر على الاختراع دون غيره فقد شهد أنه لا إلله إلا هو، فإن المشركين كانوا يقرون بهذا وهم مشركون كما تقدم بيانه، بل الإله الحق هو الذي يستحق أن يعبد فهو إله بمعنى: مألوه، لا إله بمعنا آله .. " (¬5). ثم قال في موضع آخر (¬6): وكثير من أهل الكلام يقول: التوحيد له ¬
ثلاث معان -ثم ذكر ما قرره الواحدي- ثم قال: وهذا المعنى الذي تتناوله هذه العبارة، فيها ما يوافق ما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - وفيها ما يخالف ما جاء به الرسول، وليس الحق الذي فيها هو الغاية التي جاء بها الرسول - صلى الله عليه وسلم -، بل التوحيد الذي أمَرَ به أمْرٌ يتضمن الحق الذي في هذا الكلام وزيادة أخرى، فهذا من الكلام الذي لبس فيه الحق بالباطل، وكتم الحق، وذلك أن الرجل لو أقر بما يستحقه الرب تعالى من الصفات ونزهه عن كل ما ينزه عنه، وأقر بأنه وحده خالق كل شيء لم يكن موحداً بل ولا مؤمناً، حتى يشهد أن لا إله إلا الله، فيقر بأن الله وحده هو المستحق للعبادة ويلتزم بعبادة الله وحده لا شريك له، والإله بمعنى: المألوه المعبود الذي يستحق العبادة، ليس هو الإله بمعنى: القادر على الخلق، فإذا فسر المفسر الإله بمعنى: القادر على الاختراع، واعتقد أن هذا هو أخص وصف الإله، وجَعَل إثبات هذا التوحيد هو الغاية في التوحيد، كما يفعل ذلك من يفعله من متكلمة الصفاتية، وهو الذي ينقلونه عن أبي الحسن وأتباعه، لم يعرفوا حقيقة التوحيد الذي بعث الله به رسوله. فإن مشركي العرب كانوا مقرين بأن الله وحده خالق كلِّ شيء، وكانوا مع هذا مشركين" (¬1). كما أنه سار على مذهب الأشعرية في باب: صفا الله وذلك عند ¬
تعرضه لها من خلال الآيات التي وردت فيها، فيؤوِّلها، ومذهب السلف في ذلك أنهم يثبتون لله ما أثبته لنفسه من الصفات وما أثبته له رسوله دون تأويل أو تحريف أو تعطيل، ولا يلزم من إثباتهم للصفات أي لازم باطل: من تشبيه الله بخلقه أو غير ذلك، فكما أنه سبحانه ليس كمثله شيء فكذلك صفاته. 2 - فمن الآيات التي تعرض لها قوله تعالى: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ الله في ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ} [البقرة: 210]. ذكر الواحدي في تفسيرها وجهين: أحدهما: أن هذا من باب حذف المضاف، أن يأتيهم عذاب الله، أو أمر الله، أو آيات الله، فجعل مجيء الآيات والعذاب مجيئاً له، تفخيماً لشأن العذاب، وتعظيماً له. والثاني: المعنى: هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله بما وعدهم من العذاب والحساب، فحذف ما يأتي به تهويلاً عليهم .. (¬1). وهذا منه -رحمه الله- تأويل وصرف للفظ عن ظاهره، مخالف لما كان عليه السلف الصالح من إثبات ما أثبته الله لنفسه من الصفات، من غير تأويل ولا تحريف ولا تشبيه ولا تكييف، وذلك جرياً على مذهب الأشاعرة في تأويك الصفات الخبرية. 3 - وفي قوله تعالى: {وَهُوَ العَلىُّ العَظِيُم} [البقرة: 255] قال: فمعنى العلو في صفة الله تعالى: اقتداره وقهره واستحقاقه صفات المدح (¬2). وهذا مخالف لمذهب السلف الذين يثبتون العلو لله بكل أنواعه. ¬
علو الذات وعلو القدر، وعلو القهر. وعلو ذاته ثابت بالكتاب والسنة وإجماع السلف وبالفطرة والعقل (¬1)، وليس هذا موضع بسط الأدلة في ذلك. 4 - وقال أيضًا في "تفسير البسيط": قال النحويون: وذكر اليد في قوله: {يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ} [البقرة: 79] تحقيق للإضافة، وإن كانت الكتابة لا تقع إلا باليد، وقد أُكدّت الإضافة بذكر اليد فيما لا يُرادُ باليد فيه الجارحة، كقوله تعالى: {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص: 75] وقوله: {مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا} [يس: 71]. ومعناه: مما تولينا عمله، ولما توليت خلقه. والأصل في هذا: أنه قد يضاف الفعل إلى الفاعل وغير الفاعل له، كقوله: {يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ} [القصص: 4] والمراد بذلك: أنه يأمر بالذبح فَيُمتثل أمره. فلما كان الفعلُ قد يُضاف إلى غير الفاعل أُكِّدَت الإضافة بذكر اليد؛ ليتحقق وينتفي الاحتمال، ثم استعمل هذا التأكيد أيضاً في فعل الله تعالى وإن لم يجز في وصفه يد الجارحة؛ لأن المراد بذكر اليد تحقيق الإضافة على ما بيّنا (¬2). اهـ. 5 - وقال أيضًا عند قوله تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [البقرة: 29]. نقل أقوال بعض العلماء في ذلك ثم قال: " .. والأصل في الاستواء الاستقامة وإنما قيل للقصد إلى الشيء استواء؛ لأن الاستواء يسمى قصدا .. "، ثم قال: "وأما استوى بمعنى ¬
استولى فقد يكون، وكأنه يقول: استوت له الأمور فاستولى ثم وضع "استوى" موضع "استولى" ... ". ويظهر رأيه وهو يتحدث عن آخر الآية {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} فيقول: "وقيل إنه لما ذكر ما يدل على القدرة والاستيلاء وصل ذلك بوصفه بالعلم .. " (¬1). ومذهب السلف في هذا إثبات الاستواء لله على وجه يليق بجلاله فهو مستو على عرشه بائن من خلقه، عال عليهم بذاته علوا يليق بجلاله، ولا يلزم من هذا أي لازم باطل مما يلزم لاستواء البشر ليس كمثله شيء (¬2). والحاصل أن هذا منهجه في تفسيره، كلما مر بآية من آيات العقائد تبع عقيدةَ الأشاعرة، ولينظر زيادة على ذلك ما قرره في الآيات التالية: 1 - {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [الفاتحة: 3] حيث أوَّل صفة الرحمة (¬3). 2 - وقوله تعالى {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 7] حيث أوَّل صفة الغضب لله (¬4). 3 - وقوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ الله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [الأنفال: 2] حيث فسر الإيمان بالتصديق على طريقة الأشاعرة (¬5). 4 - وقوله تعالى: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} [الأنفال: ¬
17] حيث فسر الآية على طريقة الأشاعرة القائلين بالكسب في باب القدر (¬1). 5 - وقوله تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الرعد: 2] حيث أوّل الاستواء بالاستيلاء والاقتدار ونفوذ السلطان (¬2). 6 - وقوله تعالى: {وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} [الزمر: 67] حيث أوّل اليد بالقدرة (¬3). 7 - وقوله تعالى: {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (22)} [الفجر: 22] حيث أوّل المجيء، بمجيء أمره وقضائه (¬4). ¬
المطلب السادس شيوخه وتلاميذه
المطلب السادس شيوخه وتلاميِذه شيوخه: عاش الواحدي في نيسابور معدن الفضلاء ومنبع العلماء، كما قال عنها ياقوت (¬1). وتنقل في أرجاء العالم الإِسلامي يتبع معين العلم، ويلقي الدلاء في بحار علماء اللغة والنحو والأدب والتفسير وقد أدرك الإسناد (¬2)، وقرأ الحديث على المشايخ، لهذا كثر شيوخه وعز حصرهم، قال الواحدي متحدثاً عن ذلك: "ولو أثبت المشايخ الذين أدركتهم واقتبست عنهم هذا العلم من مشايخ نيسابور وسائر البلاد التي وطئتها طال الخطب ومل الناظر .. " (¬3). وأذكر -إن شاء الله- بعض شيوخه، وأقرب مصدر لذلك الواحدي نفسه حيثما ذكر في مقدمة كتابه "البسيط" بعض شيوخه الذين أخذ عنهم فأتحدث عنهم أولاً، ثم أعقبهم بذكر بعض الشيوخ الذين وردت تراجمهم في بعض المصادر التي ترجمت له، أو ثبت أخذه عنهم بأي طريق. أولاً: شيوخه الذين ذكرهم في مقدمة كتابه "البسيط": 1 - الشيخ أبو الفضل أحمد بن محمد بن عبد الله بن يوسف العروضي المعروف بـ"الصَّفَّار" الشافعي (334 - 416 هـ) (¬4)، قال الثعالبي: "إمام في ¬
الأدب خنق التسعين في خدمة الكتب وأنفق عمره على مطالعة العلوم وتدريس متأدبي نيسابور .. " (¬1)، وقد أخذ عنه الواحدي اللغة حيث قال: "أما اللغة فقد درستها على الشيخ أبي الفضل أحمد بن محمد بن عبد الله بن يوسف العروضي -رحمه الله-، وكان قد خَنَّق (¬2) التسعين في خدمة الأدب وأدرك المشايخ الكبار وقرأ عليهم وروي عنهم كأبي منصور الأزهري، روى عنه كتاب "التهذيب" .. " (¬3)، ثم قال: "وكنت قد لازمته سنين أدخل عليه عند طلوع الشمس وأخرج لغروبها أسمع وأقرأ وأعلق وأحفظ وأبحث وأذكر أصحابه ما بين طرفي النهار، وقرأت عليه الكثير من الدواوين وكتب اللغة .. " (¬4). وقد ورد ذكر أبي الفضل العروضي في "البسيط"، حيث روى عنه في مواضع عن الأزهري من كتاب "تهذيب اللغة" و"التهذيب" أحد مصادره الهامة، ويأتي ذكر ذلك عند الكلام على مصادره. 2 - علي بن محمد بن إبراهيم بن عبد الله القُهُنْدزي (¬5) الضرير، أبو الحسن، نحوي أديب، قرأ عليه الأئمة وتخرجوا به (¬6)، أخذ عنه الواحدي ¬
النحو حيث قال: "وأما النحو فإني لما كنت في ميعة صباي وشرخ شبيبتي وقعت إلى الشيخ أبي الحسن علي بن محمد بن إبراهيم الضرير -رحمه الله- وكان من أبرع أهل زمانه في لطائف النحو وغوامضه وأعلمهم بمضايق طرق العربية ودقائقها، ولعله تفرَّس فيّ وتوسم أثر الخير لديّ فتجرد لتخريجي وصرف وَكْده (¬1) إلى تأديبي .. " (¬2)، ثم قال: " ... وقرأت عليه جوامع النحو والتصريف والمعاني، وعلقت عنه قريباً من مائة جزء في المسائل المشكلة .. " (¬3). 3 - أبو الحسن عمران بن موسى المغربي، ذكره الواحدي مع شيوخه فقال: "ثم ورد علينا الشيخ الإِمام أبو الحسن عمران بن موسى المغربي المالكي وكان واحد عصره وباقعة دهره في علم النحو، لم يلحق أحد ممن سمعنا شأوه في معرفة الإعراب، ولقد صحبته مدة مقامه عندنا حتى استنزفت غرر ما عنده" (¬4)، ذكره السيوطي ناقلاً عن السياق فقال: "شيخ فاضل نحوي كبير كثير الحفظ قدم نيسابور وأفاد واستفاد، وطاف البلاد، ولقي الكبار وله اتنظم الفائق، وكان من أفاضل العصر، مات قريباً من الخمسمائة" (¬5)، وذكر السيد أحمد صقر في مقدمة "أسباب النزول" أن وفاته سنة 430 هـ (¬6) ولم أصل إلى ما اعتمد عليه في ذلك. ¬
4 - أبو القاسم علي بن أحمد البستي وهو أحد شيوخه في القراءات ما ذكر ذلك فقال: "وأما القرآن وقراءات أهل الأمصار واختيارات الأئمة فإني أختلفت أولاً إلى الأستاذ أبي القاسم علي بن أحمد البستي -رحمه الله- وقرأت عليه القرآن ختمات كثيرة لا تحصى، حتى قرأت عليه أكثر طريقة الأستاذ أبي بكر أحمد بن الحسين بن مهران (¬1) ... " (¬2). ذكره الذهبي فيمن أخذ عن ابن مهران فقال: " .. وأبو القاسم علي بن أحمد البستي شيخ الواحدي .. " (¬3) ونحوه قال ابن الجزري، وذكره في ترجمة الواحدي ضمن شيوخه في القراءات (¬4). 5 - أبو عثمان سعيد بن محمد بن محمد بن إبراهيم المقرئ الزعفراني الحيري قال في المنتخب من السياق: "شيخ كبير ثقة صالح كثير السماع كثير الحديث والشيوخ عالم بالقرآن مقصود في علم القراءات سمع بنيسابور والعراق والحجاز .. قال أبو الحسن: قرأت من خط أبي صالح الحافظ أنه تغير بعض التغير في آخر أمره، وحكى عن بعض الثقات أنه خلط في بعض ¬
مسموعاته، والله أعلم به توفي في جماد الأولى سنة سبع وعشرين وأربعمائة .. " (¬1). وذكره الذهبي في "المشتبه" (¬2) وقال: "أبو عثمان سعيد بن محمد الحيري عن أبي عمرو بن مطر، وعنه الواحدي" وذكره الذهبي فيمن أخذ عن ابن مهران (¬3)، وكذا ابن الجزري (¬4)، وقد أخذ عنه الواحدي القراءات فقال: "وأما القرآن وقراءات أهل الأمصار واختيارات الأئمة فإني اختلفت أولاً إلى الأستاذ أبي القاسم علي بن أحمد البستي .. ". ثم قال بعد ذلك: " .. ثم ذهبت إلى الإمامين أبي عثمان سعيد بن محمد الحيري وأبي الحسن علي بن محمد الفارسي -رحمهما الله- وكانا قد انتهت إليهما الرئاسة في هذا العلم وأشير إليهما بالأصابع في علو السن ورؤية المشايخ، وكثرة التلامذة، وغزارة العلوم، وارتفاع الأسانيد، والوثوق فيها، فقرأت عليهما وأخذت من كل منهما حظّاً وافراً بعون الله وحسن توفيقه". وخص أبا عثمان سعيد بن محمد، فقال: "وقرأت على الأستاذ سعيد مصنفات ابن مهران، وروى لنا كتب أبي علي الفسوي (¬5) عنه، وقرأت عليه بلفظي كتاب الزجاج في "المعاني" (¬6) روايته عن ابن مقسم ¬
عنه، وسمع بقراءتي الخلق الكثير" (¬1). وبهذا يتضح مكانة أبي عثمان سعيد ابن محمد الحيري في شيوخ الواحدي، ومقدار ما أخذ عنه من العلم، ولقد صرح بروايته عنه في مواضع من "البسيط"، قال في مقدمة "البسيط": " .. وقرأت على الأستاذ سعيد بن محمد المقرئ فقلت: حدثكم طلحة بن محمد الشاهد ببغداد .. " (¬2). وفي تفسير قوله تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ} [البقرة: 29] قال: "وأقرأني سعيد بن محمد الحيري رحمه الله عن أبي الحسن بن مقسم .. ". 6 - أبو الحسن علي بن محمد الفارسي، ذكره الواحدي مع سعيد بن محمد الحيري كما سبق وذكر أخذه عنه، تكلم عنه ابن الجزري فقال: "إمام مقرئ حاذق أخذ القراءات عرضاً وسماعاً عن أبي بكر أحمد بن الحسين بن مهران روى القراءات عنه عرضاً وسماعاً أحمد بن أبي عمر صاحب كتاب "الإيضاح" (¬3)، توفي سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة (¬4). 7 - أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي النيسابوري المفسر صاحب التفسير المشهور بـ"الكشف والبيان" توفي في سنة سبع وعشرين وأربعمائة، ذكره ياقوت في "معجم الأدباء" فيما نقله عن "السياق لتاريخ نيسابور" وقال: سمع منه الواحدي التفسير (¬5). ¬
قال ابن الأثير يقال له: "الثعلبي والثعالبي" (¬1). وكانت له منزلة خاصة لدى الواحدي تحدث عنه فقال: " .. ثم فرغت للأستاذ الإِمام أبي إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي -رحمه الله- وكان حبر العلماء بل بحرهم، ونجم الفضلاء بل بدرهم، وزين الأئمة بل فخرهم، وأوحد الأمة بل صدرهم .. "، ثم ذكر كتابه في التفسير وبالغ في مدحه، ويأتي التعريف به في مصادر الواحدي في تفسيره، حيث إنه أحد مصادره الهامة. قرأ عليه من مصنفاته كثيراً فقال: " .. وقرأت عليه من مصنفاته أكثر من خمسمائة جزء وتفسيره الكبير، وكتابه المعنون بـ (الكامل في علم القرآن) (¬2). وقد أكثر الواحدي النقل من "الكشف والبيان"، ويلاحظ أنه لم يذكر اسمه ولم يعز له إلا عندما يروي عنه بالسند ومن أمثلة ذلك، قال في مقدمة "البسيط": "ولقد أخبرنا الأستاذ أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم -رحمه الله- قال أخبرني أبو القاسم الحسن بن محمد بن الحسن .. " (¬3)، وقال في موضع آخر: "ولقد سمعت أحمد بن محمد بن إبراهيم يقول: سمعت الحسن بن محمد يقول .. " (¬4). هؤلاء هم الشيوخ الذين ذكرهم الواحدي في مقدمة تفسيره "البسيط" وللواحدي شيوخ غيرهم كثر. قال: " .. ولو أثبت المشايخ الذين أدركتهم واقتبست عنهم هذا العلم من مشايخ نيسابور وسائر البلاد التي وطئتها طال ¬
الخطب ومل الناظر" (¬1). وقد ذكر بعض من ترجم للواحدي عددًا من شيوخه ومنهم: 8 - الشيخ الإِمام أبو عمر سعيد بن هبة الله الموفق البسطامي، قال في "المنتخب من السياق": "من سلالة الإمامة والذي انتهى إليه أمر الزعامة لأصحاب الشافعي، رُبّي في حجر الرئاسة، وغذي بلبان الإمامة ... توفي عصر يوم عرفة سنة اثنين وخمسمائة" (¬2). وقد تلقى عنه الواحدي في الكُتَّاب حيث اجتمع هو والباخرزي في كُتَّابه كما ذكر ذلك الباخرزي في "دمية القصر" (¬3) ويظهر أن الإِمام أبا عمر قد عُمِّر طويلاً. 9 - الإِمام محمد بن محمد بن مَحْمِش بن علي بن أيوب أبو طاهر، المعروف بالزيادي، سمي بذلك لأنه كان يسكن ميدان زياد بن عبد الرحمن. إمام أصحاب الحديث بخراسان وفقيههم ومفتيهم توفي سنة عشر وأربعمائة أخذ عن كبار المشايخ كأبي بكر بن القطان وغيره (¬4)، وأخذ الواحدي عنه، ذكر ذلك صاحب "السياق" (¬5)، والسبكي (¬6)، والذهبي (¬7)، ¬
والسيوطي (¬1)، والداودي (¬2)، وغيرهم. 10 - الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن جعفر الكَنْجَرُوذِي (¬3) أبو سعد، مسند خراسان، له معرفة بالطب والفروسية وأدب السلاح، استجمع فنون العلم وأدرك المشايخ الكبار كأبي بكر بن مهران وغيره، توفي سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة (¬4)، ذكر أخذ الواحدي عنه عبد الغافر في "السياق" (¬5). 11 - الإِمام محمد بن أحمد بن جعفر المُولْقَابَاذِي أبو حسان المُزَكِّي مسند نيسابور وأحد الثقات، كان إليه التزكية بنيسابور، حدث عن جماعة منهم الصِّبْغِي، توفي سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة (¬6)، ذكر أخذ الواحدي عنه عبد الغافر في "السياق" (¬7)، والذهبي (¬8). 12 - الإِمام أبو بكر أحمد بن الحسن بن أحمد الحَرَشِيُّ الحيريُّ النيسابوري مسند خراسان، قلد قضاء نيسابور مدة، حدَّث عن أبي العباس ¬
الأصم وغيره (325 - 421 هـ) مات وله ست وتسعون سنة (¬1)، ذكر أخذ الواحدي عنه، الذهبي (¬2)، والسبكي (¬3)، والسيوطي (¬4)، والداودي (¬5)، وابن العماد (¬6). 13 - الشيخ الجليل المحدث عبد الرحمن بن حمدان بن محمد بن نصرويه النَّصرُويي (¬7) النيسابوري، رحل إلى بلاد كثيرة فسمع في الحجاز والعراق، وأخذ عن كبار المشايخ كأبي بكر القطيعي وغيره، مات سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة (¬8). ذكر في المنتخب من السياق أخذ الواحدي عنه (¬9)، وكذا الذهبي (¬10)، والسبكي (¬11). 14 - الأستاذ إسماعيل بن إبراهيم بن محمد، النَّصْرَابَاذِي (¬12) الواعظ ¬
أبو إبراهيم، أبوه شيخ خراسان وخلف أبيه في ذلك، سمع الكثير في خراسان ونيسابور والجبل والعراق والحجاز وروى عن أبي بكر القطيعي وغيره، توفي سنة ثمان وعشرين وأربعمائة (¬1)، ذكر أخذ الواحدي عنه، صاحب "المنتخب من السياق" (¬2)، والذهبي (¬3)، والسبكي (¬4). 15 - الشيخ عمر بن أحمد بن محمد بن مسرور النيسابوري، أبو حفص مسند خراسان سمع من جماعة منهم الحافظ أبو أحمد الحاكم وغيره، كان كثير العبادة، عاش تسعين سنة، وتوفي سنة ثمان وأربعين وأربعمائة (¬5). ذُكر في "المنتخب" ممن أخذ عنه الواحدي (¬6). 16 - عبد الغافر بن محمد بن عبد الغافر بن أحمد الفارسي ثم النيسابوري، سمع من الخطابي وغيره، وكان من المعمرين، ولد سنة نيف وخمسين وثلاثمائة، وتوفي سنة ثمان وأربعين وأربعمائة بنيسابور وهو جد عبد الغافر بن إسماعيل، صاحب "السياق" (¬7)، وذُكر في "المنتخب من السياق" أنه من مشايخ الواحدي (¬8). 17 - الإِمام المحدث الواعظ إسماعيل بن عبد الرحمن بن أحمد ¬
الصابوني أبو عثمان كان أبوه من كبار الواعظين بنيسابور فَفُتِك به من أجل التعصب، فتولى مهمة الوعظ بعد أبيه وعمره عشر سنوات، وكان يحضر مجلسه كبار الأئمة مثل أبي إسحاق الإسفراييني وأبو بكر بن فورك، وكان صاحب عبادة وعفة، وكان من أئمة الأثر، له مصنف في السنة واعتقاد السلف (373 - 449 هـ) (¬1). ذُكر في "المنتخب" من مشايخ الواحدي (¬2). 18 - أبو سعد محمد بن علي بن أحمد الحيري الخفاف، أخذ عن أبي عمرو بن مطر وأخذ عنه الواحدي. ذكر ذلك الذهبي (¬3). 19 - أبو عثمان سعيد بن العباس بن محمد بن علي القرشي الهروي، الإِمام المسند العدل، كان من سروات الرجال بهراة (¬4)، وتخرج به أئمة، ت 433 هـ (¬5). 20 - إبراهيم من محمد أبو إسحاق الإسفراييني، أحد أئمة الشافعية، يمانع حد الاجتهاد؛ لتبحره في العلوم، واستجماعه شروط الإمامة في العلوم، عقد له مجلس الإملاء بعد أبي طاهر الزيادي سنة 410 هـ، وحضر دروسه الحفاظ والمشايخ وأهل العلم، وأملى سنين، ت 418 (¬6). ¬
وقد تتلمذ عليه الواحدي وقال في "الوسيط" (¬1): حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الإسفراييني إملاء في مسجد عقيل سنة سبع عشرة وأربعمائة. 21 - أحمد بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن الحارث التميمي أبو بكر الأصبهاني النيسابوري، إمام ثقة مقرئ نحوي محدث زاهد ت 430 هـ، وله 81 سنة (¬2) أخذ عنه الواحدي (¬3). 22 - عبد القاهر بن طاهر بن محمد بن عبد الله التميمي، أبو منصور البغدادي، من كبار أئمة الشافعية، عظيم القدر، متقن في علوم كثيرة، درَّس في سبعة عشر نوعاً من العلوم، ورد نيسابور مع أبيه، وأنفق أمواله على طلبه العلم حتى افتقر، من تصانيفه المشهورة: "الفرق بين الفرق" ت 429 هـ (¬4). 23 - المفضل بن إسماعيل بن شيخ الإِسلام أبي بكر الإسماعيلي الجرجاني، عالم جرجان ومفتيها، كان مضرب المثل في الذكاء؛ فقد حفظ القرآن وجملة من الفقه وهو ابن سبع سنين، ثم رحل به أبوه فأكثر من سماع ¬
تلاميذه
الحفاظ ت 431 هـ (¬1). وقد رحل إليه الواحدي، وسمع منه في بلده كما قال في "الوسيط": حدثنا الشيخ أبو معمر اليفضل بن إسماعيل إملاء بجرجان سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة (¬2). وقال في "أسباب النزول": حدثنا أبو معمر بن إسماعيل إملاء بجرجان سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة (¬3). هؤلاء أبرز شيوخ الواحدي الذين ذُكر أنه أخذ عنهم، أو ورد ذكرهم في المصادر التي ترجمت له، ولو أردنا تتبع أسماء الشيوخ الذين أخذ الرواية عنهم في كتبه، كـ"أسباب النزول" أو"الوسيط" لطال الأمر ومل الناظر، كما قال ذلك الواحدي (¬4). تلاميذه: إن هذا العلم ميراث النبوة، يأخذه كل جيل عمن سبقه ويسلمه لمن بعده، والواحدي أحد العلماء المشاهير جلس إلى كبار الشيوخ وأخذ عنهم حتى صار إماما، وقعد للإفادة والتدريس، فقصده الطلاب، وصار له تلامذة كثيرون. قال في "معجم الأدباء" ناقلا عن "السياق": " .. وقعد للإفادة والتدريس سنين وتخرج به طائفة من الأئمة سمعوا منه وقرؤوا عليه، وبلغوا ¬
محل الإفادة .. " (¬1). وقال القفطي: " .. وسار الناس إلى علمه واستفادوا من فوائده .. " (¬2). وقال الذهبي: "تصدر للتدريس مدة وعظم شأنه .. " (¬3) ولقد مدحه الباخرزي (¬4) قائلاً: يشتغل بما يَعْنيه، وإن كان استهدافه للمختلفة إليه يُعنّيه. وهذا يدل على عناية الواحدي بقاصديه، والناهلين من علمه، تعليمًا وتربية وإفادة وتخرجًا (¬5). وأذكر بعض تلاميذه الذين ورد ذكرهم في ترجمة الواحدي أو ذُكر في تراجمهم أنهم أخذوا عنه منهم: 1 - عبد الجبار بن محمد بن أحمد الخُواري (¬6)، أبو محمد، كان إماماً مفتياً متواضعاً، سمع جماعة منهم أبو بكر البيهقي وغيره، توفي سنة ثلاث أو أربع وثلاثين وخمسمائة (¬7)، وذكر أخذه عن الواحدي السمعاني ¬
في "الأنساب" (¬1)، والسبكي (¬2)، والسيوطي (¬3)، والداودي (¬4). وقال الذهبي: إنه أكبر تلاميذه (¬5). 2 - أبو نصر محمد بن عبد الله الأَرْغياني (¬6) الرَّاوَنِيرِيِ (¬7) الفقيه الشافعي، مفتي نيسابور، تفقه على أبي المعالي الجويني، وتوفي سنة تسع وعشرين وخمسمائة (¬8)، وقد ورد أخذه عن الواحدي عند السمعاني في "الأنساب" وابن خلكان والسبكي (¬9). 3 - أبو العباس عمر بن عبد الله الأَرْغياَني الراونيري، أخو أبي نصر السابق وكان أكبر منه بعشر سنين ونيف، كان شيخاً صالحًا سمع من جماعة منهم الواحدي وهو من رواة "أسباب النزول" للواحدي، قا ل السمعاني: سمعت منه "أسباب النزول"، توفي سنة أربع وثلاثين وخمسمائة (¬10). ¬
4 - أبو بكر يحيى بن عبد الرحيم بن محمد المقرئ المقبري اللبيكي من أهل نيسابور (438 - 522 هـ)، سمع من أبي حفص بن مسرور والصابوني، والبيهقي وغيرهم، قال السمعاني: "وسمعت منه حضورا سنة تسع وخمسمائة وأجاز لي جميع مسموعاته ومن جملتها التفاسير الثلاثة عن الإِمام علي بن أحمد الواحدي "الوسيط بين المقبوض والبسيط"، و"الوجيز" و"تفسير النبي - صلى الله عليه وسلم -"، قال: بروايتي عنه" (¬1). 5 - أحمد بن محمد بن أحمد الميداني (¬2) النيسابوري، أديب فاضل، عالم باللغة والأمثال، صنف كتاب "مجمع الأمثال" وغيره، وتوفي سنة ثماني عشرة وخمسمائة بنيسابور، تخصص بصحبة أبي الحسن الواحدي وقرأ عليه (¬3). 6 - أبو الحسن علي بن سهل بن العباس المفسر النيسابوري، نشأ في طلب العلم، سمع من أبي عثمان الصابوني، وأبي القاسم القشيري، وتوفي سنة إحدى وتسعين وأربعمائة (¬4). قال في "المنتخب": من تلامذة الواحدي (¬5). وقال في "روضات الجنات" في ترجمة الواحدي: "ومن جملة أهل ¬
نيسابور سمي هذا الرجل وتلميذه الفاضل أبو الحسن علي بن سهل بن العباس المفسر النيسابوري" (¬1). 7 - يوسف بن علي بن جبارة الهذلي، أبو القاسم، الإِمام المقرئ من وجوه القراء، وصفه عبد الغافر بقوله: الضرير، قال ابن الجزري يحتمل أنه عمي في آخر عمره. كثير الرحلة في طلب القراءات، قال: "وجملة من لقيت في هذا العلم ثلاثمائة وخمسة وستون شيخاً من آخر المغرب إلى باب "فرغانة" يميناً وشمالاً وجبلاً وبحراً ولو علمت أحداً تقدم علي في هذه الطبقة في جميع بلاد الإِسلام لقصدته .. ". ألف كتاب "الكامل" وذكر فيه شيوخه، مات سنة خمس وستين وأربعمائة، عدَّ ابن الجزري جميع شيوخه وذكر منهم الواحدي (¬2). 8 - محمد بن الفضل بن أحمد الفُراوي، أبو العباس الصاعدي، أحد العلماء الكبار، اجتمع فيه علو الإسناد، وموفور العلم وحسن الخلق، وقد وصفه الذهبي بقوله: الشيخ الإِمام، الفقيه المفتي، مسند خراسان، فقيه الحرم (¬3). وهو معدود في تلاميذ الواحدي وممن روى كتابه "الوجيز" (¬4). ¬
9 - عبد الكريم بن علي بن أحمد بن محمد الخشنامي (¬1)، أبو نصر الأديب، إمام سليم الجانب من المختلفة إلى الإِمام الواحدي كتب تصانيفه وقرأ عليه، ت 492 هـ (¬2). 10 - الحسين بن محمد بن محمود بن سورة أبو سعيد سبط شيخ الإِسلام أبي عثمان الصابوني، فاضل عالم، سمع الكثير من مشايخ عصره وسمع من الواحدي التفسير وغيره توفي كهلاً ت 506 هـ (¬3). 11 - محمد بن أحمد الماهياني أبو الفضل المروزي، إمام فاضل زاهد ورع حسن السيرة جميل الأخلاق فقيه شافعي، مبرز عارف بالمذهب رحال أدرك الأئمة الكبار وتفقه عليهم وسمع الحديث من الواحدي وغيره توفي سنة 525 هـ من نحو 90 سنة. قال السمعاني: سمع الحديث من الواحدي وسمعت منه جميع التفسير المعروف بـ"الوسيط" للواحدي (¬4). 12 - عبد الغافر بن إسماعيل بن عبد الغافر بن محمد الفارسي أبو الحسن، كان إماماً في الحديث والعربية، سمع من جدّه لأمه أبي القاسم القشيري، وتفقه على أبي المعالي الجويني، ورحل في طلب العلم، ثم رجع إلى نيسابور وولي الخطابة بها، وأملى في مسجد عقيل، وصنف كتباً ¬
عدة، منها: "المفهم بشرح غريب صحيح مسلم"، و"السياق لتاريخ نيسابور" و"مجمع الغرائب في غريب الحديث". ت (529) بنيسابور، وكانت ولادته سنه 451 هـ في شهر ربيع الآخر (¬1). قال في "السياق": قد أجازني بجميع مسموعاته ومصنفاته (¬2). 13 - أبو إسماعيل بن أبي صالح، المؤذن الشافعي، كان إماماً في الأصول والفقه، وهو ممن تتلمذ على يد الإِمام الواحدي، ت 532 (¬3). 14 - إبراهيم بن أحمد أبو إسحاق المروروذي، قرأ الوسيط على الإِمام الواحدي، ولد في ذي القعدة سنة 453، وكان أحد الأئمة المسلمين، ومن كبار العلماء، قتل في فتنة خوارزم شاه سنة 533 هـ (¬4). 15 - أحمد بن طاهر بن سعيد الميهيي (¬5) الخراساني الصوفي، شيخ صالح، رحل كثيراً في طلب العلم، ت 549 هـ. قال الذهبي: له إجازة من المفسر أبي الحسن الواحدي روى بها تفاسير (¬6). ¬
المطلب السابع مؤلفاته
المطلب السابع مؤلفاته: الناظر في حياة أبي الحسن الواحدي يجد أنه قد انقطع للعلم منذ نشأته، وقد هيأ الله له أسباب التحصيل، فأدرك حظّاً وافراً من العلم، واتجهت أنظار الطالبين إليه، وكثر المستفيدون حوله، القابسون من نور علمه، ولذا كان لزاماً أن تلبى حاجة الناس بتصنيف المصنفات والتي يقرؤها الطلاب على شيخهم، ومن ثم ينقلونها إلى طلابهم وبلادهم، ليعم النفع، وليبقى العلم قد اجتمعت له أسباب الدوام من التلقي والتدوين، والسماع والكتاب. وقد ألّف الإِمام أبو الحسن كتباً، طار صيتها، واشتهر ذكرها، وتداولها الناس، وتلقاها أهل العلم بالقبول والاستحسان. قال ابن خلكان (¬1): ورزق السعادة في تصانيفه، وأجمع الناس على حسنها، وذكرها المدرسون في دروسهم (¬2). وقد قال تلميذه عبد الغافر: أحسن كل الإحسان في البحث والتنقير (¬3). ¬
القسم الأول: ما يقطع بنسبته إليه.
وقال الفيروزابادي (¬1): ومصنفاته كثيرة مشهورة. وبما أن الواحدي برع في علمي التفسير واللغة فإن غالب تصانيفه تحوم حول هذين العلمين. وفيما يلي ثبت بأسماء مؤلفاته المنسوبة إليه مع بيان المطبوع منها والمخطوط وقد قسمتها إلى قسمين: القسم الأول: ما يقطع بنسبته إليه. القسم الثاني: ما لا يقطع بنسبته إليه، وإليك البيان. القسم الأول: المؤلفات التي يقطع بنسبتها للواحدي. أولاً: كتبه المعروفة: وهي التي وصلت إلينا منها ما طبع ومنها ما لا يزال مخطوطًا: وهي المؤلفات التي ذكرها الواحدي في كتبه، أو ذكرها العلماء الأثبات سواء في تراجمهم له، أو كتبهم نقلاً عنها. 1 - " البسيط": وهو أكبر كتبه في التفسير ويعدّ مع كتابيه الآخرين "الوسيط" و"الوجيز" -وكلها في التفسير- أشهر كتبه، بل أصبحت علماً عليه، ¬
2 - "الوسيط"
فيقال: الواحدي صاحب "البسيط" و"والوسيط" و"الوجيز" في، التفسير، ولا يترجم له أحد إلا ويذكر كتبه الثلاثة فذكرها القفطي (¬1)، وياقوت (¬2)، وابن خلكان (¬3) وقال: منها أخذ أبو حامد الغزالي أسماء كتبه الثلاثة، ومثله قال الذهبي (¬4)، وذكرها ابن كثير (¬5) والسبكي (¬6) وغيرهم (¬7). و"البسيط" أول هذه الكتب وأكبرها، بل هو أصلها كما سيأتي، قال عنه القفطي: "وصنف التفسير الكبير وسماه "البسيط" وأكثر فيه من الإعراب والشواهد واللغة، ومن رآه علم مقدار ما عنده من علم العربية .. " (¬8). وذكر ابن قاضي شهبة (¬9) وابن العماد (¬10): أنه يقع في ستة عشر مجلدًا. 2 - " الوسيط": وهو في التفسير، والكتاب يعتبر وسطًا بين "البسيط" و"الوجيز" ولهذا قال في مقدمته: " ... وقديماً كنت أطالب بإملاء كتاب في تفسير وسيط ينحط عن درجة "البسيط" الذي تجر فيه أذيال الأقوال، ويرتفع عن مرتبة ¬
"الوجيز" الذي اقتصر فيه على الإقلال" (¬1). قال القفطي: "وهو مختار من "البسيط" -أيضًا- غاية في بابه" (¬2)، والحقيقة أن ما في الكتاب من مسائل لغوية ونحوية وتفسيرية مختصر من "البسيط" ويزيد عن "البسيط" في الإكثار من الرواية، وسيأتي مزيد من الإيضاح عن الفرق بين الكتابين عند الحديث عن "البسيط". ويظهر أن هذا الكتاب نال الشهرة أكثر من "البسيط" ولهذا كثرت مخطوطاته (¬3)، وطبع الجزء الأول من الكتاب ويشمل من أول القرآن إلى نهاية سورة "البقرة" بتحقيق: "محمد حسن أبو العزم الزفيتي"، طبعته "لجنة إحياء التراث" التابعة لوزارة الأوقاف المصرية، كما قام قسم القرآن بتحقيقه في رسائل علمية، وتم إنجاز أغلبه، نأمل أن تتبنى الجامعة طباعة هذا الجهد العلمي حتى يخرج متكاملاً. 3 - "الوجيز"، وهذا الكتاب كاسمه وجيز في التفسير. قال القفطي: "وهو عجيب" (¬4). وقال الواحدي في مقدمته: "فإني كنت قد ابتدأت بإبداع كتاب في التفسير لم أسبق إلى مثله وطال علي الأمر في ذلك لشرائط تقلدتها ¬
3 - "تفسير النبي - صلى الله عليه وسلم -"
ومواجب لحق النصيحة لكتاب الله تحملتها، ثم استعجلني قبل إتمامه والتفصي عما لزمني من عهدة إحكامه نفر متقاصرو الرغبات منخفضو الدرجات، أولو البضائع المزجاة إلى إيجاز كتاب في التفسير يقرب على من يتناوله ويسهل على من يتأمله من أوجز ما عمل في بابه وأعظم عائدة على متحفظيه .. " (¬1)، وقد وفي بذلك فخرج الكتاب موجزًا، وقد طبع في مصر سنة 1305 هـ على هامش تفسير "مراح لبيد لكشف معنى قرآن مجيد" للشيخ محمد نووي الجاوي، ويقع الكتاب في جزأين ولو طبع مستقلاً لم يتجاور أربعمائة صفحة تقريبًا، والكتاب بحاجة إلى طباعة محققة خصوصاً مع كثرة مخطوطاته، وقد اعتمده السيوطي (¬2) في تكملته للتفسير المشهور بـ"تفسير الجلالين" (¬3)، وقد طبع أكثر من مرة. 3 - " تفسير النبي - صلى الله عليه وسلم -": ذكره ياقوت (¬4)، والذهبي (¬5) ¬
والسبكي (¬1) والداودي (¬2) والسمعاني (¬3)، وذكره ابن القاضي شهبة (¬4)، وابن العماد (¬5)، بعنوان: ¬
4 - "أسباب النزول"
تفسير أسماء النبي - صلى الله عليه وسلم - (¬1). 4 - " أسباب النزول": وهو من أشهر ما صنف في هذا الفن (¬2) ومن أول الكتب التي وردت إلينا شيه. وفيه يذكر سبب النزول من حديث أو أثر مسنداً، وقد يذكره بدون سند. ولتوسعه وشهرته بني عليه الحافظ ابن حجر (¬3) كتابه المشهور في أسباب النزول المسمى: "العجاب في بيان الأسباب" واختصره أبو إسحاق الجعبري (¬4) (ت ¬
4 - "قتلى القرآن"
732هـ) فحذف أسانيده، وقد طبع الكتاب طبعات كثيرة (¬1). 5 - " قتلى القرآن": ذكره الحافظ ابن رجب (¬2) في لطائف المعارف ناقلاً عنه (¬3). 6 - " فضائل القرآن": ذكره حاجي خليفة (¬4) عند ذكره للمصنفات في علم فضائل القرآن ¬
6 - "مسند التفسير"
قائلاً: ولأبي الحسن علي بن أحمد الواحدي المتوفى سنة 468 مختصر فيه، أخذ شمس الدين محمد بن طولون الدمشقي (¬1) أربعين حديثا منه (¬2). 7 - " مسند التفسير": أشار إليه الواحدي في "الوسيط" حيث قال: وحديث انشقاق القمر رواه جماعة من الصحابة ... روينا عن جميعهم ذلك في مسند التفسير (¬3)، وقال في مقدمة "الوسيط" أيضاً: وقد سبق لي قبل هذا الكتاب -بتوفيق الله وحسن تيسيره- مجموعات ثلاث في هذا العلم: معاني التفسير، ومسند التفسير، ومختصر التفسير (¬4). وعلى صراحة هاتين الإحالتين من الواحدي لم يشر أحد ممن ترجم له إلى هذا الكتاب ضمن ثبت كتبه، ويحتمل أن يكون المقصود به كتاب تفسير النبي - صلى الله عليه وسلم - المتقدم ذكره. 8 - " نفي التحريف عن القرآن الشريف": ذكره أكثر من ترجم له (¬5). ¬
8 - "شرح ديوان المتنبي"
9 - " شرح ديوان المتنبي" (¬1): ذكره أكثر من ترجم له، قد أثنى عليه العلماء قال فيه ابن خلكان: "وليس في شروحه مع كثرتها مثله" (¬2) وقال القفطي: وهو غاية في بابه (¬3)، وقال حاجي خليفة بعد أن ذكر أربعين شرحًا لديوان المتنبي: فأجلها نفعاً وأكثرها فائدة: شرح الإِمام أبي الحسن علي بن أحمد الواحدي (¬4). والكتاب مطبوع متداول (¬5). 10 - " الإغراب في الإعراب": ذكره بهذا الاسم أكثر من ترجم له (¬6)، بينما سماه السبكي: الإعراب في علم الإعراب (¬7)، وسماه السيوطي: الإغراب في علم ¬
10 - "التحبير في شرح أسماء الله تعالى الحسنى"
الإعراب (¬1)، وسماه في موطن آخر: الإعراب عن الإعراب (¬2). 11 - " التحبير في شرح أسماء الله تعالى الحسنى": ذكره أكثر من ترجم له (¬3) مع اختلافات يسيرة في الاسم (¬4). 12 - " الدعوات": ذكره أكثر من ترجم له (¬5). 13 - " المغازي": ذكره أكثر من ترجم له (¬6). القسم الثاني: المؤلفات التي لا يقطع بنسبتها للواحدي ثمة مؤلفات لا يقطع بنسبتها للواحدي: إما لأنها وردت على طرة بعض المخطوطات، أو في فهارس خزائن الكتب، لكن لم يذكرها أحد ممن ترجموا للواحدي ضمن ثبت كتبه، ¬
1 و 2 - "معاني التفسير"، و"مختصر التفسير"
فضلاً عن الواحدي نفسه، إذ لا يعرف عنه أنه نسبها إلا نفسه، أو عدها ضمن كتبه. وإما لتوهم أن تكون له، وليست كذلك، وإما أن يذكر واحد من كتبه باسم مغاير للمشهور فيظن أنهما كتابان، والحقيقة أنهما اسمان لكتاب واحد. وهذا بيان لجميع ذلك. 1 و 2 - "معاني التفسير"، و"مختصر التفسير": ذكر الواحدي في مقدمة تفسيره الوسيط هذين الاسمين، ووقع الخلاف بين الباحثين هل مراده بهما كتابان آخران غير البسيط والوجيز، أو أنهما اسمان لذينك الكتابين على عادة بعض المؤلفين في تعديد أسماء الكتاب الواحد، ولإيضاح الأمر أسوق عبارته في مقدمة الوسيط، حيث يقول: "وقد سبق لي قبل هذا الكتاب -بتوفيق الله وحسن تيسيره- مجموعات ثلاث في هذا العلم: "فمعاني التفسير" و"مسند التفسير" و"مختصر التفسير"، وقديماً كنت أطالب بإملاء كتاب في تفسير وسيط، ينحط عن درجة البسيط، الذي تجر فيه أذيال الأقوال، ويرتفع عن مرتبة الوجيز الذي اقتصر فيه على الإقلال" (¬1) فأخذ بعض الباحثين من هذا النص الصريح أن هذين اسمان لكتابين غير البسيط والوجيز، وعدهما ضمن كتبه (¬2)، والظاهر - أنهما اسمان للكتابين نفسيهما ويدل لذلك: أ- أنهما لو كانا كتابين مستقلين لقال: وقد سبق لي مجموعات خمس، خاصة وأنه صرح في آخر كلامه الآنف الذكر باسم: البسيط والوجيز. ¬
3 - "الحاوي لجميع المعاني"
ب- جاء في نهاية الجزء الثالث من النسخة الأزهرية ما نصه: آخر الجزء الثالث من كتاب معاني التفسير المسمى بالبسيط للإمام أبي الحسن علي الواحدي -رحمه الله- ومثله جاء في نهاية الجزء الثاني من نسخة جستربتي. ج- لم يذكرهما أحد ممن ترجم للواحدي على أنهما كتابان مستقلان، غير ذينك الكتابين. 3 - " الحاوي لجميع المعاني": ورد هذا الكتاب منسوباً إلى الواحدي في فهارس بعض خزائن الكتب (¬1) بيد أن حاجي خليفة بين أن هذا الاسم يراد به كتبه الثلاثة في التفسير، فقال: تفسير الواحدي ثلاثة: البسيط والوسيط والوجيز، وتسمى هذه الثلاثة: الحاوي لجميع المعاني (¬2). وقال أيضاً: الحاوي لجميع المعاني، وهو اسم البسيط والوسيط والوجيز للواحدي (¬3). وما ذكره حاجي أظهر؛ لأنه لو كان كتاباً مستقلاً لذكره المترجمون للواحدي، خصوصاً وأنه كتاب كبير يصعب تجاهله ونسيانه، لكن الجزم بذلك يتوقف على الاطلاع على تلك النسخ في خزائن الكتب، ودراستها، والتحقق منها. 4 - " جامع البيان في تفسير القرآن": ¬
5 و 6 - "رسالة في البسملة"، و"حاشية على شرح البسملة"
ورد هذا الكتاب منسوباً للواحدي في إحدى خزائن الكتب (¬1)، ولم يذكره أحد ممن ترجموا للواحدي. 5 و 6 - "رسالة في البسملة"، و"حاشية على شرح البسملة": ورد هذان العنوانان في فهرس المكتبة الخالدية بالقدس (¬2)، ولم يذكرهما أحد ممن ترجم للواحدي. 7 - " رسالة في شرف علم التفسير": ذكرها الدكتور جودة المهدي (¬3)، وأشار إلى وجودها مخطوطة في دار الكتب المصرية (¬4) ولم يذكرها أحد ممن ترجم للواحدي. 8 - " شرح معلقة النابغة الذبياني" (¬5)، أو"شرح قصيدة النابغة": ورد في فهارس بعض خزائن الكتب (¬6)، ولم يذكره أحد ممن ترجموا للواحدي. ¬
9 - "الوسيط في الأمثال"
9 - " الوسيط في الأمثال": حققه الدكتور عفيف محمد عبد الرحمن (¬1)، ونسبه إلى الواحدي معتمداً على نسخة وحيدة، وجدها في الخزانة العامة في الرباط بالمغرب (¬2)، وقد بذل المحقق جهدًا في إثبات نسبة الكتاب إلى الواحدي، واستدل على ذلك بورود أسماء من كتبه في ثنايا الكتاب ثم ذكرها (¬3)، ولا يعرف منها شيء تصح نسبته إليه، والذي يظهر أن الكتاب لا تصح نسبته إلى الواحدي، لعدم وجود دليل صحيح صريح، يدل على صحة نسبة الكتاب إليه، ولا ذكر أحد ممن ترجموا له هذا الاسم في ثبت كتبه، ولا أحال هو عليه في ثنايا مؤلفاته، ولم يجد المحقق إلا نسخة واحدة اعتمد عليها. ويزاد على ذلك أنه في الكتاب استشهد ببيت للأخطل (¬4) ثم قال: "هكذا رواه الشيخ أبو زكريا يحيى بن علي التبريزي (¬5)، وقرأت ديوانه على الفصيحي (¬6) في سنة إحدى وتسعين ... " والفصيحي هذا توفي سنة 510 أو ¬
10 - "الناسخ والمنسوخ"
(516)، وكانت القراءة سنة (491)، والواحدي توفي سنة (468) بلا خلاف فكيف يكون هذا؟ 10 - " الناسخ والمنسوخ": نسبه إليه محقق الوجيز (¬1)، وذكر أن الزركشي نقل منه في كتاب البرهان (¬2)، والحقيقة أن النقل كان عن الواحدي من تفسيره البسيط، عند قوله تعالى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 106] ولا تشير عبارة الزركشي إلى كتاب بهذا الاسم، ولم ينسبه إليه أحد ممن ترجم له. 11 - " بانت سعاد": ذكره: الدكتور عفيف محمد عبد الرحمن في مقدمته على الوسيط في الأمثال، وقال: منها نسخة في جستربتي كتب في القرن التاسع الهجري (¬3)، ولم يذكر مترجمو الواحدي شيئاً عنه، ولم أجده في فهرس الكتب المختارة من جستربتي المترجم. 12 - " منظومة في الوعظ": ورد هذا الكتاب منسوباً للواحدي في إحدى خزائن الكتب (¬4)، ولم يذكره له من ترجموه. ¬
13 - "إيضاح الناسخ والمنسوخ في القرآن". 14 - "البيان لأسباب نزول القرآن". 15 - "البسيط في الأمثال". 16 - "الوجيز في الأمثال". 17 - "المترجم المنيح في شرح كتاب الفصيح". 18 - "نزهة الأنفس"، أو"زينة الأنفس". 19 - "الحاوي في شرح المقصورة الدريدية". هذا الكتب السبعة عدها الدكتور عفيف محمد عبد الرحمن في تحقيقه الوسيط في الأمثال - من كتب الواحدي، واستدل بورودها في ثنايا الوسيط على صحة نسبة الوسيط إلى الواحدي، وقال: "إنها حقًّا له" (¬1). ولكن الصحيح أن شيئاً منها لا تثبت نسبته إلى الواحدي، ولا ذكره آحد ممن ترجموا له، فكيف تكون ثابتة له حقًّا. وبما أن الوسيط على الصحيح لا يثبت، ولم يقم دليل على نسبته للواحدي، فما استنبط منه من كتب، وما أحال إليه كاتب الوسيط من مؤلفاته ليست من مصنفات الواحدي. ¬
المطلب الثامن: مكانته
المطلب الثامن: مكانته الواحدي كغيره من العلماء المشهورين، الذين لهم مصنفات، ولهما آراء وأقوال اجتهدوا فيها، أصابوا في بعضها وجانبهم الصواب في البعض الآخر. وهذه طبيعة الإنسان فهو عرضة للخطأ، والكمال لله وحده، لذا فإن المكانة التي وصل إليها المؤلف في العلم والأدب تتجلى من خلال الأمور الآتية: 1 - كثرة شيوخه الذين أخذ عنهم العلم، وتلقى منهم الحكمة والأدب، وطول باعهم، وعلو إسنادهم، وشهرتهم، وتلقي الأمة لهم بالقبول، وقد تقدم ذكر طرف منهم. 2 - كثرة تلاميذه والآخذين عنه، وما ذاك إلا لما كان عليه أبو الحسن الواحدي من علو الكتب في العلم، وتقدم المنزلة، وتنوع المعارف، وقد سبق التعريف ببعضهم. 3 - كتبه التي تشهد له بالتمكن والبسطة في العلم، وسعة المعرفة، حيث تداولها العلماء، وسارت بين الناس مسير الشمس، وشرَّقت بها الركبان وغرَّبت، وتنافس الطلاب على نسخها واقتنائها. 4 - ثناء أهل العلم المعاصرين واللاحقين، وتتابعهم على تزكيته ومدحه، والإشادة بجهوده، والتعريف بفضله وبيان تميزه، حتى قال فيه أحد معاصريه: قد جمع العالم في واحد ... عالمنا المعروف بالواحدي (¬1) ¬
المطلب التاسع
المطلب التاسع أقوال العلماء فيه، وما كتبه العلماء عن الواحدي ثناءً أو نقداً له، والصواب من ذلك. ولقد تناول العلماء الواحدي بالمدح والثناء لما له من المكانة العلمية ولما تركه من أثر لمن بعده، من مصنفات قيمة، ولم يسلم الواحدي من بعض الأخطاء التي تناولها العلماء من بعده بالبيان والنقد. وأذكر بعضا من أقوال العلماء في الجانبين: أما في جانب المدح والثناء عليه فقد أثنى عليه أكثر الذين ترجموا له بعبارات تدل على إمامته، وعلى مقدار ما وصل إليه من مكانة علمية عالية. 1 - قال عبد الغافر صاحب السياق وهو من أقدم من كتب عن الواحدي: "الإِمام المصنف المفسر النحوي، أستاذ عصره وواحد دهره وكان حقيقاً بكل احترام وإعظام" (¬1). 2 - أما الذهبي إمام علماء التاريخ والرجال والتراجم والسير فقد مدحه بقوله: الإِمام، العلامة الأستاذ، إمام علماء التأويل، المفسر أحد من برع في العلم، وأنه كان رأساً في العربية واللغات، طويل الباع في علم اللغة، وأنه واحد عصره في التفسير. وقال عنه -أيضًا -: "تصدر للتدريس مدة وعظم شأنه .. " (¬2). ¬
3 - وأثنى عليه ابن الأثير بأنه: إمام مفسر مشهور (¬1). 4 - وقال فيه الباخرزي صاحبه: مشتغل بما يعنيه، وإن كان استهدافه للمختلفة إليه يُعَنِّيه، وقد خبط ما عند أئمة الأدب من أصول كلام العرب خبْطَ عصا الراعي فروع الغَرَب، وألقَى الدلاء في بحارهم حتى نزفها، ومد البنان إلى ثمارهم إلا أن قطفها، وله في علم القرآن، وشرح غوامض الأشعار تصنيفات، بيديه لأَعِنَّتِها تصريفات (¬2). 5 - ومدحه كل من: الوزير القفطي وابن خلكان والسبكي والإسنوي (¬3) وابن الجزري (¬4) بأنه واحد عصره في التفسير، بعد أن وصفوه بأنه الإِمام العلامة الكبير البارع في العلم، المصنف المفسر النحوي اللغوي، الأصولى الفقيه، صاحب الإسناد العالي، الشاعر، لذا تجد هذه العبارات تتردد في كتب الذين ترجموا له (¬5). ¬
المآخذ عليه
المآخذ عليه: تلك هي عبارات الأئمة في الثناء على الإِمام الواحدي لكن الكمال في البشر عزيز، ومن ذا الذي ترضى سجاياه ... كلها كفى المرء نبلاً أن تعد معايبه وقد قيل: من ذا الذي ماساء قط ... ومن له الحسنى فقط ومن هنا فإن الواحدي لم يسلم من انتقاداتٍ وجهت إليه من بعض العلماء في ثلاث قضايا، إليك خلاصتها: الأول: عدم السلامة من البدع، ذكرها شيخ الإِسلام ابن تيمية. الثانية: ضعف البضاعة في علم الحديث، ذكرها ابن الجوزي وشيخ الإِسلام ابن تيمية والكتاني (¬1)، وأشار إليها ابن الصلاح (¬2). الثالثة: غمز الأئمة المتقدمين، ذكرها تلميذه عبد الغافر الفارسي، وأبو سعد السمعاني (¬3). وسيتبين بعد البحث والمناقشة صحة النقد في الأوليين دون الثالثة: ¬
القضية الأولى: عدم السلامة من البدع، والبعد عن اتباع منهج السلف في الاعتقاد.
وإليك البيان. القضية الأولى: عدم السلامة من البدع، والبعد عن اتباع منهج السلف في الاعتقاد. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والثعلبي هو في نفسه كان فيه خير ودين، وكان حاطبَ ليل، ينقل ما وجد في كتب التفسير من صحيح وضعيف وموضوع، والواحدي صاحبه كان أبصر منه بالعربية، لكن هو أبعد عن السلامة واتباع السلف" (¬1). وفي موضع آخر قال: وأما الواحدي فإنه تلميذ الثعلبي، وهو أخبر منه بالعربية، لكن الثعلبي فيه سلامة من البدع، وإن ذكرها تقليدًا لغيره (¬2). وقال في منهاج السنة النبوية: والبغوي (¬3) اختصر تفسيره من تفسير الثعلبي والواحدي، لكنهما أخبر بأقوال المفسرين منه، والواحدي أعلم بالعربية من هذا وهذا، والبغوي أتبع للسنة منهما (¬4). والناظر في كتب الواحدي يجد أنه على مذهب الأشاعرة في الاعتقاد وقد تقدم بيان ذلك وتفصيله في مبحث عقيدته. القضية الثانية: ضعف البضاعة في علم الحديث معرفة الحديث وسماعه وروايته شيء، والدراية به وتمييز صحيحه من ¬
سقيمه شيء آخر، وقد كان أبو الحسن الواحدي راويًا كثير السماع، من أصحاب الأسانيد العالية (¬1)، بيد أنه كان ضعيف العناية في علم الحديث، ينقل الضعيف والموضوع منها في كتبه دون بيان أو تنبيه؛ ولذا قال ابن الجوزي: وقد فرَّق هذا الحديث -يعني الحديث الموضوع في فضائل سور القرآن سورة سورة- أبو إسحاق الثعلبي في تفسيره فذكر عند كل سورة ما يخصها، وتبعه أبو الحسن الواحدي في ذلك، ولا أعجب منهما، لأنهما ليسا من أهل الحديث (¬2). ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: وهؤلاء -يعني الثعلبي والواحدي وأمثالهما- من عادتهم يروون ما رواه غيرهم، وكثير من ذلك لا يعرفون هل هو صحيح أم ضعيف؟، ويروون من الأحاديث الإسرائيليات ما يعلم غيرهم أنه باطل في نفس الأمر، لأن وظيفتهم النقل لما نقل، أو حكاية أقوال الناس، وإن كان كثير من هذا وهذا باطلاً، وربما تكلموا على صحة بعض المنقولات وضعفها، ولكن لا يطردون هذا ولا يلتزمونه (¬3). ويقول الكتاني: ولم يكن له -أي الواحدي- ولا لشيخه الثعلبي كبير بضاعة في الحديث، بل في تفسيرهما -وخصوصًا الثعلبي- أحاديث موضوعة وقصص باطلة (¬4). وعندما ناقش كثير من العلماء بطلان حديث فضائل القرآن سورةً ¬
القضية الثالثة: غمزه الأئمة المتقدمين
سورةً أشاروا إلى من رووه في كتبهم من المفسرين، وبينوا خطأهم في ذكره وعدم بيان أمره (¬1)، قال ابن الصلاح: "ولقد أخطأ الواحدي المفسر ومن ذكره من المفسرين في إيداعه تفاسيرهم" (¬2). القضية الثالثة: غمزه الأئمة المتقدمين ليس في كتب الواحدي التي بين أيدينا، ولا في كلامه ما يدل على اتصافه بهذه التهمة، كما أني لم أر من أهل العلم من انتقد الواحدي بذلك عدا اثنين: أولهما: تلميذه عبد الغافر الفارسي. والثاني: أبو سعد السمعاني فيما نقله عنه الذهبي. أما الأول فأبهم ولم يبين حيث قال: " .... وكان حقيقًا بكل احترام وإعظام، لولا ما كان فيه من غمزه وإزرائه على الأئمة المتقدمين، وبسطه اللسان فيهم بغير ما يليق بما فيهم، عفا الله عنا وعنه" (¬3). وأما الثاني: ففي كلامه ما يدل عل نوع الغمز والمعني به، حيث نقل عنه الذهبي أنه قال: وكان -أي الواحدي- حقيقًا بكل احترام وإعظام، لكن كان فيه بسط اللسان في الأئمة المتقدمين، حتى سمعت أبا بكر أحمد بن محمد بن بشار بنيسابور مذاكرة يقول: "كان علي بن أحمد الواحدي يقول: صنف أبو عبد الرحمن السلمي (¬4) كتاب "حقائق التفسير" ¬
ولو قال: إن ذلك تفسير للقرآن لكفر به" (¬1). قال الذهبي بعد هذا: صدق والله (¬2). وقال في موضع آخر: الواحدي معذور مأجور (¬3). إن هذه التهمة الموجهة لأبي الحسن الواحدي إن كانت بسبب كلمته تلك فما أصاب من أتهمه، ولقد عاد نقده عليه، وحارت التهمة إليه، فهذا الذهبي يعد تلك الكلمة منقبة للواحدي فيقول: "وقد قال الواحدي كلمة تدل على حسن نقيته". وذلك أن جماعة من الأئمة انتقدوا أبا عبد الرحمن السلمي في كتابه هذا، وبينوا غلطه فيما فعل، وحذروا من كتابه ومنهجه. فهذا ابن الجوزي يقول: وقد جمع أبو عبد الرحمن السلمي في تفسير القرآن من كلامهم -أي الصوفية- الذي أكثره هذيان لا يحل نحو مجلدين سماها: حقائق التفسير .. ، ثم ذكر ابن الجوزي أمثلة مما جاء في الكتاب منها: " .. قالوا: إنما سميت فاتحة الكتاب لأنها أوائل ما فاتحناك به من خطابنا، فإن تأدبت بذلك وإلا حُرمت لطائف ما بعد ... "، "وقال في قوله: {وَإِن يَأتُوكُم أُسَرَى} [البقرة: 85]. "قال أبو عثمان: غرقى في الذنوب، ¬
وقال الواسطي: غرقى في رؤية أفعالهم، وقال الجنيد: أسارى في أسباب الدنيا تغدوهم إلى قطع العلائق .. ". {وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى} [النساء: 36]: "النفس .. ". "وقال في قوله: {فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا} [الرعد: 42]: قال الحسين: لا مكر أبين من مكر الحق بعباده حيث أوهمهم أن لهم سبيلا إليه بحال .... "، قال ابن الجوزي: "ومن تأمل معنا هذا علم أنه كفر محض، لأنه يشير إلى أنه كالهزء واللعب، ولكن الحسين هذا هو الحلاج وهذا يليق بذاك ... "، ثم قال - بعد أن ذكر مثالا آخر: "وجميع الكتاب من هذا الجنس ولقد هممت أن أثبت منه هاهنا كثيرا فرأيت أن الزمان يضيع في كتابه شيء بين الكفر والخطأ والهذيان .. " (¬1). هذا كلام ابن الجوزي عن "حقائق التفسير" فماذا قال غيره، قال ابن تيمية في "منهاج السنة": "وكذلك جعفر الصادق قد كُذِب عليه من الأكاذيب ما لا يعلمه إلا الله ... وحتى نسب إليه أنواع من تفسير القرآن على طريقة الباطنية، كما ذكر ذلك عنه أبو عبد الرحمن السلمي في كتاب "حقائق التفسير" فذكر قطعة من التفاسير التي هي من تفاسيره وهي من باب تحريف الكلم عن مواضعه وتبديل مراد الله تعالى من الآيات بغير مراده، وكل ذي علم بحاله يعلم أنه كان بريئًا من هذه الأقوال والكذب على الله في تفسير كتابه العزيز" (¬2). وتكلم عنه كذلك في الفتاوى حين سئل عن كلام الواحدي في "حقائق التفسير" فأجاب بالتفصيل والشرح، وتكلم عن كتاب السلمي بنحو ¬
ما ذكر في "منهاج السنة" تركت نقله خشية الإطالة (¬1). وقال الذهبي في ذلك: "ألف حقائق التفسير فأتى فيه بمصائب وتأويلات الباطنية نسأل الله العافية" (¬2). وقال: "وفي "حقائق تفسيره" أشياء لا تسوغ أصلا، عدها بعض الأئمة من زندقة الباطنية، وعدها بعضهم عرفانا وحقيقة، نعوذ بالله من الضلال ومن الكلام بهوى .. " (¬3)، وقال: "وحقائقه قرمطة وما أظنه يتعمد الكذب، بلى يروي عن محمد بن عبد الله الرازي الصوفي أباطيل وعن غيره .. " (¬4). بل نجد السبكي -وهو ممن نافح عن السلمي وحاول أن يدفع أقوال الذهبي (¬5) - يقول: وكتاب "حقائق التفسير" المشار إليه قد كثر الكلام فيه من قبل أنه أقتصر فيه على ذكر تأويلات ومحال للصوفية ينبو عنها ظاهر اللفظ" (¬6). وبعد: فماذا سيقول الواحدي غير هذا في مثل هذا الكلام، وقد وافقه في ذلك أئمة وأعلام، ولقد أصاب الذهبي فإنه لما ذكر كلام الواحدي في السلمي قال: "فهو معذور" (¬7)، وقال في موضع آخر: "قلت: الواحدي معذور مأجور .. " (¬8)، ويتضح بهذا أن المقولة على الواحدي: أن فيه بسط اللسان في الأئمة لا تقوم لها حجة ولا مستند. ¬
ولقد حاول مؤلف "الواحدي ومنهجه في التفسير" أن يدافع عن أبي عبد الرحمن السلمي، بل يدافع عن منهج الصوفية في التفسير، وأصدر حكمه على الواحدي بقوله: "والواحدي متجن في حكمه -أيضا- لأن أبا عبد الرحمن لم يدع أن الظاهر غير مراد. ومن ثم كان موقف الواحدي من التفسير الصوفي من المآخذ التي تؤخذ عليه ... " (¬1). أقول بل هي من المآثر التي تحتسب له، كيف وقد وافقه جهابذة من العلماء ممن يتحرون في منهجنهم مسلك السلف الصالح من هذه الأمة. وإذا تبينت حقيقة كتاب السلمي بذلك فما على الواحدي في كلامه من معتب، وكلامه فيه إنما هو بحق وعدل، وهو عين النصح لكتاب الله عز وجل، لا يسع الواحدي ولا غيره أن يكتم ما علمه من ذلك الكتاب، إبراءً للذمة ونصحًا للأمة، وقد قال الله عز وجل: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ} [آل عمران: 187]. ¬
المبحث الثاني الأوضاع السياسية في عصر المؤلف وأثرها على الناحية العلمية
المبحث الثاني الأوضاع السياسية في عصر المؤلف وأثرها على الناحية العلمية إن للأوضاع السياسية التي تحيط بالعالم أكبر الأثر على حياته، وعلى نوع التربية التي تشكل أنماط حياته، وعلى الأفكار والعقائد السائدة في عصره، ومن ثم على حصيلته وإنتاجه العلمي، لهذا لا بد قبل دراسة منهج أي عالم من العلماء من التعرف على الأوضاع السياسية التي كانت سائدة في عصره. لقد عاش المؤلف في القرن الخامس الهجري (395 هـ تقريباً - 468 هـ) ولهذه الفترة سمة خاصة في تاريخ الخلافة العباسية .. لذلك نجد كثيراً من الدارسين لها يقسمونها إلا قسمين (¬1): العصر العباسي الأول، والعصر العباسي الثاني. فإذا كانت أبرز سمات العصر العباسي الأول: القوة والاستقرار والتقدم الحضاري بشتى أنواعه كما تظهر ذلك الدراسات عنه، فما هي سمات العصر العباسي الثاني؟ لا أستطيع أن ألم بذلك في هذا المختصر، وإنما أبرز أهم السمات وخصوصا ما يمس البيئة القريبة من المؤلف. إن السمة الرئيسية للعصر العباسي الثاني هي: ضعف الدولة العباسية وتفككها الذي ترتب عليه تفرق وحدة الأمة، وقد أدرك المؤلف ثلاثة من خلفاء بنى العباس وهم: 1 - القادر بالله: أبو العباس، أحمد بن إسحاق بن جعفر المقتدي بالله ¬
العباسي (¬1) وكانت ولايته من عام 381 إلى عام 422 وقد أدرك المؤلف من خلافته قرابة الثلاثين عاماً. 2 - القائم بأمر الله: عبد الله بن الخليفة القادر بالله (¬2) وكانت ولايته من وفاة أبيه 422 إلى سنة 467. وقد أدرك المؤلف من خلافته قرابة الأربعين عاماً. 3 - المقتدي بأمر الله: أبو القاسم عبد الله بن محمد، حفيد القائم بأمر الله (¬3)، وكانت ولايته من عام 467 إلى عام 487 ولم يدرك المؤلف من خلافته إلا عاماً واحداً. وفي عصر هؤلاء ضعف أمر الخليفة، ولم يكن له إلا ذكر اسمه في الخطبة، ونقش اسمه على السكة، وإنما الدولة وتصريف الأمور بيد الدويلات الحاكمة المستحوذة التي تملك القوة والنفوذ، وكانت تلك أهم سمات ذلك العصر، فالتفرق سائد، والتناحر قائم (¬4). ¬
أهم مظاهر هذا العصر
أهم مظاهر هذا العصر أولاً: تعدد الخلافة: لقد ظلت عاصمة الدولة في القرون الثلاثة الأولى واحدة هي: المدينة أو دمشق أو بغداد، وهي المركز الذي تصدر منه التوجيهات والأوامر ولا يستطيع أحد من الولاة مخالفتها، ولا شك أن هذا مصدر قوة الأمة إذ إن قوتها في وحدتها، لكن في هذِه الفترة اختلفت الأمور عما سبقها فأصبح هناك عدد من الخلفاء، فبالإضافة للخليفة العباسي في بغداد وجد خليفة في الأندلس حيث تلقب عبد الرحمن الناصر الأموي (300 - 350 هـ) بأمير المؤمنين (¬1) لما رأى ضعف الخليفة العباسي في بغداد. ¬
ثانيا: ظهور دول إقليمية
وكَذلك لقب عبيد الله المهدي الفاطمي بأمير المؤمنين (296 - 322 هـ) وكانت دولة الفاطميين في مصر والمغرب (¬1). ثانياً: ظهور دول إقليمية: على الرغم من أن الخليفة العباسي في بغداد كانت رقعة خلافته أوسع الرقع، إلا أنه ليس له من الخلافة إلا الاسم، وإنما تدار أمور الدولة بيد أمراء إقليميين، وقد وصل الأمر ببعض هؤلاء الأمراء إلى إنشاء دولة داخل الخلافة وإخضاع الخليفة العباسي لنفوذهم (¬2) كما فعل البويهيون والسلاجقة، وهذِه لمحة موجزة عن ثلاث من تلك الدول؛ لأنها من أكبر الدول الإقليمية التي ظهرت في هذه المرحله من العهد العباسي؛ ولقربها من بيئة المؤلف التي نتحدث عنها: 1 - البويهيون (¬3): وهم من الروافض الغالين، وقد اختلف في أصلهم ونسبهم كما ذكر ¬
ذلك ابن الأثير (¬1)، وابن كثير (¬2). وقد بدأ أمرهم يظهر في سنة (321 هـ) واشتهر منهم ثلاثة إخوة: عماد الدولة أبو الحسن علي، وركن الدولة أبو علي الحسن ومعز الدولة أبو الحسن أحمد أولاد أبي شجاع بن بويه، وكان بداية قيام دولتهم بدخول معز الدولة أحمد بن الحسن بغداد سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة. كان البويهيون من الشيعة المتعصبة فلما دخل معز الدولة بغداد قبض على الخليفة المستكفي وسمل عينيه وعيَّن المطيع لله بدلا منه، قال ابن كثير: وضعف أمر الخلافة جداً حتى لم يبق للخليفة أمر ولا نهي ولا وزير -أيضاً- إنما يكون له كاتب على إقطاعه، وإنما الدولة ومورد المملكة ومصدرها راجع إلى معز الدولة، لأن بني بويه ومن معهم من الديلم كان فيهم تعسف شديد .. (¬3). ¬
2 - دولة العبيديين
وبقيمت دولتهم إلى أن سقطت على أيدي السلاجقة سنة (447 هـ) وهم من أهل السنة فقضوا على دولة بني بويه (¬1) الرافضية، وخلص الله بهم الأمة من شر البويهيين. وكان للرافضة في عهدهم صولة وقوة. ذكر ابن كثير أنه في سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة كتبت الروافض على أبواب المساجد لعن بعض الصحابة. قال: وبلغ ذلك معز الدولة ولم ينكره، .. قبحه الله وقبح شيعته .. (¬2). وهذا في المشرق، فأما المغرب فبرز فيه حدثان: الأول: قيام دولة العبيديين (¬3) التي ادعت الخلافة وناوأت الخلافة ¬
العباسية، وكادت تقضي عليها بعد أن زاحمتها في مواقع نفوذها، وانتسبت ظلماً وزوراً لآل البيت، ونسل فاطمة الزهراء، وتسمت بالدولة الفاطمية، وانبث دعاتها في أطراف البلاد، واستمالوا أمراء البلدان، حتى خطب لهم بالإضافة إلى مصر والمغرب في بلاد كثيرة، كاليمن والشام والحجاز وفي أجزاء من العراق، بل خطب لهم في دار الخلافة (بغداد)، سنة (450) عاماً كاملاً (¬1). الثاني: زوال دولة الأمويين في الأندلس عام (422) (¬2) وظهور ما ¬
3 - الطوائف
يسمى بـ (دول الطوائف) (¬1)، فمنهم من انحاز إلى العباسيين، ومنهم من بقي على ولاء الأمويين، مع زوال ملكهم وذهاب دولتهم. قال الذهبي (¬2): "وفي الأربع مائة وبعدها كانت الأندلس تغلي ¬
1 - الدولة الغزنوية
بالحروب والقتال على الملك" (¬1) وتظاهر ملوك تلك الدول بمظاهر الخلفاء، وتلقبوا بألقابهم، وفيهم قال الشاعر (¬2): مما يزهدني في أرض أندلس ... تلقيب معتضد فيها ومعتمد ألقاب مملكة في غير موضعها ... كالهر يحكي انتفاخاً صولة الأسد وكان تفرقهم وتقاتلهم وبغي بعضهم على بعض مطمعاً للنصارى المجاورين لهم، الذين رأوا الفرصة سانحة في ظل غياب الخلافة، وتفرق الدولة، خصوصاً بعد أن استعان بهم بعض أولئك الملوك على إخوانهم، فانقض النصارى على تلك الدول، وأسقطوها واحدة تلو الأخرى، وجرى للإسلام والمسلمين على أيديهم ما يجل عن الوصف، ويندى له جبين الحر. 1 - الدولة الغزنوية: كانت خراسان وبلاد ما وراء النهر تحت حكم الدولة السامانية (¬3) ¬
التي قال فيها ابن الأثير (¬1): وكانت دولتهم قد انتشرت، وطبقت كثيراً من الأرض، من حدود حلوان إلى بلاد الترك بما وراء النهر، وكانت من أحسن الدول سيرة وعدلاً، وكانت نهايتها عام (389) على يد الدولة الغزنوية، التي بدأ ظهورها عام (351)، على يد (ألْبتِكِين)، أحد موالي الدولة السامانية الآنفة الذكر، حيث استولى هذا المولى على غزنة وبعض أعمالها، وأقام إمارة مستقلة عن الدولة السامانية، وقد حاربه السامانيون ليردوا ما معه إلى ملكهم، لكنه تغلب على جيشهم، بيد أنه لم يُمَكن، حيث توفي عام (352) ولم يوطد ملكه، فخلفه ابنه الذي ثار عليه أهل غزنة، فاستعان بالسامانيين الذين أمدوه بجيش تمكن به من استرداد غزنة، وحكمها باسم السامانيين، ثم لم يلبث أن توفي، فورثه أحد موالي أبيه (¬2) الى أن آل الأمر عام (366) إلى رجل يقال له: "سُبُكْتِكين" مولى تركي لـ"ألبتكين" الآنف الذكر، وكان تابعاً للسامانيين بالاسم، قال ابن الأثير: "وكان عادلاً خيراً كثير الجهاد، ذا مروءة تامة وحسن عهد (¬3). وقال الذهبي: وكان فيه عدل وشجاعة، ونبل مع عسف، وكونه كَرَّاميًا (¬4). ¬
ثم جرت بين سُبكْتكين وملوك الهند حروب عظيمة، استولى على إثرها على أجزاء من بلادهم، وفرض عليهم الجزية، ولنفوذه وقوة سلطانه استعان به السامانيون عام (384) للقضاء على بعض القواد الذين ثاروا عليهم بنيسابور وغيرها، فتمكن من إعادتها إليهم، ولأجل ذلك ولَّوه خراسان، وسموه: ناصر الدولة (¬1). وفي عام (387) توفي سُبُكْتكين، وخلفه ابن ضعيف التدبير، يقال له إسماعيل، وفي عام (388) خرج عليه أخوه محمود (¬2)، وهو أكبر منه، فدار بينهما قتال، حتى آل الأمر إليه. واستقر ملك الغزنويين لـ"محمود"، الذي تمكن أيضاً من سحق جيش السامانيين، واستولى على خراسان، واستقر ملكه بها، وأزال عنها اسم السامانية، وخطب للخليفة القادر بالله، ولقبه الخليفةُ "يمين الدولة وأمين الملة"، وخلع عليه خِلَع السلطنة (¬3). ¬
2 - الدولة السلجوقية
وقد اتسعت الدولة الغزنوية في عهد محمود، ووفقه الله في فتح بلاد واسعة، وفرض على نفسه غزو الهند كل سنة، وأقام فيها بدلاً عن بيوت الأصنام مساجدَ الإسلام، وعن مشاهد البهتان معاهد التوحيد والإيمان (¬1). ولم يزل كذلك -رحمه الله- حتى توفي سنة (421)، وتولى بعده الملكَ ابنه محمد الذي لم يدم ملكه إلا أشهراً (¬2)، إذ قبض عليه أخوه "مسعود" (¬3)، وتمكَّن من الملك، وتابع غزوَ الهند، ودانت له ممالك كثيرة، وجرت له مع السلاجقة حروب حتى هزموه بعد اضطراب جنده، وأخذوا منه خراسان سنة (431)، فأقام بغزنة، وقتل في طريقه إلى الهند عام (432) (¬4). وقد بقيت الدولة الغزنوية فني غزنة وأعمالها والهند إلى أن زالت دولتهم عام (543) كما ذكر ابن الأثير -رحمه الله- (¬5). 2 - الدولة السلجوقية: تنسب هذه الدولة إلى سلجوق بن دقاق، أحد رؤساء الأتراك، وكان قائدا لجيش ملك الترك، فأُغري بقتل سلجوق، فلجأ مع من أطاعه إلى دار ¬
الإسلام، وازداد حاله علواً، وأقام بنواحي "جَنْد"، وأدام غزو الكفار، ثم خلفه ابنه ميكائيل، الذي استشهد في بعض بلاد الكفار، وخلف ثلاثة من الولد، فأطاعهم عشائرهم، وهم الذين قامت على أيديهم الدولة (¬1)، أشهرهم: "طغرلبك محمد" (¬2)، وهو الذي هزم جيش الدولة الغزنوية سنة (431)، وسار طغرلبك إلى نيسابور فدخلها، واستولى السلاجقة حينئذٍ على بلاد خراسان، وأخذوها من الغزنويين، ثم واصلوا زحفهم حتى أستولوا على أكثر بلاد فارس، وطردوا عنها بني بويه، وعندما استنجد الخليفة القائم بأمر الله بطغرلبك -كما تقدم- سار إليه ودخل بغداد سنة (447)، وأزال دولة بني بويه، وحوى نفوذ السلاجقة بغداد والعراق أيضاً (¬3). وفي سنة (455) توفي طغرلبك، وخلفه ابن أخيه: ألب أرسلان (¬4)، ¬
الذي عظمت مملكته، ومكن له، واتسعت رقعة بلاده، وأكثر الغزو والحروب، حتى خافت منه الدول، ورهب جانبه الملوك (¬1)، وكان من أعظم ما حصل في عهده وقعة "ملاذكرد" عام (463)، حين سار ملك النصارى في نحو مائتي ألف مقاتل، وعدةٍ عظيمة، عازماً على أن يبيد الإسلام وأهله، فالتقاه ألب أرسلان في جيش، وهم قريب من عشرين الفاً، فصبروا، ونصر الله جنده، وأعز عباده المؤمنين، ومكنهم من رقاب النصارى، وأسر ملكهم (¬2). قال ابن الجوزي (¬3): وهذا الفتح في الإسلام كان عجباً لا نظير له، فإن القوم اجتمعوا ليزيلوا الإسلام وأهله، وكان ملك الروم قد حدثته نفسه بالمسير إلى السلطان ولو إلى الري، وأقطع البطارقة البلاد الإسلامية، وقال لمن أقطعه بغداد: لا تتعرض لذلك الشيخ الصالح فإنه صديقنا -يعني الخليفة- وكانت البطارقة تقول: لابد أن نشتوَ بالري ونصيف بالعراق، ونأخذ في عودنا بلاد الشام (¬4). وقد وفِّق بالوزير الصالح: نظام الملك أبي علي الحسن بن علي ¬
وقفة تأمل
الطوسي (¬1) الذي وزر لألب أرسلان وابنه من بعده. وفي عام (465) قُتل ألب أرسلان، وخلفه ابنه مَلكشاه (¬2) الذي اتسع ملكه اتساعاً عظيماً، ودام ملكه عشرين عاماً، وخطب له من حدود الصين إلى آخر الشام، ومن أقاصي بلاد الإسلام في الشمال إلى آخر بلاد اليمن، وحمل إليه الروم الجزية .... وانقضت أيامه على أمن عام وسكون شامل. وفي عام (485) مات ملكشاه، ووهن بموته أمر السلاجقة، "وانحلت الدولة، ووقع السيف" (¬3). وقفة تأمل: عند التأمل في هذه الصراعات السياسية والتقلبات الواضحة سواء على المحيط العام، أو محيط نيسابور، بشكل خاص، لا نرى أثراً واضحاً على حياة الناس الخاصة، ولذا نجد أن المؤلف عاش غالب أيام شبابه في عهد محمود الغزنوي، السلطان الذي اشتهر بعدله وفضله وقوته وحبه للعلم ¬
أثر هذه السياسة على الناحية العلمية
والعلماء ومذهبه الشافعي ومعتمده الكرّامي، كما أنه أدرك في كهولته ونضجه عهد طغرلبك وألب أرسلان وابنه ملكشاه السلجوقيين، خصوصاً أنه لقي من وزيري الأخيرين: نظام الملك -والذي كان شافعي المذهب، أشعري العقيدة- وأخيه (¬1) كل إعزاز وإكرام (¬2)، ولا شك أن هذا له أثره الواضح على شخصيته المؤلف، تعلماً واستفادة وإفادة. أثر هذه السياسة على الناحية العلمية: تبين مما سبق ذكره أن العصر الذي نشأ فيه الواحدي غير مستقر من الناحية السياسية ففيه ظهر ضعف الخلافة العباسية وكان عهد قيام دول وسقوط أخرى، فهل كان لهذا الاضطراب السياسي أثر على الناحية العلمية؟ على العكس من ذلك فقد نشطت الحركة العلمية، حيث اندفعت هذه الدول في تشجيع العلم وأهله، إما بدافع المنافسة، أو بدافع حب الحاكم للعلم والعلماء كما هي حالة محمود بن سبكتكين الغزنوي (¬3)، ونظام الملك (¬4) وزير ألب أرسلان وابنه ملكشاه. كما كان لوجود الفرق ونشاطها من شيعة ومعتزلة وأشعرية وصوفية ¬
أولا: ازدهار المساجد
وغيرهم دور كبير في تنشيط الناحية العلمية. إذ ذهبت كل فرقة تكتب وتؤصل وتدافع عن مبادئها وترد على الفرق الأخرى (¬1). أولاً: ازدهار المساجد: لاشك أن المسجد هو المدرسة الأولى التي علم فيها النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه، وتخرج فيها الرعيل الأول، ففيه تعقد حلق العلم، ويلتقي العلماء وطلاب العلم، وإذا اعتني بالمسجد فإنه لا يخلو من مكتبة عامرة، ورباط لطلاب العلم المغتربين، وهذا ما كان موجوداً في عصر المؤلف، ففي غزنة بنى السلطان محمود بن سبكتكين جامعاً مشهوراً، وأضاف إليه مدرسة عامرة وخزانة كتب نفيسة (¬2). وفي نيسابور اشتهر مسجد عقيل (¬3)، "وكان مجمعاً لأهل العلم وفيه خزائن الكتب الموقوفة" (¬4)، وكان من أعظم منافع نيسابور وكذلك مسجد المطرز، والجامع المنيعي (¬5). واجتماع مثل هذه المراكز في بلد يضفي على الحركة العلمية قوة ونشاطاً، ويزيد من فرص الاستفادة لطالب العلم، حيث يتعدد الشيوخ والعلماء القائمون على هذه المدارس، وتتنوع الطرائق والأساليب التي تقدم للطلبة، فيكون انتفاعهم كبيراً، واستفادتهم واضحة. ¬
ثانيا: بناء المدارس والعناية بها
ثانياً: بناء المدارس والعناية بها: تعد المدارس المعاقلَ الكبرى للتعليم، وتخريج العلماء، وحفظ الدين، وكانت عناية الناس بها في القرنين الرابع والخامس عظيمة، بل كانت إحدى الميزات الكبرى لهذين القرنين. وتقدم أن السلطان محموداً لما بنى جامع غزنة ألحق به مدرسة عظيمة، كانت موئلاً للعلماء وطلاب العلم، مع إجراء الأموال على المنقطعين والغرباء من طلاب العلم (¬1). وبنى السلطان: ألب أرسلان ببغداد مدارس أنفق عليها أموالاً عظيمة (¬2)، واشتهر في تلك الفترة التي مر بها المؤلف المدارس النظامية، المنسوبة للوزير نظام الملك وقد بنى مدرسة ببغداد، ومدرسة ببلخ، ومدرسة بنيسابور، ومدرسة بهراة، ومدرسة بأصبهان، ومدرسة بالبصرة، ومدرسة بمرو، ومدرسة بآمل طبرستان، ومدرسة بالموصل، ويقال: إن له في كل مدينة بالعراق وخراسان مدرسة (¬3). وأما نيسابور فقد كان لها قصب السبق في هذا الميدان وحظيت ¬
بنصيب وافر من المدارس المشهورة، قال المقريزي (¬1): "وأول من حُفظ عنه أنه بنى مدرسة في الإسلام أهلُ نيسابور" (¬2). ومن مدارسها المشهورة: 1 - مدرسة أبي إسحاق الإسفرايني (¬3)، وهي مدرسة لم يبن قبلها بنيسابور مثلها (¬4). 2 - مدرسة الصبغي المعروفة باسم دار السنة (¬5). 3 - المدرسة السعيدية، بناها الأمير نَصْر بن سبكتكين (¬6)، ووقف عليها الأوقاف (¬7). 4 - المدرسة البَيْهقِية (¬8). ¬
ثالثا: انتشار المكتبات وخزائن الكتب
5 - مدرسة أبي بكر البسْتي الفقيه (¬1). 6 - مدرسة أبي سعد الإستراباذي (¬2). 7 - مدرسة إسماعيل الصابوني (¬3). وغير ذلك من المدارس التي ذكرها عبد الغافر الفارسي مثل: مدرسة الثعالبي، ومدرسة السيوري، ومدرسة المشطبي، ومدرسة الصعلوكي، ومدرسة الخفاف، ومدرسة ابن صاعد، ومدرسة الشحامي، ومدرسة القشيريين، ومدرسة سرهنك وغيرها (¬4). ثالثاً: انتشار المكتبات وخزائن الكتب: المكتبات وخزائن الكتب هي جنات طلاب العلم، ورياض أفكارهم، ومحل استمتاعهم، ففيها يحققون المسائل ويفتقونها، ويطَّلعون على الدلائل ويحررونها، ويوثقون الفوائد، ويتوسعون في البحث، ولذا حرص الكبار على إنشائها، وتزويد المساجد والمدارس ودور العلم ومعاهد التعليم بها، إذ تصبح تلك المعاهد بلا مكتبات ¬
مشلولة، قليلة الطلاب والرواد. ففي بغداد أنشأ الوزير: سابور بن أردشير (¬1) سنة (383) دار الكتب، سماها: دار العلم، وشملت أكثر من عشرة آلاف مجلد (¬2) وفي البصرة داران للكتب (¬3). وفي فيروزاباد بنى الوزير أبو منصور بن منافيه (¬4) داراً للكتب، وقفها على طلاب العلم، جمع فيها تسعة عشر ألف مجلد. وفي غزنة ألحق السلطان محمود بن سبكتكين بجامعه الذي بناه مدرسة: ملأَ بيوتها بالكتب (¬5). وأما في نيسابور فقد أُلحق بمسجد عقيل -المتقدم ذكره- خزائنُ كتب وقفها العلماء (¬6)، وكذا كانت المدرسة البيهقية (¬7). ¬
رابعا: تقدير السلاطين ووزرائهم للعلم والعلماء
ومدرسة الصابوني (¬1) وغيرهما. ولما أنشأ الوزير نظام الملك المدارس النظامية ألحق بكل واحدة خزانةَ كتب (¬2). رابعاً: تقدير السلاطين ووزرائهم للعلم والعلماء: لا يخفى أن أعظم عوامل رواج سوق العلم: هو تشجيع السلاطين وتحفيز الدول، وقيامها بإكرام العلماء وتقديرهم، وقضاء حوائجهم، وتبويئهم المكان اللائق، والمكانة المرموقة، مما يرغب الناس إلى دفع أولادهم إلى معاهد العلم، وتفريغهم لطلبه، والحرص عليه وقد حظي ذلك العصر بخلفاء ووزراء كانوا إما: من العلماء، أو من المحبين للعلم المشاركين فيه، فالخليفة القادر بالله يعد من فقهاء الشافعية، وله تصانيف (¬3)، والقائم بأمر الله يعد من العلماء الأدباء الكتاب البلغاء (¬4). والسلطان محمود بن سبكتكين كان عنده علم ومعرفة، وحب للعلم وأهله، وتقريب لهم، ومجلسه على الدوام عامر بهم على اختلاف فنونهم، وصنفت له التصانيف (¬5). ¬
وسار ابنه السلطان مسعود سيرته (¬1). وكانت الدولة السلجوقية مشهورة بتكريم العلماء ومحبتهم، حتى "أصبح كل واحد من العلماء بفضل تشجيع سلطان من سلاطين السلاجقة محطَّاً لأنظار العالمين" (¬2). وأما الوزير نظام الملك، فقد كان عالماً مغرماً بالعلم وأهله، وقد بقيت جهوده وآثاره في ذلك شامة في جبين التاريخ الإسلامي، يقول أبو الوفاء بن عقيل (¬3) في الثناء عليه: "بنى المدارس، ووقَّف الوقوف، ونَعَش من العلم وأهله ما كان خاملاً مهملاً في أيام من قبله" (¬4) ويصفه العماد الأصفهاني (¬5) قائلاً: "ولم يزل بابه مجمعَ الفضلاء وملجأ العلماء، وكان نافذاً بصيراً ينقب عن أحوال كل منهم، ويسأل عن تصرفاته وخبرته ومعرفته، فمن تفرس فيه صلاحية الولاية ولاّه، ومن رآه مستحقاً لرفع قدره رفعه وأعلاه، ومن رأى الانتفاع بعلمه أغناه، ورتب له من جدواه حتى ¬
خامسا: نشاط بعض الفرق
ينقطع إلى إفادة العلم ونشره، وتدريس الفضل وذكره، وربما سيَّره إلى إقليم خال من العلم، ليُحْلِيَ به عاطله، ويحيي به حقه، ويميت باطله" (¬1). ومن أشهر أعماله: تلك المدارس التي بناها، وأدرَّ عليها الأرزاق، وأثثها بما تحتاج إليه، كما تقدم. ولأجل ذلك أطبق المؤرخون وأصحاب التراجم على الإشادة بما قام به هذا الوزير في هذا الباب (¬2). خامساً: نشاط بعض الفرق: كثير من الفرق نشأت في أخريات القرن الأول والقرنين الثاني والثالث، وحظُّها من الشيوع والانتشار بقدر حظها من دعم الدول، واقتناع المتنفذين، ودعم السلاطين، ولذا بمجرد زوال تلك القوة الداعمة يحصل للفرقة الذبول أو الانحصار في بلد معين، أو طائفة أو جماعة محددة. وقد كان لوجود دولة العبيديين الباطنية، ودولة البويهيين الرافضية أثر كبير على نشاط كثير من الفرق المناوئة للسنة، إذ ضَعْفُ أهلِ السنة في الجملة فسحةٌ واضحة للفرق الضالة، كي تنفذ إلى عقول الناس، وتسيرهم على النحو الذي تريد. وقد بين المقريزي أن التشيع قوي بدولة بني بويه، وكذا فشا الاعتزال بالعراق وخراسان وما وراء النهر، وذهب إليه جماعة من الفقهاء، وقوي مع ذلك أمر الخلفاء الفاطميين بأفريقية وبلاد المغرب، وجهروا بمذهب ¬
سادسا: المناظرات العلمية بين أرباب المذاهب
الإسماعيلية، وبثوا دعاتهم بأرض مصر، فاستجاب لهم خلق كثير من أهلها، ثم ملكوها عام (358)، وانتشرت مذاهب الرافضة في عامة الأقطار، قال المقريزي: "واشتهرت مذاهب الفرق من القدرية والجهمية والمعتزلة والكرَّامية والخوارج والروافض والقرامطة والباطنية حتى ملأت الأرض، وما منهم إلا من نظر في الفلسفة، وسلك من طرقها ما وقع عليه اختياره، فلم يبق مصر من الأمصار ولا قطر من الأقطار إلا وفيه طوائف كثيرة مما ذكرنا" (¬1). هذا الواقع دعا أهل السنة وعلماء الملة -جرياً على سنة التدافع- للوقوف بقوة في وجه هذا المد البدعي الطاغي، ببيان الحق ورد الباطل ودفع الشبه، وفضح الفرق، وكشف عوارها (¬2)، وهذا كما لا يخفى له أثره الواضح في إثراء الحياة العلمية تأليفاً وتدريساً، وكشفاً للحال، وتتبعاً للحقائق. سادساً: المناظرات العلمية بين أرباب المذاهب: مما كان سائداً في ذلك العصر: المناظراتُ التي كانت تعقد بين العلماء، يبين كل واحد منهم قوله، ويذكر دليله، ويفنِّد حجة خصمه، وقد ¬
وقفة
تكون بين أتباع الفرق المختلفة، وكانت هذِه المناظرات تعقد عند السلاطين أحياناً، أو في المساجد ودور العلم في أكثر الأحيان، وفي نيسابور كانت هناك مجالس للنظر تعقد فيها المناظرات، وخاصة العلماء القادمين عليها (¬1). ومن العادة الجارية: أن طلاب العلم يحرصون على حضور تلك المجالس، لمعرفة الحق عند اختلاف الأقوال، والعلم بأقدار الرجال، والموازنة بين المختلفين، وقد يكون للانتصار لأحد القولين، حيث يجتهد المتناظران في إظهار صحة قولهم، وقوة دليله، وضعف ما يقابله (¬2). وقفة: لاشك أن هذه الأسباب وغيرها كان لها أثر واضح في ثراء الحالة العلمية التي تنطبع تبعاً على شخصيات الأفراد من طلاب العلم والعلماء، حيث تهيئ بمجموعها جواً علمياً يدفع الطالب للاستزادة، ويعينه على الفهم، وينوع معارفه، ويشبع رغباته وميوله. وما من شك، أن أثر ذلك كله قد انطبع على مترجمنا الإمام الواحدي، ومن يطالع مؤلفاته، ويقرأ ترجمته، يدرك ظهور ذلك التنوع المعرفي، والتعدد الثقافي والعلمي الذي اصطبغ به الواحدي. ¬
الفصل الثاني دراسة عن كتاب البسيط
الفصل الثاني دراسة عن كتاب البسيط وفيه تسعة مباحث: المبحث الأول: اسم الكتاب. المبحث الثاني: ثبوت نسبة الكتاب للمؤلف. المبحث الثالث: الباعث على إنشائه. المبحث الرابع: تاريخ البدء فيه والانتهاء منه. المبحث الخامس: مصادر المؤلف في البسيط، ثم التعريف بهذه المصادر وطريقته في الأخذ منها، وما هي المادة التي أخذها. المبحث السادس: منهج المؤلف في البسيط. وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: منهجه إجمالاً كما وصفه في مقدمة كتابه. المطلب الثاني: منهجه تفصيلاً. وفيه تسع مسائل: المسألة الأول: منهجه في تفسير القرآن بالقرآن. المسألة الثانية: منهجه في تفسير القرآن بالسنة. المسألة الثالثة: منهجه في تفسير القرآن بأقوال الصحابة والتابعين. المسألة الرابعة: منهجه في ذكر الإسرائيليات. المسألة الخامسة: منهجه في القراءات وعللها.
المسألة السادسة: منهجه في علوم القرآن. وفيها أربعة مطالب: 1 - أسباب النزول. 2 - الوقف والابتداء. 3 - الناسخ والمنسوخ. 4 - الربط بين الآيات. المسألة السابعة: منهجه في مسائل العقيدة، والرد على الفرق. المسألة الثامنة: منهجه في المسائل الفقهية والأصولية. المسألة التاسعة: منهجه في اللغة وفنونها. وفيها خمسة مطالب: 1 - الجانب اللغوي. 2 - الجانب النحوي. 3 - الجانب البلاغي. 4 - الشواهد الشعرية. 5 - الجانب الفقهي. المطلب الثالث: مقارنة بين تفاسير المؤلف الثلاثة. المبحث السابع: قيمة الكتاب العلمية. المبحث الثامن: أثر الواحدي فيمن بعده من العلماء من خلال كتابه البسيط. المبحث التاسع: النسخ المخطوطة الموجودة للبسيط. المبحث العاشر: منهج العمل في تحقيق البسيط.
المبحث الأول اسم الكتاب
المبحث الأول اسم الكتاب اسم الكتاب "البسيط" ذكر ذلك المؤلف نفسه في مقدمة كتابه "الوسيط" حيث قال: "وقديمًا كنت أطالب بإملاء كتاب في تفسير وسيط، ينحط عن درجة "البسيط" الذي تجر فيه أذيال الأقوال، ويرتفع عن مرتبة "الوجيز" الذي اقتصر فيه على الإقلال .... " (¬1). كما ورد اسم الكتاب "البسيط" في جميع المصادر التي ذكرته (¬2)، ووصفه القفطي بـ"الكبير" قال: صنف التفسير الكبير وسماه "البسيط" .. (¬3)، وقد وردت كلمة "الكبير" على عناوين بعض مخطوطات البسيط ففي الجزء الثالث والخامس من النسخة الأزهرية كتب "البسيط وهو التفسير الكبير" (¬4)، فلعل هذه الصفة التي ذكرها القفطي ومن جاء بعده، قصد بها بيان أنه أكبر كتبه في التفسير. كذلك نجد على الجزء الثاني والثالث من مخطوطة "جستربتي" (¬5) كتب عليها: هذا كتاب معاني التفسير المسمى بالبسيط للإمام الواحدي ¬
وفي آخر الجزء الثاني كتب: آخر الجزء الثاني من كتاب معاني التفسير المسمى بالبسيط، تصنيف الشيخ الإمام الواحدي، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين، وحسبنا الله ونعم الوكيل، ووافق الفراغ منه يوم الخميس في آخر شوال سنة ثمان وثلاثين وستمائة، كتبه الضعيف الراجي المحتاج إلى رحمة الله تعالى أحمد بن محمد بن الحسن القروني. وقد سبق الكلام على هذا عند الحديث عن مؤلفاته بما يغني عن إعادته هنا.
المبحث الثاني ثبوت نسبة الكتاب للواحدي
المبحث الثاني ثبوت نسبة الكتاب للواحدي أما عن قضية ثبوت نسبة الكتاب للمؤلف، فهي من القضايا التي تصل إلى حد التواتر، لم يحصل فيها شك أو لبس يحتاج إلى بحث واستدلال، فالمؤلف يذكر كتابه "البسيط" في مقدمة "الوسيط" فيقول: "وقديما كنت أطالب بإملاء كتاب وسيط ينحط عن درجة "البسيط" الذي تجر فيه أذيال الأقوال وارتفع عن مرتبة الوجيز الذي اقتصر فيه على الإقلال لمؤلف" (¬1)، والمترجمون له بعده ينسبون الكتاب له بإجماع، ولم يرد قول بخلاف ذلك، وقد ارتبط اسم المؤلف بكتبه الثلاثة في التفسير "البسيط" و"الوسيط" و"الوجيز" فيقال: الواحدي صاحب التفاسير الثلاثة "البسيط" و"الوسيط" و"الوجيز" (¬2). ويضاف إليها أيضاً: أن العلماء الذين أفادوا من البسيط بالنقل والإحالة (¬3) تتطابق نقولاتهم مع ما هو موجود في البسيط، كما سيأتي في مبحث قيمة الكتاب العلمية، وقد نقل ياقوت في ترجمته للمؤلف بعض مقدمة البسيط وهي بنصها في هذا الكتاب (¬4)، هذا كله، بالإضافة إلى أنه لم يقل أحد من أهل العلم بخلاف ذلك، بل إن من المسلَّمات ارتباط ¬
المؤلف بتفاسيره الثلاثة وعلى رأسها كتابه هذا. وقد تقدم ذكر ذلك (¬1) ¬
المبحث الثالث الباعث على إنشاء البسيط
المبحث الثالث الباعث على إنشاء البسيط صرح المؤلف بالباعث له على تأليف هذا الكتاب وهو تلبية طلب قوم ألحوا عليه من أهل العلم، وافق رغبة قديمة حاضرة عنده، حيث قال في مقدمة هذا التفسير: فمنذ دهر تحدثني نفسي بأن أُعلق لمعاني إعراب القرآن وتفسيره فِقَراً (¬1) في الكشف عن غوامض معانيه، ونُكَتاً في الإشارة إلى علل القراءات فيه، في ورقات يصغُر حجمها ويكثر غُنمها، والأيام تمطلني بصروفها على اختلاف صنوفها، إلا أن شدد عليّ خناق التقاضي قوم لهم في العلم سابقة، وفي التحقيق همم صادقة، فسمحت قرونتي (¬2) بعد الإباء، وذلت صعوبتي بعد النفرة والالتواء (¬3). ¬
المبحث الرابع تاريخ البدء في البسيط والانتهاء منه
المبحث الرابع تاريخ البدء في البسيط والانتهاء منه يظهر من مقدمته التي ساقها في الوسيط: أن البسيط هو أول كتبه الثلاثة تأليفاً (¬1)، وهو أكبرها بلا شك، لكنه لم يبين لنا تاريخ الابتداء بكتابته، وأما الانتهاء منه فقد صرح به في ختام كتابه البسيط، حيث قال: وقد يسر الله -وله الحمد لحسن توفيق - تحرير هذا الكتاب الذي لم يسبق إلى مثله في هذا الباب ... بعد تراخي المهلة، وتطاول المدة، من يوم افتتاحه إلى يوم اختتامه ... وذلك عصر يوم الأربعاء لعشر بقين من شهر ربيع الأول سنة ست وأربعين وأربعمائة (¬2). ¬
المبحث الخامس مصادر المؤلف في كتابه "البسيط"
المبحث الخامس مصادر المؤلف في كتابه "البسيط" تلقى المؤلف عن فحول أئمة اللغة والنحو والتفسير ومعاني القرآن، والقراءات، لذلك كثرت مصادره في تفسيره، وقد أفاد من تلك المصادر كثيراً ونقل منها بالمعنى حيناً وبالنص أحياناً: بالعزو حينا وبدون عزو أحيانا، أخذ عن بعض تلك المصادر فأكثر، وهناك مصادر أخذ منها بإقلال، وسيكون الحديث في هذا المبحث عن تلك المصادر، وعن طريقته في الأخذ منها. وقد ذكر المؤلف بعض تلك المصادر في مقدمة كتابه، وهناك مصادر أفاد منها ولم يرد ذكرها في مقدمته. ولقد تنوعت المادة التي أخذها من كل مصدر، فمثلا نجده قد أخذ من "الحجة" لأبي علي الفارسي مسائل لغوية ونحوية بجانب القراءات وتوجيهها، وأفاد من الثعلبي في التفسير واللغة والنحو وهكذا بقية المصادر. وفيما يلي بيان لتلك المصادر ومعرفة مدى استفادة الواحدي منها: وهي قسمان: القسم الأول: المصادر الرئيسة. القسم الثاني: المصادر الثانوية.
القسم الأول المصادر الرئيسة
القسم الأول المصادر الرئيسة أولاً: التفسير: وهي مرتبة تاريخيًا: أولاً: تفسير ابن عباس (¬1) -رضي الله عنه- (ت 68) هـ مكانة ابن عباس في تفسير القرآن: تتبين مكانة ابن عباس في التفسير، من قول تلميذه مجاهد إنه إذا فسر الشيء رأيت عليه النور، ومن قول علي -رضي الله عنه- يثني عليه في تفسيره: كأنما ينظر إلى الغيب من ستر رقيق، ومن قول ابن عمر: ابن عباس أعلم أمة محمد بما نزل على محمد، ومن رجوع بعض الصحابة وكثير من التابعين إليه في فهم ما اشكل عليهم من كتاب الله، فكثيرًا ما توجه إليه معاصروه ليزيل شكوكهم، ويكشف لهم عما عز عليهم فهمه من كتاب الله تعالى. ففي قصة موسى مع شعيب أشكل على بعض أهل العلم، أي الأجلين قضى موسى؟ أقضى ثماني سنين أو أتم عشرًا؟ ولما لم يقف على رأي يمم شطر ابن عباس، الذي هو بحق ترجمان القرآن، ليسأله عما أشكل عليه وفىِ هذا يروي الطبري في تفسيره، عن سعيد بن جبير قال: قال يهودي بالكوفة -وأنا أتجهز للحج: إني ¬
أراك رجلاً تتبع العلم، فأخبرني أي الأجلين قضى موسى؟ قلت: لا أعلم، وأنا الآن قادم على حبر العرب -يعني ابن عباس- فسائله عن ذلك، فلما قدمت مكة سألت ابن عباس عن ذلك وأخبرته بقول اليهودي، فقال ابن عباس: قضى أكثرهما وأطيبهما؛ إن النبي إذا وعد لم يخلف، وقال سعيد: فقدمت العراق فلقيت اليهودي فأخبرته فقال: صدق وما أنزل على موسى، هذا والله العالم. اهـ (¬1). وهذا عمر -رضي الله عنه- يسأل الصحابة عن معنى آية من كتاب الله، فلما لم يجد عندهم جوابًا مرضيًا رجع إلى ابن عباس فسأله عنها، وكان يثق بتفسيره، وفي هذا يروي الطبري أن عمر سأل الناس عن هذِه الآية يعني {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ} [البقرة: 266] الآية. فما وجد أحدًا يشفيه، حتى قال ابن عباس وهو خلفه: يا أمير المؤمنين إني أجد في نفسي منها شيئًا، فتلفت إليه فقال: تحول ههنا، لم تحقر نفسك؟! قال: هذا مثل ضربه الله -عز وجل-، فقال: أيود أحدكم أن يعمل عمره بعمل أهل الخير وأهل السعادة، حتا إذا كان أحوج ما يكون إلى أن يختمه بخير حين فني عمره واقترب أجله، ختم ذلك بعمل من عمل أهل الشقاء فأفسده كله، فحرقه أحوج ما كان إليه (¬2). وسؤال عمر له مع الصحابة عن تفسير قوله تعالى: {إِذَا جَاَءَ نَصْرُ اللهِ وَالفَتْحُ} [النصر: 1] وجوابه بالجواب المشهور عنه يدل على أن ابن عباس كان يستخرج خفي المعاني التي يشير إليها القرآن، ولا يدركها الا ¬
منهج ابن عباس في التفسير
من نفحه الله بنفحة من روحه، وكثيرًا ما ظهر ابن عباس في المسائل المعقدة في التفسير بمظهر الرجل الملهم الذي ينظر إلى الغيب من ستر رقيق، كما وصفه علي -رضي الله عنه-، الأمر الذي جعل الصحابة يقدرون ابن عباس ويثقون بتفسيره، ولقد وجد هذا التقدير صداه في عصر التابعين، فكانت هناك مدرسة يتلقى تلاميذها التفسير عن ابن عباس. استقرت هذِه المدرسة بمكة، ثم غذت بعلمها الأمصار المختلفة، وما زال تفسير ابن عباس يلقى من المسلمين إعجابًا وتقديرًا، إلا درجة أنه إذا صح النقل عن ابن عباس لا يكادون يعدلون عن قوله إلى قول آخر. وقد صرح الزركشي بأن قول ابن عباس مقدم على قول غيره من الصحابة عند تعارض ما جاء عنهم في التفسير (¬1). منهج ابن عباس في التفسير: كان ابن عباس كغيره من الصحابة الذين اشتهروا بالتفسير، يرجعون في فهم معاني القرآن إلى ما سمعوه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وإلى ما يفتح الله به عليهم من طريق النظر والاجتهاد، مع الاستعانة في ذلك بمعرفة أسباب النزول والظروف والملابسات التي نزل فيها القرآن. وكان -رضي الله عنه- يرجع إلى أهل الكتاب ويأخذ عنهم، بحكم اتفاق القرآن مع التوراة والإنجيل في كثير من المواضع التي أُجملت في القرآن وفُصلت في التوراة أو الإنجيل، ولكن كما قلنا فيما سبق إن الرجوع إلى أهل الكتاب كان في دائرة محدودة ضيقة، تتفق مع القرآن وتشهد له، أما ما عدا ذلك مما يتنافى مع القرآن، ولا يتفق مع الشريعة الإسلامية، فكان ابن عباس لا ¬
رجوع ابن عباس إلى الشعر القديم
يقبله ولا يأخذ به. رجوع ابن عباس إلى الشعر القديم: كان ابن عباس -رضي الله عنه- يرجع في فهم معاني الألفاظ الغريبة التي وردت في القرآن إلى الشعر الجاهلي، وكان غيره من الصحابة يسلك هذا الطريق في فهم غريب القرآن ويحض على الرجوع إلى الشعر العربي القديم؛ ليستعان به على فهم معاني الألفاظ القرآنية الغريبة، فهذا عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يسأل أصحابه عن معنى قوله تعالى في الآية (47) من سورة النحل {أَوْ يَأخُذَهُم عَلَى تَخَوُّفٍ} فيقوم له شيخ من هذيل فيقول له: هذِه لغتنا، التخوف: التنقص، فيقول له عمر: هل تعرف العرب ذلك في أشعاره؟ فيقول له: نعم، ويروا قول الشاعر: تخوف الرحل منها تامكًا قردًا ... كما تخوف عود النبعة السفن فيقول عمر -رضي الله عنه- لأصحابه: عليكم بديوانكم لا تضلوا، قالوا: وما ديواننا؟ قال: شعر الجاهلية، فإن فيه تفسير كتابكم، ومعاني كلامكم (¬1). غير أن ابن عباس، امتاز بهذه الناحية واشتهر بها أكثر من غيره، فكثيرًا ما كان يسأل عن القرآن فينشد فيه الشعر، وقد روي عنه الشيء الكثير من ذلك، وأوعب ما روي عنه مسائل نافع بن الأزرق وأجوبته عنها، وقد بلغت مائتي مسألة، أخرج بعضها ابن الأنباري في كتاب "الوقف والابتداء"، وأخرج الطبراني بعضها الآخر في "معجمه الكبير"، وقد ذكر ¬
السيوطي في "الإتقان" بسنده مبدأ هذا الحوار الذي كان بين نافع وابن عباس، وسرد مسائل ابن الأزرق وأجوبة ابن عباس عنها، فقال: بينا عبدالله بن عباس جالس بفناء الكعبة قد اكتنفه الناس يسألونه عن تفسير القرآن، فقال نافع بن الأزرق لنجدة بن عويمر: بنا إلى هذا الذي يجترئ على تفسير القرآن بما لا علم له به، فقاما إليه فقالا: إنا نريد أن نسألك عن أشياء من كتاب الله فتفسرها لنا، وتأتينا بمصادقه من كلام العرب؛ فإن الله تعالى إنما أنزل القرآن بلسان عربي مبين، فقال ابن عباس: سلاني عما بدا لكما، فقال نافع: أخبرني عن قول الله تعالا: {عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ} [المعارج: 37] قال: العزون: حلق الرفاق، قال: هل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت عبيد بن الأبرص وهو يقول: فجاؤوا يهرعون إليه حتى ... يكونوا حول منبره عزينا؟ قال أخبرني عن قوله: {وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ} [المائدة: 35]. قال: الوسيلة: الحاجة، قال وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت عنترة وهو يقول: إن الرجال لهم إليك وسيلة ... إن يأخذوك تكحلي وتخضبي إلى آخر المسائل وأجوبتها (¬1)، وهي تدل على قوة ابن عباس في معرفته بلغة العرب، وإلمامه بغريبها، إلى حد لم يصل إليه غيره، مما جعله - بحق إمام التفسير في عهد الصحابة، ومرجع المفسرين في الأعصر التالية للعصر الذي وجد فيه، وزعيم هذِه الناحية من التفسير على الخصوص، حتى لقد قيل في شأنه: إنه هو الذي أبدع الطريقة اللغوية ¬
لتفسير القرآن (¬1). هذا وقد بين لنا ابن عباس -رضي الله عنه-، مبلغ الحاجة إلى هذه الناحية في التفسير، وحض عليها من أراد أن يتعرف غريب القرآن، فقد روى أبو بكر ابن الأنباري عنه أنه قال: الشعر ديوان العرب، فإذا خفي علينا الحرف من القرآن الذي أنزله الله بلغة العرب، رجعنا إلى ديوانها فالتمسنا ذلك منه (¬2). وروى ابن الأنباري عنه أيضاً أنه قال: إذا سألتموني عن غريب القرآن فالتمسوه في الشعر، فإن الشعر ديوان العرب (¬3). فابن عباس -رضي الله عنه- كان يرى رأي عمر في ضرورة الرجوع إلى الشعر الجاهلي، للاستعانة به على فهم غريب القرآن، بل وكان أكثر الصحابة إلمامًا بهذِه الناحية وتطبيقًا لها. وقد استمرت هذه الطريقة إلى عهد التابعين ومن يليهم، إلى أن حدثت خصومة بين متورعي الفقهاء وأهل اللغة، فأنكروا عليهم هذه الطريقة، وقالوا: إن فعلتم ذلك جعلتم الشعر أصلاً للقرآن (¬4)، وقالوا: كيف يجوز أن يحتج بالشعر على القرآن وهو مذموم في القرآن والحديث. والحق أن هذه الخصومة التي جدّت في الأجيال المتأخرة لم تقم على أساس، فالأمر ليس كما يزعمه أصحاب هذا الرأي، من جعل الشعر أصلاً للقرآن، بل هو في الواقع، بيان للحرف الغريب من القرآن بالشعر؛ ¬
1 - الرواية المنسوبة إلى عطاء بن أبي رباح
لأن الله تعالى يقول: {إِنَّا جَعَلنَهُ قُرءَانًا عَرَبيًّا} [الزخرف: 3]. وقال {بِلِسَانٍ عَرَبِىٍّ مبِينٍ} [الشعراء: 195] ولهذا لم يتحرج المفسرون إلى يومنا هذا من الرجوع إلى الشعر الجاهلي للاستشهاد به على المعنى الذي يذهبون إليه في فهم كلام الله تعالى (¬1). لقد صرح المؤلف في مقدمة البسيط باعتماده على تفسير ابن عباس، حيث قال: وأبتدئ في كل آية عند التفسير بقول ابن عباس ما وجدت له نصّاً. وقد التزم المؤلف هذا الشرط في كتابه، فنجده يصدر كل آية حين تفسيرها بقول ابن عباس بغض النظر عن صحة تلك الرواية أو ضعفها، إذ لم يكن من شأن الواحدي العناية بهذا الجانب، كما بينت في المآخذ عليه، وهذا يؤكد ما ذكر عنه في هذا الباب، ففي مواطن قليلة يعتمد رواية علي بن أبي طلحة، الذي يميزه الواحدي بقوله: (الوالبي). 1 - الرواية المنسوبة إلى عطاء بن أبي رباح (¬2): وقد استوعبت هذه الرواية تفسير القرآن كما يبدو من البسيط وهي رواية مكذوبة يرويها موسى بن عبد الرحمن الصنعاني (¬3)، عن عطاء، عن ¬
ابن عباس. قال ابن حبان (¬1): وضع على ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس كتابًا في التفسير جمعه من كلام الكلبي ومقاتل بن سليمان وألزقه بابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، ولم يحدث عن ابن عباس، ولم يحدث به ابن عباس، ولا عطاء سمعه، ولا ابن جريج سمع من عطاء، وإنما سمع ابن جريج من عطاء الخراساني عن ابن عباس في التفسير أحرفًا شبيهًا بجزء، وعطاء لم يسمع من ابن عباس شيئًا ولا رواه ولا تحل الرواية عن هذا الشيخ ولا النظر في كتابه إلا على سبيل الاعتبار (¬2). قال الحافظ ابن حجر (¬3): ومن التفاسير الواهية لوهاء رواتها، التفسير الذي جمعه موسى بن ¬
عبد الرحمن الثقفي الصنعاني، وهو قدر مجلدين يسنده إلى ابن جريج (¬1) عن عطاء عن ابن عباس، وقد نسب أبو حاتم (¬2) موسى هذا إلى وضع الحديث، ورواه عن موسى: عبد الغني بن سعيد الثقفي (¬3) وهو ضعيف (¬4). وقد صرح المؤلف في أول كتابه "أسباب النزول" (¬5) بإسناده إلى هذه الرواية وهي من طريق الطبراني (¬6)، والطبراني روى قطعة من هذا التفسير ¬
2 - رواية الكلبي
في معجمه الكبير، في تفسير الآيات في شأن الإفك (¬1)، عن شيخه: بكر بن سهل الدمياطي (¬2)، عن عبد الغني بن سعيد الثقفي، قال: حدثنا موسى بن عبد الرحمن الصنعاني عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس وعند مقارنته بما نقله المؤلف في البسيط من رواية عطاء، عن ابن عباس نجدها مطابقة لرواية الطبراني، مما يدل على أن طريق رواية الواحدي عن عطاء هو ذاك الطريق الواهي الضعيف. وهذه الرواية لا توجد الآن، ولا تكاد تذكر عند أهل الرواية ولا يذكرها إلا الثعلبي أو المؤلف، أو من ينقل عنهما، كالبغوي وابن الجوزي والرازي (¬3) وغيرهم. والأمثلة على نقل المؤلف من هذه الرواية أكثر من أن تحصى، بل يندر أن نجد آية لا يذكر فيها شيئًا منها. 2 - رواية الكلبي (¬4): وهي رواية الكلبي عن ابن عباس، وهي مكذوبة، وقد أخرج عن ابن ¬
عباس تفسيرًا كثيرًا عن أبي صالح (¬1) عن ابن عباس، والكلبي متهم بالكذب، روى البخاري بسنده عن سفيان الثوري (¬2) قال: قال لي الكلبي: كل ما حدثتك عن أبي صالح فهو كذب. وقال البخاري (¬3): أبو النضر الكلبي تركه يحيى بن سعيد (¬4) وابن ¬
3 - تفسير تنوير المقباس
مهدي (¬1). وقال أبو حاتم: الناس مجمعون على ترك حديثه، وهو ذاهب الحديث لا يشتغل به. قال ابن حجر: ومن روايات الضعفاء عن ابن عباس: التفسير المنسوب لأبي النضر محمد بن السائب الكلبي، فإنه يرويه عن أبي صالح، وهو مولى أم هانئ، عن ابن عباس. والكلبي اتهموه بالكذب، وقد مرض فقال لأصحابه في مرضه: كل شيء حدثتكم عن أبي صالح كذب (¬2). وقال السيوطي: وأوهى طرقه -يعني تفسير ابن عباس- طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، فإن انضم إلى ذلك رواية محمد بن مروان السدي الصغير (¬3)، فهي سلسلة الكذب، وكثيراً ما يخرج منها الثعلبي والواحدي (¬4). 3 - تفسير تنوير المقباس: وقد نسب هذا التفسير إلى ابن عباس وقد طبع في مصر مرارًا باسم ¬
"تنوير المقباس في تفسير ابن عباس". جمعه أبو طاهر محمد بن يعقوب الفيروزابادي الشافعي (¬1)، صاحب "القاموس المحيط"، وقال الدكتور محمد حسين الذهبي في كتابه الماتع "التفسير والمفسرون": وقد اطلعت على هذا التفسير، فوجدت جامعه يسوق عند الكلام عن البسملة الرواية عن ابن عباس بهذا السند أخبرنا عبد الله الثقة بن المأمون الهروي، قال: أخبرنا أبي، قال: أخبرنا أبو عبد الله محمود بن محمد الرازي، قال: أخبرنا عمار بن عبد المجيد الهروي، قال: أخبرنا علي بن إسحاق السمرقندي، عن محمد بن مروان، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس. وعند تفسير أول البقرة، وجدته يسوق الكلام بإسناده إلى عبد الله بن المبارك، قال: حدثنا علي بن إسحاق السمرقندي عن محمد بن مروان، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس. وفي مبدأ كل سورة يقول: وبإسناده عن ابن عباس. .. وهكذا يظهر لنا جليًا، أن جميع ما روي عن ابن عباس في هذا الكتاب يدور على محمد بن مروان السدي الصغير، عن محمد بن السائب ¬
4 - رواية الضحاك
الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، وقد عرفنا مبلغ رواية السدي الصغير عن الكلبي فيما تقدم. وحسبنا في التعقيب على هذا ما روي من طريق ابن عبد الحكم قال: سمعت الشافعي يقول: لم يثبت عن ابن عباس في التفسير إلا شبيه بمائة حديث (¬1). وهذا الخبر إن صح عن الشافعي يدلنا على مقدار ما كان عليه الوضّاعون من الجرأة على اختلاق هذه الكثرة من التفاسير المنسوبة إلى ابن عباس، وليس أدل على ذلك، من أنك تلمس التناقض ظاهرًا بين أقوال في التفسير نسبت إلى ابن عباس ورويت عنه. إن هذا التفسير المنسوب إلى ابن عباس لم يفقد شيئًا من قيمته العلمية في الغالب، وإنما الشيء الذي لا قيمة له فيه، هو نسبته إلى ابن عباس (¬2). 4 - رواية الضحاك: أمَّا طريق الضحاك بن مزاحم الهلالي (¬3) عن ابن عباس فهي غير ¬
مرضية؛ لأنه وإن وثقه نفر فطريقه إلى ابن عباس منقطعة؛ لأنه روى عنه ولم يلقه، فإن انضم إلى ذلك رواية بشر بن عمارة (¬1)، عن أبي روق (¬2)، عن الضحاك، فضعيفة لضعف بشر، وقد أخرج من هذه النسخة كثيرًا ابن جرير وابن أبي حاتم. وإن كان من رواية جويبر (¬3) عن الضحاك فأشد ضعفًا؛ لأن جويبر شديد الضعف متروك. ولم يخرج ابن جرير ولا ابن أبي حاتم من هذه الطريق شيئًا، إنما خرجها ابن مردويه (¬4)، وأبو الشيخ أبو محمد عبد الله ¬
5 - رواية العوفي
ابن حيان (¬1)، كما أفاده السيوطي (¬2). 5 - رواية العوفي (¬3): فضعيفة، فقد كان يخطئ كثيراً، وكان شيعياً مدلساً، قال الإمام أحمد: بلغني أن عطية كان يأتي الكلبي فيأخذ عنه التفسير، وكان يكنيه بأبي سعيد، فيقول: قال أبو سعيد، قال الذهبي: يعني يوهم أنه الخدري، وهذه الطريقة أخرج منها ابن جرير، وابن أبي حاتم كثيرًا. 6 - رواية السدي الكبير: يروي إسماعيل بن عبد الرحمن السدى الكبير (¬4)، تارة عن أبي ¬
7 - رواية الوالبي
مالك (¬1)، وتارة عن أبي صالح عن ابن عباس. وإسماعيل السدي مختلف فيه، وحديثه عند مسلم وأهل السنن الأربعة، وهو تابعي شيعي. وقال السيوطي: روى عن السدي الأئمة مثل الثوري وشعبة، لكن التفسير الذي جمعه رواه أسباط بن نصر (¬2)، وأسباط لم يتفقوا عليه، غير أن أمثل التفاسير تفسير السدي (¬3). وابن جرير يورد في تفسيره كثيرًا من تفسير السدي عن أبي مالك عن أبي صالح عن ابن عباس، ولم يخرج منه ابن أبي حاتم شيئًا؛ لأنه التزم أن يخرج أصح ما ورد (¬4). 7 - رواية الوالبي (¬5): وهي من أحسن الطرق عن ابن عباس، وهو صدوق، ولكنه لم يلق ¬
ابن عباس، وإنما أخذ تفسيره من مجاهد (¬1)، وله صحيفة في هذا التفسير أخرج منها البخاري كثيراً في صحيحه فيما يعلقه عن ابن عباس، وأكثر منها ابن جرير في تفسيره. وقال الإمام أحمد: "بمصر صحيفة في التفسير رواها علي بن أبي طلحة، لو رحل فيها رجل إل مصر قاصداً ما كان كثيراً" (¬2). وقد طعن بعض العلماء في تفسير علي بن أبي طلحة بأنه منقطع، حيث لم يسمع من ابن عباس، وقال الحافظ ابن حجر -راداً على ذلك-: "بعد أن عُرِفت الواسطة وهو ثقة، فلا ضير في ذلك" (¬3). وكثيرًا ما اعتمد على هذه الطريقة ابن جرير الطبري، وابن أبي حاتم، وابن المنذر بوسائط بينهم وبين أبي صالح. ومسلم وأصحاب السنن يحتجون بعلي بن أبي طلحة. ¬
8 - طريق قيس بن مسلم الكوفي،
8 - طريق قيس بن مسلم الكوفي (¬1)، عن عطاء بن السائب عن سعيد ابن جبير، عن ابن عباس. وهذه الطريق صحيحة على شرط الشيخين، وكثيرًا ما يخرج منها الفريابي والحاكم في "مستدركه". 9 - طريق بن إسحاق (¬2) صاحب السير، عن محمد بن أبي محمد مولى آل زيد ابن ثابت، عن عكرمة أو سعيد بن جبير عن ابن عباس، وهي طريق جيدة وإسنادها حسن، وقد أخرج منها ابن جرير وابن أبي حاتم كثيرًا، وأخرج الطبراني منها في "معجمه الكبير". 10 - طريق عبد الملك بن جريج (¬3)، عن ابن عباس، وهي تحتاج الى ¬
دقة في البحث، ليعرف الصحيح منها والسقيم، فإن ابن جريج لم يقصد الصحة فيما جمع، وإنما روى ما ذكر في كل آية من الصحيح والسقيم، فلم يتميز في روايته الصحيح من غيره، وقد روى عن ابن جريج هذا جماعة كثيرة، منهم بكر بن سهل الدمياطي، عن عبد الغني بن سعيد، عن موسى بن محمد، عن ابن جريج عن ابن عباس، ورواية بكر بن سهل أطول الروايات عن ابن جريج وفيها نظر. ومنهم محمد بن ثور، عن ابن جريج، عن ابن عباس، روى ثلاثة أجزاء كبار ومنهم الحجاج بن محمد عن ابن جريج، روى جزءًا وهو صحيح متفق عليه. ولأجل هذا الاختلاف بين الطرق المأثورة عن ابن عباس فقد افترق المفسرون تجاه تفسيره إلى ثلاث فرق (¬1): الأولى: أخذت بكل ما روي عنه، فوقعوا في كثير من المرويات الضعيفة والموضوعة، وعلى رأس القائمة في هذا الاتجاه: الثعلبي والمؤلف، وتبعهم على ذلك من اعتمد على تفاسيرهم وأكثر النقل عنهم. والثانية: اقتصروا على رواية الصحيح دون غيره، لكنهم لم يرووا عنه إلا القليل، ومن أبرز هؤلاء: الشيخان: البخاري ومسلم في صحيحهما. والثالثة: تجنبوا الأحاديث الموضوعة؛ لشهرة رواتها من الكذابين، ولكنهم خلطوا بين الروايات الصحيحة والضعيفة، وهؤلاء هم أكثر المفسرين الذين اهتموا بنقل تفسير الصحابة والتابعين، كالإمام ابن جرير ¬
وابن أبي حاتم (¬1)، وكذلك الذين رووا بعض تفسير ابن عباس من علماء السنة: كعبد الرزاق الصنعاني (¬2)، والإمام أحمد، والترمذي، والحاكم، والبيهقي (¬3). ¬
11 - ثانيا: تفسير مقاتل بن سليمان (ت 150) هـ
قال الدكتور الحميدي: وقد نقل كثير من المفسرين المتأخرين هذِه الروايات من غير تمييز بينها، وأحياناً ينقلونها بغير إسناد، إلا أن بعضهم يبين ضعف الروايات أحياناً، إذا كان الموضوع مهماً، كآيات العقائد والأحكام، كالحافظ ابن كثير (¬1) (¬2). 11 - ثانيًا: تفسير مقاتل بن سليمان (ت 150) هـ: اعتمد المؤلف طريق مقاتل بن سليمان الأزدي الخراساني (¬3)، وهو المفسر الذي ينسب إلى الشافعي أنه قال فيه: "إن الناس عيال عليه في ¬
التفسير" (¬1) ومع ذلك فقد ضعفوه، وقالوا: إنه يروي عن مجاهد وعن الضحاك ولم يسمع منهما. وقد كذبه غير واحد، ولم يوثقه أحد، واشتهر عنه التجسيم والتشبيه (¬2)، وتكلم عنه السيوطي فقال: "إن الكلبي يفضل عليه، لما في مقاتل من المذاهب الرديئة" (¬3). وقد سئل وكيع عن تفسير مقاتل؟ فقال: "لا تنظروا فيه"، فقال السائل: ما أصنع به؟ قال: ادفنه -يعني التفسير (¬4) -، وقال أحمد بن حنبل: لا يعجبني أن أروي عن مقاتل بن سليمان شيئًا (¬5). وبالجملة فإن من استحسن تفسير مقاتل كان يضعفه ويقول "ما أحسن تفسيره لو كان ثقة" (¬6). ولاعتماد المؤلف هذا الطريق تردد اسم مقاتل كثيرًا في البسيط مما يدل على أنه من مصادره الرئيسة التي أفاد منها، وأغلب نقولاته عنه كانت مع العزو؛ تارة بنصه وتارة بالمعنى والتصرف في العبارة، ويبدو أن الواحدي نقل عن مقاتل بواسطة شيخه الثعلبي؛ تبيَّن ذلك بأمرين: 1 - اختلاف عبارة الواحدي المنسوبة لمقاتل عن تفسير مقاتل وتطابقها مع عبارة الثعلبي. 2 - عدم وجود القول أحيانًا في تفسير مقاتل ووروده بنصه في تفسير ¬
الثعلبي منسوبًا لمقاتل. وقد يصعب ضرب الأمثلة؛ لكثرة استشهاده بآراء مقاتل. وهناك مشكلة يجدر الإشارة إليها، وهي الالتباس بين مقاتل بن سليمان ومقاتل بن حيان في التفسير، وذلك عند إطلاق الواحدي اسم مقاتل دون تحديد من هو؟ ومع أنه من خلال الاستقراء ظهر أنه يقصد عند الإطلاق مقاتل بن سليمان، إلا أنه يقصد به أحيانًا ابن حيان، وما أدري لعل بعض النصوص التي ذكرت أنها وردت في تفسير مقاتل بمعناه أن تكون قد وردت في تفسير مقاتل بن حيان بنصه، ولم أستطع التحقق من ذلك؛ لأن تفسيره مفقود -حسب علمي- وكذلك ما يرد في تفسير الثعلبي ولا يكون في تفسير مقاتل بن سليمان فلعله يكون من تفسير مقاتل بن حيان وأبهمه الثعلبي، خاصة وأن تفسيره من مصادر الثعلبي -كما ذكر في مقدمته- ومن أمثلة ذلك: عند قوله تعالى: {وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [إبراهيم: 36] أطلق اسم مقاتل وهو ابن حيان، فقال: وقال مقاتل: ومن عصاني فيما دون الشرك فإنك غفور رحيم. فمقاتل هنا هو ابن حيان، حيث وردت هذه العبارة بنصها منسوبة إليه في: "تفسير الثعلبي" (7/ 156ب)، و"البغوي" 3/ 37، و"ابن الجوزي" 5/ 365 أما في تفسير مقاتل بن سليمان (1/ 194 أ) فعبارته، قال: ومن عصاني فكفر فإنك غفور رحيم. ومثله عند قوله تعالى ميه {وءاتَينَهُ فِى الدُّنيَا حَسَنَةً} [النحل: 122] قال: وقال مقاتل: يعني الصلوات عليه مقرونًا بالصلاة على محمد - صلى الله عليه وسلم -؛ وهو قول المتشهد: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم، فهلذا الخبر نسب إلى مقاتل بن حيان في تفسير البغوي وابن
ثانيا: تفسير الطبري
الجوزي، ولم أجده في تفسير مقاتل بن سليمان. وعند قوله تعالى: {وَرَزَقْنَهُم مِّنَ الطَّيِّباتِ} [الإسراء: 70] قال: وقال مقاتل: السمن والزُّبد والحلاوي، وجعل رزق غيرهم ما لا يخفى عليكم، وهذا القول بنصه في تفسير الثعلبي (7/ 144 أ) ولم يرد في تفسير مقاتل بن سليمان، فلعله من تفسير مقاتل بن حبان. ثانيًا: تفسير الطبري (¬1) أو جامع البيان عن تأويل آي القرآن، لأبى جعفر محمد بن جرير الطبري (224) (¬2). التعريف بهذا التفسير وطريقة مؤلفه فيه: يعد تفسير ابن جرير من أقوم التفاسير وأشهرها، كما يعتبر المرجع ¬
الأول عند المفسرين الذين عنوا بالتفسير النقلي، وإن كان في الوقت نفسه يعتبر مرجعًا غير قليل الأهمية من مراجع التفسير العقلي؛ نظرًا لما فيه من الاستنباط، وتوجيه الأقوال، وترجيح بعضها على بعض ترجيحًا يعتمد على النظر العقلي، والبحث الحر الدقيق. ويقع تفسير ابن جرير في ثلاثين جزءًا من الحجم الكبير، وقد كان هذا الكتاب من عهد قريب يعد مفقودًا لا وجود له، ثم قدر الله له الظهور والتداول، فكانت مفاجأة سارة للأوساط العلمية في الشرق والغرب أن وجدت في حيازة أمير (حائل) الأمير حمود ابن الأمير عبد الرشيد من أمراء نجد نسخة مخطوطة كاملة من هذا الكتاب، طبع عليها الكتاب من زمن قريب، فأصبحت في يدنا دائرة معارف غنية في التفسير المأثور (¬1). ولو أننا تتبعنا ما قاله العلماء في "تفسير ابن جرير"، لوجدنا أن الباحثين في الشرق والغرب قد أجمعوا الحكم على عظيم قيمته، واتفقوا على أنه مرجع لا غني عنه لطالب التفسير، فقد قال السيوطي -رضي الله عنه-: وكتابه - يعني تفسير محمد بن جرير- أجل التفاسير وأعظمها، فإنه يتعرض لتوجيه الأقوال، وترجيح بعضها على بعض، والإعراب، والاستنباط، فهو يفوق بذلك على تفاسير الأقدمين (¬2). وقال النووي: أجمعت الأمة على أنه لم يصنف مثل تفسير الطبري (¬3) وقال أبو حامد الإسفراييني: لو سافر رجل إلى الصين حت يحصل على كتاب تفسير محمد بن جرير لم يكن ذلك كثيرًا (¬4). ¬
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأما التفاسير التي في أيدي الناس، فأصحها تفسير ابن جرير الطبري؛ فإنه يذكر مقالات السلف بالأسانيد الثابتة، وليس فيه بدعة، ولا ينقل عن المتهمين، كمقاتل بن بكير (¬1) والكلبي" (¬2). ويذكر صاحب "لسان الميزان": أن ابن خزيمة استعار تفسير ابن جرير من ابن خالويه فرده بعد سنين ثم قال: "نظرت فيه من أوله إلى آخره فما أعلم على أديم الأرض أعلم من ابن جرير" فابن خزيمة ما شهد هذه الشهادة إلا بعد أن اطلع على ما في هذا التفسير من علم واسع غزير. هذا وقد كتب (نولدكه) في سنة 1860م بعد اطلاعه على بعض فقرات من هذا الكتاب: "لو كان بيدنا هذا الكتاب لاستغنينا به عن كل التفاسير المتأخرة، ومع الأسف فقد كان يظهر أنه مفقود تمامًا، وكان مثل "تاريخه الكبير" مرجعًا لا يغيض معينه أخذ عنه المتأخرون معارفهم" (¬3). ويظهر مما بأيدينا من المراجع، أن هذا التفسير كان أوسع مما هو عليه اليوم، ثم اختصره مؤلفه إلى هذا القدر الذي هو عليه الآن، كما أن كتابه في التاريخ ظفر بمثل هذا البسط والاختصار، فابن السبكي يذكر في "طبقاته الكبرى" (¬4) "أن أبا جعفر قال لأصحابه: أتنشطون لتفسير القرآن؟ قالوا: كم يكون قدره؟ فقال: ثلاثون ألف ورقة، فقالوا: هذا ربما تفنى ¬
طريقة ابن جرير في "تفسيره"
الأعمار قبل تمامه، فاختصره في نحو ثلاثة آلاف ورقة، ثم قال: هل تنشطون لتاريخ العالم من آدم إلى وقتنا هذا؟ قالوا: كم قدره؟ فذكر نحوًا مما ذكره في التفسير، فأجابوه بمثل ذلك، فقال إنا لله، ماتت الهمم، فاختصره في نحو ما اختصر التفسير" اهـ. هذا ونستطيع أن نقول إن تفسير ابن جرير هو التفسير الذي له الأولية بين كتب التفسير، أولية زمنية، وأولية من ناحية الفن والصناعة. أما أوليته الزمنية، فلأنه أقدم كتاب في التفسير وصل إلينا، وما سبقه من المحاولات التفسيرية ذهبت بمرور الزمن، ولم يصل إلينا شيء منها، اللهم إلا ما وصل إلينا منها في ثنايا ذلك الكتاب الخالد الذي نحن بصدده. وأما أوليته من ناحية الفن والصناعة؛ فذلك أمر يرجع إلى ما يمتاز به الكتاب من الطريقة البديعة التي سلكها فيه مؤلفه، حتى أخرجه للناس كتابًا له قيمته ومكانته. ونريد أن نعرض هنا لطريقة ابن جرير في "تفسيره" بعد أن أخذنا فكرة عامة عن الكتاب، حتى يتبين للقارئ أن الكتاب واحد في بابه، سبق به مؤلفه غيره من المفسرين، فكان عمدة المتأخرين، ومرجعًا مهمًّا من مراجع المفسرين، على اختلاف مذاهبهم، وتعدد طرائقهم، فنقول: طريقة ابن جرير في "تفسيره": تتجلى طريقة ابن جرير في "تفسيره" بكل وضوح إذا نحن قرأنا فيه وقطعنا في القراءة شوطًا بعيدًا، فأول ما نشاهده، أنه إذا أراد أن يفسر الآية من القرآن يقول: "القول في تأويل قوله تعالى كذا وكذا" ثم يفسر الآية ويستشهد على ما قاله بما يرويه بسنده إلى الصحابة أو التابعين من التفسير المأثور عنهم في هذه الآية، وإذا كان في الآية قولان أو أكثر، فإنه يعرض
إنكاره على من يفسر بمجرد الرأي
لكل ما قيل فيها، ويستشهد على كل قول بما يرويه في ذلك عن الصحابة أو التابعين. ثم هو لا يقتصر على مجرد الرواية، بل نجده يتعرض لتوجيه الأقوال، ويرجح بعضها على بعض، كما نجده يتعرض لناحية الإعراب إن دعت الحال إلى ذلك، كما أنه يستنبط الأحكام التي يمكن أن تؤخذ من الآية، مع توجيه الأدلة وترجيح ما يختار. إنكاره على من يفسر بمجرد الرأي: ثم هو يخاصم بقوة أصحاب الرأي المستقلين في التفكير، ولا يزال يشدد في ضرورة الرجوع إلى العلم الراجع إلى الصحابة أو التابعين، والمنقول عنهم نقلاً صحيحًا مستفيضًا، ويرى أن ذلك وحده هو علامة التفسير الصحيح، فمثلاً عند ما تكلم عن قوله تعالى في الآية (49) من سورة يوسف: {ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ} نجده يذكر ما ورد في تفسيرها عن السلف مع توجيهه للأقوال وتعرضه للقراءات بقدر ما يحتاج إليه تفسير الآية، ثم يعرج بعد ذلك على من يفسر القرآن برأيه، وبدون اعتماد منه على شيء إلا على مجرد اللغة، فيفند قوله، ويبطل رأيه، فيقول ما نصه " ... وكان بعض من لا علم له بأقوال السلف من أهل التأويل، ممن يفسر القرآن برأيه على مذهب كلام العرب، يوجه معنى قوله {وَفِيهِ يَعصِرُونَ} إلى: وفيه ينجون من الجدب والقحط بالغيث، ويزعم أنه من العصر، والعصر التي بمعنى المنجاة، من قول أبي زبيد الطائي: صاديًا يستغيث غير مغاث ... ولقد كان عصرة المنجود أي: المقهور، ومن قول لبيد: فبات وأسرى القوم آخر ليلهم ... وما كان وقافًا بغير معصر
وذلك تأويل يكفي من الشهادة على خطئه خلافه قول جميع أهل العلم من الصحابة والتابعين (¬1). وكثيرًا ما يقف ابن جرير مثل هذا الموقف حيال ما يروي عن مجاهد أو الضحاك أو غيرهما ممن يروون عن ابن عباس. فمثلاً عند قوله تعالى في الآية (65) من سورة البقرة: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ} يقول ما نصه: حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ} قال: "مسخت قلوبهم ولم يمسخوا قردة، وإنما هو مثل ضربه الله لهم، كمثل الحمار يحمل أسفارًا" اهـ، ثم يعقب ابن جرير بعد ذلك على قول مجاهد فيقول ما نصه: "وهذا القول الذي قاله مجاهد، قول لظاهر ما دل عليه كتاب الله مخالف ... " إلخ (¬2). ومثلاً عند تفسيره لقوله تعالى في الآية (229) من سورة البقرة أيضًا: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} تجده يروي عن الضحاك في معنى هذه الآية: أن من طلق لغير العدة فقد اعتدى وظلم نفسه، ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون، ثم يقول: وهذا الذي ذكر عن الضحاك لا معنى له في هذا الموضع؛ لأنه لم يجر للطلاق في العدة ذكر فيقال تلك حدود الله، وإنما جرى ذكر العدد الذي يكون للمطلق فيه الرجعة والذي لا يكون له فيه الرجعة، دون ذكر البيان عن الطلاق للعدة. اهـ (¬3). ¬
موقفه من الأسانيد
وهكذا نجد ابن جرير في غير موضع من تفسيره، ينبري للرد على مثل هذِه الآراء التي لا تستند إلا على مجرد الرأي أو محض اللغة. موقفه من الأسانيد: ثم إن ابن جرير وإن التزم في تفسيره ذكر الروايات بأسانيدها، إلا أنه في الأعم الأغلب لا يتعقب الأسانيد بتصحيح ولا تضعيف؛ لأنه كان يرى كما هو مقرر في أصول الحديث أن من أسند لك فقد حملك البحث عن رجال السند ومعرفة مبلغهم من العدالة أو الجرح، فهو بعمله هذا قد خرج من العهدة ومع ذلك فابن جرير يقف من السند أحيانًا موقف الناقد البصير، فيعدل من يعدل من رجال الإسناد، ويجرح من يجرح منهم، ويرد الرواية التي لا يثق بصحتها، ويصرح برأيه فيها بما يناسبها، فمثلاً نجده عند تفسيره لقوله تعالى في الآية (94) من سورة الكهف: {قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا} [الكهف: 94] يقول ما نصه: "روى عن عكرمة في ذلك -يعني في ضم سين سدًا وفتحها- ما حدثنا به أحمد بن يوسف، قال: حدثنا القاسم، قال: حدثنا حجاج، عن هارون، عن أيوب، عن عكرمة قال: ما كان من صنعة بني آدم فهو السَّد، وما كان من صنع الله فهو السُّد. ثم يعقب على هذا السند فيقول: "وأما ما ذكر عن عكرمة في ذلك، فإن الذي نقل ذلك عن أيوب هارون، وفي نقله نظر، ولا نعرف ذلك عن أيوب من رواية ثقات أصحابه". اهـ (¬1). ¬
تقديره للإجماع
تقديره للإجماع: كذلك نجد ابن جرير في تفسيره يقدر إجماع الأمة، ويعطيه سلطانًا كبيرًا في اختيار ما يذهب إليه من التفسير، فمثلاً عند قوله تعالى في الآية (230) من سورة البقرة {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} يقول ما نصه: "فإن قال قائل: فأي النكاحين عنى الله بقوله: (فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجًا غيره)؟ النكاح الذي هو جماع؟ أم النكاح الذي هو عقد تزويج؟ قيل كلاهما: "وذلك أن المرأة إذا نكحت زوجًا نكاح تزويج ثم لم يطأها في ذلك النكاح ناكحها ولم يجامعها حتى يطلقها لم تحل للأول، وكذلك إن وطئها واطئ بغير نكاح لم تحل للأول؛ لإجماع الأمة جميعًا، فإذا كان ذلك كذلك فمعلوم أن تأويل قوله: فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجًا غيره، نكاحًا صحيحًا، ثم يجامعها فيه، ثم يطلقها، فإن قال: فإن ذكر الجماع غير موجود في كتاب الله تعالى ذكره، فما الدلالة على أن معناه ما قلت؟ قيل: الدلالة على ذلك إجماع الأمة جميعًا على أن ذلك معناه" (¬1). موقفه من القراءات: كذلك نجد ابن جرير يعنى بذكر القراءات وينزلها على المعاني المختلفة، وكثيرًا ما يرد القراءات التي لا تعتمد على الأئمة الذين يعتبرون عنده وعند علماء القراءات حجة، والتي تقوم على أصول مضطربة مما يكون فيه تغيير وتبديل لكتاب الله، ثم يتبع ذلك برأيه في آخر الأمر مع ¬
موقفه من الإسرائيليات
توجيه رأيه بالأسباب، فمثلاً عند قوله تعالى في الآية (81) من سورة الأنبياء {وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً} يذكر أن عامة قراء الأمصار قرؤوا (الريح) بالنصب على أنها مفعول لسخرنا المحذوف، وأن عبد الرحمن الأعرج قرأ (الريح) بالرفع على أنها مبتدأ ثم يقول: والقراءة التي لا أستجيز القراءة بغيرها في ذلك ما عليه قراء الأمصار لإجماع الحجة من القراء عليه. ولقد يرجع السبب في عناية ابن جرير بالقراءات وتوجيهها إلى أنه كان من علماء القراءات المشهورين، حتا إنهم ليقولون عنه: إنه ألف فيها مؤلفًا خاصًا في ثمانية عشر مجلدًا، ذكر فيه جميع القراءات من المشهور والشواذ وعلل ذلك وشرحه، واختار منها قراءة لم يخرج بها عن المشهور (¬1)، وإن كان هذا الكتاب قد ضاع بمرور الزمن ولم يصل إلى أيدينا، شأن الكثير من مؤلفاته. موقفه من الإسرائيليات: ثم إننا نجد ابن جرير يأتي في تفسيره بأخبار مأخوذة من القصص الإسرائيلي، يرويها بإسناده إلى كعب الأحبار، ووهب بن منبه، وابن جريج والسدي، وغيرهم، ونراه ينقل عن محمد بن إسحاق كثيرًا مما رواه عن مسلمة النصارى. ومن الأسانيد التي تسترعي النظر هذا الإسناد: حدثني ابن حميد قال: حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن أبي عتاب ... رجل من تغلب كان نصرانيًا عمرًا من دهره ثم أسلم بعد فقرأ القرآن وفقه في الدين، وكان فيما ذكر، أنه كان نصرانيًا أربعين سنة ثم عمِّر في الإسلام أربعين سنة. يذكر ابن جرير هذا الإسناد، ويروي لهذا الرجل النصراني الأصل ¬
انصرافه عما لا فائدة فيه
خبرًا عن آخر أنبياء بن إسرائيل، عند تفسيره لقوله تعالى في الآية (7) من سورة الإسراء {إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (7)} [الإسراء: 7] (¬1). كما نراه عند تفسيره لقوله تعالى في الآية (94) من سورة الكهف {قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ} الآية يسوق هذا الإسناد: حدثنا ابن حميد قال: حدثنا سلمة قال: حدثنا محمد بن إسحاق قال: حدثني بعض من يسوق أحاديث الأعاجم من أهل الكتاب ممن قد أسلم، مما توارثوا من علم ذي القرنين أن ذا القرنين كان رجلاً من أهل مصر، اسمه مرزبا بن مردبة اليوناني من ولد يونن بن يافث بن نوح ... إلخ (¬2). وهكذا يكثر ابن جرير من رواية الإسرائيليات، ولعل هذا راجع الى ما تأثر به من الروايات التاريخية التي عالجها في بحوثه التاريخية الواسعة. وإذا كان ابن جرير يتعقب كثيرًا من هذِه الروايات بالنقد، فتفسيره لا يزال يحتاج إلى النقد الفاحص الشامل، احتياج كثير من كتب التفسير التي اشتملت على الموضوع والقصص الإسرائيلي، على أن ابن جرير -كما قدمنا- قد ذكر لنا السند بتمامه في كل رواية يرويها، وبذلك يكون قد خرج من العهدة، وعلينا نحن أن ننظر في السند ونتفقد الروايات. انصرافه عما لا فائدة فيه: ومما يلفت النظر في تفسير ابن جرير أن مؤلفه لا يهتم فيه -كما يهتم ¬
غيره من المفسرين- بالأمور التي لا تعني ولا تقيد، فنراه مثلاً عند تفسيره لقوله تعالى في سورة المائدة: {إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ} الآيات [المائدة: 112، 113، 114] إلى قوله: {وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} يعرض لذكر ما ورد من الروايات في نوع الطعام الذي نزلت به مائدة السماء .. ثم يعقب على هذا بقوله "وأما الصواب من القول فيما كان على المائدة فأن يقال: كان عليها مأكول، وجائز أن يكون سمكًا وخبزًا، وجائز أن يكون ثمرًا من الجنة، وغير نافع العلم به، ولا ضار الجهل به وإذا أقرّ تالي الآية بظاهر ما احتمله التنزيل" اهـ (¬1). كما نراه عند تفسير قوله تعالى في الآية (20) من سورة يوسف {وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ}، يعرض لمحاولات قدماء المفسرين في تحديد عدد الدراهم، هل هي عشرون؟ أو اثنان وعشرون؟ أو أربعون؟ ... إلى آخر ما ذكره من الروايات ... ثم يعقب على ذلك كله بقوله: "والصواب من القول أن يقال: إن الله -تعالى ذكره- أخبر أنهم باعوه بدراهم معدودة غير موزونة، ولم يحدد مبلغ ذلك بوزن ولا عدد، ولا وضع عليه دلالة في كتاب ولا خبر من الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وقد يحتمل أن يكون كان اثنين وعشرين، وأن يكون كان أربعين، وأقل من ذلك وأكثر وأي ذلك كان فإنها كانت معدودة غير موزونة، وليس في العلم بمبلغ وزن ذلك فائدة تقع في دين، ولا في الجهل به دخول ضُرّ فيه، والإيمان بظاهر التنزيل فرض، وما عداه فموضوع عنا تكلف علمه" (¬2) اهـ. ¬
احتكامه إلى المعروف من كلام العرب
احتكامه إلى المعروف من كلام العرب: وثمة أمر آخر سلكه ابن جرير في كتابه، ذلك أنه اعتبر الاستعمالات اللغوية بجانب النقول المأثورة وجعلها مرجعًا موثوقًا به عند تفسيره للعبارات المشكوك فيها، وترجيح بعض الأقوال على بعض. فمثلاً عند تفسيره لقوله تعال في الآية (40) من سورة هود {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ} [هود: 40] الآية نراه يعرض لذكر الروايات عن السلف في معنى لفظ التنور، فيروي لنا قول من قال: إن التنور عبارة عن وجه الأرض، وقول من قال: إنه عبارة عن تنوير الصبح، وقول من قال إنه عبارة عن أعلى الأرض وأشرفها، وقول من قال: إنه عبارة عما يختبز فيه ... ثم يقول بعد أن يفرغ من هذا كله "وأولى هذه الأقوال عندنا بتأويل قوله {اَلتَنُّوُر} قول من قال: التنور: الذي يختبز فيه، لأن ذلك هو المعروف من كلام العرب، وكلام الله لا يوجه إلا إلى الأغلب الأشهر من معانيه عند العرب، إلى أن تقوم حجة على شيء منه بخلاف ذلك فيسلم لها، وذلك أنه جل ثناؤه إنما خاطبهم بما خاطبهم به لإفهامهم معنى ما خاطبهم به .. " اهـ (¬1). رجوعه إلى الشعر القديم: كذلك نجد ابن جرير يرجع إلى شواهد من الشعر القديم بشكل واسع، متبعًا في هذا ما أثاره ابن عباس في ذلك، فمثلاً عند تفسيره لقوله تعالى في الآية (22) من سورة البقرة {فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا} يقول ما ¬
اهتمامه بالمذاهب النحوية
نصه: قال أبو جعفر: والأنداد جمع ند، والند: العدل والمثل، كما قال حسان ابن ثابت: أتهجوه ولست له بند ... فشركما لخيركما الفداء يعني بقوله: (ولست له بند) لست له بمثل ولا عدل، وكل شيء كان نظيرًا لشيء وشبيهًا فهو له ند" (¬1) ثم يسوق الروايات عمن قال ذلك من السلف ... اهتمامه بالمذاهب النحوية: كذلك نجد ابن جرير يتعرض كثيرًا لمذاهب النحويين من البصريين والكوفيين في النحو والصرف، ويوجه الأقوال، تارة على المذهب البصري وأخرى على المذهب الكوفي، فمثلاً عند قوله تعالى في الآية (18) من سورة إبراهيم {مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ} يقول ما نصه "اختلف أهل العربية في رافع (مَّثَلُ) فقال بعض نحوي البصرة: إنما هو كأنه قال: ومما نقص عليكم مثل الذين كفروا، ثم أقبل يفسره كما قال: مثل الجنة .. وهذا كثير. وقال بعض نحوي الكوفيين: إنما المثل للأعمال، ولكن العرب تقدم الأسماء لأنها أعرف، ثم تأتي بالخبر الذي تخبر عنه مع صاحبه، ومعنى الكلام: مثل أعمال الذين كفروا بربهم كرماد ... إلخ (¬2). وهكذا يكثر ابن جرير في مناسبات متعددة من الاحتكام إلى ما هو معروف من لغة العرب، ومن الرجوع إلى الشعر القديم ليستشهد به على ما ¬
معالجته للأحكام الفقهية
يقول، ومن التعرض للمذاهب النحوية عندما تمس الحاجة، مما جعل الكتاب يحتوي على جملة كبيرة من المعالجات اللغوية والنحوية التي أكسبت الكتاب شهرة عظيمة. والحق أن ما قدمه لنا ابن جرير في تفسيره من البحوث اللغوية المتعددة والتي تعتبر كنزًا ثمينًا ومرجعًا مهمًا في بابها، أمر يرجع إلى ما كان عليه صاحبنا من المعرفة الواسعة بعلوم اللغة وأشعار العرب، معرفة لا تقل عن معرفته بالدين والتاريخ. ونرى أن ننبه هنا إلى أن هذه البحوث اللغوية التي عالجها ابن جرير في تفسيره لم تكن أمرًا مقصودًا لذاته، وإنما كانت وسيلة للتفسير، على معنى أنه يتوصل بذلك إلى ترجيح بعض الأقوال على بعض، كما يحاول بذلك -أحيانًا- أن يوفق بين ما صح عن السلف وبين المعارف اللغوية بحيث يزيل ما يتوهم من التناقض بينهما. معالجته للأحكام الفقهية: كذلك نجد في هذا التفسير آثارًا للأحكام الفقهية، يعالج فيها ابن جرير أقوال العلماء ومذاهبهم، ويخلص من ذلك كله برأي يختاره لنفسه، ويرجحه بالأدلة العلمية القيمة، فمثلاً نجده عند تفسيره لقوله تعالى في الآية (8) من سورة النحل: {وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} نجده يعرض لأقوال العلماء في حكم أكل لحوم الخيل والبغال والحمير، ويذكر قول كل قائل بسنده .. وأخيرًا يختار قول من قال: إن الآية لا تدل على حرمة شيء من ذلك، ووجه اختياره هذا فقال ما نصه: "والصواب من القول في ذلك عندنا ما قاله أهل القول الثاني -وهو أن الآية لا تدل على الحرمة- وذلك أنه لو كان في قوله تعالى ذكره: (لِتَرْكَبُوهَا) دلالة على أنها لا تصلح -إذ كانت للركوب- للأكل. لكان في قوله: {فِيهَا
خوضه في مسائل الكلام
دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} [النحل: 5] دلالة على أنها لا تصلح -إذ كانت للأكل والدفء- للركوب. وفي إجماع الجميع على أن ركوب ما قال تعالى ذكره {وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} جائز حلال غير حرام، دليل واضح على أن أكل ما قال (لِتَرْكَبُوهَا) جائز حلال غير حرام. إلا بما نص على تحريمه، أو وضع على تحريمه دلالة من كتاب أو وحي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأما بهذه الآية فلا يحرم أكل شيء، وقد وضع الدلالة على تحريم لحوم الحمر الأهلية بوحيه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وعلى البغال بما قد بينا في كتابنا كتاب "الأطعمة" بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع؛ إذ لم يكن هذا الموضع من مواضع البيان عن تحريم ذلك، وإنما ذكرنا ما ذكرنا ليدل على أن لا وجه لقول من استدل بهذه الآية على تحريم لحم الفرس" اهـ (¬1). خوضه في مسائل الكلام: ولا يفوتنا أن ننبه على ما نلحظه في هذا التفسير الكبير، من تعرض صاحبه لبعض النواحي الكلامية عند كثير من آيات القرآن، مما يشهد له بأنه كان عالمًا ممتازًا في أمور العقيدة، فهو إذا ما طبق أصول العقائد على ما يتفق مع الآية أفاد في تطبيقه. وإذا ناقش بعض الآراء الكلامية أجاد في مناقشته. وهو في جدله الكلامي وتطبيقه ومناقشته موافق لأهل السنة في آرائهم، ويظهر ذلك جليًا في رده على القدرية في مسألة الاختيار. فمثلا عند تفسيره لقوله تعالى في آخر سورة الفاتحة آية (7) {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} نراه يقول ما نصه: "وقد ظن بعض أهل ¬
الغباء من القدرية أن في وصف الله جل ثناؤه النصارى بالضلال بقوله {وَلَا الضَّالِّينَ} وإضافة الضلال إليهم دون إضافة إضلالهم إلى نفسه، وتركه وصفهم بأنهم المضللون كالذي وصف به اليهود أنهم مغضوب عليهم، دلالة على صحة ما قاله إخوانه من جهلة القدرية، جهلاً منه بسعة كلام العرب وتصاريف وجوهه. ولو كان الأمر على ما ظنه الغبي الذي وصفنا شأنه، لوجب أن يكون كل موصوف بصفة أو مضاف إليه فعل لا يجوز أن يكون فيه سبب لغيره، وأن يكون كل ما كان فيه من ذلك لغيره سبب فالحق فيه أن يكون مضافًا إلى مسبّبه. ولو وجب ذلك بإضافة الجري إلى الفلك، ولوجب أن يكون خطأ قول القائل: تحركت الشجرة إذا حركتها الرياح، واضطربت الأرض إذا حركتها الزلزلة، وما أشبه ذلك من الكلام الذي يطول بإحصائه الكتاب. وفي قوله جل ثناؤه: {حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ} {يونس: 22} ان كان جريها بإجراء غيرِها إياها، ما يدل على خطأ التأويل الذي تأوله من وصفنا قوله في قوله: {وَلَا الضَّالِّينَ}، وادعائه أن في نسبة الله جل ثناؤه الضلالة إلى من نسبها إليه من النصارى تصحيحًا لما ادعى المنكرون أن يكون لله جل ثناؤه في أفعال خلقه سبب من أجلها وجدت أفعالهم، مع إبانة الله عز ذكره نصًّا في آي كثيرة من تنزيله: أنه المضل الهادي، فمن ذلك قوله جل ثناؤه {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} [الجاثية: 23] فأنبأ جل ذكره أنه المضل الهادي دون غيره، ولكن القرآن نزل بلسان العرب على ما قدمنا البيان عنه في أول الكتاب، ومن شأن العرب إضافة الفعل إلى من وجد منه وإن كان مسبّبه غير الذي وجد منه أحيانًا وأحيانًا إلى مسببه، وإن كان الذي وجد منه الفعل غيره، فكيف بالفعل الذي يكتسبه العبد كسبًا، ويوجده الله جل ثناؤه عينًا منشأة، بل ذلك أحرى أن
يضاف إلى مكتسبه كسبًا له بالقوة منه عليه، والاختيار منه له، وإلى الله جل ثناؤه بإيجاد عينه وإنشائها تدبيرًا" (¬1). وكثيرًا ما نجد ابن جرير يتصدى للرد على المعتزلة في كثير من آرائهم الاعتقادية، فنراه مثلاً يجادلهم مجادلة حادة في تفسيرهم العقلي التنزيهي للآيات التي تثبت رؤية الله عند أهل السنة، كما نراه يذهب إلى ما ذهب إليه السلف من عدم صرف آيات الصفات عن ظاهرها مع المعارضة لفكرة التجسيم والتشبيه، والرد على أولئك الذين يشبهون الله بالإنسان (¬2). وهكذا نجد ابن جرير لم يقف موقفًا بعيدًا عن مسائل النزاع التي تدور حول العقيدة في عصره، بل نراه يشارك في هذا المجال من الجدل الكلامي بنصيب لا يستهان به، مع حرصه كل الحرص على أن يحتفظ بسنيته ضد وجوه النظر التي لا تتفق وتعاليم أهل السنة. وبعد .. فإن ما جمعه ابن جرير في كتابه من أقوال المفسرين الذي تقدموا عليه وما نقله لنا عن مدرسة ابن عباس، ومدرسة ابن مسعود ومدرسة علي بن أبي طالب ومدرسة أبي بن كعب، وما استفاده مما جمعه ابن جريج والسدي وابن إسحاق وغيرهم من التفاسير جعلت هذا الكتاب أعظم الكتب المؤلفة في التفسير بالمأثور، كما أن ما جاء في الكتاب من إعراب وتوجيهات لغوية واستنباطات في نواح متعددة وترجيح لبعض ¬
الأقوال على بعض، كان نقطة التحول في التفسير، ونواة لما وجد بعد من التفسير بالرأي كما كان مظهرًا من مظاهر الروح العلمية السائدة في هذا العصر الذي يعيش فيه ابن جرير. والحق أن شخصية ابن جرير الأدبية والعلمية جعلت تفسيره مرجعًا مهمًّا من مراجع التفسير بالرواية، فترجيحاته المختلفة تقوم على نظرات أدبية ولغوية وعلمية قيمة فوق ما جمع فيه من الروايات الأثرية المتكاثرة. وعلى الإجمال فخير ما وصف به هذا الكتاب ما نقله الداودي عن أبي محمد عبد الله بن أحمد الفرغاني في "تاريخه" حيث قال: "فتم من كتبه -يعني محمد بن جرير- كتاب تفسير القرآن، وجوده، وبين فيه أحكامه، وناسخه ومنسوخه، ومشكله وغريبه، ومعانيه، واختلاف أهل التأويل والعلماء في أحكامه وتأويله، والصحيح لديه من ذلك، وإعراب حروفه، والكلام على الملحدين فيه، والقصص، وأخبار الأمة والقيامة، وغير ذلك مما حواه من الحكم والعجائب كلمة كلمة، وآية آية، من الاستعاذة، وإلى أبي جاد، فلو ادعى عالم أن يصنف منه عشرة كتب كل كتاب منها يحتوي على علم مفرد وعجيب مستفيض لفعل اهـ (¬1). هذا وقد جاء في "معجم الأدباء" جـ 18 ص 64 - 65 وصف مسهب لتفسير ابن جرير، جاء في آخره ما نصه " ... وذكر فيه من كتب التفاسير المصنفة عن ابن عباس خمسة طرق، وعن سعيد بن جبير طريقين، وعن مجاهد بن جبر ثلاثة طرق، وعن الحسن البصري ثلاثة طرق، وعن عكرمة ثلاثة طرق وعن الضحاك بن مزاحم طريقين، وعن عبد الله بن مسعود ¬
طريقًا، وتفسير عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وتفسير ابن جريج، وتفسير مقاتل بن حيان، سوى ما فيه من مشهور الحديث عن المفسرين وغيرهم، وفيه من المسند حسب حاجته إليه، ولم يتعرض لتفسير غير موثوق به، فإنه لم يدخل في كتابه شيئًا عن كتاب محمد بن السائب الكلبي، ولا مقاتل بن سليمان، ولا محمد بن عمر الواقدي؛ لأنهم عنده أظناء والله أعلم. وكان إذا رجع إلى التاريخ والسير وأخبار العرب حكى عن محمد بن السائب الكلبي، وعن ابنه هشام، وعن محمد بن عمر الواقدي، وغيرهم فيما يفتقر إليه ولا يؤخذ إلى عنهم وذكر فيه مجموع الكلام والمعاني من كتاب علي بن حمزة الكسائي، ومن كتاب يحيى بن زياد الفراء، ومن كتاب أبي الحسن الأخفش، كتاب أبي علي قطرب؛ وغيرهم مما يقتضيه الكلام عند حاجته إليه، إذ كان هؤلاء هم المتكلمون في المعاني، وعنهم يؤخذ معانيه وإعرابه، وربما لم يسمهم إذا ذكر شيئًا من كلامهم، وهذا كتاب يشتمل على عشرة آلاف ورقة أو دونها حسب سعة الخط أو ضيقه. اهـ. كما نجد في "معجم الأدباء" أيضا قبل ذلك بقليل، ما يدل على أن الطبري أتم تفسيره هذا في سبع سنوات، إملاء على أصحابه، فقد جاء في الجزء18 ص 42 عن أبي بكر بن بالويه أنه قال "قال لي أبو بكر محمد بن إسحاق -يعني بن خزيمة: بلغني أنك كتبت التفسير عن محمد بن جرير؟ قلت: نعم، كتبنا التفسير عنه إملاءً، قال: كله؟ قلت: نعم، قال: في أي سنه؟ قلت: من سنة ثلاث وثمانين إلى سنة تسعين ... إلخ". وبعد فأحسب أني قد أفضت في الكلام عن هذا التفسير، وتوسعت في الحديث عنه، وأقول: إن السرَّ في ذلك هو أن الكتاب يعتبر المرجع الأول والأهم للتفسير بالمأثور، وتلك ميزة لا نعرفها لغيره من كتب التفسير
بالرواية (¬1). لذلك ذاعت شهرة تفسير ابن جرير في الآفاق وأصبح مضرب المثل في غزارة المادة واستقامة المنهج قال السيوطي في "الإتقان" بعد أن ساق أسماء جماعة من المفسرين بالمأثور قبل الطبري: وبعدهم ابن جرير الطبري، وكتابه أجل التفاسير وأعظمها .... إلخ. ثم قال: فإن قلت: فأي التفاسير ترشد إليه، وتأمر الناظر أن يعول عليه؟ قلت: تفسير الإمام أبي جعفر بن جرير الطبري، الذي أجمع العلماء المعتبرون على أنه لم يؤلف مثله. قال النووي في "تهذيبه": كتاب ابن جرير في التفسير لم يصنف أحد مثله (¬2). ولا يزال العلماء ينهلون من هذا التفسير العظيم، وقلما تجد كتاب تفسير يخلو من أقوال ابن جرير الطبري. ولقد استفاد الواحدي في كتابه "البسيط" من ابن جرير ويظهر ذلك من كثرة النقول والآثار عن السلف في التفسير، كما نقل عنه في المسائل اللغوية، والقراءات وغير ذلك، ومما يلحظ أن الواحدي كثيرًا ما يورد أقوال الطبري ويناقشها، ولعل من أسباب ذلك اختلاف المنهج الذي يسلكه الطبري في التفسير عن منهج الواحدي، فبينما يعتمد ابن جرير منهج السلف والاعتماد على الآثار في التفسير، ولا يأخذ بأقوال المتكلمين في باب العقائد، نجد الواحدي بخلاف ذلك، حيث يعتمد التفسير بالرأي ¬
أكثر، ويأخذ بأقوال المتكلمين في باب العقائد. ومن الأمثلة على إفادة الواحدي من الطبري ما ذكره عند تفسير قوله تعالى: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} [الفاتحة: 3] ذكر القراءات في {مَالِكِ} وقال: واحتج محمد بن جرير لهذِه القراءة فقال: إن الله نبه على أنه مالكهم بقوله: {رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 2] فَحَمل قوله: (مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ) على وصف زائد أحسن" (¬1)، ثم قال في موضع آخر: " ... ومن نصر هذه القراءة -يريد القراءة بمالك- أجاب ابن جرير بأن قال: ما ذكرت لا يرجح قراءة (ملك) لأن في التنزيل أشياء على هذه الصورة قد تقدمها العام، وذكر بعده الخاص كقوله: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2)} [العلق: 1 - 2] وقوِله: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} [البقرة: 3] ثم قال: {وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} [البقرة: 4] في أمثال كثيرة لهذا". ومثال آخر للواحدي الناقد الفاحص للأقوال المميز لها، نقل عن ابن جرير في تفسير قوله تعالى: {فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} [البقرة: 10]. قال: وقال ابن جرير: معناه: في اعتقاداتهم مرض، أي: شك وشبه، فاستغنى بذكر القلوب عن ذكر الاعتقادات؛ لأن محلها القلوب كقولهم: "يا خيل الله اركبي". ثم قال الواحدي: "وليس الأمر على ما قال؛ لأن الشك في القلب على الحقيقة فأي فائدة لتقدير الاعتقاد هاهنا، ولأن الشك ينافي الاعتقاد وهم ليسوا معتقدين إذا كانوا شاكين" (¬2). وما نقلناه على سبيل المثال لا على الحصر؛ لأن البسيط مليء ¬
ثالثا: "الكشف والبيان" للثعلبي
بأقوال الطبري سواء كان النقل مباشرة أو عن طريق شيخه. ثالثًا: "الكشف والبيان" (¬1) للثعلبي (¬2): يعتبر "الكشف والبيان" أو "تفسير الثعلبي" من المصادر الرئيسة عند الواحدي، كيف وأن الثعلبي شيخ الواحدي وأخذ عنه التفسير، وذكر الواحدي في مقدمة البسيط في أثناء حديثه عن شيخه العروضي الذي قال له: " ... أما آن لك أن تتفرغ لتفسير كتاب الله العزيز تقرؤه على هذا الرجل الذي يأتيه البعداء من أقاصي البلاد وتتركه أنت على قرب ما ببيننا من الجوار يعنى الأستاذ الإمام "أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي رحمه الله .. " (¬3) ثم يقول: " ... ثم فرغت للأستاذ الإمام أبي إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي -رحمه الله-، وكان حبر العلماء بل بحرهم ونجم الفضلاء بل بدرهم، وزين الأئمة بل فخرهم، وأوحد الأمة بل صدرهم، وله التفسير الملقب بـ"الكشف والبيان عن تفسير القرآن" الذي رفعت به ¬
التعريف بهذا التفسير وطريقة مؤلفه فيه
المطايا في السهل والأوعار وسارت به الفلك في البحار وهب هبوب الرياح في الأقطار: وسار مسير الشمس في كل بلدة ... وهب هبوب الريح في البر والبحر وأصفقت عليه كافة الأمة على اختلاف نحلهم ... " إلى أن قال: " ... وقرأت عليه من مصنفاته أكثر من خمسمائة جزء و"تفسيره الكبير" وكتابه المعنون بـ"الكامل في علم القرآن" وغيرهما (¬1). التعريف بهذا التفسير وطريقة مؤلفه فيه: ألقى مؤلف هذا التفسير ضوءًا عليه في مقدمته، وأوضح فيها عن منهجه وطريقته التي سلكها فيه، فذكر أولاً اختلافه منذ الصغر إلى العلماء، واجتهاده في الاقتباس من علم التفسير الذي هو أساس الدين ورأس العلوم الشرعية، ومواصلته ظلام الليل بضوء الصباح بعزم أكيد وجهد جهيد، حتى رزقه الله ما عرف به الحق من الباطل، والمفضول من الفاضل، والحديث من القديم، والبدعة من السنة، والحجة من الشبهة، وظهر له أن المصنفين في تفسير القرآن فرق على طرق مختلفة: فرقة أهل البدع والأهواء، وعد منهم الجبائي والرماني. وفرقة من ألفوا فأحسنوا، إلى أنهم خلطوا أباطيل المبتدعين بأقاويل السلف الصالحين، وعد منهم أبا بكر القفال. وفرقة اقتصر أصحابها على الرواية والنقل دون الدراية والنقد، وعد منهم أبا يعقوب إسحاق بن إبراهيم الحنظلي. وفرقة حذفت الإسناد الذي هو الركن والعماد، ونقلت من الصحف ¬
والدفاتر، وحررت على هوى الخواطر، وذكرت الغث والسمين؛ والواهي والمتين، قال: وليسوا في عداد العلماء، فصنت الكتاب عن ذكرهم. وفرقة حازوا قصب السبق، في جودة التصنيف والحذق، غير أنهم طولوا في كتبهم بالمعادات؛ وكثرة الطرق والروايات، وعد منهم ابن جرير الطبري. وفرقة جردت التفسير دون الأحكام، وبيان الحلال والحرام، والحل عن الغوامض والمشكلات، والرد على أهل الزيغ والشبهات، كمشايخ السلف الماضين، مثل مجاهد والسدي والكلبي. ثم بين أنه لم يعثر في كتب من تقدمه على كتاب جامع مهذب يعتمد ... ثم ذكر ما كان من رغبة الناس إليه في إخراج كتاب في تفسير القرآن وإجابته لمطلوبهم، رعاية منه لحقوقهم، وتقربًا به إلى الله ... ثم قال: فاستخرت الله تعالى في تصنيف كتاب، شامل، مهذب، ملخص، مفهوم، منظوم، مستخرج من زهاء مائة كتاب مجموعات مسموعات. سوى ما التقطته من التعليقات والأجزاء المتفرقات، وتلقفته عن أقوام من المشايخ الأثبات، وهم قريب من ثلاثمائة شيخ، نسقته بأبلغ ما قدرت عليه من الإيجاز والترتيب. ثم قال: وخرجت فيه الكلام على أربعة عشر نحوًا: البسائط والمقدمات، والعدد والتنزلات، والقصص والنزولات، والوجوه والقراءات، والعلل والاحتجاجات، والعربية واللغات، والإعراب والموازنات، والتفسير والتأويلات، والمعاني والجهات، والغوامض والمشكلات، والأحكام والفقهيات، والحكم والإشارات، والفضائل والكرامات، والأخبار والمتعلقات، أدرجتها في أثناء الكتاب بحذف
الأبواب، وسميته: كتاب "الكشف والبيان عن تفسير القرآن" .. ثم ذكر في أول الكتاب أسانيده إلى من يروي عنهم التفسير من علماء السلف، واكتفى بذلك عن ذكرها أثناء الكتاب، كما ذكر أسانيده إلى مصنفات أهل عصره - وهي كثيرة- وكتب الغريب والمشكل والقراءات، ثم ذكر بابًا في فضل القرآن وأهله، وبابًا في معنى التفسير والتأويل، ثم شرع في التفسير. عثرت على هذا التفسير بمكتبة الأزهر فوجدته مخطوطًا غير كامل، وجدت منه أربع مجلدات ضخام (الأول والثاني والثالث والرابع). والرابع ينتهي عند أواخر سورة الفرقان، وباقي الكتاب مفقود لم أعثر عليه بحال. قرأت في هذا التفسير فوجدته يفسر القرآن بما جاء عن السلف، مع اختصاره للأسانيد، اكتفاء بذكرها في مقدمة الكتاب، ولاحظت عليه أنه يعرض للمسائل النحوية ويخوض فيها بتوسع ظاهر، فمثلاً عند تفسيره لقوله تعالى في الآية (90) من سورة البقرة: {بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} الآية نجده يتوسع في الكلام على نعم وبئس ويفيض في ذلك (¬1). كما أنه يعرض لشرح الكلمات اللغوية وأصولها وتصاريفها، ويستشهد على ما يقول بالشعر العربي، فمثلاً عند تفسيره لقوله تعالى في الآية (171) من سورة البقرة: {وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً} الآية نجده يحلل كلمة {يَنْعِقُ} هو تحليلاً دقيقًا ويصرفها على وجوهها كلها (¬2). ¬
ومثلاً عند تفسيره لقوله تعالى في الآية (173) من السورة نفسها {فَمَنِ اَضطُرَّ غَيرَ باغٍ وَلَا عَادٍ} الآية نجده يحلل لفظ البغي ويتكلم عن أصل المادة بتوسع (¬1): ومما لاحظته على هذا التفسير أنه يتوسع في الكلام عن الأحكام الفقهية عندما يتناول آية من آيات الأحكام، فتراه يذكر الأقوال والخلافات والأدلة ويعرض للمسألة من جميع نواحيها، إلى درجة أنه يخرج عما يراد من الآية، انظر إليه عندما يعرض لقوله تعالى في الآية (11) من سورة النساء {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ} الآية تجده يفيض في الكلام عما يفعل بتركة الميت بعد موته، ثم يذكر جملة الورثة والسهام المحددة، ومن فرضه الربع، ومن فرضه الثمن، والثلثان، والثلث، والسدس ... وهكذا، ثم يعرض لنصيب الجد والجدة والجدات، ثم يقول بعد هذا: فصل في بساط الآية، وفيه يتكلم عن نظام الميراث عند الجاهلية وقبل مبعث الرسول (¬2). وارجع إليه عند تفسيره لقوله تعالى في الآية (24) من سورة النساء {فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً} تجده قد توسع في نكاح المتعة وتعرض لأقوال العلماء، وذكر أدلتهم بتوسع ظاهر (¬3). وارجع إليه عند تفسيره لقوله تعالى في الآية (31) من سورة النساء {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} الآية تجده يقول: " (فصل) في أقاويل أهل التأويل في عدد الكبائر، مجموعة من الكتاب والسنة، مقرونة بالدليل والحجة" .. ثم يسردها جميعًا ويذكر أدلتها ¬
على وجه التفصيل (¬1). وارجع إليه عند تفسيره لقوله تعالى في الآية (43) من سورة النساء {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} الآية تجده يعرض لأقوال السلف في معنى اللمس والملامسة ... ثم يقول: واختلف الفقهاء في حكم الآية على خمسة مذاهب، ويتوسع على الخصوص في بيان مذهب الشافعي ويسرد أدلته، ويذكر تفصيل كيفية الملامسة عنده، كما يعرض لأقوال العلماء في التيمم ومذاهبهم وأدلتهم بتوسع ظاهر عندما يتكلم عن قوله تعالى: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} (¬2). وهكذا يتطرق الكتاب إلى نواح علمية متعددة، في إكثار وتطويل يكاد يخرج به عن دائرة التفسير بالمأثور. ثم إن هناك ناحية أخرى يمتاز بها هذا التفسير، هي التوسع إلى حد كبير في ذكر الإسرائيليات بدون أن يتعقب شيئًا من ذلك أو ينبه على ما فيه رغم استبعاده وغرابته، وقد قرأت فيه قصصًا إسرائيليًا نهاية في الغرابة. ويظهر لنا أن الثعلبي كان مولعًا بالأخبار والقصص الى درجة كبيرة؛ بدليل أنه ألف كتابًا يشتمل على قصص الأنبياء، ولو أنك رجعت إليه عند تفسيره لقوله تعالى في الآية [10]، من سورة الكهف: {إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ} الآية. لوجدته يروي عن السدي ووهب وغيرهما كلامًا طويلًا في أسماء أصحاب الكهف، وعددهم، وسبب خروجهم إليه، ولوجدته يروي ¬
عن كعب الأحبار، ما جرى لهم مع الكلب حين تبعهم إلى الغار، ولعجبت حين تراه يروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - طلب من ربه رؤية أصحاب الكهف فأجابه الله بأنه لن يراهم في دار الدنيا، وأمره بأن يبعث لهم أربعة من خيار أصحابه ليبلغوهم رسالته ... إلى آخر القصة التي لا يكاد العقل يصدقها (¬1). ثم ارجع إليه عند تفسيره لقوله تعالى في الآية (94) من سورة الكهف أيضًا و {قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ} الآية تجده قد أطال وذكر كلامًا لا يمكن أن يقبل بحال؛ لأنه أقرب إلى الخيال منه إلى الحقيقة (¬2). ثم ارجع إليه عند تفسيره لقوله تعالى: في الآية (27) من سورة مريم {فَأَتتَ به قَومَهَا تَحمِلُه} الآية تجده يروي عن السدي ووهب وغيرهما قصصًا كثيرًا، وأخبارًا في نهاية الغرابة والبعد (¬3). ثم إن الثعلبي لم يتحر الصحة في كل ما ينقل من تفاسير السلف، بل نجده -كما لاحظنا عليه وكما قال السيوطي في "الإتقان" (¬4) - يكثر من الرواية عن السدي الصغير عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس. كذلك نجده قد وقع فيما وقع فيه كثير من المفسرين من الاغترار بالأحاديث الموضوعة في فضائل القرآن سورة سورة، فروى في نهاية كل سورة حديثًا في فضلها منسوبًا إلى أبي بن كعب، كما اغتر بكثير من الأحاديث الموضوعة على ألسنة الشيعة فسود بها كتابه دون أن يشير الى ¬
وضعها واختلاقها. وفي هذا ما يدل على أن الثعلبي لم يكن له باع في معرفة صحيح الأخبار من سقيمها. هذا .. وإن الثعلبي قد جر على نفسه وعلى تفسيره بسبب هذه الكثرة من الإسرائيليات، وعدم الدقة في اختيار الأحاديث، اللوم المرير والنقد اللاذع من بعض العلماء الذين لاحظوا هذا العيب على تفسيره، فقال ابن تيمية في مقدمته في أصول التفسير: (¬1) والثعلبي هو في نفسه كان فيه خير ودين، وكان حاطب ليل، ينقل ما وجد في كتب التفسير من صحيح وضعيف وموضوع، وقال أيضًا في مجموع الفتاوى (¬2): وقد سئل عن بعض كتب التفسير وأما الواحدي فإنه تلميذ الثعلبي، وهو أخبر منه بالعربية، لكن الثعلبي فيه سلامة من البدع وإن ذكرها تقليدًا لغيره وتفسيره وتفسير الواحدي البسيط والوسيط والوجيز فيها فوائد جليلة، وفيها غث كثير من المنقولات الباطلة وغيرها. اهـ ومن يقرأ تفسير الثعلبي يعلم أن ابن تيمية لم يتقول عليه، ولم يصفه إلا بما هو فيه. وقال الكتاني في الرسالة المستطرفة (¬3) عند الكلام عن الواحدي المفسر ولم يكن له ولا لشيخه الثعلبي كبير بضاعة في الحديث، بل في تفسيرهما -وخصوصًا الثعلبي- أحاديث موضوعة وقصص باطلة اهـ. والحق أن الثعلبي رجل قليل البضاعة في الحديث؛ بل ولا أكون ¬
قاسيًا عليه إذا قلت إنه لا يستطيع أن يميز الحديث الموضوع من غير الموضوع وإلا لما روى في تفسيره أحاديث الشيعة الموضوعة على علي، وأهل البيت، وغيرها من الأحاديث التي اشتهر وضعها، وحذر العلماء من روايتها. والعجب أن الثعلبي بعد هذا كله يعيب كل كتب التفسير أو معظمها، حتى كتاب محمد بن جرير الطبري الذي شهد له خلق كثير. وليته إذ ادعى في مقدمة تفسيره أنه لم يعثر في كتب من تقدمه من المفسرين على كتاب جامع مهذب يعتمد، أخرج لنا كتابه خاليًا مما عاب عليه المفسرين ... ليته فعل ذلك ... إذًا لكان قد أراحنا وأراح الناس من هذا الخلط والخبط الذي لا يخلو منه موضع من كتابه (¬1). أخذ الواحدي عن الثعلبي كثيرًا من الآثار المروية عن السلف في التفسير خصوصًا أقوال ابن عباس، وغيره كمجاهد وعبد الرحمن بن زيد، كما أخذ عنه أقوال الكلبي ومقاتل، والحسين بن الفضل وغيرهم، كما أخذ عنه بعض الإسرائيليات. كما أنه ينقل قول الثعلبي في تفسير الآية وغالبا ما يذكره بعد قوله قال المفسرون. ومما يثير العجب أنه مع عظم تقدير الواحدي لشيخه الثعلبي وإعجابه به، كما يظهر في كلامه السابق على الرغم من ذلك وعلى الرغم من كثرة ما نقل عنه فإنه لا يذكره إلى نادرًا. من أمثلة نقله عن الثعلبي من كلام السلف قوله في تفسير قوله تعالى: ¬
{ذَلِكَ الكتَابُ} [البقرة: 2] وروى عن ابن عباس أنه قال: معناه ذلك الكتاب الذي أخبرتك أني أوحيه إليك. وقال يمان بن رباب: ذلك الكتاب الذي ذكرته في التوراة والإنجيل ... (¬1). ومثال للإسرائيليات التي انتقلت للبسيط من تفسير الثعلبي ما ذكره في تفسير قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} الآية [البقرة: 30] قال: قال المفسرون: وذلك أن الله تعالى خلق السماء والأرض وخلق الملائكة والجن، فأسكن الملائكة السماء، وأسكن الجن الأرض، فغبروا دهرًا طويلًا في الأرض، ثم ظهر فيهم الحسد والبغي فاقتتلوا وأفسدوا، فبعث إليهم جندًا من الملائكة يقال لهم الجن رأسهم إبليس، وهم خُزَّان الجنان اشتق لهم اسم من الجنة، فهبطوا إلى الأرض وطردوا الجن عن وجوهها إلى شعوب الجبال وجزائر البحور، وسكنوا الأرض، وكانوا أخف الملائكة عبادة، لأن أهل السماء الدنيا أخف عبادة من الذين فوقهم ... الخ. ونقل مثل هذا طويلا بنصه عن الثعلبي (¬2). ومثال آخر في تفسير قوله تعالى: {وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 18] روى عن مقاتل عن الضحاك عن ابن عباس قال: يريد أن عن يمين العرش نهرًا من نور، مثل السموات السبع والأرضين السبع والبحار السبع يدخل جبريل فيه كل سحر فيغتسل فيزداد نورًا إلى نوره وجمالًا إلى جماله، وعظمًا إلى عظمه، ثم ينتفض، فيخلق الله من كل نفضة تقع من ريشه كذا وكذا ألف ملك، يدخل منهم كل يوم سبعون ألفًا البيت المعمور، وفي ¬
الكعبة سبعون ألفًا، لا يعودون إليه إلى أن تقوم الساعة. وقد ورد بنصه في تفسير الثعلبي وكما ينقل الواحدي عن الثعلبي آثار السلف والإسرائيليات والقضايا التفسيرية، فإنه ينقلِ عنه مسائل لغوية أو نحوية، مثال ذلك في تفسير قوله تعال: {وَمِمَّا رزَقنَاهُم يُنفِقُونَ} [البقرة: 3] قال: "ومعنى الإنفاق في اللغة إخراج المال من اليد، ومن هذا يقال: نفق المبيع إذا كثر مشتروه فخرج عن يد البائع، ونفقت الدابة إذا خرجت روحها، والنفق سرب له مخلص إلى مكان آخر يخرج منه، والنافقاء من جحرة اليربوع: هو الذي يخرج منه إذا أخذ من جهة أخرى .... فيظهر أن الواحدي اعتمد في هذا التحليل للفظ "الإنفاق" على الثعلبي لتطابق عبارته مع الثعلبي (¬1). ومثال آخر في جانب النحو واللغة: ما ذكره عند قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [البقرة: 234] قال الواحدي: {وَعَشْرًا} بلفظ التأنيث، وأراد الأيام، وإنما كان كذلك تغليب الليالي على الأيام إذا اجتمعن في التاريخ وغيره، وذلك أن ابتداء الشهر يكون بالليل، فلما كانت الليالي الأوائل؛ غلبت لأن الأوائل أقوى من الثواني (¬2). فهذا منقول من تفسير الثعلبي دون عزو. ومن أمثلة ذلك في جانب الأحكام الفقهية: قول الواحدي في تفسير آيات الصيام: "والمرض الذي يبيح الإفطار هو كل مرض كان الأغلبُ من أمر صاحبه بالصوم الزيادةَ في علته زيادةً لا يحتمله، والأصل فيه: أنه إذا أجهده الصوم أفطر". ¬
ويمكن أن نسجل هنا مقارنة بين "الكشف والبيان" للثعلبي و"البسيط" للواحدي في النقاط الآتية
وحدُّ السَّفَرِ الذي يبيح الإفطار: ستة عشر فرسخا (¬1) فصاعدًا. والإفطار رخصة من الله للمسافر، فمَنْ أَفْطَرَ فبرخصة الله أخذ، ومن صام ففرضه أدى، على هذا عامة الفقهاء. فهذا النص منقول من تفسير الثعلبي دون عزو إليه، والأمثلة على ذلك كثيرة ولا تحصى؛ لأن تفسير الثعلبي كالعمود الفقري وعمود الخيمة بالنسبة لتفسير البسيط. ويمكن أن نسجل هنا مقارنة بين "الكشف والبيان" للثعلبي و"البسيط" للواحدي في النقاط الآتية: 1 - يعتبر تفسير الثعلبي من تفاسير الرواية المسندة، حيث يروي كثيرًا من الأحاديث والآثار والأخبار والأشعار بسنده، بينما لا نجد هذا في البسيط إلا قليلًا. وغالب ما فيه من المرويات مأخوذ من تفسير شيخه. 2 - بسط الواحدي البحث في مجال اللغة والقراءات تدقيقًا وتحقيقًا ومناقشة وتوجيهًا، بينما نجد هذين الجانبين في تفسير الثعلبي على نحو مختصر، وكأن كتاب الواحدي استدراك على كتاب شيخه في هذين الجانبين. 3 - أكثر الثعلبي في كتابه من الإسرائيليات والأحاديث الضعيفة والموضوعة، وقد تقدم أنه ذكر الحديث الموضوع في فضائل السور، وهذا مما أخذ عليه، قال ابن الجوزي عن تفسير "الكشف والبيان": "ليس فيه ما يعاب به، إلى ما ضمنه من الأحاديث الواهية التي هي في الضعف متناهية، ¬
خصوصًا أوائل السور" (¬1). ويقول شيخ الإسلام -رحمه الله-: لقد أجمع أهل العلم بالحديث أنه روى طائفة من الأحاديث الموضوعة، كالحديث الذي يرويه في أول كل سورة، وأمثال ذلك، ولهذا يقال: "هو كحاطب ليل" (¬2). ويقول أيضا "والثعلبي هو في نفسه كان فيه خير ودين، وكان حاطب ليل، ينقل ما وجد في كتب التفسير من صحيح وضعيف وموضوع" (¬3). ويقول في موضع آخر: الثعلبي والواحدي وأمثالهما، هؤلاء من عادتهم يروون ما رواه غيرهم، وكثير من ذلك لا يعرفون هل هو صحيح أم ضعيف؟ ويروون من الأحاديث الإسرائيليات ما يعلم غيرهم أنه باطل في نفس الأمر، لأن وظيفتهم النقل لما نُقل، أو حكاية أقوال الناس، وإن كان كثير من هذا وهذا باطلًا، وربما تكلموا على صحة بعض المنقولات وضعفها، ولكن لا يطردون هذا ولا يلتزمون (¬4). بينما نجد أن الواحدي لقلة الرواية في تفسيره هذا نسبة إلى تفسير شيخه قد تجاوز كثيرًا من المرويات السقيمة والإسرائيليات، ولم يعرج عليها، وإن كان لم يسلم منها، ومما يحمد له أنه لم يذكر حديث فضائل السور الموضوع في البسيط، لكنه ذكره في الوسيط. ¬
4 - بين الثعلبي رحمه الله في مقدمة تفسيره أسانيده إلى أئمة التفسير، الذين شهروا بالتفسير كابن عباس وابن مسعود ومجاهد (¬1). بينما لم يذكر الواحدي هذه الأسانيد في مقدمة كتابه وإنما ذكر بعضًا منها مفرقًا في ثنايا كتابه. 5 - ذكر الثعلبي في مقدمته أنه بنى كتابه على أربعة عشر أساسًا وعد منها: الحِكم والإشارات، يعني: التفسير الإشاري (¬2)، وقد نقل شيئًا من ذلك في كتابه من كتاب شيخه أبي عبد الرحمن السلمي، الذي قال عنه الثعلبي: قرأته كله على مصنفه أبي عبد الرحمن السلمي، فأمر لي به (¬3) كما أفاد من كتب أخرى في هذا الباب: كتفسير القرآن العظيم لسهل التستري (¬4)، لكن الثعلبي لم يتابع شيخه السلمي فيما أخطأ فيه، وانتُقد بسببه، وصان تفسيره من التأويلات الرمزية التي تخالف اللغة العربية (¬5). بينما لم يلتفت الواحدي إلى شيء من ذلك، وعرفنا موقفه من تفسير السلمي فيما تقدم. ¬
ثانيا: علم القراءات
ثانيًا: علم القراءات: " الحجة للقراء السبعة" (¬1) لأبي علي الفارسي (¬2): وما ألف أبو علي كتاب الحجة للقراء السبعة، إلاَّ ليستدل ويحتج للقراءات وتوثيقها وتوجيهها، والتماس الدليل لقراءة كل قارئ من القراء السبعة الذين اختارهم ابن مجاهد، إما بالاستناد إلى قاعدة مشهورة في العربية، أو بالتماس علة خفية بعيدة الإدراك يحاول اقتناصها، أو توليدها أو الاعتماد على القياس وحشد النظائر ومقارنة المثيل بالمثيل وهو ممَّا برع فيه أبو على الفارسي. وكان أبو على الفارسي يسوق لكل أسلوب من أساليب احتجاجه الآيات القرآنية، والشعر الصالح للاحتجاج، والحديث النبوي، والأمثال ¬
العربية، ولغات العرب ولهجاتها، وأقوال أئمة العربية وعلى رأسهم سيبويه الذي انتثرت عبارات كتابه في حجته. وطريقته في ذلك طريقة المتن والشرح، فهو يعرض أولًا نص ابن مجاهد في عرضه لاختلاف القراء في كل حرف من الحروف، مصرحًا باسمه أو مغفلًا له مكتفيًا بقوله: اختلفوا ... ثم يعقبه بقول شيخه ابن السراج وذلك في القسم الذي شرع في تفسيره من الفاتحة وسورة البقرة. أو بكلامه هو بقوله: قال أبو علي. ولعل أبرز ما يتميز به أسلوب أبي علي هو ظاهرة الاستطراد والانطلاق بعيدًا عن أصل الموضوع المطروق حتى يكاد ينسي أخره أوله، فهو ينتقل بالقارئ من الكلام على الحرف والخلاف فيه والاحتجاج له إلى تفسير الآية، فيغوص في الأعماق فيستخرج من كنوز المعاني ودرر الحقائق ما ينتزع إعجاب العلماء بسعة عقله ونفاذ فكره، أو يتناول الكلمة وما يتفرع عنها من معان وما تدل عليه من دلالات فيتناولها معنًى معنًى مبينًا له مع شواهده ثم يتجاوزه إلى الحديث عن الوجوه الإعرابية أو العلل الصرفية، ويناقش جميع ذلك ويحشد له الشواهد والأدلة، فيشبعه ولا يترك بعده زيادة لمستزيد، وهو أشبه ما يكون بالنبع الغزير المتدفق في الأرض المستوية، ينبثق فيشق دروبًا لنفسه في كل مكان قبل أن يأخذ مجراه. ثم ذكر الواحدي صلته بكتب أبي علي الفارسي عمومًا في مقدمته حينما قال: ... وقرأت على الأستاذ سعيد مصنفات ابن مهران، وروى لنا كتب أبي علي الفسوي عنه .. (¬1). ¬
وذكر صلته بكتاب الحجة بصفة خاصة حينما قال: وذكرت وجوه القراءات السبع التي اجتمع عليها أهل الأمصار دون تسمية القراء، واعتمدت في أكثرها على كتاب أبي علي الحسن بن أحمد الفارسي، الذي رواه لنا سعيد بن محمد الحيري عنه .. (¬1). ولقد اعتمد الواحدي اعتمادًا كبيرًا على كتاب "الحجة" في توجيه القراءات، ونقل عنه وأطال، ولعله اكتفى بتلك الإحالة التي ذكرها في المقدمة حين قال: .. واعتمدت في أكثرها على كتاب أبي على الحسن بن أحمد الفارسي ... ولهذا لم يعز له إلاَّ قليلًا مع أنه في أكثر المواضع ينقل كلام أبي علي بنصه، وقد يتصرف فيه تصرفًا يسيرًا. على أنه مما ينبغي ذكره أن أبا علي لمَّا أطال في كتابه على هذا النسق جعل الكتاب صعب العبارة، لا يستطيع الإفادة منه إلا القليل. ذكر هذا تلميذه ابن جني حينما قال: "وقد كان شيخنا أبو علي عمل كتاب "الحجة في قراءة السبعة" فأغمضه وأطال حتى منع كثيرًا -ممن يدعي العربية فضلا عن القَرَأة- منه، وأجفاهم عنه" (¬2). وبنقل الواحدي عن الحجة وإطالته في ذلك، وقع في كتابه شيء من الغموض وصعوبة العبارة، تلاحظ ذلك وأنت تقرأ في حجج القراءات عند الواحدي أو في بعض المباحث اللغوية والنحوية. وأمثلة ما نقله عن "الحجة" كثيرة ففي كل موضع تكلم فيه عن ¬
القراءات نقل فيه عن أبي علي. من ذلك في قوله تعالى: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} [الفاتحة: 4] ذكر القراءات فيها، ثم ذكر الاحتجاج لها، ونقل في ذلك عن الحجة بدون عزو قال: "قال محمد بن السري: الملك الذي يملك الكثير من الأشياء ويشارك غيره من الناس بالحكم عليه في ملكه ... " (¬1) وأخذ بعد ذلك عن أبي علي بتصرف. ومثال آخر في قوله تعالى: {إِنَّ اَلَّذِين كَفَرُواْ سَوَآءٌ عَلَيهِمءَأَنذَزتَهُم} الآية [البقرة: 6] نقل في الاحتجاج للقراءات في "أأنذرتهم" قريبًا من "عشر صفحات" (¬2). على أن أخذ الواحدي من "الحجة" لم يقتصر على الاحتجاج للقراءات، حيث إن أبا علي في "الحجة" يستقصي ويتتبع المسائل ويخرج عن مجال الاحتجاج للقراءات إلى بيان أصول بعض الكلمات، أو الوجه التفسيري للآية فنقل عنه الواحدي في ذلك كثيرًا. ومن أمثلة ذلك في قوله تعالى: {هُدًى للْمُتَّقِين} [البقرة: 2] قال: "وقال أناس من النحويين: إنه قد تُجْرى الأسماء التي ليست بمصادر مُجْرى المصادر، فيقولون: جلس جلسة، وركب ركبة، ويقولون: عجبت من دهنك لحيتك وينشدون: وبعد عطائك المائةَ الرَّتاعا ... فَيُجرى مُجْرى الإعطاء ..... إلخ (¬3). فهذا -مع كلام بعده- نقله عن الحجة بتصرف يسير في العبارة. ونص ¬
ثالثا: معاني القرآن
كلام أبي علي في "الحجة": " .. ويقويه أن ناسا من النحويين يزعمون أنه قد يجري الأسماء التي ليست بمصادر مجرى المصادر فيقولون: "عجبت من دهنك لحيتك .. الخ" (¬1). ونقل عنه في موضع آخر مع عزو الكلام إليه فقال في تفسير قوله تعالى: {وَنُقَدِّسُ لَك} [البقرة: 30] قال: "قال أبو علي الفارسي: معنى نقدس لك: ننزهك عن السوء، فلا ننسبه إليك، و"اللام" فيه على حدها في قوله: {رَدِفَ لَكُم} [النمل: 72] لأن المعنى تنزيهه، وليس المعنى أنه ينزه شيء من أجله ... الخ" (¬2). ثالثًا: معاني القرآن: 1 - " معاني القرآن" (¬3) للفراء أبي زكريا يحي بن زياد (¬4): ¬
لقد ألف الفراء كتابه "معاني القرآن" وحشد فيه من المسائل النحوية والصرفية واللغوية، ومذاهب العرب وتوجيه القراءات وتفسير القرآن من وجهة عربية لإبراز مذهبه الكوفي في علوم العربية. وقد أفاد الواحدي من كتاب "معاني القرآن" ونقل عنه كثيرًا إما بالعزو إليه فيقول: قال الفراء، ومن أمثلة ذلك تفسير قوله تعالى: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ} [البقرة: 2] عن معنى "ذلك" قال: قال الفراء: وإنما يجوز "ذلك" بمعنى "هذا" لما مضى وقرب وقت تقضيه، أو تقضي ذكره، فأما الموجود الحاضر فلا يقال فيه "ذلك" .... إلخ " (¬1). وربما نقل عنه بالسند كما في تفسير قوله تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ} [البقرة: 29] قال: "أخبرني أبو سعيد بن أبي عمرو النيسابوري -رحمه الله- ثنا محمد بن يعقوب المعقلي ابنا محمد بن الجهم (¬2) (¬3)، عن الفراء قال: الاستواء في كلام العرب على جهتين، إحداهما: أن يستوي ¬
2 - "معاني القرآن" للزجاج
الرجل وينتهي شبابه وقوته، ويستوي من اعوجاج ... الخ" (¬1). وقد ينقل عنه بدون عزو كما في تفسير قوله تعالى: {وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا} [البقرة: 72] قال: "وقوله: {وَإِذْ قَتَلْتُمْ} ينعطف على قوله: {وَإِذ قُلتمُ يَامُوسَى} [البقرة: 55]، {وَإِذ فَرَقْنَا} [البقرة: 50] والذكر مضمر فيها كأنه قال: "واذكروا إذ قتلتم"، ولهذا لم يأت لـ"إذ" بجواب. ومثله قوله: {وَإِلى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صاَلِحًا} [هود: 61] وليس شيء قبله تراه ناصبا لصالح، فعلم بذكر النبي، وبالرسل إليه أن فيه إضمار "أرسلنا". ومثله قوله: {وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ} [الأنبياء: 76]، {وَذَا النُّونِ} [الأنبياء: 87] وهذا يجرى على مثال ما قال في سورة "ص" {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا} {ص: 45} ثم ذكر الذين من بعدهم بغير "واذكر" لأن معناه متفق، فجاز ذلك ..... " (¬2). ويتضح من هذه النصوص أنه ينقل عن الفراء في المسائل النحوية واللغوية والقضايا التفسيرية وغيرها. 2 - " معاني القرآن" (¬3) للزجاج (¬4): ذكر المؤلف صلته بـ"معاني القرآن" للزجاج في مقدمة البسيط في أثناء ¬
منهج الزجاج في "معاني القرآن"
كلامه عن شيخه سعيد بن محمد الحيري قال: " ... وقرأت عليه بلفظي كتاب الزجاج في "المعاني" روايته عن ابن مقسم (¬1) عنه وسمع بقراءتي الخلق الكثير .... " (¬2). منهج الزجاج في "معاني القرآن": وطريقته أنه يحلل بعض ألفاظ الآية من الناحية الاشتقاقية ثم يذكر إعراب الآية ويناقش النحويين، ويورد قراءات اللغويين وهي قراءات شاذة غالبا، كما يورد القراءات المشهورة ويبين المعنى على كل، وقد يقف عن الحروف فيشرحها (¬3). وقد اعتمد الواحدي على كتاب "معاني القرآن" اعتمادًا كبيرًا، وأفاد منه كثيرًا، ولا يفسر آية إلا وينقل غالبا عن الزجاج فيها قائلًا: قال أبو إسحاق، أو قال الزجاج. ومن أمثلة ذلك ما ذكره عند تفسير قوله تعالى: {رَبِّ العَالَمِينَ} ¬
[الفاتحة: 1] قال: "قال أبو إسحاق: وإنما لم يستعمل الواحد من لفظه، لأن "العالم" اسم لأشياء مختلفة، فإن جعل لواحد منها أسم من لفظه صار جمعا لأشياء متفقة" (¬1). وفي سورة يونس في تفسير قوله تعال: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} الآية [يونس: 23] قال: "قال أبو إسحاق متاع الحياة الدنيا يقرأ بالرفع والنصب فالرفع من جهتين .. الخ" (¬2). وربما نقل عنه بالسند كما في تفسير قوله تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء} الآية [البقرة: 29] فقال: "أقرأني سعيد بن محمد الحيري -رحمه الله- عن أبي الحسن بن مقسم وأبي علي الفارسي عن الزجاج قال: قال قوم في قوله: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء} عمد وقصد إلى السماء، كما تقول فرغ الأمير من بلد كذا ثم استوى إلى بلد كذا، معناه: قصد بالاستواء إليه، قال: وقول ابن عباس: "ثم استوى إلى السماء" أي صعد، معناه: صعد أمره إلى السماء انتهى كلامه (¬3). وقد ينقل عنه ولا يعزو له، وهذا كثير، مثال ذلك في تفسير قوله تعالى: {لَا رَيْبَ فِيهِ} [البقرة: 2] قال: " .. فإن قيل: فما أنكرت أن يكون جواب هل رجل في الدار؟ قيل: معن "لا رجل في الدار" عمهم النفي، لا يجوز أن يكون في الدار رجل ولا أكثر منه وكذلك: "هل من رجل في الدار"؟ استفهام عن ¬
رابعا: اللغة
الواحد وأكثر منه ... الخ" (¬1). فهذا التساؤل وجوابه والكلام بعده وقبله أخذه عن "معاني القرآن" للزجاج (¬2)، وهو يتصرف في كلام الزجاج حين ينقل عنه سواء كان بعزو أو بدون عزو. ومما يلحظ من النصوص السابقة وغيرها بالتتبع نجده لا ينقل عن الزجاج القضايا النحوية واللغوية فقط بل ينقل عنه في القضايا التفسيرية وغيرها أيضًا. رابعًا: اللغة: 1 - " تهذيب اللغة" (¬3) لأبي منصور الأزهري (¬4): يعتبر "تهذيب اللغة" من أهم وأضخم المعاجم اللغوية، وقد تميز عما ¬
مصادر التهذيب
سبقه بوفرة مادته اللغوية، وكثرة المصادر التي أفاد منها، فهو موثق المادة فصيحها؛ وقد صرح في مقدمته بأنه لم يودع كتابه إلى ما صح له سماعًا من العرب أو رواية عن ثقة أو حكاية عن خط ذي معرفة ثاقبة اقترنت إليها معرفته. و"التهذيبُ" عُمدة لما ظهر بعده من المعجمات، فصاحب "لسان العرب" يقول: "لم أجد في كتب اللغة أجمل من "تهذيب اللغة" لأبي منصور محمد بن أحمد الأزهري ... "، ويضيف في مكان آخر، في مقدمته: "وأنا مع ذلك لا أدّعي فيه دعوى فأقول شافهت أو سمعت، أو فعلت وصنعت، أو شددت أو رحلت، أو نقلت عن العرب العرباء أو حملت؛ فكل هذه الدعاوى لم يترك فيها الأزهريّ وابن سِيدَه لقائل مقالًا، ولم يخليا فيه لأحد مجالًا، فإنّهما عيَّنا في كتابيهما عمّن رويا، وبرهنا عمّا حويا، ونشرا في خطيهما ما طويا. ولعمري لقد جمعا فأوعيا، وأتيا بالمقاصد ووفيا". مصادر التهذيب: استنفد الأزهري في "معجمه" علم من كتبوا قبله، ورحل إلى البادية سعيًا وراء المشافهة والسماع من أفواه العرب الخلّص، واستقصى في تتبّع ما حصّل من علوم العربية والاستشهاد بشواهد أشعارها المعروفة ¬
بفصاحتها، التي احتجّ بها أهل المعرفة. كما استفاد من إقامته سنوات طويلة في الأسر؛ فقد اختلط بأقوام عامتهم من هوازن، واختلط بهم أصرامٌ من تميم وأسد، ممّن نشؤوا في البادية "يتتبّعون مساقط الغيث أيام النُّجَع، ويرجعون إلى أعداد المياه، ويرعَون النَّعَم، ويعيشون بألبانها، ويتكلّمون بطباعهم البدوية وقرائحهم التي اعتادوها، ولا يكاد يقع في منطقهم لحنٌ أو خطأ فاحش ... ، وكنّا نتشتّى الدَّهْناء (¬1)، ونتربَّع الصّمّان (¬2)، ونتقيّظ السِّتارَين (¬3). واستفدتُ من مخاطباتهم ومحاورة بعضهم بعضاً ألفاظًا جمّة ونوادر كثيرة .. ". وفي مقدمة الأزهري ذكرٌ وافٍ لطبقات أئمة اللغة الذين اعتمد عليهم في تصنيف تهذيبه، وهم خمس طبقات، من أبرزهم: أبو عمرو بن العلاء (¬4)، ¬
وخلف الأحمر (¬1)، والمفضّل الضَّبِّيّ (¬2)، وأبو زيد الأنصاري (¬3)، وأبو عمرو الشيباني (¬4)، وأبو عبيدة معمر بن المثنى (¬5)، والأصمعي (¬6)، والكسائي (¬7)، والنضر بن شميل (¬8)، والفرّاء (¬9)، وسيبويه (¬10)، وأبو عبيد القاسم بن سلام (¬11)، واللّحياني (¬12)، وعمرو بن أبي عمرو الشيباني (¬13)، وأبو حاتم ¬
السجستانيّ (¬1)، وابن السِّكِّيت (¬2)، وثعلب (¬3)، والمبرّد (¬4)، والزّجَّاج (¬5). وهو حين ينقل عمّن سبقه قد يصرّح باسم المرجع الذي نقل عنه وقد لا يصرّح لكن المادة الموثقة بأسانيدها، المعزوّة إلى القائل تغلب على مواده. وينبغي، هنا، أن نشير إلى أن الأزهري حين ينقل عن كتاب "العين" فإنّما ينقل عنه بعبارة "قال الليث" لأنه كان يرى أن كتاب "العين" من صنيع الليث (¬6)، فقد أملاه الخليل بن أحمد على الليث بعد تلقفه إيّاه عن فِيهِ، وهو منهج صدر عن شكّ سيطر على الأزهري، مفاده التجريح بالمعجمات التي سبقته وعاصرته، ولما لم يستطع مهاجمة الخليل نفسه تبنّى فكَرة نسبة "العين" إلى الليث ليستطيع تجريحه. وهو على الرغم من موقفه الملتبس من الخليل، كثير الانتفاع من "العين"، فأثر منهج الخليل بادٍ في "تهذيب اللغة"، وكذلك الإفادة الكثيرة من ¬
منهج الأزهري في "تهذيب اللغة"
مادة "العين" المروية أو المدوّنة، مباشرة، أو عن طريق "الجمهرة" لابن دريد. منهج الأزهري في "تهذيب اللغة": رتّب الأزهري مواد تهذيبه على مخارج الحروف، متبعًا منهج كتاب "العين" للخليل بن أحمد الفراهيدي، وقد حاكاه في تقاليب الكلمة والأبنية. ويصرّح في مقدمته بهذا المنهج وتلك المحاكاة بقوله: "ولم أرَ خلافًا بين اللغويين أن التأسيس المجمل في أول كتاب "العين"، لأبي عبد الرحمن الخليل بن أحمد، وأن ابن المظفر أكمل الكتاب عليه بعد تلقّفه إيّاه عن فيه. وعلمت أنه لا يتقدّم أحد الخليل فيما أسسّه ورسمه، فرأيت أن أحكيه بعينة لتتأمّله وتردّد فكرك فيه، وتستفيد منه ما بك الحاجةُ إليه، ثمّ أتبعه بما قاله بعض النحويين، ممّا يزيد في بيانه وإيضاحه". والمنهج المذكور يتّضح في النظام الآتي: 1 - ترتيب الأبجدية العربية ترتيبًا صوتيًّا، يبدأ بأقصى مخارج الحروف في الحلق وأدخلها، وهو العين، ثم ما قرب مخرجه منها الأرفع فالأرفع، حتى يأتي على آخر الحروف، وهو الياء، وهذا انتظامها: ع ح هـ خ غ/ ق ك/ ج ش ض/ ص س ز/ ط د ت/ ظ ذ ث/ ر ل ن/ ف ب م/ وا ي. 2 - ترتيب الأبنية ترتيبًا تصاعديًّا يبدأ بالثنائي فالثلاثي فالرباعي فالخماسي. أ- أمّا الثنائي فتبدأ أبوابه من الحرف الأول وهو العين وما يليها، وهو الحاء، ثمّ العين مع الهاء، فالعين مع الخاء، حتى يأتي على آخر الحروف. ب- يقلّب الثنائي، إن أمكنه قلبه؛ نحو: عق = قع.
ج- أبواب الثلاثي الصحيح. يبدأ بالعين مع الحاء وما يثلّثهما بترتيب الحروف، ثمّ العين مع الهاء، ثم مع الخاء والغين، حتى يأتي على آخر الحروف. د- يقلِّب كلّ مادة ثلاثية بذكر الصور الست الممكنة في مكان واحد؛ نحو: هقم - همق - قهم - قمه - مهق - مقه. ويشير إلى المستعمل منها والمهمل، فيقول في تقاليب هقم: "مستعملات"، ويقول في تقاليب هكد: هكد - كهد - كده - دهك: مستعملة. أهمل الليث هكد. ويقول في هكس: استُعمل من وجوهه: سَهَك. ويقول في: هكز "اهمله الليث". هـ- ثم أبواب الثلاثي المعتلّ، وهو ما فيه حرفان صحيحان وحرف علّة واحد. وهي تجري على النظام السابق، مع إلحاق المهموز بالمعتل بالألف. و- اللفيف، فمن لفيف حرف الهاء: هاه - أوه - هيه - إيه - هيأ - هوأ - هأي - وهوه - يهيأ - وهي - أيه - هوى - هوي. ز- الرباعي، فالخماسي. يشار هنا إلى أن الأزهري رتّب الرباعي على ابوابه، ولم يفعل ذلك في الخماسي. ح- أدرج المعتل في آخر الكتاب (¬1). ولقد ذكر الواحدي صلته بكتاب تهذيب اللغة، حيث كان الأزهري من شيوخ العروضي أحد شيوخ الواحدي. ¬
الطريقة الأولى
يقول الواحدي في مقدمة كتابه "البسيط" عن شيخه العروضي: " ... وأدرك المشايخ الكبار وقرأ عليهم وروى عنهم، كأبي منصور الأزهري روى عنه كتاب "التهذيب" وغيره من الكتب ... " (¬1). ثم يقول: " ... وقرأت عليه الكثير من الدواوين وكتب اللغة ... " (¬2) ولا بد أن يكون كتاب "التهذيب" في طليعة تلك الكتب. لقد أفاد الواحدي من كتاب "تهذيب اللغة" كثيرًا، ويعتبر مصدرًا هامًا له في مجال اللغة واشتقاق الكلمات، حيث إن شرح الكلمات القرآنية وبيان أصولها واشتقاقها وما فيها من غريب يأخذ حيزًا كبيرًا في تفسير الواحدي يبدأ به كل آية، وقد اعتمد في أكثر ذلك على كتاب "تهذيب اللغة" وله ثلاث طرق في إفادته من الكتاب: الطريقة الأولى: أن ينقل بالسند عن طريق أبي الفضل العروضي مثال ذلك أنه قال -أثناء تفسير لفظ الجلالة "الله"-: "أخبرني أبو الفضل أحمد بن محمد بن عبد الله العروضي-رحمه الله- قال: أبنا أبو منصور أحمد بن محمد الأزهري، أبنا أبو الفضل المنذري قال: سألت أبا الهيثم خالد بن يزيد الرازي عن اشتقاق اسم "الله" في اللغة، فقال "الله" أصله "إلاه" قال جل ذكره: {وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ} [المؤمنون: 91] ... الخ (¬3)). وكلام أبي الهيثم قد ورد في "التهذيب" ضمن كلام طويل مع اختلاف ¬
الطريقة الثانية
يسير في العبارة. قال الأزهري: "وأخبرني المنذري عن أبي الهيثم أنه سأله عن اشتقاق اسم الله في اللغة فقال: " ... " (¬1). وقد أخذ الواحدي عن الأزهري من هذا الطريق في مواضع من كتابه فعند تفسير لفظ "الناس" وبيان أصلها في قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ} الآية [البقرة: 8]، قال: "فقد أقرأني العروضي قال: أقرأني الأزهري، قال أخبرني المنذري عن أبي الهيثم أنه سأل عن "الناس" ما أصله، قال أصله "أناس" .. الخ" (¬2). الطريقة الثانية: أن ينقل عن الأزهري بدون سند ويعزو إليه، وهذا أكثر من الطريقة الأولى، قال عند تفسير "المرض" في قوله: {فِى قُلُوبِهِم مرضٌ} الآية [البقرة: 10]، قال: "وقال الأزهري: أخبرني المنذري عن بعض أصحابه قال: المرض: إظلام الطبيعة واضطرابها بعد صفائها، قال: والمرض الظلمة وأنشد .. الخ". ومثال آخر عن تفسير قوله تعالى: {ذَلِكَ أَدنى أَلَأ تَعُولُوا} [النساء: 3] قال - ناقلًا كلام الأزهري دفاعا عن الشافعي-: "قال الأزهري وهذا يدل على أن الشافعي لم يخطئ من جهة اللغة، لأن الكسائي ثقة مأمون، قال: والمعروف من كلام العرب عال الرجل يعول إذا جار ومال، وأعال إذا كثر عياله" (¬3). وبالطريقة الثالثة: أن يفيد منه بدون عزو، وهذه أكثر الطرق، وقل أن تجد في تفسير "البسيط" كلامًا في اللغة إلى وقد أفاد الواحدي من ¬
"التهذيب" إما بنصه أو بمعناه، ولو تتبعت هذا الجزء المحقق لأدركت ذلك، وأوضح مثال على ذلك مقدمة الكتاب فقد نقل الواحدي فيها كلامًا بنصه عن مقدمة "تهذيب اللغة" بدون عزو قال في المقدمة: "والله تعالى ذكره أنزل كتابه على قوم عرب أولي بيان فاضل وفهم بارع، أنزله جل ذكره بلسانهم، وصيغة كلامهم الذي نشئوا عليه وجبلوا على النطق به، فتدربوا به يعرفون وجوه خطابه ويفهمون فنون نظامه ... إلخ" (¬1)، وهذا الكلام بنصه في مقدمة "تهذيب اللغة" (¬2). ومثال آخر عند تفسيره "مالك" في قوله تعالى: {مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ} [الفاتحة: 4] قال: "ويقال: ما تمالك فلان أن فعل كذا، أي: لم يستطع أن يضبط نفسه وقال: فلا تَمالُكَ عن أرض لها عَمَدُوا وملاك الأمر ما يضبط به الأمر، يقال: "القلب ملاك الجسد ... " (¬3) فهذا الكلام نقله عن "التهذيب" مع التصرف اليسير في العبارة. وربما نقل عن الأزهريِ ذاكرًا شيوخ الأزهري ولم يذكره هو، قال في تفسير قوله تعالى: {هُدًى لّلِمُتقِينَ} [البقرة: 2] "الحراني عن ابن السكيت يقال: اتقاه بحقه يتقيه، وتقاه يتقيه وأنشد عن الأصمعي .. " (¬4)، ونص الكلام في التهذيب: "وأخبرني المنذري عن الحراني عن ابن السكيت قال .. ثم ذكره .. " (¬5). ¬
القسم الثاني من المصادر: المصادر الثانوية.
وبهذه الأمثلة يتضح مدى إفادة الواحدي من كتاب "تهذيب اللغة" للأزهري. القسم الثاني من المصادر: المصادر الثانوية. وهي أقل من الأولى في اعتماد المؤلف عليها. 1 - " الكتاب" (¬1) لسيبويه (¬2): لقد ألف سيبويه كتابه في علم النحو ومسائله ومقاييسه وعلله، وهو لا نظير له في بابه، وقد اعتمد المؤلف عليه ونقل منه مسائل في النحو أو الصرف، وتارة ينقل بواسطته مثل "تفسير الثعلبي"، و"معاني القرآن وإعرابه"، أو كتاب "الحجة" لأبي على الفارسي، أو "تهذيب اللغة". ¬
ومن أمثلة نقله بواسطة
وعند عرضه لأقوال سيبويه تارة يذكر قوله وتارة يحكي مذهبه، ومن أمثلة ذلك عند قوله تعالى: {لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ} [إبراهيم: 10] بَيّن مذهب سيبويه في زيادة (من) فقال: قال أبو عبيدة: (من) زائدة، وأنكر سيبويه زيادتها في الواجب. وعند قوله تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا} [إبراهيم: 18] ذكر مذهب سيبويه في رفع (مثلُ) فقال: اختلفوا في الرفع للمثل، فقال الزجاج: هو مرفوع على معنى: وفيما يتلى عليكم، وهذا مذهب سيبويه. وعند قوله تعالى: {حَمَإٍ مَسْنُونٍ} [الحجر: 26] قال: وقال سيبويه: المسنون المصوَّر على صورة ومثال، من سُنّة الوَجْه، وهي صورته. فهذا القول لم أجده في الكتاب، وورد بنصه في تفسير الثعلبي (2/ 148 أ). وعند قوله تعالى: {فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ} [الحجر: 30] قال: قال الخليل وسيبويه: أجمعون توكيد بعد توكيد. وقد ورد هذا الكلام بنصه في "معاني القرآن وإعرابه". وعند قوله تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا} [الإسراء: 1] قال: قال سيبويه: معنا سبحان الله: براءة الله من السوء. وقد ورد كلامه هذا بنصه في "الكتاب" وفي "تهذيب اللغة"، فيحتمل أنه نقله من "التهذيب"؛ لأنه من مصادره الرئيسية. ومن أمثلة نقله بواسطة: 1 - قول الله تعالى: {وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (198) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ (199)} [الشعراء: 198، 199] قال الواحدي: "قال أبو علي الفارسي: أعجم صفة، كأحمر؛ لأنه قد وُصف به في النكرة .. والذي قلنا
من أن الأعجمين جمع أعجمي هو قول سيبويه؛ وقد نص عليه ... فال سيبويه في الباب المترجم: هذا بابٌ من الجمع بالواو والنون، وتكسير الاسم. سألت الخليل عن قولهم: الأَشْعَروُن؛ فقال: إنما أَلحقوا الواو والنون وحذفوا ياء الإضافة كما كَسَّروا فقالوا: الأشاعر، والأشاعث، والمَسَامِعة، فلما كَسَّروا مِسْمَعًا والأشعث حين أرادوا معنى بني مِسْمَع وبني الأشعث، أَلحقوا الواو والنون، فكذلك الأعجمون ... انتهت الحكاية عن أبي علي. "الإغفال فيما أغفله الزجاج" 2/ 213. 2 - قول الله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ} [الروم: 25] قال الواحدي: "وقال النحاس: {ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً} ليس بوقف؛ لأنه لم يأت بجواب (إذا) وجواب (إذا) على قول الخليل وسيبويه: {أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ} أي: خرجتم. وقوله تعالى: {وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ} [الروم: 36] تقديره عنده: قنطوا. والقول ما قال النحاس". قول سيبويه ذكره النحاس، "القطع والائتناف" 2/ 532. 3 - قول الله تعالى: {وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (82)} [القصص: 82 - 82] قال الواحدي: "قال سيبويه في هذه الكلمة: سألت عنها الخليل فزعم أنها: وَيْ، مفصولة من كأن، وأن القوم تنبهوا، فقالوا: وَيْ، متندمين على ما سلف منهم، وكل من تندّم أو ندم فإظهار ندامته أن يقول: وَيْ ". "الكتاب" 2/ 154، بمعناه. وذكره بنصه الزجاج 4/ 156.
2 - كتب الكسائي
2 - كتب الكسائي (¬1): نقل الواحدي عن الكسائي جملة من الآراء والاختيارات اللغوية والنحوية، وغالبها نقلت -فيما يبدو- بواسطة بعض ما تقدم من المصادر، كتهذيب اللغة، وتفسير الثعلبي، وبعض النصوص ليست فيها، ولعلها من كثاب "معاني القرآن" للكسائي (¬2)، وهو من المفقودات، وهو من روايات شيخه الثعلبي كما صرح به في تفسيره (¬3). 3 - " المصادر" للفراء (¬4): " المصادر" للفراء من الكتب المفقودة، وقد صرح الواحدي -رحمه الله- عدة مرات بالنقل عنه، ويلاحظ أن معظم النقولات عن هذا الكتاب هي في أبنية الكلمات وأصولها واشتقاقها، وقد وردت إحالات كثيرة إلى الفراء لم أقف عليها في المعاني، وأغلب الظن أنها من هذا الكتاب لِمَا بين هذه النصوص من التشابه، ومن أمثلة ما نقله: قول الواحدي: والقِصَاص مصدر؛ لأنه فعال من المفاعلة. ¬
4 - "مجاز القرآن" لأبي عبيدة معمر بن المثنى
قال الفراء في كتاب المصادر: قاصَصته قَصَصًا، وأَقْصَصْتُه: إذا أقدته من أخيه إِقْصَاصًا، ويقال: قَصَصْتُ أثره قُصًّا وقَصًّا، وقَصَصْتُ عليه الحديثَ قُصًّا، عند قوله تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ} [البقرة: 179]. وعند قوله تعالى: {لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ} [النحل: 5] قال: وقال الفراء في المصادر: يقال للرجل دَفَيْت فأنت تدفأ دَفْأ ساكنة الفاء مفتوحة الدال، ودِفاءً بالكسر والمد، وزاد غيرُه دَفاءًة ودَفاءً. وعند قوله تعالى: {لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا} [النحل: 14] قال: وقال الفراء في المصادر: ما كان طريّا ولقد طري يطرأ طراءً ممدود وطراوةً، كما يقال: شقي يشقى شقاءً وشقاوةً. وعند قوله تعالى: {إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ} [الإسراء: 78] قال: وقال الفراء في المصادر: أغسق الليل إغساقًا وغسق غسوقًا. 4 - " مجاز القرآن" (¬1) لأبي عبيدة معمر بن المثنى (¬2): ¬
ألف أبو عبيدة هذا الكتاب في تفسير القرآن، ويعد أول كتاب مطبوع من كتب غريب القرآن (¬1)، وله أسماء متعددة (¬2)، ويعد أكثر كتب الغريب استشهادًا بالشعر (¬3)، وقد فسر غريبَ القرآن باللغة مقتصرًا عليها في الغالب (¬4) ولم يخضع أبو عبيدة في مجازه لأي من المدرستين البصرية والكوفية ولم يتقيد بتلك القيود التي كانت تضعها تلك المدرستان لفهم النصوص العربية. ويجدر الإشارة هنا أن معنى المجاز عند أبي عبيدة يختلف كل الاختلاف عن المعنى الذي حدده علماء البلاغة، فالمجاز عند أبي عبيدة عبارة عن الطريق التي يسلكها القرآن في تعبيراته، وهذا المعنى أعم بطبيعة الحال من المعنى الذي حدده علماء البلاغة (¬5). وقد نقل الواحدي -رحمه الله- عن أبي عبيدة من مجازه دون الإشارة إلى الكتاب، واكتفى بقوله: قال أبو عبيدة، أما المجالات التي نقل عنها ¬
وقد ينقل عن أبي عبيدة بواسطة ومثاله.
فمتنوعة؛ إذ لم يقتصر على اللغة، بل شملت -كذلك- التفسير والصرف والشواهد الشعرية وغيرها، ومن أمثلة ذلك: عند قوله تعالى: {فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ} [إبراهيم: 9] نقل عنه تفسير الآية، فقال: وقال أبو عبيدة: مجاز هذا مجاز المَثَل، ومعناه: كفوا عما أمروا بقبوله من الحق ولم يؤمنوا به، قال: ويقال ردّ يده في فمه، أي: أمسك ولم يجب. وعند قوله تعالى: {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ} [إبراهيم: 35] نقل عنه شاهدًا شعريًّا على أن جَنَّبْتُه وجَنَبْتُه واحد، فقال: وأنشد أبو عبيدة لأُميَة بن الأَسْكَر: وتَنْفُضُ مَهْدَهُ شَفَقًا عليه ... وتَجْنُبُه قلائِصنا الصِّعابا وعند قوله تعالى: {مُهْطِعِينَ} [إبراهيم: 43] نقل عنه معنى الغريب، فقال: وأما تفسير الإهطاع فقال أبو عبيدة: هو الإسراع. وعند قوله تعالى: {فًتزلَّ قَدَم بغَدَ ثبُوتِهَا} [النحل: 94] نقل عنه معنًى بلاغيًّا، فقال: قال أبو عبيدة: وزليل القدم مثل لكل مبتلى بعد عافية أو ساقط في وَرْطَة بعد سلامة. وعند قوله تعالى: {وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ} [النحل: 127] نقل عنه قضية صرفية، فقال: وقال أبو عبيدة: ضَيْق تخفيف ضَيِّق: مثل مَيِّت، يقال: أمر ضَيْق وضَيّق. وقد ينقل عن أبي عبيدة بواسطة ومثاله. قول الله تعالى: {اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ} [القصص: 32] قال الواحدي: "قال أبو علي: قال
5 - "معاني القرآن" للأخفش
أبو عبيدة: جناحا الرجل: يداه". "الحجة للقراء السبعة" 5/ 414، بنصه، وفي "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 104: {جَنَاحَكَ} أي: يدك. وقد ينسب الواحدي القول لأبي عبيدة، وهو غير موجود في المجاز، مثاله: قول الله تعالى: {إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا} [العنكبوت: 17]. قال الواحدي: "قال أبو عبيدة: الأوثان: كل ما كان منحوتًا من خشب أو حجر، والصنم ما كان من ذهب أو فضة أو نحاس". 5 - " معاني القرآن" (¬1) للأخفش (¬2): يعتبر كتاب "معاني القرآن، من أوائل الكتب المؤلفة في بيان معاني ¬
مثال النقل مباشرة
القرآن (¬1)، لكنه قصره في الغالب على النحو مبرزًا مذهبه البصري، وليس فيه من المعاني إلا النزر اليسير (¬2)، ولعل السر في ذلك أنه أفرد المعاني في كاب آخر في "غريب القرآن" (¬3)، ويعتبر الأخفش من العلماء الذين اهتموا بالنحو دون اللغة (¬4)، ولذلك أخذ عنه الواحدي كثيرًا من مسائل النحو، أحيانًا يكون النقل مباشرة وتارة يكون بواسطة. مثال النقل مباشرة: تفسير قوله تعالى: {بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ} [البقرة: 81] قال: وقال الأخفش: الخِطْء: الإثم وهو ما أصابه متعمدًا والخطأ غير المتعمد. ويقال من هذا: أخطأ يُخْطِئُ. قال الله تعالى: {وَلَيسَ عَلَيكم جُنَاحٌ فِيمَآ أَخطَأتُم بِهِء وَلكن مَّا تَعَمَّدَت قُلوبُكم} [الأحزاب: 5] واسم الفاعل من هذا: مخطئ، فأمّا خطيئة فاسم الفاعل منه: خاطئٌ، وهو المأخوذ به فاعله، وفي التنزيل {لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ} [الحاقة: 37] (¬5). ¬
ومن أمثلة النقل بواسطة
نقل عنه في النحو: عند قوله تعالى {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ} [النحل: 116] فقال: واختلفوا في وجه انتصاب الكذب؛ فقال الأخفش: جعل (ما تصف) اسمًا للفعل؛ كأنه قال: ولا تقولوا لوصف ألسنتكم الكذب. ورد بنصه في معانيه. ونقل عنه في "الغريب": عند قوله تعالى: {وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً} [الإسراء: 59] قال: قال الأخفش: المُبْصرةُ: البَيِّنة؛ كما تقول الموضِحَة والُمبَيِّنَة. ورد بنصه في معانيه. ومن أمثلة النقل بواسطة: قول الله تعالى: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (74)} [الفرقان: 74] قال الواحدي: "وحكى أبو علي الفارسي، عن الأخفش قال: الإمام هاهنا جمع: آمّ فاعل من: أمَّ يُجمع على: فِعَال، نحو: صَاحب، وصِحَاب". قول الله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ} [العنكبوت: 58] قال الواحدي: "قال الأخفش: قرأ الأعمش: {لَنُثوِيَنَّهم مِنَ الجَنَّةِ غُرَفًا} قال: ولا يعجبني ذلك؛ لأنك لا تقول: أثويته الدار" لم أجده عند الأخفش في "المعاني"، لكن ذكر أبو علي أن أبا الحسن قال: قرأ الأعمش. "الحجة للقراء السبعة" 5/ 440. قول الله تعالى: {الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا} [الفرقان: 59] قال الواحدي: "وقال أبو إسحاق: المعنى: فاسأل عنه خبيرًا. وهو مذهب الأخفش، وجماعة جعلوا الباء، بمعنى عن، كقوله: {سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ}
6 - كتب أبي عبيد القاسم بن سلام (ت 224)
[المعارج: 1]. لم أجده في كتابه "المعاني" 2/ 642، عند هذه الآية. ونسبه له النحاس، "القطع والائتناف" 2/ 486. 6 - كتب أبي عبيد القاسم بن سلام (ت 224) (¬1): لأبي عبيد كتب كثيرة في اللغة والقراءات وفي فنون أخرى من العلم، وقد أفاد الواحدي من كتبه، فمن ذلك: كتاب "الناسخ والمنسوخ في كتاب الله العزيز" (¬2)، حيث نقل منه الواحدي في مواضع من تفسيره، يعزو أحيانًا، ويغفل أخرى. وأما في اللغة فالغالب أنه ينقل أقواله عن طريق تهذيب اللغة للأزهري، وأما توجيه القراءة فقد يكون من كتابه الذي ألفه في القراءات، وهو مفقود (¬3). 7 - " تأويل مشكل القرآن" (¬4) لعبد الله بن مسلم بن قتيبة (¬5): ¬
تكلم ابن قتيبة على السبب الذي دفعه إلى تأليف هذا الكتاب، فقال ص (17): وقد اعترض كتاب الله بالطعن ملحدون، ولغوا فيه وهجروا، واتبعوا: {مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} [آل عمران: 7] بأفهام كليلة، وأبصار عليلة، ونظر مدخول؛ فحرفوا الكلام عن مواضعه، وعدلوه عن سبله؛ ثم قضوا عليه بالتناقض، والاستحالة في اللحن، وفساد النظم، والاختلاف. وأدلوا في ذلك بعلل ربما أمالت الضعيف الغمرة والحدَثَ الغِرَّ، واعترضت بالشبه في القلوب، وقدحت بالشكوك في الصدور ... فأحببت أن انضح عن كتاب الله، وأرمي من ورائه بالحجج النيّرة، والبراهين البينة، وأكشف للناس ما يلبسون، فألفتُ هذا الكتاب جامعًا لتأويل مشكل القرآن؛ مستنبطًا ذلك من التفسير بزيادة في الشرح والإيضاح، وحاملًا ما أعلم فيه مقالًا لإمام مطلع على لغات العرب؛ لأري المعاند موضع المجاز، وطريق الإمكان، من غير أن أحكم فيه برأي، أو أقضي عليه بتأويل، ولم يجز لي أن أنص بالإسناد إلى من له أصل التفسير، إذ كنت لم أقتصر على وحي القوم حتى كشفته، وعلى إيمائهم حتى أوضحته، وزدت في الألفاظ ونقصت، وقدمت وأخرت، ¬
8 - "تفسير غريب القرآن". وهو أيضا لابن قتيبة
وضربت لذلك الأمثال والأشكال حتى يستوي في فهمه السامعون. ثم فسر معنى المتشابه والمشكل. وأصل التشابه أن يشبه اللفظ اللفظ في الظاهر والمعنيان مختلفان ... ومنه يقال: اشتبه عليّ الأمر؛ إذا أشبه غيره فلم تكد تفرق بينهما. وشبهت علي إذ لبَّست الحق بالباطل. ثم يقال لكل ما غمض ودق: متشابه، وإن لم تقع الحيرة فيه من جهة الشبه بغيره (¬1). وكتاب "تأويل مشكل القرآن" كتاب فريد تحدث فيه عن موقف علماء الكلام من أهل الحديث وما تحدثوا عنهم به من شتى التهم والمثالب؛ وعرض بالنقد لما ذهب إليه النظام من اعتراضه على أبي بكر وعمر وعلي، وطعنه على ابن مسعود وحذيفة وأبي هريرة. ونقد كذلك ثمامة بن الأشرس، ومحمد بن الجهم البرمكي، والجاحظ، وأبا الهذيل العلاف، وغيرهم؛ وعرض لأهل الرأي، وأبان عن منابذتهم للكتاب والسنة، وأدار الجزء الأكبر من كتابه على الأحاديث التي ادعي عليها التناقض والاختلاف ومخالفة القرآن؛ والأحاديث التي زعموا أن النظر يدفعها، وحجة العقل تدمغها؛ فكشف عن معانيها التي صرفهم عن فقهها الهوى الجموح، ولفتهم عن وجه الحق فيها إلحاد الضمائر والقلوب والعقول (¬2). 8 - " تفسير غريب القرآن" (¬3). وهو أيضًا لابن قتيبة: قال ابن قتيبة في مقدمة "الغريب": نفتتح كتابنا هذا بذكر أسمائه ¬
الحسنى وصفاته العلى؛ فنخبر بتأويلهما واشتقاقهما، ونتبع ذلك ألفاظًا كثر تردادها في الكتاب لم نر بعض السور أولى بها من بعض، ثم نبتدئ في تفسير غريب القرآن دون تأويل مشكله؛ إذ كنا قد أفردنا للمشكل كتابًا جامعًا كافيًا بحمد الله. وغرضنا الذي امتثلناه في كتابنا هذا أن نختصر ونكمل، وأن نوضح ونجمل؛ وألا نستشهد على اللفظ المبتذل، ولا نكثر الدلالة على الحرف المستعمل، وألا نحشو كتابنا بالنحو وبالحديث والأسانيد. فإنا لو فعلنا ذلك في نقل الحديث لاحتجنا أن نأتي بتفسير السلف، رحمة الله عليهم، ولو أتينا بتلك الألفاظ لكان كتابنا كسائر الكتب التي ألفها نقلة الحديث .. (¬1). ولقد اعتمد الواحدي في كتابه على ابن قتيبة دون أن يصرح بكتبه التي نقل عنها. وقد ظهر أن أغلب النقولات كانت من كتابيه: "تفسير غريب القرآن"، و"تأويل مشكل القرآن"، وكان النقل من الأول أكثر، ويتميز النقل من المشكل بالإطالة مع التصرف والاختصار وأحيانًا بنصه، في حين ينقل عن الغريب كلمات يسيرة معظمها في "الغريب" - على اسمه- وقد ينقل عنه بعض الردود والتعليلات. ومن أمثلة ذلك: عند قوله تعالى: {مَسْنُونٍ} [الحجر: 26] قال: وقال ابن قتيبة: المسنون المتغير الرائحة. نقله عن الغريب بنصه. وعند قوله تعالى: {وَقَضَينَآ إِليهِ} [الحجر: 66] قال: وقال ابن ¬
قتيبة: أي أخبرناه. نقله عن الغريب بلفظه. وعند قوله تعالى: {لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ} [الحجر: 79] نقل عنه تعليل تسمية الطريق إمامًا، فقال: وقال ابن قتيبة: لأن المسافر يأتم به حتى يصير إلى الموضع الذي يريد. نقله عن الغريب بنصه. وعند قوله تعالى: {إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا} [الإسراء: 47] نقل عنه رده على أبي عبيدة في قوله: "يريد بشرًا ذا رِئَةٍ" فقال: قال ابن قتيبة: "ولست أدري ما الذي اضطره إلى هذا التفسير المُسْتَكْرَه، وقد سبق التفسير من السلف بما لا استكراه فيه، قال مجاهد في قوله: {إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا} أي: مخدوعًا؛ لأن السحر حيلة وخديعة". نقله عن الغريب. وعند قوله تعالى: {سُجَّدًا للهِ} [النحل: 48] نقل في معنى السجود نقلًا طويلًا عن "المشكل" مع التصرف والاختصار، فقال: وشرح ابن قتيبة هذا شرحًا شافيًا فقال: أصل السجود التّطَأْطُؤ والميل، يقال: سجد البعير واسجد إذا طأطأ رأسَه لِيُرْكَب، وسجد النخلة إذا مالت لكثرة الحمل، ثم قد يُستعارُ السجودُ فيوضع موضع الاستسلام والطاعة والذل، ومن الأمثال المبتذلة: اسْجُدْ للقرد في زمانه، يراد اخضع للئيم في دولته، ولا يُراد معنى سجود الصلاة، والشمس والظل خَلقان مُسخَّران لأَنْ يعَاقِبَ كلُّ واحدٍ منهما صاحِبَه بغير فصْلٍ، فالظلُّ في أول النهار قبل طلوع الشمس يَعُمُّ الأرضَ، كما تَعُمُّها ظلمةُ الليل، ثم تطلُع الشمسُ فتَعُمُّ الأرضَ إلى بما سترته الشُّخُوصُ، فإذا سَتَرَ الشخصُ شيئًا عاد الظلُ، فرجوعُ الظلِّ بعد أن كان شمسًا ودورانُه من جانب إلى جانب هو سُجُودُه؛ لأنه مستسلم منقاد مطيع بالتَّسخير، وهو في ذلك يميل، والميل سجود، وكذلك قوله: {وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ} [الرحمن: 6] أي: يستسلِمَان لله بالتسخير.
9 - كتب المبرد (ت 285 هـ)
وعند قوله تعالى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً} [النحل: 120] قال: وقال ابن قتيبة: "أي إمامًا يَقْتَدِي به الناس؛ لأنه ومن اتبعه أُمَّة، فَسُمِّي أُمَّة؛ لأنه سبب الاجتماع"، هذا وجه قول من قال: أُمَّةً: معلمًا للخير، ومن قال: أُمَّة: أي مؤمنًا وحده؛ "فلأنه اجتمع عنده من خلال الخير ما يكون مِثْلُه في أُمَّة، ومن هذا يقال: فلان أُمَّةٌ وحْدَه، أي: هو يقوم مقام أمة". فهذان نقلان اقتبسهما عن المشكل بنصه. 9 - كتب المبرد (ت 285 هـ) (¬1): للمبرد مؤلفات كثيرة تربو على الخمسين (¬2)، معظمها في الأدب واللغة والنحو والقرآن، وقد نسب الواحدي إلى المبرد أقوالًا في اللغة خاصة لم أقف عليها في كتبه المطبوعة (¬3). وتعتبر أقوال المبرد وآراؤه أحد المصادر الهامة لتفسير الواحدي وهي في اغلب المواضع يتم نقلها عن طريق مصادره السابقة كـ"الحجة" و "سر صناعة الإعراب"، وفي القليل ينقل عن كتب المبرد مباشرة خصوصًا "المقتضب" ففي تفسير قوله تعالى: {وَلَا تَكُونُوَأ اوَّلَ كاَفِر به} [البقرة: 41] ¬
عن "أول" قال: " .. وقال المبرد في كتاب "المقتضب" أول: يكون على ضربين: يكون اسما، ويكون نعتا موصولا به "من كذا" .. الخ". وكتاب "معاني القرآن" (¬1)، وهو كتاب لم يصل إلينا، وقد وقفنا على نص واحد طويل نقله بواسطة التهذيب، ومن أمثلة ذلك: عند قوله تعالى: {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} [الإسراء: 78] قال: وقال المبرد: دلوك الشمس من لدن زوالها إلى غروبها عند العرب. وعند قوله تعالى: {خَشيَةَ الإنفَاقِ} [الإسراء: 100] قال: قال المبرد: المعروف في الإنفاق أنه إخراج المال عن اليد، فإن كان قد روي في اللغة معنى الإعدام فهو كما قال أبو عبيدة، والا فمعنى الكلام في الآية: خشية أن يستفرغكم الإنفاق ويجحف بكم، فيكون الكلام من باب حذف المضاف على تقدير: خشية ضرر الإنفاق وما أشبهه. وعند قوله تعالى: {جِئنَا بِكُمْ لَفِيفًا} [الإسراء: 104] قال: وقال المبرد: الأكثر عند العرب أن اللفيف إنما يقال للمختلطين من كل شكل، وكل شيء خلطته بشيء فقد لففته، ومنه قيل لففتَ الجيوشَ إذا ضربت بعضها ببعض، والتفت الزحوف. وقد يكون النقل من كتابي "المقتضب" و"الكامل"، مثاله: قوله الله تعالى: {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (27) يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا} [الفرقان: 27، 28] قال الواحدي: "قال المبرد: قولهم: يا فل أقبل، ليس بترخيم فلان؛ ولو كان ¬
10 - "نظم القرآن" لأبي علي الجرجاني
كذلك قيل: يا فلا أقبل. ومما يزيده وضوحًا قولهم للأنثى: يا فلة أقبلي. قال: ولكنها كلمة على حدة. قال: وقد تستعمل في غير النداء، كقوله: في لَجَّةٍ أمْسكْ فلانًا عن فُلِ "المقتضب" 4/ 237، ولم أجد قول المبرد عند الأزهري. 2 - قول الله تعالى: {إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ} [الشعراء: 4] قال الواحدي: "قال المبرد: وهذا قول أبي زيد في هذه الآية قال: أعناقهم: جماعاتهم". "المقتضب" 4/ 199، ونسبه لأبي زيد الأنصاري. ولم أجده في "تهذيب اللغة". 3 - قول الله تعالى: {وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} [القصص: 11] قال الواحدي: "قال المبرد: فلان يقص أثر الجيش أي: يتبعه متعرفًا". "الكامل" للمبرد 2/ 1018. 10 - " نظم القرآن" (¬1) لأبي علي الجرجاني (¬2): أفاد الواحدي من كتاب "نظم القرآن" ونقل عنه كثيرًا، خصوصًا عند ¬
الحديث عن نظم الآيات ونقل عنه مسائل في اللغة والنحو، ومن أمثلة ذلك: عند تفسير قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا ¬
بِسُورَةٍ} [البقرة: 23] قال: " .. وقال أبو علي الجرجاني: نظم الآية: "فأتوا بسورة من مثله" من دون الله "وادعوا شهداءكم" أي من مثل القرآن من غير الله ... قال: ومثل هذا قوله: {فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ}. ونظمه: فأتوا بعشر سور مثله مفتريات من دون الله وادعوا من استطعتم من الناس". وقال في سورة "يونس" في تفسير قوله تعالى: {وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [يونس: 10] "قال صاحب النظم: وأن هاهنا زائدة". وفي تفسير سورة الدخان: {حم (1) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ} [الدخان: 1، 2] "وقال صاحب النظم: لولا أن قوله: {إِنَّا أَنزَلنَهُ} هو صفة للقرآن الذي أقسم به وأخبر عنه، لاحتمل أن يكون جوابا للقسم، ولكن ليس من عادتهم أن يقسموا بنفس الشيء إذا أخبروا عنه". التوفيق بين الآيات المتشابهات وإزالة الإشكال: عند قوله تعالى {إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ} [الحجر: 4] وفق بين هذه الآية وآية الشعراء: {إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ} [الشعراء: 208]، قال: قال صاحب النظم: والفرق بينهما أن دخول الواو يقلب حال ما بعدها إلى الابتداء، وخروجها منه يدل على أن ما بعدها في موضع حال، اعتبارًا بقولك: ما أهلكنا من قرية إلا ظالمًا أهلها، فيكون نصبًا على الحال، فإذا دخلت الواو قلت: إلا وأهلها ظالمون، فقلبت الواو الحالَ إلى أن جعلتها مبتدأة، فانقلبت رفعًا عن النصب، وهذا فرق من حيث اللفظ، والمعنى واحد أثبتَّ الواو أو حذفتَها. إيراد المسائل النحوية: عند قوله تعالى: {كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ} [الحجر: 12] قال: واختلفوا في المُكنّى في قوله: {نسْلُكُهُ}،
فذكر أقوالًا مأثورة ثم قال: قال صاحب النظم: الهاء كناية عن الاستهزاء ودلَّ عليه الفعل؛ كقولهم: من كذب كان شرًّا له، والفعل يدل على المصدر؛ كقوله: {وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ} [الزمر: 7] أي: الشكر، فأضمره لدلالة الفعل عليه. نقل معنى "الغريب": عند قوله تعالى: {وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ} [الحجر: 66] قال: وقال صاحب النظم: أي: فرغنا منه؛ كقوله: {ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ} [يونس: 71] وقد مرّ. إزالة الإشكال النحوي عن الآية وبيان معناها: عند قوله تعالى: {كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ} [الحجر: 90] قال: قال صاحب "النظم" المعنى: إني أنذرتكم ما أنزلناه على المقتسمين، وتكون الكاف زائدة. اختيار الوقف وتوجيهه: عند قوله تعالى: {وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} [النحل: 5] بين أن الوقف إما على {خَلَقَهَا}، وإما على {خَلَقَهَا لَكُمْ}، ثم ذكر اختيار صاحب "النظم"، فقال: قال صاحب النظم: أحسن الوجهين أن يكون الوقف عند قوله: {خَلَقَهَا}؛ لقوله في النسق على ما قبلها: {وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ} [النحل: 6]. نقل اللطائف البلاغية: عند قوله تعالى: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ} [النحل: 33] قال: قال صاحب النظم: إنهم لا ينتظرون ذلك على الحقيقة؛ لأنهم كانوا لا يؤمنون بالله، كيف ينتظرون أمره؟! ولن لمّا كان امتناعهم من الدخول في الإيمان موجبًا عليهم إتيان أمر الله والملائكة بما قدّر عليهم من العذاب، وكان عاقبة أمرهم إلى ذلك، أضيف ذلك إليهم على المجاز والسعة، وجعل مجيء ذلك انتظارًا منهم له؛ فكأنه -عز وجل- قال: هل يكون مدة إقامتهم على كفرهم إلى مقدار إيقاعي بهم وإنزالي العذاب
عليهم؟ وهذا كما قلنا في لام العاقبة في مواضع، لمّا كانت العاقبة تؤدي إلى ذلك جُعل سببًا له وإن لم يكن في الحقيقة كذلك؛ كقوله: {فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّ} [القصص: 8] وقد مرّ. ثم عقب الواحدي بقوله: وهذا الذي ذكره صاحب النظم وجه جيد في هذه الآية لم يذكره في نظيرها في سورة البقرة والأنعام. توجيه حروف المعاني: عند قوله تعالى: {فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ} [النحل: 71] قال: وقال صاحب النظم: معنى الفاء في قوله: {فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ} حتى؛ لأن التأويل: {فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا} بجاعلي رزقهم لعبيدهم حتى يكون عبيدهم فيه معهم سواء في الملك، فقوله: {فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا} صفة لما تَقَدَّمه من الخبر لا جوابٌ له؛ ولو كان جوابًا له لكان قد أوجب أن يكون المولى والعبيد في ذلك سواء، وهو -عز وجل- إنما أراد أنهم لا يستوون في الملك. وهذا قول جيد انفرد به صاحب النظم، وانظر الأقوال الأخرى التي ذكرتها في التعليق على الآية في التحقيق. ذكر المناسبات وتوجيه المعنى: عند قوله تعالى: {أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ} [النحل: 59] قال: وقال صاحب النظم: قوله: {أَيُمْسِكُهُ} متصل في النظم بقوله: {وَهُوَ كَظِيمٌ} [النحل: 58] والكظيم بمعنى الكاظم، ومعنى الكظم: ستر الشيء في القلب وترك إظهاره، ومنه: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ} [آل عمران 134] والتأويل: وهو كاظم {أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ} أي: أن هذا المعنى في قلبه من شدة الغَمّ وهو يكظمه ولا يظهره.
11 - كتب أبي بكر ابن الأنباري
11 - كتب أبي بكر ابن الأنباري: تعدّ كتب أبي بكر محمد بن القاسم الأنباري (¬1) من المصادر الرئيسة، وقد أفاد الواحدي منه كثيرا فكانت أقوال ابن الأنباري في "معاني القرآن" واللغة والنحو مصدرًا رئيسا من أهم مصادره في تفسيره، وكلامه ينال إعجاب الواحدي فيشيد به، أخذ عنه في المسائل النحوية واللغوية والقضايا التفسيرية وخصوصا فيما يتعلق بمشكل القرآن أو النكات والفوائد. نقل عنه كثيرا ولم أجد مما نسبه إليه في كتب ابن الأنباري التي وصلت إلينا سوى نتف يسيرة في كتاب "الزاهر" (¬2). ولابن الأنباري كتاب في "المشكل في معاني القرآن" وصل فيه إلى {طه} أملاه في سنين كثيرة، و"رسالة المشكل" رفى فيها على ابن قتيبة وأبي حاتم السجستاني، ولم يصلا إلينا (¬3)، ولعل السبب في عدم وصول مثل هذه الكتب ما ذكره الخطيب البغدادي: من أنه كان يملي، ولم يكن يكتب (¬4). ويترجح عندي أن الواحدي اعتمد على هذين الكتابين فيما أفاده عن ابن الأنباري، لأن أغلب ما نقل عنه يتعلق بمشكل القرآن، ولتصريحه بالرد ¬
على ابن قتيبة أحيانًا نقلًا عن ابن الأنباري. والكلام الذي نستطيع أن نرجعه إلى ابن الأنباري، هو ما صرح الواحدي فيه بنقله عنه. ويغلب على ظني أن هناك مواضع كثيرة نقل فيها عنه بدون عزو، لشبه العبارة بكلام ابن الأنباري، ولأنه اتضح لي أن الواحدي ينقل عن مصادره بعزو، وأحيانا بدون عزو. وأذكر بعض الأمثلة لأخذ الواحدي عن ابن الأنباري ففي تفسير "البسملة" قال: "قال أبو بكر محمد بن القاسم بن بشار سألت أبا العباس، لِمَ جمع بين الرحمن الرحيم (¬1)؟. فقال: لأن الرحمن عبراني، فأتى معه الرحيم العربي واحتج بقول جرير .... الخ". وفي تفسير قوله تعالى: {كَمَثَلِ اَلَّذِى اَستَوقَدَ نَارًا} [البقرة: 17] قال: "وقال ابن الأنباري: "الذي" في هذه الآية واحد في معنى الجمع، وليس على ما ذكره ابن قتيبة، لأن "الذي" في البيت الذي احتج به جمع واحده "اللذ"، و"الذي" في الآية واحد في اللفظ لا واحد له، ولكن المراد منه الجمع". ومثال آخر يوضح مدى إفادة الواحدي من ابن الأنباري ما ذكر في تفسير قوله تعالى: {لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} الآية [يونس: 4] قال: "فإن قيل: لم أفرد المؤمنين بالقسط دون غيرهم وهو يجزي الكافر -أيضا- بالقسط؟ قال ابن الأنباري: "لو جمع الله الصنفين بالقسط لم يتبين ما يقع بالكافرين من العذاب الأليم، ففصلهم عن المؤمنين، ليبين ما يجزيهم به ¬
12 - أبو القاسم الزجاجي
مما هو عدل غير جور؛ فلهذا خص المؤمنين بالقسط وأفرد الكافرين بخبر يرجع إلى تأويله بزيادة الإبانة .. " (¬1). 12 - أبو القاسم الزجاجي (¬2): أخذ الواحدي عن أبي القاسم الزجاجي خصوصًا في المسائل اللغوية والنحوية ونقل عنه مقاطع طويلة، ولم أستطع أن أهتدي إلى الكتاب الذي نقل عنه بعد أن اطلعت على جميع كتبه المطبوعة، فلعل الواحدي أخذ عن مصدر مفقود أو عن كتاب غير كتب الزجاجي يعتني بذكر أقواله، أو عن طريق أحد شيوخه مشافهة. ومن أمثلة ذلك ما ذكره عن معنى الإيمان في تفسير قوله تعالى: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} [البقرة: 3] قال: " ... على أن أبا القاسم الزجاجي شرح معنى الإيمان بما هو أظهر مما ذكره الأزهري، وهو انه قال: معنى التصديق في الإيمان لا يعرف من طريق اللغة إلا بالاعتبار والنظر، لأن حقيقته ليست للتصديق، ألا ترى أنك إذا صدقت إنسانًا فيما يخبرك به، لا تقول آمنت به؟ لكنك إذا نظرت في موضوع هذه الكلمة وصرفته حق التصريف ظهر لك من باطنها معنًى يرجع إلى التصديق ... إلخ ". ¬
13 - كتب أبي جعفر النحاس
ومثال آخر في قوله تعالى: {الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ} الآية [البقرة: 46] قال: "وذكر أبو القاسم الزجاجي حقيقة الظن في اللغة، فقال: هو اعتقاد الشيء على طريقة التقدير والحدس فإن أصاب فيما ظن صار يقينا، وإن لم يصب كان مخطئا في تقديره، ولهذا ذكر أهل اللغة هذه اللفظة في باب الأضداد .. الخ" (¬1). 13 - كتب أبي جعفر النحاس (¬2): أفاد الواحدي في "البسيط" من كتب أبي جعفر النحاس في مواضع متعددة خصوصًا من كتاب "القطع والائتناف" (¬3)، وهو "الوقف والابتداء"، ومن أمثلة ذلك. 1 - قول الله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ} [الروم: 25] قال الواحدي: "وقال النحاس: {إِذَا دَعَاكُم دَعوَةً} ليس بوقف؛ لأنه لم يأت بجواب "إذا" وجواب "إذا" على قول الخليل وسيبويه: {أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ} أي: خرجتم. ¬
14 - "الإغفال فيما أغفله الزجاج من المعاني"
وكذا قال سيبويه: {وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ} [الروم: 36] تقديره عنده: قنطوا. والقول ما قال النحاس. "القطع والائتناف" 2/ 532. 2 - قول الله تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا} [الفرقان: 59] قال الواحدي: "وكان علي بن سليمان يذهب إلى أن الكناية في {بِهِ} تعود إلى السؤال. وقوله: {فَاسْأَلْ} يدل على السؤال. والمعنى: فاسأل عالمًا بسؤالك. "القطع والائتناف" 2/ 486. 3 - في سورة الدخان {حم (1) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ} [الدخان: 1 - 2] قال: "قال النحاس: يجوز أن يجعل جواب القسم: "إنا أنزلناه حم" فيكون تمام الكلام عند قوله "المبين" وان جعلمت جواب القسم "إنا أنزلناه" أتصل بالكلام الأول" (¬1). 14 - " الإغفال فيما أغفله الزجاج من المعاني" (¬2) لأبي علي الفارسي، وفي هذا الكتاب تعقب أبو علي الفارسي (¬3) كتاب أبي إسحاق الزجاج "معاني القرآن وإعرابه" في مسائل ذكرها الزجاج. وقد أطال أبو علي في كثير منها وتوسع طويلًا وسلك منهجًا قريبًا من منهجه في "الحجة" في إيراد المسائل اللغوية والنحوية والصرفية، وقد أفاد الواحدي من "الإغفال" في مسائل كثيرة، بعضها بالعزو، وبعضها بدون عزو. ¬
ومن أمثلة ذلك في لفظ الجلالة "الله" نقل عن الإغفال طويلا بدون عزو حيث قال: "وقوله "الله" أما أصل هذه الكلمة فقد حكى أصحاب سيبويه عنه فيه قولين: أحدهما قال: كان أصل هذا الاسم "إلاها" ففاؤها "همزة"، وعينها " لام" و"الألف" ألف فِعَال الزائدة، واللام "هاء" ... إلخ (¬1)، وأخذ عنه في ذلك صفحات عديدة، أكثره بنصه وقد يتصرف بالعبارة أحيانا ويقدم بعض الكلام على بعض. ونص كلام أبي علي في "الإغفال": "فأما قولنا: "الله" فقد حمله سيبويه على ضربين: أحدهما: أن يكون أصل الاسم "إلاه" ففاء الكلمة على هذا "همزة" وعينها "لام" والألف "ألف" فِعَال الزائدة و"اللام" هاء .. الخ (¬2). وفي آخر الموضوع نقل عنه كلامًا طويلًا حول الإمالة في لفظ الجلالة "الله" ولم أجده عند أحد غير أبي علي (¬3) سوا ما نقله عنه ابن سيده في المخصص والواحدي في "البسيط". ومثال آخر في قوله تعال: {وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا} [البقرة: 48] نقل عنه كلامًا طويلًا مع عزوه له. فقال: "أبو علي: والظرف نوع من أنواع المفعولات المنتصبة عن تمام الكلام، وهو زمان أو مكان .. " (¬4). ¬
15 - المسائل الحلبيات لأبي علي الفارسي
واستمر ينقل عنه في الظروف كلامًا لا علاقة له بالتفسير، وبمثل هذا النهج نقل عنه كلامًا طويلا حول "الآن" (¬1). ومثال آخر في قوله تعالى: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ...} الآية [النساء: 3] ذكر كلام أبي إسحاق الزجاج ثم قال: "هذا كلام أبي إسحاق وقد أخطأ في موضعين من هذا الفصل أصلحهما (¬2) أبو علي وذكر معنى العدل فقال: اعلم أن العدل ضرب من الاشتقاق فكل معدول مشتق، وليس كل مشتق معدولًا .... الخ" (¬3). 15 - المسائل الحلبيات (¬4) لأبي علي الفارسي: وقد أفاد منه الواحدي ونقل عنه قليلا وذكرته هنا لمناسبة ذكر كتب أبي علي الفارسي، أخذ عنه في تفسير "الناس" في قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ} [البقرة: 8] قال: "وذكر أبو علي في المسائل الحلبيات أن الكسائي قال: إن "الأناس" لغة و"الناس" لغة أخرى، وكأنه يذهب إلى أن "الفاء" محذوف من الناس كما يذهب إليه سيبويه والدلالة على أنهما من لفظ واحد، وليسا من كلمتين مختلفتين أنهم قالوا: "الأناس" في المعنى الذي قالوا فيه "الناس" .. إلخ (¬5). وبالرجوع ¬
16 - الإيضاح العضدي
للمسائل الحلبيات، نجد الواحدي نقل كلام أبي علي بالمعنى (¬1). 16 - الإيضاح العضدي: ذكر أبو علي في هذا الكتاب مباحث في النحو والصرف، والعضدي: نسبة للسلطان عضد الدولة، أبي شجاع، فَنَّاخُسْرُو، صاحب العراق وفارس، قال الذهبي في ترجمة عضد الدولة: وله صنف أبو علي كتابي: "الإيضاح"، "والتكملة" (¬2). {أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ} [الشعراء: 197] قال الواحدي: "قال أبو علي: إذا اجتمع في باب: كان، معرفة ونكرة فالذي يُجعل اسم كان منهما: المعرفة، كما كان المبتدأ: المعرفة، والنكرة: الخبر ... ذكر هذا في كتاب "الإيضاح" ونحو هذا ذكر في كتاب "الحجة". 17 - كتاب "سر صناعة الإعراب" (¬3) لأبي الفتح عثمان بن جني (¬4): تكلم ابن جني في هذا الكتاب عن أحكام "حروف المعجم" وأحوالها ومواقعها في كلام العرب. ¬
منهج ابن جني في كتابه
منهج ابن جني في كتابه: " كان بين أيدي الناس ترتيبان للحروف: أحدهما ترتيبها بحسب المخارج، وهو الترتيب الذي بنى عليه أصحاب المعجمات مصنفاتهم في اللغة، كالخليل في كتاب العين، والأزهري في "تهذيب اللغة"، والثاني ترتيبها على النحو التالي: (أ. ب. ت. ث. ج. ح. خ. د. ذ. ر. ز. س. ش. ص. ض. ط. ظ. ع. غ. ف. ق. ك. ل. م. ن. هـ. و. لا. ي) وهو الذي كان مشهورًا بأيدي الناس في حياة ابن جني، وهو الترتيب الذي آثره، فبوّب كتابه بحسبه. وقد عقد أبو الفتح لكل حرف من هذه الحروف بابًا تناول فيه الحرف على النحو التالي: فهو يبدأ أولًا بذكر صفة الحرف من حيث الجهر أو الهمس، ويبين استعماله في الكلام من حيث الأصالة، والبدل، والزيادة، ويتلوه بالتمثيل لأصالته من حيث وقوعه فاء الكلمة، وعينها، ولامها، فيذكر لكل وقع مثالين أحدهما اسم والآخر فعل. ما عدا باب الهمزة فقد زاد فيه عن المثالين، ويعقبه بذكر الحروف التي أبدل هذا الحرف منها، ويفصل القول في كل منها، وبعد ذلك يعرض مواضع زيادته. وفي مطلع باب الهمزة شرح معنى الأصالة والبدل والزيادة، فقال: "اعلم أن الهمزة حرف مجهور، وهو في الكلام على ثلاثة أضرب: أصل، وبدل، وزائد. ومعنى قولنا أصل: أن يكون الحرف فاء الفعل أو عينه أو لامه. والبدل: أن يقام حرف مقام حرف، إما ضرورة، وإما استحسانًا وصنعة. فإذا كانت أصلًا وقعت فاء وعينًا ولامًا. فالفاء نحو أَنْف وأُذُن وإبرة وأَخَذ وأَمرَ. والعين نحو فأس ورأس وجُؤْنة وذئب وسأل وجأَرَ. واللام نحو قُرْء وخَطَأ
ونَبَأ وهدأَ واستبرأَ واستدفأَ" (¬1). وقال في باب التاء: "التاء حرف مهموس، يستعمل في الكلام على ثلاثة أضرب: أصلًا وبدلًا وزائدًا. فإذا كانت أصلًا وقعت فاء وعينًا ولامًا، فالفاء نحو تَمْر وتَنَأَ، والعين نحو فِتْر وقتلَ، واللام نحو فَخْت ونَحَتَ. وأما إبدالها فقد أبدلت من ستة أحرف هن: الواو، والياء، والسين والصاد والطاء، والدال. إبدالها من الواو: قد أبدلت التاء من الواو فاء إبدالًا صالحًا ... " (¬2). وأما زيادة الحرف فتارة يكتفي بذكر الأماكن التي يكون فيها زائدًا مع التمثيل، كقوله في زيادة التاء: "وأما الزيادة فقد زيدت التاء أولًا في نحو تَأْلَب وتِجْفاف .. وزيدت ثانية في نحو افتقار وافتقر ... وزيدت أيضًا رابعة في سَنْبَتة .. وزيدت أيضًا خامسة في نحو ملكوت وجبروت ... وسادسة في نحو عنكبوت وتَرْنَموت ... وقد زيدت في أوائل الأفعال الماضية للمطاوعة، كقولك كسّرته فتكسّر .. وتزاد في أوائل المضارعة لخطاب المذكر نحو أنت تقوم وتقعد .. " (¬3). وتارة يبدأ بوضع المقاييس التي يستدل بها على زيادة الحرف، كقوله في زيادة الهمزة: "اعلم أن موضع زيادة الهمزة أن تقع في أول بنات الثلاثة، فمتى رأيت ثلاثة أحرف أصولًا وفي أولها همزة، فاقض بزيادة الهمزة عرفت الاشتقاق في تلك اللفظة أو جهلته، حتى تقوم الدلالة على ¬
كون الهمزة أصلًا، وذلك نحو أحمر وأصفر ... " (¬1). فإذا جُهل الاشتقاق لجأَ أبو الفتح إلى القياس للحكم على أصالة الحرف أو زيادته، من ذلك قوله في التاء والنون: "واعلم أن للتاء ميزانًا وقانونًا يعرف به من طريق القياس كونها أصلًا أو زائدة، فإذا عدمت الاشتقاق في كلمة فيها تاء أو نون، فإن حالهما فيما أذكره لك سواء: فانظر إلى التاء أو النون، فإن كان المثال الذي هما فيه أو إحداهما على زنة الأصول بهما فاقض بأنهما أصلان، وإن لم يكن المثال الذي هما فيه بهما أو بإحداهما على زنة الأصول فاقض بأنهما زائدتان .. " (¬2). وبعد أن يفرغ من الحديث عن زيادة الحرف يشير إلى حذفه إن كان الحذف قد وقع فيه، كقوله في الهمزة: "وقد حذفت الهمزة فاء نحو ويلِمِّه، وناس، والله في أحد قولي سيبويه. ولامًا في جا يجي، وسا يسو. وحذفت عينًا في أريت وتصرفه" (¬3). هذا إذا كان الحرف يستعمل في الكلام أصلًا وبدلًا وزائدًا، فإذا كان لا يقع إلا أصلًا كالخاء، اكتفى بذكر ذلك فيه، وعرض ما اختلف فيه مما قد يظن أنه يدخل في باب الإبدال (¬4). وكذا إذا كان الحرف لا يستعمل إلا أصلًا وبدلًا كالجيم (¬5)، ومثله الحرف الذي يستعمل أصلًا وزائدًا ليس غير كالسين (¬6). ¬
هذه هي القضايا الأساسية التي كررها المؤلف في كل حرف، فهي العمود الفقري لكل باب من أبواب الكتاب، وأمّا ما عداها من المسائل فإنما استطرد إليها استطرادًا، أو ذكرها إيضاحًا لمشكل، أو لأن لها علاقة وإن كانت بعيدة ببعض المباحث الأساسية. نخلص من هذا إلى القول: إن مادة الكتاب الأصلية هي الإعلال والإبدال والزيادة والحذف، وهذه أهم مباحث علم التصريف (¬1). ولقد استفاد الواحدي من كتاب "سر صناعة الإعراب" كتيرًا في المسائل النحوية خصوصًا عن الحروف ومعانيها، والغالب أنه ينقل عنه بدون عزو، وقد يعزو له أحيانًا قائلًا: قال أبو الفتح الموصلي، بدون ذكر اسم كتابه الذي أخذ عنه. ومن أمثلة نقله عنه بدون عزو ما افتتح به كتابه عند الكلام عن "الباء" في تفسير: "بسم الله الرحمن الرحيم" قال: "اختلفت عبارة النحويين في تسمية هذه "الباء" الجارة، فسموها مرة: حرف إلصاق، ومرة حرف استعانة، ومرة حرف إضافة، وكل هذا صحيح من قولهم. أما الإلصاق: فنحو قولك تمسكت بزيد، وذلك أنك ألصقت محل قدوتك به، وبما اتصل به، فقد صح إذن معنى الإلصاق ... " (¬2) نقل عنه مع التصرف في كلام ابن جني بالتقديم والتأخير والحذف، وأذكر بعض كلام ابن جني لمقارنته مع نقل الواحدي قال ابن جني: ¬
"واعلم أنهم قد سموا هذه "الباء" في نحو قولهم: "مررت بزيد" و "ظفرت ببكر" مما تتصل فيه الأسماء بالأفعال، مرة حرف إلصاق، ومرة حرف استعانة، ومرة حرف إضافة، وكل ذلك صحيح من قولهم .. الخ (¬1). وقال الواحدي: وأما قول النحويين "الباء والكاف واللام" الزوائد، فإنما قالوا فيهن إنهن زوائد، لأنهن لما كن على حرف واحد، وقللن غاية القلة واختلطن بما بعدهن، خشي عليهن لقلتهن وامتزاجهن بما يدخلن عليه أن يظن بهن أنهن بعضه وأحد أجزائه، فوسموهن بالزيادة، ليعلموا من حالهن أنهن لسن من أنفس ما وصلن به .. (¬2). وقال ابن جني: "فأما قول النحويين: الباء والكاف واللام الزوائل يعنون نحو بزيد ولزيد، فإنما قالوا فيهن إنهن زوائد لما أذكره لك، وذلك أنهن لما كن على حرف واحد، وقللن غاية القلة، واختلطن بما بعدهن خشي عليهن لقلتهن وامتزاجهن بما يدخلن عليه أن يظن بهن أنهن بعضه أو أحد أجزائه فوسموهن بالزيادة لذلك، ليعلموا من حالهن أنهن لسن من أنفس ما وصلن به .. " (¬3). وبمثل ذلك تعامل الواحدي مع كتاب أبي الفتح بن جني في مواضع كثيرة من كتابه ينقل عنه بتصرف ولا يعزو له. انظر الكلام على "ال" في تفسير {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 1] نقل عنه صفحات كثيرة ¬
بتصرف. (¬1) وفي تفسير {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} [الفاتحة: 5] عند الكلام على "إيا" قال: "اختلفت مذاهب النحويين في هذا الحرف، وأنا ذاكر لك منها ما يحتمله هذا الكتاب، ذهب الخليل إلى أن "إيا" اسم مضمر مضاف إلى "الكاف"، وهذا مذهب أبي عثمان. وحكى أبو بكر عن أبي العباس عن أبي الحسن: أنه أسم مفرد مضمر يتغير آخره كما تتغير أواخر المضمرات لاختلاف أعداد المضمرين، وأن "الكاف" في "إياك" كالكاف في "ذلك" في أنه دلالة على الخطاب فقط مجردة من كونها علامة للضمير، ولا يجيز أبو الحسن فيما يحكى عنه: "إياك وإيا زيد" و"إياي وإيا الباطل". وقال سيبويه: حدثني من لا أتهم .. إلخ (¬2). ونص كلام أبي الفتح: "فهذِه مسألة لطيفة عنت لنا في أثناء هذا الفصل، نحن نشرحها ونذكر خلاف العلماء فيها، ونخبر بالصواب عندنا من أمرها إن شاء الله وهي قوله عز اسمه {إِيَّاكَ نَعبُد} وما كان مثله. أخبرني أبو علي عن أبي بكر محمد بن السري عن أبي العباس محمد بن يزيد: أن الخليل يذهب إلى أن "إيا" اسم مضمر مضاف إلى الكاف، وحكى عن المازني مثل هذا القول المحكي عن الخليل في أنه مضمر مضاف. قال: وحكى أبو بكر عن أبي العباس عن أبي الحسن الأخفش، وأبو إسحاق عن أبي العباس غير منسوب إلى الأخفش: أنه اسم مفرد مضمر ¬
بتغير آخره كما لتغير أواخر المضمرات لاختلاف أعداد المضمرين ... إلى أن قال: ولا يجيز أبو الحسن فيما حكي عنه: "إياك وإيا زيد، وإياي وإيا الباطل" انتهت الحكاية عن أبي علي. وقال سيبويه: "حدثني من لا أتهم عن الخليل .. الخ (¬1). وبعد أن نقل الواحدي عن أبي الفتح ابن جني كلامًا طويلًا في هذا قال: " .. وهذا الذي ذكرنا كلام أبي علي وأبي الفتح" (¬2). ومن أمثلة أخذه عنه بدون عزو -وهي كثيرة- ما ذكره في حروف التهجي عند تفسير قوله تعالى: {الم} [البقرة: 1] (¬3) وكذلك عن "الفاء" في تفسير قوله تعالى: {فَاَتَّقُواْ ألنَّارَ} [البقرة: 24] (¬4). هذه أهم مصادر الواحدي التي تم التعرف عليها. وفي تفسيره "البسيط" حشد كبير من أقوال الصحابة ومن بعدهم من التابعين في مجال التفسير وكذا أقوال أئمة اللغة والنحو، ونجد الواحدي في الغالب ينقل هذه الأقوال عن طريق هذه المصادر. ففي مجال التفسير ذكر أقوال ابن عباس كثيرًا، بل إن منهجه يقوم على ذكر قول ابن عباس في الآية ما وجد له قولًا فيها، كما ذكر ذلك في مقدمة كتابه (¬5)، كما ذكر أقوال ابن مسعود، وأبيّ بن كعب. ومن التابعين ومن بعدهم ذكر أقوال مجاهد، وسعيد بن جبير، وعطاء بن أبي رباح، ¬
وعكرمة، وأبي الحسن البصري، وقتادة، والسدي، وغيرهم. وفي الغالب أنه يأخذ أقوال هؤلاء عن طريق تفسير الثعلبي أو الطبري. وممن ذكر قوله في مجال التفسير "الحسين بن الفضل" (¬1)، ينقل أقواله في الغالب من طريق الثعلبي. من أمثلة ذلك عن تفسير قوله تعالى: {وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ} [البقرة: 45] قال: " .. وقال الحسين بن الفضل: رد الكناية إلى الاستعانة؛ لأن "استعينوا" يدل على المصدر .. " (¬2). وقول الحسين ذكره الثعلبي في تفسيره. كذا الحال بالنسبة لأئمة النحو، نجد اسم "سيبويه" يتردد كثيرًا في "البسيط" وفي جميع المواضع التي اطلعت عليها لم أجده نقل عن الكتاب مباشرة، وإنما عن طريق أحد المصادر السابقة، من أمثلة ذلك: أنه ذكر قوله سيبويه في "الباء" من طريق "سر صناعة الإعراب"، وذكر قوله في "أراب" عن طريق "الحجة" لأبي علي الفارسي، وهكذا. ومثل هذا يقال عن بقية أئمة النحو الذين نقل عنهم كثيرًا كالخليل، وابن كيسان وأبي الحسن الأخفش، وأبي العباس ثعلب وغيرهم. وكما ذكر أقوال أئمة اللغة عن طريق "تهذيب اللغة" للأزهري مثل أبي عبيد القاسم بن سلام، وابن السكيت، والأصمعي، وأبي حاتم، واللحياني ¬
منهج الواحدي في النقول من مصادره
ابن الأعرابي وغيرهم. مثال واحد يوضح ذلك، نقل قول أبي عبيد في معنى "الصلاة" لغة، وكذا معنى "الفلاح" وكلام أبي عبيد موجود في كتابه "غريب الحديث" لكن النص أقرب إلى ما ذكره الأزهري في "تهذيب اللغة"، كما نقل كلامًا قبله وبعده من "التهذيب" يؤكد أن النقل منه. منهج الواحدي في النقول من مصادره: لقد استفاد الواحدي من تلك المصادر كثيرًا، وكانت النقول سمة بارزة في تفسيره. لكن ما طريقة الواحدي في النقل هل هو مجرد ناقل، أو له جهد فيما ينقله؟ الحقيقة أن هذه النقول تبرز ما يتمتع به الواحدي من مهارة فائقة في حسن انتقاء وجودة الربط بين الكلام، كما أن نقاشه للأقوال والترجيح بينهما، يظهر قوة عقلية وملكة علمية تدل على أصالته في ذلك، وقد عبر الواحدي عن هذا النهج في مقدمة كتابه حين قال: " ... ولم يترك الأول للآخر شيئا غير أن المتأخر بلطيف حيلته ودقيق فطنته، يلتقط الدرر ويجمع الغرر، فينظمها كالعقد على صدور الكعاب، يروق المتأملين ويؤنق الناظرين .... " (¬1). وأذكر بعض الأمثلة توضح ذلك: في تفسير قوله تعالى: {وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ ...} [البقرة: 6] نقل كلامًا بنصه لأبي علي الفارسي من الحجة عن الهمزة في "أأنذرتهم". فقال: "لفظه لفظ الاستفهام ومعناه الخبر ... " إلى أن قال: "فكل استفهام تسوية ¬
وإن لم يكن كل تسوية استفهامًا" (¬1). وانتقل من كلام أبي علي مباشرة إلى كلام لأبي إسحاق الزجاج رابطًا الكلام ببعضه فقال: "وحرر أبو إسحاق هذا الفصل فقال: إنما دخلت ألف الاستفهام، وأم التي هي للاستفهام، والكلام خبر لمعنى التسوية .. الخ" (¬2). وفي تفسير قوله تعالى: {وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا} [البقرة: 28] نقل كلامًا للفراء عن "كان" ومنه: " .. قال: وكان الخليل يقول: كَيْنُونَة "فَيْعُولَة" وهي في الأصل "كَيْوَنُونَة" التقت "ياء" و"واو" والأولى منها ساكنة فصيرتا "ياء" مشدّدة مثل ما قالوا: "الْهَيِّن" ثم خففوها فقالوا: "كَيْنُونة" كما قالوا: هَين لَيْن، قال الفراء: فقد ذهب مذهبًا، إلا أن القول عندي هو الأول. قال: ويضمر هاهنا "قد"، والتقدير: "وقد كنتم أمواتًا" (¬3) ... فربط بين كلام الفراء عن "كان" وهو منقول عن "تهذيب اللغة" ولم يرد هذا الكلام في تفسير الآية، تم ربط به مباشرة في قوله " .. قال: يضمر هاهنا "قد" .. " وهذا الكلام ذكره الفراء في "معاني القرآن" (¬4) فجمع بين النصين من "التهذيب" و"معاني القرآن"، وأحسن الربط بينهما، وكأنه من موضع واحد. ومع حسن سبك الكلام يناقش الأقوال ويوجهها، ويرجع ما يراه صوابًا ويرد ما كان بخلاف ذلك. ففي تفسير "البسملة" في قوله: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} نقل كلام أبي العباس ثعلب من طريق ابن الأنباري حيث يرى ثعلب أن "الرحمن" اسم عبراني، ويستدل على ذلك بقوله تعالى: {قَالُوا وَمَا ¬
الرَّحْمَنُ} [الفرقان: 60] (¬1) فيرد عليه الواحدي مبينًا أن الآية لا تقوم دليلًا على مطلوبه فيقول: "وأما ما احتج به أبو العباس من قوله تعالى: {وَمَا الرَّحْمَنُ} فهو سؤال عن الصفة، ولذلك قالوا: "وما الرحمن" ولم يقولوا: ومن، والقوم جهلوا صفته، والاسم كان معلوما لهم في الجملة" (¬2). مثال آخر يدل على ما يتمتع به من ملكة علمية تُمَكِّنه من نقاش كلام فطاحل العلماء، ما مر بنا قريبا من مناقشته لكلام الطبري (¬3) قائلًا: "وليس الأمر على ما قال، لأن الشك في القلب على الحقيقة، فأي فائدة لتقدير الاعتقاد هاهنا، ولأن الشك ينافي الاعتقاد، وهم ليسوا معتقدين إذا كانوا شاكين" (¬4). ومثال ثالث في تفسير قوله تعالى: {الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ ...} [البقرة: 27] ذكر وجهين للزجاج في المراد بالعهد (¬5)، ثم قال: "والوجه الأول أصحهما، من قبل أن الله لا يحتج عليهم بما لا يعرفون؛ لأنه بمنزلة ما لم يكن إذا كانوا لا يشعرون به ولا لهم دلالة عليه، والثاني مع هذا صحيح، لأنهم عرفوا ذلك العهد بخبر الصادق فكان كما لو كانوا يشعرون به، وهذا الوجه هو قول ابن عباس .. " (¬6). ¬
وقد ينقل كلام غيره في النقاش والترجيح، مثال ذلك أنه في أثناء الكلام عن "الواو والياء والألف" التي تلحق التثنية والجمع، نقل كلامًا طويلًا عن أبي الفتح ابن جني ومما نقله قول أبي علي الفارسي ثم قال بعده: "وهذا استدلال من أبي علي في نهاية الحسن وصحة المذهب وسداد الطريقة" (¬1). وهذا التوجيه من كلام أبي الفتح بنصه (¬2). ومثال آخر حينما تحدث عن "إياك" في تفسير قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5] ذكر أقوال العلماء في ذلك ومنه كلام الخليل والزجاج ناقلًا عن أبي الفتح ابن جني، ومما نقله مناقشة أبي الفتح لكلام الخليل، وكلام الزجاج وفيه يقول: " ... أما قول الخليل: أن "إيا" اسم مضمر مضاف فظاهر الفساد، وذلك أنه إذا ثبت أنه مضمر فلا سبيل إلى إضافته .. " (¬3). ثم يقول: " .. وأما قول من قال: "إياك" بكماله الاسم فليس بقوي .. الخ" (¬4). ثم يقول: " .. وأما قول أبي إسحاق: إن "إيا" اسم مظهر خص بالإضافة إلى المضمر ففاسد -أيضا- وليست "إيا" بمظهر كما زعم الخ" (¬5). وكل هذه المناقشات من كلام أبي الفتح بن جني من "سر صناعة الإعراب" (¬6). ¬
بعض الملحوظات على نقل الواحدي
بعض الملحوظات على نقل الواحدي: مع كثرة النقول في تفسير "البسيط" وقع الواحدي في بعض الملحوظات، ويحصل ذلك عندما يختصر النص أو ينقل بعضه ويترك بعضًا، فيكون لما ذكر ارتباط بما ترك، أو يستبدل كلمة أو جملة بأخرى تغير المعنى. وهذه بعض الأمثلة توضح ذلك: في تفسير قوله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 2] نقل نصًّا عن "تهذيب اللغة" ولم يعزه له فقال: "وقال الأخفش: الحمد لله الشكر لله، قال: والحمد -أيضا- الثناء، وكأن الشكر لا يكون إلا ثناء ليد أوليته ... الخ" (¬1). وفي "التهذيب" كلام الأخفش ينتهي عند "الحمد -أيضا- الثناء" وبدل قوله: "وكأن الشكر لا يكون ... الخ"، "قلت: الشكر ... " فهو من كلام الأزهري كما صرح بذلك صاحب "اللسان" فقال: قال الأزهري: "والشكر لا يكون ... الخ" ولما أبدل الواحدي "قلت" بـ"كان" صار الكلام جزءًا من كلام الأخفش، أو من كلام الواحدي (¬2). مثال آخر في قوله تعال: {هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} [البقرة: 2] قال: "وزعم الأخفش أن من العرب من يؤنث الهدى" (¬3) وكلام الأخفش في "الحجة": "وقال أبو الحسن: زعموا أن من العرب من يؤنث الهدى" (¬4) فالأخفش ¬
ناقل للزعم وجعله هو الزاعم. ومثال آخر: نقل كلام أبي الفتح في "أل" ومنه قوله: "ومذهب الخليل في هذا أن "أل" حرف التعريف بمنزلة "قد" في الأفعال ... واحتج لهذا المذهب بفصلين، أحدهما: أن العرب قطعت "أل" في أنصاف الأبيات نحو قول عبيد: يا خليلي اربعا واستخبرا الـ ... منزل الدراس من أهل الحلال مثل سحق البرد عفى بعدك الـ ... قطر مغناه وتأويب الشمال قال: فلو كانت اللام وحدها حرف التعريف لما جاز فصلها من الكلمة التي عرفتها ... " (¬1) فتصرف الواحدي في كلام أبي الفتح وصيَّر الكلام كأنه بنصه للخليل خصوصًا عند قوله: "واحتج لهذا المذهب بفصلين" وقوله: "قال: فلو كانت اللام ... " وأذكر نص كلام أبي الفتح ليظهر الفرق بين النصين. "وذهب الخليل إلى أن "أل" حرف تعريف بمنزلة "قد" في الأفعال وأن الهمزة واللام جميعًا للتعريف ... ويقوي هذا المذهب قطع "أل" في أنصاف الأبيات نحو قول عبيد: ياخليلي ........ ... .................... وهذه قطعة لعبيد مشهورة عددها بضعة عشر بيتًا يطرد جميعها على هذا القطع الذي تراه إلى بيتًا واحدًا من جملتها، ولو كانت اللام وحدها حرف التعريف لما جاز فصلها من الكلمة التي عرفتها ... " (¬2). ومثال آخر في تفسير قوله تعالى: {وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ} [البقرة: ¬
48] قال: "قال أصحاب المعاني: ليس معنى: "لا يقبل الشفاعة" أن هناك شفاعة لا تقبل، وإنما المعنى لا يكون شفاعة فيكون لها قبول .. الخ" (¬1). فالواحدي نقل هذا عن أبي علي الفارسي من الحجة (¬2)، ونسبه لأهل المعاني ولم يذكره أحد من أهل المعاني الذين اشتهر أخذه عنهم كالفراء والأخفش والزجاج. ثم إن في هذا الكلام محذورًا حيث ظاهره نفي الشفاعة، وهذا قول المعتزلة، ولم ينقده في هذا الموضع كدأبه في نقد آراء المعتزلة، وان كان قد ذكر القول الصحيح في معنى الآية في موضع آخر فقال في آخر تفسيرها: " ... والآية وإن عمت في نفي الشفاعة فمعناها الخصوص فيمن مات على الكفر بدلالة الأخبار الصحيحة في الشفاعة، وقوله تعالى: {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى} [الأنبياء: 28] .. " (¬3). ¬
المبحث السادس: منهج الواحدي في تفسيره وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: منهجه إجمالًا كما وصفه في مقدمة كتابه المطلب الثاني: منهجه تفصيلًا وفيه تسع مسائل. المطلب الثالث: مقارنة بين تفاسير الواحدي الثلاثة.
المبحث السادس منهج الواحدي في كتابه "البسيط"
المبحث السادس منهج الواحدي في كتابه "البسيط" المطلب الأول: مقدمة الكتاب ومنهجه إجمالًا: افتتح الواحدي كتابه بمقدمة طويلة أشتملت على مسائل هامة، حيث بين فيها سبب تأليفه الكتاب، ثم تحدث بإفاضة عن أهمية علم اللغة والنحو والأدب لتفسير القرآن الكريم، وذكر أنه لابد للمفسر أن يتمكن فيها، قبل تعرضه لتفسير كتاب الله، ثم تحدث عن شيوخه الذين تلقى عنهم العلوم في شتى المجالات، ثم تحدث بعد ذلك عن منهجه في كتابه إجمالًا. ولما حوته تلك المقدمة من قضايا هامة تنم عن شيء من شخصية الواحدي العلمية كانت مرجعًا لكل من أراد التعرف على الواحدي أو التعريف به، فنقل منها بعض العلماء عند تعريفهم بالواحدي، كما فعل "ياقوت" في معجم الأدباء (¬1)، ومن المعاصرين "أحمد صقر" في مقدمته على "أسباب النزول" (¬2). وقد سبق ذكر مقاطع منها عند الحديث عن العلوم التي برز فيها، وعند الحديث عن شيوخ الواحدي، وكذا عند الحديث عن مصادره في كتابه، والآن أستعرض جوانب أخرى في المقدمة لم يسبق الحديث عنها. ذكر في أولها الموضوعات الأساسية للكتاب فقال: "وبعد، فمنذ دهر تحدثني نفسي بأن أعلق لمعاني إعراب القرآن وتفسيره فِقَرًا في الكشف عن غوامض معانيه، ونُكَتًا في الإشارة إلى علل القراءات فيه في ورقات يصغر ¬
حجمها ويكثر غُنْمها .. ". وقد كان الواحدي موفقًا في تحديد الموضوعات الرئيسة التي ركز عليها في تفسيره، لكن عبارته توحي بالاختصار والإيجاز، والواقع بخلاف ذلك، فقد تعدى في بعض المواضع حدود الإطالة إلى الإملال بذكر مسائل لا علاقة لها بالتفسير. وإذا كان السبب الرئيس للتأليف -كما أفصح عنه- رغبته في الكشف عن غوامض معاني القرآن الكريم، فهناك سبب آخر دعاه للتأليف ذكره قائلا: " .. والأيام تمطلني بصروفها على اختلاف صنوفها إلى أن شدد علي خناق التقاضي قومٌ لهم في العلم سابقة، وفي التحقيق همم صادقة، فسمحت قرونتي بعد الإباء .. "، ثم يقول: " .. هؤلاء شكوا إليّ غلظ حجم المصنفات في التفسير، وأن الواحدة منها تستغرق العمر كتابتها ويستنزف الروح سماعها وقراءتها، ثم صاحبها بعد أن أنفق العمر على تحصيلها، ليس يحظى منها بطائل تعظم عائدته، وتعود عليه فائدته". أبرز الواحدي أن من أسباب تأليفه الكتاب ما شكوا إليه من غلظ حجم المصنفات في التفسير أقول: لقد جاء كتابه "البسيط" غليظ الحجم فوقع فيما نقده على غيره. ثم تحدث الواحدي بعد ذلك عن أصول هامة لابد لمن رام تفسير كتاب الله أن يلم بها، فذكر النحو والأدب والبلاغة وأهميتها للمفسر فقال: "فقلت: إن طريق معرفة تفسير كلام الله تعالى تعلم النحو والأدب، فإنهما عمدتاه وإحكام أصولهما، وتتبع مناهج لغات العرب فيما تحويه من الاستعارات الباهرة، والأمثال النادرة، والتشبيهات البديعة، والملاحن الغريبة .. " ويستطرد طويلًا في بيان أهمية ذلك لتفسير القرآن، خصوصًا في
عصره، وذلك لأن الصحابة الذين نزل القرآن فيهم، كانوا عربًا أولي بيان فاضل، وقد بين لهم النبي - صلى الله عليه وسلم - ما يحتاجون من مجمل الكتاب فيقول: "فاستغنوا بذلك عما نحن إليه محتاجون من معرفة لغات العرب .. "، ثم يبين أن المفسر يحتاج مع تعلم اللغة، إلى السنن المبينة لمجمل الكتاب فيقول -ناقلًا عن مقدمة "تهذيب اللغة"-: "فعلينا أن نجتهد في تعلم ما يتوصل بتعلمه إلى معرفة ضروب خطاب الكتاب، ثم السنن المبينة لمجمل التنزيل الموضحة للتأويل، لتنتفي عنا الشبه التي دخلت على كثير من رؤساء أهل الزيغ والإلحاد، ثم على رؤوس ذوي الأهواء والبدع، الذين تأولوا بآرائهم المدخولة فأخطأوا، وتكلموا في كتاب الله -عز وجل- بلكنتهم العجمية دون معرفة ثاقبة فضلوا وأضلوا .. " (¬1) فبين بهذا أهمية اللغة والسنة لبيان القرآن، وخطر التصدي لتفسيره دون المعرفة الثاقبة بهما. ثم ذكر حث السلف على تعلم اللغة وترغيبهم في ذلك فقال: "وقد كان الأكابر من السلف يحثون على تعلم لغة العرب، ويرغبون فيها لما يعلمون من فضائلها وفرط الحاجة إليها .. "، ثم أورد بعض الأحاديث والآثار في بيان قيمة الأدب والحث على تعلمه وتعلم اللغة، وختم حديثه عن أهمية اللغة والأدب للتفسير فقال: "وكيف يتأتى لمن جهل لسان العرب أن يعرف تفسير كتاب جعل معجزة -في فصاحة ألفاظه وبعد أغراضه- لخاتم النبيين وسيد المرسلين -صلى الله عليه وعلى آله الطيبين- في زمان أهلُه يتحلون بالفصاحة ويتحدون بحسن الخطاب وشرف العبارة، وإن مثل من طلب ذلك مثل من شهد الهيجاء بلا سلاح، ورام أن يصعد الهواء بلا جناح". ¬
ثم يقرر قضية هامة وهي أن من جهل لسان العرب وأصول كلامهم ليس مرشحًا للتعرض لتفسير كتاب الله، حتى وإن قرأ كتب التفسير، لأنه مقلد لهم في ذلك غير مدرك لمعاني كتاب الله فيقول: " ... ثم وإن طال تأمله مصنفات المفسرين وتتبعه أقوال أهل التفسير من المتقدمين والمتأخرين فوقف على معاني ما أودعوه كتبهم وعرف ألفاظهم التي عبروا بها عن معاني القرآن لم يكن إلا مقلدًا لهم فيما حكوه وعارفًا معاني قول مجاهد، ومقاتل، وقتادة، والسدي وغيرهم، دون معنى قول الله عز وجل. ألا ترى أن واحدًا ممن لم يتدرب بلغة العرب لو سمع قول امرئ القيس: دِيمَةٌ هَطْلاَءُ فيها وَطَفٌ ... طَبَقُ الأَرْضِ تَحَرَّى وَتَدُرّ فسأل عن معناه: فقيل له: إنه يصف مطرًا سحابه هاطل، كان عارفًا معنى هذا البيت من طريق التقليد، ولا يكون عارفا معنى قول امرئ القيس ما لم يعرف تفسير كل حرف على حدته ... ". ويستمر يعرض الأمثلة والشواهد حول هذه القضية لينتهي إلى القول: "وإنما ذكرت هذه الأمثلة لتعرف أن من تأمل مصنفات المفسرين ووقف على معاني أقوالهم لم يقف على معاني كلام الله دون الوقوف على أصول اللغة والنحو". ثم يذكر طبقات المصنفين في تفسيره، ولكنه آثر الاختصار فيها، لأنه كما قال: "الاشتغال بما يعنينا أولى من بيان درجتهم والكشف عن نقصهم ومزيتهم". وينتهي إلى القول: "ولم يترك الأول للآخر شيئًا، غير أن المتأخر بلطيف حيلته ودقيق فطنته يلتقط الدرر ويجمع الغرر، فينظمها كالعقد على صدر الكعاب .. ". ولقد كان الواحدي صادقًا في مقالته، وكان كتابه تعبيرًا عن ذلك
وصف الكتاب ومنهجه فيه كما عرضه في المقدمة
فعمل فيه على لقط الدرر وجمع الغرر ونظمها كالعقد، وقد سبق إيضاح هذه المسألة عند ذكر مصادره في كتابه. بعد ذلك يذكر الواحدي شيوخه ومصادره التي استقى منها فيقول: "وأظنني لم آل جهدًا في إحكام أصول هذا العلم على حسب ما يليق بزماننا هذا، ويسعه سِنُو عمري على قلة أعدادها، فقد وفق الله تعالى وله الحمد، حتى أقتبست كل ما أحتجت إليه في هذا الباب من مظانه وأخذته من معادنه .. "، ثم أخذ في سرد شيوخه وتحدث عن الكتب التي قرأها وأطال وقد سبق نقل مقاطع طويلة منه عند الحديث عن شيوخه وكذا عند ذكر مصادره فلا أطيل بذكرها هنا. وصف الكتاب ومنهجه فيه كما عرضه في المقدمة: وفي نهاية المقدمة يصف الواحدي كتابه الذي عزم على جمعه، ومنهجه فيه فيقول: "وقد استخرت الله العظيم في جمع كتاب أرجو أن يمدني الله فيه بتوفيقه وحسن تيسيره ... سالك نهج الإعجاز في الإيجاز، مشتمل على ما نقمت على غيري إهماله، ونعيت عليه إغفاله، خال عما يكسب المستفيد ملالة ويتصور عند المتصفح إطالة، ولا يدع لمن تأمله حازَّة في صدره حتى يخرجه من ظلمة الريب والتخمين إلى نور العلم وثَلَج اليقين ... ". فهل كتاب الواحدي كما وصفه هنا؟ لقد درج الكثير من المؤلفين على وصف كتابهم في مقدماتهم التي يكتبونها أولًا وربما بالغ بعضهم في ذلك، وقد يكون المؤلف صادقًا مع نفسه فيما قال؛ لأنه لو علم خللا في كتابه لأصلحه، ونعود إلى كتاب الواحدي فأقول: إن كتابه بحق كما وصفه، سوى ما ادعاه من سلوكه نهج
منهج الواحدي في كتابه إجمالا
الإيجاز، فواقع الكتاب لا يطابق ما شرطه على نفسه في المقدمة، فإنه استطرد في كتابه إلى مباحث لغوية ونحوية خارجة عن إطار التفسير، ويأتي مزيد من الإيضاح لذلك، عندما نعرض لتفصيل منهجه في الجوانب اللغوية والنحوية. ثم يقول الواحدي عن كتابه: " ... هذا بعد أن يكون المتأمل مرتاضا في صنعة الأدب والنحو مهتديًا بطرق الحِجَاج، قَارِحًا في سلوك المنهاج فأما الجَذَع المُزْجَى من المُقْتَبِسِين والرَّيِّض الكَزُّ من المبتدئين فإنه مع هذا الكتاب كمزاولٍ غَلَقًا ضاع عنه المفتاح ومتخبط في ظلماء ليل خانه المصباح ... ". لقد كان الواحدي صادقا في وصف كتابه، حيث يوجد فيه مسائل لغوية ونحوية يعسر على القارئ فهمها إلى بعد تأمل طويل، وأكثر تلك المواضع استطرادات لا علاقة لها بالتفسير. منهج الواحدي في كتابه إجمالا: ذكر الواحدي منهجه في كتابه إجمالًا قائلًا: "وأبتدئ في كل آية عند التفسير بقول ابن عباس ما وجدت له نصًّا، ثم بقول من هو قدوة في هذا العلم من الصحابة وأتباعهم مع التوفيق بين قولهم ولفظ الآية. فأما الأقوال الفاسدة والتفسير المرذول الذي لا يحتمله اللفظ ولا تساعده العبارة فمما لم أضيع الوقت بذكره. وذكرت وجوه القراءات السبع التي اجتمع عليها أهل الأمصار دون تسمية القراء، واعتمدت في أكثرها على كتاب أبي علي الحسن بن أحمد الفارسي الذي رواه لنا سعيد بن محمد الحيري عنه". فذكر أن منهجه انه يبتدئ كل آية بقول ابن عباس ما وجد له نصا. وهنا لابد من إيضاح أمرين:
الأمر الأول: أنه يبدأ الآية غالبًا بتحليل ألفاظها وبيان أصولها اللغوية واشتقاقها، وما فيها من قضايا نحوية ويطيل في ذلك، فقد أخذت هذه المباحث حيزًا كبيرًا في الكتاب، ثم يذكر ما قيل في تفسير الآية ويبدأ ذلك بقوله: "أما التفسير" هذا في الغالب، وقد يذكر قول ابن عباس أولًا ثم يذكر تحليل ألفاظ الآية. الأمر الثاني: أنه في الغالب يبدأ بقول ابن عباس، وقد يذكر قول غيره ثم يذكر قوله بعد ذلك. مثال ذلك في تفسير قوله تعال: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} [الفاتحة: 4] قال: "قال الضحاك وقتادة: الدين: الجزاء يعني يوم يدين الله العباد بأعمالهم .. وقال ابن عباس والسدي ومقاتل في معنى {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ}: قاضي يوم الحساب .. " (¬1). ومثال آخر في تفسير قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ} [البقرة: 4] ذكر قول مجاهد ثم ذكر بعده قول ابن عباس (¬2). وذكر أن من منهجه التوفيق بين قول السلف ولفظ الآية، وهذه سمة بارزة في تفسير "البسيط"، حيث نجده دائمًا يحرص على بيان مدلول لفظ الآية على كل قول يذكره لأحد من الصحابة، أو من بعدهم، وُيظْهَر بذلك أحتمال ألفاظ الآية لهذِه الأقوال وقد يحاول أن يجمع بينها ويبين أنها تلتقي في النهاية حول معنىً واحد. ثم ذكر أن من منهجه أنه لا يذكر الأقوال الفاسدة والتفسير المرذول، ولقد كان عند شرطه في الجملة، سوى بعض الإسرائيليات التي دخلت عليه من طريق شيخه "الثعلبي" ويأتي الحديث عن ذلك قريبًا إن شاء الله. ¬
المطلب الثاني: منهجه في كتابه مفصلا
وذكر أن من منهجه أنه يذكر القراءات السبع دون تسمية القراء، وفي هذا الجانب يركز على توجيه القراءات ويتوسع في ذلك، ويذكر ذلك في الغالب بعد تحليل ألفاظ الآية. وذكر ما فيها من مسائل نحوية، وقبل دخوله في ذكر أقوال السلف والمفسرين في الآية. وفي أثناء تفسير الآية قد يتعرض لما فيها من أحكام، وقد يذكر مسائل في الوقف والابتداء، والربط بين الآيات، كما يذكر فيها سبب النزول، ولا يكثر في كل ذلك، ويأتي إيضاح هذه الأمور بالأمثلة عند ذكر منهجه مفصلًا إن شاء الله. المطلب الثاني: منهجه في كتابه مفصلًا: أولًا: تفسير القرآن بالقرآن: يعتبر القرآن الكريم هو المصدر الأول للتفسير، فما أجمل في موضع قد يرد مفصلًا في موضع آخر، وما أبهم في مكان قد يرد مبينًا في مكان آخر وهكذا. وقد يعتمد الواحدي على هذا المصدر في تفسيره فكثيرًا ما يورد آية لتفسير آية وقد يورد الآيات الكثيرة للاستشهاد، خصوصًا في المسائل النحوية واللغوية. ومن أمثلة إيراد الآية لتفسير آية أخرى ما ذكره في تفسير قوله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 2] أورد الأقوال في "العالمين" فذكر قول الحسن وقتادة في تفسير العالم: إنه جميع المخلوقات قال: "يدل على هذا القول من التنزيل قوله: {قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (23) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا} [الشعراء: 23، 24]. فسر العالمين بجميع
المخلوقات" (¬1). ثم قال: "وقال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير: هم الجن والأنس، اختاره أبو الهيثم والأزهري، واحتجوا بقوله: {لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} [الفرقان: 1] .. وقال الحسين بن فضل وأبو معاذ النحوي: هم بنو آدم لقوله {أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 165] .. " (¬2). ومثال آخر في تفسير قوله تعالى: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} [الفاتحة: 7] ذكر الأقوال فيها ومنها: "وقيل: هم الذين ذكرهم الله في قوله سبحانه: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ} [النساء: 69] الآية .. (¬3). ومثال آخر في تفسير قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ} [البقرة: 23] قال: "والكناية في مثله تعود إلى "ما" في قوله: {مِّمَّا نَزَّلنَا} ودليل هذا التأويل قوله: {فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ} [الطور: 34] وقوله تعالى: {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ} [يونس: 38] وقوله: {لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ} [الإسراء: 88] كذلك يريد به مثل القرآن ... " (¬4) والأمثلة على هذا كثيرة. ويكثر من الاستشهاد بالآيات في المسائل النحوية واللغوية التي يتعرض لها أو ينقلها غيره. مثال ذلك في قوله تعالى: {ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ} [البقرة: 51] قال (¬5): ¬
المسألة الثاني: تفسير القرآن بالسنة والأثر
وأما "اتخذ" فإنه على ضربين، أحدهما: أن يتعدى إلى مفعول واحد. والثاني: أن يتعدى إلى مفعولين. فأما تعديه إلى واحد فكقوله: {يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا} [الفرقان: 27] و {أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ} [الزخرف: 16] وقوله: {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً} [الفرقان: 3]، {لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا} [الأنبياء: 17]، وأما تعديه إلى مفعولين، فإن الثاني منهما هو الأول في المعنى كقوله: {اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً} [المجادلة: 16، المنافقون: 2]، وقال: {لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ} [الممتحنة: 1]، {فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا} [المؤمنون: 110] .... " (¬1). ب- تفسير القرآن بالسنة والأثر: يعتبر كتاب "البسيط" للواحدي أقرب إلى كتب التفسير بالدراية منه إلى التفسير بالرواية، حيث أكثر فيه من المباحث اللغوية والنحوية وتوجيه القراءات والنكات التفسيرية والفوائد حول الآيات، وأقلّ من الرواية خصوصًا الحديث، أما الآثار عن الصحابة والتابعين ومن بعدهم فهي أكثر من الحديث، بخلاف كتاب "البسيط" الذي أكثر فيه من الرواية. وقد أدرك الواحدي الإسناد، كما قال صاحب "المنتخب من السياق" في أثناء ترجمة الواحدي: "أدرك الإسناد العالي" (¬2). وكانت له بعض المشاركة في خدمة السنة تظهر من خلال كتابيه "أسباب النزول" و"الوسيط" في التفسير. ولكن مع ذلك فبضاعة الواحدي في السنة ليست مرضية عند بعض ¬
العلماء، فوجهت إليه الانتقادات في هذا الجانب، ذكرت طرفًا منها فيما سبق عند الحديث عن "أقوال العلماء فيه". ومن تلك الأقوال ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية قال: " .. وفي التفسير من هذه الموضوعات قطعة كبيرة مثل الحديث الذي يرويه الثعلبي والواحدي والزمخشري في فضائل سور القرآن سورة سورة، فإنه موضوع باتفاق أهل العلم ... " (¬1)، وقال في موضع آخر: "وأما "الواحدي" فإنه تلميذ الثعلبي وهو أخبر منه بالعربية لكن الثعلبي فيه سلامة من البدع وإن ذكرها تقليدًا لغيره، وتفسيره وتفسير الواحدي "البسيط" و"الوسيط" و"الوجيز" فيها فوائد جليلة وفيها غث كثير من المنقولات الباطلة وغيرها" (¬2). وأخذ بهذا القول الكتاني فقال: " ... ولم يكن له ولا لشيخه الثعلبي كبير بضاعة في الحديث بل في تفسيريهما وخصوصًا الثعلبي أحاديث موضوعة وقصص باطلة ... " (¬3). كما نقل الزركشي في "البرهان" عن ابن الصلاح اعتراضه على الواحدي في إيراده حديث فضائل السور فيقول: "قال ابن الصلاح: ولقد أخطأ الواحدي المفسر ومن ذكره (¬4) من المفسرين في إيداعه تفاسيرهم" ثم يعتذر الزركشي عن الواحدي قائلًا: "قلت: وكذلك الثعلبي، لكنهم ذكروه بإسناد فاللوم عليهم يقل بخلاف من ذكره بلا إسناد وجزم به كالزمخشري ¬
فإن خطأه أشد" (¬1). والأحاديث في "الوسيط" قليلة في الجملة وذكر الواحدي بعضها بسنده مثال ذلك ما أخرجه في مقدمة البسيط قال: "ولقد أخبرنا الأستاذ أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم رحمه الله قال: أخبرني أبو القاسم الحسن بن محمد بن الحسن، ثنا أبو الحسن أحمد بن الخضر بن أبان، ثنا أبو عمرو أحمد بن نصر الخفاف، ثنا نصر بن على الجهضمي، ثنا عامر بن أبي عامر، ثنا أيوب بن موسى القرشي عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "ما نحل والد ولده نحلة أفضل من أدب حسن" (¬2). وقد حكم الأئمة على هذا الحديث بالضعف والإرسال. ومثال آخر ما ذكره في تفسير الفاتحة في معنى "الحمد" قال: "وقد أخبرنا الحسين بن أبي عبد الله الفسوي -رضي الله عنه- أبنا أحمد بن محمد الفقيه، أبنا محمد بن هاشم، عن الدَّبَري، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، عن عبد الله بن عمر أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "الحمد رأس الشكر، وما شكر الله عبد لا يحمده" (¬3). والحديث ضعيف كما قال ذلك بعض العلماء (¬4). والبعض الآخر من الأحاديث ذكرها بدون سند ولم يحكم عليها بشيء وأكثرها وردت للاستدلال بها في المسائل اللغوية، أوردها اللغويون في كتبهم ونقلها الواحدي عنهم. ¬
من أمثلة ذلك في تفسير قوله تعالى: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} [الفاتحة: 4] ذكر معاني الدين: الحساب فقال: "وقيل: في قوله: "الكيس من دان نفسه"، أي: حاسبها" (¬1) فاستشهد بالحديث على أن الدين يأتي بمعنى الحساب، والكلام مع الاستشهاد بالحديث نقله عن "تهذيب اللغة" للأزهري (¬2). ومثال آخر في تفسير قوله تعالى: {يُخَادِعُونَ اللَّهَ} [البقرة: 9] تكلم عن أصل معنى الخدع والخداع، ثم قال: "ومنه الحديث "يكون قبل خروج الدجال سنون خداعة" .. " (¬3) والحديث مع ما قبله وما بعده مما ذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" (¬4). ومثال آخر في تفسير قوله تعالى: {وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ} [البقرة: 61] تكلم عن لفظ "النبي" وعن أصله، وقال: ... وأما ما روي في الحديث من أن بعضهم قال: يا نبيء الله فقال: لست بنبيء الله ولكن نبي الله" فإن أهل النقل ضعفوا إسناد الحديث ... ، والحديث مع التعليق عليه منقول عن "الحجة" لأبي علي الفارسي (¬5). وقد استشهد صاحب كتاب "الواحدي ومنهجه في التفسير" بالكلام السابق عن السند على أن الواحدي قد يتعرض لنقد الحديث (¬6)، ولم ينتبه إلى أن كلام الواحدي مع قبله وما بعده منقول عن أبي علي الفارسي. ¬
المسألة الثالثة: تفسير القرآن بأقوال الصحابة والتابعين
المسألة الثالثة: تفسير القرآن بأقوال الصحابة والتابعين: أعلم الناس بالتفسير بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هم أصحابه رضوان الله عليهم، ثم التابعون، وذلك لأنهم شاهدوا أحوال التنزيل أو عاصروا من شاهدها؛ ولأنهم أعلم باللغة التي نزل بها القرآن؛، ولأنهم أعرف بأحوال من نزل فيهم القرآن؛ ولأنهم أبعد عن البدع وأسلم القرون من الضلالات. وقد ظهر في "تفسير البسيط" جليًا الاعتماد على أقوال الصحابة والتابعين في التفسير والاعتناء بها، وتقديمها على غيرها، بل صرح بذلك في مقدمة "تفسيره" قائلًا: "وأبتدئ في كل آية عند التفسير بقول ابن عباس ما وجدت له نصًّا، ثم بقول من هو قدوة في هذا العلم من الصحابة وأتباعهم، مع التوفيق بين قولهم ولفظ الآية". ويمكن إجمال منهجه في هذا الباب في النقاط التالية: أولًا: يفصل في ذكر أسماء المفسرين من الصحابة والتابعين، وأحيانًا يجملهم تحت قوله: قال المفسرون، أو أهل التفسير. ومن أمثلة التفصيل: ما ذكره عند قوله تعالى: {بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ} [البقرة: 81] قال الواحدي: واختلف المفسرون في معنى الخطيئة ها هنا، فقال ابن عباس والضحاك وأبو وائل وأبو العالية والربيع وابن زيد: هي الشرك يموت عليه الإنسان. ومن أمثلة الإجمال: ما ذكره عند قوله تعالى: {بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا} [البقرة: 90] قال: قال المفسرون: البَغْيُ هاهُنا بمعنى: الحَسَد. ثانيًا: لا يذكر السند في غالب الأحيان إليهم، وقد أسند قليلًا من الآثار، وذكر طرفًا من الإسناد في مواضع، ويقتصر في الغالب على الراوي
عن الصحابي أو التابعي، خصوصًا إذا رُوي عنه أكثر من قول في الآية. ومن أمثلة ذلك: ما ذكره عند تفسير قوله تعالى: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 163] فقال: وأما التفسير: فقال ابن عباس في رواية الكلبي: قالت كفار قريش: يا محمد صف وانسب لنا ربك. فأنزل الله تعالى سورة الإخلاص، وهذه الآية. وقال جويبر (¬1)، عن الضحاك، عن ابن عباس: كان للمشركين ثلاثمائة وستون صنمًا، يعبدونها من دون الله، فبين الله سبحانه لهم أنه واحد، فأنزل هذه. ثالثًا: تنوّع طريقته في عرض الأقوال وذكر القائلين بها، فتارة يذكر كل قول على حدة، ومن أمثلة ذلك: ما ذكره عند تفسير قوله تعالى: {وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 158] فقال: وأما التفسير: فقال مجاهد: (ومن تطوع خيرًا) بالطواف بهما، وهذا على قول من لا يرى الطواف بهما فرضًا. وقال مقاتل والكلبي: ومن تطوع خيرًا فزاد في الطواف بعد الواجب. ومنهم: من حمل هذا النوع على العمرة، وهو قول ابن زيد، وكان يرى العمرة غير واجبة. وقال الحسن: {وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا} يعني به: الدين كله، أي: فعل غير المفترض عليه، من طواف وصلاة وزكاة وكل نوع من أنواع الطاعات. وهذا أحسن هذِه الأقاويل؛ لأن قوله (ومن تطوع خيرًا) صيغته تدل على العموم. ¬
المسألة الرابعة: منهجه في ذكر الإسرائيليات
وتارة يذكر القول، ثم يذكر القائلين به، دون أن يذكر ألفاظهم، أو يذكر ألفاظهم بعد ذلك. ومن أمثلة ذلك: ما ذكره عند تفسير قوله تعالى: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ} [البقرة: 177] فقال: قال قتادةُ والربيع ومقاتل: عنى الله بهذه الآية: اليهود والنصارى، .. وقال ابن عباس ومجاهد والضحاك وعطاء: المراد به المؤمنون. رابعًا: يرجح بين الأقوال في بعض الأحيان كما في المثال قبل السابق عند قوله تعالى: {وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 158]. وقد يجمع بينها، ومن أمثلة ذلك: ما ذكره عند قوله تعالى: {وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} [البقرة: 187] قال: أكثر المفسرين على أن المراد بهذا: الولد، أي: اطلبوا بالمباشرة ما قضى الله لكم من الولد. وقال قتادة: يعنى الرخصةَ التي كتبتُ لكم، وقال معاذ بن جبل وابن عباس في رواية أبي الجوزاء: يعني: ليلةَ القدر، وكل هذا مما تحتمله الآية. المسألة الرابعة: منهجه في ذكر الإسرائيليات: الإسرائيليات: هي الأخبار المروية عن أهل الكتاب من يهود أو نصارى، وسميت (إسرائيليات) تغليبًا، لأن أكثرها من أخبار بني إسرائيل أو من كتبهم (¬1). وقد بين الحافظ ابن كثير في مقدمة "تفسيره" الموقف الصحيح منها، بعد ذكره لحديث: "بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ¬
ومن كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار" (¬1) فقال -رحمه الله-: ولكن هذه الأحاديث الإسرائيلية تذكر للاستشهاد، لا للاعتضاد، فإنها على ثلاثة أقسام: أحدها: ما علمنا صحته مما بأيدينا مما يشهد له بالصدق فذاك صحيح. والثاني: ما علمنا كذبه بما عندنا مما يخالفه. والثالث: ما هو مسكوت عنه، لا من هذا القبيل ولا من هذا القبيل، فلا نؤمن به ولا نكذبه، وتجوز حكايته لما تقدم، وغالب ذلك مما لا فائدة فيه تعود إلى أمر ديني، ولهذا يختلف علماء أهل الكتاب في مثل هذا كثيرًا، ويأتي عن المفسرين خلاف بسبب ذلك (¬2). وقال في موطن آخر -بعد ذكره لبعض أخبارهم-: وعندي أن هذا وأمثاله وأشباهه من اختلاق بعض زنادقتهم، يلبسون به على الناس أمر دينهم، كما افتُري في هذه الأمة -مع جلالة قدر علمائها وحفاظها وأئمتها- أحاديثُ عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وما بالعهد من قدم، فكيف بأمة بني إسرائيل، مع طول المدى، وقلة الحفاظ النقاد فيهم، وشربهم الخمور، وتحريف علمائهم الكلم عن مواضعه، وتبديل كتب الله وآياته، وإنما أباح الشارع الرواية عنهم في قوله: "وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج" فيما قد يجوزه العقل، فأما ما تحيله العقول، ويحكم فيه بالبطلان، ويغلب على الظنون كذبه فليس من هذا القبيل (¬3). ¬
ومن أمثلة ذلك
ويقول الشيخ أحمد محمد شاكر (¬1) معلقًا على كلام ابن كثير: إن إباحة التحدث عنهم فيما ليس عندنا دليل على صدقه ولا كذبه شيء، وذكر ذلك في تفسير القرآن، وجعله قولًا أو رواية في معنى الآيات، أو في تعيين ما لم يعين فيها، أو في تفصيل ما أجمل فيها شيء آخر، لأن في إثبات مثل ذلك بجوار كلام الله ما يوهم أن هذا الذي لا نعرف صدقه ولا كذبه مبين لمعنى قول الله سبحانه، ومفصل لما أجمل، وحاشا لله ولكتابه من ذلك (¬2). لقد وعد الواحدي رحمه الله في مقدمة كتابه باجتناب مثل ذلك فقال: فأما الأقوال الفاسدة، والتفسير المرذول الذي لا يحتمله اللفظ، ولا تساعده العبارة فمما لم أعبأ به، ولم أضيع الوقت بذكره (¬3). ولكنه رحمه الله وقع فيما وعد بتركه، وضيّع الوقت -رحمه الله- بذكره، وتابع بعض من سبقه وفي مقدمتهم شيخه الثعلبي، الذي ملأ كتابه من تلك المرويات والقصص التي لا زمام لها ولا خطام، ولا ينتفع بها في فهم القرآن، ولا فائدة فيها تعود إلى أمر ديني، كما أسلف ابن كثير، دون تنبيه من الواحدي أو تعليق. ومن أمثلة ذلك: 1 - ما ذكره من الإسرائيليات في كيفية وسوسة إبليس لآدم وهو في ¬
الجنة. 2 - القصة الطويلة التي ذكرها عند قوله تعالى: {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ} [البقرة: 248] قال رحمه الله: (وقال لهم نبيهم إنَّ آيةَ ملكه أن يأتيكم التابوت) الآية: قال أصحاب الأخبار: إن الله تعالى أنزل على آدم تابوتًا فيه صور الأنبياء من أولاده، فتوارثه أولاد آدم إلى أن وصل إلى يعقوب، فكان في بني إسرائيل، وكانوا إذا اختلفوا في شيء تكَلَّم وحكم بينهم، وإذا حضروا القتال قدموه بين أيديهم يستفتحون به على عدوهم، وكانت الملائكة تحمله فوق العسكر وهم يقاتلون العدو، فإذا سمعوا من التابوت صيحة استيقنوا النصرة، فلما عصوا وفسدوا سلط الله عليهم العَمَالقة، فغلبوهم على التابوت، وسلبوه فلما سألوا نبيهم البينة على ملك طالوت دعا النبي ربه، فنزل بالقوم الذين غلبوا بني إسرائيل على التابوت داء بسببه، وذلك أنهم كانوا قد أخذوا التابوت فجعلوه في موضع غائطهم وبولهم، وكل من بال عنده أو تغوط ابتلاه الله بالبواسير، حتى تنبهوا أن ذلك لاستخفافهم بالتابوت، فأخرجوه ووضعوه على ثورين، فأقبل الثوران يسيران، ووكل الله بهما أربعة من الملائكة يسوقونهما، حتى أتوا به منزل طالوت، فلما رأوا التابوتَ عند طالوت، علموا أن ذلك أمارة ملكه عليهم، فذلك قوله: {إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ} الآية (¬1) .. إلى آخر ما ذكره. ¬
المسألة الخامسة منهجه في عرض القراءات
وقد وجدت بالتتبع أنه ينقل ذلك كله من تفسير شيخه مع الاختصار والتصرف. بيد أنه -رحمه الله- لا يعلق على ذلك بما يدل على الإنكار أو المخالفة. المسألة الخامسة منهجه في عرض القراءات: ذِكْرُ القراءات والاحتجاج لها البواعث الرئيسة للواحدي لتأليف هذا التفسير حيث يقول في مقدمته: "فمنذ دهر تحدثني نفسي بأن أعلق لمعاني إعراب القرآن وتفسيره فِقَرًا في الكشف عن غوامض معانيه، ونكتًا في الإشارة إلى علل القراءات فيه في ورقات يصغر حجمها ويكثر غنمها ... ". فجعل الإشارة إلى علل القراءات هدفًا هامًا يقابل الكشف عن غوامض التنزيل. فلا غرو أن نرى الواحدي يتوسع في بحث القراءات في تفسيره حتى تأخذ حيزًا كبيرًا وخصوصًا في مجال الاحتجاج لها. وقد ذكر الواحدي منهجه في عرض القراءات وتوجيهها في المقدمة فقال: "وذكرت وجوه القراءات السبع التي اجتمع عليها أهل الأمصار، دون تسمية القراء واعتمدت في أكثرها على كتاب أبي علي الحسن بن أحمد الفارسي، الذي رواه لنا سعيد بن محمد الحيري عنه". فهذا المنهج الذي ذكره يقوم على: 1 - أنه اعتمد ذكر علل القراءات، وليس الهدف ذكر القراءات نفسها. 2 - أنه يذكر القراءات السبع دون غيرها. 3 - أنه لا يسمي القراء. 4 - اعتمد في أكثر ما ذكر على كتاب "الحجة" لأبي علي الفارسي، هذا منهجه في القراءات حسب ما ذكره في مقدمة كتابه. فلندرس هذا المنهج لنرى مدى التزامه به.
فأقول: بالنسبة للأمر الأول، وهو أنه اعتمد ذكر علل القراءات، فإنه التزم ذلك غالبًا، والقارئ لكتاب "البسيط" يلحظ في كلامه على القراءات أنه يعتمد كثيرًا ذكر علل القراءات وتوجيهها أكثر مما يعتمد ذكر القراءات نفسها، بل قد أطال في هذا الجانب إلى حد يعتبر خروجًا عن القدر اللازم في كتاب "التفسير". لقد ألف أبو علي الفارسي كتابًا مستقلًا للاحتجاج للقراءات وذكر فيه من وجوه اللغة والنحو والتصريف ما عده المتخصصون خروجًا عن القدر اللازم، ومما أضفى على الكتاب شيئًا من صعوبة العبارة والغموض، قال أبو الفتح بن جني -تلميذ أبي علي الفارسي-: وقد كان شيخنا أبو علي عمل كتاب "الحجة في قراءة السبعة" فأغمضه وأطال حتى منع كثيرًا -ممن يدعي العربية فضلًا عن القَرَاءة- منه وأجفاهم عنه (¬1). هذا مع أن كتاب أبي علي مؤلَّف أصلًا للاحتجاج للقراءات. فما الظن بكتاب تفسير ينقل فيه تلك المباحث الطويلة. ليت الواحدي -مع قدرته البارعة على انتقاء النصوص وحسن سبكها- اختصر تلك المباحث بعبارة أكثر إيجازًا حتى يفيد القارئ، ويخرج به عن الملالة كما شرط ذلك على نفسه في مقدمة كتابه. إذًا فجانب توجيه القراءات في كتاب "البسيط" قد توسع فيه الواحدي وأطال كثيرًا واعتمد في أغلبها، إن لم يكن في كلها على كتاب "الحجة" لأبي علي الفارسي، فما يقال عن كتاب "الحجة" لأبي علي الفارسي يسري على كتاب "البسيط" في مجال توجيه القراءات. ¬
وقد تعرض د/ جودة محمد محمد المهدي في كتابه "الواحدي ومنهجه في التفسير" لتوجيه القراءات عند الواحدي، ووصفه بأنه من فرسان حلبة توجيه القراءات، ونعى على العلماء الذين كتبوا في هذا أنهم لم يعدوا الواحدي مع الجهابذة كالفارسي ومكي (¬1). وقد اختار نصًّا طويلًا من "البسيط" حول توجيهه القراءات، واستنتج منه منهج الواحدي في توجيه القراءات وبنى عليه مقالته السابقة. ولم يرجع ذلك النص لمصدره وهو الحجة ليعرف أن الواحدي نقله بنصه، والواحدي صرح في مقدمة كتابه انه أعتمد في مجال القراءات على "الحجة"، ولو أجرى د/ جودة دراسة توثيقية للنصوص التي بنا عليها دراسته لمنهج الواحدي في القراءات أو في غيرها لكان له رأي آخر. إن المشكلة أن بعض الدارسين لمناهج العلماء يقوم بنقل نص العالم الذي يقوم بدراسة منهجه، ويجري الدراسة على ذلك النص قبل أن يسبق ذلك بدراسة توثيقية، ليعرف أن تلك الأفكار لذلك العالم بالأصالة أم هو ناقل بالمعنى أو ناقل بالنص كما هو الحال مع الواحدي؟ إن غالب كلام الواحدي في مجال الاحتجاج للقراءات منقول بنصه من "الحجة" لأبي علي. فهل تصح بعد ذلك تلك الصفة التي أطلقها د/ جودة علي الواحدي؟. أعود فأذكر أمثلة توضح أن الواحدي اعتمد ذكر توجيه القراءات أكثر مما اعتمد ذكر القراءات نفسها كما توضح الأمثلة مدى إطالته في هذا (¬2). ¬
منها ما ذكره عند تفسير قوله تعالى: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} [الفاتحة: 4] ذكر القراءات في "مالك" ثم دخل في ذكر الاحتجاجِ لكل قراءة بما يطول ذكره. ومثال آخر عند تفسير قوله تعالى: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ} [البقرة: 3] ذكر إن في "يؤمنون" قراءتين، ثم دخل في احتجاج طويل لكل قراءة. كذلك عند تفسير قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ} [البقرة: 6] ذكر أن في "أأنذرتهم" وجهين في القراءة ثم دخل في ذكر الاحتجاج لكل وجه بما يطول ذكره هنا. الأمر الثاني: الذي ذكره الواحدي في منهجه في القراءات هو أنه يعتمد ذكر القراءات السبع دون غيرها. اعتمد هذا الأمر في الغالب، حيث إنه عول كثيرًا على كتاب "الحجة" لأبي علي الفارسي، وأبو علي الفارسي اعتمد في كتابه ذكر القراءات السبع التي ذكرها ابن مجاهد في كتابه "السبعة" لذلك كان ما أخذه الواحدي عن "الحجة" مقتصرًا على القراءات السبع، وهو أغلب ما ذكره في مجال القراءات في "البسيط"، على أنه ذكر قراءات غير سبعية أيضًا، وهي في أغلبها قراءات شاذة مما يذكره اللغويون في كتبهم، وربما كان فيها قراءة عشرية، ومصدره فيها -غالبًا- "معاني القرآن" للفراء، و"معاني القرآن" للزجاج، وربما أخذ من غيرهما. فمن المواضع التي اعتمد عليها غير "الحجة" في ذكر القراءات، ما ذكره عند تفسير قوله تعالى: {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} [البقرة: 40] قال: والأجود في نعمتي فتح الياء، وكل "ياء" كانت من
المتكلم ففيها لغتان الإرسال والفتح. فإذا لقيها ألف ولام اختارت العرب اللغة التي حركت فيها الياء وكرهوا الأخرى .. وقال: وقال الزجاج: اختير فتح الياء مع اللام لالتقاء الساكنين ويجوز أن تحذف الياء في اللفظ لالتقاء الساكنين والاختيار الفتح .... ففي النص الأول ينقل عن الفراء بدون عزو، ثم ينقل عن الزجاج والكلام عن القراءات في "ياءات الإضافة" وهذه الطريقة في عرض القراءات ليست طريقة أئمة القراء في كتبهم، وإنما هي طريقة اللغويين ومن سار على نهجهم فهم يذكرون القراءات المتواترة وغيرها ويتكلمون عنها من الناحية اللغوية والنحوية، ولا ينظرون للسند. فانظر إلى قوله: الأجود في نعمتي فتح الياء .. بينما أجمع القراء العشرة على فتح "الياء" في قوله: {نِعْمَتِيَ الَّتِي} في مواضعها الثلاثة في البقرة، وقرأ بتسكينها الحسن (¬1) وابن محيصن فهي قراءة شاذة عند علماء أهل الفن. ومثال آخر لقراءة شاذة نقلها الفراء في قوله تعالى: {قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا} [البقرة: 69] قال: اللون: مرفوع لأنك لم ترد أن تجعل "ما" صلة فتقول: يبين لنا لونها، وقد قرئ بها شاذًا وهو صواب .. فالقراءة الثابتة بالرفع، والقراءة بالنصب شاذة من ناحية سندها، ونجد الفراء ذهب إلى تصويبها من ناحية قواعد اللغة، وتبعه الواحدي على ذلك، ولعل مرادهم لو ثبتت القراءة بها. ¬
وأذكر بعض الأمثلة التي توضح ذلك
الأمر الثالث: الذي ذكره الواحدي في منهجه في القراءات هو عدم تسمية القراء فهل التزم الواحدي هذا المنهج؟ الواقع أن الواحدي لم يلتزم نلك، فانه يسمي القراء أحيانًا وأحيانًا لا يسميهم. ولإيضاح هذا الأمر نعود إلى كتاب "الحجة" لأبي علي الفارسي، الذي اعتمد عليه الواحدي كثيرًا في ذكر القراءات والاحتجاج لها، حيث ذكر أبو علي منهجه في مقدمة كتابه، وقال: إنه يذكر أولًا ما ذكره ابن مجاهد في كتابه "السبعة" ثم يتبعه بالاحتجاج (¬1) لها، وابن مجاهد قد سمى صاحب القراء عند ذكر قراءتهم، وأبو علي تبعه على ذلك، وعند الاحتجاج قد يسمي صاحب القراءة، وقد لا يسميه اكتفاء بما ذكره أولًا، والواحدي نقل عن أبي علي في مجال الاحتجاج دون ذكر القراءات التي أخذها أبو علي من كلام ابن مجاهد، ولهذا تبعه الواحدي في تسمية القراء وعدم تسميتهم. وأذكر بعض الأمثلة التي توضح ذلك: عند تفسير قوله تعالى: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} [البقرة: 3] ذكر القراءات في "يؤمنون" فقال: وفي قوله {يُؤْمِنُونَ} قراءتان تحقيق الهمزة وتليينها فمن حقق فحجته .. فلم يسم القراء، كذلك أبو علي في الحجة قال: فأما حجة من قرأ {يُؤْمِنُونَ} بتحقيق الهمزة .. الخ (¬2) فلم يسم اكتفاء بما ذكره أولًا (¬3). ومن الأمثلة على تسميته للقراء: عند تفسير قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ ¬
كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} [البقرة: 6] ذكر القراءات في {أَأَنْذَرْتَهُمْ} ومنه قوله: وأما أبو عمرو فكان يلين الثانية ويجعل بينهما مدة .. ، وتبع في ذلك أبا علي حيث قال: وحجة من فصل بين الهمزتين بألف وخفف الهمزة الثانية مع الفصل بينهما بألف، وهو الثبت عن أبي عمرو عندنا .. (¬1). ومثال آخر عند تفسير قوله تعالى: {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [البقرة: 29] ذكر القراءات في قوله تعالى: {هُوَ} ومما قاله: كان أبو عمرو والكسائي يخففان {وَهُوَ} "فهو" ويسكنان الهاء مع الواو والفاء واللام .. " (¬2). ومثال آخر عند تفسيره قوله تعال: {قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 30] ذكر القراءات في إني ومنه قوله: "وفتح أبو عمرو وابن كثير "الياء" في قوله {إِنِّي أَعْلَمُ} [البقرة: 30] {وَإِنِّي أَرَى} [الأنفال: 48، يوسف: 43، الصافات: 102] عند الهمزة المفتوحة، وزاد أبو عمرو عند الهمزة المكسورة مثل: {إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ} [يونس: 72، هود: 29، سبأ: 47] وزاد نافع عند المضمومة مثل: {عَذَابِي أُصِيبُ} [الأعراف: 156] {فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ} [المائدة: 115]، {إِنِّي أُرِيدُ} [المائدة: 29، القصص: 27] .. " (¬3). الأمر الرابع: في منهج الواحدي في القراءات قوله: "واعتمدت في أكثرها على كتاب أبي علي الحسن بن أحمد الفارسي الذي رواه لنا سعيد بن محمد الحيري عنه" هذا أمر واضح في كتابه، حيث اعتمد على كتاب ¬
المسألة السادسة: منهجه في علوم القرآن
أبي علي في أغلب ما ذكر في مجال القراءات سوى نزر يسير أخذه عن طريق الفراء أو الزجاج أو غيرهما. والواحدي يأخذ من كتاب أبي علي بالنص، وربما تصرف في عبارته وقد يعزو له، والغالب أنه ينقل عنه بدون عزو، ولعله اكتفى بهذه الإحالة في المقدمة. وسبق ذكر ذلك عند الحديث عن مصادره. وخلاصة القول في منهج الواحدي في القراءات: أنه اعتمد ذكر القراءات السبع في الغالب، وربما ذكر غيرها على طريقة اللغويين والنحويين، وبذل جهده في الاحتجاج للقراءات أكثر من تقرير القراءات، وأنه قد يسمي القراء وقد لا يسميهم فلم يلتزم ما ذكره في مقدمته، وكان كتاب "الحجة" لأبي علي الفارسي المصدر الرئيس في هذا المجال. المسألة السادسة: منهجه في علوم القرآن: كان الواحدي أستاذ عصره في التفسير، كذا قال عنه العلماء الذين ترجموا له (¬1)، ولم يصل إل تلك المكانة إلى لأنه كان متأهلًا لذلك، بمعرفة العلوم التي تعينه على كشف غوامض التنزيل، ومن أهمها علوم القرآن الكريم، وأنواع علوم القرآن كثيرة واسعة، وكان للواحدي مشاركة فوية في هذا المجال، حيث صنف في ذلك كتبًا كثيرة منها ما وصل إلينا "أسباب النزول" ومنها كتب لم تصل إلينا مثل: "مختصر فضائل القرآن" و"نفي التحريف عن القرآن الشريف". وبجانب هذه الكتب كانت له آراء في علوم القرآن ضمنها كتابه "البسيط" وهي كثيرة منها: ¬
1 - في أسباب النزول
1 - في أسباب النزول: هذا أكثر ميادين علوم القرآن التي شارك فيها الإمام الواحدي، حيث أخرج فيه مؤلفا مستقلا يعتبر من أول ما كتب في ذلك، وقد نال الشهرة حتى عد أبرز ما كتب في هذا الفن، وكان لهذا أثره الواضح على مؤلفاته في التفسير، ومنها "تفسير البسيط" حيث أعطى هذا الجانب عناية جيدة، فنراه يذكر سبب نزول الآية -عند تعرضه لتفسيرها- إن وجد لها سببا للنزول. مثال ذلك عند تفسير قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} [البقرة: 6] قال: قال ابن عباس نزلت هذه الآية في اليهود الذين كانوا بنواحي المدينة على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ... وقال الضحاك: نزلت في أبي جهل وخمسة من أهل بيته، وقال الربيع: نزلت في قادة الأحزاب يوم بدر .... ومثال آخر عند تفسير قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ} [البقرة: 219] قال: "نزلت في سؤال عمرو بن الجموح .. " (¬1). وعند تفسير قوله تعالى: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ} [البقرة: 229] قال: قال أهل التفسير: أتت امرأة عائشة فشكت أن زوجها يطلقها ويسترجعها يضارها بذلك، وكان الرجل في الجاهلية إذا طلق امرأته ثم راجعها قبل أن تنقضي عدتها كان له ذلك، وإن طلقها ألف مرة فذكرت ذلك عائشة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنزلت .. (¬2). ¬
2 - الوقف والابتداء
2 - الوقف والابتداء: أحد علوم القرآن الهامة وبه يعرف كيف أداء القرآن، وبه تتضح معاني الآيات (¬1). قال الزركشي: "وهذا الفن معرفته تحتاج إلى علوم كثيرة، قال أبو بكر ابن مجاهد: لا يقوم بالتمام في الوقف إلا نحوي عالم بالقراءات، عالم بالتفسير والقصص، وتلخيص بعضها من بعض، عالم باللغة التي نزل بها القرآن .. (¬2). كان للواحدي عناية بهذا العلم يظهر ذلك من خلال تفسيره "البسيط" حيث يذكر الوقف في مواضع من كتابه، من ذلك عند تفسير قوله تعالى: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ} [البقرة: 7] فبعد أن فسر قوله (وعلى سمعهم) قال: وتم الكلام هاهنا، ثم قال: "وعلى أبصارهم غشاوة" .. (¬3). وعند تفسير قوله تعالى: {إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ} الآية [البقرة: 71] قال ناقلًا عن ابن الأنباري: قال ابن الأنباري: غلط أبو حاتم في هذا؛ لأنه قال: الوقف جيد على قوله {ذَلُولٌ} ثم يبتدأ بـ {تُثِيرُ الأرَضَ} وقال: إن الله وصف هذه البقرة بما لا يعرفه الناس وصفا لغيرها من البقر، فجعلها تثير الأرض ولا تسقي الحرث على خلاف ما نشاهده من بقرنا. وقد أبطل الفراء وغيره من كبار النحويين هذا الوقف .. وفي سورة "يونس" عند تفسير قوله تعال: {وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ} [يونس: 2] قال: .. تم الكلام عند قوله {عِنْدَ رَبِّهِمْ} ثم ابتدأ فقال: {قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ ¬
3 - الناسخ والمنسوخ
هَذَا} ... (¬1). 3 - الناسخ والمنسوخ: وهو من العلوم الهامة للمفسر، "قال الأئمة لا يجوز لأحد أن يفسر كتاب الله إلى بعد أن يعرف منه الناسخ والمنسوخ" (¬2). وقد أعطى الواحدي هذا الفن عناية خاصة في تفسيره "البسيط" تكلم عنه بإفاضة فذكر تعريفه وأنواعه والخلاف في بعضها، وكأنه يتكلم في كتاب خاص بعلوم القرآن، وذلك عند تفسير قوله تعالى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا} [البقرة: 106] عرض أولًا لتعريف النسخ في اللغة والاصطلاح ناقلًا عن الأئمة فقال: "قال الزجاج: النسخ في اللغة: إبطال شيء وإقامة آخر مقامه، والعرب تقول نسخت الشمس الظل. والمعنى: أذهبت الظل وحلت محله، وقال غيره: تناسخ الأزمنة والقرن بعد القرن هو مضي الأول ومجيء الثاني بعده يخلفه في محله ... ثم قال ويجوز النسخ إلى بدل وإلى غير بدل ... " وفصَّل في ذلك، ثم ذكر أنواع النسخ في القرآن فقال: .. ثم النسخ في القرآن على ضروب: منها ما يكون حكمه مرفوعًا وخطه مثبت .. (¬3)، وذكر الأنواع وضرب الأمثال لها، ثم ذكر حكم الفرق بين النسخ والترك، ثم ذكر الخلاف في نسخ القرآن بالسنة (¬4). ولا يكتفي بهذا البسط لمباحث النسخ، بل يأخذ في التطبيق العملي، فلا يمر بتفسير آية ناسخة أو منسوخة ألا يقف عندها ويذكر ما قيل فيها، مثال ¬
4 - الربط بين الآيات
ذلك ما ذكره عند تفسير قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ} الآية [البقرة: 240] تكلم عن سبب نزول الآية، ثم ذكر عدة المتوفى عنها في أول الإسلام، وهو ما ذكر في هذه الآية، وقال: .. ثم ورد النسخ على هذه الآية من وجهين: أحدهما: أن العدة صارت مقدرة بأربعة أشهر وعشر، وقد تقدمت الآية (¬1) الناسخة، والوجه الثاني: أن الميراث ثبت لها وسقطت نفقة العدة .. (¬2). 4 - الربط بين الآيات: وهو أحد أنواع علوم القران، قال الزركشي: "وهذا النوع يهمله بعض المفسرين أو كثير منهم وفوائده غزيرة" (¬3)، ثم نقل عن عز الدين بن عبد السلام قوله: .. ولكن يشترط في حسن ارتباط الكلام أن يقع في أمر متحد مرتبط أوله بآخره، فإن وقع على أسباب مختلفة لم يشترط فيه ارتباط أحدهما بالآخر. قال: ومن ربط ذلك فهو متكلف بما لا يقدر عليه إلا برباط ركيك .. (¬4). وقد أورد الواحدي هذا النوع في تفسيره حيث يذكر الارتباط بين الآيات ولا يتكلف ذلك بل يذكره بين الآيات التي يوجد بينها تناسب من وجهه. مثال ذلك عند تفسير قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ ¬
المسألة السابعة: منهجه في تقرير مسائل العقيدة، والرد على الفرق
أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (6)} [البقرة: 6] ربط الآية بما بعدها فقال: .. ثم ذكر الله تعالى سبب تركهم الإيمان فقال: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ ...} الآية .. ومثال آخر: ذكر فيه الارتباط بين قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ} الآية [البقرة: 23] وبين ما قبلها من الآيات وهي قوله: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 21] وكذا الآية بعدها. فقال: "قال المفسرون: ومعنى الآية أن الله تعالى لما احتج عليهم في إثبات توحيده احتج عليهم - أيضًا- في إثبات نبوة محمد -صلى الله عليه وسلم- بما قطع عذرهم فقال: وإن كنتم في شك من صدق هذا الكتاب الذي أنزلناه على محمد عليه الصلاة والسلام وقلتم لا ندري هل هو من عند الله أم لا فأتوا بسورة من مثله .... من هذه الأمثلة نلحظ كيف يورد الربط في ثنايا التفسير بدون تكلف ولا يعنون له بقوله: ارتباط الآية أو نحو ذلك، فيأتي سلسًا لا تمحل فيه. هذه بعض علوم القرآن التي وردت في تفسير "البسيط". المسألة السابعة: منهجه في تقرير مسائل العقيدة، والرد على الفرق: درس الواحدي العقيدة على أصول الأشعرية، حيث نشأ في بيئة نيسابور التي يسود فيها معتقد الأشعري (¬1)، لذا فهو أشعري المعتقد، وعلى هذا النهج سار في تقرير مسائل العقيدة في تفسيره "البسيط" بل كان من المنافحين عن أصول الأشعرية. ومن المعلوم أن منهجهم كسائر المتكلمين يقوم على تقرير العقيدة على أسس عقلية. وهذا النهج غير مرضي عند علماء ¬
السلف، الذين رأوا أن الطريقة الصحيحة في تقرير العقيدة الأخذ بما كان عليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وصحابته من بعده، والتابعون لهم بإحسان، وذلك باتباع النص وعدم الدخول في طرق كلامية، وإن اضطر بعض المتأخرين منهم لاستعمال الجدل العقلي للرد على المخالفين، لا في تقرير أصول العقيدة (¬1). وقد سبق أن ذكرت بعض الأمثلة من تفسير الواحدي "البسيط" للتدليل على مذهبه العقائدي (¬2)، وأذكر هنا أمثلة أخرى تؤكد هذِه الحقيقة وتوضح بجلاء كيف استعمل الطرق الكلامية في تقرير العقيدة في تفسيره. من ذلك أنه عندما تعرض في تفسير البسملة للاسم هل هو المسمى أو غيره، فذكر الأقوال في ذلك ثم قال: ... والثاني -وهو الصحيح-: أن الاسم هو المسمى، كقوله تعالى: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} [النساء: 59] فلو كان الاسم غير المسمى وجب أن يكون المأمور بطاعته غير الله وغير الرسول .. وما قرره ورجحه في هذه المسألة هو قول الأشاعرة فيها، والصواب ما قرره علماء السلف من أنه لا يقال: الاسم هو المسمى ولا غيره على الإطلاق، وإنما يكون الاسم هو المسمى تارة، وقد يراد به اللفظ الدال عليه تارة أخرى. ومثال آخر في مسألة "الإيمان" قرر أن معنى الإيمان: هو التصديق فقال: .. والقول في معنى الإيمان ما قاله الأزهري ... (¬3)، إذا عدنا إلى ما ¬
نقله الواحدي عن الأزهري وجدناه يقول: قال الأزهري: اتفق العلماء أن "الإيمان" معناه: التصديق كقوله: {وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا} [يوسف: 17] أي بمصدق ... (¬1) والقول: إن الإيمان مجرد التصديق هو المشهور عند الأشاعرة، ولهم قول آخر كقول السلف وهو: أن الإيمان قول وعمل (¬2). فأخذ الواحدي في هذه المسألة بمشهور قول الأشاعرة فيها. ومثال آخر في حقيقة التوحيد ومعنى الوحدانية لله، قرر هذه المسألة على طريقة المتكلمين من الأشاعرة فيقول: "وقال أصحابنا حقيقة الواحد في وصف الباري سبحانه أنه واحد لا قسيم له في ذاته، ولا بعض له في وجوده بخلاف الجملة الحاملة التي يطلق عليها لفظ الواحد مجازًا كقولهم: دار واحدة وشخص واحد، ولهذا قال أصحابنا: التوحيد هو نفي الشرك والقسيم والشريك والشبيه فالله -سبحانه وتعالى- واحد في أفعاله لا شريك له يشاركه في إثبات المصنوعات وواحد في ذاته لا قسيم له، وواحد في صفاته لا يشبه الخلق فيها ... (¬3). فهذِه الأنواع التي أثبتوها في معنى التوحيد فيها ألفاظ مبهمة محتملة، ولو كان كل ذلك حقًا، فالإقرار به لم يخرج المشركين من دائرة الشرك التي وصفهم الله بها، ولابد من الإقرار بتوحيد الإلهية (¬4). في باب صفات الله سلك فيها كذلك مسلك الأشعرية؛ حيث يؤول ¬
الرد على الفرق
جميع الصفات التي وردت في القرآن الكريم، عدا الصفات السبع التي يثبتها الأشاعرة؛ لأن العقل دل عليها كما يقولون (¬1). وسبق ذكر أمثلة لهذا عند ذكر عقيدته، فلا داعي للإطالة بذكر أمثلة أخرى، وهي مسألة واضحة. هذا في جانب تقرير العقيدة. الرد على الفرق: أما بالنسبة للرد على الفرق، فكان للواحدي في ذلك اليد الطولي، خصوصًا المعتزلة والقدرية الذين كانت لهم صولة وجولة في تلك الحقب التي عاشها الواحدي. وقف الواحدي في وجوههم يقابل الحجة بالحجة، ويقوم بالرد عليهم في كل موضع يكون محل شبهة لهم؛ حيث يستدلون بالنص القرآني على تقرير عقائدهم ومبادئهم. من أمثلة عند تفسير قوله تعالى: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ} [البقرة: 7] ذكر المعنى المراد بختم الله على قلوب الكفار، ثم قال: ... فأما قول من قال معنى {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ} حكم الله بكفرهم فغير صحيح؛ لأن أحدنا يحكم بكفر الكافر، ولا يقال ختم على قلبه، والقول الذي رده هنا هو قول المعتزلة. ثم يسمي القدرية ويذكر قولهم ويرد عليهم فيقول: وذهب بعض المتأولين من القدرية إلى أن معنى {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ} وسمها سمة تدل على أن فيها الكفر لتعرفهم الملائكة بتلك السمة وتفرق بينهم وبين المؤمنين الذين في قلوبهم الشرع. قال: والختم والطبع واحد، وهما سمة وعلامة في ¬
قلب المطبوع على قلبه. ثم ينقض عليهم ناقضًا حجتهم معتمدًا على اللغة التي نزل بها القرآن؛ ليبين بطلان مأخذهم من اللغة فيقول: وهذا باطل؛ لأن الختم في اللغة ليس هو الإعلام، ولا يقال ختمت على الشيء بمعنى أعلمت عليه، ومن حمل الختم على الإعلام فقد تشهى على أهل اللغة، وجر كلامهم إلى موافقة عقيدته. وفي موضع آخر يرد على المعتزلة والقدرية دون تسميتهم، وذلك في تفسير قوله تعالى: {يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ} [البقرة: 26] يقول: ولا يجوز أن يكون معنى الإضلال الحكم والتسمية؛ لأن أحدنا إذا حكم بضلالة إنسان لا يقال: أضله، وهذا لا يعرفه أهل اللغة (¬1). ومثال آخر يرد فيه المعتزلة دون تسميتهم عند تفسير قوله تعالى: {اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ} [البقرة: 35] يقول: "والمراد بقوله: {الْجَنَّةَ} جنة الخلد من قبل أن التعريف فيها بالألف واللام يجعلها كالعلم على جنة الخلد، فلا يجوز العدول عنها بغير دلالة، ألا ترى أنك لو قلت: نسأل الله الجنة، لم يكن ذلك إلى جنة الخلد. فيقرر أنها جنة الخلد، ويرد على من قال غير ذلك بدون تصريح بالقائل ولا بمقالته. ومشهور مذهب المعتزلة أنها جنة في الدنيا (¬2)، فهو يرد عليهم تلك المقالة. ¬
المسألة الثامنة: منهجه في المسائل الفقهية والأصولية
ومن خلال استقراء تلك الردود، يتضح الأسلوب الجدلي العقلي الذي يستعمله فيقابل الحجة بالحجة، كما يعتمد على اللغة في بيان ضعف مستمسك الخصم من الاستدلال بالآية على مذهبه. وكان علماء المعتزلة من كبار أئمة اللغة فحاولوا تطويع النصوص القرآنية من الناحية اللغوية لتقرير أصولهم، فأتاهم الواحدي من الباب الذي ولجوا منه، وبيَّن في كل مسألة تعرض لها أن اللغة لا تدل على ما أرادوا. ومن خلال تلك النصوص نجد ردود الواحدي متجهة إلى المعتزلة والقدرية، ولم نر له ردًّا على أحد سواهم؛ ذلك لأن المعركة الكلامية كانت قائمة على أشدها في تلك الفترة بين الأشاعرة من جانب، وبين المعتزلة والقدرية (¬1) من جانب آخر. على أن الشيعة كانت لهم صولات في تلك الفترة خصوصًا في عهد البويهيين، وقد عاصر الواحدي تلك الحقبة، ومع ذلك لم نجد له أي كلام عن الشيعة ولا مجرد ذكر لهم. المسألة الثامنة: منهجه في المسائل الفقهية والأصولية: قد قدمت في ترجمة أبي الحسن الواحدي رحمه الله أنه كان من علماء الشافعية، وأدلة ذلك أظهر من أن تذكر، والناظر في تفسيره يدرك ذلك بأدنى تأمل، حيث إنه -رحمه الله- يقدم أقوال الشافعية، ويستدل لها، ويرجحها، ويقتصر على مذهب الشافعي في كثير من المواطن، فلا يكاد يذكر معه غيره إلا لمامًا. ¬
ويمكن أن أسجل الملاحظات التالية في منهجه هنا
ويمكن أن أسجل الملاحظات التالية في منهجه هنا: 1 - يعرض الواحدي للأحكام بصورة مختصرة، دون توغل في ذكر الفروع والمسائل التي لا صلة للآية بها إلى نادرًا، في الوقت الذي يطيل فيه إطالة بالغة عند توجيه القراءات، وذكر مسائل اللغة والنحو، ونحو ذلك، كما أسلفت. 2 - يقتصر الواحدي في عرض الأحكام على مذهب الشافعي، ويحتج لمذهبهم، وقلما يذكر معه غيره، وقد يورد خلاف الحنفية، ولعل سبب ذلك: كون مذهبهم مشهورًا في المشرق الإسلامي، أما مذهب مالك فنادرًا ما يتعرض له، وأندر منه مذهب الإمام أحمد، ولعله لعدم اشتهارهما في المشرق حينذاك. ومن أمثلة ذلك: عند تفسير قوله تعالى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} [البقرة: 197] قال: .. قال ابن عباس في هذه الآية: جعلهن الله للحج، وسائر الشهور للعمرة، فلا يصح أن يحرم بالحج إلا في أشهر الحج. وهذا مذهب الشافعي رحمه الله .. وعند أبي حنيفة: إذا أحرم بالحج في غير أشهر الحج كره ذلك، وُيجزيه. 3 - قد يورد الحكم المستنبط من الآية مجردًا دون قائل، أو مخالف، وعند التحقيق يكون على مذهب الشافعية. ومن أمثلة ذلك ما ذكره عند قوله تعالى: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ} [البقرة: 178] قال الواحدي: في قوله: (شيء) دليل على أن بعض الأولياء إذا عفا سَقَطَ القود؛ لأن شيئًا من الدمِ قد بطل بعفو البعض، والله تعالى قال: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ}. 4 - قد يفرد المسألة أو الحكم بفصل مستقل، وذلك قليل. ومن
أمثلته: إفراد أحكام التأمين بفصل بعد تفسير الفاتحة. 5 - قد يذكر مذاهب الصحابة والتابعين ويسميهم تفصيلًا، وهو قليل في جملة الكتاب. ومثال ذلك: ذكره لأقوال الصحابة في قوله تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185] قال: وقوله تعالى: {فَلْيَصُمْهُ}: قال ابن عباس وأكثر أهل التأويل: معناه: فليصم ما شهد منه؛ لأنه إن سافر في حال الشهر كان له الإفطار، وذهب طائفة على أنه إذا شهد أول الشهر مقيمًا ثم سافر لم يحل له الإفطار، وهو قول النخعي والسدي وابن سيرين ومذهب جماعة. قد يتوسع في ذكر الأحكام، ويفصل في ذلك تفصيلًا بينًا، وهو قليل أيضًا في جملة الكتاب. ومن أمثلة ذلك: قوله: ولأهل التأويل في قوله: {غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ} [البقرة: 173] طريقان: أحدهما: وهو قول ابن عباس في رواية عطاء: غير باغ على المسلمين، ولا عاد عليهم، وهذا قول مجاهد وسعيد بن جُبَير والضحاك والكلبي، قالوا: غير قاطع للطريق، ولا مفارق للأئمة، مشاق للأمة. وعلى هذا التأويل كل من عصى بسفره لم يحل له أكل الميتة عند الضرورة، لأنه باغ عاد، وهو مذهب الشافعي رحمه الله، قال: إن الإباحة إعانة له على فساده وظلمه، ولكن يتوب ويستبيح. والثاني: إن هذا البغي والعدوان يرجعان إلى الأكل، ومعناه: غير آكلها تلذُّذًا من غير اضطرار، (ولا عاد) ولا مجاوز ما يدفع به عن نفسه الجوع، وهذا قول السدي.
وقال الحسن وقتادة والربيع وابن زيد: غير باغ بأكله من غير اضطرار، ولا عاد يتعدى الحلال إلى الحرام، فيأكلها وهو غني عنها. وعلى طريقة هؤلاء يُباح للعاصي بسفره تناول الميتة عند الضرورة، وهو مذهب أهل العراق. والتأويل الأول أولى من حيث اللفظ والمعنى. أما اللفظ: فرجوع البغي والعدوان إلى حال المضطر أولى من رجوعهما إلى أكله، وهو المفهوم من اللفظ؛ لأنه لم يسبق للأكل ذكر حتى يكون البغي والعدوان صفة له، راجعًا إليه، ومثله من الكلام أن يقال: قد حرم الأمير ركوب الخيل، ولبس السلاح، فمن أحوج غير فارٍّ ولا ذاهبٍ فلا حرج عليه، فالذي يسبق إلى الوهم من هذا، ويليق باللفظ، أن معناه: غير فار بنفسه ولا ذاهب، وأن الفرار والذهاب يعود إلى نفس المضطر، لا إلى شيء سواه. وَوِزان التأويل الثاني من هذا الكلام: أن يكون المعنى: غير فار بسلاحه، ولا ذاهب به. وأما من حيث المعنى: فإن نفس المؤمن يعاف الميتة والدم، ويستقذرهما استقذارًا يمنعه من أكلهما؛ ولهذا لا يقام الحد على آكلهما؛ لأنه لم يحتج في الزجر عنهما إلى الحد، لا كالخمر فإن لها دواعي من النفس، وإذا كان كذلك فليس يتجاوز أحدٌ في أكل الميتة قدر التشبع عند الضرورة، ولا يتعدى الحلال الذي معه، فيأكلها تلذذًا من غير أن يَرِدَ بهذا نهي، وإن جاز ورود النهي تأكيدًا، فلهذين الوجهين قلنا إن التأويل الأول أولى. 7 - وجدت بالتتبع أنه ينقل غالب الأحكام من تفسير شيخه الثعلبي،
ويتابعه في الإطالة والاختصار والتفصيل والإجمال وذكر الخلاف والمخالفين ولكن على عادته -رحمه الله- بالتصرف والاختصار والتقديم والتأخير. 8 - أما المسائل الأصولية فقليلة جدًّا في هذا التفسير، ومن أمثلة ذلك: ما ذكره من معنى النسخ وأقسامه عند تفسير قوله تعالى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 106]. قال رحمه الله: النسخ له معنيان: أحدهما: تحويلُ الكتاب من حيث هو إلى نسخة أخرى، يقال: نسخت الكتاب، أي: كتبت منه نسخة أخرى، ثم يقال: نَسَخْتُ منه نسخة، وإن لم تحوله من مكتوب إلى غيره، كأنك كتبته عن حفظك، ومن هذا قوله عز وجل: {إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [الجاثية: 29] يجوز أن يكون معناه: ننسخ، كقوله: {وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ} [الصافات: 14] أي: يسخرون، ويجوز أن يكون معناه: نستدعي ذلك، وهو أمر الملائكة بكتابته. وعلى الوجهين جميعًا هو كتابة لا من نسخة، فعلا هذا المعنى: القرآن كله منسوخ؛ لأنه نُسِخَ للنبي -صلى الله عليه وسلم- من أمِّ الكتاب فأنزل عليه. والثاني: هو رفعُ الحكم وإبطالهُ، ثم يجوز النسخ إلى بدل وإلى غير بدل. فالذي إلى بدل قولهم: نَسَختِ الشمسُ الظلَّ، فالظلُّ يزول ويبطل، والشمس تكون بدلًا عنه. والذي إلى غير بدل قولهم: نَسَختِ الريحُ الأثرَ، أي: أبطلتها وأزالتها.
وهذا المعنى هو المراد بالآية. ثم النسخ في القرآن على ضروب: .. إلى آخر ما ذكر. وقد عني رحمه الله بذكر الإجماع لكنه متساهل في حكايته ونقله. ومن أمثلة ذلك ما ذكره عند قوله تعالى: {بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 81] قال: وإجماع أهل التفسير أن السيئةَ ها هُنا الشرك (¬1)، وأنّ الآية وردت في اليهود (¬2)، وقد قيل: إنها عامة في جميع الكفار. اهـ والصحيح: أن هذا قول أكثر السلف، والقول الآخر: أن السيئة هي كبائر الذنوب التي توعد الله عليها بالنار، والخطيئة هي الكفر، وممن قال به الحسن والسدي. ومن أمثلته أيضًا: ما ذكره عند تفسير قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} [البقرة: 180] قال: "وقد اجتمعت العلماء على نسخ هذه الآية" (¬3). ¬
المسألة التاسعة: منهجه في اللغة وفنونها
ومن أمثلته أيضًا: ما ذكره عند تفسير قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183] قال: وإجماعُ المفسرين على أن المراد بهذا الصيام صيام شهر رمضان (¬1). المسألة التاسعة: منهجه في اللغة وفنونها: يعد هذا الجانب أبرز الجوانب في تفسير الواحدي، وأوضحها للقارئ، حتى إنه ليعد أحد المراجع في هذا الفن، وسوف نتحدث في هذا الموضوع من خلال أربعة جوانب وهي: 1 - الجانب اللغوي: للجانب اللغوي أهمية خاصة بالنسبة لتفسير "البسيط" ذلك لما حواه هذا الكتاب من مادة لغوية كثيرة، أثار ذلك انتباه بعض العلماء منهم الزركشي الذي اعتبر كتاب "البسيط" من كتب التفسير التي غلب عليها الطابع اللغوي، حيث كثر فيها الغريب، فيقول وهو يتحدث عن التفسير: وقد أكثر الناس فيه من الموضوعات، ما بين مختصر ومبسوط وكلهم يقتصر ¬
على الفن الذي يغلب عليه، فالزجاج والواحدي في "البسيط" يغلب عليهما الغريب .. " (¬1). وذلك البعد اللغوي في الكتاب "البسيط" ليس غريبًا على شخصية الواحدي العلمية والتي استجليناها فيما سبق (¬2)، حيث أدرك منذ نشأته الأولى أهمية اللغة لتفسير كتاب الله، فصرف همته لذلك، حتى إذا نضجت فيه تلك الملكة، أبرزها في كتابه "البسيط". يقول في مقدمة كتابه "البسيط" مبينًا أهمية اللغة لفهم القرآن وتفسيره: "والله تعالى ذكره، أنزل كتابه على قوم عرب، أولي بيان فاضل، وفهم بارع، أنزله -جل ذكره- بلسانهم، وصيغة كلامهم الذي نشأوا عليه .. يعرفون وجوه خطابه، ويفهمون فنون نظامه، ولا يحتاجون إلى تعلم مشكله وغريب ألفاظه حاجة المولدين الناشئين مع من لا يعلم لسان العرب حتى يعلمه .. وبين النبي -صلى الله عليه وسلم- للمخاطبين من أصحابه -رضي الله عنهم- ما عسى بهم الحاجة من معرفة بيان مجمل الكتاب، وغامضه ومتشابهه، وجميع وجوهه التي لا غنى بهم وبالأمة عنه. فاستغنوا بذلك عما نحن إليه اليوم محتاجون من معرفة لغات العرب واختلافها والتبحر فيها، الاجتهاد في تعلم وجوه العربية الصحيحة التي بها نزل الكتاب وورد البيان" (¬3). ويقول: "وقد كان الأكابر من السلف يحثون على تعلم لغة العرب، ويرغبون فيها لما يعلمون من فضلها وفرط الحاجة إليها، في معرفة ما في ¬
الكتاب، ثم في السنن والآثار وأقاويل أهل التفسير من الصحابة والتابعين من الألفاظ الغريبة والمخاطبات العربية، فإن من جهل لسان العرب وكثرة ألفاظها وافتنانها في مذاهبها جهل جمل علم الكتاب" (¬1). ويقول: "وكيف يتأتى لمن جهل لسان العرب أن يعرف تفسير كتاب جعل معجزة في فصاحة ألفاظه وبعد أغراضه -لخاتم النبيين وسيد المرسلين -صلى الله عليه وسلم- وعلى آله الطيبين- في زمان أهله يتحلون بالفصاحة، ويتحدون بحسن الخطاب وشرف العبارة، وإن مثل من طلب ذلك مثل من شهد الهيجاء بلا سلاح، ورام أن يصعد الهواء بلا جناح" (¬2). ومن هذه النصوص وغيرها مما قال في مقدمة كتابه التي تركتها - خشية الإطالة- ندرك مدى اهتمام الواحدي باللغة، ومن ثم انصرفت همته لها تعلمًا وتأليفًا فجاء كتابه "البسيط" أحد كتب التفسير التي غلب عليها الطابع اللغوي كما قال الزركشي. لقد أصاب الزركشي فيما قال، فإن الواحدي إن كان قد أجاد في شرح اللفظة القرآنية بيان أصلها في اللغة، وربط ذلك بتفسير الآية، فإنه قد توسع في بعض المباحث اللغوية حتى عد ذلك خروجًا عن نهج التفسير، بل وعن النهج الذي شرطه على نفسه في مقدمة كتابه. والمنهج اللغوي الذي سلكه الواحدي في تفسيره "البسيط" يقوم على بيان أصول الألفاظ القرآنية واشتقاقها وتصاريفها وما فيها من فروق لغوية مع الاعتناء بالألفاظ الغريبة وبيان مدلولاتها، ومن ثم ربط ذلك بتفسير ¬
الآية فيطوع المباحث اللغوية لخدمة التفسير، ويوجه الأقوال ويرجع بعضها على بعض بما يملك من ملكه لغوية مصقولة. ويبدأ تفسيره -في الغالب- بتحليل ألفاظ الآية وبيان أصولها واشتقاقها وشرح غريبها. ولقد اعتمد الواحدي كثيرًا على كتاب "تهذيب اللغة" للأزهري في جانب اللغة كما أفاد كذلك من كتاب "الحجة" و"الإغفال" لأبي علي الفارسي و"معاني القرآن" للفراء وللزجاج، وأقوال ابن الانباري، وهذه أهم مصادره في اللغة. ومن الأمثلة على مدى عنايته في الجانب اللغوي، ما ذكره عند تفسير قوله تعالى: {يَوْمِ الدِّينِ} [الفاتحة: 4]. تكلم عن أصل "مالك" في اللغة وعن تصريفها فقال: المالك في اللغة الفاعل من الملك، يقال: مَلَك فلان الشيء يَمْلِكه مُلْكًا ومِلْكًا ومَلْكًا ومَلَكة ومَمْلَكة ومَمْلُكة، ويقال: إنه لحسن المَلْكة والمِلْك، وأصل: المُلْك والمِلْك راجع إلى معنىً واحد، وهو الربط والشد فمالك الشيء من ربطه لنفسه، ومُلْكُه ما يختص به وَشُدَّ بعقد يخرج به عن أن يكون مباحًا لغيره .. ، ويستمر في شرح طويل لهذِه اللفظة. ثم يأتي إلي لفظ "الدين" في الآية رابطًا بين شرح اللفظة وبين الاستدلال بالقرآن والنقل عن السلف في معناها فيقول: "الدين" قال الضحاك وقتادة: الدين: الجزاء، يعني يوم يدين الله العباد بأعمالهم، تقول العرب دنته بما فعل أي جازيته، ومنه قوله: {أَإِنَّا لَمَدِينُونَ} [الصافات: 53]، أي مجزيون، وقال: واعلم وأيقن أن ملكك زائل ... واعلم بأن كما تدين تدان
أي: تجزى بما تفعل. ويقوي هذا التفسير قوله: {الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ} [غافر: 17] وقوله: {الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [الجاثية: 28]. قال ابن عباس والسدي ومقاتل: معنى قوله: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} [الفاتحة: 4] قاضي يوم الحساب، واختار أبو عبيد هذا القول .. ثم قال: وللدين معان كثيرة في اللغة، وكل موضع انتهينا إليه من القرآن ذكرنا ما فيه. وعند تفسير قوله تعالى: {فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [البقرة: 10] قال عن "العذاب": أصل العذاب في كلام العرب من العذب وهو المنع يقال: عَذَبْتُه عَذْبًا أي: منعته منعًا، فعَذَبَ عُذُوبًا أي: أمتنع، ومنه يقال: للفرس إذا قام في المعلف ولم يتناول العلف وامتنع عنه: عَذُوب وعَاذِب، ومنه الماء العَذْب؛ لأنه يمنع العطش، فسمَّي العذاب عذابًا؛ لأنه يعذبُ المعاقب عن معاودة ما عوقب عليه، ويَعْذُب غيره من ارتكاب مثله. وعند تفسير قوله تعالى: {وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ} الآية [البقرة: 49] يتكلم عن لفظ "آل" عن أصله وعن اشتقاقه في اللغة فيقول: اختلف أهل العربية في الآل، واشتقاقه من اللغة، وأصله. فقال جماعة: أصله من الأول، بمعنى الرجوع، فآل الرجل كأنه شيعته الذين يؤولون إليه ويؤول إليهم .. ثم يذكر أشياء تشبه بآل الرجل فيقول: .. هذا معنى الآل في اللغة، ثم شُبِّه بآل الرجل أشياء تسمى بهذا الاسم وإن لم يوجد فيه معنى الأول، كعضد الخيمة تسمى: "آلًا" تشبيهًا بآل الإنسان، وآل البعير ألواحه .. ". ثم ينقل كلامًا طويلًا عن أبي الفتح الموصلي عن أصل "آل" وما حصل عليها من إبدال وتغيير في بنية الكلمة.
2 - الجانب النحوي
واهتمام الواحدي بالاشتقاق اللغوي بارز في جميع المباحث اللغوية التي طرقها، ومن الأمثلة التي توضح ذلك عند تفسير قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ} الآية [البقرة: 58] ذكر اللغات في القرية ثم قال: وقال أصحاب الاشتقاق: اشتقاق القرية من قريت أي: جمعت، والمقراة: الحوض يجمع فيه الماء، والْقَرِيُّ: مسيل يجتمع الماء إليه، ويقال لبيت النمل: قرية؛ لأنه يجمع النمل .. 2 - الجانب النحوي: أدرك الواحدي منذ اتجاهه إلى التحصيل أهمية النحو والأدب في تفسير القرآن وأنهما عمدتاه فيقول: "فقلت: إن طريق معرفة تفسير كلام الله تعالى تعلم النحو والأدب فإنهما عمدتاه ... " ويقول: "وقل من تقدم في علم من العلوم إلا بمعرفة الأدب ومقاييس العربية والنحو" لذلك اتجه إلى النحو فجلس إلى الشيوخ يقرأ جوامع النحو والتصريف. يقول: "وأما النحو فإني لما كنت في ميعة صباي وشرخ شبيبتي وقعت إلى الشيخ أبي الحسن علي بن محمد بن إبراهيم الضرير -رحمه الله-، وكان من أبرع أهل زمانه في لطائف النحو وغوامضه، وأعلمهم بمضايق طرق العربية ودقائقها، وقرأت عليه جوامع النحو والتصريف والمعاني، وعلقت عنه قريبًا من مائة جزء في المسائل المشكلة، ثم ورد علينا الشيخ الإمام أبو الحسن عمران بن موسى المغربي المالكي، وكان واحد عصره وباقعة دهره في علم النحو، لم يلحق أحد ممن سمعنا شأوه في معرفة الإعراب، ولقد صحبته مدة مقامه عندنا حتى استنزفت غرر ما عنده". لقد استوعب من مسائل النحو ما جعله يعد في مصاف أئمة هذا
الشأن، والمستحق لقب "النحوي" الذي أطلقه عليه أكثر الذين ترجموا (¬1) له، وفي مقدمتهم صاحب السياق الذي قال: الإمام المصنف المفسر النحوي. (¬2)، ويقول ابن خلكان: كان أستاذ عصره في النحو والتفسير (¬3). وقد أفرغ في كتابه "البسيط" كثيرًا مما جمعه ووعاه من مسائل النحو ودقائقه وفروعه حتى أصبح الكتاب أقرب إلى موسوعة نحوية منه إلى كتاب تفسير. يقول السيوطي وهو يتحدث عن أنواع الذين صنفوا في التفسير: فالنحوي تراه ليس له هم إلا الإعراب وتكثير الأوجه المحتملة فيه، ونقل فواعد النحو ومسائله وفروعه وخلافياته كالزجاج والواحدي في "البسيط" وأبي حيان في "البحر" و"النهر" ... (¬4). وأقول: إن السيوطي مصيب فيما قال، حيث أثقل الواحدي كتابه "البسيط" بمسائل نحوية لا علاقة لها بالتفسير إطلاقًا، وإنما يقوده إليها الاستطراد وشغفه بذلك العلم. وأذكر بعض الأمثلة التي توضح ذلك: المثال الأول هو: ما افتتح الواحدي به كتابه فعند تفسير "البسملة" أول عبارة بدأ بها قوله: اختلفت عبارة النحويين في تسمية هذه الباء الجارة .. الخ، ثم استطرد في صفحات يذكر أقوال النحويين وخلافاتهم عن "الباء" وعن بعض حروف الجر كـ "اللام" و"الكاف" وقد نقل هذا الموضوع من كتاب "سر صناعة الإعراب" لأبي الفتح بن جني ولم يعزه له. ¬
مذهبه النحوي
وعند تفسير قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ} [البقرة: 23] ذكر الأقوال في: "من" في قوله: {مِنْ مِثْلِهِ} وهذا متعلق بتفسير الآية. ثم ذكر أوجه "من" عمومًا، فقال: قال النحويون: "من" يكون على أربعة أوجه .. وأخذ يذكرها ويمثل لها. ثم قال بعده مباشرة: وهاهنا فصل يحتاج إليه في كثير من المواقع ذكرته هاهنا وهو: أن الحروف عند النحويين لا يليق بها الزيادة ولا الحذف .. الخ، ثم أخذ في شرح طويل في شرح هذِه المسألة، فما مناسبة هذا الفصل لتفسير الآية؟ إن مكانه كتب النحو لا كتب التفسير، وهذا الفصل بكامله وبنصه قد نقله عن كتاب "سر صناعة الإعراب" لأبي الفتح بن جني (¬1) بدون عزو. وعند تفسير قوله تعالى: {عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ} [البقرة: 68] تحدث عن "بين" وأخذ عن أبي علي الفارسي من كتاب "الإغفال" كلاما طويلًا عن "بين" ومنه: "قال أبو علي: اعلم أن "بين" اسم يستعمل على ضربين: مصدر وظرف .. الخ، واستمر في سرد طويل في صفحات. ومثله ما كتبه عن "الآن" ناقلا عن الفراء وأبي علي الفارسي. إن حشو كتب التفسير بمثل هذه المباحث الطويلة يبعد القارئ عن تفسير القرآن ويطيل الكتاب، ويجلب الملل للقارئ. رحم الله الواحدي. مذهبه النحوي: هناك مدرستان نحويتان شهرتا وهما "مدرسة البصرة" و"مدرسة ¬
الكوفة" ولكل من المدرستين قواعد وأصول تخالف المدرسة الأخرى، كما أن لكل واحدة منهما علماء عرفوا بذلك فمن أشهر رجال مدرسة البصرة الخليل بن أحمد، وسيبويه، والمازني، وقطرب، والمبرد، والزجاج، والزجاجي، وأبو علي الفارسي، وغيرهم (¬1). ومن أشهر رجال مدرسة الكوفة: الفراء، الكسائي، وثعلب، وأبو بكر بن الأنباري (¬2). ونشأت بعد ذلك مدرسة ثالثة من جراء الخلط بين أصول المدرستين وهي ما عرفت بالمدرسة "البغدادية" ومن رجالها ابن كيسان وابن السراج (¬3) وعد بعضهم منها "أبا الفتح بن جني" وعده بعضهم بصريًّا (¬4). فمن أي المدارس الثلاث يمكن أن يعتبر الواحدي؟ للإجابة عن هذا السؤال نعود إلى المادة النحوية التي ذكرها الواحدي في كتابه "البسيط" فنراه قد نقل عن أئمة المدارس الثلاث فأخذ عن الزجاج والفارسي والمبرد والزجاجي وغيرهم من مدرسة البصرة. وأخذ عن الفراء وابن الأنباري وثعلب من مدرسة الكوفة. كما نقل آراء ابن كيسان وابن السراج وأخذ عن أبي الفتح بن جني، ومن ثم نراه قد نقل من قواعد المدارس الثلاث في كتابه. ¬
المسائل النحوية التي يعنى بها في "البسيط"
كما نلاحظ أنه يذكر قول الكوفيين والبصريين في المسألة الواحدة وربما رجح قول أهل البصرة أو قول أهل الكوفة. مثال على ذلك: لما تعرض لتفسير "الاسم" في تفسير "البسملة" ذكر أقوال الطرفيين ثم قال: قالوا: ولا يصح مذهب الكوفيين في هذا الحرف، لأنه لا يعرف شيء حذفت منه فاء الفعل فدخلت عليه ألف الوصل كالعدة والزنة .... بينما نراه في موضع آخر يأخذ بقول الكوفيين، ولا يذكر قول البصريين أصلًا فعند تفسير قوله تعالى: {وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ} [البقرة: 12] قال: أصل "لكن" لا، ك، إن، "لا" للنفي و"الكاف" للخطاب و"إن" للإثبات، فحذفت الهمزة استخفافًا. فما قرره في "لكن" هو رأى الكوفيين أما أهل البصرة فيرون أنها بسيطة غير مركبة (¬1). ولعل هذا مما أفاده من ابن الأنباري وهو كوفي كما سبق. نصل من هذا إلى أن الواحدي أفاد في كتابه عن أئمة النحو من بصريين وكوفيين، يختار من أقوالهم ما يراه إلى الصواب أقرب ولا يلتزم مدرسة بعينها، لكن نقوله عن البصريين أكثر، لأن أغلب الأئمة الذين أخذ عنهم من مشايخ البصرة كالفارسي والزجاج والزجاجي، وابن جني عند بعضهم، والله أعلم بالصواب. المسائل النحوية التي يُعْنَى بها في "البسيط": لقد طرق الواحدي في كتابه أغلب مسائل النحو، ولا تأتي مناسبة في تفسيره لمسألة نحوية إلا وتعرض لها سواء كانت تتعلق بالتصريف أو ¬
بإعراب الكلمة أو غير ذلك، وسبق ذكر نماذج لعنايته بتصريف الكلمة وأصولها في منهجه اللغوي، ونلحظ من مجموع المسائل النحوية التي تعرض لها عنايته بأمرين هامين وهما: إعراب القرآن، والأدوات والحروف. أما بالنسبة للأمر الأول وهو إعراب القرآن، فإن له أهمية كبرى فبالإعراب يتبين المعنى ويتضح، وبه يوقف على أغراض المتكلم، وقد ألفت في إعراب القرآن كتب كثيرة منها كتاب "مشكل إعراب القرآن" لمكي بن أبي طالب و"إملاء ما من به الرحمن" لأبي البقاء العكبري وغيرها (¬1). وقد أولى الواحدي هذا الجانب عناية كبيرة لما له من أثر في وضوح معاني الآيات، ومن الأمثلة على ذلك في تفسير قوله تعالى: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ} [البقرة: 2] قال: وموضع "لا ريب" رفع بالابتداء عند سيبويه لأنه بمنزلة "خمسة عشر" إذا ابتدأت به، ولهذا جاز العطف عليه بالرفع في قوله: لا أُمَّ لِي إِنْ كَانَ ذَاكَ وَلا أَبُ ومن نصب المعطوف فهو عطف على اللفظ .. وقوله "فيه" يجوز أن تجعله خبرًا للابتداء الذي هو "لا ريب" ويجوز أن تجعله صفة لقوله: "لا ريب"، وإذا جعلته صفة أضمرت الخبر، كأنه قيل: لا ريب فيه واقع أو كائن ... الخ. وعند تفسير قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ} [البقرة: 6] قال: و"سواء" في الآية رفع بالابتداء ويقوم "أأنذرتهم ¬
أم لم تنذرهم" مقام الخبر في المعنى، كأنه بمنزلة قولك: "سواء عليهم الإنذار وتركه" لا في الإعراب، لأنك إذا قدرت هذا التقدير في الإعراب صار "سواء عليهم" خبرًا مقدمًا، والجملة في موضع رفع بأنها خبر "إن" ويجوز أن يكون خبر "إن" قوله: "لا يؤمنون" كأنه قيل: إن الذين كفروا لا يؤمنون سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم ... إلخ". ونلحظ ربط الإعراب بمحاولة إيضاح المعنى على جميع الوجوه. والاستفادة من إعراب القرآن للكشف عن معاني الآية ظاهرة في تفسير الواحدي، يتضح ذلك من الأمثلة السابقة، وأذكر مثالا آخر يوضح هذا الأمر أكثر، عند تفسير قوله تعالى: {وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا} [البقرة: 26] قال: "وفي نصب قوله: "مثلًا" وجوه، أحدها: الحال، لأنه جاء بعد تمام الكلام، كأنه قيل: ماذا أراد الله بهذا مبينا. والثاني: التمييز والتفسير للمبهم وهو "هذا" كأنه قيل: ماذا أراد الله بهذا من الأمثال. والثالث: القطع كأنه قيل: ماذا أراد الله بهذا المثل، إلى أنه لما جاء نكرة نصب على القطع عن إتباع المعرفة، وهذا مذهب الفراء وأحمد بن يحيى. الأمر الثاني: عناية بالأدوات والحروف. ودراسة الحروف من مسائل النحو الهامة حيث ألفت فيها كتب مستقلة (¬1)، لأن معانيها تختلف بحسب ¬
موقعها من الكلام، ولذلك لابد للمفسر من معرفة ذلك (¬1)، وعناية الواحدي بها بارزة في تفسير "البسيط" فلا يمر شيء من الحروف والأدوات إلا ويبسط القول فيها عن تركيبها، وعن استعمالها، واختلاف مدلولاتها بحسب الاستعمال. ومن الأمثلة على ذلك ما سبق قريبا عن "الباء" و"من" و"بين" و"الآن"، ومن الأمثلة الأخرى ما ذكره عن "لم" و"لن" عند تفسير قوله تعالى: {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا} [البقرة: 24] قال: "لم" حرف يجزم الفعل المضارع، ويقع بعدها بمعنى الماضي كما يقع الماضي بعد حرف الجزاء بمعنى الاستقبال، ولهذه المشابهة بينها وبين حروف الجزاء اختير الجزم بـ"لم" .. ثم قال: وأما "لن" فهي حرف قائم بنفسه، وضع لنفي الفعل المستقبل، ونصبه للفعل كنصب "أن" وليس ما بعد "لن" بصلة لها، لأن "لن يفعل" نفي سيفعل، وتعمل ما بعدها فيما قبلها كقولك زيدًا لن أضرب ... واستمر في بيان أقوال النحويين في أصل "لن". وقد اعتمد الواحدي في المسائل النحوية كثيرًا على كتاب "سر صناعة الإعراب" لأبي الفتح بن جني، و"معاني القرآن" للفراء وللزجاج، وكتاب "الإغفال" و"الحجة" لأبي علي الفارسي، وعلى أقوال ابن الأنباري. وكان اعتماده على كتاب "سر صناعة الإعراب" كبيرًا نقل منه مسائل طويلة بنصها، وعندما قام صاحب كتاب "الواحدي ومنهجه في التفسير" بدراسة الجانب النحوي في التفسير عند الواحدي اختار نصين من "البسيط" أحدهما عن "الباء"، والثاني عن "أل" وبنى عليهما دراسته لمنهجه النحوي، وكأن الكلام للواحدي، مع أن هذين النصين منقولان بطولهما من ¬
3 - الجوانب البلاغية
كتاب "سر صناعة الإعراب" لأبي الفتح بن جني، ودور الواحدي هو حسن الانتقاء والعرض، (¬1) وسبق الإشارة لمثل هذا قريبًا عند الحديث عن منهج الواحدي في عرض القراءات. 3 - الجوانب البلاغية: علم البلاغة من أجل علوم العربية قدرًا، إذ به تعرف دقائق اللغة وسر الفصاحة فيها، وبه يعرف بعض وجوه إعجاز القرآن الكريم، فلا غنى للمفسر عنه، يقول الزركشي: "وهذا العلم أعظم أركان المفسر فإنه لابد من مراعاة ما يقتضيه الإعجاز من الحقيقة والمجاز وتأليف النظم وأن يؤاخي بين الموارد ويعتمد ما سيق له الكلام حتى لا يتنافر وغير ذلك .. وقال الزمخشري: من حق مفسر كتاب الله الباهر وكلامه المعجز أن يتعاهد في مذاهبه بقاء النظم على حسنه والبلاغة على كمالها، وما وقع به التحدي سليمًا من القادح، وإذا لم يتعاهد أوضاع اللغة فهو من تعاهد النظم والبلاغة على مراحل .. " (¬2). ولقد كان الواحدي سباقًا في ذلك حيث جعل "البلاغة" أحد القواعد الهامة لتفسير كتاب الله، فيقول: فقلت: إن طريق معرفة تفسير كلام الله تعالى تعلم النحو والأدب -فإنهما عمدتاه- وإحكام أصولهما، وتتبع مناهج لغات العرب فيما تحويه من الاستعارات الباهرة والأمثال النادرة والتشبيهات البديعية، والملاحن الغريبة، والدلالة باللفظ اليسير على المعنى الكثير مما لا يوجد مثله في سائر اللغات. ¬
فجعل البلاغة مع النحو والأدب طريقًا إلى معرفة تفسير كلام الله، وذكر بعض أنواع البلاغة كالاستعارة والتشبيه والإيجاز وغير ذلك مما يدخل تحت قوله "والملاحن الغريبة". وقد دأب في كتابه "البسيط" على محاولة إظهار إعجاز القرآن بما حوى من فصاحة في الأسلوب وبلاغة في التركيب، وكان هذا النهج واضحًا في تناوله لمفردات الآيات وتركيبها، وما اعتماده كتاب "نظم القرآن" لأبي علي الجرجاني مصدرًا مهّمًا في تفسيره إلا دلالة قوية على ذلك. كما أفاد من كتب ابن الأنباري حول تفسير مشكل القرآن شيئًا من الصور البلاغية. ونأخذ أمثلة من كتابه لننظر مدى إثرائه في هذا الجانب. من ذلك ما ذكره عند تفسير قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5] قال: -ناقلًا عن ابن الأنباري-: "قال أبو بكر: وقوله {إِيَّاكَ} بعد قوله: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} [الفاتحة: 4] رجوع من الغيبة إلى الخطاب، والعرب تفعل ذلك كثيرًا، وهو نوع من البلاغة والتصرف في الكلام، ومثل قوله: {وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا} [الإنسان: 21] ثم قال: {إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً} [الإنسان: 22] .. فذكر أحد أنواع علم المعاني التي يسميها البلاغيون "الالتفات". وعند تفسير قوله تعالى: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ} الآية [البقرة: 7] ذكر نوعًا آخر من أنواع البلاغة -ناقلًا كذلك عن ابن الأنباري- قال: وقال ابن الأنباري: أراد وعلى مواضع سمعهم، فحذف المضاف، كما تقول العرب: تكلم المجلس، وهم يريدون أهله، وحذف المضاف كثير في التنزيل والكلام .. وهذا النوع يسميه علماء البلاغة: "مجازًا عقليًّا"
ويذكر هذا النوع كذلك عند تفسير قوله تعالى: {فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ} [البقرة: 16] قال: ومعنى قوله: {فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ}، أي: ما ربحوا في تجارتهم، وأضاف الربح إلى التجارة؛ لأن الربح يكون فيها، وهذا كلام العرب يقولون: ربح بيعك، وخسر بيعك، ونام ليلك، وخاب سعيك ... إلخ). ويتحدث عن التشبيه وهو أحد أنواع علم البيان، فيعرفه ويذكر أهميته لما فيه من حسن البيان وقرب الاستدلال، لذلك كثر في القرآن، فيقول عند تفسير قوله تعالى: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا} [البقرة: 17] قال المبرد: ... والمثل من الكلام: قول سائر يشبه به حال الثاني بالأول، والأصل فيه التشبيه، فمعنى قولهم: مثل بين يديه إذا انتصب، معناه: أشبه الصورة المنتصبة بين يديه ... والأمثال أصل كبير في بيان الأشياء؛ لأن الشيء يعرف بشبهه ونظيره، والأمثال تخرج ما يخفى تصوره إلى ما يظهر تصوره، والمثل بيان ظاهر على أن الثاني مثل الأول، والأمثال متداولة سائرة في البلاد، وفيها حكم عجيبة وفوائد كثيرة، وقد ذكر الله تعالى الأمثال في غير موضع من كتابه لما فيها من حسن البيان وقرب الاستدلال، والمقصود بالمثل البيان عن الحال الممثل، وحقيقته ما جعل من القول كالعلم للتشبيه بحال الأول ... ثم يدخل في بيان تطبيقي على الآية، موضحًا التشبيه فيها بذكر المشبه والمشبه به ووجه الشبه مع قرن ذلك بتفسير الآية، فيقول: فأما التفسير فقال ابن عباس وقتادة والضحاك ومقاتل والسدي: يقول: مثل هؤلاء المنافقين كمثل رجل أوقد نارًا في ليلة مظلمة في مفازة فاستضاء بها واستدفأ ورأى ما حوله فاتقى ما يحذر ويخاف وأمن، فبينا هو كذلك إذ طفئت ناره، فبقي
4 - الشواهد الشعرية
مظلمًا خائفًا متحيرًا، كذلك المنافقون لما أظهروا كلمة الإيمان واستناروا بنورها، واعتزوا بعزها وأمنوا، فناكحوا المسلمين ووارثوهم وقاسموهم الغنائم، وأمنوا على أموالهم وأولادهم، فلما ماتوا عادوا إلى الظلمة والخوف وبقوا في العذاب والنقمة، وهذا القول اختيار الزجاج ... وعلى ما قاله أبو إسحاق: التمثيل وقع بين تجملهم بالإسلام وبين النار التي يستضاء بها ... واستمر في ذكر الأقوال في الآية مبرزًا أركان التشبيه فيها. 4 - الشواهد الشعرية: لقد تضلع الواحدي من علوم اللغة والأدب، ذلك لأنه أدرك أنها طريق تفسير كتاب الله تعالى، الذي نزل بلغة عربية فصيحة، وكان الواحدي حريصًا في تفسيره على توثيق جميع الأقوال والآراء والمعاني التي يذكرها بالأدلة، اتباعًا للمنهج العلمي الأصيل، فلا يترك قولا في التفسير أو اللغة أو النحو أو البلاغة إلا ويحاول الاستدلال له إما بآية من القرآن أو حديث من السنة، أو أثر عن السلف أو بيت من أشعار العرب، وسبق الحديث عن منهجه في الاستدلال بالقرآن والسنة ولأثر، وكان مما عرف عن المنهج الواحدي هناك أنه لا يستدل بالقرآن والسنة والأثر على مسائل التفسير فقط، بل وعلى مسائل اللغة والنحو. وأما استشهاده بالشعر، فهو مجال الحديث الآن، ومما ينبغي استحضاره الآن تلك الهمة التي بذلها الواحدي لدراسة الأدب، والشعر بالدرجة الأولى. وقد ذكرت هذا في أكثر من موضع، ويكفي هنا أن نستعيد ما قاله الواحدي عن معاتبة شيخه العروضي له: .. حتى عاتبني شيخي -رحمه الله- يومًا من الأيام وقال: إنك لم تبق ديوانًا من الشعر إلى قضيت حقه أما آن لك أن تتفرغ لتفسير كتاب الله العزيز ... فقلت يا أبت إنما أتدرج
بهذا إلى ذلك الذي تريد، وإذا لم أحكم الأدب بجد وتعب لم أرم في غرض التفسير عن كثب .. (¬1). فيدل هذا النص من كلام الواحدي على مقدار ما بذل في سبيل تحصيل الأدب وكم من دواوين الشعر قرأها واستوعب ما فيها، وأنه يرى أن ذلك طريق لتفسير كتاب الله. وقبل كلامه هذا ساق الآثار عن السلف في بيان مكانة الشعر العربي في تفسير القرآن فيروي عن سعيد بن المسيب قصة عمر -رضي الله عنه- وهو على المنبر وفيها يقول عمر: يا أيها الناس: عليكم بديوانكم لا يضل، قالوا: وما ديواننا؟ قال: شعر الجاهلية، فإن فيه تفسير كتابكم ومعاني كلامكم. ويروي بسنده عن ابن عباس قال: إذا قرأ أحدكم شيئًا من القرآن فلم يدر ما تفسيره فليلتمسه في الشعر فإنه ديوان العرب. وبسنده عن ابن عباس: أنه كان يسأل عن الشيء من عربية القرآن فينشد الشعر. ألا يدل سياق الواحدي لتلك الآثار في مقدمة كتابه "البسيط" على ما كان يراه من مكانة هامة للشعر العربي في تفسير القرآن؟ ثم إن الواحدي قد حاول قول الشعر من صغره حتى تكونت لديه ملكة شعرية وقد عده بعضهم شاعرًا (¬2)، تلك الملكة مكنته من اختيار أجزل الشعر وأرصنه للاستشهاد به على مسائل اللغة والنحو وغيرهما. وقد حوى كتاب "البسيط" المئات من الشواهد الشعرية مما يقل مثله في كتب التفسير الأخرى. وأكثر الشواهد الشعرية جاءت في المسائل اللغوية، أو النحوية، أو ¬
البلاغية وقد يؤيد بها رأيًا في التفسير. فمن أمثلة الشواهد الشعرية في المسائل اللغوية: عند تفسير قوله تعالى: {إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} [البقرة: 32] ذكر معنى "الحكيم" وتصريفها وما تأتي عليه من المعاني فقال: ومعنى الحكيم هو المحكم للأشياء صرف من مفعل إلى فعيل كسميع في قوله: أَمِنْ رَيْحَانَةَ الدَاعِي السَّمِيع (¬1) قال ابن المظفر: ... والحكم القضاء بالعدل -أيضًا- قال النابغة: واحْكُم كَحُكْم فَتَاةِ الحَيِّ إذْ نَظَرَتْ ... إلى حَمَامٍ سِرَاعٍ وَارِدِ الثَّمَدِ ... قال الأصمعي: أصل الحكومة رد الرجل عن الظلم، ومنه سميت حَكَمَةُ اللجام، لأنها ترد الدابة قال: ومنه قول لبيد: أحْكَمَ الجِنْثِىُّ مِنْ عَوْراتِها ... كُلَّ حِرْباءٍ إذا أُكْرِهَ صَلّ قال الأزهري: والعرب تقول حَكَمْتُ وأَحْكَمْتُ وحَكَّمْتُ بمعنى: رَدَدْت ومنعت .. ومنه قول لبيد: أَبَنِي حَنِيفَةَ أَحْكِمُو سُفَهَاءَكُم وعند تفسير قوله تعالى: {وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ} [البقرة: 35] تكلم عن معنى الظلم، وعن أصله ومنه قوله: ... قال أبو عبيد: ويقال لذلك: اللبن المظلوم والظليم وأنشد شمر: وَقَائِلةٍ ظَلَمْتُ لَكُمْ سِقَائِي ... وَهَلْ يَخْفَى عَلى العَكِدِ الظَّلِيمُ وقال الفراء: ظَلَم الوادي إذا بلغ الماء منه موضعًا لم يكن ناله فيما ¬
خلا وأنشد: يَكَادُ يَطْلُعُ ظُلْمًا ثُمَّ يَمْنَعُهُ ... عَنِ الشَّواهِقِ فَالْوَادِي بهِ شَرِقُ وقال ابن السكيت في قول النابغة: والنُّؤيُ كَالحَوْضِ بالْمِظْلُومَةِ الجَلَدِ يعني: بالمظلومة أرضا في برية حوَّضوا فيها حوضًا سقوا فيه إبلهم، وليست بموضع تحويض، قال: وأصل: الظُّلْم وضع الشيء غير (¬1) موضعه، قال: ومنه قول ابن المقبل: هُرْتُ الشَّقَاشِقِ ظَلَّامُونَ للجُزُرِ وظلم الجزور أنهم نحروها من غير مرض فوضعوا النحر في غير موضعه. وقول زهير: وَيُظْلمُ أَحْيَانًا فَيَنْظَلِمُ فهذا الحشد الكبير من الأبيات الشعرية عند شرح مفردة واحدة من مفردات القرآن وهي "الظلم" يدل على مقدار ما حوى البسيط من الشواهد الشعرية. ومن الأمثلة على الشواهد الشعرية علىِ المسائل النحوية ما ذكره عند تفسير قوله تعالى: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 7] وتكلم عن (لا) فقال: .. والذين يجوزون زيادة لا يقولون: إنما تجوز إذا تقدمه نفي كقوله: مَا كَان يَرْضَى رَسُولُ الله دينَهَمُ ... والطَّيِّبانِ أبوُ بَكْرِ وَلَا عُمَرُ وليس كذلك فقد جاء زيادتها في الإيجاب كما جاء في النفي، قال ¬
ساعدة الهذلي: أَفَعَنْكِ لاَ بَرْق كَأَنَّ وَميِضَه ... غَابٌ تَشَيِّمَه ضِرَامٌ مُثْقَبُ وأنشد أبو عبيدة: وَيَلْحَيْنَنِي في اللَّهْو أَلَّا أُحِبَّهُ ... وَللَّهْو دَاعٍ دَائِبٌ غير غافل ومن الشواهد الشعرية في مسائل بلاغية ما ذكره عند تفسير قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5] فذكر من البلاغة فيها: الالتفات وذلك بالرجوع من الغيبة إلى الخطاب حيث جاءت الآية بعد قوله تعالى: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} [الفاتحة: 4] وقال: إن هذا نوع من البلاغة، وهو كثير في كلام العرب وذكر أبياتًا شواهد على ذلك فقال: وقال الأعشى: عِنْدَهُ البِرُّ والتُّقَى وَأَسَا الصَّدْ ... عِ وَحَمْلٌ لمُضْلِع الأثَقْالِ وَوَفَاءٌ إذَا أَجرتَ فَمَا غَرَّ ... تْ حِبَالٌ وَصَلْتَها بِحِبَالِ وأنشد أبو عبيدة: يَا لهْفَ نَفْسِي كَانَ جِدَّةُ خَالِد ... وَبَيَاضُ وَجْهِكَ للِتُّرَابِ الأَعْفَرِ وقال كثير: أَسيِئِي بِنَا أَوْ أَحْسِنِي لاَ مَلُومَةٌ ... لَدَيْنَا وَلَا مَقْلِيَّةٌ إِنْ تَقَلَّتِ" وعند تفسير قوله تعالى: {فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ} [البقرة: 16] ذكر المجاز فيها وقال: إن هذا كثير في كلام العرب ثم قال: " .. وقال جرير: وَأَعْوَرَ مِنْ نَبْهَانَ أَمَّا نَهَارُهُ ... فَأَعْمَى وَأَمَّا لَيْلُهُ فَبَصِيرُ فأضاف العمى والإبصار إلى الليل والنهار ومراده بهما الموصوف من نبهان".
المطلب الثالث مقارنة بين تفاسير الواحدي الثلاثة
المطلب الثالث مقارنة بين تفاسير الواحدي الثلاثة إن المتأمل لعناوين هذه التفاسير (البسيط، الوسيط، الوجيز) ليدرك الفرق الجوهري بينها، ويعلم أنها درجات متفاوتة في الطول والقصر، والبسط والإيجاز. ويمكن أن أستعرض أهم الفروق بين هذِه التفاسير في النقاط التالية: 1 - أن البسيط أوسعها بحثًا، وأكثرها مسائل، وفيه من التدقيق والتحقيق والإطناب ما ليس في الآخرين، ثم يأتي من بعده الوسيط، ثم من بعدهما الوجيز. يوضح ذلك قول المؤلف في مقدمة "الوسيط": وقديمًا كنت أطالب بإملاء كتاب في تفسير وسيط، ينحط عن درجة "البسيط" الذي تنجر فيه أذيال الأقوال، ويرتفع عن مرتبة "الوجيز" الذي اقتصر فيه على الإقلال، بتصنيف ما رُسِم من تفسير، أعفيه من التطويل والإكثار، وأسلمه من خلل الوجازة والاختصار، وآتي به على النمط الأوسط، والقصد الأقوم، حسنة بين السيئتين، ومنزلة بين المنزلتين، لا إقلال، ولا إملال (¬1). ويقول في مقدمة "الوجيز": ... فإني كنت قد ابتدأت بإبداع كتاب لم أسبق إلى مثله، وطال عليَّ الأمر في ذلك ... ثم استعجلني قبل إتمامه والتقصي عما لزمني من عهدة إحكامه نفر متقاصرو الرغبات، منخفضو الدرجات، أولو البضاعة المزجاة، على إيجاز كتاب في التفسير، يقرب على من تناوله، ويسهل على من تأمله، من أوجز ما عمل في بابه، وأعظمه فائدة على متحفظيه ¬
وأصحابه، وهذا كتاب أنا نازل فيه إلى درجة أهل زماننا، تعجيلًا لمنفعتهم، وتحصيلًا للمثوبة في إفادتهم، بما تمنوه طويلًا، فلم يغن عنهم أحد فتيلًا، وتارك ما سوى قول واحد معتمد لابن عباس -رحمه الله- أو من هو في مثل درجته، كما يترجم عن اللفظ العويص بأسهل منه (¬1). 2 - أن الأقوال في البسيط مذكورة بتمامها، واختلاف وجوهها مع الاستدلال والترجيح أحيانًا، بينما اختصر ذلك في الوسيط، واقتصر في الوجيز على قول واحد معتمد لابن عباس -رضي الله عنه- أو من هو في مثل درجته. 3 - يظهر من النصوص السابقة أن المادة العلمية في الوسيط إجمالًا منتقاة من البسيط، ولذا قال القفطي: وهو مختار من البسيط (¬2). 4 - استطرد الواحدي بوضوح في البحوث اللغوية والنحوية، في الوقت الذي جاءت على نحو مختصر كاف في الوسيط، أما في الوجيز فلم يعرِّج عليها. 5 - يلاحظ أن الوسيط تميز عن الآخرين في جانب الرواية، فهو يذكر فيه أحاديث وآثارًا، ويسوق أسانيد كثير منها، لا يذكرها ألبتة في الوجيز، ويُقل منها في البسيط. 6 - كما أنه في الوسيط أيضًا يفتتح كل سورة بما ورد في فضلها ولا يشير إلى ذلك في تفسيريه الآخرين، وحديث فضائل السور المشهور إنما ذكره في الوسيط فقط، وهو حديث موضوع كما لا يخفى، وقد تقدم ذكر ذلك. ¬
ومن الأمثلة التي تبين الفرق بين هذه التفاسير الثلاثة
7 - اعتنى الواحدي في البسيط بتوجيه القراءات وتعليلها، واستطرد في ذلك إلى الغاية القصوى، وضمن كتابه خلاصة الحجة لأبي علي الفارسي، بينما نجده مقلا في الوسيط بشكل واضح، وأما الوجيز فلا يكاد يذكر شيئًا من ذلك إلا نادرًا. 8 - أما من حيث ترتيب تأليف هذه التفاسير، فإنه قد يفهم من النصين السابقين أنه بدأ بالبسيط، وقبل إتمامه ألف الوجيز ليحقق رغبة من قصرت همتهم، ثم ألف الوسيط الذي صرح بأنه ألفه بعد البسيط. ومن الأمثلة التي تبين الفرق بين هذِه التفاسير الثلاثة: ما ذكره في تفسير قوله تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 158] فقد فسره في البسيط بقوله: قوله تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} الآية، الصفا: جمع صفاة، وهي الحجارة، قال أبو العباس: الصفا: كل حجر لا يخلطه غيره، من طين أو تراب يتصل به، واشتقاقه من صفا يصفو إذا خلص. والمروة: واحدة المرو، وهي حجارة بيض براقة، يكون فيها النار. قال الأعشى: وتُوَلي الأرضَ خُفَّا ذابلًا ... فإذا ما صادف المَروَ رَضَحْ وهما اسمان لجبلين معروفين بمكة. وشعائر الله: واحدتها شعيرة، قال المفسرون وأهل اللغة جميعًا: شعائر الله: متعبداته التي أشعرها الله، أي: جعلها أعلامًا لنا، وهي كل ما كان من مشعر أو موقف أو مسعى أو منحر، وهي من قولهم: شعرت،
أيَ: علمت، وهي كلها معلومات، وهذا قول الزجاج، واختياره. ويحتمل أن تكون "الشعائر" مشتقة من الإشعار، الذي هو الإعلام على الشيء، ومنه: الشعائر: بمعنى العلامة؛ ولهذا تسمى الهدايا شعائر؛ لأنها تشعر بحديدة في سنامها من جانبها الأيمن حت يخرج الدم، قال الكميت: شَعَائرَ قُربانٍ بهم يُتَقَرَّبُ ويحتمل أن يكون من الإعلام بالشيء، وبه قال مجاهد في قوله (من شعائر الله)، قال: يعني: من الخبر الذي أخبركم عنه، كأنه إعلام من الله عباده أمر الصفا والمروة. وقوله تعالى {فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ} قال الليث: أصل الحج في اللغة: زيارة شيء تعظمه. وقال يعقوب والزجاج: أصل الحج: القصد، وكل من قصد شيئًا فقد حجه. وقال كثير من أهل اللغة: أصل الحج: إطالة الاختلاف إلى الشيء. واختار ابن جرير هذا القول، قال: لأن الحاج يأتي البيت قبل التعريف، ثم يعود إليه للطواف يوم النحر، ثم ينصرف عنه إلى منى، ثم يعود إليه لطواف الصَّدَر، فلتكرارِهِ العودَ إليه مرةً بعد أخرى قيل له: حاج، وكلهم احتجوا بقول المخبل القريعي: يحجُّون سِبَّ الزِّبرِقان المُزَعْفَرا وقال سيبويه: ويقال: حَجَّ حِجًا، كقولهم: ذكر ذِكرًا. وقال الفراء: الحَج والحِج لغتان، يقال: حَجَجْتُ حِجّة للمرة الواحدة، لم يأت عن العرب غيره. ولو قيل: "حَجَّة" بالفتح كما قالوا: مَرَرتُ به مَرة، كان صوابًا، مثل: مددته مدةً، وقددته قدةً، هذا كلامه. فأما قولهم: حُجٌّ، وهم
يريدون: جمع الحاج، فقد يمكن أن يكونوا سموا بالمصدر، وتقديره: ذوو حج، قاله أبو علي، قال: وأنشد أبو زيد: وكأن عافية النسور عليهم ... حُجُّ بأسفلِ ذي المَجَاز نُزُولُ وقوله تعالى: {أَوِ اَعْتَمَرَ} قال الزجاج: قصد، وقال غيره: زار، قال أعشى باهلة: وراكبٌ جاء من تثليث معتمرُ قال الأزهري: وقد يقال: الاعتمار: القصد، وأنشد للعجاج: لقد سما ابن مَعْمَرٍ حينَ اعْتَمَر ... مَغْزى بعيدًا من بعيدٍ وضَبَر يعنى: حين قصد مغزى بعيدًا. وقوله تعالى: {فَلَا جُنَاحَ عَليْهِ} الجناح: الإثم، وأصله: من الجنوح، الذي هو الميل، يقال: جَنَحَ: مال، ومنه قوله: {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا} [الأنفال: 61] وقيل للأضلاع: جوانح؛ لاعوجاجها، قال ابن دريد: معنى (لا جناح عليكم) أي: لا ميل إلى مأثم. وجناح الطائر من هذا؛ لأنه يميل في أحد شقيه، ليس على مستوى خلقته، فمعنى الجناح: الميل عن الحق. وقال أبو علي الجرجاني: معنى {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ} أينما ذكر في القرآن: لا ميل لأحد عليه بمطالبة شيء من الأشياء، هذا هو الأصل، ثم صار معناه: لا حرج عليه، ولا ذنب عليه. قال ابن عباس: كان على الصفا صنم، وعلى المروة صنم، وكان أهل الجاهلية يطوفون بينهما، ويمسحونهما، فلما جاء الإسلام وكسرت الأصنام كره المسلمون الطواف بينهما؛ لأجل الصنمين؛ فأنزل الله عز وجل هذه الآية، منبها لهم على أن الطواف بالصفا والمروة لا تبعة فيه عليهم، وأنه
طاعة لله تعالى، وغير تعظيم للصنمين. فالآية تدل بظاهرها على إباحة ما كرهوه، ولكن السنة أوجبت الطواف بينهما والسعي، وهو قوله -صلى الله عليه وسلم-: "يا أيها الناس كتب عليكم السعي فاسعوا" وهو مذهب الشافعي رضي الله عنه. والواجب أن يبدأ بالصفا، ويختم بالمروة، ويسعى بينهما سعيًا، فيكون مصيره من الصفا إلى المروة شوطًا من السبع، وعوده من المروة إلى الصفا شوطًا ثانيًا، فإن بدأ بالمروة إلى الصفا لم يحسب هذا الشوط؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما دنا من الصفا في حجته قال: "إن الصفا والمروة من شعائر الله ابدأوا بما بدأ الله به"، فبدأ بالصفا فرقي عليه، حتى رأى البيت، ثم مشى حتى إذا تصوبت قدماه في الوادي سعى. وقوله تعالى: {وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا} فيه وجهان من القراءة: أحدهما: (تَطَوَّع) على "تَفَعَّل" ماضيًا، وهذه القراءة تحتمل أمرين: أحدهما: أن يكون موضع (تطوع) جزما، وتجعل "من" للجزاء، وتكون الفاء مع ما بعدها من قوله: {فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ} في موضع جزم لوقوعها موقع الفعل المجزوم، والفعل الذي هو (تطوع) على لفظ المثال الماضي، والمراد به المستقبل، كقولك: إن أتيتني أتيتك. الثاني: أن لا تجعل "من" للجزاء، ولكن تكون بمنزلة "الذي" وتكون مبتدأ به، ولا موضع حينئذ للفعل الذي هو "تطوع"، والفاء مع ما بعدها في موضع رفع، من حيث كان خبر المبتدأ الموصول، والمعنى فيه معنى الجزاء؛ لأن هذه الفاء إذا دخلت في خبر الموصول أو النكرة الموصوفة آذنت أن الثاني إنما وجب لوجوب الأول، كقوله: {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ} [النحل: 53] "وما": مبتدأ موصول، والفاء مع ما بعدها
جواب له، وفيه معنى للجزاء؛ لأن تقديره: ما ثبت بكم من نعمة، أو مادام بكم من نعمة فمن ابتداء الله إياكم بها، فسبب ثبات النعمة ابتداؤه [ذلك] كما أن استحقاق الأجر إنما هو من أجل الإنفاق في قوله: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ} [البقرة: 274] وعلى هذا كل ما في القرآن من هذا الضرب، كقوله: {إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا} إلى قوله: {فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ} [البروج: 10] وقوله: {وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ} [المائدة: 95] {وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ} [البقرة: 126] و {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} [الأنعام: 160] و {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} [الكهف: 29] ونذكر هذه المسألة مشروحة عند قوله: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً} [البقرة: 274]. الوجه الثاني من القراءة: (يَطَّوَّعْ) بالياء وجزم العين، وتقديره: يتطوع إلى أن التاء أدغم في الطاء لتقاربهما، وهذا حسن؛ لأن المعنى على الاستقبال، والشرط والجزاء الأحسن فيهما الاستقبال، وإن كان يجوز أن تقول: من أتاك أعطيته، فتوقع الماضي موقع المستقبل في الجزاء، إلى أن اللفظ إذا كان وافق المعنى كان أحسن. وأما التفسير: فقال مجاهد: (ومن تطوع خيرًا) بالطواف بهما، وهذا على قول من لا يرى الطواف بهما فرضًا. وقال مقاتل والكلبي: ومن تطوع خيرًا فزاد في الطواف بعد الواجب. ومنهم: من حمل هذا النوع على العمرة، وهو قول ابن زيد، وكان يرى العمرة غير واجبة. وقال الحسن: {وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا} يعني به: الدين كله، أي: فعل غير المفرَض عليه، من طواف وصلاة وزكاة ونوع من أنواع الطاعات. وهذا
وقال في "تفسير الوسيط"
أحسن هذه الأقاويل؛ لأن قوله (ومن تطوع خيرًا) صيغته تدل على العموم. وقوله تعالى: {فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ} أي: مجازٍ بعمله، {عَلِيمٌ} بنيته. قال أهل المعاني: وحقيقة الشاكر في اللغة: هو المظهر للإنعام عليه، والله تعالى لا تلحقه المنافع والمضار، فالشاكر في وصفه مجاز، ومعناه: المجازي على الطاعة بالثواب، إلى أن اللفظ خرج مخرج التلطف للعباد، مظاهرة في الإحسان إليهم، كما قال: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ} [البقرة: 245] وهو تعالى لا يستقرض من عوز؛ ولكنه تلطفٌ في الاستدعاء. كأنه قيل: من الذي يعمل عمل المقرض، بأن يقدم فيأخذ أضعاف ما قدم في وقت فقره وحاجته. وقال في "تفسير الوسيط": قوله: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ}: هما جبلان معروفان بمكة. و {شَعَائِرِ اللَّهِ}: متعبداته، التي أشعرها الله، أي جعلها أعلامًا لنا، وهي كل ما كان من موقف أو مسعى أو منحر. {فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ} أصل الحج في اللغة: زيارة شيء تعظمه. قال الزجاج: أهل الحج: القصد، وكل من قصد شيئًا فقد حجه. وقوله: {أَوِ اعْتَمَرَ} قال الزجاج: أي: قصد، وقال غيره: زاره. {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ} أي: لا إثم عليه ولا حرج ولا ذنب {أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا}. أخبرنا منصور بن عبد الوهاب البزار، أخبرنا محمد بن أحمد بن سنان، أخبرنا حامد بن محمد بن شعيب، حدثنا محمد بن بكار، حدثنا إسماعيل بن زكريا، عن عاصم عن أنس بن مالك. قال: كانوا يمسكون عن الطواف بين الصفا والمروة، وكانا من شعائر الجاهلية، وكنا نتقي الطواف
بهما، فأنزل الله تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا ...} الآية. رواه البخاري عن أحمد بن محمد، عن عبد الله، عن عاصم. أخبرني سعيد بن العباس القرشي، أخبرنا العباس بن المفضل النضروي، أخبرنا أحمد بن نجدة، حدثني سعيد بن منصور، حدثنا هشيم، عن داود، عن الشعبي، قال: كان لأهل الجاهلية صنمان يقال لأحدهما يساف والآخر نائلة، وكان يساف على الصفا، وكان نائلة على المروة، وكانوا إذا طافوا بين الصفا والمروة مسحوهما فلما جاء الإسلام، قالوا: غنما كان أهل الجاهلية يطوفون بينهما لمكان هذين الصنمين وليسا من شعائر الحج، فأنزل الله تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} فجعلهما الله من شعائر الحج. والآية بظاهرها تدل على إباحة ما كرهوه، ولكن السنة أوجبت الطواف بينهما والسعي، وهو قوله -صلى الله عليه وسلم-: "يا أيها الناس كتب عليكم السعي فاسعوا"، وهو مذهب الشافعي رحمه الله. وقوله: (وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا) قال الحسن: يعني به الدين كله، والمعنى فعل غير المفترض عليه من طواف وصلاة وزكاة ونوع من الطاعة. وقرأ حمزة (ومن يطَّوَّعْ) بالياء وجزم العين، وتقديره: يتطوع إلا أن التاء أدغمت في الطاء لمقاربتهما، وهذا حسن لأن المعنى على الاستقبال، والشرط والجزاء الأحسن فيهما الاستقبال، وإن كان يجوز أن تقول: من أتاك أعطيته، فتوقع الماضي موقع المستقبل في الجزاء، إلا أن اللفظ إذا كان وفق المعنى كان أحسن. وقوله: (فَإِنَّ اللهَ شَاكِرٌ) أي: مجاز له بعمله، ومعنى الشاكر في
وقال في الوجيز
وصف الله: المجازي على الطاعة بالثواب (¬1)، (عَلِيمٌ) بنية المتطوع (¬2). وقال في الوجيز: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ) وهم جبلان معروفان بمكة (مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ) أي: متعبداته (فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ) زاره معظمًا له (أَوِ اعْتَمَرَ) قصد البيت للزيارة (فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ) فلا إثم عليه (أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا) بالجبلين، وذلك أن أهل الجاهلية كانوا يطوفون بينهما وعليهما صنمان يمسحونهما، فكره المسلمون الطواف بينهما، فانزل الله تعالى هذه الآية. (وَمَن تطَوَّعَ خَيرًا) فعل غير المفترض عليه من طواف وصلاة وزكاة وطاعة (فَإِن اللهَ شَاكِرٌ) مجاز له بعمله (عَلِيمٌ) بنيته (¬3). ¬
المبحث السابع قيمة الكتاب العلمية
المبحث السابع قيمة الكتاب العلمية بعد هذه الدراسة حول كتاب "البسيط" ومعرفة منهج الواحدي فيه أقف وقفة سريعة لاستجماع أطراف الحديث، ومحاولة تحديد المكانة العلمية لكتاب "البسيط" في المكتبة التفسيرية، وأين موقعه فيها، من خلال ما أضافه من معاني جديدة كما أذكر بعض الملاحظات التي توصلت إليها أئناء دراستي لهذا الكتاب فأقول: يحتل تفسير "البسيط" مكانة علمية عالية في المكتبة القرآنية، ويعتبر مرجعًا هامًّا للمتخصصين في التفسير. ومع ما له من أهمية بقي هذا الكتاب إلى هذا الوقت حبيسًا لم يخرج إلى المكتبة، مما منع الدارسين أو الباحثين من الإفادة منه. على أنني أرى أن الكتاب لا يستطيع الإفادة منه إلى العلماء وطلبة العلم الذين تكونت لديهم الملكة التي تعينهم على فهم بحوثه اللغوية والنحوية العميقة، أما عامة القراء فهم مع هذا الكتاب كما وصفهم الواحدي "كمحاول غلقًا ضاع منه المفتاح". تلك المكانة التي أرى أن الكتاب حَرِيٌّ بها تعود إلى الأمور الآتية: أولًا: ما حواه الكتاب من ثراء علمي خصوصًا في مجال اللغة والنحو، حيث انطلق الواحدي في كتابه واضعًا نصب عينيه أن اللغة والنحو والأدب ركائز أساسية لتفسير كتاب الله، فبعد أن تضلع من تلك الركائز راح يسخرها لخدمة التفسير، وذلك بإيضاح اللفظة القرآنية وبيان أصلها، وذكر الشواهد على ذلك كما ربط الوجه التفسيري بالإعراب وذكر الأوجه
البلاغية في النظم القرآني، فخرج الكتاب موسوعة جمعت التفسير مع فروع اللغة وسخرت الثاني لخدمة الأول، صحيح أن الواحدي انساق وراء بعض تلك المسائل إلى حد يعتبر خروجًا عن مجال التفسير، ومع ذلك يبقى الكتاب ذا عطاء سيال في مجال التفسير بالدراية الذي يعتمد اللغة والنحو من الأسس لفهم النص القرآني. ثانيًا: عنايته بالفوائد والنكات التفسيرية، وهذا من الجوانب الهامة، خصوصًا إذا ارتبط ذلك بحسن العرض وجمال الأسلوب، كما هو الحال في تفسير الواحدي، فكثيرًا ما يتصيد تلك الفوائد فيوردها، وربما ذكرها على صيغة سؤال أو إشكال، فيجيب عنه بما يشفي ويقنع. ومن الأمثلة على ذلك ما ذكره عند تفسير قوله تعالى: {يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} [البقرة: 9] قال: وقوله في وصف الكافرين "لا يشعرون" أبلغ في الذم من وصفهم بأنهم لا يعلمون، لأن البهيمة قد تشعر من حيث تحس (¬1) فكأنهم وصفوا بنهاية الذهاب عن الفهم ... وعند تفسير قوله تعالى: {أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ} [البقرة: 13] قال: فإن قيل: كيف يصح النفاق مع المجاهرة بقولهم: {أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ}؟ قيل: إنهم كانوا يظهرون هذا القول فيما بينهم لا عند المؤمنين، الأن الله تعالى قد قال: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا} [البقرة: 14]. أو أنهم لم يفصحوا بهذا القول وإنما أتوا بما يفهم عنهم بالمعنى، ولا يقوم به حجة توجب الحكم من جهة المشاهدة ... ¬
وعند تفسير قوله تعالى: {وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} [البقرة: 33] قال: وقد يبقى في هذه الآية سؤال لم نجد أحدًا ممن تكلم في تفسير القرآن ولا في معانيه تعرض له، وهو من مهم ما يسأل عنه. وذلك أن يقال: في أين علمت الملائكة لما خبرها آدم -عليه السلام- بتلك الأسماء صحة قوله ومطابقة الأسماء للمسميات؟ وهي لم تكن عالمة بذلك من قبل، إذ لو كانت عالمة لأخبرت بالأسماء، ولم تعترف بفقد العلم. والكلام يقتضي أنهم لما أنبأهم آدم بالأسماء علموا صحتها ومطابقتها للمسميات، ولولا ذلك لم يكن لقوله: {أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [البقرة: 33] معنى. ثم أجاب عن هذا السؤال بما يطول ذكره هنا. وفي سورة "يونس" عند تفسير قوله تعالى: {لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ} [يونس: 4] قال: "فإن قيل لم أفرد المؤمنين بالقسط دون غيرهم وهو يجزي الكافر أيضًا بالقسط؟ قال ابن الأنباري: لو جمع الله الصنفين بالقسط لم يتبين ما يقع بالكافرين من العذاب الأليم، ففصلهم عن المؤمنين ليبين ما يجزيهم به مما هو عدل غير جور، فلهذا خص المؤمنين بالقسط، وأفرد الكافرين بخبر يرجع إلي تأويله بزيادة الإبانة" (¬1). ثالثًا: يعتبر تفسير "البسيط" مرجعًا هامًّا لنصوص كثيرة من كتب مفقودة حيث اعتمد الواحدي على مصادر عدة، ونقل عنها كثيرًا، ومنها كتاب "نظم القرآن" لأبي علي الجرجاني، وإلى اليوم يعد هذا الكتاب مفقودًا، وقد نقل عنه الواحدي كثيرًا، فأصبح مرجعًا لكثير من أقواله، ¬
المآخذ على تفسير البسيط
وكذا الحال لأقوال ابن الأنباري، حيث نقل عنه كثيرًا، وترجح لي أن أغلب تلك النقول من كتابين هما "المشكل في معاني القرآن" و"رسالة المشكل" التي رد فيها على ابن قتيبة، وهذان الكتابان مفقودان كذلك، فيكون تفسير "البسيط" مرجعًا لهذِه النصوص المنقولة منهما. المآخذ على تفسير البسيط: ومع هذه المكانة التي رأيناها لتفسير الواحدي "البسيط" فإنه لا يخلو من بعض الملحوظات، سنة الله في خلقه، فالكمال المطلق لله سبحانه أما البشر فهم عرضة للخطأ والنسيان وكما قيل: ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها ... كفى المرء نبلا أن تعد معايبه وقد تعرفت على بعض الملحوظات أثناء مصاحبتي لهذا الكتاب قراءة وتحقيقًا. فإن أصبت فذلك بتوفيق الله، وإن أخطأت فمن نفسي، وحسبي أني مجتهد في طلب الحق. وقد نبهت إلي بعض تلك الملحوظات في أماكنها، وسأجملها هاهنا مع ذكر ملحوظات لم ترد فيما سبق وهي: أولًا: آراؤه في قضايا العقيدة التي سلك فيها نهج المتكلمين من الأشاعرة وخالف فيها طريقة السلف وقد سار على هذا النهج في جميع مباحث العقيدة التي تكلم عنها في مسائل التوحيد والإيمان والصفات (¬1) وغيرها. وهذا المأخذ قد سجله عليه شيخ الإسلام ابن تيمية حين قال: ... ¬
والواحدي صاحبه (¬1) كان أبصر منه بالعربية، ولكن أبعد عن السلامة واتباع السلف (¬2). ثانيًا: وجود بعض الإسرائيليات، التي هي داء أكثر كتب التفسير، وقع فيها الواحدي متأثرًا بشيخه الثعلبي، على الرغم من قوله في مقدمة كتابه: "فأما الأقوال الفاسدة والتفسير المرذول الذي لا يحتمله اللفظ ولا تساعده العبارة فمما لم أعبأ به، ولم أضيع الوقت بذكره" وروايته لها كانت سببًا في توجيه النقد له من بعض العلماء كما سبق (¬3). ثالثًا: الإطالة والاستطراد في بعض المباحث اللغوية والنحوية التي لا علاقة لها بالتفسير، وهذا يحمل الكتاب مسائل تبعده عن موضوعه الأصلي وهو تفسير كتاب الله، وتجلب الملل للقارئ، وقد وجه بعض العلماء هذه الملحوظة إلى كتاب "البسيط"، فالزركشي يعده مما غلب عليه الغريب حيث يقول: " .. وقد أكثر الناس فيه -أي التفسير- من الموضوعات، ما بين مختصر ومبسوط، وكلهم يقتصر على الفن الذي يغلب عليه، فالزجاج والواحدي في "البسيط" يغلب عليهما الغريب .. " (¬4). والسيوطي يعده ممن غلب عليه النحو فيقول: " .. فالنحوي ليس له هم إلا الإعراب وتكثير الأوجه المحتملة فيه ونقل قواعد النحو ومسائله وفروعه وخلافياته كالزجاج والواحدي في "البسيط" .. " (¬5). ¬
وذكر هذا المأخذ مر في أكثر من موضوع مع ذكر أمثلة له، كما في منهجه في عرض القراءات، والجانب اللغوي، والنحوي في تفسيره. رابعًا: كثرة النقول من الجوانب الواضحة في كتاب "البسيط" ومنها نقول كثيرة لم يعزها، سبق ذكر أمثلة لها عند الحديث عن مصادره. وقد يجاب عن ذلك بأن هذا نهج متبع عند العلماء الأوائل ولا ينكر بعضهم على بعض فيه. وفي نظري أن هذِه المسألة بحاجة إلى دراسة أكثر قبل إصدار حكم فيها، وبالنسبة لهذا الموضوع عند الواحدي نلحظ أمرين: الأول: أن جميع مصادره الرئيسة التي نقل عنها موثقة بالعزو، فمثلًا الأزهري في مقدمة كتابه "تهذيب اللغة" ذكر مصادره وسنده إليها وطريقته بالعزو واصطلاحاته في ذلك. وهذا أبو علي الفارسي في كتابه "الحجة" و"الإغفال" من خلال تتبعي لهما أجده يعزو كل الأقوال التي نقلها، والواحدي نقل عنهما بدون عزو. الأمر الثاني: نرى الواحدي ينقل عن الأزهري، أو عن أبي علي، أو عن غيرهما، فيعزو أحيانًا ولا يعزو أحيانًا، بل نجده في الموضع الواحد ينقل كلامًا عن الأزهري، أو عن أبي علي، أو عن غيرهما، بدون عزو في أول النقل، وفي أثنائه يعزو الكلام قائلًا: قال الأزهري أو قال أبو علي، ثم يذكر بقية كلام من نقل عنه، وهذا يوهم القارئ أن أول الكلام ليس من قول من ذكر بعد، وفي كتابه أمثلة كثيرة على هذا، منها ما ذكر عند تفسير قوله تعالى: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 7] نقل عن "الحجة" كلام ابن السراج ولم يعز له أول الكلام وعزا آخره فأوهم القارئ
بأن ما سبق ليس لابن السراج (¬1). خامسًا: وردت في كتاب "البسيط" ألفاظ لا تتناسب مع مكانة القرآن الكريم، الذي شهد الله له بأنه أعلى درجات الفصاحة، وتحدى المشركين بذلك، ومن تلك الألفاظ التي قالها الواحدي أو نقلها عن غيره، ما ذكره عند تفسير قوله تعالى: {ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ} الآية [البقرة: 17] قال: وكان يجب في حق النظم أن يكون اللفظ: فلما أضاءت ما حوله أطفأ الله ناره؛ ليشاكل جواب "لما" معنى هذه القصة. ولكن لما كان إطفاء النار مثلًا لإذهاب نورهم أقيم ذهاب النور مقام الإطفاء وجعل جواب "لما" اختصارًا وإيجازًا، وهذا طريق حسن في الآية. فأي نظم نضعه أصلًا ونقيس كلام الله عليه ونقرر أنه يجب أن يكون على كذا، ثم قال: وهذا طريق حسن في الآية. وقد يلمح منه أن هناك ما هو أحسن منه. ربما يكون الواحدي ناقلًا عن صاحب "نظم القرآن" وعلى كلا الأمرين فهذا الكلام لا يليق أن يقال وصفًا لكلام رب العالمين. وعند تفسير قوله تعالى: {قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [البقرة: 67] قال: .. وكان حقه أن يقول: فقال: أعوذ بالله، لأنه عطف على ما قبله. قال الفراء: وهذا في القرآن كثير بغير "الفاء" وذلك أنه جواب يستغنى أوله عن آخره بالوقفة عليه، فكان حسن السكوت يجوز به طرح الفاء. سادسًا: يذكر الواحدي أسماء شيوخه أو من ينقل عنهم بغير الأسماء ¬
المشهورة لهم، وربما ذكر الشيخ بأكثر من اسم، وهذا ما يسميه علماء الحديث بتدليس الشيوخ، وهو أقل أنواع التدليس (¬1) خطورة، مثال ذلك: سعيد بن محمد الحيري، ذكره مرة بهذا الاسم فقال: سمعت أبا عثمان سعيد بن محمد الحيري .. الخ، ومرة قال: وقرأت على الأستاذ سعيد بن محمد المقرئ .. ، وأبو علي الفارسي ذكره مرة فقال: وروى لنا كتب أبي علي الفسوي .. ، ثم يقول في موضع آخر: " .. واعتمدت في أكثرها على كتاب أبي علي الحسن بن أحمد الفارسي الذي رواه لنا سعيد بن محمد الحيري عنه .. ويقول: "وقد أخبرنا أبو الحسين بن أبي عبد الله الفسوي -رضي الله عنه- أبنا أحمد بن محمد الفقيه .. " (¬2)، وأبو الحسين بن أبي عبد الله الفسوي هو شيخه عبد الغافر بن محمد بن عبد الغافر الفارسي، فذكره بكنيته، وذر أباه بكنيته ونسبه إلى قريته "فسا" فأغمض اسمه وأما أحمد بن محمد الفقيه فهو أحمد بن محمد الخطابي البستي ولم أجد من لقبه بـ"الفقيه" غيره. هذا مع أن كتاب "البسيط" لا يكثر فيه الرواية، وربما يكون هذا الأمر أوضح في كتبه التي أكثر فيها من ذكر الأسانيد مثل "أسباب النزول" و "الوسيط" ولا شك أن هذا كان سببًا في عدم معرفة بعض شيوخه حيث يذكرهم بأسماء لا يعرفون بها. ¬
المبحث الثامن أثر الواحدي فيمن بعده من العلماء من خلال كتابه "البسيط"
المبحث الثامن أثر الواحدي فيمن بعده من العلماء من خلال كتابه "البسيط" إن مقدار الأثر الذي يكون للعالم أو لكتبه فيمن يأتي بعده من المؤلفين يدل على مدى الأصالة والقوة العلمية له، وأنه أصبح إمامًا في الفن الذي ترك فيه ذلك الأثر. إن للواحدي أثرًا لا ينكر في مدرسة التفسير، ونجد اسمه يتردد في بعض كتب التفسير بعده. وأكثر كتب الواحدي شهرة هو "أسباب النزول" هذا الكتاب طار ذكره في الآفاق، وأفاد منه أكثر المفسرين بعد الواحدي، ونجد أغلب المفسرين الذين ورد ذكر الواحدي في كتبهم إنما نقلوا عنه أسباب النزول، وكان هذا الكتاب أسرع كتبه طباعة وأوسعها انتشارًا، يليه في المنزلة كتبه الثلاثة في التفسير "البسيط" و"الوسيط" و"الوجيز". إن كتب الواحدي في التفسير لا تقل أهمية عن كتب التفسير المشهورة كـ"الكشاف" للزمخشري، و"تفسير الرازي" و"القرطبي" و"البحر المحيط" ومع ذلك تأخرت طباعتها سوى "الوجيز" الذي طبع قبل مدّة. وقد ترددت أسماء كتب الواحدي في التفسير في مؤلفات العلماء بعده، خصوصًا كتاب "البسيط" فنرصد ذلك الأثر الذي تركه هذا الكتاب، إليك بيانًا بأسماء عدد الأئمة الذين استفادوا من البسيط سواء في التفسير وعلوم القرآن أم في غيرهما من علوم الشريعة.
أ- في مجال التفسير
أ- في مجال التفسير: 1 - الفخر الرازي (¬1) وتفسيره مفاتيح الغيب: إن أكثر المفسرين تأثرًا واستفادة من كتاب "البسيط" للواحدي هو "الفخر الرازي" في تفسيره "مفاتيح الغيب" حيث نقل عن الواحدي كثيرًا من أقواله مؤيدًا ومعجبًا بها، وربما نقل عنه وناقشه ورد عليه قوله، وكثيرًا ما ينص على اسم "البسيط"، وقد ينقل عنه ولا يسمي كتابه، بل ربما نقل عنه بدون عزو. وأذكر بعض الأمثلة التي توضح ذلك عند تفسير قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ} [البقرة: 206] قال الرازي: قال الواحدي: قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ} معناه أن رسول الله دعاه إلى ترك هذِه الأفعال فدعاه الكبر والأنفة إلى الظلم (¬2)، ثم يرد الرازي قول الواحدي ويبين ضعفه كما يرى فيقول: واعلم أن هذا التفسير ضعيف، لأن قوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ} ليس فيه دلالة إلا على أنه متى قيل له هذا القول أخذته العزة، فأما أن هذا القول قيل أو ما قيل، فليس في الآية دلالة عليه، فان ثبت ذلك برواية وجب المصير إليه ... (¬3). ¬
وعند تفسير قوله تعالى: {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ ...} [الإسراء: 78] قال الرازي: "اختلف أهل اللغة والمفسرون في معنى: دلوك الشمس على قولين: أحدهما: أن دلوكها غروبها، وهذا القول مروي عن جماعة من الصحابة، فنقل الواحدي في "البسيط" عن علي أنه قال: دلوك الشمس: غروبها ... والقول الثاني: أن دلوك الشمس هو زوالها عن كبد السماء وهو اختيار الأكثرين من الصحابة والتابعين واحتج القائلون بهذا القول على صحته بوجوه. الحجة الأولى: روى الواحدي في "البسيط" عن جابر أنه قال: طعم عندي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ثم خرجوا حين زالت الشمس، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "هذا حين دلكت الشمس .. " (¬1). وقال الرازي في موضع آخر من تفسير الآية: "المسألة الثالثة: قال الواحدي اللام في قوله {لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} لام الأجل والسبب .. " (¬2). فانظر إلى تردد اسم الواحدي في تفسير "الرازي" في تفسير آية واحدة ثلاث مرات. قال د/ علي محمد العماري في كتابه "الإمام فخر الدين الرازي، حياته وآثاره": والرازي كثير النقل عن الواحدي بصورة واضحة وربما نص على بعض كتبه عند النقل عنه .. والرازي قد يناقش ما ينقله هذا العالم الكبير عن رواة اللغة .. (¬3). بل إن تأثر الرازي بالواحدي أبعد من ذلك، فلا ينحصر في المواضع ¬
التي ذكر فيها اسم الواحدي، بل نجد روح التفسير "البسيط" سارية في مواضع كثيرة من "تفسير الرازي": فينقل عنه بتصرف ولا يذكر اسمه، ولقد لمست هذا من خلال مصاحبتي لجزء من "البسيط" ومقارنته مع تفسير "الرازي" وأذكر مثالاً يدل على هذا. قال الواحدي عند تفسير قوله تعالى: {وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} [البقرة: 33] "وقد يبقى في هذِه الآية سؤال لم نجد أحدًا ممن تكلم في تفسير القرآن ولا في معانيه تعرض له، وهو من مهم ما يسأل عنه، وذلك أن يقال: من أين علمت الملائكة لما أخبرها آدم عليه السلام بتلك الأسماء صحة قوله، ومطابقة الأسماء للمسميات، وهي لم تكن عالمة بذلك من قبل، إذ لو كانت عالمة لأخبرت بالأسماء، ولم تعترف بفقد العلم. والكلام يقتضي أنهم لما أنبأهم آدم بالأسماء علموا صحتها ومطابقتها للمسميات، ولولا ذلك لم يكن لقوله: {أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [البقرة: 33] معنى؟ ". ثم يجيب الواحدي عن هذا السؤال، بما يطول ذكره هنا. ويأتي الرازي بعد ذلك ويذكر هذا السؤال مع تصرف في العبارة فيقول: .. وأيضًا فأما أن يقال: الملائكة علموا كون تلك الأسماء موضوعة لتلك المسميات فحينئذ تحصل المعارضة ولا تظهر المزية والفضيلة، وإن لم يعلموا ذلك، فكيف عرفوا أن آدم عليه السلام أصاب فيما ذكر من كون كل واحد من تلك الألفاظ اسمًا لكل واحد من تلك المسميات، واعلم أنه يمكن دفع هذا السؤال من وجهين .. (¬1)، ويجيب عنه بنحو إجابة الواحدي، ¬
2 - أبو حيان من خلال تفسيره "البحر المحيط"
ولم أر من المفسرين فيما اطلعت عليه من تعرض له سوى "الواحدي" و"الرازي" مما يرجح أن الرازي أخذ ذلك السؤال من الواحدي، والأمثلة على هذا كثيرة توضح مدى تأثر الرازي بكتاب "البسيط" للواحدي. 2 - أبو حيان من خلال تفسيره "البحر المحيط": وقد استفاد أبو حيان (¬1) في تفسيره "البحر المحيط" من "البسيط" للواحدي، ولم يذكر "البسيط" باسمه ولكن الكلام الذي ذكره موجود فيه، وإفادته منه تأتي بدرجة أقل بكثير من الرازي، ويبدو أن "الرازي" كان واسطة بين أبي حيان وبين "الوسيط"؛ حيث نجد أغلب النصوص التي نسبها للواحدي موجودة في تفسير الرازي وإلى عبارته أقرب، بل ربما صرح باسم الرازي كطريق له إلى "الواحدي". ومن أمثلة ذلك ما ذكره عند تفسير قوله تعالى: {بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [الأنعام: 28] قال أبو حيان في "البحر": .. وقال الواحدي: هذه الآية من الأدلة الظاهرة على المعتزلة على فساد قولهم، وذلك أنه تعالى أخبر عن قوم جرى عليهم قضاؤه في الأزل بالشرك ثم بين أنهم لو شاهدوا النار والعذاب ثم سألوا الرجعة وردوا إلى الدنيا لعادوا إلى الشرك، وذلك للقضاء السابق فيهم، وإلا فالعاقل لا يرتاب فيما شاهد .. (¬2) نجد الرازي ذكر القول بنصه فقال: قال الواحدي: هذه الآية من الأدلة الظاهرة على فساد قول المعتزلة ... ¬
3 - السمين الحلبي في تفسيره "الدر المصون في علوم الكتاب المكنون"
إلخ (¬1)، أما الواحدي فيقول في "البسيط": وهذه الآية من الأدلة الظاهرة على تكذيب القدرية وذلك أن الله تعالى أخبر عن قول جرى عليهم قضاؤه في الأزل بالشرك ... (¬2)، فيظهر من هذا أن أبا حيان نقل كلام الواحدي عن الرازي، حيث تابع في ذكر "المعتزلة" بدل "القدرية" والمعنى واحد. ومثال آخر عند تفسير قوله تعالى: {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ} [يونس: 28] قال أبو حيان: ... وقال الواحدي: التزييل والتزيل والمزايلة: التمييز والتفريق ... (¬3)، وكلام الواحدي ذكره الرازي (¬4) قبل أبي حيان. ويظهر أنه أخذه عنه لتشابه عبارتيهما. ولأبي حيان كتاب في النحو هو "ارتشاف الضرب في لسان العرب" اعتمد فيه كثيرًا على البسيط للواحدي (¬5). 3 - السمين الحلبي (¬6) في تفسيره "الدر المصون في علوم الكتاب المكنون": واستفاد السمين في تفسيره من الواحدي، وتكرر ذكر اسمه ولم ¬
يصرح بكتابه الذي أخذ عنه، لكن نجد جميع الأقوال التي نقلها عنه موجودة في "البسيط" مما يدل على أنه أخذها عنه. من أمثلة ذلك في تفسير قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [البقرة: 103] ذكر السمين الأقوال في وزن "لمثوبة" ومنه قوله: ... وقد جاءت مصادر على مفعول كالمعقول فهي مصدر، نقل ذلك الواحدي (¬1). وفي سورة المائدة في تفسير قوله تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ} [المائدة: 59] تكلم السمين عن موقع جملة {وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ} وذكر أوجه الإعراب المحتملة فيها ... ومما قاله: ونقل الواحدي عن بعضهم أن ذلك من باب المقابلة والازدواج، يعني أنه لما نقم اليهود عليهم الإيمان بجميع الرسل وهو مما لا ينقم، ذكر في مقابلته فسقهم وهو مما ينقم ... ، وذكر أقوالا كثيرة ثم قال: "وهذا هو مجموع ما أجاب به الزمخشري والواحدي" (¬2)، وفي موضع آخر قال: ... ويدل على ذلك ما نقله الواحدي عن صاحب "النظم" ... (¬3). وفي تفسير قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} الآية [المائدة: 67] قال السمين: .. وقال الواحدي: أي: إن يترك إبلاغ البعض كان كمن لم يبلغ، لأن تركه البعض ¬
4 - المفسر سليمان بن عمر العجيلي الشهير بالجمل في تفسيره "الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقائق الخفية"
محبط لإبلاغ ما بلغ، وجرمه في كتمان البعض كجرمه في كتمان الكل في أنه يستحق العقوبة من ربه، وحاشا الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يكتم شيئًا مما أوحي إليه ... (¬1). وفي سورة الأعراف في تفسير قوله تعالى: {وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ} [الأعراف: 4] ذكر السمين الأقوال في {بَيَاتًا} ومنه قوله: وقال الواحدي قوله: بياتا: أي ليلًا. وظاهر هذه العبارة أن يكون ظرفًا لولا أن يقال: أراد تفسير المعنى (¬2). 4 - المفسر سليمان بن عمر العجيلي الشهير بالجمل (¬3) في تفسيره "الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقائق الخفية": لقد كان كتاب "الدر المصون" للسمين الحلبي مصدرًا رئيسًا للجمل في تفسيره، نقل عنه كثيرًا، وصدر عنه، وقد وردت عنده المصادر التي أخذ منها السمين، ومنها تفسير الواحدي، فنراه يتكرر في "الفتوحات الإلهية" في المواضع التي ورد فيها في "الدر المصون" للسمين. وأذكر بعض الأمثلة التي توضح ذلك، في آية البقرة وهي قوله: {وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} [البقرة: 103] قال الجمل وهو يتكلم عن "المثوبة"، ... وقد جاءت مصادر على مفعول كالمعقول فهي مصدر، نقل ذلك الواحدي (¬4)، ¬
5 - الألوسي في تفسير "روح المعاني"
راجع كلام السمين السابق تجده بنصه. وعند تفسير قوله تعالى: {وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا} الآية [الأعراف: 4] قال الجمل: وقال الواحدي: قوله (بياتًا) أي: ليلًا، وظاهر هذه العبارة أن يكون ظرفًا لولا أن يقال أراد تفسير المعنى. اهـ سمين .. (¬1)، فنجد الجمل يصرح بنقله قول الواحدي من طريق السمين الحلبي. 5 - الألوسي (¬2) في تفسير "روح المعاني": وأفاد الألوسي في تفسيره "روح المعاني" من كتاب "البسيط" للواحدي وقد اكتفى بذكر "الواحدي" دون ذكر الكتاب الذي أخذ منه، وبمقارنة النصوص وجدت أكثرها في "البسيط". من أمثلة ذلك عند تفسير قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4)} [البقرة: 4] قال الألوسي في تفسير "اليقين": ... وذهب الواحدي وجماعة إلى أنه ما يكون عن نظر واستدلال، فلا يوصف به البديهي، ولا علم الله تعالى (¬3). يقول الواحدي في "البسيط": واليقين هو العلم الذي يحصل بعد الاستدلال ونظر لغموض المنظور فيه أو إشكاله على الناظر ... ولذلك لم يجز أن يوصف القديم سبحانه به، ولأن علمه لم يحصل عن نظر واستدلال (¬4). ¬
ب- في علوم القرآن
عند تفسير قوله تعالى {وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا} [البقرة: 48] قال الألوسي: ... وذكر الواحدي أن "عدل" الشيء بالفتح والكسر مثله، وأنشد قول كعب بن مالك: صبَرْنَا لا نَرى للهِ عَدْلًا ... عَلى مَا نَابَنَا مُتَوَكِّلِينَا" (¬1) قال الواحدي في "البسيط": عدل الشيء وعدله: مثله، قال الله تعالى: {أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا} [المائدة: 95] أي ما يمثله من الصيام، وقال كعب بن مالك: صبَرْنَا لا نَرى للهِ عَدْلًا ... عَلى مَا نَابَنَا مُتَوَكِّلِينَا" (¬2) وعند تفسير قوله تعالى: {فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ} الآية [المائدة: 107] قال الألوسي: "وقال الواحدي: روي عن عمر -رضي الله عنه- ربه أنه قال: هذه الآية ما في السورة من الأحكام" (¬3)، والرواية عن عمر عند الواحدي في "البسيط" (¬4). وبهذه الأمثلة نرى الألوسي قد أخذ في تفسيره عن الواحدي في مجال اللغة والعقيدة والأثر. هؤلاء من أشهر المفسرين الذين أفادوا من الواحدي وتأثروا بكتابه "البسيط"، وبهذا نرى المدى الذي تركه كتاب البسيط في المفسرين بعده. ب- في علوم القرآن: لم يقتصر أثر الواحدي على المفسرين بعده فقط، بل نجد كتاب ¬
1 - بدر الدين الزركشي في كتابه "البرهان في علوم القرآن"
"البسيط" مصدرًا هامًا للمؤلفين في علوم القرآن الكريم ومنهم: 1 - بدر الدين الزركشي (¬1) في كتابه "البرهان في علوم القرآن": أفاد الزركشي في كتابه من الواحدي كثيرًا، ونص على كتاب "البسيط" في مواضع، وربما نقل عنه ولم يذكر "البسيط"، وهذه النقول بالتتبع نجدها في "البسيط". من أمثلة ذلك في النوع السابع: في "أسرار الفواتح والسور" قال الزركشي: ... وقال الواحدي في "البسيط" في أول سورة يوسف: لا يعد شيء منها آية إلا في "طه"، وسره أن جميعها لا يشاكل ما بعده من رؤوس الآي، فلهذا لم يعد آية بخلاف طه فإنها تشاكل ما بعدها (¬2). ذكر قول الواحدي بمعناه (¬3). وفي موضوع بيان معنى الآية يقول الزركشي: "قال الواحدي: وبعض أصحابنا يجوز على هذا القول تسمية أقل من الآية آية، لولا أن التوقيف ورد بما هي عليه الآن" (¬4)، وقول الواحدي في معنى الآية بنصه في "البسيط" (¬5). وفي النوع السابع والأربعين "الكلام على المفردات من الأدوات" قال الزركشي: -أثناء كلامه عن "لكن"-: وقال صاحب "البسيط" إذا وقع ¬
2 - جلال الدين السيوطي في كتابه "الإتقان في علوم القرآن"
بعدها جملة فهي للعطف، أو حرف ابتداء، قولان، كقوله تعالى: {لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ} [النساء: 166] قال: وتظهر فائدة الخلاف في جواز الوقف على ما قبلها، فعلى العطف لا يجوز وعلى كونها حرف ابتداء يجوز. قال: وإذا دخل عليها الواو انتقل العطف إليها، وتجردت للاستدراك" (¬1). وهكذا نجد اسم الواحدي يتردد كثيرًا في "البرهان" (¬2) مما يدل على مدى إفادته من كتاب "البسيط". 2 - جلال الدين السيوطي (¬3) في كتابه "الإتقان في علوم القرآن": أفاد السيوطي في كتابه "الإتقان" من "البسيط" للواحدي، ونقل عنه في مواضع متعددة. قد يذكر الواحدي باسمه فيقول: قال الواحدي، أو يقول: قال صاحب "البسيط". وربما يكون في أكثر المواضع ناقلًا عن الزركشي. ومن أمثلة ذلك عند الكلام معنى الآية قال: قال الواحدي وبعض أصحابنا قال: يجوز على هذا القول تسمية أقل من الآية آية لولا أن التوقيف ورد بما هي الآن" (¬4). ¬
جـ- في كتب الفقه
مثال آخر في "النوع الأربعين" في معرفة "الأدوات" قال السيوطي: لكن مشددة النون، حرف ينصب الاسم ويرفع الخبر ومعناه الاستدراك، وفسر بأن تنسب لما بعدها حكمًا مخالفًا لحكم ما قبله، ولذلك لابد أن يتقدمها كلام مخالف لما بعدها أو مناقض له نحو: {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا} [البقرة: 102]، وقد ترد للتوكيد مجردًا عن الاستدراك، قاله صاحب "البسيط" (¬1). جـ- في كتب الفقه: لم يقتصر أثر الواحدي فيمن بعده من خلال كتابه "البسيط" على المفسرين والمؤلفين في علوم القرآن، بل نجد بعض فقهاء الشافعية ينقلون من "البسيط" ويعتبرونه مصدرًا لهم، فهذا الإمام النووي (¬2) رحمه الله، في كتابه "المجموع شرح المهذب" -وهو من أكبر كتب الفقه الشافعي- ينقل كلام الواحدي وينص على "البسيط". يقول في مقدمة الكتاب وهو يشرح لفظ الذكر: قال الإمام أبو الحسن علي بن أحمد الواحدي المفسر الأديب الشافعي: أصل الذكر في اللغة: التنبه على الشيء، وإذا ذكرته فقد تنبهت عليه، ومن ذكرك شيئًا فقد نبهك عليه، وليس من لازمه أن يكون بعد نسيان. قال: ومعنى الذكر حضور المعنى في النفس، ويكون تارة بالقلب، وتارة باللسان، وتارة بهما، وهو أفضل الذكر، ويليه ذكر القلب، والله أعلم (¬3). ¬
ذكر الواحدي هذا في "البسيط" عند تفسير قوله تعالى: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ} [البقرة: 152] قال: أصل الذكر في اللغة التنبه على الشيء ومن ذكرك شيئا فقد نبهك عليه ... الخ (¬1). وفي موضع آخر ذكر النووي حكم التأمين بعد الفاتحة وقال: "قال أصحابنا: ويسن التأمين لكل من فرغ من الفاتحة، سواء كان في الصلاة أو خارجها، قال الواحدي: لكنه في الصلاة أشد استحبابًا (¬2). وفي موضع آخر قال: ذكر أصحابنا أو جماعة منهم: أن لا يصل لفظة آمين بقوله: {وَلَا الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 7] بل بسكتة لطيفة جدًا ... وممن نص على استحباب هذه السكتة القاضي حسين في تعليقه، وأبو الحسن الواحدي في "البسيط" (¬3). وقد قرر هذه الأحكام الواحدي في "البسيط" في آخر تفسير الفاتحة. بهذا ندرك تلك المكانة العالية التي تبوأها الواحدي ومؤلفاته خصوصًا كتاب "البسيط" حتى أصبح مرجعًا لبعض علماء التفسير وعلوم القرآن، ينقلون أقواله في مجال التفسير، أو اللغة، أو علوم القرآن، أو الأحكام. ¬
- الطحطاوي (¬1) في "حاشية المراقي" 2/ 256: بعد ما حكى الأقوال في آمين، قال: وحكى الواحدي عن حمزة والكسائي الإمالة فيها، ولو مد مع التشديد كان مخطئا في المذاهب الأربعة، وهو من لحن العوام. ولا تفسد به الصلاة عند الثاني لوجوده في القرآن وعليه الفتوى ... إلخ. وذكر صاحب "مغنى المحتاج" 1/ 155: قول الواحدي في آمين مع المد لغة ثالثة وهي الإمالة، وحكى التشديد مع القصر، أي قاصدين إليك وأنت أكرم أن لا تجيب من قصدك .. - نقل الشوكاني (¬2) في "نيل الأوطار" 1/ 393. اختلاف العلماء في تحديد الصلاة الوسطى، قال: القول الثاني: أنها الظهر، نقله الواحدي عن زيد بن ثابت وأبي سعيد الخدري وأسامة بن زيد وعائشة. ¬
د- ومن شراح الحديث
قال الصنعاني (¬1) في "سبل السلام" 1/ 193: قال الواحدي: إن كان الانتصار لأجل الدين فهو محمود وإن كان لأجل النفس فهو مباح لا يحمد عليه. د- ومن شراح الحديث: 1 - ابن حجر (¬2) في "فتح الباري": نقل العلامة ابن حجر عن الواحدي في مواضع من "فتح الباري" أحيانًا بالنص على أنه من تفسيره، وأحيانًا من غير نص. أ- قال الحافظ ابن حجر في "الفتح": قوله "لو كنت متخذًا خليلًا" زاد في حديث أبي سعيد: غير ربي، وفي حديث ابن مسعود عند مسلم: وقد اتخذ الله صاحبكم خليلًا، وقد تواردت هذه الأحاديث على نفي الخلة من النبي - صلى الله عليه وسلم - لأحد من الناس، وأما ما روي عن أبي بن كعب قال: إن أحدث عهدي بنبيكم قبل موته بخمس، دخلت عليه وهو يقول: "إنه لم يكن نبي إلا وقد أتخذ من أمته خليلًا، وإن خليلي أبو بكر، ألا وإن الله ¬
2 - العيني في "عمدة القاري" 1/ 66 - 67.
أتخذني خليلًا" أخرجه أبو الحسن الحربي في فوائده (¬1)، وهذا يعارضه ما في رواية جندب عند مسلم كما قدمته أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل أن يموت بخمس: "إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل" فإن ثبت حديث أبي أمكن أن يجمع بينهما، بأنه لما برئ من ذلك تواضعًا لربه وإعظامًا له، أذن الله تعالى له فيه من ذلك اليوم لما رأى من تشوفه إليه، وإكرامًا لأبي بكر بذلك، فلا يتنافى الخبران، أشار إلى ذلك المحب الطبري، وقد روي من حديث أبي أمامة نحو حديث أبي بن كعب دون التقييد بالخمس، أخرجه الواحدي في "تفسيره"، والخبران واهيان والله أعلم (¬2). 2 - العيني (¬3) في "عمدة القاري" 1/ 66 - 67. نقل في تفسير قوله تعالى: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} [الأعلى: 1] عن الواحدي أنه قال: (أخبرنا محمد بن الحسن الحافظ، قال حدثنا محمد بن يحيى، قال: حدثنا محمد بن صالح، قال: حدثنا أبو صالح، قال: حدثني الليث، قال: حدثني عقيل عن ابن شهاب، قال: أخبرني محمد بن عباد بن ¬
3 - السيوطي في "تنوير الحوالك" 1/ 59
جعفر المخزومي أنه سمع بعض العلماء يقول: كان أول ما أنزل الله عز وجل على رسوله - صلى الله عليه وسلم - {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} إلى قوله: {مَا لَمْ يَعْلَمْ} [العلق: 1: 5] قال هذا صدر ما أنزل على رسول الله يوم حراء ثم أنزل آخرها ..). 3 - السيوطي (¬1) في "تنوير الحوالك" 1/ 59: قال: وأورد الواحدي في "أسباب النزول" هذا الحديث عند ذكر آية النساء ... 4 - المناوي (¬2) في "فيض القدير" 2/ 90: عندما تكلم على استقبال القبلة ونقل رأي النووي قال: قال الواحدي القبلة الوجهة وهي الفعلة من المقابلة وأصل القبلة لغة: الحالة التي يقابل الشخص غيره عليها لكنها الآن صارت كالعلم للجهة التي تستقبل في الصلاة، وقال الهروي: سميت قبلة لأن المصلي يقابلها وتقابله. ¬
المبحث التاسع النسخ المخطوطة الموجودة للبسيط التي تم التعرف عليها
المبحث التاسع النسخ المخطوطة الموجودة للبسيط التي تم التعرف عليها يوجد للبسيط عدد من النسخ المخطوطة في مكتبات العالم على أن انتشار نسخ البسيط لم تصل إلى كثرة انتشار "الوسيط" و"الوجيز" ولعل ذلك يرجع إلى طول الكتاب، وصعوبة مادته، ومن ثم صعوبة نسخه وتداوله، وهذه الإشارة إلى النسخ التي تم التعرف عليها وهي: 1 - نسخة محفوظة بالمكتبة الأزهرية بالقاهرة "رواق المغاربة" رقم (303) "تفسير". الموجود منها: الجزء الأول والثالث والرابع والخامس، والثاني مفقود. كتبت هذه النسخة سنة 636 هـ، خطها: جيد، مسطراتها: 29 سطرًا تقريبًا، وقفت هذه النسخة على طلبة العلم المجاورين برواق المغاربة، ونص الوصية بذلك مثبت على وجه كل جزء، ونصه: "وقف وحبس، وتصدق لوجه الله تعالى بجميع هذا الجزء من تفسير الإمام الواحدي، المكرم الأمير عبد الرحمن كتخدا على طلبة العلم المجاورين برواق المغاربة، تقبل الله صنيعه وشكر مسعاه {فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}، تحريرًا في الرابع والعشرين من رجب الفرد في شهور سنة 1176 هـ الفقير إلى الله أبو الحسن ابن عمر خادم العلم بالأزهر" وعلى هوامشها تعليقات من الكاتب، يصدر كل تعليق بـ قوله: "ش ك" أي شرح من الكتاب، وبالتتبع وجدت هذه التعليقات منقولة بنصها من "الكشاف" وقد أثبت أمثلة منها في هوامش الجزء المحقق. الجزء الأول: أول الكتاب إلى منتصف سورة "النساء" ويقع في
(248) لوحة في بعض أوراقه تآكل. لهذا الجزء صورة "ميكروفيلم" في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية رقم (4048) أولها غير واضح والمقروء يبدأ من لوحة (19). الجزء الثاني: مفقود. الجزء الثالث: يبدأ من أول سورة "يونس" إلى آخر سورة "الأنبياء" يقع في (254) لوحة، به خرم من أثناء سورة "يونس"، بأوراقه تآكل من السوس، وبعض ترقيع أضاع قليلًا من الكلمات، له نسخة "ميكروفيلم" في جامعة الإمام تحت رقم (8049). الجزء الرابع: يبدأ من أول سورة "الحج" إلى آخر "الشورى" عدد أوراقه (252) لوحة بينما كتب على ظاهره (245) ورقة، سليم من التلف والسوس، سوى ما أصاب كعب التجليد، له صورة "ميكروفيلم" في جامعة الإمام رقم (8050). الجزء الخامس: من أول سورة "الزخرف" إلى آخر القرآن الكريم يقع (209) لوحة في آخره: "والله أعلم بالصواب هذا آخر الكتاب. ثم قال الشيخ المفسر -رحمه الله- في نسخته الأصل: وقد يسر الله تعالى وله الحمد لحسن توفيقه تحرير هذا الكتاب الذي لم يسبق إلى مثله في هذا الباب ... والحمد لله فوق حمد العارفين، وفوق شكر الواصفين وصلواته وتحياته على المبعوث بالبيان الساطع والبرهان اللامع والقرآن الكريم والكتاب الحكيم، محمد النبي وعلى أصحابه أجمعين آمين، يا رب العالمين، وذلك لعشر بقين من ربيع الأول سنة ست وأربعين وأربعمائة والحمد لله". ونظرًا لكون هذِه النسخة من أتم النسخ وأوثقها وأوضحها وأقدمها تاريخًا اعتمدت عليها وجعلتها أصلًا ورمزت لها بالرمز (أ).
2 - نسخة محفوظة بدار الكتب المصرية برقم (¬1) (53) تفسير، موجود منها ستة أجزاء تحتوي على أكثر القرآن، جميعها بخط عادي كتبها "محمد الشيمي" كتبت سنة (1270 هـ). الجزء الأول: من أول الكتاب إلى آخره سورة البقرة يقع في (304) لوحات. الجزء الثاني: من أول سورة "آل عمران" إلى قوله تعالى: {وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ} [النحل: 89] يقع في (133) لوحة. الجزء الثالث: مفقود. الجزء الرابع: من سورة "يونس" إلى آخر سورة "النحل" يقع في (280) لوحة. الجزء الخامس: من سورة "الإسراء" وينتهي إلى آخر "الأنبياء" يقع في (243) لوحة. الجزء السادس: من أول سورة "الحج" إلى آخر سورة "السجدة" ويقع في (239) لوحة. الجزء السابع: من أول "الأحزاب" إلى آخر سورة "الشورى" ويقع في (159) لوحة. وبهذا الجزء ينتهي الموجود من هذه النسخة، ويوجد لها نسخة مصورة في معهد إحياء المخطوطات العربية في القاهرة تحت رقم (56 - 61) (¬2). وقد اعتمدنا على هذه النسخة ورمزنا لها بالرمز (جـ). 3 - الجزء الأول من نسخة محفوظة في الأوقاف بالأستانة رقم ¬
(1571) له صورة في معهد إحياء المخطوطات العربية بالقاهرة رقم (62) (¬1). يقع هذا الجزء في (248) لوحة مسطرته (19) سطرًا تقريبًا، خطه جيد واضح، يقدر أنها كتبت في القرن الثامن. يبدأ من أول الكتاب، إلى قوله تعالى: {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا} الآية [البقرة: 117] اعتمدنا على هذه النسخة ورمزنا لها بالحرف (ب) (¬2). 4 - جزء من نسخة مخروم الأول، وأول ما فيه من سورة "مريم" قوله تعالى: {إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (3)} [مريم: 3] وينتهي إلى آخر سورة "الحج" مكتوب بقلم عادى يقع في (262) ورقة محفوظ بدار الكتب المصرية تحت رقم (121) (¬3). 5 - الجزء الأول والثاني من نسخة محفوظة بالجامع الكبير بصنعاء. الجزء الأول: يقع في (413) ورقة مسطرته (24 - 16) تقريبًا، خطه قديم، مبتور أوله، سقط منه مقدمة الكتاب وسورة "الفاتحة" وأول البقرة. ¬
الموجود من وسط "البقرة" إلى أثناء سورة "النساء". محفوظ تحت رقم (51). الجزء الثاني: يقع في (448) ورقة، يبدأ من أول سورة "براءة" إلى سورة "الرعد" خطه قديم محفوظ تحت رقم (54) (¬1). 6 - الجزء الثاني والثالث من نسخة محفوظة في مكتبة "جستربتي" كتب عليهما: هذا كتاب "معاني التفسير" المسمى "البسيط"، خطهما جيد مشكول بعض كلماته. الجزء الثاني: يقع في (243) ورقة، يبدأ من أثناء سورة "النساء" وينتهي بأول سورة "يونس" كتب في آخره: "آخر الجزء الثاني من كتاب معاني التفسير المسمى بالبسيط تصنيف الإمام الواحدي والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه الطيبين الطاهرين وحسبنا الله ونعم الوكيل، ووافق الفراغ منه في يوم الخميس في آخر شوال سنة ثمان وثلاثين وستمائة، كتبه الضعيف الراجي المحتاج إلى رحمة الله تعالى أحمد بن محمد بن الحسن القروني" مصور ميكروفيلم في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية تحت رقم (3731) وفي الفليم عدم وضوح في بعض الصفحات. الجزء الثالث: يقع في (237) ورقة، يبدأ من سورة "يونس" قوله تعالى: {إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا} الآية [يونس: 4] أول تفسير الآية في الجزء الثاني وآخرها في الجزء الثالث، له "ميكروفيلم" في جامعة الإمام محمد ¬
بن سعود الإسلامية تحت رقم (3736) وكتب عليه "الجزء الثاني". 7 - الجزء الثالث: من نسخة مصورة في جامعة الإمام تحت رقم (5105) تقع في (293) ورقة [31 س] كتب على الوجه الأول "الجزء الثالث من البسيط" تأليف أبي الحسن علي بن أحمد الواحدي. سورة المائدة والأنعام والأعراف. سبعة أحزاب، وعليه عدة تملكات أكثرها غير واضح، وفي آخره: "تمت المجلدة الثالثة بحمد الله وجميل صنعه يتلوها في الرابعة إن شاء الله سورة "الأنفال" ذي الحجة لشهور سنة ست وستمائة هجرية، والحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله وصحبه أجمعين .. بقلم الفقير إلى الله عثمان بصليق الشافعي". 8 - الجزء السابع من نسخة قديمة، ويبدأ من أول سورة "الحج" إلى آخر سورة "القصص" فيه خرم وتلف كثير أضر بالكتاب ضررًا بالغًا، خطه نسخ معتاد، كتبه محمد بن عبد المحسن الأنصاري سنة (627 هـ) عدد أوراقه (237) ورقة، 19 س، محفوظ في دار الكتب الظاهرية تحت رقم (7023) (¬1). 9 - في فهرس نوادر المخطوطات العربية في تركيا ذكر الجزء الثاني من كتاب معاني التفسير، قال: لعله البسيط، في مكتبة اسكيليب رقم (1030) يبدأ من قوله تعالى: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ} الآية [البقرة: 127] إلى آخر البقرة. نسخ سنة (616 هـ) يقع في (226) ورقة، عليه قيد سماع سنة (617 هـ) (¬2). ¬
المبحث العاشر منهج العمل في تحقيق "البسيط"
المبحث العاشر منهج العمل في تحقيق "البسيط" سار الباحثون في التحقيق حسب المنهج التالي: 1 - طريقة النص المختار من بين النسخ، لكون النسخ الموجودة لا ترقى واحدة منهن أن تكون أصلًا يعتمد عليه. 2 - ذكر الباحثون الفروق بين النسخ الخطية، عدا الألفاظ التي لا أثر للخلاف فيها، مثل: "تعالى" و"عز وجل". 3 - قابل الباحثون بين الكتاب ومصادره المهمة كتفسير الثعلبي و"معاني القرآن" للزجاج، و"الحجة للقراء السبعة" للفارسي. 4 - عزا الباحثون الآيات المستشهد بها إلى مواضعها من القرآن الكريم عقب ذكرها مباشرة، وجعلنا ذلك في الأصل بين معقوفتين للتسهيل والتقليل من حواشي الكتاب. 5 - وثق الباحثون القراءات من المصدر الأساسي للمؤلف وهو كتاب "السبعة" لابن مجاهد، وذكروا من قرأ بها إذا لم يكن المؤلف ذكر ذلك. 6 - لما كانت النسخ الخطية التي بين يدي الباحثين قد ذكر فيها التفسير سردًا دون أن تذكر الآية أو الآيات قبل تفسيرها على العادة الجارية في كتب التفسير، فإننا قد قمنا بكتابة الآيات قبل تفسيرها؛ وذلك لكونه أوضح في قراءة التفسير، وأجمع للآيات المفرقة لمن أراد مراجعتها. 7 - لقد أكثر الواحدي من النقل، بعزو وبغير عزو في الغالب، الأمر الذي حمل الباحثين على تتبع هذه النقول في مصادرها التي تعرفوا عليها، وأشاروا إلى الفروق الهامة في الهوامش، لما لذلك من الأهمية في توثيق
النص من مصدره، وبيان ما استغلق من الجمل والكلمات، والتعرف على طريقة الواحدي ومنهجه في التصرف في النص المنقول، وقد ترتب على ذلك تكرار أسماء بعض الكتب في الصفحة الواحدة، ولعل ما قصد الباحثون إليه من فائدة يساعد على تجاوز ما يلاحظ من تكرار. 8 - خرج الباحثون الأحاديث من مصادرها الأصلية، فإن كان في الصحيحين اكتفوا غالبًا بالإحالة عليهما، وإن كان في غيرهما ذكروا من خرجه، وأتبعوا بحكم الأئمة عليه صحة وضعفًا. 9 - خرج الباحثون آثار الصحابة والتابعين من أهم مصادر التفسير المسند، وإذا لم يجدوها في التفاسير المسندة عزوها إلى كتب التفسير الآخرى. 10 - شرحوا ألفاظ الواحدي الغريبة من أمهات كتب اللغة، وضبطوا من ألفاظه ما يحتاج إلى ضبط، حتى يسهل قراءتها. 11 - عرّفوا بالأعلام من العلماء والشعراء وغيرهم، ولم يستثنوا إلا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والخلفاء الراشدين -رضي الله عنهم- والأئمة الأربعة. 12 - علقوا على المسائل العقائدية، والتفسيرية، والنحوية، واللغوية بما يلزم لإيضاح قول، أو بيان قوته، أو ضعفه، وحاولوا الإقلال من ذلك في مجال النحو واللغة -إلا ما لابد منه- حتى لا يثقل الكتاب بمسائل نحوية ولغوية زيادة على ما فيه. 13 - حرص الباحثون كثيرًا على ذكر المصادر في الهوامش حسب ترتيبها التاريخي سوى المصدر الذي يغلب على الظن أن الواحدي نقل عنه فيقدمونه، ولو كان ما بعده أسبق منه.
وبعد، فإننا نشكر المولى سبحانه وتعالى أن وفقنا لإتمام هذا العمل ونحن لا ندير لهذا العمل الكمال، وإن كنا نسعى إليه، فهذا متعذر في واقع البشر كما قال المزني: لو عُورض كتابٌ سبعين مرة لوجد فيه خطأ، أبى الله أن يكون كتابًا صحيحًا غير كتابه - على هذا الوجه، فله الحمد كله، وله الشكر كله، لا نحصي ثناء عليه إنه كما أثنى على نفسه، والحمد لله رب العالمين. * * *
نماذج من النسخ الخطية للكتاب
نماذج من النسخ الخطية للكتاب الصفحة الأولى من المجلد الخامس من النسخة الأزهرية
أول سورة يوسف من النسخة الأزهرية
الصفحة الأخيرة من الكتاب من النسخة الأزهرية
نهاية نسخة دار الكتب المصرية
عنوان النسخة اليمنية
بداية سورة التوبة من النسخة اليمنية
نهاية نسخة جستوبتي
بداية تفسير سورة المائدة من نسخة جامعة الإمام
صفحة من نسخة عاطف أفندي بتركيا
صفحة من نسخة شهيد علي
صفحة أخرى من نسخة شهيد علي
صفحة من نسخة جامعة استانبول
التَّفْسِيرُ البَسِيْط لأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي المتوفى سنة 468 هـ النص المحقق
مقدمة المُصنِّف
مقدمة المؤلف
مقدمة المؤلف بسم الله الرحمن الرحيم (¬1) الحمد لله القادر، العليم الفاطر، الحكيم المتصف (¬2) بالعلم الشامل والطول الكامل، الذي أحصى كل شيء عددا، وأحاط بكل شيء علما، فلا يخفى عليه الشاهد والغيب، ولا يشوب (¬3) علمه الشك والريب، يعلم العلن والإسرار والجهر والإضمار، والمشكل والجلي، والبادي والخفي، {وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} [الأنعام: 59] ويعلم قول الحكل (¬4)، (لو أن ذرة ... تساود (¬5) أخرى لم يفته سوادها). فسبحانه من عالم لا بفكرة واجتهاد، وضمير فؤاد (¬6)، و (¬7) بصير لا بحدقة وسواد، وعزيز لا بعدة وعتاد، وقائل لا بلسان ولهاة، وصانع لا بآلة ¬
وأداة، ومريد (¬1) لا بتوطين نفس، ومتكلم لا بنغمة وجرس، ومدبر لا بمشاورة، ومقدر لا بمداورة، تعالى عن الأنداد والأشكال والأشباه والأمثال، واستحق (¬2) أوصاف الكمال، واستأثر (¬3) بنعوت الجلال (¬4). بعث في الأميين رسولًا من أوسطهم نسبًا، وأشرفهم حسبًا، وأحسنهم أدبًا، وأشهرهم أمًّا وأبًا، يتلو عليهم آياته، ويعارض أباطيلهم ببيناته، حتى انكشطت غشاوة الشك عن وجه اليقين، وتفرَّت دياجي الكفر عن عمود الدين، أنزل عليه نورًا مبينًا، ووحيًا مستبينًا، أنقذ به من الضلالة، وهدى به من حيرة الجهالة، والناس على شرف بوار (¬5)، والخلق على شفا نار (¬6)، وجعله قرآنًا عربيًا فرفع به من شأن لغتهم، وأزرى (¬7) نظمه (¬8) بنظومهم وبلاغتهم، ولما تحداهم عجزوا عن معارضته (¬9)، وهم لُدّ (¬10) بلغاء، وقصروا ¬
عن الإتيان بمثله وهم لسن (¬1) فصحاء، فبهرت معجزته، وظهرت دلالته صلى الله عليه وعلى آله صلاة تنمو أبدًا، وتتصل مددًا ما تناوب (¬2) الصباح والمساء، وانطبق على الأرض السماء. وبعد: فمنذ دهر تحدثني نفسي بأن أعلق لمعاني (¬3) إعراب القرآن وتفسيره: فِقَرًا (¬4) في الكشف عن غوامض معانيه، ونُكتًا (¬5) في الإشارة إلى علل القراءات فيه، في ورقات يصغر حجمها ويكثر غنمها، والأيام تمطلني بصروفها على اختلاف صنوفها، إلى أن شدد علي خناق التقاضي قوم لهم في العلم سابقة، وفي التحقيق همم صادقة، فسمحت قرونتي (¬6) بعد الإباء، وذلت ¬
صعوبتي بعد النفرة (¬1) والالتواء (¬2)، وذلك لتوفر دواعي أهل زماننا على الجهل، وظهور رغباتهم عن العلم، الذي فيه شرف الدين والدنيا، وعز الآخرة والأولى، فقل من ترى (¬3) من المتحلين بعقوده وقلائده، ومنتحلي غرره وفوائده (إلا متشبعًا (¬4)، كلابس ثوبي زور) (¬5)، يبرق، وبروقه غير صادقة، ويرعد وسماؤه غير وادقة، اللهم إلا نفرًا يقل عددهم عند الإحصاء، وتكثر فضائلهم على الحصر والاستقصاء، غير أنهم الأكثرون وإن قلوا، ومواضع الأنس (¬6) حيث حلوا؛ لأن العلم وإن أصبح في الناس مجفوًّا (¬7)، وأظهروا عنه نفرة ونُبوًّا (¬8)، ¬
فحرمته لا تضاع (¬1)، وسوامه (¬2) لا تراع، ولن يخلو (¬3) الشيء الفاضل (¬4) في جنسه عن (¬5) عزته في نفسه، وإن قل من يعتامه (¬6) وعز من يطلبه ويستامه. هؤلاء شكوا إليَّ: غلظ حجم المصنفات في التفسير، وإن الواحدة منها تستغرق (¬7) العمر كتابتها، ويستنزف الروح سماعها وقراءتها، ثم صاحبها بعد أن أنفق العمر على تحصيلها، ليس يحظى منها بطائل تعظم عائدته، وتعود عليه فائدته. فقلت: إن طريق معرفة تفسير كلام الله تعالى تعلم النحو والأدب فإنهما عمدتاه، وإحكام أصولهما، وتتبع مناهج لغات العرب (¬8) فيما تحويه (¬9) من الاستعارات الباهرة، والأمثال النادرة، والتشبيهات (¬10) البديعة، والملاحن (¬11) الغريبة، والدلالة باللفظ اليسير على المعنى الكثير، مما لا يوجد مثله في سائر اللغات. ¬
وقد أعفى أهل زماننا أنفسهم عن كد التعب في طلب الأدب، فقد هوت (¬1) دولته إلى الحضيض، وصار يرنو (¬2) بالطرف الغضيض، وها هو قد خوى (¬3) نجمه وصَوَّح (¬4) نبته، وذوى (¬5) عوده، وخرَّ عموده (¬6). وإذا ضاع الأدب ضاع ما يحتاج في تفسيره إليه، ويعول في معرفته عليه، وهو علم (¬7) القرآن العربي، المنزل بلسان العرب ولغتهم، المنظوم بألفاظهم في مخاطبتهم. والله تعالى ذكره أنزل كتابه (¬8) (على قوم عرب أولي (¬9) بيان فاضل، وفهم بارع. ¬
أنزله جل ذكره بلسانهم، وصيغة (¬1) كلامهم الذي نشؤوا (¬2) عليه، وجبلوا على النطق به فتدربوا (¬3) به، يعرفون وجوه خطابه ويفهمون فنون نظامه، ولا يحتاجون إلى تعلم مشكله وغريب ألفاظه حاجة المولدين الناشئين مع من لا يعلم لسان العرب حتى يعلمه، ولا يفهم ضروبه وأمثاله وأساسه (¬4) وطرقه حتى يفهمها. وبين النبي - صلى الله عليه وسلم - للمخاطبين من أصحابه رضي الله عنهم (¬5) - ما عسى (¬6) بهم الحاجة [إليه] (¬7) من معرفة (¬8) بيان مجمل الكتاب وغامضه ومتشابهه وجميع وجوهه، التي لا غنى بهم وبالأمة عنه. فاستغنوا بذلك عما نحن إليه اليوم (¬9) محتاجون من معرفة لغات العرب واختلافها والتبحر فيها، والاجتهاد في تعلم وجوه العربية الصحيحة التي بها نزل الكتاب وورد البيان. فعلينا أن نجتهد في تعلم ما يتوصل بتعلمه إلى معرفة ضروب خطاب الكتاب، ثم السنن المبينة لمجمل التنزيل، الموضحة للتأويل؛ لتنتفي عنا الشبه ¬
التي دخلت على كثير من رؤساء أهل الزيغ والإلحاد، ثم على رؤوس ذوي الأهواء والبدع، الذين تأولوا بآرائهم المدخولة فأخطؤوا (¬1)، وتكلموا في كتاب الله عز وجل بلكنتهم العجمية دون معرفة ثاقبة، فضلوا وأضلوا، نعوذ بالله (¬2) من الخذلان، وإياه نسأل التوفيق والصواب (¬3) (¬4). وقد كان الأكابر من السلف يحثون على تعلم لغة العرب، ويرغبون فيها لما يعلمون من (¬5) فضلها وفرط الحاجة إليها (في معرفة ما في الكتاب، ثم في (¬6) السنن والآثار، وأقاويل أهل التفسير من الصحابة والتابعين، من الألفاظ الغريبة والمخاطبات العربية (¬7)، فإن من جهل لسان (¬8) العرب وكثرة ألفاظها وافتنانها في مذاهبها، وجهل جمل (¬9) علم الكتاب) (¬10). ولقد أخبرنا الأستاذ أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم (¬11) رحمه الله قال: أخبرني أبو القاسم الحسن بن محمد بن الحسن (¬12)، ¬
ثنا (¬1) أبو الحسن أحمد بن الخضر بن أبان (¬2)، ثنا أبو عمرو أحمد بن نصر الخفاف (¬3) ثنا نصر بن علي الجهضمي (¬4)، ثنا عامر بن أبي عامر (¬5)، ثنا أيوب ¬
ابن موسى القرشي (¬1)، عن أبيه (¬2)، عن جده (¬3) قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ما نحل والد ولده نحلة (¬4) أفضل من أدب حسن" (¬5). ¬
وروي عن سعيد بن المسيب (¬1) أنه قال: بينا عمر بن الخطاب رضي الله عنه على المنبر، فقال: يا أيها الناس: ما تقولون في قول الله عز وجل: {أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ} [النحل: 47]؟ فسكت الناس، فقام شيخ فقال: يا أمير المؤمنين: هذِه لغتنا بني هذيل، التخوف: التنقص، قال عمر: هل تعرف العرب ذلك في أشعارها؟ قال: نعم، قال شاعرنا أبو كبير الهذلي (¬2) يصف ناقة: تَخَوَّفَ الرَّحْلُ منها تَامِكًا صُلْبًا ... كما تَخَوَّفَ عُودَ النَّبْعَةِ السَّفَنُ (¬3) ¬
فقال عمر رضي الله عنه: يا أيها الناس، عليكم بديوانكم لا يضل، قالوا: وما ديواننا؟ قال: شعر الجاهلية، فإن فيه تفسير كتابكم ومعاني كلامكم (¬1). وفيما كتب إلى محمد بن عبد العزيز المروزي (¬2) بخط يده، أن محمد بن الحسين الحدادي (¬3) أخبرهم عن محمد بن (¬4) يحيى (¬5)، قال: ¬
أبنا (¬1) إسحاق ابن إبراهيم الحنظلي (¬2)، أبنا (¬3) وكيع (¬4)، عن أسامة ابن ¬
زيد (¬1)، عن عكرمة (¬2)، عن ابن عباس قاد: إذا قرأ (¬3) أحدكم شيئًا من القرآن فلم يدر ما تفسيره، فليلتمسه في الشعر، فإنه ديوان العرب (¬4). وبهذا الإسناد (¬5)، وعن إسحاق (¬6)، أبنا (¬7) وهب بن جرير (¬8)، ¬
ثنا (¬1) أبي (¬2) قال: سمعت الزبير بن خريت (¬3)، عن عكرمة، عن ابن عباس، أنه كان يسأل عن الشيء من عربية القرآن فينشد الشعر (¬4). سمعت أبا عثمان سعيد بن محمد الحيري (¬5)، سمعت القاضي أبا ¬
الحسن علي بن القاسم (¬1)، وأبا إسحاق إبراهيم بن الحسن بن بشر (¬2)، وأبا القاسم جعفر بن عبد الله الفناكي (¬3)، الرازيين بالري، قالوا: سمعنا عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي (¬4) قال: أخبرني أبي (¬5)، ثنا (¬6) حرملة بن ¬
يحيى (¬1)، قال: سمعت الشافعي رضي الله عنه يقول: أصحاب العربية جن الإنس. وسمعته (¬2) يقول: سمعت محمد بن أحمد بن يعقوب (¬3)، يقول: سمعت أبا العباس أحمد بن يحيى النحوي (¬4) قال: قال عبد الملك بن مروان (¬5): تعلموا العربية فإنها المروءة الظاهرة (¬6). ¬
وقل من تقدم في علم من العلوم إلا بمعرفة الأدب، ومقاييس العربية، والنحو، وما حدثت البدع والأهواء المضلة إلا من الجهل بلغة العرب. سمعت الشيخ أحمد بن أبي منصور المقرئ (¬1) رحمه الله يقول: سمعت الحسن بن محمد المكتب (¬2) يقول: سمعت أبا علي الحسن بن أحمد الخياط (¬3) يقول: سمعت أبا نعيم عبد الملك بن محمد بن عدي (¬4) يقول: سمعت الربيع بن سليمان (¬5) يقول (¬6): سمعت الشافعي يقول: عامة من تزندق (¬7) بالعراق لجهلهم بالعربية ¬
ولغات العرب (¬1). وقرأت على الأستاذ سعيد بن محمد المقرئ (¬2) فقلت: حدثكم طلحة بن محمد الشاهد (¬3) ببغداد (¬4)، قال: سمعت أبا بكر بن دريد (¬5)، قال: قال ابن أخي الأصمعي (¬6): عن الأصمعي (¬7): تعلموا النحو، فإن بني إسرائيل كفرت ¬
بكلمة، قال الله لعيسى: (أنت نبيِّي وأنا ولَّدتك) فخففوها (¬1). ولئن استغنى علم عن الأدب، [فمن ضرورة التفسير وعلم القرآن الأدب] (¬2) ومعرفة اللغة العربية، ولا تكاد تجد ذلك متأتيا لمن لم يمرن عليها، ولم يتدرب (¬3) بها. ولقد سمعت أحمد بن محمد بن إبراهيم (¬4)، يقول: سمعت الحسن بن محمد (¬5)، يقول: سمعت أبا عبد الله (¬6) الميداني (¬7) الخطيب بزوزن (¬8) يقول: سمعت محمد بن جمعة الحافظ (¬9) يقول: سمعت يحيى بن سليمان بن نضلة ¬
المديني (¬1) يقول: سمعت مالك بن أنس يقول: لا أوتى برجل غير عالم (¬2) بلغات العرب يفسر كتاب الله إلا جعلته نكالا (¬3). وكيف يتأتى لمن جهل لسان العرب أن يعرف تفسير كتاب جعل معجزة في فصاحة ألفاظه، وبعد أغراضه لخاتم النبيين وسيد المرسلين - صلى الله عليه وسلم - وعلى آله الطيبين في زمان أهله يتحلون بالفصاحة، ويتحدون بحسن الخطاب وشرف العبارة، وإن مثل من طلب ذلك مثل من شهد الهيجاء بلا سلاح، ورام أن يصعد الهواء (¬4) بلا جناح. ثم وإن طال تأمله مصنفات المفسرين، وتتبعه أقوال أهل التفسير من المتقدمين والمتأخرين، فوقف على معاني ما أودعوه كتبهم، وعرف ألفاظهم التي عبروا بها عن معاني القرآن، لم يكن إلا مقلدا (¬5) لهم فيما حكوه، وعارفًا معاني قول مجاهد، ومقاتل، وقتادة (¬6)، والسدي (¬7)، وغيرهم ¬
دون معنى قول الله عز وجل. ألا ترى أن واحدا ممن لم يتدرب بلغة العرب لو سمع قول امرئ القيس (¬1): دِيمةٌ هَطْلاَءُ فِيهَا وَطَفٌ ... طَبَقُ الأَرْضِ تَحَرَّى وَتَدُرّ (¬2) فسأل عن معناه، فقيل له: إنه يصف مطرا سحابه (¬3) هاطل، كان عارفا معنى هذا البيت من طريق التقليد، ولا يكون عارفًا معنى قول امرئ القيس ما ¬
لم يعرف تفسير كل حرف على حدته، وما وضع له ذلك اللفظ. وكذلك قوله: وَمَا ذَرَفَتْ عَيْنَاكِ إلَّا لِتَضرِبِي ... بِسَهْمَيْكِ فِي أَعْشَارِ قَلْبٍ مُقَتَّلِ (¬1) معنى هذا البيت أنه يقول لامرأة: ما بكيت إلى لتأخذي بمجامع قلبي، فمن (¬2) عرف هذا فقد عرف معنى البيت، لكنه إنما عرفه من قول من عبر عن مراد الشاعر بهذا لا من قول الشاعر. ودون أن تعرف وضع ألفاظه، والمراد بكل حرف منه: خرط القتاد (¬3). وعلى هذا النحو جميع كلام العرب، مثل قولهم: (أبى الحقين العذرة) (¬4) يضرب لمن يعتذر، وظاهر حاله يكذبه، ومعرفة هذا المعنى لا ¬
تفيدك معرفة هذِه (¬1) الألفاظ. وكقولهم (¬2): (فلان لا يقعقع (¬3) له بالشنان (¬4) ولا تقرع (¬5) له العصا (¬6) و (أنا جذيلها المحكك) (¬7) في أمثال لهذا كثيرة. وكذلك آيات القرآن التي (¬8) فسرها الصحابة والتابعون، إنما فسروها بذكر معناها المقصود، كقوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ ¬
بِالْإِثْمِ} [البقرة: 206] قال قتادة: إذا قيل له: مهلًا مهلًا (¬1)، ازداد إقدامًا على المعصية (¬2). فمن أين لك أن تعرف هذا (¬3) المعنى من لفظ الآية؟ إلى بعد الجهد وطول التفكر. وكذلك قوله: {إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ} [آل عمران: 175]. قال السدي: يعظم أولياءه في صدوركم (¬4). فانظر، هل يمكنك أن تفرغ هذا المعنى في قالب (¬5) هذِه الألفاظ إلى بعد التعب في معرفة ما ذكره أرباب النحو؟ وكذلك قوله: {وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا (71)} [الفرقان: 71] تدبر هل تعرف صحة هذِه الألفاظ واستواء نظمها مما ذكره المفسرون؟ وهل يحسن أن يقال: من قام فإنه يقوم، ومن ركب فإنه يركب (¬6)؟ وعلى هذا ¬
أكثر آيات القرآن وكلام العرب. وإنما ذكرت هذِه الأمثلة لتعرف أن من تأمل مصنفات المفسرين، ووقف على معاني أقوالهم، لم يقف على معاني كلام الله دون الوقوف على أصول اللغة والنحو. والمعنيون (¬1) بالتصنيف في هذا العلم طبقات: فالصحابة الذين نزل فيهم القرآن شاهدوا التنزيل، وعرفوا التأويل؛ لأنهم أهل اللغة الذين نشأوا عليها كما وصفناهم قبل. وأما التابعون والسلف الصالحون فإنهم لم يتصنعوا في جمع ما جمعوا، ولم يتكلفوا في تتبع الخفايا من الزوايا. وأرباب المعاني (¬2) اقتصروا على الإعراب، وبيان نهج الخطاب. وللمتأخرين مراتب ودرجات، وأغراض في التصنيف متفاوتات، والاشتغال بما يعنينا أولى من بيان درجتهم، والكشف عن نقصهم ومزيتهم (¬3)، وقل من تراه يعنى بسوق اللفظ على التفسير، وإفراغه في قوالب المعاني، حتى يأتي به متسقا من غير ترجح، ومطردا من غير تخاذل (¬4). وعلى هذا فلم يبقوا في القوس منزعًا (¬5)، ولم يترك الأول للآخر شيئًا، ¬
غير أن المتأخر بلطيف حيلته (¬1)، ودقيق (¬2) فطنته، يلتقط الدرر ويجمع الغرر، فينظمها كالعقد على صدر الكعاب (¬3)، يروق المتأملين (¬4)، ويؤنق الناظرين (¬5)، فيستحق به في الأولى حمد الحامدين، وفي العقبى ثواب رب العالمين. وأظنني لم آل جهدًا في إحكام أصول هذا العلم، على حسب ما يليق بزماننا هذا، ويسعه سنو عمري على قلة أعدادها، فقد وفق الله تعالى وله الحمد، حتى اقتبست كل ما احتجت إليه في هذا الباب من مظانه، وأخذته من (¬6) معادنه. أما (اللغة): فقد درستها على الشيخ أبي الفضل أحمد بن محمد بن عبدالله بن يوسف العروضي (¬7) (¬8) رحمه الله، وكان قد خنق التسعين (¬9) في خدمة الأدب، وأدرك المشايخ الكبار، وقرأ عليهم وروى عنهم كأبي منصور الأزهري (¬10)، روى عنه كتاب "التهذيب" (¬11) وغيره من الكتب، وأدرك أبا ¬
العباس العامري، وأبا القاسم الأسدي (¬1)، وأبا نصر طاهر بن محمد الوزيري، وأبا الحسين (¬2) الرخجي (¬3)، وهؤلاء كانوا فرسان البلاغة وأئمة اللغة. وسمع أبا العباس الأصم (¬4)، وروى عنه، واستخلفه الأستاذ أبو بكر ¬
الخوارزمي (¬1) على درسه عند (¬2) غيبته. وله المصنفات الكبار، والاستدراكات على الفحول من علماء اللغة والنحو. وكنت قد لازمته سنين، أدخل عليه عند طلوع الشمس، وأخرج لغروبها، أسمع، وأقرأ، وأعلق، وأحفظ، وأبحث، وأذاكر أصحابه ما بين طرفي النهار، وقرأت عليه الكثير من الدواوين، وكتب اللغة، حتى عاتبني شيخي رحمه الله يوما من الأيام وقال: إنك لم تبق ديوانا من الشعر إلا قضيت حقه، أما آن لك أن تتفرغ لتفسير كتاب الله العزيز؟! يقرؤه علي هذا الرجل الذي يأتيه البعداء من أقاصي البلاد، وتتركه أنت على قرب ما بيننا من الجوار، يعني: الأستاذ الإمام (أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي) رحمه الله. فقلت: يا أبت إنما أتدرج بهذا إلى ذلك الذي تريد، وإذا لم أحكم الأدب بجد وتعب، لم أرم في غرض التفسير عن كثب، ثم لم أغبَّ (¬3) زيارته يومًا من الأيام إلى أن حال بيننا قدر الحمام. وأما (النحو) فإني لما كنت في مَيْعَةِ (¬4) صباي، وشَرْخِ شبيبتي (¬5)، وقعت ¬
إلى الشيخ: (أبي الحسن علي بن محمد بن إبراهيم الضرير (¬1)) رحمه الله، وكان من أبرع أهل زمانه في لطائف النحو وغوامضه، وأعلمهم بمضايق (¬2) طوق العربية ودقائقها، ولعله تفرس فيَّ، وتوسم (¬3) أثر الخير لدي، فتجرد (¬4) لتخريجي، وصرف وكده (¬5) إلى تأديبي، ولم يذخر (¬6) عني شيئا من مكنون ما عنده، حتى استأثرني بأفلاذه (¬7)، وسعدت به أفضل ما سعد تلميذ بأستاذه. وقرأت عليه جوامع النحو والتصريف والمعاني، وعلقت عنه قريبًا من مائة جزء في المسائل المشكلة، وسمعت منه (¬8) أكثر مصنفاته، في النحو والعروض والعلل، وخصني بكتابه الكبير في علل القراءات المرتبة في كتاب "الغاية" لابن (¬9) مهران. ¬
ثم ورد علينا الشيخ الإمام أبو الحسن عمران بن موسى المغربي المالكي (¬1)، وكان واحد عصره، وباقعة (¬2) دهره (¬3) في علم النحو، لم يلحق أحد ممن سمعنا شأوه في معرفة الإعراب، ولقد صحبته مدة مقامه عندنا، حتى استنزفت غرر (¬4) ما عنده. وأما (القرآن وقراءات أهل الأمصار واختيارات الأئمة)، فإني اختلفت (¬5) أولا إلى الأستاذ (أبي القاسم علي بن أحمد البستي (¬6)) رحمه الله، وقرأت عليه القرآن ختمات كثيرة لا تحصى، حتى قرأت عليه أكثر طريقة الأستاذ (أبي بكر أحمد بن الحسين بن مهران (¬7)) رحمه الله. ثم ذهبت إلى الإمامين (أبي عثمان سعيد بن محمد الحيري) و (أبي ¬
الحسن علي بن محمد الفارسي) (¬1) -رحمهما الله-، وكانا قد انتهت إليهما الرئاسة في هذا العلم، وأشير إليهما بالأصابع في علو السن، ورؤية المشايخ، وكثرة التلامذة، وغزارة العلوم وارتفاع الأسانيد، والوثوق فيها، فقرأت عليهما، وأخذت من كل واحد منهما حظا وافرا بعون الله وحسن توفيقه. وقرأت على الأستاذ (سعيد) مصنفات ابن مهران (¬2)، وروى لنا كتب أبي ¬
علي (¬1) الفسوي (¬2) عنه. ¬
وقرأت عليه بلفظي كتاب الزجاج في المعاني (¬1) روايته عن ابن مقسم (¬2) عنه، وسمع بقراءتي الخلق الكثير. ثم فرغت للأستاذ الإمام "أبي إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي" رحمه الله، وكان حبر العلماء بل بحرهم، ونجم الفضلاء (¬3) بل (¬4) بدرهم، وزين الأئمة بل فخرهم، وأوحد الأمة بل صدرهم، وله التفسير الملقب بـ"الكشف والبيان عن تفسير القرآن" (¬5)، الذي رفعت به المطايا في السهل والأوعار، وسارت به الفلك في البحار، وهبت هبوب الريح في الأقطار: وسار مسير الشمس في كل بلدة ... وهب هبوب الريح في البر والبحر (¬6) وأصفقت (¬7) عليه كافة الأمة على اختلاف نحلهم، وأقروا له بالفضيلة في تصنيفه ما لم يسبق إلى مثله، فمن أدركه وصحبه علم أنه كان منقطع ¬
القرين، ومن لم يدركه فلينظر في مصنفاته؛ ليستدل بها على أنه كان بحرًا (¬1) لا ينزف، وغمرًا (¬2) لا يسبر (¬3). وقرأت عليه من مصنفاته أكثر من خمسمائة جزء، وتفسيره الكبير، وكتابه المعنون بـ"الكامل في علم القرآن" (¬4) وغيرهما. ولو أثبت (¬5) المشايخ الذين أدركتهم، واقتبست عنهم هذا العلم، من مشايخ (نيسابور) وسائر البلاد التي (¬6) وطئتها، طال الخطب ومل الناظر. وقد استخرت الله العظيم في جمع كتاب أرجو أن يمدني الله فيه بتوفيقه وحسن تيسيره، حتى أبرزه كالقمر انجاب سحابه، والزلال صفا (¬7) متنه (¬8) واطرد (¬9) حبابه (¬10)، يؤدي إلى المتأمل (¬11) نضرة الكلم (¬12) العذاب، ورونق ¬
الذهب المذاب، سالك نهج الإعجاز في الإيجاز، مشتمل على ما نقمت (¬1) على غيري إهماله، ونعيت عليه إغفاله، خال عما يكسب المستفيد ملالة، ويتصور (¬2) عند المتصفح إطالة، لا يدع لمن تأمله حازة (¬3) في صدره حتى يخرجه من ظلمة الريب والتخمين (¬4)، إلى نور العلم وثلج (¬5) اليقين، هذا بعد أن يكون المتأمل مرتاضًا في صنعة الأدب والنحو، مهتديا بطرق الحجاج، قارحا (¬6) في سلوك المنهاج. فأما الجذع (¬7) المزجى (¬8) من المقتبسين، والريض (¬9) ¬
الكز (¬1) من المبتدئين فإنه مع هذا الكتاب كمزاول (¬2) غلقا ضاع عنه المفتاح، ومتخبط في ظلماء ليل خانه المصباح: يحاول فتق غيم وهو يأبى (¬3) ... كعنين يريد نكاح بكر (¬4) وأبتدئ في كل آية عند التفسير بقول ابن عباس ما وجدت له نصًّا (¬5)، ثم بقول من هو قدوة في هذا العلم من الصحابة وأتباعهم، مع التوفيق بين قولهم ولفظ الآية. فأما الأقوال الفاسدة والتفسير المرذول الذي لا يحتمله اللفظ ولا تساعده العبارة فمما لم أعبأ به، ولم أضيع الوقت بذكره. وذكرت وجوه القراءات السبع التي اجتمع عليها أهل (¬6) الأمصار، دون تسمية القراء (¬7)، واعتمدت في أكثرها على كتاب أبي علي الحسن بن أحمد الفارسي (¬8) الذي رواه لنا سعيد بن محمد الحيري (¬9) عنه. ¬
وكل ينفق مما رزقه الله، ويعمل على مقدار ما وفقه الله، ومتى يبلغ ضعف (¬1) سعينا وقاصر جهدنا نهاية ما لا (¬2) يتناهى؟ وهذا سهل بن عبد الله (¬3) يقول: لو أعطي العبد بكل حرف من القرآن ألف فهم لم يبلغ نهاية ما أودع الله في آية من كتابه؛ لأنه كلام الله، وكلامه صفته، وكما أن ليس لله نهاية، فكذلك لا نهاية لفهم كلامه، وإنما يفهم كل بمقدار ما يفتح الله على قلبه. وكلام الله غير مخلوق، ولا يبلغ إلى نهاية فهمه فهوم محدثة مخلوقة. ثم إن هذا الكتاب عجالة الوقت وقبسة العجلان، وتذكرة يستصحبها المرء حيثما حل وارتحل، وإن أُنسئ الأجل وأُرخي الطِّوَل (¬4)، وأنظرني الليل والنهار، حتى يتلفع بالمشيب العذار (¬5)، أردفته بكتاب (أنضجه) (¬6) بنار الروية، وأردده ¬
على راووق (¬1) الفكرة، وأضمنه عجائب ما كتبته ولطائف ما جمعته (¬2). وعلى الله (¬3) المعول في تيسير ما رمت، وله الحمد كلما قعدت أو قمت. [والله الموفق للصواب] (¬4). * * * ¬
سورة الفاتحة
سورة الفاتحة
1
فاتحة الكتاب قوله عز وجل (¬1): {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} اختلفت عبارة النحويين في تسمية هذِه الباء الجارة، فسموها مرة: حرف إلصاق، ومرة: حرف استعانة، ومرة: حرف إضافة، وكل هذا صحيح من قولهم (¬2). أما الإلصاق: فنحو قولك: تمسكت بزيد، وذلك أنك ألصقت محل قدرتك به، وبما اتصل به، فقد صح إذن معنى الإلصاق (¬3). وأما الاستعانة: فقولك: ضربت بالسيف، وكتبت بالقلم، وبريت بالمدية، أي: استعنت بهذِه الأدوات على هذِه الأفعال. وأما الإضافة: فقولك: مررت بزيد، أضفت مرورك إلى زيد بالباء (¬4). وأما قول النحويين (¬5): (الباء والكاف واللام الزوائد) فإنما قالوا فيهن: ¬
إنهن زوائد، لأنهن لما كن على حرف واحد، وقللن غاية القلة، واختلطن بما بعدهن خشي عليهن لقلتهن وامتزاجهن بما يدخلن عليه أن يظن بهن أنهن بعضه وأحد أجزائه، فوسموهن بالزيادة، ليعلموا (¬1) من حالهن أنهن لسن من أنفس ما وصلن به. ألا ترى أن (اليوم تنساه) لا باء فيه، ولا كاف (¬2). وحذاق النحويين لا يسمونها زوائد، بل يقولون في الباء واللام: إنهما حرفا إضافة (¬3)، وفي الكاف يقولون: حرف جر (¬4). وهذِه حروف أدوات عاملة (¬5)، تجر ما تدخل عليه من الأسماء نحو: من وعن وفي (¬6). ¬
وإنما جرت (¬1) الأسماء من قبل أن الأفعال التي قبلها ضعفت عن وصولها وإفضائها إلى الأسماء التي بعدها نحو قولك: (عجبت، ومررت، وذهبت) لو قلت: عجبت زيدًا، ومررت جعفرًا، وذهبت محمدًا، لم يجز كما بجوز ضربت زيدًا؛ لضعف هذِه الأفعال في العرف (¬2) والعادة (¬3) والاستعمال، فلما قصرت هذِه الأفعال عن الوصول إلى الأسماء رفدت بحرف الإضافة، فجعلت موصلة (¬4) لها إليها، فقالوا: عجبت من زيد، ونظرت إلى محمد (¬5)، فلما احتاجت هذِه الأفعال إلى هذِه الحروف لتوصلها إلى بعض الأسماء جعلت تلك الحروف جارة، وأعملت هي في الأسماء (¬6). ولم يفض إلى الأسماء النصب الذي يأتي من الأفعال؛ لأنهم أرادوا أن يجعلوا بين الفعل الواصل بنفسه وبين الفعل الواصل بغيره فرقًا، ولما هجروا لفظ النصب لما ذكرنا، لم يبق إلى الرفع والجر. فأما الرفع فقد استولى عليه ¬
الفاعل، فلم يبق إذا غير الجر، فعدلوا إليه ضرورة (¬1) [و] (¬2) الجار والمجرور جميعا في موضع نصب (¬3)، ألا ترى أنهم عطفوا عليه بالنصب (¬4) فقالوا: مررت بزيد ومحمدا، ونظرت إلى عمرو وخالدا، وعلى هذا (¬5) ما أنشده سيبويه: مُعَاويَ إِنَّناَ بَشَرٌ فَأَسْجِحْ ... فَلَسْنَا بِالجِبَالِ ولَا الحَدِيدَا (¬6) ¬
عطف الحديد على موضع بالجبال (¬1)، ولهذا قال سيبويه: (إنك إذا قلت: مررت بزيد [فكأنك قلت: مررت زيدا) (¬2)، تريد (¬3) بذلك أنه لولا الباء الجارة لانتصب زيد، وعلى ذلك أجازوا مررت بزيد] (¬4) الظريفَ، تنصبه على موضع (بزيد) (¬5). (وجميع (¬6) الحروف المفردة التي تقع في أوائل الكلم حكمها الفتح أبدًا. نحو (واو) العطف و (فائه) و (همزة) الاستفهام و (لام) الابتداء. فأما (الباء) في (بزيد) فإنما كسرت لمضارعتها (اللام) الجارة (¬7) في قولك: (المال لزيد) وسنذكر العلة في كسر اللام في قوله {الْحَمْدُ لِلَّهِ} [الفاتحة: 2] إن شاء الله (¬8) ووجه المضارعة بينهما اجتماعهما في الجر ولزوم كل واحد منهما الحرفية (¬9)، وليست كذلك (كاف التشبيه)؛ لأنها قد تكون ¬
اسما في بعض المواضع). فأما المتعلق به (الباء) في قوله {بِسْمِ اللَّهِ} فإنه محذوف، ويستغنى عن إظهارها لدلالة الحال عليه، وهو معنى الابتداء، كأنه قيل (بدأت بسم الله) (¬1) (وأبدأ بسم الله) والحال تبين أنك مبتدئ فاستغنيت عن ذكره (¬2). وحذفت الألف من بسم الله؛ لأنها وقعت (¬3) في موضع معروف، لا يجهل القارئ معناها، فاستخف طرحها؛ لأن من شأن العرب الإيجاز إذا عرف المعنى، وأثبتت في قوله {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} [الواقعة: 74، 96، الحاقة: 52] لأن هذا لا يكثر كثرة (بسم الله) ألا ترى أنك تقول: (بسم الله) عند ابتداء كل شيء (¬4). ولا تحذف الألف إذا أضيف (الاسم) إلى غير (¬5) الله، ولا مع غير الباء من الحروف، فتقول: لاسم الله حلاوة في القلوب، وليس اسم كاسم الله، فتثبت الألف مع اللام والكاف (¬6). هذا في سقوطها في الكتابة، وأما سقوطها ¬
في اللفظ، فلأنها (¬1) للوصل، وقد استغنى عنها بالباء (¬2). فأما معنى: (الاسم) واشتقاقه ومأخذه من اللغة، فقد كثر فيها الاختلاف، فقال (¬3) نحويو (¬4) الكوفة: (الاسم) مشتق من السمة، وهي العلامة، كالعدة والزنة من (الوزن) و (الوعد)، كذلك (السمة) من (الوسم) (¬5)، ومن هذا قال أبو العباس (ثعلب): الاسم وسم وسمة توضع على الشيء يعرف به (¬6). وقال مشيخة البصرة: (الاسم) مشتق من السمو، لأنه يعلو المسمى، فالاسم: ما علا وظهر (¬7)، فصار علما للدلالة على ما تحته من المعنى (¬8). وقال بعضهم: العلة في اشتقاقه من السمو أن الكلام ثلاثة: اسم ¬
وفعل وحرف، فالاسم يصح أن يكون خبرا ويخبر عنه، والفعل يكون خبرا ولا يخبر عنه، والحرف لا يكون خبرا ولا يخبر عنه، فلما كان للاسم مزية على النوعين الآخرين وجب أن يشتق مما (¬1) ينبئ عن هذِه المزية، فاشتق من السمو ليدل على علوه وارتفاعه (¬2). وعند المتكلمين أنه اشتق من السمو؛ لأنه سما عن حد العدم إلى الوجود (¬3). وقالوا: أصله سِمْو (¬4)، وجمعه (أسماء) مثل قنو وأقناء (¬5) وحنو وأحناء فحذفت الواو استثقالًا (¬6) (¬7)، ولم تحذف من نظائره؛ لأنها لم تكثر (¬8) كثرته، ثم سكنوا السين استخفافًا لكثرة ما تجري على لسانهم، واجتلبت ألف الوصل ليمكن الابتداء به، وكان هذا أخف عليهم من ترك الحرف متحركا، لأن الألف تسقط في الإدراج، وكان إثبات الحرف الذي يسقط كثيرا أخف من حركة السين التي (¬9) تلزم أبدا (¬10). ¬
قالوا: و (¬1) لا يصح مذهب الكوفيين في هذا الحرف، لأنه لا يعرف شيء حذفت منه فاء الفعل، فدخلت عليه ألف الوصل كالعدة والزنة. وأيضا فلو كان من الوسم لكان تصغيره (وسيما)، كما يقول: (وعيدة) و (وصيلة) في تصغير: صلة وعدة (¬2). وأما معنى (الاسم) ففيه مذهبان (¬3): ¬
أحدهما: أنه بمعنى التسمية (¬1)، وعلى هذا قول القائل: بسم الله: أي: بتسمية الله أفتتح تيمنا وتبركا. والثاني وهو الصحيح: أن الاسم هو المسمى (¬2) كقوله (¬3) تعالى: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} [النساء: 59] فلو كان الاسم غير المسمى وجب أن يكون المأمور بطاعته غير الله وغير الرسول، وإذا قال القائل: رأيت زيدا، وجب أن يكون لم ير شخص زيد. وسئل أحمد بن يحيى (¬4) عن الاسم أهو المسمى أو غيره؟ فقال: قال أبو عبيدة: الاسم هو المسمى (¬5)، وقال سيبويه: الاسم غير المسمى. قيل ¬
له: فما قولك؟ فقال: ليس لي فيه قول (¬1). وإذا كان الاسم هو المسمى فمعنى قول القائل: (بسم الله) أي بالله، ومعناه بالله أفعل، أي بتوفيقه، أو بالله تكونت الموجودات، أو ما أشبه هذا من الإضمار (¬2). وأدخل الاسم ليكون فرقا بين اليمين والتيمن (¬3). وأكثر ما يستعمل الاسم يستعمل بمعنى التسمية (¬4)، وإذا استعمل بمعنى التسمية فهو كلمة تدل على المعنى دلالة الإشارة دون دلالة الإفادة (¬5)، وذلك أنك إذا قلت: زيد (¬6)، فكأنك قلت: هذا، وإذا قلت: الرجل، فكأنك قلت: ذاك. ودلالة الإفادة هو ما أفاد السامع معنى، كقولك: قام وذهب (¬7)، ووزن (الاسم) يصلح أن يكون (فِعْل)، ويصلح فيه (فُعْل) (¬8) لأنهم أنشدوا: ¬
باسم الذي في كل سورة سمه (¬1) بالكسر والضم وقوله (¬2): أما أصل هذِه الكلمة (¬3)، فقد حكى أصحاب سيبويه عنه فيه (¬4) قولين: أحدهما: قال: كان أصل هذا الاسم إلاها (¬5)، ففاؤها (همزة)، وعينها (لام)، و (الألف) ألف فعال الزائدة، واللام (هاء)، ثم حذف (الفاء) حذفا ¬
لا على التخفيف القياسي في مثل قولك: (الخب) (¬1) في (الخبء)، و (ضو) في (ضَوْء)، لأنه لو كان كذلك (¬2) لما لزم أن يكون منها عوض؛ لأنها إذا حذفت على حد التخفيف كانت ملقاةً في اللفظ مبقاةً في النية، ومعاملةً معاملة المثبتة غير المحذوفة، يدلك على ذلك تركهم (الياء) مصححة في قولهم (جَيْأَل) (¬3) إذا خففوا قالوا: جَيَل، ولو كانت محذوفة في التقدير كما أنها محذوفة في اللفظ للزم قلب (الياء) (ألفا) ولما كانت (الياء) في نية السكون (¬4) لم تقلب. ويدل عليه (¬5) أيضًا تثبيتهم (¬6) (للواو) في (نُوْي) إذا خفف (نُؤي) (¬7)، ولولا نية الهمزة لقلبت (ياء) وأدغمت (¬8) كما فعل في (مَرْمِيٍّ) وبابه (¬9). وفي تعويضهم من همزة (إلاه) ما يدل على أن حذفها ليس على حد ¬
القياس (¬1)، وذلك العوض هو (الألف واللام)، والدلالة على أنها عوض استجازتهم قطع الهمزة الموصولة الداخلة على (لام التعريف) في (القسم (¬2) و (النداء) مثل: أَفَأَللهِ لَتَفْعَلَنَّ، ويا أَللهُ اغفر لي (¬3). فلو كانت غير عوض لم تثبت كما لم تثبت في غير هذا الاسم، ولما اختص هذا الاسم بقطع الهمزة فيه عَلِمنا أن ذلك لمعنى ليس في غيره، وهو كونها عوضا من المحذوف الذي هو (الفاء). ألا ترى أنك إذا أثبت الهمزة في (الإله) لم تكن (الألف واللام) فيه على حدهما في قولنا: (الله) لأن قطع همزة الوصل لا يجوز في (الإله)، كما جاز في قولنا: (الله) لأنهما ليسا بعوض من شيء (¬4). القول الثاني: في أصل هذِه الكلمة: أن أصله (لَاهٌ) ووزنه على هذا (فَعْلٌ) (¬5) (اللام) فاء الفعل، و (الألف) منقلبة عن الحرف الذي هو العين، و (الهاء) لام، والذي دلّه (¬6) على ذلك قول بعضهم: (لَهْيَ أبوك) بمعنى: لله أبوك، قال سيبويه: فقلب العين وجعل اللام ساكنة، وهو (الهاء) (¬7) إذا صارت ¬
مكان العين، كما كانت العين ساكنة في (لاه) (¬1)، وترك آخر الاسم مفتوحًا كما تركوا آخر (أين) مفتوحًا (¬2)، وإنما فعلوا ذلك به حيث غيروه لكثرته في كلامهم، فغيروا إعرابه كما غيروه (¬3). فالألف -على هذا القول- في الاسم منقلبة عن (الياء) لظهورها في موضع (اللام) المقلوبة إلى موضع (العين) وهي في (¬4) القول الأول زائدة لفعال غير منقلبة عن شيء. واللفظتان على هذا مختلفتان، وان كان في كل واحدة منهما بعض حروف الأخرى (¬5). وحكى أبو بكر محمد بن السري (¬6) أن أبا العباس محمد بن يزيد، اختار القول الثاني (¬7) من القولين اللذين ذكرهما سيبويه. وأما اشتقاق هذا الاسم من اللغة فذهبت طائفة منهم الخليل (¬8)، وابن ¬
كيسان (¬1) وأبو بكر القفال (¬2)، والحسين (¬3) بن الفضل (¬4) إلى أنه ليس بمشتق، وأنه اسم تفرد به الباري سبحانه وتعالى، يجري في وصفه مجرى الأسماء الأعلام، لا يشركه فيه أحد، قال الله عز وجل: {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} [مريم: 65] (¬5) وأما الذين قالوا: إنه مشتق فاختلفوا، فذهب عُظْمُ أهل اللغة إلى أن معناه المستحق للعبادة، وذو العبادة الذي إليه تُوَجَّه، وبها يُقْصَد (¬6). ورُويَ عن ابن عباس أنه كان يقرأ (ويذرك وإِلاهَتَك) [الأعراف: 127] ¬
قال معناه: عبادتك (¬1). وقال أبو زيد (¬2): تَأله الرجل إذا نسك (¬3)، وأنشد: سَبَّحْنَ واسْتَرْجَعْنَ (¬4) مِنْ تَأَلُّهِي (¬5) وقد سَمَّت (¬6) العرب الشمس لما عبدت (إِلاهَةَ)، و (الإلاهة) قال عتيبة بن الحارث اليربوعي (¬7): ¬
تَرَوَّحْنَا مِنَ اللعْبَاءِ أَرْضًا ... وأَعْجَلْنَا الإلاَهَةَ أَنْ تَؤُوبَا (¬1) وإنما سموها الإلاَهَة على نحو تعظيمهم لها وعبادتهم إياها كفرا. وعلى ذلك نهاهم الله وأمرهم بالتوجه في العبادة إليه في قوله جل وعلا: {لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ} [فصلت: 37] [فصلت: 37] الآية (¬2)، وكذلك أيضًا كانوا يدعون معبوداتهم من الأصنام والأوثان (آلهة)، وهي جمع (إلاه) (¬3) كإزار وآزرة، وإناء وآنية. قال الله تعالى: {وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ} [الأعراف: 127] وهي أصنام كان يعبدها (¬4) قوم فرعون معه (¬5)، وعلى هذا قال قائلهم: كَحَلْفَةٍ مِنْ أَبِي رِيَاحٍ ... يَسْمَعُهَا لاَهُهُ (¬6) الكُبارُ (¬7) ¬
يريد: الصنم، وهذا البيت حجة للقول الثاني (¬1) من قول سيبويه. قالوا: وهو (¬2) اسم حدث، ثم جرى صفة للقديم سبحانه، ونظير هذا قولنا: (السلام)، والسلام من سَلَّم كالكلامِ من كَلَّم، والمعنى ذو السلام، أي: يُسَلم من عذابه من يشاء من عباده، كما أن المعنى في الأول أن العبادة تجب له (¬3)، فهذا وجه، وهو طريقة أهل اللغة (¬4). وأخبرني أبو الفضل أحمد بن محمد بن عبد الله العروضي -رحمه الله- قال: أبنا (¬5) أبو منصور أحمد بن محمد الأزهري (¬6)، أبنا (¬7) أبو الفضل المنذري (¬8)، قال: سألت أبا الهيثم خالد بن يزيد الرازي، عن اشتقاق اسم (الله) في اللغة، فقال (الله) أصله (إلاه)، قال الله جل ذكره: {وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ} [المؤمنون: 91] ولا يكون إلهًا حتى يكون معبودًا، وحتى يكون لعابده (¬9) خالقًا، ورازقًا، ومدبرًا، وعليه مقتدرًا، فمن لم يكن كذلك فليس بإله، وإن عَبِدَ ظلما، بل هو مخلوق (¬10) ومتعبد، ¬
قال: وأصل (إلاه) (ولاه) فقلبت الواو همزة، كما قالوا: للوشاح: إشاح، ولِلْوِجَاح: إِجَاح (¬1)، ومعنى وِلاه: أن الخلق يَوْلَهون إليه في حوائجهم، ويضرعون إليه فيما ينوبهم، ويفزعون إليه في كل ما يصيبهم كما يَوْلَه كل طفل إلى أمه (¬2). وحكي عن أبي عمرو بن العلاء أنه مشتق من أَلِهْت في الشيء آلَهُ إلها إذا تحيرت فيه (¬3). وتسمى المفازة ميلها. وقال الأعشى (¬4): وَبَهْمَاءَ تِيهٍ تَأْلهَ العَيْنُ وَسْطَهَا ... وَتَلْقَى بِهَا بَيْضَ النَّعَام تَرَائِكَا (¬5) ¬
ومعناه: أن العقول تتحير في كنه صفته وعظمته (¬1). وعند متكلمي أصحابنا (¬2): أن الإله من الإلَهية، والإلَهِية القدرة على اختراع الأعيان (¬3). وقد أشار أبو الهيثم إلى هذا فيما ذكر، قالوا: وانما سَمَّت العرب معبوداتهم آلهة (¬4)؛ لأنهم اعتقدوا فيها صفة التعظيم، واستحقاق هذا الاسم فأصابوا في الجملة، وأخطؤوا في التعيين. والإمالة في اسم الله تعالى جائزة في قياس العرب (¬5)، والدليل على ¬
جوازها أن هذِه (الألف) لا تخلو من أن تكون زائدة لفِعَال كالتي (¬1) في (إزار) و (عِمَاد)، أو تكون عين الفعل. فإن كانت زائدة جازت فيها الإمالة من وجهين: أحدهما: أن الهمزة المحذوفة كانت مكسورة، وكسرها يوجب الإمالة في الألف، كما أن الكسرة في (عماد) توجب إمالة ألفه. فإن قلت: كيف تمال الألف من أجل الكسرة في الهمزة وهي محذوفة؟ فالقول فيها إنها وإن كانت محذوفة، موجبة للإمالة (¬2)، كما كانت توجبها قبل الحذف؛ لأنها -وإن كانت محذوفة- فهي من الكلمة، ونظير ذلك ما حكاه سيبويه من أن بعضهم يميل الألف في: مَادٍّ (¬3) وَشَاذٍّ، للكسرة المنوية (¬4) في عين الفعل عند ترك الإدغام، وإن لم يكن في لفظ الكلمة كسرة (¬5)، كذلك الألف في اسم الله، تجوز إمالتها وإن لم تكن الكسرة ملفوظا بها. والوجه الثاني: (لام) (¬6) الفعل منجرة، فتجوز الإمالة لانجرارها. وإن كانت الألف عينا ليست (¬7) بزائدة جازت إمالتها، وحسنت فيها إذ كان ¬
انقلابها عن الياء (¬1) بدلالة قولهم: (لَهْيَ أبوك (¬2)) وظهور الياء لما قلبت إلى موضع السلام (¬3). وقوله: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}. معنى الرحمة في صفة الله تعالى: إرادته الخير والنعمة بأهله، وهي صفة ذات، وفي صفة أحدنا تكون رقة قلب وشفقة (¬4). قال أبو بكر محمد بن القاسم بن (¬5) بشار: سألت أبا العباس (¬6) لم جمع بين الرحمن والرحيم؟ فقال: لأن الرحمن عبراني فأتى معه الرحيم العربي، واحتج بقول جرير (¬7): ¬
أو تَتْرُكُونَ إِلَى القَسَّيْنِ (¬1) هِجْرَتَكُم ... وَمَسْحَهُمْ صُلْبَهُمْ رَحَمَانَ قُرْبَانَا (¬2) فأنكر عليه بعض الناس (¬3)، وقال: لم تزل العرب تعرف الرحمن وتذكره في أشعارها، واحتج بقول الشاعر: أَلاَ ضَرَبَت تِلْكَ الفَتَاة (¬4) هَجِيَنَهَا ... أَلاَ قَضَبَ الرَّحْمَنُ رَبِّي يَميِنَهَا (¬5) فقال (¬6): إن جمهور العرب كانوا لا يعرفون "الرحمن" في الجاهلية، ¬
الدليل على هذا أنهم لما سمعوا النبي - صلى الله عليه وسلم - يذكره قالوا: ما نعرف الرحمن إلا رجلًا باليمامة (¬1)، وذلك قوله تعالى: {قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ} [الفرقان: 60] وإنما يذكر بعض الشعراء الرحمن في الجاهلية، إذ (¬2) لقنه (¬3) من أهل الكتاب، أو أخذه عن بعض من قرأ الكتب كأمية بن أبي الصلت (¬4) وزيد بن (¬5) عمرو، وورقة بن نوفل (¬6)، ولا تجعل هذا حجة على ما عليه أكثرهم. ومراد أبي العباس أن الرحمن يتكلم به بالعبرانية (¬7)، وتتكلم به العرب، فلما لم يخلص في كلامهم، ولم ينفردوا به دون غيرهم، أتى (¬8) بعده بالرحيم ¬
الذي لا يكون إلى عربيا، ولا يلتبس بلغة غيرهم (¬1). والصحيح أنه مشتق من الرحمة، وأنه اسم عربي لوجود هذا البناء في كلامهم، كاللهفان والندمان والغضبان (¬2). قال الليث: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} اسمان، اشتقاقهما (¬3) من الرحمة (¬4). وقال أبو عبيدة: هما صفتان لله تعالى، معناهما ذو الرحمة (¬5). وأما ما احتج به أبو العباس من قوله: {وَمَا الرَّحْمَنُ} [الفرقان: 60] فهو سؤال عن الصفة، ولذلك قالوا: {وَمَا الرَّحْمَنُ}، ولم يقولوا: ومن، والقوم جهلوا ¬
صفته، والاسم كان معلوما لهم في الجملة (¬1). وقيل: هذا على جهة ترك التعظيم منهم. واختلفوا في أن أي الاسمين من هذين أشد مبالغة، فقال قوم: الرحمن أشد مبالغة من الرحيم، كالعلام من العليم، ولهذا قيل: رحمن الدنيا ورحيم الآخرة، لأن رحمته في الدنيا عمت المؤمن والكافر والبر والفاجر، ورحمته في الآخرة اختصت بالمؤمنين (¬2). فإن قيل: على هذا كان الرحمن أشد مبالغة، فلم بدئ بذكره (¬3)؟ وإنما يبدأ في نحو هذا بالأقل ثم يتبع (¬4) الأكثر كقولهم: (فلان جواد يعطي العشرات والمئين (¬5) والألوف). والجواب: أنه بدئ (¬6) بذكر الرحمن، لأنه صار كالعلم، إذ كان لا يوصف به (¬7) إلا الله عز وجل، وحكم الأعلام وما كان من الأسماء أعرف أن يبدأ به، ثم يتبع (¬8) الأنكر، وما كان في التعريف أنقص. هذا مذهب سيبويه وغيره من النحويين، فجاء هذا على منهاج كلام العرب (¬9). ¬
وقال وكيع: الرحيم أشد مبالغة؛ لأنه ينبئ عن رحمته في الدنيا والآخرة ورحمة الرحمانية في الدنيا دون الآخرة (¬1). وقال آخرون: إنهما بمعنى واحد كندمان ونديم، ولهفان ولهيف، وجيء بهما للتأكيد والإشباع، كقولهم: جادٌّ ومُجِدُّ (¬2)، وقول طَرْفَه (¬3): مَتَى أَدْنُ مِنْه يَنْأَ مِنِّي (¬4) وَيَبْعُدِ (¬5) ¬
وقول عدي (¬1): وأَلْفى قَولَهَا كَذِبًا وَمَيْنَا (¬2) في أمثال لهذا، وروي عن ابن عباس أنه قال. الرحمن الرحيم، اسمان رقيقان أحدهما أرق من الآخر (¬3). ¬
قال الحسين (¬1) بن الفضل: غلط الراوي؛ لأن الرقة في صفة الباري لا تصح. وإنما هما أسمان رفيقان أحدهما أرفق من الآخر (¬2). يدل على هذا ما روي في الخبر: "إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي (¬3) على الرفق مالا يعطي على العنف" (¬4)، وسمعت من يقول (¬5): معنى قول ابن عباس (اسمان رقيقان) أي يدلان فينا على الرقة. وقال بعضهم: الرحمن خاص اللفظ عام المعنى، والرحيم عام اللفظ خاص المعنى (¬6). ¬
2
تفسير الفاتحة 2 - قوله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ}. قال ابن عباس: يعني الشكر لله، وهو أن صنع إلى خلقه فحمدوه (¬1). وقال الأخفش: {الْحَمْدُ لِلَّهِ}: الشكر لله (¬2)، قال: والحمد (¬3) -أيضًا- الثناء، [وكأن (¬4) الشكر لا يكون إلى ثناء ليد أوليتها (¬5)، والحمد قد يكون شكرا للصنيعة، ويكون ابتداء الثناء (¬6) على الرجل، فحمد الله الثناء] (¬7) ¬
عليه والشكر لنعمه (¬1). وقال أبو بكر (¬2): قوله: {الْحَمْدُ لِلَّهِ} يحتمل أن يكون هذا إخبارًا أخبر الله تعالى به، والفائدة فيه أنه يبين (¬3) أن حقيقة الحمد له، وتحصيل كل الحمد له (¬4) لا لغيره، وذلك أنا (¬5) نرى بني الدنيا ينعم (¬6) بعضهم على بعض، فيحمده على إنعامه، فيكون حقيقة الحمد في ذلك لله، إذ هو الذي أنعم على الذي أنعم بما أنعم به، ورزقه إياه، وهو الذي وفق المعطي للعطية، وأجراها على يديه، فكان حقيقة الإنعام من الله تعالى، ومكافأة المنعَم عليه بالشكر (¬7) والحمد راجعة إليه جل اسمه (¬8). وعلى هذا فقد حُكِي أن ابن التوءم (¬9) كان يقول: إنما يجب أن يشكر ¬
من إن جاد عليك فلك جاد، وإن (¬1) نفعك فنفعك أراد، من غير أن يرجع إليه من جوده بشيء (¬2) من المنافع على جهة من الجهات، وهو الله (¬3) وحده لا شريك له. ألا (¬4) ترى أن عطية الرجل لصاحبه لا تخلو من أن تكون لله أو لغيره فإن كانت (¬5) لله فثوابها على الله، فلا (¬6) معنى للشكر، وإن كانت (¬7) لغير الله فلا تخلو من أن تكون لطلب المجازاة، أو حب المكافأة، وهذِه تجارة معروفة، والتاجر لا يشكر على تجارته، وجر المنفعة إلى نفسه، وإما أن تكون لخوف يده أو لسانه، أو رجاء نصرته أو (¬8) معونته، ولا معنى لشكر من هذِه إحدى أحواله، وإما أن تكون (¬9) للرقة والرحمة، ولما يجد في قلبه من الألم، ومن جاد على هذا (¬10) السبيل، فإنما داوى نفسه من دائها، وخفف عنها ثقل برحائها (¬11). فأما من مدحه بشار (¬12) بن برد بقوله: ¬
لَيْسَ (¬1) يُعْطِيكَ لِلرَّجَاء ولِلْخَوْ ... فِ ولكن يَلَذُّ طَعْمَ العَطَاءِ (¬2) فأي معنى لشكر (¬3) من يعطي لاجتلاب لذته، ويجيب (¬4) داعي رأفته. قال أبو بكر: ويحتمل أن يكون هذا ثناء أثنى به على نفسه، علم عباده في أول كتابه ثناء (¬5) عليه، وشكرا (¬6) له، يكتسبون بقوله وتلاوته أكمل الثواب وأعظم الأجر، لطفا بهم، وحسن نظر لهم، فقال: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} أي قولوا: يا معشر الناس ما إذا قلتموه علت منزلتكم [وارتفعت درجتكم بقوله] (¬7) عند ربكم، فيضمر القول هاهنا كما أضمر في قوله: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر: 3] معناه يقولون: ما نعبدهم (¬8). ثم إذا قال القائل: {الْحَمْدُ لِلَّهِ} فقد (¬9) أثنى على الله تعالى، فيكون ¬
بذلك متعرضًا لثواب الله، ومن أثنى على واحد فقد تعرض لإحسانه وثوابه. يدل على صحة هذا أن بعض العلماء، سئل عن تفسير الحديث المروي: "أفضل الدعاء سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلى الله، والله أكبر" (¬1) فقيل له: ما في هذا من (¬2) الدعاء؟ وإنما الدعاء: (اللهم اغفر لنا، وافعل بنا). فقال للسائل: أما سمعت قول أمية بن أبي الصلت لعبد الله بن (¬3) جدعان: كَرِيمٌ لاَ يُغَيِّرُهُ صبَاحٌ ... عَنِ الخُلُقِ الجَمِيلِ وَلاَ مَسَاءُ إِذاَ أَثْنى عَلَيْهِ المَرْءُ يَوْمًا ... كَفَاهُ مِنْ تَعَرُّضِهِ الثَّنَاءُ (¬4) ¬
فهذا مخلوق اجتزأ من مسألة مخلوق مثله بالثناء عليه، فكيف يحتاج العبد مع ثنائه على ربه أن يسمي له حوائجه؟. قال (¬1): وإنما اختير (الحمد) على الشكر للمبالغة والعموم، وذلك أن الشكر لا يكون إلى مكافأة لنعمة سبقت إليك وأيضًا، فإنه لا يشكر أحد على ما فيه من الأوصاف الجميلة، وليس كذلك الحمد، فإنه يقع ابتداء قبل الصنيعة، ويقع على الأوصاف المحمودة فهو أبلغ وأعم وأجمع (¬2). قال الشاعر: يَا أَيُّهَا المَائِحُ دَلْوى دُونكا ... إِنِّي رَأَيْتُ النَّاسَ يَحْمَدُونكا (¬3) ¬
فترجم بالثناء (¬1) والتمجيد (¬2) عن الحمد، فدل هذا على عموم الحمد. وقد أخبرنا أبو الحسين بن أبي عبد الله الفسوي (¬3) -رضي الله عنه-، أنبا (¬4) أحمد بن محمد الفقيه (¬5)، أبنا محمد بن هاشم (¬6)، عن الدَّبَرِي (¬7)، عن عبد الرزاق (¬8)، ¬
عن مَعْمر (¬1)، عن قتادة، عن عبد الله بن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (الحمد رأس الشكر، ما شكر الله عبدًا لا يحمده) (¬2). قال أحمد (¬3) على إثر هذا الحديث: الحمد نوع والشكر جنس (¬4)، وكل حمد شكر (¬5)، وليس كل شكر حمدا. وهو على ثلاث منازل: شكر القلب، وهو الاعتقاد بأن الله ولي النعم، قال الله: {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ} [النحل: 53]، وشكر اللسان وهو إظهار النعمة بالذكر لها، والثناء على مسديها، قال الله: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} [الضحى: 11] وهو رأس الشكر المذكور في الحديث. وشكر العمل، وهو (¬6) إدآب النفس بالطاعة. ¬
قال الله سبحانه (¬1): {اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا} (¬2) [سبأ: 13]. وقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى تفطرت قدماه، فقيل: يا رسول الله أليس قد غفر الله (¬3) لك ماتقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: "أفلا أكون عبدا شكورا" (¬4). وقد جمع الشاعر أنواعه الثلاثة فقال: أَفَادَتْكُمُ النَّعْمَاءُ مِنِّى ثَلاَثَةً ... يَدِي وَلِسَانِي والضمِيرَ المُحَجَّبَا (¬5) (¬6) وبين الحمد والشكر فرق واضح (¬7)، يظهر بالنقيض؛ لأن نقيض الشكر الكفر، ونقيض الحمد الذم (¬8)، فهذا ما في معنى الحمد والشكر. ¬
ولا بد من ذكر طرف من مذهب النحويين في (الألف واللام) اللتين للتعريف وحكمهما. ومذهب (¬1) الخليل في هذا أن (ال) حرف التعريف، بمنزلة (قد (¬2)) في الأفعال، فإن الهمزة واللام جميعا (¬3) للتعريف، وحكي عنه أنه كان يسميها (أل) كقولنا: (قد)، وأنه لم يكن يقول: (الألف (¬4) واللام) كما لا يقول في (قد) القاف والدال. واحتج لهذا المذهب بفصلين (¬5) (¬6): أحدهما: أن العرب قد قطعت (أل) في أنصاف الأبيات، نحو قول عبيد (¬7): يا خَلِيلَيَّ ارْبَعَا واستَخبِرَا الـ ... مَنْزِلَ الدّارِس مِنَ أَهْلِ الحِلاَل مِثْلَ سَحْقِ البُرْدِ عَفَّى بَعْدَكَ الـ ... قَطْرُ مَغْنَاهُ وتَأْوِيبُ الشَّمَالِ (¬8) ¬
قال (¬1): فلو كانت اللام وحدها حرف التعريف؛ لما جاز فصلها من الكلمة التي عرفتها، لاسيما واللام ساكنة، والساكن لا ينوي به الانفصال (¬2). فصار قطعهم وهم يريدون الاسم بعدها كقطع النابغة (¬3) (قد) في قوله: أَفِدَ (¬4) التَّرحُّلُ (¬5) غَيْرَ أَنَّ رِكَابَنَا ... لمَّا تَزُلْ بِرِحَالِهَا (¬6) وَكَأَنْ قَدِ (¬7) ¬
ألا ترى أن التقدير: (كأن قد زالت)، فقطع (قد) من الفعل كقطع (ال) من الاسم. وإذا (¬1) كان (ال) عند الخليل حرفا واحدا، فقد ينبغي أن تكون همزته مقطوعة ثابتة، كقاف (قد) وباء (بل)، إلى أنه لما كثر استعمالهم لهذا الحرف عرف موضعه، فحذفت همزته، كما حذفوا: (لم يَكُ) و (ولا أَدْرِ) (¬2). والفصل (¬3) الثاني (¬4): أنهم قد أثبتوا هذِه الهمزة بحيث تحذف همزات الوصل، نحو قوله {قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ} (¬5) [يونس: 59] و {قُلْ آلذَّكَرَيْنِ} [الأنعام: 143]، ولم (¬6) تر همزة وصل تثبت في نحو هذا، فهذا يؤكد أن همزة (أل) ليست بهمزة وصل وأنها مع اللام كقد. ومذهب الجمهور (¬7) في هذا أن اللام وحدها هي حرف التعريف، وأن ¬
الهمزة إنما دخلت عليها لسكونها، والدليل على هذا (¬1) إيصالهم حرف الجار إلى ما بعد حرف التعريف نحو قولهم: (عجبت من الرجل) و (مررت بالغلام) فنفوذ الجر إلى ما بعد حرف التعريف يدل على أن حرف التعريف غير فاصل عندهم بين الجار والمجرور، وإنما كان كذلك لأنه في نهاية اللطافة والاتصال بما عرفه؛ لأنه على حرف واحد، ولاسيما ساكن، ولو كان حرف التعريف في نية الانفصال كـ (¬2) (قد) لما جاز نفوذ الجر إلى ما بعد حرف التعريف. وأيضا فإن (¬3) حرف التعريف نقيض التنوين، لأن التنوين دليل التنكير، كما أن هذا (¬4) دليل التعريف، فكما (¬5) أن التنوين في [آخر الاسم حرف واحد، كذلك حرف التعريف في] (¬6) أوله ينبغي أن يكون حرفا واحدا. فأما ما احتج به الخليل من قطع (أل) عن الحرف الذي بعده في الشعر فقد يقطعون (¬7) في المصراع الأول بعض الكلمة وما هو منها أصل، ويأتون بالبقية في أول المصراع الثاني، كما قال: ¬
يَا نَفْسِ أَكْلًا واضْطِجَا ... عًا نَفْسِ لَسْتِ بِخَالِدَه (¬1) وهو كثير، وإذا جاز ذلك في أَنْفُسِ الكَلِم، ولم يدل على انفصال بعض الكلمة من بعض، فغير منكر أيضًا أن تفصل (لام المعرفة) في الأول (¬2). وأما ما احتج به من قطع الهمزة في نحو: {آللَّهُ} (¬3) فإنما جاز ذلك لمخافة التباس الاستفهام بالخبر (¬4). وإنما جعل حرف التعريف حرفا واحدا؛ لأنهم أرادوا خلطه (¬5) بما بعده، فجعلوه على حرف واحد؛ ليضعف عن (¬6) انفصاله مما بعده، فيعلم بذلك أنهم قد (¬7) اعتزموا (¬8) على خلطه به، ولهذا سكنوه، لأنه أبلغ فيما قصدوا، لأن الساكن أضعف من المتحرك، وأشد حاجة وافتقارا إلى ما يتصل به (¬9). ¬
وإنما اختاروا (¬1) (اللام) دون سائر حروف المعجم؛ لأنهم أرادوا إدغام حرف التعريف فيما بعده؛ لأن الحرف المدغم أضعف من الحرف الساكن غير المدغم؛ ليكون إدغامه دليلا على شدة اتصاله، فلما آثروا إدغامه فيما بعده اعتبروا حروف المعجم، فلم يجدوا فيها حرفا أشد مشاركة لأكثر الحروف من (اللام) فعدلوا إليها؛ لأنها تجاور أكثر حروف الفم (¬2) التي هي معظم الحروف، وليصلوا بذلك إلى الإدغام المترجم عما عزموه (¬3) من شدة وصل التعريف بما عرفه (¬4) (¬5)، ولو جاؤوا بغير (اللام) للتعريف لما أمكنهم أن يكثر (¬6) إدغامها، كما أمكنهم ذلك مع (اللام)، فإدغامهم إياها مع ثلاثة (¬7) عشر حرفا، وهي: (التاء، والثاء، والدال، والذال، والراء، والزاي، والسين، والشين، والصاد، والضاد، والطاء، والظاء، والنون) وذلك قولهم التمر، والثَّرِيد، والدِّبْس، والذَّوْق (¬8)، والرُّطَب، والزُّبْد، والسَّفَرْجَل، والشَّعِير، والصَّيْر، والصَّنَاب (¬9)، ¬
والطَّبِيخ، والظُّلْم (¬1)، والنَّبِق، يدلك على (¬2) ما ذكرنا أنك (¬3) تجد (اللام) ساكنة وهي لغير التعريف مظهرة غير مدغمة مع أكثر هذِه الحروف، وذلك نحو: (التقت) (¬4)، و (هل ثم أحد) (¬5)، و (الْزَمْ (¬6) بِه) و (أَلْسِنَة) هذا هو الكلام في (اللام) (¬7). فأما الكلام في (الهمزة) الداخلة على هذِه (اللام): فاعلم أن (الهمزة) (¬8) (إنما جيء بها توصلا إلى النطق بالساكن الذي بعدها، إذ لم ¬
يمكن (¬1) الابتداء به، وكان حكم هذِه (الهمزة) أن تكون ساكنة، لأنها حرف جاء لمعنى، ولا حظ له في الإعراب. وهي في أول الحرف كالهاء التي لبيان الحركة (¬2) في آخر الحرف. نحو (وازيداه) و (واعمراه) فكما أن تلك ساكنة فكذلك كان ينبغي في الألف (¬3) أن تكون ساكنة (¬4)، إلا أنها (¬5) حركت لأجل الساكن الذي بعدها، ولم يجز أن يحرك ما بعدها لأجلها من قبل أنك لو فعلت ذلك لبقيت هي عليك (¬6) أيضًا في أول الكلمة ساكنة، وكان يحتاج لسكونها إلى حرف قبلها محرك يقع به (¬7) الابتداء. وإنما اختاروا الهمزة لوقوع الابتداء (¬8) بها (¬9)؛ لأنهم أرادوا حرفا يتبلغ به في الابتداء، ويحذف في الوصل للاستغناء عنه بما قبله، فجعلوه الهمزة؛ لأن العادة فيها في أكثر الأحوال حذفها للتخفيف، وهي مع ذلك أصل، ¬
فكيف بها إذا كانت زائدة، ألا تراهم حذفوها في نحو: (خذ) و (مر) (¬1) و (وَيْلُمِّه) (¬2) وفي قول الشاعر: وَكَانَ حَاملُكُمْ مِنَّا وَرَافِدُكُمْ ... وَحَامِلُ المِينَ بَعْد المِينَ والْأَلَفِ (¬3) أراد المئين، فحذف الهمزة، وأراد (الألف) فحرك اللام ضرورة (¬4). وقالوا: (ذن (¬5) لا أفعل) فحذفوا همزة (إذن) (¬6) ولو أنهم جعلوا مكان الهمزة غيرها لم يمكن حذفه؛ لأنه لم يحذف غيرها من الحروف كما حذفت هي، وكانت (الهمزة) بالزيادة في الابتداء أولى من سائر الحروف؛ لأنهم شرطوا على أنفسهم حرفا يحذف عند الغنى (¬7) عنه، وذلك في أكثر أحواله؛ لأن الوصل أكثر من الابتداء والقطع، ولم يجدوا حرفا يطرد فيه الحذف ¬
اطراده في الهمزة، فأتوا بها دون غيرها من سائر حروف المعجم. والأصل في جميع (ألفات الوصل) أن تبدأ بالكسر؛ لأنها إنما دخلت وصلة إلى النطق بالساكن (¬1)، وقد ذكرنا أن حقها كان في الأصل السكون، فلما كان حقها السكون ودخلت على الساكن حركت بالكسرة تشبيها بحركة الساكن إذا لقيه ساكن، لأن تحريك أحد الساكنين في سائر المواضع إنما هو أيضًا ليتصل به إلى النطق بالساكن الآخر (¬2). وإنما فتحت مع (لام التعريف) لأن (اللام) حرف، فجعلوا حركة الهمزة معها فتحة؛ لتخالف حركتها في الأسماء والأفعال (¬3) (¬4). و (لام التعريف) تقع (¬5) في الكلام في أربعة مواضع (¬6) وهي: 1 - تعريف الواحد بعهد، نحو قولك لمن كنت معه في ذكر رجل: (قد وافى الرجل) أي: الرجل الذي كنا في حديثه وذكره. 2 - وتعريف الواحد بغير عهد نحو قولك لمن لم تره قط ولا ذكرته: (يا أيها الرجل أقبل) فهذا تعريف لم يتقدمه ذكر ولا عهد. ¬
3 - الثالث: تعريف الجنس، نحو قولك: (العسل حلو والخل حامض) فهذا التعريف لا يجوز أن يكون عن إحاطة بجميع الجنس ولا مشاهدة له؛ لأن ذلك متعذر، وإنما معناه: أن كل واحد من هذا الجنس المعروف بالعقول دون حاسة المشاهدة (¬1). 4 - الرابع: أن تكون زائدة، نحو قوله: (الآن، ولام الذي والتي وتثنيتهما وجمعهما، ولام اللات والعزى) وسنذكر كل واحد من هذِه الحروف إذا انتهينا إليه إن شاء (¬2) الله. فأما قوله: (الحمد) فـ (اللام) فيه تحتمل (¬3): أن تكون للجنس، أي جميع المحامد له؛ لأنه الموصوف بصفات الكمال في نعوته وأفعاله الحميدة (¬4)، وتحتمل: أن تكون للعهد، أي: الحمد الذي حمد به نفسه ¬
وحمده به أولياؤه (¬1). ورفعه على معنى قولوا: (الحمد لله) على ما حكينا عن ابن الأنباري (¬2)، ويجوز أن يكون ابتداء، وخبره فيما بعده (¬3). وقوله تعالى: {لِلَّهِ}: هذِه (اللام) تسمى لام الإضافة (¬4)، ولها في الإضافة معنيان (¬5): أحدهما: الملك نحو: (المال لزيد). والآخر: الاستحقاق (¬6) نحو: (الجُلُّ (¬7) للدابة) أي: استحقته ولابسته، وكذلك (الباب للدار). وهذِه الجارة مكسورة مع المظهر، ومفتوحة مع المضمر، وإنما كسرت مع المظهر وكان من حقها الفتح؛ لأنا ذكرنا أن هذِه الحروف التي تستعمل على واحدة حقها الفتح (¬8)، وكسرت مع المظهر للفرق ¬
بينها (¬1) وبين (لام الابتداء) وذلك قولك في الملك: (إن زيدا لهذا) أي: في ملكه، و (إن زيدا لهذا) أي: هو (¬2) هو، فلو فتحت في الموضعين لالتبس (¬3) معنى (¬4) الملك بمعنى الابتداء. وإنما كسرت الجارة وتركت (لام الابتداء) بحالها مفتوحة (¬5)؛ لأن أول أحوال (¬6) الاسم هو الابتداء، وإنما يدخل الناصب والجار والرافع على المبتدأ (¬7) فلما كان المبتدأ متقدما في المرتبة، وكان فتح هذِه اللام هو الأول المتقدم من حالتها (¬8)، جعل الفتح الذي هو أول مع الابتداء الذي هو أول، ولما كان الكسر فيها إنما هو ثان غير أول، جعل مع الذي هو تبع للابتداء، هذا هو القياس (¬9). ¬
وقوله تعالى {رَبِّ الْعَالَمِينَ}: (الرب) في اللغة له معنيان (¬1): أحدهما: أن يكون معناه من الرب بمعنى التربية. قال الأصمعي: (رب فلان الصنيعة يَرُبُّها رَبًّا إذا أتمها وأصلحها) قال: ويقال: فلان رَبَّ نِحْيَهُ يَرُبُّه رَبًّا (¬2) إذا جعل فيه الرُّبَّ ومتَّنَهُ به، وهي (¬3) نِحْيٌ مَرْبُوب (¬4) وهذا -أيضًا- عائد إلى معنى التربية والإصلاح. قال الشاعر: فَإِنْ كُنْتِ مِنِّي أَوْ تُرِيدِين صُحْبَتِي (¬5) ... فَكُونِي لَهُ كَالسَّمْنِ (¬6) رُبَّتْ لَهُ الأَدَم (¬7) ¬
وتقول: رَبَّ الشيء يَرُبُّه ربوبًا فهو رَبٌّ، مثل: (بَرّ وَطَبّ (¬1)) (¬2)، إذا تممه وأصلحه، قال الشاعر: يَرُبُّ الذِّي يَأْتِي مِنَ الخَيْرِ أَنَّهُ ... إذَا فَعَلَ المَعْرُوفَ زَادَ وَتَمَّمَا (¬3) فالمعنى (¬4) على هذا أنه يربي الخلق ويغذوهم (¬5) بما ينعم عليهم (¬6). الثاني: أن يكون الرب بمعنى المالك، يقال: رب الشيء إذا ملكه، ورببت (¬7) فلانا، أي: كنت فوقه (¬8). ومنه قول صفوان بن أمية (¬9): لأن يَرُبَّنِي رجل من قريش أحب إِلي من أن يَرُبَّنِي رجل من هوازن (¬10) يعني: أن يكون ربًا فوقي، وسيدًا يملكني. وكل ¬
من ملك شيئا فهو ربّه (¬1)، يقال: هو ربّ الدار وربّ الضيعة (¬2)، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لرجل (¬3): "أَرَبُّ إِبلٍ أنت أم رَبُّ غنم؟ " (¬4)، وقال النابغة: فَإِنْ تَكُ رَبَّ أَذْوَادٍ بِحُزْوى ... أَصَابُوا مِنْ لِقَاحِكَ مَا أَصَابُوا (¬5) ثم (السيد) يسمى ربًّا وإن لم يكن مالكا على الحقيقة (¬6)، قال الله تعالى: {اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ} [يوسف: 42]. وقال الأعشى (¬7): وَأَهْلَكْنَ يَوْمًا رَبَّ كِنْدَةَ وابْنَه (¬8). ¬
أي: سيدها. والله تعالى ربُّ كل شيء أي: مالكه، وهو السيد على الحقيقة. وقال بعض أهل اللغة: المعنى الثاني راجع إلى الأول الذي هو بمعنى التربية (¬1) وقيل للمالك: (رب) لأنه يرب مملوكه، ويملك تربيته وتنشئته، والسيد رب لأنه مالك. فأما ما يذهب إليه المتكلمون أنه لم يزل ربًّا (¬2)، وأن هذا من صفة الذات، وقولهم: إن معناه الثابت الدائم، من قولهم: (ربُّ بالمكان) إذا أقام به (¬3). فهذا لا يعرفه أهل اللغة، وليس يصح ربَّ (¬4) بمعنى: أقام (¬5)، وأربَّ بمعنى: أقام صحيح (¬6)، فان أمكن بناء (¬7) هذا الاسم من الإرباب صح قولهم. ¬
وقوله تعالى: {الْعَالَمِينَ}: هو جمع (عالم) على وزن (فَاعَل) (¬1)، كما قالوا: خَاتَم (¬2)، وطَابَع، ودَانَق (¬3)، وقَالَب (¬4)، واختلفوا في اشتقاقه على وجهين: فمنهم من قال: اشتقاقه من (العَلَم) و (العلامة)، وذلك أن كل مخلوق دلالة وعلامة على وجود صانعه (¬5)، فالعالم اسم عام لجميع المخلوقات، يدل على هذا قول الناس: (العالم محدث) يريدون به جميع المخلوقات، وهذا قول الحسن (¬6) ومجاهد وقتادة (¬7) في تفسير العالم: إنه جميع المخلوقات. ولدل على هذا القول من التنزيل قوله: {قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (23) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا} [الشعراء: 23، 24] فسر (¬8) العالمين بجميع المخلوقات. ومنهم من قال: إنه مشتق من العِلْم (¬9). ¬
فالعالمون على هذا هم من يعقل، قال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير: هم الجن والإنس (¬1). واختاره أبو الهيثم (¬2) والأزهري (¬3)، واحتجوا بقوله: {لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} [الفرقان: 1] وإنما بعث محمد نذيرا للجن والإنس (¬4). وقال الحسين بن الفضل وأبو معاذ (¬5) النحوي: هم بنو آدم (¬6)، لقوله: {أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (165)} [الشعراء: 165]. وقال الفراء (¬7) وأبو عبيدة: هو عبارة عما يعقل، وهو أربع أمم: ¬
الملائكة والإنس والجن والشياطين، ولا يقال للبهائم: عالم (¬1). وقد ذكر الله تعالى {الْعَالَمِينَ} وأراد به أهل عصر واحد، وهو قوله لبني إسرائيل: {وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} [البقرة: 47] يعني عالمي زمانهم (¬2). وهذِه الأقوال صحيحة على أصل من يجعله مشتقًّا من العِلْم، والذين صححوا هذِه الطريقة قالوا في جواب موسى لفرعون: {رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا} (¬3): إنه لم يشتغل بتفسير العالمين، وإنما أراد تعريفه على وجه أظهر من الأول (¬4)، ليصير الخصم مبهوتًا. وأبو إسحاق (¬5) اختار الطريقة الأولى، وقال: معنى العالمين: كل ما خلق الله. قال: وقوله: {رَبِّ الْعَالَمِينَ} كقوله {وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ} [الأنعام: 164] (¬6). والعالم على كلا (¬7) الأصلين: اسم للجمع (¬8)، ولا واحد له من لفظه، ¬
كالأنام والرهط والجيش (¬1). قال أبو إسحاق: وإنما لم يستعمل الواحد من لفظه؛ لأن (العالم) اسم لأشياء مختلفة، فإن جعل لواحد منها اسم من لفظه صار جمعا لأشياء متفقة (¬2). وهذا النوع من الجمع (¬3) يسمى (السالم) لسلامة لفظ الواحد فيه، ويجمع على الواو والياء (¬4). واختلف النحويون في (الواو والياء والألف) اللواتي تلحق التثنية والجمع (¬5)، فمذهب سيبويه فيها أنها حروف إعراب بمنزلة (الدال) من زيد (¬6). والدليل على ذلك (¬7): أن الذي أوجب للواحد المتمكن نحو: (زيد ورجل) حرف الإعراب، هو (¬8) موجود في التثنية والجمع (¬9)، وهو التمكن، ¬
فكما أن الواحد المعرب المتمكن يحتاج إلى حرف إعراب، فكذلك الاسم المثنى والمجموع إذا كان معربا متمكنا احتاج إلى حرف إعراب، وإذا كان كذلك فقولنا: (الزيدان والزيدون) (¬1) لا يخلو حرف الإعراب، إما أن يكون ما قبل الألف والواو، أو هما، أو ما بعدهما. ويفسد أن تكون (الدال) من زيد هي حرف الإعراب في التثنية؛ لأنها قد كانت في الواحد حرف الإعراب، وقد انقلبت عن الواحد الذي هو الأصل إلى التثنية التي هي فرع، كما تقول في (قائمة) لما انقلبت عن المذكر (¬2) الذي هو الأصل إلى المؤنث الذي هو الفرع، بطل أن تكون (الميم) التي كانت (¬3) في المذكر حرف إعراب أن تكون (¬4) في المؤنث حرف إعراب، وصار حرف الإعراب علم التأنيث وهو (الهاء) (¬5) فكذلك ينبغي أن يكون علم التثنية والجمع (¬6) هو حرف الإعراب (¬7). ولا يجوز أن يكون ما بعد الألف والواو حرف إعراب، وهو (النون) لأنها حرف صحيح يتحمل (¬8) الحركة، فلو كانت ¬
حرف إعراب لوجب أن تعربه (¬1) في الرفع والنصب والخفض (¬2)، كما تعرب (الدال) من زيد، وكما تقول: هؤلاء غلمان، ورأيت غلمانا، ومررت بغلمان (¬3). وهذا الذي ذكرنا من مذهب سيبويه، مذهب أبي إسحاق وابن كيسان، وأبي بكر، وأبي علي (¬4). وإذا ثبت أن هذِه الحروف حروف إعراب (¬5) فلا إعراب في لفظها استثقالا للحركات فيها، ولا تقدير إعراب فيها -أيضًا- كما يقدر في الأسماء المقصورة المعربة نية الإعراب، ألا ترى أنك إذا قلت: هذا فتى، ففي الألف تقدير ضمة، وإذا قلت: رأيت فتى، ففي الألف تقدير فتحة، وإذا قلت: مررت بفتى، ففي الألف تقدير كسرة، وهو لا يرى (¬6) أنك إذا قلت: هذان الزيدان، أن في الألف تقدير ضمة، ولا إذا قلت: مررت بالزيدين، وضربت ¬
الزيدين، ففي الياء تقدير كسرة ولا فتحة (¬1). قال أبو علي: (¬2) يدلك على أنه ليس في حرف الإعراب من التثنية والجمع تقدير حركة في المعنى، صحة (الياء) في الجر والنصب في قولك: (مررت برجلين) و (ضربت رجلين)، ولو كان في (الياء) منهما (¬3) تقدير حركة، لوجب أن تقلب ألفا كرحى وفتى، ألا ترى أن (الياء) إذا انفتح ما قبلها وكانت في تقدير حركة وجب أن تقلب ألفا (¬4). وهذا استدلال من أبي علي في نهاية الحسن، وصحة المذهب وسداد الطريقة (¬5). ودخلت النون فيهما عوضا من الحركة والتنوين، وذلك أن من شرط التثنية، والجمع -الذي على حد التثنية- أن يكون (¬6) له علامة مزيدة على لفظ الواحد، والواحد فيه حركة وتنوين، فكان حق العلامة أن تدخل على لفظ الواحد، ثم تلحقها الحركة والتنوين، فلما وجب أن يدخل التنوين ¬
والحركة في التثنية والجمع، ثم عرض ما يمنع من دخولهما، وجب أن يعوض (¬1) منهما، وقد بينا أن الحركة إنما أسقطت استثقالا، والتنوين وجب إسقاطه لأنه ساكن، وهذِه الحروف سواكن ولم يمكن إسقاط هذِه الحروف لأنها علامات، ولا تحريكها للثقل، ولا تحريك التنوين؛ لأنه يخرج عن حكم العلامة ويصير نونا لازمة، فلم يبق إلا إسقاطه، فلما دخلت النون دخلت ساكنة؛ لأنه لا حظ لها من الإعراب فاجتمع ساكنان، فحركت نون التثنية بالكسرة ونون الجمع بالفتحة فرقا بينهما (¬2). وكانت نون التثنية أولى بالكسرة لأن قبلها (ألفا) وهي خفيفة والكسرة ثقيلة (¬3)، فاعتدلا، وقبل نون الجمع (واو (¬4)) وهي ثقيلة ففتحوا النون ليعتدل الأمر. فإن قلت: إنك تكسر النون مع (الياء) في النصب والجر، فهلا هربت إلى الفتحة لمكان (الياء) كما هربت إلى الفتحة لمكانها في (أين وكيف)؟. والجواب: أن (الياء) في التثنية ليست بلازمة كلزومها في (أين) لأن الأصل هو الرفع، والنصب والجر فرعان عليه، فأجروا الباب على حكم الرفع الذي هو الأصل (¬5)، وصارت النون أولى بالزيادة من بين سائر الحروف، لشبهها بحروف المد. وسترى وجه الشبه بينهما فيما يمر بك من الكتاب إن شاء الله. ¬
4
4 - قوله تعالى: {مَالِكِ (¬1) يَوْمِ الدِّينِ}. المالك في اللغة: (الفاعل) من الملك، يقال: ملك فلان الشيء يملِكُه مُلكا ومِلكا ومَلْكا ومَلَكة (¬2) ومَمْلَكة ومَمْلَكة (¬3)، ويقال: إنه لحسن الملْكَة (¬4) والمِلْك. وأصل المُلك والمِلك راجع إلى معنى واحد، وهو الربط والشد، فمالك الشيء من ربطه لنفسه وملكه ما يختص به، وشد بعقد يخرج به عن أن يكون مباحا لغيره، وملك القوم من غلبهم وربط أمرهم (¬5). ومن هذا يقال: ملكت العجين أي شددت عجنه، وقول أوس بن حجر (¬6): فملك بالليط الذي تحت قشرها ... كغِرْقيء بَيضٍ كنه القَيضُ من عَلِ (¬7) ¬
ملك: شدد. وقول قيس بن الخطيم (¬1): ملكت بها كفي فأنهرت فتقها (¬2) أي: شددت بالطعنة كفي (¬3). ويقال: ما تمالك فلان أن فعل كذا، أي لم يستطع أن يضبط نفسه (¬4). وقال (¬5): فلا تمالك (¬6) عن أرض لها عمدوا (¬7) وملاك (¬8) الأمر: ما يضبط به الأمر، يقال: القلب (¬9) ملاك الجسد (¬10). ¬
وأبو مالك: كنية الكبر والسن، كني به لأنه يغلب الإنسان ويشده عما يريد، فلا ينبسط انبساط الشاب (¬1). قال: أبا مالك إن الغواني هجرنني ... أبا مالك إني أظنك دائبا (¬2) ويقال للرجل إذا تزوج: ملك فلان، يملك ملكا؛ لأنه شد عقد النكاح. وأملك إملاكا إذا زوج (¬3). وفي هذا الحرف قراءتان (مالك) و (ملك) (¬4). فمن قرأ (ملك) قال: الملك أشمل وأتم؛ لأنه قد (¬5) يكون مالك (¬6) ولا ملك له، ولا يكون مَلِك إلى وله مُلك، ولأنه لا يقال: مالك على الإطلاق، حتى يضاف إلى شيء، ويقال: ملك على الإطلاق (¬7). واحتج محمد بن جرير (¬8) لهذِه القراءة فقال: إن الله نبه على أنه مالكهم بقوله: {رَبِّ الْعَالَمِينَ} فحمل قوله {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} على وصف زائد ¬
أحسن (¬1). وقال محمد بن السري: الملك (¬2) الذي يملك الكثير من الأشياء، ويشارك غيره من الناس بالحكم عليه في ملكه (¬3)، وأنه لا يتصرف فيه إلا بما يطلقه له الملك ومع ذلك أن الملك يملك على الناس أمورهم، فلا يستحق اسم الملك حتى يجتمع له ملك هذا كله، فكل ملك مالك، وليس كل مالك ملكا. ويقوي هذِه القراءة من التنزيل قوله {فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ} (¬4)، وقوله {الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ} [الحشر: 23]، و {مَلِكِ النَّاسِ} [الناس: 2]، و {لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ} [غافر: 16]، ولم يقل: (لمن المِلْك) (¬5). وأكثر أهل اللغة اختاروا (مالك) أبو عبيدة، وأبو حاتم (¬6)، ¬
والأصمعي، والأخفش، وأبو العباس (¬1)، وقالوا: إنه أجمع وأوسع، لأنه يقال: مالك الطير والدواب والوحوش وكل شيء، ولا يقال: ملك كل شيء، إنما يقال: ملك الناس (¬2)، قالوا: ولا يكون مالك الشيء إلا وهو يملكه، وقد يكون ملك الشيء وهو لا يملكه كقولهم: (ملك العرب والعجم)، ولأنه يجمع الفعل والاسم (¬3)، ولأن معنى الآية أنه يملك الحكم يوم الدين بين خلقه دون غيره، فالوصف يكون مالكا (¬4). واحتج أبو العباس لهذِه القراءة فقال: (مالك يوم الدين) معناه يملك إقامة يوم الدين، على معنى يملك أن يأتي به، وإذا كان المعنى على هذا فالوجه (مالك) لا (ملك) (¬5). ومما يقوي هذِه القراءة من التنزيل قوله {وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ} [الانفطار: 19] فقولك: الأمر له، وهو مالك الأمر بمعنى، ألا ترى أن لام الجر ¬
معناها (¬1) الملك (¬2). ومن نصر هذِه القراءة أجاب (¬3) ابن جرير بأن قال: ما ذكرت لا يرجح قراءة ملك؛ لأن في التنزيل أشياء على هذِه الصورة قد تقدمها العام وذكر بعده الخاص، كقوله {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2)} [العلق: 1 - 2]. وقوله: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} [البقرة: 3]، ثم قال: {وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} [البقرة: 4]. في أمثال كثيرة لهذا (¬4). فمن قرأ {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} فقد أضاف اسم الفاعل إلى الظرف وحذف المفعول من الكلام للدلالة (¬5) عليه، تقديره: مالك يوم الدين الأحكام، لأن القديم سبحانه ينفرد في ذلك اليوم بالحكم. فأما الدنيا فإنه يحكم فيها -أيضًا- الولاة والقضاة (¬6). ¬
وعلى ما ذكره أبو العباس، الآية تكون من باب حذف المضاف (¬1)، وإقامة المضاف إليه مقامه، وهو كثير في الكلام، وسترى منه مالا يحصى كثرة. وأما إعراب {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} فالجر في القراءتين (¬2). وهو صفة الاسم، مجرور (¬3)، والصفات تجري على موصوفاتها إذا لم تقطع عنها (¬4) بمدح أو ذم. وأما العامل فيها، فزعم الأخفش أبو الحسن أن الوصف يجري على ما قبله، وليس معه لفظ يعمل فيه (¬5)، إنما يعمل فيه كونه نعتا (¬6)، وذلك الذي يرفعه وينصبه ويجره، كما أن المبتدأ (¬7) إنما يرفعه الابتداء (¬8)، وإنما الابتداء معنى عمل (¬9) فيه، وليس لفظا، فكذلك هذا (¬10). وقوله تعالى: {الدِّينِ} قال الضحاك (¬11) وقتادة: (الدين) الجزاء، يعني ¬
يوم يدين الله العباد بأعمالهم (¬1). تقول العرب: دنته بما فعل أي جازيته (¬2). ومنه قوله: {أَإِنَّا لَمَدِينُونَ} (¬3) [الصافات: 53] أي مجزيون. وقال: واعلم وأيقن أن ملكك زائل ... واعلم بأن كما تدين تدان (¬4) أي تجزى بما تفعل. ويقوي هذا التفسير قوله {الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ} [غافر: 17]. وقوله: {الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [الجاثية: 28]. وقال ابن عباس، والسدي، ومقاتل (¬5)، في معنى قوله {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ}: قاضي يوم الحساب (¬6)، ¬
5
واختار أبو عبيد هذا القول (¬1). ومن الدين بمعنى الحساب قوله: {ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} [التوبة: 36] أي: ذلك الحساب (¬2) الصحيح، والعدد المستوي (¬3). وقيل في قوله: "الكيس من دان نفسه (¬4) ": أي حاسبها. وخص هذا اليوم بأنه مالكه، تعظيما لشأنه وتهويلا لأمره، كقوله: {إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (11)} [العاديات: 11] وهو خبير سائر الأيام. وللدين معان كثيرة في اللغة (¬5)، وكل موضع انتهينا إليه من القرآن ذكرنا ما فيه. 5 - قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} (¬6). اختلفت (¬7) مذاهب النحويين في هذا الحرف، وأنا ذاكر لك هنا منها ما يحتمله هذا الكتاب (¬8). ذهب الخليل ¬
إلى أن (إيا) اسم مضمر، مضاف إلى (الكاف) وهذا -أيضًا- مذهب أبي عثمان (¬1). وحكى أبو بكر (¬2) عن أبي العباس (¬3) عن أبي الحسن (¬4) أنه اسم مفرد مضمر يتغير آخره كما تتغير (¬5) أواخر المضمرات، لاختلاف أعداد المضمرين، وأن الكاف في (إياك) كالكاف التي في (ذلك) في أنه دلالة على الخطاب فقط، مجردة من كونها علامة للضمير، ولا يجيز أبو الحسن فيما يحكى عنه: (إياك وإيا زيد) و (إياي وإيا الباطل) (¬6). وقال سيبويه: حدثني من لا أتهم عن الخليل أنه سمع أعرابيا يقول: إذا ¬
بلغ الرجل ستين فإياه وإيا الشواب (¬1). وحكى ابن كيسان عن بعض النحويين أنه قال: (إياك) بكمالها: اسم. قال: وقال بعضهم: (الياء والكاف والهاء) هي الأسماء، و (إيا) عماد لها؛ لأنها لا تقوم بأنفسها (¬2). وقال أبو إسحاق: (الكاف) في (إياك) في موضع جر بإضافة (¬3) (إيا) إليها، إلى أنه ظاهر يضاف إلى سائر المضمرات. (¬4) وليس يصح من هذِه الأقوال إلا قول أبي الحسن (¬5). أما قول الخليل: إن (إيا) اسم مضمر مضاف فظاهر الفساد؛ وذلك أنه إذا ثبت أنه مضمر فلا سبيل إلى إضافة؛ لأن الغرض في الإضافة التعريف والتخصيص، والمضمر على نهاية الاختصاص فلا حاجة به إلى الإضافة، فهذا يفسد قول الخليل والمازني جميعا (¬6). ¬
وحكاية سيبويه في إضافة (¬1) (إيا (¬2)) ليس سبيل مثله -مع قلته- أن يعترض به على السماع والقياس جميعا، ألا ترى أنه لم يسمع منهم: (إياك وإيا الباطل). وأما قول من قال: (إياك) بكماله اسم، فليس (¬3) بقوي، وذلك أن (إياك) في أن فتحة الكاف تفيد خطاب المذكر، وكسرتها تفيد خطاب المؤنث، بمنزلة (أنت) في أن الاسم هو الهمزة والنون، والتاء (¬4) المفتوحة تفيد خطاب المذكر، والمكسورة خطاب (¬5) المؤنث، فكما أن ما قبل التاء في (أنت) هو الاسم، والتاء حرف خطاب، كذلك (إيا) هو الاسم، والكاف حرف خطاب (¬6). وأما من قال: إن (الكاف والهاء والياء) (¬7) هي الأسماء و (إيا) عماد لها لقلتها، فغير مرضي أيضا وذلك أن (إيا) في أنه (¬8) ضمير منفصل بمنزلة (أنت وأنا ونحن، وهو وهي) في أن هذِه مضمرات منفصلة، كما أن (أنا وأنت) ونحوهما مخالف للفظ المرفوع المتصل نحو (التاء) في قمت، و (النون) في ¬
قمنا، و (الألف) في قاما، و (الواو) في قاموا، بل هي ألفاظ أخر (¬1) غير ألفاظ الضمير المتصل، وليس شيء منها معمودًا به شيء من الضمير المتصل بل هو قائم بنفسه، فكذلك (إيا) مضمر (¬2) منفصل، ليس معمودًا به غيره، كما أن (التاء) في (أنت) وإن كانت بلفظة (التاء) في (قمت)، فليست اسما مثلها (¬3)، بل الاسم قبلها وهو (أن)، وهي بعده للخطاب، وليست (¬4) (أن) عمادا للتاء (¬5)، فكذلك (إيا) هي الاسم، وما بعدها يفيد الخطاب تارة، والغيبة تارة، والتكلم (¬6) أخرى، وهذا محض القياس. وأما قول أبي إسحاق: وإن (إيا) اسم مظهر، خص بالإضافة إلى المضمر (¬7) ففاسد أيضًا وليست (إيا) بمظهر كما زعم، والدليل على أن (إيا) ليست باسم مظهر اقتصارهم به على ضرب واحد من الإعراب، وهو النصب، كما اقتصروا بـ (أنا وأنت) على ضرب واحد من الإعراب، وهو الرفع (¬8)، ¬
ولم نعلم اسمًا مظهرًا اقتصر به على النصب ألبتة، إلا ما كان ظرفا (¬1)، وليس (إيا) بظرف، فقد صح بما أوردناه سقوط هذِه الأقوال، ولم يبق قول يجب اعتقاده، ويلزم الدخول تحته غير قول أبي الحسن: إن (إيا) مضمر، وإن (الكاف) بعده ليست اسمًا، وإنما هي للخطاب، بمنزلة (كاف) ذلك، وأرأيتك (¬2) وأبصرك زيدا، وليسك عمرا (¬3)، والنجاءك (¬4). فإن قيل: إذا كانت (الكاف) في إياك ليست اسمًا فكيف تقولون في (الهاء) و (الياء) في (إياه وإياي)؟ (¬5). قلنا: هما مثل الكاف، وإنما اختلف ما بعد (إيا) لاختلاف أعداد المضمرين وأحوالهم من الحضور والمغيب، ولسنا (¬6) نجد حالا سوغت هذا المعنى للكاف، وانكفت غير (¬7) (الهاء والياء) (¬8). وقد وجدنا غير (الكاف) ¬
لحقه من سلب الاسمية وإخلاصه للحرفية (¬1) ما لحق (الكاف)، وهي (التاء) في أنت و (الألف) في قول من قال: قاما أخواك (¬2)، و (الواو) في: قاموا إخوتك، و (النون) في: قمن الهندات، ألا ترى أن من قال: (أخواك قاما) كانت الألف عنده علامة الضمير والتثنية، وإذا قال: (قاما أخواكا) كانت الألف مخلصة للدلالة على التثنية مجردة من مذهب الاسمية، لامتناع تقدم المضمر (¬3)، وخلو (¬4) الفعل من علم الضمير بارتفاع الاسم الظاهر بعده، وكذلك الجمع والتأنيث على هذا القياس (¬5)، فلا ينكر أيضا أن تكون (الهاء) و (الياء) في ضربه وضربني على معنى الاسمية، فإذا قلت: (إياه) و (إياي) تجردتا من معنى الاسمية، وخلصتا (¬6) لدلالة الحرفية، فاعرف هذا، فإنه من لطيف ما تضمنه هذا الفصل (¬7)، وهذا الذي ذكرنا كلام أبي علي وأبي الفتح (¬8). واعلم: أن الضمير ينقسم إلى ثلاثة أقسام (¬9): ظاهر منفصل، وظاهر ¬
متصل، ومستكن، وهو على ثلاثة (¬1) أوجه: ضمير المرفوع، وضمير المنصوب، وضمير المجرور، وكل واحد منها على وجهين: متصل ومنفصل، إلا ضمير المجرور، فإنه متصل، ولا منفصل له. أما ضمير المرفوع المتصل فنحو (تاء) فعلت وفعلت، وتثنيتهما، وجمعهما وتأنيثهما. وأما ضمير المرفوع المنفصل فنحو (أنا وأنت وهو) وتثنيتها وجمعها، وتأنيثها (¬2). وأما ضمير المنصوب المتصل فنحو (ياء) ضربني، و (كاف) ضربك و (هاء) ضربه (¬3)، وتثنيتها وجمعها وتأنيثها (¬4). وأما ضمير المجرور المتصل فنحو (ياء) بي، و (كاف) بك و (هاء) به، ولا منفصل له. وأما المستكن فهو ما كان مستكنا في الفعل كقولك: قعد، وقام، فالضمير (¬5) مستفاد من الفعل وإن لم يصرح به، لأن الفعل لا يقوم إلا بفاعل. واعلم: أن (إيا) مبنية على السكون؛ لأن فيها شبه الحرف، فهي مثل (أنت، وأنا، وهو) وهذِه كلها مبنية لشبه الحرف، والألف في آخرها غير ¬
منقلبة مثل ألف (لا) و (ما) و (حتى) و (كلا) (¬1). قال أبو الفتح: وحكى لي حاك عن أبي إسحاق قال (¬2): سمعته يقول وقد سئل عن معنى قوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} ما تأويله؟ فقال: حقيقتك نعبد، قال: واشتقاقه من الآية، وهي العلامة، قال (¬3): وهذا القول عندي من أبي إسحاق غير مرضي، وذلك أن جميع (¬4) الأسماء المضمرة مبني غير مشتق نحو: (أنا وأنت وهو وهي) وقد قامت الدلالة على كون (إيا) اسما مضمرًا (¬5)، فيجب أن لا يكون مشتقا (¬6). فإن قلت: فما مثال (إيا) من الفعل؟ فإن المضمر لا ينبغي أن يمثل؛ لأنه غير مشتق ولا متصرف (¬7). وقال صاحب "النظم" (¬8): معنى (إيا) الاختصاص، وقول القائل: (إياك ضربت) يعني: أن الضرب اختص بك وأردتك به، ولهذا وضعت العرب ¬
(إياك) في موضع التحذير لما فيه من تأويل الاختصاص، فقالوا: إياك والأسد، أي: احفظ نفسك واحذر الأسد، ومنه قول الشاعر: فإياك والأمر الذي إن توسعت ... موارده ضاقت عليك المصادر (¬1) وربما قالوا: إياك الأسد، بلا (واو)، قال (¬2) الشاعر: عليك القصد فاقصده برفق ... وإياك المحاين أن تحينا (¬3) فمن حذف (الواو)، فمعناه احذر على نفسك الأسد، وصن (¬4) نفسك منه. وهذا الضمير (¬5) يستعمل مقدما ولا يستعمل مؤخرا، إلى أن يفصل بينه وبين الفعل، فيقال: ما عنيت إلا إياك. قال أبو بكر (¬6): وقوله: {إِيَّاكَ} بعد (¬7) قوله: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} (¬8) ¬
[الفاتحة: 4] رجوع من الغيبة إلى الخطاب، والعرب تفعل ذلك كثيرًا، وهو نوع من البلاغة والتصرف في الكلام (¬1)، ومثله قوله: {وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا} [الإنسان: 21] ثم قال: {إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً} [الإنسان: 22] وقال الأعشى: عنده البر والتقى وأسا الصد ... ع وحمل لمضلع الأثقال ووفاء (¬2) إذا أجرت فما غر ... ت حبال وصلتها بحبال (¬3) وأنشد أبو عبيدة (¬4): يا لهف نفسي كان جدة خالد ... وبياض وجهك للتراب الأعفر (¬5) وقال كثير (¬6): ¬
أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة ... لدينا ولا مقلية إن تقلت (¬1) وقوله تعالى: {نَعْبُدُ} معنى العبادة: الطاعة مع الخضوع والتذلل، وهو جنس من الخضوع، لا يستحقه إلى الله عز وجل، وهو خضوع ليس فوقه خضوع، وسمي العبد عبدا لذلته وانقياده لمولاه، ويقال: طريق معبد، إذا كان مذللا موطوءا (¬2) بالأقدام (¬3)، وهو في شعر طرفة (¬4). وقوله تعالى: {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} قال أبو بكر: وإنما كرر (إياك) للتوكيد، كما تقول: بين زيد وبين عمرو خصومة، فتعيد (بين) (¬5). قال: ولأن كل واحد من الفعلين يطلب مفعولا على حدته، ولو أخر المكنيان (¬6) إلى ¬
موضعهما بعد الفعل لقيل: (نعبدك ونستعينك) فلما كان كل واحد من الفعلين يقع على (الكاف) (¬1) في تأخرها وقع على (إياك) في تقدمه (¬2). والقول هو الأول (¬3)؛ لأن العرب إذا جمعت فعلين واقعين اكتفت بوقوع أحدهما من وقوع الآخر، فيقولون: قد أكرمتك وألطفت (¬4). قال الله تعالى: {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى} [الضحى: 3] أراد (وما قلاك) فاكتفى بوقوع الأول من وقوع الثاني (¬5). ويقال: لم قدم ذكر العبادة على المعونة، وإنما المعونة بها تكون العبادة؟ والجواب: أن الواو عند النحويين لا توجب ترتيبا (¬6)، وإنما هي للجمع (¬7)، يدل على ذلك أنه لو اتفقت الأسماء لم ¬
6
نحتج (¬1) إليها، لا تقول: قام زيد وزيد، ولكن قام الزيدان. فكما لا يوجب (قام الزيدان) ترتيبا، كذلك لا يوجب قام زيد وعمرو ترتيبا، وسنقضي حق الواو، والكلام فيها في موضع آخر إن شاء الله. 6 - قوله تعالى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} قال الأصمعي: هداه في الدين يهديه هدى (¬2)، وهداه يهديه هداية، إذا دله على الطريق (¬3). وأصل الهداية في اللغة: الدلالة. وهوادي الخيل والوحش التي تتقدم للدلالة (¬4). قال عبيد (¬5) يذكر الخيل (¬6): وغداة صبحن الجفار عوابسا (¬7) ... تهدى أوائلهن شُعثٌ شزَّبُ (¬8) ¬
هذا هو الأصل، ثم سمي كل متقدم هاديا وإن لم يتقدم للدلالة (¬1). ومنه: كأن دماء الهاديات بنحره (¬2) يريد أوائل الوحش ومتقدماتها. وتسمى العنق هادية لتقدمها على البدن، ويقال: أقبلت هوادي الخيل إذا بدت أعناقها؛ لأنها أول شيء من أجسادها (¬3). وقول طرفة: للفتى عقل يعيش به ... حيث تهدي ساقه (¬4) قدمه (¬5) أي: حيث تقودها قود الدليل. وسمى الأعشى العصا هاديا (¬6) في قوله: إذا كان هادي الفتى في البلاد ... صدر القناة أطاع الأميرا (¬7) ¬
إما لأنها تتقدمه، وإما لأنها تدله على الطريق، والتقدم في هذا راجع إلى (¬1) الهداية، لأن من دلك (¬2) على الطريق تقدمك، ثم سمي المتقدم هاديا وإن لم يدل (¬3). والفعل من (الهدى) (¬4) يتعدى إلى مفعولين، ويتعدى إلى الثاني بأحد حرفي جر (إلى) و (اللام (¬5)) كقوله: {فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ} (¬6) [الصافات: 23]، وقوله: {وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ} [ص: 22]، وقوله: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا} [الأعراف: 43]، وقوله: {قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ} [يونس: 35]. ومثل هذا في التعدي (¬7) (الإيحاء) (¬8) قال الله تعالى: {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ} [النحل: 68]، وقال: {بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (5)} [الزلزلة: 5]. وقد يحذف حرف الجر من المفعول الثاني في (الهدى) فيصل الفعل إليه بغير حرف جر (¬9). كقوله: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} [الفاتحة: 6]. ومعناه: دلنا عليه، واسلك بنا فيه (¬10). ¬
ويقال: ما معنى سؤال المسلمين الهداية في قولهم: (اهدنا) وهم مهتدون؟ والجواب عنه من وجوه: أحدها: أنه قد تعرض للعارف شبه ينتقل بها إلى الجهل، فيحسن أن يسأل اللطيفة التي يتمسك معها بالمعرفة (¬1)، ولا ينتقل إلى الجهالة. والثاني: أنهم لما كانوا لا يعلمون ما يكون منهم في المستأنف، حسن أن يسألوا الهداية على (¬2) وجه التثبيت لما هم عليه من الحق، وقد تستعمل الهداية لا من الضلالة كما قال الحطيئة لعمر رضي الله عنه: فلا تُعْجِلَنِّي هداك المليكُ ... فإنَّ لكلِّ مَقَامٍ مَقَالا (¬3) لم يرد من ضلالتك؛ لأنه لو أراد ذلك قد هجاه، ولكنه على معنى التوفيق و (¬4) التثبيت (¬5). وقال بعض أصحابنا: يجوز أن يحمل على سؤال الهداية ابتداء فيما ¬
يستقبل؛ لأن الهداية عرض لا يبقى، فهو يسأل أن (¬1) يخلق له أمثالها (¬2). وقال بعضهم: هذا سؤال، واستنجاز لما وعدوا به في قوله: {يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ} [المائدة: 16]. وقوله تعالى: {الصِّرَاطَ} [الفاتحة: 6] (¬3)، فيه لغات قد قرئ بها: السين، والصاد، والزاي، وإشمام (¬4) الصاد الزاي (¬5). فمن قرأ بالسين فإنه يقول: هو أصل الكلمة؛ لأنه من الاستراط بمعنى: الابتلاع (¬6)، فالسراط يسترط السابلة (¬7). ولو لزم لغة من يجمعها صادا مع (الطاء (¬8)) لم يعلم (¬9) ما أصل الكلمة (¬10). ويقول من يقرأ بالصاد: إنها أخف ¬
على اللسان، لأن (الصاد) حرف مطبق كـ (الطاء) فيتقاربان ويحسنان في السمع، والسين حرف مهموس فهو أبعد من الطاء (¬1). ويقول من قرأ بالزاي: أبدلت منها حرفًا مجهورًا (¬2) حتى يشبه (الطاء) في الجهر، ورمت الخفة، ويحتج بقول العرب: (زقر) في (صقر) (¬3). ويقول من قرأ بالمضارعة (¬4): رمت الخفة، ولم أجعلها (زايا) خالصة، ولا (صادا) خالصة، فيلتبس أصل الكلمة بأحدهما (¬5). قال ابن السراج (¬6): الاختيار (الصاد) للخفة والحسن في السمع، وهو غير ملتبس، لأن (السين) كأنها مهملة في الاستعمال مع (¬7) (الطاء) عند من (الصاد) لغته، ومع ذلك فهي قراءة الأكثر. وأما (الزاي) الخالصة فليست (¬8) بمعروفة (¬9)، ولست أحب أن تحمل القراءة على هذِه اللغة. وأما المضارعة (¬10) فهو تكلف حرف بين حرفين، وذلك أصعب على ¬
اللسان؛ لأنه إنما استعمل في هذِه الحال فقط، وليس هو حرفا تبنى عليه الكلمة، ولا هو من حروف المعجم. وقال صاحب "الحجة" (¬1): الحجة لمن قرأ بالصاد: أن (¬2) السين مضارعة لما أجمعوا على رفضه من كلامهم، ألا ترى أنهم تركوا إمالة (واقد) ونحوه كراهة أن يصعدوا بالمستعلي بعد التسفل (¬3) بالإمالة. فكذلك يكره (¬4) أن يتسفل (¬5) بالسين (¬6) ثم يتصعد (¬7) بالطاء في (سراط)، وإذا كانوا قد أبدلوا من (السين) (الصاد) مع القاف في: (صقت وصويق) (¬8) ليجعلوها في استعلاء (القاف) (¬9)، فلأن يبدلوا منها (الصاد) مع (الطاء) ¬
أجدر (¬1) من حيث كانت (الصاد) إلى (الطاء) أقرب منه إلى (القاف) (¬2). ألا ترى أنهما جميعا من حروف طرف اللسان وأصول الثنايا (¬3). وأن (¬4) من يقول: (صويق) و (صقت)، إذا قال: (قست وقست) (¬5) لم يبدل (الصاد) من (¬6) (السين)، لأنه الآن ينحدر بعد الإصعاد، وهذا يستخف ولا يستثقل كما استثقل عكسه. واحتجاجهم بأن (السين) هو الأصل، قلنا: قد يترك ما هو الأصل في كلامهم إلى ما ليس بأصل؛ طلبا لاتفاق الصوتين (¬7). ألا تراهم قالوا: (شنباء)، و (من بكر) (¬8) فلم يبينوا (¬9) (النون) التي هي الأصل في ¬
(الشنب) (¬1)، و (من عامر) (¬2)؟ لما أرادوا أن يوفقوا بين الصوتين (¬3). فكما تركوا الأصل ههنا طلبًا للمشاكلة، كذلك يترك الأصل في (صراط) (¬4) فتترك السين (¬5) ويختار إبدال الصاد من السين. وأما القراءة (بالزاي) فليس بالوجه، وذلك أن من قال في: (أصدرت): (أزدرت) وفي (القصد): (القزد) (¬6) فأبدل (¬7) من (الصاد الزاي)، فإنه إذا تحركت (الصاد) في نحو (¬8) (صدرت) و (قصدت (¬9)) لم يبدل، فإذا لم يبدلوا (الصاد) (زايا) إذا تحركت مع (الدال)، وكانت (الطاء) في (الصراط) مثل الدال في (القصد) (¬10) في الجهر (¬11)، فكذلك ينبغي ألا يبدل من (السين) (الزاي) في (سراط)، من أجل (الطاء)، لأنها قد تحركت ¬
كما تحركت في (قصدت) (¬1) مع أن بينهما في (سراط) حاجزين (¬2). ومما يحتج (¬3) من أخلص (الصاد (¬4)) على من ضارع بها (الزاي (¬5)) أن يقول: إن الحرف قد أعل مرة بالقلب، فلا تستقيم المضارعة؛ لأنها إعلال آخر، وقد رأيتهم كرهوا الإعلال في الحرفين إذا تواليا، فإذا لم يوالوا بين إعلالين في حرفين مفترقين (¬6)، فألا (¬7) يوالوا بين إعلالين في حرف واحد أجدر (¬8). مثاله (¬9) أنهم حذفوا النون من نحو (بلعنبر) و (بلحرث (¬10))، ولم ¬
يحذفوا من (بني النجار) (¬1) مع توالي النونات حيث كانت (اللام) قد أعلت بالقلب (لئلا يتوالى إعلالان: [الحذف والقلب] (¬2)، وإن كانا من كلمتين مفترقتين (¬3)، فإذا كره في هذا النحو، كان توالي إعلالين في حرف واحد أبعد (¬4). قوله تعالى: {الْمُسْتَقِيمَ}: (الاستقامة) في اللغة: الاستواء، يقال: قام إذا استوى منتصبا، وأقامه: إذا سواه، وقاومه إذا ساواه في القوة. وقيمة الشيء ما يساويه من ثمنه، ومعنى الاستقامة استمرار الشيء في جهة واحدة (¬5). وأما تفسير {الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} فروى علي وابن مسعود رضي الله عنهما عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "الصراط المستقيم: كتاب الله عز وجل" (¬6). ¬
وقال جابر ومقاتل: (هو الإسلام) (¬1). وعن أبي العالية الرياحي (¬2)، قال: هو طريق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصاحبيه من بعده أبي بكر وعمر) (¬3). ¬
7
وقال بكر بن عبد الله المزني (¬1): رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المنام فسألته عن الصراط المستقيم، فقال: "سنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي" (¬2). قال أهل المعاني: إنما وصف الدين الحق (¬3) بأنه الصراط المستقيم؛ لأنه يؤدي إلى الغرض المطلوب من رضاء الله تعالى والخلود في النعيم المقيم، كما أن الصراط المستقيم يؤديك إلى مقصودك (¬4). 7 - قوله تعالى: {صِرَاطَ الَّذِينَ}: (صراط) بدل من (الصراط) ¬
الأول (¬1)، وهو بدل الشيء من نفسه في المعنى (¬2)؛ لأن {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} هو {الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} بعينه، وهو كقولك: جاءني أبوك زيد، فزيد هو الأب بعينه، وهو من بدل (المعرفة من المعرفة)، وللبدل باب معروف يذكر فيه وجوهه (¬3). وقوله: {الَّذِينَ} النحويون يسمون (الذي والتي) وتثنيتهما، وجمعهما: الأسماء الموصولة، والأسماء النواقص، والأسماء المبهمة، وذلك لأنها (¬4) أسماء لا تتم إلا بصلاتها، إما من مبتدأ وخبر (¬5)، أو فعل وفاعل، أو ظرف، أو شرط وجزاء (¬6) كقولك: جاءني الذي أبوه منطلق، والذي قام أبوه، والذي عندك، والذي إن تأته يأتك. ولا بد أن يكون في صلة (الذي) ضمير يرجع (¬7) إليه، وإلا فسد الكلام (¬8). و (الذين) لا يظهر فيه ¬
الإعراب (¬1)، تقول (¬2) في الرفع والنصب والجر: (الذين) وكذلك (الذي) وإنما منع الإعراب؛ لأن الإعراب إنما يكون في أواخر الأسماء، و (الذين) من المبهمات لا تتم إلا بصلاتها، فلذلك منعت الإعراب (¬3). فإن قيل فلم أعربته في التثنية؟. قيل: إن جميع ما لا يعرب في الواحد مشبه بالحرف الذي جاء لمعنى، فإذا ثنيته بطل شبه الحرف؛ لأن حروف المعاني لا تثنى (¬4). فإن قيل: فلم منعته الإعراب في الجمع؟ قيل: الجمع الذي ليس على حد (¬5) التثنية كالواحد، ألا ترى أنك تقول في جمع (¬6) هذا: هؤلاء، فتجعله اسما واحدا للجمع (¬7). فكذلك قوله (¬8): {الَّذِينَ} إنما هو اسم لجمع، فبنيته كما بنيت (¬9) الواحد، ونظير (الذي) (هذا)، فإنك لا تعربه ثم تعرب (هذين) ثم تترك الإعراب في (هؤلاء) (¬10). ¬
قال أبو إسحاق: وأصل (الذي)، (لذ) على وزن (عم)، كذلك قال سيبويه والخليل والأخفش (¬1). وأما الألف واللام فيه (¬2)، فقال أبو الفتح الموصلي (¬3): (الألف واللام) في (الذي) و (التي) وبابهما (¬4) زيادة، ويدل على زيادتهما وجود أسماء موصولة مثلها معراة من (الألف واللام)، وهي مع ذلك معرفة، وتلك: (من) و (ما) و (أي) (¬5). ويدل على ما قلنا: أن (الذي) إنما تعرفه (¬6) بصلته دون (اللام) التي فيه، فبان أن (¬7) (اللام) زائدة، إلى أنها (¬8) زيادة لازمة لا يجوز (¬9) حذفها (¬10). فإن قيل: وما كانت الحاجة إلى زيادة (اللام) (¬11) حتى إنها لما زيدت ¬
لزمت؟ قيل: إن (الذي) (¬1) إنما وقع في الكلام توصلا إلى وصف المعارف بالجمل، وذلك أن الجمل نكرات. ألا ترى أنها تجري أوصافا على النكرات، نحو (¬2): مررت برجل أبوه زيد، ونظرت إلى غلام قامت أخته. فلما أريد مثل هذا في المعرفة لم يمكن أن يقول (¬3): مررت بزيد أبوه كريم، على أن تكون الجملة وصفا لزيد (¬4)، ولم يمكن (¬5) إذا أرادوا وصف المعرفة بالجمل أن يدخلوا اللام على الجملة، لأن اللام من خواص الأسماء، فجاؤوا بـ (الذي) متوصلين به إلى وصف المعارف بالجمل، وجعلوا (¬6) الجملة التي كانت صفة للنكرة صلة لـ (الذي) فقالوا: مررت بزيد الذي أبوه منطلق، فألزموا (اللام) هذا الموضع لما أرادوا التعريف للوصف، ليعلموا أن الجملة قد صارت وصفا لمعرفة (¬7)). (¬8) ¬
وبيان ما ذكرنا (¬1) من الآية أن معنى قوله: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} صراط القوم الذين أنعمت عليهم، ولو أريد وصف القوم (بأنعمت عليهم) لم يسهل، لأنه يصلح وصفا للنكرة (¬2)، فيصح في الكلام أن يقول: (¬3) (صراط قوم أنعمت عليهم) فلا يصلح أن يكون وصفا للمعرفة، فلما أريد ذلك (¬4) توصلوا إلى ذلك بـ (الذي). جاءوا (¬5) بالحرف الذي وضع للتعريف (¬6)، فأولوه (الذي) (¬7) ليحصل لهم بذلك لفظ التعريف الذي قصدوه، ويطابق اللفظ المعنى الذي حاولوه (¬8). وقوله تعالى: {أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ}، إنعام الله تعالى: مَنُّه (¬9) وعطاؤه، و (النعمة) بالكسر اسم من أنعم الله عليه إنعاما ونعمة، أقيم الاسم مقام الإنعام، كما يقال: أنفق إنفاقا ونفقة (¬10). ¬
وقوله تعالى: {عَلَيْهِمْ} يجوز كسر (الهاء) فيه وضمه (¬1). فمن كسر فلأن الياء أخت الكسرة وبعضها، على معنى أنها تتولد من الكسرة، ألا ترى أن (الياء) كسرة مشبعة، كما أن (الواو) ضمة مشبعة، والألف فتحة مشبعة، وإذا كان كذلك فلو انكسر ما قبل (الهاء) وجب كسرها نحو: (بهم) و (من دونهم) وكذلك (عليهم وفيهم) وذلك أن إتباع (الياء) التي هي أخت الكسرة بالكسرة أولى من إتباعه بالضمة، لثقل الانتقال من الكسرة إلى الضمة. ألا ترى أنه ليس في كلامهم (فِعُل)، ولأن هذِه (الهاء) في (عليهم) هي التي في (عليه) وفي (عليه) كسر، لأن الأصل كان (عليهو (¬2)) كقولك (¬3) ضربته (¬4). زعم (¬5) سيبويه أن (¬6) (الواو) زيدت على (الهاء) في المذكر، كما زيدت (الألف) في (¬7) المؤنث ليستويا في باب الزيادة. ¬
قال الزجاج: و (¬1) القول في هذِه (الواو (¬2)) أنها زيدت لخفاء (الهاء)، وذلك أن (الهاء) تخرج من أقصى الحلق (¬3)، و (الواو) حرف مد ولين، تخرج (¬4) من طرف الشفتين (¬5)، فإذا زيدت (الواو) بعد (الهاء) أخرجتها من الخفاء، وتسقط في (¬6) الوقف، كما تسقط الضمة والكسرة، ولأنها (واو (¬7) وصل) فلو ثبتت لالتبس (¬8) بالأصل. فإذا قلت: مررت به، قلبت (¬9) الواو (ياء) لانكسار ما قبلها (¬10) أعني (الباء) (¬11)، و (الهاء) لا يعتد به حاجزا حصينا ¬
لخفائه، فكأن (¬1) الكسرة تلي (الواو)، ولو كانت (الهاء) حاجزا حصينا ما زيدت (الواو) عليها. وبهذه (¬2) العلة كسرت الهاء في (عليه) وكان الأصل (عليهو) (¬3) فقلبت (¬4) الواو (ياء) (¬5) للياء التي قبلها ثم حذفت (¬6) لسكونها، وسكون الياء قبل الهاء، والهاء ليس بحاجز، فإذا كسر في (عليه) أقر على الكسر في (عليهم) إذ (¬7) كانت العلة واحدة (¬8). ومن ضم (الهاء) فقال: كان الأصل (عليهو) فحذفت الواو لسكونها وسكون (الياء) وبقيت الضمة لتدل على الواو (¬9). وأما حمزة (¬10) فإنه يقرأ: (عليهم) و (إليهم) و (لديهم) بالضم في هذِه الثلاثة (¬11) وحجته (¬12): أن هذِه الحروف إن وليهن ظاهر صارت (ياءاتهن) ¬
ألفات، نحو: على زيد، وإلى عمرو، ولدى بكر (¬1)، ولا يجوز كسر (الهاء) إذا كان قبلها ألف (¬2)، فلما كان الأصل في هذِه (الياءات) الألف اعتبره حمزة فيها الأصل (¬3) دون الرسم والخط (¬4). فإن قيل: ينقض هذا بالواحد والتثنية (¬5)؟ قلنا: لا ينقض، لأنه أراد أن يخالف بين بناء الواحد والتثنية، وبين بناء الجمع، وذلك أن الجمع يخالفهما في البناء في أكثر الأمر، ألا ترى أنك تقول: رجل ورجلان، وحمار وحماران، ثم تقول في الجمع: رجال وحمر، فاتفق بناء الواحد والتثنية، وخالف بناء الجمع بناءها، فلهذا ضم الهاء في (عليهم ولديهم وإليهم (¬6)) ولم يضم في (عليه وعليهما). وأما من (¬7) ضم من القراء كل هاء قبلها (ياء) ساكنة نحو: فيهم ¬
ويأتيهم (¬1)، فحجته إجماعهم على ضمها إذا كان قبلها حرف ساكن سوى الياء، نحو (عنهم ومنهم) فكذلك الياء. هذا هو الكلام في (الهاء). فأما (الميم) فأهل (¬2) الحجاز يضمون (ميم) كل جمع حتى يلحقوا بها (واوا) (¬3) في اللفظ (¬4)، وحجتهم: أن أصلها أن تكون مقرونة (بواو) في اللفظ والخط، لأن أكثر جموع المذكورين بالواو في الفعل (¬5) والاسم، نحو: فعلوا (¬6) (¬7) ويفعلون ومسلمون وصالحون، فعاملوا المكني معاملة الأسماء الظاهرة المجموعة و (¬8) الأفعال من إلحاق الواو بها (¬9). والدليل على أن الأصل فيه ما ذكرنا، إجماعهم على إثبات الواو في اللفظ بعد الميم عند اتصاله بالمكني (¬10)، كقوله: {أَنُلْزِمُكُمُوهَا} [هود: 28] و {وَاتَّخَذْتُمُوهُ} [هود: 92]. ¬
وأما من أسكن الميم (¬1)، فحجته: خط المصاحف، وذلك أن هذِه الواوات حذفت من الخط اقتصارًا على الميم، واكتفاءً بها من علامة الجمع كما حذفت ياء الإضافة من الأسماء والأفعال اقتصارا على الكسرة والنون التي قبلها (¬2). وقال ابن السراج (¬3): إنما أسكنوا لأنه قد أمن اللبس، إذ كانت (الألف) في التثنية قد دلت على الاثنين، ولا (ميم) في الواحد، فلما لزمت (الميم) الجمع حذفوا (الواو) وأسكنوا (الميم) طلبا للتخفيف، إذ كان لا يشكل (¬4). وروى ورش (¬5) عن نافع (¬6) ضم الميم ووصلها بواو إذا (¬7) استقبلها ¬
همزة (¬1)، ومذهبه حذف الهمزة ونقل حركتها [إلى الساكن قبلها، فلما احتاج إلى تحريك الميم حركها (¬2)] (¬3) بالحركة التي كانت لها في الأصل وهي (الضمة)، فلما أشبع ضمتها تولدت منها (واو)، فاحتاج إلى مدها لاستقبال الهمزة إياها (¬4). وأيضا فإنه لو نقل فتحة الهمزة إلى ميم الجمع عند استقبال الهمزة المفتوحة نحو: {عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ} (¬5) [البقرة: 6] وما أشبهه، لأشبه التثنية، فلما مدها عند الهمزة المفتوحة ولم ينقل حركتها إليها مخافة الالتباس فعل ذلك به عند الهمزة المضمومة والمكسورة؛ لئلا يختلف الطريق عليه (¬6). وكان حمزة والكسائي يضمان (¬7) (الهاء) و (الميم) عند ألف الوصل (¬8) نحو: {عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ} [البقرة: 61] و {إِإِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ} [يس: 14] و {مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ} [القصص: 23] وحجتهما أنه لما احتيج إلى تحريك (الميم) لالتقاء الساكنين كان تحريكها بحركة الأصل، وهي الضم أولى (¬9)، ثم أتبعت الهاء ¬
ضمة الميم استثقالًا للخروج من الكسر إلى الضم (¬1). وكان أبو عمرو (¬2) يكسرها عند ألف الوصل؛ لأنه يكسر الميم على أصل تحريك الساكن بالكسر إذا لقيه ساكن آخر، ويكسر الهاء بتبع الكسر لثقل الضم بعد الكسر (¬3). وأما من كسر (الهاء) وضم (الميم) عند ألف الوصل (¬4)، فإنه يقول: لما احتجت إلى حركة الميم رددته إلى أصله، فضممت وتركت الهاء على كسرها، لأنه لم تأت ضرورة تحوج (¬5) إلى ردها إلى الأصل (¬6). فأما التفسير: فقال ابن عباس: {الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} [الفاتحة: 7]: هم قوم موسى وعيسى قبل أن يغيروا نعم الله عز وجل (¬7). وقال عكرمة: أنعمت عليهم بالثبات على الإيمان والاستقامة (¬8). ¬
وقيل: هم الذين ذكرهم الله في قوله (¬1) سبحانه: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ} [النساء: 69]. وقال ابن جرير: في الآية اختصار، معناه: صراط الذين أنعمت عليهم بالهداية إلى الصراط. والعرب تحذف من الكلام إذا كان في الباقي دليل عليه (¬2). وستمر بك أشباه لهذا كثيرة. وقوله تعالى: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} (غير) (¬3) ينخفض على ضربين (¬4): على البدل من (الذين)، ويستقيم أن يكون صفة (الذين). و (غير) نكرة، وجاز (¬5) أن يقع هاهنا صفة لـ (الذين)، لأن الذين هاهنا ليس بمقصود قصدهم (¬6)، فهو بمنزلة قولك: إني لأمرُّ بالرجل مثلك فأكرمه. ¬
ويجوز (النصب) على ضربين: على الحال، والاستثناء (¬1)، أما الاستثناء: فكأنك قلت: إلا المغضوب عليهم، وهو (¬2) استثناء الشيء من غير جنسه، وحق (غير) في الاستثناء النصب إذا كان ما بعد (إلا) منصوبا (¬3). وأما الحال: فكأنك قلت: (صراط الذين أنعمت عليهم لا مغضوبا عليهم). قال ابن السراج (¬4): ويجوز عندي النصب على (¬5) (أعنى). وقد حكي عن الخليل نحو هذا، أنه أجازه على وجه (¬6) القطع من الأول، كما يجيء المدح. ولمن نصب أن يقول (¬7): (غير) نكرة وكرهت أن أصف بها المعرفة. ¬
والاختيار الكسر (¬1). ولا يلزم وصف المعرفة بالنكرة؛ لأن حكم كل مضاف إلى معرفة (¬2) أن يكون معرفة، وإنما تنكرت (غير) و (مثل) مع إضافتهما إلى المعارف من أجل معناهما، وذلك أنك إذا قلت: رأيت غيرك، فكل شيء يرى سوى المخاطب هو غيره (¬3)، وكذلك إذا قال: رأيت مثلك، فما هو مثله لا يحصى، يجوز أن يكون مثله في خلقه، وخلقه، وفي جاهه، وفي نسبه، وفي علمه، فإنما صارا (¬4) نكرتين من أجل المعنى. فأما إذا كان شيء معرفة له ضد واحد، وأردت إثباته ونفي ضده، وعلم السامع (¬5) ذلك الضد فوصفته بـ (غير) وأضفت (غير (¬6)) إلى ضده، فهو معرفة، وذلك نحو قولك: عليك بالحركة غير السكون، فغير السكون معرفة، وهو (¬7) الحركة، فكأنك كررت الحركة تأكيدا. وكذلك قوله: {أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} فغير المغضوب عليهم، هم الذين أنعم عليهم، لأن من أنعم عليه بالإيمان، فهو غير مغضوب عليه، فهو مساو له في معرفته، ومتى كانت (غير) بهذِه الصفة، وقصد هذا ¬
القصد فهي معرفة (¬1). وكذلك لو عرف إنسان بأنه مثلك في ضرب من الضروب لقيل فيه (¬2): قد جاء مثلك، لكان معرفة، إذا أردت المعروف بشبهك (¬3)، والمعرفة والنكرة بمعانيهما (¬4). ومن جعل (غير) بدلا استغنى عن هذا الاحتجاج (¬5)، لأن النكرة قد تبدل من المعرفة)، انتهى كلام ابن السراج (¬6). قال صاحب (¬7) "الحجة": أما الخفض في (¬8) (غير) فعلى البدل أو الصفة، والفصل بين البدل والصفة في قول سيبويه (¬9) إن البدل في تقدير تكرير العامل، بدلالة (¬10) حرف الجر في قوله سبحانه: {قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا ¬
مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ} (¬1) فهو يفارق الصفة من هذا الوجه (¬2). وأيضًا (¬3) فإن النكرة تبدل من المعرفة، والمظهر من المضمر (¬4)، وهذا مما لا يجوز في الصفة، لا يجوز وصف المعرفة بالنكره، ولا وصف المضمر بالظاهر (¬5). وكما أعيدت اللام الجارة في البدل (¬6)، فكذلك يكون العامل الناصب (¬7) والرافع في تقدير التكرير. ويشترك البدل مع الصفة في أن كل واحد منهما تبيين (¬8) للأول (¬9). ¬
فمن جعل (¬1) (غير) في الآية (¬2) بدلا، كان تأويله بيِّنًا، وذلك أنه لا يخلو من أن يجعل (غير (¬3)) معرفة (¬4) أو نكرة. فإن جعله معرفة فبدل المعرفة من المعرفة سائغ (¬5)، وإن جعله نكرة فبدل النكرة من المعرفة مشهور (¬6). وأما من قدر (غير) صفة و (الذين (¬7) فإنما جاز أن يصف (الذين) بـ (غير) (¬8) من حيث لم يكن (الذين) مقصودا قصدهم (¬9). فصار مشابها للنكرة، من حيث اجتمع معه في أنه لم يرد به شيء معين. ونظير ذلك مما دخله (الألف واللام)، فلم يختص بدخولهما عليه (¬10)، ¬
لما لم يكن مقصودا قصده (¬1)، قولهم: قد أمر (¬2) بالرجل مثلك فيكرمني (¬3)، فوصف الرجل بمثلك لما لم يكن معينا (¬4). ومما (¬5) جاء (غير) فيه صفة (¬6) قوله: {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ} [النساء: 95] فمن رفع (غير) (¬7) كان وصفا للقاعدين، والقاعدون غير مقصود قصدهم (¬8)، كما كان قوله: {الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} كذلك. والتقدير: لا يستوي القاعدون من المؤمنين الأصحاء، والمجاهدون (¬9). وأما من نصب (غير) على الاستثناء، فإن الفراء ينكر جواز (¬10) ذلك، ¬
وقال: لو كان (غير) هاهنا منصوبا على الاستثناء كان بمعنى (سوى) فلم يجز أن يعطف عليه بقوله: (ولا (¬1)) لأن (لا) نفي وجحد، ولا يعطف بجحد إلا على جحد، ولا يجوز في الكلام استثناء يعطف عليه بجحد، كما تقول: [رأيت القوم إلا زيدا ولا عمرا، وإنما يعطف الجحد على الجحد، كما تقول:] (¬2) ما قام أبوك ولا أخوك (¬3). ومن أجاز (¬4) الاستثناء فإنه يقول: لا يمتنع دخول (لا) (¬5) بعد الحرف العاطف (¬6) لأن الاستثناء يشبه النفي، ألا ترى أن قولك: جاءني القوم إلا زيدا، بمنزلة قولك: جاءني القوم لا زيد. فيجوز أن تعطف (¬7) بـ (لا) حملا على المعنى، ويجوز أن تجعلها زيادة في هذا الوجه (¬8)، كما تجعلها زيادة في قوله: {وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ} (¬9) [فاطر: 22]. ¬
وإذا جاز دخول (لا) (¬1) مع الاستثناء لهذين الوجهين (¬2) فلا وجه لقول من أنكره (¬3). وكذلك (¬4) يجوز زيادة (لا) في قول من جعل (غير) حالا أو صفة أو بدلا. وقد دخلت (لا) زائدة في مواضع كثيرة في التنزيل وغيره، من ذلك قوله (¬5): {لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ} الآية [الحديد: 29]. والذين يجوزون زيادة (لا) يقولون: إنما تجوز إذا تقدمه نفي (¬6) كقوله: ما كان يرضى رسول الله دينهم ... والطيبان أبو بكر ولا عمر (¬7) وليس الأمر كذلك (¬8) فقد جاء زيادتهما في الإيجاب كما في النفي، قال ¬
ساعدة الهذلي (¬1): أفعنك لا برق كأن وميضه ... غابٌ تشيَّمَه (¬2) ضِرامٌ مثقَبُ (¬3) وأنشد أبو عبيدة: ويلحينني في اللهو ألا أحبه ... وللهو داع دائب غير غافل (¬4) وقال الله تعالى: {مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ} (¬5) [الأعراف: 12]، وفي الأخرى {مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ} [ص: 75] وهذا الحرف (¬6) -أعني: (لا) - يدخل (¬7) في النكرة على وجهين: أحدهما: أن يكون (¬8) زائدًا كما ذكرنا في بيت الهذلي (¬9). ¬
والآخر: أن يكون (¬1) غير زائد، فإذا لم يكن زائدا كان على ضربين: أحدهما: أن يكون (لا) مع الاسم بمنزلة اسم واحد نحو: خمسة عشر (¬2)، وذلك نحو قولهم: (غضب من لا شيء، وجئت بلا مال) فـ (لا) مع الاسم المنكور في موضع جر بمنزلة خمسة عشر (¬3). والآخر: ألا تعمل (¬4) (لا) في اللفظ، ويراد بها معنى النفي، فيكون صورتها صورة الزيادة، ومعنى النفي فيه مع ذلك صحيح، وذلك كقول النابغة: أمسى ببلدة لا عمٍّ ولا خالِ (¬5) وقال الشماخ (¬6): ¬
إذا ما أدلجت وصفت يداها ... لها إدلاج ليلة لا هجوع (¬1) وقال صاحب "النظم" (¬2): دخلت (لا) في قوله: {وَلَا الضَّالِّينَ} لمعنى من المعاني، وهو أنها منعت من ميل الوهم إلى غير ما نظم عليه الكلام، وذلك أن قوله: {وَلَا الضَّالِّينَ} معطوف على قوله: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} وفي (غير) تأويل جحد، فدخلت (لا) على الضالين، ليعلم أنها معطوفة على (غير)، ولو لم تدخل (لا) لاحتمل أن يكون قوله: (والضالين) منسوقا (¬3) على قوله: (صراط الذين أنعمت عليهم والضالين}، فلما احتمل ذلك أدخل فيه (لا) ليحسم هذا الوهم (¬4)، وهو كما قال: ما كان يرضى رسول الله فعلهم والطيبان أبو بكر ولا عمر (¬5) أدخل (لا) (¬6) في قوله: (ولا عمر)؛ لأنه لو لم يدخل لاحتمل أن يكون انقطاع القصة عند تمام قوله: (ما كان يرضى رسول الله فعلهم)، ثم ابتدأ كلاما آخر على معنى المبتدأ وخبره، فيكون معناه حينئذ: (و (¬7) الطيبان أبو ¬
بكر وعمر) أي: أنهما هما الطيبان دون غيرهما. فلما دخلت (لا) علم أن عمر داخل في المعنى الذي أضيف إلى (¬1) رسول الله من أنه لا يرضى فعلهم على تأويل، ولا يرضى -أيضا- فعلهم الطيبان أبو بكر وعمر (¬2). وأما معنى (الغضب) من الله تعالى فهو إرادة العقوبة، وتسمى العقوبة غضبا على التوسع (¬3). وإنما لم يقل (المغضوبين) كما قال: (ولا الضالين) لأن كل فعل تعدى إلى المفعول بحرف الجر فإن جمعه وتثنيته وتأنيثه في المكنى المتصل بحرف الجر (¬4)، كقولك (¬5): المأخوذ منه، والمأخوذ منهما، والمأخوذ منهم، والمأخوذ منهن. وكذلك تقول في: الممرور (¬6) به، والمقعود (¬7) عليه، والمتوجه (¬8) إليه وما أشبهها (¬9). ¬
والعلة فيه أن تمام الاسم عند ذكر المكنى، علامة التثنية والجمع والتأنيث تلحق (¬1) آخر الأسماء عند تمامها. وقال النحويون: هذا وأمثاله بمنزلة الفعل المقدم، نحو قولك: (ضرب أخواك، وضرب إخوتك) (¬2). و (عليهم) في الموضع رفع، لأنه بمنزلة اسم ما لم يسم فاعله (¬3). وقوله: {وَلَا الضَّالِّينَ} أصل الضلال في اللغة الغيبوبة، يقال: ضل الماء في اللبن إذا غاب، وضل الكافر: غاب عن المحجة (¬4). ومن هذا قوله تعالى: {أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ} [السجدة: 10] أي: غبنا فيها بالموت وصرنا ترابا وعظاما فضللنا في الأرض، ولم يتبين (¬5) شيء من خلقنا، ويقال: أضللت الشيء إذا غيبته، [وأضللت الميت إذا غيبته] (¬6) في التراب ودفنته (¬7). وقال المخبل (¬8): ¬
أضلت بنو قيس بن سعد عميدها ... وفارسها في الدهر قيس بن عاصم (¬1) فالضال هو الغائب عن الحق الزائغ عن الرشد، ويقال: ضَل يضِل، وضَل يضل لغتان، وضلِلنا وضلَلنا (¬2). فأما التفسير فروى عدي بن حاتم (¬3) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في تفسير {الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} قال: اليهود، {وَلَا الضَّالِّينَ} قال: النصارى (¬4). وروي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان بوادي القرى (¬5) على فرسه (¬6)، [فسأله ¬
رجل (¬1)] من بلقين (¬2) فقال: يا رسول (¬3) الله، من هؤلاء الذين يقاتلونك؟ قال: "المغضوب عليهم" وأشار إلى اليهود، فقال: من هؤلاء الطائفة الأخرى؟ قال: "الضالون" وأشار إلى النصارى (¬4). قال المفسرون: وتصديق هذا حكم الله عز وجل بالغضب على اليهود (¬5) في قوله: {مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ} [المائدة: 60] وحكمه على النصارى بالضلال في قوله: {وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ} [المائدة: 77] الآية، وهذا قول ابن عباس وابن مسعود ومجاهد وغيرهم (¬6). وهذا التفسير يوافق في ظاهر اللفظ قراءة من قرأ (غير) بالنصب على ¬
معنى الاستثناء (¬1)، [كأنه استثنى] (¬2) اليهود والنصارى من الذين أنعم عليهم، وكأن المسلمين (¬3) سألوا أن يهديهم طريق المنعم عليهم لا طريق اليهود والنصارى. وهذِه قراءة شاذة (¬4). وتصحيح هذا التفسير على القراءة المعروفة هو أن (¬5) المعنى: اهدنا صراط المنعم عليهم، الذين لم تغضب (¬6) عليهم ولم يضلوا (¬7). فلما وصفوا ¬
بنفي الغضب عليهم والضلال كان في ضمن ذلك (¬1) إثباتهما لغيرهم، كما تقول في الكلام: أنا غير كاذب، يجوز أن تريد بنفي الكذب عنك إثباته لغيرك ممن تخاطبه، وفي هذا حجة للقائلين بالمفهوم وفحوى الخطاب (¬2). ثم من المغضوب عليهم؟ ومن الضالون؟ (¬3) قد بينه النبي - صلى الله عليه وسلم - وذكره المفسرون (¬4). * * * ¬
المملكة العربية السعودية وزارة التعليم العالي جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية عمادة البحث العلمي التَّفْسِير البَسِيْط لأبي الحسن على بن أحمد بن محمد الواحدي (ت 468هـ) من أول سورة البقرة إلى آية (66) تحقيق د. محمد بن صالح بن عبد الله الفوزان أشرف على طباعته وإخراجه د. عبد العزيز بن سطام آل سعود ... أ. د. تركى بن سهو العتيبي الجزء الثاني
المملكة العربية السعودية وزارة التعليم العالي جامعة الإِمام محمد بن سعود الإسلامية عمادة البحث العلمي التَّفْسِيرُ البَسِيط لأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي (ت 468هـ) من أول سورة البقرة إلى آية (66) تحقيق د. محمد بن صالح بن عبد الله الفوزان أشرف على طباعته وإخراجه د. عبد العزيز بن سطام آل سعود ... أ. د. تركى بن سهو العتيبي الجزء الثاني
جامعة الإِمام محمد بن سعود إلاسلامية 1430هـ فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر الواحدي, علي بن أحمد التفسير البسيط لأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي (ت468هـ)./ علي بن أحمد الواحدي, محمد بن صالح بن عبد الله الفوزان, الرياض1430هـ. 25مج. (سلسلة الرسائل الجامعية) ردمك:4 - 857 - 04 - 9960 - 978 (مجموعة) 1 - 858 - 04 - 9960 - 978 (ج1) 1 - القرآن تفسير ... 2 - الواحدي, علي بن أحمد أ- العنوان ... ب- السلسة ديوي 22703 ... 868/ 1430 رقم الإيداع: 868/ 1430هـ ردمك 4 - 857 - 04 - 9960 - 978 (مجموعة) 1 - 858 - 04 - 9960 - 978 (ج1)
التَّفْسِيرُ البَسِيْط لأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي (ت468هـ) [2]
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ
سورة البقرة
سورة البقرة
1
تفسير (¬1) سورة البقرة بسم الله الرحمن الرحيم 1 - قوله عزّ وجلّ {الم}: إجماع النحويين أن (¬2) هذه الحروف ما دامت حروف هجاء غير معطوفة، ولا موقعة موقع الأسماء، أنها سواكن الأواخر في الإدراج والوقف، وذلك قولك (¬3): (ألف (¬4)، با تا ثا) إلى آخرها، وذلك أنها أسماء الحروف الملفوظة بها في صيغ الكلم، بمنزلة أسماء الأعداد، نحو: ثلاثة، أربعة، خمسة. ولا تجد لها رافعاً، ولا ناصباً، ولا جاراً، وإذا (¬5) جرت مجرى الحروف لم يجز تصريفها، ولا اشتقاقها (¬6)، ¬
ولا تثنيتها, ولا جمعها، كما أن الحروف كذلك. ويدلك (¬1) على كونها بمنزلة (هل، وبل، وقد، وحتى، وسوف) أنك (¬2) تجد فيها ما هو على حرفين الثاني منهما ألف نحو: (با، تا، طا) ولا تجد (¬3) في الأسماء المعربة ما هو على حرفين الثاني منهما حرف لين، إنما ذلك في الحروف نحو: (ما، ولا، ويا (¬4)، وأو، ولو، وكي، وأي) فلا تزال (¬5) هذِه الحروف هكذا مبنية غير معربة؛ لأنها أصوات بمنزلة: (صه) (¬6)، و (مه) (¬7)، و (غاق) (¬8)، و (إيه) (¬9). حتى توقعها مواقع الأسماء فتعربها حينئذٍ كما تفعل بالأسماء، وذلك قولك (¬10): أول الجيم (جيم) وآخر الصاد (دال) وأوسط الكاف (ألف) وكتبتُ جيمًا حسنةً (¬11). ¬
وكذلك العطف (¬1)، لأنه نظير التثنية، فتقول: ما هجاء بكر؟ فيقول المجيب: (باء، وكاف، وراء) فيعرب، لأنه قد عطف، فإن لم يعطف بني، فقال: (باء، كاف، را). ونظير هذِه الحروف في أنها موقوفة غير موصولة، أسماء العدد نحو ثلاثة وأربعة (¬2). وإذا أخبرت عن حروف الهجاء، أو أسماء الأعداد فقد أخرجتها بذلك عن حيز الأصوات، وأدخلتها في جملة الأسماء المتمكنة (¬3)، فاستحقت أن تعرب للإخبار عنها، فإنه لا معنى [للحرفية فيها إذا] (¬4) زال إدارة الحكاية بها، فدخل بذلك في حد [المتمكنات، وخرج] (¬5) من باب الأصوات. وكذلك العدد إذا أردت به معدودًا، ولم ترد به العدد وحده دون المعدود أعربت كقولك (¬6): ثمانية ضعف أربعة، وسبعة أكثر من أربعة بثلاثة، فأعربت هذه الأسماء ولم تصرفها لاجتماع التأنيث والتعريف فيها، ألا ترى أن (¬7) (ثلاثة) عدد معروف القدر، وأنه أكثر من اثنين بواحد، وكذلك سائر الأعداد (¬8). ¬
وأنشدوا قول أبي النجم (¬1): أقبلت من عند زياد كالخرف ... تخطّ رجلاي بخط مختلف تكتبان في الطريق لامَ الف (¬2) كأنه قال (¬3): (لام ألف) إلا أنه ألقى حركة (الهمزة) على (الميم) للوزن ولم يعرب (¬4). قال أبو إسحاق (¬5): وهذه الحروف ليست كالحروف (¬6) المتمكنة، والأفعال المضارعة التي يجب لها الإعراب، وإنما هي تقطيع الاسم ¬
المؤلف الذي لا يجب الإعراب إلا مع كماله (¬1)، فقولك: (جعفر) لا يعرب منه حرف دون تكميل الاسم. فأما قول الشاعر: كافاً وميمَين وسينًا طاسما (¬2) فإنما أعرب لأنه أجرى الحروف مجرى الأسماء. وقال يزيد بن الحكم (¬3): إذا اجتمعوا على ألف وياء (¬4) ... وواو هاج بينهم جدال (¬5) ¬
فأعرب لأنه أدخل حرف العطف، وجعلها في حكم الأسماء. ويجوز (¬1) تأنيث هذه الحروف وتذكيرها، فمن أنث فلمعنى [الكلمة. ومن ذكر فلمعنى] (¬2) الحرف (¬3). ولا محل لها من الإعراب لأنها حكايات وضعت على هذه الحروف، ولم تجر مجرى الأسماء المتمكنة، ولا الأفعال المضارعة، وإنما هي كقولهم: (غاق يا فتى) إذا حكوا صوت الغراب، فهذه الحروف وإن كانت إشارات إلى معان فلا موضع لها من الإعراب (¬4). ومن قال: إنها أسماء للسور (¬5) والقرآن، قال: محلها رفع (¬6)، كأنه ¬
قيل: هذه ألم، كما تقول: هذا زيد، أو يكون رفعًا على الابتداء، وخبره {ذَلِكَ اَلكِتَابُ} كما تقول (¬1): زيد ذلك الرجل، ويحتمل أن يكون رفعًا على أنه خبر مقدم، كأنه قال: ذلك الكتاب الذي وعدتك (¬2) أن أنزله إليك (¬3) {الم} (¬4). فأما التفسير: فقد كثر اختلاف الناس في هذه الحروف المقطعة وأشباهها في القرآن. فذهب قوم إلى أن الله لم يجعل لأحد سبيلا إلى إدراك معانيها، وأنها مما استأثر الله بعلمها، فنحن نؤمن بظاهرها ونكل (¬5) علمها إلى الله تعالى (¬6). وعن الشعبي (¬7) أنه قال: لله في كل كتاب سر، وسره في القرآن ¬
حروف التهجي (¬1). ومثل هذا روي عن أبي بكر الصديق وعلي (¬2) رضي الله عنهما. والأكثرون من أهل التفسير تكلموا في معاني هذه الحروف واستنبطوا لها وجوها من التأويل (¬3)، وقالوا: لا يجوز أن يلغى شيء من كتاب الله تعالى، لأنه قال: {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} [الشعراء: 195]. فيروى عن ابن عباس في {الم} ثلاثة أوجه (¬4): أحدها: أن الله تعالى أقسم بهذه الحروف، أن هذا الكتاب الذي أنزل على محمد الكتاب الذي عند الله، لا شك فيه (¬5). ¬
وهذا الوجه من تفسير ابن عباس اختيار (¬1) الأخفش، لأنه قال: أقسم الله تعالى بهذه الحروف لشرفها (¬2) وفضلها (¬3)، لأنها (¬4) مباني كتبه المنزلة بالألسنة (¬5) المختلفة، ومباني أسمائه الحسنى وصفاته العلى، وأصول كلام الأمم، بها يتعارفون ويذكرون الله عزّ وجلّ ويوحدونه، فكأنه (¬6) أقسم بهذه الحروف أن القرآن كتابه وكلامه لا ريب فيه (¬7). الوجه الثاني: أن هذه الحروف وإن كانت متفرقة في النزول، فإذا ألّفت ضربًا من التأليف كانت (¬8) اسمًا لله، وإن كنا لا نقف على تأويلها، فـ (ألف، لام، را)، و (حم)، و (ن) (¬9) اسمه: الرحمن (¬10). إلا أنا لا نقف ¬
على كيفية نظمها. قال سعيد بن جبير (¬1): لو أحسن الناس تأليفها لعلموا (¬2) اسم الله الأعظم (¬3). الوجه الثالث عنه (¬4): {الم}: أنا الله أعلم، و {الر} (¬5): أنا الله أرى، و {المص} [الأعراف: 1]: أنا الله أعلم وأفصل (¬6)، و {المر} [الرعد: 1]: أنا الله أعلم وأرى (¬7). وهذا الوجه اختيار الزجاج. ¬
قال: المختار: ما روي عن ابن عباس وهو أن معنى: (الم) أنا الله أعلم، وأن كل حرف منها له تفسير (¬1). قال: والدليل على ذلك أن العرب تنطق بالحرف الواحد تدل به على الكلمة التي هو (¬2) فيها، وأنشد: قلت لها قفي فقالت قاف (¬3) ... ................ فنطق (¬4) - بقاف- فقط، يريد قالت: أقف (¬5). وقال الفراء: معنى هذه الحروف [المقطعة في أوائل السور: أن هذه الحروف] (¬6) ذلك الكتاب الذي وعدتك أن أنزله عليك، لأن قوله: {سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى} [الأعلى: 6] وعد من الله تعالى أن ينزل عليه كتابا، فلما أنزل عليه القرآن قال: {الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ} الذي وعدتك أن أقرئكه فلا تنسى، فاكتفى من حروف (أ، ب، ت، ث) بـ {الم}، و {المص}، وأشباه ذلك؛ لأن هذه الحروف لما ¬
كانت موضوعة للكتاب معروفة، كان الحرفان (¬1) والثلاثة منها يدل على الجمع، والعرب تعبر ببعض الشيء عن كله. كقوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اُرْكَعُواْ لَا يَرْكَعُونَ} [المرسلات: 48] أي: صلوا لا يصلون، وقال: {ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَت يَدَاكَ} [الحج: 10] وقال الشاعر: لما رأيت أنها في حُطِّي ... أخذتُ منها بقرونٍ شُمْطِ (¬2) فعبر بفظة (حطى) عن جميع حروف (أبجد) (¬3). وهذا القول اختيار الحسن (¬4) بن محمد بن نصر الجرجاني (¬5)، فإنه ¬
قال: {الم} مبتدأ مرصد لخبر (¬1)، أو لأن يبنى عليه خبر، أي: أن هذه الحروف التي منها (الم) الكتاب الذي (¬2) وعدتك إنزاله عليك، فتكون هذه الحروف الثلاثة اسما لجميع الحروف المعجمة، كما يستدل ببعض الشيء على كله، يقول الرجل: قرأت (نون) و (صاد) و (حم) (¬3) وهو لا يريد (¬4) هذه الحروف بعينها، وإنما يريد كلّ ما اتصل به مما (¬5) بعده. ومنه قول النبي - صلى الله عليه وسلم - "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله" (¬6) وقد كان - صلى الله عليه وسلم - يقاتل اليهود والنصارى، وهم يقولون: لا إله إلا الله، [وهو أراد (لا إله إلا الله)] (¬7) وما اتصل بها من أسبابها، فجعل (لا إله إلا ¬
الله) اسماً لجميع الإيمان. وعلى هذا قوله: {وذلك} مبتدأ ثان و {الكتاب} (¬1) خبره، وهما جميعا خبر للمبتدأ الأول (¬2)، لأنهما صارا قصة وشأنا، مثل قولك: (زيد أبوه قائم) و (عمرو وجهه حسن). وزعم قطرب (¬3): أن هذه الحروف المقطعة ذكرت في القرآن لتدل على أن هذا القرآن المؤلف من هذه الحروف المقطعة التي هي مقدورة للمشركين في تخاطبهم، فلولا أنه من عند الله نزل وأنه معجز في نفسه، وإلا وهلا جئتم بمثله لأنكم (¬4) متمكنون من المخاطبة بهذه الحروف. (¬5) وحكي عنه- أيضا- قول آخر، وهو أنه قال (¬6): يجوز أن يكون لما لغا القوم في القرآن فلم يتفهموه (¬7) حين قالوا: {لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ (¬8) وَالْغَوْا فِيهِ} [فصلت: 26] أنزل الله سبحانه هذه الحروف المقطعة، ولم ¬
تجر لهم عادة بسماع مثلها حتى إذا سكتوا واستمعوا إلى ذلك، هجم القرآن أسماعهم وقرع (¬1) المعاني آذانهم، فيكون في إنزال هذه الحروف (¬2) المقطعة نوع من المبالغة في الدعوة وتأكيد (¬3) للحجة عليهم (¬4). ويروى عن الحسن أنه قال: {الم} وسائر حروف التهجي في القرآن أسماء للسور (¬5). فعلى هذا إذا قال القائل (¬6): قرأت (المص) عرف السامع أنه قرأ السورة المخصوصة التي افتتحت بـ (المص) كما أنه إذا قال: لقيت عمرا، علم السامع أنه يريد شخصاً معلومًا عنده. ويجوز أن يكون {الم} اسما للسورة المفتتحة بها، ثم لا تعرف تلك السورة بعينها ما لم يقرن بـ {الم} لفظ آخر، فيقال: سورة {الم ذَلِكَ}، ¬
وسورة (الم الله) (¬1)، لأنه وقع الاشتراك، ولا يمنع احتياجهم (¬2) إلى ذكر القرينة أن يكون ذلك اسما له في الأصل. ألا ترى أنه إذا قال: رأيت زيدا، والسامع عرف (¬3) رجلين اسمهما زيد، فيقول: أيما (¬4) زيد؟ فيقول: الأزدي أو (¬5) التميمي (¬6). فلا يمنع هذا أن يكون (زيد) اسما (¬7) في الأصل لذلك الشخص، وإن (¬8) لم يحصل به التمييز حتى ذكر معه النسبة (¬9) عند وقوع الاشتراك، ويجوز تسمية الشيء ببعضه، أو بما هو من جملة معناه، كالقصائد التي تسمى بما افتتحت به كقولهم: (لخولة أطلال)، و (قفا نبك)، و (أما صحا) (¬10). وقول الحسن (¬11) هذا مختار عند النحويين، من قبل أن الأسماء ¬
الأعلام منقولة عن معانيها للتفرقة بين المسميات (¬1)، ونقلت هاهنا حروف المعجم إلى التسمية. وقد جاء نظير ذلك (¬2) في أسماء العرب، قالوا: (أوس بن حارثة بن لأم الطائي) (¬3). ولا خلاف بينهم أن لك أن تسمي بحروف المعجم كما أن لك أن تسمي بالجمل (¬4) كقولهم (¬5): (تأبط شرًّا (¬6))، و (ذرّى حبًّا (¬7))، قال الشاعر: إن لها لَرَكَبًا (¬8) إرزَبَّا (¬9) ... كأنه جبهةُ ذرّى حَبَّا (¬10) ¬
فكل (¬1) كلمة لم تكن على معنى الأصل فهي منقولة إلى التسمية للفرق، فمن ذلك (زيد (¬2)) لما لم يرد به معنى الزيادة، لم يكن إلا منقولا (¬3). وكذلك جميع الأسماء الأعلام ولو سميت رجلا: (ب ت ث)، [لقلت (هذا ب ت ث)] (¬4)، ورأيت: (ب ت ث) فحكيت هذا القول كان جائزا. وقال أبو العالية: ليس منها حرف إلا وهو مفتاح اسم من أسماء الله عز وجل، وليس منها حرف إلا وهو في آلائه وبلائه، وليس منها حرف إلا وهو في مدة قوم وآجال آخرين (¬5). ¬
فالاختلاف في هذه الحروف كما ترى، وقد ذكرت عيون أقاويل أهل (¬1) التأويل. وليس يبعد أن يقال: إن جميع ما ذكر من هذه التأويلات كلها مرادة بهذه الحروف مودعة فيها، ولا تنافي في هذه الأقوال، لأنه ليس كون هذه الحروف مفاتح أسماء الله تعالى بمانع أن تكون (¬2) مما (¬3) أقسم الله بها، ولا أن يشير بها إلى مدة قوم وآجال أناس عرف الله نبيه عليه السلام ذلك على الخصوص (¬4). ¬
2
فإن قيل: كيف كتبوا في المصحف هذه الحروف موصولة، والهجاء منقطع لا يتصل بعضه ببعض؟ قلنا: لأنه لم يقصد به الهجاء، إنما هي حروف اجتمعت يراد بكل حرف منها معنى، فهي وإن كانت في صورة الهجاء فإن تحتها معاني، فكانت من هذا الوجه في معنى الكلمات الموصولة (¬1). فإن قيل: فلم قطعت {حم عسق} ولم تقطع {كهيعص}. قلنا: لأن (حم) قد ذكرت في أوائل سور أخرى، فقطعت مما (¬2) بعدها، لأن هذه السور كغيرها (¬3) مما افتتح بـ (حم) (¬4). هذا هو الكلام في الحروف المقطعة في هذه السورة. (¬5) فأما في سائر السور فسنأتي على بيانها إن شاء الله. 2 - وقوله تعالى: {ذَالِكَ اَلكِتَبُ}. قال أبو الهيثم (¬6): (ذا) اسم كل ¬
مشار إليه يراه المتكلم والمخاطب كقولك: ذا الرجل، وذا الفرس، فإذا (¬1) بعد المشار إليه زادوا (كافا) فقالوا: ذاك (¬2) الرجل، وهذه (الكاف) ليست في موضع نصب ولا خفض (¬3) ولا رفع، إنما أشبهت كاف (أخاك) و (عصاك) فتوهم السامع أنها في موضع خفض (¬4)، فلما دخل فيها هذا اللبس زادوا (لاما) فقالوا: ذلك أخوك (¬5)، فإن اللام إذا دخلت ذهبت بمعنى الإضافة. و (ذا) مبني (¬6)، نصبه وخفضه ورفعه سواء، لأن فيه معنى الإشارة إلى معرفة فكأنه قد تضمن معنى من الحروف (¬7). وهذا الذي ذكره ¬
أبو الهيثم في ذلك، إجماع من النحويين (¬1). وقال الزجاج (¬2): كسرت (اللام) في (ذلك) لالتقاء الساكنين (¬3)، قال: ولم يذكر الكوفيون كسرة هذه (اللام). قال أبو الفتح الموصلي (¬4): (اللام) قد تزاد في الكلمة مبنية (¬5) معها، غير مفارقة لها، كقولهم: (ذلك) و (ألالك) (¬6)، و (هنالك) و (عبدل) (¬7)، و (زيدل) (¬8)، و (فيشله) (¬9). والذي يدل على زيادة (اللام) في هذه الحروف قولهم: (ذاك) (¬10) بمعنى: ¬
(ذلك)، و (أولئك) بمعنى: (ألالك) (¬1)، و (هناك) بمعنى: (هنالك)، ومعنى (عبدل) كمعنى (عبد) (¬2)، ومعنى: (زيدل) كمعنى: (زيد) (¬3)، ومعنى: (فيشلة) كمعنى (¬4): (فيشة) (¬5). وأما (¬6) (الكاف) فهي في (ذاك)، و (ذلك)، و (تلك)، و (تانك) (¬7)، و (ذانك)، و (أولئك) حرف يفيد الخطاب، وليست باسم (¬8). والدليل (¬9) على ذلك ثبوت النون [في (ذانك، وتانك) ولو كانت اسما لوجب حذف النون] (¬10) قبلها، وجرها بالإضافة، كما تقول: غلاماك وصاحباك. والعرب قد تزيد (الكاف) للخطاب كقولهم: (النجاءك) أي: انج، ولو كانت (¬11) (الكاف) اسما لما جازت إضافة ما فيه (الألف واللام) ¬
إليهما (¬1)، وكذلك قولهم: أبصرك زيدا. ولا يجوز أن تكون (الكاف) اسما لأن هذا الفعل لا يتعدى إلى ضمير المأمور (¬2)، ألا ترى أنك لا تقول: أضربك، ولا أقتلك، إذا أمرته بضرب نفسه وقتله إياها (¬3). وزاد غيره بيانا فقال: (الكاف) في (ذلك) حرف، وفي (غلامك) وأشباهه اسم، الدليل على هذا أنك تؤكد (الكاف) في غلامك، كما تؤكد الاسم، فتقول: جاءني غلامك نفسك، ولا تؤكد (الكاف) في ذلك، فلا يجوز أن تقول: ذلك نفسك، على معنى تأكيد (الكاف) بالنفس (¬4). قوله تعالى: {الْكِتَابُ} يقال: كتب يكتب كتابًا وكَتْبًا وكتابةً. و (الكتاب) أيضا اسم لما كتب، وهو من باب تسمية المفعول بالمصدر، وهو كثير (¬5). وأصل (الكتب) في اللغة جمعك بين الشيئين، يقال: اكتب بغلتك، وهو أن يضم بين شفريها بحلقة (¬6)، ومن ذلك سميت (الكتيبة) لأنها تكتبت واجتمعت (¬7). ويقال: كتبت السقاء أكتبه كَتْبًا إذا خرزته (¬8). وهي الكُتْبة وجمعها ¬
كُتَب للخروز (¬1). ومنه قيل: كتبت الكتاب، لأنه يجمع حرفا إلى حرف (¬2). فأما التفسير فقوله (¬3): {ذلك} يجوز أن يكون بمعنى: (هذا) عند كثير من المفسرين وأهل المعاني (¬4). قال الفراء: وإنما يجوز (ذلك) بمعنى: (هذا) لما مضى، وقرب وقت تقضيه، أو تقضي ذكره، فأما الموجود الحاضر (¬5) فلا يقال فيه (ذلك) (¬6) مثاله أنك تقول (¬7): قد قدم فلان، فيقول السامع: قد بلغنا ذلك، وبلغنا هذا الخبر، فصلحت فيه (هذا)، لأنه قرب من جوابه (¬8)، فصار كالحاضر الذي تشير (¬9) إليه، وصلحت (ذلك) لانقضائه، والمنقضي ¬
كالغائب (¬1). وتقول: أنفقت ثلاثة وثلاثة، فذلك ستة، وإن شئت قلت: فهذا ستة، وقد قال الله عز وجل: {فَحَشَرَ فَنَادَى} [النازعات: 23] تْم قال: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى} [النازعات: 26]، وقال: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ} (¬2) [الأنبياء: 105]، ثم قال: {إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا} [الأنبياء: 106] (¬3). وقال محمد بن جرير: أشار بقوله: {ذلك} إلى ما تقدم ومضى من قوله: {الم} لأن كل ما تقضى (¬4) وقرب تقضيه من الأخبار فهو في حكم الحاضر، كالرجل يحدث الرجل الحديث، فيقول السامع: (إن ذلك لكما (¬5) قلت)، و (هذا والله كما قلت)، فيخبر مرة عنه بمعنى الغائب (¬6)، إذا كان قد تقضى، ومرة بالحاضر لقرب جوابه من كلامه، كأنه غير متقض (¬7)، فكذلك لما ذكر الله سبحانه {الم} التي ذكرنا تصرفها في وجوهها من المعاني، قال: يا محمد هذا الذي ذكرته وبينته لك: الكتاب، [فحسن وضع (ذلك) في موضع (هذا) (¬8) وروى عن ابن عباس أنه قال: ¬
معنا ذلك الكتاب] (¬1) الذي أخبرتك أنى أوحيه (¬2) إليك (¬3). وقال يمان بن رباب (¬4): ذلك (¬5) الكتاب الذي ذكرته في التوراة (¬6) والإنجيل (¬7). وهذان القولان (¬8) متقاربان، والأول (¬9) اختيار ابن الانباري، ¬
والثاني (¬1) اختيار الزجاج (¬2). أما ابن الانباري فقال: إنما قال عز (¬3) ذكره: {ذَلِكَ الْكِتَابُ}، فأشار إلى غائب، لأنه (¬4) أراد هذه الكلمات يا محمد: ذلك الكتاب الذي وعدتك أن أوحيه إليك، لأن الله تعالى لما أنزل على نبيه - صلى الله عليه وسلم - {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا} [المزمل: 5]، كان عليه السلام واثقا بوعد الله إياه، فلما أنزل عليه {الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ} [البقرة:1, 2]. دله على (¬5) الوعد المتقدم (¬6). وقال الزجاج: القرآن، ذلك الكتاب الذي وعدوا به على لسان موسى وعيسى (¬7). فجعل {الم} بمعنى القرآن، لأنه من القرآن فهو قرآن. والمراد بالكتاب هاهنا: القرآن في (¬8) قول ابن عباس، والحسن، وقتادة، ومجاهد والضحاك، ومقاتل (¬9). ¬
والمراد به المفعول (¬1)، كقولهم: الخلق، يريدون: المخلوق (¬2)، لا الحدث الذي هو اختراع وإبداع. وهذا (¬3) أرجح عندي من قول من قال: إنه سمي به لما فرض فيه (¬4)، وأوجب العمل به (¬5)، ألا ترى أن جميع التنزيل مكتوب، وليس كله فروضًا، وإذا كان كذلك كان العام (¬6) الشامل [بجميع المسمى أولى مما كان بخلاف ذلك. فإن جعلت {الم} متعلقا بما بعده، فهو ابتداء، وخبره] (¬7) {ذلك}، والكتاب تفسير وبيان (¬8) للمشار إليه (¬9). ويصح أن ¬
يقال: {الم} ابتداء، {وذلك} ابتداء آخر، و {الكتاب} خبره، وجملة الكلام خبر الابتداء الأول. وإن (¬1) جعلت {الم} منقطعًا مما بعده، فـ {ذلك} ابتداء، وخبره {هُدًى} (¬2). وقوله تعالى: {لَا رَيْبَ فِيهِ}. الريب: الشك يقال: رابني فلن يريبني أي: علمت من الريبة، وأرابني (¬3) أوهمنيها ولم يحققها (¬4)، وقال: أَخُوكَ الذي إنْ رِبْتَهُ قَالَ إنَّمَا ... أرَابَ وإنْ عَاتَبْتَهُ (¬5) لاَنَ جَانِبُه (¬6) أراد أنه (¬7) مع اليقين بالريبة يتوهمها (¬8) منك، جريا على حكم ¬
المودة، هذا قول جمهور أهل اللغة (¬1). وقال سيبويه: (أراب) الرجل أي: صار صاحب ريبة. كما قالوا: ألام أي: استحق أن يلام (¬2). وأما (رابني) فمعناه: جعل في ريبة (¬3)، كما تقول: قطعت النخل، أي: أوصلت إليه القطع، واستعملته فيه (¬4). وقال أبو زيد (¬5): قد رابني من فلان أمر رأيته منه رَيْبًا، إذا كنت مستيقنا منه بالريبة، فإذا أسأت به الظن ولم تستيقن بالريبة منه قلت: قد أرابني من فلان أمر هو فيه، إذا ظننته من غير أن تستيقنه (¬6). وقوم على أن: (راب) و (أراب) بمعنى واحد (¬7)، وينشدون قول الهذلي (¬8): ¬
كأنَّما أَرَبْتُهُ بِرَيْبِ (¬1) والحذاق (¬2) على الفرق بينهما، كما أخبرتك، قال الأزهري: والقول في (راب وأراب) قول أبي زيد (¬3). وموضح (ريب) نصب (¬4)، قال سيبويه: (لا) تعمل فيما بعدها فتنصبه، ونصبها لما بعدها كنصب (إن) إلا أنها تنصب بغير تنوين (¬5). وإنما شبه (لا) بـ (إن)، لأن (إن) للتحقيق في الإثبات، و (لا) في النفي، فلما كان (لا) تقتضي (¬6) تحقيق النفي، كما تقتضي (إن) تحقيق الإثبات أجري مجراه. وزعم سيبويه أنها مع ما بعدها بمنزلة شيء واحد (¬7)؛ لأنها جواب لما يكون بمنزلة شيء واحد، ولذلك لم ينون وبني على الفتحة، كأنها جواب قول ¬
القائل: هل من رجل في الدار؟، فـ (من) مع رجل كشيء واحد. فإن قيل: فما (¬1) أنكرت أن يكون جواب هل رجل في الدار؟ قيل: معنى (لا رجل في الدار)، عمهم (¬2) النفي، لا يجوز أن يكون في الدار رجل، ولا أكثر منه، وكذلك (هل من رجل في الدار) استفهام عن الواحد وأكثر منه. فإن قلت: (هل رجل في الدار) أو (لا رجلٌ في الدار)، جاز أن يكون في الدار رجلان، لأنك إنما أخبرت أنه ليس فيها واحد، فيجوز أن يكون فيها أكثر منه، فإذا قلت: (لا رجلَ في الدار)، فهو نفي عام، وكذلك {لا رَيْبَ فِيهِ} (¬3) وموضع {لا رَيْبَ} رفع بالابتداء عند سيبويه، لأنه بمنزلة خمسة (¬4) عشر (¬5)، إذا ابتدأت به، ولهذا جاز العطف عليه بالرفع في قوله: لا أُمَّ لي إنْ (¬6) كان ذَاكَ ولا أَبُ (¬7) ¬
ومن نصب المعطوف (¬1) فهو عاطف على اللفظ (¬2). وسنستقصي الكلام في هذا عند قوله: {فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ (197)} [البقرة: 197]، إن شاء الله. وقوله تعالى: {فِيهِ}. يجوز (¬3): أن تجعله خبرا للابتداء الذي هو {لَا رَيْبَ} ويجوز: أن تجعله صفة لقوله {لَا رَيْبَ}، وإذا جعلته صفة أضمرت الخبر، كأنه قيل: لا ريب فيه واقع أو كائن، فإن جعلته خبرا كان موضعه رفعا من وجهين: أحدهما: بكونه خبرًا (¬4) للمبتدأ (¬5). والثاني: من حيث كان خبر إن رفعا (¬6)، وقد ذكرنا أن (لا) بمنزلة (إن). ¬
وإن جعلت (فيه) صفة، ولم تجعله خبرا، كان موضعه نصبا في قول من وصف على اللفظ (¬1)، [كما عطف (¬2) على اللفظ] (¬3) في قوله: فلا أبَ وابْنًا مِثْلُ مَرْوانَ (¬4) ومن وصفه على الموضع (¬5)، كما عطف على الموضع في قوله: لا أمَّ لي إنْ كان ذَاكَ ولا أَبُ (¬6) كان موضعه على هذا رفعا (¬7). وفي قوله: {فِيهِ}: قراءتان، إشباع (الهاء) حتى تلحق به (ياء) وكذلك في (الهاء) المضمومة (¬8) مثل (منهو) و (عنهو)، وهو مذهب ابن كثير (¬9). ¬
والباقون يقتصرون على الضمة والكسرة (¬1). وأصل (الهاء) في {فيه} الضم، لأن الأصل (فيهو) كما ذكرنا في (عليهو) ثم كسرت (الهاء) للعلة التي ذكرنا في (عليهم) (¬2) فمن اقتصر على الضمة والكسرة قال: إن (الهاء) حرف خفي (¬3)، فإذا اكتنفها (¬4) ساكنان من حروف اللين صار كأن الساكنين قد التقيا (¬5)؛ لخفاء (الهاء)، وأنهم لم يعتدّوا بها حاجزًا (¬6) للخفاء في مواضع. ألا ترى أن من قال: (رُدُّ)، فأتبع الضمة الضمة، فإذا وصل الفعل بضمير (¬7) المؤنث قال: (ردَّها)، فلم يتبع الضم الضم، كما كان يتبع قبل، لأنه جعله بمنزلة (رُدَّا) وفي (رُدَّا) لا يمكن إتباع الضم الضم، وفي (رُدَّها) (¬8) ¬
جعلت الدال (¬1) في حكم الملازمة للألف، إذ (¬2) لم يعتد بها حاجزا، كذلك إذا لم يعتد بها في نحو (فيهي)، و (عصاهو)، و (خذوهو) صار كأن الساكنين قد التقيا. ولهذه العلة -أيضًا- حذف حرف اللين بعد (الهاء) من حذف، وإن كان الساكن الذي قبلها ليس من حروف اللين نحو: (منه) و (عنه) (¬3). ومثل (الهاء) (¬4) في أنه (¬5) لما كان حرفا خفيًّا لم يعتدوا به حاجزًا (النون)، وذلك في قولهم: (هو (¬6) ابن عمي دِنْيا) (¬7) و (قِنْيَة) (¬8)، لما كانت (النون) خفية صارت (الواو) كأنها وليت الكسرة، فقلبتها كما قلبتها في ¬
(غازية)، و (محنية) (¬1)، ولو كان مكان (النون) (¬2) حرف غيره لم يكن فيما بعده القلب، نحو: (جرو) و (عدوة) (¬3). فهذا (¬4) مثل (الهاء) في أنه للخفاء لم يعتد به حاجزا (¬5). وأما ابن كثير: فإنه يتبع هذه (الهاء) في الوصل (الواو) و (الياء) (¬6) ويسوى بين حروف اللين وبين (¬7) غيرها من الحروف، إذا (¬8) وقعت قبل (الهاء) وحجته: أن (الهاء) وإن كانت خفية (¬9) فليس يخرجها (¬10) ذلك من أن تكون كغيرها من حروف المعجم التي لاخفاء فيها، نحو: (الدال) و (الصاد) و (الهاء). و (النون) عند الجميع في وزن الشعر بمنزلة الدال والصاد (¬11)، وإذا ¬
كان كذلك كان حجزها [بين الساكنين كحجز] (¬1) غيرها (¬2). وقوله تعالى {هُدًى}: قال سيبويه: قلّما (¬3) يكون ما ضم أوله من المصدر إلا منقوصًا، لأن (فُعَل) لا تكاد (¬4) تراه مصدرًا من غير بنات (¬5) (الياء) و (الواو) (¬6) كالهُدى والسُّرى، والنُّهى (¬7)، والتُّقَى، والقِرى، والقِلَى (¬8)، وقالوا: كِسْوَة، ورِشْوَة، وجِذْوَة، وصُوَّة (¬9)، وإذا (¬10) جمعوا جمعوها على (فِعَل) ¬
و (فُعَل)، ومنهم من يضم في الواحد ويكسر في الجمع (¬1)، ويجوز (¬2) الكسر في واحده، والضم في الجمع (¬3)، وهذا مما يدلك على اشتراكهما. وقال أناس من النحويين (¬4): إنه قد تجرى الأسماء التي ليست بمصادر مجرى المصادر فيقولون: جلس جلسة، وركب ركبة، ويقولون: عجبت من دهنك لحيتك (¬5)، وينشدون: وبعد عطائك المائة الرتاعا (¬6) فيجري (¬7) مجرى الإعطاء، وقال لبيد (¬8): ¬
بَادَرْتُ حَاجَتَها (¬1) الدَّجَاج (¬2) وفسروه على حاجتي (¬3) إليها (¬4)، فأضيف إلى المفعول كما يضاف المصدر إليه، فعند هؤلاء (الهُدى والسُّرى والتُّقَى) أسماء أجريت مجرى المصادر (¬5)، وليست مصادر (¬6) حقيقة. وزعم الأخفش: أن من العرب (¬7) من يؤنث الهدى (¬8). ومعنى الهدى: البيان، لأنه قد قوبل به الضلال في قوله عز وجل {وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ} [البقرة: 198]، [أي من قبل هداه] (¬9). ¬
وقوله تعالى: {لِلْمُتَّقِينَ}. الاتقاء في اللغة: الحجز بين الشيئين، يقال: اتقاه بترسه، أي: جعل الترس حاجزا بينه وبينه، واتقاه بحقه، إذا وفاه (¬1)، فجعل الإعطاء وقاية بينه وبين خصمه عن نيله إياه بيده أو لسانه، ومنه (التقية في الدين) بجعل ما يظهره حاجزا بينه وبين ما يخشاه من المكروه (¬2)، ومنه الحديث: كنا إذا احمرّ البأس اتقينا برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكان أقربنا إلى العدو (¬3). فالمتقي هو الذي يتحرز بطاعته عن العقوبة، ويجعل اجتنابه عما نهى، وفعله ما (¬4) أمر، حاجزًا بينه وبين العقوبة التي توعد (¬5) بها العصاة. وكان (اتقى) (¬6) في الأصل (اوْتقى) (¬7) لأنه (افتعل) (¬8) من الوقاية، وأصل هذا الباب بالواو (¬9)، كالاتزان (¬10) من الوزن، والاتضاح من ¬
الوضوح، إلا أن الواو صارت (ياء) لانكسار ما قبلها وهي ساكنة، ثم اندغمت (الياء) في (تاء) (¬1) الافتعال بعدما صارت (تاء)، فتولدت التشديدة لذلك (¬2). وقال أبو الفتح الموصلي (¬3): إن (افْتَعَل) إذا كانت فاؤه (واوا)، فإن (واوه) تقلب (¬4) (تاء)، وتدغم في (تاء) (افْتَعَل) مثل (اتَّعد) (¬5) و (اتَّلج) (اتَّصف). والعلة في قلب هذه الواو (تاء)، أنهم لو لم يقلبوها (تاء) لوجب أن يقلبوها إذا انكسر ما قبلها (ياء)، فيقولوا: (¬6) (ايتقى) (¬7) وإذا (¬8) انضم ما قبلها ردت إلى (الواو) فقالوا: (مُوتَق) (¬9)، وإذا انفتح ما قبلها قلبت (ألفا)، فقالوا: (ياتقي) (¬10)، فلما (¬11) كانوا لو لم يقلبوها (تاء) صائرين من قلبها (¬12) مرة (ياء) ومرة (ألفا)، ومرة (واوا)، أرادوا أن يقلبوها حرفا جلدا ¬
تغير أحوال ما قبله، وهو باق بحاله، وكانت (التاء) (¬1) قريبة المخرج من (الواو)، لأنها من أصول الثنايا، والواو من الشفة، فأبدلوها (تاء) وأدغموها في لفظ ما بعدها وهو (التاء) وقالوا: اتقى (¬2)، وقد فعلوا هذا أيضًا في (الياء) وأجروها مجرى (الواو) فقالوا في (افتعل) من اليسر: أتسر (¬3)، ومن اليبس: اتبس (¬4)، لهذه العلة (¬5). وإدغام (الياء) في (التاء) على هذه الجهة، إنما يجوز إذا كانت (¬6) في كلمة واحدة، فإذا التقتا من كلمتين لم يجز الإدغام، نحو قولك: (في تبيانه)، و (في تمثاله)، وذلك أنه (¬7) لو أجرى (¬8) الكلام هاهنا على الإدغام، أشبه الألف واللام. هذا هو الأصل، ثم صارت التاء لازمة حتى صارت كالأصلية (¬9)، لأنه لا يجوز إظهار (¬10) هذا الإدغام في حال (¬11). ¬
وقد بني على هذا الإدغام أسماء كثيرة، وهي: التُّخَمَة والتُّجَاه (¬1)، والتُّرَاث، والتّقوى، والتُّكْلَان، والتُّكَلَة، والتُّؤَدَة، والتُّهمَة (¬2). الحراني (¬3) عن ابن السكيت (¬4) يقال: اتَّقَاه بِحَقِّه يَتَّقِيه، وتَقَاهُ يَتَّقِيه، وأنشد عن الأصمعي (¬5) قال: أنشدني عيسى بن عمر (¬6): جَلَاهَا الصَّيْقَلُونَ فَأخْلَصوهَا ... خِفَافاً كُلُّهَا يَتَّقِي بِأَثْرِ (¬7) ¬
أي: كلها يستقبلك بفرنده (¬1). وقال أوس بن حجر: تَقَاكَ بِكَعْب وَاحِدٍ وَتَلَذُّهُ ... يَدَاكَ إذَا مَا هُزَّ بالكَفِّ يَعْسِلُ (¬2) أي اتقاك، ومعناه: جعل بينك وبينه كعبا واحدا (¬3)، يصف رمحا، يقول (¬4):كأنه كعب واحد، إذا هززته اهتز (¬5) كله. وقال أبو سعيد السكري (¬6): تقاك: وليك منه كعب. قال: ويقال: إبلك (¬7) اتقت كبارها بصغارها، أي جعلت الصغار مما ¬
يليك (¬1) ووقت أنفسها بها. وقوله: (تقاك) تقديره (¬2) (تَعَلَكَ) (¬3) والأصل: (اتَقَاك)، فحذف (فاء) الفعل المدغمة، فسقطت همزة الوصل المجتلبة لسكونها (¬4). وقولهم في المضارع (يتقى) تقديره (يَتَعِل) (¬5). قال الأزهري: اتَّقَى كان في الأصل (اوْتَقَى) فأدغمت الواو في التاء وشددت فقيل (اتَّقَى) ثم حذفوا ألف الوصل، والواو التي انقلبت تاء، فقيل: تَقَى يَتَقِى، بمعنى (¬6): استقبل الشيء بالشيء وتوقاه. قال السكري: وتَقَى يَتَقِى بفتح (التاء) شاذ جدا، لأنه لا يقال: تَضح بمعنى اتَّضح (¬7)، ولا تَزَن بمعنى اتَّزَن (¬8). قال (¬9) الأزهري: وإذا قالوا: تَقِيَ يَتْقَى (¬10) فالمعنى: أنه صار تقيا (¬11). ¬
والمراد بالمتقين في هذه الآية: المؤمنون، كذلك قال أهل التفسير في قوله: {هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} أي: للمؤمنين (¬1)، كأنه قال: القرآن بيان وهدى لمن اتقى الشرك، فخص المؤمنين بأن الكتاب بيان لهم دون الكفار الذين لم يهتدوا بهذا الكتاب، فأما من آمن ولم يجتنب الكبائر، فهو داخل في جملة المتقين (¬2) أيضًا لأنه آمن بموجب الكتاب، واتقى الشرك. وقيل: إن الكتاب بيان بنفسه ودلالة على الحق، ولكنه أضافه إلى المؤمنين خصوصا، لانتفاعهم به، والكافر لو تأمل القرآن لوجده بيانا، فهو في كونه بيانا في نفسه لا يتخصص بقوم دون قوم، ولكنه أضيف إلى المؤمنين على الخصوص لانتفاعهم به دون الكفار (¬3) كقوله تعالى: {إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا} [النازعات: 45]، وكان - صلى الله عليه وسلم - منذرا لمن يخشى ولمن لم يخش. وقال ابن الأنباري: معناه: هدى للمتقين والكافرين، فاكتفى بأحد (¬4) الفريقين من (¬5) الآخر، كقوله: {سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ} [النحل: ¬
81] وقوله: {لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ} [آل عمران: 113] أراد وأخرى غير قائمة (¬1). وقال أبو ذؤيب (¬2): فَمَا أَدْرى أَرُشْدٌ طِلابُهَا (¬3) (وأراد: أم غيّ). والدليل على هذا: أنه قال في موضع آخر: {هُدًى لِّلنَّاسَ} (¬4) فجعله هدى للناس عاما، على أنه ليس في الإخبار أنه {هُدًى للِمُتَّقِينَ} ما يدل على أنه ليس هدى لغيرهم. فأما إعراب {هُدًى} فقال أبو إسحاق (¬5): موضعه نصب من وجهين: ¬
أحدهما: أن يكون منصوبا على الحال من قولك: القرآن ذلك الكتاب هدى، فيكون حالا من الكتاب، كأنك قلت: هاديا؛ لأن (هدى) جاء بعد تمام الكلام، والعامل فيه يكون معنى الإشارة في ذلك (¬1). والثاني: أن يكون منصوبا على الحال من (الهاء) في قوله: {لَا رَيْبَ فِيهِ} كأنك قلت: لا شك فيه هاديا، والعامل فيه معنى ريب (¬2). والفراء يسمي الحال هاهنا: قطعا (¬3)، لأنه قال (¬4): تجعل {الكتاب} خبرا لـ {ذلك} وتنصب {هدى} (¬5) على القطع، لأن {هدى} نكرة اتصلت بمعرفة، والنكرة لا تكون دليلا على معرفة. قال: وإن شئت قطعته (¬6) من الهاء التي (¬7) في {فيه}، كأنك قلت: لا شك فيه هاديا. قال أبو إسحاق (¬8): ويجوز أن يكون موضعه رفعا من جهات: إحداها: أن يكون (¬9) خبرا بعد خبر، كأنه قال: (ذلك الكتاب هدى)، أي قد جمع أنه الكتاب الموعود، وأنه هدى، كما تقول: هذا حلو ¬
حامض، أي قد جمع الطعمين (¬1). ويجوز: أن يكون رفعا على إضمار (هو) كأنه لما تم الكلام قيل: هو هدى (¬2). ويجوز: أن يكون الوقف على قولك (¬3): {لَا رَيْبَ}، [أي: ذلك الكتاب لا ريب] (¬4) ولا شك (¬5)، كأنك قلت: ذلك الكتاب حقا، لأن (لا شك) بمعنى: حق، ثم قيل (¬6) بعد (فيه هدى) (¬7). فإن قيل: كيف قال: {لَا رَيْبَ فِيهِ} (¬8)، وقد ارتاب فيه المرتابون؟ قيل: معناه أنه حق في نفسه وصدق، وإن ارتاب المبطلون (¬9)، كما (¬10) قال الشاعر: ¬
3
ليس في الحق يا أُمَيمةَ (¬1) رَيْبٌ ... إنَّما الرَّيْبُ ما يَقُول الكَذُوبُ (¬2) فنفى الريب عن الحق، وإن كان المتقاصر في العلم يرتاب (¬3). ويجوز: أن يكون خبرا في معنى النهي (¬4)، ومعناه: لا ترتابوا (¬5)، كقوله: {فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ (¬6) وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} (¬7) [البقرة: 197]. 3 - قوله تعالى: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ}. قال الزجاج (¬8): موضع {الَّذِين} جر، تبعا {لِلْمُتَّقِينَ}، ويجوز أن يكون موضعه (¬9) رفعا على المدح، كأنه لما قيل: {هُدًى لِلْمُتَّقِينَ}، قيل: من هم؟ فقيك: هم {الَّذِينَ}، ويجوز أن يكون موضعه نصبا على المدح، كأنه قيل: أذكر (¬10) الذين (¬11). ¬
وقوله تعالى: {يُؤمِنوُنَ} قال الأزهري: اتفق العلماء أن (الإيمان) معناه: التصديق، كقوله (¬1): {وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا} [يوسف: 17]. أي: بمصدق. ومعنى التصديق: هو اعتقاد السامع صدق (¬2) المخبر فيما يخبر، وأصله في اللغة: الطمأنينة إلى الشيء، من قولهم: أمن يأمن أمنا، إذا اطمأن وزال (¬3) الخوف عنه. وآمنت فلانا، إذا جعلته يطمئن وتسكن نفسه. وآمن بالله ورسوله إذا صدقهما واثقا (¬4) بذلك مطمئنا إليه. ¬
قال الأزهري: وإنما قلت: إن المؤمن معناه: المصدق، لأن الإيمان مآخوذ من الأمانة، والله يتولى علم السرائر ونية العقد (¬1)، وجعل تصديقه أمانة ائتمن كل من أسلم على (¬2) تلك الأمانة، فمن (¬3) صدق بقلبه فقد أدى الأمانة، ومن كان قلبه على خلاف ما يظهره بلسانه فقد خان، والله حسيبه. وإنما قيل للمصدق: مؤمن، وقد آمن؛ لأنه دخل في أداء الأمانة التي ائتمنه الله عليها (¬4). وأنشد ابن الأنباري على أن (آمن) معناه: صدّق (¬5) قول الشاعر: وَمِنْ قَبْلُ آمنَّا وَقَدْ كَانَ قَوْمُنَا ... يُصلُون للأوْثَانِ قَبْلُ مُحَمَّدَا (¬6) معناه: من قبل آمنا محمدا، [أي صدقنا محمدا] (¬7) فمحمدا منصوب بمعنى التصديق (¬8). قال أبو علي الفارسي (¬9): ويجوز من حيث قياس اللغة، أن يكون (آمن) [صار ذا أمن] (¬10)، مثل: أجدب، وأعاه (¬11)، أي: صار ذا عاهة في ¬
ماله، فكذلك (آمن) صار ذا (أمن) في نفسه وماله بإظهار الشهادتين، كقولهم: أسلم، أي: صار ذا سلم، وخرج عن أن يكون حربا مستحل المال والدم (¬1). والقول في معنى الإيمان: ما قاله الأزهري (¬2). على أن أبا القاسم الزجاجي شرح معنى الإيمان بما هو أظهر مما ذكره الأزهري، وهو أنه قال (¬3): معنى التصديق في الإيمان لا يعرف من طريق اللغة إلا بالاعتبار والنظر، لأن حقيقته ليست للتصديق، ألا ترى أنك إذا صدقت إنسانا فيما يخبرك به، لا تقول: آمنت به، لكنك إذا نظرت في موضوع (¬4) هذه الكلمة وصرّفته حق التصريف، ظهر لك من باطنها معنى يرجع إلى التصديق (¬5). ¬
وذلك أن (آمن) أَفْعَل، من (أَمِنَ)، والواحد إذا قال: آمنت بالله. [فإن (آمنت) فعل متعد، ومعناه: آمنت نفسي، أي: جعلتها في أمان الله بتصديقي (¬1) إياه، لأن الأمن من عذاب الله لا يحصل إلا بتصديقه، فإذا صدقه فقد آمن نفسه (¬2)، فصار التصديق إيمانا للعبد، وجاز أن يعبر عن الإيمان بالتصديق، لأن أحدهما سبب للآخر (¬3). و (الباء) في قولك: (آمنت بالله)] (¬4) ليست (باء) التعدية، إنما هي (باء) الإلصاق التي يسميها (¬5) النحويون (باء) الاستعانة (¬6)، كما تقول: قطعت القلم بالسكين. ¬
كذلك وقع إيمان النفس من العذاب بتصديق الله، وحذف المفعول من قولهم: (آمنت بالله) لدلالة المعنى عليه، كقولهم: حمل فلان على العدو، أي: سلاحه أو نفسه، هذا هو الأصل في الإيمان، ثم جعل الإيمان بمعنى التصديق في قوله: {وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا} [يوسف: 17] أي: بمصدق (¬1)، ولم يقل: (بنا) لأنه أريد ها هنا التصديق الخالص، لا إيمان بالنفس من العذاب، كما أريد ذلك في قولهم: (آمنت بالله) وأما الفرق بين الإيمان والإسلام فسنذكره عند قوله: {قُل لم تُؤمِنُواْ وَلَكن قُولُوا أسلمَنَا} (¬2) [الحجرات: 14] إن شاء الله. وسمي أحدهما (¬3) باسم الآخر (¬4) مجازا وتوسعا، كقوله تعالى: ¬
{فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (35) فَمَا وَجَدْنَاَ} الآية [الذاريات: 35, 36]. وفي بعض القراءات {اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً} [المنافقون: 2] بكسر الألف (¬1)، بمعنى الشهادة باللسان (¬2). وفي قوله {يُؤمِنُونَ} قراءتان، تحقيق الهمزة وتليينها (¬3). فمن حقق، فحجته (¬4): أن الألف في (آمن) لا تخلو إما أن تكون زائدة، أو منقلبة، فلا (¬5) يجوز أن تكون زائدة، لأنها لو كانت كذلك لكان (فَاعَل) [ولو كان (فَاعَل)،] (¬6) كان مضارعه (يُفَاعِل) فلما كان مضارعه (يؤمن) دل على أنها غير زائدة، فإذا لم تكن زائدة كانت منقلبة، ولا يخلو أنقلابها من أن يكون عن: (الواو) أو عن (الياء) أو عن (الهمزة)، ولا يجوز أن تكون منقلبة عن (الواو)، لأنها في موضع سكون، [وإذا كانت في موضع سكون] (¬7) وجب تصحيحها، وبمثل هذه الدلالة لا يجوز انقلابها ¬
عن (الياء)، فإذا (¬1) لم يجز انقلابها عن (الواو) ولا عن (الياء) ثبت أنها منقلبة عن (الهمزة)، وإنما انقلبت عنها ألفا لوقوعها ساكنة بعد حرف مفتوح، كما أنها إذا خففت في: (بأس) و (رأس) (¬2) و (فأس) انقلبت عنها ألفا لسكونها وانفتاح ما قبلها (¬3)، كذلك قلبت في نحو: (آمن) و (آتى) (¬4)، وفي الأسماء: نحو (آدر) (¬5) و (آدم)، و (آخر) إلا أن الانقلاب هاهنا لزمها لاجتماع الهمزتين، والهمزتان إذا اجتمعتا في كلمة لزم الثانية منهما القلب بحسب الحركة التي قبلها إذا كانت ساكنة، نحو: (آمن) و (اوتمن) و (ايذن) (¬6)، و (ايتنا) (¬7). فمن حقق (¬8) (الهمز) في {يؤمنون} فلأنه إنما ترك (الهمز) من (أومن) لاجتماع الهمزتين، كما أن تركها في (آمن) كذلك (¬9)، فلما زال اجتماعها مع سائر الحروف المضارعة سوى (¬10) الهمزة، رد (¬11) الكلمة إلى ¬
الأصل فهمز؛ لأن الهمز من (الأمن) و (الأمنة) فاء الفعل. ومما (¬1) يقوي الهمزة (¬2) أن من تركها إنما يقلبها (واوا) (¬3) ساكنة وما قبلها متحرك بالضم، و (الواو) الساكنة إذا انضم ما قبلها فقد استجازوا قلبها (¬4) همزة. يدل (¬5) على هذا، ما ذكره المازني عن الأخفش، قال (¬6): كان أبو حية النميري يهمز كل واو ساكنة قبلها ضمة نحو: (مؤسى) (¬7) وأشباهه. وتقدير ذلك: أن الحركة لما كانت تلي الواو من (مؤسى) (¬8) صارت كأنها عليها، والواو إذا تحركت بالضمة أبدل منها الهمزة. وإذا جاز إبدال (الهمزة) من (الواو الساكنة) التي قبلها ضمة، واجتلابها وإن لم تكن من الكلمة، فالهمزة التي هي أصل في الكلمة أولى بالتحقيق، وأن لا يبدل منها الواو. وحجة من لم يهمز (¬9): أن هذه الهمزة قد لزمها البدل في مثالين من ¬
الفعل المضارع والماضي، نحو (¬1): (آمن) و (أُومِنَ)، والمضارع نحو: (أُومِنُ) ولم يجز تحقيقها في هذه المواضع، وهذا القلب الذي يلزمنا (¬2) في المثالين إعلال لها، والإعلال إذا لزم مثالا أتبع سائر الأمثلة العارية من موجب الإعلال كإعلالهم: (يقوم)، و (لقام)، و (يُكْرِم) (¬3) من أجل (أُكْرِمُ) (¬4) و (أَعِدُ) (لِيَعِد) (¬5)، فوجب على هذا أن يختار (¬6) ترك الهمزة في {يؤمنون}، ليتبع قولهم {يؤمنون} في الإعلال المثالين الآخرين (¬7)، لا على التخفيف القياسي (¬8) نحو: (جونة) في (جؤنة) (¬9)، و (بوس) في (بؤس) (¬10). ¬
وأيضًا فإن (¬1) حرف المضارعة المضموم صادف حرفا منقلبا ألف قبل أن يلحقه حرف المضارعة، فلما ولي المضموم من حرف المضارعة، انقلب ذلك الألف واوا، وأي (¬2) مرضع للهمزة (¬3) هاهنا. وقوله تعالى: {بِالْغَيْبِ} (¬4) الغيب: مصدر غاب يغيب غيبا، وكل (¬5) ما غاب عنك فلم تشهده فهو غيب (¬6)، قال الله تعالى: {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ} (¬7) والعرب تسمى (¬8) المطمئن من الأرض: الغيب (¬9)، لأنه غاب عن الأبصار. ومه قول لبيد: وَتَسمَّعَت رِزَّ الأَنِيس فرَاعَها ... عَن ظَهْرِ (¬10) غَيْبٍ والأنيسُ سَقَامُها (¬11) ¬
قال شمر (¬1): وكل مكان لا يدرى ما فيه فهو غيب، وكذلك الموضع الذي لا يدرى ما وراءه وجمعه غيوب (¬2)، ومنه قوله: وللفؤاد وجيب تحت أبهره ... لدم (¬3) الغلام وراء الغيب بالحجر (¬4) وقال أبو زيد: يقال: بدا غَيَّبَان العود، إذا بدت عروقه التي تغيبت في الأرض لحفر السيل (¬5). والمراد بالغيب المذكور هاهنا: ما غاب علمه (¬6) وعن الحس ¬
والضرورة (¬1) مما يدرك بالدليل (¬2)، ولذلك (¬3) استوجبوا حسن الثناء بالإيمان بالغيب، لأنه تصديق بما أخبروا به مما لا يعلم حسا وضرورة، ويكون العلم به مكتسبا، فيدخل (¬4) في جملة هذا ما أخبر عنه الرسول عليه السلام من أمر الجنة والنار والوعد وغير ذلك (¬5). قال أبو العالية في قوله: {يُؤمِنوُنَ بِالغيَب} قال: يؤمنون بالله (¬6)، وملائكته وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وجنته، وناره، ولقائه (¬7)، وبالبعث بعد (¬8) الموت (¬9). وكأن هذا إجمال ما فصل في قوله: {كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ} [البقرة: 285] ¬
وقال عطاء (¬1): من آمن بالله آمن بالغيب (¬2). وكذلك روى أبو العباس عن ابن الأعرابي (¬3) في قوله: {يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} قال (¬4): يؤمنون بالله. قال (¬5): والغيب- أيضًا- ما غاب عن العيون وإن كان محصلا في القلوب (¬6). قال أبو إسحاق: وكل ما غاب عنهم مما أخبرهم به النبي - صلى الله عليه وسلم - فهو غيب. (¬7). هذا طريق المفسرين في معنى (الغيب). ولأهل المعاني فيه طريق آخر (¬8)، وهو أن معنى قوله: {يُؤِمنوُنَ ¬
بِالغَيْبِ} أي: يؤمنون إذا غابوا عنكم، ولم يكونوا كالمنافقين (¬1) الذين يقولون إذا خلوا إلى شياطينهم: {إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} [البقرة: 14]، ويقوي هذا الوجه قوله: {الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ} [الملك: 12]، وقوله: {من خشي الرحمن بالغيب} [ق:33]، والجار والمجرور هاهنا في موضع (الحال)، أي: يؤمنون غائبين عن مراءاة الناس، لا يريدون بإيمانهم تصنعا لأحد. وقوله تعالى: {وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ}: أي: يديمونها (¬2)، ويحافظون عليها، ويقال: قام الشيء إذا دام وثبت، وأقامه إذا أدامه (¬3)، والذي يدل على أن قيام الشيء إنما يعنى به دوامه وثباته (¬4) ما أنشده أبو زيد: إنِّي إذَا لم يُنْدِ حَلْقاً رِيقُه ... وَرَكَدَ السَّبُّ فَقَامَتْ سُوقُهْ (¬5) والراكد: الدائم الثابت (¬6)، ومن ثم قيل: ماء راكد، وماء دائم. ¬
ومن هذا يقال: أقام القوم سوقهم إذا أداموها وواظبوا (¬1) عليها (¬2). قال أبو علي الفارسي: وهذا التفسير أشبه من أن يفسر بـ (يتمونها) (¬3). وأما (الصلاة) فمعناها في اللغة: الدعاء (¬4)، ومنه الحديث: "إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب، فإن كان مفطرا فليطعم وإن كان صائما فليصل" (¬5) قال أبو عبيد: قوله: "فليصل" أي: فليدع له بالبركة والخير، وكل داع فهو مصل (¬6). قال الأعشى: ¬
عَلَيْكِ مثل الذي صَلَّيْتِ فَاغْتَمِضي ... نَومًا (¬1) فإنَّ لِجَنْبِ المرءِ مُضْطَجعا (¬2) وقال أبو العباس في قوله: وصَلَّى عَلى دَنِّهَا وارْتَسَمْ (¬3) قال: دعا لها أن لا تحمض ولا تفسد (¬4). هذا معنى الصلاة في اللغة، ثم ضمت إليها هيئات وأركان سميت بمجموعها صلاة، هذا مذهب الأكثرين. وقال الزجاج (¬5): الأصل في الصلاة اللزوم، يقال: قد صلى ¬
واصطلى (¬1): إذا لزم، ومن هذا من يصلى في النار أي: يلزم، قال: والقول عندي هذا؛ لأن الصلاة من أعظم الفرض الذي أمر بلزومه، وألزم ما أمر به من العبادات (¬2). ومن اختار هذه الطريقة (¬3) قال: معنى قولهم للداعي إذا دعا: (صلى) معناه: أنه لزم الدعاء لشدة حاجته إلى الإجابة. و (الصَّلَوَان) من الفرس، العظمان اللذان في العجز (¬4)، والواحد: (صلا)، سميا للزوم كل واحد منهما الآخر (¬5)، والمُصَلِّي: الذي يأتي في أثر السابق من هذا، لأنه يأتي ورأسه مع ذلك المكان من السابق (¬6)، ومنه حديث علي - رضي الله عنه -: (سبق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصلى أبو بكر) (¬7). وقوله تعالى: {وَمِمَّا رزَقنَهُم}. يقال: رَزَق الله الخلق رَزْقا ورِزْقا، ¬
4
فالرَّزْقُ بالفتح: هو المصدر الحقيقي، والرِّزْق: الاسم، ويجوز أن يوضع موضع المصدر (¬1)، وكل ما انتفع به العبد هو رزقه، من مال وولد وغيره. وقوله تعالى: {يُنفِقُونَ} معنى الإنفاق في اللغة: إخراج المال من اليد. ومن هذا يقال: نفق المبيع إذا كثر مشتروه، فخرج عن يد البائع، ونفقت الدابة إذا خرجت روحها (¬2)، والنفق (¬3) سرب له مخلص إلى مكان آخر يخرج منه (¬4)، والنافقاء من جحرة اليربوع: وهو الذي يخرج منه إذا أخذ من جهة أخرى، ومنه المنافق، لخروجه عن الإيمان بما ينطوي عليه من الكفر (¬5). والمراد بالإنفاق هاهنا: إنفاق فيما يكون طاعة فرضا أو نفلا؛ لأن الله تعالى مدحهم بهذا الإنفاق (¬6). 4 - قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ}. قال مجاهد: الآيات الأربع من أول هذه السورة نزلت في جميع المؤمنين (¬7) سواء كانوا من العرب، أو من أهل الكتاب. ¬
فعلى هذا القول (الواو) في قوله {وَالَّذِينَ} لتعديد صفاتهم، فهو عطف صفة على صفة، والموصوف واحد (¬1)، كما قال: إلى الملكِ القَرْم وابنِ (¬2) الهُمام ... وليثِ الكتيبةِ في المُزْدحَمْ (¬3) ولم يرد إلا شخصا واحدا. وقال ابن عباس في رواية أبي صالح، وابن مسعود في رواية مرة (¬4): (إن آيتين من أول السورة نزلتا في مؤمني العرب، والآيتان بعدهما نزلتا في مؤمني أهل الكتاب)، لأنه لم يكن للعرب كتاب كانوا مؤمنين به قبل محمد ¬
- صلى الله عليه وسلم - (¬1). فعلى هذا (الواو) (¬2) لعطف مؤمني أهل الكتاب على مؤمني العرب (¬3). وقوله تعالى: {إِليْكَ} الأصل في (إليك) و (عليك): (إلاك) و (علاك)، كما تقول: إلى زيد، وعلى زيد، إلا أن (الألف) غيرت مع الضمير (¬4)، وأبدلت (ياء) ليفصل بين (الألف) التي في آخر المتمكنة مثل: القفا والعصا، وبين الألف في أواخر غير المتمكنة [التي] (¬5) الإضافة لازمة لها، ألا ترى أن (إلى) و (على) و (لدى) (¬6) لا تنفرد من الإضافة (¬7). وقوله تعالى: {هُمْ يُوقِنُونَ}. دخلت (هم) توكيدًا، يسميه الكوفيون: عمادا، والبصريون: فصلاً (¬8). ¬
و {يُوقِنُونَ} أصله (يُيْقِنون)، لأنه (يُفْعِلون) من اليَقين، فلما سكنت (الياء) وانضم ما قبلها صارت (واوا) (¬1)، كما صارت (الواو) (ياء) لكسرة ما قبلها (¬2) في قولك: إيثاق وإيشال (¬3) وميثاق وميعاد. واليقين: هو العلم الذي يحصل بعد (¬4) استدلال ونظر، لغموض المنظور (¬5) فيه أو لإشكاله على الناظر (¬6)، يقوي ذلك قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ} [الأنعام: 75] ولذلك (¬7) لم يجز أن يوصف القديم سبحانه به، لأن علمه لم يحصل عن نظر واستدلال (¬8). ¬
5
ويقال: أَيْقَن بالأمر واسْتَيْقَن وتَيَقَّن كله واحد. ويقال في الثلاثي: يَقِنَ يَيْقَن يَقَناً فهو يَقِنٌ، واليَقِنُ: اليَقِين (¬1). وقوله تعالى: {وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ}. تخصيص بعد التعميم على قول مجاهد (¬2)، لأن الإيقان بالآخرة داخل في قوله: {يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} على التفسير الأول في (¬3) (الغيب) (¬4) ومثل هذا قوله: {الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2)} [العلق: 1، 2] عمَّ بقوله: {خَلَقَ} جميع المخلوقات، ثم خص بعد. 5 - قوله تعالى: {أُولَئِكَ عَلَى هُدًى} الآية. (أولاء) كلمة معناها الكناية عن جماعة، وهي لا تعرب لأنها اسم الإشارة، وكسرت الهمزة فيها لالتقاء الساكنين (¬5)، قال الله تعالى: {هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي} [طه: 84] ودخلت الكاف للمخاطبة كما ذكرنا في قوله (ذلك)، وفيه ثلاث لغات: (أولئك) و (أولاك) و (أولالك) (¬6). قال الشاعر: ¬
أولئك قومي لم يكونوا أُشابةً ... وهل يَعِظُ الضِّلِّيلَ إلا أولالكا (¬1) وقال آخر: أولاكَ بنو (¬2) خير وشرٍّ كليهما (¬3) ... جميعًا ومعروفٍ ألمَّ ومُنكرِ (¬4) فمن قال: (أولاك) قال: (هؤلا) مقصورًا (¬5)، قال أوس بن حجر: لعمرك إنّا والأحاليف هؤلا ... لَفي فتنةٍ أظفارُها لم تُقَلَّمِ (¬6) ¬
وكتبت (¬1) الواو في {أُولَئِكَ} لئلا يشتبه في الكتابة بـ (إليك) وأشار بقوله: (أولئك) إلى الموصوفين بالصفات المتقدمة (¬2). ومحله رفع بالاستئناف (¬3). وقوله تعالى: {عَلَى هُدًى} معنى: (على) كمعنى: (فوق) (¬4). وهي (¬5) تكون: اسما وحرفا (¬6)، يقول: عليه مال (¬7)، فهذا حرف، وكأنه شيء اعتلاه. وقول الشاعر: غَدَتْ مِنْ عليه تنفُضُ الطَّلَّ بعدما ... رأتْ حاجبَ الشمسِ استوى فترفَّعا (¬8) ¬
فهذا اسم لدخول (من) عليها (¬1)، كأنه قال: غدت تنفض الطل من فوقه. وقوله تعالى: {هُمُ اَلمُفلِحُونَ}. (هم) دخلت فصلا (¬2)، وإن شئت كان تكريرا للاسم، كما تقول: زيد هو العالم، ترفع (¬3) (زيدا (¬4)) بالابتداء، و (هو) ابتداء ثان، و (العالم) خبر له (¬5)، وهما جميعا خبر لزيد، وكذلك قوله: {وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}. وإن شئت جعلت (هو) فصلا، وترفع (زيدا)، و (العالم) على الابتداء والخبر، والفصل هو الذي يسميه (¬6) الكوفيون عماداً. قال سيبويه (¬7): دخل الفصل في قوله: {تَجِدُوهُ عنِدَ اللهِ هُوَ خَيراً} [المزمل:20]. وفي قوله: {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ} (¬8) [آل عمران: 180]. وفي قوله: {وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ ¬
الْحَقَّ} [سبأ: 6]، وفي قوله: {إِن كاَنَ هَذَا هُوَ اَلحَقَّ مِن عِندِكَ} [الأنفال:32]. وذكر أن [هذا] (¬1) بمنزلة (ما) (¬2) اللغو (¬3) في قوله: {فبَمَا رحمَةٍ} [آل عمران: 159]. وقوله {الْمُفْلِحُونَ} قال أبو عبيد (¬4): أصل الفلاح: البقاء (¬5)، وأنشد للأضبط (¬6) بن قريع (¬7) السعدي: لِكلِّ هَمِّ من الهموم سَعَةْ ... والمُسْيُ والصبحُ لا فلاحَ مَعَهْ (¬8) يقول: ليس مع كر الليل والنهار بقاء. ومنه قول عَبِيد (¬9): ¬
أفلِحْ بما شئتَ فقد يُبلَغ بالـ ... ـضَّعف (¬1) وقد يُخْدَعُ الأريبُ (¬2) يقول: عش بما (¬3) شئت من عقل أو حمق، فقد يرزق الأحمق ويحرم العاقل. قال: وإنما قيل لأهل الجنة: مفلحون، لفوزهم ببقاء الأبد، ومن هذا يقال للسحور (¬4): الفلح والفلاح، أي: أن (¬5) به بقاء الصوم (¬6). الحراني عن ابن السكيت (¬7) الفلح والفلاح: البقاء، وأنشد لعدي بن زيد: ثم بعد الفلاح والرشد والإ ... مَّة وارَتْهمُ هناك القبورُ (¬8) وقال الأعشى: ¬
ولَئن كُنَّا كقومٍ (¬1) هلكوا ... ما لِحَيٍّ يا لَقومٍ مِنْ فَلَحْ (¬2) وقال لبيد: نَحُلّ بلاداً كلُّها (¬3) حُلَّ قبلنا ... ونرجو الفلاحَ بعد عادٍ وحِمْيَرِ (¬4) هذا معنى الفلاح في اللغة. ثم يقال لكل من ظفر ببغيته وأصاب خيرا: أفلح (¬5)، وقال (¬6) لبيد: اعْقِلي إن كنت لمّا تَعْقِلي ... ولقد أفلحَ مَنْ كان عَقَلْ (¬7) يعني: ظفر بحاجته ووصل إلى بغيته (¬8)، وهو راجع إلى معنى البقاء، لأن البقاء هو سبب إدراك البغية ونيل المطلوب. فمعنى قوله: {الْمُفْلِحُونَ} أي: هم الذين أدركوا البغية، ووجدوا ¬
6
البقاء في الدار الآخرة في النعيم المقيم (¬1). وحكم لهم بالفلاح ولم يصلوا بعد إلى الجنة، لأن المعنى أنهم يصلون إلى البغية والبقاء بكونهم على الهدى، أو كأنهم قد وصلوا للثقة بالموعود لهم. وقيل: هم على هدى في الحال، وهم المفلحون في المآل. 6 - قوله تعالى: {إِنَّ الذين كَفَرُوا} الآية. {إِنَّ} الثقيلة تكون منصوبة الألف وتكون مكسورة الألف. فإذا (¬2) كانت مبتدأة ليس قبلها شيء تعتمد (¬3) عليه، أو جاءت بعدها (لام) مؤكدة يعتمد عليه (¬4) أو جاءت بعد القول وما تصرف (¬5) منه، وكانت حكاية: كسرت الألف، وفيما سوى ذلك تنصب (¬6). ومعناها في الكلام: التوكيد، وهي التي تنصب الأسماء وترفع الأخبار، وإنما نصبت ورفعت، لأنها تشبه بالفعل، وشبهها أنها لا تلي الأفعال ولا تعمل فيها، وأنها يذكر بعدها الاسم والخبر، كما يذكر بعد الفعل الفاعل والمفعول، إلا أنه قدم المفعول فيها ليفصل بين ما يشبه بالفعل وليس لفظه لفظ الفعل (¬7)، وبين ما يشبه بالفعل ولفظه لفظ الفعل، ¬
نحو (كان) وبابه (¬1). وقوله تعالى: {كَفَرُوا} معنى الكفر في اللغة: التغطية. أقرأني أحمد بن محمد بن عبد الله بن يوسف العروضي (¬2) -رحمه الله- قال: أخبرني الأزهري، عن المنذري، عن الحراني، عن ابن السكيت قال: إذا لبس الرجل فوق درعه ثوباً فهو كافر، وقد كفر فوق درعه، وكل ما غطى شيئاً فقد كفره. ومنه قيل لليل: كافر، لأنه ستر بظلمته وغطى، وأنشد لثعلبة بن صُعَير المازني (¬3): فتذكّرا ثَقَلًا رثيداً بعدما ... ألقت ذكاءُ يمينَها في كافرِ (¬4) أي: الليل. ومنه يسمى الكافر كافراً، لأنه ستر نعم الله. ¬
ويقال: رماد مكفور، أي: سَفَت عليه الريح التراب حتى وارته، قال الراجز: قد درسَتْ (¬1) غير رمادٍ مكفورْ ... مكتئبِ اللون مَريحٍ ممطورْ (¬2) وقال آخر (¬3): فوردَتْ قبلَ انبلاجِ (¬4) الفَجْرِ ... وابنُ ذُكاءٍ كامنٌ فى كَفْرِ (¬5) أي: فيما يواريه من سواد الليل، وقد كفر الرجل متاعه [أي:] (¬6) أوعاه في وعاء (¬7). ¬
وقال ابن المظفر (¬1): سمي الكافر: كافراً، لأن الكفر غطى قلبه كله. قال الأزهري: وهذا يحتاج إلى إيضاح. وهو: أن (الكفر) في اللغة: التغطية، فالكافر معناه: ذو الكفر، ذو تغطية لقلبه بكفره، كما يقال للابس السلاح: كافر، وهو الذي غطاه السلاح. ومثله: رجل كاس أي: ذو كسوة، وناعل: ذو نعل (¬2). وقول ابن (¬3) السكيت في معنى الكافر أبين وأصح (¬4). والنعمة التي أنعم الله على العبد فكفرها (¬5) الكافر، أي: سترها، هي الهدى والآيات التي أبانت لذوي التمييز أن الله واحد لا شريك له، فمن لم يصدق بها وردها فقد كفر النعمة، أي: سترها وغطاها. ويجوز أن يقال: إن الكافر لما دعاه الله إلى توحيده فقد دعاه إلى نعمة أوجبها له إذا أجابه إلى ما دعاه إليه، فإذا لم (¬6) يجب كان كافرا لتلك النعمة، أي: مغطيا لها، مكذبًا بها، حاجبا لها عنه (¬7). قال شمر: قال بعض أهل العربية (¬8): الكفر على أربعة أنحاء: كفر إنكار، وكفر جحود، وكفر معاندة، وكفر نفاق، من لقي ربه بشيء من ذلك ¬
لم يغفر له. فأما كفر الإنكار: فهو أن يكفر بقلبه ولسانه ولا يعرف ما يذكر له من التوحيد. وكذلك روي في تفسير قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ} [البقرة: 6]، أي: الذين كفروا بتوحيد الله. وأما كفر الجحود: فأن يعرف بقلبه ولا يقر بلسانه، فهذا كافر جاحد ككفر إبليس، وكفر أمية بن أبي الصلت (¬1)، ومنه قوله تعالى: {فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ} [البقرة: 89]، يعني: كفر الجحود. وأما كفر المعاندة: فهو أن يعرف بقلبه ويقر بلسانه، ويأبى أن يقبل، ككفر أبي طالب حيث يقول: ولقد علمتُ بأنّ (¬2) دين محمد ... من خير أديان البرية دينا (¬3) لولا الملامةُ أو حِذارُ مسَبّةٍ ... لوجدتَني سمحاً (¬4) بذاك متينا (¬5) ¬
وأما كفر النفاق: فأن يقر بلسانه ويكفر بقلبه. قال (¬1): والكفر -أيضا- يكون بمعنى: البراءة، كقول الله عز وجل خبرًا عن الشيطان {إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ} [إبراهيم: 22]، أي تبرأت (¬2). ويقال: كفر كفراً وكفوراً، كما يقال: شكر شكراً وشكوراً (¬3) قال الله تعالى: {فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا} [الإسراء:89]. وقوله تعالى: {سَوَآءُ عَلَيهِم}. السواء (¬4)، والعدل، والوسط، والقصد، والنصف: ألفاظ متقاربة في المعنى. يقال للعدل: السواء، قال زهير (¬5). أرُوني (¬6) خُطَّةً لا خَسْفَ فيها ... يُسَوِّي (¬7) بيننا فيها السَّوَاءُ (¬8) ¬
وأنشد أبو زيد لعنترة (¬1): أبَينا فلا نُعطي السَّواءَ عدوَّنا ... قيامًا بأعضاد السَّراءِ المُعَطَّفِ (¬2) و (السواء): وسط الشيء، ومنه قوله: {فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ} (¬3) [الصافات: 55]. و (سواء) مأخوذ من الاستواء والتساوي، وهو الاعتدال (¬4)، قال الشاعر: وليلٍ يقولُ المرءُ من ظلماته ... سواءٌ صحيحاتُ العيونِ وعُورُها (¬5) أي: معتدلة في البصر والإدراك. وقالوا: سِيٌّ بمعنى: سواء، كما قالوا: قِيّ وقَواء (¬6)، ولا يثنى (سواء) كما ثني (سيان) وإن كانوا قد جمعوه جمع التكسير في قولهم: ¬
(سواسية) (¬1). قال أبو الهيثم (¬2): يقال فلان وفلان سواء (¬3)، أي: متساويان، وقوم سواء، لأنه مصدر، لا يثنى ولا يجمع. قال الله عز وجل: {لَيسُواْ سَوَآء} [آل عمران: 113] أي: ليسوا مستوين (¬4)، وإذا قلت: سواء عليّ، احتجت أن تترجم عنه بشيئين، كقولك: سواء حرمتني أو أعطيتني. وحكى السكري عن أبي حاتم إجازة تثنية (سواء) (¬5). قال أبو علي الفارسي: لم يصب ابن (¬6) السجستاني في ذلك، لأن الأخفش وأبا عمر الجرمي (¬7) زعما (¬8) أن ذلك لا يثنى، كأنهم استغنوا بتثنية (سي) (¬9) عن تثنية (سواء)، كما استغنوا عن (ودع)، بـ (ترك) (¬10). وأنشد أبو زيد: ¬
هلاّ، (¬1) كوصل ابن عمّارٍ تُواصلني ... ليس الرجالُ وإن سُوُّوا بأسواءِ (¬2) فـ (أسواء): ليس يخلو من (¬3) أن يكون جمع (سي) [أو (سواء) فإن كان جمع (سي)] (¬4) فهو كـ (مثل) و (أمثال) و (نقض) و (أنقاض)، وإن كان جمع (سواء) فهو كقولهم في النعت (¬5): جواد وأجواد، وفي الاسم: حياء الناقة وأحياء، ولا يمتنع جمعه، وإن كانوا لم يثنوه كما لم يمتنعوا من جمعه على سواسية (¬6). وقوله تعالى: {ءَأَنذَرتَهُم} (¬7). الإنذار: إعلام مع تخويف، فكل منذر معلم، وليس كل معلم منذراً (¬8). وأنذرت يتعدى إلى مفعولين كقوله تعالى: {فَقُل أَنذَرتُكُم صعِقَةً} [فصلت: 13] وقوله: {إِنَّا أَنذَرناكم عَذَابًا قَرِيبًا} [النبأ: 40] ويقال: أنذرتُه فنَذِرَ، أي: علم بموضع الخوف (¬9). ¬
و (النذر) ما يجعله الإنسان على نفسه إن سلم مما يخافه (¬1). وقد جاء: النذير والنذر مصدرين كالإنذار (¬2)، فجاء المصدر على: (فعيل) و (فعل). وفي القرآن {فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ} (¬3) وفيه {فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ} [القمر: 16]. وقيل في قوله: {نَذِيَرًا لِلْبَشَرِ} [المدثر: 36]: إنه مصدر في موضع الحال من قوله: {إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ} [المدثر: 35]، كما تقول (¬4): جاء (¬5) ركضاً. فتجعل المصدر حالاً (¬6). وجعل (نذير) أيضًا مصدراً في قوله: {وَجَآءكُمُ اَلنذِير} [فاطر: 37] إذا فسر بأنه الشيب (¬7). ¬
وفي قوله: {ءَأَنذَرتَهُم} وجهان من القراءة (¬1) تحقيق الهمزتين، وتليين الثانية (¬2). فمن حققهما (¬3) فحجته (¬4): أن الهمزة حرف من حروف الحلق، فجاز أن يجتمع مع مثله كسائر الحروف الحلقية، نحو: فَهَّ (¬5) وفَهِهْتُ، وكَعَّ (¬6) وكَعَعْتُ، كذلك حكم الهمزة. ومما يقوّي ذلك قولهم: (رَأّس) (¬7) وسأّل، (تذأَّبت الريح) (¬8)، و (رأيت (¬9) الرجل). وكما جمع الجميع بينهما إذا كانتا عينين، كذلك يجوز الجمع بينهما في غير هذا الموضع (¬10). ¬
وحجة من خفف (¬1) الثانية: أن القرب قد رفضت جمعهما (¬2) في مواضع من كلامهم، من ذلك أنهما (¬3) لما اجتمعتا في (آدم) و (آدر) و (آخر) ألزموا جميعا الثانية البدل (¬4) ولم يحققوها. ولما كسروا وحقروا جعلوا هذه المبدلة بمنزلة مالا أصل له في الهمزة فقالوا: أواخر وأويخر (¬5)، فأبدلوا منها (الواو)، كما أبدلوها مما هو ألفط لا يناسب (¬6) الهمزة، نحو: ضوارب وضويرب، وفي هذا دلالة بينة على رفضهم اجتماعهما. ألا تراهم لم يرجعوها (¬7) في التحقير والتكسير، كما رجعوا (الواو) في: ميقات وميعاد (¬8)، و (الياء) في: موسر (¬9)، في قولهم: مواقيت ومياسير، وفي ذلك دلالة بينة على رفضهم لجمعها (¬10). ومن ذلك أيضا أنا لم نجد كلمة عينها همزة ولامها كذلك، كما ¬
وجدنا في سائر أخوات الهمزة من الحلقية كقولهم: مهاه (¬1)، فهّ (¬2)، و {يَدُعُّ الْيَتِيمَ} [الماعون: 2]، و (مح) (¬3) و (ألح) و (مخ) (¬4). فإذا لم يجمعوا بين الهمزتين في المواضع (¬5) التي جمع فيها بين أخواتها (¬6)، دل ذلك على رفضهم (¬7) لجمعها (¬8). ومن ذلك (¬9) أنهم ألزموا باب (رزيئة) و (خطيئة) (¬10) القلب (¬11) في الجمع، لما يؤدي اجتماع الهمزتين، فقالوا: (خطايا) و (رزايا) (¬12)، فلو ¬
كان لاجتماعهما عندهم مساغ ما رفضوا ذلك الأصل، كما أنه لو كان لتحرك العينات في نحو: (قال) و (باع) مجاز، ما ألزموها القلب (¬1). فإن قيل: فقد حكى عن بعضهم: (خطائئ) بتحقيق الهمزتين (¬2)؟ قيل: هذا يجري مجرى الأصول المرفوضة (¬3) نحو: ............. ضننوا (¬4) ........... والأظلل (¬5) ولا يعتد بذلك (¬6). ¬
ومن ذلك أيضا أنهم إذا بنوا اسم فاعل من (¬1) (ناء) و (شاء) [و (جاء) (¬2) قالوا: (شاءٍ) (¬3)] و (ناءٍ) (¬4)، فرفضوا الجمع بينهما ورفضوه في هذا الطرف كما رفضوه أولا في: (آدم) و (آخر) (¬5). ومن ذلك أيضًا أن من قال: هذا فرجّ، وهو يجعلّ، فضاعف (¬6) في الوقف حرصاً على البيان، في يضاعف نحو: (البناء) (¬7)، و (الرشاء)، لكنه رفض (¬8) هذا الضرب (¬9) من الوقف، وما كان يحرص عليه من البيان لما كان يلزمه الأخذ بما تركوه، والاستعمال لما رفضوه من اجتماع الهمزتين (¬10). وإذا كان الأمر على هذا (¬11)، فالجمع في: {أَأَنْذَرْتَهُمْ} (¬12) أقبح من الجمع في كلمتين منفصلتين، نحو: قرأ أبوك، ورشاء أخيك، لأن الهمزة ¬
الأولى من {أَأَنْذَرْتَهُمْ} تنزل منزلة ما هو من الكلمة نفسها، لكونها على حرف مفرد (¬1)، ألا ترى أنهم قالوا (¬2): لهو ولهي، فخففوا كما خففوا: عضدا (¬3)، فكذلك الهمزة الأولى، لما لم تنفصل من الكلمة صارت بمنزلة التي في آخر (¬4). فأما إذا كانتا (¬5) من كلمتين، فاجتماعهما في القياس أحسن من هذا (¬6)، ألا ترى أن المثلين إذا كانا في كلمة نحو: يرد ويعض، لا يكون فيها (¬7) إلا الإدغام. ولو كانا منفصلين نحو: (يد داود)، لكنت (¬8) في الإدغام والبيان بالخيار. فعلى هذا تحقيق الهمزتين في: {أَأَنْذَرْتَهُمْ} (¬9) -وما أشبهه- أبعد منه في الكلمتين المنفصلتين. ومما يقوي ترك الجمع بين الهمزتين: أنهم قالوا في جمع (ذؤابة): ذوائب، فأبدلوا (¬10) من الهمزة التي هي عين (¬11) (واوا) في التكسير كراهة ¬
للهمزتين مع فصل حرف بينهما. فإذا كرهوهما مع فصل حرف بينهما حتى أبدلوا الأولى منهما، فأن (¬1) يكرهوهما غير مفصول بينهما بشيء أجدر (¬2). وأيضاً فإنهم كرهوا (¬3) الهمزة المفردة حتى قلبوها أو حذفوها، وذلك إجماعهم (¬4) في (¬5) (يرى) (¬6) على حذف الهمزة (¬7)، فلما كرهوا ذلك في الإفراد وجب أن لا يجوز في المتكرر (¬8) إلا التغيير. وإذا كان الجمع بينهما في [البعد على هذا، فالجمع بينهما في] (¬9): (أئمة) (¬10) أبعد، لأن الهمزتين لا تفارقان الكلمة (¬11)، وهمزة الاستفهام قد تسقط في الإخبار وغيره، فلما كانت أشد لزومًا للكلمة كان التحقيق ¬
فيها أبعد (¬1). وأما أبو عمرو فكان يلين الثانية ويجعل بينهما مدة (¬2). وحجته: أنه وإن خفف الثانية بأن جعلها بين الألف والهمز، فذلك لا يخرجها عن أن تكون همزة متحركة، وإن كان الصوت بها أضعف؛ ألا ترى أنها إذا كانت مخففة في الوزن مثلها إذا كانت محققة (¬3)، فلولا ذلك لم يتزن (¬4) قوله (¬5): .... آأنتَ (¬6) زيد الأراقم (¬7) ¬
لأنه يجتمع (¬1) ثلاث سواكن، وإذا كان كذلك فتجعل (¬2) بينهما (مدة)، لئلا تكون جامعاً بين الهمزتين. وقوله تعالى: {ءَأَنذَرتَهُم}: لفظه لفظ الاستفهام (¬3)، ومعناه الخبر، ومثل ذلك قولك: ما أبالي (¬4) أشهدت أم غبت، وما أدري أأقبلت (¬5) أم أدبرت. وإنما جرى عليه لفظ الاستفهام وإن كان خبرا، لأن فيه التسوية التي في الاستفهام، ألا ترى أنك إذا استفهمت فقلت: أخرج زيد أم أقام؟ فقد استوى الأمران عندك في الاستفهام، وعدم علم أحدهما بعينه، كما أنك (¬6) إذا أخبرت (¬7) فقلت. سواء عليّ أقعدت أم قمت، فقد سويت الأمرين ¬
عليك، فلما عمتهما التسوية، جرى على هذا الخبر لفظ الاستفهام، لمشاركته له في الإبهام، فكل استفهام تسوية، وإن لم يكن كل تسوية استفهاما (¬1). وحرر أبو إسحاق هذا الفصل فقال (¬2): إنما (¬3) دخلت ألف الاستفهام وأم التي هي للاستفهام (¬4)، والكلام خبر، لمعنى التسوية، والتسوية آلتها (¬5) الاستفهام وأم. تقول من ذلك (¬6): أزيد في الدار أم عمرو؟ فإنما دخلت الألف وأم، لأن علمك (¬7) قد استوى في زيد وعمرو، وقد علمت أن أحدهما في الدار لا محالة، ولكنك استدعيت (¬8) أن يبين (¬9) لك الذي علمت ويلخص (¬10) لك علمه من غيره، ولهذا تقول (¬11). قد علمت أزيد في الدار أم عمرو، وإنما تريد أن تسوي عند من تخبره العام الذي قد خلص ¬
عندك (¬1). ولا يجوز هاهنا (أو) مكان (أم) لأن (أم) للتسوية بين الشيئين، و (أو) إنما هي لأحد شيئين (¬2)، يدلك (¬3) على هذا أن (أم) (¬4) تكون مع الألف بتأويل (أي) فإذا قلت: أزيد عندك أم عمرو؟ فكأنك قلت: أيهما (¬5) عندك، [وإذا قلت: أزيد عندك أو عمرو؟ لم يكن على معنى: أيهما عندك (¬6)]، هذا اختلاف الجواب، لأنك إذا قلت: أزيد عندك أم عمرو؟ فجوابه: زيد أو عمرو (¬7)، وكذلك في (أي) جوابه أن يذكر أحد الاسمين بعينه، فأما إذا قلت: أزيد عندك أو عمرو؟ فجوابه: نعم أو لا، فهذا فرق بينهما واضح (¬8). ومثل هذه الآية قوله (¬9): {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ} [المنافقون: 6]، وقوله: {سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا} [إبراهيم: 21] و {سَوَاءٌ} في الآية رفع بالابتداء، ويقوم {أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ} مقام الخبر في المعنى، كأنه بمنزلة قولك: (سواء عليهم الإنذار وتركه) لا ¬
في الإعراب، لأنك إذا قدرت هذا التقدير في الإعراب صار {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ} خبراً مقدَّمًا (¬1). والجملة في موضع رفع، بأنها (¬2) خبر {إن} (¬3). ويجوز أن يكون خبر {إن} قوله: {لَا يؤْمِنُونَ} كأنه قيل: (إن الذين كفروا لا يؤمنون سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم). فيكون قوله: {سَوَآءٌ عَلَيهمءَأَنذَرتَهُم} جملة معترضة بين الاسم والخبر، وجاز ذلك، لأنه تأكيد لامتناعهم عن الإيمان (¬4)، ولو كان كلاماً أجنبياً لم يجز اعتراضه بينهما، وسترى لهذا (¬5) نظائر. ومعنى: {سَوَآءٌ عَلَيْهِم} أي: معتدل متساو، و {سَوَآءٌ} اسم مشتق من التساوي. يقول: هما عندي سواء، ومنه قوله {فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ} [الأنفال: 58]، يعني: أعلمهم (¬6) حتى يستوي علمك وعلمهم (¬7). و {سَوَآءٌ اَلْجَحِيمِ} [الصافات:55] وسطه، لاستواء مقادير نواحيه إليه. ¬
وقول القائل: (سواك وسواءك) (¬1) أي (¬2): من هو في مكانك بدلا منك لاستوائه (¬3) في مكانك. قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في اليهود الذين كانوا بنواحي المدينة (¬4) على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وهذا القول اختيار ابن جرير، قال: لأن الله تعالى إنما ذكر هؤلاء عقيب مؤمني أهل الكتاب، فذكر بعد مؤمنيهم كافريهم، والكلام بعضه لبعض تبع (¬5). وقال الضحاك: نزلت في أبي جهل وخمسة (¬6) من أهل بيته (¬7). وقال الربيع: نزلت في قادة الأحزاب يوم بدر (¬8)، وكذلك الآية التي بعدها. ¬
7
قال أبو العالية: لم يسلم منهم إلا رجلان، وكانا مغموصاً عليهما في دينهما (¬1)، أحدهما: أبو سفيان (¬2)، والأخر: الحكم بن أبي العاص (¬3). ثم ذكر الله تعالى سبب تركهم الإيمان فقال: 7 - {خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِم} الآية. (الختم) في اللغة بمعنى: الطبع، والخاتم: الفاعل. وأصله من آخر الشيء (¬4)، ومنه قوله تعالى: {خِتَامُهُ مِسْكٌ} [المطففين: 26]، قال ابن مسعود: عاقبته (¬5) طعم المسك (¬6) وروي ¬
عن الحسن: مقطعه مسك (¬1). و {رَّحِيقٍ مَخْتُومٍ} [المطففين: 25]: له ختام، أي عاقبه، قاله أبو عبيد (¬2)، ومنه: خاتم النبيين، أي آخرهم (¬3). قال الليث: وخاتمة السورة: آخرها، وخاتم كل شيء: آخره (¬4). ومنه ختم القرآن، لأنه حال الفراغ من قراءته، وختم الكتاب عند طيه والفراغ منه (¬5). وقيل في قول ابن مقبل (¬6) يصف الخمر: بالفُلْفُلِ الجَوْنِ والرُّمَّانِ مَخْتومُ (¬7) ¬
أي لآخرها طعم الفلفل والرمان. قال الأزهري: أصل الختم: التغطية، وختم البذر (¬1) في الأرض إذا غطاه (¬2). وقال أبو إسحاق: معنى: ختم وطبع (¬3) في اللغة واحد، وهو التغطية على الشيء، والاستيثاق منه بأن لا يدخله شيء، كما قال: {أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [محمد: 24]، وكذلك قوله: {طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ} (¬4) هذا كلام أبي إسحاق. واعلم أن الختم على الوعاء يمنع (¬5) الدخول فيه والخروج منه، كذلك الختم على قلوب الكفار يمنع دخول الإيمان فيها وخروج الكفر منها، وإنما يكون ذلك بأن يخلق الله الكفر فيها (¬6)، ويصدهم عن الهدى، ¬
ولا (¬1) يدخل الإيمان في قلوبهم كما قال: {وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ} [الجاثية: 23]. فأما قول من قال: معنى {خَتَمَ اَللَّهُ عَلىَ قُلُوبِهِم}: حكم الله بكفرهم (¬2)، فغير صحيح، لأن أحدنا يحكم بكفر الكافر، ولا يقال (¬3): ختم على قلبه. وذهب بعض المتأولين من القدرية إلى أن معنى {ختم الله على قلوبهم}: وسمها سمة (¬4) تدل (¬5) على أن فيها الكفر، لتعرفهم الملائكة بتلك السمة، وتفرق (¬6) بينهم وبين المؤمنين الذين في قلوبهم الشرع (¬7). قال: والختم والطبع واحد، وهما سمة وعلامة في قلب المطبوع ¬
على قلبه (¬1). وهذا باطل, لأن الختم في اللغة ليس هو الإعلام، ولا يقال: ختمت على الشيء بمعنى: أعلمت عليه ومن حمل الختم على الإعلام فقد تشهى على أهل اللغة، وجر كلامهم إلى موافقة عقيدته. وقوله تعالى {عَلىَ قُلُوبِهِم}. قال الليث: القلب مضغة من الفؤاد، معلقة بالنياط (¬2). وكأنه أخص من الفؤاد، ولذلك (¬3) قالوا: أصبت حبة قلبه، وسويداء قلبه. وقيل: القلوب والأفئدة: قريبان من السواء (¬4). وقال بعضهم: سمي القلب قلبا لتقلبه (¬5)، وأنشد: ما سمي القلب (¬6) إلا من تقلبه ... والرأي (¬7) يصرف بالإنسان أطوارا (¬8) وقوله تعالى: {وَعَلَى سَمْعِهِمْ}. وحد السمع، لأنه مصدر، والمصادر ¬
لا تثنى ولا تجمع، [لأن المصدر ينبئ عن الفعل، فهو بمنزلة الفعل، والفعل لا يثنى ولا يجمع (¬1)] (¬2). وقال ابن الأنباري: أراد (¬3): وعلى مواضع سمعهم، فحذف المضاف، كما تقول العرب: تكلم المجلس، وهم يريدون أهله، وحذف المضاف كثير في التنزيل والكلام (¬4). وقيل: اكتفى من الجمع بالواحد (¬5)، كما قال الراعي (¬6): بها جيف الحسرى فأما عظامها ... فبيض وأما جلدها فصليب (¬7) ¬
وقال الله تعالى: {يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ} [الشورى: 45]، وهو كثير جدًّا. وقال سيبويه (¬1): توحيد السمع يدل على الجمع، لأنه توسط جمعين، كقوله: {يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} [البقرة: 257]، وقوله: {عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ} [النحل: 48]. وتم الكلام (¬2) ههنا (¬3). ثم قال: {وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ} الأبصار جمع البصر، والبصر العين، إلا أنه مذكر، ويقال: تبصرت الشيء بمعنى رمقته (¬4)، ومنه قول زهير: تبصر خليلي هل ترى من ظعائن ... ............. البيت (¬5) ¬
والغشاوة الغطاء (¬1)، ويقال للجلدة التي على الولد: غشاوة، ومنه غشى على المريض إذا دير به، لأنه لبسةٌ من حال المرض، ومنه غاشية السرج (¬2). وفيه ثلاث لغات: ضم الغين وفتحها وكسرها (¬3). والأفصح الكسر، لأن كل ما كان مشتملاً على شيء فهو مبني على (فعالة) كالعمامة والقلادة والعصابة. وكذلك أسماء الصناعات، لأن معنى الصناعة الاشتمال على (¬4) كل ما فيها، نحو: الخياطة والقصارة، وكذلك كل من استولى، فاسم ما استولى عليه الفعالة نحو: الخلافة والإمارة (¬5). قال أبو علي الفارسي: ولم أسمع منه فعلاً متصرفا بالواو، ولامه (ياء) لأنك تقول: غشي يغشى، والغشيان وغشيته أي: ألبسته وسترته، والغشاوة من الغشيان كالجباوة من جبيت، في أن (الواو) كأنها بدل من (الياء) إذ (¬6) لم يصرف منه فعل بالواو كما لم يصرف من الجباوة (¬7). ¬
والأشهر في القراءة رفع الغشاوة (¬1)، لأنها لم تحمل على (ختم)، ألا ترى أنه قد جاء في الأخرى {وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً} [الجاثية: 23]، فلما (¬2) لم تحمل في هذه على (ختم) كذلك لا تحمل هاهنا (¬3)، وبقطعها عن ختم فتكون مرفوعة (¬4) بعلى (¬5). وقرأ المفضل (¬6) {غِشَاوَةٌ} بالنصب (¬7). وله وجهان: ¬
أحدهما (¬1): أن تحمل على الفعل، كأنه قال: وختم على قلبه غشاوة، أي: بغشاوة فلما حذف الحرف وصل الفعل، ومعنى ختم عليه بغشاوة: مثل جعل على بصره غشاوة. ألا ترى أنه إذا ختمها بالغشاوة فقد جعلها فيها، والدليل على جواز حمل غشاوة على ختم هذا الظاهر قوله: {أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ} [النحل: 108]، وطبع في المعنى كختم، وقد حملت الأبصار على (طبع)، فكذلك (¬2) تحمل (¬3) على (ختم) (¬4). والوجه الثاني: ما قاله الفراء (¬5)، وهو أنه نصبها بإضمار (وجعل)، كقوله في الجاثية: {وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً} [الجاثية: 23]. والكلام إذا اجتمع ودل أوله على آخره حسن الإضمار، كقولك: أصاب فلان المال، فبنى الدور والعبيد والإماء واللباس، فـ (بنى) لا يقع على العبيد (¬6) وإلاماء، واللباس فبنى لا يقع على العبيد والإماء ولكنه (¬7)، صفات اليسار، فحسن الإضمار لما عرف، ومثله كثير. والذي لا يحسن من الإضمار (¬8) ما يشتبه ولا يعرف المعنى، كقولك: ضربت فلانًا وفلانًا، ¬
وأنت تريد بالثاني: قتلت، لأنه ليس هاهنا دليل، وكذلك قولك: قد أعتقت يساراً أمس وآخر اليوم، وأنت تريد: واشتريت آخر اليوم، فهذا لا يجوز، لأنه مختلف (¬1). قال الزجاج في هذه الآية: إنهم كانوا يسمعون ويبصرون ويعقلون، ولكن لم يستعملوا (¬2) هذه الحواس استعمالاً يجدي عليهم، فصاروا كمن لا يعقل ولا يسمع ولا يبصر (¬3). وقوله تعالى: {وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}. (العذاب): كل ما يُعَنَي الإنسان ويشق عليه، وذكرت اشتقاقه عند قوله: {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} [البقرة: 10]. و (العظيم) فعيل من العظم، ومعنى العظم: هو كثرة المقدار في الجثة (¬4)، ثم استعير ذلك في الصفات، فقيل: كلام عظيم، [وأمر عظيم، أي: عظيم (¬5)] القدر، يريدون به المبالغة في وصفه، ومن هذا الباب العظام، لأنها من (¬6) أكبر ما ركب منه البدن، فالعظم في الأصل الزيادة على المقدار (¬7)، ثم ينقسم إلى عظم الأجسام، وعظم الشأن (¬8)، وهو ¬
8
منقول إلى عظم الشأن (¬1) من عظم الجثة، وكثر استعماله حتى صار حقيقة في الموضعين (¬2). ومعنى وصف العذاب بالعظم، هو المواصلة بين أجزاء الآلام بحيث لا تتخللها (¬3) فرجة، أو إحداث ألم في كل جزء، أو (¬4) يخلق ألما أشد من ألم. 8 - قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ} الآية. روى ثعلب عن سلمه (¬5) عن الفراء (¬6) قال: يكون (¬7) (من) ابتداء غاية، ويكون بعضًا، ويكون صلة، قال الله: {وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ} [يونس: 61]. المعنى: مثقال ذرة (¬8). قال أبو عبيد (¬9): والعرب تضع (من) مواضع (مذ) يقال: ما رأيته من [سنة، أي:] (¬10) مذ سنة. قال زهير: ¬
أقوين من حجج ومن شهر (¬1) أي: مذ حجج (¬2). ويكون (¬3) (من) بمعنى البدل، كقوله تعالى: {وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً} [الزخرف: 60]. معناه: بدلكم (¬4)، وسنذكره في موضعه. (¬5) وأما الأصل [في (الناس) (¬6)] فقد أقرأني العروضي قال: أقرأني الأزهري قال (¬7): (أخبرني المنذري عن أبي الهيثم (¬8) أنه سأله (¬9) عن (الناس) (¬10) ما أصله؟ ¬
قال: أصله أناس (¬1)، والألف فيه أصلية، ثم زيدت عليه اللام التي نزاد مع الألف للتعريف (¬2)، وأصل تلك اللام سكون أبدا (¬3)، فصار (الأناس) ثم كثر في الكلام، وكانت الهمزة واسطة فاستثقلوها (¬4) فتركوها (¬5)، ثم أدغموا اللام في النون فقالوا: الناس، فلما طرحوا الألف واللام قالوا: (ناس) (¬6). وقد استعمله الشاعر على الأصل فقال: إن المنايا يَطّلعـ ... ـنَ على الأناس الآمنينا (¬7) قال الأزهري: وهذا قول حذاق (¬8) النحويين (¬9). و (الناس) لفظ وضع ¬
للجمع، ولا واحد له من لفظه (¬1)، كالقوم والرهط والجيش، واختلفوا في تصغيره، فقيل: (أنيس) و (نويس). فمن قال: (أنيس) وهو قول أكثر النحويين (¬2)، دل على (¬3) أن أصله (أناس) لثبوت الهمزة في التصغير. ومن قال: نويس، جعل اشتقاق الناس من (النوس) وهو الاضطراب والحركة (¬4) يقال ناس ينوس إذا تذبذب وتحرك، وأناس إذا حرك (¬5). ومنه قول المرأة في حديث أم زرع: (أناس من حلي أذني) (¬6). ¬
قال (¬1): وسمي الناس ناسًا، لأن من (¬2) شأنهم الحركة على الاختيار العقلي، والواو في التصغير يدل على هذا الاشتقاق، وواحد الناس: إنسان، لا من لفظه. وكان في الأصل (إنسيان)، وهو فعليان، والألف فيه (فاء) الفعل، ومثله في الكلام (حرصيان) وهو الجلد الذي يلي الجلد الأعلى من (¬3) الحيوان، ورجل حذريان، إذا كان حذرا، وإنما قلنا: إن أصله إنسيان، لأن العرب لم تختلف في تصغيره على أنيسيان (¬4). قال الأزهري (¬5): وأصل الإنس، والإنسان، والناس، من آنس يؤنس (¬6) إذا أبصر، لأنهم يؤنسون، أي: يبصرون، كما قيل للجن: جن، لأنهم مجتنّون، لا يؤنسون أي: لا يبصرون (¬7). وقد روي عن ابن عباس أنه ¬
قال: عهد الله سبحانه إلى آدم فنسي فسمي إنساناً (¬1) وإن صح هذا فالهمزة تكون زائدة (¬2). وذكر أبو علي في "المسائل الحلبية" (¬3): أن الكسائي قال: إن الأناس (¬4) لغة، والناس لغة أخرى (¬5)، كأنه يذهب إلى أن (الفاء) محذوف من الناس، كما يذهب إليه سيبويه (¬6)، والدلالة على أنهما من لفظ واحد، وليسا من كلمتين مختلفتين أنهم قالوا: (الأناس) في المعنى الذي قالوا فيه (الناس) وقالوا: الإنس والأنس والإنسي والأناسي (¬7)، وإذا كان كذلك ثبت أن الهمزة (فاء) الفعل، وأن الألف من (أناس) زائدة (¬8)، وأن (فاء) الفعل من الناس هي الهمزة المحذوفة، وهذا من مبادئ التصريف وأوائله (¬9). ¬
ولو جاز لقائل أن (¬1) يقول: إن (ناسا) لسقوط الهمزة منه ليس من لفظ أناس، للزمه أن يقول: [قولهم (ويل أمه (¬2)) إذا حذفت الهمزة منه: ليست التي في (أمه) وأن يقول (¬3)]: (عدة) ليس من الوعد، لسقوط الواو منه التي هي (فاء) (¬4). وقوله تعالى: {مَن يَقُولُ}. روى سلمة، عن الفراء، عن الكسائي (¬5) قال: {مِنَ} يكون اسماً، ويكون شرطاً ويكون معرفة، ويكون نكرة، ويكون للواحد والاثنين (¬6) وللجميع، ويكون (¬7) للإنس (¬8) والملائكة والجن (¬9)، وهذه الوجوه كلها موجودة في التنزيل (¬10)، ستمر بك مشروحة ¬
إن شاء الله. وإعرابها: الوقف (¬1)، لأنها لا تتم إلا بصلة، فلا يكون الإعراب في (¬2) بعض الاسم (¬3). وقوله تعالى: {وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ} (اليوم) مقداره من لدن طلوع الشمس إلى غروبها، وجمعه: أيام، وكان الأصل (أيوام) واجتمعت الياء والواو، وسبقت إحداهما الأخرى بالسكون، فأدغمت (¬4). والآخر: نقيض المتقدم (¬5)، يعني باليوم الآخر: يوم القيامة، ويسمى (¬6) آخراً، لأنه (¬7) بعد أيام الدنيا، وقيل: لأنه (¬8) آخر يوم ليس بعده ليلة، والأيام إنما تتميز بالليالي (¬9)، فإذا لم يكن بعده ليل لم يكن بعده يوم على الحقيقة (¬10). وقوله تعالى: {وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ}. دخلت (الباء) مؤكدة لمعنى النفي، لأنك إذا قلت: (ما زيد أخوك) فلم يسمع السامع (ما) ظن أنك موجب، ¬
9
فإذا قلت: (ما زيد بأخيك) (¬1)، علم السامع أنك تنفي، وإن لم يسمع (ما) (¬2). وجمع في قوله: {وَمَا هُمْ} بعد التوحيد في {مَنْ يَقُولُ} لأن لفظ (¬3) (من) يصلح للواحد وللجميع (¬4). قال المفسرون: نزلت هذه الآيات في المنافقين (¬5) حين أظهروا كلمة الإيمان وأسرّوا الكفر (¬6). فأخبر الله سبحانه أنهم يقولون: إنا مؤمنون، ويظهرون كلمة الإيمان، ثم نفى عنهم الإيمان فقال {وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ} فدل أن حقيقة الإيمان ليس الإقرار فقط (¬7). 9 - قوله تعالى: {يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا} الآية. {يُخَادِعُونَ}: يفاعلون من الخدع والخداع. واختلف أهل اللغة في أصل الخداع، فقال قوم: (¬8) أصله من إخفاء ¬
الشيء (¬1)، قال الليث (¬2): أخدعت الشيء، أي أخفيته، قال: (¬3) ومن أمثال العرب (أخدَعُ من ضبِّ حرشتَه) (¬4)، وهو من قولك: خدع مني (¬5) فلان، إذا توارى ولم يظهر (¬6). والضبّ (¬7) إذا أروَحَ ريحَ الإنسان خَدَع (¬8) في جحره (¬9) فلم يخرج. وقال أبو العميثل (¬10): خدع (¬11) الضب إذا (¬12) دخل في ¬
وجاره (¬1). ومنه قول الأعرابي لعمر -رضي الله عنه- يصف قحوط المطر: خدعت الضباب وجاعت الأعراب (¬2). ويقال: خدع خير (¬3) الرجل، أي: قل وخفي. وخدعت الضبع في وجارها، وخدع الثعلب إذا أخذ في الروغان (¬4). قال (¬5) الليث: والأخدعان: عرقان في صفحتي العنق قد خفيا وبطنا (¬6). وطريق خدوع وخادع، إذا كان يبين (¬7) مرة ويخفى أخرى (¬8)، ومنه قول الطرماح (¬9): ¬
خَادِعَةُ المسلَكِ أرْصَادُهَا ... تُمسي (¬1) وُكُوَنًا فَوْقَ آرَامِهَا (¬2) قال أبو عبيد: قال أبو زيد: خدعته خِدْعا بكسر الخاء وخديعة، وأنشد قول رؤبة (¬3): فَقَدْ أُدَاهى (¬4) خِدْعَ من تَخَدَّعَا (¬5) وأجاز غيره (خَدْعا) بالفتح (¬6). وعلى هذا الأصل (¬7) معنى قوله: {يُخَادِعُونَ اللَّهَ} أي: يظهرون غير ما في نفوسهم، ليدرؤوا عنهم أحكام الكفار في ظاهر الشريعة من القتل والجزية وغيرهما. ولما كان القوم عملوا (¬8) عمل المخادع [قال الله تعالى: {يُخَادِعُونَ ¬
اللَّهَ} أي: يعملون عمل المخادع، ليس أن خداعهم يخفى على الله (¬1). وقال آخرون: أصل الخداع والخدع من الفساد (¬2) روى ثعلب عن ابن الأعرابي (¬3) قال: الخادع (¬4):] الفاسد من الطعام وغيره، وأنشد قوله: ................. .... إذا الرِّيقُ خَدَعْ (¬5) قال ابن الأعرابي: خدع الريق أي: فسد (¬6) ومنه الحديث: "يكون قبل خروج الدجال سنون خداعة" (¬7). ¬
قال شمر: هي الفواسد، قال: ويقال: السوق خادعة، إذا لم يقدر على الشيء إلا بغلاء فهي فاسدة (¬1). وعلى هذا الأصل (¬2)، قال [ابن] (¬3) الأنباري: معنى قوله {يُخَادِعُونَ اللَّهَ} وتأويله (¬4): يفسدون (¬5) ما يظهرون من الإيمان بما يضمرون من الكفر. فإن قيل: المفاعلة تكون بين اثنين، والله تعالى يجل عن أن يشاركهم في الخدع، فما وجه قوله: {يُخَادِعُونَ اللَّهَ}؟ والجواب عن هذا من وجوه: قال محمد بن القاسم (¬6): إن الخداع منهم يقع بالاختيال (¬7) والمكر، ومن الله تعالى بأن يظهر ويعجل لهم من الأموال والأولاد ما يدخر (¬8)، ويؤخر (¬9) خلافه، فأشبه هذا فعلهم (¬10)، ¬
إذ (¬1) كانوا يظهرون الإيمان بالله (¬2) ورسوله، ويضمرون خلاف (¬3) ما يظهرون، والله عز وجل يظهر لهم من الإحسان في الدنيا خلاف ما يغيب عنهم ويستر من عذاب الآخرة، فجمع الفعلان لتشابههما من هذه الجهة (¬4). وهذا الذي قاله محمد بن القاسم مطرد (¬5) على الأصلين (¬6)، أما الإخفاء فقد ذكره (¬7)، وأما الفساد، فكما أنهم يفسدون ما يظهرون من الإيماد بما يضمرون، كذلك الله تعالى أفسد عليهم نعيمهم في الدنيا بما ¬
أصارهم إليه من عذاب الآخرة (¬1). وقيل: يخادعون الله، أي: (يخدعون)، قال اللحياني (¬2) وأبو عبيدة: خادعت الرجل بمعنى خدعته، والمفاعلة كثيرًا ما تقع من الواحد، كالمعافاة والمعاقبة وطارقت النعل، ومعناه على هذا: يقدرون في أنفسهم أنهم يخدعون الله (¬3). وقال الحسن: {يُخَادِعُونَ اللَّهَ} أي: نبيه، لأن الله بعث نبيه (¬4) بدينه، فمن أطاعه فقد أطاع الله، كما قال: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} [النساء: 80]. وقال: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ} [الفتح: 10] فعلى هذا من خادعه فقد خادع الله، كقوله: {إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ} [الأحزاب: 57] أي أولياءه، وعلى (¬5) هذا التأويل (المخادعة) أيضًا من الواحد (¬6). ¬
وقيل: إن ذكر الله ههنا تحسين وتزيين لافتتاح الكلام، والقصد (¬1) بالمخادعة الذين آمنوا (¬2)، فصار كقوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ} [الأنفال: 41]. وقوله تعالى: {وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ}. قرئ بوجهين (¬3). فمن قرأ بالألف قال: هو من المفاعلة التي تقع (¬4) من الواحد كقوله: {يُخَادِعُونَ اللَّهَ} فلما وقع الاتفاق على الألف في قوله: {يُخَادِعُونَ اللَّهَ} أجري الثاني ¬
على (¬1) الأول طلبا للتشاكل، وقد أجري على التشاكل ما لا يصح (¬2) في المعنى كقوله: فَنَجْهَلَ فوْقَ جَهْلِ الجَاهِلِينَا (¬3) وقوله تعالى: {فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} (¬4) [البقرة: 194] فلأن يجرى للتشاكل ما يصح في المعنى أولى (¬5). وأيضا فإنهم كانوا يخادعون أنفسهم بالتسويف والتشكيك إذ (¬6) نازعتهم دواعي الإيمان، ودعتهم خواطر الحق، كانوا يقابلون (¬7) ذلك بالجحد والتكذيب وترك النظر، والخاطران في قلب واحد إذا كانا يتعارضان جعلا بمنزلة نفسين (¬8) ¬
ألا ترى الكميت (¬1) قال (¬2) في ذكر حمار أراد الورود (¬3): تذكر من أنّى ومن أين شربه ... يؤامر نفسَيه كذي الهَجْمة الأَبِلْ (¬4) فجعل ما يكون من ورود الماء (¬5) أو ترك الورود والتمييل (¬6) بينهما بمنزلة نفسين، وعلى هذا يتوجه قراءة من قرأ: {قَالَ اعْلَمْ أَنَ اَللَّهَ عَلىَ كلِّ شئٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 259] بالجزم (¬7)، فنزل نفسه عند الخاطر الذي يخطر له عند نظره منزلة مناظر له (¬8). ¬
ومن قرأ {يَخْدَعُونَ} قال: إن فَعَلَ [أولى بفعل] (¬1) الواحد من (فاعَلَ) من حيث كان أخص به، وكان أليق من (فاعَل) الذي هو لأكثر الأمر (¬2) أن يكون لفاعلين (¬3). وقوله تعالى: {وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ} (¬4). معناه أنهم راموا الخداع فلم يخدعوا الله ولا المؤمنين، وما خدعوا إلا أنفسهم؛ لأن وبال خداعهم عاد عليهم، وهذا كقولك: قاتل فلان فلانا فما قتل إلا نفسه، أي: رام قتل صاحبه فلم يتمكن وعاد وبال فعله إليه، كذلك المنافقون في الحقيقة إنما يخدعون أنفسهم (¬5)، لأن الله سبحانه يطلع نبيه -عليه الصلاة والسلام- على أسرارهم ونفاقهم (¬6)، فيفتضحون في الدنيا، ويستوجبون العقاب (¬7) في العقبى (¬8). ¬
وقوله تعالى: {إِلَّا أَنْفُسَهُمْ}. النفس: تستعمل (¬1) في اللغة على معان: النفس: عين الشيء وذاته (¬2). والنفس: بمعنى الروح، يقولون: خرجت نفسه، إذا فارقه الروح (¬3). والنفس: بمعنى الدم، يقال: هذا ليس له نفس سائلة، وذلك أنه لما كان قوام البدن بالدم سمي الدم باسم الروح الذي هو النفس (¬4)، ومنه يقال: نفست المرأة (¬5): إذا حاضت (¬6). وقال ابن الأنباري: سميت النفس نفسا لتولد النفس منها، كما سموا الروح روحا؛ لأن الروح موجود به (¬7). وسنذكر (¬8) معاني النفس بأبلغ من هذا عند قوله: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا} (¬9) [الزمر: 42]. إن شاء الله. وفي قوله: {وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ} (¬10) تحقيق أن المخادعة وقعت بهم لا بغيرهم، كما تقول: رأيت نفس الشيء، أخبرت أن الرؤية وقعت عليه لا على مثاله (¬11). ¬
وقوله تعالى: {وَمَا يَشْعُرُونَ} أي ما يعلمون أنهم يخدعون أنفسهم، وأن وبال خداعهم يعود إليهم، وفي هذا دليل على أنهم كانوا جهالاً بالله سبحانه وبدينه. و (الشِّعْر): العلم، وهو في الأصل (شِعْرَة) (¬1) كالفطنة والدِّرية (¬2)، وقالوا: ليت شعري، فحذفوا (التاء) مع الإضافة للكثرة، وقد قالوا: ذهب بعذرتها، [وهو أبو عذرها (¬3)] (¬4) وكأن شعرت من الشعار، وهو ما يلي الجسد، وكأن شعرت به، علمت علم حسّ (¬5). قال الفرزدق (¬6): ¬
لَبِسْنَ (¬1) الفِرِنْدَ الخُسْرُوَانِي فَوْقَهُ ... مَشَاعِرَ مِنْ خَزِّ العِرَاقِ المُفَوَّفُ (¬2) أراد: لبسن الفرند الخسرواني مشاعر فوقه المفوف من خز العراق، أي جعلنها الشعار. فالشعر ضرب من العلم مخصوص، وكل مشعور به معلوم، وليس كل معلوم مشعورا (¬3) به، ولهذا لم يجز في وصف الله تعالى (¬4). وقوله في وصف الكافرين {لَا يَشْعُرُونَ} أبلغ في الذم من وصفهم بأنهم لا يعلمون؛ لأن البهيمة قد تشعر من حيث تحس (¬5)، فكأنهم وصفوا بنهاية الذهاب عن الفهم، وعلى هذا قال: {وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ} [البقرة: 154] ولم يقل: (ولكن لا تعلمون) لأن المؤمنين إذا أخبرهم الله تعالى بأنهم أحياء علموا أنهم أحياء، ¬
10
فلا يجوز أن ينفي الله العلم عنهم بحياتهم، إذ (¬1) كانوا [قد علموا ذلك بإخباره إياهم. ولكن يجوز أن يقال: [(ولكن لا)] (¬2) تشعرون (¬3)، لأنه ليس كل ما علموه يشعرونه، كما أنه ليس كل ما علموه يحسونه بحواسهم، فلما كانوا لا يعلمون بحواسهم حياته (¬4)، وإن كانوا قد علموه بإخبار الله إياهم وجب أن يقال: {لَا يَشْعُرُونَ} (¬5). 10 - قوله تعالى {فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ}: قال أبو بكر بن الأنباري (¬6): أصل المرض في اللغة: الفساد، ومرض فلان، فسد جسمه، وتغيرت حالته، وكذلك مرضت الأرض معناه (¬7) تغيرت وفسدت (¬8). ¬
قالت ليلى الأخيلية (¬1): إذا هبط الحَجَّاج أرضًا مريضةً ... تتبَّع أقصى (¬2) دائها فشفاها (¬3) أرادت: أرضا فاسدة. وقال آخر: ألم تر أن الأرض أضحت مريضة ... لفقد الحسين والبلاد اقشعرت (¬4) وقال غيره: أصل المرض الضعف، يقال (¬5): مرَّض الرجل في الأمر إذا ضعف فيه، ولم يبالغ، و [عين] (¬6) مريضة النظر أي (¬7): فاترة ضعيفة، وريح مريضة إذا ضعف هبوبها، وعلى هذا تفسير (¬8) قول المحدث: رَاحَتْ لأربعك الرياح مريضة (¬9) ¬
أي: لينة ضعيفة حتى لا تعفوها. ثعلب عن ابن الأعرابي (¬1): أصل المرض: النقصان. بدن مريض: ناقص القوة. و (¬2) قلب مريض: ناقص الدين، ومَرَّض (¬3) في حاجتي إذا نقصت حركته فيها. وقال الأزهري: أخبرني المنذري، عن بعض أصحابه قال: المرض إظلام الطبيعة واضطرابها بعد صفائها، قال: والمرض: الظلمة، وأنشد (¬4): ولَيْلَةٍ مَرِضَتْ مِنْ كُلِّ ناحيةٍ ... فما يُضيءُ لها شَمْسٌ ولا قَمَرُ (¬5) هذا (¬6) هو الكلام في أصل المرض ومعناه في اللغة، ثم الشك والجهل (¬7) والحيرة في القلب كلها تعود إلى هذه الأصول. ¬
قال ابن عباس في قلوبهم مرض: أي شك ونفاق (¬1)، وهو قول ابن مسعود والحسن وقتادة (¬2) وجميع أهل التأويل. وقال ابن جرير (¬3): معناه في اعتقاداتهم مرض، أي: شك وشبه، فاستغنى بذكر القلوب عن ذكر الاعتقادات؛ لأن محلها القلوب كقولهم: (يا خيل الله اركبي) (¬4). وليس الأمر على ما قال؛ لأن الشك في القلب على الحقيقة، فأي فائدة لتقدير الاعتقاد ههنا؛ ولأن الشك ينافي الاعتقاد، وهم ليسوا ¬
معتقدين (¬1) إذا كانوا شاكّين (¬2). وقوله تعالى: {فَزَادَهُمُ اَللَّهُ مَرَضًا}. يقال: زاد يزيد زيادة وزيدا (¬3)، أنشد أبو زيد: كذلك زَيْدُ المَرْءِ بعدَ انتِقَاصِه (¬4) وقال ذو الإصبع (¬5): وأنتمُ معشرٌ زَيْدٌ على مائة ... فأجمِعُوا أمركم طُرًّا فكيدوني (¬6) كأنه (¬7) قال: معشر زيادة على مائة (¬8). وهو (¬9) فعل يتعدى إلى ¬
مفعولين كما قال: {وَزِدْنَاهُمْ هُدًى} (¬1) [الكهف: 13] وقال: {زِدْنَاهُمْ عَذَابًا} (¬2) [النحل: 88]. وكان حمزة يميل (زاد) في جميع القرآن (¬3) كأنه أراد أن يدل بالإمالة على أن العين (¬4) (ياء) [ليحافظ] (¬5) على الحرف الذي هو أصل، كما أنهم قالوا في جمع أبيض وأعين: بيض وعين، فأبدلوا (¬6) من الضمة كسرة، لأن جمع (أَفْعَل) (¬7) (فُعْل) لتصح (¬8) (الياء) ولا تنقلب إلى (الواو) (¬9) فكما حوفظ على تصحيح (¬10) (الياء) في هذه الحروف كذلك حوفظ على (الياء) ¬
في (زاد) بإمالة الألف نحوها (¬1) يدلك على ذلك: أن الذين أمالوا نحو: (زاد) (¬2) و (زاغ) و (خاب) و (طاب) (¬3) لم يميلوا نحو (عاذ، وعاد) ولا (بابا) ولا (مالا) ولا ما أشبه ذلك مما العين منه (واو) حيث لم تكن في الكلمة (¬4) (ياء) ولا (كسرة) فتنحى الألف بالإمالة نحوهما. ومما يقوي الإمالة في (زاد) ونحوه: أنه اجتمع فيه أمران كل واحد يوجب الإمالة: أحدهما: ما ذكرنا (¬5) والثاني: لحَاقُ الكسرة أول فَعَلْتَ (¬6)، وكل واحدة من هاتين الحالتين توجب الإمالة بانفرادها (¬7). ومعنى قوله. {فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا} أى: شكًّا على شكٍّ وفسادَا على فساد (¬8). وهذا يدل على أن كفرهم كان مخلوقًا لله تعالى (¬9)؛ لأنه لو لم ¬
يخلق مرض (¬1) قلوبهم ما زادهم المرض ثانياً، وهو كقوله: {وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ} [هود: 52]. قال أبو إسحاق (¬2): المرض (¬3) في القلب يصلح لكل ما خرج به الإنسان عن الصحة في الدين (¬4). وقوله تعالى {فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا} (¬5) أي بما أنزل من القرآن، فشكّوا فيه كما شكّوا في الذي قبله كقوله تعالى: {وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ} الآية [التوبة: 124]. وقوله تعالى: {وَلَهُمْ عَذَابٌ}. أصل العذاب في كلام العرب: من العذب، وهو المنع؛ يقال: عَذَبتَه عَذْبًا أي منعتَه مَنْعَا، فعَذَبَ عُذوبًا أي امتنع (¬6)، ومنه يقال للفرس إذا قام في المِعْلف ولم يتناول العلف وامتنع عنه: عَذُوبٌ وعَاذِبٌ، ومنه الماء العَذْب؛ لأنه يمنع العطش (¬7). فسمي العذاب عذابًا؛ لأنه يَعْذُبُ المعاقب عن معاودة ما عوقب عليه، ويعذب ¬
غيره (¬1) من أرتكاب مثله (¬2). وقوله تعالى: {أَلِيمٌ} الأليم بمعنى المؤلم (¬3) كالسميع: بمعنى المسمع (¬4)، وقال ذو الرمة (¬5): وترفع (¬6) من صدور شَمَرْدَلاتٍ ... يصُكُّ وجوهَها وَهَجٌ (¬7) أليمُ (¬8) وقال عمرو (¬9): ¬
أَمِنْ ريحانة الدَّاعي السَّميع (¬1) أي: المسمع. ومعنى العذاب الأليم (¬2): الذي يخلص وجعه إلى قلوبهم. "قوله تعالى: {بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ}. (ما) في تأويل المصدر (¬3) كأنه قيل: بكونهم مكذبين وبتكذيبهم. وسنذكر القول في ذلك عند قوله: {وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا} [البقرة:28]، إن شاء الله. وحقيقة الكذب: الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو به، وقد يستعار لفظ الكذب فيما ليس بكذب في الحقيقة (¬4)، كقول الأخطل (¬5): ¬
كَذَبتكَ عينُك أَمْ رَأَيتَ بواسطٍ (¬1) كأنها لما أوهمته خلاف الحقيقة كانت بمنزلة ما كذبته (¬2). وقرأ أهل الكوفة (¬3) {يَكْذِبُونَ} بالتخفيف من الكذب، وهو أشبه بما قبله وبما بعده؛ لأن قبله: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ} [البقرة: 8] وهذا كذب منهم، وبعده قوله: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ} [البقرة: 14] وهذا يدل على كذبهم في دعوى الإيمان. وأيضا فإن قوله تعالى {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} لا يخلو إما أن يراد به المنافقون، أو المشركون، أو الفريقان جميعاً. فإن أراد المنافقين فقد (¬4) قال فيهم: {وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (1)} [المنافقون: 1]. وإن كانوا المشركين فقد قال: {وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (90) مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ} [المؤمنون: 90 - 91]. وإن كانوا الفريقين فقد أخبر عنهم جميعا بالكذب الذي يلزم (¬5) أن يكون فعله (يكذبون) بالتخفيف. ¬
11
ومن شدد (¬1) فلكثرة ما في القرآن مما يدل على التثقيل (¬2) كقوله: {وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ} [الأنعام: 34] وقوله: {بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ} [يونس: 39]، {وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي} [يونس: 41] ونحوها من الآيات (¬3). 11 - قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ} الآية. موضع (إذا) من الإعراب نصب لأنه اسم للوقت كأنك قلت: (وحين قيل لهم) أو (ويوم قيل لهم) إلا أنها تشبه حرف الجزاء (¬4) وسيأتي الكلام في (إذ) و (إذا) بعد هذا إن شاء الله. وكان الكسائي يُشِمّ {قِيلَ} (¬5) وأخواتها (¬6) (الضم)، ليدل بذلك على أنه كان في الأصل (فُعِل) (¬7)، كما أنهم قالوا: أنت تغزُين، فألزموا الزاي إشمام الضمة، و (زين) من (تغزين) بمنزلة: (قيل). ومن قال (قُيل) بإشمام ¬
الضم قال: (بُيع) أو (اختُير) و (انقُيد) (¬1) بالإشمام؛ لأنها بمنزلة واحدة. وأما من (¬2) حرك الفاء بالكسر ولم يشم الضمة، قال (¬3): هذا كان في الأصل (قُوِلَ) فنقلت كسرة الواو إلى القاف، فسكنت الواو وانكسر ما قبلها، فصارت (ياء) فلزم كسر القاف وصار الأصل هذا (¬4). قال المفسرون: ومعنى الآية: وإذا قيل لهؤلاء المنافقين: لا تفسدوا في الأرض بالكفر وتعويق الناس عن الإيمان بمحمد - صلى الله عليه وسلم - (¬5). ويقال: أفسد الشيء يفسده إفساداً، ومفعول الإفساد محذوف (¬6) على معنى: (لا تفسدوا أنفسكم بالكفر، أو (¬7) الناس بالتعويق عن الإيمان)، على ما ذكره المفسرون. وقوله تعالى: {إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ}. (¬8) (نحن) تدل على جماعة. ¬
وجماعة المضمرين تدل عليهم (الميم أو (¬1) الواو)، نحو (¬2): فعلوا وأنتم، [فـ (الواو)] (¬3) من جنس الضمة. وحركت نحن (بالضم)؛ لأن الضم من الواو (¬4). وهو جمع (أنا) (¬5) من غير لفظها (¬6). وقال بعضهم. ضم آخرها تشبيهاً بالغاية، نحو: قبلُ وبعدُ (¬7)، ووجه الشبه بينهما (¬8) ذكرنا في قوله: {هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ} [البقرة: 25]. وقال قوم: كان أصلها (نَحُنْ) (¬9) ثم فعل بها ما فعل بـ (قط) لتشبه أخواتها (¬10)، وأصل (قط): (قطط)، والقياس عند الإدغام يوجب نقل ضمة العين إلى اللام، دلالة على حركة العين في الأصل. ¬
12
ومعنى الآية: يظهرون أنهم مصلحون، كما أنهم يقولون: آمنا، وهم كاذبون. ويحتمل أنهم قالوا: إنما نحن مصلحون، أي: الذي نحن عليه هو صلاح عند أنفسنا (¬1). والتأويل: إنما نحن مصلحون أنفسنا أو الناس، على ما ذكرنا في قوله: {لَا تُفْسِدُوا} لأن الإصلاح واقع، ولا بد له من مفعول، وقولهم: فلان مصلح، يراد أنه مصلح لأعماله وأموره. 12 - وقوله تعالى: {أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ}. رد الله عليهم قولهم: {إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} و (ألا) كلمة يستفتح (¬2) بها الخطاب (¬3). قال الكسائي: وهي تنبيه، ويكون بعدها أمر أو نهي أو إخبار، نحو قولك: ألا قم، ألا لا تقم، ألا إن زيدا قد قام (¬4). وقال النحاة: أصلها (لا) دخلت عليها ألف (¬5) الاستفهام (¬6) والألف إذا دخلت على الجحد (¬7) ¬
أخرجته إلى معنى التقرير (¬1) والتحقيق (¬2) نحو: {أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ} [القيامة: 40]، ثم كثر (ألا) في الكلام فصار تنبيها ليتحقق السامع ما بعده، فمعنى الأصل فيه موجود وهو التحقيق كما بينا. وقد يكون للعرض والتحضيض (¬3)، كقولهم: ألا تنزل عندنا. وقال الزجاج: (ألا) كلمة يبتدأ بها، ينبه بها المخاطب توكيدا، يدل على صحة ما بعدها. ذكر هذا في آخر سورة: (حم السجدة) (¬4). وقوله تعالى: {هُمُ} إن شئت جعلته تأكيدا (¬5)، وإن شئت جعلته ابتداء، و (المفسدون) خبره، وجعلتهما خبر (إن) (¬6). ودخلت الألف واللام في (المفسدين) للجنس، كأنه جعلهم جنس المفسدين تعظيماً لفسادهم، كأنه لا يعتد بفساد غيرهم مع فسادهم، وكل فساد يصغر في جنب فسادهم، ¬
حتى كان المفسد في الحقيقة هم دون غيرهم، وإن كان غيرهم قد يفسد (¬1). وقوله تعالى: {وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ}. أصل {لكن}، (لا، ك، إن)، (لا) للنفي و (الكاف) للخطاب و (إن) للإثبات. فحذفت الهمزة استخفافا (¬2). ومعناها: استدراك (¬3) بإيجاب بعد نفي (¬4)، أو نفي بعد إيجاب (¬5)، فإذا قيل: {أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ (¬6) الْمُفْسِدُونَ} سبق إلى الوهم أنهم يفعلون (¬7) ذلك من حيث يشعرون. فقال: {وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ} (¬8). وكذلك (¬9) إذا قال: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ} [الأحزاب: 40] أوهم ذلك استبهام صفاته، فقال: {وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ}، [والمعنى: ¬
ولكن كان (¬1) رسول الله] (¬2)، فهذا استدراك (¬3) لا يجاب بعد نفي. وقال المبرد: (لكن) من حروف العطف، وهي للاستدراك (¬4) بعد النفي، ولا يجوز أن يدخل بعد واجب (¬5)، إلا لترك قصة إلى قصة تامة [نحو قولك: جاءني زيد لكن عبد الله لم يأت، وما جاءني زيد لكن عمرو (¬6). وفي الآية أتت بعد الإيجاب لترك قصة إلى قصة (¬7) تامة] (¬8)، وهو قوله: {إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ}. فأما التشديد والتخفيف في {لكن} استعماله (¬9) بالواو وبغير الواو، فقد ذكرناها عند قوله تعالى: {وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا} [البقرة: 102]. ومعنى قوله: {وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ} أي: لا يعلمون أنهم مفسدون، بل يحسبون أنهم مصلحون. وقيل: ولكن لا يعلمون ما عقوبة فعلهم وما يحل بهم، وذلك أن مفعول العلم محذوف فيحتمل القولين (¬10). ¬
13
13 - قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ}. المراد بالناس في هذه الآية أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - والذين آمنوا به، في قول الجميع (¬1). و (الألف واللام) فيه للمعرفة (¬2)؛ لأن أولئك كانوا معروفين عند المخاطبين بهذا (¬3). وقوله تعالى: {أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ}. (الألف) في أنؤمن استفهام [معناه: الجحد والإنكار (¬4)، لا نفعل كما فعلوا، وسيأتي وقوع الاستفهام، (¬5) موقع الجحد مشروحاً بعد هذا. والسفهاء: الجهال (¬6) الذين قلت عقولهم، جمع (السفيه) ومصدره: (السَّفَه والسَّفَاه والسَّفَاهَةُ) (¬7). ¬
قال أهل اللغة (¬1): معنى السفه: الخفة، والسفيه: الخفيف العقل، ومن هذا قيل: تسفهت (¬2) الرياح الشيء، إذا حركته واستخفته. وقال: مَشَيْنَ كَمَا اهْتَزَّتْ رِمَاحٌ تَسَفَّهَتْ ... أَعَالِيهَا (¬3) مَرُّ الرِّيَاحِ النَّوَاسِمِ (¬4) ويقال: ناقة سفيهة الزمام، إذا كانت خفيفة السير، ومنه قول ذي الرمة: ........ سفيهٍ جديلُها (¬5) ولهذا المعنى سمى الله تعالى الصبيان والنساء: السفهاء في قوله {وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ} [النساء: 5] لجهلهم وخفة عقلهم (¬6). ¬
14
وعنوا بالسفهاء أصحاب محمد (¬1) - صلى الله عليه وسلم - و (الألف واللام) فيها (¬2) مثلهما في (الناس) (¬3). فإن قيل: كيف يصح النفاق مع المجاهرة (¬4) بقولهم: أنؤمن كما آمن السفهاء؟ قيل: إنهم كانوا يظهرون هذا القول فيما بينهم، لا عند المؤمنين؛ لأن الله تعالى قد قال: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا} [البقرة: 14]. أو (¬5) أنهم لم يفصحوا بهذا القول، وإنما أتوا بما يفهم عنهم به هذا المعنى، ولا يقوم به حجة توجب الحكم من جهة المشاهدة، كقوله تعالى: {وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ} [محمد: 30]، وهو خلاف الإفصاح (¬6). 14 - قوله تعالى: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا}. قال المفسرون: يعني: أبا بكر -رضي الله عنه- وأصحابه (¬7). و (لقوا) في الأصل (لقيوا) فاستثقلت الضمة على ¬
(الياء)، فحذفت ونقلت ضمتها إلى القاف (¬1). الحراني عن ابن السكيت: لَقِيتُه لقَاءً ولِقْيَاناً ولُقِيًّا (¬2) ولُقًى (¬3). الليث: وكل شيء استقبل شيئا أو صادفه فقد لقيه من الأشياء كلها (¬4). وقوله تعالى: {وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ}. يقال: خَلاَ المكان يَخْلُو (¬5) خَلَاءً وهو خَلاَء (¬6) وخَالٍ (¬7)، وخَلَوْتُ بفلان، أَخْلُو به خَلْوَةً وَخَلاَءً (¬8)، ¬
ويقال: خَلَا به وخَلَا معه وخَلَا إليه بمعنى واحد (¬1). وقال النضر (¬2): (إلى) هاهنا بمعنى: (مع) (¬3) كقوله: {الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} [البقرة: 187] و {مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ} (¬4) [آل عمران: 52، الصف: 14]، {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ} [النساء:2] (¬5). وقال النحويون: معنى الآية: إذا انصرفوا من لقاء المؤمنين إلى شياطينهم، فدخلت (إلى) لدلالة (¬6) الكلام على معنى الابتداء (¬7) والانتهاء؛ لأن أول لقائهم للمؤمنين ثم للشياطين، فكأنه (¬8) قال: وإذا خلوا من المؤمنين وانصرفوا (¬9) إلى شياطينهم. وهذا أحسن من إخراج ¬
(إلى) عن حدها (¬1). والشيطان كل متمرد عات من الجن والإنس (¬2)، قال الله تعالى. {شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ} [الأنعام: 112]. واختلفوا في اشتقاقه: فقال الليث: الشيطان فَيْعَال من شَطَن أي: بعد، يقال: نَوى شَطُون (¬3) وشَطَنَت (¬4) الدار، أي: بعدت، ويقال: شَيْطَن (¬5) الرجل وتَشَيْطَن (¬6) إذا صار (¬7) كالشيطان وفعل فعله. وقال رؤبة: ¬
شَافٍ لِبَغْي الكَلْبِ المُشَيْطِنِ (¬1) فمعنى الشيطان: البعيد من الجنة. وقال قوم: الشيطان فعلان من شاط يشيط إذا هلك واحترق، بوزن: هَيْمَان وعَيْمَان (¬2)، من هام وعام (¬3) وقال الأعشى: وقد يشيط على أرماحنا البطل (¬4) قال أبو علي: هو (فَيْعَال) من شَطَن (¬5) مثل: البَيْطَار والغَيْدَاق (¬6). وليس بفَعْلَان من قوله: وقد يَشِيُط البيت. ¬
لأن سيبويه قد حكى: (شيطن) (¬1) وهو (فَيْعَل) لا (فَعْلَن)، لأنا لا نعلم أن (¬2) هذا الوزن جاء في كلامهم (¬3). ومثل (فَيْعَل) بَيْطَر وَهَيْنَم (¬4)، والحجة القاطعة قول أمية: أيُّمَا شاطنٍ عصاهُ عكاهُ ... ثُمَّ يُلْقَى في السِّجْنِ والأكْبَالِ (¬5) فكما أن (شاطناً) فاعل، والنون لام، كذلك (شَيْطان) فَيْعَال، ولا بكون (فَعْلَان) من يَشِيط (¬6). ¬
15
قال أبو إسحاق: ومعنى الشيطان: الغالي في الكفر المتبعد فيه من الجن والإنس (¬1). قال ابن عباس: أراد بشياطينهم كبراءهم وقادتهم (¬2). وقوله تعالى {إِنَّا مَعَكُمْ}. (مع) كلمة تضم الشيء إلى الشيء، ونصبها كنصب الظروف؛ لأن تأويل قولك: (أنا معك): أنا مستقر معك، كما تقول: أنا خلفك (¬3). وقوله تعالى: {إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ}. (الهُزْءُ): السخرية، يقول: هَزِئَ به يَهْزَأُ (¬4) وتَهَزَّأ به واسْتَهْزَأَ به (¬5)، وهو أن يظهر غير ما يضمر استصغارا وعبثا (¬6). 15 - قوله تعالى: {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ}. قال ابن عباس: (هو (¬7) أنهم ¬
كلما أحدثوا خطيئة جدد الله لهم نعمة) (¬1). فشبه هذا من الله بالاستهزاء والمكر؛ لأنه غيب عنهم غير ما أظهر لهم، كالمستهزئ منا يظهر أمرا يضمر غيره. (¬2). وقال ابن الأنباري: الاستهزاء من الله جل وعز مخالف الاستهزاء من المخلوقين؛ لأن استهزاءه أن يستدرجهم من حيث لا يعلمون (¬3). وقال جماعة أهل المعاني: معنى الله يستهزئ بهم: يجازيهم (¬4) جزاء استهزائهم، فسمى الجزاء باسم المجازى عليه، كقوله: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} [الشورى:40] وقوله: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ} [البقرة: 194] ومنه قول عمرو: فنجهل فوق جهل الجاهلينا (¬5) وهذا هو الاختيار (¬6)؛ ¬
لأنه (¬1) حمل الكلام على المزاوجة، ولأنه أظهر وأشكل بما جاء من نظائره في القرآن، وكل ذلك على المجاز الذي يحسن في الاستعمال للمبالغة في البيان والتصرف في الكلام. وقوله تعالى: {وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ}. أصل (المد) في اللغة: الزيادة، والمد: الجذب (¬2): لأنه سبب الزيادة في الطول. ¬
قال الفراء: والشيء إذا مَدَّ الشَّيءَ كان زيادة فيه. تقول: دجلة تَمُدُّ بئارنا (¬1) وأنهارنا، أي: يزيد فيها (¬2). (والمادة) كل شيء يكون مددا (¬3) لغيره (¬4). و (المُدَّةُ) (¬5) الأوقات المتزايدة إلى غاية، ومنه مد الله في عمرك (¬6). الأصمعي: امتد النهر ومد إذا امتلأ بالزيادة، ومده نهر آخر (¬7). ابن المظفر (¬8): وادي كذا يمد في نهر كذا. أي: يزيد فيه (¬9) وأنشد (¬10): سَيْلٌ أَتِيٌّ مَدَّهُ أَتيُّ (¬11) ¬
والمدّ: أن (¬1) يمُدّ الرجلُ الرجلَ (¬2) في غيّه (¬3). قال أهل التفسير في قوله {يَمُدُّهُمْ}: أي يمهلهم (¬4) ويطول في أعمارهم ومدتهم (¬5). و (الطغيان): مصدر كالرجحان والكفران والعدوان (¬6). قال الليث: [والطُّغْوَان لغة فيه] (¬7) والفعل: طَغَوْت وطَغَيْتُ، ومعناه مجاوزة القدر، وكل شيء جاوز القدر فقد طغى، كما طغى الماء على قوم نوح. قال الله تعالى: {إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ} [الحاقة: 12] وطغت الصيحة على ثمود (¬8)، ¬
فقيل فيهم: {فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ} (¬1). وقيل لفرعون: {إِنَّهُ طَغَى} [النازعات: 17] (¬2) أي أسرف حيث ادعى الربوبية (¬3). فأما الطغوى والطاغية والطاغوت فهي مذكورة في مواضعها مشروحة. وكان الكسائي يميل {طُغْيَانِهِمْ} في رواية أبي عمر (¬4) ونصير (¬5) (¬6). وذلك لأن (¬7) الألف قد اكتنفها شيئان كل واحد منهما يجلب الإمالة [وهما، الياء التي قبلها، والكسرة التي بعدها. فإن قلت: إن أول الكلمة حرف [مستعل] (¬8) مضموم، وكل واحد من هذين يمنع الإمالة] (¬9). قيل: إن المستعلي تراخى عن الألف بحرفين فلم يمنع الإمالة. ¬
16
وقوله تعالى: {يَعْمَهُونَ}. قال أهل اللغة: (الْعَمِه والعَامِه) الذي يتردد متحيراً لا يهتدي لطريقه ومذهبه، ومعنى (¬1) {يَعْمَهُونَ}: يتحيرون، وقد عَمِه يَعْمَه عَمَهاً فهو عَمِه إذا حار عن الحق (¬2). قال أهل المعاني: قوله: {وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} كالتفسير لقوله: {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ} لأن معناه يطول أعمارهم ومدتهم ليتحيروا في طغيانهم وكفرهم، مكراً (¬3) بهم، وهم يحسبون أن ذلك مسارعة لهم في الخيرات، ولا يشعرون أنه عقوبة لهم في الحقيقة (¬4). 16 - قوله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى} الآية. حقيقة الاشتراء: الاستبدال، وكل اشتراء استبدال، وليس كل استبدال اشتراء، ووضع الاشتراء موضع الاستبدال هاهنا، لأنه أدل على الرغبة (¬5)، وذلك أن المشتري للشيء (¬6) محتاج إليه راغب فيه، فهو أبلغ من لفظ الأصل مع ما فيه من حسن التصرف في الكلام، والرب تجعل من آثر شيئاً على شيء مشترياً له وبائعاً للآخر، وإن لم يكن ثم شراء ولا بيع ظاهر (¬7). ¬
قال ابن عباس في هذه الآية: أخذوا الضلالة وتركوا الهدى (¬1). قال أهل المعاني: هؤلاء المنافقون لم يكونوا على الهدى قط، لكنهم (¬2) لما تركوا الواجب عليهم من الهدى، واستبدلوا به الضلالة قيل في صفتهم: اشتروا الضلالة بالهدى (¬3). وأصل {اشْتَرَوُا} اشتريوا، فلما تحركت (الياء) وانفتح ما قبلها صارت (ألفا)، فاجتمع ساكنان، فحذفت (الألف) (¬4) فصار (اشتروا) ساكنة ¬
(الواو) (¬1). وسقطت همزة الوصل من الضلالة للدرج، فالتقت الواو الساكنة مع الساكن المبدل من لام المعرفة، فحركت الأولى بالضم (¬2). واختلفوا في العلة الموجبة لضم الواو (¬3) في {اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ} فقال أكثر النحويين: إن واوات الجمع كلها (¬4) تحرك بالضم نحو: {لَتُبلَوُنَّ} [آل عمران: 186] و {لَتَرَوُنَّ} [التكاثر: 6]. وقالوا: مُصْطَفَوُ الله؛ لأن الضم أدل على الجمع وأشكل به، وهذه الواو للجمع فحرك بما هو أدل على الجمع (¬5). ألا ترى أن (¬6) الواو في (أو) أو (لو) لما لم تكن للجمع لم تحرك بالضم، بل حركت بالكسر، فقرئ (¬7) {وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا} [الجن: 16] (¬8). ¬
وقد أجازوا الكسر (¬1) في {اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ} تشبيهاً بمثل: {لَوِ اسْتَطَعْنَا} [التوبة: 42] و {أَلَّوِ اسْتَقَامُوا}. وأجازوا (¬2) الضم (¬3) في {لَوِ اسْتَطَعْنَا} تشبيها بواو الجمع (¬4). وقال ناس: إن (¬5) (الواو) ضمت ههنا لأنه فاعل في المعنى (¬6) فجعلت حركة التقاء الساكنين فيه كحركة الإعراب. وهذا لا يستقيم، لأنهم كسرو (الياء) في قولهم: (أخْشَيِ الله يا امرأة) والياء فاعلة في المعنى (¬7). وقوم كسروا الواو في مسألتنا (¬8) وفي قوله: {وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ} [البقرة: 237] (¬9) فلو كان كما ذكروا (¬10)، لم يجز الاختلاف (¬11) ¬
فيه كما لم يجز (¬1) في حركة الإعراب (¬2). وقال الفراء: إنهم إنما حركوا (الواو) هاهنا بالحركة التي كانت تجب للام الفعل من الضمة (¬3). قال أبو علي (¬4): الذي ذهب إليه الفراء هو أن الحركة في (الواو) ليست لالتقاء الساكنين كما يذهب إليه سيبويه وأصحابه (¬5). ولا يستقيم ما ذهب إليه؛ لأنا رأينا الحركات إنما تلقى على الحروف التي تكون قبل الحرف الذي ينقل منه، ولا ينقل إلى ما بعد الحروف المنقولة منها الحركة، كما تقول في: (بِعت)، و (قُلت)، و (خِفت)، و (مِست) (¬6)، و (ظِلْت)، و (أَحَسْت) (¬7)، و (أَصَمّ) (¬8)، و (أَعَدّ)، و (أَخِلَة). وكذلك نقل ¬
حركات الهمز في التخفيف نحو: (جَيَل) (¬1) و (المرَة) (¬2). وكذلك قولهم: (قَاضُون)، و (غَازُون)، و (مُشْتَرُون)، ونحو ذلك، فإذا كان الأمر على ما وصفنا، ولم نجد في هذه الأصول شيئا على ما (¬3) ادعاه، ثبت (¬4) فساد ما ذهب إليه لدفع (¬5) الأصول ذلك، وقوله (¬6) يوجب أن ضمة الياء في (اشتريوا) نقل إلى الواو (¬7) بعد الياء، وإنما ينقل حيث ينقل إلى ما قبل المنقول منه لا إلى ما بعده كما بينا (¬8). وأيضا فإنه لو كان كما ذكر، لوجب أن يتحرك الحرف الذي نقلت إليه (¬9)، التقى مع الساكن أو لم يلتق (¬10)، ألا ترى أن سائر ما نقلت إليه الحركة مما ذكرنا، يتحرك (¬11) بالحركة ¬
المنقولة إليه، فلما لم تتحرك الواو في {اشْتَرَوُا} إلا عند التقاء ساكن، ثبت أن حركتها حركة الحروف الساكنة الملتقية (¬1) مع سواكن أخر (¬2). قال أبو أسحاق: من أبدل واو (¬3) {اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ} همزة، غالط؛ لأن الواو المضمومة إنما تبدل همزة إذا لزمت ضمتها، نحو: {وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ} (¬4) [المرسلات: 11] وكذلك: (أَدْؤُرٌ) (¬5) فيمن همزها، والضمة هاهنا إنما هي لالتقاء الساكنين فلا يلزم (¬6). وقوله تعالى: {فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ}. (الربح) الزيادة على أصل المال (¬7). و (التجارة) تقليب الأموال وتصريفها لطلب النماء (¬8). يقال: تَجَرَ الرجل يَتْجُر تِجَارَة فهو تَاجِر (¬9). ¬
قال الشاعر: قَدْ تَجَرَتْ في سُوقِنَا عَقْرَبٌ ... لا مَرْحَبًا بالعَقْرَبِ التَّاجِرَه (¬1) ومعنى قوله {فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ} أي ما ربحوا في تجارتهم، وأضاف الربح إلى التجارة، لأن الربح يكون فيها، وهذا كلام العرب يقولون: ربح بيعك وخسر بيعك (¬2)، ونام ليلك، وخاب سعيك، قال الله تعالى {بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} [سبأ: 33] أي مكرهم فيهما. وقال: {فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ} [محمد: 21] وإنما العزيمة للرجال في الأمر (¬3). وقال جرير: وأعْوَر مِنْ نَبْهَان أمَّا نَهاره ... فَأعْمَى وأمَّا لَيْلُهُ فَبَصِيرُ (¬4) فأضاف العمى والإبصار إلى الليل والنهار، ومراده بهما الموصوف ¬
17
من نبهان (¬1). قال الفراء: وهذا إنما يجوز إذا عرف الكلام ولم يشكل، فإذا أشكل لم يجز، كما لو قال: خسر عبدك، وأراد أن يجعل العبد تجارة يربح فيه، أو يوضع (¬2)، لأنه قد يكون العبد تاجرا فيربح، فلا يعرف معناه إذا ربح (¬3) من معناه إذا كان مَتْجُورًا (¬4) فيه (¬5). 17 - قوله تعالى: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا} الآية. قال أبو عبيد عن الفراء: يقال (¬6): مَثَل ومِثْل وشَبَه وشِبْه بمعنى واحد (¬7). وقال الليث: المثل: الشيء الذي يضرب (¬8) مثلا لشيء، فيجعل مثله (¬9). وقال المبرد (¬10): (المثل): مأخوذ من المثال، والمثل من الكلام: قول سائر نشبه (¬11) به حال الثاني بالأول، والأصل فيه التشبيه، فمعنى قولهم: (مثل بين يديه) إذا انتصب، معناه: أشبه الصورة المنتصبة بين يديه، ¬
والأماثل: الأفاضل. و (هذا أمثل من ذاك) (¬1)، أي: أشبه بما له (¬2) الفضل. والِمثَال: القصاص لتسوية (¬3) الحالتين، وتشبيه حال المقتص منه بحال الأول، والامتثال: الاقتصاص من هذا. و (الأمثال) (¬4): أصل كبير في بيان الأشياء، لأن الشيء يعرف بشبهه ونظيره. [و (الأمثال): يخرج ما يخفى تصوره إلى ما يظهر تصوره، و (المثل): بيان ظاهر على أن الثاني مثل الأول] (¬5). و (الأمثال): متداولة سائرة في البلاد، وفيها حكم عجيبة وفوائد كثيرة، وقد ذكر الله تعالى الأمثال في غير موضع من كتابه، لما (¬6) فيها من حسن البيان وقرب الاستدلال. والمقصود بالمثل: البيان عن حال الممثل (¬7). وحقيقته: ما جعل من القول كالعلم للتشبيه بحال الأول، مثال ذلك قول كعب بن زهير (¬8): ¬
كَانَتْ مَوَاعِيدُ عُرْقُوبٍ لَنا (¬1) مَثَلاً ... وَمَا مَوَاعِيدُهُ إلاَّ الأَبَاطِيلُ (¬2) فمواعيد عرقوب علم (¬3) في كل ما لا يصح من المواعيد (¬4). وورد المثل في معان كثيرة في التنزيل، فَذِكْرُ كل واحد في موضعه، إن شاء الله. وذُكِر لفظ (المثل) لأن المراد تشبيه الحالة بالحالة، وذكرنا أن لفظ المثل (¬5) قد صار كالعلم للتشبيه بحال الأول، ولو قيل {كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا} لم يُعرف ما الغرض من التشبيه، فإذا ذكر لفظ المثل عُلم أن المراد تشبيه الحال بالحال (¬6). و {اسْتَوْقَدَ} بمعنى: أوقد (¬7) في قول أكثر أهل اللغة (¬8). وقال بعضهم: استوقد، معناه: استدعى بالنار الضياء (¬9)، والأول ¬
الصحيح (¬1). و (النار) من النور (¬2)، وجمعها نيران (¬3)، والنار تستعار لكل شدة، فيقال: أوقد نار الفتنة، وألقى بينهم نارا: إذا ألقى عداوة. و (أضاء) يكون واقعا ومطاوعا (¬4)، يقال: أَضَاءَ الشيء بنفسه، وأضاءه غيره (¬5). وقال أبو عبيد: أَضَاءَت النار، وأَضَاءَها غيرها (¬6). والنار تضيء في نفسها، وتضيء غيرها من الأشياء، قال الشاعر: أَضاءتْ لهم أَحَسابُهُم وَوُجُوههم ... دُجَى الليْلِ حتَّى نَظَّم الجَزْعَ ثَاقِبُهْ (¬7) ¬
ويقال: ضَاءَت النار، وأضاءت، لغتان (¬1)، وأضاء السبيل إذا وضح، وكل ما وضح فقد أضاء، وأضاءت الشمس وأضاء القمر (¬2). والذي في الآية واقع (¬3). وقوله تعالى: {مَا حَوْلَهُ}. محل (ما) منصوب بوقوع الإضاءة عليه، و (حوله) نصب على الظرف (¬4). والعرب تقول: رأيت الناس حَوْلَه، وحَوْلَيْه، وحَوَالَهُ، وحَوَالَيْهِ. فَحَوَالَهُ وُحْدَان حَوَالَيْه، وَحَوْلَيْه تَثْنِيةُ حَوْلَه وينشد: مَاءٌ رَوَاهٌ ونَصيٌّ حَوْلَيَه (¬5) ومما ينشد على لسان البهائم أن الضب ¬
قال لِلْحِسْل (¬1): أهَدَمُوا بَيْتَكَ لا أبَالَكا ... وأنا أمْشِي (¬2) الدَّأَلَى حَوَالَكَا (¬3) و (النور) ضد الظلمة، ويقال: نار الشيء وأنار واستنار بمعنى واحد، وأنار الشيء (¬4) أي أوضحه (¬5) ومنه الحديث: (فرض عمر بن الخطاب (¬6) -رضي الله عنه- فريضة فأنارها زيد بن ثابت) (¬7). فأما التفسير: فقال ابن عباس وقتادة والضحاك ومقاتل والسدي: يقول: مثل هؤلاء المنافقين كمثل رجل أوقد ناراً في ليلة (¬8) مظلمة في مفازة فاستضاء بها واستدفأ، ورأى ما حوله فاتقى ما يحذر ويخاف وأمن، فبينما ¬
هو كذلك إذ طفئت ناره فبقي مظلما خائفا متحيرا، كذلك المنافقون لما أظهروا كلمة الإيمان استناروا بنورها، واعتزوا بعزها، وأمنوا، فناكحوا المسلمين ووارثوهم (¬1) وقاسموهم الغنائم وأمنوا على أموالهم وأولادهم، فلما ماتوا عادوا إلى الظلمة والخوف، وبقوا في العذاب والنقمة (¬2). وهذا القول اختيار الزجاج، لأنه قال: هذا المثل ضربه الله للمنافقين في تجملهم بظاهر الإسلام، فمثل ما تجملوا به من الإسلام كمثل النار التي يستضيء (¬3) بها المستوقد (¬4). وعلى ما قاله أبو إسحاق: التمثيل وقع بين تجملهم (¬5) بالإسلام، وبين النار التي (¬6) يستضاء بها. وقال غيره: معنى الآية: مثل استضاءتهم (¬7) بكلمة الإيمان كمثل استضاءة الموقد بالنار. فالتمثيل وقع بين الاستضاءتين، وحذف الاستضاءة، لأنه مضاف فأقيم المضاف إليه مقامه (¬8). وهذا قول الفراء، لأنه قال: شبههم وهم جماعة بالذي استوقد نارًا ¬
وهو واحد؛ لأنه تشبيه (¬1) للفعل بالفعل، لا للذوات (¬2) بالذوات، ومحل هذا قوله: {تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ} [الأحزاب: 19] يعني كدوران عين الذي يغشى عليه، وكقوله: {مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ} [لقمان: 28]، يعني إلا كخلق وكبعث نفس واحدة. قال: ولو أراد تشبيه الذوات لقال: (كالذين)، كما قال: {كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ} [المنافقون 40] وقال: {كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ} [الحاقة:7] وعلى هذا {الَّذِي} في قوله: {الَّذِي اسْتَوْقَدَ} واحد (¬3). وقوله تعالى بعد هذا: {ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ}. قال الزجاج: معناه والله أعلم إطلاع الله المؤمنين على كفرهم، فقد ذهب منهم نور الإسلام بما أظهر الله عز وجل من كفرهم، ويجوز أن يكون ذهب الله بنورهم في الآخرة، لأن الله عز وجل قد جعل للمؤمنين في الآخرة نورا، وسلب الكافرين ذلك النور، وهو قوله: {انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا} (¬4) [الحديد: 13]. ومثل هذا قال الفراء، فقال: إنما قال: {ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ} لأن المعنى ذهب إلى المنافقين (¬5). ¬
فعلى قول هذين (¬1) النور كان للمنافقين فأذهبه الله، والكناية راجعة إليهم (¬2). وكان يجب في حق النظم أن يكون اللفظ (¬3): (فلما أضاءت ما حوله أطفأ الله ناره) ليشاكل جواب (لما) معنى هذه القصة (¬4). ولكن لما كان إطفاء النار مثلا لإذهاب نورهم، أقيم ذهاب النور مقام الإطفاء، وجعل جواب (لما) (¬5) اختصارا وإيجازا، وهذا طريق حسن في الآية. وفيها طريق آخر: وهو أن {الَّذِي} في قوله: {الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا} ¬
المراد به الجماعة. وهو مذهب ابن قتيبة (¬1) وابن الأنباري. أما ابن قتيبة فقال: {الَّذِي} قد يأتي مؤديا عن الجمع (¬2)، واحتج بقول الشاعر: وإنَّ الذي حَانَتْ بِفَلْجٍ دِمَاؤُهُم ... هُمُ القَوْمُ كُل القَوْمِ يا أُمَّ خَالِد (¬3) ويقال في الواحد: (اللذ) وفي التثنية: (اللذا) وهو لغة لبعض العرب قد وردت في الأشعار (¬4). ¬
وقال ابن الأنباري: (الذي) في هذه الآية، واحد في معنى الجمع (¬1)، وليس على ما ذكره ابن قتيبة، لأن (الذي) في البيت الذي احتج به جمع واحد (اللذ)، والذي في الآية واحد في اللفظ لا (¬2) واحد له، ولكن المراد منه الجمع (¬3). وجاز أن يوضع (الذي) موضع (الذين) لأنه مبهم يحتمل الوجوه في مثل (¬4) قول الناس: (أوصي بمالي للذي (¬5) غزا وحج) معناه: للغازين والحاجين. [ومثله: (من) و (ما) (¬6). ووحد الفعل في (استوقد) لأن (الذي) وإن أريد به الجمع فهو موضوع للواحد (¬7). فهذا ¬
18
الاختلاف بينهما (¬1) في لفظ (الذي) واتفقا أن المراد به الجمع] (¬2). وعلى هذا القول، الكناية في قوله: {بِنُورِهِم} راجعة إلى المستوقدين (¬3)، وهو جواب (فلما) في الظاهر والمعنى جميعا (¬4). وإنما قال: بنورهم والمذكور في أول الآية النار، لأن النار شيئان، النور والحرارة، والنور هاهنا كان أجدى (¬5) المنفعتين (¬6). وذكر صاحب النظم في الآية طريقة ثالثة، وهو أنه قال: العلة في توحيد {الَّذِي} (¬7) وجمع الكناية في قوله: {بِنُورِهِم} أن المستوقد كان واحداً من جماعة تولى الاستيقاد لهم، وكانت الكناية في الاستيقاد عنه خصوصا دون أصحابه لتوليه ذلك دونهم، فلما ذهب الضوء، رجع ذهابه عليهم جميعا، فرجع الخبر إلى جماعتهم لما عموا به. 18 - قوله تعالى: {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ}. (الصم): جمع الأصم، وهو الذي به صمم، وهو انسداد الأذن، ويقال: رمح أصم: إذا لم يكن ¬
أجوف، وصخرة صماء: إذا كانت صلبة، والصمام ما يسد (¬1) به رأس القارورة، هذا أصله في اللغة (¬2). ولما كان الانسداد يؤدي إلى الشدة والصلابة قيل للصخرة الشديدة: صماء. وارتفع (صم) على الاستئناف، كأنه لما تم الكلام الأول استأنف فقال: صم، أي: هم صم (¬3). وقال أبو إسحاق (¬4): كأنه قال: هؤلاء الذين قصتهم ما مضى (صم) (¬5). ويجوز الاستئناف قبل تمام القصة، كقوله تعالى: {جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابً} [النبأ: 36]، ثم قال: {رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} (¬6) وقال أيضا {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ} (¬7) [التوبة: 112] ثم قال: ¬
{التَّائِبُونَ} [التوبة:113] (¬1). وقال النابغة: تَوَهَّمْتُ آياتٍ لها فَعَرَفْتُها ... لستَّةِ أعوامٍ وَذَا العَامُ سَابِع (¬2) ثم قال: (رماد) (¬3) فاستأنف، ولم يبدل (¬4). قال أهل المعاني: وإنما وصفهم الله تعالى بالصم (¬5) لتركهم قبول ما يسمعون، والعرب تقول لمن يسمع ولا يعمل على ما يسمعه: أصم. قال الشاعر: أَصَمُّ عَمَّا سَاءَهُ سَمِيعُ (¬6) و (بكم) عن الخير، فلا (¬7) يقولونه، و (عمي)، لأنهم في تركهم ما ¬
19
يبصرون من الهداية بمنزلة العمى (¬1). وقوله تعالى: {لَا يَرْجِعُونَ} أي إلى الإسلام، أو عن الجهل والعمى (¬2). قال محمد بن جرير: هذه الآية معناها التقديم والتأخير، والتقدير (وما كانوا مهتدين صم بكم ...) الآية، {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي} [البقرة: 17]، {أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ} [البقرة: 19]، مثل آخر عطف على الأول. قال: لأن قوله {وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ} [البقرة: 17] في الآخرة، إذا قلنا: إنه وصف المنافقين (¬3)، والخبر بأنهم صم بكم في الدنيا، فلهذا قلنا: إن هذا على التقَديم والتأخير (¬4). وقال غيره: يجوز أن يعترض ذكر حالهم في الدنيا بعد وصف حالهم في الآخرة. 19 - قوله تعالى: {أَوْ كَصَيِّبٍ}. {أَوْ} دخلت هاهنا للإباحة (¬5)، لا للشك (¬6)، ومعناه أن التمثيل مباح لكم، إن مثلتموهم بالذي استوقد نارا، فهو مثلهم، [أو بأصحاب الصيب فهو مثلهم] (¬7)، أو بهما جميعا فهما مثلاهم (¬8)، كما تقول: جالس الحسن أو ابن سيرين، إن (¬9) جالست ¬
أحدهما فأنت مطيع، [وإن جمعتهما فأنت مطيع] (¬1). ومثله قوله: {فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} [البقرة: 74]، هذا قول جميع أصحاب المعاني (¬2). وقال ابن الأنباري: {أو} دخلت للتمييز والتفصيل (¬3)، المعنى بعضهم يشبهون الذي استوقد نارا، وبعضهم يشبهون أصحاب الصيب. ومثله قوله: {وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى} [البقرة: 135] [معناه: قال بعضهم: كونوا هودا، وهم اليهود، وقال بعضهم: كونوا نصارى] (¬4)، وهم النصارى، فدخلت (أو) لمعنى التفصيل، ومثله قوله: {فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ} [الأعراف: 4] معناه (¬5): فجاء (¬6) بعض أهلها بأسنا بياتًا، وجاء بعض أهلها في وقت القيلولة (¬7). وقيل: إن (أو) هاهنا بمعنى الواو (¬8)، كقول جرير: ¬
نَال الخِلاَفَة أوْ كَانَتْ لَهُ قَدَرًا ... كَمَا أتى رَبَه مُوسَى عَلَى قَدَرِ (¬1) وقال توبة (¬2): وقَد زَعَمَتْ سَلْمَى بِأَنِّي فَاجِرٌ ... لِنَفْسِي تُقَاهَا أوْ عَلَيْهَا فُجُورُهَا (¬3) قال النحويون: المعنى أو كأصحاب صيب (¬4)، فحذف المضاف ¬
لدلالة باقي الكلام عليه (¬1) وهو قوله تعالى: {يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ}. و (الصيب) من المطر: الشديد، من قولهم: صاب يصوب، إذا نزل من علو إلى أسفل (¬2). قال: تَنَزَّلَ مِنْ جَوِّ السَّمَاء يَصُوبُ (¬3) وأصله (صَيْوِب) (¬4) فسبقت الياء الواو [بالسكون، فصيرتا (ياء مشددة) كما قالوا: سيِّد وميِّت وهيِّن، وهو أصل مطرد في الياء والواو] (¬5) إذا (¬6) ¬
اجتمعتا وإحداهما (¬1) ساكنة، تقدمت الواو وتأخرت (¬2)، فالمتأخرة كما ذكرنا، والمتقدمة كقولهم: (لويت يده (¬3) ليّا). هذا مذهب البصريين (¬4). وعند الكوفيين: أن أصله (صييب) (¬5) على وزن (فَعِيل)، فاستثقلت (¬6) الكسرة على الياء فسكنت، وأدغمت إحداهما في الأخرى، وحركت إلى الكسرة. وقوله تعالى: {مِنَ السَّمَاءِ}. قال [الزجاج] (¬7): السماء في اللغة: يقال لكل ما ارتفع وعلا قد سما يسمو، وكل سقف فهو سماء، ومن هذا قيل للسحاب: سماء، لأنها عالية (¬8). ¬
الأزهري: و (السماء) عند العرب مؤنثة، لأنها جمع (سماءة) (¬1)، و (السماءة) أصلها سَمَاوَة فاعلم. وإذا ذكرت العرب السماء عنوا بها السقف (¬2). وأما (الرعد)، فقال ابن عباس: الرعد ملك يسوق السحاب، كما يسوق الحادي الإبل بحدائه (¬3). وكذلك قال مجاهد وطاووس (¬4) وعكرمة وأصحاب ابن عباس: إن الرعد ملك يسوق السحاب، والرعد الذي هو الصوت سمي باسمه (¬5). ¬
وكتب ابن عباس إلى أبي (¬1) الجَلْد يسأله عن الرعد، فقال: هو ريح يختنق تحت السماء وفوق السحاب (¬2). وسئل علي -رضي الله عنه- عن الرعد، فقال: ملك، وعن البرق، فقال: مخاريق بأيدى الملائكة من حديد (¬3). وسئل وهب بن منبه (¬4) عن الرعد، فقال: الله أعلم (¬5). ويقال: برقت السماء ورعدت، ومنه يقال: برق الرجل ورعد، إذا تهدد وأوعد (¬6). وأبرق وأرعد - أيضا في قول أبي عبيدة، وأنكره الأصمعي. ¬
وكلهم يقول: أبرقنا وأرعدنا بمكان كذا، أي رأينا البرق والرعد (¬1). والبارق السحاب ذو البرق، وكذلك البارقة (¬2). وأما (الصواعق)، فهي جمع صاعقة، والصاعقة والصعقة: الصيحة يغشى منها على من يسمعها أو يموت (¬3). قال الله عز وجل: {وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ} [الرعد: 13] يعني أصوات الرعد، ويقال لها: الصواقع (¬4) أيضا ومنه قول الأخطل: كَأنَّمَا كانُوا غُرَاباً وَاقِعا ... فَطارَ لمَّا أبْصَرَ الصَّوَاقِعا (¬5) ويقال: أصعقته الصيحة، أي: قتلته. وأنشد الفراء: أُحادَ وَمثنى أصْعَقَتْهَا صَوَاهِلُه (¬6) ¬
أي قتلها صوته. ويقال للرعد والبرق إذا [قتلا] (¬1) إنسانا: أصابته صاعقة، وقال لبيد يرثي أخاه أَرْبَد (¬2): فَجَّعَنِي الرَّعْدُ والصَوَاعِقُ بالْـ ... ـفَارِس يَوْمَ الكَرِيَهةِ النَّجُدِ (¬3) أراد بالصواعق صوت الرعد، يدل على هذا قوله (¬4) عز وجل: {يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ} ولا يسدّون الآذان إلا من شدة صوت الرعد (¬5). وقال آخرون: الصاعقة: كل عذاب مهلك (¬6). وقيل: الصاعقة: الصوت الشديد من الرعد، يسقط معها قطعة نار (¬7). فأما معنى الآية، فقال المفسرون: إن الله تعالى ضرب للمنافقين مثلًا آخر، وشبههم بأصحاب مطر. وأراد بالمطر: القرآن (¬8)، ¬
وشبهه (¬1) بالمطر لما فيه من حياة القلوب، وعنى بالظلمات: ما في القرآن من ذكر الكفر والشرك وبيان الفتن والأهوال، فشبهها بما في المطر من الظلمات، وشبه ما خوفوا به من الوعيد وذكر النار بما في المطر من الرعد، وشبه حجج القرآن وما فيه من البيان والنور والشفاء والهدى بما في المطر من البرق. وشبه جعل المنافقين أصابعهم في آذانهم لكيلا يسمعوا (¬2) القرآن مخافة ميل القلب إلى القرآن فيؤدي ذلك إلى الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وذلك عندهم كفر، والكفر موت (¬3)، أو لكيلا يسمعوا ما ينزل من القرآن بما فيه افتضاحهم بجعل (¬4) الذي في هذا المطر أصابعه في أذنه. وتلخيص معناه: أن أصحاب الصيب إذا اشتد (¬5) عليهم وقع الصاعقة وصوت الرعد خافوا على أنفسهم الهلاك، فسدّوا آذانهم بأصابعهم، كذلك هؤلاء المنافقين يسدّون آذانهم للمعنيين اللذين ذكرنا. ¬
وأمال الكسائي: {فِي آذَانِهِمْ} (¬1). قال أبو علي: (وهي حسنة لمكان كسرة (¬2) الإعراب (¬3) في النون (¬4)، كما جازت في مررت ببابه (¬5). ونصب {حَذَرَ الْمَوْتِ} لأنه مفعول له (¬6). قال الزجاج: وليس نصبه لسقوط اللام، وإنما نصبه أنه في تأويل المصدر، كأنه (¬7) قال: يحذرون حذرا (¬8)، لأن جعل الأصابع في الآذان يدل على الحذر، كما قال: وَأَغْفِر عَوْرَاءَ الكَرِيِم ادِّخَارَهُ (¬9) ¬
المعنى لادخاره. قوله: أغفر عوراء الكريم، معناه: أدخر الكريم (¬1). وقال الفراء: نصبه على التفسير كقوله: {وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا} [الأنبياء:90] وكقوله: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} [الأعراف:55]. وقوله تعالى: {وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ}. يقال: أُحِيط بفلان، إذا دنا هلاكه، وهو (¬2) محاط به، قال الله تعالى: {وَأُحِيطَ بثَمَرِهِ} [الكهف: 42]، أي: أصابه ما أهلكه وأفسده (¬3). والإحاطة تستعمل بمعنى العلم (¬4) كقوله: {أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا} [الطلاق: 12] أي: لم يشذ عن علمه شيء. ويستعمل بمعنى القدرة، كأن قدرته أحاطت بهم (¬5)، فلا محيص (¬6) لهم عنه. وجاء في التفسير أن معناه: والله مهلكهم وجامعهم في النار (¬7). دليله ¬
20
قوله: {إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ} [يوسف: 66] أي تهلكوا (¬1) جميعاً. وأمال أبو عمرو والكسائي (الكافرين) (¬2) في جميع القرآن: لأن الكسرة لزمت الراء بعد الفاء المكسورة، والراء بما فيها من التكرير يجرى مجرى الحرفين المكسورين، وكلما كثرت الكسرات حسنت الإمالة، ولا يميلان نحو (¬3): {أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ} [البقرة: 41] وذلك لأن كسرة الراء غير لازمة (¬4) لزومها في (الكافرين) (¬5). 20 - قوله تعالى: {يَكَادُ الْبَرْقُ} [البقرة: 20]. (كاد) موضوع عند العرب لمقاربة (¬6) الفعل (¬7)، فإذا نفيت (¬8) في اللفظ كان في المعنى إثباتا، وإذا أثبت كان نفيًا (¬9)، بيانه أنك تقول: كاد يضربني، فهذا إثبات في اللفظ نفي للضرب (¬10)، لأن معناه قرب من الضرب ولم يضرب، وإذا قلت: ما ¬
كاد يفعل كذا، فهذا نفي في اللفظ، إثبات في المعنى، لأنه قرب من ترك الفعل، وقد فعله بعد بطء (¬1). قال ابن الأنباري: (قال اللغويون: كدت أفعل، معناه عند العرب: قاربت الفعل ولم أفعل، وما كدت أفعل، معناه: فعلت بعد إبطاء (¬2) هذا معنى (كاد)، وقد تستعمل (¬3) بغير هذا المعنى (¬4)، وسنذكر ذلك عند قوله: {إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا} [النور: 40]. وذكر أبو بكر بإسناده أن ذا الرمة الشاعر قدم الكوفة فأنشد [بالكُناسة] (¬5) وهو على راحلته قصيدته (الحائية)، فلما انتهى إلى قوله: إِذَا غَيَّرَ النَّأيُ المُحِبِّينَ لَمْ يَكَدْ ... رَسيِسُ الهَوى مِنْ حُبِّ مَيَّةَ يَبْرَح (¬6) ¬
قال له عبد الله بن شبرمة (¬1): فقد برح يا ذا الرمة! ففكر ساعة ثم قال: ........ لَمْ أَجِدْ رسيِسَ ... الهَوى مِنْ حُبِّ مَيَّهَ يَبْرَحُ (¬2) ومعنى الآية: يكاد ما في القرآن من الحجج تخطف (¬3) قلوبهم من شدة إزعاجها (¬4) إلى النظر في أمر دينهم (¬5). وقال ابن عباس في رواية مقاتل والضحاك: معناه: يكاد الإيمان يدخل في قلوبهم (¬6). ¬
وقوله تعالى: {كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ}. {أَضَاءَ} هاهنا إن كان متعديا فالمفعول محذوف، وكأنه قيل: كلما أضاء لهم الطريق، ويجوز أن يكون لازما بمعنى (ضاء) (¬1). قال ابن عباس: يقول: إذا قرئ عليهم شيء من القرآن مما يحبون صدقوا، وإذا سمعوا شيئاً من شرائع النبي صلى الله عليه وسلم مما يكرهون وقفوا عنه، وذلك قوله تعالى: {وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا} (¬2). وقال قتادة: هو المنافق إذا كثر ماله وأصاب رخاء وعافية قال للمسلمين: أنا معكم وعلى دينكم، وإذا أصابته النوائب قام متحيرا؛ لأنه لا يحتسب أجرها (¬3). كأصحاب الصيب إذا أضاء لهم البرق فأبصروا الطريق مشوا، فإذا عادت الظلمة وقفوا متحيرين. ومثله قوله: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ} [الحج:11]. وقيل: شبه الغنيمة بالبرق، يقول (¬4): الطمع في الغنيمة يزعج قلوبهم، {كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ}: أي كثرت الغنائم ¬
وأصابوا الخير، {مَشَوْا فِيهِ}: أي رضوا به، {وَإِذَا (¬1) أَظْلَمَ عَلَيْهِم}: قلت (¬2) الغنيمة وكانت بدلها الهزيمة، (قاموا): اعتلوا وقعدوا عن نصرة الرسول (¬3). وقوله تعالى: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ}. خص هاتين الجارحتين لما تقدم ذكرهما في قوله: {آذَانِهِمْ} و {يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ} فيقول: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ} عقوبة لهم على نفاقهم، فليحذروا عاجل عقوبة الله وآجله، فإن الله على كل شيء قدير من ذلك (¬4). وقيل: ولو شاء الله لذهب بأسماعهم الظاهرة، وأبصارهم الظاهرة كما ذهب بأسماعهم وأبصارهم الباطنة، حتى صاروا صُمًّا عُمْيًا (¬5). وكان حمزة يسكت على الياء في {شَيْءٍ} (¬6) قبل الهمزة سكتة خفيفة، ثم يهمز (¬7). وذلك (¬8) أنه أراد بتلك الوقيفة [في صورة لا يجوز فيها ¬
21
معها إلا التحقيق لأن] (¬1) الهمزة قد صارت بالوقيفة مضارعة للمبتدأ بها والمبتدأ بها لا يجوز تخفيفها (¬2). 21 - قوله تعالى: {يَأَيُّهَا اَلنَّاسُ أعبُدُواْ رَبَّكُمُ} الآية. (يا) حرف ينادي به (¬3)، ولا تكاد تجد في كلام العرب حرفاً تألف مع اسم فكانا جملة كاملة سوى حرف النداء. و (أي) (¬4) اسم مبهم مبني على الضم، لأنه منادى مفرد، و {النَّاسُ} صفة لأي لازمة، تقول: يا أيها الرجل أقبل، ولا يجوز (¬5): يا الرجل، لأن (يا) تنبيه بمنزلة التعريف في الرجل، فلا يجمع بين (يا) وبين الألف واللام (¬6). و (ها) لازمة لأي (¬7)، وهي عوض من الإضافة في (أي) لأن ¬
الأصل في (أي) أن تكون (¬1) مضافة في الاستفهام والخبر. والمازني يجيز (¬2) في (يا أيها الرجل) النصب في (الرجل) ولا يوافقه على هذا غيره (¬3). قال أبو إسحاق: وقوله قياس؛ لأن موضوع المنادى المفرد نصب، فحمل (¬4) صفته على موضعه، وهذا في غير (¬5) (يا أيها الرجل) جائز عند جميع النحويين، نحو قولك: (يا زيد الظريفُ والظريفَ) (¬6) والنحويون غيره (¬7) لا يقولون في هذا إلا الرفع، والعرب لغتها في هذا الرفع، لأن المنادي في الحقيقة (الرجل) و (أي) وصلة له (¬8). وذلك أنهم لما أرادوا نداء ¬
ما فيه لام التعريف، ولم يمكنهم أن يباشروه بـ (يا) لما فيها من التعريف والإشارة توصلوا إلى ذلك بإدخال (أي) بينهما فقالوا: يا أيها الرجل، والمقصود بالنداء هو الرجل، و (أي) وصلة له (¬1). ولأن (أيا) وإن كان اسما منادى مفردا فهو ناقص، والنصب بالحمل على الموضوع إنما يجوز بعد تمام الاسم (¬2). و {يَا أَيُّهَا النَّاسُ} عموم في كل مكلف من مؤمن وكافر (¬3). ويروى عن الحسن وعلقمة (¬4). أن {يَا أَيُّهَا النَّاسُ} خطاب أهل مكة، و {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} خطاب أهل المدينة (¬5). ¬
وقوله تعالى: {اعْبُدُوا رَبَّكُمُ} أي اخضعوا له بالطاعة، ولا يجوز ذلك إلا لمالك الأعيان (¬1). وقوله تعالى: {الَّذِي خَلَقَكُمْ}. (الخلق): ابتداع شيء لم يسبق إليه (¬2). وكل شيء خلقه الله فهو مبتدئه على غير مثال سبق إليه (¬3). والعرب تقول: خلقت الأديم إذا قدرته (¬4). لتقطع منه مزادة أو قِرْبةً أو خُفًّا (¬5). قال زهير: وَلَأنْتَ تَفْرِي (¬6) ما خَلَقْتَ وَبَعْـ ... ـضُ القَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لا يَفْري (¬7) وقيل للمقدر: خالق على الاستعارة لا على استحقاق اسم الخلق، وذلك أن المقدر إنما يقدر ليفعل، فسمى الفعل باسم التقدير، كما يسمى الشيء باسم الشيء إذا كان معه أو من سببه، فالخلق الحقيقي هو خلق الله الذي أبتدع ما خلق وأنشأ ما أراد على غير مثال، وخلق غيره [قياس وتشبيه وافتراء ومحاكاة وتقدير على قدر قدرة غيره، فخلق الله ذاتي وخلق ¬
غيره] (¬1) على سبيل الاستعارة والتقدير (¬2). ومعنى الآية: أن الله تعالى احتج على العرب بأنه خالقهم وخالق من قبلهم، لأنهم كانوا مُقِرّين بأنه خالقهم، والدليل على ذلك قوله: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [الزخرف: 87]، فقيل لهم: إذ (¬3) كنتم معترفين بأنه خالقكم فاعبدوه ولا تعبدوا الأصنام، فإن عبادة الخالق أولى من عبادة المخلوقين من الأصنام (¬4). وقوله تعالى: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}. قال ابن الأنباري: (لعل) يكون (¬5): ترجياً، ويكون بمعنى: (كي)، ويكون: ظناً كقولك: لعلي أحج العام، معناه: أظنني سأحج (¬6). وقال يونس (¬7): (لعل) يأتي في كلام العرب بمعنى: (كي)، من ¬
ذلك (¬1) قوله: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (¬2) و {لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} (¬3) ويقول (¬4): (أعرني دابتك لعلي أركبها) بمعنى (كي). قال (¬5): وتقول (¬6): انطلق بنا لعلنا نتحدث، أي: كي نتحدث (¬7). ومثل هذا قال قطرب في (لعل) (¬8). وقال سيبويه: (لعل) كلمة ترجية وتطميع للمخاطبين (¬9). أي كونوا على رجاء وطمع أن تتقوا بعبادتكم عقوبة الله أن تحل بكم (¬10)، كما قال ¬
22
في قصة فرعون {لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} [طه: 44]، كأنه قال: اذهبا أنتما على رجائكما وطمعكما (¬1)، والله عز وجل من وراء ذلك وعالم بما يؤول إليه أمره. 22 - قوله تعالى: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا}: (الأرض): التي عليها الناس، وجمعها: (أَرَضُون) (¬2) و (أَرَضَات) (¬3)، وحكي: (أُرُوض) (¬4). فإن قيل: الجمع بالواو والنون [إنما هو لأسماء الأعلام، فما بالهم جمعوا الأرض بالواو والنون؟] (¬5). قيل: إن الأرض اسم مؤنث، ¬
وقد كان القياس في كل اسم مؤنث أن يقع فيه الفرق بينه وبين المذكر نحو: قائم وقائمة، وطريف وطريفة، وغير ذلك. فأما ما تركت (¬1) فيه العلامة من المؤنث، فإنما ذلك اختصار لحقه، لاعتمادهم في الدلالة على تأنيثه على ما يليه من الكلام قبله وبعده، نحو: (هذه مِلْحٌ (¬2) طيبة)، و (كانت لهم عرس مباركة)، فلما كان الأمر في المذكر والمؤنث على ما ذكرنا، وكانت (الأرض) مؤنثة، وكأنّ فيها (هاء) مرادة، وكأنّ تقديرها: (أَرْضَة) فلما حذفت (الهاء) التي كان القياس يوجبها، عوضوا منها الجمع بالواو والنون. فقالوا: (أَرَضُون) (¬3). وإذا أدخل شيء مما (¬4) ليس مذكراً عاقلًا في هذا النوع من الجمع، فهو حظ ناله، وفضيلة خص بها (¬5)، ولهذا نظائر كالسنين وعضين، ونذكرها في مواضعها إن شاء الله. وفتحوا (الراء) (¬6) في (أَرَضِين) ليدخل الكلمة ضرب من التكسير، استيحاشا من أن يوفوه لفظ التصحيح من جميع الوجوه، ومعنى التصحيح هو أنهم إنما جمعوا بالواو والنون الأسماء التي هم بها معنيون، ولتصحيح ألفاظها لفرط اهتمامهم بها مؤثرون، كيلا يقع في واحده إشكال، ألا ترى ¬
أن (¬1) مثال جمع التصحيح لا يعترض الشك في واحده (¬2). فإن قيل: إنما. يعوض من المحذوف إذا كان أصلا، فكيف جاز التعويض من الزائد، و (هاء التأنيث) زائدة؟ قيل: إن العرب قد [أجرت] (¬3) (هاء التأنيث) مجرى (¬4) لام الفعل في أماكن (¬5)، منها أنهم قالوا: (عَرْقُوة) (¬6)، و (تَرْقُوَة) (¬7)، فصححوا الواو، فلولا أن (الهاء) في هذه الحال في تقدير الاتصال والحرف الأصلي لوجب أن تقلب (¬8) (الواو)، لأنها كانت تقدر ¬
طرفا (¬1)، وتقلب (¬2) (ياء) كما تقلب في نحو: (أَحْقٍ) جمع (حَقْو) (¬3) و (أَدْلٍ) (¬4) و [(أَجْرٍ) (¬5)]. فـ (الهاء) هاهنا كالراء (¬6) في (منصور)، والطاء في (عَضْرَفوطْ) (¬7) لتصحيح (¬8) الواو قبلها. وقوله تعالى: {فِرَاشًا} الأرض فراش الأنام على معنى أنها فرشت لهم، أي (¬9): بسطت، وهذا كقوله: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا (19)} [نوح: 19] والمعنى أنه لم يجعلها حزنة غليظة لا يمكن (¬10) الاستقرار ¬
عليها (¬1). وقوله تعالى: {وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً}. الأزهري: أصل الماء (مَاهَ) بوزن (قَاه) (¬2)، [فثقلت] (¬3) (الهاء) مع الساكن قبلها، فقلبوا الهاء مدة فقالوا: ماء (¬4). قال الليث: والمدة في (الماء) خَلَفٌ (¬5) من (هاء) محذوفة، ويدل على أن الأصل في الماء (الهاء): التصغير، والتصريف، والجمع، فالتصغير (مُوَيْه) (¬6) ويقال: هذه مُوَيْهَة عذبة (¬7). وقال (¬8) الأصمعي: مَاهَت البئر، وهي تَمَاه [وتَمُوه مَوْهاً إذا كثر ماؤها (¬9). ¬
ابن بزرج (¬1): مَوَهَت السماء، أي: سالت (¬2) ماءً كثيرًا. ومَاهَت البئر] (¬3)، وأماهت في كثرة مائها، وهي تَمَاه وتَمُوه. ويقولون في حفر البئر: أَمْهَى وأَمَاه (¬4). قال الليث: وأَماهت الأرض إذا ظهر فيها النَّزُّ (¬5). والنسبة إلى الماء (ماهِيٌّ) (¬6)، وغيره (¬7) يقول: مَائِيٌّ (¬8). وجمع الماء: (مياه) و (أمواه) (¬9)، قال الشاعر: سَقَى اللهُ أَمْوَاهاً عَرَفْتُ مَكَانها ... جُرَاباً ومَلْكُوماً وبَذَّرَ والْغَمْرَا (¬10) ¬
فإن قيل: كيف قال: {وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ}، والماء ينزل من السحاب؟ قيل: هذا من باب حذف المضاف، والتقدير: من نحو السماء (¬1)، كقول الشاعر: أَمِنْكِ بَرْقٌ أَبِيتُ (¬2) اللَّيْلَ أَرْقُبُهُ ... كَأنَّه في عِرَاضِ الشَّأْمِ مِصْباحُ (¬3) أي: من نَاحِيَتِك، ومثله كثير. وإن جعلت السماء بمعنى (السحاب) (¬4) لم يكن من باب حذف المضاف. وقوله تعالى: {فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ}. الثمرات: جمع (الثمرة) وهي حمل الشجرة (¬5) في الأصل، ثم صارت اسمًا لكل (¬6) ما ينتفع به، مما هو زيادة على أصل المال (¬7). ¬
يقال: لبن مُثْمِر (¬1) إذا ظهر زبده (¬2)، وقال النضر (¬3): هو [الثَّمِير] (¬4)، وذلك إذا [مُخِض] (¬5) اللبن فرئي عليه أمثال الحَصَف في الجلد ثم يجتمع فيصير زبداً. وقد ثَمَّر السقاء وأَثْمَر. وإن لبنك لحسن الثَّمَر (¬6). ويقال: ثمر الله مالك، وعقل مثمر، إذا كان يهدي صاحبه إلى الرشد (¬7). فالثمرة تستعمل فيما ينتفع به ويستمتع مما هو فرع لأصل (¬8). قال المفسرون في معنى الثمرات في هذه الآية: أراد جميع ما ينتفع به مما يخرج من الأرض (¬9). وقوله تعالى: {فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا}. روى شمر عن الأخفش قال: (الند) الضد والشبه. أي: لا تجعلوا (¬10) لله أضدادا وأشباها، وفلان نِدُّ فلان ونَدِيدُه ونَدِيدَتُه أي: مثله وشبهه (¬11). ¬
وأنشد للبيد (¬1): لِكَيْمَا (¬2) يكُون السَّنْدَرِيُّ نَدِيدَتِي ... فَأَشتمَ (¬3) أقَوْاماً عُمُوماً (¬4) عَمَاعِمَا (¬5) وقال أبو الهيثم: يقال للرجل إذا خالفك فأردت وجها تذهب فيه ونازعك في ضده، فأراد بخلاف الوجه الذي تريد، وهو مستقل من ذلك مثل ما [تستقل] (¬6) به: فلان نِدِّي ونَدِيدِي. قال حسان: أتَهْجُوهُ وَلَسْتَ لَهُ بِنِدٍّ ... فَشَرُّكُمَا لِخَيْركُمَا الفِدَاءُ (¬7) ¬
أي لست له بمثل في شيء من معانيه (¬1). فحقيقة (النِّد) المثل المناوئ، وأصله من قولهم: (ندّ) إذا نفر، ولهذا يقال للضد: ند، ثم استعمل في المثل وإن لم يكن هناك مخالفة (¬2). قال جرير: أتَيْماً يَجْعَلُونَ إليَّ نِدّاً ... وَمَا تَيْمٌ لِذِي حَسَبٍ نَدِيدُ (¬3) أي مثل. قال ابن عباس، والسدي فيما ذكره عن ابن مسعود: معناه لا تجعلوا لله أكفاء من الرجال [تطيعونهم] (¬4) في معصية الله (¬5). وقال ابن زيد: الأنداد الآلهة (¬6) التي جعلوها معه (¬7). وقال أبو إسحاق: هذا احتجاج عليهم لإقرارهم بأن الله خالقهم، فقيل ¬
23
لهم: لا تجعلوا لله (¬1) أمثالًا وأنتم تعلمون [أنهم لا يخلقون والله الخالق (¬2). قال ابن (¬3) الأنباري: قوله: {وَأَنتُم تَعلَمُونَ}، (¬4) لا تتنافى مع قوله: {قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ} [الزمر: 64] لأن هذا العلم الذي وصفهم به في هذه الآية لا يزيل عنهم الجهل؛ لأنه أراد: وأنتم تعلمون أن الأنداد التي تعبدونها لم ترفع لكم السماء ولم تمهد تحتكم (¬5) الأرض، ولم ترزقكم رزقا. فعبدة الأصنام وغيرهم يتساوى علمهم في هذا المعنى، وإنما وصفهم الله جل ذكره بهذا العلم لتتأكد الحجة عليهم إذا اشتغلوا (¬6) بشىء (¬7) يعلمون (¬8) أن الحق فى سواه (¬9). 23 - وقوله (¬10) تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ} الآية. قال النحويون: (إن) دخلت هاهنا لغير شك، لأن الله تعالى علم أَنهم مرتابون، ولكن هذا عادة العرب في خطابهم، كقولك: (إن كنت إنساناً فافعل كذا)، وأنت تعلم أنه إنسان، و (إن كنت ابني فاعطف علي) فالله تعالى خاطبهم على عادة ¬
خطابهم فيما بينهم (¬1). وقيل: هو بمعنى (إذ) (¬2) قال أبو زيد: وتجيء (¬3) (إن) بمعنى (إذ) نحو قوله: {وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [البقرة:278]، وقوله {وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 139] ونحوهما (¬4). قال الأعشى: وسمعتَ حَلْفتَها التي حلفتْ ... إن كان سمعُك غيرَ ذي وَقْرِ (¬5) وقوله تعالى: {فَأْتُوا بِسُورَةٍ}. زعم أبو عبيدة أن (السورة) (¬6) مشتقة ¬
من سورة البناء، وأن السورة عرق من عروق (¬1) الحائط، ويجمع سُوَراً وكذلك (الصورة) (¬2) تجمع (صوراً). واحتج بقوله: سِرْتُ إِلَيْهِ في أَعَالي السُّور (¬3) وأقرأني العروضي، قال: أقرأني الأزهري، قال (¬4): أخبرني المنذري، عن أبي الهيثم أنه رد على أبي عبيدة قوله، وقال: إنما يجمع (¬5) (فُعْلَة) على (فُعْل)، بسكون العين، إذا سبق الجمعَ الواحدُ، مثل: صوفة وصوف، وسورة البناء وسورٌ (¬6)، والسور جمع سبق وحدانه (¬7)، قال الله تعالى: {فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ} [الحديد:13]. والسُّور عند العرب حائط المدينة، وهو أشرف الحيطان، وشبه الله ¬
تعالى الحائط الذي حجز بين أهل النار وأهل الجنة بأشرف حائط عرفناه في الدنيا، وهو اسم واحد لشيء (¬1) واحد، إلا أنا إذا أردنا أن نعرف (¬2) العِرْقَ (¬3) منه قلنا: سورة، كما تقول: التمر، وهو اسم جامع للجنس، فإذا أردنا أن نعرف الواحدة من التمر قلنا: تمرة، وكل منزلة رفيعة فهي سورة، مأخوذة من سورة البناء ومنه قول النابغة: ألم تر أنَّ الله أعطاك سورةً ... ترى كل مَلْكٍ دونها يتذبذبُ (¬4) وجمعها (سُوْرٌ) (¬5) أي: رِفَعٌ. أما سورة القرآن، فإن الله تعالى جمعها على: (سُوَر) مثل: غُرْفَة وغُرَفُ، ورُتْبَة ورُتَب، وزُلفَة وزُلَف، فدل على أنه لم يجمعها كما قال (¬6)، ولم يجعلها من سُورِ (¬7) البناء، لأنها لو كانت منه لقال: (بعشرِ سُوْر) ولم ¬
يقل: {سُوَرٍ} [هود: 13] (¬1) والقراء مجمعون على {سُوَرٍ}. وكذلك أجمعوا على قراءة (سُورٍ) (¬2) في قوله {فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ} [الحديد: 13]. فدل هذا على تمييز (سُورَةٍ) من سُوَرِ (¬3) القرآن عن (سُوْرَة) من سُوْرِ البناء. وكأن أبا عبيدة أراد أن [يؤيد] (¬4) قوله في (الصور) أنه جمع (صورة) (¬5)، وكان ينكر أن (الصور) قرن خلقه الله للنفخ فيه، ونذكر (¬6) قوله ذلك والرد عليه إذا أتينا على ذكر (الصور) إن شاء الله. قال أبو الهيثم: والسورة (¬7) من سور [القرآن] (¬8) عندنا: قطعة من القرآن، سبق وُحْدانُها جَمْعَها، كما أن الغرفة (¬9) سابقة للغرف. وأنزل الله القرآن على نبيه صلى الله عليه وسلم شيئاً بعد شيء، وجعله مفصلاً، وبيّن كل سورة بخاتمتها وبادئتها، وميزها من التي تليها (¬10). ¬
قال الأزهري: وكأن أبا الهيثم جعل السورة من سور القرآن من سؤرة الشراب، وهي بقيته، إلا أنها لما كثرت في الكلام ترك فيها الهمز (¬1). قال (¬2): وأخبرني المنذري، عن أبي العباس، عن ابن الأعرابي قال: (السورة) الرفعة وبها سميت السورة من القرآن، أي رفعة وخير (¬3)، فأرى ابن الأعرابي وافق قوله قول أبي عبيدة (¬4). قال: (¬5) والبصريون يجمعون (الصورة) و (السورة) وما أشبههما (¬6) على (صُوَر وصُوْر)، و (سُوَر وسُوْر) ولا يميزون بين ما سبق جمعه وحدانه وبين ما سبق وحدانه جمعه، والذي حكاه أبو الهيثم هو قول (¬7) الفراء. ¬
وخص هذا القدر من القرآن بتسمية (سورة)، لأنه أقل قطعة وقع به التحدي [على قول أبي الهيثم، وعلى قول أبي عبيدة، لأنه أقل ما وقع به التحدي] (¬1)، فهي شرف للنبي صلى الله عليه وسلم من حيث إنها معجزة له. وقيل: سميت سورة، لأن من حفظها وعلمها حصل له شرف (¬2). وقيل: لأن كل سورة بمنزلة درجة رفيعة ومنزل عال، يرتفع القارئ منها إلى منزلة أخرى إلى أن يستكمل القرآن (¬3). فإن قيل: فما (¬4) الفائدة في تفصيل القرآن على السور؟ قيل: فيه فوائد كثيرة، منها: أن القارئ إذا خرج من سورة إلى سورة كان أنشط لقراءته وأحلى في نفسه. ومنها: أن تخصيص كل سورة بقدر مخصوص كاختصاص القصائد. ومنها: أن الإنسان قد يضعف أو يكسل عن حفظ الجميع فيحفظ سورة تامة فربما كان ذلك سبباً يدعوه إلى حفظ غيرها (¬5). قال المفسرون: ومعنى الآية: أن الله تعالى لما احتج عليهم [في إثبات توحيده احتج عليهم] (¬6) -أيضا- في إثبات نبوة محمد صلى الله عليه ¬
وسلم بما قطع عذرهم، فقال: وإن كنتم في شك من صدق هذا الكتاب الذي أنزلناه على محمد عليه الصلاة (¬1) والسلام، وقلتم: لا ندري هل هو من عند الله أم لا، {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ}، أي من مثل القرآن (¬2). والكناية (¬3) في (مثله) تعود إلى (ما) قوله: {مِمَّا نَزَّلْنَا} (¬4). ودليل هذا التأويل قوله: {فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ} [الطور: 34]. وقوله تعالى: {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ} (¬5)، وقوله: {لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ} [الإسراء: 88] كل ذلك يريد به مثل القرآن، ومعناه: فأتوا بسورة مثل ما أتى به محمد في الإعجاز وحسن النظم والإخبار عما كان وما يكون، على جهة الابتداء دون الاحتذاء، وتعلم الكتب ودراسة الأخبار. و (من) يكون للتبعيض (¬6) على هذا القول، لأن التحدي في هذه الآية وقع ببعض القرآن، وهو السورة. ويحتمل أن تكون للتجنيس (¬7)، أي: من ¬
جنس هذا الكتاب كقوله: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ}. [الحج:30] وقيل: (من) هنا صلة (¬1)، معناه (¬2): فأتوا بسورة مثل القرآن، كقوله: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ} [النور: 30] أي: أبصارهم، وقال النابغة: وَمَا أُحَاشِي مِنَ الأقْوَامِ مِنْ أَحَدٍ (¬3) أي: أحداً. قال النحويون: (مِنْ)، يكون على أربعة أوجه: أحدها: ابتداء الغاية، وهو أصلها (¬4)، كقولك: سرت (¬5) من الكوفة إلى البصرة. والثاني: التبعيض، كقولك: خذ من الثياب ثوباً. ¬
والثالث: التجنيس، كقوله: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ} [الحج: 30]. والرابع: الزيادة، كقولك: ما أتاني من أحد (¬1) وهاهنا فصل يحاج إليه في كثير من المواضع، وذكرته هاهنا (¬2)، وهو (أن الحروف عند النحويين لا يليق بها الزيادة ولا الحذف، وأن أعدل أحوالها (¬3) أن تستعمل غير مزيدة ولا محذوفة، فأما (¬4) امتناع حذفها، فمن قبل أن الغرض في هذه الحروف إنما هو الاختصار، ألا ترى أنك إذا قلت: (ما قام زيد) فقد نابت (ما) عن (أنفي)، وإذا قلت: (هل قام زيد)؟ نابت (هل) عن (أستفهم) (¬5)، فوقوع الحرف مقام الفعل وفاعله غاية الاختصار، فلو ذهب (¬6) بحذف الحرف تخفيفا، لأفرطت في الإيجاز، لأن اختصار المختصر إجحاف (¬7) به. وأما وجه ضعف زيادتها، فلأن الغرض (¬8) ¬
في الحروف الاختصار كما ذكرنا (¬1)، فلو ذهبت تزيدها لنقضت الغرض الذي قصدته، لأنك كنت تصير من الزيادة إلى ضد ما قصدته من الاختصار (¬2)، ولولا (¬3) أن في الحرف إذا زيد ضرباً من التوكيد لما جازت زيادته البتة، كما أنه لولا قوة العلم بمكانه لما جاز حذفه البتة (¬4)، وإذا كان الأمر كذلك فقد علمنا من هذا أنا (¬5) متى رأيناهم قد (¬6) زادوا فقد أرادوا غاية التوكيد (¬7)، كما أنا إذا رأيناهم قد حذفوا حرفاً فقد أرادوا غاية الاختصار، ولولا ذلك الذي أجمعوا عليه واعتزموه (¬8)، لما استجازوا زيادة ما الغرض فيه الإيجاز، وحذف (¬9) ما وضعه على نهاية الاختصار) (¬10). ¬
فإن قيل على هذا، فهل للقرآن مثل حتى يقال: ائت بمثله؟. قيل: أما في مقدور الله فنعم، وأما في مقدور البشر فلا، ولذلك (¬1) صح أنه معجز والذي وقع به التحدي هو هذا النظم المخصوص والقراءة المعهودة، وهي مخلوقة (¬2)، وما كان منظوماً مؤلفاً، فمن الواجب أن يكون له في قدرة الله ¬
أمثال، ولو لم يكن له مثل مقدور، لم يصح التحدي به، ألا ترى أن [التحدي لأن يأتوا بمثل القديم محال. لأنه لا مثل له. ويجوز أن] (¬1) يكون (¬2) الكناية في مثله يعود إلى قوله: {عَلَى عَبْدِنَا} وهو النبي صلى الله عليه وسلم ومعناه: فأتوا بسورة من رجل أميّ، لا يحسن الخط والكتابة ولم يدرس الكتب (¬3). وقوله تعالى: {وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ}. (الشهداء): جمع شهيد والشهيد يجوز أن يكون بمعنى: مشاهد كالجليس والشريب (¬4) والأكيل والشريك، ويجوز أن يكون بمعنى: شاهد كالعليم (¬5) والعالم، والقدير القادر، ويجوز أن يكون بمعنى: مشهود فعيل بمعنى مفعول، والشهود: الحضور، ومنه قوله تعالى {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ} [البقرة: 185] أي حضر، والمشاهد للشيء: الحاضر عنده، وسمي الشاهد شاهداً: لأنه يخبر عما شاهد (¬6) ¬
وسيأتي بيان معنى: الشهيد الذي قتل في سبيل الله، والشهادة على الشيء فيما بعد (¬1). فأما التفسير، فقال ابن عباس: (شهداءكم) يعني: أعوانكم وأنصاركم الذين يظاهرونكم على تكذيبكم (¬2). فعل هذا القول (الشهيد) بمعنى: المشاهد (¬3)، وسمى أعوانهم شهداء، لأنهم يشاهدونهم عند المعاونة (¬4)، وهذا القول اختيار أبي إسحاق (¬5)، لأنه قال في تفسيره: ادعوا من رجوتم معونته (¬6). و (الدعاء) على هذا القول بمعنى: الاستعانة، والعرب كثيراً ما تستعمل (الدعاء) في معنى الاستعانة، وذلك أن الإنسان إذا إستعان بغيره دعاه (¬7)، فلما كان في الاستعانة يحتاج إلى الدعاء، سمى الاستعانة دعاء (¬8). من ذلك قول الشاعر: ¬
دَعَوْتُ بني قَيْس إليَّ فَشَمَّرَتْ ... خَنَاذِيذُ مِنْ سَعْدٍ طِوَالُ السَّواعِدِ (¬1) أي استعنت بهم. ألا تراه يقول: فَشَمَّرَتْ. وقالت امرأة من طيء: دَعَا دَعْوَةً يَوْمَ الشَّرى يَالَ مَالِكٍ ... ومَنْ لا يُجِبْ عِنْدَ الحَفِيظَة يُكْلَمِ (¬2) أي استعان بهم فلم ينصروه. وقال الفراء: يريد (آلهتهم)، يقول: استغيثوا بهم، وهو كقولك للرجل: إذا لقيت العدو خاليا فادع المسلمين، معناه استغث (¬3) بالمسلمين (¬4). ¬
فالدعاء هاهنا بمعنى الاستغاثة (¬1) والاستعانة قريب من السواء، وعلى هذا (شهيد) بمعنى مشهود، وآلهتهم كانت مشهودة لهم، لأنهم كانوا يشهدونها ويحضرونها. وروى عن مجاهد والقرظي (¬2) في قوله: {وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ} أي: ناسا يشهدون لكم على صدق (¬3) ما قلتم وما تأتون به من معارضة للقرآن (¬4). فإن قيل: كان يمكنهم أن يعارضوه بما هو دونه في الفصاحة ثم يأتوا بقوم يشهدون لهم بالباطل أنه مثل القرآن. قيل: إن الله سبحانه أعجز الخلق عن الإتيان بمثل القرآن، وصرفهم أيضًا عن (¬5) الشهادة على ما هو باطل وفاسد بأنه مثل القرآن، ألا ترى أنه لم يوجد منهم هذا (¬6)، ¬
ولو أمكنهم ذلك (¬1) لفعلوا، ولا ترى للقرآن معارضة بوجه سواء كان فصيحاً أو ركيكاً، إلا شهد المخالف والموافق (¬2) بركاكته. وعلى هذا القول (¬3) (شهيد) بمعنى: شاهد. وقوله تعالى: {مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}. (دون) يرد في الكلام على معان كثيرة (¬4)، يكون بمعنى: (قبل) كقولك: دون النهر قتال. ودون قتل الأسد أهوال، وقمت دون فلان، إذا نضحت عنه (¬5)، ومنه قول ¬
الحارثي (¬1): ......... وأنَّى تَخَلَّصَتْ ... إليَّ وبابُ السَّجْنِ دُونِيَ مُغْلَقُ (¬2) ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: "المقتول دون ماله شهيد" (¬3). ويكون (دون) بمعنى: (وراء)، كقولك: (هو أمير على ما دون جَيْحُون) (¬4)، أي على ما وراءه (¬5). ويكون بمعنى: (تحت)، يقال: هو ¬
دونه، أي تحته (¬1). ويكون بمعنى: (غير)، يقال: هذا دون ما ذكرت، أي غيره، قال الله تعالى {وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ} [الأنبياء: 82] يريد غير الغوص من البناء وغيره، والذي في هذه الآية بمعنى: غير (¬2). ويكون (دون) بمعنى: (خذ) وهو بمعنى الإغراء، يقال: دونك زيدا، أي خذه (¬3)، قال الشاعر: يَا أيَّها المَائِحُ دَلْوِي دُوَنكَا (¬4) ويكون بمعنى: (الوعيد)، كقولك: دونك فتمرس بي (¬5). قال الشاعر: فَدُوَنُكما فَمَا قَيْسٌ بِشَحْمٍ ... لمُخْتَلِس وَلاَ فقعٍ بِقَاع (¬6) ويكون (دون) بمعنى: (القريب)، يقال: اُدن دونك، أي اقترب (¬7)، قال زهير بن جناب (¬8): ¬
وَإِنْ عِفْتَ هذا فَادْنُ دُوَنكَ إنَّني ... قَلِيلُ الغِرَارِ والشَّرِيجُ شِعَارِي (¬1) (الشريج) القوس، وقول الأعشى: يَزِيدُ يَغُضُّ الطَّرْفَ دُونِي ... (¬2) قال أبو الهيثم: أي: فيما بيني وبينه من المكان، يقال: اُدن دونك، أي: اقترب مني فيما بيني وبينك (¬3). ويكون (دون) بمعنى: (الخسيس) من قولهم: رجل دون، أي خسيس، ولم يصرّف فعله (¬4). ويكون بمعنى: (أقل من ذا) (¬5)، كقولك: يكفيني (¬6) دون هذا. فأما قوله في هذه الآية: {مِنْ دُونِ اللَّهِ} أي غير الله (¬7)، كما يقال: ما دون الله مخلوق، يريد: وادعوا من اتخذتموه معاونين من غير الله على ¬
تفسير ابن عباس (¬1). وعلى قول الفراء (¬2) يقول: ادعوا من اتخذتم إلها من دونه. وعلى (¬3) قول القرظي ومجاهد، يقول: ادعوا من يشهد لكم دون الله، فإن الله تعالى لا يشهد (¬4) لكم بالصدق، كما يشهد لمحمد، فاطلبوا غيره شهداء إن كنتم صادقين في أن هذا الكتاب يقوله محمد من نفسه، وأنه ليس من عند الله، وفي قولكم: لو أردنا لأتينا بمثله (¬5). وقال أبو علي الجرجاني (¬6): نظم الآية: فأتوا بسورة من مثله من دون الله وادعوا شهداءكم، أي من مثل القرآن من غير الله، يريد أن محمدا يأتي بالقرآن من عند الله، فأتوا أنتم إن استطعتم بمثل القرآن من غير الله. قال. ومثل هذا قوله: {قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} (¬7) [هود: 13]، ونظمه: فأتوا بعشر سور مثله مفتريات من دون الله، وادعوا من استطعتم من الناس، معنى (ادعوا): استعينوا. ¬
24
24 - قوله تعالى: {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا} الآية. (لم) حرف يجزم الفعل المضارع، ويقع بعدها بمعنى الماضي، كما يقع الماضي بعد حرف (¬1) الجزاء بمعنى الاستقبال، ولهذه المشابهة بينها وبين حروف الجزاء اختير الجزم بـ (لم) (¬2) وإنما جزمت حروف الشرط والجزاء، لأنها تقتضي جملتين كقولك: (إن تضرب أضرب) فلطول ما يقتضيه الشرط والجزاء (¬3) اختير الجزم، لأنه حذف وتخفيف. وأما (لن) (¬4) فهي حرف قائم بنفسه، وضع لنفس الفعل المستقبل، ونصبه للفعل كنصب (أن). وليس ما بعد (لن) بصلة لها (¬5)، لأن (لن يفعل) (¬6) نفى سيفعل، وتُعْمِل ما بعدها فيما (¬7) قبلها، كقولك: (زيدا لن أضرب) (¬8). ¬
وروى سيبويه عن بعض أصحاب الخليل عنه أنه (¬1) قال: الأصل في (لن) (¬2)، (لا أن) ولكنها حذفت تخفيفا (¬3). وزعم سيبويه أن هذا ليس بجيد، ولو كان كذلك لم يجز (زيدا لن أضرب) لأن ما بعد (أن) لا يعمل فيما قبلها، لأن ذلك يؤدي إلى تقديم الصلة على الموصول (¬4). وللخليل أن ينفصل من هذا بأن يقول: الحروف إذا ركبت خرجت عما كانت عليه، ألا ترى أن (هل) أصلها الاستفهام، ولا يجوز أن يعمل ما بعدها فيما قبلها، لو قلت (¬5): (زيدا هل ضربت) لم يجز، فإذا زِيدَ (¬6) على (هل) (لا)، ودخلها (¬7) معنى التحضيض، جاز أن يتقدم ما بعدها عليها، كقولك: (زيدا هلا ضربت) (¬8) إلا أن قول الخليل ضعيف في الجملة من ¬
وجه آخر، وهو أن اللفظ متى جاء على صيغة (¬1) ما، وأمكن استعمال معناه لم يجز أن يعدل عن ظاهره (¬2) إلى غيره من غير ضرورة تدعو إلى ذلك، فلما وجدنا (لن) (¬3) معناها مفهوم بنفس لفظها، لم يجز أن يدعى أن (¬4) أصلها شيء آخر من غير حجة قاطعة، ولا ضرورة (¬5). ومعنى الآية: فإن لم تفعلوا فيما مضى، ولن تفعلوا فيما يستقبل أبدا (¬6). وقوله تعالى: {وَلَنْ تَفْعَلُوا} كلام (¬7) معترض بين الشرط والجواب (¬8). وقد يقع الاعتراض بين الشرط والجواب كهذا، وبين المبتدأ والخبر كقولك: (زيد فافهم ما أقول رجل صدق) وبين اسم (إن) وخبرها، كقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ} الآية [الكهف: 30]. فقوله: (إنا لا نضيع) اعتراض، والخبر: (أولئك). وقوله تعالى: {فَاتَّقُوا النَّارَ}. أي: فاحذروا أن تصلوا النار بتكذيبكم، وإنما قيل لهم هذا بعد أن ثبتت الحجة عليهم في التوحيد ¬
وصدق محمد صلى الله عليه وسلم (¬1). و (الفاء) في قوله: {فَإِنْ لَمْ} للعطف، وفي قوله: {فَاَتَّقُواْ} للإتباع دون العطف (¬2). وإنما (¬3) اختاروا (الفاء) من قبل أن الجزاء سبيله أن يقع ثاني الشرط، وليس في جميع حروف العطف حرف يوجد هذا المعنى فيه سوى (الفاء). فدخلت (الفاء) في جواب الشرط توصلا إلى المجازاة بالجملة المركبة من المبتدأ والخبر، والكلام (¬4) الذي يجوز أن يبتدأ به نحو: الأمر والنهي (¬5)، فالجملة (¬6) نحو قولك: (إن تحسن إليّ فالله يكافئك) لولا ¬
(الفاء) لم يرتبط أول الكلام بآخره (¬1). ومن ذلك قولك (¬2): (إن يقم فاضربه) فالجملة التي هي: (اضربه) جملة أمرية، وكذلك: (إن (¬3) يقعد فلا تضربه) جملة (¬4) نهيية، وكل واحدة (¬5) من الجملتين يجوز أن يبتدأ بهما (¬6)، فلما كان الابتداء بها يصح وقوعه في الكلام، احتاجوا إلى (الفاء) ليدلوا على أن مثالي الأمر والنهي ليسا على ما يعتد (¬7) في الكلام (¬8) من وجودهما مبتدأين غير معقودين بما قبلهما (¬9). وقوله تعالى: {وَقُودُهَا النَّاسُ}. قال ابن السكيت: (الوقود) بالضم، المصدر يقال: وَقَدت النار، تَقِدُ (¬10) وُقُوداً (¬11). ويقال: ما أجود هذا الوَقُود للحطب (¬12). ¬
وقال غيره (¬1): وَقَدَت النار، تَقد وَقُوداً (¬2) وَوُقُوداً، وكأن الوقود اسم وضع موضع المصدر. [فالضم: المصدر] (¬3)، والفتح (¬4): الاسم، ويجوز أن يكون مصدراً (¬5). و (الحجارة) جمع حجر، وليس بقياس، ولكنهم قالوه كما قالوا: جمل وجِمَالة، وذكر وذِكَارة، والقياس أحجار (¬6). وجاء في التفسير أن (¬7) الحجارة هاهنا: حجارة الكبريت، عن ابن عباس وغيره (¬8). ¬
فهي (¬1) أشد لاتقاد النار. وقيل: ذكر الحجارة دليل على عظم تلك النار، لأنها لا تأكل الحجارة إلا كانت فظيعة (¬2). وقوله: {وَقُودُهَا النَّاسُ} لا يدل (¬3) على أنها غير مخلوقة بأن الناس لم (¬4) يدخلوها بعد، لأنها متقدة (¬5) بغير الناس، فإذا دخلها الناس صاروا وقودها، وفي قوله: {أُعِدَّتْ} أوضح دلالة على وجودها، لأن المعدوم لا يسمى مُعَدَّا (¬6). وإنما قال: {أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} وإن (¬7) كان العصاة من المسلمين ¬
25
يدخلونها، لأن الكافرين يخلدون فيها دون المؤمنين، وكأن النار ليست للمؤمنين لقلة كونهم فيها إذا قيس بالخلود (¬1). وإنما لم يقل: (أعدت لكم) وإن كان المخاطبون كفارا، لأنه علم أن فيهم من يؤمن. ولما ذكر جزاء الكافرين لتكذيبهم (¬2) ذكر جزاء المؤمنين لتصديقهم فقال عز من قائل: 25 - {وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} الآية. و (التبشير) إيراد الخبر السارّ الذي يظهر (¬3) السرور في بشرة المخبر، ثم كثر استعماله حتى صار بمنزلة الإخبار، واستعمل في نقيضه كقوله: {فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} (¬4) إلا أنه (¬5) فيما يسرّ أكثر (¬6)، ونظيره قول الشاعر: بَكَرَتْ تَلُومُكَ بَعْدَ وَهْنِ في النَّدى ... بَسْلٌ عَلَيْكِ مَلاَمَتِي وِعِتَابِي (¬7) ¬
بكر: أصله من البكور بالصباح، ثم كثر حتى قيل لكل من عجل (بكر) فكذلك صح أن يقول: بعد وهن. وقال قوم: أصله فيما يسر ويغم سواء، إذا (¬1) كان قد (¬2) يظهر في بشرة الوجه أثر الغم كما يظهر أثر السرور (¬3). وقوله تعالى: {وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} أي: الفعلات أو الأعمال، فالموصوف بها محذوف. قال ابن عباس: عملوا الطاعات فيما بينهم وبين ربهم (¬4). وقوله تعالى: {أنَّ لَهُمْ} موضع (أن) نصب، معناه: بشرهم بأن لهم فلما سقطت (الباء) وصل الفعل إلى (أن) فنصب (¬5). ¬
وقوله تعالى: {جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ}. (جنات) (¬1) جمع جنة، وهي الحديقة ذات الشجر، سميت جنة لكثرة شجرها ونباتها (¬2). يقال: جنت الرياض جنوناً، إذا اعتمّ نبتها حتى غطى الأرض (¬3)، قال (¬4): وَجْنَّ الخَازِبازِ بِه جُنُونَا (¬5) جعل بعضهم (الخَازِبَازِ) نبتاً، وجنونه التفافه (¬6). ويقال لكل ما ستر: قد جنّ وأجنّ، ومنه جنون الليل، والجَنَانُ والجَنِينُ والْجَنَنُ (¬7). وقوله تعالى: {مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} أي: من تحت أشجارها ومساكنها (¬8)، ¬
والنهر لا يجري (¬1)، وإنما يجري الماء فيه، ويستعمل الجري فيه توسعاً، لأنه موضع الجري (¬2). وجاء في الحديث: "أنهار الجنة تجري في غير أخدود" (¬3) وعلى هذا فالجري في النهر على ظاهره. وقوله تعالى: {كُلَّمَا}. (كل) (¬4): حرف جملة، ضم إلى (ما) الجزاء، فصار أداة للتكرار، وهي منصوبة على الظرف (¬5). {رُزِقوُاْ} أي: أطعموا (¬6). {مِن ثَمَرَةٍ} (من) صلة (¬7) أي: ثمرة (¬8). ¬
ويجوز أن يكون للتبعيض، لأنهم إنما يرزقون بعض ثمار الجنة (¬1). وقوله تعالى: {قَالُواْ هَذَا اَلَّذِى رُزِقنَا مِن قَبل}. (¬2) لتشابه ما يؤتون به، ولم يريدوا بقولهم: (هذا الذي رزقنا من قبل) نفس ما أكلوه، ولكن أرادوا: هذا من نوع ما رزقنا من قبل (¬3)، كما يقول الرجل: فلان قد أعد لك الطبيخ والشواء، فيقول: هذا طعامي في منزلي كل يوم، يريد هذا الجنس (¬4). و (قبل) يبنى على الضم في مثل هذا الموضع، لأنها تضمنت معنيين، أحدهما: معناها في ذاتها، وهو السبق (¬5). والآخر: معنى ما بعدها، لأن التأويل: هذا الذي رزقنا من قبله، فهو وإن لم يضف ففيه معنى الإضافة (¬6)، فلما أدت عن معنيين قويت فحملت ¬
أثقل الحركات (¬1)، وكذلك قوله: {لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ} [الروم: 4]، تأويله: من قبل كل شيء وبعده (¬2). وهذا مذهب الفراء (¬3) والمبرد (¬4)، واختيار ابن الأنباري، لأنه قال: العرب إذا وجدت الحرف مؤدياً عن معنيين ألزموه الضم، كقولهم (¬5): (نحن)، ألزموه الضم (¬6)، لأنه يؤدي معنى التثنية والجمع، وكذلك (قط) يؤدي عن زمانين كقوله: ما رأيته قط، معناه من أول أوقاتي (¬7) إلى الساعة، وسمعت أبا الحسن (¬8) الضرير النحوي -رحمه الله- يقول: إنما بني على الضم دون غيره من الحركات، لأنه لما أعرب (¬9) عند الإضافة نحو: (قبلك ومن قبلك) بالنصب والخفض لم يبق عند الإفراد والبناء إلا الضم فبني عليه (¬10)، وهذا معنى قول الزجاج، لأنه يقول: ضم (قبل) لأنها غاية كان ¬
يدخلها بحق الإعراب الفتح والكسر، فلما عدلت عن بابها بنيت على ما لم يكن (¬1) يدخلها بحق الإعراب، وانما عدلت لأن أصلها الإضافة فجعلت مفردة تنبئ (¬2) عن الإضافة (¬3). وقوله تعالى: {وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا}. أي بعضها يشبه بعضاً في اللون والصورة مختلفاً في الطعم، وذلك أبلغ في باب الإعجاب وأدل على الحكمة، وهذا قول ابن عباس وابن مسعود وجماعة من الصحابة (¬4). وقال الحسن وقتادة وابن جريج: متشابها في الفضل، خيار كله لا رذال (¬5) فيه (¬6). كما يؤتى الرجل بأثواب ليختار منها، فإذا قلبها (¬7) قال: لا أدري أيها ¬
آخذ لأن كلها حسن مختار (¬1)، كما قال الشاعر: مَنْ تَلْقَ مِنْهُمْ تقل (¬2) لاقيت سيدهم ... مثل النجوم التي يسري بها الساري (¬3) أي هم متشابهون في الفضل (¬4). قال ابن الأنباري: وقول ابن عباس أدل على حكمة الله عز وجل ونفاذ قدرته، لأنا إذا وجدنا رُمَّاناً يؤدي عن (¬5) طعم الكمثرى والتفاح والسفرجل كان أبدع وأغرب من أن لا يؤدي إلا عن طعمه المعروف له (¬6). وقال بعض أهل المعاني: في الآية تقديم وتأخير في المعنى أي: وأتوا به متشابها قالوا: هذا الذي رزقنا من قبل (¬7). وقوله تعالى: {وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ}. (الأزواج) جمع زوج وزوجة، وشكل كل شيء: زوجه (¬8). وقوله تعالى: {مُطَهَّرُةٌ} أي: من ¬
26
كل أذى وقذر ممّا (¬1) في نساء الدنيا (¬2). وقيل: عن مساوئ الأخلاق (¬3)، لما فيهمنّ من حسن التبعل، ودل على هذا قوله: {فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (36) عُرُبًا أَتْرَابًا (37)} [الواقعة:36 - 37]. وقيل: من آفات الشيب والهرم (¬4). ويقال: إنه أراد زوجاتهم من الآدميات، ويقال: أراد من الحور العين (¬5). {وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} لأن تمام النعمة بالخلود والبقاء فيها، كما أن التنغيص (¬6) بالزوال والفناء (¬7). 26 - قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي} الآية. قال ابن عباس في رواية أبي صالح: لما ضرب الله سبحانه هذين المثلين للمنافقين قالوا: الله أجل وأعلى من (¬8) أن يضرب الأمثال فأنزل الله هذه الآية (¬9). ¬
وقال (¬1) الحسن وقتادة: لما ذكر الله الذباب والعنكبوت في كتابه، وضرب للمشركين به المثل ضحكت اليهود وقالوا: ما يشبه هذا كلام الله، فأنزل الله هذه الآية (¬2) قال أهل المعاني: قوله {إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي} خرج على لفظهم (¬3)، حيث قالوا: إن الله يستحي (¬4) أن يضرب المثل بالذباب والعنكبوت (¬5)، كقوله: {فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ} [هود: 13] لما قالوا: إنه سحر مفترى (¬6). ¬
وقال بعضهم: معنى (¬1) قوله: {لَا يَسْتَحْيِي} هو أن الذي يستحيا منه ما يكون قبيحا في نفسه، ويكون لفعله عيب في فعله فأخبر الله سبحانه أن ضرب المثل منه ببعوضة فما فوقها ليس بقبيح ولا نقص ولا عيب، حتى يستحيا منه، فوضع: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَستَحِى أَن يَضرِبَ مَثَلاً} موضع ذلك، كأنه قيل: إن ما يضربه الله من المثل بالبعوض (¬2) لا يستحيا منه (¬3)، لأن حقيقة الاستحياء في وصفه لا يجوز، لأنه يخاف عيبا، ويستحيل في وصفه أن يحذر نقصًا (¬4). وقيل: معنى: {لَا يَسْتَحْيِي}: لا يترك، لأن أحدنا إذا استحيا من شيء تركه (¬5)، ومعناه أن الله لا يترك ضرب المثل ببعوضة فما فوقها إذا علم أن فيه عبرة لمن اعتبر، وحجة على من جحد (¬6). وقيل: معناه (لا ¬
يخشى) والخشية والاستحياء يقوم أحدهما مقام الآخر كقوله: {وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ} [الأحزاب: 37]، أي تستحي (¬1) الناس] (¬2) والله أحق أن تستحيي (¬3) منه، وهذا اختيار محمد بن جرير (¬4). قال أهل اللغة: أصل الاستحياء من الحياة (¬5)، واستحيا الرجل لقوة الحياة فيه (¬6)، لشدة علمه بمواقع العيب (¬7)، فالحياء من قوة الحس ولطفه (¬8) ¬
وقوة الحياة (¬1) (¬2). وقوله تعالى: {أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا} الضرب في المثل مستعار، ومعناه (¬3) التسيير للمثل، والجعل لها (¬4) يسير في البلاد (¬5)، وذكرنا معنى المثل مستقصى فيما (¬6) تقدم (¬7). وقوله تعالى: {مَا بَعُوضَةً}. النصب في بعوضة من جهتين (¬8)، أحدهما: أن تكون (ما) زائدة، كأنه قال: إن الله لا يستحيي أن يضرب بعوضة مثلا، ومثلا بعوضة، و (ما) زائدة مؤكدة كقوله {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ} [آل عمران: 159] فـ (ما) في التوكيد بمنزلة (حق) إلا أنه لا إعراب لها. ¬
والخافض والناصب يتعداها إلى ما بعدها، ومعناها التوكيد فقط (¬1). فإذا جعلت (ما) زائدة نصبت بعوضة على أنها المفعول الثاني (ليضرب) (¬2)، لأن (يضرب) [هاهنا معناه: يجعل. هذا هو الاختيار عند البصريين (¬3). الوجه الثاني: أن تكون (ما)] (¬4) نكرة (¬5) بمنزلة شيء، فيكون المعنى: إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلاً شيئاً من الأشياء، ثم أبدل بعوضة من شيء (¬6)، فقال: {بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا} وهذا (¬7) قول الفراء (¬8). وقال الكسائي: معناه: أن يضرب مثلاً ما بين بعوضة إلى ما فوقها، ¬
ثم حذف (بين) و (إلى) ونصب بعوضة بإسقاط الخافض. وفي (¬1) كلام العرب: (مطرنا ما زُبَالَة فالثعلبية) بمعنى ما بين زُبَالَة إلى الثعلبية (¬2)، ويقولون: (له عشرون ما ناقة فجملا) أي ما بين ناقة وجمل، وهو (¬3) أحسن الناس ما قَرْناً فقَدَماً (¬4). وأنكر المبرد هذين القولين فقال: أما قول الفراء: إنه يجعل (ما) اسما تاما، وينصب بعوضة بدلا منه (¬5)، فإن القول في ذاك ما قال الخليل وسيبويه، قالا جميعاً: إن (من) و (ما) يكونان (¬6) نكرتين، فيلزمهما الصفة كلزوم الصلة (¬7) إذا كانا معرفتين، تقول (¬8): مررت بمن صالحٍ، أي: بإنسان ¬
صالح. ومررت بما حسنٍ، أي بشيء حسن. فلا يكونان نكرتين إلا بوصفهما. كما لا يكونان (¬1) معرفتين إلا بصلتهما (¬2). والفراء جعل (ما) وحدها اسما (¬3)، لأن البعوضة ليست بصفة. وقال سيبويه (¬4) في قوله تعالى: {هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ} [ق: 23] يجوز أن يكون (ما) نكرة، أي هذا شيء لدي عتيد، ويجوز أن يكون في معنى (الذي) (¬5). وأما قول الكسائي: (ما بين كذا إلى كذا) (¬6) فإنما يحكى هذا الكلام عن أعرابي وحده، وإن صح فوجهه غير ما ذكر، وهو أن يكون (ما) صلة، فيكون الكلام: (مطرنا (¬7) زبالة فالثعلبية) كما تقول: أتيت الكوفة فالبصرة. ولو كان معناه (ما بين)، لم يكن المطر بزبالة ولا الثعلبية، لأن ما بينهما غيرهما، وإضمار (بين) فبعيد جداً. و (البعوض) صغار البق، الواحدة بعوضة، وذلك لأنها كبعض البق في الصغر (¬8). ¬
وقوله تعالى: {فَمَا فَوْقَهَا} يعني ما هو أكبر منها، لأن البعوض نهاية في الصغر (¬1). قال ابن عباس: يعني الذباب والعنكبوت (¬2)، وهما فوق البعوض. [وقيل: أراد بما فوق البعوض] (¬3) الفيل، وذلك أن الله تعالى خلق للبعوضة من الأعضاء مثل ما خلق للفيل (¬4) على عظمه، وزاد للبعوض جناحين، ففي ضربه المثل به أعظم عبرة وأتم دلالة على كمال قدرته وتمام حكمته. وقال بعضهم: فما فوقها، يعني في الصغر، يريد فما هو أصغر منها (¬5)، لأنه يقال: فلان فوق فلان في الحقارة والدناءة. واختار قوم هذا (¬6)، لأن الغرض المطلوب هاهنا الصغر. فإن قيل: إذا كانت البعوضة هي النهاية في الصغر، فلا معنى في (¬7) (فما فوقها) في الصغر، قيل: ليس الأمر على ما قلتم، لأن ما دون ¬
البعوضة في الصغر متوهم معقول، وإن لم ير، كما قال: {طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (65)} [الصافات: 65] [الصافات: 65] فالمشبه به معقول وإن لم ير، وكما قال الشاعر: وَمَسْنُونةٌ زُرْقٌ كَأنْيَابِ أغْوَالِ (¬1) ولم ير ناب الغول. ويؤكد هذا التأويل قول أبي عبيدة في هذه الآية وهو أنه (¬2) قال: (فما فوقها) يعني: فما دونها (¬3). و (فوق) من الأضداد، لأنه لا فوق (¬4) إلا ويصلح أن يكون دون، لأن من فوقك (¬5) يصلح أن يكون دون غيرك فذلك فوق (¬6) من وجه ودون من وجه (¬7). وإذا كان (فوق) بمعنى ¬
(دون) كان المعنى (فما دونها) أي: ما هو أصغر منها. وقد استشهد على استحسان ضرب المثل بالحقير [في] (¬1) كلام العرب بقول الفرزدق: ضَرَبَتْ عَلَيْكَ العَنْكَبوُتُ بِنَسْجِهَا ... وَقَضَى (¬2) عَلَيْكَ بِهِ الكِتَابُ المُنْزَلُ (¬3) وبقوله أيضاً: وَهَل شَيءٌ يَكُوُن أذَل بَيتَاً (¬4) ... مِنَ اليَرْبُوعِ يَحْتَفِرُ التُّرَابَا (¬5) وقوله تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ}. مدحهم الله بعلمهم أن المثل وقع في (¬6) حقه (¬7) وذم الكافرين بإعراضهم عن طريق الاستدلال وإنكارهم ما هو صواب وحكمة. وقوله تعالى: {مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا}. قال أبو إسحاق: (ماذا) يجوز أن يكون (ما) و (ذا) اسماً واحداً، ويكون موضعها نصباً، المعنى: ¬
أي شيء أراد الله بهذا مثلًا؟ ويجوز أن يكون (ذا) مع (ما) بمنزلة (الذي) فيكون المعنى: ما الذي أراده (¬1) الله بهذا مثلا؟ فيكون (ما) رفعاً بالابتداء و (ذا) في معنى الذي وهو خبر الابتداء، انتهى كلامه (¬2). وفائدة الوجهين يتبين في الجواب، فإنك إن جعلته اسمًا واحداً كان جوابه منصوبًا، وإن جعلت (ما) ابتداء و (ذا) خبره كان الجواب مرفوعا، مثاله أنَّ قائلا لو (¬3) قال لك: ماذا أراد الله بهذا مثلا؟ قلت: البيانَ لحال (¬4) الذي ضرب له المثل، لأنك أبدلته من (ماذا) وهو نصب. وفي الوجه الثاني قلت: البيانُ بالرفع؛ لأن (ذا) محله رفع بخبر الابتداء (¬5). وجاء في القرآن بالتقديرين (¬6) جميعًا في قوله: {مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا} [النحل: 30]، و {مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} [النحل:24] فعلى النصب كأنه قيل: أي شيء أنزل ربكم (¬7)؟، وعلى الرفع (¬8): أي شيء الذي (¬9) أنزله (¬10) ¬
ربكم؟ واستشهد سيبويه (¬1) في الرفع بقول الشاعر: ألا تسألانِ المرءَ ماذا يُحاوِلُ ... أَنَحْبٌ فَيُقْضَى أمْ ضَلالٌ وَبَاطِلُ (¬2) وبقولهم: (عَمَّاذَا تَسْأَل) على أنهما بمنزلة اسم واحد ولو لم يكن كذلك لقالوا: (عم ذا تسأل) (¬3) وذكرنا هذه المسألة بأبلغ من هذا في الشرح، عند قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ} [البقرة:219]. وفي نصب قوله: {مَثَلًا} وجوه، أحدها: الحال (¬4)، لأنه جاء بعد تمام الكلام كأنه قيل: ماذا أراد الله بهذا مبينا. والثاني: التمييز والتفسير للمبهم (¬5)، وهو (هذا) كأنه قيل ماذا أراد الله بهذا من ¬
الأمثال (¬1). والثالث: القطع، كأنه قيل: ماذا أراد الله بهذا المثل (¬2)؟ إلا أنه لما جاء نكرة (¬3) نصب على القطع عن إتباع المعرفة، وهذا مذهب الفراء وأحمد بن يحيى (¬4)، ومعناه: إن الذين كفروا يقولون: أي فائدة في ضرب المثل بهذا؟ فأضلهم الله سبحانه فقال: {يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا} (¬5) أي: أراد الله بهذا المثل أن يضل به كثيرًا من الكافرين، وذلك (¬6) أنهم ينكرونه ويكذبونه. ويهدي به كثيرًا من المؤمنين، لأنهم يعرفونه ويصدقون به (¬7). قال (¬8) الأزهري: (والإضلال) في كلام العرب ضد الهداية والإرشاد، يقال (¬9): أضللت فلانا، إذا وجهته للضلال عن الطريق فلم (¬10) ترشده، وإياه أراد لبيد بقوله: ¬
مَنْ هَدَاهُ سُبُلَ الخَيْرِ اهْتَدى ... نَاعِمَ البَالِ ومَنْ شَاءَ أَضَل (¬1) قال لبيد هذا في الجاهلية، فوافق قوله التنزيل: {يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} (¬2) (¬3) (¬4). ولا يجوز أن يكون معنى الإضلال: الحكم والتسمية، لأن أحدنا إذا حكم بضلالة (¬5) إنسان لا يقال: أضله، وهذا لا يعرفه أهل اللغة (¬6). وقوله تعالى: {وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ}. قال الليث: (الفسق) الترك لأمر الله، ومثله (الفسوق) (¬7). قال أبو عبيدة: وأصله في اللغة الجور ¬
27
والميل عن الطاعة، يقال: (فسق) إذا جار. وأنشد (¬1): فواسِقًا عَنْ قَصْدِهِ (¬2) جَوَائِرا (¬3) وقال الفراء (الفسق) (¬4) الخروج عن الطاعة، قال: والعرب تقول: فسقت الرطبة من قشرها، لخروجها منه، وكأن الفأرة إنما سميت (فويسقة) لخروجها من جحرها على الناس (¬5). وقال أبو العباس: (الفسوق) الخروج (¬6). وقال أبو الهيثم: وقد يكون الفسوق شركًا، ويكون إثمًا (¬7). والذي أريد به هاهنا الكفر (¬8) لقوله (¬9) تعالى: 27 - {الَّذِينَ ينَقُضُونَ}. (والذين) من صفة الفاسقين. و (النقض) في ¬
اللغة: الهدم، وإفساد ما أبرمته من حبل أو بناء (¬1)، و (نقيض الشيء) (¬2): ما ينقضه (¬3) اي: يهدمه ويرفع حكمه (¬4). والمناقضة في الشعر أن (¬5) يقول الشاعر قصيدة، فينقض عليه شاعر آخر حتى يجيء بغير ما قال، والاسم النقيضة (¬6) ويجمع على النقائض، ولهذا المعنى قالوا: نقائض (¬7) جرير والفرزدق (¬8). وقوله تعالى: {عَهْدَ اللَّهِ}. (العهد) في اللغة يكون لأشياء مختلفة (¬9)، والذي أريد به هاهنا الوصية (¬10) والأمر من قولهم: عهد الخليفة إلى فلان كذا وكذا، أي (¬11): أمره. ومنه قوله تعالى: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ} [يس: ¬
60] أي ألم آمركم (¬1). والعهد أيضًا (¬2) العقد الذي يتوثق به لما بعد (¬3). وذكر أبو إسحاق للعهد (¬4) المذكور في هذه الآية وجهين (¬5) أحدهما: ما أخذه على النبيين ومن اتبعهم ألا يكفروا بالنبي صلى الله عليه وسلم، وذلك قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ} [آل عمران: 81]. وقال (¬6): يجوز أن يكون عهد الله الذي أخذه من بين آدم من ظهورهم يوم الميثاق حين قال: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى} [الأعراف: 172] ثم جحدوا ونقضوا ذلك العهد في حال كمال عقولهم. والوجه الأول أصحهما، من قبل أن الله لا يحتج عليهم بما لا يعرفون، لأنه بمنزلة ما لم يكن إذا كانوا لا يشعرون به، ولا لهم دلالة عليه. والثاني مع هذه صحيح، لأنهم (¬7) عرفوا ذلك العهد بخبر الصادق، فكان كما لو كانوا يشعرون به (¬8). ¬
وهذا (¬1) الوجه هو قول ابن عباس ذكره في قوله: {وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ} [الرعد: 25] في سورة الرعد، قال: يريد الذي (¬2) عهد إليهم في صلب آدم {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} (¬3). وقوله تعالى: {مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ}. (من) صلة لأجل التأكيد (¬4). والميثاق: ما وقع التوثيق (¬5) به، كما أن الميقات ما وقع التوقيت به، ومواقيت الحج من ذلك، لأنه وقع توقيت الإحرام ببلوغها. والكتاب أو ¬
الكلام الذي يستوثق به: ميثاق، الوقت الذي يعقد به الوعد: ميعاد (¬1)، وكذلك المصداق (¬2) ما انعقد الصدق به (¬3). و (الياء) في الميثاق منقلبة عن الواو (¬4). وقال الفراء: يقال في جمع الميثاق: مياثق ومواثق، قال (¬5): حِمىً لاَ يُحَلُّ الدَّهْرَ إلَّا بِإذْنِنَا ... وَلَا نَسْأَلُ الأَقْواَمَ عَقْدَ المَيَاثِقِ (¬6) والكناية في الميثاق يجوز أن تكون (¬7) عائدة على الله، [أي: من بعد ميثاق الله ذلك العهد، بما أكد من إيجابه عليهم. ويجوز أن تعود على العهد] (¬8)، أي: من بعد ميثاق العهد وتوكده (¬9). ¬
وقوله تعالى: {وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ} [الرعد: 25] يعني الأرحام (¬1)، وذلك أنّ قريشاً قطعوا رحم النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمعاداة معه (¬2). وقيل: هو الإيمان بجميع الرسل والكتب، وهو نوع من الصلة، لأنهم قالوا: {نُؤمِنُ بِبَعضٍ وَنَكفُرُ بِبَعضٍ} [النساء: 150] فقطعوا. وهذا الوجه هو قول ابن عباس ذكره في الآية التي في (الرعد) (¬3)، وقال: المؤمن لا يفرق [بين أحد من رسله فوصلوا (¬4). قال الزجاج: وموضع {أَنْ يُوصَلَ} خفض على، (¬5) البدل من (الهاء) المعنى: ما أمر الله أن يوصل (¬6). {وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ} بالمعاصي، وتعويق الناس عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم (¬7). وقوله تعالى: {أُوْلئِكَ هُمُ الخاَسِرُونَ}. أصل الخسران في التجارة ¬
28
أن يبتاع الرجل شيئًا فيوضع من رأس ماله (¬1)، وهي الوضيعة فيه، والمصدر: الخسارة والخسر، وصفقة (¬2) خاسرة غير مربحة، هذا هو الأصل (¬3)، ثم قيل لكل صائر إلى مكروه: خاسر، لنقصان حظه من الخير، والقوم نقصوا (¬4) بكفرهم راحة أنفسهم التي كانت لهم لو آمنوا، فاستحقوا العقوبة وفاتتهم المثوبة (¬5). 28 - قوله تعالى: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ} الآية. قال النحويون: (كيف) في الأصل سؤال عن الحال، لأن جوابه يكون بالحال، وهي منتظمة جميع الأحوال (¬6). ونظيرها في الاستفهام (كم) لأنها تنتظم جميع الأعداد و (ما) (¬7) وهي تنتظم جميع الأجناس، و (أين) وهي تنتظم جميع الأماكن، و (متى) [وهي تنظم جميع الأزمان، و (من)] (¬8) وهي تنتظم جميع ما يعقل (¬9). قال الزجاج: تأويل (كيف) هاهنا استفهام في معنى التعجب، وهذا ¬
التعجب إنما هو للخلق والمؤمنين، أي اعجبوا من هؤلاء كيف [يكفرون] (¬1) وثبتت حجة الله عليهم (¬2). وقال الفراء: هذا على وجه التعجب والتوبيخ لا على الاستفهام المحض، أي: ويحكم كيف تكفرون؟ وهو كقوله: {فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ} (¬3) [التكوير: 26]. وقوله تعالى: {وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا}. قال النحويون: (كان) تقع (¬4) في الكلام على وجوه: تامة وناقصة وزائدة (¬5). فالتامة: هي المكتفية باسمها دون خبرهما كقولك: كان القتال، أي وقع وحدث. والناقصة: هي التي لا تتم دون خبرها كقولك: كان زيد أميرا. والزائدة: هي التي تكون (¬6) دخولها في الكلام كخروجها (¬7). كقوله: {مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا} [مريم:29] (¬8). ¬
و (كان) التي لها خبر تتصرف (¬1) تصرف الفعل، وليست بفعل على الحقيقة، إنما تدل (¬2) على الزمان وتدخل على الابتداء والخبر كقولك: زيد مسرور، [فإذا قلت كان زيد مسرورا، فكأنك قلت: زيد مسرور] (¬3) فيما مضى من الزمان (¬4). ويقال في مصدره الكَوْن والكَيْنُونَة (¬5). قال الفراء: [تقول] (¬6) في ذوات (الياء): الطَّيْرُوَرة والحَيْدوَدة (¬7) والزَّيْغُوغَة فيما لا يحصى من هذا الضرب. فأما ذوات (الواو) مثل: قلت ورضت، فإنهم لا يقولون ذلك فيه، وقد أتى عنهم في أربعة أحرف منها: الكَيُنونَة من (كُنْتُ) والدَّيْمُومَة من (دُمْتُ) والْهَيْعُوعَة من (الْهُوَاع) (¬8)، ¬
والسَّيْدُودَة من (سُدْتُ) وكان ينبغي أن يكون (كونونة) ولكنها لما قلت في مصادر (الواو) وكثرت في مصادر (الياء) [ألحقوها بالذي هو أكثر مجيئًا منها، إذ كانت الواو والياء] (¬1) متقاربي المخرج. قال: وكان الخليل يقول: كَيْنُونَة (فَيْعَلُولَة)، وهي الأصل (كَيْوَنُونَة) (¬2) التقت (ياء) و (واو)، والأولى منهما ساكنة فصيرتا [ياء] (¬3) مشددة (¬4)، مثل ما قالوا: الهَيِّن، ثم خففوها، فقالوا: (كَيْنُونَة)، كما قالوا: هَيْن لَيْن. قال الفراء: وقد ذهب مذهبا، إلا أن القول عندي هو الأول (¬5). قال: ويضمر (¬6) هاهنا (قد) والتقدير (¬7): (وقد كنتم أمواتا) ولولا إضمار (قد) لم يجز مثله في الكلام. وكذلك قوله: {وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ ¬
دُبُرٍ فَكَذَبَتْ} (¬1) [يوسف: 27] المعنى: (فقد كذبت). وقولك للرجل: أصبحت كثر مالك، لا يجوز إلا وأنت تريد: قد كثر مالك، لأنهما جميعا قد كانا، فالثاني حال للأول، والحال لا يكون في الفعل إلا بإضمار (قد) أو بإظهارها (¬2). وحكى الكسائي: أصبحت [(¬3) نظرت إلى (ذات التنانير) يريد: قد نظرت، وذات التنانير) موضع (¬4). وتقدير الآية: كيف تكفرون وحالكم أنكم كنتم أمواتا. ومثل هذا قال الزجاج: فإنه قال: ومعنى (كنتم): وقد كنتم وهذه الواو، (واو الحال) (¬5). قال أبو الفتح: إنما احتيج إلى إضمار (قد) لأن (قد) تقرب الماضي من الحال حتى تلحقه بحكمه، ألا تراهم يقولون: (قد قامت الصلاة) قبل حال قيامها، وعلى هذا قول الشاعر: ¬
أُمَّ صَبِيٍّ قَدْ حَبَا (¬1) أَوْ دَارجِ (¬2) فكأنه قال: حابٍ (¬3) أو دارج (¬4). ومثل هذه الآية قوله: {أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ} [النساء: 90] على معنى: قد حصرت (¬5). فأما أحكام واو الحال فإنها مذكورة عند قوله: {وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ} [آل عمران: 154]. وقوله تعالى: {أَمْوَاتًا} قال ابن عباس في رواية الضحاك: أراد (¬6): وكنتم تراباً ردّهم إلى أبيهم آدم (¬7). ¬
29
وقال في رواية عطاء والكلبي: وكنتم نطفا، وكل ما فارق الجسد من نطفة أو شعر فهو ميت (¬1) {فَأَحْيَاكُمْ} في الأرحام بأن خلقكم بشرا، وجعل فيكم الحياة {ثُمَّ يُمِيتُكُمْ} في الدنيا {ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} للبعث {ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} تردون فيفعل بكم ما يشاء مما سبق علمه وحكمه (¬2). 29 - قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} الآية قال المفسرون لما استعظم المشركون أمر الإعادة عرفهم خلق السموات والأرض، ليدل بذلك على أن إعادة الحياة فيهم وقد خلقهم أولاً ليس بأكثر من خلقه السموات والأرض وما فيهما (¬3). ¬
وقوله تعالى: {لَكُمْ} أي: لأجلكم، فما في الأرض مخلوق لهم بعضها للانتفاع، وبعضها للاعتبار (¬1)، فإن السباع والعقارب والحيات، وكل ما يؤذي ويضر فيها منفعة للمكلفين وجهة ما فيها من العبرة والإرهاب؛ لأنه إذا رئي (¬2) طرف من المتوعد به كان أبلغ في الزجر عن المعصية وأدعى إلى التمسك بالطاعة، كما أنه إذا قدم طرف من الموعود به كانت النفس إليه (¬3) أشوق، وعليه (¬4) أحرص، والأصل في ذلك أن الخبر لا يقوم مقام المشاهدة فيما يصل إلى القلب ويبلغ إلى النفس (¬5). وقوله تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ}. أخبرني أبو سعيد بن أبي عمرو النيسابوري (¬6) رحمه الله ثنا محمد بن يعقوب المعقلي (¬7) أبنا (¬8) محمد ابن (¬9) الجهم عن الفراء قال: (الاستواء) في كلام العرب على جهتين، ¬
إحداهما: أن يستوي الرجل وينتهي شبابه وقوته، (¬1) ويستوي من اعوجاج، وهذان وجهان، ووجه ثالث أن يقول: كان فلان مقبلا على فلان ثم استوى عليّ وإليّ [يشاتمني] (¬2) على معنى أقبل عليّ وإليّ، فهذا معنى قوله: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ} (¬3). وأقرأني العروضي، عن الأزهري، قال: أخبرني المنذري، قال: سئل أحمد بن يحيى عن (الاستواء) في صفة الله، فقال: الاستواء الإقبال على الشيء (¬4). وأقرأني سعيد بن محمد الحيري (¬5) رحمه الله عن أبي الحسن بن مقسم وأبي علي الفارسي عن الزجاج قال: قال قوم في قوله: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ}: عمد وقصد إلى السماء، كما تقول: فرغ الأمير من بلد كذا، ثم استوى إلى بلد كذا، معناه: قصد بالاستواء إليه. قال: وقول ابن عباس: {اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ} أي صعد، معناه صعد أمره إلى السماء (¬6)، انتهى ¬
كلامه (¬1)] (¬2). وحكى أهل اللغة أن العرب تقول: كان الأمير يدبر أهل الشام ثم استوى إلى أهل الحجاز، أي: تحول فعله وتدبيره إليهم (¬3). والأصل في (الاستواء) الاستقامة (¬4)، وإنما قيل للقصد إلى الشيء ¬
استواء لأن الاستواء يسمى قصدًا، يقال: أمر قاصد وعلى قصد، إذا كان على استواء واستقامة، فلما سمي الاستواء قصدًا، سمي القصد استواء، وإن لم يكن المراد بالقصد الاستقامة، ظنًّا منهم أن كليهما سواء لما اجتمعا في التسمية في موضع، هذا تعليل ذكره بعض أصحاب المعاني (¬1) لتسميتهم القصد: استواءً وإن كانت اللغة لا تعلل. وأما استوى بمعنى: استولى، فقد يكون، وكأنه يقول: (استوت له الأمور فاستولى) (¬2)، ثم وضع (استوى) موضع (استولى) (¬3). وقال الأخفش: استوى (¬4) أي: علا، تقول (¬5): استويت فوق الدابة وعلى ظهر البيت أي علوته (¬6). ¬
وهذا القول اختيار محمد بن جرير قال: ومعناه (¬1) ارتفع ارتفاع ملك وسطان، لا ارتفاع انتقال وزوال (¬2)، وإنما هو ارتفاع تدبيره وحكمه وسلطانه، وهذا قريب من قول ابن عباس وتوجيه الزجاج لقوله (¬3). وقوله تعالى {فَسَوَّاهُنَّ}. حقيقة (التسوية) الجعل على الاستواء، يقال سويت الشيئين فاستويا، والفرق بينه وبين التقويم أن التسوية قد تكون بالحكم أن الشيئين يستويان، والتقويم لا يكون بالحكم، وإنما يكون ¬
بالفعل (¬1). وجمع الكناية (¬2) في {فَسَوَّاهُنَّ} لأنه أراد بلفظ (السماء) جميع السموات كقولهم: كثر الدرهم والدينار في أيدي الناس، يراد الجمع (¬3)، وكثيراً ما يذكر الواحد والمراد به الجمع، كقوله تعالى: {فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي} [الشعراء:77] وقوله: {إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء:16]. وكما أنشده (¬4) قطرب: أَلاَ إِنَّ جِيرَانِي العَشِيَّة رَائِحٌ ... دَعَتْهُمْ دَوَاعٍ مِنْ هَوى وَمنَادِحُ (¬5) ويجوز أن يراد بالسماء جمع سماة أو سماوة، على ما ذكرنا قبل (¬6). وجائز أن تعود الكناية على أجزاء السماء ونواحيها (¬7). وقوله تعالى: {سَبْعَ سَمَاوَاتٍ}. (السبع) عدد المؤنث، والسبعة ¬
للمذكر، وجاء التذكير والتأنيث في هذا على خلاف الأصل، لأنهم لما (¬1) وضعوا العدد في أول أمره قبل أن يعلق على معنى تحته وأكثر من العدد، قالوا: أربعة خمسة، ثم أرادوا بعد ذلك (¬2) تعليقه على المعدود، وكان المذكر هو الأول جعلوا الأول للأول، والثاني للثاني (¬3). ولهذا علل كثيرة يذكر (¬4) في غير هذا الكتاب (¬5). وقوله تعالى: {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}. أي من كفرهم ونفاقهم وكتمهم وصفك يا محمد. وقيل: إنه لما ذكر ما يدل على القدرة والاستيلاء (¬6) وصل (¬7) ذلك بوصفه بالعلم، إذ به يصح الفعل المحكم المتقن. وقيل: هو (¬8) بكل شي عليم من الخلق والتسوية (¬9). والآية لا تدل على أنه خلق السماء بعد الأرض، إنما تدل على أنه ¬
جعلها سبعًا بعد ما خلق الأرض، وقد كانت السماء قبل ذلك مخلوقة، كما قال أهل التفسير: إنها كانت قبل دخانًا (¬1). وكان أبو عمرو والكسائي يخففان (وهو)، (فهو) ويسكنان (الهاء) مع الواو والفاء واللام (¬2). وذلك أنهما يجعلان هذه الحروف كأنها من نفس الكلمة، لما (¬3) لم يكن لها إذا (¬4) أفردت معنى، فأشبهت في حال دخولها الكلمة ما كان من نفسها (¬5). وإذ كان كذلك خففت (الهاء) كما خففت (العينات) (¬6) في (سَبُع) ¬
و (عَضُد) (¬1) ونحوهما، ولا يخففان (¬2) {ثُمَّ هُوَ} [القصص: 61] لأنه لا يستقيم أن يجعل (ثم) بمنزلة (الفاء) وما كان على حرف. والحرف الواحد قل يجعل كأنه من نفس الكلمة (¬3)، وذلك قولهم: (لعمري وَرَعَمْلِي) فقلبوه مع اللام، واللام زائدة (¬4). ومثل تخفيفهم (¬5) (لَهْو) قولهم: (أَرَاك مُنْتَفْخاً) (¬6) لما كان (تَفِخًا) (¬7)، مثل [كَتِف] (¬8) خفف، وكذلك قراءة من قرأ (¬9) {وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ} [النور: 52]، لما كان (تَقِه) (¬10)، مثل (كتف) خفف. ومثل ذلك ما أنشده الخليل: أَلاَ رُبَّ مَوْلُودٍ وَلَيْسَ لَهُ أَبٌ ... وَذِي وَلَدٍ لَمْ يَلْدهُ أَبَوَانِ (¬11) ¬
لما كان (يلد)، مثل (كتف) (¬1) خفف، ثم حرك الدال لالتقاء الساكنين، لأنه (¬2) كان يجب أن يسكن علامة للجزم، فهذه الأشياء متصلة، وقوله: (فهو وهو ولهو) في حكمها، وليس كذلك (ثم هو) (¬3) ألا ترى أن (ثم) منفصل من (هو) (¬4) لإمكان الوقف عليها وإفرادها مما بعدها، وليست الكلم التي على حرف واحد كذلك. ولمن (¬5) خفف (ثم هو) أن يقول (¬6): إن (ثم) مثل الفاء والواو واللام في أنهن لسن (¬7) من الكلمة، كما أن (ثم) ليس منها، وقد جعلوا المنفصل بمنزلة المتصل في أشياء، ألا ترى أنهم أدغموا (¬8) نحو (يدْ دّاود) و (وجَعَلْ (¬9) لَّك) كما أدغموا (رَدَّ) (¬10) و (عَدَّ)، ¬
ومثل هذا قول امرئ القيس: فَالْيَومَ أَشْرَبْ غَيْرَ (¬1) مُسْتَحْقِبِ (¬2) فـ (رَبْ غَيْ) (¬3) مثل: (سبع)، وقد أسكن. وأنشد أبو زيد على هذ: قَالَتْ سُلَيْمَى اشْتَرْ لَنَا دَقِيقًا (¬4) ¬
30
30 - قوله تعالى {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ}. قال النحاة: (إذ) و (إذا) [حرفا توقيت، (إذ) للماضي و (إذا)] (¬1) لما يستقبل (¬2). قال المبرد: إذا جاء (إذ) مع المستقبل كان معناه المضي نحو قوله: {وَإِذْ يَمْكُرُ} [الأنفال:30]، {وَإِذْ تَقُولُ} [الأحزاب:37] يريد: وإذ مكر، وإذ قلت. وإذا جاء (إذا) (¬3) مع الماضي كان معناه الاستقبال (¬4) كقوله: {فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ} [النازعات:34] و {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ} [النصر:1] أي يجيء (¬5). فإن قيل: إذا كانت (إذ) لما مضى (¬6)، فكيف جاز (¬7) {وَإِذ قَالَ اللهُ ¬
يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ} [المائدة: 116] , {وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ} [غافر: 47]؟. والجواب أن هذا خرج على تقدير الاستقبال في المعنى، وفي اللفظ على صورة المضي (¬1)، لأن ما تحقق كونه فهو بمنزلة ما قد كان، كقوله: {وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ} [الأعراف:44]، {وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ} [الأعراف: 50] وأشباهه (¬2). وقال أبو عبيدة: (إذ) هاهنا (¬3) زائدة، معناه: وقال ربك للملائكة (¬4). وأنكر الزجاج وغيره هذا القول (¬5)، وقالوا (¬6): إن الحرف إذا أفاد ¬
معنى صحيحا لم يجز إلغاؤه، قالوا: وفي الآية محذوف معناه: واذكر يا محمد إذ قال ربك (¬1). وقال أبو إسحاق (¬2): إن الله جل ذكره ذكر خلق الناس في هذه الآية فكأنه قال: ابتدأ خلقكم إذ قال ربك للملائكة (¬3). وأكثر المفسرين (¬4) على أن كل ما ورد في القرآن من هذا النحو فالذكر فيه مضمر (¬5). وأما (¬6) (الملائكة) فقال سيبويه (¬7): واحدها ملك، وأصله مَلْأَك، مهموز، حذف همزه لكثرة الاستعمال، وأنشد: فَلَسْتَ لإنْسِيٍّ ولكن لمَلْأَكٍ ... تَنَزَّلَ مِنْ جَوِّ السِّماء يَصُوبُ (¬8) وتابعه على هذا القول أكثر أهل العلم (¬9). ¬
إلا أن المحدثين من البصريين ذكروا أن هذا من باب القلب (¬1) فقالوا: نقل همزة (الأَلُوك)، وهو (فاء) إلى عينه، وقدموا العين، فقالوا: (لؤُوك) (¬2) وبنوا (الْمَلْأَك) منه، وإنما قالوا ذلك لأنهم لم يجدوا لـ (مَلْأَك) (¬3) أصلاً يردّونه إليه. وكان ادعاء القلب في الكلمة أولى عندهم من إهمال أصل (الْمَلْأَك) إذ علموا أن (المَفْعَل) (¬4) وما يجري مجراه مما زيد في أوله ميم لابد له (¬5) من أصل ثلاثي يرد إليه، ولم يمكن رد (الْمَلأَك) إلى (لَأَكَ) لأنه مهمل لم ينطق به (¬6) فردوه إلى (أَلَك) لما (¬7) وجدوا في الكلام: (الْمألَك) (¬8)، و (الْمَأْلُك) و (الْمَاْلُكة) في معنى ¬
الرسالة (¬1). ومعنى (أَلكَ) في اللغة: علك، يقال الخيل تَأْلُك اللجم، بمعنى: تعلُك، والرسالة سميت (أَلُوكا) لأن الإنسان يَأْلُكُها، ويدير الكلام في فيه، كما يَأْلُك الفرس اللجام (¬2). فعلى هذا (ملك) وزنه (مَفَل) (¬3)، وكان في الأصل (¬4) (مَعْفَل)، لأنه مَلْأَك، هو مقلوب من (¬5) (مأْلَك)، وأوردوا أن يكون مفعلًا من (الألوك)، إلا أنهم قلبوا كما ذكرنا (¬6). هذا قول عامة أهل اللغة والنحو في هذا الحرف (¬7). وذهب بعض (¬8) المتأخرين من أصحاب أبي علي الفارسي وهو أبو القاسم الزجاجي إلى خلاف ما ذهب إليه هؤلاء فقال: قول من يقول: إن تركيب ملك من (م، ل، ك) أولى من قول من يقول: إنه (مَفْعَل) (¬9) من ¬
(الْأَلُوك) مقلوبًا، لأن (المَفْعَل) لا يكون حامل الرسالة، وهم يقولون: إنما قيل: (ملك) لحمله الرسالة، والذي يصلح من الأبنية له (فَاعِل) أو (فَعُول) (¬1) أو (فَعِيل) أو (مُفْعَل) فأما (مَفْعَل) فإنه يصلح أن يكون موضعًا أو مصدرًا. وما يتركب من (م، ل، ك) هو في كلامهم الاستيلاء على الشيء وإجادته وإنعامه كملك الشيء وملك العجين، وإملاكه هو إنعام عجنه، ولا يصل إلى ذلك إلا بالاستيلاء عليه، وإملاك الرجل أن يجعله مالكًا لعقد النكاح، وكل شيء مكنت غيرك منه وجعلته له فقد أملكته (¬2) إياه وملكته، وجميع ما يتركب من هذه الحروف راجع إلى ما ذكرنا، وهذا قد مر ذكره في قوله تعالى: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} [الفاتحة: 4]. فـ (الْمَلكَ) (¬3) اسم الجنس يقع على الواحد والجمع (¬4)، ويدل على ¬
ذلك قوله تعالى: {وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا} [الحاقة: 17] وهو (فَعَل) في معنى مَفْعول، كالنشر والنقض والخبط. والله تعالى ذكره وإن كان قد ملك كل الخلق، فإنه أجرى هذه اللفظة على الجنس، لأنه (¬1) وصفهم فقال: {لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم: 16] وبهذه الصفة يجب أن يكون (¬2) كُلٌّ مملوكاً (¬3)، فلما وجد فيهم (¬4) المعنى الذي يجب أن يكون عليه المملوك من الطاعة سماهم (الملك)، ومثل هذا الاختصاص كثير نحو: (ناقة الله) و (بيت الله). قال (¬5): وذكر ابن دريد في الجمهرة فقال: (ويجمع (الْملَكُ) أمْلاَكًا وَملاَئِك) (¬6)، وهذا قد أزال (¬7) الخلاف لأن (أَفْعَالاً)، لا يجوز أن يكون جمع ما في أوله ميم زائدة. وحكى أبو القاسم الآمدي (¬8) عن علي بن سليمان الأخفش (¬9) أنه ¬
قال: جمع الملك: أَمْلَاك (¬1). وحكي عن العرب (مالك الموت) في (ملك الموت) فلولا أنهم عرفوا أن الأصل فيه (م ل ك) ما عبروا عن (ملَك) بمالك. قال رويشد بن حنظلة (¬2): غَدَا مالِكٌ يَبْغِي نِسَائِي كَأَنَّمَا ... نِسَائِي لسَهْمَيْ مَالِكٍ غَرَضَانِ فَيَارَبِّ فَاتْرُكْ لِي جُهَيْمةَ (¬3) أَعْصُراً ... فَمَالِكُ مَوْتٍ بِالْفِرَاقِ دَهَانِي (¬4) ¬
وهذا الشاعر ماتت نساؤه (¬1) وأطال التزوج فلم تلبث (¬2) عنده واحدة، فهذا كما ترى سمى المَلَك: (مَالِكاً)، وأما البيت الذي أُنشد في (الْمَلْأَك) (¬3) فليس فيه حجة قاطعة فإنه شاعر (¬4) واحد، ولم يسمع (الْمَلْأَك) إلا في ذلك البيت الواحد، ولعله همز ما ليس أصله الهمز كما قالوا: (رمح يَزْأَنِيَّ) (¬5) فزادوا الهمز، وقالوا: (حَلَّأْتُ (¬6) السَّويق) وليس أصله الهمز، ومثله كثير. وأما الجمع فالملائك (فعائل) كالجمائل في جمع الجمل (¬7). ويجوز أن يكون الملائك (مفاعلا)، وإن كان الواحد (فَعَلاً)، لأن باب الجمع ليس بمطرد ولا مقيس، ألا ترى أنهم قالوا في جمع القبح (¬8): ¬
مقابح، وفي جمع الحسن: محاسن، وفي جمع الشبه: مشابه، وفي جمع العزف وهو اللهو معازف، وقالوا: أطعمني مطايب الجزور، لجمع (¬1) طيب، وهذا باب واسع (¬2). والأمر فيه عند المحققين أن كل لفظة من هذه الألفاظ التي وردت في الجمع مخالفة للقياس هي موضوعة للجمع من غير أن كُسِّر (¬3) عليها الواحد، فالمحاسن لفظة نابت (¬4) عن جمع الحسن، وكذلك (¬5) أشباهها، هذا كلامه وهو طويل وقد (¬6) اختصرته (¬7). وحكي عن النضر بن شميل، أنه قال في الملك: إن العرب لا تشتق فعله ولا تصرفه وهو مما فات (¬8) علمه، فهذا الذي ذكرنا طرف من الكلام في أصل هذا الحرف (¬9) على مقدار ما يليق بهذا الكتاب (على (¬10) صورة ¬
المضي، لأن ما تحقق كونه، فهو بمنزلة ما قد كان، كقوله تعالى: {وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ} (¬1) وأشباهه. وقال أبو عبيدة (إذ) في هذا الموضع (¬2) زائدة. معناه: وقال ربك للملائكة. وأنكر الزجاج وغيره هذا القول، وهو (¬3) أن الحرف إذا كان مفيداً (¬4) معنى صحيحاً لم يجز إلغاؤه، قالوا: وفي الآية محذوف معناه: واذكر يا محمد إذ قال لربك. وقال الزجاج (¬5): إن الله جل ذكره ذكر خلق الناس (¬6) في هذه الآية فكأنه قال: ابتدأ خلقكم إذ قال ربك للملائكة. وعند غيره من المفسرين (¬7): أن كل ما ورد في القرآن من هذا النحو فالذكر فيه مضمر. و (الملائكة) (¬8): الرسل واحدها مَلَك وأصله (مَأْلَك) وجمعها ¬
(مآلِك) (¬1) ووزنه من الفعل (مَفْعَل) والهمزة فاء الفعل، واللام عينه ثم أخرت الهمزة بالقلب (¬2)، تأخيرهم للعين من (القوس) في جمعها حيث قالوا: (قُسِيّ) (¬3) وقالوا: (شَمْأَل وشَأْمَل) (¬4) كذلك هاهنا قلبت الهمزة. ثم خفف (¬5) بالحذف فقيل: ملك وأصله من المأْلُكة والمَأْلَكَة (¬6) والألوك وهي: الرسالة، ويقال: ألِكْني (¬7) إليه، أي: كن رسولي، وبلغ إليه رسالتي. قال لبيد: وغُلَامٍ أَرْسَلَتْهُ أُمُّهُ ... بِأَلُوكٍ فَبَذَلْنَا مَا سَأَلْ (¬8) ¬
وسميت الرسالة أَلوُكا، لأنه يؤلك في الفم، مشتقّاً (¬1) من قول العرب: الفرس يألك (¬2) اللجام ويعضه بمعنى يمضغ الحديدة (¬3). ذكره الليث، قال: والمعروف: يَلُوك (¬4). وقال عبد بني الحسحاس (¬5): أَلِكني إليْهَا عَمْرَكَ اللهُ يَا فَتَى ... بآيةِ (¬6) مَا جَاءَتْ إليْنَا تَهَادِيَا (¬7) وقال آخر، فردّ الملك إلى الأصل (¬8): فَلَسْتَ لإنسيٍّ ولكن لمَلأَكٍ (¬9) ... تَنَزَّلَ مِنْ جَوِّ السَّمَاءِ يَصُوبُ (¬10) ¬
وأصله مألك (¬1) فقلب الهمزة كما قالوا: شاك في شائك، ولاث في لائث (¬2). ويقال في الجمع الملائكة والملائك، قال كثير: كَمَا قَدْ عَمَمْتَ المؤْمِنِينَ بِنَائِلٍ ... أَبَا (¬3) خَالِدٍ صَلَّتْ عَلَيْكَ المَلاَئِكُ (¬4) هذا قول الجمهور من أهل اللغة (¬5). وقال النضر بن شميل في الملك: إن العرب لا تشتق فعله ولا تصرفه، وهو مما فات (¬6) علمه. وقال بعض المتأخرين (¬7): أصله ملك كما (¬8) هو الآن وهو بمعنى ¬
المملوك يذهب (¬1) فيه إلى أنه لله بمنزلة العبد لغيره، فهو (فَعَل) بمعنى مفعول كالنقض (¬2) والخبط، فخالف بهذا القول جميع أهل اللغة واحتج على ما ذهب إليه بما يطول ذكره (¬3). و (الخليفة) الذي يخلف الذاهب أي يجيء بعده، ويقال للسلطان: خليفة لأنه يخلف من قبله، يقال: خلف فلان مكان فلان، يخلف [إذا كان في مكانه (¬4). اللحياني: خلف فلان فلانا في أهله وفي مكانه يخلفه، (¬5) خلافة حسنة، وكذلك (¬6) قيل: أوصى له بالخلافة، ويقال: خلفني ربي في أهلي وولد في أحسن الخلافة (¬7). وأصل الخليفة خليف بغير هاء، لأنه (فَعِيل) بمعنى: (فاعل)، كالعليم والسميع، فدخلت (الهاء) للمبالغة بهذا الوصف، كما قالوا: راوية (¬8) وعلاَّمة (¬9). وقال ابن السكيت: أما الخليفة فإنه وقع للرجال خاصة، وإن كان (¬10) فيه (الهاء)، ألا ترى أنهم قد جمعوه (خلفاء) كما ¬
يجمع فعيل. هذا فيمن ذَكَّر واستعمل المعنى، ومن أنث لتأنيث اللفظ قال في الجمع: (خلائف) (¬1). وقد ورد التنزيل بها، قال الله تعالى: {خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ} [الأعراف: 69]، وقال: {خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ} (¬2) ويجوز تأنيث الخليفة على اللفظ كما قال: أَبُوك خَلِيفَةٌ وَلَدَتْه أُخْرى ... وَأَنْتَ خَلِيفَةٌ ذَاكَ الكَمَالُ (¬3) قال ابن عباس وابن مسعود وابن زيد (¬4): أراد بالخليفة آدم عليه السلام جعله خليفة لنفسه، يحكم بالحق في أرضه (¬5). وروي عن ابن عباس أنه قال: ¬
جعله خليفة عن الملائكة الذين كانوا سكان الأرض بعد الجن (¬1). قال المفسرون: وذلك أن الله تعالى خلق السماء والأرض، وخلق الملائكة والجن، فأسكن الملائكة السماء وأسكن الجن (¬2) الأرض، فغبروا دهراً طويلاً في الأرض، ثم ظهر فيهم الحسد والبغي، فاقتتلوا وأفسدوا، فبعث إليهم جندا من الملائكة يقال لهم: الجن ورأسهم إبليس، وهم خزان الجنان، اشتق لهم اسم من الجنة، فهبطوا إلى الأرض، وطردوا الجن عن وجوهها إلى شعوب الجبال، وجزائر البحور، وسكنوا الأرض، وكانوا أخف الملائكة عبادة، لأن أهل السماء الدنيا أخف عبادة من الذين فوقهم، وكذلك أهل كل سماء، وهؤلاء الملائكة لما صاروا سكان الأرض خفف الله عليهم العبادة، وخلقت الملائكة كلها من نور غير هذا الحي (¬3) الذين يقال لهم: الجن (¬4)، فأحبوا (¬5) البقاء في الأرض. ¬
كان الله تعالى قد أعطى إبليس ملك الأرض وملك السماء الدنيا وخزانة الجنان، وكان يعبد الله عز وجل تارة في الأرض وتارة في السماء وتارة في الجنة، فأعجب بنفسه، وتداخله الكبر، فاطلع الله على ما انطوى عليه في الكبر، فقال له ولجنده: إني جاعل في الأرض خليفة (¬1). وإخبار (¬2) الله تعالى الملائكة بهذا يكون على جهة البشارة لهم بمكان آدم كما جرت به سنته بالبشارة بالأنبياء قبل خلقهم وقبل إرسالهم (¬3). ولا يكون ذلك (¬4) على جهة المشاورة معهم (¬5)، لامتناع ¬
المشاورة في وصفه، لوجوب كونه عالماً لا يخفى عليه شيء. وقوله تعالى: {قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ}. قال الفراء (¬1): أراد: فقالوا فحذف فاء النسق كقول الشاعر: لمَّا رَأَيْتُ نَبَطاً أَنْصَارَا شَمَّرْتُ عَنْ رُكْبَتِي الإزَارَا كُنْتُ لَهْمْ مِنْ النَّصَارى جَارَا (¬2) أي: فكنت لهم. واختلفوا (¬3) في قول الملائكة: (أتجعل فيها) على أي وجه حصل منهم هذا: فروي أن الذين قالوا هذا عشرة آلاف من الملائكة، فأرسل الله (¬4) عليهم نارا فأحرقتهم (¬5). وقال بعض أهل المعاني: فيه إضمار واختصار، معناه: أتجعل فيها من يفسد فيها [ويسفك الدماء؟ أم تجعل فيها من لا يفسد فيها] (¬6) ولا يسفك الدماء؟ كقوله تعالى: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ} [الزمر:9]، يعني ¬
كمن هو غير قانت (¬1)، وكقول أبي ذؤيب: عَصَيْتُ إليْها القَلْبَ إِنِّي لِأَمْرِهَا ... مُطِيعٌ فَمَا أَدْرِي أَرُشْدٌ طِلاَبُهَا (¬2) أراد: أرشد (¬3) أم غي، وعلى هذا فالملائكة أرادوا بالاستفهام أن يخبروا بما لا يعلمون، ولم يذهبوا إلى الإنكار والاعتراض (¬4)، فقال الله: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} (¬5)، لم يطلعهم على صفة أولاد آدم. ولم يبين لهم أنه يريد أن يخلق من يفسد أو لا يفسد (¬6). وقيل: لما قال الله: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} أشكل على الملائكة أن الخليفة ممن يكون، قالوا: يا ربنا أتجعل في الأرض خليفة كما كان بنو الجان مفسدين؟ أم تجعل خليفة من الملائكة؟ فإنا نسبح بحمدك، فلم يطلعهم الله على ذلك، فقال: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} أي (¬7): أن فيهم المطيع والعاصي جميعاً (¬8). ¬
وقال الزجاج حكاية عن غيره: المعنى في هذا هو (¬1): أن الله أعلم الملائكة أنه جاعل في الأرض خليفة، أن الخليفة (¬2) فرقة من بني آدم [تسفك] (¬3) الدماء، وأن الله أذن للملائكة أن يسألوه عن ذلك، وكان (¬4) إعلامه إياهم هذا زيادة في التثبيت (¬5) في نفوسهم أنه يعلم الغيب، وكأنهم قالوا: أتخلق (¬6) فيها قوماً يسفكون الدماء ويعصونك، وإنما ينبغي إذا عرفوا أنك خلقتهم أن يسبحوا بحمدك كما نسبح، ويقدسوا كما نقدس، ولم يقولوا هذا إلا وقد أذن لهم، لأن الله تعالى وصفهم بأنهم يفعلون ما يؤمرون (¬7). فإن قيل: فأين إخبار الله بذلك للملائكة فإنا لا نراه في القرآن؟ قيل: هو محذوف مكتفى بدلالة الكلام عليه، كأنه قال: (إني جاعل في الأرض خليفة) يكون من ولده إفساد (¬8) في الأرض، وسفك للدماء (¬9)، فحذف هذا اكتفاء (¬10) بما دل عليه من جواب الملائكة، كما ¬
قال الشنفرى (¬1): فَلَا تَدْفِنُونِي إنَّ دَفْنِي مُحَرَّمٌ ... عَلَيْكُمْ ولكن خَامِري أُمَّ عَامِرِ (¬2) أراد: ولكن دعوني للتي يقال لها إذا أريد صيدها: خامري أم عامر، فحذف (¬3). قال الزجاج: ويجوز أن يكون هذا القول من الملائكة على وجه استعلام وجه الحكمة، لا على الإنكار. معناه: كيف تجعل في الأرض من يفسد ويسفك الدماء ونحن نسبحك الآن إذ أجليناهم (¬4) وصرنا سكانها، فأخبِرْنا (¬5) وجه الحكمة فيه (¬6). ¬
وقال ابن عباس وأكثر المفسرين: إن الله تعالى لما اطلع على كبر إبليس قال للملائكة الذين كانوا معه: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} فقالت (¬1) الملائكة: أتجعل فيها من يفسد فيهما كما فعل (¬2) بنو الجان، قاسوا بالشاهد على الغائب (¬3)، فقال الله تعالى: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} من كبر إبليس واغتراره بفعله، ثم لما ظهر من أمر إبليس ما ظهر وعجزت هؤلاء الملائكة عن (¬4) الإخبار عن أسماء الأشياء اعترفوا بالعجز، وقالوا: {سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا} (¬5) ومع وضوح هذه الأقوال فإن ظاهر الخطاب يدل على أنه شق على الملائكة خلق الخليفة لأنهم لما سكنوا (¬6) الأرض خفت عنهم العبادة كما ذكرنا، فخافوا أن يردوا إلى السماء فتثقل عليهم العبادة فلهذا شق عليهم خلق الخليقة (¬7). ¬
وقوله تعالى: {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ}. معنى التسبيح: تنزيه الله من كل سوء، وقد يكون بمعنى الصلاة، ويقال: سبح لله (¬1) أي صلى لله (¬2). قال الحسن: معناه: يقول سبحان الله وبحمده (¬3). قال الأزهري (¬4): أجمع المفسرون وأهل المعاني: أن معنى (¬5) تسبيح الله، تنزيه الله وتبرئته عن السوء. قال: وأصل التسبيح (¬6) في اللغة، التبعيد من قولك: سبحت في الأرض، إذا تباعدت فيها، ومن هذا قوله تعالى: {وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [يس: 40]، فكل من أثنى على الله وبعّده من السوء، فقد سبح له (¬7) ونزهه. وقال بعض أهل المعاني: معنى قوله: {نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ} نتكلم بالحمد لك، والنطق بالحمد لله تسبيح له، كما قال: {وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ} [الشورى:5] وقال: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ} [النصر:3] أي: ¬
احمده، ويكون حمد الحامد لله تسبيحا له، لأن معنى الحمد لله: الثناء عليه والشكر له، وهذا تنزيه له واعتراف بأنه أهل لأن ينزه (¬1)، ويعظم، ويثنى عليه (¬2). ومعنى قول القائل (سبحان الله): براءة الله من السوء (¬3) وتنزيهه، وكثر لفظ (سبحان الله) في كلامهم، سيما عند التعجب، حتى صار كلمة للتعجب، قال الأعشى: أَقُولُ لمّا (¬4) جَاءَنِي فَخْرُهُ ... سُبْحَانَ مِنْ (¬5) عَلْقَمَةَ الفَاخِرِ (¬6) ¬
أي تعجب منه. ونحو هذا قال الزجاج في معنى: {نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ} قال: نبرئك من السوء (¬1). ويأتي بقية القول في معنى (سبحان) (¬2) عند قوله: {قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا} [البقرة: 32]. وقوله تعالى: {وَنُقَدِّسُ لَكَ} (¬3). أي: نطهرك وننزهك عما لا يليق بك من النقص. و (اللام)، فيه صلة (¬4). و (التقديس): التطهير، والقدس: الطهارة، والبيت المقدس: المطهر (¬5). قال الزجاج: ومن هذا قيل للسطل: قدس، لأنه يتقدس منه، أي يتطهر (¬6). قال غيره (¬7): والقُداس هو (¬8) الجمان (¬9) من فضة، لأنه أبيض نقي. قال الشاعر في وصف الدموع: ¬
كَنَظْمِ قُدَاسٍ سَلْكُهُ مُتَقَطِّعُ (¬1) قال أبو علي الفارسي: معنى نقدس لك: ننزهك عن السوء، فلا (¬2) ننسبه إليك، و (اللام) فيه على حدها في قوله: {رَدِفَ لَكُمْ} [النمل: 72] لأن المعنى تنزيهه، وليس المعنى أن ينزه شيء من أجله. فأما قولهم: (بيت المقدس) وقول الراجز: الحَمْدُ للهِ العَلِيِّ القَادِسِ (¬3) يدل على أن الفعل قد استعمل من التقديس، بحذف الزيادة، فإذا كان كذلك، لم يخل (المَقْدِس) من أن يكون مصدرا أو مكانا، فإن كان مصدرا كان كقوله: {إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ} (¬4) ونحوه من المصادر، والتي (¬5) جاءت على هذا المثال. وإن كان مكاناً، فالمعنى: بيت المكان الذي جعل فيه الطهارة أو بيت مكان الطهارة، وتطهيره على إخلائه من الأصنام وإبعاده منها، كما جاء ¬
{أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ} (¬1) [البقرة: 125]. انتهى كلامه (¬2). فعلى قول أبي علي (اللام) في (لك) صلة (¬3). وقال أبو إسحاق: معنى: (نقدس لك) أي نطهر أنفسنا لك. قال: ومن هذا: البيت المقدس، أي: البيت المطهر، وبيت المقدس أي بيت المكان الذي يتطهر فيه من الذنوب (¬4). فعلى هذا (اللام) لام أجل (¬5)، أي نطهر لأجلك قلوبنا من الشرك، وأبداننا من المعصية. وقوله تعالى: {قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ}. قال ابن عباس: يعني من إضمار إبليس العزم على المعصية، وما اطلع عليه من كبره (¬6). وقال ابن مسعود: {مَا لَا تَعْلَمُونَ} مما يؤول إليه أمر إبليس (¬7). ¬
وقال قتادة (¬1): {أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} أنه يكون في أولاد آدم من هو من أهل الطاعة. وقال الزجاج: معناه أبتلي من تظنون أنه مطيع فيؤديه الابتلاء إلى المعصية، ومن تظنون أنه عاص فيؤديه إلى الطاعة (¬2). وقيل: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} من تفضيل آدم عليكم، وما أتعبدكم به من السجود له، وأفضله به عليكم من تعليمي الأسماء، وذلك أنهم قالوا فيما بينهم: ليخلق ربنا ما يشاء، فلن يخلق خلقاً أفضل ولا أكرم عليه منا (¬3). وفتح أبو عمرو وابن كثير (الياء) في قوله: {إِنِّي أَعْلَمُ} [البقرة: 30]، {إِنِّي أَرَى} (¬4) عند الهمزة المفتوحة. وزاد أبو عمرو عند الهمزة المكسورة، مثل: {إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ} (¬5). وزاد نافع عند المضمومة، مثل: {عَذَابِي أُصِيبُ} [الأعراف: 156]، {فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ} [المائدة: 115]، {إِنِّي أُرِيدُ} (¬6). ¬
وحجتهم في ذلك (¬1) أن هذه (الياء) أصلها الحركة، لأنها بإزاء الكاف للمخاطب، فكما فتحت الكاف، كذلك تفتح (الياء). فإن قيل: إن الحركة في حروف اللين مكروهة؟ قيل: الفتحة من بينها (¬2) لا تكره، وإن كرهت الضمة والكسرة، ألا ترى أن (القاضي) ونحوه يحرك بالفتح (¬3)، كما يحرك (¬4) سائر الحروف التي لا لين لها (¬5)، ألا ترى أن (غواشي) (¬6) تجري في النصب مجرى ¬
مساجد ونحوه (¬1) من الصحيح. وقد اتفقوا أيضًا على تحركها بالفتح، إذا سكن ما قبلها، نحو بشراي (¬2) وغلامي وقاضيّ، ورأيت غلاميّ (¬3)، فاجتماعهم على تحريكها بالفتح (¬4) في هذا النحو يدل على أن ذلك أصلها إذا تحرك ما قبلها (¬5). وأما (¬6) من أسكن هذه (الياءات) فحجته أن الفتحة مع (الياء) قد كرهت في (¬7) الكلام، كما كرهت الحركتان (¬8) الأخريان فيها، ألا ترى أنهم قد أسكنوها في الكلام في حال السعة إذا لزم تحريكها بالفتحة، كما أسكنوها إذا لزم تحريكها بالحركتين الأخريين (¬9)، وذلك قولهم: (قالي قلا) (¬10)، ¬
و (بادي بدا) (¬1)، و (معد يكرب) (¬2) و (حيري (¬3) دهر) (¬4). و (الياء) في هذه المواضع في موضع الفتحة التي في آخر أول الاسمين، نحو: (حضر موت) و (بعلبك) وقد أسكنت كما أسكنت في الجر (¬5) والرفع (¬6). ومما يؤكد الإسكان فيها أنها مشابهة (¬7) للألف، والألف تسكن (¬8) في الأحوال الثلاث (¬9)، كذلك (الياء) تسكن. والدليل على شبه (الياء) الألف قربها منها في المخرج، وإبدالهم إياها منها في نحو (طائيٍّ) و (حاريٍّ) في ¬
النسب (¬1) إلى (طيئ) (¬2) و (الحيرة) وقوله: لَنَضْرِبَنْ بِسَيْفِنَا قَفَيْكَا (¬3) كثر إسكان (الياء) في (¬4) موضع النصب في الشعر لهذه المشابهة (¬5)، حتى ذهب بعضهم إلى استجازته في الكلام (¬6). فأما حجة أبي عمرو حيث لم يفتح عند المضمومة، وفتح عند المفتوحة والمكسورة (¬7)، هي: أن الهمزة قد فتحت لها (¬8) ما لم يكن يفتح ¬
لو لم تجاور الهمزة، ألا ترى أنهم فتحوا نحو: (يقرأ ويبرأ) ولولا الهمزة لم يفتح شيء من ذلك. فإذا فتحت لها ما لم (¬1) يفتح إذا لم تجاور (¬2) الهمزة، فأن يفتح لها ما قد يفتح مع غيرها أحرى. والمفتوحة والمكسورة (¬3) سيّان (¬4) في إتباع (الياء) لها في التحريك بالفتح، ألا ترى أنهم قد غيروا للهمزة (¬5) المكسورة الحرف (¬6) الذي قبلها، فقالوا: (الضِّئين) (¬7) في جمع [الضَّائِن] (¬8)، و (صأى صِئِيَّا (¬9) ولم يفعلوا ذلك في (رؤوف) وكذلك لم تفتح (الياء) قبل الهمزة المضمومة (¬10) كما ¬
فتحت قبل المفتوحة والمكسورة (¬1). فإن قيل: إن ما ذكرته من التغيير للهمزة المفتوحة والمكسورة إنما جاز في المتصل نحو (يقرأ) و (يبرأ) و (الضَّئين) و (الضَّئِي) (¬2)، وما فعله أبو عمرو من فتح (الياء) مع المفتوحة والمكسورة منفصل. قيل: شبه (¬3) المنفصل بالمتصل. وقد ذكرنا أشياء من هذا في الحجة لمن خفف: (وهو ولهو) (¬4). ومن قال: إنه فتح (الياء) مع الهمزة، لتتبين (¬5) (الياء) معها، لأنها خفية، كما بينوا (النون) مع حرف الحلق، وأخفوها مع غيرها، فإن هذه العلة لا تستقيم (¬6)، لأنه (¬7) يلزمه تحريك (الياء) مع الهمزة المضمومة لأن [النون تُبَيَّن مع الهمزة المضمومة كما تُبَيَّن مع المفتوحة والمكسورة، وأيضا ¬
31
فإن] (¬1) النون تُبيَّن (¬2) مع سائر حروف الحلق [، ولسنا نعلم أبا عمرو يفتح (الياء) مع سائر حروف الحلق.] (¬3) فإن قلت: فإن الهمزة قد تفتح (¬4) لها ما قبلها وإن كانت مضمومة، نحو: (يقرأ) في موضع الرفع، فهلا فتح (الياء) في {عَذَابِي أُصِيبُ} [الأعراف: 156]. قلنا: الضمة إذا كانت للإعراب (¬5) لم يكن في حكم الضمة عندهم، ألا ترى أنهم قد (¬6) قالوا: نَمِرٌ وكَتِفٌ، ونحو ذلك في الرفع، ورفضوا الضمة مع الكسرة في كلامهم (¬7) فلم يجئ فيه (فُعِل) (¬8). 31 - وقوله تعالى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا} الآية. قال ابن عباس والحسن وقتادة: لما قال الله عز وجل للملائكة: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} قالوا فيما بينهم: ليخلق ربنا ما شاء، فلن يخلق خلقًا أفضل ولا أكرم عليه منا، وإن كان خيرًا منا فنحن أعلم منه، لأنا خلقنا قبله ورأينا ما لم يره، ¬
فلما أعجبوا بعلمهم، فضل الله عز وجل آدم عليهم بالعلم فعلمه الأسماء كلها (¬1). ووجه تعليمه آدم: أن خلق في قلبه علماً بالأسماء على سبيل الابتداء، وألهمه (¬2) العلم بها (¬3). وأما (آدم) فقال ابن عباس: إنما سمي آدم، لأنه خلق من أديم الأرض (¬4). ومثل هذا قال أهل اللغة فيما حكا الزجاج عنهم، قال: يقول أهل اللغة في آدم: إن اشتقاقه من أديم الأرض، لأنه خلق من تراب، وأديم ¬
الأرض: وجهها (¬1) [قال الليث: أديم كل شيء ظاهر جلده، وأدمة الأرض وجهها] (¬2) والأُدمة لون مشبه بلون التراب (¬3). أبو عبيد عن الفراء قال: الأُدمة في الناس شُرْبة من سواد، وفي الإبل والظباء بياض، يقال: ظبية (¬4) أدماء، ولم أسمع (¬5) أحدا يقول للذكر من الظباء: آدم، ولو قيل، كان قياسا (¬6). وقال ذو الرمة: مِنَ المؤْلِفَاتِ الرَّمْلَ أَدْمَاءُ حُرَّةٌ ... شُعَاعُ الضُّحَى في مَتْنِهَا يَتَوَضَّحُ (¬7) وقال الأعشى في الناقة: فَقُلْتُ لَهُ هذه هَاتِهَا ... بِأَدْمَاءَ في حَبْلِ مُقْتَادِهَا (¬8) ¬
وقال النضر بن شميل: سمي آدم، لأنه كان أبيض اللون (¬1). واختلف في هذه الأسماء التي علمها الله آدم، فقال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك: علمه اسم كل شيء حتى القصعة والمغرفة (¬2). وظاهر اللفظ يدل على هذا، وعلى أنه علمه جميع اللغات، لأنه قال: الأسماء كلها، فيما وقع عليه الاسم بأي لغة كان داخل تحت هذا الإطلاق (¬3)، على أنه قد قال جماعة من أهل التأويل: إن الله تعالى علم آدم ¬
جميع اللغات، ثم إن أولاده تكلم كل واحد منهم بلغة [أخرى، فلما تفرقوا في البلاد اختص كل فرقة منهم بلغة] (¬1)، فاللغات كلها إنما سمعت من آدم وأخذت عنه (¬2). وقال الزجاجي في قوله: {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا}: الأسماء (¬3) على كثرتها عشرة أقسام (¬4)، فمنها: أسماء الأشخاص التي نسميها الأعيان نحو: الشجر والجبل والأرض والمدر. ومنها: أسماء المعاني، وهي (¬5) أسماء الحوادث، ويسميها (¬6) ¬
النحويون المصادر، لأن الأفعال تصدر عنها، وذلك نحو: الضرب والقتل. ومنها: أسماء الألقاب، نحو: زيد وعمرو فيمن يعقل، وفيما لا يعقل نحو: يحموم وسكاب وداحس (¬1)، أسماء أفراس الأعراب، أجريت عليها لقبا لا لمعنى، وهذا القسم (¬2) غير الأول الذي هو من أسماء الأشخاص لأن أسماء الأشخاص لا يخلو من أن تكون جارية على مسمياتها لمعنى، لولا ذلك ما أجريت عليها، وزيد لم يسم زيدا لمعنى فيه (¬3)، لأنه كان يجوز أن يسمى (¬4) بكرا وخالدا. ومنها: أسماء الأزمنة، كاليوم والليلة، والساعة وغد، وأمس. ومنها: أسماء الأمكنة، وهي الجهات الست، نحو: قدام وخلف وفوق وتحت ويمنة ويسرة. ومنها: أسماء الفاعلين نحو: الضارب والقاتل والآكل والشارب. ومنها: أسماء المفعولين نحو: المضروب والمقتول. ومنها: أسماء الحلي والشيات نحو: الأحمر والأصفر والأعرج والأحدب وما يجري مجراها. ومنها: أسماء المكاني (¬5) والمضمرات نحو: أنا ونحن (¬6)، وأنت، ¬
وهو وهي وهم (¬1) وهن، وهذا وذاك وأولئك وهؤلاء. والقسم العاشر خاص للعرب وهو أسماء الأفعال نحو قولهم: (صه) هو اسم موضوع لقولك (¬2): (اسكت)، و (هيهات) لقولك: (¬3) (ما أبعد)، و (مهلا) موضوع لقولك: (أمهل) وهذا الجنس قليل. وكل هذه الأسماء، [قصد واضع اللغة فيها إلى أن يجريها على مسمياتها لمعان يتضمنها، إلا (¬4) أسماء] (¬5) الألقاب نحو: زيد وعمرو، فإن قولنا: (زيد) وإن كان مأخوذا من الزيادة فليس بحاو على مسماه لهذا المعنى، وليس فيه إلا تعريف شخص من شخص. ولما صدقت العناية ببعض الأسماء دون بعض، أدرك معاني بعضها وموضوعه وحقيقته ومجازه وأصله وفرعه، وما لم يصدق (¬6) العناية به أو قل التصرف فيه صار كالجامد الذي لا يعرف له أصل، ولا يخلو من أن يكون له معنى صحيح، لذلك المعنى ما سمي (¬7) به، وإن لم يدركه الناس. وقوله تعالى: {ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ}. يقال (¬8): عرضت المتاع ¬
على البيع عرضا، وكذلك عرض الجند والكتاب. ومعنى العرض في اللغة: الإظهار، ومنه عرض الجارية وعرض الجند (¬1). الليث: ويقال: أعرض الشيء أي: بدا وظهر، وأنشد: إِذَا أَعْرَضَت (¬2) دَاوِيَّةٌ (¬3) مُدْلَهِمَّةٌ (¬4) أي بدت (¬5). وقال الفراء في قوله تعالى: {وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا (100)} [الكهف: 100]، أي أبرزناها حتى رأوها. قالوا (¬6): ولو جعلت الفعل لها زدت ألفا، فقلت: أعرضت، أي (¬7): استبانت وظهرت (¬8). فجاء من هذا ¬
أنه يقال: عرضت الشيء فأعرض، أي أظهرته فظهر، وأعرض بوجهه أي أزاله عن جهة الظهور، وعرض بالشيء، حرفه من جهة الظهور (¬1). فإن قيل: فلم قال: {عَرَضَهُمْ} فجمع الكناية وهي عائدة على (¬2) الأسماء؟ فالجواب ما قال مقاتل: وهو أن الله تعالى خلق كل شيء، الحيوان والجماد ثم علم آدم أسماءها، ثم عرض تلك الشخوص الموجودات على الملائكة (¬3). وكنى عن الشخوص والمسميات [بقوله: {هُمْ} لأن فيها ما يعقل من الجن والإنس والملائكة، فالعرض يعود إلى المسميات] (¬4) لا إلى الأسماء (¬5). وقال ابن زيد: علمه أسماء ذريته (¬6)، وعلى هذا العرض يعود إلى الذرية. ¬
وقوله تعالى: {فَقَالَ أَنْبِئُونِي}. أمر تعجيز (¬1)، كقوله: {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ} [البقرة: 23] أراد الله تعالى أن يبين عجزهم (¬2)، وذلك أن الملائكة أخبروا عن شيء لم يخلق لهم العلم به، وقالوا شيئاً بظن (¬3) منهم وحسبان، فخلق سبحانه لآدم (¬4) العلم بالأسماء (¬5) دونهم تفضيلاً له، ثم استخبرهم عن ذلك، أراد كيف تدعون علم ما لم يكن بعد، وأنتم لا تعلمون ما ترون وتعاينون (¬6). وقوله تعالى: {إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}. أي: إن صدقتم أن الخليفة الذي أجعله في الأرض يفسد فيها ويسفك الدماء قاله ابن عباس، [وناس من الصحابة] (¬7). ¬
32
وقال الحسن: إن كنتم صادقين أني لا أخلق خلقاً إلا كنتم أعلم وأفضل منه، وكذلك قال قتادة (¬1). 32 - فقالت الملائكة إقراراً بالعجز واعتذاراً: {سُبْحَانَكَ} (¬2). قال ابن عباس: تنزيهاً لك وتعظيماً عن أن يعلم الغيب أحد (¬3) سواك (¬4). وقيل: تنزيهاً لك عن الاعتراض عليك في حكمك وتدبيرك (¬5). وهو منصوب على المصدر عند الخليل والفراء، إذا قلت: (سبحان الله) (¬6) فكأنك قلت: سبّحتُ الله تسبيحاً، فجعل السبحان موضع التسبيح، كما تقول: كفرت عن يميني تكفيراً، ثم يجعل الكفران في موضع التكفير فتقول: كفَّرت عن يميني كُفراناً (¬7). وقد ينوب الاسم عن المصدر وتقول (¬8): كلمته كلاماً، وسلم سلاماً، قال الله تعالى: {وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا} [الأحزاب: 49]. وقال سيبويه: يقال: سبحت الله تسبيحاً وسبحاناً بمعنى واحد، ¬
فالمصدر: تسبيح، وسبحان اسم يقوم مقام المصدر. قال: وقال أبو الخطاب الكبير (¬1): سبحان الله، كقولك: براءةَ الله من السوء، ومنه قول الأعشى: سُبْحَانَ مِنْ عَلْقَمَةَ الفَاخِرِ (¬2) أي براءةً منه (¬3). وقال النضر: رأيت في المنام كأن إنساناً فسر لي سبحان الله، قال: أما ترى الفرس يسبح، يريد السرعة، سبحان الله: السرعة إليه (¬4). وقد ذكرنا معنى التسبيح عند قوله: {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ} (¬5). وقوله تعالى: {لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا}. قال المفسرون وأهل المعاني: هذا اعتراف (عن) (¬6) الملائكة بالعجز عن علم ما لم يعلموه فكأنهم قالوا: لا علم لنا إلا ما علمتنا (¬7)، وليس هذا مما علمتنا [في ¬
الكلام مختصرًا] (¬1). ولو قالوا: (لا علم لنا بهذا) كان جواباً، ولكن لا يكون متضمناً تعظيم الله والاعتراف بأن جميع علمهم من عنده. وقيل: إنه تلطّف في طلب علم ما لم يعلموه، وتوبة عن قولهم: {أَتَجْعَلُ فِيهَا} من غير علم لهم بذلك، نبههم الله تعالى بعجزهم عن أسماء الموجودات على أن من جهلها فهو أجهل بأحكام الغائبات، وفي هذا التنبيه إشارة إلى نهيهم عن الحكم لأنفسهم بالطاعة، فإنه لا علم لهم بالعواقب، فإن أمر العواقب (¬2) مستور، ففيه تنبيه عن (¬3) خطئهم في الأمرين جميعا. وقوله تعالى: {إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ}. أي العالم غير المعلم (¬4). (الحكيم) (¬5) في خلقك الخليقة، ومعنى: (الحكيم) هو المحكم للأشياء (¬6) صرف من (مُفْعل) إلى (فَعِيل) كالسميع في قوله: أَمِنْ رَيْحانَةَ الدَّاعي (¬7) السَّمِيعُ (¬8) ¬
و (الأليم) بمعنى: المؤلم (¬1). قال ابن المظفر (¬2): والحُكم: العِلم (¬3)، قال الله تعالى: {وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا} [مريم: 12]. أي: العلم، والحكم: القضاء بالعدل أيضا. قال النابغة: وَاحْكُمْ كَحُكْمِ فَتَاةِ الحَيِّ إذْ نَظَرَتْ ... إِلَى حَمَامٍ سِرَاعٍ وَارِدِ الثَّمَدِ (¬4) فالوصف لله تعالى بأنه (حكيم) يجوز أن يكون بمعنى: محكم كما ذكرنا، ويجوز أن يكون بمعنى: حاكم، كالقدير والقادر، والعليم والعالم، ويكون معناه العالم أو الذي يحكم بالعدل ويقضي به (¬5). ¬
قال الأصمعي: أصل الحكومة: رَدُّ الرجل عن الظلم، ومنه سُمِّيت حَكَمَةُ اللجام، لأنها تَرَدُّ الدابة، قال (¬1) ومنه قول لبيد: أَحْكَمَ الجِنْثِيَّ مِنْ عَوْرَاتِهَا (¬2) ... كُلُّ حِرْبَاءٍ إِذَا أُكْرِهَ (¬3) صَلّ (¬4) والجِنْثِيُّ: السيف، أي: رد السيف عن عورات (¬5) الدرع، وهي: فُرَجها، كل حِرْبَاء: وهو المسمار الذي يُسَمَّر به حلقها. هذه رواية الأصمعي (¬6). قال الأزهري: والعرب تقول: حَكَمْتُ وأَحْكَمْتُ وحَكَّمْتُ بمعنى: رَدَدْتُ ومَنَعْتُ، ومن هذا قيل للحاكم: حاكم، لأنه يمنع الظالم من الظلم (¬7). ¬
وقال جرير: أَبَنِي حَنِيفَةَ أَحْكِمُوا سُفَهَاءَكُمْ (¬1) يقول: امنعوهم من التعرض (¬2). وروي عن النخعي أنه قال: حَكِّم اليَتِيم كما تُحَكَم ولدك (¬3). قال أبو عبيد: يقول: امنعه من الفساد، قال: وكل من منعته من شيء فقد حَكّمْتَه وأَحْكَمْتَه (¬4)، وأنشد بيت جرير (¬5). والحِكْمَة: هي العلم الذي يمنع [صاحبه] (¬6) من الجهل، والحاكم الذي يمنع من الجور، وكل عمل مُحَكَم (¬7) فقد منع من الفساد (¬8). ¬
33
33 - قوله تعالى: {قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ}. قال المفسرون: لما ظهر عجز الملائكة، قال الله عز وجل: {يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ} فسمى كل شيء باسمه، وألحق كل شيء بجنسه {فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ} أي: أخبرهم بتسمياتهم قال: {أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ} (¬1). وفي الآية اختصار، معناه: فلما أنبأهم بأسمائهم، تحقق عندهم أن الله يعلم من العواقب ما لا يعلمون، فلما علموا ذلك (¬2)، قال الله: {أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ} و (لم) حرف نفي وصل بألف الاستفهام، فصار بمعنى الإيجاب والتقرير (¬3)، كقول جرير: أَلَسْتُمْ خَيْرَ مَنْ رَكِبَ المَطَايَا (¬4) وفيه أيضًا معنى التوبيخ (¬5) لهم على ما سلف من خطاهم (¬6). ¬
وقوله تعالى: {إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}. (الغيب) مصدر مضاف إلى المفعول (¬1) على الاتساع، وحذف حرف الجر، لأنك تقول: غبت في الأرض، وغبت ببلد كذا، فتعديه بحرف الجر، فحذف الحرف وأضيف المصدر إلى المفعول به في المعنى، نحو: {مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ} [فصلت: 49] و {بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ} [ص: 24] وكقولك: (أعجبني منك دخول الدار). وفيه أيضا مضاف مقدر، والمعنى: إني أعلم ذوي غيب السموات والأرض ما غاب فيها [عنكم، ومثله على هذا التقدير قوله: {وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} (¬2) أي: له ما غاب فيها] (¬3) ملكاً وخلقاً. ويجوز أن يكون له علم ما غاب (¬4) فيها، فيكون المضاف محذوفاً. وقوله تعالى: {وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ}. أي: أعلم سرّكم وعلانيتكم، لا يخفى علي شيء من أموركم (¬5). وقال ابن عباس: ما تبدون من قولكم: (أتجعل فيها من يفسد فيها)، (وما كنتم تكتمون) من إضمار إبليس الكفر (¬6). وعلى هذا التأويل قال: (تكتمون) بلفظ الجمع، وإن كان المراد به ¬
إبليس، لأن الخطاب للجماعة، وهو من جملتهم (¬1). وقال الحسن وقتادة في قوله: {مَا تُبْدُونَ} كقول ابن عباس، (وما تكتمون) يعني قولهم: لن يخلق (¬2) خلقاً أفضل ولا أعلم منا (¬3). وقد يبقى في هذه الآية سؤال لم يجد (¬4) أحداً ممن تكلم في تفسير القرآن ولا في معانيه تعرض [له] (¬5)، وهو من مهم ما يسأل عنه (¬6). وذلك أن يقال: من أين علمت الملائكة لما خبرها (¬7) آدم عليه السلام بتلك الأسماء صحة قوله، ومطابقة الأسماء المسميات؟ وهي لم تكن (¬8) عالمة بذلك من قبل، إذ لو كانت عالمة لأخبرت بالأسماء، ولم تعترف بفقد العلم. والكلام يقضي أنهم لما أنبأهم آدم بالأسماء، علموا صحتها ومطابقتها للمسميات (¬9)، ولولا ذلك لم يكن لقوله (¬10): {أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ ¬
غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} معنى. والجواب: أنه (¬1) غير ممتنع أن تكون الملائكة في الأول غير عارفين بتلك الأسماء فلما أنبأهم آدم عليه السلام بها، خلق الله تعالى (¬2) لهم في الحال العلم الضروري بصحتها ومطابقتها للمسميات، إما من طريق، أو ابتداء بلا طريق، فعلموا بذلك تمييزه (¬3) واختصاصه (¬4). ووجه آخر: وهو أنه لا يمتنع أن تكون للملائكة لغات مختلفة، فكل قبيل منهم يعرف أسماء الأجناس في لغته دون لغة غيرها، فلما أراد الله تعالى التنبيه على فضيلة آدم، علمه (¬5) تلك الأسماء، فلما أخبرهم بها علم كل فريق (¬6) مطابقة ما أخبر به من الأسماء للغته وعلم مطابقة ذلك لباقي اللغات بخبر كل فريق وإذا أخبر كل قبيل صاحبه علم بذلك من لغة غيره ما علمه من لغته (¬7)، وهذا الجواب يقتضي أن يكون معنى قوله: {أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ} أي: ليخبرني كل قبيل منكم بجميع الأسماء. ¬
34
34 - قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ} الآية. (إذ) في موضع نصب نسقاً على (إذ) (¬1) التي قبلها (¬2). وقوله: {قُلْنَا} [هو من خطاب الأكابر والعظماء، يقول الواحد منهم: فعلنا وقلنا، لعلمه بأن أتباعه يفعلون] (¬3) كفعله، ويجرون على مثل أمره، فأخبر الله تعالى عن نفسه على الجمع، لأنه ملك الملوك، وكل من في السموات والأرض له خلقاً (¬4) وملكاً (¬5). وعلى هذا خوطب في الجواب في قوله: {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ} [المؤمنون: 99] معناه: يا رب ارجعني، فلما أخبر جل اسمه (¬6) عن نفسه [بالجمع خوطب بمثل ذلك (¬7). وقوله: {لِلْمَلَائِكَةِ} اختلفوا في] (¬8) الملائكة الذين أمروا بالسجود لآدم من هم؟ فقال بعضهم: هم الذين كانوا مع إبليس في الأرض (¬9). ¬
وقال بعضهم: هم جميع الملائكة حتى جبريل وميكائيل، لأنه قال: {فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ} [الحجر: 30]، وفي هذا (¬1) تأكيد للعموم، وتحقيق له (¬2). وقوله: {اسْجُدُوا لِآدَمَ} أصل السجود في اللغة الخضوع والتذلل، وكل من ذل وخضع لما أمر به فقد سجد، ومنه قوله تعالى: {يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ} [النحل: 48] أي: خُضَّعاً مسخرة (¬3) لما سخرت له، وسجود كل موات في القرآن، طاعته لما سخر له (¬4). وقال أبو عبيدة: عين ساجدة إذا كانت فاترة، والسُّجَّد من النساء الفاترات الأعين، ونخلة ساجدة إذا مالت لكثرة حملها (¬5). ومنه قول الشاعر: ¬
تَرى الأُكْمَ (¬1) فِيِه سُجَّداً لِلْحَوَافِرِ (¬2) أي ذليلة خاضعة. قال الأعشى: مَنْ يَرَ هَوْذَةَ يَسْجُدْ غَيرَ مُتَّئِبٍ (¬3) ... إِذَا تَعَمَّمَ (¬4) فَوْقَ الرَّأْسِ أَوْ وَضَعَا (¬5) أي يخضع له ويتذلل. وأنشد ابن الأنباري لابن مقبل: ثُمَّ نَوَّمَنْ وَنِمْنَا سَاعَةً ... خُشَّعَ الطَّرْفِ سُجُوداً لِلْخُطَم (¬6) ¬
يعني الإبل، فسجودها خضوعها. ويقال -أيضا-: (أسجد) بهذا (¬1) المعنى: أي طأطأ رأسه وانحنى (¬2). هذا أصل السجود في اللغة، ثم قيل لكل من وضع جبهته على الأرض: سجد، لأنه غاية الخضوع (¬3). وإذا ابتدأت بقوله: {اسْجُدُوا} ضممت الألف (¬4)، والألف (¬5) لا حظ لها من الإعراب، وإنما أدخلت ليتوصل بها إلى النطق بالساكن، فكان حظها الكسر، لأن (¬6) بعدها ساكنا، ولكنها ضمت لاستثقال الضمة بعد الكسرة، وليس في كلامهم مثل (فِعُل)، ولا مثل (إفْعُل) (¬7). واختلفوا في كيفية سجود الملائكة لآدم فقال جماعة: كان سجود الملائكة لآدم على جهة التكريم، فكان ذلك تكريماً لآدم وطاعةً لله ¬
سبحانه، ولم يكن عبادة لآدم (¬1). وحكى (¬2) ابن الأنباري عن الفراء وجماعة من الأئمة أن سجود الملائكة لآدم كان تحية ولم يكن عبادة، وكان ذلك سجود تعظيم وتسليم وتحية، لا سجود صلاة وعبادة، وكان ذلك تحية الناس وتعظيم بعضهم بعضا (¬3)، ولم يكن وضع الوجه على الأرض، إنما كان الانحناء والتكفير (¬4)، فلما جاء الإسلام أبطل ذلك بالسلام (¬5). وقيل: كان سجود على الحقيقة (¬6)، جعل آدم قبلة لهم، والسجود لله ¬
عز وجل (¬1)، إلا أن هذا ضعيف، لأنه لو كان، لقيل: اسجدوا إلى آدم. وقال أبي بن كعب: معناه: أقروا لآدم أنه خير وأكرم عليّ منكم، واخضعوا له وكونوا تحت أمره (¬2)، وهذا المعنى موافق لأصل اللغة. وقوله: {لِآدَمَ} حقه الكسر، إلا أنه لا يجري (¬3) ما كان من هذا الباب نحو: الأحمر (¬4) والأصفر في معرفة ولا نكرة، لاجتماع علتين فيه في حال نكرته، وهو وزن الفعل، وكونه صفة، فإن سميت به لم تصرفه في حال المعرفة أيضا للتعريف، ووزن الفعل، فإن نكرته لم تنصرف (¬5) -أيضا - عند سيبويه (¬6)، [وانصرف عند الأخفش (¬7). وحجة سيبويه] (¬8) أنه قبل أن يسمى به اسم وإن كان صفة، فقد كان في حال (¬9) التنكير قبل التسمية به [غير منصرف، فإذا سميت به فحكم الصفة لم يرتفع عنه، ويصير التسمية به] (¬10) كالعارية، فإذا نكِّر عاد إلى ¬
موضع قد (¬1) كان فيه لا ينصرف (¬2). والدليل على صحة ذلك، إجماع النحويين على قولهم: مررت بنسوة أربع، فيصرفون (أربعا)، لأنه اسم استعمل وصفا، ولو راعوا فيه حكم الصفة لم ينصرف في هذه الحال، لأنه على وزن الفعل وهو صفة، فلما نفوا حكم الاسم فيه وإن استعملوه صفة، كذلك أحمر وبابه وإن استعمل اسما (¬3)، فحكم الصفة باق فيه، لأنه صفة لا اسم. وأما الأخفش فإنه يقول: إذا سمي به زال حكم الصفة فلا ينصرف في المعرفة للتعريف ووزن الفعل، فإذا نكرته بقيت علة واحدة، وهو وزن الفعل فينصرف (¬4). وهذا فاسد، لأن حكم الصفة مراعى، وإن سمي به كما أن حكم الاسم مراعى في (أربع) وإن وصف به (¬5). وقوله تعالى: {إِلَّا إِبْلِيسَ}. قال أكثر أهل اللغة والتفسير: سمي إبليس بهذا الاسم، لأنه أبلس من رحمة الله تعالى أي أيس، والمبلس المكتئب الحزين الآيس (¬6)، وفي القرآن {فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ} [الأنعام: 44]. قال يونس وأبو عبيدة: يقال للذي يسكت عند انقطاع حجته، ولا يكون عنده جواب: قد أبلس (¬7). ¬
قال العجاج (¬1): يَا صَاحِ هَلْ تَعْرِفُ رسْماً مُكْرَسَا قَالَ نَعَمْ أَعْرِفُهُ وأبلسا (¬2) أي: لم يحر إليَّ جواباً لكآبته. فقيل: إن إبليس سمي بهذا الاسم، لأنه لما أويس من رحمة الله أبلس يأسا (¬3). ومثل هذا الوزن من العربية (الإجْفِيل) اسم للظليم (¬4)، يقال: أجفل الظليم فهو مجفل وإجفيل (¬5)، وكذلك الإغريض (¬6) والإضريج (¬7)، في أشباه لهذا (¬8). ¬
وروى أبو روق (¬1) عن الضحاك عن ابن عباس قال: إنما سمي إبليس، لأن الله أبلسه من الخير، أي: أيأسه (¬2). وهذا متعد كما ترى، ورواه الليث -أيضا- متعديا فقال: لأنه أُبلِس من رحمة الله أي: أُويس (¬3)، فحصل من هذا أنه عربي مشتق، وأن الإبلاس واقع ومطاوع (¬4). قال أبو بكر بن الأنباري: لا يجوز أن يكون مشتقا من (أبلس)، لأنه لو كان كذلك لجرى، [ألا ترى أن (إسحاق) إذا كان عربيا مأخوذا من أسحقه الله إسحاقا يجري، فيقال: قام إسحاق، ورأيت إسحاقاً (¬5). فلو كان إبليس من (أَبلس) أو (أُبلس) لجرى] (¬6) كما يجرى إكليل وبابه، وترك تنوينه ¬
في القرآن يدل على أنه أعجمي معرفة، والأعجمي لا يعرف له اشتقاق (¬1). وقال محمد بن جرير: إنما منع صرفه وإن (¬2) كان عربيًّا استثقالًا، لأنه لما قل نظيره في كلام العرب شبهوه بالأسماء الأعجمية كإسحاق لم يصرف، وهو من أسحقه الله، و (أيوب) من: (آب يؤوب) (¬3)، نظيره قيوم، من قام يقوم. وهذا الذي قال (¬4) ابن جرير: يبطل بباب (إفْعِيل) فإنه مصروف كله إلا إبليس (¬5). وأما (¬6) أيوب وإسحاق، فمن لم يصرفهما لم (¬7) يجعلهما مشتقين (¬8). ¬
والاختيار في هذا الحرف أنه غير مشتق، لإجماع النحويين على أنه منع الصرف للعجمة والمعرفة، فلو جعلناه مشتقّاً بطلت العجمة ووجب صرفه (¬1) واختلفوا في أن إبليس هل هو مستثنى من الملائكة أو (¬2) لا؟ فروى مجاهد وطاوس عن ابن عباس قال: كان إبليس قبل أن يركب المعصية ملكاً من الملائكة، اسمه (عزازيل)، وكان من سكان الأرض وعمارها، وكان سكان الأرض من الملائكة يسمون: (الجن)، ولم يكن من الملائكة أشد اجتهادا ولا أكثر علمًا منه. فلما تكبر على الله عز وجل وأبى السجود لآدم وعصاه، لعنه وجعله شيطاناً مريداً، وسماه: إبليس (¬3). وعلى هذا القول أيضا ابن مسعود، وابن المسيب، وابن جريج، وقتادة، وابن جرير (¬4)، وقالوا: إنه استثني من جنس المستثنى منه، وكان إبليس من جملة الملائكة ¬
الذين أمروا بالسجود. وهؤلاء أولوا قوله: {كَانَ مِنَ الْجِنِّ} [الكهف: 50] أي: كان من قبيل من الملائكة، يقال لهم: الجن (¬1)، سموا جناً لاستتارهم عن الناس. قال الأعشى يذكر سليمان ابن داود عليه السلام: وَسَخَّرَ مِنْ جِنِّ الملائِكِ تِسْعَةً ... قِيَاماً لَدَيْهِ يَعْمَلُونَ بِلَا أَجْرِ (¬2) فجعل الملائكة جنّاً (¬3). ¬
وقد روى عكرمة عن ابن عباس قال: إنما قيل لإبليس: الجني، لأنه كان من خزنة الجنة (¬1). وقال الزجاج وابن الأنباري: معنى قوله: {كَانَ مِنَ الْجِنِّ} أي كان (¬2) ضالّاً كما أن الجن الذين كانوا سكان الأرض قبل الملائكة كانوا ضُلَّالاً، فلما فعل إبليس مثل فعلهم أدخل في جملتهم كما (¬3) قال الله سبحانه: {الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ} (¬4) [التوبة: 67]. فعلى قول هؤلاء هو مستثنى من الملائكة، وهو استثناء الجنس من الجنس. وقال عبد الرحمن بن زيد، وشهر بن حوشب (¬5): ما كان إبليس من الملائكة قط (¬6). ¬
وروى عوف عن الحسن قال: ما كان إبليس من (¬1) الملائكة قط، طرفة عين (¬2). وهؤلاء قالوا: إنه استثني من الملائكة، وليس منهم، لأنه أمر بالسجود كما أمروا، فخالف وأطاعوا، فاستثني من فعلهم (¬3)، ويجوز أن يكون استثناء منقطعا (¬4) كقول (¬5) العرب: ارتحل العسكر إلا الأثقال، وسار الناس إلَّا الخيام (¬6). وقال سعيد بن المسيب. إن إبليس سبي من الجن حين اقتتلوا (¬7) الملائكة، وكان صغيرا فنشأ بين الملائكة (¬8). وهذا اختيار الحسين بن ¬
الفضل. وإليه ذهبت المعتزلة (¬1). وقوله (¬2) تعالى: {أَبَى وَاسْتَكْبَرَ}. هما بمعنى واحد، وكرر للتأكيد (¬3)، وحقيقة الاستكبار: الأنفة مما لا ينبغي أن يؤنف منه (¬4). وقوله تعالى: {وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ}. أي وصار (¬5)،. كقوله: {وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ} [هود: 43]. وقال الأكثرون معناه: وكان في سابق علم الله من الكافرين (¬6). ¬
35
وقيل: كان من الجن الذين كانوا قبله (¬1) على مذهب من جعله منهم (¬2). فإن قيل: كيف جمع، ولم يكن في ذلك الوقت كافر غير إبليس (¬3)؟ فيقال: إن الله سبحانه علم أنه يكون (¬4) بعد إبليس كافرون، كقول إبراهيم (¬5) {وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ} [الأنبياء: 56] معناه: أنه علم (¬6) أنه سيكون بعده من يشهد على قومه بمثل شهادته (¬7). وقيل: كان من القوم الذين إذا فعل واحد منهم مثل فعله كان مثله (¬8). وعلى ما قاله سعيد بن المسيب (¬9)، لا يتوجه هذا السؤال. 35 - قوله تعالى: {وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ} الآية. (اسكن ¬
الجنة) (¬1) أي: اتخذها مأوى ومنزلا (¬2)، وليس معناه: استقر في مكانك ولا تتحرك، وهذا اللفظ مشترك، يقال: أسكنه، أي: أزال حركته، وأسكنه مكان كذا (¬3)، أي جعله مأوى ومنزلا له، والأول الأصل، قالوا (¬4): ومنه السكين (¬5)، لأنه الآلة التي تسكن حركة الحيوان (¬6). وقوله: (أنت) تأكيد للضمير الذي في الفعل (¬7)، وإنما أكد به ليحسن العطف عليه، فإن العرب لا تكاد تعطف إلا على ظاهر، يقولون: اخرج أنت وزيد، ولا يكادون يقولون: اخرج وزيد، إلا في الضرورة (¬8)، ومثله قوله: {فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ} [المائدة: 24]. وقوله: {وَزَوْجُكَ} لفظه مذكر، ومعناه مؤنث، وذلك أن الإضافة تلزم هذا الاسم في أكثر الكلام، وكانت مبينة (¬9) له فكان (¬10) طرح الهاء أخف مع الاستغناء بدلالة الإضافة. ¬
وكان الأصمعي يؤثر ترك (¬1) الهاء في الزوجة، ويرى أن أكثر كلام العرب عليه. والكسائي على خلاف ذلك (¬2)، والاختيار ما قاله الأصمعي، لأن القرآن كله عليه (¬3). والمراد بقوله: {الْجَنَّةَ} جنة الخلد من قبل أن التعريف فيها بالألف واللام يجعلها كالعلم على جنة الخلد، فلا يجوز العدول عنها بغير دلالة، ألا ترى أنك لو قلت: نسأل الله الجنة، لم يكن ذلك إلا جنة الخلد (¬4). وقوله تعالى: {وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا} (¬5). (الرّغَد) و (الرَّغْد): سعة المعيشة، ¬
يقال: عيش رَغَدٌ ورَغْدٌ. ورَغِدَ عيشهم أي: اتسع (¬1)، قال (¬2) امرؤ القيس: بَيْنَما المَرْءُ تَرَاهُ نَاعِماً ... يَأْمَنُ الأحْدَاثَ فِي عَيْشٍ رَغَدْ (¬3) وقال ابن دريد: عيش رَاغِد ورَغَد ورَغِيد، والرَّغِيدَة: الزبدة، ويقال: أَرْغَد القوم إذا وقعوا في عيش رغد (¬4). الليث: (الرغد): أن يأكل ما شاء إذا شاء حيث شاء (¬5). وقوله تعالى: {حَيْثُ شِئْتُمَا}. (حيث) بني على الضم تشبيها بالغاية، نحو: (قبل) و (بعد) وذلك أنه منع الإضافة إلى الاسم المفرد كما منعت الغاية الإضافية، فبني لأجل الشبه على الضم بالغاية (¬6)، ونذكر الكلام في هذا بأبلغ من هذا الشرح عند قوله: {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ}. ¬
وقوله: {وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ}. قيل معناه: لا تقرباها بالأكل، لأن آدم عصى بالأكل منها، لا بأن قربها (¬1). وقيل: إن النهي عن الأكل داخل في قوله: {وَلَا تَقْرَبَا} فهو نهي بأبلغ لفظ يكون (¬2). وقيل: قربَ فلانٌ أهلَه قربانًا، أي [غشيها] (¬3) وما قرِبْتُ هذا الأمر ولا قَرَبتُه قُرْبَاناً وقُرْباً (¬4). و (الشجرة) في اللغة: ما لها ساق يبقى في الشتاء، و (النجم) ما ليس على ساق، ومنه قوله: {وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ} (¬5) [الرحمن: 6]. وسميت شجرة لتشابك أغصانها (¬6)، وتداخل بعضها في بعض، والشجرة تعم النخلة والتينة والكرمة وغيرها (¬7)، واليقطين قد سمي شجراً في قوله: {وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ} [الصافات: 146]. ¬
قال الحسين بن الفضل: إن آدم نهي عن أكل الشجرة فعصى بذوقها، وهو دون الأكل، فدل على أن الذي نهي عن شرب المسكر يعصي بشرب اليسير منه قدر ما يقع عليه اسم الذوق. واختلفوا في الشجرة التي نهي آدم عنها، فقال ابن عباس، وعطية، ووهب، وقتادة: إنها السنبلة، قال وهب: وكانت الحبة منها ككلية البقر، ألين من الزبد، وأحلى من العسل (¬1). وقال ابن مسعود والسدي: هي الكرم (¬2). وقال ابن جريج (¬3): إنها التين (¬4). وقال محمد بن (¬5) جرير والحسين بن الفضل: إن الله سبحانه أخبر أنه نهى آدم عن أكل شجرة ما، ولم ينصب لنا دلالة عليها بعينها، فنحن نعلم ¬
أنه كان منهياً عن أكل شجرة ما، وليس علينا من الجهل بتفصيله شيء (¬1). واختلفوا في كيفية أكل آدم من الشجرة. فقال بعضهم: [انهى] (¬2) نهي عن جنس من الشجرة، ونص له على واحد بعينه، فتأول أن التحريم في واحدة بعينها فأكل من جنسها (¬3). وقال بعضهم: إنه نسي الوجوب وحمل النهي فيه على التنزيه، وإن كان فيه ما يدل على أنه للتحريم، وهو اقترانه بذكر الوعيد في قوله: {فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ} (¬4). وكان سعيد بن المسيب يحلف بالله ما يستثني ما أكل آدم من الشجرة وهو يعقل، ولكن حواء سقته الخمر حتى إذا سكر قادته إليها، فأكل (¬5). ورُدّ هذا على سعيد بأن قيل: لو كان الأمر على ما وصف لم يكن عاصياً، والله تعالى، أخبر عنه بالعصيان (¬6)، ¬
وفي الجملة كان ذلك الأكل معصية من آدم، ولكنه كان قبل النبوة. وقوله تعالى: {فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ}. قال الفراء: إن شئت جعلت (فتكونا) جواباً نصباً، لأنه جواب النهي بالفاء. وإن شئت عطفته على أول الكلام، فكان جزماً مثل قول امرئ القيس (¬1): فَقُلْتُ لَهُ صَوِّب ولا تُجْهِدَنَّه ... فَيُذْرِكَ (¬2) مِنْ أُخْرى القَطَاةِ فَتزْلَقِ (¬3) ¬
فجزم (¬1)، ومعناه: كأنه تكرير النهي. ومعنى الفاء والنصب جزاء (¬2)، أي لا تفعل هذا فيفعل بك، فلما عطف حرف على غير ما يشاكله، وكان في أوله حادث لا يصلح في الثاني نصب (¬3). وقال الزجاج: إنما نصب بإضمار (أن) (¬4). ومثله (¬5) مما نصب بالفاء قوله: {وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ} [طه: 81] {لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ} [طه: 61]، (¬6). وما كان من نهي (¬7) ففيه الوجهان، ولا يجوز الرفع إلا أن تريد الاستئناف ولا تجعله جواباً، كقولك: لا تركبْ إلى فلان ¬
فيركبُ إليك، يريد (¬1) لا تركب إليه فإنه سيركب إليك. قال الأعشى (¬2): ألمْ تَسْأَلِ الرَّبْعَ القَدِيَم فَيَنْطِقُ ... وهَلْ تُخْبِرَنْكَ اليَومَ بَيْدَاءُ سَمْلَقُ (¬3) أراد ألم تسأل الربع، فإنه يخبرك عن أهله (¬4). وقوله تعالى: {مِنَ الظَّالِمِينَ}. يقال: ظَلَمَه يَظْلِمُه ظُلمًا، فالظلم مصدر حقيقي، والظلم الاسم يقوم مقام المصدر. ومن أمثال (¬5) العرب: (من أشبه أباه فما ظلم). قال الأصمعي: أي ما وضع الشبه غير موضعه (¬6). ¬
وقال أحمد بن يحيى وأبو الهيثم: يقال: ظلمت السّقاء، وظلمت اللبن إذا شربته أو سقيته قبل إدراكه وإخراج زبدته (¬1). وقال ابن السكيت: ظلمت وطبي (¬2) للقوم بهذا المعنى (¬3). قال أبو عبيد: ويقال لذلك اللبن المظلوم والظليم (¬4)، وأنشد شمر: وقَائِلةٍ ظَلَمْتُ لَكُمْ سِقَائِي ... وهَلْ يَخْفَى عَلَى العَكِدِ الظَّليِمُ (¬5) وقال الفراء: ظلم الوادي إذا بلغ الماء منه موضعاً لم يكن ناله فيما خلا، وأنشد: يَكَاد يَطْلُعُ ظُلْماً ثُمَّ يَمْنَعُه ... عَنِ الشَّوَاهِقِ فَالوَادِي بِهِ شَرِقُ (¬6) قال: ويقال: هو أظلم من حية، لأنها تأتي الجحر لم تحفره ¬
فتسكنه (¬1). وقال ابن السكيت في قول النابغة: والنُّؤْيُ كَالحَوْضِ بِالمظْلُومَةِ الجَلَدِ (¬2) يعني بالمظلومة أرضاً في برية حوّضوا فيها حوضاً سقوا فيه إبلهم، وليست بموضوع تحويض. قال: وأصل الظلم، وضع الشيء غير (¬3) موضعه، قال: ومنه قول ابن مقبل: هُرْتُ الشَّقَاشِقِ ظَلَّامُونَ للجُزُرِ (¬4) ¬
وظلم الجزور أنهم نحروها من غير مرض، فوضعوا النحر في غير موضعه (¬1). وقول زهير: ... وَيُظْلَمُ أَحْيَاناً فَيَنْظَلِمُ (¬2) أي يطلب منه في غير موضع الطلب (¬3). ومعنى قوله: {فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ} أي من العاصين الذين وضعوا الأمر غير موضعه (¬4). والعاصي ظالم لوضعه أمر الله في غير موضعه، ووضعه المعصية حيث يجب أن يطيع. وقال بعضهم: معنى (¬5) قوله: {فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ} أي (¬6): الباخسين ¬
36
حقوقكما (¬1)، والظلم قد يكون بمعنى بخس الحق (¬2)، قال الله تعالى: {آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا} [الكهف: 33] أي: لم تنقص. ومنه يقال: ظلمه حقه، أي: نقصه (¬3). وقال الفراء في قوله تعالى: {وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} (¬4) أي: ما نقصونا شيئاً بما فعلوا ولكن نقصوا حظ أنفسهم (¬5). 36 - وقوله تعالى: {فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا} الآية. قال أبو علي الفارسي (¬6): {فَأَزَلَّهُمَا} يحتمل تأويلين: أحدهما: كسبهما الزلة (¬7) وحملهما عليها. والآخر: أن يكون (أزل) من (زلّ) الذي يراد به عثر (¬8). فالدلالة (¬9) على الوجه الأول ما جاء في التنزيل من تزيينه لهما (¬10) تناوُلَ ما حظر عليهما جنسه، بقوله: {مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ} ¬
[الأعراف: 20] الآية. وقد نسب كسب الإنسان الزلة إلى الشيطان (¬1)، كقوله تعالى: {إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ} [آل عمران: 155]، و (استزلّ) و (أزلَّ) واحد، كقولهم: استجاب وأجاب، واستخلف لأهله وأخلف، فكما (¬2) أن استزلهم من الزلة، والمعنى فيه كسبهم الزلة، وكذلك قوله: {فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ} (¬3). وقوله تعالى: {عَنْهَا} على هذا التأويل يكون بمعنى (عليها) والكناية تعود إلى (الزلة) (¬4) وإن لم يجر لها ذكر، لأن المصدر والاسم يدل عليهما الفعل، فقوله: (أزلهما) يدل على: (الزلة) فكان معناه حملهما (¬5) على الزلة، ويجوز أن يقع (¬6) (عن) موقع (على) و (على) موقع (عن) (¬7). ¬
قال ذو الإصبع: لَاهِ ابن عَمِّكَ (¬1) مَا أَفْضَلْتَ فِي حَسَبٍ ... عَنِّي وَلَا أَنْتَ دَيَّانِي فَتَخْزُونِي (¬2) (عني) معنى (عليّ). [وقال آخر، فجعل (علي) بمعنى: (عني)] (¬3): إِذَا رَضِيَتْ عَليّ بَنُو قُشَيْرٍ ... لَعَمْرُ اللهِ أَعْجَبَنِي رِضَاهَا (¬4) والوجه الآخر (¬5): أن يكون (أزلهما) من زل عن المكان إذا عثر ولم يثبت عليه، يقال: زلت قدمه زَلَلاً وزَليِلًا، إذا لم تثبت (¬6) قال لبيد: ¬
لَوْ يَقُومُ الفِيلُ أَوْ فَيَّالُهُ ... زَلَّ عَنْ مِثْلِ مَقَاسِي وَزَحَل (¬1) ويدل على هذا التأويل قوله تعالى: {فَأَخْرَجَهُمَا} فَكما أن خروجه عن الموضع الذي كان فيه انتقال منه إلى غيره، كذلك عثاره فيه وزليله (¬2). وقرأ حمزة: (فأزالهما) (¬3). وحجته أن قوله: {اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ} [البقرة: 35] أمر لهما بالثبات، وتأويله: (اثبتا) فثبتا، فأزالهما الشيطان، فقابل الثبات بالزوال الذي هو خلافه. وفي الآية على هذا التقدير إضمار، كقوله: {أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ} [الشعراء:63] أي: فضرب فانفلق، ومثله: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ} [البقرة: 196]، أي: فحلق ففدية. ونُسب الفعل إلى الشيطان، لأن زوالهما عنها إنما كان بتزيينه وتسويله فلما كان ذلك منه بسبب، أسند الفعل إليه، كقوله: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} [الأنفال: 17] لما كان الرمي بتقوية الله وإرادته وخلقه نسبه إلى نفسه. ومما يقوي هذه القراءة قوله: {فَأَخْرَجَهُمَا} وأخرجهما في المعنى قريب من (فأزالهما) (¬4). ¬
فإن قيل: على هذه القراءة يكون قوله: {فَأَخْرَجَهُمَا} تكريرا (¬1)؟ قيل: إنه (¬2) لا يكون تكريراً لا فائدة فيه، ألا ترى أنه يجوز أن يزيلهما عن مواضعهما ولا يخرجهما مما كانا فيه من الرغد والرفاهية، وإذا كان كذلك لم يكن تكريرا غير مفيد، على أن التكرير في مثل هذا الموضع لتفخيم القصة ليس بمكروه بل هو مستحب، كقول القائل: أزلت نعمته وأخرجته من ملكه، غلظت عقوبته (¬3). وقوله تعالى: {مِمَّا كَانَا فِيهِ}. أي: من الطاعة إلى المعصية. وقيل: من الرتبة والمنزلة (¬4). وقيل: من الرفاهية ولين العيش (¬5). واختلفوا في كيفية وسوسة إبليس ووصوله (¬6) إلى آدم: فقال الأكثرون ومنهم ابن عباس ووهب: إن الحية أدخلت إبليس الجنة (¬7) حتى قال لآدم {هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى} [طه: 120]، فأبى أن يقبل منه، فقاسمهما بالله إنه لهما لمن الناصحين، فاغترّا (¬8) وما كانا يظنان أنّ أحداً ¬
يحلف بالله كاذبًا، فبادرت حواء إلى أكل الشجرة ثم ناولت آدم حتى أكلها (¬1). وقال الحسن: إنما رآهما على باب الجنة لأنهما كانا يخرجان من الجنة (¬2). ¬
وقوله تعالى: {وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ}. (الهبوط) النزول من علو إلى سفل، وهو ضد الصعود (¬1)، وهو خطاب لآدم، وحواء، والحية، وإبليس (¬2) على قول من يقول: إن إبليس أدخلته الحية الجنة (¬3). وقال أبو إسحاق: كان إبليس أهبط أولاً، لأنه قال: {فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ} [الحجر: 34]، وأهبط آدم وحواء بعد ذلك، فجمع الخبر للنبي -عليه [الصلاة] (¬4) والسلام لأنهم اجتمعوا في الهبوط وإن اختلف بهم الوقت (¬5). وقال ابن الأنباري: مذهب الفراء أن {اهْبِطُوا} خطاب لآدم وحواء وذريتهما لأن الأب يدل على الذرية إذ كانوا منه (¬6). وقيل: إنه خطاب لآم وحواء. والعرب تخاطب الاثنين بالجمع، لأن التثنية أول الجمع، ومثله من التنزيل قوله: {وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ} [الأنبياء:78]، يريد حكم داود وسليمان، وقوله: {فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ} ¬
[النساء:11]، أراد أخوين (¬1). وقوله تعالى: {بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ}. بعض الشيء طائفة منه (¬2). وأنكر الأصمعي وأبو حاتم إدخال (الألف واللام) في بعض وكل وقالا: إنهما معرفتان بغير الألف واللام، [والعرب لا تدخل فيهما الألف واللام] (¬3)، قال الله تعالى: {وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ} [النمل: 87] (¬4). والنحويون مجمعون على جواز إدخال الألف واللام عليهما (¬5). وسنذكر ما قيل في (بعض) عند قوله {يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ} [غافر: 28] إن شاء الله. و (العدو) اسم جامع للواحد والجميع وللذكر والأنثى، إذا جعلته في مذهب الاسم والمصدر فإن جعلته نعتاً محضاً ثنيت وجمعت وأنثت (¬6). ¬
ومنه قول عمر لنساء النبي صلى الله عليه وسلم: (أي عدوات أنفسهن) (¬1). قال المفسرون: وأراد بهذه العداوة التي بين آدم وحواء والحية، وبين ذرية آدم من المؤمنين وبين إبليس، فإبليس عدو المؤمنين من ولد آدم، وعداوته لهم كفر، والمؤمنون (¬2) أعداء إبليس، وعداوتهم له إيمان (¬3). وروى سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه (¬4) سئل عن قتل الحيات، فقال: "خلقتهن (¬5) والإنسان كل واحد منهما عدو لصاحبه، إن رآها أفزعته، وإن لدغته أوجعته فاقتلها حيث وجدتها" (¬6). ¬
وروى ابن عجلان عن أبيه، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ما سالمناهن (¬1) منذ حاربناهن، فمن ترك شيئا منهن خيفةً فليس منا" (¬2) وأراد النبي صلى الله عليه وسلم بالمحاربة قصة آدم وإدخالها إبليس الجنة (¬3). وقوله تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ}. موضع قرار أحياءً وأمواتاً (¬4). ¬
(ومتاع) المتاع: ما تمتعت به، أي شيء كان، فكل ما حصل التمتع به فهو متاع من زينة أو لذة أو عمر أو مال (¬1). ومعنى التمتع: التلذذ (¬2)، والمتعة أيضا من (¬3) المتاع، وجمعها مُتعَ (¬4). قال الأعشى: حَتَّى إِذَا ذَرَّ قَرْنُ الشَّمْسِ صَبَّحهَا ... زَوَالُ نَبْهَانَ يَبْغِي أَهْلَهُ مُتَعَا (¬5) أي يبغيهم صيداً يتمتعون به، ويأتي الكلام في متعة المطلقة (¬6) ومتعة الحج (¬7) مستقصى إن شاء الله. ¬
قال المفسرون: قلنا (¬1) في الأرض متاع من حيث الاستقرار عليها، والاغتذاء بما تنبتها (¬2) من الثمار والأقوات (¬3). وقوله تعالى: {إِلَى حِينٍ}. (الحين) وقت من الزمان، يصلح للأوقات كلها طالت أو قصرت (¬4)، ويجمع على (الأحيان) ثم يجمع (الأحيان) أحايين (¬5). قال الليث: وَحيَّنْتَ الشيء، جعلته له حِينًا (¬6). والمراد بالحين هاهنا فيما ذكره أهل التفسير: (حين الموت) (¬7). وقيل: إلى قيام الساعة (¬8). وإنما قال (¬9): (إلى حين) إشارة إلى أن الدنيا دار زوال (¬10). ¬
37
37 - قوله تعالى: {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ} الآية. (التلقي) في اللغة معناه: الاستقبال، [منه الحديث: (أنه نهى عن تلقي الركبان (¬1) قالوا: معناه: الاستقبال (¬2)]. والليث يقول: خرجنا نتلقى الحاج، أي نستقبلهم (¬3). وفي حديث آخر "لا تتلقوا الركبان والأجلاب" (¬4). وهذا معنى التلقي في اللغة (¬5)، وأصله ¬
أنه (تَفَعُّل) (¬1) من اللقاء، فالتلقي معناه: التعرض للقاء الشيء، ولما كان الاستقبال للشيء تعرض للقائه قيل له: (تلقٍّ) (¬2). ويقال لَقَّيْتُه الشيء فَتَلَقَّى، أي عرضته لأن يراه فتعرض له، فَلَقَّيْتُه من (لقى) مثل: رَأيْتُه من (يري)، ومنه قوله تعالى: {وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا} [فصلت: 35] ثم صار التلقي بمعنى الأخذ، لأن الإنسان إنما يستقبل ما يحرص عليه، فكل كلام استقبلته فأنت مريد أخذه، وإلا أعرضت عنه (¬3). وجميع أهل اللغة والمعاني فسروا (التلقي) هاهنا بالأخذ والقبول (¬4)، ومنه الحديث: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتلقى الوحي من جبريل) (¬5) أي يتقبله ويأخذه (¬6). ¬
الأصمعي: تلقت الرحم ماء الفحل، إذا قبلته وارْتَجَّت عليه (¬1). فمعنى قوله تعالى {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ} أي: أخذها عنه وتلقنها (¬2). والرجل يُلَقَّى الكلام فيتلقاه، أي يُلَقَّنه فَيَتَلقَّنه (¬3). وبعض الناس يقولون: تلقى هاهنا: تلقن فجعل النون (ياء) كما قالوا تَظَنَّى من الظن (¬4)، وذلك غلط لأن النون إنما يجوز إبدالها بالياء إذا اجتمع نونان، وكذلك هذا الباب إذا اجتمع حرفان من جنس واحد جاز إبدال الثاني بالياء. كقول العجاج: تَقَضِّي البَازِي إِذَا (¬5) البَازِي كَسَره (¬6) بمعنى تقضض، فأما إذا لم يجتمع (¬7) حرفان، فلا يجوز الإبدال، لا يجوز أن تقول: تقبى بمعنى تقبل، وهذا ظاهر (¬8). وتفسير التلقي (¬9) بالتلقن ¬
جائز صحيح (¬1) كما بينا، فأما أن يكون التلقي من لفظ التلقن فلا. و (الكلمات): جمع الكلمة، والكلمة تقع على الكثير والقليل، وتقع على الحرف الواحد من الهجاء. قال ابن الأعرابي: يقال: لفلان كلمة شاعرة، أي: قصيدة، وقالوا (¬2): قال امرؤ القيس في كلمته أي: قصيدته، وقال قس (¬3) في قصدته، يعنون خطبته (¬4). وتجمع (الكلمة)، (كَلِمًا) (¬5)، قال رؤبة (¬6): لَا يَسْمَعُ (¬7) الرَّكْبُ بها رَجْعَ الكِلَم (¬8) وتميم تقول: (كِلْمَة)، وفي الجمع (كِلَم). وأما استعمال الكلمة في القليل فإن سيبويه [قد أوقعها على الاسم المفرد، والفعل المفرد، والحرف المفرد، فأما الكلام فإن سيبويه] (¬9) ¬
استعمله فيما كان مؤلفًا من هذه الكَلِم (¬1)، فالحرف الواحد لا يكون كلامًا، ولهذا لا يقطع (¬2) الحرف الواحد الصلاة. واختلف القراء في هذه الآية، فقرأ ابن كثير (آدم) بالنصب، (كلمات) بالرفع (¬3)، وحجته في ذلك: أن الأفعال المتعدية إلى المفعول به على ثلاثة أضرب، منها: ما يجوز أن يكون الفاعل له مفعولا به، ويجوز أن يكون المفعول به فاعلا له (¬4) نحو اكْرَمَ بِشْرٌ بكرا، وشتم زيد عمرًا، وضرب عبد الله زيدًا. ومنها: ما لا يكون [فيه] (¬5) المفعول فاعلًا له، نحو: دققت الثوب، وأكلت الخبز. ومنها: ما يكون إسناده إلى الفاعل في المعنى كإسناده إلى المفعول به، [وذلك] (¬6) نحو: أَصَبْت (¬7) وَنِلْت وتَلَقَّيْتُ، تقول: نالني خير (¬8) ونلت خيراً، وأصابني خير وأصبت خيراً. قال الله تعالى: {لَا يَنَالُ عَهْدِي ¬
الظَّالِمِينَ} [البقرة: 124] وفي قراءة عبد الله (¬1) {الظَّالِمُونَ} (¬2). وتقول: لقيت زيدا، وتلقاني وتلقيته، قال: إِذَا أَنْتَ لَمْ تُعْرِضْ عَنِ الفُحْشِ واْلخَنَا ... أَصَبْتَ حَلِيمًا أَوْ أَصَابَكَ جَاهِلُ (¬3) قال الله تعالى: {وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ} (¬4) [آل عمران: 40] وقال: {وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا}، [مريم:8] وإذا كانت معاني هذه الأفعال على ما ذكرنا (¬5)، فنصب ابن كثير (آدم) ورفعه (الكلمات) في المعنى (¬6) كقول من رفع (آدم) ونصب الكلمات (¬7)، وحجة من رفع (آدم) ونصب ¬
(الكلمات) (¬1) قوله (¬2): {إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ} [النور: 15]، فأسند الفعل إلى المخاطبين، والمفعول به كلام يُتَلَقَّى (¬3)، كما أن الذي تَلَقَّى آدم كلام يتلقى، فكما أسند الفعل إلى المخاطبين، فجعل التلقي لهم، كذلك يلزم أن يسند الفعل إلى آدم، فيجعل التلقي له (¬4) دون الكلمات (¬5). ومعنى التلقي للكلمات هو أن الله تعالى ألهم (¬6) آدم حتى اعترف بذنبه، وقال: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا} الآية [الأعراف: 23]، فهذه الآية هي المعنية بالكلمات في قول الحسن، وسعيد بن جبير، ومجاهد (¬7)، وأخذ آدم ¬
من الله إلهامه إياه، حتى أخذ بإلهامه. وقال ابن عباس: الكلمات هي: أن آدم قال: يا رب ألم تخلقني بيدك؟ قال: بلى، قال: ألم تنفخ فيّ من روحك؟ قال: بلى، قال: ألم تسبق رحمتك لي غضبك؟ قال: بلى، قال ألم تسكني جنتك؟ قال: بلى، قال: فلم أخرجتني منها؟ قال: بشؤم معصيتك، قال يا رب أرأيت إن تبت وأصلحت أراجعي أنت إلى الجنة؟ قال: نعم قال: فهو الكلمات (¬1). قال أبو إسحاق: وفي الآية تعريف للمذنب، كف السبيل إلى التنصل من الذنوب، وأنه لا ينفع إلا الاعتراف (¬2). ¬
وسئل بعض السلف عما يقوله المذنب، فقال: يقول ما قال أبوه: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا} [الأعراف: 23] وما قاله (¬1) موسى: {ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي} [القصص: 16] وما قاله (¬2) يونس: {لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} (¬3) [الأنبياء: 87]، وما قالته الملكة: {إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ} [النمل: 44] (¬4). وقوله تعالى: {فَتَابَ عَلَيْهِ}. معنى التوبة في اللغة: الرجوع. وفي الشريعة: رجوع العبد من المعصية إلى الطاعة (¬5)، فالعبد يتوب إلى الله والله يتوب عليه، أي يرجع عليه (¬6) بالمغفرة، [والعبد تواب إلى الله أي راجع إليه بالندم، والله تواب يعود عليه بالكرم] (¬7) والعبد تواب إلى الله بالسؤال، والله تواب عليه بالنوال (¬8). فمعنى قوله: {فَتَابَ عَلَيْهِ} أي عاد عليه بالمغفرة (¬9)، ولا يحتاج إلى ¬
38
ذكر المغفرة، لأن هذا اللفظ وضع لرجوع العبد إلى الله بالطاعة والندم ورجوع الله عليه بالعفو والمغفرة، وكما لا يحتاج (¬1) إذا قلت: تاب الله عليه، أن تقول بالندم أو بالطاعة، فكذلك لا تحتاج في قولك: (تاب الله عليه) إلى شيء آخر (¬2). وقوله تعالى: {إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} (¬3). أي يتوب على عبده بفضله إذا تاب إليه من ذنبه. 38 - وقوله تعالى: {قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا} الآية. إعادة الأمر بالهبوط يحتمل وجهين، أحدهما: أنه أراد بالأول هبوطاً من الجنة إلى السماء. وبالثاني هبوطًا من السماء إلى الأرض (¬4)، والثاني: أنه كرر للتأكيد (¬5). ¬
وقوله تعالى: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ}. قال أبو إسحاق (¬1): (إما) في [هذا] (¬2) الموضع بمعنى حرف الشرط والجزاء، إلا أن الجزاء إذا جاء معها (¬3) (النون الثقيلة) لزمتها (ما) (¬4) وإنما يلزمها لأجل التأكيد، وكذلك دخل (النون) في الشرط لأجل التأكيد. وجواب الجزاء في (الفاء) مع الشرط الثاني وجوابه، وهما جملة جواب للشرط في (إما) (¬5). فعلى هذا أصل (إما) (إن) التي للشرط، ألحق بها ¬
(ما) (¬1) التأكيد (¬2). قال أبو بكر بن السراج: الشرط وجوابه نظير المبتدأ والخبر، إذ كان الشرط لا يتم إلا بجوابه، ولك أن تجعل خبر المبتدأ جملة، هي أيضا مبتدأ وخبر، نحو قولك: (زيد أبوه منطلق) كذلك في الشرط (¬3) لك أن تجيبه بجملة (¬4) هي جزاء وجواب، نحو قولك: (إن تأتني فمن يكرمني أكرمه) كذلك قوله: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى} لآية (¬5). وهذا الذي ذكره ابن السراج بيان ما أجمله أبو إسحاق. قال أبو علي (¬6): قول أبي إسحاق: (الجزاء إذا جاء في الفعل معه النون الثقيلة أو (¬7) الخفيفة لزمه (ما) (¬8) يوهم (¬9) أن (ما) لزم لدخول (النون)، وأن سبب لحاق (ما) لحاق (النون). والأمر بعكس ذلك وخلافه، لأن السبب الذي دخلت (النون) الشرط ¬
في قوله: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ} و {فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا} [مريم: 26]، {وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ} [الإسراء: 28] ونحو ذلك عند النحويين إنما هو لحاق (ما) أول الفعل بعد (إن) فلذلك صار موضعا للنونين (¬1)، بعد أن لم يكن لهما موضعا. وإنما كان كذلك عند سيبويه (¬2) وأصحابه لمشابهة فعل الشرط، بلحاق (ما) به بعد (إن)، الفعل المقسم عليه. وجهة المشابهة: أن (ما) (¬3) حرف تأكيد كما أن (اللام) (¬4) تكون تأكيداً، والفعل وقع بعد (ما) كما (¬5) وقع في القسم بعد (اللام). فلما شابهت (اللام) في ذلك، لزم الفعل مع (ما) (¬6) في الشرط (النون)، كما لزمته (¬7) في (ليفعلن)، فسبب (¬8) لحاق (النون) دخول (ما) على ما يذهب إليه النحويون (¬9). قال أبو إسحاق: وفتح ما قبل النون {يَأْتِيَنَّكُمْ} ¬
لسكونه (¬1)، وسكون النون الأولى. قال أبو علي: لا يخلو (¬2) حركة (الياء) بالفتح من أن يكون لالتقاء الساكنين، كما ذكر أبو إسحاق، أو يكون حركة بنى الفعل عليها، لانضمام الحرف إليه. فلو كانت الحركة بالفتح لالتقاء الساكنين في {يَأْتِيَنَّكُمْ} ونحوه لما حرك به في (هل تضربن) (¬3) و (هل تذهبن) (¬4) ونحوه من الصحيح. ألا ترى أن الساكنين لا يلتقيان في هذا كما يلتقيان في المعتل، والتحرك بالفتح مع (¬5) ذلك لازم له، ولو كانت الحركة لالتقاء الساكنين ما لزمت هنا. وفي تحرك هذا الضرب بالفتح أعني: (الصحيح) (¬6) ما يدل على أن المتحرك بالفتح في: {يَأْتِيَنَّكُمْ} ونحوه للبناء، دون التقاء الساكنين، فثبت ¬
بهذا فساد قوله. ويدل أيضًا على فساد قولِه قولُهم: (قُولَنَّ) و (بيعنَّ) ولا تخلو (¬1) اللام في: (قولن) من أن تكون (¬2) محركة لالتقاء الساكنين [أو لبناء الفعل مع الحرف بالفتح، فالذي يفسد القول بأنها محركة لالتقاء (¬3) الساكنين] (¬4) ردك العين في: (قولن) و (بيعنَّ)، ألا ترى أن (اللام لو كانت حركتها (¬5) للساكنين لم يلزم رد العين، كما أن حركتها لما كانت في: (قل الحق) و (بع الثوب) لالتقاء الساكنين لم يلزم رد العين فيه، فردنا للعين (¬6) في: (قولن) ونحوه وحذفنا لها في: (قل الحق) دليل بَيِّن أن الحركة في (قولن) لبناء الفعل مع الحرف على الفتح، إذ لو كانت لالتقاء الساكنين ما رُدَّت العين كما لم ترد في (قل الحق) (¬7)، وإنما لم ترد في (قل الحق) (¬8) لأن النية بحركتها السكون، وما تحرك لها من الساكن الثاني غير لازم (¬9). ¬
ومعنى قوله: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى} أي: فإن يأتكم مني شريعة ورسول وبيان ودعوة (¬1). {فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ} أي: قبل أمري واتبع ما آمر به، فلا خوف عليه في الآخرة ولا حزن (¬2). والخطاب لآدم وحواء وذريتهما (¬3)، أعلمهم أنه يبتليهم بالطاعة ويجازيهم بالجنة عليها، وبالنار على تركها، وأن هذا الابتلاء وقع عند الهبوط إلى الأرض (¬4). وقوله تعالى: {هُدَايَ} فتحت (الياء) فيه (¬5)، لأنها أتت بعد ساكن، وأصلها الحركة التي هي الفتح، والأصل أن تقول: (غلامي) فتفتح (¬6) (الياء)، لأنها حرف في موضع اسم مضمر (¬7) منع الإعراب فألزم الحركة، ¬
كما ذكرنا في قوله: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 30] فيمن (¬1) فتح (الياء). وحذف الحركة (¬2) جائز لأن (الياء) من حروف المد واللين، وفي {هُدَايَ} سكن ما قبلها، ولم (¬3) يكن بد من تحريكها، فجعل حظها ما كان لها في الأصل من الحركة وهو الفتح (¬4). وروى ابن الأنباري أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ {فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ} قال (¬5): وهي لغة طيئ (¬6)، يقولون: هذه عصيَّ ورحَيَّ (¬7). وقرأ ابن أبي إسحاق (¬8): {هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا} (¬9) [طه: 18] وقال أبو ذؤيب: ¬
تَرَكُوا هَوَيَّ وَأَعْنَقُوا لِهَواهُمُ ... فَتُخُرِّمُوا وَلِكُلِّ جَنْبٍ مَصْرَعُ (¬1) وقال آخر (¬2): يُطَوَّفُ بِي عِكَبٌّ (¬3) فِي مَعَدٍّ ... وَيَطْعَنُ بِالصُّمُلَّةِ فِي قَفَيَّا فَإِنْ لَمْ تَثْأَرُوا لِي مِنْ عِكَبٍّ ... فَلَا أَرْوَيْتُم أبَدًا صَدَيَّا (¬4) وقال أبو دواد (¬5): ¬
39
فَأَبْلُونِي بَلِيَّتكُم (¬1) لَعَلِّي ... أُصالِحُكُم وأَسْتَدْرِجْ نَوَيَّا (¬2) قال الفراء: وإنما فعلت طيئ هذا لأن العرب اعتادت كسر ما قبل (ياء) (¬3) الإضافة نحو قولهم: (غلامِيَ) و (دارِيَ) فلما قالوا: (رحاي) (¬4) و (عصاي) طلبوا من الألف ذلك الكسر فقلبوها (ياء) وأدغموها في (ياء) الإضافة، فجعلوا بدل كسرة ما قبل (ياء) الإضافة قلب الألف (ياء)، إذ (¬5) كانت الألف لا يكسر (¬6) ما قبلها، ولا تكسر هي (¬7). 39 - وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا} الآية. الآيات جمع آية، ومعنى الآية في اللغة: العلامة (¬8)، ومنه قوله: {تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا ¬
وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ} [المائدة: 114] أي علامة منك لإجابتك دعاءنا، فكل آية من الكتاب علامة ودلالة على المضمون فيها. وقال أبو عبيدة: معنى الآية: أنها علامة لانقطاع الكلام الذي قبلها، وانقطاعه من الذي بعدها (¬1). ثعلب عن ابن الأعرابي: الآية العلامة (¬2). الليث: الآية العلامة، والآية من آيات القرآن، والجميع: الآي (¬3)، ولم يزد على هذا. فالآية بمعنى العلامة في اللغة صحيحة (¬4). قال الأحوص (¬5): أَمِنْ رَسْمِ آيَاتٍ عَفَوْنَ وَمَنْزِلٍ ... قَدِيمٍ تُعَفِّيهِ (¬6) الأَعاَصِيرُ مُحْوِلِ (¬7) ¬
قال ابن السكيت (¬1) وحكاه لنا أبو عمرو (¬2) يقال (¬3): خرج القوم بآيتهم، أي بجماعتهم، لم يدعوا وراءهم شيئا (¬4)، وقال بُرْج بن مُسْهِر (¬5): خَرَجْنَا مِنَ النَّقْبَيْنِ لَا حَيَّ مْثِلُنَا ... بآِيَتِناَ نُزْجِي اللِّقَاحَ المطَافِلاَ (¬6) معناه: خرجنا بجماعتنا. فعلى هذا القول معنى الآية من كتاب الله جماعة حروف دالة على معنى مخصوص (¬7). وبعض أصحابنا (¬8) يجوّز على هذا القول أن يسمَّى أقل من الآية آية، ¬
لولا أن التوقيف ورد بما هي الآن معدودة آيات (¬1). قال ابن الأنباري: وفي الآية قول ثالث: وهو أن تكون (¬2) سميت آية، لأنها عجب، وذلك أن قارئها إذا قرأها يستدل على مباينتها (¬3) كلام المخلوقين، ويعلم أن العالم يعجزون عن التكلم بمثلها، فتكون الآية العجب من قولهم: (فلان آية من الآيات) أي عجب من العجائب (¬4) فهذا هو القول في معنى الآية. فأما وزنها من (¬5) الفعل، فقال الفراء (¬6): إنما تركت العرب همز (ياء) آية، كما يهمزون كل (ياء) بعد الألف ساكنة نحو: قائل وغائب (¬7) وبابه، ¬
لأنها كانت فيما يرى (¬1) (أَيَّة) على وزن (فَعْلَة) فثقل عليهم التشديد فأبدلوه ألفا، لانفتاح ما قبل التشديد كما قالوا: أَيْمَا [في (أَمَّا)، وكما فعلوا بدينار وقيراط لما استثقلوا التشديد أبدلوا من الحرف الأول (ياء) لانكسار ما قبله. (¬2) وقال] (¬3) الكسائي: آية [وزنها (فَاعِلَة)، أصلها آيِيَة، فنقصت (¬4)]. الكسائي يقول: استثقلت الكسرة على الياء الأولى فسكنت، ثم حذفت لاجتماع الساكنين (¬5)، هذا معنى قوله: (فنقصت). قال الفراء: ولو كانت (آية) فَاعِلَة ما صغروها (¬6) أيَيَّة، لأن (فاعلة) تصغّر (فُوَيْعِلَة). فقال الكسائي: قد صغروا: عاتكة وفاطمة عُتَيكة وفُطَيْمة، فالآية مثلها. فقال الفراء: العرب لا تصغر (فاعلة) (فُعَيلة) إلا أن يكون اسماً في مذهب (فلانة) فيقولون هذه فُطَيْمة قد جاءت، إذا كان (¬7) اسمها (¬8)، فلو ¬
قلت: (هذه فَاطِمة ابنها) ثم صغرتها لم يجز الا فويطمة (¬1)، ومثل: (هذا صُلَيْح قد جاء)، لرجل اسمه صالح، ولو قال قائل: كيف بُنَيُّك (¬2)؟ قلت: صويلح ولم يجز صليح لأنه ليس باسم له. وكذلك رجل اسمه أسود يقول: هذا سويد [قد جاء، لأنه فلان، فإن كان نعتًا قلت: (أُسَيْد) و (أُسَيْوِيد) ولا يجوز هذا رجل سُوَيد] (¬3). والفرق بين الحالين أن في الاسم العلم روعي التخفيف [فصغر تصغير الترخيم] (¬4). وفي النعت صُغِّر على الأصل، فعلى قول الفراء آيات (¬5) وزنها (فَعْلات)، وعلى قول الكسائى وزنها (فَاعِلات) (¬6). ومعنى آيات الله في هذه الآية: دلائله، ويدخل فيها كتبه التي أنزلها على أنبيائه (¬7). فإن قيل: لم دخلت الفاء في سورة الحج: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ} (¬8) [الحج: 57]، وسقطت هاهنا؟ قيل: إنما دخل فيه "الفاء" من خبر الذي وأخواته مشبه (¬9) بالجزاء، ¬
40
وما لم يكن (¬1) فيه (الفاء) فعلى أصل الخبر مثال ذلك من الكلام أن تقول: (مالي فهو لك) [على أن يكون (ما) بمعنى (الذي) ولو أردت واحد الأموال لم يجز دخول الفاء، كما لا تقول: غلامي فهو لك، (¬2)، وهذه المسألة (¬3) يأتي بيانها في مواضع من هذا الكتاب إن شاء الله. 40 - قوله تعالى: {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ}. الكلام في (الابن) وأصله يذكر عند قوله: {يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ} (¬4). و (إسرائيل) هو يعقوب (¬5) عليه السلام ولا يتصرف لاجتماع العجمة والمعرفة (¬6)، وكل اسم اجتمعتا فيه وزاد على ثلاثة أحرف لم ينصرف عند أحد من النحويين (¬7). وذكر في التفسير وجوه في اشتقاق هذا الاسم (¬8)، والأصح عند أهل ¬
اللغة: أنه أعجمي لا اشتقاق له. وقوله تعالى: {اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ}. أراد نعمي (¬1)، فأوقع الواحد موقع الجماعة (¬2)، كقوله: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ} (¬3). وذلك أن الله تعالى فلق لهم البحر، وأنجاهم من فرعون، وظلل عليهم الغمام إلى سائر ما أنعم الله به عليهم (¬4)، وهو في قوله عز وجل: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ} الآية [المائدة: 20]. وأراد بقوله: {عَلَيْكُمْ} أي على آبائكم وأسلافكم، وجعلها عليهم لأن النعمة على آبائهم نعمة عليهم، ومثله في الكلام كثير، يفاخر الرجل الرجل فيقول هزمناكم يوم ذي قار، بمعنى (¬5): هزم آباؤنا آباءكم (¬6). قال الفرزدق: وَبَيْتَانِ: بَيْتُ اللهِ نَحْنُ وُلاَتُهُ ... وَبَيْتٌ بأعْلَى إِيلِيَاءَ مُشَرَّفُ (¬7) ¬
يريد أن آباءه في القديم كانوا يلونهما، لا أنه كان يليه. وقال آخر: إِذا افْتَخَرَتْ يَوْمًا تَمِيمٌ بِقَوْسِهَا (¬1) ... فَخَارًا عَلَى مَا أَطَّدَتْ مِنْ مَنَاقِبِ فَأَنْتُم بِذِي قَارٍ أَمَالَتْ سُيُوفُكُم ... عُرُوشَ الذِينَ اسْتَرْهَنُوا قَوْسَ حَاجِبِ (¬2) أراد آباؤكم فعلوا ذلك، لأن المخاطبين بهذا البيت كانوا بعد ذي قار بدهر طويل. فإن قيل: هذه النعم التي أنعم الله بها على اليهود هم (¬3) أبداً يذكرونها ويفخرون بها، فلم ذُكِّروا ما لم ينسوه؟ قيل: المراد بقوله: (اذكروا) اشكروا، وذكر النعمة شكرها، واذا لم يشكروها (¬4) حق شكرها، فكأنهم نسوها وإن أكثروا ذكرها (¬5). وقال ابن الأنباري: أراد اذكروا ما أنعمت عليكم (¬6) فيما استودعتكم ¬
من علم التوراة وبينت لكم من صفة محمد، وألزمتكم من تصديقه واتباعه (¬1)، فلما بعث - صلى الله عليه وسلم - ولم يتبعوه كانوا كالناسين لهذه النعمة (¬2). والأجود في {نِعْمَتِيَ الَّتِي} فتح الياء (¬3)، وكل (ياء) كانت من المتكلم ففيها (¬4) لغتان: الإرسال (¬5) والفتح، فإذا لقيها ألف (¬6) ولام اختارت العرب اللغة التي حركت فيها الياء، وكرهوا الأخرى، لأن اللام ساكنة (¬7) فلو لم يفتحوا لأشبه (¬8) أن تكون النعمة مجرورة على غير الإضافة (¬9)، فأخذوا بأوثق الوجهين وأبينهما (¬10)، لأنه أدل على الأصل وأشكل بما يلزم في ¬
الاستئناف من فتح ألف الوصل (¬1). وقد يجوز إسكانها مع الألف واللام أيضا كقوله: {يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ} [الزمر: 53] قرئ بإرسال (الياء) وبنصبها (¬2)، وإنما اختير الإرسال هاهنا لأن الاختيار ألا تثبت (¬3) (ياء) الإضافة في النداء نحو قولك: (يا غلام أقبل) وإذا لم تثبت لم يكن سبيل إلى التحريك. فأما قوله: {فَبَشِّرْ عِبَادِ (17) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ} [الزمر: 17، 18] الاختيار هاهنا الإرسال (¬4)، لأن (الياء) لا تثبت في الفواصل، وقوله: {فَبَشِّرْ عِبَادِ} آخر الآية (¬5). قال الزجاج: اختير فتح الياء مع اللام لالتقاء الساكنين، ويجوز أن تحذف (¬6) الياء في اللفظ لالتقاء الساكنين، والاختيار الفتح، فأما قوله: {أَخِي (30) اشْدُدْ} [طه: 30، 31] فلم يكثر القراء فتح هذه الياء (¬7)، وأكثرهم ¬
يفتحها مع الألف واللام، ولعمري إن لام المعرفة أكثر استعمالا، ولكني أقول: فتح الياء هاهنا كفتحه (¬1) مع اللام، لأن اجتماع الساكنين مع اللام وغيرها واحد. وقوله تعالى: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ}. أبو عبيد عن الكسائي وأبي عبيدة: وفيت بالعهد وأوفيت به سواء (¬2). وقال شمر: يقال: وَفَى وأَوفْى، فمن قال: (وَفَى) فإنه يقول تَمَّ، كقولك: وَفَى لنا فلان، أي: تَمَّ لنا قوله ولم يغدر، وَوَفَى هذا الطعامُ قفيزا (¬3) أى: تم. قال: ومن قال: (أَوْفَى) فمعناه: أوفاني حقه، أي: أتمه ولم ينقص منه شيئا، وكذلك أَوْفَى الكيل أي أتمه ولم ينقص منه شيئا (¬4). وقال أبو الهيثم فيما رد على شمر: الذي قال شمر (¬5) في (وَفَى) و (أَوْفَى): باطل، إنما يقال: أَوْفَيْت بالعهد ووفيت بالعهد، وكل شيء في كتاب الله من هذا ¬
فهو بالألف قال الله تعالى: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ} (¬1) [البقرة: 40] (¬2) وقال: {أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة: 1] (¬3). وقال الشاعر (¬4) في الجمع بين اللغتين: أَمَّا ابنُ طَوْقٍ فَقَدْ أَوْفَى بِذِمَّتِه ... كَمَا وَفَى بِقِلاَصِ النَّجْمِ حَادِيهَا (¬5) قال ابن عباس: هذا العهد هو أن الله عز وجل (¬6) عهد إليهم في التوراة أنه باعث نبيا يقال له: محمد، فمن تبعه كان له أجران اثنان، أجر باتباعه موسى وإيمانه بالتوراة، وأجر باتباعه محمدًا وإيمانه بالقرآن، ومن كفر به تكاملت أوزاره، وكانت النار جزاءه (¬7)، فقال الله جل وعز (¬8): أوفوا بعهدي في محمد، أوف بعهدكم وأدخلكم الجنة (¬9). ¬
وقوله تعالى: {وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ}. موضع (إياي) نصب بإضمار فعل (¬1) تفسيره (¬2) المذكور بعده (¬3) كأنه قيل: (إياي فارهبوا (¬4) فارهبون) ولكنه يستغني عنه بما يفسره فلا يظهر، وإن صح أنه مقدر، ولا يجوز أن يعمل فيه المذكور، لأنه مشغول بضمير (¬5). وحذفت (الياء) من {فَارْهَبُونِ} لأنها فاصلة أي رأس آية، ليكون النظم على لفظ متسق، وسمى أهل اللغة أواخر الآي الفواصل، وأواخِر الأبيات (¬6) القوافي (¬7). ومعناه: فخافوني في نقض العهد (¬8). ¬
41
41 - قوله تعالى: {وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ}. أي موافقًا للتوراة في التوحيد والنبوة (¬1)، وهو حال من الهاء المحذوفة من (أنزلت) كأنه قيل أنزلته مصدقا (¬2). و (¬3) قوله تعالى: {وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ}. قال الليث: الأول والأولى: بمنزلة (أَفْعَل) و (فُعْلَى)، وجمع الأول: أولون، وجمع أولى: أوليات. (¬4). قال الأزهري: وقد جمع (أَوَّل) على أُول، مثل أَكْبَر وكُبر، وكذلك الأُولَى، ومنهم من شدد الواو مجموعا من (أَوَّل) (¬5). واختلفوا في وزنه وتأليفه (¬6). فذكر الليث فيه وجهين: أحدهما: أن تأليفه من: (همزة) و (واو) و (لام)، وعلى هذا ينبغي أن يكون (أَفْعَل) منه (أَأْوَل) بهمزتين (¬7)، لأنك لو ¬
بنيت (¬1) (أَفْعَل) من (آب يؤوب) قلت: (أَأْوَب)، ثم قلبت إحدى (¬2) الهمزتين واوا، ثم أدغمت في الواو الأخرى (¬3)، وهذا الوجه اختيار الأزهري، قال: إنه (أَفْعَل) من: (آل يَؤول) و (أُولَى) فُعْلى منه، قال وأراه قول سيبويه (¬4)، وكأنه من قولهم: (آل يؤول) إذا نجا وسبق، ومثله: (وَأَل يئل) (¬5) بمعناه، فمعنى (الأول) السابق الذي هو الابتداء. الوجه الثاني (¬6): أن أصل تأسيسه: واوان ولام، وأدغم إحدى الواوين في الأخرى وشدد، والهمزة فيه ألف (أفعل) (¬7). وقال ابن دريد: (أَوَّل) فَوْعَل، قال: وكان في الأصل: (وَوْوَل) (¬8) ¬
فقلبت الواو الأولى همز وأدغمت إحدى الواوين في الأخرى، فقيل: أول (¬1). وقال المبرد في كتاب "المقتضب": أول يكون على ضربين: يكون اسماً، ويكون نعتاً [موصولاً به (من كذا). فأما كونه نعتاً] (¬2)، فكقولك: هذا رجل أوَّلُ منك مجيئاً، كما تقول أحسن منك وجهاً، وجاءني زيد أَوَّلَ من مجيئك، كما تقول: أسبق من مجيئك، وجئتك أَوَّلَ من أمس. وأما كونه اسماً فقولك: ما تركت أَوَّلاً ولا آخرًا كما تقول: ما تركت له قديماً ولا حديثاً، وعلى أي الوجهين سميت به رجلاً انصرف في النكره، لأنه في باب الأسماء بمنزلة (أَفْكَل)، وفي باب النعوت بمنزلة (أَحْمَر) (¬3). قال الفراء: ووحد الكافر، وقبله جمع، وذلك من كلام العرب فصيح جائز، إذا جاء في الاسم المشتق من الفعل كالفاعل والمفعول به، يريدون (¬4) به: ولا تكونوا أول من يكفر به، فيحذف (¬5) (من) ويقوم الاسم المشتق من الفعل مقامها (¬6)، فيؤدي عن مثل ما أدت (من) عنه من التأنيث والجمع، وهو ¬
في لفظ توحيد، ولا يجوز في مثله من الكلام: (أنتم أَفْضَلُ رجل)، ولا (أنتما خير رجل)؛ لأن الرجل يثني ويجمع ويفرد، فيعرف واحده من جمعه، واسم الفاعل قد يكون لـ (من) فيؤدي عنه (¬1)، وهو موحد، ألا ترى أنك تقول: الجيش [مقبل، والجند منهزم، فتوحد الفعل لتوحيده، فإذا صرت إلى الأسماء قلت: الجيش] (¬2) رجال، والجند رجال. وقد قال الشاعر: وإِذَا هُمُ (¬3) طَعِمُوا فَأَلْأمُ طَاعِمٍ ... وَإِذَا هُمُ (¬4) جَاعُوا فَشَرُّ جِيَاعِ (¬5) فجمعه وتوحيده جائز حسن (¬6). وقال البصريون في هذا: معناه: ولا تكونوا أول فريق كافر، أو أول حزب، أو أول قبيل كافر، ثم حذف المنعوت، وأقيم نعته مقامه، (¬7) وهذا قول المبرد. ¬
وقوله (به) (¬1) الأظهر أن الكناية عائدة (¬2) إلى (ما) في قوله: (بما أنزلت) وهو القرآن (¬3). ويجوز أن يعود إلى (ما) في قوله: {لِمَا مَعَكُمْ} والمراد به التوراة، وذلك أنهم إذا (¬4) كتموا أمر النبي صلى الله عليه وسلم من كتابهم، فقد كفروا بكتابهم، كما أن من كتم آية من القرآن فقد كفر به (¬5). وإذا قلنا: الكناية تعود إلى القرآن، كان المعنى: ولا تكونوا أول كافر بالقرآن من أهل الكتاب لأن قريشاً كفرت قبلهم بمكة (¬6) وحكي عن أبي العالية أنه قال: الكناية تعود إلى محمد - صلى الله ¬
عليه وسلم (¬1). وإنما قيل لهم: {وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ} لأن الخطاب لعلماء اليهود، فإذا كفروا كفر معهم الأتباع (¬2). فإن قيل: ما في (¬3) (أن تكونوا أول كافر به) من العظم، على ثان كافر؟ قيل: إنهم إذا كانوا أئمة في الضلالة كانت ضلالتهم أعظم (¬4). قال الزجاج: اللغة القُدمى فتح الكاف من (كافر) والإمالة في الكاف -أيضا- جيد (¬5)، لأن (فاعلاً) إذا سلم من حروف الإطباق، والحروف المستعلية كانت الإمالة فيه سائغة إلا في لغة أهل الحجاز، والإمالة لغة تميم (¬6)، وحروف الإطباق (الطاء والظاء والصاد الضاد) فلا تجوز الإمالة (¬7) في ظالم وطالب وضابط وصابر، وحروف الاستعلاء (الخاء، ¬
والغين، والقاف) (¬1) لأنها من أعلى الحنك واللهاة، فلا تجوز الإمالة في: غافل وخادم وقاهر (¬2). وقوله تعالى: {وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ}. أي: ببيان صفة محمد - صلى الله عليه وسلم - ونعته عرضاً يسيراً من الدنيا، وذلك أن رؤساء (¬3) اليهود كانت لهم مآكل يصيبونها من سفلتهم وعوامهم، فخافوا إن هم بينوا صفة محمد - صلى الله عليه وسلم -، وتابعوه أن تفوتهم تلك المآكل والرئاسة، فاختاروا الدنيا على الآخرة (¬4). قال أبو علي: المعنى (¬5) (ذا ثمن) فهو من باب حذف المضاف، لأنه إنما يشتري ما هو ذو ثمن لا الثمن (¬6). ويجوز أن يكون معنى الاشتراء ¬
42
الاستبدال، فيكون المعنى: ولا تستبدلوا بآياتي ثمنا قليلا فيستغنى عن تقدير المضاف (¬1). و (القليل) نقيض (¬2) الكثير، قَلَّ الشيء يَقِلُّ قِلَّة (¬3). {وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ} فاخشون في أمر محمد، لا ما يفوتكم من الرئاسة (¬4). 42 - قوله تعالى: {وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ} الآية. يقال: لَبَسْتُ الأمر أَلْبِسُه لَبْساً، إذا خلطته وشبهته (¬5). وقال ابن دريد: لَبَسْتُ الأمر ولَبَّستُه، إذا عميتُه، ومنه {وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ} [الأنعام: 9]، ويقال: في أمره لُبْسَة أي ليس بواضح (¬6). قال ابن السكيت يقال (في أمره لَبْسٌ، أي: اختلاط) (¬7). و (اللباس) ما واريت به جسدك. هذا هو الأصل في اللباس (¬8)، ثم ¬
يقال: لَبِسْتُ فلاناً، أي استمتعت به (¬1). قال: وَحُقَّة مِسْكٍ مِنْ نَسَاءٍ لَبِسْتُها ... شَبَابِي وَكَأسٍ بَاكَرَتْنِي شَمُولُهَا (¬2) وفي فلان مَلْبَس، إذا كان فيه مستمتع (¬3). قال امرؤ القيس: أَلَا إن بَعْدَ الفَقِرْ لِلْمَرْءِ قِنْوَةً ... وَبَعْدَ المشِيبِ طُولَ عُمْرٍ وَمَلْبَسَا (¬4) و (الباطل) الذاهب الزائل، يقال: بطل الشيء يبطل بُطُولًا وبُطْلَانًا، و (البُطْل) - أيضًا مثل الباطل، وأبطل الشيء جعله باطلا، وأبطل فلان جاء بالكذب وادعى باطلا (¬5). ومعنى الآية: لا تخلطوا الحق الذي أنزلت عليكم من صفة محمد - صلى الله عليه وسلم - بالباطل الذي تكتبونه بأيديكم، من تغيير صفته وتبديل نعته (¬6). ¬
قال مقاتل: إن اليهود أقروا ببعض صفة محمد صلى الله عليه وسلم وكتموا بعضا لِيُصَدَّقوا في ذلك، فقال الله عز وجل: {وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ} الذي تُقرّون به وتبينونه {بِالْبَاطِلِ}، يعني بما (¬1) تكتمونه، فالحق بيانهم والباطل كتمانهم (¬2). وقوله تعالى: {وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ}. قال الفراء (¬3): إن شئت جعلت {وَتَكْتُمُوا} في موضع جزم بالعطف (¬4)، وإن شئت جعلتها في موضع نصب (¬5) على (الصرف)، ومثله (¬6): {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا} [البقرة: 188]، وقوله تعالى: {لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا} [الأنفال: 27]، ومعنى (الصرف) أن تأتي (¬7) بالواو معطوفاً (¬8) على كلام في أوله حادث لا تستقيم (¬9) إعادتها في ¬
المعطوف (¬1)، كقوله: لَاتَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَأتِيَ مِثْلَه (¬2) ألا ترى أنه لا يجوز إعادة (لا) في و (تأتي)، ولذلك سمي صرفا إذ (¬3) كان معطوفا (¬4) ولم يستقم أن يعاد فيه الحادث الذي فيما (¬5) قبله. ومثله من الأسماء التي نصبتها العرب وهي معطوفة على مرفوع، قولهم: لو تُرِكْتَ والأسدَ لأكلك (¬6)، ولو خُلِّيتَ ورَأْيَك لضللت، لما لم يحسن في ¬
الثاني أن تقول (¬1): لو تركت وترك (¬2) رأيك، تهيبوا أن يعطفوا حرفا لا يستقيم فيه ما حدث في الذي قبله، على الذي قبله، فنصبوا (¬3). ومذهب البصريين أن جميع ما انتصب في هذا الباب فبإضمار (أن) كأنه قيل: لا يكن منكم لبس للحق وأن تكتموه (¬4). وقوله: {وَأَنتُم تَعْلَمُونَ}. أكثر المفسرين على أن المعنى: وأنتم تعلمون أنه الحق، أنه نبي مرسل قد أنزل عليكم ذكره في كتابكم، فليس بمشتبه عليكم شيء من أمره ونسبه، وعلى هذا إنما كفروا لأنهم جحدوا نبوته فلم ينفعهم علمهم (¬5). والأمة اجتمعت (¬6) على أن جاحد النبوة كافر، فإذا علموا بقلوبهم، ولم يكن لنا سبيل إلى أن نعلم أنهم علموا (¬7)، وظهر منهم جحود، أجمعنا على أنهم كفار. ¬
43
وقال الزجاج في قوله: {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} أي: تأتون لبسكم الحق وكتمانه على علم منكم وبصيرة أنكم تلبسون الحق (¬1). 43 - قوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ}. الزكاة (¬2): تطهير للمال وإصلاح له، وتثمير ونماء، كل ذلك قد قيل (¬3). والأظهر أن أصلها من الزيادة، يقال: زكا الزرع يزكو زكاء، ممدود وكل شيء يزداد فهو يزكو زكاء (¬4). قال النابغة (¬5): وَمَا أَخَّرْتَ مِنْ دُنْيَاكَ نَقْصٌ ... وَإِن قَدَّمْتَ عَادَ (¬6) لَكَ الزَّكاءُ (¬7) أراد بالزكاء الزيادة، وهو حرف ممدود، فإذا قصر فقيل: (زكا) فمعناه الزوج (¬8). والعرب تقول للفرد: خسا، وللزوجين (¬9) اثنين: زكا، قيل لهما: ¬
زكا، لأن الاثنين أكثر (¬1) من الواحد (¬2)، قال الشاعر: إِذا نَحْنُ في تِعْدَادِ خَصْلِكَ لَمْ نَقُلْ ... خَسَا وَزَكا أَعْيَيْن مِنَّا المُعَدِّدَا (¬3) و (الزكاة): الصلاح (¬4)، وأصله أيضا من زيادة الخير، يقال: رجل زَكِيٌّ أي زائد الخير (¬5) من قوم أزكياء، وَزكَّى القاضي الشهود إذا بين زيادتهم في الخير، وسمي ما يخرجه من المال للمساكين بإيجاب الشرع زكاة، لأنها تزيد في المال الذي تخرج منه وتوفره وتقيه الآفات (¬6). وقوله تعالى: {وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ}. أصل الركوع في اللغة الانحناء، وكل شيء ينكب لوجهه وتمس ركبته الأرض أو لا تمسها بعد أن يخفض (¬7) رأسه فهو راكع، ويقال للشيخ إذا انحنى (¬8) من الكبر: قد ركع (¬9). قال لبيد: ¬
أَدِبُّ كَأَني كُلَّماَ قُمْتُ رَاكِعُ (¬1) فالراكع: المنحني في قول لبيد. وقال (¬2) آخر: وَلَكِنِّي أَنُصُّ العِيَس تَدمَى ... أَظلتها (¬3) وَترْكَعُ بِالْحُزُون (¬4) أي تنكب لوجوهها. قال المفسرون: معناه (¬5)، وصلوا مع المصلين محمد وأصحابه، فعبر بالركوع عن جميع الصلاة،، إذ كان ركناً من أركانها، كما عبر باليد عن الجسد (¬6) في قوله {ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ} [الحج: 10]. ¬
44
وقيل: إنما عبر بالركوع عن الصلاة، لأنه أول ما يشاهد مما يدل على أن الإنسان في صلاة، وإنما قال: (واركعوا) بعد قوله: (وأقيموا الصلاة) وكان الركوع داخلا في الصلاة، لأنه أراد الحث على إقامة الصلاة جماعة (¬1). وقيل: لأنه لم يكن في دين اليهود ولا في صلاتهم ركوع، فذكر ما اختص بشريعة الإسلام، والآية خطاب لليهود (¬2). 44 - قوله تعالى: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ} الآية. نزلت في علماء اليهود، لأنهم كانوا يقولون لأقربائهم من المسلمين: اثبتوا على ما أنتم عليه، ولا يؤمنون (¬3). و (الألف) للاستفهام (¬4)، ومعناه: التوبيخ والتهديد (¬5)، كأنه قيل لهم: أنتم على هذه الطريقة (¬6). ¬
والمراد بالبر: الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم (¬1). و (النسيان) هاهنا بمعنى الترك (¬2) من قوله: {نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ} [التوبة: 67] ويأتي بسط الكلام في النسيان ووجوهه عند قوله: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا} [البقرة: 67] (¬3) إن شاء الله. وقال أبو إسحاق: معنى الآية أنهم كانوا يأمرون أتباعهم بالتمسك بكتابهم، ويتركون هم التمسك به، لأن جحدهم النبي - صلى الله عليه وسلم- هو تركهم التمسك (¬4). فالبر على هذا القول: التمسك بالتوراة. وقال بعضهم: إن اليهود كانوا يأمرون الناس بالإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم قبل ظهوره، فلما ظهر كفروا به (¬5)، فذلك قوله: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ} الآية. وقوله تعالى: {وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ}. أي: تقرؤون التوراة، وفيها صفة محمد -صلى الله عليه وسلم- ونعته (¬6). {أَفَلَا تَعْقِلُونَ} أنه حق فتتبعونه (¬7). ¬
وأصل التلاوة من قولهم: تلاه يتلوه، إذا تبعه، والتلاوة اتباع الحروف (¬1). ويقال: عقَل الرجل يعقِل عقلاً، إذا كان عاقلًا (¬2)، وعقل الإنسان هو تمييزه الذي به فارق جميع الحيوان، سمي عقلاً لأنه يعقله أي يمنعه عن التورط (¬3) في الهلكة، كما يعقل العقال البعير عن ركوب رأسه. ومن هذا سميت الدية عقلاً لأنها إذا وصلت إلى ولي المقتول عقلته عن قتل (¬4) الجاني، أي منعته (¬5). وقال الأصمعي: عقَل الظبي يعقِل عُقُولًا، إذا امتنع، ومنه سمى الوَعِل عاقلاً، والحصن مَعْقِلًا. وعَقَلَ الدواءُ بطنَه إذا أمسكه بعد استطلاقه (¬6). فأصل هذا الحرف من المنع، ثم لما كان الإنسان يعرف الشيء بعقله، سمي العلم عقلاً في (¬7) بعض المواضع، فيقال عقلت كذا، أي علمته (¬8). ¬
44
44 - قوله تعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ} الآية. قال أبو عبيد (¬1): أصل الصبر الحبس، وكل من حبس شيئا فقد صبره، ومنه الحديث في رجل أمسك رجلا وقتله آخر، فقال: (اقتلوا القاتل، واصبروا الصابر) (¬2) أي: احبسوا الذي حبسه حتى يموت، ومنه قيل للرجل يُقدَّم فتضرب (¬3) عنقه: قُتل صبراً، يعني أنه أُمسِكَ على الموت، وكذلك لو حبسَ رجل (¬4) نفسه على شيء يريده قال: صبرتُ نفسي. قال عنترة: فَصَبَرْتُ عَارِفَةً لِذَلِكَ حُرَّةً ... تَرْسُو إذَا نَفْسُ الجَبَانِ تَطَلَّعُ (¬5) ومن هذا (يمين الصبر) وهو أن يحبس على اليمين حتى حلف بها (¬6). ¬
ومعنى الآية: استعينوا بالصبر على أداء الفرائض واجتناب المحارم واحتمال الأذى وجهاد العدو وعلى المصائب والصلاة (¬1)، لأنها تنهى عن الفحشاء والمنكر. وقال مجاهد: الصبر في هذه الآية الصوم، ويقال لشهر رمضان شهر الصبر، وللصائم صابر (¬2). وقوله تعالى: {وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ}. قال الحسن والضحاك: ثقيلة (¬3). والأصل في ذلك أن ما يكبر (¬4) يثقل على الإنسان حمله. فقيل لكل ما يصعب على النفس -وإن لم يكن من جهة الحمل-: يكبر عليها، كقوله: {كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ} [الشورى: 13]. وقوله: (وإنها) ولم يقل: (وإنهما) بعد ذكر الصبر والصلاة، لأنه كنى عن الأغلب والأفضل والأهم (¬5)، وهو الصلاة، كقوله: {وَالَّذِينَ ¬
يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا} [التوبة: 34] (¬1)، وقال: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا} [الجمعة: 11]، هذا قول المُؤَرِّج (¬2). وقال الأخفش (¬3): الكناية راجعة إلى كل واحد منهما، أراد وإن كل خصلة منها لكبيرة، كقوله: {وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً} [المؤمنون: 50]، أراد كل واحد منهما قال الشاعر (¬4): والْمُسْيُ والصُّبْحُ (¬5) لاَ فَلَاحَ مَعَهْ (¬6) وقيل: رد الهاء إلى الصلاة، لأن الصبر داخل في الصلاة، كقوله: {وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ} [التوبة: 62]، لأن رضى الرسول داخل في رضى الله تعالى (¬7). وقال حسان: إِنَ شَرْخَ الشَّبَابِ والشَّعْرِ الأَسْـ ... ـوَدِ ما لم يُعَاصَ كَانَ جُنُونَا (¬8) ¬
ولم يقل: يعاصيا، لأن الشَّعر الأسود داخل في الشباب (¬1). وقال الحسين بن الفضل: رد الكناية إلى الاستعانة، لأن (استعينوا) يدل على المصدر (¬2). والأصل في هذا وأمثاله أن العرب تذكر شيئين، ثم تخبر عن أيهما شاءت، فتكتفي بالخبر عن أحدهما عن الثاني، لأن فيه دلالة على الثاني (¬3) كقوله تعالى: {فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ} [البقرة: 259]، وقوله: {وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا} [النساء: 112] وقول الشاعر: نَحْنُ بِمَا عِنْدَنَا وَأَنْتَ بِمَا ... عِنْدَكَ رَاضٍ والرَّأيُ مُخْتَلِفُ (¬4) ¬
45
45 - وقوله تعالى: {إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ}. أصل الخشوع في اللغة: السكون (¬1)، قال الله تعالى {وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ} [طه: 108]، أي سكنت، ويقال: جدار خاشع، إذا تداعى واستوى مع الأرض (¬2). قال النابغة: وَنُؤْيٌ كَجِذْمِ الحَوْضِ أَثْلَمُ خَاشِعُ (¬3) ومنه الحديث (كانت الكعبة خُشعة على الماء) (¬4) أي: ساكنة، وهذا ¬
أصله في اللغة. ثم استعمل في أشياء تعود (¬1) إلى هذا الأصل، فقيل: خشعت الأرض، إذا لم تمطر، فلم تهتز (¬2) بالنبات، قال الله تعالى: {تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ} (¬3) [فصلت: 39]. وخشع السنام، إذا ذهب شحمه وتطأطأ شرفه. وخشعت الأبصار، إذا سكنت ونظرت في الأرض من غير التفات. وقيل: للمطيع (¬4) المخبت: خاشع، لسكونه إلى الطاعة (¬5). قال المفسرون وأصحاب المعاني: إن (¬6) جميع العبادات داخلة تحت قوله: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ} لأنه أراد الصبر عليها (¬7)، ولكن خصت الصلاة بالذكر تخصيصا وتفضيلا (¬8)، كقوله: {فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ} [الرحمن: 68]، وقوله {وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ} [البقرة: 98]. ¬
وعلى قول من يقول: الصبر هو الصوم (¬1)، فإنما خص الصوم والصلاة، لأن القوم إنما كان يمنعهم عن الإسلام الشره وخوف ذهاب مأكلتهم (¬2) وحب الرئاسة وخوف زوالها، فأمروا بالصوم الذي يذهب الشره (¬3)، وبالصلاة التي تورث الخشوع وتنفي الكبر والشرف (¬4). وأريد بالصلاة الصلاة التي معها الإيمان بحمد صلى الله عليه وسلم لأنها كانت تكبر (¬5) على (¬6) الكفار (¬7). وعند أكثر أهل العلم أن الآية خطاب لأهل الكتاب (¬8)، وهو مع ذلك أدب لجميع العباد (¬9). وقال بعضهم: يرجع هذا القول إلى خطاب المسلمين فأمروا أن يستعينوا على ما يطلبونه من رضا الله وثوابه ونيل (¬10) جنته بالصبر على أداء فرائضه، والقول الأول أظهر (¬11). ¬
46
46 - وقوله تعالى: {الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ} الآية. أبو عبيد (¬1) عن أبي عبيدة قال: (الظن) يقين وشك (¬2)، وأنشد: ظَنِّي بِهِمْ كَعَسَى وَهُمْ بِتَنوُفَةٍ ... يَتَنَازَعُونَ جَوَانِبَ الأَمْيَالِ (¬3) البيت لابن مقبل، وفسر الظن فيه بالوجهين، فقال: أبو عبيدة يقول: اليقين فيهم كعسى، وعسى شك (¬4). وقال شمر عن أبي عمرو الشيباني: معناه ما يظن بهم من الخير فهو واجب، وعسى من الله واجب (¬5). والعرب تقول لليقين: ظن، وللشك: ظن (¬6)، لأن في الظن طرفا (¬7) ¬
من اليقين (¬1). قال الله تعالى: {إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (20)} [الحاقة: 20]، وقال: {وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا} [الكهف: 53]، وقال (¬2): {إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا} [البقرة: 230] كل هذا بمعنى اليقين (¬3). وقال دريد بن (¬4) الصمة: فَقُلْتُ لَهُمْ ظُنُّوا بَأَلْفَيْ مُدَجَّجٍ ... سَرَاتُهُمُ فِي الفَارِسِيِّ المُسَرَّدِ (¬5) أي: أيقنوا. وحكى الزجاج عن بعض أهل اللغة: أن الظن يقع في معنى العلم [الذي لم تشاهده، وإن كان قد قام في نفسك حقيقة (¬6). ¬
وقال أبو عباس: إذا كانت براهين العلم] (¬1) أكثر من اعتراضات الشك، كان الظن يقينًا وعلمًا. وإذا كانت اعتراضات الشك أكثر من اعتراضات اليقين كان الظن كذباً. وإذا كانت اعتراضات اليقين واعتراضات الشك سواء كان ذلك ظنا، أي: كان الظن شكا (¬2). وقال الليث: الظن يكون (¬3) اسما ومصدرا، تقول: ظننت ظنا، هذا مصدر، وتقول (¬4): ظني به حسن، وما هذه الظنون، لما صيرته اسمًا جمعته، كقول النابغة (¬5): أَتَيتُك عَارِيًا خَلَقًا ثِيَابِي ... عَلَى خَوْفٍ تُظَنُّ بِيَ الظُّنُونُ (¬6) وحدُّ الظن: الشك الذي يرجح (¬7) فيه أحد النقيضين على الآخر، الظن: اليقين، لأنه يقوي أحد النقيضين بعد الشك حتى يصير إلى اليقين (¬8)، وقد أفصح عن ذلك أوس بن حجر في قوله: ¬
الأَلمَعِيُّ الذِي يَظُنُ لَكَ الظَّـ ... ـنَّ كَمَنْ قَدْ رَأى وَقَدْ سَمِعَا (¬1) وذكر أبو القاسم الزجاجي حقيقة (¬2) الظن في اللغة، فقال: هو اعتقاد الشيء على طريقة التقدير والحدس، فإن أصاب فيما ظن صار يقينا، وإن لم يصب كان مخطئا في تقديره، ولهذا ذكر أهل اللغة هذه اللفظة في باب الأضداد، فقالوا: الظن: يقين وشك (¬3)، لأنه وضع لمعنى بالاعتبار يؤول (¬4) إلى أحدهما، كما يقال: الظن يخطئ ويصيب، فإن أصاب الظان فيما اعتقد وقدر، عبر عن ذلك باليقين؛ وإن (¬5) لم يصب كان ظنه شكًّا (¬6). وسئل أبو عمرو بن العلاء عن الظن، فقال: النظر في المطلوب بضرب من الأمارة، بمعنى أن الأمارة لما كانت مترددة بين يقين وشك، فتقرب (¬7) ¬
تارة (¬1) من طرف الشك وتارة من طرف اليقين صار (¬2) أهل اللغة يفسرونه بهما (¬3). وقال الأخفش في قوله: {الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ}: إنما استعمل الظن بمعنى العلم في هذا الموضع لأمرين: أحدهما: أنه تنبيه أن علم أكثر الناس بالله في الدنيا، بالإضافة إلى علمه به في الآخرة كالظن في جنب العلم. والثاني. أن العلم الحقيقي في الدنيا بأمور الآخرة لا يكاد يحصل إلا للنبيين والصديقين. (والملاقاة) و (اللقاء) يحتمل معاني العيان والاجتماع والمحاذاة، والمصير (¬4). كقوله: {إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا} [يونس: 7]، أي المصير إلينا، وقال: {قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ} [الجمعة: 8]، أي مجتمع معكم وصائر إليكم. قال ابن عباس: يريد الذين يستيقنون أنهم مبعوثون، وأنهم محاسبون، وأنهم راجعون إلى الله سبحانه (¬5). و (اللقاء) و (الملاقاة) حيث ذكر في القرآن يحمله المفسرون على ¬
البعث والمصير إلى الله كقوله: {إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا} [يونس: 7]، وقوله: {بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ} [السجدة: 10]، {وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا} [الفرقان: 21]. ولا يمكن حمل الملاقاة في هذه الآية على المعاينة والرؤية (¬1)، لأن أحداً لا يستيقن (¬2) أنه يرى ربه ويعاينه، بل كل واحد منا يرجو ذلك من فضل الله أن يرزقه. وقد فسر الظن هاهنا بمعنى اليقين (¬3) فيحمل اللقاء على ما فسره ابن عباس (¬4)، ورحمة الله (¬5). وقال أبو علي: معنى قوله: {مُلَاقُو رَبِّهِمْ} ملاقو ثواب ربهم (¬6)، ¬
خلاف من وصف (¬1) بقوله: {لَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا} [البقرة: 264]، وقوله: {إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا} [النور: 39]، ومثله: {وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ} [البقرة: 223]، أي: ملاَقو جزائه إن ثوابا، وإن عقابا. وأراد (ملاقون ربهم) لأنه فيما يستقبل فتثبت (¬2) النون (¬3)، لأنك تقول: هو ضارب زيدا، إذا كان فيما يستقبل؛ وإذا كان قد مضى حذفت التنوين (¬4) لا غير، ويجوز حذفه أيضا وإن كان لما يستقبل، كقوله: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ} (¬5) و {إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ} [الدخان: 15] و {إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ} [العنكبوت: 33] نصبت (¬6) (وأهلك) على تقدير النون (¬7). ¬
وإنما كان كذلك (¬1) لأن الفعل الماضي لم يشابه (¬2) الاسم، ولذلك (¬3) بني، فالاسم الذي (¬4) بمعناه وجب أيضًا أن لا يزال عن أصله، وأصل الأسماء أن تعمل إلا جرّاً، فبقى اسم الفاعل إذا أريد به الماضي على أصله، وإذا أريد به الحال والاستقبال حمل على المضارع لما (¬5) بينهما من الشبه، وجاز الجر به إذا أريد به الاستقبال وإن استقرت مشابهته للفعل، لأنه لم يخرج عن حكم الاسمية، لأجل (¬6) كونه اسما جاز أن يجر ما بعده، ولأجل ما بينه وبين المضارع من الشبه جاز أن ينصب (¬7). وقوله تعالى: {وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ}. أي يصدقون بالبعث ولا يكذبون. ومعنى (إليه): إلى أمره وإحيائه ومسألته (¬8)، لأنهم لم يخرجوا عن قبضته قط، وملكته ومثله قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ} [الفرقان: 45] أراد إلى أمر ربك (¬9)، والمعنى في الجملة إنهم يقرون بالنشأة الثانية، ¬
47
فجعل رجوعهم بعد الموت إلى المحشر رجوعا إليه (¬1). وقال بعض أهل العلم: معنى الرجوع هاهنا العود (¬2) إلى الحال الأولى، فمعنى: {وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} أنهم يرجعون إلى أن لا يكون لهم مالك سواه، يملك نفعهم وضرهم كما كانوا في بدء (¬3) الخلق، لأنهم في أيام حياتهم قد يملك غيرهم الحكم عليهم (¬4). 47 - قوله تعالى: {وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ}. (التفضيل) نقيض التسوية، يقال: فضله إذا أعطاه الزيادة، وفضله إذا حكم له بالزيادة في الفضل. و (التفضل) لبس المفضل من الثوب، وهو ما يتخفف به الإنسان في بيته، ورجل فُضُل متفضل (¬5)، ومنه: ...... إِلَّا لِبْسَةَ المُتَفَضِّلِ (¬6) ¬
48
وذلك أن ذلك الثوب فضل على سائر الثياب التي تصان وتدخر. وهذا التفضيل (¬1) هو ما ذكر في قوله {إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ} الآية [المائدة:20]. وأراد بـ (العالمين) عالمي زمانهم (¬2)، والخطاب للموجودين منهم في ذلك الوقت والمراد به سلفهم، ولكن في تفضيل الآباء شرفا للأبناء، ولذلك قال لهم: {وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} (¬3). 48 - قوله تعالى: {وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي} الآية. لا تجزي معناه: لا تقضي ولا يغني (¬4)، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم لأبي بردة بن نِيَار (¬5): (ولا تجزي عن أحد بعدك) (¬6)، معناه: ¬
ولا تقضي (¬1)، ومنه أيضا ما روي (أن رجلا كان يداين للناس، وكان له كاتب ومتجاز، وكان يقول له: إذا رأيت الرجل معسرا فأنظره، فغفر الله له (¬2)، فالمتجازي: المتقاضي (¬3). ومنه الجزية، لأن معناها في كلام العرب: الخراج المجعول على الذمي، سمي جزية لأنها قضاء منه (¬4). قال أهل (¬5) العربية: وأصل هذا الحرف من الجزاء الذي هو ¬
المكافأة، ومقابلة الشيء بالشيء، فيجزي بمعنى: يكفى، لأنه يقابل فيه الشىء بمقداره (¬1). ومعنى (لا تجزي نفس عن نفس) أي لا يقابل مكروهها بشيء يدرؤه عنها (¬2). وموضع (لا تجزي) نصب، لأنه صفة ليوم (¬3). والعائد على اليوم محذوف من الآية، واختلف النحويون فيه، فقال الفراء (¬4): التأويل: (لا تجزي فيه نفس عن نفس) ثم حذفت الصفة (¬5)، ومثله قوله: {وَأَنذِرْهُم يَوْمَ ¬
الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ} [غافر: 18] والمعنى: ما للظالمين فيه من حميم (¬1)، وكذلك قوله: {يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا} [الدخان: 41] أي: فيه، وهذا أيضا مذهب سيبويه (¬2). وكان الكسائي لا يجيز إضمار الصفة، ويقول: إن المحذوف هاهنا (¬3) (الهاء) وتقديره كأنك قلت: (واتقوا يوما لا تجزيه نفس عن نفس) فجعل اليوم مفعولا على السعة، ثم ألقيت الهاء، كما تقول: رأيت رجلاً أحبّ، تريد (أحبه) (¬4) وينشد على هذا (¬5): قَدْ صبَّحَتْ صَبحَهَا السَّلاَمُ ... بِكَبِدٍ خَاَلطَهَا السَّنَامُ في ساعة يُحَبُّهَا الطَعَامُ (¬6) ¬
يعني يُحَبُّ فيها، فجعل الظرف مفعولا على السعة، وهذا أيضا مذهب الأخفش (¬1). قال الكسائي: ولو أجزت إضمار الصفة هاهنا لأجزت: أنت الذي كلمت، وأنا أريد: كلمت فيه، وهذا رجل قصدت، وأنا أريد: إليه، وهذا رجل أرغب، وأنا أريد: فيه، ولم يجز إضمار حرف الصفة في هذه المواضع كذلك في الآية (¬2). قال الفراء والزجاج وجماعة النحويين: لا يلزم ما ذكره الكسائي، لأن الصفة مع الظروف جائزة الحذف، ألا ترى أنك تقول: أتيتك يوم الخميس [وفي يوم الخميس] (¬3) فيكون المعنى واحد، وإذا قلت: كلمتك، كان غير معنى كلمت فيك، فلما اختلف المعنى مع الأسماء التي لا تكون ظروفا لم يجز إضمار الصفة معها. و (اليوم) من أسماء الزمان، وأسماء الزمان يكون فيها ما لا يكون في غيرها (¬4). قال أبو علي (¬5): الظروف نوع من أنواع المفعولات المنتصبة عن ¬
تمام الكلام، وهو زمان أو مكان (¬1). فأما أسماء الزمان: فالفعل يتعدى إلى مختصه ومبهمه ومعرفته ونكرته وكل نوع منه، كما يتعدى إلى المصدر، وكل ضرب منه. وإنما كان كذلك لاجتماعهما (¬2) في دلالة الفعل عليهما. ألا ترى أن في لفظ (¬3) الفعل دلالة على الزمان كما أن في لفظه دلالة على الحدث. وأما أسماء المكان فإن الفعل يتعدى إلى المبهم منها بغير حرف الجر دون (¬4) المختص (¬5). ومعنى المبهم منها ما كان شائعاً ولم يكن له حدود معلومة نحو: خلف وقدام وسائر الجهات الست، وعند. ألا ترى أنه لا حدود لهذه المسميات تقف عندها، كما للمسجد والسوق (¬6) والبيت وبغداد والبصرة، تقول: (قمت خلفك) فتعدي إليه الفعل، و (قمت في المسجد)، ولا تقول: (قمت المسجد)، وإنما كان كذلك لأن الفعل لا يدل على ظروف المكان ¬
بلفظه وإنما يدل عليها بالمعنى كما يدل على المفعول، والمفعول إذا تعدى الفعل إليه بحرف جر لا يجوز حذف حرف الجر منه إلا أن يسمع ذلك من العرب (¬1). ألا ترى أنك تقول: مررت بزيد، ولا يجوز أن تقول: مررت زيداً (¬2)، فكذلك كان القياس في جميع ظروف المكان أن يتعدى الفعل إليها (¬3) بحرف الجر، إلا أن المبهمة جاز حذف الجر منها، لأنها قد أشبهت ظروف الزمان، وذلك أنه ليس لها خلق (¬4) كما أن الزمان لا خلقة له، فباين ظروف المكان بعضها بعضا (¬5). فالخلف والقدام وهذه المبهمة يجوز أن تنقلب كلها فيصير الخلف قداما، والقدام خلفا، كما يجوز أن ينقلب ظرف (¬6) الزمان فيصير اليوم أمس. فلما شبهت المبهمة من ظروف المكان بظروف الزمان عَدَّوْا إليها الفعل من غير توسط حرف الجر. وأما المختصة كالدار والبيت والمسجد ¬
فلها خلق (¬1) كزيد وعمرو، ألا ترى أنه لا يسمى كل بقعة مسجدا ولا دارا، فلما جرت هذه الظروف مجرى زيد وعمرو، وجب أن لا يعدى الفعل إليها إلا (¬2) بحرف جر، فأما قولهم: (ذهبت الشام) يريدون إلى الشام، فهو شاذ عند سيبويه، وقولهم: (دخلت البيت) فهو - أيضا شاذ عنده (¬3). وهو عند أصحابه مفعول به، لأنه ظرف صير مفعولا، فهو عندهم بمنزلة: هدمت البيت (¬4). قال أبو علي (¬5): والجائز عندي من هذه الأقاويل التي قيلت في الآية قول من قال: إن (اليوم) جعل (¬6) مفعول (تجزي) على السعة، كقول الشاعر: وَيَوْمٍ شَهِدْنَاهُ (¬7) سُلَيْماً وَعَامِرًا (¬8) ¬
ثم حذفت (الهاء) من الصفة كما تحذف من الصلة، وحذف (الهاء) من الصفة كحذفها (¬1) من الصلة، وذلك أن الصفة تخصص الموصوف كما أن الصلة تخصص الموصول، ومرتبتها أن تكون بعد الموصوف، كما أن مرتبة الصلة (¬2) كذلك، وتتضمن الصفة ذكرا من موصوفها كما تتضمنه الصلة من موصولها، فشدة مشابهتهما على (¬3) ما تراه. وقد كثر مجيء الصلة محذوفاً منها العائد، كقولك: (الذي رأيت زيد) والصفة كالصلة على ما ذكرنا من المشابهة، وإذا [قال] (¬4) كذلك حسن الحذف منها حسنه من الصلة. فإن قال قائل: إذا جاز حذف الضمير المتصل من الصفة في نحو قولك: (هذا رجل ضربت)، و (الناس رجلان: رجل أكرمت ورجل أهنت) فلم لا يجوز حذف الجار والمجرور من حيث جاز حذف الهاء؟ قيل: إنما ¬
جاز حذف الضمير المتصل من الصفة (¬1) لمشابهتها الصلة، وقد كثر حذف ذلك في الصلة وحسن، فلما كثر ذلك في الصلة وشابهتها الصفة شبهت بها أيضًا في حذف الضمير منها. ولا اختلاف بين الجميع (¬2) في أن الضمير إذا خرج عن الفعل إلى الحرف فلم يتصل به لم يحذف من الصلة، فمن قال: (الذي ضربت زيد) لم يقل: (الذي رغبت زيد)، ولا (الذي مررت زيد) (¬3)، إذا أراد (فيه) و (به) وإذا لم يجز ذلك في الأصل الذي هو الصلة المشبه به الصفة، كان في الصفة أبعد من الجواز (¬4). وقوله تعالى: {وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ}. قبول الشيء: تلقيه، والأخذ به، وخلاف الإعراض عنه (¬5). اللحياني: يقال (¬6): قبلت الشيء أَقْبلَه قَبُولاً وقُبُولاً، وعلى فلان قَبُول، أي تقبله العين (¬7)، ومثل ذلك قال ابن الأعرابي (¬8). وقوله: {شَفَاعَةٌ} قال المبرد وثعلب: الشفاعة: كلام الشفيع الملك (¬9) في حاجة يسألها لغيره (¬10). وهو من الشفع الذي هو خلاف ¬
الوتر، وكأنه سؤال من الشفيع يشفع سؤال المشفوع له (¬1). قال أحمد بن يحيى: الشفعة (¬2) من هذا، ومعناها في اللغة كالزيادة، وهو أن يُشَفِّعَك فيما تطلب (¬3) حتى تضمه إلى ما عندك فتزيده (¬4) وتشفعه بها، أي أنه كان وترا فضم إليه ما زاده وشفعه به (¬5). ومن هذا يقال: شاة (¬6) شافع، إذا كان معها ولدها (¬7). قال أصحاب المعاني: ليس معنى: {وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ} أن هناك (¬8) شفاعة لا تقبل، وإنما المعنى لا يكون (¬9) شفاعة فيكون لها قبول، كما أن قوله: {لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا} [البقرة: 273]، معناه: لا يكون منهم سؤال فيكون إلحاف (¬10)، ويقول امرؤ القيس: ¬
عَلَى لاَحِبٍ لاَ يُهْتَدى لِمَنَارِه ... إِذَا سَافَهُ العَوْدُ الدِّيَافِيُّ جَرْجَرَا (¬1) أي ليس هناك (منار) فيكون اهتداء، وكقوله أيضًا-: وَلاَ تَرى الضَّبَّ بهَا يَنْجَحِرْ (¬2) أي ليس هناك (ضب) فيكون منه (¬3) انجحار. ¬
وقرئ قوله: {وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ} بالياء والتاء (¬1)، فمن قرأ بالتاء قال: الاسم الذي أسند إليه هذا الفعل مؤنث، فيلزم أن يلحق المسند (¬2) أيضا علامة التأنيث، ليؤذن لحاق العلامة (¬3) بتأنيث الاسم. ومما يقوي هذا أن كثيرا من العرب إذا أسند الفعل إلى المثنى أو المجموع ألحقوه علامة التثنية والجمع (¬4)، كقوله: أُلْفِيَتَا عَيْنَاكَ عِنْدَ القَفَا (¬5) وقول آخر: ... يَعْصِرْنَ السَّلِيَط أَقَارِبُهْ (¬6) ¬
فكما ألحقوا هاتين العلامتين لتؤذنا بالتثنية والجمع، كذلك ألحقت علامة التأنيث الفعل لتؤذن بما في الاسم منه، وكان لحاق هذه العلامة أولى من لحاق علامتي التثنية والجمع، للزوم علامة التأنيث (¬1) الاسم، وانتقاء لزوم هاتين العلامتين الاسم، لأنه إذا وحد (¬2) زالت علامة التثنية والجمع. ولا يتوهم سقوط الهاء من الشفاعة (¬3)، وبحسب لزوم المعنى تلزم (¬4) علامته (¬5). ومن قرأ بالياء، فلأن التأنيث في الاسم ليس بحقيقي، وإذا كان كذلك حمل على المعنى فذكّر، ألا ترى أن الشفاعة (¬6) والتشفع بمنزلة (¬7)، كما أن الموعظة والوعظ، والصيحة والصوت كذلك، وقد قال: {فَمَن ¬
جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ} [البقرة: 275]، {وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ} [هود: 67] فكما لم يُلحق (¬1) العلامة هاهنا كذلك يحسن أن لا تُلحق (¬2) في هذه الآية. ومما يقوي التذكير أنه فصل بين الفعل والاسم، والتذكير يحسن مع الفصل كما حكي من قولهم: (حضر القاضي اليوم (¬3) امرأة)، فإذا جاء التذكير في (¬4) الحقيقي مع الفصل فغيره أجدر بذلك (¬5). قال أبو علي (¬6): فأما ما قاله أحمد بن يحيى من أن التذكير أجود، لقول ابن مسعود (ذَكِّروُا القرآن) (¬7) لا يجوز حمله على تذكير التأنيث، لأنه ¬
لا يخلو إما أن أراد تذكير (¬1) التأنيث الحقيقي أو غير الحقيقي (¬2). ولا يجوز أن يريد تذكير الذي هو غير الحقيقي، لأن ذلك قد جاء في القرآن ما لا يحصى كثرة، كقوله: {وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ} (¬3) [الأنعام: 32] و {النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ} [الحج: 72]، {وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (29)} [القيامة: 29]، و {قَالَتْ رُسُلُهُمْ} [إبراهيم: 10]، و {كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ} [الحاقة: 7]، و {وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ} [ق: 10] فإذا (¬4) كان هذا النحو على الكثرة التي تراها، فلا يجوز أن يريد هذا. وإذا لم يجز أن يريد هذا كان إرادة تذكير التأنيث الحقيقي أبعد، كقوله: {إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ} [آل عمران: 35]، وقوله: {وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا} [التحريم: 12]، {وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ} [القصص: 11]. فإن قلت: إنما يريد: [إذا] (¬5) احتمل الشيء التذكير والتأنيث، فاستعملوا التذكير وغلبوه. قيل هذا أيضا لا يستقيم، ألا ترى أن فيما تلونا {وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ} و {كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ} فأنث مع جواز التذكير فيه، يدل على ذلك في الأخرى: {أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ} [القمر: 20]، وقوله: {مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ} ¬
[يس: 80] ولم يقل الخضر (¬1) أو الخضراء، فهذه المواضع يعلم منها أن ما ذكر ليس بمراد ولا مذهب، فإذا لم يصح أن يريد به تذكير التأنيث كان معنى غيره. فمما (¬2) يجوز أن يصرف إليه، أنه يريد به الموعظة والدعاء إليه كما قال: {فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ} [ق: 45] إلا أنه (¬3) حذف الجار (¬4). أو (¬5) أراد: ذكروا الناس القرآن، أي: ابعثوهم على حفظه كيلا ينسوه (¬6). ويمكن أن يكون المعنى قوله: (ذكروا القرآن) لا تجحدوه ولا تنكروه (¬7)، كما أنكره من قال: {إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} (¬8) لإطلاقهم عليه لفظ التأنيث فهؤلاء لم يُذَكِّروه لكنهم أنثوه بإطلاقهم التأنيث، وما كان مؤنث (¬9) اللفظ عليه، وهذا كقوله: {إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا} [النساء: 117]، فإناث جمع أنثى، وإنما يعني به ما اتخذوه آلهة، كقوله: {أَفَرَأَيْتُمْ ¬
اللَّاتَ وَالْعُزَّى (19) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى} [النجم:19, 20] وقال (¬1) العجاج: وكُلُّ أُنثَى حمَلَتْ أَحجَارَا (¬2) فسماها أنثى لتأنيثهم لفظها. وكذلك قول الفرزدق: وَكُنَّا إذَا الجَبَّار صَعَّر خَدَّه ... ضَرَبْنَاهُ دونَ الأنْثَيَيْنِ علَى الكَرْدِ (¬3) أراد بالأنثيين الأذنين (¬4). قلت: أطال أبو علي الكلام في تأويل قول ¬
ابن مسعود، وهو ما ذهب إليه أحمد بن يحيى (¬1)، وأراد ابن مسعود أنه إذا احتمل اللفظ التأنيث والتذكير، ولا يحتاج في التذكير إلى تغيير الخط ومخالفة المصحف فَذَكِّر، كقوله: {وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ} لست تحتاج إلى مخالفة الخط في التذكير، ويدل على أنه أراد هذا، وأن أصحاب عبد الله من قراء (¬2) الكوفة كحمزة والكسائي ذهبوا إلى هذا، فقرؤوا ما كان من هذا القبيل بالتذكير، كقوله: (يوم يشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم) (¬3) (¬4) [النور: 24]، و {يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ} (¬5) (¬6) [آل عمران: 154] وأشباههما بالتذكير هذا الذي ذكرنا كله في التأنيث غير الحقيقي. وأما الحقيقي: فهو ما يكون منه النسل، ويقبح في مؤنثه لفظ التذكير (¬7)، لو قلت: قام جاريتك ونحر ناقتك، كان قبيحا، وهو جائز على ¬
قبحه، لأن الناقة والجارية تدلان على معنى التأنيث، فاجتزئ بلفظهما عن تأنيث الفعل (¬1). فأما الأسماء التي تقع للمذكرين (¬2) لو سميت بها مؤنثا فلا، بد فيها من علم التأنيث، لأن الكلام للفائدة والقصد (¬3) به الإبانة (¬4)، فلو سميت امرأة بقاسم لم يجز أن تقول: جاءني قاسم، فلا يعلم أمذكرا عنيت أم مؤنثا، وليس إلى حذف هذه التاء -إذا كانت فارقة (¬5) بين معنيين- سبيل، كما أنه إذا جرى ذكر رجلين لم يجز أن تقول: قد قام، إلا أن تقول: قاما (¬6)، فعلامة التأنيث فيما فيه اللبس كعلامة التثنية (¬7) هاهنا (¬8). وقوله تعالى: {وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ}. عَدْلُ (¬9) الشيء وعِدْله: مثله (¬10)، قال الله تعالى: {أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا} [المائدة: 95]، أي: ما ¬
يماثله (¬1) من الصيام (¬2)، قال كعب بن مالك (¬3): صَبَرْنَا (¬4) لاَنَرى لله عَدْلاً ... عَلَى مَانَابنَا مُتَوَكِّلِينَا (¬5) أي: لا نرى له مثلا. وذكر (¬6) في التفسير أن العدل هاهنا: (الفداء) (¬7)، قال الله تعالى: {وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا} [الأنعام: 70]، قال يونس: العدل الفداء (¬8) [وسمي الفداء] (¬9) عدلا، أنه يعادل المفدي ويماثله، وأصل هذا الباب المساواة والمماثلة. ¬
يقال: فلان يعدل فلانا، أي يساويه، ويقال: ما يعدلك عندنا شيء، [أي ما يقع عندنا شيء] (¬1) موقعك، ولا يساويك. والعِدْل: اسم حِمْل معدول [يحصل] (¬2) أي: مسوى به (¬3). ونذكر ما قيل في العَدْل، والْعِدْل عند قوله: {أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا} [المائدة: 95] إن شاء الله. وقوله تعالى: {وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ}. قال المفسرون: أي ولا هم يمنعون من عذاب الله (¬4). ومعنى (النصر) في اللغة: المعونة (¬5)، وبينهما فرق، وهو أن المعونة قد تكون على صناعة النصرة لا تكون إلا مع منازعة. وانتصر بمعنى: انتقم، معناه بلغ حال النصرة (¬6). قال المفسرون: نزلت (¬7) الآية في اليهود، وذلك أنهم كانوا يقولون: ¬
49
يشفع لنا آباؤنا الأنبياء، فآيسهم الله عن ذلك (¬1). والآية وإن عمت في نفي (¬2) الشفاعة فمعناها الخصوص فيمن (¬3) مات على الكفر، بدلالة الأخبار الصحيحة في الشفاعة (¬4)، وقوله تعالى: {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى} [الأنبياء:28] وقوله: {لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ} [النجم: 26] (¬5). 49 - قوله تعالى: {وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ} الآية. (نجيناكم): أصله على النجوة، وهي ما ارتفع واتسع من الأرض، ثم يسمى (¬6) كل فائز ناجيا، كأنه خرج من الضيق والشدة إلى الرخاء والراحة، ومنه قوله: {فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ} [يونس: 92]، أي نلقيك على نجوة (¬7). وقوله تعالى: {مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ} (¬8). اختلف أهل العربية في (الآل)، ¬
واشتقاقه من اللغة، وأصله. فقال جماعة: أصله (¬1) من (¬2) الأَوْل بمعنى الرجوع، فال الرجل كأنه شيعته الذين يؤولون إليه ويؤول إليهم، ومن هذا سمى السراب (آلا)، لأنه يتردد كأنه يرجع بعضه إلى بعض كالماء، وآل الرجل: شخصه، لأنه يتردد معه لا يفارقه، والآلة: الحالة (¬3) في قول الخنساء (¬4): سأَحْمِلُ نَفْسِي عَلَى آلَةٍ ... فَإِمَّا عَلَيْهَا وَإِمَّا لَهَا (¬5) لأنها تنقلب فتعود تارة إلى إنسان وتذهب تارة، هذا معنى الآل في اللغة. ثم شبه بآل الرجل أشياء تسمى بهذا الاسم وإن لم فيه معنى الأول، كعمد الخيمة (¬6) تسمى آلا، تشبيها بآل الإنسان. وآل البعير: ألواحه (¬7)، ¬
وقال (¬1) الشاعر: تَعَلَّمْتُ با جاد (¬2) وآلَ مُرَامِرٍ ... وَسَوَّدْتُ أَثْوابِي وَلَسْتُ بِكَاتِبِ (¬3) ومرامر رجل وضع الهجاء، فسمى حروف الهجاء آل مرامر. ويقال للحواميم آل حم، ومنه قول الكميت: وَجَدْنَا لَكُمْ فِي آلِ (¬4) حم آيةً ... فَأَوَّلَهَا (¬5) مِنَّا تَقِيٌّ وَمُعْرِبُ (¬6) فعلى قول هؤلاء (¬7) تصغير الآل (أُويَلْ)، حكاه الفراء عن الكسائي (¬8)، وكان أصله همزتان، فعوضت من أحدهما مدة. ¬
وقال أبو الفتح الموصلي (آل) (¬1) أصله: أهل، ثم أبدلت الهاء همزة، كما قيل: هَنَرْتُ الثوب (¬2) وأنَرْتُه، وإياك وهِيَّاك. فصار: (أَأْل) فلما توالت الهمزتان، أبدلت الثانية ألفا، كما قالوا: آدم وآخر، وفي الفعل: آمن ونحوه. فالألف في (آل) (¬3) بدل من بدل (¬4) من الأصل (¬5)، فجرت في ذلك مجرى التاء في القسم، فلذلك لا يستعمل (آل) في كل موضع يستعمل فيه (أهل) فلا يقال: انصرف إلى آلك، كما يقال: انصرف إلى أهلك، وكذلك لا يقال: آلك والليل، كما يقال أهلك والليل، وغير ذلك مما يطول ذكره. بل خصوا بالآل الأشرف والأخص دون الشائع الأعم، حتى لا يقال إلا في نحو قولهم القراء آل الله، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد (¬6)، {وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ} [غافر: 28]، وكذلك ما أنشده أبو العباس للفرزدق: ¬
نَجَوْتَ وَلَمْ يَمْنُنْ عَلَيْكَ (¬1) طَلاَقَةً ... سِوى رَبِذِ (¬2) التَّقْرِيبِ مِنْ آلِ أَعْوَجَا (¬3) لأن أعوج فيهم فرس (¬4) مشهوَر، فلذلك قال: آل أعوج، ولا يقال: آل الخياط كما يقال: أهل الخياط، ولا آل الإسكاف (¬5) كما يقال: أهل الإسكاف. كما أن التاء في القسم لما كانت بدلا من بدل (¬6) وكانت فرع الفرع اختصت بأشرف الأسماء وأشهرها، وهو الله (¬7) عز اسمه. ولا يجوز أن يكون، ألف (آل) بدلا من الهاء، لأن الهاء لم تقلب ألفا في غير هذا الموضع، فيقاس (¬8) هذا عليه، وإنما تقلب الهاء همزة (¬9) كما ذكرنا (¬10). ¬
وهذا الذي ذكره أبو الفتح مذهب البصريين، ويقولون في التصغير: (أُهَيْل) (¬1) بالهاء. فمعنى (آل فرعون) أتباعه وأهل دينه (¬2). (وفرعون) اسم لملوك العمالقة، كما يقال لملك الروم: (قيصر)، ولملك الفرس: (كسرى) ولملك الترك (خاقان) (¬3). وقال بعض أهل اللغة: فرعون بلغة القبط، وهو التمساح (¬4)، ويقال: تفرعن الرجل إذا تشبه بفرعون في سوء أفعاله (¬5). وقوله تعالى: {يَسُومُونَكُمْ}. (السوم) أن تُجشّم (¬6) إنساناً مشقةً وسوءاً أو ظلماً (¬7). وقال شمر: ساموهم سوء العذاب، أي: أرادوهم به. ¬
وقيل: عرضوا عليهم من السوم الذي هو عرض السلعة على البيع (¬1). وقال أبو عبيدة: يسومونكم: يولونكم، يقال: سُمْته الذل، أي: أوليته إياه (¬2). و {سُوءَ العَذَابِ}: ما ساءهم، والسوء اسم جامع للآفات والدواء (¬3). والزجاج وغيره: سوء العذاب: شديد العذاب (¬4)، وقد فسره بقوله: {يُذَبِّحُونَ أَبْنَائَكُمْ}. وأصل الذبح في اللغة: الشق (¬5)، ومنه: فَأْرَةَ مِسْكٍ ذُبِحتْ فِي سُكِّ (¬6) وقال الهذلي (¬7): ¬
نَامَ الخَلِيُّ وَبِتُّ اللَيْلَ مُشُتَجِراً (¬1) ... كَأَنَّ عَيْنَيَّ فِيهَا الصَّابُ مَذْبُوحُ (¬2) أي: مشقوق. والذُبَاح والذُّبَّاح بالتخفيف والتشديد تشقق (¬3) في الرجل (¬4). ومن هذا سمى الكوكب: (سعدٌ الذَّابح)، لأنه يطلع في وقت يحدث فيه الشقاق في الرجل لأجل البرد (¬5)، ولهذا تقول العرب: إذا طلع الذابح انجحر النابح. وسمي فري الأوداج ذبحاً، لأنه نوع شقّ، والتفعيل على التكثير (¬6). و (الأبناء) جمع ابن. قال الزجاج: وأصله: بَنَا (¬7) أو بِنْوٌ، فهو يصلح ¬
أن يكون (فِعْل)، وبَنَا أصله يكون بَنَوَ (¬1)، وإنما صارت ألفا، لأنها سكنت لتحرك ما قبلها ثم جرتها الفتحة التي قبلها فصيرتها ألفا، ومثله: قفا ورحا. قال: فالذين قالوا: (بنون) كأنهم جمعوا (بَنا) والذين قالوا: (أبناء) كأنه جمع (بِنْوُ)، مثل: حِنْو وأحناء وقِنْو وأقناء (¬2). قال أبو علي (¬3) لا يجوز في (ابن) أن يكون وزنه (فِعْلا) لأنه لا دلالة ¬
على أن الفاء منه مكسورة، بل الدليل قد قام على أن الفاء مفتوحة، وذلك قولهم: (بَنُون) فلو كان أصله: (بِنْوٌ) لأن (أَفْعال) لا تختص بجمع (فِعْل) (¬1) بل تكون (¬2) -أيضا- جمعا لـ (فُعْل) و (فَعَل) و (فِعَل) و (فَعُل) (¬3)، و (فَعِل) نحو: بُرْد (¬4) وأَبْراد، وقَتَبٍ (¬5)، وأَقْتَاب، وعِنَب وأَعْنَاب وعَضُد وأَعْضَاد، ونَمِر وأَنْمَار، فيلزمه أن يجيز في أصله هذه الأبنية، لأنها تجمع على (أَفْعَال) كما يجمع (فِعْل)، فليس (أَفْعَال) بدليل على أن (ابن) أصله فِعْل). فأما العين فالدليل على أنها مفتوحة أيضا قولهم في جمعه (أبناء) (¬6)، و (أَفْعَال) بابه أن يكون لـ (فَعَل) (¬7) نحو: جَبَل. وليس يجب أن يعدل بالشيء عن أصله وبابه حتى يقوم دليل يسوغ ذلك، ولم نعلم شيئا دل على أن العين ساكنة من (ابن) وعلمنا أنه ينبغي أن تكون متحركة لقولهم: (أَفْعَال) (¬8). ¬
ولا دلالة في قولهم: (بنت) على أن (ابنا) وزنه (فِعْل) لأن (بنتا) من (ابن) ليست كصعبة من صعب، فيحكم بأن (الفاء) من ابن مكسورة كما كان (¬1) في بنت مكسورة، لأن هذا البناء أعني: بناء (بنت) صيغ للتأنيث على غير بناء التذكير، فهو كحمراء من أحمر، غُيِّر بناء التأنيث عما كان يجب أن يكون عليه في أصل التذكير، وأبدل من الواو تاء، وألحق الاسم بِنِكْس (¬2) وجذْع وما أشبه ذلك. فأما بنات في جمع بنت فهو مما يدل على ما قلنا من أصل الفاء من (ابن) الفتح، وَرُدَّ في الجمع إلى أصل بناء المذكر، كما رد (أخت) إلى أصل بناء المذكر، فقيل: أخوات، لأن أصل المذكر من كل واحد منهما (فَعَل)، فكما ردوا الحرف الأصلي في جمع (الأخت) وهو الواو فقالوا: (أخوات)، كذلك ردت الحركة التي كانت في أصل بناء المذكر في (ابن)، وقالوا: بنات (¬3). قال أبو علي: والمحذوف من (ابن) (الواو) دون (الياء) (¬4)، الدليل على ذلك: أن المحذوف إذا أريد أن يعلم ما هو؟ نظر في التثنية أو ¬
الجمع (¬1)، أو فعل مأخوذ من ذلك اللفظ، أو جمعه المكسر، فإن وُجد في أحد ذلك واو أو ياء، حكم أن المحذوف هو ما يظهر في أحد هذه الأشياء. كما حكمت بـ (إخوة) أن المحذوف من (أخ) واو (¬2)، وبـ (غدوت) أن المحذوف من (غد) واو، وبـ (دَمَيَان) أن المحذوف من (دم) ياء، وبـ (يدين) أن المحذوف من (يد) ياء. وليس في (الابن) (¬3) شيء يستدل به على أن المحذوف (ياء) أو (واو)، فوجب أن يحمل على نظيره، ونظيره (أخت)، لأنه صفة ألحقت في التأنيث بـ (قُفْل) (¬4)، كما ألحقت (بنت) بـ (عِدْل). والمحذوف من (أخت) الواو لقولهم: (إخوة) (¬5) كذلك ينبغي أن يكون المحذوف من (بنت) الواو. وأيضًا فإن التاء في (بنت) ليست علامة للتأنيث (¬6)، وإنما هي بدل من اللام، لأنها لو كانت علامة للتأنيث لانفتح ما قبلها، كما ينفتح ما قبلها في غير هذا الموضع، نحو: طلحة وحمزة وتمرة، فلما لم تنفتح (¬7) علمنا أنه بدل، وإبدال التاء من الواو كثير، كالتاء في أخت، وكذلك في كلتا (¬8)، ¬
وكذلك مثّله سيبويه (¬1) بِشَرْوى. ونذكر الكلام في (كلتا) إذا انتهينا إليه إن شاء الله. فإن قيل: لو كان الأمر على ما قلتم، لقيل في جمع الأخت والبنت: أختات وبنتات، فلما حذفوا التاء في الجمع دل أنها للتأنيث، وكذلك حذفهم إياها عند النسبة إليها يدل على أنها للتأنيث، كما قالوا: طلحات وطلحي. قلنا: هذا البناء الذي وقع [إلحاق] (¬2) التاء (¬3) فيه، وإنما وقع في بناء المؤنث دون بناء المذكر، فصار البناء في الموضعين لذلك، لا لأنه للتأنيث، وغُيِّر البناء في هذين الموضعين وَرُدَّ إلى التذكير من حيث حذفت علامة (¬4) التأنيث في هذين الموضعين، لأن الصيغة قامت مقام العلامة، فكما غُيِّرت (¬5) ما فيه علامة بحذفها، كذلك غُيِّرت هذه الصيغة بردها إلى المذكر، وإذ (¬6) كانت الصيغة قد قامت مقام العلامة، فمن حيث وجب أن يقال: طَلْحَات وطَلْحِيّ، وجب أن يقال: أَخوَات وأَخَوَيّ. ¬
وتعقب أبو الفتح هذه المسألة (¬1) وزاد بياناً فقال: قد أبدلت التاء من الواو (لاماً) في: أخت وبنت، وأصلهما أخوة وبِنْوَة، فنقلوا، ووزنهما (¬2): (فَعَل) إلى (فُعْل) و (فِعل) وألحقوهما بالتاء (¬3) المبدلة من لامهما (¬4) بوزن (قُفْل) و (حِلْس)، فقالوا: أخت وبنت، وليست التاء فيهما بعلامة التأنيث كما يظن من لا خبرة له بهذا الشأن، لسكون ما قبلها، هكذا مذهب سيبويه، وهو الصحيح، وقد نص عليه في باب مالا ينصرف، فقال: لو سميت بهما رجلا لصرفتهما معرفة، ولو كانت للتأنيث لما أنصرف الاسم (¬5). وعلامة التأنيث في الأخت والبنت صيغتهما (¬6) وهو بناؤهما على ¬
(فُعْل) و (فِعْل) وأصلهما (فَعَل) وإبدال الواو فيهما لاما، وهذا عمل اختص به المؤنث، لأنه لم يوجد إلا في هذين وفي كلتا (¬1)، ويدل أيضا على إقامتهم (البنت) (¬2) مقام ما فيه (¬3) العلامة الصريحة، وتعاقبهما على الكلمة الواحدة، وذلك نحو: ابنة وبنت، فالصيغة في (بنت) قامت مقام (الهاء) في ابنة، فكما أن (الهاء) علم تأنيث لا محالة، وكذلك صيغة (بنت) علم تأنيث لا محالة، وليس (ابن) من (بنت)، كصعب من صعبة (¬4)، إنما نظير صعبة من صعب ابنة من ابن. ويدل على أن (ابن) (¬5) و (أخ) (فَعَل) مفتوحة، جمعهم إياهما على أَفْعَال نحو أبناء وآخاء، حكى سيبويه (¬6) (آخاء) عن يونس. قال أبو إسحاق: والأخفش يختار أن يكون المحذوف من ابن (الواو). قال (¬7): والبُنُوَّة (¬8) ليس بشاهد قاطع للواو، لأنهم يقولون: الفُتُوَّة، ¬
والتثنية (¬1): فتيان، فابن يجوز أن يكون المحذوف منه (الواو) (¬2) و (الياء)، وهما عندنا متساويان. وأبو علي ينكر أن يكون المحذوف الياء دون الواو (¬3)، وقد دل فيما ذكرنا من كلامه أن المحذوف هو الواو. فأما إدخال ألف الوصل في (ابن)، فإنما أدخلت كما أدخلت في الاسم، وقد فرغنا منه في أول الكتاب (¬4). قوله تعالى: {وَيَسْتَحْيُونَ نِسَائَكُمْ}. (يستحيون) يستفعلون من الحياة، ومعناه: يَسْتَبْقُونهن (¬5)، ولا يقتلونهن (¬6)، ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم -: "اقتلوا شيوخ المشركين واستحيوا شرخهم" (¬7). واسم النساء يقع على الكبار والصغار، وذلك أنهم كانوا يستبقون البنات (¬8) لا يقتلونهن. ¬
وقيل: سمى البنات نساء على تقدير أنهن يكن نساء، وقيل: جمع الكبار والصغار بلفظ النساء، لأنهم كانوا يستبقون جميع (¬1) الإناث، فجرى اللفظ على التغليب كما يطلق الرجال على الذكور وإن كان فيهم صغار (¬2). فإن قيل: فما في استحياء النساء من سوء العذاب؟ قيل: إن استحياء النساء على ما كانوا يعملون بهن أشد في المحنة من قتلهن، لأنهن يستعبدن وينكحن على الاسترقاق، والاستبقاء للإذلال استبقاء محنة (¬3). قوله تعالى: {وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ}. البلاء: اسم ممدود من البلو، وهو الاختبار والتجربة (¬4). يقال: بَلاَه يَبْلُوه بَلْواً إذا جَرَّبَه، وَبَلاَه يَبْلُوهُ بَلْواً إذا ابتلاه الله ببلاء (¬5). قال أبو الهيثم: البلاء يكون حسنا ويكون سيئا، وأصله: المحنة، والله عز وجل يبلو عباده بالصنيع الحسن، ليمتحن شكرهم عليه، ويبلوهم بالبلوى الذي يكرهون، ليمتحن صبرهم، فقيل للحسن: بلاء، وللسيئ: بلاء (¬6) لأن أصلهما: المحنة، ومنه قوله: {وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ} ¬
[الأعراف: 168]، وقال: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً} (¬1) [الأنبياء: 35]، وقال في الخير: بلاه الله، وأبلاه (¬2). قال زهير: (¬3) جَزى اللهُ بِالْإِحْسَانِ مَا فَعَلاَ بِكُم ... وَأَبلاَهُمَا خَيْرَ البَلاَءِ الذي يَبْلُو (¬4) أي: صنع بهما خير الصنيع الذي يبلو به عباده (¬5). قال الليث: ويقال من الشر أيضا يُبْلِيه إِبْلاَء (¬6). والذي في هذه الآية يحتمل الوجيهن، فإن حملته على الشدة، كان معناه: في أستحياء البنات للخدمة وذبح البنين بلاء ومحنة (¬7). وهو قول ابن ¬
50
عباس من رواية عطاء والكلبي (¬1). وإن حملته على النعمة، كان المعنى: وفي (¬2) تنجيتكم من هذه المحن نعمة عظيمة، وهو قول مجاهد والسدي (¬3)، ومثل هذا في احتمال الوجهين، قوله في قصة إبراهيم: {إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ} [الصافات: 106]. 50 - قوله تعالى: {وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ} وذلك (¬4) أن الله تعالى فرق ¬
البحر اثني عشر طريقا، حتى خاض بنو إسرائيل، وكان (¬1) ذلك فرقا بهم، لأنهم كانوا حشو البحر، والماء منفصل بعضه عن بعض، وهم يمرون فيما بينه (¬2). وأما (البحر) فقال الليث: سمي بحراً لاستبحاره، وهو سعته وانبساطه، ويقال: استبحر فلان في العلم، إذا اتسع فيه، وتبحر الراعي في رعي كثير، وتبحر فلان في المال (¬3). وقال غيره: سمي البحر بحراً، لأنه شق في الأرض، والبحر: الشق (¬4)، ومنه البحِيرَة (¬5). ¬
أبو عبيد، عن الأموي (¬1): أن البحر: هو الملح (¬2)، ويقال: أبحر الماء، أي صار ملحا (¬3). قال نُصَيْب (¬4): وَقَدْ عَادَ مَاءُ الأَرْضِ بَحْراً فَرَدَّنِي ... إِلَى مَرَضِى أَنْ أَبْحَرَ المَشْربُ العَذْبُ (¬5) وقوله تعالى: {وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ}. ولم يذكر غرق فرعون نفسه، لأنه قد ذكره في مواضع كقوله: {فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا} [الإسراء: 103]. ويجوز أن يريد بآل فرعون نفسه (¬6)، وبيان هذا (¬7) يذكر عند قوله: {مِمَّا ¬
51
تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ} [البقرة: 248]، إن شاء الله. وقوله تعالى: {وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ}. وذلك أنهم لما خرجوا من (¬1) البحر رأوا انطباق البحر على فرعون وقومه. وقال محمد بن جرير: (وأنتم تنظرون) إلى فرق الله البحر وإنجائكم من عدوكم (¬2). 51 - قوله تعالى: {وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} الآية. يقال: وَعَدْتُه وَعْدَا وعِدَةً (¬3) وَموْعِداً وَموْعِدةً (¬4)، قال الله: {إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ} [التوبة: 114]، وقال: {وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا} [الكهف: 59]. ويقال: وعدني الخير والشر (¬5)، قال الله تعالى: {أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا} [طه: 86] {النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا} [الحج: 72]. فأما الإيعاد فهو في التهديد. قال الشاعر: أَوْعَدَنِي بِالسِّجْنِ والْأَداَهِمِ (¬6) ¬
والوعيد كالإيعاد، قال الله تعالى: {ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ} [إبراهيم: 14] وأكثر ما يستعمل الإيعاد بالباء (¬1)، فيقال: أوعدته بالشر، ويجوز أن تقول (¬2) أوعدته، من غير ذكر الشر، ولا يكون إلا في الشر (¬3). والميعاد من: الوعد (¬4) [لأنه لم يرد في الخير (¬5)، ولذلك قلنا: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ} [آل عمران: 9]، (¬6) ويجوز أن يخلف الوعيد فيكون ذلك منه كرما (¬7). و (الوعد) (¬8) يتعدى إلى مفعولين، ويجوز أن يقتصر على أحدهما كأعطيت، وليس كظننت، قال الله تعالى: {وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ} [طه: 80]، فـ (جانب) مفعول ثان، ولا يكون ظرفا لاختصاصه (¬9)، والتقدير: ¬
وعدناكم إتيانه أو مكثًا (¬1) فيه. [وقوله: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ} [المائدة: 9] (¬2) وقوله: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ} [النور: 55] (¬3) فإن الفعل لم يعد منه (¬4) إلى مفعول ثان، وقوله: {لَهُمْ مَغْفِرَةٌ} و {لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ} تفسير للوعد وتبيين له كقوله: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} [النساء: 11] فقوله: {لِلذَّكَرِ} تبيين للوصية، وليس بمفعول ثان، وقوله (¬5): {أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا} [طه: 86] وقوله: {إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ} [إبراهيم: 22] فإن هذا ونحوه يحتمل أمرين: يجوز أن يكون انتصاب الوعد بالمصدر. ويجوز أن يكون انتصابه بأنه المفعول الثاني. وسمي الموعود به وعدا (¬6)، كما سمي المخلوق خلقاً. ¬
وقوله (¬1): {وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ} [الأنفال: 7] فـ {إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ} في موضح نصب بأنه المفعول الثاني و {أَنَّهَا لَكُمْ} بدل منه، والتقدير: وإذ يعدكم الله ثبات إحدى الطائفتين أو ملكها (¬2). فأما قوله: {وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} (¬3) فتعلق (الأربعين) بالوعد على أنه المفعول الثاني لا بالظرف، لأن الوعد لم يكن في جميع الأربعين كلها، ولا في بعضها، وإنما الوعد تقضي الأربعين، والتقدير: وعدنا موسى انقضاء أربعين ليلة أو تتمة أربعين ليلة، فحذفت المضاف، كما تقول: اليوم خمسة عشر من (¬4) الشهر، أي تمامه (¬5). ويكون في الكلام محذوف به يتم (¬6) المعنى، كأنه قال: وعدناه انقضاء أربعين ليلة للتكلم (¬7) معه، أو لإيتائه التوراة أو ما أشبه هذا. ¬
واختلف القراء في قوله تعالى: {وَاعَدْنَا} فقرأ أكثرهم (¬1) بالألف من المواعدة، لأن ما كان من موسى من قبول الوعد والتحري لإنجازه والوفاء به يقوم مقام الوعد، وإذا كان كذلك حسن القراءة بـ (واعدنا) لثبات التواعد من الفاعلين، كما قال: {وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا} (¬2) [البقرة: 235] و-أيضا- فإن المفاعلة قد تقع من الواحد كسافر، وعافاه الله (¬3)، وقد مر (¬4). وقرأ أبو عمرو (¬5) (وعدنا) لكثرة ما جاء في القرآن من هذا القبيل بغير ألف، كقوله: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا} (¬6)، {أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ} [طه: 86]، {وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ} [الأنفال: 7]، {إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ} [إبراهيم: 22]، {وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ} [الفتح: 20]، فرد المختلف في إلى المتفق عليه (¬7). ¬
وأما (أربعين) فقال أبو الفتح الموصلي (¬1): إن العقود من (عشرين) إلى (تسعين) كأن (عشرين) جمع (عِشْر)، و (ثلاثين) جمع (ثلاث)، و (أربعين) جمع (أربع). وليس الأمر كذلك؛ لأن (العِشْر) غير معروف إلا في أظماء الإبل (¬2)، ولو كان (ثلاثون) جمع (ثلاثة) (¬3) لوجب أن يستعمل في (تسعة) وفي (اثني عشر) وفي كل عدد الواحد من تثليثها (ثلاث) (¬4). وكذلك القول في (أربعين) و (خمسين) إلى (التسعين) فقد ثبت بهذا أن (أربعين) ليس جمع (أربع) وكذلك سائر العقود، ولكنه جار مجرى (فلسطين) و (قِنَّسْرين) (¬5) في أنه اسم واحد لهذا العدد المخصوص (¬6)، ¬
ولكنه أشبه في الظاهر أنه جمع (أربع) ولو اعتقد له واحد مفرد وإن لم يجز به استعمال كان (أربعا)، (أربع) جماعة فكأنه قد كان ينبغي أن يكون فيه (الهاء) فعوض من ذلك (¬1) الجمع بالواو والنون، وعاد الأمر فيه إلى قصة (أرض) و (¬2) (أرضون) (¬3)، وقد ذكرنا الكلام فيه (¬4). وقال غيره: إنما جمعوا (¬5) بالواو والنون، لأنه يقع على ما يعقل وعلى ما لا يعقل، وإذا اجتمعا فالذي يعقل أولى بالغلبة، فجمعوه جمع ما يعقل. وقوله تعالى: {لَيْلَةً} (¬6) ولم يقل: (يوما) لأن عدد الشهور (¬7) يحسب من لياليها، وشهور العرب وضعت على سير القمر، والهلال يهل بالليل (¬8). ¬
وقوله (¬1) تعالى: {ثُمَّ أتَّخَذتُمُ العِجلَ}. يقال: اتّخذ يتّخذ، وتَخِذَ يتخذ (¬2)، قال الله تعالى: {لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا} [الكهف: 77] (¬3). قال الشاعر (¬4): وقد تخِذَتْ رجلي إلى جنب غَرزها ... نسيفاً كأُفحوص (¬5) القطاة المطرِّقِ (¬6) و (تخذ) (¬7) من (اتخذ) مثل تقي من اتقى وقد مرّ (¬8). ¬
وأما (اتخذ) فإنه على ضربين (¬1): أحدهما: أن يتعدى إلى مفعول واحد. والثاني: أن يتعدى إلى مفعولين. فأما تعديه إلى واحد فكقوله: {يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا} [الفرقان: 27] و {أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ} [الزخرف: 16] وقوله: {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً} [الفرقان: 3] (¬2)، {لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا} [الأنبياء: 17]. وأما تعديه إلى مفعولين، فإن الثاني منهما هو الأول في المعنى، كقوله: {اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً} (¬3) وقال: {لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ} [الممتحنة: 1]، {فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا} [المؤمنون: 110]. ونظير (اتخذت) في تعديه إلى مفعول واحد مرة، وإلى مفعولين: (الجعل) (¬4) قال الله تعالى: {وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ} [الأنعام: 1] أي: خلقهما (¬5)، فإذا تعدى إلى مفعولين كان الثاني الأول في المعنى، قال: {وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً} ¬
[يونس: 87]، {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً} [القصص: 41]. فأما قوله: {ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ} [البقرة: 51] وقوله: {بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ} [البقرة: 54]، {اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ} [الأعراف: 148]، {إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ} [الأعراف: 152]، فالتقدير في هذا كله: (اتخذوه إلها) فحذف المفعول الثاني (¬1). الدليل على ذلك أنه لو كان على ظاهره، لكان من صاغ عجلا، أو نجره، أو عمله بضرب من الأعمال، استحق الغضب من الله (¬2)، لقوله: {سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ} [الأعراف: 152]. و (الاتخاذ) أصله: (اأتخاذ) (¬3)، فلما التقى الهمزة التي هي الفاء مع همزة الوصل لينت فصارت (ياء) لانكسار ما قبلها، فأدغمت في (تاء) (¬4) الافتعال كقولهم: اتسروا الجزور (¬5)، وإنما هو من الميسر واليسر (¬6). ¬
وباب (الاتخاذ) يجوز أنه يكون أصله الواو كالاتزان والاتقاء و (¬1) الاتضاح؛ لأن الأخذ، قد جاء فيه لغتان (¬2)، كما قالوا: أكدت ووكدت، وأوصدت وآصدت (¬3)، وقد مر هذا مشروحاً في قوله: {هُدًى لِلمُتَّقِينَ} [البقرة:2] (¬4). واختلف القراء في هذا الحرف، فقرأ بعضهم بالإظهار (¬5)؛ لأن (الذال) ليس من مخرج (التاء) (¬6) إنما هي من مخرج (الظاء)، و (الثاء) فتفاوت ما بينهما إذ كان لكل واحد من الذال والتاء مخرج غير مخرج الآخر (¬7). وأما من (¬8) أدغم فحجته: أن هذين الحرفين لما تقاربا فاجتمعا في أنهما (¬9) من طرف اللسان وأصول الثنايا، حسن الإدغام، لقرب حيز كل واحد منهما من الحيز (¬10) الآخر. ¬
فأما معنى الآية: فإن الله تعالى نبههم بهذه الآية على أن كفرهم بمحمد - صلى الله عليه وسلم - ليس بأعجب من كفرهم وعبادتهم العجل (¬1)، وأراد به كفر سلفهم، وخاطبهم بهذا على ما بينا قبل (¬2). قال المفسرون: إن الله تعالى لما أنجى موسى وبني إسرائيل وأغرق فرعون، وآمن بنو إسرائيل من عدوهم ودخلوا مصر، لم يكن لهم كتاب ولا شريعة ممهدة، فواعد الله موسى أن يؤتيه الكتاب، فيه بيان ما يأتون (¬3) وما يذرون، وأمره أن يصوم ثلاثين يوماً، فصامه وصالاً، ولم يطعم شيئاً، فتغيرت رائحة فمه، فعمد إلى لحاء شجرة فمضغها، فأوحى الله إليه: أما علمت أن خلوف فم الصائم أطيب عندي من ريح المسك، وأمره أن يصل بها عشراً، فتم ميقات ربه أربعين ليلة، وخرج موسى من بين (¬4) بني إسرائيل تلك الأيام، فاتخذ السامري عجلاً، وقال لبني إسرائيل: هذا إلهكم وإله موسى، فافتتن بالعجل ثمانية آلاف رجل منهم، وعكفوا عليه يعبدونه (¬5)، وسنذكر طرفاً من هذه القصة في موضعها (¬6)، إن شاء الله. ¬
52
وقوله تعالى: {وَأَنتُم ظَالِمُونَ} أي: ضارون لأنفسكم، وواضعون العبادة في غير موضعها (¬1). وقيل: وأنتم ظالمون اليوم بمخالفة محمد صلى الله عليه وسلم (¬2). 52 - قوله تعالى: {ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ} قال الليث: كل من استحق عقوبة فتركته (¬3) فقد عفوت عنه (¬4). فكأن معنى العفو عنده: الترك، ومنه قوله: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ} [البقرة: 178]، أي ترك (¬5). وقال ابن الأنباري: أصل: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ} [التوبة: 43] محا الله عنك، مأخوذ من قولهم: عفت الرياح الآثار، إذا درستها ومحتها، فعفت تعفو عفوا، لفظ (¬6) اللازم والمتعدى سواء (¬7) إلا في المصدر (¬8). فعفو الله ¬
تعالى: محوه الذنوب عن العبيد (¬1). وقال بعض أصحاب المعاني: العفو في اللغة: ما فضل عن الكفاية، وسهلت النفس ببذله (¬2) ومنه قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ العَفوَ} (¬3) [البقرة: 219] أي: ما فضل عن (¬4) القوت، ثم كثر ذلك وطال ترداده حتى صار على التدريج والتراخي: الصفح (¬5) عن الشيء والإعراض عن المؤاخذة به. قال المفسرون: والمراد بالعفو في هذه الآية: قبوله التوبة من عبدة العجل، وأمره برفع السيف عنهم (¬6). وقوله تعالى: {مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ} أي من بعد عبادة العجل (¬7). وإنما وحد والخطاب (¬8) للجميع، لاتصال الخطاب بذا وهو مبهم، فمرة يجمع على الأصل في مخاطبة الجميع، ومرة يوحد على مشاكلة اللفظ، إذا (¬9) كان لفظ المبهم على الواحد، وإن كان معناه على الجمع (¬10). ¬
53
وقوله تعالى: {لَعَلَّكُم تَشكُرُونَ} إنما ذكرت هاهنا وفي سائر المواضع من القرآن نحو {ولَعَلَّكُم تَهتَدُونَ} [البقرة:53] والله عز وجل يعلم أيشكرون أم لا، على ما يفعل (¬1) العباد ويتخاطبون به، أي: أن هذا يرجى به الشكر (¬2)، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم (¬3). ومعنى الشكر في اللغة: عرفان الإحسان ونشره، وهو الشكور (¬4) أيضًا (¬5). وقال بعض أهل اللغة: معنى الشكر إظهار النعمة بالاعتراف بها، ومن هذا يقال: دابة شكور (¬6)، إذا أظهرت السمن فوق (¬7) ما يعلف (¬8). وقد ذكرنا أقسام الشكر في ابتداء الفاتحة. وأما معنى الشكور في وصف الله تعالى فمذكور وفي موضعه. 53 - قوله تعالى: {وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ} الآية. الفرقان: مصدر فرَقت بين الشيئين أفرُق فَرْقًا وفُرْقانًا، كالرجحان والنقصان، هذا هو ¬
الأصل (¬1). ثم يسمى كل فارق: فرقانًا، كتسميتهم الفاعل بالمصدر، كما سمى كتاب الله الفرقان لفصله بحججه وأدلته بين المحقّ والمبطل، وسمى الله تعالى يوم بدر: يوم الفرقان في قوله {يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ} [الأنفال: 41]، لأنه فرق في ذلك اليوم بين الحق والباطل، فكان ذلك اليوم يوم الفرقان (¬2). وقوله تعالى: {إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا} [الأنفال: 29]، أي: يفرق بينكم وبين ذنوبكم، أو بينكم وبين ما تخافون (¬3). فأما (¬4) معنى الفرقان في هذه الآية: فقال مجاهد: هو بمعنى الكتاب، وهما شيء واحد (¬5). وهو اختيار الفراء (¬6). قال: العرب تكرر الشيء إذا اختلفت (¬7) ألفاظه، قال عدي بن زيد: ¬
وأَلْفَى قَوْلَهَا كَذِبًا وَمَينَا (¬1) وقال عنترة: أَقْوَى وَأَقْفَرَ بَعْدَ أُمِّ الهَيْثَمِ (¬2) وارتضى الزجاج هذا القول، قال (¬3): لأن الله تعالى ذكر لموسى الفرقان في غير هذا الموضع وهو قوله: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ} [الأنبياء: 48]. فعلى هذا الفرقان هو الكتاب، والكتاب هو الفرقان، ولكن ذكر بلفظين مختلفين نحو ما ذكرنا. قال الزجاج: ويجوز أن يريد بالفرقان انفراق البحر (¬4)، وهو من عظيم الآيات، كأنه قيل: آتيناه فرق البحر وهذا قول يمان بن رباب (¬5). وقال ابن عباس: أراد بالفرقان النصر على الأعداء (¬6)، لأن الله عز وجل ¬
نصر (¬1) موسى وقومه. وقال حسان يذكر ذلك، يخاطب (¬2) النبي -صلى الله عليه وسلم -: فَثَبَّتَ اللهُ مَا آتاكَ (¬3) مِنْ حَسَنٍ ... تَثْبِيتَ مُوسَى وَنَصْرًا كَالَّذِي نُصِرُوا (¬4) فعلى هذا سمى نصره على فرعون وقومه فرقانًا؛ لأن في ذلك فرقًا بين الحق والباطل. وقال الكسائي: الفرقان نعت للكتاب، يريد: وإذا آتينا موسى الكتاب الفرقان، أي (¬5): الفارق بين الحلال والحرام، ثم زيدت الواو كما تزاد في النعوت فيقال: فلان حسن وطويل وسخي (¬6)، وأنشد: إِلَى المَلِكِ الْقَرْمِ وَابْنِ الهُمَامِ ... وَلَيْثِ الْكَتِيبَةِ في المُزْدَحَم (¬7) وقال قطرب: أراد بالفرقان: القرآن، وفي الآية إضمار معناه: وإذ آتينا موسى الكتاب ومحمدا الفرقان، لعلكم تهتدون بهذين الكتابين، فترك ¬
54
أحد الاسمين (¬1)، كقوله: تَرَاهُ كَأَنَّ اللهَ يَجْدَعُ أَنْفَهُ ... وَعَيْنَيْهِ إِنْ مَوْلاَهُ ثَابَ لَهُ وَفْرُ (¬2) أراد ويفقأ عينيه، فاكتفى بـ (يجدع) من يفقأ (¬3). قال ابن الأنباري: هذا البيت لا يشاكل ما احتج به؛ لأن الشاعر اكتفى بفعل من فعل، وعلى ما ذكر في الآية اكتفى من اسم باسم (¬4)، ولكنه يصح قول قطرب عندي من وجه آخر، وهو (¬5) أنه لما ذكر الفرقان وهو اسم للقرآن، دل على محمد - صلى الله عليه وسلم - فحذف اتكالًا على علم المخاطبين (¬6). 54 - وقوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ} يعني (¬7) الذين عبدوا العجل. (يا قوم) نداء مضاف حذفت منه الياء، لأن النداء باب حذف، ألا ¬
ترى أنه يحذف فيه (¬1) التنوين، ويحذف بعض الاسم للترخيم (¬2) والمنادى إذا أضفته إلى نفسك (¬3) جاز فيه ثلاث لغات (¬4) حذف الياء، وإثباتها (¬5) وفتحها (¬6)، فحذف الياء كقوله: {يَا قَوْمِ} والإثبات كقوله: {يَا عِبَادِ (¬7) فَاتَّقُونِ} (¬8) [الزمر: 16] والفتح كقوله: {يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ} [الزمر: 53] على قراءة من فتح (¬9) الياء. والأجود الحذف والاجتزاء بالكسرة (¬10)، والعرب تفعل ذلك كثيرًا في الموضع (¬11) الذي يكون (¬12) الياء ¬
فيه أصلاً، وكما أنشده (¬1) سيبويه: وَطِرْتُ بِمُنْصُلِي (¬2) فِي يَعْمَلاَتٍ ... دَوَامِي الأَيْدِ يَخْبِطْنَ السَّريِحَا (¬3) يريد: الأيدي (¬4). وأنشد أيضًا: وَأخُو الغَوَانِ مَتى يَشَأْ يَصْرِمْنَهُ ... وَيَكُنَّ أَعْدَاءً بُعَيْدَ وِدَادِ (¬5) يريد: الغواني فاجتزأ بالكسرة من الياء، والنداء بهذا أولى لأنه باب حذف. وقوله تعالى: {إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ} أي نقصتم حظ أنفسكم باتخادكم العجل إلها (¬6)، فحذف أحد المفعولين، وقد مضى بيانه (¬7). ¬
{فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ} خالقكم، يقال: برأ الله الخلق، أي: خلقهم (¬1)، وكان أبو عمرو يختلس حركة الهمزة في بارئكم كأنه مخفف الحركة ويقربها من الجزم (¬2)، وحجته في ذلك: أن الحركات على ضربين (¬3): حركة بناء، وحركة إعراب، فحركة البناء يجوز تخفيفه، وذلك نحو: سَبُع وإِبِل وضُرِبَ وعَلِمَ. يقول (¬4) في التخفيف: سَبْع وفَخْذٌ وعَلْم وضُرْب، وقد خفف من كلمتين على هذا المثال تشبيها للمنفصل (¬5) بالمتصل، وذلك نحوما أنشده أبو زيد: قَالَتْ سُلَيْمَى اشْتَرْ لَنَا دَقِيقَا (¬6) [فَنُزِّل] (¬7) مثل كتف، ولا خلاف في تجويز إسكان حركة البناء عند ¬
النحويين. وأما حركة الإعراب فمختلف في تجويز إسكانها، فمن النحويين من يقول: إن إسكانها لا يجوز، لأنها علم الإعراب، وسيبويه يجوز ذلك (¬1)، ولا يفصل بين القبيلين (¬2) في الشعر. وقد روي ذلك عن العرب، وإذا جاءت الرواية لم ترد بالقياس (¬3)، فمما أنشده في ذلك قوله (¬4): وَقَدْ بَدَا (¬5) هَنْكِ مِنَ المِئْزَرِ (¬6) وقوله: فَالْيَوْمُ أَشْرَبْ غَيْرَ مُسْتَحْقِبٍ (¬7) .. البيت. ¬
وقول جرير: سِيرُوا بَنِي الْعَمِّ فَالْأَهْوَازُ (¬1) مَنْزِلُكُمْ ... وَنَهْرُ تِيرَى وَلَا تَعْرِفْكُمُ (¬2) الْعَرَبُ (¬3) وجاز إسكان حركة الإعراب كما جاز إسكان (¬4) حركة البناء في نحو ما ذكرنا. والذي ذهب إليه أبو عمرو هو إسكان حركة الإعراب (¬5). فأما من زعم أن حذف هذه الحركة لا يجوز من حيث كانت عَلَمًا للإعراب، فليس قوله بمستقيم، وذلك أن حركات (¬6) الإعراب قد تحذف لأشياء (¬7)، ألا ترى أنها تحذف للوقف، وتحذف من الأسماء والأفعال ¬
المعتلة. فإذا جاز حذفها في هذه المواضع، جاز حذفها فيما ذهب إليه سيبويه، وهو التشبيه بحركة البناء، والجامع بينهما أنهما جميعا زائدتان، وأن حركة الإعراب قد تسقط في الوقف والاعتلال، كما تسقط التي للبناء للتخفيف. واعلم أن الحركات التي تكون للبناء والإعراب يستعملون في الضمة والكسرة منهما على ضربين: أحدهما: الإشباع والتمطيط، والآخر: اللاختلاس والتخفيف. وهذا الاختلاس والتخفيف، إنما يكون في الضمة والكسرة، وأما الفتحة (¬1) فليس فيها إلا الإشباع ولم تخفف الفتحة بالاختلاس، كما لم تخفف بالحذف (¬2) من نحو: جَمَل وجَبَل، كما حذف (¬3) من نحو: سَبُع وكَتِف، وكما (¬4) لم يحذفوا الألف في الفواصل من حيث حذفت الياء والواومنها، نحو: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ} [الفجر: 4]. وكما لم يبدل الأكثر من التنوين الياء والواوفي الجر والرفع كما أبدلوا (¬5) منه في النصب، فهذا الاختلاس وإن كان الصوت فيه أضعف من التمطيط وأخفى، فإن الحرف المختلس حركته بزنة المتحرك، وعلى هذا حمل سيبويه قول أبي عمرو {إِلَى بَارِئِكُمْ} فذهب إلى أنه اختلس الحركة ولم يشبعها، فهو بزنة حرف متحرك (¬6). ¬
وفي الآية إضمار واختصار، كأنه لما قال لهم: {فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ} قالوا: كيف؟ فقال (¬1): {فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} (¬2). قال أبو العباس: أصل القتل: إماتة الحركة (¬3). ومنه يقال: قتلت الخمر إذا (¬4) مزجتها بالماء، لأنك كسرت شدتها، كأنك قتلت حركتها، قال حسان: إِنَّ الَّتِي نَاوَلْتَنِي فَرَدَدْتُهَا قُتِلَتْ ... قُتِلَتْ فَهَاتِهَا (¬5) لَمْ تُقْتَلِ (¬6) وتقول (¬7): قتلته علما: إذا أتقنته وتحققته، وذلك أنك أزلت اضطرابه في نفسك. وقلب مُقَتَّل: إذا ذلل بالعشق (¬8)، ومنه قوله: ...... أَعْشَارِ (¬9) قَلْبٍ مُقَتَّلِ (¬10) ¬
وكذلك المُقَتَّل من الدواب: المذلل بكثرة العمل (¬1). قال زهير. كَأَنَّ عيْنَيَّ فِي غَرْبَيْ مُقَتَّلَةٍ ... مَن النَّوَاضِحِ تَسْقِي جَنَّةً (¬2) سُحُقَا (¬3) [قوله: جنة سُحُقا قال أبو علي (¬4): أراد نخيل جنة, لأن السحق يكون من صفة النخيل لا من صفة الجنة, وهي التي بسقت فطالت] (¬5). ومعنى قوله: {فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} أي: ليقتل البريء المجرم (¬6) , وجاز هذا؛ لأن من قتل أخاه أباه (¬7) وجاره وحليفه (¬8) فكأنه قتل نفسه، ومنه ¬
قوله: {فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ} (¬1) [البقرة: 191] أي: قتلوا منكم بعضكم الذين هم كأنفسكم (¬2). وقال بعض أهل المعاني: معنى (فاقتلوا أنفسكم) أي: استسلموا للقتل، فجعل استسلامهم للقتل قتلًا منهم لأنفسهم على التوسع (¬3)، فعلى هذا لا تحتاج إلى تأويل الأنفس. وقوله تعالي: {ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ} أي: توبتكم خير لكم عند بارئكم من إقامتكم على عبادة العجل (¬4)، والإشارة في ذلك تعود إلى القتل (¬5)، وهو توبتهم، وقيل (¬6): معناه: توبتكم خير لكم، أي فعل خير، لأنه يثيبكم عليه، وليس "خير" على طريق المبالغة والتفضيل (¬7)، وذلك أن ¬
55
خيرًا يستعمل بمعنيين: أحدهما: التفضيل، وقال: فلان خير من فلان، أي أفضل، وهذا يحتاج معه إلى من. والثاني: بمعنى الفاضل، يقال أردت خيرا، أو فعلت خيرا (¬1). قال ابن عباس: أبي الله عز وجل أن يقبل توبة عبدة العجل إلا بالحال التي كره من لم يعبد العجل، وذلك أنهم كرهوا أن يقاتلوا عبدة العجل على عبادة العجل فجعل الله توبتهم أن يقتلهم هؤلاء الذين كرهوا قتالهم (¬2)، والقصة فى ذلك معروفه مشهورة. وقوله تعالى: {فَتَابَ عَلَيْكُمْ} في الآية اختصار، تقديره: ففعلتم ما أمرتم به (¬3)، فتاب عليكم (¬4). 55 - قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً} قال ابن عباس: حتى نراه علانية (¬5)، وقال قتادة: عيانا (¬6). وقد تكون الرؤية غير جهرة كالرؤية في النوم (¬7)، وكرؤية القلب، فإذا قيل (¬8): رآه ¬
جهرة، لم يكن إلا على رؤية العين على التحقيق دون التخييل (¬1). قال أهل اللغة: معنى قوله: جهرةً أي غير مستتر عنَّا بشيء، وأصل الجهر في اللغة: الكشف والإظهار، يقال: جهرت البئر، إذا كشفت الطين عن الماء ليظهر الماء (¬2)، قال: إِذَا وَرَدْنَا آجِنًا جَهَرْنَاه ... أَو خَالِيًا مِنْ أَهْلِهِ عَمَرْنَاهْ (¬3) أبو زيد يقال: جهرت بالقول أجهر به، إذا أعلنته، وجاهرني فلان جِهَارًا أي (¬4) عَالَنَنِي، والجهر: العلانية (¬5). والجَهَارَةُ: ظهور الجَمَال (¬6) وأنكشافه ببياض اللون (¬7)، قال الأعشى: وَسَبَتْكَ حِيَنَ تَبَسَّمتْ ... بَيْنَ الأَرِيكَةِ والسِّتَارَهْ بِقَوَامِهَا الحَسَنِ الَّذِي .. جَمَعَ المَدَادَةَ (¬8) والجَهَارَةْ (¬9) ¬
فالجهرة في هذه الآية: فعلة من الجهر، وهو مصدر يراد به المفعول (¬1). وقوله تعالى: {فَأَخَذَتكُمُ الصَّاعِقَةُ} يعني ما تصعقون منه، أي: تموتون، لأنه قال: {ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ} [البقرة: 56]. وقال مقاتل: الصاعقة: الموت (¬2)، ومضى الكلام في الصاعقة (¬3). قال المفسرون: إن الله تعالى أمر موسى أن يأتيه في ناس من بني إسرائيل يعتذرون إليه (¬4) من عبادة العجل، فاختار موسى سبعين رجلًا من خيارهم، وخرج بهم إلى طور سيناء، وسمعوا كلام الله، وكان موسى إذا ¬
كلمه ربه وقع على وجهه نور ساطع، لا يستطيع أحد من بني آدم (¬1) أن ينظر إليه، ويغشاه عمود من غمام. فلما فرغ موسى وانكشف الغمام (¬2)، قالوا له: لن نؤمن لك، أي: لن نصدقك، حتى نرى الله جهرة، فأخذتهم الصاعقة، وهي نار جاءت (¬3) من السماء فأحرقتهم (¬4) جميعًا. {وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ} يريد نظر بعضهم إلى بعض عند نزول الصاعقة (¬5)، قاله (¬6) ابن زيد. وإنما أخذتهم الصاعقة؛ لأنهم امتنعوا من الإيمان بموسى بعد ظهور معجزته حتى يريهم ربهم جهرة، والإيمان بالأنبياء واجب بعد ظهور معجزتهم، ولا يجوز لهم اقتراح المعجزات عليهم، فلهذا (¬7) عاقبهم ¬
56
الله (¬1)، ولما كان سؤال موسى إيمانًا منه وتصديقًا واشتياقًا لم يعاقب عليه، وهؤلاء سألوه (¬2) شاكّين منكرين متعنتين فعوقبوا عليه. وقال بعضهم: إن أصحاب موسى اعتقدوا إحالة الرؤية (¬3) على الله فعلقوا إيمانهم على الرؤية (¬4): ومرادهم: لن نؤمن لك قط، كقوله: {حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ} [الأعراف: 40]، فلهذا عاقبهم الله عليه. وهذه الآية تتضمن التوبيخ لهم على مخالفة الرسول عليه السلام مع قيام معجزته، كما خالف أسلافهم [موسى مع ما أتى به من الآيات الباهرة، والتحذير لهم أن ينزل بهم كما نزل بأسلافهم] (¬5). 56 - قوله تعالى: {ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} الآية. البعث في كلام العرب على وجهين: أحدهما: الإرسال كقوله: {ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى} (¬6) [الأعراف: 103, يونس:75]. ¬
والثاني: إثارة بارك أو قاعد، يقال: بعثت البعير عن مبركه، وبعثت النائم، ونشر الميت: بعث، لأنه كبعث النائم، وذلك إثارته عن مكانه (¬1). قال قتادة: بعثهم الله ليستوفوا بقية آجالهم وأرزاقهم (¬2)، ولو ماتوا بآجالهم لم يبعثوا، ولكنه كان ذلك الموت عقوبة لهم على ما قالوا. وقال ابن الأنباري: كل موت حصل البعث بعده في الدنيا كهذا، وكقوله: {فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ (¬3) مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ} [البقرة: 243] يكون حكمه حكم النوم، ويجري مجرى موت النائم؛ لأن الله تعالى أثبت للخلق الإماتة في دار الدنيا مرة واحدة (¬4)، وهوقوله: {قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} (¬5) [الجاثية: 26]. قال الزجاج: والآية احتجاج على مشركي العرب الذين كفروا بالبعث، واحتج النبي - صلى الله عليه وسلم - بإحياء من بعث بعد موته في الدنيا فيما يوافقه اليهود والنصارى (¬6). ¬
57
وقوله تعالى: {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} أي نعمة البعث (¬1)، وقيل: تأويله: لعلكم تؤمنون؛ لأن الشكر من فعل المؤمنين وصفاتهم، وأظهر الآيات الموجبة للإيمان بعثهم بعد موتهم. 57 - قوله تعالى: {وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ} الآية. معناه: سترناكم عن الشمس بالغمام (¬2). والظل (¬3) في اللغة، معناه الستر، يقال: لا أزال الله عنا ظل (¬4) فلان، أي: ستره، وظل الشجرة: سترها، ويقال لظلمة (¬5) الليل: ظل (¬6)، لأنها تستر الأشياء (¬7). ومنه قوله (¬8): {أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ} [الفرقان: 45]. قال ذوالرمة: قَدْ أَعْسِفُ النَّازِحَ الْمَجْهُولَ (¬9) مَعْسِفُهُ ... فِي ظِلِّ أَخْضَرَ يَدْعُو هَامَهُ الْبُومُ (¬10) ¬
يريد بالأخضر (¬1): الليل. قال الفراء: والظلة: ما سترك من فوق، ويقال: أظل يومنا، إذا كان ذا سحاب، لأنه يستر الشمس (¬2). الغمام جمع غمامة، وهي السحاب سمي غمامًا لأنه يغمّ السماء أي: يسترها، وكل ما ستر شيئًا فقد غمّه (¬3)، قال الحطيئة: إذَا غِبْتَ عَنَّا (¬4) غَابَ عنَّا ربيِعُنَا ... ونُسْقَى (¬5) الْغَمَامَ الْغُرَّ حِينَ تَؤُوبُ (¬6) قال شمر: يجوز أن يسمى غمامًا لتغمغمه (¬7)، وهو صوته (¬8). وقيل: ¬
سمي غمامًا، لأنه يغمّ الماء في جوفه، أي: يستره. قال المفسرون: هذا كان حين أبوا على موسى دخول بلقاء (¬1) مدينة الجبارين فتاهوا في الأرض ثم ندموا على ذلك (¬2). وكانت العزيمة (¬3) من الله أن يحبسهم في التيه، فلما ندموا لطف الله لهم (¬4) بالغمام والمن والسلوى كرامة لهم ومعجزة لنبيهم. والمن: الصحيح أنه التَّرَنْجَبِين (¬5)، وكان كالعسل الجامس (¬6) حلاوة، كان يقع على ¬
أشجارهم (¬1) بالأسحار عفوًا بلا علاج منهم، ولا مقاساة مشقة (¬2)، ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم -: "الكمأة من المن" (¬3). قال أبو عبيدة (¬4): إنما شبهها بالمن الذي كان يسقط على بني إسرائيل؛ لأنه كان ينزل عليهم عفوا بلا علاج، إنما يصبحون وهو بأفنيتهم فيتناولونه، وكذلك الكمأة لا مؤنة فيه ببذر ولا سقى. قال أبو إسحاق: جملة المن ما يمن الله به مما لا تعب فيه ولا نصب (¬5)، ¬
وأما السلوى فقال المفسرون: إنه طائر كالسمانى (¬1). قال الليث: الواحدة سلواة (¬2) وأنشد: كَمَا انْتَفَضَ السَّلْواَةُ مِنْ بَلَلِ (¬3) الْقَطْرِ (¬4) وهذا قول أكثرهم. وقال بعضهم: السلوى: العسل بلغة كنانة (¬5)، ومثله قال أبو عبيدة (¬6) وأنشد لخالد بن زهير الهذلي: وَقَاسَمَها (¬7) بالله جَهْدًا لَأَنْتُمُ ... أَلَذُّ مِنَ السَّلْوَى إِذَا مَا نَشُورُهَا (¬8) ¬
قال أبو علي الفارسي: قرئ على أبي إسحاق في مصنف القاسم (¬1): السلوى: العسل، مع بيت خالد بن زهير. فقال لنا أبو إسحاق: السلوى طائر، وغلط خالد بن زهير، وظن أنه العسل (¬2)، قال أبو علي: والذي عندي في ذلك: أن السلوى كأنه ما يسلي عن غيره لفضيلة [فيه، من فرط طيبه، أو قلة علاج ومعاناة، العسل (¬3) لا يمتنع أن يسمى سلوى لجمعه الأمرين كما يسمى الطائر] (¬4) الذي كان يسقط مع المن به. قلت: والسلوى بمعنى العسل صحيح في اللغة (¬5)، وإن أنكره أبو إسحاق، ولكن الذي في ¬
الآية المراد به الطائر، لإجماع أهل التفسير عليه. قال أبو العالية ومقاتل: بعث الله عز وجل سحابة فمطرت (¬1) السمانى في عرض ميل، وقدر طول رمح في السماء، بعضه على بعض (¬2). وقوله تعالى: {كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ} أي: وقلنا لهم (¬3): كلوا من طيبات، أي: حلالات (¬4)، فالطيب: الحلال، لأنه طاب، والحرام يكون خبيثًا، وأصل الطيب: الطاهر، فسمى الحلال طيبًا، لأنه طاهر لم يتدنس بكونه حرامًا (¬5). {وَمَا ظَلَمُوَنا}: بإبائهم على موسى دخول هذه القرية، ولكنهم ظلموا أنفسهم حين تركوا أمرنا فحبسناهم في التيه، فكانوا إذا أصبحوا وجدوا أنفسهم حيث ارتحلوا منذ أربعين سنة (¬6). ¬
58
وقال جماعة من المفسرين: {كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} أي: كلوا من الوجه الذي أمرتم وأحل لكم، وذلك أنهم نهوا أن يدخروا لغد، لأن الله تعالى كان يجدد لهم كل يوم من المن والسلوى إلا يوم السبت، فكانوا يأخذون يوم الجمعة ما يكفيهم، فتعدّوا وادخروا وقدّدوا وملّحوا، فعصوا فقال الله تعالى: {وَمَا ظَلَمُوَنا} أي: ما نقصونا بالمعصية، ولكن نقصوا حظ أنفسهم باستيجابهم عذابي (¬1). وقيل: معناه: وما ضرّونا ولم يَعُد ضرر ظلمهم (¬2) إلينا وإنما عاد إليهم. وابن عباس في رواية عطاء جعل قوله تعالى: [{وَمَا ظَلَمُوَنا} إخبارا عن الموجودين في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم -، لأنه قال:] (¬3) {وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} يريد حيث كذبوا نبيي وكفروا نعمتي، وخالفوا ما أنزلت في التوراة والإنجيل، ونقضوا عهدي (¬4). 58 - وقوله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ} الآية. قال الليث: هي القَرْيَةُ، والقِرْيَة لغتان (¬5)، المكسورة يمانية، ومن ثم اجتمعوا في جمعها على القُرَى، فحملوها على لغة من يقول: كسْوه وكُسَى (¬6). وقال غيره (¬7): القَرْية بالفتح لا غير، وكسرها خطأ، وجمعها قُرَى ¬
جاءت نادرة (¬1). ابن السكيت: ما كان من جمع فَعْلَة من الياء والواو على فِعَال كان ممدودًا مثل رَكوةَ ورِكَاء وشَكْوَة وشِكَاء، ولم يسمع في شيء من هذا القصر إلا كَوَّة وكُوًى وقَرْيَة وقُرى جاءتا على غير قياس (¬2). وقال أصحاب الاشتقاق: اشتقاق القرية من قريت، أي جمعت، والمقراة: الحوض يجمع فيه الماء، والقَرِيّ: مسيل يجتمع الماء إليه (¬3)، ويقال لبيت النمل: قرية، لأنه يجمع النمل (¬4). قال: كَأَنَّ قُرَى نَمْلٍ عَلَى سَرَوَاتِهَا ... يُلَبِّدُهَا (¬5) فِي لَيْلِ سَارِيَةٍ قَطْرُ (¬6) فالقرية تجمع أهلها، ومنه يقال للظهر: القرى، لأنه مجتمع (¬7) القوى. قال المفسرون: إن بني إسرائيل لما خرجوا من التيه، قال الله (¬8) لهم ادخلوا هذه القرية (¬9). ¬
قال ابن عباس: هي أريحا (¬1). وقال ابن كيسان: هي الشام (¬2). وقال قتادة والسدي والربيع: هي بيت المقدس (¬3). وقوله تعالى: {وَقُولُوا حِطَّةٌ} هي فِعْلَةٌ من الحَطّ، وضع الشيء من أعلى إلى أسفل، يقال: حط الحمل عن الدابة، والسيل يحط الحجر عن الجبل (¬4)، قال (¬5): كَجُلْمُودِ صَخْرٍ حَطَّهُ (¬6) السَّيْلُ مِنْ عَلِ (¬7) ¬
ويقال في الدعاء: حط الله عنك وزرك، أي وضعه عنك، فالحِطّة من الحَطّ مثل الرِّدّة من الرَّدّ، يجوز أن يكون اسمًا، ويجوز أن يكون مصدرًا (¬1). قال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير في قوله: {وَقُولُوا حِطَّةٌ} أي مغفرة، فقالوا: حنطة (¬2). وقال مقاتل: إنهم أصابوا خطيئة بإبائهم على موسى دخول الأرض التي فيها الجبارون، فأراد الله أن يغفرها لهم، فقيل لهم. قولوا حطة. قال أبو إسحاقا معناه: قولوا: مسألتنا حطة، أي: حط ذنوبنا عنا، ¬
والقراءة بالرفع على هذا التأويل. قال: ولو قرئت حطة (¬1) كان وجهًا في العربية، كأنه قيل لهم: قولوا (¬2): احطط عنا ذنوبنا حطة (¬3). وقال الليث: بلغنا أن بني إسرائيل حيث قيل لهم: وقولوا حطة، إنما قيل لهم ذلك حتى يستحِطّوا بها أوزارهم فَتُحَطَّ عنهم (¬4). وقال عكرمة: وقولوا حطة، أي: كلمة يحط (¬5) بها عنكم خطاياكم، وهي: لا إله إلا الله، لأنها تحط الذنوب (¬6). قال الفراء: فإن يك كذلك فينبغي أن يكون حطة منصوبة (¬7) في القراءة، لأنك (¬8) تقول: قلت: لا إله إلا الله، فيقول السامع: قلت كلمة صالحة، وإنما يكون الرفع والحكاية إذا صلح قبلها إضمار، فإذا لم يصلح ¬
كان منصوبًا، كما تقول (¬1): قلت كلاما حسنا (¬2). وقوله تعالى: {سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ} [الكهف:22] هو رفع، لأن قبله ضمير أسمائهم، المعنى: هم ثلاثة، وقوله: {وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ} [النساء: 171] أي: ولا تقولوا الآلهة ثلاثة (¬3). وقال ابن الأنباري: إذا جاء بعد القول حرف مفرد يجوز أن يكون نعتا للقول نصبت كقولك: قلت حقا؛ لأنه يحسن أن يقال: قلت قولا حقا، وكذلك: قلت صوابًا وقلت خطأ، وإذا جاء حرف مفرد لا يجوز أن يكون نعتًا للقول رفعت، كقوله: {سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ} معناه: سيقولون هم ثلاثة، ولا وجه للنصب (¬4). وقوله: {وَقُولُوا حِطَّةٌ} (¬5) فحوى الكلام، وإجماع القراء على رفعها، دليل على أنهم أمروا بهذه اللفظة بعينها (¬6). فإن كانوا لم يؤمروا بهذه اللفظة ¬
بعينها فنصبها جائز على معنى: قولوا قولًا حاطًّا لذنوبكم. ويجوز نصبها أيضًا وإن كانوا قد أمروا بها على معنى: وقولوا: احطط عنا يا ربنا ذنوبنا حطة (¬1)، كقراءة من قرأ {قَالُوا مَعْذِرَةً} (¬2) [الأعراف: 164] بالنصب. وإذا جاء بعد القول جملة من الكلام، لم يكن للقول فيها عمل، كقولك: قلت: عبد الله عالم، فهو عامل (¬3) في موضع الجملة؛ لأنها مجعولة في موضع الكلام، ولو قلت: قلت (¬4) كلاما، نصبت. وسنذكر بيانا لهذا زائدا عند قوله: {قُلِ الْعَفْوَ} [البقرة: 219] إن شاء الله. والأصح والذي عليه الجمهور: أنهم أمروا بهذه اللفظة بعينها، وقد روي لنا عن الأزهري (¬5)، عن المنذري عن ابن فهم (¬6)، عن محمد بن سلام (¬7)، عن يونس قال: ¬
قوله: {وَقُولُوا حِطَّةٌ} (¬1) هذه حكاية، هكذا أمروا (¬2). وقوله تعالى: {وَادْخُلُوا الْبَابَ} (¬3) يعني بابًا من أبوابها (¬4). {سُجَّدًا}: قال ابن عباس: ركعا (¬5)، وهو شدة الانحناء، والمعنى: منحنين متواضعين (¬6). قال مجاهد: هو باب حطة من بيت المقدس، طوطئ لهم الباب؛ ليخفضوا رؤوسهم، فلم يخفضوا ولم يركعوا، ودخلوا متزحفين على استاههم (¬7). قال الحسين بن الفضل: لو لم يسجدوا لذكر الله ذلك منهم وذمهم به ¬
كما ذمهم بتبديل الكلمة لما قالوا خلاف ما أمروا به (¬1). والله أعلم. وقوله تعالى: {نَغْفِرْ (¬2) لَكُمْ خَطَايَاكُمْ} أصل الغفر: الستر والتغطية، وغفر الله ذنوبه، أي: سترها، كل شيء سترته قد غفرته. والمغفر يكون تحت بيضة الحديد يغفر الرأس (¬3). قال ابن شميل: هي حلق تجعل أسفل البيضة تسبغ على العنق فتقيه، وربما جعل من ديباج وخز أسفل البيضة. الأصمعي: غفر الرجل متاعه يغفر غفرًا: إذا أوعاه. ويقال: اصبغ ثوبك فإنه أغفر للوسخ أي: أغطى له (¬4). والغفارة: خرقة تستر رأس المرأة تقي بها الخمار من الدهن (¬5)، وكل ثوب يغطى به شيء فهو غفارة، ومنه غفارة البزيون (¬6) يغشى بها الرحال (¬7). ¬
وأجمع القراء على إظهار الراء عند اللام، إلا ما روى عن أبي عمرو من إدغامه الراء عند اللام (¬1). قال الزجاج: وهوخطأ فاحش، وأحسب الذين رووا (¬2) عن أبي عمرو غالطين (¬3)، ولا يدغم الراء في اللام إذا قلت: مر لي بشيء؛ لأن الراء حرف مكرر، ولا يدغم الزائد في الناقص (¬4) للإخلال به، فأما اللام فيجوز إدغامه في الراء، ولو أدغمت الراء في اللام لذهب التكرير من الراء وهذا إجماع النحويين (¬5). وقال أبو الفتح الموصلي: الراء لما فيها من التكرير لا يجوز إدغامها فيما يليها من الحروف؛ لأن إدغامها في غيرها يسلبها ما فيها من التكرير. ¬
وأما قراءة أبي عمرو {نَغْفِرْ لَكُمْ} (¬1) بإدغام الراء في اللام فمدفوع عندنا [وغير معروف عند أصحابنا، وإنما هو شيء رواه القراء، ولا قوة له في القياس (¬2). والخطايا: جمع خطيئة (¬3)] (¬4) وهي (¬5) الذنب على عمد قال أبو الهيثم: يقال: خطئ: ما صنعه عمدا، وهو الذنب، وأخطأ: ما صنعه خطأ غير عمد (¬6). ويأتي بيان هذا مشروحًا عند قوله: {وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ} (¬7). قال الزجاج: الأصل في خطايا كان خطايؤ (¬8) مثل خطائع، لأنها جمع خطيئة، فأبدل من هذه الياء همزة؛ فصارت ¬
[خطائئ] (¬1) مثل خطاعع. قلت: وإنما أبدلت هذه (¬2) الياء همزة، لأن هذه الياء إذا وقعت في الجمع صارت همزة، مثل: ترائب وسحائب، وعلة ذلك نذكرها في قراءة من قرأ: معائش (¬3) بالهمزة (¬4). رجعنا إلى كلام الزجاج: فاجتمعت همزتان، فقلبت الثانية ياء فصار خَطَائِي مثل خَطَاعِي ثم قلبت الياء والكسرة إلى الفتحة والألف، فصار خَطاءَا، مثل خَطاعا (¬5) فأبدلت الهمزة ياء، لوقوعها بين ألفين، وإنما أبدلت الهمزة حين وقعت بين ألفين؛ لأن الهمزة مجانسة للألفات، فاجتمعت ثلاثة أحرف من جنس واحد، فأبدلت الهمزة ياء فصارت خَطايَا (¬6). ¬
59
وقوله تعالى: {سَنَزِيدُ اَلمُحسِنِينَ} أي: الذين لم يكونوا من أهل تلك الخطيئة إحسانا وثوابا (¬1). 59 - قوله تعالى: {فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ} الآية. (التبديل) معناه: التغيير إلى بدل، وذكرناه مستقصى عند قوله: {بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا} [النساء: 56]، والمعنى: أنهم غيروا تلك الكلمة التي أمروا بها، وقالوا بدل حطة: حنطة، وهذا (¬2) قول ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير والمفسرين (¬3). وقال أبو إسحاق: حرفوا وقالوا كلمة غير هذه التي أمروا بها، وجملة ما قالوا إنه أمر عظيم سماهم الله به فاسقين (¬4). وقوله تعالى: {فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا}. أظهر الكناية هاهنا تأكيدا (¬5)، وكنىَّ في سورة الأعراف فقال: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ} [الأعراف: 162]. والعرب تظهر الكنايات توكيدًا، قال: ¬
لَا (¬1) أَرَى الْمَوْتَ يَسْبِقُ الموتَ شَيْءٌ ... نَغَّص الْمَوْتُ ذَا الْغِنَى وَالْفَقِيَرا (¬2) أراد لا أرى الموت يسبقه شيء، فأظهر الكناية. وأنشد ابن الأنباري: فَيَارَبَّ لَيْلَى أَنْتَ فِي كُلِّ مَوْطِنٍ ... وَأَنْتَ الَّذِي فِي رَحْمَةِ اللهِ أَطْمَعُ (¬3) أراد في رحمته أطمع، فأظهر الهاء. والرجز: العذاب (¬4)، [قال رؤبة] (¬5): كَمْ رَامَنَا مِنْ ذِي عَدِيدٍ مُبْرِ (¬6) حَتَّى وَقَمْنَا كَيْدَهُ بِالرِّجْزِ (¬7) ¬
وقال الله تعالى: {لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ} [الأعراف: 134]، أي العذاب، ثم يسمى كيد الشيطان رجزًا لأنه سبب العذاب، قال الله تعالى: {وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ} (¬1) [الأنفال: 11]. وقوله: {وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ} [المدثر: 5]، قيل: إنه عبادة الأوثان؛ لأنه سبب العذاب (¬2). قال أهل اللغة: وأصل الرجز في اللغة: تتابع الحركات، ومن ذلك قولهم: ناقة رجزاء إذا كانت قوائمها ترتعد عند قيامها، ومن هذا رجز الشعر؛ لأنه أقصر أبيات الشعر، فالانتقال من بيت إلى بيت سريع (¬3). أو؛ لأن الرجز في الشعر متحرك وساكن ثم متحرك وسكن في كل أجزائه، فهو كالرعدة في رجل الناقة تتحرك ثم تسكن وتستمر (¬4) على ذلك (¬5). فحقيقة معنى الرجز: أنه العذاب المقلقل لشدته (¬6) قلقلة شديدة متتابعة (¬7). ¬
60
قال الضحاك: أرسل الله عليهم ظلمةً وطاعونًا فهلك منهم في ساعة واحدة سبعون ألفًا، عقوبة لهم بتبديلهم ما أمروا (¬1) به. 60 - قوله تعالى: {وَإِذِ اسْتَسْقَى} الآية قال المفسرون: عطش بنو إسرائيل في التيه، فقالوا: يا موسى، من أين لنا الشراب؟ فاستسقى لهم موسى فأوحى الله عز وجل إليه أن اضرب بعصاك الحجر (¬2). قال ابن عباس: كان حجرًا خفيفًا مربعًا مثل رأس الرجل، أمر أن يحمله، فكان يضعه في مِخْلاَته (¬3)، فإذا احتاجوا إلى الماء وضعه وضربه بعصاه (¬4)، فعلى هذا الألف واللام فيه للتعريف (¬5). ¬
وقال وهب: كان موسى عليه السلام يقرع لهم أقرب (¬1) حجر من عرض الحجارة بعصاه، فينفجر عيونا لكل سبط عين (¬2)، والألف واللام على هذا للجنس (¬3). وقوله تعالى: {فَانْفَجَرَتْ} معناه: فضرب فانفجرت، وعرف بقوله: {فَانْفَجَرَتْ} أنه قد ضرب، ومثله: {أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ} [الشعراء: 63] قال الفراء: ومثله في الكلام: أمرتك بالتجارة فاكتسبت الأموال، والمعنى: فاتجرت فاكتسبت (¬4). ومعنى انفجرت: انشقت (¬5)، والانفجار: الانشقاق، وأصل الفجر في اللغة: الشق، وفَجْرُ السِّكْر: بَثْقُه (¬6). وسمي فجر النهار لانصداعه، أو (¬7) لشقه ظلمة الليل، ويقال انفجر الصبح، إذا سال ضوؤه في سواد ¬
الليل، كانفجار الماء في النهر، ويقال: فَجَرَ وأَفْجَرَ ينبوعا من ماء، أي: شقه وأخرجه. قال الليث: والْمَفْجَر الموضع الذي يُفْجَر منه (¬1). ابن الأعرابي: تَفَجَّر الرجل بعطائه، ورجل ذو فَجَر، وأتيناه فأفجرناه، أي: وجدناه فاجرًا، أي: معطيا (¬2). قال ابن مقبل: إذَا الرِّفاقُ أَنَاخُوا حَوْلَ مَنْزِلِهِ ... حَلُّوا بِذِي فَجَرَاتٍ زَنْدُهُ وَارِي (¬3) أي برجل كثير العطايا، كأنه يتشقق بما عنده فيجود ولا يمسك كتفجر الماء. والفجور الذي هو المعصية من هذا، لأن الفاجر شقّ أمر الله أو شقّ العصا بخروجه إلى الفسق (¬4). وقوله تعالى: {مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا} قال الليث: اثنان (¬5) اسمان قرينان، لا يُفْرَدان لا يقال لأحدهما: اثن، كما أن الثلاثة (¬6) أسماء مقترنة لا تفرق (¬7). ¬
يقال في التأنيث: اثنتان ولا يفردان (¬1). والألف في اثنى واثنتى (¬2) ألف وصل، لا تظهر في اللفظ. والأصل فيها (¬3): ثَنَيٌ (¬4)، وربما قالوا للاثنتين: الثنتان (¬5)، كما قالوا: هي ابنة فلان، وهي بنته، والألف في الابنة ألف وصل أيضا فإن جاءت هذه الألف مقطوعة في الشعر (¬6) فهو شاذ كما قال: إِذَا جَاوَزَ الإثْنَيْنِ سِرٌّ فإنَّهُ ... بِنَثٍّ وَتَكْثِير الْوُشَاةِ قَمِينُ (¬7) ¬
انتهى كلامه (¬1). والعلة في إدخال ألف الوصل في اثنين واثنتين كالعلة في إدخالها في (الاسم)، وقد ذكرنا (¬2). وأصل هذا الحرف في اللغة من الثني وهو ضم واحد إلى واحد، والثني الاسم. ويقال: ثِنْيُ الثوب لما كف من أطرافه، وأصل الثَّني في جميع (¬3) أبنيته: الكف (¬4) والرج والعطف والطي والحنو، وكلها متقارب. وكل شيء عطفته فقد ثنيته، ومنه قوله تعالى: {يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ} [هود:5] أي يحنونها ويطوون (¬5) ما فيها، ليسروا عداوة محمد - صلى الله عليه وسلم - (¬6). وَثِنْيَا الحبل: طرفاه، واحده ثِنْى (¬7)، وقال طرفة: ........... وَثِنْيَاه بِالْيَدِ (¬8) ¬
أراد الطرف المثني في الرسغ، فلما انثنى جعله ثنيين، أي لأنه عقد بعقدين، ويقال: حلف (¬1) فلان يمينا ليس فيها ثُنْيَا ولا (¬2) ثَنوْىَ ولا ثَنِيَّة ولا مَثْنَوِيَّة ولا استثناء، كله واحد، لأن الحالف إذا قال: والله لأفعلن كذا إلا أن يشاء الله غيره، فقد رد ما قاله بمشيئة الله غيره، وصرفه (¬3)، والحبل إذا عطفته وصرفته فقد جعلته ثنيين (¬4). وأثناء الحية: مطاويها، جمع ثِنْي، وما كان من نَضْد هذه الحروف فهو من هذا المعنى، ولا يمكن ذكر الجميع (¬5). وقوله تعالى: {عَشْرَةَ} العَشْر عدد المؤنث، والعَشَرَةُ عدد المذكر، تقول: عَشْرُ نسوة وعَشَرَةُ رجال، فإذا جاوزت ذلك قلت في المؤنث: إحدى عَشَرَة، ومن العرب من يكسر الشين فيقول: عَشِرة، ومنهم من يُسَكن الشين فيقول: إحدى عَشْرة. وكذلك اثنتي (¬6) عَشَرة واثنتي عَشِرَة واثنتي عشْرة، ثلاث لغات (¬7)، ¬
والقراءة (¬1) بسكون الشين (¬2). فمن فتح الشين فهو أصل البناء، ومن سكن تحرى التخفيف، ثم دخلت الكسرة على مذهب من يكسر ذهابًا إلى أن الساكن يحرك بالكسر (¬3). قال ابن الأنباري: تقول في المؤنث: إحدى عَشْرَة جارية، واثنتا عَشْرَة، قال: وبنو تميم يكسرون الشين (¬4)، فهما لغتان وقرأ بهما القراء. قال: وأهل اللغة والنحو لا يعرفون عَشَرة بفتح مع النيف، قال: وروي عن الأعمش (¬5) أنه قرأ: اثنتا (¬6) عَشَرة بفتح الشين (¬7)، وأهل اللغة لا يعرفونه (¬8). ¬
والعشرة اسم موضوع (¬1) لهذا العدد المخصوص، وانتصابها في هذه الآية يجعلها مع اثنتي اسما واحدا، فلما جعلا اسما واحدا، منعا الإعراب والتنوين (¬2). قال أبو إسحاق: وذلك أن معنى قولك: اثنتا عشرة: اثنتان وعشرة، فلما حذفت الواو، وهي مرادة، تضمن الاسمان معنى الواو، وكل اسم تضمن معنى حرف بني كما تبنى (¬3) الحروف، ولم يك أحدهما بالبناء أولى من الآخر، إذ كانت الواو تدخل ما بعدها في حكم ما قبلها، فصار تعلق الاسمين بالواو تعلقا واحدا، فاستحقا البناء، ووجب أن يبنيا على حركة، ¬
لأن لهما (¬1) قبل حال البناء حال إعراب، والاسم إذا كان معربا ثم دخلت عليه علة أوجبت له البناء، وجب أن يبنى على حركة، وجعلُ الاسمين اسمًا واحدًا مستثقل (¬2)، فاختير له أخف الحركات (¬3). وأدخلت الهاء في (عشرة) مع النيف لما جعلا اسما واحدا في عدد المؤنث، وإن لم يدخل دون النيف، لأنهما لما صارا اسما واحدا ثبتت الهاء في (عشرة) علامة للتأنيث فإنك تقول: ثلاث عشرة، وأربع عشرة (¬4) إلى عشرين، فتدخل علامة التأنيث في عشرة (¬5). فإن قيل: قد قلتم: إن اثنتي عشرة، وإحدى عشرة اسمان جعلا اسما واحدا، والاسم الواحد لا يكون فيه علامتان للتأنيث. قلنا: اثنتا (¬6) عشرة اسمان من وجه، واسم واحد من وجه، فكونهما اسمًا واحدًا هو (¬7) أن الواقع تحتهما عدد مخصص متميز عن (¬8) غيره، ¬
فيهما كأحد عشر، ووجه كونهما اسمين، هو أنهما لو (¬1) كانا اسما واحدا لحذفت الألف من (اثنتا) إذ إعراب الاسم يكون في آخره لا في حشوه، فلما (¬2) ثبتت الألف، وكانت علامة للإعراب (¬3)، دل أنه اسم دون عشرة فوجب الحكم عليهما بأنهما اسمان من هذا الوجه، وإذا كان كذلك، جاز إدخال علامة التأنيث على كل واحد منهما، وأما إحدى عشرة فلم يجتمع فيهما علامتا تأنيث من جنس واحد، وإذا اختلف الجنسان جاز اجتماعهما كالياء في حبليات مع التاء (¬4). فإن قيل: لم حذفت نون التثنية من اثنتا (¬5) عشرة، ولا إضافة هاهنا لأنكم جعلتموهما (¬6) اسمًا واحدًا؟ قيل: نون التثنية في الأصل (¬7) عوض من التنوين، والتنوين للتمكن، وما عرض فيه من معنى البناء أزال التمكن فزال علمه، ولم تحذف الألف وإن كانت دلالة إعراب (¬8) لأنها علم التثنية، ¬
فلو حذفت لبطلت، فللضرورة أبقيت، ولا ضرورة في النون (¬1)، فهذا طرف من الكلام في علل الحساب احتجنا إليه، وهو باب طويل. وقوله تعالى: {عَيْنًا} انتصب على التمييز، قال أبو إسحاق: جميع ما ينتصب على التمييز في العدد على معنى دخول التنوين (¬2)، وذلك أن حذف التنوين من اثنتا عشرة إنما كان للبناء فصار حكمه مراعى حتى انتصب ما بعده على تقدير تنوينه، ولم يحذف التنوين للإضافة حتى يبطل حكمه. وإذا (¬3) كان كذلك انتصب ما بعده انتصاب قولك: هوضارب زيدا وقاتل عمرا، وحكي عن أحمد بن يحيى أنه قال: إنما انتصب المعدود لوقوعه موقع المصدر، فأجري عليه إعرابه، بيان ذلك: أن قولك: أحد عشر رجلا في موضع معدود عددًا، فأحد (¬4) عشر في موضع معدود، إذ هو العدد الذي يعدّ، ورجلًا في موضع قولك: عددًا. قال أبو إسحاق: وإنما وجب أن يكون التمييز بواحد، لأنك إذا ذكرت العدد فقد أثبت (¬5) بمقداره المعدود (¬6)، وإنما يجب عليك تبيين ¬
النوع، والواحد المنكور يدل على النوع. وهو أخف من لفظ المعرفة ولفظ الجمع، فلهذا وجب استعماله (¬1). قال (¬2): وجملة قول الناس: عشرون درهما: عشرون (¬3) من الدراهم، فحذف هذا التطويل، وأقيم الواحد المنكور مقامه. وإنما وجب أن يكون الأصل: عشرون من الدراهم، لأن العشرين (¬4) بعض الدراهم، فيجب أن يكون المذكور بعدها لفظ الجمع حتى يصح معنى التبعيض، ولو قدرت أن الأصل: الواحد لاستحال، ألا ترى أنك إذا قدرت الكلام بقولك: عشرون من درهم جاز أن يتوهم أن العشرين بعض الدرهم، فلذلك قلنا: إن الأصل: عشرون من الدراهم، ثم حذف لما ذكرنا من طلب الخفة (¬5). وقوله تعالى: {قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ} أراد كل أناس منهم، فحذف للعلم (¬6). والمشرب يجوز أن يكون مصدرا، ويجوز أن يكون موضعا (¬7). ¬
قال الفراء وأبو روق: كان في ذلك الحجر اثنتا عشرة حفرة، [فكانوا إذا نزلوا وضعوا الحجر وجاء كل سبط إلى حفرته] (¬1) فحفروا الجداول إلى أهلها، فذلك قوله: {قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ} (¬2). وقوله تعالى: {كُلُوا} أي وقلنا لهم: {كُلُوا} من المن والسلوى. {وَاشْرَبُوا} من الماء فهذا كله من رزق الله الذي يأتيكم بلا مشقة ولا مؤونة (¬3). {وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ} (¬4) القراء كلهم قرؤوه بفتح الثاء من عَثِيَ يَعْثَى عُثُوًّا، وهو أشد الفساد. وفيه لغتان أخريان: عَثَا يَعْثُو مثل سما يسمو، قال ذلك الأخفش وغيره (¬5). وَعَاث يَعِيثُ، ولو قرئ بهذا (¬6) لقيل (¬7): ولا تَعِيثُوا، قال ذلك ابن الأنباري. وقال الفراء في كتاب "المصادر": قوله تعالى: {وَلَا تَعْثَوْا} مصدره ¬
61
عثًا مقصور، ومن قال عَثَوْتُ، قال: عُثُوًّا (¬1)، ومن قال: عَاث يَعِيث، قال في المصدر: عَيْثًا وعُيُوثًا ومَعاثًا وعَيثانًا (¬2). قال ابن الرقاع (¬3) في اللغة الثانية: لَوْلاَ الْحَيَاءُ وَأَنَّ رَأْسيَ قَدْ عَثَا ... فِيهِ الْمَشِيبُ لَزُرْتُ أَمَّ الْهَيْثَمِ (¬4) وقال كثير في اللغة الثالثة: وَذِفْرَى كَكَاهِلِ ذِيخِ الْخَلِيفِ ... أَصاَبَ فَرِيقَةَ لَيْلٍ فَعَاثَا (¬5) 61 - قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ} قال ¬
سعيد بن المسيب: ملّوا عيشهم (¬1). وقال قتادة: ذكر القوم عيشًا كان لهم بمصر، فقالوا لموسى: {ادْعُ لَنَا رَبَّكَ} الآية (¬2)، و (الطعام): اسم جامع لما يؤكل، وإنما قالوا: طعام واحد، وكان طعامهم المن والسلوى، لأنهم كانوا يأكلون المن (¬3) بالسلوى فكان طعامًا واحدًا كالخبيص، لون واحد وإن اتخذ من أطعمة شتى (¬4). قال ابن زيد: كان (¬5) طعامهم المن، وشرابهم السلوى، فكانوا يجمعون بينهما فيأكلونه طعاما واحدا (¬6). وقال أصحاب المعاني: لما كان غذاؤهم في كل يوم لا يتغير، قيل: طعام واحد، كما يقال لمن يدوم على الصوم والصلاة: هو على أمر واحد، لملازمته لذلك لا يتغير عنه (¬7). ¬
وقوله تعالى: {فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ} معنى الدعاء: الطلب (¬1) ممن يملك النفع والضر. وقال ابن السراج: أصله النداء وإنما قال للمسألة: دعاء؛ لأن السائل يقول: يا رب، فينادي ربه عز وجل (¬2). وجاء الدعاء بلفظ الماضي تفاؤلا (¬3) بأن (¬4) ذلك قد كان، كقولك: أحسن الله جزاءه (¬5). وقوله تعالى: {يُخْرِجْ لَنَا} المعنى سَلْه وقل له: أَخرِجْ (¬6) يُخْرِجْ، وكذلك قوله: {وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [الإسراء: 53]، المعنى لهم: قولوا (¬7) التي هي أحسن يقولوا. ومثله: {قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا (¬8) يُقِيمُوا الصَّلَاةَ} [إبراهيم: 31]، أي قل لهم: أقيموا يقيموا، فجعل هذه كلها بمنزلة جواب الأمر، لأن قبله: ادع وقل (¬9). وقوله تعالى: {مِنْ بَقْلِهَا} البقل: كل نبات لا يبقى له ساق إذا رعته ¬
الماشية (¬1). وأما (الفوم): فقد اختلف أهل اللغة فيه، فقال الفراء: الفوم فيما يذكرون لغة قديمة، وهي الحنطة والخبز جميعا قد ذكرا، قال: وقال بعضهم: سمحت العرب من أهل اللغة يقولون: فَوَّموا لنا بالتشديد يريدون: اختبزوا. وقال أُحَيْحَة بن الجُلاح (¬2): قَدْ كُنْتُ أَحْسِبُنِي كَأَغْنَى وَاحِدٍ ... قَدِمَ (¬3) الْمَدِينَةَ فِي زِرَاعَةِ فُومِ (¬4) قال الفراء: وهي في قراءة عبد الله: (وثومها) بالثاء، وكأنه أشبه المعنيين بالصواب؛ لأنه مع ما (¬5) يشاكله من العدس والبصل، والعرب تبدل الفاء ثاء فيقول: جدث وجدف، ووقع في عَاثُورشَرًّ وعَافُورشَرًّ والْمَغَافِير (¬6) والْمَغَاثِير (¬7). ¬
فذكر الفراء قولين في الفوم، واختار الثاني، وهو أنه بمعنى الثوم (¬1) الذي يذكر مع البصل، وهذا القول أيضا اختيار الكسائي (¬2). وقال الزجاج: الفوم: الحنطة، ويقال: الحبوب، لا اختلاف بين أهل اللغة أن الفوم: الحنطة. قال: وسائر الحبوب التي تختبز يلحقها اسم الفوم. قال: ومن قال: الفوم هاهنا: الثوم (¬3) فإن هذا لا يعرف، ومحال أن يطلب القوم طعاما لا بر فيه، وهو أصل الغذاء (¬4). وقال اللحياني: هو الفوم والثوم (¬5)، للحنطة (¬6). [الأزهري: وقراءة ابن مسعود إن صح بالثاء، فمعنى الفوم وهو الحنطة.] (¬7). وقال ابن دريد: أزد السراة يسمون السنبل فُومًا (¬8). وهذا القول اختيار ¬
المبرد. ومفعول (يخرج) محذوف من الكلام، تقديره: يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها شيئا (¬1). ومثله مما حذف (¬2) منه المفعول قوله: {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ} [إبراهيم: 37]، أي: ناسًا أو فريقًا. وقوله تعالى: {أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى} [البقرة: 61] يحتمل أن يكون {أَدْنَى} أفعل من الدنو، ومعناه: أتستبدلون الذي هو أقرب وأسهل متناولا، يشارككم في وجدانه (¬3) كل أحد بالرفيع الجليل الذي خصكم الله وبين الأثرة لكم به على جميع الناس (¬4). ويجوز أن يكون معنى الدنو في قرب القيمة (¬5)، يقول: أتستبدلون الذي هو أقرب في القيمة (¬6)، أي أقل قيمة، أو أدنى في الطعم واللذة، أي أقل لذة وأبشع طعما بالذي هو خير في الطعم واللذة والقيمة (¬7). ويجوز أن يكون أفعل من الدناءة، وترك همزه؛ لأن ¬
العرب تقول: إنه لَدَنيٌّ يُدَنّي في الأمور، غير مهموز، أي: يتتبع خسيسها وأصاغرها، على أنه قد حكى الفراء (¬1) عن زهير الفرقبي (¬2) أنه يقرأ (أدنأ) بالهمز (¬3)، وهذا قول الفراء: إن معنى أدنى من الدناءة (¬4). والأول (¬5) اختيار الزجاج (¬6). وقال بعض النحويين: (أدنى) هاهنا بمعنى أدون، أي: أوضع وأخس، فقدمت النون وحولت الواو ألفا (¬7)، وهذا خطأ، فقد أجمعوا على ¬
أنه لا يشتق فعل (¬1) من دون إذا كان بمعنى أخس كقولهم: فلان دونك في الشرف. قوله تعالى: {اهْبِطُوا مِصْرًا} جائز أن يكون هذا من كلام موسى لهم (¬2)، وجائز أن يكون من قول الله تعالى لهم، ويكون في الآية إضمار كأنه قال: فدعا موسى فاستجبنا له، وقلنا لهم: اهبطوا مصرا أمن الأمصار، فإن الذي سألتم لا يكون إلا في القرى والأمصار، ولهذا نون مصر، (¬3) لأنه لم يرد بلدة بعينها (¬4)، وجائز أن يكون أراد مصر بعينها، وصرفها لخفتها وقلة حروفها (¬5). قال الزجاج: صرف؛ لأنه مذكر سمي به مذكر (¬6)، فهو مثل جُمْل ¬
ودَعْد وهند في جواز إجرائها (¬1). والفراء يختار ترك الإجراء، ويفرق بين هذا وبين أسماء النساء، قال: إنها (¬2) إذا خفت وكانت على (¬3) ثلاثة أحرف، أوسطها ساكن، انصرفت، لأنها تكثر بها التسمية فتخف لكثرتها، واسم البلد لا يكاد يكثر. فاجعل (¬4) الألف التي في مصرا ألفا يوقف عليها، فإذا وصلت لم تنون كما كتبوا: سلاسلا (¬5) وقواريرا (¬6) بالألف، وأكثر القراء على ترك الإجراء فيها (¬7). ويختار قراءة من قرأ مصر بغير تنوين (¬8)، وهي قرآءة مهجورة (¬9)، ¬
والوجه ما ذكرنا قبل، أنه صرف لخفته (¬1). وقال الكسائي: العرب الفصحاء (¬2) لا يبالون أن يجروا مالا يجري، ولا يرون به بأسا، ولولا أن ذلك مستقيم لهم ما جاز لهم أن يجروه في الشعر، فلا تهابن أن تجري شيئا مما لا يجري أبدا، إلا قولهم: أَفْعَلَ منك فإنه مما لم أسمع العرب تجريه في شعر ولا في (¬3) غيره. والمصر في اللغة: الحاجز بين الشيئين (¬4). قال عدي بن زيد (¬5): وَجَعَلَ الشَمْسَ مِصْرًا لاَخَفَاءَ بِهِ ... بَيْنَ النَّهَارِ وَبَيْنَ اللَّيْل قَدْ فَصَلاَ (¬6) ¬
أي: حدًّا، ومُصُور الدار: حدودها، فالمصر: القطعة التي بانت بعمارتها عما سواها وانتهت إليه البرية (¬1). وقوله تعالى: {وضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ} أي: ألزموها إلزامًا لا تبرح عنهم، يقال: ضرب عليه (¬2) كذا، إذا ألزمه، وأصله من ضرب الشيء على الشيء، كما يضرب المسمار على الشيء فيلزمه، فيقال (¬3) لكل من ألزم شيئا: ضرب عليه، يقال: ضرب فلان على عبده ضريبة، وضرب السلطان على التجار (¬4) ضريبة أي ألزمهم (¬5). ويقال للشيء الدائم: ضربة لازم ولازب (¬6). ومنه قول النابغة: و (¬7) لاَ يَحْسِبُون الشَّرَّ ضَرْبَةَ لاَزَبِ (¬8) والذلة: الذل. ¬
أبو عبيد عن الكسائي: فرس ذلول بيّن (¬1) الذِّلّ، وهو ضد الصعوبة، ورجل ذليل بيّن الذِّلّة والذُّلّ (¬2). والمسكنة مفعلة من السكون، قال الليث: المسكنة مصدر فِعْل المِسْكين، وإذا اشتقوا منه فعلا قالوا: تَمَسْكَن إذا صار مِسْكِينًا (¬3). قال ابن الأنباري: المسكنة الأمور التي تسكن صاحبها وتمنعه من الحركة ومن هذا أخذ المسكين، توهمًا أن الميم من أصل الكلمة، كما قالوا: تمكن من المكان، وهو مفعل من الكون، ويقال: تسكن الرجل وتمسكن إذا ظهرت (¬4) عليه أمور المساكين وتشبه بهم. كما يقال: تدرع وتمدرع، إذا لبس المدرعة (¬5). فأما معنى الآية، فإن جماعة من المفسرين قالوا: في هذا ما دل على أن قوله: {وضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ} (¬6) إخبار عمن كانوا (¬7) في عصر موسى. وبعضهم قال: ما يدل على أن ضرب الذلة حصل على من كان في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -. ¬
قال كثير من المفسرين: ضربت عليهم يومئذ الذلة والمسكنة، وهو أثر البؤس وزي الفقر، وذلك لعلم الله فيهم أنهم سيقتلون النبيين ويفعلون ويفعلون، ثم أعقابهم يتوارثون ذلك الذل والمسكنة، وهذا قول الكلبي (¬1). وإلى هذا القول مال ابن الأنباري، لأنه قال: قوله: {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ} (¬2) منسوق على محذوف، دل الكلام عليه، وتلخيصه: اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم، فهبطوا فعثوا وأفسدوا، وضربت عليهم الذلة، فلما عرف معنى المراد حذف، وجرى مجرى الظاهر في حسن العطف عليه وقال الحسن وقتادة: {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ} يعطون الجزية عن يد وهم صاغرون (¬3). وقال عطاء بن السائب (¬4): هو [الْكُسْتِيج] (¬5) وزي اليهودية، والمسكنة ¬
زي الفقر، فترى المثري منهم يتبأس مخافة أن يضاعف عليه الجزية (¬1). وهذا يدل على أن هذا الضرب وهذا الأثر حصل على المتأخرين منهم، لأنهم قبل الإسلام لم يعطوا الجزية ولم يوسموا (¬2) بالغيار (¬3). فإن قيل: نحن نرى اليهودي يملك المال الواسع، والفاخر من الثياب، والرفيع من العقار، ومن ملك بعض هذا لم يكن مسكينا. قيل: الذلة الجزية، والمسكنة فقر القلب والنفس، وغير ظاهر آثارهما، ولا يوجد يهودي غني النفس (¬4). ويجوز أن يكون هذا من العموم الذي أريد به الخصوص. وقوله تعالى: {وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ} أي: رجعوا (¬5) في قول الفراء (¬6). ¬
وقال الكسائي: انصرفوا به (¬1)، ولا يكون أبدا باؤوا إلا بشيء إما بخير وإما بشر، يقال: بَاءَ يَبُوءُ بَوْءًا [وَبَوَاءً] (¬2) ولا يكون باء بمعنى مطلق الانصراف (¬3). قال ابن الأنباري: وجاء في الحديث: "باء طلحة بالجنة" (¬4) أي: انصرف بها. وقال أبو عبيدة: باؤوا بغضب: احتملوه (¬5)، ونحو ذلك قال الزجاج في قوله: {فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ} [البقرة: 90]. قال: باؤوا في اللغة: احتملوا، يقال: قد بؤت بهذا الذنب أي: احتملته (¬6). ومنه قوله. {أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ} [المائدة: 29]. ¬
واختلف أصحاب الاشتقاق في أصل هذا الحرف: فمذهب أبي العباس أنه من الباءة والمباءة، وهو منزل القوم حيث (¬1) يتبوؤون (¬2). فمعنى باء بالذنب: أي نزل منزلة المذنبين، وباؤوا بغضب أي نزلوا منزلة من يلحقهم الغضب، ومن هذا يقال: أبأت فلانًا بفلان، إذا قبلته به، كأنك جعلته (¬3) في منزلته وفي محله، وفلان بواء بفلان من هذا، والكلام يتصرف فيقع بعضه محمولا على بعض، هذا هو الأصل، ثم يفسر: باء بالشيء إذا احتمله ورجع به وانصرف به، وأقرّ به. وهذه كلها معان ترجع إلى أصل واحد، وهو الحلول في ذلك المحل (¬4). قال الفرزدق لمعاوية: فَلَو كَانَ هَذَا الْأَمْرُ فِي جَاهِليَّةٍ ... لَبُؤْتَ بِهِ أَوغَصَّ بِالْمَاءِ شَارِبُه (¬5) ¬
أي لأقررت (¬1) به، كأنه قال: حللت محل المقر به (¬2)، وقال لبيد: أَنْكَرْتُ بَاطِلَهَا وبُؤْتُ بِحَقِّهَا ... عِنْدِي وَلم تَفْخَرْ عَلىَّ كِرَامُهَا (¬3) وقوله تعالى: {تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ} [المائدة: 29]. تأويله: تحل محل من اجتمعت عليه العقوبتان بأن لم يتقبل قربانك وقتلتني (¬4). وعند الزجاج أن أصل هذا الحرف من التسوية (¬5). تقول العرب: هم في هذا الأمر بواء، أي: سواء. وبوأت الرمح نحو الفارس: سويته، وبوأت ¬
فلانًا منزلًا (¬1): أي سويته (¬2) له، وقد باءت دماء القوم: إذا استوت، وباء فلان بالذنب: إذا احتمله واستوى عليه. وفي حديث عبادة بن الصامت قال: (جعل الله الأنفال إلى نبيه - صلى الله عليه وسلم - فقسمها بينهم عن بواء) (¬3) أي (¬4) عن سواء بينهم في القسم. فمعنى {وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ} كأنهم استوى عليهم الغضب من الله (¬5). ومعنى غضب الله: ذمه إياهم وإنزال العقوبة بهم، لا كعارض يحل بالمخلوقين (¬6). وقوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ} (ذلك) إشارة إلى ضرب الذلة (¬7) والمسكنة والغضب (¬8)، ومعنى {يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ} قال ابن عباس: يريد الحكمة التي أنزلت على محمد - صلى الله عليه وسلم - (¬9). ¬
وقال غيره: أي بصفة محمد - صلى الله عليه وسلم - وآية الرجم (¬1). وقوله تعالى: {وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ} قال الفراء: إنما ألزمهم الله القتل ولم يقتلوا، لأن الذين كانوا في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - من اليهود تولوا أولئك الذين قتلوا، فسماهم الله قتلة (¬2)، وقد قال الله تعالى: {وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ} [المائدة: 81] فألزمهم الكفر بتوليهم الكفار. ويعني بالنبيين من قتلهم اليهود مثل: زكريا ويحيى وشعيا، وسائر من قتلوا من الأنبياء (¬3). وقوله تعالى: {بِغَيْرِ الْحَقِّ} هو صفة للقتل، كأنه قيل: قتلًا بغير حق، يعني بالظلم (¬4). قال ابن الأنباري: معناه: ويقتلون النبيين من غير جرم وذنوب أتوها توجب دماءهم، وتلزمهم أن يمحوا من ديوان النبوة لأجلها، ولا يجوز أن يقتل نبي بحقٍّ أبدًا (¬5). ¬
وقيل: قوله: {بِغَيْرِ الْحَقِّ} تأكيد، لأن قتل النبي لا يكون إلا بغير حق، فهو كقوله: {الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج: 46]، {وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْه} وأمثاله (¬1). وقوله تعالى: {ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا} قال الأخفش: ما والفعل بمنزلة المصدر، أي: ذلك الكفر والقتل بعصيانهم (¬2). يعني أن الكفر والقتل حصلا منهم بعصيانهم ما أمروا به وتركهم الطاعة (¬3)، لأن نفس الكفر والقتل هو العصيان، فالعصيان هو الكفر، والكفر هو العصيان، وكل واحد منهما موجب للآخر في هذا الموضع، وإن لم يكن العصيان كفرا في مواضع. ويجوز أن يكون المعنى: ذلك حصل بشؤم عصيانهم، فحذف المضاف (¬4). وعلى هذا التأويل يتوجه قول من خص العصيان والاعتداء بعصيانهم الله في السبت، واعتدائهم فيه، فإن كثيرا من المفسرين ذهبوا إلى هذا (¬5)، ومنهم من لم يخص وقال: ذلك (¬6) بركوبهم المعاصي، وتجاوزهم أمري، ¬
وارتكابهم محارمي (¬1). قلت: وهذه (¬2) الأخبار التي أخبر الله (¬3) عن اليهود ووصفهم بها ليست تشملهم كلهم مذ كانوا إلى عصر النبي - صلى الله عليه وسلم - بل بعضهم انقرضوا قبل هذه الأحداث، وبعضهم اتصف ببعض هذه الأوصاف دون بعض، وبعضهم رضي بما أتى به الآخرون من هذه الجرائم فكانوا (¬4) شركاءهم (¬5) في الإثم، ولكن الله تعالى أضاف هذه الأوصاف إلى اليهود، وهو يريد الجانين والذين تولوهم كقوله تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ} [التوبة: 30]، وكلهم لم يقل ذلك. فأما (النبي) فأكثر العرب على ترك همزه (¬6). قال (¬7) أبو عبيدة: ¬
اجتمعت العرب على حذف الهمزة من أربعة أحرف من النبي والذرية والخابية والبرية وأصلها (¬1) الهمزة (¬2). وأما اشتقاقه فقال الزجاج وعدة معه: اشتقاقه (¬3) من نَبَّأَ وأَنْبَأَ، أي: أخبر، فترك همزه لكثرة الاستعمال. ويجوز أن يكون من نَبَا يَنْبُو، إذا ارتفع، فيكون فعيلا من الرفعة (¬4). وقال ابن السكيت: النبي هو من أنبأ عن الله، فترك همزه، قال: وإن أخذته من النَّبْوَةَ والنَّبَاوَةِ، وهي الارتفاع من الأرض، أي أنه شرف (¬5) سائر الخلق، فأصله غير الهمز (¬6)، وأنشد قول أوس بن حجر: ¬
لَأَصْبَحَ رَتْمًا (¬1) دُقَاقَ الْحَصَى ... مَكَانَ النَّبَيِّ مِنَ الْكَاثِبِ (¬2) قال: النبي: المكان المرتفع. قال أبو علي فيما استدرك على أبي إسحاق (¬3): النبي اشتقاقه من النبأ الذي هو الخبر، كأنه المخبر عن الله سبحانه، وهذا مذهب سيبويه (¬4). ولا يجوز أن يكون مشتقا من النبأ الذي هو الخبر والنجاوة التي هي الرفعة بأن يحتمل الأمرين (¬5)؛ وذلك لأن العرب كلهم ¬
يقولون (¬1): تَنَبَّأَ مُسَيلمة بالهمز ويقولون في تحقير النبوة: كان مسيلمة نُبُوَّتُه نُبَيِّئةَ سِوء (¬2)، فلو كان يحتمل الأمرين جميعا ما اجمعوا على الهمز في فعله وتحقيره. فإن قيل (¬3): فإن المازني أنشد على أن (النبي) من النباوة قول بعضهم: مَحْضَ الضَّرِيبَة فَي الْبَيْتِ الَّذِي وُضِعَتْ ... فِيهِ النَّبَاوَةُ حُلْوًا غَيْرَ مَمْذُوقِ (¬4) قيل: أراد: في البيت الذي وضعت فيه الرفعة، وليس كل رفعة [نبوءة] (¬5)، وقد يكون في البيت رفعة ليست (¬6) [بنبوءة] (¬7)، والمخبر عن الله المبلغ عنه إذا أخذ اسمه من النبأ (¬8) كان أخص به وأشد مطابقة للمعنى ¬
المقصود، ولأن النبوة ليس من الارتفاع المحمود، ألا ترى أنه لا يمدح به (¬1) كما يمدح بالرفعة (¬2). فإن (¬3) قلت: فلم لا يستدل بقولهم: أنبياء (¬4) على جواز الأمرين (¬5). لأنهم جمعوا ما كان أصله غير (¬6) الهمز على أفعلاء نحو: غنى وأغنياء وتقى وأتقياء، فيحتمل (¬7) على هذا أن النبي أصله غير الهمز، [ويحتمل أن أصله الهمز] (¬8) فترك همزه، وجمع (¬9) على أفعلاء، تشبيها بما أصله غير الهمز. قيل: ما ذكرته لا يدل على تجويز الأمرين، لأن (أنبياء) إنما جاء لأن البدل من الهمز لزم في (نبي) فصار في لزوم البدل له كقولهم: عيد وأعياد فكما أن أعيادا لا يدل على أن عيدا من الياء، لكونه من عود الشيء، كذلك لا يدل (أنبياء) على أنه من النباوة، ولكن لما لزم البدل جعل بمنزلة: تقي وأتقياء وصفي وأصفياء ونحو ذلك، وصار (¬10) كالبرية والخابية، ونحو ذلك ¬
مما لزم الهمزة فيه حرف اللين بدلا من الهمزة، وما دل على أنه من الهمز قائم لم يعترض عليه (¬1) شيء. وقد جمعوه أيضا نُبَآء (¬2) على فُعَلاَء (¬3)، مثل ظريف وظرفاء. قال العباس بن مرداس (¬4): يَا خَاتَمَ النُّبَآءِ (¬5) إِنَّكَ مُرسَلٌ ... بِالحَقِّ خَيْرُ هُدَى الْإِلَهِ هُدَاكَا (¬6) وكأنه جمعه على أصل اللغة، ولما لزم البدل في نبي صار قول من حقق الهمز كرد الشيء إلى الأصل المرفوض استعماله نحو: وَذَرَ ووَدَعَ فمن ثم كان الأكثر فيه التخفيف. واستردأ سيبويه تحقيق: النبيء والبرية (¬7)، ¬
لأن الغالب في استعمالهما التخفيف على وجه البدل. ومن زعم أن البرية من البرا (¬1) كان غالطا، لأنه لوكان كذلك لم يجز همزه بحال، وهي مهموزة في لغة أهل الحجاز، فتحقيقهم لها يدل على أنها من برأ الله الخلق. فأما حجة من همز (النبي) أن يقول: هو أصل الكلمة، وليس مثل (عيد) الذي قد ألزم البدل، ألا ترى أن ناسًا من أهل الحجاز قد حققوا الهمز في الكلام، ولم يبدلوه، فإذا كان الهمز أصل الكلمة وأتى به قوم في كلامهم على أصله لم يكن مثل: وَذَرَ ووَدع ونحوهما مما رفض في استعمالهم (¬2) واطرح. وأما ما روي في الحديث من أن بعضهم قال: يا نبيء الله، فقال: لست بنبيء الله، ولكن نبيّ الله، فإن أهل النقل ضعفوا إسناد الحديث (¬3). ومما يقوي (¬4) تضعيفه أن (¬5) من مدح النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله (¬6): ¬
يَا خَاتَمَ النُّبَآءَ (¬1) ......... لم يؤثَر فيه إنكار عليه، ولو كان في واحده نكير لكان الجمع كالواحد، وأيضا فلم نعلم (¬2) أنه عليه السلام أنكر على الناس أن يتكلموا بلغاتهم. وأما من أبدل ولم يحقق فإنه يقول: مجيء الجمع في التنزيل على أنبياء يدل على أن الواحد قد ألزم فيه البدل (¬3)، وإذا لزم البدل ضعف التحقيق (¬4). وقال الكسائي: النبي بغير همز، معناه في اللغة: الطريق، والأنبياء طرق الهدى (¬5). وعلى هذا سمّي الرسول نبيًّا لاهتداء الخلق به. واختار ابن الأنباري هذا القول، وقال (¬6): سمي النبيّ نبيًّا لبيان أمره ووضح خبره، أخذ من النبي وهو عندهم الطريق (¬7). ¬
62
وأنشد للقُطامي (¬1): لَمَّا وَرَدْنَ نَبِيًّا وَاسْتَتَبَّ بِنَا ... مُسْحَنْفِرٌ كَخُطُوطِ السَّيْح مُنْسحِلُ (¬2) 62 - قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا} الآية (¬3) قال ¬
الليث: الهَوْد: التوبة، وقوله عز وجل: {إِنَّا هُدْنَا} [الأعراف:156] أي: تُبْنا (¬1). وقال غيره: هاد في اللغة معناه: مال. يقال: هَادَ يَهُود هِيَادَةً وَهَوْدًا (¬2). قال امرؤ القيس. قدْ عَلِمتْ سلْمَى وَجَارَاتُهَا ... أَنِّي مِنَ النَّاسِ لَهَا هَائِدُ (¬3) أي: إليها مائل. وقال المبرد في قوله: {إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ} أي ملنا إليك، ويقال لمن تاب: هاد، لأن من تاب عن شيء مال عنه. فأما اليهود، فقال الليث: سُمّوا يهودًا شتقاقًا من هادوا، أي تابو امن (¬4) عبادة العجل (¬5). فعلى هذا القول لزمهم الاسم في ذلك الوقت. وقال غيره: سموا بذلك لأنهم مالوا عن دين الإسلام وعن دين موسى (¬6). وعلى هذا إنما سموا يهودا بعد أنبيائهم. ¬
وقال ابن الأعرابي: يقال: هاد إذا رجع من خير إلى شر أو (¬1) من شر إلى خير (¬2). سمي اليهود بذلك لتخليطهم، وكثرة انتقالهم من مذاهبهم. وحكي عن أبي (¬3) عمرو بن العلاء أنه قال: سميت اليهود لأنهم يتهودون أي: يتحركون عند قراءة التوراة (¬4) ويقولون: إن السماوات والأرض تحركت حين أتى الله موسى التوارة. وعلى هذا، التهود (¬5) تفعل من الهيد بمعنى الحركة، يقال: هِدْتُه هيدًا، كأنك تحركه ثم تصلحه (¬6)، ومنه الحديث: أنه قيل للنبي - صلى الله عليه وسلم - في المسجد: يا رسول الله: هِدْه، فقال: " عرش كعرش موسى" (¬7)، أي: حركه بالهدم (¬8). ¬
وقيل: اليهود (¬1) معرب من يهوذا بن يعقوب، عُرِّب يهوذا إلى يهود (¬2) ثم نسب الواحد إليه فقيل: يهودي، ثم حذف الياء في الجمع فقيل يهود، وكل جمع منسوب إلى جنس فهو بإسقاط ياء النسبة، كقولهم: زنجي وزنج ورومي وروم (¬3). هذا هو الكلام في أصل هذا الحرف. ثم يقال: هاد إذا دخل في اليهودية كقوله: {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا} (¬4) [الأنعام: 146]، أي: دخلوا في دين اليهودية (¬5)، والذي في هذه الآية بهذا المعنى، ويقال أيضا (تهوّد) إذا تشبه بهم ودخل في دينهم، كما يقال: تقيّس وتمضّر وتنزّر، وَ (هَوَّد) إذا (¬6) دعا إلى اليهودية (¬7)، ومنه الحديث: حتى يكون أبواه يهودانه (¬8). ¬
قوله تعالى: {النَّصَارَى} اختلفوا في تسميتهم بهذا الاسم، فقال الزهري (¬1): سموا نصارى، لأن الحواريين (¬2) قالوا: {نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ} [آل عمران: 52, والصف: 14] (¬3) حين قال لهم عيسى: {مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ}، واختار ابن الأنباري هذا القول، وقال: إنهم كانوا نُصَّار عيسى (¬4). فعلى هذا، هذا الاسم مشتق من النصر والنصرة، وواحدهم: نَصَرْان كقولهم: ندمان وندامى، ونصران وناصر بمعنى، كما يقال: صديان وصادٍ للعطشان (¬5)، قال الشاعر يصف الحرباء: ¬
تَرَاهُ إِذَا دَارَ الْعَشِيُّ مُحَنِّفًا ... وُيُضْحِي لَدَيْهِ وَهْو نَصْرَانُ شَامِسُ (¬1) وقال آخر (¬2): كَمَا سَجَدَتْ نَصْرَانَةٌ لَمْ تَحَنَّفِ (¬3) ثم زيدت ياء النسبة فقيل: نصراني. وقد جاء في كلام العرب النصارى، وأرادوا به الأنصار، لا هؤلاء الذين يعرفون بهذا الاسم (¬4)، أنشد الفراء: ¬
لَمَّا رَأَيْتُ نَبَطًا أَنْصارَا ... شَمَّرْتُ عَنْ رُكْبَتِيَ الإِزَارَا كُنْتُ لَهَا (¬1) مِنَ النَّصارَى جَارَا (¬2) فجمع بين الأنصار والنصارى على التوفيق بين معنييهم. وقال الزجاج: ويجوز أن يكون واحد النصارى نَصْرِيٌّ، مثل بَعِيرٌ مَهْرِي وإبل مَهَارى (¬3). وهذا قول مقاتل (¬4)، وزعم أنهم سموا نصارى لاعتزائهم إلى قرية يقال لها نصرة (¬5). وقوله تعالى: {وَالصَّابِئِينَ} قال أبو زيد: صبأ الرجل فى دينه يَصْبَأ صُبُوءًا. [إذا كان صابئا (¬6). وهو الخارج من دين إلى دين، ومنه صبا النجم وأصبأ] (¬7) إذا ظهر كأنه خرج من بين التي لم تطلع (¬8)، قال الشاعر، أنشده ابن السكيت: ¬
وَأَصْبَأَ النَّجْمُ فِي غَبْراَء كَاسِفَةٍ ... كَأَنَّهُ بَائِسٌ (¬1) مُجْتَابُ أَخْلاَقِ (¬2) وَصبَأَ نابه إذا خرج، يَصْبَأُ صُبُوءًا (¬3). وقال (¬4) أبو زيد (¬5): صَبَأَتْ عليهم تَصْبَأُ صَبْأً وصُبُوءًا، إذا طلعت عليهم (¬6). [وكأن] (¬7) معنى الصابئ التارك دينه الذي شرع له إلى دين غيره، كما أن الصابئ على القوم تارك لأرضه منتقل إلى سواها، والدين الذي فارقوه هو (¬8) تركهم التوحيد إلى عبادة النجوم وتعظيمها (¬9). وقال أبو إسحاق في قوله: {وَالصَّابِئِينَ} معناه: الخارجين من دين إلى (¬10) دين، يقال: صَبَأَ فلان يَصْبَأُ، إذا خرج من دينه (¬11). قال الليث: وكان يقال للرجل إذا أسلم في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد صبأ، عنوا: أنه خرج من دين إلى دين (¬12). ¬
وفي قوله: {وَالصَّابِئِينَ} قراءتان (¬1): التحقيق والتخفيف (¬2)، فمن حقق فهو الأصل (¬3). ومن خفف ولم يهمز لم يخل من أحد أمرين: إما أن يجعله من صبا يصبو إذا مال، ومنه قول الشاعر: صَبَوْتَ أَبَا ذِئْبٍ (¬4) وَأَنْتَ كَبِيرُ (¬5) وقال آخر: إِلىَ هِنْدٍ صبَا قَلْبِي ... وَهِنْدٌ مِثْلُهَا يُصْبِي (¬6) أو (¬7) يجعله على ترك الهمزة من صبأ (¬8). قال أبو علي: فلا يسهل أن يأخذه (¬9) من صبا إلى كذا، لأنه يصبو الإنسان إلى الدين، ولا يكون منه تدين مع صبوه إليه، فإذا بعد هذا، وكان ¬
الصابئون منتقلين من دينهم الذي أخذ عليهم إلى سواه ومتدينين به، لم يستقم أن يكون إلا من صبأ الذي معناه: انتقال من دينهم الذي شرع لهم [إلى آخر لم يشرع لهم] (¬1) فيكون الصابون (¬2) إذًا على ترك الهمز، وترك الهمز على هذا الحد (¬3) لا يجيزه سيبويه إلا في الشعر، ويجيزه غيره، فهو على قول من أجاز ذلك، وأبو زيد ممن أجازه، فقال: من (¬4) قرأ الصابون قلب الهمزة التي هي لامٌ ياءً، ونقل الضمة التي كانت تلزم أن تكون على اللام إلى العين فسكنت الياء فحذفها لالتقاء الساكنين، هي والواو التي للجمع، وحذف كسرة عين فاعل فحركها بالضمة المنقولة (¬5) إليها كقولهم: [خِفْتُ] (¬6) و: حُبَّ بِهَا (¬7) ........... ¬
و ........... حُسْن ذَا أَدَبَا (¬1) فنقلوا الحركة من العين إلى الفاء، وحذفوا الحركة التي كانت للفاء في الأصل وحركوها بالحركة المنقولة، هذا في الصابون (¬2). فأما (الصابين) (¬3) فقياس نقل الحركة أن تحذف (¬4) كسرة عين فاعل وتنقل إليها الكسرة التي كانت تكون للام، ألا ترى أن الضمة منقولة إليها بلا إشكال، وإن شئت قلت: لا أنقل حركة اللام التي هي الكسرة كما نقلت حركتها التي هي الضمة؛ لأني لو لم أنقل الحركة التي هي الضمة، وقررت (¬5) الكسرة لم تصح واو الجميع، فليس الكسرة مع الياء كالكسرة مع ¬
الواو، فإذا كان كذلك ألقيت (¬1) الحركة (¬2) التي كانت تستحقها اللام (¬3)، ولم أنقلها (¬4)، كما ألقيت (¬5) حركة المدغم ولم أنقلها في قول من قال: {يَهِدِّي} [يونس: 35] فحرك الهاء بالكسرة لالتقاء الساكنين، ولم ينقلها كما نقلها من قال: {يَهِدِّي}. ومثل ذلك في أنك تنقل الحركة مرة ولا تنقلها أخرى قولك: وَحَبَّ بِهَا مَقْتُولَةً وَحُبَّ بِهَا مَقْتُولَةً (¬6) و: حَسْنَ ذَا أَدَبًا و: حُسْنَ ذَا أَدَبًا (¬7) فأما مذهب الصابئين (¬8) فقد ذكرنا أنهم يعبدون النجوم، وقال قتادة: هم قوم يعبدون الملائكة (¬9). وقال مجاهد: قبيلة نحو الشام بين (¬10) اليهود والمجوس، لا دين لهم (¬11). ¬
وقال الليث: هم قوم يشبه دينهم دين النصارى إلا أن (¬1) قبلتهم نحو مهب الجنوب، يزعمون أنهم على دين نوح، وهم كاذبون (¬2). قال عبد العزيز بن يحيى: هم قوم درجوا وانقرضوا (¬3). واختلف المفسرون في معنى هذه الآية على طريقين (¬4): أحدهما: أن الذين آمنوا، أي (¬5): بالأنبياء الماضين (¬6) ولم يؤمنوا بك، وقيل: أراد المنافقين الذين آمنوا بألسنتهم ولم يؤمنوا بقلوبهم. من آمن ¬
بالله من جملة الأصناف المذكورة في هذه الآية إيمانا حقيقيا (¬1) ولا يتم إيمانهم بالله إلا بإيمانهم بمحمد - صلى الله عليه وسلم -. فإذا آمنوا بالله ورسوله محمد، فلهم أجرهم عند ربهم، والدليل على أنه أراد مع (¬2) الإيمان بالله الإيمان بمحمد أنه قال: {وَعَمِلَ صَالِحًا} وقد قام الدليل على أن من لا يؤمن بالنبي - صلى الله عليه وسلم - لا يكون عمله صالحًا. وقال ابن جرير: في قوله: {مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ} إضمار واختصار، تقديره (¬3) من آمن منهم بالله (¬4)، لأن قوله: {مَنْ آمَنَ} في موضع خبر إن (¬5) ولا بد من عائد إلى اسم إن، والعائد هاهنا محذوف، كأنه قيل: من آمن منهم بالله (¬6)، وهذا مصرح به في سورة المائدة (¬7). وهذا معنى قول ابن ¬
عباس في رواية الكلبي (¬1). الطريقة الثانية: أن المراد بقوله: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا} أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ومؤمنو هذه الأمة، {وَالَّذِينَ هَادُوا}، أي: الذين آمنوا بموسى والتوراة ولم (¬2) يبدلوا ولم يغيروا، {وَالنَّصَارَى} يعني نصار (¬3) عيسى على غير تبديل ولا تحريف لما في الإنجيل، {وَالصَّابِئِينَ} يعني الخارجين من الكفر إلى الإسلام، {مَنْ آمَنَ} أي من مات منهم على دين الإسلام، لأن حقيقة الإيمان تكون (¬4) بالعاقبة (¬5)، {وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ}. وهذا معنى قول ابن عباس في رواية عطاء (¬6). ¬
قالوا: ويجوز أن يقدر فيه "واو" أي: ومن آمن بعدك يا محمد إلى يوم القيامة (¬1). ووحد الفعل في قوله: آمن (¬2) ثم جمع الكناية في قوله: {فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ} لأن من تصلح للواحد والجميع (¬3) والمذكر والمؤنث، فالفعل يعود إلى لفظ (مَنْ) وهو واحد مذكر، والكناية تعود إلى معنى (من) ومثله في القرآن كثير (¬4). قال الله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ} [الأنعام: 25,ومحمد:16] , وفي موضع آخر: {يَستَمِعُونَ} [يونس: 42]، وقال: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ} [النساء: 13]، ثم قال: {خَالِدِينَ} فجمع، وقال: {وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ} [الأنبياء: 82]، وأنشد الكسائي: أَلِمَّا بِسَلْمَى أَنْتُمَا إنْ عَرضْتُما ... وَقُولَا لَها عُوجِي عَلَى مَنْ تَخَلَّفُوا (¬5) فجعل (مَنْ) بمنزلة (الذين). وقال الفرزدق: ¬
تَعَالَ فِإنْ عَاهَدْتَنِي لا تَخُونُنِي ... نكُنْ مِثْلَ مَنْ يَا ذِئْبُ يَصْطَحِبانِ (¬1) وإنما جاز ذلك في (من)؛ لأنه مبهم جامد لا يتصرف ولا يتبين فيه الإعراب ولا العدد، وكذلك (ما) إلا أن (من) لبني آدم والموصوفين بالعقل، و (ما) لغيرهم. وعلى هذا (¬2) يحكى أن جريرًا أنشد قوله: يَا حَبَّذَا جَبَلُ الرَّيانِ مِنْ جِبَلٍ ... وَحَبَّذَا ساكِنُ الرَّيانِ مَنْ كَانَا (¬3) فقيل له: وإن كان ساكنه (¬4) قرودًا؟ فقال: إنما يلزمني هذا لو قلت: ما كانا، وربما عاقب (ما) مَنْ على السعة كقوله: {وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا} [الشمس: 5]، على تأويل: ومن بناها (¬5) وإنما ترخصوا في ذلك لأنهم قد يبدلون النون الخفيفة ألفا، كما قالوا: رأيت رجلًا، في الوقف، فالألف فيه بدل من التنوين، ومثله قوله: {لَنَسْفَعًا} [العلق: 15]، قول الشاعر: ¬
.. والله فاعبدا (¬1) وقد جاء في (من) بعض التصريف في بعض اللغات، كقوله: أَتَوْا نَارِي فَقُلْتُ مَنُونَ أَنْتُم ... فَقَالُوا (¬2) الجِنُّ قُلْتُ عِمُوا ظلاما (¬3) وقد يلزمها الإعراب في مثل قولهم: رأيت فلانًا، فتقول على ¬
الحكاية: منا بالنصب (¬1)، ومثله: منو ومني إذا قال: جاءني فلان ومررت بفلان، وقد يؤنثون فيقولون: منة فلما جاز هذا التصرف في (من) جاز إبدال نونها بالألف. وقوله تعالى: {وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} يقال: كيف قال هذا مع (¬2) ما يمر بهم من أهوال القيامة؟ قيل: لأنه لا يعتد بذلك، من أجل أنه عارض ثم يصيرون (¬3) إلى النعيم الدائم، لقوله: {لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ} [الأنبياء: 103]، وهو كما تقول (¬4) للمريض: لا بأس عليك. وقيل: إن أهوال القيامة إنما تنال (¬5) الضالين دون المؤمنين، والأول هو الوجه لعموم قوله: {يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ} الآية [الحج: 2]. ¬
63
وكذلك ما ورد من الأخبار في هذا (¬1). 63 - قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ} الآية الأخذ يستعمل في معان كثيرة، ويتصرف على ضروب (¬2)، منها: أن يدل على العقاب كقوله: {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى} [هود: 102]، وقوله: {فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ} [الأنعام: 42]، {وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ} [هود: 67]، {وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ} (¬3) [الأعراف: 165]، {فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ} [القمر: 42]. ومنها: أن يستعمل للمقاربة، تقول العرب: أخذ يقول كذا، كما قالوا: جعل يقول، وطفق يقول. ومنها: أن يتلقى بما يتلقى به القسم، كقوله: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} [آل عمران: 187]، ألا ترى أنه قال: {لَتُبَيِّنُنَّهُ} فأخذ (¬4) ¬
الميثاق هاهنا بمعنى الاستحلاف وتوكيد العهد، وكذلك في هذه الآية. ومثل أخذ في معنى العقاب: آخذ (¬1)، قال الله تعالى: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا} [فاطر: 45]، وقال: {لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا} [البقرة: 286]، وقال: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ} [البقرة: 225]. ويستعمل من الأخذ التفعيل والاستفعال، قالوا: رجل مُؤَخَّذٌ عن امرأته (¬2)، وقال الفقهاء في الرجل المؤخذ عن امرأته: يؤجل كما يؤجل العنين (¬3). وأما اسْتَفْعل فقال الأصمعي (¬4): الاستئخاذ: أشد الرمد، قال الهذلى (¬5): يَرْمِي الغُيُوبَ (¬6) بِعَيْنيه ومَطْرِفُه ... مُغْضٍ كما كَسَفَ المُسْتَأْخِذَ الرَّمَدُ (¬7) ¬
أي: عين المُسْتأخِذ فحذف المضاف، والرمد الفاعل (¬1). وهذه الآية خطاب لليهود وإن كان آباؤهم أخذ الميثاق عليهم. روى أبو صالح، عن ابن عباس أنه قال. هما ميثاقان (¬2): الأول (¬3): حين أخرجهم من صلب آدم وأشهدهم على أنفسهم. والثاني: أن كل نبي بعث إلى قومه أخذ عليهم الميثاق بالطاعة لله والإيمان بمحمد - صلى الله عليه وسلم - (¬4). وقوله تعالى: {وَرَفَعنَا فَوقَكُمُ الطُّورَ}. الواو {وَرَفَعنَا} واو الحال، المعنى إذ أخذنا ميثاقكم في حال رفع الطور (¬5)، ويضمر معه قد لتصلح الحال كما ذكرنا في قوله: {وَكُنتُم أَموَاتًا} (¬6) [البقرة:28]. ونذكر كيف أخذ الميثاق في حال رفع الطور، وأما الطور فقيل: إنه الجبل (¬7) ¬
بالسريانية (¬1)، فإن صح ذلك فهو وفاق وقع (¬2) بين لغتهم ولغة العرب، لأنه لا يجوز أن يوجد في القرآن إلا ما تكلمت به العرب (¬3)، وهذا مما تكلم به العرب، قال العجاج: دَانَى جَنَاحَيْهِ من الطُّورِ فَمَرْ (¬4). وقيل: إنه اسم جبل بعينه، وهو جبل بالشام (¬5)، قال ذو الرمة: أَعاريبُ طُورِيُّونَ عن كُلِّ بلدة ... يَحيدونَ (¬6) عنها مِنْ حِذَارِ المَقادِرِ (¬7) ¬
طوريون أي: وحشيون، يحيدون عن القرى حذار الوباء والتلف، كأنهم نسبوا إلى الطور وهو جبل بالشام. وقال الفراء في قوله تعالى: {وَالطُّورِ} [الطور: 1] قال: هو الجبل الذي بمدين، كلم الله عليه موسى (¬1). قال المفسرون: إن موسى لما أتاهم بالتوراة فرأوها وما فيها من التغليظ كبر ذلك عليهم وأبوا أن يقبلوا ذلك، فأمر الله جبلًا من جبال فلسطين فانقلع من أصله حتى قام على رؤوسهم مثل الظلة، وكان العسكر فرسخا في فرسخ والجبل كذلك، وأوحى الله إلى موسى إن قبلوا التوراة وإلا رضختهم بهذا الجبل، فلما رأوا ذلك وأن لا مهرب لهم، قبلوا ما فيها وسجدوا من الفزع، وجعلوا يلاحظون الجبل وهم سجود، فمن أجل ذلك يسجد اليهود على أنصاف وجوههم، فهذا معنى أخذ الميثاق في حال رفع الجبل فوقهم (¬2)، لأن في هذه الحالة قيل لهم: {خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ} [وكان فيما آتاهم الله تعالى الإيمان بمحمد (¬3) - صلى الله عليه وسلم -. وقوله: {خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ} [(¬4) أي: وقلنا لكم خذوا (¬5)، ¬
وتأويل (¬1)] {خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ} اعملوا بما أمرتم فيه وانتهوا عما نهيتم عنه. وقوله: {بِقُوَّةٍ} قال ابن عباس والحسن وقتادة: بجد ومواظبة على طاعة الله واجتهاد (¬2)، وتأويله: خذوا ما آتيناكم بعزيمة على طاعة الله واتباع رسله. وقال الزجاج: أي بقوة قلب ويقين ينتفي عنده الريب (¬3) والشك، لما كان (¬4) لكم من عظيم الآيات، وأصل القوة: الشدة، ومنه قوة الحبل، لأنها تقوي الحبل وتشد فتله (¬5). وقوله تعالى: {وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ} الكناية تعود إلى ما في قوله: {مَا آتَيْنَاكُمْ} (¬6). والمعنى: احفظوا ما في التوراة من الحلال والحرام، واعملوا بما فيه (¬7)، وقيل: اذكروا ما فيه من الثواب والعقاب لعلكم تتقون (¬8)، ويجوز أن ترجع الكناية إلى الميثاق، ويكون المعنى على حذف ¬
64
المضاف، كأنه قيل: واذكروا ما في نقض الميثاق من العقوبة لعلكم تتقون. 64 - قوله تعالى: {وثُمَ تَوَلَّيتُم} التولي في اللغة يستعمل على ثلاث معان (¬1): يكون بمعنى الإعراض كالذي في هذه الآية، ومعناه: أعرضتم وعصيتم (¬2)، ومثله: {وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ} [محمد: 38] أي تعرضوا عن الإسلام. ويكون (¬3) بمعنى الاتباع، قال الله تعالى: {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} [المائدة: 51]، معناه: من يتبعهم وينصرهم. ويقال: توليت الأمر توليا، إذا وليته بنفسك (¬4)، قال الله تعالى: {وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ} [النور: 11]، أي: ولي وزر الإفك وإشاعته (¬5). ومعنى توليتم هاهنا، أي: أعرضتم عن أمر الله وطاعته. وقوله تعالى: {مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ} قيل من بعد (¬6) أخذ الميثاق. {فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} بتأخير العذاب عنكم (¬7). وقيل: بمحمد - صلى الله عليه وسلم - والقرآن (¬8) ¬
65
{لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ} فمن آمن بحمد بعد ما كان في الضلالة لم يكن من الخاسرين، وذكرنا معنى الخسران فيما تقدم (¬1)، ومعناه ذهاب رأس المال، وهو هاهنا هلاك النفس لأنها بمنزلة رأس المال (¬2). 65 - قوله تعالى: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ} العلم (¬3) هاهنا بمعنى المعرفة كقوله: {لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ} [الأنفال: 60]، ولولاه لاقتضى مفعولًا ثانيا، ألا ترى أنك إذا قلت: علمت زيدًا قائمَّاً [كان قائما] (¬4) مفعولًا ثانيا، وإذا قلت: عرفت زيدا قائما، [كان قائما] (¬5) حالا ولم يكن مفعولًا ثانيا، وإذا كان العلم بمعنى المعرفة جاز الاقتصار على أحد المفعولين (¬6). وقوله تعالى: {الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ} أي: جاوزوا (¬7) ما حد لهم، كانوا أُمروا أن لا يصيدوا في السبت، فحبسوها في السبت وأخذوها في الأحد، فعدوا في السبت، لأن صيدها منعها من التصرف (¬8). ¬
والسبت في كلام العرب معناه: القطع، يقال للحلق: السبت، لأنه قطع للشعر (¬1)، والسبت: السير السريع (¬2)، وتأويله قطع للطريق (¬3). ومنه قول حميد (¬4): ............ أمّا نَهارُها ... فَسَبْتٌ (¬5) ............... والسبت: السُّبَاتُ. قال الزجاج: تأويله أنه يقطع الحركة (¬6). والسبت. قطعة من الدهر، كأنه بمعنى المسبوت (¬7)، أي: المقطوع، وهو ¬
في شعر لبيد: وغَنِيتُ سَبْتًا (¬1) ......... البيت قال أبو بكر بن الأنباري: السبت القطع، وسمي السبت من الأيام سبتًا، لأن الله ابتدأ الخلق فيه، وقطع بعض الخلق، وخلق (¬2) الأرض. [ويقال: أُمر فيه بنو إسرائيل بقطع الأعمال وتركها. قال: وأخطأ من قال: سمي السبت لأن الله أمر فيه بني إسرائيل بالاستراحة، وخلق هو عز وجل السموات والأرض في ستة أيام آخرها يوم الجمعة، ثم استراح في يوم السبت. قال: وهذا خطأ، لأنه لا يعلم في كلام العرب (سَبَتَ) بمعنى استراح، وإنما معنى سَبَتَ: قطع، ولا يوصف الله تعالى بالاستراحة لأنه لا يتعب (¬3). قال: واتفق أهل العلم على أن الله ابتدأ الخلق يوم السبت ولم يخلق يوم الجمعة سماءً ولا أرضًا (¬4). ¬
وقوله تعالى: {كُونُوا قِرَدَةً} أي: كونوا بتكويننا إياكم وتغييرنا خلقكم قردة (¬1). قال ابن الأنباري: كن (¬2) ينقسم في كلام العرب على معان: منها: أن يقول الرجل للرجل: كن جبلًا فإني أهدك، وكن حديدًا فإني أغلبك، يريد لوكنت بهذا الوصف لم تَفُتْنِي (¬3)، قال الله تعالى: {قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا} [الإسراء: 50] يريد لوكنتم حجارة أو حديدا لنزل بكم الموت ووصل إليكم ألمه، ويقول الرجل للرجل إذا لم يتعلم (¬4) العلم: فكن من البهائم، أي عُدَّ نفسَك مُشبهًا لها. قال الأحوص: إِذَا كُنْتَ عِزْهَاةً عَنِ اللَّهْو والصِّبَا ... فَكُنْ حَجَرًا مِنْ يَابِسِ الصَّخْرِ جَلْمَدَا (¬5) أي فعُدَّ نفسك من الحجارة. ¬
فقال الله تعالى: {كُونُوا قِرَدَةً}] (¬1) أي بتغييرنا (¬2) خلقكم وتبديلنا صوركم، وهذا أمر (¬3) حتم ليس للمأمور فيه اكتساب، ولا يقدر على دفعه عن نفسه (¬4). وقال (¬5) بعض النحاة: الأمر يجيء على معان: على الفرض، والنفل، والإذن، والتهديد والتحدي، وعلى معنى الخبر. فالفرض مثل: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} (¬6) وأشباهه، والنفل كقوله: {وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ} [النساء: 34]، والإذن: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} [المائدة: 2]، والتهديد: {اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ} [فصلت: 40] (¬7)، وكقوله: {وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ} [الإسراء: 64]، الآية، والتحدي: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا} [البقرة: 23]، وفيه معنى الإلزام، إلا أن من الإلزام ما لا يكون في المقدور أصلًا كقوله: {قُل هَاتُوا بُرهَانَكُم} (¬8) وليس يصح برهان على صدقهم. وأمَّا بمعنى الخبر فقوله: {كُونُوا قِرَدَةً} (¬9) أي: جعلناهم قردة (¬10)، إلا أنه جاء بلفظ الأمر على طريق البلاغة. وقد ¬
يجئ الأمر والمراد منه التسوية، كقوله: {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ} [التوبة: 80]، أي قد استوى الحالان في أنه لا يغفر. والقردة جمع قرد، يقال: قرد، وثلاثة أَقْرِدة (¬1) وقُرُود وقِرَدَة كثيرة، والأنثى قِرْدَة. وأصل الحرف من اللصوق، ومنه الْقَرِد، وهو ما تلاصق من الوبر ويعقد، والقُرَادُ سمي قُرادًا للصوقه بالموضع الذي يعلق، والقرود تتلاصق إذا اجتمعت وتتداخل خوفًا من عدوها، فإنها أجبن شيء (¬2). و (¬3) قوله تعالى: {خَاسِئِينَ} الخَسْءُ: الطرد والإبعاد، يقال: خَسأتُه خَسْأً فَخَسَأ [وانْخَسَأ (¬4)، فهو واقع ومطاوع (¬5). قال الفراء والكسائي: يقال: خَساتُه خَسْأً فَخَسَأ] (¬6) خُسُوءًا (¬7) مثل رَجَعْتُه رَجْعًا فَرَجَعَ رُجُوعًا (¬8)، ويقال للكلب عند الزجر والإبعاد: اخسأ، وأنشد الفراء: وَإذا زَجَرْتُ الْكَلْبَ قُلْتُ اخْسَأ لَهُ ... وَالْكَلْبُ مِثْلُكَ ياخُرَيْمُ سَوَاءُ (¬9) ¬
66
وأنشد ابن الأنباري لعمران بن (¬1) حطان: لاَ تَجْعَلَنْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْزِلِي ... يَا رَبِّ (¬2) مَنْزِلَ خَاسِئً مَدْحُورِ (¬3) وتقدير الآية: كونوا خاسئين قردة، لأنه لولا التقديم والتأخير لكان: قردة خاسئة (¬4). 66 - قوله تعالى: {فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا} الآية، اختلفوا في الكناية، فقيل: إنها راجعة إلى القردة (¬5). وقال الفراء: الكناية تعود إلى المسخة (¬6)، لأن معنى: {كُونُوا قِرَدَةً} مسخناهم قردة، فوقعت الكناية عن الكلام المتقدم (¬7). ¬
وقال ابن عباس: فجعلنا تلك (¬1) العقوبة لهؤلاء القوم الذين مسخوا قردة وخنازير، وعلى هذا الكناية تعود إلى العقوبة (¬2)، وهي مدلول عليها بقوله: {كُونُوا قِرَدَةً} لأن ذلك يدل على المسخ، والمسخ عقوبة، ويقال: الهاء عائدة على الأمة (¬3) الذين اعتدوا، لأن قوله: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ} (¬4) يدل على أنهم كانوا أمة وفرقة من الناس، فرجع العائد على المعنى (¬5). وقال الزجاج: وجعلنا هذه الفعلة عبرة (¬6). والنَّكَال (¬7) اسم لما جعلته نكالًا لغيره إذا رآه خاف أن يعمل عمله (¬8). وأصل هذا من قولهم: نكل عن الأمر ينكُل نُكولًا، إذا جبن عنه، يقال: نَكَّلْت بفلان، إذا عاقبته في شيء أتاه عقوبةً تُنَكِّل غيره عن ارتكاب مثله، أي: تمنع وتردد. والنِّكْل: القيد، لأنه يمنع الجري، والنِّكْلُ: حديد اللجام (¬9). ¬
وقوله تعالى: {لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا} قال أبو إسحاق: {لِّمَا بَينَ يَدَيهَا} الأمم التي تراها، {وَمَا خَلْفَهَا} ما يكون بعدها (¬1). فما في هذا القول عبارة عن الأمم. وقال الفراء: جعلت نكالا لما مضى من الذنوب، ولما (¬2) يعمل بعدها، ليخافوا (¬3) أن يعملوا بما عمل الذين مسخوا فيمسخوا (¬4). فعلى هذا القول (ما) عبارة عن الذنوب، والهاء في (يديها) يعود (¬5) على الفرقة الممسوخة وكذلك الهاء في {خَلْفَهَا} (¬6). وقيل: هذا على (¬7) التقديم والتأخير، تقديره: فجعلناها وما خلفها مما أعد لهم من العذاب في الآخرة عقوبةً ونكالًا لما بين يديها، أي: لما (¬8) تقدم من ذنوبهم في اعتدائهم يوم السبت (¬9). ¬
المملكة العربية السعودية وزارة التعليم العالي جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية عماد البحث العلمي التَّفْسِيرُ البَسِيْط لأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي (ت468هـ) سورة البقرة من آية (67) -آية (195) تحقيق د. محمد بن عبد العزيز الخضيري أشرف على طباعته وإخراجه د. عبد العزيز بن سطام آل سعود ... أ. د. تركى بن سهو العتيبي الجزء الثالث
المملكة العربية السعودية وزارة التعليم العالي جامعة الإِمام محمد بن سعود الإسلامية عماد البحث العلمي التَّفْسِيرُ البَسِيْط لأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي (ت468هـ) سورة البقرة من آية (67) -آية (195) تحقيق د. محمد بن عبد العزيز الخضيري أشرف على طباعته وإخراجه د. عبد العزيز بن سطام آل سعود ... أ. د. تركى بن سهو العتيبي الجزء الثالث
جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية 1430هـ فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر الواحدي, علي بن أحمد التفسير البسيط لأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي (ت468هـ)./ علي بن أحمد الواحدي, محمد بن صالح بن عبد الله الفوزان, الرياض1430هـ. 25مج. (سلسلة الرسائل الجامعية) ردمك:4 - 857 - 04 - 9960 - 978 (مجموعة) 1 - 858 - 04 - 9960 - 978 (ج1) 1 - القرآن تفسير ... 2 - الواحدي, علي بن أحمد أ- العنوان ... ب- السلسة ديوي 3.227 ... 868/ 1430 رقم الإيداع: 868/ 1430هـ ردمك 4 - 857 - 04 - 9960 - 978 (مجموعة) 1 - 858 - 04 - 9960 - 978 (ج1)
التَّفْسِيرُ البَسِيْط لأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي (ت468هـ) [3]
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
باقي تفسير سورة البقرة
67
67 - قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ} الآية. قال الليث (¬1): القوم الرجال دون النساء، ومنه قوله عز وجل: {لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ} [الحجرات: 11] أي رجال من رجال، ثم قال: {وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ} قال زهير (¬2): وَمَا أَدْرِي وَسَوْفَ إخَالُ (¬3) أدْرِي ... أَقَوْمٌ آل حِصْنٍ أَمْ نِسَاءُ (¬4) وقوم كل رجل: شيعته وعشيرته (¬5). وقال أبو العباس: القوم والنفر والرهط معناه الجمع، ولا واحد لها من لفظها، وهم الرجال دون النساء (¬6). والمراد بالقوم هاهنا شيعة موسى وأتباعه. وقد يذكر القوم فيدخل فيه النساء كقوله: {إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ} [نوح: 1] وكان مرسلاً إلى الإناث والذكور جميعاً، وجاز ذلك لأن ¬
الغالب من أمر (¬1) النساء اتباع الأزواج فاكتفى بهم منهن لغلبتهم عليهن (¬2). وقوله تعالى: {أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} البقرة واحدة (¬3) البقر. الأصمعي: يقال: رأيت لبني فلان بَقَرًا وبَقِيرًا وبَاقُورَةً وبَاقِرًا (¬4) وبَوَاقِرَ، كله جمع البقر، وأنشد (¬5): بَوَاقِرُ جُلْحٌ أسْكَنَتْها الْمَرَاتِعُ (¬6) وقال آخر (¬7): خَلَقًا كَحَوْضِ الْبَاقِرِ الْمُتَهَدِّمِ (¬8) ويقال لجماعة البقرة: بيْقُور (¬9) أيضاً، وقال أمية (¬10): ¬
وعَالَت الْبَيْقُورَا (¬1) وقيل: إن أصل الحرف من الْبَقْر الذي هو الشقّ، يقال: بقر بطنه إذا شقّه وفتحه، وكان يقال لمحمد بن علي بن الحسين (¬2) رضي الله عنهما "الباقر"، لأنه بقر العلم وعرف أصله، أي شقه وفتحه (¬3). والْبَقِيرُ: ثوب يشق فتلقيه المرأة في عنقها من غير كُمَّيْن ولا جيب (¬4). والبقر جنس شأنها أن تشق الأرض في الْكِرَاب (¬5). ¬
وقوله تعالى: {أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا} يقرأ بالتخفيف والتثقيل (¬1)، وذلك (¬2) أن كل اسم على ثلاثة أحرف أوله مضموم (¬3)، فمن العرب من يثقله، ومنهم من يخففه، نحو: العُسْر واليُسْر والحُكْم (¬4) والرُّحْم (¬5)، وكذلك ما كان على فُعُل من الجموع قد استمر فيه الوجهان نحو: الكتب، والرسل وحتى جاء ذلك في العين إذا كانت واوا نحو: ........ سُوُكَ الإِسْحِلِ (¬6) وقوله: ¬
وفي الأَكُفِّ اللامِعاتِ سُوُر (¬1) وأما فُعْل في جمع أفعل نحو أحْمر وحُمْر، وكأنهم ألزموه الإسكان للفصل بين الجمعين، وقد جاء فيه التحريك في الشعر (¬2). ومعنى قوله: {أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا} قال أبو زيد: هَزِئتُ به (¬3) هُزْءًا وَمهْزَأةً، وهذا لا يخلو من أحد أمرين (¬4)، أحدهما: أن يكون المضاف محذوفا؛ لأن الهُزْءَ حَدَثٌ، والمفعول الثاني من هذا الفعل يكون الأول كقوله: {لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ} [الممتحنة: 1] ويكون التقدير: أتتخذنا أصحاب هزء. أو يكون جعل الهُزْءَ المهزوءَ به مثل الخلْق (¬5) والصيد. وقوله (¬6): {لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا} [المائدة: 57] لا يحتاج فيه إلى تقدير ¬
محذوف، لأن الدِّين (¬1) ليس بعين. وقول موسى: {أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} في جواب: {أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا} يدل على أن الهازئ جاهل (¬2)، ومعنى {أَعُوذُ بِاللَّهِ} أي: أمتنع به وألجأ إليه، ومصدره العَوْذ والعِياذ (¬3). وتقول العرب: أطيب اللحم عُوَّذه، أي الذي عاذ بالعظم، وناقة عائذ: يعوذ بها ولدها، وجعلت عائذًا وهي معوذ بها، وجمعها عُوذ، وهي الحديثات النتاج، وذلك أن الولد يعوذ بها إذا (¬4) كان حديثا، فإذا شبّ الولد لم يعذ بالأم، فلهذا يفسر العُوذ بالحديثات النتاج (¬5) والأصل ما ذكرنا، ومنه قول لبيد: فالِعينُ سَاكِنَةٌ على أَطْلائِهَا (¬6) ... عُوذًا تأَجَّلُ بِالغَضَاءِ بِهَامُهَا (¬7) وقوله تعالى: {مِنَ الْجَاهِلِينَ} الجهل نقيض العلم، ويقال: استجهلت الريحُ الغصنَ إذا حركته فاضطرب، والمجهلة: الأمر يحملك ¬
على الجهل (¬1)، ومنه الحديث: "الولد مجهلة مبخلة (¬2) مجبنة (¬3) ". وكان حقه (¬4) أن يقول: (فقال أعوذ بالله) لأنه عطف على ما قبله، قال الفراء: وهذا في القرآن كثير بغير الفاء، وذلك أنه جواب يستغني أوله عن آخره بالوقفة عليه، فكأنّ (¬5) حسن السكوت (¬6) يجوز به طرح الفاء. وأنت تراه في رؤوس (¬7) الآيات لأنها فصول حسناً (¬8)، في ذلك (¬9) قوله: {قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (57) قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا} (¬10) [الحجر:57, 58, والذاريات: ¬
68
31، 32]. والفاء حسنة مثل قوله: {فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا} [هود: 27، المؤمنون: 24]، ولوكان على كلمة واحدة لم تسقط العرب منه الفاء، من ذلك (¬1): قمت ففعلت، لا يقولون: قمت فعلت، ولا قلت قال (¬2)، حتى يقولوا: قلت (¬3) فقال وقمت فقام، أو قلت (¬4) وقال، لأنها نسق وليست باستفهام يوقف عليه، قال: وأنشدني بعض العرب: لَمَا رأَيْتُ نَبَطَا أَنْصَارا ... شَمَّرتُ عَنْ رُكْبَتِيَ الإِزَارَا كُنْتُ لَهَا مِنَ النَّصَارى جَارَا (¬5) [لم يقل: فكنت، ولا وكنت] (¬6). 68 - وقوله تعالى: {قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ} الآية إنما سألوا ما هي، لأنهم لم (¬7) يعلموا أنّ بقرةً يحيا بضرب بعضها ميّتٌ، قاله (¬8) الزجاج (¬9). ¬
ويقال: بيّن الشيءَ وأبانه إذا (¬1) أزال الإشكال عنه، والأصل فيه معنى التفريق، والبيان سمي بياناً لأنه التمييز عما يلتبس، والتبيين هو التمييز الذي يقع به التعريف (¬2). وترى هذا مستقصًى (¬3) عند قوله: {عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ} [البقرة: 68]. وموضع (ما) رفع بالابتداء، لأنه بمعنى الاستفهام، معناه: أي شيء هي؟ والاستفهام لا يعمل فيه ما قبله (¬4)، وبيان هذه المسألة يذكر (¬5) عند قوله: {مَا لَوْنُهَا} [البقرة: 69]. وقوله تعالى: {لَا فَارِضٌ} قال الفراء: الفارض: الهرمة، يقال من الفارض: فرَضَت وفرُضَت، ولم يسمع بِفَرَضَ (¬6)، ونحو ذلك قال قتادة (¬7). وقال الكسائي: الفارض: الكبيرة العظيمة، قد فرَضت تفرُض فُروضًا. ثعلب عن ابن الأعرابي: الفارض: الكبيرة. ¬
وقال أبو الهيثم: الفارض: المسنة (¬1). أبو زيد: بقرة فارض: عظيمة سمينة، والجميع فوارض (¬2). وقوله تعالى: {وَلَا بِكْرٌ} قال الليث: البكر من النساء: التي لم تمس، والبكر من الرجال: الذي لم يقرب النساء بعد، والبكر: أول ولد الرجل غلاما كان أو جارية، وبقرة بكر: فتية لم تحمل، والبكر من كل أمر: أوله (¬3)، وأصل هذا الباب أول الأمر، فالبكارة أول حال النساء، وهي بكر في أول حالها، والباكورة أول ما يدرك من الثمار، والبُكرة أول النهار (¬4). قال الزجاج في قوله: {لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ}: أي: ليست بكبيرة ولا صغيرة، قال: وارتفع (فارض) بإضمار هي (¬5). وقال الأخفش: ارتفع على الصفة للبقرة، والوصف بالنفي صحيح، لأنه يرجع في التحقيق إلى أنه يختص بما ينافي ذلك الوصف، تقول: مررت برجل لا قائم ولا قاعد، أي: برجل (¬6) مختص بصفة تنافي القيام والقعود (¬7). ¬
وقوله تعالى: {عَوَانٌ} قال الفراء: انقطع الكلام عند قوله: {وَلَا بِكْرٌ}، ثم استأنف فقال: {عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ}. قال: والعوان يقال منها: عوَّنت تُعوّن تعْوينًا (¬1). وقال أبو الهيثم: العوان: النَّصَف التي بين الفارض -وهي المسنة- وبين البكر وهى: الصغيرة (¬2). أبو زيد: بقرة عوان: بين المسنة والشابة (¬3)، وقد عانت تعون عُووناً إذا صارت عواناً (¬4). وقال الأخفش: العوان التي نتجت مرارا، وجمعها عُون (¬5). قال ابن (¬6) مقبل: ومَأتَمٍ كالدُّمَى حُورٍ مَدَامِعُها ... لَمْ تشقَ بالعَيْشِ أَبْكَارًا وَلَا عُونًا (¬7) ¬
وقال ابن الأعرابي: العَوَان (¬1) من الحيوان السن بين السنين لا صغير ولا كبير (¬2). قال (¬3): ويقال في الجمع: عُون، فرس عَوان، وخيل عُون، على فُعْل، والأصل عُوُن فكرهوا إلقاء ضمة على الواو فسكنوها، وكذلك يقال: رجل جواد وقوم جُود، قال زهير: نَحُلُّ (¬4) سُهُولَها فإذا فَزِعْنا ... جَرَى مِنْهُنّ بالآصال عُونُ (¬5) فزعنا: أغثنا مستغيثًا. قال (¬6): وامرأة عوان: ثيب. وحرب عوان: كان قبلها حرب، كأنه قوتل فيها مرتين. قال ابن عباس: عوان: بين (¬7) الصغيرة والكبيرة، وهي أقوى ما ¬
يكون من البقر (¬1) وأحسن ما يكون (¬2). وقال مجاهد: عوان: وسط قد ولدت بطنا أو بطنين (¬3). وفائدة قوله: (عوان)، بعد ما نفي أن تكون (¬4) بكراً وأن تكون (¬5) فارضاً، هو أنه احتمل أن تكون عجلاً أو جنيناً، فقال: عوان، لإزالة اللبس ونفي الاحتمال. وقوله تعالى: {بَيْنَ ذَلِكَ} و (بين) لا تصلح (¬6) إلا لشيئين (¬7) أو لأكثر، وإنما صلحت من ذلك وحده؛ لأنه في مذهب الاثنين (¬8)، والاثنان (¬9) قد يجتمعان بـ ذلك وذاك ألا ترى أنك تقول: أظن زيدا أخاك، وكان زيد أخاك، ولا بد لـ (كان وأظن) (¬10) من شيئين، ثم تقول: قد كان ذاك وذلك، وأظن ذلك وذاك (¬11)، فيكون جائزا. ¬
والاسمان اللذان ضمهما ذلك: الهرم والشباب (¬1)، كأنه قيل: بين الهرم والشباب (¬2)، وجاز أن يتضمن ذلك اسمين، لأنه أتى به على مذهب الفعل وأنت تقول في الأفعال: إقبالك وإدبارك يشق علي، فتوحد فعلهما بعدهما، ولا تقول: أخوك وأبوك يزورني لأن الأفعال وإن اختلفت حركاتها جنس واحد، وليست كالأسماء التي يخالف بعضها بعضا، كذلك هاهنا أريد بين الهرم والشباب (¬3). ومما يجوز أن يقع عليه (بين) وهو واحد في اللفظ ويؤدي عن الاثنين (¬4) فما زاد قوله: {لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ} [البقرة: 136]، ولا يجوز: لا نفرق بين رجل منهم، لأن أحدا لا يُثنى كما يثنى الرجل ويجمع، فإن شئت جعلت أحدا (¬5) في تأويل اثنين، وإن شئت في تأويل أكثر من ذلك، قال الله تعالى: {فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ} [الحاقة: 47]، وتقول: بين أيهم المال، وبين من قسم المال، فتجرى (¬6) (من وأي) على (¬7) مجرى أحد لأنهما قد يكونان لواحد. وجميع (¬8) هذا قول الفراء (¬9)، ونحو هذا قال ¬
الزجاج فقال: معنى: {بَيْنَ ذَلِكَ} بين البكر والفارض، وانما جاز بين ذلك وبين لا يكون (¬1) إلا مع اثنين لأن (¬2) ذلك ينوب عن الجمل تقول: ظننت زيدا قائما، فيقول القائل: قد ظننت ذاك، وظننت ذلك (¬3). قال أبو علي (¬4): اعلم (¬5) أن بين اسم يستعمل على ضربين: مصدر وظرف، وهما عندي وجميع بابهما يرجع إلى أصل واحد، وهو الافتراق والانكشاف. فأما الذي هو مصدر (¬6) فقالوا: بان الخليطُ بيناً أي فارق، وقد بِنْتُه أي: فارقته، أنشد أبو زيد: كَأَنَّ عَيْنَيَّ وَقَدْ بَانُونِي ... غَرْبَانِ في جَدْوَلٍ مَنْجَنُونِ (¬7) والمعروف: بان عني، فأما هذا فيتجه على أنه أراد الحرف فحذفه ¬
فلما حذف الحرف أوصل الفعل (¬1). وقولهم: بان الأمر وأبان، إنما معناه: انكشف، وفارقه ما كان غشيه من الإشكال بغيره والالتباس بسواه. وقال أبو زيد: البَيُون: البئر الواسعة الرأس الضيقة الأسفل، إذا قام الساقي على شفتها لم ير الماء، وأنشد: إِنَّكَ إِنْ دَعَوْتَنِي ودُوني ... زَوْرَاءُ ذاتُ مَنْزَعٍ بَيُونِ لَقُلْتُ لَبَّيْهِ لِمَنْ يَدْعُونِي (¬2) وهذا أيضًا مما ذكرنا (¬3)؛ لأن أعلى البئر فارق أسفلها لانهياره بورود السابلة عليها (¬4) والمستقين (¬5) منها. ولهذا المعنى الذي ذكرنا في أصل هذه الكلمة أضيف (بين) إلى ما دل على أكثر من الواحد في الأسماء، ولم يضف إلى الاسم المفرد الدال على الواحد، لأن ذلك ممتنع في معناه. ¬
ألا ترى أنك لو قلت: اجتماع زيد (¬1)، وجمعت زيداً، لم يسغ (¬2) حتى تضيف إليه ما تريد (¬3) به على الأفراد. هذا أصل (بين) في اللغة، ثم لا يمتنع أن يتسع فيه كما اتسع في غيره، فيستعمل لغير هذا المعنى. مما اتسع فيه أنه استعمل بمعنى الوصل (¬4)، وهو ضد الافتراق، وقد بينا أن أصله راجع إلى الافتراق، وإنما جاز استعماله بمعنى الوصل في قوله: {لَقَد تَقَطَّع بَيْنُكُم} [الأنعام: 94] على قراءة من رفع (¬5)، لأنه قد كثر استعمالها ظرفًا بين الشيئين ومع الشيئين اللذين بينهما ملابسة ومخالطة، فصار لذلك بمنزلة الوصلة والاقتراب بين الشيئين. وهذا الاتساع إنما هو في المستعمل ظرفا دون التي هي مصدر، لأنه في الاستعمال أكثر. وهذا التوسع في الظروف كثير، والذي استعمل ظرفا أصله الذي هو مصدر؛ لأن المصادر قد استعملت ظروفاً في مواضع كثيرة، والأسماء التي تستعمل تارة ظروفاً وتارة أسماءً لا تمتنع أن تكون مشتقة مثل: خلف وأمام وقدام وأعلى وأسفل ووسط كلها مشتقة، وهي مع ذلك ظروف وقد استعملت أسماءً كما (¬6) استعملت ظروفاً، وكذلك بين في نحو قوله: {وَمِن ¬
بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ} [فصلت: 5]، قد استعملت اسما. كما استعملت ظرفا (¬1) نحو: بينهما مال، وفي قوله: {لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ} [الأنعام: 94] في قراءة من نصب (¬2)، لأن المعنى: لقد تقطع الاشتراك (¬3) بينكم. وأما ما لزم (¬4) الظرفية وبعد عن التمكن كإذ ونحوه فيمتنع اشتقاقه (¬5). هذا هو الكلام في بين. فأما ما يقع بعده فهو على ضربين (¬6): اسم وجملة. والاسم المفرد الذي بعده لا يخلو من أن يكون دالا على واحد أو أكثر من الواحد. فإن كان دالا على الواحد غير دال (¬7) على أكثر منه عطف عليه اسم آخر، وكان العطف بالواو دون غيرها من الحروف العاطفة، [وذلك قولنا: المال بين زيد وعمرو. وإنما كان العطف بالواو لما فيما من معنى الاجتماع، ولأن ذلك حقيقتها وأصلها وليس ذلك موجودا في شيء غيرها من الحروف العاطفة (¬8)]، وفي العطف على الاسم المفرد بعد (بين) يحتاج إلى ما يدل على معنى الاجتماع. لما قدمنا ذكره في معنى ¬
(بين) فلو عطف فيه على الاسم المفرد بحرف غير الواو لبقيت إضافتها كأنها إلى المفرد. ألا ترى أنك لو جعلت موضع الواو الفاء لكان -لما فيها من معنى إتباعه الثاني الأول- لا يكون مجتمعا مع المعطوف عليه، وإذا لم يجتمع معه حصلت الإضافة إلى مفرد دال على واحد، وإضافتها إلى الواحد ممتنع. والذي يدل على أنه حيث تريد (¬1) الاجتماع لا يجوز العطف بغير الواو (¬2) أنك لو قلت: مررت بزيد أخيك وصاحبك، وأنت تريد نعته بالأخوة والصحبة جميعًا (¬3) كان العطف بالواو دون سائر أخواتها، إذ (¬4) كان الغرض أنه مستحق لهما (¬5) معًا. وكذلك الأفعال التي لا تقع إلا من فاعلين لا يكون العطف فيه لأحد الفاعلين على الآخر إلا بالواو دون غيرها، لأنك لو عطفت فيها بغير الواو، لصارت كأنها مسندة إلى فاعل واحد، وذلك فيها فاسد، وذلك نحو الاشتراك والاختصام (¬6) والاقتتال وما أشبه هذا. وما امتنع من العطف بالفاء, فهو من (ثم) أشد امتناعًا إذ (¬7) كان معناها من معنى الاجتماع أبعد، وإلى الافتراق أقرب لما يدل عليه من التراخي والمهلة (¬8). ¬
فإن قيل (¬1): أليس قال الله تعالى: {ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَه} [النور: 43] فأضاف (بين) (¬2) إلى اسم مفرد؟ قيل: الهاء فيه ضمير يعود إلى اسم يراد به الجمع، فجاز إضافة (بين) إليه من حيث جاز إضافته إلى الاسم الذي هذه (¬3) الهاء عائدة إليه، وذلك قوله: {سَحَابًا} (¬4) ألا ترى أن سحاباً جمع سحابة. فأما قوله (¬5): بيني وبينه مال، فمذهب سيبويه فيه أن (بين) الثاني متكرر للتأكيد، ومعناه عنده (¬6): بيننا. قال: وهو مثل قولهم: أخزى الله الكاذب منِّي ومنك وإنما هو: منا (¬7)، وكقول القائل (¬8): فأيِّي ما وأَيُّك كان شرًّا ... فَقِيدَ إلى الْمقَامَةِ لاَ يَرَاهَا (¬9) ¬
إنما هو فأينا، كذلك هاهنا المعنى بيننا، وكرر للتأكيد. وأما قوله تعالى: {عَوَان بَينَ ذَلِكَ} فأضاف (¬1) (بين) إلى ذلك من حيث جاز إضافته إلى القوم وما أشبه ذلك من الأسماء التي تدل على الكثرة وإن كانت مفردة، وإنما جاز أن يكون قولنا: (ذلك) يراد به مرة الانفراد ومرة الجمع والكثرة لمشابهته الموصولة كـ (الذي وما). ألا ترى أن القبيلين يشتبهان في دلالة كل واحد منها على شيء بعينه. ألا ترى أن (الذي) لا يدل على زيد دون عمرو، و (ما) لا يدل على الفرس دون الحمار، وكذلك (من)، فكان (¬2) قولنا (ذلك) وسائر المبهمة كذلك، فلما كان (الذي وما ومن) على ما وصفنا من الدلالة على الجموع والإفراد، وكانت تفرد والمراد في إفرادها الجمع في نحو قوله: {وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (33)} [الزمر: 33] و {كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا} [البقرة: 17] و {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ} [يونس: 18] ونحو ذلك مما يكثر تعداده، وكانت المبهمة مثلها في أنها لا تخص (¬3) بالدلالة نوعاً ولا شخصاً بعينه، أجري مجراها في أن المراد فيما استعمل منه مفرداً قد يكون الجماعة (¬4). وهذا واسع مستحسن في جميع المبهمة، فمن المبهمة (كم) في قوله: {وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ} [النجم: 26]، وقال: {وَكَم ¬
مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا} [الأعراف: 4]، ثم قال: {أَوْ هُمْ قَائِلُونَ} وقال: {فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ} [الحاقة: 47]، وقال: {وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ} [النمل: 87] (¬1) وقال: {إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا} [مريم: 93]. فهذه الأسماء (¬2) حسن فيها هذا، لما لم يكن (¬3) لواحد بعينه ولا لنوع وحده (¬4)، فكذلك (¬5) (ذلك) لما كان مبهماً جاز أن يراد به الواحد مرة، وأكثر من الواحد مرة، وعلى هذا الحد صار فاعلاً لحبَّ في قولهم: [حبذا. ألا ترى أنه موضع يقع فيه الاسم (¬6)، كما أن فاعل نعم وبئس عام. وقيل:] (¬7) حبذا هند، كما قيل: حبذا زيد (¬8)، ويدلك على ما ذكرنا من قصدهم بـ (ذلك) الجمع وما زاد على الواحد، أن رؤبة لما قيل له في قوله: فيه خُطُوطٌ من سَوَادٍ وبَلَقْ ... كأَنَّه في الجِلْدِ تَوْلِيعُ البَهَقْ (¬9) ¬
وجب أن تقول (¬1): كأنها، وإن أردت السواد والبلق وجب أن تقول (¬2): كأنهما. قال: أردت كأن ذاك (¬3). فعلم بهذا أنهم يقصدون بـ (ذلك) غير المفرد وأنه قصد هذا المعنى، وعليه حمل كلامه. ويدل أيضًا على أنهم يقصدون بـ (ذلك) إلى (¬4) أكثر من الواحد إضافتهم (كلا) إليه، وذلك في قول القائل: وَكِلاَ ذَلِكَ وَجْهٌ وَقَبَلْ (¬5) ألا ترى أن (كلا) لا يضاف إلى المفرد، فبان أن المراد بـ (ذلك) الزيادة على الواحد. وكذلك (¬6) قوله: {عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ} إنما أضيف ¬
(بين) إلى (ذلك) لأن المراد به الزيادة على الواحد. ألا ترى أنه إشارة إلى ما تقدم من قوله مما دل على الفروض والبكارة. فأما قول أبي إسحاق: (لأن ذلك ينوب عن الجمل (¬1)، يقول القائل: ظننت ذاك، والظن يقتضي مفعولين فقام ذلك أو ذاك مقامهما)، فهذا خطأ (¬2)، ولا يجوز أن يقع ذاك وذلك (¬3) موقع الجملة، ولا يجوز أن تكون (¬4) نائبة عن الجملة، لأنه لوكان نائبا عنها للزم أن ينوب عنها في صلة (الذي) وأخواتها، وفي وصف النكرات (¬5). ولو (¬6) كان (ذلك) نائبًا عن الجمل لما جاز وقوعه في هذه الآية؛ لأن هذا الموضع ليس من مواضع الجمل، ولا من الأماكن التي يتجه فيها دخول الجمل. ¬
69
ألا ترى أن (ذلك) إشارة إلى البكارة والفروض. فلو كان واقعاً (¬1) موقعَ جملةٍ ما دلّ عليهما (¬2)؛ لأن الجملة يُسنَد فيها الحديثُ إلى المحدَّث عنه (¬3)، وليس (¬4) واحد من الفروض والبكارة بمسند إلى الآخر. وهذا واضح لمن تأمله. فأما قولهم: ظننت ذاك، فهو عند سيبويه إشارة إلى المصدر (¬5) كأنك قلت: ظننت ذاك (¬6) الظنَّ، وإذا كان إشارة إلى المصدر لم يحتج إلى مفعول ثان، كما أنّ (ضربت) وغيره من الأفعال المتعدية إذا عديته (¬7) إلى المصدر لم يلزم أن تُعدِّيه إلى مفعول به، فبان أن (ذاك) من قولهم: (ظننت ذاك) لم يقع موقع الجملة (¬8). 69 - قوله تعالى: {قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا} اللون (¬9) مرفوع، لأنك لم ترد أن تجعل (ما) صلة، فتقول: يبين لنا لونَها، وقد قرئ ¬
بها شاذّاً، وهو صواب (¬1)، ولكنه (¬2) أراد (¬3): ادع لنا ربك يبيّن لنا أي شيء لونُها؟ ولم يصلح للفعل الوقوع (¬4) على (أي) لأن أصله جمع متفرق (¬5) من الاستفهام، كقول القائل (¬6): يبين لنا (¬7) أسوداء هي أم صفراء؟ فلما لم يصلح (¬8) للتَّبَيُّن أن يقع على الاستفهام في تفرقه لم [يقع] (¬9) على أي، لأنها ¬
جمع ذلك المتفرق، وكذلك ما كان في القرآن مثله. فأعمِلْ في (¬1) (ما) و (أي) الفعل الذي بعدهما، ولا تُعمِلْ الذي قبلهما إذا كان مشتقًّا من العلم أو في معناه، كقولك: ما أعلم أنهم قال ذلك، ولا أُعلِمَنَّ أيُّهم قال ذلك، وما أدري أيَّهم ضربتَ (¬2). فهو في العلم والإخبار والإنباء وما أشبهها على هذا الوصف، ومنه قوله: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ} [الانفطار: 17]، موضع (ما) (¬3) رفع (¬4)، رفعتها بيوم، كقولك: ما أدراك أيُّ شيء يوم الدين؟ وكذلك قوله: {لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى} [الكهف: 12]، رفعت (أي) بأحصى، وإنما (¬5) امتنعت (أي) من الفعل الذي قبلها، لأنك تجد الفعل غير واقع عليها في المعنى؛ ألا ترى أنك إذا قلت: اسأل (¬6) أيهم قام، كان المعنى: سل الناس أيُّهم قام، ولو أوقعت الفعل على أي فقلت: اسأل أيَّهم قام، خرجت من معنى الاستفهام، وذاك جائز إن أردته (¬7)، تقول: لأضربنَّ أيَّهم قال ذلك، فهنا (¬8) (أي) لا تكون (¬9) استفهاماً؛ لأن الضرب لا يقع [على ¬
اسم، ثم يأتي بعد ذلك استفهام، لأن الضرب لا يقع، (¬1) على اثنين. وقوله: {ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا} [مريم: 69] مَنْ نصَبَ أيّاً (¬2) أوقع عليها النزع، وليس باستفهام، كأنه قال: ثم لنستخرجن العاتي الذي هو أشدّ عِتيّا. وأما الرفع (¬3)، فأن تجعل مكتفيًا بـ (من) في الوقوع عليها كما تقول: قد قتلنا من كل قوم، وأصبنا من كل طعام، ثم تستأنف أيّاً فترفعها بالذي بعدها، كقوله تعالى: {يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ} [الإسراء: 57] وكذلك: {يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ} (¬4) [آل عمران: 44]. و (¬5) قوله تعالى: {قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا} (¬6) ما بعد القول من باب (¬7) إنَّ مكسور أبدا، كأنك لم تذكر القول في صدر كلامك، وإنما وقع (قلت) في كلام العرب على أن يحكى به ما كان كلاماً يقوم بنفسه قبل دخوله، فيؤدي ¬
مع ذكر (قلت) ذلك اللفظ، تقول: قلت: زيد منطلق، وكذلك إن زيدًا منطلق، إذا حكيته تقول: قلت: إن زيداً منطلق (¬1)، لا اختلاف بين النحويين في ذلك، إلا أن قوماً من العرب، وهم بنو سُلَيم يجعلون باب (قلت) (¬2) كباب (ظننت)، فيقولون: قلت: زيداً منطلقاً، وهذه لغة لا يؤخذ بها في القرآن. وقوله تعالى: {فَاقِعٌ} هو مبالغة في نعت الأصفر يقال: فَقَعَ فُقُوعًا وهو يَفْقَعُ ويَفْقُعُ. وربما استعمل الفقوع في معنى الحمرة (¬3)، قال البُرجُ بن مُسْهِر: كُمَيْتاً (¬4) مِثْلَ ما فَقَعَ الأَديم (¬5) أي: اشتدت حمرته، وفاقع يرجع إلى اللون، وهو خبر واسمه اللون، فهو خبر مقدم على الاسم (¬6). ¬
70
ومعنى {تَسُرُّ النَّاظِرِينَ}: تعجبهم بحسنها (¬1). 70 - قوله تعالى: {قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِىَ} أي (¬2): أسائمة أم عاملة (¬3)؟ {إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا} ذكَّر الفعل لتذكير (¬4) اللفظ كقوله: {نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ} [القمر: 20] وكلُّ جمعٍ حروفُه أقلُّ من حروف واحده جاز تذكيره مثل: بقر ونخل وسحاب، فمن ذكَّر ذهب إلى لفظ الجمع، ولفظ الجمع مذكر، ومَن أنَّثَ ذهب إلى لفظ الجماعة (¬5)، قال الله تعالى: {يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ} [النور: 43] وقال: {وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ} [ق: 10]، وقال الزجاج: معناه جنس البقر تشابه علينا (¬6). {وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ} إلى وصفها (¬7)، وقيل: إلى القاتل (¬8). ¬
71
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "وأيمُ اللِّه لو لم يستثنوا لما بُيِّنَتْ لهم آخر الأبد" (¬1). 71 - قوله تعالى: {قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ} الذلول: المذللة بالعمل، و {تُثِيرُ اَلأرَضَ} أي: تقلبها للزراعة (¬2). ومعنى الإثارة: تفريق الشيء في كل جهة، يقال: أثرت الشيء واستثرته، إذا هيجته. قال (¬3): إِذا كَانَ في صَدْر (¬4) ابنِ عمِّك إِحْنَةٌ ... فلا تَسْتَثِرْها سوف يَبْدُو دَفِينُهَا (¬5) ويقال: ثار الشيء إذا ارتفع عن مكانه، يقال: ثار الغبار، ثار الدخان، وثار الدم في وجه فلان، وثَوَّرْتُ كدُورةَ الماء فثار، ومنه الثور لأنه يثير الأرض (¬6). ¬
وقوله تعالى: {تُثِيرُ الأَرْضَ} صفة لذلول (¬1)، والنكرة مع صفتها شيء واحد، ولذلك (¬2) قلنا: إن المراد بقوله: {تُثِيرُ الأَرْضَ} النفي لا الإثبات، لأنه نفي أن تكون مثيرة للأرض (¬3)، والنفي دخل على أول الكلام، فانتفى ما كان ينضم إليه، والصفة للنكرة كالصلة للموصول، ولو قلت: فلان ليس بالذي يأتيني كنت نافيًا للإتيان. ألا ترى إلى (¬4) قول طرفة: لا كَبِيرٌ (¬5) دالفٌ من هَرَمٍ ... أرْهَبُ اللّيْلَ ولا كَلُّ الظُّفُرْ (¬6) أراد أنه لا يدلف من الهرم ولا يرهب الليل، ولم يرد الإثبات. ¬
قال ابن الأنباري (¬1): غلط أبو حاتم في هذا (¬2)، لأنه قال: الوقف جيد على قوله: (ذلول) (¬3)، ثم يبدأ بـ (تثير (¬4) الأرض)، وقال: إن الله تعالى وصف هذه البقرة بما لا يعرفه الناس وصفاً لغيرها من البقر، فجعلها تثير الأرض ولا تسقي الحرث على خلاف ما نشاهد من بقرنا. وقد أبطل (¬5) الفراء وغيره من كبار النحويين هذا الوقف (¬6)، وردّ عليه هذا الاختيار بأن البقرة متى أثارت سقت، وغير جائز أن يُدّعى أعجوبةٌ في حرف من القرآن لم تؤثر (¬7) عن أهل العلم ما ادعاه، فلا يقبل (¬8) عنه ذلك، مع ما ذكرنا أنه لا يصح من (¬9) طريق النحو أن المراد منه الإثبات. وموضع (تثير) رفع في التأويل لأنه نعت لذلول، والمعنى: أنها بقرة لا ذلول مثيرة للأرض، أي: ليست كذا ولا كذا، أي: لا توصف بالتذليل ولا بإثارة الأرض، كما تقول في (¬10) الكلام: عبد الله ليس بعاقل حازم، وزيد ليس ¬
بآكل شارب، فتنفي (¬1) عنه الفعلين. وقوله تعالى: {وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ} دخلت (لا) لأنه معطوف على قوله: (ذلول) فلما كان فيه حرف النفي أدخل أيضا فيما انعطف عليه (¬2). [وجاز عطف الفعل على الاسم، لأن فيه معنى الفعل كأنه قيل: لم تُذلَّل، والاسم إذا كان مبنيّاً على الفعل] (¬3) جاز عطف الفعل عليه، كما تقول: زيد صائم ويصلي، ويجوز أن تكون (لا) مستأنفة، يراد بها: لا ذلول تثير الأرض، وليست تسقي الحرث. قال أبو العباس: والحرث كل موضع ذللته من الأرض ليزرع (¬4) فيه، ويقال له عند غرسه وبذره إلى حيث بلغ: حرث. فمعنى الحرث: الأرض المهيأة للزرع (¬5)، ومنه قوله: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ} [البقرة: 223]، على التشبيه بالأرض التي (¬6) قد هُيِّئت للزرع. فأما الزرع فإنما هو النماء، من ذلك قولك للصبي: زرعه الله (¬7)، ويوضح هذا قوله تعالى: {أَفَرَأَيْتُمْ مَا ¬
تَحْرُثُونَ (63) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ} [الواقعة:63, 64]. وقوله تعالى: {مُسَلَّمَةٌ} قال قتادة، والربيع، وابن عباس: أي من العيوب (¬1). وقال الحسن: من أثر العمل (¬2). وقال مجاهد: من الشية (¬3). وقوله تعالى: {لَا شِيَةَ فِيهَا} الوشى في اللغة معناه (¬4): خلط لون، وكذلك في الكلام يقال: وشيتُ (¬5) الثوب أشِيه وَشْيًا وشِيَةً (¬6). والشية مما نقص منه الواو (¬7)، وعوض فيه الهاء كالدية من وَدَيْتُ، والعِدة من وَعدتُ (¬8)، ويجوز أن يكون (¬9) الشية مصدراً، يقال: وَشَيْتُ أشي شِيَةً (¬10) ¬
ووَشْيا (¬1). قال الزجاج: أي (¬2) ليس فيها لون يفارق سائر لونها (¬3). وقوله تعالى: {قَالُوا الْآنَ} الآن هو الوقت الذي أنت فيه، وهو حد الزمانين (¬4)، حد الماضي من آخره وحد الزمان (¬5) المستقبل من أوله (¬6). وذكر الفراء في أصله قولين (¬7): أحدهما: أن أصله (أوان) (¬8) حذفت منه الألف وغيرت واوه إلى الألف ثم أدخلت عليه الألف واللام، ولم يخلعا منه كما فعلوا بالذي وتركوه على مذهب الأداة، والألف واللام له لازمة غير مفارقة. والقول الثاني: أن أصله: آن (¬9) ماضي يئينُ، بني اسماً لحاضر الوقت، ثم ألحق به الألف واللام وترك على بنائه؛ لأن أصله فَعَلَ ¬
منصوبة، كما قالوا: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن قيلَ وقالَ وكثرةِ السؤال (¬1) وكانتا كالاسمين وهما منصوبتان. ولو خفضا على النقل لهما من حد الأفعال إلى الأسماء في النية لكان صواباً. قال: وسمعت العرب تقول: أعييتني من شُبَّ إلى دُبَّ، ومن شُبٍّ إلى دُبٍّ مخفوض منون، يذهبون به مذهب الأسماء، والمعنى منذ كان صغيراً يشِبُّ إلى أن دَبَّ كبيرًا (¬2). ومثله (أمس) فإن أصله الأمر من: أمسى يُمسي بُنيَ اسماً للوقت، وألحق به الألف واللام (¬3). قال أبو علي الفارسي (¬4): حكم ما يبنى من الأسماء أن يكون لمضارعته الحرف، فلمضارعته له (¬5) ما يجب أن يخرج إلى حكمه كما أن ¬
نوعاً منها لمشابهتها الأفعال (¬1) يخرج إلى حكمها (¬2) فيمنع ما لا يكون لها من الجر والتنوين. وكذلك (الآن) بني لما فيه من مضارعته الحرف. وجهة المضارعة تضمنه معنى الحرف، وإذا تضمن الاسم معنى الحرف وجب بناؤه. [وذلك التضمن هو تضمن معنى (¬3) التعريف، لأن التعرف حكمه أن يكون بحرف، فلما تضمن معنى الحرف وجب بناؤه] (¬4)، كما أن خمسة عشر لما تضمن معنى الحرف بني. فإن قيل: كيف تضمن معنى الحرف، والحرف نفسه فيه، ولو جاز بناؤه وفيه الحرف لجاز بناء الرجل ونحوه؟ قيل: الألف واللام في (الآن) ليس كهما في (الرجل)؛ لأن الرجل لا يتعرف (¬5) بغير الألف واللام، والآن يتعرف بغيرهما (¬6). والدليل على تعرف (الآن) بغير ما ظهر فيه من الحرفين، أن ما فيه الألف واللام مما يعرف به يلزم أن يكون قبل دخوله (¬7) عليه نكرة كرجل، والرجل، وليس (الآن) كذلك. ألا ترى أنه ليس (آن) (¬8) منكورا، ثم ¬
يكتسي التعريف بالحرف كالرجل. ويراد بـ (الآن) الوقت الحاضر (¬1)، وما هو أقل القليل، ثم قد تتسع فيه العرب، فتقول: أنا الآن أنظر في النجوم، وأنا الآن أنظر في العلم، وأنا الآن أصل من قطعني (¬2)، وليس يراد أنه (¬3) في ذلك الوقت اليسير يفعل ذلك، ولكن غرضه أنه في وقته ذلك وما أتى من (¬4) بعد، وتطاول، يفعل هذا الضرب من الفعل. وهذا كقولهم: أنا اليوم خارج، يريد به الذي هو عقيب الليلة. ثم قالوا: أنا اليوم شيخ، وأنا اليوم متماسك، فاليوم أصله لما هو عقيب الليلة ثم يتسع فيستعمل لغير ذلك الزمان. فكذلك (الآن) أصله للوقت الحاضر، ثم قد يتسع فيه. فإن قلت: فهل تجد الألف واللام في اسم غير هذا، والاسم الذي فيه غير متعرف به (¬5)؟ ¬
فالجواب: أن قولهم: (الذي) فيه الألف واللام وليس (¬1) تعريف الاسم بهما، إنما تعريفه بغيرهما. والدليل على ذلك: تعريف سائر الموصولات (¬2) سوى الذي (¬3) ولا ألف ولام فيها. فقد وجدت الألف واللام في هذا الاسم (¬4) أيضا لغير التعريف (¬5). ويدل أيضا على أن التعريف في (الذي) ليس باللام، أنّ كثيراً من العرب قد يستعمل موضع (الذي): (ذو)، وهو عندهم معرفة. أنشد أبو زيد لقيس بن جِرْوة (¬6) جاهلي: لئنْ لَم تُغَيِّرْ (¬7) بَعْضَ مَا قَدْ صَنَعْتُمُ ... لَأَنْتَحِيَنْ (¬8) للعَظْمِ ذُوأنا عارِقُه (¬9) ¬
فإن قيل: إذا كانت اللام زيادة (¬1) في الذي غير متعرف بها، فهل يوجد حرف زائد لا يجوز إسقاطه؟ قلنا: قد يكون زائدًا لازماً، ألا ترى أنهم يقولون: آثِراً ما (¬2)، ولا يسقطون هذا الزائد، ورب (¬3) زائد لازم حتى يكون بمنزلة ما هو من نفس الحرف. ومثل ذلك (مِن) في {وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ} [الحج: 48]، و (ما) في سِيَّما (¬4)، فليس لزوم هذا الحرف وامتناع حذفه مما يمنع من الحكم بزيادتها (¬5). ومما يقوي زيادة اللام، ما (¬6) أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسن (¬7)، عن أبي العباس محمد بن يزيد (¬8) عن أبي عثمان (¬9) قال: سألت الأصمعي عن قول الشاعر: ¬
وَلَقَدْ جَنَيْتُكَ أكْمُؤًا وَعَسَاقِلا ... وَلَقَدْ نَهَيْتُكَ عَنْ بَنَاتِ الأوْبَرِ (¬1) لم أدخل اللام (¬2)؟ فقال: أدخله زيادة للضرورة، كقول الآخر: (¬3) يَا ليْتَ أمَّ العَمْرِو كانَت صَاحِبي (¬4) فكما أن اللام زيادة فيما ذكرنا، كذلك هو في (الآن) زائدة، ولا تستوحشنَّ من قولنا فيها، فقد قال بزيادته سيبويه والخليل في قولهم: مررت بهم الجمّاءَ الغفير نصب على نية (¬5) إلغاء الألف واللام نحو: طرًّا ¬
وقاطبة (¬1). وقال به أبو الحسن والأصمعي، وقبله أبو عثمان وأبو العباس وأبو بكر، فلم يدفعوه فيما روينا عنهم في البيت، وأما أبو الحسن الأخفش فإنَّه قال في قولهم: (مررت بالرجل خير منك، ومررت بالرجل مثلك) إن اللام زائدة (¬2)، وبعد: فإن حرف التعريف حرف كسائر الحروف التي تلزم معنى، ثم تزاد (¬3) في موضع آخر معرًّى من ذلك المعنى، كـ (باء الجر، ومن) وغيرهما، وكما جاءت (ما ولا) زائدتين، ولكل واحد منهما معنى يلزمه إذا لم يزد، وكذلك حرف التعريف (¬4). فإن قيل: إذا كانت اللام زائدة فهلّا جعلت هذا الاسم من الأسماء المنكورة (¬5) المبنية كـ (أين وكيف) ونحوه (¬6)؟ فالجواب أن هذا الاسم لا يجوز أن يكون كـ (أين) ونحوه من المنكورة (¬7) المبنية؛ لأن هذا مختص (¬8) ¬
مشار به إلى شيء بعينه، كما أن (هذا) مشار به إلى شيء واحد بعينه من سائر ما يحضر (¬1). ألا ترى أنك تخص به الوقت الحاضر دون الماضي ودون الآتي، إلا أن يتسع (¬2) فيه فالإشارة به والقصد فيه إلى المعين المخصوص يخرجه عن أن يراد به الشائع المنكور (¬3) كـ "كيف" وبابه. قال أبو على: وأما قول الفراء (¬4) إن قولنا: (الآن) يجوز أن يكون الآن (¬5) من قولنا: آنَ أن (¬6) يفعل كذا، دخلت عليه [الألف واللام مثل شُبَّ (¬7) إلى دُبَّ. وهذا قول يفسد في: اللفظ والمعنى، ومن حكم مثله ألا يعرج عليه] (¬8) أما فساده في اللفظ: فلأن ذلك لا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون فعلاً مجرّداً من الفعل. أويكون فعلًا معه فاعل. فإن كان فعلاً مجردّاً من الفاعل لزم إعرابه وامتنع حكايته، وذاك مذهب العرب والنحويين جميعا. ¬
ألا تراهم سمَّوا (¬1) العنبر بن عمرو بن تميم (¬2): خَضَّمَ (¬3) لكثرة أكله (¬4)، فأعربوه ولم يحكوه. قال سيبويه: وسمعناهم يصرفون رجلاً سُمَيَ كَعْسَبَ (¬5)، وهو فعلل (¬6) من الكعسبة، وهي (¬7) شدة العدو، وإنما لم يجز حكايةُ الفعل إذا نُقِل فسمّي به من أجل أن الفعل يلزمه الفاعل (¬8)، فلا يفارقه. فلو حكي بعد التسمية للزمه الفاعل كما كان يلزمه قبل , لأنه لا يخلو (¬9) من الفاعل، الحكاية (¬10) فيه إذا سمي به تؤدي إلى خلاف الغرض المقصود؛ لأن ¬
المسمي بالفعل لو حكاه في حال (¬1) التسمية للزمه التسمية بالجملة دون المفرد، إذ الفعل لا يخلو من الفاعل بحال، فلما كان كذلك أزيل (¬2) عن الفعلية بإعرابه، وترك حكايته، وصح التسمية به (¬3) لذلك دون فاعله. ويدل على امتناع هذه الكلمة أن [تكون] (¬4) فعلا، دخول لام (¬5) التعريف عليها، وهذه اللام دخولها يكون على الأسماء، كما أن التنوين من خواص الأسماء. ولا يجوز (¬6) في قولهم: (الآن) (¬7) أن يكون فعلاً معه فاعله غير مجرد منه؛ لأن دخول اللام عليه يمنع ذلك، ألا ترى أن اللام لا تدخل على الجمل كما لا تدخل على الفعل فهذا فساده (¬8) من جهة اللفظ. وأما فساده من جهة المعنى، فقولهم: آن أن تفعل كذا (¬9) مقلوب من (¬10) أنى يَأني وأصل هذه الكلمة في اللغة إنما هو بلوغ الشيء (¬11) وانتهاؤه ومكثه وامتداده، فهو خلاف الآن وعكسه. والدليل على صحة ¬
القلب في هذا، أنه لا مصدر لـ (آن)، كما أن قولهم: أيس يأيس لما كان مقلوبًا من يئس ييأس (¬1) لم يكن له مصدر [ولوكان له مصدر] (¬2) لكان من باب جذب وجبذ (¬3)، ولم يكن قلبا. فإن قلت (¬4): فقد قالوا: الإياس، وقد سمّوا الرجل إياسًا؟ قيل: إن إياساً من إسْتَه إذا أعطيتَه (¬5)، وتسميتهم بإياس كتسميتهم بـ (عطية وعطاء)، ومن هذا الباب قوله: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا} (¬6) أي أما بلغ، أما حان. والآن اسم للوقت الذي أنت فيه وهو باق، والباقي غير المتقضي (¬7) المنتهي. وأما قولهم: أعييتني من شُبَّ إلى دُبَّ (¬8) فهذا الكلام مخرجه مخرج الأمثال التي تلزم طريقةً واحدةً ووجهاً واحداً، كقولك للرجل: أَطِرِّي ¬
فَإنَّكِ نَاعِلة (¬1)، والصَّيفَ ضيَّعت اللبن (¬2)، فمعنى هذا: أنت عندي ممن يجب أن يقال له هذا. فهذه الأمثال وما شبه بها إنما تقال كما قيلت حيث جرت، ولذلك (¬3) أيضًا دخلت (إلى) على الجملة كأنهم جعلوها الوقت (¬4). فأرادوا: أعييتني من وقت الشباب إلى وقت الكبر والدبّ بالعصا (¬5). وأما (¬6) قوله: يجوز أن يكون الآن مأخوذا من الأوان فتكون الألف منقلبة عن الواو (¬7)، فإن ذلك لا ينبغي أن يجوز، لأن هذه المبنية مشابهة بالحروف (¬8) والأصوات [فكما لا يكون (¬9) الحروف ¬
والأصوات] (¬1) مشتقة كذلك (¬2) لا يكون هذه (¬3) الأسماء مشتقة (¬4). ومعنى قوله: {الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ} أي: بالوصف البين التام الذي دل على التمييز من بين أجناسها (¬5)، ويقال: جاء مجيئاً وجَيْئةً، ومنه: الجَيْئة (¬6)؛ لأنه يجيئها الماء فيجتمع فيهما. [وقوله: {فَذَبَحُوهَا} في الآية إضمار، أراد: فطلبوها، فوجدوها، فذبحوها] (¬7). وقوله تعالى: {وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ} قال القرظي: لغلاء ثمنها (¬8). ¬
72
وقال وهب: مخافة الافتضاح (¬1). وذكرنا ما في (كاد) عند قوله {يَكَادُ الْبَرْقُ} [البقرة: 20]. قال عكرمة: لو أنهم عمدوا (¬2) إلى أدنى بقرة فذبحوها لكفتهم ولكنهم شدّدوا فشُدِّد عليهم (¬3)، وقيل: إن أول من راجع موسى في ذبح البقرة هو القاتل مخافة أن ينكشف ويفتضح. 72 - قوله تعالى: {وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا} الآية. كان الاختلاف في القاتل قبل ذبح البقرة، وإنما تأخر في الكلام؛ لأن الله عز وجل لما قال: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} [البقرة: 67]، علم المخاطبون أن البقرة لم تذبح إلا للدلالة على قاتل خفيت عينه عليهم، فلما استقرّ علم هذا في نفوسهم أتبعه بقوله: {وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا} على جهة التوكيد، لا أنه عرّفهم (¬4) الاختلاف في القاتل بعد أن دلهم على ذبح البقرة (¬5)، وقيل: إنه ¬
من المؤخر الذي يراد به التقديم، وتأويل {وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا}، فسألتم موسى فقال لكم: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً}. وهذا عادة العرب في كلامهم، قال الله جل اسمه: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (1) قَيِّمًا} [الكهف:1, 2]، أراد: أنزل على عبده الكتاب قِيَماً (¬1). وقال الفرزدق يمدح خال هشام (¬2): وَمَا مِثْلُه في النَّاسِ إلا (¬3) مُملَّكًا ... أبو أمِّهِ حَيٌّ أبوهُ يُقَارِبُهْ (¬4) أراد: وما مثله (¬5) في الناس حي يقاربه إلا مملكاً، أبو أم المملك أبوه، فقدّم وأخّر. ¬
وأضاف القتل إليهم في قوله: {وَإِذ قَتَلتُم} وإن كان القاتل واحداً على ما ذكرنا من مذهب العرب أنهم يضيفون فعل البعض إلى جماعة القبيلة، يقولون للقبيلة: انهزمتم يوم ذي قار وإنما انهزم بعضهم (¬1). وقوله تعالى: {وَإِذ قَتَلتُم} ينعطف على قوله: {وَإِذ قَلتُم يَامُوسَى} (¬2) [البقرة: 55]، {وَإِذ فَرَقنَا} [البقرة: 50] والذكر مضمر فيها كأنه: واذكروا إذ قتلتم (¬3)، ولهذا لم يأت لـ (إذ) بجواب. ومثله قوله: {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا} (¬4)، وليس شيء قبله تراه ناصباً لصالح، فعلم بذكر النبي وبالمرسل (¬5) إليه أن فيه إضمار (¬6): أرسلنا. ومثله: {وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ} [الأنبياء: 76]، {وَذَا اَلنوُنِ} [الأنبياء: 87]. وهذا يجري على مثال ما قال في سورة ص: {وَاذكُر عَبدَنَا} [ص: 45] (¬7)، ثم ذكر الذين من بعدهم بغير (واذكر) لأن معناه متفق، ¬
فجاز ذلك، ويستدل على (أن) في هذه الآية (¬1) مضمرة أنه قال: {وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ} [الأنفال: 26]، {وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ} [الأعراف: 86]، فلما ذكر هاهنا (واذكروا) (¬2) مع (إذ) علم أنه مراد مع (إذ) وإن حذف (¬3). وقوله تعالى: {فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا} قال ابن عباس: اختلفتم فيها (¬4). وقال الربيع: تدافعتم (¬5). وأصل الدرء: الدفع، يعني: ألقى ذاك على هذا، وهذا على ذاك، فدافع كل واحد عن نفسه (¬6). والتدارؤ والمدارأة مهموزتان. قال أبو عبيد: وهي المشاغبة والمخالفة على صاحبك (¬7). ومنه حديث قيس بن السائب (¬8): "كان رسول الله صلى الله عليه ¬
وسلم شريكي (¬1)، فكان خير شريك لا يدارئ ولا يماري" (¬2). وكل من دفعته عنك فقد دارأته. قال أبو زبيد (¬3): كانَ عَنِّي يردُّ دَرْؤُكَ بَعْدَ ... اللهِ شَغْبَ المُستَصْعَبِ المِرِّيدِ (¬4) ¬
وأصله تدارأتم ثم أُدغمت التاءُ في الدال وأُدخلت الألفُ لِيسلَمَ سكونُ الحرف الأول (¬1). ومثله: {اثَّاقَلْتُمْ} [التوبة: 38]، {اطَّيَّرنَا} [النمل:47]. قال الكسائي: التاء إذا كانت في الأفعال تدغم في حروف كثيرة، في التاء مثل: اتّابع بمعنى تتابع، وأنشد: تُولِي الضَّجِيعَ إذا مَا اسْتَافَهَا خَصِراً ... عَذْبَ المَذَاقِ إِذَا مَا اتَّابَعَ القُبَلُ (¬2) وفي الثاء نحو: {اثَّاقَلْتُمْ} [التوبة: 38]، وفي الدال نحو: {ادَّارَكُوا} [الأعراف:38] وفي الذال نحو: {يَذَّكَّرُونَ} (¬3) وفي الصاد نحو: {يَخِصِّمُونَ} [يس: 49] وفي الزاي نحو: {وَازَّيَّنَتْ} [يونس: 24] وفي الطاء نحو: (اطَّهَّروا) (¬4) و {اطَّيَّرْنَا} (¬5)، وفي السين نحو: {واسَّمَّعَ} (¬6) ¬
وفي الظاء نحو: {تَظَاهَرُونَ} (¬1)، وفي الشين نحو: {تَشَقَّقُ} (¬2) فمتى ما لقيت التاء حرفاً من هذه الحروف أُدغمت، وإذا لم تَلقَه ظهرت (¬3)، من ذلك: يتعلّمون ويتكلّمون ويترامون، ولا يكون مدغمًا. فإن ابتدأت بقوله: {اثَّاقَلْتُمْ} وأخواته فقد اختلف الناس فيه. فقال بعضهم: إذا ابتدأت قلت: تثاقلتم: فتركت الإدغام (¬4)، قال: وهذا أحب إليّ. وقال بعضهم: لا بل أقطع الألف فأقول: اثاقلتم، يكون (¬5) هذه الألف كألف وافتعل واستفعل عند الابتداء. ولم يكتب (¬6) بالألف إلا وهي هكذا عند الابتداء. قال الكسائي: ولم أسمع من العرب إلا بالبيان، وذلك أن الإدغام لا يكون إلا وقبله شيء، فأما إذا ابتدأت فلا. قال الفراء: والعرب تبني المصدر على الإدغام كما بنوا الفعل، فيقولون: ادّارأ ادّارُؤا مثل ادّارَكَ ادّارُكاً واثّاقَل اثّاقُلاً وازّامُلاً، وما كان ¬
73
مثله فإن فيه الإدغام (¬1) والإظهار في مصدره (¬2). وكتب في المصحف (فادّرأتم) بغير ألف قبل الراء (¬3) كما كتبوا (الرحمن) بغير ألف الاختصار، لأنهم قد يحذفون لطول الكلام كما يحذفون لكثرة الاستعمال. وقوله: (فيها) الكناية عائدة على النفس (¬4). وقال ابن الأنباري: يجوز أن تعود على القتلة، لأن (قتلتم) يدل على المصدر (¬5). {وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} من أمر القتيل، وأدخل التنوين لأنه ميعاد في المستقبل (¬6)، وقد مضى الكلام في هذه المسألة (¬7). 73 - قوله تعالى: {فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا} قال ابن عباس: اضربوه بالعظم الذي يلي الغضروف، وهو المقتل. وقال الضحاك: بلسانها، واختاره الحسين بن الفضل. سعيد بن جبير: بعَجْب ذنبها، واختاره يمان بن رباب، قال: لأنه ¬
أساس البدن الذي (¬1) رُكِّبَ عليه الخلقُ (¬2). ثم قال: {كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى} معناه: اضربوه ببعضها فيحيا، فضُرِبَ فحَيِيَ (¬3)، كذلك يحيي الله الموتى كما أحيا هذا القتيل، وأضمر (فيحيى) كما قال: {أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ} [الشعراء: 63] والمعنى: فضرب فانفلق (¬4)، فهذا احتجاج على منكري البعث (¬5). فإن قيل: ما معنى ضرب القتيل ببعض البقرة، والله قادر على إحيائه بغير ذلك؟ والجواب: أنّ في ذلك تأكيداً أنه ليس على جهة المخرقة والحيلة، ولا على جهة الكهانة والسحر، إذ جعل الأمر في إحيائه إليهم، وجعل ذلك عند الضرب بموات لا إشكال في أنه علامة لهم وآية للوقت الذي يحيا فيه ¬
74
عندما يكون منهم، فبان أنه من فعل الله عز وجل (¬1). وقوله تعالى: {وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ} يقال: أَرَيْتُه الشيءَ إرايةً (¬2) من غير همز شبيهاً بالمنقوص، مثل: إقامة، وترك الهمز؛ لأن الياء في أريت غير مهموز. ويقال أيضًا: أريته إِرَاءَة، لأن الياء إذا جاءت بعد الألف همزت، ويقال أيضا: إراءً بنوا على الهمز كأنهم قالوا: أرأيته إِرْءَاءً، ثم تركوا الهمز، قال الفراء: وأجودها (¬3): إراية غير مهموز. وروى شمر عن ابن الأعرابي: أَرَيْتُه الشيءَ إِراءةً وإراية وإرْءَاءَةً (¬4). ومعنى قوله {آيَاتِهِ} أي: آيات قدرته في خلق الحياة في الأموات. قال الزجاج: وهذه القصة في القرآن من أدلّ الدلائل على نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم -، حيث أخبرهم بما صدّقه في ذلك أهلُ الكتاب، وهو رجل عربي أمّي لم يقرأ كتاباً ولم يتعلم من أحد، ولم يكن هذا من علم العرب (¬5). 74 - قوله تعالى: {ثُمَ قَسَت قُلُوبُكُم} معنى القسوة في اللغة: الشدة والصلابة واليبس، ويقال: حجر قاسٍ: صلب، وأرض قاسية: لا تنبت شيئا، وعامٌ قَسِيٌّ: ذو قحط، قال شمر: هو الشديد (¬6) لا مطر فيه (¬7). ¬
ويقال: قَسا قلبُه يَقْسُو قَسْوَةً وقَسَاوةً وقُسُوًّا (¬1). وقال بعضهم: قسا قلبه قِسِيًّا، والعرب تقلب الفعول في المصدر إلى الياء فيقول: طغا طِغِيّاً وعتا عِتِيّاً. قال أبو إسحاق: وتأويل القسوة ذهاب اللين والرحمة والخشوع (¬2). وقوله تعالى: {مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ}: أي من بعد إحياء الميت لكم بعضوٍ من أعضاء البقرة، وهذه آية عظيمة كان يجب على من شاهدها أن يلين قلبه (¬3) ويخضع (¬4). قال الكلبي: قالوا بعد ذلك: لم نقتله نحن، فلم يكونوا قط أعمى قلباً ولا أشد تكذيباً لنبيهم منهم عند ذلك (¬5). قال أبو إسحاق: ويحتمل أن يكون (من بعد ذلك)، أي: من بعد إحياء الميت والآيات التي تقدمت، نحو: مسخ القردة والخنازير، ورفع الجبل فوقهم، وانبجاس الماء من حجر. وإنما جاز (ذلك) للجماعة، ولم يقل: (ذلكم)، لأن الجماعة يؤدي عن لفظها الجميع والفريق، والخطاب في لفظ واحد، والمعنى جماعة (¬6). ¬
وقوله تعالى: {فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ} قال أبو إسحاق: لا يجوز عندي إسكان الواو والياء من (هو وهي) لأن كل مضمر فحركته إذا انفرد الفتح نحو (أنا) فكما لا يسكن نون أنا فلا تسكن (¬1) هذه الواو. قال أبو علي فيما استدرك عليه (¬2): إسكان الواو من (هو) والياء من (هي) غير ممتنع. ولو قال قائل: الجيد الإسكان (¬3) لسكون النون في أنت (¬4)، كما قال (¬5) هو: لا يجوز الإسكان فيها لتحرك النون في (أنا)، لما كان بينهما فصل. فإن قلت: فقولهم: (نحن) من المضمر المنفصل، وآخره متحرك فذلك لا يشبه هو وهي وأنا وأنت، لأن آخر (نحن) إنما حرك لالتقاء الساكنين، ولوكان آخره متحرّكًا من الجهة التي ذكرت (¬6) لا لالتقاء الساكنين لما جاز إسكان الآخر من (هم) ومن (أنت) لأنهما أيضا مضمران منفردان. فإن قلت: إن آخر (أنت) متحرك، وليس بساكن، كما أن آخر (أنا) متحرك. فليس هذا بسؤال، لأن آخر الاسم في أنت إنما هو النون، والتاء للخطاب وليست من نفس الكلمة، كما أن الألف من (أنا) إذا وقعت لتبيين الحركة في الوقف، لا من نفس الحرف فإن اعتد بـ (التاء) مع أنها زائدة في ¬
الكلمة، فليعتد بـ (الألف) أيضًا في (أنا) مع كونها زائدة، وإذا اعتد بها سقط الاحتجاج، لأنها حينئذٍ ساكنة الأخير، وإنما اختير الحركة في هو وهي لأنها أكثر، وفي اللغات أشهر، لا لما ذكره (¬1). ويدل على جواز (¬2) هذا الإسكان (¬3) ما أخبرني محمد بن (¬4) الحسن عن أبي حاتم عن أبي زيد: كأَطُومٍ فَقَدَتْ بُرْغُزَهَا ... أعْقَبَتْهُ الغُبْسُ منه عَدَمَا غَفَلَتْ ثم أَتَتْ تَرْقُبُهُ ... فإِذا هي بِعظامٍ ودَمَا (¬5) وقوله تعالى: {كَالْحِجَارَةِ} قال الليث: الحجارة جمع الحجر (¬6)، وليس بقياس، لأن الحجر يجمع على أحجار، ولكن يجوز الاستحسان في العربية مثل الاستحسان في الفقه، وترك (¬7) القياس. ¬
قال (¬1): ومثله: المِهَارة والبِكَارة، لجمع: المُهْر والبَكْر (¬2). وأقرأني العروضي عن الأزهري، قال: أخبرني المنذري عن أبي الهيثم قال: العرب تدخل الهاء في كل جمع على فِعَال أو فُعُول، فتقول: عظام وعِظَامةٌ وفِحَالةٌ وجمالةٌ (¬3) وذِكَارةٌ وذُكورَة وفُحُولَة وعُمُومة وحُمُولَة، قال: وإنما زادوا هذه الهاء لأنه إذا سكت عليه اجتمع فيه عند السكت ساكنان (¬4). قال الأزهري: وهذه العلة (¬5) أحسن من علة الاستحسان الذي شَبَّهه بالاستحسان في الفقه (¬6). قال المفسرون: إنما شبه قلوبهم بالحجارة في الغلظة والشدة، ولم يقل (¬7): (كالحديد)، وإن كان الحديد أصلب من الحجارة، لأن الحديد يلين بالنار، وقد لان لداود بإذن الله حتى صار كالعجين، ولا تلين الحجارة بمعالجة أبداً، ولأن في الحديد منافع، تلك المنافع لا توجد في الحجارة، فشبه الله قلوبهم بالحجارة لقسوتها ولعدم المنفعة منها (¬8). ¬
وقوله: {أَو أَشَدُّ} (أو) دخلت لغير معنى شك، ولكنها للإباحة (¬1) كما ذكرها في قوله: {أَوْ كَصَيِّبٍ}، وقيل: (أو) هاهنا بمعنى بل (¬2) كقوله تعالى: {أَوْ يَزِيدُونَ} [الصافات: 147]. وقيل: أراد إبهام علم ذلك على المخاطبين، كالعادة في مثل هذا في المخاطبة أن يقال: فلان كالبدر أو أحسن، وكالبحر أو (¬3) أجود، فأما الله تعالى فهو عالم أي ذلك كان (¬4). وارتفع (أشدُ) بإضمار (هي) كأنه قال: أو هي أشدُّ (¬5). ويجوز أن يرتفع بالعطف على موضع الكاف، كأنه قيل: فهي مثل الحجارة (¬6) أو أشد (¬7). قال ابن عباس في هذه الآية: إنما قال: {أَشَدُّ قَسْوَةً} لأن الحجارة ¬
ليس لها ثواب ولا عليها عقاب، وهي تخاف الله تعالى (¬1)، وقد مر عيسى ابن مريم عليه السلام بجبل فسمع منه أنيناً فقال: يا رب ائذن لهذا (¬2) الذي يئنّ حتى يكلّمني، فأذِن اللهُ للجبل فقال: إني سمعت الله يقول: {نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} [التحريم: 6] فخفتُ أن أكون من تلك الحجارة (¬3). وقوله تعالى: {وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ} (¬4) الكناية عائدة على (ما)، و (ما) من المبهمات يجوز تذكيره وتأنيثه، تقول العرب: من النعال ما يعجبني بالياء والتاء حملاً على التأويل (¬5). وقيل: إن (من) واقعة على بعض الحجارة، وبعض مذكر، والعرب تقول: بعض النساء قام، وبعضهن قمن، فمن ذكر فللفظ (بعض) ومن أنث فلتأويله (¬6). والأنهار جمع نهْر ونَهَر، وأصله من السعة، يقال: أنهرت الفتق، أي: وسعته (¬7)، ومنه قوله (¬8): ¬
فأنهرت فتقها (¬1) والنهر: اتساع الضياء، والنهر: أوسع من الجدول، والانتهار: إظهار الزجر، لا يكنى عنه، والنهار: ولد الكروان (¬2)، لأنه مشبه بالنهار لبيضه. وقوله تعالى: {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} قيل: أراد به جبل موسى، لما تجلّى ربه للجبل جعله دكّاً (¬3). وقال ابن الأنباري: يجوز أن يجعل الله تعالى للحجر عقلاً فيخشاه، كما جعل بحراء (¬4) عقلاً حتى عرف خطاب النبي - صلى الله عليه وسلم - (¬5)، وكذلك ما ¬
صحت الأخبار به من تسبيح الحصا في يد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (¬1). وكذلك قوله تعالى: في قصة داود {يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ} [سبأ: 10]، وروي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "إني لأعرف (¬2) حجراً بمكة كان يسلّم عليّ كلّما مررتُ به" (¬3). وروي أنه قال: "كان موسى عليه السلام يخرج من الرَّوحاء يؤمُّ هذا البيت يُلبّي، ومقامُ الروحاء يُجاوبه" (¬4). وكذلك قوله: {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} [الحشر: 21] يدل على عقل ¬
يُركَّب في الجبل لو أنزل القرآن عليه، لأنّ في القرآن أمراً ونهياً، ولا يؤمر ولا ينهى (¬1) من لا يعقل (¬2). وقيل: إن الخشية في اللفظ للحجر، وفي المعنى للناظر إلى الحجر، وذلك (¬3) أنه تعالى يهبط الحجارة [دلالة للناظر على قدرة الله، فيحمله ذلك على الخشية، فنسب الخشية إلى الحجر] (¬4) لما كان منه بسبب مجازاً (¬5)، كما تقول العرب: لفلان ناقة تاجرة، أي: تامة سمينة تُنفِّق نفسها وتدعو إلى (¬6) شرائها والتجارة فيها، كذلك قال: الحجارة خاشية من الله، أي: داعية إلى الخشية (¬7)، ومعنى الآية: وإن منها ما يهبط فيدعو الناظرَ إليها إلى (¬8) خشية الله. وقال مجاهد: كلُّ حجر تفجّر منه الماءُ أوتشقّق عن ماء أو تردّى من ¬
75
يجعل على لفظ الغيبة ليعطف بالغيبة على مثله، كما عطفت الخطاب على مثله، ويجوز فيما كان قبله لفظ (¬1) غيبة: الخطاب، ووجه ذلك: أن يجمع بين الغيبة والخطاب، فتغلب (¬2) الخطاب على الغيبة، لأن الغيبة يغلب عليها الخطاب، فيصير (¬3) كتغليب المذكر على المؤنث. ألا ترى أنهم قدموا الخطاب على الغيبة في باب الضمير، فقالوا (¬4): أعطاكهو (¬5) ولم يقولوا: أعطاهوك، فعلمت أن الخطاب [أقدم في الرتبة كما أن المذكر مع المؤنث كذلك، ويجوز في الخطاب] (¬6) بعد الغيبة وجه آخر، وهو: أن يراد به: وقل لهم أيها النبي: وما الله بغافل عما تعملون. ومعناه (¬7): وعيد لهم وتهديد (¬8). 75 - وقوله تعالى: {أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ} يعني النبيَّ والمؤمنين (¬9). ومعنى الطمع: تعليقُ النفس بما يُرجى ويُظَنّ (¬10). وَالألف فيه ألفُ ¬
هذا كلام أهل المعاني في معنى خشية الحجارة (¬1)، والصحيح: أنها تخشى الله حقيقة كما قال مجاهد، ولكنا لا نقف على كيفية ذلك كسجود الجمادات لله تعالى، ذهب كثير من المفسرين إلى أنها تسجد لله تعالى على الحقيقة ولا نقف عليه نحن. وقوله تعالى: {وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} اختلف القراء في مثل هذا، فقرأوا بالياء والتاء (¬2). والقول في جملة ذلك (¬3) أن ما كان قبله خطاب جعل بالتاء ليكون الخطاب معطوفاً على خطاب مثله، كقوله: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ} ثم قال: {عَمَّا تَعْمَلُون} فالتاء هاهنا حسن، لأن المتقدم خطاب. ومن (¬4) قرأ بالياء (¬5) فمعناه: ما الله بغافل عما يعمل هؤلاء الذين أقتصصنا عليكم قصّتَهم (¬6) أيها المخاطبون، وأما إذا كان قَلَبه غيبةً حَسُنَ أن ¬
يعني به الذين غيّروا أحكام التوراة وبدّلوا الحرام بالحلال، وغيروا آية الرجم، وصفة محمد - صلى الله عليه وسلم - (¬1). وعلى هذا القول معنى قوله: {يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ} أي: من موسى أو ممن سمعوه كما أنزل ثم غيّروه. ويجوز أن يكون معناه: يفهمون كلامَه. وقال ابن عباس (¬2) ومقاتل (¬3): نزلت هذه الآية في السبعين، الذين (¬4) اختارهم موسى وذهبوا معه (¬5) إلى الميقات، وسمعوا كلام الله عز وجل وهو يأمره وينهاه، فلما رجعوا إلى قومهم سألهم الذين لم يذهبوا معهم، فقالت طائفة منهم لم يرد الله أن يطهّر قلوبهم: سمعنا الله في آخر كلامه يقول: "إن استطعتم أن تفعلوا هذه الأشياء فافعلوا، وإن شئتم فلا تفعلوا ولا بأس" (¬6). ¬
استخبار، يجري في كثير من المواضع مجرى الإنكار والنهي، إذا لم يكن معها نفيٌ، كأنه آيَسَهم من الطمع في إيمان هذه الفرقة، فإذا كان في أوّل الكلام نفيٌ، فإنكار النفي تثبيت (¬1)، نحو قوله: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ} [تبارك: 8] وسيأتي بعد هذا لِمَ جعل الاستفهام للإنكار (¬2). وقوله تعالى: {أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ} يعني به: جماعة اليهود (¬3)؛ لأنّه قال: {وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ} [البقرة: 145]. يعني به: جماعتَهم؛ لأن الخاصةَ تتبعُ العامة. {وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ} أي: جماعة. وأصله من الفَرْق، ومعناه: طائفة فرقت من الجملة كالفئةِ، قالوا: أصلها من فأوتُ (¬4) رأسَه: أي: شَقَقْتُه (¬5). واختلفوا في هذا الفريق، فقال مجاهد (¬6) وقتادة (¬7) والسُدّي (¬8): ¬
اليأس وبين قطع الطمع. وليس قولُ من قال: المراد بالفريق هاهنا الذين سمعوا كلامَ الله في وقت المناجاة أولى من القول الأول بأن هؤلاء سمعوا كلام الله على الحقيقة (¬1)، من جهة أن الكلام يضاف إلى المتكلم على وجهين، وكلاهما حقيقة: أحدهما: يضاف إليه على أنه المظهر له. والآخر: يضاف إليه على معنى الحكاية لما كان مظهرًا له. يوضح ذلك أنك تقول: هذا كلام سيبويه (¬2) بعينه إن لم يحكه الحاكي على المعنى دون تأدية اللفظ (¬3)؛ ولهذا نقول: القرآن كلام الله على الحقيقة، وإن كنا لا نسمعُ الله يقولُ ذلك عند تلاوته. وقوله تعالى: {ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ} التحريفُ: تفعيلٌ من الحَرْف، والحَرْفُ في أصل اللغة: حدّ الشيء وحِدَتُهُ، ومِنْه يقال: طعامٌ حِرِّيْفٌ، يراد حِدَّتُهُ، فالتحريف أن يَجْعَلَ للشيء حَرْفًا كتحريف القلم. هذا أصل معناه في اللغة، ثم استعمل في معنى الإمالة والتغيير، وهذا المعنى راجع إلى أصله في اللغة؛ لأن بالإمالة يصير الشيءُ ذا حَرْفٍ، ألا ترى أن القلم إنما يصير مُحَرَّفًا إذا أُمِيلَ قَطْعُهُ في أحد الجانبين، فصار التحريف اسمًا لتغيير الشيء عن وجهه (¬4). ¬
فغيّروا ما سمعوا، ولم يؤدّوه على الوجه الذي سمعوه، فقيل في هؤلاء الذين شاهدهم النبي - صلى الله عليه وسلم -: إنهم إن كفروا وحرفوا فلهم سابقة في كفرهم، وهذا مما يقطع الطمع في إيمانهم (¬1)؛ لأن الطمعَ قد ينقطعُ بغلبةِ الظن كما ينقطع مع العلم، فإذا ظهرت الأمارات التي توجب غلبة الظن انقطع الطمع. بيان ذلك: أنا لا نطمع في إيمانِ ملكِ الرومِ مع غلبةِ الظن أنه لا يؤمن، كما لا نطمع في إيمان أبي جهل (¬2)، مع العلم بأنه لا يؤمن وقد هلك، واليأس إنما يكون مع اليقين أنه لا يقع، وهذا هو الفرق بين ¬
ابتدأت فتحه، كما يبتدأ الدخول إلى الشيء بفتح بابه، ومنه: الفتّاح للحاكم؛ لأنه يفتح القضيّة المستغلقة (¬1). وأما (يستفتحون) بمعنى: يستنصرون، فهم يسألون الفتح. ومعنى قوله: {بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ} قال ابن عَبَّاسٍ (¬2) وأبو العالية (¬3) والحسن (¬4) وقتادة (¬5) أي: من العلم بصفةِ محمد - صلى الله عليه وسلم - المبشَّر به ونعتِهِ. وقوله تعالى: {لِيُحَاجُّوكُمْ} معنى المحاجة: المجادلة والمخاصمة. وأصل الكلمة: من القصد، ومنه: حَجَّ البيتَ، والحجة: النكتة (¬6) التي هي القصد في تصحيح الأمر، والمحجة: الطريقُ القاصدُ بك إلى الغرض الذي تؤمّه (¬7). ومعنى قوله: {لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ} أي: ليجادلوكم، يعني: أصحاب محمد، ويقولون: قد أقررتم أنه نبي حقٌّ في كتابكم ثم لا تتّبعونه، فهذه حجة لهم عليكم (¬8). وقوله تعالى: {عِندَ رَبِّكُم} قال أبو بكر (¬9): معناه: في حكم ربكم، كما تقول: هذا حلال عند الشافعي، أي: في حكمه، وهذا يحل عند الله: ¬
وقوله تعالى: {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} أي: يعلمون أنّ الذي حرفوا ليس من قبل الله، إنما هو مفتعل من جهتهم. أعلمنا الله تعالى أنهم لم يحرفوا ما سمعوا على جهة النسيان والخطأ، بل جهة القصد والتعمد. وقيل: {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} أن الذي يفعلونه مُكسِبٌ للأوزار (¬1). وقوله تعالى: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا} قال ابن عباس (¬2) والحسن (¬3) وقتادة (¬4) (¬5): يعني منافقي اليهود، كانوا إذا رأوا المؤمنين قالوا: آمنّا بمحمد أنه نبي صادق نجده في كتابنا، فإذا رجعوا إلى رؤسائهم لاموهم على ذلك (¬6). وقالوا: {أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ}. ومعنى التحديث: الإخبار عن حوادث الزمان. وأصل الفتح: نقيض الإغلاق، ثم يدخل في هذا فتح البلاد، وفتح المِغْلاق، وفتح المُشكل من الحكم، وفتح الباب، وكلّ مَا بَدَأتَ به فقد استفتحته، وبه سميت فاتحة الكتاب، ومعنى استفتحته: ¬
فقلبت الواو ياءً لسكونها ثم أدغمت (¬1)، ويجوز في أداء (¬2) جَمعها التخفيف على نقصان إحدى الياءين (¬3)، وكذلك ما كان على هذا الوزن من الجمع الصحيح ففيه لغتان، نحو: قرقور وقراقر (¬4) وإن شئت: قراقير، وحواجب وحواجيب، وجلابب وجلابيب. فأمَّا الغواشي والجوابي (¬5) والجواري والليالي فليس فيها إلَّا التخفيف؛ لأنّها منقوصات، وواحدَتُها خفيفة (¬6). والأمنيَّة: من التمنّي، كالأغنية من التغنّي. قال الكسائي: أصل التمني في اللغة: حديثُ الرجلِ نفسَه، والعرب تقول: تركتُه قاعدًا يتمنى، أي: يحدث نفسَه. وأنشد لكعب بن مالك (¬7) يرثي أباه: ¬
78
أي: في حكمه، فعلى هذا معناه: لتكون لهم الحجة عليكم عند الله في الدنيا والآخرة. ويحتمل: أنه أراد عند ربكم في الآخرة؛ لأنهم يقولون لكم: يا معشر اليهود آمنا بمحمد ولم نقرأ صفته، وكفرتم به بَعْد أن وقفتم على صِدقه في التوراة. {أَفَلَا تَعْقِلُونَ} أفليس لكم ذهن الإنسانية (¬1). وهذا من كلام رؤسائهم لهم في لومهم إياهم، فقال الله تعالى: {أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ} أي: من التكذيب {وَمَا يُعْلِنُونَ} من التصديق. 78 - قوله تعالى: {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ} قال أبو إسحاق: معنى الأمي في اللغة: المنسوب إلى ما عليه جبلّة (¬2) الأمة: أي: لا يكتب، فهو في أنه لا يكتب على ما ولد عليه (¬3). وقال غيره: قيل للذي لا يكتب: أمِّي؛ لأن الكتابة مكتسبة، فكأنه نُسِبَ إلى ما ولد عليه، أي: هو على ما ولدته أمّه. وقال ابن الأنباري: إنما سمّي الذي لا يكتب، ولا يقرأ: أمّيّاً؛ لأنه نسب إلى أمّه، إذ كان النساءُ لا يكتبن في ذلك الدّهر (¬4). وقوله تعالى: {إِلَّا أَمَانِىَّ} جَمْعُ أُمْنِيّة، وأُمْنِيَّة في الأَصْلِ. أُمْنُوية ¬
حُروفه من غير زيادة. وقال ابن السكيت: يقال: هو مُنّي (¬1) بمَنَى مِيل، أي: بقدر ميل (¬2). وقال الفراء: يقال: مَنىَ الله لك ما يَسُرّك، أي: قَدّر لك. وأنشد: ولا تقولَنْ لشيء سوف أفعله ... حتى تَبَيّنَ (¬3) ما يَمْني (¬4) لَكَ الماني (¬5) أي: ما يقدر لك القادر (¬6). فأمَّا التفسير، فقال ابن عباس: {إِلَّا أَمَانِيَّ}: إلا أحاديث (¬7)، قال: لا يعلمون إلّا ما حُدّثوا. وقال الفرَّاء: الأماني: الأحاديث المفتعلة، يقول الله: لا يعلمون الكتاب ولكن هو أحاديث مفتعلة ليست من كتاب الله يسمعونها من كبرائهم (¬8)، وهذا قول الكلبي (¬9). واختاره الزجّاج في أحد قوليه، وقال: ¬
تمنّى كتابَ الله أولَ ليلِهِ ... وآخرها (¬1) لاقى حِمَام المقادر (¬2) أي: قرأ، يسمّى (¬3) القراءة تمنِّيًا، لأنها تشبه التحدث، وما تمناه الإنسان فهو مما (¬4) يحدث به نفسه (¬5)؛ ولهذا فُسِّرت الأماني في هذه الآية بالأحاديث. وقال غيره: أصل هذه الكلمة عند أهل اللّغة من التقدير. والتمني: هو تقدير شيء تودُه، والمنيّة مقدرةٌ على العباد، والمَنَى الذي يوزن به: مقدار معروف، والمَنِيُّ: الذي يقدَّرُ منه الولد، والتمني: التلاوة؛ لأنها حكاية على مقدار المحكيِ، والمنا (¬6): الحذاء؛ لأن أحد الشيئين بإزاء الآخر على مقداره (¬7)، ومُنيت (¬8) بكذا أي: قُدَر علَيّ. والأمنية في هذه الآية: التلاوة؛ لأنها حكاية للكلام على مقدار ¬
رأس جبل فهو من خشية الله [نزل به القرآن (¬1). وقال بعض المتأولين: من قال: المراد بالحجارة في قوله: {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ}] (¬2) أنه يركَّب فيها التمييز والعقل، فقد أخطأ (¬3)، إذ كان لا يُستنكر ذلك ممن جُعِل فيه التمييز، ولكن هذا على جهة (¬4) المثل، كأنه يهبط من خشية الله لما فيه من الانقياد لأمر الله الذي لو كان من حيّ قادر لدلَّ على أنه خاشٍ لله كقوله: {جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ} [الكهف: 77]، أي: كأنه مريد. وكقول جرير: لمَّا أَتَى خَبَرُ الزُّبَيْرِ تَوَاضَعَتْ ... سُورُ المدينةِ والجِبَالُ الخُشَّعُ (¬5) أي: كأنها خاشعة للتذلل الذي ظهر (¬6) فيها كما يظهر تذلل الخاشع، ¬
إلّا أكاذيب، والعربُ تقول: أنت إنما تتمنى (¬1) هذا القول، أي: تختلقه (¬2). وقال أحمد بن يحيى: التمني: الكذب، يقول الرجل: والله ما تمنيت هذا الكلام ولا اختلقته (¬3). قال ابن الأنباري (¬4): والمُنى تشبه الكذب لأنه لا حقيقة لها، والعرب تذمّها كما تذم الكذب، قال الشاعر: فَلا يَغُرَّنْكَ مَا مَنَّتْ ومَا وَعَدَتْ ... إنَّ الأمَانِيَّ وَالأحْلامَ تَضْلِيلُ (¬5) وقال أبو عبيدة (¬6) وابن الأنباري (¬7) وابن قتيبة (¬8) والزجَّاج (¬9) في أحد قوليهِ: الأماني: التلاوة، واحتجوا ببيتِ كعبٍ، فأرادَ أنّهم يقرؤون عن ظهر القلب ولا يقرؤون في الكتب (¬10). وقيل: يقرءون في الكتاب ولا يعلمونه بقلوبهم، فهم لا يعلمون ¬
الكتاب إلا تلاوة ولا يعملون به (¬1)، فليسوا كمن يتلونه حقّ تلاوته، فيُحِلّون حلالَه، ويحرمون حرامه، ولا يحرفونه عن مواضعه (¬2). قال ابن الأزهري: والتلاوة سميت أمنية؛ لأن تالي القرآن إذا مر بآية رحمة تمنّاها، وإذا مرّ بآية عذاب تمنّى أن يُوَقّاه (¬3). وقال الحسن (¬4) وأبو العالية (¬5) وقتادة (¬6): أي: إلّا أن يتمنوا على الله الباطل والكذب، ويتمنون على الله ما ليس لهم، مثل قولهم: {وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً} [البقرة: 80]، وقولهم: {وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا} [البقرة: 111]، وقولهم: {نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ} [المائدة: 18]. قال ابن الأنباري: والاستثناء على هذا التأويل منقطع عن الأوّل، يريد. لا يعلمون الكتاب البتة، لكنهم يتمنون على الله مالا ينالون (¬7). ¬
وقوله تعالى: {وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ} أي: لا يعلمون، (¬1) أراد: ما هُمْ إلا ظانّينَ ظنًّا وتوهمًا لا حقِيقَةً ويقينًا (¬2) (¬3). وجعل الفعل المستقبل في مَوضع الحَالِ؛ لأنه يصلح للزمانين. قال ابن عبّاس في قوله: (وإن هُم إلّا يظنون): أي: لا يعلمون الكِتَابَ، ولا يدرون ما فيه، وهم يجحدون نبوتك بالظَنّ (¬4). قالَ أصحاب المعاني: ذمّ الله بهذه الآية قومًا من اليهود، لا يحسنون شيئًا وليسُوا على بصيرة إلّا ما يحدّثونَ به، أو إلّا ما يقرءون عن غَيْرِ عِلم به (¬5). ففيه حثٌّ علَى تعلّم العلم؛ حتّى لا يحتاج الإنسان إلى تقليد غيره، وأن يقرأ شيئًا لا يكون له به معرفة. قوله تعالى: {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ} الآية. قال ابن عباس: الوَيْل شِدّة العَذَاب (¬6). ¬
وقال الزجّاج: الويل كلمة يستعملها كل واقع في هَلَكة، وأصله في اللغة: العذاب (¬1). وقال ابن قتيبة: قال الأصمعي: الويل تقبيح (¬2)، قال الله تعالى: {وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ} [الأنبياء: 18]. وروى الأزهري عن المنذري عن أبي طالب النحوي أنه قال: قولهم: ويل (¬3)، كان أصلها (وي) وُصِلت بـ (له)، ومعنى (وي): حزن، ومنه قولهم: ويه (¬4) معناه: حزن، أُخْرج مُخْرجَ الندبة (¬5) (¬6). وحكى ابن الأنباري عن الفراء: أن أصل هذه الكلمة: وي لفلان، وهو حكاية صوتِ المصاب وَي وَي، فكثر الاستعمال للحرفين، يعني: وي لفلان فوُصِلتْ اللام بوي وَجُعِلَتْ معها حرفًا واحدًا، ثم خُبِّر عَن ويل بلام أُخرى. وقرأت على أبي الحُسين الفسوي، فقلت: أخبركم حمد بن محمد الفقيه، قال: أخبرني أبو عمر (¬7)، قال: حضرنا مجلس أبي العباس أحمد ¬
أبن يحيى، فأقبل علينا، فقال: كيف الفعل من الويل؟ فبلّح القوم ولم يكن عند واحدٍ منهم جواب، وفي المجلس ابن (¬1) كيسان وغيره فأنشدنا: تَوَيّل إذ ملأتُ يدي وكانَتْ ... يميني لا تعلّلُ (¬2) بالقليل (¬3) قال أبو عمرو: يقال في هذا أيضًا: وال يَوِيلُ، على وزن مال يميل. انتهت الحكايةُ. وسمعتُ من يوثق بعلمه يقول: أخطأ أبو عمرو، لم يأت من هذا الباب ما أَوَّلُه واوٌ ولا ياءٌ في الأجوف. وروي عن أبي سعيد الخدري (¬4) مرفوعًا قال: "ويْلٌ: وادٍ في جهنم، يهوي فيه الكافر أربعين خريفًا قبل أن يبلغ قعره" (¬5). ¬
قال النحويون: وذكر اليد في قوله: {يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ} تحقيق للإضافة وإن كانت الكتابة لا تقع إلا باليد، وقد أُكدّت الإضافة بذكر اليد (¬1) فيما لا يُرادُ باليد فيه الجارحة (¬2)، كقوله تعالى: {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص: 75] وقوله: {مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا} [يس: 71]. ومعناه: مما تولينا عمله، ولما (¬3) توليت خلقه. والأصل في هذا: أنه قد يضاف الفعل إلى الفاعل وغير الفاعل له، كقوله: {يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ} [القصص: 4]، والمراد بذلك: أنه يأمر بالذبح فَيُمتثل أمره. فلما كان الفعلُ قد يُضاف إلى غير الفاعل أُكّدَت الإِضافة بذكر اليد؛ للتحقق وينتفي الاحتمال، ثم استعمل هذا التأكيد (¬4) أيضا في فعل الله تعالى وإن لم يجز في وصفه يد الجارحة؛ لأن المراد بذكر اليد تحقيق الإضافة على ما بيّنا. وقال ابن السراج: معنى يكتبون بأيديهم، أي: من تلقائهم ومن قبل أنفسهم من غير أن يكون أُنزل عَلَيهم أو على من قبلهم (¬5)، وهذا كما يقال للذي يُبدعُ (¬6) قولًا لَم يُقَلْ قبله: هذا أنت تقوله (¬7)، يراد بذلك: أنت ابتدعت هذا المذهب وهذا الحكم. ¬
80
قال المفسرون: هذا في اليهود، عَمَدوا إلى صفة محمد - صلى الله عليه وسلم - فكتبوا صفته على غير ما كانت في التوراة، وأخذوا عليه الأموال، وقبلوا الهدايا (¬1). وهو معنى قوله: {وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ} يقال: كسبت الشيء كسبًا، وكَسَبْتُ الرجلَ مالًا فَكَسَبه وهذا أحد ما جاء على فَعَلْتُه فَفَعَل، ومعنى الكسب: فعل يُجتلَب به نفع، أو يُستدفَع به ضرر، واكتسب الخطيئة إنما ذلك لأنه يَجتلب به تعجّلَ المنفعة وينسَى ما عليه فيه من تأجّل المضرّة. 80 - وقوله تعالى: {وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً} يعني: اليهود لما أوعدهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالنار عند تكذيبهم إياه، قالوا: لن تمسَّنا النار إلّا أيامًا معدودة (¬2): أي: قليلة، والمعدودة إذا أطلقت كان معناها القليلة، كقوله: {دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ} [يوسف: 20] قيل معناه: معدودة عندنا. قال ابن عبّاس: قالت اليهود: مدّة الدنيا سبعة آلاف سنة، وإنما نعذَّب بكل ألف سنة يومًا واحدًا (¬3). وقال قتادة (¬4) وعطاء (¬5): يعنون الأيام التي عبد آباؤهم فيها العجل، ¬
81
وهي مدّة غيبة موسى عنهم، فكذّبهم الله عز وجل، فقال: قُل يا محمد: {أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا} أي: أخذتم بما تقولون من الله ميثاقًا فالله لا ينقُض ميثاقه، أم تقولون على الله الباطل جهلًا منكم. وَ (أَمْ) هاهنا يحتمل أن تكون متصلة على المعادلة لألف الاستفهام بمعنى: عَلَى أي الحَالَتَين أنتم؟ على اتخاذ العهد أم على القول بما لا تَعلَمُون. ويحتمل أن تكون منقطعة (¬1)، على تقدير تمام الكلام قبلها، كأنه تم الكلام عند قوله: {فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ} ثم استأنف بـ (أم) على معنى: لا تقولون على الله مالا تعلمون. وكذا تقديرها وإن كانت منقطعةً (¬2). 81 - قوله تعالى: {بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً} قال الفراء: (بلى): تكون جوابًا للكلام الذي فيه الجحد، فإذا قال الرجل: ألست تقوم؟ فتقول: بلى. ونَعم جواب للكلام الذي لا جحد فيه، فإذا قال الرجل: هَل تقوم؟ قلت: نعم. قال الله تعالى: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (8) قَالُوا بَلَى} [تبارك:8, 9]، وقال: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى} [الأعراف: 172]، وقال: {فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ} [الأعراف: 44]، وإنما صارت (بلى) تتصل بالجحد؛ لأنّها رجوع عن الجحد إلى التحقيق، فهي بمنزلة (بَل)، و (بل) سبيلها أن تأتي بعد الجحد، كقولهم: مَا قام أخوك بل أبوك، وما أكرمت أخاك بل أباك. فإذا قال الرجل للرجل: ألا تقوم، فقال: بلى، أرادَ: بل أقوم، فزاد الياء على (بل) ليحسن السكوت عليها؛ لأنه لو قال: بل كان يتوقع كلامًا بعد بل، فزاد الياء (¬3) على بل ليزول عن المخاطب هذا ¬
التَوهم (¬1) وإنّما لم يصلح ها هنا (نعم) لأن (نعم)؛ إقرار، وإذا قال في هذا الموضع نعم، فقد أقرّ بالجحد وبالفعل الذي بعده، ألا ترى أنك لو قيل لك: أَمالَكَ مالٌ؟ فقلت: نعم، كنتَ مُقِرًّا بالكلمة بطرح الاستفهام وحده، كأنك قلت: نعم مالي مالٌ، فأرادوا أن يرجعوا عن الجحد ويُقرّوا بما بعده، فاختاروا (¬2) (بلى) لأن أَصلها رجوع عن الجحد كما بينا (¬3). ومعنى الآية: أنه ردّ على اليهود قولَهم: {لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ} فقال: (بلى) أُعذِّبُ من كَسَبَ سَيّئةً. و (مَنْ) هاهنَا بمعنى (الذي) (¬4)، ولهَا أربعة أَوجُه: تكون بمعنى (الذي)، وتكون (¬5) استِفهَامًا، وجزاءً، ونكرةً موصوفة، مثل: وَكَفَى بِنَا فَضلًا عَلَى مَنْ غَيْرِنا ... حُبُّ النبيِّ محمّدٍ إيّانا (¬6) أي: على أحد غيرِنا. ¬
وقولُ آخرَ: يا رُبَّ مَن يبغض أذوادنا .. (¬1) البيتَ. ودخول "رُبَّ" يدل على أنه نكرة (¬2). والسيئة فيعِلة (¬3) من السوء في قياس قول الخليل، وَفعيلَةٌ في قياس قول الفراء، وهذا مثل ما ذكرنا في الصيِّب (¬4). قال اللّيث: والسيئ والسيئة: عملان قبيحان يَصِير السيئ نَعتًا للذكر الأفعال، والسيئة: الأنثى (¬5)، يقال: ساء الشيء يَسوء فهو سَيئٌ، إذا قبح، وساء ما فعل، أي: قبح (¬6). وإجماع أهل التفسير: أن السيئةَ هاهُنا الشرك (¬7)، وأنّ الآية وردت ¬
في اليهود (¬1)، وقد قيل: إنها عامة في جميع الكفار. وقوله تعالى: {وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُه} لا يَخلو معناه من أحد أمرين: إمَّا أن يكون المعنى: أحاطت بحسنته خطيئته، أي: أحبطتها من حيثُ كان المحِيط أكبر مِنَ المحاط به، فيكون كقوله: {وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ} [العنكبوت: 54]، وقوله: {أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا} [الكهف: 29]، ويكون المعنى في (أحاطت به خطيئته): أهلكته، من قوله: {لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ} [يوسف: 66]، وقوله: {وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ} [يونس: 22]، وقوله: {وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ} [الكهف: 42] وهذا كله في معنى البوار. وقد يكون للإحاطة معنى ثالث، وهو العلم كقوله: {وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا} [الكهف: 91]. وقال: {وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ} [البروج: 20]. ¬
أي: عالم، هذا كلام أبي علي (¬1). وقال ابن السراج: أحاطت به خَطِيئته، أي: سُدّت عليه مَسَالك النجاة، وهذا لمن هو في معلوم الله أنه لا يؤمن. وأما الخطيئة فقال أبو زيد: خطِئْتُ من الخطيئةِ، أَخْطأ خَطْئًا، والاسم الخِطْءُ، وأخطأت إِخطاءً، والاسمُ الخَطَاء (¬2). وقال الأخفَش: الخطأ: الإثم وهو ما أصابه متعمدًا والخِطء غير المتعمد. ويقال من هذا: أخطأ يُخْطِئُ. قال الله تعالى: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ} [الأحزاب: 5] واسم الفاعل من هذا: مخطئ، فأمّا خطيئة فاسم الفاعل منه: خاطئٌ، وهو المأخوذ به فاعله، وفي التنزيل: {لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ} [الحاقة: 37] (¬3). اللّيث: الخطيئة: الذنب على عمد (¬4). قال أبو علي: والخطيئة تقع على الصغير والكبير، فمن وقوعها على الصغير قوله: {وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ} [الشعراء: 82]. ووقوعها على الكبير قوله: {وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ} (¬5). واختلف القراء في هذا الحرف فقرأ أهل المدينة (خطيئاته) بالجمع، والباقون على الوحدة (¬6)؛ ¬
لأنها أضيفت إلى ضمير مفردٍ، فلما لم يكن الضمير جمعًا لم يجمع كما جمعت في قوله: {نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ} [البقرة: 58]. لأنه مضاف إلى جماعة لكل واحدٍ منهم خطيئة، وكذلك قوله: {إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا} [الشعراء: 51]. فهذه جمعت بجمع (¬1) ما أضيف إليه (¬2). فأما قوله: {وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ} فمضاف إلى مفرد، وكما أفردت السيئة ولم تجمع فكذلك ينبغي أن تفرد الخطيئة. وأنت إذا أفردته لم يمتنع وقوعه على الكثرة وإن كان مضافًا، كقوله: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ} [إبراهيم: 24] والعَدُّ إنما يقع على الجموع والكثرة، وكذلك ما روي في الحديث: "منعت العراق درهمها وقفيزها (¬3) ومصر إردَبَّها" (¬4) (¬5). فهذه أسماء مفردة مُضافة والمراد بها الكثرة، ومن جمَع حمله على المعنى، والمعنى الجمع والكثرة، فكما جُمع ما كان مُضَافًا إلى جمع كذلك يجمع ما كان مضافًا إلى مفردٍ يرادُ به الجمع من حيث اجتمعا في أنهما كثرة، ويدلّك على أن المراد به الكثرة. فيجوز من أجل ذلك أن تجمع خَطِيئةٌ على المعنى؛ لأنَّ الضمير المضاف إليه جمع في المعنى (¬6). ¬
قوله تعالى: {فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} واختلف المفسرون في معنى الخطيئة هاهنا، فقال ابن عباس (¬1) والضحاك (¬2) وأبو وائل (¬3) (¬4)، وأبو العالية (¬5)، والربيع (¬6) (¬7) وابن زيد (¬8) (¬9): هي الشرك يموت عليه الإنسان. وقال غيرهم (¬10): هي الذنوب الكبيرة الموجبة لأهلها النار، وعلى ¬
هذا فالمؤمنون لا يدخلون في حكم هذه الآية؛ لأنه أوعد بالخلود في النار من أحاطت به خطيئته، وتقدمت مِنه سَيِّئةٌ هي الشرك، والمؤمن وإن عمل الكبائر فلم يوجد منه الشرك. وأيضًا فإن الخطيئة لا تحيط بالمؤمن؛ لأنه يعصي مستحييًا راجيًا عفو الله معتمدًا للتوبة فلا تحيط به الخطيئة، وإنما تحيط بالكافر. أو يجعل هذه الآية من العموم المخصوص بآي الوعد. وقوله تعالى: {فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ} خبر المبتدأ الذي هو (مَن) كقوله: {وَمَا بِكُم مِن نِعمَةٍ فَمِنَ اَلله} [النحل:53] (¬1). فإن قيل: لم دخلت الفاء في خبر المبتدأ وأنت لا تقول: زيد فقائم. والجواب: إن الفاء تدخل في خبر المبتدأ إذا كان المبتدأ موصُولًا. نحو (مَنْ وما والذي) لتدلّ (¬2) أنَّ الخبر يجب بوجوب معنى الصلة، كقولك: الذي في الدار فَلَهُ دِرْهَم. قال ابن السراج: دلت أنه وجب الدرهم لأجل الكون في الدار. ونذكر شرح هذه المسألة عند قوله: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ} [البقرة: 274]، إن شاء الله. فإن قيل: لم جاءت الجملتان في قوله: {فأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} بغير حرف عطف؟ والجواب: قال أبو بكر بن السراج: لأنهما خبران عن شيء واحد، وأيضا فإن الضمير يربط الكلام الثاني بالأول كما أن حرف العطف يربط به، ألا ترى أنّك تقول: مررت بزيد والناس يتراءون الهلالَ، فلا يجوز إسقاط الواو، فإن قلت: مررتُ بزَيْدٍ الناس عنده يتراءون الهلال، جاز إسقاط الواو وجاز إثباتها. ¬
83
83 - قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ} اختلف النحويون (¬1) في محل قوله: لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللهَ. فقال قطرب (¬2) (¬3): يجوز أن يكون (¬4) حالًا كأنه أخذ ميثاقهم موحدين. وكذلك {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ} [البقرة: 84] أي: غير سافكين، فيكون حالًا من المخاطبين، ويكون موضعه نصبًا، كأنه قيل: أخذنا ميثاقكم غير عابدين إلا الله، أو موحدين. وقال الكسائي: يجوز أن يكون {لَا تَعْبُدُونَ} و {لَا تَسْفِكُونَ} في تقدير: لا تعبدوا، وكأن التقدير: أخذت ميثاقكم بأن لا تسفكوا (¬5) إلا أنه لما حَذَفَ (أن) ارتفع الفعل، كقوله: {أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ} (¬6) [الزمر: 64]. وأنكر المبرد هذا القول، وقال: هو خطأ من وجهين: أحدهما: أن كل ما أضمر في العربية فهو يعمل عمله مُظْهَرًا، كقولهم: وبلدٍ قطعت، يراد: ورُبَّ بلد قطعت (¬7) (¬8)، وكقوله (¬9) تعالى: {نَاقَةَ الله} [الشمس: ¬
13] أي: احذروا، وكقوله: {قَالُوا مَعْذِرَةً} [الأعراف: 164] أي: موعظتنا معذرة. والثاني: أنه لا يجوز حذف الموصول في شيء من الكلام. وليس الأمر على ما قاله المبرد، فقد أجاز قولَ الكسائي: الأخفشُ والفراءُ وقطرب والزجّاج وعلي بن عيسى (¬1) (¬2)، ودعواه أن كل ما أضمر في العربيّة فهو يعمل عمله مظهرًا ليس كذلك، وهو على ضربين: منه ما هو على ما ذكر، ومنه ما ليس كذلك (¬3)، كحروف الجر إذا حذفت وهي تزاد، كقوله: أمرتك الخير (¬4) ..... البيت يريد بالخير، وقال الله تعالى: {وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ} [الأعراف: 155] فلما حَذف مِنْ وصل الفعل فنصب. كذلك هاهُنا لمّا حذف (أن) وصل ¬
عامل الرفع فرفع الفعل. وقوله: لا يحذف الموصول في شيء من الكلام ليس كذلك؛ لأن الموصول مع صلته بمنزلة اسم واحد، والاسم الواحد قد يحذف بعضه بالترخيم (¬1). وقال كثير من النحويين: الزجّاج (¬2) والفراء (¬3) والأخفش (¬4) في أحد قوليه: إن قوله: (لا تعبدون) جواب القسم؛ لأن أخذ الميثاق بمنزلة القسم، والدليل على ذلك قوله: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ} [آل عمران: 81]، القسم بـ (لام)، فكذلك هو في النفي بـ (لا)، وكان المعنى: استحلَفناهم وقلنا لهم: والله لا تعبدون (¬5) (¬6). قال الفراء: ويجوز أن يكون في موضع جزم على النهي، إلا أنه خرج مخرج الخبر، كقوله: {لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ} [البقرة: 233]. بالرفع ومعناه النهي، ويدل على أنه نهي قوله: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ}. وقرئ لا تعبدون بالياء والتاء (¬7)، وما كان من مثل هذا جاز أن يكون ¬
على لفظ الغيبة من حيث كان اللفظ لها، وجاز أن يكون على لفظ المخاطب لأنك تحكي حال الخطاب وقت ما تخاطب به. ألا ترى أنهم قد فرأوا قوله: {قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا سيُغلَبون ويُحْشَرونَ إلى جَهَنَم} [آل عمران: 12] على لفظ الغيبة، وبالتاء على لفظ الخطاب (¬1)، على حكاية حال الخطاب في وقت الخطاب (¬2)، فإذا كان هذا النحو جائزًا جاز أن تجيء القراءة بالوجهين جميعا، ويجوز في قياس العربية في قوله: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ} [الأنفال: 38]، الخطاب (على حكاية) (¬3) حال الخطاب. فأما قوله: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ} [البقرة: 84]، وهذا لا يجوز (أن يكون) (¬4) إلا على الخطاب؛ لأن المأخوذ ميثاقهم مخاطبون (¬5)، ولأنك إن حكيت الخطاب كان التقدير: (أخذنا ميثاقكم فقلنا لكم: لا تسفكون) كان بالتاء. فحجة من قرأ بالتاء (¬6) قوله: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ} [آل عمران: 81] فجاء على الخطاب، ويقويه قوله: {ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ} .. الآية. فإذا كان هذا خطابًا وهو عطف على ما تقدّم وجب أن ¬
يكون المعطوف عليه في حكمه. وحجة مَن قرأ بالياء قوله: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا} .. الآية [الأنفال: 38]. وكل واحد من المذهبين قد جاء التنزيل به (¬1). وقوله (¬2): {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا}. تقديره: وأحْسِنُوا بالوالدين إحسانًا، كأنه قال: لما أخذنا ميثاقهم قال: وقُلنا لهم: أحْسِنوا بالوالدين إحسانًا، كما قال: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا} [البقرة: 63]، أي: وقلنا لهم: خذوا، فالجار في الوالدين يتعلق بالفعل المضمر ولا يجوز أن يتعلق بالمصدر؛ لأن ما يتعلق بالمصدر لا يتقدم عليه. و (أَحْسِنْ) يُوصَل بالباء كما يوصل بـ (إلى) (¬3). يدلك على ذلك قوله: {وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ} [يوسف: 100]. فتَعَدّى بالباء كما تعدى بإلى (¬4) في قوله: {وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ} (¬5) [القصص: 77] هذا قول الزجاج (¬6). وقال بعضهم: المعنى: ووصيناهم بالوالدين إحسانًا (¬7). والقربى: القرابة في الرحم (¬8). ¬
واليتامى: جمع يتيم، مثل: نديم وندَامى، ويجمع أيتامًا أيضًا، واليُتمْ (¬1) في الناس فُقْدان الأب، وفي غير الإنسان من قبل الأم (¬2). قال أحمد بن يحيى: معنى قولك: صبي يتيم: منفرد من أبيه، قال: واليتم (¬3) في كلام العرب معناه: الانفراد. قال: وأنشدنا ابن الأعرابي بيتًا، قال: فقلت له: زدنا، فقال: البيتُ يتيمٌ، أي: هو منفرد ليس قبله ولا بعده شيء. ومنه قولهم: درة يتيمة، إذا لم يوجد لها نظير. وقال الأصمعي: اليتيمة: الرملة المنفردة، قال: وكل منفرد ومنفردة عند العرب يتيم ويتيمة. قال الفراء: يقال للغلام: يَتِم يَيْتَمُ يُتْمًا وَيَتْمًا، وحكي لي ما كان يَتِيمًا، ولقد يَتِم يِيتَم، وقَدْ أَيْتَمَهُ الله. وقال المُفضّل: أصل اليُتْم: الغَفْلة، وبه سُمي اليتيم؛ لأنه يُتَغَافل عن بره. ¬
وقال أبو عمرو: اليُتْم: الإبطاء، يقال: ما في سَيرِه أتَمٌ ويتم أي: إبطاء، ومنه أُخِذَ اليتيم؛ لأن البرّ يبطيء عنه (¬1). وقوله تعالى: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} الحُسنُ هاهُنا يحتمل وجهين: أحَدُهُما: أن يكون لغة في الحَسَن، كالبُخْل والبَخَل والرُشْد والرَشَد وبابه، وجاء ذلك في الصفة كما جاء في الاسم، ألا تراهُم قالوا: العُرْبُ والعَرَبُ وهو صفة، يدلك على ذلك: قولك: قومٌ عُرْبٌ، فيكون الحُسْن على هذا صفة (¬2). وقد حكى الزجّاج عن الأخفش هذا القول، فقال: زعم الأخفش أنه يجوز أَنْ يكون (حُسنًا) في معنى حَسَنًا (¬3). الوجه الثاني: أن يكون الحُسْن مصدرًا كالكُفر والشُكر والشُغل، وحذف المضاف معه كأنه: قولًا ذا حُسْن (¬4). وقرأ حمزة والكسائي (حَسَنًا) (¬5) وهو صِفَة، كَأنَّ التقدير: وقولوا للناس قولًا حَسَنًا، فحذف الموصوف، وحَسُن ذلك في حَسَنٍ لأنها ¬
ضارعت الصفات التي تقوم مقام الأسماء، نحو: الأبرق والأبطح، ألا تراهم (¬1) يقولون: هذا حَسَن ومررت بحسن، فلا يكادون يذكرون مَعَهُ الموصوف (¬2). وقال أبو الهَيثم (¬3): أصل قولهم شيء حَسَنٌ. إنما هو شيء حَسِين؛ لأنه من حَسُنَ يَحسُنُ، كما قالوا: عَظُم فهو عظيم، إلا أنّه جاء نادِرًا (فَعَلٌ) في مَعنى (فَعِيل). وحكى الأخفش عن بعض القراء: {وقولوا للناس حُسْنَى} بالتأنيث (¬4) (¬5). وذلك (¬6) لا يجوز عند سيبويه وسائر النحويين (¬7)؛ لأن (أفعل) ¬
و (فُعلى) لا يستَعمل صِفَةً إلا بالألف واللام؛ لأن أفعل لما كانت تلزمه (من) ولا يدخله الألف واللام معها كان إذا سقطت (من) لا بد من الألف واللام، إذًا صارا متعاقبين؛ فسقوط أحدهما يدلُّ على وجوب الآخر على المعاقبة. فأما معنى قوله: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} فقال ابن عباس (¬1) وسعيد بن جُبَير (¬2) (¬3) وابن جريج (¬4) ومقاتل (¬5) والزجاج (¬6) والأكثرون: قولوا للناس صدقًا وحقًّا في شأن محمد - صلى الله عليه وسلم -، فمن سألكم عنه فاصدقوه وبيّنوا له صفته، ولا تكتموا أمره، ولا تغيروا نعته. وقال الربيع بن أنس: هذا على العموم في تحسين المقالة للناس كلهم (¬7). وقال الحسن والثوري (¬8): يعني: الأمر بالمعروف والنهي عن ¬
المنكر، وهو أن يأمروهم (¬1) بما أمرهم الله تعالى، وينهوهم (¬2) عما نهاهم الله عنه (¬3). وقال عطاء عن ابن عباس: المراد بالناس في هذه الآية محمد - صلى الله عليه وسلم - (¬4) كقوله: {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ} [النساء: 54]، فكأنه (¬5) يقول: قولوا للنبي - صلى الله عليه وسلم - حسْنًا. وقوله تعالى: {ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ} أي: أعرضتم عن العهد والميثاق (¬6)، ويَعْني به: أوائلهم {إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ} يعني: من كان ثابتًا على دينه ثم آمن بمحمد - صلى الله عليه وسلم -. وقوله تعالى: {وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ} أي: وأنتم أيضًا كأوائلكم في الإعراض عما عُهِد إليكم فيه. ومعنى الإعراض: الذهَاب عن المواجهة إلى جهة العرض. ¬
84
84 - قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ} في (لا تسفكون) من وجوه الإعراب ما ذكرنا في (لا تعبدون). ويُقال: سَفَكَ يَسفِكُ ويَسفُكُ لُغتان (¬1). ودماء: جمع دم، قال الزجاج: وأصل دم: دَماء في قول أكثر النحويين (¬2)، أنشد أبو زيد: غفَلَتْ ثم أتت ترقبه ... فإذا هي بعظام ودَمَا (¬3) وقد جاء في التثنية: دَمَيَان ودَمَوَان (¬4)، على الأصل، قال الشاعر: وظل لعمري في الوغى دَمَوَاهما وقال آخر: ¬
جرى الدَمَيَان بالخَبر اليقين (¬1) وقال الليْث: الدم معروف، والقِطعة دَمَةٌ، وكان أصله دَمَيٌ؛ لأنك تقول: دَمِيَتْ يده (¬2). وقد أقرأني العروضي عن الأزهري، قال: أخبرني المنذري، عن أبي الهيثم، أنه قال: الدم اسم على حرفين. فقال بعضهم في تثنيته: الدَمَيَان، وقال بعضهم: الدَّمَان، ويقال في تصريفه: دَمِيَتْ يدي تَدْمَى دَمًى، فيظهرون في دَمِيَتْ وتَدْمَى الياء والألف اللذين لم يجدوهما في دم. قال: ومثله: يَدٌ، أصله: يَدَيٌ (¬3). ومن قال بهذا القول قال: إنما حرّك الميم في قوله جرى الدمَيان؛ لإقامة الوزن، وقيل: بل وزنُه فَعَلٌ، فإنه كان (دَمَيٌ)؛ لأن الشاعر لما اضطر ردّه إلى أصل بنائه (¬4). والأجود: ما حكاه الزجاج في أصل الدم. والدُّميَةُ من الدم، كأنها الحَيَوان ذُو الدم (¬5). فأما التفسير: فقال ابن عباس (¬6) وقتادة (¬7): معناه لا يسفك بعضكم ¬
دم بَعضٍ بغَير حقٍّ. وإنما قال: {دِمَاءَكُمْ} لأن كل قوم اجتمعوا على دين واحد فهم كنفس واحدة، وأيضًا فإنّ الرجل إذا قتل غيره فكأنما قتل نفسه؛ لأنه يقاد ويُقتص (¬1)، ففي النهي عن قتل نفسه على هذا الوجه نهي عن قتل غيره. (¬2) وقوله تعالى: {وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ} أي: لا يخرج بَعضكُم بعضًا مِن دَاره ويغلبه عَليها (¬3). {ثُمَّ أَقرَرتُم} أي: قبلتم ذلك وأقررتم به (¬4). وقوله تعالى: {وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ} حكى محمد بن جرير، عن ابن عباس: أن هذا خطاب لليهود الذين كانوا زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - (¬5). ومعناه: وأنتم تشهدون اليوم على إقرار أوائلكم بأخذ المِيثاق عليهم بما في الآية، فالآية وإن كانت خِطابًا فالمراد به: أوائلهم، إلّا قوله: {وَأَنتُم تَشهَدُونَ} على هذا القول. وقال أبو العالية: الآية كلها خبر عن الله عز وجل عن أوائلهم (¬6)، وإن أخرجه مخرج المخاطبة على سعة كلام العرب، ويحتمل أن يكون قوله: {وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ} خِطابًا للسَلف والخلف جميعًا، يريد: أنتم ¬
85
تشهدُون أن هذا حق من ميثاقي عَليكم في التوراة (¬1). 85 - قوله تعالى: {ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ} الخطاب في هذه الآية لقُريظة والنضير (¬2). روى الربيع عن أبي العالية في هذه الآية، قال: كان (¬3) بنو إسرائيل إذا استضعف قومٌ قومًا أخرجوهم من ديارِهم، وقد أُخذ عليهم الميثاق أن لا يسفكوا دماءهم، ولا يخرجوا أنفسهم من ديارهم، وأُخذ عليهم الميثاق إن أسر بعضهم بعضًا أن يفادوهم، فأخرجوهم من ديارهم، ثم فادوهم، فآمنوا ببعض الكتاب وكفروا ببعض (¬4). وقد كشف السُدِّي عن هذا، فقال: أخذ الله عليهم أربعةَ عهود: تركَ القتل، وتركَ الإخراج، وتركَ المظاهرة عليهم، وفدى أسراهم، فأعرضوا عن كل ما أمروا إلا الفداء. وذلك أن قريظة كانت حلفاء الأوس (¬5)، ¬
والنضير حلفاء الخزرج (¬1)، وكانوا يقتتلون، فتقاتل بنو قريظة مع الأوس، والنضير مع الخزرج، فإذا غلبوا خربوا ديارهم، وأخرجوهم منها، فإذا أُسر رجل من الفريقين كليهما جمعوا له حتى يفدوه، فتعيّرهم العرب بذلك، وتقول: كيف تقاتلونهم وتفادونهم؟ فيقولون: إنَّا أُمرنا أن نفادَيهم، وحُرّم علينا قتالهم، قالوا: فلم تقاتلونهم؟ (¬2) قالوا: إنا نستحيي أن يُسْتَذَلّ (¬3) حلفاؤنا، فذلك حِين عيّرهم الله تعالى فقال: {ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ} أي (¬4): يا هؤلاء، فحذف حرف النداء (¬5)، وقيل: معناه التوكيد لأنتم، و (تقتلون) في موضع الرفع بالخبر. وقال الزجاج: هؤلاء في معنى: الذين (وتقتلون) صلة لهؤلاء، كأنه قيل: أنتم الذين تقتلون أنفسكم، ولا موضع لتقتلون إذا كان صلة (¬6)، ومثله: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى} [طه: 17] (¬7) بمنزلة: وما التي بيمينك. ¬
وقوله تعالى: {تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ} قرئ بتخفيف الظاء وتشديدها (¬1)، فمن شدّد: أدغم التاء في الظاء لمقاربتها، ومن خفف حذف التاء التي أدغمها الآخرون، فكل وَاحِد من الفريقين كره اجتماع الأمثال والمقاربة، فبعضهم خفف بالحذف، وبعضهم بالإدغام (¬2)، والمحذوفة هي التي تدغم، والمدغمة هي التي تحذف، وذلك أنها لما أُعِلّت بالإدغام أُعِلّت بالحذف. قال سيبويه (¬3): الثانية أولى بالحذف؛ لأنّهَا هي التي تُسَكن وتدغم، في نحو {فَادَّارَأْتُمْ} [البقرة: 72] و {وَازَّيَّنَتْ} [يونس: 24]. ومما يقوي ذلك: أن الأولى لمعنًى، فإذا حذفت لم يبق شيء يَدُلّ على المعنى، والثانية من جملةِ كلمةٍ إذا حذفتْ دل ما بقي من الكلمة عليها (¬4). ومعنى تظاهرون تعاونون (¬5)، ومنه قوله: {وَإِن تَظَاهَرَا عَليهِ} [التحريم: 4]، وقوله: {سِحرَانِ تَظَاهَرَا} (¬6) [القصص: 48] أي: تعاونا (¬7) على سحرهما، ومنه: {وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ} [التحريم: 4]، أي: معين (¬8). والتقدير فيه ¬
الجمع، وإن كان اللفظ على الإفراد، كقوله: {وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} [النساء: 69] (¬1) وسمي العون ظهيرًا لاستناد ظهره إلى ظهر صاحبه (¬2). وأصل الباب من الظهور وهو البُروز، فظهر الشيء ظاهره الذي هو خلاف البطن، والظهيرة؛ لأنه أظهر ما تكون الشمس بانبساط شُعَاعها، وقرأه ظاهرًا، ومن ظهر قلبه؛ لأنّه ظهر له من غير كتاب. هذا أصل الباب. ثم استعمل من هذا التأليف أحرف ليس فيها معنى الظهور، ولكنها من الظهر الذي هو خلاف البطن، من ذلك: الظهر: الإبل التي تحمل الأثقال، والظهار: في مظاهرة الرجل من امرأته، والظِهريُّ: الشيء الذي تنساه وتحطّه وراء ظهرك (¬3). وقوله تعالى: {بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} أي: تعاونون على أهل ملتكم بالمعصية والظلم. ومعنى العدوان: الإفراط والظلم، يقال: عَدَا عَدْوًا وعُدوانًا وعُدُوًّا وعِداءً (¬4). وقوله تعالى: {وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ} أي: إن أتوكم مأسورين يطلبون الفداء فديتموهم، وقُرئ: (أُسَارى) (وأَسرى) (¬5)، وهما جمع أسير. وأسير: فَعِيل في معنى مفعول؛ لأنك تقول: أسرته، كما تقول: قتلته، وفعيل إذا كان بمعنى مفعول فجمعه يُكسَّر على فَعْلَى، نحو: لديغ ولدغَى، وقتيل وقتلى، وجريح وجَرحَى، وإذا (¬6) ¬
كان كذلك فالأقيس الأسرى، وهو أقيس من الأسارى، كما أن الأسارى أقيس من قولهم: أُسَراء. والذين قالوا أُسَرَاء شبهوه بظُرَفاء، كما قالوا في قتيل: قُتلَاء، فكما أن أُسَراء وقُتلَاء في جمع قتيل وأسير ليس بالقياس، كذلك أُسارى ليس بالقياس (¬1). ووجه قول من قال أُسارى: كأنه شبهه بكسالى، وذلك أن الأسير لما كان محبوسًا عن كثير من تصرفه للأسر كما أن الكسلان محتبس عن ذلك لعادته (¬2)، شُبِّه به، فقيل في جمعه: أُسارى، كما قيل: كسالى، وأجرى عليه هذا الجمع للحمل على المعنى، كما قيل: مرضى وموتى وهلكى؛ لما كانوا مُبتلين بهذه الأشياء ومصابين بها، فأشبه في المعنى فَعِيلًا الذي بمعنى مفعول، فلما أشبهه أجري عليه في الجمع (¬3). والحمل على المعنى لا يكون الأصلَ عند سيبويه، قال: ولو كان أصلًا قبح (هالِكون وزَمِنون)، وكذلك أُسَارى ليس بالأصل في هذا الباب، ولكن قد استعمل كثيرًا. قال سيبويه: قالوا: كَسْلى شبهوه بأَسْرى، كما قالوا: أُسارى، شبهوه بكُسالى. قال: وإنّما جمع ما كان على فعلان نحو سكران وكسلان على فُعَالى، وإن ¬
كانت في أبنية الآحاد نحو: حيارى؛ لأن فعالًا قد جاء في بعض أبنية الجموع، نحو: رُخَالٍ (¬1) (¬2) وظُؤارٍ (¬3) وثُناء (¬4)، وقد لحقت تاء التأنيث بعض الجموع (¬5)، نحو: الحجارة والذِّكارة (¬6)، وكما لحق التاء في هذا النحو الذي يراد به الجمع، كذلك لحق علامة التأنيث في سكارى وكسالى، فجعلت الألف بمنزلة التاء، كما جعلت بمنزلتها في قولهم: قاصعاء وقواصع، ودامّاء (¬7) ودوامّ (¬8). وأصل الأسر في اللغة: الشدّ. قال الأصمعي: تقول العرب: ما أحسن ما أسَرَ قَتَبَه، أي: ما أحسن ما شدّه بالقِدّ، والقِدُّ: الذي يؤسَرُ به القَتَبُ، يسمى الإسار، وقيل للأسير من العدوّ: أسير؛ لأن آخذه يستوثق ¬
منه بالإسار، وهو القِدّ، لئلا يُفْلِتَ (¬1)، ثمّ كثر استعماله حتّى قيل للمأخوذ: أسير، وإن لم يكن هناك شدّ (¬2). وقوله تعالى: {تُفَادُوهُم} قرئ أيضا بوجهين (¬3): بالألف، من المفاداة، وبغير ألف، من الفداء. يقال: فديتُه بمال، فيتعدّى إلى مفعولين، ويتعدّى إلى الثاني بالجار، كقوله: {وَفَدَينَاهُ بِذِبحٍ عَظِيمٍ} [الصافات: 107]، وكقول الشاعر: يودّون لو يَفْدُونَني بنفوسهم ... وَمَثْنَى الأواقي والقِيَانِ النواهدِ (¬4) فإذا ثَقَّلْتَ العين زدتَ المفعولين ثالثًا، كقوله: لو يَستطعن إذا نابتك مُجْحِفَةٌ ... فَدَّيْنَك الموتَ بالآباء (¬5) والولد (¬6) وقالوا: فادى الأسير: إذا أطلقه وأخذ عنه شيئا (¬7). فأما الفداء فيجوز أن يكون مصدرًا مثل: الكتاب، ويجوز أن يكون مصدر فاعل، وقد قالوا: فديتُهُ وافتديتُه، أنشد أبو زيد: ¬
ولوأنّ مَيْتًا يُفْتَدَى لَفَدَيْتُه ... بما اقتال (¬1) من حُكْمٍ عليَّ طبيبُ (¬2) (¬3) فمن قرأ: {تُفَادُوهُمْ} فلأن من كلّ واحد من الفريقين فِعْلًا، فمن الآسر دفع (الأسير) (¬4)، ومن المأسور منهم دفع الفداء، وإذا كان كذلك فوجه (تفادوهم) ظاهر، والمفعول الثاني الذي يصل إليه الفعل بالحرف محذوف؛ لأن معناه تفادونهم بالمال. ومن قرأ (تَفْدُوهم) فالمعنى فيه مثل معنى من قرأ: (تُفَادوهم) إلا أنّه جاء بالفعل على يفعل، ألا ترى أن في هذا الوجه أيضًا دفعًا من كل واحد من الآسرين والمأسور منهم (¬5). أخبرني العَرُوضي، عن الأزهري، عن المنذري، عن ثعلب قال: المفاداة: أن تدفع رجلًا وتأخذ رجلًا. والفِداء: أن تشتريَه بمال فداءً. ويقال: فديته بنفسي (¬6). وقال نصير (¬7) الرازي (¬8): يقال: فاديتُ الأسيرَ، وفاديت الأُسارى، ¬
هكذا تقوله العرب. وإذا قلت: فديت الأسير فهو أيضا جائز بمعنى فَدَيْتُه مما كان فيه، أي: خلّصته، منه وفاديت أحسن في هذا المعنى. ومعنى فديته بالشيء، أي: خلّصته به، وجعلته عوضًا منه؛ صيانة له، كقوله تعالى: {وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} [الصافات: 107] أي: خلّصناه به (¬1) من الذبح (¬2). قال الفراء: والعرب تقصر الفداء وتمدّه، يقال: هذا فداؤك وفداك، وربما فتحوا الفاء إذا قصروا (¬3). وقوله تعالى: {وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ}. (هو) إضمار الإخراج الذي تقدم ذكره في قوله: {وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا}. ثم بيّن لتراخي الكلام أنّ ذلك الذي حُرِّم: الإخراج، فقال: (وهو محرّم عليكم)، ولو اقتصر على هذا القدر أشبه أن يرجع ذلك إلى فداء الأسرى، لأن معناه وإخراجهم (¬4) فأظهر المكنى عنه فأعاده، فقال: إخراجهم فكان رفع الإخراج (¬5) بالتكرير على هو؛ لأن معناه: وإخراجهم، محرم عليكم، فهو مبتدأ مؤخر عن خبره، تقديره: وإخراجهم محرم عليكم، وهذا معنى قول الفرّاء (¬6) والزجّاج (¬7) جميعًا. قال الفراء: وإن شئتَ جعلتَ هو عمادًا (¬8). ¬
قال: وإذا رأيت الواو في موضع تطلب الاسم دون الفعل، صلح في ذلك الموضع العماد، كقولك: أتيت زيدًا وأبوه قائم، فإن أردت أن تقدم الفعل على الأب، فقلت: أتيت زيدًا قائم أبوه (¬1)، أو ويقوم أبوه قبح؛ لأن الواو تطلب الاسم، فإذا قبح ذلك أدخلوا هو؛ لأنه اسم فقيل: أتيت زيدًا وهو قائم (¬2)، كذلك {وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ}: حُرّم عليكم إخراجهم، والاسم المبني على الفعل ينوب عنه في العمل، ومحرم على: حُرِّم .. (¬3) ورفعت الإخراج في هذا الوجه بمحرّم لأن معنى قوله: (ومحرم) مبني على حُرِّمَ. وقال الزجاج: وجائز أن يكون هو للقصة والحديث والخبر والأمر والشأن، كأنه قال: والخبر (¬4) محرم عليكم إخراجهم، كما قال عز وجل: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الصمد: 1] أي: الأمر الذي هو الحق: الله الأحد، وتأويله (¬5): الأمر الذي هو الحقُّ توحيدُ الله عز وجل (¬6). ونظم الآية على التقديم والتأخير، تقديره: وتخرجون فريقًا منكم من ديارهم، وهو محرّم عليكم إخراجُهم، وإن يأتوكم أسرى (¬7) تَفْدُوهم (¬8). ¬
والمحرم: الممنوعٌ منه، والحرامُ: كلُّ ممنوع من فعله، ومن ذلك: البلد الحرام، والبيت الحرام؛ لأنه كان يمنع فيه ما هو مُبَاح في غيره، ورَجل مُحْرِم وحرام: إذا مَنَع نفسه ممّا يحظره الإحرام، والحُرُمات: كُلّ ما مُنِعَ ارتكابُه، وتقول: قد تَحَرَّمت بطعامك، أي: حَرُم عليك بهذا السبَب ما كان لك أخذه، والمحروم: الممنوع ما (¬1) ناله سواه. وقول زُهَير: يقول (¬2) لا غائبٌ مالي ولا حَرِمُ (¬3) أي: ليس بممنوع، والحَرَم والحَرَام واحد، كقولهم: زَمَنٌ وزَمَانٌ (¬4). وقوله تعالى: {فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ} استفهامٌ في معنى توبيخ. وقوله تعالى: {إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} يعني (¬5): ما نال قُريْظة وبني النضير؛ لأن بني النضير أُجلوا عن مَساكنهم، وبني قريظة أبيروا بقتل مقاتلهم، وسبي ذراريهم (¬6). والخزي: الهوان والفضيحة، وقد أخزاه الله: أي: أهانه (¬7). شمر (¬8): أخزاه الله: فضحه، وفي القرآن: {وَلَا تُخْزُونِ فِى ¬
86
ضَيْفِي} [هود: 230] أي: لا تفضحوني (¬1). أبو عبيد: يُقال: خزِي يخزى خِزيًا: إذا هلك (¬2). وقال ابن السراج: معنى أخزاه الله، أي: أوقفه موقفا يُسْتحيَا منه، مِن قولهم: خزي يخزَى خِزَايَةً: إذا استحيا (¬3). ثم أعلم الله عز وجل أن ذلك غير مكفِّر عنهم ذنوبهم، فقال: {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ} والردُّ: الرجع. يقال: ردّه إلى كذا، ويقال للمُجبّر: ردّاد؛ لأنه يردّ العُضْو إلى ما كان. والرِّدّة: الرجوع عن الشيء، ومنه الردّة عن الإسلام (¬4). وإنما قال: (يُردّون) بلفظ الجمع لمعنى مَنْ. وفي (أشد العذاب) قولان: أحدهما: أنه عذاب لا رَوْح (¬5) فيه تتصل أجزاؤه. والثاني: عذابٌ أشدّ من عذاب الدنيا بتضعيف الألم فيه. 86 - قوله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} الآية. أي: استبدلوا قليل الدنيا بكثير الاخرة (¬6). وقوله تعالى: {فَلَا يُخَفَّفُ عَنهُمُ العَذَابُ} أي: لا ينقص، والخِفّة: نُقْصَان الوَزْن. ¬
87
ودخلت الفاء في قوله: {فَلَا يُخَفَفُ عَنهُمُ العَذَابُ} للعطف على (اشتروا) فيكون من صلة الذين. 87 - وقوله تعالى: {وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ} أي: أرسلنا رسولًا يقفو رَسُولًا في الدعاء إلى توحيد الله والقيام بشرائع دينه (¬1). يقال: قفّى أثره، وقفّى غيرَه على أثره، أي: اتبعه إياه، والقفا: مُؤَخَّرُ العُنُق، ويقال للشيخ إذا هرم: رُدّ على قَفَاه، ورُدّ قَفًا. قال: إِن تَلْقَ رَيْبَ المنايا أو تُرَدُّ قفًا ... لا أَبْكِ مِنك على دينٍ ولا حَسَب (¬2). ومنه: قافية الشعر (¬3)، ونذكر استقصاءه عند قوله: {وَلَا تَقفُ مَا ليَسَ لَكَ بِهِ عِلم} [الإسراء:36] إن شاء الله تعالى. وقوله تعالى: {وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ} يعني: الآياتِ التي ذكرها في سورة آل عمران (¬4) والمائدة (¬5). ¬
{وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ} أي: قويناه (¬1)، والأيد والآد: القوة، ويقال: أَيَّدَه وآيده: إذا قواه، وآدَ يَئِيدُ أَيْدًا: إذا قوي، قال امرؤ القيس: فَأَثَّتْ (¬2) أَعَاليه وآدَتْ أُصولُه (¬3) أي: قويت وإياد كل شيء: ما يَقْوَى به (¬4)، قال العجاج: متخذًا مِنها إيادًا (¬5) واختلفوا في معنى (روح القدس). فقال قتادة (¬6) والربيع والضحاك (¬7) والسُّدّي (¬8): إنه جبريل. واختاره الزجاج (¬9). والقُدسُ: ¬
الطهارة (¬1)، كأنه منسوبٌ إلى الطهارة، وذلك أنه ممن لا يقترف ذنبًا ولا يأتي مأثمًا. وتأييد عيسى بجبريل عليهما السلام هو أنه كان قرينه، يسير معه حيثما سار، وأيضًا فإنه صَعِد به إلى السماء (¬2)، ودليل هذا التأويل: قوله عز وجل: {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ} [النحل: 102]، يعني: جبريل (¬3). وإنّما سُمي جبريل رُوحًا؛ لأنه بمنزلة الأرواح للأبدان تحيا بما يأتي من (¬4) البيان عن الله عز وجل من يُهدَى به، كما قال عز وجل: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ} [الأنعام: 122]، أي: كان كافرًا فهديناه. ¬
وقيل (¬1): لأن الغالب على جسمه الروحانية لرقته، وكذلك سائر الملائكة. وقال آخرون: أراد: الروح القدس، أي: المقدس، فأضاف الاسْم إلى الصفة، وأراد به روح عيسى عليه السلام. وسمى روحَه قُدُسًا؛ لأنه لم تتضمنه أصلاب الفحولة، ولم تشتمل عليه أرحام الطوامث (¬2) (¬3). وجاء في الخبر: أن الله تعالى لما أخذ الذرية في ظهر آدم (¬4) وأشهدهم على أنفسهم ردها إليه إلا روح عيسى فإنه أمسكها عنده إلى وقت خلقه. وقرئ القُدس بالتخفيف والتثقيل (¬5)، وهُما حسنان، مثل: العُنْقُ والعُنُق، والحُلْم والحُلُم، وبابه (¬6). ومعناه: الطهارة. قال العَجّاج: قد عَلِمَ القُدُّوس رَبُّ القُدْس (¬7). وذكرنا ما فيه عند قوله {وَنُقَدِّسُ لَكَ} [البقرة: 30]. ¬
وقوله: {أَفَكُلَّمَا} ذهب أبو الحسن (¬1) في هذه الفاء إلى أنها زائدة، والوجه: أن تكون غير زائدة وأن تكون للإتباع؛ لتعلق ما قبلها بما بعدها. وعلى هذا قوله - صلى الله عليه وسلم -، وقد قيل له لما جهد (¬2) نفسه بالعبادة: أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: "أفلا أكون عبدا شكورًا" (¬3). فالوجه أن تكون الفاء هَاهُنَا مُتبعَةً غير زائدة (¬4). ونصب (كلّما) كنصب سائر الظروف (¬5)، وكُلّ: حرفُ جملة، وهو اسم يجمع الأجزاء (¬6). وقال أبو الهيثم: يقع (كل) على اسم منكور مُوحَّد فيؤدي معنى الجماعة، كقولهم: ما كلُّ بيضاءَ شحمةً (¬7). و (ما) هاهُنا حرف جزاء (¬8)، ضم إلى (كل) (¬9). ومعنى {أسْتَكبَرْتُم}: تعظمتم عن الإيمان به؛ لأنهم كانت لهم ¬
88
الرئاسة، وكانوا متبوعين، فآثروا الدنيا على الآخرة (¬1). {فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ} مثل: عيسى ومحمد، {وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ} مثل: يحيى وزكريا. نظيره في المائدة [70]: {فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ} (¬2)، والفريق: الطائفة من الناس (¬3). قوله: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ} فيما دل عليه قوله: {أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ} كأنه قال: فما استقمتم (¬4). 88 - قوله تعالى: {وَقَالُوا قُلُوُبنَا غُلْفُ} الآية. جمع أغلَفَ، كما أن حُمْرًا (¬5) جمع أَحمر، فإذا كان جمع أفعل لم يجز تثقيله إلا في الشعر (¬6). قال أبو عبيدة: كل شيء في غلاف فهو أَغْلَف، قالوا: سيفٌ أَغْلَف، وقوس غلفاء، ورجل أغلف: لم يُختن (¬7). وما يدرك به المعلومات من الحواس وغيرها من الأعضاء إذا ذُكِر بأنه لا يعلم وُصِفَ بأن عليه مانعًا من ذلك ودونه حائلًا، فمن ذلك قوله: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [محمد: 24]، كأن القُفْل لما كان حاجزًا بين المُقْفَل عليه وحائلًا من أن يدخله ما يدخل إذا لم يَكن مُقفلًا ¬
جُعِل مَثَلًا للقلوب في أنها لا تعي ولا تفقَه. وكذلك قوله {الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي} [الكهف: 101] (¬1)، ومثل هذه الآية في المعنى قوله: {وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ} [فصلت: 5]. قال ابن عباس (¬2) ومجاهد وقتادة في هذه الآية: إنهم قالوا استهزاءً وإنكارًا وجحدًا لما أتى به محمد: قلوبنا عليها غشاوة، فهي في أوعية، فلا تعي ولا تفقه ما تقول يا محمد. ومن ضم اللام فهو جمع غلاف مثل: حِمَار وحُمُر، ومِثَال ومُثُل (¬3). قال ابن عباس (¬4) والكلبي (¬5): إنهم قالوا للنبي - صلى الله عليه وسلم -: قُلُوبنا أوعية للعلم، فما بالها لا تفهم عنك ما أتيت به مما تدعونا إليه؟ فلو كان فيه خير لفَهِمَتْه وَوَعَتْه (¬6). وقوله تعالى: {بَل لَّعَنَهُمُ اَللَّهُ بِكفرِهِمْ} أكذبهم الله سبحانه وقال: بل ¬
لعنهم الله، أي: أبعدهم من رحمته وطردهم، واللعن: الإبعاد (¬1). قال الشَّمَّاخ (¬2): ذَعَرْتُ به القَطَا وَنَفَيتُ عنه ... مقام الذئبِ كالرجُلِ اللعينِ (¬3) أراد: مقام الذئب الذي هُوَ كالرجل اللَعين، لا يزال مُنتبذًا عن الناس، شبّه الذئب به، وكل من لعنه الله فقد أبعده عن رحمته، واستحق العذاب، وصار هالكًا (¬4). وقال الليث: اللعن: التعذيب، ولعنه الله، أي: عذبه، قال: واللعنة في القرآن: العذاب، واللعن: السب والشتم (¬5). قال شمر (¬6): أقرأنا ابن الأعرابي لعنترة (¬7): لُعِنَتْ بمحرومِ الشَّرابِ مُصَرّم (¬8) ¬
وفسّره، فقال: سُبَّت بذلك، أي: قيل: أخزاها الله فما لها در ولا لبن (¬1). وقال الفراء: اللعن: المسخ أيضًا، قال الله تعالى: {أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ} [النساء: 47] أي: نمسخهم (¬2)، وكل هذا راجع إلى معنى الطرد والإبعاد. و (بل) لا يُنسق به في غير الجحد، والجحد هاهنا في المعنى، ومجازه: وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ، وليس كذلك، بل لعنهم الله، ولم يجعل لهم سبيلًا إلى فهم ما تقول (¬3). وقوله تعالى: {فَقَلِيلًا مَّا يُؤمِنُونَ} يريد: فما يؤمنون قليلًا ولا كثيرًا، والعرب قد تستعمل لفظَ القِلَّةِ في موضع النفي، فتقول: قلّما رأيتُ من الرجال مثلَه، وقلَّمَا تزورنا، يريدون النفي لا إثبات القليل. وحكى الكسائي عن العرب: مررت (¬4) بأرضٍ قلّما تُنبت إلا الكُرّاث والبَصَل، أي: ما تُنبت إلا هذين (¬5)، هذا قول الواقدي (¬6) (¬7) و (ما) على ¬
هذا الوجه للنفي. وقال أبو عبيدة: معناه: لا يؤمنون إلَّا بقليل ممَّا في أيديهم ويكفرون بأكثره. وانتصب قليلًا على هذا القول بنزع الخافض (¬1). و (ما) صلة، تقديره: فبقليل يؤمنون. وقال قتادة: معناه لا يؤمن منهم إلا قليلٌ؛ (¬2) لأن مَنْ آمن من المشركين أكثر ممن آمن من اليهود. و (ما) على هذا القول أيضًا صلة، وانتصب قليلًا على الحال. تقديره: فيؤمنون قليلًا (¬3)، كعبد الله بن سلَامَ (¬4). وذكر ابن الأنباري في هذه الآية ثلاثة أوجه سوى ما ذكرنا: أحدها: فيؤمنون إيمانًا قليلًا، وذلك أنهم يؤمنون بأن الله خالقهم ورازقهم، ويكفرون بمحمد والقرآن، فيقلل ذلك إيمانهم، ودليل هذا التأويل: قوله: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ} [يوسف: 106]، ¬
معناه: أنهم يعترفون بأن الله ربهم، ويكفرون بمحمد فيقلّ إيمانهم. وانتصب قليلًا على هذا الوجه لأنه نعتُ مصدرٍ محذوف (¬1). الوجه الثاني: أن يكون المعنى: فيؤمنون قليلًا من الزَمَانِ ويكفرون أكثره، ودليل هذا التأويل: قوله: {وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [آل عمران: 72]. فخّبر الله تعالى بقلة إيمانهم على معنى الوقت القصير الذي أظهروا فيه موافقة المسلمين ثم باينوهم بعده، وانتصب (قليلًا) في هذا الوجه؛ لأنه أقيم مقام الظرف، و (ما) في هذين الوجهين صلة. الوجه الثالث: أن يكون (ما) مع الفعل مصدرًا، ويرتفع بـ "قليل"، وهو مقدم، ومعناه: فقليلًا إيمانهم، كما قالوا: راكبًا لقَائِيك ومُجَرَّدًا ضَرْبِيكَ. والآيه رَدٌّ على القدرية؛ لأن الله تعالى بيّن أن كفرهم بسبب لعنه آباءهم، فالله تعالى لما لعنهم وطردهم وأراد كفرهم وشقاوتهم منعهم الإيمان (¬2). ¬
89
89 - قوله تعالى: {وَلَمَّا جَاَءَهُم كِتَابٌ} يعنى: القرآن {مُصَدِّقٌ} موافق {لِمَا مَعَهُمْ}؛ لأنه جاء على ما تقدّم به الإخبار في التوراة والإنجيل، فهو مصداق الخبر المتقدم، من حيث كان مخبره على ما تقدم الخبر به (¬1). وقوله تعالى: {وَكَانُوا} يعني: اليهودَ (¬2). و (كان) ليس بفعل حقيقي كسائر الأفعال، والفرق بينه وبين الفعل الحقيقي، أن الفعل الحقيقي يدل على وجود معنى مصدره بعد أن لم يكن، في ماض أو حاضر أو مستقبل، و (كان) إنما يدل على الزمان الماضي أو الحاضر والمستقبل في تصريفه فقط، من غير دلالة على وجود مصدره بعد أن لم يكن (¬3) كقولك: كان زيد عالمًا معناه: زيد عالم فيما مضى (¬4). وذكرنا ما في (كان) عند قوله: {وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا} [البقرة:28] (¬5). وقوله تعالى {مِنْ قَبْلُ} أي: من قبل هذا الكتاب وقبل هذا النبي (¬6). {يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا} قال ابن عباس (¬7) والسدي (¬8): هو أنهم إذا ¬
حزبهم (¬1) أمر، وظهر لهم عدوٌّ، قالوا: اللهم انصرنا بالنبي المبعوث في آخر الزمان، وكانوا يسألون الله النصرَ بمحمد وبكتابه (¬2). وذكرنا معنى (الفتح والاستفتاح) عند قوله: {أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ} [البقرة: 76]. وفي الكلام إضمار واختصار، أراد: وكانوا من قبل يستفتحون به، أي: بذلك الكتاب، فلما سبق ذكر الكتاب لم (¬3) يُعِده. ومثله في الكلام: السَّمْنُ مَنَوَان (¬4) بدرهم أي: منه، ولكنك لا تعيد ذكره، وقد سبق في أول كلامك. وقوله تعالى: {فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ} يعني: الكتاب وبعثة النبي - صلى الله عليه وسلم - وذلك أنهم كانوا قرأوا في التوراة: إن الله تعالى يبعث في آخر الزمان نبيًّا (¬5)، وينزل عليه قرآنًا مبينًا أي: بالكتاب، ويبعث صاحب ذلك الكتاب (¬6). أعلم الله أنهم كفروا وهم يوقنون، وأنهم مُتَعمدون للشقاق وعداوة الله. وجواب قوله: {وَلَمَّا جَاءَهُم كِتَابٌ} محذوف، تقديره: ولما جاءهم ¬
كتاب من عند الله جحدوه، وحذف لأنه معروف، دل عليه {فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ}، هذا قول أبي إسحاق (¬1). وقال الفراء: جوابه في الفاء في قوله: {فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا}، وفيه أيضا معنى الابتداء. و (كفروا) بما فيه من جوابهما جميعًا، والعرب تجيب كلامين بجواب واحد، كقولهم: ما هو إلا أن يأتي عبد الله فلما قعد أكرمته (¬2) (¬3). والدليل على هذا: أن الواو لا تجوز في موضع الفاء في قوله: {فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا} كما جاز في ابتداء الآية، فذلك دليل على أنها جواب وليست بنسق. ومثل هذا في كون الفاء جوابًا قوله: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى} [طه: 123] {فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ} (¬4) صار كأنه جواب لـ"إما"، ألا ترى أن الواو لا تصلح في موضع الفاء هنا. وقال محمد بن يزيد (¬5) قوله: {فَلَمَّا جَاءَهُمْ} تكرير للأول؛ لأن ¬
90
الكلام طال بقوله: {وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ}، وكأنه كلام معترض، فأعاد الأول. وجوابه {كَفَرُوا بِهِ}. ومثله قوله: {أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ} [المؤمنون: 35] أعاد ذكر {أَنَّكُمْ} لما طال الكلام، وكأنه قال: أيعدكم أنكم إذا مِتُّم مُخرَجون (¬1). 90 - قوله تعالى: {بِئْسَمَا اشْتَرَوا} الآية. بئس ونِعم لفظان وُضِعا للمدح والذم، يخبر بأحدهما عن الشيء المذموم، وبالثاني عن الممدوح، وأصلهما: نَعِمَ وبَئِسَ (¬2)، وأرادوا لفظًا يُعبِّر عن المحمود يخصه، ولفظًا يعبِّر عنِ المذموم ويقتصر، فجعلوا نعم للممدوح وبئس للمذموم، فألزمهم بهذا الغرض ضرب من التغيير ليخص هذا القَصْد بالدلالة، فأزالوا التصرف عنهما وهو المستقبل، فلا يقال والمراد المدح أو الذم: ينعَم الرجل أو يَبْأسُ، وهذا القدر من التغيير لا يزيل الإلباس، فليس يُدرى (¬3) بقولك: نَعِمَ الرجل أو بَئِسَ إن المراد به الإخبار عنه على ما يقتضيه الأصل أو المدح والذم، فلم يجدوا بُدًّا من تغيير (¬4) زائد، فنقلوا وخففوا، والنقل والتخفيف لغة للعرب (¬5) فيما كان على فَعُل وفَعِل، نحو. حَسُنَ وضَجِر. حَسُن ¬
وجهُك، إذا خففت، وإن ثقلت قلت: حُسْنَ وَجهُك، فنقلت ضمة السين إلى الحاء، وعلى هذا ينشد: فَإِنْ أَهْجُهُ يَضْجَرْ كَمَا ضَجْرَ بَازِلٌ ... من الأُدْمِ دِبْرَتْ (¬1) صفحتاه وكاهله (¬2) وإنما حملَهُم على هذا اسْتثقالهم الانتقال في الحركات المختلفة الذي يدل على هذا: أن اتفاق الحركات في فعل منعهم من هذا. فقالوا في نِعْمَ وبِئْسَ فرقًا بين المدح والذم وبين الخبر؛ ليخلُصا للمدح والذم لا يلتبسان بالخبر، ولهذا المعنى لم يتصرفا تصرف الأفعال؛ لأنهما تضمنا الدلالة على معنى الذم والمدح، كما أن التعجب لما كان خبرًا كسائر الأخبار إلا أنه زاد عليها بمعنى التعجب تُركَ تصرّفُه؛ ليدل به على زيادة المعنى، فكذلك (نعم وبئس)، يدل على أن القائل مادح أو ذامّ، وهو خبر باستحقاق المدح والذم. وبئس ذمٌّ بشدة الفساد. وأصل الكلمة من الشدة، ومنه البأساء: وهو اسم للحرب والمشقة والضرر والشدة، ومنه {بِعَذَابٍ بَئِيسٍ} [الأعرف: 165] أي: شديد. وكل هذا ممَّا علّقته عن مشايخ هذه الصنعة. فأما حكم هاتين الكلمتين وعملهما فقال أبو إسحاق: إنهما لا يعملان في اسم عَلم، إنما يعملان في اسم منكور دالّ على جنس، أو اسم فيه ألف ولام يدل على جنس، وإنما كانتا كذلك؛ لأنّ (نعم) مستوفية لجميع المدح، و (بئس) مستوفية لجميع الذمّ، فإذا قلت: نِعم الرجل زيدٌ، ¬
قلت (¬1): استحق زيد المدح الذي يكون في سائر جنسه، وكذلك (¬2) إذا قلت: بئس الرجل دللت على أنه قد استوفى الذم الذي يكون في سائر جنسه، فلم يجز إذ كان يستوفي مدح الأجناس أن يعمل في غير لفظ جنس، فإذا كان معهما (¬3) اسم جنس بغير ألف ولام فهو نصب أبدًا، وإذا كانت فيه الألف واللام فهو رفع أبدًا، وذلك قولك (¬4): نعم رجُلاً زيدٌ، (¬5) ونعم الرجل زيد (¬6)، نصبت النكرة على التشبيه بالمفعول، وهو بمعنى التمييز، لأنك إذا قلت: نعم، جاز أن تذكر رجلًا أو حِمارًا، فإذا ذكرت نوعًا ميزته من سائر الأنواع، وفي نعم ضمير فاعل؛ لأنه فِعْلٌ، والفِعْلُ لا يخلو من فاعل، فصار المميز كالمفعول فلهذا نصب. فأما إذا قلت: نِعْمَ الرَجُل، فليس في نِعْمَ ضمير، وصار الرجل رفعًا بنعم. وارتفع زيد من وجهين، قال سيبويه والخليل (¬7): إن شئت رفعت زيدًا؛ لأنه ابتداء مؤخر، ويكون نعم وما عملت فيه خبره، وإن شئت رفعت على أنه خبر ابتداء محذوف، لأنك إذا قلت: نعم رجلًا، ونعم الرجل، لم يُعلم من تعني، فقلت: زيد، أي: هو زيد. ¬
وقال الكسائي: قولك: نعم الرجل، كالشيء الواحد يرتفع بهما زيد (¬1)؛ لأن قولك: الرجل زيد، لمعنى: صلح زيد، فارتفاع زيدٍ، كارتفاع الفاعل. قال الفراء: فإن أضفتَ النكرةَ التي بعد نِعْمَ إلى نكرة رفعت ونصبت، فقلت: نعم غلامُ سَفَرٍ زَيدٌ، وغلامَ سفرٍ زيد، فإن أضفت إلى المعرفة شيئًا رفعتَ، فقلت: نعم سائسُ الخيل أخوك، ولا يجوز النصبُ إلّا أن يضطرّ إليه شاعر؛ لأنهم حينَ أَضَافوا إلى النكرَة آثروا الرفع، فهم إذا أضَافوا إلى المعرفة أحرى أن لا ينصبوا (¬2). فإن وصلت "مَا" بـ"نعم وبِئسَ" نحو: بئسما ونعِمّا، فقال الزجّاج: (ما) فيهما لغير صلة (¬3)؛ لأن الصلة توضح، وتخصص، وَالقصد في بئسَ (¬4) أن يليها اسم منكور واسم جنس (¬5). فقوله {بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ} بئس شيئًا اشتروا به أنفسهم (¬6)، قال: وروى جميع النحويين: بئسما تزويجٌ ولا مهر، وَالمَعنى فيه: بئسَ ¬
شيئًا تزويج ولا مَهر (¬1). قالَ أبو علي: مَا ذكره أبو إسحاق يَدُل على أن (مَا) إذَا كانت موصولة لم يجز عنده أن يكون فاعلة نعم وبئس، وذلك عندنا لا يمتنع، وجهة جوازه: أن ما اسم مبهم يقع على الكثرة، ولا يخصص شيئًا واحدًا، كما أن أسماء الأجناس كذلك، وهي تكون للكثرة (¬2) والعموم، كما أن أسماء الأجناس تكون للكثرة (¬3)؛ (¬4) وذلك نحو قوله: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ} [يونس: 18] فالقصد به هاهنا الكثرة، وإن كان في اللفظ مفردًا؛ يدلك على ذلك قوله: هؤلاء (¬5). وتكون ما معرفةً ونكرةً؛ كما أن أسماء الأجناس تكون معرفةً ونكرةً. فأمَّا كونها معرفةً فمأنوس به، وأَمَّا كونها نكرة فكثير أيضًا، ذكره سيبويه في مواضع، وهي و (من) قد تكونان نكرتين في التنزيل والشعر القديم الفصيح، أنشد سيبويه: ربّما تكره النفوسُ من الأمر ... له فَرجة كحلِّ العِقَال (¬6) ¬
وقال: يا رُبَّ من يُبْغِضُ أَذْوادَنا ... رُحْنَ على بَغْضَائِه واغْتَدَيْن (¬1) (¬2) وتأول سيبويه قوله تعالى: {هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ} [ق: 23]، على أن تكون معرفةً، وعلى أن تكون نكرةً، مثل: هذا شيء لديّ عتيد، فإنما يتخلص بعضر ذلك من بعض، بدلالةٍ مِن غير جهة اللفظ؛ لأن اللفظ محتمل لما أعلمتك في اللغة (¬3). فقوله: {بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ} يجوز عندي أن تكون ما موصولة، وموضعها رفع بكونها فاعلة لـ"بئس"، ويجوز أن تكون منكورةً، ويكون (اشتروا) صفة غير صلة (¬4)، وحينئذٍ تكون (ما) نصبًا. وتقول: نِعم ما صنعت، وبئسما صنعت، إن شئت كانت (ما) منصوبة، كأنك قلت: نعم شيئًا صنعت، وإن شئت كانت مرفوعة، كأنك قلت: بئس الشيء صنعت. ولا يجوز أن يليهما (الذي)؛ لأن الألف واللام لا يفارقانه، وهما يعملان فيما عُرِّف بالألف واللام، وجاز طرحهما منه. فقال الفراء: ويجوز أن تُجعل (ما) مع نِعم وبئس بمنزلة كلمة واحدة في غير هذه الآية، فيكون مثل كلما، وإنما، كما جُعلت (ذا) مع حَبَّ كلمةً واحدة، فقالوا: حبّذا. ¬
من ذلك قوله: {إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ} [البقرة: 271]، رفعت هي بنعما، ولا يجوز (حينئذ) (¬1) تأنيث نعم، كما لا يجوز تأنيث حبذا (¬2)، قال: ويجوز أن تجعل (ما) فيه حشوًا وصلة، كما قال: عما قليل (¬3)، وإذا جعلت (ما) صلةً جاز فيه التأنيث (¬4)، تقول: بئست مَا جاريةً جاريتك (¬5). ومعنى الاشتراء هاهُنَا: البيع. والاشتراء والشراء والبيع كله من الأضداد، ويقال: اشتريته، أي: بعته، واشتريته، أي: ابتعته، وكذلك: شريته في المعنيين، وكذلك: بعته، قال الله تعالى: {وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ} [يوسف: 20]، أي: باعوه (¬6)، وقال يزيد بن المُفَرِّغ: ¬
وشُرَيْتُ بُردًا لَيْتَنِي ... مِنْ بَعْدِ بردٍ صِرتُ هامة (¬1) أي: بعته؛ قال الفراء: وتقول بع لي بدرهم تَمرًا، أي: اشتر لي. وأنشد: ويأتيك بالأخبار مَن لم تَبعْ له ... بَتَاتًا ولم تضربْ له وقتَ موعِدِ (¬2) (¬3) ومعنى الآية: بئس الشيء بَاعوا به أنفسهم الكفر؛ يريد: أنهم اختاروا الكُفر وأخذوه، وبذلوا أنفسهم للنار؛ لأن اليهود خصوصًا علموا صدق محمد - صلى الله عليه وسلم -، وأن من كذبه فالنار عاقبته، فاختاروا الكفر، وسلموا أنفسهم للنار، فكان ذلك كالبيع منهم (¬4). وقال المفسرون: في الآية إضمار معناه بئسما باعوا حظ أنفسهم بالكفر، هكذا قالوا (¬5)، وعلى هذا تكون الآية من باب حذف المضاف، وعلى ما قلنا أولًا تصح الآية من غير إضمار. وقوله تعالى: {أَن يَكْفُرُواْ} قال الزجاج: موضع أن رفع، المعنى: ذلك الشيء المذموم أن يكفروا (¬6)، على تقدير: بئس الشيء اشتروا به أنفسهم ¬
الكفر، فيكون كقولك: بئس الرجل زيد، على الاختلاف الذي حكينا عن سيبويه والخليل والكسائي في رفع زيد، وقال الفراء: يجوز أن يكون محله جزًا بدلًا من المكني في (به)، كأنك قلت: اشتروا أنفسهم بالكُفْر (¬1). وقوله تعالى: {بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} يعني: القرآن (¬2). {بَغْيًا} أَصْلُ البغي في اللغة: الظلم والخروج عن النَّصَفَة والحدّ، يقال: بَغَى الفرس في عدوه، إذا اختال ومرح، وإنه ليبغي، ولا يقال: فرس باغ، وبغى الجُرحُ يَبْغِي بَغْيًا، إذا وَرم وكثر فيه المِدّة (¬3)، وبَغَتِ السماء، إذا كثر مطرها حتى تجاوز الحدّ، وبغى الوادي، إذا بلغ الماء منه موضعًا لم يبلغه قبل. وقالَ قوم: أصل البَغْي: الطلب (¬4)، يقال: بغى الشيءَ، إذا طلبه، وأَبْغَاه، أعانه على الطلب. والبَغيّ: التي تطلب الزنا، ومنه قيل للأمة: بَغِيٌّ. وما ينبغي كذا، أي: ليس بصواب طلبه، والبَغْيُ: شدة الطلَب للتطاول (¬5). ¬
قال المفسرون: البَغْيُ، هاهُنا، بمعنى الحَسَد (¬1). قال اللحياني (¬2): بغيت على أخيك بغيًا، أي: حسدته، وقال الله تعالى: {ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ} [الحج: 60]، وقال: {وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ} [الشورى: 39] فالبغي أصله الحَسَد، ثم سمي الظلم بغيًا؛ لأن الحاسِد يظلم المحسودَ جَهْدَه إرادة زوال نعمة الله عليه عنه (¬3). قال ابن عباس في هذه الآية: إنَّ كفر اليهود لم يكن شكًا ولا شيئًا اشتبه عليهم، ولكن بغيًا منهم، حيث صارت النبوة في ولد إسماعيل (¬4). وانتصابه على المصدر؛ لأن ما قبله من الكلام يدلّ على بَغَوا، فكأنه قيل: (¬5) بَغَوا بغيًا (¬6). وقال الزجّاج: انتصب؛ لأنه مفعول له، كما تقول: فعلت ذلك حِذارَ الشرّ، أي: لحذر الشر (¬7)، ومثله من الشعر: قول حَاتِم (¬8): ¬
وأغفر عَورَاءَ الكريم ادّخارَه ... وأُعْرِضُ عن شَتْم اللئيم تَكَرُّما (¬1) المعنى: لادخاره، وللتَّكرّم (¬2). وقوله تعالى: {أَن يُنَزِل اللَّهُ} موضع أن نصب؛ لأن المعنى: أن تكفروا بما أنزل الله؛ لأن ينزل الله من فَضْلِهِ، أي: كفروا لهذه العلة، فهو كما ذكرنا في بيت حاتِم؛ لأنهم كفروا لإنزال الله عليه، كما أنه يغفر العوراء لادّخاره، هذا قول الزجاج (¬3). وأظهر منه أن تجعل {أَن يُنَزِلَ} مفعولًا للبغي، كأن معناه: حسدًا إنزال الله، لأن البغي، هاهنا، بمعنى الحَسَد، وأنت تقول: حَسَدْتُ زيدًا مالَه وفضلَه (¬4). وقوله تعالى: {فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ} قال ابن عباس: الغضب الأول: تضييعهم التوراة، والثاني: بكفرهم بهذا النبي الذي أحدث الله فيهم (¬5). وقال قتادة: الأول بكفرهم بعيسى والإنجيل، والثاني: بكفرهم بمحمد والقرآن (¬6). ¬
91
وقال أهل المعاني: أي: بإثم استحقوا به النار على إثم تقدم استحقوا به النار (¬1). 91 - وقوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ} أي: لليهود، و {إِذَا} عند النحويين وقت للفعل الذي هو جواب، كما تقول: إذا جئتني وصلتك، أخبرتَ أنك تصلُهُ وقت مجيئه، وليس كذلك إنْ، لأنك إذا قلت: إن جئتني وصلتك، يصلح أن تصلَه بعد وقت المجيء (¬2). وقوله تعالى: {بِمَا أَنزَلَ الله} يعني القرآن، {قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا}، يعني التوراة (¬3). {وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ}، قال ابن الأنباري: يجوز أن يكون هذا إخبارًا من الله عز وجل عن اليهود، وتم الكلام عند قوله: {بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا}، ثم ابتدأ بالإخبار عنهم، فقال: (¬4) {وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ} (¬5). والدليل على انقطاع الكلام الأول: الانصرافُ عن الإخبار عن النفس إلى الحديث عن ¬
الغيب. ويجوز أن يكون (¬1) حكاية عن اليهود أنهم قالوا ذلك، وتأويله: نؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا، وَيَكْفُرُونَ (¬2) بِمَا وَرَاءَه، فردّ الفعل الثاني إلى الغيبة، كما تقول العرب: قال عبد الله: لأقُومَنّ، وقال عبد الله ليقومن، فالألف: لمعنى الإخبار، والياء: لمعنى الغيبة (¬3)، وكذلك تقول العرب: استحلفت عبد الله: لأقومنّ، وليقومنّ، ولتقومنّ. فمن قال: لأقومنّ، أراد: قلت له: قل لأقومن، ومن قال بالتاء، أخرجه على معنى الخطاب. ومن قال بالياء، أخرجه على لفظ عبد الله؛ لأنه غائب، قال الشاعر (¬4): يا ليت شعري عنك دَخْتَنُوس (¬5) ... إذا أتاك الخبرُ المرموسُ أتحلِقُ القرونَ أم تَمِيسُ ... لا، بل تَميسُ إنّها عروسُ (¬6) فقدم أفعالًا على المخاطبة، ثم رجع إلى الغيبة على ما وصفنا. ومعنى {بِمَا وَرَاءَهُ} بما سواه، قال الفراء: وذلك كثير في العربية يتكلم الرجل بالكلام الحسن، فيقول السامع: ليس وراء هذا الكلام شيء، ¬
يريد ليس سوى هذا الكلام شيء (¬1). ويحتمل {بِمَا وَرَاءَهُ} بما بعده، أي: ما بعد التوراة، يريد: الإنجيل والقرآن، وهذا كقوله: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} [النساء: 24]، أي: ما بعده، وما سواه. وقوله تعالى: {فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ} (¬2) مثله (¬3). أبو العباس، عن ابن الأعرابي في قوله: {وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ} قال: بما سواه (¬4). وسنذكر الكل في (وراء) عند قوله: {وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ} [الكهف: 79] وقوله {وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ} [هود: 71] وقولِه: {وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي} [مريم: 5]، إن شاء الله. وقوله تعالى: {وَهُوَ اَلحَقُّ} (هو) كناية عما في قوله: {بِمَا وَرَاءَهُ}. و (ما وراءه)، يجوز أن يكون واقعًا على الإنجيل والقرآن، فأفرد الله القرآن بقوله: (وَهُوَ الْحَقّ) تفصيلًا له وتخصيصًا (¬5). ويجوز أن يكون (هو) كناية عن محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأن الله تعالى لما ذكر الإنزال والمنزِّل دلّا على المُنزَّل عليه، فكان كالظاهر. قال أبو إسحاق: في قوله: {وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ} دلالة على أنهم قد كفروا بما معهم، إذ كفروا بما يُصَدِّق مَا معهم. قال: ونصبت ¬
{مُصَدِّقًا} على الحال (¬1)، ومثله قولك: هو زيد معروفا، فـ (معروف) حال؛ لأنه إنما يكون زيدًا بأنه يعرف بزيد، وكذلك تقول: القرآن هو الحق، إذا كان مصدقًا لكتبِ الرُّسُل صلى الله عليهم. وقوله تعالى: {فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ} هذا تكذيب من الله تعالى لهم في قولهم: {نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا}، أي: أيّ كتاب جوّز فيه قتل نبي، وأيّ دين وإيمان جوّز فيه ذلك (¬2). وأضاف القتل هاهُنا إلى المخاطبين، وإن كان آباؤهم قَتَلوا؛ لأنهم كانوا يتولّون الذين قَتَلوا فهم على مذهبهم، وإذا كانوا على ذلك المذهب فقد شركوهم. قال ابن عباس: كلما عُمِلَت مَعصِية، فمن أنكرها برئ، ومن رضي بها كان كمن شهدها (¬3). وقال ابن الأنباري: تأويله: فلم توليتم آباءكم القاتلين ورضيتم ما كانوا عليه، وصوبتم أفعالهم. والمراد بلفظ الاستقبال هاهنا: المضي (¬4)، وجاز ذلك؛ لأنه لا يذهب الوهم إلى غيره؛ لقوله: {مِنْ قَبلُ}، ودليل هذا قوله: {قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ} [آل عمران: 183]. ومما وضع فيه المستقبل موضع الماضي قوله تعالى: ¬
{وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ} [البقرة: 102]، وسنذكره في موضعه، ومثل هذا قولك للرجل تعنفه بما سلف من قبيح فعله: ويحك لم تكذب؟ لم تُبَغِّض نفسك إلى الناس؟، كأنه قيل: لم هذا من شأنك (¬1). قال الفراء: وذلك كثير في الكلام، أنشدني بعض العرب: إذا ما انْتَسَبْنا لم تلدني لئيمةٌ ... ولم تَجِدِي من أن تُقِرِّي بها بُدَّا (¬2). يعني: أن الولادة قد مضت، وقد عبَّر عنها بجواب الجزاء، وذلك يكون في الاستقبال، كما تقول: إذا ما جئتني لم أضربْك، لم يوجد المجيء ولا الضرب (¬3) فالجزاء للمستقبل، والولادة قد مضت، وذلك أن المعنى معروف (¬4) يدل عليه، فجاز ذلك. والذي يدل على أن المراد بما في الآية المضي أن (لِمَ) معناه التعنيف، وأنت إنما تعنف الرجل بما سلف من فعله (¬5). ¬
92
وقوله تعالى: {إِن كنُتُم مُّؤمِنِينَ} (إِنْ) بمعنى الشرط، وجوابها قبلها، يراد به: إن كنتم مؤمنين، فلم تقتلون أنبياء الله؛ لأنه ليس سبيل المؤمنين أن تقتلوا الأنبياء، ولا أن يتولوا قاتليهم (¬1). 92 - قوله تعالى: {وَلَقَدْ جَاَءَكُمْ} اللام في (لقد) لام القسم (¬2)، ولا يجوز أن تكون لام الابتداء، لأن لام الابتداء لا تلحق إلّا الاسم أو ما كان بمنزلة الاسم من المضارع. والمراد بالبيّناتِ في هذه الآية ما ذكره في قوله: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} [الإسراء: 101]، وهي العصا، واليد، وفلق البحر، والجراد، والقُمَّل (¬3)، والضَفَادع، والدم، ورفع الطور، وإحياء الميت ببعض البقرة (¬4). وقوله تعالى: {ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ} المراد بـ (ثُم) هاهنا: الاستعظام لكفرهم مع ما رأوا من الآيات التي أتى بها موسى عليه السلام. 93 - قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ} إلى قوله: {وَاسْمَعُواْ} أي: ¬
ما فيه من حلاله وحرامه، {قَالُوا سَمِعْنَا} ما فيه، {وَعَصَيْنَا} ما أمرنا به، هذا هو الظاهر. وقال أهل المعاني: معنى (اسمعوا) هاهنا: استجيبوا وأطيعوا، عُبِّر بالسمع؛ لأنه سَبَب الإجابة والطاعة (¬1)، وقد يُعبّر عنهما بالسمع كقول الشاعر: دعوتُ اللهَ حتى خِفتُ أن لا ... يكونَ اللهُ يَسْمَعُ ما أقولُ (¬2) أي: يجيب (¬3). وقوله تعالى: {قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا} بعض المفسرين يقولون: إنهم تلفظوا بهذه اللفظة، فقالوا: {سَمِعْنَا} لما أطل الجبل فوقهم، فلما كشف عنهم قالوا: {وَعَصَيْنَا} (¬4). وقال الحسن: قالوا: سمعنا بألسنتهم، وعصينا بقلوبهم (¬5). فقال أهل المعاني: إنهم لم يقولوا هذا بألسنتهم، ولكنهم لما سمعوا ¬
الأمر، وتلقَّوه بالعصيان نسب ذلك منهم إلى القول اتساعًا (¬1)، كقول الشاعر: ومَنْهَلٍ ذِبَّانُه في غَيْطَلِ ... يَقُلْنَ للرائدِ أعْشَبْتَ انْزِلِ (¬2) وقال امرؤ القيس: نواعِمُ يُتْبعنَ الهوى سُبُلَ الردَى ... يقلن لأهل الحِلم ضُلًّا بَتْضلال (¬3) قالوا: المعنى: يُضللن ذا الحلم، وليس الغرض حكاية قولهن. وقوله تعالى: {وَأُشْرِبُواْ} الإشرابُ في اللُّغةِ خَلْطَ لونٍ بلون، يقال: أبيض مُشرَبٌ حُمرةً، إذا كان يعلوه حُمرة (¬4)، المازني (¬5): الإشراب: الخلط، يقال: أُشْرِب ذَا بذَا، وهو مشربٌ حُمرةً إذا خالطت لونه حُمرة. اللّحياني: يقال: فيه شُربةٌ من الحُمرة، إذا كان يُخالطه حُمرة (¬6). وقال أبو عبيدة (¬7)، والزجاج (¬8): معناه سُقُوا حُبَّ العِجل، وأصل ¬
الإشرابِ: السَّقْي، واستُعملَ في اللون المختلط بغيره تشبيهًا بالسّقي، لأنه لقال للمشرب حُمرةً: إنه لمسقيّ الدم. والمعنى هاهنا: أنهم خلطوا بحب العجل حتى اختلط بهم، ثم بيّن أنّ مَحَلّ ذلك الحُبّ قلوبهم، وأن الخلط حصل فيها، فأضاف أولًا إلى الجملة، ثم خصّ القلوب، كما تقول: ضُربوا على رؤوسهم، أضفت الضرب أولًا إليهم، ثم بيّنت مَحلّ الضَّرب، وإنما ذكره بلفظ الإشراب إخبارًا عن رسوخ ذلك الحُبّ في قلوبهم كإشراب اللَّوْن لِشِدّة الملازمة (¬1). وقوله تعالى: {الْعِجْلَ} أراد: حُبّ العجل فحذف المضاف (¬2) كقوله: {وَسْئَلِ القَرْيَةَ} (¬3) [يوسف: 82]، {وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ} [البقرة: 177]، وكقول الشاعر: وكيف تُوَاصل مَنْ أصبَحتْ ... خِلاَلَتُه كأبي مَرْحَبِ (¬4) ¬
وأنشد الفراء: حَسِبْتَ بُغَامَ راحلتي عَنَاقًا ... وما هي وَيْبَ غيرِك بالعَنَاقِ (¬1) وقوله تعالى: {بِكُفْرِهِمْ} قال بعضهم: أي، باعتقادهم التشبيه؛ لأنهم طلبوا ما يتصوّرُ في نفوسهم (¬2). وقال الزجاج: معناه فعل الله ذلك مجازاة لهم على الكفر، كما قال: {بَلْ طَبَعَ الله عَلَيْهَا بِكُفرِهِم} [النساء: 155] (¬3). وقوله تعالى: {قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} معناه: إن كنتم مؤمنين فبئس الإيمان إيمانٌ يأمر بالكُفْر، وهذا تكذيب لهم؛ لأنهم كانوا يزعمون أنهم مؤمنون، وذلك أنهم قالوا: {نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا}، فكذّبهم الله عز وجل، وعيَّرهم بعبادة العجل، وذلك أنّ آباءهم ادعوا الإيمان ثم عبدوا العجل (¬4). وقوله تعالى: {يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ} من المجاز وسعة العربية؛ لأن الإيمان لا يأمُر، وهو كقوله: {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ ¬
94
وَالْمُنْكَرِ} [العنكبوت: 45]، وكما تقول في الكلام: بئسما يأمرك العقل بشتم الناسِ، معناه: إِن كنْتَ عاقلًا لم تشتمهم، كذلك المعنى في الآية: لو كنتم مؤمنين ما عبدتم العجل (¬1). 94 - قوله تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ} الآية، كانت اليهود تقول: {لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا} [البقرة: 111]، وقالوا أيضًا: {نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} [المائدة: 18]، فقيل لهم: إن كنتم عند أنفسكم صادقين فتمنوّا الموتَ، فإنّ مَنْ كان لا يشكّ في أنه صائرٌ إلى الجنة، فالجنة آثرُ عنده من الدنيا (¬2). والمعنى: إن كانَتْ لكم نعمة الدار الآخرة، فحذف لدلالة الكلام عليه. وقوله تعالى: {خَالِصَةً} يجوز أن يكون فاعلةً من الخُلوص، فيكون انتصابها على خبر كان، ويجوز أن يكون مصدرًا، كالكاذبة والصافية والخائنَة، فيكون المعنى: خلصتْ خالِصَةً، ويكون انتصابها على المصدر (¬3). ومعنى الخالصة: الصافية من الشائبة. ¬
95
ومعنى قوله: {مِّن دُونِ النَّاسِ} الاختصاص كقولك: هذا لي دونك، أي: أنا مختص به (¬1). وقوله تعالى: {فَتَمَنَّوُا المَوْتَ} معنى التمني: هو قولٌ يقدر فيه معنًى يحبه الطبع، وذكرنا ما فيه عند قوله: {إِلَّا أَمَانِىَّ} وَيُدَلّ على التمني بأداةٍ تميِّزُه من الإخبار، كقولك: ليت الله غفر لي، (وليت) أصل في التمني (¬2)، وقد يقام مقامها الاستفهام، كقوله: {فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ} (¬3) [الأعراف: 53]، وقولك: ألا ماءَ فأشربَه (¬4). 95 - قوله تعالى: {وَلَن يَتَمَنَّوهُ أَبَدًا} وذلك أنهم كفروا، وعرفوا أنهم كَفَرة، ولا نصيب لهم في الجنة؛ لأنهم تعمدوا كتمانَ أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - وتكذيبَه. وقوله تعالى: {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} أي: بما قدموه وعملوه (¬5)، فأضاف ذلك إلى اليد، لأن أكثر جنايات الإنسان تكون بيده، فيضاف إلى اليد كل جناية، وإن لم يكن لليد فيها عمل، فيقال: هذا ما اجترحته يدك (¬6). وقوله تعالى: {وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} فيه معنى التهديد، أي: عليم بمجازاتهم، وهذا جرى على مستعمل الكلام يقول الرجل لمن أتى إليه مُنْكَرًا: أنا أعرفك، وأنا بصير بك، تأويله: أنا أعلم ما أعاملك به، وإلا ¬
فالله عليم بالظالمين وغيرهم (¬1). وفي هذه الآية أبيَن دلالة عَلَى صدق نبيّنا محمد - صلى الله عليه وسلم - لأنه أخبر عن الله أنهم لا يتمنون الموت، وقالي: "لو تمنوا الموت لغصَّ كلُّ إنسانٍ بريقه، وما بقي على وجه الأرض يهودي إلاّ مَاتَ" (¬2)، ثمَّ لم يَرَوا مَعَ حرصهم على تكذيبه أن أحدا أتاه، وقال: يا محمد، أنا أشتهي الموت وأتمناه؛ لأنهم علموا أنهم لو تمنوا الموت لَم يَبقَ منهم صغير ولا كبير إلّا مات، فكان إحجامهم عن ذكر الموت دليلًا على عنادهم الحق وتكذيب من يعرفون صِدقه، ويعلمون صحَّة نبوَّته - صلى الله عليه وسلم - (¬3). ¬
96
96 - قوله تعالى: {وّلَتَجِدَنَّهُم} دخلت اللام والنون لأن القسم مضمر تقديره: والله لتجدنهم، فهو جواب القسم (¬1)، فأكّد باللام والنون، وهذه النون إذا دخلت عَلَى (يفعل) فُتِحَ لدخولها، وبني الفعل معها على الفتح نحو: ليفعلنّ، وحذْفُ النون التي تَثبُت في نحو (¬2) يفعلان، في الرفع مع النون الشديدة (¬3)، كحذف الضمة في (ليفعلن). ومَعناه: ولَتجدنّ اليهود، يعني: علماءهم، وهؤلاء الذين كتموا أمر محمد - صلى الله عليه وسلم - عن عنَادٍ في حالِ دعائك إياهم إلى تمني الموت أحرص الناس على حياة؛ لأنهم علموا أنهم صائرون إلى النار إذا ماتوا في أمر محمدعليه السلام (¬4). والحرص: شدّة الطَلَب، يقال: رجل حريصٌ، وقوم حِرَاص، ومِنْهُ: عليّ حِرَاصًا لَو يُسِرُّون مَقتَلي (¬5) ومنه يقال: حَرَص القَصَّارُ الثوبَ، إذا ألحَّ في الدقِّ إلحاح الحَريص. والحَارِصَة: شَجّةٌ تشقّ الجلد قليلًا، كما يحرص القصَّار الثوب عند الدقّ (¬6). ¬
وقوله تعالى: {وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا} قال الفرّاء (¬1)، والزجَّاج (¬2): أي، وأحرص من الذين أشركوا، وهذا كما يقال: هو أسخى الناس ومن هَرِم، أي: وأسخى من هَرِم. وحقيقة الإشراك: عبادة غير الله مع الله، وهو أن يجعَل عبادته مشتركةً بين الله وغيره، ثم يسمّى كلُّ كافر بالله مُشرِكًا من عظم ذنبه حتى ساوى به عظم ذنب المشرك في عبادة الله. وقال بعضهم (¬3): تم الكلامُ عند قوله: {عَلَى حَيَاةٍ}، ثم ابتدأ، فقال (¬4): {وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ}، أي: من يود، فأضمر الموصول بيَوَدّ كقول ذي الرُمَّة: فظلوا وَمنهم (¬5) دمعُه سابقٌ له ... وآخرُ تُذري دمعَه العينُ بالهَملِ (¬6) أراد: ومنهم من دمعه سابق (¬7). وهذا الوجه يضعف من جهتين: إحداهما: أن المراد بالآية بيان حرص اليهود على الحياة، فلا يحسن قطع الكلام عند قوله: {عَلَى حَيَاةٍ} ثم الإخبار عن غيرهم بحب التعمير. ¬
والأخرى: أنه لا يجوز حذف الموصول وترك صلته، واستقصاء هذا مذكور عند قوله: {مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ} في سورة [النساء: 46] واختلفوا في المعْنيّ بقوله: الذين أشركوا، فقال أبو العالية (¬1)، والربيع (¬2): هم المجوس، وإنما وصفوا بالإشراك؛ لأنهم يقولون بالنور والظلمة، وَيزدَان، وأَهرَمَن، وهم أيضًا موصوفون بالحرص على الحياة، ولهذا جعلوا التحيّة بينهم: زِه هَزَار (¬3) سَال، أي: عِشْ ألف سنة (¬4)، وقال أبن عباس: أراد منكري البَعْث، ومن أنكر البَعث فهو يحب طول الحياة؛ لأنه لا يرجو بعثًا بعد الموت (¬5). قال العلماء: وإنما كانت اليهود أحرص من الذين أشركوا؛ لأن المشركين لا يؤمنون بالمعاد، ولا يخافون النار، واليهود تؤمن، وقد علموا ما جَنَوا فهم يخافون النار (¬6). وقوله تعالى: {يَوَدُّ أَحَدُهُمْ}، أي: أحد اليهود أن (¬7) يعمر ألف سنة؛ ¬
لأنه يعلم أن آخرته قد فسدت عليه، فالبقاء في دار الدنيا آثر عنده من القدوم على العذاب الأليم. وقوله تعالى: {يَوَدُّ} يقال: وَدِدتُ أوَدّ، والمصدر: الوَدّ، والوُدّ، والوِداد، والوَدادة، أنشد الفرّاء (¬1): ودِدت ودادَةً لو أَنّ حظّي ... مِنَ الخُلَّانِ أن لا يَصرمُوني (¬2). ويقال أيضًا: وَدَادًا بالفتح، ووِدَادَةً بالكسر، ويقلّ (¬3) هذان، واستقصاء هذا يذكر عند قوله: {إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ} [هود: 90] (¬4). وقوله تعالى: {لَوْ يُعَمَّرُ} يقال: عَمَّرَه الله تعميرًا، إذا أطال عمره، وأصله من العمارة، الذي هو ضدّ الخراب، والعُمُر: اسم للمدّة التي يُعَمَّرُ فيها البدن بالحياة والنمو (¬5). وقوله تعالى: {أَلْفَ سَنَةٍ} سُمي الألف ألفًا، لأنه تأليف العشرات في عِقْدٍ، ويقال: ثلاثة آلاف إلى العشرة، ثم أُلُوف جمع الجمع، والألف مذكر، وإذا أُنِّثَ على أنه جمع فهو جائز، وكلام العرب فيه التذكير (¬6)، ¬
وقال أبو عبيد: يقال: آلفتُ القوم، إذا جعلتهم ألفًا، وقد آلفوا هم، إذا صاروا ألفًا (¬1). وأما السنة فأصلها والكلام فيها يذكر عند قوله: {لَمْ يَتَسَنَّه} [البقرة: 259]. وخَصَّ الألف هاهُنا بالذكر: لأنه نهاية العُقُود، وقيل: لأنه نهاية ما كانت تدعُو بهِ المجوس لملوكها (¬2). وقوله تعالى: {وَمَا هُوَ} الكناية راجعة إلى أحدهم، كأنه قيل: وما أحدهم بمزحزحه من العذاب تعميره، كما تقول: ما عبد لله بضاربه أبوه. قال أبو إسحاق: ويصلح أن يكون هو كناية عما جرى ذكره من طول العمر، وهو قوله: (لو يعمر) فيكون: وما تعميره بمزحزحه (¬3)، والفعل يدل على المصدر، كقوله: {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} [الأنعام: 121] وإنه يريد إنأكله، وعلى هذا قوله: {وأَن يُعَمَّرَ} تكرير لذكر التعمير، فيكون كقوله: {وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ} أعاد المصدر بعد ما كنى عنه (¬4). وقال ابن الأنباري: يجوز أن يكون هو كناية عن الشأن والأمر في قول الكسائي، والمعنى عنده: وما الشأن بمزحزحه من العذاب أن يعمَّر (¬5). قال: ويجوز أن يكون عمادًا في قول الفراء. والعرب تدخل (هو) للعماد مع (ما) في الجحد و (هل) و (واو الحال)، فيقولون: هل هو قائم ¬
97
عبد الله؟ وما هو بقائم زيد، ولقيت محمدًا وهو حسن وجهه (¬1). واحتج بما أنشده الفراء: فَهَلْ هُوَ مَرْفُوعٌ بما هاهنا رأسُ (¬2) من أبيات ذكرها (¬3). والزحزحة الإبعاد والتنحية، يقال: زحّه وزحزحه فتزحزح: إذا تنحى (¬4). وقوله تعالى: {أَن يُعَمَّرَ} في موضع رفع بمزحزحه كما يرتفع الفاعل بالفعل؛ لأن المعنى: ما يزحزحه تعميره (¬5). 97 - وقوله تعالى: {قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ} الآية، سألت اليهود نبي الله - صلى الله عليه وسلم - عمن يأتيه من الملائكة فقال: جبريل فقالوا: هو عدونا، ولو ¬
أتاك بالوحي ميكائيل لتقبلنا منك، فأنزل الله تعالى هذه الآية (¬1). وجبريل فيه لغات (¬2)، بعضها قرئ به (¬3)، وبعضها لم يقرأ به (¬4)، ¬
وكذلك ميكائيل وإسرائيل. وهذه أسماء عجمية (¬1) وقعت إلى العرب (¬2) (¬3)، فإذا أُتي بها على ما في أبنية العرب مثلُه كان أذهب في باب التعريب، يقوي ذلك: تغييرهم للحروف المفردة التي ليست من حروفهم، كتغييرهم الحرف الذي بين الفاء والباء في قلبهم إياه إلى الباء المحضة أو الفاء المحضة، كقولهم: البِرِنْدُ والفِرِنْدُ (¬4)، وكذلك تغييرهم الحركة التي ليست في كلامهم، كالحركة التي في قول العجم: رُوز وآشُوب (¬5) يخلصونها ضَمّةً، فكما (¬6) غيروا الحروف والحركات إلى ما في كلامهم فكذلك القياس في أبنية هذه الأسماء (¬7)، إلا أنهم قد تركوا أشياء من العجمية على أبنية العجم التي ليست من أبنية العرب كالآجُرِّ (¬8) والإِبْريسَم (¬9) والفِرِنْد (¬10)، وليس في الكلام على هذه ¬
الأبنية. فمن قال جِبْرِيل بكسر الجيم وحذف الهمز كان على لفظ قِنْديل وبِرْطيل (¬1)، فإذا فتحتها فليس لهذا البناء مِثْلٌ في كلام العرب، فيكون هذا من باب الآجُرِّ والفرند ونحو ذلك من المُعَرَّب، الذي لم يجئ له مِثْل في كلامهم (¬2). ومن قال جَبْرَئيل: على وزن جبرعل كان على وزن: جَحْمَرِش (¬3) (¬4) وصَهْصَلْق (¬5). وجَبْرَئيل على وزن: عَندَليب (¬6)، والخارج من الأبنية العربية: جَبْريل، ألا ترى أنه ليس في أبنيتهم مثل مَنْدِيل، إلا أنه مُتَّجِهٌ وإن لم تجئ في أبنيتهم، وكلا المذهبين حسن لاستعمال العرب لهما جميعًا، وإن كان الموافق لأبنيتهم أذهب في باب التعريب (¬7)، وقد جاء في أشعارهم الأمران (¬8): قال جرير: عبدوا الصّليبَ وكذّبوا بمحمدٍ ... وبِجبْرَئيلَ وكذّبوا ميكالا (¬9) ¬
وقال حسان (¬1): وجبريلٌ رسولُ الله فينا ... وروحُ القُدْس ليس به خفاءُ (¬2) وقال كعب بن مالك: ويوم بدر لقيناكم لنا مَدَدٌ ... فيه مع النصرِ جبريل وميكالُ (¬3) قال أبو علي الفارسي (¬4): وليس قول من قال: إن إيل وإل اسم الله وأضيف ما قبلهما إليهما، كما يقال عبد الله (¬5) بمستقيم من وجهين: ¬
أحدهما: أن إيل وإل (¬1) لا يعرفان في أسماء الله سبحانه في اللغة العربية. والآخر: أنه لو كان كذلك لم ينصرف (¬2) آخر الاسم في وجوه العربية، ولكان الآخر مجرورًا، كما أن عبد الله كذلك (¬3). وهذا الذي قاله أبو علي أراد أنه ليس في اللغة العربية على الوجه الذي ذكروا بمستقيم. وقد قال جماعة من أهل العلم: جَبر وميك: هو العبد بالسُريانية، وإيل هو الله عز وجل (¬4). وروي ذلك من خبر مرفوع، قال: إنما جبريل وميكائل كقولك: عبد الله وعبد الرحمن (¬5). قوله تعالى: {فَإِنَّهُ} يعني جبريل {نَزَّلَهُ} يعنى: القرآن، كنى عنه ولم يجئ له ذكر، وهو كثير، وقيل: فإن الله نزل جبريل على قلبك (¬6). وقيل: جواب من مُضمر، أراد: من كان عدُوًّا لجبريل فليخف، أو ليَمُتْ غيظا أو ما أشبهه من الإضمار (¬7). وقوله تعالى: {عَلَى قَلْبِكَ} يعني: قلبَ محمد - صلى الله عليه وسلم - قال الفراء: ولو كان: على قلبي، كان صوابًا، مثله في الكلام: لا تقل للقوم: إن الخَيْر ¬
98
عندي وعندك، أما عندك فجائز؛ لأنه كالخطاب، وأما عندي فهو قول المتكلم بعينه (¬1)، وقد تقدم لهذا نظائر. وقوله تعالى: {مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} قال ابن عباس: لما قبله من الكتب التي أنزلها الله عز وجل (¬2). وفي قوله تعالى: {وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} رد على اليهود حين قالوا: إن جبريل ينزك بالحرب والشدة، فقيل: إنه وإن كان ينزل بالحرب والشدة على الكافرين فإنه ينزل بالهدى والبشرى للمؤمنين (¬3). 98 - قوله تعالى: {مَن كاَنَ عَدُوًّا} أي: معاديًا؛ لأن العدوَّ فعول بمعنى فاعل، ولا يصح العداوة لله على الحقيقة؛ لأن العداوةَ للشيء طلب الإضرار به بُغْضًا له، وإنما قيل للكافر: عدوّ الله، من عداوة الله له، أو لأنه بفعل فعل المُعَادي (¬4). وقوله تعالى: {وَمَلاَئِكَتِهِ} يريد: كجبريل وميكائيل، وذلك أن اليهود قالت لعمر - رضي الله عنه -: إن صاحب محمد من الملائكة جبريلُ، وهو عدوّنا، يُطْلعُ محمدًا على سرّنا، وهو صاحب كل عذاب وخسف وسَنَةٍ وشدّة، فقالٍ عمر: فإني أَشْهد أن من كان عدوًّا لجبريل فهو عدوُ ميكائيل، ومن كان عدوًّا لهما فإن الله عدو له، ثم (¬5) أتى عمر النبي - صلى الله عليه وسلم -، فوجد جبريل قد سبقه ¬
بالوحي، فقرأ عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذه الآيات، وقال: "لقد وافقك ربك يا عمر"، فقال عمر: لقد رأيتني في دين الله أصلب من الحجر (¬1). وقوله تعالى: {وَرُسُلِهِ} يعني: محمدًا وعيسى كفرت بهما اليهود. وقوله تعالى: {وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ} (¬2) أخرجهما من الجملة بالذكر (¬3) تخصيصًا وتشريفًا (¬4)، كقوله: {فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ} [الرحمن: 68]، وكقوله: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ} [الجن: 18]، بعد قوله: {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} [النجم:31]. وقوله تعالى: {فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ} قال محمد بن يزيد (¬5): ظهرت الكناية في قوله: {فَإِنَّ اللَّهَ} لأن الفاء جواب الجزاء وما بعدها مستأنف، فلما كان مبتدأً لم يقع (¬6) فيه كناية عن ظاهر سبقها، لأنه ليس ¬
سبيل المكني أن يكون مبتدأً، بل سبيله أن يتقدمه ظاهر، والعرب تقول: إن ضربت زيدًا فإن زيدًا يضربك، إن ضربت زيدًا فإنه يضربك، فالذي بقول بالإظهار يحتج بأن الذي بعد الفاء مستأنف، و (إنَّ) من (¬1) علامات الاستئناف، والاستئناف (¬2) يكون بالظاهر لا بالمكني. والذي يقول بالكناية يحتج بأن جواب الجزاء ملابسٌ للأوَّل في المعنى لتعلقه به، فالذي في الجزاء يكفي من الذي في الجواب، فتصح الكناية لهذه العلة (¬3). وقال غيره: إنما أظهر الكناية لأنه ذكر الملائكة والرسل، فلو كنى لذهبَ الوهمُ إلى واحد من الملائكةِ، أو الرسلِ، أو إلى جبريل، أو إلى ميكائيل، فأظهر الكناية ليزيل اللبس (¬4). ومعنى الآية: من كان عدوًا لأحد هؤلاء فإن الله عدو له، لأن عدوّ الواحد عدو الجميع، وعدو محمدٍ عدوُّ الله. ومثله قوله: {وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ} [النساء: 136]؛ لأن الكافر بالواحد كافر بالكل (¬5). والواو هاهنا بمعنى أو (¬6). وقال: {فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ} ولم يقل: فهم أعداء له؛ لأنه تولى تلك العداوة بنفسه، وكفى رسله وملائكته أمر من عاداهم. وإنما لم يقل: فإن الله عدو لهم أوله بالكناية؛ ليدل مع أنه عدو لهم على أنهم كافرون بهذه العداوة (¬7). ¬
99
99 - قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} قال ابن عباس: هذا جواب لابن صوريا (¬1)، حيث قال لرسول - صلى الله عليه وسلم -: يا محمد ما جئتنا بشيء نعرفه، وما أنزل عليك من آية بينة فنتبعك لها، فأنزل الله هذه الآية (¬2). والبينات: جمع بينة، والبين: من باب الصيّب والسيّد، وقد مرّ (¬3). والبينة: الدلالة الفاصلة بين القضية الصادقة والكاذبة؛ لأنها من إبانة أحد شيئين عن الآخر، فيزول الالتباس بها. واستقصاء الكلام في هذا عند قوله: {عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ} [البقرة: 68]. وقوله تعالى: {وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ} أي: الخارجون عن أديانهم، واليهود خرجت بالكفر بمحمد - صلى الله عليه وسلم - عن شريعة موسى عليه السلام (¬4). 100 - قوله تعالى: {أَوَكُلَّمَا} قال سيبويه (¬5): الواو فيه واو العطف، إلا أن ألف الاستفهام دخل عليها؛ لأن لها صدر الكلام، وهي الأصل في الاستفهام، يدل على ذلك: أن الواو تدخل على (هل)، كقولك: وهل زيد عاقل؟ ولا يجوز: وأزيد عاقل؛ لأن الألف أقوى في ¬
الاستفهام (¬1). و {كُلَّمَا} ظرف، والعامل فيه: {نَبَذَهُ} (¬2) {عَاهَدُوا}، لأنه متمم لما، إما صلةً، وإما صِفَةً. وقوله تعالى: {عَاهَدُوا عَهْدًا} قال المفسرون: إن اليهود عاهدوا فيما بينهم، لئن خرج محمد - صلى الله عليه وسلم - ليؤمنُنّ به، وليكونُنّ (¬3) معه على مشركي العرب، فلما بُعِثَ نقضوا العهد وكفروا به (¬4). وقال عطاء: هي العهود التي كانت بين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبين اليهود، فنقضوها كفعل قريظة والنضير، عاهدوا ألا يعينوا عليه أحدًا، فنقضوا ذلك، وأعانوا عليه قريشًا يوم الخندق (¬5). واتصال هذه الآية بما قبلها: من حيث إنهم كفروا بنقض العهد كما كفروا بالآيات. وقوله تعالى: {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} إنما دخلت (بل) ههنا لأنه لما قال: {نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ} دل على أنه كفر ذلك الفريق بالنقض، فقال: ¬
101
بل أكثرهم كفار بالنقض. وحَسُن هذا التفصيل؛ لأن منهم من نقض عنادًا، ومنهم من نقض جهلًا. وقيل: معناه: كفر فريق بالنقض وكفر أكثرهم بالجحد للحق، وهو أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - (¬1). 101 - قوله تعالى: {نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ} جائز أن يكون المراد بقوله: {كِتَابَ الله}: القرآن، وجائز أن يكون المراد به: التوراة؛ لأن الذين كفروا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - نبذوا التوراة (¬2). ويقال لكل من استخف بشيء (¬3) ولم يعمل به: نبذه وراء ظهره (¬4). قال الشعبي (¬5): هو بين أيديهم يقرؤونها، ولكن نبذوا العمل به (¬6). وقال سفيان بن عُيينة: (¬7) أدرجوه في الحرير والديباج، وحلَّوه بالذهب والفضة، ولم يُحِلّوا حلاله ولم يحرّموا حرامه، فذلك النبذ (¬8). ¬
102
وقوله تعالى: {كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} أعلَمَ أنهم نبذوا كتاب الله، ورفضوه على علم به، عداوهً للنبي - صلى الله عليه وسلم - (¬1). وعنى بالفريق في هذه الآية: علماء اليهود الذين تواطؤوا على كتمان أمر محمد - صلى الله عليه وسلم - (¬2). 102 - قوله تعالى {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ} الآية، هذه الآية قد أشكل علم إعرابها ومعناها على كثيرٍ من الناس، حتى ترك أكثر أهل العلم والنحو الكلام فيها لصعوبتها. وتكلم آخرون فيها (¬3). قال أبو إسحاق: أعلم الله عز وجل أنهم رفضوا كتابه واتبعوا السحر (¬4). وقوله تعالى: {تَتْلُوا} أي: تقرأ (¬5). وقال ابن عباس: تتبع وتعمل به (¬6). وكذلك قال في قوله: {يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ} [البقرة: 121]: يتبعونه حق اتباعه (¬7)، فيعملون به حق عمله. وقال أبو عُبَيدة: {مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ} أي: ما تتكلم به. كقولك: فلان يتلو كتاب الله، أي: يقرؤه ويتكلم به (¬8). وقال عطاء: ما تُحدّث ¬
وتَقُصّ (¬1). وهذه أقوال متقاربة (¬2). قال الزجاج: وفيه إضمار، أراد: واتبعوا ما كانت تتلوا (¬3)، وقيل: إنه لفظ الاستقبال والمراد به المضي، أي: تلت (¬4)، كقول الشاعر: فلقد يكون أخا دمٍ وذبائحِ (¬5) أي: فلقد كان (¬6). وكقوله: {حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ} [البقرة: 214]، أي: حتى قال. وقال أبو علي (¬7) فيما استدرك على أبي إسحاق الآية: تحتمل تأويلين، كلُّ واحد منهما أسوغ مما ذكره وذهب إليه. أحدهما: أن يكون {تَتلُوا} بمعنى: تلت فيكون كقوله: {فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ} [البقرة: 91]. أي: فلم قتلتم، إلا أنه لما اتصل بقوله: {مِن ¬
قَبْلُ} علم أن المراد بمثال المضارع الماضي، فكذلك هنا (¬1) كان يعلم باتصال الكلام بعهد سليمان؛ لأن المعنى (¬2): على عهد ملك سليمان، أو في زمن ملك سليمان، على تقدير (¬3) حذف المضاف (¬4)، وكان ذلك يدل على أن مثال المضارع يراد به الماضي. ومن هذا قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [الحج: 25]. يجوز عندي أن يكون المعنى: إنّ الذين كفروا وصدوا. فلما كان المعطوف عليه ماضيًا دلّ على أن المراد بالمضارع أيضًا الماضي، ويقوي هذا قوله: {الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ} [محمد: 1] (¬5). ويجوز أن يكون المضارع على بابه، كأنه قال: إنّ الذين كفروا فيما مضى وهم الآن يصدُّون مع ما تقدم من كفرهم. والأول كأنه أقوى (¬6). والإرادة بمثال المضارع الماضي مذهب سيبويه؛ لأنه قال (¬7): وقد تقع (¬8) نفْعَل في موضع فَعلت في بعض المواضع، ومثل ذلك: قول رجل ¬
من بني سلول: ولقد أمرُّ على اللئيم يَسُبّني ... فمضيتُ ثُمَّتَ قلتُ لا يَعْنِيني (¬1) (¬2) على معنى: ولقد مررت (¬3). قال أبو علي: فسألت أبا بكر عما ذكره سيبويه من هذا، فقال: الأفعال جنس واحد، فكان يجب أن يكون على بناء واحد؛ لكنها غُيّرت بتغيير الأزمنة وقُسِّمت بتقاسيمها، لما كان ذلك في الإيضاح أبلغ، فخُصّ كلُّ قسم من ذلك بمثال لا يقع واحد منها في موضع الآخر، إلا أن يُضمّ إليه حرف يكون دليلًا على ما أريد به (¬4)، فيصير الحرف كأنه يقوم مقام البناء المراد، إذ كان يَدُلّ عليه كما يدلّ البناء، نحو: والله لا فعلت، فقولك: فعلت فعلٌ ماض وقع في موضع مستقبل، فلما كانت قبلها (¬5) (لا) عُلم أنه يُرادُ به الاستقبال؛ لأن (لا) إنما (¬6) تكون نفيًا لما يستقبل (¬7)، فلما كانت نفيًا للمستقبل ووقع بعدها ماض علمت أنه يراد ¬
به الاستقبال (¬1). قال أبو علي: وقد اتسعوا في إقامة أمثلة الأفعال، بعضها مقام بعض (¬2)، من ذلك: إقامتهم مثال الأمر مقام الخبر، نحو قولهم: أكرِمْ بزيد وقوله: {أَسْمِعْ بِهِمْ} [مريم:38]، ومعنى هذا: كرُمَ زيد، وسمعوا (¬3) وأبصروا، أي: صار زيد ذا كرم، وصار هؤلاء المستحقون لأن يمدحوا بهذا المدح ذوي (¬4) أسماع وأبصار (¬5). ووقع مثال الأمر مقام الخبر، كما وقع مثال الخبر مقام الأمر في مثل: غفر الله لزيد، وقطع الله يده، وفي التنزيل: {لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا} [البقرة: 233]. وقال: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ} [البقرة: 234] (¬6). فكذلك تَتْلُوا في هذه الآية، يجوز أن تكون بمعنى (تلتْ) كهذه الأشياء التي أريتكها، وهذا وجه. وأما الوجه الآخر: فعلى أن يكون يفعل على بابه، لا تريد به فَعَل كما أردت في الأول، ولكن تجعله حكايةً للحال وإن كان ماضيًا، وهذا الوجه في السَّعَة والكثرة كالأول وأسوغ (¬7)، كأنه حكى الفعل الذي كان يُحدّث به عنهم وهو للحال. ونظير هذا قوله: {وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ} [البقرة: ¬
49]، فقوله: {يَسُومُونَكُمْ} حكاية للحال في الوقت الذي كانت فيه، وإن كان آل فرعون منقرضين في وقت هذا الخطاب، وموضع الفعل نصب بالحال. ونظير هذا أيضًا من حكاية الحال: قوله: {فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ} [القصص: 15] فأشير إليهما بما (¬1) يشار إلى الحاضر؛ إرادة لحكاية الحال على وجهها، وإن كانت قد تقدمت (¬2). ومن هذا أيضًا: إضافة (إذ) إلى تقول وإلى جمع المضارع في نحو: {إِذ تَقُولُ لِلمُؤمِنِينَ} [آل عمران: 124] أضيف (إذ) إلى فعل الحال إرادةً لحكايتها (¬3)، ولولا ذلك لتنافى هذا الكلام؛ لأن (إذ) لما مضى و (تقول) لما يستقبل. ومن هذا أيضًا: ما أنشده أحمد بن يحيى عن ابن الأعرابي: جاريةٌ في رمضانَ الماضي ... تُقطِّع الحديث بالإيماض (¬4) وهذا وجه ثانٍ نظير ما يحسن حمل الآية عليه (¬5). ¬
فإن قلت: ما تنكر أن يكون ما ذكره أبو إسحاق من إضمار (كان) أيضًا جائزًا، فيكون ذلك وجهًا ثالثًا. قيل: ذلك لا يجوز؛ لأن المضمر لا دلالة عليه، وإنما يسوغ الإضمار إذا كانت عليه دلالة يكون بها كالمظهر، وسيبويه منع إجازة هذا، فقال: واعلم أنه لا يجوز لك أن تقول: عبدَ الله المقتول، وأنت تريد: كن عبدَ الله المقتول (¬1)، فإذا لم يجز هذا، لم يجز هذا مع أن المنصوب يدل على ناصبه، فأن لا يجوز ما ذهب إليه في الآية أولى (¬2). فإن قلت: فقد قالوا: إنْ سيفًا فسيفٌ، وإنْ خنجرًا فخنجرٌ، فأضمروا، قيل: ليس ذلك من هذا في شيء؛ لأن (إن) مما يعلم أنه لا يليه إلا الفعل، فالدلالة على المحذوف المضمر قوية، وليس شيء من هذا في الآية (¬3). وقوله تعالى: {عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ} ذكرنا أنه على تقدير حذف المضاف، وقيل: إن (على) هاهنا من صلة الافتراء والكذب، إذا قلنا إنّ (تتلوا) معناه: تحدّث وتكلّم، على ما قال أبو عبيدة وعطاء، فمعنى قوله: {تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ} (¬4)؛ لأنهم قالوا: إن سليمان مَلَكَ النّاسَ ¬
بالسحر، وذلك ما قاله ابن عباس (¬1) رحمه الله: إن سليمان، عليه السلام، لما عُذّبَ بنزع ملكه، دفنت الشياطين في خزانته ومواضع مصلاه سحرًا وأُخَذًا ونِيرَنْجات (¬2)، فلما مات سليمان دلّت الشياطين عليه الناسَ حتى أستخرجوها، وقالوا للناس: إنما ملككم سليمان بهذا فتعلموه، فأقبل بنو إسرائيل على تعلمها، ورفضوا كتب أنبيائهم، فبرّأ الله نبيه سليمان عليه السلام على لسان محمد - صلى الله عليه وسلم - (¬3). وقال السُّدِّي: إن الناس في زمن سُليمان كتبوا السحر، واشتغلوا بتعلّمه، فأخذ سليمان تلك الكتب، وجعلها في صندوق، ودفنها تحت كرسيه، ونهاهم عن ذلك، فلما مات سليمان، وذهب الذين كانوا يعرفون دفنه الكتب، تمثل شيطان على صورة إنسان، فأتى نفرًا من بني إسرائيل، فقال: هل أدلكم على كنز لا تأكلونه أبدا (¬4)؟ قالوا: نعم، قال: فاحفروا تحت الكرسي، فحفروا، فوجدوا تلك الكتب، فلما أخرجوها، قال ¬
الشيطان: إن سليمان كان يضبط الجن والإنس (¬1) والشياطين والطير بهذا، فاتخذ بنو إسرائيل تلك الكتب؛ فلذلك أكثر ما يوجد السحر في اليهود، فبرأ الله تعالى سليمان من ذلك، وأنزل هذه الآية (¬2). وقوله تعالى {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ} أي: لم يكن كافرًا ساحرًا بسحر، (¬3) ويعمل بالسحر (¬4). وقيل: وما ستر سليمان كتب السحر، ولكن الشياطين سترته ودفنته. وأصل الكفر: الستر والتغطِية (¬5). وقوله تعالى: {وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا} في (لكن) قراءتان: التشديد ونصب الاسم به، والتخفيف ورفع الاسم به (¬6). ¬
وهذه الحروف، أعني: لكنّ، وإن، وأن، وكأنَّ حروف تستعمل مخففة ومثقلة، فإذا استعملت مثقلة كانت عاملة في الأسماء، وعملها النصب (¬1)، والعلة في ذلك: أنها إذا كانت مشدّدة كانت مفتوحة الأواخر، وفتحةُ أواخرِها ألحقتها في المشابهة بالأفعال الماضية، والأفعال عاملةٌ في الأسماء، فإذا استعملت مخففة باينتها تلك الصفة التي ألحقتها في المشابهة بالأفعال، فالقياس أن لا تعمل لزوال المعنى الذي به كان يعمل (¬2). وقال الكسائي: الذي يختار العرب والذي هو وجه الكلام عندنا إذا كانت (لكن) وحدها بغير واو كان التخفيف أحسن، وإذا كانت بالواو كانت بالتشديد، وبهذا قرئ أكثر ما في القرآن كقوله: {وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} [الأنعام: 33] {وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [الأنعام: 37]. وبغير الواو كقوله: {لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ} [النساء: 166]، {لَكِنِ الرَّسُولُ} [التوبة: 88] {لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ} [مريم: 38]. وقال الفراء: إذا ألقيت من ولكن الواو آثرت العرب تخفيفَ نونها، وإذا دخلت الواو آثروا تشديدَها، وإنما فعلوا ذلك؛ لأنها رجوع عما أصاب أول الكلام، فشبهت بـ "بل"، إذ كانت رجوعًا مثلها، ألا ترى أنك تقول: لم يقم أخوك بل أبوك، ثم تقول: لم يقم أخوك لكن أبوك، فتراهما في معنى واحد، والواو لا تصلح في بل. فإذا قالوا: ولكن فأدخلوا الواو تباعدت من بل، إذ لم تصلح الواو في بل، فآثروا فيها تشديد النون، وجعلوا الواو كأنها دخلت لعطف لا بمعنى بل (¬3)، وأصلها: أن دخلت عليها لا وكاف الخطاب، فصارنا ¬
جميعًا حرفًا واحدًا (¬1). وقال الكسائي: حرفان من الاستثناء لا يقعان (¬2) أكثر ما يقعان إلا مع الجحد، وهما: لكن وبل، والعرب تجعلهما مثل واو النسق (¬3). وقال المبرد: لكن من حروف العطف، وهي الاستدراك بعد النفي، ولا يجوز أن يدخل بعد واجب إلا لترك قصة إلى قصة تامة، نحو قولك: جاءني زيد لكن عبد الله لم يأت (¬4). وأما اختلاف القراء في تشديد (لكن) في بعض المواضع وتخفيفها في بعض، فلا معنى للمصير إلى التبعيض في هذه المواضع ونظائرها إلا بأن تترجح عند أحد من القراء بعض الروايات على بعض، فيصير إليه (¬5). ومعنى الآية: ولكن الشياطين كفروا بالله يعلّمون الناس السحر. يريد: ما كتب لهم الشياطين من كتب السحر. ويجوز أن يكون (يعلّمون) في فعل اليهود الذين عُنُوا بقوله: {وَاْتَّبَعُواْ} (¬6). وسمي السحرُ سحرًا؛ لخفاء سببه. ومنه: السِّحْر وهو الغِذَاء، كقول لبيد (¬7): ونُسْحَرُ بالطعام وبالشراب (¬8) ¬
وذلك أن حاله خفيّة في التنمية (¬1)، والسَّحَر: الرئة، لأنها مما تخفى وليس مما يظهر. وسَحَر الليل: قبل ظهور الصُبح. وقال المحققون من أهل اللغة: معنى السحر: الإزالة وصرف الشيء عن وجهه (¬2)، تقول العرب: ما سَحَرك عن كذا، أي: ما صَرَفك عنه. ومنه: قوله تعالى: {فَأَنَّى تُسْحَرُونَ} [المؤمنون: 89]، أي: تصرفون، ويقال: سحره، أي: أزاله عن البُغض إلى الحُبِ، وكأن السّاحر بما أرى الباطل في صورة الحق فقد سَحَر الشيء عن وجهه، أي: صرفه (¬3). وقوله تعالى: {وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ} موضع (ما) نصب، نسق على السحر، وجائز أن يكون نسقًا على ما في قوله: {مَا تَتلُوا الشَّيَاطِينُ} (¬4). ومعنى: {أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ}: أي: عُلِّما وأُلْهِما وقُذِفَ في قُلُوبِهِما ¬
من علم التفرقة، وهو رقية (¬1) وليس بسحر، والرخصة في الرقية واردة. فقد روى عوف الأشجعي (¬2) أنه قال: كنا نرقي في الجاهلية، فقلنا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - كيف ترى في ذلك؟ فقال: "اعرضوا علي رقاكم، لا بأس بالرقى ما لم يكن شرك" (¬3). وقال ابن قتيبة: الذي أنزل الله على الملكين فيما يرى أهل النظر من أهل العلم والله أعلم هو الاسم الذي صعدت الزهرة فعلمته الشياطين، فهي تعلمه أولياءها، وقد يقال: إنّ السّاحر يتكلم بكلام فيطير بين السماء والأرض، ويطفو على الماء. وذهب قومٌ ممن أبطلوا السّحر وأنكروا أن يكون له حقيقة (¬4) إلى أن قوله: {وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ} ما فيه نفي (¬5)، وذلك مستكره؛ لأنه إذا كان ¬
المعنى: لم ينزل على الملكين، (¬1) صار الكلام فضلًا لا معنى له. وإنما يجوز أن يكون (ما) نفيًا أن لو ادعى مدعي: أن السحر أنزل على الملكين، ويكون فيما تقدّم ذكر ذلك أو دليل (¬2) عليه، فيقول الله تعالى: {وَاتَّبَعُوا}، ولم ينزل على الملكين كما ذكروا. ومثال ذلك: أن يقول مُبْتدئا: علمت هذا الرجل القرآن، وما أنزل على موسى. فلا يتوهم سامعُ هذا أنك أردت بقولك أن القرآن لم ينزل على مُوسى؛ لأنه لم يتقدّمه قول أحدٍ أنه أنزل على موسى، وإنما يتوهم السامع أنك علمتَه القُرآنَ والتوراةَ (¬3). ثم اعلم أن السحر على قسمين: أحدهما: يكفر به السّاحر، وهو أن يعتقد القدرة لنفسه، فإذا انتهى به السحر إلى هذه النهاية صار كافرًا بالله، وهذا السحر هو الذي عده رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الكبائر في قوله: "اجتنبوا السبع الموبقات"، قيل: يا رسول الله وما هنّ؟ قال: "الشرك بالله، والسّحر، وقَتْل النفسِ التي حرّم الله إلاّ بالحقّ، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولّي يوم الزحف، وقذف المحصنة". (¬4) والقسم الثاني: لا يكفر به، وهو التخييل الذي يشاكل النِّيرَنْجات، فإذا لم يعتقد لنفسه فيما يعمل قدرة، واعتقد القدرة لله تعالى، كانت معصية، ولم يكن ذلك كفرًا (¬5). ¬
وأما قصّة الملكين فهي معروفة مذكورة في عدة مواضع (¬1). ¬
وقوله تعالى: {بِبَابِلَ} (¬1). وبابل اسم أرض (¬2)، قيل: سميت لأن الله تعالى حين أراد أن يخالف بين ألسنة بني آدم بعث ريحا فحشرتهم من كل أفق إلى بابل، فبلبل الله بها ¬
أَلْسِنَتهم، ثم فرقتهم تلك الريح في البلاد (¬1). والبلبلة: التفرِيقُ (¬2). وقوله تعالى: {وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ} اختلفوا في تعليم الملكين السحر، فذكر أهل التفسير وأصحاب المعاني فيه وجهين (¬3): أحدهما: أنهما كانا لا يتعمدان تعليم السحر، ولكنهما يصفانه، ويذكران بطلانه، ويأمران الناس باجتنابه، وكانا يعلمان الناس وغيرهم ما يُسألان عنه، ويأمران باجتناب ما حُرِّم عليهم، وطاعة الله فيما أُمروا به، ونهوا عَنْهُ. وفي ذلك حكمة، لأن سائلًا لو سأل: ما الزنا؟ وما اللواط؟ لوجب أن يوقف عليه، ويعلم أنه حرام، فكذلك مجاز إعلام الملكين الناس السحر، وأمرهما السائل باجتنابه بعد الإعلام والإخبار أنه كفر حرام (¬4). ويؤكد هذا الوجه: ما روى أبو العباس عن ابن الأعرابي أنه قال: عَلَّم بمعنى أعلم، وذلك أن التعليم لا ينفك عن الإعلام، كما يقال: تعلّمْ بمعنى أعلَمْ؛ لأن من تعلم (¬5) شيئا فقد عَلِمَه، فيوضع التَّعَلُّم موضع العلم (¬6). قال قيس بن زهَير: ¬
تَعَلَّمْ أنّ خيرَ الناس حيًّا ... على جَفْر الهَباءةِ لا يَريم (¬1) أي: اعلم. قال ابن الأعرابي: ومن هذا قول الله: {وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ} قال معناه: إن السّاحر يأتي الملكين فيقول: أخبرني عمّا نهى الله عنه حتى أنتهي، فيقولان: نهى عن الزنى، فيستوصفُهما الزِنى، فيصفانه، فيقول: وعن ماذا؟ فيقولان: عن اللواط، ثم يقول: وعن ماذا؟ فيقولان عن السحر، فيقول: وما السحر؟ فيقولان: هو كذا، فحفظه، وينصرف فيخالف، فيكفر، فهذا معنى {يُعَلِّمَانِ} (¬2) ولا يكون تَعليم السحْر إذا كان إعلامًا كفرًا، ولا تعلّمه إذا كان على معنى الوقوف عليه ليجتنبه كفرًا، كما أن من عرَّف الزنى لم يأثم بأنه عرَّفه، إنما يأثم بالعمل (¬3). الوجه الثاني: أن الله عز وجل امتحن الناسَ بالملكين في ذلك الوقت، وجعل المحنةَ في الكفر والإيمان أن يقبل القائل تعلُّم السحر، فيكفر بتعلّمه، ويؤمن بترك التعلّم، ولله تعالى أن يمتحن عباده بما شاء، كما امتحن الله (¬4) بنهر طالُوت في قوله: {إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ} [البقرة: ¬
249]. يدل على صحة هذا: قوله تعالى: {إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ} أي: محنة من الله نُخبرك أنَّ عملَ السحر كفر بالله، وننهاك عنه، فإن أطعتنا في ترك العمل بالسحر نجوتَ، وإن عصيتنا في ذلك هلكتَ (¬1). وروي عن ابن عباس أنه قال: أما السحر فمما (¬2) علّمت الشياطين، وأما الفرق بين المرء وزوجه فمما علّم الملكان (¬3). ثم وجه تعليم الملكين أنه يجوز أن يلهمهما الله ويعلّمهما من الأذكار والأسماء ما يعلمان أنها إذا استعلمت على جهة الدعاء أو على جهة الرقية أفادت التفريق بين المرء وزوجه، إذ لا يحسن بحالهما وما هما فيه من عقوبة الذنب السابق أن يشتغلا بارتكاب كبيرة مستأنفة. وقوله تعالى: {مِنْ أَحَدٍ} أي: أحدًا، ومِنْ زائدة مؤكدة، كقولك: ما جاءني من أحدٍ (¬4). وأما (أحد) (¬5) فقال الليث: ¬
أصله: وحد (¬1)، ونحو ذلك قال الزجاج (¬2). وقال أحمد بن يحيى: واحد وأحد وَوَحد بمعنى (¬3). وقال الليث: الوحَد: المنفرد، ورجل وحدٌ، وثور وحدٌ، قال النابغة (¬4): بذي الجليل (¬5) على مستأنسٍ وَحَدِ (¬6) والوَحْد والحِدَة كالوَعْد والعدة، يقال: وَحَدَ الشيءُ فهو يحِد حِدَةً. وفرّق قوم بين الواحد والأحد، فقالوا: أحد يصلح في الكلام في موضع الجحد، وواحد في موضع الإثبات. تقول ما جاءني منهم أحد، وجاءني منهم واحد، ولا يقال: جاءني منهم أحد؛ لأنك إذا قلت: ما جاءني منهم أحد، فمعناه لا واحد ولا اثنان، وإذا قلت: جاءني منهم واحد، فمعناه: أنه لم يأتني منهم اثنان (¬7). وأكثر ما جاء (أحد) في التنزيل في موضع النفي. ¬
قال أبو علي: وقد استعملوا أحدًا بمعنى واحد، وذلك قولهم: أحد وعشرون، وفي التنزيل: {قُل هُوَ اَللَّهُ أَحَد} (¬1) [الصمد: 1]. وسنذكر الكلام في (أحد) صفة الله تعالى في سورة الإخلاص، والكلام في (واحد) نذكره في (¬2) قوله: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} [البقرة: 163]، إن شاء الله تعالى. وقوله تعالى: {إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ} معنى الفتنة في كلام العرب: الابتلاء والامتحان (¬3)، وأصلها مأخوذ من قولك: فتنتُ الفضة والذهب: إنا أذبتهما بالنار؛ ليتميز الرديء من الجيد، وتعرف جودتهما من الرداءة، ومن هذا قوله عز وجل: {يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ} [الذاريات: 13]، أي: يحرقون بالنار، ومن هذا قيل للحجارة السود التي كأنها أحرقت بالنار: الفتين، هذا هو (¬4)، ثم جعل كل امتحان فِتْنَة، وقد جعل الله امتحانه عبيده ¬
المؤمنين باللأواء ليبلو صبرَهم فيثيبهم، أو جزعهم (¬1) على ما ابتلاهم به فيجزيهم، جزاؤهم فتنة فقال: {الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ} إلى قوله: {وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ} [العنكبوت:1 - 2] قيل في تفسيره: وهم لا يُبلَون في أنفسهم وأموالهم، وكذلك قوله: {وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} [العنكبوت: 3]، أي: اختبرنا (¬2). والفتنة تستعمل في معانٍ كثيرة، ترجع كلها إلى الأصل الذي ذكرنا عند النظر، والفتنة مصدر؛ لذلك (¬3) لم يُثَنَّ (¬4). ويقال: فَتَنَه وأَفْتَنَه، والأول: لغة أهل الحجاز، والثاني: لغة أهل نجد، وقال أعشى همْدان: لئن فَتَنَتْني لَهْيَ بالأمس أفْتَنَتْ ... سعيدًا فأمسى قد قَلَى كلَّ مُسلم (¬5) وكان الأصمعي ينكر أفتَنَه (¬6)، وذُكر له هذا البيت فلم يعبأ به (¬7). وأكثر أهل اللغة أجازوا اللغتين (¬8). ومعنى فتنته فلانة: أي: اختبرته، كأنه اختبر بها لجمالها. ¬
وقال الليث: يقال فِتَنَه يَفتِنُه، ففَتَنَ بمعنى: افتتن، فجعله لازمًا ومتعديًا (¬1)، وقال: رخيم الكلام قطيع القيام ... أمسى الفؤاد به فاتنا (¬2) قال الأزهري: يقال: افْتَتَنَتْهُ (¬3) فافْتَتَنَ، واقعًا ومطاوعًا، وهو صحيح ذكره ابن شُميل (¬4). وأما فَتَنَتْه فَفَتَنَ فهي لغة ضعيفة (¬5). ومعنى قوله: {إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ} أي: ابتلاء واختبار لكم (¬6) وقوله تعالى: {فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا} (¬7) هذا الفعل منسوق على فعل مقدّر يدل عليه الكلام، كأنه قال: حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فَيَأبَون فيتعلمون (¬8). ¬
قال ابن الأنباري: وصلح إضمار يأبون هنا كما صلح إضمار الفعل في قوله: {أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ} [الشعراء: 63]، والعرب تحمل على المعنى كثيرًا، من ذلك قول الفرزدق: فكيف بليلةٍ لا نجمَ فيها ... ولا قمر لساريها منيرِ (¬1) عطف (ولا قمر) على مقدر في المعنى، كأنه قال: فكيف بليلة ليست بليلة نجم ولا قمر. قال أبو إسحاق: والأجود في هذا أن يكون عطفًا على {يُعَلِّمَانِ} {فَيَتَعَلَّمُونَ}، ويستغنى (¬2) عن ذكر {يُعَلِّمَانِ}؛ لما (¬3) في الكلام من الدليل عليه (¬4). وقال الفراء: هي مردودة على قوله: {يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ} فيتعلّمون (¬5). قال الزجّاج: هذا خطأ؛ لأن قوله: (منهما) دليل هاهُنا على التعلم منَ الملكين خاصّةً (¬6). ¬
وابن الأنباري صحح مذهب الفراء، وقال: معناه: يعلّمون الناس السحر فيتعلّمون منهم عن (¬1) الملكين، فلا يكون (منهما) على هذا صلة للتعلم، بل يكون كقولك: تعلمت من الفراء عن الكسائي، أي: الفراء تعلم عنه، وروى لي (¬2) عنه، (ومنهما) على هذا الوجه يكون بمعنى: عنهما، فقامت مِنْ مقام عن. قال هشام: قال الأصمعي: سمعت (¬3) أفصح العرب يقول: حدثني فلان من فلان، وهو يريد عن فلان. ويجوز أن يكون معنى قوله: {فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا} أي: مِن السّحر والكُفر، أو من السحر والكهانة. و (أحدٌ): يقع على الواحد وَالاثنين والجميع؛ لذلك (¬4) قال: فيتعلّمُون بلفظ الجمع، والدليل على ذلك: قوله: {فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ} [الحاقة: 47]. قال ابن الأنباري: وأجاز أصحابنا: ما مررت بأحدٍ يتكلّمون. ومررت على كُلّ رَجُل يتعجبون (¬5). وروى سَلَمة (¬6) عن الفراء قال: (أحدٌ)، يكون للجميع والواحد في النفي، كقوله: {فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ} [الحاقة: 47]، جعل (أحد) في موضع جمع، وكذلك قوله: {لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ} [البقرة: 285] ¬
فهذا جمع؛ لأن (بينَ) لا يقع إلّا على اثنين فما زاد (¬1). وقوله تعالى: {مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ} وهو أن يُؤَخَّذَ (¬2) كل واحد منهما عن صاحبه، ويبغَّضَ كلُّ واحد إلى الآخر (¬3). وقوله تعالى: {وَمَا هُمْ} أي: السحرة، وقيل: الشياطين وعلى هذا دلّ كلام ابن عبّاس (¬4). (به) أي: بالسحر {مِنْ أَحَدٍ} أي: أحدًا (¬5). {إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ}. قال ابن عبّاس: يريد: ما يُضلّون إلا من كان في علمي وقضائي وقدرتي أن أُضِلّه (¬6). وقال المفسرون: الإذن هاهُنا تأويله: إرادة التكوين، أي: لا يضرّون بالسحر إلا من أراد الله أن يلحقه ذلك الضرر (¬7). ¬
وقوله تعالى: {وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ} المعنى: إنه يضرهم في الآخرة، وإن تعجّلوا به في الدنيا نفعًا (¬1). {وَلَقَدْ عَلِمُوا} يعني: اليهود (¬2) {لَمَنِ اشْتَرَاهُ} أي: اختاره يعني السحر (¬3). {مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ} أي: نصيب. والخلاق: النصيب الوافر من الخير (¬4). قال المفسرون في هذه الآية، الخلاقُ: النصيبُ من الجنة (¬5). ثعلب عن ابن الأعرابي: {لَا خَلَاقَ لَهُمْ} [آل عمران: 77] لا نصيب لهم في الخير. ويعني بهذا: الذين يعلّمون الناس السحر، وهم كانوا من علماء اليهود (¬6). ¬
وفي قوله: {وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ} جملتان (¬1): إحداهما: مقسم عليها. والأخرى: مؤكدة بغير قسم. ويحتمل أن تكون الجملتان كلتاهما مقسم عليهما، والجملة هي المحدّث عنه والحديث. فأما الجملة المقسم عليها فقوله: {وَلَقَدْ عَلِمُوا} مقسم عليه؛ لدخول اللام في لقد، وهذه اللام إذا جاءت في الفعل الماضي والمستقبل فإنما تجيء على نية اليمين، كانت مذكورة معها أو محذوفة. قال سيبويه: سألت الخليل عن قوله: ليفعلنّ إذا جاءت مبتدأة؟ فقال: هي على نية القسم (¬2)، واللام التي تدخل على الماضي هي هذه التي إذا دخلت على المستقبل لزمته النون، فتقدير {وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ}: والله لقد علموا. والأخرى المؤكدة غير المقسم عليها: قوله: {وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ} إذا جعلت (مَنْ) بمعنى (الذي) كانت اللام للتأكيد دون القسم. ومذهب سيبويه فيه هذا، وهو أن (من) فيه بمعنى (الذي)، كأنه قيل: للذي اشتراه ماله في الآخرة من خلاق (¬3). فموضع (من) رفع بالابتداء. ¬
وموضع {مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ} رفع على أنه خبر الابتداء. وأما احتمال الكلام أن يكون فيه جملتان كلتاهما مقسم عليهما: فالأولى منهما أيضًا: قوله: {وَلَقَدْ عَلِمُوا}، والأخرى المقسم عليها: قوله: {مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ}، وذلك أن تجعل (من) شرطًا في قوله: {لَمَنِ اشْتَرَاهُ} ولا تجعله بمنزلة الذي. وتجعل قوله: {وَلَقَدْ عَلِمُوا} بمنزلة القسم؛ لأن العلم قد يقام مقام القسم، في مثل قولك: علمت ليفعلنّ كذا، وفي مثل قول الشاعر (¬1): ولقد علمتُ لتأتينّ عَشِيّةٌ ... لا بعدها خوفٌ عليّ ولا عَدَمْ (¬2) قال سيبويه: كأنه قال: والله لتأتينّ عَشِيَّة، فحمل (علمت) في البيت على معنى اليمين. فمن حيث استعمل استعمال القسم صلح أن يكون له جواب، كما يكون للقسم، وساغ أن يكون النفي جوابًا له في الآية. فإن قيل: على هذا إذا قلتم: إن قوله: {وَلَقَدْ عَلِمُوا} مقسم عليه، وجوزتم أن يكون هو في نفسه قسمًا، فكأنه قسم قد دخل على قسم، ويبعد ذلك عند سيبويه، فإن سيبويه والخليل قالا: لا يقوى أن يقول: وحقِّك وحقِّ زيد لأفعلن، والواو الآخرة واوُ قَسم لا يجوز إلا مستكرهًا؛ لأنّه لا يجوز هذا في محلوف عليه، إلا أن تضم الآخر إلى الأوّل، وتحلف بهما على المحلوف عليه (¬3). ¬
ولهذا جعل هو والخليل الحرف في قوله: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (1) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى} [الليل: 1 - 2] إنه للعطف (¬1). معنى ضم الآخر إلى الأوّل، أي: يضم إليه بحرف العطف (¬2) دون القسم، قلنا: هذا على ما ذكرت، ولكن قوله: {وَلَقَد عَلِمُوا} أقيم مقام القسم، وليس كالمختصِّ بالقسم التي لا معنى لها غيره، نحو لعمرُك لأفعلنّ، وبالله (¬3) ليقومنّ، فليس يدخل على هذا قسم على قسم على (¬4) الحقيقة، إنما يدخل (¬5) على شيء أقيم مقام القسم، وأصله غير ذلك، والأول هو الوجه الواضح (¬6). قوله تعالى: {وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ} أي: بئس شيء باعوا به حظ أنفسهم، حيث اختاروا السحر ونبذوا كتاب الله (¬7). وقوله تعالى: {لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} إن قيل: كيف نفى العلم عنهم، ولقد أثبت العلم لهم في قوله: {وَلَقَدْ عَلِمُوا}. قيل: وصفهم بالعلم (¬8) في قوله: {وَلَقَدْ عَلِمُوا} على المجاز لا على الحقيقة، كأنه قال: علموا هذا عِلمًا ظاهرًا، ولم يعلموا كنه ما يصير ¬
103
إليه من بخس الآخرة من العقاب، لذلك (¬1) قال: {لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ}. وقيل: إن الله تعالى وصفهم بالعلم ثم نفاه عنهم؛ لأنهم لم يعملوا بما علموا، فكانوا بمنزلة من لم يعلم، كما تقول: صلَّيتَ ولم تصلِّ، وتكلّمتَ ولم تتكلّم، أي: لم تجوّد كلامك، فكنت بمنزلة من لم يتكلم. وقيل: إنما وصفهم بوصفين مختلفين؛ لأنهم علموا أن الآخرة يخسرها من آثر السحر، ثم دخلوا فيه وآثروه طمعًا في عوض يصير إليهم من الدنيا، فقال الله عز وجل: {وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} أن الذي قصدوه وآثروه لا يتم لهم من جهته ما يؤمِّلُون؛ لأن الدنيا تنقطع عنهم بالموت، ثم يقدمون على الآخرة التي لا حظ لهم فيها (¬2). 103 - قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا} أي: بمحمد والقرآن {وَاتَّقَوْا} اليهودية والسحر (¬3). ¬
{لَمَثُوبَةٌ} يقال: أثابه إثابة ومَثَابة، والاسم: الثواب والمَثُوبَةُ والمثْوَبَةُ بفتح الواو (¬1)، كالمَشُورَة والمَشْوَرَة. قال أبو العباس: الثوابُ في الأصل معناه: ما رجع إليك من عائدة، وحقيقته (¬2): الجزاء العائد على صاحبه مُكَافأةً لما فعل، ومنه: التَثْويب في الأذان، إنما هو ترجيع الصَوْت، ولا يقال لصوتٍ مرةً واحدةً: تثويب، ويقال: ثوّب الداعي: إذا كرر دعاه كما قال: إذا الداعي المُثَوّبُ قال: يالا (¬3) والثوب مشتقّ من هذا، لأنه ثاب لباسًا بعد أن كان قُطنا أو غزلا (¬4). وقوله تعالى: {لَمَثُوبَةٌ} في موضع جواب لو؛ لأنه ينبئ عن قولك: لأثيبُوا، فَحُذِفَ الجواب، وجُعل قوله: {لَمَثُوبَةٌ} بدلًا منه، واللامُ فيه لام الابتداء (¬5). ¬
104
ومعنى الآية: أن ثواب الله خير لهم من كسبهم بالكفر والسحر (¬1). 104 - قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا} يقال: أرعى إلى الشيء، وراعاه: إذا أصغى إليه، مثل: عافاه وأعفاه. قال الفراء: هو من الإرعاء والمراعاة (¬2). وقال أبو العباس أحمد بن يحيى: راعِنا سمعَك، أي: اسمع منّا حتى نفهمَك وتفهمَ عنّا، والعرب تقول: أرْعِنا سمعَك، وراعِنا سمعَك بمعنى واحد (¬3). وأصل الكلمة من الرعاية (¬4)، الذي هو الحفظ، فمعنى أرعيته سمعي، أي: حفظت عليه ما يقول. والمراعاة: المراقبة لأنها حفظ ما يكون من أحوال الشيء، والإرعاء: الإبقاء على أخيك؛ لأنك تحفظ ما تقدم من حقه. (¬5) قال الكلبي: عن ابن عباس: كان المسلمون يقولون للنبي - صلى الله عليه وسلم -: راعِنا سمعك، وكان هذا بلسان اليهود سبًّا قبيحًا، فلما سمعوا هذه الكلمة ¬
يقولونها لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعجبتهم، وكانوا يأتونه ويقولون ذلك، ويضحكون فيما بينهم، فسمعها سعد بن معاذ (¬1)، وكان يعرف لغتهم، فقال: عليكم لعنة الله، لئن سمعتُها من رجلٍ منكم يقولها لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - (¬2) لأضربنَّ عنقه، فقالت اليهود (¬3): أولستم تقولونها؟ فأنزل الله هذه الآية، ونُهوا عن ذلك (¬4). وهذا النهي اختص بذلك الوقت؛ لإجماع الأمة على جواز المخاطبة بهذه اللفظة الآن. ¬
وقوله تعالى: {وَقُولُوا انْظُرْنَا} أي: انتظرنا والعرب تقول: نظرت فلانًا، أي: انتظرته، قال الحطيئة: وقد نَظَرْتُكُمُ إبناءَ صَادِرةٍ (¬1) ومعنى (انظرنا) هاهنا: اصبر حتى نفهمك ما نقول، ويجوز أن يكون (انظرنا) أي: انظر إلينا، فحذف حرف الصفة، كقول قيس بن الخطيم (¬2): ظاهراتُ الجَمال والحُسْنِ ينظُرنَ ... كما ينظرُ الأراكَ الظباءُ (¬3) ¬
105
وإذا كان بتقدير: انظر إلينا كان من نظر العين (¬1). ونذكر معاني النظر عند قوله: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ} [البقرة: 210] إن شاء الله. قال: المفسرون أمروا أن يقولوا: انظرنا، بدل راعنا. وقوله تعالى: {وَاسْمَعُوا} أي: أطيعوا، أو اتركوا هذه الكلمة، فسمّى الطاعة سمعًا؛ لأن الطاعة تحت السمع (¬2). 105 - قوله تعالى: {مَا يَوَدُّ} إلى قوله {مِنْ خَيْرٍ} (من) صلة مؤكدة (¬3). وقوله تعالى: {وَاللَّهُ يَخْتَصُّ} يقال: خَصَّه بالشيء واخْتَصَّه به بمعنى واحد (¬4)، ويقال: اختَصَصْتُه بالفايدة واختصصت بها. ومعنى الاختصاص: الانفراد بالشيء، ومنه: الخَصَاص للفُرَجِ (¬5)؛ ¬
لأنه انفرد كل منهما (¬1) واحد عن الآخر من غير جمع بينها، ثم يقال لسوء الحال: الخصاصة (¬2)، لأنها خللٌ في الحال وصدع (¬3). وقوله تعالى: {بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ} أراد بالرحمة هاهنا: النبوة (¬4). وقوله تعالى: {وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} قال الليث: ذو اسم ناقص، وتفسيره: صاحب ذاك (¬5)، كقولك: ذو مال. والتثنية: ذوان، والجمع (¬6): ذوون، وتقول في تأنيث (¬7) ذو: ذات، وفي التثنية: ذواتا، وفي الشعر يجوز: ذاتا. والجمع: ذوات مال (¬8)، وأنشد للكميت: وقد عَرَفَتْ مَوَالِيها الذَّوِينَا (¬9) أي (¬10): الأخصين الأدنين، وإنما جاءت النون لذهاب الإضافة (¬11). وسمعت أبا الحسن النحوي رحمه الله يقول: أصل ذو: ذوي أو ¬
106
ذوو، فلما تحركت الواو والياء وانفتح ما قبلها صارت ألفًا فصار ذوا، ثم لما تحركت الواو وانفتح ما قبلها صارت ألفًا، فاجتمعت ألفان فحذفت إحداهما لالتقاء الساكنين، فبقي ذا فلم يمكن إعراب الألف، فجعل إعرابه في الذال، فلما أعربت الذال بالرفع انقلبت الألف واوًا، ولما أعربت بالخفض انقلبت ياء، ولما أعربت بالنصب بقيت ألفًا كما كانت. 106 - قوله تعالى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا} الآية، قال الزجاج: النسخ في اللغة: إبطال شيء وإقامة آخر مقامه. والعرب تقول: نسخت الشمسُ الظل، والمعنى: أذهبت الظلّ وحلّت محلّه (¬1). وقال غيره: تناسخ الأزمنة والقرن بعد القرن: هو مضي الأول ومجيء الثاني بعده يخلفه في محلّه. ثعلب عن ابن الأعرابي: النسخ: تبديل الشيء من الشيء، وهو غيره، والنسخ: نقل شيء من مكان إلى مكان، وهو هو (¬2) (¬3). وروى أبو تراب (¬4) عن الفراء وأبي سعيد: مسخه الله قردًا، ونسخه قردًا، بمعنى واحد (¬5) (¬6). ¬
وقال العلماء من أهل اللغة والتفسير (¬1): النسخ له معنيان: أحدهما: تحويلُ الكتاب من حيث هو إلى نسخة أخرى، يقال: نسخت الكتاب، أي: كتبت منه نسخة أخرى (¬2). ثم (¬3) يقال: نَسَخْتُ منه نسخة، وإن لم تُحوِّله من مكتوب إلى غيره، كأنك كتبته عن حفظك. ومن هذا قوله عز وجل {إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [الجاثية: 29]، يجوز أن يكون معناه: ننسخ، كقوله: {وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ} [الصافات: 14]، أي: يسخرون، ويجوز أن يكون معناه: نستدعي ذلك، وهو أمر الملائكة بكتابته. وعلى الوجهين جميعًا هو كتابة لا من نسخة. فعلى هذا المعنى: القرآن كله منسوخ، لأنه نُسِخَ للنبي - صلى الله عليه وسلم - من أمِّ الكتاب فأُنزل عليه. والثاني: هو رفعُ الحكم وإبطالهُ، ثم يجوز النسخ إلى بدل وإلى غير بدل. فالذي إلى بدل قولهم: نَسَختِ الشمسُ الظلَّ، فالظلُّ يزول ويبطل، ¬
والشمس تكون بدلًا عنه (¬1). والذي إلى غير بدل قولهم: نَسَختِ الريحُ الأثرَ، أي: أبطلتها وأزالتها. وهذا المعنى هو المراد بالآية (¬2). ثم النسخ في القرآن على ضروب: منها: ما يكون حكمه مرفوعًا، وخطُّه مثبت يتلى ويقرأ، ولا يعمل به، وهذا هو المعروف من النسخ؛ أن تكون الآية الناسخةُ والمنسوخةُ جميعًا ثابتتين في التلاوة وفي خط المصحف، إلا أن المنسوخة منهما غيرُ معمولٍ بها ثابت، فينسخ التلاوة بثابت التلاوة (¬3)، وذلك مثل: عِدّة المتوفى عنها زوجها، كانت سنّةً لقوله: {مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ} [البقرة: 240] ثم نسخت بأربعة أشهر وعشر؛ لقوله: {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [البقرة: 234] (¬4). ومثل هذا أيضا قوله: {إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ} [الأنفال: 65] الآية، ثم نسخت بقوله: {الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ} [الأنفال: 66]. ومنها: أن ترفع تلاوتها وحكمها، كنحو ما يُرْوَى عن أبي بكر - رضي الله عنه - أنه قال: كنا نقرأ: (لا ترغبوا عن آبائكم إنه كفر) (¬5). ¬
ومنها: أن ينسخ تلاوته ولا تنسخ حكمه، كآية الرجم، فإنها منسوخة تلاوة، ثابتة حكمًا (¬1). ومنها: أن يُنْسخ ما ليس بثابت التلاوة (بما ليس بثابت التلاوة) (¬2) مثل: ما روي عن عائشة رضي الله عنها. قالت: إنا كنا نقرأ: "عشر رضعات معلومات يُحَرّمن"، فنسخن بخمس (¬3). وقد ينسخ أيضا ما ليس بثابت التلاوة بما هو ثابت التلاوة والمراد بالمنسوخ: الحكم، مثل: نسخ تحليل الخمر، وكتحريم الزنا، وهذا كثير. ويجوز أيضا نسخ ما هو ثابت التلاوة بما (¬4) ليس بثابت التلاوة، وهو كنسخ الجلد في المحصنين بالرجم، والرجم غير متلو الآن، وإن (¬5) كان يتلى على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (¬6)، فالحكم يثبت والقراءة لا تثبت، كما يجوز أن تثبت التلاوة في بعض ولا يثبت الحكم. وإذا جاز أن يكون قرآن ولا يعمل به جاز أن يكون قرآن يعمل به ولا يتلى؛ وذلك أن الله عز وجل أعلم بمصالحنا، وقد يجوز أن يعلم من مصلحتنا ¬
تعلّق العمل بهذا الوجه. قال أبو إسحاق: إن قيل: ما الفصل (¬1) بين الترك والنسخ؟ فالجواب في ذلك: أن النسخ أن يأتي في الكتاب نسخ آية بآية، فتبطِلَ الثانيةُ العمل بالأولى. ومعنى الترك: أن تأتي الآية بضرب من العمل فيؤمر المسلمون بترك ذلك بغير آية تنزل ناسخةً للتي قبلها، نحو قوله: {إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ} [الممتحنة: 10]، ثم أُمر المسلمون بعد بترك المحنة، فهذا يدل على معنى الترك ومعنى النسخ (¬2). فأبو إسحاق فصل بين النسخ والترك كما ترى، وجعلهما قسمين. قال أبو علي (¬3): ليس حقيقهُ النسخ ما ذكره أبو إسحاق، بل هو ضرب من النسخ، وقد يكون نسخ الآية على (¬4) ضروب أخر، وما أعلم في النسخ روايةً ولا قياسًا يدل على أنه مقصور على ما ذكر، وقد ينسخ القرآن عند عامةِ الفقهاء بسنَّةٍ غير آية، ولا يمتنعون من أن يسمّوا ذلك نسخًا، ولا يمتنع أن يسمّى الضرب الذي سماه أبو إسحاق تركًا نسخاً. ¬
ومما (¬1) يدل على ذلك: أن الزهري روى عن عروة عن عائشة، قالت: نزل في أصحاب بئر معونة (¬2) قرآن منه: "بلّغوا قومنا أن قد لقينا ربَّنا فرضِيَ عنّا وأرضاناً"، دم نسخ (¬3)، فسمّت عائشة ذلك نسخًا، وإن لم ينسخ بآية، ولم تُسمّه تركًا، وهذا يفسد القسمين اللذين قسمهما (¬4). قال أبو علي: ولم يثبت بتسمية النسخ ومعناه رواية نعلمها عن العرب، ولا سماع، ولا قياس، وإن المفسرين قالوا فيه على طريق التقريب. الذي يدل على هذا: أن الفراء قال: النسخ: أن يعمل بالآية ثم تنزل أخرى فيعمل بها، وتترك (¬5) الأولى. ¬
والقراءة الصحيحة: {مَا نَنْسَخْ} وقرأ ابن عامر (¬1) وحده (ما نُنْسِخْ) بضم النون (¬2)، وخَطَّأهُ في ذلك أبو حاتم (¬3) (¬4) وكثير من أهل النظر (¬5). والذين وجهوا هذه القراءة قالوا: أفعَلَ لا يخلو من ثلاثة (¬6) أوجه: أحدها (¬7): أن تكون (¬8) لغة (¬9) في فعل كقولهم: حلَّ من إحرامه، وأَحَلّ، وبدأ الله الخلق وأبدا هم، ولا يجوز هذا الوجه في أنسخ؛ لأنا لا نعلم أحدًا حكى أو روى أنسخ بمعنى: نسخ. الوجه الثاني: أن تكون الهمزة للنقل، كقوله: قام وأقمته، وضرب وأضربته (¬10)، ونسخ الكتاب وأنسخته الكتاب، وهذا الوجه أيضًا كالأول ¬
في أنه لا يجوز حمل الآية عليه؛ لأنك لو قدرت الهمزة للنقل كان المعنى ما ننسخك من آية، فتجعل (¬1) المفعول محذوفًا من اللفظ مرادًا في المعنى، كقولك: ما أعطيت من درهم فلن يضيع عندك، على معنى: ما أعطيتك، وإذا كان على هذا التقدير، كان المعنى: ما نُنَزِّلُ عليك من آية أو ننسها نأت بخير منها، وذلك أن إنساخه إياها إنما هو إنزال في المعنى، لأنه تمكين من نسخها بالكتابة، وإنما يتمكن بأن ينزل عليه، وليس هذا المراد بالآية ولا المعنى، ألا ترى أنه ليس كل آية أنزلت أُتي بآية أذهب منها في المصلحة، وإذا كان هذا التأويل يؤدي إلى الفساد في المعنى والخروج عن الغرض الذي قصد به الخطاب علمت أن توجيه التأويل إليه لا يصح (¬2). الوجه الثالث: أن يكون المعنى في أنسخت الآية: وجدتها منسوخة، كقولهم: أَجَدْتُ الرجل، وأَجْبَنْتُه، وأكذَبْتُهُ، وأَبْخَلْتُه، أي: أصبتُه على هذه الأحوال، فيكون معنى قوله (نُنسخْ): نجده منسوخًا، وإنما (¬3) نجده كذلك ¬
لنسخه إياه، وإذا كان كذلك كان قوله: نُنسخ بضم النون كقراءة من قرأ: (نَنسخ) بفتح النون يتفقان في المعنى وإن اختلفا في اللفظ (¬1). وقوله تعالى: {نُنْسِهَا} قرأ ابن كثير (¬2) وأبو عمرو: (نَنْسَأها) مفتوحة النون مهموزة (¬3). قال أبو زيد: نسأتُ الإبل عن الحوض، فأنا أنسؤها نَسْأً، إذا أخَّرْتَها عنه، ونسأت الإبل: إذا زدتَ في ظمئها يومًا أو يومين أو أكثر، وتقول: انتسأتُ عنك انتساء: إذا تباعدتَ (¬4) عنه (¬5)، وفي الحديث: "إذا تناضلتم ¬
فانتسئوا عن البيوت" (¬1) أي: تباعدوا. وقال: مالك بن زُغْبة (¬2): إذا أَنْسَؤُوا فوتَ الرماح أتَتْهُمُ ... عوائرُ نَبْلٍ كالجرادِ نُطِيرُها (¬3) وأنسأته الدين إنساءً: إذا أخرت قضاءه عنه. واسم ذلك: النسيئة، فمعنى قوله: (ننسأها) أي: نؤخرها (¬4). ومعنى التأخير في الآية على ثلاثة أوجه: أحدها: أن يؤخر التنزيل (¬5) فلا ينزل ألبتَّة، ولا يُعْلَم، ولا يُعْمَل به، ولا يتلى، والمعنى على هذا: ما نؤخر (¬6) إنزالها فلا ننزِلُها (¬7). الوجه الثاني: أن ينزلَ القرآن فيعمل به ويتلى، ثم يؤخر بعد ذلك، بأن يُنْسخ فترفع (¬8) تلاوته ألبتّة، فلا يتلى ولا يعمل بتأويله، وذلك مثل ما روينا عن أبي بكر (¬9) - رضي الله عنه - ومثل ما روي عن زر أن أُبَيًّا قال له: كم تقرؤون الأحزاب؟ قلت: بضعًا وسبعين آية، قال: قد قرأتها ونحن مع ¬
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أطول من سورة البقرة (¬1). والوجهُ الثالث: أن يؤخر العملُ بالتأويل؛ لأنه نسخ، ويترك خَطه مُثبتًا وتلاوته في أن يُتلى قُرآن (¬2). وهو ما حكي عن مجاهد في قوله: (أو ننساها) قال: نُثْبت (¬3) خطها ونُبَدّل حكمها (¬4) (¬5). ولا يصح في معنى الآية من هذه الأوجه إلا الأول؛ لأن الثاني والثالث يرجع تأويلهما إلى النسخ، ولا يَحسُن في التقدير: ما نَنْسَخْ من آية أو نَنْسَخْها. وذُكر وجه رابع، هو أقوى هذه الأوجه، وهو: أن يكون المعنى: نؤخرها إلى وقت ثانٍ، فنأتي بدلًا منها في الوقت المتقدم بما يقوم مقامها، فعلى هذا يتوجّه معنى التأخير (¬6). ¬
وأما من قرأ: (نُنسها) فهو منقول من نسي، والنسيان له معنيان: أحدهما: الترك كقوله: {نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ} [التوبة: 67]، أي: تركوا طاعة الله فترك رحمتهم، أو ترك تخليصهم. والثاني: الذي هو ضد الذكر (¬1). ¬
والذي في هذه الآية منقول من: نسيتُ الشيء إذا لم تذكره، ومعناه: أنَّا إذا رفعنا آية من جهة النسخ أو الإنساء لها أتينا بخير من الذي نرفع بأحد هذين الوجهين وهما النسخ والإنساء (¬1). وقد يقع النسخ بالإنساء، وهو ما حدث أبو أمامة بن سهل بن حنيف (¬2): أن رجلًا كانت معه سورة، فقام يقرؤها من الليل، فلم يقدر عليها، وقام آخر يقرؤها، فلم يقدر عليها، فلما أصبحوا أتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال بعضهم: يا رسول الله، قمت البارحة لأقرأ سورة كذا، فلم أقدر عليها، وقال الآخر: يا رسول الله، ما جئت إلا لذلك (¬3)، وقال الآخر: وأنا يا رسول الله، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إنها نسخت البارحة" (¬4). ¬
ومعنى قوله: {نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا} أي: أصلح لمن تعبّد بها، وأنفع لهم، وأسهل عليهم، وأكثر لأجرهم، لا أن آيةً خيرٌ من آية؛ لأن كلام الله عز وجل واحد، وكله خيرٌ (¬1). {أَوْ مِثْلِهَا} في المنفعة والمثوبة، بأن يكون ثوابها كثواب التي قبلها (¬2). والفائدة في ذلك: أن يكون الناسخُ أسهلَ في المأخذ من المنسوخ، والإيمان به والناس إليه أسرع، نحو القبلة التي كانت على جهة ثم حولت إلى الكعبة، فهذا وإن كان السجود إلى سائر النواحي متساويًا في العمل والثواب، فالذي أمر الله به في ذلك الوقت كان الأصلح والأدعى للعرب وغيرهم إلى الإسلام. واعلم أن هذه الآية قد اضطرب فيها المفسرون وأصحاب المعاني والقراء، واختلفت أقوالهم وقراءاتهم. وكثرة الاختلاف تدل على الإشكال وخفاء المغزى، وقلَّ من أصاب الشاكلة منهم (¬3). فالفراء أشار في هذه الآية إلى قولين زَلَّ في أحدهما، وذلك أنه قال: النسيان على وجهين: أحدهما: على الترك، يتركها ولا ينسخها (¬4). وهذا لا يصح؛ لأنه ¬
107
ليس كل آية تُركت ولم تنسخ يؤتى بخير منها (¬1). قال الزجاج: وهو فاسد من جهة اللفظ، وذلك النسيان يكون بمعنى الترك، وفي الآية (ننسها) من الإنساء لا من النسيان، فالإنساء لا يكون بمعنى الترك (¬2). ونصر أبو علي الفارسي في كتاب الحجة قول الفراء، وأَفَسَدَ كل ما ذكره أبو إسحاق في هذه الآية في كتابه، وطال الخطبُ بينهما، فضربت عن ذكره صفحًا (¬3). وكثير من المفسرين حمل النسخ المذكور في الآية على معنى: نسخ الكتاب من الكتاب. فقد حكي عن عدة منهم أنهم قالوا: يريد بالنسخ ما نسخه الله لمحمد - صلى الله عليه وسلم - من اللوح المحفوظ فأنزله عليه، وهذا ظاهر الإحالة؛ لأنه ليس كل آية نسخت للنبي - صلى الله عليه وسلم - من اللوح المحفوظ، فأنزلت عليه (¬4) يؤتيه الله ويأتيه بخير منها، ولو كان كذلك لتسلسل الوحي حتى لا يتناهى (¬5). وقوله تعالى: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} أي: من النسخ والتبديل وغيرهما (¬6). 107 - قوله تعالى: {أَلَمْ تَعْلَمْ} هو استفهام معناه التوقيف والتقرير (¬7)، كقوله: ¬
108
أَلَسْتم خير من ركب المطايا (¬1) أي: أنتم كذلك. وقوله تعالى: {مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} الملك: تمام القدرة واستحكامها (¬2)، وقد مرَّ. ومعنى الآية: أنه يملك السماوات والأرض ومن فيهن، وهو أعلم بوجه الصلاح فيما يتعبدهم به من ناسخ ومنسوخ (¬3). وقوله تعالى: {مِنْ وَلِيٍّ} هو فعيل بمعنى الفاعل (¬4)، يقال: هو والي الأمر ووليُّه، أي: القائم به والذي يلي عليه (¬5). وشرحنا (¬6) معنى الولي عند قوله: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا} [البقرة: 257] ومعنى: {وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ} تحذير العباد من عذابه، إذ لا مانع منه (¬7). 108 - قوله تعالى: {أَمْ تُرِيدُونَ} الآية، قد ذكرنا بعض أحكام أم في قوله: {أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ} [البقرة: 6]، (¬8) والذي بقي هاهنا أن أم تقع (¬9) ¬
عاطفة بعد الاستفهام، كقولك: أخرج زيدٌ (¬1) أم عمرو؟ وأَزَيدٌ عندك أم عمرو؟، فيكون معنى الكلام: أيهما عندك؟، ولا تكاد تكون عاطفة إلا بعد الاستفهام (¬2). قال الفراء: ويجوز أن يستفهم بها، فتكون (¬3) على جهة النسق في ظاهر اللفظ، وفي المعنى تكون استفهامًا مبتدأً به، منقطعًا مما قبله، وذلك مثل قوله تعالى: {الم (1) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ} [السجدة:1 - 3]. فجاءت (أم) وليس قبلها استفهام، وهي دليل على أنها استفهام مُبتدأ على كلام قد سبقه (¬4)، وتقديره: بل أتقولون افتراه، فلو لم يتقدمه كلام لم يجز أن تستفهمَ مبتدئا كلامك بـ (أم)، ولا يكون إلا بالألف أو بهل، فأم استفهام متوسط والمتقدم يكون بالألف أو بهل (¬5). فأما قوله {أَمْ تُرِيدُونَ} فيجوز فيه الوجهان جميعًا، إن شئت قلت قبله استفهام رُدَّ عليه، وهو قوله: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ} (¬6). فإن قيل: كيف يُرَدّ (أم تريدون) عليه والأول خطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم -، والثاني خطاب للجماعة؟ قيل: الله تعالى رجع في الخطاب من التوحيد إلى الجمع، وما خوطب به عليه السلام فقد خوطب به أُمّته، فيكتفى به من أُمّته، كقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ} [الطلاق: 1]، فوحَّد ثم جَمَعَ، ¬
كذلك فيما نحن فيه، ويكون المعنى على هذا: أيُّهما عندكم العلم بأن الله قدير، وأن له ملك السماوات والأرض، أم إرادة سؤال الرسول الآيات؟ والله تعالى علم أيهما عندهم. وإن شئت جعلت أم منقطعًا مما قبله في المعنى، مستأنفًا بها الاستفهام، فيكون استفهامًا متوسطًا في اللفظ مُبتدئًا في المعنى، كقوله تعالى: {أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ} الآية. ثم قال: {أَمْ أَنَا خَيْرٌ} [الزخرف:51 - 52] وهذا يطرد فيه الوجهان العطف بالاستفهام، والابتداء به (¬1). ومثله قوله: {مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ (62) أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ} [ص:62 - 63]. فمن قرأ: {أَتَّخَذنَاهُم} بفتح الألف فـ (أم) جاءت بعد الاستفهام (¬2)، ومن وصل الألف فـ (أم) فيه بمنزلته في قوله: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ} [السجدة: 3]. قال الفراء: وربما جعلت العرب (أم) إذا سبقها استفهام لا يصلح فيه أيٌّ على جهة (بل) فتقول (¬3): هل لك قبلنا حقٌ أم أنت رجل ظالم؟ على معنى: بل أنت (¬4). وأنشد ابن الأنباري على هذا: تروحُ من الحيِّ أم تَبْتَكرْ ... وماذا يضُرُّك لو تَنْتَظِرْ (¬5) ¬
فقال: يجوز أن تكون أم في هذا البيت مردودة على الألفِ المُضْمَرة مع تروح وكافية منها، كقوله: فوالله ما أدري وإنْ كنتُ داريًا ... بسبعٍ رمينَ الجمرَ أم بثمانِ (¬1) ويجوز أن يكون هي حرف الاستفهام متوسطًا. فأما التفسير فقال ابن عباس: نزلت هذه الآية في رهط من قريش، قالوا: يا محمد، (اجعل لنا) (¬2) الصَّفَا ذهبًا، ووسِّع لنا أرضَ مكة، وفجَّر الأنهار خلالها تفجيرًا، نؤمنْ بك، فأنزل الله تعالى هذه الآية (¬3). والذي سأل قوم موسى أنهم قالوا: {أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً} [النساء: 153]، (¬4). قال ¬
المفسرون: إن (¬1) اليهود وغيرهم من المشركين تمنَّوا (¬2) على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فمِنْ قائلٍ يقول: ائتنا بكتاب من السماء جملة واحدة (¬3)، كما أتى موسى بالتوراةِ، ومِن قائلٍ يقول، وهو عبد الله ابن أبي أمية المخزومي (¬4): ائتني بكتاب من السماء فيه من الله رب العالمين إلى أُبي بن (¬5) أُميّة: اعلم أني قد أرسلت محمدًا إلى الناس، ومِن قائلٍ يقول: لن نؤمن أو تأتي بالله والملائكة قَبيلًا، فأنزل الله تعالى هذه الآية (¬6). وقال أبو إسحاق: معنى الآية: أنَّهم نُهوا أن يسألوا النبي - صلى الله عليه وسلم - مالا خير لهم في السؤال عنه (¬7)، إنما خُوطبوا بهذا بعدَ وضوحِ البراهين لهم، وإقامتهم (¬8) على مخالفتهم (¬9). ¬
109
والسؤال بعد قيام البراهين كفر. لذلك قال {وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ} قصدَه ووسطَه (¬1)، ومعنى الضلال ها هنا: الذَهابُ عن الاستقامة (¬2)، قال الأخطل (¬3): كنتُ القَذَى في موجِ أكدرَ مُزبدٍ ... قذَفَ الأتيُّ به فضلَّ ضلالا (¬4) أي: ذهب يمينًا وشمالًا. وذكرنا ما في (سواء) في قوله: {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ} [البقرة: 6]. 109 - قوله تعالى: {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ} قال ابن عباس: نزلت في نفر من اليهود قالوا للمسلمين بعد وقعة أحد (¬5): ألم تروا إلى ما أصابكم، ولو كنتم على الحقّ ما هُزِمتم، فارجعوا إلى ديننا فهو خير لكم (¬6). وتم الكلام عند قوله: {كُفَّارًا}. وانتصب {حَسَدًا} على ¬
المصدر. ودل قوله: (يردونكم كفارًا) على (يحسدونكم)، وإن شئت جعلته مفعولًا له، كأنه قيل: للحسد (¬1). وقوله تعالى: {مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ} أراد: أنهم ودُّوا ذلك من عند أنفسهم، لم يؤمروا به في كتابهم (¬2) الدليل على ذلك قوله: {مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ} فـ (من) موصولة بـ {وَدَّ} لا بقوله: {حَسَدًا} على التوكيد، كقوله: {وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ} [الأنعام: 38]. قال ابن الأنباري: ويكون تأويل {مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ} في حكمهم وتدينهم ومذهبهم، أي: هذا الحسد مذهب لهم، لم يؤمروا به كما تقول: هذا عند الشافعي حلال، أي: في حكمه ومذهبه. وأما معنى الحسد في اللغة، فحكى ثعلب عن ابن الأعرابي: أصل الحسد في كلام العرب: القشر، ومنه أخذ الحسد؛ لأنه يَقْشر القلب، قال والحَسدلُ (¬3): القرادة, ¬
لأنه يقشر الجلد فيمص الدم. ذكره الأزهري (¬1). وقوله تعالى: {مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ} في التوراة أن قول محمد صدق، ودينه حق، وهذا يدل على أنهم كانوا معاندين (¬2). وقوله تعالى: {فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا} قد ذكرنا معنى العفو عند قوله: {ثُمَّ عَفَونَا عَنكم} [البقرة: 52]، وأما الصفح فمعناه في اللغة: الإعراض (¬3)، يقال: صفح عن فلان أي: أعرض عنه موليًا، ومنه قول كُثَيِّر يصفُ امرأة أعرضت عنه: صفوحًا فما تلقاك إلا بخيلةً ... فمَنْ ملَّ منها ذلك الوصلَ ملَّتِ (¬4) قال ابن عباس: {فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا} أي: عن مساوئ كلامهم، وغلّ قلبهم (¬5). قال: وهذا منسوخٌ بآية القتال (¬6)، وذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان مأمورًا ¬
111
في أوَّلِ الأمر أن (¬1) يدعو بالحججِ البينة، وغاية الرفق، فلمَّا عاندَ اليهود بعدَ وضوحِ الحق عندهم أُمِرَ المسلمون بعد ذلك بالحرب (¬2). وقوله تعالى: {حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ} قال ابن عباس: يريد إجلاء النضير، وقتل قريظة، وفتح خيبر وفَدَك (¬3) (¬4)، وقال قتادة: يعنى: أمره بالقتال (¬5) في قوله: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} (¬6) [التوبة: 29] (¬7). 111 - قوله تعالى: {وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى} المعنى: أن اليهود قالت: لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا، والنصارى قالت: لن يدخل الجنة إلا من كان نصارى، ولكنهم أُجملوا، ¬
وضم النصارى إلى اليهود في قوله: {وَقَالُوا}؛ لأن الفريقين يُقِرَّانِ بالتوراة (¬1). كما قال حسان: أمَنْ يهجُو رسولَ اللهِ منكمْ ... ويمدحُه وينصرُه سواءُ (¬2). تقديره: ومن يمدحه وينصره، إلا أنه لما كان اللفظ واحدًا جُمع مع الأول، يعنى إلى أصل الفعل، وصار كأنه إخبار عن جملة واحدة، وإنما حقيقته عن بعضين مختلفين. وقوله: {هُودًا} قال الفراء: أراد: يهودًا، فحذف الياء الزائدة، ورجع إلى الفعل من اليهودية، وقد يكون أن تجعل الهود جمعًا، واحده هائد، مثل حائل (¬3) وحُول، وعائط وعُوط (¬4) (¬5)، ومثله من الصحيح: بازل وبُزْل (¬6)، وفاره وفُرْهٌ، والهائد: المائل إلى التوبة وإلى غيرها من ¬
المعاني (¬1)، وقال الليث: الهود: هم اليهود، هادوا يهودون هُودًا: أي: تابوا (¬2) وقوله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا} [الأنعام: 146]، أي: دخلوا في اليهودية، وقد مرَّ هذا. وقوله تعالى: {تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ} أي: التي تمنّوْها على الله باطلًا، وذكرنا ما في هذا الحرف عند قوله: {إِلَا أَمَانىِّ} [البقرة: 78]. وقوله تعالى: {هَاتُوا} قيل: إن الهاء فيه أصلية، وهو من المُهَاتَاة. وقيل: إنه بدل عن الألف، من آتى، ولكن العرب قد أَمَاتَتْ كلَّ شيء من فعلها غير الأمر، فإذا أمرت رجلًا أن يعطيك شيئا قلتَ: هاتِ (¬3). ثعلب عن ابن الأعرابي: هاتِ وهاتِيَا، وهاتوا: أي: قَرِّبُوا قال (¬4): ومنه قوله تعالى: {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ} أي: قَرِّبُوا، قال: ومن العرب من يقول: هاتِ: أعط (¬5). و (البرهان): الحُجَّةُ، قال الأزهريُّ: والنون فيه ليست بأصلية، وقولهم: بَرْهَنَ فلانٌ، إذا جاء بِبُرهانٍ، مُوَلَّدٌ، والصوابُ أن يقال في معناه: أَبْرَهَ. كذلك قال ابن الأعرابي (¬6). أَبْرَهَ الرجلُ إذا غلبَ الناسَ وأتى ¬
112
بالعجائب (¬1). 112 - قوله تعالى: {بَلَى مَنْ أَسْلَمَ} (بلى) هاهنا بمنزلته في قوله: {بَلَى مَنْ كَسَبَ} (¬2) [البقرة: 81]، وقد ذكرناه. وقوله تعالى: {أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ} الإسلام والاستسلام لله -عز وجل- هو الانقياد لطاعته، والقبول لأمره. ومن هذا قوله: {وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [آل عمران: 83] أي: انقاد، والإسلام الذي هو ضد الكفر من هذا. ثم ينقسم إلى: متابعة وانقياد باللسان دون القلب، كقوله: {قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا} [الحجرات: 14]، أي: انقدنا من خوف السيف، وإلى متابعة وانقيادٍ باللسان والقلب كقوله: {قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [البقرة: 131]. ومعنى قوله: {أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ} أي: بذل وجْهَهُ له في السجود (¬3)، وعلى هذا {أَسْلَمَ} بمعنى سلَّم، يقال: سلّم الشيءَ لفلانٍ، أي: خَلَّصَه له، وسَلَمَ له الشيء، أي: خَلَصَ له (¬4). قال ابن الأنباري: والمسلم على هذا القول: هو المخلصُ لله ¬
العبادةَ، فمعنى قوله: {أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ}، أي: سلّم وجهه له، بأن صانه عن السجود لغيره، وخَصَّ الوجه، لأنه إذا جاد بوجهه في السجودِ لم يبخل بسائر جوارحه. وقال قومٌ من أهل المعاني: أسلمَ وجهَه أي: أسلمَ نفسه وجميع بدنه لأمر الله، والعرب تستعملُ الوجه وهم يريدون نفسَ الشيء، إلا أنَّهم يذكرونه باللفظ الأشرف (¬1)، كما قال: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} [القصص: 88]. وقال جماعة: الوجهُ قد يقع صلةً في الكلام (¬2)، فقوله: {أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ} أي: انقاد هو لله، ومثله: {فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ} [آل عمران: 20] أي: انقدت لله بلساني وعَقْدي (¬3)، قال زيد بن عمرو بن نفيل (¬4): وأسلمتُ وجهي لمن أسلمتْ ... له المزنُ تحملُ عَذْبًا زُلالًا (¬5) ¬
113
وقوله تعالى: {وَهُوَ مُحْسِنٌ} قال ابن عباس: يريد: وهو مؤمن موحّدٌ (¬1) مُصدِّق لما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - (¬2). وقال غيره (¬3): {وَهُوَ مُحْسِنٌ} أي: في عمله (¬4). وهذا دليل (¬5) على أن الطاعةَ من الإيمان، حيث جعل الإحسان في العمل (¬6) شرطًا في دخول الجنة، والآية ردٌّ على اليهود والنصارى؛ لأنَّهم قالوا: {لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى} فقال الله تعالى: (بلى) يدخلُها من كان بهذه الصفة. 113 - قوله تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ} الآية. قال ابن عباس: قدم وفد نجران على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فتنازعوا مع اليهود، فكذّب كل واحد منهما صاحبه، فنزلت هذه الآية فيهم (¬7). ¬
فقوله تعالى {وَهُم يَتْلُونَ الكِتَبَ} قال الزجَّاجُ: يعني (¬1) به أن الفريقين يتلون التوراة، وقد وقع بينهم هذا الاختلاف، وكتابهم واحد، فدلّ بهذا على ضلالتهم، وحذّر بهذا وقوع الاختلاف في القرآن؛ لأن الفريقين أخرجهما إلى الكفر (¬2). وقيل معنى قوله {وَهُم يَتْلُونَ الكِتَبَ} رفع الشبهة بأنه ليس في تلاوة الكتاب معتبر في الإنكار إذا لم يكن لهم برهان على ما ينكرون، فلا ينبغي أن يدخل الشبهة بإنكار أهل الكتاب لملة الإسلام، إذ كلُّ فريق من أهل الكتاب قد أنكر ما عليه الآخر. ثم بين أن سبيلهم كسبيل مَنْ لا يعلم الكتابَ في الإنكار لدين الله من مشركي العرب وغيرهم ممن لا كتاب لهم، فهم في جحدهم لذلك إذ لا حجة معهم يلزم بها تصديقهم لا من جهة سمع ولا عقل، فقال: {كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ} (¬3). قال ابن عباس: يريد: أمةَ نوحٍ وعادٍ وثمودَ وقومِ فرعون وإخوان لوط وأصحاب الأيكة وقوم تبع، كلهم كذبوا الرسل، واختلفوا على أنبيائهم، وكذَّبوهم كما كذب اليهود والنصارى محمدًا - صلى الله عليه وسلم - (¬4). ¬
114
وقال مقاتل (¬1): يعنى: مشركي العرب قالوا: إن محمدًا وأصحابه ليسوا على شيء من الدين (¬2). وقوله تعالى: {فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ} الآية، قال أبو إسحاق: المعنى: أنه (¬3) يريهم من يدخلُ الجنة عيانًا ويدخل النار عيانًا (¬4)، فأما (¬5) حكم الدين (¬6) فقد بيّنه الله عز وجل بما أظهر من حجج المسلمين (¬7)، وقال الحسن: حُكْمُه فيهم أن يكذّبهم جميعًا، ويدخلهم النار (¬8). 114 - قوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ} الآية، (من) ابتداء، وخبره أظلم، وهو استفهام معناه: وأيُّ أحدٍ أظلمُ (¬9). وعن ابن عباس في نزول هذه الآية روايتان: الأولى: أنها نزلت في أهل الروم، لأنهم خربوا بيتَ المقدس، فعلى هذا أراد بالمسجد بيت المقدس ومحاريبه (¬10) (¬11). ¬
والثانية: أنها نزلت في مشركي مكة، لأنهم منعوا المسلمين من ذكر الله في المسجد الحرام (¬1)، وعلى هذه الرواية معنى قوله {وَسَعَى فِي خَرَابِهَا} أنهم منعوا من العبادة في المساجد، وكلُّ من مَنعَ من عبادة الله في مسجد فقد سعى في خرابه؛ لأن عمارته بالعبادة فيه. وأصل السعي في اللغة: الإسراع في المشي، قال الله عز وجل: {وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى} [القصص: 20]. ثم يسمّى المشيُ سعيًا، كقوله: {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ} [الصافات: 102]، يعنى المشي، وقال: {فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الجمعة: 9]، أي: امشوا، وقال (¬2) {ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا} [البقرة: 260]، أي: مشيًا. ثم يسمى العمل سعيًا، لأنه لا ينفك من السعي في غالب الأمر، قال الله تعالى: {فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا} [الإسراء: 19] وقال: {وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ} [الحج: 51] أي: جدّوا في ذلك، وقال: {إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى} [الليل: 4]، أي: عملكم مختلف. وأراد (¬3) بالسعي في هذه الآية: العمل (¬4). ¬
وقوله تعالى: {أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ}. قال أبن عباس على الرواية الأولى: لم يدخل بيتَ المقدس بعد أن عمره المسلمون روميٌّ إلا خائفًا لو عُلمَ به قُتِلَ (¬1)، قيل: وهذا قول (¬2) مجاهد وقتادة (¬3) ومقاتل (¬4) والفراء (¬5). ¬
وقال على الرواية الثانية: هذا وعدٌ من الله لنبيه والمهاجرين، يقول: أفتح مكة لكم حتى تدخلوها آمنين وتكونوا أولى بها منهم. وهذا قول عطاء (¬1) وابن زيد (¬2). وقيل (¬3): إنه أمر في صيغة الخبر، يقول: جاهدوهم واستأصلوهم بالجهاد؛ كيلا يدخلها أحد منهم إلا خائفًا من القتل والسبي، كقوله عز وجل: {وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا} [الأحزاب: 53] نهاهم على لفظ الخبر، ومعناهما: لا ينبغي لهم ولكم (¬4). وقال الزجاج حاكيًا: إنَّ هذه الآية مما يعنى به جميع الكفار الذين تظاهروا على الإسلام ومنعوا جملة المساجد؛ لأن من قاتل المسلمين حتى يمنعهم من الصلاة فقد منع جميع المساجد، وكل موضع يتعبد فيه فهو ¬
115
مسجد؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -:"جعلت لي الأرض مسجدا" (¬1) والمعنى على هذا: ومن أظلم ممن يخالف ملة الإسلام (¬2). وقوله تعالى: {أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا} الآية، أعلم الله عز وجل أن أمر المسلمين يظهر على جميع من خالفهم، حتى لا يمكن دخول مخالف إلى مساجدهم إلا خائفا، وهذا كقوله: {لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ} [التوبة: 33]. الآية (¬3). وقوله: {أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ} موضع (أن) نصب؛ لأنه المفعول الثاني للمنع، وهو مع الفعل بمنزلة المصدر (¬4). قوله تعالى: {لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ} الآية. قال المفسرون: يريد القتل للحربي، والجزية للذمي (¬5). وذكرنا معنى الخزي عند قوله: {فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ} [البقرة: 85]. 115 - قوله تعالى: {وللهِ المشَرِقُ وَالمغَرِبُ} ارتفع المشرق من جهتين: ¬
إحداهما: الابتداء، والأخرى: بالفعل الذي ينوب عنه اللام (¬1)، أي: ثبت لله المشرق، ومثله قولك: لزيد المال، فيه الوجهان كما ذكرنا، ومعنى (لله) أي: هو خالقهما (¬2). قال ابن عباس: نزلت الآية في نفر من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - خرجوا في سفر فأصابَهم الضَّبابُ، وحضرت الصلاةُ فتحرَّوا القبلةَ، وصلوا إلى أنحاء مختلفة، فلما ذهب الضباب استبان أنهم لم يصيبوا، فلما قدموا سألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك، فنزلت هذه الآية (¬3). وقال ابن عمر: نزلت في صلاة المسافر يصلي حيثما توجهت به راحلته تطوعًا (¬4). وروى أن النبى -صلى الله عليه وسلم- كان يصلى على راحلته فى السفر حيثما توجهت به (¬5). وقال عكرمة وأبو العالية: نزلت في تحويل القبلة، وذلك أن اليهود عيّرت المؤمنين في انحرافهم من بيت المقدس، فأنزل الله هذه الآية جوابًا ¬
لهم (¬1). قوله تعالى: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا} أي: وجوهَكم، فحذف المفعول (¬2). ومعنى {تُوَلُّوُا وُجُوهَكُم}: تجعلونها تليه، ونذكر معنى هذا الحرف عند قوله: {وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا} [البقرة: 148]. وقوله تعالى: {فَثَمَّ} قال أبو إسحاق: (ثَمّ) بُني على الفتح لالتقاء الساكنين، وثَمَّ في المكان: إشارة، بمنزلة هناك (¬3)، فإذا أردت المكان القريب قلت: هنا زيد. وإذا أردت المتراخي قلت: هناك وَثَمّ. وإنما منعت (ثَمّ) الإعراب لإبهامها (¬4). قال أبو علي الفارسي: المبني على ضربين: مبني على حركة، ومبني على سكون، والمبني على الحركة على ضربين: أحدهما: ما يكون بناؤه على الحركة، لتمكّنه قبل حاله المفضية إلى بنائه (¬5)، وذلك نحو: من عَلُ وأولُ ويا حَكَم، وما أشبه ذلك. ¬
والآخر: ما يكون بناؤه على الحركةِ لالتقاء الساكنين، نحو: كيف، وأين، وأيان، وثم، وأولاء، وحذارِ، ومنذ. وكل هذه الأسماء المبنيات مع اختلافها فالعلة الموجبة لبنائها مشابهتها الحروف، ومضارعتها لها، ولذلك بني هذا الاسم أيضا لا للإبهام، لأن الإبهام لا يوجب البناء. ألا ترى أن قولنا: (شيء) من أعمّ ما يتكلم به وأبهمه، وهو معرب غير مبني، و (مكان) أَبْهَمُ من قولنا: ثم؛ لأنه للداني والقاصي (¬1)، وهو مع إبهامه معرب، فبانَ أنّ بناءه ليس لإبهامه، وإنما هو لتضمُّنه معنى الحرف واختزاله عنه، وذلك أنّ هذا الاسم لمّا كان معرفةً، وكان حكم المعرَّف أن يكون بحرف ولم يذكر، بُنيَ ولم يُعرَبْ؛ لتضمّنه معنى الحرف الذي به يكون التعريف والعهد. ألا ترى أن (ثَمَّ) لا تستعمله إلا في مكان معهود معروف. (¬2) لمخاطبك، فإن لم تعرفه لم تعبر عنه بذلك، فتحقيق العلة في هذا وشرحه ما ذكرنا، دون ما ذكره من الإبهام (¬3). وقوله تعالى: {وَجْهُ اللَّهِ} قال أكثر المفسرين (¬4): الوجه: صلة، معناه: فثمَّ الله. كقوله: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} [الحديد: 4]، والمعنى: فثم الله يَعْلَمُ وَيرَى (¬5). و (الوجه) قد ورد صلة مع اسم الله كثيرًا، كقوله: ¬
{وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ} [الرحمن: 27] و {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ} [الإنسان: 9] و {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} [القصص: 88]. وهذا قول الكلبي (¬1) وعبد الله بن مسلم (¬2) (¬3)، وقال الحسن (¬4)، ومجاهد (¬5) وقتادة (¬6) ومقاتل (¬7): فثم قبلة الله (¬8)، والوجه والجهة والوجهة: القبلة. ومثله: الوزن والزِّنَة، والوَعْد والعِدَة، والوَصْل والصِّلة. والعرب تجعل القصد الذي يتوجه إليه وجهًا (¬9)، كقول الشاعر: ربَّ العبادِ إليه (¬10) الوجهُ والعملُ (¬11) ¬
معناه. إليه القصد، وعلى هذا القول معنى قوله: {فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} أي: جهة الله (¬1) التي تعبّدكم بالتوجه إليها (¬2)، والإضافة تكون للتخصيص ¬
نحو: بيت الله، وناقة الله (¬1). وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} الواسع في صفة الله تعالى على ثلاثة أوجه (¬2): أحدها: أنه واسع بإفضاله على خلقه، واحتماله مسائل عباده، وأنه لا يُكرِثه (¬3) إلحاحُهم (¬4)، من قول العرب: فلان يسع ما يسأل، قال أبو زبيد: أُعطيهم الجَهْدَ مني بَلْهَ ما أسِعُ ¬
وهذا معنى قول الفراء (¬1) وأبي عبيدة (¬2). الثاني: أنه يُوَسِّع على عباده في دينهم، ولا يضطرهم إلى ما يعجزون عن أدائه، فهو واسعُ الرَّحمة، واسع الشريعةِ بالترخيص لهم في التوجهٍ إلى أي جهة أدَّى إليها اجتهادهم عند خفاء الأدلة (¬3). الثالث: أنه يسع علمَ كلِّ شيء، ويسع علمُه كلَّ شيء، كقوله: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} أي: علمه (¬4)، وقال: {وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا} [طه: 98]. وقال ابن عباس في بعض الروايات: إن هذه الآية نزلت في النجاشي (¬5)، وذلك أنه توفي، فأتى جبريل النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: "إن أخاكم النجاشي قد مات، فصلوا عليه"، ثم صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأصحابه عليه، فقال أصحابه في أنفسهم: كيف نصلي على رجل مات وهو يصلي لغير قبلتنا؟، وكان النجاشي يصلي إلى بيت المقدس حتى مات، وقد صرفت القبلة إلى الكعبة، فأنزل الله تعالى هذا الآية (¬6). وعَذَر النجاشيَّ في ذلك؛ ¬
116
لأنه لم يبلغه خبرُ نسخ القبلة وقال: {إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ} للنجاشي في قبلته، {عَلِيمٌ} بما قبله (¬1) من الإيمان. 116 - قوله تعالى: {وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ} وفي مصاحف الشام: قالوا (¬2) بغير واو؛ لأن هذه الآية ملابسة بما قبلها من قوله {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ} لأن الذين قالوا: اتخذ الله ولدا من جملة الذين تقدم ذكرهم، فيستغنى عن الواو؛ لالتباس الجملة بما قبلها كما استغنني عنها في نحو قوله: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 39]. ولو كان (وَهُمْ) كان حسنًا، إلا أن التباس إحدى الجملتين بالأخرى وارتباطها بها أغنت عن الواو. ومثل ذلك قوله: {سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ} [الكهف: 22]، ولم يقل: ورابعهم كما قال: {وَثَامِنُهُمْ} [الكهف: 22]، ولو حذفت الواو منها كما حذفت من التي (¬3) قبلها، واستغنى عن الواو بالملابسة التي بينهما كان حسنًا، ويمكن أن يكون حذف الواو لاستئناف جملة ولا يعطفها على ما تقدم (¬4). والآية نزلت ردًّا على اليهود والنصارى والمشركين، فإنهم وصفوا الله ¬
تعالى بالولد، فقالت اليهود: {عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ}، وقالت النصارى: {الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ} [التوبة: 30]، وقالت المشركون: الملائكة بنات الله، فنزّه اللهُ نفسَه عن اتخاذ الولد، فقال سبحانه: {بَل لَّهُ} (¬1). وبل معناه: نفي الأول واثبات للثاني (¬2) (¬3)، أي: ليس الأمر كذلك {بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} عبيدًا وملكًا (¬4). {كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ} قال مجاهد (¬5) وعطاء (¬6) والسدي (¬7): مطيعون. قال أبو عبيد: أصل القنوت في أشياء: فمنها القيام، وبه جاءت الأحاديث في قنوت الصلاة؛ لأنه إنما يدعو قائمًا، ومن أبين ذلك: حديث جابر (¬8) قال: سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - أي الصلاة أفضل؟ قال: "طول القنوت" (¬9) ¬
يريد: طول القيام. والقنوت أيضًا: الطاعة (¬1)، وقال عكرمة في قوله: {كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ} القانت: المطيع (¬2)، وقال الزجاج مثله، قال: والمشهور في اللغة أن القنوت الدعاء، وحقيقة القانت: أنه القائم بأمر الله، والداعي إذا كان قائمًا خُصَّ بأن يقال له: قانت، لأنه ذاكر لله وهو قائم على رجليه، فحقيقة القنوت: العبادة والدعاء لله في حال القيام (¬3). ويجوز أن يقع في سائر الطاعة؛ لأنه إن لم يكن قيام بالرجلين فهو قيام بالشيء بالنية (¬4). قال ابن عباس في هذه الآية: قوله: {كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ} راجع إلى أهل طاعته دون الناس أجمعين (¬5). وهو من العموم الذي أريد به الخصوص، وهذا اختيار الفراء (¬6)، وطريقة مقاتل (¬7) ويمان (¬8) إلا أنهما قالا: هذا يرجع إلى عُزير والمسيح ¬
والملائكة، أراد: أنهم كلهم عباد الله طائعون (¬1)، نظيره: قوله: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ} [الأنبياء: 26]. وقال السُدي ومجاهد والزجاج: هذا على ما ورد من العموم، فقال السدي: هذا في يوم القيامة (¬2)، تصديقه قوله: {وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ} [طه: 111] (¬3). وقال مجاهد: إن ظِلالَ الكفار تسجد لله وتطيعه (¬4). دليله قوله (¬5): {يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ} [النحل: 48]، الآية، وقوله: {وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ} [الرعد: 15] (¬6). وقال الزجاج: كل (¬7) ما خلق الله في السماوات والأرض فيه أثر الصنعة فهو قانت لله، ودليل (¬8) على أنه مخلوق. والمعنى: كل له قانت، إما (¬9) مُقِرّ بأنه خالقه؛ لأنه أكثر من يخالف ليس يدفع أنه مخلوق، وما كان ¬
117
من الجمادات فأثَرُ الخلق بيِّنٌ فيه، فهو على العموم (¬1) (¬2). وقال غيرهُ: طاعة الجميع لله تكونهم (¬3) في الخلق عند التكوين إذا قال: كن كان كما أراد (¬4)، فنسب القنوت إليه كما نسبت الخشية إلى الحجارة، والمحبة إلى الجبال، والشكوى إلى الإبل، والسجود إلى الأشجار (¬5). 117 - قوله تعالى: {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} الآية، أي: خالقها وموجدها (¬6) لا على مثالٍ تقدّم (¬7)، وهو عند الأكثرين فعيل بمعنى مُفعلٍ، كأليم ووجيع وسميع في قوله: ¬
أَمِنْ ريحَانة الداعي السميعُ (¬1) أي: المسمع. فالبديع: الذي يُبْدِعُ الأشياءَ، أي: يحدثها مما لم يكن. ابن السكيت قال: البدعة: كل محدثة، وسقاء بديع: أي: جديد (¬2). وقال أبو إسحاق: {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} منشئُهما (¬3) على غير حذاء ولا مثال، وكل من أنشأ ما لم يسبق إليه قيل: أبدعت؛ ولهذا قيل لمن خالف السنة (¬4): مبتدع؛ لأنه أحدث في الإسلام (¬5) ما لم يسبقه إليه السلف (¬6) (¬7). قال الأزهري: قول الله تعالى: {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} بمعنى مبدعهما، إلا أن بديعًا من بَدَعَ لا من أَبْدَع، وأَبْدَع أكثر في الكلام من بَدَع، ولو استُعْمِل بَدَع لم يكن خطأ، فبديع: فعيل بمعنى فاعل، مثل: قدير بمعنى قادر، وهو (¬8) من صفات الله؛ لأنه بدأ الخلق على ما أراد على ¬
غير مثالٍ تقدمه (¬1). وقوله تعالى: {وَإِذَا قَضَى أَمْرًا} أي: قدره وأراد خلقه (¬2). قال أبو إسحاق في قوله: {وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ} [الأنعام: 8]: قضى في اللغة على وجوه، كلها يرجع إلى معنى انقطاع الشيء وتمامه، ومنه قول الله تعالى: {قَضَى أَجَلًا} [الأنعام: 2]. معناه: ثم حتم بذلك (¬3) وأتمه، ومنه: الأمر، وهو قوله: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} [الإسراء: 23]، معناه: أمر، إلا أنه أمرٌ قاطع حتم. ومنه الإعلام، وهو قوله: {وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ} [الإسراء: 4]، أي: أعلمناهم إعلامًا قاطعًا، ومنه: القضاء الفصل فى الحكم، وهو قوله: {وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ} [الشورى: 14] (¬4) أي: قطع بينهم في الحكم، قال: ومن ذلك قضى فلان دينه، تأويله: أنه قطع ما لغريمه عليه، وأداه إليه، وقطع ما بينه وبينه. وكل ما أحكم فقد قُضِيَ. تقول: قد قضيت هذا الثوب، وقد قضيت هذه الدار، إذا عملتها وأحكمت عملها، تقول: قد قضيت هذا الثوب، وقد قضيت هذه الدار، إذا عملتها وأحكمت عملها، وقال أبو ذؤيب (¬5): ¬
وَعَلَيْهِمَا مَسْرُودَتَانِ قَضَاهما ... داودُ أو صنعَ السوابغَ تُبّعُ (¬1) (¬2) ومنه قول الله تعالى: {فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ} [فصلت: 12]، أي: خَلَقَهن وعملهن وصنعهن. وقوله تعالى: {فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}، القول هاهنا عند كثيرٍ من النحويين لا يكونُ المراد به النطق، قالوا: لأن المعدوم الذي ليس بكائن لا يخاطَبُ، وتأويله: إذا قضى أمرًا فإنما يكوِّنُه فيكونُ، والقولُ قد يَرِدُ ولا يرادُ به النطقُ والكلام، كما قال: امتلأ الحوضُ وقال قَطْني (¬3) (¬4) ¬
وكقول أبي النجم (¬1): يَقُلْنَ للرائد: أعشبت، انزل (¬2) والذبّانُ لا قولَ لها، وقال آخرون: إن ما قدّر الله وجوده وعلم فهو كالموجود (¬3). قال أبو بكر بن الأنباري: يحتمل أن تكون اللام في (له) لام أجْل، والتأويل: {وَإِذَا قَضَى أَمْرًا} فإنما يقول من أجْل إرادته: كن، فيكون، كقوله: {رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ} [آل عمران: 193] أي: من أجله (¬4)، وكقوله: {وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ} [العاديات: 8]، معناه: إنه من أجل حبّ المال لبخيل. قال: ولا يعجبني أن يُلغى القول، ويبطل معناه؛ لأنا لا نجعل حرفًا من كتاب الله مُطَّرَحًا إذا وجدنا له من وجه من الوجوه معنى. فإن قيل: كيف قال (كن) للشيء الذي يكونه، وذلك الشيء لا يكون نفسه حتى يقال له: كن؟ قلنا: على مذهب النحويين هذا لا يلزم؛ لأن التقدير عندهم فإنما يكوِّنه فيكون، ولفظ الأمر هاهنا المراد منه الخبر، ونذكره فيما بعد. وأما من جعل هذا أمرًا حقيقيًّا فإنه يقول هذا من الأمر الحتم الذي لا انفكاكَ للمأمور منه، ولا قدرة له على دفعه والانصراف ¬
عنه، ومشهورٌ في كلام العرب أن يرى الرجلُ منهم الرجلَ فيقول له: كن أبا فلان، أي: أنت أبو فلان. فكذلك قوله: {كُنْ فَيَكُونُ} معناه: كن بتكويننا إياك، فالمأمور بهذا لا قدرة له على دفعِه، ولا صنع له فيه، كما أن الذي يقال له: كن أبا فلان، لا صنع له في ذلك بفعل ولا عزم ولا غير ذلك مما يكون من الفاعلين (¬1). وقوله تعالى: {فَيَكُونُ} قال الفراء (¬2): والكسائي (¬3) وأبو إسحاق (¬4): رفعه من وجهين: أحدهما: العطف على (يقول)، ومثله {يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ} (¬5) [إبراهيم: 44]. الثاني: أن يكون رفعه على الاستئناف، المعنى: فهو يكون؛ لأنَّ الكلامَ تمَّ عند قوله: (كن) ثم قال: فسيكون (¬6) ما أراد الله. قال الفرَّاءُ: وإنه لأحبُّ الوجهين إلي (¬7)، وقرأ ابن عامر وحده (فيكونَ) بنصب النون (¬8). ¬
قال أبو علي (¬1): قوله: (كُنْ) وإن كان على لفظ الأمر فليس بأمر، ولكنَّ المرادَ به الخبرُ، كأنَّ التقديرَ: يُكَوَّن (¬2) فيكون، وقد يَرِدُ لفظ الأمر والمرادُ منه الخبر، كقولهم: أكرمْ بزيدٍ، تأويلُه: ما أكرمَ زيدًا (¬3)، والجار والمجرور في موضع رفع بالفعل. وفي التنزيل: {قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا} [مريم: 75] فالتقدير: مدَّه الرحمن. وإذا لم يكن قوله: {كُنْ} خبرًا في المعنى وإن (¬4) كان على لفظ الأمر لم يَجُزْ أن ينصبَ الفعلُ بعد الفاء بأنه (¬5) جواب. ويدل على امتناع النصب في قوله: {فَيَكوُنُ} أن الجواب بالفاء مضارع للجزاء، يدلُّ على ذلك أنه يؤولُ في المعنى إليه. ألا ترى أن قولك: اذهب فأعطيَكَ، معناه إن تذهب أعطيتُك (¬6) ولا يجوز: اذهب فتذهب؛ لأن المعنى يصير: إن ذهبتَ ذهبتَ، وهذا كلامٌ لا يفيد كما يفيد إذا اختلف الفاعلان والفعلان، نحو: قُمْ فأُعطيَك؛ لأنَّ المعنى: إن قُمتَ أعطيتُك، ولو جعلتَ الفاعل في الفعل الثاني فاعِل الفعل الأول، فقلت: قُم فتقومَ، أو أعطِني فتعطيني، على قياس قراءة ابن عامر، لكان المعنى: إن قمت تقم، وإن تُعطِني تعطِني، وهذا كلامٌ في قلةِ الفائدة على ما تراه. فأمَّا مَنِ احتج له فإنه يقول: اللفظ لما كان على لفظ الأمر وإن لم ¬
118
يكن المعنى عليه حملته على صورة اللفظ. وقد حمل أبو الحسن نحو قوله: {قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ} [إبراهيم: 31]، ونحوه من الآي على أنه أجري مجرى جواب الأمر، وإن لم يكن جوابًا له في الحقيقة. وقد يكونُ اللفظُ على شيء والمعنى على غيره، ألا ترى أنهم قالوا: ما أنت وزيد (¬1)، والمعنى: لِمَ تؤذيه، وليس ذلك في اللفظ. قال: ومن رفع فإنه عطف على قوله: {كُنْ} لأن معناه: يكوّنه فيكون، وهذا أولى من حمله على (يقول) (¬2)؛ لأنه لا يطرد في سورة آل عمران في قوله: {ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [آل عمران: 59]، لأن قال ماضي، ويكون مضارع، فلا يحسن عطفه عليه لاختلافهما، قال: ويجوز أن يكون خبر ابتداء محذوف، كأنه قال: فهو يكون (¬3). 118 - قوله تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} قال ابن عباس: هم اليهود، قالوا لمحمد - صلى الله عليه وسلم -: لا نؤمن لك حتى يكلّمنا الله أنك رسوله، أو حتى تأتينا بمثل الآيات التي أتت بها الرسل (¬4). وقال مجاهد: هم النصارى (¬5). ¬
وقال الحسن (¬1) وقتادة (¬2): هم مشركو العرب، وهذا أظهر الأقوال؛ لأنه يُشاكل ما طلبوا، حيث قالوا: {وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا} الآيات الأربع [الإسراء: 90 - 93]، ولأن أهل الكتاب أهل علم به، والله تعالى قال: {وَقَالَ اَلَّذِينَ لَا يَعلَمُونَ}. وقوله تعالى: {لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ} قال أبو عبيدة (¬3) والزجاج (¬4): معنى لولا: هلّا، وأنشد أبو عبيدة: تعدُّونَ عَقْرَ النِّيب أفضلَ مجدِكم ... بني ضَوْطَرَى، لولا الكَمِيَّ المُقَنَّعَا (¬5) أي: هلّا (¬6)، وقال الخليل: (لولا) له معنيان: أحدهما: هلاّ، ¬
والآخر: لو لم، كقولك: لولا زيد لأكرمتك، معناه: لو لم يكن، وتقول: لولا فعلت ما أمرتك، في معنى: هلَّا فعلت. وقد يدخل (ما) في هذا المعنى في موضع لا، كقوله تعالى: {لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ} [الحجر: 7]. أي: هَلَّا. وكلُّ ما في القرآن لولا يفسر على هَلَّا، غير التي في الصافات {فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ} [الصافات: 143] يقول: فلو لم يكن من المُسَبِّحِين (¬1). وقال الفراء: لولا إذا كانت مع الأسماء فهي شرط، وإذا كانت مع الأفعال فهي بمعنى هلّا، لومٌ على ما مضى، وتحضيض لما يأتي. قوله تعالى: {كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} أراد: كفار الأمم الخالية. قال الزجاج: أعْلَمَ اللهُ أنَّ كفرَهم في التعنُّتِ بطلب الآيات على اقتراحهم، كَكُفْر الذين من قبلهم في قولهم لموسى: {أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً} [النساء: 153] وما أشبهه، وفي هذا تعزية للنبي - صلى الله عليه وسلم - (¬2). وقوله تعالى: {تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ} أي: أشبه بعضُها بعضًا في الكفرِ والقسوةِ ومسألةِ المُحال (¬3) كقوله: {يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ} [التوبة: 30]. وقوله تعالى: {قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} يريد: أن من أيقن وطلبَ الحقّ فقد أتته الآيات البينات، نحو: المسلمين ومن لم يعاند من علماء اليهود؛ لأن القرآن برهانٌ شافٍ (¬4). ¬
119
119 - قوله تعالى: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ} معنى الحقّ في اللغةِ: هو الواجب الصدق الموجود، وهو نقيض الباطل، يقال: حَقَّ الشيء يَحِقُّ حقًا، معناه: وجب (¬1) وجوبًا. فالحق مصدر، ثم يستعمل بمعنى فاعل، مثل: بَرٍّ وطَبٍّ، وقال شمر: تقولُ العرب: حقٌّ عليَّ أن أفعل ذلك، وحُقّ، وإني لمحقوق أن أفعل خيرًا، قال: وتقول: حَقَقْتُ الأمر، وأحققته، إذا كنت على يقين منه (¬2). وقال الفراء: حُقّ لكَ أن تفعل كذا، وحُقٌ عليك، فإذا قلت: حُقَّ، قلت: لك، وإذا قلت: حَقٌّ، قلت: عليك (¬3). ابن الأعرابي: الحق: صدق الحديث، والحقّ: الملك، والحقّ: اليقين بعد الشك (¬4). وأصل الحق ما ذكرنا من أنه الصدق الواجب، ثم يسمى كلُّ ثابت موجود غير باطل: حقًا، كالذي ذكره ابن الأعرابي. والحقُّ من أسماء الله تعالى قال الله تعالى: {وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ} [المؤمنون: 71]، والحقُّ: العدل في قوله. {رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ} [الأعراف: 89]، والحق: الدَّين في قوله: {وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ} (¬5) [البقرة: 282]. فأما تفسير الحق في هذه الآية، فقال ابن عباس: الحق: القرآن (¬6)، كقوله: {بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ} [ق: 5]، (¬7)، وقال ابن كيسان: الحق ¬
في هذه الآية: الإسلام (¬1)، نحو قوله: {وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ} [الإسراء: 81] (¬2). والباء في (بالحق) بمعنى مع، أي: مع الحق (¬3). وقوله: {وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ} [المائدة: 62] , وإذا (¬4) كان كذلك كان في موضع النصب بالحال (¬5)، كقوله: {بَشِيرًا وَنَذِيرًا} (¬6) البشير: فعيلٌ بمعنى فاعل من بشَر يبشُرُ بشَرًا بمعنى بشّر (¬7)، ونذكر ذلك عند قوله: {أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى} [آل عمران: 39]. والنذير: بمعنى المنذر، وكان الأصل: نَذَرَ، إلا أن فعل الثلاثي أميت، ومثله: السميع: بمعنى المسمع، والبديع بمعنى المبدع، وتقول: أنذرتُه فَنَذِر، أي: أعلمتُه فعلِمَ وتحرّز (¬8). وقوله تعالى: {وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ} سأل فِعْلٌ يتعدّى إلى مفعولين، أنشد أحمد بن يحيى (¬9): ¬
سألناها الشِّفَاءَ فما شَفَتْنَا ... ومَنَّتْنَا المواعدَ والخِلابا (¬1) ويجوز الاقتصارُ فيه على مفعولٍ واحد، ويكون على ضربين: أحدهما: أن يتعدّى بغير حرف. والآخر: أن يتعدّى بحرف. فالمتعدي بغير حرف نحو قوله: {وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا} [الممتحنة: 10]. وقال: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ} [الأنبياء: 7]. وأما تعديه بالحرف فالحرف الذي يتعدى به حرفان. أحدهما: (الباء)، كقوله: {سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ} [المعارج: 1]، وكقول الشاعر: وسائلةٍ بثعلبةَ بْنِ بكر ... وقد أودَتْ بثعلبةَ العَلُوقُ (¬2) والآخر: (عن)، كقولك: سل عن زيد. وإذا تعدى إلى مفعولين فالمفعول الثاني يكون على ثلاثة أضرب: أحدها: أن يكون الفعل واقعًا عليه من غير حرف ظاهر ولا مضمر، وذلك نحو قوله: سألتُ زيدًا بعد بكر خُفًّا (¬3) ¬
فيكون معناه: استعطيته (¬1). الثاني: أن يتعدّى الفعلُ إليه بإضمارِ حرف، وذلك قوله (¬2): {وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا} [المعارج: 10]. معناه: ولا يسأل حميمٌ عن حميمٍ، ويكون بمنزلة: اخترت الرجال زيدًا، ويجوز إظهارُ الحرف، فيكوَن كقوله: {وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ} [الأعراف: 163]. والثالث: أن يقع موقعَ المفعول الثاني استفهام، كقوله: {سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ} [البقرة: 211]. وقوله: {وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ} [الزخرف: 45] (¬3). وفي (سألت) لغتان: تحقيق الهمزة وهي الفاشية الكثيرة، وسِلْتُ أَسَال لغةٌ، وعليها جاء قول الشاعر: سَالَتْ هذيلُ رسولَ الله فاحشةً ... ضلَّت هذيلُ بما قالت ولم تُصِبِ (¬4) وحمل سيبويه (¬5) (سالت) على قلب الهمزة ألفًا للضرورة، كما قال: راحَتْ بمسلمةَ البغالُ (¬6) عَشِيَّةً ... فارعَيْ فَزارةُ لا هَنَاكِ المَرْتَعْ (¬7) ¬
قال الزجاج (¬1) ثم ابن الأنباري وأبو علي (¬2): الرفع في قوله: (ولا تُسأل) من وجهين: أحدهما: أن يكون حالًا صُرِفَتْ إلى الاستقبال، فيكون مثل ما عطف عليه في المعنى من قوله: {بَشِيرًا وَنَذِيرًا} وغير مسؤول، فيكون مرفوعًا في اللفظ، منصوبًا في التأويل، ويكون ذكر تُسْأَلُ وهو فعل بعد قوله: {بَشِيرًا وَنَذِيرًا} (¬3) كقوله: {وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ} [آل عمران: 46]. بعد ما تقدم من قوله: {وَجِيهًا}. والوجه الثاني: أن يكون منقطعًا من الأول، مُستأنفًا به، يُراد: ولست تسأل عن أصحاب الجحيم، ويقوي هذا الوجهَ قراءة عبد الله: ولن تسألَ، وقراءة أُبي: وما تُسأل (¬4)، فلن، وما يشهدان للاستئناف (¬5). ومعنى الآية ما قال مقاتل: وهو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: لو أن الله أنزل بأسه باليهود لآمنوا، فأنزل الله عز وجل {وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ} (¬6). أي: لست بمسؤولٍ عنهم، وليس عليك من شأنهم عُهدة ولا تبعة، فلا تحزن عليهم، كما قال: ¬
{فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ} (¬1) [الرعد: 40]. وقرأ نافعٌ وحدَه (ولا تَسْألْ) بفتح التاء وجزم اللام، وله وجهان: أحدهما: أن يكونَ هذا نهيًا للنبي - صلى الله عليه وسلم - على ما روي عن ابن عباس، أنه قال: سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جبريل عن قبر أبيه وقبرِ أمِّهِ، فدلَّه عليهما، فذهب إلى القبرين ودعا لهما، وتمنىَّ أن يعرف حالَ أبويه في الآخرة فنزلت قوله: {وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ} (¬2). وقال القرظي: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم: "ليت شعري ما فعل أبواي"، فأنزل الله هذه الآية، فما ذكرهما حتى توفاه الله (¬3). قال ابن ¬
عباس: وفي هذا نزلت الآية التي في التوبة: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا} وهو علي -رضي الله عنه-. {أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ} (¬1) [التوبة: 113]. قال أبو إسحاق: ويجوز أن يكون النهي لفظًا، ويكون المعنى على تفخيم ما أَعَدَّ لهم من العقاب، كما تقولُ (¬2): لا تسأل عما فيه فلان من البلاء، إذا عظمته وبالغت في وصفه (¬3). وعلى هذا يكون الظاهر نهيًا وتأويله تأويل التعجيب والتعظيم (¬4). واختار أبو عبيد القراءة الأولى قال: لأنه لو أراد النهي لكانت الفاء أحسن من الواو (¬5). وقال أبو علي: إنما تكون الفاء أحسن إذا كانت الرسالة بالبشارة والنِذارة علّةً لأن لا يسأل عن أصحاب الجحيم، كما يقول الرجل: قد حملتُك على فرس فلا تسألني غيره، فيكونُ حملُه على الفرس علّةً لئلا يَسْأل غيره، وليس البشارة والنذارة علةً لئلا يسأل (¬6)، وإنما يجعل للقراءة الأولى مزية على الثانية؛ لأن الأولى خبر، والكلام الذي بعده وقبله خبر، فإذا كان أشكل بما قبله وبما بعده كان أولى من القراءة الثانية التي هي ¬
120
نهى (¬1). والجحيم عند العرب: النار المستحكمة المتلظية، يقال: جَحَمَتِ النارُ تَجْحَمُ، بفتح العين فيهما، جُحومًا فهي جاحم وجحيم، قال الله تعالى في قصة إبراهيم: {فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ} [الصافات: 97]، أراد: النار الشديدة التأجج. ويقال لشده القتل في معركة الحرب: جاحم، تشبيهًا بالنار العظيمة، قال: حتى إذا ذاق منها جاحِمًا بَردَا (¬2) والجَحْم والجَحْمَة: توقُّد النار (¬3)، ومنه قوله: نحن حَبسنا بني جَدِيلةَ في ... نارٍ من الحرب جَحْمةِ الضَّرَمِ (¬4) 120 - وقوله تعالى: {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} قال المفسرون: كانت اليهود والنصارى يسألون النبي - صلى الله عليه وسلم - الهُدنة، وُيطمعونه، ويُرونه أنه (¬5) إن هادنهم وأمهلهم اتبعوه، فأنزل الله هذه الآية (¬6)، وأخبر أنه لا يرضيهم إلا ما يستحيل وجوده، وما لا سبيل إليه؛ لأن اليهود لا ترضى عنه إلا بالتهود، والنصارى إلا بالتنصر، ويستحيل ¬
الجمع بينهما، فإذا استحال إرضاؤهم فهم لا يرضَوْنَ عنه أبدًا (¬1). وقوله تعالى: {حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} (حتى) تقع (¬2) على الأسماء وعلى الأفعال، وهي لوضعِ غاية أسمية أو فعلية. أما الأسمية: فمثل قولك: لقيتُ القوم حتى عبدَ الله، ومررت بالقومِ حتى عبدِ الله. وأمَّا الفعليةُ: فمثلُ قولك: اصبِرْ حتى أخرُجَ إليك. و (حتى) قد تقوم مقام (إلى) وتؤدي مثلَ معناها في بعض المواضع، ويفترقان في كثير منها، أما الموضع الذي يتفقان فيه، فمثلُ قولك: أقمْنا عندَه إلى الليلِ، وحتى الليل. وأما موضعُ افتراقهما، فمثل قولك: لقيتُ القوم حتى زيدًا، فإنه لا يجوز في هذا الموضع: لقيت القوم إلى زيد. وأما قولهُم: أكلت السمكةَ حتى رأسَها، ورأسُها، ورأسِها. فإذا كسرت لم يدخل الرأس في الكل، لأنَّ الأكلَ انتهى إليه، وهو بمعنى إلى. وفي النصب والرفع الرأسُ مأكولٌ؛ لأن (حتى) أتبع الرأسَ السمكة في النصب. وفي الرفع كان (حتى) بمعنى الواو، ورأسُها ابتداء، والخبر مضمرٌ فيه. وأما نصبها للفعل فقال الخليل (¬3) وسيبويه (¬4): الناصبُ للفعل بعد حتى (أن)، إلا أنها لا تظهر مع حتى، والدليل على أن (حتى) غير ناصِبَة بنفسها: أنَّها خافضةٌ بالإجماع، كقوله {حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ} [القدر: 5]، ولا يُعرَف (¬5) في العربية ما يعمل في اسم يعمل في فعلٍ، ولا ما يكون خافضًا ¬
لاسم يكون ناصبًا (¬1). وهكذا اللام في قولك: جاء زيد ليضربك، معناه: لأن يضربك؛ لأن اللام خافضة للاسم، فلا تكون ناصبَةً لفعل، ولا يجوز إظهار (أن) مع هذه اللام. ويجوز رفع الفعل بعد (حتى) إذا حَسُن فيه الماضي، نحو قولك: تعلمت حتى أجيب في كل شيء، وسنذكر هذا عند قوله: {حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ} [البقرة: 214]، إن شاء الله. وقوله تعالى: {مِلَّتَهُم} قال ابن عباس: دينهم (¬2). وكذلك قال أهل اللغة، قالوا: وإنما سُمَيَ الدينُ ملّةً؛ لأنه يُمَلُّ، أي: يُملَى على المدعوِّ إليه، وأملّ وأملَى بمعنى واحد (¬3)، لكن الملة بنيت (¬4) على الأصل، وهو الثلاثي. وقيل: الملّة فِعْلةٌ من مَلَّه يمُلّه، إذا ألقاه في الرماد الحار، جُعِلَتْ اسمًا للدين؛ لما فيه من مشاق تخرج عن قضية (¬5) الهوى ورسم النفس، ويُقْلِق ويُحرقُ (¬6) (¬7). والزجاج ذكر فيها وجهًا آخر، وهو أنه قال: الملّة بمعنى السنّة والطريقة قال: ومن هذا سُمّيت المَلَّة؛ لأنها تؤثر (في مكانها كما يؤثر) (¬8) في الطريق بالسلوك فيه (¬9)، فجعل المَلَّة ¬
مشتقة من المِلَّة، وعنده أصلها من التأثير. وقوله تعالى: {قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى} قال ابن عباس: يريد أن الذي أنت عليه هو دين الله الذي رضيه (¬1). وقال الزجاج: أي: الصراط الذي دعا إليه وهدى إليه هو طريق الحق (¬2). وقوله تعالى: {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ} إنما جمعَ الهوى؛ لأنَّ جميع الفرق ممن يخالفُ النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن لِيُرضيَهم منه إلا اتباعُ هواهم (¬3). وأراد بهذا: ما يدعونه إليه من المهادنة والإمهال. وقوله تعالى: {بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ} دين الله هو الإسلام (¬4)، وقيل: من العلم أنهم على الضلالة. وروي عن ابن عباس في هذه الآية قولان: أحدهما: أنه قال: الآية نزلت في تحويل القبلة، وذلك أن اليهود والنصارى كانوا يرجُون أن يرجع محمد إلى دينهم، فلمَّا صرفَ اللهُ القبلة إلى الكعبة شَقَّ ذلك عليهم، وأَيِسُوا منه أن يوافقَهم على دينهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية: {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} (¬5). يعني: ¬
121
صليت نحو قبلتهم بعد الذي جاءك من العلم في التحويل إلى الكعبة. والقول الثاني: إن المراد بقوله {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ} أمةُ محمد - صلى الله عليه وسلم -، وأما محمد فقد عصمته. وإياكم أخاطب وأنهى وأؤدب، فقد علمتم أن محمدًا قد جاءكم بالحق والصدق، فلا تتبعوا أهواء الكافرين، فلا يكونَ لكم من دوني ولي ولا نصير، فالخطاب لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمراد منه أمته (¬1). 121 - ثم ذكر أن من كان منهم غير متعنّت ولا حاسد ولا طالب رئاسة تلا التوراة كما أنزلت، فرأى فيها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حق فآمن به. فقال: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ} قال ابن عباس: نزلت في الذين قدموا مع جعفر بن أبي طالب (¬2) من أهل الحبشة، وكانوا من أهل الكتاب، آمنوا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - (¬3). ومعنى قوله: {يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ} قال ابنُ مسعود: يُحِلِّون حلالَه، ¬
ويُحَرِّمون حرامَه، ويقرؤونه كما أنزل، ولا يحُرِّفونه عن مواضعِه (¬1). وقال الحسن: يعملون بمحكمه، ويؤمنون بمتشابهِه، ويَكِلُونَ علمَ ما أشكلَ عليهم إلى عالمه (¬2). وقال مجاهد: يتبعونه حق اتباعه (¬3)، وقال الضحاك: نزلت في مؤمني اليهود: عبد الله بن سلام وأصحابه (¬4)، وقال قتادة (¬5) وعكرمة (¬6): نزلت في أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -، و (الكتاب) على هذا: القرآن. {أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ} بمحمد أو بالكتاب. ¬
123
123 - قوله تعالى: {وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ} ليس على ظاهره من العموم (¬1)؛ لأنه قال في موضع آخر: {وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} [سبأ: 23] وقال: {لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا} [مريم: 87] وهو من باب الخصوص، تأويله: ولا ينفعها (¬2) شفاعة إذا وجب عليها العذاب، ولم يستحقوا سواه. وقال بعضهم: إنما آيس الله اليهود بهذه الآية؛ لأنهم كانوا يزعمون أن آباءهم من الأنبياء يشفعون لهم (¬3). 124 - وقوله تعالى: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ} الآية، الابتلاء: الاختبار والامتحان، وابتلاء الله تعالى يعود إلى إعلامه عباده لا إلى استعلامه؛ لأنه يعلم ما يكون، فلا يحتاج إلى ابتلاءٍ ليَعْلَم (¬4). وقوله تعالى: {بِكَلِمَاتٍ} الكلبي، عن أبي صالح (¬5)، عن ابن عباس، قال: الكلمات التي ابتلى الله عز وجل إبراهيمَ بها عشر خصال من السُّنة: خمس في الرأس، وخمس في الجسد، فاللاتي في الرأس: المضمضة والاستنشاق والفرق والسواك وقص الشارب، والتي في الجسد: تقليم الأظفار وحلق العانة والختان والاستنجاء ونتف الرفغين (¬6). ¬
وهذا أصح ما قيل في تفسير الكلمات، وعلى هذا أكثر أهل العلم (¬1). وقال ابن عباس في رواية عطاء: أوحى الله إلى إبراهيم: يا خليلي، تطهّرْ، فتمضمض، فأوحى الله إليه أن تطهرْ، فاستنشقَ، فأوحى إليه أن تطهر، فاستاك، فأوحى إليه أن تطهر، فأخذ شاربه، فأوحى (¬2) إليه أن تطهر، فَفَرَقَ شعره، فأوحى إليه أن تطهر، فاستنجى، فأوحى إليه أن تطهرَ، فحلق عانته، فأوحى إليه أن تطهر، فنتف إبطيه، فأوحى إليه أن تطهر، فقلم أظفاره، فأوحى إليه أن تطهر، فأقبل بوجهه على جسده ينظر ماذا يصنع فاختتن بعد عشرين ومائة سنة (¬3). وقال بعض المتأولين: المراد بالكلمات في هذه الآية: انقياده لأشياء امتحن بها، وأخذت عليه، منها: الكوكب والشمس والقمر والهجرة والختان وعزمه على ذبح ابنه (¬4) (¬5)، والمعنى: وإذ ابتلى إبراهيم ربه بإقامة ¬
كلمات، أو بتوفية كلمات، والتقدير: ذوي كلمات: أي: يعبر بها عن هذه المسميات، ويجوز أن يكون الكلم المتكلم به، كما أن الصيد هو المصيد، والنسج المنسوج (¬1)، ومثلُ هذا مما حمل الكلمات فيه على الشرع قولُه تعالى: {وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ} [التحريم: 12]، فالكلمات تكون الشرائع التي شرع لها دون القول؛ لأن ذلك قد استغرقه قوله تعالى: {وَكُتُبِهِ} وكان المعنى: صدقت بالشرائع فأخذت بها، وصدقت الكتب فلم تكذب بها (¬2). وقوله تعالى: {فَأَتَمَّهُنَّ} معناه: أدَّاهُنَّ تامّاتٍ غيَر ناقصات (¬3)، وقيل: إنه مِنْ فعلِ الله تعالى، أي: قضاها الله له (¬4). وقوله تعالى: {قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا}. قال ابن عباس: أوحى الله إليه إني جاعلك للناس إمامًا يقتدي بك الصالحون من بعدك (¬5). ¬
والأَمُّ في اللغة: القصد، والإمامُ: كلُّ مَنِ ائتم به قومٌ، كانوا على الصراط المستقيم (¬1)، أو كانوا ضالّين. والنبي إمامُ أمتهِ، والخليفةُ إمام رعيتهِ، والقرآنُ إمامُ المسلمين، على معنى أنهم ينتهون إليه فيما أمر وزجر. والإمام: الذي يؤتَمُّ به، فيفعل أهله وأمته كما يفعل، أي: يقصدون لما يقصد. هذا أصله (¬2). ثم يجعل الكتابُ إمامًا يؤتم بما فيه، قال الله تعالى: {يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ} [الإسراء: 71] أي: بكتابهم الذي جعلت فيه أعمالهم في الدنيا، وقال: {وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ} [يس: 12] يعنى: كتابًا، أو اللوح المحفوظ. وقد يجعل الطريقُ إمامًا؛ لأنَّ المسافر يأتمُّ به ويستدلُّ، قال الله تعالى: {وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ} [الحجر: 79]، أي: بطريقٍ واضح. ويقالُ للخيط الذي يُقَدَّرُ به البناء: الإمام؛ لأنه يقتدى به، ويُقْصَدُ قَصْدُه. وإمام الغلام في المكتب: ما يتعلمه كل يوم، لأنه يتبعه، ويقصده بالتعلم، ولا يعدو ما فيه (¬3). فقال إبراهيم: {وَمِنْ ذُرِّيَّتِي} أي: ومن أولادي أيضًا فاجعل أئمةً يُقْتدَى بهم (¬4). فأمَا تفسيرُ الذرية، فقال الليث: الذر: عدد الذرية، ¬
تقول (¬1): نَمَى (¬2) الله ذَرْأَكَ وذَرْوَكَ: أي: ذريتك. والذريةُ: تقع على الآباء والأبناء والأولاد والنساء، قال الله تعالى: {وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ} [يس: 41] أراد: آباءهم الذين حُمِلوا مع نوح في السفينة (¬3)، وقال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ} إلى قوله: {ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ} [آل عمران:33 - 34]، فدخل فيها الآباء والأبناء (¬4). وتكون (¬5) الذرية واحدًا وجمعًا، فممَّا جاء فيه ذرية يراد به الواحدِ قوله: {هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً} [آل عمران: 38]، فهذا مثل قوله: {فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا} [مريم: 5]. ألا ترى أنه قال: {فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى} [آل عمران: 39]. ومما جاء فيه جمعًا قوله: {وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ} [الأعراف: 173]، وهو كثير. وأما أصل الذُّرِّيةِ ومأخذُها، فقال أبو إسحاق النحوي: فيها قولان: قال بعضهم: هي فُعْليَّةٌ، من الذَرَ؛ لأنَ الله تعالى أخرجَ الخلق من صُلْبِ آدم كالذَّرِّ، حين أشهَدَهُم على أنفسِهم (¬6). ¬
قال: وقال بعضُ النحويين: أصلها ذرُّورَةٌ، على وزن فعلولة، ولكنَّ التضعيَف لمَّا كَثُرَ أُبْدِلَ من الراء الأخيرة ياء فصارت ذُرُّويَةً، ثم أُدغمت الواو في الياء فصارت: ذُرِّيَّة. قال: والقول الأول أقيسُ وأجود (¬1) عند النحويين (¬2). واختاره (¬3) الليث، فقال: هو فُعْليّة من الذر، كما قالوا: سُرّيَّة، والأصلُ من السّرّ، وهو النكاح (¬4). وزاد ابن الأنباري الوجهين (¬5) اللذين ذكرهما أبو إسحاق بيانًا فقال: الذرية مأخوذةٌ من ذرأَ الله الخلق، ويكون أصلها ذُرُّوؤه، تُرِكَ هَمْزُها، وأبدل من الهمز ياءً، فلمَّا اجتمعت الياء والواو والسابقُ ساكنٌ أُبدلَ من الواو ياءً، وأُدغمت في الياء التي بعدَها، وكُسِرَ الراء لتصِحَّ الياء. قال: ويجوزُ أن تكون (¬6) منسوبة إلى الذر بالتشبيه في كثرة التوالد، وضم الذال لأن النسبة قد يغير فيها الحرف، كما قالوا: دُهريٌّ بضم الدال (¬7)، وقالوا: بُصري للمنسوب إلى البصرة. وقال الخليل: الذرية فُعْليّة، من ذَرَرْت؛ لأن الله تعالى ذَرَّهم في الأرض، أي: نشرهم. قال أبو على الفارسي: أمَّا مثالُ ذرية من الفعل، فيجوزُ أن يكون ¬
فُعلُولة من الذر، فأُبدلَتْ من الراء التي هي اللامُ (¬1) الأخيرة ياءً، ويحتملُ أن يكون فُعّيلة منه. فأبدلت من الراء الياء، كما يبدل من هذه الحروف للتضعيف، وإن وقع فيها الفصل. ويحتمل أن يكون فُعْلية نَسَبًا إلى الذرّ، إلا أن الفتحة أبدلت منها الضمة، كما أبدلوا في الإضافة إلى الدهر دُهري، وإلى السهل سُهلي. ويجوز أن يكون فُعِّيلة، من ذرأ الله الخلق، اجتمع على تخفيفها كما اجتمع على تخفيف البرية، ويجوز أن يكون فُعِّيلة، من قوله: {تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ} أُبدِلت من الواو الياء؛ لوقوع ياء قبلها (¬2). وقوله تعالى: {لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} أعلم الله إبراهيم أن في ذريته الظالم (¬3). قال ابن عباس: يريد من كان من ولدك ظالمًا لم ينل عهدي (¬4). يريد: ليس بإمام ولا كرامة (¬5). واختلفوا في معنى العهد هاهنا، فقال أبو عبيد: العهد هاهنا: الأمان، أي: لا ينال أماني الظالمين (¬6)، يقول: لا أؤمنهم عذابي، وقال ¬
125
السدي: {لَا يَنَالُ عَهْدِي} أي: نبوتي (¬1). واختاره ابن كيسان، فقال: يعني: لا ينال ما عهدت إليك من النبوة والإمامة في الدين من كان ظالمًا من ولدك، بل ينال عهدي من كان رسولًا إماما. وقال الفراء: {لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} أي: لا يكون للناس إمام مشرك (¬2). وقال عبد الله بن مسلم (¬3): العهد هاهنا: الميثاق، يقول: لا ينال ما وعدتك من الإمامة الظالمين من ذريتك، والوعد من الله عز وجل ميثاق (¬4). وهذه الأقوال متقاربة. 125 - قوله تعالى: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا} هذه الآية تنعطف على ما تقدمها من الآيات التي ذكر فيها (¬5) (إذ)، ويريد بالبيت الكعبة التي هي القبلة اليوم، ولذلك ذكره بالألف واللام (¬6). قوله تعالى: {مَثَابَةً لِلنَّاسِ} المثاب والمثابة مصدران لقولهم: ثاب يثوب مثابًا ومثابة وثؤوبا وثَوَبانا، ذكر ذلك الفراء في كتاب "المصادر". فالمثابة هاهنا: مصدر وُصِف به، ويراد به الموضعُ الذي يُثاب إليه (¬7)، كما يقال: درهمٌ ضربُ الأمير، والمصدر قد يوصف به كثيرًا، قال زهيرٌ: ¬
مَتَى يَشْتَجِرْ قَوْمٌ يَقُلْ سَرَوَاتُهُمْ ... هُمُ بَيْنَنا فَهُمُ رضًا وَهُمُ عَدْلُ (¬1) وأنشد أحمد بن يحيى: سقى الله نجدًا من ربيعٍ وصيّفِ ... وماذا تُرْجَى (¬2) مِن ربيعٍ سَقَى نَجْدا بلى إنَّهُ قد كانَ للعيشِ مرةً ... وللبيضِ والفتيانِ منزلةً حمدا (¬3) أراد: منزلة محمودة. قال ابن الأنباري: والمصدر للمؤنث قد يكون خبرًا عن المذكر، كقولهم: أكلُ الرمانِ لذةٌ، وذكر أخبار الصالحين عظةٌ، ولقاءُ محمد منفعة. ويمكن أن تكون المثابة الموضع الذي يثاب إليه، والهاء فيه لا تكون لتأنيث الموصوف به، كما يقال للمجلس: المقامُ والمقامة، يقال: هذا الموضعُ مقامُ فلان ومقامة بمعنى، والهاء تدخل للتخصيص لا للتأنيث، وهاء التخصيص تدخل في مواضع كثيرة كالقطنة والصوفة وأشباه ذلك (¬4)، قال زهير: وفيهم مقاماتٌ حِسَانٌ وجوهُها ... وأنديةٌ ينتابُها القولُ والفِعْلُ (¬5) وواحد المقامات مقامة، وعلى هذا دلَّ كلام المفسرين. فقد قال ابن عباس في معنى قوله: {مَثَابَةً}: يريد: لا يقضون (¬6) منه وطرًا، كلما أتوه ¬
وانصرفوا اشتاقوا إلى الرجعة إليه (¬1). وروي أيضًا عن ابن عباس أنه قال في تفسير المثابة: معادًا (¬2)، وعلى هذا فقال أبو إسحاق: الأصل في مثابة مثْوَبةٌ، ولكنَّ حركة الواو نُقلت إلى الثاء، وتبعت الواو الحركة فانقلبت ألفًا. قال: وهذا إعلال إتباع، تبع مثابةٌ بابَ ثاب (¬3)، وأصلُ ثاب ثَوَبَ، ولكنَّ الواوَ قُلِبَت ألفًا؛ لتحركها وانفتاحِ ما قبلها، لا اختلاف بين النحويين في ذلك. انتهى كلامه (¬4). وُينشدُ على أن المثاب والمثابة واحد قول ورقة في صفة الحرم: مَثَابًا لأَفْنَاءِ القبائلِ كُلِّها ... تَخُبُّ إليها اليعملاتُ الطَّلائحُ وأنشده الشافعي رحمه الله لأبي طالب، وروى: اليعملات الذوامل (¬5). ¬
ومعنى ثاب في اللغة: عاد ورجع إلى وضعه الذي كان أفضى إليه، يقال: ثاب ماء البئر إذا عاد جُمَّتُها (¬1)، ومنه تثويب الداعي إذا عاد وكرَّر الدعاء. وقال الأخفشُ: الهاء في المثابة للمبالغة في كثرة من يثوب إليه، كقولهم: رجل علامة ونسابة (¬2). وقوله تعالى: {وَأَمْنًا} أراد: مأمنا (¬3)، وهو أيضًا مصدر وصف به، كما ذكرنا. قال ابن عباس: يريدُ: من دخله كان آمنًا، فمن أحدث حدثًا خارج الحرم ثم لجأ إليه أمن من أن يُهاجَ فيه. ولكن لا يُؤْذى (¬4) ولا يخالط ولا يُبَايع، فإذا خرج منه أُقيم عليه الحدُّ، ومَنْ أحدثَ في الحرم أُقيمَ عليه الحد فيه (¬5). ¬
وإلى هذا ذهب أبو حنيفة: أن الجاني إذا لاذ بالحرم أمن (¬1)، ومذهب الشافعي: أنه لا يأمن بالالتجاء إليه، وُيسْتَوفى منه ما وجب عليه في الحرم (¬2) (¬3)، على ما قد روي في الخبر: لا يعيذ الحرم عاصيًا (¬4). وعلى هذا فمعنى قوله: {وَأَمْنًا} الأولى أن يأمن فيه الجاني، فإن أخيف بإقامة الحد عليه جاز، فقد قال كثير من المفسرين: من شاء أمن، ومن شاء لم يؤمن، كما أنه لما جعله مثابة من شاء ثاب ومن شاء لم يثب، وقد كان قبل الإسلام يرى الرجلُ قاتلَ أبيه في الحرم فلا يتعرض له، وهذا شيء كانوا توارثوه من دين إسماعيل، فبقُوا عليه إلى أيام النبي - صلى الله عليه وسلم -، فاليوم من أصاب فيه جريرةً أقيم عليه الحد بالإجماع (¬5). ¬
وقال أبو بكر بن الأنباري: معناه: وَأَمْنًا أن يُبخس القاصد له من الثواب الذي يوعده أمثاله، فهو واثق آمنٌ أنَّ أجرَه لا يضيعُ عند ربه (¬1) (¬2)، وهذا قول قويم حسن؛ لأن الله تعالى وصف البيت بالأمن، وعلى ما ذكر أبو بكر يتعلق الأمن بالبيت، وعلى (¬3) ما قاله غيره من المفسرين من أمْنِ الجاني إذا لاذ بالحرم، فهو أمن الحرم لا أمن البيت، إلا أن يقال: إن أمن الحرم لأجل البيت، فهو بسبب منه وعائد إليه (¬4). وقوله تعالى: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} هذا معطوف على ما أضيف إليه إذ، كأنه: وإذ اتخذوا. قال الزجاج: وهو عطف جملة، على جملة (¬5). وقال الفراء: أي: جعلناه مثابةً لهم فاتخذوه مُصلَّى. والفتح في الخاء على معنى الخبر، قراءة أهل المدينة والشام (¬6). ويؤكده أنَّ الذي قبله والذي بعده خبر، وهو قوله {جَعَلْنَا} و {وَعَهِدْنَا}. ومن قرأ {وَأتَّخِذُوا} بالكسر على الأمر (¬7) فحجته في ذلك: ما أخبرنا ¬
الأستاذ أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم (¬1) -رحمه الله- ثنا عبد الرحمن بن إبراهيم بن محمد (¬2)، ثنا عبدوس بن الحسين بن منصور (¬3)، ثنا أبو حاتم الرازي (¬4)، ثنا محمد بن عبد الله الأنصاري (¬5)، حدثني حُميد الطويل (¬6)، عن أنس بن مالك (¬7)، قال: قال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: وافقني ربي في ثلاث. قلت: لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى. فأنزل الله عز وجل: ¬
{وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى}. وقلتُ: يا رسولَ الله، إنه يدخُلُ عليك البرُّ والفاجرُ، فلو حجبت أمهات المؤمنين، فأنزل الله عز وجل آية الحجاب، قال: وبلغني شيءٌ كان بين أمهات المؤمنين وبين النبي - صلى الله عليه وسلم - فاستقريتُهن أقول: لتكُفُّنَّ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أو ليبدلَنَّه اللهُ أزواجًا خيرًا منكن، فأنزل الله عز وجل: {عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ} الآية [التحريم: 5] (¬1). وهكذا قال ابن عباس في هذه، فقال في قوله: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى}: وذلك أن عمر بن الخطاب قال: يا رسول الله، لو صليت بنا خلف المقام، فأنزل الله تعالى على ما قال عمر، ففعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (¬2). وعلى هذه القراءة يكون قوله: {وَاتَّخِذُوا} عطفا على المعنى لا على اللفظ؛ لأن قوله: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً} معناه: ثوبوا إليه واتخذوا. واختلف في مقام إبراهيم، فقال ابن عباس في رواية عطاء: يريد: البيت (¬3)، وقال النخعي (¬4) (¬5): ¬
الحرم كله مقام إبراهيم (¬1). وقال يمان: المسجد كله مقام إبراهيم (¬2). وقال عطاء: التعريف والصلاتان بعرفة والمشعر ورمي الجمار والطواف بين الصفا والمروة مقام إبراهيم، سمعته من ابن عباس (¬3). وقال قتادة (¬4) ومقاتل (¬5) والسدي (¬6) في هذه الآية: هو الصلاة عند مقام إبراهيم، أمروا بالصلاة عنده، ولم يؤمروا بمسحه ولا تقبيله، والمقام في اللغة: موضع القدمين حيث يقوم عليه (¬7). وروى عبد الله بن عمر (¬8) أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "الركن والمقام ياقوتتان من ياقوت الجنة، طمس الله نورهما، ولولا أن طمس نورهما لأضاءتا ما بين المشرق والمغرب" (¬9). ¬
وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس: أن إبراهيم عليه السلام استأذن سارة أن يزور إسماعيل عليه السلام، فأذنت له، واشترطت عليه أن لا ينزل، فجاء إبراهيم حتى انتهى إلى باب إسماعيل، فقال لامرأته: أين صاحبك؟ قالت: ذهب (¬1) يتصيد، قال لها: هل عندك ضيافة؟ قالت: نعم، فجاءت باللبن واللحم فدعا لها بالبركة، فقالت له: انزل حتى أغسل رأسك، فلم ينزل به، فجاءته بالمقام، فوضعته عن شقه الأيمن، فوضع قدمه عليه فبقي أثر قدمه عليه فغسلت شق رأسه الأيمن، ثم حولت المقام إلى شقه الأيسر، فغسلت شق رأسه الأيسر، فبقي أثر قدمه عليه (¬2). وذلك الحجر هو مقام إبراهيم الذي يعرفه الناس اليوم، وإذا أطلق مقام إبراهيم لم يفهم إلا الذي هو اليوم في المسجد، ويدل على هذا حديث عمر الذي رويناه آنفا (¬3)، وجعل تأثير قدم إبراهيم في الحجر معجزة ¬
لنبوته. وقال أنس بن مالك: رأيت في المقام أثر أصابعه وعقبه وأخمص قدميه غير أنه أذهبه مسح الناس بأيديهم (¬1). ومعنى قوله تعالى: {مُصَلًّى} قال الحسن: قبلة (¬2)، وقال مجاهد: مُدَّعى (¬3)، أي: موضع دعاء. وقال قتادة: صلوا عنده (¬4). وقوله تعالى: {وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ} أي: أمرناهما وأوصينا إليهما (¬5): {أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ} قال سعيد بن جبير (¬6)، وعبيد بن عمير (¬7) (¬8)، ¬
وعطاء (¬1)، ومقاتل (¬2): من الأوثان والريب وقول الزور. وقال الزجاج (¬3) والفراء (¬4): يريد من الأصنام ألا تعلّق فيه. وهذا الاختيار عند أبي علي، قال: لما جاء في المظهر منه لفظ (الرِّجْس) في قوله: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ} [الحج: 30]. وقال ابن عباس ويمان بن رئاب (¬5): يعنى بَخِّراه وخَلِّقاه (¬6) ونظفاه. وقوله تعالى: {لِلطَّائِفِينَ} قال الفراء (¬7): يقال: طاف يطُوفُ طَوفًا وطَوافًا وطوفانًا، وطاف يطِيف، وأطَاف يُطِيفُ، بمعنى واحد (¬8). وقوله تعالى: {وَالْعَاكِفِينَ} العكوف: الإقامة (¬9) على الشيء (¬10). قال المفسرون: عنى بالطائفين: النُّزَّاع إليه من الآفاق، وبالعاكفين: ¬
126
أهلَ مكة وبالركع السجود (¬1): جميعَ المسلمين (¬2). 126 - قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا}. (البلد) يجوز في اللغة أن يكون جمع بلدة، ويجوز أن يكون واحدًا، وجمعه بلدان وبلاد (¬3). قال الليث: كل موضع من الأرض (¬4) عامرٍ أو غامر (¬5) مسكونٍ أو خالٍ: بلدٌ، والطائفة منه: بلدة (¬6). والبلد: المفازة، يقال: أذلّ من بيضةِ البلدِ، أي: بيضة النعامة التي تتركُها بالبلد، وهو المفازة. والعربُ تُسَمِّي كلَّ موضع خال: بلدة، فيقولون لموضع خالٍ من الكواكب بين النعائم وسعد الذابح: بلدة (¬7). ويقال للذي ليس بمقرون الحاجبين: الأبلدُ؛ لخُلُوّ ما بين حاجبيه من الشعر. وقال أهل اللغة: أصلُ البلد: هو الأثر. من ذلك قولهم لكِرْكِرَةِ (¬8) ¬
البعير: بلدة. لأنه إذا برك أثرت. قال ذو الرمة: أُنِيخَتْ فألقَتْ بلدةً فوقَ بلدةٍ ... قليلٍ بها الأصواتُ إلا بُغَامُها (¬1) ويقال للأثر: بلد، وجمعه أبلادٌ. قال القُطامي (¬2): وبالنُحورِ كُلومٌ ذاتُ أبلادٍ (¬3) وقال ابنُ الرِّقاع (¬4): عرَف الديارَ توهُّمًا فاعتادَها ... مِنْ بعدِ ما شَمِلَ البِلَى أبلادَها (¬5) وإنما سُمِّيت البلادُ لأنها مواضعُ مواطن الناس وتأثيرهم. والبلد: المقبرة، ويقال: هو نفس القبر، قال خُفَاف (¬6): كلُّ امرئ تاركٌ أحبَّتَه ... ومُسْلِمٌ وجهَه إلى البلَد (¬7) ¬
ومن هذا يقال: رجلٌ بليدٌ، إذا أثَّرَ فيه الجهلُ، ثم يقالُ منه: تبلَّدَ الرجلُ، وهو نقيضُ التجلُّد، قال: ألا لا تَلُمْهُ اليومَ أن يتبلَّدا ... فقد غُلِبَ المحزونُ أن يتجلَّدا (¬1) وبلد أيضا: إذا ضَعُفَ في العملِ وغيره، حتى قيل في الجرِي قال: جَرَى طَلَقًا حتى إذا قيلَ سابقٌ ... تداركَه أعراقُ (¬2) سوءٍ فَبَلَّدَا (¬3) وقوله تعالى: {آمِنًا} قال الزجاج: ذا أَمْنٍ (¬4)، فيكون كقولهم: لاِبنٌ وتَامِرٌ، ويجوزُ أن يكون آمنًا يأمَنُ أهله فيه، فيكون كقولهم: ليلٌ نائمٌ، أيْ: ينامُ أهله (¬5) فيه، قال الشاعر: ونمتُ وما ليلُ المطيِّ بنائمٍ (¬6) ويقولون: همٌّ ناصب، أي: ينصبُ فيه الإنسان، وينصبُ لأجلِه (¬7) ¬
قال النابغة: كِلِيني لَهمٍّ يا أميمةُ ناصبِ (¬1) فأما التفسير فقال ابن عباس: يريد حرامًا محرمًا، لا يصاد طيره، ولا يقطع شجره، ولا يختلى خلاه، ولا يدخلها أحد إلا بإحرام، ولا تحلُّ لأحدٍ من الخلق إلا الساعة التي حلّت للنبي - صلى الله عليه وسلم -، هذا كلامه (¬2). فأما الحكم في هذا، فإنَّ صيدَ مكة لا ينفر، ولا ينتف شعره، ولا يتعرض له بنوع أذًى، ومن قتل صيد مكة فعليه جزاؤه، ولا يجوز قطع أشجار (¬3) الحرم على جهة الإضرار بها، ويجوز تشذيبها على جهة المصلحة لها، ولا يجوز خبطها؛ ولكنها تهشُّ هشًا رفيقًا، ويجوزُ إرسالُ المواشي لترتَعَ في حشيش الحرم (¬4). وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله حبس الفيل عن مكة، وسلَّطَ عليها رسولَه والمؤمنين، وإنهَّا لم تَحِلُّ لأحدٍ كان قبلي، ولا تحلُّ لأحدٍ كان بعدي، وإنما أُحِلَّت لي ساعة من النهار" (¬5). والعرب تقول: آمَنُ من حمام مكة، يضربون المثلَ بها في الأمن (¬6). ¬
وقوله تعالى: {وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ} الثمرات: جمع ثمرة، وهو حمل الشجرة من أي نوع كان، ويأتي الكلام فيها عند اختلاف القراء في (ثمره) [الكهف: 42]. قال المفسرون: استجاب الله دعاء إبراهيم، فقال في موضع آخر: {أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ} [القصص: 57] (¬1). قال عطاء عن ابن عباس: ذكروا أن الله عز وجل بعث جبريل إلى الشام، حتى اقتلع الطائف من موضع الأردن، ثم طاف بها حول الكعبة أسبوعًا، لذلك سميت الطائف، ثم أنزلها تهامة، ومنها تجْبَى إلى مكة الثمرات (¬2). وقوله تعالى: {مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} (من) بَدَلٌ من أهله (¬3) وهو بدل البعض من الكُلِّ، كقوله: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} [آل عمران: 97]. والأخفش يسمي هذا بدل التبيان؛ لأنَّ الأول دلَّ على العموم، ثم بان بالبدل أن المراد به البعض، كما تقول: أخذت المال ثلثيه، ورأيت القوم ناسًا منهم (¬4). وإنما خصَّ إبراهيم عليه السلام بطلب الرزق المؤمنين؛ لأن الله تعالى أدبه بقوله: {قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} فتوهَّم أنه كما لا يعطيهم النبوة إلا إذا كانوا مؤمنين، كذلك لا يرزق أهل ¬
مكة إلا أن يكونوا مؤمنين (¬1). قال ابن عباس: وكانت دعوةُ إبراهيم يومئذ وأهلها مؤمنون (¬2)، فما زالوا على إيمانٍ ومعرفة بالله حتى غيَّرَ ذلك عمرو بن لُحَيّ الخُزاعي (¬3)، وهو الذي قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "رأيته في جهنم يجُرّ قُصْبَه (¬4) في النار" (¬5)، وكان أول من غيّر دين إبراهيم، وعبد الأصنام، وسيّب السائبة، وبَحَر البحيرة، وحمى الحامي (¬6)، وغلب على مكة، وقهر أهلها، وهم ولد إسماعيل. {وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً} فسأرزقه إلى منتهى أجله (¬7). وفي (أمتعه) ¬
قراءتان: التشديد من التفعيل، وهو قراءة عامة القراء، وقرأ ابن عامر بالتخفيف (¬1). والتشديدُ أولى، لأن التنزيل عليه: كقوله: {يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا} [هود: 3] وقال: {كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [القصص: 61] وقال: {وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ} [يونس: 98]. وأمّا التخفيف فإن أَفْعَل قد يكون بمعنى فَعَّل في كثير من المواضع، نحو: فَرَّحْتُه وأفرحْتُه، وأنزلته ونَزَّلته، قال الراعي (¬2): خَلِيطَين من شعبين شتّى تجاورا ... قديمًا وكانا بالتفرُّقِ أمتعا (¬3) وأما قوله: (قليلا) قال أبو علي الفارسي (¬4): يجوز أن يكون صفةً للمصدر، ويجوز أن يكون صفة للزمان. فالدلالةُ على جواز كونه صفة للمصدر قوله: {يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا} [هود: 3] فوصف به المصدر. قال سيبويه (¬5): مثال هذا: أنك ترى الرجل يعالج شيئًا فتقول: رُويدًا، أي: علاجًا رويدًا. فإن قيل: كيف يحسنُ أن يكون صفة للمصدر، وفعّل يدل على التكثير، فكيفَ يستقيمُ وصفُ الكثير بالقليل في قوله: {فَأُمَتِعُهُ قَلِيلًا}، وهلا كان قولُ ابن عامر أرجحَ؛ لأنَّ هذا السؤال لا يعترض فيه. ¬
127
والجواب: أن هذا لا يدل على ترجيح قراءته، وإنما وصفه الله سبحانه بالقليلِ من حيثُ كان إلى نَفادٍ ونقصٍ وتناهٍ، ألا ترى أن (¬1) قوله: {قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ} [النساء: 77] فعلى هذا وُصِفَ المتاع بالقلة في قوله: {فَأُمَتِعُهُ قَلِيلاً}. وأما جواز أن يكون (قليل) صفة للزمان فيدل عليه قوله: {قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ} [المؤمنون: 40] بعد زمان قليل، كما تقول: أطعمه عن جوعٍ وكساه عن عُري (¬2). وقوله تعالى: {ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ} أي: ألجئه في الآخرة إلى عذاب النار {وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} مُختصر، أي: بئس المصير النار أو عذاب النار (¬3). 127 - قوله تعالى: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ} معنى القعود في أصل (¬4) اللغة: الثبات على أيِّ حالةٍ كانت، الدليل عليه قوله تعالى: {تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ} [آل عمران: 121]، يريد: مثابت ومراكز، ولا يريد مَجَالس. وقولهم: قَعَدَتِ المرأةُ عن المحيض، معناه: ثبتت على حالة الطُّهْر، ولا يراد به الجُلوس. ويقولون: قَعَدَتِ الفَسِيلة، إذا ثَبَتَتْ في الأرض، وصار لها جذع (¬5). ومن هذا: قواعد البيت، فَقَعَدَ في أصل اللغة ¬
بمعنى: ثبت، ثم نقل إلى هذا الفعل المخصوص والمتعارف الذي لا تعرف العامة غيره (¬1). وأما تفسير قواعد البيت، فقال ابن المظفر: القواعد: أصول الأساسِ، الواحد: قاعدة (¬2). قال الزجاج: وكل قاعدةٍ فهي أصلٌ للذي فوقها (¬3). قال الكُمَيْت (¬4): في ذِروةٍ من يفاعٍ اوّلهم ... زانت عواليَها قواعدُها (¬5) ومنه يقال للخشبات أسافل الهودج: القواعد، لأنها كالأساس للهودج (¬6). قال ابن عباس: يعنى: أصولَ البيت (¬7). وقوله تعالى: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا} المعنى: يقولان (¬8): {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا} ¬
128
كقوله: {وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ} [الأنعام: 93] المعنى: يقولون: أخرجوا، ومثله: {يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (23) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ} [الرعد:23 - 24]. وقوله تعالى: {إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ} يريد: لدعائنا {الْعَلِيمُ} بما في قلوبنا (¬1). 128 - قوله تعالى: {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ} أي: مطيعين مستسلمين منقادين لحكمك (¬2). قال ابن الأنباري: يقال: فلان مسلم، وفيه قولان: أحدهما: أنه المستسلم لأمر الله. والثاني: هو المخلص لله العبادة، من قولهم: سَلَّمَ لفلان الشيءَ، أي: خَلَّصَه له، وسَلِمَ له الشيءُ، أي: خَلَصَ (¬3)، ومنه قوله تعالى: {وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ} [الزمر: 29]، معناه: خالصًا لرجل، وأنشد على أنَّ المسلم بمعنى المستسلم لأمر الله قولَ الشاعر: فقلنا أسْلِمُوا إنّا أخوكم (¬4) ... فقد بَرِئَتْ مِنَ الإحَنِ الصُّدُورُ (¬5) أراد: استسلموا. قالوا: فالمسلم الذي يعتقد الاستسلامَ لله تعالى والإيمانَ به محمودٌ، والمسلمُ الذي يستسلم خوفًا من القتل مذمومٌ، من ¬
ذلك قوله تعالى: {قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا} [الحجرات: 14] (¬1). معناه: استسلمنا من خوف القتل (¬2). وقد ذكرنا معنى الإسلام فيما تقدم. قوله تعالى: {وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ} الأمَّةُ في اللغة تكون على وجوه، قال أبو العباس: الأمَّةُ تأويلها: الجماعة من كل شيء، من ذلك: أمة محمد - صلى الله عليه وسلم -، ويقال: إنما فلان أمةٌ وَحْدَه، أي يَسُدُّ مَسَدَّ جَمَاعةٍ, ومنه يقال: فلان حسن الأُمَّة، إذا مُدِحَ بالتمامِ واستجماعِ الخُلُقِ على الاستواء (¬3). قال الأعشى (¬4): وإنَّ معاويةَ الأكْرَمِين ... حسَانُ الوُجُوهِ طِوالُ الأُمَمْ (¬5) ومنه سميت الأمّ؛ لأنها المحتويةُ على الولد، ومنها يخرج، ومن ذلك قوله: {هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ} [آل عمران: 7] أَيْ: مجمع الحلال والحرام. والإمام مأخوذ من هذا؛ لأن عليه تجتمع (¬6) الجماعة (¬7)، ومنه: {وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ} [يوسف: 45]، أي: بعد حين من الدهر (¬8)، وذلك لجماعة الشهور ¬
والأعوام، وأم النجوم: المجرة، لأنها مجتمع النجوم، وكل شيء انضمت إليه أشياء فهو أمّ لها (¬1)، وأمُّ القوم: رئيسُهم الذي يجتمع إليه أَمْرُهم (¬2). قال الشنفرى (¬3): وأمَّ عيال قد شَهِدتُ تَقُوتُهم ... إذا أحْتَرتْهُمْ (¬4) أحْتَرَتْ وأقَلَّتِ (¬5) يعني: تأبط شرّا، والأَمَم: القريب المجتمع، وأمَّه: إذا قَصَدَ الاجتماع معه (¬6). وقال أبو إسحاق: الأمة في اللغة أشياء، الأمة: القرن من الناس، يقال: قد مضت أمم أي: قرون، والأمة: الدِّين، ومنه قوله: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً} [البقرة: 213]، أي: كانوا على دين واحد، والأمة: القامة وأنشد: .......... طوال الأمم (¬7) والأمة: الرجل الذي لا نظير له، ومنه قوله تعالى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً} (¬8)، [النحل: 120]. ¬
قال: وأصل هذا الباب كله من القصد، يقال: أممت الشيء إذا قصدته، فمعنى الأمة في القرن من الناس: الذين يقصدهم مقصدًا واحدًا، ومعنى الأمة في الدين: إنما هو الشيء الذي يقصده الخلق ويطلبونه؛ ولذلك سميت النعمة أمة، ومعنى الأمة في الرجل: الذي لا نظير له: أن قصده منفرد من قصد سائر الناس (¬1). قال ومعنى الأمة: القامة، لأنها مقصد الجسد، فليس يخرج شيء من هذا الباب عن معنى أممت، أي: قصدت (¬2). قال الأزهري: والأمة فيما فسّروا يقع على الكفار والمؤمنين (¬3)، وقال الليث: كلُّ قوم نُسبوا إلى نبيٍّ فأضيفوا إليه فهم أمته، وقيل: أمة محمد - صلى الله عليه وسلم -: كل من أرسل إليه (¬4) ممن آمن به أو كفر، قال: وكل جيل من الناس هم أمة على حدة (¬5). قال ابن الأنباري: والأمة أيضًا أتباع الأنبياء، من قولهم: نحن أمة محمد - صلى الله عليه وسلم -. قال ابن عباس: {وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا} يريد: أمةَ محمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - {أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ} يريد: المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان (¬6). قيل: وإنما خصّا ¬
بالدعوة بعضَ الذُّرِّيَّة؛ لأن الله تعالى أعلمهما أن في ذريتهما من لا ينال العهد في قوله: {لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ}. وقوله تعالى: {وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا}. (أرنا) يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون منقولًا من رأيت الذي يراد بها إدراك البصر، نقلت بالهمزة فتعدت إلى مفعولين، والتقدير: حذف المضاف، كأنه قال: أرنا مواضع مناسكنا، والمناسك: جمع منسك، وهو مصدر، جُمع لاختلاف ضروبه، والمعنى: عَرِّفْنا هذه المواضع التي تتعلق النسك بها؛ لنفعله ونقضي نسكنا فيها (¬1)، على حدِّ ما يقتضيه توقيفنا عليها، وذلك نحو: المواقيت التي يحرم منها، ونحو: الموضع الذي يوقف فيه بعرفةَ، وموضع الطواف، وموضع رمي الجمار، فهذا من: رأيتُ المواضع، وأريته زيدًا. والوجه الآخر: أن يكون أرنا منقولًا من رأيت، الذي لا يراد به رؤية العين ولكن التوقيف على الأمر، وضرب من العلم. وإلى هذا ذهب أبو عبيدة في تأويل الآية فقال: (وأرنا مناسكنا) أي: عَلِّمْنا، وأنشد: أريني جوادًا مات هَزْلًا لأَنني ... أرى ما تَرَيْنَ أو بخيلًا مُخَلَّدا (¬2) ¬
قال: أراد: دُلِّيني، ولم يرد رؤية العين (¬1). وقوله: لأنني، أي: لعلني (¬2). وقال أبو إسحاق: {وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا} معناه: عرِّفنا متعبداتنا، وكلُّ متعبدٍ فهو منسِك ومنسَك، ومن هذا قيل للعابد: ناسك، ويقال للذبيحة المتقرب بها إلى الله: نسيكة، وإنما سمي الذبيحة نَسِيكة (¬3)؛ لأنهم كانوا يذبحونها للعبادة. فقوله: {مَنَاسِكَنَا} يحتمل أن يكون جمع مَنْسَك الذي هو المصدر، فيكون على تقدير حذف المضاف كما ذكرنا، ويحتمل أن يكون جمع منسك الذي هو الموضع، فلا يكون فيه حذف. ونسك في اللغة على معنيين: أحدهما: ذَبَح، والآخر: عَبَدَ، فلا يُدرى (¬4) أيهما الأصل (¬5). وفي قوله: (وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا} قراءتان: كسر الراء، وإسكانها (¬6). قال أبو إسحاق: والأجود الكسر؛ لأن الأصل أَرْئنا، فالكسرة في الراء إنما هي كسرة همزة، أُلقيت فَطُرحت حركتها على الراء، فالكسرة دليلُ الهمزة، وحذفُها قبيحٌ، وهو جائزٌ على بُعدٍ؛ لأن الكسرةَ والضمةَ ¬
129
تُحذفانِ استثقالًا (¬1)؛ كقولهم في فَخِذٍ: فَخْذٌ، وفي عَضُدٍ: عَضْدٌ، وقد (¬2) ذكرنا هذا بأبلغ من هذا الشرح فيما تقدم. وقوله تعالى: {إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ} قال ابن عباس: أي: الراجع بأوليائه وأهل طاعته (¬3) إلى أفضل دينه (¬4). 129 - وقوله تعالى: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا} قال ابن عباس: يريد: في ولدي (¬5)، والكناية تعود إلى الذرية أو إلى الأمة في قوله: {أُمَّةً مُسْلِمَةً} (¬6)، وكلاهما ولد إبراهيم، وهم العرب (¬7). وقوله تعالى: {رَسُولًا مِنْهُمْ} قال ابن عباس: يريد محمدًا - صلى الله عليه وسلم -، فاستجاب الله دعاءه، وبعث فيهم رسولًا من أنفسهم، محمدًا سيد الأنبياء (¬8)، لذلك قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إني عند (¬9) الله في أمِّ الكتاب لَخَاتَمُ ¬
النبيين، وإن آدم لمُنجدِلٌ في طِينَتِه، وسوف أنبئكم بتلك دعوة أبي إبراهيم {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ}. الآية، وبشارة عيسى قومه: {وَمُبَشِّرَا بِرَسُولٍ} [الصف: 6]، ورؤيا أمي، التي رأت أنه خرج منها نورٌ أضاءت له قصورُ الشام (¬1) ". وقوله تعالى: {وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} قال ابن عباس: يريد القرآن الذي أنزل عليه، وما فيه من الفرائض والأحكام والسنن وشرائع النبيين (¬2). فعلى هذا الحكمة: هي نفس الكتاب، وجُمع بينهما لاختلاف اللفظين. والحكمة في اللغة: فهم المعاني، وبه قال مجاهد، فإنه قال: يعنى بالحكمة فهم القرآن (¬3). وقال عبد الله بن مسلم: هي العلم والعمل، ولا يسمى الرجل حكيما ¬
حتى يجمعهما (¬1). سمعت الثعلبي -رحمه الله- يقول: سمعت البياري (¬2) يقول: سمعت السِّيرافي (¬3) يقول: سمعت ابن دُرَيدٍ يقول: كل كلمة وعظتك أو زجرتك أو دعتك إلى مكرمة أو نهتك عن قَبيحٍ فهي حكمة (¬4). ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إنَّ من الشعرِ حكمةً (¬5) ". وأصلها في اللغة: من المنع والرد (¬6)، قال الأصمعي: أصل الحكومة: ردُّ الرجل عن الظلم، ومنه سميت حَكَمَةُ اللِّجَام؛ لأنها تَرُدُّ الدَّابَّة (¬7)، وهذا يذكر في مواضع من هذا الكتاب. وقوله تعالى: {وَيُزَكِّيهِمْ} أصل التزكية في اللغة: النسبة إلى الازدياد من الأفعال الحسنة التي ليست بمشوبة، والزكاة: الزيادة (¬8)، وقد ذكرنا ¬
هذا عند تفسير الزكاة. قال ابن عباس: ويرشدهم إلى أفضل عبادتك (¬1)، وقال ابن جريج (¬2): يطهرهم من الشرك، ويخلّصهم منه (¬3). وقيل: يأخذ زكاة أموالهم (¬4)، وقال ابن كيسان: يشهد لهم يوم القيامة بالعدالة إذا شهدوا للأنبياء بالبلاغ، بيانه قوله: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} (¬5) [البقرة: 143] الآية. وقوله تعالى: {إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} اختلف قول أهل اللغة في معنى العزيز واشتقاقه، فقال أبو إسحاق: العزيز في صفات الله: الممتنع فلا يغلبه شيء (¬6)، وهذا قول المفضل، قال: العزيز: المنيع الذي لا تناله الأيدي (¬7). وعلى هذا القول العزيز من عزّ يَعَزُّ بفتح العين، إذا اشتد (¬8)، يقال: عَزَّ علي ما أصاب فلانًا أي: اشتد، وتعزز لحم الناقة إذا صلُب واشتدّ (¬9)، ¬
وأنشد أبو عمرو الشيباني (¬1): أُجُدٌ إذا ضَمَرَتْ تعزّزَ لحمُها ... وإذا تُشَدُّ بنسعةٍ لا تَنْبِسُ (¬2) يريد: أنها إذا هزلت صَلُبَ لحمُها ولم يَسْتَرْخِ جلدها. وقال أبو كبير الهذلي (¬3) يصف عقابًا (¬4): حتى انتهيت إلى فراشِ عزيزة ... سوداء روثةُ أنفِها كالمِخْصفِ (¬5) سماها عزيزة؛ لأنَّها من أقوى الجوارح، وأشدِّها بأسًا، والعزاز: الأرض الصلبة، فمعنى العِزَّةِ في اللغة: الشَدَّة (¬6)، ولا يجوزُ في وصف الله تعالى الشِّدَّة (¬7)، ويجوزُ العزّة، وهي امتناعه على من أراده، وعلوه ¬
عن (¬1) أن تناله (¬2) يدٌ (¬3)، وقال ابن عباس: العزيز: الذي لا يوجد مثله (¬4). قال الفراء: يقال: عزّ يَعِزُّ بالكسر: إذا قلَّ حتى لا يكاد يوجد، عِزّةً فهو عزيز (¬5). وقال الكسائي (¬6) وابن الأنباري (¬7) وجماعة من أهل اللغة: العزيز: القوي الغالب، تقول العرب: عَزَّ فلانٌ فلانًا يَعُزُّه عِزًّا، إذا غلبه (¬8)، قال الله تعالى: {وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ} [ص: 23]. ¬
130
قال عمر بن أبي ربيعة (¬1): هُنالك إما تَعُزُّ الهوى ... وإما على إثرهم تَكْمدُ (¬2) معناه: إما تغلب الهوى، ومنه يقال: من عَزّ بَزَّ أبو عبيد عن أبي زيد: عَزَّ الرجل يَعِزّ عِزةً وعِزًّا، إذا قَوِيَ (¬3)، فمعنى العزيز: الغالبُ القويُّ الذي لا يعجزه شيء (¬4)، وذكرنا معنى الحكيم فيما مضى (¬5). 130 - قوله تعالى: {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ} يقال: رغبت عن الشيء أي: تركته عمدًا، وهو ضدُّ قولك: رغبتُ فيه (¬6). قال أبو إسحاق: معنى (مَنْ) التقريرُ والتوبيخُ، ولفظُها لفظُ الاستفهام والمعنى: ما يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سَفِهَ نَفْسَه (¬7)، وذكرنا معنى السفه فيما تقدم (¬8). واختلف النحويون في نصب (نفسَه). فقال الفرَّاءُ: العرب توقع (¬9) ¬
سَفِهَ على النفس، وهى معرفة، وكذلك قوله: {بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا} [القصص: 58] وهو في المعرفة كالنكرة؛ لأنه مفسِّر، والمفسِّر في أكثر الكلام نكرة، كقولك: ضِقْتُ به ذَرْعًا، المعنى: ضاق به ذرعي، فالفعل للذرع، فلما جعلتَ الضيق مسندًا إليك فقلت: ضقت، جاء الذرع مفسرًا؛ ليدل على أنَّ (¬1) الضيقَ فيه، كما تقول: هو أوسعُكم دارًا، أدخلتَ الدارَ لِيُعْلَمَ أنَّ السعةَ فيها لا في الرجل (¬2). ثم أجري على هذا قولهم: قد (¬3) وَجِعَ بطنَه، وأَلِمَ رأسَه، وغَبِنَ رأيَه، ورَشِدَ أمرَه، فعند الفرَّاءِ التقدير: سَفِهَتْ نفسُه، فَأُضيفَ الفعلُ إلى صاحب النفس، فخرجت النفس مُفسّرةً، وهذا مذهب الكوفيين. واعترض الزجاج على هذا بأن قال: معنى التمييز لا يحتمل التعريفَ؛ لأنَّ التمييزَ إنما هو واحدٌ يدل على جنس أو خَلَّة يخلص من خِلال، فإذا عَرَّفته صار مقصودًا قصده، وهذا لم يقُلْهُ أحدٌ ممن تقدَّمَ (¬4) من النحويين (¬5). ثم حكى أقوالًا، فحكى عن الأخفش (¬6)، عن أهل التأويل، إنهم قالوا: إن المعنى: سَفَّه نفسه. وقال يونس (¬7) (¬8): أُراها لغةً، ذهب إلى أن ¬
فَعِلَ للمبالغة كفَعُلَ، فذهب في هذا مذهب أهل التأويل، قال: ويجوز على هذا سفِهتُ زيدًا (¬1)، بمعنى: سَفّهتُ زيدًا. قال ابن الأنباري: لا يعرف (¬2) هذا؛ لأن العرب لا تقول: سَفِهَ زيدٌ عمرًا بمعنى: سَفَّه، وحكى الزجّاج أيضًا، عن أبي عبيدة، أنه قال: معناه: أهلك نفسه، وأوبق نفسه (¬3)، وهذا القول مثل ما حكى الأخفش عن أهل التأويل (¬4). وقال أبو بكر: على هذا القول أهلكت في معنى سفه معنًى، وليس بتفسير، وإذا كان كذلك لم يجز نصبُ النفس به، وإيقاعُه عليه؛ لأن سَفِهَ يخالف أهلَكَ في التعدِّي، وإن كان بمعنى خِفْتُ. وحكى الزجّاج أيضًا عن الأخفش نفسه (¬5): أن سَفِهَ نفسَه بمعنى سَفُه في نفسه، إلا أن (في) حذفت كما حُذفت حروف الجر في غير موضع، كقوله تعالى: {أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ} [البقرة: 233]، المعنى: أن تسترضعوا لأولادكم (¬6)، فحذف حرف الجر من غير ظرف؛ لأن المعنى: لأولادكم، ومثله {وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ} [البقرة: 235]، أي: عليها، ومثلُه قول الشاعر: نغالي اللحم للأضياف نِيئًا ... ونبذُلُه إذا نَضجَ القُدُورُ (¬7) ¬
المعنى: نغالي باللحم (¬1). قال: ومثله: قول العرب: ضُرِبَ زيدٌ الظَهَر والبَطنَ، المعنى (¬2): على الظهر والبطن. قال: وهذا عندي مذهَبٌ صالح، ثم اختار أن يكون معنى سفِه نفسَه: جَهِلَ نفسه، فالمعنى والله أعلم: إلا من جهل نفسه، أي: لم يفكر في نفسه، فوضع سَفِهَ موضع جَهِل، وعُدِّى كما عُدَي (¬3). وقد ارتضى هذا القول كثير من العلماء (¬4)، وبه قال ابن كيسان فقال في تفسير قوله: {إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ}: إلا من جهِل نفسه (¬5)؛ لأن من عبد حجرًا أو قمرًا أو شمسا أو صنمًا (¬6) فقد جهل نفسه؛ لأنه لم يعلم خالقها، ولم يعلم (¬7) ما يحق لله عليه. والعرب تضع سَفِهَ في موضع جَهِل، ومنه الحديث: "الكِبْرُ (¬8) ¬
أن تسفَهَ الحقَّ وتغمِصَ (¬1) الناسَ (¬2) " أي: تجهل الحق. ويؤيد هذا القولَ ما روي في الحديث (¬3): "مَنْ عرف نفسه فقد (¬4) عرف ربه" (¬5). قيل في معناه: إنما يقع الناس في البدع والضلالات لجهلهم أنفسهم، وظنّهم أنهم يملكون الضرّ والنفع دون الله. ¬
وحُكي عن أبي بكر الوراق (¬1) أنه قال في معنى هذا الحديث: من عرف نفسه مخلوقة مرزوقة بلا حول ولا قوة، عرف ربه خالقًا رازقًا بالحول والقوة (¬2)، وقد أوحى الله إلى داود: كيف عرفتني، وكيف عرفت نفسك؟ فقال: عرفتك بالقدرة والقوة والبقاء، وعرفتُ نفسي بالعجز والضعف والفناء، فقال: الآن عرفتني (¬3). فإذا كان من عرف نفسه عرف ربه، كان من جهل نفسه جهل ربه حتى يرغب (¬4) عن ملة إبراهيم. ثم بعد هذه الأقوال، قد حكي عن الخليل قول حَسَنٌ، وهو أنه قال: تجيء أفعال تتعدى إلى النفس خاصة، نحو: سَفِه نفسَه وصَبَر نفسَه، ولا يقال: سَفهتُ زيدا (¬5) ولا صبرتُه، قال عنترة (¬6): فصبرتُ عارفةً لذلك حُرّةً ... ترسُو إذا نفسُ الجبان تَطَلَّعُ (¬7) أراد: صبرتُ نفسًا عارفة. وبهذا قال الكسائي، فقال في قوله: {سَفِهَ نَفْسَهُ} و {بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا} [القصص: 58]، {أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ} [الأعراف: 150]، ووجع بطنَه، ورشِد أمرَهُ وخسِر نفسَه: هذه حروف تقولها العرب ¬
كأنها فعل واقع في هذا المكان، ولا يقولون: وجعتُ عبدَ الله، ولا خسرتُ عبدَ الله (¬1). قال الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس في قوله: {إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ} قال: خسر نفسه (¬2). وقال بعضهم: سفِه حقَّ نفسه، أي: جهِلَ (¬3)، فجعله من باب حذف المضاف. وقوله تعالى: {وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا} معنى اصطفيناه: اخترناه للرسالة، وهو افتعلنا من الصفوة، قلبت التاءُ طاءً؛ لأنها أشبه بالصاد (¬4)، وتأويل: {اصْطَفَيْنَاهُ} أخذناه صافيًا من غير شائب (¬5). قال ابن عباس في معنى قوله: {وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا}: يريد: أنه ليس في الأرض خلق إلا وهو (¬6) يذكره بخير، وينتحل دينه (¬7)، وقيل: {وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا} بالنبوة، وقيل: بالخُلّة. وقوله تعالى: {وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ}، قال ابن عباس: يريدُ ¬
131
من نوح وآدم (¬1)، وقال أبو صالح عنه: يريد مع آبائه الأنبياء في الجنة (¬2)، وقال الحسن (¬3): أي: من الذين يستوجبون على الله الكرامةَ وحسنَ الثواب، فلما كان خلوصُ الثواب في الآخرة دون الدنيا وصفه بما ينبئ عن ذلك. وقال الزجاج: يريد من الفائزين؛ لأن الصالح في الآخرة فائز (¬4). وقال الحسينُ بن الفضل (¬5): هذا على التقديم والتأخير، تقديره: ولقد اصطفيناه في الدنيا والآخرة وإنه لمن الصالحين قال: ومثل هذا: الآية التي في النحل: {وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ} [النحل: 122] (¬6). 131 - قوله تعالى: {إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ} قال الزجاج: معناه: اصطفيناه إذ قال له ربه {أَسْلِمْ}، أي: في ذلك الوقت (¬7). ولأهل التفسير في قوله: {أَسْلِمْ} طريقان: أحدهما: أنه أراد بقوله: {أَسْلِمْ} ابتداء الإسلام، فقد قال ابن ¬
عباس: إنما قال له ذلك حين خرج من السَّرَب (¬1)، فنظر إلى الكوكب والقمر والشمس (¬2)، كما ذكره الله تعالى في سورة الأنعام (¬3). وقال أصحاب هذا القول: إن الأنبياء يجوز عليهم قبل الوحي من الشرك والكبائر ما جاز على غيرهم، وإنما عصموا من وقت البعثة وإنزال الوحي (¬4)، وهذا مذهب جماعة من أهل الأصول (¬5). وقال عدة من المفسرين: قوله: (أسلِمْ) معناه: دُمْ واثْبُتْ على الإسلام، كقوله تعالى لمحمد - صلى الله عليه وسلم -: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ} (¬6) ¬
132
[محمد:19] وكقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا} [النساء: 136]، في أحد الوجهين (¬1). وعند أصحاب هذا القول، لا يجوز على الأنبياء في سابقة حالهم الشرك والكبائر، بل عصمهم الله سبحانه ودفع عنهم مالم يدفع عن غيرهم. فأما محمد - صلى الله عليه وسلم - فعامة أصحابنا: على أنه ما كفر بالله طرفةَ عينٍ، ولا كان مشركًا قطُّ. ثم قال بعضهم: كان قبل البَعْث على دين عيسى، ومنهم من قال: كان يعبد الله تعالى على دين إبراهيم. قال ابن كيسان: معنى (أسلم): أخلِصْ دينك لله بالتوحيد (¬2) فيكون أصل الإسلام على هذا القول: من السلامة، كأنه يخلص دينه فيسلم من الشرك، والشك، وقال عطاء: أسلِمْ نفسَك إلى الله وفوِّض أمورَك إليه (¬3). وقوله تعالى: {قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} قال ابن عباس: في رواية عطاء: يريد بقلبه ولسانه وجوارحه، فلم يعدل بالله شيئا، ورضي أن يُحرَق بالنار في رضى الله تعالى، ولم يستعن بأحد من الملائكة (¬4). 132 - قوله تعالى: {وَوَصَّى} يقال: وصَّى يُوَصّي توصية (¬5)، يكونُ المصدر منه على تفعلة، ولا يكون على تفعيل؛ لأنك لو جئت به على تفعيل ¬
للزم في حيّيتُ ونحوه أن يكون على تفعيل، فيجتمع ثلاث ياءات. والوصاة: اسم من التوصية، يقوم مقام المصدر، يقال: وصَّاه وصاةً، كما يقال: كلَّمه كلامًا، قال الله تعالى: {وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا} [الأحزاب: 49]، قال الشاعر: ألا مَنْ مبلغٌ عَنِّي يزيدًا ... وَصاةً من أخي ثقةٍ وَدودِ (¬1) المصدر من هذا الباب ينقسمُ إلى: تفعيل وتفعلة وفِعَّال ومُفَعَّل، قال الله تعالى: {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النساء: 164] وقال: {تَبْصِرَةً وَذِكْرَى} [ق: 8]. وقال: {وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا} [عم: 28]. وقال: {وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ} [سبأ: 19]. وفيما جاء على فِعال وهو اسم ينوب عن المصدر كما ذكرنا، إلا أن العربَ تُؤْثِر التَّفْعِلة على التفعيل في ذوات الأربعة، يقولون: وصَّيْتُه توصيةً، وصفّيْتُه تصفيةً. قال الله تعالى: {وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ} [الواقعة: 94]. وقال: {فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً} [يس: 50]. والعلةُ فيه ما ذكرنا، واشتقاقُ التوصية من قول العرب: وصَى الشيء، إذا اتصل، قال أبو عُبيد (¬2): وَصَيْتُ الشيءَ ووَصَلْتُه سواء، قال ذو الرمة: وصى الليل بالأيامِ حتى صلاتُنا ... مُقاسمةٌ يشتَقُّ أنصافَها السَّفْرُ (¬3). وفلاة واصية: تتصلُ بفَلاةٍ أخرى، وقال ذو الرمة: ¬
بين الرَّجَا والرَّجَا من جنبِ واصيةٍ ... يَهْمَاءُ خابطُها بالخوفِ مَكْعُومُ (¬1) (¬2) الأصمعي: وَصَى الشيءُ يَصي، إذا اتصلَ، ووَصَاه غيرُه يَصِيه، إذا وَصَلَه، لازمٌ وواقع (¬3). ثعلب، عن ابن الأعرابي: الوصيُّ النباتُ الملتفُّ (¬4)، وقيل لعلي - رضي الله عنه -: (وصيٌّ) (¬5)، لاتصالِ نسبه وسببه (¬6) وسمته بنسب النبي - صلى الله عليه وسلم - وسببه وسمته، وسميت الوصيّةُ وصيةً؛ لاتصالها بأمر الميت، وقيل: لأنَّ الموصَى وصَلَها إلى الموصي إليه (¬7). وفي هذا الحرف قراءتان: وصَّى، وأوصى (¬8)، ولهما أمثلة من الكتاب. فمثال التشديد قوله: {فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً} [يس: 50]، وقوله: ¬
{وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ} [الأحقاف:15] ومثال الإفعال: قوله: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ} [النساء: 11] وقوله: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ} [النساء: 12] (¬1). قال الزجاج: ووَصَّى أبلغ من أَوْصَى؛ لأن أَوْصَى جائزٌ أن يكون قال لهم مرة واحدة، ووَصَّى لا يكون إلا لمرات كثيرة (¬2). وقوله تعالى: (بِهَا) اختلفوا في هذه الكناية، فقال بعضُهم: إنهَّا ترجع إلى الوصية؛ لأنه ذكر الفعلَ، والفعلُ يدُلُّ على المصدرِ وعلى الاسمِ منه، كقول الشاعر: إذا نُهِيَ السفيهُ جرى إليه (¬3) أي: إلى السَّفَهِ، فدل السفيهُ على السَّفَهِ. وهذا قولُ أبي عبيدة، قال: وإن شئت رددتها إلى الملة؛ لأنه قد ذكر ملة إبراهيم (¬4). وقال المفضَّلُ وجماعة: الكناية عائدة إلى غير مذكور، ثم اختلفوا إلى ماذا تعود؟ فقال المفضل: تعود إلى الطاعة (¬5)، كأنه قال: ووصّى بالطاعة. وقال الكلبي (¬6) ¬
ومقاتل (¬1): يعني بكلمة الإخلاص: لا إله إلا الله. والكناية عن غير مذكور جائزة كثيرة، كقوله تعالى: {وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ} [القصص: 80] يعنى: الجنة لم يسبق لها ذكر، وقال: {حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ} [ص: 32] يعني: الشمس. وقال طرفة (¬2)؟ على مثلها أمضي إذا قال صاحبي ... ألا ليتني أَفْدِيكَ منها وأَفْتَدي (¬3) أي: من الفلاة، وقال بعضهم: رجعت الكناية إلى كلمةٍ سبقت، وهو قوله: {أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} (¬4). وقوله تعالى: {يَا بَنِيَّ} قيل: أراد أن يا بني، فحذف (أن) كأنه قال: وصَّاهم أن يا بني، وكذلك هو في قراءة أُبي وابن مسعود، بإثبات أن (¬5). قال الفراء: إنمَّا حذف (أن) لأن الوصية قول، وكل كلام رجع إلى القول جاز فيه دخول (أن) وجاز إلقاؤه (¬6)، كما قال: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ} [النساء: 11]، ولم يقل: أن للذكر، كأنّ معناه: قال الله: للذكر، فجرى الوصية على معنى القول. قال: وأنشدني الكسائي: ¬
إني سأبدي لك فيما أبدي لي شَجَنان شجن بنجد وشَجَنٌ لي ببلاد السند (¬1) ولم يقل: أن لي؛ لأن الإبداء بلسانه في معنى القول، قال: ومثله قوله: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ} [المائدة: 9]، لأن العِدَةَ قولٌ، وإذا جعلت الوصية بمعنى القول لا يحسن أن يقال: أراد أن يا بني فحذف؛ لأنه لا يحتاج إلى إضمار أن مع القول (¬2). وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى} قال أبو إسحاق: إنما كسرت (إنّ) لأن معنى وصى وأوصى: قول، والمعنى: قال لهم: إن الله اصطفى (¬3). قال ابن عباس: إن إبراهيم قال لبنيه: لا تَعْدِلُوا بالله شيئًا، وإن نُشرتم بالمناشير وقُرضتم بالمقاريض وحُرقتم بالنار (¬4). وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى} يريد: دين الإسلام دين الحنيفية، والألف واللام فيه للعهد لا للجنس؛ لأنه لم يختر جميع الجنس من الدين، إنما اختار دين الإسلام على سائر الأديان (¬5). وقوله تعالى: {فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} قال الفراء في كتاب ¬
133
المصادر: مات يموت مَوتًا ومِيتةً ومَمَاتًا، والمَوتَةُ: المرَّةُ، ويقال: أرض مَواتٌ، وهو مصدر، ووَقَعَ في الناس مُواتٌ ومُوْتانٌ، ويقال: فلان يبيعُ الحيوان والموتانَ، إذا كان يبيع ما سوى الحيوان، ورجل مَوْتانُ النفس إذا لم يكن حيَّ القلب (¬1) (¬2). ووقع النهي في ظاهرِ الكلام على الموت، وإنما نهُوا في الحقيقة عن ترك الإسلام؛ لئلَّا يصادفهم الموت وهم (¬3) عليه، فإنه لابد منه، وتقديره: لا تتعرضوا للموت على ترك الإسلام بالشرك والكفر بالله (¬4)، وهذا كما تقول: لا أريَنَّكَ ههنا، فتوقع حرف النهي على الرؤية، وأنت لم تنه نفسك على الحقيقة، بل نهيتَ المخاطب (¬5)، كأنك قلت: لا تقربن هذا الموضع فمتى جئته لم أرك فيه، ومثله من الكلام: لا يصادفك الإمام على ما يكره، تقديره: لا تتعرض لأن يصادفك. قال الزجاج: وهذا من سعة الكلام، والمعنى في الآية: ألزموا الإسلام، فإذا أدرككم الموت صادفكم عليه (¬6). 133 - قوله تعالى: {أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ} الآية، ¬
نزلت في اليهود حين قالوا للنبي صلى الله وسلم: ألست تعلم أن يعقوب يوم مات أوصى بنيه باليهودية؟ فأنزل الله قوله: {أَمْ كُنْتُمْ} (¬1)، ومعناه: بل أكنتم، كأنه ترك الكلام الأول واستفهم، قاله أبو إسحاق (¬2). وقال أبو عبيدة: أم ههنا بمعنى: هل، واحتج بقول الأخطل: كذَبَتْكَ عَيْنُكَ أم رأيتَ بواسِطٍ (¬3) بمعنى: هل رأيت (¬4). ويجوز أن يتقدمه استفهام مضمر، كأنه قيل لليهود: أبلغكم ما تقولون وتنسبون إلى (¬5) يعقوب، أم كنتم شهداء حضرتم وصيته (¬6)؟ وقد شرحنا معنى (أم) عند قوله: {أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا} [البقرة: 108]. ¬
وقوله تعا لى: {شُهَدَاءَ} أراد: حضورًا (¬1). وقوله تعالى: {إِذْ حَضَرَ} موضع إذ نصب؛ لأنه بمعنى وقت حضر، والحضور خلاف الغيبة، وحَضْرة الرجل: فناؤه (¬2) (¬3). وقوله: {إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ}: إذ هذه الثانية موضعها نصب، كموضع الأولى، وهو بدل مؤكد (¬4). وقوله تعالى: {وَإِلَهَ آبَائِكَ} الآباء: جمع أب، وفي الأب لغاتٌ، يقال: هذا أبُكَ، وهذا أباك، وهذا أبوكَ، فمن قال: أَبُكَ، قال في التثنية: أَبَان وأبُونَ وأَبِينَ، ومن قال: أباك وأبوك، فتثنيتهما أَبَوَان. أنشد أحمد بن يحيى (¬5): سوى أبِكَ الأدنى وأنَّ محمدًا ... علا كلَّ عالٍ يا ابنَ عمِّ محمدِ (¬6) وأنشد سيبويه (¬7): فلما تَبَيَّنَّ أصواتَنا ... بَكَيْنَ وَفَدَّيْنَنَا بالأبِينَا (¬8) ¬
ويقال: ما كنت أبًا ولقد أَبَوْتَ أُبُوَّةً، وماله أبٌ يأبُوه. الليث: فلان يأبو تيمًا إباوة بكسر الألف، أي: يغذوه (¬1)، وتأبىّ فلان (¬2) فلانًا، أي: اتخذه أبًا، كما تقول: تبنَّى من الابن (¬3). وقال في تصغير الأب: أُبَيّ، وتصغير الآباء على وجهين: أجودهما: أُبيُّون، والآخر: أُبيَّاء؛ لأن كل جماعة كانت على أفعال فإنها تصغّر على حدها (¬4)، كما تقول في تصغير الأجمال: أجيمال. وقوله تعالى: {وَإِسْمَاعِيلَ} أدخله في جملة الأباء، وهو كان عمَّ يعقوب؛ لأن العرب تُسَمِّي العمَّ أبًا (¬5)، وقد روي أنه لما كان يوم فتح مكة قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للعباس (¬6): "امض إلى قومك، أهل مكة، فادعهم إلى الله قبل القتال"، فركب العباس بغلة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الشهباء، فانطلق، فلما مضى فأبعد، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "رُدُّوا عليَّ أبي، ردوا عليَّ أبي، لا تقتلْه ¬
قريش كما قتلت ثقيفٌ عُروةَ بن مسعود (¬1) "، فلما رجع قال: يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دَعْني أمضِي لأمرك، فقال: "يا عم، أما علمتَ أنَّ عمَّ الرجل صِنْوُ أبيه (¬2) "، وقال أيضًا يعني العباس: "هذا بقيةُ آبائي (¬3) ". وفي بعض القراءات: "وإله أبيك إبراهيم" (¬4) وله وجهان: ¬
أحدهما: أنه جمع الأب على أَبِينَ كما ذكرنا. والثاني: أنه كره أن يجعل إسماعيل من جملة الآباء فوحَّد الأب، ويكونُ التقدير: إلهَ أبيك إبراهيمَ وإله إسماعيل وإسحاق، كما تقول: رأيتُ غلامَ زيد وعمرو أي: غلامهما (¬1)، قال عطاء عن ابن عباس: إن الله لم يقبض نبيًّا حتى يخيره بين الموت والحياة، فلما خيرَّ يعقوب قال: أنظِرْني حتى أسألَ ولدى وأوصيَهم، فجمع ولده، وهم اثنا عشر رجلًا، وهم الأسباطُ، وجميع أولادهم، فقال لهم: قد حَضَرَتْ وفاتي، وأنا أريدُ أن أسألكم وأوصيكم: ما تعبدون من بعدي قالوا: نعبد إلهك كما في الآية (¬2). وقوله تعالى: {إِلَهًا وَاحِدًا} ينتصب على وجهين: إن شئت على الحال، كأنهم قالوا: نعبد إلهَكَ في حال وحدانية، وإن شئت على البدلِ، وتكون الفائدة في هذا البدل: ذكر التوحيد، فيكون المعنى: نعبد إلهًا واحدًا (¬3). ¬
134
134 - قوله تعالى: {تِلْكَ أُمَّةٌ} قال الأخفش: التاء في تلك: اسم المؤنث، واللام عمادٌ للتاء، والكاف خطاب، وهذا كما ذكرنا في ذلك قال: وكُسرت التاء من (¬1) تلك علامةً للتأنيث (¬2). وقوله تعالى: {قَدْ خَلَتْ} أي: مضت (¬3)، وخَلَتْ إذا استعمل في المكان فالمراد به خلوه عن السكان، وإذا استعمل في الزمان فالمراد به المضي (¬4) كقوله عز وجل: {الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ} [الحاقة: 24]. وقول لبيد: حِجَجٌ خلون حلالُها وحرامُها (¬5) والمراد بقوله: (تلك أمة) إبراهيم وبنوه ويعقوب وبنوه الذين تقدم ذكرهم، (لها ما كسبت) من العمل، ثم قال لليهود: {وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ} أي: حسابهم عليهم، وإنما تسألون عن أعمالكم (¬6). 135 - قوله تعالى: {وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى} المعنى: قالت اليهود: كونوا هودًا، وقالت النصارى: كونوا نصارى (¬7). ¬
قال ابن عباس: نزلت في: يهود المدينة، ونصارى نجران، قال كل واحد من الفريقين للمؤمنين: كونوا على ديننا فلا دين إلا ذلك (¬1). وقوله تعالى: {بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ} بنصب (¬2) {مِلَّةَ} بفعل مضمر، كأنه قال: قولوا بل نتبع ملة إبراهيم (¬3). وقال بعض النحويين: هو عطف على المعنى؛ لأن قوله: {كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى} معناه: اتبعوا اليهودية والنصرانية، فقال الله: {مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ} أي: بل اتبعوا ملته (¬4). قال أبو اسحاق: ويجوز أن تنصب على معنى: بل نكون أهلَ ملةِ إبراهيم، ويحذف الأهل كقوله: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} (¬5) [يوسف: 82]، وإلى هذا القول أشار الفراء والكسائي. ¬
قال الفراء: إن نصبتها بـ (نكون) كان صوابًا (¬1)، وقال الكسائي: بل يكون ملة إبراهيم. وقول الزجاج بيان لقولهما. قال أهل المعاني: وفي هذا احتجاج عليهم؛ إذ في اليهودية تناقُضٌ، وكذلك النصرانية، والتناقضُ لا يكون من عند الله، وملةُ إبراهيم سليمةٌ من التناقض، فهو أحقُّ بالاتباع (¬2). فمِمَّا في اليهودية من التناقض (¬3): امتناعُهم من جواز النسخ، مع ما في التوراة مما يدل على ذلك، وإمتناعُهُمْ من العمل بما تقدمت به البشارة في التوراة من اتباع النبي الأمي، مع إظهارهِم التمسك بها، وامتناعهم من الإذعان لما دلّت عليه المعجزة من نبوة محمد وعيسى عليهما السلام، مع إقرارهم بنبوة موسى من أجل المعجزة، إلى غير هذا مما هم عليه من التناقض، وأما النصارى فقولهم بثلاثة، ثم يقولون: إنه إله واحد (¬4). وقوله تعالى: {حَنِيفًا}. انتصب على الحال؛ لأن المعنى: نتبعُ ملةَ ابراهيم في حال حنيفيته، وعند الكوفيين ينتصب على القطع، كأنه ملة ¬
إبراهيم الحنيف، فقطع عنه الألف واللام (¬1). وأمَّا معنى الحنيف: فقال ابنُ دُريد: الحنيف: العادل عن دين إلى دين، وبه سمي الإسلام: الحنيفية؛ لأنها مالت عن اليهودية والنصرانية (¬2). قال أبو حاتم: قلت للأصمعي: من أين عُرِفَ في الجاهلية الحنيف؟ قال: لأن من عدل عن دين اليهود والنصارى فهو حنيف عندهم، وكان كل من حجَّ البيت سُمِّيَ حنيفًا، وكانوا في الجاهلية إذا أرادوا الحجَّ قالوا: هلموا نتَحَنَّفْ (¬3) (¬4). فالحنيف: المسلم؛ لأنه مال عن دين اليهود والنصارى إلى دين الإسلام، ومنه قيل للميل في القَدَم: حَنَفٌ. قال ذو الرمَة: إذا حَوَّل الظلُّ العشِيَّ رأيتَه ... حنيفًا وفي قَرنِ (¬5) الضحَى يَتَنَصَّر (¬6) (¬7) وقال الأخفش: الحنيف: المسلم، وكان في الجاهلية يقال لمن اختتن وحج البيت: حنيف؛ لأن العرب لم تتمسك في الجاهلية بشيء من ¬
دين إبراهيم غير الختان، وحج البيت، فلما جاء الإسلام عادت الحنيفية، فالحنيف: المسلم (¬1). وروى ابن نجدة (¬2)، عن أبي زيد (¬3)، أنه قال: الحنيفُ: المستقيم، وأنشد (¬4): تعلم أَنْ سَيَهْدِيْكُم إلينا ... طريقٌ لا يَجُور بكم حَنِيفُ (¬5) فقيل: لكل من سَلَّم لأمر الله ولم يَلْتَوِ: حنيف (¬6)، وهذا القول اختيار ابن قتيبة (¬7)، والرياشي (¬8)، قالا: الحنيفية: الاستقامة على دين إبراهيم، وإنما قيل للذي تقبل إحدى قدميه على الأخرى: أحنف، تفاؤلًا بالسلامة، كما قيل للمفازة (¬9): مهلكة (¬10). ¬
فأما التفسير: فروي عن ابن عباس أنه قال: الحنيف: المائل عن الأديان كلها إلى دين الإسلام (¬1). وقال مجاهد: الحنيفية اتباع الحق (¬2)، وروي عنه أيضًا: الحنيفية: اتباع إبراهيم فيما أتى به من الشريعة التي صار بها إمامًا للناس بعده، من الحج، والختان، وغير ذلك من شرائعه (¬3). وقال الحسن: الحنيفية: حج البيت (¬4)، وهو معنى قول ابن عباس (¬5)، وعطية (¬6) (¬7). وقيل: الحنيفية: إخلاص الدين لله وحده (¬8)، وهذه الأقوال غير خارجة عما ذكره أهل اللغة؛ لأنها تعود إلى الاستقامة أو الميل إلى ما أتى به إبراهيم عليه السلام من الشريعة (¬9). ¬
136
136 - قوله تعالى: {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ} إلى قوله: {وَالْأَسْبَاطِ} قال الزجاج: الأسباط: ولد إسحاق، ومعنى القبيلة في ولد إسماعيل: معنى الجماعة، يقال لكل جماعة من واحد: قبيلة، ويقال لكل جمع على شيء واحد: قبيل، قال الله عز وجل: {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ} (¬1) [الأعراف: 27]. فأما الأسباط: فهو مشتق من السبط، وهو ضرب من الشجر، يعلفه الإبل. كأنه جعل إسحاق بمنزلة شجرة، وكذلك يفعل النسابون في النسب، يجعلون الوالد بمنزلة الشجرة، ويجعلون الأولاد بمنزلة أغصانها (¬2). وقال أبو العباس: سألت ابن الأعرابي، ما معنى السبط في كلام العرب؟ فقال: خاصة الأولاد (¬3) والمُصَاصُ منهم (¬4)، وكان في الأسباط أنبياء؛ لذلك قال: {وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ}. وقوله: {لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ} أي: لا نكفر ببعض ونؤمن ببعض، ¬
137
كما فعلت اليهود والنصارى (¬1)، وإنما جاز {بَيْنَ أَحَدٍ}، و (بين): تقتضي اثنين؛ لأنَّ أحدًا منهم يقع على الاثنين والجمع، يقال: ما عندي أحدٌ يتكلمون، فجاز دخول (بين) عليه، كما تقول: لا نفرق بين قوم منهم، وبين جمع منهم. ولهذه العلة جمع نعته في قوله تعالى: {فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ} [الحاقة: 47] (¬2). 137 - قوله تعالى: {فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} قال الزجاج: تأويل هذا: إن أتوا بتصديقٍ مثل تصديقكم (¬3)، فيُحْمَلُ على تشبيهٍ بالإيمان، لا على التشبيه في الشيء الذي آمنوا به، كأنه قال: إن آمنوا وكان إيمانهم كإيمانكم، ووحدوا كتوحيدكم، وهذا قول ابن الأنباري، وزاد بيانًا فقال: المعنى: فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به، أي: فإن آمنوا مثل إيمانكم، فتزاد الباء للتوكيد، كما زيدت في قوله: {وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ} [مريم: 25]. وقال أبو معاذ النحوي (¬4): أراد: إن آمنوا هم (¬5) بكتابكم كما آمنتم أنتم بكتابهم (¬6). فالمثل هاهنا: الكتاب، والمسلمون يؤمنون بالتوراة، ¬
وقيل: المثل ههنا صلة، والمعنى: فإن آمنوا بما آمنتم به (¬1)، والمثل قد يذكر ولا يراد به الشَبْهُ والنظير، كقوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11]، قيل: ليس كهو شيء (¬2). وقوله تعالى: {فَقَدِ اهْتَدَوْا} أي: فقد صاروا مسلمين (¬3). {وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ} أي: خلاف وعداوة (¬4)، وتأويله: أنهم صاروا في شِقّ غير شَقّ المسلمين (¬5)، والعداوة تسمى شقاقًا؛ لأنّ كلّ واحد من المعادين يأتي بما يشقّ على صاحبه، أو لأنّ كل واحد صار في شقّ غير شق صاحبه للعداوة والمباينة (¬6). وقوله تعالى: {فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ} قال المفسرون: كفاه الله أمر اليهود بالقتل والسبي في قريظة، والجلاء والنفي في بني النضير، والجزية والذلة (¬7) في نصارى نجران (¬8). ¬
138
وقال عطاء عن ابن عباس في قوله: {فِى شِقَاقٍ} يريد في خلاف لدينهم ولدينكم (¬1)؛ لأنهم أمروا في التوراة بالإيمان بمحمد - صلى الله عليه وسلم -. وقال الحسن: علموا أولادَكم وأهاليكم وخدمَكم أسماء الأنبياء، الذين ذكرهم الله في كتابه، حتى يؤمنوا بهم، ويصدقوا بما جاءوا به. هذا قوله (¬2). وقالت العلماء: لا يكون الرجل مؤمنًا حتى يؤمن بسائر الأنبياء السابقين، وجميع الكتب التي أنزلها الله على الرسل، فيجب على الإنسان أن يُعَلِّمَ صِبيانَه ونساءهَ أسماءَ الأنبياء ويأمرهم بالإيمان بجميعهم؛ إذ لا يبعد أن يظُنَّوا أنهم كُلِّفوا الإيمان بمحمد - صلى الله عليه وسلم - فقط فيلقَّنوا قوله تعالى: {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ} الآية. 138 - قوله تعالى {صِبغَةَ الله} الصِّبْغ: ما يُلَوَّنُ به الثياب، والصَّبْغُ المصدر، وأصله: المزجُ للتلوين، وما يُصْطبَغُ به من الأطعمة يسمى: صِبْغا وصِبَاغًا؛ لأنه مزج شيء بشيء، ولون بلون (¬3). قال الحسن (¬4) وقتادة (¬5) وأبو العالية (¬6) ومجاهد (¬7) والسُّدّي (¬8) وعطية (¬9) وابن زيد (¬10): دين الله. فعلى هذا القول، إنما سمي الدينُ ¬
صبغةً؛ لأن المتدين يَلْزَمُه ولا يُفَارقُه، كما يلزم الصبغُ الثوبَ. والعرب تقول: فلانٌ يَصْبغ فلانًا في الشرّ، إذا أدخله فيه، وألزمه إياه، كما يلزم الثوب الصبغ، خاطبهم الله في كتابه بمثل ما يعرفون في لغتهم، أنشد ثعلب: دعِ الشَّرَّ وَانْزِلْ بِالنَّجَاةِ تَحَرُّزًا ... إذا أنت لم يَصْبِغْكَ في الشَّرِّ صَابغُ (¬1) قال اللحياني: تَصَبَّغَ فلان في الدين تَصَبُّغُا، وصِبْغَةً حسنة (¬2). وقال أبو عمرو: كل ما يتقرب به إلى الله عز وجل فهو الصِّبْغَةُ (¬3). وقال ابن عباس: إن النصارى كانوا إذا ولد لأحدهم ولد، فأتى على سبعة أيام غمسوه في ماء لهم، يقال له: المعمودي، وصبغوه به ليطهروه بذلك مكان الختان (¬4)، ويقولون: هو تطهير له وتنظيف، فجعل الله الختان للمسلمين تنظيفًا وتطهيرًا، وأمر به معارضةً للنصارى. فعلى هذا القول جرت الصبغة على الختانة؛ لصبغهم غلمانهم في الماء. ¬
قال الأزهري: يقال: صَبَغَتِ الناقَةُ مَشَاَفِرَها في الماء: إذا غمستها، وصبغ يده في الماء (¬1)، قال: قد صبغت مشافرًا كالأشبارْ (¬2) فسمي الختانُ صبغةً من حيثُ كان بدل ما فعلوه من صبغهم أولادهم، كما قال: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} [الشورى: 40] فسمى الثانية سيئة لما كانت في معارضة الأولى، كذلك الختانة سماها الله تعالى صبغة؛ لأنها تجري (¬3) للمسلمين مجرى صبغ النصارى أولادهم، وهذا القول اختيار الفراء (¬4). ويحتمل أنه سمي الختان صبغة؛ لأنه يصبغُ الولدَ بالدم. وذكر أبو إسحاق في قوله: {صِبْغَةَ اللَّهِ} قولًا آخر، هو مذهب أبي عُبيدة (¬5)، وهو أنه قال: {صِبْغَةَ اللَّهِ} أي: خِلقَةَ الله، من صبَغْتُ الثوب، إذا غيرتُ لونَه وخِلْقَتَه، فيجوز أن يسمى الخلقة صبغة، والله تعالى ابتدأ الخلقة على الإسلام بدليل قوله: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ} [الأعراف: 172] الآية. وقوله: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} [الروم: 30] (¬6)، وما ¬
139
رُوِيَ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "كل مولود يُولَد على الفطرة" (¬1)، معناه: إن كل مولود يولد في العالم على ذلك الإقرار الأول، وعلى ذلك العهد حين قالوا: {بَلَى} وهو الفطرة، ومعنى الفطرة (¬2): ابتداء الخلقة. ثم يُهَوِّدُ اليهودُ أبناءَهم، وُيمَجِّسُ المجوسُ أبناءَهم، وليس الإقرارُ الأول مما يَقَعُ به حكم، أو عليه ثواب. وانتصب قوله: {صِبْغَةَ اللَّهِ} عند الأخفش (¬3) على البدل من قوله: {مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ}. وذكر الزجاج (¬4) في انتصابه الوجهين اللذين ذكرنا في {مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ}، وقال أبو عبيد: نصب على الإغراء، أي: الزموا واتبعوا (¬5). وقوله تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً} أي: دينًا، على القول الأول، وعلى قول ابن عباس: تطهيرًا، ومعناه: أن التطهير الذي أمر الله به مبالغ في النظافة، وعلى قول أبي إسحاق: فطرة وخلقة. 139 - قوله تعالى: {قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا} الخطاب ليهود المدينة، ونصارى نجران، ومحاجتهم أنهم قالوا: إن أنبياء الله كانوا منا، وديننا هو الأقدم، وكتابنا هو الأسبق، ولو كنت نبيًّا كنت منَّا، فأنزل الله تعالى: {قُلْ ¬
أَتُحَاَجُّونَنَا} (¬1) أي: أتخاصموننا وتجادلوننا، والمحاجة: مفاعلة من الحجة (¬2). وظاهر الألف: الاستفهام، ومعناه: التوبيخ والتقرير هاهنا (¬3)، وذكرنا في سورة آل عمران لم صار لفظ الاستفهام للتوبيخ. وقوله تعالى: {فِي اللَّهِ} أي: في دين الله (¬4)، ولنا أعمال نجازى بحسنها وسيئها، وأنتم في أعمالكم على مثل سبيلنا، لا يؤخذ بعض (¬5) بذنب بعض. {وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ} أي: موحدون (¬6)، ومعنى الإخلاص: التنقية من الشوائب (¬7). ولقد سألت الأستاذ أبا إسحاق أحمد بن محمد (¬8) رحمه الله فحدثني بإسناده مسلسلا (¬9): أن حذيفة (¬10) رضى الله عنه قال: سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ¬
الإخلاص، ما هو؟ قال: "سألت جبريل عن الإخلاص، ما هو؟ قال: سألت ربَّ العزة عن الإخلاص، ما هو؟ قال: سرٌ من سِرِّي، استودعتُه قلبَ مَنْ أحببتُ من عبادي" (¬1). قال ابن الأنبارى: وفي الآية إضمار واختصار، أراد: ونحن له مخلصون، وأنتم غير مخلصين، فحذف اكتفاء بقوله: {وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ}. قال: ومعنى الآية: أتحتجون علينا، وأنتم مشركون كافرون بالأنبياء، ونحن مخلصون له بالعبادة والتوحيد؟ ومَن هو على مثل سبيلكم، الواجبُ عليه أن يتشاغل بالفكر في عماه، وأن لا ينازع ويناظر من يعلم (¬2) أنه أرشد منه وأهدى سبيلًا. وتلخيص الآية: لا حجة لكم علينا في دين ربنا؛ إذ كنا نخلص له (¬3) ولا نعبد معه سواه، وأنتم تجعلون له الشركاء والأنداد (¬4). ¬
140
140 - قوله تعالى: {أَمْ تَقُولُونَ} قرئ بالتاء والياء (¬1)، فمن قرأ بالتاء؛ فلأن ما قبله من قوله: {قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا} وما بعده من قوله: {قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ} بالتاء. ومن قرأ بالياء؛ فلأن المعنى لليهود والنصارى، وهم غَيْبٌ (¬2). ومعنى الآية: كأنه قيل لهم: بأي: الحجتين تتعلقون؟ أبالتوحيد؟، فنحن موحدون، أم باتباع دين الأنبياء، فنحن متبعون دونكم (¬3)، فمن الجهتين جميعًا لا تلزمنا لكم حجة. هذا على قراءة من قرأ (¬4) بالتاء، وتكون الآية متصلة بما قبلها من الاستفهام الذي معناه الإنكار، ومن قرأ بالياء، فمعناه الانقطاع إلى حجاج آخر غير الأول، كأنه قيل: بل أيقولون إن الأنبياء من قبل أن تنزل التوراة والإنجيل كانوا هودًا أو نصارى؟ كأنه أعرض عن خطابهم استجهالًا لهم بما كان منهم؛ كما يُقبِل العالِم على من بحضرته بعد ارتكاب مخاطبه جهالة شنيعة، هذا كله قول أصحاب المعاني في هذه الآية (¬5). وقوله تعالى: {قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّه} أي: قد أخبرنا الله أن الأنبياء كان دينهم الإسلام، ولا أحد أعلم منه (¬6) (¬7). ¬
وقوله تعالى {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ} توبيخٌ من الله لليهود بعد أن قامت الحجةُ عليهم (¬1). قال ابن عباس: يريد مَنْ أظلمُ ممَّنْ كتمَ شهادتَه التي أشهد عليها، يريد أن الله أشهدهم في التوراة والإنجيل: أنه باعث فيهم محمد بن عبد الله من ذرية إبراهيم، وأخذ على ذلك مواثيقهم أن يبيّنوه للناس ولا يكتموه، فكتموه وكذبوا فيه (¬2). وقال مجاهد (¬3) والربيع (¬4): الشهادةُ في أمر إبراهيم والأنبياء الذين ذكرهم وأنهم كانوا حنفاء مسلمين، فكتموها، وقالوا: إنهم كانوا هودًا أو نصارى (¬5). وحكى ابن الأنباري عن بعضهم: أن هذا من كلام المسلمين، يريدون: من أظلم منا إن تابعناكم على ما تقولون، بعد ما وقفنا على كذبكم بإعلام الله إيّانا، وكتمان أمر محمد، والشهادة له بالنبوة، بعد أن ثبتت (¬6) ¬
141
عندنا نبوته بإخبار الله تعالى إيانا. 141 - قوله تعالى {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ} أي: ثواب ما كسبت {وَلَكُمْ} ثواب {مَا كَسَبْتُمْ} (¬1) وحَسُنَ تكريرُ هذه الآية؛ لأن الحجاج إذا اختلفت مواطنه حَسُنَ تكريرُه للتذكير به (¬2). 142 - قوله تعالى {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ} الآية، نزلت في تحويل القبلة إلى الكعبة. قال ابن عباس: عَنَى بالسفهاء يهود المدينة (¬3)، وقال الحسن: يعني مشركي مكة. وقال السدي: يعني منافقي المدينة، وذلك أن المشركين قالوا لما توجه النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى الكعبة: قد اشتاق محمد إلى مولده، ومولد آبائه، وقد توجه نحو قبلتكم، وهو راجع إلى دينكم. وقالت اليهود: قد تردد على محمد أمره، ولا يدري أين يتوجه. وقالت المنافقون استهزاءً بالإسلام والمسلمين: {مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ} (¬4)، والسفهاء: جمع سفيه، وهو الخفيف إلى ما لا يجوز له أن يخِفّ إليه (¬5)، وذكرنا هذا فيما تقدم. ¬
وقوله تعالى: {مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ} أي: عَدَلهم وصرفهم (¬1)، ونذكر أصل هذا الحرف عند قوله: {وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا} [البقرة: 148]. وقوله تعالى: {عَنْ قِبْلَتِهِمُ} القبلة: الوجهة، وهي الفعلة من المقابلة، والعرب تقول: ماله قِبلة ولا دِبرة، إذا لم يهتد لجهة أمره، وأصل القبلة في اللغة: الحالة التي يقابل الشيء غيره عليها، كالجلسة للحال التي يجلس عليها، إلا أنها الآن صارت كالعلم للجهة التي تستقبل في الصلاة (¬2). وقوله تعالى: {الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا} يعنون: بيت المقدس، في قول أكثر المفسرين، والضمير في قبلتهم: للنبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه. وقال عطاء عن ابن عباس: يريد التي كان عليها إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط (¬3)، وهذا على زعمهم؛ لأنهم كانوا يدعون أن قبلة إبراهيم كانت بيت المقدس، وعلى هذا القول الضمير (¬4) في {قِبلَتِهِمُ} لإبراهيم ومن ذُكر بعده، كأنهم قالوا: ما ولّى النبي وأصحابه عن قبلة إبراهيم والأسباط. والقول هو الأول، وعليه المفسرون. وقوله تعالى: {قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ} أي: له أن يأمر بالتوجه إلى أي جهة شاء (¬5). وقيل: أراد بالمشرق الكعبة؛ لأن المصلي بالمدينة إذا توجه إلى الكعبة فهو متوجه إلى المشرق، وإذا توجه إلى بيت المقدس فهو متوجه إلى ¬
143
المغرب (¬1). وقوله تعالى: {يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} قال ابن عباس: إلى دين مستقيم، يريد: أني قد رضيت قبلة أولئك، ورضيت هذه القبلة لمحمد - صلى الله عليه وسلم -. "ودين الله" يسمى: صراطًا مستقيمًا؛ لأنه يؤدي إلى الجنة؛ كما يؤدي الطريق المستقيم إلى البغية (¬2). 143 - قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} الآية. قال أهل المعاني: التشبيه في قوله: {وَكذَلِكَ} يرجع إلى ذكر الأنبياء الذين أنعم الله عليهم، وهم إبراهيم وأولاده، فلما ذكرهم وذكر النعمة عليهم بالكتاب المنزل، والحنيفية المستقيمة، قال: {وَكذَلِكَ} أي: وكما اخترنا إبراهيم وذريته واصطفيناهم، كذلك جعلناكم أمةً وسطًا (¬3). وقيل: هذه الآية تتصل بما قبلها من قوله: {يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} أي: هديناكم وخصصناكم دونهم بالصراط المستقيم، وتحويل قبلتكم إلى قبلة إبراهيم، وكذلك أنعمنا عليكم نعمة أخرى فقال: إنا جعلناكم عدولًا (¬4). وقوله: {وَسَطًا} الوسط: اسم لما بين طرفي الشيء. قال الفراء: الوَسَط المثقل: اسم، كقولك: رأسٌ وسط وأسفل، ولا تقولن ههنا: ¬
وسْط بالتخفيف، واحتجم وَسَط رأسه، وربما خفف، وليس بالوجه. وجلس وسْط القوم، ولا تقول (¬1): وسَط؛ لأنه في معنى بين القوم، وجلس وسَط الدار؛ لأن (بين) لا يصلح في هذا الموضع، وربما خفف. قال الفراء: قال ابن يونس: سمعت وسْط ووَسَط بمعنًى (¬2)، قال الشاعر: قالوا يالَ أشجع يومَ هَيْجٍ ... ووَسْط الدار ضَربًا واحْتِمايا (¬3) قال أحمد بن يحيى: ما اتحدت أجزاؤه فلم يتميز بعضه من بعض فهو وسَط بتحريك السين، نحو: وسَط الدار، ووسَط الرأس والكف، وما أشبهها. وما التفت أجزاؤه متجاورة، بعضها يتميز (¬4) من بعض، كالعقد، وحلقة الناس، فهو وسْط (¬5). ومما يصدق هذا ما روي في الخبر: "الجالس وسْط الحلقة ملعون" (¬6)، لم يرو إلا بالتخفيف، وقال محمد بن يزيد: ما كان اسمًا فهو وسَط، محرّك السين، نحو قولك: وسَط رأسه صلبٌ، ووسَط ¬
داره واسع، وما كان طرفًا فهو وسْط، مسكن السين، نحو قولك: وسْط رأسه دهن، ووسْط داره رجل أي: في وسط داره، وفي وسط رأسه (¬1). قال الفراء: ويقال: وسطتُ القوم سِطةً ووسوطًا إذا دخلت وسطهم: قال الله تعالى: {فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا} [العاديات: 5] (¬2). فأما التفسير: فقال عُظْم أهل التفسير في قوله: {أُمَّةً وَسَطًا} أي: عدلًا خيارًا (¬3)، وروي ذلك في حديث مرفوع، أخبرناه الأستاذ أبو طاهر محمد بن محمد بن محمش الزيادي (¬4) رحمه الله، ثنا أبو بكر محمد بن عمر بن حفص الزاهد (¬5)، ثنا إبراهيم بن عبد الله الكوفي العبسي (¬6)، ثنا ¬
وكيع (¬1)، عن الأعمش (¬2)، عن أبي صالح، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "يدعى نوح يوم القيامة، فيقال له (¬3): هل بلّغت؟ فيقول: نعم. فيدعى قومه، فيقال لهم: هل بلغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير، وما أتانا من أحد، فيقال لنوح: من يشهد لك؟ فيقول: محمد - صلى الله عليه وسلم - وأمته، فذلك قوله عز وجل: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} " (¬4). والوسط: العدل، ثم اختلفوا لِمَ سمّي العدل وسطًا؟ فقالت طائفة: هذا مأخوذ من وسط الوادي والقاع، وهو خير موضح فيه، وأكثره كَلأً وماءً، وذلك أن في غالب الأمر الماء يبرح وسط الوادي؛ لأنه في الصيف وشدة الحر ينحسر عن الأطراف إلى جوف الوادي، فيكون الكلأ هناك أكثر، ولذلك تقول العرب: انزل وسط الوادي، أي (¬5): خير مكان منه (¬6)، فعلى هذا (الوسط) اسم وصف به (¬7)، ومنه قول زهير: هم وَسَطٌ يرضى الأنام بحكمهم (¬8) ....................... البيت. ¬
ويحتمل على هذا الاشتقاق: أنه أراد: هم وسط بين طرفين: أحدهما: الغلو. والثاني: التقصير، وهما مذمومان، وهذا قول الكلبي (¬1). قال أهل المعاني: لما صار ما بين (¬2) الغلو والتقصير خيرًا منهما (¬3) صار الوسط، والأوسط عبارة عن كل ما هو خير، وإن لم يتصور فيه الغلو والتقصير، حتى قالوا: هو من أوسطهم نسبًا، أي: خيرهم، قال الله تعالى: {قَالَ أَوْسَطُهُمْ} [القلم: 28] قيل في تفسيره: خيرهم وأعدلهم (¬4)، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "خير هذا الدين النمط الأوسط" (¬5). فعلى هذا، أمة ¬
محمد - صلى الله عليه وسلم - وسط، أي: عدول؛ لأنهم لم يغلوا غلو النصارى، ولا قصّروا تقصير اليهود، في حقوق أنبيائهم، بالقتل والصلب (¬1). وقالت طائفة: وَسَط جمع واسط، وفَعَل يجوز في جمع فاعل، نحو: خدَم ونشَأ. والواسط: الذي يسِطُ الشيء، أي: يتوسطه، قال الشاعر: وَسَطتْ نسبتي الذوائبَ منهم ... كلُّ دار فيها أبٌ لي عظيم (¬2) (¬3) وفلان من واسطة قومه، أي: من أعيانهم، وهذا يحتمل أمرين: أحدهما: أن نسبه توسط نسبهم، فهو كريم الطرفين، أبوه وأمه من ذلك النسب. والثاني: أنه أخذ من واسطة القلادة؛ لأنه يجعل فيه أنفَسَ خَرَزها. قال بعض سعد بن زيد مناة: ومَن يفتقِرْ في قومه يحمَدِ الغنى ... وإن كان فيهم واسطَ العَمِّ مُخْوِلا (¬4) قوله: واسط العم، يحتمل المعنيين (¬5). وقوله تعالى: {لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد: على جميع الأمم، وذلك أن (¬6) الله تعالى إذا جمع الأولين والآخرين، أتى بالناس أمة بعد أمة، فيؤتى بأمة نوح، فيسألهم عما أرسل ¬
إليهم، فينكرون أن نوحًا بلّغهم ما أرسل به إليهم، فيقول الله تعالى لنوح: ما فعلت فيما أرسلتك؟ فيقول: بلّغته قومي فكذّبوني وعصوك، فيقول الله له: زعموا أنك لم تبلّغهم فهل لك شهيد؟ فيقول: نعم، محمد وأمته، فيدعى بأمة محمد، فيقول الله تعالى: بم تشهدون لنوح؟ فيقولون: نشهد أنه قد بلّغ رسالاتك، فكذبوه وعصوك، فتقول أمة نوح: هؤلاء بعدنا يارب؛ كيف يشهدون علينا؟ فيقولون: ربنا أرسلت إلينا رسولًا، فآمنا به وصدقناه، فكان فيما أنزلت عليه {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ} [الشعراء: 105]، إلى قوله: {قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ} [الشعراء: 111]. قال: ثم يؤتى بأمة بعد أمة فيشهدون عليهم (¬1). وشهداء: لا ينوّن؛ لأن فيه ألف التأنيث، وألف التأنيث يبنى معها الاسم، وجعل الجمع بألف التأنيث كما جعل بهاء التأنيث، نحو: أَجْرِبَة، وأغْرِبَة، وضَرَبَة، وكَتَبَة (¬2). وقال ابن زيد في هذه الآية: الأشهاد أربعة: الملائكة، والأنبياء، وأمة محمد - صلى الله عليه وسلم -، والجوارح، وهذا كقوله: {وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ} [الزمر: 69]. وقوله: {وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ} [غافر: 51] (¬3). ¬
وقوله تعالى: {وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} قال المفسرون: وذلك أن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - يُسأل عن حال أمته، فيزكّيهم، ويشهد بصدقهم (¬1). وقوله تعالى: {عَلَيْكُمْ} أي: لكم (¬2)، كقوله (¬3): {وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ} [المائدة: 3]، أي: للنصب، وقيل: معناه: على صدقهم، فهو من باب حذف المضاف (¬4). قال ابن جريج: قلت لعطاء: ما معنى: {لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ}؟ قال: أمةُ محمد شهداءُ على من ترك الحق من الناس أجمعين (¬5)، حين جاءه الهدى والإيمان، فذكر الله في كتابه {وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} يشهد على أنهم آمنوا بالحق حين جاءهم، وقبلوا، وصدّقوا به. وقوله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ} اختلف أهل المعاني في هذا، فقال بعضهم: إن الله تعالى تعبّد نبيه والمسلمين بالصلاة إلى بيت المقدس حيث (¬6) كانوا بمكة في أول الأمر مخالفةً للمشركين؛ ليتبين إيمان المؤمن ونفاق المنافق، إذ كانت العرب تحب الكعبة، وترغب في الصلاة إليها، ولا يعجبهم الصلاة إلى بيت المقدس، فتعبّدهم الله بما يشقّ ¬
عليهم، امتحانًا واختبارًا؛ ليظهر إيمان المؤمن عند صبره على ما يحبّ، ويتبين نفاق المنافق عند خلافه ربَّه في إيثاره هواه، فكأنه قال: تعبدناكم بالصلاة إلى بيت المقدس برهةً من الدهر؛ لنمتحنكم بذلك، ونختبركم. وعلى هذا التأويل خبر {جَعَلْنَا} محذوف، معناه: وما جعلنا القبلة التي كنت عليها قبلة إلا لهذا، فحذف المفعول الثاني؛ لإحاطة العلم، ويقال: إن {جَعَلْنَا} هاهنا لا يقتضي (¬1) مفعولًا ثانيًا؛ لأنه في تأويل نصبنا. وقال بعضهم: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما (¬2) هاجر إلى المدينة أمر بالتوجه إلى الكعبة مخالفة لليهود وامتحانًا للمؤمنين، وعلى هذا التأويل (¬3) تقدير الآية: {وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا} فيكون من باب حذف المضاف (¬4)، ويحتمل أن يكون التقدير: وما جعلنا القبلة التي كنت عليها منسوخة، فأضمر المفعول الثاني، كما ذكرنا في الوجه الأول. وتحتمل الآية على هذا التأويل وجهًا ثالثًا، وهو أن {كُنْتَ} بمعنى: أنت (¬5)، والتقدير: وما جعلنا القبلة التي أنت عليها -وهي: الكعبة- قبلةً، ¬
فحذف المفعول الثاني، أو أراد بـ (جعلنا) معنى نصبنا، كما بينا. ويجوز أن يريد بمعنى الكون: الحال، كقوله: {كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا} [مريم: 29] أي: من هو في الحال صبي، وكقوله: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ} [آل عمران: 110] أي: أنتم. ويؤكد هذا التأويل الثاني: أن جماعة من اليهود لما صرفت القبلة إلى الكعبة، قالوا للمسلمين: أخبرونا عن صلاتكم نحو بيت المقدس، أكانت هدًى أو ضلالةً؟ فإن كانت هدًى، فقد تحولتم عنها، وإن كانت ضلالة، لقد دنتم الله بها؟ فقال المسلمون: إنما الهدى ما أمر الله به، والضلالة ما نهى الله عنه، عيّروهم بنسخ القبلة (¬1). وقوله تعالى: {إِلَّا لِنَعْلَمَ} والله تعالى عالم لم يزل، ولا يجوز أن يحدث له علم. واختلف أهل المعاني في وجه تأويله (¬2): فذهب جماعة إلى أن العلم له منزلتان: علم بالشيء قبل وجوده، وعلم به (¬3) بعد وجوده، والحكم للعلم بعد الوجود؛ لأنه يوجب الثواب والعقاب، والمتعبد بالشيء إذا لم يُطع وعصى عَلِمَه اللهُ تعالى عاصيًا، وإذا ¬
أطاع عَلِمَه الله مطيعًا، وكان قبل أن أطاع لم يعلمه مطيعًا علمًا يستحق به الثواب، وإن كان في معلوم الباري أنه يطيع. فمعنى قوله: {إِلَّا لِنَعْلَمَ} أي: لنعلم العلم الذي يستحق العامل به الثواب والعقاب، وتبدل الأحوال على المعلوم لا يقتضي تبدل العلم وتغيره، وهذا مذهب جماعة من أهل النظر (¬1). ويؤيده: ما روي عن ابن عباس: أنه فسر العلم هاهنا: بالرؤية، وقال: معنى {إِلَّا لِنَعْلَمَ}: إلا لنرى (¬2)، وهذا راجع إلى ما ذكرنا؛ لأنه إنما يراه إذا علمه موجودًا. وحكى ابن الأنباري، عن الفراء، أنه قال: يجوز أن يكون الله جل اسمه أضاف العلم إليه، وهو للمخاطبين (¬3) في المعنى، كما يجتمع جاهل وعاقل، فيقول الجاهل: الحطب يحرق النار. ويقول العاقل: النار تحرق الحطب، وسنجمع بينهما؛ لنعلم أيهما يحرق صاحبه؟. ومعناه: لتعلم أنت فينسب إلى نفسه فعل غيره، كذلك معنى الآية: إلا لتعلموا أنتم. ومثله: {حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ} [محمد: 31]، على هذا التأويل. ويجوز في سَعَة العربية إضافة الفعل إلى من ليس له في الحقيقة، كقول العرب: طلعت الشِّعرى، وانتصب العود على الحرباء، معناه: انتصب الحرباء على العود، فنسب الانتصاب إلى غير فاعله، ومثله في الكلام: لا أرَيَنَّك ههنا، أوقع النهي على غير المنهي؛ لأن المنهيَّ المخاطب، وذكرنا ¬
هذا في قوله: {فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [البقرة: 132]. وقيل: أراد ليعلم محمد - صلى الله عليه وسلم -، فأضاف علمه إلى نفسه تخصيصًا وتفضيلًا، كقوله: {إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ} [الأحزاب: 57] وقوله: {فَلَمَّا آسَفُونَا} [الزخرف: 55] (¬1) وتحقيق هذا القول: أنه تعالى أراد: ليعلم حزبنا من النبي والمؤمنين، كما يقول الملك: فعلنا بمعنى: فعل أولياؤنا، ومنه: فتح عُمَرُ السواد، وجبى الخراج، وإن لم يتول ذلك بنفسه (¬2). وقوله تعالى: {مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ} أي: يطيعه في التوجه (¬3) إلى بيت المقدس (¬4). {مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ} أي: يرتد فيرجع إلى الشرك دين آبائه (¬5). ويجوز أن يكون المراد: ممن هو مقيم على كفره (¬6)؛ لأن جهة الاستقامة إقبال وخلافها إدبار، وكذلك وصف الكافر بأنه أدبر واستكبر، هذا إذا قلنا: المراد بقوله: {وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا} بيت المقدس ¬
وإن قلنا: إن المراد هناك: التحويل عن بيت المقدس، وهو أظهر التأويلين (¬1)، فمعنى قوله: {مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ} أي: يوافقه في التوجه إلى الكعبة، والانحراف عن بيت المقدس {مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ} أي: يرتّد عن الدين فيرجع إلى اليهودية، أو إلى ما كان عليه. وذلك أن الله تعالى جعل نسخ القبلة عن الصخرة إلى الكعبة ابتلاء لعباده المؤمنين، فمن عصمه ووفقه صدَّق الرسول في ذلك، وعلم أن لله (¬2) تعالى أن يتعبد عباده بما شاء، وأن له أن ينسخ ما تعبدهم به، فيحولهم إلى غير ذلك، وأن الصلاح لهم فيما يأمرهم به، ومن لم يعصمه شَكَّ في دينه، وتردد عليه أمره، وظن أن محمدًا في حَيْرة من أمره، فارتد عن الإسلام. والانقلاب على العَقِب: عبارة عن الانصراف إلى حيث أقبل منه؛ لأن عقبَ الإنسان يكون وراءه، فإذا رجع إلى وراء يقال: نكص على عقبيه، وانقلب على عقبيه، أي: انصرف راجعًا (¬3). قال ابن عباس: {مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ} يريد: من يرجع إلى دينه الأول (¬4)، يعني: المنافقين، وسمي العقب عقبًا؛ لأنه يتلو القدَمَ، وأصل هذا الباب: الإتباع (¬5). وقوله تعالى: {وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً} قال سيبويه: {وَإِنْ} تأكيد شبيه ¬
باليمين؛ لذلك دخلت اللام في جوابها (¬1). قال أبو إسحاق: دخلت اللام مع إن، لأنها لو لم تدخل كان الكلام جحدًا، فلولا اللام كان المعنى: (ما كانت كبيرة)، فإذا جاءت (إن واللام) فمعناهما التوكيد للقصة (¬2). وأما التفسير: فقال ابن عباس (¬3) ومجاهد (¬4) وقتادة (¬5): وقد كانت التولية إلى الكعبة لكبيرة. قال ابن زيد (¬6): وقد كانت الصلاة إلى الكعبة لكبيرة ثقيلة، إلا على الذين هدى الله، وقال أبو العالية: وإن كانت القبلة لكبيرة (¬7)، يعني: الكعبة. وقيل: إنه يعني: بيت المقدس (¬8)، أي: وإن كان اتباعها لكبيرًا إلا على الذين هدى الله. وقوله تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} قال المفسرون: قالت اليهود للمسلمين لما حُوِّلت القبلة إلى الكعبة: إن كان هذا التحويل حقًّا ¬
فإنَّ من مات منكم وهو يصلي إلى بيت المقدس مات على الضَّلالة، وكان قد مات رجال من المسلمين قبل تحويل القبلة، فانطلق عشائرهم إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقالوا: يارسول الله، صرفك الله إلى قبلة إبراهيم، فكيف بإخواننا الذين ماتوا منا وهم يصلون إلى بيت المقدس؟ فأنزل الله: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} (¬1) أي: تصديقكم بأمر تلك القبلة. قال الفراء: أسند الإيمان إلى الأحياء من المؤمنين، والمعنى: فيمن مات من المسلمين. وإنما أضيف إلى الأحياء؛ لأن الذين ماتوا على القبلة الأولى كانوا منهم. فقال: {إِيمَانَكُمْ} وهو يريد: إيمانهم؛ لأنهم داخلون معهم في الملة، وهو كقولك للقوم: قد قتلناكم وهزمناكم، يريد: قتلنا منكم، فيواجههم بالقتل وهم أحياء (¬2). ويمكن أن يحمل على العموم، بأن أراد: إيمان الأحياء والأموات (¬3). وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ} الرأفة: أخص من ¬
الرحمة وأرق، قال الفراء: الرأْفة والرآفة، مثل: الكأبة والكآبة (¬1). وقال أبو زيد: رَأَفْتُ بالرجل، أَرْأَفُ به رأفةً، ورآفةً، ورَؤُفْتُ أَرْؤُفُ به، كلٌ من كلام العرب (¬2). وفي الرؤوف قراءتان (¬3): أحدهما: رؤوف على وزن فعول. والثانية: رؤف على وزن رَعُف. فمن قرأ على فَعُول؛ فلأنه أكثر في كلامهم من فَعُل، ألا ترى أن باب صبور وشكور، أكثر من باب حذُر ويقُظ، وإذا كان أكثر في كلامهم كان أولى. يؤكد هذا: أن صفات الله قد جاءت على هذا (¬4) الوزن، نحو: {غَفُورٌ شَكُورٌ}، ولا نعلم فَعُلًا فيها قال الشاعر: نطيع إلهنا ونطيع ربًّا ... هو الرحمن كان بنا رؤوفًا (¬5) ومن قرأ على وزن "رَعُف"، فقد قيل: إنه غالبُ لغة أهل الحجاز، ومنه قول الوليد بن عقبة بن أبي معيط (¬6): ¬
144
وشرُّ الطالبين (¬1) فلا تَكُنْه ... يقاتل عمَّه الرؤوفَ الرحيما (¬2) وكثر ذلك حتى قاله غيرهم، قال جرير: ترى للمسلمين عليك حقًّا ... كفعل الوالد (¬3) الرؤوف الرحيم (¬4) (¬5) 144 - قوله تعالى: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ} الآية. قال المفسرون: كانت الكعبة أحبَّ القبلتين إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. قال ابن عباس: لأنها كانت قبلة أبيه إبراهيم (¬6). وقال مجاهد (¬7) ومقاتل (¬8) وابن زيد (¬9): لأنه كره موافقة اليهود (¬10). ¬
وقال عامة المفسرين: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه كانوا بمكة يصلّون إلى الكعبة، فلما هاجروا إلى المدينة أمره الله أن يصلي نحو صخرة بيت المقدس؛ ليكون أقرب إلى تصديق اليهود إياه إذا صلى إلى قبلتهم (¬1). وقال ابن زيد: قال الله لنبيه - صلى الله عليه وسلم -: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} فقال: هؤلاء اليهود يستقبلون بيتًا من بيوت الله، فلو استقبلناه، فاستقبله النبي - صلى الله عليه وسلم - سبعة عشر شهرًا (¬2). ثم رأى أن الصلاة إلى الكعبة أدعى لقومه إلى الإسلام، فقال لجبريل: وددت (¬3) أنّ الله صرفني عن قبلة اليهود إلى غيرها، فقال له جبريل: إنما أنا عبد مثلك، وأنت كريم على ربك، فادع ربك وسَلْه، ثم ارتفع جبريل، وجعل رسول الله يديم النظر إلى السماء؛ رَجَاء أن يأتيه جبريل بالذي سأل ربه، فأنزل الله تعالى: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ} (¬4). ¬
قال أصحاب المعاني: أراد: تَقَلُّبَ عينيك، فذكرهما بلفظ الوجه، كما ذكر الأعين بلفظ الوجوه في قوله: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة:22 - 23]، وذلك أنّ ما تقع به المواجهة يسمّى وجهًا، كاللحية قد يطلق عليها اسم الوجه. ويجوز أن يريد نفس الوجه؛ لأنه كما يقلب عينيه في السماء يقلب وجهه (¬1). وقوله تعالى: {فِي السَّمَاءِ} أي: في النظر إلى السماء. وقوله تعالى: {فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً} يقال، وَلَّيْتُكَ القبلة،: إذا صيرتَه يستقبلها (¬2) بوجهه، وليس في (فعلت) منه هذا المعنى؛ لأنك إذا قلت: وَلِيتُ الحائط، ووليت الجدران، لم يكن في قولك دلالة على أنك واجهته. فَفَعَّلت من هذه الكلمة ليس بمنقول من (فَعَلت) الذي هو وَلِيتُ، فيكون على حد قولك: فَرِحَ وفرّحْتُه، ولكن المعنى الذي هو المواجهة عارض (¬3) في فَعّلت، ولم يكن في (فَعَلْت)، وإذا كان كذلك كان فيه دلالة على أن النقل لم يكن من فَعَلت، كما كان قولهم: ألقيتُ متاعَك بعضه على بعض، لم يكن النقل فيه (¬4) من: لقي متاعك بعضه بعضًا، ولكن ¬
(ألقيت) كقولك: أسقطت، ولو كان منه زاد مفعول آخر في الكلام، ولم يحتج في تعديته إلى المفعول الثاني إلى حرف الجر في قولك: ألقيت متاعك بعضه على بعض، كما لم يحتج إليه في قولك: ضرب زيد عمرًا، وأضربته إياه، ونحو ذلك. فكذلك: وَلَّيْتُكَ قبلةً، من قولك: وَلِيتُ، كألقيت، من قولك: لَقِيتُ (¬1). وقد جاءت هذه الكلمة مستعملة على خلاف المقابلة والمواجهة، وذلك نحو: {ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ} [البقرة: 83] {وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى} [يوسف: 84] {ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ} [البقرة: 64] {عَبَسَ وَتَوَلَّى} [عبس: 1] {فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا} [النجم: 29]، فهذه مع (¬2) دخول الزيادةِ الفِعْلَ. وفي غير الزيادة قوله: {وَلَّى مُدْبِرًا} [النمل: 10]، وقوله: {ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ} [التوبة: 25]، وقوله: {مُدْبِرِينَ} حال مؤكدة؛ لأن في {وَلَّيْتُمْ} دلالة على أنهم مدبرون، وهذا على نحوين: أما ما لحق التاءُ أولَّه، فإنه يجوز أن يكون من باب: تَحَوَّب (¬3) وتأثم، إذا ترك الحُوب (¬4) والإثم، فكذلك إذا ترك الجهة التي هي المقابلة. وأما الذي لا زيادة فيه، فيجوز أن تكون الكلمة استعملت على الشيء وعلى خلافه، كالحروف المروية في الأضداد، وقد روي في الأضداد: ولّى: إذا أقبل، وولّى: إذا أدبر (¬5). ¬
وقوله تعالى: {تَرْضَاهَا} أي: تحبها وتهواها (¬1)؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان راضيًا بالقبلة الأولى، مطيعًا لله في حال صلاته إليها (¬2)، ولكنه أحبّ أن (¬3) تكون قبلته الكعبة، للمعاني التي ذكرنا (¬4). وقوله تعالى: {فَوَلِّ وَجْهَكَ} أي: أقبل وجهك نحوه. وقوله تعالى: {شَطْرَ الْمَسْجِدِ} أي: قصدَه ونحوَه، ومعنى الشطر: النحو عند أهل اللغة، يقولون: وَلِّ وجْهَك نحوَ الموضع، وشطرَه، وتلِقَاءه بمعنًى. قال الشاعر: وأظعنُ بالقوم شَطْر الملوك ... حتى إذا خَفَق المِجْدَحُ (¬5) وقال آخر: أقول لأم زِنباعَ أقيمي ... صُدورَ العِيس شَطْرَ بني تميمِ (¬6) ¬
وقال سُدَيف: أقِمْ قصدَ وجهك شطرَ العراق ... وخالَ الخليفة فاستَمْطِرِ (¬1) قال أبو اسحاق: لا اختلاف بين أهل اللغة أن الشطر معناه: النحو. قال: وقول الناس: فلان شاطر، معناه: إنه قد أخذ في نحو غير الاستواء. قال: ونصب قوله: {شَطْرَ الْمَسْجِدِ} على الظرف (¬2). وقوله تعالى: {اَلْحَرَامِ} بمعنى المحرم، وأصله: من المنع، وسمِّيت تلك البقعة حرامًا لما منع فيها من أشياء لم تمنع في غيرها (¬3)، ونذكر الكلام في الحرام والحرمات في موضع آخر. {وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ} في بر أو بحر (¬4)، وذكرنا الكلام في حيث عند قوله: {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} [البقرة: 199]. {فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} فيه إضمار واختصار، أي: وحيثما كنتم، وأردتم الصلاة، فولّوا وجوهكم شطره. قال المفسرون: إن أول ما نسخ من أمور الشرع أمر القبلة (¬5). وهذه ¬
الآية نزلت ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مسجد بني سلمة، وقد صلّى بأصحابه (¬1) ركعتين من صلاة الظهر، فتحول في الصلاة نحو الكعبة، وحول الرجالَ مكانَ النساء، والنساءَ مكانَ الرجال، فسمي ذلك مسجد القبلتين (¬2). فلما حولت القبلة إلى الكعبة قالت اليهود: يا محمد، ما أُمرت بهذا، وإنما هو شيء تبتدعه من تلقاء نفسك! فأنزل الله سبحانه: {وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ} (¬3)، والكناية في {أَنَّهُ} يجوز أن ترجع إلى المسجد الحرام، أي: إنهم عالمون أن المسجد الحرام قِبْلَة إبراهيم وأنه حق. ¬
145
ويجوز أن تعود الكناية إلى التولية (¬1)، لأن قوله: {فَلَنُوَلِّيَنَّكَ} دل على المصدر، كما أن قوله: {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ} [آل عمران: 180] دل على البخل، فكنى عنه بقوله: {هُوَ خَيْرًا لَهُمْ}. والتولية وإن كان في لفظ المؤنث فهو مصدر، وحكى ابن الأنباري: أن أبا عمرو الدوري روى عن الكسائي: أن الهاء تعود على الشطر (¬2)، والمعنى عنده: لَيَعْلَمُون أن شطره الذي تحولتم إليه هو الحق من ربهم (¬3). وقوله تعالى: {وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ} قال ابن عباس: يريد أنكم يا معشر المؤمنين تطلبون مرضاتي، وما أنا بغافل عن ثوابكم وجزائكم. وإن اليهود يطلبون سخطي، وما أنا بغافل عن خِزْيِهم في الدنيا والآخرة (¬4)، 145 - وقوله تعالى: {وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} الآية، معنى (لئن): ما تستقبل، ومعنى (لو): ماض، وحقيقة معنى (لو): أنها يمتنع بها الشيء لامتناع غيره، تقول: لو جئتني لأكرمتك، أي: لم تجئني، فلم أكرمك، فإنما امتنع إكرامي لامتناع مجيئك (¬5). ومعنى إن {وَلَئِنْ}: أنه يقع بهما الشيء لوقوع غيره، تقول: إن تأتني أكرمْك، فالإكرام يقع بوقوع ¬
الإتيان (¬1). فقولهم: (لئن) تستعمل فيما يستقبل، وجوابها يقع بالمستقبل، و (لو) تستعمل في الماضي، وجوابها يقع بالماضي، كقولك: لئن قمتَ لأقومنّ، ولو قمتَ قمتُ، هذا معنى الكلمتين ووضعهما في الأصل. ثم إنّ العرب لما استجازت في الفعل المستقبل والماضي أن يقوم أحدهما مقام الآخر، استجازت تقريب إحدى هاتين الكلمتين من الأخرى في الجواب؛ لذلك أجيبت لئن بجواب لو في هذه الآية (¬2). ومثل هذا من تقريب إحداهما من الأخرى في التنزيل قوله: {وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا} [الروم: 51]، أجيب (لئن) بجواب (لو). وأجيبت (لو) بجواب (لئن) في قوله: {وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ} [البقرة: 103] فقوله: {لَمَثُوبَةٌ} ميعاد للثواب في المستقبل، ومثل هذا يكون جوابًا لقولك: لئن. وهذا معنى قول الفراء؛ لأنه قال؛ أجيبت لئن بجواب لو؛ لأن الماضي وليها، كما يلي لو، فأجيبت بجواب لو، ودخلت كل واحدة منهما على أختها، وشبهت كل واحدة بصاحبتها (¬3). ¬
فأما التفسير: فإن اليهود والنصارى طلبوا من النبي - صلى الله عليه وسلم - الآيات، فأنزل الله هذه الآية، وقد علم أهل الكتابين أن محمدًا حقّ، وصفته ونبوته في كتابهم، ولكنهم جحدوا مع تحقق علمهم، وما تغني الآيات عند من يجحد ما يعرف (¬1)؛ لذلك قال -عز من قائل-: {مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ}. فإن قيل: كيف قال هذا، وقد آمن منهم كثير؟ قيل: هذا إخبار عن جميعهم أنهم كلهم لا يفعلون (¬2) ذلك (¬3). وقيل: إنه أراد الفريق الذين هم أهل العناد، وهم الذين عناهم بقوله: {وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ} (¬4). وقوله تعالى: {وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ} حسم بهذا إطماع اليهود في رجوعه - صلى الله عليه وسلم - إلى قبلتهم، لأنهم كانوا يطمعون. وأكّد بهذا أنه لا ينسخ التوجه ¬
إلى الكعبة (¬1)، وقيل في هذا: إنه لما قال: {مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ} قال: {وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ} على المقابلة، كما تقول: ما هم بتاركي إنكار الحق، وما أنت بتارك الاعتراف به، ويكون الذي جرّ الكلام الثاني التقابل للكلام الأول، وهو حسن من كلام البلغاء (¬2). وقوله تعالى: {وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ} أخبر أنهم وإن اتفقوا في الظاهر على النبي - صلى الله عليه وسلم - مختلفون فيما بينهم. فاليهود تستقبل بيت المقدس، والنصارى تستقبل المشرق. واليهود لا تتبع قبلة النصارى، ولا النصارى تتبع قبلة اليهود (¬3). وقوله تعالى: {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ} أي: صليت إلى قبلتهم {مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ} أن قبلة الله الكعبة {إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ} أي: إنك إذن مثلهم (¬4)، وأجيبت (لئن) ها هنا بجواب مثلها؛ لأنه أراد فيما يستقبل من الزمان. وذكر أهل التأويل في قوله: {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ} وجهين: أحدهما: أن الخطاب له - صلى الله عليه وسلم - في الظاهر وهو في المعنى لأمته، كما قال: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ} [الطلاق: 1]. والثاني: أن الله تعالى خاطب نبيه -عليه السلام- بهذا مهددًا أمته، أي: إذا استحققت منا مثل ذا الجزاء عند مخالفة، لو وقعت منك، ولن تقع أبدًا ¬
146
كانوا هم أجدر وأخلق، بتكاثف الأوزار، واجتماع الآثام، عند ما يظهر منهم من إيثار الضلال والانحراف عن الحق. وذكر وجه ثالث: وهو أن معنى {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ} أي: في المداراة معهم حرصًا على إيمانهم {إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ} لنفسك، إذ قد أعلمتك أنهم لا يؤمنون (¬1). وذكرنا الكلام في معنى (إذن) عند قوله: {فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا} [النساء: 53]. 146 - قوله تعالى: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ} الآية، الكناية في {يَعْرِفُونَهُ} تعود إلى محمد - صلى الله عليه وسلم - عند أكثر المفسرين (¬2). وكنى عن محمد، وقد تقدم ذكره في الخطاب؛ على عادة العرب في تلوين الخطاب. ويشهد بصحة (¬3) هذا التأويل: ما روي أن عبد الله بن سلام قال لما نزلت هذه الآية، وسئل عن معرفته محمدًا - صلى الله عليه وسلم -، فقال: والله لأنا بمحمد وصحة نبوته أعرف مني بابني؛ لأني لا أشك في أمره، ولا أدري ما أحدث النساء (¬4). ¬
وقال قتادة (¬1) والربيع (¬2) وابن زيد (¬3): معناه: يعرفون أن أمر القبلة حق (¬4) وقوله تعالى: {لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ} قال ابن عباس: يعني النبي - صلى الله عليه وسلم - وصفته في التوراة (¬5)، وقال قتادة (¬6) والربيع (¬7): يريد به: القبلة، والمسجد، والبيت، وأمر الكعبة (¬8). ¬
147
وقوله تعالى: {وَهُمْ يعَلَمُونَ} لأن الله بيّن ذلك في كتابهم. 147 - ثم قال: {الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ} أي: هذا الحق من ربك (¬1). وقوله تعالى: {فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} لفظ خاص، ومعناه العموم، والخطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم -، والمراد غيره (¬2). والمعنى: فلا تكونن من الممترين في الجملة التي أخبرتك من أمر القبلة، وعناد من كتم النبوة، وامتناعهم من الإيمان بك (¬3)، والمِرْيَة: الشك، ومنه: الامتراء والتماري (¬4). 148 - قوله تعالى: {وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ} مختصر، أراد: ولكل أهل دين وِجهة (¬5). والوِجهة: اسم للمتوجَّه إليه. وقيل: الوجهة: الجهة. قال الفراء: تقول العرب: هذا أمر ليس له وِجْهَةٌ، وليس له وَجْه (¬6). قال: وسمعت العرب تقول (¬7): وجِّه الحجر، وجِهةٌ مَّا لَه، وَوِجهةٌ مَّا لَه، ووَجهةٌ مَّا لَه (¬8)، وجِهة مَّا له، ووَجْه ما له، معناه: ضعه غير هذه ¬
الوَضْعة، والضِّعة والضَّعَة (¬1). وأصله في البناء (¬2)، يقولون: إذا رأيت الحجر في البناء لم يقع موقعه فأدِرْه، فإنه سيقع على جهته (¬3). قال أبو إسحاق: ومثله: وَضْعة وضِعَة وضَعَة (¬4). وقوله تعالى: {هُوَ مُوَلِّيهَا} ذكرنا معنى التولية في قوله: {فَلَنُوَلِّيَنَّكَ} [البقرة: 144]. وقوله: {هُوَ} (¬5) ضمير اسم الله (¬6) وقد حذف من الكلام أحد مفعولي الفعل الذي يتعدى إلى مفعولين وهو التولية، والتولية تقتضي (¬7) مفعولين، كقوله: {فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً} [البقرة: 144]. والتقدير هاهنا: الله موليها إياه، وإياه ضمير كل الموجَّه (¬8) المولَّى، وتولية الله إياه إنما هي بأمره له بالتوجه إليها، أو بإرادته ذلك، هذا قول أبي علي (¬9). ¬
وقال أبو إسحاق: قال أكثر أهل اللغة (¬1): هو ضمير لكل، المعنى: هو مولّيها وَجْهَة، وجاء قوله: {هُوَ مُوَلِّيهَا} على لفظ كل، ولو قيل: هم (¬2) مولّوها على المعنى كما قال: {وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ} [النمل: 87]، كان حسنًا، يريد: كل أهل وجهة هم الذين ولّوا وجوههم إلى تلك الجهة (¬3)، ونحو هذا قال الفراء، فقال: هو مولّيها: مستقبلها، الفعل لكلٍ، يريد: كلٌّ مولّي وجهه إليها. والتولية في هذا الموضع: الإقبال، وفي {يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ} [آل عمران: 111] {ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ} [التوبة: 25] نصراف، وهو كقولك في الكلام: انصرِفْ إليّ، أي: أقبِلْ إلي، وانصرف إلى أهلك، أي: اذهب إلى أهلك (¬4)، وهذا وجه آخر في ولّى، بمعنى: أقبل، وبمعنى: أدبر، غير ما ذكرنا في قوله {فَلَنُوَلّيَنَكَ} أنّ (ولّى) من الأضداد. قال الزجاج: وكلا القولين جائز (¬5)، أي: أن يكون {هُوَ} كناية عن الله تعالى. وأن يكون كناية عن كلّ. ¬
وقرأ ابن عامر (¬1): (هو مولّاها) (¬2). وعلى هذه القراءة الكناية تعود إلى كل فقط، والمفعولان مذكوران، وذلك أنه حذف الفاعل، وأضاف المفعول الأول إلى المفعول الآخر، الذي هو ضمير المؤنث العائد إلى الوجهة، أي: كلٌّ وُلِّي جهةً، وهذه القراءة تؤول في المعنى إلى القراءة الأولى (¬3)؛ لأن التولية في المعنى استقبال، وما استقبلك فقد استقبلته، وما استقبلته فقد استقبلك. وقال أبو (¬4) الحسن النحوي فيما قرأته عليه: من قرأ بفتح اللام فحجته قوله: {فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً} فلما كان الله هو الذي يولّي القبلةَ فالإنسان مولًّى (¬5) إياها، ومن قرأ بكسر اللام قال: لما كان الله هو الذي يولّي المتوجه القبلة؛ كان إسناد التولية إليه أولى. وموضع {هُوَ مُوَلِّيهَا} رفع؛ لأنها جملة وقعت صفةً لقوله {وِجْهَةٌ} (¬6). وقال الحسن في هذه الآية: هو كقوله: {لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا} [الحج: 67] (¬7). ¬
وقوله تعالى: {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} قال أهل التفسير: أراد: إلى الخيرات، فحذف حرف الجر (¬1)، كقول الراعي: ثنائي عليكم يَا ابْنَ حَرْبٍ وَمَنْ يَمِلْ ... سواكم فإني مهتدٍ غيرُ مائل (¬2) قال النحويون: ودعوى (¬3) الحذف لا يطرد هاهنا، وليس (¬4) الحذف من ضرورة هذا الكلام، فإن العرب تقول: استبقنا موضع كذا، أي: قصدناه متسابقين، كقوله تعالى: {وَاسْتَبَقَا الْبَابَ} [يوسف: 25] وقوله: {فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ} [يس: 66] وقلَّ ما تراه مستعملا مع الخافض. وقوله تعالى: {أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ} قال الفراء: إذا رأيت حروف الاستفهام قد وُصِلت بـ (ما) مثل: أينما، ومتى ما، وكيف ما {أَيًّا مَا تَدْعُوا} [الإسراء: 110] كانت جزاء ولم تكن استفهامًا. فإذا لم توصل بـ (ما) كان الأغلب عليها الاستفهام، وجاز فيها الجزاء، فإذا كانت جزاءً جزمت الفعلين، الفعلَ الذي مع أينما وأخواتها، وجوابَه، كقوله: {أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ}. فإذا أدخلت الفاء في الجواب، رفعت الجواب فقلت في مثله من الكلام: أينما تكن فآتيك، ومثله قوله: {وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ} [البقرة: ¬
126]. فإذا كانت استفهامًا رفعت الفعل الذي يلي: أين، وكيف، ثم تجزم (¬1) الفعل الثاني؛ ليكون جوابًا للاستفهام بمعنى الجزاء، كما تقول: هل أدلك على بيتي تأتني؟ (¬2). فإذا (¬3) أدخلْتَ في جواب الاستفهام فاءً نصبتَ، كما تقول: هل أدلك على بيتي فتأتيني؟ قال: ومثله قوله: {وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ} [المنافقون: 10] (¬4). وقال أبو إسحاق: إنما تجزم ما بعدها، لأنها إذا وصلت بما جزمت ما بعدها، وكان الكلام شرطًا، وكان الجواب جزمًا كالشرط، وإن كانت استفهامًا، نحو: أين زيد؟ فأجبته أجبت بالجزم، تقول: أين بيتُك أزرْكَ؟ المعنى: إن (¬5) أعرف بيتك أزرك (¬6). قال أبو علي، فيما استدرك عليه (¬7): لا فائدة تحت قوله: إنها إذا وصلت بما جُزِمت (¬8)؛ لأنها تجزم ما بعدها في الشرط والجزاء، وُصلت ¬
بـ (ما)، أو لم توصل بها، فقوله إذن لا فائدة فيه، ولا نكتة تحته، كما لا فائدة في قول القائل: الفعل يرفعُ الفاعل إذا كان ماضيًا؛ لأنه يرفع ماضيًا كان أو آتيًا (¬1)، ومما جزم أين (¬2) من غير وصلها بـ (ما). قول الشاعر: أين تصرِفْ بنا الغداة تجدنا ... نصرف العيس نحوها للتلاقي (¬3) (¬4) وأما التفسير: فلأهل التفسير في هذه الآية طريقان: أحدهما: التعميم. والثاني: التخصيص. فأما التخصيص فقوله: {وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا} أراد: القبلة في الصلاة لكل أهل دين (¬5)، كما ذكرنا. وقوله {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} قال الزجاج: أي: فبادروا إلى القبول من الله عز وجل، وولّوا وجوهكم حيث أمركم الله أن تولوا (¬6). وعلى هذا {الْخَيْرَاتِ} على صيغتها من العموم، وهي مخصوصة؛ لأنه أراد الابتدارَ إلى استقبال الكعبة. وقوله تعالى: {أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا} قيل: إنه في ¬
149
المؤمنين خاصة، ومعناه: إن الذي سبق في علم الله أنه يصلي إلى الكعبة، فأينما يكونوا في شرق الأرض وغربها، وفي أصلاب الآباء وأرحام الأمهات، يجمعهم الله على التوجه إلى هذه القبلة، فهذا محمول على صرف وجوه الناس إلى الكعبة للصلاة والمناسك (¬1). وأما التعميم فقوله: {وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا} قال عطاء، عن ابن عباس: يريد: من أراد وجهَ الله قبِلَ اللهُ منه، ومن أراد غير ذلك فإن الله يجزيه (¬2)، يعني: ان من طلب في جميع ما يأتي وجهَ الله قبِلَ الله منه، ومن رايا وطلب غير الله بعلمه عَلِمَ الله ذلك منه. وهذا كما قال سعيد بن جبير في هذه الآية قال: لكلٍّ طريقةٌ هو مجبور عليها. وهذا كقوله: {قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ} [الإسراء: 84] وكقوله: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة: 48]. وقوله: {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} قال ابن عباس: يريد: تنافسوا فيما رغب فيه من الخير لكل عنده ثوابه (¬3) (¬4). 149 - وقوله تعالى: {أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا} أي: أينما تكونوا يجمعكم الله للحساب فيجزيكم بأعمالكم (¬5). ¬
149
149 - قوله تعالى: {وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ} الهاء تعود على شطر المسجد، ويجوز أن تعود إلى التوجه المدلول عليه بقوله: {فَوَلِّ وَجْهَكَ} (¬1)، ومعنى: {لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ} أي: بأمره وحكمه (¬2). 150 - قوله تعالى: {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ} إنما كرر هذا؛ لأن هذا من مواضع التوكيد؛ لأجل النسخ الذي نُقلوا فيه من جهة إلى جهة للتقرير (¬3). وقوله تعالى {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ} قيل: الحجة: فُعلة، من الحج الذي هو القصد، لأنها مقصودة للمخاصم، ومنه: المحجّة: لأنها تقصد بالسلوك. والمخاصمةُ يقال لها: المحاجّة؛ لقصد كل واحد من الخصمين إلى إقامة بينته وإبطال ما في يد صاحبه (¬4). وقوله تعالى {إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا} اختلف العلماء في وجه هذا الاستثناء، وهم في هذه الآية فريقان: فريق أوّلوا الآية على سياقها، وصححوا الاستثناء على ظاهره (¬5)، ¬
وهم مجاهد (¬1) وعطاء (¬2) وقتادة (¬3) والربيع (¬4) والسدي (¬5) وابن جرير (¬6) وأبو روق (¬7) (¬8)، قالوا: الناس هاهنا اليهود، كانوا يحتجون على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في صلاتهم إلى بيت المقدس، ويقولون: ما درى محمد وأصحابه أين قبلتهم حتى هديناهم نحن، ويقولون: يخالفنا محمد في ديننا ويتبع قبلتنا (¬9). وهذا كان حجتهم التي كانوا يحتجون بها على المؤمنين، على وجه الخصومة والتمويه بها على الجهال، فلما صرفت القبلة إلى الكعبة بطلت هذه الحجة (¬10). ثم قال: {إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا} وهم المشركون، فإنهم قالوا: قد تحيّر محمد في دينه، فتوجه إلى قبلتنا، وعلِم أنّا (¬11) أهدى سبيلًا منه، ويوشك ¬
أن يرجع إلى ديننا (¬1)، فهؤلاء تبقى لهم (¬2) الخصومة. والحجةُ قد تكون بمعنى الخصومة، كقوله: {لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُم} [الشورى: 15]، أي: لا خصومة (¬3). قال أبو روق: حجة اليهود أنّهم كانوا قد عرفوا أنّ النبيّ المبعوث في آخر الزمان قبلته الكعبة، وأنه يحوَّل إليها، فلما رأوا محمدًا - صلى الله عليه وسلم - يصلي إلى الصخرة واحتجوا بذلك، فصرفت قبلته إلى الكعبة؛ لئلا يكون لهم عليه حجة إلا الذين ظلموا منهم (¬4)، يريد: إلا الظالمين الذين يكتمون ما عرفوا من أنه يُحَوَّل إلى الكعبة. وقال المفضَّل بن سلمة (¬5): المراد بالناس في هذه الآية: جميع الناس، كانوا يحتجّون على النبي - صلى الله عليه وسلم - بأنه (¬6) لو كان نبيًّا لكانت له قبلة، ولم يصلّ إلى قبلة اليهود، فلما حُوِّلت قبلته إلى الكعبة، بطل هذا الاحتجاج، إلا أن الظالمين يتعنتون ويخاصمون. فيقول المشركون ومن دان بدينهم: ¬
إنما رجع إلى الكعبة؛ لأنها قبلة آبائه وهي الحق، وكذا يرجع إلى ديننا، ويقول اليهود: إنما انصرف عن بيت المقدس مع علمه بأنه حق؛ لأنه يفعل برأيه ويزعم أنه أُمِرَ به. وهذا مذهب أبي إسحاق، فإنه يقول: المعنى: لأن لا يكون للناس عليكم حجة إلا من ظلم باحتجاجه فيما قد وضح له، كما تقول: مالك علي حجة، وحجته داحضة عند الله -عز وجل- قال الله تعالى: {حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ} [الشورى: 16]، فسماها حجة مع بطلانها. وعلى هذا المذهب موضع (الذين) خفض على البدل من الناس: كما تقول: ما مررت بأحد إلا زيد. ويجوز أن يكون موضعه نصبًا على الاستثناء، كما يستثنى بعد الإيجاب؛ كقوله: {مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ} [النساء: 66] من رفعه جعله بدلًا من الواو، ومن نصبه نصبه على الاستثناء (¬1)، وكذلك: {وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ} [هود: 81]، رفعًا ونصبًا (¬2). وأما الفريق الثاني فإنهم لم يصححوا الاستثناء، وعدلوا به عن ظاهره، وهم الأخفش والمؤرج والفراء ومعمر بن المثنى. قال الفراء والمؤرج: هذا استثناء منقطع من الكلام الأول، ومعناه: لأن لا يكون للناس كلهم عليكم حجة إلا الذين ظلموا فإنهم يحاجّونكم بالظلم. هذا معنى قولهما، ثم قال الفراء: وهو كما تقول في الكلام: الناس كلهم حامدون إلا الظالم لك، فإن ذلك لا يُعتدّ به وبتركه الحمد لعداوته لك، وكذلك: الظالم لا حجة له وقد سمّي ظالمًا. ¬
قال ابن الأنباري: (إلاَّ) في الاستثناء المنقطع له معنيان: أحدهما: أن يكون الذي بعدها مستأنفًا، يلابس الأول من جهة عائد عليه منها، أو معنى يقرب به منه، كقول القائل: قعدنا نتذاكر الخير وما يقرّبنا من الله، إلا أن قومًا يبغضون ما كنا فيه. فالذي بعد (إلا) مستأنف، يلبس بالأول من جهة المعنى، وذلك بغضهم لما كانوا فيه، فتأويل إلا: لكن قومًا. ولو لم يلتبس ما بعد (إلا) بما قبلها من وجه لم يكن الاستثناء معنى على جهة إيصال ولا انقطاع، ولذلك يقول النحويون: (إلا) في الاستثناء المنقطع بمنزلة (لكن)، لأن الذي بعد (لكن) مستأنف. وبهذا قال الأخفش في هذه الآية، لأنه قال: معناه: لكن الذين ظلموا، كقوله: {مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ} [النساء: 157] يعني: لكن الذين يتبعون الظن {وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (19) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى} [الليل:19 - 20]، يعني: لكن يبتغي، فيكون منقطعًا من الكلام الأول. وأما المتصل فإنه يخرج من أسماء تشاكله ومن فعل يخالف بخروجه منه ما قبله من الأسماء المذكورة، كما تقول: خرج القوم إلا زيدًا، فزيد من جنس القوم قد خالفهم بترك الخروج. والمنقطع لا يكون مخرجًا من الأسماء التي قبل إلا في الظاهر، ولكن من معنى من معاني الكلام يجب به الملابسة كما ذكرنا. والمعنى الثاني في الاستثناء المنقطع: أن يكون مؤكدًا لما قبله، وذلك أن الرجل إذا قال: ارتحل الناس إلا الأثقال، أكّد ارتحال الناس بقوله: إلا الأثقال، وذهب إلى أنه إذا لم يبق إلا الأثقال، كان القوم كلهم مرتحلين، وكان تأويله: ارتحل الناس كلهم. وكذلك: مضى العسكر إلا الأبنية والخيام، معناه: مضوا أجمعون؛ لأنه إذا لم يبق إلا بناء وخيمة كان
القوم غير متخلف منهم واحد. ومنه قوله عز وجل: {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ} [النساء: 23] معناه: لكن ما قد سلف وأنتم غير مؤاخذين، فهو مستأنف يلابس الأول، إذ كان أخرج من الأمور التي فيها المآثم والأوزار، فجعل لا مأثم فيه ولا وزر، ومثله قول النابغة: ......... وما بالربع من أحد إلا أواري ......... (¬1) معناه: لكن، وضم الاستثناء؛ لأنها كانت مستثناة ممن كان بالربع، فالربع كان يشملهم، وهذا ملابسة بينهما، وأيضًا فإن هذا التأكيد لخلو الأرض؛ لأنه إذا لم يبق في الدار إلا الأواري كان خلوها من الإنس متيقنًا. فهذان المعنيان ذكرناهما في الاستثناء المنقطع تحتملهما الآية؛ لأن الظالمين وإن لم يكن لهم حجة فهم يموّهون ويحتجون بالباطل، وأيضًا: فإنه إذا لم يكن لأحد عليهم حجة إلا من كان ظالمًا كان في هذا تأكيدًا لنفي الحجة. فعلى المذهب الأول: الظالمون كانوا ظالمين بشركهم وكفرهم، وعلى المذهب الثاني: كانوا ظالمين لاحتجاجهم بما لا متعلق لهم به. وموضع (الذين) على هذا القول -وهو قول الفريق الثاني- نصب على أكثر العرب؛ لأنهم ينصبون ما كان من الاستثناء المنقطع كقوله: إلا أواريّ ...... ¬
غير أن بني تميم يجيزون البدل، كما يكون الاستثناء متصلًا، وعلى لغتهم ينشد: وبلدةٍ ليس بها أنيسُ ... إلّا اليعافيرُ وإلّا العِيسُ (¬1) فجعل اليعافير بدلًا من الأنيس. والقرآن نزل بلغة أهل الحجاز فلذلك نصب كل مستثنى منقطع من الأول، كقوله: {إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ} [النساء: 157] وقوله: {فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ} ثم قال: {إِلَّا رَحْمَةً} [يس:43 - 44] وكذلك قوله: {إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ} [الليل: 20] (¬2). وقال معمر بن المثنى: إلا هاهنا معناها: الواو، فهو عطفٌ عُطِف به {الَّذِينَ} على {النَّاسِ}. والمعنى: لئلا يكون للناس والذين ظلموا عليكم حجة (¬3)، واحتُجَّ على هذا المذهب بأبيات منها (¬4): ¬
وكل أخٍ مفارقُهُ أخوه ... لَعَمْرُ أبيك إلا الفرقدان (¬1) فقال: أراد: والفرقدان أيضًا يفترقان. وما أنشده الأخفش (¬2): وأرى لها دارًا بأغْدِرَةِ السِّيـ ... ـدَانِ لم يَدْرُس لها رَسْمُ إلّا رَمَادًا خامدًا دَفَعَتْ ... عنهُ الرِّياحَ خَوَالِد سُحْمُ (¬3) أراد: أرى دارًا ورمادًا (¬4). وهذا القول عند الفراء خطأ (¬5)؛ لأن (إلا) (¬6) لا يُخرج عن الاستثناء إلى النسق حتى يتقدمها عدد لا يصلح أن يستثنى منه، فتجري مجرى الواو إذا بطل فيها معنى الاستثناء، بيانه: قولك: لي على فلان ألفٌ إلا عشرةً إلا ¬
مائةً، لا يصلح استثناء المائة من العشرة، فعادت المائة إلى الألف لا بالاستثناء ولكن بالعطف، كأنك أغفلت المائة فاستدركتها فقلت: اللهم إلا مائة فالمعنى: لي عليه ألف ومائة، وكما قال الشاعر: ما بالمدينة دارٌ غيرُ واحدةٍ ... دارُ الخليفة إلا دارُ مروانا (¬1) كأنه قال: ما بالمدينة دار إلا دار الخليفة ودار مروان (¬2). فعند الفراء إنما تكون (إلا) (¬3) بمنزله الواو إذا عطفتها على استثناء قبلها، لا يصلح أن يكون الثاني استثناء من الأول، كما بيّنا، ومن الناس من صوّب أبا عبيدة في مذهبه، وصحح قوله بما احتج به من الشعر. وقال قطرب: الاستثناء في هذه الآية من الضمير في {عَلَيْكُمْ}، المعنى: لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا على الذين ظلموا منهم فإن عليهم الحجة (¬4)، وهذا الوجه اختيار أبي منصور الأزهري. حكاه لي أحمد بن إبراهيم المقبري -رحمه الله- عن الحسن بن محرم، عنه. قال أبو بكر بن الأنباري: وهذا عندي بعيد رديء (¬5)؛ لأن المكني المخفوض لا ينسق عليه إلا بإعادة الخافض، ولأن (¬6) الكاف والميم في عليكم، للمخاطبين، فلو استثنى الذين ظلموا منهم لقال: إلا الذين ظلموا ¬
منكم، فلما قال: (منهم) دلّ بالغيبة على أنّ الذين ظلموا لم (¬1) يُستثنَوا من الكاف والميم. وقوله تعالى: {فَلَا تَخْشَوْهُمْ} الكناية ترجع إلى الذين ظلموا، والمعنى: لا تخشوهم في انصرافكم إلى الكعبة، وفي تظاهرهم عليكم في المحاجّة والمحاربة (¬2)، فإني وليكم، أُظْهركم عليهم بالحجة والنصرة (¬3). {وَاخْشَوْنِي} في تركها ومخالفتها (¬4). {وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ} عطف على قوله: {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ} (¬5)، ولكن (¬6) أتم نعمتي عليكم بهدايتي إياكم إلى قبلة إبراهيم فتتم لكم الملة الحنيفية (¬7). قال عطاء: عن ابن عباس: {وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ} يريد: في الدنيا والآخرة، أما الدنيا: فأنصركم على عدوكم، وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأولادهم، وأما في الآخرة: ففي رحمتي وجنتي، وأزوجكم من الحور العين (¬8). وقال علي - رضي الله عنه -: تمام النعمة: الموت على الإسلام. ¬
151
وعنه أيضًا: النعم ست: الإسلام (¬1) (¬2)، والقرآن، ومحمد - صلى الله عليه وسلم -، والستر، والعافية، والغنى عما في أيدي الناس (¬3). وقوله تعالى: {وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} ذكرنا معنى (لعل) فيما تقدم (¬4)، ونظمُ الكلام يوجب طرح الواو؛ لأن معناه: ولأتم (¬5) نعمتي عليكم لعلكم تهتدون بنعمتي، إلا أنه قد يحسن استعمال الواو في مثل هذا الموضع، ويستفاد منه أن يكون ما بعده جملة مبتدئة تتضمن الاتصال بما سبق من الكلام، ويحسن حذف الواو فيكون حينئذ اتصالًا محضًا لا يتضمن استئناف جملة، مثاله: أن تقول: أعطيتك وأكرمتك أرجو رُشْدك، ويحسن أن تقول: وأرجو رُشْدك، أي: بالإكرام والإعطاء، وإن كانت جملة مبتدئة. 151 - قوله تعالى: {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ} الآية، تكلم النحويون وأرباب المعاني في أن الكاف في قوله: {كَمَا أَرْسَلْنَا} بماذا تتعلق، فذكروا فيه قولين (¬6)، أحدهما: أنه متعلق بما قبله، وهو من صلة {وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي}، فيكون المعنى: ولأتم نعمتي عليكم كإرسالي إليكم رسولًا، أي: ¬
أتم هذه كما أتممت تلك، وبيان هذا: ما ذكر محمد بن جرير، قال: إن إبراهيم عليه السلام دعا بدعوتين: إحداهما: قوله {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا} [البقرة: 128]. الثانية: قوله تعالى: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ} [البقرة: 129] وهو محمد - صلى الله عليه وسلم -، فالله تعالى قال: {وَلِأُتِمَّ نِعمَتِى} ببيان شرائع ملتكم الحنيفية، وأهديكم لدين خليلي إبراهيم، {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ} يعني (¬1): فكما أجبتُ دعوته بابتعاث الرسول، كذلك أجيب دعوته بأن أهديكم لدينه، وأجعلكم مسلمين، فيكون هذا إجابةً لدعوته حيث قال: {وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً} (¬2) وهذا الوجه اختيار الفراء (¬3). القول الثاني: أن {كَمَا أَرْسَلْنَا} جواب لقوله: {فَاذْكُرُونِي} معناه: فاذكروني أذكركم كما أرسلنا، فيكون هذا بمنزلة جزاءٍ له جوابان، أحدهما: مقدم، والآخر: مؤخر، ومثله من الكلام: إذا أتاك عبد الله فأتِه (¬4) تُرْضِه، فقد صارت فأتِه ترْضِه جوابين (¬5). ¬
قال ابن الأنباري: وفسر بعض (¬1) أصحابنا هذا تفسيرًا شافيًا. فقال: (كما) شرط، والفاء في قوله: {فَاذْكُرُونِي} جوابه، و {أَذْكُرْكُمْ} جواب الشرط المقدر من الأمر في {فَاذْكُرُونِي} وكذلك: إذا أتاك عبد الله فأتِه تُرضِه، (إذا) محمولة على معنى الشرط، والفاء جواب (¬2) له، فلما جعل له جواب لشرط مقدر من الإتيان، قال: ولو اقتصر على قوله: {فَاذْكُرُونِي} كان (كما) جوابًا له، فلما جُعِلَ له جوابٌ كان (كما) مذهوبًا به مذهب الشرط. وهذا القول موافق لتفسير الآية؛ لأن الآية خطاب لمشركي العرب (¬3)، خاطبهم الله تعالى بما دلّهم على إثبات رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - فقال: {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ} محمدًا، وهو رجل منكم أمي، تعلمون أنه لم يتلُ كتابًا، فأنبأكم (¬4) بأخبار الأنبياء، أىِ: فكما أنعمت عليكم بإرساله {فَاذْكُرُونِي} ¬
152
بتوحيدي، وتصديقه {أَذْكُرْكُمْ} برحمتي ومغفرتي والثناء عليكم (¬1). قال ابن عباس: قوله: {وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ} قال: هذا كله للمهاجرين والأنصار، فأوّل الآية الخطابُ عامٌّ؛ لأن الإرسال عام، وباقي الآية خاص؛ لأن تلاوته وتعليمه وتزكيته مما خص الله به أقوامًا دون (¬2). ومعنى قوله: {وَيُزَكِّيكُمْ} أي: يعرضكم لما تكونون به أزكياء، من الأمر بطاعة الله، واتباع مرضاته (¬3)، ويحتمل أن يكون المعنى: ينسبكم إلى أنكم أزكياء بشهادته لكم؛ ليعرفكم الناس به، وقد ذكرنا معنى التزكية فيما تقدم (¬4). 152 - قوله تعالى: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ} أصل الذكر في اللغة: التنبيه على الشيء، ومن ذكّرك شيئا فقد نبهك عليه، وإذا ذكرته فقد تنبهت عليه، والذَّكرُ أَنْبَهُ من الأنثى. وقوله: {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ} [الزخرف: 44] أي: شرف لك، من النباهة. ومعنى الذكر: حضور المعنى للنفس، ثم يكون تارة بالقلب، وتارة بالقول، وليس موجبه أن يكون بعد النسيان؛ لأنه يستعمل كثيرًا دون أن يتقدمه نسيان (¬5). ¬
قال سعيد بن جُبير: (اذكروني) بطا عتي {أَذْكُرْكُمْ} بمغفرتي (¬1). وقيل: اذكروني بالدعاء أذكركم بالإجابة (¬2). وقوله تعالى: {وَاشْكُرُوا لِي} تقول العرب: شكرته وشكرت له، ونصحته ونصحت له، في أحرف تسمع ولا تقاس. فمن قال: شكرتك، أوقع اسم المنعم موقع النعمة، فعدّى الفعل بغير وسيطة، والأجود: شكرت لك؛ لأنه الأصل في الكلام، والأكثر في الاستعمال (¬3). والنعمة محذوفة من الآية؛ لأن معنى الكلام: واشكروا لي نعمتي؛ لأن حقيقة الشكر إنما هو إظهار النعمة، لا إظهار المنعم. وكذلك {وَلَا تَكْفُرُونِ} أي: لا تكفروا نعمتي (¬4)؛ لأن أصل الكفر إنما هو ستر النعمة (¬5) لا ستر ¬
المنعم. والأصل: لا تكفروني (¬1) بالياء، إلا أن أكثر ما جاء في القرآن حذف الياءات مع النون (¬2) (¬3)، وقد حذفت مع غير النون، كقوله: {يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ} (¬4) [ق: 41]. قال الفراء: وليست تتهيّب العرب حذف الياء من آخر الكلام (¬5)، إذا كان ما قبلها مكسورًا، من ذلك {أَكْرَمَنِ} {أَهَانَنِ} [الفجر: 15 - 16] و {أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ} [النمل: 36]، ومن غير النون {الْمُنَادِ} [ق:41] و {الدَّاعِ} [القمر: 8]، (¬6) يكتفي من الياء بكسر ما قبلها، ومن الواو بضمة ما قبلها، مثل: {سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (18)} [العلق: 18]، و {وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا (11)} [الإسراء: 11]. وقد تُسقط العرب الواو، وهي واو جِمَاع (¬7)، اكتفاءً بالضمة قبلها، فيقال في {ضَرَبُوا}: ضَرَبُ، وفي {قالوا}: قالُ، وهي في هوازن وعُليا قيس. قال بعضهم: إذا ما شاءُ ضرّوا من أرادوا ... ولا يألوهم أحدٌ ضرارا (¬8) (¬9) ¬
153
وأنشد الكسائي: فلو أنّ الأطِبّا كانُ حولي ... وكان مع الأطبّاءِ الأُسَاةُ (¬1) (¬2) 153 - وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ} قال مقاتل: استعينوا على طلب الآخرة بالصبر على الفرائض، وبالصلوات الخمس في مواقيتها على تمحيص الذنوب (¬3). وذكرنا أن معنى الصبر في اللغة: الحبس (¬4)، فالاستعانة بالصبر هو أن يستعين على دينه بحبس النفس عن (¬5) الشهوات والمحارم، وحبسها على (¬6) الطاعات (¬7). ومعنى الاستعانة بالصلاة: قال الزجاج: أي: أنكم إذا صليتم تلوتم في صلاتكم ما تعرفون به فضل ما أنتم عليه، وكان ذلك لكم عونًا (¬8). وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} قال عطاء، عن ابن عباس: ¬
154
يقول: إني معكم أنصركم ولا أخذلكم (¬1). وقال أبو اسحاق: تأويله: أنه يظهر دينهم على سائر الأديان؛ لأن من كان الله معه فهو الغالب، كما قال عز وجل: {فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ} [المائدة: 56] (¬2). 154 - قوله تعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ} يرتفع بإضمار المكني، تقريره: لا تقولوا: هم أموات. ولا يجوز إيقاع القول على الأسماء، لا يجوز أن تقول: قلتُ عبد الله قائمًا، وإنما يجوز إيقاع القول على (¬3) اسم في معنى قول، من ذلك قولك: قلت خيرًا، وقلت شرًا، نصبتهما؛ لأنهما قول، كأنك قلت كلامًا حسنًا أو قبيحًا (¬4). نزلت الآية في قتلى بدر من المسلمين، وذلك أن الناس كانوا يقولون لمن يقتل في سبيل الله: مات فلان، وذهب عنه نعيم الدنيا ولذتها، فأنزل الله هذه الآية (¬5). ¬
155
وقوله تعالى: {بَلْ أَحْيَاءٌ} أي: بل هم أحياء، والأحسن في حياة الشهداء، وكيفية وصفهم بها (¬1) ما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن أرواح الشهداء في أجوافِ طيرٍ خُضْرِ، تسرَحُ في ثمار الجنة، وتشرب من أنهارها، وتأوي بالليل إلى قناديلَ من نورِ معلّقةِ بالعرش (¬2) ". وقوله تعالى: {وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ} أي: ما هم فيه من النعيم والكرامة، وقيل {وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ} أنهم أحياء (¬3). فإن قيل: كيف لا يشعرون وقد أخبر الله بذلك؟ قلنا: أراد: لا يحسّون ذلك؛ لأنهم لا يشاهدون (¬4)، وهذا النوع من العلم مقتضى (¬5) الشِعْرِ، وذكرنا هذا في أول السورة (¬6)، وبيّنّا أنه لهذا المعنى لا يقال: الله يشعر. 155 - قوله تعالى {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ} النون فيه للتأكيد، واللام جواب قسم ¬
محذوف، وفتحت الواو لالتقاء الساكنين في قول سيبويه، وقال غيره: إنّها مبنية على الفتح (¬1). ومعنى {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ} أي: نعاملكم معاملة المبتلي؛ لأن الله تعالى يعلم عواقب الأمور، فلا يحتاج إلى الابتلاء ليعرف العاقبة، ولكنه يعاملهم معاملة من يبتلي، فمن صبر أثابه على صبره، ومن لم يصبر لم يستحقّ الثواب، فيكون في ذلك إلزام الحجة (¬2). وقوله تعالى: {بِشَيْءٍ} ولم يقل: بأشياء، وقد ذكر بعده ما هو أشياء لمكان (من)، والمعنى: بشيء من الخوف وشيء (¬3) من الجوع، وهو كقول القائل: أعطني شيئًا من الدراهم، ومن الطعام، فيصير شيء كالمكرر في المعنى، ولو كان (بأشياء) كان صوابًا (¬4). قال ابن عباس: {مِنَ الْخَوْفِ} يعني خوف العدو (¬5)، {وَالْجُوعِ} يعني: المجاعة والقحط، {وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ} يعني: الخسران والنقصان ¬
في المال وهلاك المواشي، {وَالْأَنْفُسِ} يعني: الموت والقتل. وقيل: المرض. وقيل: الشيب، {وَالثَّمَرَاتِ} يعني: الجوائح، وأن لا تخرج الثمرة كما كانت تخرج (¬1). قال أبو إسحاق وابن الأنباري: تأويل الآية: ولَنبلونّكم بشيء من الخوف والجوع لتصبروا عليه، فيكون صبركم داعيًا من يخالفكم من الكفار إلى أتباعكم والدخول فيما أنتم عليه، وذلك أنهم يقولون: لم يصبر هؤلاء القوم على هذا الدين الذي امتُحِنوا فيه بما امتُحِنوا ونالتهم فيه الشدائد إلا بعد ما قامت براهينُ صحته عندهم، ولم يداخلهم ريب في أنه هو الحق، فيكون ذلك أدعى إلى الإسلام (¬2). قال أبو بكر: وقيل في الآية: ولنختبرنّكم (¬3) بشيء من الخوف والجوع، لتنالوا به درجةً، وتصلوا معه إلى منزلة لولا هو ما وصلتم إليها، ولكي (¬4) تتضرعوا في كشفه عنكم، فتكتسبوا بذلك حظًا من الثواب جزيلًا. وقال الشافعي - رضي الله عنه -: يعني بالخوف: خوف الله عز وجل، وبالجوع: صيام شهر رمضان، وبنقص من الأموال: أداء الزكوات والصدقات، والأنفس: الأمراض، والثمرات: موت الأولاد؛ لأن ولد الرجل ثمرة قلبه (¬5). وقد ¬
156
سمى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الولد ثمرة القلب (¬1) في بعض الأحاديث. وفي قوله: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} دليل على أن من صبر على هذه المصائب أعطاه الله تعالى في العاجل والآجل ما هو أعمّ نفعًا له. 156 - قوله تعالى: {الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ} الآية، من الناس من يجعل {الَّذِينَ} مبتدأ، وخبره قوله: {أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ} ومنهم: من يجعله صفة للصابرين (¬2). وقوله تعالى: {أَصَابَتْهُمْ} يقال في المصدر: الإصابة، والمُصَابة، والمُصَاب. أنشد الفراء: فلو أنّا بكينا من مُصَابِ ... على حَدَثٍ بكينا سَيِّدَيْنَا ¬
وأنشد أيضًا: أظُلَيْمُ إن مُصَابَكمْ رَجُلًا ... أهدى السلامَ تحيةً ظُلْمُ (¬1) ومعنى المصيبة: هي التي تصيب بالنكبة، ولا يقال فيما يصيب بخير: مصيبة (¬2)، وياؤها منقلبة عن واو، هي عين الفعل. فأما جمعها: فحكى سيبويه: أن بعضهم قال في جمع مصيبة: مصائب فهمز، وهو غلط، وإنما هو مُفْعِلَة فتوهموها فَعِيلَة. قال: ومنهم من يقول: مصاوب، فجيء به عن الأصل والقياس. هذا كلامه (¬3)، ومثل هذا الغلط في جمع مصيبة على مصائب بالهمزة: قراءة من قرأ (معائش) بالهمز، وقد شرحنا ذلك مستقصى. قال أبو علي الفارسي: قول سيبويه: وتوهموها فعيلة، أي: توهموا ¬
الياء التي في مصيبة، وهي منقلبة عن العين، التي هي واو الياء التي للمد، التي في نحو سفينة وصحيفة، فهمزوا الياء المنقلبة عن الواو التي هي عين الفعل، كما همزوا الياء التي للمد، في نحو: سفائن وصحائف، ولا تشبه هذه الياء تلك، ألا ترى أن هذه منقلبة عن واو، هي عين أصلها الحركة، وتلك زائدة للمد، لاحظَّ لها في الحركة. ومثل هذا مما حمله أبو الحسن على الغلط: قول بعضهم في جمع مَسيل: مُسْلان، فمسيل مَفعِل، والياء فيه عين الفعل، فتوهم من قال: مُسْلان أنها زائدة للمد، فجمعه على فُعلان، كما يجمع قضيب على قُضبان (¬1)، وعند أبي إسحاق: الهمزة في مصائب بدل من الواو المكسورة على حد إبدالها في إسادة (¬2). قال أبو علي: وليس القول عندي كذلك؛ لأن المكسورة غير أول لا تبدل كالمفتوحة، ألا ترى أنهم قالوا: أَناةٌ؟ فأبدلوا الواو أولًا، ولم يلزموا البدل غير أول، مع تكررهما في أَحْوويّ ونحوه، فكذلك المكسورة لا يجوز إبدالها غير أول (¬3) إذ لم تجئ في شيء مكسورة مبدلة غير أول، وإذا كان كذلك، كان قوله في مصائب عاريًا من دلالة تبينه، وخاليًا من نظير يردّ إليه، ويستشهد به (¬4) عليه، وقول النحويين: إنه على جهة الغلط أشبه ¬
بالصواب من حيث كان أكثر نظيرًا. وقوله إنما يحصل (¬1) فيه على دعوى مجردة من البرهان. وقوله تعالى: {إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} أي: نحن وأموالنا لله، ونحن عبيد يصنع بنا ما يشاء، وفي {إِنَّا لِلَّهِ} إقرار له بالعبودية {وَإِنَّا إِلَيْهِ} إقرار بالبعث والنشور (¬2). ومعنى الرجوع إلى الله: الرجوع إلى انفراده بالحكم، كما كان أول مرة، إذ قد مَلَّك قومًا في الدنيا شيئًا من الضر والنفع لم يكونوا يملكونه، ثم يرجع الأمر إلى ما كان، إذا زال تمليك العباد (¬3). وقال أبو بكر الوراق: {إِنَّا للِّهِ}: إقرار منّا له بالملك {وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ}: إقرار على أنفسنا بالهلك (¬4)، وظاهر الخطاب في هذه الآية يقتضي أن يكون قول القائل: {إِنَّا للِّهِ} على إثر المصيبة من غير أن يتخللها جزع؛ ليستحق الثواب الموعود. يؤيد هذا: ما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لامرأة جزعت ثم راجعت: "إنما الصبر عند الصدمة الأولى" (¬5). الصبر الموعود عليه الأجر والثواب (¬6). ¬
157
157 - قوله تعالى: {أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ} قد ذكرنا معنى الصلاة واشتقاقها فيما تقدم (¬1)، وهي في اللغة: الدعاء، ومنه قوله: {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} يسكنهم (¬2). وقال أبو عبيدة: {أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ} يقول: ترحّم من ربهم (¬3)، واحتجّ بقول الأعشى: تقولُ بنتي وقد قَرّبْتُ مُرْتَحِلًا ... يا رَبِّ جَنِّبْ أَبِي الأوصابَ والوجعا عليكِ مِثْلُ الذي صلَّيتِ فاغتمضي ... نومًا فإنّ لجنب المرء مضطجَعا (¬4) يروى (مثل) رفعًا ونصبًا، فمن نصب فهو إغراء، ومن رفع فهو ردّ عليها، كأنه قال: عليك مثل دعائك، أي: ينالك من الخير مثل الذي أردت لي. فأبو عبيدة يجعل صليت بمعنى: ترحمت، وغيره من أهل اللغة يجعله بمعنى: دعوت، وأحدهما يقرب من الآخر؛ لأن المترحم على الإنسان داعٍ له، والداعي للإنسان مترحّم عليه (¬5)، ولهذا المعنى كان الصلاة منّا دعاء، ¬
ومن الله تعالى رحمة (¬1). وأنشد الأزهري في تفسير هذه الآية قول الشاعر: صلّى على يحيى وأشياعه ... ربٌّ كريمٌ وشفيعٌ مُطاعْ (¬2) قال: معناه (¬3): ترحم الله عليه، على الدعاء، لا على الخبر. ثعلب عن ابن الأعرابي قال: الصلاة (¬4) من الله رحمة، ومن المخلوقين: الملائكة والإنس والجن القيام والركوع والسجود والدعاء والتسبيح، ومن الطير والهوام: التسبيح، ومنه قوله: {كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ} [النور: 41]. فالصلاة لها معانٍ بالتدريج، أصلها: الدعاء، ثم صارت الرحمة، لما ذكرنا من أن الداعي مترحّم، ثم صارت للمغفرة؛ لأن الترحم يوجب المغفرة، ومن ترحم الله عليه غفر له، وفسر ابن عباس الصلوات في هذه الآية بالمغفرة، فقال: {صَلَوَاتٌ} أي: مغفرة من ربهم (¬5). ¬
وقيل في قوله - صلى الله عليه وسلم -: "اللهم صلّ على آل (¬1) أبي أوفى (¬2) " أي: ارحمهم، واغفر لهم. قال ابن كيسان: وجَمَع الصلوات؛ لأنه عنى بها رحمةً بعد رحمة (¬3). وقوله تعالى: {وَرَحْمَةٌ} قال ابن عباس: ونعمة (¬4). وقال أهل المعاني: إنما ذكر الرحمة، ومعنى الصلوات هاهنا: الرحمة؛ لإشباع المعنى، والاتساع في اللفظ (¬5). ومثله قوله: {أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ} [الزخرف: 80]. وقال ذو الرمة: لمياءُ في شفتيها حوَّة لَعَسٌ (¬6) ¬
158
وتفعل العرب ذلك كثيرًا إذا اختلف اللفظ، ألا ترى أنّ اللعَس حُوَّة، فكرر لما اختلف اللفظان. وقوله تعالى: {وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} قال ابن عباس: يريد: الذين اهتدوا للترجيع (¬1). وقيل: إلى الجنة والثواب، وقيل: إلى الحق والصواب (¬2)، وكان عمر - رضي الله عنه - إذا قرأ هذه الآية قال: نعم (¬3) العِدلان، ونعمت العلاوة (¬4) (¬5). 158 - قوله تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} الآية، الصفا: جمع صفاة، وهي: الحجارة. قال أبو العباس: الصفا: كلُّ حجر لا يخلطه غيره، من طين أو تراب يتصل به، واشتقاقه من صفا يصفو إذا خَلَص (¬6)، والمروة: واحدة المرو، ¬
وهي حجارة بِيض برّاقة، يكون فيها النار (¬1). قال الأعشى: وتُوَلّي الأرضَ خُفًّا ذابلًا ... فإذا ما صادف المَروَ رَضَحْ (¬2) وهما اسمان لجبلين معروفين بمكة (¬3). وشعائر الله: واحدتها شعيرة. قال المفسرون وأهل اللغة جميعًا: شعائر الله: متعبداته التي أشعرها الله، أي: جعلها أعلامًا لنا، وهي كلّ ما كان من مَشعر، أو موقف، أو مسعًى، أو منحر (¬4)، وهي من قولهم: شعرتُ، أي: علمتُ، وهي كلّها معلومات، وهذا قول الزجاج، واختياره (¬5). ¬
ويحتمل أن تكون الشعائر مشتقة من الإشعار الذي هو (¬1): الإعلام على الشيء، ومنه: الشعائر بمعنى العلامة؛ ولهذا تسمى الهدايا: شعائر؛ لأنها تُشْعَر بحديدة في سنامها (¬2) من جانبها الأيمن حتى يخرج الدم. قال الكميت: شَعَائرَ قُربانٍ بهم يُتَقَرَّبُ (¬3) ويحتمل أن يكون من الإعلام بالشيء (¬4)، وبه قال مجاهد في قوله: {مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ}. قال: يعني: منْ الخبر الذي أخبركم عنه (¬5)، كأنه إعلام من الله عبادَه أمرَ الصفا والمروة (¬6). وقوله تعالى: {فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ} قال الليث: أصل الحج في اللغة: زيارة شيء تعظّمه. ¬
وقال يعقوب والزجاج: أصل الحجّ: القصد، وكلّ من قصد شيئًا فقد حجّه. (¬1) وقال كثير من أهل اللغة: أصل الحجّ: إطالة الاختلاف إلى الشيء. واختار ابن جرير هذا القول، قال: لأن الحاجّ يأتي البيت قبل التعريف، ثم يعود إليه للطواف يوم النحر، ثم ينصرف عنه إلى منى، ثم يعود إليه لطواف الصَّدَر؛ فلتكرارِهِ (¬2) العودَ إليه مرةً بعد أخرى قيل له: حاج (¬3). وكلهم احتجوا بقول المخبّل القُريعي (¬4): يحجُّون سِبَّ (¬5) الزِّبرِقانِ المُزَعْفَرا (¬6) ¬
وقال سيبويه: ويقال: حَجَّ حِجًّا، كقولهم: ذكر ذِكرًا. وقال الفراء: الحَجّ والحِجّ لغتان (¬1)، يقال: حَجَجْتُ حِجّة للمرة الواحدة، لم يأت عن العرب غيره. ولو قيل: حَجَّة بالفتح كما قالوا: مَرَرتُ به مَرّة، كان صوابًا، مثل: مددته مدّةً، وقددته قدّةً، هذا كلامه. فأما قولهم: حُجٌّ، وهم يريدون: جمع الحاجّ، فقد يمكن أن يكونوا سموا بالمصدر، وتقديره: ذوو (¬2) حج، قاله أبو علي، قال: وأنشد أبو زيد: وكأنّ عافيةَ النسور عليهمُ ... حُجٌّ بأسفلِ ذي المَجَاز نُزُولُ (¬3) (¬4). وقوله تعالى: {أَوِ اعْتَمَرَ} قال الزجاج: قَصد (¬5)، وقال غيره: زار (¬6)، قال أعشى باهلة: وراكبٌ جاء من تثليثَ معتمرُ قال الأزهري: وقد يقال: الاعتمار (¬7) القصد، وأنشد للعجاج: لقد سما ابنُ مَعْمَرٍ (¬8) حينَ اعْتَمَرْ ... مَغْزًى بعيدًا من بعيدٍ وضَبَر (¬9) ¬
يعنى: حين قصد مغزًى بعيدًا (¬1). وقوله تعالى: {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ} الجناح: الإثم، وأصله: من الجنوح، الذي هو الميل، يقال: جَنَحَ: مال، ومنه قوله: {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ} [الأنفال: 61] وقيل للأضلاع: جوانح؛ لاعوجاجها. قال ابن دريد: معنى {لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} أي: لا ميل إلى مأثم. وجناح الطائر من هذا؛ لأنه يميل في أحد شقّيه، ليس على مستوى خلقته، فمعنى الجناح: الميل عن الحق. وقال أبو علي الجرجاني: معنى {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ} أينما ذكر في القرآن: لا ميل لأحد عليه بمطالبة شيء من الأشياء، هذا هو الأصل، ثم صار معناه: لا حرج عليه، ولا ذنب عليه (¬2). قال ابن عباس: كان على الصفا صنم، وعلى المروة صنم، وكان أهل الجاهلية يطوفون بينهما، ويمسحونهما، فلما جاء الإسلام وكسرت الأصنام كره المسلمون الطواف بينهما؛ لأجل الصنمين؛ فأنزل الله عز وجل هذه الآية، منبهًا لهم (¬3) على أن الطواف بالصفا والمروة لا تبعة فيه عليهم، وأنه ¬
طاعة لله تعالى، وغير تعظيم للصنمين (¬1). فالآية تدلّ بظاهرها على إباحة ما كرهوه، ولكن السنّة أوجبت الطواف بينهما والسعي، وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -: "يا أيها الناس كُتِبَ عليكم السعيُ فاسعَوا" (¬2). وهو مذهب الشافعي، رضي الله عنه (¬3)، والواجب أن يبدأ بالصفا، ¬
ويختم بالمروة، ويسعى بينهما سعيًا، فيكون مسيره من الصفا إلى المروة شوطًا من السبع، وعوده من المروة إلى الصفا شوطًا ثانيًا، فإن بدأ بالمروة إلى الصفا لم يحسب هذا الشوط (¬1)؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما دنا من الصفا في حجته قرأ: " {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} ابدأوا (¬2) بما بدأ الله به" فبدأ بالصفا فرقي عليه، حتى رأى البيت، ثم مشى حتى إذا تصوبت قدماه في الوادي سعى (¬3). وقوله تعالى: {وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا} فيه وجهان من القراءة (¬4): أحدهما: {تَطَوَّعَ} على تَفَعَّل ماضيًا وهذه القراءة تحتمل أمرين (¬5): أحدهما: أن يكون موضع تطوَّع جزمًا، وتجعل (مَن) للجزاء، وتكون الفاء مع ما بعدها من قوله: {فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ} في موضع جزم؛ لوقوعها موقع الفعل المجزوم، والفعل الذي هو {تَطَوَّعَ} على لفظ المثال ¬
الماضي، والمراد به المستقبل، كقولك: إن أتيتني أتيتك. الثاني: أن لا تجعل (مَن) للجزاء، ولكن تكون بمنزلة الذي، وتكون (¬1) مبتدأ به، ولا موضع حينئذ للفعل الذي هو {تَطَوَّعَ}، والفاء مع ما بعدها في موضع رفع، من حيث كان خبر المبتدأ الموصول، والمعنى فيه معنى الجزاء؛ لأن هذه الفاء إذا دخلت في خبر الموصول أو النكرة الموصوفة؛ آذنت أنّ الثاني إنما وجب لوجوب الأول، كقوله: {وَمَا بِكُم مِن نِّعمَةٍ فَمِنَ اَللهِ} [النحل: 53] وما: مبتدأ موصول، والفاء مع ما بعدها جواب له، وفيه معنى للجزاء؛ لأن تقديره: ما ثبت بكم من نعمة، أو ما دام بكم من نعمة فمن ابتداء الله إياكم بها، فسبب ثبات (¬2) النعمة ابتداؤه [ذلك] (¬3)، كما أن استحقاق الأجر إنما هو من أجل الإنفاق في قوله: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ} [البقرة: 274]. وعلى هذا كل ما في القرآن من هذا الضرب، كقوله: {إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا} إلى قوله: {فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ} [البروج: 10]، وقوله: {وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ} [المائدة: 95]، {وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ} [البقرة: 126]، {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} [الأنعام: 160]، {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} [الكهف: 29]. ونذكر هذه المسألة مشروحة عند قوله: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً} [البقرة: 274]. ¬
الوجه الثاني من القراءة: (يَطَّوَّعْ) بالياء وجزم العين، وتقديره: يتطوع إلا أنّ التاء أُدغم في الطاء لتقاربهما، وهذا حسن؛ لأن المعنى على الاستقبال، والشرط والجزاء الأحسن فيهما (¬1) الاستقبال، وإن كان يجوز أن تقول: من أتاك أعطيته، فتُوقع الماضي موقعَ المستقبل في الجزاء، إلا أنّ اللفظ إذا كان وافق المعنى كان أحسن (¬2). وأما التفسير: فقال مجاهد: {وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا} بالطواف بهما (¬3)، وهذا على قول من لا يرى الطواف بهما فرضًا. وقال مقاتل والكلبي: {وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا} فزاد في الطواف بعد الواجب (¬4). ومنهم من حمل هذا النوع على العمرة، وهو قول ابن زيد (¬5)، وكان يرى العمرة غير واجبة. وقال الحسن: {وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا} يعنى به: الدين كلّه، أي: فعل غير المفترض عليه، من طواف وصلاة وزكاة ونوع من أنواع الطاعات (¬6). ¬
وهذا أحسن هذه الأقاويل؛ لأن قوله {وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا} صيغته تدلّ على العموم (¬1). وقوله تعالى {فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ} أي: مُجازٍ بعمله {عَلِيمٌ} بنيته (¬2). قال أهل المعاني: وحقيقة الشاكر في اللغة: هو المظهر للإنعام عليه، والله تعالى لا تلحقه المنافع والمضارّ، فالشاكر في وصفه مجازٍ، ومعناه: المجازي على الطاعة بالثواب، إلا أن اللفظ خرج مخرج التلطف للعباد، مظاهرة في الإحسان إليهم، كما قال: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ} [البقرة: 245]، وهو تعالى لا يستقرض من عوزة ولكنه تلطّف (¬3) في الاستدعاء. كأنه قيل: من الذي يعمل عمل المُقرِض، بأن يقدّمَ، فيأخذ أضعاف ما قدَّمَ في وقت فقره وحاجته (¬4)!؟ ¬
159
159 - قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى} قال المفسرون: نزلت في علماء اليهود (¬1). وأراد بالبينات: الرجم والحدود والأحكام (¬2)، وبالهدى: أمر محمد - صلى الله عليه وسلم - ونعته (¬3) (¬4). {مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ}: لبني إسرائيل (¬5). {فِي الْكِتَابِ}: في التوراة (¬6). ¬
وقوله تعالى: {وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ} اختلفوا في اللاعنين ههنا: فقال ابن عباس: كلّ شيء إلا الجنّ والإنس (¬1). وعلى هذا إنما قال: (اللاعنون)، ولم يقل اللاعنات؛ لأنه وصفها صفة من يعقل، فجمعها جمع من يعقل، كقوله: {وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ} [يوسف: 4]، و {يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ} [النمل: 18]، {وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا} [فصلت: 21] {كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [يس: 40] (¬2). وقال قتادة: هم الملائكة (¬3). وقال عطاء: الجنّ والإنسان (¬4). ¬
160
وقال ابن مسعود: ما تلاعن اثنان من المسلمين إلا (¬1) رجعت تلك اللعنة على اليهود والنصارى، الذين كتموا أمر محمد - صلى الله عليه وسلم -، وصفته (¬2). 160 - قوله تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا} معنى (¬3) (إلّا) التخصيص (¬4)، نحو قولك: جاءني القوم إلا زيدًا، خصصتَ زيدًا بأنه لم يجئ (¬5). ومعنى قوله تعالى: {وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا} بعد قوله: {تَابُوا} إزالة الإبهام: أن التوبة مما سلف من الكتمان تكفي، ومعنى {وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا} أي: أصلحوا السريرة بإظهار أمر محمد - صلى الله عليه وسلم - (¬6). 161 - قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ} إلى قوله: {وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} إن قيل: كيف يلعنه الناس أجمعون، وأهل دينه لا يلعنونه؟ قيل: يلعنونه في الآخرة؛ لقوله: {ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ ¬
162
بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا} [العنكبوت:25] (¬1). وقال قتادة (¬2) والربيع (¬3): أراد بـ {وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ}: المؤمنين، وعلى هذا كأنه لم يعتدّ بغيرهم، كما تقول: المؤمنون هم الناس (¬4). وقال السدي: لا يتلاعن اثنان مؤمنان ولا كافران، فيقول أحدهما: لعن الله الظالم، إلا وجبت تلك اللعنة على الكافر؛ لأنه ظالم، وكل أحل من الخلق يلعنه (¬5). 162 - قوله تعالى: {خَالِدِينَ فِيهَا} معنى الخلود: اللزوم أبدًا، ومنه يقال: أخلد إلى كذا، أي: لزمه، وركن إليه (¬6). والعامل في الخالدين: الظرف من قوله (عليهم)؛ لأن فيه معنى الاستقرار، وهو حال من الهاء والميم في {عَلَيْهِمْ}، كقولك: عليهم المال صاغرين (¬7)، ومثل هذه الآيات الثلاث: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا}، {أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ}، {خَالِدِينَ فِيهَا} في سورة آل عمران [الآيات: 87 - 89]، وذكرنا الكلام هناك بأبلغ من هذا. وقوله تعالى: {وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ} قال عطاء عن ابن عباس: يريد: ¬
163
للرجعة ولا للتوبة ولا للمعذرة (¬1). 163 - قوله تعالى: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} الآية، معنى الوحدة في اللغة: هي الانفراد، يقال: وحَدَ الشيءُ، وهو يَحِدُ حِدَةً، فهو واحد، وجمعه: وُحدان بالضم. والوَحدان بالفتح؛ بمعنى: الواحد، مثل قولهم: فَردان بمعنى: الفَرد. وحقيقة الواحد: شيء لا يتبعض، ويقال أيضًا: وَحَدَ يَوْحَدُ وَحَادةً وَوَحْدةً فهو وحيد (¬2). ويستعمل الواحد على وجهين: أحدهما: على جهة الحكم والحقيقة. والثاني: على الوصف والمجاز. فالحكم كقولك: ذاتٌ واحدةٌ، وجزء واحد، والوصف قولك: إنسان واحد، ودار واحدة، فهذا لا ينقسم عن (¬3) الجهة التي جرت عليه الصفة، إذ ليس ينقسم من جهة أنه إنسان، وإن انقسم من جهة أنه جسم، وإذا أجريته حكمًا لم ينقسم من وجه من الوجوه. فأما الواحد في صفة الله تعالى، فقال الأزهري: له معنيان: أحدهما: أنه واحد لا نظير له، وليس كمثله شيء، والعرب تقول: فلان واحد قومه، وواحد الناس، إذا لم يكن له نظير. وقال بعضهم: المعنى في الواحد: أنه إله واحد، وربّ واحد، ليس له في إلاهيته وربوبيته شريك؛ لأنّ المشركين أشركوا معه آلهةً فكذّبهم ¬
الله عز وجل، فقال: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} (¬1). وقال أبو علي: قولهم: واحد، اسم جرى على وجهين في كلامهم: أحدهما: أن يكون اسمًا. والآخر: أن يكون وصفًا. فالاسم الذي ليس بصفة قولهم: واحد المستعمل في العدد، نحو: واحد، اثنان، ثلاثة، فهذا اسم ليس بوصف، كما أنّ سائر أسماء العدد كذلك، وأما (¬2) كونه صفة فنحو قولك: مررت برجل واحد، وهذا شيء واحد، فإذا أجري هذا الاسم على القديم تعالى جاز أن يكون الذي هو وصف، كالعالم والقادر، وجاز أن يكون الذي هو اسم، كقولنا: شيء. يقوي الأول قوله: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} (¬3). ويجمع (¬4) الواحد واحدِين، كقوله: فقد (¬5) رجعوا كحيٍّ واحدينا (¬6) ¬
ويكسِّرونه على فُعلان، كقولهم: وُحدان، ويقلبون الواو همزةً، كقولهم: أُحدان، ومنه قوله: طاروا (¬1) إليه زَرَافاتٍ ووُحْدانا (¬2) وذلك أنه وإن كان صفة قد يستعمل استعمال الأسماء، فكسروه على فُعلان، كقولهم: راع ورُعْيَان. وأما التفسير: فقال ابن عباس في رواية الكلبي: قالت كفار قريش: يا محمد صِفْ وانسُبْ لنا ربّك. فأنزل الله تعالى سورة الإخلاص، وهذه الآية (¬3). وقال جويبر (¬4)، عن الضحاك، عن ابن عباس: كان للمشركين ثلاثمائة وستون صنمًا، يعبدونها من دون الله، فبيّن الله سبحانه لهم أنه واحد، فأنزل هذه (¬5). ¬
164
قال أصحابنا: حقيقة الواحد في وصف الباري سبحانه: أنه واحد لا قسيم له في ذاته، ولا بعض له في وجوده، بخلاف الجملة الحاملة التي يطلق عليها لفظ الواحد مجازًا، كقولهم: دار واحدة، وشخص واحد؛ ولهذا قال أصحابنا: التوحيد: هو نفي الشريك والقسيم، والشريك والشبيه، فالله سبحانه وتعالى واحد في أفعاله، لا شريك له يشاركه في إثبات المصنوعات؟ وواحد في ذاته، لا قسيم له؟ وواحد في صفاته، لا يشبه الخلق فيها (¬1). وقال أهل المعاني: في الآية تقديم وتأخير، تقديرها: وإلهكم الرحمن الرحيم إله واحد، لا إله إلا هو. 164 - قوله تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} الآية، قال المفسرون: لما نزل قوله: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} عجب المشركون، وقالوا: إن محمدًا يقول: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ}؛ فليأتنا بآية إن كان من الصادقين، فأنزل الله هذه الآية (¬2)، وعلّمهم كيفيةَ الاستدلالِ على الصانع، وعلى ¬
توحيدِه، وردَّهم إلى التفكر في آياته، والنظرِ في مصنوعاته، على ما عدّها في الآية. وبيَّن أنّ فيما ذكره في هذه الآية من عجيب صنعه، وإتقانِ أفعاله، واتساق صنائعه دليلًا على توحيده، فإن هذه الأفعال لا تحصل في الوجود لو كان لها صانعان؛ لوجوب التمانع بينهما (¬1)، واستحالة تساويهما في صفة الكمال. قال أهل المعاني: وجمع السماوات؛ لأنها أجناس مختلفة، كل سماء من جنس غير الأخرى، ووحّد الأرض؛ لأنها كلها تراب (¬2). وقوله تعالى: {وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَار} فسّر الاختلاف هاهنا تفسيرين يرجعان إلى أصل واحد: أحدهما: أنه افتعال، من قولهم: خلَفه يخلُفه، إذا ذهب الأول وجاء الثاني خلافه، أي: بعده، فاختلاف الليل والنهار: تعاقبهما في الذهاب والمجيء، ومنه يقال: فلان يختلف إلى فلان، إذا كان يذهب إليه، ويجيء ¬
من عنده، فذهابه يخلف مجيئه، ومجيئه يخلف ذهابه. أحدهما خلاف الآخر، أي: بعده، وكل شيء يجيء بعده شيء، فهو خِلفه. وبهذا فُسِّر قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً} [الفرقان: 62] (¬1)، قال الفراء: يذهب هذا، ويجيء هذا (¬2). الثاني: قال ابن كيسان (¬3) وعطاء (¬4) في هذه الآية: أراد: اختلافهما في الطول والقصر، والنور والظلمة، والزيادة والنقصان. قال الكسائي: يقال لكل شيئين اختلفا: هما خِلْفان وخِلْفتان، وقول زهير: بها العِينُ والآرامُ يمشين خِلْفةً (¬5) فسّر بالوجهين: تكون مختلفة في ألوانها وتكون يذهب هذا، ويجيء هذا. وهذا القول يرجع إلى معنى الأول؛ لأن معنى الاختلاف في اللغة: ¬
التفرق في الجهات، جهة اليمين والشمال والخلف والقُدّام، ثم شبّه الاختلاف في المذاهب وفي كل شيء بالاختلاف في الطريق (¬1)، من جهة أن كل واحد من المختلفين على نقيض ما ذهب إليه الآخر، كالمختلفين في الطريق، ولما تفاوت الليل والنهار في النور والظلمة وغيرهما جعل ذلك اختلافا، فهذا أيضًا يعود في الاشتقاق إلى الخلف. وقوله تعالى: {وَالْفُلْكِ} الفُلْك: واحد وجمع، ويذكر ويؤنث، وأصله من الدوران، وكل مستدير فُلك، وفَلَك السماء: اسم لأطواق (¬2) سبعة، تجري فيها النجوم، وفَلَكَتِ الجارية: إذا استدارَ ثَدْيُها، وفَلَكَة (¬3) المِغْزلَ من هذا، والسفينة سميت فُلكًا؛ لأنها تدور بالماء أسهل دور (¬4). وإنما كانت للواحد والجمع؛ لأنه على بناء يصلح لها (¬5)، فإذا أريد به الواحد ذُكِّر، وإذا أريد به الجمع أُنِّث. ومثلُ الفلك من الجموع التي كسرت الآحاد عليها واللفظ فيهما (¬6) واحد: قولهم: ناقة هِجَان، ونوق هِجَان (¬7)، ودرع دِلاصٍ، وأدرُع دِلاص (¬8)، وشِمال: للخليقة والطبع، ¬
وجمعه شِمالٌ. ومجيء الجمع على لفظ الواحد مما يدل على قلة حفلهم بالفرق بينهما من طريق اللفظ، وأنهم اعتمدوا في الفرق على دلالة الحال، ومتقدم الكلام ومتأخره (¬1). وقال سيبويه (¬2): الفلك إذا أريد به الواحد فضمة الفاء فيه بمنزلة ضمة (¬3) باء بُرْد، وخاء خُرْج، وإذا أريد به الجمع، فضمة الفاء بمنزلة ضمة الحاء في حُمْر، والصاد من صُفْر، فالضمتان وإن اتفقتا في اللفظ فإنَّهما مختلفتان (¬4) في المعنى، وغير منكر أن يتفق اللفظان من أصلين مختلفين، ألا ترى أن من رخّم منصورًا في قول من قال: يا جار، قال: يامنصُ، فبقى الصاد مضمومة، كما بَقَّى الراء مكسورة، ومن قال: يا جارُ، فاجتلب للنداء ضمةً قال أيضًا: يا منصُ، فحذف ضمّةَ الصاد، كما حذف كسرة الراء، واجتلب للصاد ضمةَ النداء، كما اجتلب للراء ضمة النداء، إلا أن لفظ: يا منصُ في الوجهين واحد، والمعنيان متباينان. وقوله تعالى: {تَجْرِي فِي الْبَحْرِ} قد مضى الكلام في البحر. والآية في الفلك: تسخيرُ الله تعالى إياها، حتى يجريَها على وجه الماء، كما قال: {وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ} [إبراهيم: 32]، ووقُوفُها فوق الماء مع ثقلها وكثرة وزنها. وقوله تعالى: {يَنْفَعُ النَّاسَ} أي: بالذي ينفعهم، من ركوبها، ¬
والحمل عليها في التجارات، وينفع الحامل؛ لأنه يريح، والمحمول إليه؛ لأنه ينتفع بما حمل إليه (¬1) (¬2). وقوله تعالى: {فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} أراد بموت الأرض: جدوبتَها ويُبُوستَها، فسمّاها موتًا مجازًا، وذلك أن الأرضَ إذا لم يصبها مطر لم تُنبت، ولم تُنْمِ نباتًا، وكانت (¬3) من هذا الوجه كالميت، وإذا أصابها المطر أنبتت، ونحو هذا قوله: {وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ} [الحج: 5]، فلما وصفت بالاهتزاز وهو (¬4) الحركة عند نزول الماء، توصف عند إمساك الماء بالسكون، والعربُ تسمي السكون موتًا (¬5)، قال الشاعر: إني لأرجو أن تموتَ الريحُ ... فأسكنَ اليوم وأستريحُ (¬6) فيجوز أن يراد بالموت في هذه الآية: ضد الاهتزاز الذي وُصِفَت به عند نزول الماء، ولما سَمّى ذلك موتًا سمّى (¬7) إِزالتَها إحياءً ليتجانس اللفظ (¬8). ¬
وقوله تعالى: {وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ} البثُّ: النشر والتفريق، ومنه قوله تعالى: {وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً} [النساء: 1]، ومنه: {كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ} [القارعة: 4]، ويقال: بثثته سِرِّي (¬1) أبثثته، إذا أطلعته عليه؛ لأنك فرقت بين سرّك وبينك، ويقال للحزن: بَثٌ؛ لأن صاحبَه لا يصبر عليه حتى يظهره (¬2). وقوله تعالى: {مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ} قال ابن عباس: يريد: كلّ ما دبّ على الأرض من جميع الخلق، من الناس وغيرهم (¬3). وقوله تعالى: {وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ} أراد: وتصريفه الرياح، فأضاف المصدر إلى المفعول، وهو كثير (¬4). والرياح: جمع الريح. قال أبو علي: الريح: اسم على فعل، والعين منه واو، انقلبت في الواحد (¬5) للكسرة، فأما في الجمع القليل: أرواح، فصحّت؛ لأنه لا شيء فيه يوجب الإعلال، ألا ترى أن سكون الراء لا يوجب إعلال هذه الواو في نحو: قوم، وعون، وقول. وفي الجمع الكثير: رياح، انقلبت الواو ياء؛ للكسرة التي قبلها، نحو: ديمة ودِيَم، وحِيلَة وحِيَل (¬6). ¬
وقال ابن الأنباري: إنما سميت الريح ريحًا؛ لأن الغالب عليها في هبوبها المجيء بالرَّوح والرَّاحة، وانقطاعُ هبوبها يُكسِبُ الكربَ والغَمّ، فهي مأخوذة من الروح. وأصلها: رِوْح، فصارت الواو ياء؛ لسكونها وانكسار ما قبلها، كما فعلوا في الميزان والميعاد والعيد، والدليل على أن أصلها الواو: قولهم في الجمع: أرواح (¬1). قال زهير: قِفْ بالديار التي لم يعفُها القدمُ ... بلى وغيَّرَها الأرواحُ والدِيَمُ (¬2) ويقال: رِحْتُ الريح أَراحُها، وأُرحتُها أرِيحُها: إذا وجدتها، ومنه الحديث: "من استُرعي رعيةً فلم يَحُطهم بنصيحة، لم يُرِحْ رائحةَ الجنة، وإن ريحَها لتوجد من مسيرة مائة عام" (¬3). قال الكسائي: الصواب: لم يُرحْ، من: أرَحتُ أُريح، وقال الفراء: لم يَرَح، بفتح الراء. وقال غيرهما: الصواب: لم يرِحْ، من رحت أريح. ¬
قال أبو عبيد: الصواب: بفتح الراء (¬1)، وأنشد: وماءٍ وَرَدْتُ على زَوْرَةٍ ... كَمَشْيِ السَّبَنْتَى يَراحُ الشَّفِيفَا (¬2) وقال أبو زيد: قال القيسيون: الرياح أربع: الشمال والجنوب والصَّبَا والدَّبُور. فأما الشمال فمن عن يمين القبلة، والجنوب من عن جهة شمالها، والصَّبَا والدَّبور متتابعتان (¬3)، فالصَّبا من قبل المشرق، والدَّبور من قبل المغرب، وأنشد أبو زيد البيت لأبي صخر الهذلي: إذا قلتُ هذا حينَ أسلُو يهيجُني ... نسيمُ الصَّبا من حيث يَطَّلِعُ الفَجْر (¬4) (¬5) وربما تسمى الصبا: قبولًا؛ لأنها استقبلت الدبور. وقال الأصمعي: إذا انحرفت واحدة منهن عن هذه المهابّ فهي نكباء. ¬
قال: وأخبرنا ابن الأعرابي قال: مهبّ الجنوب من مطلع سُهيل إلى مطلع الثُّرَيّا، والصبا من مطلع الثريا إلى بناتِ نَعْشٍ، والشمال من بنات نعش إلى مسقط النسر الطائر، والدبور من مسقط النسر الطائر إلى مطلع سُهَيل. وقال غيره: الجنوب: التي تجيء من قبل اليمن، والشمال: التي تهبّ من قبل الشام، والدَّبور: التي تجيء من عن يمين القبلة شيئًا، والصّبا: بإزائها (¬1). والشمال ريح باردة، تكرهها العرب؛ لبردها وذهابها بالغيم، وفيه (¬2) الحَيَا والخِصْبُ (¬3)، وإذا سمعت الريح تنسب إلى الشام فهي الشمال الباردة، كقول زياد بن منقذ: والمطعِمون إذا هبّتْ شاميةً ... وباكر الحيَّ من صُرّادها صِرَمُ (¬4) (¬5) وقال النابغة: وهبّت الريحُ مِن تلقاءِ ذي أُرُلٍ ... تُزجى مع الليل من صُرّادها صِرَمًا (¬6) ¬
وذُو أُرُلٍ: جبل بأرض غطفان من ناحية الشام، ولكراهتهم الشمال يسمّون كل مكروه عندهم: مشْمولًا، قال زهير: جرت سُنُحًا (¬1) فقلت لها مَرُوعُا ... نَوًى مَشْمُولةٌ فمتى اللِّقاءُ (¬2) مشمولة أي: مكروهة (¬3). وقد صرّح طرفة بأن الشمال شامية، في قوله: فأنت (¬4) على الأدنى شَمالٌ عَرِيّةٌ (¬5) ... شآميّةٌ (¬6) تَزوي (¬7) الوجوهَ بَلِيلُ ويحبون الجنوب لدفئها، ولأنها تجيء بالسحاب والمطر (¬8)، أنشد الأصمعي لحُميد بن ثور: فلا يُبْعِدِ اللهُ الشبابَ وقولَنا ... إذا ما صَبَوْنا صبْوَةً سَنَتُوبُ لياليَ أَبْصَارُ الغواني وسمعُها ... إليَّ وإذ ربْحِي لهن جنوبُ (¬9) ¬
أي: محبوبة كما تحب الجنوب. وقال أبو عبيدة: الشمال عند العرب للرَّوْح، والجنوب للأمطار والأنداء، والدَّبور للبلاء، أهونه أن يكون غبارًا عاصفًا، يقْذي (¬1) العين، وهي أقلهن هُبوبًا، والصَّبا لإلقاح الشجر، وكل ريح انحرفت فوقعت بين ريحين من هذه الأربع فهي نكباء. وتقول العرب: إنَّ النُّكْب أربع: فنكباء الصبا والجنوب ميباس للبقل ونكباء الصبا (¬2) والشمال مِعْجاجٌ مِصْراد، لا مطر فيها ولا خير، ونكباء الشمال والجنوب ريح قَرَّة، وربما كان فيها مطر وهو قليل، ونكباء الدبور والجنوب قد تكون في الشتاء والصيف (¬3). وقول الخثعمي: مِن كلِّ فيّاضِ اليدين إذا غدَتْ ... نكباءُ تُلْوي بالكنيفِ (¬4) المُوصَدِ (¬5) هذه في الشتاء (¬6) (¬7). واختلف القراء في {الرِّيَاحِ} فقرأ بعضهم: بالجمع في مواضع، وبالتوحيد في مواضع (¬8)، وهم مختلفون فيها. والأظهر في هذه الآية ¬
الجمع؛ لأن كل واحد من هذه الرياح مثل الأخرى في دلالتها على الوحدانية، وتسخيرها؛ لينتفع الناس بها بتصريفها، وإذا كان كذلك فالوجه أن تجمع؛ لمساواة كل واحدة منها الأخرى. وأما من وحّد فإنه يريد الجنس، كما قالوا (¬1): أهلك (¬2) الناس الدينار والدرهم، وإذا أريد بالريح الجنس كانت قراءة من وحّد كقراءة من جمع. فأما ما روي في الحديث من أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا هبت ريح قال: "اللهم اجعلها رياحًا ولا تجعلها ريحاً" (¬3). فمما (¬4) يدل على أن مواضع الرحمة بالجمع أولى قوله (¬5): {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ} [الروم: 46]، وإنما تبشر بالرحمة، ويشبه أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - قصد هذا الموضع من التنزيل. ومواضع الإفراد من ¬
العذاب (¬1) كقوله: {وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ} [الذاريات: 41]. وقد يختص اللفظ في التنزيل بشيء فيكون أمارة له، فمن ذلك أن عامة ما جاء في التنزيل من قوله: {وَمَا يُدْرِيكَ} مبهم غير مبيّن، كقوله: {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ} [الشورى: 17]، وما كان من لفظ (أدراك) مفسّر، كقوله: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ} [القارعة: 3]، {وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ} [القارعة: 10] (¬2). فأما التفسير، فالتصريف في اللغة: التقليب، وهو تَفْعيل من الصَّرف، والصَّرف: القلب عن الشيء. والصَّرِيف: اللبنُ الذي سَكَنَت (¬3) رَغْوتُه؛ لانصراف الرغوة عنه، وقيل: لا يُسمَى صريفًا حتى يُنصرف به عن الضرع (¬4)، والصريف: الفحل نابيه؛ لأنه يقلب أحدهما بالآخر (¬5). قال المفسرون: ومعنى {وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ}: تَقْليبُها قَبُولًا ودَبُورًا وشمالًا وجنوبًا، كما بَيَّنَّا، وتصريفها مرةً بالرحمة، ومرةً بالعذاب، وتصريفها مرة حارةً، ومرةً باردةً، ومرة لينةً، ومرةً عاصفة (¬6). ¬
165
وقوله تعالى: {وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّر} سمي السحاب لانسحابه في الهواء (¬1). ومعنى التسخير: التذليل، {وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّر}: المطيعة لله تعالى (¬2). 165 - قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا} الآية، لما ذكر الله تعالى الدلالةَ على وحدانيته أَعْلَم أنّ قومًا بعد هذه الدلالة والبيان يتخذون الأنداد، مع علمهم أنهم لا يأتون بشيء مما ذكر (¬3). ومضى الكلام في معنى: (الأنداد) (¬4). قال أكثر المفسرين: يريد بالأنداد: الأضداد (¬5) المعبودة من دون الله عز وجل، فعلى هذا، الأصنام أنداد بعضها لبعض، أي: أمثال، ليست أنها أنداد لله تعالى (¬6). وقال السُدِّي: يعنى: بالأنداد أكفاء من الرجال يطيعونهم في معصية الله (¬7). ¬
وعلى هذا: المطاعون في معصية الله أنداد (¬1) للمطيعين، أو هم أندادٌ، بعضُهم (¬2) لبعض نِدٌّ، كما قلنا في الأصنام. وقوله تعالى: {يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّه} قال الليث: يقال: أَحْبَبَتُ الشيءَ فأنا مُحِبٌّ، وهو محبوبُ، قال: ومثله: أحزنته فهو محزون، وأجَنَّه الله فهو مجنون، وقد جاء مُحَبّ شاذًا في قول عنترة: بمنزلة المُحبِّ المكرم (¬3) قال شمر: قال الفراء: وحَبَبْتُ لغةٌ، وأنشد: فو الله لولا تَمْرُهُ ما حَبَبَتْهُ ... ولا كان أدنى من عُبيدٍ ومُشرِقِ (¬4) (¬5) عن أبي زيد: بعير مُحِبّ، وقد أحَبّ أحبابًا، وهو أن يصيبه مرض أو كسر فلا يبرح مكانه حتى يبرأ أو يموت. قال: والإحباب: هو البروك، فمن ¬
الناس من يجعل المحبة مأخوذة من هذا؛ للزوم المحب محبوبه (¬1). وفي قوله: {كَحُبِّ اَللَّهِ} طريقان لأهل المعاني: أحدهما: أن المعنى فيه كحب المؤمنين الله، أي: يحبون الأصنام كما يحب المؤمنون ربهم، فأضيف المصدر إلى المحبوب، كقول القائل: أكلتُ طعامي كأكل طعامك، وبعت جاريتي كبيع جاريتك، وهو يريد: كبيعك جاريتك وأكلك طعامك، فيحذف الفاعل، ولضيف المصدرَ إلى المفعول (¬2)، كقول الشاعر: ولستُ مسلِّما ما دمتُ حيًّا ... على زيدكتسليم الأميرِ (¬3) أراد: كتسليمي على الأمير، هذا قول الفراء (¬4)، ويوافقه تفسير ابن عباس (¬5)، فإنه قال: يريد: كحب الذين آمنوا الله (¬6)، فكثير (¬7) من العلماء ¬
على هذه الطريقة فلم يثبتوا للكفار حبًا لله، وجعلوا حب الله للمؤمنين (¬1)، وشبهوا حُب الكفار للأصنام بحب المؤمنين لله (¬2). الطريق الثاني: أن المعنى فيه: يحبونهم كحب الله، أي: يسوّون بين هذه الأصنام وبين الله عز وجل في الحب، فيكون تقدير الآية: يحبونهم كحبهم الله، فيضاف الحب إلى الله عز وجل، والمشركون هم المُحِبُّون (¬3)، وعلى المشركين في تسويتهم بين الله عز وجل والأصنام في المحبة أعظم الحجج وأوكدها، إذ أحبوا وعبدوا ما لا ينفع ولا يضر، ولا يحيي ولا يميت. وقد بيّن الله -عز اسمه- ما يدل على هذا المعنى في قوله: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر: 3]. وهذا القول اختيار الزجاج (¬4) وابن كيسان (¬5)، وعلى هذا فقد أثبت للمشركين حبًّا لله، شبه حبّهم الأصنام بحبهم الله تعالى. وقال أبو رَوق: معنى قوله: {كَحُبِّ اللَّهِ}، أي: يحبون الأصنام حُبًّا لا يستحقّ مثلَ ذلك الحبِّ إلا اللهُ، ويحبونهم كما ينبغي لهم أن يحبوا الله، فالمعنى فيه: كالحب المستحق لله. ثم قال تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ} قال ابن عباس: أي: ¬
أثبت وأدوم (¬1)، وذلك أن المشركين كانوا يعبدون صنمًا فإذا رأوا شيئًا أحسن منه (¬2) تركوا ذلك، وأقبلوا على عبادة الأحسن (¬3). وقال قتادة: إن الكافر يعرض عن معبوده في وقت البلاء، ويقبل على الله عز وجل، ألا ترى إلى قوله: {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ} الآية [العنكبوت: 65]، والمؤمن لا يُعرض عن الله في السرّاء والضرّاء والشدة والرخاء، ولا يختار عليه سواه (¬4). وقيل: لأن المؤمنين يوحدون ربهم، والكفار يعبدون مع الصنم أصنامًا، فتنقص محبة الواحد، بضم محبة مجمع إليه، والذي لا يعبد إلا واحدًا محبته له أتم. وهذه الأقوال على طريقة من لم يثبت للمشركين محبة لله. فأما من أثبت لهم محبة لله فالمؤمنون أشد حبًّا منهم؛ لأن الكفار يقولون: إن الله خالقنا ورازقنا، ثم يجعلون معه شركاء، فتضعف محبتهم، وتنقص بذلك، وتتم محبة المؤمنين ربّهم بإفرادهم إياه في العبادة (¬5). وهذا معنى قول الحسن: إن الكافرين عبدوا الله بالواسطة، وذلك قولهم للأصنام: {هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ} [يونس: 18] وقولهم: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ} [الزمر: 3] والمؤمنون يعبدونه بلا واسطة، لذلك قال: {وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ}، (¬6) ومعنى حب المؤمنين الله: ¬
حب طاعته والانقياد لأمره، ليس معنى يتعلق بذات القديم سبحانه (¬1). وقوله تعالى: {وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا} جواب (لو) محذوف. وقد كَثُر في التنزيل حذفُ جواب (لو) كقوله: {وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا} [الرعد: 31] {وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ} [الأنعام: 27] {وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ} [الأنعام: 93]. قال أصحاب المعاني: وحذف جواب (لو) في مثل هذا الآي يكون أفحم وأبلغ؛ لذهاب المخاطب المتوعَّد إلى كلّ ضرب من الوعيد، ولو ¬
ذكر له ضرب من الوعيد لم يكن مثل أن يبهم (¬1) عليه؛ لأنه يوطّن نفسه على ذلك المذكور، ومن وطّن نفسه على شيء لم يصعب عليه صعوبتَه على من لم يوطنْ عليه نفسَه. وذكرنا شواهد هذه المسألة في سورة الأنعام، عند قوله: {وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا} [الأنعام: 27]، (¬2). وكثر اختلافُ القُرّاء (¬3) في هذه الآية، فقرأ حمزة والكسائي وعاصم وأبو عمرو وابن كثير: (ولو يَرَى) بالياء، {أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ}، {وَأَنَّ اللَّهَ} بالفتح فيهما (¬4). والمراد بالرؤية هاهنا: رؤية العين المتعدية إلى مفعول واحد، والفعل في هذه القراءة (¬5) مسند إلى الذين ظلموا، و (الذين ظلموا): هم الذين ¬
كفروا، ألا ترى إلى قوله: {وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [البقرة: 254]، وإنما كان ينبغي أن يسند إليهم الفعل؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين قد علموا قدرَ ما يشاهدُ الكفارُ ويعاينونه من العذاب يوم القيامة، والمتوعدون في هذه الآية لم يعلموا ذلك، فوجب أن يسند الفعل إليهم (¬1)، وفتحوا {أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ}، لأنهم أعملوا فيه الرؤية، تقديره: ولو يرون أن القوة. ومعناه: ولو يرى الذين ظلموا شدة عذاب الله وقوته لعلموا مضرّة اتخاذ الأنداد. وقولنا: لعلموا، هو الجواب المحذوف، وإنما قدرنا هذا الجواب مع احتمال غيره؛ لأنه قد جرى ذكر اتخاذ الأنداد في أول الآية (¬2). وقال أبو عبيد والزجاج (¬3): يجوز أن يكون العامل في (أن) جواب (لو) المقدر؛ لأنه قد جاء في تفسير هذه الآية: لو رأى الذين كانوا يشركون في الدنيا عذاب الآخرة، لعلموا حين يرونه أن القوة لله جميعًا، ففتحوا (أن) بالجواب المقدر وهو: لعلموا (¬4). وضعّف أحمد بن يحيى هذا القول، وقال: (¬5) العَلَم لو حذف لم يترك صلته، وقال من احتج لهذا القول: حذف الموصول وإبقاء أصله لا ينكر، كقوله تعالى: {لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ} [الأنعام: 94]، في قراءة من نصب، والمراد: ما بينكم، فحذفت (ما) وتُركت صلتها. وقرأ أبو جعفر: (ولو يرى) بالياء (¬6)، وكسر (إن القوة) و (إن الله) ¬
وإنما كَسَر؛ لأن ما قبل (إن) كلام تام، مع ما أضمر فيه من الجواب المقدرة لأن تقديره: ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب لآمنوا، أو لرأوا أمرًا عظيما، فلما تم الكلام بقي قوله: {أَنَّ اَلقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا} مستأنف، وإذا استأنف وجب كسره. قال الفراء: وتكون الرؤية على هذه القراءة واقعة على (إذ) في المعنى، وفتح (أنّ) مع الياء أحسن من كسرهما (¬1). وقرأ يعقوب وسَهْل: (ولو ترى) بالتاء، (إن القوة)، و (إن الله): بالكسر فيهما. والخطاب في هذه القراءة (¬2) للنبي - صلى الله عليه وسلم -، ولم يقصده (¬3) بالمخاطبة؛ لأنه لم يعلم ما يراه الكفار من العذاب في الآخرة، ولكن في قصده المخاطبة (¬4) تنبيه لغيره، ألا ترى أنه قد يُخَاطَبُ فيكون خطابه خطابًا للكافّة، كقوله: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى} [الأنفال: 70] و {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ} [الطلاق: 1] (¬5). قال أبو إسحاق: وهذا (¬6) كما قال عز وجل: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (106) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [البقرة:106 - 107] وهو بمنزلة: ألم تعلموا. كذلك، (ولو ترى) بمنزلة: ولو ترون، ويكون (إن القوة) مستأنفة كما وصفنا. ويكون الجواب -والله أعلم- لرأيت أمرًا ¬
عظيمًا، كما تقول: لو رأيت فلانًا والسياط تأخذه، فتستغني (¬1) عن الجواب؛ لأن المعنى معلوم (¬2). قال ابن الأنباري: ويجوز في هذه القراءة أن تضمر القول وتعلق (إن) به، ويكون التقدير: ولو ترى الذين ظلموا إذ يرون العذاب لقلت: إن القوة لله جميعا، فانكسرت (إن) مع القول كما انفتحت مع العلم. وقرأ نافع وابن عامر: (ترى) بالتاء (¬3)، وفتح: {أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ}، و {وَأَنَّ اللَّه}، وعلى (¬4) هذه القراءة لا يجوز أن يكون العامل في: {أَنَّ الْقُوَّةَ} قوله: (ترى)؛ لأن الرؤية هاهنا: المراد به رؤية البصر، فلم يجز أن تتعدّى إلى (أن)؛ لأنها قد استوفت مفعولها الذي تقتضيه، وهو: (الذين ظلموا)، فإذا لم يجز أن تنتصب (أن) بـ (ترى)، ثبت أنه منتصب (¬5) بفعل آخر غير (ترى) الظاهرة، وذلك الفعل هو الذي يقدر جوابا لـ (لو)، كأنه: ولو ترى الذين ظلموا إذ يرون العذاب رأوا أن القوة لله، والمعنى: أنهم شاهدوا من قدرته سبحانه ما تيقنوا معه أنه قوي عزيز، وأن الأمر ليس على ما كانوا عليه من جحودهم لذلك، أو شكّهم فيه (¬6). والاختيار عند الفراء وغيره: كسر (إن) مع المخاطبة؛ لأن الرؤية واقعة على الذين ظلموا، فكان وجه الكلام أن يستأنف (إن). ¬
قال الفراء: ولو فتحها على تكرير الرؤية كان صوابًا، كأنه قال: ولو ترى الذين ظلموا إذ (¬1) يرون العذاب يرون (¬2) {أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا} (¬3). ومن قرأ بالياء ففتحُ {أَنَّ} في قراءته أبين؛ لأنه ينصب {أَنَّ} بالفعل الظاهر دون المضمر. هذه وجوه اختلاف القراءة في هذه الآية (¬4). فإن قيل: كيف جاءت (إذ) في قوله: {إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ} مع قوله: {وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا} وهذا أمر مستقبل وإذ لما مضى؟، قيل: إنما جاء على لفظ المضي لإرادة التقريب في ذلك، كما جاء {وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ} [النحل: 77]، {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ} [الشورى:17]، فلما أريد فيها من التحقيق والتقريب؛ جاء على لفظ المضي، وعلى هذا جاء في ما هو من (¬5) أمر الآخرة أمثلة الماضي، كقوله: {وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ} [الأعراف: 44]. ومما جاء على لفظ المضي للتقريب من الحال: قول المقيم: قد قامت الصلاة، يقول ذلك قبل إيقاعه التحريم بالصلاة؛ لقرب ذلك من قوله، وعلى هذا قول رؤبة: أَوْدَيْتُ إن لم تَحْبُ (¬6) حَبْوَ المُعْتَنِكْ (¬7) (¬8) ¬
166
فإنما أراد تقريب مشاركته وإشفاءه عليه، فأتى بمثال الماضي، وجعله سادًّا مسدّ جواب أن، من حيث كان معناه الاستقبال في الحقيقة (¬1)، وأن الهلاك لم يقع بعد، ولولا ذلك لم يجز، ألا ترى أنه لا يكون: قمتُ إن قمتَ؟ إنما تقول: أقومُ إن قمتَ، وقد جاء كثير مما في التنزيل من هذا الضرب كقوله: {وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا} [الأنعام: 27]، {وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُون} [الأنعام: 93]، {وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا} [سبأ: 51]، {وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى} [الأنفال: 50]، فكما جاءت هذه الآية التي يراد بها الاستقبال بإذ، كذلك جاء: {وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْن} (¬2). وقرأ ابن عامر: (يُرون) بضم الياء، وحجته قوله (¬3): {كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ} (¬4). وقوله تعالى: {أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا} منصوب على الحال، المعنى: إن القوة ثابتة لله عز وجل في حال اجتماعها (¬5). 166 - قوله تعالى: {إِذْ تَبَرَّأَ}. العامل في {إِذْ} معنى {شَدِيدُ} ¬
من قوله: {وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (165) إِذْ تَبَرَّأ} كأنه قيل: وقت تبرأ (¬1). وقوله: {الَّذِينَ اتُّبِعُوا} يعنى: المتبوعين في الشرك والشرّ، {مِنَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا} يعنى: السفلة والأتباع (¬2). وقوله تعالى: {وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ} الباء هاهنا: بمعنى: عن (¬3)، كقوله: {فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا} [الفرقان: 59]، أي: عنه، قال علقمة بن عبدة: فإن تسألوني بالنساء فإنني ... بصيرٌ بأدواء النساء طبيب (¬4) أي: عن النساء. وقال آخر: تسائل بي هوازنُ أين مالي ... وهل لي غيرَ ما أتلفتُ مالُ (¬5) أي: عني. وقوله تعالى: {الْأَسْبَابُ} أصل السبب في اللغة: الحبل، قال شمر: قال أبو عبيدة: السببُ: كلُّ حَبْل حَدَرْتَه (¬6) من فوق. ¬
وقال خالدُ بنُ جَنَبَة: السبب من الحبال: القوي الطويل، قال: ولا يدعى الحبل سببًا حتى يُصْعَدَ به وُينْزَل، ومن هذا قوله تعالى: {فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ} [الحج: 15]، فالسبب: الحبل في هذا الموضع، ثم قيل (¬1) لكل شيء وصلت به إلى موضع أو حاجة تريدها: سبب، يقال: ما بيني وبينك سبب، أي: آصرة رحم، أو عاطفة مودة. وقيل للطريق: سبب؛ لأنك بسلوكه تصل إلى الموضع الذي تريده، قال الله تعالى: {فَأَتْبَعَ سَبَبًا} [الكهف: 85]، أي: طريقًا، و (أسبابُ السماء): أبوابُها؛ لأن الوصول إلى السماء يكون بدخولها، قال الله تعالى خبرًا عن فرعون: {لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (36) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ} [غافر:36 - 37]، قال زهير: ومن هاب (¬2) أسبابَ المنايا ينلنه ... ولو رام أسبابَ السماء بسُلَّمِ (¬3). والمودة بين القوم تسمى: سببًا؛ لأنهم بها يتواصلون، ومنه قول لبيد: بل ما تَذكَّرُ من نوارَ وقد نأتْ ... وتقطّعت أسبابُها ورِمامُها (¬4) (¬5). والتي في هذه الآية يعني بها: وُصَلَهم التي كانت تجمعهم، قال ابن ¬
167
عباس (¬1) ومجاهد (¬2) وقتادة (¬3): يعني: أسباب المودة والوصلات التي كانت بينهم في الدنيا، تقطعت وصارت مخالّتهم عداوة. وقيل: أراد بالأسباب: الأرحام التي كانوا يتعاطفون بها (¬4). وقال ابن زيد: يعني: الأعمال التي كانوا يؤملون أن يصلوا (¬5) بها إلى ثواب الله (¬6). 167 - وقوله تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا} وهم الأتباع. {لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً} موضع أن رَفْع؛ لأن لو تطلب الفعل (¬7)، المعنى: لو وقع كرور، أي: رجعة إلى الدنيا (¬8). {فَنَتَبَرَّأَ} جواب التمني بالفاء، كقوله: {فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الشعراء: 102]، قال الكسائي: إنما نصب جواب التمني بالفاء (¬9)؛ لأن تأويله: لو أنّ لنا أن نَكُرَّ فَنَتَبَرَّأَ (¬10). ¬
وقوله تعالى: {كَذَلِكَ} أي: كتبرؤ (¬1) بعضهم من بعض (¬2). {يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ} قال الربيع بن أنس: يريهم أعمالهم القبيحة التي سلفت منهم في الدنيا حسراتٍ عليهم في الآخرة (¬3)؛ لأنهم إذا رأوا حُسْنَ مجازاة الله المؤمنين بأعمالهم الحسنة تحسروا على أن لم تكن أعمالُهم حسنةً، فيستحقّوا بها من ثواب الله مثلَ الذي استحقه المؤمنون. وقال ابن كيسان: يعني بأعمالهم: عبادَتَهم الأوثان رجاء أن تقربهم إلى الله، فلما عُذِّبوا على ما كانوا يرجون ثوابه تحسّروا وندموا (¬4). قال أبو إسحاق: والحَسْرَةُ: شِدَّةُ الندم، حتى يبقى النادم كالحسير من الدوابّ الذي لا منفعة فيه، ويقال: حَسِرَ فلان يَحْسَر حَسْرَةً وحَسَرًا: إذا اشتدَّ نَدَمُه على أمر فاته، قال المَرَّار: ما أنا اليومَ على شيء خلا ... يا ابنةَ القَيْنِ تَوَلَّى بِحَسِرْ (¬5). أي: بنادم. وأصل الحَسْر: الكشف، يقال: حَسَر عن ذراعه، والحَسْرَة: انكشاف عن حال الندامة (¬6)، والحُسُور: الإعياء؛ لأنه انكشاف الحال ¬
168
عما أوجبه طول السفر، والمِحْسرة: المِكْنَسَة (¬1)؛ لأنها تكشف عن الأرض، والطيرُ تنحسر؛ لأنها تنكشف بذهاب الريش (¬2). قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في المشركين الذين أخرجوا النبي - صلى الله عليه وسلم - من مكة. 168 - قوله تعالى {يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا} قال ابن عباس، في رواية أبي صالح: نزلت في الذين حَرَّموا على أنفسهم السوائب والوصائل والبحائر (¬3)، وقال في رواية عطاء: يعني: المؤمنين خاصةً (¬4). وقوله تعالى: {حَلَالًا} إن شئت نصبته على الحال: {مِمَّا فِي الْأَرْضِ}، وإن شئت نصبته على أنه مفعول: {مِمَّا فِي الْأَرْضِ}. ¬
قال الفراء: يقال: قد حَلَّ الشيء فهو يَحِلُّ حَلالًا وحلًا، وحَلَّ من إحرامه يَحِلُّ حلالًا، وأصله: من الحَلِّ الذي هو نقيض العَقْد، ومعنى الحلال: المباح الذي انحلت عُقْدة الحظر عنه. ومنه: حلَّ بالمكان، إذا نزل به؛ لأنه حلّ شدّ الارتحال للنزول. وحَلّ الدَّين: إذا وجب؛ لانحلال العُقْدة بانقضاءِ المدة، وحَلَّ من إحرامه؛ لأنه حل عقدة الإحرام. وحلت عليه العقوبة، أي: وجبت، لانحلال العقدة المانعة من العذاب، والحُلّة: الإزار والرداء؛ لأنها تحل عن الطي للبس، ومن هذا: تَحِلَّةُ اليمين؛ لأن عقدة اليمين تنحلّ به (¬1). والطيب في اللغة يكون بمعنى: الطاهر، والحلال يوصف بأنه طيب؛ لأن الحرام يوصف بأنه خبيث، قال الله تعالى: {قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ} [المائدة: 100]. والأصل في الطيب: هو ما يُسْتَلَذُّ ويستطاب، وَوُصفَ به الطاهر والحلال على جهة التشبيه؛ لأن النجسَ تكرهُهُ النفس فلا يُسْتَلَذّ، والحرام غير مستلَذّ؛ لأن الشرع يزجر عنه (¬2). قال ابن عباس: يريد: قد غَنَّمْتُكم مال أعدائكم (¬3)، فعلى هذا عنى بالحلال الطيب: الغنيمة. وقال أهل المعاني: أراد كل ما يغتذى به من المطاعم، ولهذا جمع ¬
بين الوصفين لاختلاف الفائدتين، إذ وصْفُه بأنه حلال يفيد أنه طِلْقٌ، ووصفه بأنه طيب أنه يغتذى به، وهو مُستلَذّ في العاجل والآجل. فعلى هذا: التراب والخشب طاهر، ولا يحل أكلهما؛ لأنهما ليسا من الطيّب الذي يغتذى به (¬1). وقال الزجاج: الأجود أن يكون المعنى: من حيث يطيب لكم، أي: لا تأكلوا مما يحرم (¬2). فعلى هذا: المعنى: كلوا حلالًا من حيث يحِلّ لكم، فأما أن يأكل مال غيره فهو حلال في جنسه، ولكن ليس يحلّ له أكله، فهو حلال وليس مما يطيب له. وقوله تعالى: {وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ} قال ابن السِّكِّيت فيما رواه عن اللحياني: الخُطوة والخَطْوة بمعنى، وحكى عن الفراء: خَطَوْتُ خَطْوَةً، والخَطْوَة ما بين القدمين. وقالوا: خطوتُ خُطوةً، كما قالوا: حَسَوتُ حَسْوَةً، والحُسْوة: اسم ما تحسيت، وكذلك غَرفتُ غَرْفةً، والغُرفة: اسم ما اغترفت (¬3). وإذا كان كذلك، فالخطوة: المكان المتخطى، كما أن الغرفة: المغترَفة بالكف، فيكون المعنى: لا تتبعوا سبيله، ولا تسلكوا طريقه، لأن الخطوة: اسم مكان، وهذا قول عبد الله ¬
ابن مسلم (¬1) والزجاج (¬2)، فإنهما قالا: خُطواتُ الشيطان: طُرُقُه. وإن جعلت الخُطوة بمعنى: الخَطوة كما ذكره اللحياني، فالتقدير: لا تأتموا به، ولا تَقْفُوا أَثَرَه. والمعنيان يتقاربان وإن اختلف التقديران (¬3)، وهذا قول المؤرِّج. قال: خطوات الشيطان: آثاره (¬4). وقال الوالبي عن ابن عباس: خُطوات الشيطان: عمله (¬5)، وهذا على أن يكون الخُطوة بمعنى الخَطوة، وخَطوة الشيطان: عمله. وقال الكلبي (¬6) والسُّدّي (¬7): يعني: طاعته، وهذا على أنَّ من اقتدى بإنسان واتبع خطاه فقد أطاعه، يريد: لا تطيعوا الشيطان (¬8). وفي الخطوات قراءتان: ضَمُّ العين وإسكانها (¬9)، فمن ضم العين فلأن الواحدة خُطوَة، فإذا جمعتَ حركتَ العينَ للجمع، كما فعلت ¬
بالأسماء التي على هذا الوزن، نحو: غُرْفَة وغُرُفات (¬1)، وتحريك العين في نحو هذا الجمع فصل بين الاسم والصفة (¬2)، وذلك أن ما كان اسمًا جمعته بتحريك العين، نحو: تمرة وتمرات، وغرفة وغرفات، وشهوة وشهوات. وما كان نعتًا جمع بسكون العين، نحو: ضَخْمَة وضَخْمَات، وعَبْلَة وعَبْلات، والخطوة من الأسماء لا من الصفات، فتجمع بتحريك العين. وأما من أسكن العين، فإنهم نووا الضمة، وأسكنوا الكلمة عنها؛ لثقل الضمة، وحذفوها من اللفظ وهم يقدرون ثباتها، ولا يجوز أن يكون جمع فعلة، فتركوها في الجمع على ما كان عليه في الواحد؛ لأن ذلك إنما يجئ في ضرورة الشعر، دون حال السعة والاختيار، كما قال ذو الرُّمَّة: ورَفْضاتُ الهوى في المفاصل (¬3) وإذا كان كذلك، علمتَ أنهم أسكنوا تخفيفًا وهم يريدون الضمة، لأنّ تحريكَ العين فصلٌ بين الاسم والصفة كما ذكرنا، فلا بد من أن يكون التحريك الذي يختصّ بالأسماء دون الصفات منويًّا هاهنا (¬4). ووجه آخر لمن سكن: وهو أنه أجرى الواو في خُطْوَة مجرى الياء في نحو: مُدْيَة وكُلية وزُبية، فإنها تجمع بإسكان العين، فيقولون: مُدْيات وكُلْيات. وذلك أنهم لو جمعوا بتحريك العين؛ للزم انقلاب الياء واوا ¬
169
لانضمام ما قبلها، فلما لزم الإسكان في الياء جَعَل من أسكن خطوات الواو بمنزلة الياء، كما جعل الياء بمنزلة الواو (¬1) في قولهم: اتَّسَرُوا (¬2)، ألا ترى أن التاء لا تكاد تبدل من الياء، وإنما يكثر إبدالها من الواو، وانما أبدلوها في اتَّسَرُوا لإجراء الياء مجرى الواو (¬3). وقوله تعالى: {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} قال المفسرون: قد أبان عداوته لكم بإبائه السجود لآدم، وهو الذي أخرجه من الجنة (¬4)، فعلى هذا (مبين): من أَبَان العداوة: إذا أظهرها. ويجوز أن يكون المبين بمعنى: الظاهر هاهنا؛ لأنّ (أبان) يتعدى، ولا يتعدى (¬5). ثم بين عداوة الشيطان فقال: {إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ} الكلام في إنما نذكره في قوله: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ} [البقرة: 173]. 169 - وقوله تعالى: {بِالسُّوءِ} قال الليث: يقال: ساء الشيءُ يسوء فهو سيّئ، إذا قَبُحَ (¬6)، والسوء: الاسم الجامع للآفات والداء. وقال غيره: يقال: ساءه يَسُوءه سَوءًا ومساءةً، والسُّوء الاسم، بمنزلة الضُّرّ وهو كل ما يسوء صاحبه في العاقبة (¬7)، وذكرنا الكلام في (ساء) ¬
عند قوله: {وَسَاءَ سَبِيلًا} [النساء: 22]، والفصل بين السَّوء والسُّوء نذكره في سورة التوبة، عند ذكر اختلاف القراء في قوله: {دَائِرَةُ السَّوْءِ} [التوبة: 98] إن شاء الله. وقوله تعالى: {وَالْفَحْشَاءِ} اسم على ما قَبُحَ من الفعل والقول، كالفاحشة (¬1). قال الليث: الفحشاء: اسم الفاحشة، وكل شيء تجاوز قَدْرَه فهو فاحش، وكلُّ أمرٍ لا يكون موافقًا للحق فهو فاحشة وفحشاء. ويقال: فَحُش الرجل يفحُش صار فاحشًا، وأفحَشَ [قال] قولًا فاحشًا (¬2). قال عطاء عن ابن عباس: السوء: عصيان الله، والفحشاء: البُخل (¬3)، وقال في رواية باذان: السوء من الذنوب: ما لا حدّ فيه في الدنيا، والفحشاء: كل ما كان فيه حدّ (¬4). {وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} من تحريم الحرث والأنعام (¬5). قال ابن عباس: يريد: المشركين وكفار أهل الكتاب (¬6). ¬
170
170 - قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ} قال ابن عباس: نزلت في اليهود، وذلك حين دعاهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الإسلام، فقالوا: نتبع ما وجدنا عليه آباءنا فهم كانوا خيرًا وأعلم مِنِّا (¬1). فعلى هذا، الآية مُستأنفة، والكناية في لهم عن غير مذكور. وقال الضحاك، عن ابن عباس: نزلت في كفار قريش (¬2)، والكناية تعود إلى (من) في قوله: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ} [البقرة: 165] (¬3). وقال آخرون: نزلت في الذين حرّموا على أنفسهم من الحرث والأنعام (¬4)، والكناية ترجع إلى (الناس) في قوله: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ} [البقرة: 168] عدل عن المخاطبة إلى الغيبة (¬5). وقوله تعالى: {أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ} إلى آخر الآية، معناه: أيتبعون آباءهم وإن كانوا جهالًا، فترك جواب لو لأنه معروف (¬6)، والتقدير: أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئًا ولا يهتدون يتبعونهم (¬7)؟ ¬
171
والواو في أَوَلو واو العطف دخلت عليها ألف الاستفهام المنقولة إلى معنى التوبيخ (¬1)، وإنما جعل ألف الاستفهام للتوبيخ؛ لأنه يقتضي ما الإقرار به فضيحة كما يقتضي الاستفهام الإخبار عن المستفهم عنه. وفي هذا حجة عليهم، كأنه قيل: إذا جاز لكم أن تتبعوا آباءكم فيما لا تدرون أعلى حق هم فيه أم باطل؟ فأنتم كمن قال: نتبعهم وإن كانوا على باطل، وهذا غاية الفضيحة (¬2). والآية تضمنت النهي عن التقليد؛ لأن الله تعالى أنكر عليهم متابعة آبائهم، وأمر بمتابعة العقل والهدى (¬3). وقوله تعالى: {لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا} لفظه عام ومعناه الخصوص؛ لأنهم كانوا يعقلون أمرَ الدنيَا، ومعناه: لا يعقلون شيئًا من أمر الدين (¬4). قال عطاء عن ابن عباس: لا يعقلون عظمةَ الله، ولا يهتدون إلى دينه (¬5). 171 - قوله تعالى: {وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ} الآية، قال أهل اللغة، الفراء وغيره: النعيق: دعاء الراعي الشاة، يقال: انعَقْ بضَأنِك، أي: ادعُها، وقد نَعَقَ يَنْعِقُ نعيقًا ونَعْقًا ونَعْقانًا ونُعاقًا، إذا صاح بالغنم زجرًا، قال الأخطل: ¬
فانعِقْ بِضَأْنِك يا جريرُ فإنما ... مَنَّتْكَ نَفْسُك في الخَلَاء ضَلالا (¬1) (¬2) وللعلماء من أهل التأويل في هذه الآية طريقان: أحدهما: تصحيح المعنى بإضمار في الآية. والثاني: إجراء الآية على ظاهرها من غير إضمار (¬3). فأما الذين أضمروا فقد اختلفوا، فقال الأخفش (¬4) والزجاج (¬5) وابن قتيبة (¬6): تقدير الآية: ومثلك يا محمد، ومثل الذين كفروا في وعظهم ودعائهم إلى الله عز وجل؛ فَحَذَف أحدَ المثلين اكتفاءً بالثاني، كقوله: {سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ} [النحل: 81]، وعلى هذا التقدير: شبه الكفار بالبهائم، وشبه داعيهم بالذي يصيح بها، وهي لا تعقل شيئًا. وقال الفراء (¬7) في هذه الآية قولين: أحدهما: أن تقدير الآية: ومثل واعظ الذين كفروا كمثل الذي ينعق بالغنم، فحذف كما قال: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} [يوسف: 82]، أي: أهلها (¬8). ¬
والقول الثاني: أن معنى الآية: ومثل الذين كفروا في قلة عقلهم وفهمهم عن الله عز وجل وعن رسولهِ كمثل المنعوقِ به من البهائم، التي لا تفقه من الأمر والنهى غير الصوت، فيكون المعنى للمنعوق به (¬1)، والكلام خارج على الناعق، وهو جائز عند العرب، يقلبون الكلام لاتضاح المعنى عندهم، فيقولون: اعرض الحوض على الناقة، وإنما هو: اعرض الناقة على الحوض، وأنشد: كانت فريضة ما تقول كما ... كان الزناءُ فريضةَ الرجم (¬2) أراد: كما كان الرجمُ فريضةَ الزنا. وعلى هذا حُمِل قوله تعالى: {مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ} [القصص: 76]، المعنى: أن العُصْبَةَ تنوء بالمفاتح (¬3). واعترض ابن قتيبة على هذا القول بأن قال: لا يجوز لأحد أن يحكم بهذا على كتاب الله، لأن الشاعر يقلب اللفظ ويزيل الكلام عن الغلط، على (¬4) طريق الضرورة للقافية، أو لاستقامة الوزن، والله تعالى لا يغلط ولا يُضطر. هذا كلامه (¬5). ¬
وقول الفراء صحيح وإن أنكره ابن قتيبة، موافق لمذاهب العرب في فنون مخاطباتها، فإنهم يفعلون الشيء للضرورة، ثم يصير وجهًا ومذهبًا لهم في الكلام، حتى يجيزوه وإن لم تدع إليه ضرورة. وعلى هذا الطريق أراد: بما لا يسمع إلا دعاءً ونداءً: البهائم التي لا تعقل ولا تفهم ما يقول الراعي، إنما تسمع صوتًا ولا تدري ما تحته، لو قال لها: كلي واشربي لم تقف على معنى قوله، فالذين كفروا يسمعون كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - وهم كالغنم، إذ كانوا لا يستعملون ما يأمرهم به، ولا ينتهون عما نهاهم عنه. وهذا قول ابن عباس (¬1) وعكرمة ومجاهد وقتادة وعطاء والربيع (¬2) والسدي (¬3). والطريق الثاني في الآية: هو أن معناها: ومثل الكفار في قلة فهمهم وعقلهم، كمثل الرعاةِ يكلمون البَهم والبهم لا تعقل عنهم، وعلى هذا التفسير لا تحتاج الآية إلى إضمار (¬4). وقال عبد الرحمنُ بن زيد: معنى الآية: ومثل الذين كفروا في دعائهم الأصنام وعبادتهم الأوثان، كمثل الرجل الذي يصيح في جوف الجبال، فيجيبه منها صوت يقال له: الصدى، يجيبه ولا ينفعه (¬5)، وتقدير الآية على ¬
هذا القول: ومثلهم في عبادتهم الأصنام كمثل الناعق بشيء لا يسمع منه الناعقُ إلا دعاءه ونداءه؛ لأن الصدى هو صوته عاد إليه، وذلك أنه إذا قال: يا زيد، سمع من الصدى يا زيد، وليس وراء القول شيء، إلا أنَّ يخيل إليه أن مجيبًا يجيبه، فيقول: يا زيد، وليس فيه فائدة. فكذلك يخيل إلى هؤلاء المشركين أن دعاءهم للأصنام يستجاب، وليس لذلك (¬1) حقيقة ولا فيه فائدة، والسمع على هذا في قوله: (لا يسمع) منفي عن الناعق لا عن المنعوق به (¬2). قال ابن الأنباري: ويجوز على هذا القول أيضًا: أن يكون السمع منفيًا عن المنعوق به، فيكون المعنى: كمثل الذي ينعق بما لا يسمع ألبتة (¬3). والدعاءُ والنداءُ ينتصبان بـ (ينعق)، و (إلا) توكيد هاهنا، معناها السقوط، كقول الفرزدق: هم القوم إلا حيث سلّوا سيوفهم ... وضَحَّوا بلحم من مُحِلٍّ ومُحرِمِ (¬4) معناه: هم القوم حيث سلّوا سيوفهم (¬5). انتهى كلامه. والتقدير الأول في هذا المعنى أولى مما ذكره أبو بكر؛ لأن السمع إذا كان منفيًّا عن المنعوق به لم يكن للجبل اختصاص بالنعيق به؛ لأن غير الجبل من القفار والرمال والأشجار لا يسمع ألبتة أيضًا، وفي نفي السمع ¬
172
عن الناعق للجبل اختصاص؛ لأن الصدى إنما يجيب من الجبل، فلهذا كان نفي السمع عن الناعق في هذا القول، أولى من نفيه عن المنعوق به، ولأنه أَلْغى (إلا)، وهو شاذ قليل في الاستعمال، ومهما أمكن استعمال حرف في معنى، أولى من إلغائه (¬1). وجمهور أهل التأويل على ما ذكرنا أولًا؛ لأن المشهور في كلام العرب أن النعيقَ صوتُ الراعي بالغنم، فإن حمل على غيره من الأصوات لم يكن حقيقة فيه. 172 - وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} قال المفسرون: هذا أمرُ إباحةٍ لا ندبٍ، ولا إيجابٍ (¬2)، وأراد بالطيبات: الحلالات من الحرث والنعم وما حرمه المشركون على أنفسهم منها (¬3)، وذكرنا لم سُمّي الحلال طيبًا. وقوله تعالى: {وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} أراد: إن كانت العبادة لله واجبة عليكم بأنه إلهكم، فالشكر له واجب بأنه محسن إليكم، فمعنى الشرط هاهنا: المظاهرة في الحجاج (¬4). 173 - ثم بين أن المحرَّم ما هو (¬5)، فقال عز من قائل: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ} الآية. {إِنَّمَا} تكون على وجهين (¬6): ¬
أحدهما: أن تكون حرفًا واحدًا، وما بعده من الأفعال يكون عاملًا في الأسماء على حسب عمله، فتقول: إنما دخلت دارَك، وإنما أعجبتني دارُك، وإنما مالي مالُك. والوجه الآخر: أن تكون حرفين: ما منفصلة عن إنّ، وتكون بمعنى الذي (¬1)، وإذا (¬2) كان كذلك وصلتها بما توصل به (الذي)، ثم ترفع الاسم الذي يأتي بعد الصلة، كقولك: إنّ ما أخذت مالُك، وإنّ ما ركبتُ دابتُك، وفي التنزيل كثيرًا ما أتى على الوجهين: كقوله (¬3): {إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ} [النساء: 171]، {إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ} [هود: 12]، فهذه حرفٌ واحد؛ لأن (الذي) لا يصلح في موضع (ما). وأما التي (¬4) في مذهب (الذي) فقوله: {إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ} [طه: 69]، ولو نصب كيدَ ساحر على أن تجعل (إنما) حرفًا واحدًا كان صوابًا، وقوله تعالى: {وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ} [العنكبوت: 25]، تنصب المودة وترفع، على ما ذكرنا من الوجهين، هذا كله قول الفراء (¬5). وقال الزجاج: {إِنَّمَا} إذا جعلته كلمةً واحدةً كان إثباتًا لما يذكر بعده ونفيًا لما سواه، فقوله تعالى: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ} معناه: ما ¬
حرم عليكم إلا ما ذكر، كقول الشاعر: وإنما يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي (¬1) المعنى: ما يدافع عن أحسابهم إلا أنا أو مثلي، وإنما صارت كلمة إنما إثباتًا للشيء ونفيًا لما سواه؛ لأن كلمة (إنّ) للتوكيد في الإثبات، و (ما) تكون نفيًا، وإذا قال (¬2) القائل: إني بشرٌ، فالمعنى: أنا بشرٌ على الحقيقة، وإذا قال: إنما أنا بشرٌ، كان المعنى: ما أنا إلا بشرٌ (¬3). والميتة: ما فارقته الروح من غير ذكاة مما يُذبح (¬4). وتحريم الميتة مخصوص بالسنة لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "أُحِلّتْ لنا ميتتان" (¬5). ¬
وكذلك الدم يخصه قوله تعالى: {أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا} [الأنعام: 145]، فقيد هناك، وأطلق هاهنا، والمطلق يحمل على المقيد (¬1)، وقولُه - صلى الله عليه وسلم -: "وَدَمَان" وكانت العرب تجعل الدَّمَ في المباعر، وتشويها ثم تأكلها (¬2)، فحرّم الله تعالى الدم. وقوله تعالى: {وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ} أراد: الخنزيرَ بجميع أجزائه، وخص اللحم؛ لأنه المقصود بالأكل (¬3)، {وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ} أبو عبيد: قال الأصمعي: الإهلال أصله: رفع الصوت، وكل رافع صوتَه فهو مُهِلّ، قال ابن أحمر (¬4): ¬
يُهِلُّ (¬1) بالفَرْقَدِ رُكْبَانُها ... كمَا يُهِل الراكبُ المُعْتَمِرْ (¬2) هذا معنى الإهلال في اللغة، ثم قيل للمُحْرِم: مُهِل، لرفعه الصوت بالتلبية، يقال: أهَلّ فلانٌ بحَجَّةٍ أو عُمْرةٍ، أي: أحْرَم بها؛ وذلك لأنه يرفع الصوت بالتلبية عند الإحرام، والذابحُ مُهِلّ، وذلك لأنه كان يسمي الأوثان عند الذبح، ويرفع صوته بذكرها (¬3). فمعنى قوله: {وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ} قال ابن عباس: يعني: ما ذبح للأصنام (¬4)، وهو قول مجاهد (¬5) والضحاك (¬6) وقتادة (¬7). وقال الربيع (¬8) وابن زيد (¬9): يعني: ما ذكر عليه غير اسم الله عز وجل. ¬
قال الكلبي (¬1): وإن ذبحه مسلم لم يحل أكله، وقال أهل العلم: لو أن مسلمًا ذبح ذبيحة وقصد بذبحها التقرب إلى غير الله صار مرتدًّا، وذبيحته ذبيحة مُرتد (¬2). وهذا الحكم في غير ذبائح أهل الكتاب، وذبائحهم تحل لنا، لقوله تعالى: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ} [المائدة: 5] (¬3). وقوله تعالى: {فَمَنِ اضْطُرَّ} أي: أُحْوِجَ وألجئ، وهو افتُعِل من الضرورة، قال الأزهري: معناه ضُيق عليه الأمر بالجوع، وأصله: من الضرر وهو الضيق (¬4). وقرئ: برفع النون وكسرها في {فَمَنِ اضْطُرَّ} (¬5) فمن رفع فللإتباع، ومن كسر فعلى أصل الحركة. لالتقاء الساكنين (¬6). وفي الآية إضمار، معناه: فمن اضطر إلى شيء مما ذكرنا أنه محرّم، ويدخل تحت قوله: {اضْطُرَّ}: أن يحوج إليه لبؤس، أو يضطر (¬7) أو يُكره عليه لخوف، والإكراه مذهب مجاهد (¬8). ¬
وقوله تعالى: {غَيْرَ بَاغٍ} يصلح أن يكون {غَيْرَ} حالًا للمضطر، ولا يصلح أن يكون استثناءً؛ لأن {غَيْرَ} هاهنا بمعنى: النفي؛ ولذلك عطف عليها بلا؛ لأنها في معنى لا (¬1). قال الفراء: (غير) في هذا الموضع حال للمضطر، كأنك قلت: فمن اضطر لا باغيًا ولا عاديًا فهو له حلال (¬2). وقوله: {بَاغٍ} أصل البغي في اللغة: الفساد وتجاوز الحد، قال الليث: البغي في عدو الفرس: اختيال ومرح، وإنه ليبغي في عدوه. ولا يقال: فرس باغ، والبغي: الظلم والخروج عن النَّصَفة، ومنه قوله تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ} [الشورى: 39]. الأصمعي: يقال: بغى الجرح يبغي بغيًا: إذا ترامى بالفساد، وبغت السماء: إذا كثر مطرها حتى تجاوز الحد. الفراء: يقال للجرح إذا تورّم واشتد: بغى يبغي بغيًا، وبَغَى الجرح والبحر والحساب سواء: إذا طغى وزاد (¬3). وقوله تعالى: {وَلَا عَادٍ} العدْو: هو التعدي وتجاوز ما ينبغي له أن يقتصر عليه، يقال: عدا عليه عَدْوًا وعُدُوًّا وعُدْوانًا وعدًا واعتداءً وتعديًا: ¬
ظلمه ظلمًا مجاوزًا للقدر، وعدا طورَه: جاوز قدره (¬1) ولأهل التأويل في قوله: {غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ} طريقان (¬2): أحدهما وهو قول ابن عباس في رواية عطاء: غير باغ على المسلمين، ولا عاد عليهم (¬3). وهذا قول مجاهد (¬4)، وسعيد بن حُبَير (¬5)، والضحاك (¬6)، والكلبي (¬7) قالوا: غير قاطع للطريق، ولا مفارق للأئمة، مُشاقّ للأمة. وعلى هذا التأويل كل من عصى بسفره لم يحل له أكل الميتة عند الضرورة؛ لأنه باغ عاد، وهو مذهب الشافعي (¬8) رحمه الله، قال: إن ¬
الإباحة إعانة له على فساده وظلمه، ولكن يتوب ويستبيح (¬1). والثاني: أن هذا البغي والعدوان يرجعان إلى الأكل، ومعناه: غير آكلها تلذُّذًا من غير اضطرار، {وَلَا عَادٍ} ولا مجاوز ما يدفع به عن نفسه الجوع، وهذا قول السدي (¬2). وقال الحسن (¬3)، وقتادة (¬4)، والربيع (¬5)، وابن زيد (¬6): (غير باغ) بأكله من غير اضطرار، ولا (عاد) يتعدى الحلال إلى الحرام، فيأكلها وهو غني عنها. وعلى طريقة هؤلاء يُباح للعاصي بسفره تناول الميتة عند الضرورة، وهو مذهب أهل العراق (¬7). والتأويل الأول أولى؛ من حيث اللفظ والمعنى. ¬
أما اللفظ: فرجوع البغي والعدوان إلى حال المضطر أولى من رجوعهما إلى أكله، وهو المفهوم من اللفظ؛ لأنه لم يسبق للأكل ذكر حتى يكون البغي والعدوان صفةً له، راجعًا إليه، ومثله من الكلام أن يقال: قد حرم الأمير ركوب الخيل، ولبس السلاح، فمن أُحوِج (¬1) غير فارٍّ ولا ذاهبٍ فلا حرج عليه، فالذي يسبق إلى الوهم من هذا، ويليق باللفظ، أن معناه: غير فار بنفسه ولا ذاهب، وأن الفرار والذهاب يعود إلى نفس المضطر، لا إلى شيء سواه. وَوِزان التأويل الثاني من هذا الكلام: أن يكون المعنى: غير فار بسلاحه، ولا ذاهب به. وأما من حيث المعنى: فإن نفس المؤمن يعاف الميتة والدم، ويستقذرهما (¬2) استقذارا يمنعه من أكلهما؛ ولهذا لا يقام الحد على آكلهما، لأنه لم يحتج في الزجر عنهما إلى الحد، لا كالخمر فإن لها دواعي من النفس، وإذا كان كذلك فليس يتجاوز أحدٌ في أكل الميتة قدر التشبع عند الضرورة، ولا يتعدى الحلال الذي معه، فيأكلها تلذذًا من غير أن يَرِدَ بهذا نهي، وإن جاز ورود النهي تأكيدًا؛ فلهذين الوجهين: قلنا إن التأويل الأول أولى. وقوله تعالى: {إِنَّ الله غَفُوُرُ} أي: للمعاصي، وفيه إشارة إلى أنه إذا كان يغفر المعصية فإنه لا يأخذُ بما جعل فيه الرخصة. {رَحِيمٌ} حيث رَخَّصَ للمضطر في أكل الميتة (¬3). ¬
174
174 - قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ} الآية. قال ابن عباس: نزلت في رؤساء اليهود (¬1). وقوله تعالى: {وَيَشْتَرُونَ بِهِ} يجوز أن تعود الكناية إلى الكتمان، والفعل يدل على المصدر، ويحتمل أن تعود الكناية إلى {مَا أَنْزَلَ اللَّهُ}، ويجوز أن تعود إلى المكتوم مما أنزل الله (¬2). ومعنى قوله: {وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا} كقوله: {تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا} [البقرة: 41]. وقد مرّ. وقوله: {مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ} ذكر البطن هاهنا زيادة بيان؛ لأنه يقال: أكَلَ فلانٌ المال: إذا بَذَّرَه وأَفْسَدَه (¬3). ¬
175
وقوله تعالى: {إِلَّا اَلنَّارَ} أي: إلا ما هو عاقبته النار، كما روي في حديث الشارب من آنية الفضة: "إنما يجرجر في بطنه نار جهنم" (¬1) وكقوله: {إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا} [النساء: 10]؛ وقوله: {إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا} [يوسف: 36]، أي: عنبًا، فسماه باسم ما يؤول إليه (¬2). وقوله: {وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ}. قال المفسرون: أي: لا يكلمهم كلاما ينفعهم ويسرهم، فأما التهديد والمناقشة فقد تكون. وقيل: معناه: أنه يغضب عليهم؛ لأن ترك التكليم علامة الغضب. وقيل: لا يرسل إليهم الملائكة بالتحية (¬3). {وَلَا يُزَكِّيهِمْ}: لا يطهرهم من دنس ذنوبهم، ولا يثني (¬4) عليهم (¬5). 175 - قوله تعالى: {فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ} معنى الفاء هاهنا: الجواب لما تقدم، وذلك أن ما قبله من الكلام وهو قوله: {أُولَئِكَ الَّذِينَ ¬
اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ} ثم قال: {فَمَا أَصْبَرَهُمْ}، كأنه قال: من كان بهذه الصفة فما أصبرهم على النار، فعومل معاملة المعنى الذي تضمنه حتى كأنه قد لفظ به. فأما المعنى: ففيه وجهان لأهل التأويل (¬1): أحدهما: أن (ما) هاهنا تعجب (¬2)، كقولهم: ما أحسن زيدًا. فما: رفع بالابتداء، وأحسن: فعل ماض، وهو خبر الابتداء، وفيه ضمير يرجع إلى ما وهو فاعل أحسن، وزيدًا (¬3): نصب (¬4) بأحسن، والتقدير: شيء أحسن هو زيدًا؛ وخُصَّتْ لفظة ما بالتعجب لإبهامها، وهي واقعة على الشيء الذي تتعجب منه، وذلك الشيء ليس مما يعقل (¬5). فإن قيل: قد قلتم: إن (ما) استعمل لإبهامها، فهلا استعمل (الشيء) إذ كان أبهم الأشياء؟ قيل: إن الشيء ربما يستعمل للتقليل، فلو قلت: شيء حسَّن زيدًا، لجاز أن يعتقد أنك تقلل المعنى الذي حسن زيدًا، وأيضًا: فإن الغالب في قولك: شيء حسّن زيدًا، أنه خبر عن معنى مستقر، وما يتعجب منه، فحقه أن يبهرك في الحال، فأما ما قد استقر وعرف فلا (¬6) يجوز التعجب منه، ¬
ومعنى التعجب: تَغَيُّر النفسِ لما يَرِدُ عَليها مما (¬1) جُهِل سَبَبُهُ جدًّا، ونقل لفظ الفعل في التعجب من الثلاثي إلى الرباعي؛ لأنا ذكرنا أن التقدير: شيء أحسن زيدًا، فصار زيد مفعولًا لغيره، ولهذا انتصب المتعجب منه؛ لأنه مفعول في الحقيقة، والدليل على أنَّ أحسن هاهنا فعل: لزومُ الفتحِ آخره (¬2). ولو كان اسمًا لوجب أن يرتفع؛ إذ كان خبر المبتدأ، فلما لزمه الفتح دل على أنه فعل ماض. وقد يصغَّرُ فعلُ التعجب، فيقال: ما أُحَيْسِنَ زيدًا، كقول الشاعر: يا ما أُمَيْلح غزلانًا (¬3) شدنّ (¬4) لنا (¬5) وتصغيره لا يدل على أنه اسم، وذلك أن فعل التعجب قد لزم طريقةً واحدةً، فجرى في اللفظ مجرى الأسماء، فأدخلوا عليه التصغير تشبيهًا بالاسم، وليس يجب أن يكون الشيء إذا حمل على غيره لشبه بينهما أن يُخرج من جنسه، ألا ترى أن اسم الفاعل قد أُعمل عمل الفعل ولم يخرج من أن يكون اسمًا، وكذلك الفعل أعرب؛ لشبهه بالاسم ولم يخرجه ذلك من أن يكون فعلًا، فكذلك فعل التعجب وإن صُغِّر تشبيهًا بالاسم؛ لم يجب أن يكون اسمًا (¬6). فقد بان بما ذكرنا أن قوله: {فَمَا أَصْبَرَهُمْ} إذا ¬
قلنا: إنه تعجب، فعل منقول من الثلاثي إلى الرباعي، والهاء والميم في محل النصب بوقوع الفعل عليه. قال ابن الأنباري: ويكون أصبر ههنا بمعنى: صبّر (¬1)، وكثيرًا ما يكون أفعل بمعنى فعّل، نحو: أكرم وكرّم، وخبّر وأخبر، فهذا الذي ذكرنا بيان معنى التعجب وفعله. فأما التفسير على هذه الطريق: فقال المؤرّج: معناه: فما أصبرهم على عمل يؤديهم إلى النار (¬2)، أو على عمل أهل النار (¬3) وهو قول الكسائي وقطرب (¬4). وقال أحمد بن يحيى: الصبر معناه هاهنا (¬5): الجرأة، أي: ما أجرأهم على أعمال أهل النار (¬6). وهذا قول الحسن (¬7) وقتادة (¬8) والربيع (¬9). ¬
قال الفراء: وهذه لغة يمانية، وحكى عن الكسائي قال: قال لي قاضي اليمن: اختصم إليَّ رجلان، فحلف أحدهما على حق صاحبه، فقال له الآخر: ما أصبرك على الله عز وجل (¬1)! قال الفراء: ففي هذا وجهان: أحدهما: ما أجرأك على الله، والثاني: ما أصبرك على عذاب الله، كما تقول (¬2): ما أشبه سخاءك بحاتم، أي: بسخاء حاتم، فتقيم حاتم مقام السخاء (¬3). قال أهل المعاني: وإنما جاز استعمال الصبر بمعنى الجرأة؛ لأن الصبر حبس النفس على الشدة، والجريء يصبِّر نفسه على الشدة، فلما كانت الجرأة تقتضي الصبر سميت به. وقال السدي: هذا على وجه الاستهانة (¬4) (¬5)، وقد تقول في الكلام لمن تعرف ضعفه، تستخف به: ما أقواك على هذا الأمر! وقيل: أراد ما أبقاهم في النار، وما أطول مكثهم فيها، كما يقال: ما أصبر فلانًا على الضرب والحبس، أي: ما أبقاه فيهما (¬6). قال عطاء عن ابن عباس: لم يرد أنهم حين دخلوا النار صبروا عليها، ¬
ولكنه يريد: فما أعملهم بأعمال أهل النار (¬1). قال أصحاب المعاني: ومعنى التعجب من الله أنه يُعجِّب المخلوقين، ويدلُّنا على أنهم قد حلّوا محلّ من يتعجب منه (¬2)، ولا يجوز على الله التعجب؛ لأنا قد ذكرنا أن التعجب إنما هو مما لا يعرف سببه، والله تعالى عالم لا يخفى عليه شيء (¬3). الوجه الثاني من التأويل: أن (ما) في هذه الآية استفهام يتضمن التوبيخ، معناه: ما الذي صبرهم؟، وأي شيء صبرهم على النار حين تركوا الحق واتبعوا الباطل؟ وهذا قول عطاء (¬4) وابن زيد (¬5)، وقد ذكرنا عن ابن ¬
176
الأنباري أصبر بمعنى صبّر. وقيل: معناه: أيُّ: شيء غرّهم من النار أنهم يصبرون عليها؟. 176 - قوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ} {ذَلِكَ} إشارة إلى قوله {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [البقرة: 174] معناه: ذلك العذاب لهم بأن الله نزل الكتاب بالحق فاختلفوا فيه، فأضمر: فاختلفوا فيه (¬1). و {الْكِتَابَ} هو التوراة، واختلافهم فيه: إيمانهم ببعض وكفرهم ببعض (¬2). ويجوز أن يريد: القرآن، واختلافهم فيه (¬3): قولهم: إنه كهانة، وسحر، ورجز، وأساطير الأولين (¬4). وقال بعضهم: معنى: {ذَلِكَ} أي: فعلهم الذي يفعلون من الكفر، والاجتراء على الله عز وجل من أجل أن الله نَزَّل الكتاب بالحق. وتنزيله الكتاب بالحق: هو إخباره عنهم بقوله: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ}. إلى قوله {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ} [البقرة:6 - 7] (¬5). وقوله تعالى: {وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ} أي: فآمنوا ببعض ¬
177
وكفروا ببعض (¬1). وإن قلنا: الكتاب هو القرآن، فقال ابن عباس: يريد اختلفوا فيما أنزلت عليك (¬2). وذكرنا حقيقة معنى الاختلاف عند قوله: {وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَار} [البقرة: 164] (¬3). وقوله تعالى: {لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ} ذكرنا معنى (شقاق) عند قوله: {فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [البقرة: 137]. ومعنى {لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ}: لفي خلاف طويلٍ (¬4)، ويقال: معناه: بعيدٍ عن الألفة بالاجتماع على الصواب (¬5). 177 - قوله تعالى: {لَيْسَ الْبِرَّ} قرئ (البرُّ) رفعًا ونصبًا (¬6)، وكلتا القراءتين حَسَن؛ لأن اسم ليس وخبرها، اجتمعا في التعريف، فتكافآ في كون أحدهما اسمًا، والآخر خبرًا، كما يتكافأ النكرتان. وحجة من رفع (البر): أن اسم {لَيْسَ} مشبهة بالفاعل وخبرها بالمفعول، والفاعل أن يلي الفعل أولى من المفعول، كما تقول: قام زيد، فيلي الاسم الفعل، وإذا ¬
قدمت المفعول كان النيةُ به التأخير، كما تقول: ضرب غلامَه زيدٌ (¬1). ومن نصب البر، ذهب إلى أن بعض النحويين قال: أَنْ مع صلتها أولى أن تكون اسم ليس؛ لشبهها بالمضمر، في أنها لا توصف كما لا يوصف المضمر، وكان هاهنا اجتمع مُضْمَرٌ ومظهر، والأولى إذا اجتمعا أن يكون المُضْمَرُ الاسم، من حيث كان أذهب في الاختصاص من المظهر، فكذلك إذا اجتمع (أن) مع مظهر غيره كان أن يكون (أن) (¬2) الاسم، والمظهرُ الخبرُ أولى (¬3)، وعلى هذا قرئ في التنزيل قوله: {فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (17)} [الحشر: 17]. وقوله تعالى: {وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا} [الأعراف: 82] {مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا} [الجاثية: 25]، والاختيار رفع البر؛ لأنه روي عن ابن مسعود أنه قرأ: ليس البرُّ بأن (¬4)، والباء تدخل في خبر ليس. واختلف المفسرون في هذه الآية على وجهين: فقال قتادةُ (¬5) والربيع (¬6) ومقاتل (¬7): عنى الله بهذه الآية: اليهود والنصارى، وذلك أن ¬
اليهود كانت تصلي قِبَلَ المغرب إلى بيت المقدس، والنصارى قِبَلَ المشرق، وزعم كل طائفة أن البر في ذلك، فأخبر الله تعالى أن البر غيرُ دينهم وعملهم، ولكنه ما بينه في هذه الآية. فقال ابن عباس (¬1)، ومجاهد (¬2)، والضحاك (¬3)، وعطاء (¬4): المراد به المؤمنون، وقد كان الرجل قبل الفرائض إذا شهد الشهادتين، وصلى إلى أي ناحية (¬5) كانت، ثم مات على ذلك، وجبت له الجنة، فلما هاجر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ونزلت الفرائض، وحُدَّتْ الحدود، وصرفت القبلة إلى الكعبة، أنزل اللهُ هذه الآية، فقال: ليس البرُّ كله أن تصلوا ولا تعملوا غير ذلك، ولكن البرَّ ما ذكر في الآية (¬6). وقوله تعالى: {وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ} {الْبِرَّ} مصدر، ولا يخبر عن المصادر بالأسماء ومَنْ اسم. واختلف النحويون وأهل المعاني في وجهه. وقال أبو عبيدة: البر، هاهنا، بمعنى: البار (¬7)، والفاعل قد يسمى بالمصدر، كما يسمى المفعول به، ومنه قوله تعالى {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ ¬
غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ} [الملك: 30]. أي: غائرًا. وقالت الخنساء: فإنما هي إقبال وإدبار (¬1) أي: مقبلة ومدبرة. وقال آخر: هَرِيقي مِنْ دمُوعهما سِجاما ... ضُباعَ وجَاوبِي نَوْحًا قيامًا (¬2) (¬3) أراد: نائحاتٍ قائماتٍ. ومثله قوله: {وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى} [طه: 132] أي: للمتقي. وحكى الزجَّاجُ أن معناه: ذا البر، فحذف (¬4)، كقوله: {هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ} [آل عمران: 163]، أي: ذوو درجات (¬5). وقال قطرب (¬6) والفراء (¬7): معناه: ولكن البرَّ برُّ من آمن، فحذف المضاف، وهو كثير في الكلام، كقوله: {وَأُشرِبُواْ فِى قُلُوبِهِمُ اَلعِجلَ} ¬
[البقرة: 93] و {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} [يوسف: 82] ويقولون: الجود حاتم، والشعر زهير، والشجاعة عنتر. وقال النابغة: وكيف تواصل من أصبحت ... خِلالتُه كأبي مرحب (¬1) قال الفراء: والعرب تخبر عن الاسم بالمصدر، وعن المصدر بالاسم، وتجعل الاسمَ خبرًا للفعل، والفعلَ خبرًا للاسم؛ لأنه أمر معروف المعنى عندهم (¬2)، وحكي عن العرب أنهم يقولون: إنما البِرُّ الصادقُ (¬3): الذي يصل رحمه، ويخفي صدقته، فيجعلون الاسم خبرًا للفعل، وأما الأفعال التي جعلت أخبارًا للأسماء، فقولُ الشاعر: لَعَمْرُك ما الفتيان أن تَنْبُتَ اللّحى ... ولكنما الفتيانُ كلُّ فَتًى نَدِيّ (¬4) فجعل نباتَ اللِّحى، وهو مصدر، خبرًا للفتيان (¬5). ¬
قال ابن الأنباري: ولا يجوز القياس على هذا، وإنما يستعمل في مثل هذا ما استعملته العرب، لا يجوزُ أن تقولَ: الرُّكوب عبد الله؛ لأن هذا (¬1) من المجاز، والمجاز لا يقاس بعضه على بعض، إلا أن يُوصفَ رجلٌ بحسن الركوب فيصير عَلَمًا فيه، فيقال فيه: الرُكوبُ عبدُ الله، كما يقال: الجُودُ حاتم، ولا يقاس على المشهور ما ليس بمشهور. قال أبو علي: ومثل هذه الآية قوله: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ}. ثم قال: {كَمَنْ آمَنَ} [التوبة:19]، وهذا على: أجعلتم أهل سقاية حاج كمن آمن أو أجعلتم سقاية الحاج (¬2) كإيمان من آمن، ليقع التمثيل بين حَدَثَيْن، أو بين فَاعِلَيْن، إذ لا يقع التمثيل بين (¬3) حدث وفاعل (¬4). وقوله تعالى: {وَالْكِتَابِ} يريد: الكُتُب، قاله ابن عباس (¬5). وقوله تعالى: {وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ} الأكثرون (¬6) على أن الكناية في الحب راجعة إلى المال، والتقدير (¬7): وآتى المال على حب (¬8) المال، ¬
فأضيف الحب إلى المفعول، كما تقول: اشتريت طعامي كاشتراء طعامك. قال ابن عباس (¬1) وابنُ مسعود (¬2): هو أن تؤتيه وأنت صحيح شحيح. وهذا التفسير يقوي رجوع الكناية إلى المال. وقال ابن الأنباري: يجوز أن تكون الهاء عائدة على {مَنْ} في قوله: {مَنْ آمَنَ} فيكون المصدر مضافًا إلى الفاعل، وتُرِكَ ذكرُ المفعول معه، لانكشاف المعنى. قال: ويجوزُ أن يعودَ إلى الإيتاء، أي: على حُب الإيتاء، (وآتى) يدل على الإيتاء؛ لأن الفعل يدل على المصدر، كقوله تعالى: {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا} [آل عمران: 180]، أي: البخل، كنى عنه؛ لأن (يبخلون) يدل عليه، ومثله قولُ القَطَامي: هُمُ الملوكُ وأبناءُ المُلوكِ هُمُ ... والآخذون به والسَّاسَةُ الأُوَلُ (¬3) أراد: والآخذون بالملك، ودلَّ (الملوكُ) عليه، فكنى عنه، وأنشد الفراء (¬4): ¬
إذا نُهي السفيهُ جرى إليه ... وخَالف والسفيهُ إلى خلاف (¬1) أي: إلى السفه، ويكون المعنى على هذا الوجه: لا يعطيه وهو متسخِّط، وهذا الوجْهُ اختيارُ الحسين بن الفضل (¬2). وقوله تعالى: {وَابْنَ اَلسَّبِيلِ} قال مجاهد: هو المنقطع من أهله يَمُرُّ عليك (¬3). وقال قتادة: هو الضيفُ ينزل بالرجل (¬4). قال أهل المعاني: كل مسافر من حاجٍّ وغازٍ وغيرهما، فهو ابن السبيل؛ لملازمته الطريق، وكل من لزم شيئا نسب إليه، فيقال للشجعان: بنو الحروب، وللناس: بنو الزمان؛ لأنهم لا يَنْفَكُّون منه، ولطيرِ الماءِ: ابنُ الماء، وهو كثير (¬5). وقوله تعالى: {وَفِى اَلرِّقَابِ} قال ابن عباس: يريد المكاتبين (¬6)، ويكون التقدير: وفي غزو الرقاب. ¬
وقيل: فداء الأسارى، وعتق النسمة، وفك الرقبة (¬1)، والرقاب: جمع الرقبة، وهو مُؤَخَّر أصل العنق، واشتقاقها: من المراقبة، وذلك أن مكانها من البدن مكان الرقيب المشرف على القوم؛ ولهذا المعنى يقال: أعتق الله رقبته، ولا يقال: أعتق الله عُنَقَه، لأنها لما سميت رقبةً كانت كأنها تراقب العذاب، ومن هذا يقال للتي لا يعيش لها ولد: رَقُوب؛ لأجل مراعاتها موتَ ولدِها (¬2). وقوله تعالى: {وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا} قال المفسرون: أراد: فيما بينهم وبين الله، وبينهم وبين الناس، إذا وعدوا أنجزوا، وإذا حَلَفُوا ونَذَروا وَفَّوا، وإذا قالوا صدقوا، وإذا ائتمنوا أدَّوا (¬3). ارتفع قوله: {وَالْمُوفُونَ} بالعطف على محل (مَنْ) في قوله: {مَنْ ¬
آمَنَ} وهو رفع؛ لأنه خبر لكن، كأنه: ولكن البر من آمن بالله والموفون، أو على المدح على أن يكون خبر ابتداء محذوف، تقديره: وهم الموفون (¬1). وقوله تعالى: {وَالصَّابِرِينَ} قال الكسائي: هو معطوف على ذوي القُربى، كأنه: وآتى المال على حبه ذوي القربي والصابرين (¬2). قال النحويون: إذا عطفت قوله: (والموفون) على الموصول وهو قوله: (من) لا يجوز أن يكون (الصابرين) مِنْ صلة (مَنْ) وقوله: (وآتى المال)، مِنْ صلة (مَنْ)، فإذا نصبت الصابرين بقوله: {وَآتَى الْمَالَ}، على ما ذكره الكسائي فقد جعلت {وَالْصَّابِرِينَ} من تمام الصلة، ولا يجوز هذا؛ لأنك قطعت ذلك الكلام بالعطف على (مَنْ)، حيث عطفت عليه قوله: {وَالْمُوفُونَ}، ولا يجوز العطف على الموصول حتى ينقضي بصلته، كما لا يؤكد ولا يوصف إلا بعد انقضائه بجميع صلته؛ لأن الموصول مع الصلة بمنزلة اسم واحد، ومحالٌ أن يوصف الاسم، أو يؤكد، أو يعطف عليه، ¬
إلا بعد تمامه وانقضائه بجميع أجزائه وما يتصل به، فلا يجوز إذن أن يكون {وَالصَّابِرِينَ} عطفا على قوله: {وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى}. واذا كان قوله: {وَالْمُوفُونَ} عطفا على الموصول؛ لأن قولَه: {وَالصَّابِرِينَ} على هذا من تمام الموصول، فلا يجوز الفصل بينه وبين الموصول بالمعطوف على الموصول، ألا ترى أنه لا يجوز أن تقول: مررت بالضاربين وقوم زيدًا، حتى تقدم زيدًا على القوم، وكذلك سبيل التأكيد والصفة، لو قلت: أعجبني كلامُكَ كلُّه زيدًا، أو أعجبني كلامُك الحسن زيدًا، لم يجز؛ لوصفك الاسم وتأكيدك قبل تمامه بما في صلته. وإن جعلت قوله: {وَالْمُوفُونَ} رفعًا على المدح على ما ذكرنا، لم يصح أيضا قول الكسائي؛ لأن الفصل بين الصلة والموصول يقع به إذا كان مدحًا، كما يقع إذا كان معطوفًا على الموصول، بل الفصل بينهما بالمدح أشنع؛ لكون المدح جملة، والجمل ينبغي أن تكون في الفصل أشنع بحسب زيادتها على المفرد (¬1). فإن قيل: أليس جاز الفصلُ بين المبتدأ والخبر بالجملة، كقول القائل: إن زيدًا -فافهم ما أقول- رجلُ صدقٍ، وكقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا} [الكهف: 30]. ثم قال: {أُولَئِكَ} ففصل بين المبتدأ والخبر بقوله: {إِنَّا لَا نُضِيعُ}؟ قيل: ليس الصلة مع الموصول كالمبتدأ مع الخبر؛ لأن اتصال كل واحد منهما بالآخر أشد من اتصال المبتدأ وخبره، لأن مجراهما مجرى حروف الاسم ¬
الواحد وأجزائه، وعلى حسب شدة الاتصال يقبح الانفصال، وليس كذلك المبتدأ مع خبره، ألا ترى أنَّ كل واحد منهما ليس كَجُزْء (¬1) الآخر. وإذا كان الأمرُ على ما ذكرنا، لم يَجُزْ الفصل بين بعض الصلة وبعض؛ لأن عطفَك على الموصول بالمفرد والجملة وتأكيدَك إياه ووصفَك له وإبدالَك منه يؤذن كل ذلك بالتمام والانقضاء، فلا يسوغ أن يذكر ما يؤذن بالتمام ويدل عليه ثم يتم بعد؛ لأن ذلك نَقْصٌ وفساد (¬2). فأما (¬3) قول الشاعر: ذاك الذي وأبيك يَعرِف مالكٌ ... والحقُّ يَدفَع تُرَّهاتِ الباطلِ (¬4) ففصل بين الصلة والموصول بالقسم، وهو جملة؛ لأن القسم، وإن كان في الأصل جملة، فإنه لا توصف به النكرة، ولا توصل به الموصول، كسائر الجمل، فالفصلُ بها -لجريها مجرى غير الجمل في هذه المواضع- أسهَل وأسْوَغ من الفصل بغيره؛ لمخالفة القسم سائر الجمل. وأيضًا فإن للقسم مداخل ليس لغيره من الجمل، ألا ترى أن القسم قد دخل بين الشرط وجزائه في نحو: إن تأتنى والله آتك، ولا يدخل عليه غيره من الجمل. فالقسم مما (¬5) قد اتسع بالفصل فيه؛ لكثرته، ويقع مواقع لم يقع غيره، فلا يلزم إذا اتسع فيه ففصل به أن يفصل بغيره. ألا ترى أنهم اتسعوا في الفصل بالظرف، ففصلوا به بين إن واسمها، وليس يوجب فصلهم بذلك ¬
فصلهم بغيره. وكذلك يجوز الفصل بالقسم في الصلة، ولا يجوز ذلك في غيره، فبان (¬1) بما ذكرنا أنه لا وجه لقول الكسائي، وهذا كله كلام أبي علي. ثم قولُ الكسائي ضعيف أيضا في المعنى؛ لأنه يَضْعُفُ أن يُقَال: معنى الآية: ولكن البرّ من آمن بالله وآتى الصابرين. والصحيح: أنَّ ما بعد {آمَنَ} تَعدادٌ لأفعال {مَنْ آمَنَ} وأوصافه. والوجه في نصب {وَالصَّابِرِينَ} قولُ الفراء، وهو أنه ذهب به إلى المدح، وإن كان مِنْ صفة {مَنْ}، والعرب تعترض في صفات الواحد إذا تطاولت بالمدح أو الذم، فينصبون بعض المدح، وإن كان الاسم رفعًا، كأنهم ينوون إخراج المنصوب بمدح مجدد غير متبع لأول الكلام، من ذلك قولُ الشاعر: لا يَبْعَدَنْ قومي الذين هُمُ ... سَمُّ العُداةِ وآفةُ الجُزْر النازلينَ بكلِّ مُعْتَرَكٍ ... والطيبين معاقِدَ الأزْرِ (¬2) فنصبوا النازلين والطيبين على المدح. وأنشد أيضا: إلى الملك القَرْمِ وابنِ الهمام ... وليثَ الكتيبةِ في المُزْدَحمْ (¬3) ¬
فنصب ليثَ الكتيبة على المدح، والاسم قبله مخفوض (¬1). وقال أبو علي مختارًا هذا القول: الأحسن عندي في هذه الأوصاف التي تعطف وتذكر للرفع من موصوفها والمدح أو النقص منهم والذم: أن يخالف (¬2) بإعرابها، ولا يجعل كلها جارية على موصوفيها؛ لأن هذه المواضع من مواضع الإطناب في الوصف، والإبلاغ في القول، فإذا خُولِفَ بإعراب الأوصاف كان أشدَ وأوقعَ فيما يعني لضرورةِ الكلام، وكونه بذلك ضروبًا وجملًا (¬3)، وكونه في الإجراء على الأول وجهًا واحدًا وجملةً واحدة (¬4). ونص سيبويه في قوله: {وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ} [النساء: 162]، أنه نصبٌ على المدح. انتهى كلامه (¬5). ومعنى المدحِ والذمِّ في النحو: أن العربَ لما أطنبت في وصفٍ بمدح أو ذم سلكت طرقًا، وأتت بأوصاف كثيرة، فلذلك خالفت بإعراب الأوصاف، تنويهًا بالموصوف وتنبيهًا على المراد، كأنهم ظنوا أنهم لو أجروا الأوصافَ على نحوٍ واحدٍ، كانوا قد أَتوا بوصفٍ واحدٍ. وأما علة اختلاف الحركة في المدح والذم: فقال الفراء: أصل المدح والذم من كلام السامع، وذلك أن الرجل إذا أخبر الرجل، فقال له: قام زيد، أثنى السامع عليه، فقال: ذكرت والله الظريف، ذكرت العاقل، وهو والله الظريف، هو العاقل، فأراد المتكلم أن يمدحه بمثل ما مدحه به السامع، ¬
فجرى الإعراب على ذلك (¬1). وقال الخليل: المدح والذم ينصبان على معنى: أعني الظريفَ (¬2). وأنكر الفراء هذا القول (¬3)، وقال: (أعني) إنما تقع تفسيرًا للاسم المجهول، والمدح يأتي بعد المعروف، ولو اطرد لنا إضمار (أعني) لأجزنا (¬4): قام زيدٌ أخاك، على معنى: أعني أخاك، وهذا لا يقوله (¬5) العرب أصلًا (¬6). قال: والذم بمنزلة المدح، يقال: مررت بزيدٍ الخبيثِ، والخبيثَ، ومن هذا: قوله عز وجل {وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ} [المسد: 4]. وقد تدخل الواو على المنصوب على المدح والذم ويكون (¬7) نكرةً، فيقال: مررت برجل ينصفُ من يُناظرهُ، وعاقلًا لبيبًا عالمًا، قال الشاعر: ويأوي إلى نسوة عُطَّلٍ ... وشُعثًا مراضيعَ مثل السَّعَالِي (¬8) فنصب شعثًا على الذم. وقال آخر: ¬
إلى الملك القرم وابن الهمام ... وليثَ الكتيبة في المزدحم (¬1) فنصب ليثَ على المدح. وقوله تعالى: {فِي الْبَأْسَاءِ} قال ابن عباس: يريد الفقر، وهو اسم من البؤس. (والضراء) قال: يريد المرض (¬2). وهما اسمان على فعلاء ولا أَفْعل لهما؛ لأنهما ليسا بنعتين (¬3). (وحين البأس) قال ابن عباس: يريد القتال في سبيل الله والجهاد (¬4). ومعنى البأس في اللغة: الشدة، يقال: لا بأس عليكم في هذا، أي: لا شدة ولا حرج، {بِعَذَابٍ بَئِيسٍ} [الأعراف: 165]، شديد، ثم تسمى الحرب بأساء لما فيها من الشدة، والعذاب يسمى بأسًا لشدته، قال الله: {فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا} [غافر: 84] وقال: {فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا} [الأنبياء: 12] وقال: {فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ} [غافر: 29] كل هذا معناه: العذاب (¬5). وقوله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا} أي: أهل هذه الأوصاف هم الذين صدقوا في إيمانهم (¬6). وهذه الواوات في الأوصاف في هذه الآية ¬
178
للجمع، فمن شرائط البر وتمام شرط البار أن يجتمع فيه هذه الأوصاف، ومن قام بواحدة منها لم يستحق الوصف بالبر، فلا يظنن ظان أن الموفي بعهده على انفراد هذا الوصف فيه من جملة من قام بالبر، وكذا الصابر في البأساء حتى يستكمل هذه الأوصاف، وقد تدخل الواو في الأوصاف لموصوف واحد بقوله: إلى الملك القرم ......... (¬1) البيت الذي أنشدناه آنفًا، دخلت الواو في هذه الأوصاف وهي لموصوف واحد. ولهذه النكتة اختلف السلف في هذه الآية، فقال بعضهم: هذه الصفة خاصة بالأنبياء؛ لأن غيرهم لا تجتمع فيه هذه الأوصاف كلها، وقال بعضهم: هذه عامة في جميع المؤمنين (¬2). 178 - وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى}، كُتِبَ هاهنا، بمعنى: فُرض وأُوجب، كقوله: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ} [البقرة: 180]. وأصله: أن من أراد إحكام شيء والاستيثاق منه كَتَبَه؛ لئلا ينساه، فقيل في كل مفروضٍ واجب: كتب، بمعنى: أحكم ذلك. وقيل: أصلُه: ما كتبه الله في اللوح المحفوظ، ومن هذا قوله: {كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي} [المجادلة: 21]، أي: قضى الله ذُلك، وفَرَغَ منه، وحَكَم به، ومثله قوله: {وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ} [الحشر: 3]، أي: حكم بإخراجهم من دورهم، وقوله: {قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا} [التوبة: 51]، وقوله: {لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ ¬
عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ} [آل عمران: 154]، كل هذا من القضاء. ويكون (كتب) بمعنى (¬1): جعل، كقوله: {أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ} [المجادلة: 22]، وقوله: {فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} [المائدة: 83] وقوله: {فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ} [الأعراف: 156] (¬2). وقوله تعالى: {القِصَاصُ} معنى القصاص في اللغة: المماثلة والمساواة، وأصله من قولهم: قصصت أثره، إذا تتبعته (¬3)، ومنه قوله تعالى: {وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ} [القصص: 11]، فكأن المفعول به يتبع ما عُمِلَ به فَيَعْمَلُ مثله (¬4). والقِصَاص مصدرة لأنه فعال من المفاعلة. قال الفراء في كتاب المصادر: قاصَصْته قَصَصا، وأَقْصَصْتُه: إذا أقدته من أخيه إِقْصَاصًا، ويقال: قَصَصْتُ أثره قَصصًا وقَصًّا، وقَصصْتُ عليه الحديثَ قَصَصًا، قال الله تعالى: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ} [يوسف: 3]. وقال في قَصِّ الأثر: {فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا} [الكهف: 64] والقَصُّ جائز في هذين. هذا كلامه. وأراد بالقصاص هاهنا: المماثلة في النفوس والجروح. ¬
وقال الأزهري: أصل القَصّ: القطع. قال أبو زيد: قَصَصتُ ما بينهما، أي: قطعت. قال الأزهري: والقِصَاص في الجِرَاح مأخوذ من هذا، وهو أن يُجْرحَ مثلَ ما جَرَح، أو يُقْتل مثل ما قتل (¬1)، والقول الأول أشهر؛ لأن القصاص والمقاصة في غير الجراح، يقال: قَاصَّه في الحساب وغيره: إذا أخذ الشيء مكان غيره. وقال الليث: القصاص والتقاص (¬2) في الجراحات والحقوق شيء بشيء (¬3)، وهذا يبين ان معنى القصاص اعتبار المماثلة والمساواة (¬4). وليس معنى الآية أن القصاص واجب علينا حتى لا يسعنا تركه، ولكن معناه: أن اعتبار المماثلة بين القتلى فرضٌ علينا، فالفَرْضِية ترجع إلى اعتبار المماثلة بين (¬5) الدماء، لا إلى نفس القصاص، حتى يلزم قتْلُ القاتلِ حتمًا، فالقصاص حيث يجب إنما يجب إذا وُجِدَتْ المساواة، وهذا يؤكدُ أنَ القولَ في اشتقاق القِصَاص في اللغة إنما هو من الاتباع، لا من القطع كما قاله الأزهري؛ لأنه لو كان من القطع لوجب القصاص حتى لا يسعنا تركه (¬6). ¬
قوله تعالى: {اَلحُرُّ باَلحُرِّ} أراد: الحر يقتص بالحر، فحذف لدلالة ذكر القصاص عليه. والحر: نقيض (¬1) العبد، قال أهل الاشتقاق: أصله من الحَرِّ الذي هو ضد (¬2) البرد، وذلك أن الحُرّ له من الأنفة وحرارة الحمية ما يبعثه على المكرمة، بخلاف العبد، ثم قيل للأكرم من كل شيء: حُرٌّ تشبيهًا بالرجل الحر (¬3). قال المفسرون: نزلت الآية في حَيَّيْنِ من العَرَبِ، لأَحَدِهِما طَولٌ على الآخر، فكانوا يتزوجون نسائهم بغير مهور، فقتلَ الأوضعُ منهما من الشريف قتلى، فحلف الشريف لَيَقْتُلَن الحرَّ بالعبد، والذكرَ بالأنثى. وليضاعفن الجراح، فأنزل الله هذه الآية، ليعلم أن الحر المسلم، كفء للحر المسلم، وكذلك العبد للعبد، والذكر للذكر، والأنثى للأنثى (¬4). ¬
ولم تدل (¬1) الآية على أن الذكر لا (¬2) يقتل بالأنثى، ولكنها بينت أن من قُتِلتْ له أُنْثَى فقال: لا أقتل بها إلا رجلًا متعدٍّ غير منصف، فأما قتل الذكر بالأنثى فمستفاد من إجماع الأمة؛ لأنهما تساويا في الحرمة، والميراثِ، وحدِّ الزنى، والقذف وغير ذلك، فوجب أن يستويا في القصاص (¬3). قال الفراء: هذه الآية منسوخة بقوله: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} [المائدة: 45] (¬4) وكان عنده هذه الآية تدل على أن الرجل إنما يُقتل بالذَّكَر ولا يُقتل بالأنثى؛ لأنه قال: {الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى} فلما لم يعمل بهذا وعمل بقوله: {اَلنَّفسَ بِالنَّفسِ} جعل هذه الآية منسوخة، والصحيح أن هذه الآية غير منسوخة؛ لأن حُكْمَ الآية ثابتٌ، ولم تدلَّ على أن الذكرَ لا يقتل بالأنثى (¬5). ¬
وقوله تعالى: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ} معنى العفو: هو ترك الواجب من أَرْشِ (¬1) جناية، أو عقوبة ذنب، أو ما استوجبه الإنسان بما ارتكبه من جناية فصفح عنه وترك له من الواجب عليه (¬2). وقوله تعالى: {مِنْ أَخِيهِ} أراد: من دم أخيه، فحذف المضاف للعلم به (¬3)، وأراد بالأخ: المقتول، سماه أخًا للقاتل، فدل أن أخوة الإسلام بينهما لا تنقطع، وأن القاتل لم يخرج عن الإيمان بقتله (¬4) (¬5). وفي قوله: (شيء) دليل على أن بعض الأولياء إذا عَفَا سَقَطَ القود؛ لأن شيئًا من الدمِ قد بطل بعفو البعض (¬6)، والله تعالى قال: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ}، والكنايتان في قوله: {لَهُ} و {أَخِيهِ} ترجعان إلى (مَنْ) وهو القاتل (¬7)، ولا يحتاج أن يقال: أخيه المقتول؛ لأن هذا الحكم لا ¬
يثبت ولا يوجد إلا عند القتل. هذا الذي ذكرنا من معنى قوله: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ} هو الذي عليه عامة المفسرين وأهل المعاني وإن لم (¬1) يبينوا هذا البيان. (¬2) وقال الأزهري: هذه الآية فيها إشكال، وقد فسرها ابن عباس وغيرُه من المفسرين على جهة التقريب وقدر أفهام من شاهدهم من أهل عصرهم. وأهلُ عصرنا لا يكادون يفهمون عنهم ما أومأوا إليه حتى يزاد في البيان، ويوضح بعض الإيضاح، ونسأل الله التوفيق. حدثنا محمد بن إسحاق، ثنا المخزومي، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار (¬3) عن مجاهد قال: سمعت ابن عباس يقول: كان القِصَاصُ في بني إسرائيل ولم تكن الدية، فقال الله لهذه الأمة: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} إلى قوله: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ} قال: فالعفو أن تقبل الدية في العمد (¬4). قال الأزهري: وليس العفو في قوله: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ} عفوًا من ولي (¬5) ¬
الدم، ولكنه عفو من الله -جل ذكره-، وذلك أنه لم يكن لبني إسرائيل أن يأخذوا الدية، فجعلها الله لهذه الأمة عفوًا منه وفضلًا، مع اختيار ولي الدم ذلك في العمد، فذلك قوله: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِن أَخِيهِ شَئٌ} أي (¬1): من عفا الله له بقبول الدية مع اختياره، أي: تَفَضَّل اللهُ عليه من هذه الأمة، ولم يكن ذلك الفضلُ لمن تَقَدَّمَه، قال: وقوله: {مِنْ أَخِيهِ} {مِنْ} هاهنا بمعنى البدل، المعنى: فمن عفا الله له بقبول الدية بدل أخيه المقتول. والعرب تقول: عوّضت (¬2) له من حقه ثوبًا: أي، أعطيته بدل حقه ثوبًا، وما أعلم أحدًا فسر من هذه الآية ما فسرته، فتدبره، فإنه صعب، واقبله بِشُكْرٍ إذ بان لك صوابه، انتهى كلامه (¬3). ولقد أعجب بقوله، وزلّ (¬4) فيما تكلف، وليس الأمر على ما ذكر، فإن (¬5) قوله {فَمَنْ عُفِيَ} عفو من ولي الدم بإباحة الله تعالى ذلك، ولو ¬
كان العفو من الله تعالى لتعيّنت (¬1) الدية وسقط القصاص أصلًا، ولا معنى لقوله: أي: من عفا الله له بقبول الدية، أي: تفضل الله به عليه؛ لأن هذا رُخِّص لولي الدم في العفو، وهذا التفضل من الله، هذا العفو على القاتل لا على ولي الدم. وقوله: {مِنْ أَخِيهِ} أي: بدل أخيه المقتول (¬2) ليس بشيء؛ لأن قوله: {مِنْ أَخِيهِ} عام في كل المقتول، ليس المراد به (¬3) أخوة النسب، وعلى ما ذكره يختص بالأخ من (¬4) طريق النسب، والحكم في كل مقتول سواء، وليس لتخصيص الأخ فائدة، ومن تأمل هذا ظَهَرَ له فساد قوله. وقوله: {فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ} على معنى: فعليه اتباع بالمعروف، ولو كان في غير القرآن لجاز: فاتباعًا وأداءً على معنى: فليتبع اتباعًا، وليؤد أداءً (¬5). قال الفراء: وهو بمنزلة الأمر في الظاهر، كما تقول: من لقي العدو فصبرًا واحتسابًا، فهذا نصب (¬6)، ورفعه جائز، على معنى: فعليه. ومثله في القرآن كثير، كقوله: {فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ} [البقرة: 196]، {فَتَحرِيرُ رَقَبَةٍ} [النساء: 92]، {فَإمسَاكُ بِمَعْرُوفٍ} [البقرة: 229]، وليس شيء من هذا إلا ونصبه جائز على أن توقع عليه الأمر. ومما جاء منصوبًا قوله: ¬
{فَضَربَ الرِّقَابِ} [محمد: 4] (¬1). والمعروف: كل ما يتعارفه الناس ولا ينكرونه، ثم صار اسمًا للإحسان والجود والأخلاق الجميلة، لأنها مما لا ينكر، وأراد بالمعروف هاهنا: ترك التشديد (¬2) على القاتل في طلب الدية، ومعناه: فعلى (¬3) وليِّ المقتول الاتباع (¬4) بالمعروف في المطالبة بالدية (¬5)، وهو معنى قول ابن عباس: يطلبُ هذا بإحسان، ويؤدي هذا بإحسانٍ (¬6). وقال بعضهم: قوله: {فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ} خبر مبتدأ محذوف، والمعنى: فالأمر اتباعٌ بالمعروف، أو فالحكم فيه اتباع بالمعروف (¬7). وقوله تعالى: {وَأَدَاءٌ} الأداء: اسم، من قولك: أدَّيْتُ إليه المال، وقد ينوب عن المصدر فيقال: أدّيت أداءً، كما يقال: سَلَّمْتُ ¬
سلامًا، وكلَّمْتُ كلامًا، قال الله تعالى: {وَسَرِّحُوهُن سَرَاحًا} [الأحزاب: 49]. وقوله تعالى: {إِلَيْهِ} الكناية ترجع إلى العافي، ودل عليه {عُفِىَ}، لأنا قد ذكرنا أَنَّ الفعل يدل على الفاعل، فكأنه ذُكِر (¬1) (¬2). وقوله: {بِإِحْسَانٍ} قال ابن عباس، في رواية عطاء (¬3): يريد: أن يؤديَ الدية في نجومها، ولا يَمْطُلَه، ولا يذهبَ بشيء (¬4) منها، هذا هو الإحسان. قال المفسرون: إن الله تعالى أمر الطالب أن يطلب بالمعروف، ويتبع الحق الواجب له، من غير أن يطالبه بالزيادة، أو يكلفه ما لا يوجبه الله، أو يشدد عليه (¬5). كل هذا تفسير المعروف، وأَمَرَ المطلوب منه بالإحسان في الأداء، وهو ترك المَطْل والتسويف، وهذا لا يختص بثمن الدم، بل كل دين فهذا سبيله (¬6). وقوله: {ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ} قال عطاء عن ابن عباس: يريد حيث جعل الدية لأمتك يا محمد (¬7). ¬
قال قتادة: لم تحلّ الدية لأحد غير هذه الأمة (¬1). قال المفسرون: إن الله تعالى كتب على أهل التوراة أن يُقِيدُوا (¬2)، ولا يأخذوا الدية، ولا يعفوا؛ وعلى أهل الإنجيل أن، يعفوا ولا يقيدوا ولا يأخذوا الدية؛ وخَيّر هذه الأمة بين القصاص والدية والعفو، فقال: {ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ}، أي: التخيير بين هذه الأشياء (¬3). وقوله تعالى: {فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ} قال ابن عباس: يريد: كما كانت الجاهلية تفعل، تقتل من قوم القاتل عِدَّةً (¬4). وقال آخرون: أي: ظَلَم فوثب على القاتل فقتله بعد أخذ الدية (¬5). وفي هذه الآية أدلة على القدرية: أحدها: قوله في افتتاح الآية: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ} ولا خلاف أن القصاص واقع في قتل العمد، فلم يسقط اسم الإيمان عن القاتل بارتكاب هذه الكبيرة. والثاني: ما ذكرنا في قوله: {مِنْ أَخِيهِ}. والثالث: قوله: {ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ} وهما يلحقان ¬
179
المؤمنين (¬1). 179 - قوله تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} قال عُظْمُ أهل التأويل (¬2): معناه: أن سافكَ الدم إذا أُقيد منه ارتدع من كان يهمّ بالقتل، فكان في القصاص بقاءٌ؛ لأنه إذا علم أنه إن قَتَل قُتِلَ أَمْسَكَ وارتدع عن القتل، ففيه حياةٌ للذي همّ بقتله، وحياةٌ للهامّ أيضًا، وقد أخذ الشاعر هذا المعنى ونقله عن القصاص إلى العتاب فقال: أبلغ أبا مالك عنى مُغَلغَلةً ... وفي العتاب حياة بين أقوام (¬3) يريد: أنهم إذا تعاتبوا أصلح ما بينهم العتابُ، وكَفُّوا عن القتل، فكان (¬4) في ذلك حياة. أخذه المتمثلون فقالوا: بعض القتل أحيا للجميع، وقالوا: القتل أقل للقتل (¬5). ¬
وقال السدي: كانوا يقتلون بالواحد الاثنين والعشرة والمائة، فلما قصروا على الواحد كان في ذلك حياة (¬1). وقال عطاء عن ابن عباس: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} فرح، وأراد: أن ولي الدم إذا استوفى القصاص تشفّى بذلك وطابت نفسه، فالتذ بالحياة، ولولا القصاص لتنغص بعيشه، فكأن حياته موتًا. وقد يبلغ بالإنسان القصور عن إدراك الثأر إلى أن يتمنى الموت، سيما العرب، فإنهم أشد الأمم حفاظًا، وأحرصهم على إدراك الثأر، والأخذ بالطوائل، وكل عيشٍ يراد الموتُ فيه موت، فإذا زال سبب تمني الموت بالقصاص كان فيه حياة. ويجوز أن يكون المعنى في هذا ما تذهب إليه العرب من أن قتل القاتل إحياء للمقتول، يقولون: أحيا فلان أباه، إذا قتل قاتله، ومنه: أحيا أباه هاشمُ بنُ حَرمَله (¬2) يعني: قتل قاتله، فسماه إحياءً، فعلى هذا في القصاص حياة للمقتول على معنى: أن المراد بالحياة قتل قاتله. وقوله تعالى: {يَا أُولِي الْأَلْبَابِ} أولوا: واحدها ذو، وهو من الجموع التي لا يفرد واحدها من لفظه، كالنفر (¬3) والرهط والقوم والخيل ¬
والإبل والنساء (¬1). {الأَلْبَابِ} جمع لُبٍّ، ولُبُّ الشيء: خالصُه، وهو الذي يَتَركَّبُ عليه القِشْر، وكذلك اللُّبَاب، يُقال: لبابُ القَمح والفستق، ولُبّ اللَّوز (¬2) والجوز. وسمى العقل لُبَّا تشبيهًا به؛ لأنه أشرف خصال المرءِ، وأصل لُبّ: اللزوم، يقال: أَلَبَّ بالمكان، إذا لزمه لزوم لُبِّ الشّيء له، واللَّبَبَ: الرمل المتراكم، سمي للزوم بعضه بعضًا، ومنه قولُ ذي الرمة: ..... أفضى بها لَبَبُ (¬3) وقال ابن المظفر: اللَّبَابَةُ: مصدر اللَّبيب (¬4)، وقد لَبِبْتَ تَلَبُّ، وهكذا قال الفراء وغيرُه: لَبَّ يَلَبُّ: إذا عَقَل، ومنه قول صفية (¬5) في ابنها الزبير (¬6) وضربته، فقيل لها: لم ضربتيه؟ فقالت: أضربه كي يَلِبَ، ويقود الجيش ذا ¬
180
اللَّجَبْ (¬1). وقرأتُ على سعيد بن محمد، قال: قرأت على أبي علي الفارسي، قال: قرأت على أبي إسحاق الزجاج، قال: قرأت على المبرد، عن يونس: لَبِبْتُ لبابًا، وليس في المضاعف حرف على فَعُلت غير هذا، ولم يروه أحدٌ غير يونس (¬2). وقوله تعالى: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} أي: الدماء مخافة القصاص (¬3). 180 - قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ} الآية. يعني: إذا تيقن حضور الموت، ورأى أعلامه، ولم يشكُك في قربهِ منه. فقوله: {إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ} يريد: أسبابَ الموت ومقدماته، من العلل والأمراض. وكان الإيصاء فرضًا قبل نزول أسباب الموت، ولكن يتضيق عند نزول سبب الموت حتى لا يجوز التأخير، فلذلك (¬4) قال: {إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ} ليس أنه قبل الحضور لم يكتب عليه (¬5). وإنما قال: ¬
{كُتِبَ}، لأنه أراد بالوصية الإيصاء، أو للفصل بين الفعل والوصية؛ لأن الكلام لما طال كان الفاصل بين المؤنث والفعل كالعوض من تاء التأنيث، والعرب تقول: حَضَرَ القاضي امرأةٌ، فَيُذَكِّرون؛ لأن القاضي فَصَل بين الفعل وبين المرأة. وقد أحكمنا هذا فيما سبق (¬1). ورفع {الْوَصِيَّةُ} من وجهين: أحدُهما: على ما لم يسم فاعله، والثاني: على الابتداء، ويكون {لِلْوَالِدَيْنِ} الخبر، وتكون الجملة في موضع رفعٍ بـ {كُتِبَ}، كما تقول: قيل: عبدُ الله قائم، فترفع عبدَ الله بقائم، وقائمًا بعبد الله، وتكون الجملة في موضع رفعٍ بـ (قيل) (¬2). وقوله تعالى: {إِنْ تَرَكَ خَيْرًا} الخيرُ: اسم جامعٌ للمالِ وغيرِهِ، والخيرُ يراد به المالُ في كثيرٍ من القرآنِ، كقوله: {وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ} [البقرة: 272] {وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ} [العاديات: 8]، {مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} [القصص: 24] (¬3). وقوله تعالى: {بِالْمَعْرُوفِ} أي: بالشيء الذي يعلم ذوو التمييز أنه لا حيف فيه، فهو العدل الذي لا ينكر، يعني: لا يزيد على الثلث (¬4). ¬
وقوله تعالى: {حَقًّا} أي: حقَّ ذلك عليكم حقًّا (¬1). وقوله تعالى: {عَلَى الْمُتَّقِينَ} أي: المؤمنين الذين يتقون الشرك (¬2). وقد اجتمعت العلماء على نسخ هذه الآية (¬3). وكان السبب في نزول هذه الآية: أن أهل الجاهلية كانوا يوصون بمالهم للبعداء رياءً وسمعةً، ويتركون العيالَ عالةً، فصرف الله بهذه الآية ما كان يُصرف إلى البعداء إلى الأهلِ والأقرباء، فَعُمِل بها ما كان العمل صلاحًا، ثم نسختها آية المواريث (¬4)، فكانت الوصية للوالدين والأقربين فرضًا على من مات وله مال، حتى نَزَلَتْ آيةُ المواريث في سورة النساء، فأجمعوا على نسخ الوصية للوالدين والأقربين الذين يرثون (¬5)؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: ¬
"ألا إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث" (¬1). فأما الأقرباء الذين لا يرثون، والوالدان اللذان لا يرثان بكفر أو رقٍّ، ففل تجب الوصية لهم؟ اختلفوا، فذهبت جماعة إلى أن الوصية للوارث نسخت، والوصيِّة لهؤلاء الذين لا يرثون لم تنسخ، وهو (¬2) مذهب مسلم بن يسار، والعلاء بن زياد (¬3) (¬4)، ومسروق (¬5) والحسن (¬6)، حتى قال ¬
الضحاك: من مات ولم يُوص لذي قرابته فقد ختم عمله بمعصية (¬1). وقال طاوس: إن أوصى للأجانب (¬2) وترك ذوي قرابته نزع منهم، ورد إلى ذوي قرابته (¬3). فعلى قول هؤلاء: النسخُ تناول بعض أحكام الآية وهو الوصية للوارث (¬4). والأكثرون من العلماء -وهو الذي يعمل به اليوم- على أن حكم الآية كلّه (¬5) منسوخ، ولا تجب على أحد وصية لأحد قريب ولا بعيد. وإذا أوصى فله أن يُوصِي لكل من شاء من الأقارب والأباعد إلا الوارث (¬6). قال أبو عبيد: وعلى هذا القول أجمعت العلماء من أهل الحجاز وتهامة والعراق والشام، منهم سفيان ومالك الأوزاعي (¬7) والليث، وجميع ¬
أهل الآثار والرأي، وهو القول المعمول به، أن الوصية جائزة للناس كلهم، ما خلا الورثة، غير واجبة (¬1). والخير في هذه الآية حمل على المال الكثير (¬2)، فقد روي عن علي رضي الله عنه أنه دخل على مريض يعوده، فقال: إني أريد أن أوصي، فقال علي: إن الله عز وجل يقول: {إِنْ تَرَكَ خَيْرًا} وإنما تدع شيئًا يسيرًا، فَدعه لعيالك، فإنه أفضل (¬3). وروي أيضًا أن رجُلًا قال لعائشة رضي الله عنها: إني أريد أن أوصي، قالت: كم مالك؟ قال: ثلاثة آلاف، قالت: كم عيالك؟ قال: أربعة، قالت: إنما قال الله: {إِنْ تَرَكَ خَيْرًا} وإن هذا شيء يسير، (¬4) فاتركه ¬
181
لعيالك (¬1). 181 - قوله تعالى: {فَمَنْ بَدَّلَهُ} الكناية تعود إلى الإيصاء؛ لأن الوصيةَ في معنى الإيصاء، ودالة (¬2) عليه، كقوله: {فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ} [البقرة: 275] أي: وعظ. وقيل: الهاء (¬3) راجعة إلى الحكم والفرض، إذ كان تأويل {كُتِبَ عَلَيْكُمْ}: فرض عليكم، فكأنه قال: فمن بدل فرض الله، فيدل {كُتِبَ} على الكَتْبِ فيُكْنى عنه. وقيل: الكناية تعود إلى معنى الوصية، وهو قول أو فعل (¬4)، قال المفسرون: أي فمن غيّر الوصية من الأوصياء والأولياء والشهود {بَعْدَمَا سَمِعَهُ} من الميت (¬5). وما: صلة زائدة. والكناية في {سَمِعَهُ} ترجع إلى حيث رجعت الكناية (¬6) في {بَدَّلَهُ}. وقيل: (ما) بمعنى: الذي، والكناية في {سَمِعَهُ} ¬
182
راجعة إليه. والمعنى: فمن بدله بعد الذي سمعه، أي: من تغليظ الإثم في التبديل، والعادة في الوصايا أن يُذْكَر فيها تغليظٌ على من بدَّلَها، وهذا فيه بعد؛ لأن التغليظَ ذُكِر بعد قوله: {بَعْدَمَا سَمِعَهُ} وهو قوله تعالى: {فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ} فيبعد أن تجعل ما بمعنى الذي (¬1). وقوله: {فَإِنَّمَا إِثْمُهُ} أي: إثم التبديل على الذين يبدلونه (¬2)، أي: على من بدل الوصية، وبرئ الميت (¬3). {إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} قد سمع ما قاله الموصي {عَلِيمٌ} بنيته وما أراد، وعليم بما يفعله الوصي (¬4). ويحتمل أن يكون المنهي عن التبديل المُوصي، نهي عن تغيير الوصية عن المواضع التي بين الله سبحانه، وأمر أن يوصي على الوجه الذي أمر الله، وعلى هذا قوله: {بَعْدَمَا سَمِعَهُ} أي: عن (¬5) الله تعالى (¬6). 182 - قال الكلبي: كان الأولياءُ والأوصياءُ يمضون وصية الميت بعد نزول هذه الآية وإن كانت مستغرقة للمال، فأنزل الله قوله تعالى: {فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا} (¬7) أي: خشي، وقيل: علم. ¬
والخوف (¬1) والخشية يستعملان بمعنى العلم؛ لأن في الخشية والمخافة طرفًا من العلم؛ لأن القائل إذا قال: أخاف أن يقع أمر كذا، كأنه يقول (¬2): أعلم، وإنما يخاف لعلمه بوقوعه، فاستعمل الخوف في العلم، قال الله تعالى: {فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا} [الكهف: 80] أي: علمنا، ومنه {وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ} [الأنعام: 51] وقوله: {إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا} [البقرة: 229] (¬3). وقوله: {جَنَفًا} أي: ميلًا، يقال: جَنِفَ يَجْنَفُ جَنَفًا: إذا مال، وكذلك تجانف، ومنه قوله: {غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ} [المائدة: 3]، (¬4). قال ابن عباس: يريد: خطأ من غير تعمدٍ (¬5). قال عطاء: هو أن يُعطي عند حضور أجله بعض ورثته دون بعض (¬6). وقال طاوس: جنفُه: توليجه، وهو أن يوصي لولد ولده، يريدُ ولدَه (¬7). وقوله تعالى: {أَوْ إِثْمًا} أي: قصدًا للميل، قال السُدّي (¬8) والربيع (¬9) ¬
وعطية (¬1): الجنف: الخطأ، والإثم: العمد. فمن قال: (خاف) معناه: خشي قال: تأويل الآية: من حَضَر مَرِيضًا وهو يُوصي، فخاف أن يخطئ في وصيته فيفعل ما ليس له، أو يتعمد جورًا فيها فيأمر بما ليس له، فلا حَرَجَ عليه أن يُصلح بينه وبين ورثته، بأن يأمره بالعدل وهذا قول مجاهد (¬2). ومن قال خاف: معناه علم، قال: الميت إذا أخطأ في وصيته، أو حاف فيها متعمدًا، فلا حَرَجَ على من علم ذلك أن يُغَيِّرَه، ويصلح بعد موتِه بين ورثته وبين المُوصَى لهم، من وليّ أو وصيّ أو والي أمر المسلمين، ويردَّ الوصيَة إلى العدل. وهذا معنى قول ابن عباس (¬3) وقتادة (¬4) والربيع (¬5). وقوله تعالى: {فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ} يريد: بين الورثة والمختلفين في الوصية، وهم المُوصَى لهم. وسياق الآية وذكر الوصية يدل عليهم، فكنى عنهم (¬6). وقال الكسائي والفراء (¬7): قوله: (أصلح) يدل على أن الصلح يكون ¬
183
بين الورثة والمُوصَى لهم، قال الكسائي: لأنّ أصلح لا يكون على واحد، لا تقول: أصلحت بينَه، ولكن بينهما، أو بينهم. وقوله تعالى: {فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} إنما قال للمتوسط للإصلاح: ليس عليه إثم، ولم يقل فله الأجر؛ لأنه ذكر إثم التبديل، ونفى الإثم عن المصلح، ليبين أنه ليس بمبدل (¬1). 183 - قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} الآية، الصيام: مصدر صام كالقيام، وأصله في اللغة: الإمساكُ عن الشيء والتركُ له، ومنه: قيل للصمت: صوم، لأنه إمساك عن الكلام، قال الله تعالى: {إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا} [مريم: 26]، وصام النهار: إذا اعتدل وقام قائم الظهيرة، قال امرؤ القيس: فَدَعْها وسَلِّ الهَمَّ عنكَ بجَسْرةٍ ... ذَمُولٍ إذا صامَ النهارُ وهَجَّرا (¬2) وقال آخر: حتى إذا صَام النهارُ واعتدَلْ (¬3) ¬
وصامت الريح: إذا ركدت، وصام الفرس: إذا قام على غير اعتلاف، ومنه قول النابغة: خيل صيامٌ وخيلٌ غير صائمة (¬1) ويقال: بكرة صائمة: إذا قامتْ فلم تَدُر، وقال الراجز: والبكراتُ شَرُّهن الصائمه (¬2) ومَصَام الشمس: حيث تَستَوى في مُنتصف النهار، وكذلك مَصَام النجم، وروي في شعر امرئ القيس: كَأنَّ نُجومًا عُلِّقَتْ في مَصَامِها ... بأَمْراسِ كَتّانٍ إلى صُمِّ جَنْدَلِ (¬3) هذا هو الأصلُ في اللغة (¬4). وفي الشريعة: هو الإمساك عن الطعام والشراب والجماع مع اقتران النية به (¬5). ¬
وإجماعُ المفسرين على أن المراد بهذا الصيام صيام شهر رمضان (¬1)، وقد كان الفرض في ابتداء الإسلام صومَ يوم عاشوراء وثلاثة أيام من كل شهر، فنسخ ذلك بصيام رمضان قبل قتال بدر بشهرين (¬2). ¬
وقوله تعالى: {كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} قال بعضهم: التشبيه عائد إلى الإيجاب، فنحن متعبدون بالصيام كما تعبد الله من قبلنا من الأمم وأهل الكتابين (¬1). وقيل: إن التشبيه يعود إلى وقت الصوم، وقدر الصوم (¬2)، وذلك أن الله تعالى فرض صيام رمضان على اليهود والنصارى، فأما اليهود فإنها تركت الشهر وصامت يومًا من السنة تزعم (¬3) أنه يوم غَرَق فِرعون، وكذبت في ذلك أيضًا؛ لأن ذلك اليوم يوم عاشوراء على لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فأما النصارى فإنهم حَوَّلوا صيامهم إلى فصل اعتدال الهواء؛ لأنهم ربما صاموه في القيظ، فكان يشتدُّ عليهم، فاستدعوا أحبارهم أن ينقلوا الصوم إلى وقت اعتدال الهواء، ويزيدوا عليه زيادة، ففعلوا، وزادوا عشرة أيام، ثم إن حبرًا لهم اشتكى فمه، فنذر إن (¬4) شُفي أن يزيد في صومهم عشرة أيام، فبَرَأ فزاد، فصومهم اليوم خمسون يومًا. وهذا معنى قوله تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} [التوبة: 31] (¬5). ¬
وقال الشعبي: إنهم أخذوا بالوثيقة فصاموا قبل الثلاثين يومًا، وبعدهَا يومًا ثم لم يزل الآخر يَسْتَنّ بسُنَّة القرن (¬1) الذي قبله حتى صاروا إلى خمسين يومًا، ولهذا كره صوم يوم الشك (¬2). قال أبو إسحاق: وموضع {كَمَا} نصب على المصدر، المعنى: فرض عليكم فرضًا كالذي فرض على الذين من قبلكم (¬3). وقال ابن الأنبارى: يجوز أن يكون في موضع نصب على الحال من الصيام، يراد بها: كتب عليكم الصيام مشبهًا ومماثلًا ما كتب على الذين من قبلكم (¬4). وقال أبو علي الفارسي: هو صفة لمصدر محذوف، تقديره: كتابة كما كتب يعني: مثل ما كتب عليهم، فحذف المصدر، وأقيم نعته مقامه، قال: ومثله في الاتساع والحذف قولهم في صريح الطلاق: أنتِ واحدة، ¬
184
يريدون: أنت ذات تطليقة واحدة، فحذف المضاف والمضاف إليه، وأقيم صفة المضاف إليه مقام الاسم المضاف إليه (¬1). وقوله تعالى: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} قال ابن عباس: يريد كي تخافوني في حدودي وفرائضي (¬2). وقال السُدي: لكي تتقوا الأكل والشرب والجماع في وقت وجوب الصوم (¬3). وقال الزجاج: (¬4) لتتقوا المعاصي، فإن الصيام وصلةٌ إلى التقى؛ لأنه يكف الإنسان عن كثير مما تطلَّع إليه النفسُ من المعاصي، و (لعل) هاهُنَا على ترجي العباد، والله عز وجل من وراء العلم أيتقون (¬5) أم لا؟ ولكن المعنى: أنه ينبغي لكم بالصوم أن يقوى رَجاؤكم في التقى (¬6). 184 - قوله تعالى: {أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ} في انتصاب الأيام وجوه: أحدُها: أنها (¬7) ظرف لكُتب، كأنه: كتب عليكم الصيام في هذه الأيام، هذا قول الزجاج (¬8). ¬
وقال الفراء: هي نصب على خبر ما لم يسم فاعله؛ لأن كل ما لم يسم فاعله، إذا كان فيه اسمان أحدهما غير الآخر رفعتَ واحدًا ونصبت الآخر، كما تقول: أُعطي عبدُ الله المال، ولا تبال أكان المنصوب معرفةً أو نكرة، فإن كان الآخر نعتًا للأول، وهما معرفتان، رفعتهما جميعًا، فقلت: ضُربَ عبدُ الله الظريفُ، رفعتَه؛ لأنه عبد الله، وإن كان نكرة نصبته، قلت: ضُرِبَ عبدُ الله راكبًا وماشِيًا ومظلومًا (¬1). قال أبو إسحاق: ليس هذا بشيء، لأن الأيام هَاهُنَا معلقة بالصوم، وزيد والمال مفعولان لأُعطي، فلك أن تقيم أيهما شئت مقام الفاعل، وليس في هذا إلّا نصب (¬2) أيام بالصيام (¬3). ونصر أبو علي الفارسي قول الفراء، وقال: يجوز أن ينتصبَ الأيام انتصاب المفعول به على السعة، وهو أن يكون الأيام اسمًا لا ظرفَّاَ، فتخرجها من حيّز الظروف إلى حيز الأسماء، متسعًا فيها، وهذا الاتساع كثير واسع في الظروف، وقد جاء التنزيل به، وهو قوله: {بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} [سبأ: 33]، فجواز الإضافة إليهما (¬4) دل على خروجهما من الظرف، ومتى وقعت الإضافة إلى هذه الأسماء المستعملة ظروفًا أخْرَجَتها الإضافة عن ذلك وأدخلتها في حَيّزِ الأسماء، وقد نص سيبويه على جواز هذا في قوله: يا سارقَ الليلةِ أهلَ الدار. ¬
وإذا كان هذا الاتساع على ما ذكرت لك في الكثرة والحسن ومجيء التنزيل به، فلم ينكر أن تحمل هذه الآية أيضًا عليه، وإذا حمل عليه، كان بمنزلة: أُعطي زيدٌ المال، ولا يمتنع على هذا التقدير أن تكون الأيام ظرفًا لـ (كُتِبَ)، ولا شيءَ يمنع من كون الأيام ظرفًا لكُتِبَ؛ لأن الصّيَام مفروض مكتوب في أيام معدودات، وإذا كان ظرفًا له لم يمتنع أن يتسع فيه، فينتصب انتصاب المفعول به، وإذا نصب انتصاب المفعول به كان بمنزلة: أُعطى زيدٌ المال، وصار الأيام في موضع المال، لا إشكال في جواز هذا الوجه، فقد بان أن ما منعه أبو إسحاق من إجازة أن {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} بمنزلة أعطي زيدٌ المال جائز غير ممتنع. وعند أبي علي يجوز أن تُعمل (الصيام) في الأيام، ثم (¬1) يجوز في انتصاب الأيام الوجهان اللذان ذكرنا إذا أعملت فيها (كتب)، من الظرف والانتصاب على المفعول به، فالظرف أن تجعل الأيام ظرفًا للصيام لا للكتابة، كما تقول: كتب عليكم الدخول يوم كذا، يجوز (¬2) أن تجعل اليوم ظرفًا للدخول، وإن جعلت الأيام مفعولًا به لصيام أعملت الصيَام وهو مصدر، فنصبت به، والمصدر يعمل عمل الفعل، كقوله: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ} [البقرة: 251]، وهو كثير، ومثله: لحِقتُ فلم أنكُلْ عن الضرب مِسْمَعَا قال أبو علي: والأجودُ فيمن جَعَل الأيامَ معمول الصيام أن ينصب على أنه ظرف ولا يجعله مفعولًا للمصدر؛ لأنه يعمل المصدر وفيه الألف ¬
واللام إعمال الفِعل، وذلك لا يحسن؛ لأن الفعل نكرة، فحُكْمُ ما قام مقامه ويعمل عمله أن يكون مثلَه، وإن كان أصحاب سيبويه قد أجازوه. فأما (¬1) قوله: عن الضرب مسمَعَا، فقد قيل فيه: إن مسمعًا مفعول (لحقت) دون الضرب، فإن قيل: الإضافة في التعريف كالألف واللام، وقد جاء المصدر عاملًا في الإضافة، كقوله: {وَلَوْلَا دَفْعُ} [البقرة: 251] قيل: الإضافة أسهل من الألف واللام، ألا ترى أن الإضافة قد تقدر فيها الانفصال كثيرًا والألف واللام لا تشبهها، فلهذا رجَّحْنا قول من جعله ظرفًا، ولا يمتنع كون الأيام ظرفًا للصيام؛ لأن الصيام فيها، كما أن الكتابة فيها. وجمهور المفسرين على أن المراد بالأيام المعدودات: شهر رمضان (¬2). وقوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ} إلى قوله: {أُخَرَ} فيه معنى الشرط والجزاء، أي: من يكن منكم مريضًا أو مُسافرًا فأفطر فليقض. وإذا قدرت فيه معنى الشرط كان المراد بقوله: {كَانَ مِنْكُمْ} الاستقبال لا المضي، كما تقول: من أتاني أتيته، وفي الآية إضمارة لأن التقدير: فأفطر فعدة؛ لأن القضاء إنما يجب بالإفطار لا بالمرض والسفر، ومثله قوله: {أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ} [البقرة: 196]، والحذف كثير في كلام العرب إذا كان فيما (¬3) أُبقي دليلٌ على ما أُلقي، قال ذُو الرمة: ¬
فلما لبسن الليل أو حين نصَّبت ... له من خذا آذانها وهو جانح (¬1) أراد: أو حين أقبل (¬2). ونذكر في الآية التي بعد هذه حكم المرض والسفر في الصوم. وأصل السَّفَر من الكشف، وذلك أنه يكشف من أحوالِ الرجالِ وأخلاقهم، والمِسفَرة: المكنس؛ لأنها تُسِفر التراب عن الأرض، والسَّفيرُ: الداخل بين اثنين للصُّلح؛ لأنه يكشف المكروه الذي اتصل بهما، والمُسْفِر: المضيء؛ لأنه قد انكشف وظهر، ومنه: أسفر الصبح، والسِّفُر: الكتاب؛ لأنه يكشف عن المعاني ببيانه، ومنه {بِأَيْدِي سَفَرَةٍ} [عبس: 15]، أي: كتبة؛ لأن الكاتب يكشف عن المعاني، وسفرتِ المرأةُ عن وجهها: إذا كشفت النقاب (¬3). قال الأزهري: وسمي المسافر مُسَافرًا، لكَشْفِه قناع الكِنِّ عن وَجْهه، وبروزه للأرض الفضاء، وسُمي السَّفرُ سَفَرًا؛ لأنه يسفر عن وجوه المسافرين وأخلاقهم، فيظهر ما كان خافِيًا مِنْهَا (¬4). وقوله تعالى: {فَعِدَّةٌ} أي: فعليه عدة، كقوله: {فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 178]، والتقدير: فعليه صومُ عِدّةٍ، ويكون هذا من باب حذف المضاف (¬5). ¬
وقال أبو إسحاق: التقدير فالذي ينوب عن صومِهِ عِدة (¬1). والعِدَّةُ: فِعْلَة من العَدِّ، وهو بمعنى المعدودة، كالطِّحْن بمعنى المطحون، ومنه يُقَالُ للجماعة المعدودة من الناس: عِدَّة، وعِدّة المرأة من هذا (¬2). وقوله تعالى: {مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} أراد غير أيام مرضه أو سفره (¬3). و (أُخَر) لا ينصرف؛ لأنها جمع أُخرى تأنيث آخر، وآخَرَ على وزن أفعل، وما كان على وزن أفعل فإنه يُستَعمل مع مِنْ أو بالألف واللام، فيقالُ: زيدٌ أفضل من عمرو، وزيد الأفضل، والألف واللام مُعاقبة لـ (مِن) في باب أفعل، فكان القياس يُوجب أن يقال: زيد آخر من عمرو، كما يقال: أقدم من عمرو، إلا أنهم حذفوا (من) من آخر؛ لأن لفظه اقتضى معنى مِنْ، فأسقطوا (مِنْ) اكتفاء بدلالة اللفظ عليه، والألف واللام تعاقب (مِنْ)، فلما جاز استعماله بغير الألف اللام صار آخر وأُخر وأُخْرى معدولة عن حكم نظائرها؛ لأن الألف واللام استعملتا فيها، ثم حُذفتا. فإن قيل: الخروج عن النظائر يُوجب للاسم البناء، فهلا بُني آخر وأُخرى وأخَرُ؟ قيل: إنها وإن خرجت عن حكم نظائرها فليس هو خروجًا مُبَاينًا لما عليه الأسماء، وإنما هو خروج عن حكم تعريف إلى تنكير، وأكثر الأسماء يلحقها التعريف والتنكير، فلم يكن لهذه المخالفة قوةٌ توجب البناء، إلا أنه قد نقصت بهذا العدل لها درجة عن حكم أخواتها، فجعل هذا العدل لها من أقسام العلل المانعة للصرف، فاجتمع فيها في حال ¬
التنكير العدل والصفة، فلذلك لم تنصرف، ومعنى الصفة: أنها مما يوصف به، ألا ترى أنها صفة للأيام في هذه الآية (¬1). وقوله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ} قال الأزهري: يُقَال: طَاقَ يَطُوقُ طَوْقًا، وأَطَاق يُطِيقُ إِطَاقَةً وطَاقَةً، كما يقال: طاع يَطُوعُ طَوْعًا، وأَطَاع يُطِيعُ إِطَاعة وطَاعَةً، والطَّاعَة والطاقة: اسمان يوضعان موضع المصدر (¬2). وقوله تعالى: {فِدْيَةٌ} الفِدْيَة: الجزاء والبدل، من قولك: فديته بكذا، أي (¬3): أعطيته بدلًا منه (¬4)، كقوله تعالى: {وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} [الصافات: 107]، ومضى الكلام في هذا عند قوله: {أُسَارَى تُفَادُوهُمْ} [البقرة: 85]. وقوله تعالى: {طَعَامُ مِسْكِينٍ} قرأ أهل المدينة والشام بإضافة الفِدْيَةِ إلى الطَّعَام وجمع المساكين (¬5). ومعنى الآية: وعلى الذين يطيقون الصيامَ فأفطروا فديةُ طعامٍ؛ لأن ¬
الفدية وجبت بالإفطار لا بالإطاقة، وإنما أضافوا الفدية إلى الطعام، وهي طعام؛ لأن الفدية اسم للقدر الواجب، والطعام اسم يعم الفدية وغيرها، فهذه الإضافة من الإضافة التي تكون بمعنى من، وهو أن تضيف الاسم إلى اسم (¬1) يقع على الاسم الأول، كقولك: ثوبُ خَزٍّ، وقميصُ كتانٍ، وخاتم حديد، والمعنى: ثوبٌ من خَزٍّ، وقميصٌ من كتان، وخاتم من حديد. ألا ترى أنك تطلق على الثوبِ اسم الخز، وعلى القميص اسم الكتان، وعلى الخاتم اسم الحديد، كذلك هاهنا التقدير: فديةٌ من طعام، فأضفت الفدية إلى الطعام، وأنت تطلق على الفدية اسم الطعام. وجمعوا المساكين؛ لأن الذين يطيقونه جماعة، وكل واحد منهم يلزمُهُ طَعامُ مِسْكِين (¬2). وقرأ الباقون: (فِديةٌ) منونةً {طَعَامُ مِسْكِينٍ} على واحد، جعلوا ما بعد الفدية تفسيرًا لها، ووحَّدُوا المسكين؛ لأن المعنى: على كل واحد لكل يوم إطعام مسكين. ومثل هذا في المعنى قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ} وليس جميع القاذفين يُفرَّقُ فيهم جلد ثمانين، إنما على كل واحد منهم جلد ثمانين (¬3) فكذلك على كل واحد منهم طعام مسكين، فأفرد هذا كما جَمَعَ قوله: {فَاجْلِدُوهُمْ}. وقال أبو زيد: أتينا الأميرَ فكسانا كلَّنا حُلّةً وأعطى كلَّنا مائةً، قال: ¬
معناه: كسا كلَّ واحدٍ منا حُلَّةً وأعطى كل واحدِ منا مائة (¬1). فأما حكم قوله: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ} فقال ابن عباس: كانت الإطاقة أن الرجل أو المرأة كان يصبح صائمًا، ثم إن شاء أفطرَ وأطعم لذلك مسكينًا، فنسختها هذه الآية: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} (¬2) وهذا قولُ سلمة بن الأكوع (¬3) (¬4)، وعبد الرحمن بن أبي ليلى (¬5) (¬6)، وعلقمة بن قيس (¬7)، وابن شهاب (¬8)، ومذهب أكثر ¬
العلماء (¬1)، قالوا: كان في ابتداء إيجاب الصوم من شاء صام ومن شاء أفطر وافتدى بالطعام، ثم نسخ الله سبحانه ذلك بقوله: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}. وقوله تعالى: {فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ} قال ابن عباس: زاد في الصدقة، يعنى: على المُدِّ الوَاحِدِ (¬2)؛ لأنه كان يجب مدٌّ واحدٌ على من أطاق الصومَ فَأَفْطَر قبل النسخ، في قول أهل الحجاز وأكثر العلماء (¬3). وقال مجاهد (¬4) والسُدّى (¬5): يطعم مسكينين، وفي هذا القول أيضًا زيادة الصدقة؛ لأنه إذا زاد مسكينا يجب أن يزيد في الصدقة حتى يكون متطوعًا. وقال ابن شهاب: يريد: من صام الفِدْية فهو خيرٌ له (¬6) (¬7). ¬
185
وقوله تعالى: {وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ} أي: الصوم خيرٌ لكم، فالجملة ابتداء وخبر. والمعنى: والصوم خيرٌ لكم من الإفطار والفدية، وهذا إنما كان خيرًا لهم قبل النسخ، وبعد النسخ فلا يجوز أن يقال: الصوم خيرٌ من الإفطار والفدية (¬1). 185 - قوله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ} الآية، الشهر: مأخوذ من الشهرة، تقول شَهَرَ الشيء يَشْهَرُه شَهْرًا: إذا أظهره، وسمي الشَّهْرُ شهرًا لشهرة أمره في حاجة الناس إليه في معاملاتهم، ومحل ديونهم، وقضاء نسكهم في صومهم وحجهم وغير ذلك من أمورهم. قال الليث: والشهر: ظهور الشيء، وسمي (¬2) الهلال شهرًا، قال ابن الأعرابي: لأنه يشهر به (¬3). ¬
وقال الزجاج: سمي الهلال شهرًا لشُهْرتِه وبيانه (¬1). وقال بعضهم: سُمي الشهر شهرًا باسم الهلال إذا أهلّ سمي شهرًا. والعرب تقول: رأيتُ الشَّهْرَ، أي: رأيت هلاله، قال ذو الرمة: يرى الشَّهْرَ قَبْلَ الناسِ وهو بخيلُ (¬2) وقد أَشْهَرْنا، أي: أتى علينا شَهْرٌ. قال الفراء: ولم أسمع منه فعلًا إلا هذا (¬3). وارتفع على البدل من الصيام، كأن المعنى: كتب عليكم شَهْرُ رمضانَ. ويجوز أن يكون ابتداءً، وخَبرُه الذي مع صلته، كقولك: زيد الذي في الدار (¬4). وقال الأخفش: ارتفع على أنه خبر ابتداء محذوف، المعنى: هي شهر رمضان (¬5)؛ لأن قوله: {شَهْرُ رَمَضَانَ} تفسيرٌ للأيام المعدُودات، وتبيين لها، ونحو هذا قال الفراء (¬6)، أراد: ذلكم شهر رمضان، الصيام شهر رمضان، أي: صيامه كما قال في: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا} [النور: 2] أي: فيما فرض عليكم الزانية والزاني، أي: حكمهما، وكذلك: {مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا} قال: والأشبه أن يكون {الَّذِي} وصفًا، ليكون النص قد وقع على الأمر بصيام الشهر، يعنى: أَنَّكَ إن جعلت الذي خبرًا ¬
لم يكن شهر رمضان منصوصًا على صومه بهذا (¬1) اللفظ، إنما يكون مخبرًا عنه بإنزال القرآن فيه، قال: وإذا جعلت الذي وصفًا كان حقُّ النظر أن يكنى عن الشهر في قوله: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} كقولك: شهر رمضان المبارك من شهده فليصمه، قال: وهذا كقوله: {الْحَاقَّةُ (1) مَا الْحَاقَّةُ} [الحاقة:1 - 2] و {الْقَارِعَةُ (1) مَا الْقَارِعَةُ} [القارعة:1 - 2] ونحو ذلك، يعنى: أن ذكر الابتداء أعيد ولم يُكْنَ عنه للتعظيم، كذلك في هذه. والفاء في قوله: {فَمَنْ شَهِدَ} داخل على خبر الابتداء، وليس من حق خبر الابتداء (¬2) دخول الفاء عليه. ونذكر الكلام فيه إذا انتهينا إليه (¬3). و {رَمَضَانَ} لا ينصرف للتعريف وزيادة الألف والنون، مثل: عثمان وسَعْدان. واختلفوا في اشتقاق {رَمَضَانَ}، فقال بعضهم: هو مأخوذ من الرمض، وهو حرُّ الحِجَارة من شدّة حَرِّ الشمس، والاسم: الرَمْضَاء، رَمِضَ الإنسان رَمَضًا: إذا مشى على الرَمضاء، والأرض رَمِضة، فسُمي هذا الشهر رمضان؛ لأن وجوبَ صَومه وافقَ بشِدَّة الحرّ، وهذا القول حكاه الأصمعي عن أبي عمرو (¬4). وحكي عن الخليل أنه قال: مأخذه من الرَّمَضي (¬5)، وهو من السَحَاب ¬
والمطر: ما كان في آخرِ القَيْظ وأول الخريف، سمّي رمَضيًا لأنه يُدرِك سخونةَ الشمس وحَرَّها، فسمي هذا الشهر رمضان؛ لأنه يغسل (¬1) الأبدان من الآثام (¬2). وقيل: هو من قولهم: رمَضتُ النصْلَ أرمِضُه رَمْضًا: إذا دقَقْتَه بين حجرين ليرقَّ، ونصل رَميض ومَرْمُوض، فسمي هذا الشهر رمضان لأنهم كانوا يرمُضُون فيه أسلحتهم، ليقضوا منها أوطارهم في شوالٍ قبل دخول الأشهر الحرم، وهذا القول يُحْكَى عن الأزهري (¬3)، وعلى القولين الأولين يجب أن يكون هذا الاسم إسلاميًا، وقبل الإسلام لا يكون له هذا الاسم، وعلى ما حكاه الأزهري، الاسم جاهلي (¬4). وروي مرفوعًا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال ذات يوم لأصحابه: "أتدرون لم سمي شعبان؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "لأنه يشعب (¬5) فيه خير كثير لرمضان"، أتدرون لم سُمي رمضان؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "لأنه يرمض الذنوب" (¬6). والإرماض: الإحراق. ¬
وروى سلمة عن الفراء، يقال: هذا شهر رمضان، وهما شهرا ربيع، ولا يُذكَر الشهرُ مع سائر أسماء الشهور العربية (¬1)، ونحو هذا يروى عن مجاهد (¬2)، أنه كره أن يقال: رمضان. وروى أنس أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا تقولوا رمضان، انسبوه كما نسبه الله في القرآن، فقال: شهر رمضان" (¬3). وقوله تعالى: {أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} قال ابن عباس: أنزل القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ في ليلة القدر من شهر رمضان، فوضع في ¬
بيت العزة في سماء الدنيا، ثم نزل به جبريل على محمد - صلى الله عليه وسلم - نجومًا (¬1) عشرين سنة (¬2). وقال سفيان بن عيينة: {أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} معناه: أنزل في فضله القرآن. وهذا اختيار الحسين بن الفضل، قال: ومثله: أن تقول: أنزل في الصديق كذا آية، تريد في فضله (¬3). وقال ابن الأنبارى: أنزل في فرضه وإيجاب صومه على الخلق القرآن. كما تقول: أنزل الله في الزكاة كذا وكذا تريد في فرضها، وأنزل في الخمر كذا تريد في تحريمها (¬4). فأما (¬5) القرآن فهو اسم لكلام الله تعالى ¬
واختلفوا (¬1) في اشتقاقه وهمزه، فقرأه أبن كثير بغير همز (¬2). أخبرنا سعيد بن العباس القرشي (¬3) كتابة، ثنا أبو منصور محمد بن أحمد بن الأزهري، ثنا محمد بن يعقوب المعقلي، عن محمد بن عبد الله ابن عبد الحكم (¬4)، أن الشافعي، رحمه الله، كان يقول: القرآن اسم، وليس بمهموز، ولم يؤخذ من قرأت، ولكنه اسم لكتاب الله، مثل التوراة والإنجيل، قال: ويهمز قرأت ولا يهمز القرآن، كما تقول: وإذا قرأت القرآن (¬5). وقول الشافعي: إنه اسم لكتاب الله يشبه أنه ذهب إلى أنه ليس ¬
بمشتق، وقد قال بهذا جماعة، قالوا: إنه اسمُ كلامِه، يجرى مجرى الأعلام في أسماء غيره، كما قيل في اسم الله: إنه غير مشتق، من معنى يجرى مجرى اللقب في صفة غيره (¬1). وذهب آخرون إلى أنه مأخوذ من قَرَنْتُ الشيءَ بالشيء: إذا ضممت أحدَهما إلى الآخر، فسمي لاقتران السور والآيات والحروف، ولأن العبارة عنه: قرن بعضه إلى بعض. فهو مشتق من قرن. والاسم: قران غير مهموز، كما يقال: خرج، والاسم خُراج، ومن هذا يقال للجمع بين الحج والعمرة: قران (¬2). وذكر الأشعري (¬3) رحمه الله هذا المعنى في بعض كتبه فقال: إن كلام (¬4) الله يسمى قُرآنًا؛ لأن العبارةَ عنه قرن بعضه إلى بعض (¬5). ¬
وقال الفراء: ظن أن القرآن سمي من القرائن، وذلك أن الآيات يصدق بعضها بعضًا، ويشبه بعضها بعضًا، فهي قرائن، فمذهب هؤلاء أنه غير مهموز (¬1). وأما الذين همزوا اختلفوا، فقالت طائفة: إنه مصدر القراءة. قال أبو الحسن اللحياني (¬2) (¬3): يقال: قرأت القرآن، فأنا أقرأه قَرْأً (¬4) وقراءةً وقرآنًا، وهو الاسم، قوله: وهو الاسم يعني: أن القرآن يكون مصدرًا لقرأت، ويكون اسمًا لكتاب الله، ومثل القرآن من المصادر: الرُّجْحَان والنُّقْصَان والخُسْران والغُفْران (¬5)، قال ابن مقبل (¬6): يُقَطِّعُ اللَّيلَ تسبيحًا وقرآنًا (¬7) أي: قراءة، هذا هو الأصل، ثم المقروء، ويسمي قرآنًا لأن المفعول يسمى بالمصدر، كما قالوا للمشروب: شراب، وللمكتوب: كتاب، واشتهر هذا الاسم في المقروء حتى إذا طرق الأسماع سبق إلى القلوب أنه المقرُوء، ولهذا لا يجوز أن يقال: القرآن مخلوق مع كون القراءة مخلوقةً؛ ¬
لأن القرآن أشهر تسمية للمقروء (¬1). وقال أبو إسحاق الزجاج (¬2): معنى قرآن معنى الجمع، يقال: ما قَرَأَتْ هذا الناقة سلًا قط، إذا لم يَضْطَم رحمها على ولد، وهذا مذهب أبي عبيدة (¬3)، قال: إنما سُمي القرآن قرآنًا لأنه يجمع السور ويضمها، وأصل القرآن: الجمع، وأنشد قول عمرو: هِجَان اللون (¬4) لم تَقْرأْ جَنِينَا (¬5) أي: لم تجمع في رحمها ولدًا، ومن هذا الأصل: قُرء المرأة، وهو أيام اجتماع الدم في رحمها. وقال قُطْرب (¬6) في (القرآن) قولين: أحدهما: ما ذكرنا وهو قول أبي إسحاق وأبي عبيدة. والثاني: أنه سُمي قرآنًا؛ لأن القارئ يُظهرُه ويبينه ويلقيه من فيه، أخذ من قول العرب: ما قَرَأَتِ الناقة سلًا قَط، أي: ما رمت بولد، ونحو ¬
هذا قال أبو الهيثم واللّحياني، أي: ما أسقطت ولدًا قَط، وما طرَحت، وتأوِيلُه: ما حَمَلَتْ قَطّ. وأنشد قول حميد: أَرَاها الوليد أن الخلا فتشذّرتْ ... مرَاحًا ولم يقرأ (¬1) جنينًا ولا دمَا (¬2) قال: معناه: لم ترمِ بجنين، وسمي قرء المرأة من هذا على مذهب أهل العراق، والقرآن يلفظه القارئ من فيه ويلقيه، فسمي قرآنًا، ومعنى قرأت القرآن: لفظت به مجموعًا (¬3). قال أبو إسحاق: وهذا القول ليس بخارج من الصحة وهو حسن. قَرَأْتُه أي: جَمَعْتُه (¬4). فبيّن على هذا أنه اسمٌ منقول من اسمِ هذا الحدث، كما أن قولنا: (زيد) في اسم رجل منقول من مصدر زاد يزيد، فأما دخول لام التعريف فيه بعد النقل فكدخوله في الحارث والعباس والفضل بعد النقل. ومذهب الخليل وسيبويه في هذه الأسماء التي يسمى بها، وفيها الألف واللام: أنها بمنزلة صفات غالبةٍ، كالنابغة والصَّعِق، وهذا فيما ينقل من الصفات، فأما الفضل فإنما (¬5) دخله الألف واللام لأنه (¬6) أيضًا ¬
على (¬1) وعلى هذا دخلت اللام في قولنا: القرآن، ومن هذه الأسماء ما يكون اللام فيه تعريفًا ثانيًا، كما قالوا في اسم الشمس: إلاهة والإلاهة (¬2)، ومنها ما يكون اللام فيه زائدة، نحو قوله: يا ليت أم العمرو كانت صاحبي (¬3) قال: وقول من يقول: إنّ القرآن غير مهموز من قَرَنْتُ الشيء بالشيء سهو، وإنما هو تخفيف الهمزة ونقل حركتها إلى الساكن قبلها، فصار اللفظ به كفُعَال، من قرنت، وليس منه، ألا ترى أنك لو سميت رجلًا بقُرَان (¬4) مخفف الهمزة لم تصرفه في المعرفة، كما لا تصرف عثمان، ولو أردت به فعالا من قرنت لا تصرف في المعرفة والنكرة، ذكر ذلك أبو علي في المسائل الحلبية (¬5). وقوله تعالى: {هُدًى لِلنَّاسِ} أي: هاديًا، وهو حال قد سَدّ مَسَدّ المفعول الثاني لأنزل (¬6)، و {بَيِّنَاتٍ} عطف على قوله {هُدًى}، ¬
وتأويله: أنزل القرآن بيانًا للناس (¬1). والبيِّنَات: جَمْعُ بينة، يقال: بانَ الشيءُ يبين بيانًا فهو بين، مثل: بيِّع بمعنى بايع. والبيِّنات: الواضحات (¬2). وقوله تعالى: {مِنَ الْهُدَى} يريد: من الحلال والحرام والحدود والأحكام. وذكرنا معنى الفرقان في قوله: {وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ} [البقرة: 53]، قال عطاء عن ابن عباس في قوله: {وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى}: يريد: من الرشاد إلى مرضاة الله، {وَالْفُرْقَانِ} يريد: فرّق فيه بين الحق والباطل، وبيّن لكم ما تأتون وما تَذَرُونُ. وقوله تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ} زعم الأخفش والمازني: أن الفاء ههنا زائدة، وذلك أن الفاء تدخل للعطف أو للجزاء أو زيادة، وليس للعطف ولا للجزاء ههنا مذهب (¬3)، ومن زيادة الفاء: قوله: {قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ} [الجمعة: 8] وقول الشاعر: لا تجزعي إِنْ مُنْفِسًا أهلكته ... وإذا هلكت فعند ذلك فاجزعي (¬4) ألا ترى أن إحدى الفاءين لا تكون إلا زائدة؛ لأن (إذا) إنما تقتضى جوابًا واحدًا. ¬
قال أبو علي: ولا يمتنع (¬1) أن يكون دخول الفاء لمعنى الجزاء؛ لأن شهر رمضان وإن كان معرفة فليس معرفة (¬2) بعينه (¬3)، ألا ترى أنه شائع في جميع هذا القبيل، لايراد به واحدٌ بعينه، فلا يمتنع من أجل ذلك من معنى الجزاء، كما يمتنع ما يشار به إلى واحد مخصوص، ومن ثم لم يمتنع ذلك في صفة الموت في قوله: {قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ} [الجمعة: 8]، لأن الموت ليس يراد به موتٌ بعينه، إنما يراد به الشِّيَاع ومعنى الجنس وخلاف الخصوص، والجزاءُ بوجبُ الشِّياع والإبهام واستغراق الجميع، ويكون التقدير فيه: الذي أنزل فيه القرآن من هذه الشهور التي سمي الواحد منها رمضان فمن شهده فليصمه (¬4). وقوله تعالى: {شَهِدَ} أي: حضر. ومعنى الشهود في اللغة: الحضور (¬5)، ومفعول شهد محذوف؛ لأن المعنى: فمن {شَهِدَ} منكم البلد أو بيته، يعنى: لم يكن مُسَافرًا (¬6). ¬
وقوله تعالى: {الشَّهْرَ} انتصابه على الظرف، ولا يجوز أن يكون مفعولًا به؛ لأنه ما من أحدٍ غَابَ أو حضر إلّا وهو يشهد الشهر، لكن المعنى: من شهد منكم بيته في الشهر (¬1)، ولا بد أيضًا من إضمار حال الشاهد وصفته، التي بوجودها يجب الصوم، وهو أن يقال: من شهد منكم الشهر عاقلًا بالغًا مقيمًا صحيحًا (¬2). قوله: {فَلْيَصُمْهُ}، قال ابن عباس وأكثر أهل التأويل: معناه: فليصم ما شَهِدَ منه؛ لأنه إن سافر في حال الشهر كان له الإفطار (¬3). وذهب طائفة إلى أنه إذا شهد أول الشهر مقيمًا ثم سافر لم يحل له الإفطار. وهو قول النخعي (¬4) والسُدي (¬5) وابن سيرين (¬6) ومذهب ¬
جماعة (¬1) وقوله تعالى: {وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ} أعاد هاهُنا تخييرَ المريض والمسافر وترخيصهما في الإفطار؛ لأن الله تعالى ذكر في الآية الأولى تخيير المقيمين بقوله: {فَلْيَصُمْهُ}، فلو اقتصر على هذا لاحتمل أن يعود النسخ إلى تخيير الجميع، فأعاد بعد النسخ ترخيصَ المسافر والمريض؛ ليعلم أنه باق على ما كان (¬2). والمرض الذي يبيح الإفطار هو كل مرض كان الأغلبُ من أمر صاحبه بالصوم الزيادةَ في علته زيادةً لا يحتمله، والأصل فيه: أنه إذا أجهده الصوم أفطر (¬3). ¬
وحدُّ السَّفَرِ الذي يبيح الإفطار (¬1): ستة عشر فرسخا (¬2) فصاعدًا. والإفطار رخصة من الله للمسافر، فمَنْ (¬3) أَفْطَرَ فبرخصة الله أخذ، ومن صام ففرضه أدّى، على هذا عامة الفقهاء (¬4). ومن أجهده الصوم في السفر كره له ذلك (¬5)، وفي مثل هذا: جاء ما روي أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "ليس من البر الصوم في ¬
السفر" (¬1) يريد: لمن يشق عليه ويجهده. وذهب قومٌ من الصَّحَابة إلى أن الإفطار في السفر واجب (¬2). وقوله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ} أي: بالرخصة للمسافر والمريض (¬3). واليُسْر في اللغة: معناه: السهولة، ومنه يقال للغِنَى والسَّعَة: اليَسَار؛ لأنه يتسهل به الأمور، واليد اليُسْرى قيل: على التفاؤل باليسر، وقيل: لأنه يتسهل الأمر بمعاونتها اليمنى (¬4). وقوله تعالى: {وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} لأنه لم يشدد ولم يضيق عليكم. وهذه الإرادة ونفي الإرادة تختص بالأحكام لأهل الإسلام (¬5) (¬6). قال الحسين بن الفضل: يريد الله أن يكون أمره بالصوم عليكم ميسَّرًا، ولم يرد أن يكون أمره بالصوم عليكم مُعَسَّرًا (¬7). وقوله تعالى: {وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ} ذكرنا معنى العدة (¬8)، والمدةُ من الأيام تسمى عِدَّة، قال أبو زيد: يقال انقضت عدة الرجل إذا انقضى ¬
أجله (¬1). قال عطاء عن ابن عباس: ولتكملوا عدة أيام الشهر، إن كان ثلاثين قضيتم ثلاثين، وإن كان تسعًا وعشرين قضيتم تسعًا وعشرين، عددًا (¬2) بعدد (¬3). وروي عنه أيضا يعني: عدة ما أفطرتم، يوما مكان يوم. رواه الكلبي عن أبي صالح عنه (¬4)، فحمل ابن عباس إكمال العدة في الروايتين على قضاء رمضان (¬5). ومعنى الواو في قوله: {وَلِتُكْمِلُوا} على هذا التفسير: العطف على معنى الكلام لا على ظاهر اللفظ، وذلك أن في إباحته الإفطار للمريض والمسافر تسهيل، فتأويل الكلام: فعل الله ذلك ليسهل عليكم، ولتكملوا العدة إذا أقمتم وبرأتم، والعرب ربما تحمل الكلام على المعاني وتترك اللفظ، أنشد الزجاج (¬6): بادَت وغُيِّر آيُهنّ مع البلى ... إلا رَواكدَ جمرهُن هباءُ ومشججٌ أما سواءُ قذاله ... فبدا وغيّبَ سارَه المَعْزَاءُ (¬7) ¬
فعطف المشجج على معنى: بها رواكِد ومشجج؛ لأنه لما قال: بادت إلا رواكد ومشجج علم أن المعنى بقيت رواكدُ ومشجج (¬1). واحتج ابن الأنباري لهذه الطريقة بقول الشاعر: قد سالَمَ الحياتُ منه القَدَما ... الأُفْعُوانَ والشُّجَاع الشَّجْعَما (¬2) رد الأفعوان والشجاع على الحيات بالنصب، وهي مرفوعة على تغليب المعنى وتحلية (¬3) اللفظ؛ لأن الحيات إذا سالمت القدم فقد سالمتها القدم. قال: ويحتمل أن تكون الواو عاطفة على مضمر في الكلام يدل عليه المعنى، والتأويل: يريد الله بكم اليُسر، ولا يريد بكم العسر، ليسعدكم ولتكملوا العدة، فحذفت اللام الأولى لوضوح معناها، وبقيت الثانية منعطفة عليها؛ لأن قيام معناها في الكلام يجري مجرى إظهارها. واختار الفراء هذا القول، وقال: معنى الآية: ولتكملوا العدة في قضاء ما أفطرتم، والواو واو استئناف، واللام من صلة فعل مضمر بعدها، والتقدير: ولتكملوا العدةَ فعلَ ذلك، أو شرع ذلك، أي: الرخصة في الإفطار. ومثله: {وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ ¬
الْمُوقِنِينَ} [الأنعام: 75]، أي وليكون من الموقنين أريناه ذلك، وروي عن ابن عباس أيضا ما يدل على أن المراد بإكمال العدة إكمالها في الأداء لا في القضاء، وهو أنه قال في قوله {وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ} يعني: عدة أيام الشهر (¬1). وتقدير الآية على هذا التفسير: يريد الله بكم اليُسر ولا يريد بكم العُسْر، ويريد لتكملوا العدة. والمفسرون على أن المراد به إكمالُ العِدّة في القضاء (¬2). وفي قوله: {وَلِتُكْمِلُوا}، قراءتان: التخفيف والتشديد (¬3)، فمن خَفَّفَ فلقوله: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} (¬4) [المائدة: 3]، وقد قال امرؤ القيس: طوالُ المتون والعرانين والقنا ... لِطافُ الخُصور في تمام وإكمال (¬5) ومن شدَّدَ فلأن فَعَّل وأفعل يتعاقبان في أكثر الأحوال، كما ذكرنا في وصَّى وأوصى (¬6). وقال النابغة: ¬
فكمَّلَتْ مائةً فيها حمامتُها ... وأسرعت حسبةً في ذلك العددِ (¬1) واللام في {وَلِتُكْمِلُوا}، لام كي (¬2)، وليستْ لامَ الأمر، ولو كانت لامَ الأمرِ لجاز تسكينُها مع الواو؛ لأنه إذا دخل على لام الأمر الواو أو الفاء أو ثم جاز تسكينها وتحريكها، كقوله: {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ} [الحج: 29]، قرئ بالتسكين والحركة (¬3) (¬4). ونذكر الكلام فيه في سورة الحج إن شاء الله. قوله تعالى: {وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ} قال عطاء عن ابن عباس: يريد لتعظموا الله على. ما أرشدكم له من شرائع الدين (¬5). وقال أكثر العلماء (¬6): أراد به التكبير ليلة الفطر (¬7). قال ابن عباس في هذه الآية: حقٌّ على المسلمينَ إذا رَأَوا هَلالَ ¬
186
شوالٍ أن يُكبروا (¬1). 186 - قوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي} الآية، قال الضحاك: سأل بعض الصحابة النبي - صلى الله عليه وسلم -: أقريب ربُنا فنناجيه أم بعيد فنناديه؟ فأنزل الله هذه الآية (¬2). وقال الحسن سأل أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - (¬3) فقالوا: أين ربنا؟ فأنزل الله هذه الآية (¬4). وقوله تعالى: {فَإِنِّي قَرِيبٌ} قال عطاء عن ابن عباس: من أوليائي وأهل طاعتي (¬5). ¬
وقال أهل المعاني: يريد قربَه بالعلم، كما قال: {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ} [المجادلة: 7]، وقال: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} [الحديد: 4]، يريد بالعلم (¬1). وقوله تعالى: {أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} قال ابن عباس: أَتَقَبَّل عبادةَ من عَبَدَني وَوَحَّدني (¬2). ¬
ويصحُّ حملُ الإجابة على القبول إذا حملت الدعاء على العبادة، والدعاءُ ضُرُوبٌ، فما كان توحيدًا وثناءً على الله، كقولك: يا الله لا إله إلا أنت، وقولك: ربنا لك الحمد يكون عبادة، لأنك دعوت الله ثم وحدته وأثنيت عليه، ولهذا يسمى دعاءً، ولما سمى العبادة دعاءً سمى القبول إجابةً؛ ليتجانس اللفظ، ومثله كثير في كلام العرب (¬1). وقال ابن الأنباري: {أُجِيبُ} هاهنا معناه: أسمع؛ لأنه أَخْبَر عن قُرْبه تعالى، وظاهر القُرْب يدل على السماع لا على الإجابة، والإجابة قد تكون في بعض المواضع بمعنى السماع؛ لأنها تترتب على السماع، فسمى السماعَ إجابةً، كما تقول: دعوت من لا يجيب، أي: دعوت من لا يسمع. قال الشاعر: منزلة صَمَّ صداها وعَفَتْ ... أرسُمُها إن سُئلتْ لم تُجبِ (¬2) أراد: لم تَسْمَع، فنفى الإجابة؛ لأن نفيها يدل على نفي السمع، وكما جعلوا الإجابة بمعنى السمع جعلوا السمع بمعنى الإجابة، فيقال: سمع الله لمن حمده، يراد به: أَجَابه. وأنشد أحمد بن يحيى عن ابن الأعرابي: دعوتُ الله حتى خِفْتُ أن لا ... يكونَ اللهُ يَسْمَعُ ما أقولُ (¬3) ¬
أرأد: يجيب، وإنما قام أحدهما مقام الآخرة لأنهما يترتبان في الوجود (¬1). وقال السدي: ما من مؤمن يدعو الله إلا استجاب له، فإما أن عجل له في الدنيا، وإما ادّخر (¬2) له في الآخرة، أو دفع به عنه مكروهًا (¬3). و {أُجِيبُ} موضعه نصبٌ (¬4) على الحَال، تأويله: فإني قريبٌ مجيبًا دعوةَ الداعي، فلما كان مستقبلًا رفع بما في أوله، ويجوز أن يكون مستأنفًا منقطعا مما قبله، ويجوز أن يكون محمولًا على {قَرِيبٌ}. تأويله: فإني قريبٌ مجيب، فلما كان في لفظ الاستقبال رفع بالألف، وتأويله الرفع على النعت لقريب (¬5). وقوله تعالى: {فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي} أي: فليجيبوني بالطاعة وتصديق الرسل. وأجاب واستجاب بمعنى (¬6). قال كعب الغنوي (¬7): ¬
وداعٍ دَعَا يا (¬1) مَنْ يُجِيبُ إلى النَّدى ... فلم يَسْتَجِبْه عندَ ذَاك مُجِيْبُ (¬2) قال أهل المعاني: الإجابة من العبد لله تعالى: الطاعة، وإجابة كلِّ شيء على وفق السؤال، والله تعالى تَعَبَّدَنا بالطاعة، فالإجابة منّا له أن نطيعه، يقال: سأل فلان فلانًا شيئًا فلم يكن له عنده إجابة، أي: إعطاء لأن سؤاله كان استعطاءً، ويقال: أجابت السماء بالمطر، إذا أرسلت المطر، وأجابت الأرضُ بالنبات إذا أنبتت (¬3)، قال زهير: وغيثٍ من الوسمي حُوٍّ تِلاعُه ... أجابت روابيه النِّجَاءَ هَوَاطِلُه (¬4). وقوله تعالى: {لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} أي: ليكونوا على رجاء من إصابة الرشد (¬5). ¬
187
وقال ابن عباس: لكي يرشدوا (¬1)، ويقال: رَشِدَ يَرشَدُ ورشَدَ يَرْشُدُ: إذا أصاب الرشد، وهو نقيض الغي (¬2). 187 - قوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ} الآية قال المفسرون: كان في أول فرض الصيام الجماع محرَّما في ليل الصيام، والأكل والشرب بعد العشاء الآخرة، فأحل الله عز وجل ذلك كله إلى طلوع الفجر (¬3). وقوله تعالى: {لَيْلَةَ الصِّيَامِ} أراد: لَياليَ الصِّيام، فأوقع الواحد مَوْقِعَ الجماعة (¬4)، ومنه قول العباس بن مرداس (¬5): فقلنا اسلموا إنا أخوكم ... فقد برئت من الإِحنِ الصُّدُور وأما (¬6) الرفث، قال الليث: الرفث: الجماع، وأصله: قول الفحش، وأنشد الزجاج: عن اللَّغَا ورَفَثِ التَّكَلُّمِ (¬7) ¬
يقال: رَفَثَ في كلامه يَرْفُثُ، وأرفث: إذا تكلم بالقبيح، هذا هو الأصل، ثم يكنى به عن الجماع (¬1). قال أبو إسحاق: الرَّفَثُ: كلمة جامعة لكل ما يريده الرجل من المرأة (¬2). وقال عطاء فيما روى عن ابن عباس: الرفث: الجماع (¬3). قال ابن عباس: إن الله حيي كريم يكني، فما ذكر الله في القرآن من المباشرة والملامسة والإفضاء والدخول والرفث فإنما يعنى به الجماع (¬4). قال الزجاجي: قد تأملنا الألفاظ الواردة عن العرب، المستعملة في معنى الجماع، فما وجدنا فيها لفظةً وُضِعَتْ حقيقة في معنى الجماع حتى ¬
لا تستعمل في غيره، لكن الكلمة إذا كثر استعمالها في معنى ويكون موضوعها لمعنى آخر فإنها تصير حقيقةً فيما استعملت فيه كثيرًا، حتى إذا أطلق لم يعرف غير ذلك، كما تقول في المباضعة، فإن أصلها من البَضْع، وهو قَطْعُ اللحم، فإذا أطلق لم يعرف منه غير معنى الجماع، كما أن نفس قولنا: فَرْج كناية، فإذا أطلقوا الفرج لم يعرف منه غير هذا المعنى المقصود إليه. وقالوا: بَاضَعَها كأنه باشر بُضْعَها، ولم يقولوا: فارجها، وصارت المباضعة كالحقيقة في معنى الجماع؛ لأنهم لا يستعملونها في غيره، ألا ترى أنهم يقولون: غَشِيَها وتَغَشَّاها، ووَطِئَها وتوطاها، وقربها، وبَطَنَها وتَبَطَنَها، وكل هذه الألفاظ موضوعةٌ لغير هذا المعنى (¬1). وذكر جماعة من أهل هذه الصناعة: أن صريحَ اللفظ المستعمل في المباضعة قولهم: ناك ينيكُ نَيْكا، وليس كما ذهبوا إليه؛ لأن هذه اللفظة مستعارة أيضا، وقد ذكر أبو زيد عن العرب: ناكَ النعاسُ عينَهُ، ونكح النعاس بمعنى (¬2)، فجعل أصل الكلمة اللزوم والمواظبة. وأما معنى النكاح فسنذكره عند قوله: {وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ} [البقرة: 221]، إن شاء الله. قال أبو عبيدة: الرّفث إلى نسائكم: الإفضاء إلى نسائكم (¬3)، قال الأخفش: وانما عدّاه بإلى لأنه كان بمعنى الإفضاء (¬4). ¬
وقوله تعالى: {هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ} أصلُ اللِّباس: ما يَلْبَسُه الإنسان مما يواري جَسَدَه، ثم المرأة تسمى لباسَ الرّجل، والرجل لباس المرأة؛ لانضمام جسد كل واحد منهما إلى جسد صاحبه، حتى يصير كل واحد منهما لصاحبه كالثوب (¬1) الذي يلبسه، فلما كانا يتلابسان عند الجماع سمي كل واحد منهما لباسا للآخر (¬2). قال الجعدي (¬3): إذا ما الضجيعُ ثنى جيدَها ... تثنّتْ فكانت عليه لباسا (¬4) والعرب تسمى المرأة: اللباس، والفراش، والإزار، وأم العيال، والرَبَضَ (¬5) والبيت. وقيل في قوله: فدًى لك من أخي ثقةٍ إزاري (¬6) ¬
أي: نسائي (¬1). ومنه: أكِبرٌ غَيّرني أم بيت (¬2) وقول (¬3) الآخر: جاء الشتاء ولمّا أتخِذْ رَبَضًا (¬4) وهذا المعنى الذي ذكرناه في اللباس (¬5) هاهنا موافق لما قاله المفسرون، قال الربيع: هن فراش لكم وأنتم لحاف لهن (¬6). وقال ابن زيد في قوله: {هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ} قال: ¬
للمواقعة (¬1)، يريد: أن كلَّ واحد منهما يستر صاحبه عند الجماع عن أبصار الناس، (¬2) وهذا من خصائص الإنسان. قال عمرو بن يحيى (¬3): ليس شيء من الحيوان يتبطن طروقته غير الإنسان والتمساح. وزاد غيره: الدُبُّ. ومعنى تبطن: أتى من جهة البطن (¬4). وقيل: {هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ} أي: سكن لكم وأنتم سكن لهن، وهو قول ابن عباس في جميع الروايات (¬5)، وقول مجاهد (¬6) وقتادة (¬7). والمعنى: أنكم تلابسونهن وتخالطونهن بالمساكنة، وهن كذلك، أي: قَلَّ ما يَصْبرُ أحد الزوجين عن الآخر. ويقال: إنما سُمِي الزوجان (¬8) لباسًا؛ لسَتر كل واحد منهما صاحبه عما لا يحلّ (¬9)، كما جاء في الخبر: (من تزوج فقد أحرز ثلثي دينه) (¬10). ¬
وإنما وحد (¬1) اللباس بعد قوله: {هُنَّ} لأنه يجري مجرى المصدر. وفِعَال من مصادر فاعل، وتأويله: هنّ ملابسات لكم. وقوله تعالى: {عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ} يقال: خَانه خَوْنًا وخِيانَةً ومَخَانَةً واخْتَانَه اخْتِيانًا: إذا لم يف له، والسيف إذا نبا عن الضريبة فقد خانك، وخَانَه الدهرُ والنعيمُ: إذا تغير حاله إلى شر منها. قال ابن قتيبة: الخيانة: أن يؤتمن الرجلُ على شيء فلا يؤدي الأمانةَ فيه، وناقض العهدِ خائن؛ لأنه آمن بالعهد فغدره، ومنه قوله: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً} [الأنفال: 58]. أي: نقضا للعهد، ويقال لعاصي المسلمين: خائن؛ لأنه مؤتمن على دينه، ومنه قوله: {لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ} [الأنفال: 27]، أي: بالمعاصي (¬2). ¬
وقوله: {عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ} أي: تخونونها بالمعصية، قال ابن عباس: يريد فيما ائتمنتكم عليه (¬1)، وخيانتهم: أنهم كانوا يباشرون ليالي الصيام (¬2). وقوله تعالى: {فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ} يريد: عمر وأصحابه، وذلك أنه واقع أهله بعد ما صلى العشاء الآخرة، فلما اغتسل أخذ يبكي، فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - وطلب الرخصة، واعترف رجال بمثل ما صنع عمر فنزلت هذه الآية فيه وفي أصحابه (¬3). وقوله تعالى: {فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ} أمر إباحة (¬4)، والمباشرة: المجامعة؛ لتلاصق البشرتين وانضمامهما (¬5). وقوله تعالى: {وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} أكثر المفسرين على أن المراد بهذا: الولد، أي: اطلبوا بالمباشرة ما قضى الله لكم من الولد (¬6). ¬
وقال قتادة: يعنى الرخصةَ التي كتبتُ لكم (¬1)، وقال معاذ بن جبل (¬2) وابن عباس في رواية أبي الجوزاء (¬3): يعني: ليلةَ القدر، وكل هذا مما تحتمله الآية. وقال أبو إسحاق: الصحيح عندي أن ما كتب الله لنا هو (¬4) القرآن، أي: اتبعوا القرآن فيما أبيح لكم فيه (¬5) وأمرتم به (¬6). وقوله تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا} أمر إباحة حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود (¬7) روي في تفسير هذا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال لعدي بن حاتم: "إنما ذاك بياض النهار من سواد الليل" (¬8). وبهذا قال عامة أهل التفسير (¬9)، والعرب قد تكلمت بهذا اللفظ في ¬
الليل والنهار، قال أمية الثقفي (¬1): الخيط الأبيض لون الصبح منفلق ... والخيط الأسود لون الليل مركوم (¬2) (¬3) وقال أبو دواد (¬4): فَلمّا أَضَاءت لنا غُدْوَة ... ولاحَ من الصُّبْح خَيْطٌ أَنَارا (¬5) واختلفوا لم سميا خيطين؟ (¬6) فقال الأكثرون: إنما (¬7) يسمى خيطين عند اختلاط الضوء بالظلام والتفاف أحدهما بالآخر؛ شبها (¬8) بخيطين بريمين، ومن هذا يقال: خَيّطَ الشيبُ رأسَه، إذا اختلط السواد بالبياض، ¬
ذكره أبو عبيد عن الأصمعي، وأنشد: حتى تُخَيَّطَ (¬1) بالبياض قروني (¬2) البيت لبدر الهذلي، وأوله: آليت لا أنسى منيحة واحدٍ يعنى بالمنحة: هجاء مهاجيه (¬3). وقرأت على أبي الحسين الفسوي: أخبركم حمد بن محمد، قال: أنشدنا الحسن بن خلّاد، قال: أنشدني دريد، قال: أنشدنا ابن أخي الأصمعي، عن عَمِّه، لرجل يصف ليلًا: كأن بقايا (¬4) الليل في أخرياته ... مُلاءٌ يبقى (¬5) من طيالسة خضرِ تخال بقاياه التي أسأر الدجى ... تمدُّ وشِيعًا فوق أرديةِ الفجرِ (¬6) فشبهها بالوشيع، وهو فتائل الغزل؛ لما يتراءى في خلاله من خيوط سوادٍ وبياضٍ. وقال الزجاج: هما فجران، أحدهما: يبدو أسود معترضًا، وهو الخيط الأسود، والأبيض: الذي يطلع ساطعًا يملأ الأفق (¬7)، فعندهما ¬
الخيطان: هما الفجران، سميّا لامتدادهما، تشبيهًا بالخيطين. وقوله تعالى: {مِنَ الْفَجْرِ} الفجر: مصدر قولك: فَجَرْتُ الماء أَفْجُره فَجْرًا، وفَجرتُه تفجيرًا، فانفجر انفجارًا، إذا سال. قال الأزهري: أصله: الشق، ومنه: فَجْرُ السِّكْر (¬1)، فعلى هذا، الفجر في آخر الليل: هو شق عمود الصبح الليل، شَبَّه شقَّ الضوءِ ظُلْمةَ الليل بفجر الماء الحوض (¬2). قال سهل بن سعد (¬3): لما نزل قوله: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ} كان الرجل إذا أراد الصوم ربط في رجله خيطين أسود وأبيض، فلا يزال يأكل ويشرب حتى يتبين له رِئْيُهُما، فأنزل الله: {مِنَ الْفَجْرِ}، فعلموا أنه يعني: الليل والنهار (¬4). فالأكل للصائم بالليل ¬
منظوم في الإباحة بإباحة المباشرة المذكورة قبله بمثل معناها في التوقيت، فقد أباح عز وجل المباشرة والأكل والشرب في ليالي الصوم وإلى انفجار الصبح، وفي هذا ما يدفع قول من يتهول: إن الجنب إذا أصبح قبل الاغتسال لم يكن له صوم؛ لأن المباشرة إذا كانت مباحة إلى انفجار الصبح لم يمكنه الاغتسال إلا بعد انفجار الصبح (¬1). وقوله تعالى: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} جعل الليل منتهى الصوم، ولم يُدْخِل الليلَ في الصوم، كما دخل المرفق في الغسل في قوله: {وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} [المائدة: 6] لأن الليل ليس من جنس النهار، والمرفق (من جنس اليد) (¬2). قال أحمد بن يحيى: سبيل الغاية الدخول والخروج، وكلا الأمرين فيهما ممكن، كما تقول: أكلتُ السمكةَ إلى رأسها، جائز أن يكون الرأس داخلًا في الأكل وخارجًا منه، وخرج الليلُ من الصوم؛ لأنه لا يشك ذو عقل أن الليل لا يُصام، ودخلت المرافق في الغسل أخذًا بالأوثق، ثم انضم إلى هذا تبيين السنة (¬3). ¬
وقال قوم: (إلى) في هذه الآية للتحديد، وفي آية الوضوء معناه مع. كقوله: {مَنْ أَنصَارِىَ إِلَى اَللَّهِ} [آل عمران: 52]. وقوله: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ} [النساء: 2] (¬1). وقوله تعالى: {وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} قال المفسرون: كان الرجلُ يخرجُ من المسجد وهو معتكف فيجامع ثم يعود، فنهوا عن ذلك ما داموا معتكفين (¬2)، فالجماع يفسد الاعتكاف، وأما المباشرةُ غيرُ الجماع مما يُقْصدُ به التلذُّذُ فهو مَكْروه، ولا يفسده، وما لا يقصد به التلذذ فلا يكره (¬3). ¬
وقوله تعالى: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ} أشار إلى الأحكام التي ذكرها في هذه الآية. وأما معنى الحد، فقالَ الليثُ: فَصْل ما بينَ كلِّ شَيْئين: حد، ومنتهى كل شيء حدُّه. قال الأزهري: ومن هذا: حدود الأرضين، وحدود الحرم. قال أهل اللغة: أصل الحد: الصرفُ والمنعُ عن (¬1) ومنه يقال للمحروم: محدودٌ؛ لأنه ممنوع عن الرزق، ولهذا قيل للبواب: حدَّاد؛ لأنه يمنع الناس من الدخول، قال الأعشى: وقُمْنا ولَّما يَصِحْ ديكُنَا ... إلى جَوْنَةٍ عند حَدَّادها (¬2). يعني: صاحبها الذي يحفظها ويمنعها (¬3)، والجونة: الخابية، ومنه قول النابغة: ...... فاحدُدْها عن الفَنَد (¬4) ¬
أي: امنعها. وحَدُّ الدار: ما يمنع غيرها أن يدخلَ فيها، وحدودُ الله: ما منع الله من مخالفتها (¬1). قال الأزهري: حدود الله على ضربين. ضرب منها: ما حُدَّ للناسِ في مطاعمهم ومشاربهم ومناكحهم وغيرها مما أحل وحرم، وأمر بالانتهاء إليها (¬2)، ونهى عن تعدّيها. والضرب الثاني: عقوبات جعلت لمن تعداها (¬3) كحد السارق وحد الزاني وحد القاذف، سميت حدودًا؛ لأنها تحدُّ، أي: تمنع من ارتكاب المعاصي التي جعلت عقوباتٍ فيها، وسميت الأولى حدودًا؛ لأنها نهايات أمر الله لا تُتَعَدَّى (¬4). وعلى ما ذكر الأزهري، وهو حسن صحيح، الضرب الأول سمي حدودًا؛ لأنها ممنوعة لا تؤتى، كالأكل بعد الفجر في الصوم، والضرب الثاني: مانعٌ، والمصدر يطلق على المفعول والفاعل كثيرًا، كقولهم: نسجُ اليمن، وضربُ الأمير، وقوله عز وجل: {إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا} [تبارك: 30]. ويؤكد ما ذكرنا من المعنى في الحدود قوله تعالى: {فَلَا تَقْرَبُوهَا} أي: لا تأتوها فبيّن أنها ممنوعة (¬5). ¬
188
وقوله تعالى: {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ} أي: مثل هذا البيان الذي ذكر (¬1). 188 - قوله تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} أي: لا يأكل (¬2) بعضكم مالَ بعضٍ. فأضافَ الأموالَ إليهم؛ لأن المؤمنين كجسد واحدٍ في توادِّهم وتعاطفِهم وتَرَاحمِهم، كذا قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (¬3). ومثله قوله: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} [النساء: 29] (¬4). وقوله تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} معنى الباطل في اللغة: الذاهب الزائل، يقال: بَطَلَ الشيء يبطُل بُطْلًا وبُطولًا فهو باطل، ويجمع الباطل: بَوَاطل، وأَبَاطِيل جمع أُبْطُولَة، ويقال: بَطَل الأجيرُ يَبْطُلُ بِطَالَة، إذا تَعَطَّل واتبع اللهو، ومثله: تبطّل (¬5). ¬
قال ابن عباس: يعني: بغير طاعة الله عز وجل، واليمين الكاذبة يقتطع الرجل بها مال أخيه المسلم (¬1). قال أهل المعاني: الأكلُ بالباطل على وجهين: أحدهما: أن يكون على جهة الظلم، من نحو: الغَصْب والخيانة والسرقة، والثاني: على جهة اللهو واللعب، كالذي يُؤْخَذُ في القمار والملاهي ونحوها، كلُّ ذلك من أكل المال الباطل (¬2). وقوله تعالى: {وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ} في محل {وَتُدْلُوا} من الإعراب قولان (¬3) ذكر في قوله: {وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ} [البقرة: 42]. وأصل الإدلاء في اللغة: إرسال الدلو وإلقاؤها في البئر، قال الله تعالى: {فَأَدْلَى دَلْوَهُ} [يوسف: 19]، ثم جعل كل إلقاء قول أو فعل إدلاءً، ومنه يقال للمحتج: أدلى بحجته، كأنه يرسلها ليصل إلى مراده إدلاءَ المستقى الدلوَ ليصل إلى مطلوبه من الماء، ويقال: فلان يُدلي إلى الميت بقرابة ورَحِم، إذا كان يَمت إليه من هذا؛ لأنه يطلب الميراث بتلك القرابة طلب ¬
المستقي الماء بالدلو (¬1). ومعنى قوله: {وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ} أي: تلقون أمورَ تلك الأموال بينكم وبين أربابها إلى الحكام. قال ابن عباس: نزلت في الرجل يكون عليه مال، وليس عليه فيه بينة، فيجحد المال، ويخاصم فيه إلى الحكام، وهو يعرف أن الحقَّ عليه، ولعلم أنه آثمٌ آكلُ حرامٍ (¬2). وقال الحسن: هو أن يكون على الرجل لصاحبه حَقٌّ، فإذا طالبه به دعاه إلى الحاكم فيحلف له، ولذهب بحقه (¬3). وعلى هذا المعنى تفسير لفظ الآية ما ذكره الزجاج، وهو أنه قال: معنى أدلى فلان بحجته: إذا أرسلها، وأتى بها على صحة. قال: فمعنى قوله: {وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ} أي: تعملون على ما يوجبه ظاهر الحكم والإدلاء بالحجة، وتتركون ما قد علمتم (¬4)، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: "إنما أنا بشر، ولعل بعضَكُم أن يكون أَلْحَنَ بِحُجَّتِه من بعض" الحديث (¬5). ¬
189
والمختار في هذه الآية ما ذكره الفراء، وهو أنه قال: المعنى: لا تصانعوا بأموالكم الحكام، ليقتطعوا لكم حقًّا لغيركم وأنتم تعلمون أنه لا يحل لكم (¬1). قال الأزهري: وهذا عندي أصح القولين؛ لأن الهاء في قوله {بِهَا} للأموال، وهي على قول الزجاج للحجة، ولا ذكر لها في الكلام (¬2). واختار ابن قتيبة أيضًا قول الفراء، فقال: يقول: لا تُدْلِ بمالِ أخيك إلى الحاكم ليَحكمَ لك به وأنت تعلم أنك ظالم له (¬3). وقوله تعالى: {لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا} أي: طائفة (¬4). {مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ} قال ابن عباس: يريد باليمين الكاذبة (¬5). وقال غيرُه: بالباطل (¬6)، يعني: بأن يرشو الحاكم ليقضي له {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} أنكم مبطلون وأنه لا يحلُّ لَكم (¬7). 189 - قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ} الآية. قال المفسرون: سأل معاذ بن جبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن زيادة القمر ونقصانه؟ فأنزل الله هذه الآية (¬8). ¬
والأهلة: جمع هِلال، وهو غُرّة القمر حين يراها (¬1) الناس، يقال لها (¬2): هلال ليلتين، ثم يكون قمرًا بعد ذلك. وقال أبو الهيثم: يسمى القمر لليلتين من أول الشهر وليلتين (¬3) من آخر الشهر: هلالًا، ويسمى ما بين ذلك: قمرًا، وسمي الهلال هلالاً: لأنه حين يرى يُهلِّ الناس بذكر الله وبذكره (¬4). ويقال: أُهِلّ الهلال، واستُهِلّ، وأهللنا الهلال، واستَهْلَلْناه (¬5)، إذا بُني الفعل للهلال ضُمَّ، وإذا بُنِيَ للرائين فُتِح. هذا قول عامة أهل اللغة، وقال شمِر: يقال: استَهَلَّ الهلال أيضًا وشهر مُستَهِلٌّ، وأنشد: ¬
وشهرٌ مُستهلٌّ بعد شَهْر ... وحَوْلٌ بعدَه (¬1) حولٌ جديد (¬2) (¬3) قال ابو إسحاق: فِعَالٌ يجمع في أقل العدد على أَفْعِلَة، نحو: مِثَال وأَمْثِلَة، وحِمَارٌ وأَحْمِرَة، وفي أكثر العدد يجمع على فُعُل، نحو: مُثُل وحُمُر، إلَّا أنهم كَرِهوا في التضعيف فُعُلا، نحو هُلُل وحُلُل (¬4)، واقتصروا على جمع أدنى العدد، كما اقتصروا في ذوات الياء والواو على ذلك، نحو: أَكْسِيَة وأَرْدِيَة، للقليلِ والكثير (¬5). أخبرَ اللهُ سبحانه أن الحكمةَ في زيادة القمر ونقصانه زوال الالتباس عن أوقات الناس في حَجِّهم (¬6)، وحَلِّ ديونهم، وعِدَدِ نسائهم، وأجور أُجَرَائِهم، ومُدَدِ حواملهم، ووقت صومهم وإفطارهم، فقال: {قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} (¬7). والمواقيت: جمع الميقات، والميقات: الوقت، كالميعاد بمعنى الوعد. وقال بعضهم: الميقات: منتهى الوقت، قال الله تعالى {فَتَمَّ مِيقَتُ رَبِّهِ} [الأعراف: 142] والهلال: ميقات الشهر، ومواضع الإحرام: ¬
مواقيت للحج؛ لأنها مقادير يُنْتَهَى (¬1) إليها (¬2). ولا يصرف مواقيت؛ لأنها غاية للجموع، فصار كأن الجمع تكرر فيها. فإن قيل: لم صرفت {قَوَارِيرَ} [الإنسان: 15]؟ قيل: لأنها فاصلة وقعت في رأس آية، فنُوِّن ليجري على طريقة الآيات كما ينون القوافي في مثل: أقلي اللومَ عاذلَ والعتابا (¬3) فالألفُ بدلٌ من التنوين، وليس هو تنوين الصرف الذي يدل على تَمَكُّن الاسم، وإنما هو للفاصلة (¬4). وقوله تعالى: {وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا} قال عامة أهل التفسير: كان أهلُ الجاهلية وفي أول الإسلام إذا أحرم الرجل منهم نَقَبَ في بيته نَقْبًا من مُؤَخَّرِه يخرج منه ويدخل، إلا قريشًا ومن دانوا بدينهم، فبينما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو (¬5) محرم، ورجل محرم فرآه دخل من باب حائط، فاتبعه ذلك الرجل، فقال له: تنح عنى، قال: ولم؟ قال: دخلت من الباب وأنت محرم! فوقف ذلك الرجل فقال: إني رضيت بسنتك وهديك، وقد ¬
رأيتك دخلت فدخلت على إثرك، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إني أحمس" (¬1)، يعني: قرشي، وكانت قريش لا تفعل ذلك، قال الرجل: فإن كنت أحمس فإني أحمس (¬2) ديننا واحد، فأنزل الله هذه الآية (¬3)، وأعلمهم أن تشديدهم في الإحرام ليس ببر، ولكن البِرَّ بِرُّ من اتقى مخالفةَ اللهِ، وأمرهم بتركِ سُنَّةِ ¬
الجاهلية فقال: وأتوا البيوت من أبوابها. وقوله تعالى: {وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى} كقوله: {وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ} [البقرة: 177]، وقد مرَّ. وذهب أبو عبيدة في تفسير هذه الآية إلى غير ما ذكرنا، وهو أنه قال: معناه: ليس البرُّ بأن تطلبوا الخير من غير أهله، وتلتمسوا الأمر من غير بابه، {وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا}. أي: اطلبوا الخير من وجهه والأمر من بابه (¬1)، والقول ما عليه العامة. واختلف القراء في {الْبُيُوتَ} وأخواته، كالجيوب والغيوب، فقرؤوا بضم أولها وكسره (¬2)، فمن ضم فهو الأصل، لأن فَعْلًا يجمع على فُعُول بضم الفاء، ومن كسر فلأجل موافقة الياء، فإن الكسرة أشد موافقة للياء من الضمة، ولا يستقبح ذلك، وإن لم يكن في كلامهم فِعُل؛ لأن الحركة إذا كانت للتقريب من الحرف لم تُكره، ولم تكن بمنزلة مالا تقريب فيه، ألا ترى أنه لم يجئ في الكلام عند سيبويه على فِعِل إلا إِبِل، وقد أكثروا من هذا البناء، واستعملوه على اطراد، إذا كان القصد فيه تقريب الحركة من ¬
190
الحرف، وذلك قولهم ماضغٌ لِهِمٌ، ورجل ضِحِكٌ (¬1)، وقالوا في الفعل: شِهِدَ ولِعِب، وقد استعملوا في إرادة التقريب ما ليس في كلامهم (¬2) على بنائه البتة، وذلك نحو شِعِير ورِغيف وشِهِيد، وليس في الكلام شيء على فِعِيل على غير هذا الوجه، فكذلك في {اَلْبُيُوتَ} يستجاز فيه ما ذكرنا للتقريب والتوفيق بين الحرفين. ومما يدل على جواز ذلك: أنه إذا كانت عين الحرف ياءً جوزوا كسر الفاء في التحقير، فقالوا: عِيَيْنَةُ وبِيَيْتٌ، بكسر الفاء، للتقريب من الياء، وإن لم يكُن في أبنية التحقير على هذا الوزن. ويدلّ على صحة هذا: أنه قد جاء في الجموع ما لزمته الكسرة في الفاء، وذلك قولهم في جمع قوس: قِسي، فلولا أن الكسر قد تَمَكَّن في هذا الباب للتقريب من الياء ما كان الحرف يجيء على الكسر خاصة حتى لا يستعمل فيه غيره (¬3). 190 - قوله تعالى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} أي: في دين الله وطاعته (¬4)، قال الربيع (¬5) وابن زيد (¬6): هذه أول آية نزلت في القتال، فلما نزلت كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقاتل من قاتله، ويكفُّ عمن كف عنه، حتى ¬
نزلت: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِين} [التوبة: 5]، فنُسخت هذه الآية، وأُمِرَ بالقتال مع المشركين كافة. ومعنى قوله: {وَلَا تَعْتَدُوا} أي: لا تبدؤوهم ولا تعجلوهم بالقتال قبل تقديم الدعوة (¬1). وقال ابن عباس (¬2) ومجاهد (¬3): الآية محكمة، أُمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيها (¬4) بالقتال، ولم ينسخ شيء من حكم هذه الآية. قالا (¬5): ومعنى قوله: {وَلَا تَعْتَدُوا} أي: لا تقتلوا النساء والصبيان والشيخ الكبير ولا من ألقى إليكم السَّلَم وكف يده، فإن فعلتم ذلك فقد اعتديتم (¬6). وقال في رواية الكلبي: نزلت هذه الآيات في صلح الحديبية (¬7)، وذلك ¬
أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما انصرف من الحديبية إلى المدينة حين صَدَّه المشركون عن البيت صالحهم على أن يرجع عامه القابل، ويُخْلُوا له مكة ثلاثة أيام، فلما كان العام المقبل تجهز رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه لعمرة القضاء (¬1)، خافوا أن لا تفي لهم قريش، وأن يصدوهم عن البيت، ويقاتلوهم، وكره أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قتالهم في الشهر الحرام، في الحرم، فأنزل الله عز وجل: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} محرمين {الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ} يعني: قريشا (¬2). ¬
191
{وَلَا تَعْتَدُوا} ولا تظلموا، فتبدؤوا في الحرم بالقتال (¬1). 191 - ثم قال: {وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ} قال الليث: ثَقِفْنا فلانًا في موضع كذا، أي: أخذناه، ومصدره: الثَّقْف، وقال الفراء في المصادر: ثَقِفَ يَثْقَفُ ثَقْفًا، وربما ثُقِّل، فقيل: ثَقَفًا (¬2) (¬3). قال المفسرون: أي: حيث وجدتموهم (¬4). وقال الزجاج: معنى الآية: لا تمتنعوا من قتلهم في الحرم وغيره (¬5)، أينما وجدتموهم وصادفتموهم وظفرتم بهم (¬6) وقوله تعالى: {وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ} يعني: مكة (¬7) {وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ} يعني: وشركهم بالله عز وجل أعظم من قتلكم إياهم في الحرم والحُرُم والإحرام (¬8). ¬
وذكرنا معاني الفتنة عند قوله: {إِنَّمَا نَحنُ فِتنَةٌ} [البقرة: 102]. وقال بعض أصحاب المعاني: سُمِّيَ الكفرُ فتنةً: لأن الكفر إظهار الفساد عند الاختبار، وأصل الفتنة: الاختبار (¬1). وقوله تعالى: {وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ} قال مقاتل: نَسَخَ هذا قولَه: {وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُم} ثم (¬2) نسخ هذا قولُه: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} [التوبة: 5]، فهذه الآية ناسخة ومنسوخة، وعنده يجوز الابتداء بالقتال في الحَرَم (¬3). ¬
193
وقال آخرون: إنهم نُهُوا عن ابتدائهم بقتل أو قتال، حتى يبتدئ المشركون بذلك، وهذه الآية محكمة. ولا يجوز الابتداء بالقتال في الحرم، وعلى هذا أكثر المفسرين، وغلّطوا مقاتلًا فيما قال (¬1). وقرأ حمزةُ والكِسائي (ولا تقتلوهم) (حتى يقتلوكم) (فإن قتلوكم) هذه الثلاثة بغير ألف (¬2)، وجاز ذلك، وإن وقع القتل ببعض دون بعض؛ لأن العرب تقول: قتلنا بني تميم، وإنما قتلوا بعضهم (¬3). 193 - وقوله تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ} أي: شرك (¬4)، يعني: قاتلوهم حتى يُسْلموا، فليس يُقْبَلُ من المشرك الوثني جِزْيةٌ، ولا يُرضى منه إلا بالإسلام (¬5)، {وَيَكُونَ الدِّينُ}، أي: الطاعة والعبادة {لله} ¬
194
وحده، ولا يُعبد دونه شيء (¬1). {فَإِنِ انْتَهَوْا} أي: عن الكفر (¬2) {فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ} أي: الكافرين الواضعين العبادة في غير موضعها (¬3)، والذي عليهم إنما سماه عدوانًا على معنى الجزاء والقصاص؛ لأن ما يكون منهم عُدوان فسمي الذي عليهم عدوانًا، كقوله: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} [الشورى: 40] وذلك أنه في صورة العدوان من حيث إنه قَتلٌ ونهبٌ واسترقاقٌ (¬4). 194 - قوله تعالى: {الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ} قال المفسرون: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - صُدّ عام الحديبية سنة ستٍ، ثم عاد في سنة سبع، ودخل مكة وقضى العُمرة في ذي القَعدة، فأنزل الله هذه الآية، يريد: ذو القعدة، الذي دخلتم فيه مكةَ، واعتمرتم {بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ}: ذي القعدة، الذي صددتم فيه عن البيت، يعني: أن هذا جزاء ذاك وبدله. وتأويله: العمرة في الشهر ¬
الحرام من سنة سبع بدلٌ من الصدّ في الشهر الحرام سنة ستٍ (¬1). والحرمات: جمع حُرْمَة، والحُرْمَة: ما مُنِع من انتهاكه (¬2). والقصاص: المساواة والمماثلة، ذكرنا ذلك. وأراد بالحرمات: الشهر الحرام، والبلد الحرام، وحُرمة الإحرام (¬3). ومعنى قوله: {وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ} أي: اقتصصت لكم منهم، حيث أضاعوا وانتهكوا هذه الحرمات في سنة ستٍ، فقضيتم على زعمهم ما فاتكم في سنة سبع (¬4). قال مجاهدٌ: فَخَرت قريش أن صدت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن البيت الحرام في الشهر الحرام، في البلد الحرام، فأقصه الله، فدخل عليهم من القابل، في الشهر الحرام، في البلد الحرام، في البيت الحرام، وأنزل الله هذه الآية (¬5)، هذا قول أكثر المفسرين (¬6). ¬
والصحيح في تفسير هذه الآية: ما قاله ابن عباس في رواية عطاء: {الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ} يريد: إن قاتلوكم في الشهر الحرام، فقاتلوهم في مثله (¬1)، واختار الزجاج هذا القول، فقال: معناه: قتال الشهر الحرام بقتال الشهر الحرام (¬2). وقوله تعالى: {وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ} قال ابن عباس: يريد: إن انتهكوا لكم حرمةً فانتهكوا منهم مثل ذلك. وقال الزجاج: أعلم الله عز وجل أن أمر هذه الحرمات قصاص (¬3)، أي: لا يكون للمسلمين أن ينتهكوها على سبيل الابتداء، ولكن على سبيل القصاص. وهذا القول أولى القولين بالصواب، وأشبهها بالآية وبما (¬4) قبلها، وهو قوله: {وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ} [البقرة: 191] والذي يدل عليه من سياق الآية. قوله تعالى: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} أي: ظلم، فقاتل، {فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ}. وسمى الثاني اعتداءً لأنه مجازاة اعتداء فَسُمِّي بمثل اسمه؛ لأن صورةَ الفِعْلين واحدة، وإن كان أحدهما طاعة والآخر معصية، ¬
195
والعرب تقول: ظلمني فلان فظلمته، إذا جازيته بظلمه، وجَهِلَ عَلَيَّ فَجَهِلْتُ عليه، أي: جازيته بجهله. قال عمرو (¬1): ألا لا يَجْهَلَن أحدٌ علينا ... فَنَجْهَل فوق جَهْلِ الجاهلينا (¬2) أي: نكافئ على الجهل بأكثر من مقداره، ومثله من التنزيل: قوله عز وجل: {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ} [آل عمران: 54] وقوله: {فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ} [التوبة: 79] (¬3). 195 - وقوله تعالى: {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} كل ما أمر الله به من الخير فهو في سبيل الله، وأكثر ما استعمل في الجهاد؛ لأنه السبيل الذي يقاتل فيه على عقد الدين (¬4). وقوله تعالى: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} قال أبو عبيدة (¬5) والزجاج (¬6): التَهْلُكة: الهلاك، يقال: هلك يهلك هَلاكًا وهُلْكًا وهَلَكًا وتَهلُكةً. ¬
قال الخارزنجي (¬1): لا أَعْلَمُ في كلام العَرب مصدرًا على تفعُلة بضم العين إلا هذا (¬2). قال أبو علي: قد حكى سيبويه التَّضُرَّةُ والتَّسُرَّة وقد جاء هذا المثال اسما غير مصدر، حكى سيبويه: التتفل والتنضُب قال: ولا نعلمه جاء صفةً (¬3). وقال الليث: التَّهْلُكَة: كل شيء تصيرُ عَاقبتُه إلى الهلاك. ومعنى الهَلاكِ: الضياعُ، وهو مصير الشيء بحيث لا يُدْرى أين هو (¬4). ومعنى قوله: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ}، لا تأخذوا في ذلك، يقال لكل من أخذ في عمل: قد ألقى يديه فيه (¬5)، ومنه: ¬
حتى إذا ألقت يدًا في كافر (¬1) أي: بدأت (¬2) في المغيب (¬3). وقال المبرد: عبر بالأيدي عن النفس، أراد: لا تلقوا أنفسكم إلى التهلكة، فعبر بالبَعْضِ عن الكُلِّ، كقوله: {بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ} [الحج: 10] {فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} [الشورى: 30] (¬4). والباء زائدة، أراد: لا تلقوا أيديكم، يدل عليه قوله {وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ} [النحل: 15]. فعدّى بغير الباء (¬5). وقال أبو علي: المعنى لا تقربوا مما يهلككم؛ لأن من ألقى يَدَهُ إلى الشيء فقد قَرُبَ منه، وهذا مبالغة (في الزجر) (¬6) وتأكيد، لأن النهي إذا وقع عن (¬7) مشارفته ومُقاربته فمباشرته أولى بالانتهاء، وكان المعنى: لا تقربوا من ترك الإنفاق في سبيل الله (¬8). ¬
وأكثر أهل التفسير على أن معنى قول {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}، أي: لا تمسكوا ولا تبخلوا عن الإنفاق في سبيل الله. والمراد بهذه الآية: النَّهْيُ عن ترك النفقة في الجهاد، إما أن ينفق على نفسه ويخرج، وإما أن ينفق على من يغزو من المسلمين (¬1)، حتى قال ابن عباس: أنفق في سبيل الله، وإن لم يكن لك إلا سهم أو مشقص، ولا يقولن أحدكم: لا أجد شيئًا (¬2). وقال السدي، في هذه الآية: أنفق في سبيل الله ولو عقالًا. {وَلَا تُلْقُوا ¬
بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} لا تقل: ليس عندي شيء (¬1). وقال أبو إسحاق معناه: أنكم إن لم تنفقوا في سبيل الله هلكتم، أي: عصيتم الله فهلكتم، وجائز أن يكون هلكتم بتقوّي عدوكم عليكم (¬2). فعلى هذا معنى التهلكة: الهلاك بالعصيان بترك النفقة، والهلاك بقوة العدو عند ترك النفقة في الجهاد. وقال أبو أيوب الأنصاري (¬3): إنها نزلت فينا معشر الأنصار، لما أعز الله دينَهُ ونَصَر رَسُوله، قلنا: لو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها، فأنزل الله هذه الآية (¬4). ¬
فعلى هذا، التهلكة: الإقامة في الأهل والمال وترك الجهاد. والمعنى: لا تتركوا الجهاد فتهلكوا، فسمى ترك الجهاد تَهُلكة؛ لأنه يؤدي إلى الهلاك في الدنيا بقوة العدو وفي الآخرة بالعصيان (¬1). وفي الآية قول ثالث، وهو ما روي عن البراء بن عازب (¬2): أنه قيل له في هذه الآية: أهو (¬3) الرجل يحمل على الكتيبة وهم ألف بالسيف؟ قال: لا، ولكنه الرجل يصيب الذنب فيلقي بيديه (¬4) ويقول: لا توبة لي؟ (¬5). ¬
وهذا القول اختيار يمان (¬1) بن رِئَاب (¬2) (¬3) والمفضل (¬4)، قالا: يقال للرجل إذا استسلم للهلاك ويئس من النجاة: ألقى بيديه (¬5). وقال الفضيل: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} بإساءة الظن بالله (¬6)، فعلى هذا القول التهلكة: هو ترك التوبة، والقنوط من رحمة الله، أو إساءة الظن بالله عز وجل في الإخلاف عند الإنفاق (¬7). قال أبو علي الفارسي: الباء في قوله: (بأيديكم) زيادة، المعنى: (ولا تلقوا أيديكم) يدل على ذلك قوله تعالى: {وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ} [النحل: 15] {وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ} [الحجر: 19] و {سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ} [آل عمران: 151]، وزيادتها ههنا كزيادتها في قوله: {أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى} [العلق: 14] (¬8). ¬
وقوله تعالى: {وَأَحْسِنُوا} معناه على القول الأول في التهلكة: أنفقوا في سبيل الله، فمن أنفق في سبيل الله فهو محسن. قال ابن عباس: أي (¬1): أحسنوا الظن بالله، فإنه يُضَاعِفُ الثواب، ويُخْلِفُ لكم النفقة (¬2)، فالإحسان على هذا محمول على إحسان الظن بالله في الخُلْف، وعلى القول الثاني: جاهدوا، والمجاهد في سبيل الله محسنٌ، وعلى القول الثالث: تفسير الإحسان إحسان الظن بالله في قبول التوبة وغفران الذنوب (¬3). ... ¬
المملكة العربية السعودية وزارة التعليم العالي جامعة الإِمام محمد بن سعود الإسلامية عماد البحث العلمي سلسلة الرسائل الجامعية التَّفْسِيرُ البَسِيْط لأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي (ت 468 هـ) سورة البقرة من آية (196) - آخر السورة تحقيق د. محمد بن عبد العزيز الخضيري أشرف على طباعته وإخراجه د. عبد العزيز بن سطام آل سعود ... أ. د. تركى بن سهو العتيبي الجزء الرابع
المملكة العربية السعودية وزارة التعليم العالي جامعة الإِمام محمد بن سعود الإسلامية عماد البحث العلمي سلسلة الرسائل الجامعية التَّفْسِيرُ البَسِيْط لأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي (ت 468 هـ) سورة البقرة من آية (196) - آخر السورة تحقيق د. محمد بن عبد العزيز الخضيري أشرف على طباعته وإخراجه د. عبد العزيز بن سطام آل سعود ... أ. د. تركى بن سهو العتيبي الجزء الرابع
جامعة الإِمام محمد بن سعود الإسلامية 1430هـ فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر الواحدي, علي بن أحمد التفسير البسيط لأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي (ت468هـ)./ علي بن أحمد الواحدي, محمد بن صالح بن عبد الله الفوزان, الرياض1430هـ. 25مج. (سلسلة الرسائل الجامعية) ردمك:4 - 857 - 04 - 9960 - 978 (مجموعة) 1 - 858 - 04 - 9960 - 978 (ج1) 1 - القرآن تفسير ... 2 - الواحدي, علي بن أحمد أ- العنوان ... ب- السلسة ديوي 2273 ... 868/ 1430 رقم الإيداع: 868/ 1430 هـ ردمك 4 - 857 - 04 - 9960 - 978 (مجموعة) 1 - 858 - 04 - 9960 - 978 (ج1)
التَّفْسِيرُ البَسِيْط لأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي (ت 468 هـ) [4]
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
196
196 - قوله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} الآية. قال ابن عباس (¬1) ومجاهد (¬2): أتِمُّوهما بمناسِكِهما وحدودِهما وسننِهِما وتأديةِ كل ما فيهما (¬3). وقال ابن مسعود (¬4) وعلي (¬5) رضي الله عنهما: إتمامُهُما: أن تُحرم بهما من دُوَيْرة أهلك مؤتنفَيْن. وبهذا قال سعيد بن جبير (¬6) وطاوس (¬7). وفي إيجاب العمرة قولان: ¬
أحدهما: أنها (¬1) واجبة، وهو مذهب علي (¬2) وابن عباس (¬3)، وقول الشافعي في الجديد (¬4). قال ابن عباس: والله إن العمرة لقرينة الحج في كتاب الله {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} (¬5). وقال مسروق: نزلت العمرة من الحج منزلة الزكاة من الصلاة، ثم تلا هذه الآية (¬6). فمن أوجَبَ العمرةَ تأول الإتمام على معنى الابتداء، أي: أقيموهما وافعلوهما بما فيهما من الأعمال، كقوله تعالى: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ ¬
فَأَتَمَّهُنَّ} [البقرة: 124]، أي: فعلهن وقام بهن، وقوله: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة: 187]، أي: ثم ابتدؤوا الصيام وأتموه؛ لأنه ذكر الإتمام عَقِيب الأكل والشرب (¬1). وفرائض الحَجِّ أربعةٌ: الإحرامُ، والوقوفُ، وطوافُ الإفاضة، والسعيُ (¬2). وأعمال العمرة: الإحرامُ، والطوافُ، والسعي، والحلق والتقصير (¬3)، وأقله: ثلاث شَعَرات (¬4). القول الثاني: أن العمرة سنةٌ وليست بفريضة، وهو مذهب أهل العراق (¬5)، وحملوا الآية على معنى: أتموها إذا دخلتم فيها، كالمتطوع ¬
بالحج يلزمه المضي فيه إذا شرع فيه (¬1). والقول الأول أولى لأن فيه جمعاً بين وجهي الإتمام، ومعناه: ابتدئوا العمرة فإذا دخلتم فيها فأتموها، وقد تقول لمن لم يشرع في أمر: أَتِمَّ هذا الأمر (¬2). وقوله تعالى: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ} اختلف أهلُ اللغةِ في الحَصْر والإحْصَار، ففرَّق بينهما قوم. أقرأني العروضي، قال: أقرأنا الأزهري، عن المنذري، عن ابن فهم، عن محمد بن سلام (¬3)، عن يونس، قال: إذا رُدّ الرجل عن وجه يريده فقد أُحْصر، وإذا حُبِسَ فقد حُصر (¬4). وبهذا الإسناد عن المنذري، عن الحرَّاني، عن ابن السِّكِّيت (¬5): ¬
أحصره المرض: إذا منعه من السفر أو من حاجة يريدها، وحَصَرَه العَدُوّ: إذا ضَيَّق عليه (¬1). وأقرأني سعيد بن أبي بكر الزاهد، عن أبي عليٍّ الحسنِ (¬2) بن أحمد الفارسي، عن أبي إسحاقَ الزجاج، قال: الروايةُ عن أهل اللغة للذي يمنعه الخوف أو المرض: أُحْصِر، وللمحبوس: حُصِر (¬3). وقال ابن قتيبة في قوله: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ}: هو أن يَعْرِضَ للرجل ما يحول بينه وبين الحج من مَرَضٍ أو كَسْرٍ أو عَدُو، يقال: قد أُحصر فهو محصَر، فإن حُبِس في سجن أو في دار قيل: حُصِر فهو مَحصُور (¬4). وهذا هو قول الفراء في المَصَادر، ونحو (¬5) ذلك ذكر أبو عبيد عن أبي عبيدة (¬6). وذهب قوم إلى أنهما بمعنى واحد، قال الزجاج، في باب الوفاق من فَعَلْت وأَفْعَلْت، يقال للرجل: من حَصَرك ههنُا، ومن أحصرك؟. وقال أحمدُ بن يحيى: أصل الحَصْرِ والإِحْصَار: الحبس، وحُصِرَ في ¬
الحبس أقوى من أُحْصِر (¬1). وقال الأزهري: الرواية عن ابن عباس صحيحة أنه قال: لا حصر (¬2) إلا حصر العدو (¬3)، فَجَعْلُه بغير ألف جائزٌ، بمعنى قول الله تعالى: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ} (¬4). وقال الفراء: يقال للذي يمنعه خوف أو مرض: أُحْصِر، ولمن حُبِسَ قَهْرًا: حُصر، فإن نويت بقهر السلطان أنها عِلَّةٌ مانعةٌ ولم يذهب إلى فعل الفاعل جاز فيه أحصر، وإن نويت في العلة (¬5) أنها حبسته جاز حُصِر (¬6). هذا كلام أهل اللغة في الحصر والإحصار، وأصل الباب: الحَبْس، ومنه يقال للذي لا يبوح بسرِّه: حَصِرَة لأنه حبس نفسه عن البَوْح (¬7) قال ¬
جرير: ولقد تَكَنَّفَنِي الوُشَاةُ فَصَادفوا ... حَصِراً بسرِّكِ يا أُمَيْمُ ضَنِيْنَا (¬1) والحَصْر: احتباس الغائط، والحصير: المَلِك؛ لأنه كالمحبوس في الحجاب، وهو في شعر لبيد: جِنٌّ لَدَى بابِ الحَصِيرِ قِيامُ (¬2) والحصير: المعروف، وسَقِيْفُ من بَرْديٍّ (¬3)؛ لانضمام بعضه إلى بعض، كحبس (¬4) الشيء مع غيره، ومنه يقال للجَنْب: حصير، تشبيهًا به (¬5). فأما حُكْمُ الإِحْصار فمذهب أهل العراق: أن كل مانع منع المُحْرم عن الوصول إلى البيت من: مَرَضٍ أو جُرْح أو كسر أو خوف عدو أو أي مانع كان، فإنه يقيم مكانه على إحرامه، ولبعث بهديه، أو بثمن الهدي، فإذا نحر الهدي حَلَّ من إحرامه. واحتجوا بأن الإحصار من طريق اللفظ عام ¬
في كل مانع (¬1). وأما مذهب أهل الحجاز (¬2)، وهو مذهب الشافعي (¬3)، رحمه الله، أن الحكم المتعلق بالإحصار إنما يتعلق بحبس العدو عن الوصول إلى البيت، فأما سائر الأعذار فغير داخل في الآية، والدليل على (¬4) هذا سببُ النزول، وهو إحصار العدوِّ للنبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه بالحُدَيْبِيَةِ (¬5)، يَدُلُّ على أن المراد به حبس العدو فقط، قوله في سياق الآية: {فَإِذَا أَمِنْتُمْ} ولم يقل: فإذا أندملتم (¬6)، والأمن المطلق يقتضى الخوف المطلق من العدو، لأنه قال: ¬
{فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا} فعُلم أن الإحصار في الآية ليس بالمرض، وأيضًا ذكرنا عن ابن عباس أنه قال: لا حصر إلا حصر العدو (¬1). وقولهم: الإحصار عام، قلنا: هو عام من حيث اللفظ، خاص ههنا في حبس العدو، بما (¬2) ذكرنا من الدليل (¬3). فإذا (¬4) بان أن الإحصار هو قهر العدو بالحبس عن البيت، فالرجل إذا أحرم بحجٍّ أو عُمْرةٍ انحتم عليه الإتمام، حتى لو أفسد الإحرام بالجماع وجب عليه المضي في فَاسِدِ الإحرام، وإنما يباح التحلل (¬5) من الإحرام بإحصار العدو، كما أُحْصِر رسول الله (¬6). ثم إن كان الحج فَرْضاً أو العمرة فأحصره العدو فقال الشافعي: إذا أُحْصِرَ بعدوٍّ كافرٍ أو مسلم، أو سُلْطَان يحبسه في سجن، نحر هديًا بالإحصار حيث أُحْصِر في حِلٍّ أو حَرَم، وحَلَّ من إحرامه، وعليه القَضَاءُ إذا انْجَلَى الحَصْر، فإن انجلى الحَصْرُ عاجلاً أمكنه القضاء في ذلك العام، وإن كان النُّسُكُ في الأصل نفلاً فأُحْصِر فَتَحَلَّلَ فلا قضاء عليه من طريق الوجوب، ولكن يُسْتَحَبُّ له ذَلكَ، وإذا لم يجد هديًا يشتريه، أو كان فقيرًا، ففيه قَوْلان: أحدهما: لا يحل إلا بهدي. ¬
والآخر: إذا لم يَقْدِر عليه حَلَّ، وأتى به إذا قَدَرَ عَليه (¬1). وأما المحصر بالمرض، فإنه يصير على إحرامه ولا يتحلل، وله أن يتداوى بما لابد منه ويفتدي، ويأتي في هذه الآية ذكره (¬2). وفي الآية إضمار، تقديره: فإن أحصرتم دون تمام الحج والعمرة، وجاز الحذف لأن ما تقدم يدل عليه (¬3). قوله تعالى: {فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} محل "ما" رفع. المعنى: فواجبٌ عليكم ما استيسر (¬4). قال الفراء: ولو نصبتَ على معنى: اهْدُوا ما استيسر، كان صوابًا، وأكثر ما جاء في القرآن من أشباهه مرفوع (¬5). ¬
واستَيْسر بمعنى: تيسر، ومثله استعظم، أي: تَعَظَّم، واسْتَكْبَر، أي: تَكَبَّر (¬1). والهَدْيُ: جَمْعُ هَدْيَة، مثل: شَرْية وشَرْي، وجَدْيَة وجَدْي (¬2). قال أحمد بن يحيى: أهلُ الحجاز يُخَفِّفُون الهَدْي، وتميمٌ تُثَقِّلُهُ، فيقولون: هديّة وهديّ، مثل مطيّة ومَطِيّ (¬3). قال الشاعر: حَلَفْتُ بربِّ مَكَّةَ والمُصَلَّى ... وأعْنَاقِ الهَديِّ مُقَلَّداتِ (¬4) ومعنى الهَدْي: ما يُهْدَى إلى بيت الله عزّ وجلّ تَقَرُّبًا إليه، بمنزلة الهَدِيَّةِ يُهْدِيها الإنسان إلى غيره متقربًا بها إليه (¬5). قال علي (¬6) وابن ¬
عباس (¬1) والحسن (¬2) وقتادة (¬3) في هذه الآية: أعلاه بدنة، وأوسطه بقرة، وأخسُّه شاة، فعليه ما تيسر له من هذه الأجناس. وقوله تعالى: {وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} أي: لا تَتَحَلَّلُوا من إحرامكم حتى يُنْحَرَ الهَدْيُ (¬4). ومعنى {حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} أي: حيث يَحِلُّ ذبحُه ونَحْرُه، يُقال: حلَّ الشيء يَحِلُّ حَلاَلاً وحِلاًّ، وهذا أوان محله، أي: حينَ حَلَّ (¬5)، كقوله - صلى الله عليه وسلم - في اللحم الذي تصدّق على بريرة: "قربوه فقد بَلَغ محله" (¬6) أي: حل لنا ¬
بالهدية إلينا (¬1)، بعد أن كان صدقة على بريرة (¬2) (¬3). وهكذا فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، حين صُدُّوا عن البيت، نَحَروا هَدْيَهُم بالحديبية ليست من الحرم (¬4). قال الشافعي رحمه الله: وكل ما وجب على المحرم في ماله من بَدَنةٍ وجَزَاء وَهَدْي فلا يُجْزِي إلا في الحرم، لمساكين أهله، إلا في موضعين: أحدهما: دم المحصر بالعدو، فإنه ينحر حيث حبس ولحل. والآخر: من ساق هديًا فعَطب في طريقه ذبحه وخلى بينه وبين المساكين (¬5). هذا على مذهب أهل الحجاز (¬6)، وعلى مذهب أهل العراق محلُّ ¬
هدي المحصر الحرمُ، ولا محل له غيره، فإن كان حاجًا فمحله يوم النحر، وإن كان معتمرًا فمحله (¬1) يوم يبلغ هديه الحرم (¬2). وحقيقة الخلاف تعود إلى أن عند أهل الحجاز المحل في هذه الآية اسمًا للأوان الذي يحل فيه ذبح الهدي عن المحصر، وعند غيرهم المحل اسم للمكان (¬3). وقوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ} نزلت في كعب ابن عُجْرة (¬4) قال: مر بي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زمن الحديبية ولي وفرة من شعر فيها القَمْل والصِّيبَان، وهي تَتَناثر على وجْهي وأنا أطبخ قِدرًا لي، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أيؤذيك هوام رأسك؟ " قلت: نعم يا رسول الله قال: "احلق رأسك"، فأنزل الله عز وجل: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ} (¬5) أي: ¬
فحلق أو فداوى فعليه فدية يفدي بها إحرامه؛ لأنه يجبر بها ما وقع من خلل في إحرامه (¬1). والحكم في هذا: أن المحرم إذا تأذّى بهوامِّ رأسِه أو بالمرض أُبيح له الحلق والمداواة بشرط الفدية، وهذه الفدية على التخيير أيها شاء فعل، كما دل عليه ظاهر الآية (¬2)، فالصيام ثلاثة أيام، يصوم حيث شاء من البلاد (¬3)، والصدقة إطعام ستة مساكين، لكل مسكين مدان، فيكون الجملة فَرَقًا، وهو اثنا عشر مدًّا (¬4)، وفي سائر الكفارات لكلِّ مسكين (¬5) مدٌّ واحد. وأصل معنى الصدقة نذكرها في قوله: {إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ} [البقرة: 271] إن شاء الله تعالى. ¬
وقوله تعالى: {أَوْ نُسُكٍ} جمعُ نسيكة، وهي الذبيحة يَنْسُكُها لله عز وجل، أي: يذبحها (¬1)، ويجمع أيضا: نسائك، وأصل النسك: العبادة. والناسك: العابد. قال ابن الأعرابي: النسك سبائك الفضة. كل سبيكة منها نسيكة، وقيل للمتعبد: ناسك؛ لأنه خَلَّص نفسه من دنس الآثام وصفّاها، كالسبيكة المخلَّصَة من الخَبَث (¬2). هذا أصل معنى النسك. ثم قيل للذبيحة نسك؛ لأنها من أشرف العبادات التي يُتَقرَّب بها إلى الله (¬3). قال العلماء أعلاها: بدنة، وأوسطها: بقرة، وأدناها: شاة. وهو مخير بينهما؛ لأن النسك وقع على هذه الأجناس (¬4). والصحيح: أنه يأتي بالإطعام والنسك أي موضع شاء، لأن الله تعالى أطلق في الآية، ولم يخص مكانًا دون مكانٍ (¬5). ¬
قوله تعالى: {فَإِذَا أَمِنْتُمْ}، قال ابن عباس: أي من العدو، أو كان حج ليس فيه عدو (¬1)، قد جمع ابن عباس الحالتين في تفسير قوله: {فَإِذَا أَمِنْتُمْ} لأن الأمن يكون بعد خوف فيزول، ويكون من غير خوف قد زال، وكلا الحالتين سواء في حكم المتمتع، وهو قوله: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ}. والمتاع: كل شيء يُتَمَتَّعُ به، ويُنْتَفَع به. وأصله: من قولهم: جَبَلٌ ماتعٌ، أي: طَويل، وكل من طالت صُحْبته مع الشيء فهو متمتع به (¬2). والتمتع بالعمرة إلى الحجِّ هو: أن يَقْدُمَ مَكَّةَ مُحْرِمُا، فيعتمرَ في أَشْهُرِ الحَجِّ، ثم يقيم حلالاً بمكةَ، حتى ينشئَ منها الحجَّ فيحج من عامه ذلك، ويكون متمتعًا بمحظورات الإحرام؛ لأنه حل بالعمرة إلى إحرامه بالحج (¬3). ¬
ومعنى قوله: {بِالْعُمْرَةِ} هو أي: بسبب العمرة، لأنه لا يتمتع بالعمرة، ولكنه يتمتع بمحظورات الإحرام بسبب العمرة حيث أتى بها (¬1). هذا معنى التمتع بالعمرة إلى الحج. وقوله تعالى: {فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} قال أصحابنا: المتمتع الذي يجب عليه الدّم: هو الذي يُحِم في أشهر الحج، ويحل بعمرة في أشهر الحج، ويُحْرم بالحج من عامه ذلك من مكةَ، ولا يرجع إلى الميقات، ويكون من غير أهل الحرم، فإذا انخرم شيء من هذه الشرائط سقط عنه الدم، ولا يكون متمتعاً (¬2). ¬
وإذا وجدت هذه الشرائط كان متمتعًا، وعليه إراقة دم إن شاء قبل يوم النحر، وإن شاء في يوم النحر (¬1)، ولا يجزيه غيره إن كان موسرًا، وإن كان معسرًا فعليه صوم عشرة أيام، وذلك قوله: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ} أي: في أشهر الحج. قال المفسرون: يصومُ يومًا قبل التروية، ويومَ التروية، ويومَ عرفة. قال أصحابنا: يصوم ثلاثة أيام قبل يوم النحر في أشهر الحج، إن شاء متتابعة، وإن شاء متفرقة، وإن صام قبل يوم عرفة حتى يكون يوم عرفة (¬2) مفطرًا كان أولى؛ لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما صامَ بعرفةَ يومَ عَرَفة، وذلك ¬
أقوى للدعاء (¬1). وقوله تعالى: {وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ} أما السَّبْعَةُ فله أن يصومها بعد الفراغ من الحج، أين شاء ومتى شاء، والأولى: أن لا يُوقِعَها في أيام التشريق (¬2)، وإن فاته صوم الأيام الثلاثة في الحج قضاها من بعد. وقوله تعالى: {تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} يقال: كمُل الشيءُ يَكمُل، وكمَل يكمُل، فهو كامِلٌ وكميل، وذُكِر أيضًا: كَمِل يكمَلُ (¬3). وإنما قال: {تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} مع العلم بأن الثلاثة والسبعة عشرة، ¬
للتأكيد (¬1)، كقول الفرزدق (¬2): ثَلاثٌ واثْنَتَانِ فهُنَّ خَمْسُ (¬3) ... ....................... البيت. وكقوله تعالى: {وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} [الأعراف: 142]. وقيل: إن العرب أمّةٌ أميةٌ، لا تَعْرِف الحساب (¬4)، ولذلك قال جابر حين ذكر عددَ أهلِ الحُدَيْبِيَة: كنا أربعَ عَشرَ مائة (¬5). ويروى أن رجلًا من الصحابة سَبَى جاريةً في بعض المغازي، فطلبوا منه أن يأخذ الفداء، فقال: لا أفديها إلا بألف درهم، فبذلوها له، فقيل له: لو طلبت أكثر من ذلك لأعطوك، فقال: والله ما عرفت أن فوق الألف حسابا (¬6). وقال الزجاج: العرب قد تذكر الواو والمراد منها أو، كقوله: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ} [النساء: 3]، فجاز أن يَتَوَهَّم المتوهم أن الفرضَ ثلاثة أيام في الحج أو سبعة في الرجوع، فأعلم الله عز وجل ¬
أن العشرَ مفترضةٌ كلها (¬1). وذكر الكمال على التأكيد. وقيل: أراد: كاملة في البدل عن الدم، وإن كانت مُفَرَّقة، ثلاثة في الحج وسبعة في الوطن (¬2). وقيل: لفظه خبر ومعناه أمر، أي: فأكملوها ولا تنقصوها (¬3). وقوله: {لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} أي: ذلك الفرض والذي أمرنا به لمن كان من الغرباء من غير أهل مكة (¬4). قال الفراء: واللام في قوله: {لِمَنْ} معناها: على (¬5)، أي: ذلك الفرض الذي هو الدمُ أو الصومُ على من لم يكن من أهل مكة، كقوله - صلى الله عليه وسلم -: "اشترطي لهم الولاء" (¬6). أي: عليهم. والله تعالى ذكر الأهل والمراد بالحضور المحرم لا الأهل، وذلك أن ¬
الغالب على الرجل أن يسكن حيث كان أهله ساكنون (¬1). والحاضرون: من كانت دارُه على مسافةٍ لا يَقْصُر إليها الصِّلاة، سموا حاضرين: لأنهم يقربون من مكة، والحَضْرة عند العرب: قرب الشيء (¬2). وقوله تعالى: {الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} أصلُ الحرام: المَنْع، والمحروم: المَمْنُوع من المكاسب، والشيء المنهي عنه حَرَام؛ لأنه منع من إتيانه؛ ومنه قول زُهيْر: لا غائبٌ مالي ولا حَرِمُ (¬3). أي: لا ممنوع. فالمسجد الحرام: الممنوع من أن يفعل فيه ما حَرُم ولم يؤذن في إتيانه (¬4). قال الفراء: ويقال حَرَام وحَرَمُ، مثل: زَمَان وزَمَن (¬5). ¬
197
وقوله تعالى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ} قال ابن عباس: يريد فيما افترضه عليكم {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} لمن تهاون بحدوده (¬1). 197 - قوله تعالى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} تقدير الآية عند النحويين على وجهين: أحدهما: أن التقدير: أشهُر الحج أشهر معلومات، ليكون (¬2) الثاني الأول في المعنى، فحذف المضاف (¬3). والثاني: أنّ التقدير: الحجُّ حجُّ أشهر مَعْلومات، أي: لا حج إلا في هذه الأشهر، ولا يجوز في غيرها، كما كان يفعله أهل الجاهلية، يستجيزونها في غيرها من الأشهر، فحذف المصدر المضاف إلى الأشهر. ويمكن تصحيحُ الآيةِ من غير إضمار، وهو أنه جعل الأشهر الحج لمَّا كان الحج فيها، كقولهم: ليل نائم، لما (¬4) كان النوم فيه جعل نائمًا، كذلك ها هنا، اتسع في الأشهر وأخرجت عن الظرف، كقوله تعالى: {مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ} [طه: 59]، ألا تَرَى أن الحجَّ في الأشهر، كما أن الموعدَ في اليوم، إلا أنه اتسع فيه، فجعل الأول لما كان فيه، كذلك جعل الحج الأشهر على الاتساع، لكونه فيها وكثرته من الفاعلين له (¬5)، كما جَعَلتِ الخَنْساءُ الوحشيةَ إقبالًا وإدبارًا لكثرتهما منها في قولها: ¬
تَرْتَعُ ما رَتَعَتْ حتّى إذا ادَّكَرَتْ ... فإنَّما هي (¬1) إقْبَالٌ وإدْبَارُ (¬2) وكما قال مُتَمِّم (¬3): لَعَمْري وما دَهْرِي بَتَأبِيْنِ هَالكٍ ... ولا جَزعٍ مما أَصَاب فَأَوجَعَا (¬4) ألا ترى أنه قد جعل دَهره الجزع في قوله: ولا جزعٍ، أي: وما دهري بجزع. والأشهرُ بمنزلة الدهر (¬5). والمراد بالأشهر، هاهنا، عند جميع المفسرين: شَوَّالٌ وذو القَعْدة وتسع من ذي الحِجَّة، ويقال: عشر من ذي الحجة، فمن قال: وتِسْع، أراد الأيام؛ لأن يوم عرفة وهو اليوم التاسع من ذي الحجة آخر هذه الأشهر (¬6)، ومن قال: عَشْرٌ، عَبَّر به عن الليالي؛ لأن من أدركَ عرفةَ في الليل العاشر ¬
من ذي الحجة فقد أدركَ الحج (¬1)، وقد ورد في الخبر اللفظان جميعًا في تفسير الأشهر (¬2). وإنما قال: أشهر، لشهرين وبعض الثالث؛ لأن الاثنين قد يوقع عليها (¬3) لفظ الجمع، وذلك أن التثنية أولُ الجَمْع (¬4)، الدليل عليه قوله تعالى: {أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ} [النور: 26]. وإنما يريد عائشةَ وصَفْوان، وكذلك قوله: {وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ} [الأنبياء: 78]، يريد: داودَ وسليمانَ، وقال: {فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} [التحريم: 4]. وقال الشاعر: ¬
ظَهْرَاهُمَا (¬1) مِثلُ ظُهُورِ التُرسَيْن (¬2) (¬3) وقال ابن الأنباري: العرب توقع الوقت الطويل على الوقت اليسير، فيقولون: قُتل ابن الزبير زمان الحجاج أمير، وإنما كان القتل في أقصر وقت، فجاز على هذا وقوع الأشهر على أقل منها، ويقولون: أتيتك يوم الخميس، وإنما أتاه (¬4) في ساعة منه، فيسمي تلك الساعة يومًا (¬5). وقال عروة بن الزبير (¬6): أراد بالأشهر شوالًا وذا القَعْدة وذا الحِجَّة كُمَّلًا (¬7)؛ لأنه يبقى على الحاج أمور بعد عرفة يجب عليه فعلها، مثل: ¬
الرمي، والحلق، والنحر، والبيتوتة بمنى (¬1). وقوله تعالى: {مَعْلُومَاتٌ} أي: أشهر مُؤَقَّتَةٌ معينة، لا يجوز فيها ما كان يفعلُه أهلُ الجاهلية من التبديل بالتقديم والتأخير، الذي كان يفعله النَّسَأة الذين أنزل فيهم {إِنَمَا النَّسِىَءُ} الآية [التوبة: 37]. قال ابن عباس في هذه الآية: جعلهن سبحانه للحج، وسائر الشهور للعمرة، فلا يصلح لأحد (¬2) أن يحرم بالحج إلا في أشهر الحج (¬3). وهذا مذهب الشافعي رحمه الله قال: من أراد أن يحرم بالحج لم يصح إحرامه بالحج إلا في أشهر الحج، فإن أحَرْم في غير أشهر الحج انعقد إحرامه عمرة؛ لأن الله تعالى خَصَّ هذه الأشهر بفرض الحج فيها، وجعلها وقتًا للحج (¬4). وعند أبي حنيفة: إذا أحرم بالحج في غير أشهر الحج كُرِه ذلك، ¬
ويجزيه (¬1). وقوله تعالى: {فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ}. قال المفسرون: أي: من أوجب على نفسه فيهن الحج بالإحرام والتلبية (¬2). ومعنى فَرَضَ في اللغة. ألزم وأوجب، يقال: فَرَضْتُ عليك كذا، أي: أوجبته، وأصل معنى الفَرْض في اللغة: الحزّ والقطع. قال ابن الأعرابي: الفرض: الحز (¬3) في القِدْح وفي (¬4) الزند وغيره (¬5)، وفُرْضَة القَوس: الحَزّ الذي يقع فيه الوتر، وفرضة الزند: الحز الذي فيه. قال: ومنه فَرْضُ الصلاة وغيرها، إنما هو لازم للعبد كلزوم الحز للقدح، ففرض بمعنى: أوجب، قد ورد في القرآن فرضَ بمعنى أَبَان، وهو ¬
قوله: {سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا} [النور: 1]، بالتخفيف (¬1)، وقوله: {قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} [التحريم: 2] وهذا أيضًا راجع إلى معنى القطع؛ لأن من قطع شيئًا أبانه عن غيره، والله تعالى إذا فرض شيئًا أبانه، وبان ذلك الشيء عن غيره. (فرض) بمعنى: أوجب، وفرض بمعنى: أبان، كلاهما يَرْجِع إلى أصل واحد على ما بينا (¬2). وقوله تعالى: {فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} ذكرنا معنى الرفث عند قوله: {الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} [البقرة: 187]، وأما معناه في هذه الآية، فذهب ابن عباس (¬3)، والأكثرون إلى أن المراد به الجماع (¬4). قالت طائفة (¬5): المراد بالرفث، هاهنا، التعريض (¬6) للنساء بالجماع، ¬
ذكره بين أيديهن، فأما اللفظ به من غير مراجعة النساء فلا بأس به، لما روى ابن عباس، كان يحدو بعيرَه وهو محرم ويقول: وهُنَّ يَمْشِينَ بنا هَمِيسا ... إن تَصْدُقِ الطَّيْرُ نَنِك لَمِيسَا (¬1) فقيل له: تَرفث وأنت محرم؟ فقال: إنما الرفث ما قيل عند النساء (¬2). وقوله تعالى: {وَلَا فُسُوقَ} قال ابن عباس (¬3) والأكثرون (¬4): الفسوق معاصي الله كلها. وقال ابن زيد: هو الذبح للأصنام، قُطِعَ ذلك بالنبي - صلى الله عليه وسلم - حين حج فعلَّم أُمتَه المناسكَ (¬5)، دليله قوله: {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ¬
وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} [الأنعام: 121] (¬1). (والجدال) يقال: من المجادلة، وأصلها (¬2): من الجَدْل الذي هو الفَتْل، يقال: زِمَامٌ مَجْدُول وجَدِيْل، أي: مَفْتُول، والجَدِيْل: اسم للزمام لأنه لا يكون إلا مفتولًا، سميت المخاصمة مجادلة؛ لأن كلَّ واحدٍ من الخصمين يروم أن يفتل صاحبه عن رأيه (¬3). قال ابن عباس (¬4) والمفسرون (¬5) في قوله: {وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ}: هو أن يجادل صاحبه ويُمَارِيَه حتى يغضبه، نُهِي المحرمُ عن هذا. ¬
وقال مجاهد (¬1) وأبو عبيدة (¬2): معناه: ولا شك في الحج أنه في ذي الحجة، فأبطل النسيء، واستقام الحج كما هو اليوم، وبطل ما كان يفعله النّسَأة في تأخير الشهور (¬3). قال أهل المعاني: ظاهر الآية نفي ومعناها نهي، أي: ولا ترفثوا ولا تفسقوا ولا تجادلوا، كقوله عز وجل: {لَا رَيْبَ فِيهِ} [البقرة: 2]، أي: لا ترتابوا (¬4). واختلف القُرَّاء في هذه الآية، فقرأ (¬5) بعضهم: (فلا رفثٌ ولا فسوقٌ) مرفوعين منونين، وقرأ بعضُهم منونين غير منونين، ولم يختلفوا في نصب اللام من جدال (¬6). ¬
والأصل في هذا الباب: أن "لا" تَنْصِبُ النكراتِ خاصّةً بلا تنوين، ولا تعمل في المعارف شيئًا؛ لأنها جواب ما لا يكون إلا نكرة، وذلك أنك تسأل فتقول: هل من رجلٍ عندك؟ وهل من غلامٍ لك، فتقول: لا رجلَ عندي، ولا غلامَ لي، فكان الجواب منكّرًا مثل السؤال، والخافض والمخفوض في السؤال بمنزلة شيء واحد لا ينفصل أحدُهما عن صاحبه، فكذلك جعلت (لا) وما عَمِلتْ فيه بمنزلة شيء واحد، وحذفت منه التنوين، كما حذفت من خمسة عشر. ويجوز أن يكون العامل والمعمول فيه بمنزلة شيء واحد، كقولهم: يا ابن أمِّ، فالابن عامل في الأم؛ لأنه مضاف إليها، فجعلا بمنزلة اسم واحد وبُنِيا. هذا وجه النصب بلا (¬1). فإن رفعتَ بها، فقلت: لا رجلٌ عندك (¬2) ولا ثوبٌ لك، فيكون هذا جوابًا لقول القائل: هل رجل عندك؟ هل (¬3) ثوب لك؟ فكما أن هل لا تعمل شيئًا، جعلت لا في الجواب مثلها، فرفعت ما بعدها بالابتداء وإن شئتَ جعلتَ "لا" مشبهةً بـ (ليس) فرفعت بها النكرات؛ لأن بعض العرب تجعلها بمنزلة ليس. من ذلك قوله: فَأَنَا ابْنُ قَيْس لا بَرَاحُ (¬4) ¬
وقول العجاج: تالله لولا أنْ تَحُشَّ (¬1) الطُّبَّخُ ... بيَ الجَحِيمَ حِسِن لا مُسْتَصْرَخُ (¬2) فإن كررت (لا) كقولك: لا درهم ولا دينار، جاز لك فيه (¬3) الوجهان: النصبُ من غير تنوين، والرفعُ والتنوين، كالقراءتين في هذه الآية، وجاز أوجهٌ ثلاثة أيضًا يطول ذكرها (¬4). فإن قدرت الاسم بعدها مرفوعًا بالابتداء، جاز في قول سيبويه أن يكون (في الحج) خبرًا عن الأسماء الثلاثة، لاتفاق الأسماء في ارتفاعها بالابتداء. أما قوله {فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ} فبين (¬5)، وأما قوله {وَلَا جِدَالَ} فإن (لا) مع {جِدَالَ} في موضع رفع، فقد اتفقت الأسماء في ارتفاعها بالابتداء، فلا يمنع من أن يكون قوله: (في الحج) خبرًا عنها (¬6). وإن قدرت لا بمنزلة ليس، لم يجز أن يكون "في الحج" منتصبًا في موضع خبر ليس، لأن الخبر لا ينتصب بلا كما ينتصب (¬7) بليس، ولكنك تضمر لقوله: {فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ} خبرًا، لأن من شأن العرب إذا رفعت ما بعد لا وكانت لا بمنزلة ليس، حذف الخبر. وإضماره كالبيتين الذين أنشدناهما، فقوله: لا براحُ، تقديره: لا براحٌ من هاهنا، ويكون قوله: (في ¬
الحج) خبرا عن (لا جدال) (¬1). فأما من فتح فقال: {فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ} فحجته أنه أشد مطابقة للمعنى المقصود، ألا تري أنه إذا فتح فقد نفى جميع الرفث والفسوق، كما أنه إذا قال: {لَا رَيْبَ فِيهِ} [البقرة: 2]، فقد نفى جميع هذا الجنس، وإذا رَفَع وَنَوَّنَ كان المنفي الواحدَ منه، ألا ترى أن سيبويه يرى (¬2) أنه إذا قال: لا غلام عندك ولا جارية، فهو جواب من سأل فقال: غلام عندك أم جارية؟ (¬3) فالفتح أولى؛ لأن النفي به أعم والمعنى عليه (¬4)، ألا ترى أنه لم يُرَخَّص في ضَرْبٍ من الرَّفَثِ والفُسوق، كما لم يُرَخَّص في ضرب من الجدال، وقد اتفق الجميع على فتح اللام من الجدال؛ لتناول النفي جمع جنسه، فيجب أن يكون ما قبله من الاسمين على لفظه، إذ كان في حكمه (¬5)، ومن رفع فحجته أنه يُعلم من الفحوى (¬6) أنه ليس المنفي رفثًا ¬
واحدًا ولكنه جميع ضروبه، وقد يكون اللفظ واحدًا والمعنى المراد به الجميع، خصوصًا في النفي، فإن النفي قد يقع فيه الواحد موضع الجميع، وإن لم يُبْنَ فيه الاسمُ مع لا النافية، نحو قولك: ما (¬1) رجل في الدار (¬2)، هذا الذي ذكرنا يكون وجه القراءتين في قوله: {فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ} ولم يختلفوا في نصب (لا جدال). وذلك أن الرفث والفسوق متفقان في المعنى وهو النهي، كأنه قيل: لا ترفثوا ولا تفسقوا، والجدال مخالف لهما في المعنى؛ لأن معنى لا جدال في الحج أي: الحج في ذي الحجة (¬3) على ما حكينا عن مجاهد وأبي عبيدة، فلما كان معنى الأولَيْن نهيًا ومعنى الثالث خبرا، أرادوا الفرق بين اللفظين، لتكون مخالفةُ ما بينهما في اللفظ لمخالفة (¬4) ما بينهما في المعنى (¬5). ¬
وقوله تعالى: {وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ} قال أهل المعاني: معناه: يجازيكم الله العالم به، إلا أنه جعل {يَعْلَمْهُ اللَّهُ} في موضع يجازيه؛ لأن المجازاة إنما تقع من عالم بالشيء، وفيه: حث لهم على فعل الخيرات، وأن الله تعالى ليس بغافل عنهم وعن مجازاتهم، ومتى علم العامل أن الذي يُعْملُ له العملُ يعلم ذلك وليس بغافل عنه كان أحرصَ على عمله (¬1). وقوله تعالى: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} نزلت في ناس من أهل اليمن كانوا يحجون بغير زاد، ويقولون: نحن متوكلون، ثم كانوا يسألون الناس، وربما ظلموهم وغصبوهم، فأمرهم الله سبحانه أن يتزودوا (¬2)، فقال: {وَتَزَوَّدُوا} ما تتبلغون به {فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} ما تكفُّون به وجوهكم عن السؤال وأنفسكم. وفي هذا حَثٌّ على التزود للآخرة، وتنبيهٌ عليه (¬3)، لأن الآية أفادت بيان الزادين، وذلك أن اللفظةَ العامة إذا أفادت فوائد ولم تكن متنافية، فلابد من استفادتها جميعًا، ويكون ¬
198
الجميع مرادًا باللفظ عند أهل التحقيق، فكأنه قال: إذا تزودتم تعففتم عن السؤال، وهو نوع تقوى، والتقوى زاد الآخرة (¬1)، قال الأعشى، وأراد هذا المعنى. إذا أنْتَ لم تَرْحَلْ بزَادٍ من التُّقَى ... ولاقيتَ بعدَ المَوْتِ من قَدْ تَزَوَّدَا نَدِمْتَ على أن لا تكونَ كمِثْله ... وأنكَ لم تَرْصُدْ كما كان أرْصَدَا (¬2) 198 - قوله تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ} قال المفسرون: كان قوم يزعمون أنه ليس لجمَّالٍ ولا أَجِيرٍ ولا تاجر حج، فأعلم الله عز وجل أنه لا (جُنَاح) أي: لا حرج في {أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا} من رَبِّكُمْ: رزقًا من ربكم، يعني: التجارة في الحج (¬3). ¬
قال الزجاج: وموضع أن نصب، على تقدير: ليس عليكم جناح في أن تبتغوا، فلما سقطت (في) عمل فيها معنى جُناح. المعنى: لستم تأثمون أن تبتغوا، أي: في أن تبتغوا (¬1). وقوله تعالى: {فَإِذَا أَفَضْتُمْ} معنى الإفاضة، في اللغة: الدَّفْعُ للشَّيءِ حين يَتَفَرَّق. يقال: أفاضت العينُ دَمْعَها، وأفاض بالقداح، وعلى القداح: إذا ضرب بها منبثةً متفرقة، ومنه: وكأنَّهُن رِبَابَةٌ وكأنَّه ... يَسَر يُفِيْضُ على القِدَاحِ وَيصدَعُ (¬2) وأفاض البعير بجرته: إذا رمى بها متفرقة. ¬
قال الراعي: وأَفَضْنَ بعد كُظُومِهِنّ بجِرَّةٍ ... من ذي الأبَاطِح إذ رَعَيْنَ حَقِيلا (¬1) وأفاض القوم في الحديث، إذا اندفعوا فيه، ومنه {إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ} (¬2) [يونس: 61] فمعنى قوله: {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ} أي: دفعتم بكثرة (¬3)، يعني دفع بعضكم بعضًا؛ لأن الناس إذا انصرفوا مزدحمين دفع بعضهم بعضًا، قال أبو إسحاق: قد دل بهذا اللفظ على أن الوقوف بها واجب؛ لأن الإفاضة لا تكون إلا بعد وقوف (¬4). ¬
وقوله تعالى: {مِنْ عَرَفَاتٍ} القراءةُ بالكسرةِ والتنوين؛ لأنها جَمْع عَرَفَة، مثل: مسلمات ومؤمنات، سميت بها بقعةٌ واحدة، مثل قولهم (¬1): ثوبٌ أَخْلاقٌ، وبَرْمَةٌ أَعْشَار، وأرضُ سَبَاسبٌ (¬2)، يجمع بما حولها، فلما سميت بها البقعة الواحدة صرفت، إذ كانت مصروفة قبل أن تسمى بها البقعة، تركًا منهم لها على أصلها (¬3). فإذا كانت في الأصل اسمًا لبقعة ولم يكن جمعًا لواحد معروف تركوا إجراءها، مثل: عانات وأذرعات (¬4)؛ لأنها ليست بجمع عانة ولا أذرعة، ففرقوا بين الواحد والجمع (¬5)، وعلى هذا تتوجه قراءة أشهب العُقَيلي: (من عرفاتَ)، مفتوحة التاء، جعلها اسمًا واحدًا، مثل: عانات وأذْرِعَات. ¬
قال أبو إسحاق: في قوله: {مِنْ عَرَفَاتٍ} الوجه كسرها مع التنوين، وهي اسم لمكان واحد، ولفظه لفظ الجمع، والوجه فيه: الصرفُ عند جميع النحويين؛ لأنه بمنزلة الزيدين يستوي نصبُه وجَرُّه، وليس بمنزلة هاء التأنيث (¬1) (¬2). هذا كلامه، ومعناه: أن عرفات بمنزلة مسلماتٍ، وهو معنى قوله: لأنه بمنزلة الزيدين، وهي وإن كانت اسمًا لمكان واحد لفظه جمع كما بينا، بخلاف عانات. قال: وقد يجوز منعه الصرف إذا كان اسمًا للواحد، إلا أنه لا يكون إلا مكسورًا، وإن أسقطت التنوين، وأنشد: تَنَوَّرْتُها من أَذْرعاتٍ وأهْلُهَا ... بيَثْرِبَ أدْنَى دَارِها نَظَرٌ عَالِ (¬3) الرواية بالتنوين، وقد أُنْشِدَ بغير التنوين، فأما الفَتْحُ فَخَطأ (¬4)؛ لأن نصبَ الجميع غير المُنْصِرف وجرَّه كَسْر (¬5). ¬
فعنده (من عرفاتَ) وهو قراءة العقيلي خطأ؛ لأن هذه التاء لا تفتح، وعند غيره إذا كان المراد به اسمًا واحدًا يجوز أن تفتح؛ لأنها ليست بتاء جمع يجري لفظه على ما كان يجري قبل التسمية، وعلى هذا جاء عرفات، قال الله عز وجل: {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ} فالذي ذكره أصحابنا التنوين، أجازوا ترك التنوين. قال (¬1): وذكر المبرد أن الفتح فيه لا يجوز (¬2)، فلا يجوز عنده أن تقول: رأيت عرفاتَ ومسلماتَ، إذا سميت بها رجلًا، قال: ورأيت من النحويين من يقول ضد هذا، يقول: إذا حذفت التنوين لم يجز إلا الفتح، قال: وكلام سيبويه (¬3) عندي يدل على هذا، ولم يفصح بفتح ولا كسر، هذا معنى كلام السيرافي (¬4)، وهو موافق لما ذكرنا وحكينا. واختلفوا لم سميت تلك البقعة عرفات؟ (¬5) فقال الضحاك: إن آدم عليه السلام لما أُهْبِطَ، وقع بالهندِ، وحَوَّاء بِجُدَّة، فجعل آدم يطلب حواءَ، وهي تطلبه، فاجتمعا بعرفات يومَ عَرَفَة، وتَعَارَفا، فسمي اليوم عَرَفَة، والموضع عرفات (¬6). ¬
وقال عطاء: إن جبريل عليه السلام كان يُرِي إبراهيمَ المناسكَ، فيقول: عَرَفْتُ، ثم يريه فيقول: عرفتُ، فسميت عرفات (¬1). وقوله تعالى: {فَاذْكُرُوا اللَّهَ} أي: بالدُّعاء والتَّلْبية (¬2) {عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ} وهو المزدلفة (¬3)، وتسمى أيضًا جَمْعًا؛ لأنه يجمع فيها بين صَلاتَي العشاء (¬4). ¬
وتسمى مشعرًا من الشِّعَار، وهو العلامة؛ لأنه مَعْلَم الحج. والصلاةُ (¬1) والمقامُ والمبيتُ به والدعاءُ عنده من معالم الحج (¬2). وقد ذكرنا هذا عند قوله: {مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ}. وقولُه تعالى: {وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ} موضَع الكاف نَصْب. المعنى: واذكروه ذكرًا مثل هدايته إياكم، أي: يكون جزاءً لهدايته (¬3)، ومعنى (اذكروه) بتوحيده والثناء عليه والشكر له (¬4). قال سيبويه: يقال: ذَكَرْته ذِكرًا مثل: حَفِظْتُه حِفْظًا (¬5). وقالوا: ذُكرًا كما قالوا: شُربًا (¬6). والذكر في كلام العرب على ضَرْبين: ذكر هو خلاف النسيان، وذكر هو قول (¬7)، فمما هو خلاف النسيان قوله: {وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ} [الكهف: 63] والذكر الذي هو قولٌ يستعمل على ضربين: قول لا ثلبَ فيه للمذكور، كقوله: {فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ} [البقرة: 200] {وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ} [البقرة: 203]، وهو كثير. ¬
والآخر: يراد به ثلب المذكور، كقوله: {سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ} [الأنبياء: 60] (¬1). ومن ذلك قول الشاعر: يذكركم منا عدي بن حاتم ... لَعَمْري لقد جِئْتُم حبولًا وماثما (¬2) ويقال في مصدره أيضًا: ذِكرى (¬3). وإنما أعاد الأمر بالذكر بعد قوله: {فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ} مبالغة في الأمر، وزيادة في الحث. وأكثر ما يكون التكرير في الأمر والنهي، كقولهم للرجل: اِرْم اِرْم. على أنَّ هذا التكرير حَسُنَ هاهنا؛ لأن اللفظةَ الثانيةَ لم تلاصِقِ الأُوْلى، وأيضًا فإن الأمر الثاني موصول بما لم يَصِلْ به الأول، وكانت الإعادة لما تعلق به من قوله: {كَمَا هَدَاكُمْ} (¬4). ¬
199
وقال ابن الأنباري معنى قوله: {وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ} أي: اذكروه بتوحيده كما ذكَرَكُم بهدايته (¬1). وقوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ} أي: من قبل هداه، فالهاء كناية عن الهدى لدلالة هدى عليه (¬2)، وتأويله: ما كنتم من قبل إلا ضالين، كقوله: {وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ} [الشعراء: 186]، يعنى: ما نظنك إلا من الكاذبين (¬3). 199 - قوله تعالى: {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} ذكرنا معنى الإفاضة. و (حيثُ) حقُّها البناء؛ لأنها مُنِعَتْ الإضافةُ مع لزوم معنى الإضافة لها، ولمَّا لزمت معنى الإضافة إلى الجملة، صارت بمنزلة الأسماء الناقصة التي تحتاج إلى صِلَةٍ كالذي ونحوه، والاسم الناقص بمنزلة بعض الكلمة، وبعض الكلمة حرفٌ يستحق البناء، فأما بناؤها على الضم: فلأنها بمنزلة الغاية كقبلُ وبعدُ، من جهة أنها مُنِعت الإضافة، مع لزوم معنى الإضافة، ولو أُعربت لاستحقت النصب والجر فقط؛ لأنها ظرف، والظروف لا ¬
تُعْرَبُ إلا بالجر والنصب (¬1)، فإذا أعربت بالرفع لم تكن ظَرفًا، فلما بنيت جعلت على حركة لا تكون لها في حال الإعراب، ويجوز فيها الفتح لأجل الياء، كما فتحت أين وكيفَ، ويجوز الكسر على أصل الحركة لالتقاء الساكنين (¬2). قال عامة أهل التأويل: كانت الحُمْسُ (¬3) لا يَخْرجون من الحرم إلى عرفات، إنما يقفون بالمزدلفة، ويقولون: نحن أهلُ الله، وقُطَّانُ حَرَمه، فلا نخرج من الحرم، ولسنا كسائر الناس، فأمرهم الله تعالى أن يقفوا بعرفات كما يقف سائرُ الناس، حتى تكون الإفاضة معهم منها، فالناس في هذه الآية: هم العربُ كلُّها غيرُ الحُمس، وإنما أتى الله تعالى بالجمع المبهم لانكشاف معناه عند المخاطبين، هذا قول جمهور المفسرين (¬4). ¬
وعلى هذا يبقى إشكال في النَّظْم؛ لأن الله تعالى ذَكَر الإفاضة من عرفاتٍ قبل هذا في قوله: {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ}، وبينَّا أن في ذكر الإفاضة منها بيانَ وجوب الوقوف، فكيف يسوغ أن يقول: {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ} ثم أفيضوا من عرفات، ووجه هذا: أن في الكلام تقديمًا وتأخيرًا، تقديره: فمن فرض فيهن الحج فلا رَفَثَ ولا فسوق ولا جدال في الحج، ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس، فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله (¬1). وقال بعضهم: المراد بالإفاضة في هذه الآية: الدَّفْعُ من مزدلفةَ إلى مِنَى، وأراد بالناس: الحُمْس، فإنهم كانوا يفيضون من المزدلفة إلى منى ولا يفيضون من عرفات. والله تعالى ذكر أولًا الإفاضة من عرفات إلى المزدلفة، ثم أمر بالإِفَاضَة من المزدلفة إلى منى (¬2). والحكم في الوقوف بعرفة والإفاضتين، هو أن الغرض (¬3) من الوقوف بعرفة الحصولُ فيها مجتازًا أو ماكثًا، مستيقظًا أو نائمًا، عالمًا أنه بعرفة أو جاهلًا. والكمال في الصبر إلى غروب الشمس. فإن أفاض قبل الغروب أراق دمًا، وما بين زوال الشمس من يوم ¬
عرفة إلى طلوع الفجر الصادق من يوم النحر وَقْتُ إدراك الحج، فمن أدرك عرفة في هذا الوقت تم حجه. فإذا أفاضوا من عرفة إلى المزدلفة باتوا بها، ومن ترك المبيت بها فعليه دم (¬1)، ويجمعون هناك بين صلاتي العشاء، ولهذا يسمي: جمعًا (¬2)، ويسمى أيضًا: قُزَح والمشعر (¬3). فإذا أصبحوا بها غَلّسوا بالصبح. ثم وقفوا عند المشعر الحرام وهو آخر حد مزدلفة. والمزدلفة من الحرم كلها، ثم لا يزالون يدعون ويذكرون الله تعالى حتى يقاربوا (¬4) طلوع الشمس، ثم يروحون من مزدلفة قبل الطلوع خلافَ العادةِ في الجاهلية (¬5)، فإنهم كانوا يصبرون إلى الطلوع، ويقولون: أَشْرِقْ ثَبِيْر (¬6) كيما نُغِير (¬7)، ¬
ومعناه: أشرق يا ثبير بالشمس كيما نَدْفَعَ من مزدلفَةَ، فندخل في غَورِ الأرض، وهو المنخفض منها، وذلك أنهم إذا جاوزوا المزدلفة صاروا في هبوط من الأرض، وهناك بطن وادي محسر، والوادي فاصل بين حد مزدلفة وحد منى (¬1). وذهب الزُّهري (¬2) إلى أن (الناس) في هذه الآية: آدم -عليه السلام- واحتج بقراءة سعيد بن جبير: (ثم أفيضوا من حيث أفاض الناسي (¬3)). وقال: هو آدم، نسي ما عُهد إليه. وروي أنه قرأ (الناسِ) فاكتُفي (¬4) من الياء بالكسرة (¬5). ¬
200
وقال الضحاك: الناسُ هاهنا: إبراهيم عليه السلام (¬1)، وهذا كقوله: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ اَلنَّاسُ} يعني: نعيم بن مسعود (¬2) {إِنَّ اَلنَّاسَ} [آل عمران: 173] يعني: أبا سفيان، وإنما يقال هذا للذي يُقْتَدى به ويكون لسان قومه (¬3). قال ابن الأنباري: وإيقاع الجمع على الواحد جائز، كما تقول العرب: خرج زيدٌ إلى البصرة في السفن، وإلى الكوفة على البغال. 200 - قوله تعالى: {فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ} ذكرنا معاني القضاء عند قوله: {وَإِذَا قَضَى أَمْرًا} [البقرة: 117]، وأراد هاهنا: أدَيْتُم، لأنه يقال: قضى ما عليه، إذا أداه. كقوله تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةَ} [الجمعة: 10] يعني: الجمعة، ولا يُتَصَوَّرُ فيها قَضَاءٌ دون الأداء، وأصلُ هَذَا يؤول إلى إحكامه بالفراغ منه (¬4). ¬
والمناسك: جمع مَنْسَك الذي هو مصدر، بمنزلة النُّسُك، أي: إذا قضيتم عبادتكم التي أُمِرْتُم بها في الحج (¬1)، وإنْ جَعَلْتَها جَمْعَ مَنْسَك الذي هو موضع العبادة، كان التقدير: فإذا قضيتم أعمالَ مناسِكَكُم، فيكون من باب حذف المضاف (¬2). وقوله تعالى: {فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ} قال أكثرُ أهل التفسير: كانت العربُ إذا فَرَغوا من حَجِّهم ذكروا مآثرَ آبائِهم ومفاخِرَهم، فأمرهم الله عز وجل بذكره، فقال: فاذكروني فأنا الذي فعلت ذلك بكم وبآبائكم، وأحسنت إليكم وإليهم (¬3). ¬
قال أبو إسحاق: كانت العرب إذا قضت مناسكها وقَفَتْ بين المسجد بمنى وبين الجبل، فَتُعَدِّدُ فَضَائل آبائها، وتذكر محاسِنَ أيامهم، فأمر الله تعالى أن يجعلوا ذلك الذكرَ له، وأن يزيدوا على ذلك الذكر، فيذكروه بتوحيده، وتعديد نِعَمه؛ لأنه إن كانت لآبائهم نِعَمٌ فهي من الله عز وجل، وهو المشكور عليها (¬1)، وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء (¬2). وقال في بعض الروايات (¬3): وهو قول الربيع (¬4) والضحاك (¬5): أرادَ: فاذكروا الله كذكركم آباءكم وأمهاتكم، فاكتُفي بالآباء من الأمهات، كقوله: {سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ} [النحل: 81]، قالوا: وهو قول الصبي الصغير أول ما يُفْصحُ الكَلام: أَبَهْ أَبَهْ، أمَّهْ أمَّهْ، أي: الهجوا بذكر ربكم في جميع أحوالكم، كما يلزمُ الصبيُّ (¬6) في صِغَرِه ذكرَ أبيهِ وأُمِّه (¬7). وقال ابن الأنباري في هذه الآية: إن العربَ كان أكثر أقسامها في الجاهلية بالآباء، كقولهم: وأبي وأبيك وأبيكم وجدكم. فقال الله تعالى: ¬
عَظِّموا الله تعالى كتعظيمِ آبائكم (¬1). وقوله تعالى: {أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا} يعني: وأشدّ (¬2)، والعامل فيه: الكاف في قوله (¬3): {كَذِكْرِكُمْ}، وموضعه جر، وإن شئت جعلت العامل فيه: الفعل في (اذكروا)، فتكون نصبًا (¬4). وهذا الذكر المأمور به هو التكبير أيام منى، وقيل: إنه الدعاء لله عز وجل في تلك المواطن (¬5). وقوله تعالى: {فَمِنَ النَّاسِ ..} إلى آخر الآية قال ابن عباس: هم المشركون، كانوا يسألون المال والإبل والغنم، وكانوا يقولون: اللهم اسْقِنا المَطَر، وأَعْطِنا على عَدُوِّنا الظَّفَر، ويسألون التوسعة عليهم في ¬
201
الدنيا، ولا يسألون حظًا في الآخرة لأنهم كانوا غير مؤمنين بالآخرة (¬1). وحذف مفعول {آتِنَا} من الكلام، وهو المسؤول من الدنيا؛ للعلم (¬2). 201 - قوله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً} الآية. هؤلاء المسلمون يسألون الحظ في الدنيا والآخرة. قال ابن عباس في رواية عطاء: أمّر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبا بكر رضي الله عنه (¬3) عام الفتح على الموسم، ثم بعث عليًا رضي الله عنه بسورة التوبة، وصلى أبو بكر بالناس في الموسم، وعَرَّفَهُم مناسكهم. ولما (¬4) قَضَوْا حَجَّهم ومناسكهم ذكروا الله أشد من ذكرهم آباءهم، فكان أول من قال: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} أبو بكر، ثم اتبعه علي والناس أجمعون (¬5). قال ابن عباس: {فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً} يريد: العملَ بما يُرضِي الله، وأكلَ الحلال، والزوجةَ الصالحة، {وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً} يريد: الجنةَ ¬
والحور العين، والنعيم المقيم (¬1). وروى مجاهد، عن ابن عباس قال: عند الركن اليماني مَلَكٌ قائم منذ خلق الله السموات والأرض يقول: آمين، فقولوا: ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار (¬2). ولفظ الحسنة في الآية منكّرة مبهمة محتملة لكل حسنة من الحسناتِ على البدل، وأَتَمُّها ما قال ابن عباس (¬3). ¬
202
قال أهل المعاني: والفائدة في الإخبار عنهم بهذا الدعاء: الاقتداء بهم فيه، وذلك أنه لما حذر من الدعاء الأول رغب في الثاني. والإيتاء منقول من الأتي الذي هو المجيء (¬1)، يقال: أَتَى، إذا كان منه المجيء، وأتى إذا حَمَلَ غيرَه (¬2) على المجيء. يقال: آتاه ما يحب، وأتاه غير ما يحب، إذا جعله يأتيه ذلك الشيء، ثم يفسر الإيتاء بالإعطاء، وأصله ما ذكرنا (¬3). 202 - قوله تعالى: {أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا} قال ابن عباس: يريد: ثوابَ ما عملوا (¬4). وقال أبو إسحاق: أي: دعاؤهم مستجاب؛ لأن كَسْبَهُم هاهنا الذي ذكر: الدعاء (¬5). وقيل: معناه: لهم نصيب من كسبهم باستحقاقهم الثواب عليه، خلاف من بطل عمله فلم يكن (¬6) له منه حظ (¬7). ¬
وقوله تعالى: {وَاللهُ سَرِيعُ الحِسَابِ} سريع فاعل من السُّرْعَة. قال ابن السِّكِّيْت: يقال: سَرَع يَسْرُع سَرَعًا وسُرْعة فهو سريع (¬1). والحساب: مصدر كالمحاسبة، وربما سمي المَحْسُوبُ حِسَابًا، ومعنى الحساب في اللغة: العد، يقال: حَسَب يَحْسُبُ حِسَابًا وحِسَابةً وحِسْبَةً وحَسْبًا؛ إذا عَدّ، ذكره الليث وابن السكيت، وأنشد قول النابغة: وأَسْرَعَتْ حِسْبَةً في ذلك العَدَد (¬2) وقول آخر: يا جُمْلُ أسْقَاكِ بلا حِسَابَهْ (¬3) ¬
والحَسَبُ: ما عُدَّ، ومنه: حَسَب الرجل: وهو ما يُعَدُّ من مآثره ومَفَاخره، والاحتساب: الاعتدادُ بالشيء (¬1). وقال الزجاج: الحساب في اللغة: مأخوذ من قولهم: حَسْبُك كذا، أي: كفاك، فسمى الحساب في المعاملات حسابًا؛ لأنه يعلم به ما فيه كفاية، وليس فيه زيادة على المقدار ولا نقصان (¬2). وأما التفسير، فإن (¬3) ابن عباس حَمَلَ الحساب، هاهنا، على حساب المذكورين في هذه الآية، فقال: يريد: أنه (¬4) لا حساب عليهم، إنما يقفون بين يدي الله يُعْطَوْن كتبهم بأيمانهم، فيها سيئاتهم، فيقال لهم: هذه سيئاتكم قد تجاوزتها عنكم، ثم يعطون حسناتهم فيقال لهم: هذه حَسَنَاتُكُم قد ضَعَّفْتُها لكم (¬5). وقال أبو إسحاق: معناه: أنه قد علم ما للمحاسَب وعليه قبل توقيفه على حسابه، فهو سريع الحساب؛ لأن الفائدة في الحساب علم حقيقته (¬6). فعلى ما ذكره أبو إسحاق تأويله: أنه عالم بما للمحاسبين وعليهم. وقال ابن الأنباري: معناه: سريع المجازاة للعباد على أعمالهم، وإن ¬
كان قد أمهلهم مدة من الدهر، فإن وقت الجزاء عنده قريب (¬1)، يدل عليه قوله: {وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [النحل: 77]، فسَمَّى المجازاةَ حسابًا؛ لأن ما يجازى به العبد هو كِفَاء لفعله، أو لأنه يجازى عند الحساب، وإنما يحاسب ليجازى، فذكر الحساب وهو يريد الجزاء. وقيل: تأويل الآية: أنه سريع القبول لدعاء عباده، والإجابة لهم، وذلك أنه تعالى يُسأل في وقت واحد سؤالاتٍ مختلفة، من أمر الدنيا والآخرة، فيجزي كلَّ عَبْدٍ على قدر استحقاقه، فلو كان الأمر مع واحد من المخلوقين لطال العَدُّ واتصل الحساب، فأعلم الله تعالى أنه (¬2) سريعُ الحساب، أي: الإحاطة والعلم بجملة سؤال السائلين؛ لأنه لا يحتاج إلى عَقْدِ يَدٍ، ولا وَعْي صَدْرٍ، ولا رؤيةٍ وفكرٍ، ثم تأويله يعود إلى سرعة القبول والإجابة ما لم يعرف مسألةَ كلِّ أحدٍ على التفصيل ليمكنه الإجابة (¬3) إلى ما سأل، وهذا معنى الدعاء المأثور: يا من لا يشغله سَمْعٌ عن سَمْع (¬4). ومع ما ذكرنا من هذه التأويلات (¬5) قد ورد في الخبر: "أن الله عز وجل ¬
203
يحاسب في قَدْر حَلْبِ شَاةِ" (¬1). 203 - قوله تعالى: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ} الأصحُّ أن هذه الأيام يرادُ بها: أيامُ التشريق (¬2) وأيامُ رَمْي الجمار (¬3)، سماها معدودات (¬4) لِقِلَّتِهَا (¬5)، كقوله: {دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ} [يوسف: 20]. وجَمْعُها ¬
على الألف والتاء يدل أيضًا على القلة، نحو: دُرَيْهِمَات وحمامات (¬1). وروي أن حسان بن ثابت عرضَ شعره وهو صبي بعكاظ على النابغة وأنشده قوله: لنا الجَفنَاتُ الغُرُّ يَلْمَعْن بالضُّحَى ... وأسْيَافُنَا يَقْطُرْنَ مِنْ نَجْدَةٍ دمَا (¬2) فقال: يا غلام! قَلَّلْتَ جِفَانك، يريد: أنه جَمَعَ بالألف والتاء، ولم يَقُلْ الجِفَان. قال الزجاج: وهذا الخبر عندي مصنوع؛ لأن الألف والتاء قد تأتي للكَثْرة قال الله عز وجل: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ} [الأحزاب: 35]. وقال: {فِي جَنَّاتٍ} [يونس: 9]. وقال: {الْغُرُفَاتِ} [سبأ: 37]، فقد يرد هذا الجمع في الكثير، ولكنه أدلُّ على القليل، من حيث كانَ أقرب إلى الواحد؛ لأنه على التثنية، تقول: حمام وحمامان وحمامات، فتؤدي بناءَ الواحد (¬3). والمراد بالذكر في هذه الأيام: التكبير أدبار الصلوات وعند الجمرات، يكبر مع كل حصاة (¬4). وأكثر العلماء على ما ذكرنا وهو أن الأيام المعدودات: أيام ¬
التشريق، وهي ثلاثة أيام بعد النحر: أولها: يوم القَرّ، وهو اليوم الحادي عشر من ذي الحجة، يستقرُّ الناس فيه بمنى. والثاني: يوم النَّفْر الأول؛ لأن بعض الناس ينفرون في هذا اليوم من منى. والثالث: يوم الثالث عشر، وهو يوم النفر الثاني (¬1). وهذه الأيام الثلاثة مع يوم النحر كلها أيام النحر، وأيام رمي الجمار (¬2). وهي الأيام الأربعة مع يوم عرفة أيام التكبير أدبار الصلوات، يبتدأ مع الصبح يوم عرفة، ويختم مع العصر يوم الثالث عشر، وهو مذهب ¬
أمير المؤمنين علي (¬1)، رضي الله عنه، وهو أكمل المذاهب. والأظهر من مذهب الشافعي رحمه الله أنه يبتدئ التكبيرَ من صلاة الظُّهر يوم النحر إلى صلاة الفجر من آخر أيام التشريق، اقتداءً بالحاجّ، قال: لأنهم يقطعون التلبية ويأخذون في التكبير يوم النحر، من صلاة الظهر، والصبح آخر صلاة يصليها الحاج، والناس لهم تبع (¬2). وقوله تعالى: {فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} معناه: فمن تعجل في يومين من أيام التشريق فنفر في اليوم الثاني، فلا إثم عليه في تَعَجُّلِه، ومن تَأَخَّرَ عن النفر في اليوم الثاني من أيام التشريق إلى اليوم الثالث حتى ¬
نفر فيه، فلا إثم عليه في تأخُّرِه (¬1). فإن قيل: إنما يخاف الإثم المتعجل. فما بال المتأخر أُلحق به، والذي أتى أفضل؟ قيل: معناه: فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فهو مبرور مأجور. فقال: (فلا إثم عليه) وهو يريد هذا المعنى لتوافق اللفظةُ الأولى الثانيةَ، وتكون على مثلِ سبيلها، وقد ذكرنا أنه حُمِلَ على موافقة اللفظ بما لا يصلح في المعنى (¬2) وهو قوله: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ} [الشورى: 40]، وقوله: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ} [البقرة: 194]، فَلأَن يحمل على موافقة اللفظ بما يَصِحُّ في المعنى أولى؛ لأن المبرور المأجور يصح في المعنى نفيُ الإثم عنه. وقيل: فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه في استعماله الرخصة، ومن تأخر فَتَرْكُه استعمالَ الرخصةِ غيُر مؤثم له أيضًا. وقيل: فمن تَعَجَّل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه من آثامهما التي كانت عليهما قبل أن يَحُجَّا، يدل على صحة هذا الوجه: ما روى منصور (¬3)، عن أبي حازم (¬4)، عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من ¬
حجَّ هذا البيتَ فلم يَرْفُثْ ولم يَفْسُق خرج من ذنوبه كيومِ ولدتْه أمه" (¬1). وذهب بعض المتأولين: إلى أن المراد بوضع الإثم عنه المتعجلُ دون المتأخر، ولكن ذُكرا معًا والمراد أحدُهما، كقوله: {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} [البقرة: 229] والجناح على الزوج؛ لأنه أخذ ما أعطى، وقد قال الله تعالى: {وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا} [البقرة: 229] ومثل هذا قوله: {نَسِيَا حُوتَهُمَا} [الكهف: 61]، نسب النسيان إليهما، والناسي أحدُهما، وقوله {يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ} [الرحمن: 22]، وإنما يخرج من أحدهما (¬2). وقوله تعالى: {لِمَنِ اتَّقَى} قال النحويون: المعنى: ذلك لمن اتقى، أي: طَرْح المآثم عن المتعجل والمتأخر يكون إذا اتَّقَيَا في حَجَّهما تضييع شيء مما حَدَّه الله وأمر به، حتى لا يظن أن من تعجل أو تأخر خرج عن الآثام دون أن يتقي، فيكون قوله: {لِمَنِ اتَّقَى} خبرًا لمبتدأ محذوف (¬3)، ¬
وهذا معنى قول قتادة (¬1) وابن مسعود (¬2)، وكان يقول: إنما جعلت مغفرة الذنوب لمن اتقى الله في حجه، وكذلك كان يقرأ: {لِمَنِ اتَّقَى} (¬3) (¬4). وقال ابن عباس في رواية العوفي والكلبي: طرح المأثم عن المتعجل والمتأخر يكون إذا اتَّقَيَا قَتْلَ الصيد، لا يحلُّ لأَحَدْ أن يَقْتُلَ صيدًا حتى تخلو أيام التشريق (¬5)، فمتى (¬6) لم يتقياه كان عليهما مأثم. وقال أبو العالية: ذهب إِثْمُهُ كُلُّه إن اتقى فيما بقي من عمره (¬7). ومعناه: التحذير من الاتكال على ما سلف من أعمال الحج والبر فيه، فبين أن عليهم مع ذلك ملازمةَ التقوى، ومجانبةَ الاغترار بالحال الأولى. ¬
204
204 - قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} الآية. قال الكلبي (¬1) والسدي (¬2) ومقاتل (¬3) وابن عباس (¬4) في رواية عطاء: نزلت هذه الآية في الأخنس بن شَرِيق (¬5)، واسمه: أُبَيّ، وسمي الأخنس؛ لأنه خَنَس يوم بدر بثلاثمائة رجل من بني زُهْرَة عن قتالِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكان رجلًا حُلْوَ الكلام، حُلْوَ المَنْظر، وكان يأتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيجالسه، ويظهر الإسلام، ويخبره أنه يحبه، ويحلف بالله على ذلك، وكان منافقًا حسن العلانية، سيئ السريرة، وكان يُعْجِبُ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - (¬6) كلامُه (¬7). وإنما قال: (في الحياة الدنيا)، لأنه كاذب، فما تعجب النبي - صلى الله عليه وسلم - من كلامه (¬8) ولا ¬
يثاب عليه في الآخرة (¬1). وقوله تعالى: {وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ} يعني قوله: والله إني بك مؤمن، ولك محب، فهو يحلف بالله ويُشْهِدُه على أنه مضمر (¬2) ما يقوله، وهو كاذب في ذلك، فكان التأويل: ويشهد الله على ما في قلبه من الإيمان بزعمه (¬3). وقوله تعالى: {وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ} معنى الأَلَدّ: الشديد الخصومة. قال أبو إسحاق: أُخذ من لَدِيدَي العُنُق، وهما صَفْحَتَاه، وتأويله: أنه في ¬
205
أيِّ وَجْه أَخَذَ من يمين أو شمال في أبواب الخُصومةِ غَلَب (¬1)، ويقال: لَدَدْتَ يا رجل، فأنت تَلَدُّ لَدَدًا ولَدَادَةً (¬2). والخصام: مصدر، كالمُخَاصمة، والمُخَاصَمَة: مُفَاعلةٌ من الخصُومة، وحقيقة الخُصومة: التَّعَمُّق في البحث عن الشيء، والمضايقةُ فيه، ولذلك قيل لزوايا الأوعية: خُصوم، واحِدُها: خُصْم (¬3). قال ابن عباس في قوله: {أَلَدُّ الْخِصَامِ} يريد: الذي يدع الحق ويِخاصم على الباطل (¬4). 205 - قوله تعالى: {وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ} قال ابن عباس: {وَإِذَا تَوَلَّى} يريد: راجعًا إلى مكة (¬5)، وذلك أنه لما انصرف من بدر ببني ¬
زُهْرَة (¬1)، كان بينه وبين ثقيف (¬2) خصومه، فبيتهم ليلًا، وأهلك مواشِيَهُم، وأَحْرَقَ زَرْعَهُم (¬3). وقال السُّدِّي. مرّ بزرع للمسلمين وحُمُر، فأَحْرَقَ الزَّرْعَ، وعَقَرَ الحُمُر (¬4). وقال الضحاك (¬5) ومجاهد (¬6): تولى بمعنى: ملك وَوَلي وصار واليًا، ومعناه: إذا ولي سلطانًا جار، وعلى تفسير ابن عباس معناه: أدبر وأعرض. وذكرنا معنى السَّعْيَ فيما تقدم. وقوله تعالى: {وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ} أكثرُ المُفَسِّرين على أن المراد بالحرث: الزرع والنبات، وبالنَّسْل: نسل الدواب، على ما روي أنه ¬
أهلكَ المَواشِيَ وأَحْرَقَ الزَّرْعَ (¬1). وقال مجاهد: إذا ولي فعمل بالعدوان والظلم أمسك الله المطر، فيهلك باحتباس المطر الحرث والنسل. وقيل: إن الحرث: النساء، والنسل: الأولاد، وهذا غير مدفوع عن الصحة؛ لقوله: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ} [البقرة: 223]، (¬2). والنسل: معناه في اللغة: الولد، يقال: نَسَلَ بولد كثير (¬3)، واشتقاقه يحتمل أن يكونَ من قولهم: نَسَلَ يَنْسِلُ، إذا سقط وخرج، ومنه نَسَل رِيْشُ الطائر، وَوَبَرُ البعير، وشَعْر الحمار، إذا خرج فسقط منه، والقطعة منها إذا سقطت نُسالة، ومنه قوله عز وجل: {إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ} [يس: 51]، أي: يسرعون؛ لأنه إسراع الخروج بحدة، والنسل: الولد؛ لخروجه من ظهر الأب وبطن الأم وسقوطه، والنسل (¬4): نسل آدم، وأصل الحرف من النُّسُول، وهو الخروج (¬5). وقوله: {وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ} قال ابن عباس في رواية الكلبي: أي: لا يَرْضَى بالفسادِ والعَمَلِ بالمعاصي (¬6). ¬
206
وذكر في تفسير الفساد هاهنا: الخراب، وقطع الدرهم، وشق الثياب، لا على وجه المصلحة (¬1). ويقال: فَسَدَ الشيءُ يَفْسد فسودًا وفسادًا، كما يقال: ذهب ذُهُوبًا وذَهابًا، وكسد كُسُودًا وكَسَادًا (¬2). 206 - قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ}، وذلك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دعاه إلى إجابةِ اللهِ في ظاهره وباطنه، فدعاه الأَنَفَةُ والكِبْر إلى الإثم والظلم، وهو قوله: {أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ} (¬3). ومعنى العزة هاهنا: المنعة والقوة (¬4). وذكرنا معاني العز والعزيز فيما تقدم. قال قتادة: إذا قيل له: مَهْلًا مَهْلَا ازداد إقدامًا على المعصية (¬5). قال أهل المعانى: معنى (أخذته العزة بالإثم) حملته عليه، وجَرّأته عليه، وزينت له ذلك، يقال: أخذت فلانًا بكذا وكذا، أي: أردته عليه، وحملته على ذلك، وكلفته. ¬
وتأويل الآية: حَمَلَتْه العِزّةُ وحَمِيَّةُ الجاهلية على الفعل بالإثم (¬1). والجَارّ في قوله تعالى: {بِالْإِثْمِ} يجوزُ تَعَلُّقُه بالأخذ وبالعزة، فإن علقته بالأخذ، كان المعنى: أخذته بما يؤثمه، أي: أخذته بما كسبه ذلك، والمعنى: للعزة يرتكب ما لا ينبغي أن يرتكب، فكأن العزة حملته على ذلك وقلة الخشوع. وإن علقته بالعزة كان المعنى الاعتزاز بالإثم، أي: اعتز بما يؤثمه فيبعده مما يرضاه الله (¬2). وقوله تعالى: {فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ} قال المفسرون: كافيه الجحيمُ جزاءً له وعذابًا (¬3)، ويقال: حَسْبُكَ دِرْهَمٌ، أي: كفاك، وحَسْبُنا الله، أي: كافينا الله. قال امرؤ القيس: وحَسْبُكَ من غِنًى شِبَعٌ ورِيّ (¬4) ¬
أي: يكفيك الشِّبَعُ والرِّيُّ، تصريفه من الثلاثي ممات، ويقال منه في الرباعي: أحسبني الشيء، إذا كفاني (¬1). وأما جهنم، فقال يونس وأكثر النحويين: هي اسم للنار التي يعذب الله بها في الآخرة، وهي أعجمية لا تُجْرَى للتعريف والعجمة (¬2). وقال آخرون: جهنم اسم عربي، سميت نار الآخرة بها لبعد قعرها، ولم تُجْر (¬3) للتعريف والتأنيث. قال قطرب: حكي لنا عن رؤبة (¬4) أنه قال: رَكِيَّةٌ جَهَنَّام، يريد: بعيدةَ القَعْر (¬5). والمهاد: جمع المهد. والمهد: الموضعُ المُهَيَّأُ للنَّوم، ومنه: مَهْدُ الصبي. وأصله: من التوطية، يقال: مَهَدْتُ الشَّيءَ والأرض مهادًا؛ لأنه موطاة للعباد (¬6). وسَمَّى جهنمَ هاهنا مِهادًا على معنى أنها قرار، والقرار كالوطاء في ¬
207
الثبوت عليه، وقيل: لأنها بدل من المهاد لهم، فصار كقوله: {فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [الانشقاق: 24]، على جِهَةِ البَدَلْ (¬1). 207 - قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ} الآية، يشري من الأضداد، يقال: شَرَى إذا باع، وشرى إذا اشترى. وأصله: الاستبدال، قال الله تعالى: {وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ} [يوسف: 20]، أي: باعوه (¬2). ومعنى بيع النفس هاهنا: بذلها لأوامر الله وما يرضاه (¬3). ونصب {ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ} على معنى المفعول له، أي: لابتغاء مرضاة الله، ثم نزع اللام منه، فوصل الفعل فنصبه (¬4)، ولا يجوز على هذا: فعله زيدًا، أي: لزيد، ويجوز: فعله خوفًا، أي: للخوف، وذلك أن في ذكر المصدر دليلًا على الغَرَضِ الداعي إلى الفعل، وليس كذلك ذكر زيد، ¬
ولأن في قوله: فعله لزيدٍ، تضمينًا، كأنه قال: فَعَلَه لإكرامِ ولسببِ زيدٍ، وما أشبه هذا مما يكون داعيًا إلى الفعل، فلم يحتمل الكلام حذفين كما احتمل حذفًا واحدًا (¬1). والمرضاة: الرِّضَى، يقال: رَضِيَ رِضًا ومَرْضَاة (¬2). وكان الكسائي يقرأها ممالة (¬3)، ليدل على أن الألف فيها منقلبة عن الباء، ولم يمنعها المستعلي وهو (الضاد) (¬4) من الإمالة، كما لم يمنع من إمالة نحو: صار وخاف وطاب (¬5). وكان حمزة يقف عليها بالتاء (¬6)، وحجته ما حكاه سيبويه عن أبي الخطاب (¬7)، أنه كان يقول: طَلْحَت (¬8). ¬
وأنشد الأخفش: ما بَالُ عَيْني عن كَرَاها قد جَفَتْ ... مُسْبِلَةً تَسْتَنّ لَمّا عَرَفَتْ دارًا لِسَلْمى بعد حَوْلٍ قَدْ عَفَتْ ... بل جَوْزِ تَيْهَاءَ كَظَهْر الْجَحَفَتْ (¬1) ويجوز أن يكون لما كان المضاف إليه في التقدير أثبت التاء، كما يثبته في الوصل، أن المضاف إليه مراد (¬2)، كما أشم (¬3) من أشمّ في الوقف الحرفَ المضمومَ، ليعلم أنه في الوصل مضمومٌ، وكما كَسَر من كَسَر قوله: ......................... واعتقالًا بالرِّجْلِ (¬4) ليعلم أنه في الوصل مجرور. ويدل على حُجةِ قراءة حمزة قول ¬
الراجز: إن عَدِيًا رَكِبَتْ إلى عَدِي ... وجَعَلَتْ (¬1) أمْوالَها في الحُطَمي ارْهَنْ بَنِيكَ عَنْهم ارْهَنْ بَنِي (¬2). أراد: بنيّ، فحذف ياء الإضافة للوقف، كما يخفف المثقل من نحو: سُرٍّ وضُرٍّ، فلولا أن المضاف إليه المحذوف في تقدير المثبت لرد النون في بنين، فكما لم يَرُدَّ النون في بنين فكذلك لم يقف بالهاء في (مَرْضَاةِ)، لأن المضاف إليه في تقدير الثبات في اللفظ (¬3). فأما التفسير، فقال أكثر المفسرين: نزلت في صهيب بن سنان الرومي (¬4)، كان رجلًا من ولد النِّمر بن قاسط (¬5)، فَسُبِيَ صغيرًا (¬6) إلى ¬
الروم، فتغير لسانه، ثم كان مملوكًا لابن جُدْعان (¬1)، فآمن بالله وصدق النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأقبل مهاجرًا إليه، فأخذه المشركون، فقال لهم صهيب: إني شيخ كبير لا يضركم أَمِنْكُم كنت أم من غيركم، فهل لكم أن تأخذوا مالي وتذروني وديني؟ ففعلوا ذلك، وكان قد شرط عليهم راحلة ونفقة، فلما بلغ المدينة تلقاه أبو بكر وعمر رضي الله عنهما في رجال، فقال له أبوبكر: ربحَ بيعُك أبا يحيى، فقال له (¬2) صهيب: وبيعك فلا يخسر، ما ذاك؟ فقال أنزل الله (¬3) فيك، وقرأ عليه هذه الآية (¬4). وقال ابن عباس في رواية عطاء: إنه بذل ماله لمولاه، وقال له: خذ ¬
مالي وسَيِّبْني، فقد آمنت بالله وحده لا شريك له، فأعطى ماله وخرج مهاجرًا (¬1). وعلى هذا يشري بمعنى: يشتري، كأنه يشتري نفسه من مولاه بماله، أو من المشركين بماله (¬2). وروى عن ابن عباس أيضًا في هذه الآية، أنه قال: أرى هاهنا من إذا أُمِر بتقوى الله أخذته العزة بالإثم، قال هذا: وأنا أشري نفسي فقاتله فاقتتل الرجلان (¬3)، لذلك كان علي رضي الله عنه إذا قرأ هذه الآية يقول: اقتتلا ورب الكعبة (¬4)، وهذا كالمستنبط من الآية، وذلك أن هاتين الآيتين تتضمنان (¬5) المعنى الذي أشار إليه ابن عباس (¬6). ¬
208
208 - قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً} اختلف القُرّاء في {السِّلْمِ}، فقرأ بعضهم بفتح السين، وبعضهم بكسرها (¬1). أما (¬2) الكسر: فقال أبو عبيدة (¬3) والأخفش (¬4): السِّلم: الإسلام، وهو اسم جعل بمنزلة المصدر، كالعطاء من أَعْطيْتُ، والنبات من أَنْبَتَ. وأما الفتح: فيجوز أن يكون لغة في السِّلْم الذي يراد به الإسلام، ويجوز أن يكون المراد به الصُّلْح، والمعني بالصلح: الإسلام؛ لأن الإسلام صلح، ألا ترى أن القتال والحرب بين أهله موضوع، وأنهم أهل اعتقاد واحد، ويد واحدة في نصرة بعضهم لبعض، فإذا كان ذلك موضوعًا بينهم وفي دينهم (¬5) كان صُلْحًا في المعنى، فكأنه قيل: ادخلوا في الصُّلْح، والمراد به: الإسلام، فسماه صُلْحًا لما ذكرنا، وهذا الوجه (¬6) أوجه من أن يكون ¬
السِّلْم لغة في السِّلم الذي يراد به (الإسلام، إلا أن يقال: إن الفتح لغة في الكسر الذي يراد به) (¬1) الصلح، ويتأول أن الإسلام صلحٌ على نحو ما بينا (¬2). والذي يراد به الصلح فيه ثلاث لغات: السِّلْم والسَّلْم والسَّلَم. وأنشد أبو عبيدة: أنائلَ إنَّنِي سَلَمٌ ... لأهلِكِ فاقْبَلي سَلَمِي (¬3) وقرئ {وَلَا تَقُولُوا لِمَن أَلقَىَ إِليَكُمُ السَّلَامَ} [النساء: 94] (¬4). والمراد بالسِّلم في هذه الآية: الإسلام (¬5)؛ لأن المراد إنما هو ¬
تحضيضهم على الإسلام والدعاء إليه، والدخول فيه، وليس المراد: أدخلوا في الصلح، وليس ثَمّ صُلْحٌ يدعون إلى الدخول فيه (¬1)، إلا على التأويل الذي ذكرنا أن الإسلام صلح (¬2). قال ابن عباس في رواية عطاء (¬3) وقتادة (¬4) وابن زيد (¬5) والضحاك والسُّدِّي (¬6): نزلت هذه الآية في عبد الله بن سلام وأصحابه، وذلك أنهم حين آمنوا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - قاموا بشرائعه وشرائع موسى، فعظموا السبت، وكرهوا لُحْمَانَ الإِبِلِ وألبَانَها بعد ما ¬
أسلموا، فأنكر ذلك عليهم المسلمون، فقالوا: نقوى على هذا وهذا، وقالوا للنبي - صلى الله عليه وسلم -: إن التوراة كتاب الله، فدعنا فلنقم بها في صلاتنا، فأنزل الله هذه الآية. وقوله تعالى: {كَافَّةً} يجوز أن يكون معناه: ادخلوا جميعًا. ويجوز أن يكون معناه: في السلم (¬1)، أي: في جميع شرائعه، وهذا أليق بظاهر التفسير، لأنهم أُمِروا بترك تعظيم السبت، واستحلاله لُحْمان الإبل، وهذا من شرائع الإسلام التي أمروا بالقيام بها كلها (¬2). ومعنى الكافة في اللغة: الحاجزة المانعة، يقال: كففت فلانًا عن السوء فكَفّ يَكُفُّ كَفًّا، سواء لفظ اللازم والمجاوِز، ومن هذا يقال: كُفَّةُ القميص، لأنها تمنع الثوب من الانتشار، وقيل لطرف اليد: كَفُّ؛ لأنه يُكَفُّ بها عن سائر البدن، ورجل مكفوف: كُفَّ بَصَرُه من أن ينظر. فالكافة معناها: المانعة، ثم صارت اسمًا للجملة الجامعة؛ لأنها تمنع من الشذوذ ¬
209
والتفرق (¬1) (¬2). والمعنى: ادخلوا في شرائع الإسلام جملة مانعة من شريعة لم تدخلوا فيها (¬3). وقال أبو إسحاق: معنى الآية: ابلغوا في الإسلام إلى حيث تنتهي شرائعه، فتكفوا (¬4) من أن تعدوا شرائعه، وادخلوا كلكم حتى يكف عن عددٍ واحدٍ لم يدخل فيه (¬5). قوله تعالى {وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ} أي (¬6): آثاره ونزغاته، فيما زين لكم من تحريم السبت ولحم الجمل (¬7). وذكرنا هذا فيما تقدم. 209 - قوله تعالى: {فَإِنْ زَلَلْتُمْ} يقال: زَلّ يَزِلّ زَلًّا وزالًا ومزلًا وزلولًا: إذا دحضت قدمه، وزَلَّ في الطين زليلًا. ومعنى زَلَلْتُم: تنحيتم عن القصد والشرائع في تحريم السبت ولحوم الإبل (¬8) {مِنْ بَعْدِ مَا ¬
210
جَاءَتْكُمُ} يعنى: القرآن ومواعظه (¬1). {فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} في نقمته لا تعجزونه، ولا يعجزه شيء، {حَكِيمٌ} فيما شرع لكم من دينه (¬2). 210 - قوله تعالى: {هَلْ يَنْظُرُونَ} الآية، {هَلْ} هاهنا استفهام يراد به النفيُ والإنكار (¬3)، كما يقال: هل يفعل هذا إلا مايق (¬4)، أي: لم يفعل. {يَنْظُرُونَ} بمعنى: ينتظرون، والنظر عند أهل اللغة: الطلب لإدراك الشيء، وتقليب العين نحو الجهة التي فيها المرئي المراد رؤيته، مما يدل على ذلك قولُ ذي الرُّمَّةِ: فيامَيّ هل يُجْزَى بُكائِي بمِثْلِه ... مرارًا وأنْفاسِي إليك الزَّوافِرُ وإني متى أشْرِف على الجَانِبِ الذي ... به أنتِ من بَينِ الجَوانِبِ ناظِرُ (¬5) ¬
فلو كان النظرُ الرؤيةَ لم يطلب عليه الجزاء، أي: المحب لا يستثيب من النظر إلى محبوبه شيئًا، بل يريد ذلك ويتمناه، ويدل على ذلك قول الآخر: ونظْرَة ذي شِجَنٍ وأَمْنٍ ... إذا ما الرَّكَائِبُ جاوَزْنَ مِيلًا (¬1). فهذا على التوجه إلى الناحية التي المحبوبُ فيها، وتقليب البصر نحوها، وما يعالج من التلفت والتقلب، كقول الآخر: ما سِرتُ مِيلًا ولا جَاوَزْتُ مَرْحَلةً ... إلا وذكركِ يَلْوِيْ دايبًا عُنُقِيْ (¬2) هذا الذي ذكرنا هو الأصل في اللغة (¬3)، ثم يجوز أن يعني بالنظر: الرؤية؛ لأن تقليب البصر نحو المُبْصَر تتبعه (¬4) الرؤية، وقد يجري على الشيء لفظ ما يتبعه ويقترن به، كقولهم للفِنَاء: عَذِرَة، ولذي بطن الإنسان: غائط. والنَّظَر يُعَدَّى بإلى، ثم يجوز أن يُحْذَفَ الجار وُيوصَل الفعل كما أنشده (¬5) الأخفش: ظاهرات الجَمَالِ وَالحُسْنِ يَنْظُرْ ... نَ كما تَنْظرُ الأرَاكَ الظِّبَاءُ (¬6) ¬
المعنى: ينظرن إلى الأراك، فحذف الجار (¬1). والنظر فعل يستعمل على ضروب من المعاني، كلها يرجع إلى أصل (¬2) واحد، وهي طلب الإدراك. منها: النظر، بمعنى: الانتظار (¬3)، كقوله تعالى: {غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ} [الأحزاب: 53] أي: غير منتظرين إدراكه وبلوغه، والمنتظر يطلب إدراك ما يتوقع، يقال: نظرته وانتظرته، ومنه قوله: {فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ} [النمل: 35]. وقال الحطيئة (¬4): وقد نَظَرْتُكُم إينَاءَ صادرة .... (¬5) والناظرُ إلى الشيء يطلبُ إدراك ما يلتمس ببصره، والنظر بالفكر إدراك المعاني. ويكون النظر بمعنى: التَّعَطُّفِ والرَّحْمَة، كقوله: {وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ ¬
الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ} [آل عمران: 77]. ذلك أن الرحمةَ تتبع النظر، فإن الواحدَ منا إذا نظر إلى حال إنسان فرآه في بليةٍ أو شدةٍ رَحِمَهُ، ولو لم ينظر إليه لم تداخله الرحمة، هذا هو الأصل، ثم جعل الرحمة نظرًا. ويكون النظر بمعنى الاعتبار والتأمل والتدبر، وهو فعل غير متعد، فمن ذلك قوله: {انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ} [الفرقان: 9] {انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ} [النساء: 50] {انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ} [الإسراء: 21] وقد يتعدى هذا بالجار، كقوله: {أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [الأعراف: 185]. وقوله: {أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ} [الغاشية: 17]. وقوله: {أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ} [ق: 6]، والمراد بالنظر في هذه الآية: نظر الاعتبار، وذلك أن الاعتبار ثاني النظر، كما ذكرنا في الرحمة. والنظر يكون بمعنى المقابلة، تقول العرب: الجبل ينظر إليك أي: يقابلك، وذلك أن الأكثر في باب النظر أن الناظر ينظر فيما يقابله، فلما كان الأكثر في هذا الباب المقابلة سميت المقابلة نظرًا (¬1). والظُّلَل جمع ظُلَّة: مثل حُلَّة وحُلَلٌ، والظُّلَّة: ما يُسْتَظَلُّ به من الشمس، ويسمى السحابُ ظَلَّةً لأنه يُسْتَظَل بها، ومنه قوله: {عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ} [الشعراء: 189]، أراد: غيمًا تحته سموم (¬2). ومعنى الآية: هل ينتظر التَاركونَ الدخولَ في السَّلْم والمتبعون ¬
خطوات الشيطان إلا العذاب يوم القيامة، يريد: أنه لا ثواب لهم، فلا ينتظرون إلا العذاب (¬1). فإن قيل: إنهم لا ينتظرون العذاب، ولو انتظروا العذاب لدخلوا في السلم كافة؟ قيل: انتظارهم العذاب يكون في الآخرة، يوم القيامة يعلمون أنهم لا ثواب لهم فلا ينتظرون إلا العذاب، أو نقول: قد ذكرنا أن هذا استفهام معناه النفي، بمعنى: ما ينتظرون، ويكون هذا خبرًا بمعنى النهي، أي: لا تنتظروا بعد تكذيب محمد - صلى الله عليه وسلم - إلا العذاب، وذكرنا عن صاحب النظم وجهًا آخر في نظير هذه الآية في سورة النحل. وفي قوله تعالى {إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ} وجهان: أحدهما: أن هذا من بابِ المضاف، أذ يأتيهم عذابُ الله، أو أمرُ الله، أو آياتُ الله، فجعل مجيء الآيات والعذاب مجيئًا له، تفخيمًا لأن العذاب وتعظيمًا له. والثاني: أن المعنى: هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله بما وعدهم من العذاب والحساب، فحذف ما يأتي به تهويلًا عليهم، إذ لو ذكر ما يأتي به كان أسهل عليهم في باب الوعيد، وإذا لم يذكرْ كان أبلغ لانقسام ¬
وخواطرهم وذهاب فكرتهم في كل وجه، ومثله قوله: {فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا} [الحشر: 2]، أي: أتاهم بخذلانه إياهم (¬1). ¬
وفي قوله: {ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ} وجهان أيضًا: أحدهما: أن العذاب يأتي فيها ويكون أهول، كقوله: {عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ} [الشعراء: 189]. والثاني: أن ما يأتيهم من العذاب يأتي في أهوال مفظعة، فشبه الأهوال بالظلل من الغمام، كقوله: {وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ} [لقمان: 32] (¬1). وقوله تعالى: {وَقُضِيَ الْأَمْرُ} أي: فُرغَ لهم مما كانوا يوعدون، بأن قدر عليهم ذلك وأعد لهم (¬2). وذكرنا معنى القضاء فيما تقدم (¬3). وقوله تعالى: {وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ} اختلف القراء في (ترجع) (¬4)، فقرأ بعضهم: بفتح التاء وكسر الجيم، بنى الفعل للفاعل، كقوله {أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ} [الشورى: 53]. وقوله: {إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ} [الغاشية: 25]، و {إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ} [المائدة: ¬
211
48] أضاف المصدر إلى الفاعل (¬1). وقرأ بعضهم: بضم التاء وفتح الجيم، بنى الفعل للمفعول به، كقوله: {ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ} [الأنعام: 62]، وقوله: {وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي} [الكهف: 36] (¬2). ومعنى قوله: {وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ} أي: في الخير من الثواب والعقاب، وذلك أن العباد في الدنيا لا يجازون على أعمالهم، ثم إليه يصيرون، فيعذب من يشاء، ويرحم من يشاء (¬3). قال ابن الأنباري: إن الأمور لم تخرج من يديه، ولكن العباد في الدنيا لا يجازون على أعمالهم بما يستحقون من الثواب والعقاب، ولا يُرزقون بمقدار الطاعة، ولا يُفَتَّر عليهم على حسب المعصية، بل الثواب والعقاب والجزاء والحساب في الآخرة، فقال الله تعالى: {وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ} يعني: أنه كان يجازي عليها وُيثِيْبُ ويُعَاقب، إذ كانوا في الدنيا لا يلحقهم من هذه الأشياء شيءٌ. ويكون المعنى على أن الله مَلَّك عبيده في الدنيا الأموالَ والتصرفَ فيها، ثم يرجع الأمر في ذلك كله إلى الله تعالى في الآخرة، فلا يملك أحدٌ شيئًا (¬4). 211 - قوله تعالى: {سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ} الآية، {سَلْ} كان في الأصل: اسأل، فتركت الهمزة التي هي عين الفعل؛ لكثرة الدور في الكلام ¬
تخفيفًا، ونقلت حركتها إلى الساكن الذي قبلها، فاستغنيت عن ألف الوصل. وقال قطرب: يقال: سَال يَسَال، مثل: زأر الأسد يزأر، وسال يسال يسل، مثل: خاف يخاف، والأمر منه: سَلْ، مثل: خَفْ (¬1). وبهذه اللغة قرأ نافع (¬2) وابن عامر {سَأَلَ سَائِلُ} [المعارج: 1] (¬3)، على وزن: قال وكال. وقوله: {كَمْ} هو اسم مبني على السكون موضوع للعدد، يقال: إنه من تأليف (كاف) التشبيه إلى (ما)، ثم قصرت (ما)، وسكنت الميم، وبنيت على السكون لتضمنها حرف الاستفهام، ويعمل فيه ما بعده من العوامل، ولا يعمل فيه ما قبله سوى ما يجر، وهو في موضع نصب هاهنا بـ (أتيناهم)، وأكثر لغة العرب الجرُّ به عند الخَبَر، والنصبُ عند الاستفهام، ومن العرب من ينصب به في الخبر ويجر في الاستفهام (¬4). ¬
ومعنى السؤال هاهنا: تبكيتٌ للمسؤول عنه وتقريع له، لا تَعَرُّفٌ منه، كما يقال: سله كم أنعمت عليه فكفر نعمتي! وكم حذرته فلم ينته! كذلك هؤلاء، أنعم الله عليهم نعمًا من فَلْقِ البحر لهم، وإنجائهم من عدوهم، وأنزل عليهم المَنَّ والسلوى، فكفروا بهذه النعم حتى لم يؤمنوا بمحمد - صلى الله عليه وسلم -، ولم يبينوا نعته (¬1)، ولهذا قال بعضهم: في الآية إضمار واختصار، تقديره: سلهم كم آتيناهم من آية بينةٍ فكفروا بها، ويدل على هذا الإضمار قوله: {وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ} يعني: أنهم بدلوا بالكفر بها، وترك الشكر لها (¬2). والتبديل: تصيير الشيء على غير ما كان (¬3)، ونذكر الكلام فيه مستقصى عند قوله: {بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا} [النساء: 56] إن شاء الله. والله تعالى هو الذي يبدل النعمة نقمة إذا كُفِرَت ولم يُعْرف حقها، ولكن أضاف التبديل إليهم؛ لأنه بسبب من جهتهم، وهو ترك الشكر والقيام بحقها (¬4)، ثم بين حكم من بَدّل بباقي الآية. وفي قوله: {شَدِيدُ العِقَابِ} إضمار، يريد: شديد العقاب له (¬5). ¬
212
والعقاب يَعْقُبُ الجُرْمَ (¬1). وقال ابن عباس في رواية عطاء: {سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ} يريد: الذين آمنوا بالله {كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ} يريد ما أعطى موسى {وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ} يريد: من تخلف من الإيمان من قريظة والنضير وبني إسرائيل (¬2)، فعلى هذا: السؤال راجع إلى مؤمني أهل الكتاب. وقال مجاهد (¬3): النعمة في هذه الآية يراد بها: الحججُ والبراهينُ التي تدل على صحة أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - ونبوته، مما في كتابهم، وتبديلهم إياها: تغييرهم نعتَه وصفتَه وذكَره، وهذا الوجه اختيار الزجاج (¬4). 212 - قوله تعالى: {زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا} الآية، إنما لم يقل: (زينت)؛ لأن الحياة مصدر، فذهب إلى تذكير المصدر، كقوله: {فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ} [البقرة: 275] {وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ} [هود: ¬
67] هذا قول الفراء (¬1). وقال الزجاج: تأنيث الحياة ليس بحقيقي، لأن معنى الحياة والعيش والبقاء واحد، وكأنه قال: زين للذين كفروا البقاء (¬2). وقال ابن الأنباري: إنما لم يقل: (زينت)، لأنه فصل بين زين وبين الحياة بقوله: {لِلَّذِينَ كَفَرُوا}، وإذا فصل بين فعل المؤنث وبين الاسم بفاصل حسن تذكير الفعل؛ لأن الفاصل يكفي من تاء التأنيث (¬3)، ويقال: من الذي زين لهم؟ قيل: فيه قولان: أحدهما: زَيَّنَها لهم إبليس بما يمنيهم ويعدهم من شهواتها، قاله ابن كيسان والزجاج (¬4). والقول الثاني: أن الله تعالى زَيَّنَها لهم حين بَسَطَها وَوَسَّعَها عليهم، فهي هَمُّهم وطَلِبَتُهْم ونِيَّتُهم وهم لا يريدون غيرها، كقوله: {فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} [النجم: 29] وإنما فعل الله ذلك بهم ¬
للابتلاء، كما قال: {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ} [الكهف: 7] ويدل على هذا قراءة حميد (¬1) (زَيَّنَ للذين كفروا) بفتح، الزاي (¬2) يعني الله تعالى (¬3). وقوله تعالى: {وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا} يقال: سخر منه سُخريَّة, وسُخريًّا، وسَخَرًا، وسُخْرًا، قال الأعشى: ..... لا عَجَبٌ منه ولا سُخْرُ (¬4) ويروى: ولا سَخَرَ، ومعنى السُّخْرِية: الإيهام للشيء والانطواء على خلافه (¬5). ¬
وقوله تعالى: {وَيَسْخَرُونَ} مستأنف غير معطوف على {زُيِّنَ}، ولا ينكر استئناف المستقبلِ بعد الماضي، وذلك أن الله تعالى خبر عنهم بـ {زُيِّنَ} وهو ماض، ثم خبر عنهم بعد ذلك بفعل يديمونه ويستقبلونه، فقال: {وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا} أي: يسخرون من فقراء المؤمنين ويعيرونهم بالفقر (¬1). قال ابن عباس في رواية أبي صالح: نزلت في مشركي العرب، كانوا يتنعمون بما بسط لهم في الدنيا من المال، ويسخرون من فقراء المؤمنين الذين يرفضون الدنيا (¬2)، وقال في رواية عطاء: نزلت في رؤساء اليهود وعلمائهم من بني قريظة والنضير وقينقاع، سخروا من المهاجرين حيث أخرجوا من ديارهم وأموالهم (¬3). ¬
وقوله تعالى {وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} قال مقاتل: والذين اتقوا الشرك وهم هؤلاء الفقراء (¬1)، وقال غيره: والذين اتقوا الله في عهدهِ وأمرهِ فوق الذين سخروا منهم (¬2)، يعني: بارتفاع حججهم على حجج الكفار، لأن في القيامة تعلو حجج المؤمنين، ويلزم الذُّلُّ الكافرين (¬3). قال الزجاج (¬4) وابن الأنباري: يجوز أن يكون (فوق) يدل على علو موضع المؤمنين على موضع الكافرين (¬5)؛ لأن المؤمنين في الجنة، والجنة عالية، والكافرين في النار، والنار هاوية، فوصف المؤمنين بأنهم فوق الكفار، وإن لم يكن للكفار موضع يوصف بالفوقية، كما قال: {أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا} [الفرقان: 24] وإن لم يكن في مستقر أهل النار خير. وقال بعض أهل المعاني: أراد: أن حالهم في الآخرة فوق حال هؤلاء الكفار في الدنيا، وعلى هذا يتوجه قوله: {خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا} يعني: أن مستقرهم في الآخرة خير من مستقر هؤلاء الذين اغتبطوا به في ¬
الدنيا (¬1). وقوله تعالى: {وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد أن أموال قريظة والنضير تصير إليكم بلا حساب ولا قتال بأسهل شيء وأيسره (¬2)، فيكون على هذا: والله يرزق من يشاء بغير تقدير من المرزوق للرزق، فيصير إليه ما لم يكن يحتسبه ولم يؤمله، ويكون ذلك من أهنأ العطاء وأحلا الأرزاق، لذلك مدح الله نفسه بهذا. وقال في رواية لأبي صالح: يعني: كثيرًا بغير فوت ولا مقدار؛ لأن كل ما دخل عليه الحساب فهو قليل (¬3). وقال الضحاك: يعني من غير تبعة في الدنيا ولا حساب في الآخرة (¬4)، دليله قوله: - صلى الله عليه وسلم -: "يدخل الجنة سبعون ألفًا من أمتي بغير حساب" (¬5). وقال مقاتل: يرزق من يشاء حين بسط للكافرين في الرزق، وقتّر على ¬
المؤمنين، {بِغَيْرِ حِسَابٍ} يعني: ليس فوقي من يحاسبني، لي الملك أعطي من شئت بغير حساب (¬1). وهذا معنى قول الحسن (¬2)؛ لأنه قال: {وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} لا يسأل عما يفعل. هذا الذي ذكرنا هي أقوال المفسرين. ولأصحاب المعاني أقوال (¬3) في هذا: أحدها: أن ما يعطي الله تعالى العبد على نوعين: ما يستحقه بعمله، ومنه ما يعطيه من فضله ابتداءً من غير استحقاق بعمل، كقوله تعالى {فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ} [النساء: 173] فقوله: {وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} يعني: ما يتفضل به لا على حساب العمل. والثاني: لا يخاف نفاد ما عنده فيحتاج إلى حساب ما يخرج منه، إذ كان الحساب من المعطي إنما يكون ليعلم ما يعطي وما يبقى ولا يتجاوز في عطائه إلى ما يجحف به، والله تعالى لا يحتاج إلى الحساب؛ لأنه عالم غني لا يتناهى لمقدوره ولا يخاف نفاد ما عنده (¬4). ¬
213
والثالث: أنه أراد بهذا رزقَ أهل الجنة، ورَزْقُهم بغير حساب؛ لأنه دائمٌ، كقوله: {فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ} [غافر: 40] وذلك أن رِزْقَهُم لا يَتَنَاهى، وما لا نهاية له لا حساب له. وقال ابن الأنباري: هذا في الدنيا يرزقُ عباده من غيرِ محاسبةٍ ولا استحقاق، ولو فعل ذلك لخرج الكفار من الأرزاق، فجعل فضله يشملهم، ورزقه يعمهم، بتفضل منه عليهم، وفيهم من لا يستحق الرزق والإحسان، فكان ذلك على غير حساب، لأنه لا يحاسب بالرزق في الدنيا على قدر العمل، وهذا الوجه اختيار الزجاج (¬1)، وذكرنا معنى الحساب فيما تقدم. 213 - قوله تعالى: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً} الآية، قال ابن عباس: كان الناس على عهد إبراهيم عليه السلام أمةً واحدةً كفارًا كلهم، وولد إبراهيم في جاهلية، فبعث الله إليهم إبراهيم وغيره من النبيين (¬2). وقال الحسن (¬3) وعطاء (¬4): كان الناس من وقت وفاة آدم إلى مبعث نوح أمة واحدة على ملة واحدة وهي الكفر، كانوا كفارًا كلهم أمثال البهائم، فبعث الله عز وجل نوحًا وإبراهيم وغيرهما من النبيين. قال ابن الأنباري: على هذا القول وإن كان فيما بينهم من لم يكن ¬
بهذا الوصف نحو: هابيل وإدريس، فإن الغالب كان الكفر، والحكم للأغلب والأعم، ولا يعتد بالقليل في الكثير، كما لا يعتد بالنبيذ القليل من الشعير في البر الكثير. وقال الكلبي (¬1) والواقدي (¬2): هم أهل سفينة نوح، كانوا مؤمنين كلهم، ثم اختلفوا بعد وفاة نوح فبعث الله النبيين. وقال ابن زيد (¬3): لم يكونوا أمة واحدة إلا يومًا من الدهر، يذهب إلى الوقت الذي أخرجهم الله فيه من صلب آدم في صورة الذَّرِّ، حين قال لهم تعالى: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى} [الأعراف: 172]. وهذا القول مروي عن أبي بن كعب (¬4)، وعلى هذين القولين يحتاج في الآية إلى إضمار، كأنه قال: كان الناس أمة واحدة فاختلفوا فبعث الله، وهكذا في قراءة أبيٍّ (¬5) وابن مسعود (¬6). وحكى الزجاج عن بعض أهل اللغة قال: كان كلُّ من بعث إليه الأنبياء كفارًا (¬7)، يريد: أن أمم الأنبياء الذين بعثوا إليهم كانوا كفارًا، كما ¬
كانت هذه الأمة قبل مبعث محمد - صلى الله عليه وسلم -. وقال محمد بن إسحاق: ولدت حواء لآدم أربعين ولدًا ذكرًا وأنثى، في عشرين بطنًا، وكانوا أمة مسلمين فاختلفوا حين قتل أحد ابني آدم أخاه (¬1). وقوله تعالى: {وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ} أي: الكتب، اسم الجنس أريد به الجمع (¬2). وقوله تعالى: {بِالْحَقِّ} أي: بالعدل والصدق، وما فيه من البيان عن الحق من الباطل (¬3). وقوله تعالى: {لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ} قال أهل المعاني: هذا مجاز وتوسع، وحقيقته ليحكم منزل الكتاب، إلا أنه جعل اللفظ على الكتاب تفخيمًا له لما فيه من البيان (¬4). وقوله تعالى: {وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ} الكناية راجعة إلى الكتاب، والمراد بالكتاب المختلف فيه: التوراة والإنجيل (¬5). وقوله تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ} يعني: اليهود والنصارى، وهم الذين ¬
أوتوا الكتاب، والله تعالى كثيرًا ما يذكرهم في القرآن بهذا اللفظ، كقوله: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ} [المائدة: 5]، كأنه قال: وما اختلف في الكتاب إلا اليهود والنصارى (¬1). واختلافهم: كفر بعضهم بكتاب بعض بغيًا وحسدًا. ويحتمل أن يكون المراد باختلافهم: تحريفهم وتبديلهم؛ لأن اليهود بدلت التوراة، وعلى هذا المراد اليهود دون النصارى إن لم تبدل النصارى، والوجهان في الاختلاف ذكرهما الفراء (¬2). وقال بعضهم: الكناية راجعةٌ إلى محمد - صلى الله عليه وسلم -، لأنه من جملة النبيين وداخل فيهم، وعلى هذا معنى الآية: وما اختلف في أمر محمد بعد وضوح الدلالات لهم بغيًا وحسدًا إلا اليهود الذين أوتوا الكتاب، وذلك أن المشركين وإن اختلفوا في أمر محمد فإنهم لم يفعلوا ذلك للبغي والحسد، ولم تأتهم البينات في شأن محمد - صلى الله عليه وسلم - وصحة نبوته كما أتت اليهود. فاليهود مخصوصون من هذا الوجه الذي ذكرنا (¬3)، وهذا اختيار الزجاج، وقال في هذه الآية: لم يوقعوا الاختلاف إلا للبغي؛ لأنهم عالمون بحقيقة أمره في كتبهم (¬4)، ويجوز أن تعود الكناية إلى الحق كأنه قال: وما اختلف في الحق، وذلك الحق الذي اختلفوا فيه هو: إما محمد - صلى الله عليه وسلم -، وإما كتابهم، ¬
فيعود المعنى إلى ما ذكرنا. وقوله تعالى {فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ} أي: إلى ما اختلفوا، كقوله تعالى: {ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا} [المجادلة: 3]، ويقال: هديته إلى الطريق وللطريق والطريقَ، قال الله: {وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا} [الأعراف: 43] (¬1). فإن قيل: ما معنى الهداية إلى ما اختلفوا فيه؟ فالجواب ما قال ابن الأنباري: إن هذا من باب حذف المضاف، أي: فهدى الله الذين آمنوا لمعرفة ما اختلفوا فيه. وقال الفراء: هذا من المقلوب، أراد: فهدى الله الذين آمنوا للحق مما اختلفوا فيه، وأنشد: إِن سِرَاجًا لكَرِيمٌ مَفْخَرُه ... تَحْلَى به العَيْنُ إذا ما تَجْهَرُه (¬2) أراد: يَحْلَى بالعين، لأنك تقول: حَلِيْتَ بعيني، فصرف فعل الرجل إلى العين (¬3). وقال بعضهم: اختلفوا فيه حق لا باطل، فالهداية إليه يصح في المعنى، وذلك أن أهل الكتاب اختلفوا فكفر بعضهم بكتاب بعض، فهدى الله الذين آمنوا بالكتب كلها؛ لأن الكتب المنزلة كلها حق، ألا تري إلى قول ابن زيد في هذه الآية، قال: ثم اختلفوا في القبلة، فصلت اليهود إلى بيت المقدس، وصلت النصارى إلى المشرق، فهدانا الله عز وجل إلى الكعبة، واختلفوا في الصيام، فمنهم من يصوم بعض يوم، ومنهم من يصوم بالليل، ¬
214
فهدانا الله لشهر رمضان، واختلفوا في يوم الجمعة فأخذت اليهود السبت، والنصارى الأحد، فهدانا الله عز وجل له. واختلفوا في إبراهيم، فقالت اليهود: كان يهوديًّا، وقالت النصارى: كان نصرانيًّا، فهدانا الله عز وجل للحق من ذلك، واختلفوا في عيسى، فجعلته اليهود لفرية، وجعلته النصارى ربًّا، فهدانا الله عز وجل فيه للحق (¬1). وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "كتب الله الجمعة على من كان قبلنا فاختلفوا فيها فهدانا الله لها، والناس لنا فيه تبع، اليهود غدًا، والنصارى بعد غدٍ" (¬2). وقوله تعالى: {بِإِذْنِهِ} قال عطاء عن ابن عباس: يريد كان ذلك في قضائي وقدري (¬3)، وقال بعضهم: بعلمه وإرادته فيهم، وهو قول الزجاج (¬4). وقال بعض أهل التفسير في قوله: {وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا اَلَّذِينَ أُوتُوهُ} يعني: أهل كل كتاب اختلفوا فيه بعد ما جاءهم البينات بغيًا بينهم ظلمًا وطلبًا للملك، ورفضوا الحكم بكتابهم، فعصم الله هذه الأمة من نقض حكم كتابها، ومخالفة ما فيه من الأحكام. 214 - قوله تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ} الآية، قال عطاء ¬
عن ابن عباس (¬1): لما دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة اشتد الضر عليهم؛ لأنهم خرجوا بلا مال، وتركوا ديارهم وأموالهم بأيدي المشركين، وأظهرت اليهود العداوة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأنزل الله عز وجل تطييبًا لقلوبهم {أَمْ حَسِبْتُمْ} الآية (¬2)، وقال قتادة (¬3) والسدي (¬4): نزلت في غزوة الخندق، حين أصاب المسلمين ما أصابهم من الجهد وشدة الخوف، وكان كما قال الله عز وجل {وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ} [الأحزاب: 10]. فقوله: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ} قال الفراء: استفهم بـ (أم) في ابتداء ليس قبله ألف فيكون (أم) ردًا عليه، وذلك يجوز إذا كان قبله كلام يتصل به، ولو كان ابتداء ليس قبله كلام لم يجز ذلك، كقولك للرجل: أعندك خبز؟ لم يجز هاهنا: أم عندك خبز، ولو قلت: أنت رجل لا تُنْصِف أم لك سلطان تُدِلُّ به؟ لجاز ذلك، إذ تقدمه كلام فاتصل به (¬5). ¬
قال ابن الأنباري: (أم) استفهام متوسط، لا يكون إلا بعد كلام، جعلوا للمتوسط لفظًا يخالف لفظ السابق، فكان للسابق (هل) وأخواتها، وللمتوسط (أم) يدل على صحة هذا قوله عز وجل: {الم (1) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ} [السجدة: 1 - 3]، أتى بـ (أم) وسطًا، فجعلها استفهامًا، ولم يَرْدُدْهَا على استفهام متقدم، ومن هذا قول الأخطل: كَذَبَتْكَ عينُكَ أم رأيتَ بواسِطٍ ... غَلَسَ الظلامِ من الرباب خَيَالا (¬1) وقال قوم: (أم) هاهنا بمعنى (بل) (¬2) وذلك لا يحسن إلا إذا تقدمه استفهام، كقولك: إنها لإبل أم شاء يا فتى، وكما قيل في بيت الأخطل: كذبتك عينك أم رأيت ............... البيت. وقد استقصينا الكلام في (أم) عند قوله: {أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا} [البقرة: 108] الآية. وقال بعضهم: أم هاهنا عطفٌ على استفهام متقدم محذوف، تقديره: أعلمتم أن الجنة حفت (¬3) بالمكاره، أم حسبتم أن تدخلوا الجنة من غير بلاء ولا مكروه؟ والكلام ما ذكره الفراء وابن الأنباري (¬4). ¬
وقوله تعالى: {وَلَمَّا يَأْتِكُمْ} أي: ولم يأتكم، و (ما) صلة، والفرق بينهما أن (لما) يوقف عليها في مثل قولك: أَقَدم زيد؟ فيقول: (¬1) (لما)، ولا يجوز: (لم) (¬2). وقوله تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا} أي: شبه الذين مضوا من قبلكم من النبيين والمؤمنين، أي: ولما يصبكم مثل الذي (¬3) أصابهم، ولم يمتحنوا بمثل الذي امتحنوا فتصبروا، كما صبروا، وهذا استدعاء إلى الصبر (¬4). وفي الكلام حذف، تقديره: مثل محن الذين، أو مثل مصيبة الذين من قبلكم (¬5). ثم ذكر ما أصابهم، فقال: {مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء} وهو اسم من البؤس بمعنى الشدة، قال عطاء: يريد: الفقر الشديد، {وَالضَّرَّاءُ}: المرض والجوع (¬6). {الْبَأْسَاءُ}: نقيض النعماء، والضراء نقيض السراء. ¬
وقوله تعالى: {وَزُلْزِلُوا} أي: حركوا بأنواع البلايا والرزايا (¬1) (¬2). قال أبو إسحاق: وأصل الزلزلة في اللغة من: زَلّ الشيء عن (¬3) مكانه، فإذا قلت: زلزلته، فتأويله: أنك كررت زللَه (¬4) من مكانه، فضوعف لفظه لمضاعفة معناه، وكل ما كان فيه ترجيع كررت فيه فاء الفعل، نحو: صَرَّ (¬5) وصَرْصَرَ وَصَلّ وصلصل (¬6). وتفسير {وَزُلزِلُوا} هنا: خوفوا وحقيقته ما ذكرنا، وذلك أن الخائف لا يستقر بل يضطرب لقلقه، ولهذا يقال للخوف: المقيم المُقْعِد؛ لأنه يُذْهب السكون، فيجوز أن يكون {وَزُلزِلُوا} هاهنا مجازًا، والمراد به: خوفوا، ويجوز أن يكون حقيقة بأن يكونوا مضطربين لا يستقرون لما في قلوبهم من الجزع والخوف (¬7). وقوله تعالى {حَتَى يَقُولَ اَلرَّسُولُ} قرئ (يقولَ) نصبًا ورفعًا (¬8)، والنصب على وجهين إذا نصبت الفعل بـ (حتى) فقلت: سرت حتى أدخلها. ¬
أحدهما: أن يكون الدخول غاية للسير، والسير والدخول قد مضيا جميعًا، والمعنى: سرت (¬1) إلى دخولها، وقد مضى (¬2) الدخول. وعلى هذا نصب (يقول) في الآية، المعنى: وزلزلوا إلى أن يقول الرسول، فكأنه حتى قول الرسول. والوجه الآخر في النصب: أن يكون السير قد وقع والدخول لم يقع، ويكون المعنى: سرت كي أدخلها، وليس هذا وجه نصب الآية (¬3). ورفع ما بعد حتى على وجهين. فأحد الوجهين: هو وجه (¬4) الرفع في الآية، كما تقول: سِرتُ (¬5) حتى أَدْخُلُها، وقد مضى السير والدخول، كأنه بمنزلة قولك: سِرت فادخلها بمنزلة سرت فدخلتها، وصارت (حتى) هاهنا مما لا يعمل (¬6) في الفعل شيئًا؛ لأنها تلي الجمل تقول: (¬7) سرت حتى إني (¬8) كالٌّ، وكقوله: فيا عَجَبًا حتى كُليبٌ تَسُبُّني (¬9) ¬
فعملها في الجمل يكون في معناها لا في لفظها، وعلى هذا وجه الآية، ويجوز أن يكون السير قد مضى والدخول واقع الآن، وقد انقطع السير، تقول: سرت حتى أدخلَها الآن ما أمنع، كأنك قلت: سرت حتى (أني) (¬1) أَدْخُلُها الآن ما أمنع، فهذه جملة باب (حتى) في الأفعال (¬2). قال أبو علي الفارسي: ما ينتصب بعد (حتى) من الأفعال المضارعة على ضربين: أحدهما: أن يكون بمعنى (إلى)، وهو الذي تحمل (¬3) عليه الآية، والفعل الذي يكون قبل (حتى) مع ما حدث عنه قد مضيا جميعًا، ألا ترى أن الأمرين في الآية كذلك. والآخر: أن يكون بمعنى (كي)، وذلك قولك: (أسلمت حتى (¬4) أدخلَ الجنة)، فهذه تقديره: أسلمت كي أَدْخُلَ الجنة، فالإسلام قد كان والدخول لم يكن. وأما قراءة من قرأ: (حَتَّى يَقُولُ) بالرفع، فالفعل الواقع بعد حتى إذا ¬
كان مضارعًا مرفوعًا لا يكون إلا فعلَ حالٍ، ويجيء على ضربين. أحدهما: أن يكون السبب الذي أدى إلى (¬1) الفعل الذي بعد حتى قد مضى، والفعلُ المُسَبِّبُ لم يمضِ، ومثال ذلك قولهم: مرض حتى لا يرجونه، وشَرِبَتِ الإبلُ حتى يجيء البعير يَجُرُّ بَطْنَه، وتتجه الآية على هذا الوجه، كأن المعنى: زلزلوا فيما مضى حتى إن الرسول يقول الآن: متى نصر الله، وحُكِيَتْ الحالُ التي كَانوا عليها، كما حكيت الحال في قوله: {هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّه} [القصص: 15] وفي قوله: {وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ} [الكهف: 18]. والوجه الآخر من وجهي الرفع: أن يكون الفعلان جميعًا قد مضيا، نحو: سِرتُ حتى أدخُلُها، والدخول متصل بالسير بلا فصل، كما (كان) (¬2) في الوجه الأول بينهما فصل، والحال في هذا الوجه أيضًا محكية، كما كانت محكية (¬3) في الوجه الآخر، ألا ترى أن ما مضى لا يكون حالًا؟ وحتى إذا رُفِعَ الفعل بعدها حرفٌ، يصير الكلام بعدها إلى الابتداء، وليست العاطفةَ ولا الجارةَ، وهي إذا انتصب الفعلُ بعدها الجارةُ للاسم، وينتصب الفعل بعدها بإضمار (أن) كما ينتصب بعد اللام بإضمارها (¬4). واعلم أن (حتى) على ثلاثة أضرب: أحدها: أن تكون جارة نحو {حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ} [القدر: 5]، وهذه (¬5) ¬
الجارة هي التي تنصب الأفعال بعدها بإضمار أن، والفعل و (أن) المضمرة (معه) (¬1) في موضع جر بـ (حتى) (¬2). والآخر: أن تكون (¬3) عاطفة في نحو: والزَّادَ حَتَّى نَعْلَهُ ألْقَاهَا (¬4). وهذه تكون عاطفة. والثالث: أن تكون داخلة على الجمل ومنصرفًا بعدها الكلام إلى الابتداء، كأما وإذا ونحوهما، وذلك نحو قوله: فيا عجبًا حَتَى كليبٌ تَسُبُّني (¬5) فهذا جملة الكلام في حتى (¬6). ومعنى الآية: أن الجهد قد بلغ بالأمم قبل هذه الأمة حتى استبطأوا النصر، فقال الله عز وجل: ألا إن نصر الله قريب ¬
فأعلم أولياءه أنه ناصرهم لا محالة، وأن ذلك قريب منهم كما قال {أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [المجادلة: 22]. وقوله تعالى: {مَتَى نَصْرُ اللَّهِ} (متى) سؤال عن زمان؛ لأن جوابها يقع بالزمان، ألا ترى أنك تقول: متى زيد خارج؟، فيكون الجواب: يوم الجمعة أو يوم السبت، فإذا كان الاسم الذي يلي (متى) جثة احتاج إلى خبر، كقولك: متى زيد منطلق؟، ولا يجوز أن تقول: متى زيد، وتسكت؛ لأن ظروف الزمان لا تكون خبرًا للجثث، وإن كان الاسم الذي (يلي) (¬1) (متى) لا يكون جثة، حسن السكوت على ذلك الاسم، كقولك: متى القتال؟ وكما في هذه الآية {مَتَى نَصْرُ اللَّهِ}؛ لأن ظروف الزمان تكون خبرًا للمصادر (¬2). وقوله تعالى {أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ} (ألا) صلةٌ لابتداء الكلام، كأنه تنبيهٌ للمخاطب. قال صاحب النظم: في هذه الآية مبتدآن وجوابان، جمع بين المبتدأين والجوابين، فقوله: {حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ} مبتدآن. وقوله: {مَتَى نَصْرُ اللَّهِ} إلى آخر الآية جوابان لهما، مجموع بينهما، فيحتاج أن يرد كل جواب إلى ابتداء به ليبين نظم الكلام، والتقدير: حتى ¬
215
يقول الذين آمنوا متى نصر الله، فيقول الرسول: ألا إن نصر الله قريب، وإنما قلنا إنه كذلك؛ لأن الرسول لا يشبهه (¬1) أن يقول: متى نصر الله، وهذا حسن (لمن) (¬2) تأمله، وذكر عبد الملك بن محمد الصدفي في هذه الآية، يرفعه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، "أن نبيًا من الأنبياء سأل ربه السعة في الرزق، فأوحى الله إليه: أما يكفيك أني عصمتك أن تكفرني حتى تسألني السعة في الرزق، ولو رضي الله الدنيا لأحد من أوليائه ما نال فيها كافر جرعة ماء، ولكن الله تعالى لم يجعلها ثوابًا لمؤمن ولا عقابًا لكافر"، وقد قال الله تعالى: {وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (64)} [العنكبوت: 64]. يريد: الجنة لا موت فيها ولا نصبَ ولا تَعَبَ ولا هَرَمَ ولا سَقَم ولا هَمّ ولا حَزَنَ ولا شيءَ من الضر. 215 - قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ} الآية، قال عطاء عن ابن عباس (¬3): نزلت الآية في رجل أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: إن لي دينارًا؟ فقال: "أنفقه على نفسك" فقال: إن لي دينارين! فقال: "أنفقهما على أهلك"، فقال: إن لي ثلاثة؟ فقال: "أنفقها على خادمك"، فقال: إن لي أربعة؟ قال (¬4): "أنفقها على والديك"، وقال: إن لي خمسة؟ قال: "أنفقها على قرابتك"، قال: إن لي ستة؟ قال: "أنفقها في سبيل الله، وهو أخسها". وروي من طريق الكلبي عن ابن عباس: أن الآية نزلت في عمرو بن ¬
الجموح الأنصاري (¬1)، وهو الذي قتل يوم أحد، وكان شيخًا كبيرًا هرمًا، وعنده مال عظيم، فقال: ماذا ننفق من أموالنا وأين نضعها؟ (فنزلت) (¬2) {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ} الآية (¬3)، ومعنى السؤال طلب الجواب. وقوله تعالى: {مَاذَا يُنْفِقُونَ} في محل (ماذا) من الإعراب قولان: أحدهما: أن تجعل (ما) مع (ذا) بمنزلة اسم واحد، ويكون الموضع نصبًا بـ (ينفقون) المعنى: يسألونك أي شيء ينفقون، ومثل جعلهم (ماذا) بمنزلة اسم واحد قول الشاعر: دَعِيْ مَاذا عَلِمْتُ سَأَتَّقِيْهِ ... ولكن بالمغِيبِ ينبّئُنِي (¬4) ¬
فلا يكون (ذا) مع (ما) إلا بمنزلة شيء واحد، كأنه قال: دعي الذي علمت، لأن (دَعِي) لا يتعلق بالجملة كما يتعلق السؤال، لو قلت: سَألُته أزيدٌ في الدار أم عمرو؟ صَحَّ، ولو قلت: دعي أزيد في الدار أم عمرو، لم يصح على ذلك الحد من غير حذف، والعرب تقول: عماذا تسأل؟ بإثبات الألف في (ما)، فلولا أن (ما) مع (ذا) بمنزلة اسم واحد لقالوا: عمذا (¬1) تسأل، بحذف الألف، كما حذفوها من قوله: {عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ} [النبأ: 1] و {فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا} [النازعات: 43] فلما لم يحذفوا الألف من آخر (ما) (¬2) علمت أنه مع (ذا) بمنزلة اسم واحد، فلم تحذف الألفُ منه، لما لم يكن آخر الاسم، والحذف يلحقها إذا كانت آخرًا، إلا أن تكون في شعرٍ، كقول الشاعر: عَلَى ما قام يشتمني لئيمٌ ... كخنزيرٍ تَمَرَّغَ في دَمَاني (¬3) ومما يحمل على أن (ما) و (ذا) فيه شيء واحد قول الشاعر: يا خُزْرَ تَغْلِبَ ماذا بالُ (¬4) نِسوتِكم ... لا يَسْتَفِقْنَ إلى الدَّيرين تَحْنَانا (¬5) فقوله: ماذا بالُ نسوتكم، بمنزلة: ما بال نسوتكم، فاستعمل (ماذا) ¬
استعمال (ما) من غير أن ينضم إليها (ذا)، ألا ترى أنك لو حملت (ذا) على الذي في هذا البيت لم يَسْهُلْ: ما الذي بال نسوتكم؟ لأن المستعمل: ما بالُك، دون: ما الذي بالك (¬1). القول الثاني: أن تجعل (ذا) اسمًا يرفع (ما) كأنك قلت: ما الذي ينفقون؟ يعنى: أيَّ شيء الذي ينفقون، فيكون (ما) رفعًا بالابتداء و (ذا) خبرُها، والعرب قد تذهب بهذا وذا إلى معنى الذي، فيقولون: ومن ذا يقول (¬2) ذاك، في معنى من الذي، وأنشدوا: عَدَسْ ما لِعَبّادٍ عَلَيْكِ إمَارَةٌ ... أَمِنْتِ وَهَذَا تَحْمِليَن طَلِيقُ (¬3) كأنه قال: والذي تحملين طليق (¬4). وقد (¬5) مضى صدر من الكلام في (ماذا) عند قوله: {مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا} [البقرة: 26]. وقوله تعالى: {قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ} هذا جواب لسؤالهم. فإن (قيل): هذا الجواب لا يُطَابِقُ السُّؤَال، وما الجواب المطابق لهذا السؤال؟ ¬
قيل: الجواب المطابق أن يقال: قل النفقة التي هي خير، وإنما عدل عن المطابق لحاجة السائل إلى بيان بجمع الدلالة على ما سأل وعلى غيره. ويحسن من المعلم الحكيم الذي يعلم الناس ويبصرهم أن يضمن الجواب مع الدلالة على المسؤول عنه، الدلالة على ما يحتاج إليه السائل في ذلك المعنى مما أغفله وترك السؤال عنه، فأما الجدل الذي يضايق فيه الخصم فالأصل فيه أن يكون الجواب على قدر السؤال من غير زيادة ولا نقصان ولا عدول عما يوجبه نفس السؤال. وقوله تعالى: {وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ} جزم {وَمَا تَفْعَلُوا} بالشرط، واسم الشرط وموضع {وَمَا} نصبٌ بـ {تَفْعَلُوا}، وجواب الشرط قوله: {فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} (¬1) ومعناه: (أنه يحصيه) (¬2) ويجازي عليه. قال ابن الأنباري: إن عمرو بن الجموح سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الصدقة لمن (¬3) يخص (¬4) بها عند الموت، فأنزل الله عز وجل هذه الآية قبل آية المواريث، فلما نزلت آية المواريث نسخت من هذه التصدق على الوالدين. ويقال: إن الإنفاق في هذه الآية لا يراد به الصدقة عند الموت، إنما يراد (¬5) به النفع في الدنيا، والإيثار بما يتقرب به الإنسان إلى الله تعالى، ¬
216
فأخبر الله أن مريد ذلك ينبغي أن يتوخى به الوالدين والأقربين والمذكورين في الآية، وإذا خرج الإنفاق على معنى التصدق كانت الآية محكمة، وهذا معنى قول مقاتل بن حيان (¬1). وقال (¬2) كثير من أهل التفسير: إن هذا كان قبل فرض الزكاة، فلما فُرِضَتِ الزكاة بالآية التي في براءة، نسخت الزكاةُ هذه الآية (¬3). 216 - قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ} الآية، اعلم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان غير مأذون في القتال مدة إقامته بمكة، فلما هاجر أذن بعد الهجرة في قتال من يقاتله من المشركين دون من لا يقاتل (¬4)، ثم أذن في قتال المشركين عامة، وهذا كله قبل فرض الجهاد، ثم فرض الله الجهاد. واختلف العلماء في حكم هذه الآية، فمذهب عطاء أن المعني بهذا: أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خاصة دون غيرهم؛ لأنه قال: كان القتال مع النبي ¬
- صلى الله عليه وسلم - فريضة (¬1). وسئل عبد الله بن عمرو عن الفرائض؟ فقال: الفرائض: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصيام رمضان، والجهاد في سبيل الله، وخالفه ابن عمر في الجهاد، فعد الفرائض وترك الجهاد (¬2). وقال بعضهم: كان الجهاد في الابتداء من فرائض الأعيان، ثم صار فرض كفاية؛ لقوله عز وجل {وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى} [النساء: 95] ولو كان القاعدُ مضيِّعًا فرضًا ما كان موعودًا بالحسنى. وقال بعضهم: لم يزل الجهادُ فرض كفاية، غير أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا استنفرهم تعين عليهم النفير؛ لوجوب طاعته (¬3). وقال الزهري والأوزاعي: كتب الله سبحانه الجهاد على الناس (غَزَوا أو قعدوا، فمن غزا فبها ونعمت، ومن قعد فهو عدة، إن ¬
استعين به أعان) (¬1)، وإن استنفر نفر، وإن استغني عنه قعد (¬2). وقال أبو عبيد: القول في الجهاد أنه حق لازم للناس، غير أن بعضهم يقضي ذلك عن بعض، وإنما وسعهم هذا لقوله: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً} [التوبة: 122] فإنها فيما يقال ناسخة لفرض الجهاد، والإجماع اليوم على أنه من فروض الكفاية، إلا أن يدخل المشركون ديار المسلمين فإنه يتعين على كافة المسلمين، إلى أن يقوم بكفايتهم من يصرف وجوههم. وقوله تعالى: {وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ} يعني: القتال كره لكم، وكان الكسائي يقول في الكَرْه والكُرْه: هما لغتان في المشقة (¬3) (¬4). قال الفراء: الكُره: المشقة، قمت على كُره، أي: على مشقة، وقال: أقامني على كره، إذا أكرهك عليه، فالكُره عند الفراء: الإجبار، ولهذا لم يقرأ هاهنا (كَرْه) بالفتح، كما قرأ في سائر المواضع بالضم والفتح؛ لأن المشقة هاهنا أليق من الإجبار (¬5). ¬
قال الزجاج: وتأويله: وهو ذو كُره لكم، وهذا الكره من حيث المشقة الداخلة على النفس وعلى المال من المؤنة، وعلى الروح، (لا) (¬1) إن المؤمنين يكرهون فرض الله عز وجل (¬2)، وقال عكرمة: إنهم كرهوه ثم أحبوه، فقالوا: سمعنا وأطعنا (¬3). وقيل: {وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ} قبل أن يكتب عليكم. ¬
وقوله تعالى: {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} لأن في الغزو إحدى الحسنين: إما الظفر والغنيمة، وإما الشهادة والجنة، {وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا} يعني: القعود عن الغزو، وهو شر لكم؛ لما فيه من الذل والفقر وحرمان الغنيمة والأجر (¬1). {وَعَسَى} عند العامة شك وتوهم، وهي عند الله يقين وواجب. وعسى. فعل يتصرف، درج مضارعه وبقي ماضيه، فيقال منه: عسيتما وعسيتم، قال الله تعالى: {فَهَل عَسَيْتُم} [محمد: 22] يتكلم فيه على فعل ماض، (وأميت) (¬2) ما سواه من وجوه فعله. ويرتفع الاسم بعده كما يرتفع بعد الفعل، فتقول: عسى زيد، كما تقول: قام زيد، ويقال منه: أعس بفلان أن يفعل كذا، مثل أحر وأخلق، وبالعسى أن يفعل كذا، يقول: بالحري أن يفعل، ومعناه في جميع الوجوه: قريب وقَرُبَ وأَقْرِب به. ومنه قوله: {قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ} [النمل: 72]، بمعنى: قرب، ومنه: {قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا} [الإسراء: 51]، أي: قرب ذلك، وكثرت (عسى) على الألسنة حتى صارت كأنها مثل: (لعل). وتأويل (عسى): التقريب؛ لكون الشيء الذي يقع عليه ويقتضيه فيجري مجرى (كاد) (¬3) وقرب، ولما كانت فعلًا لم تخل من ذكر فاعل، وهو الاسم الذي يدل عليه (عسى)، كقولك: عسى زيد، فزيد رفع لأنه ¬
فاعل، ولا يخلو (عسى) إما أن يكون لازمًا أو متعديًا، فلو كان لازمًا لجاز أن تقول: عسى زيد، وتقف، فلما لم يكن ذلك كاملًا اقتضت (عسى) مفعولًا، فإذا قلت: عسى زيدٌ أن يقوم، فقولك: أن يقوم، مثل قولك: قيام كقوله: {وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ} [البقرة: 184] المعنى: والصيام خير لكم، فتأويل قولك: عسى زيد أن يقوم، عسى قيام زيد، بمعنى قَرُبَ قيام زيدٍ ورُجِي ذلك، إلا أنهم لما قلبوا فقدموا الاسم وأخَّروا الفعلَ رفعوا زيدًا، فـ (أن يقوم) في قولك: عسى زيد أن يقوم، في موضع نصب بوقوع فعل زيد (عليه) (¬1)، وجاء في القرآن بدخول أن كقوله: {عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ} [الإسراء: 8]. {عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ} [النمل: 72]، ولما كثرت عند العرب في ألفاظهم أسقطوا (أن) (¬2) كما قال الشاعر: عَسَى فَرَجٌ يأتي به اللهُ إنه ... له كلّ يَوْمٍ في خَلِيقَتِهِ أمْرُ (¬3) ¬
وقال آخر: عَسَى الكَرْبُ الذي أمْسَيْتُ فيه ... يكونُ وَرَاءَه فَرَجٌ قَرِيبُ (¬1) وقوله تعالى: {وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ} قال أصحاب العربية: الشر: السوء، (وأصله) (¬2) من شَرَّرْت الشيءَ إذا بسطته، يقال: شَرَّرْتُ اللحمَ والثوبَ، إذا بسطته لِيَجِفّ، وكذلك أَشْرَرْتُه (¬3)، ومنه: وحتى أُشِرَّتْ بالأكفِّ المَصَاحِفُ (¬4) فالشر: انبساط الضر، والشرر: اللهب لانبساطه، قال ابن عباس (¬5): كنت رِدْف النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: "يا ابن عباس ارض عن الله بما قدر وإن كان خلاف هواك، إنه لمثبت في كتاب الله عز وجل"، قلت: يا رسول الله، أين وقد قرأت القرآن؟ قال: (مكيس) (¬6) {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ} (¬7). ¬
217
وقوله تعالى: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} أي: يعلم ما فيه مصالحكم وما فيه منافعكم فبادروا إلى ما يأمركم به وإن شق عليكم. 217 - قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ} الآية، نزلت في سرية بعثها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى نخلة، فلما انتهوا إليها وافت خيل المشركين فيها عمرو بن الحضرمي (¬1) والحكم بن كيسان، فرمى واقد بن عبد الله (¬2)، وهو من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (¬3)، عمرو بن الحضرمي فقتله، وظهر المسلمون على المشركين، وأسَرُوا بعضهم، وأهل هلال رجب والمسلمون يقاتلون لا يعلمون بدخوله، فضجت قريش بمكة، وكانوا يستعظمون سفك الدماء في رجب، فأنزل الله تعالى هذه الآية (¬4). ¬
فقوله: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ} يعني: أهل الشرك يسألون عن ذلك على جهة العَيْب للمسلمين باستحلالهم القتال في الشهر الحرام. وقوله تعالى {قِتَالٍ فِيهِ} هو خَفْضٌ على البدل من الشهر، وهذا من باب بدل الشيءِ من الشيءِ، والمعنى مشتمل عليه، ويسمى: بدلَ الاشتمال، وهو إبدال المصادر من الأسماء، كقولك: أعجبني زيدٌ عِلْمُه، وعجبت من عمروٍ أمرِه، ونفعنى زيدٌ كلامُه، ومثله قوله: {قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (4) النَّارِ} [البروج:4 - 5]، وقول الأعشى: لَقَدْ كان في حَوْلٍ ثَوَاءٍ ثَوَيْتُه ... تُقَضِّى لُبَانَاتٍ وَيسْأَم سَائِم (¬1) ومن هذا الباب: سُرِق زيدٌ مالُه، وسُلب زيدٌ ثوبُه (¬2). ومعنى الاشتمال في الآية: أن سؤالهم اشتمل على الشهر وعلى القتال، وسؤالهم (¬3) عن الشهر إنما كان لأجل القتال. وقيل: الخفضُ في {قِتَالٍ} على معنى تكرير (عن)، تقديرُه: وعن قتال فيه، وكذلك هو في قراءة ابن مسعود والربيع (¬4)، وقيل: إنه على ¬
التقديم والتأخير، تقديره: يسألونك عن قتالٍ في الشَّهْرِ الحرامِ، وتم الكلام عند قوله: (قتال فيه كبير) (¬1). ثم ابتدأ فقال: {وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ}، وهو رفع على الابتداء، وما بعده من قوله: {وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ} مرتفع بالعطف على الابتداء (¬2) وخبره قوله تعالى: {أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ} هذا قول الزجاج (¬3)، وهو الصحيح (¬4)، وذكر الفراء في ارتفاع الصَّدِّ وجهين آخرين (¬5)، غُلِّطَ فيهما: أحدهما: أنه عطف على قوله: {كَبِيرٌ} يريد: قل القتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به، يعني: أن القتالَ قد جَمَع أنه كبير وأنه صَدٌّ وأنه كُفْرٌ، وهذا القول يؤدي إلى (¬6) أن يكون القتال في الشهر الحرام كفرًا ¬
بالله، وهو خطأ بإجماع من الأمة. والوجه الآخر: أن يجعل الصد مرتفعًا بالابتداء، وخبره محذوف لدلالة {كَبِيرٌ} المتقدم عليه، كأنه قال: والصد كبير، كقولك: زيد منطلق وعمرو، فيصير التقدير: قل قتال فيه كبير، وكبيرٌ الصد عن سبيل الله والكفر به، وينتقض هذا عليه بقوله: {وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ}؛ لأنه يستأنف على ما ذكر من التقدير قوله: {وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرِ} (¬1) وإخراج أهله منه لا يكون أكبر عند الله من الكفر به، ومن قال: إنه أكبر فهو غالط بالإجماع (¬2). ومعنى الصد: الحَبْس، يقال: صَدَّ عن الشيء صُدُودًا، إذا صَدَف عنه، وصَدَّ غَيرَه يَصُدّ صَدًّا (¬3)، ويعني بهذا الصد: أن المشركين منعوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه عن البيت عام الحديبية (¬4). وقوله تعالى: {وَكُفْرٌ بِهِ} أي: بالله {وَالْمَسْجِدِ} يُخْفَضُ بالعطف على {سَبِيلِ اللَّهِ} تقديره: وصدٌّ عن سبيلِ الله وعن المسجدِ الحرام؛ لأن المشركين صدوا المسلمين عنه؛ كما قال الله سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ¬
وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [الحج: 25]. وقال الفراء: المسجد الحرام مخفوض بقوله: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ} وعن المسجد (¬1)، وأُنكر (¬2) عليه هذا، بأنهم لم يُسْأَلوا عن المسجد، وإنما السؤال عن القتال في الشهر الحرام (¬3)، وله أن يقول: إن القوم لما استعظموا القتال في الشهر الحرام وكان القتال عند المسجد الحرام فجرى مجراه في الاستعظام (جمعوهما) (¬4) في السؤال، وإن كان القتال إنما وقع في الشهر الحرام خاصة، كأنهم قالوا: هل استحللت الشهر الحرام وَالْمَسْجِد الحَرَام؟ (¬5)، ولا يجوز حمله على الهاء في (¬6) (وكفر به)؛ لأنه لا يعطف على المضمر المجرور إلا بإعادة الجار، ولأنه ليس المعنى: على كفر بالله والمسجد. وقيل: إنه خفض بواو القسم وليس بشيء (¬7). وقوله تعالى: {وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ} أي: أهل المسجد منه {أَكْبَرُ} أعظم وزرًا وعقوبة {عِنْدَ اللَّهِ} (¬8). {وَالْفِتْنَةُ} أي: الشرك والكفر {أَكْبَرُ ¬
مِنَ الْقَتْلِ}، يعني: قتل ابن الحضرمي (¬1)، فلما نزلت هذه الآية كتب عبد الله أبن جحش (¬2)، صاحب هذه السرية، إلى مؤمني مكة: إذا عيركم المشركون بالقتال في الشهر الحرام، فعيروهم أنتم بالكفر وإخراج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من مكة ومَنْع المؤمنين عن البيت (¬3). وأما حكم القتال في الشهر الحرام اليوم، فالعلماء فيه مختلفون: قال ابن جريج (¬4): حلف لي عطاء بالله: ما يحل للناس أن يغزوا في الحَرَم (¬5) ولا في الشهر الحرام إلا أن يُقاتَلوا. وروى أبو الزبير عن جابر (¬6)، قال: لم يكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يغزو في الشهر الحرام إلا أن يُغْزى (¬7)، فإذا حضر ذلك أقام حتى ينسلخ. وسئل سعيد بن المسيب (¬8): هل يصلح للمسلمين أن يقاتلوا الكفار في الشهر الحرام؟ قال: نعم، وقال ذلك سليمان بن يسار (¬9)، وهذا مذهب قتادة (¬10) ¬
وغيره من العلماء، يرون القتال في الشهر الحرام، قال أبو عبيد: والناس اليوم بالثغور جميعًا على هذا القول، يرون الغزو مباحًا في الشهور كلها حلالها وحرامها ولم أر أحدًا من علماء الشام والعراق ينكره عليهم، وكذلك حب قول أهل الحجاز، والحجة في إباحته قوله جل ثناؤه: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} [التوبة: 5]، هذه الآية عندهم ناسخة لتحريم القتال في الشهر الحرام. وقوله تعالى: {وَلَا يَزَالُونَ} يعني: مشركي مكة، وهو فعل لا مصدر له، يقال: ما يزال يفعل كذا، ولا (¬1) يزال، ولا يقال منه فاعل ولا مفعول، ومثله من الأفعال كثير، نحو: (عسى)، ليس له مصدر ولا مضارع، وكذلك {وَذَرُوا مَا بَقِيَ} [البقرة: 278]، وهَلُمّ وهَاكَ وهَاتِ وتَعَالَوا. ومعنى (لا يزالون) أي: يدومون، وكأن هذا مأخوذ من قولهم: زال عن الشيء، أي: تركه، فقولك: ما زال يفعل كذا، أي: لم يتركْه، وقلّ ما يتكلم به إلا بحرف نفي لأنه يبطل المعنى، وذلك أنك إذا قلت: زال زيد، فإنما أثبت زوال القيام، فإذا أدخلت حرف النفي نفيت الزوال، وبينت معنى الدوام، ومثله: (ما برح) بهذا التقدير سواء (¬2). وقوله تعالى: {وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ} أظهر التضعيف مع الجزم؛ لسكون الحرف الثاني، وهو أكثر في اللغة من الإدغام (¬3). ¬
وقوله تعالى: {فَيَمُتْ} جزم بالعطف على {يَرْتَدِدْ} (¬1) (¬2) وجوابهما (¬3): قوله تعالى: {فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ} أي: بطلت، يقال: حَبِطَ عملُ الرجلِ يَحْبَطُ حَبَطًا وحُبُوطًا، وأَحْبَطَه اللهُ إِحْبَاطًا (¬4)، وأصله: من الحَبَط، وهو فساد يلحق الماشية في بطونها لأكل الكلأ حتى تَنْتَفِخَ أجوافها، ومنه الحديث "وإن مما (¬5) ينبت الربيعُ ما يقل حَبَطًا" (¬6). وسمي بطلان الأعمال بهذا لأنه كفساد الشيء لمصيره إلى ما لا ينتفع به (¬7)، والحكم في هذا أن المسلم إذا ارتد -أعاذنا الله من ذلك- فأعماله وطاعاته موقوفة، فإن عاود ¬
218
الإسلام لم تحبط، ولم يبطل حجه الذي فرغ منه في الإسلام، وإن لم يعد ومات على الردة حبط (¬1) عمله؛ لأن الله تعالى قال: {فَيَمُت وَهُوَ كَافِرٌ}. 218 - قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا} نزلت في عبد الله بن جحش وأصحابه، قالوا لرسول الله: أصبنا القوم في رجب أنرجو أن يكون لنا أجر المجاهدين في سبيل الله؟ فأنزل الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا} (¬2) يعني بمحمد {هَاجَرُوا} فارقوا عشائرهم وأوطانهم (¬3)، وأصله من الهجر، الذي هو ضِدّ الوَصْل، ومنه قيل للكلام القبيح: الهُجْرة لأنه مما ينبغي أن يهْجَر، والهاجِرة: وقتٌ يُهْجَر فيه العمل (¬4). {وَجَاهَدُوا} يعني: جاهدوا المشركين، ومعناه: حملوا أنفسهم على المشقة في قتالهم، ومنه: يقال: اجتهد فلان رأيه، إذا حمل نفسه على المشقة في بلوغ صواب الرأي، وأصله: من الجُهْد، الذي هو المشقة، ومنه: الجهاد، وهو الأرض الصلبة، لحمل النفس في ركوبها على ¬
219
المشقة (¬1) {فِى سَبِيلِ اللَّهِ} في نصرة دين الله (¬2). {أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ} قال الزجاج: إنما قال: {يَرْجُونَ} لأنهم عند أنفسهم غير بالغين ما يجب لله (¬3) عليهم، ولا يعلمون ما يختم به أمرهم (¬4). {غَفُورٌ رَّحِيمٌ} غفر لعبد الله بن جحش وأصحابه ما لم يعلموا ورحمهم. 219 - قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ} الآية، نزلت في عمر بن الخطاب ومعاذ بن جبل وسعد بن أبي وقاص وجماعة، أتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقالوا: أفتنا في الخمر والميسر، فإنهما مذهبة للعقل، مسلبة للمال، فنزل قوله: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ} (¬5). ¬
والخَمْر عند أهل اللغة سميت خمرًا لسترها العقل. قال ابن المُظَفَّر: الَخْمر معروف، واختمارها: إِدْرَاكها وغَلَيَانُها، ومُخَمِّرُها: مُتَّخِذُها، وخُمْرَتُها: ما غشي المَخْمورَ من الخُمَارِ (¬1)، وأنشد: وقد أَصَابَتْ حُمَيَّاها مَقَاتِلَهُ ... فلم تكَد تَنْجَلِي عن قَلْبِه الخُمَرُ (¬2) وخَمَرْتُ الدابةَ أُخْمِرُها، إذا سَقَيْتُهَا الخَمْر (¬3)، قال الكسائي: اختمرت خمرًا، ولا يقال: أخمرتها (¬4)، وأصل هذا السحرف: التغطية. روى ثعلب عن عمرو عن أبيه (¬5) قال: الخَامِرُ: الذي يَكْتُمُ شَهَادَتَهُ، وفي الحديث: "خمروا آنيتكم" (¬6). وقد اخْتَمَرَتِ المرأةُ بخمارها، وتَخَمَّرَتْ وهي حَسَنَهُ الخِمْرَةِ، ¬
ويقال: خَامِرِي أمَّ عَامر (¬1)، أي: ادخُلِي الخَمَرَ، واستتري، والخَمَرَ: ما واراك من شجرٍ وغيره من وهْدَةٍ وأَكَمَةٍ. وقيل: سميت خمرًا؛ لأنها تُغَطَّى حتى تدرك، وقال ابن الأنباري: سميت خَمْرًا؛ لأنها تُخَامِرُ العَقْلَ، أي: تخالِطُه، يقال: خَامَره الداءُ، إذا خَالَطَه، وأنشد لكثير: هَنِيئًا مَرِيئًا غيرَ داءٍ مُخَامِرٍ (¬2) يقال: خامر السقامُ كبدَه، وخامرت كبدُه السقامَ، تجعل أيهما شئت فاعلًا، قال: أتَيْت الوَلِيدَ له عَايدًا ... وقد خَامَرَ القَلْبُ منه سَقَامَا (¬3) وهذا (¬4) الذي ذكره راجع إلى الأول؛ لأن الشيء إذا خالط (¬5) الشيء يصير بمنزلة الساتر، هذا قول أهل اللغة في اشتقاقها (¬6). ¬
فأما حدها: فمذهب الثوري (¬1) وأبي حنيفة وأكثر أهل الرأي (¬2): أن الخمر ما اعتصر من الحبلة (¬3) والنخلة، فغلى (¬4) بطبعه دون عمل النار فيه، وأن ما سوى ذلك فليس بخمر، ومذهب مالك (¬5) والشافعي (¬6) وأحمد (¬7) وأهل الأثر (¬8): أن الخمر كل شراب مسكر، سواء كان عصيرًا أو نقيعًا، مطبوخًا كان أو نيئًا. واللغة تشهد لهذا. قال الزجاج: القياس أن ما عمل عمل الخمر أن يقال لها خمر، وأن يكون (¬9) في التحريم بمنزلها (¬10)، لأن إجماع العلماء أن القمار كله حرام، وإنما (¬11) ذكر الميسر من بينه وهو قمار في الجُزُر (¬12)، وحُرِّم كلُّه قياسًا على الميسر، وكذلك كل ما كان كالخمر فهو بمنزلته، وكل مُسْكِرٍ مخالط للعقل مُغَطٍّ عليه فهو خمر، ويقال لكل شارب غلبه بخار شرب المسكر، ¬
أيِّ مُسْكِرٍ كان: مخمور، وبه خمار، فهذا بين واضح، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - "إن من التمر لخمرًا، وإن من العنب لخمرًا، وإن من الزبيب لخمرًا، وإن من الحنطة لخمرًا، وإن من الشعير لخمرًا، وإن من الذرة لخمرًا، وأنا أنهاكم عن كل مسكر" (¬1). وقوله تعالى: {وَالْمَيْسِرِ} يعني: القمار، قال ابن عباس: كان الرجلُ في الجاهلية يخاطر الرجلَ على أهله وماله، فأيهما قمر صاحبه ذهب بماله، فأنزل الله هذه الآية (¬2). والمَيْسِر عند أهل اللغة: مَفْعِل، من قولهم: يَسَر لي هذا الشيء يَيْسِرُ يَسَرًا ومَيْسِرًا، إذا وجب، والياسر: الواجبُ بقدح وجب ذلك أو مُنَاحبةٍ (¬3) أو غير ذلك، هذا أصله، ثم قيل للقمار: ميسر، وللمقامر: ياسر ويسرٌ (¬4)، قال: يَسَرُ الشِّتَاءِ وفَارِسٌ ذو قدمة ... في الحَرْبِ أن حَاصَ الجَبَانُ مَحِيصَا (¬5) ¬
ويجمع يَسَر أَيْسَارًا. قال طرفة: وهم أيْسَارُ لُقْمَانَ إذا ... أغْلَتِ الشَّتْوَةُ أبْدَاءَ الجُزُرْ (¬1) قال ابن الأعرابي: يقال: يَسَر الياسِر يَيْسِر، إذا جاء بقِدْحِه للقمار (¬2). وقيل: أخذ الميسر من التجزئة والاقتسام (¬3)، ويقال: يَسَروا الشيء، أي: اقتسموه، قال: أقولُ لهم بالشِعْبِ إذ يَيْسِرُونني ... ألم تيأسوا أني ابنُ (¬4) فَارِسِ زَهْدَمِ (¬5) أي: تقتسمونني كما نقتسم أعضاء الجزور في الميسر، أراد أنهم أخذوا فداه فاقتسموه، فكأنهم اقتسموا نفسه، وكانت العرب تنحر الجزور وتجعله أقسامًا (¬6) يتقامر عليها بالقِداح، على عادة لهم في ذلك (¬7). قال النضر: الياسر: الجزار، ويَسَرْتُ الناقة، أي (¬8): جَزَّأْتُ ¬
لَحْمَها (¬1)، وقول الأعشى: والجَاعِلُو القُوتِ على اليَاسِرِ (¬2) يعني: الجازر، وقيل: الميسر من اليُسْر، وهو تَسَهُّلُ الشيء، وذلك أنهم كانوا يشتركون في الجزور لِيَسْهُل أمرُه (¬3)، وإلى هذا ذهب مقاتل؛ لأنه قال: (¬4) سمي ميسرًا لأنهم كانوا يقولون: يَسِّرُوا لنا ثَمَنَ الجَزُور (¬5)، وليست هذه الآية المُحَرِّمَةُ للخمر {وَالْمَيْسِرِ} (¬6) إنما المحرمة التي في المائدة (¬7). وقوله تعالى: {قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ} أراد: الإثم بسببهما من المخاصمة والمشاتمة، وقول الفحش والزور، وزوال العقل والمنع من الصلاة، والقمار يورث (¬8) الجماعة (¬9) العداوة، بأن يصير مال الإنسان إلى غيره بغير جزاء يأخذه عليه (¬10). ¬
وقال الربيع (¬1) والضحاك (¬2): إثم كبير بعد التحريم، ومنافع للناس قبل التحريم. والأول الوجه، وعنى بالمنافع ما كانوا يصيبونه من المال في بيع الخمر، والتجارة فيها، واللذة عند شربها، والتقوي بها (¬3)، كقول الشاعر (¬4) الأعشى: لنا من ضُحَاها خُبْثُ نَفْسٍ وكَأبةٌ ... وذِكرى هُمُومٍ ما تَغِبُّ أَذَاتُها وعند العِشَاءِ طيبِ نَفْسٍ ولَذّةٍ ... ومالٍ كثِيرٍ عدة نَشَوَاتُها (¬5) ومنفعة الميسر: ما يصاب من القمار، ويرتفق به الفقراء (¬6). وقال قتادة: في هذه الآية ذمها ولم (¬7) يحِّرْمها، وهي يومئذ حلال (¬8). وذهب قوم من أهل النظر: إلى أن الخمر حرمت بهذه الآية؛ لأن الكتاب قد دل في موضع آخر على تحريم الإثم في قوله: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ} [الأعراف: 33] وقد حرم الإثم، وقال: {فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ}، فوجب أن يكون محرمًا (¬9). ¬
واختلف القراء في قوله: {إِثْمٌ كَبِيرٌ} فقرأ حمزة والكسائي (كثير) بالثاء، الباقون بالباء (1)، وحجتهم: أن الباء أولى؛ لأن الكِبَر مثلُ العِظَم، ومقابل الكِبرِ الصِّغَر، قال الله تعالى: {وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ} [القمر: 53] وقد استعملوا في وصف الذنب العِظَمَ والكِبَرَ، يدل على ذلك قوله: {كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ} [النجم: 32]، {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ} [النساء: 31]، بالباء، كذلك هاهنا ينبغي أن يكون بالباء، ألا ترى أن شرب الخمر والميسر من الكبائر. وقالوا في اللمم: صغيرٌ وصغيرة، ولم يقولوا: قليل، فلو كان (كثير) متجهًا في هذا لوجب (2) أن يقال في غير الكبيرة (3): قليل، ألا ترى أن القلة تقابل الكثرة، كما أن الصغر يقابل الكبر. واتفاق القراء على الباء في {وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ}، ورفضهم الثاء مما يقوي الباء. وأما من قرأ بالثاء فلأنه قد جاء فيهما ما يقوي (4) وصف الإثم فيهما بالكثرة دون الكبر، وهو قوله: {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ} [المائدة: 91] فذكر عددًا من الذنوب فيهما، ولأن (5) النبي - صلى الله عليه وسلم - لعن عَشْرَةً في سبب الخمر (6)،
فدل على كثرة الإثم فيها، ولأن الإثم في هذه الآية عودل به المنافع فَحَسُنَ أن يوصف بالكثرة (¬1)؛ لأنه كأنه قال: فيه مضارٌّ كثيرةٌ ومنافعُ (¬2). وقوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ} نزل في سؤال عمرو بن الجموح، لما نزل قوله: {فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} [البقرة: 215] في سؤاله أعاد السؤال وسأل عن مقدار ما ينفق، فنزل قوله: {قُلِ الْعَفْوَ} (¬3). قال ابن عباس في رواية مقسم: العفو: ما فضل من المال عن العيال (¬4)، وهو قول السدي (¬5) وقتادة (¬6) وعطاء (¬7). ¬
وقال في رواية الوالبي: ما لا يتبين (¬1) في أموالكم (¬2). وقال مجاهد: صدقة عن ظهر غنى (¬3). وأصل العفو في اللغة: الزيادة، قال الله تعالى: {حَتَّى عَفَوْا} [الأعراف: 95]، أي: زادوا على (ما) (¬4) كانوا عليه من العدد (¬5). وقال الشاعر: ولكنا نُعِضُّ السَّيْفَ منها ... بأسْؤُقِ عَافِيَاتِ الشَّحْمِ كُومِ (¬6) أي: زائدات الشحم. قال أهل التفسير: أُمِروا أن ينفقوا الفَضْل، وكان أهل المكاسب يأخذ الرجل من كسبه ما يكفيه في عامه، وينفق باقيه، إلى أن فرضت الزكاة، فنسخت آيةُ الزكاة المفروضة هذه الآية وكل صدقة أمروا بها قبل نزول الزكاة (¬7) (¬8). ¬
واختلف القرَّاء في رفع العفو ونصبه، فقرؤا بالوجهين جميعًا (¬1)، فمن نصب جعل (ماذا) اسمًا واحدًا، فيكون قوله: {مَاذَا يُنْفِقُونَ} بمنزلة ما ينفقون (¬2)، و (ماذا) في موضع نصب، كما أن ما وأيًّا في قولك: ما ينفقون، وأيًّا ينفقون، كذلك (¬3)، وجواب هذا العفو بالنصب، كما تقول في جواب: ما أنفقت؟ درهمًا، أي: أنفقت درهمًا. ومن رفع العفو جعل ذا (¬4) بعد (ما) بمنزلة الذي، ورد العفو عليه فرفع، كأنه قال: ما الذي ينفقون؟ فقال: العفو، أي: الذي ينفقون العفو، فيضمن (¬5) المبتدأ الذي كان خبرًا في سؤال السائل، كما تقول في جواب ما الذي أنفقته؟ مال زيد، أي: الذي أنفقته مال زيد (¬6). قال أبو إسحاق: ويجوز أن تنصب {الْعَفْوَ} وإن كان (ما) وحدها اسمًا، تحمل (العفوَ) على ينفقون (¬7)، كأنه قيل (¬8): قل أنفقوا العفو، ¬
ويجوز (¬1) أن يرفع العفو، وإن جعلت ما وذا بمنزلة شيء واحد، على معنى: قل هو العفو (¬2)، والكلام في (ماذا) قد مر مستقصى (¬3). وقوله تعالى: {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ} أشار إلى ما بين في الإنفاق، كأنه قال: مثل الذي بينه لكم في الإنفاق إذ يقول: (قل العفو) يبين لكم الآيات لتتذكروا (¬4) في أمر الدنيا والآخرة، فتعرفوا فضل الآخرة على الدنيا. وقيل: مثل البيان في الخمر والميسر يبين الله لكم الآيات (¬5). وقال: {كَذَلِكَ} وهو يخاطب جماعة؛ لأن الجماعة معناها القبيل، كأنه قال: كذلك أيها القبيل. وقد أتى القرآن في غير موضع (بذلك) للجماعة، قال الله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ} ثم قال: {وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا} [الأحزاب: 30] والأصل: (ذلكن) (¬6)، إلا أن الجماعة في معنى القبيل، وجائز أن يكون الكاف للنبي - صلى الله عليه وسلم -، أي: كذلك أيها النبي يبين الله لكم الآيات؛ لأن خطاب النبي - صلى الله عليه وسلم - مشتمل على خطاب أمته، كقوله: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ} [الطلاق:1] (¬7). ¬
220
220 - قوله تعالى: {فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ} أول هذه الآية موصول بما قبلها، فيجوز أن يكون من صلة التفكر، قال أكثر (¬1) المفسرين: معناه: هكذا يبين الله لكم الآيات في أمر الدنيا والآخرة، {لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ} في زوال الدنيا وفنائها فتزهدوا فيها، وفي إقبال الآخرة وبقائها فترغبوا فيها. ويجوز أن يكون {فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ} من صلة التبين، أي: يبين لكم الآيات في أمر الدنيا والآخرة {لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ} (¬2). وقوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى} قال الضحاك (¬3) والسدي (¬4) وابن عباس (¬5) في رواية العوفي: كانت العرب في الجاهلية يعظمون شأن اليتيم ويشددون (¬6) أمره، فلا يؤاكلونه، وكانوا يتشاءمون (¬7) بملابسة أموالهم، فلما جاء الإسلام سألنا (¬8) عن ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأنزل الله هذه الآية. وقال قتادة والربيع (¬9) وابن عباس في رواية سعيد بن جبير ¬
والوالبي (¬1): لما نزل في أمر اليتامى {وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ} [الإسراء: 34] وقوله: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى} [النساء: 10] اعتزلوا أموالهم، وعزلوا طعامهم، واجتنبوا مخالطتهم في كل شيء، حتى كان يصنع لليتيم طعامٌ، فيفضل منه شيء فيتركونه ولا يأكلونه حتى يفسد، وكان صاحب اليتيم يفرد له منزلًا وطعامًا وشرابًا، فعظم ذلك على ضَعَفَةِ المسلمين، فقال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله! ما لكلنا منازل يسكنها الأيتام (¬2)، ولا كلُّنا يجد طعامًا وشرابًا يفردهما (¬3)، ونزلت: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ} عني: الإصلاح لأموالهم من غير أجرة ولا أخذ عوض منهم خير وأعظم أجرًا، وقيل: مخالطتهم بالإصلاح لهم وتعريفهم ما فيه حظهم خير من التفرد منهم (¬4). {وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ} أي: تشاركوهم في أموالهم وتخلطوها بأموالكم، فتصيبوا من أموالهم عوضًا من قيامكم بأمورهم، أو تكافؤهم على ما تصيبون من أموالهم. والمخالطة: جَمْعٌ يَتَعَذَّرُ معه التمييز، يقال: استَخْلط الفَحْل: إذا ¬
خالطَ قُبُلُه (¬1) حَيَا الناقَةِ، ومنه يقال للجماع: الخِلاطُ، ويقال خولط الرجل: إذا جُنّ، والخلاط (¬2): الجنون، لاختلاط الأمور على صاحبه بزوال عقله (¬3). وقوله تعالى: {فَإِخْوَانُكُمْ} أي: فهم إخوانكم. والإخوان يعين بعضهم بعضًا، ويصيب بعضهم (¬4) من مال بعض (¬5)، ومثله قوله: {فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ} [الأحزاب: 5]. قال الفراء: ولو نصبته كان صوابًا، يُرِيد: فإخوانَكُم تخالطون (¬6)، وانما يرفع من هذا ما حسن فيه هو، فإذا لم يحسن أجريته على ما قبله، فقلت: إن اشتريت طعامًا فَجَيِّدًا، أي: اشْتَرِ جَيدًا، وإن لبستَ ثِيابًا فالبياضَ، تنصب لأن هو (¬7) لا يحسن هاهنا، والمعنى هاهنا مخالفٌ للأول، ألا ترى أنك تجد القوم إخوانًا وإن لم تخالطوهم (¬8)، ولا تجد كل ما تلبس (¬9) بياضًا ولا ما تشتري جيدًا، فإن نويت أن ما ولي شراءه ¬
فَجَيّدٌ (¬1) رفعتَ، إذا كان الرجل قد عُرِفَ بجودةِ الشراءِ أو بلبس البياض (¬2). قال أبو عبيد: هذه الآية عندي أصل للتناهد (¬3) الذي يفعله الرفاق في الأسفار، ألا ترى أنهم يخرجون النفقات بالسوية ويتباينون في قلة المطعم وكثرته، فلما جاء هذا في أموال اليتامى واسعًا كان في غيرهم بحمد الله واسعًا (¬4). وقوله تعالى {وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ} أي: المفسد لأموالهم من المصلح لها، فاتقوا الله في مال اليتيم ولا تجعلوا مخالطتكم إياهم ذريعة إلى إفساد (¬5) أموالهم وأكلها بغير حق (¬6). وقوله تعالى: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ} معنى الإعنات: الحمل على مَشَقَّةٍ لا تُطَاقُ ثَقِلًا، يقال: أعَنتَ فلانٌ فلانًا، أي: أوقعه فيما لا يستطيع الخروج منه، وتَعَنَّتَه تَعَنُّتًا إذا لَبَّسَ عليه في سؤاله له، وعَنَتَ العظمُ المجبورُ، إذا انكسر بعد الجبر، وأصل الحرف من المشقة، أَكَمَةٌ عَنوت: إذا كانت شاقةً كَؤُودًا (¬7). ¬
221
قال ابن عباس: معناه: ولو شاء الله لجعل ما أصبتم من أموال اليتامى موبقًا (¬1). وقال عطاء: ولو شاء الله لأدخل عليكم المشقة كما أدخلتم على أنفسكم (¬2). وقال الزجاج: ولو شاء الله لكلفكم ما يشتد عليكم (¬3). وقيل: ولو شاء الله لضيق عليكم وأثمكم في مخالطتهم (¬4)، ومعناه التذكير بالنعمة في التوسعة. {إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ} في ملكه {حَكِيمٌ} فيما أمركم من أمر اليتامى. 221 - قوله تعالى: {وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ} الآية، قال الأزهري: أصل النكاح في كلام العرب: الوطء، وقيل للتزُّوج: نِكَاح، لأنه سبب الوطء (¬5)، يقال: نَكَح المطرُ الأرضَ: إذا اعتمد عليها، ونكح النعاسُ عَيْنَه. حكى ذلك أبو مالك (¬6) وأبو زيد (¬7). وقال أبو القاسم الزجاجي: النِّكَاح لفظةٌ جاريةٌ في كلام العرب بمعنى الوطء والعَقْدِ جميعًا، وموضوع (ن ك ح) على هذا الترتيب في كلامهم للزوم الشيء الشيء وإكبابه عليه، من ذلك قولهم: نكحَ المطرُ ¬
الأرضَ ينكحها نكحًا، إذا واظب عليها ولزمها، ذكر ذلك أبو زيد وابن الأعرابي فيما حكى عنه ثعلب في "الأمالي" (¬1) (¬2). وقال أبو عمرو الشيباني: نكح النعاس عينه، إذا غَلَبَ ولزم، هذا كلام العرب الصحيح فإذا قالوا: نكح الرجلُ فلانةً، ينكِحُها نَكْحُا ونِكَاحُا، أرادوا: تزوج بها، كما قال الأعشى: فلا تَقَربَنَّ جَارَةً إنَّ سِرَّها ... عَلَيْكَ حَرَامٌ فانكِحَنْ أو تَأَبَّدا (¬3) وهذا الموضح لا يحتمل انكحن إلا الأمر بالعقد والتزوج؛ لأنه قال: لا تقربن جارة، يعني: مقاربتها على الطريق الذي يحرم فاعقد وتزوج، وإلا فتأبد في (¬4) تجنب النساء وتوحش. قال عثمان بن جني (¬5) (¬6): سألت أبا علي عن قولهم: نَكَح المرأةَ، فقال: فَرَّقَتِ العربُ بالاستعمال فرقًا لطيفًا بين موضع العقد بفحوى الكلام وموضع الوطء حتى لا يلتبس، فإذا قالوا: نكح فلانٌ فلانة أو ابنةَ فلانٍ، أرادوا: أنه تزوجَ وعَقَدَ عليها، وإذا قالوا: نكح امرأته أو زوجَه، لم يريدوا غير المجامعة؛ لأنه إذا ذكر امرأته أو زوجه فقد استغنى عن ذكر العقد ولم ¬
تحتمل الكلمة غير المجامعة، وإذا قالوا: نَكَحَ بنتَ فلانٍ أو أُخْتَه أو امرأةً، لم يريدوا غير العَقْد (¬1). وروى سلم (¬2) (¬3) عن الفراء أنه قال: العرب تقول: نُكْحُ المرأةِ (بضم النون) بمعنى بضعها، وهو كناية عن الفرج، بُني على بناء القُبُل والدُّبُر، فإذا قالوا: نَكَحَها فمعناه: أصاب نُكْحَها، أي: ذلك الموضعَ منها، وقلّ ما يقال: نَاكَحَها كما يقال: باضعها من البُضْع (¬4)، وقد جاء لفظ النِّكاح في الشعر ولا يراد به إلا الوطء، من ذلك قوله: التارِكِينَ على طُهْرٍ نِسَاءَهُم ... والناكحينَ بِشَطَّيْ دِجْلةَ البَقَرَا (¬5) (¬6) ¬
قال المفسرون: نزلت هذه الآية في أبي مرثد الغنوي (¬1)، كانت له خليلة مشركة في الجاهلية، يقال لها: عناق، فلما أسلم قالت له: تَزَوَّجْ بي، فسأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقال: يا رسول الله أيحل لي أن أتَزَوجَهَا، فأنزل الله هذه الآية (¬2). ومعنى المشركات هاهنا: كل من كفر بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، وإن قال: إن الله واحد، وذلك أن من كفر بالنبي (¬3) - صلى الله عليه وسلم - فقد زعم أن ما أتى به النبي - صلى الله عليه وسلم - من القرآن (¬4) (¬5) من عند غير الله، والقرآن إنما هو من عند الله عز وجل، فمن زعم ¬
أنه قد أتى غير الله (¬1) بما لا يأتي به إلا الله عز وجل قد أشرك به غيره (¬2) والله تعالى يقول: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ} [التوبة: 30] ثم قال في آخر الآية الثانية: {سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [التوبة: 31]. فحرم الله تعالى بهذه الآية نكاح المشركات، ثم استثنى الحرائر الكتابيات بالآية التي في المائدة، وهي قوله: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ} [المائدة: 5] فهذه الآية مخصوصة بتلك في قول ابن عباس (¬3)، وهو الصحيح، والذي عليه جمهور (¬4) أهل العلم (¬5). وقال قتادة (¬6) وسعيد بن جبير (¬7): أراد بالمشركات في هذه الآية: مشركات العرب اللاتي ليس لهن كتاب يقرأنه، فعلى قولهما: الآية محكمة ¬
لا نسخ فيها، والذي عليه أهل العلم أن التي في المائدة ناسخة لهذه (¬1)، وبحكم (¬2) هذه الآية لا يحل تزوج الأمة الكتابية، لأن الله تعالى إنما استثنى الحرائر الكتابيات بقوله: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} [المائدة: 5]، فلا يحل نكاح الأمة الكتابية بحال (¬3). وقوله تعالى: {وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ} الأمة: المملوكة. ومصدرها: الأمُوَّة، وتأميتُ أَمَةً، أي: اتخَذْتُ أمة، وجمع الأمة: إماء وآم (¬4)، قال الشاعر: يا صاحِبيَّ ألا لا حَيَّ بالوادي ... إلا عَبِيدٌ وآمٍ بَيْنَ أذْوادِ (¬5) ووزن أمة فَعَلَة، بدلالة الجمع، نحو: أكَمَة وآكَام. وقال الليث: يقال لجمع الأمة: إماء وإمَوَان وثلاث آم، وأنشد: تَمْشِي بها رُبْدُ (¬6) النَّعَام ... تَمَاشِيَ الآمِي الزَّوَافِر (¬7) (¬8) وقال أبو الهيثم: الآم جمع الأَمَة، كالنَّخْلَة والنَّخْل، والبَقْلَة والبَقْل. قال: وأصل الأَمَةِ أَمْوَة (¬9)، حذفوا لامها لما كانت من حروف اللين، فلما ¬
جمعوها على مثال نَخْلة ونَخْل لزمهم أن يقولوا: أَمَةٌ وآم، فكرهوا أن يجعلوها حرفين، وكرهوا أن يردوا الواو المحذوفة لما كانت آخر الاسم؛ لأنهم يستثقلون السكوت على الواو، فقدموا الواو وجعلوها ألفًا فيما بين الألف والميم (¬1) (¬2). قال السدي: نزلت في عبد الله بن رواحة (¬3)، كانت له أمة سوداء فغضب عليها ولطمها، ثم أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - وأخبره بذلك، فقال له: "وما هي يا عبد الله"، قال: تشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسوله، وتصوم رمضان، وتحسن الوضوء وتصلي، فقال: "هذه مؤمنة"، قال عبد الله: فوالذي بعثك بالحق لأعتقنها ولأتزوجنها، ففعل، وطعن عليه ناس من المسلمين وعرضوا عليه حرة مشركة فأنزل الله هذه الآية (¬4). وقوله تعالى: {وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ} أي: المشركة بمالها وجمالها (¬5). و (لو) بمعنى (أن) إلا أن (لو) للماضي، و (أن) للمستقبل (¬6). ¬
وقوله تعالى {وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا} لا يجوز تزويج المسلمة من المشرك (¬1). وقوله تعالى: {أُولَئِكَ} يعني: المشركين {يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ} أي: الأعمال الموجبة للنار (¬2). فإن قيل: أليست الكتابية تدعو أيضًا إلى النار، فلم جاز نكاحها؟ قيل: الوثنية تدعو بما هي عليه إلى التقصير في الجهاد، والكتابية الذمية من جملة من سقط فيهم فرض القتال فلا تدعو إلى التقصير في الجهاد (¬3). وقوله تعالى: {وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ} يقول: إلى التوبة والتوحيد والعمل الموجب للجنة، {وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ} أي: بأمره، يعني: أنه بأوامره يدعوكم. وقيل: إن (¬4) هذا مختصر على تقدير: يدعو إلى الجنة والمغفرة ولا هداية إلا بإذنه، كما قال في سورة يونس، فَبَسَطَ ما اخْتُصِر هاهنا، فقال: {وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [يونس: 25] فدعاء الله الخلق على العموم، وتوفيقه على الخصوص، ويؤيد هذا المعنى: ما روي عن الحسن أنه كان يقرأ: {وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ} رفعاً (¬5). ¬
222
222 - قوله تعالى {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ} الآية، قال المفسرون: كانت العرب في الجاهلية إذا حاضت المرأة لم تؤاكلْها ولم تشاربها ولم تساكنها في بيت، كفعل المجوس، فسأل أبو الدحداح (¬1) رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك، وقال: يا رسول الله كيف نصنع بالنساء إذا حِضْن؟ فأنزل الله هذه الآية (¬2). والمحيضُ: الحَيْضُ، قال أبو إسحاق: يقال: حاضت المرأةُ تَحِيضُ حَيْضًا ومَحَاضًا ومَحِيْضًا (¬3). وأصل الحيض في اللغة: السيلُ، حاض السيلُ، يقال: وفاض. وقال الفراء: حَاضَتِ السَّمُرَة تحيض إذا سَالَ منها لَثَاها (¬4)، وأنشد ¬
المبردُ عن عمارة بن عقيل (¬1): أجالَت حَصَاهُنَّ الذَّوَارِي وَحَيَّضَتْ (¬2) ... عَلَيْهِنّ حَيْضَات السُّيولِ الطَّواحِمِ (¬3) (¬4) قال: ومعنى حيّضت: سيِّلت (¬5). قال الأزهري: ومن هذا قيل للحوض حوض؛ لأن الماء يحيض إليه، أي: يسيل، والعرب تدخل الواو على الياء، والياء على الواو؛ لأنهما من حَيِّزٍ واحدٍ وهو الهواء (¬6). قال أبو إسحاق: وعند النحويين أن المصدر في هذا الباب المَفْعِل، ولذلك (¬7) ذهب قوم إلى أنه المأتى أي: (¬8) موضع الحيض، وإنما هو مصدر، والمَفْعِل جيد بالغ، قال الراعي: بُنِيَتْ (¬9) مرافقُهُنّ فوق مَزِلَّةٍ ... لا يَسْتَطِيعُ بها القُرَادُ مَقِيْلا (¬10) ¬
أي: قيلولة (¬1) (¬2). قال ابن السِّكِّيت: إذا كان المفعل من ذوات الثلاثة نحو: كَال يَكِيْلُ، وحاض يحيضُ وأشباهه، (فإن) (¬3) الاسم منفرد (¬4) منه مكسور، والمصدر مفتوح، من ذلك مَال ممالًا وهذا مميلة، يذهب إلى الأسماء، وبالفتح إلى المصدر، ولو فتحتهما (¬5) جميعًا أو كسرتهما في المصدر والاسم لجاز. تقول العرب: المَعَاش والمَعِيش، والمَعَابُ والمَعِيبُ، والمَسَار والمَسِيُر. وأنشد: أنا الرَّجُلُ الذي قد عِبْتُمُوه ... وما فيه لِعَيَّابٍ مَعَابُ (¬6) وقوله تعالى: {قُلْ هُوَ أَذًى} قال عطاء وقتادة (¬7) والسدي (¬8): أي: قَذَرَ. وقال مجاهد (¬9) والكلبي (¬10): دم. والأذى: ما يَغُمُّ ويُكْره من كل شيء. (¬11) ¬
{فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} الاعتزال: التنحي عن الشيء. قال المفسرون: لما نزلت هذه الآية عمد المسلمون إلى النساء الحيض فأخرجوهن من البيوت واعتزلوهن، فإذا اغتسلن ردوهن إلى البيوت، فقدم ناس من الأعراب وشكوا عزل الحيض عنهم، وقالوا: يا رسول الله! البرد شديد والثياب قليلة، فإن آثرناهن بالثياب هلك سائر أهل البيت، وإن آثرنا أهل البيت هلكت الحيض، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إنما أمرتم أن تعتزلوا مجامعتهن إذا حضن، ولم يأمركم بإخراجهن من البيوت كفعل الأعاجم" (¬1) (¬2). فوطء الحائض في فرجها حرام (¬3). واعلم أن المرأة إذا حاضت حرم على الزوج جماعها ومباشرتها فيما بين السرة والركبة (¬4)، ولم يحرم عليه تقبيلها وما (¬5) فوق السرة وتحت الركبة منها (¬6)، وكذلك كان يفعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، روت ندبة (¬7) عن ميمونة ¬
زوج النبي - صلى الله عليه وسلم -، قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يباشر المرأة من نسائه وهي حائض، إذا كان عليها إزار يبلغ إلى أنصاف الفخذين أو الركبتين (¬1). فدل بهذا على أن المراد باعتزال الحيض ترك جماعهن، وذلك أن المجوس واليهود كانوا يجتنبون الحيض في كل شيء، وكانت النصارى يجامعونهن ولا يبالون بالحيض، فأمرنا الله سبحانه بالاقتصاد بين هذين الأمرين (¬2). وقوله تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} أي: لا تجامعوهن (¬3)، يقال: قَرُبَ الرجلُ امرأَتَه: إذا جامعها، قربانًا (¬4). وقوله تعالى {حَتَّى يَطْهُرْنَ} أي: يَتَطَهَّرْنَ، ومعناه: يغتسلن بالماء بعد النَّقَاء من الدم، فأدغمت التاء في الطاء، هذه قراءة أهل الكوفة (¬5)، وحُجَّتُهم: أن حكم انقطاع الدم قبل الاغتسال حكم اتصاله؛ لأنها ما لم ¬
تغتسل كانت في حكم الحيض لكونها ممنوعة عن الصلاة والتلاوة، وإذا كانت كذلك فالوجه في القراءة التشديد، كقوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة: 6] فكما أن الجنب يتطهر بالماء إذا وجده، كذلك الحائض، لاجتماعهما في وجوب الغسل عليهما (¬1). وأما من قرأ بالتخفيف، فقال أهل اللغة: طَهَرت المرأة، وطهُرت طُهْرًا وطَهَارة، والفتح أقيس؛ لأنها خلاف طَمَثت، فينبغي أن يكون على بناء ما خالفه، مثل: عَطِشَ وَرَوِيَ، ونحو ذلك (¬2)، وُيقَوِّيَ طَهَرت أيضًا (¬3) قولُهم: طَاهر، وهذا يدل على أنه مثل: قَعَدَ يَقْعُدُ فهو قَاعِد، فقوله: {يَطْهُرْنَ} يحتمل أن يكون المراد حتى يَنْقَطع الدم، ويحتمل أن يكون حتى يفعلن الطهارة التي هي الغسل؛ لأنه إنما يحكم لها بأنها طاهرة إذا اغتسلت، وهذا أولى؛ لما قدمنا أنها في حكم الحيض ما لم تغتسل (¬4). فإن قيل على هذه القراءة: وجب أن يحل الوطء بعد انقطاع الدم وقبل الاغتسال، لأن التحريم قد تناهى، ودل {حَتَّى} على غاية التحريم؟ قيل: إن في الكلام حذفًا، قد دل عليه ما بعده، وأغنى (¬5) عنه، لأن التقدير: ولا تقربوهن حتى يطهرن ويَطَّهَّرن، نحو قول القائل: لا تكلم ¬
الأمير حتى يقعد (¬1)، وإذا طابت نفسه فكلمه في حاجتك، فتقديره: حى بقعد وتطيب نفسه، مع أنا قد بينا أن معنى {يَطْهُرْنَ} يفعلن (¬2) الطهارة التي يحل بها وطؤهن. فعلى القراءتين جميعًا لا يحل وطؤها ما لم تغتسل أو تتيمم عند عدم الماء (¬3)، وهو قول سالم بن عبد الله (¬4) وسليمان بن يسار (¬5) والقاسم بن محمد (¬6) وابن شهاب (¬7) والليث ومذهب الشافعي (¬8). وعند أبي حنيفة إذا طهرت لعشرة أيام حل وطؤها دون الاغتسال، وان طهرت لما دونها لم يحل وطؤها إلا بإحدى ثلاث: أن تغتسل (¬9)، أو ¬
تمضي بها وقت أقرب الصلوات، فيحكم لها بذلك حكم الطاهرات بوجوب الصلاة في ذمتها، أو تتيمم (¬1). وقوله تعالى: {فَأْتُوهُنَّ} معناه: فجامعوهن، وهو إذن بعد الحظر، فهو كقوله: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} [المائدة: 2] {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا} [الجمعة:9] (¬2). وقوله تعالى: {مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ} أي: من حيث أمركم الله بتجنبه في الحيض وهو الفرج، قاله مجاهد (¬3) وإبراهيم (¬4) (¬5) وقتادة (¬6) وعكرمة (¬7). وقال ابن عباس في رواية الوالبي (¬8): يقول: طؤوهن في الفرج ولا تعدوه إلى غيره (¬9)، وقال في رواية عطاء: يريد: من حيث يكون النسل (¬10). وقال في رواية العوفي: فأتوهن من الوجه الذي أمركم الله أن تأتوهن ¬
منه، وهو الطهر دون الحيض (¬1). وهذا قول السدي (¬2) والضحاك (¬3). وقال ابن الحنفية: فأتوهن من قبل الحلال دون الفجور (¬4). وقال ابن كيسان: أي: من الجهات التي يحل فيها أن تقرب المرأة، أي: لا تأتوهن صائمات ولا معتكفات ولا محرمات واقربوهن وغشيانهن لكم حلال (¬5) وهذا اختيار الزجاج (¬6). وقال الواقدي: (من) هاهنا بمعنى (في) يريد: في حيث أمركم الله وهو الفرج، نظيره قوله: {أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ} [الأحقاف: 4] أي: فيها، وقوله: {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ} [الجمعة: 9] أي: فيه. (¬7) وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} قال عطاء (¬8) ومقاتل بن سليمان (¬9) والكلبي (¬10): التوابين: من الذنوب، والمتطهرين (¬11) بالماء من الأحداث والمحيض والجنابات والنجاسات. ¬
223
وقال مجاهد: التوابين من الذنوب، والمتطهرين من أدبار النساء (¬1). سعيد بن جبير: التوابين من الشرك، والمتطهرين من الذنوب (¬2). أبو العالية: التوابين من الكفر، والمتطهرين بالإيمان (¬3) ابن جريج: التوابين من الذنوب لا يعودون فيها، والمتطهرين منها لم يصيبوها (¬4). 223 - قوله تعالى: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ} الآية، قال ابن عباس: جاء عمر - رضي الله عنه - إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: يا رسول الله! هلكت. قال: "فما الذي أهلكك؟ " قال: حَوَّلْتُ رَحْلِيَ البارحة، فلم يرد عليه شيئًا، وأوحي إليه: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ} (¬5). وقال الحسن (¬6) وقتادة (¬7) والمقاتلان (¬8) والكلبي (¬9): تذاكر المسلمون واليهود إتيان (¬10) النساء، فقال المسلمون: إنا نأتيهن باركاتٍ وقائماتٍ ¬
ومستلقياتٍ ومن بين أيديهن وأرجلهن، بعد أن يكون المأتى واحدًا، فقالت اليهود: ما أنتم إلا أمثال البهائم، لكنا نأتيها على هيئة واحدة، وإنا لنجد في التوراة: أن كل إتيان يؤتى النساء غير الاستلقاء دنس عند الله، ومنه يكون الحول والحَبْل، فذكر المسلمون ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأكذب الله عز وجل اليهود، وأنزل يرخص (¬1) لهم {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ}. أي: مَزْرَعٌ ومَنْبَتٌ للولد (¬2)، وأراد به المُحْتَرَثَ والمُزْدَرَع، ولكنهن لما كُنَّ من أسباب الحرث جُعلن حَرْثًا، ولهذا وُحِّد (¬3) الحرث؛ لأنه مصدر. وقال أهل العربية: معناه: ذواتُ حرثٍ لكم، فيهن تحرثون الولد (¬4)، فحذف المضاف، وقيل: أراد: كحرثٍ لكم، كقوله: {حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا} (¬5) [الكهف: 96]. أي: كنار (¬6)، وكَقَولِ الشاعر: النَّشْرُ مِسْكٌ والوجوهُ دنا ... نير وأطرافُ الأكفِّ عَنَم (¬7) (¬8) ¬
وقال الزجاج: زعم أبو عبيدة أنه كناية (¬1)، قال: والقول عندي فيه: أن نساءكم حرث لكم، فيهن تحرثون الولد واللذة (¬2). وقال الأزهري: حَرْثُ الرجل: امرأتُه، وأنشد المبرد: إذا أكل الجَرادُ حُرُوثَ قومٍ ... فَحَرْثِي هَمُّهُ أَكْلُ الجَرَادِ (¬3) يعني: امرأته (¬4). وقوله تعالى: {فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} أي: كيف شئتم (¬5)، ومن أين شئتم، بعد أن يكون في صمام واحد. {أَنَّى} شِئْتُمْ معناه من أين، يدل عليه الجواب، نحو قوله تعالى: {أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} [آل عمران: 37] (¬6). وقال الزجاج: أي ايتوا مواضع (¬7) حرثكم كيف شئتم مقبلة ومدبرة (¬8). ¬
والآية لا تدل على جواز (¬1) الإتيان في الموضع المكروه؛ لأنها نزلت تكذيبًا لليهود، ونسخًا لشرعهم إن صدقوا فيما ادعوا، أو إباحة للإتيان في القبل من أي (¬2) وجه كان، ولأن الله تعالى ذكر لفظ الحرث والقبل محل النسل (¬3) والحرث لا الدبر، فعلم أن المراد بالآية إباحة الجماع إذا كان في الفرج على كل جهة، والأخبار شائعة في تحريم أدبار النساء (¬4). وقوله تعالى: {لِأَنْفُسِكُمْ} قال عطاء عن ابن عباس: يريد العمل لله بما يحب ويرضى (¬5)، وهو قول السدي (¬6) والكلبي (¬7)، واختيار الزجاج؛ لأنه قال: معناه: قدموا طاعته واتباع أمره، فمن اتبع ما أمر الله به فقد قدم لنفسه خيرًا (¬8)، يحض على العمل بالواجب الذي أمروا. وقال بعض المفسرين: يعني: ابتغاء الولد والنسل (¬9)، وذلك أن ¬
224
الولد ذخيرة للدنيا والآخرة. {وَاتَّقُوا اللَّهَ} فيما حد لكم من الجماع وأمر الحيض. {وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ} قال عطاءُ: يريد: راجعون إليه (¬1). وقد ذكرنا ما في هذا عند قوله: {الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (46)} [البقرة: 46]. وقال أصحاب المعاني: معناه: ملاقو جزائه، إن ثوابًا وإن عقابًا. وقال بعضهم {مُلَاقُوهُ} أي: ملاقو ما قدمتم. {وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} الذين خافوه (¬2) وحَذِرُوا مَعْصيتَهُ. 224 - قوله تعالى: {وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ}: قال الكلبي: نزلت في عبد الله بن رواحة، ينهاه عن قطيعة ختنه على أخته (¬3)، بشير بن النعمان (¬4)، حلف أن لا يكلمَه، ولا يَدْخُلَ بينه، وبين خصم له (¬5)، ¬
وجعل يقول: قد حلف (¬1) بالله أن لا أفعل، فلا يحل لي، فأنزل الله هذه الآية (¬2). والعُرضَة عند أهل اللغة: مُشْتَقَّةٌ من أصلين: أحدهما: وهو الذي عليه الجمهور، أنها مشتقة من (¬3) الاعتراض بمعنى المنع، وذلك أن المعترض بين الشيئين مانع من وصول أحدهما إلى الآخر، تقول العرب: هو له دونه عرضة، إذا كان يعترض له دون الوصول إلى ذلك الشيء. قال الأزهري: والأصل فيه: أن الطريق المسلوك إذا اعترض فيه بناءٌ أو جِذْعٌ أو جَبَلٌ مَنَعَ السَابِلَةَ من سُلُوكه، فوضِعَ الاعتراضُ موضع المنع لهذا المعنى، وكل شيء منعك عن (¬4) أمر تريده فقد اعترض عليك وتعرض لك، ومن هذا يقال للمعارض في الكلام: معترض، واعترض عليه في كذا، أي: منع كلامه عن الاستمرار على وجهه (¬5). ¬
وعلى هذا الفراء (¬1) والزجاج (¬2) وابن الأنباري، وأكثر أقوال المفسرين موافق لهذا الأصل (¬3). قال الحسن (¬4) وطاوس (¬5) وقتادة (¬6): لا تجعلوا اليمين بالله علة مانعة من البر والتقوى، من حيث تتعمدون اليمين تعتلوا (¬7) بها. وقال ابن عباس (¬8) ومجاهد (¬9) والربيع (¬10): لا تجعلوا (¬11) اليمين بالله حجة في المنع، والتقدير: لا تجعلوا الله مانعاً من البر والتقوى باعتراضكم به حالفين. الأصل الثاني: في اشتقاق العُرْضَة: أنها من الشدة والقوة، تقول العرب: لفلان عُرْضَة يصرع بها الناس، أي: قُوة، ودابة عُرْضَةٌ للسفر، أي: قوية عليه والعرضيّ من النوق والإبل: الذي فيه نشاط وقوة (¬12). ¬
قال الشاعر: واعْرَوْرَتِ العُلُطَ العُرْضِيَّ تَرْكُضُه ... أمُّ الفَوارسِ بالدِّيدَاءِ والرَّبَعَه (¬1) وقال الليث: يقال: فلان فيه على أعدائه عُرْضِيَّة، وفي الفَرَس عرضِيَّة (¬2) في عَدْوِه. وأنشد القطامي: بِيضُ الهِجَانِ التى كانت تكونُ بها ... عُرْضِيّةٌ وهِبَابٌ حينَ يَرْتَحِلُ (¬3) (¬4) (¬5) فالمعنى على هذا الأصل: لا تجعلوا الحلف بالله قوة لأيمانكم في أن لا تبروا، ويحتمل أن يكون المعنى على هذا الأصل: النهي عن المبادرة إلى الأيمان، كأنه يقول: لا تجعلوا اسم الله قوة لأيمانكم تبتدر من أفواهكم مسرعين بذكره. ¬
وهذا المعنى مروي عن عائشة رضي الله عنها؛ لأنها قالت: لا تحلفوا بالله وإن بررتم (¬1). وتفسير ابن عباس في رواية عطاء موافق لهذا المعنى؛ لأنه قال: يريد: لا يحلف الرجل في كل حق وباطل، ينبغي له أن ينزه الله عن كثير من الأيمان (¬2). والأيمان: جمع (¬3) يمين، وهي القسم، وأصلها: من اليُمْن الذي هو البركة، فاليمين عَقْدُ الأمرِ بما يُتَبَرَّكُ (¬4) بذكره (¬5). وقوله تعالى: {أَن تَبَرُّوا} اختلف أهل المعاني في تقديره، فقال الزجاج: تقديره (¬6): لا تعترضوا باليمين بالله في أن تبروا، فسقط (في) ووصل معنى الفعل (¬7). وقال أبو عبيد: معناه: أن لا تبروا، فحذفت لا، كقوله: {يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا} [النساء: 176] وكقوله: {رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ} [النحل: 15] والمعنى: لئلا تضلوا، أن لا تميد بكم (¬8). وقال أبو العباس: تقديره: لدفع أن تبروا، أو لترك أن تبروا، فحذف المضاف. ¬
وقال الكسائي: تقديره: لأن تبروا (¬1) أي: لا تتخذوا اليمين (¬2) مانعةً لأن تبروا (¬3). وهذه التقديرات كلها توافق تفسير العرضة من الاعتراض بمعنى المنع. وإن جعلنا تفسير العرضة القوة لم يصلح فيه تقدير الزجاج والكسائي. وقال عطاء: أراد (¬4): أن لا تبروا (¬5)، وهذا موافق لتفسير الآية عنده، والتقدير: لا تحلفوا بالله إلا أن يكون اليمين لقصد بر أو تقوى أو إصلاح بين الناس، فلكم أن تحلفوا (¬6). فالعرضة على القول الأول بمعنى المعترض، وعلى القول الثاني بمعنى القوة والشدة، وعلى القولين جميعا معنى قوله: لا تجعلوا الله، لا تجعلوا اسم الله، فالله تعالى هاهنا يراد (¬7) به التسمية لا الاسم الذي هو بمعنى الذات. وأما محل (أن) من الإعراب، فقال أبو إسحاق: الاختيار فيه النصب عند جميع النحويين؛ لأنه لما حذف الخافض وصل الفعل، المعنى: لا ¬
تعترضوا باليمين بالله في أن تبروا، فلما سقطت (في) أفضى معنى الاعتراض (¬1) فنصب (أن)، ويكون تأويله: (لا يمنعكم) (¬2) الإيمان بالله البر والتقوى والإصلاح بين الناس، قال: وجائز عند كثير من النحويين أن يكون موضعُها خفضًا، وإن سقطت (في)؛ لأنَّ (إن) الحذف معها مستعمل، يقول (¬3): جئت لأن تضرب زيدًا، وجئت أن تضرب زيدًا، فتحذف اللام مع (أن) ولا تحذف مع المصدر لو قلت: جئت ضربَ زيدٍ، وأنت تريد: لضرب زيد، لم يجز كما جاز مع (أن)، لأنّ (أنْ) إذا وُصِلَت دل ما بعدها على الاستقبال، والمعنى (¬4) تقول: جئتك أن ضربت زيدًا، وجئتك أن تضربَ زيدًا، فلذلك جاز حذف اللام، وإذا (¬5) قلت: جئتك ضَرْبَ زيد، لم يدل الضربُ على معنى مضى (¬6) ولا استقبال (¬7). وحرر بعض أصحابه هذا الفصل فقال: معنى هذا: أنّ (أنْ) لما وُصِل بالفعل احتمل الحذف كما يحتمل (الذي) إذا وصل بالفعل من حذف ضمير المفعول ما لا يحتمله الألف واللام إذا وُصل بالاسم، نحو: الذي ضربت، يريد: ضربته، فأما: الضاربه (¬8) أنا زيد، فلا يحسن إلّا بالهاء، وذلك أن ¬
الفعل أثقل، وهو بالحذف أحق. وأنكر أبو علي الفارسي هذا الفصل كلَّه على أبي إسحاق، وأجاز حذف اللام من المصدر، وقال: الذي منعه جائز غير ممتنع في جميع باب المفعول له، تقول (¬1): جئتك طمعًا في الخير، وزرتك كرامة فلان، أي: لكرامته (¬2)، قال: وأنشد أبو عثمان (¬3) لرؤبة: بلاَلٌ أنْدَى (¬4) العَالَمينَ شَخْصًا ... عندي وما بي أن أُسِيءَ الحِرْصا (¬5) فحمل الحرص على المفعول له، قال: وإنما جاز الحذف مع (أن) لطول الكلام بالصلة، وإذا طال الكلام حَسُنَ من الحذف معه ما لا يحسن إذا لم يطل، وذلك كثير، نحو قوله: {مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا} [الأنعام: 148]، ترك التأكيد الذي يقبح تركه في السعة لطول الكلام بلا، ولو لم يطل به للزم التأكيد كما لزم {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ} [الأعراف: 27] {فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ} [المائدة: 24] {اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ} [البقرة: 35]، ومن ثم استجازوا: حضر القاضي اليوم امرأةٌ، حذفوا التاء من الكلام لما طال الكلام بالفصل بين الفعل والفاعل من المفعول. قال: وأما قوله: والنصب في (أن) في هذا الموضع الاختيار عند ¬
جمع النحويين، فمن يقول أن موضعه جر وهو قول سيبويه، ليس يحفظ عنه أن النصبَ أحسن، وإنما يحكم على موضعه بالجر. أطال أبو علي الكلام في هذه المسألة على أبي إسحاق في الإنكار عليه، وقد اختصرته هاهنا (¬1). قال أبو إسحاق: ويجوز أن يكون موضع (أن) رفعًا بالابتداء، وخبره محذوف تقديره: أن تبروا وتتقوا وتصلحوا أولى، أي: البر والتقى أولى، ويكون (أولى) محذوفًا، كقوله: {وطَاعَةٌ وَقَول مَّعْرُوفٌ} [محمد: 21] أي: طاعة وقول معروف (¬2) أمثل. قال: ومذهب النحويين فيه الجر والنصب، ولا أعلم أحدًا منهم ذكر هذا المذهب (¬3). وهذا الذي ذكره أبو إسحاق من رفع (أن) تقدير (¬4) زائد على ما ذكرنا من التقديرات في (أن)، لأن الكلام على هذا يصير مستأنفًا لا تعلق له بما قبله، والتقديرات السابقة توجب (¬5) التعلق بما سبق (¬6). وقوله تعالى: {وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} يسمع (¬7) أيمانكم ويعلم ما تقصدون بها. ¬
225
225 - قوله تعالى: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ} الآية. اللغو: معناه في اللغة: الكلام الذي لا فائدة فيه ولا يعتد به (¬1)، وهو مصدر يقال: لَغَا يَلْغُو لَغْوًا وَلغا يَلْغَى، ولغي يَلْغَى لغًا: إذا أتى بلغو (¬2)، قال الفراء. اللغا مصدرٌ للغَيْتُ، واللغوُ مَصْدَرٌ لِلَغَوْتُ. قال العجاج: ورُبَّ أسْرَابٍ حَجِيجٍ كُظّمِ ... عن اللَّغَا ورَفَثِ التَّكَلُّمِ (¬3) وقال ذو الرمة: ويُطْرَحُ بينها المَرْئِيُّ لَغْوًا ... كما أَلْغَيْتَ في المائةِ الحُوَارَا (¬4) قال ابن المظفر: يقول: اللَّغْو واللَّاغِيَةُ واللَّوَاغِي واللَّغَا واللغوي (¬5)، ومنه الحديث: "من قال يوم الجمعة لصاحبه صه (¬6) والإمام يخطب فقد لغا (¬7) ". ¬
ومثله من الكلام: الدَّلْو والدِّلاَء، والعَيْبُ والعَابُ. قال ابن الأنباري: اللغو عند العرب: ما يُطْرح من الكلام (¬1) استغناءً عنه ولا يفتقر إليه، قال الكميت: وبعد ذلك (¬2) أيَّامٌ (¬3) سَنَذْكُرها ... لم تنس لغوًا ولم تقدم على عمد (¬4) أي: لم تنس اطراحًا لها. ويقال: لغَا الطائر يلغو لغوًا: إذا صَوَّتَ، وسُمِّيَ ذلك منه لَغْوًا؛ لأنه لا يُوْقَفُ على ما يُريدُه. قال الشاعر: باكرتُهُم بِسَبَا جَوْنٍ ذَارعٍ (¬5) ... قبل الصَّبَاحِ، وقَبْلَ لَغْوِ الطَّائرِ (¬6) السبا: اشتراء الخمر، والجَوْنُ: الزِّقُّ، والذَّارعُ (¬7): الكبيرُ الكثيرُ (¬8) الأخذ من الأرض، ولغو الطائر: تَصْوِيْتُه. قال الزجاج: وكلُّ ما لا خيرَ فيه مما يُؤْثَم فيه، أو يكون غير محتاج إليه في الكلام فهو لغوٌ (¬9) ولَغًا (¬10). هذا معناه في اللغة (¬11). ¬
وأما التفسير: فقال مجاهد (¬1) وعكرمة (¬2) والشعبي (¬3): لغو اليمين، في هذه الآية، ما يسبق به اللسان من غير عقد ولا قصد، ويكون كالصلة للكلام، مثل قول القائل: لا والله، وبلى والله، وكلا والله، ونحو هذا، ولا كفارة فيه ولا إثم. وهو قول عائشة رضى الله عنها، قالت: أيمان اللغو ما كان في الهزل والمراء والخصومة، (الذي) لا يعقد عليه القلب (¬4)، ومثله روى حماد (¬5) عن إبراهيم (¬6)، وهو كما روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مرَّ بقوم ¬
ينتضلون، ومعه رجل من أصحابه فرمى رجل من القوم، فقال: أصبت والله وأخطأ، فقال الذي مع النبي عليه الصلاة والسلام: حنث الرجل يا رسول الله، فقال - صلى الله عليه وسلم -: (¬1) "كل (¬2) أيمان الرماة لغو لا كفارة فيها ولا عقوبة (¬3) ". وكأن الفرزدق أراد هذا المعنى بقوله: ولسْتَ بمأخُوذٍ بلَغْوٍ تَقُولُه ... إذا لم تَعَمَّد عاقِداتِ العَزَائمِ (¬4) وقال ابن عباس في رواية الوالبي (¬5) ومجاهد في رواية ابن أبي نجيح (¬6): لغو اليمين، أن يحلف الإنسان على الشيء يُرى أنه صادق فيه ثم يتبين له خلاف ذلك، فهو خطأ منه غير عَمدٍ، ولا كفارة عليه فيه ولا إثم، ¬
وهو قول الحسن (¬1) والنخعي (¬2) والزهري (¬3) وقتادة (¬4) والربيع (¬5) والسدي (¬6): وقال (¬7) في رواية وُسيم (¬8) (¬9): اللغو: اليمين في حال الغضب والضجر من غير عقدٍ ولا عزم، وهو قول علي (¬10) - رضي الله عنه - وطاوس (¬11). وقال ابن عباس (¬12) في رواية عكرمة ومسروق (¬13): اليمين الملغاة هي التي يحلف بها الحالف على أمر متى أمضاه وفعله كان معصية لله عز وجل، فهي ملغاة، إذ كان الواجب أن لا يستعمل ما حلف عليه. ¬
وقال الشعبي في الرجل يحلف على معصية: كفارته أن يتوب منها، وكل يمين لا يحل لك أن تفي بها فليس فيها كفارة (¬1). يدل عليه ما روى عمرو (¬2) بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "من حلف على معصية الله فلا يمين له (¬3) ". وروت عمرة (¬4) عن عائشة قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من حلف على قطيعة رحم أو معصية، فبره أن يحنث فيها ويرجع عن يمينه" (¬5). وبه قال سعيد بن جُبير إلا أنه قال: يحنث ويكفِّر، ولا يؤاخذه الله بالحِنث (¬6). وقال الضحاك: هو اليمين المُكفَّرة (¬7)، سُميت لغوًا لأن الكفارة تُسقط منه الإثم، تقدير الآية: لا يؤاخذكم الله بالإثم في اليمين إذا كفرتم، وهذا اختيار الزجاج، قال: المعنى: لا يؤاخذكم الله بالإثم في (¬8) الحلف ¬
إذا كفرتم، وإنما قيل له (¬1) لغو؛ لأن الإثم يسقط فيه إذا وقعت الكفارة (¬2). أعلم الله عز وجل أن الإثم إنما هو في الإقامة على ترك البر والتقى، وأن اليمين إذا كفرت فالذنب فيها مغفور. وجملة اليمين على مذهب الشافعي، رحمه الله: قِسْمٌ على الماضي (¬3) نفيًا أو إثباتًا مثل أن تقول: والله لقد كان كذا، أو لم يكن كذا. فإن كذب في يمينه متعمدًا فهذه الغموس التي تغمس صاحبها في الإثم، وفيها (¬4) الكفارة، وإذا (¬5) لم يتعمد واستبان الكذب فلا كفارة. القسم الثاني: اليمين (¬6) على المستقبل نفيًا أو إثباتًا، مثل: والله لأفعلن، أو والله لا أفعل، فإن حَنِثَ لزمته الكفارة، وحالة الرضا والغضب سواء (¬7). وقوله تعالى: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} أي: عزمتم وقصدتم، لأن كسب القلب العقد والنية (¬8). وقال الزجاج: أي: بعزمكم على أن لا تبروا وأن لا تتقوا، وأن ¬
226
تَعْتلَّوا في ذلك بأنكم حلفتم (¬1). وقوله تعالى: {وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ} معنى الحِلْم في كلام العرب: الأَنَاةُ والسُكُون، والعَرب تقول: ضَعِ الهَوْدَجَ على أحْلَمِ الجِمال، أي: على أَشَدِّها تَؤُدَةً في السير. ومنه الحُلُم؛ لأنه يُرَى في حال السكون، وحَلَمَةُ الثدي لأنها تُحَلِّم المرتَضِعَ، أي: تُسَكِّنُه، والحَلَمَةُ: القُراد، مُشَبَّهَةً بِحَلَمَةِ الثَّدْي (¬2)، ومعنى الحليم في صفة الله: الذي لا يَعْجَل بالعقوبة، بل يؤخر عقوبة الكافرين والعُصَاة (¬3). 226 - قوله تعالى: {لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ} قال سعيد بن المسيب: كان الرجل لا يريد المرأة، ولا يحب أن يتزوجها غيره، فيحلف أن لا يقربها أبدًا، فكان يتركها بذلك لا أَيَّمًا ولا ذاتَ بعلٍ، يُضَارُّها، وكانوا يفعلون ذلك في الجاهلية وفي الإسلام، فجعل الله تعالى الأجل الذي يُعلم به ما عند الرجل في المرأة أربعة أشهر (¬4). ¬
ويقال: آلى يُولي إِيلاء، وتألّي يَتَألَّى تألِّيًا وائتلى يَأتلي ائتلاءً، قالت الخنساء: فآليْتُ آسَى عَلَى هَالِكِ ... وأسْألُ نَائِحَةً مَالَهَا (¬1) وقال زيد الفوارس (¬2): تالى ابنُ أوسٍ حَلْفةً ليَرُدَّني ... إلى نِسوَةٍ كأنَّهُنَّ مقائد (¬3) ومن هذا قراءة من قرأ: {ولا يتأل أولوا الفضل منكم} [النور: 22] وقراءة العامة (ولا يأتلِ) (¬4) من الإيتلاء بمعنى الحلف، ويقال لليمين: الأَلِيَّةَ والأُلوّة والأَلُوّة (¬5) كلها بالتشديد، وحكى أبو عمرو (¬6) أَلْوَةٌ وإِلْوَهٌ ¬
وأُلوَةٌ ثلاث لغات مخففة في اليمين، وذكرها يعقوب (¬1). قال كثيّر: قَلِيلُ الأَلايَا حَافِظٌ ليمينه ... فإن سَبَقَتْ منه الأَلِيَّةُ بَرَّتِ (¬2) وقوله تعالى: {مِنْ نِسَائِهِمْ} قال أهل المعاني: الآية مختصرة، وما وقع عليه الإيلاء محذوف، وهو اعتزال النساء، كأنه قيل: للذين يؤلون أن يعتزلوا نسائهم تربص أربعة أشهرٍ، فحذف ما حذف لبيان معناه، وذلك أنه معلوم أن الحلف لا يكون إلّا على شيء يؤكّدُ ويحقق (¬3) (¬4). و (مِنْ) في (¬5) قوله: {مِنْ نِسَائِهِمْ} عند بعضهم من صلة التربص، كأنه قيل: للذين يؤلون تربص أربعة أشهر من نسائهم، أي: يتربصون عنهن هذه المدة. وحكى ابن الأنباري عن بعض أهل اللغة أن (من) هاهنا بمعنى على، وحروف الصفات متعاقبة، والتقدير عنده: للذين يحلفون على وطء أو في ¬
وطء نسائهم، فأقام الصفة مقام الصفة، وحذف المضاف، وأقام النساء مقامه (¬1). والتربص: التَّلَبُّثُ والانتظار، تَرَبَّصْتُ بالشيء تَرَبُّصًا، ويقال: ما لي على هذا الأمر رُبْصَةٌ، أي: تلبث (¬2). وإضافة التربص إلى الأربعة أشهر أضافة المصدر، كقولك: بينهما مسيرة يوم، أو مسيرة في يوم، ومثله كثير. وأما تفسير الإيلاء الشرعي وحكمه، فكل (¬3) يمين يحلفها الرجل ويصير بها ممتنعًا من جماع امرأته أكثر من أربعة أشهرٍ فهو إيلاء، وما كان دون أربعة أشهر فليس بإيلاء. وإن حلف على أربعة أشهر، فقد اختلف الصحابة فيه، فذهب الأكثرون إلى أنه غير مُوْلي، وذهب ابن عباس إلى أنه مُولٍ. (¬4) ¬
وحالة الرضا والغضب سواء، إلا فيما يحكى عن علي رضى الله عنه أنه كان يقول: الإيلاء يمين في الغضب، فإذا حلف في حال الرضا فليس بإيلاء (¬1). ثم إن جامع قبل مضي أربعة أشهر لزمته (¬2) الكفارة عند عامّة الفقهاء والنكاح ثابت، وذهب الحسن (¬3) (¬4) وقتادة (¬5) إلى أنه لا كفارة عليه، لقوله: {فَإِن فَاَءُو فَإِنَّ اَللهَ غَفُوُرٌ} رَحِيمٌ، وإن لم يجامع حتى انقضت أربعة أشهر بانت منه بتطليقة عند أبي حنيفة (¬6)، ولا رجعة له، وهو قول ابن مسعود (¬7) وزيد بن ثابت (¬8) وقتادة (¬9) والكلبي (¬10). وعند الشافعي (¬11): أنه إذا مضت أربعة أشهر والرجل ممتنع، فإن عفت المرأة ولم تطلب حقها من الجماع فلا شيء على الرجل، ولا يقع طلاق، وهما على النكاح ما أقامت على ذلك، وإن طلبت حقها وقف ¬
الحاكم زوجها فإما أن يطلق، وإما أن يطأ، فإن أباهما جميعًا طلق الحاكم عليه، وله أن يراجعها. وهذا قول عُمَر (¬1)، وعثمان (¬2)، وعلي (¬3)، وأبي الدرداء (¬4) وابن عُمر (¬5) وعائشة (¬6)، ومذهب مالك (¬7). وأبي ثور (¬8) (¬9) وأبي عبيد (¬10) وأحمد (¬11) وإسحاق (¬12) وعامة أهل الحديث. ¬
وقوله تعالى: {فَإِنْ فَاءُوا} أي: رجعوا، والفَيْءْ في اللغة: الرجوعُ. قال الفراء: يقال: فاء يفيء فيئًا (¬1) وفُيُوءًا (¬2) (¬3) وفَيْئةً، وهي المرَّة (¬4) الواحدة (¬5)، وإنما يصير راجعًا بالجماع، ويكفى من ذلك تغييب (¬6) الحشفة في فرجها مرة واحدة (¬7). وقال قوم: الفيء باللسان، وهو مذهب النخعي (¬8)، وإن كان عاجزًا عن الجماع بمرض أو غيبة فاء بلسانه، وأشهد عليه. وقد ذكرنا أنه إذا فاء لزمته الكفّارة إلا عندَ الحسن وقتادة (¬9)، لقوله: {فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} والذين يوجبون الكفارة يقولون: هذا في إسقاط العقوبة لا في الكفارة (¬10). ¬
227
227 - قوله تعالى: {وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ} الآية، العَزْم: عقد القلب على الشيء، عزم على الشيء يَعْزِم عَزْمًا وعُزْمًا وعَزِيمةً، ذكرها الفراء (¬1)، اعتزم اعتزامًا، وعزمت عليك لتفعلنّ، أي: أقسمت (¬2) (¬3). والطلاقُ: مصدرُ طَلُقتِ المرأةُ تطلُق طَلاقًا (¬4)، وقال الليث: طَلُقَتِ المرأة، بضم اللام، تَطْلُق طلاقًا، وقال ابن الأعرابي: طَلُقَتْ من الطلاق أجود، وطَلَقَتْ بفتح اللام جائز (¬5) (¬6). ومعنى الطلاق: هو حل عقد النكاح بما يكون حلًّا في الشرع، وأصله من الانطلاق وهو الذهاب، والطَّلاق: انطلاق المرأة، والأولى (¬7) أن يكون الطلاق هاهنا اسمًا من التطليق، كالسراح اسم من التسريح يوضع موضع المصدر، لأن المراد هاهنا التطليق (¬8). وهذه الآية دليل على أنها لا (¬9) تَطْلقُ بعد مضي الأربعة أشهر ما لم ¬
228
يطلقها زوجها أو السلطان؛ لأنه شرط فيه (¬1) العزم، ولأنّ (¬2) السماع يقتضي مسموعًا، والقول هو الذي (¬3) يُسمَعُ فالسماع راجع إلى الطلاق. فإن قيل: العزم عزم القلب لا لفظ اللسان، فإلى أي شيء يرجع السماع؟ قلنا: الرجل يعزم بقلبه ثم يطلق بلسانه، وقد ذكر الله العزم والمراد منه إنشاء اللفظ وهو قوله: {وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ} [البقرة: 235]. وما نهى عن النية؛ لأن التعريض بالخطبة مباح في عدة الوفاة والتعريض بالخطبة يتضمن القصد بالقلب وزيادة، وإنما حرم إنشاء عقد النكاح قبل أن يبلغ الكتاب أجله (¬4). 228 - قوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ} الآية. المطلقات: المُخَلَّيات من حبال الأزواج (¬5) (¬6)، أراد المطلقات المدخول بهن البالغات غير الحوامل؛ لأن في الآية بيان عدتهن. وذكرنا معنى التربص. ومعنى الآية: أنهن ينتظرن بِأَنفُسِهِنَّ (¬7) انقضاء ثلاثة قروء أو مضي ثلاثة قروء (¬8) ولا يتزوَّجن، لفظه خبر ومعناه الأمر، كقوله: {يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ} [البقرة: 233]، ومثله كثير (¬9). ¬
قال الزجاج: هو كما تقول: حسبك درهم، لفظه خبر ومعناه: اكتف بدرهم. وقال غيره: معناه (¬1): يتربصن في حكم الله الذي أوجبه، فحذف للدلالة عليه (¬2). وقيل: أراد: ليتربصن، فحذف اللام (¬3). والقُرُوْءُ: جمع قُرْءٍ (¬4)، وجمعه القليل أَقرء، والكثير: أَقْراء وقروء (¬5). وهذا الحرف من الأضداد يقال للحِيَض: قُرُوءٌ، وللأَطهارِ: قُروء، والعَربُ تقول: أَقْرَأتِ المرأةُ. في الأمرين جميعًا. وعلى هذا يونس (¬6) وأبو عمرو بن العلاء (¬7) (¬8) وأبو عبيد أنها من الأضداد (¬9) (¬10)، وهي في لغة ¬
العرب مُستعملة في المعنيين (¬1) جميعًا (¬2)، وكذلك في الشرع (¬3). أما في استعمال العرب فقد أنشد الأئمة حجة للحيض قول الراجز: له قُرُوءٌ كَقُروء الحائضِ (¬4). وأنشدوا حجةً للطُّهْر قول الأعشى: ما ضَاعَ فيها من قُرُوءِ نِسَائِكَا (¬5) والذي ضاع الأطهار لا الحيض؛ لأنه خرج إلى الغزو فلم يغش نساءه. وأما في الشرع فقال (¬6) النبي - صلى الله عليه وسلم - في المستحاضة "تنتظر (¬7) أيام أقرائها ¬
وتغتسل فيما سوى ذلك" (¬1) يعنى: أنها تجلس عن الصلاة أيام حيضها، فالخبر دليل على أن الأقراء قد يكون الحيض، وأما استعمال الشرع إياها في الأطهار، فقوله تعالى: {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} أي: ثلاثة أطهار، يدل عليه قوله تعالى: {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} أي: لوقت عدتهن وزمان عدتهن، وبين النبي - صلى الله عليه وسلم -: أن وقت العدة: زمان الطهر في حديث ابن عُمر، وهو أنه طلق امرأته وهي حائض، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعمر: "مره فليراجعها فإذا طهرت فليطلق أو ليمسك" (¬2) فبين أن زمان الطلاق الطهر؛ لتكون المرأة مستقبلة العدة. ومن هذا الاختلاف في اللغة وقع الخلاف في الأقراء بين الصحابة وفقهاء الأمة. فعند علي (¬3) وابن مسعود (¬4) وأبي موسى الأشعري (¬5) ومجاهد (¬6) ومقاتل (¬7) وفقهاء الكوفة (¬8): أنها الحيض. ¬
وعند زيد بن ثابت (¬1) وابن عمر (¬2) وعائشة (¬3) ومالك (¬4) والشافعي (¬5) وأهل المدينة (¬6): أنها الأطهار. وهذا الخلاف فيما ذكر منها في العدة، فأما كونها حيضًا وطهرًا وأن (¬7) اللفظ صالح لهما جميعًا، فمما لا يختلف فيه أحد (¬8). وأصل هذا اللفظ واشتقاقه مختلف فيه أيضًا (¬9)، قال أبو عبيد: أصله من دُنُو وِقت الشيء (¬10)، وروى الأزهري عن الشافعي: أن القرء اسم للوقت، فلما كان الحيض يجيء لوقتٍ والطهر يجيء لوقت (¬11)، جاز أن يكون الأقراء حيضًا وأطهارًا (¬12). وذكر أبو عمرو بن العلاء أن القرء: ¬
الوقت، وهو يصلح للحيض ويصلح للطهر، ويقال: هذا قارئ الرياح، لوقت هبوبها (¬1) وأنشد أهل اللغة للهذلي: إذا هَبَّتْ لِقَارِئِها الرِّيَاحُ (¬2) أي: لوقت هبوبها، (¬3) (¬4) ومن هذا يقال: أَقْرَأَتِ النُّجُوم، إذا طَلَعَتْ، وأَقْرَأَتْ، إذا أَفَلَتْ (¬5)، قال كُثَيِّر: إذا ما الثُّرَيّا وقد أقْرَأَتْ ... أحسَّ السَّمَاكَانِ منها أُفُولاَ (¬6) أي: غابت، وأنشد ابن الأعرابي عن أحمد بن يحيى: مواعيد لا يأتي لقَرْءٍ حويرها (¬7) ... تكون هبا يوم نكباء صرصرا (¬8) ¬
أي: لا تأتي (¬1) لوقت رجوعها (¬2)، قال: والقُرُءُ: الأوقات، واحدها قَرْؤٌ، فعلى هذا الأصل القَرْؤ يجوز أن يكون الحيض، لأنه وقت سيلان الدم، ويكون الطُّهْر لأنه وقت إمسَاكِهِ، على عادة جارية فيه (¬3). وقال قوم: أصل القرء: الجمع، يقال: ما قَرَأَتِ الناقةُ سَلًا قَطّ، أي: ما جَمَعَتْ في رحمها ولدًا قَطُّ، ومنه قولُ عمرو بن كلثوم: هِجَانِ اللونِ لم تَقْرأْ جَنِيْنَا (¬4) وقال الأخفش: يقال: ما قَرَأَتْ حَيْضَةً، أي: ما ضمت (¬5) رحمها على حيضة (¬6)، والقرآن من القرء الذي هو الجمع، وقرأ القارئ: أي جمع الحروف بعضها إلى بعض في لفظِهِ. وهذا الأصل يقوي أن الأقراء هي الأطهار (¬7). قال أبو إسحاق: والذي عندي في حقيقة هذا أن القرء الجمع (¬8) في اللغة، وأن قولهم: قريت الماء في الحوض وإن كان قد لزم (¬9) الياء فهو ¬
جمعت، وقرأت القرآن لفظت به مجموعًا، والقرد يقرى، أي: يجمع ما يأكل في فيه (¬1)، فإنما القُرء اجتماع الدم في الرحم، وذلك إنما يكون (¬2) في الطهر. هذا كلامه (¬3). وذكر أبو حاتم عن الأصمعي أنه قال في قوله: {ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ}: جاء هذا على غير قياس، والقياس: ثلاثة أَقْرؤ؛ لأن القروء للجمع الكثير (¬4)، ولا يجوز أن تقول: ثلاثة فلوس، إنما يقال: ثلاثة أفلس (¬5)، فإذا كثرت فهي الفلوس (¬6). قال أبو حاتم: وقال النحويون في هذا: أراد ثلاثة من القروء (¬7). وقال أهل المعاني: لما كانت كلُّ مطلقة يلزمها (¬8) هذا، دخله معنى الكثرة، فأتي بناء الكثير (¬9) للإشعار بذلك، فالقروء (¬10) كثيرة إلا أنها في القسمة ثلاثة ثلاثة. فمن قال: القرء: الحيض، قال: لا تخرج المرأة من عدتها ما لم ¬
تنقض الحيضة الثالثة، ومن قال: إنها الأطهار، قال: إن طلقها في خلال الحيض لم يحتسب (¬1) كسر زمان الحيض من العدة، وعدتها ثلاثة أطهار كوامل، وإن طلقها وهي طاهر كانت بقية الطهر محسوبةً طهرًا ثم عليها طهران آخران (¬2). وقوله تعالى: {وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ} الرحم: منبت الولد ووعاؤه في البطن، قال عكرمة (¬3) وإبراهيم (¬4): يعنى: الحيض، وهو أن تكون المرأة في العدة، فأراد الرجل أن يراجعها فقالت: إني قد حضت الثالثة. وقال ابن عباس (¬5) وقتادة (¬6) ومقاتل (¬7): يعنى: الحبل والولد. وهذا القول أولى؛ لأن قوله: {مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ} أدل على الولد منه على الحيض، كقوله عز وجل: {هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ} [آل عمران: 6]، ومعنى الآية: لا يحل لهن أن يكتمن الحمل ليبطلن حق الزّوج من الرجعة والولد (¬8). ¬
وقال عطاء عن ابن عباس في قوله: {وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ} الآية، وذلك أن المرأة السوء تكتم الحبل شوقًا منها إلى الزوج، وتستبطئ (¬1) العدة؛ لأن عدة ذات الحمل أن تضع حملها (¬2)، ذكر هذا في سورة الحج في قوله: {وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ} [الحج: 5]. وقوله تعالى: {إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} معناه: من كان مؤمنًا (¬3) بالله واليوم الآخر (¬4) فهذه صفته فيما يلزمه، لا أنه على المؤمن دون غيره. قال (¬5) أبو إسحاق: وهذا كما تقول للرجل يظلم (¬6): إن كنت مؤمنًا فلا تظلم، لا تقول له هذا مُطْلِقًا الظلمَ لغيرِ المؤمن، ولكن المعنى: إن كنت مؤمنًا فينبغي أن يحجزك إيمانك عن ظلمي (¬7). وفي هذه الآية أمر متوجه على النساء في إظهار ما يخلق (¬8) الله في أرحامهن من الحيض والولد، وهن مُؤَمناتٌ على ذلك، إذ لا مرجع إلى غيرهن فيه، فإن كتمن أثمن وفسقن بالخيانة في الأمانة، وإذا أخبرن واحتمل ما قلن وجب الرجوع إلى قولهن، وإن كن متهمات فعليهن اليمين، وقد أغلظ الله القول عليهن حيث قال: {إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ}. ¬
وقوله تعالى: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ} البُعُولَة: جمع بَعْل، كالفُحُولة والذُّكُورة والخُؤُولَة والعُمُومة، وهذه الهاء زيادة (¬1) مؤكدة تأنيث الجماعة، ولا يجوز إدخالها في كل جمع إلا فيما رواه أهل اللغة عن العرب، لا تقول في كعب: كُعُوبة، ولا في كلب: كلابة (¬2). والبعولة أيضًا: مصدر البَعْل، يقال: بَعَل الرجل يَبْعَلُ بُعُولةً، إذا صار بَعْلًا، أنشد يعقوب (¬3): يارُبَّ بَعْلٍ سَاء ما كان بَعَلْ (¬4) ومن هذا يقال (¬5) للجماع ومُلاعَبَةِ الرَّجُلِ أهلَه: بِعَال، يقال للمرأة: هي تُباعِل زوجَها بِعالًا، إذا فَعَلتْ ذلك معه. ومنه قول الحُطَيْئَة: وكَمْ من حَصَانٍ ذاتِ بعْلٍ تَرَكْتها ... إذا الليلُ أَدْجَى لم تَجِدْ مَنْ تباعِلُه (¬6) وامرأةٌ حَسَنَةُ التَّبَعُّل: إذا كانت تحْسِنُ عِشْرَة زَوْجها. ¬
ومنه الحديث "إذا أَحْسَنْتُنّ تَبَعُّلَ أَزْوَاجِكُن (¬1) (¬2) ". ومعنى {أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ}، أي: إلى النكاح والزوجية، يعنى: أحق بمراجعتهن (¬3) {فِي ذَلِكَ} أي: في الأجل الذي (¬4) أمرن أن يتربصن فيه. {إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا} لا إضرارًا، وذلك أن الرجل في الجاهلية إذا أراد الإضرار بامرأته، طلقها واحدةً وتركها حتى (¬5) إذا قرب انقضاء عدتها راجعها، ثم طلقها، ثم راجعها، يضارها بذلك، فالله تعالى جعل الزوج أحق بالرجعة على وجه الإصلاح، لا على الإضرار (¬6). ويستغني الزوج في المراجعة عن الولي وعن رضاها وعن تسمية مهر، وإذا راجعها سقطت بقية العدة وحل جماعها في الحال. والاحتياط الإشهاد على الرجعة. ولفظ الرجعة أن تقول: راجعتك أو رددتك إلى النكاح. ¬
وقوله تعالى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} أي: للنساء على الرجال مثل الذي للرجال عليهن من الحق {بِالْمَعْرُوفِ} أي: بما أمر الله به من حق الرجل على المرأة (¬1). روي عن ابن عباس أنه قال: إني لأتزين لامرأتي كما تتزين لي لقوله تعالى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} مثل الذي عليهن بالمعروف (¬2). وقوله تعالى: {وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} يقال: رَجَلٌ بَين الرُّجْلَة (¬3)، أي: القُوة، وهو أَرْجَلُ الرَّجُلَين، أي: أقواهما، وفَرَسٌ رَجِيلٌ، قويٌّ على المشي، والرِّجْل: معروفة لقوتها على المشي، وارتَجَل الكَلامَ، أي: قَوِيَ (¬4) عليه من ركوبِ فِكرةٍ ورويّة، وتَرَجَّلَ النهار: قويَ ضياؤه (¬5). والدَّرَجَة: المنزلة، وأصلها من دَرَجْتُ الشيء أَدْرُجُه دَرْجًا، وأَدْرَجْتُه إدراجًا: إذا طويتُه. ودَرَجَ القومُ قرنًا بعد قرن، أي: فَنُوا. وأدرجهم الله إدراجًا؛ لأنه (¬6) كطي الشيء منزلة بعد منزلة. ومعنى دَرَج القوم: طووا عمْرَهم شيئًا فشيئا، وأدرجهم الله: طواهم الله، ومَدْرَجَةُ الطريق: قَارِعَتُهُ؛ لأنه يُطْوى منزلةً بعدَ مَنْزِلَة، والدَّرَجَةُ: المنزلة من منازل الطَّيّ، ومنه: ¬
229
الدَّرَجَة التي يُرْتقى (¬1) فيها (¬2). وأما المعنى (¬3) فقال ابن عباس: بما ساق إليها من المهر، وأنفق عليها من المال (¬4). وقيل: بالعقل. وقيل: بالدية. وقيل: بالميراث (¬5). وقال قتادة: بالجهاد (¬6). قال أبو إسحاق: المعنى: أن المرأة تنال من اللذة من الرجل، كما ينال الرجل، وله الفضل بنفقته وقيامه عليها (¬7). {وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} أي: مالك يأمر كما أراد، ويمتحن كما أحب، ولا يكون ذلك إلا عن حكمة بالغة. 229 - قوله تعالى: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ} قال أهل التفسير: أتت امرأةٌ عائشة، فشكت أن زوجها يطلقها ويسترجعها، يضارُّها بذلك، وكان الرجل في الجاهلية إذا طلق امرأته ثم راجعها قبل أن تنقضي عدتها كان له ذلك، ¬
وإن طلقها ألف مرة، فذكرت ذلك عائشة (¬1) لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فنزلت: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ} (¬2). فحُصِرَ الطلاق، وجعل حدّه ثلاثة، فذكر في هذه الآية طلقتين، وذكر الثالثة في الآية الأخرى، وهو قوله: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ} الآية (¬3). والمرة من المرور والمرِّ أيضًا، يقال: المَرّةُ الأُولى، والمَرُّ (¬4) الأوَّلُ. وقال أهل المعاني: الآية مختصرة معناها: الطلاق الذي يملك فيه الرجعة مرتان (¬5). وقوله تعالى: {فَإِمْسَاكُ} الإِمْسَاكُ: خلاف الطلاق، والَمِسَاك والمَسَكَة اسمان منه، يقال: أنه لذو مَسَكَةٍ ومَسَاكَةٍ إذا كان بخيلا. قال الفراء: يقال: إنه ليسيء (¬6) مَسَاكَ غلمانِه، وفيه مُسْكَةُ من خيرٍ، أي: قوة وتَمَاسُك، ومَسَكٌ من قوة ومَسَاكَة، وإنه لَمسِيْكٌ (¬7) بين ¬
المَسَاكَة (¬1) (¬2). وهو مرتفع بمحذوف يتقدمه، أي: فالواجب إذا راجعها بعد الطلقتين إمساك بمعروف، أو فعليه إمساك بمعروف (¬3). ومعنى (بمعروف) أي: ما يعرف من إقامة الحق (¬4) في إمساك المرأة (¬5). وقوله تعالى: {أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} معنى التسريح في اللغة: الإِرسَال، وتَسْريحُ الشَّعْر، تخليصُك بعضَه من بعض، وسَرَحَ الماشيةَ سَرْحًا: إذا أرسلها ترعى، وناقة سُرُحٌ: سهلة السير لانطلاقها فيه (¬6). واختلفوا في معنى قوله: {أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} فقال عطاء والسُدّي (¬7) والضحاك (¬8): هو ترك المعتدة حتى تبين بانقضاء العدة، يريد: إن كان من شأنه (¬9) رجعتها وإمساكها، وإلّا فلا يرتجعها ويسرحها بإحسان كي يسلم من الإثم. ¬
وقيل: قوله: {أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} أراد به: الطلقة الثالثة، روي ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، أن رجلًا قال له: أسمعُ الله يقول: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ} فأين الثالثة؟ قال: قوله: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ} هو الثالثة (¬1). وقال صاحب النظم: قوله: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ} إلى قوله: {بِإِحْسَانٍ} ظاهره يقتضي أنه خبر، وتأويله في الباطن شرط وجزاء، على نظم: من طلق امرأته مرتين فليمسك بعدهما بمعروف، أو ليسرحها بإحسان، ومثله مما جاء على لفظ الخبر ومعناه الشرط: قوله: {رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (12)} [الدخان: 12] معناه: إن كشفت آمنَّا، وقال في الجواب: {إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ} [الدخان: 15] ظاهره خبر وتأويله: إن كشفنا تعودوا (¬2). وقوله تعالى: {وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا} لا يجوز للزوج أن يأخذ من امرأته شيئًا مما أعطاها من المهر وما نحلها وتفضل عليها ليطلقها؛ لأنه ملك بضعها واستمتع بها في مقابلة ما أعطاها، فلا ¬
بجوز أن يأخذ منها شيئًا إلا في الخلع (¬1). وهو قوله: {إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ} نزلت في جميلة بنت عبد الله بن أبيّ (¬2)، وفي زوجها ثابت بن قيس بن شماس (¬3) (¬4)، كانت تبغضه أشد البغض كان يحبها أشد حُبٍّ، فأتت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقالت: فرق بيني وبينه، فإني أبغضه، فقال ثابت: يا رسول الله مرها فلترد عليَّ الحديقة التي أعطيتها، فقال لها: "ما تقولين"؟ قالت: نعم وأزيده، قال: "لا، حديقته فقط". وقال لثابت: "خذ منها ما أعطَيتَها، وخَلِّ سَبِيلَها"، ففعل، فكان أول خلع في الإسلام (¬5). ¬
ومعنى قوله تعالى: {إِلَّا أَنْ يَخَافَا} أي: يَعْلَما، وإنما كان الخوف بمعنى العِلْم؛ لأن الخَوفَ مُضَارعٌ للظَّنِّ، وحكى الفراء: أن (¬1) العرب تقول للرجل: قد خرجَ غُلامُك بغير إِذْنك، فيقول له: قد خِفْتُ ذاك، يريد (¬2): قد ظَنَنْتُه وتَوَهّمْتُه، وأنشد: أتاني (¬3) كلامٌ عن نُصَيبٍ يقولُه ... وما خِفْتُ يا سَلّام أنكَ عَائِبي (¬4) (¬5) أراد: وما ظَنَنْتُ، والظَّنُّ بمعنى العِلْم صحيح، كذلك الخوف. وحكى الزجاج عن أبي عبيدة، قال: {إِلَّا أَنْ يَخَافَا} إلا أن يوقنا (¬6)، وذلك أن في الخوف طرفًا من العلم، لأنك تخاف ما تعلم، وما لا تعلم لا تخافه، فجاز أن يكون بمعنى العلم، كما أن الظن لما كان فيه طرفٌ من العِلْم جاز أن يكون علمًا (¬7). ¬
ومعنى الآية: أن المرأة إذا خافت أن تعصي الله في أمر زوجها بغضًا له، وخاف الزوج إذا لم تطعه امرأته أن يعتدي (¬1) عليها، حل له أن يأخذ الفدية منها (¬2) إذا دعت إلى ذلك (¬3). ويكره أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها، فإن أخذ أكثر من ذلك صح الخلع ولم ينقض (¬4) (¬5)، وهو مذهب ابن عباس (¬6) وابن عُمر (¬7) ورجاء بن حيوة (¬8) (¬9): أنه يجوز أن يأخذ زيادة من المهر. ¬
ومذهب علي (¬1)، والحسن (¬2) (¬3)، وأبي حذيفة وعطاء (¬4)، والزهري (¬5) والشعبي (¬6): أنه يأخذ المهر فقط. وليست هذه الحالة حالة بعث الحكمين؛ لأن المرأة معترفة هاهنا بمنع حق الزوج وكراهتها (¬7) صحبته، وإنما الحكمان إذا اشتبه المتعدي منهما، وموضعه في سورة النساء. والخلع فسخ بلا طلاق عند ابن عباس (¬8)، وهو قول الشافعي في القديم، وقوله في الجديد (¬9): إن الخُلع (¬10) تطليقة بائنة، إلّا أن ينوي (¬11) أكثر منها، وهو قول عثمان رضى الله عنه (¬12). ¬
وقرأ حمزة {يُخَافَا} بضم اليَاءِ (¬1). وخَاف يتعدَّى إلى مفعولٍ واحدٍ، فإن عديته إلى مفعول ثان ضَعَّفْتَ العين، أو (¬2) اجتلبتَ حرفَ الجر، كقولك: خَوَّفْتُ زيدًا أمرًا، واجتلاب حرف الجر كقوله: لو خَافَكَ اللهُ عَليه حَرَّمَهُ (¬3) فحرف الجر في موضع المفعول الثاني. وحمزة بنى الفعل للمفعول به وهو الزوجان، وقدر الجار ليتعدى إلى (¬4) المفعول الآخر، الذي هو {أَن يُقِيمَا}، فلابد من تقدير الجار في قراءة من (¬5) ضم الياء، لأن الفعل قد أسند إلى المفعول، فلا يتعدى إلى المفعول الآخر إلا بالجار، ولا يحتاج في قراءة العامة إلى تقدير الجار، ثم يكون قوله: {أن يقيما} على هذه القراءة في محل الجر بالجار المقدر، على مذهب الخليل والكسائي، وفي محل النصب، على قول غيرهما، لأنه لما حذف الجار وصل الفعل إلى المفعول الثاني، مثل: ¬
أستغفر الله ذنبًا (¬1) ........ وأمرتك الخيرَ (¬2) ......... وهذا كما ذكرنا في قوله: {أَنْ تَبَرُّوا} [البقرة: 224]، وعلى قراءة العامة يكون في محل النصب لا غير؛ لأنه لا يحتاج فيه إلى تقدير الجار، وعاب الفراء قراءةَ حمزة، فقال: أراد أن يعتبر قراءة عبد الله (إلا أن يخافوا) فلم يصبه؛ لأن الخوف في قراءة عبد الله واقع على أن، وفي قراءة حمزة على الرجل والمرأة (¬3)، فقال من نصر حمزة: إن بلغ الفراء ما يقوله بروايةٍ عن حمزة: أنه أراد اعتبار قراءة عبد الله، فهو كما قال، وإلا فإذا اتجه قراءَتُهُ على وجه صحيحٍ لم يَجُزْ أن ينسب إليه الخطأ، وقد قال عمر - رضي الله عنه -: لا تَحمِلْ فِعْلَ أخيك على القبيح ما وجدت له في الحَسَن مذهبًا (¬4). وقوله تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ} كان من حق النظم أن يكون فإن خافا (يعنى الزوجين، ليشاكل قوله: {إِلَّا أَنْ يَخَافَا}، وفي قراءة حمزة (فإن خِيْفَا) ليشاكلَ قراءته (يُخَافا)، إلا أنه لا يلزم هذا، لأمرين: أحدهما: أن يكون انصرف من الغيبة إلى الخطاب كما قال: {وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ} ثم قال: {فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (39)} [الروم: 39] ونظائره كثيرة. وخاطب في هذه الآية الجماعة بعد ما أخبر عن اثنين؛ لأنّ ضمير الاثنين في {يَخَافَاَ} ليس يراد به اثنان مخصوصان، إنما يراد به أن كل من ¬
هذا شأنه فهذا حكمه. والآخرُ: أن قولَه: (فإن خفتم) خطابٌ (¬1) لولاة الأمر والفقهاء الذين يقومون بأمور الكافة، وقد خاطب الله تعالى في هذه الآية الجميعَ بقوله: {وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ} ثم رجع إلى الزوجين فقال: {إِلَّا أَنْ يَخَافَا}، ثم رجع إلى المخاطبين بالجمع بينهم وبين الزوجين (¬2) في لفظ واحد فقال: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا} (¬3). ومثل هذا النظم قد جاء في الشعر، قال: أبا واصلٍ (¬4) فاكْسُوهُما حُلَّتَيْهِما ... فإنكما إن تَفْعَلا فَتَيَانِ (¬5) نادى مفردًا ثم جمع بقوله: فاكسوهما، ثم ثنى (¬6). ومعنى {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا} أي: عَلِمْتُم وغَلَب على ظنكم، (أن لا يقيما حدود الله) في حسن العشرة وجميل الصحبة {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} المرأةُ نفسَها من الزوج. وإنما قال: {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا} والمقصودُ رفعُ الحرجِ عن الزوجِ في استرجاع المَهْرِ عند الخُلْع، لأنه لو خصَّ الرجلَ بالذكر لأوهم ذلك أنها عاصية بالنشوز والافتداء بالمال، لأنها ممنوعة من إتلاف المال بغير حق، فأدخلت في الذِّكْر ليزول هذا الوهم، وفيه وجوه سوى هذا ذكرناها في ¬
230
قوله: {فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} [البقرة: 203] (¬1). وقوله تعالى: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ} الآية. يريد: ما حده الله من شرائع الدين (¬2). وذكرنا معنى الحد فيما تقدم. وقوله تعالى: {وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ} إلى آخر الآية، قال عطاء: يريد: من يأخذ من أمرأته شيئًا وليست تريد أن تختلع منه، ويضارها ليأخذ منها شيئًا. 230 - قوله تعالى: {فَإِنْ طَلَّقَهَا} قال صاحب النظم: قوله: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ} فصل مضمن فصلًا آخر، قد اعترض بينهما فصل سواهما، وهو قوله: {وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا} إلى آخرها. فلما فرغ من الفصل المعترض عاد إلى الفصل الأول الذي ضمنه الفصل الثالث، فقال: {فَإِنْ طَلَّقَهَا} يعنى: الزوج المطلق اثنتين المضمر في اللفظ الذي أخرجه مخرج الخبر بقوله: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ} ففي هذا دليل على أن تأويل قوله: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ} (¬3) من طلق امرأته تطليقتين فليمسكها بمعروف أو ليسرحها {بِإِحْسَانٍ} (¬4)؛ لأن هذا الثاني منسوق على الأول مثل معناه، فكأنَّ الثاني مفسِّرٌ للأول. وقوله تعالى: {فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ} أي: من بعد التطليقة الثالثة. وهو رفع على الغاية؛ لأنه لما حذف من الكلام ما أضيف إليه (بعدُ) رفع على الغاية (¬5). ¬
{حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} أي: غير المُطَلِّقِ، والنكاح لفظ يتناول العقد والوطء جميعًا، فلا تحل للأول ما لم يصبها الثاني (¬1)، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لعائشة بنت عبد الرحمن بن عتيك القرظى (¬2). وكانت تحت رفاعة بن وهب (¬3) فطلقها ثلاثًا، فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير (¬4)، ثم طلقها، فأتت نبي الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت: إني كنت عند رفاعة فطلقني، فبتَّ طلاقي، فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير وإنما معه مثل هُدْبَةِ الثوب (¬5)، وإنه طلقني قبل أن يمسني، أفأرجع إلى زوجي الأول؟ فتبسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقال: "أتريدين أن ترجعي إلى رِفاعة؟ لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عُسيلتك (¬6) " قال أبو إسحاق: عَلم الله تعالى صعوبة تزوج المرأة على الرجل، فحرم عليهم التزوج بعد الثلاث، لئلا يعجلوا بالطلاق (¬7). ¬
وقوله تعالى: {فَإِنْ طَلَّقَهَا} يعنى: الزوج الثاني الذي تزوجها بعد الطلقة الثالثة، لأنه قد ذكره بقوله: {حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} (¬1). وقوله تعالى: {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا} يعنى: على المرأة المطلقة وعلى الزوج الأول، {أَنْ يَتَرَاجَعَا} بنكاح جديد، فذكر لفظ النكاح بلفظ التراجع، لما كان بينهما قبل هذا من الزوجية، فإذا تناكحا فقد تراجعا إلى ما كانا عليه من النكاح، فهذا تراجع لغوي (¬2). ومحل (أن) في قوله: {أَنْ يَتَرَاجَعَا} نصب؛ لأن المعنى: لا جناح عليهما في أن يتراجعا (¬3)، فلما سقطت (في) وصل معنى الفعل. وعند الخليل والكسائي: يجوز أن يكون محله خفضًا بالجار المقدر، وإن حذف من اللفظ؛ لأن المعنى إرادته. قال (¬4) الزجاج: والذي قالاه صواب؛ لأن أن يقع معها الحذف، لكونها موصولة، ويكون جعلها موصولة عوضًا مما حذف، ولو قلت، لا جناح عليهما الرجوع، لم يصلح حذف في (¬5)، وصلح مع (أن) لأن الكلام طال بالصلة فحسن الحذف، كما تقول: الذي ضربت زيد، تريد (¬6): ضربته، فلهذا أجاز الخليل وغيره أن يكون موضعها جرًا على إرادة في، وأبى الفراء هذا، وقال: لا أعرفه (¬7). وقد استقصينا هذه المسألة عند قوله: ¬
231
{أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا} [البقرة: 224] (¬1). وقوله تعالى: {إِنْ ظَنَّا} أي: إن علما وأيقنا أنهما يقيمان حدودَ الله (¬2). وقوله تعالى: {وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} خص العالمين بالذكر، وهو في المعنى عام لهم ولغيرهم؛ لأنهم الذين ينتفعون ببيان (¬3) الآيات، فصار غيرهم بمنزلة من لا يعتد بهم، ويجوز أن يُخَصّوا بالذكر لنباهتهم (¬4) وتشريفهم، كقوله: {وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ} [البقرة: 98]. 231 - وقوله تعالى: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} أي: قاربن انقضاء العدة، ولم يرد إذا انقضت عدتهن. فالبلوغ هاهنا بلوغ مقاربة، كما نقول: قد بلغت المدينة، إذا أشرفتَ عليها (¬5). والأَجَلُ: آخرُ المدةِ، وعاقبةُ الأمرِ، قال لبيد: واخْزُها (¬6) بالبِرِّ لله الأَجَلْ (¬7). ¬
يريد (¬1): لله عاقبة الأمور، ومنه يقال: أَجَّلَ الشيءَ تأجيلاً، إذا أخَّره (¬2). {فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} أي: راجعوهن. والمعروف: ما يتعارف الناس بينهم، مما تقبله النفوس ولا تنكره العقول. قال ابن جرير: أي: بإشهاد على الرجعة، وعقد لها، لا بالوطء، كما يجوز عند أبي حنيفة (¬3). {أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} أي: اتركوهن حتى تنقضي عدتهن، ويكن أملك بأنفسهن (¬4). {وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا} يريد: لا تراجعوهن مضارة وأنتم لا حاجة بكم إليهن. وكانوا يفعلون ذلك إضرارًا بالمرأة {لِتَعْتَدُوا} أي: عليهن بتطويل العدة {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ}: الاعتداء {فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} ضرها، وإثم فيما بينه وبين الله (¬5). {وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا} قال أبو الدرداء: كان الرجل يطلق في ¬
الجاهلية، ويقول إنما طلقت وأنا لاعب، فيرجع (¬1) فيها، ويعتق فيقول مثل ذلك، وينكح فيقول مثل ذلك، فأنزلت هذه الآية، فقرأها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: "من طلق أو حرّر أو نكح أو أنكح، فزعم أنه لاعب فهو جد" (¬2). وقيل: معناه: لا تتركوا العمل بما حد الله عز وجل فتكونوا مقصرين لاعبين، كما تقول للرجل (¬3) الذي لا يقوم بما تكلفه ويتوانى فيه، إنما أنت لاعب، وهذا معنى (¬4) قول الكلبي (¬5). وقال عطاء (¬6): يريد أن المستغفر من الذنب المصِرَّ عليه كالمستهزئ بآيات ربّه. {وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} قال عطاء: بالإسلام (¬7). ¬
{وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ} يعنى: القرآن {وَالْحِكْمَةِ} يعنى: مواعظ القرآن (¬1). وفي قوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} تنبيهٌ على أنه لا يسقط الجزاء على شيء من أعمالهم لخفائه عنده، لأنه بكل شيء عليم. قوله تعالى: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ} الآية: نزلت في أخت معقل بن يسار (¬2)، طلقها زوجها، فلما انقضت عدتها جاء يخطبها، فأبى معقل أن يزوجها إياه، ومنعها بحق الولاية من ذلك، فلما نزلت هذه الآية تلاها عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال معقل: رَغِمَ أنفي لأمر الله، وقال: فإني أومن بالله واليوم الآخر، وأنكحها إياه (¬3). وأراد ببلوغ الأجل هاهنا: انقضاءَ العِدَّةِ، لا بُلوغَ المُقَاربَة (¬4). ¬
والعَضْل: المنع، يقال: عَضَل فلان أَيِّمهُ: إذا مَنَعَها من التزوُّج، فهو يَعْضِلها وَيعْضُلها. أنشد الأخفش: وإن قصائدي (¬1) يدي لَكَ فاصطنعني ... كَرَائمُ قد عُضِلنَ عن (¬2) النكاح (¬3) وأصل العضل في اللغة: الضيق، يقال: عَضَّلَتِ المَرْأةُ: إذا نَشِبَ الولدُ في بطنها، وكذلك عَضَّلَتِ الشَّاةُ، وعضَّلَتْ الأرض بالجيش: إذا ضاقت بهم لكثرتهم (¬4). قال أوس بن حجر (¬5): تَرَى الأرْضَ مِنَّا بالفَضاءِ مَرِيضَةً ... مُعَضِّلةً منا بجَيْشٍ عَرَمْرَمِ (¬6) ¬
وأَعْضَل الدَّاءُ الأطباءَ، إذا أعياهم، ويقال: داءٌ عُضَال، وأمر عُضُال. وأَعْضَلَ الأمرُ: إذا اشتد. ومنه قول أوس (¬1): وليس أخوك الدائمُ العَهْد بالذي ... يذمُّكَ إنْ ولَّى وُيرْضِيكَ مُقْبِلا ولكنّه النَّائي إذا (¬2) كُنْتَ آمِنًا ... وصَاحِبك الأدْنَى إذا الأمْرُ أَعْضَلا (¬3) وقوله تعالى: {أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ} يريد: الذين كانوا أزواجًا لهن، ويجوز أن يريد (¬4) من رضين بهم أزواجًا. ومحل (أن) نصب بحذف الخافض، وجرٌّ عند الكسائي والخليل، على ما (¬5) سبق شرحه (¬6). وأراد (¬7): ينكحن نكاحًا جديدًا: {إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ} أي: بعقد حلال، ومهر جائز، ونظم الآية: أن ينكحن أزواجهن بالمعروف إذا ترضوا بينهم بالمعروف (¬8)، وفي هذا ما يقطع به على صحة قول من قال: لا نكاح ¬
إلا بوليٍّ؛ لإجماع المفسرين أن هذا الخطاب للأولياء، ولو صَحَّ نكاحٌ دون ولي لم يتصوَّر عضل، ولم يكن لنهي الله عن العضل معنى (¬1). وزعم (¬2) قوم أن (¬3) المعني بالنهي عن العضل: الزوج، وأن البلوغ هاهنا: مقاربة انقضاء العدة، ومعنى عضلها: أن يطلقها واحدة ثم يمهلها حتى تقارِبَ انقضاء العدة، ثم يراجعها، ثم يطلقها، ويطول عليها بالعدة بعد العدة، فذلك العضل، وهذا خلاف ما أجمع عليه المفسرون، ثم ما ذكروا مستفاد من الآية الأولى فلا تحمل هذه على ما وردت فيه الأولى، ثم في نفس هذه الآية ما يقطع بفساد ما قالوه، وهو أنه قال: {فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ} فقرن النهي عن العضل بشرط التراضي بالنكاح ولا يكون التراضي بالنكاح (¬4) إلا بعد التصريح بالخطبة والنكاح، وقد نهى الله عز وجل عن ذلك بقوله: {وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ} [البقرة: 235] وعلى ما ذكروا لا يكون هذا التراضي إلا قبل انقضاء العدة، وقبل بلوغ الكتاب أجله، إذ لا يكون العضل من الزوج إلا في ذلك الوقت، ولا يكون العضل من الولي إلا بعد بلوغ الكتاب أجله وانقضاء العدة، فوقوع التراضي بالنكاح في هذا الوقت أولى (¬5). وقوله تعالى: {ذَلِكَ يُوعَظُ} {ذَلِكَ} إشارة إلى ما سبق، أي: أمر ¬
الله الذي تلي عليكم من ترك العضل، ووحَّد الكاف وهو يخاطب جماعة؛ لأن الجماعة في معنى القبيل (¬1). وقال الفراء: {ذَلِكَ} حرف، كثر في الكلام حتى تُوُهِّمَ بالكاف أنها من الحروف، وليست بخطاب، فعلى هذا يجوز أن يخاطب المرأة والرجل والواحد والاثنان والجماعة بالكاف المنصوبة، ومن جعل الكاف للخطاب ثنى وجمع وأنث (¬2)، وقد نزل القرآن باللغتين جميعًا قال الله تعالى: {ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي} [يوسف: 37]. {فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ} [يوسف: 32]. وقال: {ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ} [الطلاق: 2]. وقال: {أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ} [الأعراف: 22]. وأنكر الزجاج هذا وقال: اللهُ خاطب العرب بأفصح اللغات، وليس في القرآن تَوَهُّم، تعالى الله عن هذا (¬3)، وقول الفراء صحيح، وإن أنكره الزجاج؛ لأن التوهم تعود إلى العرب هم توهموا ذلك، والله تعالى يخاطبهم بلغتهم، وهذا كقولهم: تمكن فلان من الشيء، توهموا أن ميم المكان أصلي فبنوا منه الفعل، ولهذا نظائر في كلامهم، يجعلونَ الحرفين بمنزلة حرف واحد، كما قلنا (¬4) في (ماذا)، وهو كثير. وقال صاحب النظم: الكاف في (ذلك) مَنْ جَعَلَه للخطاب أظهَرَ ¬
233
الجَمْع والتثنيةَ والتَّذْكِير، ومَنْ جَعَلَه للتراخي أو التبعيد (¬1) تركه على حالة واحدة. وقوله تعالى: {مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} خص المؤمنين، أنهم أهل الانتفاع به. {ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ} (¬2) خير لكم وأفضل، {وَأَطْهَرُ} لقلوبكم من الريبة، وذلك أنهما إذا كان في نفس كل واحد منهما علاقة حب لم يؤمن أن يتجاوز ذلك إلى ما غير أحل (¬3) الله، ولم يؤمن من أوليائهما أن يسبق إلى قلوبهم منهما ما لعلهما أن يكونا بريئين من ذلك فيأثمون (¬4). {وَاللَّهُ يَعْلَمُ} ما لكم فيه الصلاح في العاجل والآجل وأنتم غير عالمين إلا (¬5) بما أعلمكم. 233 - قوله تعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ} الآية. قال المفسرون: أراد المطلقات اللاتي لهن أولاد من أزواجهن. وقال بعضهم: بل هي على العموم، لأنه قال: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنّ} والمطلقة (¬6) لا تستحق الكسوة إلا أن يحمل على الرجعية، فإنها تستحق الكسوة والرزق في زمان العدة، والمطلقة ثلاثًا لا تستحق بالإرضاع الكسوة، وإنما تستحقُّ الأجرةَ، فإذا لا يمكن إجراؤها على العموم ولا ¬
على المطلقات أيضًا لما بينا، فالأولى أن يحمل على الزوجات في حال بقاء النكاح؛ لأنهن يستحققن الرزقَ والكسوة (¬1). فإنْ قيل: إذا كانت الزوجية باقية فهي تستحق الرزق والكسوة بسبب النكاح، سواء أرضعت له ولده أو امتنعت، فما وجه تعليق هذا الاستحقاق بالإرضاع؟ قلنا: النفقة والكسوة في مقابلة التمكين، وإذا اشتغلت بالإرضاع والحضانة ربما لا تمكن من كمال التمكين، فيتوهم متوهم أن نفقتهما وكسوتها تسقط بالخلل الواقع في التمكين، فقطع الله ذلك التوهم بإيجاب الرزق والكسوة، وإن اشتغلت المرأة بالإرضاع، ولهذا قلنا: إذا أشخصها زوجها إلى سفر لحاجته وتجارته فنفقة سفرها عليه؛ لأنها مشغولة بشغله، وإذا كان كذلك فالرزق والكسوة هاهنا لا يكون أجرة الرضاع، وأجرة الرضاع تجب على الزوج بقوله تعالى: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} [الطلاق: 6] وفائدة ذكر الرزق والكسوة في هذه الآية ما بينا (¬2). وقوله تعالى: {يُرْضِعْنَ} لفظه لفظ الخبر ومعناه الأمر، كما تقول: حسبك درهم، معناه اكتف به، وهو أمر استحباب لا أمر إيجاب، يريد: أنهن أحقُّ بالإرضاع من غيرهن إذا أردن ذلك، ولو وجب عليها الإرضاع لما استحقَّت الأجرةُ، وقد أوجب الله الأجرة لهن في سورة الطلاق (¬3). وقوله تعالى: {حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} أي: سنتين. أصل الحول من حال الشيء إذا انقلب، فالحول منقلب من الوقت ¬
الأول إلى الثاني (¬1)، وذكر الكمال لرفع التوهم من أنَّه على مثل قولهم: أقام فلان بمكان كذا حولين أو شهرين، وإنما أقام حولًا (¬2) وبعض الآخر، ويقولون: اليوم يومان مذ لم أره، وإنما يعنون يومًا وبعضًا آخر، ومثله قوله: {فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ} [البقرة: 203]، ومعلوم أنه يتعجل في يوم وبعض الثانى (¬3). وليس التحديد بالحولين تحديد إيجاب؛ لأنه قد قال بعد هذا: {فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا} ولكنه تحديدٌ لقطع التنازع بين الزوجين إذا اشتجرا في مدة الرضاع، فجُعِل الحولان ميقاتًا لهما يرجعان إليه عند الاختلاف، فإن أراد الأَبُ أن يَفْطِمَه قبل الحولين ولم ترض الأم، لم يكن له ذلك، وكذلك لو كان على عكس هذا. فإن اجتمعا قبل الحولين فطماه (¬4). هذا هو الصحيح، وهو قول ابن عباس (¬5)، في رواية علي بن أبي طلحة، والثوري (¬6) وابن جريج (¬7). ¬
وقال آخرون: المراد بهذه الآية: الدلالة على أن الرضاع ما كان في الحولين، وأن ما بعد الحولين من الرضاع لا يُحرِّم، وهو قول علي (¬1) وعبد الله (¬2) وابن عباس (¬3) وابن عمر (¬4) وعلقمة (¬5) والشعبي (¬6) والزهري (¬7) ومذهب الشافعي، فإن عنده التحريم الحاصل بالرضاع يتعلق بالحولين، وبعد الحولين لا يحصل التحريم بالإرضاع (¬8). وعند أبي حنيفة: تتقدَّر (¬9) مدة حصول التحريم بالإرضاع بثلاثين شهرًا (¬10). والآية حجة للشافعي على قول هؤلاء، لأن الله تعالى علق (¬11) حكم ¬
الرضاع بالحولين، فدل على أن ما زاد على الحولين لا حكم له. وقال عكرمة عن ابن عباس: إذا وضعت لسبعة أشهر أرضعت ثلاثة وعشرين شهرًا، وإذا وضعته لتسعة أشهر أرضعته أحدًا وعشرين شهرًا، كل ذلك تمام ثلاثين شهرًا اعتبارا بقوله: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا} [الأحقاف: 15] (¬1). فجعل مدتيهما (¬2) ثلاثين شهرًا، والذي عليه عامة الفقهاء أن مدة الرضاع حولان في جميع هذه الأحوال، لا يفصلون بين أن تزيد مدة الحمل أو تنقص، للتصريح بذكر الحولين في هذه الآية. وأما قوله: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ} الآية [الأحقاف: 15] فإنها في تعظيم شأن الوالدة، وتعريف الأولاد ما لزم الوالدة من التعب والمشقة في أول هذه المدة من حملها وإرضاعها وفي آخرها، لقوله: {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا} [الأحقاف: 15]، فلا تعتبر هذه الآية بتلك إذ الأصلان مختلفان في المعنى الذي نزلت الآيتان فيه (¬3). وقوله تعالى: {لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} يقال: رَضِعَ المولودُ يرضَعُ رِضاعةً ورَضاعًا، هذا هو الأفصح، ويقال أيضًا: رَضَعَ يرضِعُ رضَاعَةً ورِضاعًا بالكسر في المصدر (¬4) (¬5) والمعنى: أنَّ هذا التقديرَ والبيان لمن ¬
أراد أن يُتِمَّ الرضاعة، كقوله: {وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى} [البقرة: 203]، يعنى أن هذا منتهى الرضاع، وليس فيما دون ذلك وقت محدود (¬1). (من) لفظ مبهم يصلح للأب والأمِّ جميعًا. وقال قتادة (¬2) والربيع (¬3): فرض الله عز وجل على الوالدات أن يرضعن أولادهن حولين كاملين، ثم أنزل الرخصةَ والتخفيفَ بعد ذلك، فقال: {لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ}. وقوله تعالى: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ} يعنى: الأب. {رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ} الكِسوة والكُسوة: اللباس، يقال: كسوت فلانًا أكسوه كسوة، إذا ألبسته (¬4) ثوبًا (¬5). والأكثرون من المفسرين قالوا في هذا: معناه (¬6) وعلى (¬7) الزوج رزق المرأة المطلقة وكسوتها إذا أرضعت الولد (¬8)، وقد ذكرنا هذا في أول الآية. ¬
وقوله تعالى: {بِالْمَعْرُوفِ} أي: بما يعرفون أنه عدل على قدر الإمكان (¬1). وقوله تعالى: {لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا} التكليفُ: الإلزام، يقال: كلفته الأمر فَتَكَلَّفْ وكَلِفَ (¬2). قيل (¬3): إن أصله من الكَلَف، وهو الأثر على الوجْه من السَّوَاد، فمعنى تَكَلَّفَ الأمرَ، أي: اجتهد يبين (¬4) فيه أثره، وكلّفه: أَلزمه ما يَظْهَرُ (¬5) فيه أثره (¬6). والوُسْع، ما يَسَعُ الإنسانَ فيطيقه، أُخِذَ مِن سَعَةِ المَسْلَك إلى الغَرَضِ، ولو ضاق لعجز عنه، فالسَّعَةُ فيه بمنزلة القُدْرَة، فلذلك قيل: الوُسْعُ بمعنى (¬7) الطاقة (¬8). ¬
وقوله تعالى: {لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ} الاختيار فتح الراء (¬1) من تضارّ، وموضعه جزم على النهي، والأصل: لا تضارر، فأدغمت الراء الأولى في الثانية، وفتحت الثانية لالتقاء الساكنين، وهذا الاختيار في التضعيف إذا كان قبله فتح أو ألف، تقول: عَضَّ يا رجلُ، وضارَّ زيدًا (¬2) يارجلُ (¬3). والمعنى: لا ينزع الولد منها إلى غيرها بعد أن رضيت بإرضاعه (¬4) وألفها الصبي، ولا تلقيه هي إلى أبيه (¬5) بعد ما عرفها، تضاره بذلك (¬6). وقيل معناه: لا تضارَّ والدة فتكره على إرضاع الصبي إذا قبل من غيرها وكرهت هي رضاعه؛ لأن ذلك ليس بواجب عليها، {وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ} يكلف (¬7) أن يُعْطِي الأم إذا (¬8) لم يرتضع الولد إلا منها أكثر مما يجب لها ¬
عليه. وهذان القولان على مذهب الفعل المبنى للمفعول نهيًا (¬1). ويحتمل أن يكون الفعل لهما، ولكون تضارّ على مذهب ما قد سُمي فاعله، وكان في الأصل: لا تضارر، فأدغمت (¬2). والمعنى: (لا تُضارَّ والدة) فتأبى أن ترضع ولدها لتشق على أبيه، (ولا مولود له) أي: ولا يضارَّ الأب أمّ الصبي فيمنعها من إرضاعه وينزعه منها، والضرار يرجع إلى الوالدين، يضار كل واحد منهما صاحبه بسبب الولد (¬3)، ويجوز أن يكون الضرار راجعًا إلى الصبي، أي: لا يضار كل واحد منهما الصبي (¬4)، فلا ترضعه الأم حتى يموت، ولا ينفق الأب أو ينزعه من أمه حتى يضر بالصبي، وتكون الباء زائدة على تقدير: لا تضار والدة ولدَها، ولا أبٌ ولدَه، وكل هذه الأقاويل مروية عن المفسرين (¬5). وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: (لا تضارُّ) برفع الراء على الخبر منسوقًا على قوله: (لا تكلف) وأتبع ما قَبْلَه ليكونَ أحسنَ في تشابه اللفظ. فإن قلت: إن ذلك خبر، وهذا أمر؟ قيل: والأمر يجيء على لفظ الخبر، كقوله: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ} [البقرة: 228]، وقد سبق نظائره (¬6). ¬
وقوله تعالى: {وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ} هذا منسوق على قوله: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ} يعني: على وارث الصبي الذي لو مات الصبي وله مال ورثه، مثل الذي كان على أبيه في حياته، وأراد بالوارث من كان من عصبته كائنًا من كان من الرجال (¬1)، في قول عمر بن الخطاب (¬2) وإبراهيم (¬3) والحسن (¬4) ومجاهد (¬5) وعطاء (¬6) وسفيان (¬7). وقال بعضهم: هو وارث الصبي كائنًا من كان من الرجال والنساء، وهو قول قتادة (¬8) والحسن بن صالح (¬9) وابن أبي ليلى (¬10)، ومذهب أحمد (¬11) ¬
وإسحاق (¬1)، قالوا: يجبر على نفقه الصبي كل وارث (¬2) على قدر ميراثه عَصَبَةً كانوا أو غيرهم. وعند أبي حنيفة: يجبر على نفقة الصبي مِن ورثته مَن كان محرمًا، ومن لم يكن محرما مثل ابن العم والمولى فليسوا ممن عناهم الله بقوله: {وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ} عند أبي حنفية وأصحابه (¬3). وقال آخرون: أراد بالوارث، الصبي نفسه الذي هو وارث أبيه المتوفى، عليه أجر (¬4) رضاعه (¬5) في ماله، إن كان له مال، وإن (¬6) لم يكن له مال أجبرت (¬7) أمه على رضاعه، ولا يجبر على نفقة الصبي إلا الوالدان، وهو قول مالك (¬8) والشافعي (¬9). وقال كثير من أهل العلم: أراد بالوارث الباقي من الوالدين بعد الآخر، عليه مثل ما كان على الأب من أجر (¬10) الرضاع والنفقة والكسوة (¬11). ¬
وقال الشعبي (¬1) والزهري (¬2) والزجاج (¬3)، {وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ} يعنى: ألا يضارَّ (¬4). وقوله تعالى: {فَإِنْ أَرَادَا} يعنى: الوالدين {فِصَالًا} فطامًا، لانفصال المولود عن الاغتذاء بثدي أمه إلى غيره من الأقوات. قال المبرد: يقال: فَصَلَ الولدُ عن أمِّه فِصَالًا وفَصْلًا، وقد قُرئ بهما (¬5) (¬6) في قوله: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ} [الأحقاف: 15]، والفِصالُ أحسن؛ لأنه إذا انفصل من أمِّهِ فقد انْفَصَلَتْ منه أُمُّهُ، فبينهما فِصَالٌ، نحو: القِتال والضِّرَاب. ويقال: فَصَلْتُه فَصْلًا وفِصَالًا كالكِتَاِب والضِّرَاب (¬7) والحِسَابِ واللِّقَاء، ومنه سُمِّيَ الفَصِيل فَصِيلًا؛ لأنه مَفْصُول عن أمِّه (¬8). {عَنْ تَرَاضٍ} منهما، يعني: قبلَ الحولين، لأن بعد الحولين لا يجب ¬
على واحد منهما اتِّبَاعُ الآخر. وقوله تعالى: {وَتَشَاوُرٍ} معنى التَّشَاوُر في اللغة: استخراج (¬1)، وكذلك المَشْوَرَة، والَمُشْوَرَة مَفْعَلَةٌ منه (¬2) كالمَعُونَةِ، ونظيرها: المَيْسَرَة. وشُرتُ العسلَ: استخرجته، وأنشد أبو زيد لحاتم: وليس على ناري حِجَابٌ أكفُّها ... لمُسْتَقْبِسٍ لَيلًا ولكِنْ أَشيْرُها (¬3) قال أبو حاتم والرياشي: أشيرُها: أرفعها. وهذا يعود إلى ما ذكرنا، لأنه أراد أنه يوقدها في البراز والتِّلاع دون (¬4) الوِهَاد، ليقْصِدَها الغَاشِيةُ من الطُّرَّاق. وقال أبوزيد: شِرتُ الدابةَ، وشَوَّرْتُها أَجْرَيْتُها لاستخراج جَرْيها. والشَّوَار: متاعُ البيت؛ لأنه يَظْهَر للناظِر، وقولهم: تَشَوَّرَ وشَوَّرْتُه، قيل: إن أصله أَنّ رجلًا بَدَتْ عورته وظهرت (¬5)، وكان معنى تَشَوَّرَ (¬6) ظهر ذلك، وشوَّرْتُه: فعلتُ به ذلك الفعلَ، أو مثله فيما فيه حِشمة ومنه خَجَلٌ. وتسميتهم للذكرِ شَوَارًا يُشبهُ أن يكونَ من ذلك. قال أبوزيد: يقالُ للرجالِ إذا دعوت عليه: أبدى الله شَوارَك. وشَوَارُهُ: مذاكيره (¬7). ¬
والشارة: هيئة الرجل؛ لأنه ما يظهر (¬1) من زيِّهِ ويبدو من زينته. والإشارة: إخراجُ ما في نفسك وإظهاره للمخاطب بالنطق وبغيره (¬2). والمعنى: أنهما إن تشاورا وتراضيا على الفطام قبل الحولين فلا بأس إذا كان الولد قويًا، وليس لهما ذلك مع ضعفه (¬3). وقوله تعالى: {وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ} أي: لأولادكم، وحذفت اللام اجتزاء بدلالة الاسترضاع؛ لأنه لا يكون إلا للأولاد، ولا يجوز: دعوت زيدًا، وأنت تريد لزيد؛ لأنه يلتبس هاهنا، بخلاف ما قلنا في الاسترضاع (¬4). والمعنى: إن أردتم أن تسترضعوا لأولادكم مراضع غير الوالدة فلا إثم عليكم (¬5). وقوله تعالى: {إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ}. قال مجاهد (¬6) والسدي (¬7): إذا سلمتم إلى الأم أجرتها بمقدار ما أرضعت. ¬
وقال سفيان (¬1): إذا سلمتم أجرة المسترضعة. وقرأ ابن كثير: (ما أتيتم) بقصر الألف (¬2). وحجته: ما روي عن الزهري في هذه الآية، أنه قال: التسليم هاهنا بمعنى: الطاعة والانقياد (¬3). يعني: إذا سلمتم للاسترضاع عن تراض واتفاق دون الضرار (¬4). وكذلك قال ابن عباس في رواية عطاء، قال (¬5): إذا سلمت أمُّه ورَضِيَ أبوه، لعلَّ له غِنًى يشتري له مرضعًا (¬6). ومعنى: أتيتم هاهنا فعلتم، يعني: إذا سلمتم ما أتيتموه من الإنفاق، كما تقول: أتيت جميلًا، أي: فعلته. قال زهير: وما يَكُ من خَيْرٍ أتَوْه فإنمَّا ... تَوَارَثَه آباءُ آبائِهِم قَبْلُ (¬7) يعني: فعلوه وقصدوه. والباء في (بالمعروف) يجوز أن تتعلق بـ سلمتم، كأنه: إذا سلمتم بالمعروف، ويجوز أن تتعلق (¬8) بالإيتاء على قراءة العامة (¬9). ¬
234
ثم عطف على جميع (¬1) هذه الحدود والأحكام الوصية بالتقوى فيها فقال: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}. 234 - قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} الآية، {يُتَوَفَّوْنَ} معناه: يموتون ويُقْبَضُون. وأصلُ التَّوَفِّي: أخذُ الشيء وافيًا، يقال: تَوَفَّى الشيءَ واسْتَوفَاه، وتُوُفِّي فلانٌ وتَوَفَّى إذا مات، فمن قال تُوفي كان (¬2) معناه قُبض وأُخِذَ، ومن قال: تَوَفَّى، معناه: تَوَفَّى أَجَلَه، واسْتَوْفَى أُكُلَه وعُمُرَه (¬3). وعلى هذا قراءة علي رضى الله عنه (يَتَوفون) بفتح الياء (¬4). {وَيَذَرُونَ} معناه: يتركون، ولا يستعمل منه الماضي ولا المصدر، استغناء عنهما بترك تركًا، ومثله أيضًا: يدع في رفض مصدره وماضيه (¬5). قال ابن المظفر: العربُ قد أماتت المصدر من يذر والفعل الماضي، واستعملته في الغابر (¬6) والأمر، فإذا أرادوا المصدر قالوا: ذَرْه تَرْكًا (¬7). ¬
وقال ابن السِّكِّيت: يقال: ذر ذا ودع، ولا يقالُ: وَذَرْتُه ولا ودعته، وأمَّا في الغابر (¬1) فيقال: يذره ويدعه، ولا يقال: واذِرٌ ولا وادِعٌ، ولكن يقال: تركته فأنا تاركٌ (¬2). وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ} ابتداء، ولابد للابتداء من خبر يكون هو أو يكون له فيه ذكر. واختلف النحويون في خبر (الذين) هاهنا: فقال الأخفش: المعنى: يتربصن بعدهم (¬3). وقال المبرد: التقدير والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا أزواجهم يتربصن (¬4). وقال الكسائي: المعنى: يتربصْنَ أزواجهم، فكنى الله عن الأزواج، فجاءت النون دالة على تأنيث المضمر (¬5). وقال الفراء (¬6): ترك الخبر عن (الذين) وأخبر عن الأزواج؛ لأن المعنى على ذلك، قال: والعرب تذكر اسمين ثم تترك الأول بلا خبر، وتخبر عن الثاني، وأغنى الإخبار عن الثاني الإخبار عن الأول، كذلك ¬
ههنا أخبر عن الأزواج وترك الذين. والمعنى عنده: وأزواج الذين يتوفون منكم يتربصن، وأنشد: لَعلِّي إن مَالَتْ بي الرِّيحُ مَيْلةً ... على ابن أبي ذِبَّانَ أن يَتَنَدَّما (¬1) قال: المعنى: لعل ابن أبي ذِبان أن يتندم أن مالت بي الريح ميلة عليه (¬2)، فأخبر عن الابن واكتفى بخبره من خبر الياء في لعلي (¬3). قال أبو إسحاق: وهذا القول غير جائز، لا يجوز أن يبتدأ بالاسم ولا يحدث عنه؛ لأن الكلام إنما وضع للفائدة، فما لا يفيد فليس بصحيح، والذي هو الحق في هذه المسألة: أن ذكر الذين قد جرى ابتداء، وذكر الأزواج قد جرى متصلا بصلة الذين، فصار الضمير الذي في (يتربصن) يعود على الأزواج مضافات إلى الذين، كأنك قلت: يتربصن أزواجهم. قال: ومثل هذا من الكلام: الذي يموت ولخلف ابنتين ترثان الثلثين، المعنى: ترث ابنتاه الثلثين (¬4). ¬
وهذا الذي ذكره أبو إسحاق هو قول أبي العباس بعينه، إلا أنه مَثَّل مثالًا لا يليق بما قدَّمه من الكلام والتقدير؛ لأنه مثل بالفعل والفاعل، وكان ينبغي أن يمثل بالمبتدأ والخبر، ألا ترى أنه قال: فصار الضمير الذي في يتربصن يعود على الأزواج مضافات إلى الذين، وإذا كان كذلك، وجب أن يكون ما يرجع إليه الضمير الذي في (يتربصن) يرتفع بالابتداء، وإذا ارتفع بالابتداء (¬1)، وجب أن يمثل بالابتداء، ليكون المثال مطابقًا للوصف، فيقول بدل قوله: يتربصن أزواجهم، أزواجهم يتربصن، وكذلك: الذي يموت ويخلف ابنتين يرثان الثلثين (¬2). ثم قال: المعنى: يرث (¬3) ابنتاه الثلثين، والمعنى: كذا من حيث (¬4) كان معنى الفعل والفاعل والمبتدأ والخبر هاهنا واحدًا، إلا أن الأشبه بغرضه، والأولى أن يقول: ابنتاه يرثان الثلثين (¬5)، وهذا نقد عليه في اللفظ لا في المعنى. قال أبو علي الفارسي في تأويل هذه الآية: وتقدير المحذوف منها خلاف، فالواضح منها: أن الذين يرتفع بالابتداء، وإذا ارتفع بالابتداء فلا يخلو خبره من حكم خبر الابتداء، وهو أن يكون هو هو، أو يكون له فيه ذكر. ولا يجوز (¬6) أن يكون على هذا الظاهر الذي هو عليه، لخلوه من ضربي ¬
خبر الابتداء، فالذي يحتمله القول في ذلك: أن يكون المعنى: يتربصن بعدهم، على ما قاله أبو الحسن الأخفش (¬1)، والمعنى على هذا (¬2)، لأن المراد: أن أزواج المتوفين يتربصن عن التزوج بعدهم أربعة أشهر وعشرًا، وإذا كان المعنى عليه، جاز حذف هذا الذي يتعلق به هذا الراجع إلى المبتدأ من جملة الخبر (¬3)، يدل على جواز ذلك وحسنه: إجازة الناس: السمنُ مَنَوَانٍ بدرهم، والمعنى على: منوان منه بدرهم، لا يستقيم الكلام إلا بتقدير ذلك، لأن المنوين ليس بالسمن، إنما هو عبارة عن المقدار. وإذا كان كذلك فلابد (¬4) من راجع يرجع إليه، وجاز الحذف هاهنا في الجار والمجرور للعلم به والدلالة عليه واقتضاء الكلام (¬5) (¬6). ¬
وهذه المعاني كلها قائمة في الآية، وإذا كان كذلك جاز تأويل أبي الحسن هذه المسألة التي لا خلاف في جوازها، وهذا القول أمثل من قول أبي العباس: أن التقدير: أزواجهم يتربصن، فحذف الأزواج، وحَذْفُ المبتدأ في كلامهم كثير، نحو: {قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ} [الحج: 72] يعني: هو النار، وقوله: {فَصَبُرُ جمَيلٌ} [يوسف: 18]، لأن أبا العباس يقدر حذف مبتدأ مضاف، فيوالي بين الحذفين حذف المبتدأ، وحذف المضاف إليه مع اقتضاء الكلام لكل واحد منهما، أما اقتضاؤه للمبتدأ فلأن له خبرًا أسند إليه (¬1) وهو قوله: {يَتَرَبَّصْنَ}، وأما اقتضاؤه للضمير فلأنه يرجع إلى قوله: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ} وليس إذا جاز حذف شيء جاز حذف شيئين، وليس حد حذف المبتدأ المضاف كحد حذف المبتدأ المفرد غير المضاف؛ لأن المضاف شيئان: المبتدأ والضمير. ولأبي العباس أن يقول: حذف المبتدأ المضاف يسوغ من حيث ساغ حذف المفرد، لأن المفرد إنما ساغ حذفه للدلالة عليه، والدلالة (¬2) إذا قامت على حذف المضاف قيامها على حذف المفرد، وجب أن يكون جوازه كجوازه؛ لمشاركته المفرد فيما له جاز الحذف، وقيام الدلالة على حذف المضاف: أن الأزواج قد تقدم ذكرهن في الصلة، فإذا تقدم ذكرهن ساغ إضمارهن وحسن، ألا ترى أنه لو قيل له: أين زيد؟ ساغ أن يقول (¬3): في السوق، ويضمر الاسم لجَرْي ذكره، وأما حذف المضاف إليه وهو ¬
الضمير في (أزواجهم) ولتقدم (¬1) ذكر ما يعود هذا الضمير إليه، وجري ذكره وجري ذكر الاسم مما (¬2) يسهل حذف الضمير العائد إليه، لدلالة المذكور عليه، فلا فصل إذن بين حذف المفرد والمضاف في باب الحسن والجواز، ألا ترى أنه قد جاء المضاف من المبتدأ محذوفًا كما جاء المفرد، وذلك كقوله: {لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (196) مَتَاعٌ قَلِيلٌ} [آل عمران:196 - 197] والمعنى: تقلبهم متاع قليل، فقد رأيت المضاف حذف كما حذف المفرد (¬3)، فهذان القولان أجود هذه الأقوال. وأما قول الكسائي فليس بالمتجه؛ لأن المبتدأ على قوله ليس يعود إليه ذكر، لا مثبت ولا محذوف، وليس تقديره كواحد من هذين التقديرين في المساغ، ألا ترى أن المثبت في الكلام لا يرجع منه إلى المبتدأ شيء، وقد استقل الفعل بفاعله في {يَتَرَبَّصْنَ} وليس بهذه الجملة افتقار إلى ذلك الضمير الذي تقدره، لأن (يتربصن) مستقلة بالأزواج الظاهرة فلم يضمر عائدًا على المبتدأ، كما أضمر أبو الحسن وأبو العباس (¬4). وأما قول الفراء: إنه (¬5) اعتمد على الثاني ورفض الأول، فبعيد من الصواب جدًا، ومن فساده أنه ينكسر عليه قوله، وذلك أنه يقول؛ إن الأول مرتفع بالثاني، فإذا اعتمد على الثاني ورفض الأول لم يكن له برافع، وإذا لم يكن له برافع (¬6) وجب أن لا يرتفع، فارتفاعه وظهور الرفع فيه يدفع ذلك ¬
ويمنع منه. والمبتدأ (¬1) إنما يذكر ويلقى إلى المخاطب ليسند إليه حديث (¬2) يُفَاده (¬3) المخاطب، وإذا كان كذلك، علمت أن رفضه خلاف الغرض الذي يقصد به، وهذا في المعنى فاسد مرذول، وليس في كلامهم (له) نظير (¬4)، وما احتج به من البيت يجوز على حذف: أن يتندم لأجلي، لا على أنه ترك الأول (¬5). وقوله تعالى: {وَعَشْراً} بلفظ التأنيث، وأراد الأيام، وإنما كان كذلك تغليب الليالي على الأيام إذا (¬6) اجتمعن في التاريخ وغيره، وذلك أن ابتداء الشهر يكون بالليل، فلما كانت الليالي الأوائل غلبت، لأن الأوائل أقوى من الثواني (¬7). قال ابنُ السِّكِّيت: يقولون (¬8): صمنا خمسًا من الشهر، فيغلبون ¬
الليالي على الأيام، إذا لم يذكروا الأيام وإنما يقع الصيام على الأيام؛ لأن ليلة كل يوم قبله، فإذا أظهروا الأيام قالوا: صُمنا خمسة أيام (¬1). قال الزجاج: وإجماع أهل اللغة: سرنا خمسًا بين يوم وليلة (¬2)، وأنشدوا للجعدي: فَطَافَتْ ثَلاثًا بَيْن يَوْمٍ ولَيْلَةٍ ... وكان النَّكِيُر أن تُضيفَ وتَجْأَرا (¬3) وفيه وجه آخر لأصحاب المعاني: وهو أنه أنث العشر لأنه أراد الليالي، والعرب تذكر الليالي والمراد بها الأيام، كقولهم: خرجنا ليالي الفتنة، وخفنا ليالي إمارة الحجاج، وقال أبو عمرو بن العلاء: هربنا ليالي إمارة الحجاج. وإنما يُراد الأيام بلياليها، وهذا قريب من الأول (¬4). وكان المبرد يقول: إنما أنث العشر لأن المراد به المدة، معناه: وعشر مدد، وتلك المدد كل مدة منها يوم وليلة، والليلة مع اليوم مدة معلومة من الدهر (¬5). وذهب بعض الفقهاء إلى ظاهر الآية فقال: إذا انقضى لها أربعة أشهر ¬
وعشُر ليال حلت للأزواج، فتأول العشر لليالي، وإليه ذهب الأوزاعي وأبو بكر الأصم (¬1). ومعنى الآية: بيان عدة المتوفى عنها زوجها، وأنها تعتد من حين وفاة الزوج أربعة أشهر وعشرًا (¬2)، إلا أن تكون حاملًا، فإن عدتها تنقضي بوضع الحمل، أو تكون أمة فإنها تعتد نصف عدة الحرة (¬3)، وسنذكر في سورة الحج (¬4) عند قوله: {فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ} [الحج: 5] الآية: لم اختصت عدة المتوفى عنها زوجها (¬5) بهذا العدد، إن شاء الله. وهذه الآية ناسخة (¬6) لقوله: {مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ} [البقرة: ¬
235
240] وإن كانت هذه مكتوبة قبلها في المصحف، إذ ليس ترتيب المصحف على ترتيب النزول، بل ترتيب التلاوة والمصاحف ترتيب جبريل بأمر الله سبحانه وتعالى (¬1). وقوله تعالى: {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} يخاطب الأولياء (¬2)، لأن الرجال قوامون على النساء، مأمورون بزجرهن عن مجاوزة حدود الله، فبين أنهن إذا انقضت عدتهن لا جناح على الأولياء في تخلية سبيلهن، ليفعلن في أنفسهن بالمعروف ما يردن من تزوج الأكفاء بإذن الأولياء، وهذا تفسير المعروف (¬3)، لأن التي تزوج نفسها سماها النبي - صلى الله عليه وسلم - زانيةً (¬4). 235 - قوله تعالى: {وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ} الآية، التعريض في اللغة: ضدّ التصريح، ومعناه: تضمين الكلام دلالة على شيء ليس فيه ذكر له، وأصله: من عَرْضِ الشيء، وهو جانبه، كأنه يحوم به ولا يظهره (¬5)، وينشد على هذا قول الشماخ: ¬
كما خَطّ عِبْرَانِيَّةً بيَمِينِه ... بتَيْمَاءَ حَبْرٌ ثم عَرَّضَ أسْطُرا (¬1) قالوا في تفسير عَرَّضَ، أي: لم يبيّن، بل حرفها (¬2)، ذهب (¬3) مرة كذا ولم يقوِّمْها، وذلك أشبه بالرسوم. قال ابن الأنباري حاكيًا عن بعضهم معنى التعريض في اللغة: اتصال الشيء من الكلام إلى المخاطب (¬4)، فإذا قيل: عرَّضَ به، معناه (¬5): أوصل إليه كلامًا فهم معناه ودَلَّ بالذي أسمعه عليه، من قول العرب: قد عرضت الرجل. إذا أهديت إليه أوصلت إليه التحفة (¬6). ومن ذلك حديثُ عائشة: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكرٍ لقيا الزُّبير في رَكْبٍ قد أقبلوا من الشام يريدون مكة، فَعَرَّضُوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكر ثيابًا بيضًا، أي (¬7): أهدوها إليهما (¬8). والتعريض أخفى من الكناية؛ لأن الكناية عدول عن الذكر الأخصِّ إلى ذكر يدل عليه، والتعريض دلالة على شيء ليس له فيه ذكر، كقولك: ما أقبح ¬
البخل، تعرض (¬1) بأنه بخيل، والكناية كقولك: رأيته وضربته، من غير أن تذكر اسمه (¬2). وأما الخِطْبة فقال الفراء: الخِطْبة (¬3): مصدر، بمنزلة الخَطْب، وهو مثل قولك: إنه (¬4) لحَسَنُ القِعْدَةِ والجِلْسَة، تريد (¬5): القُعُودَ والجلوسَ (¬6). ومعى الخِطبة (¬7): التماس النكاح، يقال: خَطَب فلانٌ فلانة، أي: سألها خِطبةً إليها في نفسها، أي حاجَته وأمَره، من قولهم: ما خَطْبُك، أي: ما حاجتُك وأمرك (¬8). وقال بعضهم: أصلُ الخِطْبة: من الخطاب الذي هو الكلام، يقال: خَطَبَ المرأة خِطْبَةً؛ لأنه خاطِبٌ في عقد النكاح، وخَطَب خُطْبَة: خَاطب بالزجر والوعظ. والخَطْب: الأمر العظيم، لأنه محتاج فيه إلى خطاب كثير. قال الليث: يقال: هو يخطبُ المرأة ويختطبها خِطبَةً وخِطِّبَى (¬9)، ¬
وخِطِّيْبَى مصدر كالخطبة، كذا قال أبو عبيد وغيره وأنشدوا: لخطِّيبى التي غَدَرَت وخَانَت ... وهُنّ ذَوَاتُ غائِلِةٍ (¬1) لُحِينَا (¬2) المعنى: لخِطبة زباء التي غدرت بجذيمة حين خطبها إلى نفسها (¬3). قال المفسرون: ومعنى التعريض بالخطبة: أن يقول لها وهي في العدة: إنك لجميلة، وإنك لصالحة، وإنك لنَافِقة، وإن من عَزْمي أن أتزوج، وإني فيك لراغب، وما أشبه هذا من الكلام (¬4). هذا في عدة المتوفى عنها، فأما الرجعية فلا يحل التعريض بخطبتها (¬5) في العدة؛ لأنها في معاني الأزواج، وأما المختلعة والمطلقة ثلاثًا فالصحيح أن التعريض بخطبتها جائز، كجوازه في عدة الوفاة (¬6). ¬
وقوله تعالى: {أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ} أي: أَسْرَرْتم وأضمرتم في أنفسكم من خطبتهن ونكاحهن. قال مجاهد (¬1) وابن زيد (¬2): هو (¬3) إسرار العزم على النكاح دون إظهاره. وقال السدي: هو أن يَدْخُل فَيُسَلِّم ويُهْدِي إن شاءَ ولا يتكلم بشيء (¬4). ومعنى الإكنان في اللغة: الإخفاء والستر. قال الفراء: للعرب في أكننت الشيء إذا سترته لغتان، كَنَنْتُهُ، وأَكْنَنْتُهُ وأنشدوني (¬5): ثَلاثٌ من ثَلاثٍ قُدَامِيَاتٍ ... مِنَ اللاتِي يَكُنُّ مِنَ الصَّقيعِ (¬6) وبعضهم [يرويه] (¬7) تُكِن من أكننت (¬8). ونحو هذا قال ابن الأعرابي وأبو زيد: قالوا: كننت الشيء وأكننته في الكِنِّ وفي النفس بمعنى. وفَرَّقَ قومٌ بينهما، فقالوا: كننتُ الشيء: إذا صُنته حتى لا تصيبَه آفةٌ، وإن لم يكن مستورًا، يقال: دُرٌّ مكنون، وجاريةٌ مكنونة، وبيضٌ مكنون: مَصُونٌ عن التَّدَحْرُج (¬9). ¬
وأما أكننت فمعناه: أضمرت (¬1)، ويستعمل ذلك في الشيء الذي (¬2) يُخْفِيهِ الإنسانُ وَيسْتُره (¬3) عن غيره (¬4)، وهو ضِدُّ أَعْلَنْتُ وأَظْهَرْت (¬5). وقوله تعالى: {عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ} يعني: الخطبة (¬6)، {وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا}. روى الكلبيُّ، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: السرُّ في هذا الموضع النكاح، وأنشد عنه بيت امرئ القيس: وأن لا يشْهَدَ السِّرَّ أمْثَالي (¬7) (¬8). وقال الشعبي (¬9) والسدي (¬10): لا يأخذ ميثاقها أن لا تنكح غيره، ¬
وقال الحسن (¬1) وقتادة (¬2) والضحاك (¬3) والربيع (¬4) وعطية عن ابن عباس (¬5): السِرُّ: هو الزنى، وكان الرجل يدخُلُ على المرأة للريبة وهو يعرض بالنكاح، فيقول لها: دعيني فإذا وفيتِ عدتك أظهرت نكاحك، فنهى الله عز وجل عن ذلك، وقال: الخطبة في السر بمعنى الزنا (¬6). ويَحْرُمُ سِرُّ جَارَتهِمِ عَلَيْهِم ... ويَأكلُ جَارُهُم أَنْفَ القِصَاعِ (¬7) ونحو هذا قال عطاء عن ابن عباس في قوله: {وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا} قال: يريد الجماع، يقول لها: أنا راغب فيك، دعيني أجامعك حتى إذا وفيتِ عِدَّتَك أظْهَرْتُ نِكَاحَكِ (¬8). وقال الكلبي: معناه: لا تصفوا أنفسكم لهن بكثرة الجماع (¬9)، وعلى هذا القول السر: الجماع نفسه (¬10). ¬
قال الفرزدق: مَوَانِع للأسْرَارِ (¬1) إلا من أَهْلِهَا ... ويخْلِفْنَ ما ظَنَّ الغَيْورُ المُشَفْشَفُ (¬2) الذي شفه الهم. يعنى: أنهن عفائف يمنعن الجماع إلا من أزواجهن. فحصل في السرِّ أربعة أقوال: النكاح، والجماع، والزنا، والسِرّ الذي تخفيه وتكتمه غيرك. وقوله تعالى: {إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا} يعنى: التعريض بالخطبة كما ذكرنا (¬3)، ويكون التقدير: قولًا معروفًا في هذا الموضع، وهو التعريض (¬4) غير التصريح؛ لأن التصريح مزجور عنه، فهو منكر (¬5) غير معروف. ويجوز أن يكون المعنى: قولًا معروفًا (¬6) منه الفحوى والمعنى دون التصريح. قوله تعالى: {وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ} قد ذكرنا معنى العزم عند قوله: {وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ}. ولم يقل: على عقدة النكاح ¬
اجتزاء بدلالة العزم، لأنه لا يكون إلا على معزوم عليه، كما تقول: ضرب زيدٌ الظهرَ والبطن، أي: عليهما. قال سيبويه: والحذف في هذه الأشياء لا يقاس، ويكون معنى الآية: ولا تعزموا على عقدة النكاح أن تعقدوها حتى يبلغ الكتاب أجله (¬1)؛ لأنه يجوز أن ينوي بقلبه ويعزم في مدة عدتها أن يتزوجها إذا انقضت المدة، فأما أن يعقد العقد قبل مضي المدة فلا. والمفسرون قالوا: معناه: لا تصححوا عقدة النكاح (¬2). وأصل العقد: الشدّ. والعهود (¬3) والأنكحة تسمى عقودًا؛ لأنها كَعَقْد الحبل في التوثيق. وقال عبد الرحمن بن زيد: هذه الآية نسخت ما قبلها، والخطبةُ (¬4) ومواعدهُ النكاح، وكلُّ شيء جائز إلا النكاح فقط (¬5). وقوله تعالى: {حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ} قيل: الكتاب: القرآن. والمعنى: حتى يبلغ فرض الكتاب أجله، يعنى: العدة المفروضة تنقضي. ويجوز أن يكون الكتاب نفسه في معنى الفرض، فيكون المعنى: حتى يبلغ الفرض كمال أجله، قال: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} [البقرة: 183] أي: فرض، وإنما جاز أن يقع (كتب) بمعنى فرض؛ لأن ما يكتب يقع في ¬
236
النفوس أنه أثبت (¬1). 236 - قوله تعالى: {لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ} الآية. نزلت في رجل من الأنصار، تزوَّجَ امرأةً من بني حنيفة، ولم يسمِّ لها مهرًا، ثم طلقها قبل أن يَمَسَّها، فأنزل اللهُ هذه الآيةَ، فلما نزلت قال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "مَتَّعْها ولو بقلنسوتك" (¬2). فإن قيل: ما معنى نفيِ الجناح عن المطلَّق قبل المسيس، ولا جناح على المُطَلِّقِ بعده؟ قيل: ظاهر الآية رفع الحرج عن المطلق قبل المسيس وقبل الفرض، فيحتمل أن يكون معناه: لا سبيل للنساء عليكم إذا طلقتموهن قبل المسيس والفرض بصداق ولا نفقة. ويحتمل أن يكون معناه: إباحة الطلاق له أي وقت شاء، بخلاف ما لو طلق بعد المسيس فإنه يجب أن يطلق للعدة (¬3). ¬
وقال أبو إسحاق: أعلم الله عز وجل في هذه الآية أن عقد التزويج بغير مهر جائز، وأنه لا إثم على من طَلَّقَ من تزوج بها بغير مهرٍ (¬1)، كما أنه لا إثم على من طلق من تزوج بها بمهر (¬2) (¬3). وقال صاحب النظم: ما في قوله: {لَمْ تَمَسُّوهُنَّ} بمعنى الذي على النعت للنساء والترجمة والبيان عنهن، على نظم: إن طلقتم النساء اللاتي لم تمسوهن. و (ما) اسم جامد لا يتصرف، ولا يتبين فيه الإعراب ولا العدد (¬4). واختلف القراء في قوله: {تَمَسُّوهُنَّ} فقرأ حمزة والكسائي من المفاعلة، والباقون من الثلاثي (¬5)، لإجماعهم على قوله: {وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ} [آل عمران: 47] ولأن أكثر الألفاظ في هذا المعنى جاء على فَعَلَ دون فاعل، كقوله {لَمْ يَطْمِثْهُنَّ} [الرحمن: 56] كقوله: {فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ} [النساء: 25] (¬6). والنكاح عبارة عن الوطء وإن كان قد وقع على العقد (¬7). فأما ما جاء في الظهار من قوله: {مِّنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا} [المجادلة: 3]، فإنه أراد المماسة التي هي عين (¬8) الجماع، وهي حرام في الظهار (¬9). ¬
ومن قرأ: (تماسوهن) فلأن فَاعَل قد يراد به ما يراد بـ فعل، نحو: طارقتُ النعلَ، وعاقبت اللصَّ، وهو كثير (¬1). وقوله تعالى: {أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً}. أي. توجبوا لهن صداقًا (¬2). ومضى الكلام في معنى الفرض عند قوله: {فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ} [البقرة: 197]. واختلفوا في تقديره، فقال قوم: (أو) هاهنا عطف على محذوف قبله، والتقدير: ما لم تمسوهن ممن فرضتم لهن أو لم تفرضوا لهن، لأن كل منكوحة إنما هي إحدى ثنتين: مفروض لها الصداق، وغير مفروض لها. وقال قوم: أو هاهنا بمعنى الواو، يريد: ما لم تمسوهن و (¬3) لم تفرضوا لهن فريضة، كقوله: {يَزِيدُونَ} [الصافات: 147] (¬4). وقوله تعالى: {وَمَتِّعُوهُنَّ} أي: زودوهن وأعطوهن من مالكم (¬5) ما يتمتعن به (¬6) ومضى الكلام في معنى المتعة والتمتع. فأما من يستحق المتعة: فالمرأة إذا طلقت قبل تسمية المهر وقبل المسيس، فإنها تستحق المتعة بالإجماع من العلماء، ولا مهر، وإنما تستحق المتعة في مقابلة ما حصل (¬7) من العقد عليها (¬8). وإن طلقها بعد ¬
الدخول وقبل الفرض، فلها (¬1) مهر مثلها والمتعة أيضًا (¬2). وإن لم يدخلْ بها ولم يَفْرِضْ لها حتى مات ففيها قولان: أحدهما: لها مهر مثلها والميراث، وهو مذهب أهل العراق (¬3)، لحديث بِرْوع بنت واشَقْ الأشْجَعِية (¬4) حين توفي عنها زوجها، ولم يفرض لها، ولا دخل بها، فقضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمهر نسائها، لا وَكْسَ ولا شطط، وعليها العِدّة، ولها الميراث (¬5). والقول الثاني: وهو الصحيح: أن لها الميراث، وعليها العدة، ولا مهر لها، ولها المتعة، كما لو طَلَّقها قبل الدخول والتسمية، وهو قول علي (¬6) -رضى الله عنه- وكان علي يقول في حديث بِرْوع: لا يقبلُ قولُ ¬
أَعْرَابيٍ بَوَّالٍ على عقبيه على كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - (¬1). وقوله تعالى: {عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ} المُوْسِع: الغني الذي يكون في سَعَة من غناه، يقال: أوسعَ الرجل: إذا كَثُرَ مالُه واتَّسَعت حالُه، ويقال: أوسعه كذا، أي: وسعه عليه، ومنه قوله تعالى: {وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} [الذاريات: 47] (¬2). وقوله تعالى: {قَدَرُهُ} أي: قَدْرَ إمكانه وطاقته، فحذف المضاف. والمقتر: الذي في ضيق من فقره وهو المقل الفقير. وأقتر الرجل إذا افتقر. وقرئ (قدْرُه) بالإسكان والتحريك (¬3)، وهما لغتان في جميع معاني القدر. يقال: قدر القوم أمرَهم يَقْدِرونه قَدْرًا، وهذا قَدْرُ هذا، واحمل على رأسك قَدْرَ ما تطيق، وقَدْرَ الله الرزق يَقْدِره ويَقْدُره قَدْرًا، وقَدَرْتُ الشيء بالشيء أقدِرُه قَدْرًا، وقَدَرْتُ على الأمر أقدِرُ عليه قُدْرَةً وقُدُورًا وقَدَارةً. كل هذا يجوز فيه التسكين والتحريك، يقال: هذا قدَرُ هذا، واحمل قَدَرَ ما تطيق، وهم يختصمون في القدْرِ والقَدَر، وقدرتُ عليه الثوب قدرًا، وخذ منه بقدرِ كذا وَبِقَدَر كذا، قال الله تعالى: {فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا} [الرعد: 17] وقال: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} [الأنعام: 91] ولو حُرِّك كان جائزًا. وكذلك: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [القمر: 49]، ولو خُفِّفَ جَاز، إلا أَنَّه ¬
لِوفَاق رؤوس الآي يُحَرَّك (¬1). وقال الفرزدق: وما صَبَّ رِجْلي (¬2) في حديدِ (¬3) مُجَاشِعٍ ... مع القَدْرِ إلا حاجةً لي أُرِيدُها (¬4) والمتعة غير مقدرة (¬5) كما ذكر الله تعالى، فقال: {عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ} قال ابن عباس (¬6) والشعبي (¬7) والزهري (¬8) والربيع (¬9): أعلاها: خادم، وأوسطها: ثلاثة أثواب: درع وخمار وإزار، ودون ذلك: وِقَاية (¬10) أو شيءٌ من الوَرِق. وهذا مذهب الشافعي رحمه الله، قال: أعلاها على الموسع (¬11) ¬
237
خادم، وأوسطها: ثوب، وأقلها: أقل مَالَه ثمن، قال: وحسن ثلاثون درهمًا (¬1). وعند أبي حنيفة رحمه الله: مبلغها إذا اختلف الزوج والمرأة فيها قدر نصف مهر مثلها (¬2). وقوله تعالى: {مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ} انتصب على: متعوهن متاعًا، وإن شئت على الخروج من القدر، لأنه معرفة وهذا نكرة (¬3). وقوله تعالى: {بِالْمَعْرُوفِ} أي: بما يعرفون القصد وقدر الإمكان (¬4). وقوله تعالى: {حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ} منصوب على: حقَّ ذلك عليهم حقًا، يقال: حققت عليه القضاء وأحققت: أي أوجبت (¬5). 237 - قوله تعالى: {وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ} الآية. هذا في المطلقة بعد التسمية وقبل الدخول، حكم الله تعالى لها بنصف المهر ولا عِدَّة عليها (¬6)، وإن مات عنها قبل الدخول فلها المهر كاملًا والميراث، ¬
وعليها العدة بلا خلاف (¬1). والآية دلالة ظاهرة على أبي حنيفة حيث أوجب كمال الصداق (¬2) بالخلوة (¬3). قال شريح: لم أسمع الله تعالى ذكر في كتابه بابًا ولا سترًا، إذا زعم أنه لم يمسها فلها نصف الصداق (¬4). وهو مذهب ابن عباس، قال: إذا خلا بها (¬5) ولم يَمَسَّها فلها نصف المهر، لقوله تعالى: {وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ} الآية (¬6). وقال ابن مسعود: لها نصف المهر وإن قعد بين رجليها (¬7). فأما ما ذكر عن زرارة ابن أبي أوفى (¬8) أنه قال: قضى الخلفاء الراشدون أن الرجل إذا أغلق بابًا وأرخى سترًا وجب المهر (¬9). فإنهم أرادوا ¬
أَنَّ لها المطالبةَ بجميع المَهْر والنكاحُ قائمٌ إذا مَكّنت من نفسها، ولم يريدوا إذا طَلَّقها، أو لعلهم قالوا ذلك على استعمال مكارم الأخلاق، فإنَّ من الكرم أن يوفي مَهْرَها إذا خلا بها وإن لم يطأها. وقوله تعالى: {فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ} أي: فَعَلَيكم نصفُ ما فَرَضْتُم، أو فالواجب ذاك (¬1). والنصف: الجزء من اثنين على المساواة، وكل شيء بَلَغَ نِصْفَ غيره فقد نَصَفَه، يقال: نصفَ النهارُ ينصُفُ، ونَصَفَ الماءُ القَدَحَ، ونصفَ الساقَ إزاري، ونصفَ الغلامُ القرآنَ، ويجوز في جميع ذلك: أنصف النهار، وأنصف الغلام القرآن (¬2)، ويجوز في جميع ذلك: أنصف، حكاه الفراء، يقال: أنصف النهار، وأنصف الغلام القرآن (¬3) وَنَصَّفَ (¬4). قال ابن ميادة: تَرَى سَيْفَه لا ينصُفُ الساقَ نعلُه ... أجَلْ لا وإن كانت طِوالا حَمَائِلُه (¬5) ¬
وقوله تعالى: {إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ} يعنى: النساء، ولذلك لم تسقط (¬1) النون مع أن؛ لأن جماعة المؤنث في الفعل المضارع يستوي في الرفع والنصب والجزم، والنون في الدلالة على جمع المؤنث كالواو في الدلالة على جمع المذكر، وكما (¬2) لا يسقط واو يفعلون في الإعراب كله رفعه ونصبه وجزمه لم يسقط نون يفعلن (¬3). وقال الفراء: (لو) (¬4) أسقطوها لأشبه فعل الواحد المذكر، ألا ترى أنك لو أسقطت النون من يقمن لالتبس بفعل الواحد المذكر (¬5). ومعنى {إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ} إلا أن يترك النساء ذلك النصف فلا يطالبن الأزواج به، إذا كُنَّ بالغاتٍ رشيداتٍ، فيسقطُ عن الرجل أو بعضه، فيسقط ذلك القدر (¬6). وقوله تعالى: {أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ} اختلفوا في الذي بيده عقدة النكاح. فقال ابن عباس (¬7)، في رواية العوفى: هو ولي المرأة. وهذا قول ¬
علقمة (¬1) وأصحاب عبد الله (¬2)، وإبراهيم (¬3) وعطاء (¬4) والحسن (¬5) والزهري (¬6) والسدي (¬7). وقال عكرمة: أذن الله تعالى في العفو، وأي (¬8) امرأة عَفَتْ جاز عفوها، فإن شَحَّت عفا وليها وجاز عفوه (¬9). وهذا مذهب أهل الحجاز، إلا أنهم قالوا: يجوز عفو ولي البكر، فإذا كانت ثيبا فلا يجوز عفوه عليها (¬10). وقال ابن عباس، في رواية عمار ابن أبي عمار (¬11): ¬
إنه الزوج (¬1). وهو قول عليٍّ (¬2)، وسعيد بن المسيب (¬3)، والشعبي (¬4)، ومجاهد (¬5)، والقرظي (¬6)، والربيع (¬7) وقتادة (¬8) ومقاتل (¬9) والضحاك (¬10). وهو الصحيح الذي عليه عامة الفقهاء اليوم (¬11). ومعنى عفو الزوج: أن يعطيها الصداق كاملًا، ولما ذكر الله تعالى عفو المرأة عن النصف الواجب ذكر عفو الزوج عن النصف الساقط، فيحسن لها أن تعفو ولا تطالب بشيء، وللرجل أن يعفو ويوفي المهر كاملاً. ¬
روي أن جُبير بن مطعم تزوج امرأة ثم طلقها قبل البناء فأكمل لها الصداق، وقال: أنا أحقُّ بالعفو، وتأوَّل قوله: {أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ} (¬1) ولأنَ المهرَ حقُّ المرأة فليس لغيرها إسقاطه، كما أنه ليس للولي أن يهب من مالها شيئًا، كذلك المهر مال لها (¬2). وقوله تعالى: {وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} هذا خطاب للرجال والنساء جميعًا، إلا أن الغلبة (¬3) للذكور إذا اجتمعوا مع الإناث، فلذلك غلب التذكير لسبق الأسماء المذكرة (¬4) وزيادة التأنيث على ما بينَّا، تقول: قائم، ثم تريد (¬5) التأنيث فتقول: قائمة، والمزيد (¬6) عليه هو الأصل المغلب (¬7). وموضع (أنْ) رفع بالابتداء، تقديره: والعفوُ أقربُ للتقوى (¬8)، واللام بمعنى إلى (¬9). والمعنى: وعفوُ بعضِكم عن بعضٍ أقربُ (¬10) إلى اتِّقاءِ ¬
238
ظلمِ كُلِّ واحد صاحبه ما يجب من حقه (¬1). وقيل: معناه: أدعى إلى اتقاء معاصي الله؛ لأن هذا العفو ندب، فإذا انتدب إليه علم أنه لما كان فرضًا كان أشد استعمالًا (¬2). وقوله تعالى: {وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ} قال ابن عباس: لا تتركوا أن يتفضل بعضكم على بعض، وهذا حث من الله للزوج والمرأة على الفضل والإحسان، وأمر لهما جميعًا أن يستبقا إلى العفو (¬3). 238 - قوله تعالى: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى} الآية. الوسطى: تأنيثُ الأوسط، يقال: وَسَطَ فلانٌ الجماعة يَسِطُهم: إذا صار في وَسْطِهم، وهذا أوسطُ من ذاك على المبالغة، والأوسطُ: اسمٌ للوسط، قال الله تعالى: {قَالَ أَوْسَطُهُمْ} [القلم: 28] (¬4). واختلفوا في الصلاة الوسطى، فقال معاذ (¬5) وعمر (¬6) وابن عباس (¬7) ¬
وابن عمر (¬1) (¬2) وجابر (¬3) وعطاء (¬4) وعكرمة (¬5) والربيع (¬6) ومجاهد (¬7): إنها صلاة الفجر. وهو اختيار الشافعي (¬8) رحمه الله. روى عكرمة عن ابن عباس قال: هي صلاة الصبح، وسطت فكانت بين الليل والنهار، تُصَلى في سواد من الليل وبياض من النهار، وهي أكثر الصلاة تفوت الناس (¬9)؛ ولأنها بين صلاتي ليل وصلاتي نهار (¬10). وقال زيد بن ثابت (¬11)، وأبو سعيد الخدري (¬12)، وأسامة بن ¬
زيد (¬1) وعائشة (¬2): إنها الظهر؛ لأنها وسط النهار. ومن خصائصها: أنها أول صلاة فرضت (¬3). وقال علي (¬4) وعبد الله (¬5) وأبو هريرة (¬6) والنَّخَعي (¬7) وقتادة (¬8) والحسن (¬9) والضحاك (¬10) والكلبي (¬11) ومقاتل (¬12): أنها العصر، وهو اختيار أبي حنيفة (¬13) رحمه الله. ¬
روي ذلك مرفوعًا أنها العصر (¬1)، ولأنها بين صلاتي نهار وصلاتي (¬2) ليل (¬3). وقال قبيصة بن ذؤيب (¬4): إنها المغرب (¬5)، لأنها وسط في الطول والقصر من بين الصلوات. ومن خصائصها: أنها لا تقصر (¬6). وحكى (¬7) الشيخ الإمام أبو الطيب سهل بن محمد، رحمه الله (¬8)، عن بعضهم: أنها صلاة العشاء الآخرة؛ ¬
لأنها بين صلاتين، لا تقصران (¬1) فهي الوسطى بينهما (¬2). وقال بعضهم: هي إحدى الصلوات الخمس ولا نعرفها (¬3) بعينها (¬4). سئل الربيع بن خثيم (¬5) عنها فقال للسائل (¬6): أرأيت إن علمتها أكنت (¬7) محافظًا عليها ومضيعًا سائرهن؟ قال: لا، قال: فإنك إن حافظت عليها كلها فقد حافظت عليها (¬8). وبه يقول أبو بكر الوراق (¬9). وقال: لو (¬10) شاء الله عز وجل لعينها، ولكنه أراد تنبيه الخلق على أداء الصلوات (¬11). وقوله تعالى: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} قال أبو عبيد: أصلُ القنوت في ¬
أشياء، فمنها: القيام، وبه جاءت الأحاديث في قنوت الصلاة؛ لأنه إنما يدعو قائمًا، ومن أبين ذلك: حديث جابر، قال: سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - أي الصلاة أفضل؟ قال: "طول القنوت" (¬1) يريد: طول القيام. والقنوت أيضًا: الطاعة، ومنه قوله: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} أي: مطيعين. والقانت: الذاكر لله المصلي، كما قال: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا} [الزمر: 9] (¬2). قال أبو إسحاق: والمشهور في اللغة والاستعمال أن القنوت: العبادة والدعاء لله في حال القيام، ويجوز أن يقع في سائر الطاعة؛ لأنه إن (¬3) لم يكن قيام بالرِّجلين فهو قيام بالشيء بالنية (¬4). وعلى هذا صارت الآية دلالة للشافعي أن الوسطى صلاة الفجر (¬5)، لأنه لا فرض يُدْعى فيه قائمًا إلا الفجر عنده (¬6). فأما المفسرون: فقال ابن عباس في رواية عكرمة (¬7) والعوفي (¬8) ¬
والوالبي (¬1): {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} أي: مطيعين. وهو قول الشعبي (¬2) وعطاء (¬3) والحسن (¬4) وقتادة (¬5). وقال الضحاك (¬6) ومقاتل (¬7) والكلبي (¬8): لكل أهل دين صلاة يقومون فيها عاصين، فقوموا أنتم لله في صلاتكم مطيعين. وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "كل قنوت في القرآن فهو الطاعة" (¬9) وقال ابن عباس، في رواية أبي رجاء (¬10): داعين في صلاتكم (¬11). فأما ما روي عن زيد بن أرقم (¬12) أنه قال: كنا نتكلم على عهد رسول ¬
239
الله - صلى الله عليه وسلم - في الصلاة حتى نزلت: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام (¬1) (¬2)، وعلى هذا القنوت هاهنا: الإمساك عن الكلام في الصلاة (¬3). وقال بعض (¬4) أهل المعاني: ليس القنوت في اللغة بمعنى السكوت، والمراد: أنه لما نزلت الآية فهم النبي - صلى الله عليه وسلم - من أمر الله بالقنوت وهو الطاعة تحريم الكلام في الصلاة فنهى عن الكلام في الصلاة (¬5). 239 - قوله تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا} الآية، أراد خفتم عدوًّا فحذف المفعول لإحاطه العلم به. والرِّجَالُ: جمع رَاجِل، مثل: تَاجِر وتِجَارُ، وصَاحِب وصِحَاب (¬6). والراجل: هو الكائن على رجله ماشيًا كان أو واقفًا. ويقال في جمع راجِل: رَجل ورَجَّالة ورُجّالَه ورِجَال ورُجَّال (¬7). ¬
والرُّكبان: جمع راكبٍ، مثل: فارس وفرسان (¬1). ومعنى الآية: فإن لم يمكنكم أن تصلوا قانتين مُوَفِّين للصلاة حقَّها فصلُّوا مشاةً على أرجلكم، وركبانًا على ظهور دوابِّكم، فإن ذلك (¬2) يجزيكم (¬3). قال المفسرون: هذا في المُسَايَفَة والمطاردة، يكبر الرجل مستقبلَ القبلة إن أمكنه، وإن (¬4) لم يمكنه يكبر غير مستقبل القبلة، ثم يقرأ ويومئ للركوع والسجود، ولا ينقص بسبب الخوف من عدد الركعات، ولكن إن كان مسافرًا يقصر الصلاةَ كما يقصر المسافر (¬5). وما روي عن ابن عباس أنه قال: فرض الله على لسان نبيكم الصلاةَ في الحضر أربعًا وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة (¬6) فذاك مذهب لا يُعْمَل به (¬7). وهذه صلاة شدة الخوف، وهي التي يجوز للمصلي أن يصلي ¬
240
من أجلها راكبًا ومومئًا وحيث ما كان وجهه، وأما صلاة الخوف فبيانها في سورة النساء (¬1)، وقال (¬2) ابن عمر في تفسير هذه الآية: ومستقبلي القبلة وغير مستقبلها. والصلاة بالإيماء في شدة الخوف لا يختص (¬3) بخوف المشركين، بل إذا خاف سبعًا، أو سيلًا، أو جملًا صائلًا، وما الأغلب (¬4) من شأنه الهلاك، له أن يومئ بالصلاة إيماءً، ويعدو عدوًا، أو يركض ركضًا إذا خاف فوت الصلاة (¬5). وقوله تعالى: {فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ} فصلوا الصلوات الخمس تامةً بحقوقها {كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ} يريد: كما افترض عليكم في مواقيتها (¬6). 240 - قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ} الآية. قال ابن عباس وغيره من المفسرين: نزلت الآية في رجل من أهل الطائف يقال (¬7) له: حكيم بن الحارث، هاجر إلى المدينة وله ¬
أولاد معه أبواه وامرأته، فمات، فرفع ذلك إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأنزل الله عز وجل هذه الآية، فأعطى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والديه وأولادَه ميراثه، ولم يعطِ امرأته شيئًا، غير أنَّهُ أمرَهم أن يُنفقوا عليها من تركةِ زوجها حَوْلًا (¬1). فكان الأمر في ابتداء الإسلام على هذا، إذا مات الرجل لم يكن لامرأته من الميراث شيء إلا السُّكْنى والنفقة سنة، ما لم تخرج من بيت زوجها، وكان المتوفى يوصي بذلك لها، فإن خرجت من بيت زوجها لم يكن لها نفقة، وكان الحول عزيمةً عليها في الصبر عن (¬2) التزوُّجِ، ولكن كانت مخيرةً في أن تعتدَّ إنْ شاءت في بيتِ الزوجِ، وإن شاءت خَرَجَتْ قبلَ الحَوْلِ، على أنها إنْ خرجت سقطتْ نفقتُها. هذا جملةُ حكم هذه الآية. ثم وَرَدَ النَّسْخُ على هذه الآية من وجهين: أحدهما (¬3): أن العدة صارت مُقَدَّرةً بأربعة أشهرٍ وعشر، وقد تقدمت الآية الناسخة. والوجه الثاني: أن الميراث ثبت (¬4) لها، وسقطت نفقة العدة (¬5). ¬
واختلف القراء في رفع الوصية ونصبها (¬1). فمن رفع فله وجهان: أحدهما: أن يجعل الوصية مبتدأ، والظرف خبره، وهو قوله: {لَأَزْوَاجِهِم}، وحَسُنَ الابتداء بالنكرة، لأنَّه موضعُ تخصيصٍ (¬2)، كما حسن أن يرتفع: سلام عليكم، وخير بين يديك. والوجه الآخر: أن يُضمر (¬3) له خبرًا، فيكون قوله: {لَأَزْوَاجِهِم} ¬
صفةً للنكرة التي هي الوصية، وتقدير الخبر المضمر: فعليهم وصية لأزواجهم (¬1). قال أبو عبيد: ومع هذا رأينا (¬2) المعنى كله في القرآن رفعًا، مثل قوله: {فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ} [البقرة: 237] {فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ} [النساء: 92] {فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ} [البقرة: 196]. ونحوهما (¬3). ومن نصب حمله على الفعل، أىِ: فليوصوا وصيةً، فتُنْصَب الوصيةُ على المصدر، ويكون قوله: {لَأَزْوَاجِهِم} وصفًا كما كان في قول من أضمر الخبر كذلك. ومن حجتهم: أن الظرف إذا تأخر عن (¬4) النكرة كان استعماله صفةً أكثر، وإذا كان خبرًا تقدم على النكرة، كقوله: {وَلَهُمْ أَعْمَالٌ} [المؤمنون: 63] {وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (35)} [ق: 35] فإذا تأخرت فالأكثر (¬5) فيها أن تكون صفات، وهاهنا تأخر الظرف، وهو قوله: {لَأَزْوَاجِهِم}، فالأحسن أن تكون صفة للنكرة لا خبرًا (¬6). فإن قيل: كيف يوصي المتوفّى، والله تعالى ذكر الوفاة ثم أمر بالوصية؟. قلنا: المعنى: والذين يقاربون الوفاة ينبغي أن يفعلوا هذا، فالوفاة عبارة عن الإشراف عليها (¬7). ¬
وجواب آخر: وهو أن هذه الوصية يجوز أن تكون مضافة إلى الله، بمعنى أمره وتكليفه، كأنه قيل: وصية من الله لأزواجهم، كقوله: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ} [النساء: 11] وهذا المعنى إنما يحسن على قراءة من قرأ بالرفع (¬1). وقوله تعالى: {مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ} انتصب على معنى: متعوهن متاعًا، فيكون كقوله: {وَصِيَّةً} عند من قرأها بالنصب، ويجوز أن يكون على تأويل: جعل الله لهن ذلك متاعًا؛ لأن ما قبله من الكلام قد دل على هذا. وقيل: إنه عبارة عن الحال، وقيل: نصب بالمصدر الذي هو الوصية، كقوله (¬2): {أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14) يَتِيمًا} [البلد: 14 - 15] (¬3). وعنى بالمتاع: نفقة سنتها لطعامها (¬4) (¬5). وقوله تعالى: {غَيْرَ إِخْرَاجٍ} نصب على أنه (¬6) صفةٌ لمتاع، وقيل: نصب بوقوعه موقع الحال، كأنه قال: مَتِّعوهن مقيمات غير مخرجات. وقيل: انتصب بنزع (¬7) الخافض، أراد: من غير إخراج (¬8). ¬
241
وقوله تعالى: {فَإِنْ خَرَجْنَ} يعنى: من قبل أنفسهن قبل الحول من غير إخراج الورثة، {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} يا أولياء الميت {فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ} يعنى: التشوف (¬1) للنكاح والتصنع للأزواج (¬2). قال عطاء: يريد التزوج بعد العِدة، يعنى: إذا مضت لها ثلاثة قروء كان لها أن تتزوج، وهذا منسوخ كما بينا (¬3). وفي (¬4) رفع الجناح عن الرجال بخروج النساء وجهان: أحدهما: لا جناح في قَطْعِ النفقة عنهن إذا خرجن قبل انقضاء الحول. والثاني: لا جُناحَ عليكم في ترك منعهن من الخروج؛ لأن مُقامَها حولًا في بيت زوجها غيرُ واجب عليها (¬5). 241 - قوله تعالى: {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} قال ابن زيد: إنما نزلت هذه الآية؛ لأن الله سبحانه لما أنزل قوله: {وَمَتِعُوهُنَ} إلى قوله: {حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ} [البقرة: 236]، قال رجل من المسلمين: إن أحسنت فعلت، وإن لم أرد ذاك لم أفعل، فقال الله تعالى: {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} (¬6) يعنى: المتقين الشرك، فبين أن لكل مطلقة متاعًا (¬7). ¬
والناس طوائف مختلفة في هذا. فطائفة تقول: لكل مطلقة متعة كائنة من كانت، وعلى أي وجه وقع الطلاق، وهو قول الحسن (¬1) وسعيد بن جبير (¬2) وأبي العالية (¬3). وطائفة تقول: المتعة واجبة لكل مطلقة إلا المطلقة المفروض لها إذا طلقت قبل الدخول، إنما لها نصف المسمى فقط (¬4). وقال بعضهم: ليس شيء من ذلك بواجب، وإنما المتعة إحسان، والأمر بها أمر (¬5) ندب واستحباب، وهو مذهب أبي حنيفة (¬6). روي أن امرأة خاصمت إلى شريح في المتعة فقال شريح للزوج: (لا تأب أن تكون من المحسنين (¬7)) ولا تأب أن تكون من المتقين، ولم يجبره على ذلك (¬8). ¬
242
قال المفسرون: إنما أعيد هاهنا ذكر المتعة؛ لأنه ذُكر في غير هذه الآية خاصًّا وذكر هاهنا عامًّا (¬1). 242 - قوله تعالى: {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ} أي: مثل البيان الذي تقدم فيما ذكر من الأحكام يبين آياته، فشبه البيان الذي يأتي بالبيان الذي مضى (¬2). وقوله تعالى: {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} قال عطاء: يريد: يفسر لكم فرائضه لتعملوا (¬3) بها حتى تفقهوا. قال أبو إسحاق: حقيقة هذا أن العاقل هاهنا الذي يعمل بما افترض الله عليه، لأنه إن فهم الفرض (¬4) ولم يعمل به فهو جاهل ليس بعاقل. وحقيقة العقل: استعمالُ الأشياء المستقيمة، ألا ترى أن الله تعالى وصَفَ بالجهلِ أقوامًا آثروا هواهم على ما علموا أنه الحق، وإن كانوا ذوي عقل، من حيث يلزمهم التكليف، فقال: {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ} [النساء: 17] فلو كان هؤلاء جهالًا غير مميزين لسقط عنهم التكليف (¬5) (¬6). وقال غيره: معنى {وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} أي: ثبت لكم صفةُ العقلاء، باستعمالِ ما بَيَّنَّا لكم، وهذا قريب مما ذكر. ¬
243
243 - قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ} الآية، الرؤية تكون بمعنى رؤية العيان، وتكون بمعنى رؤية القلب، وذلك راجع إلى العلم، والمعنى هاهنا: ألم تعلم، ألم ينته علمك إلى خبر هؤلاء (¬1). وإنما جاز إطلاق لفظ الرؤية على غير المعاينة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - صار يصدق إخبار الله تعالى إياه كالناظر عيانًا. قال أهل المعاني: وفي هذا تعجيب (¬2) وتعظيم، كما تقول: ألم تر إلى ما يصنع فلان. وكل ما في القرآن من نحو هذا فهذا سبيله (¬3). وقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ} قال المفسرون: أراد به قومًا من بني إسرائيل، كانوا أهل قرية يقال لها: داوَرْدَان (¬4)، وقع بها الطاعون فخرجوا هاربين منها (¬5)، حتى نزلوا واديًا فأماتهم الله جميعًا (¬6). ¬
وقال الضحاك (¬1) ومقاتل (¬2) والكلبي (¬3): إنما فروا من الجهاد، وذلك أن نبيًّا لهم يقال له: حزقيل ندبهم إلى الجهاد، فكرهوا وجبنوا، فأرسل الله عليهم الموت، فلما كثر فيهم خرجوا من ديارهم فرارًا من الموت، فلما رأى حِزْقِيل ذلك قال: اللهم ربّ يعقوب، وإله موسى، ترى معصية عبادك، فأرِهِم آيةً في أنفسهم تدلُّهم على نفاذ قدرتك، وأنهم لا يخرجون عن قبضتك، فأرسل الله عليهم الموت. واختلفوا في مبلغ (¬4) عددهم، فلم يقولوا دون ثلاثة آلاف، ولا فوق سبعين ألفًا (¬5). والوجه من حيث اللفظ أن يكون عددهم يزيد على عشرة آلاف؛ لقوله: ألوف وهو جمع الكثير (¬6)، ولا يقال في عشرة فما دونها: ألوف (¬7). وقوله تعالى: {حَذَرَ الْمَوْتِ} ينتصب على أنه مفعول له، أي: لحذر ¬
الموت. وجائز أن يكون نصبه على المصدر؛ لأن خروجهم يدل على حذر (¬1). وقوله تعالى: {فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا} يجوز أن يكون الله تعالى أماتهم عند قوله لهم (¬2): موتوا، ويكون ذلك أمر تحويل (¬3)، كقوله: {كُونُوا قِرَدَةً} [البقرة: 65] ويجوز أن يكون هذا أمرًا والمراد منه (¬4) الخبر. وقد ذكرنا وجوه الأمر عند قوله: {كُونُوا قِرَدَةً} [البقرة: 65] (¬5). وقوله تعالى: {ثُمَّ أَحْيَاهُمْ} قال ابن عباس: وذلك أن نبيهم حزقيل خرج في (¬6) طلبهم فوجدهم بعد ثمانية أيام موتى، وقد نتنوا، فتضرع إلى الله وبكى، وقال: يا رب كنت في قوم يحمدونك ويمجدونك فبقيت وحيدًا لا قوم لي، فأوحى الله إليه رحمة منه له: إني قد جعلت حياتهم إليك، فقال حزقيل: احيوا، فقاموا كأنهم نيام انتبهوا من نومهم، فذلك السبط الذين أُحيوا في الدنيا تشم منهم رائحة منتنة تخالف روائح الناس (¬7). وقال قتادة: مقتهم الله على فرارهم من الموت، فأماتهم عقوبة لهم، ثم بعثهم إلى بقية آجالهم ليتوفوها، ولو كانت آجال القوم جاءت ما بعثوا بعد موتهم (¬8). ¬
244
وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ} تفضل على هؤلاء بأن أحياهم بعد موتهم وأراهم الآية العظيمة في أنفسهم ليلزموا سُبُل الهدى (¬1). 244 - قوله تعالى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} يذهب كثير من أهل التفسير إلى أن هذا خطاب للذين أحيوا (¬2). قال الضحاك: أحياهم ثم أمرهم بأن يعاودوا (¬3) إلى الجهاد (¬4). وقال ابن عباس في رواية عطاء: يحرض المؤمنين على القتال (¬5). فهذا يدلُّ على أنَّ الخطاب لأمة محمد - صلى الله عليه وسلم - وهذا أظهر (¬6)، لأن الكلام على وجهه لا محذوف فيه، وعلى الأول يحتاج إلى إضمار، أي: وقيل لهم: قاتلوا (¬7). قال الزجاج: يقول لا تهربوا من الموت، كما هرب هؤلاء الذين ¬
245
سمعتم خبرهم فلا ينفعكم الهرب (¬1). وقيل: إنه حث على الشكر بقوله: {إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ} كأنه قال: واشكروا وقاتلوا في سبيل الله. وقوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} أي: سميع لما يقوله المُتَعَلل (¬2) {عَلِيمٌ} بما يضمره، فإياكم والتعلل بالباطل، وقيل: {سَمِيعُ} لقولكم إن قلتم، كقول الذين تقدم ذكرهم، {عَلِيمٌ} بضمائركم (¬3). 245 - قوله تعالى: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا} الآية. القرض: اسم لكل ما يلتمس عليه الجزاء، يقال: أقرض فلان فلانًا، إذا أعطاه (¬4) ما يتجازاه منه، والاسم منه: القرض، وهو ما أعطيتَه لتكافأ عليه، هذا إجماع من أهل اللغة (¬5). قال الكسائي: القرض: ما أسلفت من عمل صالح (¬6) أو سيئ (¬7). وقال الأخفش: تقول العرب: لك عندي قَرْضُ صِدْق، وقرض سوء (¬8)، لأمر يأتي فيه مسرته أو مساءته (¬9). وقال الزجاج: القرض: البلاء الحسن، والبلاء السيئ (¬10). ¬
وأنشد بيت أمية: كلُّ امْرئٍ سَوْف يُجْزَى قرضَه حَسَنًا ... أو سَيِّئًا ومَدِينًا كالذي دانا (¬1) وقال ابن كيسان: القَرْضُ أن تعطيَ (¬2) شيئًا ليرجع إليك مثله، ولتُقْضَى شبهه (¬3). يقال: تقارضا الثناءَ: إذا أثني كلُّ واحد منهما على صاحبه. ويقال: قارضه الودُّ (¬4) والثناء. وأصله في اللغة: القطع، ومنه المقراض (¬5) ومعنى أقرضته: قطعت له قطعة يجازى عليها. وانقرض القوم: إذا هلكوا، لانقطاع أثرهم (¬6). شبه الله عز وجل عمل المؤمنين لله عز وجل على ما يرجون من ثوابه بالقرض؛ لأنهم إنما يعطون ما ينفقون ابتغاء ما وعدهم الله عز وجل من جزيل الثواب (¬7). والقرض في هذه الآية اسم لا مصدر، ولو كان مصدرًا لكان إقراضًا (¬8). قال أهل المعاني: هذا تلطف من الله في الاستدعاء إلى أعمال البر؛ ¬
لذلك أضاف الإقراض إلى نفسه، وهذا كما جاء في الحديث: إن الله تعالى يقول لعبده: استطعمتك (¬1) فلم تطعمني (¬2). كأنه قيل: مَنِ الذي يعمل عمل المقرض بأن يقدم فيأخذ أضعاف ما قدم في وقت فقره وحاجته. وتأويله: في الذي يقدم لنفسه إلى الله تعالى ما يجد ثوابه عنده (¬3). قال ابن زيد: هذا القرض (¬4) الذي دعا الله إليه هو في الجهاد. وقال الحسن: هو في أبواب البر كله. وقوله تعالى: {قَرْضًا حَسَنًا} قال عطاء: يعنى حلالًا. الواقدي: طيبة به نفسه (¬5). ونذكر أوصاف القرض الحسن في سورة الحديد إن شاء الله. وقوله تعالى: {فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً} قرئ بالتشديد والتخفيف، والرفع والنصب (¬6). أما التشديد والتخفيف فهما لغتان. والرفع: بالنسق على ما في الصلة، أو الاستئناف، وهو الاختيار؛ لأن الاستفهام في هذه الآية عن فاعل الإقراض، ليس عن الإقراض، وإذا كان كذلك لم يحسن النصب؛ لأنه في هذه الآية (¬7) ليس مثل قولك: أتقرضني ¬
فأشكرك، لأن الاستفهام هاهنا عن الإقراض. فأما وجه النصب: فهو أن يحمل الكلام على المعنى لا على اللفظ؛ لأن المعنى: أيكون قرض فيضاعفه، كقراءة من قرأ: {مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ} (¬1) (¬2) [الأعراف: 186] جزم قوله: {وَيَذَرُهُم} لأن معنى قوله: {فَلَا هَادِيَ لَهُ} لا يهده (¬3). ونحو هذا كثير مما حُمِل الكلام فيه على المعنى دون اللفظ، قال الحسن والسدي: هذا التضعيف لا يعلمه إلا الله تعالى، و (هو) (¬4) مثل قوله: {وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 40]، ومعنى التضعيف والإضعاف والمضاعفة واحد، وهو الزيادة على أصل الشيء حتى يصير مثلين أو أكثر (¬5). وقوله تعالى: {وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ} يعنى: يمسك الرزق عمن يشاء، ويضيق عليه، ويوسع على من يشاء، في قول عطاء عن ابن عباس والحسن وابن زيد والأكثرين (¬6). وحكى الزجاج: يقبض الصدقات ويبسط الجزاء عليها عاجلًا وآجلًا (¬7). ¬
246
وحكى أبو الهيثم السجزى، عن بعضهم قال: إن الله تعالى لما أمرهم بالصدقة أخبر أنه لا يمكنهم ذلك إلا بتوفيقه، فقال: (¬1) {وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ} يعني يقبض بعض القلوب فيزويه كيلا ينشط (¬2) لخير، ويبسط بعضها فيقدم لنفسه خيرًا (¬3). 246 - وقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ} الآية. الملأ: الأشراف من الناس، وهو اسمٌ للجماعة، كالقومِ والرَّهْطِ والجيش، وجمعه: أملاء، قال الشاعر: وقال لها الأَمْلاَء من كلِّ مَعْشَر ... وخَيْرُ أقَاوِيلِ الرِّجَالِ سَدِيدُها (¬4) وأصله من الملأ، فالملأ: هم الذين يملؤون العيون هيبة ورُواءً (¬5)، وقيل: هم الذين يملؤون المكان إذا حضروا (¬6). وقال أبو إسحاق: الملأ: الرؤساء سموا بذلك لأنهم مِلآءٌ ومُلآءُ (¬7) بما يحتاج إليه (¬8) من قولهم: مَلُؤَ الرجل يَمْلُؤُ ملاءَةً فهو مليء (¬9). ¬
وقوله تعالى: {إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا} قال قتادة: هو يوشع (¬1). وقال السدي: هو شمعون (¬2). وقال سائر المفسرين: هو أشمويل (¬3). وكان سبب قولهم ذلك لنبيهم، فيما قال الكلبي (¬4) ووهب (¬5): أن الأحداث كثرت في بني إسرائيل، وعظمت فيهم الخطايا، وغلب عليهم عدُوُلهم (¬6) فَسَبوا كثيرًا من ذراريهم، فسألوا نبيهم ملكًا تنتظمُ به كلمتهم، ويجتمع أمرهم، ويستقيم حالهم في جهاد عدوهم، فقال لهم ذلك النبي: {هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا} وهذا استفهام شك، يقول: لعلكم أن تَجْبُنُوا عن القتال (¬7). وقرأ نافع وحده (عسِيتم) بكسر السين، واللغة المشهورة فتحها (¬8). ووجه قراءة نافع: ما حكاه ابن الأعرابي: أنهم يقولون: هو عسٍ ¬
بكذا، وما أعساهُ، وأَعْسِ به، فقولهم: عسٍ، يقوي عسِيتم بكسر السين، ألا ترى أن عسٍ، مثل (¬1): حرٍ وشجٍ، فإن قالوا: يلزمه أن يقرأ: {عَسَى رَبُّكُمْ} [الإسراء: 8] قيس: القياس هذا، وله أن يأخذ باللغتين فيستعمل إحداهما في موضع، والأخرى في موضع (¬2). وقوله تعالى: {وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} اختلف النحويون في وجه دخول (أن) هاهنا، والقائل يقول: ما لَكَ تفعل كذا كقوله: {مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا} [نوح: 13] و {وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [الحديد: 8]. فقال الأخفش: (أن) هاهنا زائدة. المعنى: وما لنا لا نقاتل في سبيل الله (¬3). وقال الفرَّاءُ: ذهب الى المعنى؛ لأن قول: مَا لَكَ لا تصلي، معناه: ¬
ما يمنعك أن تصلي، فلما ذهب إلى معنى المنع أدخل أن (¬1)، الدليل على ذلك: قوله: {مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ} [ص: 75]، وعلى هذا المعنى قال: {مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ} [الحجر: 32] (¬2). وقال الكسائيُّ: المعنى: وما لنا في أن نقاتل، فأسقط (في) (¬3) وارتضى الزجاج هذا القولَ وصحَّحه. وقال: المعنى: أي شيء لنا في أن لا نقاتل. أي: أيُّ غرضٍ (¬4) لنا في ترك القتال وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا، ولكن (في) سقطت مع (أن)، وكثيرًا ما يحذف حرف الجر مع أن، وقد مضت لهذا نظائر (¬5). ورجح أبو علي الفارسي قول الكسائي على قول الفراء، فقال: إذا اتجه للكلام وجه صحيح وكان مستمرًّا على الأصول، فلا معنى للعدول عنه إلى غيره، وكما جاز وقوع الفعل موقع الحال في قولك: ما لك تفعل كذا، والمعنى: ما لك فاعلًا، كذلك يجوز وقوع حرف الجر موقعها، كما ذكر الكسائي، وسد مَسَدَّها، ألا ترى أنك تقول: خرجت في الثياب، كما تقول: خرجت لابسًا، فالظرف هاهنا يقع موقع الحال، فكذلك في الآية، فإذا كان ما ذكرناه من تقدير حرف الجر متجها (¬6) متخرجًا (¬7) على معنى ¬
مستقيم ولفظ مستعمل، لم يكن بنا حاجة إلى أن نقدر أنَّ معنى ما لنا: ما يمنعنا، وكأنه قال: ما يمنعنا أن نقاتل أي: ما يمنعنا من أن نقاتل (¬1)، على أنا لا ندفع الحمل على المعنى في كثير من المواضع، ولكن لا يستحسن (¬2) ترك الظاهر والعدول عنه إلى غيره ما وجد للتأويل على الظاهر مساغ، وإذا حمل الكلام على ما ذكره الفَرَّاء ففي الكلام تقدير حرف جرٍ، كما أن في حمله على الظاهر تقديرُ حرفِ جرٍّ (¬3)، وإذا استوتِ الحالتانِ فلزومُ الظاهرِ أعْجَبُ إلينا (¬4). وعلى الأقوال كلها (أن لا نقاتل (¬5)) في محل النصب، لوقوعه موقع الحال، كقوله تعالى: {فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ} [النساء: 88] وقوله: {فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ} [المدثر: 49]، كأنه (¬6) قيل: ما لنا غير مقاتلين. وكما جاز وقوع الفعل الموجب موقع الحال في هذا النحو مثل: ما لك نفعل كذا، جاز أيضًا وقوع المنفي موقعه نحو: ما لك لا تفعل، كقوله تعالى: {مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا} [يوسف: 11] {مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ} [الصافات: 92] (¬7) وأنشد أبو زيد: ¬
ما لَكَ لا تَذْكُرُ أُمَّ عَمْرِو ... إلّا لعَيْنَيْكَ غُرُوبٌ تَجْرِي (¬1) وذهب المبرد في هذه الآية إلى غير ما ذهب إليه هؤلاء، وهو أنه قال: ما في هذه الآية جحدٌ لا استفهام، كأنه قيل: ما لنا ترك القتال، وعلى هذا سهل الأمر في دخول أن (¬2). وقوله تعالى: {وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا} ظاهرُ الكلام العموم وباطنه الخصوص؛ لأن الذين قالوا هذا لم يُخْرَجُوا من دِيَارِهم، ولكن إذا أُخْرِج بعضُهم جاز لكلهم أن يقولوا هذا، كما يقال: قتلناكم يوم ذي قار، وكما قال موسى بن جابر الحنفي (¬3): ذهبتُم فلُذْتمُ بالأميرِ وقُلْتُم ... تَرَكْنا أحَادِيثًا ولَحْمًا مُوضّعَا (¬4) والذين قالوا هذا لم يكونوا بهذه الصفة، وعنوا بالإخراج من الديار: السبيَ والقهر (¬5) على نواحيهم (¬6). وقوله تعالى: {وَأَبْنَائِنَا} أرادوا: أُفْرِدنا من أبنائنا بالتفريق بيننا ¬
247
بالسبي والقتل. ومعنى الآية: أنهم أجابوا نبيَّهم بأن قالوا: إنما كنا نزهد في الجهاد إذ كنا ممنوعين في بلادنا لا (¬1) يظهر علينا عدو، فأما (¬2) إذْ (¬3) بَلَغَ ذلك منا فلابُدَّ من الجهاد، فنطيع ربنا في الغزو ونمنع نساءنا وأولادنا (¬4). قال الله تعالى: {فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ} وهم الذين عبروا النهر، ويأتي (¬5) ذكرهم بعد هذا (¬6). قال عطاء: وفي هذا تحريض للمهاجرين والأنصار، ووعيدٌ لمن تَخلَّفَ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في القتال (¬7)، فقال: {وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} يريد: المشركين والمنافقين (¬8). 247 - قوله تعالى: {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا} أي: قد أجابكم إلى ما سألتم، من بَعْثِ الملكِ يُقَاتِل وتُقَاتلون معه، وكان طالوتُ رجلًا دبَّاغًا، يعمل الأدم، وكان من أدنى بيوت بني إسرائيل، وكان من سبط بنيامن، ولم يكن من سبط النبوة، ولا من سبط المملكة، ولذلك أنكروا مُلكه (¬9)، و {قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ ¬
بِالْمُلْكِ مِنْهُ} لأنا من سبط الملوك {وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ} أي: لم يؤت ما يتملك به الملوك {قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ} اختصه بالملك {وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ} (¬1). قال ابن عباس: كان طالوتُ يومئذ أعلمَ رجلٍ في بنى إسرائيل وأجمله وأتمه (¬2). والبسطة: الزيادة في كل شيء، ويسمى طول القامة: بَسْطَةً. والزيادة في المال والعلم وفي كل شيء: بسطة (¬3). وقال الكلبي: {وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ} بالحرب (¬4) {وَالْجِسْمِ} يعني: بالطول. وكان يفوقُ الناسَ برأسه ومنكبه (¬5)، وإنما سمي طالوت لطوله (¬6). قال الزجاج: أعلمَ اللهُ عز وجل أن الذي يجب أن يقع به الاختيارُ العلمُ، ليس أن الله عز وجل لا يُملِّكُ إلا ذا مالٍ، وأعلمَهم أنَّ الزيادة في الجسم مما يهيب به العدو {وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ} (¬7) يريد: أن الملك ليس ¬
248
بالوراثة، إنما هو بإيتاء الله واختياره (¬1). وقوله تعالى: {وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} قيل في الواسع ثلاثة أقوال: أحدها: أنه واسع الفضل والرزق والرحمة، وسعت رحمته كل شيء، وهذا كما يقال: فلان كبير وعظيم (¬2)، يراد: أنه كبيرُ القدر، كذلك هو واسع بمعنى: أنه واسع الفضل، وهذا القول اختيار الأزهري (¬3) (¬4). والثاني: أنه واسع بمعنى: مُوَسِّع، أي: يوسع على من يشاء (من عباده) (¬5) من نعمه، وهذا قول الزجاج (¬6)، لأنه قال في قوله: {وَاسِعٌ عَلِيمٌ} معناه: يوسع على من يشاء، ويعلم أين ينبغي أن تكون السعة. الثالث: أنه واسع بمعنى ذو سعة (¬7)، ويجيء فاعل (¬8) كثيرًا ومعناه ذو كذا، نحو: {عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ} [الحاقة: 21] أي ذات رضى، وهمّ ناصب: ذو نصب، فلما قال لهم النبي ذلك، قالوا له: لا نصدقك أن الله بعثه علينا، ولكنك تريد أن تحمله علينا مضارة لنا إذ سألناك ملكًا، فأراهم النبي على صحة مُلْك طالوت وتمليك الله إياه آيةً (¬9) وهي قوله: 248 - {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ} ¬
قال أصحاب الأخبار: إن الله تعالى أنزل على آدم تابوتًا فيه صور الأنبياء من أولاده، فتوارثه أولاد آدم إلى أن وصل إلى يعقوب، فكان في بنى إسرائيل، وكانوا إذا اختلفوا في شيء تكَلَّم وحكم بينهم، وإذا حضروا القتال قدموه بين أيديهم يستفتحون به على عدوهم، وكانت الملائكة تحمله فوق العسكر وهم يقاتلون العدو، فإذا سمعوا من التابوت صيحة استيقنوا النصرة، فلما عصوا وفسدوا سلط الله عليهم العَمَالقة، فغلبوهم على التابوت، وسلبوه فلما سألوا نبيهم البينة على ملك طالوت دعا النبي ربه، فنزل بالقوم الذين غلبوا (بنى إسرائيل على التابوت) (¬1) داء بسببه، وذلك أنهم كانوا قد أخذوا التابوت فجعلوه في موضع غائطهم وبولهم، وكل من بال عنده أو تغوط ابتلاه الله بالبواسير، حتى تنبهوا أن ذلك لاستخفافهم بالتابوت، أخرجوه ووضعوه (¬2) على ثورين، فأقبل الثوران يسيران، ووكل الله بهما أربعة من الملائكة يسوقونهما (¬3)، حتى أتوا به منزل طالوت، فلما رأوا التابوتَ عند طالوت، علموا أن ذلك إمارة ملكه عليهم، فذلك قوله: {إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ} الآية (¬4). والإتيان على هذا مجاز لأنه أُتِيَ به ولم يأت هو، فنسبَ الإتيان إليه توسعًا، كما يقال: ربحت الدراهم، وخسرت التجارة، وعزم الأمر. وقال آخرون: إن التابوت لم تحمله الملائكة ولا الثوران، بل كان ¬
يسير بقدرة الله عز وجل، بلا حامل يحمله، ولا جارٍّ يجره، وهم ينظرون إليه، والملائكة تحفظه وترعاه، حتى وضع عند طالوت، وهذا قول ابن عباس، وعلى هذا الإتيان حقيقة في التابوت. وأضيف الحمل إلى الملائكة في القولين جميعًا؛ لأن من حفظ شيئًا في الطريق ورعاه جاز أن يوصف بحمل ذلك الشيء وإن لم يحمله، كما يقول القائل: حملت الأمتعة إلى زيد، إذا رعاها وحفظها في الطريق، وإن كان الحامل غيره، وتقول: حملت متاعي إلى مكة، ومعناه: كنت سببًا لحمله (¬1). وقوله تعالى: {فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ} قال وَهْبٌ: السكينة: روح من الله يتكلم، وكانوا إذا اختلفوا في أمر نطق ببيان ما يريدون (¬2). وقال قتادة (¬3) والكلبي (¬4): هي فعيله من السكون، أي: طمأنينة من ربكم. وفي أي مكان كان التابوت اطمأنوا إليه وسكنوا. وهذا اختيار الزجاج. قال: أي: فيه ما تسكنون به إذا أتاكم (¬5). والسكينة: مصدر وقع موقع الاسم، نحو القضية والعزيمة، وهذا معنى قول الحسن، قال: جعل الله لهم في التابوت سكينةً لا يفرُّون عنه ¬
أبدًا وتطمئن قلوبهم (¬1). وجاء في التفسير: أن السكينة لها رأس كرأس الهرة من زبرجد وياقوت، ولها جناحان (¬2). وقال مقاتل: كان فيه رأس كرأس الهرة إذا صاح كان الظفرُ لبني إسرائيل (¬3). وقوله تعالى: {وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ} والبقية: مصدَرٌ وَقَعَ مَوْقِعَ الاسم، مثل: السكينة ونحوها، فيقال للباقي: بقية، وجمعها: بقايا (¬4). قال المفسرون: البقية التي كانت في التابوت: لوحان من التوراة، ورضُاض الألواح التي تكسَّرت لما ألقى موسى الألواحَ، وقفيزٌ من المن الذي كان ينزل عليهم، ونعلا موسى، وعمامة هارون، وعصاه، وعصى موسى، وطست من ذهب، قيل: كان يغسل فيه (¬5) قلوب الأنبياء (¬6). وإنما جعل هذه الأشياء بقية لأنها بقيت مما تركه موسى وهارون. ¬
وأراد بآل موسى وآل هارون: موسى وهارون نفسهما، والعرب نقول: آل فلان، لو تريد نفسه (¬1). قال جميل: بثينة (¬2) مِنْ آل النّساء وإنما ... يَكُنَّ لأدْنَى لا وِصَالَ لِغَائِبِ (¬3) وعلى هذا يتأول قوله - صلى الله عليه وسلم - لأبي موسى: "لقد أُوتيَ هذا مِزمارًا من مزامير آل داود (¬4) " أراد: داود نفسه؛ لأنَّه لا يُعْلَم أحدٌ من آله أُعْطِيَ من حسن الصوت ما أعطيه داود. أخبرنا أبو الحسين بن أبي عبد الله الفسوي، أخبرنا أحمد بن محمد الفقيه، أخبرني أبو رجاء الغنوي، قال: حدثنا أبي، قال حدثنا ابن عمر بن شبه، قال: سمعت أبا عبيدة وسأله رجلٌ عن رجل أوصى لآل فلان: ألفلان نفسه المسمى من هذا شيء؟ قال: نعم، قال الله تعالى: {أَدْخِلُوا آلَ ¬
فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} [غافر: 46]، ففرعون أوَّلُهم، وأنشد: ولا تبكِ مَيْتًا بعد ميت أجنة ... علي وعباس وآل أبي بكْرِ (¬1) يريد: أبا بكر نفسه، وآل الرجل في اللغة: شخصه (¬2)، وقد ذكرناه عند قوله: {وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ} [البقرة: 49]. وقوله تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ} أي: في رجوع التابوت إليكم علامة أنَّ الله قد ملَّكَ طالوت عليكم {إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} أي: مصدقين (¬3). قيل: إنهم كفروا بتكذيبهم نبيَّهُم في تمليك طالوت، ولذلك لم يَصْبر عن الماء - لَمَّا ابتلاهم اللهُ بالنهر إلا القليل منهم، وهم الذين أطاعوا ولم يكذبوا، فعلى هذا قوله: (إن كنتم مؤمنين) أي: مصدقين بتمليك طالوت إذ عاد إليكم التابوت (¬4). وقيل: أراد {إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} كما تزعمون (¬5)، ويجوز أن يكون المعنى: إن في ذلك لآية لمن كان مؤمنًا منكم، فدخل الشرط للتوكيد، كقوله: {وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [المائدة: 23]، أي: من كان مؤمنًا توكل، وكما تقول: إن كنت أخي فأكرمني، لم يدخل الشرط للشك في الأخوة، ولكن توكيدًا للإكرام، ومثله في القرآن كثير. ¬
249
249 - قوله تعالى: {فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ} الآية. وجْهُ اتصال هذه الآية بما قبلها (¬1) يظهر بتقدير محذوف يدل عليه باقي الكلام، كأنه (¬2) قيل: فأتاهم التابوت بالصفة التي وُعِدوا فصدقوا؛ لأن قوله: {فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ} بعد تلك (¬3) المنازعة، يدل على أن الآية أتتهم فانقادوا لأجلها (¬4). ومعنى الفصل: القطع (¬5). يقال: قولٌ فَصْلٌ، إذا كان يقطع بين الحق والباطل، وفَصَلَ عن المكان، قطعه بالمجاوزة عنه، يقال: فَصَل يَفْصِل فُصُولًا، ومنه قوله: {وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ} [يوسف: 94]. وفَصَلْتُ اللحم عن العظم فَصْلًا، وفَاصَل الرجل شَريكَه وامْرَأَتَه فِصَالًا (¬6). والجنود جمع جند: وكل صنف من الخلق جُنْدٌ على حِدَة، يقال: الجَرَاد أكْثَرُ جنودِ الله (¬7)، ومنه: "الأرواح جنودٌ مجندة" (¬8). ¬
قال السدي: وكانوا يومئذ ثمانين ألف مقاتل (¬1). وقوله تعالى: {قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ} يعنى: قال طالوت. قال وهب (¬2): إنهم شكوا قلة المياه بينهم وبين عدوهم، وقالوا: إن المياه لا تحملنا، فادع الله سبحانه أن يجري لنا نهرًا، فقال لهم طالوت: {إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ} (¬3). وهذا لا يجوز أن يقوله إلّا نبي؛ لأن الله عز وجل عالم الغيب، فلا يظهر على غيبه أحدًا، إلا من ارتضى من رسول. فيجوز أن طالوت قال ذلك بوحى من الله إليه، فقد قيل: إنه لما مُلِّك عليهم صار نبيًّا، ويجوز أن يكون قال ذلك بإخبار نبيٍّ إياه (¬4). وإنما وقع الابتلاء ليتميز الصادق من الكاذب، فإن طالوت كان لا يعلم بمن له نيةٌ في القتال معه، ومن ليست له نية، فابْتُلُوا بالنهر ليتميَّزَ المحقق من المعذِّر، وذلك النهر: هو نَهْر فِلَسْطين في قول ابن عباس (¬5) والسدي. وقوله تعالى: {فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي}، الكناية تعود على النهر في الظاهر، وهو في المعنى للماء. ¬
وقوله تعالى: {فَلَيْسَ مِنِّي} أي: من أهل ديني وطاعتي (¬1)، فحذف، ودل (مِنّي) عليه. وقيل: تأويله: ليس معي على عدوي، كقوله عليه السلام: "من غشنا فليس منّا (¬2) " أي: ليس من أهل ديننا، وليس (¬3) هو معنا في حقيقة ديننا (¬4). وقوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي} طَعْمُ كُلِّ شيء ذوقُه، ومثله التطعُّمُ، يقال: تطعَّمت منه، أي: ذُقْتُه، قال ابن الأنباري: العرب تقول: قد أَطْعَمْتُكَ الماءَ، يراد به: أَذَقْتُكَ، وطعمت الماء أَطْعَمُه، بمعنى: ذقُته أذوقه (¬5) (¬6). أنشدنا أبو العباس العَرْجِي (¬7): ¬
فإن شِئْتُ حَرّمْتُ النِّساءَ سِوَاكُمُ ... وإن شِئْت لم أَطْعَم نُقَاخًا ولا بَرْدًا (¬1) أراد: لم أذق. والنُّقَاخُ: الماءُ العَذْب (¬2). وقوله تعالى: {إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ} الاغتراف: الأَخْذُ من الشيء باليدِ أو بآلة كما يُغْتَرَفُ من الماء. والمِغْرَفَةُ: الآلة التي يُغْرَفُ بها، وكذلك الغَرْفُ مثل الاغْتِرَاف (¬3). واختلف القراء في فتح الغين من (غرفة) وضمها (¬4). فمن فتح الغين عدَّى الفعل إلى المصدر، والمفعول محذوف في قوله، والم