التفسير البسيط

الواحدي

الملكة العربية السعودية وزارة التعليم العالي جامعة الإمام محمد بن سعود الإِسلامية عمادة البحث العلمي التَّفْسِيرُ البَسِيْط لأبي الحَسن عَلي بن أحمَد بن محمَّد الواحدي (ت 468 هـ) الدراسة - التحقيق مقدمة المصنف - سورة الفاتحة تحقيق د. محمَّد بن صالح بن عبد الله الفوزان أشرف على طباعته وإخراجه د. عبد العزيز بن سطام آل سعود ... أ. د. تركي بن سهو العتيبي الجزء الأول

_______ قال معد الكتاب للشاملة: تنبيه: وقع في ترقيم حواشي هذه الطبعة تغيير وتبديل كثير جدا، ولعله من الطباعة، وقد قمنا بتعديله قدر الإمكان، وذلك بمراجعة المصادر المعزو إليها.

جامعة الإِمام محمد بن سعود الإِسلامية 1430هـ فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر الواحدي، علي بن أحمد التفسير البسيط لأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي (ت 468هـ)./ علي بن أحمد الواحدي، محمد بن صالح بن عبد الله الفوزان، الرياض 1430 هـ. 25 مج. (سلسلة الرسائل الجامعية) ردمك: 4 - 857 - 04 - 9960 - 978 (مجموعة) 1 - 858 - 04 - 9960 - 978 (ج 1) 1 - القرآن تفسير ... 2 - الواحدي، علي بن أحمد أ- العنوان ... ب- السلسلة ديوي 22703 ... 868/ 1430 رقم الإيداع: 868/ 1430هـ ردمك 4 - 857 - 04 - 9960 - 978 (مجموعة) 1 - 858 - 04 - 9960 - 978 (ج 1)

مقدمة معالي مدير الجامعة الأستاذ الدكتور/ سليمان بن عبد الله أبا الخيل

بسم الله الرحمن الرحيم مقدمة معالي مدير الجامعة الأستاذ الدكتور/ سليمان بن عبد الله أبا الخيل الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير الأنبياء والمرسلين أما بعد: فقد دأبت حكومة خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود -حفظه الله- على دعم الجامعات السعودية، لتقوم بدورها الرائد في خدمة هذا البلد على أفضل صورة وأرقاها، ولتنافس الجامعات العالمية بجهودها وأعمالها المتميزة، ودعمه -رعاه الله- لجامعة الإِمام محمد بن سعود يذكر بأسطر من نور، ويسجل بمداد من ذهب. والجامعة تسعى بكل طاقاتها وإمكاناتها لتحقق هذه الأهداف السامية ومنها خدمة البحث العلمي، ونشر العلم والمعرفة على أوسع مجال، وأكثره نفعاً، في مختلف مناحي الحياة. وقد زخرت الجامعة بأعمال علمية كبيرة في مجالات كثيرة من تخصصاتها العلمية المختلفة، ومن هذه الأعمال تحقيق كتاب (البسيط في التفسير للإمام الواحدي) وقد حقِّق في الجامعة في خمس عشرة رسالة، وهو من الأعمال الكبيرة، فبعد الطباعة وصلت أجزاؤه إلى خمسة وعشرين جزءاً مع الفهارس، وتجاوزت صفحاته أربعة عشر ألفاً، مما دل على ضخامة العمل وصعوبة نشره. وقد كوَّنت لجنة لمتابعة ما بدئ به من هذا العمل برئاسة صاحب السمو الملكي الأمير الدكتور عبد العزيز بن سطَّام بن عبد العزيز آل سعود لما أعرفه عن سموَّه من جدٍّ ونشاط وعلميَّةٍ متميَّزةٍ، وحرصٍ على العلمِ، مع اهتمامه البالغ بنشر هذا الكتاب، وقد قام بهذه المسؤولية خير قيام، وبذل من جهده ووقته وفكره وخبرته، بل وماله ما سدَّد العمل، وأنجزه بوقتٍ قياسيٍّ، وجعل هذا الكتاب يخرج بهذه الصورة الرائعة والثوب - أ -

القشيب، والحلة الجميلة، شكلاً ومضموناً، فجزاه الله خيراً على جهوده المتواصلة، وأعماله الخيرة، فمثله في علمه وخلقه أهل لكل خير. كما أنَّني كلّفت الأستاذ الدكتور تركي بن سهو العتيبي صاحب الخبرة الطويلة والعمق العلمي والمعرفي والإتقان المعروف -عميد البحث العلمي السابق- بأن يكون نائباً للرئيس، لمعرفتي أنه هو الذي قد بدأ هذا المشروع قبل ثلاث سنوات من نهاية مدَّته الأخيرة التي انتهت في نهاية شهر ربيع الآخر من عام 1427 هـ، ولأنه من أعرف الناس بالكتاب ومراحل طباعته، وبالشروط التي اشترطت لإخراجه ولخبرته في هذا المجال، وقد قبل مشكوراً بالأمر وأسهم إسهاماً كبيراً في متابعته ليرى النور. أما هذا الكتاب فهو التفسير البسيط للإمام أبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي المتوفى سنة 464هـ، فهو من علماء القرن الخامس، وكتابه هذا من أشهر كتب التفسير بالمأثور، وهو واحد من كتبه الثلاثة في التفسير؛ البسيط وهو هذا الكتاب الذي أقدِّم له وهو أكبر تفاسيره وأقدمها تأليفاً، واسمه دليل على مراد مصنفه منه، وكتابه الثاني الوسيط، واسمه دل على أنه بين البسيط والمختصر، والثالث كتاب الوجيز. هذا العمل العلمي الكبير يعدُّ بحقٍّ مفخرة من مفاخر الجامعة التي سعت إلى تحقيقه أولاً، ثم وفّق الله سبحانه وتعالى إلى إخراجه، فهو عملٌ علميٌّ ضخم أفنى فيه الباحثون سنين مهمة من أعمارهم لو قيست برأس المال المعرفي لوجدت أن متوسط سنوات إعداد كل رسالة ثلاث سنوات علماً بأن إعداد بعض هذه الرسائل قد تجاوز ثلاث سنوات من تاريخ التسجيل حتى المناقشة، ومنها ما أنجز في حدود السنتين، وليست هناك رسالة تتم في أقل من هذا، فهذا الكتاب بذل فيه ما يزيد على ثلاثين سنة عملٍ، واستغرقت الطباعة والإخراج ما زاد على خمس سنوات، إن الجهود الكبيرة التىِ بذلت وتبذل لهي عنوان كبير على قيمة هذا العمل، وهذا فضل الله سبحانه وتعالى يؤتيه من يشاء. - ب -

وفي الختام أشكر رئيس اللجنة التي قامت على إخراج هذا العمل العلمي الكبير صاحب السمو الملكي الأمير الدكتور/ عبد العزيز بن سطام بن عبد العزيز، وسعادة نائبه الأستاذ الدكتور/ تركي بن سهو العتيبي والعاملين معهم في اللجنة على ما قدموه من خدمة عظيمة لكتاب الله، ولهذا الكتاب الأصيل، ولطلاب العلم والباحثين في كل مكان. وأخيراً أسجَّل شكري وتقديري للأخوة الباحثين أصحاب الرسائل الجامعية الذين قاموا بالتحقيق، ونالوا به درجاتهم العلمية، وأشكر المراجعين والمصححين الذين قاموا على أعمال الطباعة والإخراج، ولكلِّ من قدَّم جهداً في نشر هذا العمل الموسوعي. وفي الختام أحمد الله أن قيَّض لهذا البلد الطاهر خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود وصاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبد العزيز آل سعود ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع والطيران والمفتش العام، وصاحب السمو الملكي، الأمير نايف بن عبد العزيز النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية الذين يحرصون على العلم النافع والعمل الصالح، فلم يدخروا وسعاً في دعم البحث العلمي وتشجيعه ونشره، وخدمة الإِسلام والمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها. وصلَّى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه. أ. د. سليمان بن عبد الله أبا الخيل مدير جامعة الإِمام محمد بن سعود الإِسلامية - جـ -

مقدمة صاحب السمو الملكي الأمير الدكتور عبد العزيز بن سطام بن عبد العزيز آل سعود

بسم الله الرحمن الرحيم مقدمة صاحب السمو الملكي الأمير الدكتور عبد العزيز بن سطام بن عبد العزيز آل سعود الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبيَّ بعده، أما بعد: فمن نعم الله الكثيرة أن هيَّأ سبل السعي إلى طلب العلم وتحصيله، وذلَّلَ طرقه، وفتح آفاقاً من المعرفة كثيرة، ينهل منها أهل العلم وطلابه في مجال من مجالاته المختلفة. ومن خير الأعمال التي تبذل فيها الأوقات نشر الكتب ولا سيما كتب العلوم الشرعية في مختلف تخصصاتها، وجميع ما يتصل بنشرها وتوزيعها، ودون شكٍّ أن من أشرف العلوم ما كان متَّصلاً بكتاب الله سبحانه وتعالى، تفسيراً وقراءات وإعراباً وتوجيهاً، ومنها هذا المشروع الكبير المتصل بتفسير كتاب الله وإعرابه، فقد سجَّل خمسة عشر طالباً من قسم القرآن وعلومه رسائلهم لنيل درجة الدكتوراه في كتاب التفسير البسيط للواحدي، وهو يستحقُّ كل هذا العدد الكبير من الرسائل لكونه من كتب التفسير والإعراب الواسعة، وكما نصَّ على هذا مؤلفه فوافقت حقيقته واقع الكتاب، وجاءت هذه الرسائل لتلبي الحاجة الملحة للعمل في هذا السفر الكبير، وقد بذل المحققون جهوداً كبيرة في إخراج رسائلهم التي أمضوا في إعدادها سنوات مهمة من أعمارهم لينالوا الدرجات العلمية التي سجلوا الكتاب من أجل الحصول عليها، وقد حصلوا عليها بفضل الله سبحانه وتعالى، وبقي هذا العمل حبيس الأدراج حتى قيَّضَ له الأخ الزميل الدكتور تركي بن سهو العتيبي عميد البحث العلمي السابق ليبذل جهده لإخراج الكتاب مع إدراكه أن هناك عقبات كثيرة تحول دون نشره، ومن أصعبها تعدد الرسائل في هذا الكتاب، وتباعد الباحثين، وضخامة العمل، ولزوم إخراجه كاملاً في وقت واحدٍ. - هـ -

وبدأ العمل في الكتاب منذ ست سنوات، وكان عملاً متواصلاً لا ينفك البتة، مما جعل اللجنة المشكلة تبذل جهوداً متواصلة لإخراجه وطباعته، ومحاولة توحيد عمل المحققين، والسعي لتوحيد الإخراج، ليكون الكتاب كله على نسق متقارب. وقد أخذت اللجنة العلمية على عاتقها تطبيق ملحوظات الفاحصين على جميع الرسائل، من خلال المراجعين الذين كلفوا بالمراجعة والتصحيح والتدقيق، كما قررت اللجنة أن تدوِّن أسماء الباحثين على الأجزاء التي حقّقوها، وبذلت خطوات علمية وعملية حيث قامت اللجان بمقابلة النص كاملاً على إحدى النسخ الخطية للتأكد من خلوه من الأسقاط، والالتزام برسم المصحف، والضبط بالشكل للمشكل من الكلمات، أو ما يستدعي السياق ضبطه، ورفع الإبهام عن النصِّ، والتخلص من تراجم المشهورين، ومحاولة عدم تكرار التخريج للنصوص، وعدم تكرار توثيق الشواهد ما أمكن، إلا ما دعت الحاجة إلى تكراره، وبعد هذا كلِّه الإشراف على الفهرسة العلمية الكاملة لهذا الكتاب. هذا جهد استمر من منتصف عام 1425 هـ، حتى الآن، وبعد جهود متواصلة، ومتابعة متلاحقة خرج هذا العمل الذي أسأل الله سبحانه وتعالى أن يكون عملاً صالحاً مقبولاً، وأن يجزي الباحثين أصحاب الرسائل كل خير. وأخيراً أشكر الله سبحانه وتعالى على ما أعان ويسر وتمَّم، وأثني بالشكر والعرفان لخادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز، وصاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبد العزيز نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع والطيران والمفتش العام، وصاحب السمو الملكي الأمير نايف بن عبد العزيز النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية على ما أولوه للعلم والمعرفة من عناية ورعاية واهتمام، وما قدموه وما يقدمونه للجامعات السعودية من جهود مباركة. - و -

وأشكر معالي مدير الجامعة الأخ الأستاذ الدكتور سليمان بن عبد الله أبا الخيل اهتمامه بهذا الكتاب، ومباركته هذا التوجه وتأييده له، وحرصه الشديد على الإسراع بنشره، وتأكيده الدائم بأن الجامعة ستدعم هذا المشروع بكلِّ ما تستطيع. وأسجِّل عرفاني وتقديري لأعضاء اللجنة جميعاً على صبرهم وتحملهم هذا العمل، مع مشاغلهم الكثيرة، وبذلهم جهوداً متواصلة من غير كللٍ ولا مللٍ، كان العمل متواصلاً طيلة هذه السنوات، وقد ظنَّ الكثيرون بأن العمل توقَّف، لكنه لم يتوقف بحمد الله، لكن رغبة في الإنجاز حرص أعضاء اللجنة على العمل الدائم بصمتٍ تامٍّ حتى يتحقَّق إنجازه وقد تمَّ بفضل الله سبحانه وتعالى. وأشكر كذلك لجان المتابعة والمراجعين، وجميع من ضرب مع اللجنة بسهم في العمل. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. عبد العزيز بن سطام بن عبد العزيز آل سعود - ز -

مقدمة التحقيق

مقدمة التحقيق بسم الله الرحمن الرحيم إنَّ الحمدَ لله، نَحْمده، ونَستعينه، ونستغفره، ونعوذُ بالله مِنْ شرورِ أنفسنا، وسيئاتِ أعمالِنا، مَنْ يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إلله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وآله وسلم تسليمًا. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُون} [آل عمران: 102]. {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: 1]. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 70، 71]. أما بعد: فإن أجل ما صرفت فيه الأعمار، وقضيت فيه الأيام، الاشتغال بكتاب الله جل وعلا، قراءة وتعلُّماً وتعليماً وتفسيراً، فهو الحجة البالغة والصراط المستقيم، وه و"كتابه الدالُّ عليه لمن أراد معرفته، وطريقه الموصلة لسالكها إليه، ونوره المبين الذي أشرقت له الظلمات، ورحمته المهداة التي بها صلاح جميع المخلوقات، والسبب الواصل بينه وبين عباده إذا انقطعت الأسباب، وبابه الأعظم الذي منه الدخول، فلا يغلق إذا أغلقت الأبواب، وهو الصراط المستقيم الذي لا تميل به الآراء، والذكر الحكيم الذي لا تزيغ به الأهواء، والنُزُل الكريم الذي لا يشبع منه العلماء، ولا تفنى عجائبه، ولا تُقْلِع سحائبه، ولا تنقضي آياته، ولا تختلف دلالاته، كلما ازدادت البصائر

فيه تأملاً وتفكيرًا زادتْ هداية وتبصيرًا، وكلما بَجَسَتْ (¬1) مَعينه فجّر لها ينابيع الحكمة تفجيرًا، فهو نور البصائر من عماها، وشفاء الصدور من أدوائها وجواها (¬2)، وحياة القلوب.، ولذة النفوس" (¬3). ولذلك عكف العلماء على مائدة القرآن منذ نزوله، تلاوةً وحفظاً، وتدبراً واستنباطاً، وتفسيراً وبياناً، وتأليفاً وبحثًا عن أسراره وعجائبه التي لا تنفد ولا تنقضي، لذلك تعددت الدراسات حول القرآن؛ فمنهم من عُني بقراءاته وعللها، ومنهم من عُني بغريبه ومعانيه، ومنهم من عني بإعرابه وبلاغته، ومنهم من عني بأحكامه وتشريعاته، ومنهم من عني بمشكله ومتشابهه، ومنهم من عُني بأسباب نزوله وناسخه ومنسوخه، وقد استأثر التفسير بالنصيب الأوفى من هذِه الدراسات، حيث أُلفت في هذا الباب كتبٌ عديدة ومصنفاتٌ عجيبة، ما بين مطيل متوسع، ومختصر موجز، ومتوسط مقتصد. وممن وفقهم الله لذلك العلامة المفسّر اللغوي: أبو الحسن علي بن أحمد الواحدي، حيث ألف في التفسير فأكثر ولوّن، وبسط وأوجز، وجمع وحقق، وزيَّن ونمَّق، واشتهر بين الناس بمصنفاته في التفسير، وسارت بها الركبان، وتداولها شُداة العلم، وأفادوا منها، وأثنوا عليها غاية الثناء، وذلك أنه كما قال عن نفسه: "وأظنني لم آلُ جهداً في إحكام أصول هذا العلم، على حسب ما يليق بزماننا هذا، ويسعه سنو عمري، على قلة ¬

_ (¬1) بجست: فجرت. ينظر: "اللسان" 1/ 212. (¬2) جواها: الجوى: الحرقة وشدة الوجد من عشق أو حزن، والجوى السل وتطاول المرض. انظر: "اللسان" 2/ 7304. (¬3) "مدارج السالكين" 1/ 3.

أعدادها، فقد وفق الله تعالى، وله الحمد، حتى اقتبست كل ما احتجت إليه في هذا الباب من مظانه، وأخذته من معادنه". فجاءت مؤلفاته مليئة بالفوائد، جامعة للعلوم والمعاني، حسنة في الألفاظ والمباني. ومع قناعة أبي الحسن الواحدي بأن الأول لم يترك للآخر شيئاً، إلا أنه اعتذر لنفسه بقوله: "إن المتأخر بلطيف حيلته، ودقيق فطنته، يلتقط الدرر، ويجمع الغرر، فينظمها كالعقد على صدر الكعاب (¬1)، يروق (¬2) المتأملين، ويؤنق (¬3) الناظرين، فيستحق به في الأولى حمد الحامدين، وفي العقبي ثواب رب العالمين". وكان -رحمه الله- تحدثه نفسه أن يعلق في تفسير القرآن فِقَراً (¬4) في الكشف عن غوامض معانيه، ونكتاً في الإشارة إلى علل القراءات فيه، في ورقات يصغر حجمها، ويكثر غُنْمها، والأيام تَمْطله بصروفها، على اختلاف صنوفها، إلى أن شدد عليه خناق التقاضي قوم لهم في العلم سابقة، وفي التحقيق همم صادقة، فسمحت قَرُوْنَتُه بعد الإباء، وذلت صعوبته بعد النفرة والالتواء. قال: "وقد استخرت الله العظيم في جمع كتاب أرجو أن يمدني الله فيه بتوفيقه وحسن تيسيره، حتى أبرزه كالقمر انجاب سحابه، والزلال صفا متنه واطرد حُبابه، يؤدي إلى المتأمل نُضرة الكلم العِذاب، ورونق الذهب ¬

_ (¬1) الكعاب: الجارية التي نهد ثديها. ينظر "اللسان" 7/ 3888. (¬2) يروق: يعجب. ينظر: "اللسان" 3/ 1779. (¬3) يؤنق: يعجب. ينظر: "اللسان" 1/ 153. (¬4) الفِقَر: خرزات الظهر، الواحدة: فِقْرة. والفِقْرة: جملة من كلام، أو جزء من موضوع. ينظر: "تهذيب اللغة" 9/ 117، "والمعجم الوسيط" 2/ 697.

المذاب، سألكٌ نهج الإعجاز في الإيجاز، مشتمل على ما نقمت على غيري إهماله، ونعيت عليه إغفاله، خالٍ عما يكسب المستفيد مَلالة، ويتصور عند المتصفح إطالة، لا يدع لمن تأمله حازة في صدره، حتى يخرجه من ظلمة الريب والتخمين إلى نور العلم وثَلَج اليقين". ولما كان الكتاب بهذه المثابة، ومؤلفه بهذه المنزلة، فقد ظل الكتاب مغموراً محبوساً بين المخطوطات في خزائن كتب التراث في الخافقين، حتى قيض الله له من ينفض عنه الغبار، وهم مجموعة من الأساتذة الافاضل، نالوا بها درجة الدكتوراه وهم: 1 - الدكتور/ محمد بن صالح بن عبد الله الفوزان. من أول الكتاب إلى آخر الآية رقم 74 من سورة البقرة. 2 - الدكتور/ محمد بن عبد العزيز الخضيري. من آية 75 حتى آية من سورة البقرة إلى آخر السورغ 3 - الدكتور/ أحمد بن محمد بن صالح الحمادي. سورة آل عمران كلها. 4 - الدكتور/ محمد بن حمد بن عبد الله المحيميد. من أول سورة النساء إلى آخر سورة المائدة. 5 - الدكتور/ محمد بن منصور الفايز. من أول سورة الأنعام إلى آخر سورة الأعراف. 6 - الدكتور/ إبراهيم بن علي الحسن. من أول سورة الأنفال إلى آخر سورة يونس. 7 - الدكتور/ عبيد الله بن إبراهيم الريس. من أول سورة هود إلى آخر سورة الرعد.

8 - الدكتور/ عبد الرحمن بن عبد الجبار بن صالح هوساوي. من أول سورة إبراهيم إلى آخر سورة الإسراء. 9 - الدكتور/ عبد العزيز بن محمد اليحيى. من أول سورة الكهف إلى آخر سورة طه. 10 - الدكتور/ عبد الله بن عبد العزيز بن محمد المديميغ. من أول سورة الأنبياء إلى آخر سورة النور. 11 - الدكتور/ سليمان بن إبراهيم بن محمد الحصين. من أول سورة الفرقان إلى آخر سورة الروم. 12 - الدكتور/ محمد بن عبد الله بن سايح الطيار. من أول سورة لقمان إلى آخر سورة (ص). 13 - الدكتور/ علي بن عمر السحيباني. من أرل سورة الزمر إلى آخر سورة الحجرات. 15 - الدكتور/ فاضل بن صالح بن عبد الله الشهري. من أول سورة (ق) إلى آخر سورة القلم. 15 - الدكتورة/ نورة بنت عبد الله بن عبد العزيز الورثان. من أول سورة الحاقة إلى آخر الكتاب. فجزاهم الله خير الجزاء

أهمية هذا الكتاب وسبب اختياره

أهمية هذا الكتاب وسبب اختياره: يُبَيِّن أهمية هذا الكتاب ما للمؤلف من مكانة علمية عالية وما لكتابه "البسيط" من قيمة علمية كبيرة، فقد برز الواحدي في علوم كثيرة كالتفسير والعربية وتصدر للتدريس في زمانه، يقول الحافظ الذهبي عنه: "الإِمام، العلامة، الأستاذ ... صاحب التفسير، وإمام علماء التأويل ... كان طويل الباع في العربية .. تصدر للتدريس مدة وعظم شأنه" (¬1). وقد أثنا عليه وأشاد بمؤلفاته كثيرٌ من العلماء (¬2). فالواحدي قد بلغ مرتبة الإمامة في كثير من العلوم الشرعية. أما كتابه "البسيط" فإن له قيمة علمية كبيرة في مجال التفسير التحليلي للآيات بذكر معاني المفردات وما يتعلق بها من حيث اللغة والنحو، والعناية بالقراءات وبيان أوجهها وعللها، وسياق الأقوال والأوجه في التفسير مع الموازنة بينها أو الترجيح في كثير من الأحيان، وذكر أسباب النزول واستنباط ما تدل عليه الآيات من أحكام، فهذا الكتاب يعتبر من التفاسير الجامعة. من جهة أخري فإن "البسيط" قد امتاز بمراجعه الأصيلة في التفسير والعربية، كما أنه يعتبر مصدراً مهماً لنصوص كثيرة من كتب مفقودة كـ"المصادر" للفراء و"نظم القرآن" للجرجاني وبعض كتب ابن الأنباري، ¬

_ (¬1) "سير أعلام النبلاء" 18/ 339 - 341. (¬2) انظر: "المنتخب من السياق" ص 387، و"إنباه الرواة" 2/ 223، "ومعجم الأدباء" 12/ 258، و"وفيات الأعيان" 3/ 303، و"إشارة التعيين" ص 209، و"طبقات الشافعية الكبرى" 3/ 289، هـ 29، و"البداية والنهاية" 12/ 121، و"طبقات المفسرين" للداودي 1/ 394.

وغيرها، حيث اعتمد الواحدي كثيراً على هؤلاء في تفسيره، وكان حسن الانتقاء للنقول، وإجادة الربط بين الكلام ولو كان من مصادر متعددة. ومن أهمية هذا التفسير أن الواحدي تصدى فيه للرد على الفرق الضالة -خاصة القدرية- كلما سنحت له فرصة، فيبين بُعد منهجهم عن الصواب، ومجانبتهم لما دلت عليه الآيات القرآنية والسنة المطهرة. كما يعتبر "البسيط" مصدراً أصيلاً قديماً من تفاسير القرن الخامس الهجري نقل منه كثير ممن جاء بعده من المفسرين، وكذلك غزارة مادة "البسيط" العلمية وتنوعها، ففيه مادة لغوية ونحوية، وفيه كثير من الأقوال والآثار التي لم يعثر عليها في كتب التفسير الأخري. كما أن الواحدي يتصف بدقة البحث للمسائل وتحريرها وحسن ترجيحها مما جعل كثيراً من المفسرين يتبنى آراءه ويستشهد بها في مواطن الخلاف. كما يعتبر "البسيط" من كتب التفسير الكبيرة الجامعة لمختلف العلوم، وكذلك المكانة العلمية البارزة لمؤلف هذا الكتاب وهو الإِمام الواحدي فهو من كبار العلماء بالتفسير والعربية. صحيح أن المؤلف -رحمه الله- وقع فيما أُخذ عليه، وانتُقِد بسببه، لكن تلك المآخذ لا تقلل كثيراً من شأن الكتاب، ولا تطمس محاسنه ومزاياه؛ ولهذا فإن المكتبة القرآنية بحاجة إلى نشر هذا الكتاب محققًا، لتعم به الفائدة، ويكثر به النفع، وأسأل الله أن يوفقنا إلى إبراز هذا وإخراجه بالصورة التي تليق به.

خطة العمل

خطة العمل: يتكون هذا الكتاب من: مقدمة، وقسمين، وفهارس. المقدمة: أشرنا فيها إلى أهمية الكتاب المحقق، وسبب اختياره. القسم الأول: الدراسة: وتنقسم إلى فصلين: الفصل الأول: التعريف بالمؤلف. وفيه مبحثان: المبحث الأول: التعريف بالمؤلف. وفيه تسعة مطالب: المطلب الأول: اسمه، ونسبه، وكنيته، وأسرته. المطلب الثاني: ولادته ووفاته. المطلب الثالث: موطنه. المطلب الرابع: طلبه للعلم، ورحلاته في طلب العلم، والعلوم التي برز فيها. المطلب الخامس: عقيدته ومذهبه. المطلب السادس: شيوخه وتلاميذه مع تعريف لكل واحد منهم. المطلب السابع: مؤلفاته. المطلب الثامن: مكانته. المطلب التاسع: أقوال العلماء فيه، وما كتبه العلماء عن الواحدي ثناءً أو نقداً له، والصواب من ذلك. المبحث الثاني: الأوضاع السياسية في عصر الواحدي، وأثرها على

الناحية العلمية. الفصل الثاني: دراسة عن كتاب "البسيط". وفيه عشرة مباحث: المبحث الأول: اسم الكتاب. المبحث الثاني: ثبوت نسبة الكتاب للوحدي. المبحث الثالث: الباعث على إنشائه. المبحث الرابع: تاريخ البدء فيه والانتهاء منه. المبحث الخامس: مصادر الواحدي في "البسيط"، ثم التعريف بهذِه المصادر وطريقته في الأخذ منها، وما هي المادة التي أخذها. المبحث السادس: منهج الواحدي في البسيط. وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: منهجه إجمالاً كما وصفه في مقدمة كتابه. المطلب الثاني: منهجه تفصيلاً. وفيه تسع مسائل: المسألة الأولى: منهجه في تفسير القرآن بالقرآن. المسألة الثانية: منهجه في تفسير القرآن بالسنة. المسألة الثالثة: منهجه في تفسير القرآن بأقوال الصحابة والتابعين. المسألة الرابعة: منهجه في ذكر الإسرائيليات. المسألة الخامسة: منهجه في القراءات. المسألة السادسة: منهجه في علوم القرآن. 1 - أسباب النزول. 2 - الوقف والابتداء.

3 - الناسخ والمنسوخ. 4 - الربط بين الآيات. المسألة السابعة: منهجه في مسائل العقيدة، والرد على الفرق. المسألة الثامنة: منهجه في المسائل الفقهية والأصولية. المسألة التاسعة: منهجه في اللغة وفنونها. المطلب الثالث: مقارنة بين تفاسير الواحدي الثلاثة. المبحث السابع: قيمة البسيط العلمية. المبحث الثامن: أثر الواحدي فيمن بعده من خلال كتابه "البسيط" وفيه ذكرت أهم الذين تأثروا بتفسير "البسيط" وأفادوا منه، فمن المفسرين: 1 - الفخر الرازي في تفسيره: "مفاتيح الغيب". 2 - أبو حيان في تفسيره: "البحر المحيط". 3 - السمين الحلبي في تفسيره: "الدر المصون". 4 - الجمل في تفسيره: "الفتوحات الإلهية". 5 - الألوسي في تفسيره: "روح المعاني". ومن المؤلفين في علوم القرآن: 1 - الزركشي في "البرهان". 2 - السيوطي في "الإتقان". ومن الفقهاء: الطحطاوي في "حاشية على المراقي"، والنووي في "المجموع شرح المهذب"، والخطيب في "مغني المحتاج"، والشوكاني في "نيل الأوطار"، والصنعاني في "سبل السلام". ومن شرح الحديث: النووي في "شرح مسلم"، والحافظ في

"الفتح"، وبدر العيني في "عمدة القاري"، والسيوطي في "تنوير الحوالك"، وشرح "سنن النسائي"، والمناوي في "فيض القدير". المبحث التاسع: منهج تحقيق الكتاب المبحث العاشر: النسخ الخطية لتفسير البسيط. القسم الثاني: تحقيق نص الكتاب. الفهارس: تم عمل فهارس متنوعة، تذليلاً للبحث في الكتاب، وتيسيراً على الباحثين وهي كالتالي: 1 - فهرس الآيات التي ورد بها أسباب نزول. 2 - فهرس الأحاديث. 3 - فهرس الآثار. 4 - فهرس الأعلام المترجم لهم. 5 - فهرس الأبيات الشعرية. 6 - فهرس الكلمات اللغوية. 7 - فهرس الكلمات النحوية. 8 - فهرس البلدان والمواضع. 9 - فهرس الطوائف والفرق والقبائل. 10 - فهرس المصادر والمراجع. 11 - فهرس المحتويات.

المبحث الأول التعريف بالواحدي حياته وآثاره

المبحث الأول التعريف بالواحدي حياته وآثاره وفيه تسعة مطالب: المطلب الأول: اسمه، ونسبه، وكنيته، وأسرته. المطلب الثاني: ولادته ووفاته. المطلب الثالث: طلبه للعلم، ورحلاته في طلب العلم، والعلوم التي برز فيها. المطلب الرابع: موطنه. المطلب الخامس: عقيدته ومذهبه. المطلب السادس: شيوخه وتلاميذه مع تعريف لكل واحد منهم. المطلب السابع: مؤلفاته. المطلب الثامن: مكانته. المطلب التاسع: أقوال أهل العلم فيه، وما كتبه العلماء عن الواحدي ثناءً أو نقداً له، والصواب من ذلك.

المطلب الأول اسمه ونسبه، وكنيته، وأسرته

المطلب الأول اسمه ونسبه، وكنيته، وأسرته أولاً: اسمه ونسبه: هو علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي النيسابوري الشافعي. هذا نسبه في أكثر المصادر التي وردت فيها ترجمته (¬1). وزاد بعضهم في نسبه فذكر "متويه" أحد أجداده ونسبه له، فقال ابن خلكان (¬2): "المتُّوي" وقال ابن الأثير (¬3): "المتويي". أما ابن كثير فقال في نسبه: "علي بن حسن بن أحمد بن بويه الواحدي" (¬4). ولم يذكر أحد غيره أن اسم أبيه "حسن" بل أجمعت المصادر على أنه "أحمد" فلعله تصحيف. وقعت كنيته "أبو الحسن" مكان اسم أبيه. أما قوله: "ابن بويه" فلعلها كذلك تصحيف "متويه" (¬5). و"الواحدي" بفتح الواو، وبعد الألف حاء مهملة مكسورة، وهذه ¬

_ (¬1) انظم: "دمية القصر وعصرة أهل العصر" للباخرزي 2/ 1017، و"معجم الأدباء" 12/ 257، و"إنباه الروة" 2/ 223، و"سير أعلام النبلاء" 18/ 339، و"طبقات الشافعية الكبرى" للسبكي 3/ 289، والإسنوي 2/ 538، و"غاية النهاية في طبقات القراء" 1/ 523، و"النجوم الزاهرة" 5/ 104، و"بغية الوعاة" 12/ 145، و"طبقات المفسرين" للسيوطي ص 66، و"طبقات المفسرين" للداودي 1/ 394، و"إشارة التعيين" ص 209. (¬2) انظر: "وفيات الأعيان" 3/ 303، 304 (¬3) انظر: "اللباب" 3/ 163. (¬4) "البداية والنهاية" 12/ 114. (¬5) انظر: الواحدي ومنهجه في التفسير، د/ جودة محمد، ص 56.

ثانيا: كنيته

النسبة إلى الواحد بن الدين (¬1) بن مهرة، ذكره ابن خلكان عن أبي أحمد العسكري. وقال أبو الفداء: "الواحدي"، نسبة إلى الواحد بن ميسرة (¬2). و"بنو مهرة" قبيلة عربية مشهورة ترجع إلى قضاعة (¬3). وشهرته بالواحدي هي المعروفة المذكورة في المصادر. أما "المتوي" فنسبة إلى "مَتُّويه" بفتح الميم والتاء المشددة المضمومة، أحد أجداده المنسوب له، قاله ابن خلكان (¬4)، وذكر هذا النسب السمعاني (¬5) فقال: "المتويي"، ولم يذكر الواحدي ضمن من ذكر فيمن نسب لهذا الجد، وتعقبه ابن الأثير (¬6) فذكر الواحدي ونسبه إلى هذا الجد، فقال: "المتوبي". و"النيسابوري" نسبة إلى موطنه "نيسابور" كما سبق. ثانيًا: كنيته: يكنى "أبا الحسن" على هذا أكثر المصادر، سوى القفطي في "إنباه الرواة" فإنه قال: "الحسين" (¬7). ولعله تصحيف عن "الحسن" وهذا يحصل كثيراً في كتب التراجم بين اسم "الحسن" و"الحسين". ¬

_ (¬1) كذا في "وفيات الأعيان " بتحقيق د/ إحسان عباس حيث قال في الحاشة: كذا في المسودة، وفي التصحيف ص 506 "الدثن"، "وفيات الأعيان" 3/ 304. وفي الأعلام "الديل" 4/ 255، واختاره مؤلف "الواحدي وبمنهجه في التفسير" ص 58. (¬2) "المختصر في أخبار البشر" 2/ 219. (¬3) انظر: "جمهرة أنساب العرب" لابن حزم ص 440، 485. (¬4) انظر: "وفيات الأعيان" 3/ 304 (¬5) انظر: "الأنساب" 12/ 82. (¬6) انظر: "اللباب" 3/ 163. (¬7) انظر. "إنباه الرواة" 2/ 223.

ثالثا: أسرته

ثالثًا: أسرته: لم تذكر المصادر شيئاً كثيراً عن أسرة الواحدي، وكل ما قيل عنها: أن أباه يعد من التجار (¬1)، فالواحدي نشأ في أسرة ذات يسار، وهذا يهيئ لطالب العلم التفرغ له، فلا ينشغل بطلب قوته غالباً. ومما ذكر عن أسرته أن له أخوين: أحدهما: عبد الرحمن، ذكره في "المنتخب من السياق" فقال: عبد الرحمن بن أحمد بن محمد بن علي بن متُّويه الواحدي، أبو القاسم، مستور صالح، أخو الإِمام علي الواحدي، الأكبر منه، وأصلهم من ساوة من أولاد التجار سمع من الزيادي وابن يوسف ومن بعدهم من أصحاب الأصم، وعقد له مجلس الإملاء في الجامع المنيعي .. وتوفي يوم الأربعاء غرة شهر ربيع الآخر سنة سبع وثمانين وأربعمائة، روى عنه أبو الحسن (¬2). والثاني: سعيد، قال في المنتخب: "سعيد بن أحمد بن محمد السمسار، أبو بكر الواحدي، أخو الإِمام المفسر علي الواحدي، شيخ ثقة مستور عفيف كان يحترف السمسرة سمع من أصحاب الأصم" (¬3). ¬

_ (¬1) انظر: "معجم الأدباء" 12/ 257، و"طبقات الشافعية" للسبكي 3/ 289، و"طبقات الشافعية" للأسنوي 2/ 539، و"النجوم الزاهرة" 5/ 104، وغيرها من الكتب التي ترجمت له. (¬2) "المنتخب من السياق" لتاريخ نيسابور ل 91 ب، وترجم له في "سير أعلام النبلاء" 18/ 342، وانظر "معجم الأدباء" 12/ 258، و"طبقات الشافعية" للسبكي 3/ 189، و"النجوم الزاهرة" 5/ 104. (¬3) "المنتخب من السياق" ل 68 أ، و"أسباب النزول" للواحدي، مقدمة السيد أحمد صقر ص 5 وذكر اسمه "سعد".

المطلب الثاني

المطلب الثاني ولادته لم يذكر أحد ممن ترجم للواحدي تاريخ ميلاده، وهذا واقع في تراجم أغلب العلماء، ذلك أن العالم حين ولادته لم يظهر له نبوغ يذكر، ولا أثر يستحق التسجيل، وربما كان لبعض الأسر دور في تسجيل تاريخ ميلاد أبنائهم. والواحدي لم ينص أحد على تاريخ ميلاده، وإنما ذكر تاريخ وفاته. وفاته: توفي أبو الحسن الواحدي سنة 468 في جمادى الآخرة بنيسابور (¬1)، بعد مرض ألم به طويل (¬2)، خلافاً لما ذكره بعضهم (¬3) من أن مرضه لم يدم طويلاً. وذكر بعضهم (¬4) قولاً: إنه توفي سنة 469 ثم رجح الأول وقد ذكروا أنه شاخ (¬5) وكان عند وفاته من أبناء السبعين (¬6). ¬

_ (¬1) ينظر مثلاً: "المنتخب من السياق" ص 387، و"معجم الأدباء" 11/ 258 و"إنباه الرواة" 2/ 224، و"وفيات الأعيان" 3/ 304. (¬2) ينظر: المراجع السابقة، و"المختصر في أخبار البشر" 2/ 192، و"تاريخ ابن الوردي" 1/ 387، و"طبقات الشافعية" للإسنوي 2/ 539. (¬3) وهو القفطي في "إنباه الرواة" 2/ 224 وقد تكون كلمة (غير) مقحمة في قوله: ومرض مرضة غير طويلة، واكتفى ابن كثير في "البداية والنهاية" 12/ 114 بقوله: وقد مرض مدة. (¬4) هو ابن تغري بردي في "النجوم الزاهرة" 5/ 104 (¬5) ينظر: "سير أعلام النبلاء" 18/ 342. (¬6) تقدم ذكر ذلك.

المطلب الثالث موطنه

المطلب الثالث موطنه أصل الواحدي من "ساوة" كما قال ذلك ياقوت وغيره (¬1)، ولكن أسرته انتقلت منها واستقرت في "نيسابور" حيث ولد الواحدي وتوفي فيها (¬2)، و"نيسابور" إحدى مدن "خراسان" الهامة. فهو خراساني نيسابوري. أما "ساوة" فقد قال عنها ياقوت: "مدينة حسنة بين الري وهمذان في وسط .. وبقربها مدينة يقال لها "آوة" فـ"ساوة" سنية شافعية، و"آوة" أهلها شيعة إمامية وبينهما نحو فرسخين، ولا يزال يقع بينهما عصبية .. " (¬3) ولا نقف عندها كثيراً حيث تركتها أسرة الواحدي قبل ولادته (¬4)، فأثرها على حياته قليل. أما "خراسان" وهو الإقليم الذي عاش الواحدي في إحدى مدنه، فهو منطقة واسعة قال ياقوت في بيان حدودها: "خراسان: بلاد واسعة أول حدودها مما يلي العراق "أزاذوار" قصبة جوين "وبيهق"، وآخر حدودها مما يلي الهند "طخارستان" و"غزنة" و"سجستان" و"كرمان"، وليس ذلك منها، إنما هو أطراف حدودها" (¬5). وفي خراسان أمهات البلاد منها: بلخ ¬

_ (¬1) انظر: "معجم البلدان" 12/ 257، و"طبقات الشافعية" للسبكي 3/ 289، و"شذرات الذهب" 3/ 330. (¬2) انظر المراجع السابقة. (¬3) "معجم البلدان" 3/ 179. (¬4) انظر: "شذرات الذهب" 3/ 330. (¬5) "معجم البلدان" 2/ 350.

ونيسابور وبوشنج ومرو وهراة وطالقان وغيرها (¬1)، فتحت خراسان في أيام عثمان -رضي الله عنه- بإمارة عبد الله بن عامر بن كريز (¬2). وقد وصف المقدسي إقليم خراسان فقال: "اعلم أن لهذا الإقليم فضائل تنسب إلى هذا الجانب ويشركه في أكثرها جانب هيطل" (¬3)، إلا أن هذا لما كان أقدم في الاختطاط والفتح في الإِسلام، وأقرب إلى أقاليم العرب خص بالذكر وعرف عند النسبة، يحكى عن ابن قتيبة أنه قال: "أهل خراسان أهل الدعوة وأنصار الدولة .. " قال: "ويقال: إن محمد بن (¬4) عبد الله قال لدعاته: أما الكوفة وسوادها فشيعة علي، وأما البصرة فعثمانية تدين بالكف، وأما الجزيرة فحرورية صادقة، وأعراب كأعلاج، ومسلمون في أخلاق النصارى، وأما أهل الشام فلا يعرفون غير معاوية، وطاعة بني أمية وعداوة راسخة وجهل متراكم، وأما مكة والمدينة فقد غلب عليهم أبو بكر ¬

_ (¬1) انظر: "أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم" للمقدسي ص 395، و"معجم البلدان" 2/ 350. (¬2) انظر: "معجم البلدان" 2/ 350. (¬3) بلاد ما وراء نهر جيحون، يقال نزلها هيطل بن عالم بن سام بن نوح فسميت به. انظر: "معجم البلدان" 2/ 350. (¬4) كذا ورد اسمه عند المقدسي، ولعله تصحيف من النساخ، وإنما هو محمد بن علي ابن عبد الله بن العباس، داعية العباسيين، انظر: "معجم البلدان" 2/ 352، و"تاريخ الإِسلام السياسي" 2/ 12، وقد وقع د/ جودة محمد مهدي صاحب كتاب "الواحدي ومنهجه في التفسير" في وهم فاحش، حيث نقل مقاطع من كلام المقدسي وأضاف الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال في الحاشية: "لم يذكر المقدسي لفظ السيادة، ولم يصل على النبي - صلى الله عليه وسلم - مع ذكر اسمه الشريف فأضفت ذلك بين الأقوال وفاء بحق ذكر اسمه الشريف". انظر: "الواحدي ومنهجه في التفسير" ص 49، فجعل كلام محمد بن علي داعية العباسيين لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

وعمر، ولكن عليكم بخراسان فإن هناك العدد الكثير والجلد الظاهر وهناك صدور سليمة وقلوب فارغة لم تتقسمها الأهواء ولم تتوزعها النحل ولم يقدح فيها فساد، وهم جند لهم أبدان وأجسام ومناكب وكواهل وهامات ولحى وشوارب وأصوات هائلة ولغات فخمة تخرج من أجواف منكرة، وبعد فإني أتفاءل إلى المشرق وإلى مطلع سراج الدنيا ومصباح الخلق". وقال المقدسي (¬1): " .. واعلم أن هذا الجانب في الحقيقة خراسان وهو أجل الجانبين لأن به المصر الأعظم وأهله أظرف وأحلم وبالخير والشر أعلم إلا أقاليم العرب ورسومهم أقرب .. " (¬2). وكانت خراسان موطن العلم والعلماء قال ياقوت (¬3): " .. فأما العلم فهم فرسانه وساداته وأعيانه، ومن أين لغيرهم مثل محمد بن إسماعيل البخاري (¬4)، ¬

_ (¬1) محمد بن أحمد بن أبي بكر البناء، المقدسي، ولقال له: البشاري، رحالة جغرافي، ولد في القدس عام 336، تعاطى التجارة وتجشم أسفاراً تعرف من خلالها على أحوال البلاد، وصنف كتابه: "أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم". توفي نحو سنة 380 هـ ينظر: "أحسن التقاسيم" ص 43، "الأعلام" 5/ 312. (¬2) "أحسن التقاسيم" ص 293، 294 (¬3) هو شهاب الدين ياقوت بن عبد الله الرومي الجنس والمولد، الحموي المولى، البغدادي الدار، ولد سنة 574هـ، له تآليف كثيرة، منها: "معجم البلدان"، و"معجم الأدباء" وغيرها، توفي سنة 626. ينظر: "وفيات الأعيان" 6/ 127 - 139، و"سير أعلام النبلاء" 22/ 312. (¬4) هو محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري أبو عبد الله، أمير المؤمنين في الحديث، الإِمام الكبير، صاحب "الصحيح"، ولد سنة 194 وله تآليف غير "الصحيح"، منها "التاريخ الكبير" و"الأدب المفرد" و"الضعفاء" وغيرها، مات سنة 256. ينظر: "سير أعلام النبلاء" 12/ 391، و"تهذيب التهذيب" 9/ 47.

ومثل مسلم بن الحجاج (¬1)، وأبي عيسى الترمذي (¬2)، وإسحاق بن راهويه (¬3)، وأحمد بن حنبل وأبي حامد الغزالي (¬4)، والجويني إمام الحرمين (¬5) والحاكم ¬

_ (¬1) هو مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري أبو الحسين: الإِمام الحافظ صاحب "الصحيح"، ولد بنيسابور عام 204 ورحل في طلب الحديث، وألف الصحيح، وبه اشتهر، ومن كتبه: "المسند الكبير"، و"الجامع"، و"التمييز"، وغيرها، توفي سنة 261 ينظر: "تاريخ بغداد" 13/ 100 و"سير أعلام النبلاء" 12/ 557. (¬2) محمد بن عيسى بن سورة بن موسى السلمي الترمذي، أبو عيسى، أحد أئمة الحديث وحفاظه، صاحب "السنن" المشهورة، ولد سنة 209 وهو تلميذ البخاري، وقد رحل في طلب الحديث من كتبه: "الشمائل" و"التاريخ" و"العلل"، مات سنة 279. ينظر: "سير أعلام النبلاء" 13/ 270، و"تهذيب التهذيب" 9/ 387. (¬3) هو إسحاق بن إبراهيم التميمي المروزي أبو يعقوب، عالم خراسان في عصره، قال فيه الخطيب: "اجتمع له الحديث والفقه والحفظ والصدق والورع والزهد" روى عنه البخاري ومسلم والترمذي وغيرهم توفي سنة 238. ينظر: "الجرح والتعديل" 2/ 209، و"السير" 11/ 358. (¬4) محمد بن محمد بن محمد الغزالي الطوسي أبو حامد فيلسوف متصوف فقيه أصولي ولد سنة 450 بخراسان، رحل إلى نيسابور وغيرها في طلب العلم، من كتبه: "إحياء علوم الدين"، و"المستصفى"، و"تهافت الفلاسفة"، توفي، سنة 505. ينظر: "وفيات الأعيان" 1/ 463، و"سير أعلام النبلاء" 19/ 322. (¬5) عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني أبو المعالي، إمام الحرمين، من فقهاء الشافعية ولد في جوين من نواحي نيسابور عام 419، ورجل وجاور بمكة سنين وذهب إلى المدينة فأفتى ودرس ثم عاد إلى نيسابور قبنى له نظام الملك المدرسة النظامية فيها من كتبه: "غياث الأمم" و"الإرشاد" و"الورقات"، توفي عام 478. ينظر: "وفيات الأعيان" 1/ 287، و"سير أعلام النبلاء" 18/ 468.

أبي عبد الله النيسابوري (¬1) وغيرهم من أهل الحديث والفقه، ومثل الأزهري (¬2) والجوهري (¬3) وعبد الله بن المبارك .. " (¬4) هذا عن خراسان. أما "نيسابور" موطن الواحدي وبلده، فهي كما وصفها ياقوت حين قال: "نيسابور" بفتح أوله والعامة يسمونه: "نشاوور" وهي مدينة عظيمة ذات فضائل جسيمة معدن الفضلاء، ومنبع العلماء، لم أر فيما طوفت من البلاد مدينة كانت مثلها .. " (¬5). واختلف في سبب تسميتها بذلك، فقيل: إنها سميت بذلك لأن سابور ¬

_ (¬1) محمد بن عبد الله بن حمدويه بن نعيم الضبي الشهير بالحاكم ويعرف بابن البَيِّع أبو عبد الله من أكابر حفاظ الحديث والمصنفين فيه ولد سنة 321 في نيسابور، رحل في طلب العلم، وبرع، وولي قضاء نيسابور، من كتبه: "المستدرك على الصحيحين" و"المدخل" و"معرفة علوم الحديث". توفي سنة 405. ينظر: "تاريخ بغداد" 5/ 473، و"سير أعلام النبلاء" 17/ 162. (¬2) هو: أبو منصور محمد بن أحمد بن الأظهر بن طلبة الأزهري الهروي، العلامه اللغوي الشافعي، صاحب: "تهذيب اللغة" المشهور، توفي سنة 370 هـ ينظر: "طبقات الشافعية" للسبكي 3/ 63، و"بغية الوعاة" 1/ 19، و"السير" 16/ 315. (¬3) إمام اللغة، أبو نصر إسماعيل بن حمّاد التركي الأُتراري، صاحب "الصحاح" واحد من يضرب به المثل في ضبط اللغة، وفي الخط المنسوب، توفي بنيسابور سنة 393. ينظر: "السير" 17/ 80، و"إنباه الرواة" 1/ 229. (¬4) عبد الله بن المبارك بن واضح الحنظلي مولاهم التميمي، المروزي، أبو عبد الرحمن، الإِمام الحافظ شيخ الإِسلام المجاهد التاجر، محدث فقيه زاهد، ولد سنة 118 من مصنفاته: "الجهاد" وهو أول من صنف فيه، وله "الزهد"، ومات سنة 181. ينظر: "تذكرة الحفاظ" 1/ 253، و"حلية الأولياء" 8/ 162. (¬5) "معجم البلدان" 5/ 331.

مر بها، وفيها قصب كثير، فقال: يصلح أن يكون ههنا مدينة، فسميت نيسابور وقيل: إن سابور خرج من مملكته لقول المنجمين فخرجوا يطلبونه فبلغوا "نيسابور" فقالوا: نيست سابور، أي ليس سابور (¬1). قال ياقوت: " .. وأكثر شرب أهل نيسابور من قنى تجري تحت الأرض ينزل إليها في سراديب مهيأة لذلك، فيوجد الماء تحت الأرض، ليس صادق الحلاوة، وعهدي بها كثيرة الفواكه والخيرات .. " (¬2). وذكر ياقوت أنها فتحت أيام عثمان -رضي الله عنه - وقد فتحها الأمير عبد الله بن كريز في سنة 30 هـ صلحا وبنى بها جامعا. وقيل: فتحت أيام عمر -رضي الله عنه - على يد الأحنف بن قيس، وانتقضت أيام عثمان فأرسل إليها عبد الله بن كريز ففتحها ثانية (¬3). ومما يجدر ذكره أن نيسابور أصابها ما أصاب الدولة الإِسلامية في العهد الثاني للعباسيين فتقلبت بين السامانيين والغزنويين والسلاجقة فكانت تحت ولاية السامانيين، فحاول محمود الغزنوي أخذها سنة (388 هـ) فاحتلها ولكن لما علم بمسير الأمير منصور بن نوح إليه سار عنها وتركها، ثم عاد إليها سنة (389هـ) واحتلها (¬4)، وبقيت تحت الدولة الغزنوية إلى سنة (432هـ) حيث احتلها السلاجقة. قال ابن الأثير عن حادثة احتلال السلاجقة لها: " .. وسار طغرلبك إلى نيسابور وملكها ودخل إليها آخر سنة إحدى وثلاثين وأول سنة اثنتين ¬

_ (¬1) المصدر السابق. (¬2) المصدر السابق. (¬3) المصدر السابق. (¬4) انظر: "الكامل في التاريخ" 7/ 190، 196.

وثلاثين ونهب أصحابه الناس .. وكان العيارون قد عظم ضررهم واشتد أمرهم وزادت البلية بهم على أهل نيسابور فهم ينهبون الأموال ويقتلون النفوس ويرتكبون الفروج الحرام .. فلما دخل طغرلبك البلد خافه العيارون وكفوا عما كانوا يفعلون وسكن الناس واطمأنوا .. " (¬1) وحصلت لها بلية أخري على يد الغز سنة (548 هـ)، ثم خربت مرة أخري على يد التتر سنة (618 هـ) (¬2). أما العلم بها فهو كما قال عنها ياقوت في كلامه السابق: "معدن الفضلاء ومنبع العلماء .. " وقد اشتهرت بمدارسها العامرة، وذكر السبكي بعض مدارسها، وذلك لما تحدث عن المدارس في عهد "نظام الملك" فذكر منها المدرسة "البيهقية" و"السعدية" بناها الأمير نصر بن سبكتكين أخو السلطان محمود، ومدرسة بناها أبو إسماعيل بن علي الاستراباذى الواعظ، ومدرسة "أبي إسحاق الإسفراييني" ثم بني "نظام الملك" المدرسة "النظامية" بها (¬3)، هذا شيء عن المدارس وبيوت العلم التي قامت بنيسابور، فتخرج فيها فحول العلماء. وقد ألف في أسماء علماء نيسابور ومشايخها كتب، وأول من كتب في هذا "الإِمام أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم" المتوفى سنة (405 هـ)، قال السمعاني: "والمنتسب إليها جماعة لا يحصون وقد جمع الحاكم أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ البيع، تاريخ علمائها في ثمان ¬

_ (¬1) "الكامل في التاريخ" 8/ 26. (¬2) انظر: "معجم البلدان" 5/ 332. (¬3) انظر: "طبقات الشافعية" للسبكي 3/ 137.

مجلدات .. " (¬1) وذيَّله عبد الغافر بن إسماعيل الفارسي، المتوفى سنة (529 هـ) في كتاب اسمه "السباق في ذيل تاريخ نيسابور" (¬2)، وذكر الثعالبي (ت 429 هـ) في "يتيمة الدهر" باباً في ذكر النيسابوريين، وباباً آخر في ذكر الطارئين على نيسابور من بلاد شتى (¬3). ومن مشاهير العلماء المنسوبين لنيسابور، الإِمام مسلم بن الحجاج، مؤلف "الصحيح"، ومنهم: "أبو بكر عبد الله بن محمد النيسابوري الشافعي، مولى أبان بن عثمان" توفي سنة (324 هـ) (¬4)، وسيأتي ذكر عدد منهم في شيوخ الواحدي وتلامذته. ومما ينبغي ذكره عن نيسابور وبلاد خراسان عامة أوضاع الفرق والطوائف والتعصب فيها، وقد وصف المقدسي ذلك فقال عن خراسان عامة: "وبه يهود كثيرة ونصارى قليلة، وأصناف المجوس، وليس فيه مجذومون، ولا يعرفون الجذام، وأولاد علي -رضي الله عنه - فيه على غاية الرفعة، ولا تري به هاشميا إلا غريبا ومذاهبهم مستقيمة غير أن الخوارج "بسجستان" ونواحي "هراة" و"كروخ" و"استربيان" كثيرة، وللمعتزلة بنيسابور ظهور بلا غلبة، وللشيعة والكرامية بها جلبة، والغلبة في الإقليم أصحاب أبي حنيفة، إلا في كورة "الشاش" و"إيلاق" و"طوس" و"نسا" و"أبيورد" و"طراز" و"ضنغاج" وسواد "بخارى" و"سنج" و"الدَّنْدَانَقَان" و"أسفراين" و"جويان" فإنهم شفعوية كلهم والعمل في هذه المواضع على مذهبهم .. و"نيسابور"- ¬

_ (¬1) "الأنساب" 13/ 235. (¬2) انظر: "كشف الظنون" 2/ 1011. (¬3) انظر: "يتيمة الدهر" الباب التاسع والعاشر 4/ 441 - 520 (¬4) انظر: "اللباب" 3/ 341.

أيضًا - شفعوية .. وأهل ترمذ جهمية، وأهل "الرقة" شيعة، وأهل "غندر" قدرية .. " (¬1). هذا الوصف من المقدسي يصور لنا حالة تلك البلاد التي عاش بها الواحدي فهي معدن العلم والعلماء وهي مع ذلك موطن اضطراب وتقلبات سياسية، ومواطن الفرق والصراع بينها، وما حصلت تلك المحن على تلك البلاد وعلى الأمة جميعها إلا بسبب ظهور المعاصي والتفرق في الدين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ¬

_ (¬1) "أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم" ص 323.

المطلب الرابع طلبه للعلم، ورحلاته في طلب العلم، والعلوم التي برز فيها

المطلب الرابع طلبه للعلم، ورحلاته في طلب العلم، والعلوم التي برز فيها لقد نشأ الواحدي في تلك المدينة العامرة بالعلم والعلماء نيسابورَ، مع سعة الرزق التي هيأت له أسباب التحصيل والطلب، وكان الكُتَّاب (¬1) هو المدرسة الابتدائية التي تلقا فيها أبو الحسن الواحديُّ تعليمه، حيث دخل كتاب الشيخ أبي عمرو سعيد بن هبة الله البسطامي (¬2). ثم شرع في السماع من العلماء، والأخذ عنهم، حيث سمع من شيخه أبي طاهر محمد بن محمد بن مَحْمِش الزيادي (¬3) محدث نيسابور وفقيهها، وكان ذلك عام (409) (¬4) فيكون سماعه منه، وهو في الثانية عشرة من عمره تقريباً، أو فوق ذلك بقليل. ثم انضم الواحدي إلا دار السُّنة -وهي مدرسة يدرِّس فيها كبار العلماء والمحدثين- ليتلقى العلم عن أجلَّة علمائها، وكان منهم: القاضي أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري في سنة (410) وهذا وما قبله يدلان على شغف الواحدي بالعلم ولزوم حلق العلماء منذ نعومة أظفاره، ومَيْعة (¬5) صباه (¬6). ولعل الواحدي رحمه الله أحب أن يتقن علوم الآلة التي يتوصل بها إلى فهم القرآن والسنة، قبل أن يخوض في علوم المقاصد، ليكون على ¬

_ (¬1) الكتاب -كرمان-: موضع تعليم الكتاب، وجمعه كتاتيب، "الصحاح" للجوهري 1/ 208. (¬2) ينظر: "دمية القصر" للباخرزي 2/ 1018 وتأتي ترجمته لاحقًا في مبحث شيوخه. (¬3) المصدر السابق. (¬4) ينظر: "المنتخب من السياق" ص 387 و"الوجيز" 1/ 86. (¬5) ميعة الصبا: أوله. (¬6) ينظر: "أسباب النزول" ص 244

فهم تام بها، ومعرفة بحقائقها، يحدث عن ذلك فيقول: "وأما النحو فإني لما كنت في مَيعة صباي، وشرخ شبيبتي، وقعت إلى الشيخ أبي الحسن علي بن محمد الضرير رحمه الله ... ولعله تفرَّس فيّ وتوسم أثر الخير لديّ فتجرد لتخريجي وصرف وَكْده (¬1) إلى تأديبي، ... وسعدت به أفضل ما سعد تلميذ بأستاذه، وقرأت عليه جوامع النحو والتصريف والمعاني، وعلقت عنه قريبا من مائة جزء في المسائل المشكلة، وسمعت منه أكثر مصنفاته في النحو والعروض والعلل .. " (¬2). ولم يقض نهمته من علم اللغة والأدب اللذين لا يستغنى عنهما في فهم النصوص، يقول الواحدي: "ولئن استغنى علم عن الأدب فمن ضرورة التفسير وعلم القرآن: الأدب ومعرفة اللغة العربية" (¬3)، فانقطع لتعلم اللغة على شيخ اللغة في وقته: أبي الفضل أحمد بن محمد بن عبد الله بن يوسف العروضي، حيث لازمه ملازمة الظل لصاحبه، يدخل عليه عند طلوع الشمس، ويخرج من عنده غروبها، يسمع ويعلق ويبحث، ويذاكر أصحابه ما بين طرفي النهار، وقرأ عليه كثيراً من دواوين الشعر وكتب اللغة، قال: ولم أغب عن زيارته يوماً من الأيام إلى أن حال بيننا الحمام (¬4). ثم لما توفي الشيخ أبو الفضل العروضي عام (416) تنقل الواحدي في مساجد البلد ومدارسه، بين العلماء والعلوم (¬5)، يحدثنا أبو الحسن الواحدي عن تلقيه للقرآن ولعلم القراءات، فيقول: "وأما القرآن وقراءات ¬

_ (¬1) الوكد: القصد. (¬2) مقدمة "البسيط" ص 420 - 421. (¬3) مقدمة "البسيط" ص 410. (¬4) مقدمة "البسيط" ص 417 - 419. (¬5) ينظر: "الوسيط" للواحدي 1/ 301، 2/ 32، 223، 3/ 71.

أهل الأمصار، واختيارات الأئمة، فإني اختلفت أولاً إلى الأستاذ أبي القاسم علي بن أحمد البستي -رحمه الله (¬1) - وقرأت عليه القرآن ختمات كثيرة لا تحصى، حتى قرأت عليه أكثر طريقة الأستاذ: أبي بكر أحمد بن الحسين بن مهران -رحمه الله (¬2) - ثم ذهبت إلى الإمامين أبي عثمان سعيد ابن محمد الحيري، وأبي الحسن علي بن محمد الفارسي -رحمهما الله (¬3) - فقرأت عليهما وأخذت من كل منهما حظّاً وافراً بعون الله وحسن توفيقه. وقرات على الأستاذ سعيد مصنفات ابن مهران، وروى لنا كتب أبي علي الفسوي (¬4) عنه، وقرأت عليه بلفظي كتاب الزجاج (¬5) في "المعاني" (¬6). ¬

_ (¬1) تأتي ترجمته لاحقاً في مبحث شيوخه. (¬2) هو أحمد بن الحسين بن مهران أبو بكر الأصبهاني ثم النيسابوري، إمام عصره في القراءات، كان ثقة محققاً عابداً صنف في القراءات مصنفات منها: "الغاية"، و"الشامل"، و"المبسوط" وغيرها توفي سنة 381، ينظر: "معرفة القراء الكبار" 1/ 347، و"غاية النهاية" 1/ 49. (¬3) تأتي ترجمتهما لاحقاً في مبحث شيوخه. (¬4) هو: الحسن بن أحمد بن عبد الغفار أبو علي الفارسي، ويعرف بالفسوي نسبة إلى فسا، واحد زمانه في علم العربية، أخذ عن الزجاج وابن السراج، وطوف بلاد الشام، كان أعلم من المبرد، كان معتزلياً، وقد ذكر الدكتور حسن فرهود في مقدمة "الإيضاح" أكثر من 30 كتاباً للفارسي، توفي سنة 377 هـ. ينظر: "بغية الوعاة" 1/ 496 - 497، و"إنباه الرواة" 1/ 308 - 310، و"معجم الأدباء" 7/ 232 - 261. (¬5) هو: إبراهيم بن محمد بن السري بن سهل، أبو إسحاق الزجاج النحوي، صاحب كتاب "معاني القرآن" كان من أهل الفضل والدين حسن الاعتقاد، وله مؤلفات حسان في الأدب، توفي سنة 311هـ، أو نحوها. ينظر: "السير" 14/ 360، و"إنباه الرواة" 1/ 1904 (¬6) "مقدمة البسيط" ص (432).

لقد كانت كل تلك الدراسات تهيئة من الواحدي لنفسه، وتدرجاً للوصول إلى علوم المقاصد، وهذا يظهر من حديثه عن نفسه في آخر تفسيره "البسيط"، حين قال: "وقد كنت تعبت دهراً طويلاً، من عنفوان صباي إلى تناهي أيام شبيبتي في إحكام مقدمات هذا العلم" (¬1). كما يظهر لنا من خلال حديث الواحدي مع شيخه أبي الفضل العروضي حين قال: "وقرأت عليه الكثير من الدواوين وكتب اللغة حتى عاتبني شيخي -رحمه الله- يوماً من الأيام، وقال: إنك لم تبق ديواناً من الشعر إلا قضيت حقه، أما آن لك أن تتفرغ لتفسير كتاب الله العزيز، تقرأه على هذا الرجل الذي يأتيه البعداء من أقاصي البلاد، وتتركه أنت على قرب ما بيننا من الجوار؟ يعني: الأستاذ الإِمام أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي -رحمه الله (¬2) - فقلت يا أبت إنما أتدرج بهذا إلى ذلك الذي تريد، وإذا لم أحكم الأدب بجد وتعب لم أَرْمِ في غرض التفسير عن كثب .. " (¬3). ولقد رضي عن جهده في هذا الباب حين قال: "وأظنني لم آل جهداً في إحكام أصول هذا العلم على حسب ما يليق بزماننا هذا، ويسعه سِنُو عمري على قلة أعدادها، فقد وفق الله تعالى وله الحمد، حتى اقتبست كل ما احتجت إليه في هذا الباب من مظانه، وأخذته من معادنه" (¬4). ثم تفرغ من بعد ذلك -تبعًا-، لخطته، ومنهجيته التي ارتضاها لنفسه، وإنفاذاً لوصية شيخه - للقراءة على الإِمام: أبي إسحاق أحمد بن حمد بن ¬

_ (¬1) "تفسير البسيط" 5/ 337 ب من نسخة عاطف أفندي. (¬2) ستأتي ترجمته لاحقاً في مبحث شيوخه. (¬3) مقدمة "البسيط" ص 419. (¬4) مقدمة "البسيط" ص 417.

رحلاته

إبراهيم الثعلبي، وقرأ عليه من مصنفاته أكثر من خمسمائة جزء، وتفسيره الكبير "الكشف والبيان" وكتابه "الكامل في علم القرآن" وغيرها، ولشدة ملازمته إياه عرف في الأوساط العلمية آنذاك بتلميذ الثعلبي. رحلاته: ولقد رحل الواحدي. بعد ذلك في طلب العلم، يبحث عن أساطينه فيتلقى عنهم، وقد عبر عن تلك الرحلات بقوله: " .. ولو أثبت المشايخ الذين أدركتهم واقتبست عنهم هذا العلم من مشايخ نيسابور وسائر البلاد التي وطئتها طال الخطب ومل الناظر .. " (¬1). ولم تذكر المصادر البلاد التي رحل إليها الواحدي، ولكن صرح هو في بعض رواياته بمكان التلقي، فمثلا قال في "أسباب النزول": "قال الشيخ: أشهد بالله لقد أخبرنا أبو الحارث محمد بن عبد الرحيم الحافظ بجرجان قال: أشهد بالله لقد أخبرنا أبو نعيم أحمد بن محمد بن إبراهيم البزاز .. " (¬2). فهذا يدل على أنه رحل إلى جرجان (¬3) وأخذ عن شيوخها. العلوم التي برز فيها: لقد تنوعت مشارب الواحدي العلمية، وتعددت، وأخذ من كل فن بطرف، ذلك لأن من خصائص العلوم الشرعية أنها مترابطة، فبعضها غايات وبعضها وسائل كاللغة والأصول ونحوهما، ولابد لمن أراد تعلم الغايات أن يدرس الوسائل، فالمفسر مثلاً: يلزمه معرفة السنة حتى يميز بها بين ما صح ¬

_ (¬1) مقدمة "البسيط" ص 425. (¬2) "أسباب النزول" ص 425. (¬3) جرجان: مدينة عظيمة بين طبرستان وخراسان. انظر "معجم البلدان" 2/ 119.

وما ليس كذلك، كما أن فهم اللفظ القرآني متوقف على معرفة اللغة والنحو وأصول كلام العرب، ولا بد أن يعرف القراءات وعلوم القرآن وهكذا. ولقد كان ذلك دافعاً قوياً للواحدي ليحكم الأصول كما قال في مقدمة كتابه "البسيط": " ... وأظنني لم آل جهدًا في إحكام أصول هذا العلم على حسب ما يليق بزماننا هذا ويسعه سنو عمري على قلة أعدادها، فقد وفق الله تعالى، وله الحمد، حتى اقتبست كل ما احتجت إليه في هذا الباب من مظانه وأخذته من معادنه، أما اللغة فقد درستها على الشيخ أبي الفضل أحمد بن محمد بن عبد الله بن يوسف العروضي، رحمه الله .. " (¬1). وتحدث بعد ذلك عن أخذه النحو والقراءات والتفسير. ويؤكد كلامه بقوله: " .. ولئن استغنى علم عن الأدب فمن ضرورة التفسير وعلم القرآن: الأدب، ومعرفة اللغة العربية .. " (¬2). وكان للواحدي مشاركة في سائر العلوم. ففي السنة أخذ عن كبار المحدثين وأدرك الإسناد العالي (¬3)، وقال عنه ابن تغري بردي: "كان إماماً عالماً بارعاً محدثاً" (¬4)، وكتابه "أسباب النزول" يشهد بمكانته في هذا الفن. على أنه لم يصل فيها إلى المستوى الذي وصل إليه في اللغة والتفسير، ولهذا روى بعض الأحاديث الضعيفة والموضوعة وسيأتي تفصيل هذه المسألة عند الحديث عن منهجه في التفسير في كتابه "البسيط". أما الفقه فيعتبر أحد أعلام مذهب الإِمام الشافعي وتوجد ترجمته في ¬

_ (¬1) مقدمة "البسيط" ص 417. (¬2) مقدمة "البسيط" ص 410. (¬3) انظر: "المنتخب من السياق" ل 114 أ، و"إنباه الرواة" 2/ 123. (¬4) انظر: "النجوم الزاهرة" 5/ 104.

جميع كتب تراجم طبقات علماء الشافعية (¬1)، وله آراء فقهية ذكرها في "البسيط" معتمدة في مذهبهم، نقل منها النووي في "المجموع شرح المهذب" (¬2). ومع هذه المشاركات من الواحدي في السنة والفقه فقد برز في علوم "التفسير" و"النحو"، "واللغة" وشهر بها وصار من أعلامها. وصفه بعض المترجمين له بإمامته فيها، قال في "المنتخب من السياق": "الإِمام المصنف المفسر النحوي" (¬3)، وقال ابن خلكان: "كان أستاذ عصره في النحو والتفسير" (¬4)، وقال القفطي: "الإِمام المصنف المفسر النحوي .. " (¬5)، وقال أبو الفداء: "وكان أستاذ عصره في النحو والتفسير" (¬6). وقال الأسنوي: "كان فقيها إماما في النحو واللغة وغيرهما شاعرًا، وأستاذ عصره في التفسير .. " (¬7)، وقال الفيروزابادي: "الإِمام المفسر النحوي اللغوي .. " (¬8). أما عن إمامته في علم التفسير فيشهد بذلك كتبه الثلاثة في التفسير "البسيط" و"الوسيط" و"الوجيز" ويأتي الحديث عنها في مؤلفاته، وأكبرها "البسيط"، كذلك كتابه "أسباب النزول"، وقد ترجم له السيوطي والداودي ¬

_ (¬1) ترجم له السبكي 3/ 289، والأسنوي 2/ 538، وابن قاضي شهبة 1/ 256. (¬2) انظر: "المجموع شرح المهذب" 3/ 371 - 373. (¬3) "المنتخب من السياق" ل 114 أ، وانظر "معجم الأدباء" 258/ 12. (¬4) "وفيات الأعيان" 3/ 303. (¬5) "إنباه الرواة" 2/ 223. (¬6) تاريخ أبي الفداء" 2/ 192. (¬7) "طبقات الشافعية" للأسنوي 2/ 539. (¬8) "البلغة في تراجم أئمة النحو واللغة" ص 146.

في "طبقات المفسرين" (¬1). أما عن إمامته في النحو واللغة فإن الواحدي قد تحدث عن ذلك في مقدمة "البسيط" وبين سبب اتجاهه للنحو واللغة حيث إن معرفة ذلك هو طريق لمعرفة كلام الله وتفسيره فيقول: "فقلت: إن طريق معرفة تفسير كلام الله تعالى تعلم النحو والأدب فإنهما عمدتاه .. " (¬2). ويعتبر النحو واللغة من علم الوسائل الواجبة فيقول: " .. فعلينا أن نجتهد في تعلم ما يتوصل بتعلمه إلى معرفة ضروب خطاب الكتاب .. " (¬3)، ثم يقول "فإن من جهل لسان العرب وكثرة ألفاظها وافتنانها في مذاهبها جهل جمل علم الكتاب .. " (¬4). لقد أدرك الواحدي منذ صغره أهمية اللغة والنحو والأدب لفهم كتاب الله والتصدي لتفسيره؛ لأن هذا الكتاب منزل بلسان عربي مبين، فلا بد لمن رام فهم معانيه أو تصدى لتفسيره أن يكون متضلعاً من هذه اللغة التي نزل بها. فكان ذلك دافعاً قوياً له أن يتجه إلى بحار اللغة ليغرف منها. يقول الباخرزي عنه: "وقد خبط ما عند أئمة الأدب من أصول كلام العرب خبط عصا الراعي فروع الغَرَب (¬5)، وألقى الدلاء في بحارهم حتى نزفها، ومد البنان إلى ثمارهم إلا أن قطفها" (¬6). وقد تحدث الواحدي عن مقدار ما بذل في هذا المجال فيذكر تتلمذه ¬

_ (¬1) انظر: "طبقات المفسرين" للسيوطي ص 66، وللداودي 1/ 394 (¬2) مقدمة "البسيط" ص 395. (¬3) مقدمة "البسيط" ص 398. (¬4) مقدمة "البسيط" ص 398. (¬5) نوع من الشجر. (¬6) "دمية القصر" 2/ 1018.

في اللغة على العروضي (¬1) فيقول: "وكنت لازمته سنين أدخل عليه عند طلوع الشمس وأخرج لغروبها أسمع، وأقرأ، وأعلق، وأحفظ، وأبحث، وأذاكر أصحابه ما بين طرفي النهار، وقرأت عليه الكثير من الدواوين وكتب اللغة" (¬2)، ويذكر تتلمذه في النحو على "أبي الحسن الضرير" (¬3)، فيقول: "وقرأت عليه جوامع النحو والتصريف والمعاني، وعلقت عنه قريبا من مائة جزء في المسائل المشكلة، وسمعت منه أكثر مصنفاته في النحو والعروض والعلل .. " (¬4)، كذلك تتلمذ على "أبي الحسن عمران بن موسى المغربي" (¬5) يقول: "ولقد صحبته مدة مقامه عندنا حتى استنزفت غرر ما عنده .. " (¬6). ولقد تضلع الواحدي في علم اللغة والنحو ومما يشهد لذلك كتابه الذي بين أيدينا "البسيط" فلقد بسط فيه من المسائل النحوية ما عُدّ خروجاً عن منهج التفسير، من كثرة ما حواه الكتاب من المسائل النحوية، قال السيوطي وهو يتكلم عن طبقات المفسرين: "فالنحوي تراه ليس له هم إلا الإعراب وتكثير الأوجه المحتملة ونقل قواعد النحو ومسائله وفروعه وخلافياته كالزجاج والواحدي في "البسيط" وأبي حيان في "البحر" و"النهر" (¬7). قال القفطي: "وصنف التفسير الكبير وسماه "البسيط" وأكثر فيه من ¬

_ (¬1) هو أبو الفضل أحمد بن محمد العروضي أحد شيوخ الواحدي، تأتي ترجمته. (¬2) مقدمة "البسيط" ص 419. (¬3) مقدمة "البسيط" ص 420. (¬4) مقدمة "البسيط" ص 420 - 421. (¬5) وأبو الحسن علي بن محمد الضرير أحد شيوخ الواحدي، تأتي ترجمته. (¬6) أحد شيوخ الواحدي، يأتي ذكره في شيوخه. (¬7) "الإتقان" 2/ 243.

الواحدي والشعر

الإعراب والشواهد واللغة ومن رآه علم مقدار ما عنده من علم العربية .. " (¬1) ويأتي مزيد بسط لهذِه المسألة -إن شاء الله - عند دراسة الكتاب. كما تشهد مؤلفاته الأخرى بتضلعه في علم اللغة والنحو فله في هذه الميادين عدة كتب منها "شرح ديوان المتنبي" و"الإغراب في الإعراب" و"شرح أسماء الله الحسنى" و"تفسير أسماء النبي - صلى الله عليه وسلم -" و"شرح قصيدة للنابغة الذبياني" ويأتي الحديث عنها -إن شاء الله- مع مؤلفاته. الواحدي والشعر: ليس غريباً على الواحدي الذي تضلع في علم اللغة والأدب والنحو، وقرأ دواوين الشعر وأكثر منها حتى عاتبه شيخه العروضي كما حكى عنه فقال: "حتى عاتبني شيخي - رحمه الله - يوماً من الأيام وقال: إنك لم تبق ديواناً من الشعر إلا قضيت حقه" (¬2)، ليس غريباً عليه أن تتفتح قريحته بالقريض، خصوصاً وأن الموهبة والملكة كان يتمتع بهما منذ الصغر، فلقد بدأت محاولة نظم القريض وهو في الكتاب حيث أنشد للباخرزي وهو في الكتاب قوله: إنَّ الربيعَ بحسنِه وبهائِه ... يحكيهِما خطُّ الرئيسِ أبي عُمرْ فكأنَّه في الدَّرج (¬3) يرقُم كاتبًا ... أَولى (¬4) لِطاف بنانِه فتْقَ الزهرْ خطٌّ غدا ملءَ العيونِ ملاحةٌ ... متنزَّهاً لِلَّحْظِ قيداً للبصرْ ¬

_ (¬1) "إنباه الرواة" 2/ 223. (¬2) مقدمة "البسيط" ص 419. (¬3) ما يكتب فيه. القاموس "درج" ص 204 (¬4) الولي: المطر بعد المطر. القاموس "ولى" ص 1732.

أخزَتْ نقوشَ الصِّينِ بدعَةُ صُنعهِ ... فتَعطَّلت ورقومَ مَوشِيِّ الحِبَرْ (¬1) قال الذهبي: "له شعر رائق" (¬2)، وقال الأسنوي: "كان فقيهاً إماما في النحو واللغة وغيرهما شاعراً .. " (¬3). وقد أنشد ياقوت شيئاً من شعره ومنه قوله: أَيا قَادِماً مِنْ طُوسَ أَهْلاً وَمَرْحَباً ... بَقيِتَ عَلَى الأَيَّامِ مَا هَبَّتِ الصِّبا لعَمْرِي لَئِنْ أَحْياَ قُدُومُك مُدْنَفاً ... بِحُبِّكَ صَبّاً في هَوَاكَ مُعَذَّبَا الأبيات. وقوله: تَشَوَّهت الدُّنْياَ وَأَبْدَت عَوَارَهَا ... وَضَاقَتْ عَليَّ الأَرْضُ بِالرُحْبِ وَالسَّعَهْ وَأَظلَمَ في عَيْنِي ضِيَاءُ نَهَارِهَا ... لِتَوْدِيع مَنْ قَدْ بَانَ عَنِّي بِأَرْبَعَهْ فؤَادِي وَعَيْشِي وَالمَسرّة والكرى ... فَإنْ عَادَ عَادَ الكُلُّ والأُنْسُ والدَّعَهْ (¬4) ¬

_ (¬1) انظر: "دمية القصر" 2/ 259 (طبعة دار العروبة بالكويت 1405 هـ)، و"إنباه الرواة" 2/ 224. (¬2) "سير أعلام النبلاء" 18/ 341. (¬3) "طبقات الشافعية" 2/ 539. (¬4) "معجم الأدباء" 12/ 261 - 262.

المطلب الخامس مذهبه وعقيدته

المطلب الخامس مذهبه وعقيدته: مذهبه: لقد كان سائدًا في موطن الواحدي نيسابور مذهب الشافعي في الفقه، ومذهب الأشعرية (¬1) في العقيدة، وكانت هناك علاقة وثيقة بين المذهبين في نهاية القرن الرابع وأول الخامس، وهو العصر الذي عاش فيه الواحدي، وسبب تلك العلاقة والارتباط أن حاملي عقيدة الأشعرية معظمهم من الشافعية، خصوصاً في المشرق الإِسلامي، خلافاً لما كان ¬

_ (¬1) الأشعرية نسبة لأبي الحسن، علي بن إسماعيل بن إسحاق الأشعري ولد سنة 260، وكان في أول أمره على مذهب المعتزلة، ثم تركه وتحول إلى هذا المذهب الذي ينسب إليه، ووقع الخلاف بين العلماء في رجوعه إلى مذهب السلف بعد ذلك، ومن كتبه: "اللمع"، و"مقالات الإِسلاميين"، و"الإبانة عن أصول الديانة"، توفي عام 324. والمنتسبون إليه يُسمون: الأشعرية والأشاعرة، أو أن الأشعرية تطلق على المذهب، والأشاعرة على المنتسبين إليه، ومن أهم أصولهم: أن التوحيد عندهم هو توحيد الربوبية، ولا فرق بينه وبين توحيد الألوهية، والإيمان عندهم هو التصديق، وكلام الله تعالى معنى واحد أزلي، ويفرقون بين اللفظ والمعنى، ويقولون بالكسب في القدر، ويجمعون على إثبات سبع صفات، ويؤولون ما عداها، والسبع هي: الحياة والقدرة والعلم والإرادة والكلام والسمع والبصر، ومنهم من يضيف إلى السبع: اليد فقط، ويزيد بعضهم: البقاء، ومنهم من يتوقف في نفي ما سوى السبع، وغلاتهم يقطعون بنفي ما سواها. ينظر: "الملل والنحل" للشهرستاني 1/ 94 - 97 و"مجموع الفتاوى" 6/ 358 و"معتقد الإِمام الأشعري" للأشقر ص 17 و"الرسالة التدمرية" ص 31، 179، 185، و"الأشاعرة" لمحمود صبحي. وينظر في ترجمة أبي الحسن الأشعري: "تاريخ بغداد" 11/ 346، و"سير أعلام النبلاء" 15/ 85، و"طبقات الفقهاء الشافعية" لابن كثير 1/ 210، والمراجع السابقة.

عليه الحنفية في تلك البلاد إذ أغلبهم ماتريدية (¬1)، بينما غلب على الحنابلة في بغداد التمسك بمذهب السلف (¬2). تلك هي البيئة التي عاشها الواحدي، والغالب أن الإنسان لا يكاد ينفك عما عهد الناس عليه، وما كان سائدًا في بيئته، ومن ثم فإن الواحدي -رحمه الله- كان شافعياً أشعرياً بغير خلاف بين كافة مترجميه، فكونه شافعياً أظهر من أن يُشهر، ويدل له أمور: منها: تلقيب بعض مترجميه له بالشافعي، كالذهبي وابن العماد (¬3). ومنها: أن كتب طبقات الشافعية قد عدته ضمن علمائهم (¬4). ومنها: أن كتب الفقه الشافعي كانت تنقل أقواله مبينة أنه من أصحابهم (¬5). ¬

_ (¬1) نسبة للماتريدي محمد بن محمد بن محمود، أبي منصور الماتريدي السمرقندي، والماتريدي نسبة إلى (ماتريد) محلة قرب سمرقند، يلقب بإمام الهدى وإمام المتكلمين، وهو معاصر للأشعري، ومذهبه قريب من مذهبه، وهو في الفقه على مذهب أبي حنيفة، من كتبه: "تأويلات أهل السنة"، وكتاب "التوحيد"، وكتاب "المقالات"، توفي سنة 333 على الأرجح. ينظر في ترجمته: "الجواهر المضية" للقرشي 3/ 360 ومفتاح السعادة لطاش كبري زاده 2/ 96، 151 وكتاب "الماتريدية" للحربي ص 93 وما بعدها. وينظر في الفرق بين الأشعرية والماتريدية: "تاريخ المذاهب الإِسلامية" لأبي زهرة 1/ 195 - 210 وكتاب "نشأة الأشعرية وتطورها" لجلال موسى: 307 وكتاب "الماتريدية دراسة وتقويماً" لأحمد الحربي ص 133. (¬2) ينظر: "التاريخ السياسي والفكري للمذهب السني في المشرق الإِسلامي" ص 128. (¬3) ينظر: "سير أعلام النبلاء" 18/ 339 و"شذرات الذهب" 3/ 330. (¬4) ينظر: "طبقات الشافعية" للسبكي 5/ 240، و"طبقات الشافعية" للإسنوي 2/ 538 و"طبقات الشافعية" لابن قاضي شهبة 1/ 277 وغيرهم. (¬5) ينظر: "روضة الطالبين" للنووي 10/ 227 و"المجموع" له 3/ 371 وقال في "الأذكار" ص 239: قال الإِمام أبو الحسن الواحدي من أصحابنا.

عقيدته

ومنها: أنه يقول في كثير من المواضع في تفسيره هذا: وقال أصحابنا، يعني بهم الشافعية (¬1). ومنها: أنه يقتصر في الغالب على قول الشافعي، ويُعْنى بذكره، من بين المذاهب (¬2). عقيدته: وأما أشعريته: فهي واضحة من خلال كتبه، فالمتتبع لمواضع الاختلاف بين أهل السنة والأشاعرة، أو بين المعتزلة والأشاعرة، يجده يقرر بكل وضوح عقيدة الأشاعرة، ولا غرو فهي العقيدة الغالبة على أهل بلده، وفي أشياخه أعلام كبار من حملة لواء العقيدة الأشعرية، ممن قرروا قواعده وأصّلوا أصوله، كأبي إسحاق الإسفراييني (¬3) الذي أخذ عند عامة شيوخ نيسابور الأصول وعلم الكلام (¬4)، وعبد القاهر البغدادي (¬5) الذي يعَدّ -كذلك- من أئمة الشافعية الأشاعرة والمبرزين فيهم (¬6). ولعلي أضرب أمثلة من خلال تفسيريه "البسيط" و"الوسيط" تدل على، ذلك وتؤكده: 1 - فعند قوله تعالى: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 163] قال: "قال أصحابنا: حقيقة الواحد في وصف الباري سبحانه ¬

_ (¬1) ينظر: مبحث منهجه في آيات الأحكام. (¬2) ينظر: مبحث منهجه في آيات الأحكام. (¬3) ينظر ترجمته في مبحث شيوخه. (¬4) ينظر: "طبقات الشافعية" للسبكي 4/ 257. وينظر ترجمة أبي إسحاق في مبحث شيوخه. (¬5) ستأتي ترجمته لاحقاً في مبحث شيوخه. (¬6) انظر ترجمته في مبحث شيوخه.

أنه واحد لا قسيم له في ذاته ولا بعض له في وجوده بخلاف الجملة التي يطلق عليها لفظ الواحد مجازًا كقوله: دار واحدة، وشخص واحد، وعبَّر بعض أصحابنا عن التوحيد فقال: هو نفي الشريك والقسيم والشبيه فالله واحد في أفعاله لا شريك له يشاركه في إثبات المصنوعات وواحد في ذاته لا قسيم له، وواحد في صفاته لا يشبه الخلق فيها .. " (¬1). ويقول أيضاً: وعند متكلمي أصحابنا: أن الإله من له الإلهية، والإلهيه القدرة على اختراع الأعيان .. " (¬2) وهذا الذي قرره الواحدي هنا هو قول متكلمي الأشاعرة (¬3)، قال شيخ الإِسلام ابن تيمية وهو يتحدث عن التوحيد عند المتكلمين: " .. حتى يجعلون معنى الإلهية القدرة على الاختراع" (¬4)، ثم قال بعد ذلك: "وليس المراد بـ"الإله" هو القادر على الاختراع كما ظنه من ظنه من أئمة المتكلمين، حيث ظن أن "الإلهية" هي القدرة على الاختراع، وأن من أقر بأن الله هو القادر على الاختراع دون غيره فقد شهد أنه لا إلله إلا هو، فإن المشركين كانوا يقرون بهذا وهم مشركون كما تقدم بيانه، بل الإله الحق هو الذي يستحق أن يعبد فهو إله بمعنى: مألوه، لا إله بمعنا آله .. " (¬5). ثم قال في موضع آخر (¬6): وكثير من أهل الكلام يقول: التوحيد له ¬

_ (¬1) انظر: "البسيط" (3/ 459). (¬2) انظر: "البسيط" عند تفسير البسملة 1/ 463. (¬3) ينظر: "الاقتصاد في الاعتقاد" للغزالي ص 45، "نهاية الإقدام" للشهرستاني ص 90. (¬4) "الرسالة التدمرية" ص 180. (¬5) "الرسالة التدمرية" ص 185، 186. (¬6) هو أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن عبد الله النميري الحراني الدمشقي أبو العباس، شيخ الإِسلام ولد بحران سنة 661 طلب العلم وتبحر وفاق أهل عصره =

ثلاث معان -ثم ذكر ما قرره الواحدي- ثم قال: وهذا المعنى الذي تتناوله هذه العبارة، فيها ما يوافق ما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - وفيها ما يخالف ما جاء به الرسول، وليس الحق الذي فيها هو الغاية التي جاء بها الرسول - صلى الله عليه وسلم -، بل التوحيد الذي أمَرَ به أمْرٌ يتضمن الحق الذي في هذا الكلام وزيادة أخرى، فهذا من الكلام الذي لبس فيه الحق بالباطل، وكتم الحق، وذلك أن الرجل لو أقر بما يستحقه الرب تعالى من الصفات ونزهه عن كل ما ينزه عنه، وأقر بأنه وحده خالق كل شيء لم يكن موحداً بل ولا مؤمناً، حتى يشهد أن لا إله إلا الله، فيقر بأن الله وحده هو المستحق للعبادة ويلتزم بعبادة الله وحده لا شريك له، والإله بمعنى: المألوه المعبود الذي يستحق العبادة، ليس هو الإله بمعنى: القادر على الخلق، فإذا فسر المفسر الإله بمعنى: القادر على الاختراع، واعتقد أن هذا هو أخص وصف الإله، وجَعَل إثبات هذا التوحيد هو الغاية في التوحيد، كما يفعل ذلك من يفعله من متكلمة الصفاتية، وهو الذي ينقلونه عن أبي الحسن وأتباعه، لم يعرفوا حقيقة التوحيد الذي بعث الله به رسوله. فإن مشركي العرب كانوا مقرين بأن الله وحده خالق كلِّ شيء، وكانوا مع هذا مشركين" (¬1). كما أنه سار على مذهب الأشعرية في باب: صفا الله وذلك عند ¬

_ = وألف فأكثر وأبدع، ومن كتبه: "منهاج السنة"، و"تلبيس الجهمية"، وجمعت فتاواه ورسائله مراراً. مات في سجن القلعة بدمشق فخرجت دمشق كلها في جنازته سنة 728، وألفت في سيرته كتب. ينظر: "البداية والنهاية" 14/ 135 و"الدرر الكامنة" 1/ 144. (¬1) "درء تعارض العقل والنقل" 1/ 225، وينظر: أيضاً 3/ 98 - 102 و"الرسالة التدمرية" ص 185 - 186.

تعرضه لها من خلال الآيات التي وردت فيها، فيؤوِّلها، ومذهب السلف في ذلك أنهم يثبتون لله ما أثبته لنفسه من الصفات وما أثبته له رسوله دون تأويل أو تحريف أو تعطيل، ولا يلزم من إثباتهم للصفات أي لازم باطل: من تشبيه الله بخلقه أو غير ذلك، فكما أنه سبحانه ليس كمثله شيء فكذلك صفاته. 2 - فمن الآيات التي تعرض لها قوله تعالى: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ الله في ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ} [البقرة: 210]. ذكر الواحدي في تفسيرها وجهين: أحدهما: أن هذا من باب حذف المضاف، أن يأتيهم عذاب الله، أو أمر الله، أو آيات الله، فجعل مجيء الآيات والعذاب مجيئاً له، تفخيماً لشأن العذاب، وتعظيماً له. والثاني: المعنى: هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله بما وعدهم من العذاب والحساب، فحذف ما يأتي به تهويلاً عليهم .. (¬1). وهذا منه -رحمه الله- تأويل وصرف للفظ عن ظاهره، مخالف لما كان عليه السلف الصالح من إثبات ما أثبته الله لنفسه من الصفات، من غير تأويل ولا تحريف ولا تشبيه ولا تكييف، وذلك جرياً على مذهب الأشاعرة في تأويك الصفات الخبرية. 3 - وفي قوله تعالى: {وَهُوَ العَلىُّ العَظِيُم} [البقرة: 255] قال: فمعنى العلو في صفة الله تعالى: اقتداره وقهره واستحقاقه صفات المدح (¬2). وهذا مخالف لمذهب السلف الذين يثبتون العلو لله بكل أنواعه. ¬

_ (¬1) انظر: "البسيط" 4/ 100، 101. (¬2) المصدر السابق 4/ 371.

علو الذات وعلو القدر، وعلو القهر. وعلو ذاته ثابت بالكتاب والسنة وإجماع السلف وبالفطرة والعقل (¬1)، وليس هذا موضع بسط الأدلة في ذلك. 4 - وقال أيضًا في "تفسير البسيط": قال النحويون: وذكر اليد في قوله: {يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ} [البقرة: 79] تحقيق للإضافة، وإن كانت الكتابة لا تقع إلا باليد، وقد أُكدّت الإضافة بذكر اليد فيما لا يُرادُ باليد فيه الجارحة، كقوله تعالى: {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص: 75] وقوله: {مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا} [يس: 71]. ومعناه: مما تولينا عمله، ولما توليت خلقه. والأصل في هذا: أنه قد يضاف الفعل إلى الفاعل وغير الفاعل له، كقوله: {يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ} [القصص: 4] والمراد بذلك: أنه يأمر بالذبح فَيُمتثل أمره. فلما كان الفعلُ قد يُضاف إلى غير الفاعل أُكِّدَت الإضافة بذكر اليد؛ ليتحقق وينتفي الاحتمال، ثم استعمل هذا التأكيد أيضاً في فعل الله تعالى وإن لم يجز في وصفه يد الجارحة؛ لأن المراد بذكر اليد تحقيق الإضافة على ما بيّنا (¬2). اهـ. 5 - وقال أيضًا عند قوله تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [البقرة: 29]. نقل أقوال بعض العلماء في ذلك ثم قال: " .. والأصل في الاستواء الاستقامة وإنما قيل للقصد إلى الشيء استواء؛ لأن الاستواء يسمى قصدا .. "، ثم قال: "وأما استوى بمعنى ¬

_ (¬1) ينظر: "الفتاوى" 16/ 119، 123، 358 و"مختصر الصواعق المرسلة" للموصلي 1/ 75 و"شرح الواسطية" ص 304 (¬2) انظر: "البسيط" 3/ 92، 93.

استولى فقد يكون، وكأنه يقول: استوت له الأمور فاستولى ثم وضع "استوى" موضع "استولى" ... ". ويظهر رأيه وهو يتحدث عن آخر الآية {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} فيقول: "وقيل إنه لما ذكر ما يدل على القدرة والاستيلاء وصل ذلك بوصفه بالعلم .. " (¬1). ومذهب السلف في هذا إثبات الاستواء لله على وجه يليق بجلاله فهو مستو على عرشه بائن من خلقه، عال عليهم بذاته علوا يليق بجلاله، ولا يلزم من هذا أي لازم باطل مما يلزم لاستواء البشر ليس كمثله شيء (¬2). والحاصل أن هذا منهجه في تفسيره، كلما مر بآية من آيات العقائد تبع عقيدةَ الأشاعرة، ولينظر زيادة على ذلك ما قرره في الآيات التالية: 1 - {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [الفاتحة: 3] حيث أوَّل صفة الرحمة (¬3). 2 - وقوله تعالى {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 7] حيث أوَّل صفة الغضب لله (¬4). 3 - وقوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ الله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [الأنفال: 2] حيث فسر الإيمان بالتصديق على طريقة الأشاعرة (¬5). 4 - وقوله تعالى: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} [الأنفال: ¬

_ (¬1) انظر: "البسيط" 2/ 300، 301. (¬2) انظر: "مجموع الفتاوى" لابن تيمية 5/ 144، 208، و"شرح الطحاوية" ص 218، و"التدمرية" ص 81. (¬3) "تفسير الوسيط" 1/ 65. (¬4) "تفسير الوسط" 1/ 70. (¬5) "تفسير الوسيط" 1/ 79 و 2/ 535

17] حيث فسر الآية على طريقة الأشاعرة القائلين بالكسب في باب القدر (¬1). 5 - وقوله تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الرعد: 2] حيث أوّل الاستواء بالاستيلاء والاقتدار ونفوذ السلطان (¬2). 6 - وقوله تعالى: {وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} [الزمر: 67] حيث أوّل اليد بالقدرة (¬3). 7 - وقوله تعالى: {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (22)} [الفجر: 22] حيث أوّل المجيء، بمجيء أمره وقضائه (¬4). ¬

_ (¬1) "تفسير البسيط" تفسير سورة الأنفال. (¬2) "تفسير الوسيط" 3/ 3. (¬3) "تفسير الوسيط" 3/ 593 (¬4) "تفسير الوسيط" 4/ 484

المطلب السادس شيوخه وتلاميذه

المطلب السادس شيوخه وتلاميِذه شيوخه: عاش الواحدي في نيسابور معدن الفضلاء ومنبع العلماء، كما قال عنها ياقوت (¬1). وتنقل في أرجاء العالم الإِسلامي يتبع معين العلم، ويلقي الدلاء في بحار علماء اللغة والنحو والأدب والتفسير وقد أدرك الإسناد (¬2)، وقرأ الحديث على المشايخ، لهذا كثر شيوخه وعز حصرهم، قال الواحدي متحدثاً عن ذلك: "ولو أثبت المشايخ الذين أدركتهم واقتبست عنهم هذا العلم من مشايخ نيسابور وسائر البلاد التي وطئتها طال الخطب ومل الناظر .. " (¬3). وأذكر -إن شاء الله- بعض شيوخه، وأقرب مصدر لذلك الواحدي نفسه حيثما ذكر في مقدمة كتابه "البسيط" بعض شيوخه الذين أخذ عنهم فأتحدث عنهم أولاً، ثم أعقبهم بذكر بعض الشيوخ الذين وردت تراجمهم في بعض المصادر التي ترجمت له، أو ثبت أخذه عنهم بأي طريق. أولاً: شيوخه الذين ذكرهم في مقدمة كتابه "البسيط": 1 - الشيخ أبو الفضل أحمد بن محمد بن عبد الله بن يوسف العروضي المعروف بـ"الصَّفَّار" الشافعي (334 - 416 هـ) (¬4)، قال الثعالبي: "إمام في ¬

_ (¬1) انظر: "معجم الأدباء" 1/ 5. (¬2) انظر: "إنباه الرواة" 2/ 223. (¬3) مقدمة " البسيط" ص 495. (¬4) انظر: "معجم الأدباء" 4/ 261، و"إنباه الرواة" 1/ 154

الأدب خنق التسعين في خدمة الكتب وأنفق عمره على مطالعة العلوم وتدريس متأدبي نيسابور .. " (¬1)، وقد أخذ عنه الواحدي اللغة حيث قال: "أما اللغة فقد درستها على الشيخ أبي الفضل أحمد بن محمد بن عبد الله بن يوسف العروضي -رحمه الله-، وكان قد خَنَّق (¬2) التسعين في خدمة الأدب وأدرك المشايخ الكبار وقرأ عليهم وروي عنهم كأبي منصور الأزهري، روى عنه كتاب "التهذيب" .. " (¬3)، ثم قال: "وكنت قد لازمته سنين أدخل عليه عند طلوع الشمس وأخرج لغروبها أسمع وأقرأ وأعلق وأحفظ وأبحث وأذكر أصحابه ما بين طرفي النهار، وقرأت عليه الكثير من الدواوين وكتب اللغة .. " (¬4). وقد ورد ذكر أبي الفضل العروضي في "البسيط"، حيث روى عنه في مواضع عن الأزهري من كتاب "تهذيب اللغة" و"التهذيب" أحد مصادره الهامة، ويأتي ذكر ذلك عند الكلام على مصادره. 2 - علي بن محمد بن إبراهيم بن عبد الله القُهُنْدزي (¬5) الضرير، أبو الحسن، نحوي أديب، قرأ عليه الأئمة وتخرجوا به (¬6)، أخذ عنه الواحدي ¬

_ (¬1) "تتمة يتيمة الدهر" 5/ 205. (¬2) أي كاد يبلغها، انظر القاموس المحيط "خنق" ص 1138. (¬3) انظر: مقدمة "البسيط" للمؤلف. (¬4) انظر: مقدمة "البسيط" للمؤلف. (¬5) قال السمعاني: "القهندزي" بضم القاف والهاء وسكون النون والدال المهملة وفي آخرها الزاي، وهذه النسبة إلا قُهندز بلاد شتى، وهي المدينة الداخلة المسورة. "الأنساب" 10/ 523. والمقصود هنا قهندز نيسابور. (¬6) انظر: "معجم الأدباء" 15/ 57، و"إنباه الرواة" 2/ 310، و"نكْت الهِمْيان في نكت العُميان" للصفدي ص 215، و"بغية الوعاة" 2/ 186.

النحو حيث قال: "وأما النحو فإني لما كنت في ميعة صباي وشرخ شبيبتي وقعت إلى الشيخ أبي الحسن علي بن محمد بن إبراهيم الضرير -رحمه الله- وكان من أبرع أهل زمانه في لطائف النحو وغوامضه وأعلمهم بمضايق طرق العربية ودقائقها، ولعله تفرَّس فيّ وتوسم أثر الخير لديّ فتجرد لتخريجي وصرف وَكْده (¬1) إلى تأديبي .. " (¬2)، ثم قال: " ... وقرأت عليه جوامع النحو والتصريف والمعاني، وعلقت عنه قريباً من مائة جزء في المسائل المشكلة .. " (¬3). 3 - أبو الحسن عمران بن موسى المغربي، ذكره الواحدي مع شيوخه فقال: "ثم ورد علينا الشيخ الإِمام أبو الحسن عمران بن موسى المغربي المالكي وكان واحد عصره وباقعة دهره في علم النحو، لم يلحق أحد ممن سمعنا شأوه في معرفة الإعراب، ولقد صحبته مدة مقامه عندنا حتى استنزفت غرر ما عنده" (¬4)، ذكره السيوطي ناقلاً عن السياق فقال: "شيخ فاضل نحوي كبير كثير الحفظ قدم نيسابور وأفاد واستفاد، وطاف البلاد، ولقي الكبار وله اتنظم الفائق، وكان من أفاضل العصر، مات قريباً من الخمسمائة" (¬5)، وذكر السيد أحمد صقر في مقدمة "أسباب النزول" أن وفاته سنة 430 هـ (¬6) ولم أصل إلى ما اعتمد عليه في ذلك. ¬

_ (¬1) اي: مراده وقصده "اللسان" "وكد" 3/ 467. (¬2) مقدمة "البسيط" ص 420. (¬3) المصدر السابق ص 421. (¬4) المصدر السابق ص 421. (¬5) "بغية الوعاة" 2/ 233. (¬6) مقدمة "أسباب النزول" ص 10، ونقل صاحب "الواحدي ومنهجه في التفسير" عن =

4 - أبو القاسم علي بن أحمد البستي وهو أحد شيوخه في القراءات ما ذكر ذلك فقال: "وأما القرآن وقراءات أهل الأمصار واختيارات الأئمة فإني أختلفت أولاً إلى الأستاذ أبي القاسم علي بن أحمد البستي -رحمه الله- وقرأت عليه القرآن ختمات كثيرة لا تحصى، حتى قرأت عليه أكثر طريقة الأستاذ أبي بكر أحمد بن الحسين بن مهران (¬1) ... " (¬2). ذكره الذهبي فيمن أخذ عن ابن مهران فقال: " .. وأبو القاسم علي بن أحمد البستي شيخ الواحدي .. " (¬3) ونحوه قال ابن الجزري، وذكره في ترجمة الواحدي ضمن شيوخه في القراءات (¬4). 5 - أبو عثمان سعيد بن محمد بن محمد بن إبراهيم المقرئ الزعفراني الحيري قال في المنتخب من السياق: "شيخ كبير ثقة صالح كثير السماع كثير الحديث والشيوخ عالم بالقرآن مقصود في علم القراءات سمع بنيسابور والعراق والحجاز .. قال أبو الحسن: قرأت من خط أبي صالح الحافظ أنه تغير بعض التغير في آخر أمره، وحكى عن بعض الثقات أنه خلط في بعض ¬

_ = "النجوم الزاهرة" أنه أثبت وفاته سنة 430 هـ وعاد فأثبتها في وفيات سنة 458 هـ ظنا منه أنه المترجم له، والذي في "النجوم الزاهرة": "موسى بن عيسى بن أبي حاج الفاسي المقرئ الإِمام أبو عمران الفاسي الدار الغَفَجُوميّ البربري المالكي" ويظهر أنه شخص غيره لاختلاف الاسم. انظر: "الواحدي ومنهجه في التفسير" ص 67، و"النجوم الزاهرة" 5/ 30، 77. (¬1) هو أحمد بن الحسين بن مهران النيسابوري المقرئ، صاحب كتاب "الغاية في القراءات العشر" ويأتي ذكره في "حاشية البسيط" ص 231. (¬2) انظر: مقدمة "البسيط" ص 421 - 422. (¬3) "معرفة القراء الكبار" 1/ 280. (¬4) انظر: "غاية النهاية" 1/ 50، 523.

مسموعاته، والله أعلم به توفي في جماد الأولى سنة سبع وعشرين وأربعمائة .. " (¬1). وذكره الذهبي في "المشتبه" (¬2) وقال: "أبو عثمان سعيد بن محمد الحيري عن أبي عمرو بن مطر، وعنه الواحدي" وذكره الذهبي فيمن أخذ عن ابن مهران (¬3)، وكذا ابن الجزري (¬4)، وقد أخذ عنه الواحدي القراءات فقال: "وأما القرآن وقراءات أهل الأمصار واختيارات الأئمة فإني اختلفت أولاً إلى الأستاذ أبي القاسم علي بن أحمد البستي .. ". ثم قال بعد ذلك: " .. ثم ذهبت إلى الإمامين أبي عثمان سعيد بن محمد الحيري وأبي الحسن علي بن محمد الفارسي -رحمهما الله- وكانا قد انتهت إليهما الرئاسة في هذا العلم وأشير إليهما بالأصابع في علو السن ورؤية المشايخ، وكثرة التلامذة، وغزارة العلوم، وارتفاع الأسانيد، والوثوق فيها، فقرأت عليهما وأخذت من كل منهما حظّاً وافراً بعون الله وحسن توفيقه". وخص أبا عثمان سعيد بن محمد، فقال: "وقرأت على الأستاذ سعيد مصنفات ابن مهران، وروى لنا كتب أبي علي الفسوي (¬5) عنه، وقرأت عليه بلفظي كتاب الزجاج في "المعاني" (¬6) روايته عن ابن مقسم ¬

_ (¬1) "المنتخب من السياق" ل 67 ب. (¬2) "المتشبه" 1/ 186. (¬3) انظر: "معرفة القراء الكبار" 1/ 280. (¬4) انظر: "غاية النهاية" 1/ 55. (¬5) هو أبو علي الفارسي. انظر ترجمته في مصادر الواحدي وأسماء كتبه في حاشية مقدمة "البسيط". (¬6) المراد كتاب الزجاج المشهور "معاني القرآن" والتعريف بالزجاج وكتابه يأتي في مصادر الواحدي.

عنه، وسمع بقراءتي الخلق الكثير" (¬1). وبهذا يتضح مكانة أبي عثمان سعيد ابن محمد الحيري في شيوخ الواحدي، ومقدار ما أخذ عنه من العلم، ولقد صرح بروايته عنه في مواضع من "البسيط"، قال في مقدمة "البسيط": " .. وقرأت على الأستاذ سعيد بن محمد المقرئ فقلت: حدثكم طلحة بن محمد الشاهد ببغداد .. " (¬2). وفي تفسير قوله تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ} [البقرة: 29] قال: "وأقرأني سعيد بن محمد الحيري رحمه الله عن أبي الحسن بن مقسم .. ". 6 - أبو الحسن علي بن محمد الفارسي، ذكره الواحدي مع سعيد بن محمد الحيري كما سبق وذكر أخذه عنه، تكلم عنه ابن الجزري فقال: "إمام مقرئ حاذق أخذ القراءات عرضاً وسماعاً عن أبي بكر أحمد بن الحسين بن مهران روى القراءات عنه عرضاً وسماعاً أحمد بن أبي عمر صاحب كتاب "الإيضاح" (¬3)، توفي سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة (¬4). 7 - أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي النيسابوري المفسر صاحب التفسير المشهور بـ"الكشف والبيان" توفي في سنة سبع وعشرين وأربعمائة، ذكره ياقوت في "معجم الأدباء" فيما نقله عن "السياق لتاريخ نيسابور" وقال: سمع منه الواحدي التفسير (¬5). ¬

_ (¬1) مقدمة "البسيط " ص 422 - 424 (¬2) "مقدمة البسيط" ص 409. (¬3) "غاية النهاية" 1/ 572. (¬4) انظر: "المنتخب من السياق" ل 112أ، وستأتي ترجمته في مصادر الواحدي. (¬5) "معجم الأدباء" 5/ 36 - 38، وانظر "وفيات الأعيان" 1/ 79، و"طبقات المفسرين" للداودي 1/ 394، و"طبقات المفسرين" للسيوطي ص 66.

قال ابن الأثير يقال له: "الثعلبي والثعالبي" (¬1). وكانت له منزلة خاصة لدى الواحدي تحدث عنه فقال: " .. ثم فرغت للأستاذ الإِمام أبي إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي -رحمه الله- وكان حبر العلماء بل بحرهم، ونجم الفضلاء بل بدرهم، وزين الأئمة بل فخرهم، وأوحد الأمة بل صدرهم .. "، ثم ذكر كتابه في التفسير وبالغ في مدحه، ويأتي التعريف به في مصادر الواحدي في تفسيره، حيث إنه أحد مصادره الهامة. قرأ عليه من مصنفاته كثيراً فقال: " .. وقرأت عليه من مصنفاته أكثر من خمسمائة جزء وتفسيره الكبير، وكتابه المعنون بـ (الكامل في علم القرآن) (¬2). وقد أكثر الواحدي النقل من "الكشف والبيان"، ويلاحظ أنه لم يذكر اسمه ولم يعز له إلا عندما يروي عنه بالسند ومن أمثلة ذلك، قال في مقدمة "البسيط": "ولقد أخبرنا الأستاذ أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم -رحمه الله- قال أخبرني أبو القاسم الحسن بن محمد بن الحسن .. " (¬3)، وقال في موضع آخر: "ولقد سمعت أحمد بن محمد بن إبراهيم يقول: سمعت الحسن بن محمد يقول .. " (¬4). هؤلاء هم الشيوخ الذين ذكرهم الواحدي في مقدمة تفسيره "البسيط" وللواحدي شيوخ غيرهم كثر. قال: " .. ولو أثبت المشايخ الذين أدركتهم واقتبست عنهم هذا العلم من مشايخ نيسابور وسائر البلاد التي وطئتها طال ¬

_ (¬1) "اللباب" 1/ 238. (¬2) انظر: مقدمة "البسيط" ص 495. (¬3) انظر: "البسيط" ص 398. (¬4) انظر: "البسيط" ص 410.

الخطب ومل الناظر" (¬1). وقد ذكر بعض من ترجم للواحدي عددًا من شيوخه ومنهم: 8 - الشيخ الإِمام أبو عمر سعيد بن هبة الله الموفق البسطامي، قال في "المنتخب من السياق": "من سلالة الإمامة والذي انتهى إليه أمر الزعامة لأصحاب الشافعي، رُبّي في حجر الرئاسة، وغذي بلبان الإمامة ... توفي عصر يوم عرفة سنة اثنين وخمسمائة" (¬2). وقد تلقى عنه الواحدي في الكُتَّاب حيث اجتمع هو والباخرزي في كُتَّابه كما ذكر ذلك الباخرزي في "دمية القصر" (¬3) ويظهر أن الإِمام أبا عمر قد عُمِّر طويلاً. 9 - الإِمام محمد بن محمد بن مَحْمِش بن علي بن أيوب أبو طاهر، المعروف بالزيادي، سمي بذلك لأنه كان يسكن ميدان زياد بن عبد الرحمن. إمام أصحاب الحديث بخراسان وفقيههم ومفتيهم توفي سنة عشر وأربعمائة أخذ عن كبار المشايخ كأبي بكر بن القطان وغيره (¬4)، وأخذ الواحدي عنه، ذكر ذلك صاحب "السياق" (¬5)، والسبكي (¬6)، والذهبي (¬7)، ¬

_ (¬1) مقدمة "البسيط" ص 425. (¬2) "المنتخب من السياق" ل 70 أ. (¬3) انفر: "دمية القصر" 2/ 1018. (¬4) انظر: "المنتخب من السياق" ل 2 ب، وانظر "الأنساب" 6/ 360، و"سير أعلام النبلاء" 17/ 276. (¬5) انظر: "المنتخب من السياق " ل 114أ. (¬6) انظر: "طبقات الشافعية" 3/ 289. (¬7) انظر: "سير أعلام النبلاء" 18/ 340، و"العبر" 2/ 324.

والسيوطي (¬1)، والداودي (¬2)، وغيرهم. 10 - الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن جعفر الكَنْجَرُوذِي (¬3) أبو سعد، مسند خراسان، له معرفة بالطب والفروسية وأدب السلاح، استجمع فنون العلم وأدرك المشايخ الكبار كأبي بكر بن مهران وغيره، توفي سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة (¬4)، ذكر أخذ الواحدي عنه عبد الغافر في "السياق" (¬5). 11 - الإِمام محمد بن أحمد بن جعفر المُولْقَابَاذِي أبو حسان المُزَكِّي مسند نيسابور وأحد الثقات، كان إليه التزكية بنيسابور، حدث عن جماعة منهم الصِّبْغِي، توفي سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة (¬6)، ذكر أخذ الواحدي عنه عبد الغافر في "السياق" (¬7)، والذهبي (¬8). 12 - الإِمام أبو بكر أحمد بن الحسن بن أحمد الحَرَشِيُّ الحيريُّ النيسابوري مسند خراسان، قلد قضاء نيسابور مدة، حدَّث عن أبي العباس ¬

_ (¬1) انظر: "طبقات المفسرين" ص 66. (¬2) انظر: "طبقات المفسرين" 1/ 3904 (¬3) قال السمعاني: "الكنجروذي" بفتح الكاف وسكون النون وفتح الجيم وضم الراء بعدها واو وفي آخرها الذال المعجمة، هذه النسبة إلا كَنْجَرُوذ، وهي قرية على باب نيسابور. "الأنساب" 11/ 155. (¬4) انظر: "المنتخب من السياق" ل 10 أ، و"الأنساب" 11/ 155، و"إنباه الرواة" 3/ 165، و"سير أعلام النبلاء" 18/ 101. (¬5) انظر: "المنتخب من السياق" ل 114أ. (¬6) انظر: "المنتخب من السياق" ل 7 أ، و"سير أعلام النبلاء" 17/ 596، و"العبر" 2/ 267. (¬7) انظر: "المنتخب من السياق" ل 114 أ. (¬8) انظر: "سير أعلام النبلاء" 18/ 340، وفيه محمد بن إبراهيم المُزَكيِّ.

الأصم وغيره (325 - 421 هـ) مات وله ست وتسعون سنة (¬1)، ذكر أخذ الواحدي عنه، الذهبي (¬2)، والسبكي (¬3)، والسيوطي (¬4)، والداودي (¬5)، وابن العماد (¬6). 13 - الشيخ الجليل المحدث عبد الرحمن بن حمدان بن محمد بن نصرويه النَّصرُويي (¬7) النيسابوري، رحل إلى بلاد كثيرة فسمع في الحجاز والعراق، وأخذ عن كبار المشايخ كأبي بكر القطيعي وغيره، مات سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة (¬8). ذكر في المنتخب من السياق أخذ الواحدي عنه (¬9)، وكذا الذهبي (¬10)، والسبكي (¬11). 14 - الأستاذ إسماعيل بن إبراهيم بن محمد، النَّصْرَابَاذِي (¬12) الواعظ ¬

_ (¬1) انظر: "المنتخب من السياق" ل 22/، و"سير أعلام النبلاء" 17/ 356، و"الأنساب" 4/ 122، 327. (¬2) انظر: "سير أعلام النبلاء" 18/ 340، و"العبر" 2/ 324. (¬3) انظر: "طبقات الشافعية" 3/ 289. (¬4) انظر: "طبقات المفسرين" ص 66. (¬5) انظر: "طبقات المفسرين" 1/ 394. (¬6) انظر: "شذرات الذهب" 3/ 329. (¬7) بفتح النون وسكون الصاد وضم الراء في آخرها ياء تحتها نقطتان، نسبة إلى نَصْرُوَيه، جد المنتسب إليه."اللباب" 3/ 311. (¬8) انظر: "المنتخب من السياق" ل 89 ب، والأنساب 13/ 109، و"اللباب" 3/ 311، و"سير أعلام النبلاء" 17/ 553، و"العبر" 2/ 268. (¬9) انظر: "المنتخب من السياق" ل 114أ. (¬10) انظر: "سير أعلام النبلاء" 18/ 340. (¬11) انظر: "طبقات الشافعية" 3/ 290. (¬12) "النصراباذي" بفتح النون وسكون الصاد وفتح الراء المهملتين وسكون الألفين وبينهما الباء الموحدة وفي آخرها الذال المعجمة، هذه النسبة إلى محلة بنيسابور، من أعالي البلد. انظر: "الأنساب" 13/ 107.

أبو إبراهيم، أبوه شيخ خراسان وخلف أبيه في ذلك، سمع الكثير في خراسان ونيسابور والجبل والعراق والحجاز وروى عن أبي بكر القطيعي وغيره، توفي سنة ثمان وعشرين وأربعمائة (¬1)، ذكر أخذ الواحدي عنه، صاحب "المنتخب من السياق" (¬2)، والذهبي (¬3)، والسبكي (¬4). 15 - الشيخ عمر بن أحمد بن محمد بن مسرور النيسابوري، أبو حفص مسند خراسان سمع من جماعة منهم الحافظ أبو أحمد الحاكم وغيره، كان كثير العبادة، عاش تسعين سنة، وتوفي سنة ثمان وأربعين وأربعمائة (¬5). ذُكر في "المنتخب" ممن أخذ عنه الواحدي (¬6). 16 - عبد الغافر بن محمد بن عبد الغافر بن أحمد الفارسي ثم النيسابوري، سمع من الخطابي وغيره، وكان من المعمرين، ولد سنة نيف وخمسين وثلاثمائة، وتوفي سنة ثمان وأربعين وأربعمائة بنيسابور وهو جد عبد الغافر بن إسماعيل، صاحب "السياق" (¬7)، وذُكر في "المنتخب من السياق" أنه من مشايخ الواحدي (¬8). 17 - الإِمام المحدث الواعظ إسماعيل بن عبد الرحمن بن أحمد ¬

_ (¬1) انظر. "المنتخب من السياق" ل 38 أ، و"الأنساب" 13/ 107. (¬2) انظر: "المنتخب من السياق" ل 114أ. (¬3) انظر: "سير أعلام النبلاء" 18/ 380. (¬4) "طبقات الشافعية" 3/ 289. (¬5) انظر: "سير أعلام النبلاء" 18/ 10، و"العبر" 2/ 292. (¬6) انظر: "المنتخب من السياق" ل 114أ. (¬7) انظر: "المنتخب من السياق" 106أ، و"سير أعلام النبلاء" 18/ 19، و"العبر" 2/ 324. (¬8) انظر: "المنتخب من السياق" ل 114أ.

الصابوني أبو عثمان كان أبوه من كبار الواعظين بنيسابور فَفُتِك به من أجل التعصب، فتولى مهمة الوعظ بعد أبيه وعمره عشر سنوات، وكان يحضر مجلسه كبار الأئمة مثل أبي إسحاق الإسفراييني وأبو بكر بن فورك، وكان صاحب عبادة وعفة، وكان من أئمة الأثر، له مصنف في السنة واعتقاد السلف (373 - 449 هـ) (¬1). ذُكر في "المنتخب" من مشايخ الواحدي (¬2). 18 - أبو سعد محمد بن علي بن أحمد الحيري الخفاف، أخذ عن أبي عمرو بن مطر وأخذ عنه الواحدي. ذكر ذلك الذهبي (¬3). 19 - أبو عثمان سعيد بن العباس بن محمد بن علي القرشي الهروي، الإِمام المسند العدل، كان من سروات الرجال بهراة (¬4)، وتخرج به أئمة، ت 433 هـ (¬5). 20 - إبراهيم من محمد أبو إسحاق الإسفراييني، أحد أئمة الشافعية، يمانع حد الاجتهاد؛ لتبحره في العلوم، واستجماعه شروط الإمامة في العلوم، عقد له مجلس الإملاء بعد أبي طاهر الزيادي سنة 410 هـ، وحضر دروسه الحفاظ والمشايخ وأهل العلم، وأملى سنين، ت 418 (¬6). ¬

_ (¬1) انظر: "المنتخب من السياق" ل 38 ب، و"تتمة يتيمة الدهر" 5/ 316، و"الأنساب" 8/ 247، و"سير أعلام النبلاء" 18/ 40. (¬2) انظر: "المنتخب من السياق" ل 114أ. (¬3) انظر: "المشتبه" 1/ 186. (¬4) هراه: مدينة عظيمة من أمهات مدن خُراسان، وكان فيها بساتين كثيرة ومياه غزيرة وخيرات، وكانت مليئة بالعلماء وأهل الفضل. انظر: "معجم البلدان" 5/ 396. (¬5) انظر: "الأنساب" 4/ 470، و"سير أعلام النبلاء" 17/ 552، "شذرات الذهب" 3/ 250، وقد أخذ عنه الواحدي في تفسير الآية (3) من سورة النساء. (¬6) انظر: "المنتخب من السياق" 120 - 121، "طبقات الشافعية" لابن الصلاح =

وقد تتلمذ عليه الواحدي وقال في "الوسيط" (¬1): حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الإسفراييني إملاء في مسجد عقيل سنة سبع عشرة وأربعمائة. 21 - أحمد بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن الحارث التميمي أبو بكر الأصبهاني النيسابوري، إمام ثقة مقرئ نحوي محدث زاهد ت 430 هـ، وله 81 سنة (¬2) أخذ عنه الواحدي (¬3). 22 - عبد القاهر بن طاهر بن محمد بن عبد الله التميمي، أبو منصور البغدادي، من كبار أئمة الشافعية، عظيم القدر، متقن في علوم كثيرة، درَّس في سبعة عشر نوعاً من العلوم، ورد نيسابور مع أبيه، وأنفق أمواله على طلبه العلم حتى افتقر، من تصانيفه المشهورة: "الفرق بين الفرق" ت 429 هـ (¬4). 23 - المفضل بن إسماعيل بن شيخ الإِسلام أبي بكر الإسماعيلي الجرجاني، عالم جرجان ومفتيها، كان مضرب المثل في الذكاء؛ فقد حفظ القرآن وجملة من الفقه وهو ابن سبع سنين، ثم رحل به أبوه فأكثر من سماع ¬

_ = 1/ 312، "تهذيب الأسماء واللغات" للنووي 2/ 169، "طبقات الشافعية" 4/ 256، "سير أعلام النبلاء" 17/ 353. (¬1) "الوسيط" 2/ 223 تحقيق: عادل عبد الموجود وزملائه. (¬2) انظر: "المنتخب من السياق" ص 89، "إنباه الرواة" 1/ 165، و"اللباب" 1/ 330، و"سير أعلام النبلاء" 17/ 538، و"شذرات الذهب" 3/ 245. (¬3) روى عن الواحدي في "البسيط"، "الوسيط" 1/ 70، 386، 410، 443، "أسباب النزول" ص 7، 24، 27، 45. (¬4) انظر: "طبقات الفقهاء الشافعية" لابن كثير 1/ 397، "طبقات الشافعية الكبرى" للسبكي 5/ 136، والأسنوي 1/ 96.

تلاميذه

الحفاظ ت 431 هـ (¬1). وقد رحل إليه الواحدي، وسمع منه في بلده كما قال في "الوسيط": حدثنا الشيخ أبو معمر اليفضل بن إسماعيل إملاء بجرجان سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة (¬2). وقال في "أسباب النزول": حدثنا أبو معمر بن إسماعيل إملاء بجرجان سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة (¬3). هؤلاء أبرز شيوخ الواحدي الذين ذُكر أنه أخذ عنهم، أو ورد ذكرهم في المصادر التي ترجمت له، ولو أردنا تتبع أسماء الشيوخ الذين أخذ الرواية عنهم في كتبه، كـ"أسباب النزول" أو"الوسيط" لطال الأمر ومل الناظر، كما قال ذلك الواحدي (¬4). تلاميذه: إن هذا العلم ميراث النبوة، يأخذه كل جيل عمن سبقه ويسلمه لمن بعده، والواحدي أحد العلماء المشاهير جلس إلى كبار الشيوخ وأخذ عنهم حتى صار إماما، وقعد للإفادة والتدريس، فقصده الطلاب، وصار له تلامذة كثيرون. قال في "معجم الأدباء" ناقلا عن "السياق": " .. وقعد للإفادة والتدريس سنين وتخرج به طائفة من الأئمة سمعوا منه وقرؤوا عليه، وبلغوا ¬

_ (¬1) انظر: "العبر" 2/ 266، "سير أعلام النبلاء" 17/ 518، "طبقات السبكي" 5/ 331. (¬2) "الوسيط" 1/ 290. (¬3) "أسباب النزول" ص 454، "الوسيط" 1/ 279، 2/ 51. (¬4) انظر مقدمة "البسيط" للمؤلف.

محل الإفادة .. " (¬1). وقال القفطي: " .. وسار الناس إلى علمه واستفادوا من فوائده .. " (¬2). وقال الذهبي: "تصدر للتدريس مدة وعظم شأنه .. " (¬3) ولقد مدحه الباخرزي (¬4) قائلاً: يشتغل بما يَعْنيه، وإن كان استهدافه للمختلفة إليه يُعنّيه. وهذا يدل على عناية الواحدي بقاصديه، والناهلين من علمه، تعليمًا وتربية وإفادة وتخرجًا (¬5). وأذكر بعض تلاميذه الذين ورد ذكرهم في ترجمة الواحدي أو ذُكر في تراجمهم أنهم أخذوا عنه منهم: 1 - عبد الجبار بن محمد بن أحمد الخُواري (¬6)، أبو محمد، كان إماماً مفتياً متواضعاً، سمع جماعة منهم أبو بكر البيهقي وغيره، توفي سنة ثلاث أو أربع وثلاثين وخمسمائة (¬7)، وذكر أخذه عن الواحدي السمعاني ¬

_ (¬1) "معجم الأدباء" 12/ 259، وانظر "روضات الجنات" 5/ 244 (¬2) "إنباه الرواة" 2/ 223. (¬3) "سير أعلام النبلاء" 18/ 341. (¬4) علي بن الحسن بن علي بن أبي الطيب الباخرزي أبو الحسن: أديب من الشعراء الكتاب من أهل باخرز من نواحي نيسابور، وتعلم بها وبنيسابور وقام برحلة واسعة في بلاد فارس والعراق اشتهر بكتابه "دمية القصر" وعصره أهل العصر، مات مقتول سنة 467 هـ ينظر: "وفيات الأعيان" 1/ 360، "شذرات الذهب" 3/ 327. (¬5) انظر: "دمية القصر" 2/ 1017. (¬6) "الخواري" بضم الخاء المنقوطة والراء بعد الواو والألف. هذه النسبة إلى خوار الري، وقرية ببيهق، والمذكور من الأخيرة. انظر: "الأنساب" 5/ 215. (¬7) انظر: "المنتخب من السياق" ل 108 أ، و"الأنساب" 5/ 215، و"طبقات الشافعية" للسبكي 4/ 343.

في "الأنساب" (¬1)، والسبكي (¬2)، والسيوطي (¬3)، والداودي (¬4). وقال الذهبي: إنه أكبر تلاميذه (¬5). 2 - أبو نصر محمد بن عبد الله الأَرْغياني (¬6) الرَّاوَنِيرِيِ (¬7) الفقيه الشافعي، مفتي نيسابور، تفقه على أبي المعالي الجويني، وتوفي سنة تسع وعشرين وخمسمائة (¬8)، وقد ورد أخذه عن الواحدي عند السمعاني في "الأنساب" وابن خلكان والسبكي (¬9). 3 - أبو العباس عمر بن عبد الله الأَرْغياَني الراونيري، أخو أبي نصر السابق وكان أكبر منه بعشر سنين ونيف، كان شيخاً صالحًا سمع من جماعة منهم الواحدي وهو من رواة "أسباب النزول" للواحدي، قا ل السمعاني: سمعت منه "أسباب النزول"، توفي سنة أربع وثلاثين وخمسمائة (¬10). ¬

_ (¬1) انظر: "الأنساب" 5/ 215. (¬2) انظر: "طبقات الشافعية" 3/ 290، 4/ 243. (¬3) انظر: "طبقات المفسرين" ص 67. (¬4) انظر: "طبقات المفسرين" 1/ 394 (¬5) "سير أعلام النبلاء" 18/ 340. (¬6) الأرغياني: بفتح الهمزة وسكون الراء وكسر الغين المعجمة وفتح الياء المنقوطة من تحتها، نسبة إلى "أرغيان" ناحية من نواحي نيسابور بها عدة قرى. انظر: "الأنساب" 1/ 167. (¬7) "الراونيري" بفتح الراء والنون المكسورة بعد الألف والواو، والياء المنقوطة من تحتها، وفي آخرها الراء الأخرى، نسبة إلى إحدى قرى "أرغيان" الأنساب 6/ 52. (¬8) انظر: "الأنساب" 6/ 52، و"وفيات الأعيان" 4/ 221، و"طبقات الشافعية" للسبكي 4/ 70. (¬9) انظر المراجع السابقة. (¬10) انظر: "الأنساب" 6/ 53، و"طبقات الشافعية" للسبكي 4/ 287، ومقدمة "أسباب النزول"، إعداد السيد أحمد صقر ص 34.

4 - أبو بكر يحيى بن عبد الرحيم بن محمد المقرئ المقبري اللبيكي من أهل نيسابور (438 - 522 هـ)، سمع من أبي حفص بن مسرور والصابوني، والبيهقي وغيرهم، قال السمعاني: "وسمعت منه حضورا سنة تسع وخمسمائة وأجاز لي جميع مسموعاته ومن جملتها التفاسير الثلاثة عن الإِمام علي بن أحمد الواحدي "الوسيط بين المقبوض والبسيط"، و"الوجيز" و"تفسير النبي - صلى الله عليه وسلم -"، قال: بروايتي عنه" (¬1). 5 - أحمد بن محمد بن أحمد الميداني (¬2) النيسابوري، أديب فاضل، عالم باللغة والأمثال، صنف كتاب "مجمع الأمثال" وغيره، وتوفي سنة ثماني عشرة وخمسمائة بنيسابور، تخصص بصحبة أبي الحسن الواحدي وقرأ عليه (¬3). 6 - أبو الحسن علي بن سهل بن العباس المفسر النيسابوري، نشأ في طلب العلم، سمع من أبي عثمان الصابوني، وأبي القاسم القشيري، وتوفي سنة إحدى وتسعين وأربعمائة (¬4). قال في "المنتخب": من تلامذة الواحدي (¬5). وقال في "روضات الجنات" في ترجمة الواحدي: "ومن جملة أهل ¬

_ (¬1) "التحبير في المعجم الكبير" للسمعاني 2/ 377. (¬2) سمي الميداني لأنه سكن بأعلى ميدان زياد بن عبد الرحمن بنيسابور. انظر: "الأنساب" 12/ 520. (¬3) انظر: "إنباه الرواة" 1/ 156، و"معجم الأدباء" 5/ 45، و"وفيات الأعيان" 1/ 148. (¬4) انظر: "المنتخب من السياق" ل116 أ، و"طبقات الشافعية" للسبكي 3/ 299. (¬5) "المنتخب" ل 116 أ.

نيسابور سمي هذا الرجل وتلميذه الفاضل أبو الحسن علي بن سهل بن العباس المفسر النيسابوري" (¬1). 7 - يوسف بن علي بن جبارة الهذلي، أبو القاسم، الإِمام المقرئ من وجوه القراء، وصفه عبد الغافر بقوله: الضرير، قال ابن الجزري يحتمل أنه عمي في آخر عمره. كثير الرحلة في طلب القراءات، قال: "وجملة من لقيت في هذا العلم ثلاثمائة وخمسة وستون شيخاً من آخر المغرب إلى باب "فرغانة" يميناً وشمالاً وجبلاً وبحراً ولو علمت أحداً تقدم علي في هذه الطبقة في جميع بلاد الإِسلام لقصدته .. ". ألف كتاب "الكامل" وذكر فيه شيوخه، مات سنة خمس وستين وأربعمائة، عدَّ ابن الجزري جميع شيوخه وذكر منهم الواحدي (¬2). 8 - محمد بن الفضل بن أحمد الفُراوي، أبو العباس الصاعدي، أحد العلماء الكبار، اجتمع فيه علو الإسناد، وموفور العلم وحسن الخلق، وقد وصفه الذهبي بقوله: الشيخ الإِمام، الفقيه المفتي، مسند خراسان، فقيه الحرم (¬3). وهو معدود في تلاميذ الواحدي وممن روى كتابه "الوجيز" (¬4). ¬

_ (¬1) "روضات الجنات" 5/ 245. (¬2) انظر: "المنتخب من السياق" ل 144ب، و"غاية النهاية" 1/ 523، 2/ 397 - 401. (¬3) انظر: "سير أعلام النبلاء" 19/ 615، "تبيين كذب المفتري" ص 324، "العبر" 2/ 438، "طبقات السبكي" 6/ 166. (¬4) انظر: "الوجيز" 1/ 20، 85.

9 - عبد الكريم بن علي بن أحمد بن محمد الخشنامي (¬1)، أبو نصر الأديب، إمام سليم الجانب من المختلفة إلى الإِمام الواحدي كتب تصانيفه وقرأ عليه، ت 492 هـ (¬2). 10 - الحسين بن محمد بن محمود بن سورة أبو سعيد سبط شيخ الإِسلام أبي عثمان الصابوني، فاضل عالم، سمع الكثير من مشايخ عصره وسمع من الواحدي التفسير وغيره توفي كهلاً ت 506 هـ (¬3). 11 - محمد بن أحمد الماهياني أبو الفضل المروزي، إمام فاضل زاهد ورع حسن السيرة جميل الأخلاق فقيه شافعي، مبرز عارف بالمذهب رحال أدرك الأئمة الكبار وتفقه عليهم وسمع الحديث من الواحدي وغيره توفي سنة 525 هـ من نحو 90 سنة. قال السمعاني: سمع الحديث من الواحدي وسمعت منه جميع التفسير المعروف بـ"الوسيط" للواحدي (¬4). 12 - عبد الغافر بن إسماعيل بن عبد الغافر بن محمد الفارسي أبو الحسن، كان إماماً في الحديث والعربية، سمع من جدّه لأمه أبي القاسم القشيري، وتفقه على أبي المعالي الجويني، ورحل في طلب العلم، ثم رجع إلى نيسابور وولي الخطابة بها، وأملى في مسجد عقيل، وصنف كتباً ¬

_ (¬1) الخشنامي، بضم الخاء وسكون الشين وفتح النون نسبة إلى جده خشنام، انظر: "أنساب" 2/ 372، "اللباب" 1/ 447. (¬2) "المنتخب من السياق" ص 336. (¬3) المصدر السابق ص 204 (¬4) انظر: "الأنساب" 5/ 183، "المنتخب من السياق" ص 73، "طبقات الشافعية" لابن الصلاح/80، و"اللباب" لابن الأثير 3/ 157، "طبقات الشافعية" للأسنوي 2/ 424.

عدة، منها: "المفهم بشرح غريب صحيح مسلم"، و"السياق لتاريخ نيسابور" و"مجمع الغرائب في غريب الحديث". ت (529) بنيسابور، وكانت ولادته سنه 451 هـ في شهر ربيع الآخر (¬1). قال في "السياق": قد أجازني بجميع مسموعاته ومصنفاته (¬2). 13 - أبو إسماعيل بن أبي صالح، المؤذن الشافعي، كان إماماً في الأصول والفقه، وهو ممن تتلمذ على يد الإِمام الواحدي، ت 532 (¬3). 14 - إبراهيم بن أحمد أبو إسحاق المروروذي، قرأ الوسيط على الإِمام الواحدي، ولد في ذي القعدة سنة 453، وكان أحد الأئمة المسلمين، ومن كبار العلماء، قتل في فتنة خوارزم شاه سنة 533 هـ (¬4). 15 - أحمد بن طاهر بن سعيد الميهيي (¬5) الخراساني الصوفي، شيخ صالح، رحل كثيراً في طلب العلم، ت 549 هـ. قال الذهبي: له إجازة من المفسر أبي الحسن الواحدي روى بها تفاسير (¬6). ¬

_ (¬1) انظر: "تذكرة الحفاظ" 4/ 1275، و"وفيات الأعيان" 3/ 225، "التحبير في معجم الكبير" 1/ 507، "طبقات الشافعية" لابن قاضي شهبة 1/ 313. (¬2) "المنتخب من السياق" ص 387. (¬3) انظر: "طبقات الشافعية الكبرى" 7/ 44، "العبر" 2/ 441، "تذكرة الحفاظ" للذهبي 4/ 1277. (¬4) انظر: "طبقات الشافعية" للسبكي 4/ 199، "الوجيز في تفسير الكتاب العزيز" تحقيق صفوان داودي 1/ 20. (¬5) نسبة إلى قرية ميهنة وهي من قرى خابران، بين أبيورد وسرخس. انظر: "معجم البلدان" 5/ 247. (¬6) انظر: "سير أعلام النبلاء" 20/ 196، 197.

المطلب السابع مؤلفاته

المطلب السابع مؤلفاته: الناظر في حياة أبي الحسن الواحدي يجد أنه قد انقطع للعلم منذ نشأته، وقد هيأ الله له أسباب التحصيل، فأدرك حظّاً وافراً من العلم، واتجهت أنظار الطالبين إليه، وكثر المستفيدون حوله، القابسون من نور علمه، ولذا كان لزاماً أن تلبى حاجة الناس بتصنيف المصنفات والتي يقرؤها الطلاب على شيخهم، ومن ثم ينقلونها إلى طلابهم وبلادهم، ليعم النفع، وليبقى العلم قد اجتمعت له أسباب الدوام من التلقي والتدوين، والسماع والكتاب. وقد ألّف الإِمام أبو الحسن كتباً، طار صيتها، واشتهر ذكرها، وتداولها الناس، وتلقاها أهل العلم بالقبول والاستحسان. قال ابن خلكان (¬1): ورزق السعادة في تصانيفه، وأجمع الناس على حسنها، وذكرها المدرسون في دروسهم (¬2). وقد قال تلميذه عبد الغافر: أحسن كل الإحسان في البحث والتنقير (¬3). ¬

_ (¬1) أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أبي بكر بن خلكان البرمكي، أبو العباس، المؤرخ الأديب صاحب أشهر كتاب في التراجم وهو "وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان"، ولد في إربل سنة 608، تولى القضاء بمصر ثم بالشام، وولي التدريس في دمشق، توفي سنة 681. ينظر: "مقدمة وفيات الأعيان"، و"النجوم الزاهرة" 7/ 353. (¬2) "وفيات الأعيان" 3/ 303. (¬3) نشله عن عبد الغافر ياقوت في "معجم الأدباء" 12/ 259.

القسم الأول: ما يقطع بنسبته إليه.

وقال الفيروزابادي (¬1): ومصنفاته كثيرة مشهورة. وبما أن الواحدي برع في علمي التفسير واللغة فإن غالب تصانيفه تحوم حول هذين العلمين. وفيما يلي ثبت بأسماء مؤلفاته المنسوبة إليه مع بيان المطبوع منها والمخطوط وقد قسمتها إلى قسمين: القسم الأول: ما يقطع بنسبته إليه. القسم الثاني: ما لا يقطع بنسبته إليه، وإليك البيان. القسم الأول: المؤلفات التي يقطع بنسبتها للواحدي. أولاً: كتبه المعروفة: وهي التي وصلت إلينا منها ما طبع ومنها ما لا يزال مخطوطًا: وهي المؤلفات التي ذكرها الواحدي في كتبه، أو ذكرها العلماء الأثبات سواء في تراجمهم له، أو كتبهم نقلاً عنها. 1 - " البسيط": وهو أكبر كتبه في التفسير ويعدّ مع كتابيه الآخرين "الوسيط" و"الوجيز" -وكلها في التفسير- أشهر كتبه، بل أصبحت علماً عليه، ¬

_ (¬1) هو محمد بن يعقوب بن محمد بن إبراهيم، أبو طاهر، مجد الدين، الشيرازي الفيروزابادي، من أئمة اللغة والأدب، ولد سنة 729، رحل في طلب العلم حتى استقر به المقام في زبيد وتولى قضاءها، وأكرمه ملكها الأشرف، ومن أشهر كتبه: "القاموس المحيط"، وله "بصائر ذوي التمييز"، وغيرها. توفي سنة 817 ينظر: "البدر الطالع" 2/ 280، و"الضوء اللامع" 10/ 79.

2 - "الوسيط"

فيقال: الواحدي صاحب "البسيط" و"والوسيط" و"الوجيز" في، التفسير، ولا يترجم له أحد إلا ويذكر كتبه الثلاثة فذكرها القفطي (¬1)، وياقوت (¬2)، وابن خلكان (¬3) وقال: منها أخذ أبو حامد الغزالي أسماء كتبه الثلاثة، ومثله قال الذهبي (¬4)، وذكرها ابن كثير (¬5) والسبكي (¬6) وغيرهم (¬7). و"البسيط" أول هذه الكتب وأكبرها، بل هو أصلها كما سيأتي، قال عنه القفطي: "وصنف التفسير الكبير وسماه "البسيط" وأكثر فيه من الإعراب والشواهد واللغة، ومن رآه علم مقدار ما عنده من علم العربية .. " (¬8). وذكر ابن قاضي شهبة (¬9) وابن العماد (¬10): أنه يقع في ستة عشر مجلدًا. 2 - " الوسيط": وهو في التفسير، والكتاب يعتبر وسطًا بين "البسيط" و"الوجيز" ولهذا قال في مقدمته: " ... وقديماً كنت أطالب بإملاء كتاب في تفسير وسيط ينحط عن درجة "البسيط" الذي تجر فيه أذيال الأقوال، ويرتفع عن مرتبة ¬

_ (¬1) انظر: "إنباه الرواة" 2/ 223. (¬2) انظر: "معجم الأدباء" 12/ 159. (¬3) انظر: "وفيات الأعيان" 3/ 303. (¬4) انظر: "سير أعلام النبلاء" 18/ 340. (¬5) انظر: "البداية والنهاية" 12/ 114 (¬6) انظر: "طبقات الشافعية" 3/ 290. (¬7) كابن الأثير في "الكامل" 8/ 123، والأسنوي في "طبقات الشافعية" 2/ 539، وابن قاضي شهبة في "طبقات الشافعية" 1/ 257، وابن العماد في "الشذرات" 3/ 330، وطاش كبرى زاده في "مفتاح السعادة" 2/ 66. (¬8) "إنباه الرواة" 2/ 223. (¬9) انظر: "طبقات الشافعية" 1/ 257. (¬10) انظر: "شذرات الذهب" 3/ 330.

"الوجيز" الذي اقتصر فيه على الإقلال" (¬1). قال القفطي: "وهو مختار من "البسيط" -أيضًا- غاية في بابه" (¬2)، والحقيقة أن ما في الكتاب من مسائل لغوية ونحوية وتفسيرية مختصر من "البسيط" ويزيد عن "البسيط" في الإكثار من الرواية، وسيأتي مزيد من الإيضاح عن الفرق بين الكتابين عند الحديث عن "البسيط". ويظهر أن هذا الكتاب نال الشهرة أكثر من "البسيط" ولهذا كثرت مخطوطاته (¬3)، وطبع الجزء الأول من الكتاب ويشمل من أول القرآن إلى نهاية سورة "البقرة" بتحقيق: "محمد حسن أبو العزم الزفيتي"، طبعته "لجنة إحياء التراث" التابعة لوزارة الأوقاف المصرية، كما قام قسم القرآن بتحقيقه في رسائل علمية، وتم إنجاز أغلبه، نأمل أن تتبنى الجامعة طباعة هذا الجهد العلمي حتى يخرج متكاملاً. 3 - "الوجيز"، وهذا الكتاب كاسمه وجيز في التفسير. قال القفطي: "وهو عجيب" (¬4). وقال الواحدي في مقدمته: "فإني كنت قد ابتدأت بإبداع كتاب في التفسير لم أسبق إلى مثله وطال علي الأمر في ذلك لشرائط تقلدتها ¬

_ (¬1) مقدمة "الوسيط" 1/ 6 تحقيق محمد حسن أبو العزم الزفيتي. (¬2) "إنباه الرواة" 2/ 223. (¬3) ذكر الزفيتي أنه اعتمد على ثلاث نسخ في تحقيق الكتاب: نسخة دار الكتب المصرية (887 تفسير)، ونسخة أخرى بدار الكتب المصرية رقم (271)، ونسخة ثالثة بمعهد المخطوطات في القاهرة رقم (292 تفسير) مصور عن أحمد الثالث بإستانبول. (¬4) "إنباه الرواة" 2/ 223.

3 - "تفسير النبي - صلى الله عليه وسلم -"

ومواجب لحق النصيحة لكتاب الله تحملتها، ثم استعجلني قبل إتمامه والتفصي عما لزمني من عهدة إحكامه نفر متقاصرو الرغبات منخفضو الدرجات، أولو البضائع المزجاة إلى إيجاز كتاب في التفسير يقرب على من يتناوله ويسهل على من يتأمله من أوجز ما عمل في بابه وأعظم عائدة على متحفظيه .. " (¬1)، وقد وفي بذلك فخرج الكتاب موجزًا، وقد طبع في مصر سنة 1305 هـ على هامش تفسير "مراح لبيد لكشف معنى قرآن مجيد" للشيخ محمد نووي الجاوي، ويقع الكتاب في جزأين ولو طبع مستقلاً لم يتجاور أربعمائة صفحة تقريبًا، والكتاب بحاجة إلى طباعة محققة خصوصاً مع كثرة مخطوطاته، وقد اعتمده السيوطي (¬2) في تكملته للتفسير المشهور بـ"تفسير الجلالين" (¬3)، وقد طبع أكثر من مرة. 3 - " تفسير النبي - صلى الله عليه وسلم -": ذكره ياقوت (¬4)، والذهبي (¬5) ¬

_ (¬1) "مقدمة الوجيز" 1/ 2 "على هامش تفسير مراح لبيد". (¬2) هو الحافظ جلال الدين عبد الرحمن بن الكمال السيوطي أبو بكر، صاحب التصانيف المشهورة، ولد عام 849 وتوفي عام 911: ينظر "حسن المحاضرة" 1/ 335. (¬3) ينظر "بغية الوعاة" 1/ 401، و"طبقات المفسرين" للداودي 1/ 101. (¬4) سبقت ترجمته ص 29. (¬5) هو شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز بن عبد الله الذهبي، أبو عبد الله، المؤرخ، المحدث، الناقد، ولد في شهر ربيع الآخر سنة 673 هـ، وكان من أسرة تركمانية الأصل، سمع من علماء دمشق وحلب ونابلس، ومكة، توفي بدمشق ليلة الاثنين ثالث من ذي القعدة سنة 748 هـ، ودفن بمقبرة الباب الصغير. من أشهر مصنفاته -رحمه الله-: "تاريخ الإِسلام الكبير"، و"سير أعلام النبلاء"، =

والسبكي (¬1) والداودي (¬2) والسمعاني (¬3)، وذكره ابن القاضي شهبة (¬4)، وابن العماد (¬5)، بعنوان: ¬

_ = "طبقات الحفاظ"، "ميزان الاعتدال" وغيرها من مصنفاته رحمه الله تعالى. ينظر ترجمته في "طبقات الشافعية" للأسنوي 1/ 98، "طبقات الشافعية" للسبكي 5/ 216 - 226. (¬1) هو عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي السبكي، أبو نصر، القاضي المؤرخ الفقيه الشافعي، ولد بالقاهرة سنة 727، وانتقل إلى الشام وتولى قضاءها، ثم عزل، وجرت عليه محن لم تجر على قاض مثله. من كتبه: "طبقات الشافعية الكبرى"، و"ومعيد النعم ومبيد النقم"، و"جمع الجوامع". توفي بالطاعون سنة 771. ينظر: "الدرر الكامنة" 2/ 425 و"مقدمة طبقات الشافعية". (¬2) هو محمد بن علي بن أحمد، شمس الدين الداودي المالكي، محدث مصري، من تلاميذ السيوطي. من كتبه: "طبقات المفسرين" و"ذيل طبقات الشافعية" للسبكي و"ترجمة الحافظ السيوطي"، توفي سنة 945. ينظر: "شذرات الذهب" 8/ 264، و"الأعلام" 6/ 291. (¬3) هو عبد الكريم بن محمد بن منصور التميمي السمعاني المروزي أبو سعد، مؤرخ رحالة، ولد بمرو سنة 506، رحل في طلب العلم، من كتبه: "الأنساب"، و"أدب الإملاء الاستملاء" توفي بمرو سنة 562. ينظر: "طبقات الشافعية" 4/ 259 و"وفيات الأعيان" 1/ 301. (¬4) هو أحمد بن محمد بن عمر بن محمد، تقي ابن قاضي شهبة الدمشقي، أبو بكر، عالماً بالفرائض، جلس للتدريس بالجامع الأموي مدة، وكان كريم النفس كثير "الإحسان" ولد في رجب سنة 737هـ وتوفي سنة 790هـ ومن مؤلفاته: "الفرائض" وغيرها من المؤلفات. ينظر: "شذرات الذهب" 6/ 312، 313. (¬5) هو عبد الحي بن أحمد بن محمد المعروف بابن العماد، العكري الدمشقي، أبو الفلاح، فقيه، أديب، أخباري، حنبلي المذهب، ولد في الصالحية بدمشق في =

4 - "أسباب النزول"

تفسير أسماء النبي - صلى الله عليه وسلم - (¬1). 4 - " أسباب النزول": وهو من أشهر ما صنف في هذا الفن (¬2) ومن أول الكتب التي وردت إلينا شيه. وفيه يذكر سبب النزول من حديث أو أثر مسنداً، وقد يذكره بدون سند. ولتوسعه وشهرته بني عليه الحافظ ابن حجر (¬3) كتابه المشهور في أسباب النزول المسمى: "العجاب في بيان الأسباب" واختصره أبو إسحاق الجعبري (¬4) (ت ¬

_ = 8 رجب (1032 هـ)، وأقام في القاهرة مدة طويلة، وتوفي بمكة في 16 من ذي القعدة (1089هـ) من تصانيفه رحمه الله:- "شذرات الذهب"، و"بغية أولي النهى في شرح المنتهى" وغيرها من تصانيفه رحمه الله. ينظر ترجمته: "معجم المؤلفين" 2/ 67. (¬1) ينظر: "معجم الأدباء" 12/ 259، و"سير أعلام النبلاء" 18/ 341، و"طبقات الشافعية" 5/ 241، و"طبقات المفسرين" للداوودي 1/ 395، و"التحبير في المعجم الكبير" 2/ 377. وذكره ابن قاضي شهبة في "طبقات الشافعية" 1/ 278، باسم تفسير أسماء النبي - صلى الله عليه وسلم -، وتبعه ابن العماد في "شذرات الذهب" 3/ 330، ورجح ذلك جودة المهدي في كتابه الواحدي ومنهجه في التفسير ص 96، بحجة أنه لم يرد في ثبت تفاسير الواحدي هذا الاسم، ولم تنوه به التراجم في سياق إنتاجه التفسيري. وهذا غير صحيح كما تبيّن عند مراجعة المصادر التي ترجمته. (¬2) انظر: "البرهان" 1/ 22، و"الإتقان" 1/ 38، و"كشف الظنون" 1/ 76. (¬3) هو أحمد بن علي بن محمد الكناني العسقلاني، أبو الفضل شهاب الدين، ابن حجر، من أئمة الحديث والفقه والرجال والتاريخ، وإذا أطلق الحافظ لم يرد به غيره، ولد بالقاهرة سنة 773، رحل في طلب العلم، وتولى القضاء في مصر مرات، وكتبه كثيرة اشتهرت في حياته، منها "فتح الباري" وهو أجلها و"تهذيب التهذيب" و"تقريب التهذيب" وغيرها. توفي سنة 852. ينظر: "الضوء اللامع" 2/ 36، و"البدر الطالع" 1/ 87. (¬4) هو إبراهيم بن عمر بن إبراهيم بن خليل الجعبري، أبو إسحاق، عالم بالقراءات، =

4 - "قتلى القرآن"

732هـ) فحذف أسانيده، وقد طبع الكتاب طبعات كثيرة (¬1). 5 - " قتلى القرآن": ذكره الحافظ ابن رجب (¬2) في لطائف المعارف ناقلاً عنه (¬3). 6 - " فضائل القرآن": ذكره حاجي خليفة (¬4) عند ذكره للمصنفات في علم فضائل القرآن ¬

_ = من فقهاء الشافعية، ولد بقلعة جعبر على نهر الفرات سنة 640، وتلقى العلم ببغداد، واستقر بالخليل إلى أن مات، من كتبه: شرح الشاطبية "كنز المعاني شرح حرز الأماني". توفي سنة 732. ينظر: "الدرر الكامنة" 1/ 50، و"غاية النهاية" 1/ 21. (¬1) طبع كتاب "أسباب النزول" عدة طبعات أولها سنة 1316 هـ بالقاهرة، على هامشه "الناسخ والمنسوخ" لأبي القاسم بن هبة الله بن سلامة. ثم أعيد طبعه سنة 1379 هـ في مطبعة الحلبي، ثم طبع سنة 1395 هـ في بيروت دار الكتب العلمية، ثم طبع بتحقيق "السيد أحمد صقر" سنة 1389 هـ صدر عن دار الجديد، ثم خرجت طبعة أخرى بتحقيق السيد أحمد صقر عن دار القبلة سنة 1404هـ، وطبعة بتحقيق عصام الحميدان من إصدار دار الإصلاح. (¬2) عبد الرحمن بن أحمد بن رجب السلامي البغدادي ثم الدمشقي الحنبلي أبو الفرج زين الدين، محدث فقيه إمام، ولد ببغداد ونشأ وتوفي في دمشق، من كتبه: "فتح الباري شرح صحيح البخاري"، و"جامع العلوم والحكم"، توفي سنة 795. ينظر: "شذرات الذهب" 6/ 339، و"الدرر الكامنة" 2/ 321. (¬3) "لطائف المعارف" ص 358، وذكر باسم (مقاتل القرآن) في مقدمة "أسباب النزول" للسيد أحمد صقر ص 21 وفي كتاب "الواحدي ومنهجه في التفسير" ص 94. (¬4) هو مصطفى بن عبد الله كاتب حلبي، المعروف بالحاج خليفة: مؤرخ بحاثة، تركي الأصل مستعرب، ولد سنة 1017 في القسطنطينية، تولى أعمالاً كتابية في الجيش العثماني، انقطع للتدريس آخر عمره من كتبه: "كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون" وهو أفضل ما كتب في فنه توفي سنة 1067 ينظر: مقدمة كشف الظنون و"الإعلام" 7/ 236.

6 - "مسند التفسير"

قائلاً: ولأبي الحسن علي بن أحمد الواحدي المتوفى سنة 468 مختصر فيه، أخذ شمس الدين محمد بن طولون الدمشقي (¬1) أربعين حديثا منه (¬2). 7 - " مسند التفسير": أشار إليه الواحدي في "الوسيط" حيث قال: وحديث انشقاق القمر رواه جماعة من الصحابة ... روينا عن جميعهم ذلك في مسند التفسير (¬3)، وقال في مقدمة "الوسيط" أيضاً: وقد سبق لي قبل هذا الكتاب -بتوفيق الله وحسن تيسيره- مجموعات ثلاث في هذا العلم: معاني التفسير، ومسند التفسير، ومختصر التفسير (¬4). وعلى صراحة هاتين الإحالتين من الواحدي لم يشر أحد ممن ترجم له إلى هذا الكتاب ضمن ثبت كتبه، ويحتمل أن يكون المقصود به كتاب تفسير النبي - صلى الله عليه وسلم - المتقدم ذكره. 8 - " نفي التحريف عن القرآن الشريف": ذكره أكثر من ترجم له (¬5). ¬

_ (¬1) هو شمس الدين محمد بن علي بن أحمد بن علي بن خمارويه بن طولون الدمشقي الحنفي، مؤرخ عالم بالتراجم والفقه ولد سنة 880، له مشاركة في فنون متعددة وكتبه كثيرة منها: "ذخائر القصر في تراجم نبلاء العصر" و"الغرف العلية في تراجم متأخري الحنفية". توفي سنة 953. ينظر "الكواكب السائرة" 2/ 52، و"شذرات الذهب" 8/ 298. (¬2) "كشف الظنون" 2/ 1277، ولعله الموجود في مكتبة كوبرلي بتركيا مجموعة ر قم (1631) باسم فضائل السور، ينظر: فهرس مخطوطات مكتبة كوبريلي 2/ 395. (¬3) "الوسيط" 4/ 207. (¬4) "الوسيط" 1/ 55. (¬5) ينظر: "معجم الأدباء" 12/ 259، و"سير أعلام النبلاء" 18/ 341، و"طبقات =

8 - "شرح ديوان المتنبي"

9 - " شرح ديوان المتنبي" (¬1): ذكره أكثر من ترجم له، قد أثنى عليه العلماء قال فيه ابن خلكان: "وليس في شروحه مع كثرتها مثله" (¬2) وقال القفطي: وهو غاية في بابه (¬3)، وقال حاجي خليفة بعد أن ذكر أربعين شرحًا لديوان المتنبي: فأجلها نفعاً وأكثرها فائدة: شرح الإِمام أبي الحسن علي بن أحمد الواحدي (¬4). والكتاب مطبوع متداول (¬5). 10 - " الإغراب في الإعراب": ذكره بهذا الاسم أكثر من ترجم له (¬6)، بينما سماه السبكي: الإعراب في علم الإعراب (¬7)، وسماه السيوطي: الإغراب في علم ¬

_ = الشافعية" 5/ 241، و"الفلاكة والمفلوكون" للدلجي ص 153، و"طبقات الشافعية" لابن قاضي شهبة 1/ 278، و"طبقات المفسرين" للسيوطي ص 79 وغيرهم. (¬1) هو أحمد بن الحسين بن الحسن بن عبد الصمد الجعفي الكوفي الكندي، أبو الطيب المتنبي الشاعر الحكيم، علم في باب الشعر والأدب، ولد بالكوفة سنة 303 ونشأ بالشام، تنقل في البادية يطلب العربية وقال الشعر صبياً، ثم تنبأ فتبعه خلق فسجن فتاب، أشهر أعماله: "ديوانه"، قتل سنة 354 وقد كُتب في سيرته كتب كثيرة. ينظر: "معاهد التنصيص" 1/ 27 و"وفيات الأعيان" 1/ 36. (¬2) "وفيات الأعيان" 3/ 303. (¬3) "إنباه الرواة" 2/ 232. (¬4) "كشف الظنون" 1/ 809. (¬5) طبع عام 1271 في الهند طبعة حجرية ثم طبع بعناية فريدرخ ديتريصي في برلين عام 1276 ثم صورته دار المثنى ببغداد. ينظر: "معجم المطبوعات" 2/ 1616. (¬6) ينظر: "معجم الأدباء" 12/ 259، و"سير أعلام النبلاء" 18/ 341 و"طبقات الشافعية" لابن قاضي شهبة 1/ 278 و"طبقات المفسرين" للداودي 1/ 395 و"شذرات الذهب" 3/ 303. (¬7) "طبقات الشافعية" 5/ 241.

10 - "التحبير في شرح أسماء الله تعالى الحسنى"

الإعراب (¬1)، وسماه في موطن آخر: الإعراب عن الإعراب (¬2). 11 - " التحبير في شرح أسماء الله تعالى الحسنى": ذكره أكثر من ترجم له (¬3) مع اختلافات يسيرة في الاسم (¬4). 12 - " الدعوات": ذكره أكثر من ترجم له (¬5). 13 - " المغازي": ذكره أكثر من ترجم له (¬6). القسم الثاني: المؤلفات التي لا يقطع بنسبتها للواحدي ثمة مؤلفات لا يقطع بنسبتها للواحدي: إما لأنها وردت على طرة بعض المخطوطات، أو في فهارس خزائن الكتب، لكن لم يذكرها أحد ممن ترجموا للواحدي ضمن ثبت كتبه، ¬

_ (¬1) "بغية الوعاة" 2/ 145. (¬2) "طبقات المفسرين" ص 79. (¬3) "وفيات الأعيان" 3/ 303، و"تاريخ الإِسلام" للذهبي 31/ 259، و"طبقات الشافعية" 5/ 241، و"البداية والنهاية" 12/ 241، و"طبقات المفسرين" للسيوطي ص 79، و"طبقات الشافعية" لابن قاضي شهبة 1/ 278. (¬4) بعضهم قال: "التجيز في شرح الأسماء الحسنى" وبعضهم قال: "التحبير في الأسماء الحسنى"، وبعضهم سماه: "شرح الأسماء الحسنى"، وأما ابن قاضي شهبة فقال: "التنجيز بدلاً من التحبير" وهو تصحيف. (¬5) ينظر: "معجم الأدباء" 12/ 259، و"سير أعلام النبلاء" 18/ 341 و"طبقات الشافعية" 5/ 241، و"طبقات الشافعية" لابن قاضي شهبة 1/ 278 و"طبقات المفسرين" للداودي 1/ 395 و"شذرات الذهب" 3/ 303. (¬6) ينظر: المراجع السابقة. وسماه السمعاني في "الأنساب" 3/ 479 "طراز المغازي".

1 و 2 - "معاني التفسير"، و"مختصر التفسير"

فضلاً عن الواحدي نفسه، إذ لا يعرف عنه أنه نسبها إلا نفسه، أو عدها ضمن كتبه. وإما لتوهم أن تكون له، وليست كذلك، وإما أن يذكر واحد من كتبه باسم مغاير للمشهور فيظن أنهما كتابان، والحقيقة أنهما اسمان لكتاب واحد. وهذا بيان لجميع ذلك. 1 و 2 - "معاني التفسير"، و"مختصر التفسير": ذكر الواحدي في مقدمة تفسيره الوسيط هذين الاسمين، ووقع الخلاف بين الباحثين هل مراده بهما كتابان آخران غير البسيط والوجيز، أو أنهما اسمان لذينك الكتابين على عادة بعض المؤلفين في تعديد أسماء الكتاب الواحد، ولإيضاح الأمر أسوق عبارته في مقدمة الوسيط، حيث يقول: "وقد سبق لي قبل هذا الكتاب -بتوفيق الله وحسن تيسيره- مجموعات ثلاث في هذا العلم: "فمعاني التفسير" و"مسند التفسير" و"مختصر التفسير"، وقديماً كنت أطالب بإملاء كتاب في تفسير وسيط، ينحط عن درجة البسيط، الذي تجر فيه أذيال الأقوال، ويرتفع عن مرتبة الوجيز الذي اقتصر فيه على الإقلال" (¬1) فأخذ بعض الباحثين من هذا النص الصريح أن هذين اسمان لكتابين غير البسيط والوجيز، وعدهما ضمن كتبه (¬2)، والظاهر - أنهما اسمان للكتابين نفسيهما ويدل لذلك: أ- أنهما لو كانا كتابين مستقلين لقال: وقد سبق لي مجموعات خمس، خاصة وأنه صرح في آخر كلامه الآنف الذكر باسم: البسيط والوجيز. ¬

_ (¬1) "الوسيط" 1/ 50. (¬2) ذكر ذلك د/جودة المهدي في كتابه الواحدي ومنهجه في التفسير ص 92.

3 - "الحاوي لجميع المعاني"

ب- جاء في نهاية الجزء الثالث من النسخة الأزهرية ما نصه: آخر الجزء الثالث من كتاب معاني التفسير المسمى بالبسيط للإمام أبي الحسن علي الواحدي -رحمه الله- ومثله جاء في نهاية الجزء الثاني من نسخة جستربتي. ج- لم يذكرهما أحد ممن ترجم للواحدي على أنهما كتابان مستقلان، غير ذينك الكتابين. 3 - " الحاوي لجميع المعاني": ورد هذا الكتاب منسوباً إلى الواحدي في فهارس بعض خزائن الكتب (¬1) بيد أن حاجي خليفة بين أن هذا الاسم يراد به كتبه الثلاثة في التفسير، فقال: تفسير الواحدي ثلاثة: البسيط والوسيط والوجيز، وتسمى هذه الثلاثة: الحاوي لجميع المعاني (¬2). وقال أيضاً: الحاوي لجميع المعاني، وهو اسم البسيط والوسيط والوجيز للواحدي (¬3). وما ذكره حاجي أظهر؛ لأنه لو كان كتاباً مستقلاً لذكره المترجمون للواحدي، خصوصاً وأنه كتاب كبير يصعب تجاهله ونسيانه، لكن الجزم بذلك يتوقف على الاطلاع على تلك النسخ في خزائن الكتب، ودراستها، والتحقق منها. 4 - " جامع البيان في تفسير القرآن": ¬

_ (¬1) كالمكتبة الآصفية بحيدر اباد بالهند برقم (124) ومكتبة أصفهان العامة بإيران برقم (2693) وخزانة قاسم الرجب ببغداد برقم (340) وعنوانها الحاوي في تفسير القرآن، والخزانه الحسينية بالقصر الملكي بالرباط، برقم (5551). ينظر: "الفهرس الشامل للتراث العربي الإِسلامي" 1/ 113، 114. (¬2) "كشف الظنون" 1/ 629. (¬3) "كشف الظنون" 1/ 629.

5 و 6 - "رسالة في البسملة"، و"حاشية على شرح البسملة"

ورد هذا الكتاب منسوباً للواحدي في إحدى خزائن الكتب (¬1)، ولم يذكره أحد ممن ترجموا للواحدي. 5 و 6 - "رسالة في البسملة"، و"حاشية على شرح البسملة": ورد هذان العنوانان في فهرس المكتبة الخالدية بالقدس (¬2)، ولم يذكرهما أحد ممن ترجم للواحدي. 7 - " رسالة في شرف علم التفسير": ذكرها الدكتور جودة المهدي (¬3)، وأشار إلى وجودها مخطوطة في دار الكتب المصرية (¬4) ولم يذكرها أحد ممن ترجم للواحدي. 8 - " شرح معلقة النابغة الذبياني" (¬5)، أو"شرح قصيدة النابغة": ورد في فهارس بعض خزائن الكتب (¬6)، ولم يذكره أحد ممن ترجموا للواحدي. ¬

_ (¬1) وهي مكتبة مراد ملا الوطنية تحت رقم (191). ينظر: "الفهرس الشامل للتراث العربي الإسلامي" 1/ 131. (¬2) برقم (48) و (49)، ينظر: الفهرس الشامل 1/ 114. (¬3) الواحدي ومنهجه في التفسير ص 95. (¬4) برقم 220 مجاميع. (¬5) هو: الذبياني أبو أمامة زياد بن معاوية بن ضباب، من الطبقة الأولى، من فحول شعراء الجاهلية، كان يحكم بين الشعراء في سوق عكاظ ويفاضل بينهم. ينظر: "طبقات فحول الشعراء" 1/ 56، و"جمهرة أشعار العرب" 1/ 303 (¬6) منه نسخة في مكتبة الأكاديمية العلمية بجامعة ليدن بهولندا برقم (106/ 2)، ونسخة أخرى في مكتبة حسين علي محفوظ بالكاظمية، ونسخة في مكتبة المتحف العراقي ببغداد برقم (1894/ 2) ونسخة في مكتبة جامعة الملك سعود ضمن مجموع (214 - 223) برقم (838/ 2) ينظر: تاريخ التراث العربي (مج 2، جـ2/ 9) ومجلة المخطوطات 6/ 47 و"مخطوطات الأدب في المتحف العراقي" ص 386.

9 - "الوسيط في الأمثال"

9 - " الوسيط في الأمثال": حققه الدكتور عفيف محمد عبد الرحمن (¬1)، ونسبه إلى الواحدي معتمداً على نسخة وحيدة، وجدها في الخزانة العامة في الرباط بالمغرب (¬2)، وقد بذل المحقق جهدًا في إثبات نسبة الكتاب إلى الواحدي، واستدل على ذلك بورود أسماء من كتبه في ثنايا الكتاب ثم ذكرها (¬3)، ولا يعرف منها شيء تصح نسبته إليه، والذي يظهر أن الكتاب لا تصح نسبته إلى الواحدي، لعدم وجود دليل صحيح صريح، يدل على صحة نسبة الكتاب إليه، ولا ذكر أحد ممن ترجموا له هذا الاسم في ثبت كتبه، ولا أحال هو عليه في ثنايا مؤلفاته، ولم يجد المحقق إلا نسخة واحدة اعتمد عليها. ويزاد على ذلك أنه في الكتاب استشهد ببيت للأخطل (¬4) ثم قال: "هكذا رواه الشيخ أبو زكريا يحيى بن علي التبريزي (¬5)، وقرأت ديوانه على الفصيحي (¬6) في سنة إحدى وتسعين ... " والفصيحي هذا توفي سنة 510 أو ¬

_ (¬1) نشرته مؤسسة دار الكتب الثقافية بالكويت 1395هـ (¬2) برقم (102ت) كتبت في القرن السادس الهجري. (¬3) منها: "البسيط في الأمثال"، و"الوجيز في الأمثال"، و"المترجم المنيح في شرح الكتاب الفصيح"، و"نزهة الأنفس" وغيرها. (¬4) هو غياث بن غوث بن الصلت التغلبي النصراني، أحد شعراء زمانه، كان معاصراً لجرير والفرزدق، مهاجياً لهما، مدح خلفاء بني أمية فأكثر. قيل: إنه توفي سنة 90 هـ ينظر: "طبقات فحول الشعراء" 1/ 298 و"سير أعلام النبلاء" 4/ 589. (¬5) هو أبو زكريا، يحيى بن علي بن محمد الشيباني، المعروف بالخطيب التبريزي، أحد أئمة اللغة والنحو والأدب، توفي عام 502 هـ. ينظر: "معجم الأدباء" 20/ 25 و"سير أعلام النبلاء" 19/ 269. (¬6) هو أبو الحسن علي بن محمد بن علي الفصيحي لقب بذلك لكثرة دراسته كتاب الفصيح لثعلب، درس في النظامية ببغداد، وكان يظهر التشيع فعزل عن التدريس. =

10 - "الناسخ والمنسوخ"

(516)، وكانت القراءة سنة (491)، والواحدي توفي سنة (468) بلا خلاف فكيف يكون هذا؟ 10 - " الناسخ والمنسوخ": نسبه إليه محقق الوجيز (¬1)، وذكر أن الزركشي نقل منه في كتاب البرهان (¬2)، والحقيقة أن النقل كان عن الواحدي من تفسيره البسيط، عند قوله تعالى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 106] ولا تشير عبارة الزركشي إلى كتاب بهذا الاسم، ولم ينسبه إليه أحد ممن ترجم له. 11 - " بانت سعاد": ذكره: الدكتور عفيف محمد عبد الرحمن في مقدمته على الوسيط في الأمثال، وقال: منها نسخة في جستربتي كتب في القرن التاسع الهجري (¬3)، ولم يذكر مترجمو الواحدي شيئاً عنه، ولم أجده في فهرس الكتب المختارة من جستربتي المترجم. 12 - " منظومة في الوعظ": ورد هذا الكتاب منسوباً للواحدي في إحدى خزائن الكتب (¬4)، ولم يذكره له من ترجموه. ¬

_ = ينظر: "معجم الأدباء" 15/ 66 و"إنباه الرواة" 2/ 306. (¬1) "مقدمة الوجيز" لصفوان داودي 1/ 36. (¬2) "البرهان" 2/ 41 ونص كلامه: "وقسمه -أي النسخ- الواحدي أيضاً إلى نسخ ما ليس بثابت التلاوة كعشر رضعات، قال نسخ ما هو ثابت .... ". (¬3) "الوسيط في الأمثال"، مقدمة المحقق ص 14. (¬4) ضمن مخطوطات جامعة الملك سعود برقم (2429/ 6/م)

13 - "إيضاح الناسخ والمنسوخ في القرآن". 14 - "البيان لأسباب نزول القرآن". 15 - "البسيط في الأمثال". 16 - "الوجيز في الأمثال". 17 - "المترجم المنيح في شرح كتاب الفصيح". 18 - "نزهة الأنفس"، أو"زينة الأنفس". 19 - "الحاوي في شرح المقصورة الدريدية". هذا الكتب السبعة عدها الدكتور عفيف محمد عبد الرحمن في تحقيقه الوسيط في الأمثال - من كتب الواحدي، واستدل بورودها في ثنايا الوسيط على صحة نسبة الوسيط إلى الواحدي، وقال: "إنها حقًّا له" (¬1). ولكن الصحيح أن شيئاً منها لا تثبت نسبته إلى الواحدي، ولا ذكره آحد ممن ترجموا له، فكيف تكون ثابتة له حقًّا. وبما أن الوسيط على الصحيح لا يثبت، ولم يقم دليل على نسبته للواحدي، فما استنبط منه من كتب، وما أحال إليه كاتب الوسيط من مؤلفاته ليست من مصنفات الواحدي. ¬

_ (¬1) مقدمة "الوسيط في الأمثال" ص 20 وينظر: ص 240 أيضاً.

المطلب الثامن: مكانته

المطلب الثامن: مكانته الواحدي كغيره من العلماء المشهورين، الذين لهم مصنفات، ولهما آراء وأقوال اجتهدوا فيها، أصابوا في بعضها وجانبهم الصواب في البعض الآخر. وهذه طبيعة الإنسان فهو عرضة للخطأ، والكمال لله وحده، لذا فإن المكانة التي وصل إليها المؤلف في العلم والأدب تتجلى من خلال الأمور الآتية: 1 - كثرة شيوخه الذين أخذ عنهم العلم، وتلقى منهم الحكمة والأدب، وطول باعهم، وعلو إسنادهم، وشهرتهم، وتلقي الأمة لهم بالقبول، وقد تقدم ذكر طرف منهم. 2 - كثرة تلاميذه والآخذين عنه، وما ذاك إلا لما كان عليه أبو الحسن الواحدي من علو الكتب في العلم، وتقدم المنزلة، وتنوع المعارف، وقد سبق التعريف ببعضهم. 3 - كتبه التي تشهد له بالتمكن والبسطة في العلم، وسعة المعرفة، حيث تداولها العلماء، وسارت بين الناس مسير الشمس، وشرَّقت بها الركبان وغرَّبت، وتنافس الطلاب على نسخها واقتنائها. 4 - ثناء أهل العلم المعاصرين واللاحقين، وتتابعهم على تزكيته ومدحه، والإشادة بجهوده، والتعريف بفضله وبيان تميزه، حتى قال فيه أحد معاصريه: قد جمع العالم في واحد ... عالمنا المعروف بالواحدي (¬1) ¬

_ (¬1) نقل ذلك الحسن بن المظفر النيسابوري المتوفى سنة 442 هـ، -وهو معاصر للواحدي- كما في "معجم الأدباء" لياقوت الحموي 11/ 260.

المطلب التاسع

المطلب التاسع أقوال العلماء فيه، وما كتبه العلماء عن الواحدي ثناءً أو نقداً له، والصواب من ذلك. ولقد تناول العلماء الواحدي بالمدح والثناء لما له من المكانة العلمية ولما تركه من أثر لمن بعده، من مصنفات قيمة، ولم يسلم الواحدي من بعض الأخطاء التي تناولها العلماء من بعده بالبيان والنقد. وأذكر بعضا من أقوال العلماء في الجانبين: أما في جانب المدح والثناء عليه فقد أثنى عليه أكثر الذين ترجموا له بعبارات تدل على إمامته، وعلى مقدار ما وصل إليه من مكانة علمية عالية. 1 - قال عبد الغافر صاحب السياق وهو من أقدم من كتب عن الواحدي: "الإِمام المصنف المفسر النحوي، أستاذ عصره وواحد دهره وكان حقيقاً بكل احترام وإعظام" (¬1). 2 - أما الذهبي إمام علماء التاريخ والرجال والتراجم والسير فقد مدحه بقوله: الإِمام، العلامة الأستاذ، إمام علماء التأويل، المفسر أحد من برع في العلم، وأنه كان رأساً في العربية واللغات، طويل الباع في علم اللغة، وأنه واحد عصره في التفسير. وقال عنه -أيضًا -: "تصدر للتدريس مدة وعظم شأنه .. " (¬2). ¬

_ (¬1) "المنتخب من السياق" (387)، "معجم الأدباء" 12/ 258 - 260. (¬2) ينظر: "سير أعلام النبلاء" 18/ 339 - 341، و"تاريخ الإِسلام" 31/ 258 - 259، و"العبر" 2/ 324.

3 - وأثنى عليه ابن الأثير بأنه: إمام مفسر مشهور (¬1). 4 - وقال فيه الباخرزي صاحبه: مشتغل بما يعنيه، وإن كان استهدافه للمختلفة إليه يُعَنِّيه، وقد خبط ما عند أئمة الأدب من أصول كلام العرب خبْطَ عصا الراعي فروع الغَرَب، وألقَى الدلاء في بحارهم حتى نزفها، ومد البنان إلى ثمارهم إلا أن قطفها، وله في علم القرآن، وشرح غوامض الأشعار تصنيفات، بيديه لأَعِنَّتِها تصريفات (¬2). 5 - ومدحه كل من: الوزير القفطي وابن خلكان والسبكي والإسنوي (¬3) وابن الجزري (¬4) بأنه واحد عصره في التفسير، بعد أن وصفوه بأنه الإِمام العلامة الكبير البارع في العلم، المصنف المفسر النحوي اللغوي، الأصولى الفقيه، صاحب الإسناد العالي، الشاعر، لذا تجد هذه العبارات تتردد في كتب الذين ترجموا له (¬5). ¬

_ (¬1) "الكامل" 8/ 123، و"اللباب" 3/ 163. (¬2) "دمية القصر" 2/ 1017. (¬3) عبد الرحيم بن الحسين بن علي جمال الدين، الإسنوي، إمام مبرز في الفقه والأصول والعربية، انتهت إليه رياسة الشافعية بمصر، من مؤلفاته: "التمهيد في تخريج الفروع على الأصول"، و"نهاية السول في شرح منهاج الوصول". توفي سنة 772. ينظر: "الدرر الكامنة" 2/ 463 و"البدر الطالع" 1/ 352. (¬4) هو أبو الخير محمد بن محمد بن محمد بن علي بن يوسف الجزري إمام القراء في عصره، ولد بدمشق سنة 751 ثم اشتغل بجمع القراءات وإقرائها ودرس وأفتى وتولى القضاء ومن كتبه النشر في القراءات العشر، وغاية النهاية، وغيرها توفي سنة 833. ينظر: "مقدمة النشر"، و"الضوء اللامع" 9/ 255 طبعة دار مكتبة الحياة. (¬5) ينظر: "إنباه الرواة" 2/ 223، و"وفيات الأعيان" 3/ 303 و"طبقات الشافعية" 5/ 240 و"طبقات الشافعية" للإسنوي 2/ 539، و"غاية النهاية" 1/ 523.

المآخذ عليه

المآخذ عليه: تلك هي عبارات الأئمة في الثناء على الإِمام الواحدي لكن الكمال في البشر عزيز، ومن ذا الذي ترضى سجاياه ... كلها كفى المرء نبلاً أن تعد معايبه وقد قيل: من ذا الذي ماساء قط ... ومن له الحسنى فقط ومن هنا فإن الواحدي لم يسلم من انتقاداتٍ وجهت إليه من بعض العلماء في ثلاث قضايا، إليك خلاصتها: الأول: عدم السلامة من البدع، ذكرها شيخ الإِسلام ابن تيمية. الثانية: ضعف البضاعة في علم الحديث، ذكرها ابن الجوزي وشيخ الإِسلام ابن تيمية والكتاني (¬1)، وأشار إليها ابن الصلاح (¬2). الثالثة: غمز الأئمة المتقدمين، ذكرها تلميذه عبد الغافر الفارسي، وأبو سعد السمعاني (¬3). وسيتبين بعد البحث والمناقشة صحة النقد في الأوليين دون الثالثة: ¬

_ (¬1) أحمد بن جعفر بن إدريس أبو العباس الكتاني، من علماء القرويين، ولد بفاس سنة 1293، كان واسع المعرفة بالحديث له 70 كتاباً ورسالة، توفي بفاس سنة 1340. ينظر: "الأعلام" للزركلي 1/ 108. (¬2) عثمان بن عبد الرحمن صلاح الدين بن عثمان بن موسى الشهرزوري الكردي، أبو عمرو، تقي الدين المعروف بابن الصلاح حدث فقيه شافعي ولد سنة 577 ومن كتبه: معرفة أنواع علم الحديث المعروف بمقدمة ابن الصلاح، ولاه الملك الأشرف التدريس بدار الحديث في دمشق وتوفي فيها سنة 643. ينظر: "وفيات الأعيان" 1/ 312 و"طبقات الشافعية" 5/ 137. (¬3) سبقت ترجمته ص 81.

القضية الأولى: عدم السلامة من البدع، والبعد عن اتباع منهج السلف في الاعتقاد.

وإليك البيان. القضية الأولى: عدم السلامة من البدع، والبعد عن اتباع منهج السلف في الاعتقاد. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والثعلبي هو في نفسه كان فيه خير ودين، وكان حاطبَ ليل، ينقل ما وجد في كتب التفسير من صحيح وضعيف وموضوع، والواحدي صاحبه كان أبصر منه بالعربية، لكن هو أبعد عن السلامة واتباع السلف" (¬1). وفي موضع آخر قال: وأما الواحدي فإنه تلميذ الثعلبي، وهو أخبر منه بالعربية، لكن الثعلبي فيه سلامة من البدع، وإن ذكرها تقليدًا لغيره (¬2). وقال في منهاج السنة النبوية: والبغوي (¬3) اختصر تفسيره من تفسير الثعلبي والواحدي، لكنهما أخبر بأقوال المفسرين منه، والواحدي أعلم بالعربية من هذا وهذا، والبغوي أتبع للسنة منهما (¬4). والناظر في كتب الواحدي يجد أنه على مذهب الأشاعرة في الاعتقاد وقد تقدم بيان ذلك وتفصيله في مبحث عقيدته. القضية الثانية: ضعف البضاعة في علم الحديث معرفة الحديث وسماعه وروايته شيء، والدراية به وتمييز صحيحه من ¬

_ (¬1) "مجموع الفتاوى" 13/ 354. (¬2) "مجموع الفتاوى" 13/ 386. (¬3) هو الحسين بن مسعود بن محمَّد الفراء أو ابن الفراء، أبو محمَّد، ويلقب بمحيي السنة، البغوي، فقيه شافعي محدث مفسر، نسبته إلا بغا من قرى خراسان، من كتبه: تفسيره "معالم التنزيل" و"شرح السنة"، و"مصباح السنة"، توفي سنة 510 وقيل 516. ينظر: "وفيات الأعيان" 1/ 145، ومقدمة تفسيره. (¬4) "منهاج السنة" 7/ 312.

سقيمه شيء آخر، وقد كان أبو الحسن الواحدي راويًا كثير السماع، من أصحاب الأسانيد العالية (¬1)، بيد أنه كان ضعيف العناية في علم الحديث، ينقل الضعيف والموضوع منها في كتبه دون بيان أو تنبيه؛ ولذا قال ابن الجوزي: وقد فرَّق هذا الحديث -يعني الحديث الموضوع في فضائل سور القرآن سورة سورة- أبو إسحاق الثعلبي في تفسيره فذكر عند كل سورة ما يخصها، وتبعه أبو الحسن الواحدي في ذلك، ولا أعجب منهما، لأنهما ليسا من أهل الحديث (¬2). ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: وهؤلاء -يعني الثعلبي والواحدي وأمثالهما- من عادتهم يروون ما رواه غيرهم، وكثير من ذلك لا يعرفون هل هو صحيح أم ضعيف؟، ويروون من الأحاديث الإسرائيليات ما يعلم غيرهم أنه باطل في نفس الأمر، لأن وظيفتهم النقل لما نقل، أو حكاية أقوال الناس، وإن كان كثير من هذا وهذا باطلاً، وربما تكلموا على صحة بعض المنقولات وضعفها، ولكن لا يطردون هذا ولا يلتزمونه (¬3). ويقول الكتاني: ولم يكن له -أي الواحدي- ولا لشيخه الثعلبي كبير بضاعة في الحديث، بل في تفسيرهما -وخصوصًا الثعلبي- أحاديث موضوعة وقصص باطلة (¬4). وعندما ناقش كثير من العلماء بطلان حديث فضائل القرآن سورةً ¬

_ (¬1) ينظر: "المنتخب من السياق" ص 387 و"النجوم الزاهرة" 5/ 104، و"إشارة التعيين" ص 209. (¬2) "الموضوعات" 1/ 239. (¬3) "منهاج السنة" 7/ 177. (¬4) "الرسالة المستطرفة" ص 59.

القضية الثالثة: غمزه الأئمة المتقدمين

سورةً أشاروا إلى من رووه في كتبهم من المفسرين، وبينوا خطأهم في ذكره وعدم بيان أمره (¬1)، قال ابن الصلاح: "ولقد أخطأ الواحدي المفسر ومن ذكره من المفسرين في إيداعه تفاسيرهم" (¬2). القضية الثالثة: غمزه الأئمة المتقدمين ليس في كتب الواحدي التي بين أيدينا، ولا في كلامه ما يدل على اتصافه بهذه التهمة، كما أني لم أر من أهل العلم من انتقد الواحدي بذلك عدا اثنين: أولهما: تلميذه عبد الغافر الفارسي. والثاني: أبو سعد السمعاني فيما نقله عنه الذهبي. أما الأول فأبهم ولم يبين حيث قال: " .... وكان حقيقًا بكل احترام وإعظام، لولا ما كان فيه من غمزه وإزرائه على الأئمة المتقدمين، وبسطه اللسان فيهم بغير ما يليق بما فيهم، عفا الله عنا وعنه" (¬3). وأما الثاني: ففي كلامه ما يدل عل نوع الغمز والمعني به، حيث نقل عنه الذهبي أنه قال: وكان -أي الواحدي- حقيقًا بكل احترام وإعظام، لكن كان فيه بسط اللسان في الأئمة المتقدمين، حتى سمعت أبا بكر أحمد بن محمد بن بشار بنيسابور مذاكرة يقول: "كان علي بن أحمد الواحدي يقول: صنف أبو عبد الرحمن السلمي (¬4) كتاب "حقائق التفسير" ¬

_ (¬1) ينظر: "مجموع الفتاوى" 13/ 354 و"منهاج السنة النبوية" 7/ 12، 311، 434، و"تدريب الراوي" للسيوطي 1/ 289. (¬2) "مقدمة علوم الحديث " لابن الصلاح ص 48. (¬3) نقله عنه ياقوت في "معجم الأدباء" 12/ 260. (¬4) هو محمد بن الحسين بن محمد بن موسى الأزدي السلمي، شيخ الصوفية في زمنه،=

ولو قال: إن ذلك تفسير للقرآن لكفر به" (¬1). قال الذهبي بعد هذا: صدق والله (¬2). وقال في موضع آخر: الواحدي معذور مأجور (¬3). إن هذه التهمة الموجهة لأبي الحسن الواحدي إن كانت بسبب كلمته تلك فما أصاب من أتهمه، ولقد عاد نقده عليه، وحارت التهمة إليه، فهذا الذهبي يعد تلك الكلمة منقبة للواحدي فيقول: "وقد قال الواحدي كلمة تدل على حسن نقيته". وذلك أن جماعة من الأئمة انتقدوا أبا عبد الرحمن السلمي في كتابه هذا، وبينوا غلطه فيما فعل، وحذروا من كتابه ومنهجه. فهذا ابن الجوزي يقول: وقد جمع أبو عبد الرحمن السلمي في تفسير القرآن من كلامهم -أي الصوفية- الذي أكثره هذيان لا يحل نحو مجلدين سماها: حقائق التفسير .. ، ثم ذكر ابن الجوزي أمثلة مما جاء في الكتاب منها: " .. قالوا: إنما سميت فاتحة الكتاب لأنها أوائل ما فاتحناك به من خطابنا، فإن تأدبت بذلك وإلا حُرمت لطائف ما بعد ... "، "وقال في قوله: {وَإِن يَأتُوكُم أُسَرَى} [البقرة: 85]. "قال أبو عثمان: غرقى في الذنوب، ¬

_ = له تصانيف كثيرة بلغت المائة أو أكثر، كتب الحديث بنيسابور وغيرها من البلاد، وهو حافظ زاهد لكن ليس بعمدة في الرواية، توفي سنة 412، ينظر: "المنتخب من السياق" ص 19 و"لسان الميزان" 5/ 140. (¬1) "تاريخ الإسلام" 31/ 260. وينظر "سير أعلام النبلاء" 18/ 342، و"طبقات الشافعية" 5/ 241. (¬2) "تاريخ الإسلام" 31/ 260. (¬3) "سير أعلام النبلاء" 18/ 342.

وقال الواسطي: غرقى في رؤية أفعالهم، وقال الجنيد: أسارى في أسباب الدنيا تغدوهم إلى قطع العلائق .. ". {وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى} [النساء: 36]: "النفس .. ". "وقال في قوله: {فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا} [الرعد: 42]: قال الحسين: لا مكر أبين من مكر الحق بعباده حيث أوهمهم أن لهم سبيلا إليه بحال .... "، قال ابن الجوزي: "ومن تأمل معنا هذا علم أنه كفر محض، لأنه يشير إلى أنه كالهزء واللعب، ولكن الحسين هذا هو الحلاج وهذا يليق بذاك ... "، ثم قال - بعد أن ذكر مثالا آخر: "وجميع الكتاب من هذا الجنس ولقد هممت أن أثبت منه هاهنا كثيرا فرأيت أن الزمان يضيع في كتابه شيء بين الكفر والخطأ والهذيان .. " (¬1). هذا كلام ابن الجوزي عن "حقائق التفسير" فماذا قال غيره، قال ابن تيمية في "منهاج السنة": "وكذلك جعفر الصادق قد كُذِب عليه من الأكاذيب ما لا يعلمه إلا الله ... وحتى نسب إليه أنواع من تفسير القرآن على طريقة الباطنية، كما ذكر ذلك عنه أبو عبد الرحمن السلمي في كتاب "حقائق التفسير" فذكر قطعة من التفاسير التي هي من تفاسيره وهي من باب تحريف الكلم عن مواضعه وتبديل مراد الله تعالى من الآيات بغير مراده، وكل ذي علم بحاله يعلم أنه كان بريئًا من هذه الأقوال والكذب على الله في تفسير كتابه العزيز" (¬2). وتكلم عنه كذلك في الفتاوى حين سئل عن كلام الواحدي في "حقائق التفسير" فأجاب بالتفصيل والشرح، وتكلم عن كتاب السلمي بنحو ¬

_ (¬1) "تلبيس إبليس" 1/ 403 وما بعدها. (¬2) "منهاح السنة النحوية في نقض كلام الشيعة والقدرية" 4/ 146.

ما ذكر في "منهاج السنة" تركت نقله خشية الإطالة (¬1). وقال الذهبي في ذلك: "ألف حقائق التفسير فأتى فيه بمصائب وتأويلات الباطنية نسأل الله العافية" (¬2). وقال: "وفي "حقائق تفسيره" أشياء لا تسوغ أصلا، عدها بعض الأئمة من زندقة الباطنية، وعدها بعضهم عرفانا وحقيقة، نعوذ بالله من الضلال ومن الكلام بهوى .. " (¬3)، وقال: "وحقائقه قرمطة وما أظنه يتعمد الكذب، بلى يروي عن محمد بن عبد الله الرازي الصوفي أباطيل وعن غيره .. " (¬4). بل نجد السبكي -وهو ممن نافح عن السلمي وحاول أن يدفع أقوال الذهبي (¬5) - يقول: وكتاب "حقائق التفسير" المشار إليه قد كثر الكلام فيه من قبل أنه أقتصر فيه على ذكر تأويلات ومحال للصوفية ينبو عنها ظاهر اللفظ" (¬6). وبعد: فماذا سيقول الواحدي غير هذا في مثل هذا الكلام، وقد وافقه في ذلك أئمة وأعلام، ولقد أصاب الذهبي فإنه لما ذكر كلام الواحدي في السلمي قال: "فهو معذور" (¬7)، وقال في موضع آخر: "قلت: الواحدي معذور مأجور .. " (¬8)، ويتضح بهذا أن المقولة على الواحدي: أن فيه بسط اللسان في الأئمة لا تقوم لها حجة ولا مستند. ¬

_ (¬1) "مجموع الفتاوى" 13/ 231، 240، 242. (¬2) "تذكرة الحفاظ" للذهبي 3/ 1046. (¬3) "سير أعلام النبلاء" 17/ 252. (¬4) "سير أعلام النبلاء" 17/ 255. (¬5) انظر كلامه في "طبقات الشافعية" 3/ 62. (¬6) "طبقات الشافعية" 3/ 62. (¬7) "سير أعلام النبلاء" 18/ 341. (¬8) "سير أعلام النبلاء" 18/ 342.

ولقد حاول مؤلف "الواحدي ومنهجه في التفسير" أن يدافع عن أبي عبد الرحمن السلمي، بل يدافع عن منهج الصوفية في التفسير، وأصدر حكمه على الواحدي بقوله: "والواحدي متجن في حكمه -أيضا- لأن أبا عبد الرحمن لم يدع أن الظاهر غير مراد. ومن ثم كان موقف الواحدي من التفسير الصوفي من المآخذ التي تؤخذ عليه ... " (¬1). أقول بل هي من المآثر التي تحتسب له، كيف وقد وافقه جهابذة من العلماء ممن يتحرون في منهجنهم مسلك السلف الصالح من هذه الأمة. وإذا تبينت حقيقة كتاب السلمي بذلك فما على الواحدي في كلامه من معتب، وكلامه فيه إنما هو بحق وعدل، وهو عين النصح لكتاب الله عز وجل، لا يسع الواحدي ولا غيره أن يكتم ما علمه من ذلك الكتاب، إبراءً للذمة ونصحًا للأمة، وقد قال الله عز وجل: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ} [آل عمران: 187]. ¬

_ (¬1) الواحدي ومنهجه في التفسير ص 400.

المبحث الثاني الأوضاع السياسية في عصر المؤلف وأثرها على الناحية العلمية

المبحث الثاني الأوضاع السياسية في عصر المؤلف وأثرها على الناحية العلمية إن للأوضاع السياسية التي تحيط بالعالم أكبر الأثر على حياته، وعلى نوع التربية التي تشكل أنماط حياته، وعلى الأفكار والعقائد السائدة في عصره، ومن ثم على حصيلته وإنتاجه العلمي، لهذا لا بد قبل دراسة منهج أي عالم من العلماء من التعرف على الأوضاع السياسية التي كانت سائدة في عصره. لقد عاش المؤلف في القرن الخامس الهجري (395 هـ تقريباً - 468 هـ) ولهذه الفترة سمة خاصة في تاريخ الخلافة العباسية .. لذلك نجد كثيراً من الدارسين لها يقسمونها إلا قسمين (¬1): العصر العباسي الأول، والعصر العباسي الثاني. فإذا كانت أبرز سمات العصر العباسي الأول: القوة والاستقرار والتقدم الحضاري بشتى أنواعه كما تظهر ذلك الدراسات عنه، فما هي سمات العصر العباسي الثاني؟ لا أستطيع أن ألم بذلك في هذا المختصر، وإنما أبرز أهم السمات وخصوصا ما يمس البيئة القريبة من المؤلف. إن السمة الرئيسية للعصر العباسي الثاني هي: ضعف الدولة العباسية وتفككها الذي ترتب عليه تفرق وحدة الأمة، وقد أدرك المؤلف ثلاثة من خلفاء بنى العباس وهم: 1 - القادر بالله: أبو العباس، أحمد بن إسحاق بن جعفر المقتدي بالله ¬

_ (¬1) كما فعل الدكتور حسن إبراهيم حسن في "تاريخ الإسلام السياسي" الجزء الثاني والثالث.

العباسي (¬1) وكانت ولايته من عام 381 إلى عام 422 وقد أدرك المؤلف من خلافته قرابة الثلاثين عاماً. 2 - القائم بأمر الله: عبد الله بن الخليفة القادر بالله (¬2) وكانت ولايته من وفاة أبيه 422 إلى سنة 467. وقد أدرك المؤلف من خلافته قرابة الأربعين عاماً. 3 - المقتدي بأمر الله: أبو القاسم عبد الله بن محمد، حفيد القائم بأمر الله (¬3)، وكانت ولايته من عام 467 إلى عام 487 ولم يدرك المؤلف من خلافته إلا عاماً واحداً. وفي عصر هؤلاء ضعف أمر الخليفة، ولم يكن له إلا ذكر اسمه في الخطبة، ونقش اسمه على السكة، وإنما الدولة وتصريف الأمور بيد الدويلات الحاكمة المستحوذة التي تملك القوة والنفوذ، وكانت تلك أهم سمات ذلك العصر، فالتفرق سائد، والتناحر قائم (¬4). ¬

_ (¬1) ولد رحمه الله سنة 336، كان ديناً عالماً وقوراً، يحب الخير وأهله، ويأمر به، ويبغض الشر وأهله، وكان حسن الاعتقاد، وصنف كتاباً فيه، وكان من أحسن الخلفاء سيرة، وأطولهم مدة في الخلافة توفي سنة 422. ينظر: "تاريخ بغداد" 4/ 37 و"المنتظم" 7/ 160 و"الكامل" 7/ 354 و"سير أعلام النبلاء" 15/ 127. (¬2) ولد -رحمه الله- سنة 391، وكان ديناً ورعاً متصدقاً، له يد في الكتابة والأدب، وفيه عدل وسماحة، وإحسان إلى الناس، وهو من خير بني العباس ديناً واعتقاداً ودولة. توفي سنة 467. ينظر: "تاريخ بغداد" 9/ 399، و"المنتظم" 8/ 295 و"الكامل" 8/ 120، و"سير أعلام النبلاء" 15/ 138. (¬3) ولد -رحمه الله- سنة 448، وتولى الخلافة بعهد من جده، وكان حسن السيرة، آمراً بالمعروف، ناهياً عن المنكر، أمر بنفي الخواطىء والمغنيات من بغداد، وكان فيه ديانة وقوة وعلو همة، وهو من نجباء بني العباس. توفي سنة 487. ينظر: "المنتظم" 8/ 291، و"الكامل" 8/ 170، و"سير أعلام النبلاء" 8/ 318. (¬4) تعدّ هذِه الفترة جزءاً من العصر العباسي الثاني، والذي يمتد من عام 247 إلى =

أهم مظاهر هذا العصر

أهم مظاهر هذا العصر أولاً: تعدد الخلافة: لقد ظلت عاصمة الدولة في القرون الثلاثة الأولى واحدة هي: المدينة أو دمشق أو بغداد، وهي المركز الذي تصدر منه التوجيهات والأوامر ولا يستطيع أحد من الولاة مخالفتها، ولا شك أن هذا مصدر قوة الأمة إذ إن قوتها في وحدتها، لكن في هذِه الفترة اختلفت الأمور عما سبقها فأصبح هناك عدد من الخلفاء، فبالإضافة للخليفة العباسي في بغداد وجد خليفة في الأندلس حيث تلقب عبد الرحمن الناصر الأموي (300 - 350 هـ) بأمير المؤمنين (¬1) لما رأى ضعف الخليفة العباسي في بغداد. ¬

_ = سقوط الدولة 656. ومن أهم ما يميز هذِه المرحلة: 1 - ضعف الخلفاء، وسيطرة العسكريين على مركز الخلافة. 2 - نشوء دويلات كثيرة، نتيجة بروز قادة استقلوا عن مناطقهم، واعترف بهم الخليفة. 3 - ظهور نتائج الحضارة الإسلامية السابقة لهذا العصر، على شكل علوم وعمران ورفاهية وترف. 4 - قيام حركات ادعاء النسب الهاشمي والحركات الباطنية. 5 - الغزو الصليبي لبلاد المسلمين. 6 - الغزو المغولي، والقضاء على الخلافة العباسية عام 656. ينظر: "الدولة العباسية" لمحمود شاكر 7/ 42 وما بعدها (¬1) هو عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله، أبو المطرف الأموي المرواني وُلد سنة سبع وسبعين ومائتين، قتل أبوه وهو ابن عشرين يومًا، وولي الخلافة بعد جده بحضرة جماعة من أعمامه فلم يعترض عليه معترض واستمر له الأمر وقام ببناء مدينة الزهراء في أول سنة خمس وعشرين وثلاثمائة وافتتح سبعين حصنًا ثم توفي سنة خمسين وثلاثمائة. انظر: "سير أعلام النبلاء" 8/ 365 (62)، "البداية والنهاية" 11/ 238.

ثانيا: ظهور دول إقليمية

وكَذلك لقب عبيد الله المهدي الفاطمي بأمير المؤمنين (296 - 322 هـ) وكانت دولة الفاطميين في مصر والمغرب (¬1). ثانياً: ظهور دول إقليمية: على الرغم من أن الخليفة العباسي في بغداد كانت رقعة خلافته أوسع الرقع، إلا أنه ليس له من الخلافة إلا الاسم، وإنما تدار أمور الدولة بيد أمراء إقليميين، وقد وصل الأمر ببعض هؤلاء الأمراء إلى إنشاء دولة داخل الخلافة وإخضاع الخليفة العباسي لنفوذهم (¬2) كما فعل البويهيون والسلاجقة، وهذِه لمحة موجزة عن ثلاث من تلك الدول؛ لأنها من أكبر الدول الإقليمية التي ظهرت في هذه المرحله من العهد العباسي؛ ولقربها من بيئة المؤلف التي نتحدث عنها: 1 - البويهيون (¬3): وهم من الروافض الغالين، وقد اختلف في أصلهم ونسبهم كما ذكر ¬

_ (¬1) انظر: "البداية والنهاية" 11/ 179، و"تاريخ الإسلام السياسي" للدكتور حسن ابراهيم حسن 3/ 161. (¬2) انظر: "البداية والنهاية" 11/ 212، و"تاريخ الإسلام السياسي" للدكتور حسن إبراهيم حسن 3/ 28، و"التاريخ السياسي والفكري للمذهب السني في المشرق الإسلامي" للدكتور عبد المجيد أبو الفتوح ص 18، 19. (¬3) تنسب هذِه الدولة إلى أبناء بويه بن فناخسرو الديلمي الثلاثة: عماد الدولة أبو الحسن علي، وركن الدولة أبو علي الحسن، ومعز الدولة أبو الحسن أحمد، وقد التحق هؤلاء الإخوة في جيش الديلم، وترقَّوا حتى أصبحوا من قواد الجيش، وعظم شأنهم، حتى تملكوا بلاد فارس وهمدان والري وأصبهان وغيرها، بدأ نفوذهم عام 320، وأسسوا دولة منفصلة عن الدولة العباسية، واكتمل سلطانهم عل مساحة شاسعة من أملاك الدولة العباسية، وطلبوا من الخليفة العباسي الاعتراف بهم، فتم لهم ذلك، ثم كاتب قواد بغداد معز الدولة، وطلبوا منه =

ذلك ابن الأثير (¬1)، وابن كثير (¬2). وقد بدأ أمرهم يظهر في سنة (321 هـ) واشتهر منهم ثلاثة إخوة: عماد الدولة أبو الحسن علي، وركن الدولة أبو علي الحسن ومعز الدولة أبو الحسن أحمد أولاد أبي شجاع بن بويه، وكان بداية قيام دولتهم بدخول معز الدولة أحمد بن الحسن بغداد سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة. كان البويهيون من الشيعة المتعصبة فلما دخل معز الدولة بغداد قبض على الخليفة المستكفي وسمل عينيه وعيَّن المطيع لله بدلا منه، قال ابن كثير: وضعف أمر الخلافة جداً حتى لم يبق للخليفة أمر ولا نهي ولا وزير -أيضاً- إنما يكون له كاتب على إقطاعه، وإنما الدولة ومورد المملكة ومصدرها راجع إلى معز الدولة، لأن بني بويه ومن معهم من الديلم كان فيهم تعسف شديد .. (¬3). ¬

_ = المسير إليهم، فدخل بغداد عام 334، وقابله الخليفة المستكفي، وخلع عليه، ولقبه، ولقب أخويه، وأصبح لبني بويه بعد ذلك مطلق التصرف في العراق. وفي عهد عضد الدولة بن ركن الدولة بلغوا أقصى درجات السلطان، وبعد وفاته دبت الحروب بين أبنائه الثلاثة، واستمرت بين أخلافهم، حتى دمرتهم جميعًا، وكانت نهايتهم على يد السلاجقة سنة 447. وبنو بويه شيعة حاقدون متعصبون، أتوا بأفعال منكرة، وطامات عجيبة. ينظر: "الكامل" لابن الأثير 6/ 230، و"العبر" 2/ 13، 46، 289، و"البداية والنهاية" 11/ 177، و"تاريخ الإسلام السياسي" 3/ 36 - 37. (¬1) "الكامل في التاريخ" 6/ 230. (¬2) "البداية والنهاية" 11/ 173، وانظر "تاريخ الإسلام السياسي" للدكتور حسن إبراهيم 3/ 39. (¬3) "البداية والنهاية" 11/ 212.

2 - دولة العبيديين

وبقيمت دولتهم إلى أن سقطت على أيدي السلاجقة سنة (447 هـ) وهم من أهل السنة فقضوا على دولة بني بويه (¬1) الرافضية، وخلص الله بهم الأمة من شر البويهيين. وكان للرافضة في عهدهم صولة وقوة. ذكر ابن كثير أنه في سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة كتبت الروافض على أبواب المساجد لعن بعض الصحابة. قال: وبلغ ذلك معز الدولة ولم ينكره، .. قبحه الله وقبح شيعته .. (¬2). وهذا في المشرق، فأما المغرب فبرز فيه حدثان: الأول: قيام دولة العبيديين (¬3) التي ادعت الخلافة وناوأت الخلافة ¬

_ (¬1) انظر: "تاريخ الإسلام السياسي" للدكتور حسن إبراهيم 3/ 67، 68. (¬2) "البداية والنهاية" 11/ 240. (¬3) مؤسس الدولة عبيد الله بن محمد المهدي وإليه تنسب الدولة، وكان أبوه قد نشر الدعوة الفاطمية في بلاد اليمن ومصر والمغرب وغيرهما، وواصل الابن طريق والده، ووسع نفوذه حتى قبض عليه اليسع بن مدرار أمير سلجماسة وسجنه، ثم واصل قائده أبو عبد الله الشيعي طريقه، حتى أزال دولة الأغالبة سنة (296)، ثم سار إلى سلجماسة، فهرب حاكمها، فأطلق عبيد الله المهدي، وبايعوه، وتلقب بخليفة المسلمين، وهكذا استطاع القضاء على ملك الأغالبة، وآل رستم، والأدارسة، ودان له الشمال الإفريقي، واتخذ القيروان عاصمة ملكه، وفي سنة (358) تمكن القائد الفاطمي جوهر الصقلي من الاستيلاء على مصر سلماً، وبنى القاهرة والجامع الأزهر، ثم اتخذ المعز لدين الله الفاطمي القاهرة عاصمة لبلاده، سنة 362، وامتدت بلادهم في فترة ازدهارهم، من نهر العاصي بالشام إلى حدود مراكش، ومن السودان إلى آسيا الصغرى، وقضى عليهم صلاح الدين الأيوبي، ومات العاضد آخر حكامهم سنة 567، وقد ادعى عبيد الله المهدي أنه فاطمي من ذرية جعفر الصادق، والمحققون على أنه دعي، بل كان جده مجوسياً، وكان هو =

العباسية، وكادت تقضي عليها بعد أن زاحمتها في مواقع نفوذها، وانتسبت ظلماً وزوراً لآل البيت، ونسل فاطمة الزهراء، وتسمت بالدولة الفاطمية، وانبث دعاتها في أطراف البلاد، واستمالوا أمراء البلدان، حتى خطب لهم بالإضافة إلى مصر والمغرب في بلاد كثيرة، كاليمن والشام والحجاز وفي أجزاء من العراق، بل خطب لهم في دار الخلافة (بغداد)، سنة (450) عاماً كاملاً (¬1). الثاني: زوال دولة الأمويين في الأندلس عام (422) (¬2) وظهور ما ¬

_ = باطنياً خبيثاً حريصاً على إزالة دولة الإسلام، أعدم العلماء ليغوي الخلق، وجاء أولاده على أسلوبه، فأباحوا الخمور والفروج، وأشاعوا الرفض، كما ذكر الباقلاني. وقال القاضي عياض: أجمع العلماء بالقيروان أن حال بني عبيد حال المرتدين والزنادقة، وقال الذهبي: كان العبيديون على ملة الإسلام شرًّا من التتر. ولم يعدَّهم السيوطي في تاريخ الخلفاء لعدم صحة إمامتهم. انظر: "سير أعلام النبلاء" 15/ 141 (65)، و"البداية والنهاية" لابن كثير 11/ 266. (¬1) وكان ذلك في فتنة البساسيري عام 450، ينظر في تفاصيل ذلك: "تاريخ بغداد" 9/ 499 و"المنتظم" 8/ 190 و"الكامل" 8/ 82 و"البداية والنهاية" 12/ 76. (¬2) هي أول دولة تنفصل عن جسم العالم الإسلامي، أسسها عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك الأموي، فر من العباسيين، ودخل الأندلس فلقب بالداخل، استتب له الأمر عام 138، بعد معارك حامية مع يوسف الفهري، وأرسل له أبو جعفر المنصور عدة جيوش للقضاء عليه، فلم يتمكن، ولقبه: صقر قريش إعجاباً به، ثم حاول المهدي قتاله فلم يفلح، فتركوه وشأنه، ومات سنة 172، ومن أبرز حكامها: عبد الرحمن الناصر (الثالث)، حكم من 300 - 350، وكانت له انتصارات عظيمة على ممالك النصارى، وفي عام 366 آل الأمر إلى الحاجب المنصور العامري، لضعف بني أمية، وكان قوياً، غزا خمسين مرة، ولم يهزم قط، وهابه ملوك أوروبا، ثم توفي عام 392، فتولى ابنه عبد الملك، وكان كأبيه، ثم أخوه عبد الرحمن، وكان ضعيفاً، فقتل عام 399، ثم عادت السلطة لبني أمية، =

3 - الطوائف

يسمى بـ (دول الطوائف) (¬1)، فمنهم من انحاز إلى العباسيين، ومنهم من بقي على ولاء الأمويين، مع زوال ملكهم وذهاب دولتهم. قال الذهبي (¬2): "وفي الأربع مائة وبعدها كانت الأندلس تغلي ¬

_ = وكانوا ضعفاء متناحرين، فسقطوا عام 422، وتفككت دولهم إلى إمارات الطوائف. ينظر: "في الأدب الأندلسي" لجودت الركابي ص 21 و"موجز التاريخ الإسلامي" للعسيري ص 184. (¬1) بعد ضعف الأمويين واستبداد العامريين بالسلطة، بدأ أمراء الطوائف يستقلون بالإمارات التي يحكمونها، فعُرفوا بملوك الطوائف، وانقسموا أكثر من (20 دويلة)، وقد امتلأ عهد ملوك الطوائف بالفوض والفتن، وأهم تلك الدويلات: الدولة الزيرية في (غرناطة) (403 - 483)، والدولة الحمودية في (قرطبة ومالقة) (405 - 407)، وهم شيعة، والدولة الهودية في (سرقسطة) (410 - 536)، والدولة العبادية في (إشبيلية) (414 - 484)، وهي أشهر تلك الدول وأقواها، وكانت تلك الدول متناحرة، حتى بلغ الأمر ببعضهم أن استنجد بالنصارى على إخوانه، ودامت مائة سنة، وقد استطاع ملوك الأسبان أن يجمعوا كلمتهم، فأخذوا يبتلعون تلك الإمارات واحدة واحدة، حتى بلغوا أعظمها وهي إشبيلية، فطلب حاكمها المعتمد بن عباد النجدة من يوسف بن تاشفين أمير دولة المرابطين في المغرب، الذي قدم فهزم النصارى في موقعة الزلاقة، عام 479، ووحد الأندلس تحت حكم المرابطين. ينظر: "في الأدب الأندلسي" لجودت الركابي 23 - 25 و"موجز التاريخ الإسلامي" ص 228. (¬2) هو شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، الحافظ الكبير، مؤرخ الإسلام، وشيخ المحدثين، ولد سنة 673 من أسرة تركمانية الأصل، وولاؤها لبني تميم، تلميذ الحافظ المزي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، له مؤلفات كثيرة في الحديث والتاريخ والرجال، مثل: "تاريخ الإسلام"، و"سير أعلام النبلاء" و"تذكرة الحفاظ"، وغيرها، توفي سنة 748. ينظر: "طبقات الشافعية" 9/ 100 و"مقدمة سير أعلام النبلاء".

1 - الدولة الغزنوية

بالحروب والقتال على الملك" (¬1) وتظاهر ملوك تلك الدول بمظاهر الخلفاء، وتلقبوا بألقابهم، وفيهم قال الشاعر (¬2): مما يزهدني في أرض أندلس ... تلقيب معتضد فيها ومعتمد ألقاب مملكة في غير موضعها ... كالهر يحكي انتفاخاً صولة الأسد وكان تفرقهم وتقاتلهم وبغي بعضهم على بعض مطمعاً للنصارى المجاورين لهم، الذين رأوا الفرصة سانحة في ظل غياب الخلافة، وتفرق الدولة، خصوصاً بعد أن استعان بهم بعض أولئك الملوك على إخوانهم، فانقض النصارى على تلك الدول، وأسقطوها واحدة تلو الأخرى، وجرى للإسلام والمسلمين على أيديهم ما يجل عن الوصف، ويندى له جبين الحر. 1 - الدولة الغزنوية: كانت خراسان وبلاد ما وراء النهر تحت حكم الدولة السامانية (¬3) ¬

_ (¬1) "سير أعلام النبلاء" 15/ 177. (¬2) هو أبو علي الحسن بن رشيق القيرواني، ينظر: ديوانه ص 59، وقيل: هما لشاعر الأندلس: محمد بن عمار. ينظر: "نفح الطيب" 1/ 213. (¬3) تنسب لـ"سامان خداه" وهو فارسي، أسلم على يد أسد بن عبد الله القسري، والي خراسان في أواخر عهد الأمويين، واشتهر من السامانيين: نصر بن أحمد، الذي ولاه الخليفة المعتمد سائر بلاد ما وراء النهر، ومن ثم تأسست الدولة السامانية، ثم توفي سنة 279، خلفه أخوه إسماعيل الذي استطاع أن يضم إلى سلطانه بلاد خراسان وغيرها، وقد بقي الملك في أبناء إسماعيل، حتى زالت دولتهم سنة 389، على يد الغزنويين في خراسان، وعلى يد أيلك خان ملك الترك في بلاد ما وراء النهر. ينظر: "تاريخ بخاري" للنرشخي ص 105، و"المنتظم" 7/ 202، و"الكامل" 6/ 3 و"العبر" 2/ 173، و"تاريخ الإسلام السياسي" 3/ 71 - 82.

التي قال فيها ابن الأثير (¬1): وكانت دولتهم قد انتشرت، وطبقت كثيراً من الأرض، من حدود حلوان إلى بلاد الترك بما وراء النهر، وكانت من أحسن الدول سيرة وعدلاً، وكانت نهايتها عام (389) على يد الدولة الغزنوية، التي بدأ ظهورها عام (351)، على يد (ألْبتِكِين)، أحد موالي الدولة السامانية الآنفة الذكر، حيث استولى هذا المولى على غزنة وبعض أعمالها، وأقام إمارة مستقلة عن الدولة السامانية، وقد حاربه السامانيون ليردوا ما معه إلى ملكهم، لكنه تغلب على جيشهم، بيد أنه لم يُمَكن، حيث توفي عام (352) ولم يوطد ملكه، فخلفه ابنه الذي ثار عليه أهل غزنة، فاستعان بالسامانيين الذين أمدوه بجيش تمكن به من استرداد غزنة، وحكمها باسم السامانيين، ثم لم يلبث أن توفي، فورثه أحد موالي أبيه (¬2) الى أن آل الأمر عام (366) إلى رجل يقال له: "سُبُكْتِكين" مولى تركي لـ"ألبتكين" الآنف الذكر، وكان تابعاً للسامانيين بالاسم، قال ابن الأثير: "وكان عادلاً خيراً كثير الجهاد، ذا مروءة تامة وحسن عهد (¬3). وقال الذهبي: وكان فيه عدل وشجاعة، ونبل مع عسف، وكونه كَرَّاميًا (¬4). ¬

_ (¬1) علي بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني الجزري أبو الحسن، عز الدين بن الأثير، المؤرخ الإمام الأريب، ولد عام (555)، من كتبه: "الكامل في التاريخ" و"أسد الغابة في معرفة الصحابة"، و"اللباب" توفي سنة (630). ينظر: "وفيات الأعيان" 1/ 347، و"طبقات الشافعية" 5/ 127. (¬2) ينظر: "الكامل" 7/ 5 و"تاريخ الإسلام السياسي" 3/ 85 و"تاريخ الإسلام في جنوب آسيا في العصر التركي" ص 37 - 39. (¬3) "الكامل" 7/ 188. (¬4) "سير أعلام النبلاء" 15/ 500. والكرامية: هم أصحاب أبي عبد الله محمد بن كرَّام =

ثم جرت بين سُبكْتكين وملوك الهند حروب عظيمة، استولى على إثرها على أجزاء من بلادهم، وفرض عليهم الجزية، ولنفوذه وقوة سلطانه استعان به السامانيون عام (384) للقضاء على بعض القواد الذين ثاروا عليهم بنيسابور وغيرها، فتمكن من إعادتها إليهم، ولأجل ذلك ولَّوه خراسان، وسموه: ناصر الدولة (¬1). وفي عام (387) توفي سُبُكْتكين، وخلفه ابن ضعيف التدبير، يقال له إسماعيل، وفي عام (388) خرج عليه أخوه محمود (¬2)، وهو أكبر منه، فدار بينهما قتال، حتى آل الأمر إليه. واستقر ملك الغزنويين لـ"محمود"، الذي تمكن أيضاً من سحق جيش السامانيين، واستولى على خراسان، واستقر ملكه بها، وأزال عنها اسم السامانية، وخطب للخليفة القادر بالله، ولقبه الخليفةُ "يمين الدولة وأمين الملة"، وخلع عليه خِلَع السلطنة (¬3). ¬

_ = أصله من سجستان، جاور خمس سنين ثم ورد نيسابور، أحدث مذهباً تبعه عليه عالم لا يحصون بنيسابور وهراة ونواحيها، ومذهبه هذا مشهور في التشبيهه والتجسيم. ينظر: "الملل والنحل" 1/ 108 و"الفرق بين الفرق" ص 131. (¬1) ينظر: "تاريخ العتبي" 1/ 58 - 89، و"الكامل" 7/ 85 - 87. (¬2) هو السلطان المجاهد فاتح الهند، أبو القاسم محمود بن سبكتكين، ولد سنة 361، وتملك سنة 388، وكان ديناً كثير الغزو، وفتوحه مشهورة، وكان مائلاً إلى السنة، إلا أنه كان كراميًّا، كما كان إلباً على الرافضة والإسماعيلية والجهمية والمعتزلة والمشبهة وعامة المبتدعة، وقتل منهم جماعة، ونفى آخرين، وأمر بلعنهم على المنابر. توفي سنة 421، بعد مرض. ينظر: "المنتخب من السياق لتاريخ نيسابور" ص 446، و"المنتظم" 8/ 52، و"الكامل" 7/ 246، و"سير أعلام النبلاء" 17/ 483 - 495. (¬3) ينظر: "تاريخ العتبي" 1/ 317 و"الكامل" 7/ 196 و"سير أعلام النبلاء" 17/ 485.

2 - الدولة السلجوقية

وقد اتسعت الدولة الغزنوية في عهد محمود، ووفقه الله في فتح بلاد واسعة، وفرض على نفسه غزو الهند كل سنة، وأقام فيها بدلاً عن بيوت الأصنام مساجدَ الإسلام، وعن مشاهد البهتان معاهد التوحيد والإيمان (¬1). ولم يزل كذلك -رحمه الله- حتى توفي سنة (421)، وتولى بعده الملكَ ابنه محمد الذي لم يدم ملكه إلا أشهراً (¬2)، إذ قبض عليه أخوه "مسعود" (¬3)، وتمكَّن من الملك، وتابع غزوَ الهند، ودانت له ممالك كثيرة، وجرت له مع السلاجقة حروب حتى هزموه بعد اضطراب جنده، وأخذوا منه خراسان سنة (431)، فأقام بغزنة، وقتل في طريقه إلى الهند عام (432) (¬4). وقد بقيت الدولة الغزنوية فني غزنة وأعمالها والهند إلى أن زالت دولتهم عام (543) كما ذكر ابن الأثير -رحمه الله- (¬5). 2 - الدولة السلجوقية: تنسب هذه الدولة إلى سلجوق بن دقاق، أحد رؤساء الأتراك، وكان قائدا لجيش ملك الترك، فأُغري بقتل سلجوق، فلجأ مع من أطاعه إلى دار ¬

_ (¬1) ينظر: "تاريخ العتبي" 1/ 317 و"المنتظم" 8/ 53. (¬2) ينظر: "الكامل" 7/ 346. (¬3) هو السلطان الناصر لدين الله ظهير خليفة الله مسعود، كان كريماً شجاعاً، كثير البر والإحسان، وكان ملكه عظيماً فسيحاً، وعمر كثيراً من المساجد، وصنف في دولته ومناقبه: "تاريخ أبي الفضل البيهقي"، وهو مطبوع، وقد مات مقتولاً عام 432. ينظر: "الكامل" 8/ 27 و"سير أعلام النبلاء" 17/ 495 و"البداية والنهاية" (¬4) ينظر: "المنتظم" 8/ 107 و"الكامل" 8/ 26. (¬5) ينظر. "الكامل" 9/ 35 وقد قيل: إن زوالها عام (582).

الإسلام، وازداد حاله علواً، وأقام بنواحي "جَنْد"، وأدام غزو الكفار، ثم خلفه ابنه ميكائيل، الذي استشهد في بعض بلاد الكفار، وخلف ثلاثة من الولد، فأطاعهم عشائرهم، وهم الذين قامت على أيديهم الدولة (¬1)، أشهرهم: "طغرلبك محمد" (¬2)، وهو الذي هزم جيش الدولة الغزنوية سنة (431)، وسار طغرلبك إلى نيسابور فدخلها، واستولى السلاجقة حينئذٍ على بلاد خراسان، وأخذوها من الغزنويين، ثم واصلوا زحفهم حتى أستولوا على أكثر بلاد فارس، وطردوا عنها بني بويه، وعندما استنجد الخليفة القائم بأمر الله بطغرلبك -كما تقدم- سار إليه ودخل بغداد سنة (447)، وأزال دولة بني بويه، وحوى نفوذ السلاجقة بغداد والعراق أيضاً (¬3). وفي سنة (455) توفي طغرلبك، وخلفه ابن أخيه: ألب أرسلان (¬4)، ¬

_ (¬1) ينظر: "الكامل" لابن الأثير 8/ 21، و"البداية والنهاية" 12/ 48، و"تاريخ الإسلام السياسي" 4/ 1 - 2. (¬2) هو السلطان ركن الدولة أبو طالب محمد بن ميكائيل بن سلجوق بن دقاق التركماني السلجوقي، وطغْرلْبك: اسم علم تركي مركب من: (طغرل) وهو اسم بلغة الترك لطائر معروف عندهم و (بك) معناه الأمير، أول الملوك السلجوقية، وكان كريماً محافظاً على الصلوات، وفيه عدل مشوب بقسوة توفي سنة 455. ينظر: "المنتظم" 8/ 233 و"فيات الأعيان" 5/ 63 و"سير أعلام النبلاء" 18/ 101. (¬3) ينظر: "الكامل" 8/ 21 - 26 و"البداية والنهاية" 12/ 48 و"السلوك لمعرفة دول الملوك" للمقريزي 1/ 30 - 41. (¬4) هو عضد الدولة، الملقب بسلطان العالم، أبو شجاع محمد بن جغريبك داود بن ميكائيل بن سلجوق، ملك بعد عمه، كان في آخر دولته من أعدل الناس، وأحسنهم سيرة، وأرغبهم في الجهاد ونصر الدين، وكان كريماً رحيماً توفي مقتولاً سنة 465. ينظر: "المنتظم" 8/ 276، "الكامل" 8/ 112 و"العبر" 2/ 318.

الذي عظمت مملكته، ومكن له، واتسعت رقعة بلاده، وأكثر الغزو والحروب، حتى خافت منه الدول، ورهب جانبه الملوك (¬1)، وكان من أعظم ما حصل في عهده وقعة "ملاذكرد" عام (463)، حين سار ملك النصارى في نحو مائتي ألف مقاتل، وعدةٍ عظيمة، عازماً على أن يبيد الإسلام وأهله، فالتقاه ألب أرسلان في جيش، وهم قريب من عشرين الفاً، فصبروا، ونصر الله جنده، وأعز عباده المؤمنين، ومكنهم من رقاب النصارى، وأسر ملكهم (¬2). قال ابن الجوزي (¬3): وهذا الفتح في الإسلام كان عجباً لا نظير له، فإن القوم اجتمعوا ليزيلوا الإسلام وأهله، وكان ملك الروم قد حدثته نفسه بالمسير إلى السلطان ولو إلى الري، وأقطع البطارقة البلاد الإسلامية، وقال لمن أقطعه بغداد: لا تتعرض لذلك الشيخ الصالح فإنه صديقنا -يعني الخليفة- وكانت البطارقة تقول: لابد أن نشتوَ بالري ونصيف بالعراق، ونأخذ في عودنا بلاد الشام (¬4). وقد وفِّق بالوزير الصالح: نظام الملك أبي علي الحسن بن علي ¬

_ (¬1) ينظر: "وفيات الأعيان" 4/ 161، و"سير أعلام النبلاء" 18/ 416. (¬2) ينظر: "المنتظم" 8/ 260 و"الكامل" 8/ 109 و"العبر" 2/ 313، و"البداية والنهاية" 12/ 100. (¬3) هو عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي القرشي البغدادي، أبو الفرج، إمام محدث فقيه حنبلي واعظ الإسلام، مشهور بكثرة التصنيف، ولد ببغداد سنة 508، ومن تصانيفه: "زاد المسير"، و"المنتظم"، و"تلبيس إبليس"، توفي سنة 597. ينظر: "وفيات الأعيان" 1/ 279، و"مفتاح السعادة" 1/ 207. (¬4) "المنتظم" 8/ 264.

وقفة تأمل

الطوسي (¬1) الذي وزر لألب أرسلان وابنه من بعده. وفي عام (465) قُتل ألب أرسلان، وخلفه ابنه مَلكشاه (¬2) الذي اتسع ملكه اتساعاً عظيماً، ودام ملكه عشرين عاماً، وخطب له من حدود الصين إلى آخر الشام، ومن أقاصي بلاد الإسلام في الشمال إلى آخر بلاد اليمن، وحمل إليه الروم الجزية .... وانقضت أيامه على أمن عام وسكون شامل. وفي عام (485) مات ملكشاه، ووهن بموته أمر السلاجقة، "وانحلت الدولة، ووقع السيف" (¬3). وقفة تأمل: عند التأمل في هذه الصراعات السياسية والتقلبات الواضحة سواء على المحيط العام، أو محيط نيسابور، بشكل خاص، لا نرى أثراً واضحاً على حياة الناس الخاصة، ولذا نجد أن المؤلف عاش غالب أيام شبابه في عهد محمود الغزنوي، السلطان الذي اشتهر بعدله وفضله وقوته وحبه للعلم ¬

_ (¬1) ولد بطوس عام 408 حفظ القرآن وله إحدى عشرة سنة، واشتغل بالعلوم حتى حصل طرفاً صالحاً، وكان شافعياً أشعرياً، تنقلت به الأحوال في الكتابة والدواوين، حتى وزر لألب أرسلان، ثم لابنه 29 سنة، وكان سائساً خبيراً متديناً، عامر المجلس بالعلماء، خفف المظالم، ورفق بالرعية، وبنى كثيراً من المدارس والوقوف، وكانت تسمى المدارس النظامية، قتل سنة 485 على يد أحد الباطنية. ينظر: "المنتظم" 9/ 64 - 68 و"الكامل" 8/ 162 و"سير أعلام النبلاء" 19/ 94. (¬2) هو أبو الفتح جلال الدولة بن السلطان ألب أرسلان، كان حسن السيرة محسناً إلى الرعية، وكان يلقب بالسلطان العادل توفي سنة 485، وقيل: إنه مات مسموماً. ينظر: "المنتظم" 9/ 69 - 74 و"الكامل" 8/ 163 و"سير أعلام النبلاء" 19/ 54 و"البداية والنهاية" 12/ 142. (¬3) ينظر: "الكامل" 8/ 162.

أثر هذه السياسة على الناحية العلمية

والعلماء ومذهبه الشافعي ومعتمده الكرّامي، كما أنه أدرك في كهولته ونضجه عهد طغرلبك وألب أرسلان وابنه ملكشاه السلجوقيين، خصوصاً أنه لقي من وزيري الأخيرين: نظام الملك -والذي كان شافعي المذهب، أشعري العقيدة- وأخيه (¬1) كل إعزاز وإكرام (¬2)، ولا شك أن هذا له أثره الواضح على شخصيته المؤلف، تعلماً واستفادة وإفادة. أثر هذه السياسة على الناحية العلمية: تبين مما سبق ذكره أن العصر الذي نشأ فيه الواحدي غير مستقر من الناحية السياسية ففيه ظهر ضعف الخلافة العباسية وكان عهد قيام دول وسقوط أخرى، فهل كان لهذا الاضطراب السياسي أثر على الناحية العلمية؟ على العكس من ذلك فقد نشطت الحركة العلمية، حيث اندفعت هذه الدول في تشجيع العلم وأهله، إما بدافع المنافسة، أو بدافع حب الحاكم للعلم والعلماء كما هي حالة محمود بن سبكتكين الغزنوي (¬3)، ونظام الملك (¬4) وزير ألب أرسلان وابنه ملكشاه. كما كان لوجود الفرق ونشاطها من شيعة ومعتزلة وأشعرية وصوفية ¬

_ (¬1) هو ابو القاسم عبد الله بن علي بن إسحاق الطوسي أخو الوزير نظام الملك، سمع الحديث، وكان عفيفاً نزيهاً، كثير فعل الخير توفي سنة (499). (¬2) ينظر: "معجم الأدباء" لياقوت 12/ 260 نقلاً عن كتاب "السياق لتاريخ نيسابور" لعبد الغافر الفارسي تلميذ المؤلف. (¬3) انظر: "البداية النهاية" 12/ 30. (¬4) انظر: "البداية والنهاية" 12/ 140.

أولا: ازدهار المساجد

وغيرهم دور كبير في تنشيط الناحية العلمية. إذ ذهبت كل فرقة تكتب وتؤصل وتدافع عن مبادئها وترد على الفرق الأخرى (¬1). أولاً: ازدهار المساجد: لاشك أن المسجد هو المدرسة الأولى التي علم فيها النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه، وتخرج فيها الرعيل الأول، ففيه تعقد حلق العلم، ويلتقي العلماء وطلاب العلم، وإذا اعتني بالمسجد فإنه لا يخلو من مكتبة عامرة، ورباط لطلاب العلم المغتربين، وهذا ما كان موجوداً في عصر المؤلف، ففي غزنة بنى السلطان محمود بن سبكتكين جامعاً مشهوراً، وأضاف إليه مدرسة عامرة وخزانة كتب نفيسة (¬2). وفي نيسابور اشتهر مسجد عقيل (¬3)، "وكان مجمعاً لأهل العلم وفيه خزائن الكتب الموقوفة" (¬4)، وكان من أعظم منافع نيسابور وكذلك مسجد المطرز، والجامع المنيعي (¬5). واجتماع مثل هذه المراكز في بلد يضفي على الحركة العلمية قوة ونشاطاً، ويزيد من فرص الاستفادة لطالب العلم، حيث يتعدد الشيوخ والعلماء القائمون على هذه المدارس، وتتنوع الطرائق والأساليب التي تقدم للطلبة، فيكون انتفاعهم كبيراً، واستفادتهم واضحة. ¬

_ (¬1) انظر: "تاريخ الإسلام السياسي" 3/ 375، 4/ 420. (¬2) ينظر: "تاريخ العتبي" 2/ 299. (¬3) ينظر: "المنتخب من السياق" 39، 120، 360، 493. (¬4) "الكامل" 9/ 74. (¬5) ينظر: "المنتخب من السياق" ص 56 و 73.

ثانيا: بناء المدارس والعناية بها

ثانياً: بناء المدارس والعناية بها: تعد المدارس المعاقلَ الكبرى للتعليم، وتخريج العلماء، وحفظ الدين، وكانت عناية الناس بها في القرنين الرابع والخامس عظيمة، بل كانت إحدى الميزات الكبرى لهذين القرنين. وتقدم أن السلطان محموداً لما بنى جامع غزنة ألحق به مدرسة عظيمة، كانت موئلاً للعلماء وطلاب العلم، مع إجراء الأموال على المنقطعين والغرباء من طلاب العلم (¬1). وبنى السلطان: ألب أرسلان ببغداد مدارس أنفق عليها أموالاً عظيمة (¬2)، واشتهر في تلك الفترة التي مر بها المؤلف المدارس النظامية، المنسوبة للوزير نظام الملك وقد بنى مدرسة ببغداد، ومدرسة ببلخ، ومدرسة بنيسابور، ومدرسة بهراة، ومدرسة بأصبهان، ومدرسة بالبصرة، ومدرسة بمرو، ومدرسة بآمل طبرستان، ومدرسة بالموصل، ويقال: إن له في كل مدينة بالعراق وخراسان مدرسة (¬3). وأما نيسابور فقد كان لها قصب السبق في هذا الميدان وحظيت ¬

_ (¬1) ينظر: "تاريخ العتبي" 2/ 299. (¬2) ينظر: "شذرات الذهب" 3/ 319. (¬3) ينظر: "طبقات الشافعية" للسبكي 4/ 313 وآثار البلاد للقزويني ص 412. وحكى سبب بناء هذه المدارس: أن السلطان ألب أرسلان دخل نيسابور فمر على باب مسجد فرأى جماعة من الفقهاء على حال رثة، فسأل وزيره نظام الملك عنهم، فأخبره بحالهم وفقرهم، فلان قلب السلطان لهم، فاقترح عليه الوزير أن يبني لهم داراً، ويجري عليهم أرزاقاً، فأذن له السلطان، فأمر نظام الملك ببناء المدارس في جميع مملكة السلطان، وأن يصرف عشر مال السلطان في بناء المدارس.

بنصيب وافر من المدارس المشهورة، قال المقريزي (¬1): "وأول من حُفظ عنه أنه بنى مدرسة في الإسلام أهلُ نيسابور" (¬2). ومن مدارسها المشهورة: 1 - مدرسة أبي إسحاق الإسفرايني (¬3)، وهي مدرسة لم يبن قبلها بنيسابور مثلها (¬4). 2 - مدرسة الصبغي المعروفة باسم دار السنة (¬5). 3 - المدرسة السعيدية، بناها الأمير نَصْر بن سبكتكين (¬6)، ووقف عليها الأوقاف (¬7). 4 - المدرسة البَيْهقِية (¬8). ¬

_ (¬1) هو أحمد بن علي بن عبد القادر، أبو العباس الحسيني تقي الدين المقريزي: مؤرخ الديار المصرية ولد سنة 766 وولي الحسبة والإمامة والخطابة في القاهرة مرات، من كتبه: "المواعظ والآثار بذكر الخطط والآثار"، والمشهور "بخطط المقريزي"، وله أكثر من مائتي مجلد كبار، توفي سنة 845. ينظر: "البدر الطالع" 1/ 79، و"الإعلام" 1/ 177. (¬2) "الخطط" 2/ 363. (¬3) سبقت ترجمته في مبحث شيوخ الواحدي. (¬4) "طبقات الشافعية" 4/ 314 نقلاً عن "تاريخ نيسابور" للحاكم وهو تاريخ مفقود. (¬5) "المنتخب من السياق" ص 16. (¬6) هو الأمير العالم نصر بن ناصر الدين سبكتكين، ولي نيسابور عام 390، وسمع المشايخ، وصحب الأئمة، واستفاد منهم، وأحسن الولاية وعاد إلى غزنة، وتوفي بها سنة 412 ينظر: "المنتخب من السياق" ص 463. (¬7) ينظر: "المنتخب من السياق" ص 464 و"طبقات الشافعية" للسبكي 4/ 314 و"الخطط" للمقريزي 2/ 363. (¬8) ينظر: المراجع السابقة.

ثالثا: انتشار المكتبات وخزائن الكتب

5 - مدرسة أبي بكر البسْتي الفقيه (¬1). 6 - مدرسة أبي سعد الإستراباذي (¬2). 7 - مدرسة إسماعيل الصابوني (¬3). وغير ذلك من المدارس التي ذكرها عبد الغافر الفارسي مثل: مدرسة الثعالبي، ومدرسة السيوري، ومدرسة المشطبي، ومدرسة الصعلوكي، ومدرسة الخفاف، ومدرسة ابن صاعد، ومدرسة الشحامي، ومدرسة القشيريين، ومدرسة سرهنك وغيرها (¬4). ثالثاً: انتشار المكتبات وخزائن الكتب: المكتبات وخزائن الكتب هي جنات طلاب العلم، ورياض أفكارهم، ومحل استمتاعهم، ففيها يحققون المسائل ويفتقونها، ويطَّلعون على الدلائل ويحررونها، ويوثقون الفوائد، ويتوسعون في البحث، ولذا حرص الكبار على إنشائها، وتزويد المساجد والمدارس ودور العلم ومعاهد التعليم بها، إذ تصبح تلك المعاهد بلا مكتبات ¬

_ (¬1) هو أحمد بن محمد بن عبيد الله من كبار أئمة نيسابور، ومن كبار فقهاء أصحاب الشافعية والمناظرين بنيسابور، توفي سنة 429. ينظر: "المنتخب من السياق" ص 93 و"طبقات الشافعية" 4/ 80. (¬2) هو إسماعيل بن علي بن المثنى، أبو سعد، الصوفي العنبري، روى عنه الخطيب وغيره، مات سنة 448، ينظر: "المنتخب من السياق" ص 130 و"تاريخ بغداد" 6/ 315. (¬3) ينظر: "المنتخب من السياق" ص 59 و 275، وترجمة الصابوني سبقت في مبحث شيوخ المؤلف. (¬4) ينظر: "المنتخب من السياق" ص51، 58، 63، 66، 106، 107، 347، سبقت ترجمة عبد الغافر في مبحث تلاميذه.

مشلولة، قليلة الطلاب والرواد. ففي بغداد أنشأ الوزير: سابور بن أردشير (¬1) سنة (383) دار الكتب، سماها: دار العلم، وشملت أكثر من عشرة آلاف مجلد (¬2) وفي البصرة داران للكتب (¬3). وفي فيروزاباد بنى الوزير أبو منصور بن منافيه (¬4) داراً للكتب، وقفها على طلاب العلم، جمع فيها تسعة عشر ألف مجلد. وفي غزنة ألحق السلطان محمود بن سبكتكين بجامعه الذي بناه مدرسة: ملأَ بيوتها بالكتب (¬5). وأما في نيسابور فقد أُلحق بمسجد عقيل -المتقدم ذكره- خزائنُ كتب وقفها العلماء (¬6)، وكذا كانت المدرسة البيهقية (¬7). ¬

_ (¬1) هو أبو نصر، سابور بن أردشير، وزير لبهاء الدولة بن بويه، وكان كاتباً سديداً، مهيباً، عفيفاً عن الأموال مات سنة 416. ينظر: "المنتظم" 8/ 22 و"الكامل" 7/ 324 و"السير" 17/ 387. (¬2) ينظر: "المنتظم" 7/ 172. (¬3) إحداهما: وقفت قبل عضد الدولة بن بويه، فقال: هذه مكرمة سبقنا إليها، وهي أول دار وقفت في الإسلام، قال ابن كثير في "البداية والنهاية" 12/ 138، عنها: لم ير في الإسلام مثلها. وقد نهبت الأعراب كلتا الدارين في فتنة البصرة سنة (483) ينظر: "الكامل" 8/ 153. (¬4) هو أبو منصور بهرام بن منافيه، وهو الملقب بالعادل، وزير الملك أبي كاليجار البويهي، ولد بكازرون سنة 366، وكان حسن السيرة، فضلاً، نزيهاً توفي سنة (433)، ينظر: "الكامل" 8/ 32، و"البداية والنهاية" 12/ 49. (¬5) ينظر: "تاريخ العتبي" 2/ 300. (¬6) ينظر: "الكامل" 9/ 74. (¬7) ينظر: "المنتخب من السياق" ص 18.

رابعا: تقدير السلاطين ووزرائهم للعلم والعلماء

ومدرسة الصابوني (¬1) وغيرهما. ولما أنشأ الوزير نظام الملك المدارس النظامية ألحق بكل واحدة خزانةَ كتب (¬2). رابعاً: تقدير السلاطين ووزرائهم للعلم والعلماء: لا يخفى أن أعظم عوامل رواج سوق العلم: هو تشجيع السلاطين وتحفيز الدول، وقيامها بإكرام العلماء وتقديرهم، وقضاء حوائجهم، وتبويئهم المكان اللائق، والمكانة المرموقة، مما يرغب الناس إلى دفع أولادهم إلى معاهد العلم، وتفريغهم لطلبه، والحرص عليه وقد حظي ذلك العصر بخلفاء ووزراء كانوا إما: من العلماء، أو من المحبين للعلم المشاركين فيه، فالخليفة القادر بالله يعد من فقهاء الشافعية، وله تصانيف (¬3)، والقائم بأمر الله يعد من العلماء الأدباء الكتاب البلغاء (¬4). والسلطان محمود بن سبكتكين كان عنده علم ومعرفة، وحب للعلم وأهله، وتقريب لهم، ومجلسه على الدوام عامر بهم على اختلاف فنونهم، وصنفت له التصانيف (¬5). ¬

_ (¬1) ينظر: "المنتخب من السياق" ص 146. (¬2) ينظر: "مختصر زبدة النصر ونخبة العصر" للبنداوي ص 57 و"الكامل" 8/ 143. (¬3) ينظر: "طبقات الشافعية" لابن الصلاح 1/ 324، و"تاريخ الخلفاء" للسيوطي ص 417. (¬4) ينظر: "الكامل" 8/ 120 و"البداية والنهاية" 12/ 110. (¬5) ينظر: "المنتخب من السياق" ص 446.

وسار ابنه السلطان مسعود سيرته (¬1). وكانت الدولة السلجوقية مشهورة بتكريم العلماء ومحبتهم، حتى "أصبح كل واحد من العلماء بفضل تشجيع سلطان من سلاطين السلاجقة محطَّاً لأنظار العالمين" (¬2). وأما الوزير نظام الملك، فقد كان عالماً مغرماً بالعلم وأهله، وقد بقيت جهوده وآثاره في ذلك شامة في جبين التاريخ الإسلامي، يقول أبو الوفاء بن عقيل (¬3) في الثناء عليه: "بنى المدارس، ووقَّف الوقوف، ونَعَش من العلم وأهله ما كان خاملاً مهملاً في أيام من قبله" (¬4) ويصفه العماد الأصفهاني (¬5) قائلاً: "ولم يزل بابه مجمعَ الفضلاء وملجأ العلماء، وكان نافذاً بصيراً ينقب عن أحوال كل منهم، ويسأل عن تصرفاته وخبرته ومعرفته، فمن تفرس فيه صلاحية الولاية ولاّه، ومن رآه مستحقاً لرفع قدره رفعه وأعلاه، ومن رأى الانتفاع بعلمه أغناه، ورتب له من جدواه حتى ¬

_ (¬1) ينظر: "سير أعلام النبلاء" للذهبي 17/ 495، و"البداية والنهاية" 12/ 28. (¬2) "راحة الصدور وآية السرور في تاريخ الدولة السلجوقية" للراوندي ص 72. (¬3) علي بن عقيل بن محمد بن عقيل البغدادي أبو الوفاء، شيخ الحنابلة في زمانه ببغداد عالم متقن ولد سنة 431، وله مصنفات أكبرها كتاب "الفنون"، قال الذهبي: لم يصنف في الدنيا أكبر منه، وله كتاب الجدل على طريقة الفقهاء، توفي سنة (513). ينظر: "شذرات الذهب" 4/ 35 و"الذيل على طبقات الحنابلة" 1/ 171. (¬4) "المنتخب" ص 146. (¬5) محمد بن محمد صفي الدين ابن نفيس الدين حامد بن ألُهْ، أبو عبد الله عماد الدين الكاتب الأصبهاني، عالم بالأدب من كبار الكتاب ولد في أصبهان سنة 519، له كتب كثير، وله ديوان رسائل وديوان شعر، توفي سنة 597. ينظر: "وفيات الأعيان" 2/ 74، "مرآة الزمان" 8/ 504.

خامسا: نشاط بعض الفرق

ينقطع إلى إفادة العلم ونشره، وتدريس الفضل وذكره، وربما سيَّره إلى إقليم خال من العلم، ليُحْلِيَ به عاطله، ويحيي به حقه، ويميت باطله" (¬1). ومن أشهر أعماله: تلك المدارس التي بناها، وأدرَّ عليها الأرزاق، وأثثها بما تحتاج إليه، كما تقدم. ولأجل ذلك أطبق المؤرخون وأصحاب التراجم على الإشادة بما قام به هذا الوزير في هذا الباب (¬2). خامساً: نشاط بعض الفرق: كثير من الفرق نشأت في أخريات القرن الأول والقرنين الثاني والثالث، وحظُّها من الشيوع والانتشار بقدر حظها من دعم الدول، واقتناع المتنفذين، ودعم السلاطين، ولذا بمجرد زوال تلك القوة الداعمة يحصل للفرقة الذبول أو الانحصار في بلد معين، أو طائفة أو جماعة محددة. وقد كان لوجود دولة العبيديين الباطنية، ودولة البويهيين الرافضية أثر كبير على نشاط كثير من الفرق المناوئة للسنة، إذ ضَعْفُ أهلِ السنة في الجملة فسحةٌ واضحة للفرق الضالة، كي تنفذ إلى عقول الناس، وتسيرهم على النحو الذي تريد. وقد بين المقريزي أن التشيع قوي بدولة بني بويه، وكذا فشا الاعتزال بالعراق وخراسان وما وراء النهر، وذهب إليه جماعة من الفقهاء، وقوي مع ذلك أمر الخلفاء الفاطميين بأفريقية وبلاد المغرب، وجهروا بمذهب ¬

_ (¬1) "زبدة النصْرة" للعماد الأصفهاني، "اختصار البُنْداري" ص 57. (¬2) ينظر: "الكامل" 8/ 162، و"سير أعلام النبلاء" 19/ 94 و"طبقات الشافعية" 4/ 309.

سادسا: المناظرات العلمية بين أرباب المذاهب

الإسماعيلية، وبثوا دعاتهم بأرض مصر، فاستجاب لهم خلق كثير من أهلها، ثم ملكوها عام (358)، وانتشرت مذاهب الرافضة في عامة الأقطار، قال المقريزي: "واشتهرت مذاهب الفرق من القدرية والجهمية والمعتزلة والكرَّامية والخوارج والروافض والقرامطة والباطنية حتى ملأت الأرض، وما منهم إلا من نظر في الفلسفة، وسلك من طرقها ما وقع عليه اختياره، فلم يبق مصر من الأمصار ولا قطر من الأقطار إلا وفيه طوائف كثيرة مما ذكرنا" (¬1). هذا الواقع دعا أهل السنة وعلماء الملة -جرياً على سنة التدافع- للوقوف بقوة في وجه هذا المد البدعي الطاغي، ببيان الحق ورد الباطل ودفع الشبه، وفضح الفرق، وكشف عوارها (¬2)، وهذا كما لا يخفى له أثره الواضح في إثراء الحياة العلمية تأليفاً وتدريساً، وكشفاً للحال، وتتبعاً للحقائق. سادساً: المناظرات العلمية بين أرباب المذاهب: مما كان سائداً في ذلك العصر: المناظراتُ التي كانت تعقد بين العلماء، يبين كل واحد منهم قوله، ويذكر دليله، ويفنِّد حجة خصمه، وقد ¬

_ (¬1) ينظر: "الخطط" للمقريزي 2/ 357. (¬2) من العلماء الذين صنفوا في ذلك: معمر بن زياد الأصبهاني (ت 418)، وأبو عمر الطلمنكي (ت 429)، وأبو نصر السجزي (ت 444) وأبو عمرو الداني (ت 444) وأبو الفتح سليم بن أيوب الرازي (ت 447) وأبو عثمان الصابوني (ت 449) وأبو عمر بن عبد البر (ت 463) وأبو القاسم سعد بن علي الزنجاني (ت 471) وغيرهم. ومن الأشاعرة: أبو بكر الباقلاني (ت 403) وأبو إسحاق الإسفراييني (ت 418) وأبو منصور البغدادي (ت 429).

وقفة

تكون بين أتباع الفرق المختلفة، وكانت هذِه المناظرات تعقد عند السلاطين أحياناً، أو في المساجد ودور العلم في أكثر الأحيان، وفي نيسابور كانت هناك مجالس للنظر تعقد فيها المناظرات، وخاصة العلماء القادمين عليها (¬1). ومن العادة الجارية: أن طلاب العلم يحرصون على حضور تلك المجالس، لمعرفة الحق عند اختلاف الأقوال، والعلم بأقدار الرجال، والموازنة بين المختلفين، وقد يكون للانتصار لأحد القولين، حيث يجتهد المتناظران في إظهار صحة قولهم، وقوة دليله، وضعف ما يقابله (¬2). وقفة: لاشك أن هذه الأسباب وغيرها كان لها أثر واضح في ثراء الحالة العلمية التي تنطبع تبعاً على شخصيات الأفراد من طلاب العلم والعلماء، حيث تهيئ بمجموعها جواً علمياً يدفع الطالب للاستزادة، ويعينه على الفهم، وينوع معارفه، ويشبع رغباته وميوله. وما من شك، أن أثر ذلك كله قد انطبع على مترجمنا الإمام الواحدي، ومن يطالع مؤلفاته، ويقرأ ترجمته، يدرك ظهور ذلك التنوع المعرفي، والتعدد الثقافي والعلمي الذي اصطبغ به الواحدي. ¬

_ (¬1) ينظر: "المنتخب من السياق" ل 51، 86، 90، 96، 442، 461. (¬2) ذكر السبكي في طبقات الشافعية جملة من هذه المناظرات في تراجم عدد من العلماء. ينظر على سبيل المثال؛/ 246، 237 و 5/ 36، 209.

الفصل الثاني دراسة عن كتاب البسيط

الفصل الثاني دراسة عن كتاب البسيط وفيه تسعة مباحث: المبحث الأول: اسم الكتاب. المبحث الثاني: ثبوت نسبة الكتاب للمؤلف. المبحث الثالث: الباعث على إنشائه. المبحث الرابع: تاريخ البدء فيه والانتهاء منه. المبحث الخامس: مصادر المؤلف في البسيط، ثم التعريف بهذه المصادر وطريقته في الأخذ منها، وما هي المادة التي أخذها. المبحث السادس: منهج المؤلف في البسيط. وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: منهجه إجمالاً كما وصفه في مقدمة كتابه. المطلب الثاني: منهجه تفصيلاً. وفيه تسع مسائل: المسألة الأول: منهجه في تفسير القرآن بالقرآن. المسألة الثانية: منهجه في تفسير القرآن بالسنة. المسألة الثالثة: منهجه في تفسير القرآن بأقوال الصحابة والتابعين. المسألة الرابعة: منهجه في ذكر الإسرائيليات. المسألة الخامسة: منهجه في القراءات وعللها.

المسألة السادسة: منهجه في علوم القرآن. وفيها أربعة مطالب: 1 - أسباب النزول. 2 - الوقف والابتداء. 3 - الناسخ والمنسوخ. 4 - الربط بين الآيات. المسألة السابعة: منهجه في مسائل العقيدة، والرد على الفرق. المسألة الثامنة: منهجه في المسائل الفقهية والأصولية. المسألة التاسعة: منهجه في اللغة وفنونها. وفيها خمسة مطالب: 1 - الجانب اللغوي. 2 - الجانب النحوي. 3 - الجانب البلاغي. 4 - الشواهد الشعرية. 5 - الجانب الفقهي. المطلب الثالث: مقارنة بين تفاسير المؤلف الثلاثة. المبحث السابع: قيمة الكتاب العلمية. المبحث الثامن: أثر الواحدي فيمن بعده من العلماء من خلال كتابه البسيط. المبحث التاسع: النسخ المخطوطة الموجودة للبسيط. المبحث العاشر: منهج العمل في تحقيق البسيط.

المبحث الأول اسم الكتاب

المبحث الأول اسم الكتاب اسم الكتاب "البسيط" ذكر ذلك المؤلف نفسه في مقدمة كتابه "الوسيط" حيث قال: "وقديمًا كنت أطالب بإملاء كتاب في تفسير وسيط، ينحط عن درجة "البسيط" الذي تجر فيه أذيال الأقوال، ويرتفع عن مرتبة "الوجيز" الذي اقتصر فيه على الإقلال .... " (¬1). كما ورد اسم الكتاب "البسيط" في جميع المصادر التي ذكرته (¬2)، ووصفه القفطي بـ"الكبير" قال: صنف التفسير الكبير وسماه "البسيط" .. (¬3)، وقد وردت كلمة "الكبير" على عناوين بعض مخطوطات البسيط ففي الجزء الثالث والخامس من النسخة الأزهرية كتب "البسيط وهو التفسير الكبير" (¬4)، فلعل هذه الصفة التي ذكرها القفطي ومن جاء بعده، قصد بها بيان أنه أكبر كتبه في التفسير. كذلك نجد على الجزء الثاني والثالث من مخطوطة "جستربتي" (¬5) كتب عليها: هذا كتاب معاني التفسير المسمى بالبسيط للإمام الواحدي ¬

_ (¬1) "الوسيط" 1/ 6. (¬2) انظر: "معجم الأدباء" 12/ 159، و"وفيات الأعيان" 3/ 303، و"سير أعلام النبلاء" 18/ 340، و"البداية والنهاية" 12/ 114، و"طبقات الشافعية الكبرى" للسبكي 3/ 290، وغيرها من المصادر التي ترجمت للواحدي. (¬3) "إنباه الرواة" 2/ 223. (¬4) هذه النسخة محفوظة في رواق المغاربة في الأزهرية رقم (303) ومنها ميكروفيلم في جامعة الإمام رقم (8049)، (8051). (¬5) يوجد ميكروفيلم لها في جامعة الإمام رقم (3731) ورقم (3732).

وفي آخر الجزء الثاني كتب: آخر الجزء الثاني من كتاب معاني التفسير المسمى بالبسيط، تصنيف الشيخ الإمام الواحدي، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين، وحسبنا الله ونعم الوكيل، ووافق الفراغ منه يوم الخميس في آخر شوال سنة ثمان وثلاثين وستمائة، كتبه الضعيف الراجي المحتاج إلى رحمة الله تعالى أحمد بن محمد بن الحسن القروني. وقد سبق الكلام على هذا عند الحديث عن مؤلفاته بما يغني عن إعادته هنا.

المبحث الثاني ثبوت نسبة الكتاب للواحدي

المبحث الثاني ثبوت نسبة الكتاب للواحدي أما عن قضية ثبوت نسبة الكتاب للمؤلف، فهي من القضايا التي تصل إلى حد التواتر، لم يحصل فيها شك أو لبس يحتاج إلى بحث واستدلال، فالمؤلف يذكر كتابه "البسيط" في مقدمة "الوسيط" فيقول: "وقديما كنت أطالب بإملاء كتاب وسيط ينحط عن درجة "البسيط" الذي تجر فيه أذيال الأقوال وارتفع عن مرتبة الوجيز الذي اقتصر فيه على الإقلال لمؤلف" (¬1)، والمترجمون له بعده ينسبون الكتاب له بإجماع، ولم يرد قول بخلاف ذلك، وقد ارتبط اسم المؤلف بكتبه الثلاثة في التفسير "البسيط" و"الوسيط" و"الوجيز" فيقال: الواحدي صاحب التفاسير الثلاثة "البسيط" و"الوسيط" و"الوجيز" (¬2). ويضاف إليها أيضاً: أن العلماء الذين أفادوا من البسيط بالنقل والإحالة (¬3) تتطابق نقولاتهم مع ما هو موجود في البسيط، كما سيأتي في مبحث قيمة الكتاب العلمية، وقد نقل ياقوت في ترجمته للمؤلف بعض مقدمة البسيط وهي بنصها في هذا الكتاب (¬4)، هذا كله، بالإضافة إلى أنه لم يقل أحد من أهل العلم بخلاف ذلك، بل إن من المسلَّمات ارتباط ¬

_ (¬1) مقدمة "الوسيط" 1/ 6. (¬2) انظر: "المنتخب من السياق" ل 114، و"وفيات الأعيان" 3/ 304، و"إنباه الرواة" 2/ 224، و"سير أعلام النبلاء" 18/ 340، و"طبقات الشافعية" الكبرى 3/ 290. (¬3) كالنووي والرازي وابن القيم والزركشي -رحم الله الجميع-. (¬4) "معجم الأدباء" 12/ 262 - 270.

المؤلف بتفاسيره الثلاثة وعلى رأسها كتابه هذا. وقد تقدم ذكر ذلك (¬1) ¬

_ (¬1) انظر: مبحث مؤلفاته.

المبحث الثالث الباعث على إنشاء البسيط

المبحث الثالث الباعث على إنشاء البسيط صرح المؤلف بالباعث له على تأليف هذا الكتاب وهو تلبية طلب قوم ألحوا عليه من أهل العلم، وافق رغبة قديمة حاضرة عنده، حيث قال في مقدمة هذا التفسير: فمنذ دهر تحدثني نفسي بأن أُعلق لمعاني إعراب القرآن وتفسيره فِقَراً (¬1) في الكشف عن غوامض معانيه، ونُكَتاً في الإشارة إلى علل القراءات فيه، في ورقات يصغُر حجمها ويكثر غُنمها، والأيام تمطلني بصروفها على اختلاف صنوفها، إلا أن شدد عليّ خناق التقاضي قوم لهم في العلم سابقة، وفي التحقيق همم صادقة، فسمحت قرونتي (¬2) بعد الإباء، وذلت صعوبتي بعد النفرة والالتواء (¬3). ¬

_ (¬1) الفِقَر: خرزات الظهر، جمع فِقْرة، ويراد بها: جملة من كلام، أو جزء من موضوع، أو شطر من بيت شعر. ينظر: "المعجم الوسيط" 2/ 679. (¬2) قال في "الصحاح": يقال: أَسْمَحت قَرِيْنُه، وقَرُونُه، وقَرُونَته وقرينَتُه أي: ذلت نفسه، وتابعته على الأمر. "الصحاح"، (قرن)، 6/ 2182. (¬3) مقدمة "البسيط" ص 393 - 394.

المبحث الرابع تاريخ البدء في البسيط والانتهاء منه

المبحث الرابع تاريخ البدء في البسيط والانتهاء منه يظهر من مقدمته التي ساقها في الوسيط: أن البسيط هو أول كتبه الثلاثة تأليفاً (¬1)، وهو أكبرها بلا شك، لكنه لم يبين لنا تاريخ الابتداء بكتابته، وأما الانتهاء منه فقد صرح به في ختام كتابه البسيط، حيث قال: وقد يسر الله -وله الحمد لحسن توفيق - تحرير هذا الكتاب الذي لم يسبق إلى مثله في هذا الباب ... بعد تراخي المهلة، وتطاول المدة، من يوم افتتاحه إلى يوم اختتامه ... وذلك عصر يوم الأربعاء لعشر بقين من شهر ربيع الأول سنة ست وأربعين وأربعمائة (¬2). ¬

_ (¬1) "الوسيط" 1/ 50 وقد سقت العبارة في مبحث مؤلفاته. (¬2) "البسيط" مجلدة لوحة 209 ب من النسخة الأزهرية.

المبحث الخامس مصادر المؤلف في كتابه "البسيط"

المبحث الخامس مصادر المؤلف في كتابه "البسيط" تلقى المؤلف عن فحول أئمة اللغة والنحو والتفسير ومعاني القرآن، والقراءات، لذلك كثرت مصادره في تفسيره، وقد أفاد من تلك المصادر كثيراً ونقل منها بالمعنى حيناً وبالنص أحياناً: بالعزو حينا وبدون عزو أحيانا، أخذ عن بعض تلك المصادر فأكثر، وهناك مصادر أخذ منها بإقلال، وسيكون الحديث في هذا المبحث عن تلك المصادر، وعن طريقته في الأخذ منها. وقد ذكر المؤلف بعض تلك المصادر في مقدمة كتابه، وهناك مصادر أفاد منها ولم يرد ذكرها في مقدمته. ولقد تنوعت المادة التي أخذها من كل مصدر، فمثلا نجده قد أخذ من "الحجة" لأبي علي الفارسي مسائل لغوية ونحوية بجانب القراءات وتوجيهها، وأفاد من الثعلبي في التفسير واللغة والنحو وهكذا بقية المصادر. وفيما يلي بيان لتلك المصادر ومعرفة مدى استفادة الواحدي منها: وهي قسمان: القسم الأول: المصادر الرئيسة. القسم الثاني: المصادر الثانوية.

القسم الأول المصادر الرئيسة

القسم الأول المصادر الرئيسة أولاً: التفسير: وهي مرتبة تاريخيًا: أولاً: تفسير ابن عباس (¬1) -رضي الله عنه- (ت 68) هـ مكانة ابن عباس في تفسير القرآن: تتبين مكانة ابن عباس في التفسير، من قول تلميذه مجاهد إنه إذا فسر الشيء رأيت عليه النور، ومن قول علي -رضي الله عنه- يثني عليه في تفسيره: كأنما ينظر إلى الغيب من ستر رقيق، ومن قول ابن عمر: ابن عباس أعلم أمة محمد بما نزل على محمد، ومن رجوع بعض الصحابة وكثير من التابعين إليه في فهم ما اشكل عليهم من كتاب الله، فكثيرًا ما توجه إليه معاصروه ليزيل شكوكهم، ويكشف لهم عما عز عليهم فهمه من كتاب الله تعالى. ففي قصة موسى مع شعيب أشكل على بعض أهل العلم، أي الأجلين قضى موسى؟ أقضى ثماني سنين أو أتم عشرًا؟ ولما لم يقف على رأي يمم شطر ابن عباس، الذي هو بحق ترجمان القرآن، ليسأله عما أشكل عليه وفىِ هذا يروي الطبري في تفسيره، عن سعيد بن جبير قال: قال يهودي بالكوفة -وأنا أتجهز للحج: إني ¬

_ (¬1) هو عبد الله بن العباس بن عبد المطلب ابن عم النبي - صلى الله عليه وسلم -، أبو العباس، العالم الرباني، الفقيه، حبر الأمة وترجمان القرآن، وكان يسمى الحبر والبحر لسعة علمه، وقد دعا له النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يفقهه الله في الدين ويعلمه التأويل والحكمة، ولد قبل الهجرة بثلاث سنين في شعب أبي طالب، وهو أحد العبادلة الأربعة، وهو أحد المكثرين من الصحابة، توفي بالطائف سنة (68) هـ. ينظر: "الإصابة" 4/ 141، و"تقريب التهذيب" ص 251.

أراك رجلاً تتبع العلم، فأخبرني أي الأجلين قضى موسى؟ قلت: لا أعلم، وأنا الآن قادم على حبر العرب -يعني ابن عباس- فسائله عن ذلك، فلما قدمت مكة سألت ابن عباس عن ذلك وأخبرته بقول اليهودي، فقال ابن عباس: قضى أكثرهما وأطيبهما؛ إن النبي إذا وعد لم يخلف، وقال سعيد: فقدمت العراق فلقيت اليهودي فأخبرته فقال: صدق وما أنزل على موسى، هذا والله العالم. اهـ (¬1). وهذا عمر -رضي الله عنه- يسأل الصحابة عن معنى آية من كتاب الله، فلما لم يجد عندهم جوابًا مرضيًا رجع إلى ابن عباس فسأله عنها، وكان يثق بتفسيره، وفي هذا يروي الطبري أن عمر سأل الناس عن هذِه الآية يعني {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ} [البقرة: 266] الآية. فما وجد أحدًا يشفيه، حتى قال ابن عباس وهو خلفه: يا أمير المؤمنين إني أجد في نفسي منها شيئًا، فتلفت إليه فقال: تحول ههنا، لم تحقر نفسك؟! قال: هذا مثل ضربه الله -عز وجل-، فقال: أيود أحدكم أن يعمل عمره بعمل أهل الخير وأهل السعادة، حتا إذا كان أحوج ما يكون إلى أن يختمه بخير حين فني عمره واقترب أجله، ختم ذلك بعمل من عمل أهل الشقاء فأفسده كله، فحرقه أحوج ما كان إليه (¬2). وسؤال عمر له مع الصحابة عن تفسير قوله تعالى: {إِذَا جَاَءَ نَصْرُ اللهِ وَالفَتْحُ} [النصر: 1] وجوابه بالجواب المشهور عنه يدل على أن ابن عباس كان يستخرج خفي المعاني التي يشير إليها القرآن، ولا يدركها الا ¬

_ (¬1) "تفسير ابن جرير" 20/ 43. (¬2) "تفسير ابن جرير" 3/ 47.

منهج ابن عباس في التفسير

من نفحه الله بنفحة من روحه، وكثيرًا ما ظهر ابن عباس في المسائل المعقدة في التفسير بمظهر الرجل الملهم الذي ينظر إلى الغيب من ستر رقيق، كما وصفه علي -رضي الله عنه-، الأمر الذي جعل الصحابة يقدرون ابن عباس ويثقون بتفسيره، ولقد وجد هذا التقدير صداه في عصر التابعين، فكانت هناك مدرسة يتلقى تلاميذها التفسير عن ابن عباس. استقرت هذِه المدرسة بمكة، ثم غذت بعلمها الأمصار المختلفة، وما زال تفسير ابن عباس يلقى من المسلمين إعجابًا وتقديرًا، إلا درجة أنه إذا صح النقل عن ابن عباس لا يكادون يعدلون عن قوله إلى قول آخر. وقد صرح الزركشي بأن قول ابن عباس مقدم على قول غيره من الصحابة عند تعارض ما جاء عنهم في التفسير (¬1). منهج ابن عباس في التفسير: كان ابن عباس كغيره من الصحابة الذين اشتهروا بالتفسير، يرجعون في فهم معاني القرآن إلى ما سمعوه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وإلى ما يفتح الله به عليهم من طريق النظر والاجتهاد، مع الاستعانة في ذلك بمعرفة أسباب النزول والظروف والملابسات التي نزل فيها القرآن. وكان -رضي الله عنه- يرجع إلى أهل الكتاب ويأخذ عنهم، بحكم اتفاق القرآن مع التوراة والإنجيل في كثير من المواضع التي أُجملت في القرآن وفُصلت في التوراة أو الإنجيل، ولكن كما قلنا فيما سبق إن الرجوع إلى أهل الكتاب كان في دائرة محدودة ضيقة، تتفق مع القرآن وتشهد له، أما ما عدا ذلك مما يتنافى مع القرآن، ولا يتفق مع الشريعة الإسلامية، فكان ابن عباس لا ¬

_ (¬1) "الإتقان" 2/ 183.

رجوع ابن عباس إلى الشعر القديم

يقبله ولا يأخذ به. رجوع ابن عباس إلى الشعر القديم: كان ابن عباس -رضي الله عنه- يرجع في فهم معاني الألفاظ الغريبة التي وردت في القرآن إلى الشعر الجاهلي، وكان غيره من الصحابة يسلك هذا الطريق في فهم غريب القرآن ويحض على الرجوع إلى الشعر العربي القديم؛ ليستعان به على فهم معاني الألفاظ القرآنية الغريبة، فهذا عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يسأل أصحابه عن معنى قوله تعالى في الآية (47) من سورة النحل {أَوْ يَأخُذَهُم عَلَى تَخَوُّفٍ} فيقوم له شيخ من هذيل فيقول له: هذِه لغتنا، التخوف: التنقص، فيقول له عمر: هل تعرف العرب ذلك في أشعاره؟ فيقول له: نعم، ويروا قول الشاعر: تخوف الرحل منها تامكًا قردًا ... كما تخوف عود النبعة السفن فيقول عمر -رضي الله عنه- لأصحابه: عليكم بديوانكم لا تضلوا، قالوا: وما ديواننا؟ قال: شعر الجاهلية، فإن فيه تفسير كتابكم، ومعاني كلامكم (¬1). غير أن ابن عباس، امتاز بهذه الناحية واشتهر بها أكثر من غيره، فكثيرًا ما كان يسأل عن القرآن فينشد فيه الشعر، وقد روي عنه الشيء الكثير من ذلك، وأوعب ما روي عنه مسائل نافع بن الأزرق وأجوبته عنها، وقد بلغت مائتي مسألة، أخرج بعضها ابن الأنباري في كتاب "الوقف والابتداء"، وأخرج الطبراني بعضها الآخر في "معجمه الكبير"، وقد ذكر ¬

_ (¬1) القصة في "الموافقات" 2/ 88 وليس فيها ما يعارض ما جاء عن عمر من أنه لما سأل عن الأب رجع إلى نفسه وقال: إن هذا لهو التكلف يا عمر؛ لأن الآية التي معنا يتوقف فهم معناها على معرفة معنى التخوف؛ بخلاف الآية الأخرى، فإن المعنى الذي يراد منها لا يتوقف على معرفة معنى الأب.

السيوطي في "الإتقان" بسنده مبدأ هذا الحوار الذي كان بين نافع وابن عباس، وسرد مسائل ابن الأزرق وأجوبة ابن عباس عنها، فقال: بينا عبدالله بن عباس جالس بفناء الكعبة قد اكتنفه الناس يسألونه عن تفسير القرآن، فقال نافع بن الأزرق لنجدة بن عويمر: بنا إلى هذا الذي يجترئ على تفسير القرآن بما لا علم له به، فقاما إليه فقالا: إنا نريد أن نسألك عن أشياء من كتاب الله فتفسرها لنا، وتأتينا بمصادقه من كلام العرب؛ فإن الله تعالى إنما أنزل القرآن بلسان عربي مبين، فقال ابن عباس: سلاني عما بدا لكما، فقال نافع: أخبرني عن قول الله تعالا: {عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ} [المعارج: 37] قال: العزون: حلق الرفاق، قال: هل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت عبيد بن الأبرص وهو يقول: فجاؤوا يهرعون إليه حتى ... يكونوا حول منبره عزينا؟ قال أخبرني عن قوله: {وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ} [المائدة: 35]. قال: الوسيلة: الحاجة، قال وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت عنترة وهو يقول: إن الرجال لهم إليك وسيلة ... إن يأخذوك تكحلي وتخضبي إلى آخر المسائل وأجوبتها (¬1)، وهي تدل على قوة ابن عباس في معرفته بلغة العرب، وإلمامه بغريبها، إلى حد لم يصل إليه غيره، مما جعله - بحق إمام التفسير في عهد الصحابة، ومرجع المفسرين في الأعصر التالية للعصر الذي وجد فيه، وزعيم هذِه الناحية من التفسير على الخصوص، حتى لقد قيل في شأنه: إنه هو الذي أبدع الطريقة اللغوية ¬

_ (¬1) "الإتقان" 1/ 120.

لتفسير القرآن (¬1). هذا وقد بين لنا ابن عباس -رضي الله عنه-، مبلغ الحاجة إلى هذه الناحية في التفسير، وحض عليها من أراد أن يتعرف غريب القرآن، فقد روى أبو بكر ابن الأنباري عنه أنه قال: الشعر ديوان العرب، فإذا خفي علينا الحرف من القرآن الذي أنزله الله بلغة العرب، رجعنا إلى ديوانها فالتمسنا ذلك منه (¬2). وروى ابن الأنباري عنه أيضاً أنه قال: إذا سألتموني عن غريب القرآن فالتمسوه في الشعر، فإن الشعر ديوان العرب (¬3). فابن عباس -رضي الله عنه- كان يرى رأي عمر في ضرورة الرجوع إلى الشعر الجاهلي، للاستعانة به على فهم غريب القرآن، بل وكان أكثر الصحابة إلمامًا بهذِه الناحية وتطبيقًا لها. وقد استمرت هذه الطريقة إلى عهد التابعين ومن يليهم، إلى أن حدثت خصومة بين متورعي الفقهاء وأهل اللغة، فأنكروا عليهم هذه الطريقة، وقالوا: إن فعلتم ذلك جعلتم الشعر أصلاً للقرآن (¬4)، وقالوا: كيف يجوز أن يحتج بالشعر على القرآن وهو مذموم في القرآن والحديث. والحق أن هذه الخصومة التي جدّت في الأجيال المتأخرة لم تقم على أساس، فالأمر ليس كما يزعمه أصحاب هذا الرأي، من جعل الشعر أصلاً للقرآن، بل هو في الواقع، بيان للحرف الغريب من القرآن بالشعر؛ ¬

_ (¬1) "المذاهب الإسلامية في تفسير القرآن" ص (69). (¬2) "الإتقان" 1/ 119. (¬3) المصدر السابق. (¬4) ومن هؤلاء الإمام النيسابوري صاحب التفسير المشهور، فقد صرح بذلك في مقدمة "تفسيره" 1/ 6.

1 - الرواية المنسوبة إلى عطاء بن أبي رباح

لأن الله تعالى يقول: {إِنَّا جَعَلنَهُ قُرءَانًا عَرَبيًّا} [الزخرف: 3]. وقال {بِلِسَانٍ عَرَبِىٍّ مبِينٍ} [الشعراء: 195] ولهذا لم يتحرج المفسرون إلى يومنا هذا من الرجوع إلى الشعر الجاهلي للاستشهاد به على المعنى الذي يذهبون إليه في فهم كلام الله تعالى (¬1). لقد صرح المؤلف في مقدمة البسيط باعتماده على تفسير ابن عباس، حيث قال: وأبتدئ في كل آية عند التفسير بقول ابن عباس ما وجدت له نصّاً. وقد التزم المؤلف هذا الشرط في كتابه، فنجده يصدر كل آية حين تفسيرها بقول ابن عباس بغض النظر عن صحة تلك الرواية أو ضعفها، إذ لم يكن من شأن الواحدي العناية بهذا الجانب، كما بينت في المآخذ عليه، وهذا يؤكد ما ذكر عنه في هذا الباب، ففي مواطن قليلة يعتمد رواية علي بن أبي طلحة، الذي يميزه الواحدي بقوله: (الوالبي). 1 - الرواية المنسوبة إلى عطاء بن أبي رباح (¬2): وقد استوعبت هذه الرواية تفسير القرآن كما يبدو من البسيط وهي رواية مكذوبة يرويها موسى بن عبد الرحمن الصنعاني (¬3)، عن عطاء، عن ¬

_ (¬1) نقلا عن كتاب "التفسير والمفسرون" 1/ 69. (¬2) هو: عطاء بن أبي رباح بن أسلم المكي القرشي مولاهم، أبو محمد، كان ثقة فقيها عالما كثير الحديث، روى عن أبي هريرة وابن عباس وجابر، وغيرهم، انتهت إليه فتوى أهل مكة، وكان أعلم الناس بالمناسك ومن أجل تلاميذ ابن عباس. توفي سنة (114) هـ، وقيل غير ذلك. انظر: "التاريخ الكبير" للبخاري 6/ 463، و"سير أعلام النبلاء" 5/ 78، و"تهذيب التهذيب" 7/ 174. (¬3) هو: موسى بن عبد الرحمن الثقفي الصنعاني قال ابن حبان: دجال، وضع على ابن =

ابن عباس. قال ابن حبان (¬1): وضع على ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس كتابًا في التفسير جمعه من كلام الكلبي ومقاتل بن سليمان وألزقه بابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، ولم يحدث عن ابن عباس، ولم يحدث به ابن عباس، ولا عطاء سمعه، ولا ابن جريج سمع من عطاء، وإنما سمع ابن جريج من عطاء الخراساني عن ابن عباس في التفسير أحرفًا شبيهًا بجزء، وعطاء لم يسمع من ابن عباس شيئًا ولا رواه ولا تحل الرواية عن هذا الشيخ ولا النظر في كتابه إلا على سبيل الاعتبار (¬2). قال الحافظ ابن حجر (¬3): ومن التفاسير الواهية لوهاء رواتها، التفسير الذي جمعه موسى بن ¬

_ = جريج عن عطاء عن ابن عباس كتاباً في التفسير. وقال الذهبي: دجال. اهـ. وقال ابن عدي منكر الحديث يروي أباطيل، يعرف بأبي محمد المفسر قال ابن حجر: معروف ليس بثقة. انظر: "ميزان الاعتدال" 4/ 211، و"ديوان الضعفاء والمتروكين" ص 311، و"لسان الميزان" 6/ 124، "الكشف الحثيث" 1/ 263. (¬1) هو: الحافظ العلامة محمد بن حبان بن أحمد بن حبان أبو حاتم البستي التميمي. كان من أوعية العلم في الفقه والحديث واللغة والوعظ عاقلاً ثقة نبيلاً ذا تصانيف عجيبة، توفي سنة 354 هـ. انظر: "البداية والنهاية" 11/ 295، و"تذكرة الحفاظ" للذهبي 3/ 920، و"طبقات الحفاظ" للسيوطي ص 375. (¬2) "المجروحين" لابن حبان 2/ 242. (¬3) تقدمت ترجمته ص 82.

عبد الرحمن الثقفي الصنعاني، وهو قدر مجلدين يسنده إلى ابن جريج (¬1) عن عطاء عن ابن عباس، وقد نسب أبو حاتم (¬2) موسى هذا إلى وضع الحديث، ورواه عن موسى: عبد الغني بن سعيد الثقفي (¬3) وهو ضعيف (¬4). وقد صرح المؤلف في أول كتابه "أسباب النزول" (¬5) بإسناده إلى هذه الرواية وهي من طريق الطبراني (¬6)، والطبراني روى قطعة من هذا التفسير ¬

_ (¬1) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج أبو الوليد، فقيه الحرم المكي، إمام أهل الحجاز في عصره، ثقة جليل القدر كثير الحديث جدًا، ولد بمكة سنة 80 هـ قال الذهبي: ثقة لكنه يدلس. توفي رحمه الله سنة 150هـ. ينظر ترجمته: "سير أعلام النبلاء" 6/ 325، و"طبقات المفسرين" للداودي 1/ 359. (¬2) هو: محمد بن إدريس بن المنذر بن داود بن مهران الحنظلي، الغطفاني، الرازي، أبو حاتم، محدث حافظ، أحد أئمة الجرح والتعديل، ولد في الري، وتنقل في العراق والشام ومصر وبلاد الروم، وبرع في المتن والإسناد وجمع وصنف وجرح وعدل وصحح وعلل، من أقران البخاري ومسلم، توفي ببغداد في شعبان سنة 277، ومن مصنفاته "طبقات التابعين" و"تفسير القرآن". انظر ترجمته: "سير أعلام النبلاء" 9/ 55 - 59، "التقريب" (465)، "الأعلام" 6/ 27. (¬3) عبد الغني بن سعيد الثقفي، ضعفه ابن يونس، وذكره ابن حبان في الثقات وقال: مصري يروي عن موسى بن عبد الرحمن الصنعاني، عن هشام بن عروة، قال ابن حجر: ابن يونس أعلم به. توفي سنة (229). ينظر: "الثقات" لابن حبان 8/ 424، و"لسان الميزان" 4/ 45. (¬4) "العجاب في بيان الأسباب" 1/ 220. وينظر: "الدر المنثور" 8/ 700. (¬5) "أسباب النزول" ص 33. (¬6) أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب بن مُطَير اللخمي الشامي الطبراني، صاحب المعاجم الثلاثة الإمام المحدث الحافظ الرحالة ولد سنة 260 وله تصانيف كثيرة، ومات سنة 360. ينظر: "تذكرة الحفاظ" 3/ 912 و"سير أعلام النبلاء" 16/ 119.

2 - رواية الكلبي

في معجمه الكبير، في تفسير الآيات في شأن الإفك (¬1)، عن شيخه: بكر بن سهل الدمياطي (¬2)، عن عبد الغني بن سعيد الثقفي، قال: حدثنا موسى بن عبد الرحمن الصنعاني عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس وعند مقارنته بما نقله المؤلف في البسيط من رواية عطاء، عن ابن عباس نجدها مطابقة لرواية الطبراني، مما يدل على أن طريق رواية الواحدي عن عطاء هو ذاك الطريق الواهي الضعيف. وهذه الرواية لا توجد الآن، ولا تكاد تذكر عند أهل الرواية ولا يذكرها إلا الثعلبي أو المؤلف، أو من ينقل عنهما، كالبغوي وابن الجوزي والرازي (¬3) وغيرهم. والأمثلة على نقل المؤلف من هذه الرواية أكثر من أن تحصى، بل يندر أن نجد آية لا يذكر فيها شيئًا منها. 2 - رواية الكلبي (¬4): وهي رواية الكلبي عن ابن عباس، وهي مكذوبة، وقد أخرج عن ابن ¬

_ (¬1) "المعجم الكبير" 23/ 130 - 161. (¬2) بكر بن سهل بن إسماعيل بن نافع، أبو محمد الهاشمي مولاهم الدمياطي، المفسر المقرئ ولد سنة 196، ضعفه النسائي مات بدمياط سنة 289. ينظر: "ميزان الاعتدال" 1/ 345 و"سير أعلام النبلاء" 13/ 425. (¬3) هو أبو عبد الله. محمد بن عمر بن الحسين بن الحسن التميمي البكري الرازي، فخر الدين والمعروف بابن الخطيب، المولود سنة 544، مفسر متكلم واعظ على مذهب الأشعري، وقيل: إنه رجع في آخر عمره عن مذهب الأشعري. ومن أهم مصنفاته: "التفسير الكبير" المسمى، "مفاتيح الغيب". توفي سنة 606. ينظر: "وفيات الأعيان" 2/ 265 و"شذارت الذهب" 5/ 201. (¬4) هو: أبو النضر محمد بن السائب بن بشر الكلبي، النسابة المفسر، متهم بالكذب ورمي بالرفض، قال: يحيى ابن معين ضعيف. توفي سنة 146هـ =

عباس تفسيرًا كثيرًا عن أبي صالح (¬1) عن ابن عباس، والكلبي متهم بالكذب، روى البخاري بسنده عن سفيان الثوري (¬2) قال: قال لي الكلبي: كل ما حدثتك عن أبي صالح فهو كذب. وقال البخاري (¬3): أبو النضر الكلبي تركه يحيى بن سعيد (¬4) وابن ¬

_ = ينظر ترجمته في: "التاريخ الكبير" 1/ 101، و"الضعفاء الصغير" ص 101 تحقيق محمود زايد ط 1 دار الوعي كلاهما للبخاري، "تهذيب الكمال" 25/ 250، "التقريب" 1/ 479. (¬1) هو: باذان، ولقال باذام، ولقال: ذكوان، أبو صالح مولى أم هانئ، مفسر ومن رواة الأخبار، روى عن مولاته وأبي هريرة وابن عباس وغيرهم إلا أنه ضعيف. وقال ابن حبان: يحدث عن ابن عباس ولم يسمع، وروى عن الكلبي، قال حبيب بن أبي ثابت: كنا نسمي أبا صالح باذام دروغزن، وكان الشعبي يمر به فيأخذ بأذنه ويقول: ويحك كيف تفسر القرآن وأنت لا تحسن أن تقرأ، وتركه يحيى بن سعيد القطان، وابن مهدي. توفي سنة 120هـ تقريبا. ينظر: "طبقات ابن سعد" 5/ 302، "التاريخ الكبير" 2/ 144، "الجرح والتعديل" 3/ 441، "سير أعلام النبلاء" 5/ 37 - 38، و"تقريب التهذيب" ص 120. (¬2) هو: سفيان بن سعيد بن مسروق بن حبيب الثوري الكوفي الفقيه، الإمام الحافظ المجتهد سيد أهل زمانه علمًا وعملاً، ولد سنة 97هـ روى له الجماعة توفي سنة 161هـ بالبصرة. ينظر: "طبقات ابن سعد" 6/ 371، و"حلية الأولياء" 6/ 356. (¬3) "التاريخ الكبير" 1/ 101 و"الضعفاء الصغير" ص 101 تحقيق محمود زايد ط 1 دار الوعي كلاهما للبخاري. (¬4) هو يحي بن سعيد بن فروخ التميمي مولاهم البصري القطان أبو سعيد، الإمام الحافظ المحدث، الثقة المتقن، أمير المؤمنين في الحديث، أخرج حديثه الجماعة، روى عنه أحمد وعلي بن المديني ويحيى بن معين وغيرهم من الأئمة وكان من سادات أهل البصرة وقرائهم، ولد سنة 120 وتوفي سنة 198. ينظر في ترجمته: "طبقات ابن سعد" 7/ 293 و"سير أعلام النبلاء" 9/ 175.

3 - تفسير تنوير المقباس

مهدي (¬1). وقال أبو حاتم: الناس مجمعون على ترك حديثه، وهو ذاهب الحديث لا يشتغل به. قال ابن حجر: ومن روايات الضعفاء عن ابن عباس: التفسير المنسوب لأبي النضر محمد بن السائب الكلبي، فإنه يرويه عن أبي صالح، وهو مولى أم هانئ، عن ابن عباس. والكلبي اتهموه بالكذب، وقد مرض فقال لأصحابه في مرضه: كل شيء حدثتكم عن أبي صالح كذب (¬2). وقال السيوطي: وأوهى طرقه -يعني تفسير ابن عباس- طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، فإن انضم إلى ذلك رواية محمد بن مروان السدي الصغير (¬3)، فهي سلسلة الكذب، وكثيراً ما يخرج منها الثعلبي والواحدي (¬4). 3 - تفسير تنوير المقباس: وقد نسب هذا التفسير إلى ابن عباس وقد طبع في مصر مرارًا باسم ¬

_ (¬1) عبد الرحمن بن مهدي بن حسان بن عبد الرحمن أبو سعيد العنبري الإمام المحدث الكبير ولد سنة 135 وخرج الجماعة حديثه توفي سنة 198 بالبصرة. ينظر: "طبقات ابن سعد" 7/ 297، و"حلية الأولياء" 9/ 3. (¬2) "العجاب في بيان الأسباب" 1/ 209. (¬3) محمد بن مروان السدي الكوفي، وهو السدي الصغير أحد المتروكين، قال الذهبي: تركوه واتهمه بعضهم بالكذب، وهو صاحب الكلبي. قال البخاري: سكتوا عنه وهو مولى الخطابيين ولا يكتب حديثه البتة، وقال ابن معين: ليس بثقة، وقال أحمد: أدركته وقد كبر فتركته. ينظر: "ميزان الاعتدال" 4/ 32، و"سير أعلام النبلاء" 5/ 265. (¬4) "الإتقان" 2/ 189.

"تنوير المقباس في تفسير ابن عباس". جمعه أبو طاهر محمد بن يعقوب الفيروزابادي الشافعي (¬1)، صاحب "القاموس المحيط"، وقال الدكتور محمد حسين الذهبي في كتابه الماتع "التفسير والمفسرون": وقد اطلعت على هذا التفسير، فوجدت جامعه يسوق عند الكلام عن البسملة الرواية عن ابن عباس بهذا السند أخبرنا عبد الله الثقة بن المأمون الهروي، قال: أخبرنا أبي، قال: أخبرنا أبو عبد الله محمود بن محمد الرازي، قال: أخبرنا عمار بن عبد المجيد الهروي، قال: أخبرنا علي بن إسحاق السمرقندي، عن محمد بن مروان، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس. وعند تفسير أول البقرة، وجدته يسوق الكلام بإسناده إلى عبد الله بن المبارك، قال: حدثنا علي بن إسحاق السمرقندي عن محمد بن مروان، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس. وفي مبدأ كل سورة يقول: وبإسناده عن ابن عباس. .. وهكذا يظهر لنا جليًا، أن جميع ما روي عن ابن عباس في هذا الكتاب يدور على محمد بن مروان السدي الصغير، عن محمد بن السائب ¬

_ (¬1) هو محمد بن يعقوب بن محمد بن إبراهيم، الفيروزآبادي الشافعي، أبو طاهر، ولد شي كازورن من أعمال شيراز سنة 729 هـ، ونشأ بها، وانتقل إلى شيراز وأخذ الأدب واللغة عن والده وغيره من علماء شيراز، ورحل إلى العراق ومصر والشام واليمن وغيرها من البلاد وأخذ عن علمائها، وتولى قضاء اليمن كله، وجاور مكة والمدينة وتوفي سنة 817 هـ. من تصانيفه: "القاموس المحيط"، "بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز"، "فتح الباري بالسيل الفسيح الجاري في شرح صحيح البخاري" وغيرها من التصانيف. ينظر: "الضوء اللامع" للسخاوي 10/ 76 - 79، "بغية الوعاة" ص 117 - 118، "شذرات الذهب" لابن عماد 10/ 126 - 131.

4 - رواية الضحاك

الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، وقد عرفنا مبلغ رواية السدي الصغير عن الكلبي فيما تقدم. وحسبنا في التعقيب على هذا ما روي من طريق ابن عبد الحكم قال: سمعت الشافعي يقول: لم يثبت عن ابن عباس في التفسير إلا شبيه بمائة حديث (¬1). وهذا الخبر إن صح عن الشافعي يدلنا على مقدار ما كان عليه الوضّاعون من الجرأة على اختلاق هذه الكثرة من التفاسير المنسوبة إلى ابن عباس، وليس أدل على ذلك، من أنك تلمس التناقض ظاهرًا بين أقوال في التفسير نسبت إلى ابن عباس ورويت عنه. إن هذا التفسير المنسوب إلى ابن عباس لم يفقد شيئًا من قيمته العلمية في الغالب، وإنما الشيء الذي لا قيمة له فيه، هو نسبته إلى ابن عباس (¬2). 4 - رواية الضحاك: أمَّا طريق الضحاك بن مزاحم الهلالي (¬3) عن ابن عباس فهي غير ¬

_ (¬1) "الإتقان" 2/ 189. (¬2) "التفسير والمفسرون" 1/ 82. (¬3) الضحاك بن مزاحم الهلالي البلخي، أبو القاسم أو أبو محمد الخُراساني، قال سفيان الثوري: خذوا التفسير عن أربعة سعيد بن جبير، الضحاك بن مزاحم، مجاهد بن جبر، وعكرمة. قال ابن حبان: من زعم أنه رأى ابن عباس فقد وهم. وقال ابن عدي: عُرِف بالتفسير، وأما روايته عن ابن عباس وأبي هريرة وجميع من روى عنهم ففي ذلك كله نظر وإنما اشتهر بالتفسير. وثقه أحمد، وابن معين وأبو زرعة، وضعفه يحيى بن سعيد، اختلف في سنة وفاته فقيل 105 هـ أو 106 هـ. ينظر: "التاريخ الكبير" 4/ 332، "الثقات" لابن حبان 6/ 480، "الكامل في الضعفاء" 4/ 95، "التقريب" 1/ 280.

مرضية؛ لأنه وإن وثقه نفر فطريقه إلى ابن عباس منقطعة؛ لأنه روى عنه ولم يلقه، فإن انضم إلى ذلك رواية بشر بن عمارة (¬1)، عن أبي روق (¬2)، عن الضحاك، فضعيفة لضعف بشر، وقد أخرج من هذه النسخة كثيرًا ابن جرير وابن أبي حاتم. وإن كان من رواية جويبر (¬3) عن الضحاك فأشد ضعفًا؛ لأن جويبر شديد الضعف متروك. ولم يخرج ابن جرير ولا ابن أبي حاتم من هذه الطريق شيئًا، إنما خرجها ابن مردويه (¬4)، وأبو الشيخ أبو محمد عبد الله ¬

_ (¬1) هو: بشر بن عمارة الخثعمي الكوفي، روى عن: الأحوص بن حكيم، وإدريس بن سنان ابن بنت وهب بن منبه، وأبي روق عطية بن الحارث الهمداني، وروى عنه: أحمد بن موسى، وجبارة بن مغلس الحماني، والحسن بن عبد الرحمن، وزكريا بن عدي، وغيرهم. قال أبو حاتم: ليس بالقوي في الحديث، قال عنه البخاري: تعرف وتنكر، وذكره النسائي في "الضعفاء" قال ابن حبان: يخطئ حتى يخرج عن حد الاحتجاج. ينظر: "التاريخ الكبير" 2/ 80 و"الضعفاء" للنسائي ص 6، "المجروحين" لابن حبان 1/ 188. (¬2) أبو روق عطية بن الحارث الهمذاني، صاحب التفسير، صدوق من الطبقة الخامسة. ينظر: "الجرح والتعديل" 6/ 382 رقم (2122)، "التقريب" 2/ 24 رقم (215). (¬3) جويبر بن سعيد الأزدي، يقال له جابر، وجويبر لقب، أبو القاسم البلخي، صاحب الضحاك، راوي التفسير، ضعيف جداً، ضعفه علي ويحيى بن سعيد. وقال أحمد: لا يشتغل بحديثه. وقال ابن معين: ليس بشيء. وقال النسائي وعلي بن الجنيد والدارقنطني: متروك. ينظر: "التهذيب" 1/ 31 رقم (83)، و"الكاشف" 1/ 5 رقم (801). (¬4) أبو بكر أحمد بن موسى بن مردويه بن فُورك الأصبهاني صاحب التفسير الكبير، محدث أصبهان ولد سنة 323 هـ من مصنفاته: "التاريخ"، و"المستخرج على صحيح البخاري" توفي سنة 410 هـ ينظر: "تاريخ أصبهان" 1/ 168، و"سير أعلام النبلاء" 17/ 208.

5 - رواية العوفي

ابن حيان (¬1)، كما أفاده السيوطي (¬2). 5 - رواية العوفي (¬3): فضعيفة، فقد كان يخطئ كثيراً، وكان شيعياً مدلساً، قال الإمام أحمد: بلغني أن عطية كان يأتي الكلبي فيأخذ عنه التفسير، وكان يكنيه بأبي سعيد، فيقول: قال أبو سعيد، قال الذهبي: يعني يوهم أنه الخدري، وهذه الطريقة أخرج منها ابن جرير، وابن أبي حاتم كثيرًا. 6 - رواية السدي الكبير: يروي إسماعيل بن عبد الرحمن السدى الكبير (¬4)، تارة عن أبي ¬

_ (¬1) هو أبو محمد عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان المعروف بأبي الشيخ، الإمام الحافظ محدث أصبهان، صاحب التصانيف ولد سنة 274 هـ، من مؤلفاته: "كتاب السنة "، و"العظمة"، وكتاب "السنن"، توفي سنة 369 هـ. ينظر: "تذكرة الحفاظ" 3/ 945، و"سير أعلام النبلاء" 16/ 276. (¬2) "الإتقان" 2/ 189. (¬3) عطية بن سعد بن جنادة الجدلي العوفي الكوفي، أبو الحسن، كان من غلاة الشيعة. قال أحمد: ضعيف. وقال أبو زرعة: لين. وقال أبو حاتم: ضعيف وأبو نضرة أحب إلي منه توفي سنة 111هـ. ينظر: "الميزان" 3/ 79 و"تهذيب التهذيب" 2/ 294، 7/ 224، و"تاريخ بغداد" 5/ 332 و"الجرح والتعديل" 3/ 48 رقم (215)، و"لسان الميزان" 5/ 174، "تقريب التهذيب" 1/ 678. (¬4) هو: إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة المعروف بالسدي الكبير، أبو محمد الكوفي، صاحب التفسير والمغازي، كان إماما عارفا بالوقائع وأيام الناس، وتفسيره أثني عليه، قال ابن معين: ضعيف، ولينه أبو زرعة، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه. قال عنه ابن حجر: صدوق يهم، رمي بالتشيع، توفي سنة 127هـ. ينظر: "الجرح والتعديل" 2/ 184، و"تقريب التهذيب" ص 108، و"طبقات ابن سعد" 6/ 323.

7 - رواية الوالبي

مالك (¬1)، وتارة عن أبي صالح عن ابن عباس. وإسماعيل السدي مختلف فيه، وحديثه عند مسلم وأهل السنن الأربعة، وهو تابعي شيعي. وقال السيوطي: روى عن السدي الأئمة مثل الثوري وشعبة، لكن التفسير الذي جمعه رواه أسباط بن نصر (¬2)، وأسباط لم يتفقوا عليه، غير أن أمثل التفاسير تفسير السدي (¬3). وابن جرير يورد في تفسيره كثيرًا من تفسير السدي عن أبي مالك عن أبي صالح عن ابن عباس، ولم يخرج منه ابن أبي حاتم شيئًا؛ لأنه التزم أن يخرج أصح ما ورد (¬4). 7 - رواية الوالبي (¬5): وهي من أحسن الطرق عن ابن عباس، وهو صدوق، ولكنه لم يلق ¬

_ (¬1) غزوان الغفاري أبو مالك الكوفي مشهور بكنيته ثقة من الثالثة روى عنه أصحاب السنن ينظر: "تقريب التهذيب" ص 442. (¬2) أسباط بن نصر الهمداني، أبو يوسف، ويقال أبو نصر الكوفي، روى عن إسماعيل بن عبد الرحمن السدي، وجابر بن يزيد الجعفي، والحكم بن عبد الملك، وسماك بن حرب وغيرهم. وروى عنه: أحمد بن المفضل الحفري، وإسحاق بن منصور السلولي، والحسن بن بشر البجلي وغيرهم. قال أبو حاتم: سمعت أبا نعيم يضعف أسباط بن نصر، وقال: أحاديثه عامته سقط مقلوب الأسانيد. وقال النسائي: ليس بالقوي. روي له الجماعة إلا البخاري معلقًا. ينظر: "طبقات ابن سعد" 6/ 261، "التاريخ الكبير" 2/ 53 (1656)، "الجرح والتعديل" 2/ 332 (1261)، "الميزان" 1/ 35. (¬3) "الإتقان" 2/ 188. (¬4) "التفسير والمفسرون" 1/ 79، "تفسير ابن عباس" للدكتور الحميدي 1/ 27 - 28. (¬5) هو: علي بن أبي طلحة مولى بني العباس، واسم أبيه سالم بن مخارق الهاشمي، =

ابن عباس، وإنما أخذ تفسيره من مجاهد (¬1)، وله صحيفة في هذا التفسير أخرج منها البخاري كثيراً في صحيحه فيما يعلقه عن ابن عباس، وأكثر منها ابن جرير في تفسيره. وقال الإمام أحمد: "بمصر صحيفة في التفسير رواها علي بن أبي طلحة، لو رحل فيها رجل إل مصر قاصداً ما كان كثيراً" (¬2). وقد طعن بعض العلماء في تفسير علي بن أبي طلحة بأنه منقطع، حيث لم يسمع من ابن عباس، وقال الحافظ ابن حجر -راداً على ذلك-: "بعد أن عُرِفت الواسطة وهو ثقة، فلا ضير في ذلك" (¬3). وكثيرًا ما اعتمد على هذه الطريقة ابن جرير الطبري، وابن أبي حاتم، وابن المنذر بوسائط بينهم وبين أبي صالح. ومسلم وأصحاب السنن يحتجون بعلي بن أبي طلحة. ¬

_ = أبو الحسن ويقال أبو محمد، وأصله من الجزيرة، وانتقل إلى حمص، وهو صدوق كثير الإرسال. مات سنة 143هـ. ينظر: "التاريخ الكبير" 6/ 281، "تهذيب الكمال" 20/ 490، "الكاشف" 2/ 41، "تهذيب التهذيب" 7/ 339. (¬1) هو: أبو الحجاج، مجاهد بن جبر المكي، تابعي جليل، مقرئ مفسر، حافظ ثقة، سمع من عدد من الصحابة، ولازم ابن عباس وقرأ عليه القرآن، وتلقى عنه التفسير، وكان أحد أوعية العلم، توفي سنة 103هـ. ينظر: "طبقات ابن سعد" 5/ 466، و"التاريخ الكبير" 7/ 411، "الحلية" لأبي نعيم 3/ 279، و"معرفة القراء الكبار" للذهبي 1/ 66، "تهذيب التهذيب" 7/ 339. (¬2) "الإتقان" 2/ 188 وينظر: تفسير ابن عباس ومروياته في التفسير من كتب السنة، للدكتور عبد العزيز الحميدي 1/ 25. (¬3) المصدر السابق.

8 - طريق قيس بن مسلم الكوفي،

8 - طريق قيس بن مسلم الكوفي (¬1)، عن عطاء بن السائب عن سعيد ابن جبير، عن ابن عباس. وهذه الطريق صحيحة على شرط الشيخين، وكثيرًا ما يخرج منها الفريابي والحاكم في "مستدركه". 9 - طريق بن إسحاق (¬2) صاحب السير، عن محمد بن أبي محمد مولى آل زيد ابن ثابت، عن عكرمة أو سعيد بن جبير عن ابن عباس، وهي طريق جيدة وإسنادها حسن، وقد أخرج منها ابن جرير وابن أبي حاتم كثيرًا، وأخرج الطبراني منها في "معجمه الكبير". 10 - طريق عبد الملك بن جريج (¬3)، عن ابن عباس، وهي تحتاج الى ¬

_ (¬1) لعله قيس بن مسلم الجدلي الكوفي، أبو عمرو، الإمام المحدث الثقة، وثقه أحمد وقال مرة: متقن للحديث لا تبالي إذا أخذت عنه حديثه. قال أبو داود: كان مرجئًا. وقال ابن عيينة: كانوا يقولون: ما رفع قيس رأسه إلى السماء منذ كذا وكذا تعظيمًا لله توفي سنة 120 هـ. ينظر: "طبقات ابن سعد" 6/ 317، "طبقات خليفة" ص 160 "التاريخ الكبير" 5/ 154، "تهذيب الكمال" 24/ 81. (¬2) محمد بن إسحاق بن يسار، العلامة الحافظ الأخباري، وقيل أبو عبد الله القرشي المطلبي مولاهم المدني صاحب السيرة النبوية، ولد سنة 80 هـ، وثقه يحيى ابن معين. وقال أحمد: حسن الحديث. وقال الذهبي: وقد أمسك عن الاحتجاج بروايات ابن إسحاق غير واحد من العلماء لأشياء، منها: تشيعه، ونسب إلى القدر، ويدلس في حديثه، فأما الصدق فليس بمدفوع عنه. ينظر: "طبقات ابن سعد" 7/ 321، "الكامل" لابن عدي 3/ 25، "سير أعلام النبلاء" 7/ 33. (¬3) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، الأمام العلامة، الحافظ شيخ الحرم، أبو الوليد القرشي الأموي، المكي صاحب التصانيف أول من دون العلم بمكة. توفي رحمه الله سنة 150هـ. =

دقة في البحث، ليعرف الصحيح منها والسقيم، فإن ابن جريج لم يقصد الصحة فيما جمع، وإنما روى ما ذكر في كل آية من الصحيح والسقيم، فلم يتميز في روايته الصحيح من غيره، وقد روى عن ابن جريج هذا جماعة كثيرة، منهم بكر بن سهل الدمياطي، عن عبد الغني بن سعيد، عن موسى بن محمد، عن ابن جريج عن ابن عباس، ورواية بكر بن سهل أطول الروايات عن ابن جريج وفيها نظر. ومنهم محمد بن ثور، عن ابن جريج، عن ابن عباس، روى ثلاثة أجزاء كبار ومنهم الحجاج بن محمد عن ابن جريج، روى جزءًا وهو صحيح متفق عليه. ولأجل هذا الاختلاف بين الطرق المأثورة عن ابن عباس فقد افترق المفسرون تجاه تفسيره إلى ثلاث فرق (¬1): الأولى: أخذت بكل ما روي عنه، فوقعوا في كثير من المرويات الضعيفة والموضوعة، وعلى رأس القائمة في هذا الاتجاه: الثعلبي والمؤلف، وتبعهم على ذلك من اعتمد على تفاسيرهم وأكثر النقل عنهم. والثانية: اقتصروا على رواية الصحيح دون غيره، لكنهم لم يرووا عنه إلا القليل، ومن أبرز هؤلاء: الشيخان: البخاري ومسلم في صحيحهما. والثالثة: تجنبوا الأحاديث الموضوعة؛ لشهرة رواتها من الكذابين، ولكنهم خلطوا بين الروايات الصحيحة والضعيفة، وهؤلاء هم أكثر المفسرين الذين اهتموا بنقل تفسير الصحابة والتابعين، كالإمام ابن جرير ¬

_ = ينظر: "طبقات ابن سعد" 5/ 491، "تاريخ الإسلام" 6/ 96، "سير أعلام النبلاء" 6/ 325. (¬1) ينظر هذا التفصيل في كتاب تفسير ابن عباس للدكتور الحميدي 1/ 27 - 28.

وابن أبي حاتم (¬1)، وكذلك الذين رووا بعض تفسير ابن عباس من علماء السنة: كعبد الرزاق الصنعاني (¬2)، والإمام أحمد، والترمذي، والحاكم، والبيهقي (¬3). ¬

_ (¬1) عبد الرحمن بن محمد بن إدريس بن المنذر الحنظلي الرازي، أبو محمد، اشتهر بابن أبي حاتم، الأمام المحدث الأصولي الفقيه، المفسر الناقد، ولد سنة 240 هـ، تلقى العلم عن أبيه وغيره من علماء الري ثم انتقل إلى مكة المكرمة وسمع من مشايخها ثم رحل السواحل والشام ومصر وأصبهان، ثم رجع إلى الري يدرس ويصنف ويؤلف إلى أن وافته المنية سنة (327) عن عمر 87 عامًا. من تصانيفه: "تفسير القرآن الكريم"، "الجرح والتعديل"، "الرد على الجهمية"، "مناقب الشافعي"، "المسند"، "كتاب الضعفاء". ينظر: "الأنساب" للسمعاني 4/ 287، "سير أعلام النبلاء" 13/ 246، "تذكرة الحفاظ" 3/ 839. (¬2) عبد الرزاق بن همام بن نافع، أبو بكر الحميري، مولاهم الحميري، أحد الحفاظ الثقات المشهورين المتفق على تخريج حديثه، ولد سنة 126هـ روى له الجماعة، قدم الشام تاجرًا، وسمع الأوزاعي وسعيد بن جبير ومحمد بن راشد المكحولي وإسماعيل بن عياش، وغيرهم، توفي سنة 211 هـ عن خمس وثمانين عامًا، وكان فيه تشيع. من أهم تصانيفه: "المصنف" "تفسير عبد الرزاق". ينظر ترجمته: "التاريخ الكبير" 6/ 230، "التاريخ الصغير" 2/ 320، "الثقات" لابن حبان 8/ 412، "تهذيب الكمال" 18/ 52، "طبقات المدلسين" 1/ 34. (¬3) الفقيه الأصولي، الحافظ الورع واحد زمانه في الحفظ والإتقان: أبو بكر أحمد بن الحسن بن علي بن يونس، صاحب التصانيف الكثيرة المشهورة، ولد سنة 384هـ في شعبان، وتلقى العلم عن علماء خُراسان ونيسابور، وانتقل إلى بغداد والكوفة، والحجاز وغيرها من البلاد، توفي رحمه الله في عاشر جمادى الأولى من سنة (458 هـ) في نيسابور ونقل في تابوت إلى بيهق ودفن بها. ومن تصانيفه: "السنن الكبرى"، و"معرفة السنن والآثار"، و"شعب الأيمان". ينظر: "الأنساب" للسمعاني 2/ 381، "الكامل" لابن الأثير 8/ 104، "طبقات الشافعية" 4/ 9، "تذكرة الحفاظ" 3/ 1132.

11 - ثانيا: تفسير مقاتل بن سليمان (ت 150) هـ

قال الدكتور الحميدي: وقد نقل كثير من المفسرين المتأخرين هذِه الروايات من غير تمييز بينها، وأحياناً ينقلونها بغير إسناد، إلا أن بعضهم يبين ضعف الروايات أحياناً، إذا كان الموضوع مهماً، كآيات العقائد والأحكام، كالحافظ ابن كثير (¬1) (¬2). 11 - ثانيًا: تفسير مقاتل بن سليمان (ت 150) هـ: اعتمد المؤلف طريق مقاتل بن سليمان الأزدي الخراساني (¬3)، وهو المفسر الذي ينسب إلى الشافعي أنه قال فيه: "إن الناس عيال عليه في ¬

_ (¬1) هو عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي الشافعي، الإمام المحدث المفسر المؤرخ، صاحب التفسير المشهور، أخذ العلم عن ابن تيمية والمزي وهو من أقران الذهبي وابن القيم،. توفي رحمه الله سنة 774 هـ. من مصنفاته: "البداية والنهاية"، "تفسير القرآن العظيم"، "الباعث الحثيث"، وغيرها من العلوم النافعة أسكنه الله فسيح جناته. ينظر: "تذكرة الحفاظ" 4/ 1508، "الدرر الكامنة" 1/ 399. (¬2) "تفسير ابن عباس في الكتب الستة" للدكتور الحميدي 1/ 28. (¬3) أبو الحسن، كبير المفسرين مقاتل بن سليمان بن بشير الأزدي الخُراساني، البلخي، مفسر، متكلم، مشارك في القراءات واللغة. قال ابن عيينة: قلت لمقاتل: زعموا أنك لم تسمع من الضحاك. قال كان يغلق عليّ وعليه باب. فقلت في نفسي: أجل باب المدينة. وقال وكيع: كان كذابًا. قال البخاري: مقاتل لا شيء البتة. وقال الذهبي: أجمعوا على تركه. مات سنة 150هـ. من مصنفاته: "التفسير الكبير"، "الرد على القدرية"، "الوجوه والنظائر في القراءات"، "الأقسام واللغات"، و"الآيات المتشابهات". ينظر: "طبقات بن سعد" 7/ 373، "التاريخ الصغير" 2/ 227، "الجرح والتعديل" 8/ 254 - 355، "تهذيب الكمال" 28/ 434 - 451، "سير أعلام النبلاء" 7/ 201 - 202، "معجم المؤلفين" 3/ 905 - 906.

التفسير" (¬1) ومع ذلك فقد ضعفوه، وقالوا: إنه يروي عن مجاهد وعن الضحاك ولم يسمع منهما. وقد كذبه غير واحد، ولم يوثقه أحد، واشتهر عنه التجسيم والتشبيه (¬2)، وتكلم عنه السيوطي فقال: "إن الكلبي يفضل عليه، لما في مقاتل من المذاهب الرديئة" (¬3). وقد سئل وكيع عن تفسير مقاتل؟ فقال: "لا تنظروا فيه"، فقال السائل: ما أصنع به؟ قال: ادفنه -يعني التفسير (¬4) -، وقال أحمد بن حنبل: لا يعجبني أن أروي عن مقاتل بن سليمان شيئًا (¬5). وبالجملة فإن من استحسن تفسير مقاتل كان يضعفه ويقول "ما أحسن تفسيره لو كان ثقة" (¬6). ولاعتماد المؤلف هذا الطريق تردد اسم مقاتل كثيرًا في البسيط مما يدل على أنه من مصادره الرئيسة التي أفاد منها، وأغلب نقولاته عنه كانت مع العزو؛ تارة بنصه وتارة بالمعنى والتصرف في العبارة، ويبدو أن الواحدي نقل عن مقاتل بواسطة شيخه الثعلبي؛ تبيَّن ذلك بأمرين: 1 - اختلاف عبارة الواحدي المنسوبة لمقاتل عن تفسير مقاتل وتطابقها مع عبارة الثعلبي. 2 - عدم وجود القول أحيانًا في تفسير مقاتل ووروده بنصه في تفسير ¬

_ (¬1) "وفيات الأعيان" 2/ 767. (¬2) "إيثار الحق" ص 159. (¬3) "الإتقان" 3/ 189. (¬4) "تهذيب الأسماء واللغات" 2/ 111. (¬5) المصدر السابق. (¬6) "التفسير معالم حياته - منهجه اليوم" ص 9.

الثعلبي منسوبًا لمقاتل. وقد يصعب ضرب الأمثلة؛ لكثرة استشهاده بآراء مقاتل. وهناك مشكلة يجدر الإشارة إليها، وهي الالتباس بين مقاتل بن سليمان ومقاتل بن حيان في التفسير، وذلك عند إطلاق الواحدي اسم مقاتل دون تحديد من هو؟ ومع أنه من خلال الاستقراء ظهر أنه يقصد عند الإطلاق مقاتل بن سليمان، إلا أنه يقصد به أحيانًا ابن حيان، وما أدري لعل بعض النصوص التي ذكرت أنها وردت في تفسير مقاتل بمعناه أن تكون قد وردت في تفسير مقاتل بن حيان بنصه، ولم أستطع التحقق من ذلك؛ لأن تفسيره مفقود -حسب علمي- وكذلك ما يرد في تفسير الثعلبي ولا يكون في تفسير مقاتل بن سليمان فلعله يكون من تفسير مقاتل بن حيان وأبهمه الثعلبي، خاصة وأن تفسيره من مصادر الثعلبي -كما ذكر في مقدمته- ومن أمثلة ذلك: عند قوله تعالى: {وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [إبراهيم: 36] أطلق اسم مقاتل وهو ابن حيان، فقال: وقال مقاتل: ومن عصاني فيما دون الشرك فإنك غفور رحيم. فمقاتل هنا هو ابن حيان، حيث وردت هذه العبارة بنصها منسوبة إليه في: "تفسير الثعلبي" (7/ 156ب)، و"البغوي" 3/ 37، و"ابن الجوزي" 5/ 365 أما في تفسير مقاتل بن سليمان (1/ 194 أ) فعبارته، قال: ومن عصاني فكفر فإنك غفور رحيم. ومثله عند قوله تعالى ميه {وءاتَينَهُ فِى الدُّنيَا حَسَنَةً} [النحل: 122] قال: وقال مقاتل: يعني الصلوات عليه مقرونًا بالصلاة على محمد - صلى الله عليه وسلم -؛ وهو قول المتشهد: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم، فهلذا الخبر نسب إلى مقاتل بن حيان في تفسير البغوي وابن

ثانيا: تفسير الطبري

الجوزي، ولم أجده في تفسير مقاتل بن سليمان. وعند قوله تعالى: {وَرَزَقْنَهُم مِّنَ الطَّيِّباتِ} [الإسراء: 70] قال: وقال مقاتل: السمن والزُّبد والحلاوي، وجعل رزق غيرهم ما لا يخفى عليكم، وهذا القول بنصه في تفسير الثعلبي (7/ 144 أ) ولم يرد في تفسير مقاتل بن سليمان، فلعله من تفسير مقاتل بن حبان. ثانيًا: تفسير الطبري (¬1) أو جامع البيان عن تأويل آي القرآن، لأبى جعفر محمد بن جرير الطبري (224) (¬2). التعريف بهذا التفسير وطريقة مؤلفه فيه: يعد تفسير ابن جرير من أقوم التفاسير وأشهرها، كما يعتبر المرجع ¬

_ (¬1) طبع هذا التفسير طبعات عدة، أشهرها طبعة البابي الحلبي بمصر، وأفضلها التي حققها العلامة أحمد شاكر وأخوه محمود لكنها لم تكتمل. (¬2) هو الإمام العلم الفرد القدوة الحافظ صاحب التصانيف المشهورة، أبو جعفر، محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب من أهل آمل طبرستان أكثر التطواف وسمع كبار المشايخ، ولد سنة 224 هـ وكان من أفراد الدهر علمًا وذكاءً، وقل أن ترى العيون مثله. قال الخطيب: كان ابن جرير أحد أئمة العلماء يحكم بقوله ويرجع إلى رأيه لمعرفته وفضله، وكان قد جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره، فكان حافظًا لكتاب الله عارفًا بالقراءات بصيرًا بالمعاني فقيهًا بالأحكام عالمًا بالسنن وطرقها وصحيحها وسقيمها، ناسخها ومنسوخها عارفًا بأقاويل الصحابة والتابعين الحلال والحرام، عارفًا بأيام الناس وأخبارهم وله تصانيف حسان كثيرة وتفرد بمسائل حفظت عنه. توفي رحمه الله سنة 310 هـ. ومن تصانيفه: "تاريخ الأمم والملوك"، و"جامع البيان عن تأويل آي القرآن"، و"تهذيب الآثار"، و"اختلاف الفقهاء". ينظر: "تاريخ بغداد" 2/ 162، "تاريخ دمشق" 52/ 188، "معجم الأدباء" 18/ 90، "وفيات الأعيان" 4/ 191، "تذكرة الحفاظ" 2/ 710.

الأول عند المفسرين الذين عنوا بالتفسير النقلي، وإن كان في الوقت نفسه يعتبر مرجعًا غير قليل الأهمية من مراجع التفسير العقلي؛ نظرًا لما فيه من الاستنباط، وتوجيه الأقوال، وترجيح بعضها على بعض ترجيحًا يعتمد على النظر العقلي، والبحث الحر الدقيق. ويقع تفسير ابن جرير في ثلاثين جزءًا من الحجم الكبير، وقد كان هذا الكتاب من عهد قريب يعد مفقودًا لا وجود له، ثم قدر الله له الظهور والتداول، فكانت مفاجأة سارة للأوساط العلمية في الشرق والغرب أن وجدت في حيازة أمير (حائل) الأمير حمود ابن الأمير عبد الرشيد من أمراء نجد نسخة مخطوطة كاملة من هذا الكتاب، طبع عليها الكتاب من زمن قريب، فأصبحت في يدنا دائرة معارف غنية في التفسير المأثور (¬1). ولو أننا تتبعنا ما قاله العلماء في "تفسير ابن جرير"، لوجدنا أن الباحثين في الشرق والغرب قد أجمعوا الحكم على عظيم قيمته، واتفقوا على أنه مرجع لا غني عنه لطالب التفسير، فقد قال السيوطي -رضي الله عنه-: وكتابه - يعني تفسير محمد بن جرير- أجل التفاسير وأعظمها، فإنه يتعرض لتوجيه الأقوال، وترجيح بعضها على بعض، والإعراب، والاستنباط، فهو يفوق بذلك على تفاسير الأقدمين (¬2). وقال النووي: أجمعت الأمة على أنه لم يصنف مثل تفسير الطبري (¬3) وقال أبو حامد الإسفراييني: لو سافر رجل إلى الصين حت يحصل على كتاب تفسير محمد بن جرير لم يكن ذلك كثيرًا (¬4). ¬

_ (¬1) "المذاهب الإسلامية في تفسير القرآن" ص 86. (¬2) "الإتقان" 2/ 190. (¬3) المرجع السابق. (¬4) "معجم الأدباء" 18/ 42.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأما التفاسير التي في أيدي الناس، فأصحها تفسير ابن جرير الطبري؛ فإنه يذكر مقالات السلف بالأسانيد الثابتة، وليس فيه بدعة، ولا ينقل عن المتهمين، كمقاتل بن بكير (¬1) والكلبي" (¬2). ويذكر صاحب "لسان الميزان": أن ابن خزيمة استعار تفسير ابن جرير من ابن خالويه فرده بعد سنين ثم قال: "نظرت فيه من أوله إلى آخره فما أعلم على أديم الأرض أعلم من ابن جرير" فابن خزيمة ما شهد هذه الشهادة إلا بعد أن اطلع على ما في هذا التفسير من علم واسع غزير. هذا وقد كتب (نولدكه) في سنة 1860م بعد اطلاعه على بعض فقرات من هذا الكتاب: "لو كان بيدنا هذا الكتاب لاستغنينا به عن كل التفاسير المتأخرة، ومع الأسف فقد كان يظهر أنه مفقود تمامًا، وكان مثل "تاريخه الكبير" مرجعًا لا يغيض معينه أخذ عنه المتأخرون معارفهم" (¬3). ويظهر مما بأيدينا من المراجع، أن هذا التفسير كان أوسع مما هو عليه اليوم، ثم اختصره مؤلفه إلى هذا القدر الذي هو عليه الآن، كما أن كتابه في التاريخ ظفر بمثل هذا البسط والاختصار، فابن السبكي يذكر في "طبقاته الكبرى" (¬4) "أن أبا جعفر قال لأصحابه: أتنشطون لتفسير القرآن؟ قالوا: كم يكون قدره؟ فقال: ثلاثون ألف ورقة، فقالوا: هذا ربما تفنى ¬

_ (¬1) هكذا بالأصل؛ ولعله ابن سليمان، وهو مقاتل بن سليمان بن بشير، وهو متهم بالكذب. (¬2) "فتاوى ابن تيمية" 2/ 192. (¬3) "المذاهب الإسلامية في تفسير القرآن" ص 85. (¬4) 2/ 137.

طريقة ابن جرير في "تفسيره"

الأعمار قبل تمامه، فاختصره في نحو ثلاثة آلاف ورقة، ثم قال: هل تنشطون لتاريخ العالم من آدم إلى وقتنا هذا؟ قالوا: كم قدره؟ فذكر نحوًا مما ذكره في التفسير، فأجابوه بمثل ذلك، فقال إنا لله، ماتت الهمم، فاختصره في نحو ما اختصر التفسير" اهـ. هذا ونستطيع أن نقول إن تفسير ابن جرير هو التفسير الذي له الأولية بين كتب التفسير، أولية زمنية، وأولية من ناحية الفن والصناعة. أما أوليته الزمنية، فلأنه أقدم كتاب في التفسير وصل إلينا، وما سبقه من المحاولات التفسيرية ذهبت بمرور الزمن، ولم يصل إلينا شيء منها، اللهم إلا ما وصل إلينا منها في ثنايا ذلك الكتاب الخالد الذي نحن بصدده. وأما أوليته من ناحية الفن والصناعة؛ فذلك أمر يرجع إلى ما يمتاز به الكتاب من الطريقة البديعة التي سلكها فيه مؤلفه، حتى أخرجه للناس كتابًا له قيمته ومكانته. ونريد أن نعرض هنا لطريقة ابن جرير في "تفسيره" بعد أن أخذنا فكرة عامة عن الكتاب، حتى يتبين للقارئ أن الكتاب واحد في بابه، سبق به مؤلفه غيره من المفسرين، فكان عمدة المتأخرين، ومرجعًا مهمًّا من مراجع المفسرين، على اختلاف مذاهبهم، وتعدد طرائقهم، فنقول: طريقة ابن جرير في "تفسيره": تتجلى طريقة ابن جرير في "تفسيره" بكل وضوح إذا نحن قرأنا فيه وقطعنا في القراءة شوطًا بعيدًا، فأول ما نشاهده، أنه إذا أراد أن يفسر الآية من القرآن يقول: "القول في تأويل قوله تعالى كذا وكذا" ثم يفسر الآية ويستشهد على ما قاله بما يرويه بسنده إلى الصحابة أو التابعين من التفسير المأثور عنهم في هذه الآية، وإذا كان في الآية قولان أو أكثر، فإنه يعرض

إنكاره على من يفسر بمجرد الرأي

لكل ما قيل فيها، ويستشهد على كل قول بما يرويه في ذلك عن الصحابة أو التابعين. ثم هو لا يقتصر على مجرد الرواية، بل نجده يتعرض لتوجيه الأقوال، ويرجح بعضها على بعض، كما نجده يتعرض لناحية الإعراب إن دعت الحال إلى ذلك، كما أنه يستنبط الأحكام التي يمكن أن تؤخذ من الآية، مع توجيه الأدلة وترجيح ما يختار. إنكاره على من يفسر بمجرد الرأي: ثم هو يخاصم بقوة أصحاب الرأي المستقلين في التفكير، ولا يزال يشدد في ضرورة الرجوع إلى العلم الراجع إلى الصحابة أو التابعين، والمنقول عنهم نقلاً صحيحًا مستفيضًا، ويرى أن ذلك وحده هو علامة التفسير الصحيح، فمثلاً عند ما تكلم عن قوله تعالى في الآية (49) من سورة يوسف: {ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ} نجده يذكر ما ورد في تفسيرها عن السلف مع توجيهه للأقوال وتعرضه للقراءات بقدر ما يحتاج إليه تفسير الآية، ثم يعرج بعد ذلك على من يفسر القرآن برأيه، وبدون اعتماد منه على شيء إلا على مجرد اللغة، فيفند قوله، ويبطل رأيه، فيقول ما نصه " ... وكان بعض من لا علم له بأقوال السلف من أهل التأويل، ممن يفسر القرآن برأيه على مذهب كلام العرب، يوجه معنى قوله {وَفِيهِ يَعصِرُونَ} إلى: وفيه ينجون من الجدب والقحط بالغيث، ويزعم أنه من العصر، والعصر التي بمعنى المنجاة، من قول أبي زبيد الطائي: صاديًا يستغيث غير مغاث ... ولقد كان عصرة المنجود أي: المقهور، ومن قول لبيد: فبات وأسرى القوم آخر ليلهم ... وما كان وقافًا بغير معصر

وذلك تأويل يكفي من الشهادة على خطئه خلافه قول جميع أهل العلم من الصحابة والتابعين (¬1). وكثيرًا ما يقف ابن جرير مثل هذا الموقف حيال ما يروي عن مجاهد أو الضحاك أو غيرهما ممن يروون عن ابن عباس. فمثلاً عند قوله تعالى في الآية (65) من سورة البقرة: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ} يقول ما نصه: حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ} قال: "مسخت قلوبهم ولم يمسخوا قردة، وإنما هو مثل ضربه الله لهم، كمثل الحمار يحمل أسفارًا" اهـ، ثم يعقب ابن جرير بعد ذلك على قول مجاهد فيقول ما نصه: "وهذا القول الذي قاله مجاهد، قول لظاهر ما دل عليه كتاب الله مخالف ... " إلخ (¬2). ومثلاً عند تفسيره لقوله تعالى في الآية (229) من سورة البقرة أيضًا: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} تجده يروي عن الضحاك في معنى هذه الآية: أن من طلق لغير العدة فقد اعتدى وظلم نفسه، ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون، ثم يقول: وهذا الذي ذكر عن الضحاك لا معنى له في هذا الموضع؛ لأنه لم يجر للطلاق في العدة ذكر فيقال تلك حدود الله، وإنما جرى ذكر العدد الذي يكون للمطلق فيه الرجعة والذي لا يكون له فيه الرجعة، دون ذكر البيان عن الطلاق للعدة. اهـ (¬3). ¬

_ (¬1) "تفسير ابن جرير" 22/ 138. (¬2) "تفسير ابن جرير" 22/ 138. (¬3) "تفسير ابن جرير" 22/ 138.

موقفه من الأسانيد

وهكذا نجد ابن جرير في غير موضع من تفسيره، ينبري للرد على مثل هذِه الآراء التي لا تستند إلا على مجرد الرأي أو محض اللغة. موقفه من الأسانيد: ثم إن ابن جرير وإن التزم في تفسيره ذكر الروايات بأسانيدها، إلا أنه في الأعم الأغلب لا يتعقب الأسانيد بتصحيح ولا تضعيف؛ لأنه كان يرى كما هو مقرر في أصول الحديث أن من أسند لك فقد حملك البحث عن رجال السند ومعرفة مبلغهم من العدالة أو الجرح، فهو بعمله هذا قد خرج من العهدة ومع ذلك فابن جرير يقف من السند أحيانًا موقف الناقد البصير، فيعدل من يعدل من رجال الإسناد، ويجرح من يجرح منهم، ويرد الرواية التي لا يثق بصحتها، ويصرح برأيه فيها بما يناسبها، فمثلاً نجده عند تفسيره لقوله تعالى في الآية (94) من سورة الكهف: {قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا} [الكهف: 94] يقول ما نصه: "روى عن عكرمة في ذلك -يعني في ضم سين سدًا وفتحها- ما حدثنا به أحمد بن يوسف، قال: حدثنا القاسم، قال: حدثنا حجاج، عن هارون، عن أيوب، عن عكرمة قال: ما كان من صنعة بني آدم فهو السَّد، وما كان من صنع الله فهو السُّد. ثم يعقب على هذا السند فيقول: "وأما ما ذكر عن عكرمة في ذلك، فإن الذي نقل ذلك عن أيوب هارون، وفي نقله نظر، ولا نعرف ذلك عن أيوب من رواية ثقات أصحابه". اهـ (¬1). ¬

_ (¬1) "تفسير ابن جرير" جـ 16 ص 13.

تقديره للإجماع

تقديره للإجماع: كذلك نجد ابن جرير في تفسيره يقدر إجماع الأمة، ويعطيه سلطانًا كبيرًا في اختيار ما يذهب إليه من التفسير، فمثلاً عند قوله تعالى في الآية (230) من سورة البقرة {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} يقول ما نصه: "فإن قال قائل: فأي النكاحين عنى الله بقوله: (فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجًا غيره)؟ النكاح الذي هو جماع؟ أم النكاح الذي هو عقد تزويج؟ قيل كلاهما: "وذلك أن المرأة إذا نكحت زوجًا نكاح تزويج ثم لم يطأها في ذلك النكاح ناكحها ولم يجامعها حتى يطلقها لم تحل للأول، وكذلك إن وطئها واطئ بغير نكاح لم تحل للأول؛ لإجماع الأمة جميعًا، فإذا كان ذلك كذلك فمعلوم أن تأويل قوله: فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجًا غيره، نكاحًا صحيحًا، ثم يجامعها فيه، ثم يطلقها، فإن قال: فإن ذكر الجماع غير موجود في كتاب الله تعالى ذكره، فما الدلالة على أن معناه ما قلت؟ قيل: الدلالة على ذلك إجماع الأمة جميعًا على أن ذلك معناه" (¬1). موقفه من القراءات: كذلك نجد ابن جرير يعنى بذكر القراءات وينزلها على المعاني المختلفة، وكثيرًا ما يرد القراءات التي لا تعتمد على الأئمة الذين يعتبرون عنده وعند علماء القراءات حجة، والتي تقوم على أصول مضطربة مما يكون فيه تغيير وتبديل لكتاب الله، ثم يتبع ذلك برأيه في آخر الأمر مع ¬

_ (¬1) "تفسير ابن جرير" جـ 2، ص 290 - 291.

موقفه من الإسرائيليات

توجيه رأيه بالأسباب، فمثلاً عند قوله تعالى في الآية (81) من سورة الأنبياء {وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً} يذكر أن عامة قراء الأمصار قرؤوا (الريح) بالنصب على أنها مفعول لسخرنا المحذوف، وأن عبد الرحمن الأعرج قرأ (الريح) بالرفع على أنها مبتدأ ثم يقول: والقراءة التي لا أستجيز القراءة بغيرها في ذلك ما عليه قراء الأمصار لإجماع الحجة من القراء عليه. ولقد يرجع السبب في عناية ابن جرير بالقراءات وتوجيهها إلى أنه كان من علماء القراءات المشهورين، حتا إنهم ليقولون عنه: إنه ألف فيها مؤلفًا خاصًا في ثمانية عشر مجلدًا، ذكر فيه جميع القراءات من المشهور والشواذ وعلل ذلك وشرحه، واختار منها قراءة لم يخرج بها عن المشهور (¬1)، وإن كان هذا الكتاب قد ضاع بمرور الزمن ولم يصل إلى أيدينا، شأن الكثير من مؤلفاته. موقفه من الإسرائيليات: ثم إننا نجد ابن جرير يأتي في تفسيره بأخبار مأخوذة من القصص الإسرائيلي، يرويها بإسناده إلى كعب الأحبار، ووهب بن منبه، وابن جريج والسدي، وغيرهم، ونراه ينقل عن محمد بن إسحاق كثيرًا مما رواه عن مسلمة النصارى. ومن الأسانيد التي تسترعي النظر هذا الإسناد: حدثني ابن حميد قال: حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن أبي عتاب ... رجل من تغلب كان نصرانيًا عمرًا من دهره ثم أسلم بعد فقرأ القرآن وفقه في الدين، وكان فيما ذكر، أنه كان نصرانيًا أربعين سنة ثم عمِّر في الإسلام أربعين سنة. يذكر ابن جرير هذا الإسناد، ويروي لهذا الرجل النصراني الأصل ¬

_ (¬1) "معجم الأدباء" جـ 18، ص 45.

انصرافه عما لا فائدة فيه

خبرًا عن آخر أنبياء بن إسرائيل، عند تفسيره لقوله تعالى في الآية (7) من سورة الإسراء {إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (7)} [الإسراء: 7] (¬1). كما نراه عند تفسيره لقوله تعالى في الآية (94) من سورة الكهف {قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ} الآية يسوق هذا الإسناد: حدثنا ابن حميد قال: حدثنا سلمة قال: حدثنا محمد بن إسحاق قال: حدثني بعض من يسوق أحاديث الأعاجم من أهل الكتاب ممن قد أسلم، مما توارثوا من علم ذي القرنين أن ذا القرنين كان رجلاً من أهل مصر، اسمه مرزبا بن مردبة اليوناني من ولد يونن بن يافث بن نوح ... إلخ (¬2). وهكذا يكثر ابن جرير من رواية الإسرائيليات، ولعل هذا راجع الى ما تأثر به من الروايات التاريخية التي عالجها في بحوثه التاريخية الواسعة. وإذا كان ابن جرير يتعقب كثيرًا من هذِه الروايات بالنقد، فتفسيره لا يزال يحتاج إلى النقد الفاحص الشامل، احتياج كثير من كتب التفسير التي اشتملت على الموضوع والقصص الإسرائيلي، على أن ابن جرير -كما قدمنا- قد ذكر لنا السند بتمامه في كل رواية يرويها، وبذلك يكون قد خرج من العهدة، وعلينا نحن أن ننظر في السند ونتفقد الروايات. انصرافه عما لا فائدة فيه: ومما يلفت النظر في تفسير ابن جرير أن مؤلفه لا يهتم فيه -كما يهتم ¬

_ (¬1) "تفسير ابن جرير" 15/ 33 - 34. (¬2) "تفسير ابن جرير" 16/ 14.

غيره من المفسرين- بالأمور التي لا تعني ولا تقيد، فنراه مثلاً عند تفسيره لقوله تعالى في سورة المائدة: {إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ} الآيات [المائدة: 112، 113، 114] إلى قوله: {وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} يعرض لذكر ما ورد من الروايات في نوع الطعام الذي نزلت به مائدة السماء .. ثم يعقب على هذا بقوله "وأما الصواب من القول فيما كان على المائدة فأن يقال: كان عليها مأكول، وجائز أن يكون سمكًا وخبزًا، وجائز أن يكون ثمرًا من الجنة، وغير نافع العلم به، ولا ضار الجهل به وإذا أقرّ تالي الآية بظاهر ما احتمله التنزيل" اهـ (¬1). كما نراه عند تفسير قوله تعالى في الآية (20) من سورة يوسف {وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ}، يعرض لمحاولات قدماء المفسرين في تحديد عدد الدراهم، هل هي عشرون؟ أو اثنان وعشرون؟ أو أربعون؟ ... إلى آخر ما ذكره من الروايات ... ثم يعقب على ذلك كله بقوله: "والصواب من القول أن يقال: إن الله -تعالى ذكره- أخبر أنهم باعوه بدراهم معدودة غير موزونة، ولم يحدد مبلغ ذلك بوزن ولا عدد، ولا وضع عليه دلالة في كتاب ولا خبر من الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وقد يحتمل أن يكون كان اثنين وعشرين، وأن يكون كان أربعين، وأقل من ذلك وأكثر وأي ذلك كان فإنها كانت معدودة غير موزونة، وليس في العلم بمبلغ وزن ذلك فائدة تقع في دين، ولا في الجهل به دخول ضُرّ فيه، والإيمان بظاهر التنزيل فرض، وما عداه فموضوع عنا تكلف علمه" (¬2) اهـ. ¬

_ (¬1) "تفسير ابن جرير" 7/ 88. (¬2) "تفسير ابن جرير" 12/ 13.

احتكامه إلى المعروف من كلام العرب

احتكامه إلى المعروف من كلام العرب: وثمة أمر آخر سلكه ابن جرير في كتابه، ذلك أنه اعتبر الاستعمالات اللغوية بجانب النقول المأثورة وجعلها مرجعًا موثوقًا به عند تفسيره للعبارات المشكوك فيها، وترجيح بعض الأقوال على بعض. فمثلاً عند تفسيره لقوله تعال في الآية (40) من سورة هود {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ} [هود: 40] الآية نراه يعرض لذكر الروايات عن السلف في معنى لفظ التنور، فيروي لنا قول من قال: إن التنور عبارة عن وجه الأرض، وقول من قال: إنه عبارة عن تنوير الصبح، وقول من قال إنه عبارة عن أعلى الأرض وأشرفها، وقول من قال: إنه عبارة عما يختبز فيه ... ثم يقول بعد أن يفرغ من هذا كله "وأولى هذه الأقوال عندنا بتأويل قوله {اَلتَنُّوُر} قول من قال: التنور: الذي يختبز فيه، لأن ذلك هو المعروف من كلام العرب، وكلام الله لا يوجه إلا إلى الأغلب الأشهر من معانيه عند العرب، إلى أن تقوم حجة على شيء منه بخلاف ذلك فيسلم لها، وذلك أنه جل ثناؤه إنما خاطبهم بما خاطبهم به لإفهامهم معنى ما خاطبهم به .. " اهـ (¬1). رجوعه إلى الشعر القديم: كذلك نجد ابن جرير يرجع إلى شواهد من الشعر القديم بشكل واسع، متبعًا في هذا ما أثاره ابن عباس في ذلك، فمثلاً عند تفسيره لقوله تعالى في الآية (22) من سورة البقرة {فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا} يقول ما ¬

_ (¬1) "تفسير ابن جرير" 12/ 25.

اهتمامه بالمذاهب النحوية

نصه: قال أبو جعفر: والأنداد جمع ند، والند: العدل والمثل، كما قال حسان ابن ثابت: أتهجوه ولست له بند ... فشركما لخيركما الفداء يعني بقوله: (ولست له بند) لست له بمثل ولا عدل، وكل شيء كان نظيرًا لشيء وشبيهًا فهو له ند" (¬1) ثم يسوق الروايات عمن قال ذلك من السلف ... اهتمامه بالمذاهب النحوية: كذلك نجد ابن جرير يتعرض كثيرًا لمذاهب النحويين من البصريين والكوفيين في النحو والصرف، ويوجه الأقوال، تارة على المذهب البصري وأخرى على المذهب الكوفي، فمثلاً عند قوله تعالى في الآية (18) من سورة إبراهيم {مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ} يقول ما نصه "اختلف أهل العربية في رافع (مَّثَلُ) فقال بعض نحوي البصرة: إنما هو كأنه قال: ومما نقص عليكم مثل الذين كفروا، ثم أقبل يفسره كما قال: مثل الجنة .. وهذا كثير. وقال بعض نحوي الكوفيين: إنما المثل للأعمال، ولكن العرب تقدم الأسماء لأنها أعرف، ثم تأتي بالخبر الذي تخبر عنه مع صاحبه، ومعنى الكلام: مثل أعمال الذين كفروا بربهم كرماد ... إلخ (¬2). وهكذا يكثر ابن جرير في مناسبات متعددة من الاحتكام إلى ما هو معروف من لغة العرب، ومن الرجوع إلى الشعر القديم ليستشهد به على ما ¬

_ (¬1) "تفسير ابن جرير" 1/ 125. (¬2) المصدر السابق.

معالجته للأحكام الفقهية

يقول، ومن التعرض للمذاهب النحوية عندما تمس الحاجة، مما جعل الكتاب يحتوي على جملة كبيرة من المعالجات اللغوية والنحوية التي أكسبت الكتاب شهرة عظيمة. والحق أن ما قدمه لنا ابن جرير في تفسيره من البحوث اللغوية المتعددة والتي تعتبر كنزًا ثمينًا ومرجعًا مهمًا في بابها، أمر يرجع إلى ما كان عليه صاحبنا من المعرفة الواسعة بعلوم اللغة وأشعار العرب، معرفة لا تقل عن معرفته بالدين والتاريخ. ونرى أن ننبه هنا إلى أن هذه البحوث اللغوية التي عالجها ابن جرير في تفسيره لم تكن أمرًا مقصودًا لذاته، وإنما كانت وسيلة للتفسير، على معنى أنه يتوصل بذلك إلى ترجيح بعض الأقوال على بعض، كما يحاول بذلك -أحيانًا- أن يوفق بين ما صح عن السلف وبين المعارف اللغوية بحيث يزيل ما يتوهم من التناقض بينهما. معالجته للأحكام الفقهية: كذلك نجد في هذا التفسير آثارًا للأحكام الفقهية، يعالج فيها ابن جرير أقوال العلماء ومذاهبهم، ويخلص من ذلك كله برأي يختاره لنفسه، ويرجحه بالأدلة العلمية القيمة، فمثلاً نجده عند تفسيره لقوله تعالى في الآية (8) من سورة النحل: {وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} نجده يعرض لأقوال العلماء في حكم أكل لحوم الخيل والبغال والحمير، ويذكر قول كل قائل بسنده .. وأخيرًا يختار قول من قال: إن الآية لا تدل على حرمة شيء من ذلك، ووجه اختياره هذا فقال ما نصه: "والصواب من القول في ذلك عندنا ما قاله أهل القول الثاني -وهو أن الآية لا تدل على الحرمة- وذلك أنه لو كان في قوله تعالى ذكره: (لِتَرْكَبُوهَا) دلالة على أنها لا تصلح -إذ كانت للركوب- للأكل. لكان في قوله: {فِيهَا

خوضه في مسائل الكلام

دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} [النحل: 5] دلالة على أنها لا تصلح -إذ كانت للأكل والدفء- للركوب. وفي إجماع الجميع على أن ركوب ما قال تعالى ذكره {وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} جائز حلال غير حرام، دليل واضح على أن أكل ما قال (لِتَرْكَبُوهَا) جائز حلال غير حرام. إلا بما نص على تحريمه، أو وضع على تحريمه دلالة من كتاب أو وحي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأما بهذه الآية فلا يحرم أكل شيء، وقد وضع الدلالة على تحريم لحوم الحمر الأهلية بوحيه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وعلى البغال بما قد بينا في كتابنا كتاب "الأطعمة" بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع؛ إذ لم يكن هذا الموضع من مواضع البيان عن تحريم ذلك، وإنما ذكرنا ما ذكرنا ليدل على أن لا وجه لقول من استدل بهذه الآية على تحريم لحم الفرس" اهـ (¬1). خوضه في مسائل الكلام: ولا يفوتنا أن ننبه على ما نلحظه في هذا التفسير الكبير، من تعرض صاحبه لبعض النواحي الكلامية عند كثير من آيات القرآن، مما يشهد له بأنه كان عالمًا ممتازًا في أمور العقيدة، فهو إذا ما طبق أصول العقائد على ما يتفق مع الآية أفاد في تطبيقه. وإذا ناقش بعض الآراء الكلامية أجاد في مناقشته. وهو في جدله الكلامي وتطبيقه ومناقشته موافق لأهل السنة في آرائهم، ويظهر ذلك جليًا في رده على القدرية في مسألة الاختيار. فمثلا عند تفسيره لقوله تعالى في آخر سورة الفاتحة آية (7) {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} نراه يقول ما نصه: "وقد ظن بعض أهل ¬

_ (¬1) "تفسير ابن جرير" 14/ 58 - 67.

الغباء من القدرية أن في وصف الله جل ثناؤه النصارى بالضلال بقوله {وَلَا الضَّالِّينَ} وإضافة الضلال إليهم دون إضافة إضلالهم إلى نفسه، وتركه وصفهم بأنهم المضللون كالذي وصف به اليهود أنهم مغضوب عليهم، دلالة على صحة ما قاله إخوانه من جهلة القدرية، جهلاً منه بسعة كلام العرب وتصاريف وجوهه. ولو كان الأمر على ما ظنه الغبي الذي وصفنا شأنه، لوجب أن يكون كل موصوف بصفة أو مضاف إليه فعل لا يجوز أن يكون فيه سبب لغيره، وأن يكون كل ما كان فيه من ذلك لغيره سبب فالحق فيه أن يكون مضافًا إلى مسبّبه. ولو وجب ذلك بإضافة الجري إلى الفلك، ولوجب أن يكون خطأ قول القائل: تحركت الشجرة إذا حركتها الرياح، واضطربت الأرض إذا حركتها الزلزلة، وما أشبه ذلك من الكلام الذي يطول بإحصائه الكتاب. وفي قوله جل ثناؤه: {حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ} {يونس: 22} ان كان جريها بإجراء غيرِها إياها، ما يدل على خطأ التأويل الذي تأوله من وصفنا قوله في قوله: {وَلَا الضَّالِّينَ}، وادعائه أن في نسبة الله جل ثناؤه الضلالة إلى من نسبها إليه من النصارى تصحيحًا لما ادعى المنكرون أن يكون لله جل ثناؤه في أفعال خلقه سبب من أجلها وجدت أفعالهم، مع إبانة الله عز ذكره نصًّا في آي كثيرة من تنزيله: أنه المضل الهادي، فمن ذلك قوله جل ثناؤه {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} [الجاثية: 23] فأنبأ جل ذكره أنه المضل الهادي دون غيره، ولكن القرآن نزل بلسان العرب على ما قدمنا البيان عنه في أول الكتاب، ومن شأن العرب إضافة الفعل إلى من وجد منه وإن كان مسبّبه غير الذي وجد منه أحيانًا وأحيانًا إلى مسببه، وإن كان الذي وجد منه الفعل غيره، فكيف بالفعل الذي يكتسبه العبد كسبًا، ويوجده الله جل ثناؤه عينًا منشأة، بل ذلك أحرى أن

يضاف إلى مكتسبه كسبًا له بالقوة منه عليه، والاختيار منه له، وإلى الله جل ثناؤه بإيجاد عينه وإنشائها تدبيرًا" (¬1). وكثيرًا ما نجد ابن جرير يتصدى للرد على المعتزلة في كثير من آرائهم الاعتقادية، فنراه مثلاً يجادلهم مجادلة حادة في تفسيرهم العقلي التنزيهي للآيات التي تثبت رؤية الله عند أهل السنة، كما نراه يذهب إلى ما ذهب إليه السلف من عدم صرف آيات الصفات عن ظاهرها مع المعارضة لفكرة التجسيم والتشبيه، والرد على أولئك الذين يشبهون الله بالإنسان (¬2). وهكذا نجد ابن جرير لم يقف موقفًا بعيدًا عن مسائل النزاع التي تدور حول العقيدة في عصره، بل نراه يشارك في هذا المجال من الجدل الكلامي بنصيب لا يستهان به، مع حرصه كل الحرص على أن يحتفظ بسنيته ضد وجوه النظر التي لا تتفق وتعاليم أهل السنة. وبعد .. فإن ما جمعه ابن جرير في كتابه من أقوال المفسرين الذي تقدموا عليه وما نقله لنا عن مدرسة ابن عباس، ومدرسة ابن مسعود ومدرسة علي بن أبي طالب ومدرسة أبي بن كعب، وما استفاده مما جمعه ابن جريج والسدي وابن إسحاق وغيرهم من التفاسير جعلت هذا الكتاب أعظم الكتب المؤلفة في التفسير بالمأثور، كما أن ما جاء في الكتاب من إعراب وتوجيهات لغوية واستنباطات في نواح متعددة وترجيح لبعض ¬

_ (¬1) "تفسير ابن جرير" 1/ 64. (¬2) انظر ما كتبه على قوله تعالى في الآية (64) من سورة المائدة {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ} الآية جـ 6 ص 193وما بعدها، وما كتبه على قوله تعالى في الآية (67) من سورة الزمر {وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} 24/ 16 وما بعدها.

الأقوال على بعض، كان نقطة التحول في التفسير، ونواة لما وجد بعد من التفسير بالرأي كما كان مظهرًا من مظاهر الروح العلمية السائدة في هذا العصر الذي يعيش فيه ابن جرير. والحق أن شخصية ابن جرير الأدبية والعلمية جعلت تفسيره مرجعًا مهمًّا من مراجع التفسير بالرواية، فترجيحاته المختلفة تقوم على نظرات أدبية ولغوية وعلمية قيمة فوق ما جمع فيه من الروايات الأثرية المتكاثرة. وعلى الإجمال فخير ما وصف به هذا الكتاب ما نقله الداودي عن أبي محمد عبد الله بن أحمد الفرغاني في "تاريخه" حيث قال: "فتم من كتبه -يعني محمد بن جرير- كتاب تفسير القرآن، وجوده، وبين فيه أحكامه، وناسخه ومنسوخه، ومشكله وغريبه، ومعانيه، واختلاف أهل التأويل والعلماء في أحكامه وتأويله، والصحيح لديه من ذلك، وإعراب حروفه، والكلام على الملحدين فيه، والقصص، وأخبار الأمة والقيامة، وغير ذلك مما حواه من الحكم والعجائب كلمة كلمة، وآية آية، من الاستعاذة، وإلى أبي جاد، فلو ادعى عالم أن يصنف منه عشرة كتب كل كتاب منها يحتوي على علم مفرد وعجيب مستفيض لفعل اهـ (¬1). هذا وقد جاء في "معجم الأدباء" جـ 18 ص 64 - 65 وصف مسهب لتفسير ابن جرير، جاء في آخره ما نصه " ... وذكر فيه من كتب التفاسير المصنفة عن ابن عباس خمسة طرق، وعن سعيد بن جبير طريقين، وعن مجاهد بن جبر ثلاثة طرق، وعن الحسن البصري ثلاثة طرق، وعن عكرمة ثلاثة طرق وعن الضحاك بن مزاحم طريقين، وعن عبد الله بن مسعود ¬

_ (¬1) "طبقات المفسرين" للداودي ص 23.

طريقًا، وتفسير عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وتفسير ابن جريج، وتفسير مقاتل بن حيان، سوى ما فيه من مشهور الحديث عن المفسرين وغيرهم، وفيه من المسند حسب حاجته إليه، ولم يتعرض لتفسير غير موثوق به، فإنه لم يدخل في كتابه شيئًا عن كتاب محمد بن السائب الكلبي، ولا مقاتل بن سليمان، ولا محمد بن عمر الواقدي؛ لأنهم عنده أظناء والله أعلم. وكان إذا رجع إلى التاريخ والسير وأخبار العرب حكى عن محمد بن السائب الكلبي، وعن ابنه هشام، وعن محمد بن عمر الواقدي، وغيرهم فيما يفتقر إليه ولا يؤخذ إلى عنهم وذكر فيه مجموع الكلام والمعاني من كتاب علي بن حمزة الكسائي، ومن كتاب يحيى بن زياد الفراء، ومن كتاب أبي الحسن الأخفش، كتاب أبي علي قطرب؛ وغيرهم مما يقتضيه الكلام عند حاجته إليه، إذ كان هؤلاء هم المتكلمون في المعاني، وعنهم يؤخذ معانيه وإعرابه، وربما لم يسمهم إذا ذكر شيئًا من كلامهم، وهذا كتاب يشتمل على عشرة آلاف ورقة أو دونها حسب سعة الخط أو ضيقه. اهـ. كما نجد في "معجم الأدباء" أيضا قبل ذلك بقليل، ما يدل على أن الطبري أتم تفسيره هذا في سبع سنوات، إملاء على أصحابه، فقد جاء في الجزء18 ص 42 عن أبي بكر بن بالويه أنه قال "قال لي أبو بكر محمد بن إسحاق -يعني بن خزيمة: بلغني أنك كتبت التفسير عن محمد بن جرير؟ قلت: نعم، كتبنا التفسير عنه إملاءً، قال: كله؟ قلت: نعم، قال: في أي سنه؟ قلت: من سنة ثلاث وثمانين إلى سنة تسعين ... إلخ". وبعد فأحسب أني قد أفضت في الكلام عن هذا التفسير، وتوسعت في الحديث عنه، وأقول: إن السرَّ في ذلك هو أن الكتاب يعتبر المرجع الأول والأهم للتفسير بالمأثور، وتلك ميزة لا نعرفها لغيره من كتب التفسير

بالرواية (¬1). لذلك ذاعت شهرة تفسير ابن جرير في الآفاق وأصبح مضرب المثل في غزارة المادة واستقامة المنهج قال السيوطي في "الإتقان" بعد أن ساق أسماء جماعة من المفسرين بالمأثور قبل الطبري: وبعدهم ابن جرير الطبري، وكتابه أجل التفاسير وأعظمها .... إلخ. ثم قال: فإن قلت: فأي التفاسير ترشد إليه، وتأمر الناظر أن يعول عليه؟ قلت: تفسير الإمام أبي جعفر بن جرير الطبري، الذي أجمع العلماء المعتبرون على أنه لم يؤلف مثله. قال النووي في "تهذيبه": كتاب ابن جرير في التفسير لم يصنف أحد مثله (¬2). ولا يزال العلماء ينهلون من هذا التفسير العظيم، وقلما تجد كتاب تفسير يخلو من أقوال ابن جرير الطبري. ولقد استفاد الواحدي في كتابه "البسيط" من ابن جرير ويظهر ذلك من كثرة النقول والآثار عن السلف في التفسير، كما نقل عنه في المسائل اللغوية، والقراءات وغير ذلك، ومما يلحظ أن الواحدي كثيرًا ما يورد أقوال الطبري ويناقشها، ولعل من أسباب ذلك اختلاف المنهج الذي يسلكه الطبري في التفسير عن منهج الواحدي، فبينما يعتمد ابن جرير منهج السلف والاعتماد على الآثار في التفسير، ولا يأخذ بأقوال المتكلمين في باب العقائد، نجد الواحدي بخلاف ذلك، حيث يعتمد التفسير بالرأي ¬

_ (¬1) انظر: "التفسير والمفسرون" 1/ 205 - 224. (¬2) كتاب "الإتقان في علوم القرآن" 2/ 160 طبعة الميمنية سنة 1317 هـ.

أكثر، ويأخذ بأقوال المتكلمين في باب العقائد. ومن الأمثلة على إفادة الواحدي من الطبري ما ذكره عند تفسير قوله تعالى: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} [الفاتحة: 3] ذكر القراءات في {مَالِكِ} وقال: واحتج محمد بن جرير لهذِه القراءة فقال: إن الله نبه على أنه مالكهم بقوله: {رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 2] فَحَمل قوله: (مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ) على وصف زائد أحسن" (¬1)، ثم قال في موضع آخر: " ... ومن نصر هذه القراءة -يريد القراءة بمالك- أجاب ابن جرير بأن قال: ما ذكرت لا يرجح قراءة (ملك) لأن في التنزيل أشياء على هذه الصورة قد تقدمها العام، وذكر بعده الخاص كقوله: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2)} [العلق: 1 - 2] وقوِله: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} [البقرة: 3] ثم قال: {وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} [البقرة: 4] في أمثال كثيرة لهذا". ومثال آخر للواحدي الناقد الفاحص للأقوال المميز لها، نقل عن ابن جرير في تفسير قوله تعالى: {فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} [البقرة: 10]. قال: وقال ابن جرير: معناه: في اعتقاداتهم مرض، أي: شك وشبه، فاستغنى بذكر القلوب عن ذكر الاعتقادات؛ لأن محلها القلوب كقولهم: "يا خيل الله اركبي". ثم قال الواحدي: "وليس الأمر على ما قال؛ لأن الشك في القلب على الحقيقة فأي فائدة لتقدير الاعتقاد هاهنا، ولأن الشك ينافي الاعتقاد وهم ليسوا معتقدين إذا كانوا شاكين" (¬2). وما نقلناه على سبيل المثال لا على الحصر؛ لأن البسيط مليء ¬

_ (¬1) انظر: "البسيط" تفسير الفاتحة الآية: 3، الطبري1/ 150، نقله الواحدي بمعناه. (¬2) انظر: "البسيط" تفسير البقرة، آية: 10، الطبري 1/ 278 نقل المؤلف كلامه بتصرف.

ثالثا: "الكشف والبيان" للثعلبي

بأقوال الطبري سواء كان النقل مباشرة أو عن طريق شيخه. ثالثًا: "الكشف والبيان" (¬1) للثعلبي (¬2): يعتبر "الكشف والبيان" أو "تفسير الثعلبي" من المصادر الرئيسة عند الواحدي، كيف وأن الثعلبي شيخ الواحدي وأخذ عنه التفسير، وذكر الواحدي في مقدمة البسيط في أثناء حديثه عن شيخه العروضي الذي قال له: " ... أما آن لك أن تتفرغ لتفسير كتاب الله العزيز تقرؤه على هذا الرجل الذي يأتيه البعداء من أقاصي البلاد وتتركه أنت على قرب ما ببيننا من الجوار يعنى الأستاذ الإمام "أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي رحمه الله .. " (¬3) ثم يقول: " ... ثم فرغت للأستاذ الإمام أبي إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي -رحمه الله-، وكان حبر العلماء بل بحرهم ونجم الفضلاء بل بدرهم، وزين الأئمة بل فخرهم، وأوحد الأمة بل صدرهم، وله التفسير الملقب بـ"الكشف والبيان عن تفسير القرآن" الذي رفعت به ¬

_ (¬1) كان الكتاب لا يزال مخطوطًا وقت إعداد معظم رسائل هذا الكتاب، وقد طبع بعدها طبعة تجارية رديئة، وحُقق في نحو عشرين رسالة جامعية في جامعة أم القرى، وهو قيد التنسيق والإخراج في دار الفلاح بالفيوم على غرار هذا الكتاب. (¬2) هو الإمام الحافظ العلامة، شيخ المفسرين أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي ويقال: الثعالبي لقب لا نسب، كان أوحد زمانه في علم التفسير الكبير، قال الذهبي: وكان حافظًا رأسًا في التفسير والعربية متين الديانة من أهل نيسابور له اشتغال بالتاريخ توفى رحمه الله سنة 427 هـ من مصنفاته: "الكشف والبيان عن تفسير القرآن"، و"العرائس في قصص الأنبياء" و"ربيع المذكرين". ينظر ترجمته في: "معجم الأدباء" 5/ 36، 37، و"وفيات الأعيان" 1/ 79، 80، "العبر" 3/ 16، "تذكرة الحفاظ" 3/ 109، "طبقات" للسبكي 4/ 58، 59، "طبقات المفسرين" ص 5. (¬3) "مقدمة البسيط" ص 419.

التعريف بهذا التفسير وطريقة مؤلفه فيه

المطايا في السهل والأوعار وسارت به الفلك في البحار وهب هبوب الرياح في الأقطار: وسار مسير الشمس في كل بلدة ... وهب هبوب الريح في البر والبحر وأصفقت عليه كافة الأمة على اختلاف نحلهم ... " إلى أن قال: " ... وقرأت عليه من مصنفاته أكثر من خمسمائة جزء و"تفسيره الكبير" وكتابه المعنون بـ"الكامل في علم القرآن" وغيرهما (¬1). التعريف بهذا التفسير وطريقة مؤلفه فيه: ألقى مؤلف هذا التفسير ضوءًا عليه في مقدمته، وأوضح فيها عن منهجه وطريقته التي سلكها فيه، فذكر أولاً اختلافه منذ الصغر إلى العلماء، واجتهاده في الاقتباس من علم التفسير الذي هو أساس الدين ورأس العلوم الشرعية، ومواصلته ظلام الليل بضوء الصباح بعزم أكيد وجهد جهيد، حتى رزقه الله ما عرف به الحق من الباطل، والمفضول من الفاضل، والحديث من القديم، والبدعة من السنة، والحجة من الشبهة، وظهر له أن المصنفين في تفسير القرآن فرق على طرق مختلفة: فرقة أهل البدع والأهواء، وعد منهم الجبائي والرماني. وفرقة من ألفوا فأحسنوا، إلى أنهم خلطوا أباطيل المبتدعين بأقاويل السلف الصالحين، وعد منهم أبا بكر القفال. وفرقة اقتصر أصحابها على الرواية والنقل دون الدراية والنقد، وعد منهم أبا يعقوب إسحاق بن إبراهيم الحنظلي. وفرقة حذفت الإسناد الذي هو الركن والعماد، ونقلت من الصحف ¬

_ (¬1) "مقدمة البسيط" ص 425.

والدفاتر، وحررت على هوى الخواطر، وذكرت الغث والسمين؛ والواهي والمتين، قال: وليسوا في عداد العلماء، فصنت الكتاب عن ذكرهم. وفرقة حازوا قصب السبق، في جودة التصنيف والحذق، غير أنهم طولوا في كتبهم بالمعادات؛ وكثرة الطرق والروايات، وعد منهم ابن جرير الطبري. وفرقة جردت التفسير دون الأحكام، وبيان الحلال والحرام، والحل عن الغوامض والمشكلات، والرد على أهل الزيغ والشبهات، كمشايخ السلف الماضين، مثل مجاهد والسدي والكلبي. ثم بين أنه لم يعثر في كتب من تقدمه على كتاب جامع مهذب يعتمد ... ثم ذكر ما كان من رغبة الناس إليه في إخراج كتاب في تفسير القرآن وإجابته لمطلوبهم، رعاية منه لحقوقهم، وتقربًا به إلى الله ... ثم قال: فاستخرت الله تعالى في تصنيف كتاب، شامل، مهذب، ملخص، مفهوم، منظوم، مستخرج من زهاء مائة كتاب مجموعات مسموعات. سوى ما التقطته من التعليقات والأجزاء المتفرقات، وتلقفته عن أقوام من المشايخ الأثبات، وهم قريب من ثلاثمائة شيخ، نسقته بأبلغ ما قدرت عليه من الإيجاز والترتيب. ثم قال: وخرجت فيه الكلام على أربعة عشر نحوًا: البسائط والمقدمات، والعدد والتنزلات، والقصص والنزولات، والوجوه والقراءات، والعلل والاحتجاجات، والعربية واللغات، والإعراب والموازنات، والتفسير والتأويلات، والمعاني والجهات، والغوامض والمشكلات، والأحكام والفقهيات، والحكم والإشارات، والفضائل والكرامات، والأخبار والمتعلقات، أدرجتها في أثناء الكتاب بحذف

الأبواب، وسميته: كتاب "الكشف والبيان عن تفسير القرآن" .. ثم ذكر في أول الكتاب أسانيده إلى من يروي عنهم التفسير من علماء السلف، واكتفى بذلك عن ذكرها أثناء الكتاب، كما ذكر أسانيده إلى مصنفات أهل عصره - وهي كثيرة- وكتب الغريب والمشكل والقراءات، ثم ذكر بابًا في فضل القرآن وأهله، وبابًا في معنى التفسير والتأويل، ثم شرع في التفسير. عثرت على هذا التفسير بمكتبة الأزهر فوجدته مخطوطًا غير كامل، وجدت منه أربع مجلدات ضخام (الأول والثاني والثالث والرابع). والرابع ينتهي عند أواخر سورة الفرقان، وباقي الكتاب مفقود لم أعثر عليه بحال. قرأت في هذا التفسير فوجدته يفسر القرآن بما جاء عن السلف، مع اختصاره للأسانيد، اكتفاء بذكرها في مقدمة الكتاب، ولاحظت عليه أنه يعرض للمسائل النحوية ويخوض فيها بتوسع ظاهر، فمثلاً عند تفسيره لقوله تعالى في الآية (90) من سورة البقرة: {بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} الآية نجده يتوسع في الكلام على نعم وبئس ويفيض في ذلك (¬1). كما أنه يعرض لشرح الكلمات اللغوية وأصولها وتصاريفها، ويستشهد على ما يقول بالشعر العربي، فمثلاً عند تفسيره لقوله تعالى في الآية (171) من سورة البقرة: {وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً} الآية نجده يحلل كلمة {يَنْعِقُ} هو تحليلاً دقيقًا ويصرفها على وجوهها كلها (¬2). ¬

_ (¬1) 1/ 83 - 84 (¬2) 1/ 123.

ومثلاً عند تفسيره لقوله تعالى في الآية (173) من السورة نفسها {فَمَنِ اَضطُرَّ غَيرَ باغٍ وَلَا عَادٍ} الآية نجده يحلل لفظ البغي ويتكلم عن أصل المادة بتوسع (¬1): ومما لاحظته على هذا التفسير أنه يتوسع في الكلام عن الأحكام الفقهية عندما يتناول آية من آيات الأحكام، فتراه يذكر الأقوال والخلافات والأدلة ويعرض للمسألة من جميع نواحيها، إلى درجة أنه يخرج عما يراد من الآية، انظر إليه عندما يعرض لقوله تعالى في الآية (11) من سورة النساء {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ} الآية تجده يفيض في الكلام عما يفعل بتركة الميت بعد موته، ثم يذكر جملة الورثة والسهام المحددة، ومن فرضه الربع، ومن فرضه الثمن، والثلثان، والثلث، والسدس ... وهكذا، ثم يعرض لنصيب الجد والجدة والجدات، ثم يقول بعد هذا: فصل في بساط الآية، وفيه يتكلم عن نظام الميراث عند الجاهلية وقبل مبعث الرسول (¬2). وارجع إليه عند تفسيره لقوله تعالى في الآية (24) من سورة النساء {فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً} تجده قد توسع في نكاح المتعة وتعرض لأقوال العلماء، وذكر أدلتهم بتوسع ظاهر (¬3). وارجع إليه عند تفسيره لقوله تعالى في الآية (31) من سورة النساء {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} الآية تجده يقول: " (فصل) في أقاويل أهل التأويل في عدد الكبائر، مجموعة من الكتاب والسنة، مقرونة بالدليل والحجة" .. ثم يسردها جميعًا ويذكر أدلتها ¬

_ (¬1) 2/ 125. (¬2) 1/ 91. (¬3) 2/ 102 - 104.

على وجه التفصيل (¬1). وارجع إليه عند تفسيره لقوله تعالى في الآية (43) من سورة النساء {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} الآية تجده يعرض لأقوال السلف في معنى اللمس والملامسة ... ثم يقول: واختلف الفقهاء في حكم الآية على خمسة مذاهب، ويتوسع على الخصوص في بيان مذهب الشافعي ويسرد أدلته، ويذكر تفصيل كيفية الملامسة عنده، كما يعرض لأقوال العلماء في التيمم ومذاهبهم وأدلتهم بتوسع ظاهر عندما يتكلم عن قوله تعالى: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} (¬2). وهكذا يتطرق الكتاب إلى نواح علمية متعددة، في إكثار وتطويل يكاد يخرج به عن دائرة التفسير بالمأثور. ثم إن هناك ناحية أخرى يمتاز بها هذا التفسير، هي التوسع إلى حد كبير في ذكر الإسرائيليات بدون أن يتعقب شيئًا من ذلك أو ينبه على ما فيه رغم استبعاده وغرابته، وقد قرأت فيه قصصًا إسرائيليًا نهاية في الغرابة. ويظهر لنا أن الثعلبي كان مولعًا بالأخبار والقصص الى درجة كبيرة؛ بدليل أنه ألف كتابًا يشتمل على قصص الأنبياء، ولو أنك رجعت إليه عند تفسيره لقوله تعالى في الآية [10]، من سورة الكهف: {إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ} الآية. لوجدته يروي عن السدي ووهب وغيرهما كلامًا طويلًا في أسماء أصحاب الكهف، وعددهم، وسبب خروجهم إليه، ولوجدته يروي ¬

_ (¬1) 2/ 110 - 112. (¬2) 2/ 125 - 136.

عن كعب الأحبار، ما جرى لهم مع الكلب حين تبعهم إلى الغار، ولعجبت حين تراه يروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - طلب من ربه رؤية أصحاب الكهف فأجابه الله بأنه لن يراهم في دار الدنيا، وأمره بأن يبعث لهم أربعة من خيار أصحابه ليبلغوهم رسالته ... إلى آخر القصة التي لا يكاد العقل يصدقها (¬1). ثم ارجع إليه عند تفسيره لقوله تعالى في الآية (94) من سورة الكهف أيضًا و {قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ} الآية تجده قد أطال وذكر كلامًا لا يمكن أن يقبل بحال؛ لأنه أقرب إلى الخيال منه إلى الحقيقة (¬2). ثم ارجع إليه عند تفسيره لقوله تعالى: في الآية (27) من سورة مريم {فَأَتتَ به قَومَهَا تَحمِلُه} الآية تجده يروي عن السدي ووهب وغيرهما قصصًا كثيرًا، وأخبارًا في نهاية الغرابة والبعد (¬3). ثم إن الثعلبي لم يتحر الصحة في كل ما ينقل من تفاسير السلف، بل نجده -كما لاحظنا عليه وكما قال السيوطي في "الإتقان" (¬4) - يكثر من الرواية عن السدي الصغير عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس. كذلك نجده قد وقع فيما وقع فيه كثير من المفسرين من الاغترار بالأحاديث الموضوعة في فضائل القرآن سورة سورة، فروى في نهاية كل سورة حديثًا في فضلها منسوبًا إلى أبي بن كعب، كما اغتر بكثير من الأحاديث الموضوعة على ألسنة الشيعة فسود بها كتابه دون أن يشير الى ¬

_ (¬1) 4/ 121 - 125. (¬2) 4/ 140 - 143. (¬3) 4/ 147 - 149. (¬4) 2/ 189.

وضعها واختلاقها. وفي هذا ما يدل على أن الثعلبي لم يكن له باع في معرفة صحيح الأخبار من سقيمها. هذا .. وإن الثعلبي قد جر على نفسه وعلى تفسيره بسبب هذه الكثرة من الإسرائيليات، وعدم الدقة في اختيار الأحاديث، اللوم المرير والنقد اللاذع من بعض العلماء الذين لاحظوا هذا العيب على تفسيره، فقال ابن تيمية في مقدمته في أصول التفسير: (¬1) والثعلبي هو في نفسه كان فيه خير ودين، وكان حاطب ليل، ينقل ما وجد في كتب التفسير من صحيح وضعيف وموضوع، وقال أيضًا في مجموع الفتاوى (¬2): وقد سئل عن بعض كتب التفسير وأما الواحدي فإنه تلميذ الثعلبي، وهو أخبر منه بالعربية، لكن الثعلبي فيه سلامة من البدع وإن ذكرها تقليدًا لغيره وتفسيره وتفسير الواحدي البسيط والوسيط والوجيز فيها فوائد جليلة، وفيها غث كثير من المنقولات الباطلة وغيرها. اهـ ومن يقرأ تفسير الثعلبي يعلم أن ابن تيمية لم يتقول عليه، ولم يصفه إلا بما هو فيه. وقال الكتاني في الرسالة المستطرفة (¬3) عند الكلام عن الواحدي المفسر ولم يكن له ولا لشيخه الثعلبي كبير بضاعة في الحديث، بل في تفسيرهما -وخصوصًا الثعلبي- أحاديث موضوعة وقصص باطلة اهـ. والحق أن الثعلبي رجل قليل البضاعة في الحديث؛ بل ولا أكون ¬

_ (¬1) ص 19. (¬2) 2/ 193. (¬3) ص 59.

قاسيًا عليه إذا قلت إنه لا يستطيع أن يميز الحديث الموضوع من غير الموضوع وإلا لما روى في تفسيره أحاديث الشيعة الموضوعة على علي، وأهل البيت، وغيرها من الأحاديث التي اشتهر وضعها، وحذر العلماء من روايتها. والعجب أن الثعلبي بعد هذا كله يعيب كل كتب التفسير أو معظمها، حتى كتاب محمد بن جرير الطبري الذي شهد له خلق كثير. وليته إذ ادعى في مقدمة تفسيره أنه لم يعثر في كتب من تقدمه من المفسرين على كتاب جامع مهذب يعتمد، أخرج لنا كتابه خاليًا مما عاب عليه المفسرين ... ليته فعل ذلك ... إذًا لكان قد أراحنا وأراح الناس من هذا الخلط والخبط الذي لا يخلو منه موضع من كتابه (¬1). أخذ الواحدي عن الثعلبي كثيرًا من الآثار المروية عن السلف في التفسير خصوصًا أقوال ابن عباس، وغيره كمجاهد وعبد الرحمن بن زيد، كما أخذ عنه أقوال الكلبي ومقاتل، والحسين بن الفضل وغيرهم، كما أخذ عنه بعض الإسرائيليات. كما أنه ينقل قول الثعلبي في تفسير الآية وغالبا ما يذكره بعد قوله قال المفسرون. ومما يثير العجب أنه مع عظم تقدير الواحدي لشيخه الثعلبي وإعجابه به، كما يظهر في كلامه السابق على الرغم من ذلك وعلى الرغم من كثرة ما نقل عنه فإنه لا يذكره إلى نادرًا. من أمثلة نقله عن الثعلبي من كلام السلف قوله في تفسير قوله تعالى: ¬

_ (¬1) انظر: "التفسير والمفسرون" 3/ 232 - 234.

{ذَلِكَ الكتَابُ} [البقرة: 2] وروى عن ابن عباس أنه قال: معناه ذلك الكتاب الذي أخبرتك أني أوحيه إليك. وقال يمان بن رباب: ذلك الكتاب الذي ذكرته في التوراة والإنجيل ... (¬1). ومثال للإسرائيليات التي انتقلت للبسيط من تفسير الثعلبي ما ذكره في تفسير قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} الآية [البقرة: 30] قال: قال المفسرون: وذلك أن الله تعالى خلق السماء والأرض وخلق الملائكة والجن، فأسكن الملائكة السماء، وأسكن الجن الأرض، فغبروا دهرًا طويلًا في الأرض، ثم ظهر فيهم الحسد والبغي فاقتتلوا وأفسدوا، فبعث إليهم جندًا من الملائكة يقال لهم الجن رأسهم إبليس، وهم خُزَّان الجنان اشتق لهم اسم من الجنة، فهبطوا إلى الأرض وطردوا الجن عن وجوهها إلى شعوب الجبال وجزائر البحور، وسكنوا الأرض، وكانوا أخف الملائكة عبادة، لأن أهل السماء الدنيا أخف عبادة من الذين فوقهم ... الخ. ونقل مثل هذا طويلا بنصه عن الثعلبي (¬2). ومثال آخر في تفسير قوله تعالى: {وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 18] روى عن مقاتل عن الضحاك عن ابن عباس قال: يريد أن عن يمين العرش نهرًا من نور، مثل السموات السبع والأرضين السبع والبحار السبع يدخل جبريل فيه كل سحر فيغتسل فيزداد نورًا إلى نوره وجمالًا إلى جماله، وعظمًا إلى عظمه، ثم ينتفض، فيخلق الله من كل نفضة تقع من ريشه كذا وكذا ألف ملك، يدخل منهم كل يوم سبعون ألفًا البيت المعمور، وفي ¬

_ (¬1) انظر: "البسيط" [البقرة: 2]، الثعلبي 1/ 39 ب. (¬2) انظر: "البسيط" [البقرة: 30].

الكعبة سبعون ألفًا، لا يعودون إليه إلى أن تقوم الساعة. وقد ورد بنصه في تفسير الثعلبي وكما ينقل الواحدي عن الثعلبي آثار السلف والإسرائيليات والقضايا التفسيرية، فإنه ينقلِ عنه مسائل لغوية أو نحوية، مثال ذلك في تفسير قوله تعال: {وَمِمَّا رزَقنَاهُم يُنفِقُونَ} [البقرة: 3] قال: "ومعنى الإنفاق في اللغة إخراج المال من اليد، ومن هذا يقال: نفق المبيع إذا كثر مشتروه فخرج عن يد البائع، ونفقت الدابة إذا خرجت روحها، والنفق سرب له مخلص إلى مكان آخر يخرج منه، والنافقاء من جحرة اليربوع: هو الذي يخرج منه إذا أخذ من جهة أخرى .... فيظهر أن الواحدي اعتمد في هذا التحليل للفظ "الإنفاق" على الثعلبي لتطابق عبارته مع الثعلبي (¬1). ومثال آخر في جانب النحو واللغة: ما ذكره عند قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [البقرة: 234] قال الواحدي: {وَعَشْرًا} بلفظ التأنيث، وأراد الأيام، وإنما كان كذلك تغليب الليالي على الأيام إذا اجتمعن في التاريخ وغيره، وذلك أن ابتداء الشهر يكون بالليل، فلما كانت الليالي الأوائل؛ غلبت لأن الأوائل أقوى من الثواني (¬2). فهذا منقول من تفسير الثعلبي دون عزو. ومن أمثلة ذلك في جانب الأحكام الفقهية: قول الواحدي في تفسير آيات الصيام: "والمرض الذي يبيح الإفطار هو كل مرض كان الأغلبُ من أمر صاحبه بالصوم الزيادةَ في علته زيادةً لا يحتمله، والأصل فيه: أنه إذا أجهده الصوم أفطر". ¬

_ (¬1) انظر: الثعلبي 1/ 47 أ، ب. (¬2) "تفسير الثعلبي" 2/ 159 أ.

ويمكن أن نسجل هنا مقارنة بين "الكشف والبيان" للثعلبي و"البسيط" للواحدي في النقاط الآتية

وحدُّ السَّفَرِ الذي يبيح الإفطار: ستة عشر فرسخا (¬1) فصاعدًا. والإفطار رخصة من الله للمسافر، فمَنْ أَفْطَرَ فبرخصة الله أخذ، ومن صام ففرضه أدى، على هذا عامة الفقهاء. فهذا النص منقول من تفسير الثعلبي دون عزو إليه، والأمثلة على ذلك كثيرة ولا تحصى؛ لأن تفسير الثعلبي كالعمود الفقري وعمود الخيمة بالنسبة لتفسير البسيط. ويمكن أن نسجل هنا مقارنة بين "الكشف والبيان" للثعلبي و"البسيط" للواحدي في النقاط الآتية: 1 - يعتبر تفسير الثعلبي من تفاسير الرواية المسندة، حيث يروي كثيرًا من الأحاديث والآثار والأخبار والأشعار بسنده، بينما لا نجد هذا في البسيط إلا قليلًا. وغالب ما فيه من المرويات مأخوذ من تفسير شيخه. 2 - بسط الواحدي البحث في مجال اللغة والقراءات تدقيقًا وتحقيقًا ومناقشة وتوجيهًا، بينما نجد هذين الجانبين في تفسير الثعلبي على نحو مختصر، وكأن كتاب الواحدي استدراك على كتاب شيخه في هذين الجانبين. 3 - أكثر الثعلبي في كتابه من الإسرائيليات والأحاديث الضعيفة والموضوعة، وقد تقدم أنه ذكر الحديث الموضوع في فضائل السور، وهذا مما أخذ عليه، قال ابن الجوزي عن تفسير "الكشف والبيان": "ليس فيه ما يعاب به، إلى ما ضمنه من الأحاديث الواهية التي هي في الضعف متناهية، ¬

_ (¬1) الفرسخ: ثلاثة أميال هاشمية، والميل: ستة آلاف ذراع، والذراع: أربعة وعشرون أصبعا معتدلة، أي: أن طول الفرسخ حوالي 6 ك. ينظر: "المجموع شرح المهذب" 4/ 190، و"القاموس" ص 329، و"المكاييل والأوزان الإسلامية وما يعادلها في النظام المتري" ص 904.

خصوصًا أوائل السور" (¬1). ويقول شيخ الإسلام -رحمه الله-: لقد أجمع أهل العلم بالحديث أنه روى طائفة من الأحاديث الموضوعة، كالحديث الذي يرويه في أول كل سورة، وأمثال ذلك، ولهذا يقال: "هو كحاطب ليل" (¬2). ويقول أيضا "والثعلبي هو في نفسه كان فيه خير ودين، وكان حاطب ليل، ينقل ما وجد في كتب التفسير من صحيح وضعيف وموضوع" (¬3). ويقول في موضع آخر: الثعلبي والواحدي وأمثالهما، هؤلاء من عادتهم يروون ما رواه غيرهم، وكثير من ذلك لا يعرفون هل هو صحيح أم ضعيف؟ ويروون من الأحاديث الإسرائيليات ما يعلم غيرهم أنه باطل في نفس الأمر، لأن وظيفتهم النقل لما نُقل، أو حكاية أقوال الناس، وإن كان كثير من هذا وهذا باطلًا، وربما تكلموا على صحة بعض المنقولات وضعفها، ولكن لا يطردون هذا ولا يلتزمون (¬4). بينما نجد أن الواحدي لقلة الرواية في تفسيره هذا نسبة إلى تفسير شيخه قد تجاوز كثيرًا من المرويات السقيمة والإسرائيليات، ولم يعرج عليها، وإن كان لم يسلم منها، ومما يحمد له أنه لم يذكر حديث فضائل السور الموضوع في البسيط، لكنه ذكره في الوسيط. ¬

_ (¬1) نقله عنه ابن تغري بردي في "النجوم الزاهرة" 4/ 283، وينظر: "مقدمة التحقيق" لتفسير الثعلبي "الكشف والبيان" 1/ 200. (¬2) "منهاج السنة النبوية" 4/ 4، وينظر أيضًا 4/ 82. (¬3) "مجموع الفتاوى" 13/ 354 (¬4) "منهاج السنة" 4/ 84.

4 - بين الثعلبي رحمه الله في مقدمة تفسيره أسانيده إلى أئمة التفسير، الذين شهروا بالتفسير كابن عباس وابن مسعود ومجاهد (¬1). بينما لم يذكر الواحدي هذه الأسانيد في مقدمة كتابه وإنما ذكر بعضًا منها مفرقًا في ثنايا كتابه. 5 - ذكر الثعلبي في مقدمته أنه بنى كتابه على أربعة عشر أساسًا وعد منها: الحِكم والإشارات، يعني: التفسير الإشاري (¬2)، وقد نقل شيئًا من ذلك في كتابه من كتاب شيخه أبي عبد الرحمن السلمي، الذي قال عنه الثعلبي: قرأته كله على مصنفه أبي عبد الرحمن السلمي، فأمر لي به (¬3) كما أفاد من كتب أخرى في هذا الباب: كتفسير القرآن العظيم لسهل التستري (¬4)، لكن الثعلبي لم يتابع شيخه السلمي فيما أخطأ فيه، وانتُقد بسببه، وصان تفسيره من التأويلات الرمزية التي تخالف اللغة العربية (¬5). بينما لم يلتفت الواحدي إلى شيء من ذلك، وعرفنا موقفه من تفسير السلمي فيما تقدم. ¬

_ (¬1) ينظر: مقدمة تفسير الثعلبي 1/ 245 - 327 تحقيق د. خالد العنزي. (¬2) وهو تأويل آيات القرآن الكريم على خلاف ما يظهر منها بمقتضى إشارات خفية تظهر لأرباب السلوك، ويمكن التطبيق بينها وبين الظواهر المرادة. انظر "التفسير والمفسرون" 2/ 352. (¬3) مقدمة "تفسير الثعلبي" 1/ 331 تحقيق: د. العنزي. (¬4) هو سهل بن عبد الله التستري، الصوفي الزاهد، صحب ذا النون المصري، له كلمات نافعة ومواعظ حسنة وقدم راسخ في الطريق كما قال الذهبي. توفي سنة 283. ينظر: "حلية الأولياء" 10/ 189، و"سير أعلام النبلاء" 13/ 330. (¬5) ينظر: الثعلبي ودراسة كتابه: "الكشف والبيان" 2/ 616 ومقدمة التحقيق لتفسير الثعلبي 1/ 140 للدكتور العنزي.

ثانيا: علم القراءات

ثانيًا: علم القراءات: " الحجة للقراء السبعة" (¬1) لأبي علي الفارسي (¬2): وما ألف أبو علي كتاب الحجة للقراء السبعة، إلاَّ ليستدل ويحتج للقراءات وتوثيقها وتوجيهها، والتماس الدليل لقراءة كل قارئ من القراء السبعة الذين اختارهم ابن مجاهد، إما بالاستناد إلى قاعدة مشهورة في العربية، أو بالتماس علة خفية بعيدة الإدراك يحاول اقتناصها، أو توليدها أو الاعتماد على القياس وحشد النظائر ومقارنة المثيل بالمثيل وهو ممَّا برع فيه أبو على الفارسي. وكان أبو على الفارسي يسوق لكل أسلوب من أساليب احتجاجه الآيات القرآنية، والشعر الصالح للاحتجاج، والحديث النبوي، والأمثال ¬

_ (¬1) اسم الكتاب "الحجة للقراء السبعة أئمة الأمصار بالحجاز والعراق والشام الذين ذكرهم أبو بكر بن مجاهد" طبع الكتاب بتحقيق: بدر الدين قهوجي، وبشير حويجاتي، ومراجعة: عبد العزيز رباح، وأحمد الدقاق، في دار المأمون بدمشق. (¬2) هو: الحسن بن أحمد بن عبد الغفار بن محمد بن سليمان بن أبان الفارسي الفسوي، أبو علي، نحوي، صرفي، عالم بارع بالعربية والقراءات، ولد ببلدة فسا، وقدم بغداد، سمع الحديث، وبرع في علم النحو وانفرد به، وقصده الناس من الأقطار، وعلت منزلته في العربية، وقدم حلب سنة 341، فأقام عند سيف الدولة فأكرمه وأحسن نزله ثم رجع إلى فارس وصحب عضد الدولة ابن بويه، وتقدم عنده فعلمه النحو، وروى القراءة عرضًا عن أبي بكر بن مجاهد، وعرضًا عن الملك بن بكران، وانتهت إليه رئاسة النحو. قال الذهبي: كان فيه اعتزال، توفى سنة 377 في ربيع الأول. من مصنفاته: "الحجة للقراء السبعة"، "التذكرة"، "التكملة والإيضاح". ينظر: "تاريخ بغداد" 7/ 275 - 276، "وفيات الأعيان" 1/ 163 - 164، "سير أعلام النبلاء" 16/ 379.

العربية، ولغات العرب ولهجاتها، وأقوال أئمة العربية وعلى رأسهم سيبويه الذي انتثرت عبارات كتابه في حجته. وطريقته في ذلك طريقة المتن والشرح، فهو يعرض أولًا نص ابن مجاهد في عرضه لاختلاف القراء في كل حرف من الحروف، مصرحًا باسمه أو مغفلًا له مكتفيًا بقوله: اختلفوا ... ثم يعقبه بقول شيخه ابن السراج وذلك في القسم الذي شرع في تفسيره من الفاتحة وسورة البقرة. أو بكلامه هو بقوله: قال أبو علي. ولعل أبرز ما يتميز به أسلوب أبي علي هو ظاهرة الاستطراد والانطلاق بعيدًا عن أصل الموضوع المطروق حتى يكاد ينسي أخره أوله، فهو ينتقل بالقارئ من الكلام على الحرف والخلاف فيه والاحتجاج له إلى تفسير الآية، فيغوص في الأعماق فيستخرج من كنوز المعاني ودرر الحقائق ما ينتزع إعجاب العلماء بسعة عقله ونفاذ فكره، أو يتناول الكلمة وما يتفرع عنها من معان وما تدل عليه من دلالات فيتناولها معنًى معنًى مبينًا له مع شواهده ثم يتجاوزه إلى الحديث عن الوجوه الإعرابية أو العلل الصرفية، ويناقش جميع ذلك ويحشد له الشواهد والأدلة، فيشبعه ولا يترك بعده زيادة لمستزيد، وهو أشبه ما يكون بالنبع الغزير المتدفق في الأرض المستوية، ينبثق فيشق دروبًا لنفسه في كل مكان قبل أن يأخذ مجراه. ثم ذكر الواحدي صلته بكتب أبي علي الفارسي عمومًا في مقدمته حينما قال: ... وقرأت على الأستاذ سعيد مصنفات ابن مهران، وروى لنا كتب أبي علي الفسوي عنه .. (¬1). ¬

_ (¬1) مقدمة "البسيط" للمؤلف.

وذكر صلته بكتاب الحجة بصفة خاصة حينما قال: وذكرت وجوه القراءات السبع التي اجتمع عليها أهل الأمصار دون تسمية القراء، واعتمدت في أكثرها على كتاب أبي علي الحسن بن أحمد الفارسي، الذي رواه لنا سعيد بن محمد الحيري عنه .. (¬1). ولقد اعتمد الواحدي اعتمادًا كبيرًا على كتاب "الحجة" في توجيه القراءات، ونقل عنه وأطال، ولعله اكتفى بتلك الإحالة التي ذكرها في المقدمة حين قال: .. واعتمدت في أكثرها على كتاب أبي على الحسن بن أحمد الفارسي ... ولهذا لم يعز له إلاَّ قليلًا مع أنه في أكثر المواضع ينقل كلام أبي علي بنصه، وقد يتصرف فيه تصرفًا يسيرًا. على أنه مما ينبغي ذكره أن أبا علي لمَّا أطال في كتابه على هذا النسق جعل الكتاب صعب العبارة، لا يستطيع الإفادة منه إلا القليل. ذكر هذا تلميذه ابن جني حينما قال: "وقد كان شيخنا أبو علي عمل كتاب "الحجة في قراءة السبعة" فأغمضه وأطال حتى منع كثيرًا -ممن يدعي العربية فضلا عن القَرَأة- منه، وأجفاهم عنه" (¬2). وبنقل الواحدي عن الحجة وإطالته في ذلك، وقع في كتابه شيء من الغموض وصعوبة العبارة، تلاحظ ذلك وأنت تقرأ في حجج القراءات عند الواحدي أو في بعض المباحث اللغوية والنحوية. وأمثلة ما نقله عن "الحجة" كثيرة ففي كل موضع تكلم فيه عن ¬

_ (¬1) المصدر السابق. (¬2) "المحتسب" 1/ 236، وانظر مقدمة المحققين على كتاب "الحجة" ص 26، طبعة دار المأمون.

القراءات نقل فيه عن أبي علي. من ذلك في قوله تعالى: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} [الفاتحة: 4] ذكر القراءات فيها، ثم ذكر الاحتجاج لها، ونقل في ذلك عن الحجة بدون عزو قال: "قال محمد بن السري: الملك الذي يملك الكثير من الأشياء ويشارك غيره من الناس بالحكم عليه في ملكه ... " (¬1) وأخذ بعد ذلك عن أبي علي بتصرف. ومثال آخر في قوله تعالى: {إِنَّ اَلَّذِين كَفَرُواْ سَوَآءٌ عَلَيهِمءَأَنذَزتَهُم} الآية [البقرة: 6] نقل في الاحتجاج للقراءات في "أأنذرتهم" قريبًا من "عشر صفحات" (¬2). على أن أخذ الواحدي من "الحجة" لم يقتصر على الاحتجاج للقراءات، حيث إن أبا علي في "الحجة" يستقصي ويتتبع المسائل ويخرج عن مجال الاحتجاج للقراءات إلى بيان أصول بعض الكلمات، أو الوجه التفسيري للآية فنقل عنه الواحدي في ذلك كثيرًا. ومن أمثلة ذلك في قوله تعالى: {هُدًى للْمُتَّقِين} [البقرة: 2] قال: "وقال أناس من النحويين: إنه قد تُجْرى الأسماء التي ليست بمصادر مُجْرى المصادر، فيقولون: جلس جلسة، وركب ركبة، ويقولون: عجبت من دهنك لحيتك وينشدون: وبعد عطائك المائةَ الرَّتاعا ... فَيُجرى مُجْرى الإعطاء ..... إلخ (¬3). فهذا -مع كلام بعده- نقله عن الحجة بتصرف يسير في العبارة. ونص ¬

_ (¬1) انظر: "البسيط" تفسير الفاتحة [الآية: 4] (¬2) انظر: "البسيط" تفسير سورة البقرة [الآية: 6]. (¬3) "البسيط" عند تفسير الآية: [2].

ثالثا: معاني القرآن

كلام أبي علي في "الحجة": " .. ويقويه أن ناسا من النحويين يزعمون أنه قد يجري الأسماء التي ليست بمصادر مجرى المصادر فيقولون: "عجبت من دهنك لحيتك .. الخ" (¬1). ونقل عنه في موضع آخر مع عزو الكلام إليه فقال في تفسير قوله تعالى: {وَنُقَدِّسُ لَك} [البقرة: 30] قال: "قال أبو علي الفارسي: معنى نقدس لك: ننزهك عن السوء، فلا ننسبه إليك، و"اللام" فيه على حدها في قوله: {رَدِفَ لَكُم} [النمل: 72] لأن المعنى تنزيهه، وليس المعنى أنه ينزه شيء من أجله ... الخ" (¬2). ثالثًا: معاني القرآن: 1 - " معاني القرآن" (¬3) للفراء أبي زكريا يحي بن زياد (¬4): ¬

_ (¬1) " الحجة" 1/ 182. (¬2) "البسيط" عند تفسير الآية: [30]. (¬3) ذكر ثعلب: كان السبب في إملاء كتاب الفراء في المعاني أن عُمَر بن بُكير كان من أصحابه، وكان منقطعًا إلى الحسن بن سهل، فكتب إلى الفراء: إن الأمير الحسن بن سهل ربما سألني عن الشيء بعد الشيء من القرآن، فلا يحضرني فيه جواب، فإن رأيت أن تجمع لي أصولًا أو تجعل في ذلك كتابًا أرجع إليه فعلت. فقال الفراء لأصحابه: أجتمعوا حتى أمل عليكم كتابًا في القرآن. هذا وقد أملى الفراء كتابه من حفظه في سنتين من رمضان 202 إلى 204. وقد طبع بتحقيق الأستاذان محمد علي النجار وأحمد يوسف نجاتي. (¬4) هو: يحيى بن زياد بن عبد الله بن منظور الأسلمي، المعروف بالفراء الديلمي أبو زكريا، مولاهم الكوفي صاحب التصانيف سكن بغداد وأملى بها كتاب "معاني القرآن" وغير ذلك. ولد سنة (144) هـ. قال ابن الأنباري: كان يقال للفراء أمير المؤمنين في النحو. وقال ثعلب: لولا الفراء لما كانت عربية لأنه خلصها وضبطها، ولولا الفراء =

لقد ألف الفراء كتابه "معاني القرآن" وحشد فيه من المسائل النحوية والصرفية واللغوية، ومذاهب العرب وتوجيه القراءات وتفسير القرآن من وجهة عربية لإبراز مذهبه الكوفي في علوم العربية. وقد أفاد الواحدي من كتاب "معاني القرآن" ونقل عنه كثيرًا إما بالعزو إليه فيقول: قال الفراء، ومن أمثلة ذلك تفسير قوله تعالى: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ} [البقرة: 2] عن معنى "ذلك" قال: قال الفراء: وإنما يجوز "ذلك" بمعنى "هذا" لما مضى وقرب وقت تقضيه، أو تقضي ذكره، فأما الموجود الحاضر فلا يقال فيه "ذلك" .... إلخ " (¬1). وربما نقل عنه بالسند كما في تفسير قوله تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ} [البقرة: 29] قال: "أخبرني أبو سعيد بن أبي عمرو النيسابوري -رحمه الله- ثنا محمد بن يعقوب المعقلي ابنا محمد بن الجهم (¬2) (¬3)، عن الفراء قال: الاستواء في كلام العرب على جهتين، إحداهما: أن يستوي ¬

_ = لسقطت العربية لأنه كانت تتنازع ويدعيها كل من أراد ويتكلم الناس فيها على مقادير عقولهم وقرائحهم فتذهب. توفي رحمه الله سنة 257 بطريق مكة عن عمر ثلاث وستين سنة. من مصنفاته: "الحدود"، "معاني القرآن"، "الوقف والابتداء"، "المصادر". ينظر ترجمته: "وفيات الأعيان" 2/ 301 - 354، "معجم الأدباء" 20/ 9 - 14، "أخبار النحويين البصريين" ص 51، "تذكرة الحفاظ" 1/ 338. (¬1) انظر: "البسيط" عند تفسير الآية [2]، "معاني القرآن" 1/ 10. (¬2) هو: محمد بن الجهم السِّمرِّي، أبو عبد الله راوي كتاب "معاني القرآن" للفراء. ينظر ترجمته: "تاريخ بغداد" 2/ 161، "الإكمال" 4/ 529، "غاية النهاية في طبقات" 1/ 327، "سير أعلام النبلاء" 13/ 163، "تذكرة الحفاظ" 2/ 314. (¬3) "معاني القرآن" 1/ 14، "البسيط" عند الآية [29].

2 - "معاني القرآن" للزجاج

الرجل وينتهي شبابه وقوته، ويستوي من اعوجاج ... الخ" (¬1). وقد ينقل عنه بدون عزو كما في تفسير قوله تعالى: {وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا} [البقرة: 72] قال: "وقوله: {وَإِذْ قَتَلْتُمْ} ينعطف على قوله: {وَإِذ قُلتمُ يَامُوسَى} [البقرة: 55]، {وَإِذ فَرَقْنَا} [البقرة: 50] والذكر مضمر فيها كأنه قال: "واذكروا إذ قتلتم"، ولهذا لم يأت لـ"إذ" بجواب. ومثله قوله: {وَإِلى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صاَلِحًا} [هود: 61] وليس شيء قبله تراه ناصبا لصالح، فعلم بذكر النبي، وبالرسل إليه أن فيه إضمار "أرسلنا". ومثله قوله: {وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ} [الأنبياء: 76]، {وَذَا النُّونِ} [الأنبياء: 87] وهذا يجرى على مثال ما قال في سورة "ص" {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا} {ص: 45} ثم ذكر الذين من بعدهم بغير "واذكر" لأن معناه متفق، فجاز ذلك ..... " (¬2). ويتضح من هذه النصوص أنه ينقل عن الفراء في المسائل النحوية واللغوية والقضايا التفسيرية وغيرها. 2 - " معاني القرآن" (¬3) للزجاج (¬4): ذكر المؤلف صلته بـ"معاني القرآن" للزجاج في مقدمة البسيط في أثناء ¬

_ (¬1) "معاني القرآن" 1/ 25، "البسيط" الموضع السابق. (¬2) "البسيط" ص 1077، والكلام في "معاني القرآن" للفراء مع اختلاف يسير في العبارة 1/ 35. (¬3) طبع الكتاب بتحقيق د/ عبد الجليل شلبي، المطابع الأميرية، القاهرة، خرج منه مجلدان، ثم طبع كاملا في "عالم الكتب" بلبنان في خمسة أجزاء. (¬4) هو أبو إسحاق إبراهيم بن السري بن سهل. كان في أول حياته يحترف خراطة الزجاج فسمي الزجاج، عالم بالنحو واللغة ذو دين وفضل وحسن اعتقاد، أخذ العلم عن المبرد وثعلب وغيرهم، ومن أشهر تلامذته: أبو علي الفارسي والجوهري وغيرهم. =

منهج الزجاج في "معاني القرآن"

كلامه عن شيخه سعيد بن محمد الحيري قال: " ... وقرأت عليه بلفظي كتاب الزجاج في "المعاني" روايته عن ابن مقسم (¬1) عنه وسمع بقراءتي الخلق الكثير .... " (¬2). منهج الزجاج في "معاني القرآن": وطريقته أنه يحلل بعض ألفاظ الآية من الناحية الاشتقاقية ثم يذكر إعراب الآية ويناقش النحويين، ويورد قراءات اللغويين وهي قراءات شاذة غالبا، كما يورد القراءات المشهورة ويبين المعنى على كل، وقد يقف عن الحروف فيشرحها (¬3). وقد اعتمد الواحدي على كتاب "معاني القرآن" اعتمادًا كبيرًا، وأفاد منه كثيرًا، ولا يفسر آية إلا وينقل غالبا عن الزجاج فيها قائلًا: قال أبو إسحاق، أو قال الزجاج. ومن أمثلة ذلك ما ذكره عند تفسير قوله تعالى: {رَبِّ العَالَمِينَ} ¬

_ = ومن مصنفاته: "معاني القرآن"، "الاشتقاق"، "العروض"، "مختصر النحو"، "ما تكلمت به العرب على لفظ فعلت وأفعلت"، وغيرهما من المصنفات النافعة. ينظر: "تاريخ بغداد" 6/ 89 - 93، "معجم الأدباء" 1/ 130 - 151، و"الأنساب" 6/ 273، و"إنباه الرواة" 1/ 194 - 200. (¬1) ابن مقسم: محمد بن الحسن بن يعقوب بن الحسن بن مقسم العَطار أبو بكر البغدادي، إمام نحوي مقرئ له مؤلفات جليلة في التفسير ومعاني القرآن وله اختيار في القراءة تكلم فيها بعض العلماء توفي سنة 354 وله 89 سنة، انظر: "إنباه الرواة" 3/ 100، و"معجم الأدباء" 18/ 150، و"غاية النهاية" 3/ 123، و"لسان الميزان" 5/ 130، و"طبقات المفسرين" للداوودي 2/ 131. (¬2) انظر: مقدمة "البسيط" ص 424. (¬3) انظر مقدمة د/ شلبي على معاني القرآن.

[الفاتحة: 1] قال: "قال أبو إسحاق: وإنما لم يستعمل الواحد من لفظه، لأن "العالم" اسم لأشياء مختلفة، فإن جعل لواحد منها أسم من لفظه صار جمعا لأشياء متفقة" (¬1). وفي سورة يونس في تفسير قوله تعال: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} الآية [يونس: 23] قال: "قال أبو إسحاق متاع الحياة الدنيا يقرأ بالرفع والنصب فالرفع من جهتين .. الخ" (¬2). وربما نقل عنه بالسند كما في تفسير قوله تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء} الآية [البقرة: 29] فقال: "أقرأني سعيد بن محمد الحيري -رحمه الله- عن أبي الحسن بن مقسم وأبي علي الفارسي عن الزجاج قال: قال قوم في قوله: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء} عمد وقصد إلى السماء، كما تقول فرغ الأمير من بلد كذا ثم استوى إلى بلد كذا، معناه: قصد بالاستواء إليه، قال: وقول ابن عباس: "ثم استوى إلى السماء" أي صعد، معناه: صعد أمره إلى السماء انتهى كلامه (¬3). وقد ينقل عنه ولا يعزو له، وهذا كثير، مثال ذلك في تفسير قوله تعالى: {لَا رَيْبَ فِيهِ} [البقرة: 2] قال: " .. فإن قيل: فما أنكرت أن يكون جواب هل رجل في الدار؟ قيل: معن "لا رجل في الدار" عمهم النفي، لا يجوز أن يكون في الدار رجل ولا أكثر منه وكذلك: "هل من رجل في الدار"؟ استفهام عن ¬

_ (¬1) انظر: "البسيط" تفسير الفاتحة الآية [2]. (¬2) "البسيط" 3/ ل 11 ب "النسخة الأزهرية". (¬3) انظر: "البسيط" [البقرة: 29]، وانظر كلام الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 74، 75، والنص أقرب إلى ما في "تهذيب اللغة" 13/ 125.

رابعا: اللغة

الواحد وأكثر منه ... الخ" (¬1). فهذا التساؤل وجوابه والكلام بعده وقبله أخذه عن "معاني القرآن" للزجاج (¬2)، وهو يتصرف في كلام الزجاج حين ينقل عنه سواء كان بعزو أو بدون عزو. ومما يلحظ من النصوص السابقة وغيرها بالتتبع نجده لا ينقل عن الزجاج القضايا النحوية واللغوية فقط بل ينقل عنه في القضايا التفسيرية وغيرها أيضًا. رابعًا: اللغة: 1 - " تهذيب اللغة" (¬3) لأبي منصور الأزهري (¬4): يعتبر "تهذيب اللغة" من أهم وأضخم المعاجم اللغوية، وقد تميز عما ¬

_ (¬1) انظر: "البسيط" عند تفسير سورة البقرة الآية [2]. (¬2) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 31، 32. (¬3) طبع الكتاب محققًا أول مرة، من قبل جماعة مختارة من المحققين والمراجعين بالتعاون مع العلامة عبد السلام هارون، وصنع له فهرسًا يسر الانتفاع به، وصدر عن: الدار المصرية للتأليف والنشر، القاهرة 1964 - 1967 في ستة عشر مجلدًا. ثم قام الأستاذ رياض زكي قاسم بترتيبه ألفبائيًّا. وصدر عن دار المعرفة 2001 في أربعة مجلدات. (¬4) هو: أبو منصور محمد بن أحمد بن الأزهر، الهروي، العلامة، الشافعي، وشهرته الأزهري وهي نسبة إلى أزهر أحد أجداده، ولد سنة 282 هـ، وكان رأسًا في اللغة والفقه، ثقة ثبتًا دينًا، وقع في الأسر عند عودته من الحج، وذلك في فتنة القرامطة، وأقام في الأسر حوالي عشرين عامًا، ثم تخلص ودخل بغداد، وقد استفاد من القوم الذين وقع في سهمهم، وكانوا في عامتهم أعرابًا بداة، وقد ألف كتابه التهذيب بعد بلوغه السبعين، ثم دخل بغداد وأخذ عن كبار شيوخها ثم عاد إلى هراة ليأخذ عن شيوخها. توفي الأزهري سنة 370 وعن عمر تسعين عامًا. =

مصادر التهذيب

سبقه بوفرة مادته اللغوية، وكثرة المصادر التي أفاد منها، فهو موثق المادة فصيحها؛ وقد صرح في مقدمته بأنه لم يودع كتابه إلى ما صح له سماعًا من العرب أو رواية عن ثقة أو حكاية عن خط ذي معرفة ثاقبة اقترنت إليها معرفته. و"التهذيبُ" عُمدة لما ظهر بعده من المعجمات، فصاحب "لسان العرب" يقول: "لم أجد في كتب اللغة أجمل من "تهذيب اللغة" لأبي منصور محمد بن أحمد الأزهري ... "، ويضيف في مكان آخر، في مقدمته: "وأنا مع ذلك لا أدّعي فيه دعوى فأقول شافهت أو سمعت، أو فعلت وصنعت، أو شددت أو رحلت، أو نقلت عن العرب العرباء أو حملت؛ فكل هذه الدعاوى لم يترك فيها الأزهريّ وابن سِيدَه لقائل مقالًا، ولم يخليا فيه لأحد مجالًا، فإنّهما عيَّنا في كتابيهما عمّن رويا، وبرهنا عمّا حويا، ونشرا في خطيهما ما طويا. ولعمري لقد جمعا فأوعيا، وأتيا بالمقاصد ووفيا". مصادر التهذيب: استنفد الأزهري في "معجمه" علم من كتبوا قبله، ورحل إلى البادية سعيًا وراء المشافهة والسماع من أفواه العرب الخلّص، واستقصى في تتبّع ما حصّل من علوم العربية والاستشهاد بشواهد أشعارها المعروفة ¬

_ = من مصنفاته: "الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي"، "علل القراءات"، "الرد على الليث"، "تفسير إصلاح المنطق". انظر: "معجم الأباء" 17/ 164 - 167، و"وفيات الأعيان" 4/ 334، و"نزهة الألباء في طبقاث الأدباء" ص (237) و"سير أعلام النبلاء" 16/ 315.

بفصاحتها، التي احتجّ بها أهل المعرفة. كما استفاد من إقامته سنوات طويلة في الأسر؛ فقد اختلط بأقوام عامتهم من هوازن، واختلط بهم أصرامٌ من تميم وأسد، ممّن نشؤوا في البادية "يتتبّعون مساقط الغيث أيام النُّجَع، ويرجعون إلى أعداد المياه، ويرعَون النَّعَم، ويعيشون بألبانها، ويتكلّمون بطباعهم البدوية وقرائحهم التي اعتادوها، ولا يكاد يقع في منطقهم لحنٌ أو خطأ فاحش ... ، وكنّا نتشتّى الدَّهْناء (¬1)، ونتربَّع الصّمّان (¬2)، ونتقيّظ السِّتارَين (¬3). واستفدتُ من مخاطباتهم ومحاورة بعضهم بعضاً ألفاظًا جمّة ونوادر كثيرة .. ". وفي مقدمة الأزهري ذكرٌ وافٍ لطبقات أئمة اللغة الذين اعتمد عليهم في تصنيف تهذيبه، وهم خمس طبقات، من أبرزهم: أبو عمرو بن العلاء (¬4)، ¬

_ (¬1) الدَّهْناء: الأرض واسعة في بادية العرب، في ديار بني تميم، وقيل هي سبعة أجبل من الرمل، وقيل هي في بادية البصرة في ديار بني سعد. "وفيات الأعيان" 4/ 336. (¬2) الصّمّان: جبل أحمر ينقاد ثلاث ليال، وليس له ارتفاع، يجاور الدهناء، وقيل إنه قرب رمال عالج، وبينه وبين البصرة تسعة أيام. "وفيات الأعيان" 4/ 336. (¬3) السِّتاران تثنية ستار. وهما واديان في ديار بني سعد، يقال لهما: سورة. "وفيات الأعيان" 4/ 336، وقال ياقوت في "معجم البلدان" (ستار): "والستارات في ديار بني ربيعة: واديان يقال لهما السَّوْدَة، يقال لأحدهما الستار الأغبر وللآخر الستار الجابريّ، وفيهما عيون فَوَّارة تسقي نخيلًا كثيرة ... ، وهي من الأحساء على ثلاثة أميال .. ". (¬4) هو أبو عمرو بن العلاء، بن عمار بن عبد الله المازني، النحوي المقرئ. اختُلف في اسمه على أحد وعشرين قولًا. مات سنة أربع -وقيل تسع- وخمسين ومئة. انظر: "إنباه الرواة" 4/ 125، و"معجم الأدباء" 3/ 345، و"بغية الوعاة" 2/ 231.

وخلف الأحمر (¬1)، والمفضّل الضَّبِّيّ (¬2)، وأبو زيد الأنصاري (¬3)، وأبو عمرو الشيباني (¬4)، وأبو عبيدة معمر بن المثنى (¬5)، والأصمعي (¬6)، والكسائي (¬7)، والنضر بن شميل (¬8)، والفرّاء (¬9)، وسيبويه (¬10)، وأبو عبيد القاسم بن سلام (¬11)، واللّحياني (¬12)، وعمرو بن أبي عمرو الشيباني (¬13)، وأبو حاتم ¬

_ (¬1) هو أبو محرز خلَف بن حيّان المعروف بخلف الأحمر. "مات في حدود الثمانية ومائة" "بغية الوعاة" 1/ 554. (¬2) هو أبو عبد الرحمن، المفضّل بن محمد الضَبَي. توفي نحو 178 هـ. (¬3) هو أبو زيد سعيد بن أوس الأنصاري. توفي سنة 214 هـ. (¬4) هو أبو عمرو إسحاق بن مرار الشيباني. توفي سنة 206 من خلافة المأمون، وقيل سنة 210 هـ "نزهة الألباء" ص 96. (¬5) في سنة وفاته خلاف؛ فقد قال الصولي: توفي سنة 207 هـ وقال مظفّر بن يحيى: توفي سنة 209 هـ، وهو ابن ثلاث وتسعين سنة، وقيل: توفي بالبصرة سنة 213هـ وله ثمان وتسعون سنة في خلافة المأمون "نزهة الألباء" ص 111. (¬6) هو أبو بكر عبد الملك بن قُرَيْب. توفي سنة 213 هـ وقيل سنة 217 هـ في خلافة المأمون. "نزهة الألباء" ص 123. (¬7) هو أبو الحسن علي بن حمزة. ستأتي ترجمته. (¬8) توفي النّضر سنة ثلاث -أو أربع- ومائتين في خلافة المأمون. "نزهة الألباء" ص 88. (¬9) سبق ترجمته. (¬10) هو أبو بشر عمرو بن عثمان بن قنبر، ستأتي ترجمته، توفي سنة 188هـ، وقيل 194هـ، والأول أشبه؛ لأنه مات قبل الكسائي. "نزهة الألباء" ص 66. (¬11) ستأتي ترجمته. (¬12) هو أبو الحسن علي بن المبارك، وقيل: ابن حازم. توفي سنة 220 هـ "نزهة الألباء" ص 176، "بغية الوعاة" 2/ 185، "نشأة النحو". محمد الطنطاوي ص 102. (¬13) راية أبيه (أبي عمرو الشيباني). توفي عمرو سنة 231 هـ.

السجستانيّ (¬1)، وابن السِّكِّيت (¬2)، وثعلب (¬3)، والمبرّد (¬4)، والزّجَّاج (¬5). وهو حين ينقل عمّن سبقه قد يصرّح باسم المرجع الذي نقل عنه وقد لا يصرّح لكن المادة الموثقة بأسانيدها، المعزوّة إلى القائل تغلب على مواده. وينبغي، هنا، أن نشير إلى أن الأزهري حين ينقل عن كتاب "العين" فإنّما ينقل عنه بعبارة "قال الليث" لأنه كان يرى أن كتاب "العين" من صنيع الليث (¬6)، فقد أملاه الخليل بن أحمد على الليث بعد تلقفه إيّاه عن فِيهِ، وهو منهج صدر عن شكّ سيطر على الأزهري، مفاده التجريح بالمعجمات التي سبقته وعاصرته، ولما لم يستطع مهاجمة الخليل نفسه تبنّى فكَرة نسبة "العين" إلى الليث ليستطيع تجريحه. وهو على الرغم من موقفه الملتبس من الخليل، كثير الانتفاع من "العين"، فأثر منهج الخليل بادٍ في "تهذيب اللغة"، وكذلك الإفادة الكثيرة من ¬

_ (¬1) هو أبو حاتم سهل بن محمد. توفي سنة 250 هـ، وقيل سنة 255 هـ "نزهة الألباء" (191). (¬2) هو أبو يوسف يعقوب بن إسحاق السِّكِّيت. توفي سنة 243 هـ، وقيل: 244، وقيل: 246 هـ. "نزهة الألباء" 179. (¬3) هو: أحمد بن يحيى بن زيد بن سيار الشيباني، أبو العباس ثعلب، شيخ اللغة العربية، إمام الكوفيين، حفظ كتب الفراء، ولازم ابن الأعرابي توفي سنة 291 هـ. (¬4) هو: أبو العباس محمد بن يزيد المبرد، ستأتي ترجمته. (¬5) سبق ترجمته في نفس هذه المقدمة. (¬6) هو الليث بن المظفّر، هكذا أسماء الأزهري. وقال في "بغية الوعاة" 2/ 270: الليث بن نصر بن يسار الخراسانيّ. وقال غيره: الليث بن رافع بن نصر بن يَسار. ولم تؤرخ وفاته.

منهج الأزهري في "تهذيب اللغة"

مادة "العين" المروية أو المدوّنة، مباشرة، أو عن طريق "الجمهرة" لابن دريد. منهج الأزهري في "تهذيب اللغة": رتّب الأزهري مواد تهذيبه على مخارج الحروف، متبعًا منهج كتاب "العين" للخليل بن أحمد الفراهيدي، وقد حاكاه في تقاليب الكلمة والأبنية. ويصرّح في مقدمته بهذا المنهج وتلك المحاكاة بقوله: "ولم أرَ خلافًا بين اللغويين أن التأسيس المجمل في أول كتاب "العين"، لأبي عبد الرحمن الخليل بن أحمد، وأن ابن المظفر أكمل الكتاب عليه بعد تلقّفه إيّاه عن فيه. وعلمت أنه لا يتقدّم أحد الخليل فيما أسسّه ورسمه، فرأيت أن أحكيه بعينة لتتأمّله وتردّد فكرك فيه، وتستفيد منه ما بك الحاجةُ إليه، ثمّ أتبعه بما قاله بعض النحويين، ممّا يزيد في بيانه وإيضاحه". والمنهج المذكور يتّضح في النظام الآتي: 1 - ترتيب الأبجدية العربية ترتيبًا صوتيًّا، يبدأ بأقصى مخارج الحروف في الحلق وأدخلها، وهو العين، ثم ما قرب مخرجه منها الأرفع فالأرفع، حتى يأتي على آخر الحروف، وهو الياء، وهذا انتظامها: ع ح هـ خ غ/ ق ك/ ج ش ض/ ص س ز/ ط د ت/ ظ ذ ث/ ر ل ن/ ف ب م/ وا ي. 2 - ترتيب الأبنية ترتيبًا تصاعديًّا يبدأ بالثنائي فالثلاثي فالرباعي فالخماسي. أ- أمّا الثنائي فتبدأ أبوابه من الحرف الأول وهو العين وما يليها، وهو الحاء، ثمّ العين مع الهاء، فالعين مع الخاء، حتى يأتي على آخر الحروف. ب- يقلّب الثنائي، إن أمكنه قلبه؛ نحو: عق = قع.

ج- أبواب الثلاثي الصحيح. يبدأ بالعين مع الحاء وما يثلّثهما بترتيب الحروف، ثمّ العين مع الهاء، ثم مع الخاء والغين، حتى يأتي على آخر الحروف. د- يقلِّب كلّ مادة ثلاثية بذكر الصور الست الممكنة في مكان واحد؛ نحو: هقم - همق - قهم - قمه - مهق - مقه. ويشير إلى المستعمل منها والمهمل، فيقول في تقاليب هقم: "مستعملات"، ويقول في تقاليب هكد: هكد - كهد - كده - دهك: مستعملة. أهمل الليث هكد. ويقول في هكس: استُعمل من وجوهه: سَهَك. ويقول في: هكز "اهمله الليث". هـ- ثم أبواب الثلاثي المعتلّ، وهو ما فيه حرفان صحيحان وحرف علّة واحد. وهي تجري على النظام السابق، مع إلحاق المهموز بالمعتل بالألف. و- اللفيف، فمن لفيف حرف الهاء: هاه - أوه - هيه - إيه - هيأ - هوأ - هأي - وهوه - يهيأ - وهي - أيه - هوى - هوي. ز- الرباعي، فالخماسي. يشار هنا إلى أن الأزهري رتّب الرباعي على ابوابه، ولم يفعل ذلك في الخماسي. ح- أدرج المعتل في آخر الكتاب (¬1). ولقد ذكر الواحدي صلته بكتاب تهذيب اللغة، حيث كان الأزهري من شيوخ العروضي أحد شيوخ الواحدي. ¬

_ (¬1) ينظر: "تهذيب اللغة" طبعة دار المعرفة، بتحقيق د. رياض زكي قاسم.

الطريقة الأولى

يقول الواحدي في مقدمة كتابه "البسيط" عن شيخه العروضي: " ... وأدرك المشايخ الكبار وقرأ عليهم وروى عنهم، كأبي منصور الأزهري روى عنه كتاب "التهذيب" وغيره من الكتب ... " (¬1). ثم يقول: " ... وقرأت عليه الكثير من الدواوين وكتب اللغة ... " (¬2) ولا بد أن يكون كتاب "التهذيب" في طليعة تلك الكتب. لقد أفاد الواحدي من كتاب "تهذيب اللغة" كثيرًا، ويعتبر مصدرًا هامًا له في مجال اللغة واشتقاق الكلمات، حيث إن شرح الكلمات القرآنية وبيان أصولها واشتقاقها وما فيها من غريب يأخذ حيزًا كبيرًا في تفسير الواحدي يبدأ به كل آية، وقد اعتمد في أكثر ذلك على كتاب "تهذيب اللغة" وله ثلاث طرق في إفادته من الكتاب: الطريقة الأولى: أن ينقل بالسند عن طريق أبي الفضل العروضي مثال ذلك أنه قال -أثناء تفسير لفظ الجلالة "الله"-: "أخبرني أبو الفضل أحمد بن محمد بن عبد الله العروضي-رحمه الله- قال: أبنا أبو منصور أحمد بن محمد الأزهري، أبنا أبو الفضل المنذري قال: سألت أبا الهيثم خالد بن يزيد الرازي عن اشتقاق اسم "الله" في اللغة، فقال "الله" أصله "إلاه" قال جل ذكره: {وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ} [المؤمنون: 91] ... الخ (¬3)). وكلام أبي الهيثم قد ورد في "التهذيب" ضمن كلام طويل مع اختلاف ¬

_ (¬1) انظر: مقدمة "البسيط" ص 418. (¬2) انظر مقدمة "البسيط" ص 419. (¬3) انظر: "البسيط" للمؤلف في تفسير الفاتحة.

الطريقة الثانية

يسير في العبارة. قال الأزهري: "وأخبرني المنذري عن أبي الهيثم أنه سأله عن اشتقاق اسم الله في اللغة فقال: " ... " (¬1). وقد أخذ الواحدي عن الأزهري من هذا الطريق في مواضع من كتابه فعند تفسير لفظ "الناس" وبيان أصلها في قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ} الآية [البقرة: 8]، قال: "فقد أقرأني العروضي قال: أقرأني الأزهري، قال أخبرني المنذري عن أبي الهيثم أنه سأل عن "الناس" ما أصله، قال أصله "أناس" .. الخ" (¬2). الطريقة الثانية: أن ينقل عن الأزهري بدون سند ويعزو إليه، وهذا أكثر من الطريقة الأولى، قال عند تفسير "المرض" في قوله: {فِى قُلُوبِهِم مرضٌ} الآية [البقرة: 10]، قال: "وقال الأزهري: أخبرني المنذري عن بعض أصحابه قال: المرض: إظلام الطبيعة واضطرابها بعد صفائها، قال: والمرض الظلمة وأنشد .. الخ". ومثال آخر عن تفسير قوله تعالى: {ذَلِكَ أَدنى أَلَأ تَعُولُوا} [النساء: 3] قال - ناقلًا كلام الأزهري دفاعا عن الشافعي-: "قال الأزهري وهذا يدل على أن الشافعي لم يخطئ من جهة اللغة، لأن الكسائي ثقة مأمون، قال: والمعروف من كلام العرب عال الرجل يعول إذا جار ومال، وأعال إذا كثر عياله" (¬3). وبالطريقة الثالثة: أن يفيد منه بدون عزو، وهذه أكثر الطرق، وقل أن تجد في تفسير "البسيط" كلامًا في اللغة إلى وقد أفاد الواحدي من ¬

_ (¬1) "تهذيب اللغة" 6/ 423. (¬2) انظر: "البسيط" 3/ 194 [البقرة: 8]، و"التهذيب" مادة: (أنس) 13/ 88. (¬3) "البسيط" ل 228 من المخطوطة الأزهرية، و"التهذيب" مادة: (عال) 3/ 194.

"التهذيب" إما بنصه أو بمعناه، ولو تتبعت هذا الجزء المحقق لأدركت ذلك، وأوضح مثال على ذلك مقدمة الكتاب فقد نقل الواحدي فيها كلامًا بنصه عن مقدمة "تهذيب اللغة" بدون عزو قال في المقدمة: "والله تعالى ذكره أنزل كتابه على قوم عرب أولي بيان فاضل وفهم بارع، أنزله جل ذكره بلسانهم، وصيغة كلامهم الذي نشئوا عليه وجبلوا على النطق به، فتدربوا به يعرفون وجوه خطابه ويفهمون فنون نظامه ... إلخ" (¬1)، وهذا الكلام بنصه في مقدمة "تهذيب اللغة" (¬2). ومثال آخر عند تفسيره "مالك" في قوله تعالى: {مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ} [الفاتحة: 4] قال: "ويقال: ما تمالك فلان أن فعل كذا، أي: لم يستطع أن يضبط نفسه وقال: فلا تَمالُكَ عن أرض لها عَمَدُوا وملاك الأمر ما يضبط به الأمر، يقال: "القلب ملاك الجسد ... " (¬3) فهذا الكلام نقله عن "التهذيب" مع التصرف اليسير في العبارة. وربما نقل عن الأزهريِ ذاكرًا شيوخ الأزهري ولم يذكره هو، قال في تفسير قوله تعالى: {هُدًى لّلِمُتقِينَ} [البقرة: 2] "الحراني عن ابن السكيت يقال: اتقاه بحقه يتقيه، وتقاه يتقيه وأنشد عن الأصمعي .. " (¬4)، ونص الكلام في التهذيب: "وأخبرني المنذري عن الحراني عن ابن السكيت قال .. ثم ذكره .. " (¬5). ¬

_ (¬1) انظر: مقدمة البسيط، وفروق النص بعد المقارنة مع "التهذيب". (¬2) انظر: مقدمة "تهذيب اللغة" 1/ 4. (¬3) "البسيط" 1/ 509، وانظر "التهذيب" (ملك) 10/ 271. (¬4) "البسيط" عند تفسير الآية {هدى للمتقين}. (¬5) "تهذيب اللغة" "تقى" 9/ 257.

القسم الثاني من المصادر: المصادر الثانوية.

وبهذه الأمثلة يتضح مدى إفادة الواحدي من كتاب "تهذيب اللغة" للأزهري. القسم الثاني من المصادر: المصادر الثانوية. وهي أقل من الأولى في اعتماد المؤلف عليها. 1 - " الكتاب" (¬1) لسيبويه (¬2): لقد ألف سيبويه كتابه في علم النحو ومسائله ومقاييسه وعلله، وهو لا نظير له في بابه، وقد اعتمد المؤلف عليه ونقل منه مسائل في النحو أو الصرف، وتارة ينقل بواسطته مثل "تفسير الثعلبي"، و"معاني القرآن وإعرابه"، أو كتاب "الحجة" لأبي على الفارسي، أو "تهذيب اللغة". ¬

_ (¬1) علم على اسم كتاب سيبويه في النحو، قال السيرافي: وكان كتاب سيبويه لشهرته وفضله علمًا عند النحويين، فكان يقال بالبصرة: قرأ فلان الكتاب، فيعلم أنه كتاب سيبويه، ولأهميته في بابه كان أحد النحاة يختمه كل خمسة عشر يومًا. وطبع الكتاب عدة طبعات أشهرها طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة الكتاب فى أربعة مجلدات والخامس فهارس، بتحقيق الأستاذ: عبد السلام هارون. (¬2) أبو بشر، عمرو بن عثمان بن قنبر، الفارسي، ثم البصري إمام النحو وحجة العرب، أخذ النحو والأدب عن الخليل بن أحمد، ويونس بن حبيب، وأبي الخطاب الأخفش وعيسى بن عمر، وورد بغداد وناظر بها الكسائي بحضور سعيد الأخفش والفراء، وتعصبوا عليه، ثم وصله يحيى بعشرة ألف، فسار إلى بلاد فارس، فاتفق موته بشيراز فيما قيل قيل: عاش اثنتين وثلاثين سنة، وقيل أربعين سنة توفي رحمه الله سنة 180هـ على الأصح. ينظر: "المعارف" لابن قتيبة ص 237، "مراتب النحويين" لأبي الطيب ص 65، "تاريخ بغداد" 12/ 195، "نزهة الألباء" لابن الأنباري ص 81 - 82، "سير أعلام النبلاء" 8/ 351.

ومن أمثلة نقله بواسطة

وعند عرضه لأقوال سيبويه تارة يذكر قوله وتارة يحكي مذهبه، ومن أمثلة ذلك عند قوله تعالى: {لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ} [إبراهيم: 10] بَيّن مذهب سيبويه في زيادة (من) فقال: قال أبو عبيدة: (من) زائدة، وأنكر سيبويه زيادتها في الواجب. وعند قوله تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا} [إبراهيم: 18] ذكر مذهب سيبويه في رفع (مثلُ) فقال: اختلفوا في الرفع للمثل، فقال الزجاج: هو مرفوع على معنى: وفيما يتلى عليكم، وهذا مذهب سيبويه. وعند قوله تعالى: {حَمَإٍ مَسْنُونٍ} [الحجر: 26] قال: وقال سيبويه: المسنون المصوَّر على صورة ومثال، من سُنّة الوَجْه، وهي صورته. فهذا القول لم أجده في الكتاب، وورد بنصه في تفسير الثعلبي (2/ 148 أ). وعند قوله تعالى: {فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ} [الحجر: 30] قال: قال الخليل وسيبويه: أجمعون توكيد بعد توكيد. وقد ورد هذا الكلام بنصه في "معاني القرآن وإعرابه". وعند قوله تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا} [الإسراء: 1] قال: قال سيبويه: معنا سبحان الله: براءة الله من السوء. وقد ورد كلامه هذا بنصه في "الكتاب" وفي "تهذيب اللغة"، فيحتمل أنه نقله من "التهذيب"؛ لأنه من مصادره الرئيسية. ومن أمثلة نقله بواسطة: 1 - قول الله تعالى: {وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (198) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ (199)} [الشعراء: 198، 199] قال الواحدي: "قال أبو علي الفارسي: أعجم صفة، كأحمر؛ لأنه قد وُصف به في النكرة .. والذي قلنا

من أن الأعجمين جمع أعجمي هو قول سيبويه؛ وقد نص عليه ... فال سيبويه في الباب المترجم: هذا بابٌ من الجمع بالواو والنون، وتكسير الاسم. سألت الخليل عن قولهم: الأَشْعَروُن؛ فقال: إنما أَلحقوا الواو والنون وحذفوا ياء الإضافة كما كَسَّروا فقالوا: الأشاعر، والأشاعث، والمَسَامِعة، فلما كَسَّروا مِسْمَعًا والأشعث حين أرادوا معنى بني مِسْمَع وبني الأشعث، أَلحقوا الواو والنون، فكذلك الأعجمون ... انتهت الحكاية عن أبي علي. "الإغفال فيما أغفله الزجاج" 2/ 213. 2 - قول الله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ} [الروم: 25] قال الواحدي: "وقال النحاس: {ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً} ليس بوقف؛ لأنه لم يأت بجواب (إذا) وجواب (إذا) على قول الخليل وسيبويه: {أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ} أي: خرجتم. وقوله تعالى: {وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ} [الروم: 36] تقديره عنده: قنطوا. والقول ما قال النحاس". قول سيبويه ذكره النحاس، "القطع والائتناف" 2/ 532. 3 - قول الله تعالى: {وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (82)} [القصص: 82 - 82] قال الواحدي: "قال سيبويه في هذه الكلمة: سألت عنها الخليل فزعم أنها: وَيْ، مفصولة من كأن، وأن القوم تنبهوا، فقالوا: وَيْ، متندمين على ما سلف منهم، وكل من تندّم أو ندم فإظهار ندامته أن يقول: وَيْ ". "الكتاب" 2/ 154، بمعناه. وذكره بنصه الزجاج 4/ 156.

2 - كتب الكسائي

2 - كتب الكسائي (¬1): نقل الواحدي عن الكسائي جملة من الآراء والاختيارات اللغوية والنحوية، وغالبها نقلت -فيما يبدو- بواسطة بعض ما تقدم من المصادر، كتهذيب اللغة، وتفسير الثعلبي، وبعض النصوص ليست فيها، ولعلها من كثاب "معاني القرآن" للكسائي (¬2)، وهو من المفقودات، وهو من روايات شيخه الثعلبي كما صرح به في تفسيره (¬3). 3 - " المصادر" للفراء (¬4): " المصادر" للفراء من الكتب المفقودة، وقد صرح الواحدي -رحمه الله- عدة مرات بالنقل عنه، ويلاحظ أن معظم النقولات عن هذا الكتاب هي في أبنية الكلمات وأصولها واشتقاقها، وقد وردت إحالات كثيرة إلى الفراء لم أقف عليها في المعاني، وأغلب الظن أنها من هذا الكتاب لِمَا بين هذه النصوص من التشابه، ومن أمثلة ما نقله: قول الواحدي: والقِصَاص مصدر؛ لأنه فعال من المفاعلة. ¬

_ (¬1) هو: أبو الحسن علي بن أحمد بن حمزة بن بهمن بن فيروز الأسدي الكوفي أحد القراء السبعة وكان إمامًا في النحو واللغة والقراءات. روى عن أبي بكر بن عباس وحمزة الزيات وغيرهم، أخذ عنه القراء أبي عبيد والفراء وغيرهما له مصنفات منها "معاني القرآن"، و"مختصر النحو"، و"كتاب القراءات" توفىِ سنة 189 بالري. ينظر: "وفيات الأعيان" 3/ 295، "الفهرست" ص 97، "تاريخ بغداد" 11/ 403. (¬2) ذكر هذا الكتاب: القفطي في "إنباه الرواة" 2/ 257 والذهبي في "سير أعلام النبلاء" 9/ 133. (¬3) تفسير الثعلبي 1/ 338 - 339. (¬4) سبق ترجمته.

4 - "مجاز القرآن" لأبي عبيدة معمر بن المثنى

قال الفراء في كتاب المصادر: قاصَصته قَصَصًا، وأَقْصَصْتُه: إذا أقدته من أخيه إِقْصَاصًا، ويقال: قَصَصْتُ أثره قُصًّا وقَصًّا، وقَصَصْتُ عليه الحديثَ قُصًّا، عند قوله تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ} [البقرة: 179]. وعند قوله تعالى: {لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ} [النحل: 5] قال: وقال الفراء في المصادر: يقال للرجل دَفَيْت فأنت تدفأ دَفْأ ساكنة الفاء مفتوحة الدال، ودِفاءً بالكسر والمد، وزاد غيرُه دَفاءًة ودَفاءً. وعند قوله تعالى: {لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا} [النحل: 14] قال: وقال الفراء في المصادر: ما كان طريّا ولقد طري يطرأ طراءً ممدود وطراوةً، كما يقال: شقي يشقى شقاءً وشقاوةً. وعند قوله تعالى: {إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ} [الإسراء: 78] قال: وقال الفراء في المصادر: أغسق الليل إغساقًا وغسق غسوقًا. 4 - " مجاز القرآن" (¬1) لأبي عبيدة معمر بن المثنى (¬2): ¬

_ (¬1) طبع هذا الكتاب بتحقيق الدكتور فؤاد سزكين في مجلدين، تحت إشراف مؤسسة الرسالة. (¬2) هو العلامة البحر، أبو عبيدة، معمر بن المثنى التيمي، مولاهم، البصري، النحوي، صاحب التصانيف، ولد سنة 110 هـ، في الليلة التي توفي فيها الحسن البصري. روى عن: هشام بن عروة، ورؤبة بن العجاج، وأبي عمرو بن العلاء وغيرهم، وروى عنه: علي بن المديني، وأبو عبيد القاسم بن سلام، وأبو عثمان المازني، وغيرهم. وتذكر كتب التراجم أنه من الخوارج توفي سنة 209 هـ. من مصنفاته: "معاني القرآن"، "نقائص جرير والفرزدق"، "مقاتل الفرسان"، "أخبار قضاة البصرة".

ألف أبو عبيدة هذا الكتاب في تفسير القرآن، ويعد أول كتاب مطبوع من كتب غريب القرآن (¬1)، وله أسماء متعددة (¬2)، ويعد أكثر كتب الغريب استشهادًا بالشعر (¬3)، وقد فسر غريبَ القرآن باللغة مقتصرًا عليها في الغالب (¬4) ولم يخضع أبو عبيدة في مجازه لأي من المدرستين البصرية والكوفية ولم يتقيد بتلك القيود التي كانت تضعها تلك المدرستان لفهم النصوص العربية. ويجدر الإشارة هنا أن معنى المجاز عند أبي عبيدة يختلف كل الاختلاف عن المعنى الذي حدده علماء البلاغة، فالمجاز عند أبي عبيدة عبارة عن الطريق التي يسلكها القرآن في تعبيراته، وهذا المعنى أعم بطبيعة الحال من المعنى الذي حدده علماء البلاغة (¬5). وقد نقل الواحدي -رحمه الله- عن أبي عبيدة من مجازه دون الإشارة إلى الكتاب، واكتفى بقوله: قال أبو عبيدة، أما المجالات التي نقل عنها ¬

_ (¬1) يقول الدكتور: مساعد الطيار في "التفسير اللغوي" ص 334: بل لا يبعد أن يكون أول كتاب للغويين يتعلق بتفسير القرآن نظرًا للحملة الاستنكارية التي قامت عليه، مما يدل على أنه بدع في التأليف في هذا المجال. (¬2) منها: "غريب القرآن"، و"معاني القرآن"، و"إعراب القرآن"، وقد عدت هذه الأسماء كتبًا مختلفة والظاهر أنها أوصاف لهذا الكتاب، وأشهر أسمائه: "مجاز القرآن"، ولم يسمه أبو عبيدة بذلك لكنه اللفظ الذي يكثر دورانه في كتابه. ينظر: "التفسير اللغوي" ص 335. (¬3) بلغت شواهده 952 ينظر: ترقيم المحقق للشواهد. (¬4) وهذا أحد أهم أسباب انتقاد العلماء له، ووقوعه في الخطأ. ينظر: "التفسير اللغوي" ص 347. (¬5) انظر: مقدمة "مجاز القرآن"، لفؤاد سزكين 1/ 9 وما بعدها.

وقد ينقل عن أبي عبيدة بواسطة ومثاله.

فمتنوعة؛ إذ لم يقتصر على اللغة، بل شملت -كذلك- التفسير والصرف والشواهد الشعرية وغيرها، ومن أمثلة ذلك: عند قوله تعالى: {فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ} [إبراهيم: 9] نقل عنه تفسير الآية، فقال: وقال أبو عبيدة: مجاز هذا مجاز المَثَل، ومعناه: كفوا عما أمروا بقبوله من الحق ولم يؤمنوا به، قال: ويقال ردّ يده في فمه، أي: أمسك ولم يجب. وعند قوله تعالى: {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ} [إبراهيم: 35] نقل عنه شاهدًا شعريًّا على أن جَنَّبْتُه وجَنَبْتُه واحد، فقال: وأنشد أبو عبيدة لأُميَة بن الأَسْكَر: وتَنْفُضُ مَهْدَهُ شَفَقًا عليه ... وتَجْنُبُه قلائِصنا الصِّعابا وعند قوله تعالى: {مُهْطِعِينَ} [إبراهيم: 43] نقل عنه معنى الغريب، فقال: وأما تفسير الإهطاع فقال أبو عبيدة: هو الإسراع. وعند قوله تعالى: {فًتزلَّ قَدَم بغَدَ ثبُوتِهَا} [النحل: 94] نقل عنه معنًى بلاغيًّا، فقال: قال أبو عبيدة: وزليل القدم مثل لكل مبتلى بعد عافية أو ساقط في وَرْطَة بعد سلامة. وعند قوله تعالى: {وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ} [النحل: 127] نقل عنه قضية صرفية، فقال: وقال أبو عبيدة: ضَيْق تخفيف ضَيِّق: مثل مَيِّت، يقال: أمر ضَيْق وضَيّق. وقد ينقل عن أبي عبيدة بواسطة ومثاله. قول الله تعالى: {اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ} [القصص: 32] قال الواحدي: "قال أبو علي: قال

5 - "معاني القرآن" للأخفش

أبو عبيدة: جناحا الرجل: يداه". "الحجة للقراء السبعة" 5/ 414، بنصه، وفي "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 104: {جَنَاحَكَ} أي: يدك. وقد ينسب الواحدي القول لأبي عبيدة، وهو غير موجود في المجاز، مثاله: قول الله تعالى: {إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا} [العنكبوت: 17]. قال الواحدي: "قال أبو عبيدة: الأوثان: كل ما كان منحوتًا من خشب أو حجر، والصنم ما كان من ذهب أو فضة أو نحاس". 5 - " معاني القرآن" (¬1) للأخفش (¬2): يعتبر كتاب "معاني القرآن، من أوائل الكتب المؤلفة في بيان معاني ¬

_ (¬1) طبع الكتاب بتحقيق الدكتور/ فائز فارس في مجلدين، وبتحقيق عبد الأمير الورد في مجلدين. وبتحقيق هدى قراعة في مجلدين. (¬2) هو: أبو الحسن، سعيد بن مسعدة المجاشعي بالولاء، البلخي، المعروف بالأخفش، نحوي، لغوي، عروضي، روى عن هشام بن عروة، والكلبي، وعمرو بن عبيد، وأخذ عن الخليل، ولزم سيبويه حتى برع وكان من أسنان سيبويه، بل أكبر. قال أبو حاتم السجستاني: كان الأخفش قدريًّا رجل سوء، وكتابه في معاني القرآن صويلح، وفيه أشياء في القدر. توفي سنة 215 هـ. من مصنفاته: كتاب "الأوسط في النحو"، "معاني القرآن"، "الاشتقاق"، "العروض"، "المقاييس في النحو". ينظر: "مراتب النحويين" ص 106، "أخبار النحويين البصريين" ص 50 - 51، "إنباه الرواة" 2/ 36، "وفيات الأعيان" 2/ 380، "سير أعلام النبلاء" 10/ 206، "معجم الأدباء" 1/ 868.

مثال النقل مباشرة

القرآن (¬1)، لكنه قصره في الغالب على النحو مبرزًا مذهبه البصري، وليس فيه من المعاني إلا النزر اليسير (¬2)، ولعل السر في ذلك أنه أفرد المعاني في كاب آخر في "غريب القرآن" (¬3)، ويعتبر الأخفش من العلماء الذين اهتموا بالنحو دون اللغة (¬4)، ولذلك أخذ عنه الواحدي كثيرًا من مسائل النحو، أحيانًا يكون النقل مباشرة وتارة يكون بواسطة. مثال النقل مباشرة: تفسير قوله تعالى: {بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ} [البقرة: 81] قال: وقال الأخفش: الخِطْء: الإثم وهو ما أصابه متعمدًا والخطأ غير المتعمد. ويقال من هذا: أخطأ يُخْطِئُ. قال الله تعالى: {وَلَيسَ عَلَيكم جُنَاحٌ فِيمَآ أَخطَأتُم بِهِء وَلكن مَّا تَعَمَّدَت قُلوبُكم} [الأحزاب: 5] واسم الفاعل من هذا: مخطئ، فأمّا خطيئة فاسم الفاعل منه: خاطئٌ، وهو المأخوذ به فاعله، وفي التنزيل {لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ} [الحاقة: 37] (¬5). ¬

_ (¬1) يدل لذلك: ما ورد عنه أنه ألف كتابه تلبية لطلب الكسائي ثم جعله الكسائي إمامًا وعمل عليه كتابًا في المعاني، وعمل الفراء كتابه فى المعانى عليهما. ينظر: "إنباه الرواة" 2/ 37 و"إشارة التعيين" ص 132. (¬2) يؤكد ذلك ذكره لبعض الأبواب النحوية عند بعض الآيات كباب الإضافة 1/ 39 و"باب اسم الفاعل" 1/ 44 و"باب إضافة أسماء الزمان إلى الفعل" 1/ 45. (¬3) اعتمد الثعلبي على هذا الكتاب وذكر ذلك فى مقدمة "تفسيره". (¬4) ينظر: "طبقات النحويين واللغويين" ص 73. (¬5) قال أبو حاتم كما في "تهذيب اللغة" 9/ 20: ولم يكن عالمًا بكلام العرب، وكان عالمًا بقياس النحو. وقد ورد ما يدل على علمه باللغة كما في "طبقات النحويين" ص 74 لكنه في باب النحو أبصر.

ومن أمثلة النقل بواسطة

نقل عنه في النحو: عند قوله تعالى {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ} [النحل: 116] فقال: واختلفوا في وجه انتصاب الكذب؛ فقال الأخفش: جعل (ما تصف) اسمًا للفعل؛ كأنه قال: ولا تقولوا لوصف ألسنتكم الكذب. ورد بنصه في معانيه. ونقل عنه في "الغريب": عند قوله تعالى: {وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً} [الإسراء: 59] قال: قال الأخفش: المُبْصرةُ: البَيِّنة؛ كما تقول الموضِحَة والُمبَيِّنَة. ورد بنصه في معانيه. ومن أمثلة النقل بواسطة: قول الله تعالى: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (74)} [الفرقان: 74] قال الواحدي: "وحكى أبو علي الفارسي، عن الأخفش قال: الإمام هاهنا جمع: آمّ فاعل من: أمَّ يُجمع على: فِعَال، نحو: صَاحب، وصِحَاب". قول الله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ} [العنكبوت: 58] قال الواحدي: "قال الأخفش: قرأ الأعمش: {لَنُثوِيَنَّهم مِنَ الجَنَّةِ غُرَفًا} قال: ولا يعجبني ذلك؛ لأنك لا تقول: أثويته الدار" لم أجده عند الأخفش في "المعاني"، لكن ذكر أبو علي أن أبا الحسن قال: قرأ الأعمش. "الحجة للقراء السبعة" 5/ 440. قول الله تعالى: {الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا} [الفرقان: 59] قال الواحدي: "وقال أبو إسحاق: المعنى: فاسأل عنه خبيرًا. وهو مذهب الأخفش، وجماعة جعلوا الباء، بمعنى عن، كقوله: {سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ}

6 - كتب أبي عبيد القاسم بن سلام (ت 224)

[المعارج: 1]. لم أجده في كتابه "المعاني" 2/ 642، عند هذه الآية. ونسبه له النحاس، "القطع والائتناف" 2/ 486. 6 - كتب أبي عبيد القاسم بن سلام (ت 224) (¬1): لأبي عبيد كتب كثيرة في اللغة والقراءات وفي فنون أخرى من العلم، وقد أفاد الواحدي من كتبه، فمن ذلك: كتاب "الناسخ والمنسوخ في كتاب الله العزيز" (¬2)، حيث نقل منه الواحدي في مواضع من تفسيره، يعزو أحيانًا، ويغفل أخرى. وأما في اللغة فالغالب أنه ينقل أقواله عن طريق تهذيب اللغة للأزهري، وأما توجيه القراءة فقد يكون من كتابه الذي ألفه في القراءات، وهو مفقود (¬3). 7 - " تأويل مشكل القرآن" (¬4) لعبد الله بن مسلم بن قتيبة (¬5): ¬

_ (¬1) هو الإمام الحافظ المجتهد، ذو الفنون، أبو عبيد، القاسم بن سلام بن عبد الله، ولد سنة 150هـ، أخذ العلم عن أبي زيد الأنصاري، وأبي عبيدة معمر بن المثنى، والأصمعي وغيرهم، وقرأ القرآن على الكسائي، وإسماعيل بن جعفر، وشجاع بن أبي نصر، صنف التصانيف المؤنقة التي سارت بها الركبان. توفي رحمه الله سنة 222 هـ بمكة. من مصنفاته: "غريب المصنف"، "الأمثال السائرة"، "الناسخ والمنسوخ"، "القراءات"، و"الأيمان والنذور". ينظر ترجمته في: "سير أعلام النبلاء" 10/ 490، "معجم المؤلفين" 2/ 642. (¬2) طبع بتحقيق محمد المديفر في مجلد. (¬3) ذكر هذا الكتاب الداودي في "طبقات المفسرين" 2/ 36. (¬4) قامت دار التراث بطبعه، وحققه السيد أحمد صقر. (¬5) العلامة الكبير، ذو الفنون، أبو محمد، عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، وقيل: المروزي، الكاتب، صاحب التصانيف، نزل بغداد وجمع وبعد صيته، وولي قضاء =

تكلم ابن قتيبة على السبب الذي دفعه إلى تأليف هذا الكتاب، فقال ص (17): وقد اعترض كتاب الله بالطعن ملحدون، ولغوا فيه وهجروا، واتبعوا: {مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} [آل عمران: 7] بأفهام كليلة، وأبصار عليلة، ونظر مدخول؛ فحرفوا الكلام عن مواضعه، وعدلوه عن سبله؛ ثم قضوا عليه بالتناقض، والاستحالة في اللحن، وفساد النظم، والاختلاف. وأدلوا في ذلك بعلل ربما أمالت الضعيف الغمرة والحدَثَ الغِرَّ، واعترضت بالشبه في القلوب، وقدحت بالشكوك في الصدور ... فأحببت أن انضح عن كتاب الله، وأرمي من ورائه بالحجج النيّرة، والبراهين البينة، وأكشف للناس ما يلبسون، فألفتُ هذا الكتاب جامعًا لتأويل مشكل القرآن؛ مستنبطًا ذلك من التفسير بزيادة في الشرح والإيضاح، وحاملًا ما أعلم فيه مقالًا لإمام مطلع على لغات العرب؛ لأري المعاند موضع المجاز، وطريق الإمكان، من غير أن أحكم فيه برأي، أو أقضي عليه بتأويل، ولم يجز لي أن أنص بالإسناد إلى من له أصل التفسير، إذ كنت لم أقتصر على وحي القوم حتى كشفته، وعلى إيمائهم حتى أوضحته، وزدت في الألفاظ ونقصت، وقدمت وأخرت، ¬

_ = دينور، ولد سنة 213 هـ في أواخر خلافة المأمون. قال الخطيب البغدادي: كان ثقة دينًا فاضلًا. توفي رحمه الله سنة 276 هـ من مصنفاته: "غريب القرآن"، "أدب الكاتب"، "عيون الأخبار"، "طبقات الشعراء"، "المعارف"، "جامع الفقه". ينظر ترجمته: "طبقات النحويين" ص (116)، "تاريخ بغداد" 10/ 170، "إنباه الرواة" 2/ 143، "وفيات الأعيان" 3/ 42، "سير أعلام النبلاء" 13/ 296.

8 - "تفسير غريب القرآن". وهو أيضا لابن قتيبة

وضربت لذلك الأمثال والأشكال حتى يستوي في فهمه السامعون. ثم فسر معنى المتشابه والمشكل. وأصل التشابه أن يشبه اللفظ اللفظ في الظاهر والمعنيان مختلفان ... ومنه يقال: اشتبه عليّ الأمر؛ إذا أشبه غيره فلم تكد تفرق بينهما. وشبهت علي إذ لبَّست الحق بالباطل. ثم يقال لكل ما غمض ودق: متشابه، وإن لم تقع الحيرة فيه من جهة الشبه بغيره (¬1). وكتاب "تأويل مشكل القرآن" كتاب فريد تحدث فيه عن موقف علماء الكلام من أهل الحديث وما تحدثوا عنهم به من شتى التهم والمثالب؛ وعرض بالنقد لما ذهب إليه النظام من اعتراضه على أبي بكر وعمر وعلي، وطعنه على ابن مسعود وحذيفة وأبي هريرة. ونقد كذلك ثمامة بن الأشرس، ومحمد بن الجهم البرمكي، والجاحظ، وأبا الهذيل العلاف، وغيرهم؛ وعرض لأهل الرأي، وأبان عن منابذتهم للكتاب والسنة، وأدار الجزء الأكبر من كتابه على الأحاديث التي ادعي عليها التناقض والاختلاف ومخالفة القرآن؛ والأحاديث التي زعموا أن النظر يدفعها، وحجة العقل تدمغها؛ فكشف عن معانيها التي صرفهم عن فقهها الهوى الجموح، ولفتهم عن وجه الحق فيها إلحاد الضمائر والقلوب والعقول (¬2). 8 - " تفسير غريب القرآن" (¬3). وهو أيضًا لابن قتيبة: قال ابن قتيبة في مقدمة "الغريب": نفتتح كتابنا هذا بذكر أسمائه ¬

_ (¬1) انظر: مقدمة "تأويل مشكل القرآن" ص 77 - 78. (¬2) انظر: مقدمة "تأويل مشكل القرآن" ص 24 - 25. (¬3) طبع الكتاب بتحقيق السيد أحمد صقر.

الحسنى وصفاته العلى؛ فنخبر بتأويلهما واشتقاقهما، ونتبع ذلك ألفاظًا كثر تردادها في الكتاب لم نر بعض السور أولى بها من بعض، ثم نبتدئ في تفسير غريب القرآن دون تأويل مشكله؛ إذ كنا قد أفردنا للمشكل كتابًا جامعًا كافيًا بحمد الله. وغرضنا الذي امتثلناه في كتابنا هذا أن نختصر ونكمل، وأن نوضح ونجمل؛ وألا نستشهد على اللفظ المبتذل، ولا نكثر الدلالة على الحرف المستعمل، وألا نحشو كتابنا بالنحو وبالحديث والأسانيد. فإنا لو فعلنا ذلك في نقل الحديث لاحتجنا أن نأتي بتفسير السلف، رحمة الله عليهم، ولو أتينا بتلك الألفاظ لكان كتابنا كسائر الكتب التي ألفها نقلة الحديث .. (¬1). ولقد اعتمد الواحدي في كتابه على ابن قتيبة دون أن يصرح بكتبه التي نقل عنها. وقد ظهر أن أغلب النقولات كانت من كتابيه: "تفسير غريب القرآن"، و"تأويل مشكل القرآن"، وكان النقل من الأول أكثر، ويتميز النقل من المشكل بالإطالة مع التصرف والاختصار وأحيانًا بنصه، في حين ينقل عن الغريب كلمات يسيرة معظمها في "الغريب" - على اسمه- وقد ينقل عنه بعض الردود والتعليلات. ومن أمثلة ذلك: عند قوله تعالى: {مَسْنُونٍ} [الحجر: 26] قال: وقال ابن قتيبة: المسنون المتغير الرائحة. نقله عن الغريب بنصه. وعند قوله تعالى: {وَقَضَينَآ إِليهِ} [الحجر: 66] قال: وقال ابن ¬

_ (¬1) انظر: مقدمة "غريب القرآن" ص 3.

قتيبة: أي أخبرناه. نقله عن الغريب بلفظه. وعند قوله تعالى: {لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ} [الحجر: 79] نقل عنه تعليل تسمية الطريق إمامًا، فقال: وقال ابن قتيبة: لأن المسافر يأتم به حتى يصير إلى الموضع الذي يريد. نقله عن الغريب بنصه. وعند قوله تعالى: {إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا} [الإسراء: 47] نقل عنه رده على أبي عبيدة في قوله: "يريد بشرًا ذا رِئَةٍ" فقال: قال ابن قتيبة: "ولست أدري ما الذي اضطره إلى هذا التفسير المُسْتَكْرَه، وقد سبق التفسير من السلف بما لا استكراه فيه، قال مجاهد في قوله: {إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا} أي: مخدوعًا؛ لأن السحر حيلة وخديعة". نقله عن الغريب. وعند قوله تعالى: {سُجَّدًا للهِ} [النحل: 48] نقل في معنى السجود نقلًا طويلًا عن "المشكل" مع التصرف والاختصار، فقال: وشرح ابن قتيبة هذا شرحًا شافيًا فقال: أصل السجود التّطَأْطُؤ والميل، يقال: سجد البعير واسجد إذا طأطأ رأسَه لِيُرْكَب، وسجد النخلة إذا مالت لكثرة الحمل، ثم قد يُستعارُ السجودُ فيوضع موضع الاستسلام والطاعة والذل، ومن الأمثال المبتذلة: اسْجُدْ للقرد في زمانه، يراد اخضع للئيم في دولته، ولا يُراد معنى سجود الصلاة، والشمس والظل خَلقان مُسخَّران لأَنْ يعَاقِبَ كلُّ واحدٍ منهما صاحِبَه بغير فصْلٍ، فالظلُّ في أول النهار قبل طلوع الشمس يَعُمُّ الأرضَ، كما تَعُمُّها ظلمةُ الليل، ثم تطلُع الشمسُ فتَعُمُّ الأرضَ إلى بما سترته الشُّخُوصُ، فإذا سَتَرَ الشخصُ شيئًا عاد الظلُ، فرجوعُ الظلِّ بعد أن كان شمسًا ودورانُه من جانب إلى جانب هو سُجُودُه؛ لأنه مستسلم منقاد مطيع بالتَّسخير، وهو في ذلك يميل، والميل سجود، وكذلك قوله: {وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ} [الرحمن: 6] أي: يستسلِمَان لله بالتسخير.

9 - كتب المبرد (ت 285 هـ)

وعند قوله تعالى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً} [النحل: 120] قال: وقال ابن قتيبة: "أي إمامًا يَقْتَدِي به الناس؛ لأنه ومن اتبعه أُمَّة، فَسُمِّي أُمَّة؛ لأنه سبب الاجتماع"، هذا وجه قول من قال: أُمَّةً: معلمًا للخير، ومن قال: أُمَّة: أي مؤمنًا وحده؛ "فلأنه اجتمع عنده من خلال الخير ما يكون مِثْلُه في أُمَّة، ومن هذا يقال: فلان أُمَّةٌ وحْدَه، أي: هو يقوم مقام أمة". فهذان نقلان اقتبسهما عن المشكل بنصه. 9 - كتب المبرد (ت 285 هـ) (¬1): للمبرد مؤلفات كثيرة تربو على الخمسين (¬2)، معظمها في الأدب واللغة والنحو والقرآن، وقد نسب الواحدي إلى المبرد أقوالًا في اللغة خاصة لم أقف عليها في كتبه المطبوعة (¬3). وتعتبر أقوال المبرد وآراؤه أحد المصادر الهامة لتفسير الواحدي وهي في اغلب المواضع يتم نقلها عن طريق مصادره السابقة كـ"الحجة" و "سر صناعة الإعراب"، وفي القليل ينقل عن كتب المبرد مباشرة خصوصًا "المقتضب" ففي تفسير قوله تعالى: {وَلَا تَكُونُوَأ اوَّلَ كاَفِر به} [البقرة: 41] ¬

_ (¬1) هو: أبو العباس محمد بن يزيد المبرد كان على قدر كبير من العلم وغزارة الأدب وكثرة الحفظ، له كتب من أشهرها "المقتضب" في النحو، و"الكامل" في الأدب، مات سنة 286 هـ. انظر ترجمته في "طبقات النحويين واللغويين" للزبيدي ص 101، و"تاريخ بغداد" 3/ 380، و"نزهة الألباء" ص 164 و"إنباه الرواة" 3/ 241. (¬2) انظر: مقدمة كتاب: "الكامل" للمبرد 1/ 14. (¬3) منها: "الكامل"، و"المقتضب"، و"ما اتفق لفظه واختلف معناه"، و"التعازي والمراثي".

عن "أول" قال: " .. وقال المبرد في كتاب "المقتضب" أول: يكون على ضربين: يكون اسما، ويكون نعتا موصولا به "من كذا" .. الخ". وكتاب "معاني القرآن" (¬1)، وهو كتاب لم يصل إلينا، وقد وقفنا على نص واحد طويل نقله بواسطة التهذيب، ومن أمثلة ذلك: عند قوله تعالى: {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} [الإسراء: 78] قال: وقال المبرد: دلوك الشمس من لدن زوالها إلى غروبها عند العرب. وعند قوله تعالى: {خَشيَةَ الإنفَاقِ} [الإسراء: 100] قال: قال المبرد: المعروف في الإنفاق أنه إخراج المال عن اليد، فإن كان قد روي في اللغة معنى الإعدام فهو كما قال أبو عبيدة، والا فمعنى الكلام في الآية: خشية أن يستفرغكم الإنفاق ويجحف بكم، فيكون الكلام من باب حذف المضاف على تقدير: خشية ضرر الإنفاق وما أشبهه. وعند قوله تعالى: {جِئنَا بِكُمْ لَفِيفًا} [الإسراء: 104] قال: وقال المبرد: الأكثر عند العرب أن اللفيف إنما يقال للمختلطين من كل شكل، وكل شيء خلطته بشيء فقد لففته، ومنه قيل لففتَ الجيوشَ إذا ضربت بعضها ببعض، والتفت الزحوف. وقد يكون النقل من كتابي "المقتضب" و"الكامل"، مثاله: قوله الله تعالى: {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (27) يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا} [الفرقان: 27، 28] قال الواحدي: "قال المبرد: قولهم: يا فل أقبل، ليس بترخيم فلان؛ ولو كان ¬

_ (¬1) ذكر المترجمون له هذا الكتاب في "مؤلفاته". انظر: "إنباه الرواة" 3/ 251، "طبقات المفسرين" للداودي 2/ 271.

10 - "نظم القرآن" لأبي علي الجرجاني

كذلك قيل: يا فلا أقبل. ومما يزيده وضوحًا قولهم للأنثى: يا فلة أقبلي. قال: ولكنها كلمة على حدة. قال: وقد تستعمل في غير النداء، كقوله: في لَجَّةٍ أمْسكْ فلانًا عن فُلِ "المقتضب" 4/ 237، ولم أجد قول المبرد عند الأزهري. 2 - قول الله تعالى: {إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ} [الشعراء: 4] قال الواحدي: "قال المبرد: وهذا قول أبي زيد في هذه الآية قال: أعناقهم: جماعاتهم". "المقتضب" 4/ 199، ونسبه لأبي زيد الأنصاري. ولم أجده في "تهذيب اللغة". 3 - قول الله تعالى: {وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} [القصص: 11] قال الواحدي: "قال المبرد: فلان يقص أثر الجيش أي: يتبعه متعرفًا". "الكامل" للمبرد 2/ 1018. 10 - " نظم القرآن" (¬1) لأبي علي الجرجاني (¬2): أفاد الواحدي من كتاب "نظم القرآن" ونقل عنه كثيرًا، خصوصًا عند ¬

_ (¬1) كتاب: "نظم القرآن" مفقود، وهو يقع في مجلدين -كما ذكر السهمي- والظاهر أنه كان معروفًا لدى العلماء كالعلم، وقد قام مكي بتأليف كتاب للرد عليه -في أربعة أجزاء- سماه: "انتخاب نظم القرآن للجرجاني وإصلاح غلطه"، وقد ذكر خبر كتاب مكي هذا القفطي في ترجمة مكي، وذكره الزركشي في "البرهان" ونقل عنه بعض النصوص. انظر: "تاريخ جرجان" للسهمي ص 187، "إنباه الرواة" 3/ 316، "البرهان" 2/ 92. (¬2) الجرجانيون الذين كُنُّوا بأبي علي، وذكر أنهم ألفوا في "نظم القرآن" آثنان: الأول: هو أبو علي، الحسن بن علي بن نصر الطوسىِ الجرجاني، الإمام الحافظ المجوِّد، سمع محمد بن يحيى وأحمد بن الأزهر، وروى عنه إسحاق بن محمد =

الحديث عن نظم الآيات ونقل عنه مسائل في اللغة والنحو، ومن أمثلة ذلك: عند تفسير قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا ¬

_ = الكيساني، وابن سلمة القطان، له تصانيف حسان، ذكر الداودي أن له كتاب "نظم القرآن"، توفي سنة 308هـ، وقيل:312 هـ انظر: "سير أعلام النبلاء" 14/ 287، "طبقات الحفاظ" 3/ 787، "لسان الميزان" 2/ 232، "طبقات المفسرين" للداوودي 1/ 141. والثاني: هو أبو علي، الحسن بن يحيى بن نصر الجرجاني، قال السهمي: "كان مسكنه بجرجان بباب الخندق ... ، له من التصانيف عدة؛ منها في "نظم القرآن" مجلدان، وكان رحمه الله من أهل السنة، روى عن العباس بن يحيى العقيلي، وروى عنه أبو النصر محمد بن محمد بن يوسف الطوسي". انظر: "تاريخ جرجان" للسهمي ص (187)، "الأنساب" 2/ 40، "مقدمة تفسير الثعلبي" 1/ 10 ب. والراجح أن الذي كان ينقل عنه الواحدي هو الثاني؛ لأن الثعلبي ذكر في مقدمة تفسيره أن من مصادره: كتاب "النظم"، لنفس الرجل، قال: قرأ علينا أبو القاسم الحسن بن محمد بن حبيب بلفظه، قال: قرأت على أبي النصر محمد بن محمد بن يوسف بـ"طوس"، قال: قرأت على أبي علي الحسن بن يحيى بن نصر الجرجاني، وأغلب الظن أن الواحدي استفاد من هذا المصدر عن طريق شيخه الثعلبي. ومما يؤكد أنه هو صاحب النظم الوارد في "البسيط"، أن ابن القيم أورد بعض النقولات في كتابه: "الروح" 2/ 547 - 560 ونسبها للجرجاني، وقد صرح في ص 559 أنه الحسن بن يحيى الجرجاني، وأسلوب هذه النقولات يتفق مع ما ينقله الواحدي عن صاحب "النظم"، بل إن الكلام الذي نقله ابن القيم عنه في قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} [الأعراف: 172] ورد بنصه في "البسيط". انظر: "الروح" 2/ 547، "البسيط"، تح: الفايز 3/ 910.

بِسُورَةٍ} [البقرة: 23] قال: " .. وقال أبو علي الجرجاني: نظم الآية: "فأتوا بسورة من مثله" من دون الله "وادعوا شهداءكم" أي من مثل القرآن من غير الله ... قال: ومثل هذا قوله: {فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ}. ونظمه: فأتوا بعشر سور مثله مفتريات من دون الله وادعوا من استطعتم من الناس". وقال في سورة "يونس" في تفسير قوله تعالى: {وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [يونس: 10] "قال صاحب النظم: وأن هاهنا زائدة". وفي تفسير سورة الدخان: {حم (1) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ} [الدخان: 1، 2] "وقال صاحب النظم: لولا أن قوله: {إِنَّا أَنزَلنَهُ} هو صفة للقرآن الذي أقسم به وأخبر عنه، لاحتمل أن يكون جوابا للقسم، ولكن ليس من عادتهم أن يقسموا بنفس الشيء إذا أخبروا عنه". التوفيق بين الآيات المتشابهات وإزالة الإشكال: عند قوله تعالى {إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ} [الحجر: 4] وفق بين هذه الآية وآية الشعراء: {إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ} [الشعراء: 208]، قال: قال صاحب النظم: والفرق بينهما أن دخول الواو يقلب حال ما بعدها إلى الابتداء، وخروجها منه يدل على أن ما بعدها في موضع حال، اعتبارًا بقولك: ما أهلكنا من قرية إلا ظالمًا أهلها، فيكون نصبًا على الحال، فإذا دخلت الواو قلت: إلا وأهلها ظالمون، فقلبت الواو الحالَ إلى أن جعلتها مبتدأة، فانقلبت رفعًا عن النصب، وهذا فرق من حيث اللفظ، والمعنى واحد أثبتَّ الواو أو حذفتَها. إيراد المسائل النحوية: عند قوله تعالى: {كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ} [الحجر: 12] قال: واختلفوا في المُكنّى في قوله: {نسْلُكُهُ}،

فذكر أقوالًا مأثورة ثم قال: قال صاحب النظم: الهاء كناية عن الاستهزاء ودلَّ عليه الفعل؛ كقولهم: من كذب كان شرًّا له، والفعل يدل على المصدر؛ كقوله: {وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ} [الزمر: 7] أي: الشكر، فأضمره لدلالة الفعل عليه. نقل معنى "الغريب": عند قوله تعالى: {وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ} [الحجر: 66] قال: وقال صاحب النظم: أي: فرغنا منه؛ كقوله: {ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ} [يونس: 71] وقد مرّ. إزالة الإشكال النحوي عن الآية وبيان معناها: عند قوله تعالى: {كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ} [الحجر: 90] قال: قال صاحب "النظم" المعنى: إني أنذرتكم ما أنزلناه على المقتسمين، وتكون الكاف زائدة. اختيار الوقف وتوجيهه: عند قوله تعالى: {وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} [النحل: 5] بين أن الوقف إما على {خَلَقَهَا}، وإما على {خَلَقَهَا لَكُمْ}، ثم ذكر اختيار صاحب "النظم"، فقال: قال صاحب النظم: أحسن الوجهين أن يكون الوقف عند قوله: {خَلَقَهَا}؛ لقوله في النسق على ما قبلها: {وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ} [النحل: 6]. نقل اللطائف البلاغية: عند قوله تعالى: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ} [النحل: 33] قال: قال صاحب النظم: إنهم لا ينتظرون ذلك على الحقيقة؛ لأنهم كانوا لا يؤمنون بالله، كيف ينتظرون أمره؟! ولن لمّا كان امتناعهم من الدخول في الإيمان موجبًا عليهم إتيان أمر الله والملائكة بما قدّر عليهم من العذاب، وكان عاقبة أمرهم إلى ذلك، أضيف ذلك إليهم على المجاز والسعة، وجعل مجيء ذلك انتظارًا منهم له؛ فكأنه -عز وجل- قال: هل يكون مدة إقامتهم على كفرهم إلى مقدار إيقاعي بهم وإنزالي العذاب

عليهم؟ وهذا كما قلنا في لام العاقبة في مواضع، لمّا كانت العاقبة تؤدي إلى ذلك جُعل سببًا له وإن لم يكن في الحقيقة كذلك؛ كقوله: {فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّ} [القصص: 8] وقد مرّ. ثم عقب الواحدي بقوله: وهذا الذي ذكره صاحب النظم وجه جيد في هذه الآية لم يذكره في نظيرها في سورة البقرة والأنعام. توجيه حروف المعاني: عند قوله تعالى: {فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ} [النحل: 71] قال: وقال صاحب النظم: معنى الفاء في قوله: {فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ} حتى؛ لأن التأويل: {فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا} بجاعلي رزقهم لعبيدهم حتى يكون عبيدهم فيه معهم سواء في الملك، فقوله: {فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا} صفة لما تَقَدَّمه من الخبر لا جوابٌ له؛ ولو كان جوابًا له لكان قد أوجب أن يكون المولى والعبيد في ذلك سواء، وهو -عز وجل- إنما أراد أنهم لا يستوون في الملك. وهذا قول جيد انفرد به صاحب النظم، وانظر الأقوال الأخرى التي ذكرتها في التعليق على الآية في التحقيق. ذكر المناسبات وتوجيه المعنى: عند قوله تعالى: {أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ} [النحل: 59] قال: وقال صاحب النظم: قوله: {أَيُمْسِكُهُ} متصل في النظم بقوله: {وَهُوَ كَظِيمٌ} [النحل: 58] والكظيم بمعنى الكاظم، ومعنى الكظم: ستر الشيء في القلب وترك إظهاره، ومنه: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ} [آل عمران 134] والتأويل: وهو كاظم {أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ} أي: أن هذا المعنى في قلبه من شدة الغَمّ وهو يكظمه ولا يظهره.

11 - كتب أبي بكر ابن الأنباري

11 - كتب أبي بكر ابن الأنباري: تعدّ كتب أبي بكر محمد بن القاسم الأنباري (¬1) من المصادر الرئيسة، وقد أفاد الواحدي منه كثيرا فكانت أقوال ابن الأنباري في "معاني القرآن" واللغة والنحو مصدرًا رئيسا من أهم مصادره في تفسيره، وكلامه ينال إعجاب الواحدي فيشيد به، أخذ عنه في المسائل النحوية واللغوية والقضايا التفسيرية وخصوصا فيما يتعلق بمشكل القرآن أو النكات والفوائد. نقل عنه كثيرا ولم أجد مما نسبه إليه في كتب ابن الأنباري التي وصلت إلينا سوى نتف يسيرة في كتاب "الزاهر" (¬2). ولابن الأنباري كتاب في "المشكل في معاني القرآن" وصل فيه إلى {طه} أملاه في سنين كثيرة، و"رسالة المشكل" رفى فيها على ابن قتيبة وأبي حاتم السجستاني، ولم يصلا إلينا (¬3)، ولعل السبب في عدم وصول مثل هذه الكتب ما ذكره الخطيب البغدادي: من أنه كان يملي، ولم يكن يكتب (¬4). ويترجح عندي أن الواحدي اعتمد على هذين الكتابين فيما أفاده عن ابن الأنباري، لأن أغلب ما نقل عنه يتعلق بمشكل القرآن، ولتصريحه بالرد ¬

_ (¬1) هو: محمد بن القاسم بن محمد بن بشار بن الحسن الأنباري، أبو بكر البغدادي إمام ثقة لغوي نحوي مفسر أديب حافظ برز في فنون من العلم وهو من أعلم الناس باللغة والأدب، ومن أحفظ نحاة الكوفة، توفى سنة 327 هـ. انظر: "إشارة التعيين" ص 335، و"البلغة" ص 212، و"بغية الوعاة" 1/ 212، و"طبقات المفسرين" للداودي 2/ 227. (¬2) كتاب "الزاهر" يذكر فيه الأقوال المأثورة والأمثال ويشرحها. طبع الكتاب في مجلدين بتحقيق د/ حاتم صالح الضامن. (¬3) انظر: "تاريخ بغداد" 3/ 184، و"معجم الأدباء" 18/ 312. (¬4) انظر: "تاريخ بغداد" 3/ 184.

على ابن قتيبة أحيانًا نقلًا عن ابن الأنباري. والكلام الذي نستطيع أن نرجعه إلى ابن الأنباري، هو ما صرح الواحدي فيه بنقله عنه. ويغلب على ظني أن هناك مواضع كثيرة نقل فيها عنه بدون عزو، لشبه العبارة بكلام ابن الأنباري، ولأنه اتضح لي أن الواحدي ينقل عن مصادره بعزو، وأحيانا بدون عزو. وأذكر بعض الأمثلة لأخذ الواحدي عن ابن الأنباري ففي تفسير "البسملة" قال: "قال أبو بكر محمد بن القاسم بن بشار سألت أبا العباس، لِمَ جمع بين الرحمن الرحيم (¬1)؟. فقال: لأن الرحمن عبراني، فأتى معه الرحيم العربي واحتج بقول جرير .... الخ". وفي تفسير قوله تعالى: {كَمَثَلِ اَلَّذِى اَستَوقَدَ نَارًا} [البقرة: 17] قال: "وقال ابن الأنباري: "الذي" في هذه الآية واحد في معنى الجمع، وليس على ما ذكره ابن قتيبة، لأن "الذي" في البيت الذي احتج به جمع واحده "اللذ"، و"الذي" في الآية واحد في اللفظ لا واحد له، ولكن المراد منه الجمع". ومثال آخر يوضح مدى إفادة الواحدي من ابن الأنباري ما ذكر في تفسير قوله تعالى: {لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} الآية [يونس: 4] قال: "فإن قيل: لم أفرد المؤمنين بالقسط دون غيرهم وهو يجزي الكافر -أيضا- بالقسط؟ قال ابن الأنباري: "لو جمع الله الصنفين بالقسط لم يتبين ما يقع بالكافرين من العذاب الأليم، ففصلهم عن المؤمنين، ليبين ما يجزيهم به ¬

_ (¬1) هكذا في جميع النسخ، ولعل الأولى "الرحمن والرحيم" كما في "الزاهر" 1/ 53.

12 - أبو القاسم الزجاجي

مما هو عدل غير جور؛ فلهذا خص المؤمنين بالقسط وأفرد الكافرين بخبر يرجع إلى تأويله بزيادة الإبانة .. " (¬1). 12 - أبو القاسم الزجاجي (¬2): أخذ الواحدي عن أبي القاسم الزجاجي خصوصًا في المسائل اللغوية والنحوية ونقل عنه مقاطع طويلة، ولم أستطع أن أهتدي إلى الكتاب الذي نقل عنه بعد أن اطلعت على جميع كتبه المطبوعة، فلعل الواحدي أخذ عن مصدر مفقود أو عن كتاب غير كتب الزجاجي يعتني بذكر أقواله، أو عن طريق أحد شيوخه مشافهة. ومن أمثلة ذلك ما ذكره عن معنى الإيمان في تفسير قوله تعالى: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} [البقرة: 3] قال: " ... على أن أبا القاسم الزجاجي شرح معنى الإيمان بما هو أظهر مما ذكره الأزهري، وهو انه قال: معنى التصديق في الإيمان لا يعرف من طريق اللغة إلا بالاعتبار والنظر، لأن حقيقته ليست للتصديق، ألا ترى أنك إذا صدقت إنسانًا فيما يخبرك به، لا تقول آمنت به؟ لكنك إذا نظرت في موضوع هذه الكلمة وصرفته حق التصريف ظهر لك من باطنها معنًى يرجع إلى التصديق ... إلخ ". ¬

_ (¬1) "البسيط" 3/ 3 أ "النسخة الأزهرية". (¬2) أبو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق البغدادي، النهاوندي، لقب الزجاجي، نسبة إلى شيخه إبراهيم بن السري أبي إسحاق لملازمته له، نحوي، لغوي أصله في نهاوند، وولد بها، وسكن بغداد، أخذ عن الزجاج وابن دريد ونفطويه وأبي الحسن الأخفش، سكن طبرية ودمشق وتوفي بها سنة 337 هـ. ومن تصانيفه: "الجمل الكبرى في النحو"، "اللامات في اللغة"، "شرح مقدمة أدب الكاتب"، وكتاب "اشتقاق أسماء الله"، وغيرها. ينظر: "إنباه الرواة" 2/ 160، و"وفيات الأعيان" 3/ 136، "بغية الوعاة" 2/ 77.

13 - كتب أبي جعفر النحاس

ومثال آخر في قوله تعالى: {الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ} الآية [البقرة: 46] قال: "وذكر أبو القاسم الزجاجي حقيقة الظن في اللغة، فقال: هو اعتقاد الشيء على طريقة التقدير والحدس فإن أصاب فيما ظن صار يقينا، وإن لم يصب كان مخطئا في تقديره، ولهذا ذكر أهل اللغة هذه اللفظة في باب الأضداد .. الخ" (¬1). 13 - كتب أبي جعفر النحاس (¬2): أفاد الواحدي في "البسيط" من كتب أبي جعفر النحاس في مواضع متعددة خصوصًا من كتاب "القطع والائتناف" (¬3)، وهو "الوقف والابتداء"، ومن أمثلة ذلك. 1 - قول الله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ} [الروم: 25] قال الواحدي: "وقال النحاس: {إِذَا دَعَاكُم دَعوَةً} ليس بوقف؛ لأنه لم يأت بجواب "إذا" وجواب "إذا" على قول الخليل وسيبويه: {أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ} أي: خرجتم. ¬

_ (¬1) انظر: "البسيط" عند تفسير الآية: [46]. (¬2) هو أبو جعفر أحمد بن محمد بن إسماعيل بن يونس المرادي، النحاس، النحوي، المصري، وعرف با بن النحاس، وعرف بالصفار، نحوي، لغوي، مفسر، أديب، فقيه، رحل إلى بغداد وأخذ عن المبرد والأخفش ونفطويه والزجاج وغيرهم، ثم رجع إلى مصر وأقام بها إلى أن توفى سنة 338 هـ. من مصنفاته: "إعراب القرآن"، "معاني القرآن"، "الناسخ والمنسوخ"، و"الكافي في النحو". ينظر: "وفيات الأعيان" 1/ 35، "معجم الأدباء" 4/ 224، "سير أعلام النبلاء" 10/ 99. (¬3) انظر: "البسيط" تفسير سورة الدخان.

14 - "الإغفال فيما أغفله الزجاج من المعاني"

وكذا قال سيبويه: {وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ} [الروم: 36] تقديره عنده: قنطوا. والقول ما قال النحاس. "القطع والائتناف" 2/ 532. 2 - قول الله تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا} [الفرقان: 59] قال الواحدي: "وكان علي بن سليمان يذهب إلى أن الكناية في {بِهِ} تعود إلى السؤال. وقوله: {فَاسْأَلْ} يدل على السؤال. والمعنى: فاسأل عالمًا بسؤالك. "القطع والائتناف" 2/ 486. 3 - في سورة الدخان {حم (1) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ} [الدخان: 1 - 2] قال: "قال النحاس: يجوز أن يجعل جواب القسم: "إنا أنزلناه حم" فيكون تمام الكلام عند قوله "المبين" وان جعلمت جواب القسم "إنا أنزلناه" أتصل بالكلام الأول" (¬1). 14 - " الإغفال فيما أغفله الزجاج من المعاني" (¬2) لأبي علي الفارسي، وفي هذا الكتاب تعقب أبو علي الفارسي (¬3) كتاب أبي إسحاق الزجاج "معاني القرآن وإعرابه" في مسائل ذكرها الزجاج. وقد أطال أبو علي في كثير منها وتوسع طويلًا وسلك منهجًا قريبًا من منهجه في "الحجة" في إيراد المسائل اللغوية والنحوية والصرفية، وقد أفاد الواحدي من "الإغفال" في مسائل كثيرة، بعضها بالعزو، وبعضها بدون عزو. ¬

_ (¬1) "البسيط" 5/ 13 أ "النسخة الأزهرية". انظر: "القطع والائتناف" للنحاس ص 654. (¬2) حقق محمد حسن محمد إسماعيل الكتاب في رسالة علمية لنيل الماجستير في كلية الآداب جامعة عين شمس بالقاهرة، ولم تطبع بعد. (¬3) سبق ترجمته.

ومن أمثلة ذلك في لفظ الجلالة "الله" نقل عن الإغفال طويلا بدون عزو حيث قال: "وقوله "الله" أما أصل هذه الكلمة فقد حكى أصحاب سيبويه عنه فيه قولين: أحدهما قال: كان أصل هذا الاسم "إلاها" ففاؤها "همزة"، وعينها " لام" و"الألف" ألف فِعَال الزائدة، واللام "هاء" ... إلخ (¬1)، وأخذ عنه في ذلك صفحات عديدة، أكثره بنصه وقد يتصرف بالعبارة أحيانا ويقدم بعض الكلام على بعض. ونص كلام أبي علي في "الإغفال": "فأما قولنا: "الله" فقد حمله سيبويه على ضربين: أحدهما: أن يكون أصل الاسم "إلاه" ففاء الكلمة على هذا "همزة" وعينها "لام" والألف "ألف" فِعَال الزائدة و"اللام" هاء .. الخ (¬2). وفي آخر الموضوع نقل عنه كلامًا طويلًا حول الإمالة في لفظ الجلالة "الله" ولم أجده عند أحد غير أبي علي (¬3) سوا ما نقله عنه ابن سيده في المخصص والواحدي في "البسيط". ومثال آخر في قوله تعال: {وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا} [البقرة: 48] نقل عنه كلامًا طويلًا مع عزوه له. فقال: "أبو علي: والظرف نوع من أنواع المفعولات المنتصبة عن تمام الكلام، وهو زمان أو مكان .. " (¬4). ¬

_ (¬1) "البسيط" تفسير البسملة. (¬2) "الإغفال" ص 11. ونقل ابن سيده كلام أبىِ علي بنصه مع عزوه له في "المخصص" 17/ 136 - 151. (¬3) انظر: الإغفال ص 47. (¬4) انظر: "البسيط" عند تفسير سورة البقرة الآية [48]، و"الإغفال" ص 174 "رسالة ماجستير".

15 - المسائل الحلبيات لأبي علي الفارسي

واستمر ينقل عنه في الظروف كلامًا لا علاقة له بالتفسير، وبمثل هذا النهج نقل عنه كلامًا طويلا حول "الآن" (¬1). ومثال آخر في قوله تعالى: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ...} الآية [النساء: 3] ذكر كلام أبي إسحاق الزجاج ثم قال: "هذا كلام أبي إسحاق وقد أخطأ في موضعين من هذا الفصل أصلحهما (¬2) أبو علي وذكر معنى العدل فقال: اعلم أن العدل ضرب من الاشتقاق فكل معدول مشتق، وليس كل مشتق معدولًا .... الخ" (¬3). 15 - المسائل الحلبيات (¬4) لأبي علي الفارسي: وقد أفاد منه الواحدي ونقل عنه قليلا وذكرته هنا لمناسبة ذكر كتب أبي علي الفارسي، أخذ عنه في تفسير "الناس" في قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ} [البقرة: 8] قال: "وذكر أبو علي في المسائل الحلبيات أن الكسائي قال: إن "الأناس" لغة و"الناس" لغة أخرى، وكأنه يذهب إلى أن "الفاء" محذوف من الناس كما يذهب إليه سيبويه والدلالة على أنهما من لفظ واحد، وليسا من كلمتين مختلفتين أنهم قالوا: "الأناس" في المعنى الذي قالوا فيه "الناس" .. إلخ (¬5). وبالرجوع ¬

_ (¬1) انظر: "البسيط" تفسير سورة البقرة [71]، و"الإغفال" ص 1. (¬2) كتاب أبي علي "الإغفال" يسمى "المسائل المصلحة" حيث ورد هذا الاسم في أول الكتاب. انظر "الإغفال" ص 1. (¬3) "البسيط" تفسير سورة النساء [3]. (¬4) طبع كتاب "المسائل الحلبيات" بتحقيق د/ حسن هنداوي في مجلد. (¬5) "البسط" تفسير سورة البقرة [8].

16 - الإيضاح العضدي

للمسائل الحلبيات، نجد الواحدي نقل كلام أبي علي بالمعنى (¬1). 16 - الإيضاح العضدي: ذكر أبو علي في هذا الكتاب مباحث في النحو والصرف، والعضدي: نسبة للسلطان عضد الدولة، أبي شجاع، فَنَّاخُسْرُو، صاحب العراق وفارس، قال الذهبي في ترجمة عضد الدولة: وله صنف أبو علي كتابي: "الإيضاح"، "والتكملة" (¬2). {أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ} [الشعراء: 197] قال الواحدي: "قال أبو علي: إذا اجتمع في باب: كان، معرفة ونكرة فالذي يُجعل اسم كان منهما: المعرفة، كما كان المبتدأ: المعرفة، والنكرة: الخبر ... ذكر هذا في كتاب "الإيضاح" ونحو هذا ذكر في كتاب "الحجة". 17 - كتاب "سر صناعة الإعراب" (¬3) لأبي الفتح عثمان بن جني (¬4): تكلم ابن جني في هذا الكتاب عن أحكام "حروف المعجم" وأحوالها ومواقعها في كلام العرب. ¬

_ (¬1) انظر: "المسائل الحلبيات" ص 166 - 170. (¬2) "سير أعلام النبلاء" 16/ 249. (¬3) طبع الكتاب في مجلدين بتحقيق د/ حسن هنداوي. (¬4) هو: أبو الفتح عثمان بن جني الموصلي النحوي اللغوي، صاحب التصانيف البديعة في الأدب والنحو، صحب أبا علي الفارسي طويلاً واستوطن بغداد، وتوفي سنة 372 هـ من مصنفاته: "الخصائص"، "سر صناعة الإعراب"، "المصنف في شرح تصريف المازني"، و"الفسر في شرح ديوان المتنبي". ينظر: "تاريخ بغداد" 11/ 311، و"إنباه الرواة" 2/ 335، و"معجم الأدباء" 12/ 81، و"وفيات الأعيان" 3/ 246.

منهج ابن جني في كتابه

منهج ابن جني في كتابه: " كان بين أيدي الناس ترتيبان للحروف: أحدهما ترتيبها بحسب المخارج، وهو الترتيب الذي بنى عليه أصحاب المعجمات مصنفاتهم في اللغة، كالخليل في كتاب العين، والأزهري في "تهذيب اللغة"، والثاني ترتيبها على النحو التالي: (أ. ب. ت. ث. ج. ح. خ. د. ذ. ر. ز. س. ش. ص. ض. ط. ظ. ع. غ. ف. ق. ك. ل. م. ن. هـ. و. لا. ي) وهو الذي كان مشهورًا بأيدي الناس في حياة ابن جني، وهو الترتيب الذي آثره، فبوّب كتابه بحسبه. وقد عقد أبو الفتح لكل حرف من هذه الحروف بابًا تناول فيه الحرف على النحو التالي: فهو يبدأ أولًا بذكر صفة الحرف من حيث الجهر أو الهمس، ويبين استعماله في الكلام من حيث الأصالة، والبدل، والزيادة، ويتلوه بالتمثيل لأصالته من حيث وقوعه فاء الكلمة، وعينها، ولامها، فيذكر لكل وقع مثالين أحدهما اسم والآخر فعل. ما عدا باب الهمزة فقد زاد فيه عن المثالين، ويعقبه بذكر الحروف التي أبدل هذا الحرف منها، ويفصل القول في كل منها، وبعد ذلك يعرض مواضع زيادته. وفي مطلع باب الهمزة شرح معنى الأصالة والبدل والزيادة، فقال: "اعلم أن الهمزة حرف مجهور، وهو في الكلام على ثلاثة أضرب: أصل، وبدل، وزائد. ومعنى قولنا أصل: أن يكون الحرف فاء الفعل أو عينه أو لامه. والبدل: أن يقام حرف مقام حرف، إما ضرورة، وإما استحسانًا وصنعة. فإذا كانت أصلًا وقعت فاء وعينًا ولامًا. فالفاء نحو أَنْف وأُذُن وإبرة وأَخَذ وأَمرَ. والعين نحو فأس ورأس وجُؤْنة وذئب وسأل وجأَرَ. واللام نحو قُرْء وخَطَأ

ونَبَأ وهدأَ واستبرأَ واستدفأَ" (¬1). وقال في باب التاء: "التاء حرف مهموس، يستعمل في الكلام على ثلاثة أضرب: أصلًا وبدلًا وزائدًا. فإذا كانت أصلًا وقعت فاء وعينًا ولامًا، فالفاء نحو تَمْر وتَنَأَ، والعين نحو فِتْر وقتلَ، واللام نحو فَخْت ونَحَتَ. وأما إبدالها فقد أبدلت من ستة أحرف هن: الواو، والياء، والسين والصاد والطاء، والدال. إبدالها من الواو: قد أبدلت التاء من الواو فاء إبدالًا صالحًا ... " (¬2). وأما زيادة الحرف فتارة يكتفي بذكر الأماكن التي يكون فيها زائدًا مع التمثيل، كقوله في زيادة التاء: "وأما الزيادة فقد زيدت التاء أولًا في نحو تَأْلَب وتِجْفاف .. وزيدت ثانية في نحو افتقار وافتقر ... وزيدت أيضًا رابعة في سَنْبَتة .. وزيدت أيضًا خامسة في نحو ملكوت وجبروت ... وسادسة في نحو عنكبوت وتَرْنَموت ... وقد زيدت في أوائل الأفعال الماضية للمطاوعة، كقولك كسّرته فتكسّر .. وتزاد في أوائل المضارعة لخطاب المذكر نحو أنت تقوم وتقعد .. " (¬3). وتارة يبدأ بوضع المقاييس التي يستدل بها على زيادة الحرف، كقوله في زيادة الهمزة: "اعلم أن موضع زيادة الهمزة أن تقع في أول بنات الثلاثة، فمتى رأيت ثلاثة أحرف أصولًا وفي أولها همزة، فاقض بزيادة الهمزة عرفت الاشتقاق في تلك اللفظة أو جهلته، حتى تقوم الدلالة على ¬

_ (¬1) "سر صناعة الإعراب" ص 69. (¬2) "سر صناعة الإعراب" ص 145. (¬3) "سر صناعة الإعراب" ص 157 - 159.

كون الهمزة أصلًا، وذلك نحو أحمر وأصفر ... " (¬1). فإذا جُهل الاشتقاق لجأَ أبو الفتح إلى القياس للحكم على أصالة الحرف أو زيادته، من ذلك قوله في التاء والنون: "واعلم أن للتاء ميزانًا وقانونًا يعرف به من طريق القياس كونها أصلًا أو زائدة، فإذا عدمت الاشتقاق في كلمة فيها تاء أو نون، فإن حالهما فيما أذكره لك سواء: فانظر إلى التاء أو النون، فإن كان المثال الذي هما فيه أو إحداهما على زنة الأصول بهما فاقض بأنهما أصلان، وإن لم يكن المثال الذي هما فيه بهما أو بإحداهما على زنة الأصول فاقض بأنهما زائدتان .. " (¬2). وبعد أن يفرغ من الحديث عن زيادة الحرف يشير إلى حذفه إن كان الحذف قد وقع فيه، كقوله في الهمزة: "وقد حذفت الهمزة فاء نحو ويلِمِّه، وناس، والله في أحد قولي سيبويه. ولامًا في جا يجي، وسا يسو. وحذفت عينًا في أريت وتصرفه" (¬3). هذا إذا كان الحرف يستعمل في الكلام أصلًا وبدلًا وزائدًا، فإذا كان لا يقع إلا أصلًا كالخاء، اكتفى بذكر ذلك فيه، وعرض ما اختلف فيه مما قد يظن أنه يدخل في باب الإبدال (¬4). وكذا إذا كان الحرف لا يستعمل إلا أصلًا وبدلًا كالجيم (¬5)، ومثله الحرف الذي يستعمل أصلًا وزائدًا ليس غير كالسين (¬6). ¬

_ (¬1) "سر صناعة الإعراب" ص 107. (¬2) "سر صناعة الإعراب" ص 167. (¬3) "سر صناعة الإعراب" ص 118. (¬4) "سر صناعة الإعراب" ص 183 - 184. (¬5) "سر صناعة الإعراب" ص 175 - 178. (¬6) "سر صناعة الإعراب" ص 197.

هذه هي القضايا الأساسية التي كررها المؤلف في كل حرف، فهي العمود الفقري لكل باب من أبواب الكتاب، وأمّا ما عداها من المسائل فإنما استطرد إليها استطرادًا، أو ذكرها إيضاحًا لمشكل، أو لأن لها علاقة وإن كانت بعيدة ببعض المباحث الأساسية. نخلص من هذا إلى القول: إن مادة الكتاب الأصلية هي الإعلال والإبدال والزيادة والحذف، وهذه أهم مباحث علم التصريف (¬1). ولقد استفاد الواحدي من كتاب "سر صناعة الإعراب" كتيرًا في المسائل النحوية خصوصًا عن الحروف ومعانيها، والغالب أنه ينقل عنه بدون عزو، وقد يعزو له أحيانًا قائلًا: قال أبو الفتح الموصلي، بدون ذكر اسم كتابه الذي أخذ عنه. ومن أمثلة نقله عنه بدون عزو ما افتتح به كتابه عند الكلام عن "الباء" في تفسير: "بسم الله الرحمن الرحيم" قال: "اختلفت عبارة النحويين في تسمية هذه "الباء" الجارة، فسموها مرة: حرف إلصاق، ومرة حرف استعانة، ومرة حرف إضافة، وكل هذا صحيح من قولهم. أما الإلصاق: فنحو قولك تمسكت بزيد، وذلك أنك ألصقت محل قدوتك به، وبما اتصل به، فقد صح إذن معنى الإلصاق ... " (¬2) نقل عنه مع التصرف في كلام ابن جني بالتقديم والتأخير والحذف، وأذكر بعض كلام ابن جني لمقارنته مع نقل الواحدي قال ابن جني: ¬

_ (¬1) وانظر: مقدمة "سر صناعة الإعراب" ص 33 - 41. (¬2) انظر: تفسير الفاتحة من "البسيط".

"واعلم أنهم قد سموا هذه "الباء" في نحو قولهم: "مررت بزيد" و "ظفرت ببكر" مما تتصل فيه الأسماء بالأفعال، مرة حرف إلصاق، ومرة حرف استعانة، ومرة حرف إضافة، وكل ذلك صحيح من قولهم .. الخ (¬1). وقال الواحدي: وأما قول النحويين "الباء والكاف واللام" الزوائد، فإنما قالوا فيهن إنهن زوائد، لأنهن لما كن على حرف واحد، وقللن غاية القلة واختلطن بما بعدهن، خشي عليهن لقلتهن وامتزاجهن بما يدخلن عليه أن يظن بهن أنهن بعضه وأحد أجزائه، فوسموهن بالزيادة، ليعلموا من حالهن أنهن لسن من أنفس ما وصلن به .. (¬2). وقال ابن جني: "فأما قول النحويين: الباء والكاف واللام الزوائل يعنون نحو بزيد ولزيد، فإنما قالوا فيهن إنهن زوائد لما أذكره لك، وذلك أنهن لما كن على حرف واحد، وقللن غاية القلة، واختلطن بما بعدهن خشي عليهن لقلتهن وامتزاجهن بما يدخلن عليه أن يظن بهن أنهن بعضه أو أحد أجزائه فوسموهن بالزيادة لذلك، ليعلموا من حالهن أنهن لسن من أنفس ما وصلن به .. " (¬3). وبمثل ذلك تعامل الواحدي مع كتاب أبي الفتح بن جني في مواضع كثيرة من كتابه ينقل عنه بتصرف ولا يعزو له. انظر الكلام على "ال" في تفسير {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 1] نقل عنه صفحات كثيرة ¬

_ (¬1) "سر صناعة الإعراب" 1/ 122. (¬2) "البسيط" تفسير الفاتحة. (¬3) "سر صناعة الإعراب" 1/ 120.

بتصرف. (¬1) وفي تفسير {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} [الفاتحة: 5] عند الكلام على "إيا" قال: "اختلفت مذاهب النحويين في هذا الحرف، وأنا ذاكر لك منها ما يحتمله هذا الكتاب، ذهب الخليل إلى أن "إيا" اسم مضمر مضاف إلى "الكاف"، وهذا مذهب أبي عثمان. وحكى أبو بكر عن أبي العباس عن أبي الحسن: أنه أسم مفرد مضمر يتغير آخره كما تتغير أواخر المضمرات لاختلاف أعداد المضمرين، وأن "الكاف" في "إياك" كالكاف في "ذلك" في أنه دلالة على الخطاب فقط مجردة من كونها علامة للضمير، ولا يجيز أبو الحسن فيما يحكى عنه: "إياك وإيا زيد" و"إياي وإيا الباطل". وقال سيبويه: حدثني من لا أتهم .. إلخ (¬2). ونص كلام أبي الفتح: "فهذِه مسألة لطيفة عنت لنا في أثناء هذا الفصل، نحن نشرحها ونذكر خلاف العلماء فيها، ونخبر بالصواب عندنا من أمرها إن شاء الله وهي قوله عز اسمه {إِيَّاكَ نَعبُد} وما كان مثله. أخبرني أبو علي عن أبي بكر محمد بن السري عن أبي العباس محمد بن يزيد: أن الخليل يذهب إلى أن "إيا" اسم مضمر مضاف إلى الكاف، وحكى عن المازني مثل هذا القول المحكي عن الخليل في أنه مضمر مضاف. قال: وحكى أبو بكر عن أبي العباس عن أبي الحسن الأخفش، وأبو إسحاق عن أبي العباس غير منسوب إلى الأخفش: أنه اسم مفرد مضمر ¬

_ (¬1) "البسيط" تفسير الفاتحة الآية: [2]. (¬2) "البسيط" تفسير الفاتحة الآية: [5].

بتغير آخره كما لتغير أواخر المضمرات لاختلاف أعداد المضمرين ... إلى أن قال: ولا يجيز أبو الحسن فيما حكي عنه: "إياك وإيا زيد، وإياي وإيا الباطل" انتهت الحكاية عن أبي علي. وقال سيبويه: "حدثني من لا أتهم عن الخليل .. الخ (¬1). وبعد أن نقل الواحدي عن أبي الفتح ابن جني كلامًا طويلًا في هذا قال: " .. وهذا الذي ذكرنا كلام أبي علي وأبي الفتح" (¬2). ومن أمثلة أخذه عنه بدون عزو -وهي كثيرة- ما ذكره في حروف التهجي عند تفسير قوله تعالى: {الم} [البقرة: 1] (¬3) وكذلك عن "الفاء" في تفسير قوله تعالى: {فَاَتَّقُواْ ألنَّارَ} [البقرة: 24] (¬4). هذه أهم مصادر الواحدي التي تم التعرف عليها. وفي تفسيره "البسيط" حشد كبير من أقوال الصحابة ومن بعدهم من التابعين في مجال التفسير وكذا أقوال أئمة اللغة والنحو، ونجد الواحدي في الغالب ينقل هذه الأقوال عن طريق هذه المصادر. ففي مجال التفسير ذكر أقوال ابن عباس كثيرًا، بل إن منهجه يقوم على ذكر قول ابن عباس في الآية ما وجد له قولًا فيها، كما ذكر ذلك في مقدمة كتابه (¬5)، كما ذكر أقوال ابن مسعود، وأبيّ بن كعب. ومن التابعين ومن بعدهم ذكر أقوال مجاهد، وسعيد بن جبير، وعطاء بن أبي رباح، ¬

_ (¬1) "سر صناعة الإعراب" 1/ 312. (¬2) تفسير الفاتحة الآية [5]. (¬3) "البسيط" [البقرة: 1]. (¬4) "البسيط" [البقرة: 24]. (¬5) انظر: "البسيط" ذكر ذلك في المقدمة.

وعكرمة، وأبي الحسن البصري، وقتادة، والسدي، وغيرهم. وفي الغالب أنه يأخذ أقوال هؤلاء عن طريق تفسير الثعلبي أو الطبري. وممن ذكر قوله في مجال التفسير "الحسين بن الفضل" (¬1)، ينقل أقواله في الغالب من طريق الثعلبي. من أمثلة ذلك عن تفسير قوله تعالى: {وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ} [البقرة: 45] قال: " .. وقال الحسين بن الفضل: رد الكناية إلى الاستعانة؛ لأن "استعينوا" يدل على المصدر .. " (¬2). وقول الحسين ذكره الثعلبي في تفسيره. كذا الحال بالنسبة لأئمة النحو، نجد اسم "سيبويه" يتردد كثيرًا في "البسيط" وفي جميع المواضع التي اطلعت عليها لم أجده نقل عن الكتاب مباشرة، وإنما عن طريق أحد المصادر السابقة، من أمثلة ذلك: أنه ذكر قوله سيبويه في "الباء" من طريق "سر صناعة الإعراب"، وذكر قوله في "أراب" عن طريق "الحجة" لأبي علي الفارسي، وهكذا. ومثل هذا يقال عن بقية أئمة النحو الذين نقل عنهم كثيرًا كالخليل، وابن كيسان وأبي الحسن الأخفش، وأبي العباس ثعلب وغيرهم. وكما ذكر أقوال أئمة اللغة عن طريق "تهذيب اللغة" للأزهري مثل أبي عبيد القاسم بن سلام، وابن السكيت، والأصمعي، وأبي حاتم، واللحياني ¬

_ (¬1) هو: الحسين بن الفضل بن عمير البجلي الكوفي ثم النيسابوري، المفسر، الأديب، إمام عصره في "معاني القران"، صاحب فنون وتعبد، توفي وهو ابن مائة وأربع سنين في سنة 282 هـ. انظر: "العبر في خبر من غبر" 1/ 99، "الوافي بالوفيات" 4/ 281، "طبقات المفسرين" 1/ 7، "سير أعلام النبلاء" 13/ 414 (¬2) انظر: "البسيط" [البقرة: 45].

منهج الواحدي في النقول من مصادره

ابن الأعرابي وغيرهم. مثال واحد يوضح ذلك، نقل قول أبي عبيد في معنى "الصلاة" لغة، وكذا معنى "الفلاح" وكلام أبي عبيد موجود في كتابه "غريب الحديث" لكن النص أقرب إلى ما ذكره الأزهري في "تهذيب اللغة"، كما نقل كلامًا قبله وبعده من "التهذيب" يؤكد أن النقل منه. منهج الواحدي في النقول من مصادره: لقد استفاد الواحدي من تلك المصادر كثيرًا، وكانت النقول سمة بارزة في تفسيره. لكن ما طريقة الواحدي في النقل هل هو مجرد ناقل، أو له جهد فيما ينقله؟ الحقيقة أن هذه النقول تبرز ما يتمتع به الواحدي من مهارة فائقة في حسن انتقاء وجودة الربط بين الكلام، كما أن نقاشه للأقوال والترجيح بينهما، يظهر قوة عقلية وملكة علمية تدل على أصالته في ذلك، وقد عبر الواحدي عن هذا النهج في مقدمة كتابه حين قال: " ... ولم يترك الأول للآخر شيئا غير أن المتأخر بلطيف حيلته ودقيق فطنته، يلتقط الدرر ويجمع الغرر، فينظمها كالعقد على صدور الكعاب، يروق المتأملين ويؤنق الناظرين .... " (¬1). وأذكر بعض الأمثلة توضح ذلك: في تفسير قوله تعالى: {وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ ...} [البقرة: 6] نقل كلامًا بنصه لأبي علي الفارسي من الحجة عن الهمزة في "أأنذرتهم". فقال: "لفظه لفظ الاستفهام ومعناه الخبر ... " إلى أن قال: "فكل استفهام تسوية ¬

_ (¬1) انظر مقدمة المؤلف.

وإن لم يكن كل تسوية استفهامًا" (¬1). وانتقل من كلام أبي علي مباشرة إلى كلام لأبي إسحاق الزجاج رابطًا الكلام ببعضه فقال: "وحرر أبو إسحاق هذا الفصل فقال: إنما دخلت ألف الاستفهام، وأم التي هي للاستفهام، والكلام خبر لمعنى التسوية .. الخ" (¬2). وفي تفسير قوله تعالى: {وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا} [البقرة: 28] نقل كلامًا للفراء عن "كان" ومنه: " .. قال: وكان الخليل يقول: كَيْنُونَة "فَيْعُولَة" وهي في الأصل "كَيْوَنُونَة" التقت "ياء" و"واو" والأولى منها ساكنة فصيرتا "ياء" مشدّدة مثل ما قالوا: "الْهَيِّن" ثم خففوها فقالوا: "كَيْنُونة" كما قالوا: هَين لَيْن، قال الفراء: فقد ذهب مذهبًا، إلا أن القول عندي هو الأول. قال: ويضمر هاهنا "قد"، والتقدير: "وقد كنتم أمواتًا" (¬3) ... فربط بين كلام الفراء عن "كان" وهو منقول عن "تهذيب اللغة" ولم يرد هذا الكلام في تفسير الآية، تم ربط به مباشرة في قوله " .. قال: يضمر هاهنا "قد" .. " وهذا الكلام ذكره الفراء في "معاني القرآن" (¬4) فجمع بين النصين من "التهذيب" و"معاني القرآن"، وأحسن الربط بينهما، وكأنه من موضع واحد. ومع حسن سبك الكلام يناقش الأقوال ويوجهها، ويرجع ما يراه صوابًا ويرد ما كان بخلاف ذلك. ففي تفسير "البسملة" في قوله: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} نقل كلام أبي العباس ثعلب من طريق ابن الأنباري حيث يرى ثعلب أن "الرحمن" اسم عبراني، ويستدل على ذلك بقوله تعالى: {قَالُوا وَمَا ¬

_ (¬1) "البسيط" سورة البقرة: 6. (¬2) انظر: "البسيط" [البقرة: 6]. (¬3) "البسيط" انظر هذا الكلام عند تفسير قوله تعالى {وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا} [البقرة: 28]. (¬4) انظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 24.

الرَّحْمَنُ} [الفرقان: 60] (¬1) فيرد عليه الواحدي مبينًا أن الآية لا تقوم دليلًا على مطلوبه فيقول: "وأما ما احتج به أبو العباس من قوله تعالى: {وَمَا الرَّحْمَنُ} فهو سؤال عن الصفة، ولذلك قالوا: "وما الرحمن" ولم يقولوا: ومن، والقوم جهلوا صفته، والاسم كان معلوما لهم في الجملة" (¬2). مثال آخر يدل على ما يتمتع به من ملكة علمية تُمَكِّنه من نقاش كلام فطاحل العلماء، ما مر بنا قريبا من مناقشته لكلام الطبري (¬3) قائلًا: "وليس الأمر على ما قال، لأن الشك في القلب على الحقيقة، فأي فائدة لتقدير الاعتقاد هاهنا، ولأن الشك ينافي الاعتقاد، وهم ليسوا معتقدين إذا كانوا شاكين" (¬4). ومثال ثالث في تفسير قوله تعالى: {الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ ...} [البقرة: 27] ذكر وجهين للزجاج في المراد بالعهد (¬5)، ثم قال: "والوجه الأول أصحهما، من قبل أن الله لا يحتج عليهم بما لا يعرفون؛ لأنه بمنزلة ما لم يكن إذا كانوا لا يشعرون به ولا لهم دلالة عليه، والثاني مع هذا صحيح، لأنهم عرفوا ذلك العهد بخبر الصادق فكان كما لو كانوا يشعرون به، وهذا الوجه هو قول ابن عباس .. " (¬6). ¬

_ (¬1) انظر: "البسيط" عند تفسير قوله تعالى {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [الفاتحة الآية 3]. (¬2) انظر: المصدر السابق. (¬3) انظر: كلام الطبري من هذِه الدراسة. (¬4) انظر: "البسيط" عند قوله تعالى: {يُخَادِعُونَ اللَّهَ} [البقرة: 9]. (¬5) الوجهان: الأول: ما أخذه على النبيين ألا يكفروا بالنبي - صلى الله عليه وسلم -. والثاني: الذي أخذه من بني آدم من ظهورهم يوم الميثاق. انظر: "البسيط" عند قوله تعالى {الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ} [البقرة: 27]. (¬6) انظر: المصدر السابق.

وقد ينقل كلام غيره في النقاش والترجيح، مثال ذلك أنه في أثناء الكلام عن "الواو والياء والألف" التي تلحق التثنية والجمع، نقل كلامًا طويلًا عن أبي الفتح ابن جني ومما نقله قول أبي علي الفارسي ثم قال بعده: "وهذا استدلال من أبي علي في نهاية الحسن وصحة المذهب وسداد الطريقة" (¬1). وهذا التوجيه من كلام أبي الفتح بنصه (¬2). ومثال آخر حينما تحدث عن "إياك" في تفسير قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5] ذكر أقوال العلماء في ذلك ومنه كلام الخليل والزجاج ناقلًا عن أبي الفتح ابن جني، ومما نقله مناقشة أبي الفتح لكلام الخليل، وكلام الزجاج وفيه يقول: " ... أما قول الخليل: أن "إيا" اسم مضمر مضاف فظاهر الفساد، وذلك أنه إذا ثبت أنه مضمر فلا سبيل إلى إضافته .. " (¬3). ثم يقول: " .. وأما قول من قال: "إياك" بكماله الاسم فليس بقوي .. الخ" (¬4). ثم يقول: " .. وأما قول أبي إسحاق: إن "إيا" اسم مظهر خص بالإضافة إلى المضمر ففاسد -أيضا- وليست "إيا" بمظهر كما زعم الخ" (¬5). وكل هذه المناقشات من كلام أبي الفتح بن جني من "سر صناعة الإعراب" (¬6). ¬

_ (¬1) "البسيط" ص (659). (¬2) "البسيط" ص (303). (¬3) انظر: "البسيط" عند قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5]. (¬4) المصدر السابق. (¬5) المصدر السابق. (¬6) انظر: حاشية "البسيط" في المواضع السابقة.

بعض الملحوظات على نقل الواحدي

بعض الملحوظات على نقل الواحدي: مع كثرة النقول في تفسير "البسيط" وقع الواحدي في بعض الملحوظات، ويحصل ذلك عندما يختصر النص أو ينقل بعضه ويترك بعضًا، فيكون لما ذكر ارتباط بما ترك، أو يستبدل كلمة أو جملة بأخرى تغير المعنى. وهذه بعض الأمثلة توضح ذلك: في تفسير قوله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 2] نقل نصًّا عن "تهذيب اللغة" ولم يعزه له فقال: "وقال الأخفش: الحمد لله الشكر لله، قال: والحمد -أيضا- الثناء، وكأن الشكر لا يكون إلا ثناء ليد أوليته ... الخ" (¬1). وفي "التهذيب" كلام الأخفش ينتهي عند "الحمد -أيضا- الثناء" وبدل قوله: "وكأن الشكر لا يكون ... الخ"، "قلت: الشكر ... " فهو من كلام الأزهري كما صرح بذلك صاحب "اللسان" فقال: قال الأزهري: "والشكر لا يكون ... الخ" ولما أبدل الواحدي "قلت" بـ"كان" صار الكلام جزءًا من كلام الأخفش، أو من كلام الواحدي (¬2). مثال آخر في قوله تعال: {هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} [البقرة: 2] قال: "وزعم الأخفش أن من العرب من يؤنث الهدى" (¬3) وكلام الأخفش في "الحجة": "وقال أبو الحسن: زعموا أن من العرب من يؤنث الهدى" (¬4) فالأخفش ¬

_ (¬1) "البسيط" عند قوله تعالى {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 2]. (¬2) انظر التعليق على النص في حاشية "البسيط" عند قوله تعالى {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2)}. (¬3) "البسيط" [البقرة: 2]. (¬4) "الحجة" لأبي علي الفارسي 1/ 179، وانظر حاشية "البسيط" [البقرة: 2].

ناقل للزعم وجعله هو الزاعم. ومثال آخر: نقل كلام أبي الفتح في "أل" ومنه قوله: "ومذهب الخليل في هذا أن "أل" حرف التعريف بمنزلة "قد" في الأفعال ... واحتج لهذا المذهب بفصلين، أحدهما: أن العرب قطعت "أل" في أنصاف الأبيات نحو قول عبيد: يا خليلي اربعا واستخبرا الـ ... منزل الدراس من أهل الحلال مثل سحق البرد عفى بعدك الـ ... قطر مغناه وتأويب الشمال قال: فلو كانت اللام وحدها حرف التعريف لما جاز فصلها من الكلمة التي عرفتها ... " (¬1) فتصرف الواحدي في كلام أبي الفتح وصيَّر الكلام كأنه بنصه للخليل خصوصًا عند قوله: "واحتج لهذا المذهب بفصلين" وقوله: "قال: فلو كانت اللام ... " وأذكر نص كلام أبي الفتح ليظهر الفرق بين النصين. "وذهب الخليل إلى أن "أل" حرف تعريف بمنزلة "قد" في الأفعال وأن الهمزة واللام جميعًا للتعريف ... ويقوي هذا المذهب قطع "أل" في أنصاف الأبيات نحو قول عبيد: ياخليلي ........ ... .................... وهذه قطعة لعبيد مشهورة عددها بضعة عشر بيتًا يطرد جميعها على هذا القطع الذي تراه إلى بيتًا واحدًا من جملتها، ولو كانت اللام وحدها حرف التعريف لما جاز فصلها من الكلمة التي عرفتها ... " (¬2). ومثال آخر في تفسير قوله تعالى: {وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ} [البقرة: ¬

_ (¬1) "البسيط" [البقرة: 2]. (¬2) "سر صناعة الإعراب" 1/ 333.

48] قال: "قال أصحاب المعاني: ليس معنى: "لا يقبل الشفاعة" أن هناك شفاعة لا تقبل، وإنما المعنى لا يكون شفاعة فيكون لها قبول .. الخ" (¬1). فالواحدي نقل هذا عن أبي علي الفارسي من الحجة (¬2)، ونسبه لأهل المعاني ولم يذكره أحد من أهل المعاني الذين اشتهر أخذه عنهم كالفراء والأخفش والزجاج. ثم إن في هذا الكلام محذورًا حيث ظاهره نفي الشفاعة، وهذا قول المعتزلة، ولم ينقده في هذا الموضع كدأبه في نقد آراء المعتزلة، وان كان قد ذكر القول الصحيح في معنى الآية في موضع آخر فقال في آخر تفسيرها: " ... والآية وإن عمت في نفي الشفاعة فمعناها الخصوص فيمن مات على الكفر بدلالة الأخبار الصحيحة في الشفاعة، وقوله تعالى: {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى} [الأنبياء: 28] .. " (¬3). ¬

_ (¬1) "البسيط" [البقرة: 48]. (¬2) "الحجة" 2/ 46، 47. (¬3) "البسيط" [البقرة: 48].

المبحث السادس: منهج الواحدي في تفسيره وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: منهجه إجمالًا كما وصفه في مقدمة كتابه المطلب الثاني: منهجه تفصيلًا وفيه تسع مسائل. المطلب الثالث: مقارنة بين تفاسير الواحدي الثلاثة.

المبحث السادس منهج الواحدي في كتابه "البسيط"

المبحث السادس منهج الواحدي في كتابه "البسيط" المطلب الأول: مقدمة الكتاب ومنهجه إجمالًا: افتتح الواحدي كتابه بمقدمة طويلة أشتملت على مسائل هامة، حيث بين فيها سبب تأليفه الكتاب، ثم تحدث بإفاضة عن أهمية علم اللغة والنحو والأدب لتفسير القرآن الكريم، وذكر أنه لابد للمفسر أن يتمكن فيها، قبل تعرضه لتفسير كتاب الله، ثم تحدث عن شيوخه الذين تلقى عنهم العلوم في شتى المجالات، ثم تحدث بعد ذلك عن منهجه في كتابه إجمالًا. ولما حوته تلك المقدمة من قضايا هامة تنم عن شيء من شخصية الواحدي العلمية كانت مرجعًا لكل من أراد التعرف على الواحدي أو التعريف به، فنقل منها بعض العلماء عند تعريفهم بالواحدي، كما فعل "ياقوت" في معجم الأدباء (¬1)، ومن المعاصرين "أحمد صقر" في مقدمته على "أسباب النزول" (¬2). وقد سبق ذكر مقاطع منها عند الحديث عن العلوم التي برز فيها، وعند الحديث عن شيوخ الواحدي، وكذا عند الحديث عن مصادره في كتابه، والآن أستعرض جوانب أخرى في المقدمة لم يسبق الحديث عنها. ذكر في أولها الموضوعات الأساسية للكتاب فقال: "وبعد، فمنذ دهر تحدثني نفسي بأن أعلق لمعاني إعراب القرآن وتفسيره فِقَرًا في الكشف عن غوامض معانيه، ونُكَتًا في الإشارة إلى علل القراءات فيه في ورقات يصغر ¬

_ (¬1) انظر: "معجم الأدباء" 12/ 262 - 270. (¬2) انظر: "أسباب النزول" ص 11 وما بعدها.

حجمها ويكثر غُنْمها .. ". وقد كان الواحدي موفقًا في تحديد الموضوعات الرئيسة التي ركز عليها في تفسيره، لكن عبارته توحي بالاختصار والإيجاز، والواقع بخلاف ذلك، فقد تعدى في بعض المواضع حدود الإطالة إلى الإملال بذكر مسائل لا علاقة لها بالتفسير. وإذا كان السبب الرئيس للتأليف -كما أفصح عنه- رغبته في الكشف عن غوامض معاني القرآن الكريم، فهناك سبب آخر دعاه للتأليف ذكره قائلا: " .. والأيام تمطلني بصروفها على اختلاف صنوفها إلى أن شدد علي خناق التقاضي قومٌ لهم في العلم سابقة، وفي التحقيق همم صادقة، فسمحت قرونتي بعد الإباء .. "، ثم يقول: " .. هؤلاء شكوا إليّ غلظ حجم المصنفات في التفسير، وأن الواحدة منها تستغرق العمر كتابتها ويستنزف الروح سماعها وقراءتها، ثم صاحبها بعد أن أنفق العمر على تحصيلها، ليس يحظى منها بطائل تعظم عائدته، وتعود عليه فائدته". أبرز الواحدي أن من أسباب تأليفه الكتاب ما شكوا إليه من غلظ حجم المصنفات في التفسير أقول: لقد جاء كتابه "البسيط" غليظ الحجم فوقع فيما نقده على غيره. ثم تحدث الواحدي بعد ذلك عن أصول هامة لابد لمن رام تفسير كتاب الله أن يلم بها، فذكر النحو والأدب والبلاغة وأهميتها للمفسر فقال: "فقلت: إن طريق معرفة تفسير كلام الله تعالى تعلم النحو والأدب، فإنهما عمدتاه وإحكام أصولهما، وتتبع مناهج لغات العرب فيما تحويه من الاستعارات الباهرة، والأمثال النادرة، والتشبيهات البديعة، والملاحن الغريبة .. " ويستطرد طويلًا في بيان أهمية ذلك لتفسير القرآن، خصوصًا في

عصره، وذلك لأن الصحابة الذين نزل القرآن فيهم، كانوا عربًا أولي بيان فاضل، وقد بين لهم النبي - صلى الله عليه وسلم - ما يحتاجون من مجمل الكتاب فيقول: "فاستغنوا بذلك عما نحن إليه محتاجون من معرفة لغات العرب .. "، ثم يبين أن المفسر يحتاج مع تعلم اللغة، إلى السنن المبينة لمجمل الكتاب فيقول -ناقلًا عن مقدمة "تهذيب اللغة"-: "فعلينا أن نجتهد في تعلم ما يتوصل بتعلمه إلى معرفة ضروب خطاب الكتاب، ثم السنن المبينة لمجمل التنزيل الموضحة للتأويل، لتنتفي عنا الشبه التي دخلت على كثير من رؤساء أهل الزيغ والإلحاد، ثم على رؤوس ذوي الأهواء والبدع، الذين تأولوا بآرائهم المدخولة فأخطأوا، وتكلموا في كتاب الله -عز وجل- بلكنتهم العجمية دون معرفة ثاقبة فضلوا وأضلوا .. " (¬1) فبين بهذا أهمية اللغة والسنة لبيان القرآن، وخطر التصدي لتفسيره دون المعرفة الثاقبة بهما. ثم ذكر حث السلف على تعلم اللغة وترغيبهم في ذلك فقال: "وقد كان الأكابر من السلف يحثون على تعلم لغة العرب، ويرغبون فيها لما يعلمون من فضائلها وفرط الحاجة إليها .. "، ثم أورد بعض الأحاديث والآثار في بيان قيمة الأدب والحث على تعلمه وتعلم اللغة، وختم حديثه عن أهمية اللغة والأدب للتفسير فقال: "وكيف يتأتى لمن جهل لسان العرب أن يعرف تفسير كتاب جعل معجزة -في فصاحة ألفاظه وبعد أغراضه- لخاتم النبيين وسيد المرسلين -صلى الله عليه وعلى آله الطيبين- في زمان أهلُه يتحلون بالفصاحة ويتحدون بحسن الخطاب وشرف العبارة، وإن مثل من طلب ذلك مثل من شهد الهيجاء بلا سلاح، ورام أن يصعد الهواء بلا جناح". ¬

_ (¬1) وقد نقله الواحدي عن مقدمة "تهذيب اللغة" بدون عزو.

ثم يقرر قضية هامة وهي أن من جهل لسان العرب وأصول كلامهم ليس مرشحًا للتعرض لتفسير كتاب الله، حتى وإن قرأ كتب التفسير، لأنه مقلد لهم في ذلك غير مدرك لمعاني كتاب الله فيقول: " ... ثم وإن طال تأمله مصنفات المفسرين وتتبعه أقوال أهل التفسير من المتقدمين والمتأخرين فوقف على معاني ما أودعوه كتبهم وعرف ألفاظهم التي عبروا بها عن معاني القرآن لم يكن إلا مقلدًا لهم فيما حكوه وعارفًا معاني قول مجاهد، ومقاتل، وقتادة، والسدي وغيرهم، دون معنى قول الله عز وجل. ألا ترى أن واحدًا ممن لم يتدرب بلغة العرب لو سمع قول امرئ القيس: دِيمَةٌ هَطْلاَءُ فيها وَطَفٌ ... طَبَقُ الأَرْضِ تَحَرَّى وَتَدُرّ فسأل عن معناه: فقيل له: إنه يصف مطرًا سحابه هاطل، كان عارفًا معنى هذا البيت من طريق التقليد، ولا يكون عارفا معنى قول امرئ القيس ما لم يعرف تفسير كل حرف على حدته ... ". ويستمر يعرض الأمثلة والشواهد حول هذه القضية لينتهي إلى القول: "وإنما ذكرت هذه الأمثلة لتعرف أن من تأمل مصنفات المفسرين ووقف على معاني أقوالهم لم يقف على معاني كلام الله دون الوقوف على أصول اللغة والنحو". ثم يذكر طبقات المصنفين في تفسيره، ولكنه آثر الاختصار فيها، لأنه كما قال: "الاشتغال بما يعنينا أولى من بيان درجتهم والكشف عن نقصهم ومزيتهم". وينتهي إلى القول: "ولم يترك الأول للآخر شيئًا، غير أن المتأخر بلطيف حيلته ودقيق فطنته يلتقط الدرر ويجمع الغرر، فينظمها كالعقد على صدر الكعاب .. ". ولقد كان الواحدي صادقًا في مقالته، وكان كتابه تعبيرًا عن ذلك

وصف الكتاب ومنهجه فيه كما عرضه في المقدمة

فعمل فيه على لقط الدرر وجمع الغرر ونظمها كالعقد، وقد سبق إيضاح هذه المسألة عند ذكر مصادره في كتابه. بعد ذلك يذكر الواحدي شيوخه ومصادره التي استقى منها فيقول: "وأظنني لم آل جهدًا في إحكام أصول هذا العلم على حسب ما يليق بزماننا هذا، ويسعه سِنُو عمري على قلة أعدادها، فقد وفق الله تعالى وله الحمد، حتى أقتبست كل ما أحتجت إليه في هذا الباب من مظانه وأخذته من معادنه .. "، ثم أخذ في سرد شيوخه وتحدث عن الكتب التي قرأها وأطال وقد سبق نقل مقاطع طويلة منه عند الحديث عن شيوخه وكذا عند ذكر مصادره فلا أطيل بذكرها هنا. وصف الكتاب ومنهجه فيه كما عرضه في المقدمة: وفي نهاية المقدمة يصف الواحدي كتابه الذي عزم على جمعه، ومنهجه فيه فيقول: "وقد استخرت الله العظيم في جمع كتاب أرجو أن يمدني الله فيه بتوفيقه وحسن تيسيره ... سالك نهج الإعجاز في الإيجاز، مشتمل على ما نقمت على غيري إهماله، ونعيت عليه إغفاله، خال عما يكسب المستفيد ملالة ويتصور عند المتصفح إطالة، ولا يدع لمن تأمله حازَّة في صدره حتى يخرجه من ظلمة الريب والتخمين إلى نور العلم وثَلَج اليقين ... ". فهل كتاب الواحدي كما وصفه هنا؟ لقد درج الكثير من المؤلفين على وصف كتابهم في مقدماتهم التي يكتبونها أولًا وربما بالغ بعضهم في ذلك، وقد يكون المؤلف صادقًا مع نفسه فيما قال؛ لأنه لو علم خللا في كتابه لأصلحه، ونعود إلى كتاب الواحدي فأقول: إن كتابه بحق كما وصفه، سوى ما ادعاه من سلوكه نهج

منهج الواحدي في كتابه إجمالا

الإيجاز، فواقع الكتاب لا يطابق ما شرطه على نفسه في المقدمة، فإنه استطرد في كتابه إلى مباحث لغوية ونحوية خارجة عن إطار التفسير، ويأتي مزيد من الإيضاح لذلك، عندما نعرض لتفصيل منهجه في الجوانب اللغوية والنحوية. ثم يقول الواحدي عن كتابه: " ... هذا بعد أن يكون المتأمل مرتاضا في صنعة الأدب والنحو مهتديًا بطرق الحِجَاج، قَارِحًا في سلوك المنهاج فأما الجَذَع المُزْجَى من المُقْتَبِسِين والرَّيِّض الكَزُّ من المبتدئين فإنه مع هذا الكتاب كمزاولٍ غَلَقًا ضاع عنه المفتاح ومتخبط في ظلماء ليل خانه المصباح ... ". لقد كان الواحدي صادقا في وصف كتابه، حيث يوجد فيه مسائل لغوية ونحوية يعسر على القارئ فهمها إلى بعد تأمل طويل، وأكثر تلك المواضع استطرادات لا علاقة لها بالتفسير. منهج الواحدي في كتابه إجمالا: ذكر الواحدي منهجه في كتابه إجمالًا قائلًا: "وأبتدئ في كل آية عند التفسير بقول ابن عباس ما وجدت له نصًّا، ثم بقول من هو قدوة في هذا العلم من الصحابة وأتباعهم مع التوفيق بين قولهم ولفظ الآية. فأما الأقوال الفاسدة والتفسير المرذول الذي لا يحتمله اللفظ ولا تساعده العبارة فمما لم أضيع الوقت بذكره. وذكرت وجوه القراءات السبع التي اجتمع عليها أهل الأمصار دون تسمية القراء، واعتمدت في أكثرها على كتاب أبي علي الحسن بن أحمد الفارسي الذي رواه لنا سعيد بن محمد الحيري عنه". فذكر أن منهجه انه يبتدئ كل آية بقول ابن عباس ما وجد له نصا. وهنا لابد من إيضاح أمرين:

الأمر الأول: أنه يبدأ الآية غالبًا بتحليل ألفاظها وبيان أصولها اللغوية واشتقاقها، وما فيها من قضايا نحوية ويطيل في ذلك، فقد أخذت هذه المباحث حيزًا كبيرًا في الكتاب، ثم يذكر ما قيل في تفسير الآية ويبدأ ذلك بقوله: "أما التفسير" هذا في الغالب، وقد يذكر قول ابن عباس أولًا ثم يذكر تحليل ألفاظ الآية. الأمر الثاني: أنه في الغالب يبدأ بقول ابن عباس، وقد يذكر قول غيره ثم يذكر قوله بعد ذلك. مثال ذلك في تفسير قوله تعال: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} [الفاتحة: 4] قال: "قال الضحاك وقتادة: الدين: الجزاء يعني يوم يدين الله العباد بأعمالهم .. وقال ابن عباس والسدي ومقاتل في معنى {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ}: قاضي يوم الحساب .. " (¬1). ومثال آخر في تفسير قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ} [البقرة: 4] ذكر قول مجاهد ثم ذكر بعده قول ابن عباس (¬2). وذكر أن من منهجه التوفيق بين قول السلف ولفظ الآية، وهذه سمة بارزة في تفسير "البسيط"، حيث نجده دائمًا يحرص على بيان مدلول لفظ الآية على كل قول يذكره لأحد من الصحابة، أو من بعدهم، وُيظْهَر بذلك أحتمال ألفاظ الآية لهذِه الأقوال وقد يحاول أن يجمع بينها ويبين أنها تلتقي في النهاية حول معنىً واحد. ثم ذكر أن من منهجه أنه لا يذكر الأقوال الفاسدة والتفسير المرذول، ولقد كان عند شرطه في الجملة، سوى بعض الإسرائيليات التي دخلت عليه من طريق شيخه "الثعلبي" ويأتي الحديث عن ذلك قريبًا إن شاء الله. ¬

_ (¬1) "البسيط" [الفاتحة: 4]. (¬2) انظر "البسيط" [الفاتحة: 4].

المطلب الثاني: منهجه في كتابه مفصلا

وذكر أن من منهجه أنه يذكر القراءات السبع دون تسمية القراء، وفي هذا الجانب يركز على توجيه القراءات ويتوسع في ذلك، ويذكر ذلك في الغالب بعد تحليل ألفاظ الآية. وذكر ما فيها من مسائل نحوية، وقبل دخوله في ذكر أقوال السلف والمفسرين في الآية. وفي أثناء تفسير الآية قد يتعرض لما فيها من أحكام، وقد يذكر مسائل في الوقف والابتداء، والربط بين الآيات، كما يذكر فيها سبب النزول، ولا يكثر في كل ذلك، ويأتي إيضاح هذه الأمور بالأمثلة عند ذكر منهجه مفصلًا إن شاء الله. المطلب الثاني: منهجه في كتابه مفصلًا: أولًا: تفسير القرآن بالقرآن: يعتبر القرآن الكريم هو المصدر الأول للتفسير، فما أجمل في موضع قد يرد مفصلًا في موضع آخر، وما أبهم في مكان قد يرد مبينًا في مكان آخر وهكذا. وقد يعتمد الواحدي على هذا المصدر في تفسيره فكثيرًا ما يورد آية لتفسير آية وقد يورد الآيات الكثيرة للاستشهاد، خصوصًا في المسائل النحوية واللغوية. ومن أمثلة إيراد الآية لتفسير آية أخرى ما ذكره في تفسير قوله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 2] أورد الأقوال في "العالمين" فذكر قول الحسن وقتادة في تفسير العالم: إنه جميع المخلوقات قال: "يدل على هذا القول من التنزيل قوله: {قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (23) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا} [الشعراء: 23، 24]. فسر العالمين بجميع

المخلوقات" (¬1). ثم قال: "وقال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير: هم الجن والأنس، اختاره أبو الهيثم والأزهري، واحتجوا بقوله: {لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} [الفرقان: 1] .. وقال الحسين بن فضل وأبو معاذ النحوي: هم بنو آدم لقوله {أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 165] .. " (¬2). ومثال آخر في تفسير قوله تعالى: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} [الفاتحة: 7] ذكر الأقوال فيها ومنها: "وقيل: هم الذين ذكرهم الله في قوله سبحانه: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ} [النساء: 69] الآية .. (¬3). ومثال آخر في تفسير قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ} [البقرة: 23] قال: "والكناية في مثله تعود إلى "ما" في قوله: {مِّمَّا نَزَّلنَا} ودليل هذا التأويل قوله: {فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ} [الطور: 34] وقوله تعالى: {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ} [يونس: 38] وقوله: {لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ} [الإسراء: 88] كذلك يريد به مثل القرآن ... " (¬4) والأمثلة على هذا كثيرة. ويكثر من الاستشهاد بالآيات في المسائل النحوية واللغوية التي يتعرض لها أو ينقلها غيره. مثال ذلك في قوله تعالى: {ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ} [البقرة: 51] قال (¬5): ¬

_ (¬1) "البسيط" [الفاتحة: 2]. (¬2) "البسيط" [الفاتحة: 2]. (¬3) "البسيط" [الفاتحة: 7]. (¬4) "البسيط" [البقرة: 23]. (¬5) ناقلًا عن الحجة بدون عزو. انظر حاشية "البسيط" عند قوله {ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ}.

المسألة الثاني: تفسير القرآن بالسنة والأثر

وأما "اتخذ" فإنه على ضربين، أحدهما: أن يتعدى إلى مفعول واحد. والثاني: أن يتعدى إلى مفعولين. فأما تعديه إلى واحد فكقوله: {يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا} [الفرقان: 27] و {أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ} [الزخرف: 16] وقوله: {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً} [الفرقان: 3]، {لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا} [الأنبياء: 17]، وأما تعديه إلى مفعولين، فإن الثاني منهما هو الأول في المعنى كقوله: {اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً} [المجادلة: 16، المنافقون: 2]، وقال: {لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ} [الممتحنة: 1]، {فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا} [المؤمنون: 110] .... " (¬1). ب- تفسير القرآن بالسنة والأثر: يعتبر كتاب "البسيط" للواحدي أقرب إلى كتب التفسير بالدراية منه إلى التفسير بالرواية، حيث أكثر فيه من المباحث اللغوية والنحوية وتوجيه القراءات والنكات التفسيرية والفوائد حول الآيات، وأقلّ من الرواية خصوصًا الحديث، أما الآثار عن الصحابة والتابعين ومن بعدهم فهي أكثر من الحديث، بخلاف كتاب "البسيط" الذي أكثر فيه من الرواية. وقد أدرك الواحدي الإسناد، كما قال صاحب "المنتخب من السياق" في أثناء ترجمة الواحدي: "أدرك الإسناد العالي" (¬2). وكانت له بعض المشاركة في خدمة السنة تظهر من خلال كتابيه "أسباب النزول" و"الوسيط" في التفسير. ولكن مع ذلك فبضاعة الواحدي في السنة ليست مرضية عند بعض ¬

_ (¬1) "البسيط" [البقرة: 51]. (¬2) "المنتخب من السياق" ل 114/ أ.

العلماء، فوجهت إليه الانتقادات في هذا الجانب، ذكرت طرفًا منها فيما سبق عند الحديث عن "أقوال العلماء فيه". ومن تلك الأقوال ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية قال: " .. وفي التفسير من هذه الموضوعات قطعة كبيرة مثل الحديث الذي يرويه الثعلبي والواحدي والزمخشري في فضائل سور القرآن سورة سورة، فإنه موضوع باتفاق أهل العلم ... " (¬1)، وقال في موضع آخر: "وأما "الواحدي" فإنه تلميذ الثعلبي وهو أخبر منه بالعربية لكن الثعلبي فيه سلامة من البدع وإن ذكرها تقليدًا لغيره، وتفسيره وتفسير الواحدي "البسيط" و"الوسيط" و"الوجيز" فيها فوائد جليلة وفيها غث كثير من المنقولات الباطلة وغيرها" (¬2). وأخذ بهذا القول الكتاني فقال: " ... ولم يكن له ولا لشيخه الثعلبي كبير بضاعة في الحديث بل في تفسيريهما وخصوصًا الثعلبي أحاديث موضوعة وقصص باطلة ... " (¬3). كما نقل الزركشي في "البرهان" عن ابن الصلاح اعتراضه على الواحدي في إيراده حديث فضائل السور فيقول: "قال ابن الصلاح: ولقد أخطأ الواحدي المفسر ومن ذكره (¬4) من المفسرين في إيداعه تفاسيرهم" ثم يعتذر الزركشي عن الواحدي قائلًا: "قلت: وكذلك الثعلبي، لكنهم ذكروه بإسناد فاللوم عليهم يقل بخلاف من ذكره بلا إسناد وجزم به كالزمخشري ¬

_ (¬1) "مجموع فتاوى ابن تيمية" 13/ 354 (¬2) "مجموع فتاوى ابن تيمية" 13/ 386. (¬3) "الرسالة المستطرفة" ص (59). (¬4) أي حديث فضائل السور.

فإن خطأه أشد" (¬1). والأحاديث في "الوسيط" قليلة في الجملة وذكر الواحدي بعضها بسنده مثال ذلك ما أخرجه في مقدمة البسيط قال: "ولقد أخبرنا الأستاذ أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم رحمه الله قال: أخبرني أبو القاسم الحسن بن محمد بن الحسن، ثنا أبو الحسن أحمد بن الخضر بن أبان، ثنا أبو عمرو أحمد بن نصر الخفاف، ثنا نصر بن على الجهضمي، ثنا عامر بن أبي عامر، ثنا أيوب بن موسى القرشي عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "ما نحل والد ولده نحلة أفضل من أدب حسن" (¬2). وقد حكم الأئمة على هذا الحديث بالضعف والإرسال. ومثال آخر ما ذكره في تفسير الفاتحة في معنى "الحمد" قال: "وقد أخبرنا الحسين بن أبي عبد الله الفسوي -رضي الله عنه- أبنا أحمد بن محمد الفقيه، أبنا محمد بن هاشم، عن الدَّبَري، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، عن عبد الله بن عمر أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "الحمد رأس الشكر، وما شكر الله عبد لا يحمده" (¬3). والحديث ضعيف كما قال ذلك بعض العلماء (¬4). والبعض الآخر من الأحاديث ذكرها بدون سند ولم يحكم عليها بشيء وأكثرها وردت للاستدلال بها في المسائل اللغوية، أوردها اللغويون في كتبهم ونقلها الواحدي عنهم. ¬

_ (¬1) "البرهان" 1/ 432. (¬2) "مقدمة البسيط" للمؤلف. (¬3) "البسيط" عند تفسيره قوله تعالى {الْحَمْدُ لِلَّهِ} [الفاتحة: 2]. (¬4) انظر: "حاشية البسيط" عند التعليق على قوله تعالى {الْحَمْدُ لِلَّهِ} [الفاتحة: 2].

من أمثلة ذلك في تفسير قوله تعالى: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} [الفاتحة: 4] ذكر معاني الدين: الحساب فقال: "وقيل: في قوله: "الكيس من دان نفسه"، أي: حاسبها" (¬1) فاستشهد بالحديث على أن الدين يأتي بمعنى الحساب، والكلام مع الاستشهاد بالحديث نقله عن "تهذيب اللغة" للأزهري (¬2). ومثال آخر في تفسير قوله تعالى: {يُخَادِعُونَ اللَّهَ} [البقرة: 9] تكلم عن أصل معنى الخدع والخداع، ثم قال: "ومنه الحديث "يكون قبل خروج الدجال سنون خداعة" .. " (¬3) والحديث مع ما قبله وما بعده مما ذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" (¬4). ومثال آخر في تفسير قوله تعالى: {وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ} [البقرة: 61] تكلم عن لفظ "النبي" وعن أصله، وقال: ... وأما ما روي في الحديث من أن بعضهم قال: يا نبيء الله فقال: لست بنبيء الله ولكن نبي الله" فإن أهل النقل ضعفوا إسناد الحديث ... ، والحديث مع التعليق عليه منقول عن "الحجة" لأبي علي الفارسي (¬5). وقد استشهد صاحب كتاب "الواحدي ومنهجه في التفسير" بالكلام السابق عن السند على أن الواحدي قد يتعرض لنقد الحديث (¬6)، ولم ينتبه إلى أن كلام الواحدي مع قبله وما بعده منقول عن أبي علي الفارسي. ¬

_ (¬1) "البسيط" [الفاتحة: 4]. (¬2) انظر: "تهذيب اللغة" "دان" 14/ 182. (¬3) "البسيط" [البقرة: 9]. (¬4) انظر: "تهذيب اللغة" "خدْع" 1/ 159. (¬5) انظر: "الحجة" لابن علي 2/ 92. (¬6) انظر: "الواحدي ومنهجه في التفسير" ص 325 - 326.

المسألة الثالثة: تفسير القرآن بأقوال الصحابة والتابعين

المسألة الثالثة: تفسير القرآن بأقوال الصحابة والتابعين: أعلم الناس بالتفسير بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هم أصحابه رضوان الله عليهم، ثم التابعون، وذلك لأنهم شاهدوا أحوال التنزيل أو عاصروا من شاهدها؛ ولأنهم أعلم باللغة التي نزل بها القرآن؛، ولأنهم أعرف بأحوال من نزل فيهم القرآن؛ ولأنهم أبعد عن البدع وأسلم القرون من الضلالات. وقد ظهر في "تفسير البسيط" جليًا الاعتماد على أقوال الصحابة والتابعين في التفسير والاعتناء بها، وتقديمها على غيرها، بل صرح بذلك في مقدمة "تفسيره" قائلًا: "وأبتدئ في كل آية عند التفسير بقول ابن عباس ما وجدت له نصًّا، ثم بقول من هو قدوة في هذا العلم من الصحابة وأتباعهم، مع التوفيق بين قولهم ولفظ الآية". ويمكن إجمال منهجه في هذا الباب في النقاط التالية: أولًا: يفصل في ذكر أسماء المفسرين من الصحابة والتابعين، وأحيانًا يجملهم تحت قوله: قال المفسرون، أو أهل التفسير. ومن أمثلة التفصيل: ما ذكره عند قوله تعالى: {بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ} [البقرة: 81] قال الواحدي: واختلف المفسرون في معنى الخطيئة ها هنا، فقال ابن عباس والضحاك وأبو وائل وأبو العالية والربيع وابن زيد: هي الشرك يموت عليه الإنسان. ومن أمثلة الإجمال: ما ذكره عند قوله تعالى: {بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا} [البقرة: 90] قال: قال المفسرون: البَغْيُ هاهُنا بمعنى: الحَسَد. ثانيًا: لا يذكر السند في غالب الأحيان إليهم، وقد أسند قليلًا من الآثار، وذكر طرفًا من الإسناد في مواضع، ويقتصر في الغالب على الراوي

عن الصحابي أو التابعي، خصوصًا إذا رُوي عنه أكثر من قول في الآية. ومن أمثلة ذلك: ما ذكره عند تفسير قوله تعالى: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 163] فقال: وأما التفسير: فقال ابن عباس في رواية الكلبي: قالت كفار قريش: يا محمد صف وانسب لنا ربك. فأنزل الله تعالى سورة الإخلاص، وهذه الآية. وقال جويبر (¬1)، عن الضحاك، عن ابن عباس: كان للمشركين ثلاثمائة وستون صنمًا، يعبدونها من دون الله، فبين الله سبحانه لهم أنه واحد، فأنزل هذه. ثالثًا: تنوّع طريقته في عرض الأقوال وذكر القائلين بها، فتارة يذكر كل قول على حدة، ومن أمثلة ذلك: ما ذكره عند تفسير قوله تعالى: {وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 158] فقال: وأما التفسير: فقال مجاهد: (ومن تطوع خيرًا) بالطواف بهما، وهذا على قول من لا يرى الطواف بهما فرضًا. وقال مقاتل والكلبي: ومن تطوع خيرًا فزاد في الطواف بعد الواجب. ومنهم: من حمل هذا النوع على العمرة، وهو قول ابن زيد، وكان يرى العمرة غير واجبة. وقال الحسن: {وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا} يعني به: الدين كله، أي: فعل غير المفترض عليه، من طواف وصلاة وزكاة وكل نوع من أنواع الطاعات. وهذا أحسن هذِه الأقاويل؛ لأن قوله (ومن تطوع خيرًا) صيغته تدل على العموم. ¬

_ (¬1) سبق ترجمته.

المسألة الرابعة: منهجه في ذكر الإسرائيليات

وتارة يذكر القول، ثم يذكر القائلين به، دون أن يذكر ألفاظهم، أو يذكر ألفاظهم بعد ذلك. ومن أمثلة ذلك: ما ذكره عند تفسير قوله تعالى: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ} [البقرة: 177] فقال: قال قتادةُ والربيع ومقاتل: عنى الله بهذه الآية: اليهود والنصارى، .. وقال ابن عباس ومجاهد والضحاك وعطاء: المراد به المؤمنون. رابعًا: يرجح بين الأقوال في بعض الأحيان كما في المثال قبل السابق عند قوله تعالى: {وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 158]. وقد يجمع بينها، ومن أمثلة ذلك: ما ذكره عند قوله تعالى: {وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} [البقرة: 187] قال: أكثر المفسرين على أن المراد بهذا: الولد، أي: اطلبوا بالمباشرة ما قضى الله لكم من الولد. وقال قتادة: يعنى الرخصةَ التي كتبتُ لكم، وقال معاذ بن جبل وابن عباس في رواية أبي الجوزاء: يعني: ليلةَ القدر، وكل هذا مما تحتمله الآية. المسألة الرابعة: منهجه في ذكر الإسرائيليات: الإسرائيليات: هي الأخبار المروية عن أهل الكتاب من يهود أو نصارى، وسميت (إسرائيليات) تغليبًا، لأن أكثرها من أخبار بني إسرائيل أو من كتبهم (¬1). وقد بين الحافظ ابن كثير في مقدمة "تفسيره" الموقف الصحيح منها، بعد ذكره لحديث: "بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ¬

_ (¬1) ينظر في الإسرائيليات: "التفسير والمفسرون" للذهبي 1/ 165 و"الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير" للدكتور محمد أبو شهبة ص 21، و"الإسرائيليات" للدكتور: رمزي نعناعة ص 71.

ومن كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار" (¬1) فقال -رحمه الله-: ولكن هذه الأحاديث الإسرائيلية تذكر للاستشهاد، لا للاعتضاد، فإنها على ثلاثة أقسام: أحدها: ما علمنا صحته مما بأيدينا مما يشهد له بالصدق فذاك صحيح. والثاني: ما علمنا كذبه بما عندنا مما يخالفه. والثالث: ما هو مسكوت عنه، لا من هذا القبيل ولا من هذا القبيل، فلا نؤمن به ولا نكذبه، وتجوز حكايته لما تقدم، وغالب ذلك مما لا فائدة فيه تعود إلى أمر ديني، ولهذا يختلف علماء أهل الكتاب في مثل هذا كثيرًا، ويأتي عن المفسرين خلاف بسبب ذلك (¬2). وقال في موطن آخر -بعد ذكره لبعض أخبارهم-: وعندي أن هذا وأمثاله وأشباهه من اختلاق بعض زنادقتهم، يلبسون به على الناس أمر دينهم، كما افتُري في هذه الأمة -مع جلالة قدر علمائها وحفاظها وأئمتها- أحاديثُ عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وما بالعهد من قدم، فكيف بأمة بني إسرائيل، مع طول المدى، وقلة الحفاظ النقاد فيهم، وشربهم الخمور، وتحريف علمائهم الكلم عن مواضعه، وتبديل كتب الله وآياته، وإنما أباح الشارع الرواية عنهم في قوله: "وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج" فيما قد يجوزه العقل، فأما ما تحيله العقول، ويحكم فيه بالبطلان، ويغلب على الظنون كذبه فليس من هذا القبيل (¬3). ¬

_ (¬1) رواه البخاري في أحاديث الأنبياء، باب: ما ذكر عن بني إسرائيل برقم (3461). (¬2) "تفسير ابن كثير" ص 12. (¬3) "تفسير ابن كثير" ص 1609.

ومن أمثلة ذلك

ويقول الشيخ أحمد محمد شاكر (¬1) معلقًا على كلام ابن كثير: إن إباحة التحدث عنهم فيما ليس عندنا دليل على صدقه ولا كذبه شيء، وذكر ذلك في تفسير القرآن، وجعله قولًا أو رواية في معنى الآيات، أو في تعيين ما لم يعين فيها، أو في تفصيل ما أجمل فيها شيء آخر، لأن في إثبات مثل ذلك بجوار كلام الله ما يوهم أن هذا الذي لا نعرف صدقه ولا كذبه مبين لمعنى قول الله سبحانه، ومفصل لما أجمل، وحاشا لله ولكتابه من ذلك (¬2). لقد وعد الواحدي رحمه الله في مقدمة كتابه باجتناب مثل ذلك فقال: فأما الأقوال الفاسدة، والتفسير المرذول الذي لا يحتمله اللفظ، ولا تساعده العبارة فمما لم أعبأ به، ولم أضيع الوقت بذكره (¬3). ولكنه رحمه الله وقع فيما وعد بتركه، وضيّع الوقت -رحمه الله- بذكره، وتابع بعض من سبقه وفي مقدمتهم شيخه الثعلبي، الذي ملأ كتابه من تلك المرويات والقصص التي لا زمام لها ولا خطام، ولا ينتفع بها في فهم القرآن، ولا فائدة فيها تعود إلى أمر ديني، كما أسلف ابن كثير، دون تنبيه من الواحدي أو تعليق. ومن أمثلة ذلك: 1 - ما ذكره من الإسرائيليات في كيفية وسوسة إبليس لآدم وهو في ¬

_ (¬1) أحمد بن محمد شاكر بن أحمد بن عبد القادر، أزهري محدث مفسر قاض، ولد سنة 1309 هـ بالقاهرة، من أكبر محققي التراث، حقق "مسند الإمام أحمد" و"سنن الترمذي" و"تفسير الطبري" ولم يتم شيئًا منها، وحقق "الرسالة" للشافعي واختصر "تفسير ابن كثير" ولم يتمه، قال الزركلي: ولم يخلف مثله في علم الحديث بمصر. ينظر: "الأعلام" 1/ 253 و"معجم المؤلفين" 13/ 368. (¬2) "عمدة التفسير" 1/ 15. (¬3) انظر: مقدمة المؤلف.

الجنة. 2 - القصة الطويلة التي ذكرها عند قوله تعالى: {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ} [البقرة: 248] قال رحمه الله: (وقال لهم نبيهم إنَّ آيةَ ملكه أن يأتيكم التابوت) الآية: قال أصحاب الأخبار: إن الله تعالى أنزل على آدم تابوتًا فيه صور الأنبياء من أولاده، فتوارثه أولاد آدم إلى أن وصل إلى يعقوب، فكان في بني إسرائيل، وكانوا إذا اختلفوا في شيء تكَلَّم وحكم بينهم، وإذا حضروا القتال قدموه بين أيديهم يستفتحون به على عدوهم، وكانت الملائكة تحمله فوق العسكر وهم يقاتلون العدو، فإذا سمعوا من التابوت صيحة استيقنوا النصرة، فلما عصوا وفسدوا سلط الله عليهم العَمَالقة، فغلبوهم على التابوت، وسلبوه فلما سألوا نبيهم البينة على ملك طالوت دعا النبي ربه، فنزل بالقوم الذين غلبوا بني إسرائيل على التابوت داء بسببه، وذلك أنهم كانوا قد أخذوا التابوت فجعلوه في موضع غائطهم وبولهم، وكل من بال عنده أو تغوط ابتلاه الله بالبواسير، حتى تنبهوا أن ذلك لاستخفافهم بالتابوت، فأخرجوه ووضعوه على ثورين، فأقبل الثوران يسيران، ووكل الله بهما أربعة من الملائكة يسوقونهما، حتى أتوا به منزل طالوت، فلما رأوا التابوتَ عند طالوت، علموا أن ذلك أمارة ملكه عليهم، فذلك قوله: {إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ} الآية (¬1) .. إلى آخر ما ذكره. ¬

_ (¬1) تنظر القصة بطولها في: "تفسير الطبري" 5/ 318، و"تاريخ الأمم والملوك" 1/ 469، و"تفسير الثعلبي" 2/ 1358 - 1362، و"تفسير البغوي" 1/ 298 - 299، و"البحر المحيط" 2/ 261.

المسألة الخامسة منهجه في عرض القراءات

وقد وجدت بالتتبع أنه ينقل ذلك كله من تفسير شيخه مع الاختصار والتصرف. بيد أنه -رحمه الله- لا يعلق على ذلك بما يدل على الإنكار أو المخالفة. المسألة الخامسة منهجه في عرض القراءات: ذِكْرُ القراءات والاحتجاج لها البواعث الرئيسة للواحدي لتأليف هذا التفسير حيث يقول في مقدمته: "فمنذ دهر تحدثني نفسي بأن أعلق لمعاني إعراب القرآن وتفسيره فِقَرًا في الكشف عن غوامض معانيه، ونكتًا في الإشارة إلى علل القراءات فيه في ورقات يصغر حجمها ويكثر غنمها ... ". فجعل الإشارة إلى علل القراءات هدفًا هامًا يقابل الكشف عن غوامض التنزيل. فلا غرو أن نرى الواحدي يتوسع في بحث القراءات في تفسيره حتى تأخذ حيزًا كبيرًا وخصوصًا في مجال الاحتجاج لها. وقد ذكر الواحدي منهجه في عرض القراءات وتوجيهها في المقدمة فقال: "وذكرت وجوه القراءات السبع التي اجتمع عليها أهل الأمصار، دون تسمية القراء واعتمدت في أكثرها على كتاب أبي علي الحسن بن أحمد الفارسي، الذي رواه لنا سعيد بن محمد الحيري عنه". فهذا المنهج الذي ذكره يقوم على: 1 - أنه اعتمد ذكر علل القراءات، وليس الهدف ذكر القراءات نفسها. 2 - أنه يذكر القراءات السبع دون غيرها. 3 - أنه لا يسمي القراء. 4 - اعتمد في أكثر ما ذكر على كتاب "الحجة" لأبي علي الفارسي، هذا منهجه في القراءات حسب ما ذكره في مقدمة كتابه. فلندرس هذا المنهج لنرى مدى التزامه به.

فأقول: بالنسبة للأمر الأول، وهو أنه اعتمد ذكر علل القراءات، فإنه التزم ذلك غالبًا، والقارئ لكتاب "البسيط" يلحظ في كلامه على القراءات أنه يعتمد كثيرًا ذكر علل القراءات وتوجيهها أكثر مما يعتمد ذكر القراءات نفسها، بل قد أطال في هذا الجانب إلى حد يعتبر خروجًا عن القدر اللازم في كتاب "التفسير". لقد ألف أبو علي الفارسي كتابًا مستقلًا للاحتجاج للقراءات وذكر فيه من وجوه اللغة والنحو والتصريف ما عده المتخصصون خروجًا عن القدر اللازم، ومما أضفى على الكتاب شيئًا من صعوبة العبارة والغموض، قال أبو الفتح بن جني -تلميذ أبي علي الفارسي-: وقد كان شيخنا أبو علي عمل كتاب "الحجة في قراءة السبعة" فأغمضه وأطال حتى منع كثيرًا -ممن يدعي العربية فضلًا عن القَرَاءة- منه وأجفاهم عنه (¬1). هذا مع أن كتاب أبي علي مؤلَّف أصلًا للاحتجاج للقراءات. فما الظن بكتاب تفسير ينقل فيه تلك المباحث الطويلة. ليت الواحدي -مع قدرته البارعة على انتقاء النصوص وحسن سبكها- اختصر تلك المباحث بعبارة أكثر إيجازًا حتى يفيد القارئ، ويخرج به عن الملالة كما شرط ذلك على نفسه في مقدمة كتابه. إذًا فجانب توجيه القراءات في كتاب "البسيط" قد توسع فيه الواحدي وأطال كثيرًا واعتمد في أغلبها، إن لم يكن في كلها على كتاب "الحجة" لأبي علي الفارسي، فما يقال عن كتاب "الحجة" لأبي علي الفارسي يسري على كتاب "البسيط" في مجال توجيه القراءات. ¬

_ (¬1) "المحتسب" 1/ 236.

وقد تعرض د/ جودة محمد محمد المهدي في كتابه "الواحدي ومنهجه في التفسير" لتوجيه القراءات عند الواحدي، ووصفه بأنه من فرسان حلبة توجيه القراءات، ونعى على العلماء الذين كتبوا في هذا أنهم لم يعدوا الواحدي مع الجهابذة كالفارسي ومكي (¬1). وقد اختار نصًّا طويلًا من "البسيط" حول توجيهه القراءات، واستنتج منه منهج الواحدي في توجيه القراءات وبنى عليه مقالته السابقة. ولم يرجع ذلك النص لمصدره وهو الحجة ليعرف أن الواحدي نقله بنصه، والواحدي صرح في مقدمة كتابه انه أعتمد في مجال القراءات على "الحجة"، ولو أجرى د/ جودة دراسة توثيقية للنصوص التي بنا عليها دراسته لمنهج الواحدي في القراءات أو في غيرها لكان له رأي آخر. إن المشكلة أن بعض الدارسين لمناهج العلماء يقوم بنقل نص العالم الذي يقوم بدراسة منهجه، ويجري الدراسة على ذلك النص قبل أن يسبق ذلك بدراسة توثيقية، ليعرف أن تلك الأفكار لذلك العالم بالأصالة أم هو ناقل بالمعنى أو ناقل بالنص كما هو الحال مع الواحدي؟ إن غالب كلام الواحدي في مجال الاحتجاج للقراءات منقول بنصه من "الحجة" لأبي علي. فهل تصح بعد ذلك تلك الصفة التي أطلقها د/ جودة علي الواحدي؟. أعود فأذكر أمثلة توضح أن الواحدي اعتمد ذكر توجيه القراءات أكثر مما اعتمد ذكر القراءات نفسها كما توضح الأمثلة مدى إطالته في هذا (¬2). ¬

_ (¬1) انظر كتاب "الواحدي، ومنهجه في التفسير" ص 296. (¬2) أكتفي هنا بالإشارة إلى الآية لطول الكلام، ويمكن للقارئ أن يرجع إلى النص ويرى المقارنة بين كلام أبي علي والواحدي، كما هو مثبت في الحواشي.

منها ما ذكره عند تفسير قوله تعالى: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} [الفاتحة: 4] ذكر القراءات في "مالك" ثم دخل في ذكر الاحتجاجِ لكل قراءة بما يطول ذكره. ومثال آخر عند تفسير قوله تعالى: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ} [البقرة: 3] ذكر إن في "يؤمنون" قراءتين، ثم دخل في احتجاج طويل لكل قراءة. كذلك عند تفسير قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ} [البقرة: 6] ذكر أن في "أأنذرتهم" وجهين في القراءة ثم دخل في ذكر الاحتجاج لكل وجه بما يطول ذكره هنا. الأمر الثاني: الذي ذكره الواحدي في منهجه في القراءات هو أنه يعتمد ذكر القراءات السبع دون غيرها. اعتمد هذا الأمر في الغالب، حيث إنه عول كثيرًا على كتاب "الحجة" لأبي علي الفارسي، وأبو علي الفارسي اعتمد في كتابه ذكر القراءات السبع التي ذكرها ابن مجاهد في كتابه "السبعة" لذلك كان ما أخذه الواحدي عن "الحجة" مقتصرًا على القراءات السبع، وهو أغلب ما ذكره في مجال القراءات في "البسيط"، على أنه ذكر قراءات غير سبعية أيضًا، وهي في أغلبها قراءات شاذة مما يذكره اللغويون في كتبهم، وربما كان فيها قراءة عشرية، ومصدره فيها -غالبًا- "معاني القرآن" للفراء، و"معاني القرآن" للزجاج، وربما أخذ من غيرهما. فمن المواضع التي اعتمد عليها غير "الحجة" في ذكر القراءات، ما ذكره عند تفسير قوله تعالى: {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} [البقرة: 40] قال: والأجود في نعمتي فتح الياء، وكل "ياء" كانت من

المتكلم ففيها لغتان الإرسال والفتح. فإذا لقيها ألف ولام اختارت العرب اللغة التي حركت فيها الياء وكرهوا الأخرى .. وقال: وقال الزجاج: اختير فتح الياء مع اللام لالتقاء الساكنين ويجوز أن تحذف الياء في اللفظ لالتقاء الساكنين والاختيار الفتح .... ففي النص الأول ينقل عن الفراء بدون عزو، ثم ينقل عن الزجاج والكلام عن القراءات في "ياءات الإضافة" وهذه الطريقة في عرض القراءات ليست طريقة أئمة القراء في كتبهم، وإنما هي طريقة اللغويين ومن سار على نهجهم فهم يذكرون القراءات المتواترة وغيرها ويتكلمون عنها من الناحية اللغوية والنحوية، ولا ينظرون للسند. فانظر إلى قوله: الأجود في نعمتي فتح الياء .. بينما أجمع القراء العشرة على فتح "الياء" في قوله: {نِعْمَتِيَ الَّتِي} في مواضعها الثلاثة في البقرة، وقرأ بتسكينها الحسن (¬1) وابن محيصن فهي قراءة شاذة عند علماء أهل الفن. ومثال آخر لقراءة شاذة نقلها الفراء في قوله تعالى: {قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا} [البقرة: 69] قال: اللون: مرفوع لأنك لم ترد أن تجعل "ما" صلة فتقول: يبين لنا لونها، وقد قرئ بها شاذًا وهو صواب .. فالقراءة الثابتة بالرفع، والقراءة بالنصب شاذة من ناحية سندها، ونجد الفراء ذهب إلى تصويبها من ناحية قواعد اللغة، وتبعه الواحدي على ذلك، ولعل مرادهم لو ثبتت القراءة بها. ¬

_ (¬1) انظر: "النشر" 2/ 162، و"القراءات الشاذة" للقاضي ص 23، وانظر: "حاشية البسيط" في الموضع المذكور.

وأذكر بعض الأمثلة التي توضح ذلك

الأمر الثالث: الذي ذكره الواحدي في منهجه في القراءات هو عدم تسمية القراء فهل التزم الواحدي هذا المنهج؟ الواقع أن الواحدي لم يلتزم نلك، فانه يسمي القراء أحيانًا وأحيانًا لا يسميهم. ولإيضاح هذا الأمر نعود إلى كتاب "الحجة" لأبي علي الفارسي، الذي اعتمد عليه الواحدي كثيرًا في ذكر القراءات والاحتجاج لها، حيث ذكر أبو علي منهجه في مقدمة كتابه، وقال: إنه يذكر أولًا ما ذكره ابن مجاهد في كتابه "السبعة" ثم يتبعه بالاحتجاج (¬1) لها، وابن مجاهد قد سمى صاحب القراء عند ذكر قراءتهم، وأبو علي تبعه على ذلك، وعند الاحتجاج قد يسمي صاحب القراءة، وقد لا يسميه اكتفاء بما ذكره أولًا، والواحدي نقل عن أبي علي في مجال الاحتجاج دون ذكر القراءات التي أخذها أبو علي من كلام ابن مجاهد، ولهذا تبعه الواحدي في تسمية القراء وعدم تسميتهم. وأذكر بعض الأمثلة التي توضح ذلك: عند تفسير قوله تعالى: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} [البقرة: 3] ذكر القراءات في "يؤمنون" فقال: وفي قوله {يُؤْمِنُونَ} قراءتان تحقيق الهمزة وتليينها فمن حقق فحجته .. فلم يسم القراء، كذلك أبو علي في الحجة قال: فأما حجة من قرأ {يُؤْمِنُونَ} بتحقيق الهمزة .. الخ (¬2) فلم يسم اكتفاء بما ذكره أولًا (¬3). ومن الأمثلة على تسميته للقراء: عند تفسير قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ ¬

_ (¬1) انظر: مقدمة "الحجة" 1/ 6. (¬2) "الحجة" 1/ 238. (¬3) انظر: "الحجة" 1/ 214.

كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} [البقرة: 6] ذكر القراءات في {أَأَنْذَرْتَهُمْ} ومنه قوله: وأما أبو عمرو فكان يلين الثانية ويجعل بينهما مدة .. ، وتبع في ذلك أبا علي حيث قال: وحجة من فصل بين الهمزتين بألف وخفف الهمزة الثانية مع الفصل بينهما بألف، وهو الثبت عن أبي عمرو عندنا .. (¬1). ومثال آخر عند تفسير قوله تعالى: {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [البقرة: 29] ذكر القراءات في قوله تعالى: {هُوَ} ومما قاله: كان أبو عمرو والكسائي يخففان {وَهُوَ} "فهو" ويسكنان الهاء مع الواو والفاء واللام .. " (¬2). ومثال آخر عند تفسيره قوله تعال: {قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 30] ذكر القراءات في إني ومنه قوله: "وفتح أبو عمرو وابن كثير "الياء" في قوله {إِنِّي أَعْلَمُ} [البقرة: 30] {وَإِنِّي أَرَى} [الأنفال: 48، يوسف: 43، الصافات: 102] عند الهمزة المفتوحة، وزاد أبو عمرو عند الهمزة المكسورة مثل: {إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ} [يونس: 72، هود: 29، سبأ: 47] وزاد نافع عند المضمومة مثل: {عَذَابِي أُصِيبُ} [الأعراف: 156] {فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ} [المائدة: 115]، {إِنِّي أُرِيدُ} [المائدة: 29، القصص: 27] .. " (¬3). الأمر الرابع: في منهج الواحدي في القراءات قوله: "واعتمدت في أكثرها على كتاب أبي علي الحسن بن أحمد الفارسي الذي رواه لنا سعيد بن محمد الحيري عنه" هذا أمر واضح في كتابه، حيث اعتمد على كتاب ¬

_ (¬1) "الحجة" 1/ 284، 285. (¬2) "البسيط" ص 677. (¬3) "البسيط" ص 709.

المسألة السادسة: منهجه في علوم القرآن

أبي علي في أغلب ما ذكر في مجال القراءات سوى نزر يسير أخذه عن طريق الفراء أو الزجاج أو غيرهما. والواحدي يأخذ من كتاب أبي علي بالنص، وربما تصرف في عبارته وقد يعزو له، والغالب أنه ينقل عنه بدون عزو، ولعله اكتفى بهذه الإحالة في المقدمة. وسبق ذكر ذلك عند الحديث عن مصادره. وخلاصة القول في منهج الواحدي في القراءات: أنه اعتمد ذكر القراءات السبع في الغالب، وربما ذكر غيرها على طريقة اللغويين والنحويين، وبذل جهده في الاحتجاج للقراءات أكثر من تقرير القراءات، وأنه قد يسمي القراء وقد لا يسميهم فلم يلتزم ما ذكره في مقدمته، وكان كتاب "الحجة" لأبي علي الفارسي المصدر الرئيس في هذا المجال. المسألة السادسة: منهجه في علوم القرآن: كان الواحدي أستاذ عصره في التفسير، كذا قال عنه العلماء الذين ترجموا له (¬1)، ولم يصل إل تلك المكانة إلى لأنه كان متأهلًا لذلك، بمعرفة العلوم التي تعينه على كشف غوامض التنزيل، ومن أهمها علوم القرآن الكريم، وأنواع علوم القرآن كثيرة واسعة، وكان للواحدي مشاركة فوية في هذا المجال، حيث صنف في ذلك كتبًا كثيرة منها ما وصل إلينا "أسباب النزول" ومنها كتب لم تصل إلينا مثل: "مختصر فضائل القرآن" و"نفي التحريف عن القرآن الشريف". وبجانب هذه الكتب كانت له آراء في علوم القرآن ضمنها كتابه "البسيط" وهي كثيرة منها: ¬

_ (¬1) انظر: "معجم الأدباء" 12/ 258، و"وفيات الأعيان" 3/ 303، و"إنباه الرواة" 2/ 223.

1 - في أسباب النزول

1 - في أسباب النزول: هذا أكثر ميادين علوم القرآن التي شارك فيها الإمام الواحدي، حيث أخرج فيه مؤلفا مستقلا يعتبر من أول ما كتب في ذلك، وقد نال الشهرة حتى عد أبرز ما كتب في هذا الفن، وكان لهذا أثره الواضح على مؤلفاته في التفسير، ومنها "تفسير البسيط" حيث أعطى هذا الجانب عناية جيدة، فنراه يذكر سبب نزول الآية -عند تعرضه لتفسيرها- إن وجد لها سببا للنزول. مثال ذلك عند تفسير قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} [البقرة: 6] قال: قال ابن عباس نزلت هذه الآية في اليهود الذين كانوا بنواحي المدينة على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ... وقال الضحاك: نزلت في أبي جهل وخمسة من أهل بيته، وقال الربيع: نزلت في قادة الأحزاب يوم بدر .... ومثال آخر عند تفسير قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ} [البقرة: 219] قال: "نزلت في سؤال عمرو بن الجموح .. " (¬1). وعند تفسير قوله تعالى: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ} [البقرة: 229] قال: قال أهل التفسير: أتت امرأة عائشة فشكت أن زوجها يطلقها ويسترجعها يضارها بذلك، وكان الرجل في الجاهلية إذا طلق امرأته ثم راجعها قبل أن تنقضي عدتها كان له ذلك، وإن طلقها ألف مرة فذكرت ذلك عائشة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنزلت .. (¬2). ¬

_ (¬1) "البسيط" 1/ ل 133، من النسخة الأزهرية. (¬2) "البسيط" 1/ ل 139، من النسخة الأزهرية.

2 - الوقف والابتداء

2 - الوقف والابتداء: أحد علوم القرآن الهامة وبه يعرف كيف أداء القرآن، وبه تتضح معاني الآيات (¬1). قال الزركشي: "وهذا الفن معرفته تحتاج إلى علوم كثيرة، قال أبو بكر ابن مجاهد: لا يقوم بالتمام في الوقف إلا نحوي عالم بالقراءات، عالم بالتفسير والقصص، وتلخيص بعضها من بعض، عالم باللغة التي نزل بها القرآن .. (¬2). كان للواحدي عناية بهذا العلم يظهر ذلك من خلال تفسيره "البسيط" حيث يذكر الوقف في مواضع من كتابه، من ذلك عند تفسير قوله تعالى: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ} [البقرة: 7] فبعد أن فسر قوله (وعلى سمعهم) قال: وتم الكلام هاهنا، ثم قال: "وعلى أبصارهم غشاوة" .. (¬3). وعند تفسير قوله تعالى: {إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ} الآية [البقرة: 71] قال ناقلًا عن ابن الأنباري: قال ابن الأنباري: غلط أبو حاتم في هذا؛ لأنه قال: الوقف جيد على قوله {ذَلُولٌ} ثم يبتدأ بـ {تُثِيرُ الأرَضَ} وقال: إن الله وصف هذه البقرة بما لا يعرفه الناس وصفا لغيرها من البقر، فجعلها تثير الأرض ولا تسقي الحرث على خلاف ما نشاهده من بقرنا. وقد أبطل الفراء وغيره من كبار النحويين هذا الوقف .. وفي سورة "يونس" عند تفسير قوله تعال: {وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ} [يونس: 2] قال: .. تم الكلام عند قوله {عِنْدَ رَبِّهِمْ} ثم ابتدأ فقال: {قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ ¬

_ (¬1) انظر: "البرهان" 1/ 342. (¬2) "البرهان" 1/ 343. (¬3) "البسيط" ص 485.

3 - الناسخ والمنسوخ

هَذَا} ... (¬1). 3 - الناسخ والمنسوخ: وهو من العلوم الهامة للمفسر، "قال الأئمة لا يجوز لأحد أن يفسر كتاب الله إلى بعد أن يعرف منه الناسخ والمنسوخ" (¬2). وقد أعطى الواحدي هذا الفن عناية خاصة في تفسيره "البسيط" تكلم عنه بإفاضة فذكر تعريفه وأنواعه والخلاف في بعضها، وكأنه يتكلم في كتاب خاص بعلوم القرآن، وذلك عند تفسير قوله تعالى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا} [البقرة: 106] عرض أولًا لتعريف النسخ في اللغة والاصطلاح ناقلًا عن الأئمة فقال: "قال الزجاج: النسخ في اللغة: إبطال شيء وإقامة آخر مقامه، والعرب تقول نسخت الشمس الظل. والمعنى: أذهبت الظل وحلت محله، وقال غيره: تناسخ الأزمنة والقرن بعد القرن هو مضي الأول ومجيء الثاني بعده يخلفه في محله ... ثم قال ويجوز النسخ إلى بدل وإلى غير بدل ... " وفصَّل في ذلك، ثم ذكر أنواع النسخ في القرآن فقال: .. ثم النسخ في القرآن على ضروب: منها ما يكون حكمه مرفوعًا وخطه مثبت .. (¬3)، وذكر الأنواع وضرب الأمثال لها، ثم ذكر حكم الفرق بين النسخ والترك، ثم ذكر الخلاف في نسخ القرآن بالسنة (¬4). ولا يكتفي بهذا البسط لمباحث النسخ، بل يأخذ في التطبيق العملي، فلا يمر بتفسير آية ناسخة أو منسوخة ألا يقف عندها ويذكر ما قيل فيها، مثال ¬

_ (¬1) "البسيط" 3/ ل 2، من النسخة الأزهرية. (¬2) "البرهان" 2/ 29. (¬3) "البسيط" 1/ ل 78. (¬4) انظر: "البسيط" 1/ ل 78.

4 - الربط بين الآيات

ذلك ما ذكره عند تفسير قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ} الآية [البقرة: 240] تكلم عن سبب نزول الآية، ثم ذكر عدة المتوفى عنها في أول الإسلام، وهو ما ذكر في هذه الآية، وقال: .. ثم ورد النسخ على هذه الآية من وجهين: أحدهما: أن العدة صارت مقدرة بأربعة أشهر وعشر، وقد تقدمت الآية (¬1) الناسخة، والوجه الثاني: أن الميراث ثبت لها وسقطت نفقة العدة .. (¬2). 4 - الربط بين الآيات: وهو أحد أنواع علوم القران، قال الزركشي: "وهذا النوع يهمله بعض المفسرين أو كثير منهم وفوائده غزيرة" (¬3)، ثم نقل عن عز الدين بن عبد السلام قوله: .. ولكن يشترط في حسن ارتباط الكلام أن يقع في أمر متحد مرتبط أوله بآخره، فإن وقع على أسباب مختلفة لم يشترط فيه ارتباط أحدهما بالآخر. قال: ومن ربط ذلك فهو متكلف بما لا يقدر عليه إلا برباط ركيك .. (¬4). وقد أورد الواحدي هذا النوع في تفسيره حيث يذكر الارتباط بين الآيات ولا يتكلف ذلك بل يذكره بين الآيات التي يوجد بينها تناسب من وجهه. مثال ذلك عند تفسير قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ ¬

_ (¬1) وهي قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [البقرة: 234]. (¬2) "البسيط" 1/ ل 147، النسخة الأزهرية. (¬3) "البرهان" 1/ 36. (¬4) "البرهان" 1/ 37.

المسألة السابعة: منهجه في تقرير مسائل العقيدة، والرد على الفرق

أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (6)} [البقرة: 6] ربط الآية بما بعدها فقال: .. ثم ذكر الله تعالى سبب تركهم الإيمان فقال: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ ...} الآية .. ومثال آخر: ذكر فيه الارتباط بين قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ} الآية [البقرة: 23] وبين ما قبلها من الآيات وهي قوله: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 21] وكذا الآية بعدها. فقال: "قال المفسرون: ومعنى الآية أن الله تعالى لما احتج عليهم في إثبات توحيده احتج عليهم - أيضًا- في إثبات نبوة محمد -صلى الله عليه وسلم- بما قطع عذرهم فقال: وإن كنتم في شك من صدق هذا الكتاب الذي أنزلناه على محمد عليه الصلاة والسلام وقلتم لا ندري هل هو من عند الله أم لا فأتوا بسورة من مثله .... من هذه الأمثلة نلحظ كيف يورد الربط في ثنايا التفسير بدون تكلف ولا يعنون له بقوله: ارتباط الآية أو نحو ذلك، فيأتي سلسًا لا تمحل فيه. هذه بعض علوم القرآن التي وردت في تفسير "البسيط". المسألة السابعة: منهجه في تقرير مسائل العقيدة، والرد على الفرق: درس الواحدي العقيدة على أصول الأشعرية، حيث نشأ في بيئة نيسابور التي يسود فيها معتقد الأشعري (¬1)، لذا فهو أشعري المعتقد، وعلى هذا النهج سار في تقرير مسائل العقيدة في تفسيره "البسيط" بل كان من المنافحين عن أصول الأشعرية. ومن المعلوم أن منهجهم كسائر المتكلمين يقوم على تقرير العقيدة على أسس عقلية. وهذا النهج غير مرضي عند علماء ¬

_ (¬1) انظر: مبحث عقيدته من هذِه الدراسة.

السلف، الذين رأوا أن الطريقة الصحيحة في تقرير العقيدة الأخذ بما كان عليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وصحابته من بعده، والتابعون لهم بإحسان، وذلك باتباع النص وعدم الدخول في طرق كلامية، وإن اضطر بعض المتأخرين منهم لاستعمال الجدل العقلي للرد على المخالفين، لا في تقرير أصول العقيدة (¬1). وقد سبق أن ذكرت بعض الأمثلة من تفسير الواحدي "البسيط" للتدليل على مذهبه العقائدي (¬2)، وأذكر هنا أمثلة أخرى تؤكد هذِه الحقيقة وتوضح بجلاء كيف استعمل الطرق الكلامية في تقرير العقيدة في تفسيره. من ذلك أنه عندما تعرض في تفسير البسملة للاسم هل هو المسمى أو غيره، فذكر الأقوال في ذلك ثم قال: ... والثاني -وهو الصحيح-: أن الاسم هو المسمى، كقوله تعالى: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} [النساء: 59] فلو كان الاسم غير المسمى وجب أن يكون المأمور بطاعته غير الله وغير الرسول .. وما قرره ورجحه في هذه المسألة هو قول الأشاعرة فيها، والصواب ما قرره علماء السلف من أنه لا يقال: الاسم هو المسمى ولا غيره على الإطلاق، وإنما يكون الاسم هو المسمى تارة، وقد يراد به اللفظ الدال عليه تارة أخرى. ومثال آخر في مسألة "الإيمان" قرر أن معنى الإيمان: هو التصديق فقال: .. والقول في معنى الإيمان ما قاله الأزهري ... (¬3)، إذا عدنا إلى ما ¬

_ (¬1) انظر: ما كتبه ابن أبي العز في "شرح العقيدة الطحاوية" ص 222 - 223. (¬2) انظر: مبحث عقيدته من هذِه الدراسة. (¬3) "البسيط" ص 429.

نقله الواحدي عن الأزهري وجدناه يقول: قال الأزهري: اتفق العلماء أن "الإيمان" معناه: التصديق كقوله: {وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا} [يوسف: 17] أي بمصدق ... (¬1) والقول: إن الإيمان مجرد التصديق هو المشهور عند الأشاعرة، ولهم قول آخر كقول السلف وهو: أن الإيمان قول وعمل (¬2). فأخذ الواحدي في هذه المسألة بمشهور قول الأشاعرة فيها. ومثال آخر في حقيقة التوحيد ومعنى الوحدانية لله، قرر هذه المسألة على طريقة المتكلمين من الأشاعرة فيقول: "وقال أصحابنا حقيقة الواحد في وصف الباري سبحانه أنه واحد لا قسيم له في ذاته، ولا بعض له في وجوده بخلاف الجملة الحاملة التي يطلق عليها لفظ الواحد مجازًا كقولهم: دار واحدة وشخص واحد، ولهذا قال أصحابنا: التوحيد هو نفي الشرك والقسيم والشريك والشبيه فالله -سبحانه وتعالى- واحد في أفعاله لا شريك له يشاركه في إثبات المصنوعات وواحد في ذاته لا قسيم له، وواحد في صفاته لا يشبه الخلق فيها ... (¬3). فهذِه الأنواع التي أثبتوها في معنى التوحيد فيها ألفاظ مبهمة محتملة، ولو كان كل ذلك حقًا، فالإقرار به لم يخرج المشركين من دائرة الشرك التي وصفهم الله بها، ولابد من الإقرار بتوحيد الإلهية (¬4). في باب صفات الله سلك فيها كذلك مسلك الأشعرية؛ حيث يؤول ¬

_ (¬1) "البسيط" ص 427. (¬2) ذكره ابن تيمية في "الإيمان الأوسط" ص 51. (¬3) "البسيط" 1/ 100، من "النسخة الأزهرية". (¬4) انظر: "رد ابن تيمية في الرسالة التدمرية" ص 179 - 185. وانظر: ص 54 - 55 من هذه الدراسة حيث سبق ذكر للواحدي ونقل بعض كلام ابن تيمية في الرد عليه.

الرد على الفرق

جميع الصفات التي وردت في القرآن الكريم، عدا الصفات السبع التي يثبتها الأشاعرة؛ لأن العقل دل عليها كما يقولون (¬1). وسبق ذكر أمثلة لهذا عند ذكر عقيدته، فلا داعي للإطالة بذكر أمثلة أخرى، وهي مسألة واضحة. هذا في جانب تقرير العقيدة. الرد على الفرق: أما بالنسبة للرد على الفرق، فكان للواحدي في ذلك اليد الطولي، خصوصًا المعتزلة والقدرية الذين كانت لهم صولة وجولة في تلك الحقب التي عاشها الواحدي. وقف الواحدي في وجوههم يقابل الحجة بالحجة، ويقوم بالرد عليهم في كل موضع يكون محل شبهة لهم؛ حيث يستدلون بالنص القرآني على تقرير عقائدهم ومبادئهم. من أمثلة عند تفسير قوله تعالى: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ} [البقرة: 7] ذكر المعنى المراد بختم الله على قلوب الكفار، ثم قال: ... فأما قول من قال معنى {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ} حكم الله بكفرهم فغير صحيح؛ لأن أحدنا يحكم بكفر الكافر، ولا يقال ختم على قلبه، والقول الذي رده هنا هو قول المعتزلة. ثم يسمي القدرية ويذكر قولهم ويرد عليهم فيقول: وذهب بعض المتأولين من القدرية إلى أن معنى {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ} وسمها سمة تدل على أن فيها الكفر لتعرفهم الملائكة بتلك السمة وتفرق بينهم وبين المؤمنين الذين في قلوبهم الشرع. قال: والختم والطبع واحد، وهما سمة وعلامة في ¬

_ (¬1) انظر: "الرسالة التدمرية" ص 33.

قلب المطبوع على قلبه. ثم ينقض عليهم ناقضًا حجتهم معتمدًا على اللغة التي نزل بها القرآن؛ ليبين بطلان مأخذهم من اللغة فيقول: وهذا باطل؛ لأن الختم في اللغة ليس هو الإعلام، ولا يقال ختمت على الشيء بمعنى أعلمت عليه، ومن حمل الختم على الإعلام فقد تشهى على أهل اللغة، وجر كلامهم إلى موافقة عقيدته. وفي موضع آخر يرد على المعتزلة والقدرية دون تسميتهم، وذلك في تفسير قوله تعالى: {يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ} [البقرة: 26] يقول: ولا يجوز أن يكون معنى الإضلال الحكم والتسمية؛ لأن أحدنا إذا حكم بضلالة إنسان لا يقال: أضله، وهذا لا يعرفه أهل اللغة (¬1). ومثال آخر يرد فيه المعتزلة دون تسميتهم عند تفسير قوله تعالى: {اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ} [البقرة: 35] يقول: "والمراد بقوله: {الْجَنَّةَ} جنة الخلد من قبل أن التعريف فيها بالألف واللام يجعلها كالعلم على جنة الخلد، فلا يجوز العدول عنها بغير دلالة، ألا ترى أنك لو قلت: نسأل الله الجنة، لم يكن ذلك إلى جنة الخلد. فيقرر أنها جنة الخلد، ويرد على من قال غير ذلك بدون تصريح بالقائل ولا بمقالته. ومشهور مذهب المعتزلة أنها جنة في الدنيا (¬2)، فهو يرد عليهم تلك المقالة. ¬

_ (¬1) وإلى نحو هذا ذهب الزمخشري ورد عليه صاحب "الإنصاف فيما تضمنه الكشاف من الاعتزال". انظر: "الكشاف" ومعه "الإنصاف" 1/ 267. (¬2) ذكره الثعلبي 1/ 60 أ، وابن عطية 1/ 128، والقرطبي 1/ 302.

المسألة الثامنة: منهجه في المسائل الفقهية والأصولية

ومن خلال استقراء تلك الردود، يتضح الأسلوب الجدلي العقلي الذي يستعمله فيقابل الحجة بالحجة، كما يعتمد على اللغة في بيان ضعف مستمسك الخصم من الاستدلال بالآية على مذهبه. وكان علماء المعتزلة من كبار أئمة اللغة فحاولوا تطويع النصوص القرآنية من الناحية اللغوية لتقرير أصولهم، فأتاهم الواحدي من الباب الذي ولجوا منه، وبيَّن في كل مسألة تعرض لها أن اللغة لا تدل على ما أرادوا. ومن خلال تلك النصوص نجد ردود الواحدي متجهة إلى المعتزلة والقدرية، ولم نر له ردًّا على أحد سواهم؛ ذلك لأن المعركة الكلامية كانت قائمة على أشدها في تلك الفترة بين الأشاعرة من جانب، وبين المعتزلة والقدرية (¬1) من جانب آخر. على أن الشيعة كانت لهم صولات في تلك الفترة خصوصًا في عهد البويهيين، وقد عاصر الواحدي تلك الحقبة، ومع ذلك لم نجد له أي كلام عن الشيعة ولا مجرد ذكر لهم. المسألة الثامنة: منهجه في المسائل الفقهية والأصولية: قد قدمت في ترجمة أبي الحسن الواحدي رحمه الله أنه كان من علماء الشافعية، وأدلة ذلك أظهر من أن تذكر، والناظر في تفسيره يدرك ذلك بأدنى تأمل، حيث إنه -رحمه الله- يقدم أقوال الشافعية، ويستدل لها، ويرجحها، ويقتصر على مذهب الشافعي في كثير من المواطن، فلا يكاد يذكر معه غيره إلا لمامًا. ¬

_ (¬1) انظر ما كتبه د/ عبد المجيد أبو الفتوح بدوي في كتابه: "التاريخ السياسي والفكري للمذهب السني في المشرق الإسلامي" ص 29 - 32.

ويمكن أن أسجل الملاحظات التالية في منهجه هنا

ويمكن أن أسجل الملاحظات التالية في منهجه هنا: 1 - يعرض الواحدي للأحكام بصورة مختصرة، دون توغل في ذكر الفروع والمسائل التي لا صلة للآية بها إلى نادرًا، في الوقت الذي يطيل فيه إطالة بالغة عند توجيه القراءات، وذكر مسائل اللغة والنحو، ونحو ذلك، كما أسلفت. 2 - يقتصر الواحدي في عرض الأحكام على مذهب الشافعي، ويحتج لمذهبهم، وقلما يذكر معه غيره، وقد يورد خلاف الحنفية، ولعل سبب ذلك: كون مذهبهم مشهورًا في المشرق الإسلامي، أما مذهب مالك فنادرًا ما يتعرض له، وأندر منه مذهب الإمام أحمد، ولعله لعدم اشتهارهما في المشرق حينذاك. ومن أمثلة ذلك: عند تفسير قوله تعالى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} [البقرة: 197] قال: .. قال ابن عباس في هذه الآية: جعلهن الله للحج، وسائر الشهور للعمرة، فلا يصح أن يحرم بالحج إلا في أشهر الحج. وهذا مذهب الشافعي رحمه الله .. وعند أبي حنيفة: إذا أحرم بالحج في غير أشهر الحج كره ذلك، وُيجزيه. 3 - قد يورد الحكم المستنبط من الآية مجردًا دون قائل، أو مخالف، وعند التحقيق يكون على مذهب الشافعية. ومن أمثلة ذلك ما ذكره عند قوله تعالى: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ} [البقرة: 178] قال الواحدي: في قوله: (شيء) دليل على أن بعض الأولياء إذا عفا سَقَطَ القود؛ لأن شيئًا من الدمِ قد بطل بعفو البعض، والله تعالى قال: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ}. 4 - قد يفرد المسألة أو الحكم بفصل مستقل، وذلك قليل. ومن

أمثلته: إفراد أحكام التأمين بفصل بعد تفسير الفاتحة. 5 - قد يذكر مذاهب الصحابة والتابعين ويسميهم تفصيلًا، وهو قليل في جملة الكتاب. ومثال ذلك: ذكره لأقوال الصحابة في قوله تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185] قال: وقوله تعالى: {فَلْيَصُمْهُ}: قال ابن عباس وأكثر أهل التأويل: معناه: فليصم ما شهد منه؛ لأنه إن سافر في حال الشهر كان له الإفطار، وذهب طائفة على أنه إذا شهد أول الشهر مقيمًا ثم سافر لم يحل له الإفطار، وهو قول النخعي والسدي وابن سيرين ومذهب جماعة. قد يتوسع في ذكر الأحكام، ويفصل في ذلك تفصيلًا بينًا، وهو قليل أيضًا في جملة الكتاب. ومن أمثلة ذلك: قوله: ولأهل التأويل في قوله: {غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ} [البقرة: 173] طريقان: أحدهما: وهو قول ابن عباس في رواية عطاء: غير باغ على المسلمين، ولا عاد عليهم، وهذا قول مجاهد وسعيد بن جُبَير والضحاك والكلبي، قالوا: غير قاطع للطريق، ولا مفارق للأئمة، مشاق للأمة. وعلى هذا التأويل كل من عصى بسفره لم يحل له أكل الميتة عند الضرورة، لأنه باغ عاد، وهو مذهب الشافعي رحمه الله، قال: إن الإباحة إعانة له على فساده وظلمه، ولكن يتوب ويستبيح. والثاني: إن هذا البغي والعدوان يرجعان إلى الأكل، ومعناه: غير آكلها تلذُّذًا من غير اضطرار، (ولا عاد) ولا مجاوز ما يدفع به عن نفسه الجوع، وهذا قول السدي.

وقال الحسن وقتادة والربيع وابن زيد: غير باغ بأكله من غير اضطرار، ولا عاد يتعدى الحلال إلى الحرام، فيأكلها وهو غني عنها. وعلى طريقة هؤلاء يُباح للعاصي بسفره تناول الميتة عند الضرورة، وهو مذهب أهل العراق. والتأويل الأول أولى من حيث اللفظ والمعنى. أما اللفظ: فرجوع البغي والعدوان إلى حال المضطر أولى من رجوعهما إلى أكله، وهو المفهوم من اللفظ؛ لأنه لم يسبق للأكل ذكر حتى يكون البغي والعدوان صفة له، راجعًا إليه، ومثله من الكلام أن يقال: قد حرم الأمير ركوب الخيل، ولبس السلاح، فمن أحوج غير فارٍّ ولا ذاهبٍ فلا حرج عليه، فالذي يسبق إلى الوهم من هذا، ويليق باللفظ، أن معناه: غير فار بنفسه ولا ذاهب، وأن الفرار والذهاب يعود إلى نفس المضطر، لا إلى شيء سواه. وَوِزان التأويل الثاني من هذا الكلام: أن يكون المعنى: غير فار بسلاحه، ولا ذاهب به. وأما من حيث المعنى: فإن نفس المؤمن يعاف الميتة والدم، ويستقذرهما استقذارًا يمنعه من أكلهما؛ ولهذا لا يقام الحد على آكلهما؛ لأنه لم يحتج في الزجر عنهما إلى الحد، لا كالخمر فإن لها دواعي من النفس، وإذا كان كذلك فليس يتجاوز أحدٌ في أكل الميتة قدر التشبع عند الضرورة، ولا يتعدى الحلال الذي معه، فيأكلها تلذذًا من غير أن يَرِدَ بهذا نهي، وإن جاز ورود النهي تأكيدًا، فلهذين الوجهين قلنا إن التأويل الأول أولى. 7 - وجدت بالتتبع أنه ينقل غالب الأحكام من تفسير شيخه الثعلبي،

ويتابعه في الإطالة والاختصار والتفصيل والإجمال وذكر الخلاف والمخالفين ولكن على عادته -رحمه الله- بالتصرف والاختصار والتقديم والتأخير. 8 - أما المسائل الأصولية فقليلة جدًّا في هذا التفسير، ومن أمثلة ذلك: ما ذكره من معنى النسخ وأقسامه عند تفسير قوله تعالى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 106]. قال رحمه الله: النسخ له معنيان: أحدهما: تحويلُ الكتاب من حيث هو إلى نسخة أخرى، يقال: نسخت الكتاب، أي: كتبت منه نسخة أخرى، ثم يقال: نَسَخْتُ منه نسخة، وإن لم تحوله من مكتوب إلى غيره، كأنك كتبته عن حفظك، ومن هذا قوله عز وجل: {إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [الجاثية: 29] يجوز أن يكون معناه: ننسخ، كقوله: {وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ} [الصافات: 14] أي: يسخرون، ويجوز أن يكون معناه: نستدعي ذلك، وهو أمر الملائكة بكتابته. وعلى الوجهين جميعًا هو كتابة لا من نسخة، فعلا هذا المعنى: القرآن كله منسوخ؛ لأنه نُسِخَ للنبي -صلى الله عليه وسلم- من أمِّ الكتاب فأنزل عليه. والثاني: هو رفعُ الحكم وإبطالهُ، ثم يجوز النسخ إلى بدل وإلى غير بدل. فالذي إلى بدل قولهم: نَسَختِ الشمسُ الظلَّ، فالظلُّ يزول ويبطل، والشمس تكون بدلًا عنه. والذي إلى غير بدل قولهم: نَسَختِ الريحُ الأثرَ، أي: أبطلتها وأزالتها.

وهذا المعنى هو المراد بالآية. ثم النسخ في القرآن على ضروب: .. إلى آخر ما ذكر. وقد عني رحمه الله بذكر الإجماع لكنه متساهل في حكايته ونقله. ومن أمثلة ذلك ما ذكره عند قوله تعالى: {بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 81] قال: وإجماع أهل التفسير أن السيئةَ ها هُنا الشرك (¬1)، وأنّ الآية وردت في اليهود (¬2)، وقد قيل: إنها عامة في جميع الكفار. اهـ والصحيح: أن هذا قول أكثر السلف، والقول الآخر: أن السيئة هي كبائر الذنوب التي توعد الله عليها بالنار، والخطيئة هي الكفر، وممن قال به الحسن والسدي. ومن أمثلته أيضًا: ما ذكره عند تفسير قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} [البقرة: 180] قال: "وقد اجتمعت العلماء على نسخ هذه الآية" (¬3). ¬

_ (¬1) هذا الإجماع ذكره الواحدي -أيضا- في "الوسيط" 1/ 164، وينظر: كتاب "الإجماع في التفسير" ص 177. (¬2) ذكر الإجماع على أنها في اليهود الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 162 قال: "والإجماع أن هذا لليهود خاصة؛ لأنه -عز وجل- في ذكرهم"، والطبري لم يذكر سوى ذلك، وكأن المؤلف نقض الإجماع بقوله وقد قيل. (¬3) تابع المؤلف -رحمه الله- الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 249 في هذا الإجماع، وسيأتي في كلامه ما يدل على نقض هذا الإجماع، وممن ذكر الخلاف في الآية فأطنب: الإمام الطبري في "تفسيره" 3/ 387، ولو قال -رحمه الله-: أجمع العلماء على نسخ حكم هذه الآية في القريب الوارث لكان مقاربا، وهذا ما ذكره بعد عدة أسطر.

المسألة التاسعة: منهجه في اللغة وفنونها

ومن أمثلته أيضًا: ما ذكره عند تفسير قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183] قال: وإجماعُ المفسرين على أن المراد بهذا الصيام صيام شهر رمضان (¬1). المسألة التاسعة: منهجه في اللغة وفنونها: يعد هذا الجانب أبرز الجوانب في تفسير الواحدي، وأوضحها للقارئ، حتى إنه ليعد أحد المراجع في هذا الفن، وسوف نتحدث في هذا الموضوع من خلال أربعة جوانب وهي: 1 - الجانب اللغوي: للجانب اللغوي أهمية خاصة بالنسبة لتفسير "البسيط" ذلك لما حواه هذا الكتاب من مادة لغوية كثيرة، أثار ذلك انتباه بعض العلماء منهم الزركشي الذي اعتبر كتاب "البسيط" من كتب التفسير التي غلب عليها الطابع اللغوي، حيث كثر فيها الغريب، فيقول وهو يتحدث عن التفسير: وقد أكثر الناس فيه من الموضوعات، ما بين مختصر ومبسوط وكلهم يقتصر ¬

_ (¬1) حكى الواحدي هذا الإجماع في "تفسيره الوسيط" 1/ 272، ولا يسلم له؛ لورود الخلاف؛ حيث يرى جماعة أن المراد صيام ثلاثة أيام من كل شهر، أو صيامها وصيام عاشوراء، على خلاف بين القائلين بذلك، وبه قال قتادة وعطاء، وروي عن ابن عباس. وقد بين الحافظ في "فتح الباري" 8/ 178 أن الناس اختلفوا في التشبيه الذي دلت عليه الكاف، هل هو على الحقيقة، فيكون صيام رمضان قد كتب على الذين من قبلنا؟ أو المراد: مطلق الصيام دون وقته وقدره؟ قولان، والثاني قول الجمهور. وينظر في ذكر الخلاف: "تفسير الطبري" 3/ 414، و"المحرر الوجيز" 1/ 250، و"النكت والعيون" 1/ 273، و"الإجماع في التفسير" ص 199 - 200.

على الفن الذي يغلب عليه، فالزجاج والواحدي في "البسيط" يغلب عليهما الغريب .. " (¬1). وذلك البعد اللغوي في الكتاب "البسيط" ليس غريبًا على شخصية الواحدي العلمية والتي استجليناها فيما سبق (¬2)، حيث أدرك منذ نشأته الأولى أهمية اللغة لتفسير كتاب الله، فصرف همته لذلك، حتى إذا نضجت فيه تلك الملكة، أبرزها في كتابه "البسيط". يقول في مقدمة كتابه "البسيط" مبينًا أهمية اللغة لفهم القرآن وتفسيره: "والله تعالى ذكره، أنزل كتابه على قوم عرب، أولي بيان فاضل، وفهم بارع، أنزله -جل ذكره- بلسانهم، وصيغة كلامهم الذي نشأوا عليه .. يعرفون وجوه خطابه، ويفهمون فنون نظامه، ولا يحتاجون إلى تعلم مشكله وغريب ألفاظه حاجة المولدين الناشئين مع من لا يعلم لسان العرب حتى يعلمه .. وبين النبي -صلى الله عليه وسلم- للمخاطبين من أصحابه -رضي الله عنهم- ما عسى بهم الحاجة من معرفة بيان مجمل الكتاب، وغامضه ومتشابهه، وجميع وجوهه التي لا غنى بهم وبالأمة عنه. فاستغنوا بذلك عما نحن إليه اليوم محتاجون من معرفة لغات العرب واختلافها والتبحر فيها، الاجتهاد في تعلم وجوه العربية الصحيحة التي بها نزل الكتاب وورد البيان" (¬3). ويقول: "وقد كان الأكابر من السلف يحثون على تعلم لغة العرب، ويرغبون فيها لما يعلمون من فضلها وفرط الحاجة إليها، في معرفة ما في ¬

_ (¬1) "البرهان" 1/ 13. (¬2) انظر ما سبق من الحديث عن العلوم التي برز فيها. (¬3) مقدمة "البسيط" للمؤلف، والنص نقله الواحدي عن مقدمة "تهذيب اللغة" 1/ 4.

الكتاب، ثم في السنن والآثار وأقاويل أهل التفسير من الصحابة والتابعين من الألفاظ الغريبة والمخاطبات العربية، فإن من جهل لسان العرب وكثرة ألفاظها وافتنانها في مذاهبها جهل جمل علم الكتاب" (¬1). ويقول: "وكيف يتأتى لمن جهل لسان العرب أن يعرف تفسير كتاب جعل معجزة في فصاحة ألفاظه وبعد أغراضه -لخاتم النبيين وسيد المرسلين -صلى الله عليه وسلم- وعلى آله الطيبين- في زمان أهله يتحلون بالفصاحة، ويتحدون بحسن الخطاب وشرف العبارة، وإن مثل من طلب ذلك مثل من شهد الهيجاء بلا سلاح، ورام أن يصعد الهواء بلا جناح" (¬2). ومن هذه النصوص وغيرها مما قال في مقدمة كتابه التي تركتها - خشية الإطالة- ندرك مدى اهتمام الواحدي باللغة، ومن ثم انصرفت همته لها تعلمًا وتأليفًا فجاء كتابه "البسيط" أحد كتب التفسير التي غلب عليها الطابع اللغوي كما قال الزركشي. لقد أصاب الزركشي فيما قال، فإن الواحدي إن كان قد أجاد في شرح اللفظة القرآنية بيان أصلها في اللغة، وربط ذلك بتفسير الآية، فإنه قد توسع في بعض المباحث اللغوية حتى عد ذلك خروجًا عن نهج التفسير، بل وعن النهج الذي شرطه على نفسه في مقدمة كتابه. والمنهج اللغوي الذي سلكه الواحدي في تفسيره "البسيط" يقوم على بيان أصول الألفاظ القرآنية واشتقاقها وتصاريفها وما فيها من فروق لغوية مع الاعتناء بالألفاظ الغريبة وبيان مدلولاتها، ومن ثم ربط ذلك بتفسير ¬

_ (¬1) مقدمة "البسيط" للمؤلف، وهو منقول عن مقدمة "تهذيب اللغة" 1/ 5، انظر التعليق على "حاشية البسيط". (¬2) مقدمة "البسيط".

الآية فيطوع المباحث اللغوية لخدمة التفسير، ويوجه الأقوال ويرجع بعضها على بعض بما يملك من ملكه لغوية مصقولة. ويبدأ تفسيره -في الغالب- بتحليل ألفاظ الآية وبيان أصولها واشتقاقها وشرح غريبها. ولقد اعتمد الواحدي كثيرًا على كتاب "تهذيب اللغة" للأزهري في جانب اللغة كما أفاد كذلك من كتاب "الحجة" و"الإغفال" لأبي علي الفارسي و"معاني القرآن" للفراء وللزجاج، وأقوال ابن الانباري، وهذه أهم مصادره في اللغة. ومن الأمثلة على مدى عنايته في الجانب اللغوي، ما ذكره عند تفسير قوله تعالى: {يَوْمِ الدِّينِ} [الفاتحة: 4]. تكلم عن أصل "مالك" في اللغة وعن تصريفها فقال: المالك في اللغة الفاعل من الملك، يقال: مَلَك فلان الشيء يَمْلِكه مُلْكًا ومِلْكًا ومَلْكًا ومَلَكة ومَمْلَكة ومَمْلُكة، ويقال: إنه لحسن المَلْكة والمِلْك، وأصل: المُلْك والمِلْك راجع إلى معنىً واحد، وهو الربط والشد فمالك الشيء من ربطه لنفسه، ومُلْكُه ما يختص به وَشُدَّ بعقد يخرج به عن أن يكون مباحًا لغيره .. ، ويستمر في شرح طويل لهذِه اللفظة. ثم يأتي إلي لفظ "الدين" في الآية رابطًا بين شرح اللفظة وبين الاستدلال بالقرآن والنقل عن السلف في معناها فيقول: "الدين" قال الضحاك وقتادة: الدين: الجزاء، يعني يوم يدين الله العباد بأعمالهم، تقول العرب دنته بما فعل أي جازيته، ومنه قوله: {أَإِنَّا لَمَدِينُونَ} [الصافات: 53]، أي مجزيون، وقال: واعلم وأيقن أن ملكك زائل ... واعلم بأن كما تدين تدان

أي: تجزى بما تفعل. ويقوي هذا التفسير قوله: {الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ} [غافر: 17] وقوله: {الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [الجاثية: 28]. قال ابن عباس والسدي ومقاتل: معنى قوله: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} [الفاتحة: 4] قاضي يوم الحساب، واختار أبو عبيد هذا القول .. ثم قال: وللدين معان كثيرة في اللغة، وكل موضع انتهينا إليه من القرآن ذكرنا ما فيه. وعند تفسير قوله تعالى: {فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [البقرة: 10] قال عن "العذاب": أصل العذاب في كلام العرب من العذب وهو المنع يقال: عَذَبْتُه عَذْبًا أي: منعته منعًا، فعَذَبَ عُذُوبًا أي: أمتنع، ومنه يقال: للفرس إذا قام في المعلف ولم يتناول العلف وامتنع عنه: عَذُوب وعَاذِب، ومنه الماء العَذْب؛ لأنه يمنع العطش، فسمَّي العذاب عذابًا؛ لأنه يعذبُ المعاقب عن معاودة ما عوقب عليه، ويَعْذُب غيره من ارتكاب مثله. وعند تفسير قوله تعالى: {وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ} الآية [البقرة: 49] يتكلم عن لفظ "آل" عن أصله وعن اشتقاقه في اللغة فيقول: اختلف أهل العربية في الآل، واشتقاقه من اللغة، وأصله. فقال جماعة: أصله من الأول، بمعنى الرجوع، فآل الرجل كأنه شيعته الذين يؤولون إليه ويؤول إليهم .. ثم يذكر أشياء تشبه بآل الرجل فيقول: .. هذا معنى الآل في اللغة، ثم شُبِّه بآل الرجل أشياء تسمى بهذا الاسم وإن لم يوجد فيه معنى الأول، كعضد الخيمة تسمى: "آلًا" تشبيهًا بآل الإنسان، وآل البعير ألواحه .. ". ثم ينقل كلامًا طويلًا عن أبي الفتح الموصلي عن أصل "آل" وما حصل عليها من إبدال وتغيير في بنية الكلمة.

2 - الجانب النحوي

واهتمام الواحدي بالاشتقاق اللغوي بارز في جميع المباحث اللغوية التي طرقها، ومن الأمثلة التي توضح ذلك عند تفسير قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ} الآية [البقرة: 58] ذكر اللغات في القرية ثم قال: وقال أصحاب الاشتقاق: اشتقاق القرية من قريت أي: جمعت، والمقراة: الحوض يجمع فيه الماء، والْقَرِيُّ: مسيل يجتمع الماء إليه، ويقال لبيت النمل: قرية؛ لأنه يجمع النمل .. 2 - الجانب النحوي: أدرك الواحدي منذ اتجاهه إلى التحصيل أهمية النحو والأدب في تفسير القرآن وأنهما عمدتاه فيقول: "فقلت: إن طريق معرفة تفسير كلام الله تعالى تعلم النحو والأدب فإنهما عمدتاه ... " ويقول: "وقل من تقدم في علم من العلوم إلا بمعرفة الأدب ومقاييس العربية والنحو" لذلك اتجه إلى النحو فجلس إلى الشيوخ يقرأ جوامع النحو والتصريف. يقول: "وأما النحو فإني لما كنت في ميعة صباي وشرخ شبيبتي وقعت إلى الشيخ أبي الحسن علي بن محمد بن إبراهيم الضرير -رحمه الله-، وكان من أبرع أهل زمانه في لطائف النحو وغوامضه، وأعلمهم بمضايق طرق العربية ودقائقها، وقرأت عليه جوامع النحو والتصريف والمعاني، وعلقت عنه قريبًا من مائة جزء في المسائل المشكلة، ثم ورد علينا الشيخ الإمام أبو الحسن عمران بن موسى المغربي المالكي، وكان واحد عصره وباقعة دهره في علم النحو، لم يلحق أحد ممن سمعنا شأوه في معرفة الإعراب، ولقد صحبته مدة مقامه عندنا حتى استنزفت غرر ما عنده". لقد استوعب من مسائل النحو ما جعله يعد في مصاف أئمة هذا

الشأن، والمستحق لقب "النحوي" الذي أطلقه عليه أكثر الذين ترجموا (¬1) له، وفي مقدمتهم صاحب السياق الذي قال: الإمام المصنف المفسر النحوي. (¬2)، ويقول ابن خلكان: كان أستاذ عصره في النحو والتفسير (¬3). وقد أفرغ في كتابه "البسيط" كثيرًا مما جمعه ووعاه من مسائل النحو ودقائقه وفروعه حتى أصبح الكتاب أقرب إلى موسوعة نحوية منه إلى كتاب تفسير. يقول السيوطي وهو يتحدث عن أنواع الذين صنفوا في التفسير: فالنحوي تراه ليس له هم إلا الإعراب وتكثير الأوجه المحتملة فيه، ونقل فواعد النحو ومسائله وفروعه وخلافياته كالزجاج والواحدي في "البسيط" وأبي حيان في "البحر" و"النهر" ... (¬4). وأقول: إن السيوطي مصيب فيما قال، حيث أثقل الواحدي كتابه "البسيط" بمسائل نحوية لا علاقة لها بالتفسير إطلاقًا، وإنما يقوده إليها الاستطراد وشغفه بذلك العلم. وأذكر بعض الأمثلة التي توضح ذلك: المثال الأول هو: ما افتتح الواحدي به كتابه فعند تفسير "البسملة" أول عبارة بدأ بها قوله: اختلفت عبارة النحويين في تسمية هذه الباء الجارة .. الخ، ثم استطرد في صفحات يذكر أقوال النحويين وخلافاتهم عن "الباء" وعن بعض حروف الجر كـ "اللام" و"الكاف" وقد نقل هذا الموضوع من كتاب "سر صناعة الإعراب" لأبي الفتح بن جني ولم يعزه له. ¬

_ (¬1) انظر: "معجم الأدباء"، و"إنباه الرواة" 2/ 223، و"البلغة في تراجم أئمة النحو واللغة" ص 146. (¬2) انظر: "المنتخب من السياق" ل 114 (¬3) "وفيات الأعيان" 3/ 303. (¬4) "الإتقان" 2/ 243.

مذهبه النحوي

وعند تفسير قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ} [البقرة: 23] ذكر الأقوال في: "من" في قوله: {مِنْ مِثْلِهِ} وهذا متعلق بتفسير الآية. ثم ذكر أوجه "من" عمومًا، فقال: قال النحويون: "من" يكون على أربعة أوجه .. وأخذ يذكرها ويمثل لها. ثم قال بعده مباشرة: وهاهنا فصل يحتاج إليه في كثير من المواقع ذكرته هاهنا وهو: أن الحروف عند النحويين لا يليق بها الزيادة ولا الحذف .. الخ، ثم أخذ في شرح طويل في شرح هذِه المسألة، فما مناسبة هذا الفصل لتفسير الآية؟ إن مكانه كتب النحو لا كتب التفسير، وهذا الفصل بكامله وبنصه قد نقله عن كتاب "سر صناعة الإعراب" لأبي الفتح بن جني (¬1) بدون عزو. وعند تفسير قوله تعالى: {عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ} [البقرة: 68] تحدث عن "بين" وأخذ عن أبي علي الفارسي من كتاب "الإغفال" كلاما طويلًا عن "بين" ومنه: "قال أبو علي: اعلم أن "بين" اسم يستعمل على ضربين: مصدر وظرف .. الخ، واستمر في سرد طويل في صفحات. ومثله ما كتبه عن "الآن" ناقلا عن الفراء وأبي علي الفارسي. إن حشو كتب التفسير بمثل هذه المباحث الطويلة يبعد القارئ عن تفسير القرآن ويطيل الكتاب، ويجلب الملل للقارئ. رحم الله الواحدي. مذهبه النحوي: هناك مدرستان نحويتان شهرتا وهما "مدرسة البصرة" و"مدرسة ¬

_ (¬1) انظر: "البسيط" [البقرة: 23]، والتعليق على النص.

الكوفة" ولكل من المدرستين قواعد وأصول تخالف المدرسة الأخرى، كما أن لكل واحدة منهما علماء عرفوا بذلك فمن أشهر رجال مدرسة البصرة الخليل بن أحمد، وسيبويه، والمازني، وقطرب، والمبرد، والزجاج، والزجاجي، وأبو علي الفارسي، وغيرهم (¬1). ومن أشهر رجال مدرسة الكوفة: الفراء، الكسائي، وثعلب، وأبو بكر بن الأنباري (¬2). ونشأت بعد ذلك مدرسة ثالثة من جراء الخلط بين أصول المدرستين وهي ما عرفت بالمدرسة "البغدادية" ومن رجالها ابن كيسان وابن السراج (¬3) وعد بعضهم منها "أبا الفتح بن جني" وعده بعضهم بصريًّا (¬4). فمن أي المدارس الثلاث يمكن أن يعتبر الواحدي؟ للإجابة عن هذا السؤال نعود إلى المادة النحوية التي ذكرها الواحدي في كتابه "البسيط" فنراه قد نقل عن أئمة المدارس الثلاث فأخذ عن الزجاج والفارسي والمبرد والزجاجي وغيرهم من مدرسة البصرة. وأخذ عن الفراء وابن الأنباري وثعلب من مدرسة الكوفة. كما نقل آراء ابن كيسان وابن السراج وأخذ عن أبي الفتح بن جني، ومن ثم نراه قد نقل من قواعد المدارس الثلاث في كتابه. ¬

_ (¬1) انظر طبقاتهم كما ذكرها الزبيدي في كتابه "طبقات النحويين واللغويين" ص 21 - 121، انظر: "تاريخ النحو" ص 34. (¬2) انظر طبقاتهم كما ذكرها الزبيدي في كتابه "طبقات النحويين واللغويين" ص 125 - 154، وانظر: "تاريخ النحو" ص 41. (¬3) انظر: "تاريخ النحو" ص 93، 94. (¬4) وبه أخذ محمد النجار في مقدمته على "الخصائص" لابن جني 1/ 45.

المسائل النحوية التي يعنى بها في "البسيط"

كما نلاحظ أنه يذكر قول الكوفيين والبصريين في المسألة الواحدة وربما رجح قول أهل البصرة أو قول أهل الكوفة. مثال على ذلك: لما تعرض لتفسير "الاسم" في تفسير "البسملة" ذكر أقوال الطرفيين ثم قال: قالوا: ولا يصح مذهب الكوفيين في هذا الحرف، لأنه لا يعرف شيء حذفت منه فاء الفعل فدخلت عليه ألف الوصل كالعدة والزنة .... بينما نراه في موضع آخر يأخذ بقول الكوفيين، ولا يذكر قول البصريين أصلًا فعند تفسير قوله تعالى: {وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ} [البقرة: 12] قال: أصل "لكن" لا، ك، إن، "لا" للنفي و"الكاف" للخطاب و"إن" للإثبات، فحذفت الهمزة استخفافًا. فما قرره في "لكن" هو رأى الكوفيين أما أهل البصرة فيرون أنها بسيطة غير مركبة (¬1). ولعل هذا مما أفاده من ابن الأنباري وهو كوفي كما سبق. نصل من هذا إلى أن الواحدي أفاد في كتابه عن أئمة النحو من بصريين وكوفيين، يختار من أقوالهم ما يراه إلى الصواب أقرب ولا يلتزم مدرسة بعينها، لكن نقوله عن البصريين أكثر، لأن أغلب الأئمة الذين أخذ عنهم من مشايخ البصرة كالفارسي والزجاج والزجاجي، وابن جني عند بعضهم، والله أعلم بالصواب. المسائل النحوية التي يُعْنَى بها في "البسيط": لقد طرق الواحدي في كتابه أغلب مسائل النحو، ولا تأتي مناسبة في تفسيره لمسألة نحوية إلا وتعرض لها سواء كانت تتعلق بالتصريف أو ¬

_ (¬1) انظر: "الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين: البصريين والكوفيين" 1/ 209.

بإعراب الكلمة أو غير ذلك، وسبق ذكر نماذج لعنايته بتصريف الكلمة وأصولها في منهجه اللغوي، ونلحظ من مجموع المسائل النحوية التي تعرض لها عنايته بأمرين هامين وهما: إعراب القرآن، والأدوات والحروف. أما بالنسبة للأمر الأول وهو إعراب القرآن، فإن له أهمية كبرى فبالإعراب يتبين المعنى ويتضح، وبه يوقف على أغراض المتكلم، وقد ألفت في إعراب القرآن كتب كثيرة منها كتاب "مشكل إعراب القرآن" لمكي بن أبي طالب و"إملاء ما من به الرحمن" لأبي البقاء العكبري وغيرها (¬1). وقد أولى الواحدي هذا الجانب عناية كبيرة لما له من أثر في وضوح معاني الآيات، ومن الأمثلة على ذلك في تفسير قوله تعالى: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ} [البقرة: 2] قال: وموضع "لا ريب" رفع بالابتداء عند سيبويه لأنه بمنزلة "خمسة عشر" إذا ابتدأت به، ولهذا جاز العطف عليه بالرفع في قوله: لا أُمَّ لِي إِنْ كَانَ ذَاكَ وَلا أَبُ ومن نصب المعطوف فهو عطف على اللفظ .. وقوله "فيه" يجوز أن تجعله خبرًا للابتداء الذي هو "لا ريب" ويجوز أن تجعله صفة لقوله: "لا ريب"، وإذا جعلته صفة أضمرت الخبر، كأنه قيل: لا ريب فيه واقع أو كائن ... الخ. وعند تفسير قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ} [البقرة: 6] قال: و"سواء" في الآية رفع بالابتداء ويقوم "أأنذرتهم ¬

_ (¬1) انظر: "البرهان" 1/ 301.

أم لم تنذرهم" مقام الخبر في المعنى، كأنه بمنزلة قولك: "سواء عليهم الإنذار وتركه" لا في الإعراب، لأنك إذا قدرت هذا التقدير في الإعراب صار "سواء عليهم" خبرًا مقدمًا، والجملة في موضع رفع بأنها خبر "إن" ويجوز أن يكون خبر "إن" قوله: "لا يؤمنون" كأنه قيل: إن الذين كفروا لا يؤمنون سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم ... إلخ". ونلحظ ربط الإعراب بمحاولة إيضاح المعنى على جميع الوجوه. والاستفادة من إعراب القرآن للكشف عن معاني الآية ظاهرة في تفسير الواحدي، يتضح ذلك من الأمثلة السابقة، وأذكر مثالا آخر يوضح هذا الأمر أكثر، عند تفسير قوله تعالى: {وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا} [البقرة: 26] قال: "وفي نصب قوله: "مثلًا" وجوه، أحدها: الحال، لأنه جاء بعد تمام الكلام، كأنه قيل: ماذا أراد الله بهذا مبينا. والثاني: التمييز والتفسير للمبهم وهو "هذا" كأنه قيل: ماذا أراد الله بهذا من الأمثال. والثالث: القطع كأنه قيل: ماذا أراد الله بهذا المثل، إلى أنه لما جاء نكرة نصب على القطع عن إتباع المعرفة، وهذا مذهب الفراء وأحمد بن يحيى. الأمر الثاني: عناية بالأدوات والحروف. ودراسة الحروف من مسائل النحو الهامة حيث ألفت فيها كتب مستقلة (¬1)، لأن معانيها تختلف بحسب ¬

_ (¬1) منها كتاب "الأزهية في علم الحروف" لعلي بن محمد الهروي، و "حروف المعاني" للزجاجي، و"رصف المباني في شرح حروف المعاني" للمالقي، و"مغني اللبيب" لابن هشام.

موقعها من الكلام، ولذلك لابد للمفسر من معرفة ذلك (¬1)، وعناية الواحدي بها بارزة في تفسير "البسيط" فلا يمر شيء من الحروف والأدوات إلا ويبسط القول فيها عن تركيبها، وعن استعمالها، واختلاف مدلولاتها بحسب الاستعمال. ومن الأمثلة على ذلك ما سبق قريبا عن "الباء" و"من" و"بين" و"الآن"، ومن الأمثلة الأخرى ما ذكره عن "لم" و"لن" عند تفسير قوله تعالى: {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا} [البقرة: 24] قال: "لم" حرف يجزم الفعل المضارع، ويقع بعدها بمعنى الماضي كما يقع الماضي بعد حرف الجزاء بمعنى الاستقبال، ولهذه المشابهة بينها وبين حروف الجزاء اختير الجزم بـ"لم" .. ثم قال: وأما "لن" فهي حرف قائم بنفسه، وضع لنفي الفعل المستقبل، ونصبه للفعل كنصب "أن" وليس ما بعد "لن" بصلة لها، لأن "لن يفعل" نفي سيفعل، وتعمل ما بعدها فيما قبلها كقولك زيدًا لن أضرب ... واستمر في بيان أقوال النحويين في أصل "لن". وقد اعتمد الواحدي في المسائل النحوية كثيرًا على كتاب "سر صناعة الإعراب" لأبي الفتح بن جني، و"معاني القرآن" للفراء وللزجاج، وكتاب "الإغفال" و"الحجة" لأبي علي الفارسي، وعلى أقوال ابن الأنباري. وكان اعتماده على كتاب "سر صناعة الإعراب" كبيرًا نقل منه مسائل طويلة بنصها، وعندما قام صاحب كتاب "الواحدي ومنهجه في التفسير" بدراسة الجانب النحوي في التفسير عند الواحدي اختار نصين من "البسيط" أحدهما عن "الباء"، والثاني عن "أل" وبنى عليهما دراسته لمنهجه النحوي، وكأن الكلام للواحدي، مع أن هذين النصين منقولان بطولهما من ¬

_ (¬1) انظر: "البرهان" 1/ 175.

3 - الجوانب البلاغية

كتاب "سر صناعة الإعراب" لأبي الفتح بن جني، ودور الواحدي هو حسن الانتقاء والعرض، (¬1) وسبق الإشارة لمثل هذا قريبًا عند الحديث عن منهج الواحدي في عرض القراءات. 3 - الجوانب البلاغية: علم البلاغة من أجل علوم العربية قدرًا، إذ به تعرف دقائق اللغة وسر الفصاحة فيها، وبه يعرف بعض وجوه إعجاز القرآن الكريم، فلا غنى للمفسر عنه، يقول الزركشي: "وهذا العلم أعظم أركان المفسر فإنه لابد من مراعاة ما يقتضيه الإعجاز من الحقيقة والمجاز وتأليف النظم وأن يؤاخي بين الموارد ويعتمد ما سيق له الكلام حتى لا يتنافر وغير ذلك .. وقال الزمخشري: من حق مفسر كتاب الله الباهر وكلامه المعجز أن يتعاهد في مذاهبه بقاء النظم على حسنه والبلاغة على كمالها، وما وقع به التحدي سليمًا من القادح، وإذا لم يتعاهد أوضاع اللغة فهو من تعاهد النظم والبلاغة على مراحل .. " (¬2). ولقد كان الواحدي سباقًا في ذلك حيث جعل "البلاغة" أحد القواعد الهامة لتفسير كتاب الله، فيقول: فقلت: إن طريق معرفة تفسير كلام الله تعالى تعلم النحو والأدب -فإنهما عمدتاه- وإحكام أصولهما، وتتبع مناهج لغات العرب فيما تحويه من الاستعارات الباهرة والأمثال النادرة والتشبيهات البديعية، والملاحن الغريبة، والدلالة باللفظ اليسير على المعنى الكثير مما لا يوجد مثله في سائر اللغات. ¬

_ (¬1) انظر: "الواحدي ومنهجه في التفسير" ص 237 - 241. (¬2) "البرهان" 1/ 311.

فجعل البلاغة مع النحو والأدب طريقًا إلى معرفة تفسير كلام الله، وذكر بعض أنواع البلاغة كالاستعارة والتشبيه والإيجاز وغير ذلك مما يدخل تحت قوله "والملاحن الغريبة". وقد دأب في كتابه "البسيط" على محاولة إظهار إعجاز القرآن بما حوى من فصاحة في الأسلوب وبلاغة في التركيب، وكان هذا النهج واضحًا في تناوله لمفردات الآيات وتركيبها، وما اعتماده كتاب "نظم القرآن" لأبي علي الجرجاني مصدرًا مهّمًا في تفسيره إلا دلالة قوية على ذلك. كما أفاد من كتب ابن الأنباري حول تفسير مشكل القرآن شيئًا من الصور البلاغية. ونأخذ أمثلة من كتابه لننظر مدى إثرائه في هذا الجانب. من ذلك ما ذكره عند تفسير قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5] قال: -ناقلًا عن ابن الأنباري-: "قال أبو بكر: وقوله {إِيَّاكَ} بعد قوله: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} [الفاتحة: 4] رجوع من الغيبة إلى الخطاب، والعرب تفعل ذلك كثيرًا، وهو نوع من البلاغة والتصرف في الكلام، ومثل قوله: {وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا} [الإنسان: 21] ثم قال: {إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً} [الإنسان: 22] .. فذكر أحد أنواع علم المعاني التي يسميها البلاغيون "الالتفات". وعند تفسير قوله تعالى: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ} الآية [البقرة: 7] ذكر نوعًا آخر من أنواع البلاغة -ناقلًا كذلك عن ابن الأنباري- قال: وقال ابن الأنباري: أراد وعلى مواضع سمعهم، فحذف المضاف، كما تقول العرب: تكلم المجلس، وهم يريدون أهله، وحذف المضاف كثير في التنزيل والكلام .. وهذا النوع يسميه علماء البلاغة: "مجازًا عقليًّا"

ويذكر هذا النوع كذلك عند تفسير قوله تعالى: {فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ} [البقرة: 16] قال: ومعنى قوله: {فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ}، أي: ما ربحوا في تجارتهم، وأضاف الربح إلى التجارة؛ لأن الربح يكون فيها، وهذا كلام العرب يقولون: ربح بيعك، وخسر بيعك، ونام ليلك، وخاب سعيك ... إلخ). ويتحدث عن التشبيه وهو أحد أنواع علم البيان، فيعرفه ويذكر أهميته لما فيه من حسن البيان وقرب الاستدلال، لذلك كثر في القرآن، فيقول عند تفسير قوله تعالى: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا} [البقرة: 17] قال المبرد: ... والمثل من الكلام: قول سائر يشبه به حال الثاني بالأول، والأصل فيه التشبيه، فمعنى قولهم: مثل بين يديه إذا انتصب، معناه: أشبه الصورة المنتصبة بين يديه ... والأمثال أصل كبير في بيان الأشياء؛ لأن الشيء يعرف بشبهه ونظيره، والأمثال تخرج ما يخفى تصوره إلى ما يظهر تصوره، والمثل بيان ظاهر على أن الثاني مثل الأول، والأمثال متداولة سائرة في البلاد، وفيها حكم عجيبة وفوائد كثيرة، وقد ذكر الله تعالى الأمثال في غير موضع من كتابه لما فيها من حسن البيان وقرب الاستدلال، والمقصود بالمثل البيان عن الحال الممثل، وحقيقته ما جعل من القول كالعلم للتشبيه بحال الأول ... ثم يدخل في بيان تطبيقي على الآية، موضحًا التشبيه فيها بذكر المشبه والمشبه به ووجه الشبه مع قرن ذلك بتفسير الآية، فيقول: فأما التفسير فقال ابن عباس وقتادة والضحاك ومقاتل والسدي: يقول: مثل هؤلاء المنافقين كمثل رجل أوقد نارًا في ليلة مظلمة في مفازة فاستضاء بها واستدفأ ورأى ما حوله فاتقى ما يحذر ويخاف وأمن، فبينا هو كذلك إذ طفئت ناره، فبقي

4 - الشواهد الشعرية

مظلمًا خائفًا متحيرًا، كذلك المنافقون لما أظهروا كلمة الإيمان واستناروا بنورها، واعتزوا بعزها وأمنوا، فناكحوا المسلمين ووارثوهم وقاسموهم الغنائم، وأمنوا على أموالهم وأولادهم، فلما ماتوا عادوا إلى الظلمة والخوف وبقوا في العذاب والنقمة، وهذا القول اختيار الزجاج ... وعلى ما قاله أبو إسحاق: التمثيل وقع بين تجملهم بالإسلام وبين النار التي يستضاء بها ... واستمر في ذكر الأقوال في الآية مبرزًا أركان التشبيه فيها. 4 - الشواهد الشعرية: لقد تضلع الواحدي من علوم اللغة والأدب، ذلك لأنه أدرك أنها طريق تفسير كتاب الله تعالى، الذي نزل بلغة عربية فصيحة، وكان الواحدي حريصًا في تفسيره على توثيق جميع الأقوال والآراء والمعاني التي يذكرها بالأدلة، اتباعًا للمنهج العلمي الأصيل، فلا يترك قولا في التفسير أو اللغة أو النحو أو البلاغة إلا ويحاول الاستدلال له إما بآية من القرآن أو حديث من السنة، أو أثر عن السلف أو بيت من أشعار العرب، وسبق الحديث عن منهجه في الاستدلال بالقرآن والسنة ولأثر، وكان مما عرف عن المنهج الواحدي هناك أنه لا يستدل بالقرآن والسنة والأثر على مسائل التفسير فقط، بل وعلى مسائل اللغة والنحو. وأما استشهاده بالشعر، فهو مجال الحديث الآن، ومما ينبغي استحضاره الآن تلك الهمة التي بذلها الواحدي لدراسة الأدب، والشعر بالدرجة الأولى. وقد ذكرت هذا في أكثر من موضع، ويكفي هنا أن نستعيد ما قاله الواحدي عن معاتبة شيخه العروضي له: .. حتى عاتبني شيخي -رحمه الله- يومًا من الأيام وقال: إنك لم تبق ديوانًا من الشعر إلى قضيت حقه أما آن لك أن تتفرغ لتفسير كتاب الله العزيز ... فقلت يا أبت إنما أتدرج

بهذا إلى ذلك الذي تريد، وإذا لم أحكم الأدب بجد وتعب لم أرم في غرض التفسير عن كثب .. (¬1). فيدل هذا النص من كلام الواحدي على مقدار ما بذل في سبيل تحصيل الأدب وكم من دواوين الشعر قرأها واستوعب ما فيها، وأنه يرى أن ذلك طريق لتفسير كتاب الله. وقبل كلامه هذا ساق الآثار عن السلف في بيان مكانة الشعر العربي في تفسير القرآن فيروي عن سعيد بن المسيب قصة عمر -رضي الله عنه- وهو على المنبر وفيها يقول عمر: يا أيها الناس: عليكم بديوانكم لا يضل، قالوا: وما ديواننا؟ قال: شعر الجاهلية، فإن فيه تفسير كتابكم ومعاني كلامكم. ويروي بسنده عن ابن عباس قال: إذا قرأ أحدكم شيئًا من القرآن فلم يدر ما تفسيره فليلتمسه في الشعر فإنه ديوان العرب. وبسنده عن ابن عباس: أنه كان يسأل عن الشيء من عربية القرآن فينشد الشعر. ألا يدل سياق الواحدي لتلك الآثار في مقدمة كتابه "البسيط" على ما كان يراه من مكانة هامة للشعر العربي في تفسير القرآن؟ ثم إن الواحدي قد حاول قول الشعر من صغره حتى تكونت لديه ملكة شعرية وقد عده بعضهم شاعرًا (¬2)، تلك الملكة مكنته من اختيار أجزل الشعر وأرصنه للاستشهاد به على مسائل اللغة والنحو وغيرهما. وقد حوى كتاب "البسيط" المئات من الشواهد الشعرية مما يقل مثله في كتب التفسير الأخرى. وأكثر الشواهد الشعرية جاءت في المسائل اللغوية، أو النحوية، أو ¬

_ (¬1) مقدمة "البسيط". (¬2) قال ذلك الأسنوي، انظر ما سبق.

البلاغية وقد يؤيد بها رأيًا في التفسير. فمن أمثلة الشواهد الشعرية في المسائل اللغوية: عند تفسير قوله تعالى: {إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} [البقرة: 32] ذكر معنى "الحكيم" وتصريفها وما تأتي عليه من المعاني فقال: ومعنى الحكيم هو المحكم للأشياء صرف من مفعل إلى فعيل كسميع في قوله: أَمِنْ رَيْحَانَةَ الدَاعِي السَّمِيع (¬1) قال ابن المظفر: ... والحكم القضاء بالعدل -أيضًا- قال النابغة: واحْكُم كَحُكْم فَتَاةِ الحَيِّ إذْ نَظَرَتْ ... إلى حَمَامٍ سِرَاعٍ وَارِدِ الثَّمَدِ ... قال الأصمعي: أصل الحكومة رد الرجل عن الظلم، ومنه سميت حَكَمَةُ اللجام، لأنها ترد الدابة قال: ومنه قول لبيد: أحْكَمَ الجِنْثِىُّ مِنْ عَوْراتِها ... كُلَّ حِرْباءٍ إذا أُكْرِهَ صَلّ قال الأزهري: والعرب تقول حَكَمْتُ وأَحْكَمْتُ وحَكَّمْتُ بمعنى: رَدَدْت ومنعت .. ومنه قول لبيد: أَبَنِي حَنِيفَةَ أَحْكِمُو سُفَهَاءَكُم وعند تفسير قوله تعالى: {وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ} [البقرة: 35] تكلم عن معنى الظلم، وعن أصله ومنه قوله: ... قال أبو عبيد: ويقال لذلك: اللبن المظلوم والظليم وأنشد شمر: وَقَائِلةٍ ظَلَمْتُ لَكُمْ سِقَائِي ... وَهَلْ يَخْفَى عَلى العَكِدِ الظَّلِيمُ وقال الفراء: ظَلَم الوادي إذا بلغ الماء منه موضعًا لم يكن ناله فيما ¬

_ (¬1) تخريج الأبيات ونسبتها لقائليها وشرح غريبها موجود في حواشي "البسيط".

خلا وأنشد: يَكَادُ يَطْلُعُ ظُلْمًا ثُمَّ يَمْنَعُهُ ... عَنِ الشَّواهِقِ فَالْوَادِي بهِ شَرِقُ وقال ابن السكيت في قول النابغة: والنُّؤيُ كَالحَوْضِ بالْمِظْلُومَةِ الجَلَدِ يعني: بالمظلومة أرضا في برية حوَّضوا فيها حوضًا سقوا فيه إبلهم، وليست بموضع تحويض، قال: وأصل: الظُّلْم وضع الشيء غير (¬1) موضعه، قال: ومنه قول ابن المقبل: هُرْتُ الشَّقَاشِقِ ظَلَّامُونَ للجُزُرِ وظلم الجزور أنهم نحروها من غير مرض فوضعوا النحر في غير موضعه. وقول زهير: وَيُظْلمُ أَحْيَانًا فَيَنْظَلِمُ فهذا الحشد الكبير من الأبيات الشعرية عند شرح مفردة واحدة من مفردات القرآن وهي "الظلم" يدل على مقدار ما حوى البسيط من الشواهد الشعرية. ومن الأمثلة على الشواهد الشعرية علىِ المسائل النحوية ما ذكره عند تفسير قوله تعالى: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 7] وتكلم عن (لا) فقال: .. والذين يجوزون زيادة لا يقولون: إنما تجوز إذا تقدمه نفي كقوله: مَا كَان يَرْضَى رَسُولُ الله دينَهَمُ ... والطَّيِّبانِ أبوُ بَكْرِ وَلَا عُمَرُ وليس كذلك فقد جاء زيادتها في الإيجاب كما جاء في النفي، قال ¬

_ (¬1) في "تهذيب اللغة": "في غير موضعه" "تهذيب اللغة" "ظلم" 14/ 384.

ساعدة الهذلي: أَفَعَنْكِ لاَ بَرْق كَأَنَّ وَميِضَه ... غَابٌ تَشَيِّمَه ضِرَامٌ مُثْقَبُ وأنشد أبو عبيدة: وَيَلْحَيْنَنِي في اللَّهْو أَلَّا أُحِبَّهُ ... وَللَّهْو دَاعٍ دَائِبٌ غير غافل ومن الشواهد الشعرية في مسائل بلاغية ما ذكره عند تفسير قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5] فذكر من البلاغة فيها: الالتفات وذلك بالرجوع من الغيبة إلى الخطاب حيث جاءت الآية بعد قوله تعالى: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} [الفاتحة: 4] وقال: إن هذا نوع من البلاغة، وهو كثير في كلام العرب وذكر أبياتًا شواهد على ذلك فقال: وقال الأعشى: عِنْدَهُ البِرُّ والتُّقَى وَأَسَا الصَّدْ ... عِ وَحَمْلٌ لمُضْلِع الأثَقْالِ وَوَفَاءٌ إذَا أَجرتَ فَمَا غَرَّ ... تْ حِبَالٌ وَصَلْتَها بِحِبَالِ وأنشد أبو عبيدة: يَا لهْفَ نَفْسِي كَانَ جِدَّةُ خَالِد ... وَبَيَاضُ وَجْهِكَ للِتُّرَابِ الأَعْفَرِ وقال كثير: أَسيِئِي بِنَا أَوْ أَحْسِنِي لاَ مَلُومَةٌ ... لَدَيْنَا وَلَا مَقْلِيَّةٌ إِنْ تَقَلَّتِ" وعند تفسير قوله تعالى: {فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ} [البقرة: 16] ذكر المجاز فيها وقال: إن هذا كثير في كلام العرب ثم قال: " .. وقال جرير: وَأَعْوَرَ مِنْ نَبْهَانَ أَمَّا نَهَارُهُ ... فَأَعْمَى وَأَمَّا لَيْلُهُ فَبَصِيرُ فأضاف العمى والإبصار إلى الليل والنهار ومراده بهما الموصوف من نبهان".

المطلب الثالث مقارنة بين تفاسير الواحدي الثلاثة

المطلب الثالث مقارنة بين تفاسير الواحدي الثلاثة إن المتأمل لعناوين هذه التفاسير (البسيط، الوسيط، الوجيز) ليدرك الفرق الجوهري بينها، ويعلم أنها درجات متفاوتة في الطول والقصر، والبسط والإيجاز. ويمكن أن أستعرض أهم الفروق بين هذِه التفاسير في النقاط التالية: 1 - أن البسيط أوسعها بحثًا، وأكثرها مسائل، وفيه من التدقيق والتحقيق والإطناب ما ليس في الآخرين، ثم يأتي من بعده الوسيط، ثم من بعدهما الوجيز. يوضح ذلك قول المؤلف في مقدمة "الوسيط": وقديمًا كنت أطالب بإملاء كتاب في تفسير وسيط، ينحط عن درجة "البسيط" الذي تنجر فيه أذيال الأقوال، ويرتفع عن مرتبة "الوجيز" الذي اقتصر فيه على الإقلال، بتصنيف ما رُسِم من تفسير، أعفيه من التطويل والإكثار، وأسلمه من خلل الوجازة والاختصار، وآتي به على النمط الأوسط، والقصد الأقوم، حسنة بين السيئتين، ومنزلة بين المنزلتين، لا إقلال، ولا إملال (¬1). ويقول في مقدمة "الوجيز": ... فإني كنت قد ابتدأت بإبداع كتاب لم أسبق إلى مثله، وطال عليَّ الأمر في ذلك ... ثم استعجلني قبل إتمامه والتقصي عما لزمني من عهدة إحكامه نفر متقاصرو الرغبات، منخفضو الدرجات، أولو البضاعة المزجاة، على إيجاز كتاب في التفسير، يقرب على من تناوله، ويسهل على من تأمله، من أوجز ما عمل في بابه، وأعظمه فائدة على متحفظيه ¬

_ (¬1) "الوسيط" 1/ 50.

وأصحابه، وهذا كتاب أنا نازل فيه إلى درجة أهل زماننا، تعجيلًا لمنفعتهم، وتحصيلًا للمثوبة في إفادتهم، بما تمنوه طويلًا، فلم يغن عنهم أحد فتيلًا، وتارك ما سوى قول واحد معتمد لابن عباس -رحمه الله- أو من هو في مثل درجته، كما يترجم عن اللفظ العويص بأسهل منه (¬1). 2 - أن الأقوال في البسيط مذكورة بتمامها، واختلاف وجوهها مع الاستدلال والترجيح أحيانًا، بينما اختصر ذلك في الوسيط، واقتصر في الوجيز على قول واحد معتمد لابن عباس -رضي الله عنه- أو من هو في مثل درجته. 3 - يظهر من النصوص السابقة أن المادة العلمية في الوسيط إجمالًا منتقاة من البسيط، ولذا قال القفطي: وهو مختار من البسيط (¬2). 4 - استطرد الواحدي بوضوح في البحوث اللغوية والنحوية، في الوقت الذي جاءت على نحو مختصر كاف في الوسيط، أما في الوجيز فلم يعرِّج عليها. 5 - يلاحظ أن الوسيط تميز عن الآخرين في جانب الرواية، فهو يذكر فيه أحاديث وآثارًا، ويسوق أسانيد كثير منها، لا يذكرها ألبتة في الوجيز، ويُقل منها في البسيط. 6 - كما أنه في الوسيط أيضًا يفتتح كل سورة بما ورد في فضلها ولا يشير إلى ذلك في تفسيريه الآخرين، وحديث فضائل السور المشهور إنما ذكره في الوسيط فقط، وهو حديث موضوع كما لا يخفى، وقد تقدم ذكر ذلك. ¬

_ (¬1) "الوجيز" 1/ 87. (¬2) "إنباه الرواة" 2/ 223.

ومن الأمثلة التي تبين الفرق بين هذه التفاسير الثلاثة

7 - اعتنى الواحدي في البسيط بتوجيه القراءات وتعليلها، واستطرد في ذلك إلى الغاية القصوى، وضمن كتابه خلاصة الحجة لأبي علي الفارسي، بينما نجده مقلا في الوسيط بشكل واضح، وأما الوجيز فلا يكاد يذكر شيئًا من ذلك إلا نادرًا. 8 - أما من حيث ترتيب تأليف هذه التفاسير، فإنه قد يفهم من النصين السابقين أنه بدأ بالبسيط، وقبل إتمامه ألف الوجيز ليحقق رغبة من قصرت همتهم، ثم ألف الوسيط الذي صرح بأنه ألفه بعد البسيط. ومن الأمثلة التي تبين الفرق بين هذِه التفاسير الثلاثة: ما ذكره في تفسير قوله تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 158] فقد فسره في البسيط بقوله: قوله تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} الآية، الصفا: جمع صفاة، وهي الحجارة، قال أبو العباس: الصفا: كل حجر لا يخلطه غيره، من طين أو تراب يتصل به، واشتقاقه من صفا يصفو إذا خلص. والمروة: واحدة المرو، وهي حجارة بيض براقة، يكون فيها النار. قال الأعشى: وتُوَلي الأرضَ خُفَّا ذابلًا ... فإذا ما صادف المَروَ رَضَحْ وهما اسمان لجبلين معروفين بمكة. وشعائر الله: واحدتها شعيرة، قال المفسرون وأهل اللغة جميعًا: شعائر الله: متعبداته التي أشعرها الله، أي: جعلها أعلامًا لنا، وهي كل ما كان من مشعر أو موقف أو مسعى أو منحر، وهي من قولهم: شعرت،

أيَ: علمت، وهي كلها معلومات، وهذا قول الزجاج، واختياره. ويحتمل أن تكون "الشعائر" مشتقة من الإشعار، الذي هو الإعلام على الشيء، ومنه: الشعائر: بمعنى العلامة؛ ولهذا تسمى الهدايا شعائر؛ لأنها تشعر بحديدة في سنامها من جانبها الأيمن حت يخرج الدم، قال الكميت: شَعَائرَ قُربانٍ بهم يُتَقَرَّبُ ويحتمل أن يكون من الإعلام بالشيء، وبه قال مجاهد في قوله (من شعائر الله)، قال: يعني: من الخبر الذي أخبركم عنه، كأنه إعلام من الله عباده أمر الصفا والمروة. وقوله تعالى {فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ} قال الليث: أصل الحج في اللغة: زيارة شيء تعظمه. وقال يعقوب والزجاج: أصل الحج: القصد، وكل من قصد شيئًا فقد حجه. وقال كثير من أهل اللغة: أصل الحج: إطالة الاختلاف إلى الشيء. واختار ابن جرير هذا القول، قال: لأن الحاج يأتي البيت قبل التعريف، ثم يعود إليه للطواف يوم النحر، ثم ينصرف عنه إلى منى، ثم يعود إليه لطواف الصَّدَر، فلتكرارِهِ العودَ إليه مرةً بعد أخرى قيل له: حاج، وكلهم احتجوا بقول المخبل القريعي: يحجُّون سِبَّ الزِّبرِقان المُزَعْفَرا وقال سيبويه: ويقال: حَجَّ حِجًا، كقولهم: ذكر ذِكرًا. وقال الفراء: الحَج والحِج لغتان، يقال: حَجَجْتُ حِجّة للمرة الواحدة، لم يأت عن العرب غيره. ولو قيل: "حَجَّة" بالفتح كما قالوا: مَرَرتُ به مَرة، كان صوابًا، مثل: مددته مدةً، وقددته قدةً، هذا كلامه. فأما قولهم: حُجٌّ، وهم

يريدون: جمع الحاج، فقد يمكن أن يكونوا سموا بالمصدر، وتقديره: ذوو حج، قاله أبو علي، قال: وأنشد أبو زيد: وكأن عافية النسور عليهم ... حُجُّ بأسفلِ ذي المَجَاز نُزُولُ وقوله تعالى: {أَوِ اَعْتَمَرَ} قال الزجاج: قصد، وقال غيره: زار، قال أعشى باهلة: وراكبٌ جاء من تثليث معتمرُ قال الأزهري: وقد يقال: الاعتمار: القصد، وأنشد للعجاج: لقد سما ابن مَعْمَرٍ حينَ اعْتَمَر ... مَغْزى بعيدًا من بعيدٍ وضَبَر يعنى: حين قصد مغزى بعيدًا. وقوله تعالى: {فَلَا جُنَاحَ عَليْهِ} الجناح: الإثم، وأصله: من الجنوح، الذي هو الميل، يقال: جَنَحَ: مال، ومنه قوله: {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا} [الأنفال: 61] وقيل للأضلاع: جوانح؛ لاعوجاجها، قال ابن دريد: معنى (لا جناح عليكم) أي: لا ميل إلى مأثم. وجناح الطائر من هذا؛ لأنه يميل في أحد شقيه، ليس على مستوى خلقته، فمعنى الجناح: الميل عن الحق. وقال أبو علي الجرجاني: معنى {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ} أينما ذكر في القرآن: لا ميل لأحد عليه بمطالبة شيء من الأشياء، هذا هو الأصل، ثم صار معناه: لا حرج عليه، ولا ذنب عليه. قال ابن عباس: كان على الصفا صنم، وعلى المروة صنم، وكان أهل الجاهلية يطوفون بينهما، ويمسحونهما، فلما جاء الإسلام وكسرت الأصنام كره المسلمون الطواف بينهما؛ لأجل الصنمين؛ فأنزل الله عز وجل هذه الآية، منبها لهم على أن الطواف بالصفا والمروة لا تبعة فيه عليهم، وأنه

طاعة لله تعالى، وغير تعظيم للصنمين. فالآية تدل بظاهرها على إباحة ما كرهوه، ولكن السنة أوجبت الطواف بينهما والسعي، وهو قوله -صلى الله عليه وسلم-: "يا أيها الناس كتب عليكم السعي فاسعوا" وهو مذهب الشافعي رضي الله عنه. والواجب أن يبدأ بالصفا، ويختم بالمروة، ويسعى بينهما سعيًا، فيكون مصيره من الصفا إلى المروة شوطًا من السبع، وعوده من المروة إلى الصفا شوطًا ثانيًا، فإن بدأ بالمروة إلى الصفا لم يحسب هذا الشوط؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما دنا من الصفا في حجته قال: "إن الصفا والمروة من شعائر الله ابدأوا بما بدأ الله به"، فبدأ بالصفا فرقي عليه، حتى رأى البيت، ثم مشى حتى إذا تصوبت قدماه في الوادي سعى. وقوله تعالى: {وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا} فيه وجهان من القراءة: أحدهما: (تَطَوَّع) على "تَفَعَّل" ماضيًا، وهذه القراءة تحتمل أمرين: أحدهما: أن يكون موضع (تطوع) جزما، وتجعل "من" للجزاء، وتكون الفاء مع ما بعدها من قوله: {فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ} في موضع جزم لوقوعها موقع الفعل المجزوم، والفعل الذي هو (تطوع) على لفظ المثال الماضي، والمراد به المستقبل، كقولك: إن أتيتني أتيتك. الثاني: أن لا تجعل "من" للجزاء، ولكن تكون بمنزلة "الذي" وتكون مبتدأ به، ولا موضع حينئذ للفعل الذي هو "تطوع"، والفاء مع ما بعدها في موضع رفع، من حيث كان خبر المبتدأ الموصول، والمعنى فيه معنى الجزاء؛ لأن هذه الفاء إذا دخلت في خبر الموصول أو النكرة الموصوفة آذنت أن الثاني إنما وجب لوجوب الأول، كقوله: {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ} [النحل: 53] "وما": مبتدأ موصول، والفاء مع ما بعدها

جواب له، وفيه معنى للجزاء؛ لأن تقديره: ما ثبت بكم من نعمة، أو مادام بكم من نعمة فمن ابتداء الله إياكم بها، فسبب ثبات النعمة ابتداؤه [ذلك] كما أن استحقاق الأجر إنما هو من أجل الإنفاق في قوله: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ} [البقرة: 274] وعلى هذا كل ما في القرآن من هذا الضرب، كقوله: {إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا} إلى قوله: {فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ} [البروج: 10] وقوله: {وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ} [المائدة: 95] {وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ} [البقرة: 126] و {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} [الأنعام: 160] و {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} [الكهف: 29] ونذكر هذه المسألة مشروحة عند قوله: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً} [البقرة: 274]. الوجه الثاني من القراءة: (يَطَّوَّعْ) بالياء وجزم العين، وتقديره: يتطوع إلى أن التاء أدغم في الطاء لتقاربهما، وهذا حسن؛ لأن المعنى على الاستقبال، والشرط والجزاء الأحسن فيهما الاستقبال، وإن كان يجوز أن تقول: من أتاك أعطيته، فتوقع الماضي موقع المستقبل في الجزاء، إلى أن اللفظ إذا كان وافق المعنى كان أحسن. وأما التفسير: فقال مجاهد: (ومن تطوع خيرًا) بالطواف بهما، وهذا على قول من لا يرى الطواف بهما فرضًا. وقال مقاتل والكلبي: ومن تطوع خيرًا فزاد في الطواف بعد الواجب. ومنهم: من حمل هذا النوع على العمرة، وهو قول ابن زيد، وكان يرى العمرة غير واجبة. وقال الحسن: {وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا} يعني به: الدين كله، أي: فعل غير المفرَض عليه، من طواف وصلاة وزكاة ونوع من أنواع الطاعات. وهذا

وقال في "تفسير الوسيط"

أحسن هذه الأقاويل؛ لأن قوله (ومن تطوع خيرًا) صيغته تدل على العموم. وقوله تعالى: {فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ} أي: مجازٍ بعمله، {عَلِيمٌ} بنيته. قال أهل المعاني: وحقيقة الشاكر في اللغة: هو المظهر للإنعام عليه، والله تعالى لا تلحقه المنافع والمضار، فالشاكر في وصفه مجاز، ومعناه: المجازي على الطاعة بالثواب، إلى أن اللفظ خرج مخرج التلطف للعباد، مظاهرة في الإحسان إليهم، كما قال: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ} [البقرة: 245] وهو تعالى لا يستقرض من عوز؛ ولكنه تلطفٌ في الاستدعاء. كأنه قيل: من الذي يعمل عمل المقرض، بأن يقدم فيأخذ أضعاف ما قدم في وقت فقره وحاجته. وقال في "تفسير الوسيط": قوله: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ}: هما جبلان معروفان بمكة. و {شَعَائِرِ اللَّهِ}: متعبداته، التي أشعرها الله، أي جعلها أعلامًا لنا، وهي كل ما كان من موقف أو مسعى أو منحر. {فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ} أصل الحج في اللغة: زيارة شيء تعظمه. قال الزجاج: أهل الحج: القصد، وكل من قصد شيئًا فقد حجه. وقوله: {أَوِ اعْتَمَرَ} قال الزجاج: أي: قصد، وقال غيره: زاره. {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ} أي: لا إثم عليه ولا حرج ولا ذنب {أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا}. أخبرنا منصور بن عبد الوهاب البزار، أخبرنا محمد بن أحمد بن سنان، أخبرنا حامد بن محمد بن شعيب، حدثنا محمد بن بكار، حدثنا إسماعيل بن زكريا، عن عاصم عن أنس بن مالك. قال: كانوا يمسكون عن الطواف بين الصفا والمروة، وكانا من شعائر الجاهلية، وكنا نتقي الطواف

بهما، فأنزل الله تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا ...} الآية. رواه البخاري عن أحمد بن محمد، عن عبد الله، عن عاصم. أخبرني سعيد بن العباس القرشي، أخبرنا العباس بن المفضل النضروي، أخبرنا أحمد بن نجدة، حدثني سعيد بن منصور، حدثنا هشيم، عن داود، عن الشعبي، قال: كان لأهل الجاهلية صنمان يقال لأحدهما يساف والآخر نائلة، وكان يساف على الصفا، وكان نائلة على المروة، وكانوا إذا طافوا بين الصفا والمروة مسحوهما فلما جاء الإسلام، قالوا: غنما كان أهل الجاهلية يطوفون بينهما لمكان هذين الصنمين وليسا من شعائر الحج، فأنزل الله تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} فجعلهما الله من شعائر الحج. والآية بظاهرها تدل على إباحة ما كرهوه، ولكن السنة أوجبت الطواف بينهما والسعي، وهو قوله -صلى الله عليه وسلم-: "يا أيها الناس كتب عليكم السعي فاسعوا"، وهو مذهب الشافعي رحمه الله. وقوله: (وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا) قال الحسن: يعني به الدين كله، والمعنى فعل غير المفترض عليه من طواف وصلاة وزكاة ونوع من الطاعة. وقرأ حمزة (ومن يطَّوَّعْ) بالياء وجزم العين، وتقديره: يتطوع إلا أن التاء أدغمت في الطاء لمقاربتهما، وهذا حسن لأن المعنى على الاستقبال، والشرط والجزاء الأحسن فيهما الاستقبال، وإن كان يجوز أن تقول: من أتاك أعطيته، فتوقع الماضي موقع المستقبل في الجزاء، إلا أن اللفظ إذا كان وفق المعنى كان أحسن. وقوله: (فَإِنَّ اللهَ شَاكِرٌ) أي: مجاز له بعمله، ومعنى الشاكر في

وقال في الوجيز

وصف الله: المجازي على الطاعة بالثواب (¬1)، (عَلِيمٌ) بنية المتطوع (¬2). وقال في الوجيز: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ) وهم جبلان معروفان بمكة (مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ) أي: متعبداته (فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ) زاره معظمًا له (أَوِ اعْتَمَرَ) قصد البيت للزيارة (فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ) فلا إثم عليه (أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا) بالجبلين، وذلك أن أهل الجاهلية كانوا يطوفون بينهما وعليهما صنمان يمسحونهما، فكره المسلمون الطواف بينهما، فانزل الله تعالى هذه الآية. (وَمَن تطَوَّعَ خَيرًا) فعل غير المفترض عليه من طواف وصلاة وزكاة وطاعة (فَإِن اللهَ شَاكِرٌ) مجاز له بعمله (عَلِيمٌ) بنيته (¬3). ¬

_ (¬1) بينَّا في التعليق على البسيط التفسير الصحيح لمعنى اسم الله (الشاكر). (¬2) "التفسير الوسيط" 1/ 241 - 243. (¬3) "الوجيز في تفسير الكتاب العزيز" ص 140 - 141.

المبحث السابع قيمة الكتاب العلمية

المبحث السابع قيمة الكتاب العلمية بعد هذه الدراسة حول كتاب "البسيط" ومعرفة منهج الواحدي فيه أقف وقفة سريعة لاستجماع أطراف الحديث، ومحاولة تحديد المكانة العلمية لكتاب "البسيط" في المكتبة التفسيرية، وأين موقعه فيها، من خلال ما أضافه من معاني جديدة كما أذكر بعض الملاحظات التي توصلت إليها أئناء دراستي لهذا الكتاب فأقول: يحتل تفسير "البسيط" مكانة علمية عالية في المكتبة القرآنية، ويعتبر مرجعًا هامًّا للمتخصصين في التفسير. ومع ما له من أهمية بقي هذا الكتاب إلى هذا الوقت حبيسًا لم يخرج إلى المكتبة، مما منع الدارسين أو الباحثين من الإفادة منه. على أنني أرى أن الكتاب لا يستطيع الإفادة منه إلى العلماء وطلبة العلم الذين تكونت لديهم الملكة التي تعينهم على فهم بحوثه اللغوية والنحوية العميقة، أما عامة القراء فهم مع هذا الكتاب كما وصفهم الواحدي "كمحاول غلقًا ضاع منه المفتاح". تلك المكانة التي أرى أن الكتاب حَرِيٌّ بها تعود إلى الأمور الآتية: أولًا: ما حواه الكتاب من ثراء علمي خصوصًا في مجال اللغة والنحو، حيث انطلق الواحدي في كتابه واضعًا نصب عينيه أن اللغة والنحو والأدب ركائز أساسية لتفسير كتاب الله، فبعد أن تضلع من تلك الركائز راح يسخرها لخدمة التفسير، وذلك بإيضاح اللفظة القرآنية وبيان أصلها، وذكر الشواهد على ذلك كما ربط الوجه التفسيري بالإعراب وذكر الأوجه

البلاغية في النظم القرآني، فخرج الكتاب موسوعة جمعت التفسير مع فروع اللغة وسخرت الثاني لخدمة الأول، صحيح أن الواحدي انساق وراء بعض تلك المسائل إلى حد يعتبر خروجًا عن مجال التفسير، ومع ذلك يبقى الكتاب ذا عطاء سيال في مجال التفسير بالدراية الذي يعتمد اللغة والنحو من الأسس لفهم النص القرآني. ثانيًا: عنايته بالفوائد والنكات التفسيرية، وهذا من الجوانب الهامة، خصوصًا إذا ارتبط ذلك بحسن العرض وجمال الأسلوب، كما هو الحال في تفسير الواحدي، فكثيرًا ما يتصيد تلك الفوائد فيوردها، وربما ذكرها على صيغة سؤال أو إشكال، فيجيب عنه بما يشفي ويقنع. ومن الأمثلة على ذلك ما ذكره عند تفسير قوله تعالى: {يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} [البقرة: 9] قال: وقوله في وصف الكافرين "لا يشعرون" أبلغ في الذم من وصفهم بأنهم لا يعلمون، لأن البهيمة قد تشعر من حيث تحس (¬1) فكأنهم وصفوا بنهاية الذهاب عن الفهم ... وعند تفسير قوله تعالى: {أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ} [البقرة: 13] قال: فإن قيل: كيف يصح النفاق مع المجاهرة بقولهم: {أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ}؟ قيل: إنهم كانوا يظهرون هذا القول فيما بينهم لا عند المؤمنين، الأن الله تعالى قد قال: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا} [البقرة: 14]. أو أنهم لم يفصحوا بهذا القول وإنما أتوا بما يفهم عنهم بالمعنى، ولا يقوم به حجة توجب الحكم من جهة المشاهدة ... ¬

_ (¬1) في نسخة (ب): "لا تحس".

وعند تفسير قوله تعالى: {وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} [البقرة: 33] قال: وقد يبقى في هذه الآية سؤال لم نجد أحدًا ممن تكلم في تفسير القرآن ولا في معانيه تعرض له، وهو من مهم ما يسأل عنه. وذلك أن يقال: في أين علمت الملائكة لما خبرها آدم -عليه السلام- بتلك الأسماء صحة قوله ومطابقة الأسماء للمسميات؟ وهي لم تكن عالمة بذلك من قبل، إذ لو كانت عالمة لأخبرت بالأسماء، ولم تعترف بفقد العلم. والكلام يقتضي أنهم لما أنبأهم آدم بالأسماء علموا صحتها ومطابقتها للمسميات، ولولا ذلك لم يكن لقوله: {أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [البقرة: 33] معنى. ثم أجاب عن هذا السؤال بما يطول ذكره هنا. وفي سورة "يونس" عند تفسير قوله تعالى: {لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ} [يونس: 4] قال: "فإن قيل لم أفرد المؤمنين بالقسط دون غيرهم وهو يجزي الكافر أيضًا بالقسط؟ قال ابن الأنباري: لو جمع الله الصنفين بالقسط لم يتبين ما يقع بالكافرين من العذاب الأليم، ففصلهم عن المؤمنين ليبين ما يجزيهم به مما هو عدل غير جور، فلهذا خص المؤمنين بالقسط، وأفرد الكافرين بخبر يرجع إلي تأويله بزيادة الإبانة" (¬1). ثالثًا: يعتبر تفسير "البسيط" مرجعًا هامًّا لنصوص كثيرة من كتب مفقودة حيث اعتمد الواحدي على مصادر عدة، ونقل عنها كثيرًا، ومنها كتاب "نظم القرآن" لأبي علي الجرجاني، وإلى اليوم يعد هذا الكتاب مفقودًا، وقد نقل عنه الواحدي كثيرًا، فأصبح مرجعًا لكثير من أقواله، ¬

_ (¬1) "البسيط" 3/ ل 3، النسخة الأزهرية.

المآخذ على تفسير البسيط

وكذا الحال لأقوال ابن الأنباري، حيث نقل عنه كثيرًا، وترجح لي أن أغلب تلك النقول من كتابين هما "المشكل في معاني القرآن" و"رسالة المشكل" التي رد فيها على ابن قتيبة، وهذان الكتابان مفقودان كذلك، فيكون تفسير "البسيط" مرجعًا لهذِه النصوص المنقولة منهما. المآخذ على تفسير البسيط: ومع هذه المكانة التي رأيناها لتفسير الواحدي "البسيط" فإنه لا يخلو من بعض الملحوظات، سنة الله في خلقه، فالكمال المطلق لله سبحانه أما البشر فهم عرضة للخطأ والنسيان وكما قيل: ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها ... كفى المرء نبلا أن تعد معايبه وقد تعرفت على بعض الملحوظات أثناء مصاحبتي لهذا الكتاب قراءة وتحقيقًا. فإن أصبت فذلك بتوفيق الله، وإن أخطأت فمن نفسي، وحسبي أني مجتهد في طلب الحق. وقد نبهت إلي بعض تلك الملحوظات في أماكنها، وسأجملها هاهنا مع ذكر ملحوظات لم ترد فيما سبق وهي: أولًا: آراؤه في قضايا العقيدة التي سلك فيها نهج المتكلمين من الأشاعرة وخالف فيها طريقة السلف وقد سار على هذا النهج في جميع مباحث العقيدة التي تكلم عنها في مسائل التوحيد والإيمان والصفات (¬1) وغيرها. وهذا المأخذ قد سجله عليه شيخ الإسلام ابن تيمية حين قال: ... ¬

_ (¬1) انظر: "مبحث عقيدته"، و"منهجه في تقرير مسائل العقيدة" من هذه الدراسة.

والواحدي صاحبه (¬1) كان أبصر منه بالعربية، ولكن أبعد عن السلامة واتباع السلف (¬2). ثانيًا: وجود بعض الإسرائيليات، التي هي داء أكثر كتب التفسير، وقع فيها الواحدي متأثرًا بشيخه الثعلبي، على الرغم من قوله في مقدمة كتابه: "فأما الأقوال الفاسدة والتفسير المرذول الذي لا يحتمله اللفظ ولا تساعده العبارة فمما لم أعبأ به، ولم أضيع الوقت بذكره" وروايته لها كانت سببًا في توجيه النقد له من بعض العلماء كما سبق (¬3). ثالثًا: الإطالة والاستطراد في بعض المباحث اللغوية والنحوية التي لا علاقة لها بالتفسير، وهذا يحمل الكتاب مسائل تبعده عن موضوعه الأصلي وهو تفسير كتاب الله، وتجلب الملل للقارئ، وقد وجه بعض العلماء هذه الملحوظة إلى كتاب "البسيط"، فالزركشي يعده مما غلب عليه الغريب حيث يقول: " .. وقد أكثر الناس فيه -أي التفسير- من الموضوعات، ما بين مختصر ومبسوط، وكلهم يقتصر على الفن الذي يغلب عليه، فالزجاج والواحدي في "البسيط" يغلب عليهما الغريب .. " (¬4). والسيوطي يعده ممن غلب عليه النحو فيقول: " .. فالنحوي ليس له هم إلا الإعراب وتكثير الأوجه المحتملة فيه ونقل قواعد النحو ومسائله وفروعه وخلافياته كالزجاج والواحدي في "البسيط" .. " (¬5). ¬

_ (¬1) أي الثعلبي لأن الكلام عنه. (¬2) مقدمة في التفسير ضمن "مجموع الفتاوي" 13/ 354. (¬3) في نسخة (ب): (لا تحس). انظر مبحث "أقوال العلماء فيه"، "مبحث تفسير القرآن بالسنة" من هذه الدراسة. (¬4) "البرهان" 1/ 13. (¬5) "الإتقان" 2/ 243.

وذكر هذا المأخذ مر في أكثر من موضوع مع ذكر أمثلة له، كما في منهجه في عرض القراءات، والجانب اللغوي، والنحوي في تفسيره. رابعًا: كثرة النقول من الجوانب الواضحة في كتاب "البسيط" ومنها نقول كثيرة لم يعزها، سبق ذكر أمثلة لها عند الحديث عن مصادره. وقد يجاب عن ذلك بأن هذا نهج متبع عند العلماء الأوائل ولا ينكر بعضهم على بعض فيه. وفي نظري أن هذِه المسألة بحاجة إلى دراسة أكثر قبل إصدار حكم فيها، وبالنسبة لهذا الموضوع عند الواحدي نلحظ أمرين: الأول: أن جميع مصادره الرئيسة التي نقل عنها موثقة بالعزو، فمثلًا الأزهري في مقدمة كتابه "تهذيب اللغة" ذكر مصادره وسنده إليها وطريقته بالعزو واصطلاحاته في ذلك. وهذا أبو علي الفارسي في كتابه "الحجة" و"الإغفال" من خلال تتبعي لهما أجده يعزو كل الأقوال التي نقلها، والواحدي نقل عنهما بدون عزو. الأمر الثاني: نرى الواحدي ينقل عن الأزهري، أو عن أبي علي، أو عن غيرهما، فيعزو أحيانًا ولا يعزو أحيانًا، بل نجده في الموضع الواحد ينقل كلامًا عن الأزهري، أو عن أبي علي، أو عن غيرهما، بدون عزو في أول النقل، وفي أثنائه يعزو الكلام قائلًا: قال الأزهري أو قال أبو علي، ثم يذكر بقية كلام من نقل عنه، وهذا يوهم القارئ أن أول الكلام ليس من قول من ذكر بعد، وفي كتابه أمثلة كثيرة على هذا، منها ما ذكر عند تفسير قوله تعالى: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 7] نقل عن "الحجة" كلام ابن السراج ولم يعز له أول الكلام وعزا آخره فأوهم القارئ

بأن ما سبق ليس لابن السراج (¬1). خامسًا: وردت في كتاب "البسيط" ألفاظ لا تتناسب مع مكانة القرآن الكريم، الذي شهد الله له بأنه أعلى درجات الفصاحة، وتحدى المشركين بذلك، ومن تلك الألفاظ التي قالها الواحدي أو نقلها عن غيره، ما ذكره عند تفسير قوله تعالى: {ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ} الآية [البقرة: 17] قال: وكان يجب في حق النظم أن يكون اللفظ: فلما أضاءت ما حوله أطفأ الله ناره؛ ليشاكل جواب "لما" معنى هذه القصة. ولكن لما كان إطفاء النار مثلًا لإذهاب نورهم أقيم ذهاب النور مقام الإطفاء وجعل جواب "لما" اختصارًا وإيجازًا، وهذا طريق حسن في الآية. فأي نظم نضعه أصلًا ونقيس كلام الله عليه ونقرر أنه يجب أن يكون على كذا، ثم قال: وهذا طريق حسن في الآية. وقد يلمح منه أن هناك ما هو أحسن منه. ربما يكون الواحدي ناقلًا عن صاحب "نظم القرآن" وعلى كلا الأمرين فهذا الكلام لا يليق أن يقال وصفًا لكلام رب العالمين. وعند تفسير قوله تعالى: {قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [البقرة: 67] قال: .. وكان حقه أن يقول: فقال: أعوذ بالله، لأنه عطف على ما قبله. قال الفراء: وهذا في القرآن كثير بغير "الفاء" وذلك أنه جواب يستغنى أوله عن آخره بالوقفة عليه، فكان حسن السكوت يجوز به طرح الفاء. سادسًا: يذكر الواحدي أسماء شيوخه أو من ينقل عنهم بغير الأسماء ¬

_ (¬1) انظر: المقابلة بين النصين في "البسيط" و"الحجة" عند قوله تعالى {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ..}.

المشهورة لهم، وربما ذكر الشيخ بأكثر من اسم، وهذا ما يسميه علماء الحديث بتدليس الشيوخ، وهو أقل أنواع التدليس (¬1) خطورة، مثال ذلك: سعيد بن محمد الحيري، ذكره مرة بهذا الاسم فقال: سمعت أبا عثمان سعيد بن محمد الحيري .. الخ، ومرة قال: وقرأت على الأستاذ سعيد بن محمد المقرئ .. ، وأبو علي الفارسي ذكره مرة فقال: وروى لنا كتب أبي علي الفسوي .. ، ثم يقول في موضع آخر: " .. واعتمدت في أكثرها على كتاب أبي علي الحسن بن أحمد الفارسي الذي رواه لنا سعيد بن محمد الحيري عنه .. ويقول: "وقد أخبرنا أبو الحسين بن أبي عبد الله الفسوي -رضي الله عنه- أبنا أحمد بن محمد الفقيه .. " (¬2)، وأبو الحسين بن أبي عبد الله الفسوي هو شيخه عبد الغافر بن محمد بن عبد الغافر الفارسي، فذكره بكنيته، وذر أباه بكنيته ونسبه إلى قريته "فسا" فأغمض اسمه وأما أحمد بن محمد الفقيه فهو أحمد بن محمد الخطابي البستي ولم أجد من لقبه بـ"الفقيه" غيره. هذا مع أن كتاب "البسيط" لا يكثر فيه الرواية، وربما يكون هذا الأمر أوضح في كتبه التي أكثر فيها من ذكر الأسانيد مثل "أسباب النزول" و "الوسيط" ولا شك أن هذا كان سببًا في عدم معرفة بعض شيوخه حيث يذكرهم بأسماء لا يعرفون بها. ¬

_ (¬1) انظر: "تدريب الراوي" 1/ 228. (¬2) "البسيط" ص 276.

المبحث الثامن أثر الواحدي فيمن بعده من العلماء من خلال كتابه "البسيط"

المبحث الثامن أثر الواحدي فيمن بعده من العلماء من خلال كتابه "البسيط" إن مقدار الأثر الذي يكون للعالم أو لكتبه فيمن يأتي بعده من المؤلفين يدل على مدى الأصالة والقوة العلمية له، وأنه أصبح إمامًا في الفن الذي ترك فيه ذلك الأثر. إن للواحدي أثرًا لا ينكر في مدرسة التفسير، ونجد اسمه يتردد في بعض كتب التفسير بعده. وأكثر كتب الواحدي شهرة هو "أسباب النزول" هذا الكتاب طار ذكره في الآفاق، وأفاد منه أكثر المفسرين بعد الواحدي، ونجد أغلب المفسرين الذين ورد ذكر الواحدي في كتبهم إنما نقلوا عنه أسباب النزول، وكان هذا الكتاب أسرع كتبه طباعة وأوسعها انتشارًا، يليه في المنزلة كتبه الثلاثة في التفسير "البسيط" و"الوسيط" و"الوجيز". إن كتب الواحدي في التفسير لا تقل أهمية عن كتب التفسير المشهورة كـ"الكشاف" للزمخشري، و"تفسير الرازي" و"القرطبي" و"البحر المحيط" ومع ذلك تأخرت طباعتها سوى "الوجيز" الذي طبع قبل مدّة. وقد ترددت أسماء كتب الواحدي في التفسير في مؤلفات العلماء بعده، خصوصًا كتاب "البسيط" فنرصد ذلك الأثر الذي تركه هذا الكتاب، إليك بيانًا بأسماء عدد الأئمة الذين استفادوا من البسيط سواء في التفسير وعلوم القرآن أم في غيرهما من علوم الشريعة.

أ- في مجال التفسير

أ- في مجال التفسير: 1 - الفخر الرازي (¬1) وتفسيره مفاتيح الغيب: إن أكثر المفسرين تأثرًا واستفادة من كتاب "البسيط" للواحدي هو "الفخر الرازي" في تفسيره "مفاتيح الغيب" حيث نقل عن الواحدي كثيرًا من أقواله مؤيدًا ومعجبًا بها، وربما نقل عنه وناقشه ورد عليه قوله، وكثيرًا ما ينص على اسم "البسيط"، وقد ينقل عنه ولا يسمي كتابه، بل ربما نقل عنه بدون عزو. وأذكر بعض الأمثلة التي توضح ذلك عند تفسير قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ} [البقرة: 206] قال الرازي: قال الواحدي: قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ} معناه أن رسول الله دعاه إلى ترك هذِه الأفعال فدعاه الكبر والأنفة إلى الظلم (¬2)، ثم يرد الرازي قول الواحدي ويبين ضعفه كما يرى فيقول: واعلم أن هذا التفسير ضعيف، لأن قوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ} ليس فيه دلالة إلا على أنه متى قيل له هذا القول أخذته العزة، فأما أن هذا القول قيل أو ما قيل، فليس في الآية دلالة عليه، فان ثبت ذلك برواية وجب المصير إليه ... (¬3). ¬

_ (¬1) هو أبو عبد الرحمن محمد بن عمر بن حسين الرازي، المفسر الأصولي، شافعي المذهب، له تصانيف كثيرة، مات سنة 606 هـ. انظر ترجمته في "النجوم الزاهرة" 6/ 197، و"طبقات المفسرين" للداودي 2/ 215. (¬2) "تفسير الرازي" 5/ 202، انظر كلام الواحدي في "البسيط" 1/ ل 125، من النسخة الأزهرية. (¬3) الرازي 5/ 202.

وعند تفسير قوله تعالى: {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ ...} [الإسراء: 78] قال الرازي: "اختلف أهل اللغة والمفسرون في معنى: دلوك الشمس على قولين: أحدهما: أن دلوكها غروبها، وهذا القول مروي عن جماعة من الصحابة، فنقل الواحدي في "البسيط" عن علي أنه قال: دلوك الشمس: غروبها ... والقول الثاني: أن دلوك الشمس هو زوالها عن كبد السماء وهو اختيار الأكثرين من الصحابة والتابعين واحتج القائلون بهذا القول على صحته بوجوه. الحجة الأولى: روى الواحدي في "البسيط" عن جابر أنه قال: طعم عندي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ثم خرجوا حين زالت الشمس، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "هذا حين دلكت الشمس .. " (¬1). وقال الرازي في موضع آخر من تفسير الآية: "المسألة الثالثة: قال الواحدي اللام في قوله {لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} لام الأجل والسبب .. " (¬2). فانظر إلى تردد اسم الواحدي في تفسير "الرازي" في تفسير آية واحدة ثلاث مرات. قال د/ علي محمد العماري في كتابه "الإمام فخر الدين الرازي، حياته وآثاره": والرازي كثير النقل عن الواحدي بصورة واضحة وربما نص على بعض كتبه عند النقل عنه .. والرازي قد يناقش ما ينقله هذا العالم الكبير عن رواة اللغة .. (¬3). بل إن تأثر الرازي بالواحدي أبعد من ذلك، فلا ينحصر في المواضع ¬

_ (¬1) "تفسير الرازي" 21/ 25. انظر كلام الواحدي في "البسيط" 3/ ل 168 من نسخة "جستربتي". (¬2) الرازي 21/ 26. (¬3) الإمام فخر الدين الرازي للدكتور علي محمد حسن العماري ص 141.

التي ذكر فيها اسم الواحدي، بل نجد روح التفسير "البسيط" سارية في مواضع كثيرة من "تفسير الرازي": فينقل عنه بتصرف ولا يذكر اسمه، ولقد لمست هذا من خلال مصاحبتي لجزء من "البسيط" ومقارنته مع تفسير "الرازي" وأذكر مثالاً يدل على هذا. قال الواحدي عند تفسير قوله تعالى: {وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} [البقرة: 33] "وقد يبقى في هذِه الآية سؤال لم نجد أحدًا ممن تكلم في تفسير القرآن ولا في معانيه تعرض له، وهو من مهم ما يسأل عنه، وذلك أن يقال: من أين علمت الملائكة لما أخبرها آدم عليه السلام بتلك الأسماء صحة قوله، ومطابقة الأسماء للمسميات، وهي لم تكن عالمة بذلك من قبل، إذ لو كانت عالمة لأخبرت بالأسماء، ولم تعترف بفقد العلم. والكلام يقتضي أنهم لما أنبأهم آدم بالأسماء علموا صحتها ومطابقتها للمسميات، ولولا ذلك لم يكن لقوله: {أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [البقرة: 33] معنى؟ ". ثم يجيب الواحدي عن هذا السؤال، بما يطول ذكره هنا. ويأتي الرازي بعد ذلك ويذكر هذا السؤال مع تصرف في العبارة فيقول: .. وأيضًا فأما أن يقال: الملائكة علموا كون تلك الأسماء موضوعة لتلك المسميات فحينئذ تحصل المعارضة ولا تظهر المزية والفضيلة، وإن لم يعلموا ذلك، فكيف عرفوا أن آدم عليه السلام أصاب فيما ذكر من كون كل واحد من تلك الألفاظ اسمًا لكل واحد من تلك المسميات، واعلم أنه يمكن دفع هذا السؤال من وجهين .. (¬1)، ويجيب عنه بنحو إجابة الواحدي، ¬

_ (¬1) "تفسير الرازي" 2/ 177.

2 - أبو حيان من خلال تفسيره "البحر المحيط"

ولم أر من المفسرين فيما اطلعت عليه من تعرض له سوى "الواحدي" و"الرازي" مما يرجح أن الرازي أخذ ذلك السؤال من الواحدي، والأمثلة على هذا كثيرة توضح مدى تأثر الرازي بكتاب "البسيط" للواحدي. 2 - أبو حيان من خلال تفسيره "البحر المحيط": وقد استفاد أبو حيان (¬1) في تفسيره "البحر المحيط" من "البسيط" للواحدي، ولم يذكر "البسيط" باسمه ولكن الكلام الذي ذكره موجود فيه، وإفادته منه تأتي بدرجة أقل بكثير من الرازي، ويبدو أن "الرازي" كان واسطة بين أبي حيان وبين "الوسيط"؛ حيث نجد أغلب النصوص التي نسبها للواحدي موجودة في تفسير الرازي وإلى عبارته أقرب، بل ربما صرح باسم الرازي كطريق له إلى "الواحدي". ومن أمثلة ذلك ما ذكره عند تفسير قوله تعالى: {بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [الأنعام: 28] قال أبو حيان في "البحر": .. وقال الواحدي: هذه الآية من الأدلة الظاهرة على المعتزلة على فساد قولهم، وذلك أنه تعالى أخبر عن قوم جرى عليهم قضاؤه في الأزل بالشرك ثم بين أنهم لو شاهدوا النار والعذاب ثم سألوا الرجعة وردوا إلى الدنيا لعادوا إلى الشرك، وذلك للقضاء السابق فيهم، وإلا فالعاقل لا يرتاب فيما شاهد .. (¬2) نجد الرازي ذكر القول بنصه فقال: قال الواحدي: هذه الآية من الأدلة الظاهرة على فساد قول المعتزلة ... ¬

_ (¬1) هو الإمام أبو حيان النحوي محمد بن يوسف الغرناطي الأندلسي، أثير الدين، من كبار العلماء بالعربية والتفسير، توفي سنة 745 هـ. انظر: "نكت الهميان" ص 28، و"غاية النهاية" 2/ 285. (¬2) "البحر المحيط" 4/ 104.

3 - السمين الحلبي في تفسيره "الدر المصون في علوم الكتاب المكنون"

إلخ (¬1)، أما الواحدي فيقول في "البسيط": وهذه الآية من الأدلة الظاهرة على تكذيب القدرية وذلك أن الله تعالى أخبر عن قول جرى عليهم قضاؤه في الأزل بالشرك ... (¬2)، فيظهر من هذا أن أبا حيان نقل كلام الواحدي عن الرازي، حيث تابع في ذكر "المعتزلة" بدل "القدرية" والمعنى واحد. ومثال آخر عند تفسير قوله تعالى: {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ} [يونس: 28] قال أبو حيان: ... وقال الواحدي: التزييل والتزيل والمزايلة: التمييز والتفريق ... (¬3)، وكلام الواحدي ذكره الرازي (¬4) قبل أبي حيان. ويظهر أنه أخذه عنه لتشابه عبارتيهما. ولأبي حيان كتاب في النحو هو "ارتشاف الضرب في لسان العرب" اعتمد فيه كثيرًا على البسيط للواحدي (¬5). 3 - السمين الحلبي (¬6) في تفسيره "الدر المصون في علوم الكتاب المكنون": واستفاد السمين في تفسيره من الواحدي، وتكرر ذكر اسمه ولم ¬

_ (¬1) "الرازي" 12/ 194. (¬2) "البسيط" 2/ ل 95، من نسخة "جستربتي". (¬3) "البحر المحيط" 5/ 152. (¬4) "الرازي" 17/ 83. انظر: "البسيط" 3/ ل 6، من نسخة "جستربتي". (¬5) انظر: "كشف الظنون" 1/ 61، و"أبو حيان النحوي" للدكتورة خديجة الحديثي ص (135). (¬6) شهاب الدين أبو العباس أحمد بن يوسف، المعروف بالسمين الحلبي، نشأ في حلب ورحل إلى مصر وبها توفى ست وخمسين وسبعمائة، انظر: "طبقات المفسرين" للداودي 1/ 101، "حسن المحاضرة" 1/ 536، و"بغية الوعاة" 1/ 402.

يصرح بكتابه الذي أخذ عنه، لكن نجد جميع الأقوال التي نقلها عنه موجودة في "البسيط" مما يدل على أنه أخذها عنه. من أمثلة ذلك في تفسير قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [البقرة: 103] ذكر السمين الأقوال في وزن "لمثوبة" ومنه قوله: ... وقد جاءت مصادر على مفعول كالمعقول فهي مصدر، نقل ذلك الواحدي (¬1). وفي سورة المائدة في تفسير قوله تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ} [المائدة: 59] تكلم السمين عن موقع جملة {وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ} وذكر أوجه الإعراب المحتملة فيها ... ومما قاله: ونقل الواحدي عن بعضهم أن ذلك من باب المقابلة والازدواج، يعني أنه لما نقم اليهود عليهم الإيمان بجميع الرسل وهو مما لا ينقم، ذكر في مقابلته فسقهم وهو مما ينقم ... ، وذكر أقوالا كثيرة ثم قال: "وهذا هو مجموع ما أجاب به الزمخشري والواحدي" (¬2)، وفي موضع آخر قال: ... ويدل على ذلك ما نقله الواحدي عن صاحب "النظم" ... (¬3). وفي تفسير قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} الآية [المائدة: 67] قال السمين: .. وقال الواحدي: أي: إن يترك إبلاغ البعض كان كمن لم يبلغ، لأن تركه البعض ¬

_ (¬1) "الدر المصون" 2/ 50 وانظر كلام الواحدي في "البسيط" 1/ ل 77 "الأزهرية". (¬2) "الدر المصون" 4/ 320، انظر "البسيط" 2/ ل 63 "نسخة جستربتي". (¬3) "الدر المصون" 4/ 321، انظر "البسيط" 2/ ل 63 "نسخة جستربتي".

4 - المفسر سليمان بن عمر العجيلي الشهير بالجمل في تفسيره "الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقائق الخفية"

محبط لإبلاغ ما بلغ، وجرمه في كتمان البعض كجرمه في كتمان الكل في أنه يستحق العقوبة من ربه، وحاشا الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يكتم شيئًا مما أوحي إليه ... (¬1). وفي سورة الأعراف في تفسير قوله تعالى: {وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ} [الأعراف: 4] ذكر السمين الأقوال في {بَيَاتًا} ومنه قوله: وقال الواحدي قوله: بياتا: أي ليلًا. وظاهر هذه العبارة أن يكون ظرفًا لولا أن يقال: أراد تفسير المعنى (¬2). 4 - المفسر سليمان بن عمر العجيلي الشهير بالجمل (¬3) في تفسيره "الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقائق الخفية": لقد كان كتاب "الدر المصون" للسمين الحلبي مصدرًا رئيسًا للجمل في تفسيره، نقل عنه كثيرًا، وصدر عنه، وقد وردت عنده المصادر التي أخذ منها السمين، ومنها تفسير الواحدي، فنراه يتكرر في "الفتوحات الإلهية" في المواضع التي ورد فيها في "الدر المصون" للسمين. وأذكر بعض الأمثلة التي توضح ذلك، في آية البقرة وهي قوله: {وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} [البقرة: 103] قال الجمل وهو يتكلم عن "المثوبة"، ... وقد جاءت مصادر على مفعول كالمعقول فهي مصدر، نقل ذلك الواحدي (¬4)، ¬

_ (¬1) "الدر المصون" 4/ 352. انظر "البسيط" 2/ ل 66 "نسخة جستربتي". (¬2) "الدر المصون" 5/ 250. انظر "البسيط" 2/ ل 139 "نسخة جستربتي". (¬3) هو سليمان بن عمر العجيلي المصري، الأزهري، الشافعي، فقيه مفسر ولد وتوفى قي مصر سنة 1204 هـ انظر: "هدية العارفين" 1/ 406، و"معجم المؤلفين" 4/ 271، و"الأعلام" 3/ 131. (¬4) "الفتوحات الإلهية" 1/ 89، 90.

5 - الألوسي في تفسير "روح المعاني"

راجع كلام السمين السابق تجده بنصه. وعند تفسير قوله تعالى: {وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا} الآية [الأعراف: 4] قال الجمل: وقال الواحدي: قوله (بياتًا) أي: ليلًا، وظاهر هذه العبارة أن يكون ظرفًا لولا أن يقال أراد تفسير المعنى. اهـ سمين .. (¬1)، فنجد الجمل يصرح بنقله قول الواحدي من طريق السمين الحلبي. 5 - الألوسي (¬2) في تفسير "روح المعاني": وأفاد الألوسي في تفسيره "روح المعاني" من كتاب "البسيط" للواحدي وقد اكتفى بذكر "الواحدي" دون ذكر الكتاب الذي أخذ منه، وبمقارنة النصوص وجدت أكثرها في "البسيط". من أمثلة ذلك عند تفسير قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4)} [البقرة: 4] قال الألوسي في تفسير "اليقين": ... وذهب الواحدي وجماعة إلى أنه ما يكون عن نظر واستدلال، فلا يوصف به البديهي، ولا علم الله تعالى (¬3). يقول الواحدي في "البسيط": واليقين هو العلم الذي يحصل بعد الاستدلال ونظر لغموض المنظور فيه أو إشكاله على الناظر ... ولذلك لم يجز أن يوصف القديم سبحانه به، ولأن علمه لم يحصل عن نظر واستدلال (¬4). ¬

_ (¬1) "الفتوحات الإلهية" 2/ 121. (¬2) هو شهاب الدين محمود بن عبد الله الألوسي، مفسر محدث، أديب، ولد وتوفي في بغداد. توفي سنة (1270 هـ) انظر: "الأعلام" 7/ 176. (¬3) "روح المعاني" 1/ 122. (¬4) انظر: "البسيط" عند قوله تعالى: {وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} [البقرة: 4].

ب- في علوم القرآن

عند تفسير قوله تعالى {وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا} [البقرة: 48] قال الألوسي: ... وذكر الواحدي أن "عدل" الشيء بالفتح والكسر مثله، وأنشد قول كعب بن مالك: صبَرْنَا لا نَرى للهِ عَدْلًا ... عَلى مَا نَابَنَا مُتَوَكِّلِينَا" (¬1) قال الواحدي في "البسيط": عدل الشيء وعدله: مثله، قال الله تعالى: {أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا} [المائدة: 95] أي ما يمثله من الصيام، وقال كعب بن مالك: صبَرْنَا لا نَرى للهِ عَدْلًا ... عَلى مَا نَابَنَا مُتَوَكِّلِينَا" (¬2) وعند تفسير قوله تعالى: {فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ} الآية [المائدة: 107] قال الألوسي: "وقال الواحدي: روي عن عمر -رضي الله عنه- ربه أنه قال: هذه الآية ما في السورة من الأحكام" (¬3)، والرواية عن عمر عند الواحدي في "البسيط" (¬4). وبهذه الأمثلة نرى الألوسي قد أخذ في تفسيره عن الواحدي في مجال اللغة والعقيدة والأثر. هؤلاء من أشهر المفسرين الذين أفادوا من الواحدي وتأثروا بكتابه "البسيط"، وبهذا نرى المدى الذي تركه كتاب البسيط في المفسرين بعده. ب- في علوم القرآن: لم يقتصر أثر الواحدي على المفسرين بعده فقط، بل نجد كتاب ¬

_ (¬1) "روح المعاني" 1/ 251. (¬2) انظر: "البسيط" عند تفسير قوله تعالى: {واتقوا يومًا ...} [البقرة: 43]. (¬3) "روح المعاني" 7/ 53. (¬4) انظر: "البسيط" 2/ل 84، "نسخة جستربتي".

1 - بدر الدين الزركشي في كتابه "البرهان في علوم القرآن"

"البسيط" مصدرًا هامًا للمؤلفين في علوم القرآن الكريم ومنهم: 1 - بدر الدين الزركشي (¬1) في كتابه "البرهان في علوم القرآن": أفاد الزركشي في كتابه من الواحدي كثيرًا، ونص على كتاب "البسيط" في مواضع، وربما نقل عنه ولم يذكر "البسيط"، وهذه النقول بالتتبع نجدها في "البسيط". من أمثلة ذلك في النوع السابع: في "أسرار الفواتح والسور" قال الزركشي: ... وقال الواحدي في "البسيط" في أول سورة يوسف: لا يعد شيء منها آية إلا في "طه"، وسره أن جميعها لا يشاكل ما بعده من رؤوس الآي، فلهذا لم يعد آية بخلاف طه فإنها تشاكل ما بعدها (¬2). ذكر قول الواحدي بمعناه (¬3). وفي موضوع بيان معنى الآية يقول الزركشي: "قال الواحدي: وبعض أصحابنا يجوز على هذا القول تسمية أقل من الآية آية، لولا أن التوقيف ورد بما هي عليه الآن" (¬4)، وقول الواحدي في معنى الآية بنصه في "البسيط" (¬5). وفي النوع السابع والأربعين "الكلام على المفردات من الأدوات" قال الزركشي: -أثناء كلامه عن "لكن"-: وقال صاحب "البسيط" إذا وقع ¬

_ (¬1) هو الإمام بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي، من أعلام الفقه والحديث والتفسير وأصول الدين، وتوفي بمصر سنة أربع وتسعين وسبعمائة. انظر "حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة" للسيوطي 1/ 437. (¬2) "البرهان في علوم القرآن" 1/ 171. (¬3) انظر: "البسيط" 3/ ل 56، نسخة "جستربتي". (¬4) "البرهان في علوم القرآن" 1/ 267. (¬5) "البسيط" ص 796.

2 - جلال الدين السيوطي في كتابه "الإتقان في علوم القرآن"

بعدها جملة فهي للعطف، أو حرف ابتداء، قولان، كقوله تعالى: {لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ} [النساء: 166] قال: وتظهر فائدة الخلاف في جواز الوقف على ما قبلها، فعلى العطف لا يجوز وعلى كونها حرف ابتداء يجوز. قال: وإذا دخل عليها الواو انتقل العطف إليها، وتجردت للاستدراك" (¬1). وهكذا نجد اسم الواحدي يتردد كثيرًا في "البرهان" (¬2) مما يدل على مدى إفادته من كتاب "البسيط". 2 - جلال الدين السيوطي (¬3) في كتابه "الإتقان في علوم القرآن": أفاد السيوطي في كتابه "الإتقان" من "البسيط" للواحدي، ونقل عنه في مواضع متعددة. قد يذكر الواحدي باسمه فيقول: قال الواحدي، أو يقول: قال صاحب "البسيط". وربما يكون في أكثر المواضع ناقلًا عن الزركشي. ومن أمثلة ذلك عند الكلام معنى الآية قال: قال الواحدي وبعض أصحابنا قال: يجوز على هذا القول تسمية أقل من الآية آية لولا أن التوقيف ورد بما هي الآن" (¬4). ¬

_ (¬1) "البرهان في علوم القرآن" 4/ 390. (¬2) انظر: "البرهان" 1/ 291، 2/ 39، 14، 147، 278، 288، 409، 435، 3/ 161، 187، 279، 370، 474، 4/ 338. (¬3) هو الحافظ جلال الدين عبد الرحمن بن كمال السيوطي، أبو بكر، صاحب التصانيف المشهورة، ولادته ووفاته في مصر سنة (849 - 911 هـ) انظر: "حسن المحاضرة" 1/ 335. (¬4) "الإتقان" 1/ 88.

جـ- في كتب الفقه

مثال آخر في "النوع الأربعين" في معرفة "الأدوات" قال السيوطي: لكن مشددة النون، حرف ينصب الاسم ويرفع الخبر ومعناه الاستدراك، وفسر بأن تنسب لما بعدها حكمًا مخالفًا لحكم ما قبله، ولذلك لابد أن يتقدمها كلام مخالف لما بعدها أو مناقض له نحو: {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا} [البقرة: 102]، وقد ترد للتوكيد مجردًا عن الاستدراك، قاله صاحب "البسيط" (¬1). جـ- في كتب الفقه: لم يقتصر أثر الواحدي فيمن بعده من خلال كتابه "البسيط" على المفسرين والمؤلفين في علوم القرآن، بل نجد بعض فقهاء الشافعية ينقلون من "البسيط" ويعتبرونه مصدرًا لهم، فهذا الإمام النووي (¬2) رحمه الله، في كتابه "المجموع شرح المهذب" -وهو من أكبر كتب الفقه الشافعي- ينقل كلام الواحدي وينص على "البسيط". يقول في مقدمة الكتاب وهو يشرح لفظ الذكر: قال الإمام أبو الحسن علي بن أحمد الواحدي المفسر الأديب الشافعي: أصل الذكر في اللغة: التنبه على الشيء، وإذا ذكرته فقد تنبهت عليه، ومن ذكرك شيئًا فقد نبهك عليه، وليس من لازمه أن يكون بعد نسيان. قال: ومعنى الذكر حضور المعنى في النفس، ويكون تارة بالقلب، وتارة باللسان، وتارة بهما، وهو أفضل الذكر، ويليه ذكر القلب، والله أعلم (¬3). ¬

_ (¬1) "الإتقان" 1/ 224، "البسيط" 1/ ل 75، من النسخة الأزهرية (¬2) هو الإمام يحيى بن شرف النووي الشافعي، أبو زكريا، محيي الدين، علامة بالفقه والحديث. ولادته ووفاته (631 - 676 هـ) انظر: "طبقات الشافعية" للسبكي 5/ 165، و"النجوم الزاهرة" 7/ 278. (¬3) "المجموع شرح المهذب" 1/ 74.

ذكر الواحدي هذا في "البسيط" عند تفسير قوله تعالى: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ} [البقرة: 152] قال: أصل الذكر في اللغة التنبه على الشيء ومن ذكرك شيئا فقد نبهك عليه ... الخ (¬1). وفي موضع آخر ذكر النووي حكم التأمين بعد الفاتحة وقال: "قال أصحابنا: ويسن التأمين لكل من فرغ من الفاتحة، سواء كان في الصلاة أو خارجها، قال الواحدي: لكنه في الصلاة أشد استحبابًا (¬2). وفي موضع آخر قال: ذكر أصحابنا أو جماعة منهم: أن لا يصل لفظة آمين بقوله: {وَلَا الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 7] بل بسكتة لطيفة جدًا ... وممن نص على استحباب هذه السكتة القاضي حسين في تعليقه، وأبو الحسن الواحدي في "البسيط" (¬3). وقد قرر هذه الأحكام الواحدي في "البسيط" في آخر تفسير الفاتحة. بهذا ندرك تلك المكانة العالية التي تبوأها الواحدي ومؤلفاته خصوصًا كتاب "البسيط" حتى أصبح مرجعًا لبعض علماء التفسير وعلوم القرآن، ينقلون أقواله في مجال التفسير، أو اللغة، أو علوم القرآن، أو الأحكام. ¬

_ (¬1) "البسيط" 1/ ل 97، من النسخة الأزهرية. (¬2) "المجموع شرح المهذب" 3/ 371. (¬3) "المجموع شرح المهذب" 3/ 373.

- الطحطاوي (¬1) في "حاشية المراقي" 2/ 256: بعد ما حكى الأقوال في آمين، قال: وحكى الواحدي عن حمزة والكسائي الإمالة فيها، ولو مد مع التشديد كان مخطئا في المذاهب الأربعة، وهو من لحن العوام. ولا تفسد به الصلاة عند الثاني لوجوده في القرآن وعليه الفتوى ... إلخ. وذكر صاحب "مغنى المحتاج" 1/ 155: قول الواحدي في آمين مع المد لغة ثالثة وهي الإمالة، وحكى التشديد مع القصر، أي قاصدين إليك وأنت أكرم أن لا تجيب من قصدك .. - نقل الشوكاني (¬2) في "نيل الأوطار" 1/ 393. اختلاف العلماء في تحديد الصلاة الوسطى، قال: القول الثاني: أنها الظهر، نقله الواحدي عن زيد بن ثابت وأبي سعيد الخدري وأسامة بن زيد وعائشة. ¬

_ (¬1) هو أحمد بن محمد بن إسماعيل الطحطاوي، الفقيه الحنفي، توفي 1231 هـ، من تصانيفه: "الحواشي على الدر"، "شرح مراقي الفلاح". ينظر: ترجمته في "أعيان القرن الثالث عشر" ص 73، 74، "معجم الأدباء" 1/ 20، "الأعلام" 1/ 245. (¬2) محمد بن علي بن محمد الشوكاني ثم الصنعاني، الإمام المحدث، الفقيه، الأصولي، المفسر، المؤرخ ولد سنة 1173 هـ، وولي القضاء، توفي سنة 1250 هـ من مصنفاته: "إرشاد الفحول"، "فتح القدير" "السيل الجرار"، "البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع".

د- ومن شراح الحديث

قال الصنعاني (¬1) في "سبل السلام" 1/ 193: قال الواحدي: إن كان الانتصار لأجل الدين فهو محمود وإن كان لأجل النفس فهو مباح لا يحمد عليه. د- ومن شراح الحديث: 1 - ابن حجر (¬2) في "فتح الباري": نقل العلامة ابن حجر عن الواحدي في مواضع من "فتح الباري" أحيانًا بالنص على أنه من تفسيره، وأحيانًا من غير نص. أ- قال الحافظ ابن حجر في "الفتح": قوله "لو كنت متخذًا خليلًا" زاد في حديث أبي سعيد: غير ربي، وفي حديث ابن مسعود عند مسلم: وقد اتخذ الله صاحبكم خليلًا، وقد تواردت هذه الأحاديث على نفي الخلة من النبي - صلى الله عليه وسلم - لأحد من الناس، وأما ما روي عن أبي بن كعب قال: إن أحدث عهدي بنبيكم قبل موته بخمس، دخلت عليه وهو يقول: "إنه لم يكن نبي إلا وقد أتخذ من أمته خليلًا، وإن خليلي أبو بكر، ألا وإن الله ¬

_ (¬1) هو: محمد بن إسماعيل بن صلاح الكحلاني ثم الصنعاني، يعرف بالأمير، محدث، فقيه، أصولي، مجتهد من أئمة اليمن، ولد سنة 1059 بكحلان ثم انتقل إلى صنعاء، وأخذ عن علمائها ثم رحل إلى مكة وأخذ عن علمائها ثم المدينة وبرع في العلوم حتى بلغ مرتبة الاجتهاد، توفي سنة 1182 هـ. من مصنفاته: "سبل السلام"، "تطهير الاعتقاد"، "إرشاد النقاد إلى تيسير الاجتهاد". ينظر: "البدر الطالع" 2/ 133 - 139، "فهرس الفهارس" 1/ 287. (¬2) هو أحمد بن علي العسقلاني، الإمام الحافظ المحدث، له مصنفات عظيمة من أشهرها "فتح الباري" توفي سنة 852. ينظر: "شذرات الذهب" 7/ 27، "النجوم الزاهرة" 15/ 902.

2 - العيني في "عمدة القاري" 1/ 66 - 67.

أتخذني خليلًا" أخرجه أبو الحسن الحربي في فوائده (¬1)، وهذا يعارضه ما في رواية جندب عند مسلم كما قدمته أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل أن يموت بخمس: "إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل" فإن ثبت حديث أبي أمكن أن يجمع بينهما، بأنه لما برئ من ذلك تواضعًا لربه وإعظامًا له، أذن الله تعالى له فيه من ذلك اليوم لما رأى من تشوفه إليه، وإكرامًا لأبي بكر بذلك، فلا يتنافى الخبران، أشار إلى ذلك المحب الطبري، وقد روي من حديث أبي أمامة نحو حديث أبي بن كعب دون التقييد بالخمس، أخرجه الواحدي في "تفسيره"، والخبران واهيان والله أعلم (¬2). 2 - العيني (¬3) في "عمدة القاري" 1/ 66 - 67. نقل في تفسير قوله تعالى: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} [الأعلى: 1] عن الواحدي أنه قال: (أخبرنا محمد بن الحسن الحافظ، قال حدثنا محمد بن يحيى، قال: حدثنا محمد بن صالح، قال: حدثنا أبو صالح، قال: حدثني الليث، قال: حدثني عقيل عن ابن شهاب، قال: أخبرني محمد بن عباد بن ¬

_ (¬1) انظر: "صحيح مسلم" 4/ 1855 كتاب "فضائل الصحابة". (¬2) "الفتح" 7/ 23، وانظر أيضًا "الفتح" 3/ 409، 5/ 35، 8/ 197. (¬3) هو العلامة بدر الدين أبو محمد محمود بن أحمد بن موسى العيني، قاضي القضاة ولد في رمضان سنة (762) هـ. وتفقه بها ثم قدم حلب، وأخذ بها عن الجمال يوسف الملطي، ثم قدم القاهرة فأخذ عن مشايخها وبرع في الفنون، وولي حسبة القاهرة، ونظر الأحباس، وقضاء الحنفية، وله عدة مصنفات منها: "شرح البخاري"، "معاني الأخبار في أسامي رجال شرح معاني الآثار للطحاوي"، "شرح الشواهد الكبرى" ومختصره. وتوفي في ذي الحجة 855 هـ. ينظر: "نظم العقيان في أعيان الأعيان" للسيوطي 1/ 60، "إكمال الكمال" 6/ 371.

3 - السيوطي في "تنوير الحوالك" 1/ 59

جعفر المخزومي أنه سمع بعض العلماء يقول: كان أول ما أنزل الله عز وجل على رسوله - صلى الله عليه وسلم - {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} إلى قوله: {مَا لَمْ يَعْلَمْ} [العلق: 1: 5] قال هذا صدر ما أنزل على رسول الله يوم حراء ثم أنزل آخرها ..). 3 - السيوطي (¬1) في "تنوير الحوالك" 1/ 59: قال: وأورد الواحدي في "أسباب النزول" هذا الحديث عند ذكر آية النساء ... 4 - المناوي (¬2) في "فيض القدير" 2/ 90: عندما تكلم على استقبال القبلة ونقل رأي النووي قال: قال الواحدي القبلة الوجهة وهي الفعلة من المقابلة وأصل القبلة لغة: الحالة التي يقابل الشخص غيره عليها لكنها الآن صارت كالعلم للجهة التي تستقبل في الصلاة، وقال الهروي: سميت قبلة لأن المصلي يقابلها وتقابله. ¬

_ (¬1) سبقت ترجمته. (¬2) هو: محمد بن عبد الرؤوف بن تاج العارفين بن علي المناوي، القاهري، من كبار العلماء بالدين والفنون. انزوى للبحث والتصنيف، وكان قليل الطعام كثير السهر، فمرض وضعفت أطرافه، فجعل ولده تاج الدين محمد يستملي من تأليفه، ولد سنة 952 هـ وتوفي 1031 هـ من تصانيفه: "فيض القدير". ينظر: "الأعلام" 6/ 204، "معجم المؤلفين" 3/ 410.

المبحث التاسع النسخ المخطوطة الموجودة للبسيط التي تم التعرف عليها

المبحث التاسع النسخ المخطوطة الموجودة للبسيط التي تم التعرف عليها يوجد للبسيط عدد من النسخ المخطوطة في مكتبات العالم على أن انتشار نسخ البسيط لم تصل إلى كثرة انتشار "الوسيط" و"الوجيز" ولعل ذلك يرجع إلى طول الكتاب، وصعوبة مادته، ومن ثم صعوبة نسخه وتداوله، وهذه الإشارة إلى النسخ التي تم التعرف عليها وهي: 1 - نسخة محفوظة بالمكتبة الأزهرية بالقاهرة "رواق المغاربة" رقم (303) "تفسير". الموجود منها: الجزء الأول والثالث والرابع والخامس، والثاني مفقود. كتبت هذه النسخة سنة 636 هـ، خطها: جيد، مسطراتها: 29 سطرًا تقريبًا، وقفت هذه النسخة على طلبة العلم المجاورين برواق المغاربة، ونص الوصية بذلك مثبت على وجه كل جزء، ونصه: "وقف وحبس، وتصدق لوجه الله تعالى بجميع هذا الجزء من تفسير الإمام الواحدي، المكرم الأمير عبد الرحمن كتخدا على طلبة العلم المجاورين برواق المغاربة، تقبل الله صنيعه وشكر مسعاه {فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}، تحريرًا في الرابع والعشرين من رجب الفرد في شهور سنة 1176 هـ الفقير إلى الله أبو الحسن ابن عمر خادم العلم بالأزهر" وعلى هوامشها تعليقات من الكاتب، يصدر كل تعليق بـ قوله: "ش ك" أي شرح من الكتاب، وبالتتبع وجدت هذه التعليقات منقولة بنصها من "الكشاف" وقد أثبت أمثلة منها في هوامش الجزء المحقق. الجزء الأول: أول الكتاب إلى منتصف سورة "النساء" ويقع في

(248) لوحة في بعض أوراقه تآكل. لهذا الجزء صورة "ميكروفيلم" في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية رقم (4048) أولها غير واضح والمقروء يبدأ من لوحة (19). الجزء الثاني: مفقود. الجزء الثالث: يبدأ من أول سورة "يونس" إلى آخر سورة "الأنبياء" يقع في (254) لوحة، به خرم من أثناء سورة "يونس"، بأوراقه تآكل من السوس، وبعض ترقيع أضاع قليلًا من الكلمات، له نسخة "ميكروفيلم" في جامعة الإمام تحت رقم (8049). الجزء الرابع: يبدأ من أول سورة "الحج" إلى آخر "الشورى" عدد أوراقه (252) لوحة بينما كتب على ظاهره (245) ورقة، سليم من التلف والسوس، سوى ما أصاب كعب التجليد، له صورة "ميكروفيلم" في جامعة الإمام رقم (8050). الجزء الخامس: من أول سورة "الزخرف" إلى آخر القرآن الكريم يقع (209) لوحة في آخره: "والله أعلم بالصواب هذا آخر الكتاب. ثم قال الشيخ المفسر -رحمه الله- في نسخته الأصل: وقد يسر الله تعالى وله الحمد لحسن توفيقه تحرير هذا الكتاب الذي لم يسبق إلى مثله في هذا الباب ... والحمد لله فوق حمد العارفين، وفوق شكر الواصفين وصلواته وتحياته على المبعوث بالبيان الساطع والبرهان اللامع والقرآن الكريم والكتاب الحكيم، محمد النبي وعلى أصحابه أجمعين آمين، يا رب العالمين، وذلك لعشر بقين من ربيع الأول سنة ست وأربعين وأربعمائة والحمد لله". ونظرًا لكون هذِه النسخة من أتم النسخ وأوثقها وأوضحها وأقدمها تاريخًا اعتمدت عليها وجعلتها أصلًا ورمزت لها بالرمز (أ).

2 - نسخة محفوظة بدار الكتب المصرية برقم (¬1) (53) تفسير، موجود منها ستة أجزاء تحتوي على أكثر القرآن، جميعها بخط عادي كتبها "محمد الشيمي" كتبت سنة (1270 هـ). الجزء الأول: من أول الكتاب إلى آخره سورة البقرة يقع في (304) لوحات. الجزء الثاني: من أول سورة "آل عمران" إلى قوله تعالى: {وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ} [النحل: 89] يقع في (133) لوحة. الجزء الثالث: مفقود. الجزء الرابع: من سورة "يونس" إلى آخر سورة "النحل" يقع في (280) لوحة. الجزء الخامس: من سورة "الإسراء" وينتهي إلى آخر "الأنبياء" يقع في (243) لوحة. الجزء السادس: من أول سورة "الحج" إلى آخر سورة "السجدة" ويقع في (239) لوحة. الجزء السابع: من أول "الأحزاب" إلى آخر سورة "الشورى" ويقع في (159) لوحة. وبهذا الجزء ينتهي الموجود من هذه النسخة، ويوجد لها نسخة مصورة في معهد إحياء المخطوطات العربية في القاهرة تحت رقم (56 - 61) (¬2). وقد اعتمدنا على هذه النسخة ورمزنا لها بالرمز (جـ). 3 - الجزء الأول من نسخة محفوظة في الأوقاف بالأستانة رقم ¬

_ (¬1) انظر: "فهرس الكبخانة الخديوية" 1/ 133، 134، و"فهرس الكتب العربية الموجودة في دار الكتب" إلى سنة (1921 هـ) 1/ 35. (¬2) انظر: "فهرس المخطوطات المصورة بالمعهد" 1/ 24، 25.

(1571) له صورة في معهد إحياء المخطوطات العربية بالقاهرة رقم (62) (¬1). يقع هذا الجزء في (248) لوحة مسطرته (19) سطرًا تقريبًا، خطه جيد واضح، يقدر أنها كتبت في القرن الثامن. يبدأ من أول الكتاب، إلى قوله تعالى: {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا} الآية [البقرة: 117] اعتمدنا على هذه النسخة ورمزنا لها بالحرف (ب) (¬2). 4 - جزء من نسخة مخروم الأول، وأول ما فيه من سورة "مريم" قوله تعالى: {إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (3)} [مريم: 3] وينتهي إلى آخر سورة "الحج" مكتوب بقلم عادى يقع في (262) ورقة محفوظ بدار الكتب المصرية تحت رقم (121) (¬3). 5 - الجزء الأول والثاني من نسخة محفوظة بالجامع الكبير بصنعاء. الجزء الأول: يقع في (413) ورقة مسطرته (24 - 16) تقريبًا، خطه قديم، مبتور أوله، سقط منه مقدمة الكتاب وسورة "الفاتحة" وأول البقرة. ¬

_ (¬1) انظر: "فهرس المخطوطات المصورة بالمعهد" 1/ 25. (¬2) في الخزانة التيمورية بدار الكتب المصرية يوجد نسخة كتب عليها: "الجزء الأول من "البسيط" كتب سنة 565 رقم (1282) وتحت هذا العنوان مصورة في معهد المخطوطات برقم (63) انظر فهرس التيمورية 1/ 13، فهرس معهد المخطوطات بالقاهرة 1/ 25، تصفحت هذِه النسخة فتبين لي أنها ليست من "البسيط" وإنما هي "الجزء الأول من تفسير الثعلبي" اطلع على هذه النسخة صاحب كتاب "الواحدي ومنهجه في التفسير" وقال: "اطلعت عليها فوجدت فيها اضطرابا في النسخ ... إلخ" ص 87. (¬3) انظر: "فهرس الكتبخانة الخديوية" 1/ 134، و"فهرس دار الكتب المصرية فهرس الكتب" إلى سنة 1921 م 1/ 35.

الموجود من وسط "البقرة" إلى أثناء سورة "النساء". محفوظ تحت رقم (51). الجزء الثاني: يقع في (448) ورقة، يبدأ من أول سورة "براءة" إلى سورة "الرعد" خطه قديم محفوظ تحت رقم (54) (¬1). 6 - الجزء الثاني والثالث من نسخة محفوظة في مكتبة "جستربتي" كتب عليهما: هذا كتاب "معاني التفسير" المسمى "البسيط"، خطهما جيد مشكول بعض كلماته. الجزء الثاني: يقع في (243) ورقة، يبدأ من أثناء سورة "النساء" وينتهي بأول سورة "يونس" كتب في آخره: "آخر الجزء الثاني من كتاب معاني التفسير المسمى بالبسيط تصنيف الإمام الواحدي والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه الطيبين الطاهرين وحسبنا الله ونعم الوكيل، ووافق الفراغ منه في يوم الخميس في آخر شوال سنة ثمان وثلاثين وستمائة، كتبه الضعيف الراجي المحتاج إلى رحمة الله تعالى أحمد بن محمد بن الحسن القروني" مصور ميكروفيلم في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية تحت رقم (3731) وفي الفليم عدم وضوح في بعض الصفحات. الجزء الثالث: يقع في (237) ورقة، يبدأ من سورة "يونس" قوله تعالى: {إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا} الآية [يونس: 4] أول تفسير الآية في الجزء الثاني وآخرها في الجزء الثالث، له "ميكروفيلم" في جامعة الإمام محمد ¬

_ (¬1) انظر: "فهرس كتب الخزانة المتوكلية العامرة بالجامع الكبير في صنعاء" ص 13.

بن سعود الإسلامية تحت رقم (3736) وكتب عليه "الجزء الثاني". 7 - الجزء الثالث: من نسخة مصورة في جامعة الإمام تحت رقم (5105) تقع في (293) ورقة [31 س] كتب على الوجه الأول "الجزء الثالث من البسيط" تأليف أبي الحسن علي بن أحمد الواحدي. سورة المائدة والأنعام والأعراف. سبعة أحزاب، وعليه عدة تملكات أكثرها غير واضح، وفي آخره: "تمت المجلدة الثالثة بحمد الله وجميل صنعه يتلوها في الرابعة إن شاء الله سورة "الأنفال" ذي الحجة لشهور سنة ست وستمائة هجرية، والحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله وصحبه أجمعين .. بقلم الفقير إلى الله عثمان بصليق الشافعي". 8 - الجزء السابع من نسخة قديمة، ويبدأ من أول سورة "الحج" إلى آخر سورة "القصص" فيه خرم وتلف كثير أضر بالكتاب ضررًا بالغًا، خطه نسخ معتاد، كتبه محمد بن عبد المحسن الأنصاري سنة (627 هـ) عدد أوراقه (237) ورقة، 19 س، محفوظ في دار الكتب الظاهرية تحت رقم (7023) (¬1). 9 - في فهرس نوادر المخطوطات العربية في تركيا ذكر الجزء الثاني من كتاب معاني التفسير، قال: لعله البسيط، في مكتبة اسكيليب رقم (1030) يبدأ من قوله تعالى: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ} الآية [البقرة: 127] إلى آخر البقرة. نسخ سنة (616 هـ) يقع في (226) ورقة، عليه قيد سماع سنة (617 هـ) (¬2). ¬

_ (¬1) انظر: "فهرس مخطوطات دار الكتب الظاهرية" "علوم القرآن" ص 166. (¬2) "فهرس نوادر المخطوطات العربية في تركيا" 3/ 57.

المبحث العاشر منهج العمل في تحقيق "البسيط"

المبحث العاشر منهج العمل في تحقيق "البسيط" سار الباحثون في التحقيق حسب المنهج التالي: 1 - طريقة النص المختار من بين النسخ، لكون النسخ الموجودة لا ترقى واحدة منهن أن تكون أصلًا يعتمد عليه. 2 - ذكر الباحثون الفروق بين النسخ الخطية، عدا الألفاظ التي لا أثر للخلاف فيها، مثل: "تعالى" و"عز وجل". 3 - قابل الباحثون بين الكتاب ومصادره المهمة كتفسير الثعلبي و"معاني القرآن" للزجاج، و"الحجة للقراء السبعة" للفارسي. 4 - عزا الباحثون الآيات المستشهد بها إلى مواضعها من القرآن الكريم عقب ذكرها مباشرة، وجعلنا ذلك في الأصل بين معقوفتين للتسهيل والتقليل من حواشي الكتاب. 5 - وثق الباحثون القراءات من المصدر الأساسي للمؤلف وهو كتاب "السبعة" لابن مجاهد، وذكروا من قرأ بها إذا لم يكن المؤلف ذكر ذلك. 6 - لما كانت النسخ الخطية التي بين يدي الباحثين قد ذكر فيها التفسير سردًا دون أن تذكر الآية أو الآيات قبل تفسيرها على العادة الجارية في كتب التفسير، فإننا قد قمنا بكتابة الآيات قبل تفسيرها؛ وذلك لكونه أوضح في قراءة التفسير، وأجمع للآيات المفرقة لمن أراد مراجعتها. 7 - لقد أكثر الواحدي من النقل، بعزو وبغير عزو في الغالب، الأمر الذي حمل الباحثين على تتبع هذه النقول في مصادرها التي تعرفوا عليها، وأشاروا إلى الفروق الهامة في الهوامش، لما لذلك من الأهمية في توثيق

النص من مصدره، وبيان ما استغلق من الجمل والكلمات، والتعرف على طريقة الواحدي ومنهجه في التصرف في النص المنقول، وقد ترتب على ذلك تكرار أسماء بعض الكتب في الصفحة الواحدة، ولعل ما قصد الباحثون إليه من فائدة يساعد على تجاوز ما يلاحظ من تكرار. 8 - خرج الباحثون الأحاديث من مصادرها الأصلية، فإن كان في الصحيحين اكتفوا غالبًا بالإحالة عليهما، وإن كان في غيرهما ذكروا من خرجه، وأتبعوا بحكم الأئمة عليه صحة وضعفًا. 9 - خرج الباحثون آثار الصحابة والتابعين من أهم مصادر التفسير المسند، وإذا لم يجدوها في التفاسير المسندة عزوها إلى كتب التفسير الآخرى. 10 - شرحوا ألفاظ الواحدي الغريبة من أمهات كتب اللغة، وضبطوا من ألفاظه ما يحتاج إلى ضبط، حتى يسهل قراءتها. 11 - عرّفوا بالأعلام من العلماء والشعراء وغيرهم، ولم يستثنوا إلا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والخلفاء الراشدين -رضي الله عنهم- والأئمة الأربعة. 12 - علقوا على المسائل العقائدية، والتفسيرية، والنحوية، واللغوية بما يلزم لإيضاح قول، أو بيان قوته، أو ضعفه، وحاولوا الإقلال من ذلك في مجال النحو واللغة -إلا ما لابد منه- حتى لا يثقل الكتاب بمسائل نحوية ولغوية زيادة على ما فيه. 13 - حرص الباحثون كثيرًا على ذكر المصادر في الهوامش حسب ترتيبها التاريخي سوى المصدر الذي يغلب على الظن أن الواحدي نقل عنه فيقدمونه، ولو كان ما بعده أسبق منه.

وبعد، فإننا نشكر المولى سبحانه وتعالى أن وفقنا لإتمام هذا العمل ونحن لا ندير لهذا العمل الكمال، وإن كنا نسعى إليه، فهذا متعذر في واقع البشر كما قال المزني: لو عُورض كتابٌ سبعين مرة لوجد فيه خطأ، أبى الله أن يكون كتابًا صحيحًا غير كتابه - على هذا الوجه، فله الحمد كله، وله الشكر كله، لا نحصي ثناء عليه إنه كما أثنى على نفسه، والحمد لله رب العالمين. * * *

نماذج من النسخ الخطية للكتاب

نماذج من النسخ الخطية للكتاب الصفحة الأولى من المجلد الخامس من النسخة الأزهرية

أول سورة يوسف من النسخة الأزهرية

الصفحة الأخيرة من الكتاب من النسخة الأزهرية

نهاية نسخة دار الكتب المصرية

عنوان النسخة اليمنية

بداية سورة التوبة من النسخة اليمنية

نهاية نسخة جستوبتي

بداية تفسير سورة المائدة من نسخة جامعة الإمام

صفحة من نسخة عاطف أفندي بتركيا

صفحة من نسخة شهيد علي

صفحة أخرى من نسخة شهيد علي

صفحة من نسخة جامعة استانبول

التَّفْسِيرُ البَسِيْط لأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي المتوفى سنة 468 هـ النص المحقق

مقدمة المُصنِّف

مقدمة المؤلف

مقدمة المؤلف بسم الله الرحمن الرحيم (¬1) الحمد لله القادر، العليم الفاطر، الحكيم المتصف (¬2) بالعلم الشامل والطول الكامل، الذي أحصى كل شيء عددا، وأحاط بكل شيء علما، فلا يخفى عليه الشاهد والغيب، ولا يشوب (¬3) علمه الشك والريب، يعلم العلن والإسرار والجهر والإضمار، والمشكل والجلي، والبادي والخفي، {وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} [الأنعام: 59] ويعلم قول الحكل (¬4)، (لو أن ذرة ... تساود (¬5) أخرى لم يفته سوادها). فسبحانه من عالم لا بفكرة واجتهاد، وضمير فؤاد (¬6)، و (¬7) بصير لا بحدقة وسواد، وعزيز لا بعدة وعتاد، وقائل لا بلسان ولهاة، وصانع لا بآلة ¬

_ (¬1) في (ب): كلمة غير مقروءة بعد البسملة لعلها (هو حسبي). (¬2) (المتصف): مكانها بياض في (ج). (¬3) في (ب): (ولا يسري عليه). (¬4) في (ب): (الخطر). (الحكل): العجم من الطيور والبهائم، وقيل: ما لا نطق له كالنمل وغيره، انظر: "الصحاح" 4/ 1672، و"مجمل اللغة" 1/ 246 مادة (حكل). (¬5) في (ب): (مساود). والسواد: السرار، تقول: ساودته مساودة وسوادًا، أي: ساررته وأصله إدناء سوادك من سواده وهو الشخص. انظر: "الصحاح" (سود): 2/ 492، "مجمل اللغة" 2/ 477، "اللسان" (حكل): 4/ 2142. (¬6) في (ج): (وارد). (¬7) (الواو): ساقطة من (ب).

وأداة، ومريد (¬1) لا بتوطين نفس، ومتكلم لا بنغمة وجرس، ومدبر لا بمشاورة، ومقدر لا بمداورة، تعالى عن الأنداد والأشكال والأشباه والأمثال، واستحق (¬2) أوصاف الكمال، واستأثر (¬3) بنعوت الجلال (¬4). بعث في الأميين رسولًا من أوسطهم نسبًا، وأشرفهم حسبًا، وأحسنهم أدبًا، وأشهرهم أمًّا وأبًا، يتلو عليهم آياته، ويعارض أباطيلهم ببيناته، حتى انكشطت غشاوة الشك عن وجه اليقين، وتفرَّت دياجي الكفر عن عمود الدين، أنزل عليه نورًا مبينًا، ووحيًا مستبينًا، أنقذ به من الضلالة، وهدى به من حيرة الجهالة، والناس على شرف بوار (¬5)، والخلق على شفا نار (¬6)، وجعله قرآنًا عربيًا فرفع به من شأن لغتهم، وأزرى (¬7) نظمه (¬8) بنظومهم وبلاغتهم، ولما تحداهم عجزوا عن معارضته (¬9)، وهم لُدّ (¬10) بلغاء، وقصروا ¬

_ (¬1) في (ب): (موتد). (¬2) (استحق): بياض في (ج). (¬3) (استأثر): غير واضح في (ب). (¬4) ما ذكره عن نفي مشابهة الله لخلقه صحيح، لكن ليس من منهج السلف تكلف مثل هذِه العبارات في النفي. قال ابن تيمية: (الله سبحانه وتعالى بعث رسله بإثبات مفصل ونفي مجمل .. إلخ). "التدمرية" ص 8. (¬5) البوار: الهلاك. انظر: "تهذيب اللغة": (بار): 1/ 254، "الصحاح" 2/ 589. (¬6) (نار): غير واضحة في (ب). (¬7) أزرى بالشيء: حقّره وهوّنه واستخفَّ به. انظر: اللسان (زرى): 14/ 356 (ط دار صادر). (¬8) قوله (أزرى نظمه): غير واضح في (ب). (¬9) قوله (معارضته): عليها طمس في (ب). (¬10) في "تهذيب اللغة": الألد: الشديد الخصومة، واشتقاقه من لديدي العنق وهما صفحتاه، يقال: رجل ألدّ، وامرأة لدّاء، وقوم لُدّ. "التهذيب" (لَدَّ) 4/ 3254، وانظر: "اللسان" 7/ 4020.

عن الإتيان بمثله وهم لسن (¬1) فصحاء، فبهرت معجزته، وظهرت دلالته صلى الله عليه وعلى آله صلاة تنمو أبدًا، وتتصل مددًا ما تناوب (¬2) الصباح والمساء، وانطبق على الأرض السماء. وبعد: فمنذ دهر تحدثني نفسي بأن أعلق لمعاني (¬3) إعراب القرآن وتفسيره: فِقَرًا (¬4) في الكشف عن غوامض معانيه، ونُكتًا (¬5) في الإشارة إلى علل القراءات فيه، في ورقات يصغر حجمها ويكثر غنمها، والأيام تمطلني بصروفها على اختلاف صنوفها، إلى أن شدد علي خناق التقاضي قوم لهم في العلم سابقة، وفي التحقيق همم صادقة، فسمحت قرونتي (¬6) بعد الإباء، وذلت ¬

_ (¬1) في (ب): (ليس). (¬2) في (أ)، (ج): (وتتناوب)، وأثبت ما في (ب): لأنه أصح في السياق. (¬3) في (ب): (معاني)، وفي (أ): مطموسة. (¬4) في (ب): (وفِقْرًا): بزيادة واو مع سكون القاف. في "تهذيب اللغة" (الفقر: خرزات الظهر، الواحدة فقرة 3/ 3 فقر)، وفي "الصحاح" (أجود بيت في القصيدة يسمى فقرة تشبيها بفقرة الظهر)، 2/ 782، وفي "اللسان": الفقرة: العلم من جبل أو هدف ونحوه، 6/ 3447، وفي "المعجم الوسيط": الفقرة: جملة من كلام، أو جزء من موضوع، أو شطر من بيت شعر، 2/ 697. (¬5) النكتة: كالنقطة، وهي شبه وقرة في العين وشبه وسخ في المرآة، ونكتة سوداء في شيء صاف، انظر: "تهذيب اللغة" (نكت): 4/ 3658، "الصحاح" 1/ 269، "اللسان" 2/ 100، قال في "المعجم الوسيط": النكتة: المسألة العلمية الدقيقة يتوصل إليها بدقة وإنعام فكر، 2/ 959. (¬6) في (ب): (عروسى) بدون نقط. (القرونة) النفس، في "الصحاح" يقال: أسمحت قرينه وقرونه وقرونته وقرينته، أي: ذلت نفسه وتابعته على الأمر. "الصحاح" (قرن) 6/ 2182، وانظر: "اللسان" 6/ 3612.

صعوبتي بعد النفرة (¬1) والالتواء (¬2)، وذلك لتوفر دواعي أهل زماننا على الجهل، وظهور رغباتهم عن العلم، الذي فيه شرف الدين والدنيا، وعز الآخرة والأولى، فقل من ترى (¬3) من المتحلين بعقوده وقلائده، ومنتحلي غرره وفوائده (إلا متشبعًا (¬4)، كلابس ثوبي زور) (¬5)، يبرق، وبروقه غير صادقة، ويرعد وسماؤه غير وادقة، اللهم إلا نفرًا يقل عددهم عند الإحصاء، وتكثر فضائلهم على الحصر والاستقصاء، غير أنهم الأكثرون وإن قلوا، ومواضع الأنس (¬6) حيث حلوا؛ لأن العلم وإن أصبح في الناس مجفوًّا (¬7)، وأظهروا عنه نفرة ونُبوًّا (¬8)، ¬

_ (¬1) (النفرة): فيها طمس في (أ). (¬2) في (ج): (والأرتاء). (¬3) في (ب): (نرى): بالنون. (¬4) المتشبع: المتزين بأكثر مما عنده بالباطل، كالذي يظهر أنه شبعان وليس كذلك. انظر: "غريب الحديث" لأبي عبيد 1/ 346، "الصحاح" (شبع) 3/ 1234، "اللسان" 4/ 2187. (¬5) ورد نحوه في حديث، أخرج البخاري بسنده عن أسماء بنت أبي بكر أن امرأة قالت: يا رسول الله: إن لي ضرة فهل علي جناح إن تشبعت من زوجي غير الذي يعطيني؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور" (5219) كتاب النكاح، باب المتشبع بما لم ينل. وأخرجه مسلم (2129) كتاب اللباس عن عائشة، و (2130) في أسماء بنحوه. وأخرجه أحمد في "المسند" عن عائشة وعن أسماء 6/ 167، 345، 353. وأبو داود عن أسماء (4997) كتاب الأدب، باب ما جاء في المتشبع بما لم يعط. والترمذي عن جابر بلفظ آخر. (2034) كتاب البر والصلة، باب ما جاء في المتشبع بما لم يعطه. (¬6) في (ب): (الالبنن). (¬7) (مجفوا): فيها طمس في (أ)، ومكانها بياض في (ج). (¬8) في (ج): (بتوا)، وفي (ب): غير منقوطة. يقال: نبا بصره نبوا: كلَّ، ونبا السهم عن الهدف: قصر. "القاموس" (نبا) ص 1336.

فحرمته لا تضاع (¬1)، وسوامه (¬2) لا تراع، ولن يخلو (¬3) الشيء الفاضل (¬4) في جنسه عن (¬5) عزته في نفسه، وإن قل من يعتامه (¬6) وعز من يطلبه ويستامه. هؤلاء شكوا إليَّ: غلظ حجم المصنفات في التفسير، وإن الواحدة منها تستغرق (¬7) العمر كتابتها، ويستنزف الروح سماعها وقراءتها، ثم صاحبها بعد أن أنفق العمر على تحصيلها، ليس يحظى منها بطائل تعظم عائدته، وتعود عليه فائدته. فقلت: إن طريق معرفة تفسير كلام الله تعالى تعلم النحو والأدب فإنهما عمدتاه، وإحكام أصولهما، وتتبع مناهج لغات العرب (¬8) فيما تحويه (¬9) من الاستعارات الباهرة، والأمثال النادرة، والتشبيهات (¬10) البديعة، والملاحن (¬11) الغريبة، والدلالة باللفظ اليسير على المعنى الكثير، مما لا يوجد مثله في سائر اللغات. ¬

_ (¬1) لا تضاع. الضياع: الإهمال، ضاع الشيء يضيع ضيعة وضياعا: هلك. انظر: "الصحاح" (ضيع): 3/ 1252، "اللسان" 5/ 2625. (¬2) السوام: كل ما رعى من المال في الفلوات إذا خلي يرعى حيث شاء. "اللسان" (سوم): 12/ 311، "القاموس" ص 1124. (¬3) في (ج): (يحسو). (¬4) (الفاضل): ساقط من (ج). (¬5) في (ج): (من). (¬6) في (ب): (يقبانه). (اعتام يعتام) إذا اختار وأخذ. انظر: "اللسان" (عيم): 5/ 3195، "القاموس" ص 1142. (¬7) في (ب): (يستغرق). (¬8) في (ب): (العزب). (¬9) في (أ): (يحويه)، في (ب)، (ج): غير منقوطة. (¬10) في (ب): (التشبهات). (¬11) يدخل تحت قوله (الملاحن) بعض أنواع البلاغة كالكناية والتعريض، واللحن: صرف الكلام عن التصريح إلى التعريض لغرض صحيح، يقول الراغب الأصفهاني:=

وقد أعفى أهل زماننا أنفسهم عن كد التعب في طلب الأدب، فقد هوت (¬1) دولته إلى الحضيض، وصار يرنو (¬2) بالطرف الغضيض، وها هو قد خوى (¬3) نجمه وصَوَّح (¬4) نبته، وذوى (¬5) عوده، وخرَّ عموده (¬6). وإذا ضاع الأدب ضاع ما يحتاج في تفسيره إليه، ويعول في معرفته عليه، وهو علم (¬7) القرآن العربي، المنزل بلسان العرب ولغتهم، المنظوم بألفاظهم في مخاطبتهم. والله تعالى ذكره أنزل كتابه (¬8) (على قوم عرب أولي (¬9) بيان فاضل، وفهم بارع. ¬

_ = (اللحن: صرف الكلام عن سننه الجاري عليه، إما بإزالة الإعراب، أو التصحيف وهو المذموم، وذلك أكثر استعمالا. وإما بإزالته عن التصريح، وصرفه بمعناه إلى التعريض، ونحوه، وهو محمود عند أكثر الأدباء من حيث البلاغة ... وإياها قصد بقوله تعالى: {وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ} [محمد: 30]). "مفردات الراغب" ص 449، انظر: "اللسان" (لحن) 7/ 4013. (¬1) في (ج): (موت). (¬2) في (ج): (يرانق). رنا يرنو رنوا: إذا أدام النظر. انظر: "الصحاح" (رنا) 6/ 2363، وانظر: "مجمل اللغة" 2/ 400، "اللسان" 3/ 1747. (¬3) في (ب): (جوى). (¬4) رسمت في (أ): (تصوح) ثم صوبت في الهامش بـ (صوح)، وفي (ب): (صوح)، وفي (ج): (تصوح). قال في "اللسان" تصوح البقل وصوح: تم ينبسه. "اللسان" (صوح) 4/ 2521، وانظر: "القاموس" ص 230. (¬5) في (ب): (دوى). (¬6) (وخر عموده): ساقط من (ج). (¬7) في (ب): (وهو في علم القرآن). (¬8) الكلام من هنا منقول من مقدمة "تهذيب اللغة" للأزهري 1/ 27 - 28. (¬9) في (ب)، (ج): (أولى)، وفي (أ): فيها طمس وكأنها (أولو).

أنزله جل ذكره بلسانهم، وصيغة (¬1) كلامهم الذي نشؤوا (¬2) عليه، وجبلوا على النطق به فتدربوا (¬3) به، يعرفون وجوه خطابه ويفهمون فنون نظامه، ولا يحتاجون إلى تعلم مشكله وغريب ألفاظه حاجة المولدين الناشئين مع من لا يعلم لسان العرب حتى يعلمه، ولا يفهم ضروبه وأمثاله وأساسه (¬4) وطرقه حتى يفهمها. وبين النبي - صلى الله عليه وسلم - للمخاطبين من أصحابه رضي الله عنهم (¬5) - ما عسى (¬6) بهم الحاجة [إليه] (¬7) من معرفة (¬8) بيان مجمل الكتاب وغامضه ومتشابهه وجميع وجوهه، التي لا غنى بهم وبالأمة عنه. فاستغنوا بذلك عما نحن إليه اليوم (¬9) محتاجون من معرفة لغات العرب واختلافها والتبحر فيها، والاجتهاد في تعلم وجوه العربية الصحيحة التي بها نزل الكتاب وورد البيان. فعلينا أن نجتهد في تعلم ما يتوصل بتعلمه إلى معرفة ضروب خطاب الكتاب، ثم السنن المبينة لمجمل التنزيل، الموضحة للتأويل؛ لتنتفي عنا الشبه ¬

_ (¬1) في (ب): (وضعة). (¬2) في "تهذيب اللغة" (نشئوا) 1/ 27. (¬3) في (ب): (فتدر توابه). (¬4) في "التهذيب" (وأساليبه) 1/ 28. (¬5) (عنهم): ساقط من (ج). (¬6) في (أ): (أما عسر بهم الحاجة)، وفي (ب): (ما عسر)، وفي (ج): (أما عسى بهم) وفي "تهذيب اللغة" (وبين النبي - صلى الله عليه وسلم - للمخاطبين من أصحابه رضي الله عنهم ما عسى الحاجة إليه من معرفة بيان لمجمل الكتاب وغامضه .. وفي "حاشية التهذيب" في (م) (ما عسى الحاجة به إليه) 1/ 4. (¬7) (إليه): إضافة من "تهذيب اللغة" لضرورتها لصحة السياق. (¬8) (معرفة): غير واضح في (ب). (¬9) (اليوم): غير موجود في مقدمة "التهذيب" 1/ 28.

التي دخلت على كثير من رؤساء أهل الزيغ والإلحاد، ثم على رؤوس ذوي الأهواء والبدع، الذين تأولوا بآرائهم المدخولة فأخطؤوا (¬1)، وتكلموا في كتاب الله عز وجل بلكنتهم العجمية دون معرفة ثاقبة، فضلوا وأضلوا، نعوذ بالله (¬2) من الخذلان، وإياه نسأل التوفيق والصواب (¬3) (¬4). وقد كان الأكابر من السلف يحثون على تعلم لغة العرب، ويرغبون فيها لما يعلمون من (¬5) فضلها وفرط الحاجة إليها (في معرفة ما في الكتاب، ثم في (¬6) السنن والآثار، وأقاويل أهل التفسير من الصحابة والتابعين، من الألفاظ الغريبة والمخاطبات العربية (¬7)، فإن من جهل لسان (¬8) العرب وكثرة ألفاظها وافتنانها في مذاهبها، وجهل جمل (¬9) علم الكتاب) (¬10). ولقد أخبرنا الأستاذ أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم (¬11) رحمه الله قال: أخبرني أبو القاسم الحسن بن محمد بن الحسن (¬12)، ¬

_ (¬1) (فأخطأوا): ساقط من (ب). (¬2) (نعوذ بالله). ساقط من (ج). (¬3) في (ج): (التوفيق للصواب). (¬4) انتهى من مقدمة "تهذيب اللغة" 1/ 27 - 28. (¬5) (من): ساقط من (ج). (¬6) (في): ساقط من (ب). (¬7) في (ب): (العربية). (¬8) في "تهذيب اللغة" (جهل سعة لسان العرب) 1/ 29. (¬9) في (ب): (حمل). (¬10) بنصه من مقدمة "تهذيب اللغة" 1/ 29. (¬11) هو الثعلبي، سبقت ترجمته مع شيوخه. (¬12) هو أبو القاسم الحسن بن محمد بن الحسن بن حبيب بن أيوب النيسابوري، المفسر إمام في معاني القرآن، وكان أديبًا، عارفا بالمغاري، سمع عن جماعة منهم =

ثنا (¬1) أبو الحسن أحمد بن الخضر بن أبان (¬2)، ثنا أبو عمرو أحمد بن نصر الخفاف (¬3) ثنا نصر بن علي الجهضمي (¬4)، ثنا عامر بن أبي عامر (¬5)، ثنا أيوب ¬

_ = الأصم، صنف القراءات والتفسير والآداب، قال الذهبي: تكلم فيه الحاكم، مات سنة ست وأربعمائة. انظر: "سير أعلام النبلاء" 17/ 237، "العبر" 2/ 212، "طبقات المفسرين" للداوادي 1/ 144، و"تفسير السيوطي" ص 35. (¬1) (ثنا): ساقط من (ج): في جميع السند. (¬2) هو الحافظ أبو الحسن أحمد بن الخضر بن أحمد النيسابوري الشافعي، مات سنة أربع وأربعين وثلاثمائة. انظر: "طبقات الشافعية" 3/ 14، "سير أعلام النبلاء" 15/ 501. (¬3) الإمام الحافظ أبو عمرو أحمد بن نصر بن إبراهيم النيسابوري المعروف بالخفاف، سمع عن جماعة منهم إسحاق بن راهويه وعمرو بن زرارة، وحدث عن جماعة، اشتهر بالحفظ، كانت وفاته في شعبان سنة تسع وتسعين ومائتين من أبناء الثمانين. انظر: "سير أعلام النبلاء" 13/ 560 - 563، "تذكرة الحفاظ" 2/ 654 - 656، "البداية والنهاية" 11/ 117. (¬4) نصر بن علي بن نصر بن علي بن صبهان الأزدي الجهضمي. أبو عمرو البصري، قال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عنه فقال: ما به بأس، ورضيه، وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن نصر، فقال: ثقة. مات سنة خمسين ومائتين في ربيع الآخر، وعليه الأكثر، وقيل سنة إحدى وخمسين. انظر: "الجرح والتعديل" 8/ 466، "تاريخ بغداد" 13/ 287، "سير أعلام النبلاء" 12/ 133، "تذكرة الحفاظ" 2/ 519، "تهذيب التهذيب" 4/ 219. (¬5) عامر بن أبي عامر: هو عامر بن صالح بن رستم المزني، مولاهم ابن أبي عامر الخزاز، قال أبو حاتم: ليس بالقوي، وقال ابن عدي: في حديثه بعض النكرة، وقال ابن معين: ليس بشيء، وقال أبو داود: ضعيف، وقال مرة: ليس به بأس. قال العقيلي: لا يتابع على حديثه عن أيوب بن موسى. انظر: "الميزان" 3/ 74 (4082)، "تهذيب التهذيب" 2/ 266.

ابن موسى القرشي (¬1)، عن أبيه (¬2)، عن جده (¬3) قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ما نحل والد ولده نحلة (¬4) أفضل من أدب حسن" (¬5). ¬

_ (¬1) أيوب بن موسى: هو أيوب بن موسى بن عمرو بن سعيد بن العاص القرشي الأموي، روى عن جماعة، منهم جده سعيد بن العاص ولم يدركه، وعن أبيه موسى بن عمرو ابن سعيد، ثقة. انظر: "تهذيب الكمال" 3/ 494، "معرفة الثقات" للحجلي 1/ 241، "تاريخ أسماء الثقات" لابن شاهين ص 31، "ذكر أسماء التابعين" للذهبي 1/ 68. (¬2) أبوه: موسى بن عمرو بن سعيد بن العاص بن أمية القرشي المكي، روى عن أبيه، وروى عنه ابنه أيوب. انظر. "الجرح والتعديل" 8/ 155، "تهذيب التهذيب" 4/ 185. (¬3) عن جده: قال ابن حجر: يحتمل أن يعود ضمير الجد على أيوب، وهذا هو الظاهر، ويحتمل أن يعود على موسى، فيكون من مسند سعيد بن العاص، والحديث مع ذلك مرسل. انظر: "تهذيب التهذيب" 2/ 27. - عمرو بن سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن أميه المدني المعروف بـ (الأشدق): وهو الأصغر و (عمرو بن سعيد بن العاص) الأكبر صحابي وزعم بعضهم أن له رؤية، والصحيح أنه ليس له رؤية، قتله عبد الملك بن مروان، بعد أن طلب الخلافة سنة تسع وستين، وقيل: سبعين. انظر. "الطبقات الكبرى" لابن سعد 5/ 237، "تهذيب التهذيب" 3/ 272. - وسعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن أمية، قتل أبوه يوم بدر كافرا قال ابن سعد: قبض النبي - صلى الله عليه وسلم -، وسعيد ابن تسع سنين، روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرسلًا، وعن عمر وعثمان وعائشة وعنه ابناه عمرو ويحيى وغيرهم، مات بالمدينة، ودفن بالبقيع سنة (58 هـ) وقيل: (57 هـ)، وقيل: (59 هـ). انظر: "الطبقات الكبرى" لابن سعد 5/ 30 - 35، "تهذيب التهذيب" 2/ 27. (¬4) نحل: أعطى والنحلة: العطية والهبة ابتداء من غير عوض ولا استحقاق. انظر: "اللسان" (نحل) 7/ 4369. (¬5) أخرجه الترمذي بنحوه (1952) كتاب البر، باب ما جاء في أدب الولد من طريق نصر بن علي، عن عامر بن أبي عامر الخزاز، وقال. هذا حديث غريب لا نعرفه إلا =

وروي عن سعيد بن المسيب (¬1) أنه قال: بينا عمر بن الخطاب رضي الله عنه على المنبر، فقال: يا أيها الناس: ما تقولون في قول الله عز وجل: {أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ} [النحل: 47]؟ فسكت الناس، فقام شيخ فقال: يا أمير المؤمنين: هذِه لغتنا بني هذيل، التخوف: التنقص، قال عمر: هل تعرف العرب ذلك في أشعارها؟ قال: نعم، قال شاعرنا أبو كبير الهذلي (¬2) يصف ناقة: تَخَوَّفَ الرَّحْلُ منها تَامِكًا صُلْبًا ... كما تَخَوَّفَ عُودَ النَّبْعَةِ السَّفَنُ (¬3) ¬

_ = من حديث عامر بن أبي عامر الخزاز، وأيوب بن موسى: هو ابن عمرو بن سعيد بن العاص، وهذا عندي حديث مرسل. وأخرجه الحاكم في "المستدرك" في كتاب الأدب وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وتعقبه الذهبي وقال: بل مرسل ضعيف، ففي إسناده عامر بن صالح الخزاز: واهٍ. "المستدرك" 4/ 263، وسبق كلام ابن حجر حيث قال: إنه مرسل. انظر: "تهذيب التهذيب" 2/ 27. (¬1) سعيد بن المسيب بن حزن بن أبي وهب بن عمرو بن عائذ، القرشي المخزومي، تابعي مشهور، اشتهر بالعلم والزهد والورع، روى عن جمع من الصحابة، وروى عنه جمع منهم الزهري وقتادة، وثقه الأئمة كأحمد وابن أبي حاتم، وتكلموا في سماعه من عمر، توفي سنة أربع وتسعين، وقيل: غير ذلك. انظر: "طبقات ابن سعد" 9/ 115 - 143، "تهذيب التهذيب" 2/ 43 - 45. (¬2) هو عامر بن الحليس، من بني سهل بن هذيل، شاعر جاهلي، وقيل: أدرك الإسلام امتاز شعره بالحكم وقوة السبك. انظر: "الشعر والشعراء" 446 - 448، "الإصابة" 4/ 165، "الخزانة" 8/ 209. (¬3) (التخوف) التنقص شيئًا فشيئًا، و (التامك) السنام المرتفع، و (النبعة) واحدة النجع وهو شجر تتخذ منه القسي، و (السفن) مبرد الحديد الذي ينحت به الخشب. يقول: تنقص رحلها سنامها المرتفع، كما تنقص المبرد عود النبع. واختلف في نسبة البيت، فنسبه بعضهم لأبي كبير كما عند الواحدي هنا، ونسبه الأزهري لابن مقبل، ونسبه الجوهري لذي الرمة، ونسبه بعضهم لزهير، وقيل: لعبد الله بن عجلان، وقيل: لابن مزاحم الثمالي. =

فقال عمر رضي الله عنه: يا أيها الناس، عليكم بديوانكم لا يضل، قالوا: وما ديواننا؟ قال: شعر الجاهلية، فإن فيه تفسير كتابكم ومعاني كلامكم (¬1). وفيما كتب إلى محمد بن عبد العزيز المروزي (¬2) بخط يده، أن محمد بن الحسين الحدادي (¬3) أخبرهم عن محمد بن (¬4) يحيى (¬5)، قال: ¬

_ = ورد البيت في "تفسير الطبري"، 14/ 113، "تهذيب اللغة" (خاف) 1/ 966، (سفن) 2/ 1708، "الصحاح" (خوف) 4/ 1359، "أمالي القالي" 2/ 112، "الكشاف" 2/ 411، "تفسير القرطبي" 10/ 110، "تفسير الرازي" 20/ 39، "اللسان" (خوف) 3/ 1292، (سفن) 4/ 2032، "مشاهد الإنصاف شرح شواهد الكشاف" ص 130. (¬1) في حاشية نسخة (أ) قال الكاتب: أخذ الواحدي الحكاية من تفسير شيخه الثعلبي من سورة النحل. وقد ذكر هذه الحكاية عدد من المفسرين. انظر: "الكشاف" 2/ 411، "تفسير الرازي" 20/ 39، "تفسير القرطبي" 10/ 110. (¬2) لم أصل إلى شيخ الواحدي محمد بن عبد العزيز المروزي. (¬3) في جميع النسخ محمد بن الحسن، والصحيح: محمد بن الحسين كما جاء في "أسباب النزول" للواحدي ص 23 وهو محمد بن الحسين بن محمد بن مهران المروري الحدادي، أبو الفضل و (الحدادي) نسبة إلى عمل الحديد، قال عنه الحاكم: كان شيخ أهل مرو في الحديث والفقه والتصوف والفتيا، مات سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة. انظر. "الأنساب" 4/ 80، "سير أعلام النبلاء" 16/ 470، "المشتبه" 1/ 144، "اللباب" 1/ 346. (¬4) (بن): ساقط من (جـ). (¬5) لم أعرف من المراد، فنهاك محمد بن يحيى بن عبد الله النيسابوري الذهلي شيخ البخاري، فإنه روى عن إسحاق بن راهويه، توفي سنة سبع وخمسين ومائتين. انظر: "تاريخ بغداد" 3/ 415، "تهذيب الكمال" 26/ 617 (5686)، "تهذيب التهذيب" 3/ 728. ومحمد بن يحيى بن خالد، أبو يحيى، المروزي، المعروف بالشعراني، قدم نيسابور وحدث ببغداد عن إسحاق بن راهويه، ذكره في "تهذيب الكمال" للتمييز، وليس من =

أبنا (¬1) إسحاق ابن إبراهيم الحنظلي (¬2)، أبنا (¬3) وكيع (¬4)، عن أسامة ابن ¬

_ = رجال الستة، ولم يذكر أحد تاريخ وفاته. انظر: "تاريخ بغداد" 3/ 424، "تهذيب الكمال" 26/ 633، "تهذيب التهذيب" 3/ 730. وقد ورد هذا السند في "أسباب النزول" ص 143 قال: أخبرنا محمد بن عبد العزيز، أن محمد بن الحسين أخبرهم، عن محمد بن يحيى بن يزيد، أخبرنا إسحاق بن إبراهيم. ولم أجد محمد بن يحيى بن يزيد، ولم يذكر ممن روى عن إسحاق بن إبراهيم بن راهويه. (¬1) (أبنا) ساقط من (جـ)، وفي (ب): (أنا) وهذا الصواب في رمز (أخبرنا): وبعضهم استعمل (أبنا): ولم يستحسنه المحدثون. انظر: "تدريب الراوي" 2/ 87. (¬2) إسحاق بن إبراهيم بن مخلد بن إبراهيم الحنظلي، المعروف بابن راهويه المروزي، أحد الأئمة، روى عن ابن المبارك وابن عيينة وابن علية، وجرير وعبد الرزاق وغيرهم، روى عنه بقية بن الوليد، ويحيى بن آدم، وعنه الجماعة سوى ابن ماجه، وثقه الأئمة، قال أبو حاتم: مثل إسحاق يسأل عنه! إسحاق عندنا من أئمة المسلمين، ولد سنة 161، وقيل 166 هـ، ومات سنة 238 هـ وقيل: 237 هـ. انظر: "تاريخ بغداد" 6/ 345، "الجرح والتعديل" 2/ 209، "ميزان الاعتدال" 1/ 182 - 183، "تهذيب التهذيب" 1/ 112، "حلية الأولياء" 9/ 234. (¬3) في (ج): (ثنا)، وفي (ب): (أنا). (¬4) وكيع بن الجراح بن مليح الرؤاسي، الكوفي الحافظ، أحد الأئمة الأعلام روى عن أبيه، هشام بن عروة، والأعمش، وابن جريج، والأوزاعي، ومالك، وأسامة بن زيد الليثي، وسفيان الثوري، وحماد بن سلمة، وخلق كثير، روى عنه أبناؤه، وشيخه سفيان، وأحمد، وعلي، ويحيى، وإسحاق، وغيرهم، قال أحمد: ما رأيت أحدًا أوعى للعلم منه، ولا أشبه بأهل النسك منه، قال ابن المديني: كان وكيع يلحن، وقال: كان فيه تشيع قليل، مات سنة ست وتسعين ومائة. انظر: "الجرح والتعديل" 9/ 37 - 39، "تهذيب التهذيب" 4/ 311، "ميزان الاعتدال" 6/ 9 - 10.

زيد (¬1)، عن عكرمة (¬2)، عن ابن عباس قاد: إذا قرأ (¬3) أحدكم شيئًا من القرآن فلم يدر ما تفسيره، فليلتمسه في الشعر، فإنه ديوان العرب (¬4). وبهذا الإسناد (¬5)، وعن إسحاق (¬6)، أبنا (¬7) وهب بن جرير (¬8)، ¬

_ (¬1) أسامة بن زيد الليثي مولاهم، المدني، روى عن أبان بن صالح، وأبيه، وسعيد المقبري، وسعيد بن المسيب، وابن كيسان، وجماعه كثير، وروى عنه الثوري، وعبد الله بن المبارك، ووكيع، وغيرهم، عن أحمد: ليس بشيء، وعن يحيى بن معين: ثقة صالح، وضعفه يحيى بن سعيد، قال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به، وقال النسائي. ليس بالقوي. انظر: "تهذيب الكمال" 2/ 347 - 350، "تهذيب التهذيب" 1/ 108، "الجرح والتعديل" 2/ 284 - 285. (¬2) أبو عبد الله، عِكْرِمة بن عبد الله البربري، ثم المدني، الهاشمي بالولاء، مولى ابن عباس. أحد أوعية العلم، تكلم فيه لرأيه لا لحفظه، فاتهم برأي الخوارج، وقد وثقه جماعة، واعتمده البخاري، وأما مسلم فتجنبه، وروى له مقرونًا بغيره، روى عن مولاه وعائشة وأبي هريرة، وغيرهم، وأفتى في حياة ابن عباس، قال عنه ابن حجر: (ثقة ثبت عالم بالتفسير): توفي بالمدينة سنة خمس ومائة، وقيل: ست، وقيل: سبع. انظر: "ميزان الاعتدال" 4/ 13 - 17، "تهذيب التهذيب" 3/ 134 - 138. انظر: "صفة الصفوة" 2/ 73، "تذكرة الحفاظ" 1/ 95. (¬3) في (ب): (قرئ). (¬4) ذكره ابن الأنباري في "إيضاح الوقف والابتداء" 1/ 62، والزركشي في البرهان" 1/ 293، والسيوطي في "الإتقان" 2/ 67، "المزهر" 2/ 302. (¬5) أي: الإسناد السابق محمد بن عبد العرير المروزي أن محمد بن الحسين الحدادي أخبرهم عن محمد بن يحيى، عن إسحاق. (¬6) ابن إبراهيم الحنظلي ابن راهويه. (¬7) في (ب). (أنا)، وفي (ج): (ابن). (¬8) في (ب): (حرند). وهب بن جرير بن حازم بن زيد، أو ابن يزيد بن عبد الله بن شجاع الأزدي بصري، حافظ، روى عن أبيه، وعكرمة، وشعبة، وغيرهم وعنه أحمد بن =

ثنا (¬1) أبي (¬2) قال: سمعت الزبير بن خريت (¬3)، عن عكرمة، عن ابن عباس، أنه كان يسأل عن الشيء من عربية القرآن فينشد الشعر (¬4). سمعت أبا عثمان سعيد بن محمد الحيري (¬5)، سمعت القاضي أبا ¬

_ = حنبل، وابن المديني، وابن معين، وغيرهم، ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال العجلي: بصري ثقة، كان عفان يتكلم فيه، وقال النسائي: ليس به بأس. مات سنة ست ومائتين. انظر: "ميزان الاعتدال" 4/ 350، "الجرح والتعديل" 9/ 28، "تهذيب التهذيب" 4/ 329. (¬1) في (ج): (ابن). (¬2) أبوه جرير بن حازم بن زيد بن عبد الله بن شجاع الأزدي البصري، عده بعضهم من صغار التابعين، روى عن الحسن، وابن سيرين، وأبي الطفيل ورجاء العطاردي، وقتادة، وغيرهم. وعنه ابنه وهب، وابن المبارك، وغيرهم، عن ابن معين: ثقة، وعنه: ليس به بأس، وقال العجلي: ثقة، النسائي: ليس به بأس، أبو حاتم: صدوق صالح، ابن عدي: مستقيم الحديث صالح إلا روايته عن قتادة، أحمد: كثير الغلط، البخاري: ربما يهم في الشيء. مات سنة (175 هـ). انظر: "الجرح والتعديل" 2/ 504 - 505، "تهذيب التهذيب" 1/ 294 - 296، "ميزان الاعتدال" 1/ 392 - 393. (¬3) في (ب): (خزثت). الزبير بن الخريت البصري، روى عن نعيم بن أبي هند، وعكرمة، وغيرهم، وعنه جرير بن حازم، وغيره، وثقه العجلي، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال عنه أحمد وابن معين وأبو حاتم والنسائي: ثقة، وله في مسلم حديث واحد. انظر: "تهذيب التهذيب" 1/ 624، "الجرح والتعديل" 3/ 581. (¬4) أخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه": كان ابن عباس إذا سئل عن شيء من القرآن أنشد شعرًا من أشعارهم. كتاب الأدب، الرخصة في الشعر 5/ 278 (26040)، وكتاب فضائل القرآن، وما فسر بالشعر من القرآن 6/ 123 (29974)، وذكره الرازي في "الزينة" 1/ 127 عن أبي عبيدة، عن ابن عباس، والسيوطي في "الإتقان" 2/ 67 من طريق أبي عبيد. وأخرج نحوه ابن الأنباري في "إيضاح الوقف والابتداء" 1/ 62. (¬5) في جميع النسخ (الجيري): بالمعجمة والصحيح الحيري بالحاء المهملة، سبقت ترجمته مع شيوخ الواحدي.

الحسن علي بن القاسم (¬1)، وأبا إسحاق إبراهيم بن الحسن بن بشر (¬2)، وأبا القاسم جعفر بن عبد الله الفناكي (¬3)، الرازيين بالري، قالوا: سمعنا عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي (¬4) قال: أخبرني أبي (¬5)، ثنا (¬6) حرملة بن ¬

_ (¬1) هو القاضي علي بن القاسم بن العباس بن الفضل بن شاذان، أبو الحسن، القاضي، الرازي، سمع عبد الرحمن بن أبي حاتم، وغيره، توفي بالري في سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة. نقل الخطيب عن العتيقي: توثيقه. "تاريخ بغداد" 12/ 53. (¬2) لم أصل إليه. (¬3) في (ب): (العتاكي). هو أبو القاسم جعفر بن عبد الله بن يعقوب بن الفناكي الرازي، سمع من عبد الرحمن بن أبي حاتم، موصوف بالعدالة وحسن الديانة، روى عنه هبة الله اللالكائي، وغيره، توفي سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة. انظر: "سير أعلام النبلاء" 16/ 430، 431، "العبر" 2/ 163. (¬4) هو الإمام الحافظ ابن الإمام الحافظ عبد الرحمن بن محمد بن إدريس، يكنى أبا محمد، ولد سنة أربعين ومائتين، أو إحدى وأربعين، سمع من أبيه، وأبي سعيد الأشج، وأبي زرعة، وجماعة كثيرين، روى عنه ابن عدي، وأبو الشيخ ابن حيان، وأبو أحمد الحاكم، له كتاب "الجرح والتعديل" أثنى عليه العلماء، توفي في المحرم سنة سبع وعشرين وثلاثمائة بالري. انظر: "سير أعلام النبلاء" 13/ 263 - 269، "تذكرة الحفاظ" 3/ 829 - 832، "الميزان" 3/ 301 - 302، "طبقات المفسرين" للداودي 1/ 285 - 287. (¬5) الإمام الحافظ الناقد شيخ المحدثين، أبو حاتم الرازي، محمد بن إدريس بن المنذر بن داود بن مهران الحنظلي الغطفاني، كان من بحور العلم، برع في المتن والإسناد، "ولد سنة خمس وتسعين ومائة، وهو من طبقة البخاري، سمع عبيد الله بن موسى، والأصمعي، وأبا نعيم، وخلقًا كثيرًا، روى عنه ابنه عبد الرحمن، وإبراهيم الحربي، وأبو داود، والنسائي، وغيرهم، مات في شعبان سنة سبع وسبعين ومائتين. انظر: "تاريخ بغداد" 2/ 73 - 77، "الجرح والتعديل" 1/ 349 - 368، "سير أعلام النبلاء" 13/ 247 - 262. (¬6) (ثنا): ساقط من (ج).

يحيى (¬1)، قال: سمعت الشافعي رضي الله عنه يقول: أصحاب العربية جن الإنس. وسمعته (¬2) يقول: سمعت محمد بن أحمد بن يعقوب (¬3)، يقول: سمعت أبا العباس أحمد بن يحيى النحوي (¬4) قال: قال عبد الملك بن مروان (¬5): تعلموا العربية فإنها المروءة الظاهرة (¬6). ¬

_ (¬1) هو حرملة بن يحيى بن عبد الله بن حرملة بن عمران بن قراد التجيبي، أبو حفص المصري، صاحب الإمام الشافعي، روى عن الشافعي وابن وهب وغيرهم، وروى عنه مسلم، وابن ماجه، وأبو حاتم، وغيرهم. قال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به، وقال محمد بن عبد الله الفرهاداني: هو ضعيف، قال ابن عدي: وقد تبحرت حديث حرملة وفتشته الكثير، فلم أجد فيه ما يوجب التضعيف من أجله، وثقه ابن معين وأحمد، وذكره ابن حبان في "الثقات". توفي سنة ثلاث وأربعين ومائتين. انظر: "الجرح والتعديل" 2/ 273، "تهذيب الكمال" 5/ 548 - 552، "تهذيب التهذيب" 1/ 372، "الميزان" 1/ 472. (¬2) أي: سمعت أبا عثمان الحيري. (¬3) محمد بن أحمد بن يعقوب، أبو عبد الله الوزيري، حدث عن ثعلب وغيره، مات سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة. انظر: "تاريخ بغداد" 1/ 375. ومما يظهر أن الحيري قد عمَّر حيث توفي سنة سبع وعشرين وأربعمائة، ومحمد بن أحمد توفي سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة، أو كان بينهما واسطة. (¬4) هو أبو العباس أحمد بن يحيى المعروف بـ (ثعلب): تقدمت ترجمته. (¬5) عبد الملك بن مروان أحد خلفاء بني أمية، توفي سنة ست وثمانين. انظر ترجمته في: "طبقات ابن سعد" 5/ 223 - 235، "سير أعلام النبلاء" 4/ 246 - 249. (¬6) لم أجده عن عبد الملك بن مروان، وذكره ابن الأنباري في "إيضاح الوقف والابتداء" بسنده عن الكسائي عن ابن أبي الدنيا. "إيضاح الوقف والابتداء" 1/ 45، وبمعناه عن سلمة بن عبد الملك 1/ 47، والزجاجي في "الإيضاح في علل النحو" ص 95 عن الزجاج، عن المبرد، عن بعض السلف: عليكم بالعربية فإنها المروءة الظاهرة، وهي كلام الله عز وجل وأنبيائه وملائكته.

وقل من تقدم في علم من العلوم إلا بمعرفة الأدب، ومقاييس العربية، والنحو، وما حدثت البدع والأهواء المضلة إلا من الجهل بلغة العرب. سمعت الشيخ أحمد بن أبي منصور المقرئ (¬1) رحمه الله يقول: سمعت الحسن بن محمد المكتب (¬2) يقول: سمعت أبا علي الحسن بن أحمد الخياط (¬3) يقول: سمعت أبا نعيم عبد الملك بن محمد بن عدي (¬4) يقول: سمعت الربيع بن سليمان (¬5) يقول (¬6): سمعت الشافعي يقول: عامة من تزندق (¬7) بالعراق لجهلهم بالعربية ¬

_ (¬1) لم أعرفه. (¬2) لم أعرفه. (¬3) لم أعرفه. (¬4) الحافظ الحجة، أبو نعيم الجرجاني، الاستراباذي، سمع من جماعة منهم الربيع بن سليمان. قال الحاكم: كان من أئمة المسلمين، وقال الخطيب: كان أحد الأئمة ومن الحفاظ لشرائع الدين مع صدق وتيقظ وورع. توفي في آخر سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة. انظر: "تاريخ بغداد" 10/ 428، "طبقات الشافعية الكبرى" 3/ 335، "تذكرة الحفاظ" 3/ 816. (¬5) الربيع بن سليمان المرادي، مولاهم، المصري المؤذن، صاحب الشافعي، وراوية كتبه عنه، روى عن جماعة منهم ابن وهب، وعنه جماعة منهم أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وأبو نعيم عبد الملك الجرجاني، قال النسائي: لا بأس به، وقال ابن يونس: كان ثقة، وقال ابن أبي حاتم: صدوق ثقة، وسئل عنه أبو حاتم فقال: صدوق، مات سنة سبع ومائتين. انظر: "طبقات الشافعية الكبرى" 2/ 132، "تهذيب التهذيب" 1/ 593. (¬6) (يقول): ساقط من (أ)، (ج). (¬7) الزنديق: يطلقه أكثر العلماء على من بدل دينه أو أحدث فيه، وقد سمى الإمام أحمد القائلين بتناقض القرآن (زنادقة): وألف رسالة أسماها: "الرد على الزنادقة والجهمية". وقالوا: إنها ليست من كلام العرب، وإنما هي فارسي معرب. انظر: "تهذيب اللغة" (زندق) 2/ 1563، "اللسان" (زندق) 3/ 1871.

ولغات العرب (¬1). وقرأت على الأستاذ سعيد بن محمد المقرئ (¬2) فقلت: حدثكم طلحة بن محمد الشاهد (¬3) ببغداد (¬4)، قال: سمعت أبا بكر بن دريد (¬5)، قال: قال ابن أخي الأصمعي (¬6): عن الأصمعي (¬7): تعلموا النحو، فإن بني إسرائيل كفرت ¬

_ (¬1) ذكر الرازي في "الزينة" 1/ 17 عن أبي عبيد، سمعت الأصمعي، سمعت الخليل، سمعت أيوب السختياني، يقول: عامة من تزندق بالعراق لقلة علمهم بالعربية. (¬2) هو أبو عثمان سعيد بن محمد الحيري المقرئ، أحد شيوخ الواحدي. (¬3) طلحة بن محمد بن جعفر الشاهد، أبو القاسم، حدث عن جماعة، منهم محمد بن العباس اليزيدي، وأبو القاسم البغوي، وأبو بكر بن مجاهد، وغيرهم، حدث عنه الأزهري، وأبو محمد الخلال وغيرهما، كان سيئ الحال في الحديث، وكان يذهب إلى الاعتزال ويدعو إليه، قال الأزهري: ضعيف في روايته ومذهبه، مات سنة ثمانين وثلاثمائة. انظر: "تاريخ بغداد" 9/ 351، "معرفة القراء الكبار" 1/ 344 (¬4) في (ض): (بغداد). (¬5) هو أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد الأزدي، صاحب كتاب "الجمهرة"، كان من أكابر علماء العربية، وكان شاعرًا، من ذلك مقصورته المشهورة، أخذ عن أبي حاتم، والرياشي، وعبد الرحمن بن أخي الأصمعي، قال الدارقطني: تكلموا فيه. توفي سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة. انظر: "تاريخ بغداد" 2/ 195، "نزهة الألباء" ص 191 - 194، "وفيات الأعيان" 4/ 323 - 329. (¬6) هو عبد الرحمن بن عبد الله ابن أخي الأصمعي، يكنى: أبا محمد، وقيل: يكنى أبا الحسن، روى عن عمه، وكان إذا أكثر أنكر عليه، وربما كذبه. انظر: "طبقات النحويين" للزبيدي ص 180، "إنباه الرواة" 2/ 161. (¬7) هو عبد الملك بن قريب بن علي بن أصمع الباهلي، صاحب النحو واللغة والغريب والأخبار، وكان عالما بالشعر، صدوقا في الحديث، أخذ عن عبد الله بن عوف، وشعبة، وحماد بن سلمة، والخليل. أخذ عنه ابن أخيه عبد الرحمن، وأبو عبيد بن =

بكلمة، قال الله لعيسى: (أنت نبيِّي وأنا ولَّدتك) فخففوها (¬1). ولئن استغنى علم عن الأدب، [فمن ضرورة التفسير وعلم القرآن الأدب] (¬2) ومعرفة اللغة العربية، ولا تكاد تجد ذلك متأتيا لمن لم يمرن عليها، ولم يتدرب (¬3) بها. ولقد سمعت أحمد بن محمد بن إبراهيم (¬4)، يقول: سمعت الحسن بن محمد (¬5)، يقول: سمعت أبا عبد الله (¬6) الميداني (¬7) الخطيب بزوزن (¬8) يقول: سمعت محمد بن جمعة الحافظ (¬9) يقول: سمعت يحيى بن سليمان بن نضلة ¬

_ = القاسم، وأبو حاتم، وغيرهم، وثقه ابن معين والشافعي، توفي سنة ست عشرة ومائتين، وعمره إحدى وتسعين. انظر: "طبقات النحويين" للزبيدي ص 167 - 174، "نزهة الألباء" ص 90 - 100، "وفيات الأعيان" 3/ 170 - 176. (¬1) ذكره الحافظ ابن حبان البستي، ولفظه قال: سمعت إسحاق بن إبراهيم القاضي يقول: سمعت ابن أخي الأصمعي يقول: سمعت عمي يقول: تعلموا النحو فإن بني إسرائيل كفروا بكلمة واحدة كانت مشددة فخففوها قال: (يا عيسى إني ولَّدْتك): فقرأوا (يا عيسى إني وَلَدْتُك): مخففًا فكفروا. "روضة العقلاء ونزهة الفضلاء" ص 268. (¬2) ما بين المعقوفين ساقط من (ب). (¬3) (يتدرب): غير واضحة في (ب). (¬4) هو شيخه (الثعلبي) انظر ترجمته في شيوخ المصنف. (¬5) هو الحسن بن محمد بن الحسن بن حبيب، سبقت ترجمته. (¬6) في (ج): (عبد الرحمن). (¬7) لم أعرفه. (¬8) (زوزن): بضم أوله وقد يفتح، كورة واسعة بين نيسابور وهراة، ويحسبونها في أعمال نيسابور، كانت تعرف بالبصرة الصغرى، لكثرة من أخرجت من الفضلاء وأهل العلم. "معجم البلدان" 3/ 158. و (كورة): كل صقع يشمل عدة قرى، ولابد لتلك القرى من قصبة أو مدينة أو نهر يجمع اسمها. "معجم البلدان" لياقوت 1/ 36. (¬9) لم أعرفه.

المديني (¬1) يقول: سمعت مالك بن أنس يقول: لا أوتى برجل غير عالم (¬2) بلغات العرب يفسر كتاب الله إلا جعلته نكالا (¬3). وكيف يتأتى لمن جهل لسان العرب أن يعرف تفسير كتاب جعل معجزة في فصاحة ألفاظه، وبعد أغراضه لخاتم النبيين وسيد المرسلين - صلى الله عليه وسلم - وعلى آله الطيبين في زمان أهله يتحلون بالفصاحة، ويتحدون بحسن الخطاب وشرف العبارة، وإن مثل من طلب ذلك مثل من شهد الهيجاء بلا سلاح، ورام أن يصعد الهواء (¬4) بلا جناح. ثم وإن طال تأمله مصنفات المفسرين، وتتبعه أقوال أهل التفسير من المتقدمين والمتأخرين، فوقف على معاني ما أودعوه كتبهم، وعرف ألفاظهم التي عبروا بها عن معاني القرآن، لم يكن إلا مقلدا (¬5) لهم فيما حكوه، وعارفًا معاني قول مجاهد، ومقاتل، وقتادة (¬6)، والسدي (¬7)، وغيرهم ¬

_ (¬1) يحيى بن سليمان بن نضلة الخزاعي المدني، روى عن مالك، وسليمان بن بلال وغيرهما، قال ابن خراش: لا يسوى شيئًا، وقال ابن أبي حاتم: كتب عنه أبي وسألته عنه، فقال: شيخ حدث أياما ثم توفي. انظر: "الجرح والتعديل" 9/ 154، "الميزان" 6/ 57. (¬2) (عالم): مكرر في (ب). (¬3) ذكره الزركشي في "البرهان" عن يحيى بن سليمان بن نضلة عن مالك، 1/ 292. (¬4) في (ب): (السماء). (¬5) في (أ)، (ج): (مخلدا)، وأثبت ما في (ب): لأنه الصحيح. (¬6) قتادة بن دعامة السدوسي البصري، كان ضريرا، اشتهر بالحفظ، أثنى عليه الأئمة كأحمد بن حنبل، ومعمر، والزهري وغيرهم، مات بواسط بالطاعون سنة ثماني عشرة ومائة، وقيل: سنة سبع عشرة. انظر ترجمته في: "الجرح والتعديل" 7/ 133، "تذكرة الحفاظ" 1/ 122، "الميزان" 4/ 305، "طبقات المفسرين" للداودي 2/ 47 - 48. (¬7) إسماعيل بن أبي كريمة السدي، وهو المعروف بالسدي الكبير، قرشي بالولاء، (السدي): بضم السين، نسبة إلى السدة، وهي الباب، لأنه كان يجلس إلى سدة =

دون معنى قول الله عز وجل. ألا ترى أن واحدا ممن لم يتدرب بلغة العرب لو سمع قول امرئ القيس (¬1): دِيمةٌ هَطْلاَءُ فِيهَا وَطَفٌ ... طَبَقُ الأَرْضِ تَحَرَّى وَتَدُرّ (¬2) فسأل عن معناه، فقيل له: إنه يصف مطرا سحابه (¬3) هاطل، كان عارفا معنى هذا البيت من طريق التقليد، ولا يكون عارفًا معنى قول امرئ القيس ما ¬

_ = الجامع بالكوفة، وهو تابعي سمع أنسا، وثقه أحمد وضعفه بعضهم كابن معين، ومال أحمد شاكر في "حاشية الطبري": إلى توثيقه، مات سنة سبع وعشرين ومائة، وقيل: سنة تسع وعشرين. انظر: "تهذيب الكمال" 3/ 132 - 138، "الجرح والتعديل" 2/ 184، "طبقات المفسرين" 1/ 110، "حاشية الطبري" 1/ 157 (ط. شاكر). هذا هو السدي الكبير، أما السدي الصغير فهو محمد بن مروان، متروك الحديث، ضعفه كثير من الأئمة، انظر ترجمته في: "الميزان" 5/ 157، "طبقات المفسرين" 2/ 255، 265. (¬1) هو امرؤ القيس بن حجر بن الحارث، الشاعر الجاهلي المشهور، يقال له: (ذو القُرُوح)، و (المَلِك الضِّلِّيل)، يُعَدُّ شيخ الشعراء وأميرهم في الجاهلية، ومن الطبقة الأولى من شعرائهم الفحول. انظر: "طبقات فحول الشعراء" 1/ 51، "الشعر والشعراء" ص 49، "الخزانة" 1/ 329، "شرح شواهد المغني" 1/ 21. (¬2) (الديمة) المطر الدائم، (هطلاء) كثيرة المطر، (الوطف) الدنو من الأرض. (طبق الأرض): أي تطبق الأرض وتعمها، (تحرى): تتعمد المكان وتثبت فيه، (تدر) يكثر مطرها. ورد البيت في "تهذيب اللغة" في مواضع (هطل) 4/ 3769، و (طبق) 3/ 2164، "وطف" 4/ 3911، و (دام) 2/ 1135، "الصحاح" (طبق) 4/ 1512، و (هطل) 5/ 1850، "اللسان" (وطف) 8/ 4868، و (طبق) 5/ 2637، و (هطل) 8/ 4675، (دوم) 3/ 1457، و"ديوان امرئ القيس" ص 78. (¬3) في (ب): (سحابة).

لم يعرف تفسير كل حرف على حدته، وما وضع له ذلك اللفظ. وكذلك قوله: وَمَا ذَرَفَتْ عَيْنَاكِ إلَّا لِتَضرِبِي ... بِسَهْمَيْكِ فِي أَعْشَارِ قَلْبٍ مُقَتَّلِ (¬1) معنى هذا البيت أنه يقول لامرأة: ما بكيت إلى لتأخذي بمجامع قلبي، فمن (¬2) عرف هذا فقد عرف معنى البيت، لكنه إنما عرفه من قول من عبر عن مراد الشاعر بهذا لا من قول الشاعر. ودون أن تعرف وضع ألفاظه، والمراد بكل حرف منه: خرط القتاد (¬3). وعلى هذا النحو جميع كلام العرب، مثل قولهم: (أبى الحقين العذرة) (¬4) يضرب لمن يعتذر، وظاهر حاله يكذبه، ومعرفة هذا المعنى لا ¬

_ (¬1) (ذرفت) دمعت، (الأعشار): القطع والكسور، يقول: ما بكيت إلا لتجرحي قلبا مكسرا، ولم تبكي لأنك مظلومة، واختار الأزهري في معنى البيت ما ذكره أحمد بن يحيى، وهو: أن المراد (بسهميك) سهمي قداح الميسر، ويكون المعنى: أنها ضربت بسهامها على قلبه فخرج لها السهمان المعلى والرقيب، إذا فاز الرجل بهما غلب على الجزور كلها، فهي غلبته على قلبه كله. ورد البيت في "التهذيب" (عشر) 3/ 2447، و (قتل) 3/ 2884، "معجم مقاييس اللغة" (عشر) 4/ 326، و (قتل) 5/ 57، "المخصص" 5/ 53، "مجمل اللغة" (عشر) 3/ 670، و (قتل) 3/ 743، "شرح القصائد المشهورات" للنحاس ص 16، "اللسان" (قتل) 6/ 3530، "ديوان امرئ القيس" ص 114. (¬2) في (ب): (لمن). (¬3) في المثل (دونه خرط القتاد): والقتاد شجر له شوك، والخرط: أن تمر يدك على القتادة من أعلاها إلى أسفلها حتى ينثر شوكها، والمثل يضرب للأمر الشاق. انظر: "المستقصى في أمثال العرب" 2/ 82، و 3/ 342 (قتد). (¬4) الحقين: اللبن المحقون، العذرة: العذر. المثل في قوم اعتذروا إلى ضيف ولهم لبن، فقال: لا يسوغ اللبن معذرتكم. وقيل: المثل في رجل حقن إهالة (الودك المذاب) وزعم لضيف أنها سمن، فلما صبها جعل يعتذر فقال الضيف: أبي الحقين العذرة. =

تفيدك معرفة هذِه (¬1) الألفاظ. وكقولهم (¬2): (فلان لا يقعقع (¬3) له بالشنان (¬4) ولا تقرع (¬5) له العصا (¬6) و (أنا جذيلها المحكك) (¬7) في أمثال لهذا كثيرة. وكذلك آيات القرآن التي (¬8) فسرها الصحابة والتابعون، إنما فسروها بذكر معناها المقصود، كقوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ ¬

_ = والمثل يضرب لمن يعتذر وليس له عذر. انظر: "جمهرة الأمثال" لأبي هلال رقم المثل (12)، 1/ 28، "المستقصى في أمثال العرب" للزمخشري 1/ 31 رقم (92)، "مجمع الأمثال" للميداني 1/ 69 رقم (160). (¬1) في (ب): (بهذِه). (¬2) في (ب): (لقولهم). (¬3) في (ج): (قعقع). (¬4) في (ب): (باللسان). (¬5) في جميع النسخ (تقزع): وهو تصحيف. (¬6) قوله: (لا يقعقع له بالشنان): يضرب للرجل الشهم الصعب، أي لا يهدد ولا يفزع، وقد تمثل به الحجاج على منبر الكوفة، و (الشنان): جمع شن وهي القربة اليابسة، و (القعقعة): صوت الشيء الصلب على مثله. انظر: "جمهرة الأمثال" 2/ 412، "المستقصى" 2/ 274، "الصحاح" (شنن) 5/ 2146، "اللسان" (شنن) 4/ 2344. وقوله: (ولا تقرع له العصا): قال في "مجمع الأمثال" 2/ 241: (لا تقرع له العصا، ولا تقلقل له الحصا): يضرب للمحنك المجرب، وانظر: "تهذيب اللغة" (قرع) 3/ 2938، "اللسان" (قرع) 6/ 3595. (¬7) ورد نص المثل في كتب الأمثال: (أنا جذيلها المحكك، وعذيقها المرجب). الجذيل: تصغير (الجذل)، وهو خشبة تحتك بها الإبل الجربى، والعذيق: تصغير (العذق): بفتح العين وهو النخلة، والمرجب: الذي جعل له ما يعتمد عليه، وهذا تصغير لتفخيم وتلطيف المحل. والمثل يضرب للمستشفى برأيه. وقد قاله الحباب بن المنذر بن الجموح الأنصاري يوم السقيفة عند بيعة أبي بكر رضي الله عنه. انظر: "مجمع الأمثال" 1/ 52 رقم (125)، "المستقصى" 1/ 377 رقم (1618). (¬8) في (ج): (الذي).

بِالْإِثْمِ} [البقرة: 206] قال قتادة: إذا قيل له: مهلًا مهلًا (¬1)، ازداد إقدامًا على المعصية (¬2). فمن أين لك أن تعرف هذا (¬3) المعنى من لفظ الآية؟ إلى بعد الجهد وطول التفكر. وكذلك قوله: {إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ} [آل عمران: 175]. قال السدي: يعظم أولياءه في صدوركم (¬4). فانظر، هل يمكنك أن تفرغ هذا المعنى في قالب (¬5) هذِه الألفاظ إلى بعد التعب في معرفة ما ذكره أرباب النحو؟ وكذلك قوله: {وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا (71)} [الفرقان: 71] تدبر هل تعرف صحة هذِه الألفاظ واستواء نظمها مما ذكره المفسرون؟ وهل يحسن أن يقال: من قام فإنه يقوم، ومن ركب فإنه يركب (¬6)؟ وعلى هذا ¬

_ (¬1) (مهلا): ساقطة من (ب). (¬2) ذكره المؤلف في "الوسيط" 1/ 303، و"تفسير القرطبي" 3/ 19، ولم أجده في غيرهما عن قتادة فيما اطلعت عليه، والله أعلم. (¬3) في (ب): (بهذا). (¬4) ذكره الطبري في "تفسيره" 4/ 184، والبغوي 2/ 139، ونحوه في "تفسير القرطبي" عن ابن عباس وذكر عن السدي قولا آخر 4/ 282. (¬5) في (ج): (قال). (¬6) لا يحسن أن يقال: من قام فإنه يقوم، لأنه تكرار لا معنى له. انظر: "تفسير القرطبي" 13/ 79. أما الآية فقد ذكر المفسرون في معنى التوبة في الآية الثانية أقوالا منها: قال ابن عباس: من آمن من أهل مكة ولم يكن قتل وزنى .. فهي توبة عن غير الذنوب المذكورة في الآية، من القتل والزنى، وقيل. الأولى فيمن تاب من المشركين، والثانية فيمن تاب من المسلمين، وقيل: المراد تأكيد أن التوبة لا تنفع إلا بالعمل الصالح، فيتوب متابا، أي: حق التوبة، وقيل: من صدقت توبته يوفقه الله للاستمرار عليها، وفي الآية أقوال أخرى. انظر: "تفسير البغوي" 19/ 97 - 98، "زاد المسير" 8/ 106، "تفسير القرطبي" 13/ 79.

أكثر آيات القرآن وكلام العرب. وإنما ذكرت هذِه الأمثلة لتعرف أن من تأمل مصنفات المفسرين، ووقف على معاني أقوالهم، لم يقف على معاني كلام الله دون الوقوف على أصول اللغة والنحو. والمعنيون (¬1) بالتصنيف في هذا العلم طبقات: فالصحابة الذين نزل فيهم القرآن شاهدوا التنزيل، وعرفوا التأويل؛ لأنهم أهل اللغة الذين نشأوا عليها كما وصفناهم قبل. وأما التابعون والسلف الصالحون فإنهم لم يتصنعوا في جمع ما جمعوا، ولم يتكلفوا في تتبع الخفايا من الزوايا. وأرباب المعاني (¬2) اقتصروا على الإعراب، وبيان نهج الخطاب. وللمتأخرين مراتب ودرجات، وأغراض في التصنيف متفاوتات، والاشتغال بما يعنينا أولى من بيان درجتهم، والكشف عن نقصهم ومزيتهم (¬3)، وقل من تراه يعنى بسوق اللفظ على التفسير، وإفراغه في قوالب المعاني، حتى يأتي به متسقا من غير ترجح، ومطردا من غير تخاذل (¬4). وعلى هذا فلم يبقوا في القوس منزعًا (¬5)، ولم يترك الأول للآخر شيئًا، ¬

_ (¬1) في (ب): (المعتنون). (¬2) يريد المتكلمين على المعاني من جهة اللغة والنحو، كالفراء والزجاج والأخفش في كتبهم في معاني القرآن وغيرهم، قال في "البرهان": (قال ابن الصلاح: وحيث رأيت في كتب التفسير: قال أهل المعاني فالمراد به مصنفو الكتب في معاني القرآن كالزجاج ومن قبله .. وفي بعض كلام الواحدي: أكثر أهل المعاني: الفراء والزجاج وابن الأنباري قالوا كذا). "البرهان" 2/ 146 - 147، "الإتقان" 4/ 243، وانظر: "الوسيط" و"حاشيته" 1/ 65. (¬3) في (ب): (ومرتبتهم). (¬4) في (ب): (تجادل). (¬5) لعله يقصد بهذا السابقين دون المتأخرين، وبه يزول ما قد يوحي به ظاهر سياق العبارة من تناقض.

غير أن المتأخر بلطيف حيلته (¬1)، ودقيق (¬2) فطنته، يلتقط الدرر ويجمع الغرر، فينظمها كالعقد على صدر الكعاب (¬3)، يروق المتأملين (¬4)، ويؤنق الناظرين (¬5)، فيستحق به في الأولى حمد الحامدين، وفي العقبى ثواب رب العالمين. وأظنني لم آل جهدًا في إحكام أصول هذا العلم، على حسب ما يليق بزماننا هذا، ويسعه سنو عمري على قلة أعدادها، فقد وفق الله تعالى وله الحمد، حتى اقتبست كل ما احتجت إليه في هذا الباب من مظانه، وأخذته من (¬6) معادنه. أما (اللغة): فقد درستها على الشيخ أبي الفضل أحمد بن محمد بن عبدالله بن يوسف العروضي (¬7) (¬8) رحمه الله، وكان قد خنق التسعين (¬9) في خدمة الأدب، وأدرك المشايخ الكبار، وقرأ عليهم وروى عنهم كأبي منصور الأزهري (¬10)، روى عنه كتاب "التهذيب" (¬11) وغيره من الكتب، وأدرك أبا ¬

_ (¬1) في (ب): (جبلته). (¬2) في (ج): (رقيق). (¬3) الكاعب: الجارية إذا نهد ثديها، وجمعها كواعب، كما قال الله تعالى: {وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا} [النبأ: 33] وعن ثعلب: كعاب. انظر: "اللسان" (كعب) 7/ 3888. (¬4) الروق: الإعجاب، أي: يعجب المتأملين. انظر: "تهذيب اللغة" (راق) 2/ 1329، "اللسان" (روق): 3/ 1780. (¬5) الأنق: الإعجاب بالشيء، قد آنقني الشيء ويؤنقني إيناقًا، وإنه لأنيق مؤنق، لكل شيء أعجبك حسنه. "تهذيب اللغة" (أنق) 1/ 219، "اللسان" (أنق) 1/ 153. (¬6) في (ب): (في). (¬7) في (ج): (المعروضي). (¬8) سبقت ترجمته مع شيوخ الواحدي. (¬9) (خنق التسعين): كاد يبلغها، انظر: "القاموس المحيط" (خنق): ص 881. (¬10) سبقت ترجمته عند الحديث عن مصادر الواحدي في "البسيط". (¬11) هو كتاب "تهذيب اللغة" للأزهري، سبق ذكره في مصادر الواحدي في "البسيط".

العباس العامري، وأبا القاسم الأسدي (¬1)، وأبا نصر طاهر بن محمد الوزيري، وأبا الحسين (¬2) الرخجي (¬3)، وهؤلاء كانوا فرسان البلاغة وأئمة اللغة. وسمع أبا العباس الأصم (¬4)، وروى عنه، واستخلفه الأستاذ أبو بكر ¬

_ (¬1) هو عبد الرحمن بن الحسن بن أحمد بن عبيد، أبو القاسم الأسدي، من أهل همذان، تكلموا فيه، قال الخطيب البغدادي: قال صالح: سمعت القاسم بن أبي صالح. نص عليه بالكذب مع دخوله في أعمال الظلمة، توفي سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة. انظر: "تاريخ بغداد" 10/ 292، "سير أعلام النبلاء" 16/ 15، "ميزان الاعتدال" 3/ 270. (¬2) في (أ): (الحسن)، وفي (ب)، (ج): محتملة والتصحيح حسب ما في "يتيمة الدهر" 4/ 479، "الأنساب" 6/ 98. (¬3) في (ب): (الراحمي). وهو أبو الحسين عيسى بن حامد بن بشر بن عيسى الرخجي، القاضي، يعرف بابن بنت القنبيطي، سمع من جماعة، منهم: محمد بن جرير الطبري، توفي في ذي الحجة سنة ثمان وستين وثلاثمائة، و (الرخجي): بضم الراء وفتح الخاء المعجمة المشددة وفي آخرها الجيم نسبة إلى (الرخجية): قرية قريبة من بغداد، وقيل: إن المذكور ينسب لقبيلة يقال لها: (الرخج): والأول أقرب. انظر: "يتيمة الدهر" 4/ 479، "تاريخ بغداد" 11/ 178، "الأنساب" 6/ 98. (¬4) هو الإمام المحدث محمد بن يعقوب بن يوسف بن معقل بن سنان، الأموي مولاهم، أبو العباس، النيسابوري، الأصم، أصابه الصمم بعد رحلته ثم استحكم حتى كان لا يسمع نهيق الحمار، رحل مع أبيه إلى الآفاق، سمع العدد الكبير من العلماء، طال عمره، وبعد صيته، وتزاحم عليه الطلبة، لم يختلف في صدقه وصحة سماعاته، توفي في الثالث والعشرين من ربيع الآخر سنة ست وأربعين وثلاثمائة. انظر: "الأنساب" 1/ 294، "سير أعلام النبلاء" 15/ 452 - 460، "تذكرة الحفاظ" 3/ 860 - 864، "العبر" 2/ 74 - 75.

الخوارزمي (¬1) على درسه عند (¬2) غيبته. وله المصنفات الكبار، والاستدراكات على الفحول من علماء اللغة والنحو. وكنت قد لازمته سنين، أدخل عليه عند طلوع الشمس، وأخرج لغروبها، أسمع، وأقرأ، وأعلق، وأحفظ، وأبحث، وأذاكر أصحابه ما بين طرفي النهار، وقرأت عليه الكثير من الدواوين، وكتب اللغة، حتى عاتبني شيخي رحمه الله يوما من الأيام وقال: إنك لم تبق ديوانا من الشعر إلا قضيت حقه، أما آن لك أن تتفرغ لتفسير كتاب الله العزيز؟! يقرؤه علي هذا الرجل الذي يأتيه البعداء من أقاصي البلاد، وتتركه أنت على قرب ما بيننا من الجوار، يعني: الأستاذ الإمام (أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي) رحمه الله. فقلت: يا أبت إنما أتدرج بهذا إلى ذلك الذي تريد، وإذا لم أحكم الأدب بجد وتعب، لم أرم في غرض التفسير عن كثب، ثم لم أغبَّ (¬3) زيارته يومًا من الأيام إلى أن حال بيننا قدر الحمام. وأما (النحو) فإني لما كنت في مَيْعَةِ (¬4) صباي، وشَرْخِ شبيبتي (¬5)، وقعت ¬

_ (¬1) هو أبو بكر محمد بن العباس الخوارزمي، شاعر أديب، كان أوحد عصره في حفظ اللغة والشعر، رحل إلى عدة بلاد واستوطن نيسابور، توفي سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة. انظر: "يتيمة الدهر" 4/ 223 - 276، "الأنساب" 5/ 194، "بغية الوعاة" 1/ 125. (¬2) (عند): ساقط من (ب). (¬3) الغب: من ورد الماء، أن تشرب يوما، وتدع يوما، ومن الحمى أن تأخذ يوما وتدع يوما، والمراد: لم أترك زيارته يوما من الأيام. انظر: "اللسان" (غبب) 6/ 3204. (¬4) ميعة الشباب أوله وأنشطه. انظر: "تهذيب اللغة" (ماع) 4/ 3327، "اللسان" (ميع) 7/ 4309. (¬5) شرخ الشباب قوته ونضارته. انظر: "الصحاح" (شرخ) 1/ 424، "اللسان" (شرخ) 4/ 2229.

إلى الشيخ: (أبي الحسن علي بن محمد بن إبراهيم الضرير (¬1)) رحمه الله، وكان من أبرع أهل زمانه في لطائف النحو وغوامضه، وأعلمهم بمضايق (¬2) طوق العربية ودقائقها، ولعله تفرس فيَّ، وتوسم (¬3) أثر الخير لدي، فتجرد (¬4) لتخريجي، وصرف وكده (¬5) إلى تأديبي، ولم يذخر (¬6) عني شيئا من مكنون ما عنده، حتى استأثرني بأفلاذه (¬7)، وسعدت به أفضل ما سعد تلميذ بأستاذه. وقرأت عليه جوامع النحو والتصريف والمعاني، وعلقت عنه قريبًا من مائة جزء في المسائل المشكلة، وسمعت منه (¬8) أكثر مصنفاته، في النحو والعروض والعلل، وخصني بكتابه الكبير في علل القراءات المرتبة في كتاب "الغاية" لابن (¬9) مهران. ¬

_ (¬1) سبقت ترجمته مع شيوخ الواحدي. (¬2) في (ب): (بمضاق). (¬3) (وتوسم): ساقط من (ب). (¬4) في (ب): (متجرد). (¬5) في (ب): (فكره). (وكده)، أي قصده. قال في "تهذيب اللغة" وكد فلان أمره يكده وكدا إذا مارسه وقصده. "التهذيب" (وكد) 4/ 3943. وانظر: "الصحاح" (وكد) 2/ 553، "اللسان" (وكد): 3/ 467. (¬6) ذخر الشيء يذخره ذخرا: اختاره لنفسه وأبقاه لوقت الحاجة، انظر: "اللسان" (ذخر) 3/ 1490، "المعجم الوسيط" (ذخر): 1/ 309. (¬7) في (ب): (بأولاده). الأفلاذ جمع، مفرده: فلذة، والمراد: لب الشيء وخالصه، كما في الحديث في أشراط الساعة: "تلقي الأرض بأفلاذها" المراد: كنوزها، وفي قصة بدر: هذِه قريش قد رمتكم بأفلاذ كبدها أي صميم قريش ولبها وأشرافها. انظر: "تهذيب اللغة" (فلذ) 3/ 2827، "اللسان" (فلذ) 6/ 3460. (¬8) في (ب): (عنه). (¬9) كتاب "الغاية في القراءات العشر" لأبي بكر الحسين بن مهران النيسابوري ت 381 هـ جمع فيه القراءات العشر، مع ذكر قراءة اختيارية انفرد بها عن سهل بن محمد أبي حاتم السجستاني، وذكر في مقدمة كتابه أسانيده لكل قراءة، طبع الكتاب بتحقيق =

ثم ورد علينا الشيخ الإمام أبو الحسن عمران بن موسى المغربي المالكي (¬1)، وكان واحد عصره، وباقعة (¬2) دهره (¬3) في علم النحو، لم يلحق أحد ممن سمعنا شأوه في معرفة الإعراب، ولقد صحبته مدة مقامه عندنا، حتى استنزفت غرر (¬4) ما عنده. وأما (القرآن وقراءات أهل الأمصار واختيارات الأئمة)، فإني اختلفت (¬5) أولا إلى الأستاذ (أبي القاسم علي بن أحمد البستي (¬6)) رحمه الله، وقرأت عليه القرآن ختمات كثيرة لا تحصى، حتى قرأت عليه أكثر طريقة الأستاذ (أبي بكر أحمد بن الحسين بن مهران (¬7)) رحمه الله. ثم ذهبت إلى الإمامين (أبي عثمان سعيد بن محمد الحيري) و (أبي ¬

_ = (محمد غياث الجنباز). وله شروح منها: شرح لأبي الحسين علي بن محمد بن إبراهيم القهندزي، له نسخة مخطوطة بالتيمورية (1/ 282) الموجود نصف الكتاب، ولعل هذا الشرح هو المراد بقوله: كتابه الكبير في علل القراءات، ولم يذكر أحد ممن ترجم للقهندزي أن له كتابا باسم "علل القراءات". (¬1) سبقت ترجمته مع شيوخ الواحدي. (¬2) الباقعة: الرجل الداهية. انظر: "تهذيب اللغة" (بقع) 1/ 285. (¬3) في (ب): (واحد دهره وباقعة عصره). (¬4) من (ب): وفي غيرها: (غزر). (¬5) يقال: اختلف إلى المكان إذا تردد. "المعجم الوسيط" (خلف) 1/ 251. (¬6) سبقت ترجمته مع شيوخ الواحدي. (¬7) هو أحمد بن الحسين بن مهران النيسابوري المقرئ، له عدة كتب في القراءات، وفي بعض علوم القرآن، من أشهرها كتاب "الغاية" الذي سبق ذكره، توفي سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة. انظر ترجمته في "معجم الأدباء" 1/ 344 - 346، "معرفة القراء الكبار" 1/ 347، "غاية النهاية" 1/ 49، "العبر" 2/ 157.

الحسن علي بن محمد الفارسي) (¬1) -رحمهما الله-، وكانا قد انتهت إليهما الرئاسة في هذا العلم، وأشير إليهما بالأصابع في علو السن، ورؤية المشايخ، وكثرة التلامذة، وغزارة العلوم وارتفاع الأسانيد، والوثوق فيها، فقرأت عليهما، وأخذت من كل واحد منهما حظا وافرا بعون الله وحسن توفيقه. وقرأت على الأستاذ (سعيد) مصنفات ابن مهران (¬2)، وروى لنا كتب أبي ¬

_ (¬1) سبقت ترجمته مع شيوخ الواحدي. (¬2) لابن مهران مصنفات كثيرة أغلبها في القراءات وعلوم القرآن منها: 1 - "الغاية في القراءات العشر". 2 - "المبسوط في القراءات العشر". 3 - "القراءات السبع". 4 - "قراءة أبي عمرو". 5 - "غرائب القرآن". 6 - "وقوف القرآن". 7 - "الانفراد". 8 - "شرح المعجم". 9 - "شرح التحقيق". 10 - "اختلاف عدد السور". 11 - "رءوس الآيات". 12 - "الوقف والابتداء". 13 - "قراءة عبد الله بن عمر". 14 - "علل كتاب المبسوط". 15 - "آيات القرآن". 16 - "الاتفاق والانفراد". 17 - "المقطع والمبادئ".

علي (¬1) الفسوي (¬2) عنه. ¬

_ 18 - "الشامل في القراءات". 19 - "سجود القرآن". 20 - "طبقات القراء". انظر: "معجم الأدباء" 1/ 345، "تاريخ التراث" لسزكين 1/ 46، "معرفة القراء الكبار" 1/ 347 - 348، "كشف الظنون" 2/ 1025، "الأعلام" للزركلي 1/ 115، "معجم المؤلفين" 1/ 130. (¬1) (علي): ساقط من (ب). (¬2) هو أبو علي الفارسي سبقت ترجمته، أما كتبه فذكر له ياقوت في "معجم الأدباء" ستة وعشرين كتابا منها: 1 - "كتاب الإيضاح". 2 - "التكملة". 3 - "الحجة". 4 - "المسائل الحلبيات". 5 - "المسائل البغدادية". 6 - "المسائل الشيرازنة". 7 - "المسائل القصرية". 8 - "المسائل المنثورة". 9 - "المسائل الدمشقية". 10 - "المسائل البصريات". 11 - "المسائل المشكلة". 12 - "المسائل الكرمانية". 13 - "الإيضاح الشعري". 14 - "الإيضاح النحوي". وغيرها. وقد ذكر الدكتور (حسن شاذلي فرهود): أن لأبي علي ثلاثة وثلاثين مصنفا، انظر مقدمة تحقيق كتاب "التكملة" ص 3.

وقرأت عليه بلفظي كتاب الزجاج في المعاني (¬1) روايته عن ابن مقسم (¬2) عنه، وسمع بقراءتي الخلق الكثير. ثم فرغت للأستاذ الإمام "أبي إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي" رحمه الله، وكان حبر العلماء بل بحرهم، ونجم الفضلاء (¬3) بل (¬4) بدرهم، وزين الأئمة بل فخرهم، وأوحد الأمة بل صدرهم، وله التفسير الملقب بـ"الكشف والبيان عن تفسير القرآن" (¬5)، الذي رفعت به المطايا في السهل والأوعار، وسارت به الفلك في البحار، وهبت هبوب الريح في الأقطار: وسار مسير الشمس في كل بلدة ... وهب هبوب الريح في البر والبحر (¬6) وأصفقت (¬7) عليه كافة الأمة على اختلاف نحلهم، وأقروا له بالفضيلة في تصنيفه ما لم يسبق إلى مثله، فمن أدركه وصحبه علم أنه كان منقطع ¬

_ (¬1) هو أبو إسحاق إبراهيم بن السري الزجاج، سبق ذكره عند الحديث عن مصادر الواحدي في "البسيط"، وكتابه في (المعاني): وهو "معاني القرآن وإعرابه" وهو أشهر كتب الزجاج، اعتمد عليه الواحدي في كتابه "البسيط"، انظر مصادر الواحدي. (¬2) هو محمد بن الحسن بن يعقوب بن مقسم البغدادي العطار، تقدمت ترجمته. (¬3) في (ب): (الفضائل). (¬4) (بل): سقط من (ب). (¬5) وهو "تفسير الثعلبي" المشهور، أحد مصادر الواحدي الهامة كما سبق، ولم يكن قد طُبع بعد عند إعداد عدد من الرسائل المشاركة في تحقيق هذا التفسير. (¬6) لم أجده. (¬7) اجتمعت على الاعتراف بفضله، يقال: أصفق القوم على كذا: أطبقوا عليه واجتمعوا. انظر: "تهذيب اللغة" (صفق) 2/ 2029، "اللسان" (صفق) 4/ 2463.

القرين، ومن لم يدركه فلينظر في مصنفاته؛ ليستدل بها على أنه كان بحرًا (¬1) لا ينزف، وغمرًا (¬2) لا يسبر (¬3). وقرأت عليه من مصنفاته أكثر من خمسمائة جزء، وتفسيره الكبير، وكتابه المعنون بـ"الكامل في علم القرآن" (¬4) وغيرهما. ولو أثبت (¬5) المشايخ الذين أدركتهم، واقتبست عنهم هذا العلم، من مشايخ (نيسابور) وسائر البلاد التي (¬6) وطئتها، طال الخطب ومل الناظر. وقد استخرت الله العظيم في جمع كتاب أرجو أن يمدني الله فيه بتوفيقه وحسن تيسيره، حتى أبرزه كالقمر انجاب سحابه، والزلال صفا (¬7) متنه (¬8) واطرد (¬9) حبابه (¬10)، يؤدي إلى المتأمل (¬11) نضرة الكلم (¬12) العذاب، ورونق ¬

_ (¬1) في (ب): (بحر). (¬2) في (ب): (غمر). في "تهذيب اللغة" (الغمر) الماء الكثير، ويقال: رجل غمر الخلق، أي: واسع الخلق، وهو غمر الرداء: إذا كان كثير المعروف واسعه. "تهذيب اللغة" (غمر) 3/ 2693، "اللسان" (غمر) 6/ 3293. (¬3) في (ب): (يسير). كان الواحدي شديد الإعجاب بشيخه فبالغ في وصفه. انظر ما سبق عند الحديث عن شيوخه، وكذا في مصادره في "البسيط". (¬4) لم أجد أحدصا ممن ترجم للثعلبي ذكر هذا الكتاب، ولعله فيما ضاع من التراث. (¬5) في (ب): (أتيت). (¬6) في (ج): (الذي). (¬7) في (ب): (والزلال صفائه واطراد ..). (¬8) متن كل شيء ما ظهر منه. انظر: "تهذيب اللغة" 4/ 3338، "اللسان" (من) 7/ 4130. (¬9) اطرد: تتابع. انظر: "التهذيب" (طرد) 3/ 2175، "اللسان" (طرد) 5/ 2651. (¬10) حبابه: نفاخاته وفقاقيعه التي تطفو كأنها القوارير، أو الطرائق التي في الماء، كأنها الوشي، وهو الموج يتبع بعضه بعضا. انظر: "تهذيب اللغة" (حب) 1/ 716، "اللسان" (حبب) 2/ 742. (¬11) في (ب): (التأمل). (¬12) (الكلم): جمع كلمة. انظر: "اللسان" (كلم) 7/ 3921.

الذهب المذاب، سالك نهج الإعجاز في الإيجاز، مشتمل على ما نقمت (¬1) على غيري إهماله، ونعيت عليه إغفاله، خال عما يكسب المستفيد ملالة، ويتصور (¬2) عند المتصفح إطالة، لا يدع لمن تأمله حازة (¬3) في صدره حتى يخرجه من ظلمة الريب والتخمين (¬4)، إلى نور العلم وثلج (¬5) اليقين، هذا بعد أن يكون المتأمل مرتاضًا في صنعة الأدب والنحو، مهتديا بطرق الحجاج، قارحا (¬6) في سلوك المنهاج. فأما الجذع (¬7) المزجى (¬8) من المقتبسين، والريض (¬9) ¬

_ (¬1) قال الجوهري: نقصت على الرجل أنقم بالكسر: إذا عتبت عليه، وقال الكسائي: ونقمت: بالكسر، لغة. ونقمت الأمر ونقمته: إذا كرهته. انظر: "الصحاح" (نقم) 5/ 2045، "اللسان" (نقم) 8/ 4531. (¬2) في (ب): (ويتصفح). (¬3) في (ب): (حارة)، وكذا ورد في "معجم الأدباء" 12/ 268 فيما نقله من مقدمة "البسيط" للواحدي، و (الحزازة) وجع في القلب من غيظ ونحوه، ويقال: (حزاز) بالتشديد والمراد كل ما حز في القلب وحك. انظر: "التهذيب" (حز) 1/ 802، "اللسان" (حزز) 2/ 856، وحارة الصدر ما يحصل فيه من الحرارة من العطش والحزن والهم. انظر: "اللسان" (حرر) 2/ 827، فاللفظان متقاربان في المعنى. (¬4) في (ب): (التحمير). (¬5) ثلج النفس: اطمئنانها. انظر: "التهذيب" (ثلج) 1/ 500. (¬6) القرح: هو الذي نبت نابه، والمراد قوي واشتد. انظر: "تهذيب اللغة" (قرح) 3/ 2918، "اللسان" (قرح) 6/ 3571. (¬7) الجذع من الدواب والأنعام: قبل أن يثني بسنة، ويختلف في أسنان الإبل والخيل والبقر والشاء. والمراد: حدث السن الذي في أول إدراكه. "تهذيب اللغة" (جذع) 1/ 566. (¬8) (المزجى) القليل غير التام، انظر: "اللسان" (زجى) 2/ 1511، والمراد الناشئ المبتدئ قليل البضاعة في العلم. وقد جاءت الكلمة في "معجم الأدباء" (المرخى) 12/ 269، والمراد ليس به قوة. (¬9) (الريض): من الدواب الذي لم يقبل الرياضة ولم يمهر السير، ولم يذل لراكبه فهي لم تذلل بعد، وكذا غلام ريض، والمراد المبتدئ، الذي لم يتمرن بعد. انظر: "التهذيب" (راض): 2/ 1319، "اللسان" (روض) 32/ 1775.

الكز (¬1) من المبتدئين فإنه مع هذا الكتاب كمزاول (¬2) غلقا ضاع عنه المفتاح، ومتخبط في ظلماء ليل خانه المصباح: يحاول فتق غيم وهو يأبى (¬3) ... كعنين يريد نكاح بكر (¬4) وأبتدئ في كل آية عند التفسير بقول ابن عباس ما وجدت له نصًّا (¬5)، ثم بقول من هو قدوة في هذا العلم من الصحابة وأتباعهم، مع التوفيق بين قولهم ولفظ الآية. فأما الأقوال الفاسدة والتفسير المرذول الذي لا يحتمله اللفظ ولا تساعده العبارة فمما لم أعبأ به، ولم أضيع الوقت بذكره. وذكرت وجوه القراءات السبع التي اجتمع عليها أهل (¬6) الأمصار، دون تسمية القراء (¬7)، واعتمدت في أكثرها على كتاب أبي علي الحسن بن أحمد الفارسي (¬8) الذي رواه لنا سعيد بن محمد الحيري (¬9) عنه. ¬

_ (¬1) من الكزازة وهي اليبس والصلابة، والمراد أنه لم يتدرب ولم يلن بعد. انظر: "التهذيب" (كز) 4/ 3138، "اللسان" (كزز) 7/ 3869. (¬2) في (ج): (كمزوال). (¬3) في (ب): (يأتي). (¬4) لم أجده. (¬5) سبق بيان منهجه في "البسيط" ص 116. وفيه أنه يبدأ أولا بشرح الكلمات وبيان أصولها واشتقاقها في اللغة، ويذكر الأوجه النحوية، ثم يدخل في تفسير الآية قائلا: أما التفسير، فيبدأ بذكر قول ابن عباس في الغالب، وقد يذكر قول غيره قبله. (¬6) (أهل): ساقط من (ب). (¬7) وقد يسمي القراء. انظر منهجه في "ذكر القراءات". (¬8) هو كتاب "الحجة" لأبي علي الفارسي، وقد اعتمد عليه كثيرا، فهو أحد مصادره الهامة. انظر ما سبق في مصادر الواحدي. (¬9) في (ج) (الجيري): بالجيم. والصحيح بالحاء أحد شيوخه كما سبق.

وكل ينفق مما رزقه الله، ويعمل على مقدار ما وفقه الله، ومتى يبلغ ضعف (¬1) سعينا وقاصر جهدنا نهاية ما لا (¬2) يتناهى؟ وهذا سهل بن عبد الله (¬3) يقول: لو أعطي العبد بكل حرف من القرآن ألف فهم لم يبلغ نهاية ما أودع الله في آية من كتابه؛ لأنه كلام الله، وكلامه صفته، وكما أن ليس لله نهاية، فكذلك لا نهاية لفهم كلامه، وإنما يفهم كل بمقدار ما يفتح الله على قلبه. وكلام الله غير مخلوق، ولا يبلغ إلى نهاية فهمه فهوم محدثة مخلوقة. ثم إن هذا الكتاب عجالة الوقت وقبسة العجلان، وتذكرة يستصحبها المرء حيثما حل وارتحل، وإن أُنسئ الأجل وأُرخي الطِّوَل (¬4)، وأنظرني الليل والنهار، حتى يتلفع بالمشيب العذار (¬5)، أردفته بكتاب (أنضجه) (¬6) بنار الروية، وأردده ¬

_ (¬1) في (ج): (ومتى يبلغ سعى ضعف سعينا ..). (¬2) في (ب): (ما لم). (¬3) هو أبو محمد سهل بن عبد الله بن يونس التستري، أحد أئمة الصوفية، لقي ذا النون المصري، توفي سنة ثلاث وثمانين ومائتين، وقيل: سنة ثلاث وسبعين ومائتين. انظر: "طبقات الصوفية" للسلمي ص 206، "حلية الأولياء" 10/ 189، "وفيات الأعيان" 2/ 429، "البداية والنهاية" 11/ 74. (¬4) الطول: هو الحبل الطويل جدا، ويطلق على الحبل الذي يطول للدابة فترعى فيه. قال طرفة: لعمرك إن الموت ما أخطأ الفتى ... لكالطول المرخي وثنياه باليد والمراد: أخر العمر ومد فيه. انظر: "تهذيب اللغة" (طال) 3/ 2156، "اللسان" (طول) 5/ 2725. (¬5) قال الأزهري: يقال: تلفع الرجل بالمشيب إذا شمله الشيب. "تهذيب اللغة" (لفع): 4/ 3280، وانظر: "المخصص" لابن سيده 15/ 77. و (العذار) عذار الرجل: شعره النابت في موضع العذار، والعذاران: جانبا اللحية؛ لأن ذلك موضع العذار من الدابة. انظر: "اللسان" (عذر) 5/ 2854. (¬6) في (ب): (أفصحه).

على راووق (¬1) الفكرة، وأضمنه عجائب ما كتبته ولطائف ما جمعته (¬2). وعلى الله (¬3) المعول في تيسير ما رمت، وله الحمد كلما قعدت أو قمت. [والله الموفق للصواب] (¬4). * * * ¬

_ (¬1) في "التهذيب" عن أبي عبيد: الراووق: المصفاة، وعن الليث: ناجود الشراب الذي يروق به فيصفى "التهذيب" 2/ 1328، انظر: "اللسان" (روق) 3/ 1779، وفي "معجم الأدباء": (رواق الفكرة). (¬2) هل ألف هذا الكتاب؟ وما هو؟. لقد انتهى الواحدي من تأليف "البسيط" سنة ست وأربعين وأربعمائة، ثم ألف بعده "الوسيط" فهل هو المراد؟ أو كتاب غيره ألفه ولم يصل إلينا، وأنه كان يرغب ذلك ولم يتحقق له. الله أعلم. (¬3) (الله): لفظ الجلالة غير موجود في (ب). (¬4) ما بين المعقوفين زيادة من (ب).

سورة الفاتحة

سورة الفاتحة

1

فاتحة الكتاب قوله عز وجل (¬1): {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} اختلفت عبارة النحويين في تسمية هذِه الباء الجارة، فسموها مرة: حرف إلصاق، ومرة: حرف استعانة، ومرة: حرف إضافة، وكل هذا صحيح من قولهم (¬2). أما الإلصاق: فنحو قولك: تمسكت بزيد، وذلك أنك ألصقت محل قدرتك به، وبما اتصل به، فقد صح إذن معنى الإلصاق (¬3). وأما الاستعانة: فقولك: ضربت بالسيف، وكتبت بالقلم، وبريت بالمدية، أي: استعنت بهذِه الأدوات على هذِه الأفعال. وأما الإضافة: فقولك: مررت بزيد، أضفت مرورك إلى زيد بالباء (¬4). وأما قول النحويين (¬5): (الباء والكاف واللام الزوائد) فإنما قالوا فيهن: ¬

_ (¬1) قوله (عز وجل) ساقط من (ج). (¬2) نقل الواحدي الكلام عن (الباء) من كتاب "سر صناعة الإعراب" لأبي الفتح ابن جني 1/ 122 بالنص في الغالب، وقد يتصرف بالعبارة أحيانا. وللباء معان كثيرة أوصلها المزني إلى واحد وعشرين معنى. انظر: "الحروف" للمزني ص 54، "حروف المعاني" للزجاجي ص 47، 86، 87، "مغني اللبيب" 1/ 101، "البحر المحيط" 1/ 14. (¬3) "سر صناعة الإعراب" 1/ 123، وفيه (ألصقت محل قدرتك أو ما اتصل بمحل قدرتك به أو بما اتصل به ..). وسمى سيبويه هذا المعنى: إلزاقا واختلاطا "الكتاب" 4/ 217، قال ابن هشام: وهو معنى لا يفارقها، ولهذا لم يذكر سيبويه غيره. "مغني اللبيب" 1/ 101، ولكن نجد سيبويه ذكر معنى الإضافة في "الكتاب" 1/ 421. (¬4) "سر صناعة الإعراب" 1/ 123، انظر: "الكتاب" 1/ 121، "المقتضب" 1/ 177، "مغني اللبيب" 1/ 101، "البحر المحيط" 1/ 14. (¬5) "سر صناعة الإعراب" 1/ 120.

إنهن زوائد، لأنهن لما كن على حرف واحد، وقللن غاية القلة، واختلطن بما بعدهن خشي عليهن لقلتهن وامتزاجهن بما يدخلن عليه أن يظن بهن أنهن بعضه وأحد أجزائه، فوسموهن بالزيادة، ليعلموا (¬1) من حالهن أنهن لسن من أنفس ما وصلن به. ألا ترى أن (اليوم تنساه) لا باء فيه، ولا كاف (¬2). وحذاق النحويين لا يسمونها زوائد، بل يقولون في الباء واللام: إنهما حرفا إضافة (¬3)، وفي الكاف يقولون: حرف جر (¬4). وهذِه حروف أدوات عاملة (¬5)، تجر ما تدخل عليه من الأسماء نحو: من وعن وفي (¬6). ¬

_ (¬1) في (ب): (لتعلموا). (¬2) (اليوم تنساه) جملة يستعملها النحويون تجمع الحروف الزوائد وهي عشرة حروف، والمراد أن (الباء) و (الكاف) ليستا من الحروف الزوائد. انظر: "سر صناعة الإعراب" 1/ 120، "التبصرة والتذكرة" للصيمري 2/ 788. (¬3) عند أبي الفتح: (فأما حذاق أصحابنا فلا يسمونها بذلك، يقولون في الباء واللام أنهما حرفا إضافة). "سر صناعة الإعراب" 1/ 121، وهذا قول سيبويه. انظر: "الكتاب" 1/ 421، وانظر: "المقتضب" 1/ 183، 4/ 136 - 143، ووسمها ابن هشام في "مغني اللبيب" بالزيادة 1/ 106. (¬4) انظر: "الكتاب" 4/ 217، "المقتضب" 4/ 140، "مغني اللبيب" 1/ 176 - 179. (¬5) في (ب): (عاملات). (¬6) قوله: (وهذِه حروف أدوات ..) ليس من كلام أبي الفتح والنص في "سر صناعة الإعراب": (وهذا موضع لابد فيه من ذكر العلة التي لها صارت حروف الإضافة هذِه جارة .. إلى أن قال: إنما جرت الأسماء ..) 1/ 123. وعن عمل حروف الجر، وهل هي حروف أو أسماء؟. انظر: "الكتاب" 1/ 419 - 420، "المقتضب" 4/ 136، "الأصول في النحو" لابن السراج 1/ 408. قال الصيمري في "التبصرة والتذكرة": الحروف تنقسم قسمين: أحدهما يستعمل حرفا وغير حرف، والآخر يكون حرفا لا غير. فأما=

وإنما جرت (¬1) الأسماء من قبل أن الأفعال التي قبلها ضعفت عن وصولها وإفضائها إلى الأسماء التي بعدها نحو قولك: (عجبت، ومررت، وذهبت) لو قلت: عجبت زيدًا، ومررت جعفرًا، وذهبت محمدًا، لم يجز كما بجوز ضربت زيدًا؛ لضعف هذِه الأفعال في العرف (¬2) والعادة (¬3) والاستعمال، فلما قصرت هذِه الأفعال عن الوصول إلى الأسماء رفدت بحرف الإضافة، فجعلت موصلة (¬4) لها إليها، فقالوا: عجبت من زيد، ونظرت إلى محمد (¬5)، فلما احتاجت هذِه الأفعال إلى هذِه الحروف لتوصلها إلى بعض الأسماء جعلت تلك الحروف جارة، وأعملت هي في الأسماء (¬6). ولم يفض إلى الأسماء النصب الذي يأتي من الأفعال؛ لأنهم أرادوا أن يجعلوا بين الفعل الواصل بنفسه وبين الفعل الواصل بغيره فرقًا، ولما هجروا لفظ النصب لما ذكرنا، لم يبق إلى الرفع والجر. فأما الرفع فقد استولى عليه ¬

_ = ما يستعمل حرفا وغير حرف فنحو (على) و (عن) و (كاف التشبيه) و (منذ) و (مذ) فهذِه تكون حروفا في حال، وأسماء في أخرى .. وأما ما لا يستعمل إلا حرفا في هذا الباب: فالباء الزائدة .. واللام الزائدة .. و (من) و (إلى) و (في) و (رب) و (حتى) إذا كانت غاية. "التبصرة والتذكرة" 1/ 282 - 285. (¬1) في (ج): (وإنما تدخل جرت). (¬2) في (ج): (القرن). (¬3) في (أ)، (ج): (في الاستعمال) وفي "سر صناعة الإعراب" (لضعف هذِه الأفعال في العرف والعاة والاستعمال عن إفضائها إلى هذِه الأسماء ..) 1/ 124. (¬4) في (ج): (موصولة). (¬5) في "سر صناعة الإعراب": (نظرت إلى عمرو) 1/ 124. (¬6) هذا مذهب البصريين في سبب تسميتها حروف جر، أما الكوفيون فيسمونها حروف خفض، قالوا: لانخفاض الحنك الأسفل عند النطق به، انظر: "الإيضاح في علل النحو" ص 93.

الفاعل، فلم يبق إذا غير الجر، فعدلوا إليه ضرورة (¬1) [و] (¬2) الجار والمجرور جميعا في موضع نصب (¬3)، ألا ترى أنهم عطفوا عليه بالنصب (¬4) فقالوا: مررت بزيد ومحمدا، ونظرت إلى عمرو وخالدا، وعلى هذا (¬5) ما أنشده سيبويه: مُعَاويَ إِنَّناَ بَشَرٌ فَأَسْجِحْ ... فَلَسْنَا بِالجِبَالِ ولَا الحَدِيدَا (¬6) ¬

_ (¬1) من "سر صناعة الإعراب" 1/ 124، 125، مع اختصار بعض الجمل. (¬2) الواو ساقطة من (ب). (¬3) "سر صناعة الإعراب" 1/ 130، وانظر: "المقتضب" 4/ 33، قال النحاس عند قوله {بسم الله}: (موضع الباء وما بعدها عند الفراء نصب، وعند البصريين رفع، وقال الكسائي: الباء لا موضع لها من الإعراب). "إعراب القرآن" 1/ 116، وانظر: "مشكل إعراب القرآن" 1/ 6، "إملاء ما من به الرحمن" 1/ 4. (¬4) هذا أحد وجهين ذكرهما أبو الفتح للدلالة على صحة دعوى أن الفعل إذا أوصله حرف جر إلى الاسم، فإن الجار والمجرور في موضع نصب بالفعل الذي قبلهما. "سر صناعة الإعراب" 1/ 130. (¬5) (على هذا) مكرر في (ب). (¬6) البيت لـ (عقيبة الأسدي) ونسبه بعضهم لعبد الله بن الزبير، ومعنى (أسجح) سهل علينا حتى نصبر، فلسنا بجبال ولا حديد. والبيت من شواهد سيبويه، استشهد به في مواضع من كتابه 1/ 67، 2/ 291، 2/ 344، 3/ 91، وورد في "المقتضب" 2/ 337، 4/ 112، 4/ 371، "جمل الزجاجي" ص 54، "شرح أبيات سيبويه" للسيرافي 1/ 22، 300، "مغني اللبيب" 2/ 477، "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 440، "الإنصاف" ص 284، "شرح المفصل" 2/ 109، 4/ 9. والشاهد فيه: نصب الحديد، وعطفه على موضع الباء، وقد أنكر بعضهم على سيبويه استشهاده بالبيت، ورووه مجرورًا، ورد ذلك السيرافي وقال: إن البيت جاء بروايتين. انظر: "شرح أبيات سيبويه" للسيرافي 1/ 22، 300، "الخزانة" 2/ 260 - 264.

عطف الحديد على موضع بالجبال (¬1)، ولهذا قال سيبويه: (إنك إذا قلت: مررت بزيد [فكأنك قلت: مررت زيدا) (¬2)، تريد (¬3) بذلك أنه لولا الباء الجارة لانتصب زيد، وعلى ذلك أجازوا مررت بزيد] (¬4) الظريفَ، تنصبه على موضع (بزيد) (¬5). (وجميع (¬6) الحروف المفردة التي تقع في أوائل الكلم حكمها الفتح أبدًا. نحو (واو) العطف و (فائه) و (همزة) الاستفهام و (لام) الابتداء. فأما (الباء) في (بزيد) فإنما كسرت لمضارعتها (اللام) الجارة (¬7) في قولك: (المال لزيد) وسنذكر العلة في كسر اللام في قوله {الْحَمْدُ لِلَّهِ} [الفاتحة: 2] إن شاء الله (¬8) ووجه المضارعة بينهما اجتماعهما في الجر ولزوم كل واحد منهما الحرفية (¬9)، وليست كذلك (كاف التشبيه)؛ لأنها قد تكون ¬

_ (¬1) في (ب): (الجبال). (¬2) انظر: "الكتاب" 1/ 92، والنص من "سر صناعة الإعراب" 1/ 131. (¬3) في "سر صناعة الإعراب" (يريد) وهذا أقرب، فأبو الفتح يقول: يريد سيبويه. (¬4) ما بين المعقوفين ساقط من (ج). (¬5) بنصه من "سر صناعة الإعراب" 1/ 144. (¬6) بنصه عن أبي الفتح من "سر صناعة الإعراب" 1/ 144. (¬7) قال الثعلبي العلة في كسرها أن (الباء) حرف ناقص ممال، والإمالة من دلائل الكسرة. "تفسير الثعلبي" 1/ 15. (¬8) في "سر صناعة الإعراب" وسنذكر العلة في كسر (اللام) في موضعها ... ، 1/ 144، وقد تكلم الواحدي عن العلة في كسر (اللام) عند الكلام عن اللام الجارة في لفظ الجلالة في قوله {الْحَمْدُ لِلَّهِ} ونقل في ذلك عن أبي الفتح ابن جني. (¬9) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 3، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 116، "تفسير الثعلبي" 1/ 15/ ب، "المشكل" لمكي 1/ 5، "الكشاف" 1/ 23.

اسما في بعض المواضع). فأما المتعلق به (الباء) في قوله {بِسْمِ اللَّهِ} فإنه محذوف، ويستغنى عن إظهارها لدلالة الحال عليه، وهو معنى الابتداء، كأنه قيل (بدأت بسم الله) (¬1) (وأبدأ بسم الله) والحال تبين أنك مبتدئ فاستغنيت عن ذكره (¬2). وحذفت الألف من بسم الله؛ لأنها وقعت (¬3) في موضع معروف، لا يجهل القارئ معناها، فاستخف طرحها؛ لأن من شأن العرب الإيجاز إذا عرف المعنى، وأثبتت في قوله {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} [الواقعة: 74، 96، الحاقة: 52] لأن هذا لا يكثر كثرة (بسم الله) ألا ترى أنك تقول: (بسم الله) عند ابتداء كل شيء (¬4). ولا تحذف الألف إذا أضيف (الاسم) إلى غير (¬5) الله، ولا مع غير الباء من الحروف، فتقول: لاسم الله حلاوة في القلوب، وليس اسم كاسم الله، فتثبت الألف مع اللام والكاف (¬6). هذا في سقوطها في الكتابة، وأما سقوطها ¬

_ (¬1) في (ب): (إعراب باسم بالله). (¬2) قال الطبري: أغنت دلالة ما ظهر من قول القائل: (بسم الله)، على ما بطن من مراده الذي هو محذوف. ومفهوم أنه مريد بذلك: (أقرأ بسم الله الرحمن الرحيم). "تفسير الطبري" 1/ 50، وانظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 1، "الوسيط" للواحدي 1/ 14، "الكشاف" 1/ 26، "لباب التفسير" للكرماني 1/ 26 (رسالة دكتوراه). (¬3) في (ب): (وقفت). (¬4) أخذه عن "معاني القرآن" للفراء، مع اختلاف يسير في اللفظ ص 36، وانظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 117، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 3. (¬5) في (ص): (لغير). (¬6) "معاني القرآن" للفراء 1/ 2، وانظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 3، "المشكل" لمكي 1/ 5، "تفسير ابن عطية" 1/ 84، "الكشاف" 1/ 35.

في اللفظ، فلأنها (¬1) للوصل، وقد استغنى عنها بالباء (¬2). فأما معنى: (الاسم) واشتقاقه ومأخذه من اللغة، فقد كثر فيها الاختلاف، فقال (¬3) نحويو (¬4) الكوفة: (الاسم) مشتق من السمة، وهي العلامة، كالعدة والزنة من (الوزن) و (الوعد)، كذلك (السمة) من (الوسم) (¬5)، ومن هذا قال أبو العباس (ثعلب): الاسم وسم وسمة توضع على الشيء يعرف به (¬6). وقال مشيخة البصرة: (الاسم) مشتق من السمو، لأنه يعلو المسمى، فالاسم: ما علا وظهر (¬7)، فصار علما للدلالة على ما تحته من المعنى (¬8). وقال بعضهم: العلة في اشتقاقه من السمو أن الكلام ثلاثة: اسم ¬

_ (¬1) في (ب): (ولا منها). (¬2) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 1، وانظر: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 147، "إعراب القرآن" للنحاس 117. (¬3) في (ب): (فقالوا). (¬4) (نحويو) مكانها بياض في (ب). (¬5) حذفت فاؤه اعتلالا على غير قياس، والأصل في اسم (وسم) فحذفت الفاء التي هي (الواو) من (وسم). انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 2، "تفسير ابن عطية" 1/ 84، "الإنصاف في مسائل الخلاف" ص 4، "البيان في غريب إعراب القرآن" 1/ 32، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 6. (¬6) انظر: "تهذيب اللغة"، وفيه (الاسم رسم وسمة ..)، (سما) 2/ 1748، "اللسان" (سما) 4/ 2109، "الإنصاف" ص 4. (¬7) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 2، "تهذيب اللغة" للأزهري (سما) 2/ 1748، "اشتقاق أسماء الله" للزجاجي ص 255، "الإنصاف" ص 5، "تفسير ابن عطية" 1/ 84، "الكشاف" 1/ 34، 35، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 6. (¬8) هذا قول الزجاج، وفيه إشارة إلى أن الاسم هو المسمى، انظر: "معاني القرآن" 1/ 2، "الإنصاف" ص 5.

وفعل وحرف، فالاسم يصح أن يكون خبرا ويخبر عنه، والفعل يكون خبرا ولا يخبر عنه، والحرف لا يكون خبرا ولا يخبر عنه، فلما كان للاسم مزية على النوعين الآخرين وجب أن يشتق مما (¬1) ينبئ عن هذِه المزية، فاشتق من السمو ليدل على علوه وارتفاعه (¬2). وعند المتكلمين أنه اشتق من السمو؛ لأنه سما عن حد العدم إلى الوجود (¬3). وقالوا: أصله سِمْو (¬4)، وجمعه (أسماء) مثل قنو وأقناء (¬5) وحنو وأحناء فحذفت الواو استثقالًا (¬6) (¬7)، ولم تحذف من نظائره؛ لأنها لم تكثر (¬8) كثرته، ثم سكنوا السين استخفافًا لكثرة ما تجري على لسانهم، واجتلبت ألف الوصل ليمكن الابتداء به، وكان هذا أخف عليهم من ترك الحرف متحركا، لأن الألف تسقط في الإدراج، وكان إثبات الحرف الذي يسقط كثيرا أخف من حركة السين التي (¬9) تلزم أبدا (¬10). ¬

_ (¬1) في (ب): (عما). (¬2) انظر: "الإيضاح في علل النحو" ص 49، "الإنصاف" ص 6. (¬3) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 16/ ب. (¬4) أو (سمو) بالضم. انظر: "المقتضب" 1/ 229، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 6. (¬5) في (ب): (فتو أفتاء). (¬6) في (ب): (استقلالا). (¬7) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 2، "اشتقاق أسماء الله" ص 255، "المنصف" 1/ 60. (¬8) في (ب): (تكن). (¬9) في (ب): (الذي). (¬10) انظر: "اشتقاق أسماء الله" ص 256، 257، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 117، "الكشاف" 1/ 34، قال الزمخشري: (ومنهم من لم يزدها، أي: الألف، واستغنى عنها بتحريك الساكن فقال: (سم) و (سم).

قالوا: و (¬1) لا يصح مذهب الكوفيين في هذا الحرف، لأنه لا يعرف شيء حذفت منه فاء الفعل، فدخلت عليه ألف الوصل كالعدة والزنة. وأيضا فلو كان من الوسم لكان تصغيره (وسيما)، كما يقول: (وعيدة) و (وصيلة) في تصغير: صلة وعدة (¬2). وأما معنى (الاسم) ففيه مذهبان (¬3): ¬

_ (¬1) (الواو) ساقطة من (ج). (¬2) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 2، "اشتقاق أسماء الله" ص 255 - 257، "المخصص" 17/ 134، "تفسير ابن عطية" 1/ 84، "الإنصاف" لابن الأنباري وقد ذكر خمسة وجوه في (بيان فساد مذهب الكوفيين) ص 4، "تهذيب اللغة" (سما) 2/ 1747. (¬3) ذكر الرازي وابن كثير فيه ثلاثة مذاهب وهي: 1 - الاسم نفس المسمى وغير التسمية. 2 - الاسم غير المسمى ونفس التسمية. 3 - الاسم غير المسمى وغير التسمية. "التفسير الكبير" للرازي 1/ 108، "تفسير ابن كثير" 1/ 20، وقد كثر الخوض في هذِه المسألة، وجعل بعضهم كثرة الحديث فيها من باب العبث الذي لا طائل تحته. انظر: "تفسير الرازي" 1/ 109. قال الطبري: (وليس هذا هو الموضع من مواضع الإكثار في الإبانة عن الاسم: أهو المسمى أم غيره، أم هو صفة له؟ فنطيل الكتابة، وإنما هذا موضع من مواضع الإنابة عن الاسم المضاف إلى الله، أهو اسم أم مصدر بمعنى التسمية؟ ..) ثم أخذ ابن جرير يرد على أبي عبيدة قوله: إن الاسم هو المسمى بتقريع مرير. وقد علق الأستاذ (محمود شاكر) على كلام الطبري بكلام جيد. انظر: "تفسير الطبري" 1/ 188 - 122. (تحقيق محمود شاكر) كما تكلم عن هذا ابن عطية في تفسير "المحرر الوجيز" 1/ 85. وقد أوضح العلامة ابن أبي العز في شرح "العقيدة الطحاوية" المنهج الصحيح في هذا حيث قال: قولهم: الاسم عين المسمى أو غيره؟ وطالما غلط كثير من الناس في ذلك، وجهلوا الصواب فيه، فالاسم يراد به المسمى تارة، ويراد به اللفظ الدال عليه أخرى، فإذا قلت: قال الله كذا، أو سمع الله لمن حمده، ونحو ذلك. فهذا المراد به المسمى=

أحدهما: أنه بمعنى التسمية (¬1)، وعلى هذا قول القائل: بسم الله: أي: بتسمية الله أفتتح تيمنا وتبركا. والثاني وهو الصحيح: أن الاسم هو المسمى (¬2) كقوله (¬3) تعالى: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} [النساء: 59] فلو كان الاسم غير المسمى وجب أن يكون المأمور بطاعته غير الله وغير الرسول، وإذا قال القائل: رأيت زيدا، وجب أن يكون لم ير شخص زيد. وسئل أحمد بن يحيى (¬4) عن الاسم أهو المسمى أو غيره؟ فقال: قال أبو عبيدة: الاسم هو المسمى (¬5)، وقال سيبويه: الاسم غير المسمى. قيل ¬

_ = نفسه، وإذا قلت: الله اسم عربي، والرحمن اسم عربي، والرحيم من أسماء الله تعالى ونحو ذلك، فالاسم ها هنا هو المراد لا المسمى، ولا يقال غيره، لما في لفظ الغير من الإجمال ..)، "شرح الطحاوية" ص 82. وقد ذكر ابن عطية في "تفسيره" أن مالكا رحمه الله سئل عن الاسم أهو المسمى؟ فقال: ليس به ولا غيره، قال ابن عطية: يريد دائما في كل موضع 1/ 89. (¬1) قال الرازي: قالت المعتزلة: الاسم غير المسمى ونفس التسمية، 1/ 108، وانظر: "تفسير ابن كثير" 1/ 20. (¬2) وبه أخذ شيخه الثعلبي في تفسيره "الكشف والبيان" 1/ 16/ أ، وقرره أبو عبيدة في "مجاز القرآن" 1/ 16، والزجاج في "معاني القرآن" 1/ 2. وقد رد الطبري هذا القول كما سبق، كما رد عليه ابن جني في كتابه "الخصائص" حيث أبان في (باب في إضافة الاسم إلى المسمى، والمسمى إلى الاسم) قال: (فيه دليل نحوي غير مدفوع يدل على فساد قول من ذهب إلى أن الاسم هو المسمى). "الخصائص" 3/ 24، والصحيح هنا أنه لا يقال: الاسم هو المسمى ولا غيره، بل قد يكون هو المسمى في موضع وغيره في موضع آخر، كما سبق في بيان كلام ابن أبي العز في "شرح الطحاولة". (¬3) في (ب): (لقوله). (¬4) المعروف بـ (ثعلب). (¬5) انظر: "مجاز القرآن" 1/ 16.

له: فما قولك؟ فقال: ليس لي فيه قول (¬1). وإذا كان الاسم هو المسمى فمعنى قول القائل: (بسم الله) أي بالله، ومعناه بالله أفعل، أي بتوفيقه، أو بالله تكونت الموجودات، أو ما أشبه هذا من الإضمار (¬2). وأدخل الاسم ليكون فرقا بين اليمين والتيمن (¬3). وأكثر ما يستعمل الاسم يستعمل بمعنى التسمية (¬4)، وإذا استعمل بمعنى التسمية فهو كلمة تدل على المعنى دلالة الإشارة دون دلالة الإفادة (¬5)، وذلك أنك إذا قلت: زيد (¬6)، فكأنك قلت: هذا، وإذا قلت: الرجل، فكأنك قلت: ذاك. ودلالة الإفادة هو ما أفاد السامع معنى، كقولك: قام وذهب (¬7)، ووزن (الاسم) يصلح أن يكون (فِعْل)، ويصلح فيه (فُعْل) (¬8) لأنهم أنشدوا: ¬

_ (¬1) ذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" (سما) 2/ 1747، "اللسان" 4/ 2107. (¬2) ذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" 1/ 16/ أ. (¬3) ذلك أن قولك (بالله) يمين، وقولك: (باسم الله) تيمن. انظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 16/ أ. (¬4) سبق قريبًا اختيار الواحدي أن الاسم هو المسمى وليس بمعنى التسمية. (¬5) قال ابن سيده في "المخصص": (والاسم كلمة تدل على المسمى دلالة الإشارة دون الإفادة .. الخ بنصه) 17/ 134. والإشارة عند الأصوليين: دلالة اللفظ على المعنى من غير سياق الكلام له مثل قوله تعالى: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 233] ففي قوله {له} إشارة إلى أن النسب للأب. انظر: "التعريفات" للجرجاني ص 27، "كشاف اصطلاحات الفنون" للتهانوي 1/ 750. (¬6) في (ب): (زيدًا). (¬7) في "المخصص" بعد هذا الكلام: (.. فأما الأول -يريد دلالة الإشارة- فإنما الغرض فيه أن تشير إليه ليتنبه عليه ..) 17/ 134. (¬8) انظر: "المقتضب" 1/ 229، "المخصص" 17/ 135.

باسم الذي في كل سورة سمه (¬1) بالكسر والضم وقوله (¬2): أما أصل هذِه الكلمة (¬3)، فقد حكى أصحاب سيبويه عنه فيه (¬4) قولين: أحدهما: قال: كان أصل هذا الاسم إلاها (¬5)، ففاؤها (همزة)، وعينها (لام)، و (الألف) ألف فعال الزائدة، واللام (هاء)، ثم حذف (الفاء) حذفا ¬

_ (¬1) أنشده أبو زيد. قال: قال رجل زعموا أنه من كلب: أَرْسَلَ فِيَهِا بَازِلا يُقرِّمه ... وَهْو بِهَا يَنْحو طَرِيقًا يَعْلَمْه باسم الذي في كل سورة سِمُهْ "نوادر أبي زيد" ص 461، 462. ومعنى الرجز: يقول أرسل الراعي في الإبل للضراب بعيرا في التاسعة من عمره محجوزًا عن العمل ليقوى على الضِرَاب، أرسله باسم الله الذي يُذكر اسمه في كل سورة. ورد البيت في "المقتضب" 1/ 229، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 1، "تهذيب اللغة" (سما) 2/ 1747، "المنصف" 1/ 16، "المخصص" 17/ 135، "الإنصاف" 1/ 12، "اللسان" (سما) 4/ 2107. (¬2) أي: قول الله عز وجل. (¬3) تكلم أبو علىِ الفارسي عن أصل لفظ الجلالة (الله) وأطال في كتابه "الإغفال" متعقبا الزجاج فيما ذكره في "معاني القرآن" ونقل عنه الواحدي ذلك مع تصرف يسير في العبارة، ولم يعزه له، ونقل كلام أبي علي ابن سيده في "المخصص" وعزاه له. "الإغفال" ص 4 - 49 (محقق رسالة ماجستير)، وانظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 5، "المخصص" 17/ 136 - 151. (¬4) في "الإغفال" ص 11: فقد حمله سيبويه على ضربين، "المخصص" 17/ 138، وذكر الزجاج فيه أربعة أقوال، أحدها: أنه غير مشتق، وعن الخليل: أن أصله (ولاه) من الوله والتحير، وقولان مثل قولي سيبويه. "اشتقاق أسماء الله" ص 23. (¬5) "الكتاب" 2/ 195.

لا على التخفيف القياسي في مثل قولك: (الخب) (¬1) في (الخبء)، و (ضو) في (ضَوْء)، لأنه لو كان كذلك (¬2) لما لزم أن يكون منها عوض؛ لأنها إذا حذفت على حد التخفيف كانت ملقاةً في اللفظ مبقاةً في النية، ومعاملةً معاملة المثبتة غير المحذوفة، يدلك على ذلك تركهم (الياء) مصححة في قولهم (جَيْأَل) (¬3) إذا خففوا قالوا: جَيَل، ولو كانت محذوفة في التقدير كما أنها محذوفة في اللفظ للزم قلب (الياء) (ألفا) ولما كانت (الياء) في نية السكون (¬4) لم تقلب. ويدل عليه (¬5) أيضًا تثبيتهم (¬6) (للواو) في (نُوْي) إذا خفف (نُؤي) (¬7)، ولولا نية الهمزة لقلبت (ياء) وأدغمت (¬8) كما فعل في (مَرْمِيٍّ) وبابه (¬9). وفي تعويضهم من همزة (إلاه) ما يدل على أن حذفها ليس على حد ¬

_ (¬1) في (ب)، (ج): (بالحاء) المهملة في الموضعين. و (الخبء) ما خبِّئ، سمي بالمصدر، انظر: "اللسان" (خبأ) 2/ 1085. (¬2) أي: على التخفيف القياسي، اختصر الواحدي كلام الفارسي، حيث افترض أن سائلا يسأل لماذا كان على هذا التقدير؟ ولم يكن على التخفيف، فأجاب عنه بما محصله ما ذكر. انظر: "الإغفال" ص 11. (¬3) (الجَيْأَل) الضبع. انظر: "معجم مقاييس اللغة" (جيل) 1/ 499. (¬4) أي على نية بقائها ساكنة كما كانت قبل التخفيف (جَيْأَل). (¬5) ترك بعض حجج الفارسي. انظر: "الإغفال" ص 12. (¬6) في "المخصص" (تبينهم) 17/ 138. (¬7) في (ج): (بدون همز). (¬8) في (ب): (أودعت). (¬9) في (ب): (ربابه) وباب مَرْمِي هو كل كلمة التقت فيها الواو والياء والأولى منهما ساكنة، تقلب فيها (الواو) (ياء) وتدغم في (الياء). انظر: "أوضح المسالك" ص 310.

القياس (¬1)، وذلك العوض هو (الألف واللام)، والدلالة على أنها عوض استجازتهم قطع الهمزة الموصولة الداخلة على (لام التعريف) في (القسم (¬2) و (النداء) مثل: أَفَأَللهِ لَتَفْعَلَنَّ، ويا أَللهُ اغفر لي (¬3). فلو كانت غير عوض لم تثبت كما لم تثبت في غير هذا الاسم، ولما اختص هذا الاسم بقطع الهمزة فيه عَلِمنا أن ذلك لمعنى ليس في غيره، وهو كونها عوضا من المحذوف الذي هو (الفاء). ألا ترى أنك إذا أثبت الهمزة في (الإله) لم تكن (الألف واللام) فيه على حدهما في قولنا: (الله) لأن قطع همزة الوصل لا يجوز في (الإله)، كما جاز في قولنا: (الله) لأنهما ليسا بعوض من شيء (¬4). القول الثاني: في أصل هذِه الكلمة: أن أصله (لَاهٌ) ووزنه على هذا (فَعْلٌ) (¬5) (اللام) فاء الفعل، و (الألف) منقلبة عن الحرف الذي هو العين، و (الهاء) لام، والذي دلّه (¬6) على ذلك قول بعضهم: (لَهْيَ أبوك) بمعنى: لله أبوك، قال سيبويه: فقلب العين وجعل اللام ساكنة، وهو (الهاء) (¬7) إذا صارت ¬

_ (¬1) أورد كلام أبي علي مختصرا. انظر: "الإغفال" ص 12، 13. (¬2) في (ج): (القيم). (¬3) انظر: "الكتاب" 2/ 195. (¬4) قوله: (ألا ترى .. إلى شيء) ورد في "الإغفال" في موضع آخر بعيدا عما قبله. وانظر: "الإغفال" ص 35، "المخصص" 17/ 146. (¬5) "الإغفال" ص 26، "المخصص" 17/ 143، "اشتقاق أسماء الله" ص 27. (¬6) أي سيبويه فهذا قوله الثاني، قال في "الإغفال": (فأما القول الآخر الذي قاله سيبويه في اسم الله تعالى فهو أن الاسم أصله (لاه) .. والذي دله على ذلك أن بعضهم يقول: (لَهْيَ أبوك)، ... "الإغفال" ص 26، وانظر: "الكتاب" 3/ 498. (¬7) في (ج): (الاها).

مكان العين، كما كانت العين ساكنة في (لاه) (¬1)، وترك آخر الاسم مفتوحًا كما تركوا آخر (أين) مفتوحًا (¬2)، وإنما فعلوا ذلك به حيث غيروه لكثرته في كلامهم، فغيروا إعرابه كما غيروه (¬3). فالألف -على هذا القول- في الاسم منقلبة عن (الياء) لظهورها في موضع (اللام) المقلوبة إلى موضع (العين) وهي في (¬4) القول الأول زائدة لفعال غير منقلبة عن شيء. واللفظتان على هذا مختلفتان، وان كان في كل واحدة منهما بعض حروف الأخرى (¬5). وحكى أبو بكر محمد بن السري (¬6) أن أبا العباس محمد بن يزيد، اختار القول الثاني (¬7) من القولين اللذين ذكرهما سيبويه. وأما اشتقاق هذا الاسم من اللغة فذهبت طائفة منهم الخليل (¬8)، وابن ¬

_ (¬1) قوله (لاه) زيادة ليست في "الإغفال" ولا في "الكتاب". (¬2) مبنية على الفتح، انظر: "المسائل الحلبيات" ص 103. (¬3) انتهى كلام سيبويه، "الكتاب" 3/ 498، "الإغفال" ص 26، "المخصص" 17/ 143، "المسائل الحلبيات" للفارسي ص101، "المسائل البصريات" للفارسي 2/ 909. (¬4) في (ب): (من). (¬5) انظر بقية كلام أبي علي الفارسي في "الإغفال" ص 26 وما بعدها. (¬6) في "الإغفال" (أبو بكر بن السراج) ص 34، وفي "المخصص" (أبو بكر) 17/ 145. وابن السراج: هو أبو بكر محمد بن السري بن السراج النحوي. (¬7) في (ب): (الأول) ولم يرد لفظ (الأول) أو (الثاني) في "الإغفال" وإنما فيه (اختار في هذا الاسم أن يكون أصله لاها ....) وهذا هو القول الثاني لسببويه. "الإغفال" ص 34، "المخصص" 17/ 145، وقد أورد المبرد في "المقتضب" القول الأول لسيبويه 4/ 240، وانظر: "اشتقاق أسماء الله" للزجاجي ص 25، "الخزانة" 2/ 266، 267. (¬8) هو أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد الفراهيدي، البصري، صاحب العربية والعروض (100 - 175 هـ). انظر ترجمته في: "معجم الأدباء" 3/ 300، "طبقات النحويين =

كيسان (¬1) وأبو بكر القفال (¬2)، والحسين (¬3) بن الفضل (¬4) إلى أنه ليس بمشتق، وأنه اسم تفرد به الباري سبحانه وتعالى، يجري في وصفه مجرى الأسماء الأعلام، لا يشركه فيه أحد، قال الله عز وجل: {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} [مريم: 65] (¬5) وأما الذين قالوا: إنه مشتق فاختلفوا، فذهب عُظْمُ أهل اللغة إلى أن معناه المستحق للعبادة، وذو العبادة الذي إليه تُوَجَّه، وبها يُقْصَد (¬6). ورُويَ عن ابن عباس أنه كان يقرأ (ويذرك وإِلاهَتَك) [الأعراف: 127] ¬

_ = واللغويين" للزبيدي ص 47، "إنباه الرواة" 1/ 376، "وفيات الأعيان" 2/ 244، ومقدمة "تهذيب اللغة" 1/ 32، "إشارة التعيين" ص 114. (¬1) هو أبو الحسين محمد بن أحمد بن كيسان، النحوي، كان يجمع بين المذهبين البصري والكوفي، وإلى مذهب البصريين أميل، توفي سنة تسع وتسعين ومائتين. انظر ترجمته في "طبقات النحويين" للزبيدي ص 139، "تاريخ بغداد" 1/ 335، "إنباه الرواة" 3/ 57. (¬2) هو محمد بن علي بن إسماعيل، أبو بكر الشاشي القفال، أحد أعلام المذهب الشافعي، يتكرر ذكره في التفسير والحديث والأصول والكلام، توفي سنة خمس وستين وثلاثمائة على الصحيح. انظر ترجمته في "الأنساب" 7/ 244، "وفيات الأعيان" 4/ 200، "طبقات الشافعية" لابن قاضي شهبة 1/ 148. (¬3) في (ب): (الحسن). (¬4) الحسين بن الفضل، هو أبو علي الحسين بن الفضل بن عمير البجَلِي الكوفي ثم النيسابوري، المفسر، توفي سنة اثنتين وثمانين ومائتين. انظر ترجمته في: "العبر" 1/ 406، "طبقات المفسرين" للداودي 1/ 159. (¬5) انظر: "تفسير أسماء الله" للزجاجي، وانظر: "اشتقاق اسماء الله" للزجاجي: ص 28 "تفسير الثعلبي" 1/ 18 أ "الزينة" 2/ 12. (¬6) انظر: "الإغفال" ص 5، "المخصص" 17/ 136، "تفسير الثعلبي" 1/ 18/ أ، "تفسير أسماء الله" ص 26، "اشتقاق أسماء الله" ص 3023، "تهذيب اللغة" (الله) 1/ 189.

قال معناه: عبادتك (¬1). وقال أبو زيد (¬2): تَأله الرجل إذا نسك (¬3)، وأنشد: سَبَّحْنَ واسْتَرْجَعْنَ (¬4) مِنْ تَأَلُّهِي (¬5) وقد سَمَّت (¬6) العرب الشمس لما عبدت (إِلاهَةَ)، و (الإلاهة) قال عتيبة بن الحارث اليربوعي (¬7): ¬

_ (¬1) أخرجه الطبري عن ابن عباس ومجاهد، من طرق، 1/ 84، 9/ 25 - 26، وذكره ابن خالويه في "الشواذ" ص 50، وابن جني في "المحتسب" وعزاه كذلك إلى علي وابن مسعود وأنس بن مالك وعلقمة الجحدري والتيمي وأبي طالوت وأبي رجاء، 1/ 256، والفارسي في "الإغفال" ص 5، وانظر: "المخصص" 17/ 136، "تفسير الماوردي" 2/ 248، "تهذيب اللغة" (الله) 1/ 190، "البحر" 4/ 367. (¬2) هو سعيد بن أوس بن ثابت، أبو زيد الأنصاري، صاحب النحو واللغة، مات سنة خمس عشرة ومائتين. انظر ترجمته في مقدمة "تهذيب اللغة" 1/ 34 - 35، "تاريخ بغداد" 9/ 77، "طبقات النحويين واللغويين" ص 165، "إنباه الرواة" 2/ 30. (¬3) "الإغفال" ص 6، "المخصص" 17/ 136. (¬4) في (ج): (استرحبن). (¬5) البيت لرؤبة وقبله: لله دَرُّ الغَانِيَاتِ المُدَّهِ. (المُدَّه) جمع مَادِه، بمعنى المادح، يقول: إن هؤلاء سبحن: وقلن إنا لله وإنا إليه راجعون، يقلنها حسرة كيف تنسك وهجر الدنيا. ورد البيت في "الطبري" 1/ 54، "الإغفال" ص 6، "المخصص" 17/ 136، "المحتسب" 1/ 256، "تفسير أسماء الله" للزجاج ص 26، "اشتقاق أسماء الله" ص 24، "التهذيب" (الله) 1/ 189، "شرح المفصل" 1/ 3، "زاد المسير" 1/ 9، وابن عطية 1/ 57، "تفسير الثعلبي" 1/ 18/ أ، "ديوان رؤبة" ص 165. (¬6) في (ج): (سمعت). (¬7) نسبه الطبري لبنت عتيبة 9/ 26، ونسبه بعضهم لـ (مية) وهو اسمها وكذا (أم البنين) وقيل: لنائحة عتيبة، والأقرب أنه لبنت عتيبة ترثي أباها حين قتله (بنو أسد) يوم (خَوّ) مع أبيات أخرى ذكرها في "معجم البلدان" 5/ 18.

تَرَوَّحْنَا مِنَ اللعْبَاءِ أَرْضًا ... وأَعْجَلْنَا الإلاَهَةَ أَنْ تَؤُوبَا (¬1) وإنما سموها الإلاَهَة على نحو تعظيمهم لها وعبادتهم إياها كفرا. وعلى ذلك نهاهم الله وأمرهم بالتوجه في العبادة إليه في قوله جل وعلا: {لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ} [فصلت: 37] [فصلت: 37] الآية (¬2)، وكذلك أيضًا كانوا يدعون معبوداتهم من الأصنام والأوثان (آلهة)، وهي جمع (إلاه) (¬3) كإزار وآزرة، وإناء وآنية. قال الله تعالى: {وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ} [الأعراف: 127] وهي أصنام كان يعبدها (¬4) قوم فرعون معه (¬5)، وعلى هذا قال قائلهم: كَحَلْفَةٍ مِنْ أَبِي رِيَاحٍ ... يَسْمَعُهَا لاَهُهُ (¬6) الكُبارُ (¬7) ¬

_ (¬1) (اللعباء) مكان بين الربذة وأرض بني سليم، وقيل: غير ذلك، وقوله: (أرضا) يروى (عصرا) ويروى (قصرا) أي: عشيا. ورد البيت في الطبري 9/ 26، "الإغفال" ص 8، 9، "المخصص" 17/ 137، "تهذيب اللغة" (الله) 1/ 190، "معجم ما استعجم" 4/ 1156، "معجم البلدان" 5/ 18، "تفسير الثعلبي" 1/ 18 ب، "المحتسب" 2/ 123، "اللسان" (لعب) 7/ 4041. (¬2) انظر: "الإغفال" ص 9. (¬3) في (ب): (الإله). (¬4) في (ب): (كانوا يعبدوها). (¬5) انظر: "الإغفال" ص 10، 11، "تهذيب اللغة" 1/ 190. (¬6) في (ب): (لأهه) (¬7) من قصيدة للأعشى، قالها فيما كان بينه وبين بني جحدر، و (أبو رياح) رجل من بني ضبيعة، قتل جارا لبني سعد بن ثعلبة، فسألوه الدية، فحلف لا يفعل، ثم قُتِل بعد حلفته، و (لاهه): الهه، (الكبار): العظيم، ويروى (بحلفة) ويروى (كدعوة). انظر: "ديوان الأعشى" ص 72، "الجمهرة" 1/ 327، "اشتقاق أسماء الله" ص 27، "تفسير الثعلبي" 1/ 17 ب، "الزينة" 2/ 18، "معاني القرآن" للفراء 1/ 207، والقرطبي 4/ 53، "اللسان" (أله) 1/ 116، و (لوه) 7/ 4107، "شرح المفصل" 1/ 3، "الخزانة" 7/ 176.

يريد: الصنم، وهذا البيت حجة للقول الثاني (¬1) من قول سيبويه. قالوا: وهو (¬2) اسم حدث، ثم جرى صفة للقديم سبحانه، ونظير هذا قولنا: (السلام)، والسلام من سَلَّم كالكلامِ من كَلَّم، والمعنى ذو السلام، أي: يُسَلم من عذابه من يشاء من عباده، كما أن المعنى في الأول أن العبادة تجب له (¬3)، فهذا وجه، وهو طريقة أهل اللغة (¬4). وأخبرني أبو الفضل أحمد بن محمد بن عبد الله العروضي -رحمه الله- قال: أبنا (¬5) أبو منصور أحمد بن محمد الأزهري (¬6)، أبنا (¬7) أبو الفضل المنذري (¬8)، قال: سألت أبا الهيثم خالد بن يزيد الرازي، عن اشتقاق اسم (الله) في اللغة، فقال (الله) أصله (إلاه)، قال الله جل ذكره: {وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ} [المؤمنون: 91] ولا يكون إلهًا حتى يكون معبودًا، وحتى يكون لعابده (¬9) خالقًا، ورازقًا، ومدبرًا، وعليه مقتدرًا، فمن لم يكن كذلك فليس بإله، وإن عَبِدَ ظلما، بل هو مخلوق (¬10) ومتعبد، ¬

_ (¬1) وهو أن أصل (الله): (لاه). (¬2) في (ب): (وهم). (¬3) بنصه في "الإغفال" ص 6، "المخصص" عن "الإغفال" 17/ 136. (¬4) انظر: "تهذيب اللغة" 1/ 189، "معجم مقاييس اللغة" (أله) 1/ 127، "الصحاح" (أله) 6/ 2223، "اللسان" (أله) 1/ 114. (¬5) (أبنا) ساقط من (ج). (¬6) صاحب "تهذيب اللغة" سبقت ترجمته. (¬7) في (ج): (أن). (¬8) هو محمد بن أبي جعفر المنذري اللغوي (أبو الفضل) يروي عن أبي العباس ثعلب، وأبي الهيثم الرازي، روى عنه الأزهري كثيرًا. انظر مقدمة "تهذيب اللغة" 1/ 30، 41، "اللباب" 3/ 262. (¬9) في (ب): (لعباده). (¬10) في (ب): (وهو مخلوق).

قال: وأصل (إلاه) (ولاه) فقلبت الواو همزة، كما قالوا: للوشاح: إشاح، ولِلْوِجَاح: إِجَاح (¬1)، ومعنى وِلاه: أن الخلق يَوْلَهون إليه في حوائجهم، ويضرعون إليه فيما ينوبهم، ويفزعون إليه في كل ما يصيبهم كما يَوْلَه كل طفل إلى أمه (¬2). وحكي عن أبي عمرو بن العلاء أنه مشتق من أَلِهْت في الشيء آلَهُ إلها إذا تحيرت فيه (¬3). وتسمى المفازة ميلها. وقال الأعشى (¬4): وَبَهْمَاءَ تِيهٍ تَأْلهَ العَيْنُ وَسْطَهَا ... وَتَلْقَى بِهَا بَيْضَ النَّعَام تَرَائِكَا (¬5) ¬

_ (¬1) يقال ليس دونه وِجاح، ووَجاح، ووُجاح، وأجاح، إجاح: أي: ستر "اللسان" (وجح) 8/ 4769. (¬2) كلام أبي الهيثم ورد في "التهذيب" ضمن كلام طويل له قال الأزهري: (وأخبرني المنذري عن أبي الهيثم أنه سأله عن اشتقاق اسم الله في اللغة فقال ..) ثم ذكره، "التهذيب" (الله والإله) 1/ 189، وانظر: "اللسان" (أله) 1/ 114. (¬3) ذكره الثعلبي 1/ 18 أ. (¬4) هو أبو بَصير، ميمون بن قيس، من فحول شعراء الجاهلية، ويدعى (الأعشى الكبير) تمييزًا له عن غيره ممن سمي (الأعشى)، أدرك الإسلام آخر عمره، وعزم على الدخول فيه، فصدته قريش في قصة مشهورة. انظر ترجمته في "الشعر والشعراء" ص 154، "معاهد التنصيص" 1/ 196، "خزانة الأدب" 1/ 175. (¬5) في (ج): (برائكا). البيت في وصف صحراء مطموسة المعالم، (ترائكا) متروكة، ورواية الشطر الأول في الديوان: وَيَهْمَاءَ قَفْرٍ تَخْرُجْ العَيْنَ وَسْطَهَا. وعليه فلا شاهد في البيت هنا. (الديوان) ص 130، والثعلبي بعد أن ذكر قول أبي عمرو ابن العلاء استشهد بقول زهير: =

ومعناه: أن العقول تتحير في كنه صفته وعظمته (¬1). وعند متكلمي أصحابنا (¬2): أن الإله من الإلَهية، والإلَهِية القدرة على اختراع الأعيان (¬3). وقد أشار أبو الهيثم إلى هذا فيما ذكر، قالوا: وانما سَمَّت العرب معبوداتهم آلهة (¬4)؛ لأنهم اعتقدوا فيها صفة التعظيم، واستحقاق هذا الاسم فأصابوا في الجملة، وأخطؤوا في التعيين. والإمالة في اسم الله تعالى جائزة في قياس العرب (¬5)، والدليل على ¬

_ = وَبَيْدَاء تِيهٍ تَألْهُ العَيْنُ وَسْطَهَا ... مُخَفَّقةٍ غَبْرَاءَ صَرْمَاءَ سَمْلَقِ الثعلبي 1/ 18 أ، وكذا في "الزينة" 2/ 19. (¬1) الثعلبي 1/ 18 ب، وانظر: "الزينة" 2/ 19. (¬2) هم المتكلمون من الأشاعرة، الذين تكلموا في العقائد بالطرق العقلية. انظر: "درء تعارض العقل والنقل" 1/ 28، 38، "الرسالة التدمرية" لابن تيمية ص 147. (¬3) هذا التفسير لمعنى الإلَهية هو منهج المتكلمين، وعند أهل السنة هو المستحق للعبادة. قال ابن تيمية: (وليس المراد بـ) بالإله (هو القادر على الاختراع كما ظنه من ظنه من أئمة المتكلمين .. بل الإله الحق هو الذي يستحق أن يعبده فهو إله بمعنى مألوه لا إله بمعنى آله ..)، "الرسالة التدمرية" ص 186. (¬4) مرَّ كلام أبي الهيثم قريبا، وليس فيه دليل على أن الإلهية: القدرة على الاختراع، بل يدل على المعنى الثاني وهو أن الإلهية؛ استحقاق العبادة، وقوله: (لأنهم اعتقدوا فيها صفة التعظيم ..). ليس من كلام أبي الهيثم، انظر: "تهذيب اللغة" أله 1/ 189. (¬5) الكلام عن إمالة (الألف) من لفظ الجلالة نقله عن أبي علي الفارسي من "الإغفال" ص 46، قال الفارسي: (فأما الإمالة في الألف من اسم الله تعالى فجائزة في قياس العربية، والدليل على جوازها ..). ونقل ابن سيده كلام الفارسي. "المخصص" 17/ 150. ومعنى الإمالة: هو تقريب الألف نحو الياء والفتحة التي قبلها نحو الكسرة وهناك ثلاث علل للإمالة: هي الكسرة، وما أميل ليدل بالإمالة على أصله، والإمالة لإمالة بعده. انظر: "الكشف عن وجوه القراءات السبع" لمكي 1/ 168، 170.

جوازها أن هذِه (الألف) لا تخلو من أن تكون زائدة لفِعَال كالتي (¬1) في (إزار) و (عِمَاد)، أو تكون عين الفعل. فإن كانت زائدة جازت فيها الإمالة من وجهين: أحدهما: أن الهمزة المحذوفة كانت مكسورة، وكسرها يوجب الإمالة في الألف، كما أن الكسرة في (عماد) توجب إمالة ألفه. فإن قلت: كيف تمال الألف من أجل الكسرة في الهمزة وهي محذوفة؟ فالقول فيها إنها وإن كانت محذوفة، موجبة للإمالة (¬2)، كما كانت توجبها قبل الحذف؛ لأنها -وإن كانت محذوفة- فهي من الكلمة، ونظير ذلك ما حكاه سيبويه من أن بعضهم يميل الألف في: مَادٍّ (¬3) وَشَاذٍّ، للكسرة المنوية (¬4) في عين الفعل عند ترك الإدغام، وإن لم يكن في لفظ الكلمة كسرة (¬5)، كذلك الألف في اسم الله، تجوز إمالتها وإن لم تكن الكسرة ملفوظا بها. والوجه الثاني: (لام) (¬6) الفعل منجرة، فتجوز الإمالة لانجرارها. وإن كانت الألف عينا ليست (¬7) بزائدة جازت إمالتها، وحسنت فيها إذ كان ¬

_ (¬1) في (جـ): (كالذي). (¬2) في (أ)، (ج): (الإمالة) وما في (ب) موافق لـ"الإغفال" ص 47. (¬3) في (أ)، (ب)، (ج): (صاد) بالصاد، وصححت الكلمة على ما ورد في "الإغفال" ص 48، "المخصص" 17/ 150، ووردت كذلك عند سيبويه (جاد وماد) 7/ 132، ولا تصح بالصاد؛ لأن الإمالة تمنع بعد (الصاد) لأنه حرف مستعمل. انظر: "الكتاب" 4/ 128. (¬4) في (ب): (المنونة). (¬5) حكى كلام الفارسي بالمعنى، انظر: "الإغفال" ص 48، "الكتاب" 4/ 122، 132، "المخصص" 17/ 150. (¬6) في "الإغفال" (وتجوز إمالتها من جهة أخرى، وهي أن لام الفعل منجرة ..) ص 48. (¬7) في (ب): (ليس).

انقلابها عن الياء (¬1) بدلالة قولهم: (لَهْيَ أبوك (¬2)) وظهور الياء لما قلبت إلى موضع السلام (¬3). وقوله: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}. معنى الرحمة في صفة الله تعالى: إرادته الخير والنعمة بأهله، وهي صفة ذات، وفي صفة أحدنا تكون رقة قلب وشفقة (¬4). قال أبو بكر محمد بن القاسم بن (¬5) بشار: سألت أبا العباس (¬6) لم جمع بين الرحمن والرحيم؟ فقال: لأن الرحمن عبراني فأتى معه الرحيم العربي، واحتج بقول جرير (¬7): ¬

_ (¬1) في (ب): (الباء) وكذا قوله: (وظهور الباء). (¬2) مرت هذِه الصيغة قريبا وهي بمعنى (لله أبوك) انظر ص 252. (¬3) انتهى عن "الإغفال" لأبي علي الفارسي، وقال بعده: (فإن ثبتت بها قراءة فهذِه جهة جوازها) ص 49، وانظر: "المخصص" 17/ 151. (¬4) الرحمة صفة من صفات الله تعالى، نثبتها له تعالى، كما أثبتها لنفسه، ولا يلزم من إثباتها مشابهة صفة المخلوقين، ولا نؤولها بإرادة الخير كما فعل الواحدي هنا. انظر: "تفسير الطبري" 1/ 58 - 59، (الرسالة التدمرية) لابن تيمية ص 23، 30. (¬5) هو أبو بكر بن الأنباري، سبقت ترجمته عند الحديث عن مصادر الواحدي. (¬6) هو أبو العباس ثعلب كما صرح بذلك الزجاجي في "اشتقاق أسماء الله" ص 42، وانظر: "الزاهر" 1/ 153، "تهذيب اللغة" (رحم) 2/ 1383، "الزينة" 2/ 25، "الاشتقاق" لابن دريد ص 58، ووهم القرطبي فقال: زعم المبرد فيما ذكر ابن الأنباري في كتاب "الزاهر" 1/ 104، وإنما هو ثعلب كما سبق وليس أبا العباس المبرد. (¬7) هو أبو حَرْزَة، جرير بن عطية بن حذيفة من بني كليب بن يربوع، أحد فحول الشعراء في صدر الإسلام، توفي سنة عشر ومائة. انظر ترجمته في "الشعر والشعراء" ص 304، "طبقات فحول الشعراء" 2/ 297، "الخزانة" 1/ 75.

أو تَتْرُكُونَ إِلَى القَسَّيْنِ (¬1) هِجْرَتَكُم ... وَمَسْحَهُمْ صُلْبَهُمْ رَحَمَانَ قُرْبَانَا (¬2) فأنكر عليه بعض الناس (¬3)، وقال: لم تزل العرب تعرف الرحمن وتذكره في أشعارها، واحتج بقول الشاعر: أَلاَ ضَرَبَت تِلْكَ الفَتَاة (¬4) هَجِيَنَهَا ... أَلاَ قَضَبَ الرَّحْمَنُ رَبِّي يَميِنَهَا (¬5) فقال (¬6): إن جمهور العرب كانوا لا يعرفون "الرحمن" في الجاهلية، ¬

_ (¬1) في (ج): (القيز). (¬2) البيت من قصيدة له يهجو فيها الأخطل وهو نصراني، فحكى في البيت قول النصارى، ولهذا نصب (رحمن): (قربانا) أي قائلين ذلك، ويروى البيت (هل تتركن)، (مسحكم) وفي "الزينة" (رخمن) بالمعجمة وهو بمعنى: الحاء. انظر: "الزينة" 2/ 25، "الزاهر" 1/ 153، "اشتقاق أسماء الله" ص 43، "تهذيب اللغة" (رحم) 2/ 1383، "تفسير الماوردي" 1/ 52 "تفسير القرطبي" 1/ 91، "اللسان" (رحم) 3/ 1612. (¬3) ممن أنكر ذلك الطبري في "تفسيره" حيث قال: (وقد زعم بعض أهل الغباء أن العرب كانت لا تعرف (الرحمن) ولم يكن ذلك في لغتها ...) 1/ 57، والزجاجي في "اشتقاق أسماء الله" ص 42، وابن سيده في "المخصص" 17/ 151 وغيرهم. (¬4) في (ب): (الفتاو). (¬5) لم يعرف له قائل وقد ذكره الطبري في "تفسيره" 1/ 58، وابن سيده في "المخصص" 17/ 152، وقال محمد محمود التركزي الشنقيطي في تعليقه على "المخصص": إن البيت من صنع بعض الرجال الذين يحبون إيجاد الشواهد المعدومة لدعاويهم. ورد عليه ذلك محمود شاكر في حاشيته على الطبري 1/ 131، وذكره ابن دريد في "الاشتقاق"، وقال: (وقد روي بيت في الجاهلية، ولم ينقله الثقات وهو للشنفرى: لَقَدْ لَطَمَتْ تَلِكَ الفَتَاةُ هَجِينَهَا ... أَلاَ بَتَرَ الرَّحْمَنُ رَبَّي يَمِينَهَا "الاشتقاق" ص 58، ورواية هذا البيت تختلف قليلا عن البيت المستشهد به، وانظر (اشتقاق أسماء الله) ص 82، (تفسير الماوردي) 1/ 52. (¬6) أي ثعلب، ولم أجده، ولعله في كتب ابن الأنباري المفقودة، وأورد نحوه الطبري في =

الدليل على هذا أنهم لما سمعوا النبي - صلى الله عليه وسلم - يذكره قالوا: ما نعرف الرحمن إلا رجلًا باليمامة (¬1)، وذلك قوله تعالى: {قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ} [الفرقان: 60] وإنما يذكر بعض الشعراء الرحمن في الجاهلية، إذ (¬2) لقنه (¬3) من أهل الكتاب، أو أخذه عن بعض من قرأ الكتب كأمية بن أبي الصلت (¬4) وزيد بن (¬5) عمرو، وورقة بن نوفل (¬6)، ولا تجعل هذا حجة على ما عليه أكثرهم. ومراد أبي العباس أن الرحمن يتكلم به بالعبرانية (¬7)، وتتكلم به العرب، فلما لم يخلص في كلامهم، ولم ينفردوا به دون غيرهم، أتى (¬8) بعده بالرحيم ¬

_ = "تفسيره" 1/ 58، وانظر: "الاشتقاق" ص 58، والماوردي في "تفسيره" 1/ 52، والقرطبي في "تفسيره" 1/ 104. (¬1) انظر الطبري فىِ "تفسيره" 19/ 29، والقرطبي في "تفسيره" 13/ 64. (¬2) في (ج): (إذا). (¬3) في (ب): (لقيته) (¬4) واسمه عبد الله بن ربيعة بن عوف الثقفي، سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - شعره فقال: "آمن شعره وكفر قلبه" وكان يخبر أن نبيا يخرج قد أظل زمانه، فلما خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - كفر به حسدا، ومات كافرا سنة ثمان أو تسع. انظر: "الشعر والشعراء" ص 300، "طبقات فحول الشعراء" ص 101، "الاشتقاق" ص 143، "الخزانة" 1/ 247. (¬5) زيد بن عمرو بن نفيل، والد سعيد بن زيد أحد العشرة، مات قبل المبعث. انظر: "الإصابة" 1/ 569، "تجريد أسماء الصحابة" 1/ 200. (¬6) هو ورقة بن نوفل بن أسد، ابن عم خديجة رضي الله عنها، قال ابن منده: اختلف في إسلامه، والأظهر أنه مات قبل الرسالة، وبعد النبوة وكذا قال الذهبي في "تجريد أسماء الصحابة" 2/ 128، وانظر: "الإصابة" 3/ 633، "الخزانة" 3/ 391. (¬7) في (ج): (بالعبراني). (¬8) في (ب): (أوتى).

الذي لا يكون إلى عربيا، ولا يلتبس بلغة غيرهم (¬1). والصحيح أنه مشتق من الرحمة، وأنه اسم عربي لوجود هذا البناء في كلامهم، كاللهفان والندمان والغضبان (¬2). قال الليث: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} اسمان، اشتقاقهما (¬3) من الرحمة (¬4). وقال أبو عبيدة: هما صفتان لله تعالى، معناهما ذو الرحمة (¬5). وأما ما احتج به أبو العباس من قوله: {وَمَا الرَّحْمَنُ} [الفرقان: 60] فهو سؤال عن الصفة، ولذلك قالوا: {وَمَا الرَّحْمَنُ}، ولم يقولوا: ومن، والقوم جهلوا ¬

_ (¬1) لعل هذا من قول ابن الأنباري، لأن كلام الواحدي بعد هذا يدل على ذلك، لأنه رجح أن أصله عربي، وأنه مشتق، وأورد بعض الردود على أبي العباس كما سيأتي. قال الزجاجي رادا على من قال: إن أصله غير عربي ... الرحمن معروف (الاشتقاق) والتصريف في كلام العرب، والأعجمي لا معنى له في كلام العرب ولا تصريف "اشتقاق أسماء الله" ص 42. وقول أبي العباس: إنه أورد (الرحيم) لأنها تعرفه العرب، مع (الرحمن) الذي يلتبس بكلام غيرهم. فكأنه جعلهما بمعنى واحد. وجمهور العلماء على أن لكل واحد منهما معنى غير معنى الآخر، وأن (الرحمن) عربي، وانما الكلام لم قدم (الرحمن) على (الرحيم)؟ وأجاب عنه الطبري في "تفسيره" 1/ 58 - 59، ويرد قريبا في كلام الواحدي. (¬2) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 55، "اشتقاق أسماء الله" ص 38، "المخصص" 1/ 151. (¬3) في (ب): (اشتقاقهم). (¬4) "تهذيب اللغة" (رحم) 2/ 1383. (¬5) "مجاز القرآن" 1/ 21، "تهذيب اللغة" (رحم) 2/ 1383، والنص من "التهذيب"، وقد رد الطبري على أبي عبيدة قوله وأغلظ له حيث قال: (وقد زعم بعض من ضعفت معرفته بتأويل أهل التأويل، وقلت روايته لأقوال السلف من أهل التفسير أن (الرحمن) مجازه: ذو الرحمة ..) الطبري في "تفسيره" 1/ 58.

صفته، والاسم كان معلوما لهم في الجملة (¬1). وقيل: هذا على جهة ترك التعظيم منهم. واختلفوا في أن أي الاسمين من هذين أشد مبالغة، فقال قوم: الرحمن أشد مبالغة من الرحيم، كالعلام من العليم، ولهذا قيل: رحمن الدنيا ورحيم الآخرة، لأن رحمته في الدنيا عمت المؤمن والكافر والبر والفاجر، ورحمته في الآخرة اختصت بالمؤمنين (¬2). فإن قيل: على هذا كان الرحمن أشد مبالغة، فلم بدئ بذكره (¬3)؟ وإنما يبدأ في نحو هذا بالأقل ثم يتبع (¬4) الأكثر كقولهم: (فلان جواد يعطي العشرات والمئين (¬5) والألوف). والجواب: أنه بدئ (¬6) بذكر الرحمن، لأنه صار كالعلم، إذ كان لا يوصف به (¬7) إلا الله عز وجل، وحكم الأعلام وما كان من الأسماء أعرف أن يبدأ به، ثم يتبع (¬8) الأنكر، وما كان في التعريف أنقص. هذا مذهب سيبويه وغيره من النحويين، فجاء هذا على منهاج كلام العرب (¬9). ¬

_ (¬1) وجعله الطبري من إنكار العناد والمكابرة، وإن كانوا عالمين بصحته، وليس ذلك منهم إنكارا لهذا الاسم، الطبري في "تفسيره" 1/ 57 - 58، وقال ابن عطية: وإنما وقفت العرب على تعيين الإله الذي أمروا بالسجود له، لا على نفس اللفظة 1/ 93، وانظر ابن كثير في "تفسيره" 1/ 23، والقرطبي في "تفسيره" 13/ 67. (¬2) انظر الطبري في "تفسيره" 1/ 55، "تهذيب اللغة" (رحم) 2/ 1383، "المخصص" 17/ 151، "معاني القرآن" للزجاج 58، "اشتقاق أسماء الله" ص 40. (¬3) هذا التساؤل والإجابة عنه بنصه في "المخصص" 17/ 151. (¬4) في (ج): (تتبع). (¬5) في (أ)، (ج): (الماتين) وفي (ب): (المايتين) وما أثبت من "المخصص". (¬6) في (ب): (بدأ). (¬7) (به) ساقط من (ج). (¬8) في (ج): (تتبع). (¬9) إلى هنا بنصه في "المخصص" 17/ 151، وإلى نحوه ذهب الطبري في "تفسيره" =

وقال وكيع: الرحيم أشد مبالغة؛ لأنه ينبئ عن رحمته في الدنيا والآخرة ورحمة الرحمانية في الدنيا دون الآخرة (¬1). وقال آخرون: إنهما بمعنى واحد كندمان ونديم، ولهفان ولهيف، وجيء بهما للتأكيد والإشباع، كقولهم: جادٌّ ومُجِدُّ (¬2)، وقول طَرْفَه (¬3): مَتَى أَدْنُ مِنْه يَنْأَ مِنِّي (¬4) وَيَبْعُدِ (¬5) ¬

_ = 1/ 58، وانظر: "اشتقاق أسماء الله" ص 40، وابن عطية في "تفسيره" 1/ 92. (¬1) لم أجده، عن وكيع فيما اطلعت عليه، والله أعلم. قال ابن كثير: وقد زعم بعضهم أن (الرحيم) أشد مبالغة من (الرحمن)، ثم رد هذا القول ابن كثير في "تفسيره" 1/ 23، وعند جمهور العلماء أن (الرحمن) أشد مبالغة من (الرحيم) وأن (الرحمن) أعم فهو في الدنيا والآخرة ولجميع الخلق، و (الرحيم) خاص بالمؤمنين. انظر الطبري في "تفسيره" 1/ 55، "تفسير أسماء الله" للزجاج ص 29، "المخصص" 17/ 151، والثعلبي في "تفسيره" 1/ 19 أ، والماوردي في "تفسيره" 1/ 52 - 53، وابن عطية في "تفسيره" 1/ 91، والقرطبي في "تفسيره" 1/ 105، 106، "الدر" 1/ 29، وابن كثير في "تفسيره" 1/ 22 - 23. (¬2) هذا قول أبي عبيدة، ونسبه ابن الأنباري كذلك لقطرب، وبهذا النص مع الشواهد ذكره الثعلبي، أما أبو عبيدة فذكر شواهد غيرها، انظر: "مجاز القرآن" 1/ 21، والثعلبي في "تفسيره" 1/ 19 أ، "الزاهر" 1/ 153، "تفسير أسماء الله" ص 29، "اشتقاق أسماء الله" ص 38، 39، وقد رد الطبري على أبي عبيدة، وأغلظ له الرد، وسبق ذكر بعض كلامه. انظر: "تفسيره" 1/ 58. (¬3) هو الشاعر الجاهلي المشهور، عُدَّ بعد امرئ القيس في الشعر، واسمه (عمرو) ولقب بـ (طَرْفَه) وأحد الطرفاء لبيت قاله، قتل وهو ابن ست وعشرين سنة، وقيل: ابن عشرين. ترجمته في "الشعر والشعراء" ص 103، "الخزانة" 2/ 419. (¬4) في (ب): (عنى). (¬5) صدره: مَالِي أَرَانِي وابْنَ عَمِّي مَالِكًا والبيت من معلقة طرفة المشهورة، يتحدث عما كان بينه وبين ابن عمه (مالك) من =

وقول عدي (¬1): وأَلْفى قَولَهَا كَذِبًا وَمَيْنَا (¬2) في أمثال لهذا، وروي عن ابن عباس أنه قال. الرحمن الرحيم، اسمان رقيقان أحدهما أرق من الآخر (¬3). ¬

_ = جفوة وخصام، (ينأ عني) و (يبعد) معناهما واحد، وإنما جاء بهما لأن اللفظين مختلفان، والمعنى يبعد ثم يبعد بعد ذلك، وقيل: ينأ: بالفعل، ويبعد: بالنفس لشدة بغضه لي. أورد البيت الثعلبي في "تفسيره" 1/ 19 أ، وانظر: "ديوان طرفة" ص 34 تحقيق وتحليل د. علي الجندي. (¬1) عدي بن زيد بن حماد، من بني امرئ القيس بن زيد بن مناة بن تميم شاعر فصيح، من شعراء الجاهلية، وكان نصرانيا، قتله النعمان بن المنذر ملك الحيرة. ترجمته في "الشعر والشعراء" ص 130، "معاهد التنصيص" 1/ 325، "الخزانة" 1/ 381. (¬2) من قصيدة قالها عدي بن زيد، في قصة طويلة مشهورة بين الزَّباء وجذيمة وردت في كتب التاريخ والأدب وصدر البيت: وَقدَّدَت الأَدِيَم لِرَاهِشيْه ... .. .. .. .. ويروي (قدمت) و (الراهش) عرق في باطن الذراع و (المين) بمعنى: الكذب، ورد البيت في "معاني القرآن" للفراء 1/ 37، "الشعر والشعراء" ص 132، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 175، "تفسير الثعلبي" 1/ 19 أ، 73 أ، "أمالي المرتضى" 2/ 258، "المستقصى" 1/ 243، "مغني اللبيب" 2/ 357، "الهمع" 5/ 226، "معاهد التنصيص" 1/ 310، "اللسان" (مين) 7/ 4311، والقرطبي في "تفسيره" 1/ 399، "الدر المصون" 1/ 358. والشاهد (كذبا ومَيْنا) فأكد الكذب بالمين وهو بمعناه. (¬3) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 19 ب، وابن الأنباري في "الزاهر" 1/ 152، والأزهري في "تهذيب اللغة" (رحم) 2/ 1383، والقرطبي في "تفسيره" 1/ 92، وابن كثير عن القرطبي في "تفسيره" 1/ 22، وقد أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما عن ابن عباس، قال: (الرحمن الفعلان من الرحمة، وهو من كلام العرب قال: الرحمن الرحيم: الرقيق الرفيق بمن أحب أن يرحمه، والبعيد الشديد على من أحب أن يعنف =

قال الحسين (¬1) بن الفضل: غلط الراوي؛ لأن الرقة في صفة الباري لا تصح. وإنما هما أسمان رفيقان أحدهما أرفق من الآخر (¬2). يدل على هذا ما روي في الخبر: "إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي (¬3) على الرفق مالا يعطي على العنف" (¬4)، وسمعت من يقول (¬5): معنى قول ابن عباس (اسمان رقيقان) أي يدلان فينا على الرقة. وقال بعضهم: الرحمن خاص اللفظ عام المعنى، والرحيم عام اللفظ خاص المعنى (¬6). ¬

_ = عليه) في سنده ضعف. انظر الطبري 1/ 57، "تفسير ابن أبي حاتم" (رسالة دكتوراه) 1/ 148، وابن كثير في "تفسيره" 1/ 23، "المفسر عبد الله بن عباس والمروي عنه" (رسالة ماجستير) 1/ 130. (¬1) في (ب): (الحسن). (¬2) ذكره القرطبي، وذكر نحوه عن الخطابي 1/ 92، وذكره ابن كثير في "تفسيره" في القرطبي 1/ 22. (¬3) (الواو) ساقطة من (ب). (¬4) أخرجه مسلم (2593) كتاب البر، باب: فضل الرفق، وأبو داود (4807) كتاب الأدب، باب: في الرفق، وأحمد في "مسنده" عن علي 1/ 112، وعن عبد الله بن مغفل 4/ 87، وأخرج البخاري عن عائشة وفيه: (إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله (6927) كتاب استتابة المرتدين، باب: إذا عرض الذمي وغيره بسب النبي - صلى الله عليه وسلم -. (¬5) في (ج): (تقول). (¬6) الثعلبي في "تفسيره" 1/ 19/ أ. ومعنى أن (الرحمن) خاص اللفظ لأنه لا يطلق إلا على الله، عام المعنى؛ لأنه لجميع الخلق في الدنيا والآخرة، و (الرحيم) عام اللفظ لأنه يطلق على الله بما يليق به، ويطلق على غيره بما يليق به، وخاص المعنى: لأنه خاص بالمؤمنين، أو بالآخرة. انظر الطبري في "تفسيره" 1/ 56 - 58، وابن كثير في "تفسيره" 1/ 22 - 23.

2

تفسير الفاتحة 2 - قوله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ}. قال ابن عباس: يعني الشكر لله، وهو أن صنع إلى خلقه فحمدوه (¬1). وقال الأخفش: {الْحَمْدُ لِلَّهِ}: الشكر لله (¬2)، قال: والحمد (¬3) -أيضًا- الثناء، [وكأن (¬4) الشكر لا يكون إلى ثناء ليد أوليتها (¬5)، والحمد قد يكون شكرا للصنيعة، ويكون ابتداء الثناء (¬6) على الرجل، فحمد الله الثناء] (¬7) ¬

_ (¬1) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 24 ب، وأخرج الطبري عن ابن عباس بمعناه، دون قوله (وهو أن صنع إلى خلقه فحمدوه) قال شاكر: إسناده ضعيف. الطبري في "تفسيره" 1/ 135 وبمثل رواية الطبري أخرجه ابن أبي حاتم، قال المحقق: سنده ضعيف 1/ 150، وانظر: "الدر" 1/ 34 - 35، وابن كثير في "تفسيره" 1/ 24 - 25. (¬2) في (ج): (والحمد لله) ومثله في "اللسان". (¬3) نص كلام الأخفش في "تهذيب اللغة" (حمد) 1/ 913، وفيه (قال الأخفش {الْحَمْدُ لِلَّهِ} الشكر لله، قال والحمد أيضًا: الثناء)، وانظر: "اللسان" (حمد) 2/ 987، وفي "معاني القرآن" للأخفش ذكر اللغات فيها ولم يذكر المعنى 1/ 155، والنص في "اللسان". (¬4) في (ب): (فكأن)، وفي "التهذيب" مكانها (قلت ...) فهو من كلام الأزهري، ونص عليه في "اللسان" قال: قال الأزهري: الشكر لا يكون ... "اللسان" (حمد) 2/ 987، فكيف تصحف عند الواحدي، فصار كأنه من كلامه، أو من كلام الأخفش. (¬5) في (ب): (أولاها). (¬6) في "التهذيب" "اللسان" (للثناء). (¬7) مابين المعقوفتين ساقط من (ج).

عليه والشكر لنعمه (¬1). وقال أبو بكر (¬2): قوله: {الْحَمْدُ لِلَّهِ} يحتمل أن يكون هذا إخبارًا أخبر الله تعالى به، والفائدة فيه أنه يبين (¬3) أن حقيقة الحمد له، وتحصيل كل الحمد له (¬4) لا لغيره، وذلك أنا (¬5) نرى بني الدنيا ينعم (¬6) بعضهم على بعض، فيحمده على إنعامه، فيكون حقيقة الحمد في ذلك لله، إذ هو الذي أنعم على الذي أنعم بما أنعم به، ورزقه إياه، وهو الذي وفق المعطي للعطية، وأجراها على يديه، فكان حقيقة الإنعام من الله تعالى، ومكافأة المنعَم عليه بالشكر (¬7) والحمد راجعة إليه جل اسمه (¬8). وعلى هذا فقد حُكِي أن ابن التوءم (¬9) كان يقول: إنما يجب أن يشكر ¬

_ (¬1) انتهى من "التهذيب" (حمد) 1/ 913، مع اختلاف يسير في العبارة، وانظر: "اللسان" (حمد) 2/ 987. (¬2) هو ابن الأنباري، وقد نقل عنه الواحدي في هذا الموضع كثيرا، ولم أجده في كتبه الموجودة، ولعله ضمن كتبه المفقودة كـ "المشكل في معاني القرآن"، انظر الدراسة. (¬3) في (ب): (أن بين) وفي (ج): (أنه بين). (¬4) في (ب): (لله). (¬5) في (ب): (أنه). (¬6) في (ب): (يُنَعَّم) بالتشديد. (¬7) في (ب): (الشكر). (¬8) انظر: "الوسيط" للواحدي 1/ 17، "تفسير الثعلبي" 1/ 24/ ب، 25/ أ، "الزاهر" 2/ 84، "تفسير الطبري" 1/ 59، "تفسير ابن عطية" 1/ 99 - 100، "تفسير الماوردي" 1/ 53، "تفسير البغوي" 1/ 52، "القرطبي" 1/ 114 - 115، "الكشاف" 1/ 46، 47. (¬9) ابن التوءم لم أجد له ترجمة، وكلامه أورده ابن قتيبة في عيون الأخبار أوسع مما ذكره الواحدي هنا. "عيون الأخبار" 3/ 191، قال ابن قتيبة: (قال ابن التوءم: كل من كان جوده يرجع إليه ولولا رجوعه إليه لما جاد عليك .. وإنما يوصف بالجود في الحقيقة، ويشكر على النفع في حجة العقل، الذي إن جاد عليك فلك جاد ..).

من إن جاد عليك فلك جاد، وإن (¬1) نفعك فنفعك أراد، من غير أن يرجع إليه من جوده بشيء (¬2) من المنافع على جهة من الجهات، وهو الله (¬3) وحده لا شريك له. ألا (¬4) ترى أن عطية الرجل لصاحبه لا تخلو من أن تكون لله أو لغيره فإن كانت (¬5) لله فثوابها على الله، فلا (¬6) معنى للشكر، وإن كانت (¬7) لغير الله فلا تخلو من أن تكون لطلب المجازاة، أو حب المكافأة، وهذِه تجارة معروفة، والتاجر لا يشكر على تجارته، وجر المنفعة إلى نفسه، وإما أن تكون لخوف يده أو لسانه، أو رجاء نصرته أو (¬8) معونته، ولا معنى لشكر من هذِه إحدى أحواله، وإما أن تكون (¬9) للرقة والرحمة، ولما يجد في قلبه من الألم، ومن جاد على هذا (¬10) السبيل، فإنما داوى نفسه من دائها، وخفف عنها ثقل برحائها (¬11). فأما من مدحه بشار (¬12) بن برد بقوله: ¬

_ (¬1) (إن نفعك) ليس في "عيون الأخبار" 3/ 191. (¬2) في (ب): (شيء) بسقوط الباء وما في (أ)، (ج) موافق لما في "عيون الأخبار". (¬3) في (ب): (اله). (¬4) بعد قوله: (وحده لا شريك له) كلام لابن التوءم تركه هنا، انظر: "عيون الأخبار" 3/ 191. (¬5) في (ب): (كان). (¬6) في (ب): (ولا معنى). (¬7) في (ب): (كان). (¬8) في (ب): (ومعونته). (¬9) في (ب): (يكون). (¬10) في (ب): (ومن حاد عن هذا). (¬11) إلى هنا ما ذكره ابن قتيبة عن ابن التوءم مع اختلاف في بعض العبارات، انظر: "عيون الأخبار" 3/ 191. (¬12) هو بشار بن برد بن يرجوخ العقيلي بالولاء، وأصله من (طخارستان)، أشعر الشعراء المولدين، نشأ بالبصرة، ومات سنة سبع أو ثمان وستين ومائة. انظر ترجمته في: =

لَيْسَ (¬1) يُعْطِيكَ لِلرَّجَاء ولِلْخَوْ ... فِ ولكن يَلَذُّ طَعْمَ العَطَاءِ (¬2) فأي معنى لشكر (¬3) من يعطي لاجتلاب لذته، ويجيب (¬4) داعي رأفته. قال أبو بكر: ويحتمل أن يكون هذا ثناء أثنى به على نفسه، علم عباده في أول كتابه ثناء (¬5) عليه، وشكرا (¬6) له، يكتسبون بقوله وتلاوته أكمل الثواب وأعظم الأجر، لطفا بهم، وحسن نظر لهم، فقال: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} أي قولوا: يا معشر الناس ما إذا قلتموه علت منزلتكم [وارتفعت درجتكم بقوله] (¬7) عند ربكم، فيضمر القول هاهنا كما أضمر في قوله: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر: 3] معناه يقولون: ما نعبدهم (¬8). ثم إذا قال القائل: {الْحَمْدُ لِلَّهِ} فقد (¬9) أثنى على الله تعالى، فيكون ¬

_ = "الشعر والشعراء" ص 511، "طبقات الشعراء" لابن المعتز ص 21، "البيان والتبيين" 1/ 65، "خزانة الأدب" 3/ 230. (¬1) في (ج): (لئن). (¬2) من قصيدة قالها بشار يمدح عقبة بن سلم، ويروى (ولا الخوف) بدل (وللخوف) انظر: "ديوانه" ص 14، "طبقات الشعراء" لابن المعتز ص 30، "عيون الأخبار" لابن قتيبة 1/ 164، "شرح ديوان المتنبي" للعكبري 4/ 279. (¬3) في (ب): (فإن معنى الشكر). (¬4) في (ب): (ويحبب). (¬5) في (ب): (الثناء). (¬6) في (ب): (والشكرا). (¬7) مابين المعقوفين ساقط من (ب). (¬8) انظر: "الوسيط" 1/ 17، ونحوه في "تفسير الطبري" 1/ 60، وانظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 23 ب، "تفسير أبي الليث" 1/ 79، "ابن عطية" 1/ 100، "القرطبي" 1/ 118. (¬9) في (ب): (قد).

بذلك متعرضًا لثواب الله، ومن أثنى على واحد فقد تعرض لإحسانه وثوابه. يدل على صحة هذا أن بعض العلماء، سئل عن تفسير الحديث المروي: "أفضل الدعاء سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلى الله، والله أكبر" (¬1) فقيل له: ما في هذا من (¬2) الدعاء؟ وإنما الدعاء: (اللهم اغفر لنا، وافعل بنا). فقال للسائل: أما سمعت قول أمية بن أبي الصلت لعبد الله بن (¬3) جدعان: كَرِيمٌ لاَ يُغَيِّرُهُ صبَاحٌ ... عَنِ الخُلُقِ الجَمِيلِ وَلاَ مَسَاءُ إِذاَ أَثْنى عَلَيْهِ المَرْءُ يَوْمًا ... كَفَاهُ مِنْ تَعَرُّضِهِ الثَّنَاءُ (¬4) ¬

_ (¬1) لم أجده بهذا اللفظ، وقد أخرج ابن ماجه عن سمرة بلفظ: "أربع أفضل الكلام لا يضرك بأيهن بدأت سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلى الله، والله أكبر" "سنن ابن ماجه" (3811) كتاب الأدب، باب: فضل التسبيح، ونحوه عند أحمد في "المسند" 5/ 20، وذكره البخاري معلقا (الفتح) 11/ 566، وأخرج ابن ماجه عن جابر: "أفضل الذكر لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء الحمد لله" "سنن ابن ماجه" كتاب الأدب، باب: فضل الحامدين، قال العجلوني في "كشف الخفاء": رواه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم، وصححاه 1/ 152، وانظر: "فيض القدير" 1/ 601. (¬2) (من) ساقطة من (ب). (¬3) عبد الله بن جدعان التيمي القرشي، أحد الأجواد المشهورين في الجاهلية، لهذا مدحه أمية بن أبي الصلت، أدرك النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل النبوة. انظر ترجمته وبعض أخباره في "المحبر" ص 138، "السيرة" لابن هشام 1/ 144، "الخزانة" 8/ 366، "الأعلام" 4/ 76. (¬4) تروى الأبيات بروايات أخرى منها: (خليل) بدل (كريم)، و (السنى) بدل (الجميل) و (عليك) بدل (عليه). انظر: "ديوان أمية بن أبي الصلت" ص 254، "المحبر" ص 138، "طبقات فحول الشعراء" للجمحي 1/ 265، "ديوان الحماسة" 2/ 372، "العمدة" لابن رشيق 2/ 158.

فهذا مخلوق اجتزأ من مسألة مخلوق مثله بالثناء عليه، فكيف يحتاج العبد مع ثنائه على ربه أن يسمي له حوائجه؟. قال (¬1): وإنما اختير (الحمد) على الشكر للمبالغة والعموم، وذلك أن الشكر لا يكون إلى مكافأة لنعمة سبقت إليك وأيضًا، فإنه لا يشكر أحد على ما فيه من الأوصاف الجميلة، وليس كذلك الحمد، فإنه يقع ابتداء قبل الصنيعة، ويقع على الأوصاف المحمودة فهو أبلغ وأعم وأجمع (¬2). قال الشاعر: يَا أَيُّهَا المَائِحُ دَلْوى دُونكا ... إِنِّي رَأَيْتُ النَّاسَ يَحْمَدُونكا (¬3) ¬

_ (¬1) أبو بكر ابن الأنباري. (¬2) انظر: "الزاهر" 2/ 84، 85، وفيه تكلم ابن الأنباري عن الفرق بين الحمد والشكر بنحو هذا، وإلى هذا ذهب أكثر المفسرين، انظر: "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة 1/ 3، "تفسير أبي الليث" 1/ 79، "تفسير الثعلبي" 1/ 24/ ب، "تفسير الماوردي" 153، وانظر: "تهذيب اللغة" (حمد) 1/ 913، "اشتقاق أسماء الله" ص 90، وذهب الطبري إلى أن الحمد والشكر بمعنى واحد، واستدل على هذا بصحة قول القائل: (الحمد لله شكرا). "تفسير الطبري" 1/ 60، وهذا قول المبرد، كما قال القرطبي في "تفسيره" 1/ 116، ونسبة في "اللسان" للحياني. "اللسان" (حمد) 2/ 987، وقد تكلم العلماء في نقض ما قاله الطبري ورده، منهم ابن عطية في "تفسيره" 1/ 99، والقرطبي في "تفسيره" 1/ 116، وابن كثير في "تفسيره" 1/ 201. قال محمود شاكر في حاشية "تفسير الطبري": والذي قاله الطبري أقوى حجة وأعرق عربية من الذين ناقضوه. (¬3) نسبه الأكثر لراجز جاهلي من بني أسد بن عمرو بن تميم، ونسبه بعضهم لجارية في مازن، وقيل: روته وليس لها، ونسبه بعضهم لرؤبة. و (المائح) الرجل في جوف البئر يملأ الدلاء. ورد الرجز في "معاني القرآن" للفراء 1/ 260، "الزاهر" 2/ 85، "أمالي الزجاجي" ص 237، "أمالي القالي" 2/ 244، "الإنصاف" ص 187، "مغني اللبيب" 2/ 609، 618، "شرح شذور الذهب" ص 485، "شرح المفصل" 1/ 117، "الخزانة" 6/ 200.

فترجم بالثناء (¬1) والتمجيد (¬2) عن الحمد، فدل هذا على عموم الحمد. وقد أخبرنا أبو الحسين بن أبي عبد الله الفسوي (¬3) -رضي الله عنه-، أنبا (¬4) أحمد بن محمد الفقيه (¬5)، أبنا محمد بن هاشم (¬6)، عن الدَّبَرِي (¬7)، عن عبد الرزاق (¬8)، ¬

_ (¬1) ورد الثناء والتمجيد في بيت آخر لم يورده الواحدي هنا وهو قوله: يُثْنُون خَيْرًا ويَمُجِّدُوَنَكاَ أورد ابن الأنباري في "الزاهر" 2/ 85، وأنظر المصادر السابقة. (¬2) في (أ)، (ج): التحميد، وما في (ب) أصح؛ لأنه أراد: الثناء والتمجيد الذين وردا في البيت الثالث الذي لم يذكره. (¬3) أحد شيوخ الواحدي: عبد الغافر بن محمد بن عبد الغافر الفارسي أبو الحسين، حدث عن أبي سليمان الخطابي بغريب الحديث سبق ذكره في، وانظر المنتخب من السياق 106، "سير أعلام النبلاء" 18/ 19. (¬4) في (ب): (أنا) وفي (ج): (أن) في الموضعين. (¬5) هو أبو سليمان أحمد بن محمد بن إبراهيم الخطابي البستي الشافعي، وقيل: اسمه: حمد، له مصنفات منها "غريب الحديث" "ت 388 هـ"، انظر ترجمته في "الأنساب" 5/ 158، 159، "إنباه الرواة" 1/ 125، "تذكرة الحفاظ" 3/ 1018. (¬6) محمد بن هاشم أحد شيوخ الخطابي، روى عنه في "غريب الحديث" كثيرا، ولم أجد له ترجمة، حتى إن محقق "غريب الحديث" ترجم لجميع شيوخ الخطابي، ولم يذكر محمد بن هاشم مع كثرة روايته عنه، ولعله لم يجد له ذكرا. والله أعلم. (¬7) أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم بن عباد الدَّبَرِي و (الدَّبَرِي) بفتح الدال والباء نسبة إلى (الدَّبَر) قرية من قرى صنعاء، راوية عبد الرزاق، (ت 285 هـ). انظر ترجمته في "اللباب" 1/ 489، "ميزان الاعتدال" 1/ 181، "سير أعلام النبلاء" 13/ 416. (¬8) هو عبد الرزاق بن همام بن نافع الحافظ، عالم اليمن، أبو بكر الحصيري بالولاء. حدث عن جماعة منهم الأوزاعي، وسفيان الثوري، ومالك بن أنس، وحدث عنه أحمد بن حنبل، وابن راهويه، وابن معين، وابن المديني وجماعة (ت 211 هـ) وانظر ترجمته في "طبقات ابن سعد" 5/ 548، "سير أعلام النبلاء" 9/ 568، "ميزان الاعتدال" 3/ 323.

عن مَعْمر (¬1)، عن قتادة، عن عبد الله بن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (الحمد رأس الشكر، ما شكر الله عبدًا لا يحمده) (¬2). قال أحمد (¬3) على إثر هذا الحديث: الحمد نوع والشكر جنس (¬4)، وكل حمد شكر (¬5)، وليس كل شكر حمدا. وهو على ثلاث منازل: شكر القلب، وهو الاعتقاد بأن الله ولي النعم، قال الله: {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ} [النحل: 53]، وشكر اللسان وهو إظهار النعمة بالذكر لها، والثناء على مسديها، قال الله: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} [الضحى: 11] وهو رأس الشكر المذكور في الحديث. وشكر العمل، وهو (¬6) إدآب النفس بالطاعة. ¬

_ (¬1) هو الإمام الحافظ مَعْمَر بن راشد، أبو عروة، الأزدي بالولاء البصري، نزيل اليمن، حدث عن قتادة، والزهري وعمرو بن دينار، وهمام بن منبه وجماعة، وعنه السفيانان، وابن المبارك، وعبد الرزاق بن همام (ت 153 هـ)، انظر: "طبقات ابن سعد" 5/ 546، "الجرح والتعديل" 8/ 255، "سير أعلام النبلاء" 7/ 5. (¬2) أخرجه عبد الرزاق في "المصنف" 10/ 424 (19574) كتاب الجامع، باب: شكر الطعام، وذكره الخطابي في "غريب الحديث" 1/ 345، 346، وذكره السيوطي في "الجامع الصغير" ورمز له بالحسن، انظر: "فيض القدير شرح الجامع الصغير" 3/ 418، وقال الألباني: في "ضعيف الجامع" 3/ 411 (2790): ضعيف. (¬3) هو أحمد بن محمد الخطابي البستي، سبقت ترجمته. قال في "غريب الحديث" بعد أن ذكر الحديث. وقال أبو سليمان: الحمد نوع .. 1/ 346. (¬4) الجنس: كلي دال على كثيرين مختلفين بالحقيقة في جواب (ماهو). والنوع: كلي دال على كثيرين متفقين في الحقيقة واقع في جواب (ما هو). انظر: "التعريفات" للجرجاني ص 78، 247، "المبين في شرح معاني ألفاظ الحكماء والمتكلمين" للآمدي ص 73. (¬5) في (ج): (شكرا). (¬6) في (ب): (وهو شكر اداب).

قال الله سبحانه (¬1): {اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا} (¬2) [سبأ: 13]. وقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى تفطرت قدماه، فقيل: يا رسول الله أليس قد غفر الله (¬3) لك ماتقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: "أفلا أكون عبدا شكورا" (¬4). وقد جمع الشاعر أنواعه الثلاثة فقال: أَفَادَتْكُمُ النَّعْمَاءُ مِنِّى ثَلاَثَةً ... يَدِي وَلِسَانِي والضمِيرَ المُحَجَّبَا (¬5) (¬6) وبين الحمد والشكر فرق واضح (¬7)، يظهر بالنقيض؛ لأن نقيض الشكر الكفر، ونقيض الحمد الذم (¬8)، فهذا ما في معنى الحمد والشكر. ¬

_ (¬1) في (ج): (تعالى). (¬2) في (ب): (الى) تصحيف. (¬3) لفظ الجلالة غير موجود في (ب). (¬4) متفق عليه من حديث المغيرة وعائشة، حديث المغيرة رواه البخاري (1130) كتاب: التهجد، باب: قيام النبي - صلى الله عليه وسلم - الليل، ومسلم (2819) كتاب: صفة الجنة والنار، باب: إكثار الأعمال والإجتهاد في العبادة، وحديث عائشة رواه البخاري (4837) كتاب التفسير، باب: {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ}، ومسلم (2820) كتاب صفة الجنة والنار، باب: إكثار الأعمال والاجتهاد في العبادة. (¬5) يقول: إن نعمتكم علي أفادتكم مني يدي ولساني وجناني فهي وأعمالها لكم. ورد البيت بدون عزو في "غريب الحديث" للخطابي 1/ 346، " الكشاف" 1/ 47، "الفائق" 1/ 314، "الدر المصون" 1/ 36، وانظر: "مشاهد الإنصاف على شواهد الكشاف" ص 7. (¬6) انتهى من "غريب الحديث" للخطابي 1/ 346، وانظر: "الكشاف" 1/ 47. (¬7) سبق بيان خلاف العلماء في ذلك، وأن قول الأكثر على أن بينهما فرقا وقال الطبري ومعه طائفة: إنهما بمعنى واحد، انظر ص 275. (¬8) انظر: "الزينة" 2/ 112، "تهذيب اللغة" (حمد) 1/ 913، "اللسان" (حمد) 2/ 987.

ولا بد من ذكر طرف من مذهب النحويين في (الألف واللام) اللتين للتعريف وحكمهما. ومذهب (¬1) الخليل في هذا أن (ال) حرف التعريف، بمنزلة (قد (¬2)) في الأفعال، فإن الهمزة واللام جميعا (¬3) للتعريف، وحكي عنه أنه كان يسميها (أل) كقولنا: (قد)، وأنه لم يكن يقول: (الألف (¬4) واللام) كما لا يقول في (قد) القاف والدال. واحتج لهذا المذهب بفصلين (¬5) (¬6): أحدهما: أن العرب قد قطعت (أل) في أنصاف الأبيات، نحو قول عبيد (¬7): يا خَلِيلَيَّ ارْبَعَا واستَخبِرَا الـ ... مَنْزِلَ الدّارِس مِنَ أَهْلِ الحِلاَل مِثْلَ سَحْقِ البُرْدِ عَفَّى بَعْدَكَ الـ ... قَطْرُ مَغْنَاهُ وتَأْوِيبُ الشَّمَالِ (¬8) ¬

_ (¬1) الكلام عن (أل) نقله الواحدي عن أبي الفتح بن جني من كتاب "سر صناعة الإعراب" وأذكر الفروق الهامة بين عبارة الواحدي وعبارة ابن جني في موضعه إن شاء الله. قال ابن جني: (وذهب الخليل إلى أن (أل) حرف التعريف بمنزلة (قد) ..) 1/ 333. (¬2) انظر مذهب الخليل في "الكتاب" 3/ 324. (¬3) عند أبي الفتح: (إن الهمزة واللام جميعهما ..) 1/ 333. (¬4) انظر: "الكتاب" 3/ 325. (¬5) في (ج): (بفضلين). (¬6) عند أبي الفتح: (ويقول هذا المذهب قطع (أل) في أنصاف الأبيات، نحو قول عبيد ..) 1/ 333. (¬7) هو عبيد بن الأبرص بن جُشْم، من بني أسد، يعد من فحول شعراء الجاهلية، قيل: إنه عمر طويلا. ترجمته في "الشعر والشعراء" ص 161، "طبقات فحول الشعرء" ص 58، "خزانة الأدب" 2/ 215. (¬8) قوله: (اربعا) أقيما، (الحلاَل): جمع حال أي نازل، أو جمع حِلَّة وهو جماعة البيوت، (سحق البرد) الثوب البالي، (عفى) غطى، (القطر): المطر، (مغناه) المغنى: المنزل الذي غنى به أهله ثم ظعنوا، (التأويب) الرجوع وتردد هبوبها. وردت الأبيات وفي "ديوان عبيد" ص 115، "المنصف" 1/ 333، "شرح المفصل" 9/ 17، "الخزانة" =

قال (¬1): فلو كانت اللام وحدها حرف التعريف؛ لما جاز فصلها من الكلمة التي عرفتها، لاسيما واللام ساكنة، والساكن لا ينوي به الانفصال (¬2). فصار قطعهم وهم يريدون الاسم بعدها كقطع النابغة (¬3) (قد) في قوله: أَفِدَ (¬4) التَّرحُّلُ (¬5) غَيْرَ أَنَّ رِكَابَنَا ... لمَّا تَزُلْ بِرِحَالِهَا (¬6) وَكَأَنْ قَدِ (¬7) ¬

_ = 7/ 198. والشاهد فيه فصل (أل) في البيتين، استدل به الخليل على أن (أل) جميعها حرف التعريف، ولو كانت اللام وحدها للتعريف لما جاز فصلها. (¬1) من القائل؟ ظاهر كلام الواحدي أن القائل الخليل، لأنه هو المذكور قبله، والواقع أن الكلام لأبي الفتح ابن جني، حيث قال بعد الأبيات: (وهذِه قطعة لعبيد مشهورة عددها بضعة عشر بيتا يطرد جميعها على هذا القطع الذي تراه إلى بيتا واحدا من جملتها، ولو كانت اللام وحدها حرف التعريف لما جاز فصلها من الكلمة التي عرفتها .. "سر صناعة الإعراب" 1/ 333. (¬2) بعده كلام لأبي الفتح تركه الواحدي. انظر: "سر صناعة الإعراب" 1/ 333. (¬3) في (ب): (لقطع التابعه). والنابغة: هو زياد بن معاوية الذبياني، أحد شعراء الجاهلية المشهورين، توفي في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل أن يبعث. انظر ترجمته في "الشعر والشعراء" ص 83، "طبقات فحول الشعراء" 1/ 51. "جمهرة أنساب العرب" ص 253، "الخزانة" 2/ 135. (¬4) في (ب): (أرف) وفي (جـ): (أفر) وفي نسخة من "سر صناعة الإعراب" (أزف) 1/ 334. (¬5) في (ب): (الترجيل). (¬6) في (ب): (برجالها) وعند أبي الفتح (برحالنا) وفي الحاشية: في (ش): (برحالها)، والأكثر في رواية البيت (برحالنا). (¬7) من قصيدة قالها النابغة في (المتجردة) امرأة النعمان بن المنذر (أفد الترحل): أي دنا الرحيل وقرب. و (الركاب): الإبل. و (كأن قد): (أي: زالت لقرب وقت زوالها ودنوه. انظر: "ديوان النابغة الذيباني" ص 89، "الخصائص" 2/ 361، 3/ 131، "مغنى اللبيب" 1/ 171، 2/ 342، "شرح المفصل" 8/ 5، 110، 148، 9/ 18، 52، "الأزهية" ص 211، "شرح ابن عقيل" 1/ 19، "الهمع" 2/ 188، 4/ 315، "الخزانة" 1/ 70، 7/ 197.

ألا ترى أن التقدير: (كأن قد زالت)، فقطع (قد) من الفعل كقطع (ال) من الاسم. وإذا (¬1) كان (ال) عند الخليل حرفا واحدا، فقد ينبغي أن تكون همزته مقطوعة ثابتة، كقاف (قد) وباء (بل)، إلى أنه لما كثر استعمالهم لهذا الحرف عرف موضعه، فحذفت همزته، كما حذفوا: (لم يَكُ) و (ولا أَدْرِ) (¬2). والفصل (¬3) الثاني (¬4): أنهم قد أثبتوا هذِه الهمزة بحيث تحذف همزات الوصل، نحو قوله {قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ} (¬5) [يونس: 59] و {قُلْ آلذَّكَرَيْنِ} [الأنعام: 143]، ولم (¬6) تر همزة وصل تثبت في نحو هذا، فهذا يؤكد أن همزة (أل) ليست بهمزة وصل وأنها مع اللام كقد. ومذهب الجمهور (¬7) في هذا أن اللام وحدها هي حرف التعريف، وأن ¬

_ (¬1) ترك بعض كلام أبي الفتح. انظر: "سر صناعة الإعراب" 1/ 334. (¬2) والقياس فيهما: لم يكن (و) لا أدري (لكن لما كثر في الاستعمال حذفت النون في الأول والياء من الثاني، قال أبو الفتح: وحذفها شاذ انظر: "المنصف" 2/ 227. (¬3) في (ج): (الفضل). (¬4) نص كلام أبي الفتح: (ويؤكد هذا القول عندك أيضا: أنهم قد أثبتوا ... الخ)، "سر صناعة الإعراب" 1/ 334. (¬5) في (ب) تصحيف في الآية، حيث حذف (أذن) وكرر (لكم). (¬6) عند أبي الفتح: (... ونحو قولهم في القسم (أفألله) و (لا ها ألله ذا) ولم نر همزة الوصل تثبت في نحو هذا .... الخ)، "سر صناعة الإعراب" 1/ 335. (¬7) عند أبي الفتح: (وأما ما يدل على أن اللام وحدها هي حرف التعريف، وأن الهمزة إنما دخلت عليها لسكونها، فهو إيصالهم جر الجار إلى ما بعد حرف التعريف ....) "سر صناعة الإعراب" 1/ 335. قال في "شرح المفصل": (واللام هي حرف التعريف وحدها، والهمزة وصلة إلى النطق بها ساكنة، هذا مذهب سيبويه، وعليه أكثر البصريين والكوفيين ما عدا الخليل ....)، 9/ 17، وانظر: "الخزانة" 7/ 198 - 199.

الهمزة إنما دخلت عليها لسكونها، والدليل على هذا (¬1) إيصالهم حرف الجار إلى ما بعد حرف التعريف نحو قولهم: (عجبت من الرجل) و (مررت بالغلام) فنفوذ الجر إلى ما بعد حرف التعريف يدل على أن حرف التعريف غير فاصل عندهم بين الجار والمجرور، وإنما كان كذلك لأنه في نهاية اللطافة والاتصال بما عرفه؛ لأنه على حرف واحد، ولاسيما ساكن، ولو كان حرف التعريف في نية الانفصال كـ (¬2) (قد) لما جاز نفوذ الجر إلى ما بعد حرف التعريف. وأيضا فإن (¬3) حرف التعريف نقيض التنوين، لأن التنوين دليل التنكير، كما أن هذا (¬4) دليل التعريف، فكما (¬5) أن التنوين في [آخر الاسم حرف واحد، كذلك حرف التعريف في] (¬6) أوله ينبغي أن يكون حرفا واحدا. فأما ما احتج به الخليل من قطع (أل) عن الحرف الذي بعده في الشعر فقد يقطعون (¬7) في المصراع الأول بعض الكلمة وما هو منها أصل، ويأتون بالبقية في أول المصراع الثاني، كما قال: ¬

_ (¬1) أي على مذهب الجمهور وهو أن حرف التعريف (اللام) وحدها. (¬2) عند أبي الفتح: (... ولو كان حرف التعريف عندهم حرفين كـ (قد) و (هل) لما جاز الفصل به بين الجار والمجرور به ....) ثم أخذ يشرح ولفصل في هذا في كلام طويل تركه الواحدي، ثم قال: (... وكذلك لو كان حرف التعريف في نية الانفصال لما جاز نفوذ الجر إلى ما بعد حرف التعريف، وهذا يدل على شدة امتزاج حرف التعريف بما عرفه ...) 1/ 336، 337. (¬3) قال أبو الفتح: (.. ويزيدك تأنيسا بهذا أن حرف التعريف نقيض التنوين ..) 1/ 337. (¬4) أي حرف التعريف. (¬5) في (ج): (وكما). (¬6) ما بين المعقوفتين ساقط من (ج). (¬7) في (ب): (يقطعونه).

يَا نَفْسِ أَكْلًا واضْطِجَا ... عًا نَفْسِ لَسْتِ بِخَالِدَه (¬1) وهو كثير، وإذا جاز ذلك في أَنْفُسِ الكَلِم، ولم يدل على انفصال بعض الكلمة من بعض، فغير منكر أيضًا أن تفصل (لام المعرفة) في الأول (¬2). وأما ما احتج به من قطع الهمزة في نحو: {آللَّهُ} (¬3) فإنما جاز ذلك لمخافة التباس الاستفهام بالخبر (¬4). وإنما جعل حرف التعريف حرفا واحدا؛ لأنهم أرادوا خلطه (¬5) بما بعده، فجعلوه على حرف واحد؛ ليضعف عن (¬6) انفصاله مما بعده، فيعلم بذلك أنهم قد (¬7) اعتزموا (¬8) على خلطه به، ولهذا سكنوه، لأنه أبلغ فيما قصدوا، لأن الساكن أضعف من المتحرك، وأشد حاجة وافتقارا إلى ما يتصل به (¬9). ¬

_ (¬1) نسب البيت لكثير عزة، وليس في "ديوانه". انظر: "سر صناعة الإعراب" 1/ 340، "شرح المفصل" 9/ 19، "الخزانة" 7/ 202، وانظر: "معجم الشواهد العربية" لعبد السلام هارون 1/ 99. والشاهد فيه: أنه فصل الكلمة بين مصراعي البيت، وأورده ردا على ما ذهب إليه الخليل من أن قطع (أل) في المصراع الأول دليل على أن (الألف واللام) أداة تعريف، وليس اللام وحدها. (¬2) أي: المصراع الأول من البيت، انظر: "سر صناعة الإعراب" 1/ 340. (¬3) أي قوله تعالى: {آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ} [يونس: 59]. (¬4) يلحظ أن الكلام من قوله: (فأما ما احتج به الخليل ....) إلى قوله: (بالخبر) ليس بهذا السياق والترتيب عند أبي الفتح، وانما تصرف فيه الواحدي. انظر: "سر صناعة الإعراب" 1/ 337، 340، انظر: "الخزانة" 7/ 201، 202. (¬5) في (ب): (خالطه). (¬6) في (أ)، (جـ): (على)، وما في (ب) موافق لـ"سر صناعة الإعراب" 1/ 346. (¬7) (قد) ساقط من (ج). (¬8) في (أ)، (ج): (اعترفوا)، وما في (ب) موافق لـ"سر صناعة الإعراب" 1/ 346. (¬9) من قوله (وإنما جعل حرف التعريف) ملخص من "سر صناعة الإعراب" 1/ 346.

وإنما اختاروا (¬1) (اللام) دون سائر حروف المعجم؛ لأنهم أرادوا إدغام حرف التعريف فيما بعده؛ لأن الحرف المدغم أضعف من الحرف الساكن غير المدغم؛ ليكون إدغامه دليلا على شدة اتصاله، فلما آثروا إدغامه فيما بعده اعتبروا حروف المعجم، فلم يجدوا فيها حرفا أشد مشاركة لأكثر الحروف من (اللام) فعدلوا إليها؛ لأنها تجاور أكثر حروف الفم (¬2) التي هي معظم الحروف، وليصلوا بذلك إلى الإدغام المترجم عما عزموه (¬3) من شدة وصل التعريف بما عرفه (¬4) (¬5)، ولو جاؤوا بغير (اللام) للتعريف لما أمكنهم أن يكثر (¬6) إدغامها، كما أمكنهم ذلك مع (اللام)، فإدغامهم إياها مع ثلاثة (¬7) عشر حرفا، وهي: (التاء، والثاء، والدال، والذال، والراء، والزاي، والسين، والشين، والصاد، والضاد، والطاء، والظاء، والنون) وذلك قولهم التمر، والثَّرِيد، والدِّبْس، والذَّوْق (¬8)، والرُّطَب، والزُّبْد، والسَّفَرْجَل، والشَّعِير، والصَّيْر، والصَّنَاب (¬9)، ¬

_ (¬1) عند أبي الفتح (وأما لم اختاروا له اللام دون سائر حروف المعجم؟ فالجواب عنه أنهم إنما أرادوا ....) 1/ 346، قوله (له) أي: للتعريف. (¬2) في (ب): (المعجم) والمراد بحروف الفم التي مخارجها في الفم. (¬3) في (ج): (عرضوه) وعند أبي الفتح (اعتزموه) 1/ 347. (¬4) في (ب): (عرقوه). (¬5) انظر: "سر صناعة الإعراب" 1/ 347، وفي كلام أبي الفتح زيادة عما هنا. (¬6) في (ب): (يكثروا). (¬7) في (ب): (ثلاث). والرابع عشر اللام نفسها. ومثلها الليل (¬8) عند أبي الفتح: (الذرق)، وفي حاشيته: (ب): (الذوق). الذرق: نبات كالفسفسة، تُسميه الحاضرة: الحندقوقى. انظر: "تهذيب اللغة" (ذرق) 2/ 1280. (¬9) في (ج): (الضباب) وفي (ب): (الضناب) وعند أبي الفتح: (والصَّناب والضَّرْو) 1/ 347، وهو الصواب؛ لأنه تمثيل للصاد ثم للضاد. الصِّير: هو الشق، كما في الحديث: "من اطلع من صير باب"، والصير: الماء يحضره الناس، والصِّير: السمكات =

والطَّبِيخ، والظُّلْم (¬1)، والنَّبِق، يدلك على (¬2) ما ذكرنا أنك (¬3) تجد (اللام) ساكنة وهي لغير التعريف مظهرة غير مدغمة مع أكثر هذِه الحروف، وذلك نحو: (التقت) (¬4)، و (هل ثم أحد) (¬5)، و (الْزَمْ (¬6) بِه) و (أَلْسِنَة) هذا هو الكلام في (اللام) (¬7). فأما الكلام في (الهمزة) الداخلة على هذِه (اللام): فاعلم أن (الهمزة) (¬8) (إنما جيء بها توصلا إلى النطق بالساكن الذي بعدها، إذ لم ¬

_ = المملوحة التي تعمل منها الصحناة. انظر: "تهذيب اللغة" (صير) 2/ 2075، "اللسان" (صير) 4/ 2535، الصَّنَاب: صباغ يتخذ من الخردل والزبيب. انظر: "تهذيب الغة" (صنب) 2/ 2062، "اللسان" (صنب) 4/ 2504. الضِّرو والضَّرو: (شجر طيب الريح يستاك به، ويجعل ورقه في العطر. "اللسان" ضرا 14/ 483. (¬1) عند أبي الفتح (الظبي)، وفي الحاشية: (ل): (الظئر) 1/ 347. (¬2) اختصر الواحدي كلام أبي الفتح ونص كلامه: (.. ويدلك على إيثارهم الإدغام للام التعريف لما قصدوا من الإبانة عن غرضهم، أنك لا تجد لام التعريف مع واحد من هذِه الأحرف الثلاثة عشر إلا مدغمًا في جميع اللغات، ولا يجوز إظهارها ولا إخفاؤها معهن ما دامت للتعريف البتة، وأنك قد تجد اللام إذا كانت ساكنة وهي لغير التعريف مظهرة .. الخ)، 1/ 347. (¬3) في (ب): (أنا). (¬4) في (ب): (السقب) وعند أبي الفتح (التفت). (¬5) في (ب): (أخذ). (¬6) في (ج): (ولزم به): (وعند أبي الفتح (أُلْزِمَ به) وفي الحاشية ل (إِلْزَمْ به)، 1/ 348. (¬7) إلى هنا ما أخذ الواحدي من كتاب أبي الفتح "سر صناعة الإعراب" حرف اللام 1/ 333 - 348. (¬8) انتقل الواحدي إلى موضع آخر من نفس كتاب "سر صناعة الإعراب" 1/ 112 قال =

يمكن (¬1) الابتداء به، وكان حكم هذِه (الهمزة) أن تكون ساكنة، لأنها حرف جاء لمعنى، ولا حظ له في الإعراب. وهي في أول الحرف كالهاء التي لبيان الحركة (¬2) في آخر الحرف. نحو (وازيداه) و (واعمراه) فكما أن تلك ساكنة فكذلك كان ينبغي في الألف (¬3) أن تكون ساكنة (¬4)، إلا أنها (¬5) حركت لأجل الساكن الذي بعدها، ولم يجز أن يحرك ما بعدها لأجلها من قبل أنك لو فعلت ذلك لبقيت هي عليك (¬6) أيضًا في أول الكلمة ساكنة، وكان يحتاج لسكونها إلى حرف قبلها محرك يقع به (¬7) الابتداء. وإنما اختاروا الهمزة لوقوع الابتداء (¬8) بها (¬9)؛ لأنهم أرادوا حرفا يتبلغ به في الابتداء، ويحذف في الوصل للاستغناء عنه بما قبله، فجعلوه الهمزة؛ لأن العادة فيها في أكثر الأحوال حذفها للتخفيف، وهي مع ذلك أصل، ¬

_ = أبو الفتح: (واعلم أن هذِه الهمزة إنما جيء بها توصلا إلى النطق بالساكن ....)، وسأذكر الفروق الهامة بين كلام أبي الفتح وكلام الواحدي في مواضعها. (¬1) في (ب): (يكن) وعند أبي الفتح (لما لم يمكن) 1/ 112. (¬2) عند أبي الفتح (.. الحركة بعد الألف في آخر الحرف ..) 1/ 112. (¬3) أي: الهمزة التي جيء بها للتوصل إلى النطق بالساكن. (¬4) انظر: "سر صناعهَ الإعراب" 1/ 113، اختصر الواحدي بعض الكلام، وتصرف في بعض العبارات. (¬5) في (ب): (إنها) بكسر الهمزة. (¬6) (عليك): ليست في كلام أبي الفتح. (¬7) في (أ)، (ج): (يقع به الابتداء به) وعند أبي الفتح (يقع الابتداء به)، "سر صناعة الإعراب" 1/ 113. (¬8) هذا جواب تساؤل افترضه أبو الفتح، انظر: "سر صناعة الإعراب" 1/ 113. (¬9) في (أ)، (ب)، (ج): (به) وصححتها على حسب ما عند أبي الفتح في "سر صناعة الإعراب" 1/ 113.

فكيف بها إذا كانت زائدة، ألا تراهم حذفوها في نحو: (خذ) و (مر) (¬1) و (وَيْلُمِّه) (¬2) وفي قول الشاعر: وَكَانَ حَاملُكُمْ مِنَّا وَرَافِدُكُمْ ... وَحَامِلُ المِينَ بَعْد المِينَ والْأَلَفِ (¬3) أراد المئين، فحذف الهمزة، وأراد (الألف) فحرك اللام ضرورة (¬4). وقالوا: (ذن (¬5) لا أفعل) فحذفوا همزة (إذن) (¬6) ولو أنهم جعلوا مكان الهمزة غيرها لم يمكن حذفه؛ لأنه لم يحذف غيرها من الحروف كما حذفت هي، وكانت (الهمزة) بالزيادة في الابتداء أولى من سائر الحروف؛ لأنهم شرطوا على أنفسهم حرفا يحذف عند الغنى (¬7) عنه، وذلك في أكثر أحواله؛ لأن الوصل أكثر من الابتداء والقطع، ولم يجدوا حرفا يطرد فيه الحذف ¬

_ (¬1) أصلها: (أُؤخُذُ) و (أؤْمُر) فلما اجتمعت همزتان وكثر استعمال الكلمة حذفت الهمزة الأصلية فزال الساكن، فاستغني عن الهمزة الزائدة. انظر: "سر صناعة الإعراب" 1/ 112. (¬2) الأصل فيها: (وَيْلٌ لِأُمِّه) فحذف التنوين فالتقت لام ويل ولام الخفض فأسكنت الأولى وأدغمت الثانية ثم حذفت الهمزة، ثم خفف بحذف أحد اللامين، فمنهم من جعل المحذوفة (لام) الخفض وأبقى (لام) ويل وأبقى لام الخفض مكسورة، ومنهم في جعل المحذوفة (لام) ويل على أصلها مضمومة، ففيها الوجهان. انظر: "المسائل الحلبيات" للفارسي ص 43، "الكتاب" 3/ 5، "سر صناعة الإعراب" 1/ 113، 235، "الخزانة" 3/ 275، 276. (¬3) ورد البيت غير منسوب في "سر صناعة الإعراب" 1/ 114، "الخصائص" 2/ 334، "اللسان" (ألف) 1/ 107، و (مأى) 7/ 4124. (¬4) وقيل: أراد: (الآلاف) فحذف للضرورة، قاله في "اللسان" 9/ 9. (¬5) في (ب): (اذن). (¬6) "سر صناعة الإعراب" بتصرف 1/ 113، 114. (¬7) في حاشية "سر صناعة الإعراب": (ب) و (ش): (الغناء).

اطراده في الهمزة، فأتوا بها دون غيرها من سائر حروف المعجم. والأصل في جميع (ألفات الوصل) أن تبدأ بالكسر؛ لأنها إنما دخلت وصلة إلى النطق بالساكن (¬1)، وقد ذكرنا أن حقها كان في الأصل السكون، فلما كان حقها السكون ودخلت على الساكن حركت بالكسرة تشبيها بحركة الساكن إذا لقيه ساكن، لأن تحريك أحد الساكنين في سائر المواضع إنما هو أيضًا ليتصل به إلى النطق بالساكن الآخر (¬2). وإنما فتحت مع (لام التعريف) لأن (اللام) حرف، فجعلوا حركة الهمزة معها فتحة؛ لتخالف حركتها في الأسماء والأفعال (¬3) (¬4). و (لام التعريف) تقع (¬5) في الكلام في أربعة مواضع (¬6) وهي: 1 - تعريف الواحد بعهد، نحو قولك لمن كنت معه في ذكر رجل: (قد وافى الرجل) أي: الرجل الذي كنا في حديثه وذكره. 2 - وتعريف الواحد بغير عهد نحو قولك لمن لم تره قط ولا ذكرته: (يا أيها الرجل أقبل) فهذا تعريف لم يتقدمه ذكر ولا عهد. ¬

_ (¬1) في (ج) كلام مقدم في غير موضعه ونص العبارة (بالساكن الآخر وإنما فتحت مع لام التعريف لأن اللام حرف فجعلوا حركة الهمزة معها فتحة لتخالف، وقد ذكرنا ...). وشطب الناسخ كلمة (والآخر) و (لتخالف) وهما أول ونهاية الكلام المكرر فلعله تنبه له بعد كتابته. (¬2) أخذه بمعناه من "سر صناعة الإعراب" 1/ 112، 113. (¬3) حيث تكون مكسورة أو مضمومة مع الأسماء والأفعال. (¬4) بنصه من "سر صناعة الإعراب" 1/ 117. (¬5) في (ب): (تقطع). (¬6) مواضع لام التعريف، أخذه كذلك عن أبي الفتح بن جني من "سر صناعة الإعراب" (حرف اللام) 1/ 350، مع إعادة ترتيب الكلام والتصرف اليسير في العبارة.

3 - الثالث: تعريف الجنس، نحو قولك: (العسل حلو والخل حامض) فهذا التعريف لا يجوز أن يكون عن إحاطة بجميع الجنس ولا مشاهدة له؛ لأن ذلك متعذر، وإنما معناه: أن كل واحد من هذا الجنس المعروف بالعقول دون حاسة المشاهدة (¬1). 4 - الرابع: أن تكون زائدة، نحو قوله: (الآن، ولام الذي والتي وتثنيتهما وجمعهما، ولام اللات والعزى) وسنذكر كل واحد من هذِه الحروف إذا انتهينا إليه إن شاء (¬2) الله. فأما قوله: (الحمد) فـ (اللام) فيه تحتمل (¬3): أن تكون للجنس، أي جميع المحامد له؛ لأنه الموصوف بصفات الكمال في نعوته وأفعاله الحميدة (¬4)، وتحتمل: أن تكون للعهد، أي: الحمد الذي حمد به نفسه ¬

_ (¬1) في الكلام عدم وضوح، حيث إن قوله: (وإنما معناه أن كل واحد من هذا الجنس ... الخ) يعود على مثال لم يذكره الواحدي، ونص عبارة أبي الفتح: (الثالث: نحو قولك الملك أفضل من الإنسان، والعسل حلو، والخل حامض، وأهلك الناس الدينار والدرهم، فهذا التعريف لا يجوز أن يكون عن إحاطة بجميع الجنس ... الخ). ثم يقول: (... وإنما معناه أن كل واحد من هذا الجنس المعروف بالعقول دون حاسة المشاهدة أفضل من كل واحد من هذا الجنس الآخر، وأن كل جزء من العسل الشائع في الدنيا حلو، وكل جزء من الخل الذي لا تمكن مشاهدة جميعه حامض). "سر صناعة الإعراب" 1/ 350. (¬2) قوله: (وسنذكر كل واحد من هذِه الحروف إذا انتهينا إليه ...) من كلام الواحدي، أما أبو الفتح فتكلم عنها في نفس الموضع، انظر: "سر صناعة الإعراب" 1/ 350 وما بعدها، ليت الواحدي لم يثقل الكتاب بهذِه النقول التي مكانها كتب النحو المطولة. (¬3) في (ج): (يحتمل). (¬4) وعليه أكثر المفسرين، انظر: "تفسير الطبري" 1/ 60، "تفسير ابن عطية" 1/ 99، "الكشاف" 1/ 49، "تفسير القرطبي" 1/ 116، "تفسير ابن كثير" 1/ 25، "البحر" 1/ 18.

وحمده به أولياؤه (¬1). ورفعه على معنى قولوا: (الحمد لله) على ما حكينا عن ابن الأنباري (¬2)، ويجوز أن يكون ابتداء، وخبره فيما بعده (¬3). وقوله تعالى: {لِلَّهِ}: هذِه (اللام) تسمى لام الإضافة (¬4)، ولها في الإضافة معنيان (¬5): أحدهما: الملك نحو: (المال لزيد). والآخر: الاستحقاق (¬6) نحو: (الجُلُّ (¬7) للدابة) أي: استحقته ولابسته، وكذلك (الباب للدار). وهذِه الجارة مكسورة مع المظهر، ومفتوحة مع المضمر، وإنما كسرت مع المظهر وكان من حقها الفتح؛ لأنا ذكرنا أن هذِه الحروف التي تستعمل على واحدة حقها الفتح (¬8)، وكسرت مع المظهر للفرق ¬

_ (¬1) ذكره الرازي في "تفسيره" 1/ 220، وأبو حيان في "البحر" 1/ 18. (¬2) سبق كلام ابن الأنباري ص 271، وانظر: "تفسير الطبري" 1/ 61. (¬3) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 119، "البيان في غريب القرآن" 1/ 34، "مشكل إعراب القرآن" لمكي 1/ 8، "الكشاف" 1/ 47، "إملاء ما من به الرحمن" 1/ 5. (¬4) الكلام عن (اللام) نقله عن كتاب "سر صناعة الإعراب" 1/ 325، قال أبو الفتح: (فأما العاملة فلام الجر، وذلك قولك: المال لزيد، والغلام لعمرو. وموضعها في الكلام الإضافة، ولها في الإضافة معنيان: أحدهما الملك ..). (¬5) ذكر الرازي لها ثلاثة معان في "تفسيره" 1/ 22، وانظر: "البحر" 1/ 18. (¬6) عند أبي الفتح (الاستحقاق والملابسة) 1/ 325. (¬7) (الجُلُّ): واحد جِلاَل الدواب، الذي تلبسه لتصان به. انظر: "الصحاح" (جلل) 4/ 1658، "اللسان" (جلل) 2/ 664. (¬8) ذكره الواحدي عند الحديث عن (الباء) في تفسير (بسم الله) ناقلا عن أبي الفتح من هذا الموضع. انظر: "سر صناعة الإعراب" 1/ 325.

بينها (¬1) وبين (لام الابتداء) وذلك قولك في الملك: (إن زيدا لهذا) أي: في ملكه، و (إن زيدا لهذا) أي: هو (¬2) هو، فلو فتحت في الموضعين لالتبس (¬3) معنى (¬4) الملك بمعنى الابتداء. وإنما كسرت الجارة وتركت (لام الابتداء) بحالها مفتوحة (¬5)؛ لأن أول أحوال (¬6) الاسم هو الابتداء، وإنما يدخل الناصب والجار والرافع على المبتدأ (¬7) فلما كان المبتدأ متقدما في المرتبة، وكان فتح هذِه اللام هو الأول المتقدم من حالتها (¬8)، جعل الفتح الذي هو أول مع الابتداء الذي هو أول، ولما كان الكسر فيها إنما هو ثان غير أول، جعل مع الذي هو تبع للابتداء، هذا هو القياس (¬9). ¬

_ (¬1) في (ب): (بينهما). (¬2) عند أبي الفتح (أي هو هذا) 1/ 326. (¬3) في (ج): (للا لا لتبس). (¬4) في (ج): (بمعنى). (¬5) هذا مضمون سؤال أثاره أبو الفتح حيث قال: (وهنا زيادة ما علمتها لأحد من أصحابنا، وهي أن يقال: إذا كان الفرق بين (اللام) الجارة و (لام) الابتداء واجبا لما ذكرته من المعنيين، فلم كسرت الجارة وتركت لام الابتداء بحالها مفتوحة؟. فالجواب عن هذا أن يقال: إن أول أحوال الاسم هو الابتداء ....) الخ 1/ 328. (¬6) في (ب): (الأحوال). (¬7) في (ب): (الابتداء). نص كلام أبي الفتح: (وإنما يدخل الرافع أو الناصب سوى الابتداء والجار على المبتدأ وفي حاشيته: في ب (الناصب والرافع)، "سر صناعة الإعراب" 1/ 328 تأمل الفرق بينهما. (¬8) عند أبي الفتح (حاليها) 1/ 328. (¬9) انتهى من "سر صناعة الإعراب" 1/ 328.

وقوله تعالى {رَبِّ الْعَالَمِينَ}: (الرب) في اللغة له معنيان (¬1): أحدهما: أن يكون معناه من الرب بمعنى التربية. قال الأصمعي: (رب فلان الصنيعة يَرُبُّها رَبًّا إذا أتمها وأصلحها) قال: ويقال: فلان رَبَّ نِحْيَهُ يَرُبُّه رَبًّا (¬2) إذا جعل فيه الرُّبَّ ومتَّنَهُ به، وهي (¬3) نِحْيٌ مَرْبُوب (¬4) وهذا -أيضًا- عائد إلى معنى التربية والإصلاح. قال الشاعر: فَإِنْ كُنْتِ مِنِّي أَوْ تُرِيدِين صُحْبَتِي (¬5) ... فَكُونِي لَهُ كَالسَّمْنِ (¬6) رُبَّتْ لَهُ الأَدَم (¬7) ¬

_ (¬1) ذكر ابن الأنباري أن الرب ثلاثة أقسام: السيد المطاع، والمالك، والمصلح. "الزاهر" 1/ 575. ونحوه عند ابن جرير ثم قال: "وقد يتصرف معنى (الرب) في وجوه غير ذلك، غير أنها تعود إلى بعض هذِه الوجوه الثلاثة ...) "تفسير الطبري" 1/ 62، وانظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 25/ ب، "المخصص" 17/ 154، "معجم مقاييس اللغة" (رب) 2/ 381، "الزينة" 2/ 27، "اللسان" (ربب) 1/ 404. (¬2) (ربا) ساقط من (ب). (¬3) في "تهذيب اللغة" (وهو نحى مربوب). (¬4) انظر قولي الأصمعي في "تهذيب اللغة" (رب) 2/ 1336. (¬5) في (ب): (تريدن نصيحتي). (¬6) في (ب)، (ج): (كالشمس). (¬7) البيت لعمرو بن شأس، كان له ابن يقال له (عرار) من أمة سوداء، وكانت امرأته تؤذيه وتستخف به، فقال قصيدة يخاطبها، ومنها هذا البيت، يقول: إن كنت تريدين مودتي، فأحسني إليه كما تستصلحين وعاء السمن حتى لا يفسد عليك، و (الأَدَم) جمع أَدِيم: الجلد المدبوغ، و (الرُّبُّ): خلاصة التمر بعد طبخه وعصره. ورد البيت في "شعر عمرو" ص 71، "الشعر والشعراء" ص 274، "طبقات الشعراء" للجمحي ص 80، "أمالي القالي" 2/ 189، "اشتقاق أسماء الله" ص 33، "الصحاح" (ربب) 1/ 131، "اللسان" (ربب) 3/ 1550.

وتقول: رَبَّ الشيء يَرُبُّه ربوبًا فهو رَبٌّ، مثل: (بَرّ وَطَبّ (¬1)) (¬2)، إذا تممه وأصلحه، قال الشاعر: يَرُبُّ الذِّي يَأْتِي مِنَ الخَيْرِ أَنَّهُ ... إذَا فَعَلَ المَعْرُوفَ زَادَ وَتَمَّمَا (¬3) فالمعنى (¬4) على هذا أنه يربي الخلق ويغذوهم (¬5) بما ينعم عليهم (¬6). الثاني: أن يكون الرب بمعنى المالك، يقال: رب الشيء إذا ملكه، ورببت (¬7) فلانا، أي: كنت فوقه (¬8). ومنه قول صفوان بن أمية (¬9): لأن يَرُبَّنِي رجل من قريش أحب إِلي من أن يَرُبَّنِي رجل من هوازن (¬10) يعني: أن يكون ربًا فوقي، وسيدًا يملكني. وكل ¬

_ (¬1) يقال: (رجل طب) أي: عالم. انظر: "الصحاح" (طبب) 1/ 171. (¬2) ذكر الثعلبي نحوه قال: (تقول العرب: رَبَّ يَرُبُّ رَبَابَةً ورُبُوبًا فهو رَبٌّ مثل بَرٌّ وَطبٌّ) "تفسير الثعلبي" 1/ 25/ ب، وانظر: "الزاهر" 1/ 576، "الصحاح" (ربب) 1/ 130، "الوسيط" للواحدي 1/ 17. (¬3) ورد البيت بدون عزو في "الزاهر" 1/ 576، "تهذيب اللغة" (رب) 2/ 1336، "تفسير الثعلبي" 1/ 25/ ب، "الوسيط" للواحدي 1/ 17، "اللسان" (ربب) 3/ 1547، ورواية البيت في غير الثعلبي (من العرف) بدل (من الخير)، (سئل) بدل (فعل). (¬4) في (ب): (والمعنى). (¬5) في (ب): (ويعددهم). (¬6) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 119. (¬7) في (ب): (بيت). (¬8) انظر: "الزينة" 2/ 27، "تهذيب اللغة" (رب) 2/ 1336، "اللسان" (ربب) 3/ 1546. (¬9) صفوان بن أمية بن خلف الجمحي القرشي، أسلم بعد الفتح، وروى أحاديث وشهد اليرموك، توفي سنة إحدى وأربعين. انظر ترجمته في "الإصابة" 2/ 187، "تجريد أسماء الصحابة" 1/ 266، "سير أعلام النبلاء" 2/ 562، "طبقات ابن سعد" 5/ 449. (¬10) ذكره الأزهري في "التهذيب"، وفيه: أن صفوان كان يرد بذلك على أبي سفيان. =

من ملك شيئا فهو ربّه (¬1)، يقال: هو ربّ الدار وربّ الضيعة (¬2)، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لرجل (¬3): "أَرَبُّ إِبلٍ أنت أم رَبُّ غنم؟ " (¬4)، وقال النابغة: فَإِنْ تَكُ رَبَّ أَذْوَادٍ بِحُزْوى ... أَصَابُوا مِنْ لِقَاحِكَ مَا أَصَابُوا (¬5) ثم (السيد) يسمى ربًّا وإن لم يكن مالكا على الحقيقة (¬6)، قال الله تعالى: {اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ} [يوسف: 42]. وقال الأعشى (¬7): وَأَهْلَكْنَ يَوْمًا رَبَّ كِنْدَةَ وابْنَه (¬8). ¬

_ = "التهذيب" (رب) 2/ 1336، وذكره ابن هشام في "السيرة"، وذكر عن ابن إسحاق أنه كان يرد به على (جبلة بن الحنبل) وقال ابن هشام (كلدة بن الحنبل) "السيرة" لابن هشام 4/ 72 - 73. (¬1) في (ب): (رب). (¬2) انظر: "تهذيب اللغة" (رب) 2/ 1336، " الزينة" 2/ 27، "اشتقاق أسماء الله" ص 32. (¬3) (لرجل) ساقط من (أ). (¬4) أخرجه أحمد في (مسنده) عن أبي الأحوص عن أبيه قال: أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فصعد في النظر وصوَّب وقال: "أَرَبُّ إبل .... " الحديث 4/ 136، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 25/ ب، والرازي في "الزينة" 2/ 29. (¬5) رواية البيت في "الديوان": فَإِنْ تَكُنِ الفَوَارِسُ يَوْمَ حِسْي ... أَصَابُوا مِنْ لِقَائِكَ مَا أَصَابُوا "الديوان" ص 84، ونحو رواية الديوان في "مجاز القرآن" 1/ 311، "الزاهر" 1/ 575، "الزينة" 2/ 27، وبمثل رواية الواحدي ورد في "تفسير الثعلبي" 1/ 25/ ب، ولعله أخذه عنه، و (حُزْوى) بضم الحاء موضع بنجد، انظر: "معجم البلدان" 2/ 255. (¬6) انظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 25/ ب، "مجاز القرآن" 1/ 311، "الزينة" 2/ 27. (¬7) تبع الواحدي شيخه الثعلبي فنسب البيت للأعشى، والبيت للبيد كما نسبه الطبري وغيره في "ديوانه" كما سيأتي. (¬8) شطره الثاني: وَرَبَّ مَعَدًّ بَيْنَ خَبْتٍ وَعَرْعَرِ. (رب كندة): ملكهم حجر أبو امرئ القيس، و (رب معد): ملكهم حذيفة بن بدر، (خبت): الأصل فيه المطمئن من الأرض ويطلق على عدة أماكن، و (عرعر) اسم =

أي: سيدها. والله تعالى ربُّ كل شيء أي: مالكه، وهو السيد على الحقيقة. وقال بعض أهل اللغة: المعنى الثاني راجع إلى الأول الذي هو بمعنى التربية (¬1) وقيل للمالك: (رب) لأنه يرب مملوكه، ويملك تربيته وتنشئته، والسيد رب لأنه مالك. فأما ما يذهب إليه المتكلمون أنه لم يزل ربًّا (¬2)، وأن هذا من صفة الذات، وقولهم: إن معناه الثابت الدائم، من قولهم: (ربُّ بالمكان) إذا أقام به (¬3). فهذا لا يعرفه أهل اللغة، وليس يصح ربَّ (¬4) بمعنى: أقام (¬5)، وأربَّ بمعنى: أقام صحيح (¬6)، فان أمكن بناء (¬7) هذا الاسم من الإرباب صح قولهم. ¬

_ = مكان. انظر البيت في "شرح ديوان لبيد" ص 55، "تفسير الطبري" 1/ 62، "الزينة" 2/ 27، "الزاهر" 1/ 576، "تفسير الثعلبي" 1/ 25/ ب. (¬1) انظر: "معجم مقاييس اللغة" (رب) 2/ 381، 382. (¬2) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 26/ أ. (¬3) ذكره الثعلبي عن الحسين بن الفضل في "تفسيره" 1/ 25/ ب. (¬4) في (ب): (في رب). (¬5) بل ورد عند بعض أهل اللغة (رب) بمعنى: أقام، قال ابن دريد في "الجمهرة" (... رب بالمكان وأرب به إذا أقام به) 1/ 28، وانظر: "الاشتقاق" له ص 536، وفي "اللسان": رب بالمكان وأرب: لزمه. "اللسان" (ربب) 3/ 1548، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 25/ ب. (¬6) انظر: "تهذيب اللغة" (رب) 2/ 1339، "الصحاح" (ربب) 1/ 132، "اللسان" (ربب) 3/ 1548. (¬7) في (ب): (بنى).

وقوله تعالى: {الْعَالَمِينَ}: هو جمع (عالم) على وزن (فَاعَل) (¬1)، كما قالوا: خَاتَم (¬2)، وطَابَع، ودَانَق (¬3)، وقَالَب (¬4)، واختلفوا في اشتقاقه على وجهين: فمنهم من قال: اشتقاقه من (العَلَم) و (العلامة)، وذلك أن كل مخلوق دلالة وعلامة على وجود صانعه (¬5)، فالعالم اسم عام لجميع المخلوقات، يدل على هذا قول الناس: (العالم محدث) يريدون به جميع المخلوقات، وهذا قول الحسن (¬6) ومجاهد وقتادة (¬7) في تفسير العالم: إنه جميع المخلوقات. ولدل على هذا القول من التنزيل قوله: {قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (23) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا} [الشعراء: 23، 24] فسر (¬8) العالمين بجميع المخلوقات. ومنهم من قال: إنه مشتق من العِلْم (¬9). ¬

_ (¬1) انظر: "تهذيب اللغة" (علم) 3/ 2554. (¬2) الخاتم: ما يوضع على الطينة التي على الكتاب، وتكون علامة على أنه لم يفتح، والطابع بمعناه، انظر. "تهذيب اللغة" (ختم) 1/ 983، و (طبع) 3/ 2161. (¬3) (الدانق) بفتح النون وكسرها: سدس الدرهم، انظر: "اللسان" (دنق) 3/ 1433. (¬4) (القالب) بفتح اللام وكسرها، الشيء الذي يفرغ فيه الجواهر، ليكون مثالا لما يصاغ منها، "اللسان" (قلب) 6/ 3715. (¬5) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 26/ ب، وانظر: "معجم مقاييس اللغة" (علم) 4/ 110. (¬6) هو أبو سعيد الحسن بن أبي الحسن يسار البصري، مولى الأنصار، ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر، وتوفي سنة عشر ومائة من الهجرة، كان غزير العلم بكتاب الله تعالى. ورعًا زاهدًا فصيحا. انظر ترجمته في "حلية الأولياء" 2/ 131، "طبقات القراء" لابن الجزري 1/ 235، "تذكرة الحفاظ" 1/ 71، "طبقات المفسرين" للداودي 1/ 150. (¬7) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 26/ ب وذكره الطبري عن ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد وقتادة. "تفسير الطبري" 1/ 63، وكذا ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 27. (¬8) في (ب): (فيفسر). (¬9) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 26/ ب.

فالعالمون على هذا هم من يعقل، قال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير: هم الجن والإنس (¬1). واختاره أبو الهيثم (¬2) والأزهري (¬3)، واحتجوا بقوله: {لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} [الفرقان: 1] وإنما بعث محمد نذيرا للجن والإنس (¬4). وقال الحسين بن الفضل وأبو معاذ (¬5) النحوي: هم بنو آدم (¬6)، لقوله: {أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (165)} [الشعراء: 165]. وقال الفراء (¬7) وأبو عبيدة: هو عبارة عما يعقل، وهو أربع أمم: ¬

_ (¬1) أخرجه الطبري بسنده. قال شاكر: إسناه حسن. "تفسير الطبري" 1/ 144 (ط. شاكر)، وابن أبي حاتم. وقال المحقق: (إسناده ضعيف)، "تفسير ابن أبي حاتم" رسالة دكتوراه 1/ 154، والحاكم في "المستدرك"، وقال بعده: ليعلم طالب هذا العلم أن تفسير الصحابي الذي شهد الوحي والتنزيل عند الشيخين حديث مسند. ووافقه الذهبي، "المستدرك"، كتاب التفسير تفسير سورة الفاتحة 2/ 258، وانظر: "الدر المنثور" 1/ 36. (¬2) انظر: الثعلبي 1/ 26/ أ. (¬3) انظر: "تهذيب اللغة" (علم) 3/ 2554. (¬4) "التهذيب" (علم) 3/ 2554. (¬5) أبو معاذ النحوي المقرئ اللغوي، له عناية باللغة والقراءات. انظر مقدمة "تهذيب اللغة" 1/ 44، "إنباه الرواة" 179. (¬6) قال الثعلبي في "تفسيره" (قال أبو معاذ النحوي: هم بنو آدم .. وقال الحسين بن الفضل: (العالمون): الناس واحتج بقوله تعالى: {أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ} "تفسير الثعلبي" 1/ 26/ أ. (¬7) أبو زكرياء يحي بن زياد الديلمي الفراء، كان أبرع أهل الكوفة في النحو، له كتب من أشهرها معاني القرآن، توفي سنة سبع ومائتين. انظر ترجمته في "طبقات النحويين واللغويين" للزبيدي ص 131، "تاريخ بغداد" 14/ 149، "اللباب" 2/ 414، "إنباه الرواة" 4/ 1.

الملائكة والإنس والجن والشياطين، ولا يقال للبهائم: عالم (¬1). وقد ذكر الله تعالى {الْعَالَمِينَ} وأراد به أهل عصر واحد، وهو قوله لبني إسرائيل: {وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} [البقرة: 47] يعني عالمي زمانهم (¬2). وهذِه الأقوال صحيحة على أصل من يجعله مشتقًّا من العِلْم، والذين صححوا هذِه الطريقة قالوا في جواب موسى لفرعون: {رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا} (¬3): إنه لم يشتغل بتفسير العالمين، وإنما أراد تعريفه على وجه أظهر من الأول (¬4)، ليصير الخصم مبهوتًا. وأبو إسحاق (¬5) اختار الطريقة الأولى، وقال: معنى العالمين: كل ما خلق الله. قال: وقوله: {رَبِّ الْعَالَمِينَ} كقوله {وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ} [الأنعام: 164] (¬6). والعالم على كلا (¬7) الأصلين: اسم للجمع (¬8)، ولا واحد له من لفظه، ¬

_ (¬1) بنصه في "تفسير الثعلبي" 1/ 26/ ب. (¬2) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 264، "التصاريف" المنسوب ليحيى بن سلام ص 266، "إصلاح الوجوه والنظائر" للدامغاني ص 331. (¬3) يشير بهذا إلى ما سبق في قوله تعالى: {قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (23) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ} [الشعراء: 23، 24] حيث استدل بالآيتين من قال: إن العالمين: جميع المخلوقات. (¬4) هو ما ورد في الآيات قبلها حين توجه موسى إلى فرعون بقوله تعالى: {فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 16]. (¬5) الزجاج. (¬6) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 8. (¬7) في (ج): (كل). (¬8) في (ج): (جمع).

كالأنام والرهط والجيش (¬1). قال أبو إسحاق: وإنما لم يستعمل الواحد من لفظه؛ لأن (العالم) اسم لأشياء مختلفة، فإن جعل لواحد منها اسم من لفظه صار جمعا لأشياء متفقة (¬2). وهذا النوع من الجمع (¬3) يسمى (السالم) لسلامة لفظ الواحد فيه، ويجمع على الواو والياء (¬4). واختلف النحويون في (الواو والياء والألف) اللواتي تلحق التثنية والجمع (¬5)، فمذهب سيبويه فيها أنها حروف إعراب بمنزلة (الدال) من زيد (¬6). والدليل على ذلك (¬7): أن الذي أوجب للواحد المتمكن نحو: (زيد ورجل) حرف الإعراب، هو (¬8) موجود في التثنية والجمع (¬9)، وهو التمكن، ¬

_ (¬1) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 62، "تفسير الثعلبي" 1/ 26/ أ. (¬2) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 8، ذكر كلامه بتصرف. (¬3) أي: (العالمين) جمع (عالم)، انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 8. (¬4) انظر: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 162، "شرح ابن عقيل" 1/ 63. (¬5) نقل الواحدي في هذا الموضوع عن أبي الفتح ابن جني من "سر صناعة الإعراب" بعضه بنصه، وبعضه بمعناه. 2/ 695، ومثل هذا المبحث مكانه كتب النحو لا كتب التفسير. (¬6) انظر: "الكتاب" 1/ 17، 18. (¬7) أي ما ذهب إليه سيبويه، انظر: "سر صناعة الإعراب" 2/ 696. (¬8) في (أ)، (ج): (فهو) وما في (ب) موافق لما في "سر صناعة الإعراب" 2/ 696. (¬9) لم يرد في كلام أبي الفتح ذكر للجمع، وإنما الحديث عن المثنى، وأضاف الواحدي كلمة (الجمع) لكلامه في جميع المواضع؛ لأن حكمهما واحد. انظر: "سر صناعة الإعراب" 2/ 696.

فكما أن الواحد المعرب المتمكن يحتاج إلى حرف إعراب، فكذلك الاسم المثنى والمجموع إذا كان معربا متمكنا احتاج إلى حرف إعراب، وإذا كان كذلك فقولنا: (الزيدان والزيدون) (¬1) لا يخلو حرف الإعراب، إما أن يكون ما قبل الألف والواو، أو هما، أو ما بعدهما. ويفسد أن تكون (الدال) من زيد هي حرف الإعراب في التثنية؛ لأنها قد كانت في الواحد حرف الإعراب، وقد انقلبت عن الواحد الذي هو الأصل إلى التثنية التي هي فرع، كما تقول في (قائمة) لما انقلبت عن المذكر (¬2) الذي هو الأصل إلى المؤنث الذي هو الفرع، بطل أن تكون (الميم) التي كانت (¬3) في المذكر حرف إعراب أن تكون (¬4) في المؤنث حرف إعراب، وصار حرف الإعراب علم التأنيث وهو (الهاء) (¬5) فكذلك ينبغي أن يكون علم التثنية والجمع (¬6) هو حرف الإعراب (¬7). ولا يجوز أن يكون ما بعد الألف والواو حرف إعراب، وهو (النون) لأنها حرف صحيح يتحمل (¬8) الحركة، فلو كانت ¬

_ (¬1) عند أبي الفتح: (الزيدان والعمران، والرجلان والغلامان) 2/ 697، فهي أمثلة على المثنى وليس للجمع ذكر. (¬2) وهو (قائم)، انظر: "سر صناعة الإعراب" 2/ 697. (¬3) في (ب): (الذي كان). (¬4) في (ب): (يكون). (¬5) في كلمة (قائمة)، "سر صناعة الإعراب" 2/ 697. (¬6) (الجمع) زيادة من الواحدي على كلام أبي الفتح، 2/ 697. (¬7) تكلم أبو الفتح بعد هذا عن المقارنة بين المثنى وجمع التكسير، ولماذا لا تكون (الدال) من (الزيدان) حرف إعراب كما في المفرد؟ مثل (فرس) فالسين حرف إعراب و (أفراس) السين حرف إعراب وهو جمع تكسير. انظر: "سر صناعة الإعراب" 2/ 697 - 698. (¬8) في (ب): (محمل).

حرف إعراب لوجب أن تعربه (¬1) في الرفع والنصب والخفض (¬2)، كما تعرب (الدال) من زيد، وكما تقول: هؤلاء غلمان، ورأيت غلمانا، ومررت بغلمان (¬3). وهذا الذي ذكرنا من مذهب سيبويه، مذهب أبي إسحاق وابن كيسان، وأبي بكر، وأبي علي (¬4). وإذا ثبت أن هذِه الحروف حروف إعراب (¬5) فلا إعراب في لفظها استثقالا للحركات فيها، ولا تقدير إعراب فيها -أيضًا- كما يقدر في الأسماء المقصورة المعربة نية الإعراب، ألا ترى أنك إذا قلت: هذا فتى، ففي الألف تقدير ضمة، وإذا قلت: رأيت فتى، ففي الألف تقدير فتحة، وإذا قلت: مررت بفتى، ففي الألف تقدير كسرة، وهو لا يرى (¬6) أنك إذا قلت: هذان الزيدان، أن في الألف تقدير ضمة، ولا إذا قلت: مررت بالزيدين، وضربت ¬

_ (¬1) في (ب): (تعرفه). (¬2) قال أبو الفتح: تقول: (قام الزيدان، ورأيت الزيدان، ومررت بالزيدان)، "سر صناعة الإعراب" 2/ 699. (¬3) انظر: "سر صناعة الإعراب" 2/ 699 وما بعدها من الصفحات فقد أطال أبو الفتح بن جني الشرح حول هذِه المسألة. (¬4) انظر: "سر صناعة الإعراب" 2/ 695، قال أبو الفتح: (.. وهو قول أبي إسحاق، وابن كيسان، وأبي بكر، وأبي علي ..). (¬5) قال أبو الفتح: (واعلم أن سيبويه يرى أن (الألف) في التثنية كما أنه ليس في لفظها إعراب، فكذلك لا تقدير إعراب فيها كما يقدر في الأسماء المقصورة المعربة نية الإعراب، ألا ترى أنك .. الخ) "سر صناعة الإعراب" 2/ 706. (¬6) في (ب): (لا ترى). والمراد (سيبويه) كما هو في النص السابق الذي نقلناه عن أبي الفتح 2/ 706.

الزيدين، ففي الياء تقدير كسرة ولا فتحة (¬1). قال أبو علي: (¬2) يدلك على أنه ليس في حرف الإعراب من التثنية والجمع تقدير حركة في المعنى، صحة (الياء) في الجر والنصب في قولك: (مررت برجلين) و (ضربت رجلين)، ولو كان في (الياء) منهما (¬3) تقدير حركة، لوجب أن تقلب ألفا كرحى وفتى، ألا ترى أن (الياء) إذا انفتح ما قبلها وكانت في تقدير حركة وجب أن تقلب ألفا (¬4). وهذا استدلال من أبي علي في نهاية الحسن، وصحة المذهب وسداد الطريقة (¬5). ودخلت النون فيهما عوضا من الحركة والتنوين، وذلك أن من شرط التثنية، والجمع -الذي على حد التثنية- أن يكون (¬6) له علامة مزيدة على لفظ الواحد، والواحد فيه حركة وتنوين، فكان حق العلامة أن تدخل على لفظ الواحد، ثم تلحقها الحركة والتنوين، فلما وجب أن يدخل التنوين ¬

_ (¬1) في "سر صناعة الإعراب" (أن في الياء ..) وفي حاشيته: في (ش): (ففي) ويظهر أن الواحدي أخذ عن هذِه النسخة، والصحيح ما أثبت في أصل "سر صناعة الإعراب" 2/ 706. (¬2) عند أبي الفتح: (قال أبو علي: ويدل على صحة ما قال سيبويه من أنه ليس في حرف الإعراب من التثنية تقدير حركة في المعنى -كما أن ذلك ليس موجودا في اللفظ- صحة (الياء) في الجر والنصب ...) فلم يرد في كلامه لفظ الجمع، انظر: "سر صناعة الإعراب" 2/ 706. (¬3) في (ب): (منها). (¬4) لم أجده فيما اطلعت عليه من كتب أبي علي الفارسي، ولعل أبا الفتح أخذه من أبي علي مشافهة حيث قال: (وهذا أيضًا من لطيف ما حصلته عنه فافهمه). "سر صناعة الإعراب" 2/ 707. (¬5) بنصه من "سر صناعة الإعراب" 2/ 706. (¬6) في (ب): (تكون).

والحركة في التثنية والجمع، ثم عرض ما يمنع من دخولهما، وجب أن يعوض (¬1) منهما، وقد بينا أن الحركة إنما أسقطت استثقالا، والتنوين وجب إسقاطه لأنه ساكن، وهذِه الحروف سواكن ولم يمكن إسقاط هذِه الحروف لأنها علامات، ولا تحريكها للثقل، ولا تحريك التنوين؛ لأنه يخرج عن حكم العلامة ويصير نونا لازمة، فلم يبق إلا إسقاطه، فلما دخلت النون دخلت ساكنة؛ لأنه لا حظ لها من الإعراب فاجتمع ساكنان، فحركت نون التثنية بالكسرة ونون الجمع بالفتحة فرقا بينهما (¬2). وكانت نون التثنية أولى بالكسرة لأن قبلها (ألفا) وهي خفيفة والكسرة ثقيلة (¬3)، فاعتدلا، وقبل نون الجمع (واو (¬4)) وهي ثقيلة ففتحوا النون ليعتدل الأمر. فإن قلت: إنك تكسر النون مع (الياء) في النصب والجر، فهلا هربت إلى الفتحة لمكان (الياء) كما هربت إلى الفتحة لمكانها في (أين وكيف)؟. والجواب: أن (الياء) في التثنية ليست بلازمة كلزومها في (أين) لأن الأصل هو الرفع، والنصب والجر فرعان عليه، فأجروا الباب على حكم الرفع الذي هو الأصل (¬5)، وصارت النون أولى بالزيادة من بين سائر الحروف، لشبهها بحروف المد. وسترى وجه الشبه بينهما فيما يمر بك من الكتاب إن شاء الله. ¬

_ (¬1) في (ج): (يعرض). (¬2) أخذه بمعناه من "سر صناعة الإعراب" 2/ 448 - 449. (¬3) في (ب): (ثقيلا). (¬4) عند أبي الفتح: (وقبل نون الجمع (واو) أو (ياء)) 2/ 488. (¬5) انتهى ما نقله عن أبي الفتح ابن جني من كتاب "سر صناعة الإعراب" ملخصا قال أبو الفتح (فهذِه حال نون التثنية والجمع الذي على حد التثنية ولم يتقص أحد من أصحابنا القول عليها هذا التقصي، ولا علمته أشبعه هذا الإشباع) 2/ 487 - 489.

4

4 - قوله تعالى: {مَالِكِ (¬1) يَوْمِ الدِّينِ}. المالك في اللغة: (الفاعل) من الملك، يقال: ملك فلان الشيء يملِكُه مُلكا ومِلكا ومَلْكا ومَلَكة (¬2) ومَمْلَكة ومَمْلَكة (¬3)، ويقال: إنه لحسن الملْكَة (¬4) والمِلْك. وأصل المُلك والمِلك راجع إلى معنى واحد، وهو الربط والشد، فمالك الشيء من ربطه لنفسه وملكه ما يختص به، وشد بعقد يخرج به عن أن يكون مباحا لغيره، وملك القوم من غلبهم وربط أمرهم (¬5). ومن هذا يقال: ملكت العجين أي شددت عجنه، وقول أوس بن حجر (¬6): فملك بالليط الذي تحت قشرها ... كغِرْقيء بَيضٍ كنه القَيضُ من عَلِ (¬7) ¬

_ (¬1) في (ج): (ملك). (¬2) في (ب): (وملكا). (¬3) ذكره الأزهري عن اللحياني: "التهذيب" (ملك) 4/ 3449، وانظر: "المحكم" (ملك) 7/ 45. (¬4) (المَلكة) بفتح الميم كذا ضبط في "التهذيب"، وفي حاشيته: وضبط في (ل) بكسر وتسكين اللام. "التهذيب" (ملك) 4/ 3449، وفي "المحكم" بالكسر 7/ 45. (¬5) انظر: "الحجة" لأبي علي الفارسي 1/ 13، 17، "المخصص" لابن سيده 17/ 157، "تفسير أسماء الله" للزجاج ص 30، "اشتقاق أسماء لله" للزجاجي ص 43، 44. (¬6) أوس بن حجر من شعراء الجاهلية وفحولها، وأحد شعراء تميم، انظر ترجمته في "الشعر والشعراء" ص 114، "الخزانة" 4/ 379، "معاهد التنصيص" 1/ 132. (¬7) قوله (ملك): شدد، و (الليط): القشر، و (القيض): القشر الغليظ فوق البيضة، و (الغرقىء): القشر الرقيق للبيضة، وهو يصف قوسا يقول: إنه قواه وذلك حين قشره فترك القشر الرقيق ليقويه به. ورد البيت في "ديوان أوس" ص 97، "الحجة" للفارسي 1/ 17، "تهذيب اللغة" (ملك) 4/ 3450، " الخصائص" 2/ 363، 3/ 172، "اشتقاق أسماء الله" ص 46، "الصحاح" (ملك) 4/ 1610، "المحكم" (ملك) 7/ 46، "اللسان" (ملك) 7/ 4268، "الخزانة" 2/ 396.

ملك: شدد. وقول قيس بن الخطيم (¬1): ملكت بها كفي فأنهرت فتقها (¬2) أي: شددت بالطعنة كفي (¬3). ويقال: ما تمالك فلان أن فعل كذا، أي لم يستطع أن يضبط نفسه (¬4). وقال (¬5): فلا تمالك (¬6) عن أرض لها عمدوا (¬7) وملاك (¬8) الأمر: ما يضبط به الأمر، يقال: القلب (¬9) ملاك الجسد (¬10). ¬

_ (¬1) هو قيس بن الخطيم بن عدي بن الخزرج، شاعر فارس، لقي النبي - صلى الله عليه وسلم - ومات كافرا، ترجمته في "طبقات فحول الشعراء" 91/ 92، "الإصابة" 3/ 281، "الخزانة" 7/ 34. (¬2) من قصيدة لقيس قالها حين أصاب بثأره من قاتلي أبيه وجده، والشطر الثاني: يرى قائم من خلفها ما وراءها يقول: شددت بهذِه الطعنة كفى ووسعت خرقها، حتى يرى القائم من دونها الشيء وراءها. انظر: "ديوان قيس" ص 8، "تهذيب اللغة" (ملك) 4/ 3450، "الصحاح" 4/ 1609، "المحكم" 7/ 46، "تاج العروس" 13/ 653، "اللسان" 7/ 4268، (المعاني الكبير) 2/ 978، 983، "الحجة" للفارسي 1/ 13، 17، "الخزانة" 7/ 35. (¬3) في (ب): (لفى). (¬4) "تهذيب اللغة" (ملك) 4/ 3450، "اللسان" (ملك) 7/ 4268. (¬5) في (ج): (ويقال). (¬6) (تمالُك) بضم اللام في "تهذيب اللغة" وفي الحاشية: (جـ)، (ل) بفتح اللام، "تهذيب اللغة" 10/ 271، وبالفتح في "اللسان" 10/ 494. (¬7) ورد في "التهذيب" (ملك) 10/ 271، غير منسوب، وكذا في "اللسان" (ملك) 10/ 494. (¬8) في (ب): (ملال). (¬9) في (ج): (الا القلب). (¬10) في (ج): (الجساد). ذكر الأزهري عن الليث نحوه. "التهذيب" (ملك) 4/ 2450، وانظر: "المحكم" 7/ 46، "اللسان" (ملك) 7/ 4268.

وأبو مالك: كنية الكبر والسن، كني به لأنه يغلب الإنسان ويشده عما يريد، فلا ينبسط انبساط الشاب (¬1). قال: أبا مالك إن الغواني هجرنني ... أبا مالك إني أظنك دائبا (¬2) ويقال للرجل إذا تزوج: ملك فلان، يملك ملكا؛ لأنه شد عقد النكاح. وأملك إملاكا إذا زوج (¬3). وفي هذا الحرف قراءتان (مالك) و (ملك) (¬4). فمن قرأ (ملك) قال: الملك أشمل وأتم؛ لأنه قد (¬5) يكون مالك (¬6) ولا ملك له، ولا يكون مَلِك إلى وله مُلك، ولأنه لا يقال: مالك على الإطلاق، حتى يضاف إلى شيء، ويقال: ملك على الإطلاق (¬7). واحتج محمد بن جرير (¬8) لهذِه القراءة فقال: إن الله نبه على أنه مالكهم بقوله: {رَبِّ الْعَالَمِينَ} فحمل قوله {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} على وصف زائد ¬

_ (¬1) نحوه في "التهذيب" عن ابن الأعرابي 4/ 3451، وانظر: "اللسان" (ملك) 7/ 4269. (¬2) أورده الأزهري بدون نسبه في "التهذيب" (ملك) 4/ 3451 و (أبا) 1/ 104، "اللسان" (ملك) 7/ 4269، وكذا الزمخشري في "أساس البلاغة" (ملك) 2/ 401. (¬3) "التهذيب" (ملك) 4/ 3449، وانظر: "اللسان" (ملك) 7/ 4268. (¬4) قراءة عاصم والكسائي (مالك) وبقية السبعة (ملك)، انظر: "السبعة" لابن مجاهد ص 104، "الحجة" للفارسي 1/ 7، "حجة القراءات" لابن زنجلة ص 77، "الكشف" لمكي 1/ 25. (¬5) (قد) غير واضحة في (أ)، وفي (ب): (لا يكون). (¬6) في (ج): (مالكا) وعليه تعتبر (يكون) ناقصة. (¬7) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 65، "الحجة" لأبي علي الفارسي 1/ 9، "حجة القراءات" لابن زنجلة ص 77 - 79، "الكشف" 1/ 26. (¬8) هو الإمام المفسر محمد بن جرير الطبري، سبقت ترجمته في الدراسة.

أحسن (¬1). وقال محمد بن السري: الملك (¬2) الذي يملك الكثير من الأشياء، ويشارك غيره من الناس بالحكم عليه في ملكه (¬3)، وأنه لا يتصرف فيه إلا بما يطلقه له الملك ومع ذلك أن الملك يملك على الناس أمورهم، فلا يستحق اسم الملك حتى يجتمع له ملك هذا كله، فكل ملك مالك، وليس كل مالك ملكا. ويقوي هذِه القراءة من التنزيل قوله {فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ} (¬4)، وقوله {الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ} [الحشر: 23]، و {مَلِكِ النَّاسِ} [الناس: 2]، و {لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ} [غافر: 16]، ولم يقل: (لمن المِلْك) (¬5). وأكثر أهل اللغة اختاروا (مالك) أبو عبيدة، وأبو حاتم (¬6)، ¬

_ (¬1) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 150، نقل كلامه بمعناه، وابن جرير يرجح قراءة (ملك). (¬2) كلام ابن السري ورد في "الحجة" لأبي علي الفارسي ضمن كلام طويل له في ترجيح قراءة (ملك) حيث قال الفارسي: (قال أبو بكر محمد بن السري الاختيار عندي (ملك يوم الدين) والحجة في ذلك .. فالملك الذي يملك الكثير من الأشياء .. الخ)، "الحجة" 1/ 13، 14. (¬3) في "الحجة" (.. ويشارك غيره من الناس، بأنه يشاركه في ملكه بالحكم عليه فيه ...). (¬4) طه: 114، والمؤمنون: 116. (¬5) قال أبو حاتم أحمد بن حمدان الرازي: كان أبو عبيد يختار (ملك يوم الدين) على (مالك) وذلك أن الله عز وجل قال: {لمن الملك} ولم يقل: (لمن المِلك). وذلك أن الملك مصدر الملك، والملك مصدر المالك. وخطأه أبو حاتم السجستاني في ذلك، فقال: أظنه احتج على نفسه ولم يشعر، لأن معنى (لمن الملك) يعني من يملك الملك ...) كتاب "الزينة" 2/ 100، وانظر: "الكشف" لمكي 1/ 26، "حجة القراءات" لابن زنجلة ص 78. (¬6) أبو حاتم هو: سهل بن محمد الجشمي السجستاني. نزيل البصرة وعالمها، من أئمة =

والأصمعي، والأخفش، وأبو العباس (¬1)، وقالوا: إنه أجمع وأوسع، لأنه يقال: مالك الطير والدواب والوحوش وكل شيء، ولا يقال: ملك كل شيء، إنما يقال: ملك الناس (¬2)، قالوا: ولا يكون مالك الشيء إلا وهو يملكه، وقد يكون ملك الشيء وهو لا يملكه كقولهم: (ملك العرب والعجم)، ولأنه يجمع الفعل والاسم (¬3)، ولأن معنى الآية أنه يملك الحكم يوم الدين بين خلقه دون غيره، فالوصف يكون مالكا (¬4). واحتج أبو العباس لهذِه القراءة فقال: (مالك يوم الدين) معناه يملك إقامة يوم الدين، على معنى يملك أن يأتي به، وإذا كان المعنى على هذا فالوجه (مالك) لا (ملك) (¬5). ومما يقوي هذِه القراءة من التنزيل قوله {وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ} [الانفطار: 19] فقولك: الأمر له، وهو مالك الأمر بمعنى، ألا ترى أن لام الجر ¬

_ = اللغة والشعر، والنحو إلى أنه لم يكن فيه حاذقًا، تلقى على أبي زيد، وأبي عبيدة والأصمعي، توفي سنة (255 هـ). انظر: "تهذيب اللغة" 1/ 43، "أخبار النحويين" للسيرافي 102، "إنباه الرواة" 2/ 58. (¬1) انظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 28/ أ، "الزينة" 1/ 100، 101، "معاني القرآن" للأخفش 1/ 160، "التهذيب" (ملك) 4/ 3449. (¬2) فـ (مالك) أعم وأشمل. انظر: "حجة القراءات" لابن زنجلة ص 79، "تفسير الثعلبي" 1/ 28/ أ. (¬3) ذلك أن (مالكا) يجمع لفظ الاسم ومعنى الفعل فلذلك يعمل (فاعل) فينصب كما ينصب الفعل. انظر: "الكشف" لمكي 1/ 26. (¬4) انظر: "الحجة" لأبي علي الفارسي 1/ 12، 15، 16، "الكشف" 1/ 25، 26. (¬5) ذكر الأزهري نحوه عن المنذري عن أبي العباس. "التهذيب" (ملك) 4/ 3449، وانظر: "الحجة" 1/ 15.

معناها (¬1) الملك (¬2). ومن نصر هذِه القراءة أجاب (¬3) ابن جرير بأن قال: ما ذكرت لا يرجح قراءة ملك؛ لأن في التنزيل أشياء على هذِه الصورة قد تقدمها العام وذكر بعده الخاص، كقوله {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2)} [العلق: 1 - 2]. وقوله: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} [البقرة: 3]، ثم قال: {وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} [البقرة: 4]. في أمثال كثيرة لهذا (¬4). فمن قرأ {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} فقد أضاف اسم الفاعل إلى الظرف وحذف المفعول من الكلام للدلالة (¬5) عليه، تقديره: مالك يوم الدين الأحكام، لأن القديم سبحانه ينفرد في ذلك اليوم بالحكم. فأما الدنيا فإنه يحكم فيها -أيضًا- الولاة والقضاة (¬6). ¬

_ (¬1) في (ب): (معناه). (¬2) بنصه في "الحجة" 1/ 19. (¬3) أي من نصر قراءة (مالك) أجاب على دعوى ابن جرير السابقة -وهي قوله: (إن الله نبه على أنه مالكهم بقوله: {رب العالمين} فحمل قوله: {ملك يوم الدين} على وصف زائد أحسن). والكلام في "الحجة" ليس فيه ذكر لابن جرير حيث قال: (قال أبو علي: وأما ما حكاه أبو بكر ابن السري عن بعض من اختار القراءة بملك .. فإنه لا يرجع قراءة ملك على مالك، لأن في التنزيل أشياء على هذِه الصورة ..) 1/ 18. (¬4) انظر: "الحجة" لأبي علي 1/ 18، 19. (¬5) في (ب). (الدلالة). (¬6) في "الحجة" لأبي علي: (فإنه قد حذف المفعول به من الكلام للدلالة عليه، وإن هذا المحذوف قد جاء مثبتا في قوله {يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا} [الانفطار:19] فتقديره: (مالك يوم الدين الأحكام). وحسن هذا الاختصاص لتفرد القديم سبحانه في ذلك اليوم بالحكم ..)، "الحجة" 1/ 34.

وعلى ما ذكره أبو العباس، الآية تكون من باب حذف المضاف (¬1)، وإقامة المضاف إليه مقامه، وهو كثير في الكلام، وسترى منه مالا يحصى كثرة. وأما إعراب {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} فالجر في القراءتين (¬2). وهو صفة الاسم، مجرور (¬3)، والصفات تجري على موصوفاتها إذا لم تقطع عنها (¬4) بمدح أو ذم. وأما العامل فيها، فزعم الأخفش أبو الحسن أن الوصف يجري على ما قبله، وليس معه لفظ يعمل فيه (¬5)، إنما يعمل فيه كونه نعتا (¬6)، وذلك الذي يرفعه وينصبه ويجره، كما أن المبتدأ (¬7) إنما يرفعه الابتداء (¬8)، وإنما الابتداء معنى عمل (¬9) فيه، وليس لفظا، فكذلك هذا (¬10). وقوله تعالى: {الدِّينِ} قال الضحاك (¬11) وقتادة: (الدين) الجزاء، يعني ¬

_ (¬1) يعني بقوله فيما سبق (يملك إقامة يوم الدين ...) فحذف المضاف وهو (إقامة) وأقام المضاف إليه وهو (يوم الدين) مقامة. انظر: "تهذيب اللغة" (ملك) 4/ 3449، ورد ابن جرير هذا القول، انظر: "تفسيره" 1/ 67. (¬2) "الحجة" لأبي علي 1/ 40. (¬3) وهو لفظ الجلالة في قوله: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}. (¬4) في "الحجة": (والصفات تجري على موصوفيها إذا لم تقطع عنهم لذم أو مدح ...)، "الحجة" 10/ 40. (¬5) انظر: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 160. (¬6) في "الحجة": (وليس معه لفظ عمل فيه، إنما فيه أنه نعت ..)، 1/ 40. (¬7) في (ب): (المبتدى). (¬8) في "الحجة" لأبي علي: (كما أن المبتدأ إنما رفعه الابتداء ..) 1/ 40. (¬9) (عمل) ساقط من (ب). (¬10) انتهى من "الحجة"، 1/ 40. (¬11) هو الضحاك بن مزاحم الهلالي، أبو محمد، من أوعية العلم، وكان مفسرا حدث عن =

يوم يدين الله العباد بأعمالهم (¬1). تقول العرب: دنته بما فعل أي جازيته (¬2). ومنه قوله: {أَإِنَّا لَمَدِينُونَ} (¬3) [الصافات: 53] أي مجزيون. وقال: واعلم وأيقن أن ملكك زائل ... واعلم بأن كما تدين تدان (¬4) أي تجزى بما تفعل. ويقوي هذا التفسير قوله {الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ} [غافر: 17]. وقوله: {الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [الجاثية: 28]. وقال ابن عباس، والسدي، ومقاتل (¬5)، في معنى قوله {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ}: قاضي يوم الحساب (¬6)، ¬

_ = عدد من الصحابة، قال بعضهم: لم يلق ابن عباس، في وفاته أقوال قيل: (102 هـ) وقيل (105 هـ)، وقيل: (106 هـ). انظر ترجمته في "طبقات ابن سعد" 6/ 300، "طبقات خليفة" ص 568، 322، "سير أعلام النبلاء" 4/ 598. (¬1) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 28/ ب، وأخرجه الطبري في "تفسيره" عن قتادة، وأخرج نحوه عن ابن عباس وابن جريج 1/ 68، وقول قتادة ذكره السيوطي في "الدر" وعزاه لعبد الرزاق وعبد بن حميد. "الدر" 1/ 39. (¬2) انظر: "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة ص 38. (¬3) وقد وردت الآية في جميع النسخ {إنا لمدينون} وكذا عند الثعلبي في "تفسير" 1/ 28/ ب. (¬4) نسبه بعضهم إلى يزيد بن الصعق الكلابي، وبعضهم: إلى خويلد بن نوفل الكلابي، وقال في (الخزانة): قال بعض الكلابين، والبيت مع بيتين قبله، قالهما يخاطب الحارث بن أبي شمر الغساني حين اغتصب ابنته. ورد البيت في "تفسير الطبري" 1/ 68، "الكامل" 1/ 328، "المخصص" 17/ 155، "اللسان" (دين) 3/ 1468، "التاج" 18/ 215، "الخزانة" 10/ 91. (¬5) (مقاتل) ساقط من ب. (¬6) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 28/ ب، وقد أخرج الطبري عن ابن عباس: يوم الدين: يوم حساب الخلائق. "تفسير الطبري" 1/ 68، وكذا أخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" =

5

واختار أبو عبيد هذا القول (¬1). ومن الدين بمعنى الحساب قوله: {ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} [التوبة: 36] أي: ذلك الحساب (¬2) الصحيح، والعدد المستوي (¬3). وقيل في قوله: "الكيس من دان نفسه (¬4) ": أي حاسبها. وخص هذا اليوم بأنه مالكه، تعظيما لشأنه وتهويلا لأمره، كقوله: {إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (11)} [العاديات: 11] وهو خبير سائر الأيام. وللدين معان كثيرة في اللغة (¬5)، وكل موضع انتهينا إليه من القرآن ذكرنا ما فيه. 5 - قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} (¬6). اختلفت (¬7) مذاهب النحويين في هذا الحرف، وأنا ذاكر لك هنا منها ما يحتمله هذا الكتاب (¬8). ذهب الخليل ¬

_ = 1/ 157 (رسالة دكتوراه)، وانظر: "تأويل مشكل القرآن" لابن قتيبة ص 453، "نزهة الأعين النواظر" لابن الجوزي ص 295. (¬1) انظر: "غريب الحديث" لأبي عبيد 1/ 439. (¬2) انظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 28/ ب، وفسر الطبري (الدين) في آية التوبة ويوسف بأنه الدين القويم المستقيم الذي لا اعوجاج فيه، وفي آية الروم فسره: بالمستقيم، ثم قال: وقد وجه بعضهم معنى الدين في هذا الموضع إلى الحساب، (تفسير الطبري) 10/ 126، 12/ 220، 20/ 42، انظر: "تأويل مشكل القرآن" ص 454. (¬3) "تهذيب اللغة" (دان) 2/ 1136. (¬4) الحديث أخرجه الترمذي عن شداد بن أوس، وقال: حديث حسن. الترمذي (2459)، أبواب صفة القيامة، وابن ماجه (4260) كتاب: الزهد، باب: ذكر الموت، والإمام أحمد في "مسنده" 4/ 122، وهو بنصه في "تهذيب اللغة" (دان) 2/ 1136. (¬5) انظر: "تهذيب اللغة" (دان) 2/ 1136، "معجم مقاييس اللغة" (دين) 2/ 319، "إصلاح الوجوه والنواظر" للدامغاني ص 178، "نزهة الأعين النوظر في علم الوجوه والنظائر" ص 295. (¬6) في (ج): (نحبد) تصحيف. (¬7) في (ب): (اختلف). (¬8) ما ذكره الواحدي عن (إياك) نقله عن أبي الفتح ابن جني من كتاب "سر صناعة الإعراب" =

إلى أن (إيا) اسم مضمر، مضاف إلى (الكاف) وهذا -أيضًا- مذهب أبي عثمان (¬1). وحكى أبو بكر (¬2) عن أبي العباس (¬3) عن أبي الحسن (¬4) أنه اسم مفرد مضمر يتغير آخره كما تتغير (¬5) أواخر المضمرات، لاختلاف أعداد المضمرين، وأن الكاف في (إياك) كالكاف التي في (ذلك) في أنه دلالة على الخطاب فقط، مجردة من كونها علامة للضمير، ولا يجيز أبو الحسن فيما يحكى عنه: (إياك وإيا زيد) و (إياي وإيا الباطل) (¬6). وقال سيبويه: حدثني من لا أتهم عن الخليل أنه سمع أعرابيا يقول: إذا ¬

_ = مع تصرف يسير في العبارة، وأبو الفتح اعتمد على أبي علي الفارسي، وصرح بنقله عنه، وكلام الفارسي موجود في "الإغفال" قال أبو الفتح: (وهذِه مسألة لطيفة عنت لنا في أثناء هذا الفصل، نحن نشرحها ونذكر خلاف العلماء فيها، ونخبر بالصواب عندنا من أمرها إن شاء الله وهي قوله عز اسمه {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} وما كان مثله. أخبرني أبو علي، عن أبي بكر محمد بن السري، عن أبي العباس محمد بن يزيد: أن الخليل يذهب إلى أن (إيا) اسم مضمر مضاف إلى الكاف ...)، "سر صناعة الإعراب" 1/ 312، وانظر: "الإغفال" ص 52 (رسالة ماجستير). (¬1) هو أبو عثمان بكر بن محمد المازني الشيباني، النحوي المشهور، أستاذ أبى العباس المبرد، اختلف في سنة وفاته فقيل: (236 هـ)، وقيل: (248 هـ)، وقيل: غير ذلك. انظر ترجمته في "طبقات النحويين واللغويين" ص 87، "تاريخ بغداد" 7/ 93، "إنباه الرواة" 1/ 246، "معجم الأدباء" 2/ 345، "نزهة الألباء" ص 140. (¬2) هو محمد بن السري كما في "سر صناعة الإعراب" 1/ 312. (¬3) المبرد، "سر صناعة الإعراب" 1/ 312. (¬4) في (ب): (الخير). (¬5) في (ب): (يتغير). (¬6) في (ج): (الباصل).

بلغ الرجل ستين فإياه وإيا الشواب (¬1). وحكى ابن كيسان عن بعض النحويين أنه قال: (إياك) بكمالها: اسم. قال: وقال بعضهم: (الياء والكاف والهاء) هي الأسماء، و (إيا) عماد لها؛ لأنها لا تقوم بأنفسها (¬2). وقال أبو إسحاق: (الكاف) في (إياك) في موضع جر بإضافة (¬3) (إيا) إليها، إلى أنه ظاهر يضاف إلى سائر المضمرات. (¬4) وليس يصح من هذِه الأقوال إلا قول أبي الحسن (¬5). أما قول الخليل: إن (إيا) اسم مضمر مضاف فظاهر الفساد؛ وذلك أنه إذا ثبت أنه مضمر فلا سبيل إلى إضافة؛ لأن الغرض في الإضافة التعريف والتخصيص، والمضمر على نهاية الاختصاص فلا حاجة به إلى الإضافة، فهذا يفسد قول الخليل والمازني جميعا (¬6). ¬

_ (¬1) "سر صناعة الإعراب" 1/ 313. وانظر قول سيبويه في "الكتاب" 1/ 279 (تحقيق عبد السلام هارون)، وانظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 11، "اللسان" (إيا) 1/ 187. (¬2) انظر بقية كلام ابن كيسان في "سر صناعة الإعراب" 1/ 313. (¬3) في (ب): (اضافة). (¬4) "سر صناعة الإعراب" 1/ 313، وانظر نص قول الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 10، 11. قال الزجاج: (.. و (أيا) اسم للمضمر المنصوب إلى أنه يضاف إلى سائر المضمرات ..). (¬5) قال أبو الفتح: (وتأملنا هذِه الأقوال على اختلافها والاعتدال لكل قول منها، فلم نجد فيها ما يصح مع الفحص والتنقيب غير قول أبي الحسن الأخفش ..)، "سر صناعة الإعراب" 1/ 314. (¬6) "سر صناعة الإعراب" 1/ 315.

وحكاية سيبويه في إضافة (¬1) (إيا (¬2)) ليس سبيل مثله -مع قلته- أن يعترض به على السماع والقياس جميعا، ألا ترى أنه لم يسمع منهم: (إياك وإيا الباطل). وأما قول من قال: (إياك) بكماله اسم، فليس (¬3) بقوي، وذلك أن (إياك) في أن فتحة الكاف تفيد خطاب المذكر، وكسرتها تفيد خطاب المؤنث، بمنزلة (أنت) في أن الاسم هو الهمزة والنون، والتاء (¬4) المفتوحة تفيد خطاب المذكر، والمكسورة خطاب (¬5) المؤنث، فكما أن ما قبل التاء في (أنت) هو الاسم، والتاء حرف خطاب، كذلك (إيا) هو الاسم، والكاف حرف خطاب (¬6). وأما من قال: إن (الكاف والهاء والياء) (¬7) هي الأسماء و (إيا) عماد لها لقلتها، فغير مرضي أيضا وذلك أن (إيا) في أنه (¬8) ضمير منفصل بمنزلة (أنت وأنا ونحن، وهو وهي) في أن هذِه مضمرات منفصلة، كما أن (أنا وأنت) ونحوهما مخالف للفظ المرفوع المتصل نحو (التاء) في قمت، و (النون) في ¬

_ (¬1) عند أبي الفتح: (فأما ما حكاه سيبويه عنه (أي عن الخليل) من قولهم: فإياه وإيا الشواب، فليس سبيل مثله -مع قلته- أن يعترض به على السماع ... الخ)، "سر صناعة الإعراب" 1/ 315. (¬2) في (ب): (إيا إليها) زيادة (إليها). (¬3) في (ب): (فليست). (¬4) في (ب): (الياء) تصحيف. (¬5) عند أبي الفتح: (تفيد خطاب ..)، "سر صناعة الإعراب" 1/ 315. (¬6) فلا يكون (إياك) بكماله اسم. (¬7) عند أبي الفتح: (وأما من قال: إن (الكاف والهاء والياء) في إياك وإياه وإياي هي الأسماء وأن (إيا) إنما عمدت بها هذِه الأسماء لقلتها فغير مرضي أيضا) "سر صناعة الإعراب" 1/ 315. (¬8) في (ب): (ايه).

قمنا، و (الألف) في قاما، و (الواو) في قاموا، بل هي ألفاظ أخر (¬1) غير ألفاظ الضمير المتصل، وليس شيء منها معمودًا به شيء من الضمير المتصل بل هو قائم بنفسه، فكذلك (إيا) مضمر (¬2) منفصل، ليس معمودًا به غيره، كما أن (التاء) في (أنت) وإن كانت بلفظة (التاء) في (قمت)، فليست اسما مثلها (¬3)، بل الاسم قبلها وهو (أن)، وهي بعده للخطاب، وليست (¬4) (أن) عمادا للتاء (¬5)، فكذلك (إيا) هي الاسم، وما بعدها يفيد الخطاب تارة، والغيبة تارة، والتكلم (¬6) أخرى، وهذا محض القياس. وأما قول أبي إسحاق: وإن (إيا) اسم مظهر، خص بالإضافة إلى المضمر (¬7) ففاسد أيضًا وليست (إيا) بمظهر كما زعم، والدليل على أن (إيا) ليست باسم مظهر اقتصارهم به على ضرب واحد من الإعراب، وهو النصب، كما اقتصروا بـ (أنا وأنت) على ضرب واحد من الإعراب، وهو الرفع (¬8)، ¬

_ (¬1) في (أ): (أخرى) وما في (ب)، (ج) موافق لما عند أبي الفتح، 1/ 316. (¬2) عند أبي الفتح: (اسم مضمر منفصل) وفي الحاشية: (اسم) سقط من (ش)، "سر صناعة الإعراب" 1/ 316. (¬3) فالتاء في (قمت) ضمير، وفي (أنت) التاء للخطاب و (الاسم) أن. (¬4) في (ب): (ليس). (¬5) في (ب): (التاء). (¬6) في ب، (ج): (والمتكلم) وعند أبي الفتح (التكلم) وفي الحاشية (ل)، (ب): (المتكلم) "سر صناعة الإعراب" 1/ 316. (¬7) "سر صناعة الإعراب" 1/ 316، وانظر رأي أبي إسحاق في "معاني القرآن" 1/ 10، 11. (¬8) عند أبي الفتح: (... وهو الرفع، فكما أن (أنا وأنت وهو ونحن) وما أشبه ذلك أسماء مضمرة، فكذلك (إيا) اسم مضمر لاقتصارهم به على ضرب واحد من الإعراب، وهو النصب، ولم نعلم اسما مظهرا ... الخ) 1/ 316.

ولم نعلم اسمًا مظهرًا اقتصر به على النصب ألبتة، إلا ما كان ظرفا (¬1)، وليس (إيا) بظرف، فقد صح بما أوردناه سقوط هذِه الأقوال، ولم يبق قول يجب اعتقاده، ويلزم الدخول تحته غير قول أبي الحسن: إن (إيا) مضمر، وإن (الكاف) بعده ليست اسمًا، وإنما هي للخطاب، بمنزلة (كاف) ذلك، وأرأيتك (¬2) وأبصرك زيدا، وليسك عمرا (¬3)، والنجاءك (¬4). فإن قيل: إذا كانت (الكاف) في إياك ليست اسمًا فكيف تقولون في (الهاء) و (الياء) في (إياه وإياي)؟ (¬5). قلنا: هما مثل الكاف، وإنما اختلف ما بعد (إيا) لاختلاف أعداد المضمرين وأحوالهم من الحضور والمغيب، ولسنا (¬6) نجد حالا سوغت هذا المعنى للكاف، وانكفت غير (¬7) (الهاء والياء) (¬8). وقد وجدنا غير (الكاف) ¬

_ (¬1) قال أبو الفتح: (ولم نعلم اسما مظهرا اقتصر به على النصب البتة إلى ما اقتصر به من الأسماء على الظرفية وذلك نحو: ذات مرة، وبعيدات بين، وذا صباح وما جرى مجراهن، شيئا من المصادر نحو: سبحان الله ... الخ)، "سر صناعة الإعراب" 1/ 316. (¬2) في (ج): (ولرايتك). (¬3) في (ب): (عمروا). وقوله (ليسك عمرا) أي: (ليس عمرا) والكاف لتوكيد الخطاب، وكذا أبصرك زيدا، أى أبصر زيدا. انظر "سر صناعة الإعراب" 1/ 309. (¬4) (النجاءك): إذا أردت: انج، انظر: "تهذيب اللغة" (نجا) 4/ 3509، "سر صناعة الإعراب" 1/ 308. (¬5) في "سر صناعة الإعراب" (... فكيف يصنع أبو الحسن بقولهم: إياه وإياي ...) 1/ 317. (¬6) في (ج): (ولنا). (¬7) (غير) كنا في جميع النسخ، وعند أبي الفتح (عن) وهو الصحيح. "سر صناعة الإعراب" 1/ 317. (¬8) فكما كانت (الكاف) حرف خطاب في (إياك) تكون (الهاء) في (إياه) و (الياء) في (إياي) حرفين، ولا مسوغ لاختلافهما عن (الكاف).

لحقه من سلب الاسمية وإخلاصه للحرفية (¬1) ما لحق (الكاف)، وهي (التاء) في أنت و (الألف) في قول من قال: قاما أخواك (¬2)، و (الواو) في: قاموا إخوتك، و (النون) في: قمن الهندات، ألا ترى أن من قال: (أخواك قاما) كانت الألف عنده علامة الضمير والتثنية، وإذا قال: (قاما أخواكا) كانت الألف مخلصة للدلالة على التثنية مجردة من مذهب الاسمية، لامتناع تقدم المضمر (¬3)، وخلو (¬4) الفعل من علم الضمير بارتفاع الاسم الظاهر بعده، وكذلك الجمع والتأنيث على هذا القياس (¬5)، فلا ينكر أيضا أن تكون (الهاء) و (الياء) في ضربه وضربني على معنى الاسمية، فإذا قلت: (إياه) و (إياي) تجردتا من معنى الاسمية، وخلصتا (¬6) لدلالة الحرفية، فاعرف هذا، فإنه من لطيف ما تضمنه هذا الفصل (¬7)، وهذا الذي ذكرنا كلام أبي علي وأبي الفتح (¬8). واعلم: أن الضمير ينقسم إلى ثلاثة أقسام (¬9): ظاهر منفصل، وظاهر ¬

_ (¬1) في (ب): (ولا خلاصة للحرفة). (¬2) في (ج): (أخوك). (¬3) في (ب): (الضمير). (¬4) في (ج): (خلق). (¬5) فصل أبو الفتح هذا بالأمثلة، انظر: "سر صناعة الإعراب" 1/ 318. (¬6) في (ب): (واخلصا). (¬7) قال أبو الفتح: (... فاعرف هذا، فإنه من لطيف ما تضمنه هذا الفصل وبه كان أبو علي رحمه الله ينتصر لمذهب أبي الحسن ويذب عنه، ولا غاية في جودة الحجاج بعده)، "سر صناعة الإعراب" 1/ 318. (¬8) انتهى ما نقله عن أبي الفتح من "سر صناعة الإعراب" 1/ 312 - 318، وانظر: "الإغفال" ص 50 - 57. (¬9) هذا البحث لا علاقهَ له بتفسير الآية، ومكانه كتب النحو واللغة، وجرى الواحدي في =

متصل، ومستكن، وهو على ثلاثة (¬1) أوجه: ضمير المرفوع، وضمير المنصوب، وضمير المجرور، وكل واحد منها على وجهين: متصل ومنفصل، إلا ضمير المجرور، فإنه متصل، ولا منفصل له. أما ضمير المرفوع المتصل فنحو (تاء) فعلت وفعلت، وتثنيتهما، وجمعهما وتأنيثهما. وأما ضمير المرفوع المنفصل فنحو (أنا وأنت وهو) وتثنيتها وجمعها، وتأنيثها (¬2). وأما ضمير المنصوب المتصل فنحو (ياء) ضربني، و (كاف) ضربك و (هاء) ضربه (¬3)، وتثنيتها وجمعها وتأنيثها (¬4). وأما ضمير المجرور المتصل فنحو (ياء) بي، و (كاف) بك و (هاء) به، ولا منفصل له. وأما المستكن فهو ما كان مستكنا في الفعل كقولك: قعد، وقام، فالضمير (¬5) مستفاد من الفعل وإن لم يصرح به، لأن الفعل لا يقوم إلا بفاعل. واعلم: أن (إيا) مبنية على السكون؛ لأن فيها شبه الحرف، فهي مثل (أنت، وأنا، وهو) وهذِه كلها مبنية لشبه الحرف، والألف في آخرها غير ¬

_ = هذا على منهج شيخه الثعلبي حيث ذكر أقسام الضمير في هذا الموضع 1/ 129/ أ، وانظر أقسام الضمير في باب: الكنايات في (أصول النحو) لابن السرج 2/ 114، (التبصرة والتذكرة) للصيمري 1/ 493 - 511. (¬1) في (ب): (ثلاثة أنواع أوجه) وكلمة (أنواع) جاءت في الجانب فلعلها شر من الكاتب (¬2) في (ج): (وتثنيتهما وجمعهما وتأنيثهما). (¬3) في (ب): (ضربته). (¬4) (تأنيثها) سقط من (ب). (¬5) في (ب): (والضمير).

منقلبة مثل ألف (لا) و (ما) و (حتى) و (كلا) (¬1). قال أبو الفتح: وحكى لي حاك عن أبي إسحاق قال (¬2): سمعته يقول وقد سئل عن معنى قوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} ما تأويله؟ فقال: حقيقتك نعبد، قال: واشتقاقه من الآية، وهي العلامة، قال (¬3): وهذا القول عندي من أبي إسحاق غير مرضي، وذلك أن جميع (¬4) الأسماء المضمرة مبني غير مشتق نحو: (أنا وأنت وهو وهي) وقد قامت الدلالة على كون (إيا) اسما مضمرًا (¬5)، فيجب أن لا يكون مشتقا (¬6). فإن قلت: فما مثال (إيا) من الفعل؟ فإن المضمر لا ينبغي أن يمثل؛ لأنه غير مشتق ولا متصرف (¬7). وقال صاحب "النظم" (¬8): معنى (إيا) الاختصاص، وقول القائل: (إياك ضربت) يعني: أن الضرب اختص بك وأردتك به، ولهذا وضعت العرب ¬

_ (¬1) انظر: "سر صناعة الإعراب" 2/ 655، 656. (¬2) في "سر صناعة الإعراب": (أراه قال لي: سمعته ....) 2/ 656. (¬3) قال: المراد أبو الفتح. انظر: "سر صناعة الإعراب" 2/ 656. (¬4) في (ب): (جمع). (¬5) وهو ما تقدم مما قرره الواحدي نقلا عن أبي الفتح ابن جني. (¬6) انظر بقية كلام أبي الفتح في "سر صناعة الإعراب" 2/ 656، وانظر (المحتسب) 1/ 40. (¬7) ترك الواحدي بقية كلام أبي الفتح، فلم يرد جواب السؤال واضحا، قال أبو الفتح بعد هذا: (ولكنك إن تكلفت ذلك على تبيين حاله لو كان مما يصح تمثيله، لاحتمل أن يكون من ألفاظ مختلفة، وعلى أمثلة مختلفة فالألفاظ ثلاثة: أحدها: أن يكون من لفظ (أويت)، والآخر: من لفظ الآية، والآخر: من تركيب (أوو ...)، ثم أخذ في تفصيل ذلك في كلام طويل. انظر: "سر صناعة الإعراب" 2/ 656 - 664. (¬8) هو أبو علي الحسن بن يحيى الجرجاني، وكتابه هو "نظم القرآن" سبق الحديث عنه وعن كتابه في مصادر الواحدي في "البسيط"، وذكرت هناك: أن كتاب "نظم القرآن" مفقود، وقد نقل عنه الواحدي كثيرا.

(إياك) في موضع التحذير لما فيه من تأويل الاختصاص، فقالوا: إياك والأسد، أي: احفظ نفسك واحذر الأسد، ومنه قول الشاعر: فإياك والأمر الذي إن توسعت ... موارده ضاقت عليك المصادر (¬1) وربما قالوا: إياك الأسد، بلا (واو)، قال (¬2) الشاعر: عليك القصد فاقصده برفق ... وإياك المحاين أن تحينا (¬3) فمن حذف (الواو)، فمعناه احذر على نفسك الأسد، وصن (¬4) نفسك منه. وهذا الضمير (¬5) يستعمل مقدما ولا يستعمل مؤخرا، إلى أن يفصل بينه وبين الفعل، فيقال: ما عنيت إلا إياك. قال أبو بكر (¬6): وقوله: {إِيَّاكَ} بعد (¬7) قوله: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} (¬8) ¬

_ (¬1) ينسب البيت للطفيل الغنوي، وهو في (ديوانه) ص 102، قال المحقق: وهو قريب من شعر الطفيل، وينسب لمضرس بن ربعي الفقعسي، وكل المصادر روت البيت (فهياك) بدل (فإياك) وهو الشاهد عندهم حيث أبدل الهمزة هاء. ورد البيت في "المحتسب" 1/ 40، ("الإنصاف") 1/ 215، "ديوان الطفيل الغنوي" ص 102، "اللسان" (هيا) 8/ 4743، "الكشاف" 1/ 62، والقرطبي 1/ 127. (¬2) في (ب): (وقال). (¬3) أنشد الفراء شطره الثاني ولم ينسبه "معاني القرآن" 1/ 166، وكذا المزني في "معاني الحروف" ص 102، وابن قتيبة في (أدب الكاتب) ص 322 وشطره الأول عنده: ألا أبلغ أبا عمرو رسولا وقوله: المحاين: المهالك، تحين: تهلك أو يأتي حينها ووقتها. (¬4) في (ج): (أوصن). (¬5) أي ضمير (إيا). (¬6) ابن الأنباري، انظر: "زاد المسير" 1/ 14. (¬7) في (ب): (إياك نعبد قوله) وفي (ج) سقطت (بعد). (¬8) في (ب): (مالك).

[الفاتحة: 4] رجوع من الغيبة إلى الخطاب، والعرب تفعل ذلك كثيرًا، وهو نوع من البلاغة والتصرف في الكلام (¬1)، ومثله قوله: {وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا} [الإنسان: 21] ثم قال: {إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً} [الإنسان: 22] وقال الأعشى: عنده البر والتقى وأسا الصد ... ع وحمل لمضلع الأثقال ووفاء (¬2) إذا أجرت فما غر ... ت حبال وصلتها بحبال (¬3) وأنشد أبو عبيدة (¬4): يا لهف نفسي كان جدة خالد ... وبياض وجهك للتراب الأعفر (¬5) وقال كثير (¬6): ¬

_ (¬1) انظر: "زاد المسير" 1/ 14، "مجاز القرآن" 1/ 23، والطبري 1/ 67، وابن عطية 1/ 104، "الكشاف" 1/ 62، والرازي 1/ 252. (¬2) في (ج): (ووحاء). (¬3) البيتان من قصيدة للأعشى يمدح الأسود بن المنذر، وليس البيتان متواليين في القصيدة، وإنما بينهما أبيات، وفي "الديوان" ورد (الحزم) بدل (البر) و (الصرع) بدل (الصدع). قوله: (التقي) أي: الحذر، (أسا): دواء. انظر: "الديوان" ص 166 - 167، ولم أجدهما في غيره. (¬4) انظر: "مجاز القرآن" 1/ 24. (¬5) البيت لأبي كبير الهذلي، يرثي صديقا له اسمه خالد (جدة) يعني: شبابه، (الأعفر) يقول: دفن في أرض ترابها أعفر: أي: أبيض. ورد البيت في "مجاز القرآن" 1/ 24، "شرح أشعار الهذليين" للسكري 3/ 1081، والطبري 1/ 67، "أمالي ابن الشجري" 1/ 117، وابن عطية 1/ 104. (¬6) هو كثير بن عبد الرحمن بن أبي جمعة من خزاعة، كان أحد العشاق المشهورين، وصاحبته (عزة) وهي من ضمرة، وإليها ينسب، كان كثير رافضيا توفي في اليوم الذي توفي فيه عكرمة مولى ابن عباس. انظر ترجمته في: "الشعر والشعراء" ص 334، "طبقات فحول الشعراء" 2/ 534، "الخزانة" 5/ 221.

أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة ... لدينا ولا مقلية إن تقلت (¬1) وقوله تعالى: {نَعْبُدُ} معنى العبادة: الطاعة مع الخضوع والتذلل، وهو جنس من الخضوع، لا يستحقه إلى الله عز وجل، وهو خضوع ليس فوقه خضوع، وسمي العبد عبدا لذلته وانقياده لمولاه، ويقال: طريق معبد، إذا كان مذللا موطوءا (¬2) بالأقدام (¬3)، وهو في شعر طرفة (¬4). وقوله تعالى: {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} قال أبو بكر: وإنما كرر (إياك) للتوكيد، كما تقول: بين زيد وبين عمرو خصومة، فتعيد (بين) (¬5). قال: ولأن كل واحد من الفعلين يطلب مفعولا على حدته، ولو أخر المكنيان (¬6) إلى ¬

_ (¬1) من قصيدة لكثير في ذكر (عزة) قوله (مقلية) من القلي وهو البغض، (تقلت) تبغضت، ورد البيت في "الشعر والشعراء" ص 343، "ديوان كثير" ص 101، نشر دار الثقافة بيروت، "أمالي ابن الشجري" 1/ 49، 118، "المحكم" 3/ 144، "الخزانة" 5/ 219. (¬2) في (ب): (بوطوا). (¬3) ذكر هذِه المعاني الثعلبي في "تفسيره الكشاف" 1/ 29/ ب، وانظر الطبري 1/ 69. (¬4) أراد أبيات طرفة التي ذكرها الثعلبي بعد الكلام السابق وهي: قال طرفة: تباري عتاقا ناجيات وأتبعت ... وظيفا وظيفا فوق مور معبد وقوله: إلى أن تحامتني العشيرة كلها ... وأفردت إفراد البعير المعبد انظر الثعلبي 1/ 29/ ب، والطبري 1/ 69، "الأضداد" لابن الأنباري ص 35. (¬5) ذكر نحوه الثعلبي 1/ 29/ ب وذكره ابن جرير ثم رده قال: (وقد ظن من لم ينعم النظر أن إعادة (إياك) مع (نستعين) بعد تقدمها في قوله: {إياك نعبد} بمعنى قول عدي بن زيد: وجاعل الشمس مصرًا لا خفاء به ... بين النهار وبين الليل قد فصلا وذكر بيتا آخر .. ثم قال: وذلك من قائله جهل، من أجل أن حظ إياك أن تكون مكررة مع كل فعل .. الخ). الطبري 1/ 71. (¬6) يعني: الضميرين.

موضعهما بعد الفعل لقيل: (نعبدك ونستعينك) فلما كان كل واحد من الفعلين يقع على (الكاف) (¬1) في تأخرها وقع على (إياك) في تقدمه (¬2). والقول هو الأول (¬3)؛ لأن العرب إذا جمعت فعلين واقعين اكتفت بوقوع أحدهما من وقوع الآخر، فيقولون: قد أكرمتك وألطفت (¬4). قال الله تعالى: {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى} [الضحى: 3] أراد (وما قلاك) فاكتفى بوقوع الأول من وقوع الثاني (¬5). ويقال: لم قدم ذكر العبادة على المعونة، وإنما المعونة بها تكون العبادة؟ والجواب: أن الواو عند النحويين لا توجب ترتيبا (¬6)، وإنما هي للجمع (¬7)، يدل على ذلك أنه لو اتفقت الأسماء لم ¬

_ (¬1) في (ج): (الكائن). (¬2) ذكر نحوه ابن جرير 1/ 71. قال أبو حيان: كرر (إياك) ليكون كل من العبادة والاستعانة سيقا في جملتين، وكل منهما مقصودة، وللتنصيص على طلب العون منه ...)، "البحر المحيط" 1/ 25. وقال أبو السعود: (تكرير الضمير المنصوب للتنصيص على تخصيصه تعالى بكل واحدة من العبادة والاستعانة)، أبو السعود 1/ 17، وانظر ابن كثير 1/ 28. (¬3) أي كرر للتوكيد، واختار ابن جرير الثاني 1/ 71. (¬4) قال ابن جرير: إن الأفصح إعادة الضمير مع كل فعل اتصل به، فيقال: (اللهم إنا نعبدك ونستعينك ونحمدك ونشكرك) .. وإن كان ترك الإعادة جائزا. انظر الطبري 1/ 71. (¬5) قال أبو حيان: حذف المفعول اختصارا في (قلى) إذ يعلم أنه ضمير المخاطب وهو الرسول - صلى الله عليه وسلم -. "البحر المحيط" 8/ 485، وقال الرازي في حذف الكاف وجوه: 1 - اكتفاء بالكاف في (ودعك)، ولأن رؤوس الآيات بالياء، فأوجب اتفاق الفواصل حذف الكاف. 2 - الإطلاق، أنه ما قلاك، ولا أحدا من أصحابك، ولا أحدا ممن أحبك. الرازي 31/ 209، وانظر القرطبي 20/ 94. (¬6) انظر: "الكتاب" 3/ 42، "سر صناعة الإعراب" 2/ 632. (¬7) وعليه فتقديم الخبر عن العبادة وتأخير مسألة طلب المعونة، ليس من باب الترتيب، واختار الطبري هذا قال: (.. كان سواء تقديم ما قدم منهما على صاحبه ... ثم قال: =

6

نحتج (¬1) إليها، لا تقول: قام زيد وزيد، ولكن قام الزيدان. فكما لا يوجب (قام الزيدان) ترتيبا، كذلك لا يوجب قام زيد وعمرو ترتيبا، وسنقضي حق الواو، والكلام فيها في موضع آخر إن شاء الله. 6 - قوله تعالى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} قال الأصمعي: هداه في الدين يهديه هدى (¬2)، وهداه يهديه هداية، إذا دله على الطريق (¬3). وأصل الهداية في اللغة: الدلالة. وهوادي الخيل والوحش التي تتقدم للدلالة (¬4). قال عبيد (¬5) يذكر الخيل (¬6): وغداة صبحن الجفار عوابسا (¬7) ... تهدى أوائلهن شُعثٌ شزَّبُ (¬8) ¬

_ = وقد ظن بعض أهل الغفلة أن ذلك من المقدم الذي معناه التأخير ....). الطبري 1/ 70. وقال ابن كثير 1/ 28: (قدم {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} على {إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} لأن العبادة له هي المقصودة والاستعانة وسيلة إليها والاهتمام والحزم تقديم ما هو الأهم فالأهم). وللرازي في هذا التقديم تعليلات يطول ذكرها. انظر (تفسيره) 1/ 254. (¬1) في (ج): (يحتج). (¬2) في (ج): (هدي). (¬3) "تهذيب اللغة" (هدى) 4/ 3737، وانظر: "تفسير الطبري" 1/ 73، "اللسان" (هدى) 8/ 4639. (¬4) ذكر نحوه الأزهري عن الأصمعي. "التهذيب" (هدى) 4/ 3738، وانظر: "الصحاح" (هدى) 6/ 2534، "معجم مقاييس اللغة" (هدى) 6/ 42. (¬5) كذا في "تهذيب اللغة"، وفي الهامش، في المنسوخة: أبو عبيد 6/ 383، والصحيح (عبيد) فالبيت لعبيد بن الأبرص. (¬6) في (ج): (الخليل). (¬7) في (ج): (عواسا). (¬8) يذكر الخيل: صبحن الجفار: أتينه صبحا و (الجفار): موضع، (شعث): المغبرة =

هذا هو الأصل، ثم سمي كل متقدم هاديا وإن لم يتقدم للدلالة (¬1). ومنه: كأن دماء الهاديات بنحره (¬2) يريد أوائل الوحش ومتقدماتها. وتسمى العنق هادية لتقدمها على البدن، ويقال: أقبلت هوادي الخيل إذا بدت أعناقها؛ لأنها أول شيء من أجسادها (¬3). وقول طرفة: للفتى عقل يعيش به ... حيث تهدي ساقه (¬4) قدمه (¬5) أي: حيث تقودها قود الدليل. وسمى الأعشى العصا هاديا (¬6) في قوله: إذا كان هادي الفتى في البلاد ... صدر القناة أطاع الأميرا (¬7) ¬

_ = المتلبدة الشعر، (شزب): ضمر، انظر: "ديوان عبيد" ص 7، "تهذيب اللغة" (هدى) 4/ 3739، "اللسان" (هدى) 8/ 4641، "التاج" (هدى) 20/ 333. (¬1) انظر: "التهذيب" (هدى) 4/ 3739، "اللسان" (هدى) 8/ 4641. (¬2) في (ب): (منجره) وفي (ج): (ينحر). والبيت لامرئ القيس وعجزه: ... ... ... ... ... عصارة حناء بشيب مرجل شبه دم الوحش بنحر هذا الفرس بعصارة الحناء على الشيب، ورد البيت في "ديوانه" ص 121، "الصحاح" (هدى) 6/ 2534، "اللسان" (هدى) 8/ 4641، "شرح القصائد المشهورات" للنحاس ص 39. (¬3) انظر: "تهذيب اللغة" (هدى) 4/ 3738، "اللسان" (هدى) 8/ 4640. (¬4) في (ب): (فما ساقه). (¬5) في (ج): (قدميه). ورد البيت في الطبري 1/ 73، "الصحاح" (هدى) 6/ 2534، "اللسان" 8/ 4641، "التاج" 20/ 333، "العقد الفريد" 5/ 479، "أمالي ابن الشجري" 2/ 262، "الهمع" 3/ 207، "الدرر اللوامع" 1/ 181، "الخزانة" 7/ 19. (¬6) انظر: "تهذيب اللغة" (هدى) 4/ 3739. (¬7) في (ج): (الأمير). قوله (صدر القناة): أعلى العصا التي يقبض عليها، لأنه أعمى، =

إما لأنها تتقدمه، وإما لأنها تدله على الطريق، والتقدم في هذا راجع إلى (¬1) الهداية، لأن من دلك (¬2) على الطريق تقدمك، ثم سمي المتقدم هاديا وإن لم يدل (¬3). والفعل من (الهدى) (¬4) يتعدى إلى مفعولين، ويتعدى إلى الثاني بأحد حرفي جر (إلى) و (اللام (¬5)) كقوله: {فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ} (¬6) [الصافات: 23]، وقوله: {وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ} [ص: 22]، وقوله: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا} [الأعراف: 43]، وقوله: {قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ} [يونس: 35]. ومثل هذا في التعدي (¬7) (الإيحاء) (¬8) قال الله تعالى: {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ} [النحل: 68]، وقال: {بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (5)} [الزلزلة: 5]. وقد يحذف حرف الجر من المفعول الثاني في (الهدى) فيصل الفعل إليه بغير حرف جر (¬9). كقوله: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} [الفاتحة: 6]. ومعناه: دلنا عليه، واسلك بنا فيه (¬10). ¬

_ = (الأمير) الذي يأمره ويقوده، ورد البيت في "ديوان الأعشى" ص 87، "تهذيب اللغة" (هدى) 4/ 3739، "اللسان" 8/ 4641، "التاج" 20/ 331، "المحتسب" 1/ 126، 290. (¬1) في (ب): (إلى المعونة الهداية). (¬2) في (ج): (ذلل). (¬3) انظر: "تهذيب اللغة" (هدى) 4/ 3739، "اللسان" 8/ 4641. (¬4) في (ب): (الهادي). (¬5) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 123، "الكشاف" 1/ 66 - 67، "البحر المحيط" 1/ 25، (تفسير أبي السعود) 1/ 17. (¬6) في (ج): (فاهدهم) تصحيف. (¬7) أي: التعدي بأحد حرفي الجر (إلى) و (اللام). (¬8) في (ب): (بالإيحا). (¬9) انظر: ابن كثير، 1/ 29، "البحر المحيط" 1/ 25. (¬10) قال ابن جرير: معنى قوله: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} في هذا الموضع، وفقنا =

ويقال: ما معنى سؤال المسلمين الهداية في قولهم: (اهدنا) وهم مهتدون؟ والجواب عنه من وجوه: أحدها: أنه قد تعرض للعارف شبه ينتقل بها إلى الجهل، فيحسن أن يسأل اللطيفة التي يتمسك معها بالمعرفة (¬1)، ولا ينتقل إلى الجهالة. والثاني: أنهم لما كانوا لا يعلمون ما يكون منهم في المستأنف، حسن أن يسألوا الهداية على (¬2) وجه التثبيت لما هم عليه من الحق، وقد تستعمل الهداية لا من الضلالة كما قال الحطيئة لعمر رضي الله عنه: فلا تُعْجِلَنِّي هداك المليكُ ... فإنَّ لكلِّ مَقَامٍ مَقَالا (¬3) لم يرد من ضلالتك؛ لأنه لو أراد ذلك قد هجاه، ولكنه على معنى التوفيق و (¬4) التثبيت (¬5). وقال بعض أصحابنا: يجوز أن يحمل على سؤال الهداية ابتداء فيما ¬

_ = للثبات عليه. وضعف أن يكون المعنى: زدنا هدى، أو: أسلكنا طريق الجنة والمعاد. الطبري 1/ 71 - 72، وانظر: ابن كثير 1/ 29. (¬1) انظر: "الكشاف" 1/ 67. (¬2) في (ب): (جهة). (¬3) ورد البيت في الطبري 1/ 72، "الكامل" 2/ 199، "المقتضب" 3/ 224، (الهمع) 3/ 110، "اللسان" (حنن) 2/ 1030، ورواية الطبري (ولا تعجلني) وبقية المصادر (تحنن علي). (¬4) في (ب)، (ج): (أو). (¬5) وهذا هو المعنى الذي ارتضاه الطبري 1/ 72، وذكره الزجاج في "المعاني" ص 12، والماوردي 1/ 58، والبغوي 1/ 54، وابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 15، والرازي 1/ 357، وقد ذكر الماوردي وابن الجوزي والرازي معاني أخرى.

يستقبل؛ لأن الهداية عرض لا يبقى، فهو يسأل أن (¬1) يخلق له أمثالها (¬2). وقال بعضهم: هذا سؤال، واستنجاز لما وعدوا به في قوله: {يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ} [المائدة: 16]. وقوله تعالى: {الصِّرَاطَ} [الفاتحة: 6] (¬3)، فيه لغات قد قرئ بها: السين، والصاد، والزاي، وإشمام (¬4) الصاد الزاي (¬5). فمن قرأ بالسين فإنه يقول: هو أصل الكلمة؛ لأنه من الاستراط بمعنى: الابتلاع (¬6)، فالسراط يسترط السابلة (¬7). ولو لزم لغة من يجمعها صادا مع (الطاء (¬8)) لم يعلم (¬9) ما أصل الكلمة (¬10). ويقول من يقرأ بالصاد: إنها أخف ¬

_ (¬1) في (ب): (فهم يسألون أن يخلق لهم). (¬2) في (ج): (مثلها). ما ذكره مبني على مذهب أصحابه الأشاعرة: أن العرض لا يبقى زمانين، والهداية عرض فهي عندهم لا تبقى في الزمان الثاني، فهو يسأل أن تجدد له الهداية، وهذا مذهب رده جماهير العلماء. انظر: "مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية" 5/ 216، 6/ 41، 16/ 275. (¬3) في (ج): (صراط). (¬4) الإشمام: هو إطباق الشفتين عقب تسكين الحرف المرفوع، والمراد هنا بإشمام الصاد الزاي هو خلط لفظ الصاد بالزاي. انظر: "الكشف" 1/ 122، (البدور الزاهرة) ص 15. (¬5) روي عن ابن كثير: بالسين والصاد، وروي عن أبي عمرو: السين والصاد، والزاي والمضارعة بين الزاي والصاد. وحمزة: يشم بين الصاد والزاي. وبقية السبعة بالصاد. انظر (السبعة) لابن مجاهد ص 105، 106، "الحجة" لأبي علي 1/ 49، (الكشف) لمكي 1/ 34. (¬6) يقال: استراط الطعام: إذا ابتلعه. انظر: "تهذيب اللغة" (سرط) 4/ 1993. (¬7) السراط: الطريق، و (السابلة) المارة يسترطهم لكثرة مرورهم به. انظر: "اللسان" (سرط) 4/ 1993. (¬8) في (ج): (الظاء). (¬9) في (ب): (ما يعلم). (¬10) ذكره أبو علي في "الحجة" عن أبي بكر محمد بن السري 1/ 49، وانظر: "حجة =

على اللسان، لأن (الصاد) حرف مطبق كـ (الطاء) فيتقاربان ويحسنان في السمع، والسين حرف مهموس فهو أبعد من الطاء (¬1). ويقول من قرأ بالزاي: أبدلت منها حرفًا مجهورًا (¬2) حتى يشبه (الطاء) في الجهر، ورمت الخفة، ويحتج بقول العرب: (زقر) في (صقر) (¬3). ويقول من قرأ بالمضارعة (¬4): رمت الخفة، ولم أجعلها (زايا) خالصة، ولا (صادا) خالصة، فيلتبس أصل الكلمة بأحدهما (¬5). قال ابن السراج (¬6): الاختيار (الصاد) للخفة والحسن في السمع، وهو غير ملتبس، لأن (السين) كأنها مهملة في الاستعمال مع (¬7) (الطاء) عند من (الصاد) لغته، ومع ذلك فهي قراءة الأكثر. وأما (الزاي) الخالصة فليست (¬8) بمعروفة (¬9)، ولست أحب أن تحمل القراءة على هذِه اللغة. وأما المضارعة (¬10) فهو تكلف حرف بين حرفين، وذلك أصعب على ¬

_ = القراءات" لابن زنجلة ص 80، "الحجة" لابن خالويه ص 62، "الكشف" 1/ 34. (¬1) بنصه في "الحجة" 1/ 49، 50، وانظر المراجع السابقة. (¬2) أي: أبدلت من (الصاد) حرفا مجهورا وهو (الزاي). (¬3) في (ب): (زفر في صفر) وفي "الحجة": (صقر) و (سقر) و (زقر)، 1/ 50. (¬4) بين الزاي والصاد. (¬5) بنصه من "الحجة" 1/ 50، وانظر: "الكشف" 1/ 34، 35. (¬6) هو أبو بكر محمد السري، المعروف بابن السراج، وكلامه في "الحجة" 1/ 50. (¬7) (مع) غير واضحة في (ب). (¬8) في (ج): (فليت). (¬9) كلام ابن السراج في "الحجة": (وأما الزاي فأحسب الأصمعي لم يضبط عن أبي عمرو؛ لأن الأصمعي كان غير نحوي، ولست أحب أن تحمل القراءة على هذِه اللغة، وأحسب أنه سمع أبا عمرو يقرأ بالمضارعة للزاي فتوهمها زايا)، "الحجة" 1/ 51. (¬10) كلام ابن السراج في "الحجة": (وأما القراءة بالمضارعة التي بين (الزاي) و (الصاد) =

اللسان؛ لأنه إنما استعمل في هذِه الحال فقط، وليس هو حرفا تبنى عليه الكلمة، ولا هو من حروف المعجم. وقال صاحب "الحجة" (¬1): الحجة لمن قرأ بالصاد: أن (¬2) السين مضارعة لما أجمعوا على رفضه من كلامهم، ألا ترى أنهم تركوا إمالة (واقد) ونحوه كراهة أن يصعدوا بالمستعلي بعد التسفل (¬3) بالإمالة. فكذلك يكره (¬4) أن يتسفل (¬5) بالسين (¬6) ثم يتصعد (¬7) بالطاء في (سراط)، وإذا كانوا قد أبدلوا من (السين) (الصاد) مع القاف في: (صقت وصويق) (¬8) ليجعلوها في استعلاء (القاف) (¬9)، فلأن يبدلوا منها (الصاد) مع (الطاء) ¬

_ = فعدلت عن القراءة بها؛ لأنه تكلف حرف بين حرفين). "الحجة" 1/ 51. (¬1) هو أبو علي الفارسي. وكتابه "الحجة للقراء السبعة أئمة الأمصار بالحجاز والعراق والشام الذين ذكرهم أبو بكر بن مجاهد" وهو مصدر رئيس للواحدي خصوصا في القراءات. انظر: مصادر الواحدي ص 78، انظر كلام الفارسي في "الحجة" 1/ 51. (¬2) في "الحجة": (أن القراءة بالسين مضارعة ...)، 1/ 51. (¬3) في (ب): (السفل). (¬4) في "الحجة": (يكره على هذا أن يستفل ..)، "الحجة" 1/ 51. (¬5) في (ب): (يستقل). (¬6) (بالسين) غير موجود في "الحجة" 1/ 51. (¬7) لأن (السين) حرف منخفض، و (الطاء) من حروف الاستعلاء والتصعد. انظر: "سر صناعة الإعراب" 1/ 62. (¬8) في (ب): (صفه وصديق). أصل صقت: (سقت) و (صويق): (سويق). انظر: "سر صناعة الإعراب" 1/ 212. (السويق) ما يتخذ من الحنطة والشعير. ويقال: السويق: المقل الحتى، والسويق: السبق الفتي، والسويق: الخمر. "اللسان" (سوق) 4/ 2156. (¬9) في "الحجة" (.. في استعلاء (القاف) مع بعد (القاف) من (السين) وقرب (الطاء) منها، فإن يبدلوا منها الصاد ...)، "الحجة" 1/ 52.

أجدر (¬1) من حيث كانت (الصاد) إلى (الطاء) أقرب منه إلى (القاف) (¬2). ألا ترى أنهما جميعا من حروف طرف اللسان وأصول الثنايا (¬3). وأن (¬4) من يقول: (صويق) و (صقت)، إذا قال: (قست وقست) (¬5) لم يبدل (الصاد) من (¬6) (السين)، لأنه الآن ينحدر بعد الإصعاد، وهذا يستخف ولا يستثقل كما استثقل عكسه. واحتجاجهم بأن (السين) هو الأصل، قلنا: قد يترك ما هو الأصل في كلامهم إلى ما ليس بأصل؛ طلبا لاتفاق الصوتين (¬7). ألا تراهم قالوا: (شنباء)، و (من بكر) (¬8) فلم يبينوا (¬9) (النون) التي هي الأصل في ¬

_ (¬1) في (ب): (فصدر). (¬2) (منه إلى القاف) ليست في "الحجة" 1/ 52. (¬3) انظر بقية كلام أبي علي في "الحجة" 1/ 52. (¬4) قال أبو علي: (ويدلك على أن حسن إبدال (الصاد) من (السين) في (سراط) لما ذكرت لك: من كراهة التصعد بعد التسفل، أن من يقول: صويق وصقت ... الخ). "الحجة" 1/ 52. (¬5) كذا في جميع النسخ، وفي "الحجة": (قست وقسوت) 1/ 52. وهذا هو الصواب. (¬6) في "الحجة" (منها) بدل (من السين). (¬7) من قوله: (واحتجاجهم إلى قوله (الصوتين) ملخص كلام أبي علي، انظر: "الحجة" 1/ 52، 53. (¬8) في (ب): (شبنا) و (من نكر) وفي "الحجة": (شمباء) و (مم بك) وفي الحاشية: في ط (شنباء ومن بك). قال سيبويه: (... فجعلوا ما هو من موضع ما وافقها في الصوت بمنزلة ما قرب من أقرب الحروف منها في الموضع، ولم يجعلوا (النون): (باء) لبعدها في المخرج، وأنها ليست فيها غنة. ولكنهم أبدلوا من مكانها أشبه الحروف بالنون وهي الميم وذلك قولهم: (ممبك)، يريدون: (من بك). و (شمباء) و (عمبر) يريدون: (شنباء) و (عنبرا). انظر: "الكتاب" 4/ 453 تحقيق: عبد السلام هارون. "سر صناعة الإعراب" 1/ 421. (¬9) في (ب): (يثبتوا).

(الشنب) (¬1)، و (من عامر) (¬2)؟ لما أرادوا أن يوفقوا بين الصوتين (¬3). فكما تركوا الأصل ههنا طلبًا للمشاكلة، كذلك يترك الأصل في (صراط) (¬4) فتترك السين (¬5) ويختار إبدال الصاد من السين. وأما القراءة (بالزاي) فليس بالوجه، وذلك أن من قال في: (أصدرت): (أزدرت) وفي (القصد): (القزد) (¬6) فأبدل (¬7) من (الصاد الزاي)، فإنه إذا تحركت (الصاد) في نحو (¬8) (صدرت) و (قصدت (¬9)) لم يبدل، فإذا لم يبدلوا (الصاد) (زايا) إذا تحركت مع (الدال)، وكانت (الطاء) في (الصراط) مثل الدال في (القصد) (¬10) في الجهر (¬11)، فكذلك ينبغي ألا يبدل من (السين) (الزاي) في (سراط)، من أجل (الطاء)، لأنها قد تحركت ¬

_ (¬1) الشنب (البرد والعذوبة في الفم). "اللسان" (شنب) 4/ 2336. (¬2) في (ب): (غامر). يريد أن النون أصل في (الشنب) و (ومن عامر) ومع ذلك أبدلوها ميما في (شنباء) و (من بكر). أما (من عامر) فإن النون فيه يجب إظهارها. (¬3) ترك المؤلف بعض كلام أبي علي. انظر: "الحجة" 1/ 53. (¬4) في "الحجة" (سراط) بالسين، 1/ 53، وهو الأقرب. (¬5) (فتترك السين) ليس في "الحجة"، 1/ 53. (¬6) في (أ)، (ج): (الفصد، الفرد) وفي (ب): (القصد، الفرد) وما أثبت من "الحجة" 1/ 53. وعند سيبويه: (الفصد: الفزد)، "الكتاب" 4/ 478. (¬7) في (ب): (وأبدل). (¬8) في (ب): (نحمد). (¬9) في (أ): (فصدت) وفي "الحجة" (صدقت) 1/ 53، وفي "الكتاب" (صدقت) 4/ 478. (¬10) في (أ)، (ج): (الفصد) وما في (ب) موافق لما في "الحجة"، 1/ 53. (¬11) في "الحجة" (في حكم الجهر)، 1/ 53.

كما تحركت في (قصدت) (¬1) مع أن بينهما في (سراط) حاجزين (¬2). ومما يحتج (¬3) من أخلص (الصاد (¬4)) على من ضارع بها (الزاي (¬5)) أن يقول: إن الحرف قد أعل مرة بالقلب، فلا تستقيم المضارعة؛ لأنها إعلال آخر، وقد رأيتهم كرهوا الإعلال في الحرفين إذا تواليا، فإذا لم يوالوا بين إعلالين في حرفين مفترقين (¬6)، فألا (¬7) يوالوا بين إعلالين في حرف واحد أجدر (¬8). مثاله (¬9) أنهم حذفوا النون من نحو (بلعنبر) و (بلحرث (¬10))، ولم ¬

_ (¬1) في (أ)، (ج): (فصدت) وما في (ب) هو الموافق لما في "الحجة"، 1/ 54. وانظر: "الكتاب" 4/ 478. (¬2) وهما (الراء والألف)، انظر: "الكتاب" 478/ 4. وانظر بقية كلام أبي علي في "الحجة"، 1/ 54، 55. (¬3) كذا في جميع النسخ وفي "الحجة" (ومما يحتج به من أخلص الصاد ...)، 1/ 56. (¬4) في (ج): (الضاد). (¬5) تكلم أبو علي قبل هذا على الحجة من (ضارع الصاد بالزاي) ولم ينقل الواحدي كلامه في ذلك. انظر: "الحجة" 1/ 55. (¬6) في (ب): (متفرقين). (¬7) في (ب): (بأن). (¬8) الإعلالان هنا: إبدال السين صادا، ثم مضارعة الصاد بالزاي. (¬9) في "الحجة": (ويقوي ذلك أنهم ....)، 1/ 56. (¬10) قال سيبويه: (ومن الشاذ قولهم: في (بني العنبر) و (بني الحارث): بلعنبر وبلحارث، بحذف النون)، "الكتاب" 4/ 484. بنو العنبر: قبيلة تنسب إلى العنبر بن عمرو بن تميم. وانظر: "اللباب" لابن الأثير 2/ 360، "اللسان" (عنبر)، 5/ 3120. و (بلحرث) لبني الحرث بن كعب. قال في "اللسان": وهذا من شواذ الإدغام؛ لأن النون واللام قريبا المخرج .. وكذلك يفعلون بكل قبيلة تظهر فيها لام المعرفة. "اللسان" (حرث)، 2/ 821.

يحذفوا من (بني النجار) (¬1) مع توالي النونات حيث كانت (اللام) قد أعلت بالقلب (لئلا يتوالى إعلالان: [الحذف والقلب] (¬2)، وإن كانا من كلمتين مفترقتين (¬3)، فإذا كره في هذا النحو، كان توالي إعلالين في حرف واحد أبعد (¬4). قوله تعالى: {الْمُسْتَقِيمَ}: (الاستقامة) في اللغة: الاستواء، يقال: قام إذا استوى منتصبا، وأقامه: إذا سواه، وقاومه إذا ساواه في القوة. وقيمة الشيء ما يساويه من ثمنه، ومعنى الاستقامة استمرار الشيء في جهة واحدة (¬5). وأما تفسير {الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} فروى علي وابن مسعود رضي الله عنهما عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "الصراط المستقيم: كتاب الله عز وجل" (¬6). ¬

_ (¬1) بنو النجار قبيلة من (الخزرج) تنسب إلى النجار واسمه (تيم اللات بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج. انظر (اللباب) 3/ 298. (¬2) ما بين المعقوفين ساقط من (ب). (¬3) في ب، (ج): (متفرقتين). (¬4) في (ج): (بعد). (¬5) "تهذيب اللغة" (قام) 3/ 2865، وانظر: "اللسان" (قوم)، 6/ 3782. (¬6) حديث علي رضي الله عنه بهذا اللفظ: أخرجه الثعلبي بسنده 1/ 30/ ب، وبنحوه أخرجه الطبري، وقال شاكر: إسناده ضعيف جدا 1/ 171 (ط. شاكر)، وكذا ابن أبي حاتم في "تفسيره"، قال المحقق: ضعيف جدا 1/ 159، وهو جزء من حديث فضائل القرآن الطويل الذي أخرجه الترمذي في: أبواب فضائل القرآن، باب: ما جاء في فضل القرآن، قال الترمذي بعده: هذا حديث لا نعرفه إلى من هذا الوجه وإسناده مجهول وفي الحارث مقال. الترمذي (2906)، وأخرجه الدارمي في (سننه) كتاب فضائل القرآن، باب: فضل من قرأ القرآن 4/ 2098 (3374)، وذكره ابن كثير في كتابه "فضائل القرآن" ص 44 - 46، ونقل كلام الترمذي عليه، ثم قال: (وقصارى هذا =

وقال جابر ومقاتل: (هو الإسلام) (¬1). وعن أبي العالية الرياحي (¬2)، قال: هو طريق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصاحبيه من بعده أبي بكر وعمر) (¬3). ¬

_ = الحديث أن يكون من كلام أمير المؤمنين علي رضي الله عنه، وقد وهم بعضهم في رفعه، وهو كلام حسن صحيح، على أنه قد روي له شاهد عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم -) وذكره السيوطي في "الدر" 1/ 40 - 41. أما حديث عبد الله بن مسعود: فأخرجه الطبري موقوفًا على ابن مسعود وكذا الثعلبي 1/ 30/ ب، والحاكم في "المستدرك" 1/ 258، وقال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وذكره السيوطي في "الدر" وعزاه إلى وكيع، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والأنباري، والحاكم، والبيهقي في "شعب الإيمان". "الدر" 1/ 40، وذكره الشوكاني في "فتح القدير" 1/ 37. ولم يذكروا رفعه، وكلام ابن كثير السابق حول حديث علي يدل على أنه مرفوع، انظر: "فضائل القرآن" ص 44/ 46. (¬1) قول جابر ذكره الثعلبي بسنده 1/ 30/ أ، والطبري: قال شاكر: موقوف على جابر وإسناده صحيح، 1/ 173، وأخرجه الحاكم في "المستدرك"، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. "المستدرك" 2/ 259، وذكره السيوطي في "الدر" ونسبه لوكيع، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والمحاملي في "أماليه"، والحاكم. "الدر" 1/ 14، 15. وقول مقاتل ذكره الثعلبي بدون سند 1/ 30/ أ، والبغوي 1/ 41. (¬2) رفيع بن مهران، أبو العالية الرياحي، بصري مقرئ فقيه، سمع من عداد من الصحابة، مات سنة تسعين أو ثلاث وتسعين. انظر ترجمته في "تهذيب التهذيب" 3/ 284، "غاية النهاية" 1/ 284، "طبقات المفسرين" للداودي 1/ 178، "معرفة القراء" 1/ 49. (¬3) ذكره الثعلبي 1/ 31/ أ، والأثر أخرجه الطبري بسنده، قال شاكر: شيخ الطبري لا أعرف من هو، ولعل فيه تحريفا، ووثق بقية رجاله الطبري 1/ 175، وأخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره"، قال المحقق: إسناده حسن. (رسالة دكتوراه) 1/ 160. وذكره السيوطي في، "الدر" ونسبه لعبد بن حميد، وابن جريج، وابن أبي حاتم، وابن عدي، =

7

وقال بكر بن عبد الله المزني (¬1): رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المنام فسألته عن الصراط المستقيم، فقال: "سنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي" (¬2). قال أهل المعاني: إنما وصف الدين الحق (¬3) بأنه الصراط المستقيم؛ لأنه يؤدي إلى الغرض المطلوب من رضاء الله تعالى والخلود في النعيم المقيم، كما أن الصراط المستقيم يؤديك إلى مقصودك (¬4). 7 - قوله تعالى: {صِرَاطَ الَّذِينَ}: (صراط) بدل من (الصراط) ¬

_ = وابن عساكر. "الدر" 1/ 15. وذكره ابن كثير في "التفسير" 1/ 56. وأخرجه الحاكم في "المستدرك" بسنده عن أبي العالية عن ابن عباس. وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، "المستدرك" 1/ 259. (¬1) هو بكر بن عبد الله المزني، بصري تابعي ثقة، كثير الحديث، حجة، توفي سنة ست ومائة، وقيل: سنة ثمان ومائة. انظر: "طبقات ابن سعد" 7/ 209، "ذكر أسماء التابعين" 1/ 81، "تاريخ الثقات" 1/ 251، "تهذيب التهذيب" 1/ 244. (¬2) (بعدي) ساقط من (ج). والأثر ذكره الثعلبي في (تفسيره) 1/ 31/ أ، والبغوي 1/ 54. وهذِه الأقوال يصدق بعضها بعضا وتجتمع، قال الطبري: والذي هو أولى بتأويل هذِه الآية: وفقنا للثبات على ما ارتضيته ووفقت له من أنعمت عليه من عبادك من قول وعمل، وذلك هو الصراط المستقيم؛ لأن من وفق لما وفق له من أنعم الله عليه من النبيين والصديقين والشهداء فقد وفق للإسلام واتباع منهج النبي - صلى الله عليه وسلم - ومنهاج أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وكل عبد صالح، وكل ذلك من الصراط المستقيم) 1/ 74، وانظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 122، "فتح القدير" 1/ 38. (¬3) في (أ)، (ج): (والحق) زيادة (واو) وأثبت ما في (ب)، لأنه أصح. (¬4) في (ب): (مقصدك). انظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 121، قال الطبري: (وإنما وصفه الله بالاستقامة؛ لأنه صواب لا خطأ فيه، وقد زعم بعض أهل الغباء، أنه سماه مستقيما لاستقامته بأهله إلى الجنة. وذلك تأويل لتأويل جميع أهل التفسير خلاف، وكفى بإجماع جميعهم على خلافه دليلا على خطئه)، 1/ 75.

الأول (¬1)، وهو بدل الشيء من نفسه في المعنى (¬2)؛ لأن {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} هو {الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} بعينه، وهو كقولك: جاءني أبوك زيد، فزيد هو الأب بعينه، وهو من بدل (المعرفة من المعرفة)، وللبدل باب معروف يذكر فيه وجوهه (¬3). وقوله: {الَّذِينَ} النحويون يسمون (الذي والتي) وتثنيتهما، وجمعهما: الأسماء الموصولة، والأسماء النواقص، والأسماء المبهمة، وذلك لأنها (¬4) أسماء لا تتم إلا بصلاتها، إما من مبتدأ وخبر (¬5)، أو فعل وفاعل، أو ظرف، أو شرط وجزاء (¬6) كقولك: جاءني الذي أبوه منطلق، والذي قام أبوه، والذي عندك، والذي إن تأته يأتك. ولا بد أن يكون في صلة (الذي) ضمير يرجع (¬7) إليه، وإلا فسد الكلام (¬8). و (الذين) لا يظهر فيه ¬

_ (¬1) انظر: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 164، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 124، "تفسير ابن عطية" 1/ 121، "البيان في غريب القرآن" 1/ 39، "الكشاف" 1/ 68، وقال الزجاج: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} صفة لقوله {الصراط المستقيم}، "معاني القرآن" 1/ 12. (¬2) "البيان" 1/ 39، "الكشاف" 1/ 68. (¬3) مكانه كتب (النحو). (¬4) في (ب): (أنها). (¬5) في (ب): (مبتداء لخير). (¬6) انظر: "الأصول في النحو" لابن السراج 2/ 266، "شرح جمل الزجاجي" لابن عصفور 1/ 179، "التبصرة والتذكرة" للصيمري 1/ 517. (¬7) في (ب): (ترجع). (¬8) ويسمى (العائد) انظر: "الأصول في النحو" 2/ 266، "شرح جمل الزجاجي" 1/ 181، 182، "أوضح المسالك" ص 31، "شرح ابن عقيل" 1/ 153، ومحل مثل هذِه المباحث كتب النحو.

الإعراب (¬1)، تقول (¬2) في الرفع والنصب والجر: (الذين) وكذلك (الذي) وإنما منع الإعراب؛ لأن الإعراب إنما يكون في أواخر الأسماء، و (الذين) من المبهمات لا تتم إلا بصلاتها، فلذلك منعت الإعراب (¬3). فإن قيل فلم أعربته في التثنية؟. قيل: إن جميع ما لا يعرب في الواحد مشبه بالحرف الذي جاء لمعنى، فإذا ثنيته بطل شبه الحرف؛ لأن حروف المعاني لا تثنى (¬4). فإن قيل: فلم منعته الإعراب في الجمع؟ قيل: الجمع الذي ليس على حد (¬5) التثنية كالواحد، ألا ترى أنك تقول في جمع (¬6) هذا: هؤلاء، فتجعله اسما واحدا للجمع (¬7). فكذلك قوله (¬8): {الَّذِينَ} إنما هو اسم لجمع، فبنيته كما بنيت (¬9) الواحد، ونظير (الذي) (هذا)، فإنك لا تعربه ثم تعرب (هذين) ثم تترك الإعراب في (هؤلاء) (¬10). ¬

_ (¬1) في (ج): (إعراب). (¬2) من قوله (تقول ...) اختلف الخط في نسخة (ب) وفي هامشها تنبيه على ذلك. (¬3) من قوله (والذين لا يظهر فيه الإعراب ....) وكذا الكلام الآتي بعده أخذه عن الزجاج بتصرف يسير في العبارة. "معاني القرآن" 1/ 34. (¬4) أخذ الزجاج بقول الكوفيين أن تثنية (اللذين) تثنية حقيقية وأنه معرب، وعند البصريين أن تثنيته ليست على حد تثنية (زيد) و (عمرو) فهي صيغة مرتجلة على حد التثنية فهي تثنية لفظية لا معنوية. انظر: ("الإنصاف") ص 539، "البيان في غريب القرآن" 1/ 39. (¬5) في (ب): (جمع). (¬6) في (ب): (الجمع). (¬7) في (ب): (للجميع). (¬8) في (ب): (قول). (¬9) في (ب): (فثنيته كما ثنيت). (¬10) عن "معاني القرآن" للزجاج، 1/ 34.

قال أبو إسحاق: وأصل (الذي)، (لذ) على وزن (عم)، كذلك قال سيبويه والخليل والأخفش (¬1). وأما الألف واللام فيه (¬2)، فقال أبو الفتح الموصلي (¬3): (الألف واللام) في (الذي) و (التي) وبابهما (¬4) زيادة، ويدل على زيادتهما وجود أسماء موصولة مثلها معراة من (الألف واللام)، وهي مع ذلك معرفة، وتلك: (من) و (ما) و (أي) (¬5). ويدل على ما قلنا: أن (الذي) إنما تعرفه (¬6) بصلته دون (اللام) التي فيه، فبان أن (¬7) (اللام) زائدة، إلى أنها (¬8) زيادة لازمة لا يجوز (¬9) حذفها (¬10). فإن قيل: وما كانت الحاجة إلى زيادة (اللام) (¬11) حتى إنها لما زيدت ¬

_ (¬1) "معاني القرآن" للزجاج، 1/ 34، وهذا قول جمهور البصريين، انظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 121، ("الإنصاف") ص 535. (¬2) أي: في (الذي). (¬3) هو أبو الفتح عثمان بن جني سبقت ترجمته في الدراسة. نقل الواحدي عنه من كتاب "سر صناعة الإعراب" 1/ 353. (¬4) في (ج): (وبائهما). (¬5) مثل أبو الفتح لـ (من وما وأي) ثم قال: (فتعرف هذِه الأسماء التي هي أخوات الذي والتي بغير اللام، وحصول ذلك لها بما تبعها من صلاتها دون اللام يدل على أن (الذي) إنما تعرفه ...)، "سر صناعة الإعراب" 1/ 353. (¬6) في (ب): (يعرفه). (¬7) عند أبي الفتح (وأن اللام ..)، "سر صناعة الإعراب" 1/ 353. (¬8) في (ب): (أن زيادتها). (¬9) في (أ)، (ج): (تجوز) وأثبت ما في (ب)، لمناسبته للسياق. (¬10) (لا يجوز حذفها) ليست عند أبي الفتح، 1/ 353. (¬11) عند أبي الفتح (في الذي والتي ونحوها)، 1/ 353.

لزمت؟ قيل: إن (الذي) (¬1) إنما وقع في الكلام توصلا إلى وصف المعارف بالجمل، وذلك أن الجمل نكرات. ألا ترى أنها تجري أوصافا على النكرات، نحو (¬2): مررت برجل أبوه زيد، ونظرت إلى غلام قامت أخته. فلما أريد مثل هذا في المعرفة لم يمكن أن يقول (¬3): مررت بزيد أبوه كريم، على أن تكون الجملة وصفا لزيد (¬4)، ولم يمكن (¬5) إذا أرادوا وصف المعرفة بالجمل أن يدخلوا اللام على الجملة، لأن اللام من خواص الأسماء، فجاؤوا بـ (الذي) متوصلين به إلى وصف المعارف بالجمل، وجعلوا (¬6) الجملة التي كانت صفة للنكرة صلة لـ (الذي) فقالوا: مررت بزيد الذي أبوه منطلق، فألزموا (اللام) هذا الموضع لما أرادوا التعريف للوصف، ليعلموا أن الجملة قد صارت وصفا لمعرفة (¬7)). (¬8) ¬

_ (¬1) في (أ)، (ج): (الذين) واخترت ما في (ب) لأنه موافق لما عند أبي الفتح، وعبارته: (والجواب: أن (الذي) إنما وقع ... الخ)، انظر: "سر صناعة الإعراب" 1/ 353. (¬2) عند أبي الفتح: (في نحو قولك ...)، 1/ 353. (¬3) (يقول) في جميع النسخ، وعند أبي الفتح (تقول) 1/ 353. وهذا أصوب. (¬4) حذف الواحدي بعض كلام أبي الفتح ونصه: (... وصفا لزيد، لأنه قد ثبت أن الجملة نكرة، ومحال أن توصف المعرفة بالنكرة، فجرى هذا في الامتناع مجرى امتناعهم أن يقولوا: مررت بزيد كريم، على الوصف، فإذا كان الوصف جملة نحو: مررت برجل أبوه كريم، لم يمكن إذا أرادوا وصف المعرفة بنحو ذلك أن يدخلوا اللام على الجملة ....)، "سر صناعة الإعراب" 1/ 353 - 354. (¬5) في (ب): (يكن). (¬6) في (ب): (فجعلوا). (¬7) في (ب): (للمعرفه). (¬8) إلى هنا ما نقله عن أبي الفتح. "سر صناعة الإعراب" 1/ 354.

وبيان ما ذكرنا (¬1) من الآية أن معنى قوله: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} صراط القوم الذين أنعمت عليهم، ولو أريد وصف القوم (بأنعمت عليهم) لم يسهل، لأنه يصلح وصفا للنكرة (¬2)، فيصح في الكلام أن يقول: (¬3) (صراط قوم أنعمت عليهم) فلا يصلح أن يكون وصفا للمعرفة، فلما أريد ذلك (¬4) توصلوا إلى ذلك بـ (الذي). جاءوا (¬5) بالحرف الذي وضع للتعريف (¬6)، فأولوه (الذي) (¬7) ليحصل لهم بذلك لفظ التعريف الذي قصدوه، ويطابق اللفظ المعنى الذي حاولوه (¬8). وقوله تعالى: {أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ}، إنعام الله تعالى: مَنُّه (¬9) وعطاؤه، و (النعمة) بالكسر اسم من أنعم الله عليه إنعاما ونعمة، أقيم الاسم مقام الإنعام، كما يقال: أنفق إنفاقا ونفقة (¬10). ¬

_ (¬1) هذا من كلام أبي الحسن الواحدي يبين فيه ما سبق ذكره عن (الألف واللام) في الاسم الموصول على لفظ الآية وهي قوله {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} فيربط إيراد هذِه المسألة النحوية بتفسير الآية. (¬2) و (القوم) معرفة. (¬3) في (ج): (تقول). (¬4) أي: وصف المعرفة. (¬5) الكلام من هنا لأبي الفتح، انظر: "سر صناعة الإعراب" 1/ 354. (¬6) وهو (اللام) كما في "سر صناعة الإعراب" 1/ 354. (¬7) (فأولوه الذي) ساقط من (ب). (¬8) انظر بقية كلام أبي الفتح في "سر صناعة الإعراب" 1/ 354، وانظر: "أصول النحو" لابن السراج 1/ 261، 262. (¬9) في (ب): (منته). (¬10) ذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" مادة (نعم) 4/ 3615.

وقوله تعالى: {عَلَيْهِمْ} يجوز كسر (الهاء) فيه وضمه (¬1). فمن كسر فلأن الياء أخت الكسرة وبعضها، على معنى أنها تتولد من الكسرة، ألا ترى أن (الياء) كسرة مشبعة، كما أن (الواو) ضمة مشبعة، والألف فتحة مشبعة، وإذا كان كذلك فلو انكسر ما قبل (الهاء) وجب كسرها نحو: (بهم) و (من دونهم) وكذلك (عليهم وفيهم) وذلك أن إتباع (الياء) التي هي أخت الكسرة بالكسرة أولى من إتباعه بالضمة، لثقل الانتقال من الكسرة إلى الضمة. ألا ترى أنه ليس في كلامهم (فِعُل)، ولأن هذِه (الهاء) في (عليهم) هي التي في (عليه) وفي (عليه) كسر، لأن الأصل كان (عليهو (¬2)) كقولك (¬3) ضربته (¬4). زعم (¬5) سيبويه أن (¬6) (الواو) زيدت على (الهاء) في المذكر، كما زيدت (الألف) في (¬7) المؤنث ليستويا في باب الزيادة. ¬

_ (¬1) قرأ حمزة ويعقوب من العشرة (عليهم) بضم الهاء وقرأ الباقون (عليهم) بكسر الهاء مع اختلافهم في الميم، والأكثر بسكونها. انظر: "السبعة" لابن مجاهد ص 108، 109، "الغاية" لابن مهران ص 77، "الحجة" للفارسي 1/ 57، "التيسير" ص 40، 41، "الإقناع" 2/ 595، "النشر" 1/ 272، "إتحاف فضلاء البشر" ص 123. (¬2) في (ب): (علهو) وفي (ج): (عليه وكقولك). (¬3) في (ب): (كقوله). (¬4) انظر: "الحجة" لأبي علي الفارسي 1/ 59، 60، 61، "حجة القراءات" لابن زنجله ص 82. (¬5) ذكره الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 13، وانظر: "الكتاب" 4/ 189. (¬6) في (ب): (إلى أن) بزيادة (إلى). (¬7) في (ب): (على). وفي "معاني القرآن" 1/ 13 للزجاج: (... كما زيدت الألف في المؤنث في قولك: ضربتها ومررت بها ...).

قال الزجاج: و (¬1) القول في هذِه (الواو (¬2)) أنها زيدت لخفاء (الهاء)، وذلك أن (الهاء) تخرج من أقصى الحلق (¬3)، و (الواو) حرف مد ولين، تخرج (¬4) من طرف الشفتين (¬5)، فإذا زيدت (الواو) بعد (الهاء) أخرجتها من الخفاء، وتسقط في (¬6) الوقف، كما تسقط الضمة والكسرة، ولأنها (واو (¬7) وصل) فلو ثبتت لالتبس (¬8) بالأصل. فإذا قلت: مررت به، قلبت (¬9) الواو (ياء) لانكسار ما قبلها (¬10) أعني (الباء) (¬11)، و (الهاء) لا يعتد به حاجزا حصينا ¬

_ (¬1) (الواو) ساقطة من (ب). (¬2) في "معاني القرآن" 1/ 13 للزجاج: (والقول في هذِه (الواو) عند أصحاب سيبويه والخليل أنها إنما زيدت لخفاء (الهاء) ...) 1/ 13. (¬3) انظر: "الكتاب" 4/ 433، "سر صناعة الإعراب" 1/ 46. (¬4) في (ب): (يخرج). (¬5) في "معاني القرآن": (.. و (الواو) بعد (الهاء) أخرجتها من الخفاء إلى الإبانة، فلهذا زيدت، وتسقط في الوقف ...) 1/ 13. وانظر: "الكتاب" 4/ 433، "سر صناعة الإعراب" 1/ 48. (¬6) في (ب): (من). (¬7) في "معاني القرآن": (كما تسقط الضمة والكسرة في قولك: أتاني زيد، ومررت بزيد، إلا أنها (واو وصل)، فلا تثبت؛ لئلا يلتبس الوصل بالأصل ...)، وفي الهامش: عبارة ك: (.... ولأنها واو (وصل) ...) كما عند المؤلف ولعله أصوب. (¬8) في (ب): (لالتبست). وهذا أحسن للسياق. (¬9) في "المعاني": (فإذا قلت: مررت بهو يا فتى، فإن شئت قلت: مررت بهي، فقلبت الواو ياء ...)، 1/ 13. (¬10) في (ج): (بما قبلها). (¬11) (الباء) كذا في جميع النسخ. وفي "معاني القرآن": (أعني (الياء) المنكسرة. فإن قال قائل: بين الكسرة والواو (الهاء)، قيل: (الهاء) ليست بحاجز حصين، فكأن ... الخ 1/ 13 ولعل ما في "المعاني" خطأ مطبعي.

لخفائه، فكأن (¬1) الكسرة تلي (الواو)، ولو كانت (الهاء) حاجزا حصينا ما زيدت (الواو) عليها. وبهذه (¬2) العلة كسرت الهاء في (عليه) وكان الأصل (عليهو) (¬3) فقلبت (¬4) الواو (ياء) (¬5) للياء التي قبلها ثم حذفت (¬6) لسكونها، وسكون الياء قبل الهاء، والهاء ليس بحاجز، فإذا كسر في (عليه) أقر على الكسر في (عليهم) إذ (¬7) كانت العلة واحدة (¬8). ومن ضم (الهاء) فقال: كان الأصل (عليهو) فحذفت الواو لسكونها وسكون (الياء) وبقيت الضمة لتدل على الواو (¬9). وأما حمزة (¬10) فإنه يقرأ: (عليهم) و (إليهم) و (لديهم) بالضم في هذِه الثلاثة (¬11) وحجته (¬12): أن هذِه الحروف إن وليهن ظاهر صارت (ياءاتهن) ¬

_ (¬1) في (ج): (وكان). (¬2) في (ب): (وهذِه). (¬3) في (ب): (علهو). (¬4) في (ج): (فقلبت الواو بالياء). (¬5) فتكون (عليهى) انظر: "معاني القرآن" 1/ 14. (¬6) في (ب): (حذف). (¬7) في (ج): (اذا). (¬8) انتهى ما نقله من الزجاج، وآخر كلامه نقله بمعناه. انظر: "معاني القرآن" 1/ 13، 14. (¬9) ذكره الزجاج، انظر: "معاني القرآن" 1/ 14، "الحجة" لأبي علي 1/ 60، "حجة القراءات" ص 81، "الحجة" لابن خالويه ص 63، "الكشف" لمكي 1/ 35. (¬10) هو حمزة بن حبيب بن عمارة، الكوفي، التيمي بالولاء، وقيل: من صميمهم، الزيات أحد القراء السبعة (80 - 156 هـ)، انظر ترجمته في "معرفة القراء الكبار" 1/ 111، "غاية النهاية" 1/ 261. (¬11) انظر: "السبعة" لابن مجاهد ص 108، "الحجة" لأبي علي الفارسي 1/ 57. (¬12) ما سبق إنما هو حجة لحمزة في قراءته بالضم نقله الواحدي عن الزجاج، ثم نقل مزيدا =

ألفات، نحو: على زيد، وإلى عمرو، ولدى بكر (¬1)، ولا يجوز كسر (الهاء) إذا كان قبلها ألف (¬2)، فلما كان الأصل في هذِه (الياءات) الألف اعتبره حمزة فيها الأصل (¬3) دون الرسم والخط (¬4). فإن قيل: ينقض هذا بالواحد والتثنية (¬5)؟ قلنا: لا ينقض، لأنه أراد أن يخالف بين بناء الواحد والتثنية، وبين بناء الجمع، وذلك أن الجمع يخالفهما في البناء في أكثر الأمر، ألا ترى أنك تقول: رجل ورجلان، وحمار وحماران، ثم تقول في الجمع: رجال وحمر، فاتفق بناء الواحد والتثنية، وخالف بناء الجمع بناءها، فلهذا ضم الهاء في (عليهم ولديهم وإليهم (¬6)) ولم يضم في (عليه وعليهما). وأما من (¬7) ضم من القراء كل هاء قبلها (ياء) ساكنة نحو: فيهم ¬

_ = من الاحتجاج لقراءته بالضم من "الحجة" لأبي علي، حيث قال: (وحجة من قرأ (عليهم) -وهو قول حمزة- أنهم قالوا: ضم الهاء هو الأصل، وذلك أنها إذا انفردت من حروف تتصل بها قيل: (هم فعلوا). والواو هي القراءة القديمة، ولغة قريش، وأهل الحجاز، ومن حولهم من فصحاء اليمن. قالوا: وأما خص حمزة هذِه الحروف الثلاثة بالضم -، وهي: (عليهم) و (إليهم) و (لديهم) - لأنهن إن أولاهن ظاهرا صارت ... الخ ما ذكره المؤلف عنه. "الحجة" 1/ 60، وانظر: "الكشف" لمكي 1/ 35. (¬1) في (ب): (آل زيد وآل عمر وكذا بكر) تصحيف. (¬2) انظر: "الحجة"، 1/ 60. (¬3) فضم الهاء، ولم يكسرها. (¬4) انظر: "الحجة"، 1/ 83. (¬5) فلم يحصل الضم في الواحد والتثنية فيقال: عليه وعليهما بالكسر، كما سيأتي. (¬6) في (ب): (عليهم وإليهم ولديهم). (¬7) في (ب): (في).

ويأتيهم (¬1)، فحجته إجماعهم على ضمها إذا كان قبلها حرف ساكن سوى الياء، نحو (عنهم ومنهم) فكذلك الياء. هذا هو الكلام في (الهاء). فأما (الميم) فأهل (¬2) الحجاز يضمون (ميم) كل جمع حتى يلحقوا بها (واوا) (¬3) في اللفظ (¬4)، وحجتهم: أن أصلها أن تكون مقرونة (بواو) في اللفظ والخط، لأن أكثر جموع المذكورين بالواو في الفعل (¬5) والاسم، نحو: فعلوا (¬6) (¬7) ويفعلون ومسلمون وصالحون، فعاملوا المكني معاملة الأسماء الظاهرة المجموعة و (¬8) الأفعال من إلحاق الواو بها (¬9). والدليل على أن الأصل فيه ما ذكرنا، إجماعهم على إثبات الواو في اللفظ بعد الميم عند اتصاله بالمكني (¬10)، كقوله: {أَنُلْزِمُكُمُوهَا} [هود: 28] و {وَاتَّخَذْتُمُوهُ} [هود: 92]. ¬

_ (¬1) وهي قراءة يعقوب من العشرة، انظر: "الغاية" ص 77، "النشر" 1/ 272، "إتحاف فضلاء البشر" ص 123، وهذا مخالف لنهج المؤلف في القراءات حيث ذكر قراءة عشرية، وعادته أن يذكر السبع فقط. (¬2) في (ج): (فإن أهل). (¬3) في (ب): (واو) بدون تنوين. (¬4) قراءة ابن كثير: يصل الميم بواو انضمت الهاء قبلها أو انكسرت. انظر: "السبعة" لابن مجاهد ص 108، "الحجة" 1/ 57، "الكشف" 1/ 39. (¬5) في (ج): (في الاسم والفعل). (¬6) في (ب): (يفعلوا). (¬7) (الواو) ساقطة من (ج). (¬8) (الواو) ساقطة من (ب). (¬9) انظر: "الحجة" 1/ 104، 133، "الكشف" 1/ 39، "حجة القراءات" ص 81، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 13، 14، "المحتسب" 1/ 44، "البيان" 1/ 39. (¬10) انظر: "الحجة" 1/ 106، "حجة القراءات" ص 81.

وأما من أسكن الميم (¬1)، فحجته: خط المصاحف، وذلك أن هذِه الواوات حذفت من الخط اقتصارًا على الميم، واكتفاءً بها من علامة الجمع كما حذفت ياء الإضافة من الأسماء والأفعال اقتصارا على الكسرة والنون التي قبلها (¬2). وقال ابن السراج (¬3): إنما أسكنوا لأنه قد أمن اللبس، إذ كانت (الألف) في التثنية قد دلت على الاثنين، ولا (ميم) في الواحد، فلما لزمت (الميم) الجمع حذفوا (الواو) وأسكنوا (الميم) طلبا للتخفيف، إذ كان لا يشكل (¬4). وروى ورش (¬5) عن نافع (¬6) ضم الميم ووصلها بواو إذا (¬7) استقبلها ¬

_ (¬1) وعليه أكثر القراء كما سبق، وانظر: "الكشف" 1/ 40. (¬2) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 14، "الحجة" 1/ 80، 82، "الحجة" لابن خالويه ص 63، "الكشف" 1/ 40. (¬3) هو أبو بكر محمد بن السري سبقت ترجمته في الدراسة، وقد نقل عنه أبو علي في "الحجة" كثيرا، لأنه أول من بدأ في بيان حجج القراءات السبع التي جاءت في كتاب ابن مجاهد. ولم يتم الكتاب، وألف أبو علي كتاب "الحجة" وأتم ما شرع به ابن السراج وضمن أبو علي كتابه كلام ابن السراج. انظر مقدمة "الحجة" ص 7. (¬4) "الحجة" 1/ 59، 60. (¬5) هو عثمان بن سعيد القبطي، مولى آل الزبير بن العوام، كنيته: أبو سعيد، وقيل غير ذلك. أحد القراء المشهورين، وأشهر رواة نافع، أحد السبعة ولادته ووفاته (110 - 197 هـ). انظر ترجمته في "معرفة القراء الكبار" 1/ 152، "غاية النهاية" 1/ 502. (¬6) نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم الليثي بالولاء، كنيته أبو رويم، وقيل غير ذلك. أحد القراء السبعة الذين اعتمدهم ابن مجاهد في كتابه، مات سنة تسع وستين ومائة، وقيل غير ذلك، وانظر ترجمته في "معرفة القراء" 1/ 107، "غاية النهاية" 2/ 330. (¬7) في (ب): (وإذا).

همزة (¬1)، ومذهبه حذف الهمزة ونقل حركتها [إلى الساكن قبلها، فلما احتاج إلى تحريك الميم حركها (¬2)] (¬3) بالحركة التي كانت لها في الأصل وهي (الضمة)، فلما أشبع ضمتها تولدت منها (واو)، فاحتاج إلى مدها لاستقبال الهمزة إياها (¬4). وأيضا فإنه لو نقل فتحة الهمزة إلى ميم الجمع عند استقبال الهمزة المفتوحة نحو: {عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ} (¬5) [البقرة: 6] وما أشبهه، لأشبه التثنية، فلما مدها عند الهمزة المفتوحة ولم ينقل حركتها إليها مخافة الالتباس فعل ذلك به عند الهمزة المضمومة والمكسورة؛ لئلا يختلف الطريق عليه (¬6). وكان حمزة والكسائي يضمان (¬7) (الهاء) و (الميم) عند ألف الوصل (¬8) نحو: {عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ} [البقرة: 61] و {إِإِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ} [يس: 14] و {مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ} [القصص: 23] وحجتهما أنه لما احتيج إلى تحريك (الميم) لالتقاء الساكنين كان تحريكها بحركة الأصل، وهي الضم أولى (¬9)، ثم أتبعت الهاء ¬

_ (¬1) قراءة نافع كسر الهاء، وأما الميم فالمشهور عنه الإسكان، وروى عنه الضم وروى ورش عن نافع أن الميم إذا لقيها همزة ألحق بها واوا. انظر: "السبعة" ص 108، 109، "الحجة" للفارسي 1/ 58، "الكشف" 1/ 39. (¬2) في (ج): (حركتها). (¬3) مابين المعقوفين ساقط من (ب). (¬4) انظر: "الحجة" للفارسي 1/ 107، "الكشف" 1/ 39. (¬5) ووردت الآية في (ب) {عليهم أنذرتهم أم لم} وهو تصحيف. (¬6) في (ب): (إليه). (¬7) في (ج): (يضمون). (¬8) في (ج): (لوصل). (¬9) في (ب): (أولا).

ضمة الميم استثقالًا للخروج من الكسر إلى الضم (¬1). وكان أبو عمرو (¬2) يكسرها عند ألف الوصل؛ لأنه يكسر الميم على أصل تحريك الساكن بالكسر إذا لقيه ساكن آخر، ويكسر الهاء بتبع الكسر لثقل الضم بعد الكسر (¬3). وأما من كسر (الهاء) وضم (الميم) عند ألف الوصل (¬4)، فإنه يقول: لما احتجت إلى حركة الميم رددته إلى أصله، فضممت وتركت الهاء على كسرها، لأنه لم تأت ضرورة تحوج (¬5) إلى ردها إلى الأصل (¬6). فأما التفسير: فقال ابن عباس: {الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} [الفاتحة: 7]: هم قوم موسى وعيسى قبل أن يغيروا نعم الله عز وجل (¬7). وقال عكرمة: أنعمت عليهم بالثبات على الإيمان والاستقامة (¬8). ¬

_ (¬1) انظر: "حجة القراءات" لابن زنجلة ص 82، "الكشف" 1/ 37، قال أبو علي الفارسي في "الحجة" (تحريك حمزة الميم في (عليهم ولديهم وإليهم) خاصة بالضم مستقيم حسن، وذلك أنه يضم (الهاء) في هذِه الأحرف ولا يكسرها فإذا ضمها لم يكن في تحريك الميم إلى الضم ولم يجز الكسر ..)، ثم أخذ يحتج لموافقة الكسائي له في ذلك، "الحجة" 1/ 117، 118. (¬2) زبان بن العلاء، أحد السبعة سبقت ترجمته. (¬3) انظر: "الحجة" لأبي علي 1/ 110، "حجة القراءات" لابن زنجلة ص 82. (¬4) وهي قراءة ابن كثير ونافع وعاصم وابن عامر. انظر: "السبعة" ص 108، 109، "الحجة" لأبي علي 1/ 58. (¬5) في (ج): (تخرج). (¬6) انظر: "الحجة" لأبي علي 1/ 108، "حجة القراءات" ص 82. (¬7) ذكره الثعلبي في "الكشف" 1/ 31/ ب، وذكره ابن عطية في "تفسيره" وقال: حكاه مكي وغيره عن فرقة من المفسرين، وقال ابن عباس: أصحاب موسى قبل أن يبدلوا. "تفسير ابن عطية" 1/ 122، وانظر: "لباب التفاسير" للكرماني 1/ 98 (رسالة دكتوراه). (¬8) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 31/ ب.

وقيل: هم الذين ذكرهم الله في قوله (¬1) سبحانه: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ} [النساء: 69]. وقال ابن جرير: في الآية اختصار، معناه: صراط الذين أنعمت عليهم بالهداية إلى الصراط. والعرب تحذف من الكلام إذا كان في الباقي دليل عليه (¬2). وستمر بك أشباه لهذا كثيرة. وقوله تعالى: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} (غير) (¬3) ينخفض على ضربين (¬4): على البدل من (الذين)، ويستقيم أن يكون صفة (الذين). و (غير) نكرة، وجاز (¬5) أن يقع هاهنا صفة لـ (الذين)، لأن الذين هاهنا ليس بمقصود قصدهم (¬6)، فهو بمنزلة قولك: إني لأمرُّ بالرجل مثلك فأكرمه. ¬

_ (¬1) ذكره الثعلبي في "الكشف" ولم يعزه لأحد 1/ 31/ ب، وذكر الطبري بسنده عن ابن عباس: يقول: (طريق من أنعمت عليهم بطاعتك وعبادتك من الملائكة والنبيين والصديقين والشهداء والصالحين، الذين أطاعوك وعبدوك). "تفسير الطبري" 1/ 76، (قال شاكر: الخبر ضعيف الإسناد) "تفسير الطبري" 1/ 178، أخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 31، وذكره السيوطي في "الدر" 1/ 42، قال ابن عطية في "تفسيره": هو قول ابن عباس وجمهور المفسرين 1/ 121، وانظر: "تفسير القرطبي" 1/ 129. (¬2) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 76. وذكر الواحدي كلام ابن جرير بالمعنى. (¬3) قرأ نافع وعاصم وأبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي (غير) بخفض (الراء). وروي عن ابن كثير النصب والرفع. انظر: "السبعة" لابن مجاهد ص 111، "الحجة" للفارسي 1/ 142، "البحر المحيط" 1/ 29. (¬4) ذكره أبو علي في "الحجة" عن أبي بكر بن السراج، حيث قال: (قال أبو بكر في "الحجة" في الجر: إنهم قالوا: ينخفض على ضربين ..)، والكلام كله بنصه في "الحجة" 1/ 142، وانظر: "السبعة" لابن مجاهد ص 112. (¬5) في (ج): (ويجوز). (¬6) أي: لم يقصد به قصد قوم بأعيانهم، لأن (الذين) مع كونه معرفة فهو قريب من النكرة =

ويجوز (النصب) على ضربين: على الحال، والاستثناء (¬1)، أما الاستثناء: فكأنك قلت: إلا المغضوب عليهم، وهو (¬2) استثناء الشيء من غير جنسه، وحق (غير) في الاستثناء النصب إذا كان ما بعد (إلا) منصوبا (¬3). وأما الحال: فكأنك قلت: (صراط الذين أنعمت عليهم لا مغضوبا عليهم). قال ابن السراج (¬4): ويجوز عندي النصب على (¬5) (أعنى). وقد حكي عن الخليل نحو هذا، أنه أجازه على وجه (¬6) القطع من الأول، كما يجيء المدح. ولمن نصب أن يقول (¬7): (غير) نكرة وكرهت أن أصف بها المعرفة. ¬

_ = لأنه عام. انظر؛ "معاني القرآن" للفراء 1/ 7، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 16، "البحر" 1/ 29. (¬1) نسب ابن مجاهد (القول بالنصب على الاستثناء) إلى الأخفش، وقال: هذا غلط. ابن مجاهد ص 112، وانظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 125، "البحر" 1/ 29. (¬2) قوله: (وهو استثناء الشيء ... إلى قوله إذا كان ما بعد (إلا) منصوبا) ليس من كلام ابن السراج وما قبله وما بعده كله لابن السراج، انظر: "الحجة" 1/ 142. (¬3) انظر: "الأصول" لابن السراج 1/ 284، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 125، "البحر" 1/ 29. (¬4) هذا وما قبله بنصه مما نسبه أبو علي الفارسي في "الحجة"، لأبي بكر محمد بن سهل بن السراج، فالكلام كله لابن السراج، نقل الواحدي أوله بدون عزو ثم عزا آخره له، وهذا يلاحظ على منهج الواحدي في العزو. انظر: "الحجة" 1/ 142، 143. (¬5) في "الحجة": (قال: ويجوز عندي النصب أيضا على (أعني) ....) فذكر: (أيضا) لأنه عطفه على كلام قبله، ذكر فيه وجوها أخرى للنصب. انظر 1/ 143. (¬6) في "الحجة": (.. على وجه الصفة والقطع من الأول ...) 1/ 143. (¬7) في "الحجة": (.. ومما يحتج به لمن يفتح أن يقال: (غير) تكره، فكره أن يوصف به المعرفة) 1/ 143.

والاختيار الكسر (¬1). ولا يلزم وصف المعرفة بالنكرة؛ لأن حكم كل مضاف إلى معرفة (¬2) أن يكون معرفة، وإنما تنكرت (غير) و (مثل) مع إضافتهما إلى المعارف من أجل معناهما، وذلك أنك إذا قلت: رأيت غيرك، فكل شيء يرى سوى المخاطب هو غيره (¬3)، وكذلك إذا قال: رأيت مثلك، فما هو مثله لا يحصى، يجوز أن يكون مثله في خلقه، وخلقه، وفي جاهه، وفي نسبه، وفي علمه، فإنما صارا (¬4) نكرتين من أجل المعنى. فأما إذا كان شيء معرفة له ضد واحد، وأردت إثباته ونفي ضده، وعلم السامع (¬5) ذلك الضد فوصفته بـ (غير) وأضفت (غير (¬6)) إلى ضده، فهو معرفة، وذلك نحو قولك: عليك بالحركة غير السكون، فغير السكون معرفة، وهو (¬7) الحركة، فكأنك كررت الحركة تأكيدا. وكذلك قوله: {أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} فغير المغضوب عليهم، هم الذين أنعم عليهم، لأن من أنعم عليه بالإيمان، فهو غير مغضوب عليه، فهو مساو له في معرفته، ومتى كانت (غير) بهذِه الصفة، وقصد هذا ¬

_ (¬1) هذا من كلام أبي بكر بن السراج واختياره حيث قال: (والاختيار الذي لا خفاء به الكسر، ألا ترى أن ابن كثير قد اختلف عنه ...) وقد اختصر الواحدي كلام ابن السراج. انظر: "الحجة" 1/ 143. (¬2) في (ب): (معرفته). (¬3) في "الحجة": (فكل شيء ترى سوى المخاطب فهو غيره) وفي الهامش: ط: (تراه)، انظر: "الحجة" 1/ 143. (¬4) أي: (غير) و (مثل). (¬5) في "الحجة": (... وعلم ذلك السامع فوصفته بغير ....)، 1/ 144. (¬6) في (أ): (غيرا). (¬7) في "الحجة" (وهي) 1/ 144.

القصد فهي معرفة (¬1). وكذلك لو عرف إنسان بأنه مثلك في ضرب من الضروب لقيل فيه (¬2): قد جاء مثلك، لكان معرفة، إذا أردت المعروف بشبهك (¬3)، والمعرفة والنكرة بمعانيهما (¬4). ومن جعل (غير) بدلا استغنى عن هذا الاحتجاج (¬5)، لأن النكرة قد تبدل من المعرفة)، انتهى كلام ابن السراج (¬6). قال صاحب (¬7) "الحجة": أما الخفض في (¬8) (غير) فعلى البدل أو الصفة، والفصل بين البدل والصفة في قول سيبويه (¬9) إن البدل في تقدير تكرير العامل، بدلالة (¬10) حرف الجر في قوله سبحانه: {قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا ¬

_ (¬1) في "الحجة": (.. فالذين أنعم عليهم لا عقيب لهم إلا المغضوب عليهم، فكل من أنعم عليه بالإيمان فهو غير مغضوب عليه، وكل من لم يغضب عليه فقد أنعم عليه. فغير المغضوب عليهم هم الذين أنعم عليهم، فهو مساو له في معرفته. هذا الذي يسبق إلى أفئدة الناس وعليه كرمهم. فمتى كانت (غير) بهذِه الصفة وقصد بها هذا القصد، فهي معرفة ...) فالواحدي نقل كلام ابن السراج بتصرف واختصار. انظر: "الحجة" 1/ 144. (¬2) في (أ)، (ج): (منه) وما في (ب) موافق لما في "الحجة" 1/ 144. (¬3) في (ج): (يشبهك). (¬4) جاء في "الحجة" بعده: (فكل شيء خلص لك بعينه من سائر أمته فهو معرفة ...)، 1/ 144. (¬5) في ب: (الاحتياج). (¬6) في (ب): (ابن الشهاب السراج) تصحيف. وفي "الحجة": (انتهت الحكاية عن أبي بكر) 1/ 144. (¬7) أبو علي الفارسي، "الحجة" 1/ 145. (¬8) في (ب): (من غير). (¬9) نص كلام أبي علي (.. والفصل بين البدل في تقدير تكرير العامل، وليس كالصفة ولكن كأنه في التقدير من جملتين بدلالة تكرير حرف الجر ... الخ)، فلم يرد ذكر قوله: (في قول سيبويه) وقد ورد ذكر سيبويه في كلام أبي علي بعد هذا الموضع. انظر: "الحجة" 1/ 145، "الكتاب" 2/ 14، 386. (¬10) في (ج): (بدلال).

مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ} (¬1) فهو يفارق الصفة من هذا الوجه (¬2). وأيضًا (¬3) فإن النكرة تبدل من المعرفة، والمظهر من المضمر (¬4)، وهذا مما لا يجوز في الصفة، لا يجوز وصف المعرفة بالنكره، ولا وصف المضمر بالظاهر (¬5). وكما أعيدت اللام الجارة في البدل (¬6)، فكذلك يكون العامل الناصب (¬7) والرافع في تقدير التكرير. ويشترك البدل مع الصفة في أن كل واحد منهما تبيين (¬8) للأول (¬9). ¬

_ (¬1) الشاهد من الآية: قوله (لمن آمن) فهو بدل من (الذين استضعفوا) بإعادة حرف الجر وهي (اللام) بدل البعض من الكل، لأن في المستضعفين من ليس بمؤمن، هذا على عود الضمير في (منهم) إلى (الذين استضعفوا) فإن عاد الضمير إلى (قومه) كان بدل كل من المستضعفين، انظر: "فتح القدير" 2/ 321. (¬2) قوله: (فهو يفارق الصفة من هذا الوجه) ليس في "الحجة" 1/ 145، والوجه المراد هو ما ذكره: من أن البدل في تقدير تكرير العامل. (¬3) نص كلام أبي علي في "الحجة" قال بعد أن ذكر الآية (.... وبدلالة بدل النكرة من المعرفة)، 1/ 145. (¬4) في (ب): (المظهر). (¬5) قوله: (لا يجوز وصف المعرفة بالنكرة، ولا وصف المضمر بالمظهر) ليس في "الحجة" 1/ 145. (¬6) في "الحجة" (في الاسم) 1/ 145. (¬7) في "الحجة" (الرافع أو الناصب) 1/ 145. (¬8) في (ب): (يبين). (¬9) ذكر كلام أبي علي بمعناه انظر: "الحجة" 1/ 145.

فمن جعل (¬1) (غير) في الآية (¬2) بدلا، كان تأويله بيِّنًا، وذلك أنه لا يخلو من أن يجعل (غير (¬3)) معرفة (¬4) أو نكرة. فإن جعله معرفة فبدل المعرفة من المعرفة سائغ (¬5)، وإن جعله نكرة فبدل النكرة من المعرفة مشهور (¬6). وأما من قدر (غير) صفة و (الذين (¬7) فإنما جاز أن يصف (الذين) بـ (غير) (¬8) من حيث لم يكن (الذين) مقصودا قصدهم (¬9). فصار مشابها للنكرة، من حيث اجتمع معه في أنه لم يرد به شيء معين. ونظير ذلك مما دخله (الألف واللام)، فلم يختص بدخولهما عليه (¬10)، ¬

_ (¬1) انتقل إلى موضع آخر في "الحجة" 1/ 149. (¬2) أي: قوله تعالى: {غير المغضوب عليهم}. (¬3) في "الحجة" (غيرا). (¬4) في (ب): (معرفة في الآية بدل أو نكره). (¬5) في (ب): (شائع)، وفي "الحجة" (سائغ مستقيم كقوله: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} [الفاتحة:7،6]، {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} [آل عمران: 97] 1/ 149. (¬6) انظر بقية كلام أبي علي في "الحجة" 1/ 149. (¬7) أي: في قوله {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} [الفاتحة: 7]. (¬8) كلام أبي علي: (وأما من قدر (غير) صفة لـ (الذين)، وقدره معرفة لما ذكره أبو بكر - يريد ابن السراج كما نقل كلامه فيما سبق- فإن وصفه لـ (الذين) بـ (غير) كوصفه له بالصفات المخصوصة، وقد حمله سيبويه على أنه وصف. ومن لم يذهب بـ (غير) هذا المذهب، ولم يجعله مخصوصا استجاز أن يصف (الذين) بـ (غير) من حيث لم يكن الذين مقصودا قصدهم ..)، 1/ 153، فاختصر الواحدي كلام أبي علي فقارن بينهما. (¬9) أي: لم يقصد به قصد قوم بأعيانهم. (¬10) أي: لم يختص بواحد بعينه وإنما عرفته (ال) تعريف جنس. انظر: "سر صناعة الإعراب" 1/ 350.

لما لم يكن مقصودا قصده (¬1)، قولهم: قد أمر (¬2) بالرجل مثلك فيكرمني (¬3)، فوصف الرجل بمثلك لما لم يكن معينا (¬4). ومما (¬5) جاء (غير) فيه صفة (¬6) قوله: {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ} [النساء: 95] فمن رفع (غير) (¬7) كان وصفا للقاعدين، والقاعدون غير مقصود قصدهم (¬8)، كما كان قوله: {الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} كذلك. والتقدير: لا يستوي القاعدون من المؤمنين الأصحاء، والمجاهدون (¬9). وأما من نصب (غير) على الاستثناء، فإن الفراء ينكر جواز (¬10) ذلك، ¬

_ (¬1) أي: ما دخله (الألف واللام) لم يقصد به قصد قوم بأعيانهم، فلم يختص بدخول (الألف واللام) عليه. (¬2) في (ج): (أصر). (¬3) في "الحجة" (.. فيكرمني، عند سيبويه، فوصف الرجل ..)، "الحجة" 1/ 154. وانظر: "الكتاب" 2/ 13، وتعليق عبد السلام هارون عليه. (¬4) انظر بقية كلام أبي علي في "الحجة" 1/ 154 وما بعدها. (¬5) في (ب): (وما غير). أورد أبو علي الآية، بعد أن تكلم عن نصب (غير) بالاستثناء. وخرج الآية على الوجهين الرفع والنصب. انظر: "الحجة" 1/ 160. (¬6) في (ج): (لا يستوي المؤمنون القاعدون من المؤمنين) تصحيف في الآية. (¬7) كذا وردت بالنصب في جميع النسخ "الحجة" 1/ 160. (¬8) أي: لم يقصد به قصد قوم بأعيانهم، وإنما المراد من اتصف بهذِه الصفة وهي القعود عن الجهاد وهو غير ذي ضرر. (¬9) في (ب): (المجاهدين). (¬10) أنكر الفراء ذلك رادا على أبي عبيدة فيما ادعاه: أن (غير) في قوله: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} بمعنى (سوى) وأن (لا) في قوله: {وَلَا الضَّالِّينَ} صلة. انظر كلام الفراء في "معاني القرآن" 1/ 8، وكذلك رد عليه الطبري ناقلا عن الفراء، انظر: "تفسير الطبري" =

وقال: لو كان (غير) هاهنا منصوبا على الاستثناء كان بمعنى (سوى) فلم يجز أن يعطف عليه بقوله: (ولا (¬1)) لأن (لا) نفي وجحد، ولا يعطف بجحد إلا على جحد، ولا يجوز في الكلام استثناء يعطف عليه بجحد، كما تقول: [رأيت القوم إلا زيدا ولا عمرا، وإنما يعطف الجحد على الجحد، كما تقول:] (¬2) ما قام أبوك ولا أخوك (¬3). ومن أجاز (¬4) الاستثناء فإنه يقول: لا يمتنع دخول (لا) (¬5) بعد الحرف العاطف (¬6) لأن الاستثناء يشبه النفي، ألا ترى أن قولك: جاءني القوم إلا زيدا، بمنزلة قولك: جاءني القوم لا زيد. فيجوز أن تعطف (¬7) بـ (لا) حملا على المعنى، ويجوز أن تجعلها زيادة في هذا الوجه (¬8)، كما تجعلها زيادة في قوله: {وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ} (¬9) [فاطر: 22]. ¬

_ = 1/ 81، وانظر: "مجاز القرآن" 1/ 25. وأما أبو علي فيأخذ بقول أبي عبيدة كما سيأتي كلامه، ومنه قوله: (ومن جعل (غير) استثناء لم يمتنع على قوله دخول لا بعد الحرف العاطف ...) "الحجة" 1/ 163. (¬1) يريد قوله {وَلَا الضَّالِّينَ}. انظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 8، والطبري 1/ 79، 190. (¬2) ما بين المعقوفين ساقط من (ب). (¬3) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 79. (¬4) هذا من كلام أبي علي في "الحجة" 1/ 163. (¬5) في (ب): (إلا) تصحيف. (¬6) كما في قوله: {وَلَا الضَّالِّينَ}. (¬7) في (ب): (يعطف) وفي "الحجة": (أن تدخل "لا") 1/ 163. (¬8) هذا رأي أبي عبيدة، انظر: "مجاز القرآن" 1/ 25، دافع عنه أبو علي في وجه المنكرين له كالفراء. انظر: "الحجة" 1/ 163. (¬9) استدل أبو علي بالآية على أن (لا) زائدة، وهذا ليس بالاتفاق فهناك من يقول ليست زائدة. انظر: "تفسير الطبري" 22/ 129.

وإذا جاز دخول (لا) (¬1) مع الاستثناء لهذين الوجهين (¬2) فلا وجه لقول من أنكره (¬3). وكذلك (¬4) يجوز زيادة (لا) في قول من جعل (غير) حالا أو صفة أو بدلا. وقد دخلت (لا) زائدة في مواضع كثيرة في التنزيل وغيره، من ذلك قوله (¬5): {لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ} الآية [الحديد: 29]. والذين يجوزون زيادة (لا) يقولون: إنما تجوز إذا تقدمه نفي (¬6) كقوله: ما كان يرضى رسول الله دينهم ... والطيبان أبو بكر ولا عمر (¬7) وليس الأمر كذلك (¬8) فقد جاء زيادتهما في الإيجاب كما في النفي، قال ¬

_ (¬1) في (ب): (الا) تصحيف. (¬2) والوجهان هما: 1 - أن الاستثناء يشبه النفي، فتدخل (لا) حملا على المعنى. 2 - جعلها زيادة، انظر: "الحجة" 1/ 163. (¬3) ممن أنكره الفراء. (¬4) في (ب): (ولذلك). (¬5) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 137، "الكتاب" 1/ 390. (¬6) هذا قول الفراء. انظر: "معاني القرآن" 1/ 8، وكذا الطبري انظر: "تفسيره" 1/ 81. وقوله: (الذين يجوزون زيادة (لا) ... مع البيت بعده) لم يرد في كلام أبي علي الفارسي. انظر: "الحجة" 1/ 163، 164. (¬7) البيت لجرير يهجو الأخطل، وقد استشهد الفراء بالبيت على جواز زيادة (لا) إذا تقدمها نفي. انظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 8، وورد البيت في "تفسير الطبري" 1/ 82، "الأضداد" لابن الأنباري ص 215، "نقائض جرير والأخطل" ص 174، "ديوان جرير" ص 201. (¬8) هذا رأي الواحدي كما هو رأي أبي عبيدة وأبي علي الفارسي حيث اتفقوا على جواز زيادة (لا) في الإيجاب. انظر: "مجاز القرآن" 1/ 25 - 27، "الحجة" 1/ 164، والكلام منقول منها.

ساعدة الهذلي (¬1): أفعنك لا برق كأن وميضه ... غابٌ تشيَّمَه (¬2) ضِرامٌ مثقَبُ (¬3) وأنشد أبو عبيدة: ويلحينني في اللهو ألا أحبه ... وللهو داع دائب غير غافل (¬4) وقال الله تعالى: {مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ} (¬5) [الأعراف: 12]، وفي الأخرى {مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ} [ص: 75] وهذا الحرف (¬6) -أعني: (لا) - يدخل (¬7) في النكرة على وجهين: أحدهما: أن يكون (¬8) زائدًا كما ذكرنا في بيت الهذلي (¬9). ¬

_ (¬1) هو ساعدة بن جؤية الهذلي، شاعر مخضرم أدرك الجاهلية والإسلام، وأسلم، وليست له صحبة. انظر ترجمته في "شرح أشعار الهذليين" للسكري 3/ 1097، "الإصابة" 2/ 4، "الخزانة" 3/ 86. (¬2) في (ب): (تسنمه) بالسين والنون، وفي (أ): (تشنيمه) على الروايتين، وقد وردت في "الحجة" (تسنمه) كما في (ب)، وأكثر المصادر (تشيمه). (¬3) قوله (أفعنك): عن ناحيتك، و (لا) زائدة، (تشيمه) أي: دخل في، و (الضرام): النار في الحطب الدقيق. ورد البيت في "شرح أشعار الهذليين" للسكري 3/ 1103، "الأضداد" لابن الأنباري ص 213، "الحجة" لأبي علي 1/ 164، "المخصص" 14/ 65، "اللسان" (شيم) 4/ 2380، "البحر المحيط" 4/ 273. (¬4) البيت للأحوص، ومعنى قوله: (ويلحينني): يعذلنني، ورد البيت في "شعر الأحوص" ص 179، "جاز القرآن" 1/ 26، و"تفسير الطبري" 1/ 81، "الكامل" 1/ 80، "الأضداد" لابن الأنباري ص 214، "الحجة" لأبي علي 1/ 164. (¬5) في (ب): (أن تسجد). (¬6) من "الحجة" 1/ 166. (¬7) في (أ)، (ج): (تدخل) وفي "الحجة" (يدخل) 1/ 166. (¬8) في (ب): (تكون) بالتاء، وفي "الحجة" (يكون) 1/ 166. (¬9) بيت الهذلي قوله: ويلحينني في اللهو ألا أحبه. البيت. وفي "الحجة": (كما مر في بيت =

والآخر: أن يكون (¬1) غير زائد، فإذا لم يكن زائدا كان على ضربين: أحدهما: أن يكون (لا) مع الاسم بمنزلة اسم واحد نحو: خمسة عشر (¬2)، وذلك نحو قولهم: (غضب من لا شيء، وجئت بلا مال) فـ (لا) مع الاسم المنكور في موضع جر بمنزلة خمسة عشر (¬3). والآخر: ألا تعمل (¬4) (لا) في اللفظ، ويراد بها معنى النفي، فيكون صورتها صورة الزيادة، ومعنى النفي فيه مع ذلك صحيح، وذلك كقول النابغة: أمسى ببلدة لا عمٍّ ولا خالِ (¬5) وقال الشماخ (¬6): ¬

_ = جرير) وبيت جرير الذي يعنيه هو قوله: ما بال جهلك بعد الحلم والدين ... وقد علاك مشيب حين لا حين انظر: "الحجة" 1/ 164، 166. (¬1) في (ب): (بالتاء) في كل المواضع، وكذا في "الحجة": (أن تكون غير زائده، فإذا لم تكن زائدة ..) 1/ 166. (¬2) انظر: "الكتاب" 2/ 276. (¬3) (عشر) ساقط من (ب)، (ج). (¬4) في (ب): (يعمل). (¬5) البيت للنابغة الذبياني يرثي أخاه وصدره: بعد ابن عاتكة الثاوي لدى أبوى ... ... ... ... ... و (عاتكة): أمه، و (أبوى): اسم موضع، انظر: "ديوان النابغة" ص 151، "الحجة" لأبي علي 1/ 167، "الخزانة" 4/ 50، "معجم البلدان" 1/ 80. (¬6) اسمه معقل بن ضرار الغطفاني، وهو مخضرم أدرك الجاهلية والإسلام وله صحبة، شهد وقعة القادسية، وتوفي في زمن عثمان رضي الله عنهما. انظر ترجمته في: "الشعر والشعراء" ص 195، "طبقات فحول الشعراء" 1/ 132، "الخزانة" 3/ 196.

إذا ما أدلجت وصفت يداها ... لها إدلاج ليلة لا هجوع (¬1) وقال صاحب "النظم" (¬2): دخلت (لا) في قوله: {وَلَا الضَّالِّينَ} لمعنى من المعاني، وهو أنها منعت من ميل الوهم إلى غير ما نظم عليه الكلام، وذلك أن قوله: {وَلَا الضَّالِّينَ} معطوف على قوله: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} وفي (غير) تأويل جحد، فدخلت (لا) على الضالين، ليعلم أنها معطوفة على (غير)، ولو لم تدخل (لا) لاحتمل أن يكون قوله: (والضالين) منسوقا (¬3) على قوله: (صراط الذين أنعمت عليهم والضالين}، فلما احتمل ذلك أدخل فيه (لا) ليحسم هذا الوهم (¬4)، وهو كما قال: ما كان يرضى رسول الله فعلهم والطيبان أبو بكر ولا عمر (¬5) أدخل (لا) (¬6) في قوله: (ولا عمر)؛ لأنه لو لم يدخل لاحتمل أن يكون انقطاع القصة عند تمام قوله: (ما كان يرضى رسول الله فعلهم)، ثم ابتدأ كلاما آخر على معنى المبتدأ وخبره، فيكون معناه حينئذ: (و (¬7) الطيبان أبو ¬

_ (¬1) (الإدلاج): السير من الليل، (وصفت يداها): أي أجادت السير. وصف الناقة في سيرها وجدها في السير، (ليلة لا هجوع): لا نوم فيها. ورد البيت في "ديوان الشماخ" ص 226، "الحجة" لأبي علي 1/ 168، وفي مادة (وصف) في "الصحاح" 4/ 1439، "أساس البلاغة" 2/ 511، "اللسان" 8/ 4850، " التاج" 12/ 523، وفي "الخزانة" 4/ 50. وبهذا البيت انتهى ما نقله عن "الحجة" 1/ 168. (¬2) هو أبو علي الحسن بن يحيى الجرجاني، سبق الحديث عنه في مصادر الواحدي. (¬3) في (ب): (مسبوقا). (¬4) انظر: "البحر المحيط" 1/ 29. (¬5) البيت لجرير يهجو الأخطل، وسبق تخريجه قريبا، والرواية هناك (دينهم) بدل (فعلهم). (¬6) (لا) ساقط من (ب). (¬7) (الواو) مكررة في (جـ).

بكر وعمر) أي: أنهما هما الطيبان دون غيرهما. فلما دخلت (لا) علم أن عمر داخل في المعنى الذي أضيف إلى (¬1) رسول الله من أنه لا يرضى فعلهم على تأويل، ولا يرضى -أيضا- فعلهم الطيبان أبو بكر وعمر (¬2). وأما معنى (الغضب) من الله تعالى فهو إرادة العقوبة، وتسمى العقوبة غضبا على التوسع (¬3). وإنما لم يقل (المغضوبين) كما قال: (ولا الضالين) لأن كل فعل تعدى إلى المفعول بحرف الجر فإن جمعه وتثنيته وتأنيثه في المكنى المتصل بحرف الجر (¬4)، كقولك (¬5): المأخوذ منه، والمأخوذ منهما، والمأخوذ منهم، والمأخوذ منهن. وكذلك تقول في: الممرور (¬6) به، والمقعود (¬7) عليه، والمتوجه (¬8) إليه وما أشبهها (¬9). ¬

_ (¬1) في (ب): (ان). (¬2) قوله: (وعمر) ساقط من (ب). (¬3) بل نثبت الغضب لله كما أثبته لنفسه، ولا نؤوله بإرادة العقوبة، ومنهج السلف إثبات الصفات لله التي وصف بها نفسه، أو وصفه بها رسوله - صلى الله عليه وسلم - من غير تأويل ولا تكييف ولا تشبيه، ولا يلزم من ثبوتها مشابهة الخلق. انظر: "الرسالة التدمرية" ص 31 - 33، "تفسير الطبري" 1/ 189. (¬4) فلم يجمع فيقال (المغضوبين) لأنه لا يتعدى إلا بحرف الجر، فتعدى إلى الضمير بحرف الجر، وظهر جمعه في الضمير في قوله (عليهم). انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 125، "مشكل إعراب القرآن" لمكي 1/ 13، "البيان في غريب القرآن" 1/ 41. (¬5) في (ب): (كقوله). (¬6) في (ب): (المروية) وفي (ج): (الممسدوريه). (¬7) في ب (المفعور). (¬8) في (ص): (التوجه). (¬9) في (ب): (وما أشبههما). ما أشبهها مما فعله لازم يتعدى لمفعوله بحرف الجر، فإن جمعه وتثنيته في الضمير بعده المتصل بحرف الجر.

والعلة فيه أن تمام الاسم عند ذكر المكنى، علامة التثنية والجمع والتأنيث تلحق (¬1) آخر الأسماء عند تمامها. وقال النحويون: هذا وأمثاله بمنزلة الفعل المقدم، نحو قولك: (ضرب أخواك، وضرب إخوتك) (¬2). و (عليهم) في الموضع رفع، لأنه بمنزلة اسم ما لم يسم فاعله (¬3). وقوله: {وَلَا الضَّالِّينَ} أصل الضلال في اللغة الغيبوبة، يقال: ضل الماء في اللبن إذا غاب، وضل الكافر: غاب عن المحجة (¬4). ومن هذا قوله تعالى: {أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ} [السجدة: 10] أي: غبنا فيها بالموت وصرنا ترابا وعظاما فضللنا في الأرض، ولم يتبين (¬5) شيء من خلقنا، ويقال: أضللت الشيء إذا غيبته، [وأضللت الميت إذا غيبته] (¬6) في التراب ودفنته (¬7). وقال المخبل (¬8): ¬

_ (¬1) في (ب): (بجلق). (¬2) فتلحق علامة التثنية والجمع آخر الفاعل عند تقدم الفعل عليه. (¬3) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 125، "المشكل" لمكي 1/ 13، "البيان" 1/ 41. (¬4) ذكره الأزهري عن أبي عمرو. "تهذيب اللغة" (ضل) 3/ 2130، وانظر: "اللسان" (ضلل) 5/ 4604، وفي "اللسان" ضل الكافر إذا غاب عن الحجة، وكذا في "التهذيب". (¬5) في (ب): (نبين). (¬6) ما بين المعكوفين ساقط من (ب). (¬7) انظر: "تهذيب اللغة" (ضل) 3/ 2130، "تأويل مشكل القرآن" ص 457، "معجم مقاييس اللغة" (ضل) 3/ 356، "اللسان" (ضلل) 5/ 4602. (¬8) المخبل: المجنون، وبه لقب الشاعر، واسمه ربيع بن ربيعة بن عوف، شاعر مخضرم، أدرك الإسلام، توفي في خلافة عمر أو عثمان رضي الله عنهما انظر ترجمته في "الشعر والشعراء" ص 269، "طبقات فحول الشعراء" ص 61، "الإصابة" 1/ 491، "الخزانة" 6/ 93.

أضلت بنو قيس بن سعد عميدها ... وفارسها في الدهر قيس بن عاصم (¬1) فالضال هو الغائب عن الحق الزائغ عن الرشد، ويقال: ضَل يضِل، وضَل يضل لغتان، وضلِلنا وضلَلنا (¬2). فأما التفسير فروى عدي بن حاتم (¬3) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في تفسير {الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} قال: اليهود، {وَلَا الضَّالِّينَ} قال: النصارى (¬4). وروي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان بوادي القرى (¬5) على فرسه (¬6)، [فسأله ¬

_ (¬1) ورد البيت في "تهذيب اللغة" (ضل) 11/ 465، "اللسان" (ضلل) 4604، وقيس بن عاصم: هو قيس بن عاصم بن سنان بن خال بن منقر، سيد قومه ورد على النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: "هذا سيد أهل الوبر". انظر: "الخزانة" 8/ 102. (¬2) انظر: "معجم مقاييس اللغة" (ضل) 3/ 356، "اللسان" (ضلل) 5/ 2601، "القاموس" ص 1024. (¬3) عدي بن حاتم بن عبد الله الطائي، الأمير الشريف، وأبوه حاتم الطائي المشهور بالجود، وفد على النبي - صلى الله عليه وسلم - في وسط سنة تسع فأكرمه، له أحاديث، في وفاته أقوال، أشهرها سنة سبع وستين. انظر ترجمته في: "تاريخ بغداد" 1/ 189، "جمهرة أنساب العرب" ص 402، "طبقات ابن سعد" 6/ 22، "الإصابة" 2/ 468، "سير أعلام النبلاء" 3/ 162. (¬4) أخرجه الطبري في "تفسيره" 1/ 82 بسنده من طرق، قال أحمد شاكر في تعليقه على "تفسير الطبري": إسناده صحيح، الطبري 1/ 185، 186، وأخرجه ابن أبي حاتم بسنده في "تفسيره" 1/ 31، وقال: لا أعلم بين المفسرين في هذا الحرف اختلافا. "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 163، وأخرجه الثعلبي بسنده في "تفسيره" 1/ 32/ ب، وهو جزء من حديث طويل أخرجه الترمذي في "سننه" (2953) أبواب تفسير القرآن، تفسير سورة الفاتحة، قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وأخرجه أحمد في "مسنده" 4/ 378. (¬5) واد بين المدينة والشام من أعمال المدينة كئير القرى، فتحها النبي - صلى الله عليه وسلم - سنة سبع عنوة، ثم صولحوا على الجزية. انظر: "معجم البلدان" 5/ 345. (¬6) في (ب): (قرينه).

رجل (¬1)] من بلقين (¬2) فقال: يا رسول (¬3) الله، من هؤلاء الذين يقاتلونك؟ قال: "المغضوب عليهم" وأشار إلى اليهود، فقال: من هؤلاء الطائفة الأخرى؟ قال: "الضالون" وأشار إلى النصارى (¬4). قال المفسرون: وتصديق هذا حكم الله عز وجل بالغضب على اليهود (¬5) في قوله: {مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ} [المائدة: 60] وحكمه على النصارى بالضلال في قوله: {وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ} [المائدة: 77] الآية، وهذا قول ابن عباس وابن مسعود ومجاهد وغيرهم (¬6). وهذا التفسير يوافق في ظاهر اللفظ قراءة من قرأ (غير) بالنصب على ¬

_ (¬1) ما بين المعكوفين ساقط من (ب). (¬2) كذا جاءت في "تفسير الثعلبي" 1/ 33/ أ، و"تفسير الطبري" (من بني القين) قال في "الصحاح": يقال لبني القين من بني أسد: (بلقين). "الصحاح" (قين) 6/ 2185. (¬3) في (ب): (لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -). (¬4) ذكره الثعلبي بسنده في "تفسيره" 1/ 33/ أ، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 1/ 80 بروايات مختلفة بعضها مرسلة وبعضها متصلة بإسناد صحيح. وانظر: "تفسير الطبري" مع تحقيق محمود شاكر 1/ 186، 187. وأخرجه أحمد في "مسنده" 5/ 77، وذكره ابن كثير موصولا في "تفسيره" 1/ 32، وانظر: "الدر" 1/ 42. (¬5) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 79، 81، و"تفسير الثعلبي" 1/ 33/ أ، و"تفسير ابن عطية" 1/ 126، و"تفسير البغوي" 1/ 55، و"الكشاف" 1/ 71، و"تفسير القرطبي" 1/ 130، و"تفسير وابن كثير" 1/ 32. (¬6) انظر أقوالهم في "تفسير الطبري" 1/ 80، 83، و"تفسير ابن عطية" 1/ 126، و"تفسير ابن كثير" 1/ 32، "الدر" 1/ 42 - 43. قال ابن أبي حاتم بعد أن ذكر قول ابن عباس: لا أعلم بين المفسرين في هذا الحرف اختلافا. "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 31، وللرازي أقوال في تفسير المغضوب عليهم والضالين، تخالف ما ورد بالنص، وما عليه جمهور المفسرين، انظر: "تفسيره" 1/ 261.

معنى الاستثناء (¬1)، [كأنه استثنى] (¬2) اليهود والنصارى من الذين أنعم عليهم، وكأن المسلمين (¬3) سألوا أن يهديهم طريق المنعم عليهم لا طريق اليهود والنصارى. وهذِه قراءة شاذة (¬4). وتصحيح هذا التفسير على القراءة المعروفة هو أن (¬5) المعنى: اهدنا صراط المنعم عليهم، الذين لم تغضب (¬6) عليهم ولم يضلوا (¬7). فلما وصفوا ¬

_ (¬1) قراءة (غير) بالنصب مروية عن ابن كثير، انظر: "السبعة" لابن مجاهد ص 112، "الحجة" لأبي علي 1/ 142، قال في "البحر": وهي قراءة عمر وابن مسعود وعلي وعبد الله بن الزبير. "البحر" 1/ 29، واختلف في تخريجها، فيرى الزجاج والأخفش وبعض البصريين: أنه منصوب على الاستثناء، ونصره أبو علي الفارسي في "الحجة"، ومنعه الفراء، والأرجح: أنها حال من الضمير في (عليهم). انظر: "تفسير الطبري" 1/ 78، "الحجة" 1/ 142، "معاني القرآن" للأخفش 1/ 166، والفراء 1/ 8، والزجاج 1/ 16، "البحر" 1/ 29. (¬2) ما بين المعكوفين ساقط من (ب). (¬3) في (أ)، (ج): (المسلمون). (¬4) ممن قال بشذوذها الطبري حيث قال: (وقد يجوز نصب (غير) في {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} وإن كنت للقراءة بها كارها لشذوذها عن قراءة القراء ..) "تفسير الطبري" 1/ 78، وكذلك عدها عبد الفتاح القاضي من الشواذ، حيث ذكرها في كتابه "القراءات الشاذة" ص 19. وقراءة النصب مروية عن ابن كثير. انظر: "السبعة" لابن مجاهد ص 112، "الحجة" لأبي علي 142، وقال في "الكشاف": (وهي قراءة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعمر بن الخطاب، ورويت عن ابن كثير، "الكشاف" 1/ 71، وانظر: "البحر" 1/ 29. وأنكر بعضهم أن تكون منصوبة على الاستثناء، ورجحوا نصبها على الحال وعلى هذا حملها الطبري، انظر: "تفسيره" 1/ 78، وانظر: "الكشاف" 1/ 71، و"تفسير ابن كثير" 1/ 31. (¬5) (أن) ساقط من (ب). (¬6) في (ب): (يغضب). (¬7) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 78، و"تفسير ابن كثير" 1/ 31.

بنفي الغضب عليهم والضلال كان في ضمن ذلك (¬1) إثباتهما لغيرهم، كما تقول في الكلام: أنا غير كاذب، يجوز أن تريد بنفي الكذب عنك إثباته لغيرك ممن تخاطبه، وفي هذا حجة للقائلين بالمفهوم وفحوى الخطاب (¬2). ثم من المغضوب عليهم؟ ومن الضالون؟ (¬3) قد بينه النبي - صلى الله عليه وسلم - وذكره المفسرون (¬4). * * * ¬

_ (¬1) (ذلك) ساقط من (ب). (¬2) في (ج): (فحو). والخطاب عند الأصوليين منطوق ومفهوم، والمفهوم قسمان: مفهوم موافقة، وهو ما كان المسكوت عنه موافقا للمنطوق في الحكم ويسمى: فحوى الخطاب ولحن الخطاب، وهو حجة عند الأكثر. ومفهوم مخالفة: وهو أن يكون المسكوت عنه مخالفا للمنطوق في الحكم ويسمى دليل الخطاب، وهو أقسام، وفيه خلاف. انظر: "المختصر في أصول الفقه" لابن اللحام ص 132. (¬3) في (ب): (فقد). (¬4) سبق بيان ذلك.

المملكة العربية السعودية وزارة التعليم العالي جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية عمادة البحث العلمي التَّفْسِير البَسِيْط لأبي الحسن على بن أحمد بن محمد الواحدي (ت 468هـ) من أول سورة البقرة إلى آية (66) تحقيق د. محمد بن صالح بن عبد الله الفوزان أشرف على طباعته وإخراجه د. عبد العزيز بن سطام آل سعود ... أ. د. تركى بن سهو العتيبي الجزء الثاني

المملكة العربية السعودية وزارة التعليم العالي جامعة الإِمام محمد بن سعود الإسلامية عمادة البحث العلمي التَّفْسِيرُ البَسِيط لأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي (ت 468هـ) من أول سورة البقرة إلى آية (66) تحقيق د. محمد بن صالح بن عبد الله الفوزان أشرف على طباعته وإخراجه د. عبد العزيز بن سطام آل سعود ... أ. د. تركى بن سهو العتيبي الجزء الثاني

جامعة الإِمام محمد بن سعود إلاسلامية 1430هـ فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر الواحدي, علي بن أحمد التفسير البسيط لأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي (ت468هـ)./ علي بن أحمد الواحدي, محمد بن صالح بن عبد الله الفوزان, الرياض1430هـ. 25مج. (سلسلة الرسائل الجامعية) ردمك:4 - 857 - 04 - 9960 - 978 (مجموعة) 1 - 858 - 04 - 9960 - 978 (ج1) 1 - القرآن تفسير ... 2 - الواحدي, علي بن أحمد أ- العنوان ... ب- السلسة ديوي 22703 ... 868/ 1430 رقم الإيداع: 868/ 1430هـ ردمك 4 - 857 - 04 - 9960 - 978 (مجموعة) 1 - 858 - 04 - 9960 - 978 (ج1)

التَّفْسِيرُ البَسِيْط لأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي (ت468هـ) [2]

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ

سورة البقرة

سورة البقرة

1

تفسير (¬1) سورة البقرة بسم الله الرحمن الرحيم 1 - قوله عزّ وجلّ {الم}: إجماع النحويين أن (¬2) هذه الحروف ما دامت حروف هجاء غير معطوفة، ولا موقعة موقع الأسماء، أنها سواكن الأواخر في الإدراج والوقف، وذلك قولك (¬3): (ألف (¬4)، با تا ثا) إلى آخرها، وذلك أنها أسماء الحروف الملفوظة بها في صيغ الكلم، بمنزلة أسماء الأعداد، نحو: ثلاثة، أربعة، خمسة. ولا تجد لها رافعاً، ولا ناصباً، ولا جاراً، وإذا (¬5) جرت مجرى الحروف لم يجز تصريفها، ولا اشتقاقها (¬6)، ¬

_ (¬1) (تفسير) ساقط من (ب). (¬2) من هذا الموضع نقل المؤلف هذا الكلام من كتاب "سر صناعة الإعراب" لأبي الفتح عثمان بن جني، فصل: في تصريف حروف المعجم واشتقاقها وجمعها. قال: اعلم أن هذِه الحروف مادامت حروف هجاء غير معطوفة ولا ... الخ 2/ 781 - 784. (¬3) في (ب): (قوله). (¬4) في (أ)، (ج): (أ) وما في (ب) موافق لـ "سر صناعة الإعراب" 2/ 781 (¬5) في (ب): فإذا. (¬6) في (ج): (اشقاقها).

ولا تثنيتها, ولا جمعها، كما أن الحروف كذلك. ويدلك (¬1) على كونها بمنزلة (هل، وبل، وقد، وحتى، وسوف) أنك (¬2) تجد فيها ما هو على حرفين الثاني منهما ألف نحو: (با، تا، طا) ولا تجد (¬3) في الأسماء المعربة ما هو على حرفين الثاني منهما حرف لين، إنما ذلك في الحروف نحو: (ما، ولا، ويا (¬4)، وأو، ولو، وكي، وأي) فلا تزال (¬5) هذِه الحروف هكذا مبنية غير معربة؛ لأنها أصوات بمنزلة: (صه) (¬6)، و (مه) (¬7)، و (غاق) (¬8)، و (إيه) (¬9). حتى توقعها مواقع الأسماء فتعربها حينئذٍ كما تفعل بالأسماء، وذلك قولك (¬10): أول الجيم (جيم) وآخر الصاد (دال) وأوسط الكاف (ألف) وكتبتُ جيمًا حسنةً (¬11). ¬

_ (¬1) في (ب): (وبذلك). (¬2) في (ب): (أنها). (¬3) في (ب): (ولا يجوز). (¬4) (ويا) ساقط من (ب). (¬5) في (ب): (فلا يزال)، وفي (ج): (فلا تنال). (¬6) اسم فعل بمعنى: اسكت. انظر "المقتضب" 3/ 202، "سر صناعة الإعراب" 2/ 494، 600. (¬7) اسم فعل بمعنى. اكفف. انظر المصدرين السابقين. (¬8) في (ب): (عاقه). و (غاق) حكايته لصوت الغراب. انظر "الكتاب" 3/ 302، "المقتضب" 3/ 180، "سر صناعة الإعراب" 2/ 494. (¬9) اسم فعل. تقول: إيه يا فتى: إذا أردت أن يزيدك من الحديث. انظر "المقتضب" 3/ 25، "سر صناعة الإعراب" 2/ 494. (¬10) في (ب): (قول). (¬11) انظر: "سر صناعة الإعراب" 2/ 782، وانظر: "المقتضب" 1/ 371.

وكذلك العطف (¬1)، لأنه نظير التثنية، فتقول: ما هجاء بكر؟ فيقول المجيب: (باء، وكاف، وراء) فيعرب، لأنه قد عطف، فإن لم يعطف بني، فقال: (باء، كاف، را). ونظير هذِه الحروف في أنها موقوفة غير موصولة، أسماء العدد نحو ثلاثة وأربعة (¬2). وإذا أخبرت عن حروف الهجاء، أو أسماء الأعداد فقد أخرجتها بذلك عن حيز الأصوات، وأدخلتها في جملة الأسماء المتمكنة (¬3)، فاستحقت أن تعرب للإخبار عنها، فإنه لا معنى [للحرفية فيها إذا] (¬4) زال إدارة الحكاية بها، فدخل بذلك في حد [المتمكنات، وخرج] (¬5) من باب الأصوات. وكذلك العدد إذا أردت به معدودًا، ولم ترد به العدد وحده دون المعدود أعربت كقولك (¬6): ثمانية ضعف أربعة، وسبعة أكثر من أربعة بثلاثة، فأعربت هذه الأسماء ولم تصرفها لاجتماع التأنيث والتعريف فيها، ألا ترى أن (¬7) (ثلاثة) عدد معروف القدر، وأنه أكثر من اثنين بواحد، وكذلك سائر الأعداد (¬8). ¬

_ (¬1) عند أبي الفتح (العاطف) 2/ 782. (¬2) "سر صناعة الإعراب" 2/ 782، وانظر "معاني القرآن" للأخفش1/ 168، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 21، (الأصول في النحو) لابن السراج 2/ 139. (¬3) غير واضح في (ب). (المتمكن) هو الاسم الذي يتغير آخره بتغير العوامل، ولم يشبه الحرف، انظر "معجم المصطلحات النحوية" ص 213. (¬4) ما بين المعقوفين غير واضح في (ب). (¬5) ما بين المعقوفين غير واضح في (ب). (¬6) في (ب): (كقوله). (¬7) في (ج): (أنك). (¬8) "سر صناعة الإعراب" 2/ 783، وانظر: "الكتاب" 3/ 264 - 266، "الأصول في النحو" 2/ 139.

وأنشدوا قول أبي النجم (¬1): أقبلت من عند زياد كالخرف ... تخطّ رجلاي بخط مختلف تكتبان في الطريق لامَ الف (¬2) كأنه قال (¬3): (لام ألف) إلا أنه ألقى حركة (الهمزة) على (الميم) للوزن ولم يعرب (¬4). قال أبو إسحاق (¬5): وهذه الحروف ليست كالحروف (¬6) المتمكنة، والأفعال المضارعة التي يجب لها الإعراب، وإنما هي تقطيع الاسم ¬

_ (¬1) هو الفضل بن قدامة بن عجل، كان ينزل الكوفة، أحد رجاز الإسلام المتقدمين من الطبقة التاسعة. انظر "الشعر والشعراء" ص400، "طبقات فحول الشعراء" 2/ 737، "الخزانة" 1/ 103. (¬2) معنى الأبيات: كان لأبي النجم صديق يسقيه الخمر، فينصرف من عنده ثملًا. لا يملك نفسه، مثل الخرف وهو الذي فسد عقله من الكبر، وكان يتمايل فتخط رجلاه في الطريق ما يشبه: لام ألف، أو أنه تارة يمشي معوجاً فتخط رجلاه ما يشبه: اللام، وتارة يمشي مستقيماً فتخط رجلاه خطأ مستقيما يشبه: الألف. والأبيات في "ديوان أبي النجم" ص 141، وهي عند أبي عبيدة في "المجاز" 1/ 28 والمبرد في "المقتضب" 1/ 237، 3/ 357، والزجاج في "معاني القرآن" 1/ 22، و"المخصص" 14/ 95،17/ 53، و"سر صناعة الإعراب" 2/ 651، و"الخزانة" 1/ 99 - 102، والبيت الثالث عند سيبويه 3/ 266. (¬3) (قال) ساقط من (ج). (¬4) في (ب) (يعرف). أي أنها ساكنة، لم يجر عليها الإعراب، وعلى هذا استشهد بها سيبويه، ومكان إيراد هذِه الأبيات بعد ذكر وجه البناء، كما هو عند سيبويه والزجاج وغيرهما. ولابن جني توجيه آخر للأبيات غير ما ذكر، رده البغدادي في (الخزانة). انظر "سر صناعة الإعراب" 2/ 652، (الخزانة) 1/ 99. (¬5) هو الزجاج. انظر "معاني القرآن" 1/ 22، نقل عنه بتصرف. (¬6) في "معاني القرآن": (.. ليست تجري مجرى الأسماء المتمكنة، والأفعال المضارعة ..) 1/ 22، فقوله هنا (ليست كالحروف المتمكنة) لعله تصحيف.

المؤلف الذي لا يجب الإعراب إلا مع كماله (¬1)، فقولك: (جعفر) لا يعرب منه حرف دون تكميل الاسم. فأما قول الشاعر: كافاً وميمَين وسينًا طاسما (¬2) فإنما أعرب لأنه أجرى الحروف مجرى الأسماء. وقال يزيد بن الحكم (¬3): إذا اجتمعوا على ألف وياء (¬4) ... وواو هاج بينهم جدال (¬5) ¬

_ (¬1) في (ب): (كمالها) وفي (ج): (طاسما). (¬2) (ب): (كاسما). الرجز استشهد به سيبويه 3/ 260، وابن الأنباري في "المذكر والمؤنث" ص 450، والزجاج في "معاني القرآن" 1/ 23، والأزهري في "التهذيب" 1/ 91، وابن سيده في "المخصص" 17/ 49، "اللسان" 1/ 16. والشاهد عندهم أنه ذكر (طاسما) وهي صفة (للسين) فذكره، ولو أنثه لجاز ذلك. واستشهد به ابن جني في "سر صناعة الإعراب" على أنه أعرب الحروف وأجراها مجرى الأسماء، كما عند المؤلف هنا 2/ 782. ولم ينسب البيت أحد. ومعنى البيت. أنه يشبه آثار الديار بحروف الكتاب. والطاسم: الدارس. وقد روى (طامسا) انظر: "الكتاب" 3/ 260 (مع هامش عبد السلام هارون). (¬3) هو يزيد بن الحكم بن أبي العاص الثقفي البصري، من فصحاء الشعراء، وقد على سليمان بن عبد الملك فوصله وأكرمه. وكان قد عُيِّن لإمرة فارس. انظر ترجمته في "الجرح والتعديل" 4/ 2/ 257، "سير أعلام النبلاء" 4/ 519، "الخزانة" 1/ 113. (¬4) في (ب): (وباء). (¬5) أورده المبرد في "المقتضب" 1/ 236، قال: قال رجل من الأعراب يذم النحويين إذ سمع خصومتهم فيه: إذا اجتمعوا على ألف وباء ... وتاء هاج بينهم قتال وأورده في 4/ 43، وقافيته (جدال) وأورده الزجاج في "المعاني" 1/ 23، ونصه: إذا اجتمعوا على ألف وواو ... وياء لاح بينهمُ جدال ونسبه لزيد بن الحكم، وأورده ابن سيده في "المخصص" 14/ 95، وابن جني في =

فأعرب لأنه أدخل حرف العطف، وجعلها في حكم الأسماء. ويجوز (¬1) تأنيث هذه الحروف وتذكيرها، فمن أنث فلمعنى [الكلمة. ومن ذكر فلمعنى] (¬2) الحرف (¬3). ولا محل لها من الإعراب لأنها حكايات وضعت على هذه الحروف، ولم تجر مجرى الأسماء المتمكنة، ولا الأفعال المضارعة، وإنما هي كقولهم: (غاق يا فتى) إذا حكوا صوت الغراب، فهذه الحروف وإن كانت إشارات إلى معان فلا موضع لها من الإعراب (¬4). ومن قال: إنها أسماء للسور (¬5) والقرآن، قال: محلها رفع (¬6)، كأنه ¬

_ = "سر صناعة الإعراب" 2/ 782، والبغدادي في "الخزانة" 1/ 110, 113.والبيت آخر ما نقله عن الزجاج بتصرف. انظر: "معاني القرآن" 1/ 22، 23. (¬1) في (ب): (وبجو). (¬2) ما بين المعقوفين ساقط من (ب). (¬3) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 22، "المذكر والمؤنث" لابن الأنباري ص 449، 450، "المخصص" 17/ 49. (¬4) انظر: "الكتاب" 3/ 266، "المقتضب" 1/ 236 - 238، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 22، "سر صناعة الإعراب" 2/ 781، 782. قال السمين الحلبي: في إعراب الحروف المتقطعة في أوائل السور ثلاثة أقوال: إحداها: أنها أسماء حروف التهجي لا محل لها من الإعراب، وهو أصحها، والثاني: أنها معربة بمعنى أنها صالحة للإعراب، وإنما فات شرط وهو التركيب، وإليه مال الزمخشري، والثالث: أنها موقوفة لا معربة ولا مبنية. "الدر المصون" 1/ 79. (¬5) في (ب): (اسما للسورة)، و (جـ): (لسور). (¬6) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 90، و"ابن عطية" 1/ 96، "البحر المحيط" 1/ 141، "البيان في غريب القرآن" 1/ 43، و"القرطبي" 1/ 157، "الدر المصون" 1/ 81 قال الزمخشري: ومن لم يجعلها أسماء للسور لم يتصور أن تكون لها محل في مذهبه، كما لا محل للجمل المبتدأة وللمفردات المعددة. "الكشاف" 1/ 107، 108، ونحوه قال الرازي 2/ 12.

قيل: هذه ألم، كما تقول: هذا زيد، أو يكون رفعًا على الابتداء، وخبره {ذَلِكَ اَلكِتَابُ} كما تقول (¬1): زيد ذلك الرجل، ويحتمل أن يكون رفعًا على أنه خبر مقدم، كأنه قال: ذلك الكتاب الذي وعدتك (¬2) أن أنزله إليك (¬3) {الم} (¬4). فأما التفسير: فقد كثر اختلاف الناس في هذه الحروف المقطعة وأشباهها في القرآن. فذهب قوم إلى أن الله لم يجعل لأحد سبيلا إلى إدراك معانيها، وأنها مما استأثر الله بعلمها، فنحن نؤمن بظاهرها ونكل (¬5) علمها إلى الله تعالى (¬6). وعن الشعبي (¬7) أنه قال: لله في كل كتاب سر، وسره في القرآن ¬

_ (¬1) في (أ): (يقول) وأثبت ما في (ب، جـ) لأنه أنسب للسياق. (¬2) في (ب): (وعد بك). (¬3) في (ج): (عليك). (¬4) ذكر الواحدي بعض الأوجه في إعراب الحروف المقطعة في أوائل السور وهناك أوجه أخرى، فقيل: إنها في محل نصب بتقدير: أقرأ (ألم)، وقيل: في موضع خفض بالقسم، لقول ابن عباس: إنها قسم أقسم الله بها. انظر ابن عطية 1/ 141، "البحر المحيط" 1/ 35، "البيان في غريب القرآن" 1/ 43، والقرطبي 1/ 136، "الدر المصون" 1/ 81. (¬5) في (ب): (وبكل). (¬6) ذكره الثعلبي في "الكشف" 1/ 37/ أ. انظر الطبري 1/ 88، "تفسير أبي الليث" 1/ 87، وذكره ابن عطية ونسبه للشعبي وسفيان الثوري وجماعة من المحدثين 1/ 138، وذكره في "البحر المحيط"، ومال إليه. 1/ 35، والقرطبي 1/ 154، وقال: روي عن أبي بكر وعلي، وابن كثير1/ 38. (¬7) هو عامر بن شراحيل بن عبد، تابعي شهر بالرواية والحفظ، ولد ونشأ بالكوفة. والشعبي نسبة إلى (شعب) بطن من همدان، مات سنة خمس ومائة، وقيل: غير ذلك، انظر: "تاريخ بغداد" 12/ 227، "حلية الأولياء" 4/ 310.

حروف التهجي (¬1). ومثل هذا روي عن أبي بكر الصديق وعلي (¬2) رضي الله عنهما. والأكثرون من أهل التفسير تكلموا في معاني هذه الحروف واستنبطوا لها وجوها من التأويل (¬3)، وقالوا: لا يجوز أن يلغى شيء من كتاب الله تعالى، لأنه قال: {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} [الشعراء: 195]. فيروى عن ابن عباس في {الم} ثلاثة أوجه (¬4): أحدها: أن الله تعالى أقسم بهذه الحروف، أن هذا الكتاب الذي أنزل على محمد الكتاب الذي عند الله، لا شك فيه (¬5). ¬

_ (¬1) قال الواحدي في "الوسيط" 1/ 25، قال داود بن أبي هند: كنت أسأل الشعبي عن فواتح السور، فقال: يا داود: إن لكل كتاب سرا وإن سر القرآن فواتح السور، فدعها وسل عما سوى ذلك. وبهذا اللفظ ذكره السيوطي في (الدر) وعزاه لابن المنذر، وأبي الشيخ، ابن حبان في "التفسير". "الدر" 1/ 56، وذكره الطبري ولم يعزه لأحد 1/ 88، وذكره أبو الليث عن الشعبي1/ 87، والزجاج في "المعاني" 1/ 19، وانظر: القرطبي 1/ 133، 134. وقد روي عن الشعبي أنه فسرها: بأنها من أسماء الله. كما في الطبري 1/ 87، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 33، وذكره الأزهري في "التهذيب" 1/ 90. (¬2) انظر أقوالهم في "تفسير الثعلبي" 1/ 40/ أ، و"القرطبي" 1/ 134، و"ابن كثير" 1/ 38. روي عن علي: أنها اسم الله الأعظم. انظر: "تفسير أبي الليث" 1/ 87، و"ابن عطية" 1/ 138، و"ابن كثير" 1/ 39. (¬3) انظر: الطبري 1/ 86 - 93، و"ابن عطية" 1/ 140، و"البحر المحيط" 1/ 35، و"القرطبي" 1/ 155. (¬4) انظر. "معاني القرآن" للزجاج 1/ 19، 20، "تهذيب اللغة" 1/ 88. (¬5) بهذا اللفظ ذكره الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 19، والأزهري في "تهذيب اللغة" 1/ 88، وأبو الليث ونسبه للكلبي1/ 87. وأخرج ابن جرير بسنده عن ابن عباس قال: هو قسم أقسم الله به، وهو من أسماء الله، وذكره السيوطي في "الدر" =

وهذا الوجه من تفسير ابن عباس اختيار (¬1) الأخفش، لأنه قال: أقسم الله تعالى بهذه الحروف لشرفها (¬2) وفضلها (¬3)، لأنها (¬4) مباني كتبه المنزلة بالألسنة (¬5) المختلفة، ومباني أسمائه الحسنى وصفاته العلى، وأصول كلام الأمم، بها يتعارفون ويذكرون الله عزّ وجلّ ويوحدونه، فكأنه (¬6) أقسم بهذه الحروف أن القرآن كتابه وكلامه لا ريب فيه (¬7). الوجه الثاني: أن هذه الحروف وإن كانت متفرقة في النزول، فإذا ألّفت ضربًا من التأليف كانت (¬8) اسمًا لله، وإن كنا لا نقف على تأويلها، فـ (ألف، لام، را)، و (حم)، و (ن) (¬9) اسمه: الرحمن (¬10). إلا أنا لا نقف ¬

_ = وعزاه لابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في "الأسماء والصفات". "الدر" 1/ 54، وانظر "تفسير ابن عطية" 1/ 138، وابن كثير 1/ 39، وروي عن عكرمة أنها قسم. انظر: الطبري 1/ 207وابن أبي حاتم 1/ 170. (¬1) في (ب): (اختاره). (¬2) في (ب): (وشرفها). (¬3) في (ب): (وفضّلها). (¬4) في (ب): (أنها). (¬5) في (ب): (بالألسن). (¬6) في (ب): (وكأنه). (¬7) كلام الأخفش ذكره الثعلبي 1/ 40 ب، ولم أجده في "معاني القرآن" للأخفش. (¬8) في (ب). (كان). (¬9) في (ب): (كألف لام حاميم نون). (¬10) في "معاني القرآن" للزجاج (الر)، و (حم)، و (نون) اسم للرحمن، مقطع في اللفظ موصول في المعنى 1/ 20، ونحوه في "تهذيب اللغة" 1/ 88، وقد أخرج ابن جرير بسنده عن ابن عباس في قوله: (ألم) و (حم) و (ن) قال اسم مقطع. وفي سنده (الباهلي) قال شاكر: لم أقف له على ترجمة. انظر الطبري مع تحقيق شاكر 1/ 207، وأخرجه ابن أبي حاتم، وفي سنده الباهلي قال محققه: لم أقف له على =

على كيفية نظمها. قال سعيد بن جبير (¬1): لو أحسن الناس تأليفها لعلموا (¬2) اسم الله الأعظم (¬3). الوجه الثالث عنه (¬4): {الم}: أنا الله أعلم، و {الر} (¬5): أنا الله أرى، و {المص} [الأعراف: 1]: أنا الله أعلم وأفصل (¬6)، و {المر} [الرعد: 1]: أنا الله أعلم وأرى (¬7). وهذا الوجه اختيار الزجاج. ¬

_ = ترجمة. "تفسير ابن أبي حاتم" مع الهامش 1/ 168 رسالة دكتوراه. وذكره السيوطي في "الدر" وعزاه إلى ابن جرير، وابن أبي حاتم وابن مردويه. "الدر" 1/ 54 انظر ابن عطية 1/ 138. (¬1) هو سعيد بن جبير بن هشام الأسدي بالولاء، كان من سادات التابعين علمًا وفضلًا وورعًا وفقهًا، قتله الحجاج سنة خمس وتسعين. انظر ترجمته في: "تذكرة الحفاظ" 1/ 76، "طبقات المفسرين" للداودي 1/ 188. (¬2) في (ب): (تعلموا). (¬3) ذكره الثعلبي بدون سند. 1/ 40 أ، وأبو حيان في "البحر المحيط" 1/ 34. (¬4) أي عن ابن عباس. (¬5) في (ب): (الرا). (¬6) في (ب): (وأفضل). (¬7) ذكره الزجاج بنصه حيث قال: والثالث عنه: ثم ذكره 1/ 20، وفي تهذيب القول الثالث: (الم) معناه: أنا الله أعلم وأرى 15/ 677، وأخرج ابن جرير بسنده عن ابن عباس: (الم) قال: أنا الله أعلم. الطبري 1/ 88، وأخرجه ابن أبي حاتم بنحو رواية ابن جرير. قال المحقق: في سنده عطاء وشريك، اختلطا وساء حفظهما. (تفسير ابن أبي حاتم) 1/ 32، وأخرجه أبو جعفر النحاس في "القطع والائتناف" قال: (الم) أنا الله أعلم. و (المر) قال أنا الله أرى، و (المص) قال أنا الله أفصل. ص 111، وذكره السيوطي في "الدر" بمثل رواية ابن جرير وعزاه إلى وكيع وعبد ابن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والنحاس 1/ 54.

قال: المختار: ما روي عن ابن عباس وهو أن معنى: (الم) أنا الله أعلم، وأن كل حرف منها له تفسير (¬1). قال: والدليل على ذلك أن العرب تنطق بالحرف الواحد تدل به على الكلمة التي هو (¬2) فيها، وأنشد: قلت لها قفي فقالت قاف (¬3) ... ................ فنطق (¬4) - بقاف- فقط، يريد قالت: أقف (¬5). وقال الفراء: معنى هذه الحروف [المقطعة في أوائل السور: أن هذه الحروف] (¬6) ذلك الكتاب الذي وعدتك أن أنزله عليك، لأن قوله: {سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى} [الأعلى: 6] وعد من الله تعالى أن ينزل عليه كتابا، فلما أنزل عليه القرآن قال: {الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ} الذي وعدتك أن أقرئكه فلا تنسى، فاكتفى من حروف (أ، ب، ت، ث) بـ {الم}، و {المص}، وأشباه ذلك؛ لأن هذه الحروف لما ¬

_ (¬1) في (المعاني): (تفسيره) 1/ 24. (¬2) (هو) ساقط من (ب). (¬3) البيت بتمامه في (المعاني): قلنا لها قفي قالت: قاف ... لا تحسبي أنا نسينا الإيجاف "معاني القرآن" 1/ 24 ومثله عند الطبري 1/ 90، وكذا في "الخصائص" 1/ 30، 80، 426، 2/ 361، وهو في (تأويل مشكل القرآن) وفيه (... قالت لي: قاف ...) ص 308، وورد في "معاني القرآن" للفراء3/ 75، "اللسان" (وقف) 8/ 4898، "البحر المحيط" 1/ 35. والرجز للوليد بن عقبة خرج يريد عثمان بن عفان - رضي الله عنه - لما طلبه حين شهد عليه عنده أنه يشرب الخمر، فخرج الوليد مع بعض رفقته ونزل يسوق الإبل بهم ويرتجز بأبيات منها المذكورة هنا. (¬4) في (ج). (تنطق). (¬5) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 24. (¬6) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).

كانت موضوعة للكتاب معروفة، كان الحرفان (¬1) والثلاثة منها يدل على الجمع، والعرب تعبر ببعض الشيء عن كله. كقوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اُرْكَعُواْ لَا يَرْكَعُونَ} [المرسلات: 48] أي: صلوا لا يصلون، وقال: {ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَت يَدَاكَ} [الحج: 10] وقال الشاعر: لما رأيت أنها في حُطِّي ... أخذتُ منها بقرونٍ شُمْطِ (¬2) فعبر بفظة (حطى) عن جميع حروف (أبجد) (¬3). وهذا القول اختيار الحسن (¬4) بن محمد بن نصر الجرجاني (¬5)، فإنه ¬

_ (¬1) في (ج): (الجرفان) بالجيم. (¬2) الأبيات لبعض بني أسد، وسماه بعضهم بأبي القماقم الأسدي، يتحدث عن امرأة لا يرضى خلقها، حاول إصلاحها فلم تنقد له، كأنها تستمر في أول تعلمها كالصبي الذي لا يعدو في تعلمه حروف الهجاء. و (القرون الشمط). خصل الشعر المختلط فيه السواد والبياض. والأبيات عند الفراء: لما رأيت أمرها في حُطِّي ... وفَنَكَتْ في كذب ولَطِّ أخذتُ منها بقرون شمط ... ولم يزل ضربي لها ومَعْطِي حتى علا الرأس دم يغُطِّي "معاني القرآن" للفراء 1/ 369، وذكر منها في "تأويل مشكل القرآن" البيتين اللذين ذكرهما الواحدي ص 30، وكذا الثعلبي 1/ 41، وذكر الطبري الأبيات مثل ما عند الفراء مع اختلاف يسير 1/ 89، ووردت في "كنز الحفاظ في كتاب تهذيب الألفاظ" ص 447، "أمالي القالي" 2/ 200، "تفسير السجاوندي" ص 24. (¬3) الكلام الذي نسبه للفراء لم أجده بهذا النص في "معاني القرآن"، وللفراء كلام بمعناه 1/ 368، 2/ 3، وذكر الثعلبي قريبا مما ذكر الواحدي هنا، قال بعده: هذا قول المبرد وجماعة من أهل (المعاني). الثعلبي 1/ 40/ ب، 41/ أوذكر الواحدي في "البسيط" نحو الكلام الذي نسبه للفراء، وعزاه لابن الأنباري. انظر "الوسيط" 1/ 26. (¬4) في (ب): (الحسين). (¬5) هو الحسن بن محمد أو ابن يحيى بن نصر الجرجاني، أبو علي، صاحب "نظم القرآن" نقل عنه الواحدي كثيرا، انظر ما تقدم في مصادر الواحدي في تفسيره.

قال: {الم} مبتدأ مرصد لخبر (¬1)، أو لأن يبنى عليه خبر، أي: أن هذه الحروف التي منها (الم) الكتاب الذي (¬2) وعدتك إنزاله عليك، فتكون هذه الحروف الثلاثة اسما لجميع الحروف المعجمة، كما يستدل ببعض الشيء على كله، يقول الرجل: قرأت (نون) و (صاد) و (حم) (¬3) وهو لا يريد (¬4) هذه الحروف بعينها، وإنما يريد كلّ ما اتصل به مما (¬5) بعده. ومنه قول النبي - صلى الله عليه وسلم - "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله" (¬6) وقد كان - صلى الله عليه وسلم - يقاتل اليهود والنصارى، وهم يقولون: لا إله إلا الله، [وهو أراد (لا إله إلا الله)] (¬7) وما اتصل بها من أسبابها، فجعل (لا إله إلا ¬

_ (¬1) في (ب): (بخير). (¬2) في (ب): (التي). (¬3) في (ب): (ص) و (حم) و (نون). (¬4) في (ب): (لا يريد به). (¬5) (مما) ساقط من (ب). (¬6) الحديث بلفظ: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ... الحديث). عن أبي هريرة: قال السيوطي: متواتر: "فيض القدير" 2/ 238، وكذا قال الألباني. انظر "الأحاديث الصحيحة" 1/ 691 (407). والحديث أخرجه البخاري (1399) كتاب الزكاة، باب: وجوب الزكاة، "الفتح" 3/ 262، و"كتاب استتابة المرتدين" باب (قتل من أبى قبول الفرائض) 12/ 275، وكتاب "الاعتصام بالكتاب والسنة" باب "الإقتداء بسنن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -" 13/ 250، ومسلم 20، 21 كتاب الإيمان، باب: الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، وأبو داود (1556) كتاب الزكاة، والترمذي (2607) كتاب الإيمان، باب: أمرت أن أقاتل الناس .. ، والنسائي 5/ 14 كتاب الزكاة، باب: مانع الزكاة. وأحمد في "المسند" 1/ 19، 35, 48, 2/ 423, 528. والأحاديث بنحو لفظه كثيرة عن ابن عمر وأنس وغيرهم. (¬7) مابين المعقوفين ساقط من (ب).

الله) اسماً لجميع الإيمان. وعلى هذا قوله: {وذلك} مبتدأ ثان و {الكتاب} (¬1) خبره، وهما جميعا خبر للمبتدأ الأول (¬2)، لأنهما صارا قصة وشأنا، مثل قولك: (زيد أبوه قائم) و (عمرو وجهه حسن). وزعم قطرب (¬3): أن هذه الحروف المقطعة ذكرت في القرآن لتدل على أن هذا القرآن المؤلف من هذه الحروف المقطعة التي هي مقدورة للمشركين في تخاطبهم، فلولا أنه من عند الله نزل وأنه معجز في نفسه، وإلا وهلا جئتم بمثله لأنكم (¬4) متمكنون من المخاطبة بهذه الحروف. (¬5) وحكي عنه- أيضا- قول آخر، وهو أنه قال (¬6): يجوز أن يكون لما لغا القوم في القرآن فلم يتفهموه (¬7) حين قالوا: {لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ (¬8) وَالْغَوْا فِيهِ} [فصلت: 26] أنزل الله سبحانه هذه الحروف المقطعة، ولم ¬

_ (¬1) في (ج): (بالكتاب). (¬2) انظر "تفسير الثعلبي" 1/ 42/ ب، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 16، وابن عطية 1/ 143، "البحر" 1/ 36. (¬3) هو محمد بن المستنير المعروف بـ (قطرب) أحد العلماء المشهورين بالنحو واللغة، أخذ عن سيبويه، مات سنة ست ومائتين. انظر ترجمته في: "طبقات النحويين واللغويين" ص 99، "تاريخ بغداد" 3/ 298، "معجم الأدباء" 19/ 52، "إنباه الرواة" 3/ 219، "المزهر" 2/ 405. (¬4) في (ب): (وأنتم). (¬5) ذكر المؤلف قول قطرب بمعناه، وتصرفه في اللفظ أخل به، انظر نص قوله في "معاني القرآن" للزجاج 1/ 19، "تهذيب اللغة" 1/ 89، "اللسان" 1/ 15. (¬6) (قال) ساقط من (ب). (¬7) في (ب): (يتفهموا). (¬8) في (ب): (القول) تصحيف في الآية.

تجر لهم عادة بسماع مثلها حتى إذا سكتوا واستمعوا إلى ذلك، هجم القرآن أسماعهم وقرع (¬1) المعاني آذانهم، فيكون في إنزال هذه الحروف (¬2) المقطعة نوع من المبالغة في الدعوة وتأكيد (¬3) للحجة عليهم (¬4). ويروى عن الحسن أنه قال: {الم} وسائر حروف التهجي في القرآن أسماء للسور (¬5). فعلى هذا إذا قال القائل (¬6): قرأت (المص) عرف السامع أنه قرأ السورة المخصوصة التي افتتحت بـ (المص) كما أنه إذا قال: لقيت عمرا، علم السامع أنه يريد شخصاً معلومًا عنده. ويجوز أن يكون {الم} اسما للسورة المفتتحة بها، ثم لا تعرف تلك السورة بعينها ما لم يقرن بـ {الم} لفظ آخر، فيقال: سورة {الم ذَلِكَ}، ¬

_ (¬1) في (ب): (وقرعت). (¬2) هذا آخر وجه (أ) من لوحة (39) في نسخة (ب) وفي أسفل الصفحة في الهامش كتب بخط مختلف: (هذا آخر الاختلاف وليس في هذِه النسخة غيره). (¬3) في (ب) (وتأكيداً). (¬4) انظر نص كلام قطرب في: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 24، "تهذيب اللغة" 1/ 89، "اللسان" 1/ 11، "تفسير أبي الليث" 1/ 87، وذكره الطبري ولم يعزه 1/ 89، وذكره الرازي ونسبه لابن روق وقطرب 2/ 6، ومال إليه 2/ 11. (¬5) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 26، وأبو حيان في "البحر" 1/ 34، وأورد الطبري هذا القول ونسبه لزيد بن أسلم 1/ 206، وكذا الثعلبي 1/ 40/ أ، وابن عطية 1/ 138، وابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 21، وأبو حيان في (البحر) 1/ 34، والسيوطي في "الدر" 1/ 55. (¬6) نقل عن الطبري بتصرف. انظر الطبري 1/ 90.

وسورة (الم الله) (¬1)، لأنه وقع الاشتراك، ولا يمنع احتياجهم (¬2) إلى ذكر القرينة أن يكون ذلك اسما له في الأصل. ألا ترى أنه إذا قال: رأيت زيدا، والسامع عرف (¬3) رجلين اسمهما زيد، فيقول: أيما (¬4) زيد؟ فيقول: الأزدي أو (¬5) التميمي (¬6). فلا يمنع هذا أن يكون (زيد) اسما (¬7) في الأصل لذلك الشخص، وإن (¬8) لم يحصل به التمييز حتى ذكر معه النسبة (¬9) عند وقوع الاشتراك، ويجوز تسمية الشيء ببعضه، أو بما هو من جملة معناه، كالقصائد التي تسمى بما افتتحت به كقولهم: (لخولة أطلال)، و (قفا نبك)، و (أما صحا) (¬10). وقول الحسن (¬11) هذا مختار عند النحويين، من قبل أن الأسماء ¬

_ (¬1) عند الطبري (.. قرأت (الم البقرة). وفي آل عمران: قرأت (الم آل عمران) و (الم ذلك الكتاب) و (الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم) الطبري 1/ 90. (¬2) في (ب). (احتاجهم). (¬3) (عرف) ساقط من (ب). (¬4) في (ب): (أبا). (¬5) في (ب): (و). (¬6) انظر الطبري 1/ 90، وانظر "تأويل المشكل" لابن قتيبة ص 300. (¬7) في (ب): (زيدا في الأصل). (¬8) في (ب): (فإن). (¬9) في (ب). (التشبه). (¬10) قوله: (لخولة أطلال) مطلع معلقة طرفة بن العبد. انظر "شرح القصائد المشهورات" للنحاس ص 53. و (قفا نبك) مطلع معلقة امرئ القيس. انظر "شرح القصائد" ص 3. وقوله "أما صحا" لم أعثر عليها فيما قرأت. (¬11) وهو أن الحروف المقطعة أسماء للسور، وهذا القول نسبه أكثر المفسرين لعبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه. انظر ما سبق ص 389.

الأعلام منقولة عن معانيها للتفرقة بين المسميات (¬1)، ونقلت هاهنا حروف المعجم إلى التسمية. وقد جاء نظير ذلك (¬2) في أسماء العرب، قالوا: (أوس بن حارثة بن لأم الطائي) (¬3). ولا خلاف بينهم أن لك أن تسمي بحروف المعجم كما أن لك أن تسمي بالجمل (¬4) كقولهم (¬5): (تأبط شرًّا (¬6))، و (ذرّى حبًّا (¬7))، قال الشاعر: إن لها لَرَكَبًا (¬8) إرزَبَّا (¬9) ... كأنه جبهةُ ذرّى حَبَّا (¬10) ¬

_ (¬1) انظر "شرح المفصل" 1/ 29. (¬2) في (ب): (ذاك). (¬3) ذكره ابن دريد قال: أوس بن حارثة بن لأم، رأس طييء، عاش مائتي سنة. وفسر (لأم) فقال: (اللأم) السهم المريش إذا استوت قذذه. (الاشتقاق) ص 382، 383. وانظر مادة (لأم) في "اللسان" 7/ 3976، "القاموس" ص1156. وقد أورد الواحدى الاسم على أن المراد (لام) الحرف، نقل فأصبح علمًا على اسم معين، وعلى ما ذكر ابن دريد لا شاهد فيه للواحدي. (¬4) تحكى الجملة على حالها فتصبح علمًا للمسمى انظر "الكتاب" 3/ 326 "المقتضب" 4/ 9، "شرح المفصل" 1/ 28. (¬5) في (ب): (كقولك). (¬6) في (ب): (سابط). قيل: سمي بذلك لأنه تأبط حية. انظر (شرح المفصل) 1/ 28. (¬7) دي (ب): (وروا حبا). وذرى حبا: اسم رجل. انظر: "الكتاب" 3/ 326، "المقتضب" 4/ 9، "شرح المفصل" 1/ 28، و"اللسان" (حبب) 1/ 296. (¬8) في (ب). (الركبا). (¬9) في (ج). (اردبا). (¬10) نسبه سيبويه لرجل من بني طهية. يروى (مركبا) و (مركنا) وهو منبت المعانة =

فكل (¬1) كلمة لم تكن على معنى الأصل فهي منقولة إلى التسمية للفرق، فمن ذلك (زيد (¬2)) لما لم يرد به معنى الزيادة، لم يكن إلا منقولا (¬3). وكذلك جميع الأسماء الأعلام ولو سميت رجلا: (ب ت ث)، [لقلت (هذا ب ت ث)] (¬4)، ورأيت: (ب ت ث) فحكيت هذا القول كان جائزا. وقال أبو العالية: ليس منها حرف إلا وهو مفتاح اسم من أسماء الله عز وجل، وليس منها حرف إلا وهو في آلائه وبلائه، وليس منها حرف إلا وهو في مدة قوم وآجال آخرين (¬5). ¬

_ = و (الإرزب) الضخم شبهه بجبهة ذلك الرجل المسمى (ذرى حبا). ورد البيت في "الكتاب" 3/ 326، "المقتضب" 4/ 9، "معجم مقاييس اللغة" 2/ 391، "اللسان" (حبب) 2/ 746، و (رزب) 3/ 1634، و"شرح المفصل" 1/ 28. (¬1) في (ب): (كل). (¬2) (زيد) ساقط من (ب). (¬3) انظر: "شرح المفصل" 1/ 30. (¬4) مابين المعقوفتين ساقط من (ب). (¬5) بهذا النصر ذكره الثعلبي في "تفسيره" بدون نسبه 1/ 40 أ، وأخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" بسنده عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية: في قوله (الم) قال: (هذِه الأحرف الثلاثة من التسعة والعشرين حرفا، دارت فيها الألسن كلها. ليس منها حرف ...) الخ الأثر كما عند المؤلف هنا. قال المحقق: رجال هذا الإسناد يحتج بروايتهم، لكن أبا العالية يرسل كثيراً، ورواية أبي جعفر الرازي عن أنس مضطربة والمتن في بعض ألفاظه نكارة. "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 168 (رسالة دكتوراه). وأخرجه ابن جرير بسنده عن الربيع بن أنس، بنفس اللفظ1/ 88، وذكره ابن كثير في " تفسيره" عن أبي العالية، وتكلم فيه من جهة معناه. ابن كثير 1/ 41، وذكره =

فالاختلاف في هذه الحروف كما ترى، وقد ذكرت عيون أقاويل أهل (¬1) التأويل. وليس يبعد أن يقال: إن جميع ما ذكر من هذه التأويلات كلها مرادة بهذه الحروف مودعة فيها، ولا تنافي في هذه الأقوال، لأنه ليس كون هذه الحروف مفاتح أسماء الله تعالى بمانع أن تكون (¬2) مما (¬3) أقسم الله بها، ولا أن يشير بها إلى مدة قوم وآجال أناس عرف الله نبيه عليه السلام ذلك على الخصوص (¬4). ¬

_ = السيوطي في "الدر" وعزاه لابن جرير وابن أبي حاتم. "الدر" 1/ 56، وذكره أبو حيان في "البحر المحيط" 1/ 34. (¬1) في (ب): (هذا). (¬2) في (ب): (يكون). (¬3) في (ب). (ما). (¬4) وإلى نحو هذا مال ابن جرير حيث قال: (والصواب من القول عندي في تأويل مفاتيح السور، التي هي حروف المعجم: أن الله جل ثناؤه جعلها حروفا مقطعة، ولم يصل بعضها ببعض -فيجعلها كسائر الكلام المتصل الحروف- لأنه عز ذكره أراد بلفظه الدلالة بكل حرف منه على معان كثيرة، لا على معنى واحد، كما قال الربيع بن أنس. وإن كان الربيع قد اقتصر به على معان ثلاثة، دون ما زاد عليها. والصواب في تأويل ذلك عندي: أن كل حرف منه يحوي ما قاله الربيع، وما قاله سائر المفسرين غيره فيه .... الخ. واستثنى بعض الأقوال لضعفها. انظر الطبري 1/ 93، وانظر "تأويل المشكل" لابن قتيبة ص 299، 300، وقد ذكر ابن كثير كلام الطبري، ولم يرضه، ثم ذكر أقوالاً أخرى وبين ضعفها ثم قال: وقال آخرون: بل إنما ذكرت هذِه الحروف في أوائل السور التي ذكرت فيها بيانا لإعجاز القرآن وأن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله، هذا مع أنه مركب من هذِه الحروف المقطعة التي يتخاطبون بها، وقد حكى هذا المذهب الرازي في "تفسيره" عن المبرد وجمع من المحققين، وحكى القرطبي عن الفراء وقطرب نحو هذا، وقرره الزمخشري في "كشافه" ونصره أتم نصر، واليه ذهب الشيخ الإمام العلامة أبو العباس ابن تيمية، =

2

فإن قيل: كيف كتبوا في المصحف هذه الحروف موصولة، والهجاء منقطع لا يتصل بعضه ببعض؟ قلنا: لأنه لم يقصد به الهجاء، إنما هي حروف اجتمعت يراد بكل حرف منها معنى، فهي وإن كانت في صورة الهجاء فإن تحتها معاني، فكانت من هذا الوجه في معنى الكلمات الموصولة (¬1). فإن قيل: فلم قطعت {حم عسق} ولم تقطع {كهيعص}. قلنا: لأن (حم) قد ذكرت في أوائل سور أخرى، فقطعت مما (¬2) بعدها، لأن هذه السور كغيرها (¬3) مما افتتح بـ (حم) (¬4). هذا هو الكلام في الحروف المقطعة في هذه السورة. (¬5) فأما في سائر السور فسنأتي على بيانها إن شاء الله. 2 - وقوله تعالى: {ذَالِكَ اَلكِتَبُ}. قال أبو الهيثم (¬6): (ذا) اسم كل ¬

_ = شيخنا الحافظ المجتهد أبو الحجاج المزي، وحكاه لي عن ابن تيمية. ابن كثير 1/ 40. (¬1) هذا السؤال والإجابة عليه ذكره ابن الأنباري في "إيضاح الوقف والابتداء" ص 479، وانظر: "القطع والائتناف" للنحاس ص 109، "البرهان في علوم القرآن" 1/ 431. (¬2) في (ب): (ما). (¬3) في (ب): (لغيرها). (¬4) ذكره ابن الأنباري في "إيضاح الوقف والابتداء" ص 479، والنحاس في "القطع والائتناف" ص 109، والزركشي في "البرهان" 1/ 431. (¬5) أي في سورة (البقرة) (الم). (¬6) قول أبي الهيثم ذكره الأزهري في (التهذيب) في مواضع متعددة أخذ الواحدي منه بالاختصار وجمعه مع بعضه. قال الأزهري: أخبرني المنذرى عن أبي الهيثم أنه قال: ذا اسم كل مشار إليه ..) "التهذيب" (ذا) 2/ 1258.

مشار إليه يراه المتكلم والمخاطب كقولك: ذا الرجل، وذا الفرس، فإذا (¬1) بعد المشار إليه زادوا (كافا) فقالوا: ذاك (¬2) الرجل، وهذه (الكاف) ليست في موضع نصب ولا خفض (¬3) ولا رفع، إنما أشبهت كاف (أخاك) و (عصاك) فتوهم السامع أنها في موضع خفض (¬4)، فلما دخل فيها هذا اللبس زادوا (لاما) فقالوا: ذلك أخوك (¬5)، فإن اللام إذا دخلت ذهبت بمعنى الإضافة. و (ذا) مبني (¬6)، نصبه وخفضه ورفعه سواء، لأن فيه معنى الإشارة إلى معرفة فكأنه قد تضمن معنى من الحروف (¬7). وهذا الذي ذكره ¬

_ (¬1) قال الأزهري: قال أبو الهيثم فيما أخبرني عنه المنذري: (إذا بعد المشار إليه من المخاطب، وكان المخاطب بعيدا ممن يشار إليه، (زادوا) (كافا) فقالوا. ذاك أخوك ..) "التهذيب" تفسير (ذاك وذلك) 2/ 1258. (¬2) في (ج): (ذلك). (¬3) في "التهذيب": (ليست في موضع خفض ولا نصب، إنما أشبهت ..) 2/ 1258. (¬4) في "التهذيب": (فتوهم السامعون أن قول القائل: ذاك أخوك كأنها في موضع خفض لاشباهها (كاف)، (أخاك). وليس ذلك كذلك، إنما تلك (كاف) ضمت إلى (ذا) لبعد (ذا) من المخاطب، فلما دخل ...) "التهذيب" 2/ 1258. (¬5) في "التهذيب": (وفي الجماعة: أولئك اخوتك). مراتب المشار اليه عند بعضهم اثنتان: الأولى: القربى ويشار لها بذا. الثانية: البعدى سواء كان البعد قليلاً أو كثيرًا ويشار لها بذاك. وعلى هذا الرأي زيدت اللام لرفع اللبس، كما ذكر الواحدي، أو لتأكيد بعد المشار إليه. أما عند الجمهور فمراتب المشار إليه ثلاث: قريب يشار له بذا، ومتوسط يشار له بذاك، وبعيد ويشار له بذلك، وعلى هذا: اللام لبعد المشار اليه، وليست لرفع اللبس. انظر "حاشية الصبان" 1/ 139، 142. (¬6) في (ب): (مبين). (¬7) هذا الكلام عن أبي الهيثم بمعناه، "التهذيب" 2/ 1258.

أبو الهيثم في ذلك، إجماع من النحويين (¬1). وقال الزجاج (¬2): كسرت (اللام) في (ذلك) لالتقاء الساكنين (¬3)، قال: ولم يذكر الكوفيون كسرة هذه (اللام). قال أبو الفتح الموصلي (¬4): (اللام) قد تزاد في الكلمة مبنية (¬5) معها، غير مفارقة لها، كقولهم: (ذلك) و (ألالك) (¬6)، و (هنالك) و (عبدل) (¬7)، و (زيدل) (¬8)، و (فيشله) (¬9). والذي يدل على زيادة (اللام) في هذه الحروف قولهم: (ذاك) (¬10) بمعنى: ¬

_ (¬1) انظر "التهذيب" حيث نقل الأزهري عن بعض الأئمة2/ 1258 - 1259، وانظر "معاني القرآن" للزجاج 1/ 30. (¬2) قول الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 31، إلا قوله: (قال: ولم يذكر الكوفيون ... إلخ)، ونقله الأزهري في "التهذيب"، 15/ 34، 35. (¬3) المراد بالساكنين: (الألف) من (ذا) واللام التي بعدها. انظر "المعاني" للزجاج 1/ 31. (¬4) كلام أبي الفتح في "سر صناعة الإعراب" 1/ 321، وقد تصرف المؤلف فيه، ونقله بالمعنى مع الاختصار. قال أبو الفتح: (وإذا كانت اللام زائدة فهي على ضربين: أحدهما: أن تزاد في الكلمة مبنية معها غير مفارقة لها، والآخر أن تزاد فيها لمعنى، ولا تكون من صيغة الكلمة ....). (¬5) في (ب): (مبينة). (¬6) كذا في (أ)، وفي (ب)، (ج): (إلا لك) وفي "سر صناعة الإعراب" (أولا لك) 1/ 321. وهذا هو الصواب، ولعل ما أثبت في النسخ اختلاف في الرسم. (¬7) في (ب): (عندك). (¬8) في (ب): (زيدك). (¬9) في (ج): (فشيله). في "اللسان": (الفيشلة) كالفيشه، واللام فيها عند بعضهم زائدة، وقيل اللام أصل. والفيشة: أعلى الهامة، أو الكمرة، أو الذكر المنتفخ. "اللسان" (فيش) 6/ 3499. (¬10) في (ب): (ذلك).

(ذلك)، و (أولئك) بمعنى: (ألالك) (¬1)، و (هناك) بمعنى: (هنالك)، ومعنى (عبدل) كمعنى (عبد) (¬2)، ومعنى: (زيدل) كمعنى: (زيد) (¬3)، ومعنى: (فيشلة) كمعنى (¬4): (فيشة) (¬5). وأما (¬6) (الكاف) فهي في (ذاك)، و (ذلك)، و (تلك)، و (تانك) (¬7)، و (ذانك)، و (أولئك) حرف يفيد الخطاب، وليست باسم (¬8). والدليل (¬9) على ذلك ثبوت النون [في (ذانك، وتانك) ولو كانت اسما لوجب حذف النون] (¬10) قبلها، وجرها بالإضافة، كما تقول: غلاماك وصاحباك. والعرب قد تزيد (الكاف) للخطاب كقولهم: (النجاءك) أي: انج، ولو كانت (¬11) (الكاف) اسما لما جازت إضافة ما فيه (الألف واللام) ¬

_ (¬1) كذا في (أ) وفي (ب)، (ج) (بدون تشكيل)، وفي "سر صناعة الإعراب" (أولالك) وهو الصواب، وانظر التعليق في الصفحة قبلها. (¬2) في (ب): (ومعنى عندك كمعنى عند). (¬3) في (ب): (ومعنى زيد كمعنى زيدك). (¬4) في (ب): (بمعنى). (¬5) انظر. "سر صناعة الإعراب" 1/ 322، (معنى الفيشة) مر قريبا. (¬6) الكلام عن (الكاف) أخذه المؤلف عن أبي الفتح من موضع آخر 1/ 309، بتصرف واختصار. (¬7) في (ب): (تاتك). (¬8) انظر: "الأصول في النحو" 2/ 127. (¬9) "سر صناعة الإعراب" 1/ 315. (¬10) ما بين المعقوفين ساقط من (ب). (¬11) "سر صناعة الإعراب" 1/ 309 - 310.

إليهما (¬1)، وكذلك قولهم: أبصرك زيدا. ولا يجوز أن تكون (الكاف) اسما لأن هذا الفعل لا يتعدى إلى ضمير المأمور (¬2)، ألا ترى أنك لا تقول: أضربك، ولا أقتلك، إذا أمرته بضرب نفسه وقتله إياها (¬3). وزاد غيره بيانا فقال: (الكاف) في (ذلك) حرف، وفي (غلامك) وأشباهه اسم، الدليل على هذا أنك تؤكد (الكاف) في غلامك، كما تؤكد الاسم، فتقول: جاءني غلامك نفسك، ولا تؤكد (الكاف) في ذلك، فلا يجوز أن تقول: ذلك نفسك، على معنى تأكيد (الكاف) بالنفس (¬4). قوله تعالى: {الْكِتَابُ} يقال: كتب يكتب كتابًا وكَتْبًا وكتابةً. و (الكتاب) أيضا اسم لما كتب، وهو من باب تسمية المفعول بالمصدر، وهو كثير (¬5). وأصل (الكتب) في اللغة جمعك بين الشيئين، يقال: اكتب بغلتك، وهو أن يضم بين شفريها بحلقة (¬6)، ومن ذلك سميت (الكتيبة) لأنها تكتبت واجتمعت (¬7). ويقال: كتبت السقاء أكتبه كَتْبًا إذا خرزته (¬8). وهي الكُتْبة وجمعها ¬

_ (¬1) انظر "الكتاب" 1/ 245. (¬2) عند أبي الفتح: (لا يجوز أن تكون (الكاف) اسما لأن هذا الفعل لا يتعدى إلى ضمير المأمور به ..) 1/ 311. (¬3) انظر كلام أبي الفتح 1/ 310، 311. (¬4) ذكره سيبويه. انظر: "الكتاب" 1/ 245، وانظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 30، "تهذيب اللغة" (ذاك) 2/ 1259. (¬5) انظر: "تهذيب اللغة" للأزهري (كتب) 4/ 3597، "معجم مقاييس اللغة" (كتب) 5/ 158، "الكشف" للثعلبي 1/ 42/ب. (¬6) في (ب): (لحلقة). (¬7) في (ب): (فاجتمعت). ذكره الأزهري عن شمر، "تهذيب اللغة" 4/ 3097. (¬8) في (ب): (جررته). ذكره الأزهري عن أبي عبيد عن أبي زيد. "التهذيب" (كتب) 2/ 2079.

كُتَب للخروز (¬1). ومنه قيل: كتبت الكتاب، لأنه يجمع حرفا إلى حرف (¬2). فأما التفسير فقوله (¬3): {ذلك} يجوز أن يكون بمعنى: (هذا) عند كثير من المفسرين وأهل المعاني (¬4). قال الفراء: وإنما يجوز (ذلك) بمعنى: (هذا) لما مضى، وقرب وقت تقضيه، أو تقضي ذكره، فأما الموجود الحاضر (¬5) فلا يقال فيه (ذلك) (¬6) مثاله أنك تقول (¬7): قد قدم فلان، فيقول السامع: قد بلغنا ذلك، وبلغنا هذا الخبر، فصلحت فيه (هذا)، لأنه قرب من جوابه (¬8)، فصار كالحاضر الذي تشير (¬9) إليه، وصلحت (ذلك) لانقضائه، والمنقضي ¬

_ (¬1) في (ب): (للحزور). الأزهري عن الليث، "التهذيب" 2/ 2079. (¬2) الأزهري عن شمر 2/ 2079. (¬3) في (ب). (وقوله). (¬4) انظر: الطبري 1/ 96، "معاني القرآن" للفراء 1/ 10، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 29، ونسب القول فيه للأخفش وأبي عبيدة، و"مجاز القرآن" 1/ 28، وابن عطية 1/ 141. (¬5) الموجود الحاضر لا يقال فيه (ذلك) لأنك تراه بعينه، بل تشير له بهذا، الدالة على الحاضر في الذهن. انظر "معاني القرآن" للفراء1/ 11. (¬6) في (ج): (ذاك). (¬7) في "معاني القرآن" للفراء: (يصلح (ذلك) من جهتين، وتصلح فيه (هذا) من جهة، فأما أحد الوجهين من (ذاك) فعلى معنى: هذِه الحروف يا أحمد، ذلك الكتاب الذي وعدتك أن أوحيه إليك. والآخر أن يكون (ذلك) على معنى يصلح فيه (هذا) لأن قوله: (هذا) و (ذلك) يصلحان في كل كلام، إذا ذكر ثم أتبعته بأحدهما بالإخبار عنه. ألا ترى أنك تقول: قد قدم فلان ... الخ.) 1/ 10. (¬8) في (ب): (حركه). (¬9) في (ب): (يشير).

كالغائب (¬1). وتقول: أنفقت ثلاثة وثلاثة، فذلك ستة، وإن شئت قلت: فهذا ستة، وقد قال الله عز وجل: {فَحَشَرَ فَنَادَى} [النازعات: 23] تْم قال: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى} [النازعات: 26]، وقال: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ} (¬2) [الأنبياء: 105]، ثم قال: {إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا} [الأنبياء: 106] (¬3). وقال محمد بن جرير: أشار بقوله: {ذلك} إلى ما تقدم ومضى من قوله: {الم} لأن كل ما تقضى (¬4) وقرب تقضيه من الأخبار فهو في حكم الحاضر، كالرجل يحدث الرجل الحديث، فيقول السامع: (إن ذلك لكما (¬5) قلت)، و (هذا والله كما قلت)، فيخبر مرة عنه بمعنى الغائب (¬6)، إذا كان قد تقضى، ومرة بالحاضر لقرب جوابه من كلامه، كأنه غير متقض (¬7)، فكذلك لما ذكر الله سبحانه {الم} التي ذكرنا تصرفها في وجوهها من المعاني، قال: يا محمد هذا الذي ذكرته وبينته لك: الكتاب، [فحسن وضع (ذلك) في موضع (هذا) (¬8) وروى عن ابن عباس أنه قال: ¬

_ (¬1) وقال الفراء (.. ولو كان شيئًا قائمًا يُرى لم يجز مكان (ذلك)، (هذا) ولا مكان (هذا)، (ذلك) ..) "معاني القرآن" 1/ 10، وقد نقل الواحدي كلامه بتصرف. (¬2) في (ج) تصحيف في الآية (من بعد ما الذكر). (¬3) الكلام بنصه في "معاني القرآن" للزجاج 1/ 30. وانظر "معاني القرآن" للفراء 1/ 11. (¬4) في (ب). (ما يقضى). في الطبري: (لأن كل ما تقضى بقرب تقضيه ..) وفي الحاشية في المطبوعة (وقرب تقضيه) يريد: أن ذكر ما نقضى، وانقضاؤه قريب من إخبارك عنه. (تفسير الطبري) 1/ 96. (¬5) في (ب): (كما). (¬6) أي إذا أشار إليه بـ (ذلك) وبمعنى الحاضر إذا أشار إليه بـ (هذا). (¬7) في (ب). (مقتض) وفي الطبري: (منقض). (¬8) "تفسير الطبري" 1/ 96، وذكر المؤلف كلام الطبري بتصرف واختصار، واختار=

معنا ذلك الكتاب] (¬1) الذي أخبرتك أنى أوحيه (¬2) إليك (¬3). وقال يمان بن رباب (¬4): ذلك (¬5) الكتاب الذي ذكرته في التوراة (¬6) والإنجيل (¬7). وهذان القولان (¬8) متقاربان، والأول (¬9) اختيار ابن الانباري، ¬

_ = الطبري هذا القول وهو: أن (ذلك) بمعنى (هذا) 1/ 96، ورجحه ابن كثير، وقال: ذكره ابن جريج عن ابن عباس، وهو قول مجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، والسدي، ومقاتل بن حيان، وزيد بن أسلم، وابن جريج 1/ 42. (¬1) ما بين المعقوفين ساقط من (ب). (¬2) في (ب): (أوجه). (¬3) ذكره الثعلبي عن أبي الضحى عن ابن عباس1/ 43/أ، وذكره أبو الليث في "تفسيره" ولم يسنده لأحد 1/ 89، وانظر "البحر المحيط" 1/ 36، والقرطبي 1/ 137، "زاد المسير" 1/ 23. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: هذا الكتاب. الطبري 1/ 96. (¬4) (يمان بن رباب) مكانه بياض في (ب)، وفي (أ): (رياب) بالياء و (رباب) بالباء في (ج) وهو عند الثعلبي 1/ 43 أ، ولم أجد (يمان بن رباب) ولا (رياب) سوى ما ذكره البغدادي في "هدية العارفين" قال: (اليمان بن رباب البصري من رءوساء الخوارج، له: "إثبات إمامة أبي بكر الصديق". و"أحكام المؤمنين".) ولم يذكر سنة وفاته. "هدية العارفين" 1/ 735، فلا أدرى هل هو المذكور، أو شخص غيره؟ والله أعلم. (¬5) في (ب): (كل). (¬6) في (ج): (التوريه). (¬7) ذكره الثعلبي في "تفسيره" بعد قول ابن عباس السابق، "تفسير الثعلبي" 1/ 43أ، وذكر الزجاج بمعناه ولم ينسبه 1/ 39، وابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 23، القرطبي 1/ 137، وأبو حيان في "البحر" ونسبه لابن رئاب 1/ 36. (¬8) أي: قول ابن عباس وقول يمان بن رباب. (¬9) أي قول ابن عباس: ذلك الكتاب الذي أخبرتك أني أوحيه إليك.

والثاني (¬1) اختيار الزجاج (¬2). أما ابن الانباري فقال: إنما قال عز (¬3) ذكره: {ذَلِكَ الْكِتَابُ}، فأشار إلى غائب، لأنه (¬4) أراد هذه الكلمات يا محمد: ذلك الكتاب الذي وعدتك أن أوحيه إليك، لأن الله تعالى لما أنزل على نبيه - صلى الله عليه وسلم - {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا} [المزمل: 5]، كان عليه السلام واثقا بوعد الله إياه، فلما أنزل عليه {الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ} [البقرة:1, 2]. دله على (¬5) الوعد المتقدم (¬6). وقال الزجاج: القرآن، ذلك الكتاب الذي وعدوا به على لسان موسى وعيسى (¬7). فجعل {الم} بمعنى القرآن، لأنه من القرآن فهو قرآن. والمراد بالكتاب هاهنا: القرآن في (¬8) قول ابن عباس، والحسن، وقتادة، ومجاهد والضحاك، ومقاتل (¬9). ¬

_ (¬1) وهو قول يمان: ذلك الكتاب الذي ذكرته في التوراة والإنجيل. (¬2) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 29. (¬3) في (ب): (عن). (¬4) في (ب): (كأنه). (¬5) في (ب): (ذله الوعد). (¬6) ذكر نحوه ابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 23، والقرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" 1/ 137 - 138. (¬7) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 29. (¬8) في (ب): (فهو في). (¬9) ذكره الثعلبي فىِ "تفسيره" 1/ 43 ب، وذكر ابن أبي حاتم قول الحسن، وابن عباس 1/ 34، وانظر: "تفسير الطبري" 1/ 96، و"ابن كثير" 1/ 42.

والمراد به المفعول (¬1)، كقولهم: الخلق، يريدون: المخلوق (¬2)، لا الحدث الذي هو اختراع وإبداع. وهذا (¬3) أرجح عندي من قول من قال: إنه سمي به لما فرض فيه (¬4)، وأوجب العمل به (¬5)، ألا ترى أن جميع التنزيل مكتوب، وليس كله فروضًا، وإذا كان كذلك كان العام (¬6) الشامل [بجميع المسمى أولى مما كان بخلاف ذلك. فإن جعلت {الم} متعلقا بما بعده، فهو ابتداء، وخبره] (¬7) {ذلك}، والكتاب تفسير وبيان (¬8) للمشار إليه (¬9). ويصح أن ¬

_ (¬1) أي: المكتوب. انظر الثعلبي 1/ 42/ ب. (¬2) في ج (الخلوق)، وهذا المعنى ذكره الثعلبي 1/ 42 ب. (¬3) في (أ)، (ج): (قال: وهذا أرجح .. إلخ) واخترت ما في (ب) لأني لم أجد لوجود (قال) معنى. فكلام الزجاج قد انتهى، وما بعده أخذه عن الثعلبي بمعناه ولم يصرح باسمه، وليس الكلام بعد (قال) في "تفسيره"، ولم يكن من نهج الواحدي أن يفتتح قوله هو بـ (قال) لذلك اعتبرتها زيادة في (أ)، (ج). (¬4) في (ب): (به). (¬5) أي أن المراد بالكتاب: المكتوب، بمعنى المفعول، أرجح ممن قال: إنه سمي كتابا لما فرض فيه، وأوجب العمل به، فإن الكتاب يطلق على معان كثيرة منها: الفرض، والأمر، والجعل. انظر "مشكل القرآن" لابن قتيبة ص 11، "معرفة اشتقاق أسماء نطق بها القرآن" لأبي بكر محمد بن عزيز السجستاني 1/ 461 رسالة ماجستير، "تهذيب اللغة" (كتب) 4/ 3097، "تفسير الرازي" 2/ 14، والقرطبي 1/ 138. (¬6) أي أن الكتاب بمعنى المكتوب. (¬7) ما بين المعقوفين ساقط من (ب). (¬8) أي: عطف بيان، أو بدل. انظر "معاني القرآن" للزجاج 1/ 35، "إعراب القرآن" للنحاس1/ 128، "تفسير ابن عطية" 1/ 143. (¬9) (إليه) ساقط من (ج).

يقال: {الم} ابتداء، {وذلك} ابتداء آخر، و {الكتاب} خبره، وجملة الكلام خبر الابتداء الأول. وإن (¬1) جعلت {الم} منقطعًا مما بعده، فـ {ذلك} ابتداء، وخبره {هُدًى} (¬2). وقوله تعالى: {لَا رَيْبَ فِيهِ}. الريب: الشك يقال: رابني فلن يريبني أي: علمت من الريبة، وأرابني (¬3) أوهمنيها ولم يحققها (¬4)، وقال: أَخُوكَ الذي إنْ رِبْتَهُ قَالَ إنَّمَا ... أرَابَ وإنْ عَاتَبْتَهُ (¬5) لاَنَ جَانِبُه (¬6) أراد أنه (¬7) مع اليقين بالريبة يتوهمها (¬8) منك، جريا على حكم ¬

_ (¬1) في (ب): (فإن). (¬2) "تفسير الثعلبي" 1/ 42 ب، وانظر "إيضاح الوقف والابتداء" لابن الأنباري 1/ 484، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 30 - 33، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 128، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 17،15، وقد ذكر الواحدي بعض الوجوه في إعراب (الم. ذلك الكتاب). (¬3) في (ب): (فأرابني). (¬4) ذكره الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 31، والأزهري، وقال: وأنشد أبو زيد ثم ذكر البيت. "تهذيب اللغة" (راب) 2/ 1306 - 1307. (¬5) في (ب): (عاينته). (¬6) نسب البيت للفرزدق، ولم أجده في "ديوانه"، ونسب للمتلمس، ولبشار، وهو الصحيح، حيث ورد في "ديوانه" من قصيدة يمدح بها عمر بن هبيرة قوله: (أراب) كذا ورد في جميع النسخ، وفي "الديوان" وغيره من المصادر (اربت) ومعناه: أخوك الذي إن ربته بريبة قال: أنا الذي أربت، أي: أنا صاحب الريبة، وروي (أربت) بفتح التاء، أي: أوجبت له الريبة. وقوله: (عاتبته) كذا وردت عند الزجاج، وفي المصادر الأخرى (لاينته) بمعنى: عاتبته، انظر "ديوان بشار" ص 44، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 31، "تهذيب اللغة" (راب) 2/ 1306 - 1307، "اللسان" (ريب) 3/ 1788 - 1789. (¬7) في (ب): (به). (¬8) في (ب): (سموهمها).

المودة، هذا قول جمهور أهل اللغة (¬1). وقال سيبويه: (أراب) الرجل أي: صار صاحب ريبة. كما قالوا: ألام أي: استحق أن يلام (¬2). وأما (رابني) فمعناه: جعل في ريبة (¬3)، كما تقول: قطعت النخل، أي: أوصلت إليه القطع، واستعملته فيه (¬4). وقال أبو زيد (¬5): قد رابني من فلان أمر رأيته منه رَيْبًا، إذا كنت مستيقنا منه بالريبة، فإذا أسأت به الظن ولم تستيقن بالريبة منه قلت: قد أرابني من فلان أمر هو فيه، إذا ظننته من غير أن تستيقنه (¬6). وقوم على أن: (راب) و (أراب) بمعنى واحد (¬7)، وينشدون قول الهذلي (¬8): ¬

_ (¬1) انظر: "التهذيب" (راب) 2/ 1306 - 1307، "معجم مقاييس اللغة" (ريب) 2/ 463، "الصحاح" (ريب) 1/ 141، "اللسان" (ريب) 3/ 1788 - 1789. (¬2) في (ب) (تلام). (¬3) في "الكتاب" (وأما رابني فإنه يقول: جعل لي ريبة ..) 4/ 60. (¬4) "الكتاب" 4/ 60، والنص في "الحجة" لأبي علي1/ 179. (¬5) في (ب) (يزيد). وأبو زيد هو سعيد بن أوس بن ثابت الأنصاري، صاحب النحو واللغة، توفي سنة خمس عشرة ومائتين. انظر "طبقات النحويين واللغويين" ص156، "تاريخ بغداد" 9/ 77، "إبناه الرواة" 2/ 30. (¬6) ذكره أبو علي في "الحجة" 1/ 179، ونحوه عند الأزهري قال: هذا قول أبي زيد (راب) 15/ 252، ولم أجده في "نوادر أبي زيد". (¬7) انظر: "تهذيب اللغة" (راب) 2/ 1306 - 1307، "الصحاح" (ريب) 1/ 141، "اللسان" (ريب) 3/ 1788 - 1789. (¬8) في ج (الهزلي). و (الهذلي) هو خالد بن زهير الهذلي أحد شعراء الهذليين المشهورين عشق امرأة كان يأتيها أبو ذؤيب الهذلي خاله، وجرت بينهما أشعار في ذلك منها، "بيت الشاهد" وقتل خالد بسبب تلك المرأة في قصة طويلة. انظر "شرح أشعار الهذليين" للسكري 1/ 207، "الخزانة" للبغدادي 5/ 76 - 86.

كأنَّما أَرَبْتُهُ بِرَيْبِ (¬1) والحذاق (¬2) على الفرق بينهما، كما أخبرتك، قال الأزهري: والقول في (راب وأراب) قول أبي زيد (¬3). وموضح (ريب) نصب (¬4)، قال سيبويه: (لا) تعمل فيما بعدها فتنصبه، ونصبها لما بعدها كنصب (إن) إلا أنها تنصب بغير تنوين (¬5). وإنما شبه (لا) بـ (إن)، لأن (إن) للتحقيق في الإثبات، و (لا) في النفي، فلما كان (لا) تقتضي (¬6) تحقيق النفي، كما تقتضي (إن) تحقيق الإثبات أجري مجراه. وزعم سيبويه أنها مع ما بعدها بمنزلة شيء واحد (¬7)؛ لأنها جواب لما يكون بمنزلة شيء واحد، ولذلك لم ينون وبني على الفتحة، كأنها جواب قول ¬

_ (¬1) البيت من رجز لخالد بن زهير، يخاطب أبا ذؤيب، ويروى (كأنني) والأبيات في أشعار الهذليين: ياقوم ما بال أبي ذؤيب ... يمس رأسي ويشم ثوبي كأنني أتوته بريب انظر "شرح أشعار الهذليين" 1/ 207، "الحجة" لأبي على 1/ 180، "تهذيب اللغة" (أتى) 1/ 116 - 117، "المخصص" 12/ 303، 14/ 24، 28، "الصحاح" 1/ 141، "اللسان" (ريب) 3/ 1788 - 1789، "الخزانة" 5/ 84. (¬2) في (ب): (فالحلاف). (¬3) في "التهذيب" (قول أبي زيد أحسن) 2/ 1306. (¬4) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 31، وانظر "مشكل إعراب القرآن" 1/ 16. (¬5) أي مبنى على الفتح لأن (لا) نافية للجنس، "الكتاب" 2/ 274، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 31، والعبارة للزجاج، وانظر "مشكل إعراب القرآن" 1/ 16. (¬6) في (ب): (يقتضي). (¬7) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 31، "الكتاب" 2/ 274، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 16، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 128.

القائل: هل من رجل في الدار؟، فـ (من) مع رجل كشيء واحد. فإن قيل: فما (¬1) أنكرت أن يكون جواب هل رجل في الدار؟ قيل: معنى (لا رجل في الدار)، عمهم (¬2) النفي، لا يجوز أن يكون في الدار رجل، ولا أكثر منه، وكذلك (هل من رجل في الدار) استفهام عن الواحد وأكثر منه. فإن قلت: (هل رجل في الدار) أو (لا رجلٌ في الدار)، جاز أن يكون في الدار رجلان، لأنك إنما أخبرت أنه ليس فيها واحد، فيجوز أن يكون فيها أكثر منه، فإذا قلت: (لا رجلَ في الدار)، فهو نفي عام، وكذلك {لا رَيْبَ فِيهِ} (¬3) وموضع {لا رَيْبَ} رفع بالابتداء عند سيبويه، لأنه بمنزلة خمسة (¬4) عشر (¬5)، إذا ابتدأت به، ولهذا جاز العطف عليه بالرفع في قوله: لا أُمَّ لي إنْ (¬6) كان ذَاكَ ولا أَبُ (¬7) ¬

_ (¬1) في (ب): (مما). (¬2) في "المعاني" للزجاج (عموم) 1/ 32، ولعله أصوب. (¬3) الكلام للزجاج، انظر "المعاني" 1/ 32، وانظر "الكتاب" 2/ 274 - 276، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 129. (¬4) في (ب): (خمس). (¬5) قال سيبويه: (لا وما عملت فيه في موضع ابتداء) "الكتاب" 2/ 275، 284، وانظر "مشكل إعراب القرآن" 1/ 16. (¬6) في (ب): (وان). (¬7) اختلف في نسبة البيت، فقيل: لضمرة بن ضمرة، وقيل: لهمام بن مرة، وقيل: لبعض مذحج، وقيل: لزرافة الباهلي، وقيل: لهني بن أحمر، وفيه أقوال أخرى. قيل: إن هذا الشاعر كان بارًّا بأمه، وكان له أخ تؤثره عليه، فقال هذِه الأبيات، والشطر الأول: هذا وجدكم الصغار بعينه والشاهد فيه: رفع الاسم الثاني مع فتح الأول، إما بإلغاء الثانية ورفع ما بعدها بالعطف=

ومن نصب المعطوف (¬1) فهو عاطف على اللفظ (¬2). وسنستقصي الكلام في هذا عند قوله: {فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ (197)} [البقرة: 197]، إن شاء الله. وقوله تعالى: {فِيهِ}. يجوز (¬3): أن تجعله خبرا للابتداء الذي هو {لَا رَيْبَ} ويجوز: أن تجعله صفة لقوله {لَا رَيْبَ}، وإذا جعلته صفة أضمرت الخبر، كأنه قيل: لا ريب فيه واقع أو كائن، فإن جعلته خبرا كان موضعه رفعا من وجهين: أحدهما: بكونه خبرًا (¬4) للمبتدأ (¬5). والثاني: من حيث كان خبر إن رفعا (¬6)، وقد ذكرنا أن (لا) بمنزلة (إن). ¬

_ = على محل الأولى مع اسمها، فخبرهما واحد، وعلى هذا استشهد به الواحدي. وهناك تقدير آخر: وهو أن تكون الثانية عاملة عمل ليس، فيكون لكل واحدة خبر يخصها. انظر "الخزانة" 2/ 38 - 41، وقد ورد البيت عند سيبويه 2/ 292، وفي "المقتضب" 4/ 371، "شرح المفضل" 2/ 115، "شرح أبيات سيبويه" للنحاس ص54، "الحجة" لأبي علي 1/ 190، "الهمع" 5/ 288، "اللسان" (حيس) 2/ 1069. (¬1) في (ب): (العطوف). (¬2) انظر "الكتاب" 2/ 291، 292، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 31، 265، "المشكل" لمكي1/ 16، "الدر المصون" للسمين1/ 80، "شرح المفصل" لابن يعيش 2/ 109. (¬3) أخذه عن أبي علي الفارسي، "الحجة" 1/ 189. (¬4) في (ب): (خبر). (¬5) في "الحجة" (وإن جعلته خبرا كان موضعه رفعا في قياس قول سيبويه من حيث يرتفع خبر المبتدأ ....) 1/ 189، فيكون خبر لـ (لا) مع اسمها، حيث أنهما في محل رفع مبتدأ. (¬6) في "الحجة": (.. وعلى قول أبي الحسن موضعه رفع من حيث كان خبر (إن) =

وإن جعلت (فيه) صفة، ولم تجعله خبرا، كان موضعه نصبا في قول من وصف على اللفظ (¬1)، [كما عطف (¬2) على اللفظ] (¬3) في قوله: فلا أبَ وابْنًا مِثْلُ مَرْوانَ (¬4) ومن وصفه على الموضع (¬5)، كما عطف على الموضع في قوله: لا أمَّ لي إنْ كان ذَاكَ ولا أَبُ (¬6) كان موضعه على هذا رفعا (¬7). وفي قوله: {فِيهِ}: قراءتان، إشباع (الهاء) حتى تلحق به (ياء) وكذلك في (الهاء) المضمومة (¬8) مثل (منهو) و (عنهو)، وهو مذهب ابن كثير (¬9). ¬

_ = رفعا ..) 1/ 189، فجعل (لا) بمنزلة (إن) وجعل خبرها مرفوعا مثل خبر (إن). (¬1) يقول: إن جعلت (فيه) صفة جاز فيها النصب على الوصف للفظ اسم (لا) وهو (ريب) كما عطف عليه بالنصب في قول الشاعر: (فلا أب وابنا ...) وجاز رفع الصفة على موضع (لا ريب) كما عطف عليه بالرفع كما سبق. (¬2) في (ج) (ثم أعطف). (¬3) ما بين المعقوفين ساقط من (ب). (¬4) في (أ)، ج (مثل مر) والجملة ساقطة من ب. والبيت من شواهد سيبويه، وهو: لا أب وابنا مثل مروان وابنه ... إذا هو بالمجد ارتدى وتأزرا يقول لا أب وابنا مثل مروان ابن الحكم وابنه عبد الملك، لشهرتهما صارا كاللابسين لرداء المجد، والشاهد عطف (ابن) مع تنوينه على لفظ اسم (لا). انظر "الكتاب" 2/ 285، "الحجة" 1/ 189، "شرح المفصل" 2/ 110، "المقتضب" 4/ 372، "الهمع" 5/ 287. (¬5) في (ج) (ومن وصف على اللفظ الموضع). (¬6) مر تخريج البيت قريبًا. انظر ص 39. (¬7) في ج (رفع). (¬8) في (أ)، (ج) (المضموم). (¬9) انظر: "السبعة" لابن مجاهد ص 132، "الحجة" 1/ 177. وابن كثير هو عبد الله =

والباقون يقتصرون على الضمة والكسرة (¬1). وأصل (الهاء) في {فيه} الضم، لأن الأصل (فيهو) كما ذكرنا في (عليهو) ثم كسرت (الهاء) للعلة التي ذكرنا في (عليهم) (¬2) فمن اقتصر على الضمة والكسرة قال: إن (الهاء) حرف خفي (¬3)، فإذا اكتنفها (¬4) ساكنان من حروف اللين صار كأن الساكنين قد التقيا (¬5)؛ لخفاء (الهاء)، وأنهم لم يعتدّوا بها حاجزًا (¬6) للخفاء في مواضع. ألا ترى أن من قال: (رُدُّ)، فأتبع الضمة الضمة، فإذا وصل الفعل بضمير (¬7) المؤنث قال: (ردَّها)، فلم يتبع الضم الضم، كما كان يتبع قبل، لأنه جعله بمنزلة (رُدَّا) وفي (رُدَّا) لا يمكن إتباع الضم الضم، وفي (رُدَّها) (¬8) ¬

_ = أبو معبد العطار الداري الفارسي الأصل، إمام أهل مكة في القراءة، من التابعين، أحد السبعة الذين أثبت ابن مجاهد قراءتهم في كتابه. (45 - 120)، انظر ترجمته في "معرفة القراء الكبار" 1/ 86، "غاية النهاية" 1/ 443. (¬1) انظر: "السبعة" ص131،130، "الحجة" 1/ 175 - 177، "الكشف" لمكي 1/ 42. (¬2) إشارة إلى ما سبق في الفاتحة في القراءات في قوله (عليهم) وانظر العلة التي ذكرها أبو علي في "الحجة" 1/ 207. (¬3) نقل المؤلف من "الحجة"، قال أبو علي: (ومما يحسن الحذف هاهنا -مع ما ذكرنا من اجتماع المتشابهة- أن (الهاء) حرف خفي ..... إلخ) "الحجة" 1/ 209. (¬4) في (ج): (فإذا كثفها). (¬5) في (ب). (التقتا). (¬6) كلمة (حاجزا) ليست عند أبي علي1/ 209. (¬7) في (ب): (لضمير). (¬8) عبارة أبي علي: (.. بمنزلة (ردَّا)، فكما لم يعتد بها هاهنا، وجعلت الدال في حكم الملازقة للألف، كذلك إذا لم يعتد بها في نحو: فيهي ..) "الحجة" 1/ 209.

جعلت الدال (¬1) في حكم الملازمة للألف، إذ (¬2) لم يعتد بها حاجزا، كذلك إذا لم يعتد بها في نحو (فيهي)، و (عصاهو)، و (خذوهو) صار كأن الساكنين قد التقيا. ولهذه العلة -أيضًا- حذف حرف اللين بعد (الهاء) من حذف، وإن كان الساكن الذي قبلها ليس من حروف اللين نحو: (منه) و (عنه) (¬3). ومثل (الهاء) (¬4) في أنه (¬5) لما كان حرفا خفيًّا لم يعتدوا به حاجزًا (النون)، وذلك في قولهم: (هو (¬6) ابن عمي دِنْيا) (¬7) و (قِنْيَة) (¬8)، لما كانت (النون) خفية صارت (الواو) كأنها وليت الكسرة، فقلبتها كما قلبتها في ¬

_ (¬1) في (ب): (الدار). (¬2) في (ب): (إذا). (¬3) انظر بقية كلام أبي علي في "الحجة" 1/ 209. (¬4) "الحجة" 1/ 210، والمعنى: مثل الهاء النون في كونه حرفا خفيا لا يعتد به حاجزا. (¬5) في (ب): (إيه). (¬6) في (ب): (هط). (¬7) يقال: هو ابن عمه دُنْيَا مقصور، ودِنْيَةً ودِنْياً منون وغير منون، إذا كان ابن عمه لَحَّا أي أقرب من غيره ويقال ذلك في ابن العمة وابن الخال والخالة. انقلبت فيها (الواو)، (ياء) لمجاورة الكسرة، ولأن (النون) حاجز ضعيف. انظر "تهذيب اللغة" (دنا) 2/ 1233، و"اللسان" (دنا) 3/ 1436. (¬8) في "الحجة": (وفي قولهم: "هو ابن عمي دنيا" وفي "غنية") 1/ 210، والقنية والقنوة بكسر القاف وضمها بالياء وبالواو: الكسبة، وهي كل ما اكتسبه الإنسان لنفسه ولم يعده للتجارة، وإذا كانت واوية الأصل فقد جرى فيها القلب، وعلى هذا سار أبو علي وتبعه الواحدي، ومنهم من قال أصلها يائية فلا تغيير فيها. انظر: "الحجة" 1/ 210، "تهذيب اللغة" (قنا) 3/ 3050، "مقاييس اللغة" 5/ 29، "سر صناعة الإعراب" 2/ 736، "اللسان" (قنا) 6/ 2759.

(غازية)، و (محنية) (¬1)، ولو كان مكان (النون) (¬2) حرف غيره لم يكن فيما بعده القلب، نحو: (جرو) و (عدوة) (¬3). فهذا (¬4) مثل (الهاء) في أنه للخفاء لم يعتد به حاجزا (¬5). وأما ابن كثير: فإنه يتبع هذه (الهاء) في الوصل (الواو) و (الياء) (¬6) ويسوى بين حروف اللين وبين (¬7) غيرها من الحروف، إذا (¬8) وقعت قبل (الهاء) وحجته: أن (الهاء) وإن كانت خفية (¬9) فليس يخرجها (¬10) ذلك من أن تكون كغيرها من حروف المعجم التي لاخفاء فيها، نحو: (الدال) و (الصاد) و (الهاء). و (النون) عند الجميع في وزن الشعر بمنزلة الدال والصاد (¬11)، وإذا ¬

_ (¬1) الحنو: الاعوجاج، و (المحنية). منحنى الوادي. انظر "اللسان" (حنا) 2/ 1034 - 1035. وأصل (غازية): (غازوة) و (محنية): (محنوة) قلبت الواو فيهما ياء للكسرة قبلها. انظر "سر صناعة الإعراب" 2/ 587، 588. (¬2) (النون) ساقط من (ب). (¬3) (العدوة): صلابة من شاطئ الوادي. انظر "معجم مقاييس اللغة" (عدو) 4/ 252. (¬4) أي (النون) في مثل (دنيا) و (قنية). (¬5) "الحجة" 1/ 210. (¬6) قال أبو علي في "الحجة": (الحجة لابن كثير في إتباعه هذِه (الهاء) في الوصل (الواو) أو (الياء) وتسويته بين حروف اللين وبين غيرها من الحروف إذا وقعت قبل (الهاء) من حجته أن (الهاء) وإن كانت خفية ... إلخ) 1/ 211. (¬7) (بين) ساقط من (ب). (¬8) في (ب): (وإذا). (¬9) في (ب): (خفيفة). (¬10) في (ب): (مخرجها). (¬11) عبارة أبي علي في "الحجة": (.. من حروف المعجم التي لا خفاء فيها - نحو: =

كان كذلك كان حجزها [بين الساكنين كحجز] (¬1) غيرها (¬2). وقوله تعالى {هُدًى}: قال سيبويه: قلّما (¬3) يكون ما ضم أوله من المصدر إلا منقوصًا، لأن (فُعَل) لا تكاد (¬4) تراه مصدرًا من غير بنات (¬5) (الياء) و (الواو) (¬6) كالهُدى والسُّرى، والنُّهى (¬7)، والتُّقَى، والقِرى، والقِلَى (¬8)، وقالوا: كِسْوَة، ورِشْوَة، وجِذْوَة، وصُوَّة (¬9)، وإذا (¬10) جمعوا جمعوها على (فِعَل) ¬

_ = الراء والضاد -وإن كان في الراء تكرير وفي الضاد استطالة- وإذا كان كذلك كان حجزها بين الساكنين كحجز غيرها من الحروف التي لا خفاء فيها .. إلخ). "الحجة" 1/ 211. (¬1) ما بين المعقوفين ساقط من (ج). (¬2) "الحجة"1/ 211، وانظر: "الكشف" لمكي 1/ 42، 43. (¬3) (قل) ساقط من (ب). (¬4) في (ب): (لا يكاد). (¬5) في (ب): (من غير أن تران). (¬6) (غير بنات الواو والياء، أي: الصحيح اللام، فـ (فُعَل) لا يكون مصدرا في الصحيح اللام إلا قليلا، والمعتل يجري مجرى الصحيح. انظر "الحجة" 1/ 180، وانظر كلام سيبويه في "الكتاب" 4/ 46. (¬7) (النهى) ساقط من (ب). (¬8) في "الحجة": (قالوا: هَدَيْته هُدى ولم يكن هذا في غير (هدى)، وذلك لأن (الفِعَل) لا يكون مصدراً في هديته، فصار (هُدى) عوضا منه، قالوا: قريته قِرى وقليته قِلَى فأشركوا بينهما في هذا ..) 1/ 181 فأشركوا بين (فُعَل) و (فِعَل) انظر "الكتاب" 4/ 46. (¬9) (الصوة) جماعة السباع، والحجر يكون علامة في الطريق، ومختلف الريح وصوت الصدى، وما غلظ وارتفع من الأرض. انظر "اللسان" (صوى) 14/ 471، "القاموس" ص 1304. (¬10) في (ب): (فإذا).

و (فُعَل)، ومنهم من يضم في الواحد ويكسر في الجمع (¬1)، ويجوز (¬2) الكسر في واحده، والضم في الجمع (¬3)، وهذا مما يدلك على اشتراكهما. وقال أناس من النحويين (¬4): إنه قد تجرى الأسماء التي ليست بمصادر مجرى المصادر فيقولون: جلس جلسة، وركب ركبة، ويقولون: عجبت من دهنك لحيتك (¬5)، وينشدون: وبعد عطائك المائة الرتاعا (¬6) فيجري (¬7) مجرى الإعطاء، وقال لبيد (¬8): ¬

_ (¬1) فيقولون: رشوة ورشا. انظر: "الكتاب" 4/ 46. (¬2) في (ب): (ونحوه). (¬3) في أ (الجميع). مثال المكسور في الواحد والمضموم في الجمع: (رشوة ورشا) "الكتاب" 4/ 46. (¬4) في "الحجة". (ويقويه -أيضًا- أن ناسًا من النحويين يزعمون أنه قد يجري الأسماء التي ليست لمصادر ... إلخ) 1/ 182. (¬5) قوله. (جلسة) و (ركبة) و (دهن) ليست مصادر وأجريت مجرى المصادر. (¬6) البيت من قصيدة للقطامي يمدح بها زفر بن الحارث الكلابي، وصدر البيت: أَكُفْراً بَعْدَ رَدِّ المَوْتِ عَنِّي يقول: لا أكفر معروفك بعد أن أطلقتني من الأسر، وأعطيتني مائة من الإبل الرتاع أي الراعية، ورد البيت في "الشعر والشعراء" ص 483، "الحجة" 1/ 182، "الخصائص" 2/ 221، "شرح المفصل" 1/ 20، "شرح شذور الذهب" ص 491، "الهمع" 3/ 103، "الخزانة" 8/ 136، والشاهد: إعمال العطاء على أنه بمعنى الإعطاء. (¬7) في (ب): (فتجرى) وفي "الحجة": (فيجرونه مجرى الإعطاء) 1/ 182. (¬8) هو لبيد بن ربيعة بن مالك بن كلاب العامري، كان من شعراء الجاهلية وأدرك الإسلام وأسلم، وقدم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في وفد بني كلاب، مات بالكوفة في خلافة معاوية، وهو ابن مائة وسبع وخمسين سنة. انظر: "الشعر والشعراء" ص167، "طبقات ابن سعد" 6/ 33، "الإصابة" 3/ 326، "الخزانة" 2/ 246.

بَادَرْتُ حَاجَتَها (¬1) الدَّجَاج (¬2) وفسروه على حاجتي (¬3) إليها (¬4)، فأضيف إلى المفعول كما يضاف المصدر إليه، فعند هؤلاء (الهُدى والسُّرى والتُّقَى) أسماء أجريت مجرى المصادر (¬5)، وليست مصادر (¬6) حقيقة. وزعم الأخفش: أن من العرب (¬7) من يؤنث الهدى (¬8). ومعنى الهدى: البيان، لأنه قد قوبل به الضلال في قوله عز وجل {وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ} [البقرة: 198]، [أي من قبل هداه] (¬9). ¬

_ (¬1) في (ب): (باكرت حنامها). (¬2) البيت من معلقة لبيد وتمامه: بادرتُ حاجَتها الدجاجَ بسحرة ... لِأُعَلَّ منها حين هبّ نيامُها ويروى (باكرت) يذكر الخمر يقول: سابقت صياح الدجاج لحاجتي إليها، لِأُعَلَّ منها: أي أسقي منها مرة بعد مرة، حين هب نيامها، انظر "شرح ديوان لبيد" ص 315، "الحجة" 1/ 182، "المعاني الكبير" 1/ 453، "شرح القصائد المشهورات" للنحاس1/ 163، "اللسان" (بكر) 1/ 332، "الخزانة" 3/ 104. (¬3) (حاجتي) ساقط من (ب). (¬4) في "الحجة". (وفسروه على باكرت حاجتي إليها ..) وروايته للبيت (باكرت) 1/ 183. (¬5) فتضاف للمفعول كما يضاف المصدر إليه. انظر "الحجة" 1/ 183. (¬6) في (ج): (مصاد). (¬7) هم بنو أسد. انظر (المذكر والمؤنث) للفراء ص 87. (¬8) في "الحجة": وقال أبو الحسن: زعموا أن من العرب من يؤنث الهدى. "الحجة" 1/ 183، وانظر: "معاني القرآن" للاخفش 1/ 179. (¬9) ما بين المعقوفين ساقط من (ب) والكلام أخذه عن أبي علي في "الحجة" 1/ 186، وانظر: "الطبري" 1/ 98، "معاني الزجاج" 1/ 33، "تفسير أبي الليث" 1/ 90.

وقوله تعالى: {لِلْمُتَّقِينَ}. الاتقاء في اللغة: الحجز بين الشيئين، يقال: اتقاه بترسه، أي: جعل الترس حاجزا بينه وبينه، واتقاه بحقه، إذا وفاه (¬1)، فجعل الإعطاء وقاية بينه وبين خصمه عن نيله إياه بيده أو لسانه، ومنه (التقية في الدين) بجعل ما يظهره حاجزا بينه وبين ما يخشاه من المكروه (¬2)، ومنه الحديث: كنا إذا احمرّ البأس اتقينا برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكان أقربنا إلى العدو (¬3). فالمتقي هو الذي يتحرز بطاعته عن العقوبة، ويجعل اجتنابه عما نهى، وفعله ما (¬4) أمر، حاجزًا بينه وبين العقوبة التي توعد (¬5) بها العصاة. وكان (اتقى) (¬6) في الأصل (اوْتقى) (¬7) لأنه (افتعل) (¬8) من الوقاية، وأصل هذا الباب بالواو (¬9)، كالاتزان (¬10) من الوزن، والاتضاح من ¬

_ (¬1) في (ب): (وقاه). (¬2) انظر: "تهذيب اللغة" (تقي)، (وقى) 1/ 44، "الصحاح" (وقى) 6/ 2527، "اللسان" (وقى) 8/ 4902، (لباب التفاسير) للكرماني 1/ 111، (رسالة دكتوراه). (¬3) أخرجه مسلم في "صحيحه" في قصة غزوة حنين وفيه: (... قال البراء: كنا والله إذا أحمر البأس نتقى به وإن الشجاع منا للذي يحاذى به، يعني رسول الله - صلى الله عليه وسلم -) مسلم 1776/ 79، كتاب الجهاد، غزوة حنين، وذكره البيهقي في "دلائل النبوة" 5/ 135. (¬4) في (ب): (عما أمر) تصحيف. (¬5) في (ب): (يدعو). (¬6) في (ب): (من في). (¬7) بكسر الهمزة وسكون الواو. (¬8) في (ج): (لا افتعل). (¬9) في (ج): (من الواو). (¬10) في (ب): (كالا يزان).

الوضوح، إلا أن الواو صارت (ياء) لانكسار ما قبلها وهي ساكنة، ثم اندغمت (الياء) في (تاء) (¬1) الافتعال بعدما صارت (تاء)، فتولدت التشديدة لذلك (¬2). وقال أبو الفتح الموصلي (¬3): إن (افْتَعَل) إذا كانت فاؤه (واوا)، فإن (واوه) تقلب (¬4) (تاء)، وتدغم في (تاء) (افْتَعَل) مثل (اتَّعد) (¬5) و (اتَّلج) (اتَّصف). والعلة في قلب هذه الواو (تاء)، أنهم لو لم يقلبوها (تاء) لوجب أن يقلبوها إذا انكسر ما قبلها (ياء)، فيقولوا: (¬6) (ايتقى) (¬7) وإذا (¬8) انضم ما قبلها ردت إلى (الواو) فقالوا: (مُوتَق) (¬9)، وإذا انفتح ما قبلها قلبت (ألفا)، فقالوا: (ياتقي) (¬10)، فلما (¬11) كانوا لو لم يقلبوها (تاء) صائرين من قلبها (¬12) مرة (ياء) ومرة (ألفا)، ومرة (واوا)، أرادوا أن يقلبوها حرفا جلدا ¬

_ (¬1) في (ب): (مما). (¬2) انظر. "تهذيب اللغة" (تقى) 1/ 444، "الصحاح" (وقى) 6/ 2526، "سر صناعة الإعراب" 1/ 147. (¬3) "سر صناعة الإعراب" 1/ 147. (¬4) في (ج): (تقلب الفاتا). (¬5) في (ب): (ما اتعد). (¬6) في جميع النسخ (فيقولون). وفي "سر صناعة الإعراب" (فيقولوا) وفي الحاشية قال: في ل (فيقولون) 1/ 147. (¬7) عند أبي الفتح فيقولوا: (أيتزن، ايتعد، ايتلج) 1/ 147، فلم يرد لفظ (أيتقى). (¬8) في (ج): (إذا) مكررة. (¬9) عند أبي الفتح (مُوتَعِد) و (مُوتَزِن) و (مُوتَلج) 1/ 147. (¬10) عند أبي الفتح: يَا تَعِدُ، ويَا تَزِنُ، ويَا تَلِجُ 1/ 148. (¬11) في (ج): (فكانوا). (¬12) في جميع النسخ (قبلها): والتصحيح من "سر صناعة الإعراب" 1/ 148.

تغير أحوال ما قبله، وهو باق بحاله، وكانت (التاء) (¬1) قريبة المخرج من (الواو)، لأنها من أصول الثنايا، والواو من الشفة، فأبدلوها (تاء) وأدغموها في لفظ ما بعدها وهو (التاء) وقالوا: اتقى (¬2)، وقد فعلوا هذا أيضًا في (الياء) وأجروها مجرى (الواو) فقالوا في (افتعل) من اليسر: أتسر (¬3)، ومن اليبس: اتبس (¬4)، لهذه العلة (¬5). وإدغام (الياء) في (التاء) على هذه الجهة، إنما يجوز إذا كانت (¬6) في كلمة واحدة، فإذا التقتا من كلمتين لم يجز الإدغام، نحو قولك: (في تبيانه)، و (في تمثاله)، وذلك أنه (¬7) لو أجرى (¬8) الكلام هاهنا على الإدغام، أشبه الألف واللام. هذا هو الأصل، ثم صارت التاء لازمة حتى صارت كالأصلية (¬9)، لأنه لا يجوز إظهار (¬10) هذا الإدغام في حال (¬11). ¬

_ (¬1) في (ب): (الباء). (¬2) في (ب): (أتقا) وعند أبي الفتح (أتعد، واتزن) 1/ 148. (¬3) في (ب): (السر). (¬4) في (ج): (التبس). (¬5) عند أبي الفتح: (.. وذلك لأنهم كرهوا انقلابها (واوا) متى انضم ما قبلها في نحو: (موتبس) وألفا في (يا تبس)، فأجروها مجرى الواو فقالوا: اتَّبَس وأتَّسَر. ومن العرب من لا يبدلهما (تاء) ويجري عليهما من القلب ماتنكبه الآخرون فيقول: إيتَعد أيتَزن ايتبس ... واللغة الأولى أكثر وأقيس ...)، "سر صناعة الإعراب" 1/ 148، وانظر "المنصف" 1/ 222، 228. (¬6) كذا ورد في جميع النسخ ولعل الأولى (إذا كانتا). (¬7) (أنه) ساقط من (ج). (¬8) في (ب): (أجرا). (¬9) في (ب): (كالا مطيه). (¬10) في (ب): (إظهارها). (¬11) انظر "تهذيب اللغة" (تقى) 1/ 444.

وقد بني على هذا الإدغام أسماء كثيرة، وهي: التُّخَمَة والتُّجَاه (¬1)، والتُّرَاث، والتّقوى، والتُّكْلَان، والتُّكَلَة، والتُّؤَدَة، والتُّهمَة (¬2). الحراني (¬3) عن ابن السكيت (¬4) يقال: اتَّقَاه بِحَقِّه يَتَّقِيه، وتَقَاهُ يَتَّقِيه، وأنشد عن الأصمعي (¬5) قال: أنشدني عيسى بن عمر (¬6): جَلَاهَا الصَّيْقَلُونَ فَأخْلَصوهَا ... خِفَافاً كُلُّهَا يَتَّقِي بِأَثْرِ (¬7) ¬

_ (¬1) في (ب): (التحافه). (¬2) انظر: "الكتاب" 4/ 332. (¬3) أبو شعيب عبد الله بن الحسن الحراني اللغوي، لغوي صدوق، أخذ عن ابن السكيت، ونقل عنه الأزهري في "التهذيب" من طريق المنذري، توفي سنة خمس وتسعين ومائتين. انظر ترجمته في: "تاريخ بغداد" 13/ 536، "إنباه الرواه" 2/ 115، "سير أعلام النبلاء"13/ 536. (¬4) أبو يوسف يعقوب بن إسحاق السكيت، النحوي اللغوي، كان موثقا بروايته، مات سنة أربع وأربعين ومائتين. انظر ترجمته في: "تاريخ بغداد" 14/ 273، "وفيات الأعيان" 6/ 395، "إنباه الرواة" 4/ 50، "معجم الأدباء" 20/ 50. (¬5) في "التهذيب": (وأخبرني المنذري، عن الحراني، عن ابن السكيت، قال: يقال: اتقاه ... الخ. وأنشد ثم ذكر بيتين غير ما ذكر المؤلف، ثم قال: وقال الأصمعي: أنشدني عيسى بن عمر) (التهذيب) (تقى) 1/ 444، وانظر كلام ابن السكيت في "إصلاح المنطق" ص 24. (¬6) ورد اسمه في "التهذيب": (عيسى بن عمرو) وهو تصحيف، والصحيح (ابن عمر) وهو عيسى بن عمر البصري الثقفي المقرئ النحوي، كان في طبقة أبي عمرو بن العلاء، وعنه أخذ الخليل، توفي سنة تسع وأربعين ومائة. انظر ترجمته في: "طبقات النحويين واللغويين" ص 40، "نزهة الألباء" ص 28، "إنباه الرواة" 2/ 374، "معجم الأدباء" 4/ 519، "وفيات الأعيان" 3/ 486. (¬7) البيت لخفاف بن ندبة، يذكر السيف. والصيقلون: جمع صيقل وهو شحاذ السيوف =

أي: كلها يستقبلك بفرنده (¬1). وقال أوس بن حجر: تَقَاكَ بِكَعْب وَاحِدٍ وَتَلَذُّهُ ... يَدَاكَ إذَا مَا هُزَّ بالكَفِّ يَعْسِلُ (¬2) أي اتقاك، ومعناه: جعل بينك وبينه كعبا واحدا (¬3)، يصف رمحا، يقول (¬4):كأنه كعب واحد، إذا هززته اهتز (¬5) كله. وقال أبو سعيد السكري (¬6): تقاك: وليك منه كعب. قال: ويقال: إبلك (¬7) اتقت كبارها بصغارها، أي جعلت الصغار مما ¬

_ = وجلاؤها، يقول: جلوا تلك السيوف حتى إذا انظر الناظر إليها اتصل شعاعها بعينه فلم يتمكن من النظر إليها، فكلها يستقبلك بفرنده، و (يتقى) مخفف (يتقى) وهذا مكان الشاهد من البيت. ورد البيت في (إصلاح المنطق) ص 23، "تهذيب اللغة" (تقى) 1/ 444، "الصحاح" (وقى) 6/ 2527، "معجم مقاييس اللغة" (أثر) 1/ 56، "الخصائص" 2/ 286، "اللسان" (أثر) 1/ 26، (وقى) 8/ 4902. (¬1) في (ج): (بفيرنده). (إصلاح المنطق) ص 4، "التهذيب" (تقى) 1/ 444. (¬2) يصف رمحاً يقول: اتقاك برمح تلذه يداك: أي لا يثقلهما، إذا هز بالكف يعسل أي. يضطرب ويهتز. ورد البيت في "إصلاح المنطق" ص 24، "الخصائص" 2/ 286، "الصحاح" (عسل) 5/ 1765، (وقى) 5/ 2527، "المحكم" 1/ 170، "اللسان" (عسل) 5/ 2946، (وقى) 15/ 403، (أساس البلاغة) (كعب) 2/ 312، "الحجة" لأبي علي3/ 28. (¬3) (واحدا) ساقط من (ب). (¬4) في (ب). (يقال). (¬5) في (ب): (يهتر) في (ج): (كأنه يقول كأنه كعب). (¬6) هو الحسن بن الحسين بن عبد الله بن عبد الرحمن بن العلاء بن أبي صفرة بن المهلب بن أبي صفرة السكري النحوي، كان ثقة دينا صادقا، انتشر عنه من كتب الأدب شيء كثير (212 - 275 هـ). انظر ترجمته في: "تاريخ بغداد" 7/ 296، "معجم الأدباء" 2/ 478، "إنباه الرواة" 1/ 291، "نزهة الألباء" ص 160. (¬7) في (ب): (ابنك).

يليك (¬1) ووقت أنفسها بها. وقوله: (تقاك) تقديره (¬2) (تَعَلَكَ) (¬3) والأصل: (اتَقَاك)، فحذف (فاء) الفعل المدغمة، فسقطت همزة الوصل المجتلبة لسكونها (¬4). وقولهم في المضارع (يتقى) تقديره (يَتَعِل) (¬5). قال الأزهري: اتَّقَى كان في الأصل (اوْتَقَى) فأدغمت الواو في التاء وشددت فقيل (اتَّقَى) ثم حذفوا ألف الوصل، والواو التي انقلبت تاء، فقيل: تَقَى يَتَقِى، بمعنى (¬6): استقبل الشيء بالشيء وتوقاه. قال السكري: وتَقَى يَتَقِى بفتح (التاء) شاذ جدا، لأنه لا يقال: تَضح بمعنى اتَّضح (¬7)، ولا تَزَن بمعنى اتَّزَن (¬8). قال (¬9) الأزهري: وإذا قالوا: تَقِيَ يَتْقَى (¬10) فالمعنى: أنه صار تقيا (¬11). ¬

_ (¬1) في (ب): (للصفار ما يليك). (¬2) في (ج): (تقريره). (¬3) في (ب): (تعلل). (¬4) في "الحجة" لأبي علي: (... وأعللتها بالحذف كما أعللتها بالقلب، وليس ذلك بالمطرد وقولهم في المضارع ... إلخ) 3/ 29. (¬5) انظر قول السكري في "الحجة" لأبي علي3/ 29. (¬6) في "التهذيب" (بمعنى: توقي). "التهذيب" (تقى) 1/ 444. (¬7) في (ب): (بفتح معنى الفتح). (¬8) انظر "اللسان" (وقى) 8/ 4902. (¬9) (قال) ساقط من (أ) و (ج). (¬10) في (ب): (تقى يقي). (¬11) "تهذيب اللغة" (تقى) 1/ 444.

والمراد بالمتقين في هذه الآية: المؤمنون، كذلك قال أهل التفسير في قوله: {هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} أي: للمؤمنين (¬1)، كأنه قال: القرآن بيان وهدى لمن اتقى الشرك، فخص المؤمنين بأن الكتاب بيان لهم دون الكفار الذين لم يهتدوا بهذا الكتاب، فأما من آمن ولم يجتنب الكبائر، فهو داخل في جملة المتقين (¬2) أيضًا لأنه آمن بموجب الكتاب، واتقى الشرك. وقيل: إن الكتاب بيان بنفسه ودلالة على الحق، ولكنه أضافه إلى المؤمنين خصوصا، لانتفاعهم به، والكافر لو تأمل القرآن لوجده بيانا، فهو في كونه بيانا في نفسه لا يتخصص بقوم دون قوم، ولكنه أضيف إلى المؤمنين على الخصوص لانتفاعهم به دون الكفار (¬3) كقوله تعالى: {إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا} [النازعات: 45]، وكان - صلى الله عليه وسلم - منذرا لمن يخشى ولمن لم يخش. وقال ابن الأنباري: معناه: هدى للمتقين والكافرين، فاكتفى بأحد (¬4) الفريقين من (¬5) الآخر، كقوله: {سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ} [النحل: ¬

_ (¬1) ذكر ابن جرير بسنده عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - (للمتقين): هم المؤمنون، 1/ 100، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 42/ أ. (¬2) رجح ابن جرير: أن المراد عموم التقوى، ولا تخص معنى دون معنى، ثم قال: فقد تبين إذا فساد قول من زعم أن تأويل ذلك إنما هو. الذين اتقوا الشرك وبرئوا من النفاق، لأنه قد يكون كذلك، وهو فاسق غير مستحق أن يكون من المتقين ... الخ. "تفسير الطبري" 1/ 101، وانظر "تفسير أبي الليث" 1/ 90، وابن عطية 1/ 144 (¬3) ذكره أبو الليث في "تفسيره" 1/ 90، ونحوه في القرطبي 1/ 140 - 141، "زاد المسير" 1/ 24. (¬4) في (ب): (بإحدى). (¬5) في (ب): (عن).

81] وقوله: {لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ} [آل عمران: 113] أراد وأخرى غير قائمة (¬1). وقال أبو ذؤيب (¬2): فَمَا أَدْرى أَرُشْدٌ طِلابُهَا (¬3) (وأراد: أم غيّ). والدليل على هذا: أنه قال في موضع آخر: {هُدًى لِّلنَّاسَ} (¬4) فجعله هدى للناس عاما، على أنه ليس في الإخبار أنه {هُدًى للِمُتَّقِينَ} ما يدل على أنه ليس هدى لغيرهم. فأما إعراب {هُدًى} فقال أبو إسحاق (¬5): موضعه نصب من وجهين: ¬

_ (¬1) ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" ولم ينسبه لابن الأنباري 1/ 24. (¬2) هو خويلد بن خالد الهذلي، شاعر مجيد مخضرم، أدرك الإسلام وقدم المدينة عند وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - وأسلم، توفي في غزوة افريقية مع ابن الزبير، انظر ترجمته في "الشعر والشعراء" ص 435، "الاستيعاب" 4/ 65، "معجم الأدباء" 3/ 306، "الخزانة" 1/ 422. (¬3) جزء من بيت لأبي ذؤيب الهذلي، من الطويل. وتمامه: عصاني إليها القلب إني لأمره ... سميع فما أدرى أرشد طلابها يقول: إن قلبه عصاه فلا يقبل منه، فيذهب إليها قلبه سفها، فأنا اتبع ما يأمرني به، فما أدرى أرشد أم غي. ويروى البيت (عصيت إليها القلب ...). ورد البيت عند الفراء في "معاني القرآن" 1/ 230، وابن قتيبة في "المشكل" ص 215، والسكري في "شرح أشعار الهذليين" 1/ 43، وابن هشام في "مغني اللبيب" 1/ 14، 43، 2/ 628، والبغدادي في "خزانة الأدب" 11/ 251 (¬4) سورة آل عمران: 4، كما ورد هذا في ذكر الكتاب الذي أنزل على موسى: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ} [الأنعام: 91]. (¬5) "معاني القرآن" 1/ 33.

أحدهما: أن يكون منصوبا على الحال من قولك: القرآن ذلك الكتاب هدى، فيكون حالا من الكتاب، كأنك قلت: هاديا؛ لأن (هدى) جاء بعد تمام الكلام، والعامل فيه يكون معنى الإشارة في ذلك (¬1). والثاني: أن يكون منصوبا على الحال من (الهاء) في قوله: {لَا رَيْبَ فِيهِ} كأنك قلت: لا شك فيه هاديا، والعامل فيه معنى ريب (¬2). والفراء يسمي الحال هاهنا: قطعا (¬3)، لأنه قال (¬4): تجعل {الكتاب} خبرا لـ {ذلك} وتنصب {هدى} (¬5) على القطع، لأن {هدى} نكرة اتصلت بمعرفة، والنكرة لا تكون دليلا على معرفة. قال: وإن شئت قطعته (¬6) من الهاء التي (¬7) في {فيه}، كأنك قلت: لا شك فيه هاديا. قال أبو إسحاق (¬8): ويجوز أن يكون موضعه رفعا من جهات: إحداها: أن يكون (¬9) خبرا بعد خبر، كأنه قال: (ذلك الكتاب هدى)، أي قد جمع أنه الكتاب الموعود، وأنه هدى، كما تقول: هذا حلو ¬

_ (¬1) من قوله: فيكون حالا من الكتاب ... إلى (في ذلك) ليس في "المعاني" 1/ 33. (¬2) ذكر قول الزجاج بمعناه 1/ 33، وانظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 180، "إملاء ما من به الرحمن" للعكبري1/ 16، "مشكل إعراب القرآن" المكي 1/ 17. (¬3) وبهذا أخذ الكوفيون. انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 130. (¬4) "معاني القرآن" للفراء 1/ 45، وانظر "تفسير الطبري" 1/ 99، وقد رد الطبري على الفراء قوله. (¬5) (هدى) ساقط من (أ) و (ج) وثابت في (ب)، "معاني القرآن" للفراء 1/ 12. (¬6) عبارة الفراء: (وإن شئت نصبت (هدى) على القطع من الهاء التي في (فيه) ...) 1/ 12. (¬7) في (ب): (إلى). (¬8) "معاني القرآن" 1/ 33. (¬9) في (ب): (تكون).

حامض، أي قد جمع الطعمين (¬1). ويجوز: أن يكون رفعا على إضمار (هو) كأنه لما تم الكلام قيل: هو هدى (¬2). ويجوز: أن يكون الوقف على قولك (¬3): {لَا رَيْبَ}، [أي: ذلك الكتاب لا ريب] (¬4) ولا شك (¬5)، كأنك قلت: ذلك الكتاب حقا، لأن (لا شك) بمعنى: حق، ثم قيل (¬6) بعد (فيه هدى) (¬7). فإن قيل: كيف قال: {لَا رَيْبَ فِيهِ} (¬8)، وقد ارتاب فيه المرتابون؟ قيل: معناه أنه حق في نفسه وصدق، وإن ارتاب المبطلون (¬9)، كما (¬10) قال الشاعر: ¬

_ (¬1) تعقب أبو علي الفارسي الزجاج في هذا وقال: فالقول في هذا على هذا الوجه مشكل ... ثم شرح وجه إشكاله. انظر: "الحجة" 1/ 198. (¬2) عبارة الزجاج: (.. كأنه لما تم الكلام فقيل: {الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ} قيل: هو هدى) 1/ 33. (¬3) في (ج): (قوله). (¬4) ما بين المعقوفين ساقط من (ب). (¬5) عبارة الزجاج كما في المطبوع: (ويجوز أن يكون رفعه على قولك: (ذلك الكتاب لا ريب فيه) كأنك قلت: ذلك الكتاب حقا ... إلخ) فلعل وجود (فيه) في المطبوع تصحيف. والله أعلم. انظر "المعاني" 1/ 33. (¬6) (قيل) ساقط من (ب). (¬7) انتهى كلام الزجاج. أنظر "المعاني" 1/ 33، وانظر "معاني القرآن" للفراء ص 44، "تفسير الطبري" 1/ 99، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 129 - 130، "المشكل" لمكي1/ 17، و"إملاء ما من به الرحمن" 1/ 11. (¬8) (فيه) ساقط من (ب). (¬9) ذكره بمعناه أبو الليث 1/ 90، وابن الجوزي في "زاد المسير" واستشهد بالبيت 1/ 24. (¬10) (كما) ساقط من (ب).

3

ليس في الحق يا أُمَيمةَ (¬1) رَيْبٌ ... إنَّما الرَّيْبُ ما يَقُول الكَذُوبُ (¬2) فنفى الريب عن الحق، وإن كان المتقاصر في العلم يرتاب (¬3). ويجوز: أن يكون خبرا في معنى النهي (¬4)، ومعناه: لا ترتابوا (¬5)، كقوله: {فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ (¬6) وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} (¬7) [البقرة: 197]. 3 - قوله تعالى: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ}. قال الزجاج (¬8): موضع {الَّذِين} جر، تبعا {لِلْمُتَّقِينَ}، ويجوز أن يكون موضعه (¬9) رفعا على المدح، كأنه لما قيل: {هُدًى لِلْمُتَّقِينَ}، قيل: من هم؟ فقيك: هم {الَّذِينَ}، ويجوز أن يكون موضعه نصبا على المدح، كأنه قيل: أذكر (¬10) الذين (¬11). ¬

_ (¬1) في (ب): (أمية). (¬2) البيت لعبد الله بن الزبعرى ورد في الماوردي 1/ 67، رسالة دكتوراة "زاد المسير" 1/ 24، والقرطبي1/ 138، "البحر المحيط" 1/ 33، "الدر المصون" 1/ 86. (¬3) أي فالاعتبار لمن كان معه من الأدلة ما لو تأمله المنصف المحق لم يرتب فيه، ولا اعتبار لمن وجد منه الريب، لأنه لم ينظر حق النظر. "الفتوحات الإلهية" 1/ 11. (¬4) في (ب): (الأمر). (¬5) في (ب): (لا يرتابوا). (¬6) في (ب) لفظ (ولا فسوق) مكرر. (¬7) ذكر هذا الكلام ابن الجوزي في "زاد المسير"، ونسبه للخليل، وابن الأنباري 10/ 23، وقد أجاب الواحدي عن السؤال بجوابين، وهناك جواب ثالث: وهو أنه مخصوص والمعنى (لا ريب فيه عند المؤمنين)، والجواب الأول أحسنها. ذكر ذلك الجمل في "الفتوحات الإلهية" 1/ 11. (¬8) "معاني القرآن" 1/ 33. (¬9) في "معاني القرآن" (موضعهم) قال المحقق: وهو ناظر فيه إلى معنى الكلمة 1/ 33. (¬10) في (ب): (اذكروا) مكررة. (¬11) انتهى من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 33، 34، وانظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 131، "الإملاء" للعكبري 1/ 11.

وقوله تعالى: {يُؤمِنوُنَ} قال الأزهري: اتفق العلماء أن (الإيمان) معناه: التصديق، كقوله (¬1): {وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا} [يوسف: 17]. أي: بمصدق. ومعنى التصديق: هو اعتقاد السامع صدق (¬2) المخبر فيما يخبر، وأصله في اللغة: الطمأنينة إلى الشيء، من قولهم: أمن يأمن أمنا، إذا اطمأن وزال (¬3) الخوف عنه. وآمنت فلانا، إذا جعلته يطمئن وتسكن نفسه. وآمن بالله ورسوله إذا صدقهما واثقا (¬4) بذلك مطمئنا إليه. ¬

_ (¬1) في "تهذيب اللغة": (اتفق العلياء من اللغويين وغيرهم أن الإيمان معناه: التصديق، وقال تعالى: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا} "تهذيب اللغة" (أمن) 1/ 210. وقد اعترض بعض العلماء على دعوى الإجماع على أن الإيمان معناه في اللغة التصديق. قال ابن أبي العز في "شرح العقيدة الطحاوية": (وقد اعترض على استدلالهم بأن الإيمان في اللغة عبارة عن التصديق، بمنع الترادف بين التصديق والإيمان، وهب أنه يصح في موضع فلم قلتم إنه يوجب الترادف مطلقا؟) "شرح الطحاوية" ص 321. وقال ابن تيمية في معرض رده على من ادعى إجماع أهل اللغة على أن الإيمان معناه التصديق، قال: (... قوله إجماع أهل اللغة قاطبة على أن الإيمان قبل نزول القرآن هو التصديق، فيقال له: من نقل هذا الإجماع ومن أين يعلم هذا الإجماع؟ وفي أي كتاب ذكر هذا الإجماع؟ ...) ثم ذكر وجوها كثيرة في رد هذِه الدعوى. انظر كتاب الإيمان ضمن "مجموع الفتاوى" 7/ 123 - 130. وعلى فرض أن معنى الإيمان في اللغة (التصديق) فإن الشارع استعمله في معنى اصطلاحي خاص، كما استعمل الصلاة والزكاة في معان شرعية خاصة زائدة على المعنى اللغوي. انظر. "مجموع الفتاوى" 7/ 298. (¬2) في (ب): (مع صدق). (¬3) في (ب): (وزوال). (¬4) في (ب): (واقي).

قال الأزهري: وإنما قلت: إن المؤمن معناه: المصدق، لأن الإيمان مآخوذ من الأمانة، والله يتولى علم السرائر ونية العقد (¬1)، وجعل تصديقه أمانة ائتمن كل من أسلم على (¬2) تلك الأمانة، فمن (¬3) صدق بقلبه فقد أدى الأمانة، ومن كان قلبه على خلاف ما يظهره بلسانه فقد خان، والله حسيبه. وإنما قيل للمصدق: مؤمن، وقد آمن؛ لأنه دخل في أداء الأمانة التي ائتمنه الله عليها (¬4). وأنشد ابن الأنباري على أن (آمن) معناه: صدّق (¬5) قول الشاعر: وَمِنْ قَبْلُ آمنَّا وَقَدْ كَانَ قَوْمُنَا ... يُصلُون للأوْثَانِ قَبْلُ مُحَمَّدَا (¬6) معناه: من قبل آمنا محمدا، [أي صدقنا محمدا] (¬7) فمحمدا منصوب بمعنى التصديق (¬8). قال أبو علي الفارسي (¬9): ويجوز من حيث قياس اللغة، أن يكون (آمن) [صار ذا أمن] (¬10)، مثل: أجدب، وأعاه (¬11)، أي: صار ذا عاهة في ¬

_ (¬1) في (ب): (العبد). (¬2) في (ب): (عن). (¬3) في (ب): (فقد). (¬4) نقل كلام الأزهري بمعناه، انظر "التهذيب" (أمن) 1/ 211. (¬5) "تهذيب اللغة" (أمن) 1/ 211، وانظر "الزاهر" 1/ 203. (¬6) البيت أنشده ابن الأنباري في "الزاهر" بدون عزو 1/ 203، وكذلك الأزهري في "التهذيب"، (أمن) 1/ 212، "اللسان" (أمن) 1/ 142. (¬7) ما بين المعقوفين ساقط من (ب) و (ج). (¬8) انظر كلام ابن الأنباري في "الزاهر" 1/ 202، 203. (¬9) "الحجة" 1/ 220. (¬10) ما بين المعقوفين ساقط من (ب) وفي (ج) (ذا أمر). (¬11) في "الحجة": (أجرب، وأقطف، وأعاه) 1/ 220.

ماله، فكذلك (آمن) صار ذا (أمن) في نفسه وماله بإظهار الشهادتين، كقولهم: أسلم، أي: صار ذا سلم، وخرج عن أن يكون حربا مستحل المال والدم (¬1). والقول في معنى الإيمان: ما قاله الأزهري (¬2). على أن أبا القاسم الزجاجي شرح معنى الإيمان بما هو أظهر مما ذكره الأزهري، وهو أنه قال (¬3): معنى التصديق في الإيمان لا يعرف من طريق اللغة إلا بالاعتبار والنظر، لأن حقيقته ليست للتصديق، ألا ترى أنك إذا صدقت إنسانا فيما يخبرك به، لا تقول: آمنت به، لكنك إذا نظرت في موضوع (¬4) هذه الكلمة وصرّفته حق التصريف، ظهر لك من باطنها معنى يرجع إلى التصديق (¬5). ¬

_ (¬1) انتهى ما نقله عن "الحجة" لأبي علي 1/ 220، وانظر بقية كلام أبي علي ص 226 حيث أفاد أن الإيمان بمعنى التصديق ليس على إطلاقه في كل موضع. (¬2) أي بمعنى التصديق، فإن أراد المعنى اللغوي، فقد سبق ذكر اعتراض بعض العلماء عليه، وإن أراد المعنى اللغوي والشرعي فهذا مردود، فإن معنى الإيمان عند السلف: تصديق القلب ونطق (اللسان)، وعمل الجوارح. ولو قلنا: إن الإيمان في اللغة التصديق، فإن الشارع استعمله في معنى أوسع من ذلك، كما استعمل الصلاة والزكاة وغيرها من المصطلحات الشرعية التي نقلت من معناها اللغوي إلى معنى شرعي خاص، أو أن الشارع لم ينقلها ولم يغيرها، ولكن استعملها مقيدة لا مطلقة. انظر: "شرح العقيدة الطحاوية" ص314 - 332، "مجموع الفتاوى" 7/ 170، 287، 298. (¬3) لم أجده فيما اطلعت عليه من كتب الزجاجي والله أعلم. (¬4) في (ب): (موضع). (¬5) إذا حقيقة الإيمان في أصلها ليست للتصديق فقط، وإن كان التصديق أحد معانيها، =

وذلك أن (آمن) أَفْعَل، من (أَمِنَ)، والواحد إذا قال: آمنت بالله. [فإن (آمنت) فعل متعد، ومعناه: آمنت نفسي، أي: جعلتها في أمان الله بتصديقي (¬1) إياه، لأن الأمن من عذاب الله لا يحصل إلا بتصديقه، فإذا صدقه فقد آمن نفسه (¬2)، فصار التصديق إيمانا للعبد، وجاز أن يعبر عن الإيمان بالتصديق، لأن أحدهما سبب للآخر (¬3). و (الباء) في قولك: (آمنت بالله)] (¬4) ليست (باء) التعدية، إنما هي (باء) الإلصاق التي يسميها (¬5) النحويون (باء) الاستعانة (¬6)، كما تقول: قطعت القلم بالسكين. ¬

_ = كما ذكر: أنك إذا صدقت إنسانا فيما يخبرك به لا تقول: آمنت، وبهذا استدل من قال. إن الإيمان والتصديق ليسا مترادفين على الإطلاق. قال شارح الطحاوية: (ومما يدل على عدم الترادف، أنه يقال للمُخْبَر إذا صدَّق: صدقه، ولا يقال: آمنه، ولا آمن به، بل يقال: آمن له، كما قال تعالى: {فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ} [العنكبوت:26]. {فَمَآءَامَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِيَّهُ مِّن قَومِهِ عَلىَ خَوْفٍ} [يونس:83]. وقال تعالى: {يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ} [التوبة: 61] ففرق بين المعدى بالباء والمعدى باللام، فالأول يقال للمُخْبَر به، والثاني للمُخْبِر ..) "شرح الطحاوية" ص321، وانظر: "مجموع الفتاوى" 7/ 290. (¬1) في (ب): (تصديقي). (¬2) في (ب). (آمن من نفسه). (¬3) في (ب): (الآخر). (¬4) ما بين المعقوفين مكرر في (ب). (¬5) في (ب): (يسموها). (¬6) سماها شارح الطحاوية باء التعدية، لكن هناك فرق بين المعدى بالباء والمعدى باللام، فالمعدى بالباء للمخبر به، وباللام للمخبر. انظر: "شرح الطحاوية" ص 321، "مجموع الفتاوى" 7/ 288.

كذلك وقع إيمان النفس من العذاب بتصديق الله، وحذف المفعول من قولهم: (آمنت بالله) لدلالة المعنى عليه، كقولهم: حمل فلان على العدو، أي: سلاحه أو نفسه، هذا هو الأصل في الإيمان، ثم جعل الإيمان بمعنى التصديق في قوله: {وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا} [يوسف: 17] أي: بمصدق (¬1)، ولم يقل: (بنا) لأنه أريد ها هنا التصديق الخالص، لا إيمان بالنفس من العذاب، كما أريد ذلك في قولهم: (آمنت بالله) وأما الفرق بين الإيمان والإسلام فسنذكره عند قوله: {قُل لم تُؤمِنُواْ وَلَكن قُولُوا أسلمَنَا} (¬2) [الحجرات: 14] إن شاء الله. وسمي أحدهما (¬3) باسم الآخر (¬4) مجازا وتوسعا، كقوله تعالى: ¬

_ (¬1) قال الفارسي: (وأما قوله: {وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ} فليس المعنى على: ما أنت بمصدق لنا ولو كنا صادقين عندك؛ لأن الأنبياء لا تكذب الصادقين، ولكن المعنى: ما أنت واثقا، ولا غير خائف الكذب في قولنا ... فمؤمن هنا من آمن، أي صار ذا أمن أو صار ذا ثقة ...). "الحجة" 1/ 226، 227، ونحو هذا قال ابن تيمية في الآية، إنها بمعنى: أي بمقر لنا ومصدق لنا، لأنهم أخبروه عن غائب ...). "الإيمان الأوسط" ص 71. (¬2) في (ب): {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا}. (¬3) أي: الإيمان والإسلام. (¬4) ذكره أبو علىِ الفارسي، انظر: "الحجة" 1/ 220. قال ابن كثير -رادا على من قال ذلك- عند تفسير قوله تعالى: {فأَخرَجنا مَن كاَنَ فِيهَا مِنَ المُؤمنِينَ (35) فما وَجدنَا} الآية قال: (احتج بهذِه من ذهب إلى رأي المعتزلة ممن لا يفرق بين مسمى الإيمان والإسلام، لأنه أطلق عليهم المؤمنين والمسلمين، وهذا الاستدلال ضعيف، لأن هؤلاء كانوا قوما مؤمنين، وعندنا أن كل مؤمن مسلم، ولا ينعكس، فاتفق الإسمان هاهنا لخصوصية الحال، ولا يلزم ذلك في كل حال)، "ابن كثير" 4/ 2498. ط. دار الفكر.

{فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (35) فَمَا وَجَدْنَاَ} الآية [الذاريات: 35, 36]. وفي بعض القراءات {اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً} [المنافقون: 2] بكسر الألف (¬1)، بمعنى الشهادة باللسان (¬2). وفي قوله {يُؤمِنُونَ} قراءتان، تحقيق الهمزة وتليينها (¬3). فمن حقق، فحجته (¬4): أن الألف في (آمن) لا تخلو إما أن تكون زائدة، أو منقلبة، فلا (¬5) يجوز أن تكون زائدة، لأنها لو كانت كذلك لكان (فَاعَل) [ولو كان (فَاعَل)،] (¬6) كان مضارعه (يُفَاعِل) فلما كان مضارعه (يؤمن) دل على أنها غير زائدة، فإذا لم تكن زائدة كانت منقلبة، ولا يخلو أنقلابها من أن يكون عن: (الواو) أو عن (الياء) أو عن (الهمزة)، ولا يجوز أن تكون منقلبة عن (الواو)، لأنها في موضع سكون، [وإذا كانت في موضع سكون] (¬7) وجب تصحيحها، وبمثل هذه الدلالة لا يجوز انقلابها ¬

_ (¬1) قراءة الجمهور بالفتح، وبالكسر قراءة الحسن. انظر: "المحتسب" 2/ 315، 322، "البحر" 8/ 271، "القراءات الشاذة" للقاضي ص 72. (¬2) في (ب): (اللسان). انظر: "الحجة" 1/ 222. (¬3) قرأ ورش عن نافع، وأبو عمرو (يومنون) بغير همز، وبقية السبعة يهمزون. انظر "الحجة" لأبي علي1/ 214، "حجة القراءات" لابن زنجلة ص 84. (¬4) نقله عن "الحجة" لأبي علي، قال في "الحجة": (الإعراب: لا تخلو الألف في (آمن) من أن تكون زائدة، أو منقلبة، وليس في القسمة أن تكون أصلا. فلا يجوز أن تكون زائدة لأنها ...) 1/ 235. (¬5) في (ب): (ولا يجوز). (¬6) ما بين المعقوفين ساقط من (ج). (¬7) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).

عن (الياء)، فإذا (¬1) لم يجز انقلابها عن (الواو) ولا عن (الياء) ثبت أنها منقلبة عن (الهمزة)، وإنما انقلبت عنها ألفا لوقوعها ساكنة بعد حرف مفتوح، كما أنها إذا خففت في: (بأس) و (رأس) (¬2) و (فأس) انقلبت عنها ألفا لسكونها وانفتاح ما قبلها (¬3)، كذلك قلبت في نحو: (آمن) و (آتى) (¬4)، وفي الأسماء: نحو (آدر) (¬5) و (آدم)، و (آخر) إلا أن الانقلاب هاهنا لزمها لاجتماع الهمزتين، والهمزتان إذا اجتمعتا في كلمة لزم الثانية منهما القلب بحسب الحركة التي قبلها إذا كانت ساكنة، نحو: (آمن) و (اوتمن) و (ايذن) (¬6)، و (ايتنا) (¬7). فمن حقق (¬8) (الهمز) في {يؤمنون} فلأنه إنما ترك (الهمز) من (أومن) لاجتماع الهمزتين، كما أن تركها في (آمن) كذلك (¬9)، فلما زال اجتماعها مع سائر الحروف المضارعة سوى (¬10) الهمزة، رد (¬11) الكلمة إلى ¬

_ (¬1) في (ب): (وإذا). (¬2) في (ج): (ووأس). (¬3) بنصه في "الحجة" 1/ 235، وانظر "الكتاب" 3/ 543. (¬4) في جميع النسخ (ااتى) ورسمتها حسب ما في "الحجة" 1/ 235. (¬5) الآدر: وهو المنتفخ الخصية. انظر: "اللسان" (أدر) 1/ 44. (¬6) (ائذن) مكانها بياض في (ب). (¬7) انظر بقية كلام أبي علي في "الحجة" 1/ 236، وما بعده نقله من موضع آخر 1/ 238 حيث قال أبو علي: (أما حجة من قرأ (يؤمنون) بتحقيق الهمز، فلأنه إنما ترك الهمز في (أومن) لاجتماع الهمزتين ...)، 1/ 238، 239. (¬8) في (ج): (خفف). (¬9) في (أ)، (ج): (لذلك) واخترت ما في ب، لأنه أصح وموافق ما في "الحجة" 1/ 238. (¬10) في (ب): (سرى). (¬11) في (ب): (ورد).

الأصل فهمز؛ لأن الهمز من (الأمن) و (الأمنة) فاء الفعل. ومما (¬1) يقوي الهمزة (¬2) أن من تركها إنما يقلبها (واوا) (¬3) ساكنة وما قبلها متحرك بالضم، و (الواو) الساكنة إذا انضم ما قبلها فقد استجازوا قلبها (¬4) همزة. يدل (¬5) على هذا، ما ذكره المازني عن الأخفش، قال (¬6): كان أبو حية النميري يهمز كل واو ساكنة قبلها ضمة نحو: (مؤسى) (¬7) وأشباهه. وتقدير ذلك: أن الحركة لما كانت تلي الواو من (مؤسى) (¬8) صارت كأنها عليها، والواو إذا تحركت بالضمة أبدل منها الهمزة. وإذا جاز إبدال (الهمزة) من (الواو الساكنة) التي قبلها ضمة، واجتلابها وإن لم تكن من الكلمة، فالهمزة التي هي أصل في الكلمة أولى بالتحقيق، وأن لا يبدل منها الواو. وحجة من لم يهمز (¬9): أن هذه الهمزة قد لزمها البدل في مثالين من ¬

_ (¬1) في (ب): (وما). (¬2) في (ج): (أن الهمزة أن من تركها). (¬3) في (ب): (واو). (¬4) في (ب): (قبلها). (¬5) في (ب): (نيل). (¬6) في "الحجة": (قال محمد بن يزيد: أخبرني أبو عثمان، قال: أخبرني الأخفش قال: كان أبو حية النميري يهمز كل واو ساكنة قبلها ضمة وينشد: لَحُبَّ المُؤقِدَانِ إلى مُؤْسَى وتقدير ذلك أن الحركة ... إلخ) 1/ 239. (¬7) (موسى) غير مهموزة في جميع النسخ، وهمزتها كما في "الحجة" 1/ 139. (¬8) انظر التعليق السابق. (¬9) "الحجة" 1/ 240.

الفعل المضارع والماضي، نحو (¬1): (آمن) و (أُومِنَ)، والمضارع نحو: (أُومِنُ) ولم يجز تحقيقها في هذه المواضع، وهذا القلب الذي يلزمنا (¬2) في المثالين إعلال لها، والإعلال إذا لزم مثالا أتبع سائر الأمثلة العارية من موجب الإعلال كإعلالهم: (يقوم)، و (لقام)، و (يُكْرِم) (¬3) من أجل (أُكْرِمُ) (¬4) و (أَعِدُ) (لِيَعِد) (¬5)، فوجب على هذا أن يختار (¬6) ترك الهمزة في {يؤمنون}، ليتبع قولهم {يؤمنون} في الإعلال المثالين الآخرين (¬7)، لا على التخفيف القياسي (¬8) نحو: (جونة) في (جؤنة) (¬9)، و (بوس) في (بؤس) (¬10). ¬

_ (¬1) في "الحجة" (فالماضي نحو: ..) 1/ 240. (¬2) في "الحجة" (يلزمها) 1/ 240. (¬3) في (ب): (يلزم). (¬4) أصل (أُكْرِم) (أُؤكْرِمُ) مضارع (أَكْرَمَ)، ثم حذفت الهمزة في (أُؤَكْرِم) لاجتماع الهمزتين، ثم حملت الياء في (يُكرم) على الهمزة في (أكرم) فحذفت الهمزة معه مثل حذفها مع (أُكْرِم) ليتفق الباب. انظر "سر صناعة الإعراب" 1/ 385. (¬5) لأن الواو في (يَعِد) حذفت لوقوعها بين ياء وكسرة، وحملت الهمزة في (أعد) على ذلك، وحذفت الواو معها حتى لا يختلف الباب. انظر: "سر صناعة الإعراب" 1/ 385. (¬6) في (ج): (تختاريتك). (¬7) أي الإعلال في الماضي نحو (آمن)، والمضارع (أُومِنُ). (¬8) أي أن حذف الهمزة في (يؤمنون) إعلال لا تخفيف قياسي. والتخفيف القياسي ما ذكره سيبويه بقوله: (وإن كان ما قبلها مضموماً -أي الهمزة- فأردت أن تخفف، أبدلت مكانها واوا، وذلك قولك في (الجؤنة) و (البؤس) و (المؤمن): الجونة والبوس والمومن) "الكتاب" 3/ 543. (¬9) في (ب): (جونة). و (الجؤنة): سليلة مستديرة مغشاة بجلد، يستعملها العطار ظرفا للطيب. انظر: "تهذيب اللغة" (جون) 1/ 6893. (¬10) إلى هنا انتهى ما نقله الواحدي عن "الحجة" 1/ 240.

وأيضًا فإن (¬1) حرف المضارعة المضموم صادف حرفا منقلبا ألف قبل أن يلحقه حرف المضارعة، فلما ولي المضموم من حرف المضارعة، انقلب ذلك الألف واوا، وأي (¬2) مرضع للهمزة (¬3) هاهنا. وقوله تعالى: {بِالْغَيْبِ} (¬4) الغيب: مصدر غاب يغيب غيبا، وكل (¬5) ما غاب عنك فلم تشهده فهو غيب (¬6)، قال الله تعالى: {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ} (¬7) والعرب تسمى (¬8) المطمئن من الأرض: الغيب (¬9)، لأنه غاب عن الأبصار. ومه قول لبيد: وَتَسمَّعَت رِزَّ الأَنِيس فرَاعَها ... عَن ظَهْرِ (¬10) غَيْبٍ والأنيسُ سَقَامُها (¬11) ¬

_ (¬1) في (ب) سقط وتصحيف فالنص فيها: (وأيضًا، قال في حرف المضارعة انقلب ذلك الألف صادق حرفاً). (¬2) (الواو) ساقطة من (ب). (¬3) في (ب): (للهمز). (¬4) في (ب): (الغيب) تصحيف. (¬5) في (ب): (وكلما) (¬6) انظر: " تفسير الطبري" 1/ 102، و"ابن عطية" 1/ 146، و"تفسير القرطبي" 1/ 142. (¬7) هذا جزء من آية وردت في مواضع وهي: 73 من الأنعام، و 94 و 105 من التوبة و 9 من الرعد, و 92 من المؤمنون، و 6 من السجدة و 46 من الزمر، و 22 من الحشر، و 8 من الجمعة، و 18 من التغابن. (¬8) (تسمى) ساقط من (ج). (¬9) "تهذيب اللغة" (غاب) 3/ 2616. (¬10) في (ج): (صهر). (¬11) البيت في "ديوان لبيد"، وروايتة: (وتوجست رز ..) ويروى: (.. ركز الأنيس) =

قال شمر (¬1): وكل مكان لا يدرى ما فيه فهو غيب، وكذلك الموضع الذي لا يدرى ما وراءه وجمعه غيوب (¬2)، ومنه قوله: وللفؤاد وجيب تحت أبهره ... لدم (¬3) الغلام وراء الغيب بالحجر (¬4) وقال أبو زيد: يقال: بدا غَيَّبَان العود، إذا بدت عروقه التي تغيبت في الأرض لحفر السيل (¬5). والمراد بالغيب المذكور هاهنا: ما غاب علمه (¬6) وعن الحس ¬

_ = وهو يصف بقر الوحش، والرز والركز: الصوت الخفي، عن ظهر غيب: من وراء حجاب، وقوله: والأنيس سقامها: لأنهم يصيدونها فهم داؤها. انظر "شرح ديوان لبيد" ص 311، وهو في "المخصص" لابن سيده 2/ 137. بمثل رواية الديوان، وبدل (راعها) (رابها). وفي "البحر المحيط" 6/ 198. (¬1) هو شمر بن حمدويه الهروي، اللغوي الأديب، لقي أبا عبيدة، وابن الأعرابي، والأصمعي والفراء وغيرهم، ألف كتابا كبيرا في اللغة على حروف المعجم، وفقد بعده، توفي سنة خمس وخمسين ومائتين. انظر: "إنباه الرواة" 2/ 77، "معجم الأدباء" 3/ 410، "إشارة التعيين" ص141. (¬2) ذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" (غاب) 3/ 2621. (¬3) في (ب): (دم). (¬4) البيت لابن مقبل. (الوجيب): تحرك القلب تحت الأبهر، و (اللدم): الضرب، و (الغيب): ما كان بينك وبينه حجاب، يقول: إن للقلب صوتا يسمعه ولا يراه، كما يسمع صوت الحجر الذي يرمى به الصبي ولا يراه. ورد البيت في "تهذيب اللغة" (بهر) 1/ 401، "الصحاح" (بهر) 2/ 598، "معجم مقاييس اللغة" (لدم) 5/ 243, "الزاهر" 1/ 398، 552، "أساس البلاغة" (لدم) 2/ 338، و"اللسان" (بهر) 1/ 370، (لدم) 4/ 3255. (¬5) لم أجده في "نوادر أبي زيد"، وذكره الأزهري نحوه ولم ينسجه لأبي زيد. "تهذيب اللغة" (غاب) 3/ 2616. (¬6) في (ب): (محله).

والضرورة (¬1) مما يدرك بالدليل (¬2)، ولذلك (¬3) استوجبوا حسن الثناء بالإيمان بالغيب، لأنه تصديق بما أخبروا به مما لا يعلم حسا وضرورة، ويكون العلم به مكتسبا، فيدخل (¬4) في جملة هذا ما أخبر عنه الرسول عليه السلام من أمر الجنة والنار والوعد وغير ذلك (¬5). قال أبو العالية في قوله: {يُؤمِنوُنَ بِالغيَب} قال: يؤمنون بالله (¬6)، وملائكته وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وجنته، وناره، ولقائه (¬7)، وبالبعث بعد (¬8) الموت (¬9). وكأن هذا إجمال ما فصل في قوله: {كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ} [البقرة: 285] ¬

_ (¬1) قال البيضاوي: والمراد به: الخفي الذي لا يدركه الحس، ولا يقتضيه بديهة العقل 1/ 7. (¬2) الغيب قسمان. قسم لا دليل عليه وهو المعني بقوله: {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ} [الأنعام: 59]، وقسم نص عليه دليل كوجود الخالق سبحانه، واليوم الآخر، وغير ذلك من أمور الغيب، وهو المراد هنا، أي: يستدلون عليه فيؤمنوا به. انظر البيضاوي 1/ 7، والرازي 2/ 23. (¬3) في (ب): (وكذلك). (¬4) في (ج): (يدخل). (¬5) انظر "معاني القرآن" للزجاج 1/ 35. (¬6) في (ب): (به). (¬7) (الواو) ساقطة من (ب). (¬8) في (ب): (هذا). (¬9) ذكره الثعلبي بسنده عن الربيع عن أبي العالية 1/ 46 أ، وأخرجه ابن جرير عن الربيع بن أنس. قال شاكر: لعل ذكر: عن أبي العالية سقط من الإسناد من نسخ الطبري، لثبوته عند الناقلين عنه. الطبري 1/ 237 (ط. شاكر)، وأخرجه ابن أبي حاتم في (تفسيره) 1/ 36، وذكره ابن كثير 1/ 44، "الدر" 1/ 60.

وقال عطاء (¬1): من آمن بالله آمن بالغيب (¬2). وكذلك روى أبو العباس عن ابن الأعرابي (¬3) في قوله: {يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} قال (¬4): يؤمنون بالله. قال (¬5): والغيب- أيضًا- ما غاب عن العيون وإن كان محصلا في القلوب (¬6). قال أبو إسحاق: وكل ما غاب عنهم مما أخبرهم به النبي - صلى الله عليه وسلم - فهو غيب. (¬7). هذا طريق المفسرين في معنى (الغيب). ولأهل المعاني فيه طريق آخر (¬8)، وهو أن معنى قوله: {يُؤِمنوُنَ ¬

_ (¬1) هو عطاء بن أبي رباح، المكي، القرشي مولاهم، روى عن عدد من الصحابة، كان ثقة فقيهًا عالمًا، توفي سنة أربع عشرة ومائة من الهجرة. انظر ترجمته في "طبقات ابن سعد" 5/ 467، "سير أعلام النبلاء" 5/ 78، "تهذيب التهذيب" 3/ 101. (¬2) أخرجه ابن أبي حاتم عن عطاء بن أبي رباح، قال المحقق: رجال إسناده ثقات ابنِ أبي حاتم 1/ 178 (رسالة دكتوراه). وأخرجه الثعلبي بسنده عن عطاء قال: {الًذِين يُؤمنوُنَ بِالغيبِ} قال: هو الله عز وجل من آمن بالله فقد آمن بالغيب. الثعلبي في 1/ 46 ب، وذكره ابن كثير 1/ 181. (¬3) هو محمد بن زياد الأعرابي، مولى العباس بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس، كان راوية للأشعار نحويا، كثير الحفظ، توفي سنة إحدى وثلاثين ومائتين. انظر ترجمته في: "طبقات النحويين واللغويين" ص 195، "إنباه الرواة" 3/ 128، "نزهة الألباء" ص 119. (¬4) في (ب): (ملا). (¬5) (قال) ساقط من (ب). (¬6) "تهذيب اللغة" (غاب) 3/ 2616. (¬7) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 35. (¬8) ما ذكره قال به عدد من المفسرين، ولم أجد أحدا من أهل المعاني فيما اطلعت عليه قال به، بل كلام الزجاج السابق بخلافه وهو أحد أهل المعاني، فلا وجه لتخصيص أهل المعاني بالذكر.

بِالغَيْبِ} أي: يؤمنون إذا غابوا عنكم، ولم يكونوا كالمنافقين (¬1) الذين يقولون إذا خلوا إلى شياطينهم: {إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} [البقرة: 14]، ويقوي هذا الوجه قوله: {الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ} [الملك: 12]، وقوله: {من خشي الرحمن بالغيب} [ق:33]، والجار والمجرور هاهنا في موضع (الحال)، أي: يؤمنون غائبين عن مراءاة الناس، لا يريدون بإيمانهم تصنعا لأحد. وقوله تعالى: {وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ}: أي: يديمونها (¬2)، ويحافظون عليها، ويقال: قام الشيء إذا دام وثبت، وأقامه إذا أدامه (¬3)، والذي يدل على أن قيام الشيء إنما يعنى به دوامه وثباته (¬4) ما أنشده أبو زيد: إنِّي إذَا لم يُنْدِ حَلْقاً رِيقُه ... وَرَكَدَ السَّبُّ فَقَامَتْ سُوقُهْ (¬5) والراكد: الدائم الثابت (¬6)، ومن ثم قيل: ماء راكد، وماء دائم. ¬

_ (¬1) ذكره ابن عطية 1/ 145، والزمخشري في "الكشاف" 1/ 128، والرازي 2/ 27، وابن كثير 1/ 44، والبيضاوي 1/ 7. (¬2) أنظر: "تفسير أبي الليث" قال: يقيمون الصلاة يحافظون على الصلوات، وقد قيل: معنى يقيمون أي: يديمون الصلاة، 1/ 980. وذكره ابن الجوزي وعزاه لابن كيسان، "زاد المسير" 1/ 25. (¬3) في (ب): (دام). (¬4) انظر. "التهذيب" (قام) 3/ 2864، "اللسان" (قوم) 6/ 3782. (¬5) أبيات من الرجز أنشدها أبو زيد في "النوادر" مع أبيات أخرى ولم يعزها، "النوادر" ص 169، وذكر ابن الأنباري في "المذكر والمؤنث" البيت الثاني (وركد السب .. إلخ) مع بيت آخر ص355، وكذا ورد البيت الثاني في "المخصص" 17/ 21. (¬6) في "غريب الحديث" لأبي عبيد: الدائم الراكد الساكن، 1/ 137، وانظر: "تهذيب اللغة" (دام) 2/ 1134، (الزاهر) 2/ 372.

ومن هذا يقال: أقام القوم سوقهم إذا أداموها وواظبوا (¬1) عليها (¬2). قال أبو علي الفارسي: وهذا التفسير أشبه من أن يفسر بـ (يتمونها) (¬3). وأما (الصلاة) فمعناها في اللغة: الدعاء (¬4)، ومنه الحديث: "إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب، فإن كان مفطرا فليطعم وإن كان صائما فليصل" (¬5) قال أبو عبيد: قوله: "فليصل" أي: فليدع له بالبركة والخير، وكل داع فهو مصل (¬6). قال الأعشى: ¬

_ (¬1) في (ب): (ووضبوا). (¬2) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 104. (¬3) وبهذا أخذ الزجاج حيث قال: معناه يتمون الصلاة، كما قال: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: 196]. "المعاني" 1/ 35. وقال ابن جرير: إقامتها. أداؤها بحدودها وفروضها والواجب فيها، على ما فرضت عليهم 1/ 104، وانظر ابن كثير 1/ 45. (¬4) أنظر: الطبري 1/ 104، "تهذيب اللغة" (صلى) 2/ 2049. (¬5) الحديث أخرجه مسلم عن أبي هريرة (14312) في كتاب النكاح، باب: الأمر بإجابة الدعوة دون قوله (إلى طعام)، وأبو داود بمثل رواية مسلم (2460) في كتاب الصوم، باب. في الصائم يدعى إلى وليمة، وأخرج (3736) في كتاب الأطعمة، باب: ما جاء في إجابة الدعوة، نحوه عن ابن عمر. وأخرجه الترمذي (7980) في كتاب الصيام، باب: ما جاء في إجابة الدعوة دون قوله: (فإن كان مفطرا فليطعم) في لفظه (إلى طعام)، وأحمد في "مسنده" 2/ 507, 2/ 489 دون قوله (فإن كان مفطرا فليطعم). (¬6) في "غريب الحديث": (قال: قوله: فليصل ... قال أبو عبيد: كل داع فهو مصل) في الهامش: قالا: أي ابن علية ويزيد. أنظر "غريب الحديث" لأبي عبيد 1/ 110. فالكلام الأول نقله أبو عبيد، والمؤلف هنا نقل من الأزهري وتابعه في نسبة النص لأبي عبيد، "التهذيب" (صلى) 2/ 2049.

عَلَيْكِ مثل الذي صَلَّيْتِ فَاغْتَمِضي ... نَومًا (¬1) فإنَّ لِجَنْبِ المرءِ مُضْطَجعا (¬2) وقال أبو العباس في قوله: وصَلَّى عَلى دَنِّهَا وارْتَسَمْ (¬3) قال: دعا لها أن لا تحمض ولا تفسد (¬4). هذا معنى الصلاة في اللغة، ثم ضمت إليها هيئات وأركان سميت بمجموعها صلاة، هذا مذهب الأكثرين. وقال الزجاج (¬5): الأصل في الصلاة اللزوم، يقال: قد صلى ¬

_ (¬1) في (ب): (يوما) وهي رواية للبيت. (¬2) البيت في "ديوان الأعشى" ص 106، وهو من قصيدة يمدح بها (هوذة بن علي الحنفي) ويروى: (يوما) بدل (نوما) ذكره أبو عبيدة في "المجاز"، وقال: فمن رفع (مثل) جعله. عليك مثل الذي قلت لي ودعوت لي به، ومن نصبه جعله. أمرا، يقول: عليك بالترحم والدعاء لي، وذكره الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 214، وابن الأنباري في "الزاهر" 1/ 139، وأبو بكر بن عزيز في "معرفة اشتقاق أسماء نطق بها القرآن" 2/ 539 رسالة ماجستير، وأبو عبيد في "غريب الحديث" 1/ 111، والأزهري في "التهذيب" (صلى) 2/ 2049، وورد في "الدر المصون" 1/ 92 و"القرطبي" 1/ 146، و"ابن كثير" 1/ 46، "البحر المحيط" 1/ 38. (¬3) البيت للأعشى من قصيدة يمدح به قيس بن معد يكرب، وصدره: قابلها الريح في دنها يصف الخمر، صلى: دعا، ارتسم: كبَّر ودعا وتعوَّذ مخافة أن يجدها فسدت، فتبور تجارته. انظر: "ديوان الأعشى" ص 196، "غريب الحديث" لأبي عبيد 1/ 111 والطبري 1/ 104، "تهذيب اللغة" (صلى) 2/ 2049، وابن كثير 1/ 46. (¬4) "تهذيب اللغة" (صلى) 2/ 2049. (¬5) "معاني القرآن" 1/ 215.

واصطلى (¬1): إذا لزم، ومن هذا من يصلى في النار أي: يلزم، قال: والقول عندي هذا؛ لأن الصلاة من أعظم الفرض الذي أمر بلزومه، وألزم ما أمر به من العبادات (¬2). ومن اختار هذه الطريقة (¬3) قال: معنى قولهم للداعي إذا دعا: (صلى) معناه: أنه لزم الدعاء لشدة حاجته إلى الإجابة. و (الصَّلَوَان) من الفرس، العظمان اللذان في العجز (¬4)، والواحد: (صلا)، سميا للزوم كل واحد منهما الآخر (¬5)، والمُصَلِّي: الذي يأتي في أثر السابق من هذا، لأنه يأتي ورأسه مع ذلك المكان من السابق (¬6)، ومنه حديث علي - رضي الله عنه -: (سبق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصلى أبو بكر) (¬7). وقوله تعالى: {وَمِمَّا رزَقنَهُم}. يقال: رَزَق الله الخلق رَزْقا ورِزْقا، ¬

_ (¬1) في (أ) و (ج): (واصطلا) وفي (المعاني) (يقال: صلى وأصلى واصطلى ...) 1/ 215، ونص المؤلف في "التهذيب" فلعله نقل منه، 2/ 2049. (¬2) "معاني القرآن" للزجاج، دون قوله: (وألزم ما أمرت به من العبادات) 1/ 215، وذكره في "تهذيب اللغة" 2/ 2049. (¬3) أي: أن الصلاة بمعنى اللزوم. (¬4) انظر. "معاني القرآن" للزجاج 1/ 215، "تهذيب اللغة" (صلى) 2/ 2049، "مجمل اللغة" (صلى) 2/ 538. (¬5) في (ب): (للآخر). (¬6) المراجع السابقة. (¬7) أخرجه أحمد في "المسند": (عن علي -رضي الله عنه- قال: سبق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصلى أبو بكر وثلث عمر، ثم خبطتنا فتنة بعدهم يصنع الله فيها ما يشاء) "المسند" 1/ 112، 124، 132، 147. وأخرجه ابن سعد في "الطبقات الكبرى" 6/ 130، وذكره أبو عبيد في "غريب الحديث" 2/ 142، والأزهري في "تهذيب اللغة" (صلى) 2/ 2050.

4

فالرَّزْقُ بالفتح: هو المصدر الحقيقي، والرِّزْق: الاسم، ويجوز أن يوضع موضع المصدر (¬1)، وكل ما انتفع به العبد هو رزقه، من مال وولد وغيره. وقوله تعالى: {يُنفِقُونَ} معنى الإنفاق في اللغة: إخراج المال من اليد. ومن هذا يقال: نفق المبيع إذا كثر مشتروه، فخرج عن يد البائع، ونفقت الدابة إذا خرجت روحها (¬2)، والنفق (¬3) سرب له مخلص إلى مكان آخر يخرج منه (¬4)، والنافقاء من جحرة اليربوع: وهو الذي يخرج منه إذا أخذ من جهة أخرى، ومنه المنافق، لخروجه عن الإيمان بما ينطوي عليه من الكفر (¬5). والمراد بالإنفاق هاهنا: إنفاق فيما يكون طاعة فرضا أو نفلا؛ لأن الله تعالى مدحهم بهذا الإنفاق (¬6). 4 - قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ}. قال مجاهد: الآيات الأربع من أول هذه السورة نزلت في جميع المؤمنين (¬7) سواء كانوا من العرب، أو من أهل الكتاب. ¬

_ (¬1) "تهذيب اللغة" (رزق) 2/ 1401. (¬2) ذكره الثعلبي 1/ 47 أ، ب. وانظر. "تهذيب اللغة" (نفق) 4/ 3634. (¬3) في (ب): (النعفق). (¬4) في (ب): (منه إذا)، وعند الثعلبي (يخرج إليه) 1/ 47 ب، وهو في "التهذيب" دون قوله: (يخرج منه نفق) 4/ 3635. (¬5) انظر: "التهذيب" (نفق) 4/ 3635. (¬6) ذكر الطبري نحوه، 1/ 105. (¬7) الأثر عن مجاهد أخرجه الطبري 1/ 103، وذكره الثعلبي 1/ 47ب، وابن كثير، وقال: قاله مجاهد، وأبو العالية، والربيع بن أنس، وقتادة 1/ 46.

فعلى هذا القول (الواو) في قوله {وَالَّذِينَ} لتعديد صفاتهم، فهو عطف صفة على صفة، والموصوف واحد (¬1)، كما قال: إلى الملكِ القَرْم وابنِ (¬2) الهُمام ... وليثِ الكتيبةِ في المُزْدحَمْ (¬3) ولم يرد إلا شخصا واحدا. وقال ابن عباس في رواية أبي صالح، وابن مسعود في رواية مرة (¬4): (إن آيتين من أول السورة نزلتا في مؤمني العرب، والآيتان بعدهما نزلتا في مؤمني أهل الكتاب)، لأنه لم يكن للعرب كتاب كانوا مؤمنين به قبل محمد ¬

_ (¬1) انظر: "الطبري" 1/ 107، و"ابن كثير" 1/ 46، "الكشاف" 1/ 133، 135. (¬2) في (ج): (بن). (¬3) البيت غير منسوب في "معاني القرآن" للفراء1/ 105، و"الثعلبي" 1/ 73 أ، "الكشاف" 1/ 133، و"القرطبي" 1/ 328، وابن كثير 1/ 46، "خزانة الأدب" 1/ 451 , 5/ 107 ,6/ 91، "البحر" 1/ 202، "الدر المصون" 1/ 97. القرم: الفحل المكرم الذي لا يحمل عليه، ويسمى السيد من الناس قرما، والهُمام: من أسماء الملوك، لعظم همتهم، أو لأنه إذا هم بأمر فعله، والكتيبة. الجيش، المزدحم. المعركة، لأنها موضع المزاحمة والمدافعة. (¬4) ذكره ابن جرير بسنده من طريق السدي عن أبي مالك، وعن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مرة عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - 1/ 105 - 106، وانظر ابن كثير 1/ 46. وأبو صالح هو مولى أم هانئ بنت أبي طالب، اسمه (باذان) تابعي وثقه أكثرهم. انظر ترجمته في "الجرح والتعديل" 2/ 431، "تهذيب التهذيب" 1/ 211. ومُرَّة هو مُرَّة بن شراحيل الهمداني الكوفي، من كبار التابعين ثقة. انظر ترجمته في "الجرح والتعديل" 8/ 366، "تهذيب التهذيب" 4/ 48. وقد تكلم أحمد شاكر كلامًا جيدًا وأطال حول هذا الإسناد في حاشية الطبري 1/ 156 - 159 (ط. شاكر). أفاد فيه أن للسدي كتابا في التفسير جمع فيه مفرق =

- صلى الله عليه وسلم - (¬1). فعلى هذا (الواو) (¬2) لعطف مؤمني أهل الكتاب على مؤمني العرب (¬3). وقوله تعالى: {إِليْكَ} الأصل في (إليك) و (عليك): (إلاك) و (علاك)، كما تقول: إلى زيد، وعلى زيد، إلا أن (الألف) غيرت مع الضمير (¬4)، وأبدلت (ياء) ليفصل بين (الألف) التي في آخر المتمكنة مثل: القفا والعصا، وبين الألف في أواخر غير المتمكنة [التي] (¬5) الإضافة لازمة لها، ألا ترى أن (إلى) و (على) و (لدى) (¬6) لا تنفرد من الإضافة (¬7). وقوله تعالى: {هُمْ يُوقِنُونَ}. دخلت (هم) توكيدًا، يسميه الكوفيون: عمادا، والبصريون: فصلاً (¬8). ¬

_ = هذِه التفاسير عن الصحابة الذين ذكرهم، ذكر في أوله هذِه الأسانيد، "تفسيره" من أوائل الكتب التي ألفت في هذا وهو من طبقةِ عالية من طبقة شيوخ مالك. (¬1) ذكره ابن جرير واستدل على هذا بقوله: {وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ}. وذكر قولا ثالثا. أن الآيات الأربع في مؤمني أهل الكتاب خاصة. وقد رجح أن الآيتين من أول السورة في مؤمني العرب، والآيتين بعدهما في مؤمني أهل الكتاب. انظر: "تفسير الطبري" 1/ 102، 106، 107. ورجَّح ابن كثير في "تفسيره" قول مجاهد 1/ 47. (¬2) (الواو) ساقطة من (ب). (¬3) انظر: "الكشاف" 1/ 135. (¬4) في (ب): (المضمر) ومثله عند الزجاج في "المعاني" 1/ 37. (¬5) في جميع النسخ (إلى) وفي "معاني القرآن" للزجاج (التي) والكلام بنصه منقول منه 1/ 37. (¬6) في (ب): (لدن). (¬7) "معاني القرآن" للزجاج1/ 37. (¬8) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 47 ب، ويجوز: في (هم) أن تكون ابتداءً ثانيًا =

و {يُوقِنُونَ} أصله (يُيْقِنون)، لأنه (يُفْعِلون) من اليَقين، فلما سكنت (الياء) وانضم ما قبلها صارت (واوا) (¬1)، كما صارت (الواو) (ياء) لكسرة ما قبلها (¬2) في قولك: إيثاق وإيشال (¬3) وميثاق وميعاد. واليقين: هو العلم الذي يحصل بعد (¬4) استدلال ونظر، لغموض المنظور (¬5) فيه أو لإشكاله على الناظر (¬6)، يقوي ذلك قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ} [الأنعام: 75] ولذلك (¬7) لم يجز أن يوصف القديم سبحانه به، لأن علمه لم يحصل عن نظر واستدلال (¬8). ¬

_ = للتوكيد و (المفلحون) خبره، والجملة خبر (أولئك) ويجوز: أن يكون (هم) عمادًا، أو فصلاً. انظر "معاني القرآن" للزجاج 1/ 37، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 133. (¬1) انظر: "الكتاب" 4/ 338، "سر صناعة الإعراب" 2/ 584، وقال العكبري: (أصله (يؤيقنون) لأن ماضيه (أيقن) والأصل أن يؤتى في المضارع بحروف الماضي، إلا أن الهمزة حذفت لما ذكرنا في (يؤمنون) وأبدلت الياء واوا لسكونها وانضمام ما قبلها) (الإملاء) 1/ 13. (¬2) مع سكون (الياء) انظر "الكتاب" 4/ 335، "سر صناعة الإعراب" 2/ 732. (¬3) في (ب): (اسياق) ولم أجدها فيما اطلعت عليه من كتب اللغة. (¬4) في (ب): (به). (¬5) في (ب): (المقصود). (¬6) قال ابن عطية: (اليقين أعلى درجات العلم وهو الذي لا يمكن أن يدخله شك بوجه) 1/ 149، وعرفه الراغب فقال: (هو سكون الفهم مع ثبات الحكم) مفردات الراغب ص 552. وانظر كتاب "معرفة أسماء نطق بها القرآن" 2/ 618 (رسالة ماجستير)، "تفسير الرازي" 2/ 32، 35. (¬7) في (ب): (وكذلك). (¬8) انظر: "تفسير الرازي" 2/ 32. ومذهب السلف: أن الله لا يوصف بذلك لعدم ورود النص به.

5

ويقال: أَيْقَن بالأمر واسْتَيْقَن وتَيَقَّن كله واحد. ويقال في الثلاثي: يَقِنَ يَيْقَن يَقَناً فهو يَقِنٌ، واليَقِنُ: اليَقِين (¬1). وقوله تعالى: {وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ}. تخصيص بعد التعميم على قول مجاهد (¬2)، لأن الإيقان بالآخرة داخل في قوله: {يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} على التفسير الأول في (¬3) (الغيب) (¬4) ومثل هذا قوله: {الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2)} [العلق: 1، 2] عمَّ بقوله: {خَلَقَ} جميع المخلوقات، ثم خص بعد. 5 - قوله تعالى: {أُولَئِكَ عَلَى هُدًى} الآية. (أولاء) كلمة معناها الكناية عن جماعة، وهي لا تعرب لأنها اسم الإشارة، وكسرت الهمزة فيها لالتقاء الساكنين (¬5)، قال الله تعالى: {هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي} [طه: 84] ودخلت الكاف للمخاطبة كما ذكرنا في قوله (ذلك)، وفيه ثلاث لغات: (أولئك) و (أولاك) و (أولالك) (¬6). قال الشاعر: ¬

_ (¬1) انظر: "العين" 5/ 220، "تهذيب اللغة" (يقن) 4/ 49983، "اللسان" (يقن) 98/ 4964. (¬2) هو ما سبق من قوله: إن الآيات الأربع في جميع المؤمنين. انظر ص 445. (¬3) التفسير الأول للغيب هو ما ذكره عن أبي العالية. يؤمنون بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وجنته وناره ولقائه وبالبعث بعد الموت. (¬4) في (أ)، (ب): (للغيب). (¬5) انظر. "معاني القرآن" للزجاج 1/ 37. (¬6) انظر: "الأصول في النحو" 2/ 128، "سر صناعة الإعراب" 1/ 322، "تهذيب اللغة" 1/ 74، "المنصف" 1/ 165، 166، 3/ 26، "تفسير القرطبي" 1/ 157 "الدر المصون" 1/ 102.

أولئك قومي لم يكونوا أُشابةً ... وهل يَعِظُ الضِّلِّيلَ إلا أولالكا (¬1) وقال آخر: أولاكَ بنو (¬2) خير وشرٍّ كليهما (¬3) ... جميعًا ومعروفٍ ألمَّ ومُنكرِ (¬4) فمن قال: (أولاك) قال: (هؤلا) مقصورًا (¬5)، قال أوس بن حجر: لعمرك إنّا والأحاليف هؤلا ... لَفي فتنةٍ أظفارُها لم تُقَلَّمِ (¬6) ¬

_ (¬1) نسب أبو زيد البيت في "النوادر" لأخي الكلحبة وروايته له. ألم تك قد جربت ما الفقر والغنى ... ولا يعظ الضليل إلا ألالكا "نوادر أبي زيد" ص 438، ومثل ذلك في "الخزانة" 1/ 394، بينما نسبه في "شرح المفصل" للأعشى وروايته له مثل ما ورد عند الواحدي "شرح المفصل"، 10/ 6 ويروى البيت عند أكثر النحاة (أولالك قومي ...) بدل (أولئك)، و (الأشابة) بضم الهمزة: الجمع المختلط من هنا وهناك، والضليل: الضال، يصف قومه بالصفاء والنصح، ورد البيت كذلك في "المنصف" 1/ 166، 3/ 26، "الهمع" 1/ 216، و"تفسير القرطبي" 1/ 158 "الدر المصون" 1/ 102. (¬2) في جميع النسخ (بني) والتصحيح حسب المصادر التي ورد فيها البيت. (¬3) في (ب): (كلاهما) وفي (ج): (كله هما). (¬4) في (ج): (وينكر). البيت لمسافع بن حذيفة العبسي، شاعر جاهلي، قوله (أولاك) مبتدأ و (بنو) خبر المبتدأ، أراد أنهم ملازمون لفعل الخير والشر مع الأصدقاء والأعداء، و (معروف) و (منكر) معطوف على خير، وهما أخص من الخير والشر، و (ألم). نزل. انظر. "الخزانة" 1/ 171 وانظر: "حاشية يس على التصريح" 2/ 124، (مطبوع في هامش التصريح)، "الحماسة بشرح المرزوقي" 2/ 990. (¬5) انظر: "الأصول في النحو" 2/ 127. (¬6) رواية البيت (حقبة) بدل (فتنة) يقول: نحن في حرب، والأظفار: كناية عن السلاح. انظر: "ديوان أوس" ص120، "المعاني الكبير" 2/ 898، "الخزانة" 3/ 17، 7/ 18.

وكتبت (¬1) الواو في {أُولَئِكَ} لئلا يشتبه في الكتابة بـ (إليك) وأشار بقوله: (أولئك) إلى الموصوفين بالصفات المتقدمة (¬2). ومحله رفع بالاستئناف (¬3). وقوله تعالى: {عَلَى هُدًى} معنى: (على) كمعنى: (فوق) (¬4). وهي (¬5) تكون: اسما وحرفا (¬6)، يقول: عليه مال (¬7)، فهذا حرف، وكأنه شيء اعتلاه. وقول الشاعر: غَدَتْ مِنْ عليه تنفُضُ الطَّلَّ بعدما ... رأتْ حاجبَ الشمسِ استوى فترفَّعا (¬8) ¬

_ (¬1) في (ب): (يشبه في الكناية إليك). انظر: "البحر المحيط" 1/ 43. (¬2) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 106، وابن "تفسير كثير" 1/ 47. (¬3) في محل {أُولَئِكَ} من الإعراب أقوال وهي: أنها مبتدأ وخبره الجار والمجرور بعده، والجملة إما مستأنفة، أو خبر عن قوله: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ} الأولى أو الثانية، ويجوز. أن تكون {أُولَئِكَ} وحدها خبراً عن {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ} الأولى أو الثانية، ويجوز: أن يكون {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ} مبتدأ، و {أُولَئِكَ} بدل أو بيان. انظر "الدر المصون" 1/ 102. (¬4) تكون بمعنى (فوق) إذا كانت اسما. انظر: "الكتاب" 1/ 268، "مغني اللبيب" 1/ 145. (¬5) في (ب): (وهو). (¬6) وإذا كانت حرفا فلها عدة معان. انظر: "مغني اللبيب" 1/ 143. (¬7) انظر: "تهذيب اللغة": (على) 3/ 2559. (¬8) نسبه أبو زيد في "النوادر" لبعض القشيريين، ونسب في "اللسان" ليزيد ابن الطثرية، يقول: غدت الظبية من فوقه. والشاهد فيه (من عليه) استعمل (على) اسما بمعنى: فوق لما دخل عليها حرف الجر (من). ورد البيت في "نوادر أبي زيد" ص 453، "المقتضب" 2/ 320، 3/ 53، "الأزهية" ص 194، "اللسان" (علا) 5/ 3092، "شرح المفصل" 8/ 38.

فهذا اسم لدخول (من) عليها (¬1)، كأنه قال: غدت تنفض الطل من فوقه. وقوله تعالى: {هُمُ اَلمُفلِحُونَ}. (هم) دخلت فصلا (¬2)، وإن شئت كان تكريرا للاسم، كما تقول: زيد هو العالم، ترفع (¬3) (زيدا (¬4)) بالابتداء، و (هو) ابتداء ثان، و (العالم) خبر له (¬5)، وهما جميعا خبر لزيد، وكذلك قوله: {وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}. وإن شئت جعلت (هو) فصلا، وترفع (زيدا)، و (العالم) على الابتداء والخبر، والفصل هو الذي يسميه (¬6) الكوفيون عماداً. قال سيبويه (¬7): دخل الفصل في قوله: {تَجِدُوهُ عنِدَ اللهِ هُوَ خَيراً} [المزمل:20]. وفي قوله: {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ} (¬8) [آل عمران: 180]. وفي قوله: {وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ ¬

_ (¬1) انظر: "الكتاب" 1/ 268، "مغني اللبيب" 1/ 145، "شرح المفصل" 8/ 38. (¬2) نقله الواحدي عن الزجاج بتصرف يسير. انظر: "معاني القرآن" 1/ 37. (¬3) مكانها بياض في (ب). (¬4) في (ب): (زيد). (¬5) أي خبر هو. انظر: "معاني القرآن" 1/ 37. (¬6) في (أ): (تسمية) وما في (ب، ج) أصح في السياق. (¬7) في "معاني القرآن": (وسيبويه يقول: إن الفصل لا يصلح إلا مع الأفعال التي لا تتم، نحو: كان زيد هو العالم، وظننت زيدا هو العالم. وقال سيبويه. دخل الفصل في قوله عز وجل .. إلخ)، وقوله: (وسيبويه يقول ... إلى: وظننت زيدا هو العالم (ليس موجودا في بعض مخطوطات المعاني. انظر: حاشية "معاني القرآن" 1/ 38، وانظر كلام سيبويه في "الكتاب" 2/ 389 - 395. (¬8) سقط (لهم) من (أ)، (ب)، والآية (180) من آل عمران.

الْحَقَّ} [سبأ: 6]، وفي قوله: {إِن كاَنَ هَذَا هُوَ اَلحَقَّ مِن عِندِكَ} [الأنفال:32]. وذكر أن [هذا] (¬1) بمنزلة (ما) (¬2) اللغو (¬3) في قوله: {فبَمَا رحمَةٍ} [آل عمران: 159]. وقوله {الْمُفْلِحُونَ} قال أبو عبيد (¬4): أصل الفلاح: البقاء (¬5)، وأنشد للأضبط (¬6) بن قريع (¬7) السعدي: لِكلِّ هَمِّ من الهموم سَعَةْ ... والمُسْيُ والصبحُ لا فلاحَ مَعَهْ (¬8) يقول: ليس مع كر الليل والنهار بقاء. ومنه قول عَبِيد (¬9): ¬

_ (¬1) قوله: ذكر، أي. سيبويه، وقوله: (هذا) كذا وردت في جميع النسخ، وفي "معاني القرآن" للزجاج (هو) وهو الصواب. (¬2) في (ج): (وذان هذا بمنزلة ها). (¬3) "معاني القرآن" 1/ 38، كلام سيبويه في "الكتاب" 2/ 391، ولم يذكر سيبويه الآية. (¬4) في (ب) (أبو عبيدة) وهو خطأ. وكلام أبي عبيد في "غريب الحديث" 4/ 38، وانظر "تهذيب اللغة" (فلح) 3/ 2826. (¬5) في (ب) (التقى). (¬6) في (ب)، (ج). (وأنضد الأضبط) وما في (أ) موافق لـ"تهذيب اللغة" (فلح) 3/ 2826، وعبارة "غريب الحديث": قال الأضبط ... ، 2/ 183. (¬7) في (ب): (فيع). وهو الأضبط بن قريع بن عوف بن كعب بن سعد، السعدي شاعر جاهلي قديم. انظر ترجمته في "الشعر والشعراء" ص 242، "الخزانة" 11/ 455. (¬8) البيت في "غريب الحديث" لأبي عبيد 2/ 183، "الزاهر" 1/ 31، "تهذيب اللغة" (فلح) 3/ 2826، و"تفسير الثعلبي" 1/ 69/أ، "اللسان" 6/ 3458، "تفسير ابن عطية" 1/ 150، و"تفسير القرطبي" 1/ 158، "الدر المصون" 1/ 104 "الخزانة" 11/ 452، وقد ذكره في "الشعر والشعراء" ونصه: ياقوم من عاذرى من الخدعة ... والمسى .......... إلخ 1/ 390 (¬9) هو عبيد بن الأبرص كما في "غريب الحديث" 4/ 183.

أفلِحْ بما شئتَ فقد يُبلَغ بالـ ... ـضَّعف (¬1) وقد يُخْدَعُ الأريبُ (¬2) يقول: عش بما (¬3) شئت من عقل أو حمق، فقد يرزق الأحمق ويحرم العاقل. قال: وإنما قيل لأهل الجنة: مفلحون، لفوزهم ببقاء الأبد، ومن هذا يقال للسحور (¬4): الفلح والفلاح، أي: أن (¬5) به بقاء الصوم (¬6). الحراني عن ابن السكيت (¬7) الفلح والفلاح: البقاء، وأنشد لعدي بن زيد: ثم بعد الفلاح والرشد والإ ... مَّة وارَتْهمُ هناك القبورُ (¬8) وقال الأعشى: ¬

_ (¬1) في (ب): (بالضغت). (¬2) البيت يروى (يدرك) بدل (يبلغ) و (يخدع) بالتشديد، وهو في "غريب الحديث" 2/ 183، 200، "ديوان عبيد" ص14، و"تفسير الطبري" 1/ 108، (مجاز القرآن) 1/ 30، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 39، "الزاهر" 1/ 132، وفيه (يفلح) بدل يبلغ، "تهذيب اللغة" (فلح) 3/ 2826، "اللسان" (فلح) 6/ 3458، وفيه (بالنوك) بدل (بالضعف)، و"تفسير القرطبي" 1/ 158، "الدر المصون" 1/ 104. (¬3) في (ب): (ما). (¬4) في (ب): (السحور). (¬5) في (ب): (اذ به). (¬6) انتهى كلام أبي عبيد، "غريب الحديث" 2/ 183، وانظر: "تهذيب اللغة" (فلح) 3/ 2826. (¬7) "تهذيب اللغة" (فلح) 3/ 2826، وفيه بيت الأعشى مقدم على بيت عدي. (¬8) من قصيدة لعدي بن زيد، ذكرها ابن قتيبة في "الشعر والشعراء"، وتعتبر من غرر شعره، ويروى (الملك) بدل (الرشد) و (الإمه) بكسر الهمزة: غضارة العيش والنعمة. انظر "الشعر والشعراء" ص130، "تهذيب اللغة" (فلح) 3/ 2826، "اللسان" (فلح) 6/ 3458.

ولَئن كُنَّا كقومٍ (¬1) هلكوا ... ما لِحَيٍّ يا لَقومٍ مِنْ فَلَحْ (¬2) وقال لبيد: نَحُلّ بلاداً كلُّها (¬3) حُلَّ قبلنا ... ونرجو الفلاحَ بعد عادٍ وحِمْيَرِ (¬4) هذا معنى الفلاح في اللغة. ثم يقال لكل من ظفر ببغيته وأصاب خيرا: أفلح (¬5)، وقال (¬6) لبيد: اعْقِلي إن كنت لمّا تَعْقِلي ... ولقد أفلحَ مَنْ كان عَقَلْ (¬7) يعني: ظفر بحاجته ووصل إلى بغيته (¬8)، وهو راجع إلى معنى البقاء، لأن البقاء هو سبب إدراك البغية ونيل المطلوب. فمعنى قوله: {الْمُفْلِحُونَ} أي: هم الذين أدركوا البغية، ووجدوا ¬

_ (¬1) في (ب): (القوم). (¬2) البيت في (غريب الحديث) للخطابي1/ 523، "تهذيب اللغة" (فلح) 3/ 2826، "اللسان" (فلح) 6/ 3458، (الصحاح) (فلح) 1/ 392، "ديوان الأعشى" ص 38، وفيه (أو لئن)، (يا لقومي) وهو من قصيدة يمدح بها إياس بن قبيصة الطائي، ومعنى (فلح): بقاء. (¬3) في (ب): (حلها). (¬4) البيت في ديوان لبيد (مع شرحه) ص 57، "مجاز القرآن" 1/ 30، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 39، والطبري 1/ 108، والثعلبي 1/ 47/ب، والقرطبي 1/ 158، وابن عطية 1/ 150، (زاد المسير) 1/ 27، "الدر المصون" 1/ 104. (¬5) انظر "تفسير الطبري" 1/ 108، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 39. (¬6) في (ب): (وقال). (¬7) "ديوان لبيد مع شرحه" ص 177، "مجاز القرآن" 1/ 31، و"تفسير الطبري" 1/ 180، و"تفسير أبن عطية" 1/ 104، "الزاهر" 1/ 131، وقوله: (أعقلي) يخاطب عاذلته، أو نفسه. (¬8) في (ب): (ببغيته). انظر: "تفسير الطبري" 1/ 108، "مجاز القرآن" 1/ 31.

6

البقاء في الدار الآخرة في النعيم المقيم (¬1). وحكم لهم بالفلاح ولم يصلوا بعد إلى الجنة، لأن المعنى أنهم يصلون إلى البغية والبقاء بكونهم على الهدى، أو كأنهم قد وصلوا للثقة بالموعود لهم. وقيل: هم على هدى في الحال، وهم المفلحون في المآل. 6 - قوله تعالى: {إِنَّ الذين كَفَرُوا} الآية. {إِنَّ} الثقيلة تكون منصوبة الألف وتكون مكسورة الألف. فإذا (¬2) كانت مبتدأة ليس قبلها شيء تعتمد (¬3) عليه، أو جاءت بعدها (لام) مؤكدة يعتمد عليه (¬4) أو جاءت بعد القول وما تصرف (¬5) منه، وكانت حكاية: كسرت الألف، وفيما سوى ذلك تنصب (¬6). ومعناها في الكلام: التوكيد، وهي التي تنصب الأسماء وترفع الأخبار، وإنما نصبت ورفعت، لأنها تشبه بالفعل، وشبهها أنها لا تلي الأفعال ولا تعمل فيها، وأنها يذكر بعدها الاسم والخبر، كما يذكر بعد الفعل الفاعل والمفعول، إلا أنه قدم المفعول فيها ليفصل بين ما يشبه بالفعل وليس لفظه لفظ الفعل (¬7)، وبين ما يشبه بالفعل ولفظه لفظ الفعل، ¬

_ (¬1) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 108، "تفسير أبي الليث" 1/ 91، و"تفسير القرطبي" 1/ 159، و"تفسير ابن عطية" 1/ 150. (¬2) في (ب): (وإذا). (¬3) في (ب)، (ج): (يعتمد) وهو موافق لـ"تهذيب اللغة" 1/ 222، والكلام منقول منه. (¬4) (عليه) في جميع النسخ. وفي "تهذيب اللغة" (عليها) 1/ 222. (¬5) في (ب): (يصرف). (¬6) في (ب). (ينصب) وفي "تهذيب اللغة" (تنصب الألف). والكلام بنصه ذكره الأزهري عن الليث عن الخليل، سوى قوله: أو جاءت بعد القول فذكره عن الفراء. "تهذيب اللغة" (أن) 1/ 222، وانظر مواضع فتح وكسر همزة (إن) في "الكتاب" 3/ 134 وما بعدها، "الأصول في النحو" 1/ 262 وما بعدها. (¬7) من هنا بدأ سقط لوحة كاملة من (ب).

نحو (كان) وبابه (¬1). وقوله تعالى: {كَفَرُوا} معنى الكفر في اللغة: التغطية. أقرأني أحمد بن محمد بن عبد الله بن يوسف العروضي (¬2) -رحمه الله- قال: أخبرني الأزهري، عن المنذري، عن الحراني، عن ابن السكيت قال: إذا لبس الرجل فوق درعه ثوباً فهو كافر، وقد كفر فوق درعه، وكل ما غطى شيئاً فقد كفره. ومنه قيل لليل: كافر، لأنه ستر بظلمته وغطى، وأنشد لثعلبة بن صُعَير المازني (¬3): فتذكّرا ثَقَلًا رثيداً بعدما ... ألقت ذكاءُ يمينَها في كافرِ (¬4) أي: الليل. ومنه يسمى الكافر كافراً، لأنه ستر نعم الله. ¬

_ (¬1) ذكره الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 40، وانظر: "الأصول في النحو" 1/ 23، "الإيضاح في علل النحو" ص 135، "الإنصاف" ص 153 - 155. (¬2) شيخ الواحدي، تقدمت ترجيته مع شيوخه. (¬3) هو ثعلبة بن صعير بن خزاعي المازني، شاعر جاهلي قديم، قال الأصمعي: لو قال ثعلبة بن صعير مثل قصيدته خمساً كان فحلاً، انظر "فحولة الشعراء" الأصمعي ص 12، "الأعلام" للزركلي 2/ 99. (¬4) البيت من قصيدة له، ذكرها المفضل الضبي في "المفضليات" ص 128 - 131، والبيت في "إصلاح المنطق" ص 49، 339، وفي "تهذيب اللغة" (كفر) 4/ 3162، "المشوف المعلم في ترتيب الإصلاح" 1/ 332، 2/ 679، "أمالي القالي" 2/ 145، "الصحاح" (كفر) 2/ 808، "مقاييس اللغة" (كفر) 5/ 191، "المخصص" 6/ 78 , 9/ 19،7/ 17، "اللسان" (رثد) 3/ 15981، و (كفر) 7/ 3899، و (ذكا) 3/ 1510، و"تفسير ابن عطية" 1/ 151، و"تفسير القرطبي" 1/ 159، و"تفسير الطبري" 1/ 110، "الدر المصون" 1/ 107. وفي هذا البيت يذكر الظليم والنعامة، والثقل: بيضهما، والرثد: المتاع المرثود، وذكاء. الشمس، أي بدأت في المغيب، والكافر: الليل.

ويقال: رماد مكفور، أي: سَفَت عليه الريح التراب حتى وارته، قال الراجز: قد درسَتْ (¬1) غير رمادٍ مكفورْ ... مكتئبِ اللون مَريحٍ ممطورْ (¬2) وقال آخر (¬3): فوردَتْ قبلَ انبلاجِ (¬4) الفَجْرِ ... وابنُ ذُكاءٍ كامنٌ فى كَفْرِ (¬5) أي: فيما يواريه من سواد الليل، وقد كفر الرجل متاعه [أي:] (¬6) أوعاه في وعاء (¬7). ¬

_ (¬1) في (ج): (رزشت). (¬2) الرجز لمنظور بن مرثد الأسدي، وقيل: لأبي مهدي. وقبله: هل تعرف الدار بأعلى ذى القور؟ يقول: درست معالم الدار إلا رماداً مكفوراً، أي: سفت عليه الريح، والأبيات في "إصلاح المنطق" ص 340، وفي "التهذيب" (كفر) 4/ 3162، "الصحاح" (كفر) 2/ 807، "المخصص" 6/ 78، "المشوف المعلم في ترتيب الإصلاح" 2/ 679، "مقاييس اللغة" (كفر) 10/ 198، "اللسان" (كفر) 7/ 3900. وكلهم رووه (مروح ممطور) سوى (المخصص) فنصه مثل رواية المؤلف هنا. (¬3) هو حميد الأرقط. (¬4) في (ج): (ابلاج). (¬5) قال ابن السكيت. ويروى: (في كفر) وهما لغتان. وابن ذكاء: يعني الصبح، "إصلاح المنطق" ص 340، وانظر: "تهذيب اللغة" (كفر) 4/ 3162، ورد البيت كذلك في "الصحاح" (كفر) 7/ 3900، "المخصص" 6/ 78، "المشوف المعلم" 2/ 679، "اللسان" (كفر) 7/ 3900، و"تفسير القرطبي" 1/ 160، "الدر المصون" 1/ 106. (¬6) في (أ)، (ج): (إلى)، وفي "إصلاح المنطق"، "التهذيب": (أي) وهو الصحيح. "الإصلاح" ص 340، "التهذيب" (كفر) 4/ 3162. (¬7) انتهى كلام ابن السكيت وهو في "الإصلاح" ص 339،340، "تهذيب اللغة" (كفر) 4/ 3162، ونص الواحدي من "التهذيب".

وقال ابن المظفر (¬1): سمي الكافر: كافراً، لأن الكفر غطى قلبه كله. قال الأزهري: وهذا يحتاج إلى إيضاح. وهو: أن (الكفر) في اللغة: التغطية، فالكافر معناه: ذو الكفر، ذو تغطية لقلبه بكفره، كما يقال للابس السلاح: كافر، وهو الذي غطاه السلاح. ومثله: رجل كاس أي: ذو كسوة، وناعل: ذو نعل (¬2). وقول ابن (¬3) السكيت في معنى الكافر أبين وأصح (¬4). والنعمة التي أنعم الله على العبد فكفرها (¬5) الكافر، أي: سترها، هي الهدى والآيات التي أبانت لذوي التمييز أن الله واحد لا شريك له، فمن لم يصدق بها وردها فقد كفر النعمة، أي: سترها وغطاها. ويجوز أن يقال: إن الكافر لما دعاه الله إلى توحيده فقد دعاه إلى نعمة أوجبها له إذا أجابه إلى ما دعاه إليه، فإذا لم (¬6) يجب كان كافرا لتلك النعمة، أي: مغطيا لها، مكذبًا بها، حاجبا لها عنه (¬7). قال شمر: قال بعض أهل العربية (¬8): الكفر على أربعة أنحاء: كفر إنكار، وكفر جحود، وكفر معاندة، وكفر نفاق، من لقي ربه بشيء من ذلك ¬

_ (¬1) هو الليث. انظر: "التهذيب" (كفر) 4/ 3161، ومقدمة "التهذيب" 1/ 47. (¬2) في (التهذيب) بدل (فاعل: ذو نعل)، وماء دافق: ذو دفق 4/ 3161. (¬3) في (ج): (بن). (¬4) قال الأزهري: قلت: وما قاله ابن السكيت بيِّن صحيح، 4/ 3161. (¬5) في "التهذيب": (والنعم التي سترها الكافر هي الآيات التي أبانت لذي التمييز .. إلخ) 4/ 3162. (¬6) في "التهذيب": (.. فقد دعاه إلى نعمة ينعم بها عليه إذا قبلها، فلما رد ما دعاه إليه من توحيده كان كافرا نعمة الله ..)، 4/ 3161. (¬7) "التهذيب" (كفر) 4/ 3160، وقد تصرف الواحدي في نقل كلام الأزهري. (¬8) في "التهذيب" (قال شمر: قال بعض أهل العلم)، 4/ 3160.

لم يغفر له. فأما كفر الإنكار: فهو أن يكفر بقلبه ولسانه ولا يعرف ما يذكر له من التوحيد. وكذلك روي في تفسير قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ} [البقرة: 6]، أي: الذين كفروا بتوحيد الله. وأما كفر الجحود: فأن يعرف بقلبه ولا يقر بلسانه، فهذا كافر جاحد ككفر إبليس، وكفر أمية بن أبي الصلت (¬1)، ومنه قوله تعالى: {فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ} [البقرة: 89]، يعني: كفر الجحود. وأما كفر المعاندة: فهو أن يعرف بقلبه ويقر بلسانه، ويأبى أن يقبل، ككفر أبي طالب حيث يقول: ولقد علمتُ بأنّ (¬2) دين محمد ... من خير أديان البرية دينا (¬3) لولا الملامةُ أو حِذارُ مسَبّةٍ ... لوجدتَني سمحاً (¬4) بذاك متينا (¬5) ¬

_ (¬1) شاعر جاهلي أدرك النبي - صلى الله عليه وسلم - وكفر به حسدًا، كان له شعر جيد، وكان يخبر أن نبيًّا قد أظل زمانه، وكان يؤمل أن يكون ذلك النبي، فلما بلغه خروج النبي - صلى الله عليه وسلم - كفر به حسداً، ولما أنشد النبي - صلى الله عليه وسلم - شعره قال: "آمن لسانه وكفر قلبه". وسبقت ترجمته، وانظر: "الخزانة" 1/ 249. (¬2) في (ج): (أن). (¬3) إلى هنا ينتهي السقط من (ب). (¬4) في (ب): (سحا). (¬5) كذا جاءت الأبيات في "التهذيب" 4/ 3160، "اللسان" (كفر) 7/ 3898، و"تفسير البغوي" 1/ 64، وفي "تفسير النسفي" 1/ 50، (ضمن مجموعة من التفاسير) وفيها (سمحا بذلك مبينا) وفي "تفسير القرطبي" (بقينا) 6/ 406. وذكرها المؤلف في "أسباب النزول" بمثل روايته لها هنا. ص 210.

وأما كفر النفاق: فأن يقر بلسانه ويكفر بقلبه. قال (¬1): والكفر -أيضا- يكون بمعنى: البراءة، كقول الله عز وجل خبرًا عن الشيطان {إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ} [إبراهيم: 22]، أي تبرأت (¬2). ويقال: كفر كفراً وكفوراً، كما يقال: شكر شكراً وشكوراً (¬3) قال الله تعالى: {فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا} [الإسراء:89]. وقوله تعالى: {سَوَآءُ عَلَيهِم}. السواء (¬4)، والعدل، والوسط، والقصد، والنصف: ألفاظ متقاربة في المعنى. يقال للعدل: السواء، قال زهير (¬5). أرُوني (¬6) خُطَّةً لا خَسْفَ فيها ... يُسَوِّي (¬7) بيننا فيها السَّوَاءُ (¬8) ¬

_ (¬1) أي: شمر. "التهذيب" 4/ 3160. (¬2) كلام شمر جميعه في "تهذيب اللغة" (كفر) 4/ 3160، "اللسان" (كفر) 7/ 3898، وانظر أنواع الكفر في "التصاريف" المنسوب ليحيى بن سلام ص 104، 105، و"النسفي" 1/ 50 (ضمن مجموعة من التفاسير). (¬3) "الحجة" لأبي علي1/ 245، وانظر "تهذيب اللغة" 4/ 3160. (¬4) الكلام في "الحجة" بنصه 1/ 245. وانظر "التصاريف" ص 111، 112، "تهذيب اللغة" 2/ 1795، "الصحاح" (سوا) 6/ 2384. (¬5) هو زهير بن أبي سلمى، أحد فحول شعراء الجاهلية، توفي قبل المبعث بسنة. انظر ترجمته في "الشعر والشعراء" ص 69، "الخزانة" 2/ 332. (¬6) في "الحجة" (أرونا) وفي الهامش في ط (أرني) 1/ 246. (¬7) في (ب): (يسوا). (¬8) رواية البيت في الديوان: أرونا سنة لا عيب فيها. يقول: أرونا سنة لا عيب فيها ولا ظلم، تسوى بيننا بالحق، "ديوان زهير" ص 84، "الحجة" 1/ 246، "تهذيب اللغة" "لفيف السين" 2/ 1795، "البحر" 1/ 347، "الدر المصون" 1/ 108.

وأنشد أبو زيد لعنترة (¬1): أبَينا فلا نُعطي السَّواءَ عدوَّنا ... قيامًا بأعضاد السَّراءِ المُعَطَّفِ (¬2) و (السواء): وسط الشيء، ومنه قوله: {فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ} (¬3) [الصافات: 55]. و (سواء) مأخوذ من الاستواء والتساوي، وهو الاعتدال (¬4)، قال الشاعر: وليلٍ يقولُ المرءُ من ظلماته ... سواءٌ صحيحاتُ العيونِ وعُورُها (¬5) أي: معتدلة في البصر والإدراك. وقالوا: سِيٌّ بمعنى: سواء، كما قالوا: قِيّ وقَواء (¬6)، ولا يثنى (سواء) كما ثني (سيان) وإن كانوا قد جمعوه جمع التكسير في قولهم: ¬

_ (¬1) هو عنترة بن عمرو بن شداد العبسي، كان شاعرًا، وكان أشجع أهل زمانه وأجودهم. انظر ترجمته في: "الشعر والشعراء" ص 149، "طبقات فحول الشعراء" 1/ 152، "الخزانة" 1/ 128. (¬2) البيت من قصيدة قالها عنترة يوم (عرار) يخاطب فيها بني حنيفة، قوله: السواء: الصلح، أعضاد: جمع عضد، وهو القوس، والسراء: شجر يتخذ منه القسي، المعطف: المعوج، انظر. "ديوان عنترة" ص 52، "نوادر أبي زيد" ص 377، "الحجة" 1/ 246. (¬3) كلمة (في) في الآية ساقط من (أ). (¬4) "الأضداد" لابن الأنباري ص 43. (¬5) البيت للأعشى كما في "ديوانه" ص 68، وفيه: "يقول القوم" سواء بصيرات .. " وهو في "الأضداد" لابن الأنباري ص 43، وفيه "يقول القوم"، "الطبري" 1/ 111، "البحر المحيط" 1/ 47، "القرطبي" 1/ 160، "الدر المصون" 1/ 107. (¬6) (القي) بالكسر والتشديد (فعل) من القوا (وهي الأرض القفر) "اللسان" (قوا) 6/ 3789، انظر: "الصحاح" 6/ 2470، "مقاييس اللغة" (قوي) 5/ 37.

(سواسية) (¬1). قال أبو الهيثم (¬2): يقال فلان وفلان سواء (¬3)، أي: متساويان، وقوم سواء، لأنه مصدر، لا يثنى ولا يجمع. قال الله عز وجل: {لَيسُواْ سَوَآء} [آل عمران: 113] أي: ليسوا مستوين (¬4)، وإذا قلت: سواء عليّ، احتجت أن تترجم عنه بشيئين، كقولك: سواء حرمتني أو أعطيتني. وحكى السكري عن أبي حاتم إجازة تثنية (سواء) (¬5). قال أبو علي الفارسي: لم يصب ابن (¬6) السجستاني في ذلك، لأن الأخفش وأبا عمر الجرمي (¬7) زعما (¬8) أن ذلك لا يثنى، كأنهم استغنوا بتثنية (سي) (¬9) عن تثنية (سواء)، كما استغنوا عن (ودع)، بـ (ترك) (¬10). وأنشد أبو زيد: ¬

_ (¬1) في (ج): (سواء سييه). الكلام في "الحجة" لأبي علي 1/ 246، 247. (¬2) "تهذيب اللغة" 2/ 1793. (¬3) في "التهذيب": (فلان وفلان سواعد، أي: متساويان) وهو تصحيف 2/ 1795. (¬4) في (ب): (مستويين). (¬5) ذكره أبو علي في "الحجة" 1/ 268. (¬6) في (ب): (لم يصف ممن). (¬7) هو صالح بن إسحاق، أبو عمر الجرمي، النحوي، بصري، قدم بغداد، لقي الفراء، وأخذ عن الأخفش وأبي عبيدة والأصمعي، وكان ذا دين وورع، توفى سنة خمس وعشرين ومائتين. انظر ترجمته في: "تاريخ بغداد" 9/ 313، "طبقات النحويين واللغويين" ص 174، (إنباه الرواة) 2/ 80، "وفيات الأعيان" 2/ 485. (¬8) في (ب): (زعموا). (¬9) في (ب): (بتثنيته شي). (¬10) في (ب) (بكرا). "الحجة" 1/ 268، وما بعده في "الحجة" في موضع آخر.

هلاّ، (¬1) كوصل ابن عمّارٍ تُواصلني ... ليس الرجالُ وإن سُوُّوا بأسواءِ (¬2) فـ (أسواء): ليس يخلو من (¬3) أن يكون جمع (سي) [أو (سواء) فإن كان جمع (سي)] (¬4) فهو كـ (مثل) و (أمثال) و (نقض) و (أنقاض)، وإن كان جمع (سواء) فهو كقولهم في النعت (¬5): جواد وأجواد، وفي الاسم: حياء الناقة وأحياء، ولا يمتنع جمعه، وإن كانوا لم يثنوه كما لم يمتنعوا من جمعه على سواسية (¬6). وقوله تعالى: {ءَأَنذَرتَهُم} (¬7). الإنذار: إعلام مع تخويف، فكل منذر معلم، وليس كل معلم منذراً (¬8). وأنذرت يتعدى إلى مفعولين كقوله تعالى: {فَقُل أَنذَرتُكُم صعِقَةً} [فصلت: 13] وقوله: {إِنَّا أَنذَرناكم عَذَابًا قَرِيبًا} [النبأ: 40] ويقال: أنذرتُه فنَذِرَ، أي: علم بموضع الخوف (¬9). ¬

_ (¬1) في (ب): (مهلا). (¬2) أنشده أبو زيد في (النوادر) قال: (وقال رافع بن هريم، وأدرك الإسلام، ثم ذكر البيت وبيتين قبله، "النوادر" ص 282، وانظر: "الحجة" 1/ 247، "اللسان" (سوا) 4/ 2160. (¬3) (من) ساقطة من (ب). (¬4) ما بين المعقوفين ساقط من (ب). (¬5) في "الحجة": (وإن كان جمع سواء فهو مثل ما حكاه أبو زيد من قولهم: جواد وأجواد ..)، 1/ 247. (¬6) انتهى من "الحجة" 1/ 247، 248. (¬7) في (أ) رسمت: (آنذرتهم). (¬8) ذكره أبو علي في "الحجة" 1/ 253، وانظر (تفسير أبي الليث) 1/ 92، "تفسير الثعلبي" 1/ 48/أ. (¬9) "الحجة" 1/ 253، "تفسير الثعلبي" 1/ 48 أ.

و (النذر) ما يجعله الإنسان على نفسه إن سلم مما يخافه (¬1). وقد جاء: النذير والنذر مصدرين كالإنذار (¬2)، فجاء المصدر على: (فعيل) و (فعل). وفي القرآن {فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ} (¬3) وفيه {فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ} [القمر: 16]. وقيل في قوله: {نَذِيَرًا لِلْبَشَرِ} [المدثر: 36]: إنه مصدر في موضع الحال من قوله: {إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ} [المدثر: 35]، كما تقول (¬4): جاء (¬5) ركضاً. فتجعل المصدر حالاً (¬6). وجعل (نذير) أيضًا مصدراً في قوله: {وَجَآءكُمُ اَلنذِير} [فاطر: 37] إذا فسر بأنه الشيب (¬7). ¬

_ (¬1) تعريف النذر اصطلاحًا: التزام قربة غير لازمة في أصل الشرع، بلفظ يشعر بذلك، انظر: "الروض المربع مع حاشية ابن قاسم" 7/ 496، "التعريفات" للجرجاني ص240، و"فقه السنة" 2/ 22. (¬2) في "الحجة": (وقالوا: النذير والنذر، كما قالوا: النكير والنكر، فجاء المصدر على فعيل وعلى فعل ..) 1/ 254. (¬3) جزء من آية في الحج: 44، وسبأ: 45، وفاطر:26، والملك: 18. (¬4) (تقول) ساقط من (ب). (¬5) في (ج): (أجاء). (¬6) في "الحجة": (فأما قوله تعالى: {نَذِيَرًا لِلْبَشَرِ} فقد قيل فيه قولان: أحدهما: أن يكون حالا من (قم) المذكورة في أول السورة والآخر: أن يكون حالا من قوله: {إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ} فإذا جعل (نذيرا) حالا مما في (قم) فإن (النذير) اسم فاعل بمعنى المنذر .. وإن جعلته حالا من قوله: {لَإِحْدَى الْكُبَرِ} فليس يخلو الحال أن يكون من المضاف أومن المضاف إليه .. وفي كلا الوجهين ينبغي أن يكون (نذيرا) مصدرا، والمصدر يكون حالا من الجميع كما يكون حالا من المفرد. تقول: جاؤوا ركضًا، كما تقول: جاء ركضًا ..) 1/ 255. (¬7) في "الحجة". (.. فمن قال: إن النذير النبي - صلى الله عليه وسلم - كان اسم فاعل كالمنذر، ومن قال: إنه الشيب كان الأولى أن يكون مصدرًا كالإنذار)، "الحجة" 1/ 255.

وفي قوله: {ءَأَنذَرتَهُم} وجهان من القراءة (¬1) تحقيق الهمزتين، وتليين الثانية (¬2). فمن حققهما (¬3) فحجته (¬4): أن الهمزة حرف من حروف الحلق، فجاز أن يجتمع مع مثله كسائر الحروف الحلقية، نحو: فَهَّ (¬5) وفَهِهْتُ، وكَعَّ (¬6) وكَعَعْتُ، كذلك حكم الهمزة. ومما يقوّي ذلك قولهم: (رَأّس) (¬7) وسأّل، (تذأَّبت الريح) (¬8)، و (رأيت (¬9) الرجل). وكما جمع الجميع بينهما إذا كانتا عينين، كذلك يجوز الجمع بينهما في غير هذا الموضع (¬10). ¬

_ (¬1) (من القراءة) ساقط من (ب). (¬2) بالتحقيق قرأ عاصم، وحمزة، والكسائي، وابن عامر. "السبعة" لابن مجاهد ص 137، "الكشف عن وجوه القراءات" 1/ 73. وبتليين الثانية قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو. "السبعة" لابن مجاهد ص 137، "الكشف" 1/ 73 قال في (السبعة). من قول أبي عمرو أنه يدخل بين الهمزتين ألفا. (¬3) في (ب): (حققها) وفي (ج): (حقق). (¬4) "الحجة" 1/ 274. (¬5) الفهّ: الكليل اللسان العيي، وفه عن الشيء: نسيه، وقد فهه كفرح. عيي. انظر: "اللسان" (فهه) 6/ 3481، "القاموس" (فهه) ص 1251. (¬6) الكع. الضعيف العاجز، وكع الوجه: رقيقه، وكع يكع: جبن وضعف. انظر. "اللسان" (كعع) 8/ 312، "القاموس" (كع) ص 759. (¬7) وهو الذي يبيع الرؤوس. إصلاح المنطق ص 148. (¬8) (تذأبت الريح) إذا جاءت مرة من هاهنا، ومرة من هاهنا. "إصلاح المنطق" ص 144، " اللسان" (ذأب) 3/ 1479. (¬9) رأيته: إذا أريته على خلاف ما أنا عليه. انظر: "القاموس" ص 1285. (¬10) "الحجة" 1/ 275، وانظر: "الكشف" لمكي 1/ 73.

وحجة من خفف (¬1) الثانية: أن القرب قد رفضت جمعهما (¬2) في مواضع من كلامهم، من ذلك أنهما (¬3) لما اجتمعتا في (آدم) و (آدر) و (آخر) ألزموا جميعا الثانية البدل (¬4) ولم يحققوها. ولما كسروا وحقروا جعلوا هذه المبدلة بمنزلة مالا أصل له في الهمزة فقالوا: أواخر وأويخر (¬5)، فأبدلوا منها (الواو)، كما أبدلوها مما هو ألفط لا يناسب (¬6) الهمزة، نحو: ضوارب وضويرب، وفي هذا دلالة بينة على رفضهم اجتماعهما. ألا تراهم لم يرجعوها (¬7) في التحقير والتكسير، كما رجعوا (الواو) في: ميقات وميعاد (¬8)، و (الياء) في: موسر (¬9)، في قولهم: مواقيت ومياسير، وفي ذلك دلالة بينة على رفضهم لجمعها (¬10). ومن ذلك أيضا أنا لم نجد كلمة عينها همزة ولامها كذلك، كما ¬

_ (¬1) في (ب): (حقق). (¬2) في (ب): (جمعها). (¬3) في "الحجة" (أنهم لما اجتمعتا ...)، 1/ 275. (¬4) أبدلوا مكانها الألف، انظر "الكتاب" 3/ 552. (¬5) وقالوا في آدم: أوادم في الجمع، وفي التصغير: أويدم. انظر "الكتاب" 3/ 552. (¬6) في (أ): (تناسب) وما في (ب)، (ج) موافق لما في "الحجة" 1/ 276. (¬7) في (ب): (يرجعوا لها). (¬8) (وميعاد) ساقط من (ب). (¬9) في (ب): (مولس) (¬10) (لجمعها) كذا في جميع النسخ، وفي "الحجة" (لجمعهما) 1/ 276، وهذا هو الصحيح أي: جمع الهمزتين.

وجدنا في سائر أخوات الهمزة من الحلقية كقولهم: مهاه (¬1)، فهّ (¬2)، و {يَدُعُّ الْيَتِيمَ} [الماعون: 2]، و (مح) (¬3) و (ألح) و (مخ) (¬4). فإذا لم يجمعوا بين الهمزتين في المواضع (¬5) التي جمع فيها بين أخواتها (¬6)، دل ذلك على رفضهم (¬7) لجمعها (¬8). ومن ذلك (¬9) أنهم ألزموا باب (رزيئة) و (خطيئة) (¬10) القلب (¬11) في الجمع، لما يؤدي اجتماع الهمزتين، فقالوا: (خطايا) و (رزايا) (¬12)، فلو ¬

_ (¬1) المهه والمهاه. النضارة والحسن، وقيل: الشيء الحقير اليسير، والهاء فيها لا تصير تاء، إلا إذا أردت بالمهاة. البقرة. انظر: "اللسان" (مهه) 7/ 4290. (¬2) في (أ): (فة) وفي "الحجة" (فه) بدون نقط وهو الصحيح 1/ 276، فه عن الشيء: إذا نسيه، والفه: اللسان العيى. "اللسان" (فهه) 6/ 3481. (¬3) (مح): المح: الثوب الخلق، مح: أخلق. "اللسان" (محح) 7/ 4143. (¬4) في (أ): (مح) وفي (ب)، (ج) بدون نقط أو تشكيل. وفي "الحجة" (مخ) 1/ 276. (¬5) في "الحجة": (الموضع) 1/ 276. (¬6) في "الحجة": (وكررت) 1/ 276، أي جمع بين حروف الحلق وكررت (¬7) في (ب). (بعصهم). (¬8) في "الحجة": (لجمعهما) 1/ 276 أي الهمزتين. (¬9) انظر بقية كلام أبي علي في "الحجة" 1/ 277. (¬10) في (ج): (ذربه) و (خطئه). (¬11) في "الحجة": (.. عما يؤدي إلى اجتماع همزتين فيه، فقالوا ...) 1/ 277. (¬12) قال المازني: (اعلم أنك إذا جمعت (خطيئة) و (رزيئة) على (فعائل) قلت: (خطايا) و (رزايا) وما أشبه هذا مما لامه همزة في الأصل، لأنك همزت ياء (خطيئة) و (رزيئة) في الجمع كما همزت ياء (قبيلة) و (سفينة) حين قلت: (قبائل) و (سفائن) وموضع اللام من (خطيئة) مهموز فاجتمع همزتان، فقلبت الثانية ياء، لاجتماع الهمزتين فصارت (خطائى) ثم أبدلت مكان الياء ألفاء ... فصارت (خطاءا) وتقديرها: (خطاءا) والهمزة قريبة المخرج من الألف فكأنك جمعت =

كان لاجتماعهما عندهم مساغ ما رفضوا ذلك الأصل، كما أنه لو كان لتحرك العينات في نحو: (قال) و (باع) مجاز، ما ألزموها القلب (¬1). فإن قيل: فقد حكى عن بعضهم: (خطائئ) بتحقيق الهمزتين (¬2)؟ قيل: هذا يجري مجرى الأصول المرفوضة (¬3) نحو: ............. ضننوا (¬4) ........... والأظلل (¬5) ولا يعتد بذلك (¬6). ¬

_ = بين ثلاث ألفات فلما كان كذلك أبدلوا من الهمزة (ياء) فصار (خطايا)، "المنصف" 2/ 54, 55. (¬1) (القلب) ساقط من (ب). (¬2) انظر "المقتضب" 1/ 159، "المنصف" 2/ 57، "سر صناعة الإعراب" 1/ 71، قال ابن جني: حكاه أبو زيد. (¬3) قال أبو الفتح ابن جني: شاذ لا يقاس عليه. "سر صناعة الإعراب" 1/ 72. (¬4) جزء من بيت كما في "الحجة" 1/ 277 وتمامه: مهلا أعاذل قد جربت من خلقي ... أني أجود لأقوام وإن ضننوا أراد. ضنوا، فأظهر التضعيف لضرورة الشعر. انظر "الكتاب" 1/ 29، 3/ 535، "النوادر" لأبي زيد ص 230، "المقتضب" 1/ 142، 253، "المنصف" 1/ 339 "اللسان" (ضنن) 5/ 2614، "ظلل" 5/ 2756. (¬5) المراد بالأظلل ما ورد في قول الراجز: تشكو الوجى من أظلل وأظلل ففك الإدغام في (أظلل) ضرورة، والبيت للعجاج، وبعضهم نسبه لأبي النجم. وهو في "ديوان العجاج" ص 155، "الكتاب" 3/ 535، "النوادر" ص 230، "المقتضب" 1/ 252،3/ 354، "الخصائص" 1/ 161، 3/ 87، "المنصف" 1/ 339 "اللسان" (ظلل) 4/ 2756، و (ملل) 7/ 4271، وقوله (تشكو): أي: الإبل و (الوجى): الحفى، الأظلل: باطن الخف. (¬6) "الحجة" 1/ 277، 278.

ومن ذلك أيضا أنهم إذا بنوا اسم فاعل من (¬1) (ناء) و (شاء) [و (جاء) (¬2) قالوا: (شاءٍ) (¬3)] و (ناءٍ) (¬4)، فرفضوا الجمع بينهما ورفضوه في هذا الطرف كما رفضوه أولا في: (آدم) و (آخر) (¬5). ومن ذلك أيضًا أن من قال: هذا فرجّ، وهو يجعلّ، فضاعف (¬6) في الوقف حرصاً على البيان، في يضاعف نحو: (البناء) (¬7)، و (الرشاء)، لكنه رفض (¬8) هذا الضرب (¬9) من الوقف، وما كان يحرص عليه من البيان لما كان يلزمه الأخذ بما تركوه، والاستعمال لما رفضوه من اجتماع الهمزتين (¬10). وإذا كان الأمر على هذا (¬11)، فالجمع في: {أَأَنْذَرْتَهُمْ} (¬12) أقبح من الجمع في كلمتين منفصلتين، نحو: قرأ أبوك، ورشاء أخيك، لأن الهمزة ¬

_ (¬1) في (ب): (على من) زيادة (على). (¬2) في "الحجة" (ناء وساء وشاء). (¬3) ما بين المعقوفين ساقط من (ب). (¬4) في (ب): (تا). وترك التمثيل لاسم الفاعل من (جاء) وهو: (جاء) والأصل فيها (شائئ) و (جائئ) و (نائئ) فلما التقت همزتان أبدلت الثانية (ياء) ثم عوملت مثل (قاض). انظر: "المنصف" 2/ 52. (¬5) انظر بقية كلام أبي علي في: "الحجة" 1/ 278. (¬6) في (ب): (تضاعف). (¬7) في "الحجة" (النبأ). (¬8) في (ب): (نفض). (¬9) في (ب): (الصوت). (¬10) "الحجة" 1/ 279. (¬11) أي: رفض اجتماع الهمزتين. قال أبو علي بعد سياق تلك الحجج، (فهذِه الأشياء تدل على رفض اجتماع الهمزتين في كلامهم. فأما جمعهما وتحقيقهما في (أأنذرتهم) فهو أقبح ....) 1/ 280. (¬12) في (أ)، (ب): (أنذرتهم) بهمزة واحدة، وما في (ج) موافق لما في "الحجة".

الأولى من {أَأَنْذَرْتَهُمْ} تنزل منزلة ما هو من الكلمة نفسها، لكونها على حرف مفرد (¬1)، ألا ترى أنهم قالوا (¬2): لهو ولهي، فخففوا كما خففوا: عضدا (¬3)، فكذلك الهمزة الأولى، لما لم تنفصل من الكلمة صارت بمنزلة التي في آخر (¬4). فأما إذا كانتا (¬5) من كلمتين، فاجتماعهما في القياس أحسن من هذا (¬6)، ألا ترى أن المثلين إذا كانا في كلمة نحو: يرد ويعض، لا يكون فيها (¬7) إلا الإدغام. ولو كانا منفصلين نحو: (يد داود)، لكنت (¬8) في الإدغام والبيان بالخيار. فعلى هذا تحقيق الهمزتين في: {أَأَنْذَرْتَهُمْ} (¬9) -وما أشبهه- أبعد منه في الكلمتين المنفصلتين. ومما يقوي ترك الجمع بين الهمزتين: أنهم قالوا في جمع (ذؤابة): ذوائب، فأبدلوا (¬10) من الهمزة التي هي عين (¬11) (واوا) في التكسير كراهة ¬

_ (¬1) في (ب): (منفرد). (¬2) في (ب): (إذا قالوا). (¬3) أصلها: (عضد). (¬4) في (ب): (آخرها). (¬5) أي: (الهمزتان) (¬6) قال سيبويه: (وأعلم أن الهمزتين إذا التقتا وكانت كل واحدة منهما من كلمة فإن أهل التحقيق يخففون إحداهما ويستثقلون تحقيقهما ...)، "الكتاب" 3/ 548. (¬7) في "الحجة" (فيهما) 1/ 280. (¬8) في (ب): (الكنت). (¬9) في جميع النسخ (أنذرتهم) بهمزة واحدة والتصحيح من "الحجة" 1/ 281. (¬10) في (ب): (وأبدلوا). (¬11) في (ب): (غير).

للهمزتين مع فصل حرف بينهما. فإذا كرهوهما مع فصل حرف بينهما حتى أبدلوا الأولى منهما، فأن (¬1) يكرهوهما غير مفصول بينهما بشيء أجدر (¬2). وأيضاً فإنهم كرهوا (¬3) الهمزة المفردة حتى قلبوها أو حذفوها، وذلك إجماعهم (¬4) في (¬5) (يرى) (¬6) على حذف الهمزة (¬7)، فلما كرهوا ذلك في الإفراد وجب أن لا يجوز في المتكرر (¬8) إلا التغيير. وإذا كان الجمع بينهما في [البعد على هذا، فالجمع بينهما في] (¬9): (أئمة) (¬10) أبعد، لأن الهمزتين لا تفارقان الكلمة (¬11)، وهمزة الاستفهام قد تسقط في الإخبار وغيره، فلما كانت أشد لزومًا للكلمة كان التحقيق ¬

_ (¬1) في (ب): (وإن). (¬2) في (ب): (واحد). "الحجة" لأبي علي 1/ 281. (¬3) الضمير يعود على من يقول بتخفيف الهمزة، قال في "الحجة": (من ذلك أن الهمزة إذا كانت مفردة غير متكررة، كرهها أهل التخفيف، حتى قلبوها أو حذفوها، لئلا، يلزمهم تحقيقها، وقد وافقهم في بعض ذلك أهل التحقيق، كموافقتهم لهم في: (يرى) ..)، 1/ 279. (¬4) أي. أهل التخفيف والتحقيق. انظر كلام أبي علي السابق. (¬5) (في) ساقطة من (ج). (¬6) في (ب): (ترى). (¬7) (يرى) مضارع (رأى) اتفق أهل تحقيق الهمزة، وتخفيفها، على حذفها على التخفيف. انظر "الكتاب" 3/ 546، "المسائل الحلبيات" لأبي علي ص 83، "سر صناعة الإعراب" 1/ 76. (¬8) أي: الهمزة المكررة. "الحجة" 1/ 279. (¬9) ما بين المعقوفين ساقط من (ب). (¬10) في (أ): (أأيمة) وفي (ب)، (ج): (أئمة) ومثله في "الحجة" 1/ 281. (¬11) في (ب): (الضمة).

فيها أبعد (¬1). وأما أبو عمرو فكان يلين الثانية ويجعل بينهما مدة (¬2). وحجته: أنه وإن خفف الثانية بأن جعلها بين الألف والهمز، فذلك لا يخرجها عن أن تكون همزة متحركة، وإن كان الصوت بها أضعف؛ ألا ترى أنها إذا كانت مخففة في الوزن مثلها إذا كانت محققة (¬3)، فلولا ذلك لم يتزن (¬4) قوله (¬5): .... آأنتَ (¬6) زيد الأراقم (¬7) ¬

_ (¬1) يشير إلى أن التحقيق في (أئمة) أبعد، لأن الهمزتين لا تفارقان الكلمة، بينما الهمزة الأولى في (أأنذرتهم) همزة استفهام قد تسقط، فهي كالمنفصلة، ومع ذلك كرهوا تحقيقها. وبعد هذا الاحتجاج الطويل لمن يرى تخفيف الهمزة الثانية الذي نقله الواحدي عن أبي علي من كتاب "الحجة"، والذي هو مذهب أكثر النحويين وعليه أكثر العرب، كما قال سيبويه: (فليس من كلام العرب أن تلتقى همزتان فتحققا ...) انظر "الكتاب" 3/ 548، 549، وانظر "المقتضب" 1/ 158، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 41 - 45، مع ذلك فقراءة التحقيق قراءة سبعية متواترة من حيث السند، ولها حجتها من اللغة. انظر "الكشف" لمكي1/ 73، ولا يقال فيها ما قال أبو الفتح عثمان بن جني: قراءة أهل الكوفة أئمة شاذة عندنا. "سر صناعة الإعراب" 1/ 72 وإن كان يريد من الناحية اللغوية. (¬2) انظر "السبعة" ص 136، "الحجة" لأبي علي 1/ 385، "الكتاب" 3/ 551، قال في "الكشف": وهو مذهب أبي عمرو، وقالون عن نافع، وهشام عن عامر 1/ 74. (¬3) في (ب) , (ج): (مخففة). (¬4) في (ب): (تبرز). (¬5) أي: لو لم تكن الهمزة المخففة بزنة المحققة لا نكسر وزن الشعر. انظر "الكتاب" 3/ 550، "الحجة" 1/ 385. (¬6) في (ب) (أنت). (¬7) الكلام بنصه في "الحجة"، قال: (.. ولولا ذلك لم يتزن قوله: أأن رأت رجلاً =

لأنه يجتمع (¬1) ثلاث سواكن، وإذا كان كذلك فتجعل (¬2) بينهما (مدة)، لئلا تكون جامعاً بين الهمزتين. وقوله تعالى: {ءَأَنذَرتَهُم}: لفظه لفظ الاستفهام (¬3)، ومعناه الخبر، ومثل ذلك قولك: ما أبالي (¬4) أشهدت أم غبت، وما أدري أأقبلت (¬5) أم أدبرت. وإنما جرى عليه لفظ الاستفهام وإن كان خبرا، لأن فيه التسوية التي في الاستفهام، ألا ترى أنك إذا استفهمت فقلت: أخرج زيد أم أقام؟ فقد استوى الأمران عندك في الاستفهام، وعدم علم أحدهما بعينه، كما أنك (¬6) إذا أخبرت (¬7) فقلت. سواء عليّ أقعدت أم قمت، فقد سويت الأمرين ¬

_ = أعشى "الحجة" 1/ 285، 286. فاستشهد أبو علي ببيت الأعشى، وهو شاهد سيبويه على هذِه المسألة انظر "الكتاب" 3/ 550. أما الواحدي فاستشهد ببيت ذي الرمة، الذي استشهد به الثعلبي في (تفسيره) ونصه: تطاللت فاستشرفته فعرفته ... فقلت له: آأنت زيد الأراقم وروايته في "ديوان ذي الرمة"، وفي "الحجة" وغيرهما (زيد الأرانب). نظر "تفسير الثعلبي" 1/ 48/ أ، "الحجة" 1/ 279، "تهذيب اللغة" (اجتماع الهمزتين) 1/ 73، "اللسان" (حرف الهمزة) 1/ 18، "ديوان ذى الرمة" 3/ 1849. (¬1) في (ب): (لأنه كان تجتمع) مثله في "الحجة": (لأنه كان يجتمع فيه ساكنان) 1/ 286، وقصد الواحدي بثلاثة سواكن هي: السكون الذي في مدة الهمزة الأولى وسكون الثانية على الاحتمال الممنوع، وسكون النون. (¬2) في (ب): (يجعل)، (ويكون) بالياء في الموضعين. (¬3) من قوله: وقوله تعالى {ءَأَنذَرْتَهُم} .. نقله من "الحجة" بنصه، 1/ 264. (¬4) في (ب): (لا أبالي). (¬5) في (ب): (أقبلت). (¬6) في (ب): (أنت). (¬7) في (ب): (اختبرت).

عليك، فلما عمتهما التسوية، جرى على هذا الخبر لفظ الاستفهام، لمشاركته له في الإبهام، فكل استفهام تسوية، وإن لم يكن كل تسوية استفهاما (¬1). وحرر أبو إسحاق هذا الفصل فقال (¬2): إنما (¬3) دخلت ألف الاستفهام وأم التي هي للاستفهام (¬4)، والكلام خبر، لمعنى التسوية، والتسوية آلتها (¬5) الاستفهام وأم. تقول من ذلك (¬6): أزيد في الدار أم عمرو؟ فإنما دخلت الألف وأم، لأن علمك (¬7) قد استوى في زيد وعمرو، وقد علمت أن أحدهما في الدار لا محالة، ولكنك استدعيت (¬8) أن يبين (¬9) لك الذي علمت ويلخص (¬10) لك علمه من غيره، ولهذا تقول (¬11). قد علمت أزيد في الدار أم عمرو، وإنما تريد أن تسوي عند من تخبره العام الذي قد خلص ¬

_ (¬1) انتهى ما نقله عن أبي علي من "الحجة" 1/ 264، 265، ونحوه قال أبو عبيدة في "المجاز" 1/ 31 وانظر. الطبري 1/ 111، وابن عطية 1/ 154 - 155. (¬2) في "معاني القرآن" 1/ 41. (¬3) في (ب): (إذا). (¬4) في (ب): (الاستفهام). (¬5) في "معاني القرآن": (والكلام خبر فإنما وقع ذلك لمعنى التسوية، والتسوية آلتها (ألف) الاستفهام و (أم)، تقول: أزيد في الدار أم عمر.). 1/ 41. (¬6) في (ب): (في ذلك) وفي (ج) (يقول). (¬7) في (ب): (عليك). (¬8) في "المعاني": (أردت) 1/ 41. (¬9) في (ب): (تبين). (¬10) كذا رسمت في (أ)، (ج)، وفي (ب) (ويلحظ) وفي "المعاني" (ويخلص) وهو الأصوب. (¬11) في (ج): (يقول).

عندك (¬1). ولا يجوز هاهنا (أو) مكان (أم) لأن (أم) للتسوية بين الشيئين، و (أو) إنما هي لأحد شيئين (¬2)، يدلك (¬3) على هذا أن (أم) (¬4) تكون مع الألف بتأويل (أي) فإذا قلت: أزيد عندك أم عمرو؟ فكأنك قلت: أيهما (¬5) عندك، [وإذا قلت: أزيد عندك أو عمرو؟ لم يكن على معنى: أيهما عندك (¬6)]، هذا اختلاف الجواب، لأنك إذا قلت: أزيد عندك أم عمرو؟ فجوابه: زيد أو عمرو (¬7)، وكذلك في (أي) جوابه أن يذكر أحد الاسمين بعينه، فأما إذا قلت: أزيد عندك أو عمرو؟ فجوابه: نعم أو لا، فهذا فرق بينهما واضح (¬8). ومثل هذه الآية قوله (¬9): {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ} [المنافقون: 6]، وقوله: {سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا} [إبراهيم: 21] و {سَوَاءٌ} في الآية رفع بالابتداء، ويقوم {أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ} مقام الخبر في المعنى، كأنه بمنزلة قولك: (سواء عليهم الإنذار وتركه) لا ¬

_ (¬1) انتهى كلام الزجاج 1/ 41، وانظر الطبري 1/ 111. (¬2) انظر: "الحجة" 1/ 265، 266، "مغني اللبيب" 1/ 43. (¬3) في (ب): (فذلك). (¬4) في (ب): (لم). (¬5) في (ب): (أنهما). (¬6) ما بين المعقوفين ساقط من (ب). (¬7) في (ب): (ونحوا به زيدا وعمرا). (¬8) انظر: "الكتاب" 3/ 169، 170، 171، "مغني اللبيب" 1/ 42. (¬9) انظر: "الحجة" 1/ 271.

في الإعراب، لأنك إذا قدرت هذا التقدير في الإعراب صار {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ} خبراً مقدَّمًا (¬1). والجملة في موضع رفع، بأنها (¬2) خبر {إن} (¬3). ويجوز أن يكون خبر {إن} قوله: {لَا يؤْمِنُونَ} كأنه قيل: (إن الذين كفروا لا يؤمنون سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم). فيكون قوله: {سَوَآءٌ عَلَيهمءَأَنذَرتَهُم} جملة معترضة بين الاسم والخبر، وجاز ذلك، لأنه تأكيد لامتناعهم عن الإيمان (¬4)، ولو كان كلاماً أجنبياً لم يجز اعتراضه بينهما، وسترى لهذا (¬5) نظائر. ومعنى: {سَوَآءٌ عَلَيْهِم} أي: معتدل متساو، و {سَوَآءٌ} اسم مشتق من التساوي. يقول: هما عندي سواء، ومنه قوله {فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ} [الأنفال: 58]، يعني: أعلمهم (¬6) حتى يستوي علمك وعلمهم (¬7). و {سَوَآءٌ اَلْجَحِيمِ} [الصافات:55] وسطه، لاستواء مقادير نواحيه إليه. ¬

_ (¬1) قال أبو علي. (.. فإن رفعته بأنه خبر لم يجز، لأنه ليس في الكلام مخبر عنه، فإذا لم يكن مخبر عنه بطل أن يكون خبرا .. وأيضا فإنه لا يجوز أن يكون خبرا لأنه قبل الاستفهام، وما قبل الاستفهام لا يكون داخلا في حيز الاستفهام، فلا يجوز إذن أن يكون الخبر عما في الاستفهام متقدما على الاستفهام ..)، "الحجة" 1/ 269، (¬2) في (ب): (بأن). (¬3) "الحجة"، 1/ 268، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 41. (¬4) "الحجة" 1/ 268، 269، وانظر "معاني القرآن" للزجاج 1/ 41، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 134، "المشكل" لمكي 1/ 20، "الدر المصون" للسمين الحلبي 1/ 105. (¬5) في (ب): (لها). (¬6) في (أ)، (ج): (علمهم). وأثبت ما في (ب)، لأنه المناسب للسياق. (¬7) ذكره الطبري 10/ 27، وانظر: "الثعلبي" 1/ 48 أ.

وقول القائل: (سواك وسواءك) (¬1) أي (¬2): من هو في مكانك بدلا منك لاستوائه (¬3) في مكانك. قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في اليهود الذين كانوا بنواحي المدينة (¬4) على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وهذا القول اختيار ابن جرير، قال: لأن الله تعالى إنما ذكر هؤلاء عقيب مؤمني أهل الكتاب، فذكر بعد مؤمنيهم كافريهم، والكلام بعضه لبعض تبع (¬5). وقال الضحاك: نزلت في أبي جهل وخمسة (¬6) من أهل بيته (¬7). وقال الربيع: نزلت في قادة الأحزاب يوم بدر (¬8)، وكذلك الآية التي بعدها. ¬

_ (¬1) في (أ): (سواؤك) و (ب): (سواك) و (ج): (سوائك)، والتصحيح من "الحجة" 1/ 250، 251، وانظر "الأضداد" لابن الأنباري ص 40، وقد سبق كلام الواحدي عن (سواء) في أول تفسير الآية. (¬2) (أي) ساقطة من (ب). (¬3) في (ب): (لاستوائك). (¬4) ذكره الطبري 1/ 108، وابن أبي حاتم 1/ 186 - 187 وذكره الثعلبي عن الكلبي 1/ 47 ب، ومثله أبو الليث 1/ 92، والبغوي 1/ 64، وانظر ابن كثير 1/ 48. (¬5) "تفسير الطبري" 1/ 109. (¬6) في (ب): (وحمته). (¬7) ذكره الثعلبي1/ 47 ب. (¬8) أخرجه الطبري بسنده عن الربيع 1/ 109، وأخرجه ابن أبي حاتم بسنده عن الربيع ابن أنس عن أبي العالية 1/ 40، وفي حاشيته: قال المحقق: في سنده اضطراب وذكره ابن كثير، قال: قال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية ثم ذكره، 1/ 48. وذكره السيوطي في "الدر" عن أبي العالية ونسبه إلى ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، 1/ 65، وهو عند ابن جرير عن الربيع بن أنس ولم يوصله لأبي العالية كما سبق.

7

قال أبو العالية: لم يسلم منهم إلا رجلان، وكانا مغموصاً عليهما في دينهما (¬1)، أحدهما: أبو سفيان (¬2)، والأخر: الحكم بن أبي العاص (¬3). ثم ذكر الله تعالى سبب تركهم الإيمان فقال: 7 - {خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِم} الآية. (الختم) في اللغة بمعنى: الطبع، والخاتم: الفاعل. وأصله من آخر الشيء (¬4)، ومنه قوله تعالى: {خِتَامُهُ مِسْكٌ} [المطففين: 26]، قال ابن مسعود: عاقبته (¬5) طعم المسك (¬6) وروي ¬

_ (¬1) هذِه الزيادة عن أبي العالية، ذكرها النحاس في "القطع والائتناف" ص 116، والسيوطي في "الدر" ولفظه: (ولم يدخل من القادة أحد في الإسلام إلا رجلان أبو سفيان، والحكم بن أبي العاص)، ولم ترد عند ابن جرير ولا ابن أبي حاتم، كما أن قوله (وكان مغموصاً عليهما في دينهما) لم يذكرها السيوطي. "الدر" 1/ 65. (¬2) أبو سفيان هو صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، رأس قريش وقائدهم في يوم الأحزاب، أسلم يوم الفتح، كان من دهاة العرب، توفي بالمدينة سنة إحدى وثلاثين. انظر ترجمته في "الإصابة" 2/ 178 - 179، "سير أعلام النبلاء" 2/ 105 - 107. (¬3) الحكم بن أبي العاص بن أمية، ابن عم أبي سفيان، من مسلمة الفتح، وله نصيب من الصحبة، نفاه النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى الطائف، وأقدمه للمدينة عثمان - رضي الله عنه - مات سنة إحدى وثلاثين. انظر ترجمته في: "الإصابة" 1/ 345، "سير أعلام النبلاء" 2/ 107، "الجرح والتعديل" 3/ 120. (¬4) انظر: "تهذيب اللغة" (ختم) 1/ 983 - 984، وفيه: خاتم كل شيء: آخره. (¬5) في (ج): (عاقبه). (¬6) ذكره الأزهري في "التهذيب" (ختم) 1/ 984، وأخرج الطبري عن ابن مسعود في تفسير الآية: قال: (خلطه مسك) وعنه: (طعمه وريحه) وأخرج عن إبراهيم، والحسن: عاقبته مسك. الطبري 30/ 106، 107، وفي "الدر": أخرج سعيد بن منصور، وهناد؛ وابن أبي حاتم، وابن أبي شيبة، وابن المنذر، والبيهقي في "البعث"، عن ابن مسعود، وفيه: (يجدون عاقبتها طعم المسك)، 6/ 544.

عن الحسن: مقطعه مسك (¬1). و {رَّحِيقٍ مَخْتُومٍ} [المطففين: 25]: له ختام، أي عاقبه، قاله أبو عبيد (¬2)، ومنه: خاتم النبيين، أي آخرهم (¬3). قال الليث: وخاتمة السورة: آخرها، وخاتم كل شيء: آخره (¬4). ومنه ختم القرآن، لأنه حال الفراغ من قراءته، وختم الكتاب عند طيه والفراغ منه (¬5). وقيل في قول ابن مقبل (¬6) يصف الخمر: بالفُلْفُلِ الجَوْنِ والرُّمَّانِ مَخْتومُ (¬7) ¬

_ (¬1) ذكره أبو علي الفارسي في "الحجة" 1/ 292. (¬2) لعل المراد أبو عبيدة كما في "الحجة" حيث قال: (وأظن أبا عبيدة اعتبر ما روي عن الحسن في تفسير الآية، لأنه قال في قوله: {يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ}: له ختام، أي: عاقبة ختامه مسك، أي: عاقبته، وأنشد لابن مقبل ... فتأول الختام على العاقبة، ليس على الختم الذي هو الطبع، وهذا قول الحسن، مقطعه مسك)، "الحجة" 1/ 292، وانظر: "مجاز القرآن" 2/ 290. (¬3) "معاني القرآن" للفراء 2/ 344، "التهذيب" (ختم) 1/ 984. (¬4) ذكره الأزهري عن الليث، "تهذيب اللغة" (ختم) 1/ 984. (¬5) انظر: "العين" 4/ 242، "الصحاح" (ختم) 5/ 1908، "معجم مقاييس اللغة" (ختم) 2/ 245. (¬6) هو: الشاعر تميم بن أبي بن مقبل العجلاني، شاعر مخضرم، أدرك الجاهلية والإسلام، وبلغ مائة وعشرين سنة. انظر ترجمته في "الشعر والشعراء" ص 297، "الإصابة" 1/ 187، "الخزانة" 1/ 231. (¬7) صدره في "الحجة": مما يفتق في الحانوت ناطفها وورد صدره في "ديوانه": صرف ترقرق في الناجود ناطلها يفتق: يشق، الحانوت: دكان الخمار، ناطفها: النطف سيلان الماء، الجون: يطلق على الأبيض والأسود، وقوله (ترقرق): تترقرق أي: تتلألأ، الناجون: =

أي لآخرها طعم الفلفل والرمان. قال الأزهري: أصل الختم: التغطية، وختم البذر (¬1) في الأرض إذا غطاه (¬2). وقال أبو إسحاق: معنى: ختم وطبع (¬3) في اللغة واحد، وهو التغطية على الشيء، والاستيثاق منه بأن لا يدخله شيء، كما قال: {أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [محمد: 24]، وكذلك قوله: {طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ} (¬4) هذا كلام أبي إسحاق. واعلم أن الختم على الوعاء يمنع (¬5) الدخول فيه والخروج منه، كذلك الختم على قلوب الكفار يمنع دخول الإيمان فيها وخروج الكفر منها، وإنما يكون ذلك بأن يخلق الله الكفر فيها (¬6)، ويصدهم عن الهدى، ¬

_ = راووق الخمر الذي يصفي به، الناطل: مكيال الخمر. انظر: "الحجة" 1/ 292، 294، "ديوان ابن مقبل" ص 268، "المخصص" 2/ 149. (¬1) في (ب): (النذر). (¬2) "التهذيب" (ختم) 1/ 985، وفيه: (ختم البذر: تغطية). (¬3) في (ب): (تطبع). (¬4) جاءت في عدة آيات في التوبة {وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [التوبة: 93]، وفي النحل: {أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ} [النحل: 108]، وفي محمد: {أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ} [محمد: 16]. والآية وردت في "تهذيب اللغة" ضمن كلام أبي إسحاق، "التهذيب" (ختم) 1/ 984، ويظهر أن الواحدي نقل كلام الزجاج عنه، وفي "معاني القرآن" للزجاج ورد مكانها: (طبع عليها بكفرهم) ووضع المحقق لها رقم (النساء:155)، وسياق آية النساء: {بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا}. انظر "معاني القرآن" للزجاج1/ 46. (¬5) في (ب): (ممنع). (¬6) قال ابن كثير: (.. ختم على قلوبهم، وحال بينهم وبين الهدى، جزاء وفاقا على تماديهم في الباطل، وتركهم الحق، وهذا عدل منه تعالى حسن، وليس بقبيح ...)، =

ولا (¬1) يدخل الإيمان في قلوبهم كما قال: {وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ} [الجاثية: 23]. فأما قول من قال: معنى {خَتَمَ اَللَّهُ عَلىَ قُلُوبِهِم}: حكم الله بكفرهم (¬2)، فغير صحيح، لأن أحدنا يحكم بكفر الكافر، ولا يقال (¬3): ختم على قلبه. وذهب بعض المتأولين من القدرية إلى أن معنى {ختم الله على قلوبهم}: وسمها سمة (¬4) تدل (¬5) على أن فيها الكفر، لتعرفهم الملائكة بتلك السمة، وتفرق (¬6) بينهم وبين المؤمنين الذين في قلوبهم الشرع (¬7). قال: والختم والطبع واحد، وهما سمة وعلامة في قلب المطبوع ¬

_ = 1/ 49، وأما ما عبر به الواحدي من قوله: (بأن يخلق الله الكفر فيها ..) المعنى صحيح، فإن الله خالق كل شيء من الطاعات والكفر والمعاصي، لكن السلف لم يستعملوا هذا اللفظ تأدبا مع الله تعالى كما قال: {وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا} [الجن: 10]، فلم ينسب الشر إليه، مع أنه خالقه ونسب إليه الخير. (¬1) في (ب): (فلا يدخل). ولعله أولى. (¬2) ذكره الفارسي في "الحجة" 1/ 309، والثعلبي 1/ 48 ب، وهذا قول المعتزلة ذكره القاضي عبد الجبار بن أحمد الهمذاني، أحد علمائهم في كتابه "متشابه القرآن" 1/ 51، 52 تحقيق عدنان زرزور. وانظر "الكشاف" للزمخشري 1/ 157 - 162، وانظر رد الأسكندري عليه في "الحاشية"، "البحر المحيط" 1/ 48. (¬3) في (ب): (ولان يقال). (¬4) في (ج): (وسمة). (¬5) في (ب): (يدل). (¬6) في (ب): (يفرق) (¬7) في (ب): (السرح) وفي (ج): (الشرح).

على قلبه (¬1). وهذا باطل, لأن الختم في اللغة ليس هو الإعلام، ولا يقال: ختمت على الشيء بمعنى: أعلمت عليه ومن حمل الختم على الإعلام فقد تشهى على أهل اللغة، وجر كلامهم إلى موافقة عقيدته. وقوله تعالى {عَلىَ قُلُوبِهِم}. قال الليث: القلب مضغة من الفؤاد، معلقة بالنياط (¬2). وكأنه أخص من الفؤاد، ولذلك (¬3) قالوا: أصبت حبة قلبه، وسويداء قلبه. وقيل: القلوب والأفئدة: قريبان من السواء (¬4). وقال بعضهم: سمي القلب قلبا لتقلبه (¬5)، وأنشد: ما سمي القلب (¬6) إلا من تقلبه ... والرأي (¬7) يصرف بالإنسان أطوارا (¬8) وقوله تعالى: {وَعَلَى سَمْعِهِمْ}. وحد السمع، لأنه مصدر، والمصادر ¬

_ = وهذا قول ثانٍ للمعتزلة. انظرة "متشابه القرآن" للهمذاني 1/ 51، 52، "البحر المحيط" 1/ 48. (¬1) ذكره أبو علي الفارسي في "الحجة" عن قوم من المتأولين، 1/ 301. (¬2) "تهذيب اللغة" (قلب) 3/ 3026. (¬3) في (ب): (وكذلك). (¬4) في (ب): (العوا). (¬5) "تهذيب اللغة" (قلب) 3/ 3026. (¬6) في (ج): (ما سمي القلب قلبا إلا من ..). (¬7) في (ب): (الذي). (¬8) البيت في "التهذيب" (قلب) 3/ 3026، وكذا "اللسان" (قلب) 6/ 3714، بهذا النص، وورد في القرطبي 1/ 163، و"الدر المصون" 1/ 114، "روح المعاني" 1/ 135، شطره الثاني: =

لا تثنى ولا تجمع، [لأن المصدر ينبئ عن الفعل، فهو بمنزلة الفعل، والفعل لا يثنى ولا يجمع (¬1)] (¬2). وقال ابن الأنباري: أراد (¬3): وعلى مواضع سمعهم، فحذف المضاف، كما تقول العرب: تكلم المجلس، وهم يريدون أهله، وحذف المضاف كثير في التنزيل والكلام (¬4). وقيل: اكتفى من الجمع بالواحد (¬5)، كما قال الراعي (¬6): بها جيف الحسرى فأما عظامها ... فبيض وأما جلدها فصليب (¬7) ¬

_ = فاحذر على القلب من قلب وتحويل غير منسوب في جميع المصادر. (¬1) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 47، "تهذيب اللغة" (سمع) 2/ 1756، والثعلبي 1/ 48/ب، "تفسير أبي الليث" 1/ 93، "زاد المسير" 1/ 28، والقرطبي 1/ 165. وقيل: وحد السمع، لأن المسموع واحد وهو الصوت، وقرئ شاذا {وعلى أسماعهم}. انظر. "الفتوحات الإلهية" 1/ 15. (¬2) ما بين المعقوفين ساقط من (ب). (¬3) في جميع النسخ (أرادوا على) زيادة ألف بعد الواو والصحيح حذفها. (¬4) لم أجده منسوبا لابن الأنباري. وورد بمعناه في "تفسير أبي الليث" 1/ 93، والقرطبي 1/ 166، "تهذيب اللغة" (سمع) 2/ 1757. (¬5) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 47، والثعلبي 1/ 48 ب، و"تفسير أبي الليث" 1/ 93، و"تهذيب اللغة" (سمع) ص 1757. (¬6) كذا نسبه الثعلبي 1/ 48 ب، والبيت لعلقمة بن عبدة الفحل كما في "الكتاب" وغيره. (¬7) البيت لعلقمة بن عبدة الفحل، قاله يصف طريقاً شاقًّا، قطعه لممدوحه. الحسرى: جمع حسير، والحسير: البعير المعيب يتركه أصحابه فيموت، وابيضت عظامه لما أكلت السباع والطير ما عليه من لحم، صليب: يابس لم يدبغ. الشاهد (جلدها) مفرد أريد به الجمع، أي: جلودها. =

وقال الله تعالى: {يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ} [الشورى: 45]، وهو كثير جدًّا. وقال سيبويه (¬1): توحيد السمع يدل على الجمع، لأنه توسط جمعين، كقوله: {يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} [البقرة: 257]، وقوله: {عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ} [النحل: 48]. وتم الكلام (¬2) ههنا (¬3). ثم قال: {وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ} الأبصار جمع البصر، والبصر العين، إلا أنه مذكر، ويقال: تبصرت الشيء بمعنى رمقته (¬4)، ومنه قول زهير: تبصر خليلي هل ترى من ظعائن ... ............. البيت (¬5) ¬

_ = انظر: "الكتاب" 1/ 209، و"معاني القرآن" للزجاج1/ 47، "تفسير الثعلبي" 1/ 48 ب، والقرطبي 1/ 165، "الخزانة" 7/ 559، وفيها: (به جيف الحسرى ..)، "الدر المصون" 1/ 114، والرازي 2/ 53، وفيه: (الحيدى) بدل (الحسرى). (¬1) انظر. "الكتاب" 1/ 209، والنص من الثعلبي 1/ 48/ب. (¬2) في (ج): (السلام). (¬3) انظر. "معاني القرآن" للفراء1/ 13، "مجاز القرآن" 1/ 13 "تفسير الطبري" 113 - 114، "تفسير الثعلبي" 1/ 48/ ب، وذكر النحاس عن الأخفش سعيد، ويعقوب: أن وقف على (قلوبهم) كان أيضا تاما، وتعقبه النحاس فقال: (إذا وقف على (قلوبهم) وقدره بمعنى: وختم على سمعهم لم يكن الوقت على قلوبهم تماماً، لآن الثاني معطوف على الأول، وإن قدر الختم على القلوب خاصة فهو (تام) ..)، "القطع والائتناف" ص 116. (¬4) "تهذيب اللغة" (بصر) 1/ 340. (¬5) وتمامه كما في الديوان: تحملن بالعليا من فوق جرثم "ديوان زهير" ص 9. =

والغشاوة الغطاء (¬1)، ويقال للجلدة التي على الولد: غشاوة، ومنه غشى على المريض إذا دير به، لأنه لبسةٌ من حال المرض، ومنه غاشية السرج (¬2). وفيه ثلاث لغات: ضم الغين وفتحها وكسرها (¬3). والأفصح الكسر، لأن كل ما كان مشتملاً على شيء فهو مبني على (فعالة) كالعمامة والقلادة والعصابة. وكذلك أسماء الصناعات، لأن معنى الصناعة الاشتمال على (¬4) كل ما فيها، نحو: الخياطة والقصارة، وكذلك كل من استولى، فاسم ما استولى عليه الفعالة نحو: الخلافة والإمارة (¬5). قال أبو علي الفارسي: ولم أسمع منه فعلاً متصرفا بالواو، ولامه (ياء) لأنك تقول: غشي يغشى، والغشيان وغشيته أي: ألبسته وسترته، والغشاوة من الغشيان كالجباوة من جبيت، في أن (الواو) كأنها بدل من (الياء) إذ (¬6) لم يصرف منه فعل بالواو كما لم يصرف من الجباوة (¬7). ¬

_ = الظعائن: جمع ظعينة، وهي المرأة في الهودج تحمل على الإبل، بالعلياء: الأرض المرتفعة، جرثم: ماء معين. (¬1) في (ب): (والعطاء). (¬2) انظر: "تهذيب اللغة" (غشى) 3/ 2668، "اللسان" (غشى) 6/ 3261. (¬3) ذكره في "الحجة"، قال: روى لنا عن الكسائي وعن غيره 1/ 31، وانظر: "اللسان" 6/ 3261. (¬4) (على) ساقطة من (ب). (¬5) في (ج): (الامارمه). والكلام بنصه في "معاني القرآن" للزجاج 1/ 48، وانظر "تهذيب اللغة" (غشى) 3/ 2668، و"اللسان" (غشى) 6/ 3261 .. (¬6) في (أ)، (ج): (إذا) وفي (ب) و"الحجة": (إذ). وهو الأولى لصحة السياق. (¬7) في (ب): (الجباره). انظر كلام أبي علي في "الحجة" 1/ 300، نقله الواحدي بتصرف، قال ابن فارس (غشى): الغين والشين والحرف المعتل، أصل صحيح =

والأشهر في القراءة رفع الغشاوة (¬1)، لأنها لم تحمل على (ختم)، ألا ترى أنه قد جاء في الأخرى {وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً} [الجاثية: 23]، فلما (¬2) لم تحمل في هذه على (ختم) كذلك لا تحمل هاهنا (¬3)، وبقطعها عن ختم فتكون مرفوعة (¬4) بعلى (¬5). وقرأ المفضل (¬6) {غِشَاوَةٌ} بالنصب (¬7). وله وجهان: ¬

_ = يدل على تغطية شيء بشيء. "معجم مقاييس اللغة" 1/ 425. قال السمين الحلبي بعد أن ذكر كلام أبي علي: وظاهر عبارته أن الواو بدل من الياء، فالياء أصل؛ بدليل تصرف الفعل منها دون مادة الواو، والذي يظهر أن لهذا المعنى مادتين: غ ش و، غ ش ى، ثم تصرفوا في إحدى المادتين واستغنوا بذلك عن التصرف في المادة الأخرى، وهذا أقرب من ادعاء قلب الواو ياء من غير سبب ..)، "الدر المصون" 1/ 116. (¬1) قرأ السبعة كلهم برفع الغشاوة، إلا ما روى المفضل الضبي، عن عاصم أنه قرأ بالنصب. انظر "الحجة" لأبي علي 1/ 291، 312، وقال الطبري: إن قراءة الرفع هي الصحيحة، والنصب شاذة، 1/ 262، ونحوه قال أبو الليث في "تفسيره" 1/ 93. (¬2) في "الحجة": (فكما) 1/ 309. (¬3) في "الحجة" (كذلك لا تحمل في هذِه التي في مسألتنا) 1/ 309. (¬4) فى (ب): (فتكون من موسه بعلى). (¬5) في "الحجة": (ملها على (ختم) قطعها عنه وإذا قطعها عن (ختم) كانت مرفوعة إما بالظرف، وإما بالابتداء، "الحجة" 1/ 309. قال مكي: (غشاوة: رفع بالابتداء، والخبر. وعلى أبصارهم)، (المشكل) 1/ 20، وقال العكبري: (وعلى قول الأخفش (غشاوة) مرفوع بالجار كارتفاع الفاعل بالفعل)، "الإملاء" 1/ 15. (¬6) هو المفضل بن محمد الضبي الكوفي، إمام مقرئ، نحوي، إخباري، أخذ القراءة عن عاصم، ومات سنة ثمان وستين ومائة. انظر ترجمته في: "تاريخ بغداد" 13/ 121، "الأنساب" 8/ 385، "إنباه الرواة" 3/ 298، "غاية النهاية" 2/ 307. (¬7) قال ابن مجاهد: "قرأوا كلهم (غشاوة) في (البقرة) رفعا وبالألف، إلا أن المفضل =

أحدهما (¬1): أن تحمل على الفعل، كأنه قال: وختم على قلبه غشاوة، أي: بغشاوة فلما حذف الحرف وصل الفعل، ومعنى ختم عليه بغشاوة: مثل جعل على بصره غشاوة. ألا ترى أنه إذا ختمها بالغشاوة فقد جعلها فيها، والدليل على جواز حمل غشاوة على ختم هذا الظاهر قوله: {أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ} [النحل: 108]، وطبع في المعنى كختم، وقد حملت الأبصار على (طبع)، فكذلك (¬2) تحمل (¬3) على (ختم) (¬4). والوجه الثاني: ما قاله الفراء (¬5)، وهو أنه نصبها بإضمار (وجعل)، كقوله في الجاثية: {وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً} [الجاثية: 23]. والكلام إذا اجتمع ودل أوله على آخره حسن الإضمار، كقولك: أصاب فلان المال، فبنى الدور والعبيد والإماء واللباس، فـ (بنى) لا يقع على العبيد (¬6) وإلاماء، واللباس فبنى لا يقع على العبيد والإماء ولكنه (¬7)، صفات اليسار، فحسن الإضمار لما عرف، ومثله كثير. والذي لا يحسن من الإضمار (¬8) ما يشتبه ولا يعرف المعنى، كقولك: ضربت فلانًا وفلانًا، ¬

_ = ابن محمد الضبي روى عن عاصم (وعلى أبصارهم غشاوة) نصبا"، "السبعة" ص 141، "معاني القرآن" للفراء1/ 13، "الحجة" 1/ 291 "زاد المسير" 1/ 28. (¬1) في (ج): (أحدها). (¬2) (فكذلك) ساقطة من (ب). (¬3) في (ب): (حمل). (¬4) بنصه في "الحجة"،1/ 309، 310. (¬5) "معاني القرآن" 1/ 13، 14، ونقله بتصرف يسير. (¬6) في (ب) (العبد). (¬7) في (ب): (لكن). (¬8) في (ب): (لا يشتبه).

وأنت تريد بالثاني: قتلت، لأنه ليس هاهنا دليل، وكذلك قولك: قد أعتقت يساراً أمس وآخر اليوم، وأنت تريد: واشتريت آخر اليوم، فهذا لا يجوز، لأنه مختلف (¬1). قال الزجاج في هذه الآية: إنهم كانوا يسمعون ويبصرون ويعقلون، ولكن لم يستعملوا (¬2) هذه الحواس استعمالاً يجدي عليهم، فصاروا كمن لا يعقل ولا يسمع ولا يبصر (¬3). وقوله تعالى: {وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}. (العذاب): كل ما يُعَنَي الإنسان ويشق عليه، وذكرت اشتقاقه عند قوله: {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} [البقرة: 10]. و (العظيم) فعيل من العظم، ومعنى العظم: هو كثرة المقدار في الجثة (¬4)، ثم استعير ذلك في الصفات، فقيل: كلام عظيم، [وأمر عظيم، أي: عظيم (¬5)] القدر، يريدون به المبالغة في وصفه، ومن هذا الباب العظام، لأنها من (¬6) أكبر ما ركب منه البدن، فالعظم في الأصل الزيادة على المقدار (¬7)، ثم ينقسم إلى عظم الأجسام، وعظم الشأن (¬8)، وهو ¬

_ (¬1) انتهى ما نقله عن الفراء، انظر "المعاني" 1/ 14. (¬2) في (ب): (لا يسمعوا). (¬3) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 47. (¬4) في (ب): (الجنة). (¬5) ما بين المعقوفين ساقط من (ب). (¬6) (من) ساقطة من (ب). (¬7) انظر: "تهذيب اللغة" (عظم) 3/ 2488، "معجم المقاييس" (عظم) 4/ 355، "اللسان" (عظم) 5/ 3004. (¬8) في (ب): "اللسان".

8

منقول إلى عظم الشأن (¬1) من عظم الجثة، وكثر استعماله حتى صار حقيقة في الموضعين (¬2). ومعنى وصف العذاب بالعظم، هو المواصلة بين أجزاء الآلام بحيث لا تتخللها (¬3) فرجة، أو إحداث ألم في كل جزء، أو (¬4) يخلق ألما أشد من ألم. 8 - قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ} الآية. روى ثعلب عن سلمه (¬5) عن الفراء (¬6) قال: يكون (¬7) (من) ابتداء غاية، ويكون بعضًا، ويكون صلة، قال الله: {وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ} [يونس: 61]. المعنى: مثقال ذرة (¬8). قال أبو عبيد (¬9): والعرب تضع (من) مواضع (مذ) يقال: ما رأيته من [سنة، أي:] (¬10) مذ سنة. قال زهير: ¬

_ (¬1) في (ب): "اللسان". (¬2) انظر: "تفسير الرازي" 2/ 54. (¬3) في (ب): (لا محللها). (¬4) في (ب): (جزوو أو يحلو). (¬5) هو سلمة بن عاصم النحوي، روى عن الفراء، كان أديبا فاضلا، سمع منه ثعلب كتاب "لمعاني" للفراء، توفي بعد السبعين ومائتين. انظر ترجمته في: "طبقات النحويين واللغويين" ص 137، "معجم الأدباء" 3/ 391، "إنباه الرواة" 2/ 56، "غاية النهاية" 1/ 311. (¬6) في "تهذيب اللغة" (سلمه عن الفراء ثم ذكره بنصه). "التهذيب" (من) 4/ 3453. (¬7) في "التهذيب": (تكون) في المواضع الثلاثة. (¬8) في "التهذيب": (أي: ما يعزب عن علمه من مثقال ذرة) 4/ 3453. (¬9) "تهذيب اللغة" (من) 4/ 3454. (¬10) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).

أقوين من حجج ومن شهر (¬1) أي: مذ حجج (¬2). ويكون (¬3) (من) بمعنى البدل، كقوله تعالى: {وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً} [الزخرف: 60]. معناه: بدلكم (¬4)، وسنذكره في موضعه. (¬5) وأما الأصل [في (الناس) (¬6)] فقد أقرأني العروضي قال: أقرأني الأزهري قال (¬7): (أخبرني المنذري عن أبي الهيثم (¬8) أنه سأله (¬9) عن (الناس) (¬10) ما أصله؟ ¬

_ (¬1) مطلع قصيدة لزهير يمدح هرم بن سنان وصدره: لمن الديار بقنة الحجر القنة: أعلى الجبل، الحجر: بكسر الحاء منازل ثمود، ويروى بالفتح موضع باليمامة، أقوين: أقفرت، الحجج: بكسر الحاء جمع حجة وهي السنة، ومن شهر: واحد الشهور، ويروى ومن دهر. ورد البيت في "تهذيب اللغة" (من) 4/ 3454، "الجمل المنسوب" للخليل ص 161، "الجمل" للزجاجي ص 139، "مغني اللبيب" 1/ 335، "الهمع" 3/ 226، "شرح المفصل" 4/ 293،8/ 11، "الإنصاف" ص 315، "الخزانة" 9/ 439، "شرح ديوان زهير" ص 86. (¬2) أي: مذ حجج ومذ شهر. (¬3) في "التهذيب": (من) 4/ 3454. (¬4) في (ب): (بدله). (¬5) عند أبي عبيد وتكون (من) بمعنى: اللام الزائدة. انظر بقية كلامه في "التهذيب" (من) 4/ 3454، وذكر ابن هشام في "مغني اللبيب": أن (من) تأتي على خمسة عشر وجها، 1/ 318. (¬6) ما بين المعقوفين ساقط من (ب). (¬7) (التهذيب) (أنس) 1/ 216. (¬8) في (ب) (أبي القاسم). (¬9) في (ج) (سأل). (¬10) (عن الناس) ساقط من (ب).

قال: أصله أناس (¬1)، والألف فيه أصلية، ثم زيدت عليه اللام التي نزاد مع الألف للتعريف (¬2)، وأصل تلك اللام سكون أبدا (¬3)، فصار (الأناس) ثم كثر في الكلام، وكانت الهمزة واسطة فاستثقلوها (¬4) فتركوها (¬5)، ثم أدغموا اللام في النون فقالوا: الناس، فلما طرحوا الألف واللام قالوا: (ناس) (¬6). وقد استعمله الشاعر على الأصل فقال: إن المنايا يَطّلعـ ... ـنَ على الأناس الآمنينا (¬7) قال الأزهري: وهذا قول حذاق (¬8) النحويين (¬9). و (الناس) لفظ وضع ¬

_ (¬1) في (التهذيب): (فقال أصله (الأناس)، لأن أصله (أناس) فالألف فيه أصلية .....) 1/ 217. (¬2) في (ب): (التعريف). (¬3) في "التهذيب" (وأصل تلك اللام سكون أبدا إلا في أحرف قليلة، مثل: الاسم والابن، وما أشبهها من الألفات الوصلية، فلما زادوهما على أناس صار الاسم: الأناس. ...) 1/ 217. (¬4) في (ب): (فاستقلوها). (¬5) في "التهذيب": (..... فتركوها وصار باقي الاسم (ألناس) بتحريك اللام في الضمة، فلما تحركت اللام والنون أدغموا اللام في النون ...) 1/ 217. (¬6) في "التهذيب": (فلما طرحوا الألف واللام ابتداء والاسم فقالوا: قال ناس من الناس. انتهى كلام أبي الهيثم في "التهذيب"، وقول الواحدي: وقد استعمله الشاعر ... الخ مع البيت ليس في "التهذيب" 1/ 217. (¬7) البيت لذي جدن الحميري، ورد في "مجالس العلماء" للزجاجي ص 70، "الخزانة" 2/ 280، "الخصائص" 3/ 151، "تفسير البيضاوي" 1/ 99، "الدر المصون" 1/ 119، "اللسان" (نوس) 8/ 4575. (¬8) في (ب): (خلاف). (¬9) في "التهذيب": (قلت: وهذا الذي قاله أبو الهيثم تعليل النحويين) وفي الهامش في (ج) (قول حذاق النحويين)، "التهذيب" 1/ 217.

للجمع، ولا واحد له من لفظه (¬1)، كالقوم والرهط والجيش، واختلفوا في تصغيره، فقيل: (أنيس) و (نويس). فمن قال: (أنيس) وهو قول أكثر النحويين (¬2)، دل على (¬3) أن أصله (أناس) لثبوت الهمزة في التصغير. ومن قال: نويس، جعل اشتقاق الناس من (النوس) وهو الاضطراب والحركة (¬4) يقال ناس ينوس إذا تذبذب وتحرك، وأناس إذا حرك (¬5). ومنه قول المرأة في حديث أم زرع: (أناس من حلي أذني) (¬6). ¬

_ (¬1) قال الطبري: (في الناس وجهان: أحدهما: أن يكون جمعا لا واحد له من لفظه، وإنما واحدهم (إنسان) وواحدتهم (إنسانة). والوجه الأخر: أن يكون أصله (أناس) أسقطت الهمزة منها لكثرة الكلام بها، ثم دخلتها الألف واللام المعرفتان ...) 1/ 116، وانظر "تفسير ابن عطية" 1/ 158 - 159، (البحر) 1/ 52 (الدر المصون) 1/ 118. (¬2) قال سيبويه: (ليس من العرب أحد إلا ويقول: نويس)، انظر "الكتاب" 3/ 457، وانظر "المسائل الحلبيات" لأبي علي الفارسي ص 171، 172. (¬3) (دل على) مطموس في (ب). (¬4) (الحركة) ساقطة من (ب). (¬5) في (ب): (إذ بريدت). (¬6) في (ب): (أرلى). قطعة من حديث طويل، فقد أخرج البخاري بسنده عن عائشة، قالت (جلس إحدى عشرة امرأة، فتعاهدن وتعاقدن أن لا يكتمن من أخبار أزواجهن شيئاً ...)، وفيه: (قالت الحادية عشرة: زوجي أبو زرع فما أبو زرع أناس من حلي أذني .....). أخرجه البخاري (5189) كتاب النكاح، باب: حسن المعاشرة مع الأهل، ومسلم (2448) كتاب فضائل الصحابة، باب: فضائل عائشة، قال ابن حجر اختلف في رفعه ووقفه، ثم ذكر الخلاف في ذلك، وقال: (قلت: المرفوع منه في الصحيحين: (كنت لك كأبي زرع لأم زرع) وباقيه من قول عائشة، وجاء خارج الصحيحين مرفوعا كله ...). (الفتح) 9/ 255 - 257. وقد =

قال (¬1): وسمي الناس ناسًا، لأن من (¬2) شأنهم الحركة على الاختيار العقلي، والواو في التصغير يدل على هذا الاشتقاق، وواحد الناس: إنسان، لا من لفظه. وكان في الأصل (إنسيان)، وهو فعليان، والألف فيه (فاء) الفعل، ومثله في الكلام (حرصيان) وهو الجلد الذي يلي الجلد الأعلى من (¬3) الحيوان، ورجل حذريان، إذا كان حذرا، وإنما قلنا: إن أصله إنسيان، لأن العرب لم تختلف في تصغيره على أنيسيان (¬4). قال الأزهري (¬5): وأصل الإنس، والإنسان، والناس، من آنس يؤنس (¬6) إذا أبصر، لأنهم يؤنسون، أي: يبصرون، كما قيل للجن: جن، لأنهم مجتنّون، لا يؤنسون أي: لا يبصرون (¬7). وقد روي عن ابن عباس أنه ¬

_ = ذكر علماء اللغة وغريب الحديث أجزاء من الحديث، لما فيه من الألفاظ، فذكره أبو عبيد في "غريب الحديث"، 1/ 364 - 376، وورد في "الفائق" 3/ 48، 49، وذكر قطعة منه الأزهري في "التهذيب" 3/ 2451، وذكره السيوطي من طرق كثيرة في "المزهر" 2/ 449. (¬1) المراد الأزهري فبعد كلامه السابق الذي ذكره الواحدي وهو قوله: (قلت: وهذا الذي قاله أبو الهيثم تعليل النحويين ... قال: وإنسان في الأصل: إنسيان وهو فعليان من الإنس ... إلخ) وما بينهما ليس في "التهذيب". انظر "التهذيب" 1/ 216. (¬2) في (ب): (معنى). (¬3) في (ج): (بين). (¬4) انظر "تهذيب اللغة" (أنس) 1/ 216، وانظر "الكتاب" 3/ 486. (¬5) "تهذيب اللغة" (أنس). (¬6) في "التهذيب" (قلت: واصل الإنس والأنس والإنسان من الإيناس وهو الإبصار)، وفي الهامش في (ج) (وأصل الإنسان والناس من أنس يؤنس إذا أبصر)، 216 - 217. (¬7) انتهى كلام الأزهري. انظر: "التهذيب" 1/ 216 - 217.

قال: عهد الله سبحانه إلى آدم فنسي فسمي إنساناً (¬1) وإن صح هذا فالهمزة تكون زائدة (¬2). وذكر أبو علي في "المسائل الحلبية" (¬3): أن الكسائي قال: إن الأناس (¬4) لغة، والناس لغة أخرى (¬5)، كأنه يذهب إلى أن (الفاء) محذوف من الناس، كما يذهب إليه سيبويه (¬6)، والدلالة على أنهما من لفظ واحد، وليسا من كلمتين مختلفتين أنهم قالوا: (الأناس) في المعنى الذي قالوا فيه (الناس) وقالوا: الإنس والأنس والإنسي والأناسي (¬7)، وإذا كان كذلك ثبت أن الهمزة (فاء) الفعل، وأن الألف من (أناس) زائدة (¬8)، وأن (فاء) الفعل من الناس هي الهمزة المحذوفة، وهذا من مبادئ التصريف وأوائله (¬9). ¬

_ (¬1) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 49 أ، والقرطبي 1/ 168. (¬2) انظر: "المسائل الحلبيات" ص 171، والقرطبي 1/ 168، "الدر المصون" 1/ 119 ,120. (¬3) في (ب): (الجلسه). "المسائل الحلبيات" أحد كتب أبي علي المشهورة، طبع بتحقيق د/ حسن هنداوي، وقد نقل الواحدي كلام أبي علي بمعناه. انظر: "المسائل الحلبيات" ص 168 - 173. (¬4) في (ب): (الإنسان). (¬5) لم أجد هذا القول للكسائي في "المسائل الحلبيات". انظر: "المسائل الحلبيات" ص168 - 173، وانظر "تهذيب اللغة" (أنس) 1/ 216 - 217. (¬6) انظر "الكتاب" 2/ 196. (¬7) قوله: (وقالوا: الإنس والأنس والأنسي والأناسي) ليس فىِ "الحلبيات"، انظر ص 168 - 173. (¬8) في (ب): (فائده). (¬9) في (ج): (وأوئله). أنظر: "المسائل الحلبيات" ص 168.

ولو جاز لقائل أن (¬1) يقول: إن (ناسا) لسقوط الهمزة منه ليس من لفظ أناس، للزمه أن يقول: [قولهم (ويل أمه (¬2)) إذا حذفت الهمزة منه: ليست التي في (أمه) وأن يقول (¬3)]: (عدة) ليس من الوعد، لسقوط الواو منه التي هي (فاء) (¬4). وقوله تعالى: {مَن يَقُولُ}. روى سلمة، عن الفراء، عن الكسائي (¬5) قال: {مِنَ} يكون اسماً، ويكون شرطاً ويكون معرفة، ويكون نكرة، ويكون للواحد والاثنين (¬6) وللجميع، ويكون (¬7) للإنس (¬8) والملائكة والجن (¬9)، وهذه الوجوه كلها موجودة في التنزيل (¬10)، ستمر بك مشروحة ¬

_ (¬1) (أن) ساقطة من (ب). (¬2) إذا حذفت الهمزة منه يصير (ويلمه) الأصل فيها (ويل لأمه) أدغمت (لام) ويل في الجارة في (لأمه) ثم حذفت (لام) ويل لكثرة الاستعمال ثم حذفت الهمزة. انظر "المسائل الحلبيات" ص 43. (¬3) ما بين المعقوفين ساقط من (ب). (¬4) في (ج): (فاء العمل). (¬5) في "التهذيب" سلمة عن الفراء عن الكسائي قال: (من) تكون اسما، وتكون جحدا، وتكون استفهاما، وتكون شرطا، وتكون معرفة، وتكون نكرة، وتكون للواحد، وتكون للأثنين، وتكون خصوصا، وتكون للأناس، والملائكة والجن وتكون للبهائم إذا خلطت بغيرها. "التهذيب" (من) 4/ 3453، وذكر في "مغني اللبيب" أن (من) تأتي على خمسة أوجه 1/ 327. (¬6) في (ب): وللأثنين. (¬7) في (ب): (تكون). (¬8) في (أ)، (ج): (الأنس). (¬9) في (ب): (للملائكة وللجن). (¬10) في "التهذيب" (قلت: هذِه الوجوه التي ذكرها الكسائي موجودة فىِ الكتاب ...)، ثم ذكر الأزهري أمثلة لها من القرآن. "التهذيب" 4/ 3453.

إن شاء الله. وإعرابها: الوقف (¬1)، لأنها لا تتم إلا بصلة، فلا يكون الإعراب في (¬2) بعض الاسم (¬3). وقوله تعالى: {وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ} (اليوم) مقداره من لدن طلوع الشمس إلى غروبها، وجمعه: أيام، وكان الأصل (أيوام) واجتمعت الياء والواو، وسبقت إحداهما الأخرى بالسكون، فأدغمت (¬4). والآخر: نقيض المتقدم (¬5)، يعني باليوم الآخر: يوم القيامة، ويسمى (¬6) آخراً، لأنه (¬7) بعد أيام الدنيا، وقيل: لأنه (¬8) آخر يوم ليس بعده ليلة، والأيام إنما تتميز بالليالي (¬9)، فإذا لم يكن بعده ليل لم يكن بعده يوم على الحقيقة (¬10). وقوله تعالى: {وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ}. دخلت (الباء) مؤكدة لمعنى النفي، لأنك إذا قلت: (ما زيد أخوك) فلم يسمع السامع (ما) ظن أنك موجب، ¬

_ (¬1) أي: السكون. (¬2) في (ب): (من). (¬3) قال الزجاج في (المعاني): (لأنها لا تكون اسما تاما في الخبر إلا بصلة، فلا يكون الإعراب في بعض الاسم)، 1/ 49. (¬4) ذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" وفيه: (وجعلوا الياء هي الغالبة) أي: غلبوا (الياء) فقلبوا (الواو) (ياء) وأدغموها في (الياء). انظر "تهذيب اللغة" (يوم)، 4/ 3990. (¬5) ذكره الأزهري عن الليث. "التهذيب" (أخر) 1/ 131. (¬6) في (ب): (وسمى). (¬7) في (ب): (إلا أنه). (¬8) في (ب): (أنه). (¬9) قال الطبري: فإن قال قائل: وكيف لا يكون بعده يوم، ولا انقطاع للآخرة، ولا فناء ولا زوال؟ قيل: إن اليوم عند العرب، إنما سمي يوما بليلته التي قبله، فإذا لم يتقدم النهار ليل لم يسم، فيوم القيامة يوم لا ليل بعده .... 1/ 117. (¬10) انظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 159.

9

فإذا قلت: (ما زيد بأخيك) (¬1)، علم السامع أنك تنفي، وإن لم يسمع (ما) (¬2). وجمع في قوله: {وَمَا هُمْ} بعد التوحيد في {مَنْ يَقُولُ} لأن لفظ (¬3) (من) يصلح للواحد وللجميع (¬4). قال المفسرون: نزلت هذه الآيات في المنافقين (¬5) حين أظهروا كلمة الإيمان وأسرّوا الكفر (¬6). فأخبر الله سبحانه أنهم يقولون: إنا مؤمنون، ويظهرون كلمة الإيمان، ثم نفى عنهم الإيمان فقال {وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ} فدل أن حقيقة الإيمان ليس الإقرار فقط (¬7). 9 - قوله تعالى: {يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا} الآية. {يُخَادِعُونَ}: يفاعلون من الخدع والخداع. واختلف أهل اللغة في أصل الخداع، فقال قوم: (¬8) أصله من إخفاء ¬

_ (¬1) في (ب): (أخيك). (¬2) ذكره الزجاج بنصه، دون قوله. وإن لم يسمع (ما)، "معاني القرآن" 1/ 50. (¬3) (لفظ) ساقط من (ب). (¬4) (من) لها لفظ ومعنى، فلفظها مفرد مذكر، ومعناها يصلح للجمع وغيره، فيجوز مراعاة اللفظ فيعود الضمير مفردا، ويجوز مراعاة المعنى فيعود الضمير جمعا. انظر"الدر المصون" 1/ 121. (¬5) في (ب): (للمنافقين). (¬6) قال الطبري: أجمع جميع أهل التأويل على أن الآية نزلت في قوم من أهل النفاق. الطبري 1/ 268، وانظر "معاني القرآن" للزجاج 1/ 49، "تفسير أبي الليث" 1/ 94، وابن عطية1/ 159، وابن كثير 1/ 50. (¬7) قال الطبري: (وفي هذِه الآية دلالة واضحة على بطول ما زعمته الجهمية من أن الإيمان هو التصديق بالقول دون سائر المعاني غيره ...)، 1/ 117، وانظر "تفسير أبي الليث" 1/ 94، وابن عطية 1/ 159. (¬8) فيه طمس في (ب).

الشيء (¬1)، قال الليث (¬2): أخدعت الشيء، أي أخفيته، قال: (¬3) ومن أمثال العرب (أخدَعُ من ضبِّ حرشتَه) (¬4)، وهو من قولك: خدع مني (¬5) فلان، إذا توارى ولم يظهر (¬6). والضبّ (¬7) إذا أروَحَ ريحَ الإنسان خَدَع (¬8) في جحره (¬9) فلم يخرج. وقال أبو العميثل (¬10): خدع (¬11) الضب إذا (¬12) دخل في ¬

_ (¬1) انظر "العين" 1/ 133، "معجم مقاييس اللغة" 2/ 161، "تهذيب اللغة" (خدع) 1/ 993. (¬2) "تفسير الثعلبي" 1/ 49 ب، "تهذيب اللغة" (خدع) 1/ 993. (¬3) (قال ومن) فيه طمس في (ب). (¬4) في (أ)، (ج) (جرشته). الخدع: التواري، وخَدْعُ الضب إنما يكون من شدة حذره، وصفة خدعه أنه يعمد بذنبه باب جحره ليضرب به من يعتدى عليه، فيجئ المحترش: أي المعتدى فيخرج الضب ذنبه إلى نصف الجحر، فإن دخل عليه شيء ضربه، وإلا بقى في جحره. وقد ورد المثل (أخدع من ضب)، انظر "المستقصى في أمثال العرب" 1/ 92، 95، "مجمع الأمثال" 1/ 260، "تهذيب اللغة" (خدع) 1/ 994. (¬5) (منى) غير واضح في (ب). (¬6) انتهى كلام الليث. "تهذيب اللغة" (خدع) 1/ 994. (¬7) في (ب) (والضب). (¬8) (خدع) غير واضح في (ب). (¬9) في (ب) (حجر) وفي (ج) (حجره). (¬10) في (ج) (العميثك). وأبو العميثل أعرابي، اسمه: عبد الله بن خالد، مولى جعفر ابن سليمان، كان يؤدب ولد عبد الله بن طاهر بخراسان، وكان يفخم كلامه ويعربه. توفي سنة أربعين ومائتين. انظر ترجمته في "إنباه الرواة" 4/ 143، "وفيات الأعيان" 3/ 89. (¬11) في (ب) (أجدع). (¬12) (أذا دخل) غير واضح في (ب).

وجاره (¬1). ومنه قول الأعرابي لعمر -رضي الله عنه- يصف قحوط المطر: خدعت الضباب وجاعت الأعراب (¬2). ويقال: خدع خير (¬3) الرجل، أي: قل وخفي. وخدعت الضبع في وجارها، وخدع الثعلب إذا أخذ في الروغان (¬4). قال (¬5) الليث: والأخدعان: عرقان في صفحتي العنق قد خفيا وبطنا (¬6). وطريق خدوع وخادع، إذا كان يبين (¬7) مرة ويخفى أخرى (¬8)، ومنه قول الطرماح (¬9): ¬

_ (¬1) "تهذيب اللغة" (خدع) 1/ 994، وفيه: (إذا دخل في وجاره ملتويا)، والوجار بكسر الواو وفتحها: جحر الضب وغيره. (¬2) ذكره الأزهري. "تهذيب اللغة" (خدع) 1/ 994، وهو في "الفائق" 1/ 256، وفي "النهاية في غريب الحديث" 2/ 14. (¬3) في (أ)، (ج): (خبر) وفي (ب) بدون نقط، وفي "التهذيب" (خدع خير الرجل أي: قل) 1/ 158. (¬4) "تهذيب اللغة" (خدع) 1/ 994. (¬5) (قال) ساقط من (أ)، (ج). (¬6) "تهذيب اللغة" (خدع) 1/ 994، وانظر (العين) 1/ 133. (¬7) في (أ)، (ج): (يتبين) وما في (ب) موافق لما في "تهذيب اللغة". (¬8) ذكره الأزهري في "التهذيب"، وأنشد بعده بيتا غير بيت الطرماح الذي ذكره المؤلف هنا. انظر: " التهذيب" (خدع) 1/ 994، (العين) (خدع) 1/ 132. (¬9) الطرماح بن حكيم الطائي، والطرماح بكسر الطاء والراء المهملتين، شاعر إسلامي في الدولة المروانية، ولد ونشأ بالشام، ثم انتقل إلى الكوفة، واعتنق مذهب الشراة من الخوارج. انظر ترجمته في "الشعر والشعراء" ص 388، "الخزانة" 8/ 74.

خَادِعَةُ المسلَكِ أرْصَادُهَا ... تُمسي (¬1) وُكُوَنًا فَوْقَ آرَامِهَا (¬2) قال أبو عبيد: قال أبو زيد: خدعته خِدْعا بكسر الخاء وخديعة، وأنشد قول رؤبة (¬3): فَقَدْ أُدَاهى (¬4) خِدْعَ من تَخَدَّعَا (¬5) وأجاز غيره (خَدْعا) بالفتح (¬6). وعلى هذا الأصل (¬7) معنى قوله: {يُخَادِعُونَ اللَّهَ} أي: يظهرون غير ما في نفوسهم، ليدرؤوا عنهم أحكام الكفار في ظاهر الشريعة من القتل والجزية وغيرهما. ولما كان القوم عملوا (¬8) عمل المخادع [قال الله تعالى: {يُخَادِعُونَ ¬

_ (¬1) في (ب): (بمسى). (¬2) البيت من قصيدة للطرماح، يمدح المهلب بن أبي صفرة الأزدي، وقوله: (خادعة المسلك): تخدع سالكها فلا يهتدي، و (الأرصاد): القوم يرصدون الطرق من المرتفعات، وكون: جالسون، من الوكن وهو موقع الطائر، (الآرام): (الأعلام)، ورد البيت في "العين" (خدع) 1/ 132، "اللسان" (خدع) 2/ 113، "ديوان الطرماح" ص 453. (¬3) هو الراجز المشهور ابن الراجز، رؤبة بن العجاج من بني مالك بن سعد بن مناة بن تميم، كان أكثر شعرا من أبيه وأفصح، كان مقيما بالبصرة، ولحق الدولة العباسية كبيرا، ومات بالبادية سنة خمس وأربعين ومائة. انظر "الشعر والشعراء" ص 392، "تهذيب التهذيب" 1/ 993، "الخزانة" 1/ 89. (¬4) في (ب): (أوداهى). (¬5) ورد الرجز في (ديوان رؤبة) ص 88، "تهذيب اللغة" (خدع) 1/ 993، "اللسان" (خدع) 2/ 1112. (¬6) "التهذيب" (خدع) 1/ 993، "اللسان" (خدع) 2/ 112. (¬7) وهو أن الخداع من إخفاء الشيء. (¬8) (عملوا) ساقطة من (ب).

اللَّهَ} أي: يعملون عمل المخادع، ليس أن خداعهم يخفى على الله (¬1). وقال آخرون: أصل الخداع والخدع من الفساد (¬2) روى ثعلب عن ابن الأعرابي (¬3) قال: الخادع (¬4):] الفاسد من الطعام وغيره، وأنشد قوله: ................. .... إذا الرِّيقُ خَدَعْ (¬5) قال ابن الأعرابي: خدع الريق أي: فسد (¬6) ومنه الحديث: "يكون قبل خروج الدجال سنون خداعة" (¬7). ¬

_ (¬1) انظر (تفسير الطبري) 1/ 119، وابن كثير 1/ 51. (¬2) "تفسير الثعلبي" 1/ 49 أ، وانظر. "تهذيب اللغة" (خدع) 1/ 994، "الحجة" 1/ 313، والقرطبي في "تفسير" 1/ 170. (¬3) "الحجة" 1/ 313، وفي "التهذيب" روى ابن الأنباري عن ثعلب عن ابن الأعرابي ثم ذكره، 1/ 994. (¬4) ما بين المعقوفين ساقط من (ب). (¬5) البيت لسويد بن أبي كاهل اليشكرى، يصف ثغر امرأة وتمامه: أبْيَضُ اللَّوْنِ لَذِيذٌ طَعْمُهُ ... طَيِّبُ الرِّيقِ إذا الرِّيقُ خَدَعْ البيت ورد في "الحجة" 1/ 313، "التهذيب" (خدع) 1/ 994، والثعلبي في "تفسيره" 1/ 49 أ، (معجم مقاييس اللغة) (خدع) 2/ 161، "الصحاح" (خدع) 3/ 1202، "اللسان" (خدع) 2/ 1113، "زاد المسير" 1/ 30، والقرطبي في "تفسيره" 1/ 170، "الدر المصون" 1/ 125. (¬6) قال في (الصحاح): خدع الريق، أي: يبس، ثم ذكر البيت وقال: لأنه يغلظ وقت السحر فييبس وينتن. "الصحاح" (خدع) 3/ 1202. (¬7) بهذا اللفظ ذكره الخطابي في "غريب الحديث" 1/ 530، والازهري في "تهذيب اللغة" (خدع) 1/ 994، وابن الجوزي في "غريب الحديث" 1/ 267، وابن الأثير في "النهاية" 2/ 14. وأخرج ابن ماجه عن أبي هريرة: "سيأتي على الناس سنوات خداعات ... "، ابن ماجه (4036) كتاب الفتن، باب: شدة الزمان، وأخرجه أحمد في "المسند" ولفظه: "ستأتي على الناس سنون خداعة ... " الحديث، 2/ 291، =

قال شمر: هي الفواسد، قال: ويقال: السوق خادعة، إذا لم يقدر على الشيء إلا بغلاء فهي فاسدة (¬1). وعلى هذا الأصل (¬2)، قال [ابن] (¬3) الأنباري: معنى قوله {يُخَادِعُونَ اللَّهَ} وتأويله (¬4): يفسدون (¬5) ما يظهرون من الإيمان بما يضمرون من الكفر. فإن قيل: المفاعلة تكون بين اثنين، والله تعالى يجل عن أن يشاركهم في الخدع، فما وجه قوله: {يُخَادِعُونَ اللَّهَ}؟ والجواب عن هذا من وجوه: قال محمد بن القاسم (¬6): إن الخداع منهم يقع بالاختيال (¬7) والمكر، ومن الله تعالى بأن يظهر ويعجل لهم من الأموال والأولاد ما يدخر (¬8)، ويؤخر (¬9) خلافه، فأشبه هذا فعلهم (¬10)، ¬

_ = 338، وأخرجه عن أنس بلفظ "إن أمام الدجال سنين خداعة .. " الحديث، 3/ 220، وذكره الهيثمي في (مجمع الزوائد) عن عوف بن مالك: (يكون أمام الدجال سنون خوادع ...)، قال: رواه الطبراني بأسانيد، وفي أحسنها ابن اسحاق وهو مدلس، وبقية رجاله ثقات. "مجمع الزوائد" 7/ 330، وانظر: "المطالب العالية" 18/ 426. (¬1) "تهذيب اللغة" (خدع) 1/ 994. (¬2) أي: أن أصل الخداع من الفساد. (¬3) في (أ)، (ب): قال لي الأنباري، وفي (ج): (قال لي ابن الأنباري) وصححت العبارة على ما في "التهذيب" حيث قال: (قال أبو بكر) 1/ 994. (¬4) في (أ): (معنى تأويله)، وفي (ج) (معنى قوله) وأثبت ما في (ب) لأنه الأنسب. (¬5) في (أ)، (ج): (تفسدون)، وما في (ب) موافق لما في "تهذيب اللغة" وفيه: (قال أبو بكر: فتأويل قوله: (يخادعون الله) يفسدون .. الخ. (خدع) 1/ 994. (¬6) هو أبو بكر بن الأنباري. (¬7) في (ب): (بالاحتيال) ولعلها أولى. (¬8) في (أ)، (ج): (ما يذخر). (¬9) (ويؤخر) ساقط من (ب). (¬10) في (ب): (فعله).

إذ (¬1) كانوا يظهرون الإيمان بالله (¬2) ورسوله، ويضمرون خلاف (¬3) ما يظهرون، والله عز وجل يظهر لهم من الإحسان في الدنيا خلاف ما يغيب عنهم ويستر من عذاب الآخرة، فجمع الفعلان لتشابههما من هذه الجهة (¬4). وهذا الذي قاله محمد بن القاسم مطرد (¬5) على الأصلين (¬6)، أما الإخفاء فقد ذكره (¬7)، وأما الفساد، فكما أنهم يفسدون ما يظهرون من الإيماد بما يضمرون، كذلك الله تعالى أفسد عليهم نعيمهم في الدنيا بما ¬

_ (¬1) في (ب): (إذا). (¬2) (بالله) مكرر في (ج). (¬3) في (ج): (خلافه). (¬4) وإلى هذا المعنى مال الطبري حيث قال رادًّا على أبي عبيدة في دعواه. أن (يخادع) بمعنى يخدع (قال: (قد قال بعض المنسوبين إلى العلم بلغات العرب: إن ذلك الحرف جاء بهذِه الصورة أعني (يخادع) بصورة (يفاعل)، وهو بمعنى (يفعل) في حروف أمثالها شاذة من منطق العرب نظير قولهم: قاتلك الله، بمعنى قتلك الله)، ثم ذكر رأيه: وليس القول في ذلك عندي كالذي قال، بل ذلك من (التفاعل) الذي لا يكون إلا من اثنين، كسائر ما يعرف من معنى (يفاعل ومفاعل) في كل كلام العرب. وذلك أن المنافق يخادع الله جل ثناؤه بكذبه بلسانه -على ما تقدم وصفه- والله تبارك اسمه خادعه بخذلانه عن حسن البصيرة بما فيه نجاة نفسه في آجل معاده، كالذي أخبر في قوله: {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا} [آل عمران: 178]، "تفسيرالطبري" 1/ 119، وانظر: "تفسير البغوي" 1/ 65. (¬5) في (ب): (مطردا). (¬6) المرأد بالأصلين في الخداع، هل هو من الفساد أو من الإخفاء؟ (¬7) حيث قال: ويضمرون خلاف ما يظهرون والله عز وجل يظهر لهم من الإحسان في الدنيا خلاف ما يغيب عنهم ويستر من عذاب الآخرة.

أصارهم إليه من عذاب الآخرة (¬1). وقيل: يخادعون الله، أي: (يخدعون)، قال اللحياني (¬2) وأبو عبيدة: خادعت الرجل بمعنى خدعته، والمفاعلة كثيرًا ما تقع من الواحد، كالمعافاة والمعاقبة وطارقت النعل، ومعناه على هذا: يقدرون في أنفسهم أنهم يخدعون الله (¬3). وقال الحسن: {يُخَادِعُونَ اللَّهَ} أي: نبيه، لأن الله بعث نبيه (¬4) بدينه، فمن أطاعه فقد أطاع الله، كما قال: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} [النساء: 80]. وقال: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ} [الفتح: 10] فعلى هذا من خادعه فقد خادع الله، كقوله: {إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ} [الأحزاب: 57] أي أولياءه، وعلى (¬5) هذا التأويل (المخادعة) أيضًا من الواحد (¬6). ¬

_ (¬1) هذا من قول أبي بكر محمد بن القاسم بن الأنباري كذلك، وقد سبق أن نقل المؤلف جزءًا منه، وانظر بقيته في "التهذيب" (خدع) 2/ 1112. (¬2) هو علي بن حازم اللحياني، لغوي معروف، عاصر الفراء وتصدر في أيامه. انظر ترجمته في "طبقات النحويين واللغويين" ص 195، "إنباه الرواة" 2/ 255، "معجم الأدباء" 14/ 106. (¬3) انظر كلام اللحياني في: "التهذيب" (خدع) 1/ 994، وكلام أبي عبيدة في "مجاز القرآن" ص 31 ونحو هذا المعنى ذكر الزجاج في "المعاني" 1/ 50، وسبق ذكر رد الطبري على أبي عبيدة، انظر "تفسير الطبري" 1/ 119، "تفسير البغوي" 1/ 65. (¬4) (نبيه) ساقط من (ب). (¬5) (الواو) ساقطة من (ب). (¬6) ذكره أبو علي في "الحجة"، حيث قال: قال بعض المتأولين أظنه الحسن، ثم ذكره، ووجه هذا القول، كما نقل المؤلف هنا، 1/ 314، 315، ونسب القول للحسن ابن عطية 1/ 163، والبغوي 1/ 65، والقرطبي 1/ 170، وذكره ابن الجوزي ونسبه للزجاج. "زاد المسير" 1/ 29.

وقيل: إن ذكر الله ههنا تحسين وتزيين لافتتاح الكلام، والقصد (¬1) بالمخادعة الذين آمنوا (¬2)، فصار كقوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ} [الأنفال: 41]. وقوله تعالى: {وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ}. قرئ بوجهين (¬3). فمن قرأ بالألف قال: هو من المفاعلة التي تقع (¬4) من الواحد كقوله: {يُخَادِعُونَ اللَّهَ} فلما وقع الاتفاق على الألف في قوله: {يُخَادِعُونَ اللَّهَ} أجري الثاني ¬

_ (¬1) في (ب): (الفصل). (¬2) ذكره الثعلبي 1/ 49 ب، وفي الأقوال الثلاثة الأخيرة، محاولة تأويل الآية، لنفي الخداع عن الله، وقد انتصر لبعضها أبو علي الفارسي في "الحجة" 1/ 314 - 316. كما انتصر لها الزمخشري في "الكشاف" وذكر في تفسير الآية وجوها أخرى قريبة منها في المعنى، وقد رد عليه صاحب "الإنصاف فيما تضمنه الكشاف من الاعتزال". ومما قاله في رده: (.. ومع ذلك يمنع أن ينسب الخداع إلى الله تعالى لما يوهم ظاهره من أنه يكون عن عجز عن المكافحة وإظهار المكتوم هذا هو الموهم منه في الاطلاق، ولكن حيث أطلقه تعالى مقابلا لما ذكره من خداع المنافقين كمقابلة المكر بمكرهم، علمنا أن المراد منه أنه فعل معهم فعلا سماه خداعا مقابلة ومشاكلة ... هذا معتقد أهل السنة في هذِه الآية وأمثالها، لا كالزمخشري وشيعته الذين يزعمون أنهم يوحدون فيجحدون وينزهون فيشركون والله الموفق للحق. "الكشاف" 1/ 171. و"الإنصاف" بهامشه. وقد ذكرت فيما سبق قريبا رد الطبري على أبي عبيدة، وذكرت القول الذى ارتضاه في معنى الآية. (¬3) قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو (يخادعون)، (وما يخادعون) بالألف والياء المضمومة. وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي (يخادعون) (وما يخدعون) بفتح الياء من غير ألف. أنظر "السبعة" ص 141، "الحجة" لأبي علي 1/ 313،312، "الكشف" 1/ 224. (¬4) في (ب): (تضع).

على (¬1) الأول طلبا للتشاكل، وقد أجري على التشاكل ما لا يصح (¬2) في المعنى كقوله: فَنَجْهَلَ فوْقَ جَهْلِ الجَاهِلِينَا (¬3) وقوله تعالى: {فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} (¬4) [البقرة: 194] فلأن يجرى للتشاكل ما يصح في المعنى أولى (¬5). وأيضا فإنهم كانوا يخادعون أنفسهم بالتسويف والتشكيك إذ (¬6) نازعتهم دواعي الإيمان، ودعتهم خواطر الحق، كانوا يقابلون (¬7) ذلك بالجحد والتكذيب وترك النظر، والخاطران في قلب واحد إذا كانا يتعارضان جعلا بمنزلة نفسين (¬8) ¬

_ (¬1) في (ب): (أجزى الثاني عن الأول). (¬2) عبارة أبي علي في "الحجة": (وإذا كانوا قد استجازوا لتشاكل الألفاظ وتشابهها أن يجروا على الثاني طلبا للتشاكل ما لا يصح في المعنى على الحقيقة، فأن يلزم ذلك ويحافظ عليه فيما يصح في المعنى أجدر وأولى، وذلك نحو: ألا لا يجهلن ...) 1/ 315, 316. (¬3) عجز بيت من معلقة عمرو بن كلثوم وصدره: ألا لا يجهلن أحد علينا والشاهد فيه: أنه جعل انتصاره جهلا طلبا للمشاكلة، وتسمية للفعل الثاني بالفعل الأول المسبب له. انظر: "الحجة" 1/ 316، "شرح القصائد المشهورات" للنحاس 2/ 125، "البحر المحيط" 1/ 57. (¬4) والشاهد فيها: أنه سمى القصاص عدوانا، من باب التشاكل اللفظي. (¬5) في (ب) (أولا) ذكره أبو علي في "الحجة" 1/ 315، 316، وانظر "الكشف عن وجوه القراءات" 1/ 225، "البحر المحيط" 1/ 57. (¬6) في (ب): (إذا) ولعله أصوب. (¬7) في (أ)، (ج): (يقاتلون). (¬8) في (ب): (تفسير). انظر: "الحجة" 1/ 317، "البحر المحيط" 1/ 57.

ألا ترى الكميت (¬1) قال (¬2) في ذكر حمار أراد الورود (¬3): تذكر من أنّى ومن أين شربه ... يؤامر نفسَيه كذي الهَجْمة الأَبِلْ (¬4) فجعل ما يكون من ورود الماء (¬5) أو ترك الورود والتمييل (¬6) بينهما بمنزلة نفسين، وعلى هذا يتوجه قراءة من قرأ: {قَالَ اعْلَمْ أَنَ اَللَّهَ عَلىَ كلِّ شئٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 259] بالجزم (¬7)، فنزل نفسه عند الخاطر الذي يخطر له عند نظره منزلة مناظر له (¬8). ¬

_ (¬1) في "الحجة": (ألا ترى الكميت أو غيره ..)، 1/ 317، وفي "اللسان" نسبه للكميت (أبل) 1/ 10. والكميت. هو الكميت بن زيد بن الأخنس من بني أسد، كوفي شاعر، مقدم، عالم بلغات العرب، كان متشيعا (60 - 126هـ). انظر ترجمته في: "الشعر والشعراء" ص 385، "طبقات فحول الشعراء" 2/ 318، "الخزانة" 1/ 144. (¬2) في (ب) (ألا ترى الكميت في ذلك ذكر حمار). (¬3) في (أ)، (ج) (في ذكر حمار أباد الورود). (¬4) يؤامر: يشاور الهجمة: القطعة من الإبل، والأبل: على وزن (فَعِل) بفتح الفاء وكسر العين من صيغ المبالغة، وهو من حذق مصلحة الإبل، ورد البيت في "الحجة" 1/ 317 "تفسير ابن عطية" 1/ 161، "اللسان" (أبل) 1/ 10، "البحر المحيط" 1/ 57، فيه (البهجة) والبيت نسبه بعضهم للكميت كما فعل الواحدي، أما أبو علي في "الحجة" فقال: للكميت أو غيره، وهو في "شعر الكميت" جمع داود سلوم ص 396. (¬5) في (ب): (للماء). (¬6) في (ب): (التمثيل) ومثله فى "الحجة" 1/ 318. (¬7) وهي قراءة حمزة والكسائي: (اعلم) ألف وصل وسكون الميم (فعل أمر)، وقراءة ابن كثير ونافع وعاصم وأبي عمرو وابن عامر: (أعلم) بقطع الألف وضم الميم، (فعل مضارع). انظر "السبعة" لابن مجاهد ص 189، "الكشف" 1/ 312. (¬8) الكلام في "الحجة"1/ 318، وانظر: "الكشف" لمكي 1/ 312.

ومن قرأ {يَخْدَعُونَ} قال: إن فَعَلَ [أولى بفعل] (¬1) الواحد من (فاعَلَ) من حيث كان أخص به، وكان أليق من (فاعَل) الذي هو لأكثر الأمر (¬2) أن يكون لفاعلين (¬3). وقوله تعالى: {وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ} (¬4). معناه أنهم راموا الخداع فلم يخدعوا الله ولا المؤمنين، وما خدعوا إلا أنفسهم؛ لأن وبال خداعهم عاد عليهم، وهذا كقولك: قاتل فلان فلانا فما قتل إلا نفسه، أي: رام قتل صاحبه فلم يتمكن وعاد وبال فعله إليه، كذلك المنافقون في الحقيقة إنما يخدعون أنفسهم (¬5)، لأن الله سبحانه يطلع نبيه -عليه الصلاة والسلام- على أسرارهم ونفاقهم (¬6)، فيفتضحون في الدنيا، ويستوجبون العقاب (¬7) في العقبى (¬8). ¬

_ (¬1) في جميع النسخ جاءت الجملة: (أن فعل أو لن يفعل الواحد ..) فصححتها على عبارة "الحجة"، لأن المؤلف نقل الكلام منه. انظر: "الحجة" 1/ 317. (¬2) في (أ)، (ج): الأكثر إلا من أن يكون ..)، وعبارة "الحجة" (الذي في أكثر الأمر أن يكون لفاعلين) وهي أوضح 1/ 317. وانظر: "الكشف" لمكي 1/ 224. (¬3) رجح ابن جرير قراءة {وما يخدعون} بدون ألف، وقال: هي أولى بالصحة من قراءة من قرأ {وما يخادعون}، 1/ 120، وكذا مكي حيث قال: وقراءة من قرأ بغير ألف أقوى في نفسي. ثم ذكر حججه على ذلك، وقال: والقراءة الأخري حسنة ..) وقال: وحمل القراءتين على معنى واحد أحسن وهو أن (خادع) و (خدع) بمعنى واحد في اللغة. "الكشف" 1/ 225، 227. (¬4) على قراءة نافع وأبن كثير وأبي عمرو. (¬5) "تفسير الطبري" 1/ 119، وانظر "تفسير القرطبي" 1/ 171، "زاد المسير" 1/ 30، "تفسير ابن كثير" 1/ 51. (¬6) انظر: "تفسير أبي الليث" 1/ 95. (¬7) في (ب): (العذاب). (¬8) انظر: "زاد المسير" 1/ 30، "تفسير البغوي" 1/ 66.

وقوله تعالى: {إِلَّا أَنْفُسَهُمْ}. النفس: تستعمل (¬1) في اللغة على معان: النفس: عين الشيء وذاته (¬2). والنفس: بمعنى الروح، يقولون: خرجت نفسه، إذا فارقه الروح (¬3). والنفس: بمعنى الدم، يقال: هذا ليس له نفس سائلة، وذلك أنه لما كان قوام البدن بالدم سمي الدم باسم الروح الذي هو النفس (¬4)، ومنه يقال: نفست المرأة (¬5): إذا حاضت (¬6). وقال ابن الأنباري: سميت النفس نفسا لتولد النفس منها، كما سموا الروح روحا؛ لأن الروح موجود به (¬7). وسنذكر (¬8) معاني النفس بأبلغ من هذا عند قوله: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا} (¬9) [الزمر: 42]. إن شاء الله. وفي قوله: {وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ} (¬10) تحقيق أن المخادعة وقعت بهم لا بغيرهم، كما تقول: رأيت نفس الشيء، أخبرت أن الرؤية وقعت عليه لا على مثاله (¬11). ¬

_ (¬1) في (ج): (مستعمل). (¬2) انظر: "تهذيب اللغة" (نفس) 4/ 3630، "الصحاح" (نفس) 3/ 984. (¬3) انطر المراجع السابقة. (¬4) في (ب) (اليقين). (¬5) في أ (للمرأة) وما في (ب، ج) موافق لما في "تهذيب اللغة". (¬6) انظر: "تهذيب اللغة" (نفس) 4/ 3631، "الصحاح" (نفس) 3/ 984، وللنفس معان أخرى منها: الجسد، والعين وغير ذلك. انظر: "الصحاح" (نفس) 3/ 984، "مقاييس اللغة" (نفس) 5/ 460. (¬7) "الزاهر" لابن الأنباري 2/ 386، وانظر "تهذيب اللغة" (نفس) 4/ 3629. (¬8) في (ب): (وسنذكره). (¬9) لفظ الجلالة، ليس في (ج). (¬10) على قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو. (¬11) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 119 - 120، "البحر المحيط" 1/ 58، "الدر المصون" 1/ 127، 128.

وقوله تعالى: {وَمَا يَشْعُرُونَ} أي ما يعلمون أنهم يخدعون أنفسهم، وأن وبال خداعهم يعود إليهم، وفي هذا دليل على أنهم كانوا جهالاً بالله سبحانه وبدينه. و (الشِّعْر): العلم، وهو في الأصل (شِعْرَة) (¬1) كالفطنة والدِّرية (¬2)، وقالوا: ليت شعري، فحذفوا (التاء) مع الإضافة للكثرة، وقد قالوا: ذهب بعذرتها، [وهو أبو عذرها (¬3)] (¬4) وكأن شعرت من الشعار، وهو ما يلي الجسد، وكأن شعرت به، علمت علم حسّ (¬5). قال الفرزدق (¬6): ¬

_ (¬1) وقوله: (وهو في الأصل شعرة ... إلخ) من كلام أبي علي الفارسي أورده ابن سيده في "المخصص" قال (قال أبو علي: .. فأما شعرت فمصدره: شعرة، بكسر الأول كالفطنة والدرية. وقالوا: ليت شعري ... إلخ) "المخصص" 3/ 32، وانظر: "الصحاح" (شعر) 2/ 699، "مقاييس اللغة" 3/ 194، "اللسان" 4/ 2273، "القاموس" ص 416. (¬2) في (ب): (الدربة) بالباء الموحدة ن وكذا ورد عند ابن فارس في "المقاييس" 3/ 194. وعند سيبويه 4/ 44، وابن سيده في "المخصص" 3/ 32، (الدرية) كما هنا. (¬3) قال سيبويه: (هذا باب ما تجيء فيه الفعلة تريد بها ضربا من الفعل)، ثم قال: (.. وقد تجيء الفعلة لا يراد بها هذا المعنى وذلك نحو: الشدة، والشعرة، والدرية .. وقالوا: ليت شعري في هذا الموضع، استخفافا، لأنه كثر في كلامهم، كما قالوا: ذهب بعذرتها، وقالوا: هو أبو عذرها لأن هذا أكثر ...)، "الكتاب" 4/ 44، وانظر "الصحاح" (شعره) 2/ 699، "اللسان" 4/ 409. (¬4) ما بين المعقوفين ساقط من (ب). (¬5) في (ب): (حسن). (¬6) هو الشاعر المشهور همام بن غالب بن صعصعة بن تميم البصري، مات سنة عشر ومائة. انظر ترجمته في "الشعر والشعراء" ص 310، "طبقات فحول الشعراء" 2/ 298، "الخزانة" 1/ 217.

لَبِسْنَ (¬1) الفِرِنْدَ الخُسْرُوَانِي فَوْقَهُ ... مَشَاعِرَ مِنْ خَزِّ العِرَاقِ المُفَوَّفُ (¬2) أراد: لبسن الفرند الخسرواني مشاعر فوقه المفوف من خز العراق، أي جعلنها الشعار. فالشعر ضرب من العلم مخصوص، وكل مشعور به معلوم، وليس كل معلوم مشعورا (¬3) به، ولهذا لم يجز في وصف الله تعالى (¬4). وقوله في وصف الكافرين {لَا يَشْعُرُونَ} أبلغ في الذم من وصفهم بأنهم لا يعلمون؛ لأن البهيمة قد تشعر من حيث تحس (¬5)، فكأنهم وصفوا بنهاية الذهاب عن الفهم، وعلى هذا قال: {وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ} [البقرة: 154] ولم يقل: (ولكن لا تعلمون) لأن المؤمنين إذا أخبرهم الله تعالى بأنهم أحياء علموا أنهم أحياء، ¬

_ (¬1) في (ب): (ليبس). (¬2) البيت في "ديوان الفرزدق" وفيه (دونه) بدل (فوقه) 2/ 24، "المخصص" 3/ 32، "شرح الأبيات المشكلة الإعراب" للفارسي ص 299، "جمهرة أشعار العرب" ص 314، وفيه (الفريد) بدل (الفراند)، و (خزي) بدل (من خز)، و (الفراند): يطلق على وشى السيف، وعلى السيف نفسه، وعلى الورد الأحمر، وقال في "اللسان" (فرند): دخيل معرب اسم ثوب، "اللسان" (فرند) 6/ 3405، و (الفريد): قلائد اللؤلؤ، و (الخسرواني): الذي يشتري بالمال الكثير، ولا تحسب فيه خسارة، و (المشاعر). الثياب التي يلي البدن، و (المفوف): المُوَشَّى. (¬3) فبينهما عموم وخصوص مطلق. (¬4) في "المخصص": (... ولهذا لم يجز في وصف الله تعالى كما لم يجز في وصفه (دوى)، وكان قوله تعالى في وصف الكافرين ...).، 3/ 32. (¬5) في (ب): (لا تحس). وفي "المخصص": (.. من حيث كانت تحس ..)،3/ 32.

10

فلا يجوز أن ينفي الله العلم عنهم بحياتهم، إذ (¬1) كانوا [قد علموا ذلك بإخباره إياهم. ولكن يجوز أن يقال: [(ولكن لا)] (¬2) تشعرون (¬3)، لأنه ليس كل ما علموه يشعرونه، كما أنه ليس كل ما علموه يحسونه بحواسهم، فلما كانوا لا يعلمون بحواسهم حياته (¬4)، وإن كانوا قد علموه بإخبار الله إياهم وجب أن يقال: {لَا يَشْعُرُونَ} (¬5). 10 - قوله تعالى {فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ}: قال أبو بكر بن الأنباري (¬6): أصل المرض في اللغة: الفساد، ومرض فلان، فسد جسمه، وتغيرت حالته، وكذلك مرضت الأرض معناه (¬7) تغيرت وفسدت (¬8). ¬

_ (¬1) في (ب): (إذا). (¬2) ما بين المعقوفين ساقط من (ب). (¬3) في (أ)، (ب) يشعرون (بالياء) وما في (ج) موافق لـ"المخصص" 3/ 32. وهو الوارد في الآية، وهو ما أثبته. (¬4) في "المخصص" (حياتهم) 3/ 32، والمراد الشهداء. (¬5) في (المخصص) (لا تشعرون). انتهى ما نقله الواحدي من كلام أبي علي. انظر "المخصص" 3/ 32. (¬6) انظر: "الزاهر" 1/ 585، وانظر: "تفسير القرطبي" 1/ 171، "تفسير النسفي" 1/ 18، "البحر اليحيط" 1/ 53. قال ابن فارس: (الميم والراء والضاد) أصل صحيح يدل على ما يخرج به الإنسان عن حد الصحة في أي شيء كان، ..) , "مقاييس اللغة" (مرض) 5/ 311، "تهذيب اللغة" (مرض) 4/ 3378. (¬7) (معناه) مكرر في (ب). (¬8) في "التهذيب" (أرض مريضة، إذا ضاقت بأهلها، وأرض مريضة: إذا كثر بها الهرج والفتن والقتل "تهذيب اللغة" مرض) 12/ 35.

قالت ليلى الأخيلية (¬1): إذا هبط الحَجَّاج أرضًا مريضةً ... تتبَّع أقصى (¬2) دائها فشفاها (¬3) أرادت: أرضا فاسدة. وقال آخر: ألم تر أن الأرض أضحت مريضة ... لفقد الحسين والبلاد اقشعرت (¬4) وقال غيره: أصل المرض الضعف، يقال (¬5): مرَّض الرجل في الأمر إذا ضعف فيه، ولم يبالغ، و [عين] (¬6) مريضة النظر أي (¬7): فاترة ضعيفة، وريح مريضة إذا ضعف هبوبها، وعلى هذا تفسير (¬8) قول المحدث: رَاحَتْ لأربعك الرياح مريضة (¬9) ¬

_ (¬1) هي ليلى بنت الأخيل من عقيل بن كعب، أشعر النساء، لا يقدم عليها غير الخنساء، رثت عثمان -رضي الله عنه- ودخلت على عبد الملك بن مروان وقد أسنت. انظر ترجمتها في: "الشعر والشعراء" ص 291، "الأعلام" 5/ 249. (¬2) في (ب): (دهاء). (¬3) ورد البيت في "الزاهر" 1/ 560، 586، "أساس البلاغة" (مرض) 2/ 379، "جواهر البلاغة" للهاشمي ص 315. (¬4) البيت من قصيدة لسليمان بن قَنَّة يرثي الحسين بن علي -رضي الله عنه- وردت في "الاستيعاب" 1/ 444، "سير أعلام النبلاء" 3/ 319، "والبداية والنهاية" 8/ 211، والقصيدة في حماسة أبي تمام بشرح المرزوقي، دون البيت المستشهد به هنا 2/ 961. (¬5) في (ب): (فقال يقال). (¬6) في (أ)، (ج): (غير) وفي (ب) (عن) والصواب (عين) قال الثعلبي: (المرض في العين: فتورالنظر) "تفسير الثعلبي" 1/ 50 أ، وانظر "الصحاح" (مرض) 3/ 1106 "البحر المحيط" 1/ 53. (¬7) (أي) ساقطة من (ب). (¬8) في (ب): (يفسر). (¬9) لم أعثر عليه ولم أعرف قائله فيما اطلعت عليه والله أعلم.

أي: لينة ضعيفة حتى لا تعفوها. ثعلب عن ابن الأعرابي (¬1): أصل المرض: النقصان. بدن مريض: ناقص القوة. و (¬2) قلب مريض: ناقص الدين، ومَرَّض (¬3) في حاجتي إذا نقصت حركته فيها. وقال الأزهري: أخبرني المنذري، عن بعض أصحابه قال: المرض إظلام الطبيعة واضطرابها بعد صفائها، قال: والمرض: الظلمة، وأنشد (¬4): ولَيْلَةٍ مَرِضَتْ مِنْ كُلِّ ناحيةٍ ... فما يُضيءُ لها شَمْسٌ ولا قَمَرُ (¬5) هذا (¬6) هو الكلام في أصل المرض ومعناه في اللغة، ثم الشك والجهل (¬7) والحيرة في القلب كلها تعود إلى هذه الأصول. ¬

_ (¬1) في "التهذيب" ثعلب عن ابن الأعرابي .. ثم ذكره، "تهذيب اللغة" (مرض) 4/ 3378. (¬2) (الواو) ساقطة من (ب). (¬3) في "التهذيب": (مرض فلان في حاجتى) 4/ 3378. (¬4) في "التهذيب": (وأنشد أبو العباس)، 4/ 3378، وذكره ابن الأنباري في "الزاهر" قال: أنشدنا أبو العباس 1/ 585. (¬5) البيت لأبي حية النميري ولفظه في "التهذيب" (فلا يضيء) 4/ 3778، وذكره ابن الأنباري في "الزاهر" 1/ 585 والكرماني في "لباب التفسير" 1/ 126 (رسالة دكتوراه)، وورد في "اللسان" (مرض) 7/ 4180، "البحر المحيط" 1/ 35، "الدر المصون" 1/ 129. (¬6) (هذا) ساقط من (ب). (¬7) في (ب): (والجهل هذا والحيرة) وفي ج (والحيرة والجهل).

قال ابن عباس في قلوبهم مرض: أي شك ونفاق (¬1)، وهو قول ابن مسعود والحسن وقتادة (¬2) وجميع أهل التأويل. وقال ابن جرير (¬3): معناه في اعتقاداتهم مرض، أي: شك وشبه، فاستغنى بذكر القلوب عن ذكر الاعتقادات؛ لأن محلها القلوب كقولهم: (يا خيل الله اركبي) (¬4). وليس الأمر على ما قال؛ لأن الشك في القلب على الحقيقة، فأي فائدة لتقدير الاعتقاد ههنا؛ ولأن الشك ينافي الاعتقاد، وهم ليسوا ¬

_ (¬1) أخرج ابن جرير بسنده عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس (في قلوبهم مرض) أي شك وأخرج بسنده عن الضحاك عن ابن عباس قال: المرض: النفاق، "تفسير الطبري" 1/ 280، وأخرجهما ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 43، وانظر "تفسير ابن كثير" 1/ 52، "الدر" 1/ 67 - 68. (¬2) انظر أقوالهم والآثار عنهم في: "تفسير الطبري" 1/ 122، "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 43 - 44، "تفسير ابن كثير" 1/ 52، "الدر" 1/ 67 - 68. (¬3) "تفسير الطبري" 1/ 122، نقل الواحدي كلامه بتصرف. (¬4) قوله: (كقولهم: يا خيل الله اركبي) ذكره ابن الأنباري في "الزاهر"، قال ومعناه. فرسان خيل الله اركبوا وابشروا بالجنة. "الزاهر" 2/ 100، ومنه الحديث (يا خيل الله اركبي) ذكره ابن الأثير في "النهاية" 2/ 94، وذكره السيوطي في "الدرر المنتثرة"، وعزاه للعسكري في "الأمثال"، "الدرر المنتثرة" ص 144 (463)، وذكره العجلوني في "كشف الخفاء" وعزاه لأبي الشيخ في "الناسخ والمنسوخ"، وللعسكري ولابن عائذ في "المغازي" وغيرهم. انظر "كشف الخفاء" 2/ 379، 380، وقد رجعت إلى "جمهرة الأمثال" للعسكري ولم أجده، وترجم أبو داود في "سننه" (باب في النداء عند النفير: يا خيل الله اركبي) كتاب (الجهاد) وساق حديث سمرة بن جندب: أما بعد: فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- سمى خيلنا خيل الله (2560)، "سنن أبي داوود" 3/ 55 معه "معالم السنن".

معتقدين (¬1) إذا كانوا شاكّين (¬2). وقوله تعالى: {فَزَادَهُمُ اَللَّهُ مَرَضًا}. يقال: زاد يزيد زيادة وزيدا (¬3)، أنشد أبو زيد: كذلك زَيْدُ المَرْءِ بعدَ انتِقَاصِه (¬4) وقال ذو الإصبع (¬5): وأنتمُ معشرٌ زَيْدٌ على مائة ... فأجمِعُوا أمركم طُرًّا فكيدوني (¬6) كأنه (¬7) قال: معشر زيادة على مائة (¬8). وهو (¬9) فعل يتعدى إلى ¬

_ (¬1) في (ب): (بمعتقدين). (¬2) وفيما قاله الواحدي وجاهة وقوة. (¬3) "الحجة" لأبي علي 1/ 322. (¬4) أنشده أبو زيد مع ثلاثة أبيات قبله ونسبها لحسان السعدي ورواية أبي زيد له مع عجزه: كذلك زيد المرء ثم انتقاصه ... وتكراره في إثره بعد ما مضى "النوادر" ص 358 وأنشد الأبيات المرتضى في "أماليه" ونسبها لبعض شعراء طيى والشطر الأخير عنده: (يعود إلى مثل الذي كان قد بدا) 1/ 416. وهو في "الحجة" وفيه (ثم) بدل (بعد) وفي الحاشية في ط (بعد) مكان (ثم) 1/ 322، ويظهر أن نسخة (ط) هي التي اعتمد المؤلف عليها. (¬5) هو حرثان بن محرث ذو الإصبع العدواني شاعر جاهلي معمر عاش ثلاثمائة سنة انظر ترجمته في "الشعر والشعراء" ص 473، "الخزانة" 5/ 284. (¬6) البيت ضمن قصيدة لذى الإصبع العدواني في "المفضليات" ص 161، وفيه بدل (طرا)، (كلا) ووردت في ص 163، وفيه (شتى)، وهي في "الأمالي" لأبي علي القالي1/ 256، وفي "شرح المفصل" لابن يعيش 1/ 30. (¬7) في (ب): (كان). (¬8) في (ب): (على مائة فأجمعوا). (¬9) أي: (زاد).

مفعولين كما قال: {وَزِدْنَاهُمْ هُدًى} (¬1) [الكهف: 13] وقال: {زِدْنَاهُمْ عَذَابًا} (¬2) [النحل: 88]. وكان حمزة يميل (زاد) في جميع القرآن (¬3) كأنه أراد أن يدل بالإمالة على أن العين (¬4) (ياء) [ليحافظ] (¬5) على الحرف الذي هو أصل، كما أنهم قالوا في جمع أبيض وأعين: بيض وعين، فأبدلوا (¬6) من الضمة كسرة، لأن جمع (أَفْعَل) (¬7) (فُعْل) لتصح (¬8) (الياء) ولا تنقلب إلى (الواو) (¬9) فكما حوفظ على تصحيح (¬10) (الياء) في هذه الحروف كذلك حوفظ على (الياء) ¬

_ (¬1) في (ب): (تعدى) تصحيف والآية من سورة الكهف: 13. (¬2) الكلام نقله عن "الحجة" لأبي علي1/ 322. (¬3) قال ابن مجاهد: (قرأ حمزة [وحده] {فَزَادَهُمُ اللَّهُ} بكسر الزاي [المراد الإمالة] وكذلك (شاء) و (جاء) و (خاب) و (طاب) و (ضاق) و (خاف) و (حاق) ... ثم قال. وكان ابن عامر يكسر من ذلك كله ثلاثة أحرف: (فزادهم) و (شاء) و (جاء)، "السبعة" لابن مجاهد ص 141، 142، وذكر نحوه مكي، وقال: ووافقه ابن ذكوان في (جاء) و (شاء) حيث وقعا وعلى إمالة (زاد) في أول سورة البقرة خاصة. "الكشف" 1/ 174، وانظر: "الحجة" لأبي علي 1/ 320. (¬4) في (ب): (المعين). (¬5) في جميع النسخ (لتحافظ) بالتاء، وكتبتها بالياء حسب ما ورد في "الحجة" والكلام منقول منه وهو الصحيح، انظر "الحجة"1/ 326، 327. (¬6) في (أ)، جـ، (فأبدوا) وأثبت ما في (ب). (¬7) في (ب): (أفضل). (¬8) في (ب): (النصح). (¬9) جمع (أبيض) على القياس (بوض) فأبدلوا ضمة (الباء) كسرة حتى لا تقلب الياء واوا. (¬10) في (ب): (الصحيح).

في (زاد) بإمالة الألف نحوها (¬1) يدلك على ذلك: أن الذين أمالوا نحو: (زاد) (¬2) و (زاغ) و (خاب) و (طاب) (¬3) لم يميلوا نحو (عاذ، وعاد) ولا (بابا) ولا (مالا) ولا ما أشبه ذلك مما العين منه (واو) حيث لم تكن في الكلمة (¬4) (ياء) ولا (كسرة) فتنحى الألف بالإمالة نحوهما. ومما يقوي الإمالة في (زاد) ونحوه: أنه اجتمع فيه أمران كل واحد يوجب الإمالة: أحدهما: ما ذكرنا (¬5) والثاني: لحَاقُ الكسرة أول فَعَلْتَ (¬6)، وكل واحدة من هاتين الحالتين توجب الإمالة بانفرادها (¬7). ومعنى قوله. {فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا} أى: شكًّا على شكٍّ وفسادَا على فساد (¬8). وهذا يدل على أن كفرهم كان مخلوقًا لله تعالى (¬9)؛ لأنه لو لم ¬

_ (¬1) نحو (الياء). (¬2) أي ما كان أصل العين فيه ياء. (¬3) في "الحجة": (زاد وباع وناب وعاب) 1/ 327. (¬4) (في الكلمة) ساقط من (ب). (¬5) وهو أن تمال الألف ليعلم أنها من الياء،. "الحجة" 1/ 328. (¬6) كذا ورد في "الحجة" 1/ 328 والمراد أن الحرف الأول من فعل زاد يكون مكسورا إذ أسند هذا الفعل إلى تاء المتكلم أو المخاطب أو المخاطبة فتقول: زدتُ، زِدتَ، زِدتِ انظر "الكشف" 1/ 174. (¬7) الكلام بتصرف يسير من "الحجة" 1/ 327، 328. (¬8) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 122 - 123، و"تفسير البغوي" 1/ 66، "تفسير ابن كثير" 1/ 52. (¬9) المعنى صحيح فإن الله خالق كل شيء من الطاعات والكفر لكن السلف لم يستعملوا هذا اللفظ تأدبا مع الله تعالى انظر التعليق السابق عند تفسير قوله تعالى: {خَتَمَ اللَّهُ عَلىَ قُلوُبِهِم} [البقرة: 7].

يخلق مرض (¬1) قلوبهم ما زادهم المرض ثانياً، وهو كقوله: {وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ} [هود: 52]. قال أبو إسحاق (¬2): المرض (¬3) في القلب يصلح لكل ما خرج به الإنسان عن الصحة في الدين (¬4). وقوله تعالى {فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا} (¬5) أي بما أنزل من القرآن، فشكّوا فيه كما شكّوا في الذي قبله كقوله تعالى: {وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ} الآية [التوبة: 124]. وقوله تعالى: {وَلَهُمْ عَذَابٌ}. أصل العذاب في كلام العرب: من العذب، وهو المنع؛ يقال: عَذَبتَه عَذْبًا أي منعتَه مَنْعَا، فعَذَبَ عُذوبًا أي امتنع (¬6)، ومنه يقال للفرس إذا قام في المِعْلف ولم يتناول العلف وامتنع عنه: عَذُوبٌ وعَاذِبٌ، ومنه الماء العَذْب؛ لأنه يمنع العطش (¬7). فسمي العذاب عذابًا؛ لأنه يَعْذُبُ المعاقب عن معاودة ما عوقب عليه، ويعذب ¬

_ (¬1) في (ب): (سمرص). (¬2) هو الزجاج. (¬3) (المرض) ساقط من (ب). (¬4) في (ب): (على). (¬5) كلام الزجاج: (وقوله: {فَزَادهمُ الله مَرَضًا} فيه جوابان قال بعضهم زادهم الله بكفرهم كما قال عز وجل: {بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ} [النساء: 155] وقال بعض أهل اللغة: فزادهم الله بما أنزل عليهم من القرآن ...)، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 51. (¬6) انظر. "تهذيب اللغة" (عذب) 3/ 2365، "تفسير الدر المصون" 1/ 178 "تفسير البيضاوي" 1/ 10. (¬7) انظر: "تهذيب اللغة" (عذب) 3/ 2364، "الصحاح" (عذب) 1/ 178، "تفسير الثعلبي" 1/ 48 ب، "الكشاف" 1/ 164.

غيره (¬1) من أرتكاب مثله (¬2). وقوله تعالى: {أَلِيمٌ} الأليم بمعنى المؤلم (¬3) كالسميع: بمعنى المسمع (¬4)، وقال ذو الرمة (¬5): وترفع (¬6) من صدور شَمَرْدَلاتٍ ... يصُكُّ وجوهَها وَهَجٌ (¬7) أليمُ (¬8) وقال عمرو (¬9): ¬

_ (¬1) في (ب): (في). (¬2) انظر: "مقاييس اللغة" (عذب) 4/ 260، "تفسير الثعلبي" 1/ 48 ب، "الكشاف" 1/ 165، "تفسير البيضاوي" 1/ 10، "تفسير القرطبي" 1/ 172. (¬3) انظر. "تفسير الطبري" 1/ 123، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 51، "تفسير أبي الليث" 1/ 95. (¬4) في (أ)، (ج) (السمع) وأثبت ما في (ب). (¬5) هو غيلان بن عقبة من بني صعب بن مالك بن عدي بن عبد مناة، و (الرُّمَّة) بضم الراء وتشديد الميم: قطعة من الحبل الخلق، قيل إن مية لقبته بذلك، شاعر إسلامي عاصر جرير والفرزدق. انظر ترجمته في: "الشعر والشعراء" ص 350، "وفيات الأعيان" 4/ 11، "الخزانة" 1/ 106. (¬6) كذا في (أ)، (ج) وفي (ب) محتملة ونحوه في "تفسير الطبري" وما عداه من المصادر فيها: (نرفع). (¬7) في (ب) (هجم). (¬8) قوله: الشمردلات الإبل الحسان الجميلة الخلق، يصك: يضرب، وهج أليم: شدة الحرارة، البيت في "ديوانه" 2/ 677، "مجاز القرآن" 1/ 32 و"تفسير الطبري" 1/ 123، وفيه (يصد) بدل (يصك)، "تفسير القرطبي" 1/ 198، و"الدر المصون" 1/ 130. (¬9) هو عمرو بن معد يكرب، وفد على النبي - صلى الله عليه وسلم - سنة تسع أو عشر، فأسلم، فارس مشهور، له وقائع في الجاهلية والإسلام، انظر ترجمته في: "الشعر والشعراء" ص 235، "الإصابة" 3/ 18، "الخزانة" 2/ 444.

أَمِنْ ريحانة الدَّاعي السَّميع (¬1) أي: المسمع. ومعنى العذاب الأليم (¬2): الذي يخلص وجعه إلى قلوبهم. "قوله تعالى: {بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ}. (ما) في تأويل المصدر (¬3) كأنه قيل: بكونهم مكذبين وبتكذيبهم. وسنذكر القول في ذلك عند قوله: {وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا} [البقرة:28]، إن شاء الله. وحقيقة الكذب: الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو به، وقد يستعار لفظ الكذب فيما ليس بكذب في الحقيقة (¬4)، كقول الأخطل (¬5): ¬

_ (¬1) تمامه: يؤرقني وأصحابي هجوع وريحانة: أخت عمرو، وكان الصمة أبو دريد قد غزا بني زبيد وسباها، وغزاهم عمرو مرارًا ولم يقدر عليها، وقيل: ريحانة امرأة أراد أن يتزوجها فهو يشبب بها. البيت في "الشعر والشعراء" ص 235، و"تفسير الطبري" 1/ 123، "معاني القرآن" للزجاج1/ 51، و"تفسير الثعلبي" 1/ 50 أ، و"تفسير ابن عطية" 1/ 165، "الأصمعيات" ص 172، "البحر المحيط" 1/ 59. (¬2) في (ب): (هو العذاب الذي ...). (¬3) هذا على قول من يجعل لـ (كان) مصدرًا ومن لا يجيز ذلك يجعل ما بمعنى الذي وسيأتي للمسألة مزيد إيضاح عند قوله {وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا} [البقرة:28]، وقد ذكر المذهبين الطبري في "تفسيره" 1/ 123، وأبو حيان في "البحر" 1/ 60 والسمين الحلبي في "الدر المصون" 1/ 130. (¬4) قال أبو حيان: والكذب له محامل في لسان العرب، أحدها: الإخبار بالشيء على خلاف ما هو عليه. والثاني: الإخبار بالذي يشبه الكذب ولا يقصد به إلا الحق. والثالث: الخطأ. الرابع: البطول. الخامس: الإغراء بلزوم المخاطب الشيء المذكور. "البحر المحيط" 1/ 60، وانظر: "الكشاف" 1/ 178، "الدر المصون" 1/ 132. (¬5) هو غياث بن غوث بن الصلت بن طارقة التغلبي، الشاعر المشهور كان نصرانيًّا =

كَذَبتكَ عينُك أَمْ رَأَيتَ بواسطٍ (¬1) كأنها لما أوهمته خلاف الحقيقة كانت بمنزلة ما كذبته (¬2). وقرأ أهل الكوفة (¬3) {يَكْذِبُونَ} بالتخفيف من الكذب، وهو أشبه بما قبله وبما بعده؛ لأن قبله: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ} [البقرة: 8] وهذا كذب منهم، وبعده قوله: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ} [البقرة: 14] وهذا يدل على كذبهم في دعوى الإيمان. وأيضا فإن قوله تعالى {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} لا يخلو إما أن يراد به المنافقون، أو المشركون، أو الفريقان جميعاً. فإن أراد المنافقين فقد (¬4) قال فيهم: {وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (1)} [المنافقون: 1]. وإن كانوا المشركين فقد قال: {وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (90) مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ} [المؤمنون: 90 - 91]. وإن كانوا الفريقين فقد أخبر عنهم جميعا بالكذب الذي يلزم (¬5) أن يكون فعله (يكذبون) بالتخفيف. ¬

_ = ومات على ذلك، مدح بني أمية وكان مقدما عندهم. انظر ترجمته في: "الشعر والشعراء" ص 319، "الخزانة" 1/ 459. (¬1) البيت مطلع قصيدة للأخطل يهجو بها جريرا وقوله (كذبتك عينك): أي خيل إليك، وواسط: مكان بين البصرة والكوفة. البيت من شواهد سيبويه 3/ 174. وورد في "المقتضب" 3/ 295، "تهذيب اللغة" (الكذب) 4/ 3114، "مغنى اللبيب" 1/ 45. (¬2) انظر: "تهذيب اللغة" (كذب) 4/ 3114. (¬3) عاصم وحمزة والكسائي انظر "السبعة" لابن مجاهد ص 143، "الحجة" لأبي علي 1/ 329، "الكشف" لمكي1/ 227، و"تفسير الطبري" 1/ 121 - 123. (¬4) في (أ)، (ج): (وقد) وأثبت ما في (ب) ومثله في "الحجة" 1/ 338. (¬5) في (ب): (يلتزم).

11

ومن شدد (¬1) فلكثرة ما في القرآن مما يدل على التثقيل (¬2) كقوله: {وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ} [الأنعام: 34] وقوله: {بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ} [يونس: 39]، {وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي} [يونس: 41] ونحوها من الآيات (¬3). 11 - قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ} الآية. موضع (إذا) من الإعراب نصب لأنه اسم للوقت كأنك قلت: (وحين قيل لهم) أو (ويوم قيل لهم) إلا أنها تشبه حرف الجزاء (¬4) وسيأتي الكلام في (إذ) و (إذا) بعد هذا إن شاء الله. وكان الكسائي يُشِمّ {قِيلَ} (¬5) وأخواتها (¬6) (الضم)، ليدل بذلك على أنه كان في الأصل (فُعِل) (¬7)، كما أنهم قالوا: أنت تغزُين، فألزموا الزاي إشمام الضمة، و (زين) من (تغزين) بمنزلة: (قيل). ومن قال (قُيل) بإشمام ¬

_ (¬1) وهي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وابن عامر "السبعة" لابن مجاهد ص 43. (¬2) في (أ)، (ج): (الثقيل) وأثبت ما في (ب) ومثله في "الحجة" 1/ 338. (¬3) أخذه عن "الحجة" لأبي علي، بتصرف 1/ 337. وانظر "الكشف" لمكي 1/ 228، وقد رجح مكي قراءة (التشديد) ورجح الطبري قراءة (التخفيف) 1/ 123. (¬4) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 137، "البيان" 1/ 55، 56، "الدر المصون" 1/ 132. (¬5) وروي عن هشام مثل الكسائي، وعن نافع وابن عامر الإشمام في بعض أخوات (قيل) دونها. انظر: "السبعة" لابن مجاهد ص 143، "الحجة" 1/ 340، "الكشف" لمكي 1/ 229. (¬6) في (أ)، (ج): وأخواته. وأثبت ما في (ب). والمراد بأخواتها: سيء وسيق وحيل وجيء وغيض والسادس قيل فهي ستة أفعال معتلة العين. انظر: "الكشف" لمكي 1/ 229 والإشمام سبق تعريفه. (¬7) فعل: مبني للمجهول.

الضم قال: (بُيع) أو (اختُير) و (انقُيد) (¬1) بالإشمام؛ لأنها بمنزلة واحدة. وأما من (¬2) حرك الفاء بالكسر ولم يشم الضمة، قال (¬3): هذا كان في الأصل (قُوِلَ) فنقلت كسرة الواو إلى القاف، فسكنت الواو وانكسر ما قبلها، فصارت (ياء) فلزم كسر القاف وصار الأصل هذا (¬4). قال المفسرون: ومعنى الآية: وإذا قيل لهؤلاء المنافقين: لا تفسدوا في الأرض بالكفر وتعويق الناس عن الإيمان بمحمد - صلى الله عليه وسلم - (¬5). ويقال: أفسد الشيء يفسده إفساداً، ومفعول الإفساد محذوف (¬6) على معنى: (لا تفسدوا أنفسكم بالكفر، أو (¬7) الناس بالتعويق عن الإيمان)، على ما ذكره المفسرون. وقوله تعالى: {إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ}. (¬8) (نحن) تدل على جماعة. ¬

_ (¬1) في (أ)، (ج) رسمت أن قيد وفي (ب) إن قيل والصحيح ما أثبت كما في "الحجة" قال: (... ألا ترى من قال: قيل وبيع، قال: اختير وانقيد فأشم ما بعد الخاء والنون لما كان بمنزلة: قيل وبيع ...) 1/ 346، وانظر: "الكشف" 1/ 230. (¬2) وهم ابن كثير وعاصم وأبو عمرو وحمزة هؤلاء كسروا أوائل (قيل) وأخواتها ونافع وابن عامر وافقاهم في بعضها ومنها (قيل)، انظر: "السبعة" لابن مجاهد ص 143، 144، "الحجة" 1/ 340 - 341، "الكشف" 1/ 229. (¬3) في (ب): (كان). (¬4) انظر: "الحجة" 1/ 349 - 350 "الكشف" 1/ 230. (¬5) انظر. "تفسير الطبري" 1/ 125، "تفسير أبي الليث" 1/ 96، "تفسير الثعلبي" 1/ 50 ب، "تفسير ابن كثير" 1/ 53، و"تفسير البغوي" 1/ 66، "تفسير الخازن" 1/ 58. (¬6) في (ب): (محذوف). (¬7) في (ب): (بالواو). (¬8) في (ج): (قالوا إنما نحن مصلحون).

وجماعة المضمرين تدل عليهم (الميم أو (¬1) الواو)، نحو (¬2): فعلوا وأنتم، [فـ (الواو)] (¬3) من جنس الضمة. وحركت نحن (بالضم)؛ لأن الضم من الواو (¬4). وهو جمع (أنا) (¬5) من غير لفظها (¬6). وقال بعضهم. ضم آخرها تشبيهاً بالغاية، نحو: قبلُ وبعدُ (¬7)، ووجه الشبه بينهما (¬8) ذكرنا في قوله: {هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ} [البقرة: 25]. وقال قوم: كان أصلها (نَحُنْ) (¬9) ثم فعل بها ما فعل بـ (قط) لتشبه أخواتها (¬10)، وأصل (قط): (قطط)، والقياس عند الإدغام يوجب نقل ضمة العين إلى اللام، دلالة على حركة العين في الأصل. ¬

_ (¬1) في "معاني القرآن" للزجاج (الميم والواو) 1/ 54. (¬2) في (ب): (ونحن). (¬3) في (أ)، (ب)، (ج): (قالوا ومن) والتصحيح من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 55. (¬4) ذكره الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 54. وانظر: "مشكل إعراب القرآن" لمكي 1/ 241. (¬5) في (ب): (أناس). (¬6) "الأضداد" لابن الأنباري ص 184، "تهذيب اللغة" (أنا) 1/ 213. (¬7) ذكره النحاس ونسبه لمحمد بن يزيد، "إعراب القرآن" للنحاس1/ 138 - 139، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 24. (¬8) (بينهما) ساقط من (ب) وفي ج (بينهم). (¬9) في (أ): (نَحْنُ) وفي ب، ج غير مشكولة والصحيح (نَحُنْ) كما في "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 138 - 139، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 25، وفي (نحن) نقلت الضمة إلى (النون) وسكنت (الحاء). (¬10) أخوات (قط): (قبل) و (بعد) و (حسب) لأنها غاية مثلهن: انظر "تهذيب اللغة" (قط) 3/ 2991، "الكتاب" 3/ 276.

12

ومعنى الآية: يظهرون أنهم مصلحون، كما أنهم يقولون: آمنا، وهم كاذبون. ويحتمل أنهم قالوا: إنما نحن مصلحون، أي: الذي نحن عليه هو صلاح عند أنفسنا (¬1). والتأويل: إنما نحن مصلحون أنفسنا أو الناس، على ما ذكرنا في قوله: {لَا تُفْسِدُوا} لأن الإصلاح واقع، ولا بد له من مفعول، وقولهم: فلان مصلح، يراد أنه مصلح لأعماله وأموره. 12 - وقوله تعالى: {أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ}. رد الله عليهم قولهم: {إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} و (ألا) كلمة يستفتح (¬2) بها الخطاب (¬3). قال الكسائي: وهي تنبيه، ويكون بعدها أمر أو نهي أو إخبار، نحو قولك: ألا قم، ألا لا تقم، ألا إن زيدا قد قام (¬4). وقال النحاة: أصلها (لا) دخلت عليها ألف (¬5) الاستفهام (¬6) والألف إذا دخلت على الجحد (¬7) ¬

_ (¬1) ذكر القولين الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 52، وانظر "تفسير الطبري" 1/ 126 - 127، "زاد المسير" 1/ 32، "تفسير البغوي" 1/ 67. (¬2) في (أ) (تستفتح). (¬3) انظر "معاني الحروف" للرماني ص 113، "البيان في غريب إعراب القرآن" 1/ 57، "البحر المحيط" 1/ 62، "الدر المصون" 1/ 139. (¬4) ذكره الأزهري عن سلمة عن الفراء عن الكسائي "تهذيب اللغة" (ألا) 15/ 422. (¬5) في ج (همزة). (¬6) انظر: "الكتاب" 2/ 307، "الجمل في النحو" للزجاجي ص 240، "الكشاف" 1/ 180، واختار أبو حيان. أنه حرف بسيط غير مركب ورد على الزمخشري في ذلك، "البحر" 1/ 61، وأخذ يقول أبي حيان السمين الحلبي في "الدر المصون" 1/ 139. (¬7) أي النفي.

أخرجته إلى معنى التقرير (¬1) والتحقيق (¬2) نحو: {أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ} [القيامة: 40]، ثم كثر (ألا) في الكلام فصار تنبيها ليتحقق السامع ما بعده، فمعنى الأصل فيه موجود وهو التحقيق كما بينا. وقد يكون للعرض والتحضيض (¬3)، كقولهم: ألا تنزل عندنا. وقال الزجاج: (ألا) كلمة يبتدأ بها، ينبه بها المخاطب توكيدا، يدل على صحة ما بعدها. ذكر هذا في آخر سورة: (حم السجدة) (¬4). وقوله تعالى: {هُمُ} إن شئت جعلته تأكيدا (¬5)، وإن شئت جعلته ابتداء، و (المفسدون) خبره، وجعلتهما خبر (إن) (¬6). ودخلت الألف واللام في (المفسدين) للجنس، كأنه جعلهم جنس المفسدين تعظيماً لفسادهم، كأنه لا يعتد بفساد غيرهم مع فسادهم، وكل فساد يصغر في جنب فسادهم، ¬

_ (¬1) في (ج): (التقدير). (¬2) انظر: "الكشاف" 1/ 180. (¬3) العرض: هو الطلب بلين ورفق، والتحضيض: هو الطلب بحث وإزعاج، والمثال المذكور للعرض. و (ألا) تأتي على أوجه أخرى، انظر "حروف المعاني" للرماني ص113، "الأزهية" ص163، "تهذيب اللغة" (ألا) 1/ 178، "مغني اللبيب" 1/ 68. (¬4) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 392 (ط: عالم الكتب). (¬5) في (ج) (توكيد). وهو توكيد للضمير في أنهم فيكون في محل نصب. انظر "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 139، "تفسير ابن عطية" 1/ 168، "الدر المصون" 1/ 139. (¬6) ويجوز وجه ثالث. وهو أن يكون (هم) فصلا ويسميه الكوفيون (عمادا) فلا موضع له من الإعراب انظر "معاني القرآن" للزجاج 1/ 53، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 178، "تفسير ابن عطية" 1/ 167 - 168، "الدر المصون" 1/ 139.

حتى كان المفسد في الحقيقة هم دون غيرهم، وإن كان غيرهم قد يفسد (¬1). وقوله تعالى: {وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ}. أصل {لكن}، (لا، ك، إن)، (لا) للنفي و (الكاف) للخطاب و (إن) للإثبات. فحذفت الهمزة استخفافا (¬2). ومعناها: استدراك (¬3) بإيجاب بعد نفي (¬4)، أو نفي بعد إيجاب (¬5)، فإذا قيل: {أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ (¬6) الْمُفْسِدُونَ} سبق إلى الوهم أنهم يفعلون (¬7) ذلك من حيث يشعرون. فقال: {وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ} (¬8). وكذلك (¬9) إذا قال: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ} [الأحزاب: 40] أوهم ذلك استبهام صفاته، فقال: {وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ}، [والمعنى: ¬

_ (¬1) ولهذا جاء في هذِه الجملة عدة مؤكدات منها: الاستفتاح، والتنبيه والتأكيد بإنّ وبضمير الفصل، وتعريف الخبر. انظر "تفسير ابن عطية" 1/ 168، "الكشاف" 1/ 181 "الدر المصون" 1/ 139. (¬2) في (ب): (استحقاقا). والقول الذي حكاه الواحدي هو رأي الكوفيين أما البصريون فيرون أنها بسيطة غير مركبة. انظر "الإنصاف" ص 171 - 178، "مغني اللبيب" 1/ 291. (¬3) في (ب): (استدرك). (¬4) في (ب): (بعد بعد). (¬5) قال النحويون: (لكن) لا يتدارك بها بعد إياب إلا إذا وقع بعدها جملة، كما سيأتي في كلام المبرد الذي نقله المؤلف. انظر "الكتاب" 1/ 435، 4/ 232، "المقتضب" 1/ 12، "معاني الحروف" للرماني ص 133، "حروف المعاني" للزجاج ص 15، 33. (¬6) (هم) ساقطة من (ب). (¬7) في (ب): (يضلون). (¬8) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 127، "تفسير ابن عطية" 1/ 168، "الدر المصون" 1/ 140. (¬9) في (ب): (لذلك).

ولكن كان (¬1) رسول الله] (¬2)، فهذا استدراك (¬3) لا يجاب بعد نفي. وقال المبرد: (لكن) من حروف العطف، وهي للاستدراك (¬4) بعد النفي، ولا يجوز أن يدخل بعد واجب (¬5)، إلا لترك قصة إلى قصة تامة [نحو قولك: جاءني زيد لكن عبد الله لم يأت، وما جاءني زيد لكن عمرو (¬6). وفي الآية أتت بعد الإيجاب لترك قصة إلى قصة (¬7) تامة] (¬8)، وهو قوله: {إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ}. فأما التشديد والتخفيف في {لكن} استعماله (¬9) بالواو وبغير الواو، فقد ذكرناها عند قوله تعالى: {وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا} [البقرة: 102]. ومعنى قوله: {وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ} أي: لا يعلمون أنهم مفسدون، بل يحسبون أنهم مصلحون. وقيل: ولكن لا يعلمون ما عقوبة فعلهم وما يحل بهم، وذلك أن مفعول العلم محذوف فيحتمل القولين (¬10). ¬

_ (¬1) قال في "تهذيب اللغة": (.. فإنك أضمرت كان بعد: (ولكن) فنصب بها ..) "تهذيب اللغة" (لكن) 4/ 3294. (¬2) ما بين المعقوفين ساقط من (ب). (¬3) في (ب): (اشتراك). (¬4) في (ب): (استدراك). (¬5) أي موجب والمراد غير منفي. (¬6) "المقتضب" 1/ 12. (¬7) أي جملة تامة إلى جملة تامة. (¬8) ما بين المعقوقين ساقط من (ب). (¬9) في (ب): (استعمال). (¬10) وهناك قول ثالث: أنهم يعلمون الفساد سرا ويظهرون الصلاح، وهم لا يشعرون أن أمرهم يظهر عند النبي - صلى الله عليه وسلم -. انظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 168، "تفسير البغوي" 1/ 66، "زاد المسير" 1/ 33، "تفسير القرطبي" 1/ 177 - 178.

13

13 - قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ}. المراد بالناس في هذه الآية أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - والذين آمنوا به، في قول الجميع (¬1). و (الألف واللام) فيه للمعرفة (¬2)؛ لأن أولئك كانوا معروفين عند المخاطبين بهذا (¬3). وقوله تعالى: {أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ}. (الألف) في أنؤمن استفهام [معناه: الجحد والإنكار (¬4)، لا نفعل كما فعلوا، وسيأتي وقوع الاستفهام، (¬5) موقع الجحد مشروحاً بعد هذا. والسفهاء: الجهال (¬6) الذين قلت عقولهم، جمع (السفيه) ومصدره: (السَّفَه والسَّفَاه والسَّفَاهَةُ) (¬7). ¬

_ (¬1) ذكر أبو الليث من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس. أن المراد بالآية اليهود، والناس: عبد الله بن سلام وأصحابه. "تفسير أبي الليث" 1/ 96. والمشهور: أن الآية خطاب للمنافقين، والمراد بالناس، أصحاب محمد كما ذكر المؤلف. انظر: "تفسير الطبري" 1/ 127 - 128، "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 46، "تفسير ابن عطية" 1/ 168 - 169، "تفسير ابن كثير" 1/ 54. (¬2) أي العهد الخارجي العلمي، أو (الألف واللام) للجنس، والمراد الكاملون في الإنسانية، انظر "الفتوحات الإلهية" 1/ 18، 19. (¬3) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 127 - 128. (¬4) انظر: "الوسيط" للمؤلف 1/ 42، "الكشاف" 1/ 182، "تفسير البيضاوي" 1/ 9، "الدر المصون" 1/ 134. (¬5) ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ج). (¬6) في (أ)، (ج): (الححال الحهال) معناها غير واضح فلعل أحد النساخ كتب الجهال وطمسها فنقلت وما في (ب) يوافق عبارة المؤلف في "الوسيط": (السفهاء: الجهال الذين قلت عقولهم)، 1/ 42. (¬7) انظر. "اللسان" (سفه) 4/ 2032.

قال أهل اللغة (¬1): معنى السفه: الخفة، والسفيه: الخفيف العقل، ومن هذا قيل: تسفهت (¬2) الرياح الشيء، إذا حركته واستخفته. وقال: مَشَيْنَ كَمَا اهْتَزَّتْ رِمَاحٌ تَسَفَّهَتْ ... أَعَالِيهَا (¬3) مَرُّ الرِّيَاحِ النَّوَاسِمِ (¬4) ويقال: ناقة سفيهة الزمام، إذا كانت خفيفة السير، ومنه قول ذي الرمة: ........ سفيهٍ جديلُها (¬5) ولهذا المعنى سمى الله تعالى الصبيان والنساء: السفهاء في قوله {وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ} [النساء: 5] لجهلهم وخفة عقلهم (¬6). ¬

_ (¬1) ذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" (سفه) 2/ 1709. (¬2) في (ب): (سفهت). (¬3) في (ب): (من). (¬4) البيت لذي الرمة يصف نسوة، جعل النساء في اهتزازهن في المشي بمنزلة الرماح، تستخفها الرياح فتزعزعها، والنواسم: الرياح الضعيفة في أول هبوبها. البيت في "الديوان" 2/ 754، وفيه (رويدا) بدل (مشين)، "الكتاب" 1/ 52، 65، "المقتضب" 4/ 197، "تهذيب اللغة" (سفه) 2/ 1710، "معجم مقاييس اللغة" (سفه) 3/ 79، "اللسان" (سفه) 4/ 2034، (الخصائص) لابن جني 2/ 417، "تفسير ابن عطية" 1/ 169، "تفسير القرطبي" 1/ 178. (¬5) جزء من بيت وتمامه: وأبيض موشيَّ القميص نصبته ... على خصر مِقْلاتِ سَفِيهٍ جَدِيلُهَا أبيض: يعني السيف، نصبته على خصر مقلات: ناقة لا يعيش لها ولد، فهو أصلب لها، والجديل: الزمام، والمراد أن الناقة نشيطة، انظر: "ديوان ذي الرمة" 2/ 922، "تهذيب اللغة" (سفه) 2/ 1710، وفيها (سفيهة) بدل (سفيه)، "معجم مقاييس اللغة" (سفه) 3/ 79، "اللسان" 4/ 2034. وبهذا انتهى ما نقله من "تهذيب اللغة" (سفه) 2/ 1171. (¬6) انظر: "تهذيب اللغة" (سفه) 2/ 1171.

14

وعنوا بالسفهاء أصحاب محمد (¬1) - صلى الله عليه وسلم - و (الألف واللام) فيها (¬2) مثلهما في (الناس) (¬3). فإن قيل: كيف يصح النفاق مع المجاهرة (¬4) بقولهم: أنؤمن كما آمن السفهاء؟ قيل: إنهم كانوا يظهرون هذا القول فيما بينهم، لا عند المؤمنين؛ لأن الله تعالى قد قال: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا} [البقرة: 14]. أو (¬5) أنهم لم يفصحوا بهذا القول، وإنما أتوا بما يفهم عنهم به هذا المعنى، ولا يقوم به حجة توجب الحكم من جهة المشاهدة، كقوله تعالى: {وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ} [محمد: 30]، وهو خلاف الإفصاح (¬6). 14 - قوله تعالى: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا}. قال المفسرون: يعني: أبا بكر -رضي الله عنه- وأصحابه (¬7). و (لقوا) في الأصل (لقيوا) فاستثقلت الضمة على ¬

_ (¬1) ذكرها ابن جرير عن ابن عباس، وابن مسعود، وعن ناس من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وعن الربيع بن أنس، وزيد بن أسلم. انظر: "تفسير الطبري" 1/ 128، "تفسير ابن كثير" 1/ 54. (¬2) (فيها) غير واضحة في (ب). (¬3) يريد ما سبق في قوله: {كَمَا آمَنَ النَّاسُ} حيث قال: الألف واللام للمعرفة لأن أولئك كانوا معروفين عند المخاطبين بهذا. (¬4) في (أ)، (ج): (المجاهدة) وما في (ب) موافق لما في "الوسيط" 1/ 43 وهو ما أثبته. (¬5) في (ب): (وأنهم). (¬6) انظر. "تفسير ابن عطية" 1/ 169، و"تفسير القرطبي" 1/ 178. (¬7) لعل المؤلف هنا يثير إلى الأثر الطويل الذي أخرجه في (أسباب النزول) بسنده عن محمد بن مروان عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، والذي ورد فيه قصة لقاء عبد الله بن أبي ومعه طائفة من أصحابه بأبي بكر ومعه نفر من الصحابة .. الأثر. "أسباب النزول" للواحدي ص 25. وأخرجه الثعلبي في "تفسيره" 1/ 51 أ، وأورده =

(الياء)، فحذفت ونقلت ضمتها إلى القاف (¬1). الحراني عن ابن السكيت: لَقِيتُه لقَاءً ولِقْيَاناً ولُقِيًّا (¬2) ولُقًى (¬3). الليث: وكل شيء استقبل شيئا أو صادفه فقد لقيه من الأشياء كلها (¬4). وقوله تعالى: {وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ}. يقال: خَلاَ المكان يَخْلُو (¬5) خَلَاءً وهو خَلاَء (¬6) وخَالٍ (¬7)، وخَلَوْتُ بفلان، أَخْلُو به خَلْوَةً وَخَلاَءً (¬8)، ¬

_ = السيوطي في "الدر المنثور" 1/ 69، وذكره في "لباب النقول" وقال: هذا الإسناد واهٍ جداً فإن السدي الصغير كذاب وكذا الكلبي وأبو صالح ضعيف ص 17. وفي "تفسير الطبري"، عن ابن عباس المراد: أصحاب محمد، 1/ 129 - 130، وانظر "تفسير ابن كثير" 1/ 54. (¬1) في "الكشف" للثعلبي (فاشتقلت الضمة على (الياء) فنقلت إلى القاف، وسكنت، و (الواو) ساكنة فحذفت لاجتماعها) 1/ 51 أ، وانظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 169، "تفسير القرطبي" 1/ 179. (¬2) (ولقيا) ساقط من (ب). (¬3) "تهذيب اللغة" (لقى) 4/ 3290، وانظر كلام ابن السكيت في "إصلاح المنطق" ص 311. قال أبو حيان: (سمع لـ (لقى) أربعة عشر مصدرًا)، "البحر" 1/ 62، "الدر المصون" 1/ 144. (¬4) "تهذيب اللغة" (لقى) 4/ 3290. (¬5) في (أ)، (ج): (مخلو) وأثبت ما في (ب). (¬6) في (ب): (يخلو خلاوة وخلاء). (¬7) في "التهذيب" قال الليث: خلا المكان والشيء يَخْلُو خُلْوَّا وخَلاَءً وأَخْلَى إذا لم يكن فيه أحد ولا شيء فيه، وهو خال. "التهذيب" (خلا) 1/ 1073، وانظر "اللسان" (خلا) 2/ 1254، "القاموس" (خلا) ص 1280. (¬8) ذكره الأزهري عن اللحياني. "التهذيب" (خلا) 1/ 1073.

ويقال: خَلَا به وخَلَا معه وخَلَا إليه بمعنى واحد (¬1). وقال النضر (¬2): (إلى) هاهنا بمعنى: (مع) (¬3) كقوله: {الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} [البقرة: 187] و {مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ} (¬4) [آل عمران: 52، الصف: 14]، {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ} [النساء:2] (¬5). وقال النحويون: معنى الآية: إذا انصرفوا من لقاء المؤمنين إلى شياطينهم، فدخلت (إلى) لدلالة (¬6) الكلام على معنى الابتداء (¬7) والانتهاء؛ لأن أول لقائهم للمؤمنين ثم للشياطين، فكأنه (¬8) قال: وإذا خلوا من المؤمنين وانصرفوا (¬9) إلى شياطينهم. وهذا أحسن من إخراج ¬

_ (¬1) انظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 51 أ، "تهذيب اللغة" (خلا) 1/ 1073، "اللسان" (خلا) 2/ 1254، "القاموس" ص 1280. (¬2) هو النضر بن شميل بن خَرَشة بن يزيد التميمي، من أهل مرو، كان صاحب غريب وشعر، ورواية للحديث، من أصحاب الخليل بن أحمد، توفي سنة ثلاث ومائتين. انظر ترجمته في: "إنباه الرواة" 3/ 348، "نزهة الألباء" ص 73، "وفيات الأعيان" 5/ 397، "إشارة إلى التعيين" ص 364. (¬3) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 51 أ، وذكره الجوهري ولم ينسبه للنضر. "الصحاح" (خلا) 6/ 2330، "اللسان" (خلا) 2/ 1254، وانظر: "تفسير الطبري" 1/ 131. (¬4) وردت في سورة آل عمران: 52 قال تعالى: {فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ} الآية. وفي سورة الصف: 14 {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ} الآية. (¬5) انظر: "تأويل مشكل القرآن" ص 571. (¬6) في (أ)، (ج) (الدلالة) وأثبت ما في (ب). (¬7) في (ب): (الابتدار الانتهاء). (¬8) في (ب): (فكانوا). (¬9) في (ب): (فانصرفوا).

(إلى) عن حدها (¬1). والشيطان كل متمرد عات من الجن والإنس (¬2)، قال الله تعالى. {شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ} [الأنعام: 112]. واختلفوا في اشتقاقه: فقال الليث: الشيطان فَيْعَال من شَطَن أي: بعد، يقال: نَوى شَطُون (¬3) وشَطَنَت (¬4) الدار، أي: بعدت، ويقال: شَيْطَن (¬5) الرجل وتَشَيْطَن (¬6) إذا صار (¬7) كالشيطان وفعل فعله. وقال رؤبة: ¬

_ (¬1) (خلا) تتعدى بـ (إلى) وبـ (الباء) فإذا عديت بـ (إلى) كان معناها الانفراد في حاجة خاصة، وإذا عديت بـ (الباء) كان لها معنيان: أحدهما: ما سبق، والآخر: بمعنى السخرية به، فتعديتها بـ (إلى) أفصح، لأنه يخلو من الالتباس. وبعضهم يجعل (إلى) في الآية بمعنى (مع)، وبعضهم يجعلها بمعنى (الباء)، وهذان ضعيفان عند بعض العلماء؛ لأن الحروف لا يجوز تحويلها عن معانيها إلا بحجة، وبعضهم قال: ضُمِّن (خلا) معنى (ذهبوا) و (انصرفوا) وهذا قول الكوفيين، وقد رجحه الواحدي والطبري وكثير من المفسرين؛ لأنه يُبقي (إلى) على معناها. انظر: "تفسير الطبري" 1/ 131، و"تفسير أبن عطية" 1/ 174، "الدر المصون" 1/ 145، "مغني اللبيب" 1/ 75. (¬2) انظر: "مجاز القرآن" 1/ 32، "تفسير الطبري" 1/ 49، "تفسير الثعلبي" 1/ 15 ب. (¬3) النوى: الدار، ويطلق على التحول من مكان إلى آخر. "اللسان" (نوى) 15/ 347. والكلام لأبي عبيد أدخله المؤلف في كلام الليث، قال في "التهذيب" (أبو عبيد: نوى شطون: أي بعيدة شَاطَّة، وقال الليث: غزوة شطون: أي بعيدة، وشَطَنَت الدار شُطُونا، إذا بعدت ...). "التهذيب" (شطن) 2/ 1877. (¬4) في (ب): (وشطين الداري) ولفظ الداري بخط مخالف كبير. (¬5) في (ب): (شيطان). (¬6) في (ب): (شيطن). (¬7) في (ب): (صاب).

شَافٍ لِبَغْي الكَلْبِ المُشَيْطِنِ (¬1) فمعنى الشيطان: البعيد من الجنة. وقال قوم: الشيطان فعلان من شاط يشيط إذا هلك واحترق، بوزن: هَيْمَان وعَيْمَان (¬2)، من هام وعام (¬3) وقال الأعشى: وقد يشيط على أرماحنا البطل (¬4) قال أبو علي: هو (فَيْعَال) من شَطَن (¬5) مثل: البَيْطَار والغَيْدَاق (¬6). وليس بفَعْلَان من قوله: وقد يَشِيُط البيت. ¬

_ (¬1) ورد الرجز في "ديوان رؤبة" ص165، "تهذيب اللغة" (شطن) 2/ 1877، "اللسان" (شطن) 4/ 2264، "البحر المحيط" 1/ 62. وبهذا انتهى كلام الليث. "تهذيب اللغة" (شطن) 2/ 1877، وانظر "تفسير الطبري" 1/ 49، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 83، "الحجة" لأبي علي2/ 22، "تفسير ابن عطية" 1/ 76، "تفسير الثعلبي" 1/ 51 ب، وقال أبو حيان: وهو قول البصريين. "البحر المحيط" 1/ 62، "الدر المصون" 1/ 10. (¬2) في (ب) (عثمان) وفي "التهذيب" (غيمان) 2/ 1877. (¬3) الكلام بنصه في "التهذيب" (شطن) 2/ 1878، ونسب أبو حيان القول للكوفيين. "البحر" 1/ 62، وانظر "تفسير الطبري" 1/ 49، "الحجة" 2/ 22، "تفسير ابن عطية" 1/ 76. (¬4) صدره: قد نخضب العير من مكنون فائله العير: حمار الوحش، الفائل: عرق يجرى من الجوف إلى الفخذ، ومكنون الفائل: الدم، يشيط: يهلك. انظر (ديوان الأعشى) ص 149، "الحجة" لأبي علي 2/ 22، "شرح المفصل" 5/ 64، "البحر المحيط" 1/ 62، "تفسير القرطبي" 1/ 79. (¬5) في (ب): (شيطن). (¬6) (الغيداق) الكريم، وولد الضب، والطويل من الخيل. "القاموس" ص 914. و (البيطار): الخياط. "القاموس" ص 352.

لأن سيبويه قد حكى: (شيطن) (¬1) وهو (فَيْعَل) لا (فَعْلَن)، لأنا لا نعلم أن (¬2) هذا الوزن جاء في كلامهم (¬3). ومثل (فَيْعَل) بَيْطَر وَهَيْنَم (¬4)، والحجة القاطعة قول أمية: أيُّمَا شاطنٍ عصاهُ عكاهُ ... ثُمَّ يُلْقَى في السِّجْنِ والأكْبَالِ (¬5) فكما أن (شاطناً) فاعل، والنون لام، كذلك (شَيْطان) فَيْعَال، ولا بكون (فَعْلَان) من يَشِيط (¬6). ¬

_ (¬1) في (ب) (شيطان). (¬2) في (ب) (لأن). (¬3) نص كلام أبي علي في "الحجة": (ألا ترى أن سيبويه حكى: شَيْطَنتُه فَتَشَيْطَن، فلو كان من يَشِيطُ لكان شَيْطَنَتُه (فَعْلَنْتُه)، وفي أنا لا نعلم هذا الوزن جاء في كلامهم ما يدلك أنه. (فَيْعَلْتُه)، مثل: بَيْطَرتُه ومثل: هَيْنَم. وفي قول أمية أيضا دلالة عليه، وهو قوله: ...) 2/ 22. وانظر كلام سيبويه في "الكتاب" 3/ 217، 218. (¬4) الهينمة: (الصوت الخفي) "القاموس" ص1172. (¬5) البيت لأمية بن أبي الصلت يذكر سليمان -عليه السلام- يقول: أيما شيطان عصى سليمان، عكاه: شده بالأكبال، وهي القيود ثم يلقى في السجن. انظر "تفسير الطبري" 1/ 49، "الحجة" 2/ 22، "التهذيب" (شطن) 2/ 1878، (إعراب ثلاثين سورة) لابن خالويه ص 7، "تفسير ابن عطية" 1/ 76، "زاد المسير" 1/ 34، و"تفسير القرطبي" 1/ 79، "البحر المحيط" 1/ 62، "اللسان" (شطن) 4/ 2265، "الدر المصون" 1/ 10. (¬6) انتهى ما نقله عن أبي علي من "الحجة" 1/ 22، وقد نصر جمهور العلماء هذا الرأي وأن شيطان (فَيْعَال) من شَطن، منهم ابن جرير في "تفسيره" 1/ 49، والأزهري في "تهذيب اللغة" (شطن) 2/ 1878، وابن عطية في "تفسيره" 1/ 760. قال السمين الحلبي: قال جمهورهم: هو مشتق من شَطَن يَشْطُن، أي بعد. "الدر المصون" 1/ 10.

15

قال أبو إسحاق: ومعنى الشيطان: الغالي في الكفر المتبعد فيه من الجن والإنس (¬1). قال ابن عباس: أراد بشياطينهم كبراءهم وقادتهم (¬2). وقوله تعالى {إِنَّا مَعَكُمْ}. (مع) كلمة تضم الشيء إلى الشيء، ونصبها كنصب الظروف؛ لأن تأويل قولك: (أنا معك): أنا مستقر معك، كما تقول: أنا خلفك (¬3). وقوله تعالى: {إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ}. (الهُزْءُ): السخرية، يقول: هَزِئَ به يَهْزَأُ (¬4) وتَهَزَّأ به واسْتَهْزَأَ به (¬5)، وهو أن يظهر غير ما يضمر استصغارا وعبثا (¬6). 15 - قوله تعالى: {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ}. قال ابن عباس: (هو (¬7) أنهم ¬

_ (¬1) "معاني القرآن" 1/ 83. (¬2) أخرج ابن جرير بسنده عن السدي خبرا ذكره عن أبي مالك، وعن أبي صالح عن ابن عباس. وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أما شياطينهم: فهم رؤوسهم في الكفر. وأخرج نحوه عن قتادة ومجاهد وغيرهم. انظر: "تفسير الطبري" 1/ 130، وأخرج هذِه الآثار ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 47 - 48، وانظر "الدر" 1/ 69 - 70. (¬3) في (ب): (جعلك). انظر "معاني القرآن" للزجاج 1/ 54، "تهذيب اللغة" (مع) 4/ 3417، "مغني اللبيب"1/ 333. (¬4) في (ب): (هزاته يهزئ). (¬5) ذكره الأزهري عن الليث. "التهذيب" (هزأ) 4/ 3755، "الصحاح" (هزأ) 1/ 84. (¬6) انظر: "الكشاف" 1/ 186، و"تفسير الرازي" 2/ 69، "لباب التفاسير" للكرماني 1/ 134 (رسالة دكتوراه). (¬7) (هو أنهم) ساقط من (ب).

كلما أحدثوا خطيئة جدد الله لهم نعمة) (¬1). فشبه هذا من الله بالاستهزاء والمكر؛ لأنه غيب عنهم غير ما أظهر لهم، كالمستهزئ منا يظهر أمرا يضمر غيره. (¬2). وقال ابن الأنباري: الاستهزاء من الله جل وعز مخالف الاستهزاء من المخلوقين؛ لأن استهزاءه أن يستدرجهم من حيث لا يعلمون (¬3). وقال جماعة أهل المعاني: معنى الله يستهزئ بهم: يجازيهم (¬4) جزاء استهزائهم، فسمى الجزاء باسم المجازى عليه، كقوله: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} [الشورى:40] وقوله: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ} [البقرة: 194] ومنه قول عمرو: فنجهل فوق جهل الجاهلينا (¬5) وهذا هو الاختيار (¬6)؛ ¬

_ (¬1) لم أجده بهذا النص منسوبا إلى ابن عباس، وذكره القرطبي في "تفسيره" ولم ينسبه 1/ 181. (¬2) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 134، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 55، و"تفسير الثعلبي" 1/ 52 أ، و"تفسير ابن عطية" 1/ 177، "زاد المسير" 1/ 36، و"تفسير الرازي" 2/ 70، وقد ضعف الرازي هذا وقال: لأن الله أظهر الأدلة الواضحة بما يعاملون به في الدار الآخرة. (¬3) ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 36. (¬4) (يجازيهم) ساقط من (أ)، (ج). (¬5) البيت لعمرو بن كلثوم وصدره: ألا لا يجهلن أحد علينا وقد سبق تخريجه عند تفسير قوله تعالى: {يُخَادِعُونَ اللَّهَ}. (¬6) هذا القول ذكره الطبري ورده كما سيأتي، وذكره الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 56، وأبو الليث في "تفسيره" 1/ 97، و"تفسير ابن عطية" 1/ 177، و"تفسير =

لأنه (¬1) حمل الكلام على المزاوجة، ولأنه أظهر وأشكل بما جاء من نظائره في القرآن، وكل ذلك على المجاز الذي يحسن في الاستعمال للمبالغة في البيان والتصرف في الكلام. وقوله تعالى: {وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ}. أصل (المد) في اللغة: الزيادة، والمد: الجذب (¬2): لأنه سبب الزيادة في الطول. ¬

_ = ابن الجوزي" 1/ 36، و"تفسير الثعلبي" 1/ 47 ب، و"تفسير القرطبي" 1/ 185، وغيرهم من المفسرين. وصرح الواحدي باختياره له، وفي هذا القول تفسير للسخرية بالمجاز، وتأويل لها، ورده ابن جرير، ورجح أن المراد: أن الله يستهزئ بهم حقيقة، ولا يلزم لها اللوازم الباطلة، حيث قال: (وإذا كان معنى الاستهزاء والسخرية والمكر والخديعة ما وصفنا قبل، دون أن يكون ذلك معناه في حال فيها المستهزئ بصاحبه له ظالم، أو عليه فيها غير عادل، ... ثم قال: وأما الذين زعموا أن قول الله تعالى ذكره: {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ} إنما هو على وجه الجواب، وأنه لم يكن من الله استهزاء ولا مكر ولا خديعة، فنافون عن الله عز وجل ما قد أثبته الله عز وجل لنفسه، وأوجبه لها ...) "تفسير الطبري" 1/ 133. وإلى هذا المعنى أشار ابن تيمية -رحمه الله- حيت قال: (وكذلك ما ادعوه أنه مجاز في القرآن، كلفظ (المكر) و (الاستهزاء) و (السخرية) المضاف إلى الله، وزعموا أنه مسمى باسم ما يقابله على طريق المجاز، وليس كذلك، بل مسميات هذِه الأسماء إذا فعلت بمن لا يستحق العقوبة كانت ظلما له، وأما إذا فعلت بالمجني عليه عقوبة له بمثل فعله كانت عدلًا ... إلى أن قال: ولهذا كان الاستهزاء بهم فعلا يستحق هذا الاسم، كما روي عن ابن عباس: أنه يُفْتح لهم باب إلى الجنة وهم في النار فيسرعون إليه فيغلق ... ثم ذكر قولًا عن الحسن البصري بمعناه ... وقيل: إنه يظهر لهم في الدنيا خلاف ما أبطن في الآخرة، وقيل: هو تجهيلهم وتخطيئهم فيما فعلوه، وهذا كله حق، وهو استهزاء بهم حقيقة)، "مجموع الفتاوى" 7/ 111، 112. وما يقال في هذا يقال عند قوله {يُخَادِعُونَ اللَّهَ} وما قيل هناك يقال هنا. (¬1) في (ب): (لأن). (¬2) انظر. "اللسان" (مدد) 7/ 4156، "القاموس" ص 318.

قال الفراء: والشيء إذا مَدَّ الشَّيءَ كان زيادة فيه. تقول: دجلة تَمُدُّ بئارنا (¬1) وأنهارنا، أي: يزيد فيها (¬2). (والمادة) كل شيء يكون مددا (¬3) لغيره (¬4). و (المُدَّةُ) (¬5) الأوقات المتزايدة إلى غاية، ومنه مد الله في عمرك (¬6). الأصمعي: امتد النهر ومد إذا امتلأ بالزيادة، ومده نهر آخر (¬7). ابن المظفر (¬8): وادي كذا يمد في نهر كذا. أي: يزيد فيه (¬9) وأنشد (¬10): سَيْلٌ أَتِيٌّ مَدَّهُ أَتيُّ (¬11) ¬

_ (¬1) في (أ)، (ج) (بيارنا) وما في (ب) موافق لـ "معاني القرآن" للفراء 2/ 329. (¬2) "معاني القرآن" للفراء 2/ 329، وانظر "التهذيب" (مد) 4/ 3361. وقد نقل المؤلف كلام الفراء بتصرف. (¬3) في "التهذيب": (مدادا). (¬4) ذكره الأزهري عن الليث. "التهذيب" (مد) 4/ 3361. (¬5) في (أ)، (ج): (المد)، وأثبت ما في (ب). (¬6) انظر "تهذيب اللغة" (مد) 4/ 3361، "الصحاح" (مدد) 2/ 537. (¬7) "تهذيب اللغة" (مد) 4/ 3361. (¬8) هو الليث بن المظفر، ويقال له. الليث بن نصر، صاحب الخليل، ينقل الواحدي كلامه كثيرًا من طريق "تهذيب اللغة". انظر مقدمة "تهذيب اللغة" 1/ 47، "إنباه الرواة" 3/ 42. (¬9) في (أ)، (ج): (يزيده)، وما في (ب) موافق لما في "تهذيب اللغة" وهو ما أثبته. (¬10) الكلام في "التهذيب" ويظهر أنه من كلام الأصمعي حيث عطفه عليه، ولم يرد ذكر الليث في هذا الموضع. "التهذيب" (مد) 4/ 3361، وأنظر: "اللسان" (مدد) 3/ 397. (¬11) البيت منسوب للعجاج، وهو في "التهذيب" (مد) 4/ 3361، "الصحاح" (مدد) 2/ 537، "اللسان" (مدد) 7/ 4157، وقد نسبه للعجاج وأنشد بعده: =

والمدّ: أن (¬1) يمُدّ الرجلُ الرجلَ (¬2) في غيّه (¬3). قال أهل التفسير في قوله {يَمُدُّهُمْ}: أي يمهلهم (¬4) ويطول في أعمارهم ومدتهم (¬5). و (الطغيان): مصدر كالرجحان والكفران والعدوان (¬6). قال الليث: [والطُّغْوَان لغة فيه] (¬7) والفعل: طَغَوْت وطَغَيْتُ، ومعناه مجاوزة القدر، وكل شيء جاوز القدر فقد طغى، كما طغى الماء على قوم نوح. قال الله تعالى: {إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ} [الحاقة: 12] وطغت الصيحة على ثمود (¬8)، ¬

_ = غِبَّ سَمَاءٍ فَهْوَ رَقَرَاقِيُّ وفي "ديوان العجاج": مَاءٌ قَريٍّ مَدَهُ قَرِيُّ ... غِبَّ سَمَاءٍ فَهْوَ رَقَرَاقِيُّ القَري: المسيل، الرقراقِي: المُتَرَقْرِق الذي يتكفأ. (الديوان) ص 318. (¬1) في (ب): (والمداد يمد). (¬2) في (ب): (للرجل). (¬3) ذكره في "التهذيب" عن ابن أبي حاتم عن الأصمعي (مد) 4/ 3361. (¬4) في (ب): (يهملهم) تصحيف. (¬5) اختلف العلماء في {يَمُدُّهُمْ} هل هي من المد بمعنى الإمهال والتطويل فىِ العمر. أو من المدد بمعنى: الزيادة. وقد رجح هذا الطبري حيث قال: وأولى الأقوال بالصواب أن يكون بمعنى: يزيدهم على وجه الإملاء والترك لهم في عتوهم وتمردهم. "تفسير الطبري" 1/ 135، وانظر: "تفسير أبن عطية" 1/ 177 - 178، "الكشاف" 1/ 188، و"تفسير القرطبي" 1/ 182. (¬6) "الحجة" لأبي علي 1/ 366. (¬7) ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ج). (¬8) انتهى كلام الليث وقد نقله المؤلف بتصرف، "تهذيب اللغة" 3/ 2196، "العين" 4/ 435.

فقيل فيهم: {فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ} (¬1). وقيل لفرعون: {إِنَّهُ طَغَى} [النازعات: 17] (¬2) أي أسرف حيث ادعى الربوبية (¬3). فأما الطغوى والطاغية والطاغوت فهي مذكورة في مواضعها مشروحة. وكان الكسائي يميل {طُغْيَانِهِمْ} في رواية أبي عمر (¬4) ونصير (¬5) (¬6). وذلك لأن (¬7) الألف قد اكتنفها شيئان كل واحد منهما يجلب الإمالة [وهما، الياء التي قبلها، والكسرة التي بعدها. فإن قلت: إن أول الكلمة حرف [مستعل] (¬8) مضموم، وكل واحد من هذين يمنع الإمالة] (¬9). قيل: إن المستعلي تراخى عن الألف بحرفين فلم يمنع الإمالة. ¬

_ (¬1) كتبت في جميع النسخ (أهلكوا) وسياق الآية: {فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ}. (¬2) (طغى) ساقط من (ب). (¬3) انظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 52 ب. (¬4) هو حفص بن عمر عبد العزيز المقرئ النحوي البغدادي الضرير، قرأ عن الكسائي ويحيى اليزيدي، توفي سنة ست وأربعين ومائتين. انظر ترجمته في "معرفة القراء الكبار" 1/ 191، "غاية النهاية" 1/ 255. (¬5) ونصير ساقط من (ب). ونصير هو: نصير بن أبي نصر الرازي ثم البغدادي النحوي، أبو المنذر، صاحب الكسائي، مات في حدود الأربعين ومائتين. انظر ترجمته في: "معرفة القراء الكبار" 1/ 213، "غاية النهاية" 1/ 255. (¬6) انظر: "السبعة" لابن مجاهد ص 144، "الحجة" لأبي علي1/ 365، "الكشف" لمكي 1/ 171. (¬7) في (ب): (أن). (¬8) في (ب): (مستعمل) وصححت الكلمة من "الحجة" 1/ 368. (¬9) ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ج). الكلام في "الحجة" مع الاختصار 1/ 367، 368، وانظر: "الكشف" 1/ 171.

16

وقوله تعالى: {يَعْمَهُونَ}. قال أهل اللغة: (الْعَمِه والعَامِه) الذي يتردد متحيراً لا يهتدي لطريقه ومذهبه، ومعنى (¬1) {يَعْمَهُونَ}: يتحيرون، وقد عَمِه يَعْمَه عَمَهاً فهو عَمِه إذا حار عن الحق (¬2). قال أهل المعاني: قوله: {وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} كالتفسير لقوله: {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ} لأن معناه يطول أعمارهم ومدتهم ليتحيروا في طغيانهم وكفرهم، مكراً (¬3) بهم، وهم يحسبون أن ذلك مسارعة لهم في الخيرات، ولا يشعرون أنه عقوبة لهم في الحقيقة (¬4). 16 - قوله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى} الآية. حقيقة الاشتراء: الاستبدال، وكل اشتراء استبدال، وليس كل استبدال اشتراء، ووضع الاشتراء موضع الاستبدال هاهنا، لأنه أدل على الرغبة (¬5)، وذلك أن المشتري للشيء (¬6) محتاج إليه راغب فيه، فهو أبلغ من لفظ الأصل مع ما فيه من حسن التصرف في الكلام، والرب تجعل من آثر شيئاً على شيء مشترياً له وبائعاً للآخر، وإن لم يكن ثم شراء ولا بيع ظاهر (¬7). ¬

_ (¬1) في (ب): (معي). (¬2) "تهذيب اللغة" (عمه) 3/ 2575، وانظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 56، "تفسير الثعلبي" 1/ 48 ب. (¬3) في (ب): (ومكرا). (¬4) هذا على أن (يمدهم) من المد بمعنى الإمهال والتطويل، وقد سبق بيان ذلك عند قوله {وَيَمُدُّهُمْ}، وأنظر "تفسير الطبري" 1/ 135، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 56، "الكشاف" 1/ 188. (¬5) في (أ): (الرعية). (¬6) في (ب): (التي). (¬7) انظر. "تفسير الطبري" 1/ 138، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 57، "الأضداد" لابن الأنباري ص 72، "تفسير ابن عطية" 1/ 180، و"تفسير القرطبي" 1/ 183، =

قال ابن عباس في هذه الآية: أخذوا الضلالة وتركوا الهدى (¬1). قال أهل المعاني: هؤلاء المنافقون لم يكونوا على الهدى قط، لكنهم (¬2) لما تركوا الواجب عليهم من الهدى، واستبدلوا به الضلالة قيل في صفتهم: اشتروا الضلالة بالهدى (¬3). وأصل {اشْتَرَوُا} اشتريوا، فلما تحركت (الياء) وانفتح ما قبلها صارت (ألفا)، فاجتمع ساكنان، فحذفت (الألف) (¬4) فصار (اشتروا) ساكنة ¬

_ = و"تفسير البيضاوي" 1/ 11، "تفسير الخازن" 1/ 63، (ضمن مجموعة من التفاسير)، "الدر المصون" 1/ 135. (¬1) أخرج ابن جرير بسنده عن السدي عن أبي مالك، وعن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مرة عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -: أخذوا الضلالة وتركوا الهدى. "تفسير الطبري" 1/ 137، وأخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" عن السدي 1/ 50، وانظر. "تفسير ابن كثير" 1/ 56. (¬2) في (ب): (ولكنهم). (¬3) للعلماء في معنى الآية أقوال ذكرها ابن جرير في "تفسيره" وهي: منهم من قال إن معنى اشتروا استحبوا كما قال: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى} [فصلت: 17]، فالمعنى اختاروا الضلالة على الهدى. ومنهم من قال: إنهم كانوا مؤمنين وكفروا، ولو كان الأمر على ذلك لكان هؤلاء تركوا الإيمان واستبدلوا به الكفر، وهو المفهوم من معاني الشراء والبيع، ولكن دلائل الآيات في نعوتهم دالة على أنهم لم يكونوا مؤمنين قط، إنما أظهروا الإيمان كذباً. ومنهم من قال: المراد أخذوا الضلالة وتركوا الهدى، فكل كافر مستبدل بالإيمان كفرا، وهذا ما اختاره ابن جرير وهو أختيار أكثر المفسرين. انظر "تفسير الطبري" 1/ 137 - 139، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 57، "تفسير ابن عطية" 1/ 180، و"تفسير القرطبي" 1/ 182 - 183، و"تفسير ابن كثير" 1/ 56. (¬4) لأن حذفها أولى لأن الواو دخلت لمعنى والألف لم تدخل لمعنى "البيان" لابن الأنباري 1/ 58.

(الواو) (¬1). وسقطت همزة الوصل من الضلالة للدرج، فالتقت الواو الساكنة مع الساكن المبدل من لام المعرفة، فحركت الأولى بالضم (¬2). واختلفوا في العلة الموجبة لضم الواو (¬3) في {اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ} فقال أكثر النحويين: إن واوات الجمع كلها (¬4) تحرك بالضم نحو: {لَتُبلَوُنَّ} [آل عمران: 186] و {لَتَرَوُنَّ} [التكاثر: 6]. وقالوا: مُصْطَفَوُ الله؛ لأن الضم أدل على الجمع وأشكل به، وهذه الواو للجمع فحرك بما هو أدل على الجمع (¬5). ألا ترى أن (¬6) الواو في (أو) أو (لو) لما لم تكن للجمع لم تحرك بالضم، بل حركت بالكسر، فقرئ (¬7) {وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا} [الجن: 16] (¬8). ¬

_ (¬1) قيل في إعلالها: استثقلت الضمة على الياء فحذفت تخفيفا، فاجتمع ساكنان: الياء والواو. فحذفت الياء لالتقاء الساكنين. وما ذكره المؤلف أولى. انظر: "البيان" لابن الأنباري 1/ 58، "تفسير ابن عطية" 1/ 179، "الدر المصون" 1/ 152. (¬2) ذكره أبو علي في "الحجة" 1/ 369. (¬3) اتفقوا على أن (الواو) في (اشتروا) تحرك لالتقاء الساكنين، ثم اختلفوا لماذا اختبر الضم على الكسر؟ انظر: "الحجة" 1/ 369. (¬4) في (ب): (كأنها). (¬5) "الحجة" لأبي علي 1/ 369، وانظر: "الكتاب" 4/ 155، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 55، "معاني القرآن" للأخفش 1/ 204، "تفسير الثعلبي" 1/ 49 أ، "البيان" لابن الأنباري 1/ 58، "تفسير ابن عطية" 1/ 179. (¬6) (أن) ساقطة من (ب). (¬7) في (ب): (فقرا) (¬8) قراءة الجمهور بالكسر، وقرئ في الشاذ بضم الواو، روى عن الأعمش وابن وثاب. انظر: "البحر المحيط" 8/ 352.

وقد أجازوا الكسر (¬1) في {اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ} تشبيهاً بمثل: {لَوِ اسْتَطَعْنَا} [التوبة: 42] و {أَلَّوِ اسْتَقَامُوا}. وأجازوا (¬2) الضم (¬3) في {لَوِ اسْتَطَعْنَا} تشبيها بواو الجمع (¬4). وقال ناس: إن (¬5) (الواو) ضمت ههنا لأنه فاعل في المعنى (¬6) فجعلت حركة التقاء الساكنين فيه كحركة الإعراب. وهذا لا يستقيم، لأنهم كسرو (الياء) في قولهم: (أخْشَيِ الله يا امرأة) والياء فاعلة في المعنى (¬7). وقوم كسروا الواو في مسألتنا (¬8) وفي قوله: {وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ} [البقرة: 237] (¬9) فلو كان كما ذكروا (¬10)، لم يجز الاختلاف (¬11) ¬

_ (¬1) قراءة الجمهور بالضم، وبالكسر قراءة شاذة، قرأ بها يحيى بن يعمر، وابن أبي إسحاق. انظر: "الحجة" 1/ 370، "معاني القرآن" للأخفش 1/ 204، "تفسير ابن عطية" 1/ 179، و"تفسير القرطبي" 1/ 182، "الدر المصون" 1/ 151. (¬2) في (أ)، (ج): (وجازوا) وأثبت ما في (ب). (¬3) وهي قراءة شاذة حيث قرأ بالضم الأعمش وزيد بن علي، انظر "البحر" 5/ 46. (¬4) انتهى من "الحجة" لأبي علي 1/ 369. (¬5) (إن) ساقطة من (ب). (¬6) في (ب): (بالمعنى). (¬7) (المعنى) ساقط من (ب). أي: وسع كونها فاعلا في المعنى لم تحرك بالضم، انظر "الحجة" لأبي علي 1/ 371، "الكتاب" 4/ 155، "الدر المصون" 1/ 151. (¬8) المراد قوله: (اشتروا) وقد سبق بيان أن قراءة الكسر شاذة. (¬9) قال أبو حيان: قرأ يحيى بن يعمر: (ولا تَنْسَوِ الفضل) بكسر الواو على أصل التقاء الساكنين تشبيها للواو التي هي (ضمير) بواو (لو) في قوله تعالى: {لَوِ اسْتَطَعْنَا}، كما شبهوا واو (لو) بـ (واو) الضمير فضموها. "البحر" 2/ 238. (¬10) ما ذكروه: هو أن (الواو) ضمت لأنها فاعل في المعنى. (¬11) أي لم يجز الاختلاف في حركة الواو هل هي بالضم أو بالكسر.

فيه كما لم يجز (¬1) في حركة الإعراب (¬2). وقال الفراء: إنهم إنما حركوا (الواو) هاهنا بالحركة التي كانت تجب للام الفعل من الضمة (¬3). قال أبو علي (¬4): الذي ذهب إليه الفراء هو أن الحركة في (الواو) ليست لالتقاء الساكنين كما يذهب إليه سيبويه وأصحابه (¬5). ولا يستقيم ما ذهب إليه؛ لأنا رأينا الحركات إنما تلقى على الحروف التي تكون قبل الحرف الذي ينقل منه، ولا ينقل إلى ما بعد الحروف المنقولة منها الحركة، كما تقول في: (بِعت)، و (قُلت)، و (خِفت)، و (مِست) (¬6)، و (ظِلْت)، و (أَحَسْت) (¬7)، و (أَصَمّ) (¬8)، و (أَعَدّ)، و (أَخِلَة). وكذلك نقل ¬

_ (¬1) (يجز) ساقط من (ج). (¬2) ذكره أبو علي في "الحجة" 1/ 372. (¬3) ذكره أبو علي قال: حكاه أحمد بن يحيى عن الفراء. "الحجة" 1/ 372. (¬4) "الحجة" 1/ 372، وما قبله كله من كلام أبي علي وقد اعتمد الواحدي في هذا المبحث على "الحجة". (¬5) انظر: "الكتاب" 4/ 155. (¬6) الميس: التبختر، ماس يَميِس مَيْسا ومَيَسَانا: تبختر واختال. انظر. "اللسان" (مَيَس) 6/ 224، "القاموس" (مَيَس) ص 576. (¬7) أصلها: أحسست، حذفت السين الثانية، وهي بمعنى: علمت. انظر. "تهذيب اللغة" (حس) 1/ 817، "اللسان" (حسس) 2/ 871. في هذِه الكلمات نقلت حركة العين إلى الفاء، ولم تنقل إلى ما بعدها. انظر: "الحجة" 1/ 372، 373. ولكن نلحظ فيما سبق عند الكلام على (نحن) أنه ورد في أحد الأقوال: إن حركة الضمة نقلت من الحاء إلى النون. (¬8) في (أ): (أضم) وكذا في (ج) بدون شكل، وما في (ب) موافق لما في "الحجة".

حركات الهمز في التخفيف نحو: (جَيَل) (¬1) و (المرَة) (¬2). وكذلك قولهم: (قَاضُون)، و (غَازُون)، و (مُشْتَرُون)، ونحو ذلك، فإذا كان الأمر على ما وصفنا، ولم نجد في هذه الأصول شيئا على ما (¬3) ادعاه، ثبت (¬4) فساد ما ذهب إليه لدفع (¬5) الأصول ذلك، وقوله (¬6) يوجب أن ضمة الياء في (اشتريوا) نقل إلى الواو (¬7) بعد الياء، وإنما ينقل حيث ينقل إلى ما قبل المنقول منه لا إلى ما بعده كما بينا (¬8). وأيضا فإنه لو كان كما ذكر، لوجب أن يتحرك الحرف الذي نقلت إليه (¬9)، التقى مع الساكن أو لم يلتق (¬10)، ألا ترى أن سائر ما نقلت إليه الحركة مما ذكرنا، يتحرك (¬11) بالحركة ¬

_ (¬1) في (ج): (جل). و (جيل) أصلها جَيْأَل، ولكن خففت بحذف الهمزة في اللفظ، مبقاة في النية، ونقلوا حركة الهمزة إلى الياء. والجيأل: الضبع، والضخم من كل شيء. انظر. "اللسان" (جأل) 1/ 259، "القاموس" (جأل) ص 974. (¬2) (المَرَة) أصلها (المرأة) خففت الكلمة بحذف الهمزة، ونقلت حركتها إلى الراء، بعضهم قال: تخفيف قياسي مطرد، وبعضهم قال: غير مطرد. "اللسان" (مرأ) 7/ 4166. (¬3) (ما) ساقطة من (ب). (¬4) في (أ)، (ج) (وثبت) زيادة واو. (¬5) في (ب) (لرفع). (¬6) في (أ)، (ج) (وقوله تعالى)، وفي (أ) كتبت بخط كبير. (¬7) في (ب) (الياء). (¬8) قوله (ذلك وقوله يوجب .... إلى قوله: لا إلى ما بعده كما بينا) ليس في "الحجة". انظر: "الحجة" 1/ 373. (¬9) عبارة أبي علي: (فلو كانت حركة نقل كما قال، لوجب أن يتحرك الحرف الذي نقلت إليه بها، التقى مع ساكن، أو لم يلتق ...) "الحجة" 1/ 374. (¬10) في (ب): (يليق). (¬11) في (ب): (لتحرك).

المنقولة إليه، فلما لم تتحرك الواو في {اشْتَرَوُا} إلا عند التقاء ساكن، ثبت أن حركتها حركة الحروف الساكنة الملتقية (¬1) مع سواكن أخر (¬2). قال أبو أسحاق: من أبدل واو (¬3) {اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ} همزة، غالط؛ لأن الواو المضمومة إنما تبدل همزة إذا لزمت ضمتها، نحو: {وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ} (¬4) [المرسلات: 11] وكذلك: (أَدْؤُرٌ) (¬5) فيمن همزها، والضمة هاهنا إنما هي لالتقاء الساكنين فلا يلزم (¬6). وقوله تعالى: {فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ}. (الربح) الزيادة على أصل المال (¬7). و (التجارة) تقليب الأموال وتصريفها لطلب النماء (¬8). يقال: تَجَرَ الرجل يَتْجُر تِجَارَة فهو تَاجِر (¬9). ¬

_ (¬1) في (ب): (المتلقية). (¬2) في (أ): (آخر) وفي (ب)، (ج)، بدون همز، وما أثبت موافق لما في "الحجة". بهذا انتهى رد أبي علي على الفراء، وقد اختصر الواحدي بعض كلامه. انظر "الحجة" 1/ 372 - 374. (¬3) نص كلام الزجاج: (فأما من يبدل من الضمة همزة فيقول: (اشترؤ الضلالة) فغالط ...)، "معاني القرآن" 1/ 57. (¬4) قال الزجاج: الأصل وقتت 1/ 57. (¬5) قال الزجاج: وكذلك (أَدْؤر) إنما أصلها (أَدْوُر) 1/ 57. (¬6) انتهى كلام الزجاج. انظر "معاني القرآن" 1/ 57، وقوله: (فلا يلزم) ليس من كلام الزجاج، والمعنى: أن ضمة (اشتروا) إنما هي لالتقاء الساكنين فليست ضمة لازمة، فلا تقلب الواو المضمومة همزة، لعدم لزوم الضمة فيها. (¬7) انظر: "لباب التفسير" 1/ 142، "البحر" 1/ 63، "الدر المصون" 1/ 154، "تفسير أبي السعود" 1/ 49. (¬8) انظر: "مفردات الراغب" ص 73، وانظر المصادر السابقة. (¬9) انظر: "مجمل اللغة" (تجر) 1/ 49، "مقاييس اللغة" 1/ 341، "مفردات الراغب" ص 73، وقالوا: ليس في كلام العرب تاء بعدها جيم إلا هذا اللفظ.

قال الشاعر: قَدْ تَجَرَتْ في سُوقِنَا عَقْرَبٌ ... لا مَرْحَبًا بالعَقْرَبِ التَّاجِرَه (¬1) ومعنى قوله {فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ} أي ما ربحوا في تجارتهم، وأضاف الربح إلى التجارة، لأن الربح يكون فيها، وهذا كلام العرب يقولون: ربح بيعك وخسر بيعك (¬2)، ونام ليلك، وخاب سعيك، قال الله تعالى {بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} [سبأ: 33] أي مكرهم فيهما. وقال: {فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ} [محمد: 21] وإنما العزيمة للرجال في الأمر (¬3). وقال جرير: وأعْوَر مِنْ نَبْهَان أمَّا نَهاره ... فَأعْمَى وأمَّا لَيْلُهُ فَبَصِيرُ (¬4) فأضاف العمى والإبصار إلى الليل والنهار، ومراده بهما الموصوف ¬

_ (¬1) البيت للفضل بن عباس بن أبي لهب، وكان (عقرب بن أبي عقرب) رجل من تجار المدينة، مشهور بالمطل حتى قيل: (هو أمطل من عقرب) فعامله الفضل، فمطله فقال قصيدة يهجوه بها مطلعها هذا البيت المذكور، وردت القصيدة في "الدرة الفاخرة في الأمثال السائرة" 1/ 98، "جمهرة الأمثال" للعسكري 1/ 281، "المستقصى في أمثال العرب" 1/ 33، "مجمع الأمثال" 1/ 260، "اللسان" (عقرب) 5/ 3039. (¬2) (خسر بيعك) ساقط من (ب). (¬3) انظر "تفسير الطبري" 1/ 139، "معاني القرآن" للفراء 1/ 14، "معاني القرآن" للأخفش 1/ 207، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 58، "تأويل مشكل القرآن" ص 138، "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة ص 42، "زاد المسير" 1/ 38. (¬4) من قصيدة له هجا فيها النبهاني، وكان قد هجا جريرا، ورد البيت في "الطبرى" 1/ 140، "ديوان جرير" ص 203.

17

من نبهان (¬1). قال الفراء: وهذا إنما يجوز إذا عرف الكلام ولم يشكل، فإذا أشكل لم يجز، كما لو قال: خسر عبدك، وأراد أن يجعل العبد تجارة يربح فيه، أو يوضع (¬2)، لأنه قد يكون العبد تاجرا فيربح، فلا يعرف معناه إذا ربح (¬3) من معناه إذا كان مَتْجُورًا (¬4) فيه (¬5). 17 - قوله تعالى: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا} الآية. قال أبو عبيد عن الفراء: يقال (¬6): مَثَل ومِثْل وشَبَه وشِبْه بمعنى واحد (¬7). وقال الليث: المثل: الشيء الذي يضرب (¬8) مثلا لشيء، فيجعل مثله (¬9). وقال المبرد (¬10): (المثل): مأخوذ من المثال، والمثل من الكلام: قول سائر نشبه (¬11) به حال الثاني بالأول، والأصل فيه التشبيه، فمعنى قولهم: (مثل بين يديه) إذا انتصب، معناه: أشبه الصورة المنتصبة بين يديه، ¬

_ (¬1) ذكره " الطبري" في "تفسيره" 1/ 140. (¬2) أي: يخسر فيه. (¬3) في "معاني القرآن" للفراء: (إذا ربح هو) 1/ 15. (¬4) في (ب): (متجوزا). (¬5) نقل كلام الفراء بمعناه انظر "معاني القرآن" للفراء 1/ 15. (¬6) في (ب): (ويقال). (¬7) "تهذيب اللغة" (مثل) 4/ 3341. (¬8) في (ب): (لا يضرب) و (ج) (ضرب). (¬9) "تهذيب اللغة" (مثل) 4/ 3341. (¬10) أورد الميداني كلام المبرد في "مجمع الأمثال" 1/ 7. (¬11) في "مجمع الأمثال" (يشبه به).

والأماثل: الأفاضل. و (هذا أمثل من ذاك) (¬1)، أي: أشبه بما له (¬2) الفضل. والِمثَال: القصاص لتسوية (¬3) الحالتين، وتشبيه حال المقتص منه بحال الأول، والامتثال: الاقتصاص من هذا. و (الأمثال) (¬4): أصل كبير في بيان الأشياء، لأن الشيء يعرف بشبهه ونظيره. [و (الأمثال): يخرج ما يخفى تصوره إلى ما يظهر تصوره، و (المثل): بيان ظاهر على أن الثاني مثل الأول] (¬5). و (الأمثال): متداولة سائرة في البلاد، وفيها حكم عجيبة وفوائد كثيرة، وقد ذكر الله تعالى الأمثال في غير موضع من كتابه، لما (¬6) فيها من حسن البيان وقرب الاستدلال. والمقصود بالمثل: البيان عن حال الممثل (¬7). وحقيقته: ما جعل من القول كالعلم للتشبيه بحال الأول، مثال ذلك قول كعب بن زهير (¬8): ¬

_ (¬1) في (ب): (ذلك). وفي "مجمع الأمثال": (فلان أمثل من فلان) 1/ 7. (¬2) في "مجمع الأمثال" (أشبه بما له [من] الفضل) 1/ 7، ويظهر أن (من) مضافة من المحقق لاستقامة المعنى. (¬3) في (أ) (لتشويه). وقوله: (المثال القصاص لتسوية الحالتين) ليس في "مجمع الأمثال" 1/ 7. (¬4) في (ب): (الامتثال). (¬5) ما بين المعقوفين ساقط من (ب). (¬6) في (ب): (التي فيها). (¬7) في (ب): (الممتثل). (¬8) هو كعب بن زهير بن أبي سلمى المزني، شاعر مشهور، وصحابي معروف، قدم على رسول الله صلى الله عيه وسلم وأسلم وأنشده قصيدته المشهورة (بانت سعاد). انظر ترجمته في "الشعر والشعراء" ص 890، "الإصابة" 3/ 295.

كَانَتْ مَوَاعِيدُ عُرْقُوبٍ لَنا (¬1) مَثَلاً ... وَمَا مَوَاعِيدُهُ إلاَّ الأَبَاطِيلُ (¬2) فمواعيد عرقوب علم (¬3) في كل ما لا يصح من المواعيد (¬4). وورد المثل في معان كثيرة في التنزيل، فَذِكْرُ كل واحد في موضعه، إن شاء الله. وذُكِر لفظ (المثل) لأن المراد تشبيه الحالة بالحالة، وذكرنا أن لفظ المثل (¬5) قد صار كالعلم للتشبيه بحال الأول، ولو قيل {كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا} لم يُعرف ما الغرض من التشبيه، فإذا ذكر لفظ المثل عُلم أن المراد تشبيه الحال بالحال (¬6). و {اسْتَوْقَدَ} بمعنى: أوقد (¬7) في قول أكثر أهل اللغة (¬8). وقال بعضهم: استوقد، معناه: استدعى بالنار الضياء (¬9)، والأول ¬

_ (¬1) في (ب): (لها) وهي رواية للبيت. (¬2) بيت من قصيدة كعب (بانت سعاد) المشهورة التي قالها أمام الرسول صلى الله عليه وسلم فأعطاه بردته، و (عرقوب): اسم رجل مشهور بخلف الوعد فيضرب به المثل، فيقال: (مواعيد عرقوب)، أورد القصيدة ابن هشام في "السيرة" 4/ 152، وأورد بعضها ابن قتيبة في "الشعر والشعراء" ص 80، وورد البيت المستشهد به في "الدرة الفاخرة في الأمثال السائرة" 1/ 177، "مجمع الأمثال" للميداني 1/ 7. (¬3) في (ج): (مثالا). (¬4) انتهى كلام المبرد، وقد ذكره الميداني في مقدمة "مجمع الأمثال" واختصر بعضه، 1/ 7. (¬5) في (ب): (الملك). (¬6) انظر: "الطبري" 1/ 140، "معاني القرآن" للفراء 1/ 15، "الكشاف" 1/ 197. (¬7) (أوقد) ساقط من (ب). (¬8) فعلى هذا (السين) و (التاء) زائدتان: انظر "معاني القرآن" للأخفش 1/ 208، "تأويل مشكل القرآن" ص 362، "تفسير الطبري" 1/ 143، "تفسير ابن عطية" 1/ 183، "زاد المسير" 1/ 39، "القرطبي" 1/ 183، "البحر" 1/ 75. (¬9) وقيل: المراد طلب من غيره أن يوقد له. انظر "تفسير ابن عطية" 1/ 184، "زاد =

الصحيح (¬1). و (النار) من النور (¬2)، وجمعها نيران (¬3)، والنار تستعار لكل شدة، فيقال: أوقد نار الفتنة، وألقى بينهم نارا: إذا ألقى عداوة. و (أضاء) يكون واقعا ومطاوعا (¬4)، يقال: أَضَاءَ الشيء بنفسه، وأضاءه غيره (¬5). وقال أبو عبيد: أَضَاءَت النار، وأَضَاءَها غيرها (¬6). والنار تضيء في نفسها، وتضيء غيرها من الأشياء، قال الشاعر: أَضاءتْ لهم أَحَسابُهُم وَوُجُوههم ... دُجَى الليْلِ حتَّى نَظَّم الجَزْعَ ثَاقِبُهْ (¬7) ¬

_ = المسير" 1/ 39. وقيل: طلب الوقود وسعى في تحصيله، وهو سطوع النار وأرتفاع لهبها. انظر: "تفسير البيضاوي" 1/ 11، "تفسير أبي السعود" 1/ 50، وانظر. "البحر" 1/ 78. (¬1) وهو اختيار الأخفش وابن جرير وغيرهم كما سبق. (¬2) وبعضهم جعلها مشتقة من نار ينور إذا نفر، لأن فيها حركة واضطرابا، والنور مشتق منها. ذكره الزمخشري في "الكشاف" 1/ 197، انظر: "معجم مقاييس اللغة" (نور) 5/ 368. (¬3) انظر "تهذيب اللغة" (نار) 4/ 3479، وفي "القرطبي" جمعها (نور وأنوار ونيران)، "القرطبي" في "تفسيره" 1/ 184. (¬4) الفعل الواقع هو المتعدي إلى مفعول به أو أكثر. والمطاوعة: هي قبول فاعل فعل أثر فاعل فعل آخر يلتقيان في الاشتقاق، مثل: أدبته فتأدب، فالتأدب أثر التأديب. انظر (معجم المصطلحات النحوية والصرفية) ص 141، 245. (¬5) انظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 35 أ، ب، "الصحاح" (ضوأ) 1/ 60، وابن عطية في "تفسيره" 1/ 184، "القرطبي" في "تفسيره" 1/ 185، "زاد المسير" 1/ 39، "الكشاف" 1/ 198. (¬6) "تهذيب اللغة" (ضاء) 3/ 2077. (¬7) في (أ)، (ج) (ناقبه) بالنون وما في (ب) موافق لجميع المصادر. والبيت نسبه بعضهم لأبي الطمحان القيني، وبعضهم للقيط بن زرارة، يقول: إن أحسابهم =

ويقال: ضَاءَت النار، وأضاءت، لغتان (¬1)، وأضاء السبيل إذا وضح، وكل ما وضح فقد أضاء، وأضاءت الشمس وأضاء القمر (¬2). والذي في الآية واقع (¬3). وقوله تعالى: {مَا حَوْلَهُ}. محل (ما) منصوب بوقوع الإضاءة عليه، و (حوله) نصب على الظرف (¬4). والعرب تقول: رأيت الناس حَوْلَه، وحَوْلَيْه، وحَوَالَهُ، وحَوَالَيْهِ. فَحَوَالَهُ وُحْدَان حَوَالَيْه، وَحَوْلَيْه تَثْنِيةُ حَوْلَه وينشد: مَاءٌ رَوَاهٌ ونَصيٌّ حَوْلَيَه (¬5) ومما ينشد على لسان البهائم أن الضب ¬

_ = طاهرة زكية، فدجى الليل تنكشف من نور أحسابهم، حتى إن ثاقب الضوء يسهل نظم الجزع لناظمه، ورد البيت في "الكامل" 3/ 129، "الحماسة بشرح المرزوقي" 4/ 1598، "أمالي المرتضى" 1/ 257، "الشعر والشعراء" ص 475، "الصناعتين" ص 360، "خزانة الأدب" 8/ 95، "اللسان" (خضض) 2/ 1186، "القرطبي" في "تفسيره" 1/ 185. (¬1) انظر "الصحاح" (ضوأ) 1/ 60، "تهذيب اللغة" (ضاء) 3/ 2077، "اللسان" (ضوأ) 5/ 2618. (¬2) انظر: "القرطبي" في: "تفسيره" 1/ 185، "زاد المسير" 1/ 39. (¬3) أي متعد، وقيل: لازم، انظر "تفسير ابن عطية" 1/ 184، "الكشاف" 1/ 198، "زاد المسير" 1/ 39، "البحر المحيط" 1/ 78، "الدر المصون" 1/ 160. (¬4) هذا على أن (أضاء) متعد، فإن كان لازما، فالفاعل ضمير النار، و (ما) زائدة، وأجاز الزمخشري: أن تكون موصولة فاعله، وحوله منصوب على الظرفية. انظر (إعراب القرآن) للنحاس 1/ 143، "إملاء ما من به الرحمن" 1/ 21، "تفسير ابن عطية" 1/ 184، "الكشاف" 1/ 198، "البحر المحيط" 1/ 178، "الدر المصون" 1/ 160. (¬5) الرِجز للزَّفَيَان السعدي، يروى البيت (حَوْلَيَه) و (حَولِيه) و (حَوْلَيْهْ) ورد البيت عند أبي زيد ص331، وفي "التهذيب" (حال) 1/ 710، "الخصائص" 1/ 332، وليس في "كلام العرب" لابن خالويه ص 41، "اللسان" (روى) 2/ 1055. قال محقق "نوادر أبي زيد": المثبت هنا رواية أبي زيد والبصريين على أنه من الرجز وهي =

قال لِلْحِسْل (¬1): أهَدَمُوا بَيْتَكَ لا أبَالَكا ... وأنا أمْشِي (¬2) الدَّأَلَى حَوَالَكَا (¬3) و (النور) ضد الظلمة، ويقال: نار الشيء وأنار واستنار بمعنى واحد، وأنار الشيء (¬4) أي أوضحه (¬5) ومنه الحديث: (فرض عمر بن الخطاب (¬6) -رضي الله عنه- فريضة فأنارها زيد بن ثابت) (¬7). فأما التفسير: فقال ابن عباس وقتادة والضحاك ومقاتل والسدي: يقول: مثل هؤلاء المنافقين كمثل رجل أوقد ناراً في ليلة (¬8) مظلمة في مفازة فاستضاء بها واستدفأ، ورأى ما حوله فاتقى ما يحذر ويخاف وأمن، فبينما ¬

_ = (حَوْلَيَهْ) وأما رواية الكوفيين للأبيات فعلى أنها من السريع (حَوْلَيْهْ ...)، ص 331. (¬1) في (ب): (للحسك) والحِسْل: ولد الضب. "تهذيب اللغة" (حسل) 4/ 303. (¬2) في (ب): (استي). (¬3) الرجز من "شواهد سيبويه" 1/ 351، وهو في "الكامل" 2/ 198، "المخصص" 13/ 226، "أمالي الزجاجي" ص130، "همع الهوامع" 1/ 135، "اللسان" (حول) 2/ 1055 الدألي. مشية فيها تثاقل، وهو من تكاذيب الأعراب يزعمون أنه من قول الضب لولده أيام كانت الأشياء تتكلم. (¬4) في (ب): (للشيء). (¬5) انظر: "تهذيب اللغة" (نار) 4/ 3482. (¬6) (بن الخطاب) سقط من (ب). (¬7) ذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" ولفظه: (فرض عمر بن الخطاب للجد ثم أنارها زيد بن ثابت)، أي: نورها وأوضحها "تهذيب اللغة" (نار) 4/ 3479، ونحوه عند ابن الجوزي في "غريب الحديث" 2/ 440، وعند ابن الأثير في "النهاية" 5/ 125. وأخرج عبد الرزاق في "المصنف" بسنده عن الزهري نحوه ولفظه: (إنما هذِه فرائض عمر، ولكن زيدا أثارها بعده وفشت عنه)، "المصنف" 10/ 266، 267 رقم (19060) و (19061)، ونحوه في "كنز العمال" عن عبد الرزاق 11/ 62. (¬8) في (ب): (ليل).

هو كذلك إذ طفئت ناره فبقي مظلما خائفا متحيرا، كذلك المنافقون لما أظهروا كلمة الإيمان استناروا بنورها، واعتزوا بعزها، وأمنوا، فناكحوا المسلمين ووارثوهم (¬1) وقاسموهم الغنائم وأمنوا على أموالهم وأولادهم، فلما ماتوا عادوا إلى الظلمة والخوف، وبقوا في العذاب والنقمة (¬2). وهذا القول اختيار الزجاج، لأنه قال: هذا المثل ضربه الله للمنافقين في تجملهم بظاهر الإسلام، فمثل ما تجملوا به من الإسلام كمثل النار التي يستضيء (¬3) بها المستوقد (¬4). وعلى ما قاله أبو إسحاق: التمثيل وقع بين تجملهم (¬5) بالإسلام، وبين النار التي (¬6) يستضاء بها. وقال غيره: معنى الآية: مثل استضاءتهم (¬7) بكلمة الإيمان كمثل استضاءة الموقد بالنار. فالتمثيل وقع بين الاستضاءتين، وحذف الاستضاءة، لأنه مضاف فأقيم المضاف إليه مقامه (¬8). وهذا قول الفراء، لأنه قال: شبههم وهم جماعة بالذي استوقد نارًا ¬

_ (¬1) في (ب): (واورثوهم). (¬2) ذكره "الطبري" 1/ 143 - 144، من طريق علي بن طلحة عن ابن عباس، وعن قتادة والضحاك ورجحه. وذكره ابن أبي حاتم 1/ 50 عن ابن عباس. وذكره ابن كثير عن قتادة. انظر: "تفسير ابن كثير" 1/ 58، "الدر المصون" 1/ 32. (¬3) في (أ)، (ج): (تستضيء)، وأثبت ما في (ب) لمناسبته للسياق. (¬4) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 58. (¬5) في (ب): (تحكمهم). (¬6) في (ب): (الذي). (¬7) في (ب) (استضابهم). (¬8) ذكره "الطبري" 1/ 141.

وهو واحد؛ لأنه تشبيه (¬1) للفعل بالفعل، لا للذوات (¬2) بالذوات، ومحل هذا قوله: {تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ} [الأحزاب: 19] يعني كدوران عين الذي يغشى عليه، وكقوله: {مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ} [لقمان: 28]، يعني إلا كخلق وكبعث نفس واحدة. قال: ولو أراد تشبيه الذوات لقال: (كالذين)، كما قال: {كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ} [المنافقون 40] وقال: {كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ} [الحاقة:7] وعلى هذا {الَّذِي} في قوله: {الَّذِي اسْتَوْقَدَ} واحد (¬3). وقوله تعالى بعد هذا: {ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ}. قال الزجاج: معناه والله أعلم إطلاع الله المؤمنين على كفرهم، فقد ذهب منهم نور الإسلام بما أظهر الله عز وجل من كفرهم، ويجوز أن يكون ذهب الله بنورهم في الآخرة، لأن الله عز وجل قد جعل للمؤمنين في الآخرة نورا، وسلب الكافرين ذلك النور، وهو قوله: {انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا} (¬4) [الحديد: 13]. ومثل هذا قال الفراء، فقال: إنما قال: {ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ} لأن المعنى ذهب إلى المنافقين (¬5). ¬

_ (¬1) في (ب) (وهو لا تشبيه). (¬2) في (ب) (للذات). (¬3) انظر كلام الفراء في: "معاني القرآن" 1/ 15، نقله الواحدي بمعناه، وانظر "الطبري" في تفسيره 1/ 141. (¬4) كلام الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 59. (¬5) قال الفراء بعد هذا: (... فجمع لذلك، ولو وحد لكان صوابًا ...) "معاني القرآن" 1/ 15. ومعنى كلام الفراء: أن المعنى انصرف إلى المنافقين، وليس للذي استوقد نارًا، ولو كان المعنى له لقال: بنوره. وقول الفراء (لو وحد لكان صوابًا) =

فعلى قول هذين (¬1) النور كان للمنافقين فأذهبه الله، والكناية راجعة إليهم (¬2). وكان يجب في حق النظم أن يكون اللفظ (¬3): (فلما أضاءت ما حوله أطفأ الله ناره) ليشاكل جواب (لما) معنى هذه القصة (¬4). ولكن لما كان إطفاء النار مثلا لإذهاب نورهم، أقيم ذهاب النور مقام الإطفاء، وجعل جواب (لما) (¬5) اختصارا وإيجازا، وهذا طريق حسن في الآية. وفيها طريق آخر: وهو أن {الَّذِي} في قوله: {الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا} ¬

_ = أسلوب لا يتناسب مع كلام الله، لأن ما قال الله هو الصواب لا غيره. (¬1) أي: قول الزجاج والفراء. (¬2) وإلى هذا ذهب "الطبري" وغيره. والمعنى عند "الطبري": فلما أضاءت ما حوله: ذلك أن المنافق لم يزل مستضيئا بضوء القول الذي قاله منافقا في حياته، ثم في يوم القيامة أنطفأ ذلك النور، وقال: الهاء والميم في (بنورهم) عائد على (الهاء والميم) في قوله: (مثلهم). "الطبري" في "تفسيره" 1/ 145، وبعضهم قال: (الهاء والميم) تعود على (الذي). انظر "القرطبي" في "تفسيره" 1/ 183. (¬3) (أن يكون اللفظ) ساقط من (ب). (¬4) هذا التعبير لا يناسب مقام كتاب الله، وإن كان للعبارة وجه من الاحتمال، لكن الأولى استعمال الألفاظ والأساليب التي تليق بكلام الله الذي هو في قمة الفصاحة والبلاغة، والله سبحانه قال {ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ} وهذا أبلغ مما ذكر الواحدي في قوله: (أطفأ الله ناره) فالنار إذا انطفأت يمكن إيقادها، ولكن إذا ذهب نورها وسلب فلا فائدة فيها. وكذا قوله: (وهذا طريق حسن في الآية) وهل هناك أحسن مما تكلم الله به؟!. (¬5) للعلماء في جواب (لما) قولان: أحدهما: أنه محذوف تقديره (خمدت وانطفأت) وهذا رأي "الطبري" في "تفسيره" 1/ 145، والزمخشري في "الكشاف" 1/ 198، وقد انتصرا لهذا الوجه ورجحاه. ورد أبو حيان قول الزمخشري، وقال: لا ينبغي آن يفسر كلام الله بغير ما يحتمله ولا أن يزاد فيه، بل يكون الشرح طبق المشروح =

المراد به الجماعة. وهو مذهب ابن قتيبة (¬1) وابن الأنباري. أما ابن قتيبة فقال: {الَّذِي} قد يأتي مؤديا عن الجمع (¬2)، واحتج بقول الشاعر: وإنَّ الذي حَانَتْ بِفَلْجٍ دِمَاؤُهُم ... هُمُ القَوْمُ كُل القَوْمِ يا أُمَّ خَالِد (¬3) ويقال في الواحد: (اللذ) وفي التثنية: (اللذا) وهو لغة لبعض العرب قد وردت في الأشعار (¬4). ¬

_ = من غير زيادة عليه ولا نقص منه ...)، انظر "البحر المحيط" 1/ 79، وانظر "القرطبي" في "تفسييره" 1/ 129، و"الدر المصون" 1/ 162. (¬1) هو أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، وقيل: المروزي، النحوي اللغوي، سكن بغداد، له المصنفات المشهورة (223 - 276 هـ) انظر "طبقات النحويين واللغويين" ص183، "إنباه الرواة" 2/ 143، "تاريخ بغداد" 10/ 170، "وفيات الأعيان" 3/ 42. (¬2) انظر "تأويل مشكل القرآن" ص 361، وانظر "الكشاف" 1/ 196، "إملاء ما من به الرحمن" 1/ 20. (¬3) البيت للأشهب بن رميلة، وهو من "شواهد سيبويه"، استشهد به على حذف النون من (الذين) عند طول الصلة. "الكتاب" 1/ 187، وكذا في "المقتضب" 4/ 146، وفي "تأويل مشكل القرآن" ص 361، "تفسير الطبري" 1/ 141، "المنصف" 1/ 67، "زاد المسير" 1/ 40، "القرطبي" في "تفسيره" 1/ 129، (الخزانة) 6/ 25، (شرح المفصل) 3/ 154 - 155، (همع الهوامع) 1/ 68،4/ 380، "الدر المصون" 1/ 157، "مغني اللبيب" 1/ 194، "البحر المحيط" 1/ 76، "معجم البلدان" 4/ 272، قال ياقوت: فَلْج: واد بين البصرة وحمى ضرية، وقيل: طريق تأخذ من طريق البصرة إلى اليمامة. وقعت فيه الوقعة التي يصفها الشاعر، هم القوم كل القوم: أي الكاملون في قوميتهم. فاعلمي ذلك وابكي عليهم يا أم خالد. (¬4) في (الذي) لغات منها: إثبات الياء، وحذفها مع بقاء الكسرة، وحذف الياء مع إسكان الذال، وتشديد الياء مكسورة، ومضمومة. انظر "البحر المحيط" 1/ 74، =

وقال ابن الأنباري: (الذي) في هذه الآية، واحد في معنى الجمع (¬1)، وليس على ما ذكره ابن قتيبة، لأن (الذي) في البيت الذي احتج به جمع واحد (اللذ)، والذي في الآية واحد في اللفظ لا (¬2) واحد له، ولكن المراد منه الجمع (¬3). وجاز أن يوضع (الذي) موضع (الذين) لأنه مبهم يحتمل الوجوه في مثل (¬4) قول الناس: (أوصي بمالي للذي (¬5) غزا وحج) معناه: للغازين والحاجين. [ومثله: (من) و (ما) (¬6). ووحد الفعل في (استوقد) لأن (الذي) وإن أريد به الجمع فهو موضوع للواحد (¬7). فهذا ¬

_ = "الدر المصون" 1/ 159، وقال: (قال بعضهم: وقولهم: هذِه لغات ليس جيدًا؛ لأن هذِه لم ترد إلا ضرورة، فلا ينبغي أن تسمى لغات) 1/ 159، وانظر (شرح المفصل) 3/ 154. (¬1) ذكر نحوه الأخفش في "معاني القرآن" 1/ 209، وانظر "زاد المسير" 1/ 39، "الدر المصون" 1/ 156. (¬2) في (ج) (في اللفظ واحد له) وفي (أ)، صححت في الهامش بإضافة (لا). (¬3) وقد رد على ابن قتيبة "الطبري" حيث قال: (وقد زعم بعض أهل العربية من أهل البصرة: أن (الذي) في قوله: {كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا} بمعنى (الذين) كما قال جل ثناؤه: {وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ} [الزمر: 33]. وكما قال الشاعر: فإن الذي ... البيت (ثم قال: (وقد أغفل قائل ذلك فرق ما بين (الذي) في الآيتين والبيت .... وغير جائز لأحد نقل الكلمة التي هي الأغلب في استعمال العرب على معنى، إلى غيره إلا بحجة يجب التسليم لها). "تفسير الطبري" 1/ 141، وانظر "البحر" 1/ 77، "الدر المصون" 1/ 157. (¬4) (مثل) ساقط من (ب). (¬5) في (ب) الذي. (¬6) انظر "البحر" 1/ 74. (¬7) فأعاد الضمير في استوقد إلى لفظ الذي انظر "الدر المصون" 1/ 157.

18

الاختلاف بينهما (¬1) في لفظ (الذي) واتفقا أن المراد به الجمع] (¬2). وعلى هذا القول، الكناية في قوله: {بِنُورِهِم} راجعة إلى المستوقدين (¬3)، وهو جواب (فلما) في الظاهر والمعنى جميعا (¬4). وإنما قال: بنورهم والمذكور في أول الآية النار، لأن النار شيئان، النور والحرارة، والنور هاهنا كان أجدى (¬5) المنفعتين (¬6). وذكر صاحب النظم في الآية طريقة ثالثة، وهو أنه قال: العلة في توحيد {الَّذِي} (¬7) وجمع الكناية في قوله: {بِنُورِهِم} أن المستوقد كان واحداً من جماعة تولى الاستيقاد لهم، وكانت الكناية في الاستيقاد عنه خصوصا دون أصحابه لتوليه ذلك دونهم، فلما ذهب الضوء، رجع ذهابه عليهم جميعا، فرجع الخبر إلى جماعتهم لما عموا به. 18 - قوله تعالى: {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ}. (الصم): جمع الأصم، وهو الذي به صمم، وهو انسداد الأذن، ويقال: رمح أصم: إذا لم يكن ¬

_ (¬1) بين أبي قتيبة وابن الأنباري. (¬2) ما بين المعقوفين فيه سقط وتقديم وتأخير في (ب). (¬3) وقيل يعود على معنى الذي انظر "تفسير ابن عطية" 1/ 182، "الدر المصون" 1/ 163. (¬4) وهذا بخلاف قول الفراء والزجاج فإنه جواب فلما حسب الظاهر فقط لأن المعنى على قوليهما راجع إلى المنافقين لا إلى المستوقدين ولهذا ادعى البعض أن جواب لما محذوف وهو طفئت أو خمدت كما مر قريبا وهو قول "الطبري" والزمخشري انظر "الطبري" في "تفسيره" 1/ 143، "الكشاف" 1/ 198. (¬5) في (ج) أحدى. (¬6) "تفسير الثعلبي" 1/ 53 ب، وانظر "تفسير البيضاوي" 1/ 11، وأبي السعود في "تفسيره" 1/ 50، والقاسمي في "تفسيره" 2/ 62. (¬7) الذي ساقطة من (ب).

أجوف، وصخرة صماء: إذا كانت صلبة، والصمام ما يسد (¬1) به رأس القارورة، هذا أصله في اللغة (¬2). ولما كان الانسداد يؤدي إلى الشدة والصلابة قيل للصخرة الشديدة: صماء. وارتفع (صم) على الاستئناف، كأنه لما تم الكلام الأول استأنف فقال: صم، أي: هم صم (¬3). وقال أبو إسحاق (¬4): كأنه قال: هؤلاء الذين قصتهم ما مضى (صم) (¬5). ويجوز الاستئناف قبل تمام القصة، كقوله تعالى: {جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابً} [النبأ: 36]، ثم قال: {رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} (¬6) وقال أيضا {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ} (¬7) [التوبة: 112] ثم قال: ¬

_ (¬1) في (أ)، (ج) (يشد) بالشين، وما في (ب) موافق لما في كتب اللغة وهو ما أثبته، (¬2) انظر "تهذيب اللغة" (صم) 2/ 2058، "الصحاح" (صمم) 5/ 1967، "مقاييس اللغة" (صمم) 3/ 278، "مفردات الراغب" ص 286، (تفسير "القرطبي") 1/ 185. (¬3) قال ابن جرير: (... يأتيه الرفع من وجهين، والنصب من وجهين. فأما أحد وجهي الرفع: فعلى الاستئناف لما فيه من الذم ... والوجه الآخر: على نية التكرار من (أولئك) ... فأما على تأويل ما روينا عن ابن عباس من غير وجه رواية علي بن أبي طلحة عنه، فإنه لا يجوز فيه الرفع إلا من وجه واحد، وهو الاستئناف ... والقراءه التي هي القراءة، الرفع دون النصب ...) "تفسير الطبري" 1/ 146. (¬4) الزجاج. (¬5) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 59، نقل كلام الزجاج بمعناه. (¬6) قال الفراء: (ولو تم الكلام ولم تكن آية، لجاز أيضا الاستئناف، قال تعالى: {جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا (36) رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ} (الرحمن) يرفع ويخفض في الإعراب وليس الذي قبله بآخر آية). "معاني القرآن" 1/ 16. وما ذكره الواحدي يتم على قراءة الرفع في (رب) وبها قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو. انظر "السبعة" ص 669، "القطع والاستئناف" للنحاس ص 759، "الغاية" ص 286. (¬7) (وأموالهم) ساقط من (أ)، (ج).

{التَّائِبُونَ} [التوبة:113] (¬1). وقال النابغة: تَوَهَّمْتُ آياتٍ لها فَعَرَفْتُها ... لستَّةِ أعوامٍ وَذَا العَامُ سَابِع (¬2) ثم قال: (رماد) (¬3) فاستأنف، ولم يبدل (¬4). قال أهل المعاني: وإنما وصفهم الله تعالى بالصم (¬5) لتركهم قبول ما يسمعون، والعرب تقول لمن يسمع ولا يعمل على ما يسمعه: أصم. قال الشاعر: أَصَمُّ عَمَّا سَاءَهُ سَمِيعُ (¬6) و (بكم) عن الخير، فلا (¬7) يقولونه، و (عمي)، لأنهم في تركهم ما ¬

_ (¬1) ذكره الفراء حيث قال: فأما ما جاء في رؤوس الآيات مستأنفا فكثير، من ذلك - ثم ذكره "معاني القرآن" 1/ 16. (¬2) البيت للنابغة الذبياني يمدح النعمان، ومعنى توهمت: أي لم يعرفها إلا توهما لخفاء معالمها، آيات: علامات للدار وما بقى من آثارها، لستة أعوام: أي بعد ستة أعوام ثم قال بعده: رَمَادٌ كَكُحل العَيْنِ لأيًا أُبِينُهُ ... ونؤى كجذْمِ الحَوْضِ أَثْلَمُ خَاشِعُ ومعنى لأيا أبينه: أي أتبينه بصعوبة لخفائه. البيت من "شواهد سيبويه" 2/ 86، "المقتضب" 4/ 322، وهو في "ديوان النابغة" ص 53، "مجاز القرآن" ص 33. (¬3) أي: في البيت الذي بعد سبق ذكره. (¬4) ذكره أبو عبيدة. انظر: "مجاز القرآن" ص 33. (¬5) في (ب): (بالصم). (¬6) ورد هذا الرجز في "تهذيب اللغة" (صمم) 2/ 2058، "اللسان" (صمم) 4/ 2500، "شرح الحماسة" للمرزوقي 3/ 1450، "الكشاف" 1/ 204، "القرطبي" في "تفسيره" 1/ 186. جميعها بدون نسبة، ومعناه: هو أصم عما لا يليق به، معرض عما ساءه مع أنه يملك السمع. (¬7) في (أ)، (ج) (ولا) وما في (ب) أولى لصحة المعنى.

19

يبصرون من الهداية بمنزلة العمى (¬1). وقوله تعالى: {لَا يَرْجِعُونَ} أي إلى الإسلام، أو عن الجهل والعمى (¬2). قال محمد بن جرير: هذه الآية معناها التقديم والتأخير، والتقدير (وما كانوا مهتدين صم بكم ...) الآية، {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي} [البقرة: 17]، {أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ} [البقرة: 19]، مثل آخر عطف على الأول. قال: لأن قوله {وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ} [البقرة: 17] في الآخرة، إذا قلنا: إنه وصف المنافقين (¬3)، والخبر بأنهم صم بكم في الدنيا، فلهذا قلنا: إن هذا على التقَديم والتأخير (¬4). وقال غيره: يجوز أن يعترض ذكر حالهم في الدنيا بعد وصف حالهم في الآخرة. 19 - قوله تعالى: {أَوْ كَصَيِّبٍ}. {أَوْ} دخلت هاهنا للإباحة (¬5)، لا للشك (¬6)، ومعناه أن التمثيل مباح لكم، إن مثلتموهم بالذي استوقد نارا، فهو مثلهم، [أو بأصحاب الصيب فهو مثلهم] (¬7)، أو بهما جميعا فهما مثلاهم (¬8)، كما تقول: جالس الحسن أو ابن سيرين، إن (¬9) جالست ¬

_ (¬1) انظر "تفسير الطبري" 1/ 146، (تفسير أبي الليث) 1/ 99، والبغوي في "تفسيره" 1/ 69، (تفسير أبي الليث) 1/ 54 أ، "البحر" 1/ 81، 82. (¬2) انظر "الطبري" في "تفسيره" 1/ 146، والثعلبي في "تفسيره" 1/ 54 أ. (¬3) في (ج) (للمنافقين). (¬4) ذكر كلام ابن جرير بمعناه انظر (تفسيره) 1/ 146. (¬5) وقيل: للتخيير، انظر "تفسير أبي الليث" 1/ 99، وابن عطية في "تفسيره" 1/ 189، "القرطبي" في "تفسيره" 1/ 186، "الدر المصون" 1/ 167، "الكشاف" 1/ 213. (¬6) ذكر السمين الحلبي أحد الأقوال فيها: أنها للشك. "الدر المصون" 1/ 167. (¬7) ما بين المعقوفين ساقط من (ب). (¬8) في (ج) (مثالهم). (¬9) في (ب) (إذا).

أحدهما فأنت مطيع، [وإن جمعتهما فأنت مطيع] (¬1). ومثله قوله: {فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} [البقرة: 74]، هذا قول جميع أصحاب المعاني (¬2). وقال ابن الأنباري: {أو} دخلت للتمييز والتفصيل (¬3)، المعنى بعضهم يشبهون الذي استوقد نارا، وبعضهم يشبهون أصحاب الصيب. ومثله قوله: {وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى} [البقرة: 135] [معناه: قال بعضهم: كونوا هودا، وهم اليهود، وقال بعضهم: كونوا نصارى] (¬4)، وهم النصارى، فدخلت (أو) لمعنى التفصيل، ومثله قوله: {فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ} [الأعراف: 4] معناه (¬5): فجاء (¬6) بعض أهلها بأسنا بياتًا، وجاء بعض أهلها في وقت القيلولة (¬7). وقيل: إن (أو) هاهنا بمعنى الواو (¬8)، كقول جرير: ¬

_ (¬1) ما بين المعقوفين ساقط من (ب). (¬2) بل قول بعضهم، وما ذكره الواحدي هو كلام الزجاج. انظر "معاني القران" 1/ 62، 129، وانظر "البيان في غريب إعراب القرآن" 1/ 60، ونسب الثعلبي لأهل (المعاني) أنها بمعنى (الواو) 1/ 54 أ. (¬3) في (ب) (فالتفضيل). (¬4) ما بين المعقوفين ساقط من (ب). (¬5) قوله: ({أَوْ هُمْ قَائِلُونَ}: معناه ...) ساقط من (ب). (¬6) في (ب): (وجاء). (¬7) ذكره المرتضى في "أماليه" 2/ 54, 55، ولم ينسب لأبن الأنباري، وذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 42، وذكره السمين الحلبي، وقال: وهو الأظهر، "الدر المصون" 1/ 167. (¬8) في (ب) (بمعنى الواحد). وهو قول "الطبري" في "تفسيره" 1/ 149، وذكره أبو الليث في "تفسيره" 1/ 99، والفراء في "تفسيره" 1/ 17، والثعلبي في "تفسيره" 1/ 54 أ، =

نَال الخِلاَفَة أوْ كَانَتْ لَهُ قَدَرًا ... كَمَا أتى رَبَه مُوسَى عَلَى قَدَرِ (¬1) وقال توبة (¬2): وقَد زَعَمَتْ سَلْمَى بِأَنِّي فَاجِرٌ ... لِنَفْسِي تُقَاهَا أوْ عَلَيْهَا فُجُورُهَا (¬3) قال النحويون: المعنى أو كأصحاب صيب (¬4)، فحذف المضاف ¬

_ = "القرطبي" في "تفسيره" 1/ 186، والسمين في "الدر المصون" 1/ 167. وقد رد ابن عطية على "الطبري" قوله (إنها بمعنى: الواو) وقال: (وهذِه عجمة). انظر "تفسير ابن عطية" 1/ 189. قلت: كيف تكون عجمة وقد قال به جمهور من المفسرين، وهو أحد (المعاني) التي تأتي (أو) عليها. انظر "تأويل مشكل القرآن" ص 543، "الأضداد" لابن الأنباري ص 279، "زاد المسير" 1/ 42، "مغنى اللبيب" 1/ 61. والقول إن (أو) تأتي بمعنى (الواو) هو مذهب الكوفيين، أما البصريون فيمنعون ذلك. انظر "الإنصاف" ص 383. وخلاصة الأقوال في (أو) في الآية هي: 1 - أنها للشك بمعنى أن الناظر يشك في تشبيههم. 2 - أو للتخيير. 3 - أنها للتفصيل. 4 - بمعنى الواو. 5 - بمعنى بل. (¬1) البيت لجرير من قصيدة يمدح بها عمر بن عبد العزيز، انظر (الديوان) ص 211، وفيه: (إذا كانت له قدرا) فلا شاهد فيه هنا، وورد البيت في "الطبري" في "تفسيره" 1/ 149، (الأضداد) لابن الأنباري ص 279، "أمالي المرتضى" 2/ 57، "تفسير السجاوندي" 1/ 32 (مخطوط)، "همع الهوامع" 1/ 167، "مغني اللبيب" 1/ 62، "الدر المصون" 1/ 167. (¬2) هو توبة بن الحُمَيِّر من بني عقيل بن كعب، وكان شاعرا لصا، أحد العشاق، صاحب ليلى. انظر: "الشعر والشعراء" ص 289. (¬3) رواية البيت المشهورة (وقد زعمت ليلى ...) فهو يذكر محبوبته ليلى الأخيلية. انظر "أمالي المرتضى" 2/ 57، و"الطبري" في "تفسيره" 1/ 149، "الأضداد" لابن الأنباري ص 279، والثعلبي في "تفسيره" 1/ 54 أ، "أمالي القالي" 1/ 88، 131، "همع الهوامع" 5/ 248، "مغني اللبيب" 1/ 61. (¬4) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 60، "البيان في غريب إعراب القرآن" 1/ 60، =

لدلالة باقي الكلام عليه (¬1) وهو قوله تعالى: {يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ}. و (الصيب) من المطر: الشديد، من قولهم: صاب يصوب، إذا نزل من علو إلى أسفل (¬2). قال: تَنَزَّلَ مِنْ جَوِّ السَّمَاء يَصُوبُ (¬3) وأصله (صَيْوِب) (¬4) فسبقت الياء الواو [بالسكون، فصيرتا (ياء مشددة) كما قالوا: سيِّد وميِّت وهيِّن، وهو أصل مطرد في الياء والواو] (¬5) إذا (¬6) ¬

_ = وقال الفراء: (أو كمثل صيب) "معاني القرآن" 1/ 17، ونحوه ذكر "الطبري" في "تفسيره" 1/ 149. (¬1) لأن الواو في (يجعلون) تدل على المضاف المقدر وهو (أصحاب) فهو وإن حذف فمعناه باق فيجوز أن يعود عليه الضمير. (¬2) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 60، و"الطبري" في "تفسيره" 1/ 148، (غريب القرآن) لابن قتيبة 1/ 25، "غريب القرآن" لليزيدي ص 65. (¬3) عجز بيت وشطره الأول: فَلَسْتَ لإنْسِيٍّ ولكِنْ لمَلأكٍ نسبه بعضهم لعلقمة بن الفحل، يمدح الحارث بن جبلة، وقيل: لرجل من عبد القيس جاهلي، يمدح بعض الملوك، قاله أبو عبيدة، وقيل: لأبي وجزة السعدي يمدح عبد الله بن الزبير. ورد البيت في "الكتاب" 4/ 380، و"الطبري" في "تفسيره" 1/ 148، "المفضليات" ص 394، "مجاز القرآن" ص 33، "المنصف" 2/ 102، "الجمل" للزجاجي ص 47، "إملاء ما من به الرحمن" 1/ 28، "تفسير ابن عطية" 1/ 189، "الاشتقاق" لابن دريد ص 26، "اللسان" (صوب) 1/ 2519، و (ألك) 1/ 111، "الدر المصون" 1/ 168. (¬4) في (ب): (صيبوب). (¬5) ما بين المعقوفين ساقط من (ب). (¬6) في (ب): (وإذا).

اجتمعتا وإحداهما (¬1) ساكنة، تقدمت الواو وتأخرت (¬2)، فالمتأخرة كما ذكرنا، والمتقدمة كقولهم: (لويت يده (¬3) ليّا). هذا مذهب البصريين (¬4). وعند الكوفيين: أن أصله (صييب) (¬5) على وزن (فَعِيل)، فاستثقلت (¬6) الكسرة على الياء فسكنت، وأدغمت إحداهما في الأخرى، وحركت إلى الكسرة. وقوله تعالى: {مِنَ السَّمَاءِ}. قال [الزجاج] (¬7): السماء في اللغة: يقال لكل ما ارتفع وعلا قد سما يسمو، وكل سقف فهو سماء، ومن هذا قيل للسحاب: سماء، لأنها عالية (¬8). ¬

_ (¬1) في (ب): (وأحديهما). (¬2) هكذا في جميع النسخ ولعل الصواب (أو تأخرت) والله أعلم. (¬3) في (أ)، (ب): (مده ليا). أصل (ليّا) (لويا) فقلبت الواو ياء وإدغمت في الياء، انظر "سر صناعة الإعراب" 2/ 585. (¬4) انظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 54 ب، و"الطبري" في "تفسيره" 1/ 148، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 143 - 144، "الإملاء" 1/ 22، وابن عطية في "تفسيره" 1/ 189، "الإنصاف" ص 639. (¬5) في (أ)، (ب): (صيب) وما في (ج) موافق لما عند الثعلبي، وهو ما أثبته. وقيل: أصله عندهم (صوِيب) وردَّ بأنه لو كان كذلك لصحت (الواو) كما تصح في (طويل). انظر "إعراب القرآن" للنحاس1/ 143 - 144، "الإملاء" 1/ 22، "الإنصاف" ص 639، وابن عطية في "تفسيره" 1/ 189، "القرطبي" في "تفسيره" 1/ 186. (¬6) في (ب): (فاستقلت). (¬7) في جميع النسخ (الرجال) والصحيح (الزجاج) كما في "تهذيب اللغة" (سما) 2/ 1747. (¬8) انظر كلام الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 75، "التهذيب" (سما) 2/ 1748، والنص من "التهذيب".

الأزهري: و (السماء) عند العرب مؤنثة، لأنها جمع (سماءة) (¬1)، و (السماءة) أصلها سَمَاوَة فاعلم. وإذا ذكرت العرب السماء عنوا بها السقف (¬2). وأما (الرعد)، فقال ابن عباس: الرعد ملك يسوق السحاب، كما يسوق الحادي الإبل بحدائه (¬3). وكذلك قال مجاهد وطاووس (¬4) وعكرمة وأصحاب ابن عباس: إن الرعد ملك يسوق السحاب، والرعد الذي هو الصوت سمي باسمه (¬5). ¬

_ (¬1) في "التهذيب" (وسبق الجمع الوحدان فيها) 2/ 1747. (¬2) "تهذيب اللغة" (سما) 2/ 1748. (¬3) في (ج): (بحاديه). ذكره "الطبري" بسنده عن الضحاك، وعن السدي عن أبي مالك، وعن مجاهد، وعن شهر بن حوشب، وكلهم عن ابن عباس. انظر "الطبري" في "تفسيره" 1/ 150 - 151، وقد أخرج أبن أبي حاتم عن ابن عباس مرفوعا في سؤال اليهود للرسول صلى الله عليه وسلم وفيه: (ملك من ملائكة الله موكل بالسحاب) قال المحقق. إسناده حسن. انظر: "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 221 (رسالة دكتوراه)، وأخرجه أحمد في "مسنده"، قال أحمد شاكر: (إسناده صحيح). انظر: "مسند أحمد بتحقيق أحمد شاكر" 4/ 161 ح (3483)، وذكر الحديث الشوكاني في "فتح القدير" وقال: في إسناده مقال. "فتح القدير" 1/ 77. (¬4) هو أبو عبد الرحمن طاووس بن كيسان الخولاني الهمداني اليماني، من أبناء الفرس، أحد أعلام التابعين، ومن كبار أصحاب ابن عباس، توفي سنة خمس ومائة، وقيل: ست. انظر ترجمته في: (وفيات الأعيان) 2/ 509، "سير أعلام النبلاء" 5/ 38، "تهذيب التهذيب" 2/ 235، "غاية النهاية" 1/ 341. (¬5) انظر الروايات عنهم في "الطبري" في "تفسيره" 1/ 150 - 151، والثعلبي في "تفسيره" 1/ 55 أ، "زاد المسير" 1/ 43، وابن عطية في "تفسيره" 1/ 189، والبغوي في "تفسيره" 1/ 69، "القرطبي" في "تفسيره" 1/ 217، (فتح القدير) 1/ 77.

وكتب ابن عباس إلى أبي (¬1) الجَلْد يسأله عن الرعد، فقال: هو ريح يختنق تحت السماء وفوق السحاب (¬2). وسئل علي -رضي الله عنه- عن الرعد، فقال: ملك، وعن البرق، فقال: مخاريق بأيدى الملائكة من حديد (¬3). وسئل وهب بن منبه (¬4) عن الرعد، فقال: الله أعلم (¬5). ويقال: برقت السماء ورعدت، ومنه يقال: برق الرجل ورعد، إذا تهدد وأوعد (¬6). وأبرق وأرعد - أيضا في قول أبي عبيدة، وأنكره الأصمعي. ¬

_ (¬1) في (ب): (أبي الخلد) هو أبو الجَلْد بفتح الجيم وسكون اللام، جيلان بن أبي فروة الأسدي البصري، وجِيلان بكسر الجيم، وثقه أحمد. انظر "الجرح والتعديل" 2/ 547، "طبقات ابن سعد" 7/ 222. (¬2) أخرجه "الطبري" من طرق في "تفسيره" 1/ 152، وأبن أبي حاتم، وقال المحقق إسناده حسن "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 222. (¬3) أخرجه "الطبري" بروايتين، إحداهما عن الرعد، والأخرى عن البرق، "الطبري" 1/ 151 - 152، وأخرج ابن أبي حاتم عنه في (البرق) في "تفسيره" 1/ 55، ونحوه في الثعلبي في "تفسيره" 1/ 55 أ، وانظر "القرطبي" في "تفسيره" 1/ 187 - 188. (¬4) أبو عبد الله، وهب بن منبه اليماني، صاحب القصص والأخبار، كانت له معرفة بأخبار الأوائل والأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه وثقه أكثرهم، وضعفه عمرو بن علي الفلاس. توفي سنة عشر ومائة. وقيل: ست عشرة، وبينهما أقوال. انظر "طبقات ابن سعد" 5/ 543، "حلية الأولياء" 4/ 23، "وفيات الأعيان" 6/ 35، "تهذيب التهذيب" 4/ 332. (¬5) مما أحسن هذا الجواب!، والله لم يكلف الأمة بعلمه، لاسيما أن مثل هذا لا يثبت إلا بنص صحيح صريح، أو بدلالة حسية جازمة، والعلم به لا يتعلق به حكم من الأحكام، والله أخبر أن الرعد يسبح بحمده، وهو دلالة على عظمة الخالق سبحانه. (¬6) ذكره الأزهري عن الأصمعي. "التهذيب" (برق) 1/ 315، وانظر "مقاييس اللغة" (برق) 1/ 223.

وكلهم يقول: أبرقنا وأرعدنا بمكان كذا، أي رأينا البرق والرعد (¬1). والبارق السحاب ذو البرق، وكذلك البارقة (¬2). وأما (الصواعق)، فهي جمع صاعقة، والصاعقة والصعقة: الصيحة يغشى منها على من يسمعها أو يموت (¬3). قال الله عز وجل: {وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ} [الرعد: 13] يعني أصوات الرعد، ويقال لها: الصواقع (¬4) أيضا ومنه قول الأخطل: كَأنَّمَا كانُوا غُرَاباً وَاقِعا ... فَطارَ لمَّا أبْصَرَ الصَّوَاقِعا (¬5) ويقال: أصعقته الصيحة، أي: قتلته. وأنشد الفراء: أُحادَ وَمثنى أصْعَقَتْهَا صَوَاهِلُه (¬6) ¬

_ (¬1) "التهذيب" (برق) 1/ 315، "معجم مقاييس اللغة" 1/ 223. (¬2) "تهذيب اللغة" (برق) 9/ 132، "معجم مقاييس اللغة" 1/ 222. (¬3) وقيل: الصاعقة قطعة من نار تسقط بأثر الرعد، لا تأتي على شيء إلا أحرقته. انظر "اللسان" (صعق) 4/ 2450. (¬4) بتقديم القاف على العين. (¬5) أنشده الأزهري في "تهذيب اللغة" (صعق) 2/ 1018، وورد في "اللسان" (صقع) 4/ 2471، وفي شعر الأخطل ورد شطره الأول ص 310. نقله من "تهذيب اللغة" (صعق) 2/ 1018. (¬6) البيت لابن مقبل، يصف فرساً بشدة الصهيل، وأن صهيله يقتل الذباب، وهي النعرات: ذباب يسقط على الدواب، واللبان: الصدر. وشطر البيت الأول: تَرى النُّعَرَاتِ الزُّرْقَ تَحْتَ لَبَانِه انظر: "أمالي المرتضى" 2/ 191، "المشوف المعلم في ترتيب الإصلاح" 2/ 778، "تهذيب اللغة" (صعق) 2/ 2018، "الصحاح" (صعق) 4/ 1507، "اللسان" (صعق) 4/ 2450، "همع الهوامع" 1/ 83، "القرطبي" 1/ 190، "ديوان ابن مقبل" ص 252.

أي قتلها صوته. ويقال للرعد والبرق إذا [قتلا] (¬1) إنسانا: أصابته صاعقة، وقال لبيد يرثي أخاه أَرْبَد (¬2): فَجَّعَنِي الرَّعْدُ والصَوَاعِقُ بالْـ ... ـفَارِس يَوْمَ الكَرِيَهةِ النَّجُدِ (¬3) أراد بالصواعق صوت الرعد، يدل على هذا قوله (¬4) عز وجل: {يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ} ولا يسدّون الآذان إلا من شدة صوت الرعد (¬5). وقال آخرون: الصاعقة: كل عذاب مهلك (¬6). وقيل: الصاعقة: الصوت الشديد من الرعد، يسقط معها قطعة نار (¬7). فأما معنى الآية، فقال المفسرون: إن الله تعالى ضرب للمنافقين مثلًا آخر، وشبههم بأصحاب مطر. وأراد بالمطر: القرآن (¬8)، ¬

_ (¬1) في جميع النسخ (قتل) وأثبت ما في "تهذيب اللغة" 2/ 2018. (¬2) (أرْبَد) أخوه لأمه، وهو ابن عمه، وكانت قد أصابته صاعقة، لما دعا عليه الرسول صلى الله عيه وسلم انظر "الشعر والشعراء" ص 169، "سيرة ابن هشام" 2/ 236، "الخزانة" 2/ 250، 3/ 81. (¬3) البيت للبيد يرثي أخاه وقد أصابته صاعقة، انظر "التهذيب" (صعق) 2/ 2018، "اللسان" (صعق) 4/ 2450، "شرح ديوان لبيد" ص 158. (¬4) في (ب): (قول الله). (¬5) "تهذيب اللغة" (صعق) 2/ 2018. (¬6) "اللسان" (صعق) 4/ 2450. (¬7) "الصحاح" (صعق) 4/ 1506، "اللسان" 4/ 2450، "تفسير ابن عطية" 1/ 191 - 192. (¬8) انظر: "تفسير أبي الليث" 1/ 100، وابن عطية في "تفسيره" 1/ 192، وبعضهم قال: الإسلام، انظر "الكشاف" 1/ 209، وأما ابن جرير فقال: (فالصيب مثل لظاهر ما أظهر المنافقون بألسنتهم من الإقرار والتصديق، والظلمات التي هي فيه =

وشبهه (¬1) بالمطر لما فيه من حياة القلوب، وعنى بالظلمات: ما في القرآن من ذكر الكفر والشرك وبيان الفتن والأهوال، فشبهها بما في المطر من الظلمات، وشبه ما خوفوا به من الوعيد وذكر النار بما في المطر من الرعد، وشبه حجج القرآن وما فيه من البيان والنور والشفاء والهدى بما في المطر من البرق. وشبه جعل المنافقين أصابعهم في آذانهم لكيلا يسمعوا (¬2) القرآن مخافة ميل القلب إلى القرآن فيؤدي ذلك إلى الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وذلك عندهم كفر، والكفر موت (¬3)، أو لكيلا يسمعوا ما ينزل من القرآن بما فيه افتضاحهم بجعل (¬4) الذي في هذا المطر أصابعه في أذنه. وتلخيص معناه: أن أصحاب الصيب إذا اشتد (¬5) عليهم وقع الصاعقة وصوت الرعد خافوا على أنفسهم الهلاك، فسدّوا آذانهم بأصابعهم، كذلك هؤلاء المنافقين يسدّون آذانهم للمعنيين اللذين ذكرنا. ¬

_ = لظلمات ما هم مستبطنون من الشك والتكذيب ومرض القلب. وأما الرعد والصواعق، فلما هم عليه من الوجل من وعيد الله إياهم على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم في آي كتابه ...) "الطبري" في "تفسيره" 1/ 156. (¬1) في (ب): (وشبه). (¬2) في (أ)، (ج): (يسمعون). (¬3) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 56 أ. (¬4) قوله: (بجعل الذي في هذا المطر ... إلخ) متعلق بقوله: (وشبه جعل المنافقين ... إلخ) وقد ضعف هذا المعنى ابن جرير ورجح أن المراد بجعل أصابعهم في آذانهم مثلا لاتقائهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، بالإقرار بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم مخافة على أنفسهم من الهلاك ونزول النقمات فيتقون بما يبدون بألسنتهم من ظاهر الإقرار، كما يتقي الخائف أصوات الرعد بتصيير أصابعه في أذنيه. "الطبري" 1/ 157. (¬5) في (ب): (استدعاهم).

وأمال الكسائي: {فِي آذَانِهِمْ} (¬1). قال أبو علي: (وهي حسنة لمكان كسرة (¬2) الإعراب (¬3) في النون (¬4)، كما جازت في مررت ببابه (¬5). ونصب {حَذَرَ الْمَوْتِ} لأنه مفعول له (¬6). قال الزجاج: وليس نصبه لسقوط اللام، وإنما نصبه أنه في تأويل المصدر، كأنه (¬7) قال: يحذرون حذرا (¬8)، لأن جعل الأصابع في الآذان يدل على الحذر، كما قال: وَأَغْفِر عَوْرَاءَ الكَرِيِم ادِّخَارَهُ (¬9) ¬

_ (¬1) رواية أبي عمر الدوري ونصير بن يوسف النحوي عن الكسائي، وقال أبو الحارث الليث بن خالد وغيره: كان الكسائي لا يميل هذا وأشباهه، وبقية (السبعة) على الفتح. انظر "السبعة" لابن مجاهد ص 144، "الحجة" 1/ 365، "الكشف" 1/ 171. (¬2) في (الحجة) (كثرة) ولعله خطأ مطبعي. (¬3) في (ب): (الأعراف). (¬4) فهو يميل الألف نحو الياء لمكان الكسرة بعدها التي على النون. انظر "الكشف" 1/ 171. (¬5) في (ب): (سانه)، "الحجة" 1/ 368. (¬6) (له) ساقطة من (ج). انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 63، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 144، "البيان في غريب إعراب القرآن" 1/ 61. (¬7) في (أ)، (ج) (لأنه) وما في (ب) أصح في السياق، وموافق لما في "معاني القرآن" للزجاج 1/ 63. (¬8) الزجاج يرى أنه منصوب على أنه مفعول لأجله، حيث قال: (وإنما نصبت (حذر الموت) لأنه مفعول له، والمعنى يفعلون ذلك لحذر الموت ...)، ثم قال: (... كأنه قال يحذرون حذرا ...). وهذا التقدير لا يتناسب مع الكلام الأول، لأنه في الأخير مفعول مطلق. انظر "معاني القرآن" 1/ 63. (¬9) صدر بيت لحاتم الطائي وعجزه: =

المعنى لادخاره. قوله: أغفر عوراء الكريم، معناه: أدخر الكريم (¬1). وقال الفراء: نصبه على التفسير كقوله: {وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا} [الأنبياء:90] وكقوله: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} [الأعراف:55]. وقوله تعالى: {وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ}. يقال: أُحِيط بفلان، إذا دنا هلاكه، وهو (¬2) محاط به، قال الله تعالى: {وَأُحِيطَ بثَمَرِهِ} [الكهف: 42]، أي: أصابه ما أهلكه وأفسده (¬3). والإحاطة تستعمل بمعنى العلم (¬4) كقوله: {أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا} [الطلاق: 12] أي: لم يشذ عن علمه شيء. ويستعمل بمعنى القدرة، كأن قدرته أحاطت بهم (¬5)، فلا محيص (¬6) لهم عنه. وجاء في التفسير أن معناه: والله مهلكهم وجامعهم في النار (¬7). دليله ¬

_ = وأُعْرِضُ عَنْ شَتْمِ اللَّئِيم تَكَرُّمَا ومعنى قوله عوراء: الكلمة القبيحة أو الفعلة، ادخاره: إبقاء عليه. ورد البيت في "نوادر أبي زيد" ص 355، وسيبويه 1/ 368، "المقتضب" 2/ 347 "الكامل" 1/ 291، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 63، "الجمل" للزجاجي ص 319، "شرح المفصل" 2/ 54، "الخزانة" 3/ 122، "ديوانه" ص 81، وفيه (اصطناعه) بدل (ادخاره) وهي رواية عند أبي زيد، "الكشاف" 1/ 218. (¬1) انتهى من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 63. (¬2) في "التهذيب" (فهو محاط به). (¬3) "تهذيب اللغة" (حاط) 1/ 707. (¬4) انظر "الصحاح" (حوط) 3/ 1121، والبغوي في "تفسيره" 1/ 70. (¬5) انظر "تفسير الثعلبي" 1/ 55 أ، و"الطبري" في تفسيره 1/ 158. (¬6) في (ب) (له). (¬7) ذكره "الطبري" عن مجاهد انظر "الطبري" في "تفسيره" 1/ 158، والثعلبي في "تفسيره" 1/ 55 أ، وابن عطية في "تفسيره" 1/ 193، في تفسيره والبغوي 1/ 70، (أضواء البيان) 1/ 114.

20

قوله: {إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ} [يوسف: 66] أي تهلكوا (¬1) جميعاً. وأمال أبو عمرو والكسائي (الكافرين) (¬2) في جميع القرآن: لأن الكسرة لزمت الراء بعد الفاء المكسورة، والراء بما فيها من التكرير يجرى مجرى الحرفين المكسورين، وكلما كثرت الكسرات حسنت الإمالة، ولا يميلان نحو (¬3): {أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ} [البقرة: 41] وذلك لأن كسرة الراء غير لازمة (¬4) لزومها في (الكافرين) (¬5). 20 - قوله تعالى: {يَكَادُ الْبَرْقُ} [البقرة: 20]. (كاد) موضوع عند العرب لمقاربة (¬6) الفعل (¬7)، فإذا نفيت (¬8) في اللفظ كان في المعنى إثباتا، وإذا أثبت كان نفيًا (¬9)، بيانه أنك تقول: كاد يضربني، فهذا إثبات في اللفظ نفي للضرب (¬10)، لأن معناه قرب من الضرب ولم يضرب، وإذا قلت: ما ¬

_ (¬1) في (أ)، (ج) (يهلكوا)، وفي (ب) (تهلكوا) وكذا في الثعلبي في "تفسيره" 1/ 55 أ. (¬2) وذلك إذا كان جمعا في موضع نصب أو خفض، أما إذا كان مفردا أو جمعا في موضع رفع لم يمل، وبهذا قرأ أبو عمرو، والكسائي في رواية أبي عمر الدوري ونصير بن يوسف. انظر "السبعة" ص147، "الحجة" 1/ 379، "الكشف" 1/ 173. وبهذا قرأ قتيبة ورويس، وورش بين بين، والبقية على الفتح للكاف. انظر "الغاية" ص 91، "وتحبير التيسير" للجزري ص 70، 71. (¬3) وهو المفرد المجرور. انظر "الحجة" 1/ 389، "الكشف" 1/ 197. (¬4) لأنها كسرة إعراب فتتغير. (¬5) "الحجة" لأبي علي 1/ 389، وانظر "الحجة" لابن خالويه ص 73، "الكشف" 1/ 197. (¬6) في (ب): (لمفارقه). (¬7) انظر "تهذيب اللغة" (كاد) 4/ 3076، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 29، "البيان في غريب إعراب القرآن" 1/ 61، "حروف المعاني" للزجاجي ص 67. (¬8) في (ب): (بقيت). (¬9) في (ب): (بقى). (¬10) في (ب): (في الضرب).

كاد يفعل كذا، فهذا نفي في اللفظ، إثبات في المعنى، لأنه قرب من ترك الفعل، وقد فعله بعد بطء (¬1). قال ابن الأنباري: (قال اللغويون: كدت أفعل، معناه عند العرب: قاربت الفعل ولم أفعل، وما كدت أفعل، معناه: فعلت بعد إبطاء (¬2) هذا معنى (كاد)، وقد تستعمل (¬3) بغير هذا المعنى (¬4)، وسنذكر ذلك عند قوله: {إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا} [النور: 40]. وذكر أبو بكر بإسناده أن ذا الرمة الشاعر قدم الكوفة فأنشد [بالكُناسة] (¬5) وهو على راحلته قصيدته (الحائية)، فلما انتهى إلى قوله: إِذَا غَيَّرَ النَّأيُ المُحِبِّينَ لَمْ يَكَدْ ... رَسيِسُ الهَوى مِنْ حُبِّ مَيَّةَ يَبْرَح (¬6) ¬

_ (¬1) انظر: "مشكل إعراب القرآن" 1/ 29، "البيان في غريب إعراب القرآن" 1/ 61، "إملاء ما من به الرحمن" 1/ 22، وذكر السمين الحلبي: أنها إذا كانت منفية انتفى خبرها بطريق الأولى. انظر "الدر المصون" 1/ 176. (¬2) انظر: "تهذيب اللغة" (كاد) 10/ 329. (¬3) في (أ)، (ب) (يستعمل) وأثبت ما في (ج). (¬4) (المعنى) ساقط من (ب). قال ابن الأنباري: (وقد يكون ما كدت أفعل بمعنى: ما فعلت ولا قاربت إذا أكد الكلام بـ (أكاد)، انظر "التهذيب" 4/ 3077، وهو بقية كلامه الذي نقل الواحدي بعضه. وفي "الخزانة": (قال صاحب اللباب: وإذا دخل النفي على (كاد) فهو كسائر الأفعال على الصحيح، وقيل. يكون للإثبات، وقيل: يكون في الماضي دون المستقبل ...)، "الخزانة" 9/ 309. (¬5) في (أ)، (ج): (ما الكناسة) وهي ساقطة من (ب) والصحيح (بالكناسة) كما في "أمالي المرتضى" "الخزانة" كما سيأتي. و (الكناسة) بضم أوله محلة معروفة بالكوفة، كان بنو أسد وبنو تميم يطرحون فيها كناستهم. انظر "معجم ما استعجم" 4/ 1136، "معجم البلدان" 4/ 481. (¬6) قوله (النأي): البعد، (رسيس الهوى): مسه، ورد البيت في (ديوان ذي الرمة) =

قال له عبد الله بن شبرمة (¬1): فقد برح يا ذا الرمة! ففكر ساعة ثم قال: ........ لَمْ أَجِدْ رسيِسَ ... الهَوى مِنْ حُبِّ مَيَّهَ يَبْرَحُ (¬2) ومعنى الآية: يكاد ما في القرآن من الحجج تخطف (¬3) قلوبهم من شدة إزعاجها (¬4) إلى النظر في أمر دينهم (¬5). وقال ابن عباس في رواية مقاتل والضحاك: معناه: يكاد الإيمان يدخل في قلوبهم (¬6). ¬

_ = وفيه (لم أجد) وفي (أمالي المرتضى) 1/ 332، "زاد المسير" 1/ 45، "الدر المصون" 1/ 176، "الخزانة" 9/ 309، "شرح المفصل" لابن يعيش 7/ 124. (¬1) هو عبد الله بن شبرمة بن حسان الضبي الكوفي، أبو شبرمة، كان شاعراً فقيهاً ثقة (72 - 144هـ). انظر (طبقات ابن خياط) ص 283، (الجرح والتعديل) 5/ 82، (تهذيب التهذيب) 2/ 351. (¬2) وردت القصة مسندة في "أمالي المرتضى" 1/ 332، "الخزانة" 1/ 311، ويستشهد العلماء بهذا البيت على أن النفي إذ دخل على (كاد) تكون في الماضي للإثبات، وفي المستقبل كالأفعال، وبعضهم قال: كالأفعال في الماضي والمستقبل، وقيل: تكون للإثبات في الماضي والمستقبل. انظر: "الخزانة" 9/ 39، "شرح المفصل" 7/ 125. (¬3) في (ج): (بخطف). (¬4) في (ب) (ازعاجها لهم). (¬5) ذكر هذا المعنى في "الوسيط" وقال: من تمام التمثيل 1/ 52، وفي "الوجيز" 1/ 6. قال ابن عطية: تكاد حجج القرآن وبراهينه وآياته الساطعة تبهرهم، ومن جعل (البرق) في المثل: الزجر والوعيد، قال: يكاد ذلك يصيبهم. "تفسير ابن عطية" 1/ 194، ونحوه في "تفسير القرطبي" 1/ 192. (¬6) لم أجد هذِه الرواية عن ابن عباس، وفي "الطبري" عن الضحاك عن ابن عباس. قال: يلتمع أبصارهم ولما يفعل 1/ 158، "وتفسير ابن أبي حاتم" 1/ 57، =

وقوله تعالى: {كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ}. {أَضَاءَ} هاهنا إن كان متعديا فالمفعول محذوف، وكأنه قيل: كلما أضاء لهم الطريق، ويجوز أن يكون لازما بمعنى (ضاء) (¬1). قال ابن عباس: يقول: إذا قرئ عليهم شيء من القرآن مما يحبون صدقوا، وإذا سمعوا شيئاً من شرائع النبي صلى الله عليه وسلم مما يكرهون وقفوا عنه، وذلك قوله تعالى: {وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا} (¬2). وقال قتادة: هو المنافق إذا كثر ماله وأصاب رخاء وعافية قال للمسلمين: أنا معكم وعلى دينكم، وإذا أصابته النوائب قام متحيرا؛ لأنه لا يحتسب أجرها (¬3). كأصحاب الصيب إذا أضاء لهم البرق فأبصروا الطريق مشوا، فإذا عادت الظلمة وقفوا متحيرين. ومثله قوله: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ} [الحج:11]. وقيل: شبه الغنيمة بالبرق، يقول (¬4): الطمع في الغنيمة يزعج قلوبهم، {كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ}: أي كثرت الغنائم ¬

_ = "الدر" 1/ 73، وأخرج ابن أبي حاتم عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: يكاد محكم القرآن يدل على عورات المنافقين "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 57. (¬1) انظر "معاني القرآن" للفراء1/ 18، "تفسير ابن عطية" 1/ 194، "وتفسير القرطبي" 1/ 193. (¬2) ذكره ابن الجوزي عن ابن عباس والسدي، "زاد المسير" 1/ 46، وأبو حيان في "البحر" 1/ 91، وذكر ابن عطية عن ابن عباس نحوه 1/ 195، وكذا "القرطبي" 1/ 193. (¬3) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 56 أ، وأخرجه "الطبري" في "تفسيره" 1/ 155، وذكره السيوطي في "الدر" وعزاه إلى عبد بن حميد وابن جرير 1/ 72، وقد ورد نحوه عن ابن عباس. انظر: "تفسير الطبري" 1/ 154، و"تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 59، "الدر" 1/ 72. (¬4) في (ب): (لقول).

وأصابوا الخير، {مَشَوْا فِيهِ}: أي رضوا به، {وَإِذَا (¬1) أَظْلَمَ عَلَيْهِم}: قلت (¬2) الغنيمة وكانت بدلها الهزيمة، (قاموا): اعتلوا وقعدوا عن نصرة الرسول (¬3). وقوله تعالى: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ}. خص هاتين الجارحتين لما تقدم ذكرهما في قوله: {آذَانِهِمْ} و {يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ} فيقول: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ} عقوبة لهم على نفاقهم، فليحذروا عاجل عقوبة الله وآجله، فإن الله على كل شيء قدير من ذلك (¬4). وقيل: ولو شاء الله لذهب بأسماعهم الظاهرة، وأبصارهم الظاهرة كما ذهب بأسماعهم وأبصارهم الباطنة، حتى صاروا صُمًّا عُمْيًا (¬5). وكان حمزة يسكت على الياء في {شَيْءٍ} (¬6) قبل الهمزة سكتة خفيفة، ثم يهمز (¬7). وذلك (¬8) أنه أراد بتلك الوقيفة [في صورة لا يجوز فيها ¬

_ (¬1) في (ب): (فإذا). (¬2) في (ب): (فله). (¬3) ذكر نحوه "الطبري"، إلا أنه قال: (جعل البرق لإيمانهم مثلا، وإنما أراد بذلك أنهم كلما أضاء لهم الإيمان، وإضاءته لهم: أن يروا ما يعجبهم في عاجل الدنيا ....)، "تفسير الطبري" 1/ 158، وانظر: "تفسير الخازن" 1/ 71، 72، "البحر" 1/ 91. (¬4) ذكره "الطبري" في "تفسيره" 1/ 159، وانظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 195. (¬5) "تفسير الثعلبي" 1/ 56 ب، وانظر: "تفسير أبي الليث" 1/ 101، و"تفسير البغوي" 1/ 71. (¬6) من قوله: {عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}، وكذلك يفعل بكل حرف سكن قبل الهمزة. (¬7) انظر: "السبعة" ص 148، "الحجة" لأبي علي 1/ 391، "الحجة" لابن خالويه ص72، "الكشف" 1/ 234، "التيسير" ص 62. (¬8) في (ب): (من ذلك).

21

معها إلا التحقيق لأن] (¬1) الهمزة قد صارت بالوقيفة مضارعة للمبتدأ بها والمبتدأ بها لا يجوز تخفيفها (¬2). 21 - قوله تعالى: {يَأَيُّهَا اَلنَّاسُ أعبُدُواْ رَبَّكُمُ} الآية. (يا) حرف ينادي به (¬3)، ولا تكاد تجد في كلام العرب حرفاً تألف مع اسم فكانا جملة كاملة سوى حرف النداء. و (أي) (¬4) اسم مبهم مبني على الضم، لأنه منادى مفرد، و {النَّاسُ} صفة لأي لازمة، تقول: يا أيها الرجل أقبل، ولا يجوز (¬5): يا الرجل، لأن (يا) تنبيه بمنزلة التعريف في الرجل، فلا يجمع بين (يا) وبين الألف واللام (¬6). و (ها) لازمة لأي (¬7)، وهي عوض من الإضافة في (أي) لأن ¬

_ (¬1) ما بين المعقوفين ساقط من (أ، ج)، وفي (أ) أراد بتلك الوقيفة تحقيق الهمزة، قد صارت ... ، والعبارة غير واضحة، ونص كلام أبي علي في (الحجة) (أنه أراد بهذِه الوقيفة التي وقفها تحقيق الهمزة وتبيينها، فجعل الهمزة بهذِه الوقيفة التي وقفها قبلها على صورة لا يجوز فيها معها إلا التحقيق، لأن الهمزة قد صارت بالوقيفة مضارعة للمبتدأ بها ....)، "الحجة" 1/ 391. (¬2) في (ب): (تحقيقها). الكلام لأبي علي كما في "الحجة" 1/ 391، ويريد حمزة بهذا أن يحقق الهمزة وينطق بها صحيحة، وبقية السبعة على عدم الوقف، لأنه لا يوقف على بعض الاسم دون الإتيان على آخره، ولذلك فالإعراب في آخر الاسم. انظر "الحجة" لابن خالويه ص 72. (¬3) قال أبو حيان: زعم بعضهم: أنها اسم فعل معناها (أنادي). "البحر" 1/ 92، وانظر "الدر المصون" 1/ 184. (¬4) نقله من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 64. (¬5) في (أ)، (ج): (لا يجوز) بسقوط الواو. (¬6) انظر: "إملاء ما من به الرحمن" 1/ 23. (¬7) في "المعاني" (للتنبيه) 1/ 64.

الأصل في (أي) أن تكون (¬1) مضافة في الاستفهام والخبر. والمازني يجيز (¬2) في (يا أيها الرجل) النصب في (الرجل) ولا يوافقه على هذا غيره (¬3). قال أبو إسحاق: وقوله قياس؛ لأن موضوع المنادى المفرد نصب، فحمل (¬4) صفته على موضعه، وهذا في غير (¬5) (يا أيها الرجل) جائز عند جميع النحويين، نحو قولك: (يا زيد الظريفُ والظريفَ) (¬6) والنحويون غيره (¬7) لا يقولون في هذا إلا الرفع، والعرب لغتها في هذا الرفع، لأن المنادي في الحقيقة (الرجل) و (أي) وصلة له (¬8). وذلك أنهم لما أرادوا نداء ¬

_ (¬1) في (أ)، (ج): (يكون) وما في (ب) أصح للسياق. (¬2) في (أ)، (ج): (تخير) واخترت ما في (ب) لأنه أصح وموافق لما في "معاني القرآن" للزجاج 1/ 64. (¬3) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 64، وحذف الواحدي بعض كلام الزجاج ونص عبارة الزجاج: (وزعم سيبويه عن الخليل أن المنادي المفرد مبني، وصفته مرفوعة رفعاً صحيحاً لأن النداء يطرد في كل اسم مفرد، فلما كانت البنية مطردة في المفرد خاصة، شبه المرفوع فرفعت صفته، والمازني يجيز في (يا أيها الرجل) النصب في (الرجل) ولم يقل بهذا القول أحد من البصريين غيره). وانظر "البيان في غريب إعراب القرآن" 1/ 62 "الإملاء" 1/ 23، قال العبكري -بعد أن ذكر قول المازني-: وهو ضعيف. وقد رد الزجاج نفسه هذا القول في موضوع آخر فقال: (فهذا مطروح مرذول). انظر "معاني القرآن" 1/ 211. (¬4) في "المعاني" (فحملت) وفي الهامش: (في الأصل) (فحمل) أي: (المازني) "معاني القرآن" 1/ 64. (¬5) في (ب): (غيره). (¬6) (الظريف) ساقط من (ب). (¬7) في (ب): (في غيره). والمعنى: النحويون غير المازني. (¬8) انتهى كلام الزجاج. "معاني القرآن" 1/ 64، 65، نقله بتصرف.

ما فيه لام التعريف، ولم يمكنهم أن يباشروه بـ (يا) لما فيها من التعريف والإشارة توصلوا إلى ذلك بإدخال (أي) بينهما فقالوا: يا أيها الرجل، والمقصود بالنداء هو الرجل، و (أي) وصلة له (¬1). ولأن (أيا) وإن كان اسما منادى مفردا فهو ناقص، والنصب بالحمل على الموضوع إنما يجوز بعد تمام الاسم (¬2). و {يَا أَيُّهَا النَّاسُ} عموم في كل مكلف من مؤمن وكافر (¬3). ويروى عن الحسن وعلقمة (¬4). أن {يَا أَيُّهَا النَّاسُ} خطاب أهل مكة، و {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} خطاب أهل المدينة (¬5). ¬

_ (¬1) (له) ساقطة من (ب). (¬2) وعليه فلا يجوز النصب (للناس) حملا على الموضع كما سبق، انظر "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 147، "البيان في غريب إعراب القرآن" 1/ 62، "إملاء ما من به الرحمن" 1/ 23، "البحر المحيط" 1/ 94، "الدر المصون" 1/ 185. (¬3) انظر "تفسير الطبري" 1/ 160، "تفسير الثعلبي" 1/ 65 ب، "تفسير أبي الليث" 1/ 101. (¬4) الإمام الحافظ، أبو شبل، علقمة بن قيس بن عبد الله النخعي الكوفي، لازم ابن مسعود حتى رأس في العلم، وحدث عن عدد من الصحابة، اختلف في سنة وفاته. فقيل سنة إحدى وستين وقيل: خمس وستين، وقيل: غير ذلك. انظر "تاريخ بغداد" 13/ 296، "حلية الأولياء" 2/ 68، "سير أعلام النبلاء" 4/ 53. (¬5) أخرجه الواحدي بسنده في كتابه "أسباب نزول القرآن" عن علقمة، ص 26، وذكره في (الوسيط) 1/ 53، وذكره السيوطي في "الدر" وغزاه لأبي عبيد، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن الضريس وابن المنذر، وأبي الشيخ أبن حيان في "التفسير". وورد في "الدر" نحوه عن ابن مسعود، والضحاك، وميمون بن مهران، وعروة وعكرمة. "الدر" 1/ 73، وذكره الثعلبي في "تفسيره" عن ابن عباس 1/ 56، وابن عطية عن مجاهد، وقال: وقد يجيء في المدني {يَا أَيُّهَا النَّاسُ} وأما {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} فصحيح. "تفسير ابن عطية" 1/ 179، ونحوه قال "القرطبي" في "تفسيره" 1/ 194، وانظر "البرهان" 1/ 189 - 190.

وقوله تعالى: {اعْبُدُوا رَبَّكُمُ} أي اخضعوا له بالطاعة، ولا يجوز ذلك إلا لمالك الأعيان (¬1). وقوله تعالى: {الَّذِي خَلَقَكُمْ}. (الخلق): ابتداع شيء لم يسبق إليه (¬2). وكل شيء خلقه الله فهو مبتدئه على غير مثال سبق إليه (¬3). والعرب تقول: خلقت الأديم إذا قدرته (¬4). لتقطع منه مزادة أو قِرْبةً أو خُفًّا (¬5). قال زهير: وَلَأنْتَ تَفْرِي (¬6) ما خَلَقْتَ وَبَعْـ ... ـضُ القَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لا يَفْري (¬7) وقيل للمقدر: خالق على الاستعارة لا على استحقاق اسم الخلق، وذلك أن المقدر إنما يقدر ليفعل، فسمى الفعل باسم التقدير، كما يسمى الشيء باسم الشيء إذا كان معه أو من سببه، فالخلق الحقيقي هو خلق الله الذي أبتدع ما خلق وأنشأ ما أراد على غير مثال، وخلق غيره [قياس وتشبيه وافتراء ومحاكاة وتقدير على قدر قدرة غيره، فخلق الله ذاتي وخلق ¬

_ (¬1) انظر: "الطبري" 1/ 160، "تفسير ابن عطية" 1/ 197، "تفسير القرطبي" 1/ 194. (¬2) انظر: "تهذيب اللغة" (خلق) 1/ 1093. (¬3) انظر: كتاب "الزينة" 2/ 52، "معرفة اشتقاق أسماء نطق بها القرآن" 1/ 101، 102، (رسالة ماجستير). (¬4) في (ب): (قدته). (¬5) "تهذيب اللغة" (خلق)، 1/ 1093. (¬6) في (ب): (تقوى). (¬7) في (ب): (لا يقوى). ورد البيت في "الكتاب" 4/ 185، "الزاهر" 1/ 184، "الجمهرة" 2/ 240، "تفسير أسماء الله" للزجاج ص 36، "اشتقاق أسماء الله" ص 166، "إعراب ثلاثين سورة" ص 45، "غريب الحديث" لأبي عبيد 2/ 292، "تأويل مشكل القرآن" ص 507، "تهذيب اللغة" (خلق) 1/ 1093، "معجم مقاييس اللغة" (خلق) 2/ 214، (فرى) 4/ 497، "البحر" 1/ 93، "القرطبي" 1/ 195، "ديوان زهير" ص 94. ومعناه: أنت مضاء العزيمة، وغيرك ليس بماضي العزم.

غيره] (¬1) على سبيل الاستعارة والتقدير (¬2). ومعنى الآية: أن الله تعالى احتج على العرب بأنه خالقهم وخالق من قبلهم، لأنهم كانوا مُقِرّين بأنه خالقهم، والدليل على ذلك قوله: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [الزخرف: 87]، فقيل لهم: إذ (¬3) كنتم معترفين بأنه خالقكم فاعبدوه ولا تعبدوا الأصنام، فإن عبادة الخالق أولى من عبادة المخلوقين من الأصنام (¬4). وقوله تعالى: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}. قال ابن الأنباري: (لعل) يكون (¬5): ترجياً، ويكون بمعنى: (كي)، ويكون: ظناً كقولك: لعلي أحج العام، معناه: أظنني سأحج (¬6). وقال يونس (¬7): (لعل) يأتي في كلام العرب بمعنى: (كي)، من ¬

_ (¬1) ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ج). (¬2) انظر: كتاب "الزينة" 2/ 53،52، "معرفة اشتقاق أسماء نطق بها القرآن" 1/ 101، 102، "تفسير أسماء الله" للزجاج ص 35، "اشتقاق أسماء الله" للزجاجي ص 166، "معجم مقاييس اللغة" (خلق) 2/ 214، "الجمهرة" (خ ق ل) 1/ 619، "تهذيب اللغة"، خلق1/ 1093، "مفردات الراغب" ص 157. (¬3) كذا وردت في جميع النسخ، ولعلها (إذا). (¬4) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 160، "القرطبي" 1/ 195. (¬5) في (ب): (تكون) في المواضع الثلاثة. (¬6) ذكره الأزهري حيث قال: (وأثبت عن ابن الأنباري ...) ثم ذكر لها خمسة وجوه، ذكر الواحدي منها ثلاثة، والرابع: بمعنى: (عسى)، والخاص: بمعنى: (الاستفهام)، "تهذيب اللغة" (عل) 3/ 2553. (¬7) ذكره الأزهري بسنده قال: (أخبرني المنذري عن الحسين بن فهم أن محمد بن سلام أخبره عن يونس ..)، "تهذيب اللغة" (عل) 3/ 2553. ويونس: هو يونس بن حبيب أو عبد الرحمن الضبي بالولاء، كان النحو يغلب عليه، أخذ عن أبي عمرو بن =

ذلك (¬1) قوله: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (¬2) و {لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} (¬3) ويقول (¬4): (أعرني دابتك لعلي أركبها) بمعنى (كي). قال (¬5): وتقول (¬6): انطلق بنا لعلنا نتحدث، أي: كي نتحدث (¬7). ومثل هذا قال قطرب في (لعل) (¬8). وقال سيبويه: (لعل) كلمة ترجية وتطميع للمخاطبين (¬9). أي كونوا على رجاء وطمع أن تتقوا بعبادتكم عقوبة الله أن تحل بكم (¬10)، كما قال ¬

_ = العلاء وحماد بن سلمة، توفي سنة اثنتين وثمانين ومائة، انظر ترجمته في: "طبقات النحويين واللغويين" للزبيدي ص 51، "إنباه الرواة" 4/ 68، "وفيات الأعيان" 7/ 244، "معجم الأدباء" 2/ 64. (¬1) في (ب): (من قولك). (¬2) الآية:21، 179،63، 183 من سورة البقرة، و171 من سورة الأعراف. وفي "تهذيب اللغة" (لعلهم يتقون). (¬3) (لعلهم يذكرون) جزء من آية في الأعراف: 26، 130، وفي الأنفال: 57. وفي (ب): (لعلكم تذكرون) وكذا في "تهذيب اللغة"، وهي جزء من آية في الأنعام: 152، والأعراف: 57 والنحل: 90، والنور:1، 27، والذاريات 49. (¬4) كذا وردت في (أ)، (ج)، وفي (ب) بدون نقط، وفي "تهذيب اللغة" (كقولك) والأولى (تقول). (¬5) (قال) ساقط من (ب). (¬6) في (أ)، (ج): (ويقول) وأثبت ما في (ب). (¬7) آخر ما نقله الواحدي من كلام يونس، وانظر بقية كلامه في "تهذيب اللغة" (عل) 3/ 2553، وانظر معاني (لعل) في "الأزهية في علم الحروف" للهوري ص 217، "مغني اللبيب" 1/ 287. (¬8) قال أبو حيان لا تكون بمعنى (كي) خلافا لقطرب وابن كيسان. "البحر" 1/ 93، (¬9) في "الكتاب": فإذا قلت: (لعل) فأنت ترجوه أو تخافه في حال ذهابه 2/ 148، وقال: (لعل وعسى طمع واشفاق) 4/ 233. وانظر "تفسير الثعلبي" 1/ 56 ب. (¬10) فتكون لعل على بابها للترجي، كما هو رأي سيبويه، وبعض المفسرين يقول: إذا =

22

في قصة فرعون {لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} [طه: 44]، كأنه قال: اذهبا أنتما على رجائكما وطمعكما (¬1)، والله عز وجل من وراء ذلك وعالم بما يؤول إليه أمره. 22 - قوله تعالى: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا}: (الأرض): التي عليها الناس، وجمعها: (أَرَضُون) (¬2) و (أَرَضَات) (¬3)، وحكي: (أُرُوض) (¬4). فإن قيل: الجمع بالواو والنون [إنما هو لأسماء الأعلام، فما بالهم جمعوا الأرض بالواو والنون؟] (¬5). قيل: إن الأرض اسم مؤنث، ¬

_ = جاءت من الله فهي واجبة. انظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 56ب، "وتفسير ابن عطية" 1/ 179، قال السيين الحلبي: إذا وردت في كلام الله فللناس فيها ثلاثة أقوال. أحدها: أنها على بابها من الترجي والطمع، قاله سيبويه، الثاني: للتعليل، قاله قطرب و"الطبري" وغيرهما، والثالث. أنها للتعرض للشيء، وإليه مال المهدوي وأبو البقاء. "الدر المصون" 1/ 189، وانظر "تفسير الطبري" 1/ 161، (الإملاء) 1/ 23. (¬1) ذكره "القرطبي" في "تفسيره" 1/ 195، وذكر ابن هشام في "مغني اللبيب": أن بعضهم جعل من معاني "لعل" التعليل كالأخفش والكسائي، وحملوا عليه قوله: {لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} ومن لم يثبت لها معنى "التعليل" يحمله على الرجاء ويصرفه للمخاطبين، أي: اذهبا على رجائكما، 1/ 288. (¬2) كذا ورد عند سيبويه، انظر "الكتاب" 3/ 599، "المذكر والمؤنث" لابن الأنبارى ص 188، "تهذيب اللغة" (أرض) 1/ 148، وقال ابن سيده في "المخصص": عن أبي حنيفة: (أرض) و (أَرْضُون) بالتخفيف و (أَرَضُون) بالتثقيل، (المخصص) 10/ 67. (¬3) ذكره سيبويه وغيره، انظر "الكتاب" 3/ 599، قال ابن الأنباري (يجوز في القياس: أرضات ولم يسمع) "المذكر والمؤنث" ص 188. (¬4) جمع تكسير، انظر "المخصص" 10/ 67 , "تهذيب اللغة" (أرض) 1/ 148. (¬5) ما بين المعقوفين ساقط من (ب). وقد نقل الواحدي هذا السؤال والإجابة عنه من كتاب "سر صناعة الإعراب" لأبي الفتح ابن جني 2/ 613.

وقد كان القياس في كل اسم مؤنث أن يقع فيه الفرق بينه وبين المذكر نحو: قائم وقائمة، وطريف وطريفة، وغير ذلك. فأما ما تركت (¬1) فيه العلامة من المؤنث، فإنما ذلك اختصار لحقه، لاعتمادهم في الدلالة على تأنيثه على ما يليه من الكلام قبله وبعده، نحو: (هذه مِلْحٌ (¬2) طيبة)، و (كانت لهم عرس مباركة)، فلما كان الأمر في المذكر والمؤنث على ما ذكرنا، وكانت (الأرض) مؤنثة، وكأنّ فيها (هاء) مرادة، وكأنّ تقديرها: (أَرْضَة) فلما حذفت (الهاء) التي كان القياس يوجبها، عوضوا منها الجمع بالواو والنون. فقالوا: (أَرَضُون) (¬3). وإذا أدخل شيء مما (¬4) ليس مذكراً عاقلًا في هذا النوع من الجمع، فهو حظ ناله، وفضيلة خص بها (¬5)، ولهذا نظائر كالسنين وعضين، ونذكرها في مواضعها إن شاء الله. وفتحوا (الراء) (¬6) في (أَرَضِين) ليدخل الكلمة ضرب من التكسير، استيحاشا من أن يوفوه لفظ التصحيح من جميع الوجوه، ومعنى التصحيح هو أنهم إنما جمعوا بالواو والنون الأسماء التي هم بها معنيون، ولتصحيح ألفاظها لفرط اهتمامهم بها مؤثرون، كيلا يقع في واحده إشكال، ألا ترى ¬

_ (¬1) في (ب): (تركب). (¬2) في (أ)، (ج): (صلح) وفي "سر صناعة الإعراب" (ريح) وفي الحاشية قال: في (ل) و (ش): (ملح)، 2/ 614. وهذا يوافق ما في (ب). (¬3) "سر صناعة الإعراب" 1/ 614، وانظر: "الكتاب" 3/ 599 "المخصص" 10/ 67، 68 و 17/ 4 "اللسان" (أرض) 1/ 61. (¬4) في (ب): (ما). (¬5) انظر: "سر صناعة الإعراب" 2/ 63. (¬6) "سر صناعة الإعراب" 2/ 614، وقال بعضهم: ربما سكنت فقيل: (أرضون)، انظر "الصحاح" (أرض) 3/ 1063، "المخصص" 10/ 67.

أن (¬1) مثال جمع التصحيح لا يعترض الشك في واحده (¬2). فإن قيل: إنما. يعوض من المحذوف إذا كان أصلا، فكيف جاز التعويض من الزائد، و (هاء التأنيث) زائدة؟ قيل: إن العرب قد [أجرت] (¬3) (هاء التأنيث) مجرى (¬4) لام الفعل في أماكن (¬5)، منها أنهم قالوا: (عَرْقُوة) (¬6)، و (تَرْقُوَة) (¬7)، فصححوا الواو، فلولا أن (الهاء) في هذه الحال في تقدير الاتصال والحرف الأصلي لوجب أن تقلب (¬8) (الواو)، لأنها كانت تقدر ¬

_ (¬1) في (ب): (أن من مثال). (¬2) انظر. "الكتاب" 3/ 598 - 600، "المخصص" 10/ 68، 17/ 4، "الصحاح" (أرض) 3/ 1063، "اللسان" (أرض) 1/ 61. (¬3) في (أ)، (ج): (أحرها) وفي (ب): (أخرت) والصحيح ما أثبت كما في "سر صناعة الإعراب"، 2/ 614. (¬4) في (ب): (لا مجرى). (¬5) اختصر الواحدي كلام أبي الفتح وترك بعض الوجوه، قال أبو الفتح: (فالجواب: أن العرب قد أجرت (هاء التأنيث) مجرى لام الفعل في أماكن: منها: أنهم حقروا ما كان من المؤنث على أربعة أحرف، نحو: (عقرب) و (عناق) ... وذلك قولهم: (عقيرب) .... ومنها: أنهم قد عاقبوا بين هاء التأنيث وبين اللام، وذلك نحو قولهم: (بُرَّة وبراً) و (لُفَة ولُفَى) ...). ومنها: أن الهاء وإن كانت أبدا في تقدير الانفصال فإن العرب قد أحلتها -أيضا- محل (اللام) وما هو الأصل أو جار مجرى الأصل وذلك نحو قولهم: (ترقوة)، و (عرقوة) ... ، "سر صناعة الإعراب" 2/ 614 - 616، وذكر الواحدي في جوابة على السؤال الوجه الأخير فقط. (¬6) (الْعَرْقُوة) خشبة معروضة على الدلو. انظر "اللسان" (عرق) 5/ 2908. (¬7) (ترقوة) ساقط من (ب). والترقوة واحدة الترقوقان، وهما العظمان المشرفان بين تغرة النحر والعاتق، تكون للناس وغيرهم، ولا يقال (ترقوة) بالضم. انظر "اللسان" (ترق) 10/ 32. (¬8) في (أ)، (ج): (يقلب) وما في (ب) موافق لـ "سر صناعة الإعراب" 2/ 616.

طرفا (¬1)، وتقلب (¬2) (ياء) كما تقلب في نحو: (أَحْقٍ) جمع (حَقْو) (¬3) و (أَدْلٍ) (¬4) و [(أَجْرٍ) (¬5)]. فـ (الهاء) هاهنا كالراء (¬6) في (منصور)، والطاء في (عَضْرَفوطْ) (¬7) لتصحيح (¬8) الواو قبلها. وقوله تعالى: {فِرَاشًا} الأرض فراش الأنام على معنى أنها فرشت لهم، أي (¬9): بسطت، وهذا كقوله: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا (19)} [نوح: 19] والمعنى أنه لم يجعلها حزنة غليظة لا يمكن (¬10) الاستقرار ¬

_ (¬1) في (ج): (حرفا). (¬2) (وتقلب) ساقط من (ج). (¬3) (الحَقْوُ) بفتح الحاء وكسرها: الكشح، ومعقد الأزار، والخصر والجمع (أحْقٍ) و (أَحقَاء) و (حِقِى) و (حقا). انظر: "اللسان" (حقا) ص 948. (¬4) جمع (دلو)، انظر: "سر صناعة الإعراب" 2/ 616. (¬5) في جميع النسخ (أحر) بالحاء، والتصحيح من "سر صناعة الإعراب" 2/ 616، و (أَجْرٍ): جمع جرو وهو الصغير من كل شيء. انظر "اللسان" (جراً) 1/ 609. (¬6) أى كما صحت (الواو) قبل (الهاء) في (تَرْقُوة) و (عَرْقُوة) لأنها في تقدير الاتصال، وأجروها مجرى (الراء) و (الطاء) في (منصور) و (عضرفوط) فصحت الواو قبل الراء والطاء، فكما جاز أن تشبه (هاء التأنيث) في هذا باللام الأصلية، جاز أن تجرى الهاء المقدرة في أرض مجرى اللام الأصلية، فيعوض من حذفها في (أرض) أن يجمع بالواو والنون في (أرضون). "سر صناعة الإعراب" 2/ 616. (¬7) (الْعَضْرَفُوط) دويبة بيضاء ناعمة، أو ذكر العظاء. انظر "اللسان" (عضرط) 5/ 2986. (¬8) في (أ)، (ج): (التصحيح) وعبارة أبي الفتح: (... وقد أجروا (الهاء) في (ترقوة) ... مجرى (الراء) في (منصور) و (الطاء) في (عضرفوط) فصحت (الواو) قبلها كما صحت قبل الراء والطاء ...)، "سر صناعة الإعراب" 2/ 616. (¬9) في (ب): (لهم أنبسطت). (¬10) في (أ): (لم يكن) وفي (ب): (ولا يمكن).

عليها (¬1). وقوله تعالى: {وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً}. الأزهري: أصل الماء (مَاهَ) بوزن (قَاه) (¬2)، [فثقلت] (¬3) (الهاء) مع الساكن قبلها، فقلبوا الهاء مدة فقالوا: ماء (¬4). قال الليث: والمدة في (الماء) خَلَفٌ (¬5) من (هاء) محذوفة، ويدل على أن الأصل في الماء (الهاء): التصغير، والتصريف، والجمع، فالتصغير (مُوَيْه) (¬6) ويقال: هذه مُوَيْهَة عذبة (¬7). وقال (¬8) الأصمعي: مَاهَت البئر، وهي تَمَاه [وتَمُوه مَوْهاً إذا كثر ماؤها (¬9). ¬

_ (¬1) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 161 - 162، "تفسير ابن عطية" 1/ 198، "تفسير القرطبي" 1/ 197. (¬2) في (أ)، (ج) (فاة)، وفي "تهذيب اللغة" (تاه) 1/ 423، وفي "اللسان" (قاه) "اللسان" (موه) 7/ 4302. وهو موافق لما في (ب) وهو ما أثبته. (¬3) في (أ)، (ب)، (ج) (فنقلت) وصححت العبارة على ما في "تهذيب اللغة" (الماء) 15/ 648. (¬4) "تهذيب اللغة" (الماء) 4/ 3320، وانظر "الصحاح" (موه) 4/ 2250، "اللسان" (موه) 7/ 4302 (المنصف) 4/ 3320. (¬5) في (ب) (خلف خلف هاء). (¬6) انتهى كلام الليث نقله الواحدي بمعناه. انظر "تهذيب اللغة" 15/ 648، وانظر "الصحاح" 6/ 2250، "اللسان" 13/ 543. (¬7) من كلام الأزهري، انظر "تهذيب اللغة" 15/ 648. (¬8) في (ب): (قال) سقطت الواو. (¬9) في "تهذيب اللغة": (قال الأصمعي: ماهت البئر تَمُوه وتَمَاه موها إذا كثر ماؤها)، "تهذيب اللغة" (ماه) 4/ 3331، وانظر "الصحاح" (موه) 6/ 2250، "اللسان" (موه) 7/ 4302.

ابن بزرج (¬1): مَوَهَت السماء، أي: سالت (¬2) ماءً كثيرًا. ومَاهَت البئر] (¬3)، وأماهت في كثرة مائها، وهي تَمَاه وتَمُوه. ويقولون في حفر البئر: أَمْهَى وأَمَاه (¬4). قال الليث: وأَماهت الأرض إذا ظهر فيها النَّزُّ (¬5). والنسبة إلى الماء (ماهِيٌّ) (¬6)، وغيره (¬7) يقول: مَائِيٌّ (¬8). وجمع الماء: (مياه) و (أمواه) (¬9)، قال الشاعر: سَقَى اللهُ أَمْوَاهاً عَرَفْتُ مَكَانها ... جُرَاباً ومَلْكُوماً وبَذَّرَ والْغَمْرَا (¬10) ¬

_ (¬1) هو عبد الرحمن بن بزرج اللغوي، كان حافظا للغريب والنوادر، نقل عنه الأزهري في "تهذيب اللغة". انظر مقدمة "تهذيب اللغة"، "إنباه الرواة" 2/ 161. (¬2) في "التهذيب" و"اللسان": (أسالت). (¬3) ما بين المعقوفين ساقط من (أ، ج). (¬4) "تهذيب اللغة" (ماه) 4/ 3331، "اللسان" (موه) 7/ 4302. (¬5) "تهذيب اللغة" (ماه)،4/ 3331وانظر "الصحاح" (موه) 6/ 2250، "اللسان" (موه) 7/ 4302. (¬6) نسب الواحدي الكلام لليث، وهو في "التهذيب" إما من كلام ابن الأعرابي أو من كلام الأزهري. انظر: "تهذيب اللغة" (ماه) ص 333، "اللسان" (موه) 7/ 4302. (¬7) أي: عند غير الليث. (¬8) في (ب) (ما هي). قال الجوهري: والنسبة للماء: (مَائِيٌّ) وإن شئت (مَاوِيٌّ) عند قول من يقول (عَطَاوِيٌّ)، "الصحاح" 6/ 2251، "اللسان" 7/ 4302. (¬9) انظر. "تهذيب اللغة" (ماه) 4/ 3331، قال الجوهري: بجمع على (أمواه) في القلة، و (مياه) في الكثرة. "الصحاح" 6/ 2250، وذكره في "اللسان" وقال: وحكى ابن جني في جمعه (أمواء) 7/ 4302. (¬10) البيت لكثير عزة ورد في (ديوانه) مع أبيات مفردة ص 503، وأورده عبد السلام هارون في حاشية "الكتاب"، لأنه ورد في بعض نسخ "الكتاب"، ولم يرد في الأصل. انظر "الكتاب" 3/ 207، 208، "المنصف" 3/ 150، 3/ 121، "شرح =

فإن قيل: كيف قال: {وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ}، والماء ينزل من السحاب؟ قيل: هذا من باب حذف المضاف، والتقدير: من نحو السماء (¬1)، كقول الشاعر: أَمِنْكِ بَرْقٌ أَبِيتُ (¬2) اللَّيْلَ أَرْقُبُهُ ... كَأنَّه في عِرَاضِ الشَّأْمِ مِصْباحُ (¬3) أي: من نَاحِيَتِك، ومثله كثير. وإن جعلت السماء بمعنى (السحاب) (¬4) لم يكن من باب حذف المضاف. وقوله تعالى: {فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ}. الثمرات: جمع (الثمرة) وهي حمل الشجرة (¬5) في الأصل، ثم صارت اسمًا لكل (¬6) ما ينتفع به، مما هو زيادة على أصل المال (¬7). ¬

_ = المفصل" 1/ 61، "الخزانة" 2/ 355، "السيرة" لابن هشام 1/ 159. جراباً وما بعده: أسماء أماكن، ذكر ياقوت جرابا وقال: اسم ماء وقيل: بئر قديمة بمكة، وأورد بيت كثير. (معجم البلدان) 2/ 116، وذكر (مَلْكُوما) وقال: اسم ماء بمكة، وأورد البيت 5/ 194، وذكر (بَذَّرَ) وقال: اسم بئر بمكة لبني عبد الدار، وأورد البيت 1/ 361، و (الغمر) بئر قديمة بمكة. "معجم البلدان" 4/ 211. (¬1) ذكره في "الوسيط"، 1/ 55، وانظر: "تفسير أبي السعود" 1/ 61. (¬2) في (ب): (أربك). (¬3) البيت لأبي ذؤيب الهذلي، قوله: (أمنك برق) أي: من نحو منزلك، من الشق الذي أنت به، (عراض الشأم) نواحيها. انظر "شرح أشعار الهذليين" للسكري 1/ 167، "شرح الأبيات المشكلة الإعراب" الفارسي ص 364. (¬4) انظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 56 ب، "تفسير ابن عطية" 199، "تفسير البيضاوي" 1/ 14، والخازن 1/ 76، "تفسير أبي السعود" 1/ 61، "الفتوحات الإلهية" 1/ 26. (¬5) ذكره الأزهري عن الليث وغيره، "تهذيب اللغة" (ثمر) 1/ 497. (¬6) في (ج): (اسما لما ينتفع به). (¬7) ذكره الواحدي في "الوسيط"، وانظر "تفسير ابن عطية" 1/ 199.

يقال: لبن مُثْمِر (¬1) إذا ظهر زبده (¬2)، وقال النضر (¬3): هو [الثَّمِير] (¬4)، وذلك إذا [مُخِض] (¬5) اللبن فرئي عليه أمثال الحَصَف في الجلد ثم يجتمع فيصير زبداً. وقد ثَمَّر السقاء وأَثْمَر. وإن لبنك لحسن الثَّمَر (¬6). ويقال: ثمر الله مالك، وعقل مثمر، إذا كان يهدي صاحبه إلى الرشد (¬7). فالثمرة تستعمل فيما ينتفع به ويستمتع مما هو فرع لأصل (¬8). قال المفسرون في معنى الثمرات في هذه الآية: أراد جميع ما ينتفع به مما يخرج من الأرض (¬9). وقوله تعالى: {فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا}. روى شمر عن الأخفش قال: (الند) الضد والشبه. أي: لا تجعلوا (¬10) لله أضدادا وأشباها، وفلان نِدُّ فلان ونَدِيدُه ونَدِيدَتُه أي: مثله وشبهه (¬11). ¬

_ (¬1) في (ب): (مثمراً). (¬2) ذكر الأزهري نحوه عن الأصمعي "تهذيب اللغة" (ثمر) 1/ 497، وانظر: "اللسان" (ثمر) 1/ 503. (¬3) في (أ)، (ج). (النصر) والمراد النضر بن شميل. (¬4) في (أ)، (ج): (التميز)، وفي (ب): (التميير) والصحيح (الثمير) كما في "تهذيب اللغة" (ثمر) 1/ 497. (¬5) في (أ)، (ج): (محص) وفي (ب): (محض)، و (مخض) في " التهذيب". (¬6) انظر كلام النضر في "تهذيب اللغة" (ثمر) 1/ 497. وانظر: "الصحاح" (ثمر) 2/ 606، "اللسان" (ثمر) 4/ 108. (¬7) "تهذيب اللغة" (ثمر) 1/ 497. (¬8) قال ابن فارس: (الثاء والميم والراء أصل واحد)، وهو شيء يتولد عن شيء متجمعا، ثم يحمل عليه غيره استعارة، "مقاييس اللغة" (ثمر) 1/ 388. (¬9) انظر "الطبري" 1/ 162، "تفسير ابن عطية" 1/ 199، "تفسير القرطبي" 1/ 198. (¬10) في (ب): (جعلوا). (¬11) في (ب): (شبههه).

وأنشد للبيد (¬1): لِكَيْمَا (¬2) يكُون السَّنْدَرِيُّ نَدِيدَتِي ... فَأَشتمَ (¬3) أقَوْاماً عُمُوماً (¬4) عَمَاعِمَا (¬5) وقال أبو الهيثم: يقال للرجل إذا خالفك فأردت وجها تذهب فيه ونازعك في ضده، فأراد بخلاف الوجه الذي تريد، وهو مستقل من ذلك مثل ما [تستقل] (¬6) به: فلان نِدِّي ونَدِيدِي. قال حسان: أتَهْجُوهُ وَلَسْتَ لَهُ بِنِدٍّ ... فَشَرُّكُمَا لِخَيْركُمَا الفِدَاءُ (¬7) ¬

_ (¬1) في (ب): (وقال لبيد). (¬2) في (ب): (لكي لا يكون) وهي رواية في البيت. (¬3) في (ب): (فاستمر)، وفي "تهذيب اللغة" (واجعل) وفي حاشيته: في (د)، (ج) (أشتم) 4/ 3540. (¬4) في (ب): (عمواما). (¬5) البيت من قصيدة قالها لما دعاه عامر بن الطفيل لينافر علقمة بن علاثة، و (السندري): شاعر معروف وهو ابن عيساء، ينسب لأمه، (العموم): جمع العم، و (العماعم): الجماعات. انظر "شرح ديوان لبيد" ص 286 "تهذيب اللغة" (ند) 4/ 3540، "الصحاح" (ندد) 2/ 543، "الأضداد" لابن الأنباري ص 24، "الأضداد" أبي حاتم ص 74 "اللسان" (ندد) 3/ 420 "مقاييس اللغة" (ند) 5/ 355، "تفسير القرطبي" 1/ 199. وكلام الأخفش في "تهذيب اللغة" (ند) 4/ 3540 نقله الواحدي بتصرف، وانظر "اللسان" (ندد) 7/ 3482. (¬6) في جميع النسخ (يستقل) وفي "تهذيب اللغة" (تستقل) وهو الصواب، "تهذيب اللغة" 4/ 3540. (¬7) البيت من قصيدة يهجو بها سفيان بن الحارث قبل فتح مكة، انظر "ديوانه" ص 76، "تهذيب اللغة" (ند) 4/ 3540 "الأضداد" لابن الأنباري ص 24، "الأضداد" لأبي حاتم ص 74، "مجاز القرآن" ص 34، "تفسير الطبري" 1/ 1063 "تفسير القرطبي" 1/ 198، "اللسان" (ندد) 7/ 3482.

أي لست له بمثل في شيء من معانيه (¬1). فحقيقة (النِّد) المثل المناوئ، وأصله من قولهم: (ندّ) إذا نفر، ولهذا يقال للضد: ند، ثم استعمل في المثل وإن لم يكن هناك مخالفة (¬2). قال جرير: أتَيْماً يَجْعَلُونَ إليَّ نِدّاً ... وَمَا تَيْمٌ لِذِي حَسَبٍ نَدِيدُ (¬3) أي مثل. قال ابن عباس، والسدي فيما ذكره عن ابن مسعود: معناه لا تجعلوا لله أكفاء من الرجال [تطيعونهم] (¬4) في معصية الله (¬5). وقال ابن زيد: الأنداد الآلهة (¬6) التي جعلوها معه (¬7). وقال أبو إسحاق: هذا احتجاج عليهم لإقرارهم بأن الله خالقهم، فقيل ¬

_ (¬1) انتهى ما نقله عن أبي الهيثم. انظر: "تهذيب اللغة" (ندد) 4/ 3540، "اللسان" 7/ 3482. (¬2) انظر: "الأضداد" لابن الأنباري ص 24، "مجاز القرآن" ص 34، "الأضداد" للصاغاني ص 246، قال أبو حاتم: (زعم قوم أن بعض العرب يجعل (الضد) مثل (الند) ويقول: هو يضادني، ولا أعرف أنا ذلك ..) (الأضداد) لأبي حاتم السجستاني ص 75. (¬3) قاله يهجو تيما. انظر: "ديوان جرير" ص 129، "الأضداد" لابن الأنباري ص 24، "الأضداد" لأبي حاتم ص 73، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 66، "ومجالس العلماء" للزجاجي ص 114، "تفسير الثعلبي" 1/ 56 ب (¬4) في (أ)، (ج): (يطيعونهم)، وفي (ب): (تضيعونهم). (¬5) أخرجه "الطبري" بسنده عن ابن عباس وعن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - "تفسير الطبري" 1/ 163، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 65 ب، وانظر: "الدر المنثور" 1/ 76. (¬6) في (ب): (الآله). (¬7) أخرجه "الطبري" في "تفسيره" 1/ 163، "زاد المسير" 1/ 49، والمراد عموم الأنداد والشركاء مع الله من الرجال أو الحجارة أو غير ذلك.

23

لهم: لا تجعلوا لله (¬1) أمثالًا وأنتم تعلمون [أنهم لا يخلقون والله الخالق (¬2). قال ابن (¬3) الأنباري: قوله: {وَأَنتُم تَعلَمُونَ}، (¬4) لا تتنافى مع قوله: {قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ} [الزمر: 64] لأن هذا العلم الذي وصفهم به في هذه الآية لا يزيل عنهم الجهل؛ لأنه أراد: وأنتم تعلمون أن الأنداد التي تعبدونها لم ترفع لكم السماء ولم تمهد تحتكم (¬5) الأرض، ولم ترزقكم رزقا. فعبدة الأصنام وغيرهم يتساوى علمهم في هذا المعنى، وإنما وصفهم الله جل ذكره بهذا العلم لتتأكد الحجة عليهم إذا اشتغلوا (¬6) بشىء (¬7) يعلمون (¬8) أن الحق فى سواه (¬9). 23 - وقوله (¬10) تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ} الآية. قال النحويون: (إن) دخلت هاهنا لغير شك، لأن الله تعالى علم أَنهم مرتابون، ولكن هذا عادة العرب في خطابهم، كقولك: (إن كنت إنساناً فافعل كذا)، وأنت تعلم أنه إنسان، و (إن كنت ابني فاعطف علي) فالله تعالى خاطبهم على عادة ¬

_ (¬1) (لله) لفظ الجلالة غير موجود في (ب). (¬2) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 65. (¬3) (ابن) ساقط من (ج). (¬4) ما بين المعقوفين ساقط من (ب). (¬5) في (ج): (لكم). (¬6) في (ب): (اشغلوا). (¬7) في (ج): (في شيء). (¬8) في (ب): (يعلموا). (¬9) نحو هذا المعنى ذكر "الطبري" عن ابن عباس وقتادة، ورجحه. انظر: "تفسير الطبري" 1/ 163. وانظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 199، "زاد المسير" 1/ 49. (¬10) في (ج): (قوله) بسقوط الواو.

خطابهم فيما بينهم (¬1). وقيل: هو بمعنى (إذ) (¬2) قال أبو زيد: وتجيء (¬3) (إن) بمعنى (إذ) نحو قوله: {وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [البقرة:278]، وقوله {وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 139] ونحوهما (¬4). قال الأعشى: وسمعتَ حَلْفتَها التي حلفتْ ... إن كان سمعُك غيرَ ذي وَقْرِ (¬5) وقوله تعالى: {فَأْتُوا بِسُورَةٍ}. زعم أبو عبيدة أن (السورة) (¬6) مشتقة ¬

_ (¬1) ذكر ابن الجوزي نحوه، فربما نقله عن الواحدي، وربما نقله عن ابن الأنباري وهو الأقرب، حيث إنه كثيراً ما ينقل عنه، فيكون من كلام ابن الأنباري، انظر: "زاد المسير" 1/ 49. (¬2) ذكره الثعلبي مع الأدلة من الآيات وبيت الأعشى. "تفسير الثعلبي" 1/ 57 أ، وانظر: "تهذيب اللغة" (إن) 1/ 224. (¬3) في (أ)، (ج) (يجيء)، وأثبت ما في (ب) لأنه أنسب للسياق وموافق لما في "تهذيب اللغة". (¬4) قول أبي زيد في "تهذيب اللغة"، (إن) 1/ 224، وانظر: "زاد المسير" 1/ 49، "الدر المصون" 1/ 197. والقول: إنَّ (إنْ) تأتي بمعنى (إذ) قول الكوفيين، أما البصريون فمنعوا مجيئها بمعنى (إذ).انظر: "الإنصاف" ص50. (¬5) البيت عند الثعلبي 1/ 57 أ، "الوسيط" للواحدي 1/ 57 منسوب للأعشى، ولم أجده في (ديوانه)، وهو في "الإنصاف" ص 502. غير منسوب، وذكره عبد السلام هارون في "معجم الشواهد العربية" ص 187، ولم ينسبه. (الحلفة): واحدة الحلف وهو القسم. (الوقر): ثقل السمع. والشاهد فيه عند الواحدي، وعند الكوفيين ورود (إنْ) بمعنى (إذ). (¬6) في (ج): (للسورة).

من سورة البناء، وأن السورة عرق من عروق (¬1) الحائط، ويجمع سُوَراً وكذلك (الصورة) (¬2) تجمع (صوراً). واحتج بقوله: سِرْتُ إِلَيْهِ في أَعَالي السُّور (¬3) وأقرأني العروضي، قال: أقرأني الأزهري، قال (¬4): أخبرني المنذري، عن أبي الهيثم أنه رد على أبي عبيدة قوله، وقال: إنما يجمع (¬5) (فُعْلَة) على (فُعْل)، بسكون العين، إذا سبق الجمعَ الواحدُ، مثل: صوفة وصوف، وسورة البناء وسورٌ (¬6)، والسور جمع سبق وحدانه (¬7)، قال الله تعالى: {فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ} [الحديد:13]. والسُّور عند العرب حائط المدينة، وهو أشرف الحيطان، وشبه الله ¬

_ (¬1) في "تهذيب اللغة" (أعراق) 2/ 1593. وكذا "اللسان" 4/ 2147. (¬2) في (ج): (وكذلك قوله الصورة). (¬3) الرجز للعجاج، ورد في "المجاز" لأبي عبيدة 1/ 5، وقبله: فرب ذي سرادق محور "ديوان العجاج": ص 224. رقم القصيدة (19)، وفي "الكتاب" 4/ 51، "غريب القرآن" لابن قتيبة 1/ 26، "تفسير الطبري" 1/ 46، "تهذيب اللغة" (سار) 2/ 1592، "اللسان" (سور) 4/ 2147، "الزاهر" 1/ 526. والسرادق: ما أحاط بالشيء من بناء أو خباء أو غيره، وسرت: من سار الحائط يسوره وتسوره، أي: تسلق. وكلام أبي عبيدة بنصه في "التهذيب" "سار" 2/ 1593. وانظر "مجاز القرآن" 1/ 3، 4، 43، "اللسان" (سور) 4/ 2147. (الزاهر) 1/ 170. "تفسير ابن عطية" 1/ 70. (¬4) في "تهذيب اللغة": وأخبرني المنذري عن أبي الهيثم: أنه رد على أبي عبيدة قوله ... الخ كلام أبي الهيثم. "التهذيب" (سار) 2/ 1593. وفي "اللسان" (سور) 4/ 2147. (¬5) في "التهذيب": (تجمع) وكذا في "اللسان". (¬6) في "اللسان" (وسُوْرُهُ). (¬7) في (التهذيب) (فالسورة جمع سبق وُحْدَانَه في هذا الموضع جمعه) 2/ 1593.

تعالى الحائط الذي حجز بين أهل النار وأهل الجنة بأشرف حائط عرفناه في الدنيا، وهو اسم واحد لشيء (¬1) واحد، إلا أنا إذا أردنا أن نعرف (¬2) العِرْقَ (¬3) منه قلنا: سورة، كما تقول: التمر، وهو اسم جامع للجنس، فإذا أردنا أن نعرف الواحدة من التمر قلنا: تمرة، وكل منزلة رفيعة فهي سورة، مأخوذة من سورة البناء ومنه قول النابغة: ألم تر أنَّ الله أعطاك سورةً ... ترى كل مَلْكٍ دونها يتذبذبُ (¬4) وجمعها (سُوْرٌ) (¬5) أي: رِفَعٌ. أما سورة القرآن، فإن الله تعالى جمعها على: (سُوَر) مثل: غُرْفَة وغُرَفُ، ورُتْبَة ورُتَب، وزُلفَة وزُلَف، فدل على أنه لم يجمعها كما قال (¬6)، ولم يجعلها من سُورِ (¬7) البناء، لأنها لو كانت منه لقال: (بعشرِ سُوْر) ولم ¬

_ (¬1) في (ب): (كشيء). (¬2) في (أ)، (ج): (يعرف) واخترت ما في (ب)، لأنه أصح، وموافق لما في "تهذيب اللغة" 2/ 1593. (¬3) كذا في جميع النسخ، "اللسان" 4/ 2148. وفي "تهذيب اللغة" (الفرق) 2/ 1593. (¬4) البيت للنابغة الذبياني من قصيدة يمدح النعمان، ويعتذر إليه. وقوله (السورة): المنزلة الرفيعة، (والملك بتذبذب): يتعلق ويضطرب، يريد أن منازل الملوك دون منزلته. انظر: "مجاز القرآن" 1/ 4. "غريب القرآن" لابن قتيبة 1/ 26. "تفسير الطبري" 1/ 46. "المصون في الأدب" للعسكري: ص 150، 151. "التهذيب" (سار) 2/ 1593. "اللسان" (سور) 4/ 2148. "تفسير ابن عطية" 1/ 201. "ديوان النابغة": ص 28. "الزاهر" 1/ 171. (¬5) في (أ): (سِوَر) وفي (ب): (سواري رفع). (¬6) قوله: (فدل على أنه لم يجمعها كما قال) ليس في "تهذيب اللغة" ولا "اللسان"، والمعنى لم يجمعها (سُوْرٌ) بالسكون كما قال أبو عبيدة. (¬7) في (ب): (سورة).

يقل: {سُوَرٍ} [هود: 13] (¬1) والقراء مجمعون على {سُوَرٍ}. وكذلك أجمعوا على قراءة (سُورٍ) (¬2) في قوله {فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ} [الحديد: 13]. فدل هذا على تمييز (سُورَةٍ) من سُوَرِ (¬3) القرآن عن (سُوْرَة) من سُوْرِ البناء. وكأن أبا عبيدة أراد أن [يؤيد] (¬4) قوله في (الصور) أنه جمع (صورة) (¬5)، وكان ينكر أن (الصور) قرن خلقه الله للنفخ فيه، ونذكر (¬6) قوله ذلك والرد عليه إذا أتينا على ذكر (الصور) إن شاء الله. قال أبو الهيثم: والسورة (¬7) من سور [القرآن] (¬8) عندنا: قطعة من القرآن، سبق وُحْدانُها جَمْعَها، كما أن الغرفة (¬9) سابقة للغرف. وأنزل الله القرآن على نبيه صلى الله عليه وسلم شيئاً بعد شيء، وجعله مفصلاً، وبيّن كل سورة بخاتمتها وبادئتها، وميزها من التي تليها (¬10). ¬

_ (¬1) في (أ)، (ج): (بسُوَر) وأثبت ما في (ب)، وفي "تهذيب اللغة" (بعشر سُوَرٍ) "تهذيب اللغة" 2/ 1593. (¬2) في (ب): (بسوره). (¬3) في (ب): (سوره). (¬4) في جميع النسخ (يريد) والتصحيح من "تهذيب اللغة" 2/ 1593. "اللسان" 4/ 2148. (¬5) في "تهذيب اللغة" (فأخطأ في الصور والسور، وحرَّف (كلام العرب) عن صيغته ... إلخ). انظر "تهذيب اللغة" (سار) 2/ 1593. "اللسان" (سور) 4/ 2184. (¬6) في (ب) (ويذكر). (¬7) في (ب) (السور). (¬8) (القرآن) غير موجود في جميع النسخ، والتصحيح من "تهذيب اللغة" 2/ 1593، "اللسان" 4/ 2148. (¬9) في (ب) (المعرفة). (¬10) انتهى كلام أبي الهيثم، "تهذيب اللغة" (سار) 2/ 1594، "اللسان" (سور) 4/ 2148.

قال الأزهري: وكأن أبا الهيثم جعل السورة من سور القرآن من سؤرة الشراب، وهي بقيته، إلا أنها لما كثرت في الكلام ترك فيها الهمز (¬1). قال (¬2): وأخبرني المنذري، عن أبي العباس، عن ابن الأعرابي قال: (السورة) الرفعة وبها سميت السورة من القرآن، أي رفعة وخير (¬3)، فأرى ابن الأعرابي وافق قوله قول أبي عبيدة (¬4). قال: (¬5) والبصريون يجمعون (الصورة) و (السورة) وما أشبههما (¬6) على (صُوَر وصُوْر)، و (سُوَر وسُوْر) ولا يميزون بين ما سبق جمعه وحدانه وبين ما سبق وحدانه جمعه، والذي حكاه أبو الهيثم هو قول (¬7) الفراء. ¬

_ (¬1) في "التهذيب": (.. جعل السورة من سور القرآن من أسأرت سؤرا، أي: أفضلت فضلا، إلا أنها لما كثرت في الكلام وفي كتاب الله ترك فيها الهمز أي السورة كما ترك في (الملك) وأصله (ملْأَك) وفي (النبي) وأصله الهمز، وكان أبو الهيثم طَوَّل الكلام فيهما رداً على أبي عبيدة، فاختصرت منه مجامع مقاصده، وربما غيرت بعض ألفاظه، والمعنى معناه). "تهذيب اللغة" (سار) 2/ 1594. "اللسان" 4/ 2148. وانظر: "الزاهر" 1/ 171. (¬2) أي: الأزهري. (¬3) ونحوه عند "الطبري" فإنه قال: (والسورة بغير همز: المنزلة من منازل الارتفاع). انظر: "تفسيره" 1/ 46. وقد ذكر هذين المعنيين للسورة ابن قتيبة في "غريب القرآن": 1/ 26. وانظر: "الزاهر" 1/ 171. "البرهان في علوم القرآن" 1/ 263، 264. "الإتقان" 1/ 186. "تفسير ابن كثير" 1/ 64. (¬4) "تهذيب اللغة" 2/ 1594. "اللسان" 4/ 2148. (¬5) أي الأزهري. انظر: "تهذيب اللغة" 2/ 1594، وربما أوهم صنيع الواحدي أن الكلام لابن الأعرابي. (¬6) في (أ) و (ج): (وما أشبهها). (¬7) في "التهذيب": (والذي حكاه أبو الهيثم هو قول الكوفيين، وهو يقول به إن شاء الله) "تهذيب اللغة" 2/ 1594. "اللسان"4/ 2148.

وخص هذا القدر من القرآن بتسمية (سورة)، لأنه أقل قطعة وقع به التحدي [على قول أبي الهيثم، وعلى قول أبي عبيدة، لأنه أقل ما وقع به التحدي] (¬1)، فهي شرف للنبي صلى الله عليه وسلم من حيث إنها معجزة له. وقيل: سميت سورة، لأن من حفظها وعلمها حصل له شرف (¬2). وقيل: لأن كل سورة بمنزلة درجة رفيعة ومنزل عال، يرتفع القارئ منها إلى منزلة أخرى إلى أن يستكمل القرآن (¬3). فإن قيل: فما (¬4) الفائدة في تفصيل القرآن على السور؟ قيل: فيه فوائد كثيرة، منها: أن القارئ إذا خرج من سورة إلى سورة كان أنشط لقراءته وأحلى في نفسه. ومنها: أن تخصيص كل سورة بقدر مخصوص كاختصاص القصائد. ومنها: أن الإنسان قد يضعف أو يكسل عن حفظ الجميع فيحفظ سورة تامة فربما كان ذلك سبباً يدعوه إلى حفظ غيرها (¬5). قال المفسرون: ومعنى الآية: أن الله تعالى لما احتج عليهم [في إثبات توحيده احتج عليهم] (¬6) -أيضا- في إثبات نبوة محمد صلى الله عليه ¬

_ (¬1) مابين المعقوفين ساقط من (ب). (¬2) انظر: "الزاهر" 1/ 171. "الدر المصون" 1/ 201. (¬3) وهذا القول كأنه يرجع إلى قول أبي عبيدة وابن الأعرابي، وفي معنى السورة أقوال أخرى. انظر: "الزاهر" 1/ 171، "جمهرة اللغة" 2/ 722، "تفسير الطبري" 1/ 46، وابن عطية 1/ 70، "تفسير ابن كثير" 1/ 64، "البرهان" 1/ 263، 264، "الكشاف" 1/ 239. (¬4) في (ب): (ما). (¬5) وذكر بعض العلماء حكماً أخرى لتفصيل القرآن إلى سور، وكلها حكم وفوائد مستنبطة، والله أعلم بحكمة ذلك. انظر: "الكشاف" 1/ 240 - 241، "البرهان" 1/ 264 - 265. (¬6) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).

وسلم بما قطع عذرهم، فقال: وإن كنتم في شك من صدق هذا الكتاب الذي أنزلناه على محمد عليه الصلاة (¬1) والسلام، وقلتم: لا ندري هل هو من عند الله أم لا، {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ}، أي من مثل القرآن (¬2). والكناية (¬3) في (مثله) تعود إلى (ما) قوله: {مِمَّا نَزَّلْنَا} (¬4). ودليل هذا التأويل قوله: {فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ} [الطور: 34]. وقوله تعالى: {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ} (¬5)، وقوله: {لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ} [الإسراء: 88] كل ذلك يريد به مثل القرآن، ومعناه: فأتوا بسورة مثل ما أتى به محمد في الإعجاز وحسن النظم والإخبار عما كان وما يكون، على جهة الابتداء دون الاحتذاء، وتعلم الكتب ودراسة الأخبار. و (من) يكون للتبعيض (¬6) على هذا القول، لأن التحدي في هذه الآية وقع ببعض القرآن، وهو السورة. ويحتمل أن تكون للتجنيس (¬7)، أي: من ¬

_ (¬1) (الصلاة) ساقطة من (ب). (¬2) ذكر نحوه "الطبري" عن قتادة ومجاهد، وذكر قولاً آخر، وهو: (من مثله) من مثل محمد من البشر، لأن محمداً بشراً مثلكم، ورجح القول الأول "الطبري" 1/ 165. وانظر "معاني القرآن" للزجاج 1/ 66، والثعلبي 1/ 57 أ، وذكر أبو الليث أن الخطاب في قوله: {وَإِنْ كُنْتُمْ} لليهود، و (من مثله): من التوراة. (تفسير أبي الليث) 1/ 102، انظر: "القرطبي" 1/ 200. (¬3) في (ب): (فالكناية). (¬4) وعلى القول الثاني: تعود على (عبدنا) ذكره ابن الأنباري في (البيان في غريب إعراب القرآن) 1/ 64. وقال "القرطبي": (وقيل: يعود على التوراة والإنجيل). انظر "القرطبي" 1/ 200. (¬5) في (أ) و (ج): {مِنْ مِثْلِهِ} تصحيف في الآية. والآية: 38، من سورة يونس. (¬6) انظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 202. (¬7) انظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 202، "زاد المسير" 1/ 50، "الدر المصون" 1/ 200.

جنس هذا الكتاب كقوله: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ}. [الحج:30] وقيل: (من) هنا صلة (¬1)، معناه (¬2): فأتوا بسورة مثل القرآن، كقوله: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ} [النور: 30] أي: أبصارهم، وقال النابغة: وَمَا أُحَاشِي مِنَ الأقْوَامِ مِنْ أَحَدٍ (¬3) أي: أحداً. قال النحويون: (مِنْ)، يكون على أربعة أوجه: أحدها: ابتداء الغاية، وهو أصلها (¬4)، كقولك: سرت (¬5) من الكوفة إلى البصرة. والثاني: التبعيض، كقولك: خذ من الثياب ثوباً. ¬

_ (¬1) في (ج): (من ههنا زائدة صلة). القول إنها صلة ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 57 أ، وبعضهم يسميها (زائدة) قاله ابن الأنباري ونسبه للأخفش، انظر "البيان" 1/ 64، "تفسير ابن عطية" 1/ 202، "إملاء ما من به الرحمن" 1/ 24. وفيه وجه آخر: أن تكون لابتداء الغاية، إذا كان الضمير يعود على النبي صلى الله عليه وسلم، انظر "إملاء ما من به الرحمن" 1/ 24، "الدر المصون" 1/ 200. (¬2) في (ب): (معناها). (¬3) البيت للنابغة من المعلقة التي يمدح بها النعمان، ويعتذر إليه، وصدره: ولا أَرى فَاعِلاً في النَّاس يُشْبِهُهُ يقول: لا أرى فاعلاً يفعل الخير يشبهه، والضمير للنعمان، وما أحاشي من أحد أي: لا أستثني أحداً. و (من) زائدة، وهذا وجه الاستشهاد عند الواحدي. وقد ورد في بعض المصادر (ولا أحاشي) ورد البيت في "الديوان": ص 12، و"جمل الزجاجي": ص 233، "الإنصاف" 1/ 241، "مغني اللبيب" 1/ 121، "شرح المفصل" 2/ 85، 8/ 48 - 49، "الخزانة" 3/ 403، "همع الهوامع" 3/ 288، شاهد رقم (918). (¬4) قال ابن هشام: (هو أصلها، حتى ادعى جماعة أن سائر معانيها راجعة إليه)، "مغني اللبيب" 1/ 318. (¬5) في (ب): (سرق).

والثالث: التجنيس، كقوله: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ} [الحج: 30]. والرابع: الزيادة، كقولك: ما أتاني من أحد (¬1) وهاهنا فصل يحاج إليه في كثير من المواضع، وذكرته هاهنا (¬2)، وهو (أن الحروف عند النحويين لا يليق بها الزيادة ولا الحذف، وأن أعدل أحوالها (¬3) أن تستعمل غير مزيدة ولا محذوفة، فأما (¬4) امتناع حذفها، فمن قبل أن الغرض في هذه الحروف إنما هو الاختصار، ألا ترى أنك إذا قلت: (ما قام زيد) فقد نابت (ما) عن (أنفي)، وإذا قلت: (هل قام زيد)؟ نابت (هل) عن (أستفهم) (¬5)، فوقوع الحرف مقام الفعل وفاعله غاية الاختصار، فلو ذهب (¬6) بحذف الحرف تخفيفا، لأفرطت في الإيجاز، لأن اختصار المختصر إجحاف (¬7) به. وأما وجه ضعف زيادتها، فلأن الغرض (¬8) ¬

_ (¬1) سبق أن ذكر الواحدي لـ (من) خمسة معان نقلها عن "تهذيب اللغة"، وانظر "التهذيب" (من) 4/ 3453، وقد ذكر الهروي المعاني الأربعة التي ذكرها الواحدي. انظر "الأزهية في علم الحروف": ص 224 - 225، وذكر بعض هذِه المعاني ابن الأنباري في (الأضداد): ص 152، أما ابن هشام في "مغني اللبيب" فذكر لـ (من) خمسة عشر وجها 1/ 318. (¬2) هذا الفصل منقول بنصه من "سر صناعة الإعراب" لابن جني. قال: (اعلم أن الحروف لا يليق بها الزيادة ولا الحذف .. إلخ) 1/ 269. (¬3) في (ب): (أحولها). (¬4) عند أبي الفتح بن جني (فأما وجه القياس في امتناع حذفها ...) 1/ 269. (¬5) في (ج): (استفهام). (¬6) عند أبي الفتح بن جني (فلو ذهبت تحذف ..) 1/ 269. وهو الأنسب للسياق. (¬7) في (ج): (حجازيه). (¬8) عند أبي الفتح (فمن قبل أن الغرض في الحروف الاختصار ...) "سر صناعة الإعراب" 1/ 269.

في الحروف الاختصار كما ذكرنا (¬1)، فلو ذهبت تزيدها لنقضت الغرض الذي قصدته، لأنك كنت تصير من الزيادة إلى ضد ما قصدته من الاختصار (¬2)، ولولا (¬3) أن في الحرف إذا زيد ضرباً من التوكيد لما جازت زيادته البتة، كما أنه لولا قوة العلم بمكانه لما جاز حذفه البتة (¬4)، وإذا كان الأمر كذلك فقد علمنا من هذا أنا (¬5) متى رأيناهم قد (¬6) زادوا فقد أرادوا غاية التوكيد (¬7)، كما أنا إذا رأيناهم قد حذفوا حرفاً فقد أرادوا غاية الاختصار، ولولا ذلك الذي أجمعوا عليه واعتزموه (¬8)، لما استجازوا زيادة ما الغرض فيه الإيجاز، وحذف (¬9) ما وضعه على نهاية الاختصار) (¬10). ¬

_ (¬1) قال أبو الفتح (كما قد منا) "سر صناعة الإعراب" 1/ 269. (¬2) قال أبو الفتح بعده: (فاعرف هذا، فأن أبا علي حكاه عن الشيخ أبي بكر -يريد ابن سراج - رحمهما الله-، وهو نهاية في معناه، ولولا أن الحرف إذا زيد ... إلخ) "سر صناعة الإعراب" 1/ 270. (¬3) في (ب): (ولو). (¬4) عند أبي الفتح: (لما جاز حذفه البتة، فإنما جاز فيه الحذف والزيادة من حيث أريتك، على ما به من ضعف القياس، وإذا كان الأمر كذلك ..) "سر صناعة الإعراب" 1/ 270. (¬5) عند أبي الفتح (أننا)، 1/ 270. (¬6) في (ب): (فقد). (¬7) في (ب): (للتوكيد). (¬8) في (ب): (واعترفوه). (¬9) عند أبي الفتح (ولا حذف) وفي الحاشية (لا) سقطت من (ب، ل، ش) "سر صناعة الإعراب" 1/ 270. لعل الواحدي اعتمد على إحدى هذِه النسخ. (¬10) انتهى ما نقله من "سر صناعة الإعراب" 1/ 269 - 270.

فإن قيل على هذا، فهل للقرآن مثل حتى يقال: ائت بمثله؟. قيل: أما في مقدور الله فنعم، وأما في مقدور البشر فلا، ولذلك (¬1) صح أنه معجز والذي وقع به التحدي هو هذا النظم المخصوص والقراءة المعهودة، وهي مخلوقة (¬2)، وما كان منظوماً مؤلفاً، فمن الواجب أن يكون له في قدرة الله ¬

_ (¬1) في (ب): (وكذلك). (¬2) هذا الكلام فيه إيهام وإشكال، حيث إن قوله: (والقراءة المعهودة، وهي مخلوقة) في احتمالان: أحدهما: أن يكون قوله: (والقراءة المعهودة مخلوقة) مستأنف -وهي كالجملة المعترضة- وعلى هذا الاحتمال: إن قصد بالقراءة. المقروء فهو باطل، لأن معناه القول بخلق القرآن، وإن قصد بالقراءة صوت القارئ فقوله: (وهي مخلوقة) صحيح، لكن إطلاق هذِه العبارة بدعة لم يستعملها السلف. وكان يمكن حمل كلام الواحدي على هذا، لولا قوله فيما بعد: (وما كان منظوما مؤلفا فمن الواجب أن يكون له في قدرة الله أمثال (فكأنه أراد الخلق، بينما الكلام صفة لله تعالى، والله يتكلم إذا شاء متى شاء. ثانيهما: أن يكون قوله: (والقراءة المعهودة) معطوف على قوله: (النظم المخصوص) فيكون قوله: (وهي مخلوقة) راجع إلى النظم والقراءة، وهذا على رأي الأشاعرة الذين يقولون بقدم الكلام النفسي، أما القرآن المتلو فهو عندهم حادث مخلوق، ولذلك صرح الإيجي في (المواقف) بأنهم يوافقون المعتزلة في أنه مخلوق قال: (قالت المعتزلة: أصوات وحروف يخلقها الله في غيره كاللوح المحفوظ، أو جبريل أو النبي، وهو حادث ..) ثم قال: (ونحن لا ننكره) وقال: (فاعلم أن ما يقوله المعتزلة وهو خلق الأصوات والحروف وكونها حادثة قائمة فنحن نقول به، ولا نزل بيننا وبينهم في ذلك ...) "المواقف": ص 293 - 294. وجمهور المفسرين وفي مقدمتهم ابن جرير على أن المراد: من مثله في (البيان)، لأنه نزل بلسان عربي مبين، فكلام العرب له مثل في معنى العربية، وأما المعنى الذي باين به القرآن سائر كلام المخلوقين فلا مثل له من ذلك الوجه، ولا =

أمثال، ولو لم يكن له مثل مقدور، لم يصح التحدي به، ألا ترى أن [التحدي لأن يأتوا بمثل القديم محال. لأنه لا مثل له. ويجوز أن] (¬1) يكون (¬2) الكناية في مثله يعود إلى قوله: {عَلَى عَبْدِنَا} وهو النبي صلى الله عليه وسلم ومعناه: فأتوا بسورة من رجل أميّ، لا يحسن الخط والكتابة ولم يدرس الكتب (¬3). وقوله تعالى: {وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ}. (الشهداء): جمع شهيد والشهيد يجوز أن يكون بمعنى: مشاهد كالجليس والشريب (¬4) والأكيل والشريك، ويجوز أن يكون بمعنى: شاهد كالعليم (¬5) والعالم، والقدير القادر، ويجوز أن يكون بمعنى: مشهود فعيل بمعنى مفعول، والشهود: الحضور، ومنه قوله تعالى {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ} [البقرة: 185] أي حضر، والمشاهد للشيء: الحاضر عنده، وسمي الشاهد شاهداً: لأنه يخبر عما شاهد (¬6) ¬

_ = نظير ولا شبيه. انظر: "تفسير الطبري" 1/ 165، "تفسير ابن عطية" 1/ 201 - 202، والنسفي في "تفسيره" 1/ 28، والبيضاوي في "تفسيره" 1/ 15، والخازن "تفسيره"1/ 89 ضمن مجموعة من التفاسير. (¬1) مابين المعقوفين ساقط من (ب). (¬2) في (ب): (تكون). (¬3) سبق ذكر هذا القول انظر الهامش: 2/ 241. والقول الأول هو قول جمهور المفسرين. انظر "الطبري" 1/ 165. وابن كثير في "تفسيره" 1/ 63. (¬4) في (أ) و (ج): (السريب)، وفي "الوسيط" للواحدي (الشريب) 1/ 59. (¬5) في (ب): (كالعلم). (¬6) انظر. "تفسير الطبري" 1/ 167. "تهذيب اللغة" (شهد) 2/ 1942. "معجم مقاييس اللغة" (شهد) 3/ 221. "اشتقاق أسماء الله" للزجاجي: ص 132. "مفردات الراغب" ص 268. "اللسان" (شهد) 4/ 2348.

وسيأتي بيان معنى: الشهيد الذي قتل في سبيل الله، والشهادة على الشيء فيما بعد (¬1). فأما التفسير، فقال ابن عباس: (شهداءكم) يعني: أعوانكم وأنصاركم الذين يظاهرونكم على تكذيبكم (¬2). فعل هذا القول (الشهيد) بمعنى: المشاهد (¬3)، وسمى أعوانهم شهداء، لأنهم يشاهدونهم عند المعاونة (¬4)، وهذا القول اختيار أبي إسحاق (¬5)، لأنه قال في تفسيره: ادعوا من رجوتم معونته (¬6). و (الدعاء) على هذا القول بمعنى: الاستعانة، والعرب كثيراً ما تستعمل (الدعاء) في معنى الاستعانة، وذلك أن الإنسان إذا إستعان بغيره دعاه (¬7)، فلما كان في الاستعانة يحتاج إلى الدعاء، سمى الاستعانة دعاء (¬8). من ذلك قول الشاعر: ¬

_ (¬1) ذكر معنى الشهيد عند تفسير قوله تعالى: {وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} [آل عمران: 140]، "البسيط" 1/ ل 209 من "النسخة الأزهرية". (¬2) أخرجه ابن جرير بسنده عن ابن عباس في "تفسيره" 1/ 166. وابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 64. وذكره السيوطي في "الدر" 1/ 77. وانظر "زاد المسير" 1/ 51. "تفسير ابن عطية" 1/ 202 - 203. (¬3) في (ب): (الشاهد). (¬4) انظر "الطبري" في "تفسيره" 1/ 166، "تفسير ابن عطية" 1/ 203، (غريب القرآن) لابن قتيبة: 1/ 26، "زاد المسير" 1/ 51. (¬5) أي: الزجاج. (¬6) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 66. (¬7) في (ب): (وعاه). (¬8) انظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 57 أ، وأبي الليث في "تفسيره" 1/ 102. "القرطبي" في "تفسيره" 1/ 200. "زاد المسير" 1/ 50.

دَعَوْتُ بني قَيْس إليَّ فَشَمَّرَتْ ... خَنَاذِيذُ مِنْ سَعْدٍ طِوَالُ السَّواعِدِ (¬1) أي استعنت بهم. ألا تراه يقول: فَشَمَّرَتْ. وقالت امرأة من طيء: دَعَا دَعْوَةً يَوْمَ الشَّرى يَالَ مَالِكٍ ... ومَنْ لا يُجِبْ عِنْدَ الحَفِيظَة يُكْلَمِ (¬2) أي استعان بهم فلم ينصروه. وقال الفراء: يريد (آلهتهم)، يقول: استغيثوا بهم، وهو كقولك للرجل: إذا لقيت العدو خاليا فادع المسلمين، معناه استغث (¬3) بالمسلمين (¬4). ¬

_ (¬1) ورد البيت في "ديوان الحماسة" بشرح المرزوقي، وعزاه لبعض بنى فقعس 2/ 498، وورد في "البيان والتبيين"، وقال: قال القيسي، 2/ 11، وفي "الحيوان" وقال: قول بعض القيسيين من قيس بن ثعلبة 1/ 134، ومعنى البيت: يقول استغثت بهؤلاء القوم، فهب رجال لنصرتي كأنهم فحول، و (الخناذيذ): الكرام من الخيل، استعارها للكرام من الرجال. (¬2) ورد البيت في "ديوان الحماسة" بشرح المرزوقي 1/ 211، "معجم ما استعجم من البلدان" 3/ 785، "معجم البلدان" 3/ 330، وكلهم نسبوه لامرأة من طيئ. قيل: هي بنت بهدل بن قرفة الطائي، أحد لصوص العرب في زمن عبد الملك بن مروان. و (الشرى): مكان وقعت فيه الوقعة المذكورة، و (الحفيظة) الخصلة التي يحفظ الإنسان عندها أي يغضب. و (يكلم): يقتل أو يغلب. (¬3) في (أ) و (ج): (استغيث) وأثبت ما في (ب) لأنه أصوب، ومثله ورد في "معاني القرآن" للفراء. (¬4) في (ب): (بالمسلمين فمعناه). وبهذا انتهى كلام الفراء. انظر: "معاني القرآن" 1/ 19.

فالدعاء هاهنا بمعنى الاستغاثة (¬1) والاستعانة قريب من السواء، وعلى هذا (شهيد) بمعنى مشهود، وآلهتهم كانت مشهودة لهم، لأنهم كانوا يشهدونها ويحضرونها. وروى عن مجاهد والقرظي (¬2) في قوله: {وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ} أي: ناسا يشهدون لكم على صدق (¬3) ما قلتم وما تأتون به من معارضة للقرآن (¬4). فإن قيل: كان يمكنهم أن يعارضوه بما هو دونه في الفصاحة ثم يأتوا بقوم يشهدون لهم بالباطل أنه مثل القرآن. قيل: إن الله سبحانه أعجز الخلق عن الإتيان بمثل القرآن، وصرفهم أيضًا عن (¬5) الشهادة على ما هو باطل وفاسد بأنه مثل القرآن، ألا ترى أنه لم يوجد منهم هذا (¬6)، ¬

_ (¬1) وممن قال الدعاء هاهنا بمعنى الاستغاثة: ابن قتيبة في "غريب القرآن": ص 26، وانظر: "الطبري" في "تفسيره" 1/ 167، "زاد المسير" 1/ 49. (¬2) هو محمد بن كعب القرظي، تابعي، ولد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم كان عالما بالتفسير، سقط عليه سقف المسجد فمات سنة مائة وثمان، وقيل: سنة سبع عشرة، وقيل: سنة عشرين ومائة. انظر "تهذيب التهذيب" 3/ 684، "غاية النهاية في طبقات القراء" 2/ 233. (¬3) (صدق) ساقط من (ج). (¬4) ذكره الثعلبي في (تفسيره) 1/ 57 أ، والرواية عن مجاهد أخرجها "الطبري" من عدة طرق 1/ 167، وابن أبي حاتم 1/ 64، وذكرها ابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 51، وابن كثير 1/ 63. (¬5) في (ب): (على). (¬6) عبارة الواحدي فيها إيهام حيث قال: (أعجز الخلق عن الإتيان بمثل القرآن ...) ثم عطف عليه وقال: (وصرفهم -أيضاً- عن الشهادة على ما هو باطل)، فقوله (أعجز) إن كان بمعنى: (تحدي) فصحيح، وإن كان بمعنى (منع) فباطل، إذ حقيقة =

ولو أمكنهم ذلك (¬1) لفعلوا، ولا ترى للقرآن معارضة بوجه سواء كان فصيحاً أو ركيكاً، إلا شهد المخالف والموافق (¬2) بركاكته. وعلى هذا القول (¬3) (شهيد) بمعنى: شاهد. وقوله تعالى: {مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}. (دون) يرد في الكلام على معان كثيرة (¬4)، يكون بمعنى: (قبل) كقولك: دون النهر قتال. ودون قتل الأسد أهوال، وقمت دون فلان، إذا نضحت عنه (¬5)، ومنه قول ¬

_ = ذلك القول بالصرفة، وهو قول النظام من المعتزلة حيث قال: إن الله صرف العرب عن معارضته وسلب عقولهم، وكان مقدورا لهم، ولكن عاقهم أمر خارجي، وهذا القول مردود عند جماهير العلماء، انظر: "البرهان" 2/ 93 - 94، "البرهان الكاشف عن إعجاز القرآن": ص 53. (¬1) (ذلك) ساقط من (ج). (¬2) (الموافق) ساقط من (ب). (¬3) أي قول المجاهد: ادعوا ناسا يشهدون لكم. وقد ضعف ابن جرير هذا القول، وقال. لا وجه له، وقال: إن القوم كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أصناف، أهل إيمان صحيح، وأهل كفر صحيح، وأهل نفاق، فأهل الإيمان من المحال أن يدعي الكفار أنهم لهم شهداء، فمن أي الفريقين يكون شهداؤهم؟ انظر. "تفسير الطبري" 1/ 167. (¬4) ذكر هذِه (المعاني) مفصلة الأزهري حيث قال: لـ (دون) تسعة معان، ثم أخذ في شرحها كما نقل المؤلف هنا، انظر: "التهذيب" 2/ 1249، وانظر: "البرهان" 4/ 275، "الإتقان" 2/ 235، "اللسان" (دون) 3/ 1460. قال السمين الحلبيّ: (دون) من ظروف الأمكنة، ولا تتصرف على المشهور إلا بالجر بـ (من)، وزعم الأخفش أنها متصرفة .. وهو من الأسماء اللازمة للإضافة ... وأما (دون) التي بمعنى رديء فتلك صفة كسائر الصفات .. وليست مما نحن فيه. "الدر المصون" 1/ 202. (¬5) "تهذيب اللغة" (دون) 2/ 1249.

الحارثي (¬1): ......... وأنَّى تَخَلَّصَتْ ... إليَّ وبابُ السَّجْنِ دُونِيَ مُغْلَقُ (¬2) ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: "المقتول دون ماله شهيد" (¬3). ويكون (دون) بمعنى: (وراء)، كقولك: (هو أمير على ما دون جَيْحُون) (¬4)، أي على ما وراءه (¬5). ويكون بمعنى: (تحت)، يقال: هو ¬

_ (¬1) في (ج): (الحاوي). والحارثي هو جعفر بن علبة، بضم العين، ينتهي نسبه إلى كعب ابن الحارث، شاعر غزل مقل، عاش في الدولة الأموية وأدرك العباسية. انظر: "الخزانة" 10/ 310. (¬2) البيت من قصيدة لجعفر بن علبة وصدره: عَجِبْتُ لمسْرَاها وأنَّى تَخَلَّصَتْ يقول: عجبت من سير هذا الخيال إلي مع أن باب السجن موثق بيني وبينها. أورد القصيدة أبو تمام في "ديوان الحماسة" 1/ 51 - 52، بشرح المرزوقي، والبغدادي في "الخزانة" 10/ 307. (¬3) أخرجه البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمرو "من قتل دون ماله فهو شهيد" البخاري في كتاب المظالم، باب من قتل دون ماله، حديث رقم (2480). ومسلم (141) كتاب الإيمان، باب: هدر دم من قصد أخذ مال غيره بغير حق. وأخرجه أحمد في "مسنده" 2/ 221 - 223. مع بعض الاختلاف في لفظه، وأبو داود عن سعيد بن زيد بنحو لفظ البخاري ومسلم، (4772) كتاب السنة، باب قتال اللصوص، والترمذي عن سعيد بن زيد وعبد الله بن عمرو (1419) (أبواب الديات)، باب ما جاء فيمن قتل دون ماله فهو شهيد، والنسائي عن عبد الله بن عمرو في كتاب تحريم الدم، باب من قتل دون ماله 7/ 114، وابن ماجه عن سعيد بن زيد وعن عبد الله بن عمرو، وأبي هريرة بلفظ آخر، في (2580) كتاب الحدود، باب من قتل دون ماله فهو شهيد). (¬4) (جيحون) نهر عظيم في خراسان. انظر: "معجم البلدان" 2/ 196. (¬5) "التهذيب" 2/ 1249، "اللسان" 3/ 1460.

دونه، أي تحته (¬1). ويكون بمعنى: (غير)، يقال: هذا دون ما ذكرت، أي غيره، قال الله تعالى {وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ} [الأنبياء: 82] يريد غير الغوص من البناء وغيره، والذي في هذه الآية بمعنى: غير (¬2). ويكون (دون) بمعنى: (خذ) وهو بمعنى الإغراء، يقال: دونك زيدا، أي خذه (¬3)، قال الشاعر: يَا أيَّها المَائِحُ دَلْوِي دُوَنكَا (¬4) ويكون بمعنى: (الوعيد)، كقولك: دونك فتمرس بي (¬5). قال الشاعر: فَدُوَنُكما فَمَا قَيْسٌ بِشَحْمٍ ... لمُخْتَلِس وَلاَ فقعٍ بِقَاع (¬6) ويكون (دون) بمعنى: (القريب)، يقال: اُدن دونك، أي اقترب (¬7)، قال زهير بن جناب (¬8): ¬

_ (¬1) "تهذيب اللغة" 2/ 1249. "اللسان" 3/ 1460. (¬2) في "تهذيب اللغة": عن الفراء: (.... ودون ذلك الغوص يريد سوى الغوص، من البناء ..)، (التهذيب) 2/ 1249، انظر "اللسان" 3/ 1460. (¬3) "تهذيب اللغة" تكون بمعنى الأمر دونك الدرهم أن خذه وفي الإغراء دونك زيداً أي الزم زيدًا في حفظه. (¬4) سبق البيت وتخريجه: الفاتحة: 2، والشاهد فيه هنا: أنه استعمل (دون) بمعنى خذ، أي خذ دلوي، انظر: "مغني اللبيب" 2/ 618،609، "الخزانة" 6/ 200. (¬5) في "التهذيب": (الوعيد كقولك: دونك صراعي، ودونك فتمرس بي)، 2/ 1249، "اللسان" دون 3/ 1460. (¬6) لم أعثر عليه، ولم أعرف قائله. (¬7) ذكره الأزهري عن شمر عن أبن الأعرابي، "تهذيب اللغة" 2/ 1249، وانظر "اللسان" 3/ 1460. (¬8) في (ب): (حباب)، وفي "تهذيب اللغة" (خباب) 2/ 1249، ومثله في "اللسان" =

وَإِنْ عِفْتَ هذا فَادْنُ دُوَنكَ إنَّني ... قَلِيلُ الغِرَارِ والشَّرِيجُ شِعَارِي (¬1) (الشريج) القوس، وقول الأعشى: يَزِيدُ يَغُضُّ الطَّرْفَ دُونِي ... (¬2) قال أبو الهيثم: أي: فيما بيني وبينه من المكان، يقال: اُدن دونك، أي: اقترب مني فيما بيني وبينك (¬3). ويكون (دون) بمعنى: (الخسيس) من قولهم: رجل دون، أي خسيس، ولم يصرّف فعله (¬4). ويكون بمعنى: (أقل من ذا) (¬5)، كقولك: يكفيني (¬6) دون هذا. فأما قوله في هذه الآية: {مِنْ دُونِ اللَّهِ} أي غير الله (¬7)، كما يقال: ما دون الله مخلوق، يريد: وادعوا من اتخذتموه معاونين من غير الله على ¬

_ = 3/ 1460. وهو زهير بن جناب الكلبي شاعر جاهلي قديم، من المعمرين، انظر ترجمته في: "الشعراء والشعراء" 17/ 240. "طبقات الشعراء" للجمحي: ص 37. (¬1) ورد البيت في "تهذيب اللغة" (دون) 2/ 1249، "اللسان" (دون) 3/ 1460، وقوله: (الغرار): النوم، و (الشريج): القوس. (¬2) البيت من قصيدة للأعشى يهجو يزيد بن مسهر الشيباني، والبيت: يزيد يغض الطرف دوني كأنما ... زوى بين عينيه عليّ المحاجم انظر. "ديوانه": ص 178، "تهذيب اللغة" (دون) 2/ 1249، "اللسان" (دون) 3/ 1460. (¬3) "تهذيب اللغة" (دون) 2/ 1249، "اللسان" 3/ 1460. (¬4) ذكر الأزهري نحوه عن الفراء وعن الأصمعي، "تهذيب اللغة" (دون) 2/ 1249، وانظر: "اللسان" 3/ 1460. (¬5) ذكره الأزهري عن سلمة عن الفراء، "تهذيب اللغة" 2/ 1249، "اللسان" 3/ 1460. (¬6) في (ب): (يلقني). (¬7) انظر: "الطبري" 1/ 167، "القرطبي" 1/ 200، "الدر المصون" 1/ 201.

تفسير ابن عباس (¬1). وعلى قول الفراء (¬2) يقول: ادعوا من اتخذتم إلها من دونه. وعلى (¬3) قول القرظي ومجاهد، يقول: ادعوا من يشهد لكم دون الله، فإن الله تعالى لا يشهد (¬4) لكم بالصدق، كما يشهد لمحمد، فاطلبوا غيره شهداء إن كنتم صادقين في أن هذا الكتاب يقوله محمد من نفسه، وأنه ليس من عند الله، وفي قولكم: لو أردنا لأتينا بمثله (¬5). وقال أبو علي الجرجاني (¬6): نظم الآية: فأتوا بسورة من مثله من دون الله وادعوا شهداءكم، أي من مثل القرآن من غير الله، يريد أن محمدا يأتي بالقرآن من عند الله، فأتوا أنتم إن استطعتم بمثل القرآن من غير الله. قال. ومثل هذا قوله: {قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} (¬7) [هود: 13]، ونظمه: فأتوا بعشر سور مثله مفتريات من دون الله، وادعوا من استطعتم من الناس، معنى (ادعوا): استعينوا. ¬

_ (¬1) وهو أن المراد بـ (شهدائكم) أنصاركم وأعوانكم الذين يظاهرونكم على تكذيبكم كما سبق: 2/ 247. (¬2) قول الفراء: (شهدائكم) آلهتكم سبق في 2/ 248، وانظر: "معاني القرآن" 1/ 19، "الدر المصون" 1/ 201. (¬3) الواو ساقطة من (أ) و (ج)، وانظر قول القرظي ومجاهد: 2/ 249. (¬4) في (ج): (لا شهد). (¬5) انظر: "تفسير الثعلبي"1/ 57 أ، و"تفسير الطبري" 1/ 167، "الدر المصون" 1/ 201. (¬6) هو أبو علي الجرجاني صاحب "نظم القرآن"، وكتابه مفقود. (¬7) قوله: {وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ} ساقط من (ب).

24

24 - قوله تعالى: {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا} الآية. (لم) حرف يجزم الفعل المضارع، ويقع بعدها بمعنى الماضي، كما يقع الماضي بعد حرف (¬1) الجزاء بمعنى الاستقبال، ولهذه المشابهة بينها وبين حروف الجزاء اختير الجزم بـ (لم) (¬2) وإنما جزمت حروف الشرط والجزاء، لأنها تقتضي جملتين كقولك: (إن تضرب أضرب) فلطول ما يقتضيه الشرط والجزاء (¬3) اختير الجزم، لأنه حذف وتخفيف. وأما (لن) (¬4) فهي حرف قائم بنفسه، وضع لنفس الفعل المستقبل، ونصبه للفعل كنصب (أن). وليس ما بعد (لن) بصلة لها (¬5)، لأن (لن يفعل) (¬6) نفى سيفعل، وتُعْمِل ما بعدها فيما (¬7) قبلها، كقولك: (زيدا لن أضرب) (¬8). ¬

_ (¬1) في (ج): (حروف). (¬2) ذهب الزجاج إلى أنها جزمت الفعل بعدها، لأنها نقلته من المستقبل إلى الماضي، ولأن ما بعدها خرج من تأويل الاسم. انظر "معاني القرآن" 1/ 66 - 67، ونحوه قال الليث فيما نقل عنه الأزهري في "تهذيب اللغة" (لم) 4/ 3294، وكذا الرماني في "معاني الحروف": ص 100. وقد رد أبو علي الفارسي قول الزجاج وأطال في بيان عدم صحته. انظر. "الإغفال". ص 95 - 101. (¬3) (الجزاء) ساقط (ب). (¬4) في (ب): (لم). (¬5) فلا تؤول معه بمصدر كما تؤول (أن) وما بعدها بمصدر. (¬6) (لن) ساقطة من (ب). (¬7) في (ب): (فما). (¬8) ذكره الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 134 - 135، وانظر: "تهذيب اللغة" (لن) 4/ 3303، "معاني الحروف" للرماني: ص 100، "البحر المحيط" 1/ 102، "الدر المصون" 1/ 203.

وروى سيبويه عن بعض أصحاب الخليل عنه أنه (¬1) قال: الأصل في (لن) (¬2)، (لا أن) ولكنها حذفت تخفيفا (¬3). وزعم سيبويه أن هذا ليس بجيد، ولو كان كذلك لم يجز (زيدا لن أضرب) لأن ما بعد (أن) لا يعمل فيما قبلها، لأن ذلك يؤدي إلى تقديم الصلة على الموصول (¬4). وللخليل أن ينفصل من هذا بأن يقول: الحروف إذا ركبت خرجت عما كانت عليه، ألا ترى أن (هل) أصلها الاستفهام، ولا يجوز أن يعمل ما بعدها فيما قبلها، لو قلت (¬5): (زيدا هل ضربت) لم يجز، فإذا زِيدَ (¬6) على (هل) (لا)، ودخلها (¬7) معنى التحضيض، جاز أن يتقدم ما بعدها عليها، كقولك: (زيدا هلا ضربت) (¬8) إلا أن قول الخليل ضعيف في الجملة من ¬

_ (¬1) كذا قال الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 134، وفي "الكتاب" (أما الخليل فزعم أنها (لا أن (..)، 3/ 5، وانظر: "المسائل الحلبيات": ص 45، "معاني الحروف" للرماني: ص 100، "تهذيب اللغة" (لن) 4/ 3303. (¬2) في (ب): (أن). (¬3) حذفت الهمزة استخفافا، ثم حذفت الألف من (لا) لالتقاء الساكنين فصارت الكلمة على حرفين، "المسائل الحلبيات": ص 45. (¬4) انظر رد سيبويه على الخليل في "الكتاب" 3/ 5، وانظر "معاني القرآن" الزجاج 1/ 134 - 135، "المسائل الحلبيات": ص 45، "معاني الحروف" للرماني: ص100، والرأي المشهور فيها كما عند سيبويه وغيره أنها حرف بسيط ثنائي غير مركب، انظر: "البحر" 1/ 102، "الدر المصون" 1/ 204. (¬5) (قلت) ساقطة من (ب). (¬6) (فإذا زيد) ساقط من (ب). (¬7) في (ب): (ولا دخلها). (¬8) ذكر هذا الدفاع عن قول الخليل الرماني في "معاني الحروف": ص 100، ونحوه قال أبو علي في "المسائل الحلبيات": ص 46.

وجه آخر، وهو أن اللفظ متى جاء على صيغة (¬1) ما، وأمكن استعمال معناه لم يجز أن يعدل عن ظاهره (¬2) إلى غيره من غير ضرورة تدعو إلى ذلك، فلما وجدنا (لن) (¬3) معناها مفهوم بنفس لفظها، لم يجز أن يدعى أن (¬4) أصلها شيء آخر من غير حجة قاطعة، ولا ضرورة (¬5). ومعنى الآية: فإن لم تفعلوا فيما مضى، ولن تفعلوا فيما يستقبل أبدا (¬6). وقوله تعالى: {وَلَنْ تَفْعَلُوا} كلام (¬7) معترض بين الشرط والجواب (¬8). وقد يقع الاعتراض بين الشرط والجواب كهذا، وبين المبتدأ والخبر كقولك: (زيد فافهم ما أقول رجل صدق) وبين اسم (إن) وخبرها، كقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ} الآية [الكهف: 30]. فقوله: (إنا لا نضيع) اعتراض، والخبر: (أولئك). وقوله تعالى: {فَاتَّقُوا النَّارَ}. أي: فاحذروا أن تصلوا النار بتكذيبكم، وإنما قيل لهم هذا بعد أن ثبتت الحجة عليهم في التوحيد ¬

_ (¬1) في (ب): (صفة). (¬2) في (ب): (ظاهر). (¬3) في (ب): (إن). (¬4) (أن) ساقطة من (ج). (¬5) فتكون (لن) حرف نفي بسيط ثنائي غير مركب، ولا يعدل بها عن هذا الأصل إلا بدليل، انظر: "البحر" 1/ 102. (¬6) ذكره الثعلبي 1/ 57ب، وانظر: "تفسير الطبري" 1/ 167، "تفسير أبي الليث" 1/ 103، "تفسير ابن عطية" 1/ 203، "زاد المسير" 1/ 51، "تفسير القرطبي" 1/ 201. (¬7) في (ب): (الكلام). (¬8) انظر: "الكشاف" 1/ 247، "البحر" 1/ 107، "الدر المصون" 1/ 203.

وصدق محمد صلى الله عليه وسلم (¬1). و (الفاء) في قوله: {فَإِنْ لَمْ} للعطف، وفي قوله: {فَاَتَّقُواْ} للإتباع دون العطف (¬2). وإنما (¬3) اختاروا (الفاء) من قبل أن الجزاء سبيله أن يقع ثاني الشرط، وليس في جميع حروف العطف حرف يوجد هذا المعنى فيه سوى (الفاء). فدخلت (الفاء) في جواب الشرط توصلا إلى المجازاة بالجملة المركبة من المبتدأ والخبر، والكلام (¬4) الذي يجوز أن يبتدأ به نحو: الأمر والنهي (¬5)، فالجملة (¬6) نحو قولك: (إن تحسن إليّ فالله يكافئك) لولا ¬

_ (¬1) انظر: "الطبري" 1/ 168. (¬2) ذكر أبو الفتح بن جني أن الفاء إذا وقعت في أوائل الكلم، وهي ليست من أصل الكلمة، فإنها على ثلاثة أضرب: ضرب تكون للعطف والإتباع جميعًا، وضرب تكون فيه للإتباع مجردا من العطف، وضرب تكون فيه زائدة، انظر "سر صناعة الإعراب" 2/ 251. وتكون للإتباع دون العطف إذا وقعت في جواب الشرط، كما في قوله تعالى: {فَاتَّقُوا}، انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 149، "الدر المصون" 1/ 203. (¬3) الكلام عن الفاء إذا وقعت في جواب الشرط، نقله الواحدي عن كتاب "سر صناعة الإعراب" لأبي الفتح بن جني، قال أبو الفتح: (... وإنما اختاروا الفاء هنا من قبل أن الجزاء سبيله أن يقع ثاني الشرط ... فإن قيل: وما كانت الحاجة إلى الفاء في جواب الشرط؟ فالجواب: أنه إنما دخلت الفاء في جواب الشرط توصلا إلى (المجازاة ..)، "سر صناعة الإعراب" 1/ 252. (¬4) في "سر صناعة الإعراب": (.. أو الكلام ..) وفي هامشه في (ل) و (ش): (والكلام) 1/ 253. (¬5) قوله: (نحو: الأمر والنهي)، ليست عند أبي الفتح 1/ 253. (¬6) في (ب): الجملة.

(الفاء) لم يرتبط أول الكلام بآخره (¬1). ومن ذلك قولك (¬2): (إن يقم فاضربه) فالجملة التي هي: (اضربه) جملة أمرية، وكذلك: (إن (¬3) يقعد فلا تضربه) جملة (¬4) نهيية، وكل واحدة (¬5) من الجملتين يجوز أن يبتدأ بهما (¬6)، فلما كان الابتداء بها يصح وقوعه في الكلام، احتاجوا إلى (الفاء) ليدلوا على أن مثالي الأمر والنهي ليسا على ما يعتد (¬7) في الكلام (¬8) من وجودهما مبتدأين غير معقودين بما قبلهما (¬9). وقوله تعالى: {وَقُودُهَا النَّاسُ}. قال ابن السكيت: (الوقود) بالضم، المصدر يقال: وَقَدت النار، تَقِدُ (¬10) وُقُوداً (¬11). ويقال: ما أجود هذا الوَقُود للحطب (¬12). ¬

_ (¬1) اختصار كلام أبي الفتح، انظر "سر صناعة الإعراب" 1/ 253. (¬2) (قولك) ساقط من (ب). (¬3) في (ب): (إن تفعل). (¬4) عند أبي الفتح (فقولك لا تضربه جملة نهيية) 1/ 253. (¬5) في (ب): (واحد). (¬6) في (ب): (بها) ومثله عند أبي الفتح 1/ 253. (¬7) عند أبي الفتح: (يعهد). (¬8) في (ب): (ليسا على ما بعد بما قبلهما في الكلام). (¬9) انتهى نقل الواحدي من أبي الفتح من كتاب "سر صناعة الإعراب" 1/ 252 - 253. (¬10) في (ج): (يقد) وفي (أ) غير منقوط. وأثبت ما في (ب). (¬11) في (ب): (وقود). (¬12) في (ب): (الحطب). "إصلاح المنطق": ص 332، والنص من "تهذيب اللغة" (وقد) 4/ 3929.

وقال غيره (¬1): وَقَدَت النار، تَقد وَقُوداً (¬2) وَوُقُوداً، وكأن الوقود اسم وضع موضع المصدر. [فالضم: المصدر] (¬3)، والفتح (¬4): الاسم، ويجوز أن يكون مصدراً (¬5). و (الحجارة) جمع حجر، وليس بقياس، ولكنهم قالوه كما قالوا: جمل وجِمَالة، وذكر وذِكَارة، والقياس أحجار (¬6). وجاء في التفسير أن (¬7) الحجارة هاهنا: حجارة الكبريت، عن ابن عباس وغيره (¬8). ¬

_ (¬1) في (التهذيب) (ويقال: وقدت ..)، "التهذيب" 4/ 3929. (¬2) من قوله: (ويقال: ما أجود هذا الوقود ... إلى قوله: تقد وقودا) مكرر في (أ) و (ج). (¬3) ما بين المعقوفين ساقط من (ب). (¬4) في (ب) (وانفتح). (¬5) انظر: "معاني القرآن" للزجاج: ص 67، "تهذيب اللغة" 4/ 3929، و"الطبري" 1/ 169، والثعلبي 1/ 57 ب. (¬6) ذكر الأزهري نحوه عن الليث. "تهذيب اللغة" (حجر) 1/ 746، "اللسان" (حجر) 2/ 781. (¬7) (أن) ساقط من (ب). (¬8) أخرجه "الطبري" بسنده عن ابن مسعود وابن عباس وابن جريج 1/ 168 - 169، وذكره ابن أبي حاتم عن مجاهد والسدي وعمرو بن دينار، 1/ 64/ 65، وانظر "معاني القرآن" للفراء 1/ 20، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 67، "تفسير الثعلبي" 1/ 57 ب. ذكر الثعلبي في الحجارة قولا آخر، وهو أن المراد بها: الأصنام، ودليله قوله تعالى: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ} [الأنبياء: 98]، وذكره بعض المفسرين، انظر "الكشاف" 1/ 252، "القرطبي" 1/ 252، "الدر" 1/ 78. قال الزمخشري رادًا على من قال: إنها حجارة الكبريت: (وهو تخصيص بغير دليل، وذهاب عما هو المعنى =

فهي (¬1) أشد لاتقاد النار. وقيل: ذكر الحجارة دليل على عظم تلك النار، لأنها لا تأكل الحجارة إلا كانت فظيعة (¬2). وقوله: {وَقُودُهَا النَّاسُ} لا يدل (¬3) على أنها غير مخلوقة بأن الناس لم (¬4) يدخلوها بعد، لأنها متقدة (¬5) بغير الناس، فإذا دخلها الناس صاروا وقودها، وفي قوله: {أُعِدَّتْ} أوضح دلالة على وجودها، لأن المعدوم لا يسمى مُعَدَّا (¬6). وإنما قال: {أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} وإن (¬7) كان العصاة من المسلمين ¬

_ = الصحيح الواقع المشهود له بمعاني التنزيل ...) "الكشاف" 1/ 252، وإليه مال الشنقيطي في "أضواء البيان"1/ 117. أما ابن كثير فمال للقول الأول، وقال في معرض رده على الرازي: (وهذا الذي قاله ليس بقوي، وذلك أن النار إذا أضرمت بحجارة الكبريت كان ذلك أشد لحرها وأقوى لسعيرها، ولاسيما على ما ذكره السلف من أنها حجارة من كبريت معدة لذلك ..) "تفسير ابن كثير" 1/ 64. (¬1) في (ب) و (ج): (وهي). (¬2) انظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 57 ب، "الكشاف" 1/ 252، والرازي 1/ 122. (¬3) في (ج): (لا تدل). (¬4) في (ج): (لا). (¬5) في (أ) و (ج) (متقد)، وأثبت ما في (ب)، لأنه أنسب للسياق. (¬6) ذكره الثعلبي 1/ 57 ب، وهذا منهج أهل السنة وهو: أن الجنة والنار مخلوقتان موجودتان الآن، وذهب بعض المبتدعة من المعتزلة والجهمية إلى أنهما لم تخلقا بعد، وأنهما ستخلقان، انظر. "تفسير ابن عطية" 1/ 204 - 205. "لقرطبي" 1/ 203. وابن كثير 1/ 66. والبيضاوي 1/ 16. "البحر" 1/ 108. (¬7) في (ب): (فإن).

25

يدخلونها، لأن الكافرين يخلدون فيها دون المؤمنين، وكأن النار ليست للمؤمنين لقلة كونهم فيها إذا قيس بالخلود (¬1). وإنما لم يقل: (أعدت لكم) وإن كان المخاطبون كفارا، لأنه علم أن فيهم من يؤمن. ولما ذكر جزاء الكافرين لتكذيبهم (¬2) ذكر جزاء المؤمنين لتصديقهم فقال عز من قائل: 25 - {وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} الآية. و (التبشير) إيراد الخبر السارّ الذي يظهر (¬3) السرور في بشرة المخبر، ثم كثر استعماله حتى صار بمنزلة الإخبار، واستعمل في نقيضه كقوله: {فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} (¬4) إلا أنه (¬5) فيما يسرّ أكثر (¬6)، ونظيره قول الشاعر: بَكَرَتْ تَلُومُكَ بَعْدَ وَهْنِ في النَّدى ... بَسْلٌ عَلَيْكِ مَلاَمَتِي وِعِتَابِي (¬7) ¬

_ (¬1) انظر. "تفسير ابن عطية" 1/ 204 - 205. "القرطبي" 1/ 203. "البحر" 1/ 109. (¬2) قوله: (ذكر جزاء الكافرين لتكذيبهم) مكرر في (أ). (¬3) في (ب) (يظهر أثر السرور). (¬4) طرف من آية في آل عمران: 21، والتوبة: 34، والانشقاق: 24. (¬5) (إلا أنه) ساقط من (ب). (¬6) انظر "تفسير الطبري" 1/ 169، "الزاهر" 2/ 135، "تهذيب اللغة" (بشر) 1/ 338، "تفسير ابن عطية" 1/ 206، "زاد المسير" 1/ 52، "القرطبي" 1/ 204، "مفردات الراغب": ص 47 - 48. (¬7) البيت لضَمْرة بن ضَمْرة مع أبيات أخرى قالها يخاطب امرأته لما لامته على البذل، بكرت: عجلت، بعد وهن: بعد النوم، الندى: السخاء، بسل عليك: حرام عليك. ورد البيت في "النوادر" لأبي زيد: ص 143، "أمالي القالي" 2/ 279، "الزاهر" =

بكر: أصله من البكور بالصباح، ثم كثر حتى قيل لكل من عجل (بكر) فكذلك صح أن يقول: بعد وهن. وقال قوم: أصله فيما يسر ويغم سواء، إذا (¬1) كان قد (¬2) يظهر في بشرة الوجه أثر الغم كما يظهر أثر السرور (¬3). وقوله تعالى: {وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} أي: الفعلات أو الأعمال، فالموصوف بها محذوف. قال ابن عباس: عملوا الطاعات فيما بينهم وبين ربهم (¬4). وقوله تعالى: {أنَّ لَهُمْ} موضع (أن) نصب، معناه: بشرهم بأن لهم فلما سقطت (الباء) وصل الفعل إلى (أن) فنصب (¬5). ¬

_ = 1/ 452، "أضداد ابن الأنباري": ص 63، "أضداد السجستاني": ص104، والشاهد فيه هنا: (بكر) أصله من البكور بالصباح ثم استعمل في كل من عجل، كذلك (البشارة)، توسع فيه واستعمل في نقيض الخبر السار. (¬1) (إذا) كذا ورد في جميع النسخ، ولعل الأولى (إذ). (¬2) (قد) ساقطة من (ب). (¬3) انظر "الزاهر" 2/ 135. وقال ابن فارس: وربما حمل عليه غيره من الشر، وأظن ذلك جنسا من التبكيت، فأما إذا أطلق الكلام إطلاقا فالبشارة بالخير والنذارة بغيره، "مقاييس اللغة" (بشر) 1/ 251. وانظر "تفسير ابن عطية" 1/ 206. وانظر "الكشاف" 1/ 254، وقال أبو حيان: (وظاهر كلام الزمخشري أنه لا يكون إلا في الخير ... وهو محجوج بالنقل)، "البحر" 1/ 109. (¬4) ذكره الثعلبي في "تفسيره" وذكر أقوالا أخرى عن عثمان وعلي ومعاذ بن جبل وسهل ابن عبد الله 1/ 57 ب، 58 أ، وانظر "تفسير أبي الليث" 1/ 103. (¬5) ذكر الزجاج في "معاني القرآن"1/ 68. وفيه (فنصبت) وذكر قولا آخر وهو أنه يجوز أن، تكون (أن) في موضع خفض، إن سقطت الباء. انظر "تفسير ابن عطية" 1/ 207، "القرطبي" 1/ 205، "البحر" 1/ 112.

وقوله تعالى: {جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ}. (جنات) (¬1) جمع جنة، وهي الحديقة ذات الشجر، سميت جنة لكثرة شجرها ونباتها (¬2). يقال: جنت الرياض جنوناً، إذا اعتمّ نبتها حتى غطى الأرض (¬3)، قال (¬4): وَجْنَّ الخَازِبازِ بِه جُنُونَا (¬5) جعل بعضهم (الخَازِبَازِ) نبتاً، وجنونه التفافه (¬6). ويقال لكل ما ستر: قد جنّ وأجنّ، ومنه جنون الليل، والجَنَانُ والجَنِينُ والْجَنَنُ (¬7). وقوله تعالى: {مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} أي: من تحت أشجارها ومساكنها (¬8)، ¬

_ (¬1) (جنات) ساقطة من (ب). (¬2) انظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 58 أ، "تفسير ابن عطية" 1/ 207، "القرطبي" 1/ 205. (¬3) "تهذيب اللغة" (جن) 1/ 673، وانظر "الصحاح" (جنن) 5/ 2093، "اللسان" (جنن) 2/ 701. (¬4) (وقال) مكانها بياض في (أ) وساقط من (ج). (¬5) البيت لابن أحمر وصدره: تَفَقَّأ فَوْقَه القَلَعُ السَّوَارِي ويروى (تَفَقَّع) و (تكسر فوقها) وهو يصف روضة، و (القلع): السحاب، ورد البيت في "تهذيب اللغة" (خزب) 1/ 1020، و (فقأ) 3/ 2811، و (جن) 1/ 673، (الآن) 1/ 98، وفي "الصحاح" (جن) 5/ 2093، وفي "مجمع الأمثال" للميداني 1/ 438، وفي "اللسان" (جنن) 2/ 705، و (قلع) 6/ 3724. (¬6) وقال بعضهم: هو (ذباب) وجنونه كثرة ترنمه في طيرانه. انظر: "تهذيب اللغة" (جن) 1/ 673، "الصحاح" (جنن) 5/ 2093. (¬7) (الجَنَان): روعُ القلب، و (الجنين): الولد في الرحم، و (الجنَنُ): القبر، انظر "تهذيب اللغة" (جن) 1/ 673. (¬8) انظر: "الطبري" 1/ 170، والثعلبي1/ 58 أ، وابن عطية 1/ 207، "زاد المسير" 1/ 52.

والنهر لا يجري (¬1)، وإنما يجري الماء فيه، ويستعمل الجري فيه توسعاً، لأنه موضع الجري (¬2). وجاء في الحديث: "أنهار الجنة تجري في غير أخدود" (¬3) وعلى هذا فالجري في النهر على ظاهره. وقوله تعالى: {كُلَّمَا}. (كل) (¬4): حرف جملة، ضم إلى (ما) الجزاء، فصار أداة للتكرار، وهي منصوبة على الظرف (¬5). {رُزِقوُاْ} أي: أطعموا (¬6). {مِن ثَمَرَةٍ} (من) صلة (¬7) أي: ثمرة (¬8). ¬

_ (¬1) في (أ)، (ب): (تجري). (¬2) انظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 58 أ، وابن عطية 1/ 207 - 208، "القرطبي" 1/ 205. (¬3) بهذا اللفظ ذكره الثعلبي قال: جاء في الحديث: "أنهار الجنة تجري في غير أخدود" "تفسير الثعلبي" 1/ 58 أ. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" موقوفاً على مسروق ولفظه. "أنهار الجنة في غير أخدود .. "، مصنف ابن أبي شيبة، كتاب "الجنة" 7/ 53 - 54، وكذا أخرجه "الطبري" موقوفاً على مسروق ولفظه: (... وماؤها يجري في غير أخدود) 1/ 170، وذكره. "القرطبي" قال: (روي أن أنهار الجنة ليست في أخاديد) "تفسير القرطبي" 1/ 206. وقال ابن كثير 1/ 67: جاء في الحديث أن أنهارها تجري في غير أخدود. وذكره السيوطي في "الدر" عن مسروق، وعزاه لابن المبارك، وابن أبي شيبة، وهناد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، والبيهقي في "البعث"، "الدر" 1/ 82. (¬4) (كل) ساقط من (ب). (¬5) أنظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 151، "إملاء ما من به الرحمن": ص 23، "البيان في غريب إعراب القرآن": ص 62، "الدر المصون" 1/ 179. (¬6) انظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 58 أ. (¬7) في (ب): (طلة). (¬8) انظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 58 أ.

ويجوز أن يكون للتبعيض، لأنهم إنما يرزقون بعض ثمار الجنة (¬1). وقوله تعالى: {قَالُواْ هَذَا اَلَّذِى رُزِقنَا مِن قَبل}. (¬2) لتشابه ما يؤتون به، ولم يريدوا بقولهم: (هذا الذي رزقنا من قبل) نفس ما أكلوه، ولكن أرادوا: هذا من نوع ما رزقنا من قبل (¬3)، كما يقول الرجل: فلان قد أعد لك الطبيخ والشواء، فيقول: هذا طعامي في منزلي كل يوم، يريد هذا الجنس (¬4). و (قبل) يبنى على الضم في مثل هذا الموضع، لأنها تضمنت معنيين، أحدهما: معناها في ذاتها، وهو السبق (¬5). والآخر: معنى ما بعدها، لأن التأويل: هذا الذي رزقنا من قبله، فهو وإن لم يضف ففيه معنى الإضافة (¬6)، فلما أدت عن معنيين قويت فحملت ¬

_ (¬1) المشهور أن (من) في هذا، وفي قوله: (من قبل) لابتداء الغاية، وقيل: للبيان. انظر: "الكشاف" 1/ 260، "البحر" 1/ 114، "الدر المصون" 1/ 215. (¬2) (قالوا) ساقط (ب). (¬3) ذكر ابن جرير في قوله: (هذا الذي رزقنا من قبل) قولين: أحدهما: هذا الذي رزقنا من قبل في الدنيا. ورجح هذا القول، لأن أول رزق في الجنة لم يسبقه شيء. الثاني: هذا الذي رزقنا من ثمار الجنة من قبل هذا. انظر "تفسير الطبري" 1/ 171 - 172، وانظر "القرطبي" 1/ 206، "البحر" 1/ 114. (¬4) ذكره "الطبري" في جواب سؤال أورده وهو قوله: فإن سألنا سائل، فقال: وكيف قال القوم: هذا الذي رزقنا من قبل، والذي رزقوه من قبل قد عدم بأكلهم إياه؟ وكيت يجوز أن يقول أهل الجنة قولا لا حقيقة له؟ ثم أجاب عنه بنحو ما ذكر الواحدي هنا، "الطبري" 1/ 172. (¬5) بنيت على الضم لأنها غاية، انظر "معاني القرآن" للفراء 2/ 320، والزجاج 4/ 176، "تهذيب اللغة" (قبل) 3/ 2875، "تفسير الثعلبي" 1/ 58 أ، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 151، "البحر" 1/ 114. (¬6) انظر المراجع السابقة.

أثقل الحركات (¬1)، وكذلك قوله: {لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ} [الروم: 4]، تأويله: من قبل كل شيء وبعده (¬2). وهذا مذهب الفراء (¬3) والمبرد (¬4)، واختيار ابن الأنباري، لأنه قال: العرب إذا وجدت الحرف مؤدياً عن معنيين ألزموه الضم، كقولهم (¬5): (نحن)، ألزموه الضم (¬6)، لأنه يؤدي معنى التثنية والجمع، وكذلك (قط) يؤدي عن زمانين كقوله: ما رأيته قط، معناه من أول أوقاتي (¬7) إلى الساعة، وسمعت أبا الحسن (¬8) الضرير النحوي -رحمه الله- يقول: إنما بني على الضم دون غيره من الحركات، لأنه لما أعرب (¬9) عند الإضافة نحو: (قبلك ومن قبلك) بالنصب والخفض لم يبق عند الإفراد والبناء إلا الضم فبني عليه (¬10)، وهذا معنى قول الزجاج، لأنه يقول: ضم (قبل) لأنها غاية كان ¬

_ (¬1) وهي الضمة، وقال الزجاج: وإنما بنيتا على الضم -أي قبل وبعد- لأن إعرابهما في الإضافة النصب والخفض ... فلما عدلا عن بابهما حركا بغير الحركتين اللتين كانتا تدخلان عليهما بحق الإعراب، "معاني القرآن" 4/ 176. (¬2) انظر. "معاني القرآن" للفراء 2/ 319، والزجاج 4/ 176، "القرطبي" 1/ 206. (¬3) انظر: "معاني القرآن" للفراء 2/ 319، 320. (¬4) انظر: "المقتضب" 3/ 174، 175. (¬5) في (ب): (كقوله). (¬6) انظر ما سبق عن (نحن) في قوله: {إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} [البقرة: 11]: 2/ 158 - 159. (¬7) في (أ) و (ج): (أوتاتي). (¬8) أحد شيوخ الواحدي في النحو، وقد تقدمت ترجمته في الكلام عن شيوخه. (¬9) في (ب): (أعرف). (¬10) وهو قول الزجاج في "معاني القرآن" 4/ 176، والنحاس في "إعراب القرآن" 1/ 151.

يدخلها بحق الإعراب الفتح والكسر، فلما عدلت عن بابها بنيت على ما لم يكن (¬1) يدخلها بحق الإعراب، وانما عدلت لأن أصلها الإضافة فجعلت مفردة تنبئ (¬2) عن الإضافة (¬3). وقوله تعالى: {وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا}. أي بعضها يشبه بعضاً في اللون والصورة مختلفاً في الطعم، وذلك أبلغ في باب الإعجاب وأدل على الحكمة، وهذا قول ابن عباس وابن مسعود وجماعة من الصحابة (¬4). وقال الحسن وقتادة وابن جريج: متشابها في الفضل، خيار كله لا رذال (¬5) فيه (¬6). كما يؤتى الرجل بأثواب ليختار منها، فإذا قلبها (¬7) قال: لا أدري أيها ¬

_ (¬1) (يكن) سقط من (ب). (¬2) في (ب) و (ج): (تبنى). (¬3) انظر كلام الزجاج في "معاني القرآن" 4/ 176، نقله الواحدي بمعناه. (¬4) أخرجه "الطبري" بسنده عن طريق السدي عن أبي مالك، وعن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مرة عن أبن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وعن الثوري، عن ابن أبي نجيح عن مجاهد 1/ 173، وذكر ابن أبي حاتم نحوه عن أبي العالية ومجاهد والضحاك والربيع بن أنس والسدي 1/ 67، وذكره الثعلبي عن ابن عباس ومجاهد والسدي 1/ 58 ب، وانظر: "الدر" 1/ 83، ابن كثير 1/ 67، "زاد المسير" 1/ 53، وأخرج ابن جرير عن مجاهد: (متشابهاً) في اللون والطعم 1/ 173. (¬5) عند "الطبري" (لا رذل) 1/ 172. (¬6) أخرجه "الطبري" بسنده عن الحسن وقتادة وابن جريج، 1/ 172 - 173. وابن أبي حاتم عن قتادة 1/ 67، والثعلبي عن الحسن وقتادة 1/ 58 ب، وانظر (الدر) 1/ 83، "زاد المسير" 1/ 53، والبغوي 1/ 74. (¬7) في (ب): (قبلها).

آخذ لأن كلها حسن مختار (¬1)، كما قال الشاعر: مَنْ تَلْقَ مِنْهُمْ تقل (¬2) لاقيت سيدهم ... مثل النجوم التي يسري بها الساري (¬3) أي هم متشابهون في الفضل (¬4). قال ابن الأنباري: وقول ابن عباس أدل على حكمة الله عز وجل ونفاذ قدرته، لأنا إذا وجدنا رُمَّاناً يؤدي عن (¬5) طعم الكمثرى والتفاح والسفرجل كان أبدع وأغرب من أن لا يؤدي إلا عن طعمه المعروف له (¬6). وقال بعض أهل المعاني: في الآية تقديم وتأخير في المعنى أي: وأتوا به متشابها قالوا: هذا الذي رزقنا من قبل (¬7). وقوله تعالى: {وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ}. (الأزواج) جمع زوج وزوجة، وشكل كل شيء: زوجه (¬8). وقوله تعالى: {مُطَهَّرُةٌ} أي: من ¬

_ (¬1) ذكره ابن الأنباري مع البيت في "الأضداد": ص 387. (¬2) في (ب) (تقول). (¬3) ذكره المبرد في "الكامل" مع أبيات أخرى، ونسبه لعبيد بن العرندس يصف قوما نزل بهم ضيفاً، "الكامل" 1/ 78، 79. وأنشده ابن الأنباري في "الأضداد": ص 387، وهو في شواهد "الكشاف"، ونسبه لعبيد بن الأبرص قال: وقيل: العرندس: ص 57، والصحيح: العرندس كما قال المبرد، وليس في ديوان عبيد بن الأبرص. (¬4) "الأضداد" لابن الأنباري: ص 387. (¬5) في (ب): (من). (¬6) (الأضداد) لابن الأنباري. ص 386، وانظر "معاني القرآن" للزجاج 1/ 68، "زاد المسير" 1/ 53. (¬7) لم أجد من قال به فيما اطلعت عليه. (¬8) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 175، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 69، (الأضداد) لابن الأنباري: ص 374، "تهذيب اللغة" (زاج) 2/ 1574.

26

كل أذى وقذر ممّا (¬1) في نساء الدنيا (¬2). وقيل: عن مساوئ الأخلاق (¬3)، لما فيهمنّ من حسن التبعل، ودل على هذا قوله: {فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (36) عُرُبًا أَتْرَابًا (37)} [الواقعة:36 - 37]. وقيل: من آفات الشيب والهرم (¬4). ويقال: إنه أراد زوجاتهم من الآدميات، ويقال: أراد من الحور العين (¬5). {وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} لأن تمام النعمة بالخلود والبقاء فيها، كما أن التنغيص (¬6) بالزوال والفناء (¬7). 26 - قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي} الآية. قال ابن عباس في رواية أبي صالح: لما ضرب الله سبحانه هذين المثلين للمنافقين قالوا: الله أجل وأعلى من (¬8) أن يضرب الأمثال فأنزل الله هذه الآية (¬9). ¬

_ (¬1) من (ب)، وفي غيرها: (مما). (¬2) ذكر ابن جرير عن عدد من الصحابة ومن بعدهم 1/ 175 - 176. وانظر "معاني القرآن" للزجاج 1/ 69، (تفسير أبي الليث) 1/ 104، "تفسير الثعلبي" 1/ 58 ب، وابن عطية 1/ 210. (¬3) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 69، "تفسير أبي الليث" 1/ 104، والثعلبي 1/ 58 ب، "الكشاف" 1/ 262. (¬4) والأولى أن يراد بها ما يعم كل طهارة، كما قال الزجاج: إن (مطهرة) أبلغ من (طاهرة) لأن (مطهرة) للتكثير 1/ 69. وانظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 210. (¬5) انظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 58 ب. (¬6) في (ب): (التبعيض). (¬7) انظر: "تفسير ابن كثير" 1/ 68. (¬8) (من) ساقط من (ب). (¬9) ذكره الواحدي في "أسباب النزول": ص 26، وأخرجه "الطبري" بسنده عن ابن عباس =

وقال (¬1) الحسن وقتادة: لما ذكر الله الذباب والعنكبوت في كتابه، وضرب للمشركين به المثل ضحكت اليهود وقالوا: ما يشبه هذا كلام الله، فأنزل الله هذه الآية (¬2) قال أهل المعاني: قوله {إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي} خرج على لفظهم (¬3)، حيث قالوا: إن الله يستحي (¬4) أن يضرب المثل بالذباب والعنكبوت (¬5)، كقوله: {فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ} [هود: 13] لما قالوا: إنه سحر مفترى (¬6). ¬

_ = ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم 1/ 177، وأخرجه أبن أبي حاتم عن السدي 1/ 68، وذكره ابن كثير 1/ 68، وذكره السيوطي في "الدر" عن ابن مسعود وناس من الصحابة 1/ 88. (¬1) (الواو) ساقطة من (ب). (¬2) ذكره الواحدي في "أسباب النزول": ص 26 - 27، وذكره ابن قتيبة في "تفسير غريب القرآن": ص 44 ولم ينسبه، وكذا الثعلبي بنحوه 1/ 59 أ. وأخرج ابن جرير عن قتادة وفيه: قال المشركون: ما بال العنكبوت والذباب يذكران ... إلخ، 1/ 177 - 178، ونحوه عند ابن أبي حاتم، وقال: روي نحوه عن الحسن 1/ 69. قال السيوطي في "لباب النقول" بعد أن ذكر قول قتادة: (وذكر المشركين لا يلائم كون الآية مدنية، وما أوردناه عن قتادة والحسن حكاه عنهما الواحدي بلا إسناد بلفظ: (قالت اليهود) وهو أنسب، "لباب النقول": ص 13، وانظر: ابن كثير 1/ 68، "زاد المسير" 1/ 54، "الكشاف" 1/ 236، "البحر" 1/ 120. (¬3) أي: لفظ اليهود أو المشركين الذين قالوا ذلك. (¬4) في (ب): (لا يستحيي). (¬5) ذكره الزمخشري في "الكشاف"، وجعله من باب (القابلة) "الكشاف" 1/ 236، " البحر" 1/ 121، 122. (¬6) ورد هذا فيما حكاه الله من رد قوم موسى في قوله: {فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى} [القصص:36].

وقال بعضهم: معنى (¬1) قوله: {لَا يَسْتَحْيِي} هو أن الذي يستحيا منه ما يكون قبيحا في نفسه، ويكون لفعله عيب في فعله فأخبر الله سبحانه أن ضرب المثل منه ببعوضة فما فوقها ليس بقبيح ولا نقص ولا عيب، حتى يستحيا منه، فوضع: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَستَحِى أَن يَضرِبَ مَثَلاً} موضع ذلك، كأنه قيل: إن ما يضربه الله من المثل بالبعوض (¬2) لا يستحيا منه (¬3)، لأن حقيقة الاستحياء في وصفه لا يجوز، لأنه يخاف عيبا، ويستحيل في وصفه أن يحذر نقصًا (¬4). وقيل: معنى: {لَا يَسْتَحْيِي}: لا يترك، لأن أحدنا إذا استحيا من شيء تركه (¬5)، ومعناه أن الله لا يترك ضرب المثل ببعوضة فما فوقها إذا علم أن فيه عبرة لمن اعتبر، وحجة على من جحد (¬6). وقيل: معناه (لا ¬

_ (¬1) (معنى) ساقط من (ب). (¬2) في (أ) و (ج): (بالتعرض) وما في (ب) هو الصحيح. (¬3) انظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 59 أ. (¬4) ومن أجل هذا أول معنى الآية، وجميع الوجوه التي أوردها في تفسير الآية تأويل، وهذا وافق نهج المتكلمين في باب الصفات، الذين يستعملون تلك المقدمات العقلية لنفي بعض الصفات. أما السلف فإنهم يعتصمون بالنص في الإثبات والنفي، فما أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسوله أثبتوه وما نفاه الله عن نفسه أو نفاه عنه رسوله نفوه. انظر: "شرح العقيدة الطحاوية": ص 178، "الرسالة التدمرية". ص 70، والأولى في معنى الآية ما ذكره "الطبري" قال: (.. معنى الكلام: إن الله لا يستحيي أن يصف شبها لما شبه به الذي هو ما بين البعوضة إلى ما فوق البعوضة). "الطبري" 1/ 178 - 179، وقد نقل الواحدي عن "الطبري" قولاً آخر وادعى أن اختاره والأمر بخلاف ذلك كما سيأتي. (¬5) ذكره ابن عطية 1/ 212، "القرطبي" 1/ 242، وابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 54، والزمخشري (الكشاف) 1/ 263. (¬6) في (ب) (حجه).

يخشى) والخشية والاستحياء يقوم أحدهما مقام الآخر كقوله: {وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ} [الأحزاب: 37]، أي تستحي (¬1) الناس] (¬2) والله أحق أن تستحيي (¬3) منه، وهذا اختيار محمد بن جرير (¬4). قال أهل اللغة: أصل الاستحياء من الحياة (¬5)، واستحيا الرجل لقوة الحياة فيه (¬6)، لشدة علمه بمواقع العيب (¬7)، فالحياء من قوة الحس ولطفه (¬8) ¬

_ (¬1) (تستحي) يتعدى بنفسه وبالجار وعداه الواحدي بنفسه، وهي عبارة "الطبري": (وتستحي الناس، والله أحق أن تستحيه ..) 1/ 179، انظر "البحر" 1/ 121. (¬2) ما بين المعقوفين ساقط من (ب). (¬3) في (ب): (يستحيا منه). (¬4) لقد وهم الواحدي في زعمه أن هذا اختيار "الطبري"، وتبعه على هذا الوهم أبو حيان في "البحر" 1/ 121. قال "الطبري": (وأما تأويل قوله: (إن الله لا يستحي) فإن بعض المنسوبين إلى المعرفة بلغة العرب كان يتأول معنى (إن الله لا يستحي): أن الله لا يخشى أن يضرب مثلاً ... فيقول: الاستحياء بمعنى الخشية، والخشية بمعنى الاستحياء ...). قال محمود شاكر: (... إن لفظ "الطبري" دال على أنه لم يحقق معناه ولم يرضه، ولم ينصره ...) 1/ 402، 403 (ط. شاكر). ثم قال محمود شاكر في موضع آخر: (هذا بقية تفسير الكلمة على مذهب من قال: إن الاستحياء بمعنى الخشية، لا ما أخذ به "الطبري"، "تفسير الطبري" صريح، بيّن في آخر الآية) 1/ 404. ونجد "الطبري" يقول في آخر الآية: (فقد تبين إذا بما وصفنا، أن معنى الكلام: إن الله لا يستحي أن يصف شبها لما شبه به الذي هو ما بين بعوضة إلى ما فوق البعوضة) 1/ 179. فلم نر "الطبري" يؤول (الاستحياء) بـ (الخشية) والله أعلم. (¬5) في (أ)، (ب): (الحيوة). (¬6) في (ب): (واستحيا الرجل لقلة الحياة، واستحيا الرجل لقوة الحياة فيه ...). (¬7) في (ب): (الغيب). (¬8) في (ب): (ولفظه).

وقوة الحياة (¬1) (¬2). وقوله تعالى: {أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا} الضرب في المثل مستعار، ومعناه (¬3) التسيير للمثل، والجعل لها (¬4) يسير في البلاد (¬5)، وذكرنا معنى المثل مستقصى فيما (¬6) تقدم (¬7). وقوله تعالى: {مَا بَعُوضَةً}. النصب في بعوضة من جهتين (¬8)، أحدهما: أن تكون (ما) زائدة، كأنه قال: إن الله لا يستحيي أن يضرب بعوضة مثلا، ومثلا بعوضة، و (ما) زائدة مؤكدة كقوله {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ} [آل عمران: 159] فـ (ما) في التوكيد بمنزلة (حق) إلا أنه لا إعراب لها. ¬

_ (¬1) في (أ): (الحيوة). (¬2) قال ابن فارس: (الحاء والياء والحرف المعتل أصلان: أحدهما خلاف الموت، والآخر الاستحياء الذي هو ضد الوقاحة) "مقاييس اللغة" (حي) 2/ 122، وانظر "تهذيب اللغة" (حي) 1/ 954، "الصحاح" (حيا) 6/ 2324، "اللسان" 2/ 1080، "مفردات الراغب": ص140، "التاج" (حي) 19/ 359، "الكشاف" 1/ 263. (¬3) في (ب): (ومعناه السير للمثل). (¬4) كذا ورد في جميع النسخ ولعل الصواب (له). (¬5) قال "الطبري": (يبين ويصف)، 1/ 179، وذكر ابن الجوزي عن ابن عباس: أن يذكر شبها. "زاد المسير" 1/ 54، وقيل ومعنى يضرب: يذكر، أو يصير. انظر. "تفسير ابن عطية" 1/ 212 - 213، "القرطبي" 1/ 208، "البحر" 1/ 122. (¬6) في (ب): (مما). (¬7) عند قوله تعالى: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا} الآية [البقرة:17]، انظر: ص 186 - 188. (¬8) ذكره الزجاج قال: (فأما إعراب (بعوضة) فالنصب من جهتين في قولنا وذكر بعض النحويين جهة ثالثة، فأما أجود هذِه الجهات فأن تكون (ما) زائدة مؤكدة ..) "معاني القرآن" 1/ 70.

والخافض والناصب يتعداها إلى ما بعدها، ومعناها التوكيد فقط (¬1). فإذا جعلت (ما) زائدة نصبت بعوضة على أنها المفعول الثاني (ليضرب) (¬2)، لأن (يضرب) [هاهنا معناه: يجعل. هذا هو الاختيار عند البصريين (¬3). الوجه الثاني: أن تكون (ما)] (¬4) نكرة (¬5) بمنزلة شيء، فيكون المعنى: إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلاً شيئاً من الأشياء، ثم أبدل بعوضة من شيء (¬6)، فقال: {بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا} وهذا (¬7) قول الفراء (¬8). وقال الكسائي: معناه: أن يضرب مثلاً ما بين بعوضة إلى ما فوقها، ¬

_ (¬1) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 70، وقد ذكره الفراء و"الطبري" واختارا غيره كما سيأتي، انظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 21، و"الطبري" 1/ 179 - 180، وانظر الثعلبي 1/ 59 أ، "البيان في غريب إعراب القرآن" 1/ 65، "الإملاء" 1/ 16، "الكشاف" 1/ 264. (¬2) في (ب): (كيضرب). (¬3) انظر: "الطبري" 1/ 180، "معاني القرآن" للفراء 1/ 21. وفيه وجه آخر: وهو أن (بعوضة) بدل من (المثل)، انظر الثعلبي 1/ 59 أ، "الإملاء" 1/ 26، "البيان" 1/ 65، "الكشاف" 1/ 264، "تفسير ابن عطية" 1/ 152، قاله الزجاج 1/ 71. (¬4) ما بين المعقوفين ساقط من (ب). (¬5) في (ب): (ذكره). (¬6) في (أ)، (ج): (شيئاً). (¬7) في (ب): (فهذا). (¬8) انظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 22، والقول الذي اختاره الفراء القول الآتي الذي نسبه الواحدي للكسائي، وانظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 70، و"الطبري" 1/ 180، والثعلبي 1/ 59 أ.

ثم حذف (بين) و (إلى) ونصب بعوضة بإسقاط الخافض. وفي (¬1) كلام العرب: (مطرنا ما زُبَالَة فالثعلبية) بمعنى ما بين زُبَالَة إلى الثعلبية (¬2)، ويقولون: (له عشرون ما ناقة فجملا) أي ما بين ناقة وجمل، وهو (¬3) أحسن الناس ما قَرْناً فقَدَماً (¬4). وأنكر المبرد هذين القولين فقال: أما قول الفراء: إنه يجعل (ما) اسما تاما، وينصب بعوضة بدلا منه (¬5)، فإن القول في ذاك ما قال الخليل وسيبويه، قالا جميعاً: إن (من) و (ما) يكونان (¬6) نكرتين، فيلزمهما الصفة كلزوم الصلة (¬7) إذا كانا معرفتين، تقول (¬8): مررت بمن صالحٍ، أي: بإنسان ¬

_ (¬1) (والواو) ساقطة من (ب). (¬2) (زبالة) و (الثعلبية) موضوعان معروفان من المنازل في الطريق بين الكوفة ومكة. انظر: "معجم ما استعجم" 1/ 341،2/ 693، "معجم البلدان" 2/ 78، 3/ 129. (¬3) في "معاني القرآن" للفراء (وهي) 1/ 22، وكذا في "الطبري" 1/ 180. (¬4) المعنى: ما بين القرن والقدم. ورد الكلام في "معاني القرآن" للفراء ولم ينسبه للكسائي 1/ 22، وذكره "الطبري" ولم يعزه، وعزاه محمود شاكر في حاشية "الطبري" للفراء 1/ 405، وفي الآية وجه آخر ذكره بعض المفسرين: وهو أن تكون (ما) بمعنى (الذي) و (بعوضة) مرفوع، لأنه خبر مبتدأ مقدر، أي: الذي هو بعوضة، وأنكر الزجاج هذا الوجه، لأنه لم يثبت قراءة، وإن كان صحيحاً في الإعراب. انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 71. أما "الطبري" فاختار هذا الوجه، ولكن على نصب (بعوضة) وذكر لنصبها وجهين ... انظر "تفسير الطبري" 1/ 179، وانظر: "البيان" 1/ 66، وابن عطية 1/ 213. (¬5) الفراء لم يرجح هذا القول، وإنما رجح القول الذي نسبه الواحدي للكسائي حيث قال: (الوجه الثالث: -وهو أحبها إليَّ- فأن تجعل المعنى على: إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بين البعوضة إلى ما فوقها ..)، "معاني القرآن" 1/ 22. (¬6) (يكونان) ساقطة من (ج). (¬7) في (ب): (الصفة). (¬8) في (أ)، (ج): (يقول).

صالح. ومررت بما حسنٍ، أي بشيء حسن. فلا يكونان نكرتين إلا بوصفهما. كما لا يكونان (¬1) معرفتين إلا بصلتهما (¬2). والفراء جعل (ما) وحدها اسما (¬3)، لأن البعوضة ليست بصفة. وقال سيبويه (¬4) في قوله تعالى: {هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ} [ق: 23] يجوز أن يكون (ما) نكرة، أي هذا شيء لدي عتيد، ويجوز أن يكون في معنى (الذي) (¬5). وأما قول الكسائي: (ما بين كذا إلى كذا) (¬6) فإنما يحكى هذا الكلام عن أعرابي وحده، وإن صح فوجهه غير ما ذكر، وهو أن يكون (ما) صلة، فيكون الكلام: (مطرنا (¬7) زبالة فالثعلبية) كما تقول: أتيت الكوفة فالبصرة. ولو كان معناه (ما بين)، لم يكن المطر بزبالة ولا الثعلبية، لأن ما بينهما غيرهما، وإضمار (بين) فبعيد جداً. و (البعوض) صغار البق، الواحدة بعوضة، وذلك لأنها كبعض البق في الصغر (¬8). ¬

_ (¬1) في (أ)، (ج): (يكونان) بسقوط (لا). (¬2) انظر: "الكتاب" 2/ 105 - 107. (¬3) الفراء اختار غير هذا القول كما سبق، وانظر: "معاني القرآن" 1/ 22. (¬4) (سيبويه) ساقط من (ب). (¬5) انظر: "الكتاب" 2/ 106. (¬6) هذا الكلام في "معاني القرآن" ولم يعزه للكسائي، عزا إليه كلاما بمعناه قال: (قال الكسائي سمعت أعرابيًّا ورأى الهلال فقال: الحمد لله ما إهلالك إلى سَرارِك، يريد ما بين إهلالك إلى سرارك ... وحكا الكسائي عن بعض العرب: الشَّنَقُ ما خمسا إلى خمس وعشرين، يريد ما بين خمس إلى خمس وعشرين. والشَّنَقُ: ما لم تجب فيه الفريضة من الإبل ..)، "معاني القرآن" للفراء 1/ 22، 23. (¬7) في (ب) (فيكون) (الكلام مثل ما زبالة). (¬8) انظر: "الصحاح" (بعض) 3/ 1066، "زاد المسير" 1/ 55، "القرطبي" 1/ 209، ورجح الدميري: أن البعوض غير البق، انظر: "حياة الحيوان" 1/ 179.

وقوله تعالى: {فَمَا فَوْقَهَا} يعني ما هو أكبر منها، لأن البعوض نهاية في الصغر (¬1). قال ابن عباس: يعني الذباب والعنكبوت (¬2)، وهما فوق البعوض. [وقيل: أراد بما فوق البعوض] (¬3) الفيل، وذلك أن الله تعالى خلق للبعوضة من الأعضاء مثل ما خلق للفيل (¬4) على عظمه، وزاد للبعوض جناحين، ففي ضربه المثل به أعظم عبرة وأتم دلالة على كمال قدرته وتمام حكمته. وقال بعضهم: فما فوقها، يعني في الصغر، يريد فما هو أصغر منها (¬5)، لأنه يقال: فلان فوق فلان في الحقارة والدناءة. واختار قوم هذا (¬6)، لأن الغرض المطلوب هاهنا الصغر. فإن قيل: إذا كانت البعوضة هي النهاية في الصغر، فلا معنى في (¬7) (فما فوقها) في الصغر، قيل: ليس الأمر على ما قلتم، لأن ما دون ¬

_ (¬1) ذكره الفراء ورجحه، انظر "معاني القرآن" 1/ 20. "معاني القرآن" للزجاج 1/ 71، "معاني القرآن" للأخفش 1/ 215، "تفسير الطبري" 1/ 180، أبي الليث 1/ 104، والثعلبي 1/ 59 أ، "الكاشف" 1/ 265. (¬2) ذكر الثعلبي 1/ 59 أ، وأبو الليث 1/ 104، وابن قتيبة في "غريب القرآن" ولم يعزه لابن عباس: ص 27. (¬3) ما بين المعقوفين مكرر في (ب). (¬4) في (ب): (الفيل). (¬5) ذكره الفراء في "معاني القرآن" 1/ 20، والزجاج في "المعاني" 1/ 71، والأخفش في "المعاني" 1/ 215، و"الطبري" 1/ 180، وضعفه، وذكره أبو الليث 1/ 104، وأبو عبيده في "المجاز" 1/ 35، وابن قتيبة في "المشكل": ص 27، وابن الأنباري في "الأضداد": ص 250، والزمخشري في "الكشاف" 1/ 265. (¬6) كأبي عبيدة في "المجاز" 1/ 35، وابن قتيبة في "المشكل": ص 27. (¬7) في (ب): (فلا معنى فيما).

البعوضة في الصغر متوهم معقول، وإن لم ير، كما قال: {طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (65)} [الصافات: 65] [الصافات: 65] فالمشبه به معقول وإن لم ير، وكما قال الشاعر: وَمَسْنُونةٌ زُرْقٌ كَأنْيَابِ أغْوَالِ (¬1) ولم ير ناب الغول. ويؤكد هذا التأويل قول أبي عبيدة في هذه الآية وهو أنه (¬2) قال: (فما فوقها) يعني: فما دونها (¬3). و (فوق) من الأضداد، لأنه لا فوق (¬4) إلا ويصلح أن يكون دون، لأن من فوقك (¬5) يصلح أن يكون دون غيرك فذلك فوق (¬6) من وجه ودون من وجه (¬7). وإذا كان (فوق) بمعنى ¬

_ (¬1) عجز بيت لامرئ القيس وصدره: أيقْتُلُنِي والمشْرَفِيُّ مُضَاجِعِي المشرفي: السيف، (مسنونة زرق): سهام محددة الأزجه صافية، شبهها بأنياب الأغوال، تشنيعا ومبالغة في الوصف، والأغوال: الشياطين، وقيل: الحيات. انظر "ديوان امرئ القيس": ص 125، "تهذيب اللغة" (غال) 8/ 193، "المخصص" 8/ 11، "اللسان" (غول) 6/ 3318، "البحر المحيط" 2/ 304. (¬2) في (ب): (أن). (¬3) "مجاز القرآن" 1/ 35. (¬4) في (ب): (لا فرق). (¬5) في (ب): (فوق الصلح). (¬6) (فوق) ساقط من (ب). (¬7) انظر: "الأضداد" لأبي حاتم: ص101، ولابن الأنباري: ص 250، وقد ذكر عن قطرب: (أن فوق تكن بمعنى: (دون) مع الوصف، كقول العرب: إنه لقليل وفوق القليل، ولا تكون بمعنى: (دون) مع الأسماء، كقول العرب: هذِه نملة وفوق النملة ...) ورد أقوال المفسرين الذين قالوا: إن (فوقا) في الآية بمعنى (دون)، وغلّطه ابن الأنباري في هذا ورد عليه. والأقرب أن (فوق) في الآية تكون بمعنى: أعظم، وبمعنى: دون، وهذا هو اختيار ابن الأنباري، وانظر: "المشكل" لابن قتيبة: ص 27، "البحر" 1/ 123، وابن كثير 1/ 69.

(دون) كان المعنى (فما دونها) أي: ما هو أصغر منها. وقد استشهد على استحسان ضرب المثل بالحقير [في] (¬1) كلام العرب بقول الفرزدق: ضَرَبَتْ عَلَيْكَ العَنْكَبوُتُ بِنَسْجِهَا ... وَقَضَى (¬2) عَلَيْكَ بِهِ الكِتَابُ المُنْزَلُ (¬3) وبقوله أيضاً: وَهَل شَيءٌ يَكُوُن أذَل بَيتَاً (¬4) ... مِنَ اليَرْبُوعِ يَحْتَفِرُ التُّرَابَا (¬5) وقوله تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ}. مدحهم الله بعلمهم أن المثل وقع في (¬6) حقه (¬7) وذم الكافرين بإعراضهم عن طريق الاستدلال وإنكارهم ما هو صواب وحكمة. وقوله تعالى: {مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا}. قال أبو إسحاق: (ماذا) يجوز أن يكون (ما) و (ذا) اسماً واحداً، ويكون موضعها نصباً، المعنى: ¬

_ (¬1) (في) إضافة من "الوسيط" للواحدي 1/ 66، لاستقامة السياق. (¬2) في (ب): (ومعن). (¬3) استشهد الواحدي بالبيت في "الوسيط" 1/ 66، وهو في "ديوان الفرزدق" 2/ 155، من قصيدة طويلة ضمن نقائضه مع جرير. (¬4) (بيتا) ساقط من (ب). (¬5) استشهد الواحدي بالبيت في "الوسيط" 1/ 66، وهو في "ديوان الفرزدق" 1/ 103. (¬6) (في) ساقط من (ب). (¬7) قال "الطبري": يعرفون أن المثل الذي ضربه الله، لما ضربه له مثل، ثم ذكر عن الربيع وقتادة أن هذا المثل الحق من ربهم، وأنه كلام الله 1/ 181، وانظر "معاني القرآن" للزجاج 1/ 71/ "تفسير الثعلبي" 1/ 59 أ.

أي شيء أراد الله بهذا مثلًا؟ ويجوز أن يكون (ذا) مع (ما) بمنزلة (الذي) فيكون المعنى: ما الذي أراده (¬1) الله بهذا مثلا؟ فيكون (ما) رفعاً بالابتداء و (ذا) في معنى الذي وهو خبر الابتداء، انتهى كلامه (¬2). وفائدة الوجهين يتبين في الجواب، فإنك إن جعلته اسمًا واحداً كان جوابه منصوبًا، وإن جعلت (ما) ابتداء و (ذا) خبره كان الجواب مرفوعا، مثاله أنَّ قائلا لو (¬3) قال لك: ماذا أراد الله بهذا مثلا؟ قلت: البيانَ لحال (¬4) الذي ضرب له المثل، لأنك أبدلته من (ماذا) وهو نصب. وفي الوجه الثاني قلت: البيانُ بالرفع؛ لأن (ذا) محله رفع بخبر الابتداء (¬5). وجاء في القرآن بالتقديرين (¬6) جميعًا في قوله: {مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا} [النحل: 30]، و {مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} [النحل:24] فعلى النصب كأنه قيل: أي شيء أنزل ربكم (¬7)؟، وعلى الرفع (¬8): أي شيء الذي (¬9) أنزله (¬10) ¬

_ (¬1) في (ب): (أرا د). (¬2) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 42، وانظر: "مشكل إعراب القرآن" لمكي 1/ 32، "البيان" 1/ 66، "الإملاء" 1/ 26 , وقد ذكر النحويون أن (ماذا) تأتي في ستة أوجه، لكن يجوز في الآية وجهان ذكرهما المؤلف , انظر مغنى اللبيب 1/ 300 "البحر" 1/ 124، و"الدر المصون" 1/ 223. (¬3) (لو) ساقطة من (ب). (¬4) في (أ)، (ج): (الحال) أتنبت ما في (ب) لمناسبته للسياق. (¬5) انظر: "الكتاب" 2/ 417، 418، "الكشاف" 1/ 266, "البحر" 1/ 124,. (¬6) في (ب): (التقدير). (¬7) وعليه جاءت الآية الأولى: (قالوا خيرا). (¬8) وعليه جاءت الآية الثانية: (قالوا أساطير الأولين) انظر "الكتاب" 2/ 417. (¬9) (الذي) ساقط من (ب). (¬10) في (ج): (أنزل).

ربكم؟ واستشهد سيبويه (¬1) في الرفع بقول الشاعر: ألا تسألانِ المرءَ ماذا يُحاوِلُ ... أَنَحْبٌ فَيُقْضَى أمْ ضَلالٌ وَبَاطِلُ (¬2) وبقولهم: (عَمَّاذَا تَسْأَل) على أنهما بمنزلة اسم واحد ولو لم يكن كذلك لقالوا: (عم ذا تسأل) (¬3) وذكرنا هذه المسألة بأبلغ من هذا في الشرح، عند قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ} [البقرة:219]. وفي نصب قوله: {مَثَلًا} وجوه، أحدها: الحال (¬4)، لأنه جاء بعد تمام الكلام كأنه قيل: ماذا أراد الله بهذا مبينا. والثاني: التمييز والتفسير للمبهم (¬5)، وهو (هذا) كأنه قيل ماذا أراد الله بهذا من ¬

_ (¬1) "الكتاب" 1/ 417. (¬2) البيت مطلع قصيدة للبيد بن ربيعة، يرثي بها النعمان بن المنذر. النحب: النذر، يقول: ألا تسألان رجلًا مجتهداً في أمر الدنيا والسعي خلفها، كأنه أوجب على نفسه نذرا في ذلك، فهو يجري لقضاء ذلك النذر، أم هو ضلال وباطل من أمره. ورد البيت عند سيبوبه 2/ 417، "معاني القرآن" للفراء1/ 139، (المعاني الكبير) 3/ 1201، "جمل الزجاجي" ص 349، "المخصص" 14/ 103، "مغني اللبيب" 1/ 300، "شرح المفصل" 3/ 149، 4/ 23، "الخزانة" 2/ 252، 6/ 145، "الدر المصون" 1/ 229 (ديوان لبيد) ص 254، والشاهد (أنحب) حيث جاء مرفوعًا فدل على أن (ذا) في معني (الذي). (¬3) (عم ذا تسأل) بحذف ألف (ما) لأن (ما) إذا كانت استفهاما ودخل عليها حرف الجر حذفت ألفها، فلما ثبتت الألف دل على أنها مركبة مع (ذا)، انظر: "الكتاب" 2/ 418، "شرح المفصل" 3/ 150. (¬4) اختلف في صاحب الحال، فقيل: اسم الإشارة، وقيل لفظ الجلالة (الله)، انظر "تفسير الثعلبي" 1/ 418، "المشكل" لمكي 1/ 231، وبن عطية 1/ 213، "البيان" 1/ 67، "البحر" 1/ 125، "الدر المصون" 1/ 231. (¬5) في (ب) (للمتهم).

الأمثال (¬1). والثالث: القطع، كأنه قيل: ماذا أراد الله بهذا المثل (¬2)؟ إلا أنه لما جاء نكرة (¬3) نصب على القطع عن إتباع المعرفة، وهذا مذهب الفراء وأحمد بن يحيى (¬4)، ومعناه: إن الذين كفروا يقولون: أي فائدة في ضرب المثل بهذا؟ فأضلهم الله سبحانه فقال: {يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا} (¬5) أي: أراد الله بهذا المثل أن يضل به كثيرًا من الكافرين، وذلك (¬6) أنهم ينكرونه ويكذبونه. ويهدي به كثيرًا من المؤمنين، لأنهم يعرفونه ويصدقون به (¬7). قال (¬8) الأزهري: (والإضلال) في كلام العرب ضد الهداية والإرشاد، يقال (¬9): أضللت فلانا، إذا وجهته للضلال عن الطريق فلم (¬10) ترشده، وإياه أراد لبيد بقوله: ¬

_ (¬1) انظر: "المشكل" لمكي1/ 33، وابن عطية 1/ 213، "البيان" 1/ 67، "الإملاء" 1/ 26، "البحر" 1/ 125، "الدر المصون" 1/ 231. (¬2) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 154، والثعلبي 1/ 95 أ، "البحر" 1/ 125، وقال أبو حيان: إن هذا مذهب الكوفيين، والمراد بالقطع: أنه يجوز أن يعرب بإعراب الاسم الذي قبله، فإذا لم تتبعه في الإعراب وقطعته عنه نصب على القطع، وقال: وهذا كله عند البصريين منصوب على الحال، ولم يثبت البصريون النصب على القطع، انظر: "الدر المصون" 1/ 231. (¬3) في (ب): (ذكره). (¬4) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 154، "البحر" 1/ 125. (¬5) قوله: (يهدي به كثيرا) ساقط من (أ)، (ج). (¬6) في (ب): (وكذلك). (¬7) انظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 59 ب. (¬8) في (ب): (كذلك قال الأزهري). (¬9) في (ب): (يقول). (¬10) قوله: (فلم ترشده) ليس في "تهذيب اللغة".

مَنْ هَدَاهُ سُبُلَ الخَيْرِ اهْتَدى ... نَاعِمَ البَالِ ومَنْ شَاءَ أَضَل (¬1) قال لبيد هذا في الجاهلية، فوافق قوله التنزيل: {يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} (¬2) (¬3) (¬4). ولا يجوز أن يكون معنى الإضلال: الحكم والتسمية، لأن أحدنا إذا حكم بضلالة (¬5) إنسان لا يقال: أضله، وهذا لا يعرفه أهل اللغة (¬6). وقوله تعالى: {وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ}. قال الليث: (الفسق) الترك لأمر الله، ومثله (الفسوق) (¬7). قال أبو عبيدة: وأصله في اللغة الجور ¬

_ (¬1) البيت ورد في "تهذيب اللغة" (ضل) 3/ 2130، "اللسان" (ضلل) 5/ 2601، "ديوان لبيد مع شرحه" ص 174، "الوسيط" للواحدي 1/ 67. (¬2) في (ب): (تضل وتهدي). (¬3) جزء من آية في النحل: 93، وسورة فاطر آية: 8 (¬4) "تهذيب اللغة" (ضل) 3/ 2130، وانظر: "اللسان" (ضلل) 5/ 2601. (¬5) في (ب): (بضلال). (¬6) يرد بهذا على المعتزلة الذين قالوا: إن الله لا يخلق الضلال، ومعناه الإضلال عندهم هنا: الحكم أو التسمية، أو أنه من إسناد الفعل إلى السبب كما قال الزمخشري في "الكشاف" 1/ 267. وعند أهل السنة: أن الله خالق العباد وخالق أفعالهم، انظر "تفسير أبي الليث" 1/ 105، وابن عطية 1/ 216 - 217، "الإنصاف" فيما تضمنه "الكشاف" من الاعتزال حاشية على "الكشاف" 1/ 267، "القرطبي" 1/ 209 - 210. قال ابن كثير: قال السدي في "تفسيره": عن أبي مالك، وعن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مرة عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة: (يضل به كثيرا) يعني به المنافقين (ويهدي به كثيرا) يعني به المؤمنين فيزيد هؤلاء ضلالة إلى ضلالتهم لتكذيبهم .. ويهدي به بمعنى: المثل كثيرا من أهل الإيمان والتصديق فيزيدهم هدى إلى هداهم وإيمانا إلى إيمانهم لتصديقهم ..) ابن كثير 1/ 69 - 70. (¬7) "تهذيب اللغة" (فسق) 3/ 2788.

27

والميل عن الطاعة، يقال: (فسق) إذا جار. وأنشد (¬1): فواسِقًا عَنْ قَصْدِهِ (¬2) جَوَائِرا (¬3) وقال الفراء (الفسق) (¬4) الخروج عن الطاعة، قال: والعرب تقول: فسقت الرطبة من قشرها، لخروجها منه، وكأن الفأرة إنما سميت (فويسقة) لخروجها من جحرها على الناس (¬5). وقال أبو العباس: (الفسوق) الخروج (¬6). وقال أبو الهيثم: وقد يكون الفسوق شركًا، ويكون إثمًا (¬7). والذي أريد به هاهنا الكفر (¬8) لقوله (¬9) تعالى: 27 - {الَّذِينَ ينَقُضُونَ}. (والذين) من صفة الفاسقين. و (النقض) في ¬

_ (¬1) "مجاز القرآن" 1/ 406، "تهذيب اللغة" (فسق) 3/ 2788، والخص من "التهذيب". (¬2) في (ب): (أمره) وهي رواية وردت في "اللسان" (فسق) 6/ 3414. (¬3) البيت لرؤبة كما في "مجاز القرآن" وقبله: يهوِين في نَجد وغورًا غائرا يصف إبلا منعدلة عن قصد نجد ورد البيت في "مجاز القرآن" 1/ 406، وفيه (قصدها) بدل (قصده) ومثله عند "الطبري" 15/ 261، وبمثل رواية الواحدي ورد في "الزاهر" 1/ 218، "تهذيب اللغة" (فسق) 3/ 2788، "اللسان" 6/ 3414، "القرطبي" 1/ 210. (¬4) (الفسق) ساقط من (ب) (¬5) "معاني القرآن" للفراء 2/ 147، وفيه قوله: (ففسق عن أمر ربه) أي: خرج عن طاعة ربه، والعرب تقول: .. ونحوه في "التهذيب" (فسق). (¬6) "تهذيب اللغة" (فسق) 3/ 2778. (¬7) في "التهذيب" وقال أبو الهيثم: الفسوق يكون الشرك ويكون الإثم (فسق) 3/ 2789، وانظر: "اللسان" (فسق) 6/ 3414. (¬8) انظر: "الطبري" 1/ 182، و"ابن كثير" 1/ 70، "زاد المسير" 1/ 56، و"القرطبي" 1/ 210. (¬9) في (ب): (كقوله).

اللغة: الهدم، وإفساد ما أبرمته من حبل أو بناء (¬1)، و (نقيض الشيء) (¬2): ما ينقضه (¬3) اي: يهدمه ويرفع حكمه (¬4). والمناقضة في الشعر أن (¬5) يقول الشاعر قصيدة، فينقض عليه شاعر آخر حتى يجيء بغير ما قال، والاسم النقيضة (¬6) ويجمع على النقائض، ولهذا المعنى قالوا: نقائض (¬7) جرير والفرزدق (¬8). وقوله تعالى: {عَهْدَ اللَّهِ}. (العهد) في اللغة يكون لأشياء مختلفة (¬9)، والذي أريد به هاهنا الوصية (¬10) والأمر من قولهم: عهد الخليفة إلى فلان كذا وكذا، أي (¬11): أمره. ومنه قوله تعالى: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ} [يس: ¬

_ (¬1) ذكر نحوه الأزهري عن الليث، "تهذيب اللغة" (نقض) 4/ 3648، وانظر "اللسان" (نقض) 8/ 4524. (¬2) في (أ): (نقيض). (¬3) في (أ) و (ج): (ما تنقضه) وما في (ب) أصح، وموافق لما في "الوسيط" 1/ 68. (¬4) النقض: لغة: هو الكسر، وفي الاصطلاح: بيان تخلف الحكم المدعي عليه ثبوته أو نفيه عن دليل المعلل الدال عليه في بعض الصور. انظر "التعريفات" للجرجاني ص 245. والتناقض: (اختلاف قضيتين بالإيجاب والسلب بحيث يقتضي لذاته أن يكون إحداهما صادقة والأخرى كاذبة) انظر: "تيسير القواعد المنطقية شرح الرسالة الشمسية" 1/ 169. (¬5) في (ب): (الشعر أو يقول ...). (¬6) في (ب): (النقضة). (¬7) في (ب): (أنقاض). (¬8) ذكره الأزهري في "التهذيب" عن الليث (نقض) 8/ 364، انظر "اللسان" (نقض) 8/ 4524. (¬9) ذكر الأزهري عن أبي عبيد أن العهد يكون في أشياء مختلفة ثم ذكرها، انظر: "التهذيب" (عهد) 3/ 32607. (¬10) انظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 217. (¬11) في (ب): (أدا).

60] أي ألم آمركم (¬1). والعهد أيضًا (¬2) العقد الذي يتوثق به لما بعد (¬3). وذكر أبو إسحاق للعهد (¬4) المذكور في هذه الآية وجهين (¬5) أحدهما: ما أخذه على النبيين ومن اتبعهم ألا يكفروا بالنبي صلى الله عليه وسلم، وذلك قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ} [آل عمران: 81]. وقال (¬6): يجوز أن يكون عهد الله الذي أخذه من بين آدم من ظهورهم يوم الميثاق حين قال: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى} [الأعراف: 172] ثم جحدوا ونقضوا ذلك العهد في حال كمال عقولهم. والوجه الأول أصحهما، من قبل أن الله لا يحتج عليهم بما لا يعرفون، لأنه بمنزلة ما لم يكن إذا كانوا لا يشعرون به، ولا لهم دلالة عليه. والثاني مع هذه صحيح، لأنهم (¬7) عرفوا ذلك العهد بخبر الصادق، فكان كما لو كانوا يشعرون به (¬8). ¬

_ (¬1) أنظر: "تهذيب اللغة" (عهد) 3/ 2607. (¬2) في (ج): (أيضم). (¬3) انظر: "التهذيب" (عهد) 3/ 2607، "مفردات الراغب" ص 350. (¬4) في (ب): (العهد). (¬5) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 73، 72، وقد ذكر ثلاثة أوجه، وجهان ذكرهما المؤلف هنا، والثالث حين قال: وقال قوم: إن عهد الله: هو الاستدلال على توحيده، وأن كل مميز يعلم أن الله خالق، فعليه الإيمان به، ثم قال: والقولان الأولان في القرآن ما يصدق تفسيرهما. وذكر "الطبري" هذِه الوجوه وغيرها. (¬6) هذا هو الوجه الثاني. (¬7) في (أ)، (ج): (لأنه) وأثبت ما في (ب) لأنه أصح في السياق. (¬8) وبهذا يستدرك الواحدي على كلامه السابق عن العهد الذي أخذه الله على بني آدم حين استخرج ذرية آدم من ظهره، فهذا العهد ثابت بالخبر الصحيح، أخرجه "الطبري" في (تفسيره)، وجمع محمود شاكر طرقه وانتهى إلى الأخذ بما قرره =

وهذا (¬1) الوجه هو قول ابن عباس ذكره في قوله: {وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ} [الرعد: 25] في سورة الرعد، قال: يريد الذي (¬2) عهد إليهم في صلب آدم {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} (¬3). وقوله تعالى: {مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ}. (من) صلة لأجل التأكيد (¬4). والميثاق: ما وقع التوثيق (¬5) به، كما أن الميقات ما وقع التوقيت به، ومواقيت الحج من ذلك، لأنه وقع توقيت الإحرام ببلوغها. والكتاب أو ¬

_ = أحمد شاكر من تصحيح الحديث انظر: "الطبري" 13/ 223 ,222. قال ابن الجوزي: (ونحن وإن لم نذكر ذلك العهد، فقد ثبت بخبر الصادق فيجب الإيمان به) "زاد المسير" 1/ 56. ويبقى السؤال هل الميثاق المأخوذ عليهم هو العهد المراد بهذِه الآية أم لا؟ رجح ابن جرير: أن المراد بالعهد في هذِه الآية العهد الذي أخذه الله على بني إسرائيل في التوراة من الإقرار بمحمد - صلى الله عليه وسلم - بما جاء به وتبيين نبوته. انظر: "الطبري" 1/ 182 - 183. ورجح القرطبي وغيره. أنها عامة والعهد هو وصية الله تعالى إلى خلقه وأمره إياهم بطاعته وطاعة رسله، ونقضهم للعهد ترك ذلك. انظر: "القرطبي" 1/ 210، ابن كثير 1/ 70. (¬1) في (أ)، (ج): (هذِه) وأثبت ما في (ب) لأنه أصح في السياق. (¬2) في (ب): (الذين). (¬3) سورة الأعراف: 172. الأثر عن ابن عباس ذكره الواحدي في "الوسيط" قال (وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء) "الوسيط" 1/ 68. ولم أجد الأثر عن ابن عباس في هذا المعنى في آية (البقرة) ولا في آية (الرعد) وقد وردت آثار عن ابن عباس من طريق عطاء في الميثاق الذي أخذه الله على بني آدم أوردها "الطبري" في تفسير قوله تعالى: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} [الأعراف: 172] وليس في الآثار ذكر أنه هو العهد المراد بآية البقرة أو الرعد. انظر: "تفسير الطبري" 9/ 110 - 118. (¬4) وقيل: لابتداء الغاية، انظر: "إملاء ما من به الرحمن" 1/ 27، "زاد المسير" 1/ 56، "البحر" 1/ 127، قال أبو حيان: إن القول إنها زائدة بعيد. (¬5) في (ب): (للتوثيق).

الكلام الذي يستوثق به: ميثاق، الوقت الذي يعقد به الوعد: ميعاد (¬1)، وكذلك المصداق (¬2) ما انعقد الصدق به (¬3). و (الياء) في الميثاق منقلبة عن الواو (¬4). وقال الفراء: يقال في جمع الميثاق: مياثق ومواثق، قال (¬5): حِمىً لاَ يُحَلُّ الدَّهْرَ إلَّا بِإذْنِنَا ... وَلَا نَسْأَلُ الأَقْواَمَ عَقْدَ المَيَاثِقِ (¬6) والكناية في الميثاق يجوز أن تكون (¬7) عائدة على الله، [أي: من بعد ميثاق الله ذلك العهد، بما أكد من إيجابه عليهم. ويجوز أن تعود على العهد] (¬8)، أي: من بعد ميثاق العهد وتوكده (¬9). ¬

_ (¬1) في (ج): (من معاد). (¬2) في (ب): (الصداق). (¬3) انظر. "الوسيط" 1/ 69، و"الطبري" 1/ 184، "تهذيب اللغة" (وثق) 4/ 3834، "الكشاف" 2/ 268، "البحر" 1/ 127، "القرطبي" 1/ 211. (¬4) انظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 59 ب، "القرطبي" 1/ 211. (¬5) قول الفراء أورده الأزهري في "تهذيب اللغة"، قال: وأنشد في لغة (الياء)، أي (مياثق) "التهذيب" (وثق) 4/ 3834، وانظر "اللسان" (وثق) 8/ 4764. (¬6) البيت لعياض بن درة الطائي، وقيل: عياض بن أم درة، يصف قومه بالمنعة والقوة يقول: لنا حمى لا يحله احد إلا بإذننا، ولا نسأل أحدا عقد ميثاق حماية. ورد البيت في "تهذيب اللغة" (وثق) 4/ 3834، "إصلاح المنطق" ص 138، "الخصائص" 3/ 175، "اللسان" (وثق) 8/ 4764، "شرح المفصل" 5/ 221، وأورد أبو زيد البيت على رواية (المواثق) وقال عن راوية المياثق: إنها شاذة: انظر "النوادر" ص 271. (¬7) في (أ)، (ج): (يكون) واخترت ما في (ب) لأنه أصح في السياق. (¬8) ما بين المعقوفين ساقط من (أ، ج) والزيادة في (ب) يقتضيها السياق وقد وردت في "الوسيط" 1/ 69. (¬9) انظر "الطبري" 1/ 184، وابن عطية 1/ 218، "زاد المسير" 1/ 56، "الإملاء" 1/ 27، "الكشاف" 1/ 268.

وقوله تعالى: {وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ} [الرعد: 25] يعني الأرحام (¬1)، وذلك أنّ قريشاً قطعوا رحم النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمعاداة معه (¬2). وقيل: هو الإيمان بجميع الرسل والكتب، وهو نوع من الصلة، لأنهم قالوا: {نُؤمِنُ بِبَعضٍ وَنَكفُرُ بِبَعضٍ} [النساء: 150] فقطعوا. وهذا الوجه هو قول ابن عباس ذكره في الآية التي في (الرعد) (¬3)، وقال: المؤمن لا يفرق [بين أحد من رسله فوصلوا (¬4). قال الزجاج: وموضع {أَنْ يُوصَلَ} خفض على، (¬5) البدل من (الهاء) المعنى: ما أمر الله أن يوصل (¬6). {وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ} بالمعاصي، وتعويق الناس عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم (¬7). وقوله تعالى: {أُوْلئِكَ هُمُ الخاَسِرُونَ}. أصل الخسران في التجارة ¬

_ (¬1) رجح "الطبري" هذا القول 1/ 185، وانظر الثعلبي 1/ 555 ب، "تفسير أبي الليث" 1/ 105، "زاد المسير" 1/ 57، وابن كثير 1/ 70. (¬2) وهي عامة لكل قاطع لما أمر الله بوصله، انظر: "الطبري" 1/ 185. (¬3) وهي قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ}. (¬4) وصلوا بينهم الإيمان بجميع الرسل. انظر: "الوسيط" 1/ 69. والرواية عن ابن عباس ذكرها أبو الليث من طريق الضحاك وعطاء، في آية (البقرة) ولم أجد أحدًا - فيما اطلعت عليه- ذكرها في الرعد، الظر: "الطبري" 13/ 139 - 140، وقد ذكر الثعلبي1/ 59 ب، والبغوي 1/ 77، كلام ابن عباس بمعناه ولم ينسباه. (¬5) ما بين المعقوفين ساقط من (ب). (¬6) انتهي كلام الزجاج، "معاني القرآن" 1/ 73، وفيه (بأن يوصل). (¬7) انظر: "الطبري" 1/ 185، والثعلبي 1/ 59 ب.

28

أن يبتاع الرجل شيئًا فيوضع من رأس ماله (¬1)، وهي الوضيعة فيه، والمصدر: الخسارة والخسر، وصفقة (¬2) خاسرة غير مربحة، هذا هو الأصل (¬3)، ثم قيل لكل صائر إلى مكروه: خاسر، لنقصان حظه من الخير، والقوم نقصوا (¬4) بكفرهم راحة أنفسهم التي كانت لهم لو آمنوا، فاستحقوا العقوبة وفاتتهم المثوبة (¬5). 28 - قوله تعالى: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ} الآية. قال النحويون: (كيف) في الأصل سؤال عن الحال، لأن جوابه يكون بالحال، وهي منتظمة جميع الأحوال (¬6). ونظيرها في الاستفهام (كم) لأنها تنتظم جميع الأعداد و (ما) (¬7) وهي تنتظم جميع الأجناس، و (أين) وهي تنتظم جميع الأماكن، و (متى) [وهي تنظم جميع الأزمان، و (من)] (¬8) وهي تنتظم جميع ما يعقل (¬9). قال الزجاج: تأويل (كيف) هاهنا استفهام في معنى التعجب، وهذا ¬

_ (¬1) في (ب): (المال). (¬2) في (ب): (وصفقته). (¬3) انظر: "الطبري" 1/ 185، "التهذيب" (خسر) 1/ 1028، "مفردات الراغب" 147. (¬4) في (ب): (نقضوا). (¬5) انظر: "الطبري" 1/ 185، والثعلبي 1/ 59 ب، "القرطبي" 1/ 212. (¬6) انظر: "الكتاب" 4/ 233، "المقتضب" 3/ 289، 63، "حروف المعاني" للزجاجي ص 35، 59، وقد ذكر الزجاجي أنها تقع في ثلاثة مواضع: تقع بمنزلة (كما)، واستفهاما عن حال، وبمعنى التعجب واستشهد على هذا المعنى بالآية {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ}، وانظر: "البرهان" 4/ 330، "مغني اللبيب" 1/ 204. (¬7) (و) ساقطة من (ب). (¬8) ما بين المعقوفين ساقط من (ب). (¬9) انظر: "الكتاب" 4/ 233، "المقتضب" 3/ 63، 289.

التعجب إنما هو للخلق والمؤمنين، أي اعجبوا من هؤلاء كيف [يكفرون] (¬1) وثبتت حجة الله عليهم (¬2). وقال الفراء: هذا على وجه التعجب والتوبيخ لا على الاستفهام المحض، أي: ويحكم كيف تكفرون؟ وهو كقوله: {فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ} (¬3) [التكوير: 26]. وقوله تعالى: {وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا}. قال النحويون: (كان) تقع (¬4) في الكلام على وجوه: تامة وناقصة وزائدة (¬5). فالتامة: هي المكتفية باسمها دون خبرهما كقولك: كان القتال، أي وقع وحدث. والناقصة: هي التي لا تتم دون خبرها كقولك: كان زيد أميرا. والزائدة: هي التي تكون (¬6) دخولها في الكلام كخروجها (¬7). كقوله: {مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا} [مريم:29] (¬8). ¬

_ (¬1) في (أ)، (ج): (تكفرون) وفي (ب) غير منقوطة، والتصحيح من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 47. (¬2) في (ب): (عليكم). انتهى من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 47، انظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 59ب، وابن عطية 1/ 220، وبمعناه كلام الفراء الآتي بعده. (¬3) "معاني القرآن" للفراء 1/ 23، وانظر: "تفسير الطبري" 1/ 190. (¬4) في (أ): (يقع) وما في (ب، ج) أنسب للسياق. (¬5) انظر: "تهذيب اللغة" (كان) 4/ 3083 - 3084. وذكر الهروي وجهاً رابعاً وهو: أن تكون (كان) مضمرا فيها اسمها (ضمير الشأن) وبعد كان جملة من مبتدأ وخبر مرفوعين. انظر: "الأزهية في علم الحروف" ص 179. (¬6) كذا في جميع النسخ الأولى (يكون). (¬7) انظر: "تهذيب اللغة" (كان) 10/ 377، و"الأزهية في علم الحروف" ص183، و"مغني اللبيب" 2/ 559. (¬8) وقد ذكر الأزهري عن ثعلب: أن للعلماء في الآية قولين: منهم من قال: (كان) =

و (كان) التي لها خبر تتصرف (¬1) تصرف الفعل، وليست بفعل على الحقيقة، إنما تدل (¬2) على الزمان وتدخل على الابتداء والخبر كقولك: زيد مسرور، [فإذا قلت كان زيد مسرورا، فكأنك قلت: زيد مسرور] (¬3) فيما مضى من الزمان (¬4). ويقال في مصدره الكَوْن والكَيْنُونَة (¬5). قال الفراء: [تقول] (¬6) في ذوات (الياء): الطَّيْرُوَرة والحَيْدوَدة (¬7) والزَّيْغُوغَة فيما لا يحصى من هذا الضرب. فأما ذوات (الواو) مثل: قلت ورضت، فإنهم لا يقولون ذلك فيه، وقد أتى عنهم في أربعة أحرف منها: الكَيُنونَة من (كُنْتُ) والدَّيْمُومَة من (دُمْتُ) والْهَيْعُوعَة من (الْهُوَاع) (¬8)، ¬

_ = صلة أي، زائدة، وهذا ما أخذ به المؤلف هنا، ومنهم من قال (كان) هنا غير زائدة، وهو قول الفراء. انظر: "تهذيب اللغة" (كان) 4/ 3084. وجعلها المبرد زائدة مؤكدة. انظر: "المقتضب" 4/ 417. وقد قال ابن هشام: إن وجه الزيادة في (كان) هو أضعف الوجوه. انظر: "مغني اللبيب" 2/ 559. (¬1) في (أ)، (ج): (ينصرف) واخترت ما في (ب)، لمناسبته للسياق. (¬2) في (أ)، (ج): (يدل) واخترت ما في (ب)، لمناسبته للسياق. (¬3) ما بين المعقوفين ساقط من (ب). (¬4) انظر: "الإيضاح العضدي" للفارسي 1/ 95، "الأضداد" لابن الأنباري ص 65، "الأزهية في علم الحروف" ص183، "مغني اللبيب" 2/ 559. (833). (¬5) ذكره الازهري وقال: و (الْكَيْنَونَة) أحسن. "التهذيب" 4/ 3084. (¬6) في (أ)، (ج) (يقول) وفي (ب) بدون نقط والعبارة كما في "التهذيب": قال الفراء: (العرب تقول ذوات الياء ... إلخ)، "التهذيب": 4/ 3083. (¬7) في (ب) (الحيرورة)، وفي "التهذيب" (الحيدودة) وهذا الأقرب؛ لأنه قال: الطيرورة من طرت والحيدودة من حدت. "التهذيب" 4/ 3083. (¬8) الهوع بالفتح والضم: سوء الحرص وشدته، والعداوة، وهاع: قاء من غير تكلف، =

والسَّيْدُودَة من (سُدْتُ) وكان ينبغي أن يكون (كونونة) ولكنها لما قلت في مصادر (الواو) وكثرت في مصادر (الياء) [ألحقوها بالذي هو أكثر مجيئًا منها، إذ كانت الواو والياء] (¬1) متقاربي المخرج. قال: وكان الخليل يقول: كَيْنُونَة (فَيْعَلُولَة)، وهي الأصل (كَيْوَنُونَة) (¬2) التقت (ياء) و (واو)، والأولى منهما ساكنة فصيرتا [ياء] (¬3) مشددة (¬4)، مثل ما قالوا: الهَيِّن، ثم خففوها، فقالوا: (كَيْنُونَة)، كما قالوا: هَيْن لَيْن. قال الفراء: وقد ذهب مذهبا، إلا أن القول عندي هو الأول (¬5). قال: ويضمر (¬6) هاهنا (قد) والتقدير (¬7): (وقد كنتم أمواتا) ولولا إضمار (قد) لم يجز مثله في الكلام. وكذلك قوله: {وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ ¬

_ = والاسم (الهَوْع) و (الهُواع) و (الهَيْعُوعة)، انظر "القاموس" (الهوع) ص 777. (¬1) ما بين المعقوفين ساقط من (ب). (¬2) في (ب): (في الاكونونه). (¬3) (ياء) ساقطة من جميع النسخ، والتصحيح من "تهذيب اللغة" 4/ 3084. (¬4) فصارت (كَينُونَة) انظر "اللسان" (كون) 7/ 3959. (¬5) انتهى كلام الفراء كما في "التهذيب" بنصه، 4/ 3084 (كان). وانظر "اللسان" (كون) 7/ 3959، وفيه عن ابن بري نحو كلام الخليل، وما بعد هذا من كلام الفراء لا ارتباط له بما سبق حيث الكلام السابق ورد بتهذيب اللغة ولعله أخذه عن كتاب المصادر للفراء وما بعده من كتاب "معاني القرآن" كما سيأتي. (¬6) في (ب): (ويضم). (¬7) في "معاني القرآن" (وقوله: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا} المعنى والله أعلم وقد كنتم، ولولا إضمار (قد) ... إلخ) 1/ 24.

دُبُرٍ فَكَذَبَتْ} (¬1) [يوسف: 27] المعنى: (فقد كذبت). وقولك للرجل: أصبحت كثر مالك، لا يجوز إلا وأنت تريد: قد كثر مالك، لأنهما جميعا قد كانا، فالثاني حال للأول، والحال لا يكون في الفعل إلا بإضمار (قد) أو بإظهارها (¬2). وحكى الكسائي: أصبحت [(¬3) نظرت إلى (ذات التنانير) يريد: قد نظرت، وذات التنانير) موضع (¬4). وتقدير الآية: كيف تكفرون وحالكم أنكم كنتم أمواتا. ومثل هذا قال الزجاج: فإنه قال: ومعنى (كنتم): وقد كنتم وهذه الواو، (واو الحال) (¬5). قال أبو الفتح: إنما احتيج إلى إضمار (قد) لأن (قد) تقرب الماضي من الحال حتى تلحقه بحكمه، ألا تراهم يقولون: (قد قامت الصلاة) قبل حال قيامها، وعلى هذا قول الشاعر: ¬

_ (¬1) الواو في قوله {وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ} ساقطة من (ب) وكذا وردت الآية في "معاني القرآن" 1/ 24. (¬2) انتهى ما نقله عن الفراء، انظر: "معاني القرآن" 1/ 24، وما ذكره الفراء يقرر القاعدة التي عند الجمهور وهي أن الجملة الفعلية، إذا كان فعلها ماض ووقعت حالا لابد من (قد) ظاهرة أو مقدرة، وبهذا قال "الطبري" في "تفسيره" 1/ 190، والزجاج في "المعاني" 1/ 74، الثعلبي 1/ 59 ب، أبو حيان في "البحر" 1/ 130 وغيرهم. (¬3) من هنا يبدأ سقط لوحة كاملة في نسخة (ب). (¬4) (التنانير) جمع (تنور) وهو واد ذو شجر يقع بين الكوفة وبلاد غطفان، انظر "معجم ما استعجم" 1/ 320، "معجم البلدان" 2/ 47. (¬5) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 74.

أُمَّ صَبِيٍّ قَدْ حَبَا (¬1) أَوْ دَارجِ (¬2) فكأنه قال: حابٍ (¬3) أو دارج (¬4). ومثل هذه الآية قوله: {أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ} [النساء: 90] على معنى: قد حصرت (¬5). فأما أحكام واو الحال فإنها مذكورة عند قوله: {وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ} [آل عمران: 154]. وقوله تعالى: {أَمْوَاتًا} قال ابن عباس في رواية الضحاك: أراد (¬6): وكنتم تراباً ردّهم إلى أبيهم آدم (¬7). ¬

_ (¬1) في (ج): (جا). (¬2) الرجز لجندب بن عمرو يعرض بامرأة الشماخ في قصة أوردها البغدادي في "الخزانة" 4/ 238، وهي في "ديوان الشماخ" ص 353، و (أم صبي): هي امرأة الشماخ، ورد البيت في "معاني القرآن" للفراء 1/ 214، "سر صناعة الإعراب" 2/ 641، "الخزانة" 4/ 238، "ديوان الشماخ" ص 363، "اللسان" (درج) 3/ 1353، "أوضح المسالك" ص193. (¬3) في (أ) و (ج): (حباب) وما في (ب) موافق لما في "سر صناعة الإعراب" لأبي الفتح. (¬4) قال في "اللسان": وجاز له ذلك؛ لأن (قد) تقرب الماضي من الحال حتى تلحقه بحكمه أو تكاد. "اللسان" (درج) 3/ 1351. (¬5) انتهى ما نقله المؤلف -بتصرف- من كتاب "سر صناعة الإعراب" لأبي الفتح ابن جني 2/ 641. (¬6) في (أ): (أرادوا)، وما في (ب، ج) هو الصحيح. (¬7) الأثر عن ابن عباس أخرجه "الطبري" من طريق الضحاك عن ابن عباس، 1/ 187، وكذا ابن أبي حاتم 1/ 73، وذكره السيوطي في "الدر" وعزاه إلى ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه، (الدر) 1/ 89، وذكره ابن كثير عن الضحاك عن ابن عباس ثم قال: وهكذا روى السدي بسنده عن أبي مالك عن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مُرة عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة، وعن أبي العالية، والحسن، =

29

وقال في رواية عطاء والكلبي: وكنتم نطفا، وكل ما فارق الجسد من نطفة أو شعر فهو ميت (¬1) {فَأَحْيَاكُمْ} في الأرحام بأن خلقكم بشرا، وجعل فيكم الحياة {ثُمَّ يُمِيتُكُمْ} في الدنيا {ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} للبعث {ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} تردون فيفعل بكم ما يشاء مما سبق علمه وحكمه (¬2). 29 - قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} الآية قال المفسرون لما استعظم المشركون أمر الإعادة عرفهم خلق السموات والأرض، ليدل بذلك على أن إعادة الحياة فيهم وقد خلقهم أولاً ليس بأكثر من خلقه السموات والأرض وما فيهما (¬3). ¬

_ = ومجاهد، وقتادة، وأبي صالح والضحاك وعطاء. ابن كثير 1/ 71 - 72، انظر "الوسيط" 1/ 70. (¬1) وبهذا النص ذكره الفراء في "معاني القرآن" ولم ينسبه لأحد، 1/ 25، والذي ورد عن ابن عباس من طريق عطاء: كنتم أمواتا فأحياكم في أصلاب آبائكم لم تكونوا شيئًا حتى خلقكم، ثم يميتكم موتة الحق، ثم يحييكم حين يبعثكم، أخرجه ابن أبي حاتم 1/ 73، وأخرج نحوه ابن جرير 1/ 189، وذكره السيوطي في "الدر" ونسبه إلى ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم. "الدر" 1/ 89، وذكره ابن كثير 1/ 71، وانظر: "تحقيق المروي عن ابن عباس" في سورة الفاتحة والبقرة وآل عمران 1/ 189 (رسالة ماجستير إعداد محمد العبد القادر). قال "الطبري" -بعد أن ذكر نحو هذا التفسير-: (وهذا قول ووجه من التأويل، لو كان به قائل من أهل القدوة الذين يرتضى للقرآن تأويلهم، ثم قال: وأولى ما ذكرنا من الأقوال: القول الذي ذكرنا عن ابن عباس وابن مسعود: من أن معنى قوله: {وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا} أموات الذكر خمولًا في أصلاب أبائكم نطفا، لا تعرفون ولا تذكرون: فأحياكم بإنشائكم بشرا سويا حتى ذكرتم وعرفتم وحييتم ...) 1/ 189. (¬2) انظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 59 ب. (¬3) ذكره أبو الليث عن الكلبي 1/ 309، والآية فيها دلائل نعمه عليهم مما يوجب عليهم شكره، ودلائل توحيده، انظر: "الطبري" 1/ 190، وابن كثير 1/ 72.

وقوله تعالى: {لَكُمْ} أي: لأجلكم، فما في الأرض مخلوق لهم بعضها للانتفاع، وبعضها للاعتبار (¬1)، فإن السباع والعقارب والحيات، وكل ما يؤذي ويضر فيها منفعة للمكلفين وجهة ما فيها من العبرة والإرهاب؛ لأنه إذا رئي (¬2) طرف من المتوعد به كان أبلغ في الزجر عن المعصية وأدعى إلى التمسك بالطاعة، كما أنه إذا قدم طرف من الموعود به كانت النفس إليه (¬3) أشوق، وعليه (¬4) أحرص، والأصل في ذلك أن الخبر لا يقوم مقام المشاهدة فيما يصل إلى القلب ويبلغ إلى النفس (¬5). وقوله تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ}. أخبرني أبو سعيد بن أبي عمرو النيسابوري (¬6) رحمه الله ثنا محمد بن يعقوب المعقلي (¬7) أبنا (¬8) محمد ابن (¬9) الجهم عن الفراء قال: (الاستواء) في كلام العرب على جهتين، ¬

_ (¬1) في (أ): (الاعتبار)، وما في (ب)، (ج) أصح. (¬2) في (أ)، (ج): (أرى)، وأثبت ما في (ب) لأنه أنسب للسياق. (¬3) في (ج): (عليه). (¬4) في (ج): (إليه). (¬5) وفي خلق هذِه الأشياء التي ذكر حكم كثيرة، منها ما علم للبشر، ومنها ما لم يعلم، وما ذكره بعض هذِه الحكم. انظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 223، "الكشاف" 1/ 170، "زاد المسير" 1/ 58، "القرطبي" 1/ 216. (¬6) هو أبو سعيد، محمد بن موسى بن الفضل بن شاذان الصيرفي، بن أبي عمرو النيسابوري، سمع من الأصم وأكثر عنه، كان ثقةً مأمونًا، مات في سنة إحدى وعشرين وأربعمائة. انظر: "سير أعلام النبلاء" 17/ 350، "شذرات الذهب" 3/ 220. (¬7) هو الإمام المحدث محمد بن يعقوب المعقلي المعروف بالأصم، تقدمت ترجمته في المقدمة. (¬8) في (ج): (ثنا). (¬9) هو محمد بن الجهم السمري، أبو عبد الله، الكاتب، تلميذ الفراء وراوية كتبه، =

إحداهما: أن يستوي الرجل وينتهي شبابه وقوته، (¬1) ويستوي من اعوجاج، وهذان وجهان، ووجه ثالث أن يقول: كان فلان مقبلا على فلان ثم استوى عليّ وإليّ [يشاتمني] (¬2) على معنى أقبل عليّ وإليّ، فهذا معنى قوله: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ} (¬3). وأقرأني العروضي، عن الأزهري، قال: أخبرني المنذري، قال: سئل أحمد بن يحيى عن (الاستواء) في صفة الله، فقال: الاستواء الإقبال على الشيء (¬4). وأقرأني سعيد بن محمد الحيري (¬5) رحمه الله عن أبي الحسن بن مقسم وأبي علي الفارسي عن الزجاج قال: قال قوم في قوله: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ}: عمد وقصد إلى السماء، كما تقول: فرغ الأمير من بلد كذا، ثم استوى إلى بلد كذا، معناه: قصد بالاستواء إليه. قال: وقول ابن عباس: {اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ} أي صعد، معناه صعد أمره إلى السماء (¬6)، انتهى ¬

_ = كان من أئمة العربية العارفين بها، قال الدارقطني: ثقة، مات سنة سبع وسبعين ومائتين. انظر تاريخ بغداد 2/ 161، "معجم الأدباء" 18/ 109، "سير أعلام النبلاء" 31/ 163. (¬1) في "معاني القرآن" للفراء (أو) وهو أصح 1/ 25، وانظر "تهذيب اللغة" 2/ 1794. (¬2) في (أ)، (ج): (يكلمين) غير واضحة المعنى، والتصحيح من "معاني القرآن"، ومن "تهذيب اللغة" 2/ 1794. (¬3) انتهى ما نقله عن الفراء، وفي "معاني القرآن" قال: (وقال ابن عباس {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ} صعد .. وكل كلام في كلام العرب جائزٌ، انظر: "معاني القرآن" 1/ 25، "تهذيب اللغة" (لفيف السين) 2/ 1794. (¬4) "تهذيب اللغة" (لفيف السين) 2/ 1794. (¬5) أحد شيوخ الواحدي مضت ترجمته. (¬6) هذا تأويل وصرف لكلام ابن عباس.

كلامه (¬1)] (¬2). وحكى أهل اللغة أن العرب تقول: كان الأمير يدبر أهل الشام ثم استوى إلى أهل الحجاز، أي: تحول فعله وتدبيره إليهم (¬3). والأصل في (الاستواء) الاستقامة (¬4)، وإنما قيل للقصد إلى الشيء ¬

_ (¬1) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 75، 75، "تهذيب اللغة" (لفيف السين) 2/ 1794، ونص عبارة الواحدي أقرب إلى عبارة "التهذيب". (¬2) نهاية السقط من نسخة (ب). (¬3) انظر: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 218، "تفسير الطبري" 1/ 191، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 74. وكل هذِه "المعاني" التي ذكرها من باب التأويل، والمنهج السوي أن نثبت لله ما أثبته لنفسه، فهو سبحانه مستو على عرشه عال على خلقه، ولا يلزم لهذا أي لازم باطل مما يلزم لاستواء المخلوقين. قال الأشعري في "الإبانة عن أصول الديانة": (وإن قال قائل ما تقولون في الاستواء؟ قيل له: نقول إن الله عز وجل مستو على عرشه كما قال: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (5)} [طه: 5]، وقد قال الله عز وجل: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} [فاطر: 10]، وقال: {بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ} [النساء: 158] ..) ثم قال: (.. وقد قال قائلون من المعتزلة والجهمية والحروية: إن قول الله عز وجل: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه:5]، إنه استولى وملك وقهر، وإن الله عز وجل في كل مكان وجحدوا أن يكون الله عز وجل على عرشه كما قال أهل الحق، وذهبوا في الاستواء إلى القدرة، ولو كان هذا كما ذكروه كان لا فرق بين العرش والأرض، فالله سبحانه قادر عليها وعلى الحشوش، وعلى كل ما في العالم ..) "الإبانة عن أصول الديانة" ص 81، انظر "شرح العقيدة الطحاوية" ص 343، "الرسالة التدمرية" ص 81، "مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية" 5/ 95، 144،136. (¬4) الاستواء في (كلام العرب) يأتي على وجوه كما مر قريبا في كلام الفراء ومن تلك الوجوه ما ذكره عن ابن عباس: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ}: صعد، ثم قال: (وكل في (كلام العرب) جائز) انظر "معاني القرآن" للفراء1/ 25، "تفسير الطبري" 1/ 191، "تهذيب اللغة" (لفيف السين) 2/ 1794.

استواء لأن الاستواء يسمى قصدًا، يقال: أمر قاصد وعلى قصد، إذا كان على استواء واستقامة، فلما سمي الاستواء قصدًا، سمي القصد استواء، وإن لم يكن المراد بالقصد الاستقامة، ظنًّا منهم أن كليهما سواء لما اجتمعا في التسمية في موضع، هذا تعليل ذكره بعض أصحاب المعاني (¬1) لتسميتهم القصد: استواءً وإن كانت اللغة لا تعلل. وأما استوى بمعنى: استولى، فقد يكون، وكأنه يقول: (استوت له الأمور فاستولى) (¬2)، ثم وضع (استوى) موضع (استولى) (¬3). وقال الأخفش: استوى (¬4) أي: علا، تقول (¬5): استويت فوق الدابة وعلى ظهر البيت أي علوته (¬6). ¬

_ (¬1) في (ب): (أهل المعاني). (¬2) في (ب): (واستولى). (¬3) قال أبو الحسن الأشعري في (الإبانة): (... فلو كان الله مستويا على العرش بمعنى الاستيلاء، وهو عز وجل مستول على الأشياء كلها، لكان مستويا على العرش وعلى الأرض وعلى السماء .... لأنه قادر على الأشياء مستول عليها .. لم يجز أن يكون الاستواء على العرش: الاستيلاء الذي هو عام في الأشياء كلها، ووجب أن يكون معناه استواء يختص العرش دون الأشياء كلها ...) "الإبانة عن أصول الديانة" ص 49. وذكر ابن تيمية اثني عشر وجها في الرد على من فسر {اسْتَوَى} معنى (استولى) ومن تلك الوجوه: أنه لم يرد عن أحد من الصحابة ولا التابعين لهم، بل تفسير حدث من المبتدعة بعدهم. ثم هو ضعيف لغة. انظر: "مجموع الفتاوى" 5/ 144 - 149. (¬4) في (ب): (يقول: أي علا). (¬5) في (ب): (يقول) وفي "تهذيب اللغة" (وتقول) 2/ 1794. (¬6) انظر كلام الأخفش في "تهذيب اللغة" (لفيف السين) 2/ 1794.

وهذا القول اختيار محمد بن جرير قال: ومعناه (¬1) ارتفع ارتفاع ملك وسطان، لا ارتفاع انتقال وزوال (¬2)، وإنما هو ارتفاع تدبيره وحكمه وسلطانه، وهذا قريب من قول ابن عباس وتوجيه الزجاج لقوله (¬3). وقوله تعالى {فَسَوَّاهُنَّ}. حقيقة (التسوية) الجعل على الاستواء، يقال سويت الشيئين فاستويا، والفرق بينه وبين التقويم أن التسوية قد تكون بالحكم أن الشيئين يستويان، والتقويم لا يكون بالحكم، وإنما يكون ¬

_ (¬1) (الواو) ساقطة من (ب). (¬2) رجح ابن جرير: أن الاستواء بمعنى العلو، فقال -بعد أن ذكر الأقوال في الاستواء-: (وأولى المعاني) بقول الله جل ثناؤه: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ} علا عليهن وارتفع، فدبرهن بقدرته وخلقهن سبع سموات. والعجب ممن أنكر المعنى المفهوم من كلام العرب في تأويل قول الله: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ}، الذي هو بمعنى العلو والارتفاع، هربا عند نفسه من أن يلزمه بزعمه -إذا تأوله بمعناه المفهوم كذلك- أن يكون إنما علا وارتفع بعد أن كان تحتها، إلى أن تأوله بالمجهول من تأويله المستنكر، ثم لم ينج مما هرب منه!، فيقال له: زعمت أن تأويل قوله: (استوى) أقبل، أفكان مدبرا عن السماء فأقبل إليها؟ فإن زعم أن ذلك ليس بإقبال فعل، ولكنه إقبال تدبير، قيل له فكذلك، فقل: علا عليها علو ملك وسلطان، لا علو انتقال وزوال، ثم لن يقول في شيء من ذلك قولا إلا ألزم في الآخر مثله، ولولا أنا كرهنا إطالة الكتاب بما ليس من جنسه، لأنبأنا عن فساد قول كل قائل قال في ذلك قولا، لقول أهل الحق فيه مخالفا ....) "الطبري" 1/ 192. ونرى في سياق كلام الطبري أنه رجح في معنى (الاستواء) ما قال به السلف ثم أخذ يحاور المؤوّلين، ومن باب إلزام الحجة لهم قال: (قل: علا عليها علو ملك وسلطان ...) ولا شك أن هذِه العبارة ليس من نهج السلف في الإثبات والله أعلم. (¬3) قول ابن عباس: إنه بمعنى صعد، كما ذكر الفراء 1/ 25، وإنما أوله الزجاج بمعنى: يصعد أمره. انظر. "معاني القرآن" للزجاج 1/ 75.

بالفعل (¬1). وجمع الكناية (¬2) في {فَسَوَّاهُنَّ} لأنه أراد بلفظ (السماء) جميع السموات كقولهم: كثر الدرهم والدينار في أيدي الناس، يراد الجمع (¬3)، وكثيراً ما يذكر الواحد والمراد به الجمع، كقوله تعالى: {فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي} [الشعراء:77] وقوله: {إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء:16]. وكما أنشده (¬4) قطرب: أَلاَ إِنَّ جِيرَانِي العَشِيَّة رَائِحٌ ... دَعَتْهُمْ دَوَاعٍ مِنْ هَوى وَمنَادِحُ (¬5) ويجوز أن يراد بالسماء جمع سماة أو سماوة، على ما ذكرنا قبل (¬6). وجائز أن تعود الكناية على أجزاء السماء ونواحيها (¬7). وقوله تعالى: {سَبْعَ سَمَاوَاتٍ}. (السبع) عدد المؤنث، والسبعة ¬

_ (¬1) قال ابن جرير: {فَسَوَّاهُنَّ} يعني هيأهن وخلقهن ودبرهن وقومهن، والتسوية في (كلام العرب): التقويم والإصلاح والتوطئة ففسر (التسوية) بالاستقامة، انظر "الطبري" 1/ 192، وانظر: "الكشاف" 1/ 271. (¬2) الكناية: الضمير. (¬3) ذكره الزجاج عن الأخفش، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 75، وانظر: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 217، "معانىِ القرآن" للفراء 1/ 25، وذكر هذا الرأي "الطبري"، وأختار غيره كما يأتي 1/ 193. (¬4) في (ب): (أنشد). (¬5) البيت لحيان بن جُلْبَة المحاربي، جاهلي ذكره أبو زيد في "نوادره" مع بيت بعده ص 444، وكذا البكري في "معجم ما استعجم" 1/ 137، والسيوطي في "همع الهوامع" 6/ 119. (¬6) ذكره عند قوله تعالى: {أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ} البقرة: 19، ص 547، وقد ذكر هذا الرأي "الطبري" واختاره 1/ 192، والزجاج 1/ 75. (¬7) فجمع باعتبار تعدد أجزائها ونواحيها، انظر "الطبري" 1/ 193.

للمذكر، وجاء التذكير والتأنيث في هذا على خلاف الأصل، لأنهم لما (¬1) وضعوا العدد في أول أمره قبل أن يعلق على معنى تحته وأكثر من العدد، قالوا: أربعة خمسة، ثم أرادوا بعد ذلك (¬2) تعليقه على المعدود، وكان المذكر هو الأول جعلوا الأول للأول، والثاني للثاني (¬3). ولهذا علل كثيرة يذكر (¬4) في غير هذا الكتاب (¬5). وقوله تعالى: {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}. أي من كفرهم ونفاقهم وكتمهم وصفك يا محمد. وقيل: إنه لما ذكر ما يدل على القدرة والاستيلاء (¬6) وصل (¬7) ذلك بوصفه بالعلم، إذ به يصح الفعل المحكم المتقن. وقيل: هو (¬8) بكل شي عليم من الخلق والتسوية (¬9). والآية لا تدل على أنه خلق السماء بعد الأرض، إنما تدل على أنه ¬

_ (¬1) (لما) ساقط من (ب). (¬2) في (ب): (تعليقه بعد ذلك). (¬3) الأول في العدد (ثلاثة) وفي المعدود المذكر، والثاني في العدد (ثلاثة) وفي المعدود المؤنث. (¬4) (يذكر) ساقط من (ب)، والأولى للسياق تذكر. (¬5) اختلف النحويون في علة ذلك على أقوال كثيرة، انظر بعض هذِه العلل في "جمل الزجاجي" ص 125، "وشرح جمل الزجاجي" لابن عصفور 2/ 30. (¬6) هذا من التأويل، بل (الاستواء العلو). (¬7) في (ب): (وصف). (¬8) في (ب): (وهو). (¬9) والأولى عموم ذلك، فالذي خلقكم وخلق لكم ما في الأرض، وسوى السموات السبع فأحكمهن واستوى على عرشه، لا يخفى عليه منكم شيء، انظر. "الطبري" 1/ 195، "تفسير أبي الليث" 1/ 107، "الكشاف" 1/ 271، "القرطبي" 1/ 223.

جعلها سبعًا بعد ما خلق الأرض، وقد كانت السماء قبل ذلك مخلوقة، كما قال أهل التفسير: إنها كانت قبل دخانًا (¬1). وكان أبو عمرو والكسائي يخففان (وهو)، (فهو) ويسكنان (الهاء) مع الواو والفاء واللام (¬2). وذلك أنهما يجعلان هذه الحروف كأنها من نفس الكلمة، لما (¬3) لم يكن لها إذا (¬4) أفردت معنى، فأشبهت في حال دخولها الكلمة ما كان من نفسها (¬5). وإذ كان كذلك خففت (الهاء) كما خففت (العينات) (¬6) في (سَبُع) ¬

_ (¬1) في هذِه المسألة نزاع بين المفسرين، وقول الجمهور على أن الله خلق الأرض أولا، ثم خلق السماء، لكن دحو الأرض كان بعد خلق السماء. وجمع "القرطبي" بين الأقوال بأن الدخان الذي خلقت منه السماء خلق أولا، ثم الأرض ثم سويت السماء من ذلك الدخان ثم دحيت الأرض بعد ذلك، وعلى هذا يدل كلام الواحدي، انظر. "تفسير الطبري" 1/ 193 - 195، "تفسير أبي الليث" 1/ 107، "زاد المسير" 1/ 58، "الكشاف" 1/ 271، "القرطبي" 1/ 219 - 221، و"ابن كثير" 1/ 72 - 73. (¬2) الهاء إذا سبقت بالواو أو الفاء أو اللام أو ثم (وهو، فهو، ولهو، وثم، هو) فابن كثير وعاصم وابن عامر وحمزة يقرؤون بتحريك الهاء في ذلك كله، والكسائي بتخفيف ذلك وإسكان الهاء، وأبو عمرو يسكنها في القرآن ماعدا قوله تعالى: {ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [القصص: 61]، فيضم الهاء، وعن نافع روايتان التثقيل والتخفيف، انظر "السبعة" لابن مجاهد ص 151، "الحجة" لأبي علي 1/ 406، "الكشف" 1/ 234، "التيسير" ص 72، "النشر" 2/ 209. (¬3) في (ب): (مما لم). (¬4) في (ب): (إذ). (¬5) في (ب): (تقسيمها). (¬6) في (ب): (العينان).

و (عَضُد) (¬1) ونحوهما، ولا يخففان (¬2) {ثُمَّ هُوَ} [القصص: 61] لأنه لا يستقيم أن يجعل (ثم) بمنزلة (الفاء) وما كان على حرف. والحرف الواحد قل يجعل كأنه من نفس الكلمة (¬3)، وذلك قولهم: (لعمري وَرَعَمْلِي) فقلبوه مع اللام، واللام زائدة (¬4). ومثل تخفيفهم (¬5) (لَهْو) قولهم: (أَرَاك مُنْتَفْخاً) (¬6) لما كان (تَفِخًا) (¬7)، مثل [كَتِف] (¬8) خفف، وكذلك قراءة من قرأ (¬9) {وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ} [النور: 52]، لما كان (تَقِه) (¬10)، مثل (كتف) خفف. ومثل ذلك ما أنشده الخليل: أَلاَ رُبَّ مَوْلُودٍ وَلَيْسَ لَهُ أَبٌ ... وَذِي وَلَدٍ لَمْ يَلْدهُ أَبَوَانِ (¬11) ¬

_ (¬1) فيقال: (سَبْع) و (عَضْد) بتسكين العين. انظر: "الحجة" 1/ 407، "الكشف" لمكي 1/ 234. (¬2) قوله: (ولا يخففان) يعود على الكسائي وأبي عمرو، والصحيح (ولا يخفف أبو عمرو، أما الكسائي فإنه يخفف (ثم هو) انظر: "الحجة" 1/ 407 - 409، فلعل العبارة تصحيف، أو وهم من المؤلف. (¬3) إذا اتصل بالكلمة بخلاف (ثم)، انظر: "الحجة" 1/ 408. (¬4) فجعلوا اللام كأنها من بنية الكلمة، وأبدلوها مكان (الراء). (¬5) في (ب): (تحقيقهم). (¬6) في (ب): (مستحقا). (¬7) الأصل في (تفخا) كسر الفاء، وخففت في (مُنْتَفْخاً) بالإسكان. (¬8) في جميع النسخ (كيف) والتصحيح من "الحجة" 1/ 408، و (كتف) يخفف في لغة بإسكان الوسط فيقال. (كَتْف). (¬9) وهي قراءة حفص عن عاصم (ويَتَّقْه)، انظر "السبعة" ص 408، "الكشف" 2/ 140. (¬10) أي أنه شبه (تقه) (كتف) حيث خفف الثاني بالإسكان. (¬11) البيت لعمرو الجنبي، ونسبه سيبويه لرجل من أزد السراة، والمولود الذي ليس له =

لما كان (يلد)، مثل (كتف) (¬1) خفف، ثم حرك الدال لالتقاء الساكنين، لأنه (¬2) كان يجب أن يسكن علامة للجزم، فهذه الأشياء متصلة، وقوله: (فهو وهو ولهو) في حكمها، وليس كذلك (ثم هو) (¬3) ألا ترى أن (ثم) منفصل من (هو) (¬4) لإمكان الوقف عليها وإفرادها مما بعدها، وليست الكلم التي على حرف واحد كذلك. ولمن (¬5) خفف (ثم هو) أن يقول (¬6): إن (ثم) مثل الفاء والواو واللام في أنهن لسن (¬7) من الكلمة، كما أن (ثم) ليس منها، وقد جعلوا المنفصل بمنزلة المتصل في أشياء، ألا ترى أنهم أدغموا (¬8) نحو (يدْ دّاود) و (وجَعَلْ (¬9) لَّك) كما أدغموا (رَدَّ) (¬10) و (عَدَّ)، ¬

_ = أب هو عيسى عليه السلام، والذي لم يلده أبوان هو آدم. والشاهد في البيت (يَلْدَه) أراد لم يلده بسكون الدال، فلما التقى ساكنان اللام والدال حرك الدال بحركة أقرب متحرك منها وهو الياء ففتحها. ورد البيت في "الكتاب" 2/ 266، "الكامل" 3/ 177، "الحجة" 1/ 66،409، "التكملة" ص 7، "المخصص" 14/ 221، 17/ 63، "الخصائص" 2/ 333، "شرح المفصل" 4/ 48، 9/ 123، 126، "مغنى اللبيب" 1/ 135، "الهمع" 1/ 186، "الخزانة" 2/ 381. (¬1) في (أ)، (ج). (كيف) وأثبت ما في (ب) لأنه الصواب وموافق لما في "الحجة". (¬2) في (ب): (لا كان). (¬3) في (ب): (هوى). (¬4) في (أ)، (ج): (من ها ولا مكان) وأثبت ما في (ب) لأنه هو الصحيح وموافق لما في "الحجة" 1/ 409. (¬5) في (ج): (ولم). ومن خفف هو الكسائي: انظر: "الحجة" 1/ 409. (¬6) في (ج): (تقول). (¬7) في (ب): (ليس). (¬8) في (ب): (أقدموا). (¬9) فأدغموا الدال من (يد) في دال (داود) وهما في كلمتين منفصلتين وكذا (جعل لك). (¬10) وهما في كلمة واحدة.

ومثل هذا قول امرئ القيس: فَالْيَومَ أَشْرَبْ غَيْرَ (¬1) مُسْتَحْقِبِ (¬2) فـ (رَبْ غَيْ) (¬3) مثل: (سبع)، وقد أسكن. وأنشد أبو زيد على هذ: قَالَتْ سُلَيْمَى اشْتَرْ لَنَا دَقِيقًا (¬4) ¬

_ (¬1) (غير) ساقطة من (ج) (¬2) البيت لامرئ القيس وتمامه: إِثْمًا مِنَ الله وَلَاَ واغِل قاله بعد أن أدرك ثأره في أبيه، وكان قد نذر لا يشرب الخمر، فلما أدرك ثأره رأى أنه تحلل من نذره، والمستحقب: المتكسب، وأصل الاستحقاب حمل الشيء في الحقيبة، والواغل: الداخل على القوم يشربون ولم يدع. والبيت من "شواهد سيبويه" 4/ 204، "الحجة" 1/ 117/، 410، 2/ 80، "نوادر أبي زيد" ص187، "الخصائص" 1/ 74، 2/ 317، 340، 3/ 96، "شرح المفصل" 1/ 48، "الهمع" 1/ 187، "الخزانة" 1/ 152، 3/ 463، 4/ 106، 484، 8/ 339، وفي "ديوان امرئ القيس" ص 122، برواية (أسقى) بدل أشرب، وعليه فلا شاهد فيه، وبهذا أخذ المبرد، ولكنه في "الديوان" ص 134، برواية (أَشربْ) والشاهد فيه عند النحويين، تسكين الحرف في أشرب، وحذف الضمة. (¬3) في (ب): (على)، وفي "الحجة" فـ (رب غ) أي أنه جعل آخر كلمة (أشرب) مع أول كلية (غير) مثل كلمة واحد كـ (سبع) فأسكن. (¬4) الرجز لرجل من كندة يقال له: (العُذَاِفِر الكندي) وبعده: وهَات بُرَّ البَخْسِ أَوْ دَقِيقَا وفي جميع المصادر (سويقا) بدل (دقيقًا)، أورده أبو زيد في "النوادر" ص 170، وفي "الحجة" لأبي على1/ 67، 410، "التكملة" ص 8، "الخصائص" 2/ 340، 3/ 96، "المنصف" 2/ 237، "اللسان" (بخس) 6/ 25. وبهذا البيت ينتهي ما نقله الواحدي في هذا الموضع من (الحجة) أبي علي الفارس بتصرف 1/ 407، 410، وانظر: "الحجة في القراءات" لابن خالويه ص 73، "الكشف" لمكي 1/ 234، 235.

30

30 - قوله تعالى {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ}. قال النحاة: (إذ) و (إذا) [حرفا توقيت، (إذ) للماضي و (إذا)] (¬1) لما يستقبل (¬2). قال المبرد: إذا جاء (إذ) مع المستقبل كان معناه المضي نحو قوله: {وَإِذْ يَمْكُرُ} [الأنفال:30]، {وَإِذْ تَقُولُ} [الأحزاب:37] يريد: وإذ مكر، وإذ قلت. وإذا جاء (إذا) (¬3) مع الماضي كان معناه الاستقبال (¬4) كقوله: {فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ} [النازعات:34] و {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ} [النصر:1] أي يجيء (¬5). فإن قيل: إذا كانت (إذ) لما مضى (¬6)، فكيف جاز (¬7) {وَإِذ قَالَ اللهُ ¬

_ (¬1) ما بين المعقوفين ساقط من (ب). (¬2) قال الثعلبي (إذ وإذا حرفا توقيت، إلا أن (إذ) للماضي و (إذا) للمستقبل وقد يوضع أحدهما موضع الآخر) "تفسير الثعلبي" 1/ 60 أ، وذكر نحوه ابن الأنباري في (الأضداد) ص 118، وكذا الأزهري في "تهذيب اللغة" 1/ 137، وقال سيبويه: (إذا لما يستقبل من الدهر ... وهي ظرف ... وتكون إذ مثلها، "الكتاب" 4/ 232، وانظر: "مغني اللبيب" 1/ 80، 87. (¬3) في (ب): (إذ). (¬4) في (ب) كان معناه الاستقبال في (المعنى وفي اللفظ)، وهذِه الزيادة غير موجودة في (أ)، (ج). ولا في "تفسير الثعلبي" الذي نقل الواحدي عنه. (¬5) في (أ)، (ج). (تجئ) وفي (ب) بدون إعجام، والتصحيح من "تفسير الثعلبي"، انظر كلام المبرد في "تفسير الثعلبي" 1/ 60 أ، "القرطبي" في "تفسيره" 1/ 223، ولم أجده بهذا النص فيما اطلعت عليه من كتب المبرد، انظر: "المقتضب" 2/ 52 - 57، 76، 77، 176، 178، "تهذيب اللغة" 1/ 137، "الأضداد" لابن الأنباري ص 118. (¬6) سبق قريبًا أن (إذ)، قد تأتي للمستقبل إذا شهر المعنى، ذكر هذا ابن الأنباري واستشهد بقوله تعالى: {إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ} [المائدة: 110] انظر "الأضداد" ص 118. (¬7) في (ب): (جاد).

يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ} [المائدة: 116] , {وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ} [غافر: 47]؟. والجواب أن هذا خرج على تقدير الاستقبال في المعنى، وفي اللفظ على صورة المضي (¬1)، لأن ما تحقق كونه فهو بمنزلة ما قد كان، كقوله: {وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ} [الأعراف:44]، {وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ} [الأعراف: 50] وأشباهه (¬2). وقال أبو عبيدة: (إذ) هاهنا (¬3) زائدة، معناه: وقال ربك للملائكة (¬4). وأنكر الزجاج وغيره هذا القول (¬5)، وقالوا (¬6): إن الحرف إذا أفاد ¬

_ (¬1) من قوله: (على صورة المضي ..). وما بعده إلى نهاية تفسير لفظ (الملائكة) ورد مكررا في جميع النسخ الثلاث التي اعتمدت عليها، وقد علق الناسخ في نسخة (أ) على أول الكلام المكرر كلمة (مكرر) بينما الناسخ في (ج) أدخل كلمة (مكرر) وسط الكلام، وكأنه ظن أنها جزء من السياق. وبعد التمحيص للكلام المكرر وجدت في أوله بعض الفروقات اليسيرة أما في تفسير لفظ: (الملائكة) ففيه اختلاف كبير، وهو ملخص مما قبله بإتقان، ويظهر لي أن المؤلف أضرب عن كلامه السابق وأعاده مرة أخرى، ونقله النساخ على وضعه، وقد أثبت الكلام على حسب ما ورد في المخطوطات بدون تصرف في الأصل وعلقت على الفروق في مواضعها. (¬2) انظر: "الأضداد" لابن الأنباري ص 119، "تهذيب اللغة" 1/ 137. (¬3) في المكرر (في هذا الموضع). (¬4) انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 1/ 36، "تفسير الثعلبي" 1/ 59 ب، و"الطبري" في "تفسيره" 1/ 195، وبنحو قول أبي عبيدة قال ابن قتيبة، انظر: "غريب القرآن" ص 45. (¬5) قال الزجاج في رده على أبي عبيدة (هذا إقدام من أبي عبيدة، لأن القرآن لا ينبغي أن يتكلم فيه إلا بغاية تجري إلى الحق و (إذ) معناها الوقت، وهي اسم، فكيف يكون لغوا ...)، "معاني القرآن" 1/ 75، وممن أنكر على أبي عبيدة النحاس في "إعراب القرآن"، 1/ 156، و"الطبري" في "تفسيره" 1/ 195. (¬6) في المكرر (وهو أن الحرف إذا كان مفيدًا معنى ...)، وفي (ب) (مقيد).

معنى صحيحا لم يجز إلغاؤه، قالوا: وفي الآية محذوف معناه: واذكر يا محمد إذ قال ربك (¬1). وقال أبو إسحاق (¬2): إن الله جل ذكره ذكر خلق الناس في هذه الآية فكأنه قال: ابتدأ خلقكم إذ قال ربك للملائكة (¬3). وأكثر المفسرين (¬4) على أن كل ما ورد في القرآن من هذا النحو فالذكر فيه مضمر (¬5). وأما (¬6) (الملائكة) فقال سيبويه (¬7): واحدها ملك، وأصله مَلْأَك، مهموز، حذف همزه لكثرة الاستعمال، وأنشد: فَلَسْتَ لإنْسِيٍّ ولكن لمَلْأَكٍ ... تَنَزَّلَ مِنْ جَوِّ السِّماء يَصُوبُ (¬8) وتابعه على هذا القول أكثر أهل العلم (¬9). ¬

_ (¬1) "تفسير الثعلبي" 1/ 59 ب، وانظر "تفسير الطبري" 1/ 196. (¬2) في المكرر (الزجاج). (¬3) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 76. (¬4) في (ب): (المفسرون) وفي المكرر (وعند غيره من المفسرين ...). (¬5) انظر: "تفسير أبي الليث" 1/ 107، وابن عطية في "تفسيره" 1/ 240، "القرطبي" في "تفسيره" 1/ 224. (¬6) (الواو) ساقطة من (ب). (¬7) انظر كلام سيبويه في (الكتاب) 4/ 379. (¬8) البيت لعلقمة الفحل، وقيل: لرجل من عبد القيس جاهلي، وقيل لأبي وجزة السعدي، وقد سبق تخريجه عند تفسير قوله تعالى: {أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ} [البقرة: 19] ص 572. (¬9) أصلها (ملْأك)، يحذفون الهمزة منه، وينقلون حركتها إلى اللام وكانت مسكنة في حال همز الاسم. فإذا جمع الاسم ردوا الهمزة على الأصل فقالوا: (ملائكة)، انظر: "تفسير الطبري" 1/ 197، والثعلبي في "تفسيره" 1/ 60 أ، "مجاز القرآن" 1/ 35، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 80، "تهذيب اللغة" (ملك) 4/ 3449، =

إلا أن المحدثين من البصريين ذكروا أن هذا من باب القلب (¬1) فقالوا: نقل همزة (الأَلُوك)، وهو (فاء) إلى عينه، وقدموا العين، فقالوا: (لؤُوك) (¬2) وبنوا (الْمَلْأَك) منه، وإنما قالوا ذلك لأنهم لم يجدوا لـ (مَلْأَك) (¬3) أصلاً يردّونه إليه. وكان ادعاء القلب في الكلمة أولى عندهم من إهمال أصل (الْمَلْأَك) إذ علموا أن (المَفْعَل) (¬4) وما يجري مجراه مما زيد في أوله ميم لابد له (¬5) من أصل ثلاثي يرد إليه، ولم يمكن رد (الْمَلأَك) إلى (لَأَكَ) لأنه مهمل لم ينطق به (¬6) فردوه إلى (أَلَك) لما (¬7) وجدوا في الكلام: (الْمألَك) (¬8)، و (الْمَأْلُك) و (الْمَاْلُكة) في معنى ¬

_ = و (ألك) 1/ 184، "الكشاف" 1/ 371. وذكر أبو البركات ابن الأنباري الأقوال في أصل (ملك) وهي: 1 - الملائكة جمع (ملك) على أصله في الهمز بعد القلب وهو (مَلْأَك) وأصل (مَلْأَك): (مَأْلكَ) لأنه من أَلكَ إذا أرسل، ووزنه على الأصل (مَفْعَل) فنقلت العين إلى موضع الفاء فصار (مَلْأكًا). 2 - أنه مشتق من (لَأَك) إذأ أرسل، فاللام (فاء) والهمز (عين) ولا قلب فيه. 3 - أنه مشتق من (مَلَكْت)، الميم أصلية ووزنه (فَعَلٌ) انظر "البيان في غريب إعراب القرآن" 1/ 70. (¬1) أي قلب المكان. (¬2) في (ب): (لؤك). (¬3) في (ب): (الملاك). (¬4) في (ج): (الفعل). (¬5) (له) ساقط من (ب). (¬6) قال مكي: قال أبو عبيد: هو مشتق -أي: ملك- من (لأك) إذا أرسل، فالهمزة عين ولا قلب فيه، انظر (مشكل إعراب القرآن) 1/ 36، وقد أورد صاحب "اللسان" مادة (لأك) وتكلم عنها، ولم يذكر أنها مهملة، انظر "اللسان" (لأك) 7/ 3975. (¬7) (لما) ساقطة من (أ)، (ج)، والسياق يقتضيها. (¬8) في (ب): (المألكه).

الرسالة (¬1). ومعنى (أَلكَ) في اللغة: علك، يقال الخيل تَأْلُك اللجم، بمعنى: تعلُك، والرسالة سميت (أَلُوكا) لأن الإنسان يَأْلُكُها، ويدير الكلام في فيه، كما يَأْلُك الفرس اللجام (¬2). فعلى هذا (ملك) وزنه (مَفَل) (¬3)، وكان في الأصل (¬4) (مَعْفَل)، لأنه مَلْأَك، هو مقلوب من (¬5) (مأْلَك)، وأوردوا أن يكون مفعلًا من (الألوك)، إلا أنهم قلبوا كما ذكرنا (¬6). هذا قول عامة أهل اللغة والنحو في هذا الحرف (¬7). وذهب بعض (¬8) المتأخرين من أصحاب أبي علي الفارسي وهو أبو القاسم الزجاجي إلى خلاف ما ذهب إليه هؤلاء فقال: قول من يقول: إن تركيب ملك من (م، ل، ك) أولى من قول من يقول: إنه (مَفْعَل) (¬9) من ¬

_ (¬1) انظر "غريب القرآن"، لابن قتيبة 1/ 37، "الزينة" لأبي حاتم الرازي 2/ 160، 161، "الزاهر" 2/ 267، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 36، "مفردات الراغب" ص 21، "البيان في غريب إعراب القرآن" 1/ 70، "اللسان" (ألك) 1/ 110. (¬2) ذكره الأزهري عن الليث، انظر: "تهذيب اللغة" (ألك) 1/ 184، وانظر "اللسان" (ألك) 1/ 110. (¬3) بل الصواب وزنه (مَعَل) لأن المحذوف فاء الكلمة وهي الهمزة، انظر "البيان" 1/ 70. (¬4) (في الأصل) ساقط من (ب). (¬5) في (ج): (عن). (¬6) انظر: "المحكم" (ل أك) 7/ 69، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 36، "البيان في غريب إعراب القرآن"، 1/ 70. (¬7) في (ب): (الحروف). (¬8) في (ب): (ذهب المتأخرون). (¬9) انظر: "مشكل إعراب القرآن" 1/ 36، "البيان" 1/ 70، وقد رد ابن سيده القول =

(الْأَلُوك) مقلوبًا، لأن (المَفْعَل) لا يكون حامل الرسالة، وهم يقولون: إنما قيل: (ملك) لحمله الرسالة، والذي يصلح من الأبنية له (فَاعِل) أو (فَعُول) (¬1) أو (فَعِيل) أو (مُفْعَل) فأما (مَفْعَل) فإنه يصلح أن يكون موضعًا أو مصدرًا. وما يتركب من (م، ل، ك) هو في كلامهم الاستيلاء على الشيء وإجادته وإنعامه كملك الشيء وملك العجين، وإملاكه هو إنعام عجنه، ولا يصل إلى ذلك إلا بالاستيلاء عليه، وإملاك الرجل أن يجعله مالكًا لعقد النكاح، وكل شيء مكنت غيرك منه وجعلته له فقد أملكته (¬2) إياه وملكته، وجميع ما يتركب من هذه الحروف راجع إلى ما ذكرنا، وهذا قد مر ذكره في قوله تعالى: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} [الفاتحة: 4]. فـ (الْمَلكَ) (¬3) اسم الجنس يقع على الواحد والجمع (¬4)، ويدل على ¬

_ = بأن الميم أصلية في (ملك)، انظر "المحكم" 7/ 47، 69، وانظر "اللسان" (لَأَك) 7/ 3975. والرد على هذا القول يرد في الكلام المكرر فيقول: (وقال بعض المتأخرين أصله (مَلك) كما هو الآن، وهو بمعنى المملوك ... فخالف بهذا القول جميع أهل اللغة، واحتج على ما ذهب إليه بما يطول ذكره) فلعل الواحدي أضرب عن كلامه الأول واعتمد الأخير. وهذا ولأبي القاسم الزجاجي قول يخالف هذا، قال في كتاب "اشتقاق أسماء الله": (وأما (الملك) واحد الملائكة، فليس من هذا، لأن ذاك أصله الهمز؛ لأن أصله (مَلْأَك) مَفْعَل من الأَلُوك وهي الرسالة ... فكان سبيله أن يقال: مَأْلَك، ثم قلب فقيل: (مَلْأَك) ثم استعمل بطرح الهمزة ....)، "اشتقاق أسماء الله" ص 45 وقول الزجاجي هذا يوافق الجمهور ويخالف ما نقل الواحدي عنه. (¬1) في (ب): (مَفْعُول). (¬2) في (ب): (أمكنته). (¬3) في (ب): (والملك). (¬4) من جعل (مَلَك) هو الأصل فهو مفرد جمعه (فعائلة) وهو جمع شاذ كما قال العكبري في (الإملاء) 1/ 28، وقال أبو البركات ابن الأنباري: (مجيء هذا =

ذلك قوله تعالى: {وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا} [الحاقة: 17] وهو (فَعَل) في معنى مَفْعول، كالنشر والنقض والخبط. والله تعالى ذكره وإن كان قد ملك كل الخلق، فإنه أجرى هذه اللفظة على الجنس، لأنه (¬1) وصفهم فقال: {لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم: 16] وبهذه الصفة يجب أن يكون (¬2) كُلٌّ مملوكاً (¬3)، فلما وجد فيهم (¬4) المعنى الذي يجب أن يكون عليه المملوك من الطاعة سماهم (الملك)، ومثل هذا الاختصاص كثير نحو: (ناقة الله) و (بيت الله). قال (¬5): وذكر ابن دريد في الجمهرة فقال: (ويجمع (الْملَكُ) أمْلاَكًا وَملاَئِك) (¬6)، وهذا قد أزال (¬7) الخلاف لأن (أَفْعَالاً)، لا يجوز أن يكون جمع ما في أوله ميم زائدة. وحكى أبو القاسم الآمدي (¬8) عن علي بن سليمان الأخفش (¬9) أنه ¬

_ = الوزن في الجمع يدل على فساد قول من جعل (ملكاً) على وزن (فَعَل) لأن فَعَلاً لا يجوز أن يجمع فعائلة ...)، "البيان" 1/ 71. (¬1) في (ب): (لأنهم). (¬2) (يكون) ساقطة من (ج). (¬3) في الأصل (مملوك) والتصحيح من المحقق. (¬4) في (ب): (منهم). (¬5) أي الزجاجي. (¬6) "جمهرة اللغة" 2/ 981. (¬7) في (ب): (ارال). (¬8) هو الحسن بن بشر الآمدي البصري المنشأ، إمام في الأدب، قدم بغداد وأخذ عن الحسن بن علي بن سليمان الأخفش، والزجاج، وابن دريد، وفاتهم سنة سبعين وثلاثمائة، انظر ترجمته في: "إنباه الرواة" 1/ 285، "معجم الأدباء" 2/ 469، "بغية الوعاة" 1/ 500. (¬9) هو علي بن سليمان بن الفضل، أبو الحسن، المعروف (د) (الأخفش الصغير) =

قال: جمع الملك: أَمْلَاك (¬1). وحكي عن العرب (مالك الموت) في (ملك الموت) فلولا أنهم عرفوا أن الأصل فيه (م ل ك) ما عبروا عن (ملَك) بمالك. قال رويشد بن حنظلة (¬2): غَدَا مالِكٌ يَبْغِي نِسَائِي كَأَنَّمَا ... نِسَائِي لسَهْمَيْ مَالِكٍ غَرَضَانِ فَيَارَبِّ فَاتْرُكْ لِي جُهَيْمةَ (¬3) أَعْصُراً ... فَمَالِكُ مَوْتٍ بِالْفِرَاقِ دَهَانِي (¬4) ¬

_ = سمع من ثعلب والمبرد، كان ثقة، توفي سنة خمس عشرة وثلاثمائة، انظر ترجمته في: "تاريخ بغداد" 11/ 433، "إنباه الرواة" 2/ 276، "معجم الأدباء" 4/ 126. (¬1) انظر كلام الأخفش في "الزينة" 2/ 162. (¬2) خطأ الأكثرون هذا الشاعر، قال ابن سيده: (ورأيت في بعض الأشعار: مالك الموت في ملك الموت ...) ثم ذكر البيت، ثم قال: (وهذا عندي خطأ، وقد يجوز أن يكون من جفاء الأعراب وجهلهم، لأن ملك الموت مخفف عن (مَلْأك) ...) "المحكم" 7/ 47. وقال في موضع آخر: (فإنه ظن ملك الموت من (م ل ك) فصاغ (مالكا) من ذلك، وهو غلط منه، وقد غلط بذلك في غير موضع من شعره ... وذلك أنه رآهم يقولون: (ملك) بغير همز، وهم يريدون: (مَلْأَك) فتوهم أن الميم أصل، وأن مثال ملك (فَعَل): كَفَلَك، وسَمَك، وإنما مثال (ملك): (مَفَل) والعين محذوفة ألزمت التخفيف إلا الشاذ .. ومثل غلط رويشد كثير في شعر الأعراب الجفاة) "المحكم" 7/ 69. وعقد ابن جني في "الخصائص" بابا في أغلاط العرب، وذكر أبيات رويشد، ثم قال: (وحقيقة لفظه غلط وفساد ..)، "الخصائص" 3/ 273، 274، انظر: "اللسان" (لأك) 7/ 3975. وروشيد بن حنظلة لم أجد له ترجمة. (¬3) في (ب): (جهينة) وهي رواية في البيت. (¬4) ورد البيتان في "المحكم" 7/ 47،7/ 69، "الخصائص" 2/ 72، 3/ 273، "اللسان" (لأك) 7/ 3975.

وهذا الشاعر ماتت نساؤه (¬1) وأطال التزوج فلم تلبث (¬2) عنده واحدة، فهذا كما ترى سمى المَلَك: (مَالِكاً)، وأما البيت الذي أُنشد في (الْمَلْأَك) (¬3) فليس فيه حجة قاطعة فإنه شاعر (¬4) واحد، ولم يسمع (الْمَلْأَك) إلا في ذلك البيت الواحد، ولعله همز ما ليس أصله الهمز كما قالوا: (رمح يَزْأَنِيَّ) (¬5) فزادوا الهمز، وقالوا: (حَلَّأْتُ (¬6) السَّويق) وليس أصله الهمز، ومثله كثير. وأما الجمع فالملائك (فعائل) كالجمائل في جمع الجمل (¬7). ويجوز أن يكون الملائك (مفاعلا)، وإن كان الواحد (فَعَلاً)، لأن باب الجمع ليس بمطرد ولا مقيس، ألا ترى أنهم قالوا في جمع القبح (¬8): ¬

_ (¬1) في (أ)، (ج): (نساه) وأثبت ما في (ب) لأنه الأولى. (¬2) في (ج): (يلبث). (¬3) في (ب): (الملك) والبيت هو ما احتج به سيبويه وغيره من أهل اللغة والنحو وهو قول علقمة الفحل أو غيره: فَلَسْتَ لِإنْسِيٍّ وَلَكِنْ لِمَلْأَكٍ. وقد سبق آنفاً. (¬4) في (أ)، (ج): (لا شاعر) واخترت ما في (ب) لأنه أصح في السياق. (¬5) (يَزْأَنِيّ) نسبة إلى ذي يزن من ملوك حمير نسبت الرماح له لأنه أول من عملت له، والأصل (يَزَنِيُّ) و (أزَنِي) وبعضهم زاد الهمزة فقال: (يَزْأَنِي) انظر "اللسان" (يزن) 8/ 4956. (¬6) الأصل (حَلَّيْت السويق) أي جعلته حلوا وهمزه شاذ، انظر "سر صناعة الإعراب" 1/ 90، 420، "اللسان" (حلا) 2/ 983. (¬7) قوله (في جمع الجمل) ساقط من (ب). وقوله: (فعائل) هذا عند من يرى أن (الميم) في (ملك) أصلية، أما على قول الجمهور فجمعه (معافله) أو (مفاعلة)، انظر "مشكل إعراب القرآن" 1/ 36، 37. (¬8) في (ب): (الفتح: مفاتح).

مقابح، وفي جمع الحسن: محاسن، وفي جمع الشبه: مشابه، وفي جمع العزف وهو اللهو معازف، وقالوا: أطعمني مطايب الجزور، لجمع (¬1) طيب، وهذا باب واسع (¬2). والأمر فيه عند المحققين أن كل لفظة من هذه الألفاظ التي وردت في الجمع مخالفة للقياس هي موضوعة للجمع من غير أن كُسِّر (¬3) عليها الواحد، فالمحاسن لفظة نابت (¬4) عن جمع الحسن، وكذلك (¬5) أشباهها، هذا كلامه وهو طويل وقد (¬6) اختصرته (¬7). وحكي عن النضر بن شميل، أنه قال في الملك: إن العرب لا تشتق فعله ولا تصرفه وهو مما فات (¬8) علمه، فهذا الذي ذكرنا طرف من الكلام في أصل هذا الحرف (¬9) على مقدار ما يليق بهذا الكتاب (على (¬10) صورة ¬

_ (¬1) في (أ)، (ج): (لجميع) واخترت ما في (ب) لأنه أصح في السياق. (¬2) في (ب): (وهذا جمع واجب يتبع). (¬3) أي: جمع تكسير. (¬4) في (ب): (ثابت). (¬5) في (ب): (وذلك). (¬6) في (ب): (وهو). (¬7) يريد كلام أبي القاسم الزجاجي وسيأتي في المكرر إشارة له بقوله: (وقال بعض المتأخرين أصله (ملك) كما هو الآن ... فخالف بهذا القول جميع أهل اللغة، واحتج على ما ذهب إليه بما يطول ذكره) ولعل الواحدي ترك ذكر كلام الزجاجي مفصلا واكتفى عن ذلك بالإشارة إليه. (¬8) في (أ)، (ج): (مات) وما في (ب) موافق لما عند الثعلبي فقد نقل عنه الواحدي كلام النضر والتعليق عليه. "تفسير الثعلبي" 1/ 60 أ. (¬9) في (ب): (هذِه الحروف). (¬10) قوله: (على صورة الماضي) .. من هنا إلى قوله: (واحتج على ما ذهب إليه بما =

المضي، لأن ما تحقق كونه، فهو بمنزلة ما قد كان، كقوله تعالى: {وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ} (¬1) وأشباهه. وقال أبو عبيدة (إذ) في هذا الموضع (¬2) زائدة. معناه: وقال ربك للملائكة. وأنكر الزجاج وغيره هذا القول، وهو (¬3) أن الحرف إذا كان مفيداً (¬4) معنى صحيحاً لم يجز إلغاؤه، قالوا: وفي الآية محذوف معناه: واذكر يا محمد إذ قال لربك. وقال الزجاج (¬5): إن الله جل ذكره ذكر خلق الناس (¬6) في هذه الآية فكأنه قال: ابتدأ خلقكم إذ قال ربك للملائكة. وعند غيره من المفسرين (¬7): أن كل ما ورد في القرآن من هذا النحو فالذكر فيه مضمر. و (الملائكة) (¬8): الرسل واحدها مَلَك وأصله (مَأْلَك) وجمعها ¬

_ = يطول ذكره) مكرر مع ما سبق، ولعل الواحدي لم يرض عن كلامه الأول فأعرض عنه ثم أعاد الكتاب فيه، غير أن النساخ أثبتوا كل ما كتبه، انظر التنبيه السابق ص 312. (¬1) سورة الأعراف: 44. وفي كلامه المكرر السابق أورد آيتين قال: (كقوله: {وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ}، {وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ} ...) (¬2) هناك في المكرر قال: (هاهنا). (¬3) كذا ورد في جميع النسخ وفي الموضع السابق: (وقالوا: إن الحرف ...). (¬4) في (ب): (مقيدًا). (¬5) في كلامه المكرر السابق (أبو إسحاق). (¬6) في (ب): (السموات). (¬7) في الكلام المكرر: (وأكثر المفسرين). وتخريج الأقوال والتعليق عليها ذكر في الكلام السابق فلا أطيل بإعادته. (¬8) تفسير لفظ (الملائكة) هنا مختلف عما سبق وأكثر اختصار منه.

(مآلِك) (¬1) ووزنه من الفعل (مَفْعَل) والهمزة فاء الفعل، واللام عينه ثم أخرت الهمزة بالقلب (¬2)، تأخيرهم للعين من (القوس) في جمعها حيث قالوا: (قُسِيّ) (¬3) وقالوا: (شَمْأَل وشَأْمَل) (¬4) كذلك هاهنا قلبت الهمزة. ثم خفف (¬5) بالحذف فقيل: ملك وأصله من المأْلُكة والمَأْلَكَة (¬6) والألوك وهي: الرسالة، ويقال: ألِكْني (¬7) إليه، أي: كن رسولي، وبلغ إليه رسالتي. قال لبيد: وغُلَامٍ أَرْسَلَتْهُ أُمُّهُ ... بِأَلُوكٍ فَبَذَلْنَا مَا سَأَلْ (¬8) ¬

_ (¬1) (مآلك) جمع (مألك) على أصله قبل التغيير. قال الطبري: ولست أحفظ جمعهم كذلك سماعا، ولكنهم يجمعون: (ملائك وملائكة) "تفسير الطبري" 1/ 198، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 36. (¬2) ويسمى قلبًا مكانيًا، انظر "مشكل إعراب القرآن" 1/ 36. (¬3) قال في "اللسان": (قُسي) و (قِسي) كلاهما على القلب عن (قُووس) وإن كان (قُووس) لم يستعمل استغنوا بقسيِّ عنه، فلم يأت إلا مقلوبا ...) "اللسان" (قوس) 6/ 3773. (¬4) في (أ) (شئمال وشأمل)، والصحيح ما أثبت كما في (ب) و (ج)، ومثله عند "الطبري"، وهو على القلب المكاني. انظر "تفسير الطبري" 1/ 198. (¬5) في (ج): (خففت). (¬6) (والمألكة) ساقطة من (ب). (¬7) في (ب): (اللي). (¬8) ورد البيت في (ديوان لبيد) مع شرحه: ص 178، "تفسير الطبري" 1/ 198، "المعاني الكبير" 1/ 410، 3/ 1238، "الزاهر" 2/ 267، "المحكم" (أَلك) 7/ 68، "الخصائص" 3/ 275، "المنصف" 2/ 104، "تفسير القرطبي" 1/ 224، "الدر المصون" 1/ 250، "إملاء ما مَنَّ به الرحمن" 1/ 27، "اللسان" (ألك) 1/ 110. يقول (أرسلت هذا الغلام أمُّه برسالة فأعطيناه ما طلب).

وسميت الرسالة أَلوُكا، لأنه يؤلك في الفم، مشتقّاً (¬1) من قول العرب: الفرس يألك (¬2) اللجام ويعضه بمعنى يمضغ الحديدة (¬3). ذكره الليث، قال: والمعروف: يَلُوك (¬4). وقال عبد بني الحسحاس (¬5): أَلِكني إليْهَا عَمْرَكَ اللهُ يَا فَتَى ... بآيةِ (¬6) مَا جَاءَتْ إليْنَا تَهَادِيَا (¬7) وقال آخر، فردّ الملك إلى الأصل (¬8): فَلَسْتَ لإنسيٍّ ولكن لمَلأَكٍ (¬9) ... تَنَزَّلَ مِنْ جَوِّ السَّمَاءِ يَصُوبُ (¬10) ¬

_ (¬1) كذا في جميع النسخ، ولعل الأولى (مشتق). (¬2) في (ب): (تألك، وتعضه، وتمضع) بالتأنيث في المواضع الثلاثة. (¬3) في (ب)، (ج): (الحديد). (¬4) "تهذيب اللغة" (ألك) 1/ 184. (¬5) هو سحيم عبد بني الحسحاس، أدرك الجاهلية والإسلام، ولا يعرف له صحبة، كان أسود شديد السواد وبنو الحسحاس: من بني أسد بن خزيمة. انظر ترجمته في: "الشعر والشعراء" ص 258، "الخزانة" 2/ 102. (¬6) في (أ)، (ج): (كآية) وما في (ب) تفسير موافق لجميع المصادر التي ورد فيها البيت. (¬7) ورد البيت في (ديوان سحيم): ص 19، و"الطبري" 1/ 198، "الخصائص" 3/ 274، "معجم مقاييس اللغة" 1/ 133، "مجمل اللغة" (ألك) 1/ 102، أساس البلاغة (ألك): ص 8، "الخزانة" 2/ 104. قوله: ألكني إليها: بلغها عني رسالة، والآية: العلامة، والتهادي: التمايل في المشي. (¬8) قوله: (فرد الملك إلى الأصل) ورد في (ب) بعد البيت وهذا أولى، والمعنى رد الملك إلى أصله وهو (ملأك). (¬9) في (أ) و (ج): (لها لا ك) وهو تصحيف يخالف رواية البيت المشهورة. (¬10) سبق تخريج البيت.

وأصله مألك (¬1) فقلب الهمزة كما قالوا: شاك في شائك، ولاث في لائث (¬2). ويقال في الجمع الملائكة والملائك، قال كثير: كَمَا قَدْ عَمَمْتَ المؤْمِنِينَ بِنَائِلٍ ... أَبَا (¬3) خَالِدٍ صَلَّتْ عَلَيْكَ المَلاَئِكُ (¬4) هذا قول الجمهور من أهل اللغة (¬5). وقال النضر بن شميل في الملك: إن العرب لا تشتق فعله ولا تصرفه، وهو مما فات (¬6) علمه. وقال بعض المتأخرين (¬7): أصله ملك كما (¬8) هو الآن وهو بمعنى ¬

_ (¬1) (مألك) قلبت الهمزة قلبًا مكانيًا، فوضعت مكان العين، ونقلت العين إلى الفاء وهي (اللام) فصار (ملأك) ثم خفف بحذف الهمزة، انظر (البيان في غريب إعراب القرآن) 1/ 70. (¬2) انظر: "الكتاب" 3/ 466، 4/ 378، "سر صناعة الإعراب" 1/ 307. (¬3) في (ب): (اخالد). (¬4) ورد البيت في "المنصف" 2/ 103، "البحر" 1/ 127، "الدر المصون" 1/ 251، غير منسوب فيها كلها. (¬5) انظر: "تهذيب اللغة" (ملك) 4/ 3449، (ألك) 1/ 184، "تفسير الطبري" 1/ 197، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 80، "مجاز القرآن" 1/ 35، "تفسير الثعلبي" 1/ 60 أ، "الكشاف" 1/ 371. (¬6) في (ج): (من مات عليه) وكلام النضر ورد في "تفسير الثعلبي" قال: وهو مما فات عليه 1/ 60 أ. وقد سبق كلام النضر. وانظر التعليق عليه. (¬7) هو أبو القاسم الزجاجي ذكره فيما سبق قال: (وذهب بعض المتأخرين من أصحاب أبىِ علي الفارسي، وهو أبو القاسم الزجاجي ...). والتعليق عليه هناك، حيث إن للزجاجي قولاً آخر يوافق الجمهور. (¬8) (كما) ساقطة من (أ) و (ج) والسياق يقتضيها.

المملوك يذهب (¬1) فيه إلى أنه لله بمنزلة العبد لغيره، فهو (فَعَل) بمعنى مفعول كالنقض (¬2) والخبط، فخالف بهذا القول جميع أهل اللغة واحتج على ما ذهب إليه بما يطول ذكره (¬3). و (الخليفة) الذي يخلف الذاهب أي يجيء بعده، ويقال للسلطان: خليفة لأنه يخلف من قبله، يقال: خلف فلان مكان فلان، يخلف [إذا كان في مكانه (¬4). اللحياني: خلف فلان فلانا في أهله وفي مكانه يخلفه، (¬5) خلافة حسنة، وكذلك (¬6) قيل: أوصى له بالخلافة، ويقال: خلفني ربي في أهلي وولد في أحسن الخلافة (¬7). وأصل الخليفة خليف بغير هاء، لأنه (فَعِيل) بمعنى: (فاعل)، كالعليم والسميع، فدخلت (الهاء) للمبالغة بهذا الوصف، كما قالوا: راوية (¬8) وعلاَّمة (¬9). وقال ابن السكيت: أما الخليفة فإنه وقع للرجال خاصة، وإن كان (¬10) فيه (الهاء)، ألا ترى أنهم قد جمعوه (خلفاء) كما ¬

_ (¬1) (يذهب) ساقطة من (ب). (¬2) في (ب): (بالنقض). (¬3) وقد سبق ذكر احتجاجه مفصلاً في الكلام السابق. (¬4) أنظر: "تفسير الطبري" 1/ 199، "تفسير الثعلبي" 1/ 60 أ. (¬5) ما بين المعقوفين ساقط من (ب). (¬6) في "تهذيب اللغة" (ولذلك) 1/ 1089. (¬7) "تهذيب اللغة" (خلف) 1/ 1089. (¬8) وفي (ج): (رواية). (¬9) انظر: "الزاهر" لابن الأنباري 2/ 241، "الصحاح" (خلف) 4/ 1356، "اللسان" (خلف) 2/ 1235. (¬10) (كان) ساقط من (ب).

يجمع فعيل. هذا فيمن ذَكَّر واستعمل المعنى، ومن أنث لتأنيث اللفظ قال في الجمع: (خلائف) (¬1). وقد ورد التنزيل بها، قال الله تعالى: {خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ} [الأعراف: 69]، وقال: {خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ} (¬2) ويجوز تأنيث الخليفة على اللفظ كما قال: أَبُوك خَلِيفَةٌ وَلَدَتْه أُخْرى ... وَأَنْتَ خَلِيفَةٌ ذَاكَ الكَمَالُ (¬3) قال ابن عباس وابن مسعود وابن زيد (¬4): أراد بالخليفة آدم عليه السلام جعله خليفة لنفسه، يحكم بالحق في أرضه (¬5). وروي عن ابن عباس أنه قال: ¬

_ (¬1) انظر كلام ابن السكيت في "تهذيب اللغة" (خلف) 1/ 1090، وانظر: "المذكر والمؤنث" لابن الأنباري: ص 565، "الزاهر" 2/ 242 (¬2) سورة يونس: 14، وفي فاطر: 39. (¬3) البيت استشهد به الفراء في "معاني القرآن" 1/ 208، ولم ينسبه، وورد في "الزاهر" 2/ 242، "والمذكر والمؤنث" لابن الأنباري: ص 565، ونسبه لـ (نُصيب) قال المحقق: ليس في شعره، وورد في "تهذيب اللغة" (خلف) 1/ 1090، "الصحاح" 4/ 1356، "اللسان" 2/ 1235، كلهم قالوا: أنشد الفراء. والشاهد فيه: قوله: (أخرى) فأنث لتأنيث اسم الخليفة، والوجه أن تقول: ولده آخر. قاله الفراء. (¬4) هو عبد الرحمن بن زيد بن أسلم العدوي، بالولاء، مدني روى عن أبيه زيد بن أسلم، ضعيف. مات سنة اثنتين وثمانين ومائة. انظر ترجمته في: "الجرح والتعديل" 5/ 233، "تهذيب التهذيب" 2/ 507، "طبقات المفسرين" للداودي 1/ 271. (¬5) ورد ضمن آثار رويت عن ابن عباس وابن مسعود وابن زيد ذكرها الطبري في "تفسيره" بسنده، وقد علق الأستاذ محمود شاكر على هذِه الآثار بكلام طويل، محصلته أن الطبري استدل بهذِه الآثار لبيان معنى لفظ (خليفة) وتحقيق معناه، ولم يبال بما في الإسناد من وهن لا يرتضيه، وقد رجح الطبري: أن المراد بالخلافة خلافة قرن منهم قرنًا غيرهم، وأن الذي يفسد ويسفك الدماء غير آدم. وانظر: "تفسير الطبري" 1/ 451 - 453، وذكر نحوه ابن كثير في "تفسيره" 1/ 75 وساق الآثار على هذا.

جعله خليفة عن الملائكة الذين كانوا سكان الأرض بعد الجن (¬1). قال المفسرون: وذلك أن الله تعالى خلق السماء والأرض، وخلق الملائكة والجن، فأسكن الملائكة السماء وأسكن الجن (¬2) الأرض، فغبروا دهراً طويلاً في الأرض، ثم ظهر فيهم الحسد والبغي، فاقتتلوا وأفسدوا، فبعث إليهم جندا من الملائكة يقال لهم: الجن ورأسهم إبليس، وهم خزان الجنان، اشتق لهم اسم من الجنة، فهبطوا إلى الأرض، وطردوا الجن عن وجوهها إلى شعوب الجبال، وجزائر البحور، وسكنوا الأرض، وكانوا أخف الملائكة عبادة، لأن أهل السماء الدنيا أخف عبادة من الذين فوقهم، وكذلك أهل كل سماء، وهؤلاء الملائكة لما صاروا سكان الأرض خفف الله عليهم العبادة، وخلقت الملائكة كلها من نور غير هذا الحي (¬3) الذين يقال لهم: الجن (¬4)، فأحبوا (¬5) البقاء في الأرض. ¬

_ (¬1) أخرج "الطبري" نحوه من طريق الضحاك عن ابن عباس، وقال شاكر: في إسناده ضعف. "تفسير الطبري" 1/ 450، وذكره ابن كثير من طريق ابن جرير "تفسير ابن كثير" 1/ 75، وأخرج الحاكم في مستدركه نحوه عن مجاهد عن ابن عباس، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. "المستدرك" 2/ 261. (¬2) (الجن) ساقط من (ب). (¬3) في (ب): (الجن). (¬4) في "تفسير الطبري": (الحن) بالمهملة. قال شاكر في هامش "الطبري": في المطبوعة في موضعين (الجن) بالجيم وهو خطأ، يدل عليه سياق الأثر، فقد ميز ما بين إبليس، وبين الجن الذين ذكروا في القرآن .. والجن (بالجيم) أول من سكن الأرض، وإبليس جاء لقتالهم في جند من الملائكة ..) "تفسير الطبري" 1/ 455 (ط. شاكر). (¬5) في (ب): (واحبوا).

كان الله تعالى قد أعطى إبليس ملك الأرض وملك السماء الدنيا وخزانة الجنان، وكان يعبد الله عز وجل تارة في الأرض وتارة في السماء وتارة في الجنة، فأعجب بنفسه، وتداخله الكبر، فاطلع الله على ما انطوى عليه في الكبر، فقال له ولجنده: إني جاعل في الأرض خليفة (¬1). وإخبار (¬2) الله تعالى الملائكة بهذا يكون على جهة البشارة لهم بمكان آدم كما جرت به سنته بالبشارة بالأنبياء قبل خلقهم وقبل إرسالهم (¬3). ولا يكون ذلك (¬4) على جهة المشاورة معهم (¬5)، لامتناع ¬

_ (¬1) ذكره الثعلبي في "تفسيره" قال: (وقال المفسرون ... ثم ذكره)، "تفسير الثعلبي" 1/ 60 أ، ب، ولعل الواحدي نقل عنه. وإن مما أخذ على الثعلبي في "تفسيره" أنه حاطبُ ليل جمع فيه الضعاف والإسرائيليات، ولقد تأثر الواحدي به ونقل عنه في، بعض المواضع. وحول ما أورده الواحدي هنا ورد أثر عن ابن عباس، أخرجه الطبري، قال شاكر في تعليقه عليه. (.. لم يروه لاعتماد صحته، بل رواه لبيان أن قول الله سبحانه: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} إنما هو خطاب فيه لفظ العموم للملائكة ..) "تفسير الطبري" 1/ 201. وأورد الأثر ابن كثير وقال: (هذا سياق غريب، وفيه أشياء فيها نظر، يطول مناقشتها، وهذا الإسناد إلى ابن عباس يُرْوى به تفسير مشهور)، "تفسير ابن كثير" 1/ 76. ومثل هذِه القضايا يجب الاعتماد فيها على النص من الكتاب، أو من السنة الصحيحة، وهي من المواطن التي كثر النقل فيها عن الإسرائيليات، وليت كتب التفسير صينت عن مثل هذِه القصص والروايات. (¬2) في (ب): (واختار). (¬3) أنظر: "تفسير ابن كثير" 1/ 74. (¬4) في (أ)، (ج): (على ذلك جهة) وأثبت ما في (ب)، لأنه أصح لاستقامة السياق. (¬5) أورد ابن أبي حاتم في "تفسيره" أثرًا منكرا عن السدي، وفيه: (فاستشار الملائكة في خلق آدم) قال المحقق: هذا خبر منكر، انظر "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 76. وأورده ابن كثير في تفسير، وقال: وهذِه العبارة إن لم ترجع إلى معنى الإخبار =

المشاورة في وصفه، لوجوب كونه عالماً لا يخفى عليه شيء. وقوله تعالى: {قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ}. قال الفراء (¬1): أراد: فقالوا فحذف فاء النسق كقول الشاعر: لمَّا رَأَيْتُ نَبَطاً أَنْصَارَا شَمَّرْتُ عَنْ رُكْبَتِي الإزَارَا كُنْتُ لَهْمْ مِنْ النَّصَارى جَارَا (¬2) أي: فكنت لهم. واختلفوا (¬3) في قول الملائكة: (أتجعل فيها) على أي وجه حصل منهم هذا: فروي أن الذين قالوا هذا عشرة آلاف من الملائكة، فأرسل الله (¬4) عليهم نارا فأحرقتهم (¬5). وقال بعض أهل المعاني: فيه إضمار واختصار، معناه: أتجعل فيها من يفسد فيها [ويسفك الدماء؟ أم تجعل فيها من لا يفسد فيها] (¬6) ولا يسفك الدماء؟ كقوله تعالى: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ} [الزمر:9]، يعني ¬

_ = ففيها تساهل، وعبارة الحسن وقتادة في رواية ابن جرير أحسن. "تفسير ابن كثير" 1/ 75. عبارة الحسن وقتادة: إني فاعل، انظر: "تفسير الطبري" 1/ 205. (¬1) أنظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 44، وانظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 60 ب. (¬2) أنشد الفراء الرجز ونسبه لبعض الأعراب "معاني القرآن" 1/ 44، وأورده "الطبري" في "تفسيره" 1/ 318، والثعلبي 1/ 60 ب، وهو في "الزاهر" 1/ 225، "تفسير الماوردي" 1/ 132، "تفسير القرطبي" 1/ 369، "الدر المصون" 1/ 407. (¬3) في (ب): (فاختلوا). (¬4) لفظ الجلالة غير موجود في (ب). (¬5) هذا الكلام ورد في رواية منكرة غريبة أخرجها ابن أبي حاتم في "تفسيره" عن يحيى بن أبي كثير عن أبيه. قال المحقق: (منكر غريب)، "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 78. وذكرها ابن كثير عن ابن أبي حاتم، وقال: (إسرائيلي منكر)، "تفسير ابن كثير" 1/ 76. (¬6) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).

كمن هو غير قانت (¬1)، وكقول أبي ذؤيب: عَصَيْتُ إليْها القَلْبَ إِنِّي لِأَمْرِهَا ... مُطِيعٌ فَمَا أَدْرِي أَرُشْدٌ طِلاَبُهَا (¬2) أراد: أرشد (¬3) أم غي، وعلى هذا فالملائكة أرادوا بالاستفهام أن يخبروا بما لا يعلمون، ولم يذهبوا إلى الإنكار والاعتراض (¬4)، فقال الله: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} (¬5)، لم يطلعهم على صفة أولاد آدم. ولم يبين لهم أنه يريد أن يخلق من يفسد أو لا يفسد (¬6). وقيل: لما قال الله: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} أشكل على الملائكة أن الخليفة ممن يكون، قالوا: يا ربنا أتجعل في الأرض خليفة كما كان بنو الجان مفسدين؟ أم تجعل خليفة من الملائكة؟ فإنا نسبح بحمدك، فلم يطلعهم الله على ذلك، فقال: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} أي (¬7): أن فيهم المطيع والعاصي جميعاً (¬8). ¬

_ (¬1) هذا المعنى ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 60 ب. (¬2) سبق ذكر البيت وتخريجه وشرحه في: 2/ 55. (¬3) في (ب): (رشد). (¬4) في (أ): (ولاعتراض). (¬5) ذكر نحوه الطبري ورجحه. انظر: "تفسير الطبرى" 1/ 209 وهو قريب من قول الزجاج الآتي ذكره، انظر: "معاني القرآن" 1/ 76، وانظر. "زاد المسير" 1/ 60، "تفسير القرطبي" 1/ 135. (¬6) رجح الطبري أن الله أطلع الملائكة على ما يكون من ولد آدم، لأن ذلك يفهم من السياق، انظر: "تفسير الطبري" 1/ 210. (¬7) في (ب): (إذ فيهم). (¬8) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 209، "تفسير الثعلبي" 1/ 60 ب، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 76، "تفسير القرطبي" 1/ 235.

وقال الزجاج حكاية عن غيره: المعنى في هذا هو (¬1): أن الله أعلم الملائكة أنه جاعل في الأرض خليفة، أن الخليفة (¬2) فرقة من بني آدم [تسفك] (¬3) الدماء، وأن الله أذن للملائكة أن يسألوه عن ذلك، وكان (¬4) إعلامه إياهم هذا زيادة في التثبيت (¬5) في نفوسهم أنه يعلم الغيب، وكأنهم قالوا: أتخلق (¬6) فيها قوماً يسفكون الدماء ويعصونك، وإنما ينبغي إذا عرفوا أنك خلقتهم أن يسبحوا بحمدك كما نسبح، ويقدسوا كما نقدس، ولم يقولوا هذا إلا وقد أذن لهم، لأن الله تعالى وصفهم بأنهم يفعلون ما يؤمرون (¬7). فإن قيل: فأين إخبار الله بذلك للملائكة فإنا لا نراه في القرآن؟ قيل: هو محذوف مكتفى بدلالة الكلام عليه، كأنه قال: (إني جاعل في الأرض خليفة) يكون من ولده إفساد (¬8) في الأرض، وسفك للدماء (¬9)، فحذف هذا اكتفاء (¬10) بما دل عليه من جواب الملائكة، كما ¬

_ (¬1) (هو) ساقط من (ب). ولفظ الزجاج: (وقال قوم: المعنى فيه غير هذا وهو أن الله .. إلخ) والزجاج ذكر قبل هذا القول الذي يرتضيه، وسيورده الواحدي فيما بعد، كما سيأتي، انظر: "معاني القرآن" 1/ 76. (¬2) كذا في جميع النسخ وفي "معاني القرآن" (بالقاف) في الموضعين. (¬3) في (أ) و (ج): (يسفك)، و (ب) غير معجم، وفي "معاني القرآن" (تسفك) 1/ 76. (¬4) (الواو) ساقطة من (ج). (¬5) في (أ) و (ج): (التثبت)، وما في (ب) موافق لما في "معاني القرآن" 1/ 76. (¬6) في النسخ: (الخلق)، تحريف، والصواب ما أثبتنا من "معاني القرآن". (¬7) انتهى كلام الزجاج، انظر: "المعاني": ص 77. (¬8) (إفساد) مكرر في (أ) و (ج). (¬9) في (ب): (الدماء). (¬10) في (أ) و (ج): (اكتفى) وأثبت ما في (ب)، لأنه هو الأصوب.

قال الشنفرى (¬1): فَلَا تَدْفِنُونِي إنَّ دَفْنِي مُحَرَّمٌ ... عَلَيْكُمْ ولكن خَامِري أُمَّ عَامِرِ (¬2) أراد: ولكن دعوني للتي يقال لها إذا أريد صيدها: خامري أم عامر، فحذف (¬3). قال الزجاج: ويجوز أن يكون هذا القول من الملائكة على وجه استعلام وجه الحكمة، لا على الإنكار. معناه: كيف تجعل في الأرض من يفسد ويسفك الدماء ونحن نسبحك الآن إذ أجليناهم (¬4) وصرنا سكانها، فأخبِرْنا (¬5) وجه الحكمة فيه (¬6). ¬

_ (¬1) الشنفرى: شاعر جاهلي من الأزد، والشنفرى اسمه، وقيل: لقبه ومعناه: العظيم الشفة، انظر: "الخزانة" 3/ 343، "الأعلام" 5/ 85. (¬2) البيت قاله الشنفرى الأزدي في قصة طويلة انظر تفاصيلها في "الخزانة" 3/ 344 - 348، ويروى البيت (لا تقتلوني)، (إن قبري)، (ولكن أبشري) وفي "ذيل الأمالي" (لا تقتلوني)، (إن قتلي). وأم عامر: كنية الضبع و (خامري) أي استتري، يريد دنو الضبع مستخفية ملازمة لمكانها حتى تخالط القتيل فتصيب منه. والمعنى: يقول لا تدفنوني بعد قتلي واتركوني للتي يقال لها (أم عامر). ورد البيت في "تفسير الطبري" 1/ 210، "الحماسة بشرح المرزوقي" 2/ 487، "الشعر والشعراء" ص 31، "ذيل الأمالي" للقالي 3/ 36، "الخزانة" 3/ 327. (¬3) السؤال الذي ذكره الواحدي والإجابة عنه، ورد عند الطبري في "تفسيره" 1/ 210. (¬4) في (ب): (اخليناهم). (¬5) في (ب): (فأضرها). (¬6) نقل الواحدي كلام الزجاج بمعناه، ومنه قوله: (روي أن خلقًا يقال لهم: (الجان) كانوا في الأرض فأفسدوا وسفكوا الدماء. فبعث الله ملائكته فأجلتهم من الأرض، وقيل: إن هؤلاء الملائكة صاروا سكان الأرض بعد الجان .. إلخ) وهذا يوضح قول الواحدي: (ونحن نسبحك الآن إذ أجليناهم وصرنا سكانها). "معاني القرآن" للزجاج 1/ 76.

وقال ابن عباس وأكثر المفسرين: إن الله تعالى لما اطلع على كبر إبليس قال للملائكة الذين كانوا معه: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} فقالت (¬1) الملائكة: أتجعل فيها من يفسد فيهما كما فعل (¬2) بنو الجان، قاسوا بالشاهد على الغائب (¬3)، فقال الله تعالى: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} من كبر إبليس واغتراره بفعله، ثم لما ظهر من أمر إبليس ما ظهر وعجزت هؤلاء الملائكة عن (¬4) الإخبار عن أسماء الأشياء اعترفوا بالعجز، وقالوا: {سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا} (¬5) ومع وضوح هذه الأقوال فإن ظاهر الخطاب يدل على أنه شق على الملائكة خلق الخليفة لأنهم لما سكنوا (¬6) الأرض خفت عنهم العبادة كما ذكرنا، فخافوا أن يردوا إلى السماء فتثقل عليهم العبادة فلهذا شق عليهم خلق الخليقة (¬7). ¬

_ (¬1) في (ب): (فقال). (¬2) في (ب): (فعلوا). (¬3) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 60 ب. (¬4) في (ب): (من). (¬5) ورد نحوه في رواية طويلة عن ابن عباس ساقها "الطبري" في "تفسيره"، وعلق عليها بأن الرواية أفادت أن القائل ذلك خاص من الملائكة وليس كلهم. وقد أخذ محمود شاكر من تعليق الطبري: أن الطبري لم يروه لاعتماد سنده وإنما لبيان أن الخطاب لبعض الملائكة، وأن قولهم: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا} لم يكن عن علم بالغيب عرفوه، بل كان ظنا ظنوه). انظر: "تفسير الطبري" 1/ 455 - 458، "تفسير أبي الليث" 1/ 108، "الدر المصون" 1/ 45. (¬6) في (ب): (اسكنوا). (¬7) اعتمد الواحدي في هذا على ما ذكره شيخه الثعلبي في "تفسيره" 1/ 60 ب. وورد نحوه عند أبي الليث في "تفسيره" 1/ 108. وهذا لا يتناسب مع منزلة الملائكة =

وقوله تعالى: {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ}. معنى التسبيح: تنزيه الله من كل سوء، وقد يكون بمعنى الصلاة، ويقال: سبح لله (¬1) أي صلى لله (¬2). قال الحسن: معناه: يقول سبحان الله وبحمده (¬3). قال الأزهري (¬4): أجمع المفسرون وأهل المعاني: أن معنى (¬5) تسبيح الله، تنزيه الله وتبرئته عن السوء. قال: وأصل التسبيح (¬6) في اللغة، التبعيد من قولك: سبحت في الأرض، إذا تباعدت فيها، ومن هذا قوله تعالى: {وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [يس: 40]، فكل من أثنى على الله وبعّده من السوء، فقد سبح له (¬7) ونزهه. وقال بعض أهل المعاني: معنى قوله: {نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ} نتكلم بالحمد لك، والنطق بالحمد لله تسبيح له، كما قال: {وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ} [الشورى:5] وقال: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ} [النصر:3] أي: ¬

_ = وما ذكره الله عنهم بقوله: {لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم:6]. والأرجح في معنى الآية: أن الملائكة قالت ذلك على وجه الاسترشاد عما لم يعلموا، انظر: "تفسير الطبري" 1/ 221. (¬1) في (ب): (الله). (¬2) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 221، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 77، "القرطبي" في "تفسيره" 1/ 236، "زاد المسير" 1/ 61. (¬3) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 60 ب. (¬4) "تهذيب اللغة" (سبح) 2/ 1609. نقل كلامه بتصرف. (¬5) في (ب): (على أن المعنى). وقوله: (أجمع المفسرون وأهل المعاني) ليس في "تهذيب اللغة". (¬6) (التسبيح) ساقط من (ج). (¬7) في (ب): (فقد سبح الله).

احمده، ويكون حمد الحامد لله تسبيحا له، لأن معنى الحمد لله: الثناء عليه والشكر له، وهذا تنزيه له واعتراف بأنه أهل لأن ينزه (¬1)، ويعظم، ويثنى عليه (¬2). ومعنى قول القائل (سبحان الله): براءة الله من السوء (¬3) وتنزيهه، وكثر لفظ (سبحان الله) في كلامهم، سيما عند التعجب، حتى صار كلمة للتعجب، قال الأعشى: أَقُولُ لمّا (¬4) جَاءَنِي فَخْرُهُ ... سُبْحَانَ مِنْ (¬5) عَلْقَمَةَ الفَاخِرِ (¬6) ¬

_ (¬1) في (ج): (ينزهه). (¬2) نحوه في "تفسير الطبري" 1/ 211، "زاد المسير" 1/ 61، "تفسير القرطبي" 1/ 237. (¬3) انظر: "الكتاب" 1/ 324، "تهذيب اللغة" (سبح) 2/ 1609. (¬4) في (ج): (لمن). (¬5) (من) ساقطة من (ب). (¬6) البيت للأعشى ضمن قصيدة يهجو بها علقمة بن علاثة العامري، ويمدح عامر بن الطفيل، لما تنازعا في الجاهلية على الرياسة في بني كلاب. وقد مات عامر مشركًا، وأسلم علقمة، ولهذا ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن رواية القصيدة. يقول: أقول لما جاءني فخر علقمة على عامر: (سبحان من علقمة الفاخر)، أي أتعجب، سبحان الله منه، كذا خرجه بعضهم، وبهذا المعنى استشهد الواحدي به، وخرجه ابن فارس: بمعنى: ما أبعده، وبعضهم قال معنى (سبحان) في البيت: البراءة والتنزيه، وللراغب في "مفرداته" أقوال أخرى: ص 221. ورد البيت في "الكتاب" 1/ 324، "مجاز القرآن" 1/ 36، "المقتضب" في "تفسيره" 3/ 218، "مقاييس اللغة" (سبح) 3/ 125، "الزاهر" 1/ 144، و"الطبري" 1/ 211، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 78، "مفردات الراغب": ص 221، "الخصائص" 2/ 197، 435، "شرح المفصل" لابن يعيش 1/ 37، 120، "الديوان": ص 93.

أي تعجب منه. ونحو هذا قال الزجاج في معنى: {نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ} قال: نبرئك من السوء (¬1). ويأتي بقية القول في معنى (سبحان) (¬2) عند قوله: {قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا} [البقرة: 32]. وقوله تعالى: {وَنُقَدِّسُ لَكَ} (¬3). أي: نطهرك وننزهك عما لا يليق بك من النقص. و (اللام)، فيه صلة (¬4). و (التقديس): التطهير، والقدس: الطهارة، والبيت المقدس: المطهر (¬5). قال الزجاج: ومن هذا قيل للسطل: قدس، لأنه يتقدس منه، أي يتطهر (¬6). قال غيره (¬7): والقُداس هو (¬8) الجمان (¬9) من فضة، لأنه أبيض نقي. قال الشاعر في وصف الدموع: ¬

_ (¬1) انظر: "معاني القرآن" للزجاج: ص 77. (¬2) في (ج) (سبحانا). (¬3) (الواو) ساقطة من (ب). (¬4) ذكره الثعلبي 1/ 61 أ، وأجاز العكبري في (اللام) أن تكون بمعنى: لأجلك، أو زائدة أو تكون معدية للفعل مثل الباء، "الإملاء" 1/ 28. (¬5) انظر "معاني القرآن" للزجاج 1/ 78، "تهذيب اللغة" (قدس) 3/ 2900، "تفسير الثعلبي" 1/ 61 أ. (¬6) "شرح أسماء الله الحسنى" للزجاج: ص 30، وانظر "تهذيب اللغة" 3/ 2900، "اللسان" (قدس) 6/ 3549. (¬7) هو الليث كما في "تهذيب اللغة" (قدس) 3/ 2900. (¬8) (هو) ساقط من (ب). (¬9) في (ب): (الجمال). والجمان: حب يتخذ من الفضة أمثال اللؤلؤ، وقيل: خرز يُبَيَّض بماء الفضة. "اللسان" (جمن) 2/ 689.

كَنَظْمِ قُدَاسٍ سَلْكُهُ مُتَقَطِّعُ (¬1) قال أبو علي الفارسي: معنى نقدس لك: ننزهك عن السوء، فلا (¬2) ننسبه إليك، و (اللام) فيه على حدها في قوله: {رَدِفَ لَكُمْ} [النمل: 72] لأن المعنى تنزيهه، وليس المعنى أن ينزه شيء من أجله. فأما قولهم: (بيت المقدس) وقول الراجز: الحَمْدُ للهِ العَلِيِّ القَادِسِ (¬3) يدل على أن الفعل قد استعمل من التقديس، بحذف الزيادة، فإذا كان كذلك، لم يخل (المَقْدِس) من أن يكون مصدرا أو مكانا، فإن كان مصدرا كان كقوله: {إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ} (¬4) ونحوه من المصادر، والتي (¬5) جاءت على هذا المثال. وإن كان مكاناً، فالمعنى: بيت المكان الذي جعل فيه الطهارة أو بيت مكان الطهارة، وتطهيره على إخلائه من الأصنام وإبعاده منها، كما جاء ¬

_ (¬1) صدره كما في "اللسان": تَحَدَّرَ دَمْعُ العَيْنِ مِنْهَا فَخِلْتُه يصف تحدر دمعة العين بنظم القُدَاس إذا انقطع سلكه، والبيت غير منسوب، ذكره الأزهري في "التهذيب" (قدس) 3/ 2900، والجوهري في "الصحاح" (قدس) 3/ 961، وابن فارس في "مجمل اللغة" (قدس) 1/ 745، "مقاييس اللغة" (قدس) 5/ 64، وورد في "اللسان" (قدس) 6/ 3550. (¬2) في (ب): (ولا). (¬3) ورد في "الحجة" لأبي علي بدون نسبة "الحجة" 2/ 152. ولم أجده في غيرها. (¬4) سورة الأنعام: 60، ويونس: 4. وفي (الحجة): (كقوله: {إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ})، (الحجة) 2/ 152. وهي جزء من آية في سورة آل عمران: 55، والعنكبوت: 8، ولقمان: 15. (¬5) (والتي) كذا وردت في جميع النسخ والأولى حذف الواو كما في "الحجة" 2/ 152.

{أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ} (¬1) [البقرة: 125]. انتهى كلامه (¬2). فعلى قول أبي علي (اللام) في (لك) صلة (¬3). وقال أبو إسحاق: معنى: (نقدس لك) أي نطهر أنفسنا لك. قال: ومن هذا: البيت المقدس، أي: البيت المطهر، وبيت المقدس أي بيت المكان الذي يتطهر فيه من الذنوب (¬4). فعلى هذا (اللام) لام أجل (¬5)، أي نطهر لأجلك قلوبنا من الشرك، وأبداننا من المعصية. وقوله تعالى: {قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ}. قال ابن عباس: يعني من إضمار إبليس العزم على المعصية، وما اطلع عليه من كبره (¬6). وقال ابن مسعود: {مَا لَا تَعْلَمُونَ} مما يؤول إليه أمر إبليس (¬7). ¬

_ (¬1) في الآيه تصحيف في (ب): (طهر) بدون (ألف)، وفي (ج): (طهري) (¬2) أي كلام أبي علي، نقله بتصرف، انظر: "الحجة" 2/ 151، 152. (¬3) وهو قول الثعلبي كما مر قريبًا وذكر العكبري فيها أقوالًا أخرى، انظر: "الإملاء" ص 706، تعليق رقم 5. (¬4) انظر كلام الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 78، ليس فيه قوله: (البيت المقدس) أي (البيت المطهر). (¬5) وبه أخذ العكبري، انظر: ص 706، تعليق 5، وانظر "الإملاء" "تفسير الطبري" 1/ 211، وابن عطية في "تفسيره" 1/ 231. (¬6) أخرجه "الطبري" بسنده من طريق الضحاك، "تفسير الطبري" 1/ 212، وانظر "تفسير ابن عطية" 1/ 232، "الدر" 1/ 95، "زاد المسير" 1/ 61. (¬7) أخرجه "الطبري" من طريق السدي عن مرة عن ابن مسعود، وعن أبي صالح عن ابن عباس 1/ 212، وأخرج ابن أبي حاتم نحوه 1/ 79، وانظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 232.

وقال قتادة (¬1): {أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} أنه يكون في أولاد آدم من هو من أهل الطاعة. وقال الزجاج: معناه أبتلي من تظنون أنه مطيع فيؤديه الابتلاء إلى المعصية، ومن تظنون أنه عاص فيؤديه إلى الطاعة (¬2). وقيل: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} من تفضيل آدم عليكم، وما أتعبدكم به من السجود له، وأفضله به عليكم من تعليمي الأسماء، وذلك أنهم قالوا فيما بينهم: ليخلق ربنا ما يشاء، فلن يخلق خلقاً أفضل ولا أكرم عليه منا (¬3). وفتح أبو عمرو وابن كثير (الياء) في قوله: {إِنِّي أَعْلَمُ} [البقرة: 30]، {إِنِّي أَرَى} (¬4) عند الهمزة المفتوحة. وزاد أبو عمرو عند الهمزة المكسورة، مثل: {إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ} (¬5). وزاد نافع عند المضمومة، مثل: {عَذَابِي أُصِيبُ} [الأعراف: 156]، {فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ} [المائدة: 115]، {إِنِّي أُرِيدُ} (¬6). ¬

_ (¬1) أخرجه الطبري بسنده عن سعيد عن قتادة. "تفسير الطبري" 1/ 213، وأخرجه ابن أبي حاتم 1/ 79 - 80، قال المحقق: ضعيف، ولكن أخرجه "الطبري" من طريق آخر 1/ 284، وذكره ابن كثير في "تفسيره" 1/ 74، وانظر ابن عطية 1/ 233، "الدر" 1/ 96، "زاد المسير" 1/ 62. (¬2) ذكر كلام الزجاج بمعناه. انظر: "معاني القرآن" 1/ 77، وذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 62. (¬3) لم أجد هذا القول فيما اطلعت عليه من كتب التفسير، والله أعلم. (¬4) سورة الأنفال: 48، وسورة يوسف: 43، وسورة الصافات:102. (¬5) سورة يونس: 72، سورة هود: 29، وسورة سبأ: 47. (¬6) (إني) ساقط من (ب). سورة المائدة: 29، والقصص: 27. =

وحجتهم في ذلك (¬1) أن هذه (الياء) أصلها الحركة، لأنها بإزاء الكاف للمخاطب، فكما فتحت الكاف، كذلك تفتح (الياء). فإن قيل: إن الحركة في حروف اللين مكروهة؟ قيل: الفتحة من بينها (¬2) لا تكره، وإن كرهت الضمة والكسرة، ألا ترى أن (القاضي) ونحوه يحرك بالفتح (¬3)، كما يحرك (¬4) سائر الحروف التي لا لين لها (¬5)، ألا ترى أن (غواشي) (¬6) تجري في النصب مجرى ¬

_ = اختلف القراء في حكم (ياء المتكلم)، فقرأ بعضهم بفتحها، وبعضهم بتسكينها، ولهم أصول في ذلك، ولكنها لا تطرد في كل موضع، لهذا نجد من ذكر أصولهم في (ياء المتكلم) يقول: ونذكر ما شذ عن هذا في موضعه. فعند أبي عمرو: كل ياء مكسور ما قبلها، إذا كان بعدها همزة مفتوحة أو مكسورة يفتحها. أما ابن كثير فيوافقه في بعضها، ويخالفه في بعضها فيسكنها. أما نافع فإنه يفتح هذِه الياء إذا كان بعدها همزة مفتوحة أو مكسورة أو مضمومة، وقد اختلف في بعض هذِه الحروف عنه. أما بقية (السبعة): وهم حمزة، والكسائي، وعاصم، وابن عامر، فأصلهم فيها الإسكان، وروي عنهم مواضع بالفتح. والياء في قوله تعالى: {قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ} قرأ بفتحها في الوصل أبو عمرو وابن كثير ونافع من (السبعة). انظر: "السبعة" لابن مجاهد: ص 152، "الحجة" لأبي علي 1/ 411، "الكشف" لمكي 1/ 324، "تحبير التيسير": ص 79، "البدور الزاهرة": ص 28. (¬1) أي حجة من قرأ بالفتح، والكلام منقول من "الحجة" بتصرف 1/ 414. (¬2) (بينها) ساقطة من (ج). (¬3) أي أن الاسم الذي آخره (ياء) مكسور ما قبلها لا يدخله جر ولا رفع لثقل ذلك، يدخله الفتح، ولذلك بني على الفتح، انظر "المقتضب" 4/ 248. (¬4) في (ج): (تحرك). (¬5) في (ج): (فيها) وهذا موافق لما في "الحجة" 1/ 414. (¬6) كذا في جميع النسخ وفي "الحجة": (.. أن الياء في (غواش) ..) 1/ 414، قال تعالى: {لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ} [الأعراف: 41].

مساجد ونحوه (¬1) من الصحيح. وقد اتفقوا أيضًا على تحركها بالفتح، إذا سكن ما قبلها، نحو بشراي (¬2) وغلامي وقاضيّ، ورأيت غلاميّ (¬3)، فاجتماعهم على تحريكها بالفتح (¬4) في هذا النحو يدل على أن ذلك أصلها إذا تحرك ما قبلها (¬5). وأما (¬6) من أسكن هذه (الياءات) فحجته أن الفتحة مع (الياء) قد كرهت في (¬7) الكلام، كما كرهت الحركتان (¬8) الأخريان فيها، ألا ترى أنهم قد أسكنوها في الكلام في حال السعة إذا لزم تحريكها بالفتحة، كما أسكنوها إذا لزم تحريكها بالحركتين الأخريين (¬9)، وذلك قولهم: (قالي قلا) (¬10)، ¬

_ (¬1) في (ج): (ونحوها). والمراد أن (الياء) تثبت في (غواش) في حالة النصب، انظر: "الحجة" 1/ 414. (¬2) (ب): (براى). (¬3) الياء في (قاضي) ورأيت غلامي (مشددة) والأولى منهما ساكنة فتفتح (الياء) الثانية انظر: "الكتاب" 3/ 414، 4/ 187. (¬4) في (ب): (نحو في هذا النحو). (¬5) انتهى من بيان حجة من قرأ بفتح الياء في قوله: {إِنِّي أَعْلَمُ} والكلام من "الحجة" بتصرف 1/ 414. وانظر: "الحجة" لابن خالويه: ص 74، "الكشف" لمكي 1/ 324، "البيان" لابن الأنباري 1/ 720. (¬6) في (ب): (وإنما من). (¬7) في (ب): (بالكلام). (¬8) في (ب): (الحركات). والحركات: هما الضمة والكسرة. (¬9) في (أ) و (ج): (الأخرين) وأثبت ما في (ب) لأنه أصح وموافق لما في "الحجة" 1/ 415. (¬10) (قالي قلا) اسم مدينة بأرمينة، سميت باسم امرأة ملكتهم وبنت تلك المدينة وإليها ينسب بعض العلماء كالقالي، انظر: "معجم البلدان" 4/ 299.

و (بادي بدا) (¬1)، و (معد يكرب) (¬2) و (حيري (¬3) دهر) (¬4). و (الياء) في هذه المواضع في موضع الفتحة التي في آخر أول الاسمين، نحو: (حضر موت) و (بعلبك) وقد أسكنت كما أسكنت في الجر (¬5) والرفع (¬6). ومما يؤكد الإسكان فيها أنها مشابهة (¬7) للألف، والألف تسكن (¬8) في الأحوال الثلاث (¬9)، كذلك (الياء) تسكن. والدليل على شبه (الياء) الألف قربها منها في المخرج، وإبدالهم إياها منها في نحو (طائيٍّ) و (حاريٍّ) في ¬

_ (¬1) قال الجوهري: أفعل ذاك بادئ بدء، وبادي بديٍّ، أي أولا، وأصله الهمزة، وإنما ترك لكثرة الاستعمال ... ، وهما اسمان جعلا اسما واحدا مثل: معد يكرب، وقالي قلا. "الصحاح" (بدا) 6/ 2279، وانظر: "اللسان" (بدا) 1/ 234. (¬2) في (أ)، (ج): (معدي). (¬3) في (ب): (حرى). (¬4) ومنه قول العرب (لا أفعل ذلك حيري دهر). أي: أبداً. انظر "الكتاب" 3/ 307. (¬5) في (ب): (الخبر). (¬6) يقول: إن الأسماء المركبة مثل (قالي قلا) مما آخر الاسم الأول (ياء) فالياء تسكن، لأنها في وسط الاسم، ولأنها لو كانت معربة بالجر أو الرفع سكنت، كما تقول: (مررت بالقاضي). وكان ينبغي في هذِه الياء أن تفتح، كما فتح آخر الاسم الأول من المركب نحو (حضرموت) والذي جعل الاسمان فيه كاسم واحد، لأن الحركة تستثقل عليه، والفتح أخف الحركات، ولما ثقلت الفتحة على الياء لم يبق بعد الفتح إلا السكون. انظر: "الكتاب" 3/ 304، 305، "المقتضب" 4/ 21، "البيان" 1/ 72. (¬7) في (ب): (متشابهه). (¬8) في (أ): (سكن) وفي (ب): (يسكن) وما في (ج) أصح في السياق وموافق لما في "الحجة" 1/ 416. (¬9) في (ب): (السبت).

النسب (¬1) إلى (طيئ) (¬2) و (الحيرة) وقوله: لَنَضْرِبَنْ بِسَيْفِنَا قَفَيْكَا (¬3) كثر إسكان (الياء) في (¬4) موضع النصب في الشعر لهذه المشابهة (¬5)، حتى ذهب بعضهم إلى استجازته في الكلام (¬6). فأما حجة أبي عمرو حيث لم يفتح عند المضمومة، وفتح عند المفتوحة والمكسورة (¬7)، هي: أن الهمزة قد فتحت لها (¬8) ما لم يكن يفتح ¬

_ (¬1) في (ب): (النسبة). (¬2) قال سيبويه: ولا أراهم قالوا: طائي إلا فرارا من (طيئي) وكان القياس (طيئي) ولكنهم جعلوا الألف مكان الياء. "الكتاب" 3/ 371. (¬3) البيت لأعرابي، ونسبه أبو زيد لراجز من حمير، يخاطب به عبد الله بن الزبير -رضي الله عنه- وقبله: يَابنَ الزُّبَيْرِطَالَمَا عَصَيْكَا ... وَطَالَمَا عَنَّيْتَنَا إِلَيْكَا لَنَضْرِبَنْ بِسَيْفِنَا قَفَيْكَا والشاهد (قفيكا) حيث أبدل الألف ياء مع الإضافة للضمير، والأصل قفاكا، وبعضهم يجعله من ضرورة الشعر. وردت الأبيات في "النوادر": ص 347، "الحجة" 1/ 416، "المسائل العسكرية" لأبي علي ص 158، "أمالي الزجاجي": ص 236، "المحكم" 6/ 354، "سر صناعة الإعراب" 1/ 285، "الخزانة" 4/ 428. (¬4) (في) ساقطة من (ب). (¬5) أي مشابهة الياء للألف. (¬6) انتهى ما نقله المؤلف عن "الحجة" لأبي علي 1/ 415 - 417. في حجة من أسكن الياء في قوله: {قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ} وانظر "الحجة" لابن خالويه: ص 74. (¬7) مر بنا أن أبا عمرو يفتح (الياء) إذا وقع بعدها همزة مفتوحة أو مكسورة، ويسكنها إذا وقع بعدها همزة مضمومة. (¬8) في (ب): (قد فتحت لما لم تكن تفتح)، وفي "الحجة" (فتح لها ما لم يكن يفتح ..) 1/ 417. وهو الصواب.

لو لم تجاور الهمزة، ألا ترى أنهم فتحوا نحو: (يقرأ ويبرأ) ولولا الهمزة لم يفتح شيء من ذلك. فإذا فتحت لها ما لم (¬1) يفتح إذا لم تجاور (¬2) الهمزة، فأن يفتح لها ما قد يفتح مع غيرها أحرى. والمفتوحة والمكسورة (¬3) سيّان (¬4) في إتباع (الياء) لها في التحريك بالفتح، ألا ترى أنهم قد غيروا للهمزة (¬5) المكسورة الحرف (¬6) الذي قبلها، فقالوا: (الضِّئين) (¬7) في جمع [الضَّائِن] (¬8)، و (صأى صِئِيَّا (¬9) ولم يفعلوا ذلك في (رؤوف) وكذلك لم تفتح (الياء) قبل الهمزة المضمومة (¬10) كما ¬

_ (¬1) في (ب): (ما لا يفتتح) ومثله في "الحجة" 1/ 417. (¬2) في (ب): (يجاوز)، وفي "الحجة": (يجاور) 1/ 417. (¬3) في (ب): (من المكسورة). (¬4) في (أ): (شيان) وفي (ب): (سان) وأثبت ما في (ج)، لأنه أصوب وموافق للحجة 1/ 417. (¬5) في (ب): (الهمزة). (¬6) في (ب): (للحرف). (¬7) في (أ)، (ب) (الصيئن) وأثبت ما في (ج)، لأنه هو الصواب وموافق لما في (الحجة) 1/ 417. (¬8) في جميع النسخ (الضان) وفي (الحجة) (الضائن)، قال في "الصحاح": (الضائن) خلاف الماعز والجمع (الضأن) وقد يجمع على (ضئين) "الصحاح" (ضائن) 6/ 2153. (¬9) في (أ). (صآ. صئيا) وفي (ب): (صاصا) وفي (ج): (صاصيا) وفي (الحجة): (صأي، صئيا)، "الحجة" 1/ 417. و (الصِّئي) مثلثة: صوت الفرخ، والفيل والخنزير والفأر كلها تَصْأَى صِئِيّاً، انظر: "تهذيب اللغة" (صآ) 2/ 1955، "القاموس" (صأي): ص 1301. (¬10) كما في قوله تعالى: {عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ} [الأعراف: 156].

فتحت قبل المفتوحة والمكسورة (¬1). فإن قيل: إن ما ذكرته من التغيير للهمزة المفتوحة والمكسورة إنما جاز في المتصل نحو (يقرأ) و (يبرأ) و (الضَّئين) و (الضَّئِي) (¬2)، وما فعله أبو عمرو من فتح (الياء) مع المفتوحة والمكسورة منفصل. قيل: شبه (¬3) المنفصل بالمتصل. وقد ذكرنا أشياء من هذا في الحجة لمن خفف: (وهو ولهو) (¬4). ومن قال: إنه فتح (الياء) مع الهمزة، لتتبين (¬5) (الياء) معها، لأنها خفية، كما بينوا (النون) مع حرف الحلق، وأخفوها مع غيرها، فإن هذه العلة لا تستقيم (¬6)، لأنه (¬7) يلزمه تحريك (الياء) مع الهمزة المضمومة لأن [النون تُبَيَّن مع الهمزة المضمومة كما تُبَيَّن مع المفتوحة والمكسورة، وأيضا ¬

_ (¬1) (الواو) ساقطة من (ب). (¬2) (الضئي) كذا وردت في (أ، ج) وكذا في "الحجة" 1/ 418، وفي (ب): (الضبي) ولم أعرف المراد به، والمعروف (ضأي): دق جسمه. انظر "تهذيب اللغة" (ضأي) 3/ 2083، "اللسان" (ضأي) 4/ 2542، "القاموس": ص1304. ولعل المراد (الصئي) كما سبق أن مثل بها مع (الضئين). (¬3) في (أ)، (ج): (نشبه) وفي "الحجة": (يشبه) 1/ 418، وأثبت ما في (ب)، لأنه أولى بالسياق. (¬4) في (أ)، (ج): (وهو وهو) وأثبت ما فىِ (ب). وعبارة أبي علي في (الحجة): (قد ذكرنا منها أشياء في هذا "الكتاب" 1/ 418، وقد سبق هذا في: 2/ 306 - 309. (¬5) في (أ)، (ج): (ليتبين) وما في (ب) أولى، وموافق لما في "الحجة" 1/ 418. (¬6) في (أ) (يستقيم). وعبارة أبي علي في (الحجة): (فإنا لا نرى أن أبا عمرو اعتبر هذا الذى سلكه هذا القائل، ولو كان كذلك لحرك (الياء) ... إلخ) 1/ 418. (¬7) في (ب): (لا يلزمه).

31

فإن] (¬1) النون تُبيَّن (¬2) مع سائر حروف الحلق [، ولسنا نعلم أبا عمرو يفتح (الياء) مع سائر حروف الحلق.] (¬3) فإن قلت: فإن الهمزة قد تفتح (¬4) لها ما قبلها وإن كانت مضمومة، نحو: (يقرأ) في موضع الرفع، فهلا فتح (الياء) في {عَذَابِي أُصِيبُ} [الأعراف: 156]. قلنا: الضمة إذا كانت للإعراب (¬5) لم يكن في حكم الضمة عندهم، ألا ترى أنهم قد (¬6) قالوا: نَمِرٌ وكَتِفٌ، ونحو ذلك في الرفع، ورفضوا الضمة مع الكسرة في كلامهم (¬7) فلم يجئ فيه (فُعِل) (¬8). 31 - وقوله تعالى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا} الآية. قال ابن عباس والحسن وقتادة: لما قال الله عز وجل للملائكة: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} قالوا فيما بينهم: ليخلق ربنا ما شاء، فلن يخلق خلقًا أفضل ولا أكرم عليه منا، وإن كان خيرًا منا فنحن أعلم منه، لأنا خلقنا قبله ورأينا ما لم يره، ¬

_ (¬1) ما بين المعقوفين ساقط من (ب). (¬2) في (أ)، (ج): (يتبين) وما في (ب) موافق للحجة. (¬3) ما بين المعقوفين ساقط من (ب). وبهذا ينتهي الجزء الأول من "الحجة"، وقوله: (فإن قلت ..) أول الجزء الثاني. (¬4) في (ب): (يفتح). (¬5) في (أ)، (ج): (الإعراب) وما في (ب) هو الصحيح وموافق للحجة 2/ 5. (¬6) (ق) ساقطة من (ب). (¬7) إذا لم تكن الضمة للإعراب، أما الضمة في (نمر وكتف) فهي للإعراب، فلم يمنعوا مجيء الكسرة قبلها. (¬8) هذا آخر ما نقله الواحدي عن كتاب "الحجة" لابن علي الفارسي في حجة أبي عمرو في فتح (ياء المتكلم) إذا لقيت همزة مفتوحة أو مكسورة، وتسكينها إذا لقيت همزة مضمومة. انظر: "الحجة" 1/ 417، 2/ 5.

فلما أعجبوا بعلمهم، فضل الله عز وجل آدم عليهم بالعلم فعلمه الأسماء كلها (¬1). ووجه تعليمه آدم: أن خلق في قلبه علماً بالأسماء على سبيل الابتداء، وألهمه (¬2) العلم بها (¬3). وأما (آدم) فقال ابن عباس: إنما سمي آدم، لأنه خلق من أديم الأرض (¬4). ومثل هذا قال أهل اللغة فيما حكا الزجاج عنهم، قال: يقول أهل اللغة في آدم: إن اشتقاقه من أديم الأرض، لأنه خلق من تراب، وأديم ¬

_ (¬1) ذكره الثعلبي، وقال: وهذا معنى قول ابن عباس والحسن وقتادة، "تفسير الثعلبي" 1/ 61 ب. وأخرج الطبري في "تفسيره" نحوه عن قتادة والحسن 1/ 256. وأخرج ابن أبي حاتم في "تفسيره" عن قتادة والحسن نحوه 1/ 77. وانظر ابن كثير في "تفسيره" 1/ 76، "الدر" 1/ 101. (¬2) في (ب): (بالقاء). (¬3) (التعبير بـ (خلق) يوحي بما يذهب إليه الأشاعرة من القول بأزلية الصفات، ونفي ما يتعلق منها بمشيئة الله، ونفي أن الله متصف بالصفات الفعلية فيتكلم إذا شاء متى شاء، ويعلم عباده متى شاء. والله سبحانه أخبر أنه علم آدم الأسماء، فما المخول لتأويل ذلك بالخلق أو بالإلهام، قال ابن عطية. تعليم آدم عند قوم إلهام علمه ضرورة. وقال قوم: تعليم بقول، إما بواسطة ملك، أو بتكليم قبل هبوطه ...) "تفسير ابن عطية" 1/ 233. قال أبو حيان -بعد أن ذكر الأقوال في هذا-: (أظهرها أن الباري تعالى هو المعلم لا بواسطة ولا إلهام) "البحر" 1/ 145. وهذا هو الموافق لنص الآية. (¬4) أخرجه الطبري في "تفسيره" قال شاكر: إسناده صحيح 1/ 480 (ط. شاكر)، وأخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" بسند صحيح، كذا قال المحقق 1/ 297، وذكره السيوطي في "الدر"، وعزاه إلى الفريابي، وابن سعد، وابن جرير وابن حاتم، والحاكم، والبيهقي في "الأسماء والصفات". انظر: "الدر" 1/ 100.

الأرض: وجهها (¬1) [قال الليث: أديم كل شيء ظاهر جلده، وأدمة الأرض وجهها] (¬2) والأُدمة لون مشبه بلون التراب (¬3). أبو عبيد عن الفراء قال: الأُدمة في الناس شُرْبة من سواد، وفي الإبل والظباء بياض، يقال: ظبية (¬4) أدماء، ولم أسمع (¬5) أحدا يقول للذكر من الظباء: آدم، ولو قيل، كان قياسا (¬6). وقال ذو الرمة: مِنَ المؤْلِفَاتِ الرَّمْلَ أَدْمَاءُ حُرَّةٌ ... شُعَاعُ الضُّحَى في مَتْنِهَا يَتَوَضَّحُ (¬7) وقال الأعشى في الناقة: فَقُلْتُ لَهُ هذه هَاتِهَا ... بِأَدْمَاءَ في حَبْلِ مُقْتَادِهَا (¬8) ¬

_ (¬1) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 80، وانظر "تهذيب اللغة" (أدم) 1/ 134. (¬2) ما بين المعقوفين ساقط من (ب). (¬3) ونحوه قال الزجاج، انظر "تهذيب اللغة" (أدم) 1/ 134، وانظر "معاني القرآن" للزجاج 1/ 80. (¬4) في (ب): (صبية). (¬5) في (ب): (يسمع). (¬6) الكلام في "تهذيب اللغة" منسوب لليث، وكلام أبي عبيد عن الفراء قال: الأدمة: الوسيلة إلى الشيء، يقال: فلان أدمتي إليك أي: وسيلتي. "التهذيب" (أدم) 1/ 134. (¬7) المُؤْلِفَات: التي اتخذت الرمال إلفا، يتوضح: يبرق، والبيت في وصف الظباء. ورد في "الكامل" 2/ 303. "تهذيب اللغة" (أدم) 1/ 134، "مقاييس اللغة" (ألف) 1/ 131، "اللسان" (أدم) 1/ 46، "ديوان ذي الرمة" 2/ 1197. (¬8) قاله يخاطب خمارًا، يقول: هات الخمر بناقة برمتها، والأدماء: الناقة صادقة البياض سوداء الأشفار. ورد البيت في "التهذيب" (رم) 2/ 1474، "مقاييس اللغة" (رم) 2/ 379، "اللسان" (رمم) 3/ 1736، "ديوان الأعشى": ص 58، وفيه (فقلنا) بدل (فقلت).

وقال النضر بن شميل: سمي آدم، لأنه كان أبيض اللون (¬1). واختلف في هذه الأسماء التي علمها الله آدم، فقال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك: علمه اسم كل شيء حتى القصعة والمغرفة (¬2). وظاهر اللفظ يدل على هذا، وعلى أنه علمه جميع اللغات، لأنه قال: الأسماء كلها، فيما وقع عليه الاسم بأي لغة كان داخل تحت هذا الإطلاق (¬3)، على أنه قد قال جماعة من أهل التأويل: إن الله تعالى علم آدم ¬

_ (¬1) انظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 63 أ، "تفسير القرطبي" 1/ 240، "زاد المسير" 1/ 62، والراجح: أن آدم مشتق من (أديم الأرض) كما هو قول ابن عباس، وقول أئمة اللغة كما سبق. انظر: "الطبري" 1/ 214، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 80، "تهذيب اللغة" 1/ 134، "القرطبي" في "تفسيره" 1/ 240. (¬2) انظر أقوالهم في "تفسير الطبري" 1/ 215 - 217، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 80، والثعلبي 1/ 62 أ، وابن عطية في "تفسيره" 1/ 234، "تفسير ابن كثير" 1/ 78. (¬3) وهذا ما رجحه ابن كثير حيث قال: (والصحيح أنه علمه أسماء الأشياء كلها ذواتها وصفاتها وأفعالها كما قال ابن عباس: حتى الفسوة والفسية، يعني أسماء الذوات والأفعال المكبر والمصغر ..) واستدل ابن كثير على هذا بالحديث الذي أخرجه البخاري وفيه: "فيأتون آدم فيقولون له: أنت أبو الناس، خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كل شيء .. " "تفسير ابن كثير" 1/ 78. أما ابن جرير "الطبري" فرجح أن المراد: أسماء ذريته وأسماء الملائكة دون أساء سائر أجناس الخلق، واستدل على هذا بقوله تعالى: {ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ} وبأن العرب لا تكاد تكني بالهاء والميم إلا عن أسماء بني آدم والملائكة، أما إذا كنت عن أسماء البهائم وسائر الخلق سوى من ذكر فإنها تكنى عنها بالهاء والألف، أو بالهاء والنون فتقول: (عرضهن) أو (عرضها)، انظر "تفسير الطبري" 1/ 216. وقد رد ابن كثير هذا الاحتجاج وقال: ليس بلازم، فإنه لا ينفي أن يدخل معهم غيرهم ويعبر عن الجميع بصيغة من يعقل للتغليب. ابن كثير في "تفسيره" 1/ 78، وانظر "تفسير أبي الليث" 1/ 108 - 109، "البيان" 1/ 72، "القرطبي" في "تفسيره" 1/ 241 - 242.

جميع اللغات، ثم إن أولاده تكلم كل واحد منهم بلغة [أخرى، فلما تفرقوا في البلاد اختص كل فرقة منهم بلغة] (¬1)، فاللغات كلها إنما سمعت من آدم وأخذت عنه (¬2). وقال الزجاجي في قوله: {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا}: الأسماء (¬3) على كثرتها عشرة أقسام (¬4)، فمنها: أسماء الأشخاص التي نسميها الأعيان نحو: الشجر والجبل والأرض والمدر. ومنها: أسماء المعاني، وهي (¬5) أسماء الحوادث، ويسميها (¬6) ¬

_ (¬1) ما بين المعقوفين ساقط من (ب). حول هذا المعنى انظر "تفسير ابن عطية" 1/ 234 - 235، والبغوي في "تفسيره" 1/ 80، "القرطبي" في "تفسيره" 1/ 242 - 243، "البحر" 1/ 145. (¬2) هذا على قول من يرى أن أصل اللغة وحي لا اصطلاح، وقد أطال ابن جني في كتاب "الخصائص" بحث هذِه المسألة، ورجح أنها (وحي)، "الخصائص" 1/ 40 - 47. (¬3) (الأسماء) ساقط من (ب). (¬4) لم أجد هذا الكلام بهذا النص فيما اطلعت عليه من كتب الزجاجي، وهذا التقسيم اجتهادي، وللزجاجي تقسيم للأسماء غير هذا، قال في كتاب (اشتقاق أسماء الله)، (.... فالأسماء تنقسم أولا قسمين معرفة ونكرة ... هذا أول انقسام الأسماء، ثم تتنوع بعد ذلك فتصير ستين نوعا ...) ثم دخل في تفصيل هذِه التقسيمات، وقال في موضع آخر (... وقد ذكرنا أنواع الأسماء الستين في شرح كتاب الجمل مفسرة ...) قال المحقق: لم يرد كتاب شرح الجمل ضمن كتب الزجاجي المعروفة، ولعل المراد به (الجمل الكبرى)، انظر: "شرح أسماء الله": ص 267 - 274. وذكر الثعلبي في "تفسيره" أن أقسام الاسم ثمانية ثم ذكرها، "تفسير الثعلبي" 1/ 63 أ. (¬5) في (ب): (وهو). (¬6) في (أ) و (ج): (وتسميتها).

النحويون المصادر، لأن الأفعال تصدر عنها، وذلك نحو: الضرب والقتل. ومنها: أسماء الألقاب، نحو: زيد وعمرو فيمن يعقل، وفيما لا يعقل نحو: يحموم وسكاب وداحس (¬1)، أسماء أفراس الأعراب، أجريت عليها لقبا لا لمعنى، وهذا القسم (¬2) غير الأول الذي هو من أسماء الأشخاص لأن أسماء الأشخاص لا يخلو من أن تكون جارية على مسمياتها لمعنى، لولا ذلك ما أجريت عليها، وزيد لم يسم زيدا لمعنى فيه (¬3)، لأنه كان يجوز أن يسمى (¬4) بكرا وخالدا. ومنها: أسماء الأزمنة، كاليوم والليلة، والساعة وغد، وأمس. ومنها: أسماء الأمكنة، وهي الجهات الست، نحو: قدام وخلف وفوق وتحت ويمنة ويسرة. ومنها: أسماء الفاعلين نحو: الضارب والقاتل والآكل والشارب. ومنها: أسماء المفعولين نحو: المضروب والمقتول. ومنها: أسماء الحلي والشيات نحو: الأحمر والأصفر والأعرج والأحدب وما يجري مجراها. ومنها: أسماء المكاني (¬5) والمضمرات نحو: أنا ونحن (¬6)، وأنت، ¬

_ (¬1) في (ب): (وداحسن). (¬2) في (ب): (الأسمر). (¬3) (فيه) ساقط من (ب). (¬4) (أن يسمى) ساقط من (ب). (¬5) في (ب): (العاني). (¬6) (نحن) ساقطة من (ب).

وهو وهي وهم (¬1) وهن، وهذا وذاك وأولئك وهؤلاء. والقسم العاشر خاص للعرب وهو أسماء الأفعال نحو قولهم: (صه) هو اسم موضوع لقولك (¬2): (اسكت)، و (هيهات) لقولك: (¬3) (ما أبعد)، و (مهلا) موضوع لقولك: (أمهل) وهذا الجنس قليل. وكل هذه الأسماء، [قصد واضع اللغة فيها إلى أن يجريها على مسمياتها لمعان يتضمنها، إلا (¬4) أسماء] (¬5) الألقاب نحو: زيد وعمرو، فإن قولنا: (زيد) وإن كان مأخوذا من الزيادة فليس بحاو على مسماه لهذا المعنى، وليس فيه إلا تعريف شخص من شخص. ولما صدقت العناية ببعض الأسماء دون بعض، أدرك معاني بعضها وموضوعه وحقيقته ومجازه وأصله وفرعه، وما لم يصدق (¬6) العناية به أو قل التصرف فيه صار كالجامد الذي لا يعرف له أصل، ولا يخلو من أن يكون له معنى صحيح، لذلك المعنى ما سمي (¬7) به، وإن لم يدركه الناس. وقوله تعالى: {ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ}. يقال (¬8): عرضت المتاع ¬

_ (¬1) (هم) ساقطة من (ب). (¬2) في (ب): (كقولك سلت). (¬3) في (ب): (موضوع كقولك). (¬4) في (أ): (الأسماء). (¬5) ما بين المعقوفين ساقط من (ب). (¬6) في (ب): (تصدق). (¬7) العبارة فيها غموض، ولعل فيها سقط أو زيادة، ولو حذفنا (ما) لاستقام المعنى. (¬8) في (ب): (فقال).

على البيع عرضا، وكذلك عرض الجند والكتاب. ومعنى العرض في اللغة: الإظهار، ومنه عرض الجارية وعرض الجند (¬1). الليث: ويقال: أعرض الشيء أي: بدا وظهر، وأنشد: إِذَا أَعْرَضَت (¬2) دَاوِيَّةٌ (¬3) مُدْلَهِمَّةٌ (¬4) أي بدت (¬5). وقال الفراء في قوله تعالى: {وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا (100)} [الكهف: 100]، أي أبرزناها حتى رأوها. قالوا (¬6): ولو جعلت الفعل لها زدت ألفا، فقلت: أعرضت، أي (¬7): استبانت وظهرت (¬8). فجاء من هذا ¬

_ (¬1) انظر: "تهذيب اللغة" (عرض) 1/ 2396، 2398، 2402، "الصحاح" (عرض) 3/ 1082. (¬2) في (ب)، (ج) (عرضت). (¬3) في (ب): (دويه). (¬4) تمامه. وغَرَّدَ حَادِيَها فَرَيْنَ بِهَا فِلْقَا نسبه في "الصحاح" إلى (سويد بن كرُاع العكلي)، قال: و (كرع) اسم أمه، واسم أبيه عمير و (الداوية): الفلاة الواسعة، والفلق: بالكسر الداهية والأمر العجب، ورد في "تهذيب اللغة" (عرض) 1/ 2398، "الصحاح" (فلق) 4/ 1544، "اللسان" (غرد) 6/ 3232، و (عرض) 5/ 2886. (¬5) الكلام في "تهذيب اللغة" منسوب لشمر وليس لليث. "التهذيب" (عرض) 1/ 2398، وفي "اللسان" (عرض) 5/ 2886، غير منسوب. (¬6) كذا في جميع النسخ (قالوا) والصحيح (قال) كما في "تهذيب اللغة" 1/ 2398. (¬7) في (ب): (على أي). (¬8) "معاني القرآن" للفراء 2/ 160، و"تهذيب للغة" (عرض) 1/ 2398، والعبارة نقلها الواحدي عن (التهذيب)، انظر "الصحاح" (عرض) 3/ 1084.

أنه يقال: عرضت الشيء فأعرض، أي أظهرته فظهر، وأعرض بوجهه أي أزاله عن جهة الظهور، وعرض بالشيء، حرفه من جهة الظهور (¬1). فإن قيل: فلم قال: {عَرَضَهُمْ} فجمع الكناية وهي عائدة على (¬2) الأسماء؟ فالجواب ما قال مقاتل: وهو أن الله تعالى خلق كل شيء، الحيوان والجماد ثم علم آدم أسماءها، ثم عرض تلك الشخوص الموجودات على الملائكة (¬3). وكنى عن الشخوص والمسميات [بقوله: {هُمْ} لأن فيها ما يعقل من الجن والإنس والملائكة، فالعرض يعود إلى المسميات] (¬4) لا إلى الأسماء (¬5). وقال ابن زيد: علمه أسماء ذريته (¬6)، وعلى هذا العرض يعود إلى الذرية. ¬

_ (¬1) انظر: "الصحاح" (عرض) 3/ 1082 - 1084، "معجم مقاييس اللغة" (عرض) 4/ 272. (¬2) في (ب): (إلى) (¬3) ذكر قول مقاتل الثعلبي في "تفسيره" 1/ 62 أ. (¬4) ما بين المعقوفين ساقط من (ب). (¬5) ذكر نحوه الزجاج في "المعاني" 1/ 78، وانظر "تفسير الطبري" 1/ 216 - 217، وابن كثير في "تفسيره" 1/ 78. وقد قيل: إن الضمير (هم) يعود على الأسماء لا على المسميات. انظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 235 - 236، "القرطبي" 1/ 241. (¬6) ذكره الطبري في "تفسيره" 1/ 216، والثعلبي في "تفسيره" 1/ 62 أ، وابن كثير في "تفسيره" 1/ 78، والسيوطي في "الدر" 1/ 101، والشوكاني في "فتح القدير" 1/ 103.

وقوله تعالى: {فَقَالَ أَنْبِئُونِي}. أمر تعجيز (¬1)، كقوله: {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ} [البقرة: 23] أراد الله تعالى أن يبين عجزهم (¬2)، وذلك أن الملائكة أخبروا عن شيء لم يخلق لهم العلم به، وقالوا شيئاً بظن (¬3) منهم وحسبان، فخلق سبحانه لآدم (¬4) العلم بالأسماء (¬5) دونهم تفضيلاً له، ثم استخبرهم عن ذلك، أراد كيف تدعون علم ما لم يكن بعد، وأنتم لا تعلمون ما ترون وتعاينون (¬6). وقوله تعالى: {إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}. أي: إن صدقتم أن الخليفة الذي أجعله في الأرض يفسد فيها ويسفك الدماء قاله ابن عباس، [وناس من الصحابة] (¬7). ¬

_ (¬1) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 62 أ، والخازن 1/ 102، وأكثر المفسرين على أنه للتقرير والتوقيف، كما قال الطبري: إنه مثل عتاب الله لنبيه نوح. انظر: "تفسير الطبري" 1/ 219، "ابن عطية" 1/ 236، "القرطبي" 1/ 243. (¬2) قال الطبري: (وقد زعم بعض نحويي أهل البصرة أن قوله: {أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} لم يكن ذلك لأن الملائكة ادعوا شيئا، إنما أخبر الله عن جهلهم بعلم الغيب ... كما يقول الرجل للرجل: (أنبئني بهذا إذ كنت تعلم) وهو يعلم أنه لا يعلم ...) ثم أخذ يرد عليه. "تفسير الطبري" 1/ 219. (¬3) في (أ): (يظن)، وفي (ب): (نظن) وأثبت ما في (ج)، لأنه أصح. (¬4) في (ج): (العد لادم). (¬5) انظر التعليق السابق على ما ذكر الواحدي في معنى تعليم الله آدم، وأنه بمعنى خلق به العلم بذلك: ص 348. (¬6) انظرت "تفسير الطبري" 1/ 218، و"تفسير ابن كثير" 1/ 79. (¬7) ما بين المعقوفين ساقط من (ب). والرواية عن ابن عباس، وعن ابن مسعود وعن ناس من الصحابة أخرجها الطبري بسنده، انظر: "تفسير الطبري" 1/ 218، وانظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 62 أ، و"تفسير ابن كثير" 1/ 79، "الدر" 1/ 101.

32

وقال الحسن: إن كنتم صادقين أني لا أخلق خلقاً إلا كنتم أعلم وأفضل منه، وكذلك قال قتادة (¬1). 32 - فقالت الملائكة إقراراً بالعجز واعتذاراً: {سُبْحَانَكَ} (¬2). قال ابن عباس: تنزيهاً لك وتعظيماً عن أن يعلم الغيب أحد (¬3) سواك (¬4). وقيل: تنزيهاً لك عن الاعتراض عليك في حكمك وتدبيرك (¬5). وهو منصوب على المصدر عند الخليل والفراء، إذا قلت: (سبحان الله) (¬6) فكأنك قلت: سبّحتُ الله تسبيحاً، فجعل السبحان موضع التسبيح، كما تقول: كفرت عن يميني تكفيراً، ثم يجعل الكفران في موضع التكفير فتقول: كفَّرت عن يميني كُفراناً (¬7). وقد ينوب الاسم عن المصدر وتقول (¬8): كلمته كلاماً، وسلم سلاماً، قال الله تعالى: {وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا} [الأحزاب: 49]. وقال سيبويه: يقال: سبحت الله تسبيحاً وسبحاناً بمعنى واحد، ¬

_ (¬1) ذكر قوليهما الطبري في "تفسيره" 1/ 218، و"تفسير الثعلبي" 1/ 62 أ، و"تفسير ابن كثير" 1/ 79، "الدر" 1/ 101. (¬2) في (ج): (قالوا سبحانك). (¬3) في (ب): (أحدا). (¬4) أخرجه الطبري في "تفسيره" من طريق الضحاك عن ابن عباس 1/ 221، وذكره السيوطي في "الدر" وعزاه لابن جرير 1/ 101. (¬5) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 62 أ. (¬6) عبارة الفراء: (سبحانك) منصوب على المصدر، كأنك قلت: سبحت لله تسبيحا ..) "الزاهر" 1/ 145. (¬7) كلام الفراء في "الزاهر" 1/ 145، وقول الخليل في "تفسير الثعلبي" 1/ 62 أ، وانظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 160، "البيان" 1/ 72، "الإملاء" 1/ 29. (¬8) في (ج): (ويقوله).

فالمصدر: تسبيح، وسبحان اسم يقوم مقام المصدر. قال: وقال أبو الخطاب الكبير (¬1): سبحان الله، كقولك: براءةَ الله من السوء، ومنه قول الأعشى: سُبْحَانَ مِنْ عَلْقَمَةَ الفَاخِرِ (¬2) أي براءةً منه (¬3). وقال النضر: رأيت في المنام كأن إنساناً فسر لي سبحان الله، قال: أما ترى الفرس يسبح، يريد السرعة، سبحان الله: السرعة إليه (¬4). وقد ذكرنا معنى التسبيح عند قوله: {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ} (¬5). وقوله تعالى: {لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا}. قال المفسرون وأهل المعاني: هذا اعتراف (عن) (¬6) الملائكة بالعجز عن علم ما لم يعلموه فكأنهم قالوا: لا علم لنا إلا ما علمتنا (¬7)، وليس هذا مما علمتنا [في ¬

_ (¬1) هو عبد الحميد بن عبد المجيد، أبو الخطاب، الأخفش الكبير النحوي، شيخ سيبويه في النحو، انظر ترجمته في: "طبقات النحويين واللغويين" للزبيدي: ص 40، "إنباه الرواة" 2/ 157، "بغية الوعاة" 2/ 74. (¬2) البيت سبق تخريجه في تفسير قوله تعالى: {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ} [البقرة: 30]: 2/ 336. (¬3) انظر كلام سيبويه في "الكتاب" 1/ 322 - 1/ 324، "تهذيب اللغة" (سبح) 2/ 1609، والنص من "التهذيب". (¬4) ذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" (سبح) 2/ 2610. (¬5) سورة البقرة: 30، انظر: 2/ 335 - 337. (¬6) (عن) في جميع النسخ ولو كانت (من) كان أولى. (¬7) انظر "تفسير الطبري" 1/ 220، "البحر المحيط" 1/ 147، "ابن كثير" 1/ 79، " البيضاوي" 1/ 21.

الكلام مختصرًا] (¬1). ولو قالوا: (لا علم لنا بهذا) كان جواباً، ولكن لا يكون متضمناً تعظيم الله والاعتراف بأن جميع علمهم من عنده. وقيل: إنه تلطّف في طلب علم ما لم يعلموه، وتوبة عن قولهم: {أَتَجْعَلُ فِيهَا} من غير علم لهم بذلك، نبههم الله تعالى بعجزهم عن أسماء الموجودات على أن من جهلها فهو أجهل بأحكام الغائبات، وفي هذا التنبيه إشارة إلى نهيهم عن الحكم لأنفسهم بالطاعة، فإنه لا علم لهم بالعواقب، فإن أمر العواقب (¬2) مستور، ففيه تنبيه عن (¬3) خطئهم في الأمرين جميعا. وقوله تعالى: {إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ}. أي العالم غير المعلم (¬4). (الحكيم) (¬5) في خلقك الخليقة، ومعنى: (الحكيم) هو المحكم للأشياء (¬6) صرف من (مُفْعل) إلى (فَعِيل) كالسميع في قوله: أَمِنْ رَيْحانَةَ الدَّاعي (¬7) السَّمِيعُ (¬8) ¬

_ (¬1) قوله: (في الكلام مختصرًا) كذا وردت في النسخ الثلاث، وفيها تصحيف، والعبارة في "الوسيط" (فجاء الكلام مختصرًا) وفي الحاشية: في (ب): (فجاء في الكلام)، "الوسيط" 1/ 79. (¬2) قوله (فإن أمر العواقب) ساقط من (ب). (¬3) في (ب): (على) وهو أولى. (¬4) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 221. (¬5) (الحكيم) مكرر في (ب). (¬6) في (ب): (الأشياء). (¬7) في (أ)، (ب) (الراعي) وهذا خلاف المشهور في البيت. (¬8) البيت لعمرو بن معد يكرب، وقد سبق تخريجه عند تفسير قوله تعالى: {فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [البقرة: 10]: 2/ 154.

و (الأليم) بمعنى: المؤلم (¬1). قال ابن المظفر (¬2): والحُكم: العِلم (¬3)، قال الله تعالى: {وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا} [مريم: 12]. أي: العلم، والحكم: القضاء بالعدل أيضا. قال النابغة: وَاحْكُمْ كَحُكْمِ فَتَاةِ الحَيِّ إذْ نَظَرَتْ ... إِلَى حَمَامٍ سِرَاعٍ وَارِدِ الثَّمَدِ (¬4) فالوصف لله تعالى بأنه (حكيم) يجوز أن يكون بمعنى: محكم كما ذكرنا، ويجوز أن يكون بمعنى: حاكم، كالقدير والقادر، والعليم والعالم، ويكون معناه العالم أو الذي يحكم بالعدل ويقضي به (¬5). ¬

_ (¬1) يريد أن (حكيم) بمعنى: محكم مثل (أليم) بمعنى مؤلم كذا قال الثعلبي في "تفسيره" 1/ 62 أ. وانظر: "شرح أسماء الله" للزجاج: ص 52، "اشتقاق أسماء الله" للزجاجي: ص 60. (¬2) هو الليث. انظر كلامه في "تهذيب اللغة" (حكم) 1/ 885 (¬3) في "تهذيب اللغة": (العلم والفقه). (¬4) البيت للنابغة الذبياني من قصيدة يمدح فيها النعمان، ويعتذر إليه مما بلغه عنه فيما وشي إليه به. وقد ألحقت بالمعلقات السبع لما فيها من الجودة. يقال: احكم، أي: كن حكيمًا في أمرك مصيبًا في الرأي وهذا هو المعنى المشهور في البيت ذكره الأزهري في "التهذيب" عن ابن السكيت، واستشهد الليث به على أن معنى (احكم) من القضاء بالعدل. كحكم فتاة الحي إذ أصابت ووضعت الأمر موضعه حينما نظرت إلى الحمام فاحصتها ولم تخطئ في عددها. ويروى (سراع) و (شراع) بالشين، وهي الواردة للماء. والثمد: الماء القليل، ورد البيت في "التهذيب" (حكم) 1/ 885، "الصحاح" (حكم) 5/ 1902، "اللسان" (حكم) 2/ 951، "ديوان النابغة" ص 14. (¬5) (به) ساقط من (ب). بهذا المعنى أخذ الطبري في "تفسيره" 1/ 221، وانظر =

قال الأصمعي: أصل الحكومة: رَدُّ الرجل عن الظلم، ومنه سُمِّيت حَكَمَةُ اللجام، لأنها تَرَدُّ الدابة، قال (¬1) ومنه قول لبيد: أَحْكَمَ الجِنْثِيَّ مِنْ عَوْرَاتِهَا (¬2) ... كُلُّ حِرْبَاءٍ إِذَا أُكْرِهَ (¬3) صَلّ (¬4) والجِنْثِيُّ: السيف، أي: رد السيف عن عورات (¬5) الدرع، وهي: فُرَجها، كل حِرْبَاء: وهو المسمار الذي يُسَمَّر به حلقها. هذه رواية الأصمعي (¬6). قال الأزهري: والعرب تقول: حَكَمْتُ وأَحْكَمْتُ وحَكَّمْتُ بمعنى: رَدَدْتُ ومَنَعْتُ، ومن هذا قيل للحاكم: حاكم، لأنه يمنع الظالم من الظلم (¬7). ¬

_ = "تهذيب اللغة" (حكم) 1/ 885، "اشتقاق أسماء الله" ص60. (¬1) (قال) ساقط من (ب). (¬2) في (ب): (عوارتها). (¬3) في (ب): (احكم ضل). (¬4) للبيت روايتان: نصب (الجنثي) ورفع (كل) -وهي رواية الأصمعي التي ذكرها الأزهري- فيكون المراد بالجنثي السيف، وأَحْكَمَ بمعنى: منع ورد، فلم يصل السيف، ومنعه الحرباء، والعورات: الفتوق واحدها عورة، والحِرْبَاء: المسمار في حلق (الدرع)، إذا أكره ليدخل في الحلق سمعت له صليلا. والرواية الثانية: رفع (الجنثي) ونصب (كل) فيكون المراد بالجنثي: الحداد أو الزراد، ويكون أحكم من الإحكام للصنعة، كذا خرَّجه ابن قتيبة في "المعاني الكبير" 2/ 1030، وانظر "التهذيب" (حكم) 1/ 885، "اللسان" (صلل) 4/ 2486، و (حكم) 2/ 951، "شرح ديوان لبيد": ص 192. (¬5) في (ب): (عوارت). (¬6) انظر كلام الأصمعي في "التهذيب" (حكم) 1/ 885. (¬7) "تهذيب اللغة" (حكم) 1/ 885.

وقال جرير: أَبَنِي حَنِيفَةَ أَحْكِمُوا سُفَهَاءَكُمْ (¬1) يقول: امنعوهم من التعرض (¬2). وروي عن النخعي أنه قال: حَكِّم اليَتِيم كما تُحَكَم ولدك (¬3). قال أبو عبيد: يقول: امنعه من الفساد، قال: وكل من منعته من شيء فقد حَكّمْتَه وأَحْكَمْتَه (¬4)، وأنشد بيت جرير (¬5). والحِكْمَة: هي العلم الذي يمنع [صاحبه] (¬6) من الجهل، والحاكم الذي يمنع من الجور، وكل عمل مُحَكَم (¬7) فقد منع من الفساد (¬8). ¬

_ (¬1) تمامه: إني أخاف عليكم أن أغضبا ورد البيت في "تهذيب اللغة" (حكم) 1/ 885. وفيه (بني حنيفة) "الكامل" 3/ 26، وفيه (نهنهوا) بدل (أحكموا)، أي أزجروا، "غريب الحديث" لأبي عبيد 2/ 421، "الزاهر" 1/ 503، "مجمل اللغة" (حكم) 1/ 246، "اشتقاق أسماء الله": ص 61، "الصحاح" (حكم) 5/ 1902، و"تفسير الثعلبي" 1/ 62 ب، و"تفسير القرطبي" 1/ 246، "الدر المصون" 1/ 268، "الخزانة" 9/ 236. (¬2) "التهذيب" (حكم) 1/ 885. (¬3) ذكره أبو عبيد قال: حدثنيه ابن مهدي عن سفيان عن منصور عن إبراهيم. "غريب الحديث" 2/ 421، "تهذيب اللغة" 1/ 885. (¬4) المراجع السابقة. (¬5) أي: أبني حنيفة .. البيت. (¬6) (صاحبه) ساقط من (ب). (¬7) في (ب): (متحكم). (¬8) انظر: "تهذيب اللغة" (حكم) 1/ 885. "الصحاح" (حكم) 5/ 1901. "المجمل" (حكم) 1/ 246. "اللسان" (حكم) 2/ 951.

33

33 - قوله تعالى: {قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ}. قال المفسرون: لما ظهر عجز الملائكة، قال الله عز وجل: {يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ} فسمى كل شيء باسمه، وألحق كل شيء بجنسه {فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ} أي: أخبرهم بتسمياتهم قال: {أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ} (¬1). وفي الآية اختصار، معناه: فلما أنبأهم بأسمائهم، تحقق عندهم أن الله يعلم من العواقب ما لا يعلمون، فلما علموا ذلك (¬2)، قال الله: {أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ} و (لم) حرف نفي وصل بألف الاستفهام، فصار بمعنى الإيجاب والتقرير (¬3)، كقول جرير: أَلَسْتُمْ خَيْرَ مَنْ رَكِبَ المَطَايَا (¬4) وفيه أيضًا معنى التوبيخ (¬5) لهم على ما سلف من خطاهم (¬6). ¬

_ (¬1) انظر الطبري في "تفسيره" 1/ 221، والبغوي في "تفسيره" 1/ 80، والخازن "في تفسيره" 1/ 103، وأبي السعود "في تفسيره" 1/ 86. (¬2) وما ذكره مفهوم من السياق. (¬3) انظر: "الوسيط" للمؤلف 1/ 80، "معاني القرآن" للأخفش1/ 219، "البحر" 1/ 150، "الدر المصون" 1/ 270، "شرح المفصل" 8/ 123، "مغني اللبيب" 1/ 17. (¬4) البيت من قصيدة لجرير يمدح عبد الملك بن مروان وعجزه: وَأَنْدى العَالمِينَ بُطُونَ رَاح أندى: أكثرهم جوداً، الراح: جمع راحة وهي الكف، ورد البيت في "معاني القرآن" للأخفش 1/ 219، وفي (الخصائص) 2/ 643، 3/ 269، "المصون في الأدب": ص 21، "شرح المفصل" 8/ 123، "مغني اللبيب" 1/ 17، و"شرح ديوان جرير" ص 74. (¬5) (التوبيخ) ساقط من (ب). (¬6) كذا في جميع النسخ ولعل الصواب (من خطئهم) أو (من أخطائهم). انظر معنى الآية في "تفسير الطبري" 1/ 221.

وقوله تعالى: {إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}. (الغيب) مصدر مضاف إلى المفعول (¬1) على الاتساع، وحذف حرف الجر، لأنك تقول: غبت في الأرض، وغبت ببلد كذا، فتعديه بحرف الجر، فحذف الحرف وأضيف المصدر إلى المفعول به في المعنى، نحو: {مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ} [فصلت: 49] و {بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ} [ص: 24] وكقولك: (أعجبني منك دخول الدار). وفيه أيضا مضاف مقدر، والمعنى: إني أعلم ذوي غيب السموات والأرض ما غاب فيها [عنكم، ومثله على هذا التقدير قوله: {وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} (¬2) أي: له ما غاب فيها] (¬3) ملكاً وخلقاً. ويجوز أن يكون له علم ما غاب (¬4) فيها، فيكون المضاف محذوفاً. وقوله تعالى: {وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ}. أي: أعلم سرّكم وعلانيتكم، لا يخفى علي شيء من أموركم (¬5). وقال ابن عباس: ما تبدون من قولكم: (أتجعل فيها من يفسد فيها)، (وما كنتم تكتمون) من إضمار إبليس الكفر (¬6). وعلى هذا التأويل قال: (تكتمون) بلفظ الجمع، وإن كان المراد به ¬

_ (¬1) في (ب): (المفعول به). (¬2) سورة هود: 132، وسورة النحل: 77. (¬3) ما بين المعقوفين ساقط من (ب). (¬4) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 3/ 214. (¬5) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 222، و"تفسير ابن كثير" 1/ 80 (¬6) أخرجه ابن جرير بسنده من طريق السدي، عن ابن عباس وابن مسعود وناس من الصحابة في "تفسيره" 1/ 222، وابن كثير في "تفسيره" 1/ 80، "الدر" 1/ 101.

إبليس، لأن الخطاب للجماعة، وهو من جملتهم (¬1). وقال الحسن وقتادة في قوله: {مَا تُبْدُونَ} كقول ابن عباس، (وما تكتمون) يعني قولهم: لن يخلق (¬2) خلقاً أفضل ولا أعلم منا (¬3). وقد يبقى في هذه الآية سؤال لم يجد (¬4) أحداً ممن تكلم في تفسير القرآن ولا في معانيه تعرض [له] (¬5)، وهو من مهم ما يسأل عنه (¬6). وذلك أن يقال: من أين علمت الملائكة لما خبرها (¬7) آدم عليه السلام بتلك الأسماء صحة قوله، ومطابقة الأسماء المسميات؟ وهي لم تكن (¬8) عالمة بذلك من قبل، إذ لو كانت عالمة لأخبرت بالأسماء، ولم تعترف بفقد العلم. والكلام يقضي أنهم لما أنبأهم آدم بالأسماء، علموا صحتها ومطابقتها للمسميات (¬9)، ولولا ذلك لم يكن لقوله (¬10): {أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ ¬

_ (¬1) انظر الطبري في "تفسيره" 1/ 222، وابن عطية في "تفسيره" 1/ 241. (¬2) في (ب): (لن يخلق الله ..). (¬3) ذكره الثعلبي 1/ 62 ب، وأخرجه الطبري عنهما 1/ 222، وابن أبي حاتم 1/ 82، وذكره السيوطي في "الدر" 1/ 102، و"ابن كثير" 1/ 80. (¬4) كذا في جميع النسخ، والمعنى: لم يتعرض أحد لهذا السؤال. (¬5) (له) ساقطة من (ب). (¬6) بل إن في هذا السؤال شيئاً من التكلف، ولا فائدة كبيرة من معرفة جوابه، ولا ينبني عليه حكم، وقد ذكر الرازي هذا السؤال والإجابة عنه بنحو ما ذكر الواحدي هنا فلعله نقل عنه 2/ 177. (¬7) في (ب): (حرها). (¬8) في (أ): (يكن) وما في (ب) و (ج) أصح في السياق. (¬9) يمكن أن يعلموا صحتها بمجرد إخبار آدم عليه السلام بالأسماء، وإقرار الله له على ذلك، وعلى هذا فلا داعي لتحمل الإجابة عن هذا السؤال. (¬10) في (ب): (كقوله).

غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} معنى. والجواب: أنه (¬1) غير ممتنع أن تكون الملائكة في الأول غير عارفين بتلك الأسماء فلما أنبأهم آدم عليه السلام بها، خلق الله تعالى (¬2) لهم في الحال العلم الضروري بصحتها ومطابقتها للمسميات، إما من طريق، أو ابتداء بلا طريق، فعلموا بذلك تمييزه (¬3) واختصاصه (¬4). ووجه آخر: وهو أنه لا يمتنع أن تكون للملائكة لغات مختلفة، فكل قبيل منهم يعرف أسماء الأجناس في لغته دون لغة غيرها، فلما أراد الله تعالى التنبيه على فضيلة آدم، علمه (¬5) تلك الأسماء، فلما أخبرهم بها علم كل فريق (¬6) مطابقة ما أخبر به من الأسماء للغته وعلم مطابقة ذلك لباقي اللغات بخبر كل فريق وإذا أخبر كل قبيل صاحبه علم بذلك من لغة غيره ما علمه من لغته (¬7)، وهذا الجواب يقتضي أن يكون معنى قوله: {أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ} أي: ليخبرني كل قبيل منكم بجميع الأسماء. ¬

_ (¬1) في (ب): (له). (¬2) انظر التعليق السابق على ما ذكر الواحدي عن معنى تعليم الله آدم، وأنه بمعنى: خلق له العلم بذلك: 2/ 348. (¬3) في (ب): (تميزه) وهو الأصوب. (¬4) قال الرازي: (.. ولا يمتنع أن يقال: إنه تعالى عرفهم قبل أن يسمعوا من آدم عليه السلام تلك الأسماء، ما استدلوا به على صدق آدم). (¬5) في (ب): (علمهم). (¬6) في (أ): (فريق منهم). (¬7) هذا من التكلف الذي لا دليل عليه.

34

34 - قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ} الآية. (إذ) في موضع نصب نسقاً على (إذ) (¬1) التي قبلها (¬2). وقوله: {قُلْنَا} [هو من خطاب الأكابر والعظماء، يقول الواحد منهم: فعلنا وقلنا، لعلمه بأن أتباعه يفعلون] (¬3) كفعله، ويجرون على مثل أمره، فأخبر الله تعالى عن نفسه على الجمع، لأنه ملك الملوك، وكل من في السموات والأرض له خلقاً (¬4) وملكاً (¬5). وعلى هذا خوطب في الجواب في قوله: {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ} [المؤمنون: 99] معناه: يا رب ارجعني، فلما أخبر جل اسمه (¬6) عن نفسه [بالجمع خوطب بمثل ذلك (¬7). وقوله: {لِلْمَلَائِكَةِ} اختلفوا في] (¬8) الملائكة الذين أمروا بالسجود لآدم من هم؟ فقال بعضهم: هم الذين كانوا مع إبليس في الأرض (¬9). ¬

_ (¬1) في (ج): (إذا) وهو خطأ. (¬2) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 180، و"تفسير الطبري" 1/ 224، و"تفسير ابن عطية" 1/ 243، وقال مكي: منصوب بفعل مقدر (اذكر) مثل (إذ) قلبها. انظر: "مشكل إعراب القرآن" 1/ 35. وقيل: زائدة، قاله أبو عبيدة في "المجاز" 1/ 37، وضعفه أبو حيان. انظر: "البحر" 1/ 152، "الدر المصون" 1/ 271. (¬3) ما بين المعقوفين مكرر في (أ). (¬4) في (أ): (خلفاء) وما في (ب)، (ج) أصح. (¬5) انظر: "مجاز القرآن" 1/ 38، والقرطبي 1/ 248، (البحر) 1/ 152. (¬6) (جل اسمه) ساقط من (ب). (¬7) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 21. (¬8) ما بين المعقوفين ساقط من (ب). (¬9) ورد هذا ضمن الخبر الطويل عن ابن عباس، الذي أخرجه الطبري، وهو ضعيف =

وقال بعضهم: هم جميع الملائكة حتى جبريل وميكائيل، لأنه قال: {فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ} [الحجر: 30]، وفي هذا (¬1) تأكيد للعموم، وتحقيق له (¬2). وقوله: {اسْجُدُوا لِآدَمَ} أصل السجود في اللغة الخضوع والتذلل، وكل من ذل وخضع لما أمر به فقد سجد، ومنه قوله تعالى: {يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ} [النحل: 48] أي: خُضَّعاً مسخرة (¬3) لما سخرت له، وسجود كل موات في القرآن، طاعته لما سخر له (¬4). وقال أبو عبيدة: عين ساجدة إذا كانت فاترة، والسُّجَّد من النساء الفاترات الأعين، ونخلة ساجدة إذا مالت لكثرة حملها (¬5). ومنه قول الشاعر: ¬

_ = الإسناد، كما ذكر ذلك شاكر في تعليقه، انظر: "الطبري" 1/ 224. وذكره ابن أبي حاتم بسنده عن أبي العالية، قال محقق "الكتاب": إسناده ضعيف، والخبر لم أقف عليه، "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 83، وانظر القرطبي في "تفسيره" 1/ 248، والرازي في "تفسيره" 2/ 138، وابن كثير في "تفسيره" 1/ 80. (¬1) (هذا) ساقط من (ب). (¬2) وهذا هو الأرجح، انظر: في "تفسير الطبري" 1/ 224، وفي "تفسيرالرازي" 2/ 238، وقد ذكر وجوها كثيرة في ترجيح هذا القول وانظر: "تفسيرالقرطبي" 1/ 248، ورجحه ابن كثير في "تفسيره" 1/ 80. (¬3) في "تهذيب اللغة": (مسخرة) 2/ 1650. (¬4) ذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" (سجد) 2/ 1630، وانظر "اللسان" (سجد) 4/ 1940 (¬5) قال الأزهري: (روى ابن هاني لأبي عبيدة .. ثم ذكره دون قوله: (والسجد من النساء الفاترات الأعين) "تهذيب اللغة" (سجد) 2/ 1630.

تَرى الأُكْمَ (¬1) فِيِه سُجَّداً لِلْحَوَافِرِ (¬2) أي ذليلة خاضعة. قال الأعشى: مَنْ يَرَ هَوْذَةَ يَسْجُدْ غَيرَ مُتَّئِبٍ (¬3) ... إِذَا تَعَمَّمَ (¬4) فَوْقَ الرَّأْسِ أَوْ وَضَعَا (¬5) أي يخضع له ويتذلل. وأنشد ابن الأنباري لابن مقبل: ثُمَّ نَوَّمَنْ وَنِمْنَا سَاعَةً ... خُشَّعَ الطَّرْفِ سُجُوداً لِلْخُطَم (¬6) ¬

_ (¬1) في (ب): (الالم). (¬2) البيت لزيد الخيل وصدره: بِجَمْعٍ تَضِلُّ البُلْقُ في حَجَرَاتِه ويروى: بجيش، البلق: جمع أبلق، وهو الفرس المحجل، الحجرات: الناحية، الأكم: جمع أكمة، وهي تل أشد ارتفاعا مما حوله ودون الجبل. يصف كثرة هذا الجيش وأن الأكم قد خشعت من وقع الحوافر. ورد البيت في الطبري في "تفسيره" 1/ 365، "المعاني الكبير" 2/ 890، و"الأضداد" لابن الأنباري: ص 295، و"الزاهر" 1/ 141، "معرفة اشتقاق أسماء نطق بها القرآن" 2/ 542، و"تأويل مشكل القرآن": ص 417، و"الصحاح" (سجد) 2/ 483، و"اللسان" 4/ 1940، والقرطبي في "تفسيره" 1/ 248، والبيضاوي في "تفسيره" 1/ 21، "البحر المحيط" 1/ 51، "الدر المصون" 1/ 274. (¬3) في (ب): (منيب). (¬4) في (أ)، (ج): (تعم) وما في (ب) هو الصحيح، ومثله ورد في "المخصص" 13/ 107. (¬5) البيت من قصيدة طويلة للأعشى يمدح (هوذة بن علي الحنفي) ويروى البيت (من يلق) بدل (من ير) و (تعصب فوق التاج) بدل (تعمم فوق الرأس). وقوله: (غير متئب): أي لا يستحي أن يسجد لطلعته المهيبة وفد تعمم فوق الرأس، أو وضع الإكليل. ورد البيت في ديوان الأعشى: ص 108، "المخصص" 13/ 107. (¬6) قوله: (نوَّمن) أي الإبل نومت. الخطم: جمع خطام، وهو الحبل الذي يقاد به =

يعني الإبل، فسجودها خضوعها. ويقال -أيضا-: (أسجد) بهذا (¬1) المعنى: أي طأطأ رأسه وانحنى (¬2). هذا أصل السجود في اللغة، ثم قيل لكل من وضع جبهته على الأرض: سجد، لأنه غاية الخضوع (¬3). وإذا ابتدأت بقوله: {اسْجُدُوا} ضممت الألف (¬4)، والألف (¬5) لا حظ لها من الإعراب، وإنما أدخلت ليتوصل بها إلى النطق بالساكن، فكان حظها الكسر، لأن (¬6) بعدها ساكنا، ولكنها ضمت لاستثقال الضمة بعد الكسرة، وليس في كلامهم مثل (فِعُل)، ولا مثل (إفْعُل) (¬7). واختلفوا في كيفية سجود الملائكة لآدم فقال جماعة: كان سجود الملائكة لآدم على جهة التكريم، فكان ذلك تكريماً لآدم وطاعةً لله ¬

_ = البعير. ورد البيت في (ذيل ديوان ابن مقبل) مع القصائد المنسوبة له، وليست في "الديوان": ص403. وورد في "أساس البلاغة" (نوّم): 2/ 483. (¬1) في (ب): (بها). (¬2) في "تهذيب اللغة": أبو عبيد عن أبي عمرو: أسجد الرجل إذا طأطأ رأسه وانحنى. "تهذيب اللغة" (سجد) 2/ 1630، وانظر: "مقاييس اللغة" (سجد) 3/ 133. (¬3) "تهذيب اللغة" (سجد) 2/ 1630، "الصحاح" (سجد) 2/ 483، "اللسان" (سجد) 4/ 1940. (¬4) إذا ابتدأت بهمزة الوصل أخذت حركة الحرف الثالث، انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 81. (¬5) (والألف) ساقط من (ج). (¬6) في (ج): (لان ما بعدها). (¬7) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 81، "تفسير الثعلبي" 1/ 60 أ، وانظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 163.

سبحانه، ولم يكن عبادة لآدم (¬1). وحكى (¬2) ابن الأنباري عن الفراء وجماعة من الأئمة أن سجود الملائكة لآدم كان تحية ولم يكن عبادة، وكان ذلك سجود تعظيم وتسليم وتحية، لا سجود صلاة وعبادة، وكان ذلك تحية الناس وتعظيم بعضهم بعضا (¬3)، ولم يكن وضع الوجه على الأرض، إنما كان الانحناء والتكفير (¬4)، فلما جاء الإسلام أبطل ذلك بالسلام (¬5). وقيل: كان سجود على الحقيقة (¬6)، جعل آدم قبلة لهم، والسجود لله ¬

_ (¬1) هذا قول جمهور المفسرين، قالوا: إنه سجود حقيقي ولكنه ليس سجود عبادة، فالتكريم لآدم، والعبادة والطاعة لله. ذكره الطبري في "تفسيره"، وروى في ذلك أثرا عن قتادة، ولم يذكر غير هذا القول. انظر "تفسير الطبري" 1/ 229، وذكره ابن كثير في "تفسيره" ورجحه، ضعف ما عداه 1/ 81، وكذا الرازي في "تفسيره" 1/ 212، وانظر "زاد المسير" 1/ 64، والقرطبي في "تفسيره" 1/ 248. (¬2) (الواو) ساقطة من (ج). (¬3) قوله (وكان ذلك تحية الناس ...) هل كان قبل آدم ناس؟ أم هو تجاوز في العبارة؟ (¬4) التكفير: هو أن يضع الرجل يده أو يديه على صدره وطأطأ برأسه، وهو كالتحية عند أهل "الكتاب"، انظر: "اللسان" (كفر) 7/ 3897. (¬5) ذكره الثعلبي في "تفسيره"، ولم يعزه 1/ 63 أ. وذكره الرازي في "تفسيره" وضعفه، وقال: (السجود لاشك أنه في عرف الشرع عبارة عن وضع الجبهة على الأرض، فوجب أن يكون في أصل اللغة كذلك، لأن الأصل عدم التغيير، فإن قيل: السجود عبادة، والعبادة لغير الله لا تجوز، قلنا: لا نسلم أنه عبادة وبيانه أن الفعل قد يصير بالمواضعة مفيدا كالقول ...). "تفسير الرازي" 2/ 213، وضعفه ابن كثير في "تفسيره" 1/ 83، وانظر القرطبي في "تفسيره" 1/ 250، و"زاد المسير" 1/ 64. (¬6) في (ب): (بالحقيقة).

عز وجل (¬1)، إلا أن هذا ضعيف، لأنه لو كان، لقيل: اسجدوا إلى آدم. وقال أبي بن كعب: معناه: أقروا لآدم أنه خير وأكرم عليّ منكم، واخضعوا له وكونوا تحت أمره (¬2)، وهذا المعنى موافق لأصل اللغة. وقوله: {لِآدَمَ} حقه الكسر، إلا أنه لا يجري (¬3) ما كان من هذا الباب نحو: الأحمر (¬4) والأصفر في معرفة ولا نكرة، لاجتماع علتين فيه في حال نكرته، وهو وزن الفعل، وكونه صفة، فإن سميت به لم تصرفه في حال المعرفة أيضا للتعريف، ووزن الفعل، فإن نكرته لم تنصرف (¬5) -أيضا - عند سيبويه (¬6)، [وانصرف عند الأخفش (¬7). وحجة سيبويه] (¬8) أنه قبل أن يسمى به اسم وإن كان صفة، فقد كان في حال (¬9) التنكير قبل التسمية به [غير منصرف، فإذا سميت به فحكم الصفة لم يرتفع عنه، ويصير التسمية به] (¬10) كالعارية، فإذا نكِّر عاد إلى ¬

_ (¬1) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 63 أ. والرازي وضعفه في "تفسيره" 2/ 212، 213. وابن كثير وضعفه كذلك 1/ 83. و"تفسير القرطبي" 1/ 250. (¬2) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 59 أ. (¬3) أي: يمنع من الصرف. (¬4) أى وزن (أفعل). (¬5) (تنصرف) كذا في (أ، ج)، وفي (ب): (بدون إعجام)، والأولى (ينصرف). (¬6) انظر "الكتاب" 3/ 193،198، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 81، وانظر: "مشكل إعراب القرآن" 1/ 38. (¬7) انظر "معاني القرآن" للزجاج 1/ 81، و"الكتاب" 3/ 198 (الهامش)، "المقتضب" 3/ 312، 377، وقد نصر المبرد رأي الأخفش ورجحه. (¬8) ما بين المعقوفين ساقط من (ب). (¬9) في (ب): (كل). (¬10) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).

موضع قد (¬1) كان فيه لا ينصرف (¬2). والدليل على صحة ذلك، إجماع النحويين على قولهم: مررت بنسوة أربع، فيصرفون (أربعا)، لأنه اسم استعمل وصفا، ولو راعوا فيه حكم الصفة لم ينصرف في هذه الحال، لأنه على وزن الفعل وهو صفة، فلما نفوا حكم الاسم فيه وإن استعملوه صفة، كذلك أحمر وبابه وإن استعمل اسما (¬3)، فحكم الصفة باق فيه، لأنه صفة لا اسم. وأما الأخفش فإنه يقول: إذا سمي به زال حكم الصفة فلا ينصرف في المعرفة للتعريف ووزن الفعل، فإذا نكرته بقيت علة واحدة، وهو وزن الفعل فينصرف (¬4). وهذا فاسد، لأن حكم الصفة مراعى، وإن سمي به كما أن حكم الاسم مراعى في (أربع) وإن وصف به (¬5). وقوله تعالى: {إِلَّا إِبْلِيسَ}. قال أكثر أهل اللغة والتفسير: سمي إبليس بهذا الاسم، لأنه أبلس من رحمة الله تعالى أي أيس، والمبلس المكتئب الحزين الآيس (¬6)، وفي القرآن {فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ} [الأنعام: 44]. قال يونس وأبو عبيدة: يقال للذي يسكت عند انقطاع حجته، ولا يكون عنده جواب: قد أبلس (¬7). ¬

_ (¬1) (قد) ساقطة من (ب). (¬2) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 81 (¬3) انظر: "المقتضب" 3/ 312، "الكتاب" 3/ 194. (¬4) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 81، "المقتضب" 3/ 312. (¬5) انظر رد المبرد على ذلك في المسائل التي رد بها المبرد على سيبويه كما نقله عضيمة في هامش "المقتضب" 3/ 312. (¬6) "تهذيب اللغة" (بلس) 1/ 384، و"تفسير الطبري" 1/ 224. (¬7) "تهذيب اللغة" (بلس) 1/ 384.

قال العجاج (¬1): يَا صَاحِ هَلْ تَعْرِفُ رسْماً مُكْرَسَا قَالَ نَعَمْ أَعْرِفُهُ وأبلسا (¬2) أي: لم يحر إليَّ جواباً لكآبته. فقيل: إن إبليس سمي بهذا الاسم، لأنه لما أويس من رحمة الله أبلس يأسا (¬3). ومثل هذا الوزن من العربية (الإجْفِيل) اسم للظليم (¬4)، يقال: أجفل الظليم فهو مجفل وإجفيل (¬5)، وكذلك الإغريض (¬6) والإضريج (¬7)، في أشباه لهذا (¬8). ¬

_ (¬1) هو الراجز المشهور عبد الله بن رؤبة، لقي أبا هريرة وسمع منه أحاديث. انظر "الشعر والشعراء" ص 392، "طبقات فحول الشعراء" للجمحي 2/ 753. (¬2) المكرس: الذي صار فيه الكرس. وهو أبوال الإبل وأبعارها يتلبد بعضها على بعض في الدار، أبلسا: أي سكت لكآبته. ورد الرجز في "ديوان العجاج". ص 132، "معاني القرآن" للفراء 1/ 335، و"مجاز القرآن" 1/ 192، و"الزينة" 2/ 192، والطبري في "تفسيره" 1/ 224، و"الكامل" 2/ 191، و"تهذيب اللغة" (بلس) 1/ 384، و"الصحاح" 3/ 909، و"مقاييس اللغة" 5/ 169، و"اللسان" 1/ 343، و"تفسير ابن عطية" 1/ 244. (¬3) ذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" 1/ 384، وانظر: "تفسير الطبري" 1/ 224، "غريب القرآن" لابن قتيبة: 1/ 37، و"زاد المسير" 1/ 65. (¬4) الظليم: الذكر من النعام، "القاموس" (ظلم): ص 1464. (¬5) "تهديب اللغة" (جفل) 1/ 622. (¬6) الإغريض: الطلع، ويقال لكل أبيض طري، انظر: "الصحاح" (غرض) 3/ 1094. (¬7) (الإضريج) بالجيم: صبغ أحمر، ونوع من الأكسية، ومن الخيل الجواد. انظر: "تهذيب اللغة" (ضرج) 3/ 2106، "الصحاح" 1/ 326، "اللسان" 5/ 2570. (¬8) انظر: "إملاء ما من به الرحمن" 1/ 30، "الدر المصون" 1/ 276.

وروى أبو روق (¬1) عن الضحاك عن ابن عباس قال: إنما سمي إبليس، لأن الله أبلسه من الخير، أي: أيأسه (¬2). وهذا متعد كما ترى، ورواه الليث -أيضا- متعديا فقال: لأنه أُبلِس من رحمة الله أي: أُويس (¬3)، فحصل من هذا أنه عربي مشتق، وأن الإبلاس واقع ومطاوع (¬4). قال أبو بكر بن الأنباري: لا يجوز أن يكون مشتقا من (أبلس)، لأنه لو كان كذلك لجرى، [ألا ترى أن (إسحاق) إذا كان عربيا مأخوذا من أسحقه الله إسحاقا يجري، فيقال: قام إسحاق، ورأيت إسحاقاً (¬5). فلو كان إبليس من (أَبلس) أو (أُبلس) لجرى] (¬6) كما يجرى إكليل وبابه، وترك تنوينه ¬

_ (¬1) هو عطية بن الحارث الهمداني أبو روق، ورى عن الشعبي والضحاك، قال أبو حاتم: ليس به بأس، وقال ابن معين: صالح، انظر "الجرح والتعديل" 6/ 382، "تهذيب التهذيب" 3/ 114، "طبقات المفسرين" للداودي 1/ 386. (¬2) أخرجه الطبري بسنده، وفيه ضعف، انظر "تفسير الطبري" 1/ 509. (مع تحقيق محمود شاكر)، وأخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره"، قال المحقق: ضعيف الإسناد 1/ 294، وذكره السيوطي في "الدر" 1/ 102. وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن الأنباري. (¬3) ذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" (بلس) 1/ 384، والثعلبي في "تفسيره" 1/ 63 ب، وانظر "العين" 7/ 262، ولم أجده منسوبًا لليث. (¬4) (الواو) ساقطة من (ب). اختلف الذين قالوا: إنه مشتق هل هو مشتق من (أبلس) إذا انقطع ولم تكن له حجة، أو من الإبلاس وهو اليأس، ذكر هذا الرازي في كتاب "الزينة" 1/ 192، 193. (¬5) انظر: "المقتضب" 3/ 326. (¬6) مابين المعقوفين ساقط من (ب).

في القرآن يدل على أنه أعجمي معرفة، والأعجمي لا يعرف له اشتقاق (¬1). وقال محمد بن جرير: إنما منع صرفه وإن (¬2) كان عربيًّا استثقالًا، لأنه لما قل نظيره في كلام العرب شبهوه بالأسماء الأعجمية كإسحاق لم يصرف، وهو من أسحقه الله، و (أيوب) من: (آب يؤوب) (¬3)، نظيره قيوم، من قام يقوم. وهذا الذي قال (¬4) ابن جرير: يبطل بباب (إفْعِيل) فإنه مصروف كله إلا إبليس (¬5). وأما (¬6) أيوب وإسحاق، فمن لم يصرفهما لم (¬7) يجعلهما مشتقين (¬8). ¬

_ (¬1) هذا الكلام بمعناه في "الأضداد" لابن الأنباري: ص 336، وبنحوه قال أبو عبيدة في "المجاز" 1/ 38، والزجاج في "المعاني" 1/ 82، والثعلبي 1/ 63 ب، وذكر هذا القول مكي في "المشكل" 1/ 37، وابن عطية 1/ 246، وابن الأنباري أبو البركات في "البيان" ورجحه 1/ 74، على أن مكيا وغيره ذكروا عن أبي عبيدة أنه قال: إنه مشتق، وهذا خلاف قوله في "المجاز". وقد أجاب الذين قالوا: إنه مشتق بأنه منع من الصرف لأنه أشبه الأسماء الأعجمية لعدم نظيره في الأسماء العربية كما سيأتي في كلام ابن جرير، انظر: "البحر" 1/ 151، و"الدر المصون" 1/ 276. (¬2) في (ب): (فان). (¬3) انتهى كلام ابن جرير بمعناه 1/ 228، وانظر "تفسير ابن عطية" 1/ 246. (¬4) في (ب): (قاله) وهو أصوب. (¬5) في (ج): (ابلس). انظر: "مشكل إعراب القرآن" 1/ 37، "البيان" 1/ 74، "البحر المحيط" 1/ 151، "الدر المصون" 1/ 276. (¬6) في (ب): (فأما). (¬7) في (ب): (يصرفها لم يجعلها). (¬8) انظر: "المقتضب" 3/ 326، "أصول النحو" لابن السراج 2/ 94.

والاختيار في هذا الحرف أنه غير مشتق، لإجماع النحويين على أنه منع الصرف للعجمة والمعرفة، فلو جعلناه مشتقّاً بطلت العجمة ووجب صرفه (¬1) واختلفوا في أن إبليس هل هو مستثنى من الملائكة أو (¬2) لا؟ فروى مجاهد وطاوس عن ابن عباس قال: كان إبليس قبل أن يركب المعصية ملكاً من الملائكة، اسمه (عزازيل)، وكان من سكان الأرض وعمارها، وكان سكان الأرض من الملائكة يسمون: (الجن)، ولم يكن من الملائكة أشد اجتهادا ولا أكثر علمًا منه. فلما تكبر على الله عز وجل وأبى السجود لآدم وعصاه، لعنه وجعله شيطاناً مريداً، وسماه: إبليس (¬3). وعلى هذا القول أيضا ابن مسعود، وابن المسيب، وابن جريج، وقتادة، وابن جرير (¬4)، وقالوا: إنه استثني من جنس المستثنى منه، وكان إبليس من جملة الملائكة ¬

_ (¬1) بهذا أخذ أبو عبيدة في "المجاز" 1/ 38، والزجاج في "معاني القرآن" 1/ 82، والثعلبي في "تفسيره" 1/ 63 ب، وابن الأنباري في "البيان" 1/ 74، والعكبري في "الإملاء" 1/ 30، والسمين في "الدر المصون" 1/ 276. وعلى قول ابن جرير ومن معه لا يلزم صرفه، ولو كان مشتقًّا، لأنه لا سمي له فاستثقل. انظر "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة: ص 23، و"تفسير الطبري" 1/ 228، و"تفسير ابن عطية" 1/ 246، و"تفسير القرطبي" 1/ 251. (¬2) في (ب): (أم لا). (¬3) أخرجه الطبري بسنده عن عطاء، عن طاوس، عن ابن عباس، وعن عطاء عن طاوس أو مجاهد أبي الحجاج، عن ابن عباس. "تفسير الطبري" 1/ 224، وكذلك أخرجه ابن الأنباري بسنده عن طاوس أو عن مجاهد أبي الحجاج، عن ابن عباس. "الأضداد": ص 334. وانظر: "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 84، و"تفسير ابن كثير" 1/ 8. (¬4) انظر أقوالهم في "تفسير الطبري" 1/ 224.

الذين أمروا بالسجود. وهؤلاء أولوا قوله: {كَانَ مِنَ الْجِنِّ} [الكهف: 50] أي: كان من قبيل من الملائكة، يقال لهم: الجن (¬1)، سموا جناً لاستتارهم عن الناس. قال الأعشى يذكر سليمان ابن داود عليه السلام: وَسَخَّرَ مِنْ جِنِّ الملائِكِ تِسْعَةً ... قِيَاماً لَدَيْهِ يَعْمَلُونَ بِلَا أَجْرِ (¬2) فجعل الملائكة جنّاً (¬3). ¬

_ (¬1) ذكره الطبري في "تفسيره" عن قتادة 1/ 225. قال ابن كثير في "تفسيره" بعد أن نقل الآثار في هذا عند قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} الآية [الكهف: 50]. قال: وقد روي في هذا آثار كثيرة عن السلف، وغالبها من الإسرائيليات التي تنقل، لينظر فيها، والله أعلم بحال كثير منها، ومنها ما قد يقطع بكذبه لمخالفته للحق الذي بأيدينا، وفي القرآن غنية عن كل ما عداه من الأخبار المتقدمة ... إلخ) انظر "ابن كثير" 3/ 100. (¬2) ورد البيت في "تفسير الطبري" 1/ 225، "الزاهر" 2/ 334، و"الأضداد" لابن الأنباري: ص 335، و"الغريب" لابن قتيبة: ص21، و"الزينة" 2/ 176، و"معرفة اشتقاق أسماء نطق بها القرآن" 1/ 195، و"اللسان" (جنن) 1/ 751، وفي "تفسير القرطبي" 1/ 251، و"خزانة الأدب" 6/ 176. (¬3) وهذا ما رجحه ابن جرير الطبري في "تفسيره"، وابن عطية في "تفسيره" والبغوي في "تفسيره"، وغيرهم، وهو أن إبليس كان من الملائكة أو من طائفة منهم يقال لهم: الجن. قال الطبري في "تفسيره" بعد أن ذكر الأقوال في هذِه المسألة: (وهذِه علل تنبئ عن ضعف معرفة أهلها، ذلك أنه غير مستنكر أن يكون الله جل ثناؤه خلق أصناف ملائكته من أصناف من خلقه شتى. فخلق بعضا من نور، وبعضا من نار وبعضا مما شاء من غير ذلك. وليس في ترك الله جل ثناؤه الخبر عما خلق منه ملائكته، وإخباره عما خلق منه إبليس ما يوجب أن يكون إبليس خارجا عن معناهم ... وقال: وأما خبر الله عنه أنه (من الجن) لغير مدفوع أن يسمى ما اجتن من الأشياء عن الأبصار كلها جنّاً كما قد ذكرنا في شعر الأعشى -فيكون إبليس والملائكة =

وقد روى عكرمة عن ابن عباس قال: إنما قيل لإبليس: الجني، لأنه كان من خزنة الجنة (¬1). وقال الزجاج وابن الأنباري: معنى قوله: {كَانَ مِنَ الْجِنِّ} أي كان (¬2) ضالّاً كما أن الجن الذين كانوا سكان الأرض قبل الملائكة كانوا ضُلَّالاً، فلما فعل إبليس مثل فعلهم أدخل في جملتهم كما (¬3) قال الله سبحانه: {الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ} (¬4) [التوبة: 67]. فعلى قول هؤلاء هو مستثنى من الملائكة، وهو استثناء الجنس من الجنس. وقال عبد الرحمن بن زيد، وشهر بن حوشب (¬5): ما كان إبليس من الملائكة قط (¬6). ¬

_ = منهم، لاجتنانهم عن أبصار بني آدم، في "تفسيرالطبري" 1/ 227، وانظر: "الأضداد" لابن الأنباري: ص 334، وفي "تفسيرابن عطية" 1/ 246، وفي "تفسيرالبغوي" 1/ 82، و"البحر" 1/ 153، وفي "تفسير القرطبي" 1/ 251، فعلى هذا القول: الاستثناء متصل. (¬1) أخرجه الطبري في "تفسيره" عن ابن جريج عن ابن عباس، وعن أبي صالح عنه، وعن الضحاك عنه. الطبري في "تفسيره" 1/ 525. (¬2) في (ب): (أي صار). (¬3) (كما) ساقطة من (ب). (¬4) قول ابن الأنباري في "الأضداد" ص337، وقد ذكر هذا توجيهًا لمعنى الآية على قول من قال: إن إبليس من الملائكة وكذا الزجاج في "المعاني" 1/ 82 ويلحظ هنا أن الزجاج يرجح القول الآخر حيث قال لما ذكر القول الثاني: وهذا القول هو الذي نختاره، لأن إبليس كان من الجن كما قال الله عز وجل. (¬5) هو شهر بن حوشب الأشعري الشامي، مولى أسماء بنت يزيد بن السكن روى عن أبي هريرة وعائشة وأم سلمة وأم حبيبة وغيرهم، اختلف في سنة وفاته، فقيل: مائة، وقيل غير ذلك، انظر: "تهذيب التهذيب" 2/ 182، "غاية النهاية" 1/ 329. (¬6) أقوالهم في الطبري في "تفسيره" 1/ 227، وانظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 246، =

وروى عوف عن الحسن قال: ما كان إبليس من (¬1) الملائكة قط، طرفة عين (¬2). وهؤلاء قالوا: إنه استثني من الملائكة، وليس منهم، لأنه أمر بالسجود كما أمروا، فخالف وأطاعوا، فاستثني من فعلهم (¬3)، ويجوز أن يكون استثناء منقطعا (¬4) كقول (¬5) العرب: ارتحل العسكر إلا الأثقال، وسار الناس إلَّا الخيام (¬6). وقال سعيد بن المسيب. إن إبليس سبي من الجن حين اقتتلوا (¬7) الملائكة، وكان صغيرا فنشأ بين الملائكة (¬8). وهذا اختيار الحسين بن ¬

_ = والقرطبي في "تفسيره" 1/ 251، وابن كثير في "تفسيره" 1/ 81، "البحر" 1/ 153. (¬1) (من الملائكة) ساقط من (ج). (¬2) ذكره الطبري في "تفسيره" 1/ 227، وابن الأنباري في "الأضداد": ص 337، وابن عطية في "تفسيره" 1/ 246، والقرطبي في "تفسيره" 1/ 251، وابن كثير في "تفسيره" 1/ 81، "البحر" 1/ 153. (¬3) "الأضداد" لابن الأنباري: ص 337، وانظر "معاني القرآن" للزجاج 1/ 82، وقد مال إلى نحو هذا ابن كثير في "تفسيره" 1/ 81. (¬4) انظر "المشكل" لمكي 1/ 37، "البيان" 1/ 74، "البحر" 1/ 153. (¬5) في (أ)، (ج): (لقول)، وقوله (منقطعا) ساقط من (ب). (¬6) قال أبن الأنباري: (... ونصب على الاستثناء وهو من غير جنسهم. كما تقول العرب: سار الناس إلا الأثقال، وارتحل أهل العسكر إلا الأبنية والخيام)، "الأضداد" لابن الأنباري: ص 337. (¬7) هكذا في جميع النسخ وهذا على لغة (أكلوني البراغيث). (¬8) أخرج نحوه ابن جرير عن شهر بن حوشب وسعد بن مسعود 1/ 227، وذكره ابن عطية والقرطبي، وقالا: حكاه الطبري عن ابن مسعود، وظاهر كلامهما أنه عبد الله ابن مسعود، ولم يرووه عنه، وإنما عن سعد بن مسعود ولعل القرطبي نقل ذلك عن ابن عطية. انظر. "تفسير ابن عطية" 1/ 246، و"تفسير القرطبي" 1/ 251، وذكره ابن كثير عن سعد بن مسعود، "تفسير ابن كثير" 1/ 81، ولم أجده عن، سعيد فيما اطلعت عليه.

الفضل. وإليه ذهبت المعتزلة (¬1). وقوله (¬2) تعالى: {أَبَى وَاسْتَكْبَرَ}. هما بمعنى واحد، وكرر للتأكيد (¬3)، وحقيقة الاستكبار: الأنفة مما لا ينبغي أن يؤنف منه (¬4). وقوله تعالى: {وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ}. أي وصار (¬5)،. كقوله: {وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ} [هود: 43]. وقال الأكثرون معناه: وكان في سابق علم الله من الكافرين (¬6). ¬

_ (¬1) أي: إلى أن إبليس ليس من الملائكة. انظر: "تفسير الرازي" 1/ 213. قال الزمخشري: إنه كان جنيا واحد بين أظهر الألوف من الملائكة مغمورا بهم، فغلبوا عليه في قوله: "فسجدوا". "الكشاف" 1/ 273. (¬2) في (ب): (وكان). (¬3) (أبى) امتنع عن السجود، و (استكبر) تكبر وتعاظم في نفسه فهو من أفعال القلوب، والإباء: الامتناع من السجود، والامتناع نابع من الكبر. انظر "تفسير ابن عطية" 1/ 248، "البحر" 1/ 153، وأبي السعود في "تفسيره" 1/ 85. (¬4) ذكر الأزهري عن ابن الأنباري: الاستكبار: الامتناع عن قبول الحق معاندة وتكبرا. "التهذيب" (كبر) 4/ 3090، "مفردات الراغب": ص 421. (¬5) في (ب): (وصار من الكافرين). هذا هو القول الأول أن (كان) بمعنى: صار، انظر. "تفسير أبي الليث" 1/ 110، و"تفسيرالثعلبي" 1/ 64 أ، و"تفسير ابن عطية" 1/ 248، و"زاد المسير" 1/ 65، و"تفسير القرطبي" 1/ 252، و"البحر" 1/ 154، وفي "تفسير ابن كثير" 1/ 81، قال ابن عطية بعد أن ذكر هذا القول: قال ابن فورك: وهذا خطأ ترده الأصول، ونقل هذا القرطبي وابن كثير. (¬6) قول جمهور المفسرين على أن (كان) على بابها، انظر: "تفسير أبي الليث" 1/ 110، و"الثعلبي" 1/ 64 أ، و"ابن عطية" 1/ 248، و"القرطبي" 1/ 252، و"زاد المسير" 1/ 65، و"ابن كثير" 1/ 81، "البحر" 1/ 321. قال ابن جرير: (ومعنى قوله: {وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ}: أنه كان حين أبى السجود من الكافرين حينئذ). "تفسير الطبري" 1/ 228.

35

وقيل: كان من الجن الذين كانوا قبله (¬1) على مذهب من جعله منهم (¬2). فإن قيل: كيف جمع، ولم يكن في ذلك الوقت كافر غير إبليس (¬3)؟ فيقال: إن الله سبحانه علم أنه يكون (¬4) بعد إبليس كافرون، كقول إبراهيم (¬5) {وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ} [الأنبياء: 56] معناه: أنه علم (¬6) أنه سيكون بعده من يشهد على قومه بمثل شهادته (¬7). وقيل: كان من القوم الذين إذا فعل واحد منهم مثل فعله كان مثله (¬8). وعلى ما قاله سعيد بن المسيب (¬9)، لا يتوجه هذا السؤال. 35 - قوله تعالى: {وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ} الآية. (اسكن ¬

_ (¬1) (قبله) ساقطة من (ب). (¬2) انظر "تفسير الثعلبي" 1/ 64 أ، وابن عطية في "تفسيره" 1/ 248، والقرطبي في "تفسيره" 1/ 252، "البحر" 1/ 154. (¬3) يرد هذا السؤال على قول من قال: إن إبليس أول كافر. ولم يسبقه كفر، أما عند من قال: إنه سبقه كفار وهم الجن سكان الأرض. فلا يرد أصلا، انظر "تفسير ابن عطية" 1/ 248، و"تفسير القرطبي" 1/ 255، و"تفسير الرازي" 2/ 237، و"البحر" 1/ 154. (¬4) في (ب): (سيكون). (¬5) في (ب): (إبراهيم عليه السلام). (¬6) في (ب): (عالم). (¬7) انظر: "تفسير الرازي" 2/ 238. (¬8) ذكره الرازي في "تفسيره" 2/ 238. (¬9) قول سعيد الذي سبق: هو: أن إبليس سبي من الجن فنشأ بين الملائكة. فعلى هذا القول يتوجه أنه ليس أول كافر كما سبق.

الجنة) (¬1) أي: اتخذها مأوى ومنزلا (¬2)، وليس معناه: استقر في مكانك ولا تتحرك، وهذا اللفظ مشترك، يقال: أسكنه، أي: أزال حركته، وأسكنه مكان كذا (¬3)، أي جعله مأوى ومنزلا له، والأول الأصل، قالوا (¬4): ومنه السكين (¬5)، لأنه الآلة التي تسكن حركة الحيوان (¬6). وقوله: (أنت) تأكيد للضمير الذي في الفعل (¬7)، وإنما أكد به ليحسن العطف عليه، فإن العرب لا تكاد تعطف إلا على ظاهر، يقولون: اخرج أنت وزيد، ولا يكادون يقولون: اخرج وزيد، إلا في الضرورة (¬8)، ومثله قوله: {فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ} [المائدة: 24]. وقوله: {وَزَوْجُكَ} لفظه مذكر، ومعناه مؤنث، وذلك أن الإضافة تلزم هذا الاسم في أكثر الكلام، وكانت مبينة (¬9) له فكان (¬10) طرح الهاء أخف مع الاستغناء بدلالة الإضافة. ¬

_ (¬1) في (ب): (معنى اسكن الجنة). (¬2) انظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 249، و"القرطبى" 1/ 255، "البحر" 1/ 155. (¬3) في (أ): (وكذا) وفي (ج)، كتبت ثم شطبت والصحيح حذفها. (¬4) (قالوا) ساقط من (ج). (¬5) في (ب): (التسكين). (¬6) انظر: "التهذيب" (سكن) 2/ 1723، "مقاييس اللغة" (سكن) 3/ 88، والقرطبي في "تفسيره" 1/ 255، "البحر" 1/ 155. (¬7) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 163، و"تفسير ابن عطية" 1/ 249، و"تفسير القرطبي" 1/ 256، "البحر" 1/ 156. (¬8) مذهب البصريين أنه لا يجوز العطف إلا في الضرورة، وأجاز الكوفيون ذلك. انظر "الإنصاف" ص 380، "البحر" 1/ 156. (¬9) في (ج): (مبنية). (¬10) في (ب): (وكان).

وكان الأصمعي يؤثر ترك (¬1) الهاء في الزوجة، ويرى أن أكثر كلام العرب عليه. والكسائي على خلاف ذلك (¬2)، والاختيار ما قاله الأصمعي، لأن القرآن كله عليه (¬3). والمراد بقوله: {الْجَنَّةَ} جنة الخلد من قبل أن التعريف فيها بالألف واللام يجعلها كالعلم على جنة الخلد، فلا يجوز العدول عنها بغير دلالة، ألا ترى أنك لو قلت: نسأل الله الجنة، لم يكن ذلك إلا جنة الخلد (¬4). وقوله تعالى: {وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا} (¬5). (الرّغَد) و (الرَّغْد): سعة المعيشة، ¬

_ (¬1) (ترك) ساقطة من (ب). (¬2) في (أ)، (ج): (ذكر) وما في (ب) هو الصحيح. وانظر اختلافهم في "اللسان" (زوج) 3/ 1885، والقرطبي في "تفسيره" 1/ 257. (¬3) قال الفراء (الزوج) يقع على المرأة والرجل. هذا قول أهل الحجاز. قال عز وجل {أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ} [الأحزاب: 37]. وأهل نجد يقولون: (زوجة) وهو أكثر من (زوج) والأول أفصح عند العلماء). (المذكر والمؤنث): ص 95، وانظر (المذكر والمؤنث) لابن الأنباري: ص 503، "تفسير الطبري" 1/ 229. ومما جاء على (زوجة) قول عمار في شأن عائشة (إني لأعلم أنها زوجته في الدنيا والآخرة). وانظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 249، وقال القرطبي: (وقد جاء في صحيح مسلم لفظ (زوجة) في حديث أنس وفيه يا فلان هذِه زوجتي فلانة). "تفسير القرطبي" 1/ 256. (¬4) وإلى هذا ذهب جمهور المفسرين، وفيه الرد على من قال: إنها جنة في الدنيا وهو قول المعتزلة والقدرية. انظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 64 ب، و"تفسير ابن عطية" 1/ 249، و"تفسير القرطبي" 1/ 258، و"تفسير ابن كثير" 1/ 84. قال ابن الجوزي وقيل: جنة عدن، "زاد المسير" 1/ 66. (¬5) في (ج): (فكلا) تصحيف.

يقال: عيش رَغَدٌ ورَغْدٌ. ورَغِدَ عيشهم أي: اتسع (¬1)، قال (¬2) امرؤ القيس: بَيْنَما المَرْءُ تَرَاهُ نَاعِماً ... يَأْمَنُ الأحْدَاثَ فِي عَيْشٍ رَغَدْ (¬3) وقال ابن دريد: عيش رَاغِد ورَغَد ورَغِيد، والرَّغِيدَة: الزبدة، ويقال: أَرْغَد القوم إذا وقعوا في عيش رغد (¬4). الليث: (الرغد): أن يأكل ما شاء إذا شاء حيث شاء (¬5). وقوله تعالى: {حَيْثُ شِئْتُمَا}. (حيث) بني على الضم تشبيها بالغاية، نحو: (قبل) و (بعد) وذلك أنه منع الإضافة إلى الاسم المفرد كما منعت الغاية الإضافية، فبني لأجل الشبه على الضم بالغاية (¬6)، ونذكر الكلام في هذا بأبلغ من هذا الشرح عند قوله: {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ}. ¬

_ (¬1) انظر: "الصحاح" (رغد) 2/ 475، "تهذيب اللغة" 2/ 1433، "مقاييس اللغة" 2/ 417، "تفسير الطبري" 1/ 230،، "اللسان" 3/ 1680. (¬2) في (ب): (وقال). (¬3) ورد البيت منسوبًا لامرئ القيس في الطبري 1/ 230، وفي "الوسيط" للمؤلف 1/ 83، و"تفسير ابن عطية" 1/ 251، و"البحر" 1/ 155، و"الدر المصون" 1/ 281، قال محمود شاكر في حاشية الطبري: لم أجده فيما جمع من شعر امرئ القيس، وقد بحثت في (الديوان) فلم أجده. (¬4) "الجمهرة" 2/ 633. (¬5) لم أجده عن الليث، انظر: "العين" (رغد) 4/ 392، و"تهذيب اللغة" (رغد) 2/ 1433، و"الصحاح" (رغد) 2/ 475، و"اللسان" (رغد) 3/ 1680. (¬6) وقد ذكر سيبويه فيها وجها آخر وهو الفتح وقال الكسائي: الضم لغة قيس وكنانة، والفتح لغة بني تميم، وقال: وبنو أسد يخفضونها في موضع الخفض وينصبونها في موضع النصب، ويقال: حوث. انظر: "الكتاب" 3/ 286، و"إعراب القرآن" للنحاس1/ 163، و"تهذيب اللغة" (حيث) 1/ 949، "تفسير ابن عطية" 1/ 251، وقد ذكر الواحدي هذِه الوجوه عند تفسير قوله تعالى: {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} [البقرة: 199]. كما وعد هنا.

وقوله: {وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ}. قيل معناه: لا تقرباها بالأكل، لأن آدم عصى بالأكل منها، لا بأن قربها (¬1). وقيل: إن النهي عن الأكل داخل في قوله: {وَلَا تَقْرَبَا} فهو نهي بأبلغ لفظ يكون (¬2). وقيل: قربَ فلانٌ أهلَه قربانًا، أي [غشيها] (¬3) وما قرِبْتُ هذا الأمر ولا قَرَبتُه قُرْبَاناً وقُرْباً (¬4). و (الشجرة) في اللغة: ما لها ساق يبقى في الشتاء، و (النجم) ما ليس على ساق، ومنه قوله: {وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ} (¬5) [الرحمن: 6]. وسميت شجرة لتشابك أغصانها (¬6)، وتداخل بعضها في بعض، والشجرة تعم النخلة والتينة والكرمة وغيرها (¬7)، واليقطين قد سمي شجراً في قوله: {وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ} [الصافات: 146]. ¬

_ (¬1) وبهذا قال الزجاج في "المعاني" 1/ 83، وابن عطية في "تفسيره" 1/ 252، وابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 66، والقرطبي في "تفسيره" 1/ 265. (¬2) ذكره ابن عطية في "تفسيره" 1/ 252، والقرطبي في "تفسيره" 1/ 265، وبه أخذ أبو حيان في "البحر" 1/ 158. (¬3) في (أ)، (ج): (عيشها)، وفي (ب): (ان عشيها)، والتصحيح من "تهذيب اللغة" 3/ 2914. (¬4) ذكره الأزهري في الليث. "التهذيب" (قرب) 3/ 2914. "اللسان" (قرب) 6/ 3566. (¬5) قيل إن المراد بالنجم في الآية نجم السماء، والأرجح أنه مالا ساق له من الشجر، انظر: "تفسير الطبري" 27/ 116، و"القرطبي" 17/ 154. (¬6) في (أ)، (ج): (أعضائها)، وما في (ب) هو الصحيح. (¬7) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 231، "التهذيب" (شجر) 2/ 1830، "تفسير ابن عطية" 1/ 252، "مفردات الراغب" ص 256، و"تفسير القرطبي" 1/ 266، و"تفسير الرازي" 1/ 6.

قال الحسين بن الفضل: إن آدم نهي عن أكل الشجرة فعصى بذوقها، وهو دون الأكل، فدل على أن الذي نهي عن شرب المسكر يعصي بشرب اليسير منه قدر ما يقع عليه اسم الذوق. واختلفوا في الشجرة التي نهي آدم عنها، فقال ابن عباس، وعطية، ووهب، وقتادة: إنها السنبلة، قال وهب: وكانت الحبة منها ككلية البقر، ألين من الزبد، وأحلى من العسل (¬1). وقال ابن مسعود والسدي: هي الكرم (¬2). وقال ابن جريج (¬3): إنها التين (¬4). وقال محمد بن (¬5) جرير والحسين بن الفضل: إن الله سبحانه أخبر أنه نهى آدم عن أكل شجرة ما، ولم ينصب لنا دلالة عليها بعينها، فنحن نعلم ¬

_ (¬1) أقوالهم في الطبري في "تفسيره" 1/ 231 - 232، و"ابن أبي حاتم" 1/ 86، و"الثعلبي" 1/ 64 ب. (¬2) وروى هذا عن ابن عباس وسعيد بن جرير والشعبي وغيرهم. انظر: "تفسير الطبري" 1/ 232، و"تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 86، و"تفسير الثعلبي" 1/ 64 ب. (¬3) هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، أحد العلماء المشهورين، ثقة فقيه فاضل، وكان يدلس ويرسل. توفي سنة تسع وأربعين ومائة، انظر: "تاريخ بغداد" 10/ 400، "وفيات الأعيان" 3/ 163. (¬4) "تفسير الطبري" 1/ 232، و"تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 86. وفي اسم الشجرة أقوال كثيرة غير هذه. انظر: "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 86 - 87، والثعلبي 1/ 60 ب، "تفسير ابن عطية" 1/ 252، "زاد المسير" 1/ 66، "التعريف والإعلام" للسهيلي: ص 19، "غرر التبيان في مبهمات القرآن": ص 39، رسالة ماجستير، "مفحمات الأقران في مبهمات القرآن" للسيوطي ص 12. (¬5) (محمد) ساقط من (ب).

أنه كان منهياً عن أكل شجرة ما، وليس علينا من الجهل بتفصيله شيء (¬1). واختلفوا في كيفية أكل آدم من الشجرة. فقال بعضهم: [انهى] (¬2) نهي عن جنس من الشجرة، ونص له على واحد بعينه، فتأول أن التحريم في واحدة بعينها فأكل من جنسها (¬3). وقال بعضهم: إنه نسي الوجوب وحمل النهي فيه على التنزيه، وإن كان فيه ما يدل على أنه للتحريم، وهو اقترانه بذكر الوعيد في قوله: {فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ} (¬4). وكان سعيد بن المسيب يحلف بالله ما يستثني ما أكل آدم من الشجرة وهو يعقل، ولكن حواء سقته الخمر حتى إذا سكر قادته إليها، فأكل (¬5). ورُدّ هذا على سعيد بأن قيل: لو كان الأمر على ما وصف لم يكن عاصياً، والله تعالى، أخبر عنه بالعصيان (¬6)، ¬

_ (¬1) ومما قاله الطبري (.. وذلك علم إذا علم لم ينفع العالم به علمه، وإن جهله جاهل لم يضره جهله به)، "تفسير الطبري" 1/ 232. وبهذا قال أكثر المفسرين، إن الإطالة في هذا من التكلف الذي لا فائدة فيه، ولكفينا ما ذكر الله في كتابه: أنه نهى آدم عن أكل الشجرة، وأن آدم عصى ربه وأكل منها، ثم تاب عليه. انظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 252، و"تفسير الرازي" 3/ 5. و"تفسير ابن كثير" 1/ 84. (¬2) كذا في جميع النسخ ولعلها (إنه). (¬3) انظر "تفسير الثعلبي" 1/ 64 ب، "أحكام القرآن" لابن العربي 1/ 18، والقرطبي في "تفسيره" 1/ 260، "زاد المسير" 1/ 68. (¬4) انظر "أحكام القرآن" لابن العربي 1/ 18، و"زاد المسير" 1/ 68، ورجع الرازي أن النهي للتنزيه، وقال: إن كل مذهب كان أفضى إلى عصمة الأنبياء -عليهم السلام- كان أولى، وأجاب عن أدلة الذين قالوا: إنه للتحريم. انظر "تفسير الرازي" 3/ 5. (¬5) ذكره الطبري في "تفسيره" 1/ 237، والثعلبي في "تفسيره" 1/ 65 أ، وابن العربي في "أحكام القرآن" 1/ 18، والقرطبي 1/ 260. (¬6) وقد رده ابن العربي ردَّا قويًّا حيث قال: (أما القول بأن آدم أكلها سكران ففاسد نقلا وعقلا: أما النقل: فلأن هذا لم يصح بحال، وقد نقل عن ابن عباس أن =

وفي الجملة كان ذلك الأكل معصية من آدم، ولكنه كان قبل النبوة. وقوله تعالى: {فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ}. قال الفراء: إن شئت جعلت (فتكونا) جواباً نصباً، لأنه جواب النهي بالفاء. وإن شئت عطفته على أول الكلام، فكان جزماً مثل قول امرئ القيس (¬1): فَقُلْتُ لَهُ صَوِّب ولا تُجْهِدَنَّه ... فَيُذْرِكَ (¬2) مِنْ أُخْرى القَطَاةِ فَتزْلَقِ (¬3) ¬

_ = الشجرة التي نهي عنها الكرم، فكيف ينهى عنها ويوقعه الشيطان فيها، وقد وصف الله خمر الجنة بأنها لا غول فيها، فكيف توصف بغير صفتها التي أخبر الله تعالى عنها. وأما العقل: فلأن الأنبياء بعد النبوة منزهون عما يؤدي إلى الإخلال بالفرائض واقتحام الجرائم "أحكام القرآن" 1/ 19. وأقول: لا داعي لكل هذه التوجيهات لفعل آدم -عليه السلام- بل الأولى أن نجيب بما قال الله عنه: {فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (121) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (122)} [طه: 121 - 122]. (¬1) كذا منسوبًا إلى امرئ القيس في أكثر المصادر، ونسبه سيبويه إلى (عمرو ابن عمار الطائي) قال عبد السلام هارون معلقا على نسبته إلى امرئ القيس: ليس في "ديوانه". قلت: هو في "ديوانه" ص 106. (¬2) في (أ)، (ج): (فيدرك) بالدال، وفي (ب): (فتدرك)، وكلاهما تصحيف. (¬3) يروى (فيدنك) كذا عند سيبويه. يقول مخاطبًا للغلام الذي سبق ذكره في الأبيات قبله: صوب الفرس ولا تجهده، لا تحمله على العدو فيصرعك، يقال: أذراه عن فرسه: إذا صرعه وألقاه، والقطاة من الفرس: موضع الردف. انظر: "ديوان امرئ القيس" ص 174، "الكتاب" 3/ 101، "معاني القرآن" للفراء 1/ 26، و"تفسير الطبري" 1/ 234، "اللسان" (ذرا) 3/ 1491، "الخزانة" 8/ 526، "الدر المصون" 1/ 286، "البحر" 1/ 159. والشاهد عند سيبويه: جزم (فيدنك) حملا على النهي، ولو أمكنه النصب بالفاء على جواب النهي لجاز.

فجزم (¬1)، ومعناه: كأنه تكرير النهي. ومعنى الفاء والنصب جزاء (¬2)، أي لا تفعل هذا فيفعل بك، فلما عطف حرف على غير ما يشاكله، وكان في أوله حادث لا يصلح في الثاني نصب (¬3). وقال الزجاج: إنما نصب بإضمار (أن) (¬4). ومثله (¬5) مما نصب بالفاء قوله: {وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ} [طه: 81] {لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ} [طه: 61]، (¬6). وما كان من نهي (¬7) ففيه الوجهان، ولا يجوز الرفع إلا أن تريد الاستئناف ولا تجعله جواباً، كقولك: لا تركبْ إلى فلان ¬

_ (¬1) (جزم) ساقط من (ج). (¬2) في "المعاني" للفراء: (ومعنى الجواب والنصب لا تفعل هذا فيفعل بك مجازاة، فلما عطف حرف .. إلخ) 1/ 27. (¬3) انتهى ما نقله عن الفراء، ويعود للنقل منه بعد كلام الزجاج. "معاني القرآن" 1/ 26، 27، وما ذكره هو مذهب الكوفيين في الفعل المضارع الواقع بعد الفاء في جواب: الأمر والنهي والنفي والاستفهام والتمني والعرض. ينصب بالخلاف، أي أن الجواب مخالف لما قبله. انظر: "الإنصاف" 2/ 557، "الدر المصون" 1/ 286، ونصر هذا القول الطبري في "تفسيره" 1/ 234. (¬4) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 83. وقال: نصبه عند سيبويه والخليل بإضمار (أن). وما ذكر هو مذهب البصريين كما في "الإنصاف" 2/ 557، 558، وبهذا قال الأخفش في "المعاني" 1/ 222، وانظر: "الدر المصون" 1/ 286، وقد رد هذا القول الطبري في "تفسيره" 1/ 234. (¬5) هذا عود على كلام الفراء. (¬6) والآيتان وردتا ضمن كلام الفراء. (¬7) في "معاني القرآن" للفراء: (وما كان من نفي ففيه ما في هذا (يريد ما في النهي) ولا يجوز الرفع في أحد الوجهين (النفي والنهي) إلا أن تريد الاستئناف .. إلخ) "معاني القرآن" للفراء 1/ 27.

فيركبُ إليك، يريد (¬1) لا تركب إليه فإنه سيركب إليك. قال الأعشى (¬2): ألمْ تَسْأَلِ الرَّبْعَ القَدِيَم فَيَنْطِقُ ... وهَلْ تُخْبِرَنْكَ اليَومَ بَيْدَاءُ سَمْلَقُ (¬3) أراد ألم تسأل الربع، فإنه يخبرك عن أهله (¬4). وقوله تعالى: {مِنَ الظَّالِمِينَ}. يقال: ظَلَمَه يَظْلِمُه ظُلمًا، فالظلم مصدر حقيقي، والظلم الاسم يقوم مقام المصدر. ومن أمثال (¬5) العرب: (من أشبه أباه فما ظلم). قال الأصمعي: أي ما وضع الشبه غير موضعه (¬6). ¬

_ (¬1) في جميع النسخ (يريد) وبالتاء جاء في "معاني القرآن" للفراء 1/ 27. (¬2) البيت لجميل بن معمر العذري، كما في "الخزانة" 8/ 526. وفي "ديوانه": ص 145. وكذا نسبه أكثرهم، ولم أجد من نسبه للأعشى، ولعله اشتبه عند الواحدي بقول الأعشى: وإن أمرا أسرى أليك ودونه ... من الأرض موماة وبيداء سملق (¬3) يروى البيت (القواء) مكان (القديم)، معنى الربع: الدار بعينها حيثما كانت. والقواء: القفر، وكذا البيداء، والسملق: الأرض المستوية، أو الجرداء لا شجر فيها، يقول: وقد تخيل القواء ناطقا، ألا تسأله، ثم نفى ذلك عنه وحقق أنه لا يجيب سائله لعدم القاطنين به. ورد البيت في "الكتاب" 3/ 37، "معاني القرآن" للفراء 1/ 27، "الجمل" للزجاجي: ص 194، "شرح المفصل" 7/ 36، "همع الهوامع" 4/ 122، 5/ 235، وشرح "شذرات الذهب": ص 367، "الخزانة" 8/ 524، "مغني اللبيب" 1/ 168، "ديوان جميل ": ص 70. (¬4) "معاني القرآن" للفراء 1/ 27. (¬5) ذكره الأزهري عن الليث. "تهذيب اللغة" 3/ 2248، وانظر: "لسان العرب" (ظلم) 5/ 2757. (¬6) ويجوز أن يكون المعنى: فما ظلم الأب: أي لم يظلم حين وضع زرعه حيث أدى إليه الشبه، انظر: "جمهرة الأمثال" للعسكري 2/ 244، "الوسيط" في الأمثال =

وقال أحمد بن يحيى وأبو الهيثم: يقال: ظلمت السّقاء، وظلمت اللبن إذا شربته أو سقيته قبل إدراكه وإخراج زبدته (¬1). وقال ابن السكيت: ظلمت وطبي (¬2) للقوم بهذا المعنى (¬3). قال أبو عبيد: ويقال لذلك اللبن المظلوم والظليم (¬4)، وأنشد شمر: وقَائِلةٍ ظَلَمْتُ لَكُمْ سِقَائِي ... وهَلْ يَخْفَى عَلَى العَكِدِ الظَّليِمُ (¬5) وقال الفراء: ظلم الوادي إذا بلغ الماء منه موضعاً لم يكن ناله فيما خلا، وأنشد: يَكَاد يَطْلُعُ ظُلْماً ثُمَّ يَمْنَعُه ... عَنِ الشَّوَاهِقِ فَالوَادِي بِهِ شَرِقُ (¬6) قال: ويقال: هو أظلم من حية، لأنها تأتي الجحر لم تحفره ¬

_ = للمؤلف ص 155، "المستقصي" 2/ 352، "مجمع الأمثال" 2/ 300، "تهذيب اللغة" (ظلم) 3/ 2248، "اللسان" (ظلم) 5/ 2757. (¬1) في "تهذيب اللغة": أخبرني المنذري عن أحمد بن يحيى وعن أبي الهيثم أنهما قالا: ثم ذكره 3/ 2249، "اللسان" (ظلم) 5/ 2758. (¬2) الوطب: سقاء اللبن. انظر (القاموس) (وطب): ص 142. (¬3) انظر "إصلاح المنطق": ص 352، "تهذيب اللغة" (ظلم) 3/ 2249، "اللسان" (ظلم) 5/ 2758. (¬4) في "التهذيب": المظلوم والظليمة، 3/ 2249، وكذا "اللسان" (ظلم) 5/ 2757. (¬5) البيت غير منسوب في "تهذيب اللغة" (ظلم) 3/ 2249، وكذا في "الصحاح" 5/ 1978، "مقاييس اللغة" 3/ 469، "اللسان" 5/ 2757، والقرطبي في "تفسيره" 1/ 264، والعكد: أصل (اللسان). (¬6) البيت في "معاني القرآن" للفراء1/ 397، "تهذيب اللغة" (ظلم) 3/ 2249، "اللسان" 5/ 2758، غير منسوب.

فتسكنه (¬1). وقال ابن السكيت في قول النابغة: والنُّؤْيُ كَالحَوْضِ بِالمظْلُومَةِ الجَلَدِ (¬2) يعني بالمظلومة أرضاً في برية حوّضوا فيها حوضاً سقوا فيه إبلهم، وليست بموضوع تحويض. قال: وأصل الظلم، وضع الشيء غير (¬3) موضعه، قال: ومنه قول ابن مقبل: هُرْتُ الشَّقَاشِقِ ظَلَّامُونَ للجُزُرِ (¬4) ¬

_ (¬1) "معاني القرآن" للفراء 1/ 397، "تهذيب اللغة" (ظلم) 3/ 2249، وانظر "الصحاح" (ظلم) 5/ 1978، "اللسان" (ظلم) 5/ 2758. (¬2) عجز بيت للنابغة الذبياني من قصيدة يمدح بها النعمان بن المنذر وصدره: إلاَّ أَوَاريُ لَأْيًا ما أُبَيِّنُهَا الأواري: محابس الخيل، وتروى (الأواري) بالرفع على البدل، وبالنصب على الاستثناء، لأياً: بطئا، والمعنى أبينها بعد لأي لتغير معالمها، والنُّؤْي: حاجز حول الخباء يمنع عنه الماء، والمظلومة: أرض حفر فيها الحوض لغير إقامة، فظلمت لذلك، والجلد: الصلبة. ورد البيت في "الكتاب" 2/ 321، "معاني القرآن" للفراء 1/ 288، 480، "تفسير الطبري" 1/ 234، "المقتضب" 4/ 414، "التهذيب" "ظلم" 3/ 2249، "الجمل" للزجاجي ص 236، "الإنصاف" ص 234، "الأزهية في علم الحروف" 80، "الهمع" 3/ 250، 255، "شرح المفصل" 2/ 80، "الخزانة" 4/ 121، "الدر المصون" 1/ 286، "ديوان النابغة": ص 9. (¬3) في "تهذيب اللغة" (في غير) 3/ 2249. (¬4) وصدره: عَادَ الأذِلَّةُ في دَارٍ وَكَان بِهَا قوله: هرت الشقاشق: أي: ماهرون في الخطابة والكلام، تقول العرب للخطيب الجهير الصوت الماهر بالكلام: هو أهرت الشِّقْشِقَة. والشِّقْشِقَة: لحمة كالرئة يخرجها البعير الفحل من فيه عند هياجه. =

وظلم الجزور أنهم نحروها من غير مرض، فوضعوا النحر في غير موضعه (¬1). وقول زهير: ... وَيُظْلَمُ أَحْيَاناً فَيَنْظَلِمُ (¬2) أي يطلب منه في غير موضع الطلب (¬3). ومعنى قوله: {فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ} أي من العاصين الذين وضعوا الأمر غير موضعه (¬4). والعاصي ظالم لوضعه أمر الله في غير موضعه، ووضعه المعصية حيث يجب أن يطيع. وقال بعضهم: معنى (¬5) قوله: {فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ} أي (¬6): الباخسين ¬

_ = ورد البيت في "ديوان ابن مقبل": ص 81، "التهذيب" (ظلم) 3/ 2249، "اللسان" (هرت) 8/ 4647، "شقق" 4/ 2300، (ظلم) 1/ 2758. "الصحاح" (ظلم) 3/ 1978، "جمهرة اللغة" 1/ 138، "مقاييس اللغة" (ظلم) 3/ 469، و"تفسير القرطبي" 1/ 264، "أمالي القالي" 2/ 101. (¬1) انتهى كلام ابن السكيت ملخصًا من "تهذيب اللغة" (ظلم) 3/ 2249. ولم أجده في "إصلاح المنطق". (¬2) جزء من بيت، وصدره: هُوَ الجَوَادُ الذِي يُعْطِيكَ نَائلَهُ ... عَفْواَ وَيُظلَمُ .............. ويروى (هذا الجواد)، (فيطلم) و (فيظلم) والبيت قاله زهير في مدح هرم بن سنان ورد في "الكتاب" 4/ 468، "تهذيب اللغة" (ظلم) 1/ 2250، "الصحاح" (ظلم) 5/ 1977، "مقاييس اللغة" (ظلم) 3/ 469، "اللسان" (ظلم) 5/ 2759، "شرح المفصل" 10/ 47، "شرح ديوان زهير" ص 152. (¬3) في "تهذيب اللغة" 1/ 2250 (ظلم): (وقال الأصمعي في قول زهير ..). (¬4) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 234. (¬5) (معنى قوله) ساقط من (ب). (¬6) في (ب): (أي من).

36

حقوقكما (¬1)، والظلم قد يكون بمعنى بخس الحق (¬2)، قال الله تعالى: {آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا} [الكهف: 33] أي: لم تنقص. ومنه يقال: ظلمه حقه، أي: نقصه (¬3). وقال الفراء في قوله تعالى: {وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} (¬4) أي: ما نقصونا شيئاً بما فعلوا ولكن نقصوا حظ أنفسهم (¬5). 36 - وقوله تعالى: {فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا} الآية. قال أبو علي الفارسي (¬6): {فَأَزَلَّهُمَا} يحتمل تأويلين: أحدهما: كسبهما الزلة (¬7) وحملهما عليها. والآخر: أن يكون (أزل) من (زلّ) الذي يراد به عثر (¬8). فالدلالة (¬9) على الوجه الأول ما جاء في التنزيل من تزيينه لهما (¬10) تناوُلَ ما حظر عليهما جنسه، بقوله: {مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ} ¬

_ (¬1) انظر: "تفسير أبي الليث" 1/ 111، و"الثعلبي" 1/ 64 ب، و"البيضاوي" 1/ 22، و"النسفي" 1/ 38. (¬2) (الحق) ساقط من (ب). (¬3) انظر: "التهذيب" (ظلم) 3/ 2248، "معاني القرآن" للفراء 1/ 397، "اللسان" (ظلم) 5/ 2757. (¬4) سورة البقرة: 57، سورة الأعراف: 160. (¬5) "معاني القرآن" 1/ 397، "تهذيب اللغة" (ظلم) 3/ 2248. (¬6) "الحجة" 2/ 17. (¬7) أي كان سببًا لهما لكسب الخطيئة التي عاقبهما الله عليها، انظر: "تفسير الطبري" 1/ 234. (¬8) انظر: "تهذيب اللغة" (زل) 2/ 1550، و"معاني القرآن" للزجاج 1/ 83، (¬9) في (ب): (بالدلالة). (¬10) في (ب): (إنما).

[الأعراف: 20] الآية. وقد نسب كسب الإنسان الزلة إلى الشيطان (¬1)، كقوله تعالى: {إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ} [آل عمران: 155]، و (استزلّ) و (أزلَّ) واحد، كقولهم: استجاب وأجاب، واستخلف لأهله وأخلف، فكما (¬2) أن استزلهم من الزلة، والمعنى فيه كسبهم الزلة، وكذلك قوله: {فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ} (¬3). وقوله تعالى: {عَنْهَا} على هذا التأويل يكون بمعنى (عليها) والكناية تعود إلى (الزلة) (¬4) وإن لم يجر لها ذكر، لأن المصدر والاسم يدل عليهما الفعل، فقوله: (أزلهما) يدل على: (الزلة) فكان معناه حملهما (¬5) على الزلة، ويجوز أن يقع (¬6) (عن) موقع (على) و (على) موقع (عن) (¬7). ¬

_ (¬1) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 234، "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 37، "العمدة في الغريب" لمكي ص 73، فإبليس سبب ارتكابهما الخطيئة التي عاقبهما الله عليها بإخراجهما من الجنة، والله هو خالق الإنسان وخالق فعله. (¬2) في (ب): (وكما). (¬3) انتهى ما نقله المؤلف من "الحجة" عن الوجه الأول، ويعود مرة أخرى ينقل منه الوجه الثاني، "الحجة" 2/ 18. (¬4) ذكر جمهور المفسرين أن الكناية تعود على واحد من أمور: (1) الشجرة، (2) الجنة، (3) الطاعة، (4) الحالة التي هما عليها، (5) السماء، وهو بعيد، وأقربها: إما للشجرة فتكون (عن) للسبب، أو للجنة وهذا متعين على قراءة حمزة (أزالهما)، انظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 46 ب، و"ابن عطية" 1/ 254، "الكشاف" 1/ 273، "زاد المسير" 1/ 67، "البحر" 1/ 162، و"تفسير ابن كثير" 1/ 85، "الدر المصون" 1/ 288. (¬5) في (ب): (حملها). (¬6) في (ب): (تقع). (¬7) انظر: "الأزهية في علم الحروف" ص 276، 279، "حروف المعاني" ص 79.

قال ذو الإصبع: لَاهِ ابن عَمِّكَ (¬1) مَا أَفْضَلْتَ فِي حَسَبٍ ... عَنِّي وَلَا أَنْتَ دَيَّانِي فَتَخْزُونِي (¬2) (عني) معنى (عليّ). [وقال آخر، فجعل (علي) بمعنى: (عني)] (¬3): إِذَا رَضِيَتْ عَليّ بَنُو قُشَيْرٍ ... لَعَمْرُ اللهِ أَعْجَبَنِي رِضَاهَا (¬4) والوجه الآخر (¬5): أن يكون (أزلهما) من زل عن المكان إذا عثر ولم يثبت عليه، يقال: زلت قدمه زَلَلاً وزَليِلًا، إذا لم تثبت (¬6) قال لبيد: ¬

_ (¬1) في (أ)، (ج): (عمتك). (¬2) لاه: أراد الله فحذف لام الجر ولام التعريف، يقول: لم بفضل علي في الحسب، ولا انت دياني: مالك أمري، فتخزوني: تقهرني. ورد البيت في "المفضليات" ص160،162، "الخصائص" 2/ 288. "الأزهية" ص 279 "حروف المعاني" ص 79 "مجالس العلماء" للزجاجي ص 71، و"شرح جمل الزجاجي" لابن عصفور 1/ 483، "أمالي المرتضى" 1/ 252، "الإنصاف" ص 335، "مغني اللبيب" 1/ 147، "الخزانة" 7/ 173، "اللسان" (دين) 3/ 1469، (عنن) 5/ 3143، (لوه) 7/ 4107. (¬3) ما بين المعقوقين ساقط من (ب). والمثبت في (أ)، (ج)، وغير مستقيم والأولى أن يؤخر قوله: (فجعل (عليّ) بمعنى (عني) بعد البيت. (¬4) البيت لقُحَيف العُقَيْلِي، ورد في "النوادر" ص 481، "الكامل" 2/ 190، 3/ 98، "الخصائص" 2/ 311، 389، "المخصص" 14/ 65، 17/ 164، "الأزهية" ص 277، "الهمع" 4/ 176، "اللسان" (رضى) 3/ 1663، "الخزانة"10/ 132. (¬5) (الحجة) 2/ 18. (¬6) قوله: ويقال: زلت قدمه ..) وبيت لبيد ليس في "الحجة"، انظر: "تهذيب اللغة" (زل) 2/ 1550.

لَوْ يَقُومُ الفِيلُ أَوْ فَيَّالُهُ ... زَلَّ عَنْ مِثْلِ مَقَاسِي وَزَحَل (¬1) ويدل على هذا التأويل قوله تعالى: {فَأَخْرَجَهُمَا} فَكما أن خروجه عن الموضع الذي كان فيه انتقال منه إلى غيره، كذلك عثاره فيه وزليله (¬2). وقرأ حمزة: (فأزالهما) (¬3). وحجته أن قوله: {اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ} [البقرة: 35] أمر لهما بالثبات، وتأويله: (اثبتا) فثبتا، فأزالهما الشيطان، فقابل الثبات بالزوال الذي هو خلافه. وفي الآية على هذا التقدير إضمار، كقوله: {أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ} [الشعراء:63] أي: فضرب فانفلق، ومثله: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ} [البقرة: 196]، أي: فحلق ففدية. ونُسب الفعل إلى الشيطان، لأن زوالهما عنها إنما كان بتزيينه وتسويله فلما كان ذلك منه بسبب، أسند الفعل إليه، كقوله: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} [الأنفال: 17] لما كان الرمي بتقوية الله وإرادته وخلقه نسبه إلى نفسه. ومما يقوي هذه القراءة قوله: {فَأَخْرَجَهُمَا} وأخرجهما في المعنى قريب من (فأزالهما) (¬4). ¬

_ (¬1) وقوله: (أو فياله): هو صاحب الفيل الذي يسوسه، زحل: زل، يقول: لو يقوم الفيل أو صاحبه زل عن مكاني، قيل: هذا البيت مما عيب على لبيد، لظنه القوة الهائلة في صاحب الفيل، انظر: "ديوان لبيد" مع شرحه ص 194. (¬2) "الحجة" لأبي علي2/ 18. (¬3) "السبعة" لابن مجاهد ص 154، "الحجة" لأبي علي 2/ 14، "النشر" 2/ 211، "البدور الزاهرة" ص 30. (¬4) في (ب): (فأزلهما). "الحجة" لأبي علي 2/ 15، وانظر: "حجة القراءات" لابن زنجلة ص 94، "الكشف عن وجوه القراءات" لمكي1/ 236، "الحجة" لابن خالويه ص 74.

فإن قيل: على هذه القراءة يكون قوله: {فَأَخْرَجَهُمَا} تكريرا (¬1)؟ قيل: إنه (¬2) لا يكون تكريراً لا فائدة فيه، ألا ترى أنه يجوز أن يزيلهما عن مواضعهما ولا يخرجهما مما كانا فيه من الرغد والرفاهية، وإذا كان كذلك لم يكن تكريرا غير مفيد، على أن التكرير في مثل هذا الموضع لتفخيم القصة ليس بمكروه بل هو مستحب، كقول القائل: أزلت نعمته وأخرجته من ملكه، غلظت عقوبته (¬3). وقوله تعالى: {مِمَّا كَانَا فِيهِ}. أي: من الطاعة إلى المعصية. وقيل: من الرتبة والمنزلة (¬4). وقيل: من الرفاهية ولين العيش (¬5). واختلفوا في كيفية وسوسة إبليس ووصوله (¬6) إلى آدم: فقال الأكثرون ومنهم ابن عباس ووهب: إن الحية أدخلت إبليس الجنة (¬7) حتى قال لآدم {هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى} [طه: 120]، فأبى أن يقبل منه، فقاسمهما بالله إنه لهما لمن الناصحين، فاغترّا (¬8) وما كانا يظنان أنّ أحداً ¬

_ (¬1) أورد هذا السؤال والإجابة عنه أبو علي في "الحجة"، ونقله الواحدي هنا بنصه، وممن قال إن فيها تكريرا الطبري في "تفسيره"، حيث احتج بذلك على ترجيح قراءة عامة القراء، "تفسير الطبري" 1/ 235. (¬2) في (ب): (لأنه). (¬3) "الحجة" لأبي علي 2/ 16. (¬4) انظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 256، والقرطبي 1/ 266. (¬5) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 239، و"أبي الليث" 1/ 111، و"ابن عطية" 1/ 256، "البغوي" 1/ 83، "ابن كثير" 1/ 85، ويمكن حمل الآية على القولين الأخيرين. (¬6) الواو ساقطة من (ب) (¬7) في (ب): (إلى الجنة). (¬8) في (ب)، (ج): (فاغتروا).

يحلف بالله كاذبًا، فبادرت حواء إلى أكل الشجرة ثم ناولت آدم حتى أكلها (¬1). وقال الحسن: إنما رآهما على باب الجنة لأنهما كانا يخرجان من الجنة (¬2). ¬

_ (¬1) هذا لفظ رواية ابن عباس، وبمعناه رواية وهب وقد أخرجهما الطبري 1/ 240، ذكر رواية ابن عباس: الليث في "تفسيره" 1/ 111، وانظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 65 أ، و"البغوي" 1/ 83، و"ابن عطية" 1/ 256، و"القرطبي" 1/ 266. (¬2) ذكره البغوي في "تفسيره" 1/ 63، وابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 67. وهناك قول ثالث: أنه دخل الجنة في صورة حية، وهذا يرجع لأصول القول الأول، وقول رابع ذكره ابن جرير الطبري عن ابن إسحاق وهو: أنه وصل إليهما بطرق الوسوسة، وأنه يخلص إلى ابن آدم في حال نومه ويقظته، ولدعوه إلى المعصية، ويوقع في نفسه الشهوة، وأيد قوله بما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قال، "إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم". كذا ذكر الطبري عن ابن إسحاق، ثم رد قوله ورجح أن الشيطان كلم آدم مشافهة لا وسوسة كما قال: {وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ} [الأعراف: 21]، ثم قال: (فالقول في ذلك أنه وصل إلى خطابهما على ما أخبر الله جل ثناؤه، وممكن أن يكون وصل على ذلك بنحو الذي قاله المتأولون بل ذلك إن شاء الله كذلك، لتتابع أقوال أهل التأويل على تصحيح ذلك)، "تفسير الطبري" 1/ 240، قال ابن عطية 1/ 256: القول: أنه أغواهما مشافهة قول جمهور العلماء، ومثله قال القرطبي 1/ 266. وإذا نظرنا إلى حال الروايات في كيفية دخول إبليس الجنة وقصة الحية مع إبليس وجدناها أخبارًا إسرائيلية كما قال ذلك ابن كثير في "تفسيره" 1/ 85، وقال "الرازي" بعد ذكره للقول الأول: واعلم أن هذا وأمثاله مما يجب أن لا يلتفت إليه. الرازي 3/ 15، قلت: الله سبحانه وتعالى أخبرنا أن إبليس أزل آدم وكان سببًا في إخراجه من الجنة كما قال {فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ}. وكيف حصل ذلك، هل بالمشافهة وما طريق المشافهة، أو بالوسوسة؟ كل هذا من علم الغيب الذي لا يثبت إلا بالخبر عن الله سبحانه، أو رسوله، ولا خبر في ذلك يعتمد عليه، ولا ينبني على العلم به كبير فائدة فلا داعي للانشغال بمثله.

وقوله تعالى: {وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ}. (الهبوط) النزول من علو إلى سفل، وهو ضد الصعود (¬1)، وهو خطاب لآدم، وحواء، والحية، وإبليس (¬2) على قول من يقول: إن إبليس أدخلته الحية الجنة (¬3). وقال أبو إسحاق: كان إبليس أهبط أولاً، لأنه قال: {فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ} [الحجر: 34]، وأهبط آدم وحواء بعد ذلك، فجمع الخبر للنبي -عليه [الصلاة] (¬4) والسلام لأنهم اجتمعوا في الهبوط وإن اختلف بهم الوقت (¬5). وقال ابن الأنباري: مذهب الفراء أن {اهْبِطُوا} خطاب لآدم وحواء وذريتهما لأن الأب يدل على الذرية إذ كانوا منه (¬6). وقيل: إنه خطاب لآم وحواء. والعرب تخاطب الاثنين بالجمع، لأن التثنية أول الجمع، ومثله من التنزيل قوله: {وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ} [الأنبياء:78]، يريد حكم داود وسليمان، وقوله: {فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ} ¬

_ (¬1) انظر: "تهذيب اللغة" (هبط) 4/ 2706، "تفسير ابن عطية" 1/ 257، و"القرطبي" 1/ 272، "زاد المسير" 1/ 68. (¬2) أخرجه ابن جرير عن ابن عباس وأبي صالح، والسدي، ومجاهد، انظر "تفسير الطبري" 1/ 240، "تفسير وابن أبي حاتم" من طريق السدي عن ابن عباس 1/ 88 - 89، وذكره أبو الليث في "تفسيره" 1/ 112، و"الثعلبي" 1/ 61 أ، و"ابن عطية" عن السدي 1/ 257، وانظر: "التعريف والإعلام" للسهيلي ص 19، "غرر التبيان" ص 201، و"زاد المسير" 1/ 68. (¬3) وهي روايات إسرائيلية كما قال ابن كثير في "تفسيره" 1/ 85، انظر ما سبق. (¬4) (الصلاة): ساقط من جميع النسخ. (¬5) "معاني القرآن" للزجاج ص 48. (¬6) "معاني القرآن" للفراء: (قوله: {وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} فإنه خاطب آدم وامرأته، ويقال أيضًا: آدم وإبليس، وقال (اهبطوا) يعنيه ويعني ذريته فكأنه خاطبهم) 1/ 31.

[النساء:11]، أراد أخوين (¬1). وقوله تعالى: {بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ}. بعض الشيء طائفة منه (¬2). وأنكر الأصمعي وأبو حاتم إدخال (الألف واللام) في بعض وكل وقالا: إنهما معرفتان بغير الألف واللام، [والعرب لا تدخل فيهما الألف واللام] (¬3)، قال الله تعالى: {وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ} [النمل: 87] (¬4). والنحويون مجمعون على جواز إدخال الألف واللام عليهما (¬5). وسنذكر ما قيل في (بعض) عند قوله {يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ} [غافر: 28] إن شاء الله. و (العدو) اسم جامع للواحد والجميع وللذكر والأنثى، إذا جعلته في مذهب الاسم والمصدر فإن جعلته نعتاً محضاً ثنيت وجمعت وأنثت (¬6). ¬

_ (¬1) ذكر قول ابن الأنباري ابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 68. (¬2) انظر "تهذيب اللغة" (بعض) 1/ 359، "اللسان" (بعض) 1/ 312. (¬3) مابين المعقوفين ساقط من (ب). (¬4) انظر كلام الأصمعي وأبي حاتم في "تهذيب اللغة" وقال أبو حاتم: ولا تقول العرب (الكل ولا البعض) وقد استعمله الناس حتى سيبوبه والأخفش في كتبهما لقلة علمهما بهذا النحو فاجتنب ذلك فإنه ليس من كلام العرب "التهذيب" (بعض) 1/ 491، و"اللسان" (بعض) 7/ 119. (¬5) ورد في "اللسان" بعد كلام أبي حاتم منسوباً للأزهري، ولم أجده في "تهذيب اللغة"، ولعله سقط من المطبوع، وفي "اللسان" عن ابن سيده: (استعمل الزجاجي بعضا بالألف واللام)، "اللسان" (بعض) 1/ 312. (¬6) في "التهذيب": (وقال أبو عمر: .. و (العداوة) اسم عام من (العدو) يقال: عدو بيِّن العداوة وهو عدو، وهما عدو، وهن عدو، وهذا إذا جعلته في مذهب الاسم والمصدر. فإذا جعلته نعتا محضا قلت: هو عدوك، وهي عدوتك، وهم أعداؤك، وهن عدواتك، "تهذيب اللغة" (عدا) 3/ 2347.

ومنه قول عمر لنساء النبي صلى الله عليه وسلم: (أي عدوات أنفسهن) (¬1). قال المفسرون: وأراد بهذه العداوة التي بين آدم وحواء والحية، وبين ذرية آدم من المؤمنين وبين إبليس، فإبليس عدو المؤمنين من ولد آدم، وعداوته لهم كفر، والمؤمنون (¬2) أعداء إبليس، وعداوتهم له إيمان (¬3). وروى سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه (¬4) سئل عن قتل الحيات، فقال: "خلقتهن (¬5) والإنسان كل واحد منهما عدو لصاحبه، إن رآها أفزعته، وإن لدغته أوجعته فاقتلها حيث وجدتها" (¬6). ¬

_ (¬1) قطعة من حديث طويل في قصة دخول عمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده نساء من قريش، وفيه: (أي عدوات أنفسهن، أتهبنني ولا تهبن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ أخرجه البخاري عن سعد بن أبي وقاص (3294) كتاب (بدء الخلق) باب (صفة إبليس وجنوده)، وفي (3683) كتاب (فضائل الصحابة) باب (مناقب عمر)، وفي (6085) كتاب (الأدب) باب (التبسم والضحك)، ومسلم (2389) كتاب (الفضائل) باب: (فضائل عمر) "شرح النووي"، وأحمد في "المسند" 1/ 182. (¬2) في (أ)، (ج): (المؤمنين) وأثبت ما في (ب) لأنه هو الصواب. (¬3) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 84، وانظر: "تفسير الطبري" 1/ 235. (¬4) (أنه) ساقط من (ب). (¬5) في (ب): (خلقت هي والإنسان)، وهذا يوافق ما في الطبري، ومجمع الزوائد كما سيأتي. وهو الصواب. (¬6) أخرجه الطبري بسنده في "تفسيره" 1/ 538، وهو في "مجمع الزوائد" ولفظه: (خلقت هي والإنسان سواء فإن رأته أفزعته ..) الحديث بمثل رواية الطبري قال الهيثمي: رواه الطبراني في "الأوسط"، وفيه (جابر) غير مسمى، والظاهر أنه الجعفي، وثقة الثوري وشعبة، وضعفه الأئمة أحمد وغيره، 4/ 45 و (جابر) من رجال الطبري كذلك، وذكر الحديث السيوطي في "الدر" وعزاه إلى الطبري في "تفسيره" 1/ 108.

وروى ابن عجلان عن أبيه، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ما سالمناهن (¬1) منذ حاربناهن، فمن ترك شيئا منهن خيفةً فليس منا" (¬2) وأراد النبي صلى الله عليه وسلم بالمحاربة قصة آدم وإدخالها إبليس الجنة (¬3). وقوله تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ}. موضع قرار أحياءً وأمواتاً (¬4). ¬

_ (¬1) (هن) ساقطة من (ب). (¬2) أخرجه الطبري بسنده، قال شاكر: (إسناده جيد والحديث مروي بأسانيد أخر صحاح)، "تفسير الطبري" 1/ 537، وأخرجه أبو داود (5248) كتاب (الأدب) باب (في قتل الحيات) عن أبي هريرة، وأخرج نحوه عن ابن مسعود (5249) وابن عباس "سنن أبي داود" معه "معالم السنن" (5250)، وأخرجه أحمد في "مسنده" 2/ 247, 432, 520، وأخرجه نحوه عن ابن عباس 1/ 320، وقد حكم شاكر على أسانيد أبي داود وأحمد بأنها صحيحة كما في تحقيقه على الطبري. (¬3) قال الطبري: (وأحسب أن الحرب التي بيننا، كان أصله ما ذكره علماؤنا الذين قدمنا الرواية عنهم، في إدخالها إبليس الجنة) 1/ 240 - 241، قال العظيم آبادي شارح سنن أبي داود: (منذ حاربناهن) أي منذ وقع بيننا وبينهن الحرب، فإن المحاربة والمعاداة بين الحية والإنسان جبلية، لأن كلا منهما مجبول على طلب قتل الآخر، وقيل: أراد العداوة التي بينها وبين آدم عليه السلام ما يقال: إن إبليس قصد دخول الجنة فمنعت الخزنة فأدخلته الحية في فيها ...) عون المعبود 14/ 109. وفي هامش سنن أبي داود قال يحيى بن أيوب: سئل أحمد بن صالح عن تفسير قوله: (ما سالمنا هن منذ حاربناهن) متى كانت العداوة؟ قال: حين أخرج آدم من الجنة، قال الله: {اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} [طه: 123]، قال هم قالوا: آدم وحواء، وإبليس والحية، قال: والذي صح: أنهم الثلاثة فقط، بإسقاط الحية، سنن أبي داود "معه معالم السنن" 5/ 410. (¬4) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 241، و"ابن عطية" 1/ 258.

(ومتاع) المتاع: ما تمتعت به، أي شيء كان، فكل ما حصل التمتع به فهو متاع من زينة أو لذة أو عمر أو مال (¬1). ومعنى التمتع: التلذذ (¬2)، والمتعة أيضا من (¬3) المتاع، وجمعها مُتعَ (¬4). قال الأعشى: حَتَّى إِذَا ذَرَّ قَرْنُ الشَّمْسِ صَبَّحهَا ... زَوَالُ نَبْهَانَ يَبْغِي أَهْلَهُ مُتَعَا (¬5) أي يبغيهم صيداً يتمتعون به، ويأتي الكلام في متعة المطلقة (¬6) ومتعة الحج (¬7) مستقصى إن شاء الله. ¬

_ (¬1) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 242، و"ابن عطية" 1/ 258. (¬2) قال ابن فارس (الميم والتاء والعين) أصل صحيح يدل على منفعة وامتداد مدة في خير .... وذهب من أهل التحقيق بعضهم إلى أن الأصل في الباب (التلذذ) ... وذهب منهم آخر إلى أن الأصل الامتداد والارتفاع ... (معجم مقاييس اللغة) (متع) 2/ 293، 294. (¬3) في (ب): (مثل). (¬4) قال الليث: ومنهم من يقول: متعة، وجمعها (متع)، "تهذيب اللغة" (متع) 4/ 3337. (¬5) البيت للأعشى يصف صائدا، ويروى (ذؤال) و (من آل) و (ذوآل) بدل (زوال) وفي جميع النسخ (زوال) ولعلها تصحيف، ويروى (صحبه) بدل (أهله) وهوله: ذر قرن الشمس: أول ما يشرق منها، وذؤال: ذأل: أسرع ومشى في خفة، والذؤال: الصائد، متعا: جمع متعة: يعني يطلب لهم زادا وطعاما، ورد البيت في "تهذيب اللغة" (متع) 4/ 3337، "اللسان" (متع) 7/ 4129، (ديوان الأعشى) ص108. (¬6) عند قوله تعالى: {لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ} الآية [البقرة: 236]. (¬7) عند قوله تعالى: {فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ} الآية [البقرة: 196].

قال المفسرون: قلنا (¬1) في الأرض متاع من حيث الاستقرار عليها، والاغتذاء بما تنبتها (¬2) من الثمار والأقوات (¬3). وقوله تعالى: {إِلَى حِينٍ}. (الحين) وقت من الزمان، يصلح للأوقات كلها طالت أو قصرت (¬4)، ويجمع على (الأحيان) ثم يجمع (الأحيان) أحايين (¬5). قال الليث: وَحيَّنْتَ الشيء، جعلته له حِينًا (¬6). والمراد بالحين هاهنا فيما ذكره أهل التفسير: (حين الموت) (¬7). وقيل: إلى قيام الساعة (¬8). وإنما قال (¬9): (إلى حين) إشارة إلى أن الدنيا دار زوال (¬10). ¬

_ (¬1) كذا في جميع النسخ، وفي "الوسيط" (فلنا) بالفاء 1/ 86، وهذا أولى. (¬2) في (ج): (ينبتها). (¬3) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 242. (¬4) ذكره الأزهري عن الزجاج، "تهذيب اللغة" (حين) 1/ 714، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 84، "اللسان" (حين) 2/ 1073. (¬5) ذكره الازهري عن الليث، "تهذيب اللغة" 1/ 714، انظر: "اللسان" (حين) 2/ 1074. (¬6) المراجع السابقة. (¬7) ذكره ابن جرير في "تفسيره" عن ابن عباس والسدي 1/ 242، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 65 أ، وأبو الليث في "تفسيره" 1/ 112، والزجاج في "المعاني" 1/ 84، وابن عطية في "تفسيره" 1/ 259. (¬8) ذكره ابن جرير في "تفسيره" عن مجاهد 1/ 242، والزجاج في "معاني القرآن" 1/ 84، وابن عطية في "تفسيره" 1/ 259. (¬9) في (ب): (قيل). (¬10) انظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 259، و"تفسير القرطبي" 1/ 275.

37

37 - قوله تعالى: {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ} الآية. (التلقي) في اللغة معناه: الاستقبال، [منه الحديث: (أنه نهى عن تلقي الركبان (¬1) قالوا: معناه: الاستقبال (¬2)]. والليث يقول: خرجنا نتلقى الحاج، أي نستقبلهم (¬3). وفي حديث آخر "لا تتلقوا الركبان والأجلاب" (¬4). وهذا معنى التلقي في اللغة (¬5)، وأصله ¬

_ (¬1) حديث النهي عن تلقي الركبان، أخرجه البخاري عن أبي هريرة رقم (2150) كتاب (البيوع) باب (النهي للبائع أن لا يحفل الإبل والبقر والغنم ..). وأخرج البخاري عن ابن عباس رقم (2158) باب (هل يبيع حاضر لباد)، وعن أبي هريرة رقم (2162) باب (النهي عن تلقي الركبان، وعن ابن عباس (2274) كتاب (الإجارة) باب (أجر السمسرة)، وأخرجه مسلم عن ابن عباس (1521) كتاب (البيوع) باب: (تحريم بيع الحاضر للباد). وأخرجه أحمد في "مسنده" 1/ 368، 2/ 42. وأخرجه النسائي في كتاب (البيوع) 7/ 256، 257. (¬2) ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ج) وأثبته من (ب). (¬3) في (أ): (يستقبلهم)، وما في (ب)، (ج) أصح. والكلام لم أجده منسوبًا لليث، انظر: "تهذيب اللغة" (لقى) 4/ 3291، و (العين) (لقو) 5/ 212 و (لقى) 5/ 215، "اللسان" (لقا) 7/ 4067. (¬4) ذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" بسنده، "تهذيب اللغة" (لقى) 4/ 3291، وسبق تخريج حديث النهي عن تلقي الركبان. وأخرج مسلم عن أبي هريرة: (أنه نهى أن يتلقى الجلب) رقم (1519) كتاب (البيوع) باب: (تحريم تلقي الجلب). وأخرجه النسائي في كتاب (البيوع) 7/ 257، واخرجه أبو داود رقم (3437) (البيوع) باب (التلقي). وأخرجه الدارمي (البيوع) 3/ 1671 (2608). وأخرجه أحمد في "المسند" بلفظ (الأجلاب) 2/ 284، 410. وأخرجه ابن ماجه في (البيوع) رقم (2178) باب: النهي عن تلقي الجلب. (¬5) انظر: "تهذيب اللغة" (لقى) 4/ 3291، "الصحاح" (لقي) 6/ 2484، "اللسان" (لقا) 7/ 4066.

أنه (تَفَعُّل) (¬1) من اللقاء، فالتلقي معناه: التعرض للقاء الشيء، ولما كان الاستقبال للشيء تعرض للقائه قيل له: (تلقٍّ) (¬2). ويقال لَقَّيْتُه الشيء فَتَلَقَّى، أي عرضته لأن يراه فتعرض له، فَلَقَّيْتُه من (لقى) مثل: رَأيْتُه من (يري)، ومنه قوله تعالى: {وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا} [فصلت: 35] ثم صار التلقي بمعنى الأخذ، لأن الإنسان إنما يستقبل ما يحرص عليه، فكل كلام استقبلته فأنت مريد أخذه، وإلا أعرضت عنه (¬3). وجميع أهل اللغة والمعاني فسروا (التلقي) هاهنا بالأخذ والقبول (¬4)، ومنه الحديث: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتلقى الوحي من جبريل) (¬5) أي يتقبله ويأخذه (¬6). ¬

_ (¬1) في (أ)، (ج): (يفعل). (¬2) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 242 - 243. (¬3) (عنه) ساقطة من (ب). (¬4) انظر: "تهذيب اللغة" (لقي) 4/ 3291، والطبري فىِ "تفسيره" 1/ 242 - 243، (تفسير أبي الليث) 1/ 112، "غريب القرآن" لابن قتيبة 1/ 38، وابن عطية في "تفسيره" 1/ 260. ومنهم من فسر تلقي آدم للكلمات: بأنه تعلمها ودعا بها، انظر "معاني القرآن" للزجاج 1/ 85، "تهذيب اللغة" 4/ 3291. (¬5) بهذا النص ذكره ابن قتيبة في "غريب القرآن" 1/ 38. وبهذا المعنى أخرج أحمد في "مسنده" بسنده عن ابن عباس: أن أبيا قال لعمر يا أمير المؤمنين إني تلقيت القرآن ممن تلقاه، وقال عفان: ممن يتلقاه من جبريل عليه السلام وهو رطب، "المسند" 5/ 117، وعفان أحد رواة الحديث والأحاديث بمعناه في البخاري رقم (5044) كتاب (فضائل القرآن) باب (الترتيل في القراءة)، ونحوه في مسلم رقم (448) كتاب الصلاة، باب: الاستماع للقراءة. (¬6) "غريب القرآن" لابن قتيبة 1/ 38.

الأصمعي: تلقت الرحم ماء الفحل، إذا قبلته وارْتَجَّت عليه (¬1). فمعنى قوله تعالى {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ} أي: أخذها عنه وتلقنها (¬2). والرجل يُلَقَّى الكلام فيتلقاه، أي يُلَقَّنه فَيَتَلقَّنه (¬3). وبعض الناس يقولون: تلقى هاهنا: تلقن فجعل النون (ياء) كما قالوا تَظَنَّى من الظن (¬4)، وذلك غلط لأن النون إنما يجوز إبدالها بالياء إذا اجتمع نونان، وكذلك هذا الباب إذا اجتمع حرفان من جنس واحد جاز إبدال الثاني بالياء. كقول العجاج: تَقَضِّي البَازِي إِذَا (¬5) البَازِي كَسَره (¬6) بمعنى تقضض، فأما إذا لم يجتمع (¬7) حرفان، فلا يجوز الإبدال، لا يجوز أن تقول: تقبى بمعنى تقبل، وهذا ظاهر (¬8). وتفسير التلقي (¬9) بالتلقن ¬

_ (¬1) "تهذيب اللغة" (لقي) 4/ 3291، "اللسان" (لقا) 7/ 4066. (¬2) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 242 - 243، "غريب القرآن" لابن قتيبة 1/ 38، "تفسير ابن عطية" 1/ 260، "تهذيب اللغة" (لقى) 4/ 3291. (¬3) انظر: "تهذيب اللغة" (لقي) 4/ 3291، "اللسان" (لقا) 7/ 4066. (¬4) في "تفسير القرطبي": (تظني من تطنن) 1/ 276، وكذا في "البحر" 1/ 165. (¬5) (إذا البازى) ساقط من (ب). (¬6) من أرجوزة يمدح فيها عمر بن عبيد الله بن معمر، يقول: انقض انقاض البَازِي ضم جناحيه، فهو في سرعته سرعة انقاض البَازي إذا كسر، أي ضم جناحيه، وهذا أسرع ما يكون في انقضاضه، ورد البيت في "الخصائص" 2/ 90، "همع الهوامع" 5/ 340، "اللسان" (قضض) 6/ 3661، "المشوف المعلم" 2/ 646، "ديوان العجاج" ص 28. (¬7) في (أ)، (ج): (تجتمع) والصحيح بالياء. (¬8) انظر: "تفسير القرطبي" 1/ 276، "البحر" 1/ 165، "الدر المصون" 1/ 295. (¬9) في (ب): (الثاني).

جائز صحيح (¬1) كما بينا، فأما أن يكون التلقي من لفظ التلقن فلا. و (الكلمات): جمع الكلمة، والكلمة تقع على الكثير والقليل، وتقع على الحرف الواحد من الهجاء. قال ابن الأعرابي: يقال: لفلان كلمة شاعرة، أي: قصيدة، وقالوا (¬2): قال امرؤ القيس في كلمته أي: قصيدته، وقال قس (¬3) في قصدته، يعنون خطبته (¬4). وتجمع (الكلمة)، (كَلِمًا) (¬5)، قال رؤبة (¬6): لَا يَسْمَعُ (¬7) الرَّكْبُ بها رَجْعَ الكِلَم (¬8) وتميم تقول: (كِلْمَة)، وفي الجمع (كِلَم). وأما استعمال الكلمة في القليل فإن سيبويه [قد أوقعها على الاسم المفرد، والفعل المفرد، والحرف المفرد، فأما الكلام فإن سيبويه] (¬9) ¬

_ (¬1) (صحيح) ساقط من (ب). (¬2) (قالوا) ساقط من (ب). (¬3) هو قس بن ساعدة بن جدامة بن زفر الإيادي، الخطيب البليغ، سمع النبى - صلى الله عليه وسلم - حكمته، ومات قبل البعثة، انظر ترجمته في "الإصابة" 3/ 279، "الخزانة" 2/ 89 (¬4) عن "الحجة" لأبي علي بتصرف 2/ 31، وانظر: "تهذيب اللغة" (كلم) 4/ 3180 (¬5) في (ب): (كما). قال الجوهري (الكلم لا يكون أقل من ثلاث من كلمات, لأنه جمع كلمة، "الصحاح" (كلم) 5/ 2043. (¬6) مكان البيت بعد قوله: (تميم تقول: (كِلْمَة) وفي الجمع (كِلَمُ) لأنه شاهد على هذه اللغة. انظر: "تهذيب اللغة" (كلم) 4/ 3180، "اللسان" (كلم) 7/ 3922 (¬7) في (أ)، (ج): (تسمع)، وفي (ب) غير منقوط وضبطته مثل "التهذيب" وغيره. (¬8) ورد البيت في ملحق ديوان رؤبة مع الأبيات المنسوبة له وليست في "ديوانه" ص 182، وفي "تهذيب اللغة" (هنم) 4/ 3807، و (كلم) 4/ 3180, وفي "اللسان" (كلم) 7/ 3922. (¬9) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).

استعمله فيما كان مؤلفًا من هذه الكَلِم (¬1)، فالحرف الواحد لا يكون كلامًا، ولهذا لا يقطع (¬2) الحرف الواحد الصلاة. واختلف القراء في هذه الآية، فقرأ ابن كثير (آدم) بالنصب، (كلمات) بالرفع (¬3)، وحجته في ذلك: أن الأفعال المتعدية إلى المفعول به على ثلاثة أضرب، منها: ما يجوز أن يكون الفاعل له مفعولا به، ويجوز أن يكون المفعول به فاعلا له (¬4) نحو اكْرَمَ بِشْرٌ بكرا، وشتم زيد عمرًا، وضرب عبد الله زيدًا. ومنها: ما لا يكون [فيه] (¬5) المفعول فاعلًا له، نحو: دققت الثوب، وأكلت الخبز. ومنها: ما يكون إسناده إلى الفاعل في المعنى كإسناده إلى المفعول به، [وذلك] (¬6) نحو: أَصَبْت (¬7) وَنِلْت وتَلَقَّيْتُ، تقول: نالني خير (¬8) ونلت خيراً، وأصابني خير وأصبت خيراً. قال الله تعالى: {لَا يَنَالُ عَهْدِي ¬

_ (¬1) "الحجة" لأبي علي 2/ 32، وانظر "الصحاح" (كلم) 5/ 2023. (¬2) (لا) ساقطة من (ب). (¬3) قرأ ابن كثير وحده بنصب (آدم) ورفع (كلمات) وبقية العشرة برفع (آدم) ونصب (كلمات)، انظر: "السبعة" لابن مجاهد ص 154، "التبصرة" ص 250، "النشر" 2/ 211، "الإقناع" لابن الباذش 2/ 597، "البدور الزاهرة" ص30. (¬4) في "الحجة": (منها ما يجوز فيه أن يكون الفاعل له مفعولًا به، ومنها ما يجوز أن يكون المفعول به فاعلًا له)، 2/ 40، وما عند الواحدي هو صحيح. (¬5) (فيه) ساقطة من (ب)، (ج)، وثابت في (أ)، "الحجة" 1/ 40. (¬6) (وذلك) ساقط من (ب) (¬7) في (ب): (أصب). (¬8) في (ب): (خيرًا) في كل المواضع الأربعة بالنصب.

الظَّالِمِينَ} [البقرة: 124] وفي قراءة عبد الله (¬1) {الظَّالِمُونَ} (¬2). وتقول: لقيت زيدا، وتلقاني وتلقيته، قال: إِذَا أَنْتَ لَمْ تُعْرِضْ عَنِ الفُحْشِ واْلخَنَا ... أَصَبْتَ حَلِيمًا أَوْ أَصَابَكَ جَاهِلُ (¬3) قال الله تعالى: {وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ} (¬4) [آل عمران: 40] وقال: {وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا}، [مريم:8] وإذا كانت معاني هذه الأفعال على ما ذكرنا (¬5)، فنصب ابن كثير (آدم) ورفعه (الكلمات) في المعنى (¬6) كقول من رفع (آدم) ونصب الكلمات (¬7)، وحجة من رفع (آدم) ونصب ¬

_ (¬1) ذكر قراءة ابن مسعود الطبري في "تفسيره" 1/ 532. والفراء في "المعاني" 1/ 28. وانظر. "الكشاف" 1/ 309. "البحر" 1/ 377. (¬2) الاستشهاد بهذه القراءة ورد في "الحجة" في غير هذا الموضوع فنقله الواحدي بين هذه الأمثلة. انظر: "الحجة" 2/ 41، 42. (¬3) البيت ينسب لزهير، وينسب لابنه كعب كذا قال ابن قتيبة في "الشعر والشعراء" ص 77. وورد البيت في "الحجة" 2/ 41. "المخصص" 15/ 161. وفي "ديوان زهير بن أبي سلمى" وراوية: (إذا أنت لم تقصر عن الجهل.) من قصيدة في سنان ابن أبي حارثة المُري، "ديوان زهير" مع شرحه ص 300، وورد في "ديوان كعب بن زهير مع قصائد لكعب لم تذكر في ديوانه" ص 257. (¬4) في (أ): (قد) سقطت الواو من الآية، وكذا من الآية التي تليها. (¬5) من أن بعض الأفعال المتعدية إسنادها إلى الفاعل في المعنى كإسنادها إلى المفعول به. (¬6) أي أن قراءة ابن كثير في المعنى كقراءة الجمهور. (¬7) بنصه من "الحجة" لأبي علي 2/ 40، 41، وانظر: "حجة القراءات" لابن زنجلة ص 94، "الحجة" لابن خالويه ص 75. أما مكي فقال في توجيه قراءة ابن كثير: (علَّه من نصب (آدم) ورفع (الكلمات) أنه جعل (الكلمات) استنقذت (آدم) بتوفيق الله له لقوله إياها الدعاء بها فتاب الله عليه .. فهي الفاعلة وهو المُسْتَنْقَذ بها ..)، "الكشف" 1/ 237.

(الكلمات) (¬1) قوله (¬2): {إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ} [النور: 15]، فأسند الفعل إلى المخاطبين، والمفعول به كلام يُتَلَقَّى (¬3)، كما أن الذي تَلَقَّى آدم كلام يتلقى، فكما أسند الفعل إلى المخاطبين، فجعل التلقي لهم، كذلك يلزم أن يسند الفعل إلى آدم، فيجعل التلقي له (¬4) دون الكلمات (¬5). ومعنى التلقي للكلمات هو أن الله تعالى ألهم (¬6) آدم حتى اعترف بذنبه، وقال: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا} الآية [الأعراف: 23]، فهذه الآية هي المعنية بالكلمات في قول الحسن، وسعيد بن جبير، ومجاهد (¬7)، وأخذ آدم ¬

_ (¬1) وهي قراءة العشرة عدا ابن كثير كما سبق. (¬2) في "الحجة": (ومن حجة من رفع أن عليه الأكثر، ومما يشهد للرفع قوله ..) 2/ 41. (¬3) في (ج): (تلقى). (¬4) (له) ساقط من (ج). (¬5) (الحجة) لأبي علي 2/ 41، 42، وقال مكي: وعلة من قرأ برفع (آدم) ونصب (الكلمات) أنه جعل (آدم) هو الذي تلقى الكلمات، لأنه هو قبلها ودعا بها، وعمل بها، فتاب الله عليه، فهو الفاعل لقبول الكلمات ...) "الكشف" 1/ 237، وانظر "حجة القراءات" لابن زنجلة ص 95، "الحجة" لابن خالويه ص 75. (¬6) وكذا قال أبو الليث في "تفسيره" 1/ 112، وقال ابن قتيبة: كأن الله أوحى إليه أن يستغفره ويستقبله بكلام من عنده، "غريب القرآن" ص 38، وقال ابن جرير: (... كأنه استقبله، فتلقاه بالقبول حين أوحى إليه وأخبره ..)، "تفسير الطبري" 1/ 242 - 243، فهو وحي، انظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 260 - 261، و"زاد المسير" 1/ 69. (¬7) أخرجه ابن جرير في "تفسيره" عن مجاهد وقتادة وابن زيد والحسن وأبي العالية 1/ 243 - 244، وأخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" عن مجاهد وسعيد بن جبير والحسن وقتادة ومحمد بن كعب وخالد بن معدان وعطاء الخرساني، والربيع 1/ 90 - 91، وأخرجه الثعلبي في "تفسيره" بسنده عن ابن عباس قال: وكذلك قال مجاهد والحسن 1/ 66 أ، وانظر: "زاد المسير" 1/ 69، و"تفسير ابن كثير" 1/ 86 - 87. ورجح ابن جرير هذا القول، قال: (والذي يدل عليه كتاب الله أن =

من الله إلهامه إياه، حتى أخذ بإلهامه. وقال ابن عباس: الكلمات هي: أن آدم قال: يا رب ألم تخلقني بيدك؟ قال: بلى، قال: ألم تنفخ فيّ من روحك؟ قال: بلى، قال: ألم تسبق رحمتك لي غضبك؟ قال: بلى، قال ألم تسكني جنتك؟ قال: بلى، قال: فلم أخرجتني منها؟ قال: بشؤم معصيتك، قال يا رب أرأيت إن تبت وأصلحت أراجعي أنت إلى الجنة؟ قال: نعم قال: فهو الكلمات (¬1). قال أبو إسحاق: وفي الآية تعريف للمذنب، كف السبيل إلى التنصل من الذنوب، وأنه لا ينفع إلا الاعتراف (¬2). ¬

_ = الكلمات التي تلقاهن آدم من ربه هن الكلمات التي أخبر الله عنه أنه قالها متنصلا بقيلها إلى ربه، معترفا بذنبه، وهو قوله {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الأعراف: 23]، وليس ما قاله من خالف قولنا هذا -من الأقوال التي حكيناها- بمدفوع قوله، ولكنه قول لا شاهد عليه من حجة يجب التسليم لها، فيجوز لنا إضافته إلى آدم ..) "تفسير الطبري" 1/ 244. (¬1) أخرجه ابن جرير عن ابن عباس بنحوه من عدة طرق، وأخرج نحوه عن أبي العالية والسدي في "تفسيره" 1/ 243، وأخرج ابن أبي حاتم في "تفسيره" عن ابن عباس نحوه، قال المحقق: في سنده ضعف وانقطاع 1/ 311، وأخرج الحاكم في "مستدركه" عن ابن عباس نحوه، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، "المستدرك" 2/ 545، وذكر الثعلبي 1/ 65 ب، وذكره ابن كثير في "تفسيره"، وفي الهامش قال المحقق: (سنده حسن من أجل الحسن بن عطية .. وهذا الأثر كغيره من الآثار المتلقاة عن أهل الكتاب التي لا يجوز الاعتماد عليها في تفسير كتاب الله) 1/ 149. ذكر الواحدي أشهر الأقوال في المراد بالكلمات، وفيها أقوال أخرى، انظر: "تفسير ابن جرير" 1/ 243 - 244، و"تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 90 - 91، و"الثعلبي" 1/ 65 ب، و"ابن عطية" 1/ 261، "زاد المسير" 1/ 69، و"تفسير ابن كثير" 1/ 87، و"الرازي" 3/ 19. (¬2) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 85

وسئل بعض السلف عما يقوله المذنب، فقال: يقول ما قال أبوه: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا} [الأعراف: 23] وما قاله (¬1) موسى: {ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي} [القصص: 16] وما قاله (¬2) يونس: {لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} (¬3) [الأنبياء: 87]، وما قالته الملكة: {إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ} [النمل: 44] (¬4). وقوله تعالى: {فَتَابَ عَلَيْهِ}. معنى التوبة في اللغة: الرجوع. وفي الشريعة: رجوع العبد من المعصية إلى الطاعة (¬5)، فالعبد يتوب إلى الله والله يتوب عليه، أي يرجع عليه (¬6) بالمغفرة، [والعبد تواب إلى الله أي راجع إليه بالندم، والله تواب يعود عليه بالكرم] (¬7) والعبد تواب إلى الله بالسؤال، والله تواب عليه بالنوال (¬8). فمعنى قوله: {فَتَابَ عَلَيْهِ} أي عاد عليه بالمغفرة (¬9)، ولا يحتاج إلى ¬

_ (¬1) في (ب): (وما قال). (¬2) في (ج): (وما قال). (¬3) قوله (لا إله إلا أنت) ساقط من (ب). (¬4) الأثر أورده أبو حيان في البحر 1/ 165. (¬5) التوبة في الشرع: ترك الذنب، والندم على ما فات، والعزيمة على عدم العودة إليه، وتدارك ما أمكنه من عمل الصالحات، فهذه أركان التوبة وشرائطها، (مفردات الراغب) ص 76، وانظر: "شرح أسماء الله" للزجاج ص 61، "تهذيب اللغة" (تاب) 1/ 416 - 417، "تفسير الطبري" 1/ 246، و"ابن عطية" 1/ 261 - 262، و"القرطبي" 1/ 277 - 278، "زاد المسير" 1/ 70، "البحر" 1/ 166. (¬6) في (ب): (إليه). (¬7) ما بين المعقوفين ساقط من (ب). (¬8) ذكر الأزهري نحوه عن الليث، "تهذيب اللغة" (تاب) 1/ 416 - 417. (¬9) (تاب عليه) أي وفقه للتوبة وقبلها منه، وعاد عليه بالمغفرة، انظر: "تفسير الطبري" =

38

ذكر المغفرة، لأن هذا اللفظ وضع لرجوع العبد إلى الله بالطاعة والندم ورجوع الله عليه بالعفو والمغفرة، وكما لا يحتاج (¬1) إذا قلت: تاب الله عليه، أن تقول بالندم أو بالطاعة، فكذلك لا تحتاج في قولك: (تاب الله عليه) إلى شيء آخر (¬2). وقوله تعالى: {إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} (¬3). أي يتوب على عبده بفضله إذا تاب إليه من ذنبه. 38 - وقوله تعالى: {قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا} الآية. إعادة الأمر بالهبوط يحتمل وجهين، أحدهما: أنه أراد بالأول هبوطاً من الجنة إلى السماء. وبالثاني هبوطًا من السماء إلى الأرض (¬4)، والثاني: أنه كرر للتأكيد (¬5). ¬

_ = 1/ 246، و"تفسير ابن عطية" 1/ 262، "زاد المسير" 1/ 70، و"تفسير ابن كثير" 1/ 87. (¬1) في (ب): (يحتاج) في الموضعين. (¬2) انظر: "تفسير البيضاوي" 1/ 22، و"النسفي" و"الرازي" 3/ 22. (¬3) (إنه) ساقط من (ب). (¬4) ذكره ابن عطية عن النقاش في "تفسيره" 1/ 262 - 263، و"القرطبي" 1/ 279، "البحر" 1/ 167، وضعف أبو حيان هذا الوجه: لأن الله قال في الهبوط الأول: {وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ} ولم يحصل الاستقرار على هذا القول إلا بالهبوط الثاني فكان يمبغي أن يذكر الاستقرار فيه، وقال في الهبوط الثاني: {قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا}، وظاهر الضمير أنه يعود إلى الجنة. (¬5) المراجع السابقة، وذكر الماوردي وجهًا ثالثًا: وهو أنه كرر الهبوط، لأنه علق بكل واحد منهما حكما غير الحكم الآخر، فعلق بالأول العداوة، وعلق بالثاني إتيانه الهدى، "تفسير الماوردي" 1/ 262.

وقوله تعالى: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ}. قال أبو إسحاق (¬1): (إما) في [هذا] (¬2) الموضع بمعنى حرف الشرط والجزاء، إلا أن الجزاء إذا جاء معها (¬3) (النون الثقيلة) لزمتها (ما) (¬4) وإنما يلزمها لأجل التأكيد، وكذلك دخل (النون) في الشرط لأجل التأكيد. وجواب الجزاء في (الفاء) مع الشرط الثاني وجوابه، وهما جملة جواب للشرط في (إما) (¬5). فعلى هذا أصل (إما) (إن) التي للشرط، ألحق بها ¬

_ (¬1) "معاني القرآن" 1/ 86. (¬2) (هذا) ساقط من (ب). ولفظ الزجاج في "المعاني": (إعراب (إما) في هذا الموضع إعراب حروف الشرط والجزاء ...) 1/ 86. (¬3) في "معاني القرآن" (معه) 1/ 86، وهو الأولى. (¬4) (ما) ساقطة من (ب). والزجاج بهذا يرى أن فعل الشرط الواقع بعد (إن) الشرطية المؤكدة بـ (ما) يجب تأكيده بالنون، وهذا ما يوضح معنى قوله: (إلا أن الجزاء إذا جاء معها النون الثقيلة لزمتها (ما)، أي أن (إن) الشرطية إذا اتصل فعل الشرط معها بـ (نون التوكيد) وجب زيادة (ما) معها، وبهذا قال المبرد، قال السمين: ليس في كلامهما ما يدل على لزوم (النون) غاية ما فيه أنهما شرطا في صحة تأكيده بالنون زيادة (ما) "الدر المصون" 1/ 300، 301، وقال سيبويه والفارسي وطائفة: لا يلزم تأكيده، وسيأتي رد الفارسي على الزجاج، انظر: "المقتضب" 3/ 13، "تفسير ابن عطية" 1/ 262 - 263، "البحر" 1/ 167. (¬5) في "معاني القرآن": (وجواب الشرط في (الفاء) مع الشرط الثاني وجوابه وهو {فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ} وجواب {فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ} قوله: {فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 86 وما أخذ به الزجاج في جواب الشرط: هو قول سيبويه كما ذكر ابن عطية وقال: وحكي عن الكسائي أن قوله: {فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} جواب الشرطين جميعا ..) قال ابن عطية: (حكي هذا وفيه نظر ..) "تفسير ابن عطية" 1/ 264، وقيل جواب الشرط الأول محذوف تقديره: فإما يأتينكم مني هدى فاتبعوه وقوله: {فَمَنْ تَبِعَ} جملة مستقلة، قال السمين: وهو بعيد، انظر: "الدر المصون" 1/ 301.

(ما) (¬1) التأكيد (¬2). قال أبو بكر بن السراج: الشرط وجوابه نظير المبتدأ والخبر، إذ كان الشرط لا يتم إلا بجوابه، ولك أن تجعل خبر المبتدأ جملة، هي أيضا مبتدأ وخبر، نحو قولك: (زيد أبوه منطلق) كذلك في الشرط (¬3) لك أن تجيبه بجملة (¬4) هي جزاء وجواب، نحو قولك: (إن تأتني فمن يكرمني أكرمه) كذلك قوله: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى} لآية (¬5). وهذا الذي ذكره ابن السراج بيان ما أجمله أبو إسحاق. قال أبو علي (¬6): قول أبي إسحاق: (الجزاء إذا جاء في الفعل معه النون الثقيلة أو (¬7) الخفيفة لزمه (ما) (¬8) يوهم (¬9) أن (ما) لزم لدخول (النون)، وأن سبب لحاق (ما) لحاق (النون). والأمر بعكس ذلك وخلافه، لأن السبب الذي دخلت (النون) الشرط ¬

_ (¬1) (ما) ساقطة من (أ)، (ج)، وأثبتها كما في (ب) لاقتضاء السياق لها. (¬2) قوله: (التأكيد) كذا في جميع النسخ ولعل الصواب (للتأكيد)، انظر: "مشكل إعراب القرآن" 1/ 39،"البيان في غريب إعراب القرآن" 1/ 76. (¬3) (لك) ساقطة من (ب). (¬4) (بجملة) ساقط من (ب). (¬5) كلمة (الآية) ساقطة من (ب) لم أقف على كلام ابن السراج بهذا النص، ولكن انظر معناه في كتابه "الأصول في النحو" 2/ 158. (¬6) ورد كلام أبي علي في كتاب "الإغفال فيما أغفله الزجاج من المعاني" متعقبا فيه الزجاج وقد نقل عنه الواحدي طويلا، انظر: "الإغفال" ص 103 - 113. (¬7) في (ب): (والخفيفة) بالواو ومثله في "الإغفال" ص 104. (¬8) في (ب): (أن). (¬9) في "الإغفال": (نوهم) ص 104.

في قوله: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ} و {فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا} [مريم: 26]، {وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ} [الإسراء: 28] ونحو ذلك عند النحويين إنما هو لحاق (ما) أول الفعل بعد (إن) فلذلك صار موضعا للنونين (¬1)، بعد أن لم يكن لهما موضعا. وإنما كان كذلك عند سيبويه (¬2) وأصحابه لمشابهة فعل الشرط، بلحاق (ما) به بعد (إن)، الفعل المقسم عليه. وجهة المشابهة: أن (ما) (¬3) حرف تأكيد كما أن (اللام) (¬4) تكون تأكيداً، والفعل وقع بعد (ما) كما (¬5) وقع في القسم بعد (اللام). فلما شابهت (اللام) في ذلك، لزم الفعل مع (ما) (¬6) في الشرط (النون)، كما لزمته (¬7) في (ليفعلن)، فسبب (¬8) لحاق (النون) دخول (ما) على ما يذهب إليه النحويون (¬9). قال أبو إسحاق: وفتح ما قبل النون {يَأْتِيَنَّكُمْ} ¬

_ (¬1) أي: نون التوكيد الثقيلة، ونون التوكيد الخفيفة. (¬2) انظر: "الكتاب" 3/ 514, 515. (¬3) (ما) ساقطة من (ب). (¬4) أي لام القسم في مثل (لتفعلن). قال سيبوبه: (... ومن مواضعها أي نون التوكيد حروف الجزاء إذا وقعت بينها وبين الفعل (ما) للتوكيد، وذلك لأنهم شبهوا (ما) بـ (اللام) التي في (لتفعلن) لما وقع التوكيد قبل الفعل ألزموا (النون) آخره كما ألزموا هذه (اللام) ..) "الكتاب" 3/ 514، 515. (¬5) في (ب): (كان). (¬6) في (ب): (لزم الفعل معها في الشرط). (¬7) في (ب): (لزمه). (¬8) في (ج): (بسبب). (¬9) "الإغفال" ص 104، وانظر: "الكتاب" 3/ 515.

لسكونه (¬1)، وسكون النون الأولى. قال أبو علي: لا يخلو (¬2) حركة (الياء) بالفتح من أن يكون لالتقاء الساكنين، كما ذكر أبو إسحاق، أو يكون حركة بنى الفعل عليها، لانضمام الحرف إليه. فلو كانت الحركة بالفتح لالتقاء الساكنين في {يَأْتِيَنَّكُمْ} ونحوه لما حرك به في (هل تضربن) (¬3) و (هل تذهبن) (¬4) ونحوه من الصحيح. ألا ترى أن الساكنين لا يلتقيان في هذا كما يلتقيان في المعتل، والتحرك بالفتح مع (¬5) ذلك لازم له، ولو كانت الحركة لالتقاء الساكنين ما لزمت هنا. وفي تحرك هذا الضرب بالفتح أعني: (الصحيح) (¬6) ما يدل على أن المتحرك بالفتح في: {يَأْتِيَنَّكُمْ} ونحوه للبناء، دون التقاء الساكنين، فثبت ¬

_ (¬1) في "معاني القرآن": السكون الياء وسكون النون الأولى) "معاني القرآن" 1/ 86 يذكر الزجاج هنا أن الفعل المؤكد بنون التوكيد في قوله: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ} يفتح ما قبل النون لتفادي التقاء ساكنين (الياء) التي هي آخر الفعل، والنون الأولى من نون التوكيد المشددة. وهذا التعليل غير كاف عند بعض النحويين، بل يرون أن الفعل المضارع الذي لم يتصل بضمير رفع ساكن إذا أكد بالنون اعتبر معها مركبا وبني على الفتح، وبهذا اعترض أبو علي على الزجاج كما في كلامه الآتي الذي نقله الواحدي عن "الإغفال" ص 114. (¬2) في (ب): (لا تخلوا) (أن تكون) (أو تكون) بالتاء في المواضع الثلاثة ومثله في "الإغفال" ص 114، وهذا أولى. (¬3) في (ج): (هل تضربين). (¬4) في (ج): (هل تكرهين). (¬5) في (ب): (من ذلك). (¬6) في "الإغفال": (أعني: الذي لا ساكنين فيه ... إلخ) ص 115.

بهذا فساد قوله. ويدل أيضًا على فساد قولِه قولُهم: (قُولَنَّ) و (بيعنَّ) ولا تخلو (¬1) اللام في: (قولن) من أن تكون (¬2) محركة لالتقاء الساكنين [أو لبناء الفعل مع الحرف بالفتح، فالذي يفسد القول بأنها محركة لالتقاء (¬3) الساكنين] (¬4) ردك العين في: (قولن) و (بيعنَّ)، ألا ترى أن (اللام لو كانت حركتها (¬5) للساكنين لم يلزم رد العين، كما أن حركتها لما كانت في: (قل الحق) و (بع الثوب) لالتقاء الساكنين لم يلزم رد العين فيه، فردنا للعين (¬6) في: (قولن) ونحوه وحذفنا لها في: (قل الحق) دليل بَيِّن أن الحركة في (قولن) لبناء الفعل مع الحرف على الفتح، إذ لو كانت لالتقاء الساكنين ما رُدَّت العين كما لم ترد في (قل الحق) (¬7)، وإنما لم ترد في (قل الحق) (¬8) لأن النية بحركتها السكون، وما تحرك لها من الساكن الثاني غير لازم (¬9). ¬

_ (¬1) في (ج): (يخلو). (¬2) من (ب): وفي غيرها: (يكون). (¬3) في "الإغفال": (محركة للساكنين) ص 116. (¬4) ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ج) وأثبته من (ب) وهو ثابت في "الإغفال" ص 115 وصحة السياق تقتضيه. (¬5) في (ج): (لو كانت لالتقاء الساكنين). (¬6) في (ب): (العين). (¬7) في "الإغفال": .. (كما لم ترد في (قل الحق) لما كانت الحركة فيه لالتقاء الساكنين، وإنما لم ترد (العين) المحذوفة للساكنين من (قل) ونحوه، وإن تحركت اللام، لأن النية بحركتها ... إلخ) "الإغفال" ص 116. (¬8) قوله: (قل الحق) ساقط من (ب). (¬9) انتهى ما نقله عن "الإغفال"، بتصرف يسير في بعض الكلمات، وانظر بقية كلام أبي علي في "الإغفال" ص 116 - 119.

ومعنى قوله: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى} أي: فإن يأتكم مني شريعة ورسول وبيان ودعوة (¬1). {فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ} أي: قبل أمري واتبع ما آمر به، فلا خوف عليه في الآخرة ولا حزن (¬2). والخطاب لآدم وحواء وذريتهما (¬3)، أعلمهم أنه يبتليهم بالطاعة ويجازيهم بالجنة عليها، وبالنار على تركها، وأن هذا الابتلاء وقع عند الهبوط إلى الأرض (¬4). وقوله تعالى: {هُدَايَ} فتحت (الياء) فيه (¬5)، لأنها أتت بعد ساكن، وأصلها الحركة التي هي الفتح، والأصل أن تقول: (غلامي) فتفتح (¬6) (الياء)، لأنها حرف في موضع اسم مضمر (¬7) منع الإعراب فألزم الحركة، ¬

_ (¬1) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 246، "تفسير أبي الليث" 1/ 113، "تفسير ابن عطية" 1/ 263 - 264، "تفسير ابن كثير" 1/ 87 - 88. (¬2) قوله: (ولا هم يحزنون) قال الطبري: (ولا هم يحزنون يومئذ على ما خلفوا بعد وفاتهم في الدنيا) الطبري في "تفسيره" 1/ 247، وبهذا قال أكثر المفسرين، انظر: "تفسير أبي الليث" 1/ 113، و"تفسير ابن كثير" في 1/ 88، وذكر ابن عطية في معنى الآية وجها آخر: أي لا خوف عليهم يوم القيامة، ولا هم يحزنون فيه 1/ 2658، والأولى عموم الآية. والله أعلم. (¬3) ذكره ابن جرير، وذكر وجها آخر: وهو أن الخطاب لمن أهبط من السماء وهم آدم وحواء وإبليس ورجح هذا الوجه، انظر: "الطبري" 1/ 246، ورجحه ابن عطية في "تفسيره" 1/ 262، وبه قال ابن كثير في "تفسيره" 1/ 87. (¬4) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 85 (¬5) من "معاني القرآن" للزجاج بتصرف 1/ 86، 87. (¬6) في (ج): (بفتح) ومثله في "معاني القرآن" 1/ 87. (¬7) أي أن (الياء) ضمير جاء على حرف واحد فيأخذ حكم الحرف في أنه يفتح إذا جاء بعد ساكن، "معاني القرآن" 1/ 87.

كما ذكرنا في قوله: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 30] فيمن (¬1) فتح (الياء). وحذف الحركة (¬2) جائز لأن (الياء) من حروف المد واللين، وفي {هُدَايَ} سكن ما قبلها، ولم (¬3) يكن بد من تحريكها، فجعل حظها ما كان لها في الأصل من الحركة وهو الفتح (¬4). وروى ابن الأنباري أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ {فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ} قال (¬5): وهي لغة طيئ (¬6)، يقولون: هذه عصيَّ ورحَيَّ (¬7). وقرأ ابن أبي إسحاق (¬8): {هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا} (¬9) [طه: 18] وقال أبو ذؤيب: ¬

_ (¬1) في (ج): (فمن). (¬2) في (ب): (الياء). (¬3) في (ب): (فلم). (¬4) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 87. (¬5) في (ب): (وقال). (¬6) لغة هذيل، انظر: "المحتسب" 1/ 76، و"تفسير ابن عطية" 1/ 264، و"تفسير القرطبي" 1/ 280. (¬7) ذكر هذه القراءة ابن جني في "المحتسب" قال: (قراءة النبي صلى الله عليه وسلم وأبي الطفيل، وعبد الله بن أبي إسحاق، وعاصم الجحدري، وعيسى ابن عمر الثقفي (هُدَيَّ) ..) "المحتسب" 1/ 76 ونحوه في "البحر المحيط" 1/ 169، وانظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 87، "البيان" 1/ 76، و"تفسير ابن عطية" 1/ 264، و"تفسير القرطبي" 1/ 280. (¬8) هو عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي النحوي البصري، أخذ القراءة عن يحيى بن يعمر ويعمر ونصر بن عاصم، وتوفي سنة تسع وعشرين ومائة، انظر: "غاية النهاية" 1/ 410. (¬9) (هي) ساقطة من (ب).

تَرَكُوا هَوَيَّ وَأَعْنَقُوا لِهَواهُمُ ... فَتُخُرِّمُوا وَلِكُلِّ جَنْبٍ مَصْرَعُ (¬1) وقال آخر (¬2): يُطَوَّفُ بِي عِكَبٌّ (¬3) فِي مَعَدٍّ ... وَيَطْعَنُ بِالصُّمُلَّةِ فِي قَفَيَّا فَإِنْ لَمْ تَثْأَرُوا لِي مِنْ عِكَبٍّ ... فَلَا أَرْوَيْتُم أبَدًا صَدَيَّا (¬4) وقال أبو دواد (¬5): ¬

_ (¬1) البيت من قصيدة قالها أبو ذؤيب يرثي بنيه، حيث ذهبوا للجهاد، وكان هواه أن يقيموا معه، وأن يموت قبلهم، قوله: فَتُخُرِّمُوا: أخذوا واحدًا واحدًا، تخرمتهم المنية، ولكل جنب مصرع: أي كل إنسان يموت، انظر: "شرح أشعار الهذليين" 1/ 7، "المحتسب" 1/ 76، "المفضليات" ص 421، "شرح المفصل" 3/ 33، "تفسير ابن عطية" 1/ 264، و"تفسير القرطبي" 1/ 280، "البحر" 1/ 169. والراوية للبيت في المصادر كلها (سبقوا) بدل (تركوا). (¬2) البيتان للمُنَخَّل اليَشْكري، وقال في "الصحاح": (المتَنخِّل اليَشْكُري)، وفي الهامش: اسم اليَشُكري (المنخل) وأما (المنتخل) فهو الهذلي، "الصحاح" 1/ 188، وكان من قصة المُنخل (أنه كان بينه وبين المتجردة امرأة النعمان بن المنذر علاقة ولما علم النعمان دفعه إلى سجانه واسمه (عِكب) فقيده وعذبه. (¬3) في (ب): (كعب) في الموضعين. (¬4) يروي البيت: (تثأران) و (فلا رَوَّيْتُما) وقوله: (صَدَيَّا): الصدى في زعم الجاهلية طائر يصيح إذا لم يتأر بالمقتول، وقيل هو اسم ماد والصملة هي العصا. وشاهد (صديا) و (قفيا) حيث استعملهما على لغة هذيل، الأبيات في "المحتسب" 1/ 76، "الخصائص" 1/ 177، "شرح المفصل" 3/ 188، "ترتيب الإصلاح" 1/ 185، والبيت الأول في "الصحاح" (عكب) 1/ 188، "اللسان" (عكب) 5/ 3054. (¬5) هو أبو دواد الإيادي، وكان قد جاور هلال بن كعب من تميم، فلعب غلام له مع غلمان الحي في غدير فغطسوه في الماء ومات، فعزم أبو دواد على مفارقتهم وذم جوارهم، وحاولوا إرضاءه فقال البيت وبيتًا قبله.

39

فَأَبْلُونِي بَلِيَّتكُم (¬1) لَعَلِّي ... أُصالِحُكُم وأَسْتَدْرِجْ نَوَيَّا (¬2) قال الفراء: وإنما فعلت طيئ هذا لأن العرب اعتادت كسر ما قبل (ياء) (¬3) الإضافة نحو قولهم: (غلامِيَ) و (دارِيَ) فلما قالوا: (رحاي) (¬4) و (عصاي) طلبوا من الألف ذلك الكسر فقلبوها (ياء) وأدغموها في (ياء) الإضافة، فجعلوا بدل كسرة ما قبل (ياء) الإضافة قلب الألف (ياء)، إذ (¬5) كانت الألف لا يكسر (¬6) ما قبلها، ولا تكسر هي (¬7). 39 - وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا} الآية. الآيات جمع آية، ومعنى الآية في اللغة: العلامة (¬8)، ومنه قوله: {تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا ¬

_ (¬1) في (ج): (بليكم). (¬2) قوله: فأبلوني: يقال: أبلاه إذا صنع به جميلا، والبلية: الاسم، وقيل: البلية: الناقة تربط على قبر صاحبها بدون طعام ولا شراب حتى تموت، ونَوَيَّا: يريد (نَوَاي) وهي النية، والمراد الوجه الذي يقصد، انظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 88، "تأويل مشكل القرآن" ص 56، "الخصائص" 1/ 176، 2/ 341، 424، "مغني اللبيب" 2/ 423، 477، "اللسان" (علل) 50/ 3082. (¬3) (ياء) ساقطة من (ج). (¬4) في (ج): (راحاي). (¬5) في (ب): (إذا). (¬6) في (أ)، (ج): (لا تكسر). (¬7) لم أجده للفراء، وذكر ابن جني عن أبي علي نحوه في تخريج لغة هذيل، انظر "المحتسب" 1/ 76، وذكر النحاس هذه العلة عن الخليل وسيبويه، "إعراب القرآن" 1/ 166، وانظر: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 236، والزجاج في "تفسيره" 1/ 78. (¬8) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 47، "معجم مقاييس اللغة" (أبي) 1/ 168، "الزاهر" 1/ 172، "مفردات الراغب" ص 33، "اللسان" (أيا) 1/ 185، و"فوائد في مشكل القرآن" ص 68، "البرهان في علوم القرآن" 1/ 266.

وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ} [المائدة: 114] أي علامة منك لإجابتك دعاءنا، فكل آية من الكتاب علامة ودلالة على المضمون فيها. وقال أبو عبيدة: معنى الآية: أنها علامة لانقطاع الكلام الذي قبلها، وانقطاعه من الذي بعدها (¬1). ثعلب عن ابن الأعرابي: الآية العلامة (¬2). الليث: الآية العلامة، والآية من آيات القرآن، والجميع: الآي (¬3)، ولم يزد على هذا. فالآية بمعنى العلامة في اللغة صحيحة (¬4). قال الأحوص (¬5): أَمِنْ رَسْمِ آيَاتٍ عَفَوْنَ وَمَنْزِلٍ ... قَدِيمٍ تُعَفِّيهِ (¬6) الأَعاَصِيرُ مُحْوِلِ (¬7) ¬

_ (¬1) في "المجاز" لأبي عبيدة. (إنما سميت آية لأنها كلام متصل إلى انقطاعه، انقطاع معناه قصة ثم قصة (1/ 5) وانظر: "الزاهر" 1/ 172. (¬2) لم أجده عن ابن الأعرابي، ويظهر أن الواحدي نقل الكلام وما بعده من "تهذيب اللغة"، ولم أجد بحث (آية) في المطبوع من "تهذيب اللغة"، انظر: "الغربيين" للهروي 1/ 116، 117، "اللسان" (أيا) 1/ 185. (¬3) في "الصحاح" جمع الآية: آي وآياي، آيات، "الصحاح" (أيا) 6/ 2275، انظر: "اللسان" (أيا) 1/ 185، وقيل: آياي جمع الجمع. (¬4) انظر: "الصحاح" (أيا) 6/ 2275، "مقاييس اللغة" (أي) 1/ 168، "مفردات الراغب" ص 33، "اللسان" (أيا) 1/ 185. (¬5) هو الأحوص بن محمد بن عبد الله بن عاصم بن ثابت، لشعره رونق وحلاوة أكثر في الغزل، وكان يشبب بنساء أشراف المدينة، فنفاه سليمان بن عبد الملك إلى (دهلك)، انظر: "الشعر والشعراء" ص 345، "الخزانة" 2/ 16. (¬6) في (ج): (يعفيه). (¬7) ورد البيت في "الزاهر" 1/ 172، ولم أجده في شعر الأحوص جمع (عادل سليمان جمال)، والمُحْوِل: المنزل الذي رحل عنه أهله وتغير حاله، انظر: "اللسان" (حول) 2/ 1060.

قال ابن السكيت (¬1) وحكاه لنا أبو عمرو (¬2) يقال (¬3): خرج القوم بآيتهم، أي بجماعتهم، لم يدعوا وراءهم شيئا (¬4)، وقال بُرْج بن مُسْهِر (¬5): خَرَجْنَا مِنَ النَّقْبَيْنِ لَا حَيَّ مْثِلُنَا ... بآِيَتِناَ نُزْجِي اللِّقَاحَ المطَافِلاَ (¬6) معناه: خرجنا بجماعتنا. فعلى هذا القول معنى الآية من كتاب الله جماعة حروف دالة على معنى مخصوص (¬7). وبعض أصحابنا (¬8) يجوّز على هذا القول أن يسمَّى أقل من الآية آية، ¬

_ (¬1) "إصلاح المنطق" ص 304، وانظر: "الزاهر" 1/ 173، "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 34، "زاد المسير" 1/ 71. (¬2) هو أبو عمرو إسحاق بن مرار الشيباني، جاور بني شيبان في الكوفة ونسب اليهم، شهر بالغريب، أخذ عنه ابن السكيت، انظر ترجمته في: مقدمة "تهذيب اللغة" 1/ 33، "طبقات النحويين واللغويين" ص 194. (¬3) في (ب): (فقال). (¬4) ذكر البغدادي في "الخزانة": أن علي بن حمزة البصري رد قول ابن السكيت واستشهاده بكلام أبي عمرو الشيباني، ورجح أن الآية: العلامة، انظر: "الخزانة" 6/ 515. (¬5) في (ج): (مرج بن شهر). وهو البرج بن مُسْهِر بن جلاس الطائي شاعر معمر. قال ابن دريد. وفد إلى النبي صلى الله عليه وسلم، انظر: "الاشتقاق" لابن دريد ص 382، "الأعلام" 2/ 47. (¬6) قوله: نزجي: نسوق، واللقاح: النوق ذوات اللبن، والمطافل: النوق معها أولادها. ورد البيت في "إصلاح المنطق" ص 304، "الزاهر" 1/ 172، "مقاييس اللغة" (أي) 1/ 169، "تفسير القرطبي" 1/ 57، "زاد المسير" 1/ 71، (الخزانة) 6/ 515، "اللسان" (أيا) 1/ 185، "الدر المصون" 1/ 308. (¬7) سبق ذكر رد علي بن حمزة البصري على هذا القول، وانظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 34، "الزاهر" 1/ 172، "اللسان" (أيا) 1/ 185. (¬8) أي من علماء الشافعية.

لولا أن التوقيف ورد بما هي الآن معدودة آيات (¬1). قال ابن الأنباري: وفي الآية قول ثالث: وهو أن تكون (¬2) سميت آية، لأنها عجب، وذلك أن قارئها إذا قرأها يستدل على مباينتها (¬3) كلام المخلوقين، ويعلم أن العالم يعجزون عن التكلم بمثلها، فتكون الآية العجب من قولهم: (فلان آية من الآيات) أي عجب من العجائب (¬4) فهذا هو القول في معنى الآية. فأما وزنها من (¬5) الفعل، فقال الفراء (¬6): إنما تركت العرب همز (ياء) آية، كما يهمزون كل (ياء) بعد الألف ساكنة نحو: قائل وغائب (¬7) وبابه، ¬

_ (¬1) أنظر: "البرهان في علوم القرآن" 1/ 267، "الإتقان" 1/ 230. قال الزمخشري: (هذا علم توقيفي لا مجال للقياس فيه كمعرفة السور) "الكشاف" 1/ 105. (¬2) في (أ)، (ج): (يكون) واخترت ما في (ب) لأنه هو الصواب موافق لكلام ابن الأنباري في "الزاهر" 1/ 173. (¬3) في (أ): (مبانيتها) وما في (ب)، (ج) هو الصواب وموافق لما في "الزاهر". (¬4) "الزاهر" 1/ 173، وانظر: "زاد المسير" 1/ 72. وخلاصة القول في معنى الآية: أنها تطلق في اللغة على: 1 - المعجزة، 2 - العلامة، 3 - العبرة، 4 - الأمر العجيب، 5 - الجماعة، 6 - البرهان والدليل. (¬5) (من) ساقطة من (ج). (¬6) كلام الفراء ورده على الكسائي ذكره ابن منظور في "لسان العرب" عن كتاب (المصادر) للفراء، ولعله نقله عن "تهذيب اللغة"، ولم أجد مبحث (آية) في المطبوع من "تهذيب اللغة"، انظر: "اللسان" (ايا) 1/ 185. (والآية) وزنها من الفعل - عند الفراء: (فَعْلَة) وعند الخليل (فَعَلَة) أصلها (أَيَيَة)، وعند الكسائي (فَاعِلَة)، أنظر: "الزاهر" 1/ 342، "تفسير ابن عطية" 1/ 71 - 72، "المفردات في غريب القرآن" ص 33، "فوائد في تأويل المشكل" ص 68، "البرهان" 1/ 266، "الدر المصون" 1/ 308، "الخزانة" 6/ 517، وقد ذكر في أصلها ستة وجوه. (¬7) (قائل وغائب) مكانها بياض في (ج).

لأنها كانت فيما يرى (¬1) (أَيَّة) على وزن (فَعْلَة) فثقل عليهم التشديد فأبدلوه ألفا، لانفتاح ما قبل التشديد كما قالوا: أَيْمَا [في (أَمَّا)، وكما فعلوا بدينار وقيراط لما استثقلوا التشديد أبدلوا من الحرف الأول (ياء) لانكسار ما قبله. (¬2) وقال] (¬3) الكسائي: آية [وزنها (فَاعِلَة)، أصلها آيِيَة، فنقصت (¬4)]. الكسائي يقول: استثقلت الكسرة على الياء الأولى فسكنت، ثم حذفت لاجتماع الساكنين (¬5)، هذا معنى قوله: (فنقصت). قال الفراء: ولو كانت (آية) فَاعِلَة ما صغروها (¬6) أيَيَّة، لأن (فاعلة) تصغّر (فُوَيْعِلَة). فقال الكسائي: قد صغروا: عاتكة وفاطمة عُتَيكة وفُطَيْمة، فالآية مثلها. فقال الفراء: العرب لا تصغر (فاعلة) (فُعَيلة) إلا أن يكون اسماً في مذهب (فلانة) فيقولون هذه فُطَيْمة قد جاءت، إذا كان (¬7) اسمها (¬8)، فلو ¬

_ (¬1) في (ج): (ترى). (¬2) (دينار) و (قيراط) أصلهما (دَنَّار) و (قَرَّاط) فاستثقلوا التشديد فأبدلوا من الحرف الأول (ياء) لانكسار ما قبله فصار: دينار وقيراط. انظر "الزاهر" 1/ 173، "الصحاح" (أيا) 6/ 2275. (¬3) ما بين المعقوفين ساقط من (ج). (¬4) ما بين المعقوفين ساقط من (ب). (¬5) انظر (الزاهر) 1/ 342. (¬6) في (أ): (ما صنعوها) وما في (ب)، (ج) هو الصحيح، وفي "اللسان" (ما صغرها). (¬7) في (ب): (كانت). (¬8) في "اللسان" (اسما) 1/ 185.

قلت: (هذه فَاطِمة ابنها) ثم صغرتها لم يجز الا فويطمة (¬1)، ومثل: (هذا صُلَيْح قد جاء)، لرجل اسمه صالح، ولو قال قائل: كيف بُنَيُّك (¬2)؟ قلت: صويلح ولم يجز صليح لأنه ليس باسم له. وكذلك رجل اسمه أسود يقول: هذا سويد [قد جاء، لأنه فلان، فإن كان نعتًا قلت: (أُسَيْد) و (أُسَيْوِيد) ولا يجوز هذا رجل سُوَيد] (¬3). والفرق بين الحالين أن في الاسم العلم روعي التخفيف [فصغر تصغير الترخيم] (¬4). وفي النعت صُغِّر على الأصل، فعلى قول الفراء آيات (¬5) وزنها (فَعْلات)، وعلى قول الكسائى وزنها (فَاعِلات) (¬6). ومعنى آيات الله في هذه الآية: دلائله، ويدخل فيها كتبه التي أنزلها على أنبيائه (¬7). فإن قيل: لم دخلت الفاء في سورة الحج: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ} (¬8) [الحج: 57]، وسقطت هاهنا؟ قيل: إنما دخل فيه "الفاء" من خبر الذي وأخواته مشبه (¬9) بالجزاء، ¬

_ (¬1) في "اللسان" (فإذا قلت هذه فُطَيْمة ابنها، يعني فاطمته من الرضاع لم يجز)، "اللسان" (أيا) 1/ 185. (¬2) في "اللسان" (بنتك). (¬3) ما بين المعقوفين ساقط من (أ، ج)، وأثبته من (ب)، لأن صحة السياق تقتضيه. (¬4) في (ج): (الرخيم). وما بين المعقوفين ساقط من (ب). (¬5) (آيات) ساقطة من (ب). (¬6) في (ب): (علامات). (¬7) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 253 - 254، "تفسير أبي الليث" 1/ 114، "البحر المحيط" 1/ 170. (¬8) في (ب): (أولئك)، تصحيف. (¬9) في (ج): (شبه).

40

وما لم يكن (¬1) فيه (الفاء) فعلى أصل الخبر مثال ذلك من الكلام أن تقول: (مالي فهو لك) [على أن يكون (ما) بمعنى (الذي) ولو أردت واحد الأموال لم يجز دخول الفاء، كما لا تقول: غلامي فهو لك، (¬2)، وهذه المسألة (¬3) يأتي بيانها في مواضع من هذا الكتاب إن شاء الله. 40 - قوله تعالى: {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ}. الكلام في (الابن) وأصله يذكر عند قوله: {يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ} (¬4). و (إسرائيل) هو يعقوب (¬5) عليه السلام ولا يتصرف لاجتماع العجمة والمعرفة (¬6)، وكل اسم اجتمعتا فيه وزاد على ثلاثة أحرف لم ينصرف عند أحد من النحويين (¬7). وذكر في التفسير وجوه في اشتقاق هذا الاسم (¬8)، والأصح عند أهل ¬

_ (¬1) في (ب): (تكن) (¬2) ما بين المعقوفين ساقط من (ب). (¬3) انظر شرح هذه المسألة في "سر صناعة الأعراب" 1/ 258. (¬4) سورة البقرة: 49، وقد تكلم عن (ابن) هناك وتوسع في البحث. (¬5) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 254، و"تفسير ابن عطية" 1/ 267، "زاد المسير" 1/ 72. (¬6) أي: العلمية. (¬7) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 88، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 167، "المشكل" لمكي 1/ 41، "الإملاء" 1/ 33، "الدر المصون" 1/ 310. (¬8) من هذه الوجوه: أنه مركب من (إسرا) وهو العبد، و (إيل) اسم من أسماء الله تعالى، فكأنه عبد الله، وقيل معنا: "إسرا" صفوة، و"إيل" الله تعالى، ومعناه صفوة الله، وفيه وجوه أخرى ذكرها أبو حيان في "البحر" 1/ 171، وقال بعدها: (وهذه أقاويل ضعاف)، وانظر: "تفسير الطبري" 1/ 248 - 249، و"تفسير الثعلبي" 1/ 66 ب، "التعريف والأعلام" للسهيلي ص20 و"تفسير القرطبي" 1/ 281 - 282.

اللغة: أنه أعجمي لا اشتقاق له. وقوله تعالى: {اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ}. أراد نعمي (¬1)، فأوقع الواحد موقع الجماعة (¬2)، كقوله: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ} (¬3). وذلك أن الله تعالى فلق لهم البحر، وأنجاهم من فرعون، وظلل عليهم الغمام إلى سائر ما أنعم الله به عليهم (¬4)، وهو في قوله عز وجل: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ} الآية [المائدة: 20]. وأراد بقوله: {عَلَيْكُمْ} أي على آبائكم وأسلافكم، وجعلها عليهم لأن النعمة على آبائهم نعمة عليهم، ومثله في الكلام كثير، يفاخر الرجل الرجل فيقول هزمناكم يوم ذي قار، بمعنى (¬5): هزم آباؤنا آباءكم (¬6). قال الفرزدق: وَبَيْتَانِ: بَيْتُ اللهِ نَحْنُ وُلاَتُهُ ... وَبَيْتٌ بأعْلَى إِيلِيَاءَ مُشَرَّفُ (¬7) ¬

_ (¬1) في (ج): (أراد بالنعمة: نعمي) (¬2) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 67 أ، وانظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 267، و"تفسير البغوي" 1/ 66، و"تفسير القرطبي" 1/ 282، "زاد المسير" 1/ 72. (¬3) سورة إبراهيم: 34، والنحل: 18. (¬4) انظر "تفسير الطبري" 1/ 249، و"تفسير الثعلبي" 1/ 67 أ، قال ابن عطية - بعد أن ذكر الأقوال في المراد بالنعمة: (وهذه الأقوال على جهة المثال، والعموم في اللفظة هو الحسن) 1/ 267. (¬5) في (أ)، (ج): (معناه) (¬6) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 90، و"تفسير القرطبي" 1/ 282، و"تفسير الثعلبي" 1/ 67 أ، و"تفسير ابن عطية" 1/ 167، "زاد المسير" 1/ 73. (¬7) البيت في "ديوان الفرزدق" 2/ 32، "معجم البلدان" 1/ 293، وإيلياء: بيت المقدس.

يريد أن آباءه في القديم كانوا يلونهما، لا أنه كان يليه. وقال آخر: إِذا افْتَخَرَتْ يَوْمًا تَمِيمٌ بِقَوْسِهَا (¬1) ... فَخَارًا عَلَى مَا أَطَّدَتْ مِنْ مَنَاقِبِ فَأَنْتُم بِذِي قَارٍ أَمَالَتْ سُيُوفُكُم ... عُرُوشَ الذِينَ اسْتَرْهَنُوا قَوْسَ حَاجِبِ (¬2) أراد آباؤكم فعلوا ذلك، لأن المخاطبين بهذا البيت كانوا بعد ذي قار بدهر طويل. فإن قيل: هذه النعم التي أنعم الله بها على اليهود هم (¬3) أبداً يذكرونها ويفخرون بها، فلم ذُكِّروا ما لم ينسوه؟ قيل: المراد بقوله: (اذكروا) اشكروا، وذكر النعمة شكرها، واذا لم يشكروها (¬4) حق شكرها، فكأنهم نسوها وإن أكثروا ذكرها (¬5). وقال ابن الأنباري: أراد اذكروا ما أنعمت عليكم (¬6) فيما استودعتكم ¬

_ (¬1) في (ج): (نفوسها) (¬2) البيتان لأبي تمام، وقوله: "ذي قار" يوم من أيام العرب، كان لهم على الفرس، وحاجب: هو ابن زرارة بن عدس، كان أرهن سيفه لكسرى، انظر: "ديوان أبي تمام مع شرحه" 1/ 109، "معجم البلدن" 4/ 294. (¬3) (هم) ساقطة من (ب). (¬4) في (ب): (يشكرها). (¬5) انظر: "الكشاف" 1/ 275، "زاد المسير" 1/ 73، "تفسير البيضاوي" 1/ 23، "تفسير الخازن" 1/ 112، "تفسير النسفي" 1/ 40، "تفسير القرطبي" 1/ 282. (¬6) في (ب): (أنعمت به عليكم).

من علم التوراة وبينت لكم من صفة محمد، وألزمتكم من تصديقه واتباعه (¬1)، فلما بعث - صلى الله عليه وسلم - ولم يتبعوه كانوا كالناسين لهذه النعمة (¬2). والأجود في {نِعْمَتِيَ الَّتِي} فتح الياء (¬3)، وكل (ياء) كانت من المتكلم ففيها (¬4) لغتان: الإرسال (¬5) والفتح، فإذا لقيها ألف (¬6) ولام اختارت العرب اللغة التي حركت فيها الياء، وكرهوا الأخرى، لأن اللام ساكنة (¬7) فلو لم يفتحوا لأشبه (¬8) أن تكون النعمة مجرورة على غير الإضافة (¬9)، فأخذوا بأوثق الوجهين وأبينهما (¬10)، لأنه أدل على الأصل وأشكل بما يلزم في ¬

_ (¬1) ذكره ابن الجوزي وعزاه لابن عباس، "زاد المسير" 1/ 73، وانظر "تفسير القرطبي" 1/ 282. (¬2) في (ب): (النعم). (¬3) أجمع القراء العشرة على فتح (الياء) في قوله تعالى: {نِعْمَتِيَ الَّتِي} في مواضعها الثلاثة في البقرة، وقرأ بتسكينها الحسن وابن محيصن، انظر: "الإقناع" 1/ 542، "النشر" 2/ 162، "البدور الزاهرة" ص 30، "القراءات الشاذة" للقاضي ص 23، وقد سبق ذكر أصول القراء في ياءات الإضافة عند قوله تعالى: {قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ} [البقرة: 30] ص 341. (¬4) في (ب): (فيه). (¬5) قوله: (الإرسال) أي: تسكينها ثم حذفها لالتقاء الساكنين، وفي "معاني القرآن" للفراء: (وأما نصب الياء من (نعمتي) فإن كل ياء كانت من المتكلم ففيها لغتان: الإرسال والسكون والفتح، 1/ 29. (¬6) (ألف) ساقط من (ب). (¬7) في "معاني القرآن" للفراء: (لأن اللام ساكنة فتسقط الياء عندها لسكونها فاستقبحوا أن يقولوا: (نعمتي التي) فتكون كأنها مخفوضة على غير إضافة) 1/ 29. (¬8) في (ب): (الا شبه). (¬9) المراد: أن الياء من (نعمتي) لو سكنت لحذفت لالتقاء الساكنين فتبقى النعمة مجرورة من دون إضافة للياء فيقال (نعمت). (¬10) في (ب): (وأبينها).

الاستئناف من فتح ألف الوصل (¬1). وقد يجوز إسكانها مع الألف واللام أيضا كقوله: {يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ} [الزمر: 53] قرئ بإرسال (الياء) وبنصبها (¬2)، وإنما اختير الإرسال هاهنا لأن الاختيار ألا تثبت (¬3) (ياء) الإضافة في النداء نحو قولك: (يا غلام أقبل) وإذا لم تثبت لم يكن سبيل إلى التحريك. فأما قوله: {فَبَشِّرْ عِبَادِ (17) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ} [الزمر: 17، 18] الاختيار هاهنا الإرسال (¬4)، لأن (الياء) لا تثبت في الفواصل، وقوله: {فَبَشِّرْ عِبَادِ} آخر الآية (¬5). قال الزجاج: اختير فتح الياء مع اللام لالتقاء الساكنين، ويجوز أن تحذف (¬6) الياء في اللفظ لالتقاء الساكنين، والاختيار الفتح، فأما قوله: {أَخِي (30) اشْدُدْ} [طه: 30، 31] فلم يكثر القراء فتح هذه الياء (¬7)، وأكثرهم ¬

_ (¬1) "معاني القرآن" للفراء 1/ 29، وانظر: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 238، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 89، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 167، "تفسير ابن عطية" 1/ 167. (¬2) في (ب): (ونصها). قرأ بسكون الياء حمزة والكسائي وأبو عمرو، ويعقوب وخلف، والبقية بالفتح، انظر: "التيسير" ص 66، "الإقناع" 1/ 541، "النشر" 2/ 170. (¬3) (أ)، (ج): (يثبت) في المواضع الثلاثة واثبت ما في (ب)، لأنه أنسب للسياق. (¬4) قال الداني: (تفرد أبو شعيب بفتح الياء وإثباتها في الوقف ساكنة وحذفها الباقون في الحالين) يريد بقية السبعة ورواتهم، "التيسير" ص 67، وانظر "النشر" 2/ 189. (¬5) انظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 29. (¬6) في (أ)، (ج): (يحذف) وأثبتها بالتاء كما في (ب) و"معاني القرآن" للزجاج 1/ 81. (¬7) قوله تعالى: (أخي اشدد) قرأ بفتح الياء أبو عمرو وابن كثير والبقية على إسكانها، انظر: "التيسير" ص 67، "النشر" 2/ 171، 323.

يفتحها مع الألف واللام، ولعمري إن لام المعرفة أكثر استعمالا، ولكني أقول: فتح الياء هاهنا كفتحه (¬1) مع اللام، لأن اجتماع الساكنين مع اللام وغيرها واحد. وقوله تعالى: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ}. أبو عبيد عن الكسائي وأبي عبيدة: وفيت بالعهد وأوفيت به سواء (¬2). وقال شمر: يقال: وَفَى وأَوفْى، فمن قال: (وَفَى) فإنه يقول تَمَّ، كقولك: وَفَى لنا فلان، أي: تَمَّ لنا قوله ولم يغدر، وَوَفَى هذا الطعامُ قفيزا (¬3) أى: تم. قال: ومن قال: (أَوْفَى) فمعناه: أوفاني حقه، أي: أتمه ولم ينقص منه شيئا، وكذلك أَوْفَى الكيل أي أتمه ولم ينقص منه شيئا (¬4). وقال أبو الهيثم فيما رد على شمر: الذي قال شمر (¬5) في (وَفَى) و (أَوْفَى): باطل، إنما يقال: أَوْفَيْت بالعهد ووفيت بالعهد، وكل شيء في كتاب الله من هذا ¬

_ (¬1) في (ج): (الفتحة مع اللام) وفي (ب): (لفتحة اللام)، وقد نقل الواحدي كلام الزجاج بتصرف، يقول الزجاج: (ولعمري إن اللام المعرفة أكثر في الاستعمال، ولكني أقول: الاختيار (أخِيَ اشدد) بفتح الياء لالتقاء الساكنين، كما فتحوا مع اللام، لأن اجتماع ساكنين مع اللام وغيرها معنى واحد ..) "معاني القرآن" 1/ 89. (¬2) "تهذيب اللغة" (وفا) 4/ 3923 - 3924، وانظر: "اللسان" (وفي) 8/ 5885. (¬3) في (أ)، (ج): (قفيز)، (ب): (فقيرا) (¬4) "تهذيب اللغة" (وفا) 4/ 3924، وانظر: "اللسان" (وفى) 8/ 5885. وقوله: (وكذلك أوفى الكيل ..) غير موجود في "التهذيب" ضمن كلام شمر ومثبت في "اللسان" مع كلامه. (¬5) قوله: (الذي قال شمر) ساقط من (ب).

فهو بالألف قال الله تعالى: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ} (¬1) [البقرة: 40] (¬2) وقال: {أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة: 1] (¬3). وقال الشاعر (¬4) في الجمع بين اللغتين: أَمَّا ابنُ طَوْقٍ فَقَدْ أَوْفَى بِذِمَّتِه ... كَمَا وَفَى بِقِلاَصِ النَّجْمِ حَادِيهَا (¬5) قال ابن عباس: هذا العهد هو أن الله عز وجل (¬6) عهد إليهم في التوراة أنه باعث نبيا يقال له: محمد، فمن تبعه كان له أجران اثنان، أجر باتباعه موسى وإيمانه بالتوراة، وأجر باتباعه محمدًا وإيمانه بالقرآن، ومن كفر به تكاملت أوزاره، وكانت النار جزاءه (¬7)، فقال الله جل وعز (¬8): أوفوا بعهدي في محمد، أوف بعهدكم وأدخلكم الجنة (¬9). ¬

_ (¬1) (الواو) ساقطة من (أ، ج). (¬2) في "التهذيب" مكان الآية قوله تعالى: {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ} [الإسراء: 34] وفي "اللسان" آية البقرة. (¬3) كلام أبي الهيثم في "تهذيب اللغة" (وفا) 15/ 886، وانظر "معاني القرآن" للزجاج 1/ 91، و"اللسان" (وفى) 8/ 4884. (¬4) هو طفيل الغنوي. (¬5) في "الكامل" (بيض) بدل (طوق) وعند الزجاج (عوف) وهو رجل شهر بالوفاء، وقلاص النجوم: هي كما تزعم العرب، أن الدبران جاء خاطبا للثريا وساق مهرها كواكبا صغارا تسمى القلاص، انظر (الكامل) 2/ 187، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 91، "الخصائص" 1/ 370، 3/ 316، "شرح المفصل" 1/ 42، "اللسان" (وفى) 8/ 4884، "زاد المسير" 1/ 73، "تفسير القرطبي" 6/ 32، "الدر المصون" 1/ 312. (¬6) في (ب): (جل وعلى). (¬7) في (ب): (جزاؤه). (¬8) في (ب)، (ج): (عز وجل). (¬9) ذكره الرازي في "تفسيره" عن ابن عباس 3/ 35، وابن كثير في "تفسيره" ولم يعزه =

وقوله تعالى: {وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ}. موضع (إياي) نصب بإضمار فعل (¬1) تفسيره (¬2) المذكور بعده (¬3) كأنه قيل: (إياي فارهبوا (¬4) فارهبون) ولكنه يستغني عنه بما يفسره فلا يظهر، وإن صح أنه مقدر، ولا يجوز أن يعمل فيه المذكور، لأنه مشغول بضمير (¬5). وحذفت (الياء) من {فَارْهَبُونِ} لأنها فاصلة أي رأس آية، ليكون النظم على لفظ متسق، وسمى أهل اللغة أواخر الآي الفواصل، وأواخِر الأبيات (¬6) القوافي (¬7). ومعناه: فخافوني في نقض العهد (¬8). ¬

_ = 1/ 88، وذكر نحوه الثعلبي في "تفسيره" عن الكلبي 1/ 67 ب، وأخرجه ابن جرير بسنده عن ابن عباس ونحوه، وليس فيه قوله: فمن تبعه كان له أجران .. ، الطبري في "تفسيره" 1/ 250، وكذا ابن أبي حاتم في "تفسيره" بنحو رواية الطبري 1/ 96، انظر: " الدر" 1/ 124. (¬1) قال مكي: هذا هو الاختيار لأنه أمر، ويجوز: أنا فارهبون على الابتداء والخبر، "المشكل" 1/ 42، وانظر "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 167. (¬2) في (ب): (يفسره) وهو أولى. (¬3) في (ج): (بعهده). (¬4) في (ب): (فارهبون). (¬5) في (ب): (بضميره) وهو أصح. الضمير هو (الياء) التي حذفت لأنها رأس آية، انظر. "معاني القرآن" للزجاج 1/ 33، "معاني القرآن" للأخفش 1/ 246، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 167، "المشكل" لمكي 1/ 42، "الإملاء" 1/ 90. (¬6) في (ب): (الايات). (¬7) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 90، وانظر "اللسان" (فصل) 6/ 3424، وبعضهم فرق بين رأس الآية والفاصلة، فكل رأس آية فاصلة ولا عكس. انظر "المكتفي في الوقف والابتداء" ص140، "البرهان" 1/ 53، "الإتقان" 2/ 284، "الفاصلة في القرآن" لمحمد الحسناوي ص 26. (¬8) "تفسير الثعلبي" 1/ 67 ب، وانظر: "الطبري" 1/ 251، "زاد المسير" 1/ 73.

41

41 - قوله تعالى: {وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ}. أي موافقًا للتوراة في التوحيد والنبوة (¬1)، وهو حال من الهاء المحذوفة من (أنزلت) كأنه قيل أنزلته مصدقا (¬2). و (¬3) قوله تعالى: {وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ}. قال الليث: الأول والأولى: بمنزلة (أَفْعَل) و (فُعْلَى)، وجمع الأول: أولون، وجمع أولى: أوليات. (¬4). قال الأزهري: وقد جمع (أَوَّل) على أُول، مثل أَكْبَر وكُبر، وكذلك الأُولَى، ومنهم من شدد الواو مجموعا من (أَوَّل) (¬5). واختلفوا في وزنه وتأليفه (¬6). فذكر الليث فيه وجهين: أحدهما: أن تأليفه من: (همزة) و (واو) و (لام)، وعلى هذا ينبغي أن يكون (أَفْعَل) منه (أَأْوَل) بهمزتين (¬7)، لأنك لو ¬

_ (¬1) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 251، "تفسير الثعلبي" 1/ 68 أ. (¬2) ذكره الطبري وعبر عن الحال بقوله: قطع من الهاء المتروكة في (أنزلته) من ذكر (ما) 1/ 252، وذكره مكي وقال: وإن شئت جعلته حالا من (ما) في (بما) "المشكل" 1/ 42، وانظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 269، "الإملاء" 1/ 33، "البحر المحيط" 1/ 177. (¬3) (الواو) ساقطة من (ب). (¬4) "تهذيب اللغة" (أول) 1/ 230، "اللسان" (وأل) 8/ 4747، وقوله: (وجمع أول: أولون) سقط من "التهذيب"، وهو في "اللسان" ضمن كلام الليث. (¬5) "تهذيب اللغة" (أول) 1/ 230، "اللسان" (وأل) 8/ 4747، وفيه: (ومنهم من شدد الواو من (أوَّل) مجموعًا. (¬6) (تأليفه) ساقط من (ب). (¬7) في ج: (همزتين).

بنيت (¬1) (أَفْعَل) من (آب يؤوب) قلت: (أَأْوَب)، ثم قلبت إحدى (¬2) الهمزتين واوا، ثم أدغمت في الواو الأخرى (¬3)، وهذا الوجه اختيار الأزهري، قال: إنه (أَفْعَل) من: (آل يَؤول) و (أُولَى) فُعْلى منه، قال وأراه قول سيبويه (¬4)، وكأنه من قولهم: (آل يؤول) إذا نجا وسبق، ومثله: (وَأَل يئل) (¬5) بمعناه، فمعنى (الأول) السابق الذي هو الابتداء. الوجه الثاني (¬6): أن أصل تأسيسه: واوان ولام، وأدغم إحدى الواوين في الأخرى وشدد، والهمزة فيه ألف (أفعل) (¬7). وقال ابن دريد: (أَوَّل) فَوْعَل، قال: وكان في الأصل: (وَوْوَل) (¬8) ¬

_ (¬1) في (ب): (ثنيت). (¬2) في (ج): (أحد). (¬3) قال مكي: (أَوَّل) اسم لم ينطق منه بفعل عند سيبويه ووزنه (أَفْعَل) فاؤه واو، وعينه واو، ولذلك لم يستعمل منه فعل لاجتماع الواوات. وقال الكوفيون: هو أفعل من (وَأَل) إذا لجأ فأصله (أَوْأل)، ثم خففت الهمزة بأن أبدل منها واو وأدغمت الأولى فيها ... وقيل: إن (أول) أَفْعَل من (آل يَؤُل) فأصله: أأْول، ثم قلب فردت الفاء في موضع (العين)، فصار (أَوْأَل) فصنع به من التخفيف والبدل والإدغام ما صنع بالقول الأول، فوزنه بعد القلب (أعفل)، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 42، 43، وانظر: "البيان" 1/ 78. (¬4) قال سيبويه: (وأما (أَوَّل) فهو أَفْعَل، يدل على ذلك قولهم: هو أول منه ومررت بأوَّلَ منك، والأولى) "الكتاب" 3/ 195. (¬5) في (ب): (آل) بسقوط الواو. (¬6) عند الليث. (¬7) كلام الليث والأزهري في "تهذيب اللغة" (أول) 1/ 231، "اللسان" (وأل) 8/ 4747، وعبارة المؤلف أقرب إلى "اللسان"، وهذا راجع إلى تقارب نسخة ابن منظور التي اعتمد عليها مع نسخة الواحدي، والله أعلم. (¬8) في (ب): (وَوَّل) وكذا في الجمهرة، وما في (أ، ج) ورد على الأصل بفك الإدغام.

فقلبت الواو الأولى همز وأدغمت إحدى الواوين في الأخرى، فقيل: أول (¬1). وقال المبرد في كتاب "المقتضب": أول يكون على ضربين: يكون اسماً، ويكون نعتاً [موصولاً به (من كذا). فأما كونه نعتاً] (¬2)، فكقولك: هذا رجل أوَّلُ منك مجيئاً، كما تقول أحسن منك وجهاً، وجاءني زيد أَوَّلَ من مجيئك، كما تقول: أسبق من مجيئك، وجئتك أَوَّلَ من أمس. وأما كونه اسماً فقولك: ما تركت أَوَّلاً ولا آخرًا كما تقول: ما تركت له قديماً ولا حديثاً، وعلى أي الوجهين سميت به رجلاً انصرف في النكره، لأنه في باب الأسماء بمنزلة (أَفْكَل)، وفي باب النعوت بمنزلة (أَحْمَر) (¬3). قال الفراء: ووحد الكافر، وقبله جمع، وذلك من كلام العرب فصيح جائز، إذا جاء في الاسم المشتق من الفعل كالفاعل والمفعول به، يريدون (¬4) به: ولا تكونوا أول من يكفر به، فيحذف (¬5) (من) ويقوم الاسم المشتق من الفعل مقامها (¬6)، فيؤدي عن مثل ما أدت (من) عنه من التأنيث والجمع، وهو ¬

_ (¬1) "الجمهرة" 2/ 1177، والنص من "تهذيب اللغة" (أول) 1/ 232. (¬2) ما بين المعقوفين ساقط من (ب). (¬3) "المقتضب" 3/ 340، "التهذيب" (أول) 1/ 232، "اللسان" (وأل) 8/ 4748. قال محمد عضيمة في حاشية "المقتضب": (والخلاصة أن أول لها استعمالات ثلاثة: - تكون أفعل تفضيل ذكرت معها (من) أو حذفت، على أن تقدرها في الكلام فتمنع من الصرف. - وتكون اسمًا منصرفًا وذلك عند حذف (من) وعدم تقديرها. - وتكون ظرفًا منصوبًا أو مبنيا على الضم كالغايات. "المقتضب" 3/ 34. (¬4) في "المعاني": (يراد به) 1/ 32. (¬5) في "المعاني": (فتحذف). (¬6) في "المعاني": (ويقوم الفعل مقامها).

في لفظ توحيد، ولا يجوز في مثله من الكلام: (أنتم أَفْضَلُ رجل)، ولا (أنتما خير رجل)؛ لأن الرجل يثني ويجمع ويفرد، فيعرف واحده من جمعه، واسم الفاعل قد يكون لـ (من) فيؤدي عنه (¬1)، وهو موحد، ألا ترى أنك تقول: الجيش [مقبل، والجند منهزم، فتوحد الفعل لتوحيده، فإذا صرت إلى الأسماء قلت: الجيش] (¬2) رجال، والجند رجال. وقد قال الشاعر: وإِذَا هُمُ (¬3) طَعِمُوا فَأَلْأمُ طَاعِمٍ ... وَإِذَا هُمُ (¬4) جَاعُوا فَشَرُّ جِيَاعِ (¬5) فجمعه وتوحيده جائز حسن (¬6). وقال البصريون في هذا: معناه: ولا تكونوا أول فريق كافر، أو أول حزب، أو أول قبيل كافر، ثم حذف المنعوت، وأقيم نعته مقامه، (¬7) وهذا قول المبرد. ¬

_ (¬1) عبارة الفراء في "المعاني": (و (القائم) قد يكون لشيء، ولـ (من) فيؤدي عنهما وهو موحد) 1/ 33. (¬2) ما بين المعقوفين ساقط من (ب). (¬3) في (ب): (وهو اطعموا). (¬4) في (ب): (هموا). (¬5) "معاني القرآن" للفراء 1/ 33، وورد البيت مع بيتين قبله في (نوادر أبي زيد)، وقال: قال رجل جاهلي، ص 434، وذكره الطبري 1/ 252، وابن عطية 1/ 270، "الدر المصون" 1/ 318. (¬6) "معاني القرآن" للفراء 1/ 33، وانظر "تفسير الطبري" 1/ 252، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 168، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 92، "تفسير ابن عطية" 1/ 670. (¬7) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 29، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 168، "المشكل" لمكي 1/ 43، "تفسير ابن عطية" 1/ 199، "البحر المحيط" 1/ 177، =

وقوله (به) (¬1) الأظهر أن الكناية عائدة (¬2) إلى (ما) في قوله: (بما أنزلت) وهو القرآن (¬3). ويجوز أن يعود إلى (ما) في قوله: {لِمَا مَعَكُمْ} والمراد به التوراة، وذلك أنهم إذا (¬4) كتموا أمر النبي صلى الله عليه وسلم من كتابهم، فقد كفروا بكتابهم، كما أن من كتم آية من القرآن فقد كفر به (¬5). وإذا قلنا: الكناية تعود إلى القرآن، كان المعنى: ولا تكونوا أول كافر بالقرآن من أهل الكتاب لأن قريشاً كفرت قبلهم بمكة (¬6) وحكي عن أبي العالية أنه قال: الكناية تعود إلى محمد - صلى الله ¬

_ = وقال ابن عطية: (وسيبويه يرى أنها نكرة مختصرة من معرفة كأنه قال: (ولا تكونوا أول كافرين به) 1/ 199، ونحوه قال أبو حيان في "البحر" 1/ 177. (¬1) في (ب): (والأظهر). (¬2) في (ج): (عائد). (¬3) ذكره الطبري في "تفسيره" ورجحه 1/ 251، والزجاج في "معاني القرآن" 1/ 92، وابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 74، "تفسير القرطبي" 1/ 283، وأبو حيان في "البحر" 1/ 178، ورجحه وضعف الأقوال الأخرى. (¬4) (إذا) ساقط من (ب). (¬5) ذكره الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 92، وانظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 269، "زاد المسير" 1/ 74، و"القرطبي" 1/ 283، و"البحر" 1/ 178، وضعفه ابن جرير، وقال: لا معنى لقول من زعم أن العائد من الذكر في (به) على (ما) التي في قوله: (لما معكم) لأن ذلك، وإن كان محتملاً ظاهر الكلام، فإنه بعيد، مما يدل عليه ظاهر التلاوة والتنزيل ... إلخ. "تفسير الطبري" 1/ 251. (¬6) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 252، و"تفسير أبي الليث" 1/ 1114، و"تفسير ابن عطية" 1/ 269، و"تفسير البغوي" 1/ 87، و"تفسير القرطبي" 1/ 283، "البحر المحيط" 1/ 177، "تفسير ابن كثير" 1/ 89.

عليه وسلم (¬1). وإنما قيل لهم: {وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ} لأن الخطاب لعلماء اليهود، فإذا كفروا كفر معهم الأتباع (¬2). فإن قيل: ما في (¬3) (أن تكونوا أول كافر به) من العظم، على ثان كافر؟ قيل: إنهم إذا كانوا أئمة في الضلالة كانت ضلالتهم أعظم (¬4). قال الزجاج: اللغة القُدمى فتح الكاف من (كافر) والإمالة في الكاف -أيضا- جيد (¬5)، لأن (فاعلاً) إذا سلم من حروف الإطباق، والحروف المستعلية كانت الإمالة فيه سائغة إلا في لغة أهل الحجاز، والإمالة لغة تميم (¬6)، وحروف الإطباق (الطاء والظاء والصاد الضاد) فلا تجوز الإمالة (¬7) في ظالم وطالب وضابط وصابر، وحروف الاستعلاء (الخاء، ¬

_ (¬1) ذكره الطبري في "تفسيره" 1/ 252، "تفسير أبي الليث" 1/ 114، وتفسير ابن عطية في "تفسيره" 1/ 271، و"تفسير القرطبي" 1/ 283، وكذا أبو حيان في "البحر المحيط" 1/ 178. (¬2) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 92، وانظر: "تفسير أبي الليث" 1/ 114، و"تفسير الثعلبي" 1/ 68 أ، و"تفسير البغوي" 1/ 87. (¬3) في (ج): (ما في قوله: وأن تكونوا) ولعله أولى. (¬4) انظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 68 أ، و"تفسير البغوي" 1/ 87، "زاد المسير" 1/ 47، و"تفسير الرازي" 1/ 42، "البحر المحيط" 1/ 178. (¬5) قال ابن الجزري في "النشر": (انفرد صاحب المبهج عن أبي عثمان الضرير عن الدوري بإمالة (أول كافر به) فخالف سائر الرواة ..) "النشر" 2/ 66. وقال عبد الفتاح القاضي: (لا إمالة لأحد في {أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ} "البدور الزاهرة في القراءات العشر المتواترة" ص 31. (¬6) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 168. (¬7) في (ب): (الا في).

والغين، والقاف) (¬1) لأنها من أعلى الحنك واللهاة، فلا تجوز الإمالة في: غافل وخادم وقاهر (¬2). وقوله تعالى: {وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ}. أي: ببيان صفة محمد - صلى الله عليه وسلم - ونعته عرضاً يسيراً من الدنيا، وذلك أن رؤساء (¬3) اليهود كانت لهم مآكل يصيبونها من سفلتهم وعوامهم، فخافوا إن هم بينوا صفة محمد - صلى الله عليه وسلم -، وتابعوه أن تفوتهم تلك المآكل والرئاسة، فاختاروا الدنيا على الآخرة (¬4). قال أبو علي: المعنى (¬5) (ذا ثمن) فهو من باب حذف المضاف، لأنه إنما يشتري ما هو ذو ثمن لا الثمن (¬6). ويجوز أن يكون معنى الاشتراء ¬

_ (¬1) ذكر سيبويه حروف الاستعلاء سبعة حروف هي المذكورة هنا، وأربعة منها فيها مع استعلائها إطباق، و (الخاء)، و (الغين)، و (القاف) لا إطباق فيها مع أستعلائها، "الكتاب" 4/ 128، "سر صناعة الأعراب" 1/ 61، 62. (¬2) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 93، نقل الواحدي كلامه بتصرف. (¬3) في (ج): (راسا). (¬4) "تفسير الثعلبي" 1/ 68 أ، ونحوه ذكر الطبري 1/ 253، وأبو الليث 1/ 114. قال ابن كثير 1/ 89: (يقول: لا تعتاضوا عن الإيمان بآياتي وتصديق رسولي بالدنيا وشهواتها فإنها قليلة فانية ..)، وقد ذكر ابن عطية أقوالا في الثمن الذي نهوا أن يشتروه بالآيات، 1/ 171 - 172، وكذا أبو حيان في "البحر" 1/ 178. (¬5) (المعنى) ساقط من (ب). (¬6) قال الفراء: (وكل ما كان في القرآن من هذا قد نصب فيه الثمن وأدخلت الباء في المبيوع أو المشترى، فإن ذلك أكثر ما يأتي في الشيئين ولا يكونان ثمنا معلوما مثل الدنانير والدراهم .. فإن جئت إلى (الدراهم والدنانير وضعت الباء في الثمن ..) "معاني القرآن" 1/ 30، ومعنى كلامه: أنه إذا لم يكن دنانير ولا دراهم في البيع صح أن يكون كل واحد من المبذول ثمنا ومثمنا، انظر: "البحر" 1/ 178، "الدر المصون" 1/ 319.

42

الاستبدال، فيكون المعنى: ولا تستبدلوا بآياتي ثمنا قليلا فيستغنى عن تقدير المضاف (¬1). و (القليل) نقيض (¬2) الكثير، قَلَّ الشيء يَقِلُّ قِلَّة (¬3). {وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ} فاخشون في أمر محمد، لا ما يفوتكم من الرئاسة (¬4). 42 - قوله تعالى: {وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ} الآية. يقال: لَبَسْتُ الأمر أَلْبِسُه لَبْساً، إذا خلطته وشبهته (¬5). وقال ابن دريد: لَبَسْتُ الأمر ولَبَّستُه، إذا عميتُه، ومنه {وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ} [الأنعام: 9]، ويقال: في أمره لُبْسَة أي ليس بواضح (¬6). قال ابن السكيت يقال (في أمره لَبْسٌ، أي: اختلاط) (¬7). و (اللباس) ما واريت به جسدك. هذا هو الأصل في اللباس (¬8)، ثم ¬

_ (¬1) انظر: "البحر" 1/ 178، "الدر المصون" 1/ 319. (¬2) في "اللسان": (القلة خلاف الكثرة) "اللسان" (قل) 6/ 3726. (¬3) انظر: "تهذيب اللغة" (قلل) 3/ 3036، "اللسان" (قل) 6/ 3726. (¬4) الثعلبي في "تفسيره" 1/ 68 أ، ونحوه عند أبي الليث في "تفسيره" 1/ 114، وقال ابن جرير: (فاتقون) في بيعكم آياتي بالخسيس من الثمن وشرائكم بها القليل من العرض، وكفركم بما أنزلت على رسولي وجحودكم نبوة نبيّ أن أحل بكم ما أحللت بأسلافكم ..) 1/ 254، وانظر: "تفسيرابن كثير" 1/ 89. (¬5) انظر: "تهذيب اللغة" (لبس) 4/ 3228، "اللسان" (لبس) 7/ 3986. (¬6) (الجمهرة) 1/ 289. (¬7) "إصلاح المنطق" ص 11، وانظر: "تهذيب اللغة" (لبس) 4/ 3228، والنص من "التهذيب". (¬8) انظر: "تهذيب اللغة" (لبس) 4/ 3228، "مجمل اللغة" (لبس) 3/ 801، "اللسان" (لبس) 7/ 3986.

يقال: لَبِسْتُ فلاناً، أي استمتعت به (¬1). قال: وَحُقَّة مِسْكٍ مِنْ نَسَاءٍ لَبِسْتُها ... شَبَابِي وَكَأسٍ بَاكَرَتْنِي شَمُولُهَا (¬2) وفي فلان مَلْبَس، إذا كان فيه مستمتع (¬3). قال امرؤ القيس: أَلَا إن بَعْدَ الفَقِرْ لِلْمَرْءِ قِنْوَةً ... وَبَعْدَ المشِيبِ طُولَ عُمْرٍ وَمَلْبَسَا (¬4) و (الباطل) الذاهب الزائل، يقال: بطل الشيء يبطل بُطُولًا وبُطْلَانًا، و (البُطْل) - أيضًا مثل الباطل، وأبطل الشيء جعله باطلا، وأبطل فلان جاء بالكذب وادعى باطلا (¬5). ومعنى الآية: لا تخلطوا الحق الذي أنزلت عليكم من صفة محمد - صلى الله عليه وسلم - بالباطل الذي تكتبونه بأيديكم، من تغيير صفته وتبديل نعته (¬6). ¬

_ (¬1) في "التهذيب": لَبِسْت امرأة: أي: تمتعت بها زمانا، ولَبِسْت قوما، أي: تمليت بهم دهرا. (لبس) 4/ 3228. (¬2) البيت لعبد الله بن عجلان النهدي في "الحماسة بشرح المرزوقي" 3/ 1259، "الكامل" 2/ 292. (¬3) في (ب): (مستمع). انظر: "المجمل" "لبس" 3/ 808، "مقاييس اللغة" (لبس) 5/ 230، "اللسان" (لبس) 7/ 3986. (¬4) يقول بعد الشدة رخاء، وبعد الشيب عمر ومستمتع، وهذا مثل ضربه لنفسه، و (الْقِنْيِة: ما اقتنيت من شىِء فاتخذته أصل مال. والْمَلْبَس: المستمتع والمنتفع، وفي "الديوان" وأكثر المصادر (بعد العدم) بدل (الفقر)، انظر: "ديوان امرئ القيس" ص 87، "تهذيب اللغة" (لبس) 4/ 3229، "مجمل اللغة" 3/ 801، "مقاييس اللغة" 5/ 230، "اللسان" 7/ 3987، و"القرطبي" 1/ 290. (¬5) انظر: "تهذيب اللغة" (بطل) 1/ 350، "اللسان" 1/ 302، و"القرطبي" 1/ 341. (¬6) "تفسير الثعلبي" 1/ 68 ب، انظر: "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 98، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 49، و"ابن عطية" 1/ 272، و"القرطبي" 1/ 291.

قال مقاتل: إن اليهود أقروا ببعض صفة محمد صلى الله عليه وسلم وكتموا بعضا لِيُصَدَّقوا في ذلك، فقال الله عز وجل: {وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ} الذي تُقرّون به وتبينونه {بِالْبَاطِلِ}، يعني بما (¬1) تكتمونه، فالحق بيانهم والباطل كتمانهم (¬2). وقوله تعالى: {وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ}. قال الفراء (¬3): إن شئت جعلت {وَتَكْتُمُوا} في موضع جزم بالعطف (¬4)، وإن شئت جعلتها في موضع نصب (¬5) على (الصرف)، ومثله (¬6): {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا} [البقرة: 188]، وقوله تعالى: {لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا} [الأنفال: 27]، ومعنى (الصرف) أن تأتي (¬7) بالواو معطوفاً (¬8) على كلام في أوله حادث لا تستقيم (¬9) إعادتها في ¬

_ (¬1) (بما) ساقط من (أ)، (ج)، وأثبها من (ب) لأن السياق يقتضيها، وهي ثابتة في (تفسير الثعلبي) 1/ 68 أ. (¬2) "تفسير الثعلبي" 1/ 68 أ، وذكره أبو الليث ولم يعزه لمقاتل 1/ 338. وفي الآية أقوال أخرى منها: قيل: {وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ} اليهودية والنصرانية بالإسلام، انظر: "تفسير الطبري" 1/ 255، و"ابن أبي حاتم" 1/ 98، و"ابن عطية" 1/ 273. (¬3) "معاني القرآن" للفراء 1/ 33. (¬4) قوله: (بالعطف)، أي على (تلبسوا). (¬5) قوله: في موضع نصب على (الصرف) وباضمار أن على رأى البصريين كما سيأتي. (¬6) في (ج): (ومثله قوله) (¬7) في (أ)، (ج): (يأتي). وما في (ب) أصح في السياق وموافق لما في "معاني القرآن" 1/ 34. (¬8) في "المعاني": (معطوفة). (¬9) في (ب)، (ج): (لا يستقيم).

المعطوف (¬1)، كقوله: لَاتَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَأتِيَ مِثْلَه (¬2) ألا ترى أنه لا يجوز إعادة (لا) في و (تأتي)، ولذلك سمي صرفا إذ (¬3) كان معطوفا (¬4) ولم يستقم أن يعاد فيه الحادث الذي فيما (¬5) قبله. ومثله من الأسماء التي نصبتها العرب وهي معطوفة على مرفوع، قولهم: لو تُرِكْتَ والأسدَ لأكلك (¬6)، ولو خُلِّيتَ ورَأْيَك لضللت، لما لم يحسن في ¬

_ (¬1) ذكره الطبري في "تفسيره" 1/ 255، وقد عرف أبو البركات ابن الأنباري الصرف عند الكوفيين: بأنه ما كان الثاني مخالفا لأول، ولا يحسن معه تكرار العامل الذي ورد مع الأول، "الإنصاف" 1/ 556. (¬2) صدر بيت وعجزه: عَارٌ عَلَيْكَ إِذا فَعَلْتَ عَظِيمُ وقد اختلف في نسبته، فنسبه سيبويه للأخطل، ونسبه بعضهم لأبي الأسود الدؤلي، ونسبه بعضهم إلى المتوكل الكناني، وبعضهم إلى حسان، وبعضهم إلى الطرماح بن حكيم، وإلى سابق البربري، والبيت ورد في أغلب كتب النحو. ورد في "الكتاب" 1/ 42، و"المقتضب" 2/ 25، و"معاني القرآن" للفراء 1/ 34، والطبري 1/ 255، و"الإيضاح العضدي" 1/ 314، و"الجمل" للزجاجي ص 187، و"الأزهية" ص 234، و"الرصف" ص 486، و"شرح المفصل" 7/ 24، و"الخزانة" 8/ 564، و"شرح شذور الذهب" ص 360، و"مغني اللبيب" 2/ 316، و"أدب الدنيا والدين" ص 39، و"شرح ابن عقيل" ص 233، و"أوضح المسالك" 4/ 181، وغيرها كثير. (¬3) في (ب): (إذا). (¬4) في (ج): (مطوفا). (¬5) كذا في جميع النسخ وفي "معاني القرآن" للفراء (الحادث الذي قبله) 1/ 34. (¬6) في (ج): (لا كان).

الثاني أن تقول (¬1): لو تركت وترك (¬2) رأيك، تهيبوا أن يعطفوا حرفا لا يستقيم فيه ما حدث في الذي قبله، على الذي قبله، فنصبوا (¬3). ومذهب البصريين أن جميع ما انتصب في هذا الباب فبإضمار (أن) كأنه قيل: لا يكن منكم لبس للحق وأن تكتموه (¬4). وقوله: {وَأَنتُم تَعْلَمُونَ}. أكثر المفسرين على أن المعنى: وأنتم تعلمون أنه الحق، أنه نبي مرسل قد أنزل عليكم ذكره في كتابكم، فليس بمشتبه عليكم شيء من أمره ونسبه، وعلى هذا إنما كفروا لأنهم جحدوا نبوته فلم ينفعهم علمهم (¬5). والأمة اجتمعت (¬6) على أن جاحد النبوة كافر، فإذا علموا بقلوبهم، ولم يكن لنا سبيل إلى أن نعلم أنهم علموا (¬7)، وظهر منهم جحود، أجمعنا على أنهم كفار. ¬

_ (¬1) في (أ)، (ج): (يقول وما في (ب) أولى وموافق لما في "المعاني" 1/ 34. (¬2) في (ج): (ويترك). (¬3) انتهى من "معاني القرآن" للفراء1/ 33، 34، بتصرف، وانظر: "تفسير الطبري" 1/ 255. (¬4) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 94، وانظر تفاصيل الخلاف في هذه المسألة في "الإنصاف" ص 442، وقد ذكر قولاً ثالثاً لأبي عمر الجرمي، وهو أن (الواو) هي الناصبة بنفسها؛ لأنها خرجت عن باب العطف، وانظر: "البحر المحيط" 1/ 179. (¬5) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 256، و"تفسير ابن كثير" 1/ 90، و"القرطبي" 1/ 291، "البحر" 1/ 180. (¬6) في (ب): (اجتمعت). (¬7) حتى ولو علمنا أنهم علموا فكفرهم كفر عناد، انظر: "تفسير القرطبي" 1/ 291.

43

وقال الزجاج في قوله: {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} أي: تأتون لبسكم الحق وكتمانه على علم منكم وبصيرة أنكم تلبسون الحق (¬1). 43 - قوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ}. الزكاة (¬2): تطهير للمال وإصلاح له، وتثمير ونماء، كل ذلك قد قيل (¬3). والأظهر أن أصلها من الزيادة، يقال: زكا الزرع يزكو زكاء، ممدود وكل شيء يزداد فهو يزكو زكاء (¬4). قال النابغة (¬5): وَمَا أَخَّرْتَ مِنْ دُنْيَاكَ نَقْصٌ ... وَإِن قَدَّمْتَ عَادَ (¬6) لَكَ الزَّكاءُ (¬7) أراد بالزكاء الزيادة، وهو حرف ممدود، فإذا قصر فقيل: (زكا) فمعناه الزوج (¬8). والعرب تقول للفرد: خسا، وللزوجين (¬9) اثنين: زكا، قيل لهما: ¬

_ (¬1) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 94، وانظر: "تفسير أبي الليث" 1/ 155، "الكشاف" 1/ 277، وابن كثير في "تفسيره" 1/ 90، وقال: ويجوز أن يكون المعنى: (وأنتم تعلمون ما في ذلك من الضرر العظيم على الناس، من إضلالهم عن الهدى المفضي بهم إلى النار). (¬2) (الزكاة) ساقط من (ب)، (ج). (¬3) انظر: "تهذيب اللغة" (زكا) 2/ 1542، و"تفسير الطبري" 1/ 257، "اللسان" (زكا) 3/ 1849. (¬4) "تهذيب اللغة" (زكا) 2/ 1542، وانظر: "الزاهر" 2/ 187. (¬5) هو نابغة بني شيبان، انظر: "الزاهر" 2/ 187. (¬6) في (ج): (كان اعاد). (¬7) ورد البيت في "الزاهر" 2/ 187، "شمس العلوم" 2/ 223. (¬8) "الزاهر" 2/ 187، وانظر: "تهذيب اللغة" (زكا) 2/ 1543. (¬9) في (ب): (للزوج).

زكا، لأن الاثنين أكثر (¬1) من الواحد (¬2)، قال الشاعر: إِذا نَحْنُ في تِعْدَادِ خَصْلِكَ لَمْ نَقُلْ ... خَسَا وَزَكا أَعْيَيْن مِنَّا المُعَدِّدَا (¬3) و (الزكاة): الصلاح (¬4)، وأصله أيضا من زيادة الخير، يقال: رجل زَكِيٌّ أي زائد الخير (¬5) من قوم أزكياء، وَزكَّى القاضي الشهود إذا بين زيادتهم في الخير، وسمي ما يخرجه من المال للمساكين بإيجاب الشرع زكاة، لأنها تزيد في المال الذي تخرج منه وتوفره وتقيه الآفات (¬6). وقوله تعالى: {وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ}. أصل الركوع في اللغة الانحناء، وكل شيء ينكب لوجهه وتمس ركبته الأرض أو لا تمسها بعد أن يخفض (¬7) رأسه فهو راكع، ويقال للشيخ إذا انحنى (¬8) من الكبر: قد ركع (¬9). قال لبيد: ¬

_ (¬1) في "تهذيب اللغة" (زكا) 2/ 1542. (¬2) "تهذيب اللغة" (زكا) 2/ 1542، وانظر: "تفسير الطبري" 1/ 257، "اللسان" (زكا) 3/ 1849. (¬3) في (ب): (المعواد). ورد البيت في "الزاهر" 2/ 187، وفي شعر الكميت جمع دواد سلوم 1/ 162، وفيه: (إذا نحن في تكرار وصفك ...). (¬4) "تهذيب اللغة" (زكا) 2/ 1542. (¬5) في (أ): (الخبر) وما في (ب)، (ج) هو الصواب. (¬6) (الآفات) ساقط من (ب). انظر (الزاهر) 2/ 187، وانظر الطبري 1/ 257. (¬7) في (ج): (ينخفض). (¬8) في (ب): (حنا). (¬9) انظر: "تهذيب اللغة" (ركع) 1/ 1462، "الزاهر" 1/ 140، "مقاييس اللغة" (ركع) 2/ 434، "اللسان" (ركع) 3/ 1719.

أَدِبُّ كَأَني كُلَّماَ قُمْتُ رَاكِعُ (¬1) فالراكع: المنحني في قول لبيد. وقال (¬2) آخر: وَلَكِنِّي أَنُصُّ العِيَس تَدمَى ... أَظلتها (¬3) وَترْكَعُ بِالْحُزُون (¬4) أي تنكب لوجوهها. قال المفسرون: معناه (¬5)، وصلوا مع المصلين محمد وأصحابه، فعبر بالركوع عن جميع الصلاة،، إذ كان ركناً من أركانها، كما عبر باليد عن الجسد (¬6) في قوله {ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ} [الحج: 10]. ¬

_ (¬1) عجز بيت صدره: أُخَبِّرُ أَخْبَارَ القُرُونِ التِي مَضَتْ ورد في "الزاهر" 1/ 140، "تهذيب اللغة" (ركع) 1/ 1462، و"تفسير الثعلبي" 1/ 68 ب، "المجمل" (ركع) 2/ 397، "مقاييس اللغة" 2/ 435، و"تفسير ابن عطية" 1/ 275، و"القرطبي" 1/ 293، "ديوان لبيد" مع شرحه ص 171. (¬2) في (ج): (وقا). (¬3) في (ج): (اضلعها). (¬4) البيت للطرماح، ويروى: وَلَكِنيِّ أَسِيرُ العَنْسَ يَدْمَى ... أَظَلاَّها ................ العيس: الإبل، الأَظَل: باطن مَنْسم الناقة والبعير، ويدمى أظلاها من شدة السير، الحزون: جمع حزن، ما غلظ من الأرض في ارتفاع وخشونة، فهي تعثر وتقع في الحزون: فقال: تركع على التشبيه، انظر: "العين" 1/ 227، "الأضداد" لابن الأنباري ص 296، "ديوان الطرماح" ص 532. (¬5) (معناه) سقط من (ب). (¬6) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 68، انظر: "تفسير أبي الليث" 1/ 115، و"ابن عطية" 1/ 274، و"البغوي" 1/ 88، "زاد المسير" 1/ 75، و"القرطبي" 1/ 293.

44

وقيل: إنما عبر بالركوع عن الصلاة، لأنه أول ما يشاهد مما يدل على أن الإنسان في صلاة، وإنما قال: (واركعوا) بعد قوله: (وأقيموا الصلاة) وكان الركوع داخلا في الصلاة، لأنه أراد الحث على إقامة الصلاة جماعة (¬1). وقيل: لأنه لم يكن في دين اليهود ولا في صلاتهم ركوع، فذكر ما اختص بشريعة الإسلام، والآية خطاب لليهود (¬2). 44 - قوله تعالى: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ} الآية. نزلت في علماء اليهود، لأنهم كانوا يقولون لأقربائهم من المسلمين: اثبتوا على ما أنتم عليه، ولا يؤمنون (¬3). و (الألف) للاستفهام (¬4)، ومعناه: التوبيخ والتهديد (¬5)، كأنه قيل لهم: أنتم على هذه الطريقة (¬6). ¬

_ (¬1) انظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 275، و"الكشاف" 1/ 277، و"تفسير البغوي" 1/ 88 (¬2) انظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 274 - 275، "الكشاف" 1/ 277، و"تفسير البغوي" 1/ 88، "زاد المسير" 1/ 75، و"تفسير القرطبي" 1/ 293. وفسر الطبري الركوع: بالخضوع لله بالطاعة فهو أمر لبني إسرائيل بالخضوع لله بالطاعة 1/ 257، وذكر نحوه الزمخشري 1/ 277. (¬3) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 68 ب، وذكره الواحدي في "أسباب النزول" من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ص 27، وذكره السيوطي في "لباب النقول" ص 19، وابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 74. وأخرج الطبري بمعناه عن ابن عباس "تفسير الطبري" 1/ 258، وفي الآية النهي عن أمرهم الناس بطا عة الله وهم يعصونه، انظر: "تفسير الطبري" 1/ 257 - 258، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 95. (¬4) في (ج): (الاستفهام). (¬5) في (ب): (التقرير). (¬6) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 94، وانظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 275، "الكشاف" 1/ 277، و"القرطبي" 1/ 311.

والمراد بالبر: الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم (¬1). و (النسيان) هاهنا بمعنى الترك (¬2) من قوله: {نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ} [التوبة: 67] ويأتي بسط الكلام في النسيان ووجوهه عند قوله: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا} [البقرة: 67] (¬3) إن شاء الله. وقال أبو إسحاق: معنى الآية أنهم كانوا يأمرون أتباعهم بالتمسك بكتابهم، ويتركون هم التمسك به، لأن جحدهم النبي - صلى الله عليه وسلم- هو تركهم التمسك (¬4). فالبر على هذا القول: التمسك بالتوراة. وقال بعضهم: إن اليهود كانوا يأمرون الناس بالإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم قبل ظهوره، فلما ظهر كفروا به (¬5)، فذلك قوله: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ} الآية. وقوله تعالى: {وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ}. أي: تقرؤون التوراة، وفيها صفة محمد -صلى الله عليه وسلم- ونعته (¬6). {أَفَلَا تَعْقِلُونَ} أنه حق فتتبعونه (¬7). ¬

_ (¬1) ذكره ابن جرير عن ابن عباس "تفسير الطبري" 1/ 258، وابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 75، وقيل: البر: أمرهم أتباعهم بالتمسك بالتوراة، وقيل: أمرهم ببذل الصدقة وهم لا يفعلون. انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 95، "تفسير ابن عطية" 1/ 275، "زاد المسير" 1/ 75، "تفسير ابن كثير" 1/ 91. (¬2) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 259، و"تفسير ابن عطية" 1/ 275، "زاد المسير" 1/ 75. (¬3) انظر: "البسيط" 1/ ل 237 (من نسخة إستانبول). (¬4) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 95، وفيه (التمسك به ..). (¬5) ذكره الرازي، وقال هو اختيار أبي مسلم "تفسير الرازي" 3/ 46. (¬6) "تفسير الثعلبي" 1/ 68 ب، وانظر: "تفسير الطبري" 1/ 259، و"تفسير البغوي" 1/ 88. (¬7) في (ج): (فتبيعونه).

وأصل التلاوة من قولهم: تلاه يتلوه، إذا تبعه، والتلاوة اتباع الحروف (¬1). ويقال: عقَل الرجل يعقِل عقلاً، إذا كان عاقلًا (¬2)، وعقل الإنسان هو تمييزه الذي به فارق جميع الحيوان، سمي عقلاً لأنه يعقله أي يمنعه عن التورط (¬3) في الهلكة، كما يعقل العقال البعير عن ركوب رأسه. ومن هذا سميت الدية عقلاً لأنها إذا وصلت إلى ولي المقتول عقلته عن قتل (¬4) الجاني، أي منعته (¬5). وقال الأصمعي: عقَل الظبي يعقِل عُقُولًا، إذا امتنع، ومنه سمى الوَعِل عاقلاً، والحصن مَعْقِلًا. وعَقَلَ الدواءُ بطنَه إذا أمسكه بعد استطلاقه (¬6). فأصل هذا الحرف من المنع، ثم لما كان الإنسان يعرف الشيء بعقله، سمي العلم عقلاً في (¬7) بعض المواضع، فيقال عقلت كذا، أي علمته (¬8). ¬

_ (¬1) انظر: "تهذيب اللغة" (تلا) 1/ 445 - 446، "مفردات الراغب" ص 75، "تفسير القرطبي" 1/ 315. (¬2) ذكره الأزهري عن أبي عبيد عن الأصمعي، "تهذيب اللغة" (عقل) 3/ 2525. (¬3) في (ب): (التوريط). (¬4) في (ب): (عقل). (¬5) "تهذيب اللغة" (عقل) 1/ 2524، وانظر: "اللسان" (عقل) 5/ 3047. (¬6) "تهذيب اللغة" (عقل) 1/ 2525، وانظر: "مقاييس اللغة" (عقل) 4/ 72، "اللسان" (عقل) 5/ 3046. (¬7) في (ب): (وفي). (¬8) انظر: "مقاييس اللغة" 4/ 69.

44

44 - قوله تعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ} الآية. قال أبو عبيد (¬1): أصل الصبر الحبس، وكل من حبس شيئا فقد صبره، ومنه الحديث في رجل أمسك رجلا وقتله آخر، فقال: (اقتلوا القاتل، واصبروا الصابر) (¬2) أي: احبسوا الذي حبسه حتى يموت، ومنه قيل للرجل يُقدَّم فتضرب (¬3) عنقه: قُتل صبراً، يعني أنه أُمسِكَ على الموت، وكذلك لو حبسَ رجل (¬4) نفسه على شيء يريده قال: صبرتُ نفسي. قال عنترة: فَصَبَرْتُ عَارِفَةً لِذَلِكَ حُرَّةً ... تَرْسُو إذَا نَفْسُ الجَبَانِ تَطَلَّعُ (¬5) ومن هذا (يمين الصبر) وهو أن يحبس على اليمين حتى حلف بها (¬6). ¬

_ (¬1) في (ب): (أبو عبيدة). والصحيح: أبو عبيد، انظر: "غريب الحديث" 1/ 155. (¬2) الحديث ذكره أبو عبيد في "غريب الحديث" بدون سند، وفي الهامش قال المحقق: زاد في (ر). قال سمعت عبد الله بن المبارك يحدثه عن إسماعيل بن أميه يرفعه. "غريب الحديث" 1/ 155، وذكره الثعلبي 1/ 69 أ، والأزهري في "تهذيب اللغة" عن أبي عبيد 2/ 1972، وهو في "الفائق" 2/ 276، "النهاية في غريب الحديث" 3/ 8، "غريب الحديث" لابن الجوزي 1/ 578، وذكره في "كنز العمال" عن أبي عبيدة عن إسماعيل بن أمية مرسلا، 15/ 10. (¬3) في (ج): (فيضرب) وكذا في "الغريب" لأبي عبيد. (¬4) في (ب): (رجلا). (¬5) يقول: صبرت عارفة: أي حبست نفسًا عارفة لذلك، أي نفسه، والعارفة الصابرة، ترسو: أي تثبت وتستقر، تطلع: تطلع نفس الجبان إلى حلقه من الفزع والخوف، البيت في "غريب الحديث" لأبي عبيد 1/ 155، "تهذيب اللغة" (صبر) 2/ 1972، "مقاييس اللغة" (صبر) 3/ 329، و"تفسير الثعلبي" 1/ 69 أ، "اللسان" (صبر) 4/ 2391، و (عرف) 5/ 2899، و"تفسير القرطبي" 1/ 317، "فتح القدير" 1/ 124، "ديوان عنترة" ص 264. (¬6) انتهى كلام أبي عبيد، "غريب الحديث" 1/ 155، "تهذيب اللغة" (صبر) 2/ 1972.

ومعنى الآية: استعينوا بالصبر على أداء الفرائض واجتناب المحارم واحتمال الأذى وجهاد العدو وعلى المصائب والصلاة (¬1)، لأنها تنهى عن الفحشاء والمنكر. وقال مجاهد: الصبر في هذه الآية الصوم، ويقال لشهر رمضان شهر الصبر، وللصائم صابر (¬2). وقوله تعالى: {وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ}. قال الحسن والضحاك: ثقيلة (¬3). والأصل في ذلك أن ما يكبر (¬4) يثقل على الإنسان حمله. فقيل لكل ما يصعب على النفس -وإن لم يكن من جهة الحمل-: يكبر عليها، كقوله: {كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ} [الشورى: 13]. وقوله: (وإنها) ولم يقل: (وإنهما) بعد ذكر الصبر والصلاة، لأنه كنى عن الأغلب والأفضل والأهم (¬5)، وهو الصلاة، كقوله: {وَالَّذِينَ ¬

_ (¬1) قال الثعلبي: واستعينوا على ما يستقبلكم من أنواع البلايا, وقيل: على طلب الآخرة بالصبر على أداء الفرائض , وبالصلاة على تحميص الذنوب "تفسير الثعلبى" 1/ 68 ب, وعند الطبري الاستعانة تكون بالصبر والصلاة, 1/ 259, وانظر: "معانى القرآن" للزجاج 1/ 95, "تفسير ابن عطية" 1/ 276, و"البغوي" 1/ 89, "زاد المسير" 1/ 75, و"ابن كثير" 1/ 92 - 93. (¬2) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 259, "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 38, "تفسير الثعلبي" 1/ 69 أ، و" تفسير ابن عطية" 1/ 277, و"تفسير البغوي" 1/ 89, و"تفسير ابن كثير" 1/ 92. (¬3) أخرجه الطبري في "تفسيره" 1/ 261, عن الضحاك في "تفسيره" 1/ 261, وذكره ابن الجوزى عن الحسن والضحاك, "زاد المسير" 1/ 76, وانظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 278, "تفسير القرطبي" 1/ 318. (¬4) في (أ) , (ج): (ماما يكبر) وأثبت ما في (ب) , لأنه هو الصواب. (¬5) في (ج): (الأعم).

يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا} [التوبة: 34] (¬1)، وقال: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا} [الجمعة: 11]، هذا قول المُؤَرِّج (¬2). وقال الأخفش (¬3): الكناية راجعة إلى كل واحد منهما، أراد وإن كل خصلة منها لكبيرة، كقوله: {وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً} [المؤمنون: 50]، أراد كل واحد منهما قال الشاعر (¬4): والْمُسْيُ والصُّبْحُ (¬5) لاَ فَلَاحَ مَعَهْ (¬6) وقيل: رد الهاء إلى الصلاة، لأن الصبر داخل في الصلاة، كقوله: {وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ} [التوبة: 62]، لأن رضى الرسول داخل في رضى الله تعالى (¬7). وقال حسان: إِنَ شَرْخَ الشَّبَابِ والشَّعْرِ الأَسْـ ... ـوَدِ ما لم يُعَاصَ كَانَ جُنُونَا (¬8) ¬

_ (¬1) في الآية رد الكناية إلى الفضة، لأنها أعم وأغلب. "تفسير الثعلبي" 1/ 69 أ. (¬2) كلام المؤرج أورده الثعلبي في "تفسيره" 1/ 69/ أ. المؤرج هو أبو فَيْد مؤرِّج بن عمرو بن الحارث بن ثور السدوسي النحوي البصري، أخذ عن الخليل، توفي سنة خمس وتسعين ومائة، انظر ترجمته في: "طبقات النحويين واللغويين" للزبيدي ص 75، "تاريخ بغداد" 13/ 258، "وفيات الأعيان" 5/ 304، "إنباه الرواة" 3/ 327. (¬3) "معاني القرآن" للأخفش 1/ 252، "تفسير الثعلبي" 1/ 69 أ. (¬4) هو الأضبط بن قريع السعدي. (¬5) في (ج): (الصباح). (¬6) سبق البيت وتخريجه في تفسير قوله تعالى: {هُمُ المُفْلِحُونَ} [البقرة:5] ص 84، والشاهد قوله: (معه) والمراد: "معهما". (¬7) فلم يقل (يرضوهما) الثعلبي 1/ 69 أ. (¬8) قوله: شرخ الشباب: أوله، ما لم يعاص: أي ما لم يُعْصْ. ورد البيت في "تفسير الثعلبي" 1/ 69 ب، "تهذيب اللغة" (شرح) 2/ 1851، "تأويل المشكل" ص 288، "مجاز القرآن" 1/ 258، "اللسان" (شرخ) 4/ 2229،=

ولم يقل: يعاصيا، لأن الشَّعر الأسود داخل في الشباب (¬1). وقال الحسين بن الفضل: رد الكناية إلى الاستعانة، لأن (استعينوا) يدل على المصدر (¬2). والأصل في هذا وأمثاله أن العرب تذكر شيئين، ثم تخبر عن أيهما شاءت، فتكتفي بالخبر عن أحدهما عن الثاني، لأن فيه دلالة على الثاني (¬3) كقوله تعالى: {فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ} [البقرة: 259]، وقوله: {وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا} [النساء: 112] وقول الشاعر: نَحْنُ بِمَا عِنْدَنَا وَأَنْتَ بِمَا ... عِنْدَكَ رَاضٍ والرَّأيُ مُخْتَلِفُ (¬4) ¬

_ = "مقاييس اللغة" 3/ 269، "تفسير القرطبي" 1/ 319، "فتح القدير" 1/ 124، "البحر" 1/ 185، "الدر المصون" 1/ 331، "ديوان حسان" ص252. (¬1) انظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 69 أ، ب، "تأويل مشكل القرآن" ص 288، "البيان في غريب إعراب القرآن" 1/ 79، و"القرطبي" 1/ 319، "البحر" 1/ 185، "الدر المصون" 1/ 330. (¬2) "تفسير الثعلبي" 1/ 69 ب، "تفسير البغوي" 1/ 89، وانظر: "البيان في غريب إعراب القرآن" 1/ 79، و"تفسير القرطبي" 1/ 319. (¬3) انظر: "مجاز القرآن" 1/ 39، "تأويل مشكل القرآن" ص 288، "البيان في غريب إعراب القرآن" 1/ 79. (¬4) اختلف في نسبة هذا البيت، فنسب لقيس بن الخَطِيم، وهو في ملحقات "ديوانه" ص173، ونسبه في "الخزانة" 4/ 275، لعمرو بن امرئ القيس، وكذا في "جمهرة أشعار العرب" ص 237، ونسبه في "الإنصاف" ص 85 إلى درهم بن زيد الأنصاري، وورد البيت في "الكتاب" 1/ 75، "مجاز القرآن" 1/ 39، "شرح أبيات سيبويه" لابن السيرافي 1/ 279، "المقتضب" 3/ 112، "تهذيب اللغة" =

45

45 - وقوله تعالى: {إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ}. أصل الخشوع في اللغة: السكون (¬1)، قال الله تعالى {وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ} [طه: 108]، أي سكنت، ويقال: جدار خاشع، إذا تداعى واستوى مع الأرض (¬2). قال النابغة: وَنُؤْيٌ كَجِذْمِ الحَوْضِ أَثْلَمُ خَاشِعُ (¬3) ومنه الحديث (كانت الكعبة خُشعة على الماء) (¬4) أي: ساكنة، وهذا ¬

_ = 3/ 3003، "اللسان" (فجر) 6/ 3351، و (قعد) 6/ 3686، "مغنى اللبيب" 2/ 622، "الهمع" 5/ 140، (معاهد التنصيص) 1/ 189، "تفسير القرطبي" 8/ 127، "شرح ابن عقيل" 1/ 244. (¬1) انظر "تهذيب اللغة" (خشع) 1/ 1034، قال ابن فارس "الخاء والشين والعين" أصل واحد يدل على التطامن ... وهو قريب من الخضوع) 2/ 128. ونحوه قال الطبري: (أصل الخشوع: التواضع والتذلل والاستكانة) "تفسير الطبري" 1/ 261. (¬2) "تهذيب اللغة" (خشع) 1/ 1034. (¬3) من قصيدة للنابغة الذيباني يمدح النعمان وصدره: رَماَدٌ كَكُحِل العين لَأْياً أُبِينُه يقول من الآيات التي عرف بها الدار (رماد ككحل العين، لَاْياً أبينه (أي بصعوبة بطء أتبينه، و (النُّؤْيُّ): حاجز حول البيت لئلا يدخله الماء، و (الْجِذْم): أصل الشيء (أثلم): تثلم: تهدم، و (الخاشع): المطمئن اللاصق بالأرض، ورد البيت في "تفسير الثعلبي" 1/ 69 ب، "التهذيب" (خشع) 1/ 1034، "اللسان" (خشع) 2/ 1166، والقرطبي 1/ 320، "ديوان النابغة" ص 53. (¬4) أخرجه الأزرقي في "أخبار مكة" بسنده عن عطاء عن ابن عباس، في رواية طويلة عن خلق الأرض وفيها (.. فبعث الله ريحًا هفافة فصفقت الماء فأبرز خشفة في موضع هذا البيت ..) قال المحقق: (حشفة) في جميع الأصول "الأعلام"، ورواها ابن ظهيرة عن عمر بن شبة (خشعة) "أخبار مكة" 1/ 32. أخرجه الخطابي من طريق الأزرقي بنحوه، "غريب الحديث" 2/ 496، وذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" 1/ 1034، وابن الأثير في "النهاية في غريب الحديث" 2/ 35.

أصله في اللغة. ثم استعمل في أشياء تعود (¬1) إلى هذا الأصل، فقيل: خشعت الأرض، إذا لم تمطر، فلم تهتز (¬2) بالنبات، قال الله تعالى: {تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ} (¬3) [فصلت: 39]. وخشع السنام، إذا ذهب شحمه وتطأطأ شرفه. وخشعت الأبصار، إذا سكنت ونظرت في الأرض من غير التفات. وقيل: للمطيع (¬4) المخبت: خاشع، لسكونه إلى الطاعة (¬5). قال المفسرون وأصحاب المعاني: إن (¬6) جميع العبادات داخلة تحت قوله: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ} لأنه أراد الصبر عليها (¬7)، ولكن خصت الصلاة بالذكر تخصيصا وتفضيلا (¬8)، كقوله: {فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ} [الرحمن: 68]، وقوله {وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ} [البقرة: 98]. ¬

_ (¬1) في (ج): (يعود). (¬2) في (ب): (فتهتز). (¬3) وقد ورد سياق الآية في (أ)، (ج) (وترى) وهو تصحيف في الآية، وفي "تهذيب اللغة" وردت آية الحج: {وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ} [الحج: 5] انظر: "تهذيب اللغة" 1/ 1034، والواحدي نقل كلام عنه. (¬4) في (ج): (للماصع). (¬5) "تهذيب اللغة" (خشع) 1/ 1034، وانظر: "مقاييس اللغة" (خشع) 2/ 182، "اللسان" (خشع) 2/ 1166. (¬6) (إن) ساقطة من (ب). (¬7) أكثر المفسرين على أن المراد الاستعانة بالصلاة مع الصبر، لا الاستعانة بالصبر عليها، وقد تقدم الكلام على ذلك، وانظر: "تفسير الطبري" 1/ 260، "تفسير ابن عطية" 1/ 278، "الكشاف" 1/ 277، و"القرطبي" 1/ 317. (¬8) خصت الصلاة بالاستعانة بها من بين سائر العبادات لفضلها ولما يتلى فيها، انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 95، و"القرطبي" 1/ 317.

وعلى قول من يقول: الصبر هو الصوم (¬1)، فإنما خص الصوم والصلاة، لأن القوم إنما كان يمنعهم عن الإسلام الشره وخوف ذهاب مأكلتهم (¬2) وحب الرئاسة وخوف زوالها، فأمروا بالصوم الذي يذهب الشره (¬3)، وبالصلاة التي تورث الخشوع وتنفي الكبر والشرف (¬4). وأريد بالصلاة الصلاة التي معها الإيمان بحمد صلى الله عليه وسلم لأنها كانت تكبر (¬5) على (¬6) الكفار (¬7). وعند أكثر أهل العلم أن الآية خطاب لأهل الكتاب (¬8)، وهو مع ذلك أدب لجميع العباد (¬9). وقال بعضهم: يرجع هذا القول إلى خطاب المسلمين فأمروا أن يستعينوا على ما يطلبونه من رضا الله وثوابه ونيل (¬10) جنته بالصبر على أداء فرائضه، والقول الأول أظهر (¬11). ¬

_ (¬1) هو قول مجاهد كما سبق. (¬2) في (ب): (مآكلهم) ولعله أولى. (¬3) في (ج): (الشر). (¬4) (الشرف) كذا جاءت في جميع النسخ ولعل المراد حب الرئاسة والشرف المذموم. انظر "معاني القرآن" للزجاج 1/ 65، "تفسير ابن عطية" 1/ 278، "زاد المسير" 1/ 75، و"تفسير الرازي" 3/ 49. (¬5) في (أ): (تكفر) وما في (ب، ج) هو المثبت وهو الصواب. (¬6) في (ب): (عن). (¬7) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 95. (¬8) انظر: "الطبري" 1/ 261، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 95، "زاد المسير" 1/ 75، "تفسير الرازي" 3/ 48، "تفسير الخازن" 1/ 118، و"ابن كثير" 1/ 93. (¬9) قال ابن كثير: (الظاهر أن الآية وإن كانت خطابا في سياق إنذار بني إسرائيل فإنهم لم يقصدوا بها على سبيل التخصيص، وإنما هي عامة لهم ولغيرهم) 1/ 93. (¬10) في (ج): (قبل). (¬11) انظر: "تفسير الرازي" 3/ 48، و"تفسير الخازن" 1/ 118، "البحر" 1/ 185.

46

46 - وقوله تعالى: {الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ} الآية. أبو عبيد (¬1) عن أبي عبيدة قال: (الظن) يقين وشك (¬2)، وأنشد: ظَنِّي بِهِمْ كَعَسَى وَهُمْ بِتَنوُفَةٍ ... يَتَنَازَعُونَ جَوَانِبَ الأَمْيَالِ (¬3) البيت لابن مقبل، وفسر الظن فيه بالوجهين، فقال: أبو عبيدة يقول: اليقين فيهم كعسى، وعسى شك (¬4). وقال شمر عن أبي عمرو الشيباني: معناه ما يظن بهم من الخير فهو واجب، وعسى من الله واجب (¬5). والعرب تقول لليقين: ظن، وللشك: ظن (¬6)، لأن في الظن طرفا (¬7) ¬

_ (¬1) في (ب): (أبو عبيدة). (¬2) "مجاز القرآن" 1/ 39، "التهذيب" (ظن) 3/ 2253، "الأضداد" لابن الأنباري ص14، والأصمعي ص 34، والسجستاني ص 77، وابن السكيت ص 188، والصغاني ص 238 (ضمن ثلاثة كتب في الأضداد). (¬3) يروى البيت (ظن) و (ظنوا) بدل (ظني) وفي "الجمهرة": (عهدي بهم) في موضع: (ظني بهم) وفي عدد من المصادر "جوائز الأمثال" وفي "الجمهرة" (جوائب) ويروى (سوائر). ولم أجد رواية (جوانب الأميال) والتنوفة: الفلاة، يتنازعون، يتجاذبون، جوائز الأمثال: (الأمثال السائرة) في البلاد، وبمعناه: (جوائب الأمثال) من جاب يجوب. ورد البيت في "الأضداد" لابن الأنباري ص 23، "الأضداد" للأصمعي ص 35، والسجستاني ص 95، وابن السكيت ص 188، "تهذيب اللغة" (ظن) 3/ 2253، "اللسان" 2/ 724 (جوز)، و5/ 2762 (ظن)، و5/ 2950 (عسا)، "الجمهرة" 1/ 154، 2/ 935، "الخزانة" 9/ 333. (¬4) "تهذيب اللغة" (ظن) 3/ 2253. (¬5) "تهذيب اللغة" (ظن) 3/ 2253، وانظر: "الأضداد" لابن السكيت ص 188, "الخزانة" 9/ 313. (¬6) قوله: (وللشك ظن) ساقط من (ب). (¬7) في (ج): (طرف).

من اليقين (¬1). قال الله تعالى: {إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (20)} [الحاقة: 20]، وقال: {وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا} [الكهف: 53]، وقال (¬2): {إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا} [البقرة: 230] كل هذا بمعنى اليقين (¬3). وقال دريد بن (¬4) الصمة: فَقُلْتُ لَهُمْ ظُنُّوا بَأَلْفَيْ مُدَجَّجٍ ... سَرَاتُهُمُ فِي الفَارِسِيِّ المُسَرَّدِ (¬5) أي: أيقنوا. وحكى الزجاج عن بعض أهل اللغة: أن الظن يقع في معنى العلم [الذي لم تشاهده، وإن كان قد قام في نفسك حقيقة (¬6). ¬

_ (¬1) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 262. (¬2) في (أ)، (ج): (وان ظنا) بسقوط (قال). (¬3) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 262، "تهذيب اللغة" (ظن) 3/ 2253، "الأضداد" لابن الأنباري ص 14. (¬4) (بن) ساقط من (ج). ودريد: مصغر: أدرد واسمه معاوية بن الحارث من هوازن، كان شجاعا شاعرًا فحلًا، قتل في حنين مشركًا. انظر ترجمته في "الشعر والشعراء" ص 504، "الخزانة" 11/ 118. (¬5) ظنوا: أيقنوا، و (المدجج): التام السلاح، سَرَاتُهم: خيارهم وأشرافهم، الفارسي المسرد: الدروع. ورد البيت في "تفسير الطبري" 1/ 262. "المجاز" 1/ 40، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 96، و"تفسير الثعلبي" 1/ 69 ب، "الأصمعيات" ص 199، "الأضداد" لابن الأنباري ص 14، "الجمل" للزجاجي ص 199، "جمهرة أشعار العرب" ص211، "اللسان" (ظن) 5/ 2762، "شرح المفصل" 7/ 81، "الخزانة" 11/ 279، و"تفسير القرطبي" 1/ 321، "فتح القدير" 1/ 125، "ديوان دريد" ص 47. (¬6) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 96. وقال: وهذا مذهب، إِلا أن أهل اللغة لم يذكروا هذا. قال أبو إسحاق: وهذا سمعته من إسماعيل بن إسحاق القاضي -رحمه الله- رواه عن زيد بن أسلم.

وقال أبو عباس: إذا كانت براهين العلم] (¬1) أكثر من اعتراضات الشك، كان الظن يقينًا وعلمًا. وإذا كانت اعتراضات الشك أكثر من اعتراضات اليقين كان الظن كذباً. وإذا كانت اعتراضات اليقين واعتراضات الشك سواء كان ذلك ظنا، أي: كان الظن شكا (¬2). وقال الليث: الظن يكون (¬3) اسما ومصدرا، تقول: ظننت ظنا، هذا مصدر، وتقول (¬4): ظني به حسن، وما هذه الظنون، لما صيرته اسمًا جمعته، كقول النابغة (¬5): أَتَيتُك عَارِيًا خَلَقًا ثِيَابِي ... عَلَى خَوْفٍ تُظَنُّ بِيَ الظُّنُونُ (¬6) وحدُّ الظن: الشك الذي يرجح (¬7) فيه أحد النقيضين على الآخر، الظن: اليقين، لأنه يقوي أحد النقيضين بعد الشك حتى يصير إلى اليقين (¬8)، وقد أفصح عن ذلك أوس بن حجر في قوله: ¬

_ (¬1) ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ج)، والعبارة في (أ): (أن الظن يقع في معنى العلم أكثر من ..) وفي (ج): (يقع في معنى العلم اعتراضات العلم .... (وعدم استقامة السياق يدل على المحذوف، وما في "معاني القرآن" للزجاج يدل على ما ذكر، 1/ 96. (¬2) ذكره ابن الأنباري في (الأضداد) مع اختلاف العبارة ص 16. (¬3) في (ج): (يكو). (¬4) في (أ)، (ج): (يقول) مع سقوط الواو. (¬5) هو الذبياني. (¬6) ورد البيت في "الشعر والشعراء" ص 84، وفي "تهذيب اللغة" (عرا) 3/ 2373، وفيه (على عجل) بدل (خوف)، وورد الشطر الأول في "اللسان" (عرا) 5/ 298، وهو في "ديوان النابغة" ص 73، وفيه (فجئتك). (¬7) في (ب): (ترحح). (¬8) انظر: "الوجوه والنظائر" لابن الجوزي ص 424.

الأَلمَعِيُّ الذِي يَظُنُ لَكَ الظَّـ ... ـنَّ كَمَنْ قَدْ رَأى وَقَدْ سَمِعَا (¬1) وذكر أبو القاسم الزجاجي حقيقة (¬2) الظن في اللغة، فقال: هو اعتقاد الشيء على طريقة التقدير والحدس، فإن أصاب فيما ظن صار يقينا، وإن لم يصب كان مخطئا في تقديره، ولهذا ذكر أهل اللغة هذه اللفظة في باب الأضداد، فقالوا: الظن: يقين وشك (¬3)، لأنه وضع لمعنى بالاعتبار يؤول (¬4) إلى أحدهما، كما يقال: الظن يخطئ ويصيب، فإن أصاب الظان فيما اعتقد وقدر، عبر عن ذلك باليقين؛ وإن (¬5) لم يصب كان ظنه شكًّا (¬6). وسئل أبو عمرو بن العلاء عن الظن، فقال: النظر في المطلوب بضرب من الأمارة، بمعنى أن الأمارة لما كانت مترددة بين يقين وشك، فتقرب (¬7) ¬

_ (¬1) البيت من قصيدة لأوس بن حجر يرثي بها فضالة بن كلدة، ويروي البيت (كأن) بدل (كمن)، وقوله: (الألمعي): المتوقد ذكاء. ورد البيت في (الخصائص) 2/ 112، "المصون في الأدب" ص 123، (عيون الأخبار) 1/ 91، "معاهد التنصيص" 1/ 128، "ديوان أوس" ص 53. (¬2) في (ج): (وحقيقة) (¬3) انظر: "الأضداد" لابن الأنباري ص 14، "الأضداد" لقطرب ص 71، "الأضداد" للأصمعي ص 34، وللسجستاني ص 76، ولابن السكيت ص 188، (والثلاثة الأخيرة ضمن ثلاثة كتب في الأضداد) "تهذيب اللغة" (ظن) 3/ 2253، "اللسان" (ظن) 5/ 2762. (¬4) في (ج): (يوو). (¬5) في (أ)، (ج): (فإن)، وأثبت ما في (ب) لأنه أولى في السياق (¬6) انظر: "غريب الحديث" للخطابي 3/ 26، "اللسان" (ظن) 5/ 2762. (¬7) في (أ): (فنفرت)، وفي (ج): (فيقرب) وأثبت ما في (ب).

تارة (¬1) من طرف الشك وتارة من طرف اليقين صار (¬2) أهل اللغة يفسرونه بهما (¬3). وقال الأخفش في قوله: {الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ}: إنما استعمل الظن بمعنى العلم في هذا الموضع لأمرين: أحدهما: أنه تنبيه أن علم أكثر الناس بالله في الدنيا، بالإضافة إلى علمه به في الآخرة كالظن في جنب العلم. والثاني. أن العلم الحقيقي في الدنيا بأمور الآخرة لا يكاد يحصل إلا للنبيين والصديقين. (والملاقاة) و (اللقاء) يحتمل معاني العيان والاجتماع والمحاذاة، والمصير (¬4). كقوله: {إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا} [يونس: 7]، أي المصير إلينا، وقال: {قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ} [الجمعة: 8]، أي مجتمع معكم وصائر إليكم. قال ابن عباس: يريد الذين يستيقنون أنهم مبعوثون، وأنهم محاسبون، وأنهم راجعون إلى الله سبحانه (¬5). و (اللقاء) و (الملاقاة) حيث ذكر في القرآن يحمله المفسرون على ¬

_ (¬1) (تارة) ساقط من (ب). (¬2) قوله: (اليقين صار) ساقط من (ب). (¬3) انظر: "مفردات الراغب" ص 317. (¬4) انظر: "مقاييس اللغة" (لقى) 5/ 261، "الفائق" 3/ 325، "مفردات الراغب" ص 453، "اللسان" (لقا) 7/ 4064. (¬5) أورده الواحدي في "الوسيط" عن ابن عباس، ولم أجده عند غيره فيما اطلعت عليه والله أعلم، وبمعناه عن السدي وابن جريج، وانظر: "تفسير الطبري" 1/ 263، و"تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 103.

البعث والمصير إلى الله كقوله: {إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا} [يونس: 7]، وقوله: {بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ} [السجدة: 10]، {وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا} [الفرقان: 21]. ولا يمكن حمل الملاقاة في هذه الآية على المعاينة والرؤية (¬1)، لأن أحداً لا يستيقن (¬2) أنه يرى ربه ويعاينه، بل كل واحد منا يرجو ذلك من فضل الله أن يرزقه. وقد فسر الظن هاهنا بمعنى اليقين (¬3) فيحمل اللقاء على ما فسره ابن عباس (¬4)، ورحمة الله (¬5). وقال أبو علي: معنى قوله: {مُلَاقُو رَبِّهِمْ} ملاقو ثواب ربهم (¬6)، ¬

_ (¬1) قال بعض المفسرين: إن المراد بالملاقاة في الآية: الرؤية. انظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 69 ب، و"تفسير ابن عطية" 1/ 279، و"تفسير البغوي" 1/ 95، "لباب التفسير" للكرماني 1/ 227، "البحر" 1/ 186. (¬2) في (ج): (الاستيقان). (¬3) وعلى هذا أكثر المفسرين، انظر: "تفسير الطبري" 1/ 263، و"تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 103، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 96، و"تفسير الثعلبي" 1/ 69/ ب، و"تفسير ابن عطية" 1/ 279، و"تفسير ابن كثير" 1/ 93. (¬4) أي: أن المراد به البعث والرجعة إلى الله والجزاء على ما عملوا. انظر: "تفسير أبي الليث" 1/ 116، و"ابن عطية" 1/ 279، و"البغوي" 1/ 69، و"ابن كثير" 1/ 93، "البحر" 1/ 186. (¬5) لفظ الجلالة غير موجود في (ب). (¬6) ذكر هذا التقدير بعض المفسرين كابن عطية في "تفسيره" 1/ 279، و"تفسير القرطبي" 1/ 321، وأبو حيان في "البحر" 1/ 186، وإن كانت الآية محتملة له، فالأولى عدم صرفها عن ظاهرها كما قال أبو حيان، وقد قالت المعتزلة بنفي رؤية الله تعالى في الآخرة. وقالوا: لفظ اللقاء لا يفيد الرؤية وأولوا الآية على أن المراد: ملاقو ثواب ربهم، كما قال الزمخشري في "الكشاف" 1/ 278، فإن قصد بتأويل الآية على هذا نفي الرؤية فهو مردود، انظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 279، "تفسير الرازي" 3/ 51، "البحر" 1/ 186.

خلاف من وصف (¬1) بقوله: {لَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا} [البقرة: 264]، وقوله: {إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا} [النور: 39]، ومثله: {وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ} [البقرة: 223]، أي: ملاَقو جزائه إن ثوابا، وإن عقابا. وأراد (ملاقون ربهم) لأنه فيما يستقبل فتثبت (¬2) النون (¬3)، لأنك تقول: هو ضارب زيدا، إذا كان فيما يستقبل؛ وإذا كان قد مضى حذفت التنوين (¬4) لا غير، ويجوز حذفه أيضا وإن كان لما يستقبل، كقوله: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ} (¬5) و {إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ} [الدخان: 15] و {إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ} [العنكبوت: 33] نصبت (¬6) (وأهلك) على تقدير النون (¬7). ¬

_ (¬1) في (ب): (من وصفه). والمعنى: يقول: إن المذكورين في قوله: {مُلَاقُو رَبِّهِمْ} لهم ثواب يلقونه، أما الذين ذكرهم الله بقوله: {لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا} فليس لهم ثواب يلقونه. (¬2) في (ب): (فيثبت). (¬3) اسم الفاعل إذا كان بمعنى الماضي يضاف لما بعده وتحذف النون، وإذا كان بمعنى الاستقبال أو الحال فعند البصريين لا يضاف، ولهذا قالوا هنا: إن النون حذفت تخفيفا، ثم تتمكن به الإضافة، وهي إضافة غير محضة. أما عند الكوفيين فيجوز إضافته ولو كان بمعنى الاستقبال، انظر: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 254، و"تفسير الطبري" 3/ 263، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 97، "تفسير ابن عطية" 1/ 280. (¬4) في (ب): (النون). (¬5) آل عمران: 185، والأنبياء: 35، والعنكبوت: 57. (¬6) في (ب): (نصب). (¬7) أي على تقدير أن النون لم تحذف للإضافة، وأهلك منصوب بالعطف على الكاف في (منجوك)، وقيل: أهلك منصوب بفعل مقدر، أي وننجي أهلك، وهذا عند من جعل الكاف في موضع جرّ، انظر: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 255، "البحر" 1/ 151.

وإنما كان كذلك (¬1) لأن الفعل الماضي لم يشابه (¬2) الاسم، ولذلك (¬3) بني، فالاسم الذي (¬4) بمعناه وجب أيضًا أن لا يزال عن أصله، وأصل الأسماء أن تعمل إلا جرّاً، فبقى اسم الفاعل إذا أريد به الماضي على أصله، وإذا أريد به الحال والاستقبال حمل على المضارع لما (¬5) بينهما من الشبه، وجاز الجر به إذا أريد به الاستقبال وإن استقرت مشابهته للفعل، لأنه لم يخرج عن حكم الاسمية، لأجل (¬6) كونه اسما جاز أن يجر ما بعده، ولأجل ما بينه وبين المضارع من الشبه جاز أن ينصب (¬7). وقوله تعالى: {وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ}. أي يصدقون بالبعث ولا يكذبون. ومعنى (إليه): إلى أمره وإحيائه ومسألته (¬8)، لأنهم لم يخرجوا عن قبضته قط، وملكته ومثله قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ} [الفرقان: 45] أراد إلى أمر ربك (¬9)، والمعنى في الجملة إنهم يقرون بالنشأة الثانية، ¬

_ (¬1) قوله: وإنما كان كذلك .. الخ هذا تعليل لإضافة اسم الفاعل إذا كان بمعنى الماضي، وعدم، إضافته إذا كان بمعنى الحال والاستقبال. (¬2) في (ب): (يشابهه). (¬3) في (ب): (كذلك). (¬4) أي اسم الفاعل الذي بمعنى الماضي. (¬5) في (أ)، (ج): (إلى) وأثبت ما في (ب)، لأنه الصواب. (¬6) في (ب): ولاجله. (¬7) هذا التعليل على مذهب الكوفيين، أما البصريون فيقولون: تحذف النون أو التنوين منه استثقالاً، وهو مراد، انظر: "تفسير الطبري" 1/ 263، و"ابن عطية" 1/ 280. (¬8) وقيل: الضمير يرجع إلى الله تعالى. انظر: "تفسير الطبري" 1/ 264، و"تفسير ابن عطية" 1/ 280، "البيان" 1/ 80، و"القرطبي" 1/ 321، "البحر" 1/ 187. (¬9) قال ابن جرير: (ألم تر يا محمد كيف مد ربك الظل) 19/ 18، وقال البغوي: (ألم تر إلى مد ربك الظل) 6/ 86.

47

فجعل رجوعهم بعد الموت إلى المحشر رجوعا إليه (¬1). وقال بعض أهل العلم: معنى الرجوع هاهنا العود (¬2) إلى الحال الأولى، فمعنى: {وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} أنهم يرجعون إلى أن لا يكون لهم مالك سواه، يملك نفعهم وضرهم كما كانوا في بدء (¬3) الخلق، لأنهم في أيام حياتهم قد يملك غيرهم الحكم عليهم (¬4). 47 - قوله تعالى: {وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ}. (التفضيل) نقيض التسوية، يقال: فضله إذا أعطاه الزيادة، وفضله إذا حكم له بالزيادة في الفضل. و (التفضل) لبس المفضل من الثوب، وهو ما يتخفف به الإنسان في بيته، ورجل فُضُل متفضل (¬5)، ومنه: ...... إِلَّا لِبْسَةَ المُتَفَضِّلِ (¬6) ¬

_ (¬1) أخرج ابن جرير عن أبي العالية: قال: (يستيقنون أنهم يرجعون إليه يوم القيامة) قال ابن جرير: (وقال آخرون: أنهم إليه يرجعون بموتهم) 1/ 264، وانظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 280، و"القرطبي" 1/ 321. (¬2) في (ب): (إلى العود). (¬3) في (ب): (بدو) وقد وردت هكذا في "لباب التفسير" للكرماني 1/ 228. (¬4) انظر: "تفسير الرازي" 3/ 51، "لباب التفسير" للكرماني 1/ 228، "البحر" 1/ 187. (¬5) انظر: "تهذيب اللغة" (فضل) 3/ 2801، "الصحاح" (فضل) / 1791، "اللسان" (فضل) 6/ 3429 - 3430، "مفردات الراغب" 318. (¬6) جزء من بيت لامرئ القيس يقول: فَجِئْتُ وَقَدْ نَضَتْ لَنَوْمٍ ثِيَابَهَا ... لَدى السِّتْرِ إلاَّ لِبْسَةَ المُتَفَضِّلِ (نضت): نزعت، (المتفضل): اللابس ثوبًا واحدًا. البيت في "تهذيب اللغة" (نضا) 4/ 3589، "اللسان" (نضا) 7/ 4457، "أوضح المسالك" ص 105،"شرح شذور الذهب" ص 286، "الهمع" 3/ 123، 4/ 94، "الخزانة" 10/ 130، "ديوان امرئ القيس" ص 114.

48

وذلك أن ذلك الثوب فضل على سائر الثياب التي تصان وتدخر. وهذا التفضيل (¬1) هو ما ذكر في قوله {إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ} الآية [المائدة:20]. وأراد بـ (العالمين) عالمي زمانهم (¬2)، والخطاب للموجودين منهم في ذلك الوقت والمراد به سلفهم، ولكن في تفضيل الآباء شرفا للأبناء، ولذلك قال لهم: {وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} (¬3). 48 - قوله تعالى: {وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي} الآية. لا تجزي معناه: لا تقضي ولا يغني (¬4)، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم لأبي بردة بن نِيَار (¬5): (ولا تجزي عن أحد بعدك) (¬6)، معناه: ¬

_ (¬1) انظر: "تفسير الرازي" 3/ 52، و"ابن كثير" 1/ 94. (¬2) ذكره ابن جرير عن قتادة وأبي العالية ومجاهد وابن زيد، وقال ابن جرير: أخرج مخرج العموم ويراد به الخصوص 1/ 264 - 265، وكذا قال ابن قتيبة في "غريب القرآن" ص 38، وانظر. "تفسير الثعلبي" 1/ 69 ب، وابن عطية 1/ 281، و"تفسير القرطبي" 1/ 321، "زاد المسير" 1/ 76، و"تفسير ابن كثير" 1/ 94. (¬3) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 264، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 97، "تفسير ابن عطية" 1/ 281. (¬4) كذا في (أ)، (ج) وفي (ب) بدون إعجمام، وفي "الوسيط": (لا يقضي ولا يغني) وفي الحاشية قال: في (أ)، (ب): (لا تقضي ولا تعني) 1/ 99، وفي "تفسير الطبري": (لا تقضي ولا تغني)،1/ 266، وانظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 69 ب، "تهذيب اللغة" (جزى) 1/ 601. (¬5) هو أبو بُردة بن نِيَار بن عمرو الأنصاري، من حلفاء الأوس، صحابي جليل شهد العقبة وبدرا والمشاهد النبوية الأخرى، توفي سنة اثنتين وأربعين، انظر "طبقات ابن سعد" 3/ 451، "الإصابة" 4/ 18، 3/ 596، "سير أعلام النبلاء" 2/ 35. (¬6) قطعة من حديث في قصة أبي بردة بن نِيَار، حينما ذبح قبل صلاة العيد، فأذن له النبي صلى الله عليه وسلم أن يضحي بالجذعة المعزى. أخرجه البخاري في عدة =

ولا تقضي (¬1)، ومنه أيضا ما روي (أن رجلا كان يداين للناس، وكان له كاتب ومتجاز، وكان يقول له: إذا رأيت الرجل معسرا فأنظره، فغفر الله له (¬2)، فالمتجازي: المتقاضي (¬3). ومنه الجزية، لأن معناها في كلام العرب: الخراج المجعول على الذمي، سمي جزية لأنها قضاء منه (¬4). قال أهل (¬5) العربية: وأصل هذا الحرف من الجزاء الذي هو ¬

_ = مواضع، فأورده (955) كتاب (العيدين) باب (الأكل يوم النحر). و (965) باب (الخطبة بعد العيد)، و (968) باب: (التبكير إلى العيد)، و (983) باب (كلام الإمام والناس في خطبة العيد). و (5545) كتاب (الأضاحي) باب (سنة الأضحية)، و (5556) باب (قول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بردة ضح بالجذع من المعز)، و (5560) باب (الذبح بعد الصلاة). و (5563) باب (من ذبح قبل صلاة وأعاد). أخرجه مسلم من عدة طرق (1961) كتاب الأضاحي، وأخرجه أبو داود (2800) كتاب: (الأضاحي) باب (ما يجوز من السن في الضحايا)، وأحمد في "مسنده" 4/ 282، 298، 303 كلهم عن البراء. (¬1) ذكره أبو عبيد عن الأصمعي. "غريب الحديث" 1/ 43، وانظر: "تهذيب اللغة" (جزى) 1/ 601. (¬2) الحديث بهذا النص ذكره أبو عبيد في الغريب قال: (ومنه حديث يروى عن عبيد ابن عمير: (أن رجلا كان يداين الناس ..) الحديث. "غريب الحديث" 1/ 43. ولم أجده بهذا اللفظ، وقد أخرج البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كان تاجر يداين الناس فإذا رأى معسرًا قال لفتيانه: تجاوزوا عنه لعل الله أن يتجاوز عنا، فتجاوز الله عنه" (2078) كتاب البيوع باب (من أنظر معسرًا)، وأخرج مسلم (1562) كتاب (البيع)، باب (فضل إنظار المعسر). ذكره الألباني في "صحيح الجامع الصغير" "وزيادته" (4454). (¬3) "غريب الحديث" لأبي عبيد 1/ 43، "الصحاح" (جزى) 6/ 2302. (¬4) "تهذيب اللغة" (جزى) 1/ 602. (¬5) في (ب): (وقال) و (أهل) ساقط.

المكافأة، ومقابلة الشيء بالشيء، فيجزي بمعنى: يكفى، لأنه يقابل فيه الشىء بمقداره (¬1). ومعنى (لا تجزي نفس عن نفس) أي لا يقابل مكروهها بشيء يدرؤه عنها (¬2). وموضع (لا تجزي) نصب، لأنه صفة ليوم (¬3). والعائد على اليوم محذوف من الآية، واختلف النحويون فيه، فقال الفراء (¬4): التأويل: (لا تجزي فيه نفس عن نفس) ثم حذفت الصفة (¬5)، ومثله قوله: {وَأَنذِرْهُم يَوْمَ ¬

_ (¬1) قال الأزهري: (وبعض الفقهاء يقول: أجزى عنك بمعنى جزى، أي: قضى. وأهل اللغة يقولون: أجزأ بالهمز، وهو عندهم بمعنى: كفى "تهذيب اللغة" (جزى) 1/ 601، وانظر: "الصحاح" (جزى) 6/ 2302، "اللسان" (جزى) 2/ 621، قال الطبري في "تفسيره": (وأصل (الجزاء) في (كلام العرب): القضاء والتعويض .. ، وقال قوم من أهل العلم بلغة العرب: (يقال: أجزيت عنه كذا): إذا أعنته عليه، وجزيت عنك فلانا: إذا كافأته. وقال آخرون منهم: بل (جزيت عنك): قضيت عنك، و (أجزيت): كفيت، وقال آخرون منهم: (بل هما بمعنى واحد ..) وزعم آخرون أن (جزى) بلا همز: قضى. و (أجزأ) بالهمز: كافأ. "تفسير الطبري" 1/ 226، وانظر. "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 38 - 39. (¬2) قال ابن جرير في "تفسيره": (واتقوا يومًا لا تقضي نفس عن نفس شيئًا ولا تغني عنها عنى) الطبري في "تفسيره" 1/ 266، و"تفسير أبي الليث" 1/ 116، و"تفسير الثعلبي" 1/ 69ب، و"تفسير ابن عطية" 1/ 282، و"تفسير البغوي" 1/ 90، و"تفسير الرازي" 3/ 54، و"تفسير ابن كثير" 1/ 95. (¬3) انظر: "مشكل إعراب القرآن" 1/ 44، "البيان" 1/ 80، "الإملاء" 1/ 35، وقال النحاس: قوله: (لا تجزى) في موضع نصب عند البصريين على نعت لليوم، وعند الكوفيين صلة. "إعراب القرآن" 1/ 171. (¬4) انظر "معاني القرآن" الفراء 1/ 31. (¬5) مراده بالصفة حرف الجر، كما هو في اصطلاح الكوفيين، وهو هنا (في) المتصل =

الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ} [غافر: 18] والمعنى: ما للظالمين فيه من حميم (¬1)، وكذلك قوله: {يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا} [الدخان: 41] أي: فيه، وهذا أيضا مذهب سيبويه (¬2). وكان الكسائي لا يجيز إضمار الصفة، ويقول: إن المحذوف هاهنا (¬3) (الهاء) وتقديره كأنك قلت: (واتقوا يوما لا تجزيه نفس عن نفس) فجعل اليوم مفعولا على السعة، ثم ألقيت الهاء، كما تقول: رأيت رجلاً أحبّ، تريد (أحبه) (¬4) وينشد على هذا (¬5): قَدْ صبَّحَتْ صَبحَهَا السَّلاَمُ ... بِكَبِدٍ خَاَلطَهَا السَّنَامُ في ساعة يُحَبُّهَا الطَعَامُ (¬6) ¬

_ = بالضمير العائد على اليوم. انظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 31، "الحجة" لأبي علي 2/ 44، 45. (¬1) انظر: "الحجة" 2/ 45. (¬2) وهو مذهب البصريين وجماعة من الكوفيين، انظر "معاني القرآن" للزجاج 1/ 89، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 171، "معاني القرآن" للأخفش 1/ 258، "المشكل" لمكي 1/ 44، "تفسير ابن عطية" 1/ 282، "البحر" 1/ 189، 190، قال أبو حيان. والوجهان يعني تقديره: لا تجزى فيه ولا تجزيه، جائزان عند سيبويه والأخفش والزجاج، انظر: "تفسير القرطبي" 1/ 321 - 322. (¬3) في (ج): (هنا). (¬4) انظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 32، والزجاج 1/ 98، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 171، "تفسير الطبري" 1/ 265، و"البيان" 1/ 80، و"تفسير القرطبي" 1/ 321، "البحر" 1/ 190. (¬5) في (ب): (على هذا قال). (¬6) الرجز لم ينسب، والرواية في جميع المصادر (سنام)، ومعنى: (صبحت): أتت بالصبوح، واستعمله في الطعام الذي أتته به مجازا، ويدعوا لها بالخير: (صبحها السلام)، لأنها أتته به على حاجة شديدة للطعام. ورد الزجر في "معاني القرآن" =

يعني يُحَبُّ فيها، فجعل الظرف مفعولا على السعة، وهذا أيضا مذهب الأخفش (¬1). قال الكسائي: ولو أجزت إضمار الصفة هاهنا لأجزت: أنت الذي كلمت، وأنا أريد: كلمت فيه، وهذا رجل قصدت، وأنا أريد: إليه، وهذا رجل أرغب، وأنا أريد: فيه، ولم يجز إضمار حرف الصفة في هذه المواضع كذلك في الآية (¬2). قال الفراء والزجاج وجماعة النحويين: لا يلزم ما ذكره الكسائي، لأن الصفة مع الظروف جائزة الحذف، ألا ترى أنك تقول: أتيتك يوم الخميس [وفي يوم الخميس] (¬3) فيكون المعنى واحد، وإذا قلت: كلمتك، كان غير معنى كلمت فيك، فلما اختلف المعنى مع الأسماء التي لا تكون ظروفا لم يجز إضمار الصفة معها. و (اليوم) من أسماء الزمان، وأسماء الزمان يكون فيها ما لا يكون في غيرها (¬4). قال أبو علي (¬5): الظروف نوع من أنواع المفعولات المنتصبة عن ¬

_ = للفراء 1/ 32، و"تفسير الطبري" 1/ 265، "الكامل" 1/ 34، "الحجة" لأبي علي 2/ 45، "المخصص" 12/ 243، 14/ 75. (¬1) مذهب الأخفش جواز الوجهين كما سبق، انظر: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 258 - 260. (¬2) انظر: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 260، و"معاني الفراء" 1/ 32، و"إعراب القرآن" للنحاس 1/ 171، و"تفسير القرطبي" 1/ 321، و"البحر" 1/ 190. (¬3) (وفي يوم الخميس) ساقط من (أ)، (ج) والواو من قوله: (وفي) ساقطة من (ب) وثوبتها يقتضيه السياق، الجملة بهذا النص في "معاني القرآن" للفراء 1/ 32. (¬4) انظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 32، و"معاني الأخفش" 1/ 260، و"معاني الزجاج" 1/ 99. (¬5) نقل الواحدي عن "الإغفال" ص 174 (رسالة ماجستير).

تمام الكلام، وهو زمان أو مكان (¬1). فأما أسماء الزمان: فالفعل يتعدى إلى مختصه ومبهمه ومعرفته ونكرته وكل نوع منه، كما يتعدى إلى المصدر، وكل ضرب منه. وإنما كان كذلك لاجتماعهما (¬2) في دلالة الفعل عليهما. ألا ترى أن في لفظ (¬3) الفعل دلالة على الزمان كما أن في لفظه دلالة على الحدث. وأما أسماء المكان فإن الفعل يتعدى إلى المبهم منها بغير حرف الجر دون (¬4) المختص (¬5). ومعنى المبهم منها ما كان شائعاً ولم يكن له حدود معلومة نحو: خلف وقدام وسائر الجهات الست، وعند. ألا ترى أنه لا حدود لهذه المسميات تقف عندها، كما للمسجد والسوق (¬6) والبيت وبغداد والبصرة، تقول: (قمت خلفك) فتعدي إليه الفعل، و (قمت في المسجد)، ولا تقول: (قمت المسجد)، وإنما كان كذلك لأن الفعل لا يدل على ظروف المكان ¬

_ (¬1) في "الإغفال": (أو مشبه بهما) ص 174. (¬2) في (أ)، (ج): (لاجتماعها) وأثبت ما في (ب) لأنه أصوب وموافق لما في "الإغفال" ص 174. (¬3) في (ب) تكرار ونصها: (ألا ترى أن لفظ الفعل دلالة الفعل عليهما ألا ترى أن في لفظ الفعل دلالة على الزمان ..). (¬4) (دون) ساقط من (ب). (¬5) ذكر كلام أبي علي بمعناه. "الإغفال" ص 175، وانظر: "الكتاب" 1/ 412 - 417. (¬6) نص كلام أبي علي: (.. ألا ترى أنه لا حدود لهذه المسميات تقف عندها فتحصرها بها، كما تحصر بها المختصة منها نحو: المسجد والسوق ..) "الإغفال" ص 174، وكلامه أوضح من عبارة الواحدي.

بلفظه وإنما يدل عليها بالمعنى كما يدل على المفعول، والمفعول إذا تعدى الفعل إليه بحرف جر لا يجوز حذف حرف الجر منه إلا أن يسمع ذلك من العرب (¬1). ألا ترى أنك تقول: مررت بزيد، ولا يجوز أن تقول: مررت زيداً (¬2)، فكذلك كان القياس في جميع ظروف المكان أن يتعدى الفعل إليها (¬3) بحرف الجر، إلا أن المبهمة جاز حذف الجر منها، لأنها قد أشبهت ظروف الزمان، وذلك أنه ليس لها خلق (¬4) كما أن الزمان لا خلقة له، فباين ظروف المكان بعضها بعضا (¬5). فالخلف والقدام وهذه المبهمة يجوز أن تنقلب كلها فيصير الخلف قداما، والقدام خلفا، كما يجوز أن ينقلب ظرف (¬6) الزمان فيصير اليوم أمس. فلما شبهت المبهمة من ظروف المكان بظروف الزمان عَدَّوْا إليها الفعل من غير توسط حرف الجر. وأما المختصة كالدار والبيت والمسجد ¬

_ (¬1) "الإغفال" ص 174 - 175، نقل كلامه بالمعنى. (¬2) في (ب): (مزيدا). (¬3) (اليها) ساقط من (ب). (¬4) أي ليس لها مدلول محسوس وحيز وهيئة، إنما مدلولها معنوي، كالقدام والخلف، وهذه العبارة لم ترد في "الإغفال". (¬5) في (أ)، (ج): (بعضها بعضها) وأثبت ما في (ب)، لأنه أصوب، المراد أن ظروف المكان تختلف، فظروف المكان غير المختصة لها حكم ظروف الزمان، بخلاف ظروف المكان المختصة غير المبهمة فلا يتعدى الفعل إليها إلا بحرف الجر. (¬6) في (ب): (تنقلب ظروف).

فلها خلق (¬1) كزيد وعمرو، ألا ترى أنه لا يسمى كل بقعة مسجدا ولا دارا، فلما جرت هذه الظروف مجرى زيد وعمرو، وجب أن لا يعدى الفعل إليها إلا (¬2) بحرف جر، فأما قولهم: (ذهبت الشام) يريدون إلى الشام، فهو شاذ عند سيبويه، وقولهم: (دخلت البيت) فهو - أيضا شاذ عنده (¬3). وهو عند أصحابه مفعول به، لأنه ظرف صير مفعولا، فهو عندهم بمنزلة: هدمت البيت (¬4). قال أبو علي (¬5): والجائز عندي من هذه الأقاويل التي قيلت في الآية قول من قال: إن (اليوم) جعل (¬6) مفعول (تجزي) على السعة، كقول الشاعر: وَيَوْمٍ شَهِدْنَاهُ (¬7) سُلَيْماً وَعَامِرًا (¬8) ¬

_ (¬1) في (ج): (حلف). (¬2) في (ب): (اليها لا). (¬3) انظر: "الكتاب" 1/ 414. (¬4) انظر: "الإغفال" ص 175 - 176، نقل الكلام بمعناه. (¬5) "الإغفال" ص 176. (¬6) (جعل) ساقط من (ب). (¬7) في (ج): (شهدنا). (¬8) البيت لم يرد ضمن كلام أبي علي في هذا الموضع، وإنما ورد في كلام أبي إسحاق الزجاج، الذي نقله أبو علي، واستدرك عليه، انظر: "الإغفال" ص 172، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 98، والبيت من (شواهد سيبويه) 1/ 178، وورد في "المقتضب" 3/ 105، "الكامل" 1/ 33، "مغني اللبيب" 2/ 503، "شرح المفصل" 2/ 46، "همع الهوامع" 3/ 166، والقرطبي في "تفسيره" 1/ 321، وقد نسبه سيبويه لرجل من بني عامر، وعجزه: قَلِيلٍ سِوى الطَّعْنِ النِّهَال نَوَافِلُه

ثم حذفت (الهاء) من الصفة كما تحذف من الصلة، وحذف (الهاء) من الصفة كحذفها (¬1) من الصلة، وذلك أن الصفة تخصص الموصوف كما أن الصلة تخصص الموصول، ومرتبتها أن تكون بعد الموصوف، كما أن مرتبة الصلة (¬2) كذلك، وتتضمن الصفة ذكرا من موصوفها كما تتضمنه الصلة من موصولها، فشدة مشابهتهما على (¬3) ما تراه. وقد كثر مجيء الصلة محذوفاً منها العائد، كقولك: (الذي رأيت زيد) والصفة كالصلة على ما ذكرنا من المشابهة، وإذا [قال] (¬4) كذلك حسن الحذف منها حسنه من الصلة. فإن قال قائل: إذا جاز حذف الضمير المتصل من الصفة في نحو قولك: (هذا رجل ضربت)، و (الناس رجلان: رجل أكرمت ورجل أهنت) فلم لا يجوز حذف الجار والمجرور من حيث جاز حذف الهاء؟ قيل: إنما ¬

_ = ويروي البيت (يوما) و (يوم) مجرور برب المحذوفة، وسُلَيْم وعامر: قبيلتان من قيس عيلان، وقليل: مجرورة صفة ليوم، والنِّهال: المرتوية بالدم، والنوافل: الغنائم. والشاهد فيه نصب ضمير العائد على (يوم) بالفعل على التشبيه بالمفعول به اتساعًا ومجازًا. (¬1) في (أ)، (ب): (لحذفها) وأثبت ما في (ب)، لأنه هو الصواب، وأقرب إلى عبارة أبي علي في "الإغفال" ونص كلامه: (والجائز عندي من هذه الأقاويل التي قيلت في الآية قول من قال: إن اليوم جعل مفعولًا على السعة ثم حذفت الهاء من الصفة، كما تحذف من الصلة، لأن حذفها منها في الكثرة والقياس كحذفها منها. أما القياس فلأن الصفة تخصص الموصوف ..) ص 176. (¬2) في (ج): (كما أن الصلة تكون كذلك). (¬3) في (ج): (مشابهتها كما تراه). (¬4) كذا وردت في جميع النسخ، وهو تصحيف والنص في "الإغفال" (فإذا كان كذلك) ص 177، وهذا هو الصواب.

جاز حذف الضمير المتصل من الصفة (¬1) لمشابهتها الصلة، وقد كثر حذف ذلك في الصلة وحسن، فلما كثر ذلك في الصلة وشابهتها الصفة شبهت بها أيضًا في حذف الضمير منها. ولا اختلاف بين الجميع (¬2) في أن الضمير إذا خرج عن الفعل إلى الحرف فلم يتصل به لم يحذف من الصلة، فمن قال: (الذي ضربت زيد) لم يقل: (الذي رغبت زيد)، ولا (الذي مررت زيد) (¬3)، إذا أراد (فيه) و (به) وإذا لم يجز ذلك في الأصل الذي هو الصلة المشبه به الصفة، كان في الصفة أبعد من الجواز (¬4). وقوله تعالى: {وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ}. قبول الشيء: تلقيه، والأخذ به، وخلاف الإعراض عنه (¬5). اللحياني: يقال (¬6): قبلت الشيء أَقْبلَه قَبُولاً وقُبُولاً، وعلى فلان قَبُول، أي تقبله العين (¬7)، ومثل ذلك قال ابن الأعرابي (¬8). وقوله: {شَفَاعَةٌ} قال المبرد وثعلب: الشفاعة: كلام الشفيع الملك (¬9) في حاجة يسألها لغيره (¬10). وهو من الشفع الذي هو خلاف ¬

_ (¬1) في (ب): (الصلة). (¬2) في (ب): (الجمع). وفي "الإغفال": (.. بين الجميع من البصريين ..) ص 178. (¬3) في (ج): (زيدا). (¬4) أنتهى ما نقله عن أبي علي الفارسي من كتاب "الإغفال" ص 174 - 178. (رسالة ماجستير) وقد نقل الواحدي كلام أبي علي بتصرف. (¬5) بنصه في "الحجة" لأبي علي 2/ 46. (¬6) في (ب): (يقول). (¬7) في (ج): (ليس). (¬8) "تهذيب اللغة" (قبل) 3/ 2875. (¬9) كذا في جميع النسخ، وفي "تهذيب اللغة"، و"اللسان": (للملك). (¬10) "تهذيب اللغة" (شفع) 2/ 1897، وانظر: "اللسان" (شفع) 4/ 2289.

الوتر، وكأنه سؤال من الشفيع يشفع سؤال المشفوع له (¬1). قال أحمد بن يحيى: الشفعة (¬2) من هذا، ومعناها في اللغة كالزيادة، وهو أن يُشَفِّعَك فيما تطلب (¬3) حتى تضمه إلى ما عندك فتزيده (¬4) وتشفعه بها، أي أنه كان وترا فضم إليه ما زاده وشفعه به (¬5). ومن هذا يقال: شاة (¬6) شافع، إذا كان معها ولدها (¬7). قال أصحاب المعاني: ليس معنى: {وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ} أن هناك (¬8) شفاعة لا تقبل، وإنما المعنى لا يكون (¬9) شفاعة فيكون لها قبول، كما أن قوله: {لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا} [البقرة: 273]، معناه: لا يكون منهم سؤال فيكون إلحاف (¬10)، ويقول امرؤ القيس: ¬

_ (¬1) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 267، "تهذيب اللغة" (شفع) 2/ 1898، "اللسان" (شفع) 4/ 2289. (¬2) في (ج): (الشفاعة). (¬3) في (ج): (يطلب). (¬4) في (ج): (فتزيده بها). (¬5) "تهذيب اللغة" (شفع) 2/ 1898، وفيه: (قال المنذري وسمعت أبا العباس وسئل عن اشتقاق الشفعة في اللغة فقال: الشفعة: الزيادة ..)، وانظر: "اللسان" (شفع) 4/ 2290. (¬6) قوله: (يقال شاة) ساقط من (ب). (¬7) ذكره أبو عبيدة في "غريب الحديث" 1/ 257، وذكره عنه الأزهري، "تهذيب اللغة" (شفع) 2/ 1898. (¬8) في (ب): (وأن هناك). (¬9) في (ب): (تكون) ومثله في "الحجة" لأبي علي 2/ 47. (¬10) نقله عن أبي علي من "الحجة" 2/ 46، 47، - ولم أجده عن أحد من أهل (المعاني) فيما اطلعت عليه وظاهر كلام أبي علي نفي أصل الشفاعة، حيث قال =

عَلَى لاَحِبٍ لاَ يُهْتَدى لِمَنَارِه ... إِذَا سَافَهُ العَوْدُ الدِّيَافِيُّ جَرْجَرَا (¬1) أي ليس هناك (منار) فيكون اهتداء، وكقوله أيضًا-: وَلاَ تَرى الضَّبَّ بهَا يَنْجَحِرْ (¬2) أي ليس هناك (ضب) فيكون منه (¬3) انجحار. ¬

_ = بعده فأما قوله: {وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا} [النجم: 26]، فالمعنى لا تغني شفاعتهم أن لو شفعوا، ليس أن هناك شفاعة مثبتة ..) "الحجة" 2/ 48. ونفى أصل الشفاعة هو مذهب المعتزلة، كما قرره الزمخشري في "الكشاف" في تفسير هذه الآية، ورد عليه أحمد بن محمد بن المنير في كتاب "الإنصاف" في "حاشية الكشاف" 1/ 278. ومعنى الآية عند الجمهور: أنه وإن كان ظاهرها العموم فهي مخصوصة بمن مات على كفره غير تائب. انظر: "تفسير الطبري" 1/ 268، و"تفسير البغوي" 1/ 900، و"تفسير ابن كثير" 1/ 95. ولم ينبه الواحدي على كلام أبي علي الموهم لنفي الشفاعة، مع أن الواحدي ذكر المعنى الصحيح في الآية في موضع آخر كما سيأتي. (¬1) يروي البيت في جميع المصادر (بمناره) وفي "ديوان امرئ القيس" (النباطي) بدل (الديافي) قوله (على لاَحِبٍ): اللاحب الطريق البين الذي لحبتته الحوافر، ثم يستعمل لكل طريق بين وخفي، و (لا يهتدي لمناره): ليس فيه علم ولا منار يهتدى به، (سافه العَوْد) أي شمه المسن النجائب، (جرجرا): صوت ورغاء الإبل. ورد البيت في "تهذيب اللغة" (لحف) 2/ 1598، (ساف) 2/ 1132، (داف) "الحجة" 2/ 47، "شرح أشعار الهذليين" 1/ 36، "الخصائص" 3/ 165، 321، "مقاييس اللغة" 2/ 318، "اللسان" (ديف) 3/ 1466، (سوف) 4/ 2153، "الخزانة" 10/ 258، "ديوان امرئ القيس" ص 64. (¬2) عجز بيت نسبه بعضهم لعمرو بن أحمر وصدره: لاَ يُفْزِعُ الأَرْنَبَ أَهْوَالُهَا يقول ليس ثم هول تفزع منه الأرنب، وليس هناك ضب فيكون منه انجحار. ورد البيت في "شرح أشعار الهذليين" 1/ 36، "الخصائص" 3/ 146، 321، "الحجة" لأبي علي 2/ 47. (¬3) في (ب): (هناك).

وقرئ قوله: {وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ} بالياء والتاء (¬1)، فمن قرأ بالتاء قال: الاسم الذي أسند إليه هذا الفعل مؤنث، فيلزم أن يلحق المسند (¬2) أيضا علامة التأنيث، ليؤذن لحاق العلامة (¬3) بتأنيث الاسم. ومما يقوي هذا أن كثيرا من العرب إذا أسند الفعل إلى المثنى أو المجموع ألحقوه علامة التثنية والجمع (¬4)، كقوله: أُلْفِيَتَا عَيْنَاكَ عِنْدَ القَفَا (¬5) وقول آخر: ... يَعْصِرْنَ السَّلِيَط أَقَارِبُهْ (¬6) ¬

_ (¬1) قرأ ابن كثير وأبو عمرو بالتاء، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي ونافع بالياء، وروى الوجهان عن عاصم. انظر "السبعة" ص 155، "الحجة" 2/ 43، "التيسير" ص 73. (¬2) في (ج): (بالمسند). (¬3) في (ب): (علامة لحاق). (¬4) هذا على اللغة المعروفة بلغة (أكلوني البراغيث) وهي لغة قليلة مشهورة. انظر: "الأشموني مع حاشية الصبان" 2/ 47 - 48. (¬5) شطر البيت من قصيدة لعمرو بن ملقط، أوردها أبو زيد، وعجزه: أوْلَى فَأوْلَى لَكَ ذَا وَاقِيَةْ وأورد صاحب "الخزانة" وشرحها. قوله: (اولى لك): كلمة وعيد وتهديد، و (الواقية): مصدرها بمعنى الوقاية، يصفه بالهروب، ويقول أنت ذو وقاية من عينك عند فرارك تحترس بهما، ولكثرة تلفتك حينئذٍ، صارت عيناك كأنهما في قفاك. انظر: "النوادر" ص 268، "الحجة" 2/ 51، "مجمل اللغة" 1/ 483، "الخزانة" 9/ 31. والشاهد لحاق ألف التثنية في قوله: (الفيتا). (¬6) قطعة من بيت من قصيدة للفرزدق يهجو عمرو بن عفراء الضبي، وتمامه: ولكن دِيَافِيٌّ أَبُوهُ وَأُمُّهُ ... بِخَوْرَانَ يَعْصِرْنَ السَّلِيَط أقَارِبُهْ يقول: هو قروي من (دياف) قرية بالشام يعتمل لإقامة عيشه، وليس كما عليه =

فكما ألحقوا هاتين العلامتين لتؤذنا بالتثنية والجمع، كذلك ألحقت علامة التأنيث الفعل لتؤذن بما في الاسم منه، وكان لحاق هذه العلامة أولى من لحاق علامتي التثنية والجمع، للزوم علامة التأنيث (¬1) الاسم، وانتقاء لزوم هاتين العلامتين الاسم، لأنه إذا وحد (¬2) زالت علامة التثنية والجمع. ولا يتوهم سقوط الهاء من الشفاعة (¬3)، وبحسب لزوم المعنى تلزم (¬4) علامته (¬5). ومن قرأ بالياء، فلأن التأنيث في الاسم ليس بحقيقي، وإذا كان كذلك حمل على المعنى فذكّر، ألا ترى أن الشفاعة (¬6) والتشفع بمنزلة (¬7)، كما أن الموعظة والوعظ، والصيحة والصوت كذلك، وقد قال: {فَمَن ¬

_ = العرب من الانتجاع والحرب، و"السليط": الزيت. ورد البيت في "الكتاب" 2/ 40، "وشرح أبياته للسيرافي" 1/ 491، "الخصائص" 2/ 194، "الحجة" 1/ 132، 2/ 52، "الخزانة" 5/ 163، 234، 235، 237، 239، 7/ 346، 446، 11/ 373، "شرح المفصل" 3/ 89، 7/ 7، "الهمع" 2/ 257، "اللسان" (سلط) 4/ 2065، (ديف) 3/ 1466، "ديوان الفرزدق" 1/ 46. والشاهد: لحاق نون الجمع في قوله (يعصرن). (¬1) في (ج): (الفعل الاسم). (¬2) في (ب): (وجدو). (¬3) فإذا لزمت علامة التأنيث في الاسم يحسن إلحاقه الفعل. "الحجة" 2/ 52. (¬4) (أ)، (ج): (يلزم)، وما في (ب) موافق للحجة. (¬5) من "الحجة" لأبي علي بنصه 2/ 51، 52، وانظر: "الحجة" لابن خالويه ص 76، "الحجة" لابن زنجلة ص 95، "الكشف" لمكي 1/ 238. (¬6) في (ب): (الشفيع). (¬7) أي: أن تأنيث الشفاعة ليس حقيقيًّا، فلفظ (الشفاعة) وهو مؤنث مثل لفظ (التشفع) وهو مذكر. انظر: "الحجة" لابن زنجلة ص 95.

جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ} [البقرة: 275]، {وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ} [هود: 67] فكما لم يُلحق (¬1) العلامة هاهنا كذلك يحسن أن لا تُلحق (¬2) في هذه الآية. ومما يقوي التذكير أنه فصل بين الفعل والاسم، والتذكير يحسن مع الفصل كما حكي من قولهم: (حضر القاضي اليوم (¬3) امرأة)، فإذا جاء التذكير في (¬4) الحقيقي مع الفصل فغيره أجدر بذلك (¬5). قال أبو علي (¬6): فأما ما قاله أحمد بن يحيى من أن التذكير أجود، لقول ابن مسعود (ذَكِّروُا القرآن) (¬7) لا يجوز حمله على تذكير التأنيث، لأنه ¬

_ (¬1) في "الحجة": (لم تلحق) 2/ 52. وهو الأولى. (¬2) في (أ)، (ب): (يلحق) وأثبت ما في (ج)، لأنه أصوب وموافق لما في "الحجة". (¬3) (اليوم) ساقط من (ب). (¬4) في (ب): (يحسن في الحقيقي). (¬5) كذا بنصه من "الحجة" 2/ 52، 53، وذكر هذه الحجج ابن خالويه ص 76 وابن زنجلة ص 95، ومكي في "الكشف" 1/ 238، وذكر مكي أربع علل وهي داخلة فيما ذكر أبو علي، والرابعة ما روي عن ابن مسعود: ذكروا القرآن. وهذه العلة ذكرها أبو علي، ثم ردها كما سيأتي. (¬6) (الحجة) لأبي علي 2/ 53. (¬7) ذكره مكي في "الكشف" قال: ذكر أبو عبيد عن ابن مسعود أنه قال (ذَكِّروا القرآن، وإذا اختلفتم ... إلخ فاجعلوها ياء)، وذكر أن هذه اللفظة: وإذا اختلفتم .. إلخ رواية عن ابن عباس. "الكشف" 1/ 238، وذكر ابن خالويه: وإذا اختلفتم .. إلخ عن ابن مسعود. "الحجة" ص 76. وذكره في (الفائق) بلفظ في الحديث (القرآن ذكر فذكروه) ولم يعزه. "الفائق" 2/ 13، وفي "النهاية في غريب الحديث" قال: وفيه: (القرآن ذكر فذكروه) أي أنه جليل خطير فأجلوه. "النهاية في غريب الحديث" 2/ 163.

لا يخلو إما أن أراد تذكير (¬1) التأنيث الحقيقي أو غير الحقيقي (¬2). ولا يجوز أن يريد تذكير الذي هو غير الحقيقي، لأن ذلك قد جاء في القرآن ما لا يحصى كثرة، كقوله: {وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ} (¬3) [الأنعام: 32] و {النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ} [الحج: 72]، {وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (29)} [القيامة: 29]، و {قَالَتْ رُسُلُهُمْ} [إبراهيم: 10]، و {كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ} [الحاقة: 7]، و {وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ} [ق: 10] فإذا (¬4) كان هذا النحو على الكثرة التي تراها، فلا يجوز أن يريد هذا. وإذا لم يجز أن يريد هذا كان إرادة تذكير التأنيث الحقيقي أبعد، كقوله: {إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ} [آل عمران: 35]، وقوله: {وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا} [التحريم: 12]، {وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ} [القصص: 11]. فإن قلت: إنما يريد: [إذا] (¬5) احتمل الشيء التذكير والتأنيث، فاستعملوا التذكير وغلبوه. قيل هذا أيضا لا يستقيم، ألا ترى أن فيما تلونا {وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ} و {كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ} فأنث مع جواز التذكير فيه، يدل على ذلك في الأخرى: {أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ} [القمر: 20]، وقوله: {مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ} ¬

_ (¬1) في (ب): (أراد بتذكير). (¬2) نص كلام أبي علي في "الحجة": (لا يخلو من أن يريد به التذكير الذي هو خلاف التأنيث، أو يريد معنى غير ذلك. فإن أراد به خلاف التأنيث فليس يخلو من أن يريد: ذكروا فيه التأنيث الذي هو غير حقيقي أو التأنيث الذي هو حقيقي .. 2/ 53. (¬3) في (ج): (والدار) وهي آية الأعراف: 169. (¬4) في (ب): (وإذا). (¬5) (إذا) ساقطة من كل النسخ وأثبتها كما في "الحجة" لاقتضاء السياق لها والنص في "الحجة": (فإن قلت: إنما يريد: إذا احتمل) 2/ 54.

[يس: 80] ولم يقل الخضر (¬1) أو الخضراء، فهذه المواضع يعلم منها أن ما ذكر ليس بمراد ولا مذهب، فإذا لم يصح أن يريد به تذكير التأنيث كان معنى غيره. فمما (¬2) يجوز أن يصرف إليه، أنه يريد به الموعظة والدعاء إليه كما قال: {فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ} [ق: 45] إلا أنه (¬3) حذف الجار (¬4). أو (¬5) أراد: ذكروا الناس القرآن، أي: ابعثوهم على حفظه كيلا ينسوه (¬6). ويمكن أن يكون المعنى قوله: (ذكروا القرآن) لا تجحدوه ولا تنكروه (¬7)، كما أنكره من قال: {إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} (¬8) لإطلاقهم عليه لفظ التأنيث فهؤلاء لم يُذَكِّروه لكنهم أنثوه بإطلاقهم التأنيث، وما كان مؤنث (¬9) اللفظ عليه، وهذا كقوله: {إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا} [النساء: 117]، فإناث جمع أنثى، وإنما يعني به ما اتخذوه آلهة، كقوله: {أَفَرَأَيْتُمْ ¬

_ (¬1) في (أ)، (ج): (والخضراء) وأثبت ما في (ب) لأنه أولى، وفي "الحجة": (الخضر ولا الخضراء) 2/ 45. (¬2) في (ب): (فما لا يجوز). (¬3) في (ب): (أن). (¬4) وهذا قريب من المعنى الذي ذكره ابن الأثير في "النهاية في غريب الحديث" قال: وفيه القرآن ذَكَر فذكروه (أي: أنه جليل خطير فأجلّوه) 2/ 163. (¬5) في (ب): (وأراد). (¬6) وهذا المعنى (ذكروا الناس القرآن، أي: ابعثوهم على حفظه) غير موجود في "الحجة"، ولعله سقط من المطبوع لأن الكلام يدل عليه، 2/ 55. (¬7) في (ب): (لا يجحدوه ولا ينكروه). (¬8) الأنعام: 25، والأنفال: 31، والنحل: 24، والمؤمنون: 83، والفرقان: 5، والنمل: 68، الأحقاف: 17، والقلم: 15، والمطففين: 13. (¬9) في (أ)، (ج): (يؤنث) وأثبت ما في (ب)، لأنه أولى، والنص فى "الحجة": (.. لكنهم أنثوه بإطلاقهم التأنيث على ما كان مؤنث اللفظ كقوله ..) 2/ 55.

اللَّاتَ وَالْعُزَّى (19) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى} [النجم:19, 20] وقال (¬1) العجاج: وكُلُّ أُنثَى حمَلَتْ أَحجَارَا (¬2) فسماها أنثى لتأنيثهم لفظها. وكذلك قول الفرزدق: وَكُنَّا إذَا الجَبَّار صَعَّر خَدَّه ... ضَرَبْنَاهُ دونَ الأنْثَيَيْنِ علَى الكَرْدِ (¬3) أراد بالأنثيين الأذنين (¬4). قلت: أطال أبو علي الكلام في تأويل قول ¬

_ (¬1) في (ب) (قال) بسقوط الواو. (¬2) الرجز في (الحجة) وقبله: أَوْرَدَ حُذًّا تَسْبِقُ الأَبْصَاراَ. وليسا متتاليين في (الديوان) , بل بينهما أبيات وفيها يصف المنجنيق والْحُذْ: السهام البُترْ, وكل انثى: يعنى المنجنيق, يقول: يُرْمي بالمنجنيق فيخرج الحجر من بطن الجلد, كما يبقر بطن الحامل عن الولد. ورد في "الحجة" 2/ 55, "المخصص" 13/ 189, "اللسان" (حجر) 2/ 785, "ديوان العجاج" ص 416. (¬3) رواية البيت في "ديوان الفرزدق" وبعض المصادر: وكُنَّا إذا القيسي نب عتوده ... ضربناه فوق ............... "ديوان الفرزدق" 1/ 178, وله بيت آخر: وَكُنَّا إِذَا القيسى صَعَّر خَدَهُ ... ضَرَبْنَاهُ حَتَّى تَسْتَقِيمَ الأَخادِعُ "الديوان" 1/ 420, ويظهر انه حصل خلط بين البيتين فكثرت الرواية فيهما. قال ابن قتيبه في "المعاني الكبير": ويروي لذي الرمة. وقوله: نب عَتُودُه: تكبر, والعَتُودُ: الجدي الذى بلغ السفاد, صعر خده: أماله كبرا. الأنثيان: شحمتا الأذن, والكَرْد: أصل العنق. انظر: "المعانى الكبير" 2/ 994, "الحجة" 2/ 56, "جمهرة اللغة" 3/ 1322, "إعراب ثلاثين سورة" ص 277,"المخصص" 1/ 82, 5/ 190, 16/ 203, "المجمل" (أنث) 1/ 104, "اللسان" 7/ 4317, (نبب) 1/ 146 (أنث) , 7/ 3849 (كرد) , 7/ 3961 (كون). (¬4) انتهى ما نقله عن أبي علي من "الحجة" 2/ 53 - 56.

ابن مسعود، وهو ما ذهب إليه أحمد بن يحيى (¬1)، وأراد ابن مسعود أنه إذا احتمل اللفظ التأنيث والتذكير، ولا يحتاج في التذكير إلى تغيير الخط ومخالفة المصحف فَذَكِّر، كقوله: {وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ} لست تحتاج إلى مخالفة الخط في التذكير، ويدل على أنه أراد هذا، وأن أصحاب عبد الله من قراء (¬2) الكوفة كحمزة والكسائي ذهبوا إلى هذا، فقرؤوا ما كان من هذا القبيل بالتذكير، كقوله: (يوم يشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم) (¬3) (¬4) [النور: 24]، و {يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ} (¬5) (¬6) [آل عمران: 154] وأشباههما بالتذكير هذا الذي ذكرنا كله في التأنيث غير الحقيقي. وأما الحقيقي: فهو ما يكون منه النسل، ويقبح في مؤنثه لفظ التذكير (¬7)، لو قلت: قام جاريتك ونحر ناقتك، كان قبيحا، وهو جائز على ¬

_ (¬1) أي: أن المراد بكلام ابن مسعود، التذكير الذي هو خلاف التأنيث، وبهذا أخذ ابن خالويه في "الحجة" ص 76، ومكي في "الكشف" 1/ 238، ومما يرجع هذا ما ورد في الرواية عن ابن مسعود: (فإذا اختلفتم في التاء والياء فاجعلوه بالياء). (¬2) في (ب): (قر). (¬3) قرأ حمزة والكسائي (بالياء)، وبقية السبعة (بالتاء). انظر: "السبعة" 454، و"الكشف" على 2/ 135، "والتسير" ص 161. (¬4) في (ج): (تشهد)، وفي (أ)، (ب): (يشهد) على قراءة حمزة والكسائي. (¬5) قرأ حمزة والكسائي (بالتاء) وبقية السبعة (بالياء). انظر: "السبعة" ص 217، و"الكشف" 1/ 630 و"التسير" ص 91. (¬6) في (ج): (تغشى) بالتاء على قراءة حمزة والكسائي. (¬7) نقل الواحدي عن الزجاج من "معاني القرآن"، والنص في "المعاني": (وأما ما يعقل ويكون منه النسل والولادة نحو امرأة ورجل، وناقة وجمل فيصح في مؤنثه لفظ التذكير، ولو قلت قام جارتك، ونحر ناقتك كان قبيحًا ..) إلخ. والبقية بنصه. "المعاني" 1/ 99. وقد تصرف الواحدي في عبارة الزجاج. وقوله: (ويقبح في مؤنثه لفظ التذكير) أي: فإنه يقبح في مؤنثه ...

قبحه، لأن الناقة والجارية تدلان على معنى التأنيث، فاجتزئ بلفظهما عن تأنيث الفعل (¬1). فأما الأسماء التي تقع للمذكرين (¬2) لو سميت بها مؤنثا فلا، بد فيها من علم التأنيث، لأن الكلام للفائدة والقصد (¬3) به الإبانة (¬4)، فلو سميت امرأة بقاسم لم يجز أن تقول: جاءني قاسم، فلا يعلم أمذكرا عنيت أم مؤنثا، وليس إلى حذف هذه التاء -إذا كانت فارقة (¬5) بين معنيين- سبيل، كما أنه إذا جرى ذكر رجلين لم يجز أن تقول: قد قام، إلا أن تقول: قاما (¬6)، فعلامة التأنيث فيما فيه اللبس كعلامة التثنية (¬7) هاهنا (¬8). وقوله تعالى: {وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ}. عَدْلُ (¬9) الشيء وعِدْله: مثله (¬10)، قال الله تعالى: {أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا} [المائدة: 95]، أي: ما ¬

_ (¬1) المشهور عند النحويين أن المؤنث الحقيقي الذي لم يفصل عن فعله بفاصل يجب تأنيث الفعل له. انظر: (شرح ابن عقيل) 2/ 88. (¬2) في "المعاني" للزجاج: (للمذكرين وأصحاب المؤنث فلا بد فيها من علم التأنيث ..) 1/ 100، وعبارة الواحدي أوضح. (¬3) في (ب): (القصيدة). (¬4) في (ج): (الاباله). (¬5) في (ج): (ذار قعين). (¬6) في (ب): (قد قاما). (¬7) في (ج): (التثنية والجمع ههنا). (¬8) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 100. (¬9) (عدل) ساقط من (ب). (¬10) (العَدْل)، و (العِدْل) بمعنى المثل ومعناهما سواء، وقال الفراء: (العِدْل): المثل، (والعَدْل): ما عادل الشيء من غير جنسه. انظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 320، و"تفسير الطبري" 1/ 269، "تهذيب اللغة" (عدل) 3/ 2358، "ومعاني الزجاج" 2/ 229.

يماثله (¬1) من الصيام (¬2)، قال كعب بن مالك (¬3): صَبَرْنَا (¬4) لاَنَرى لله عَدْلاً ... عَلَى مَانَابنَا مُتَوَكِّلِينَا (¬5) أي: لا نرى له مثلا. وذكر (¬6) في التفسير أن العدل هاهنا: (الفداء) (¬7)، قال الله تعالى: {وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا} [الأنعام: 70]، قال يونس: العدل الفداء (¬8) [وسمي الفداء] (¬9) عدلا، أنه يعادل المفدي ويماثله، وأصل هذا الباب المساواة والمماثلة. ¬

_ (¬1) في (ج): (ماماثله). (¬2) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 2/ 229. (¬3) هو كعب بن مالك بن أبي كعب، الأنصاري الخزرجي، شاعر الرسول صلى الله عليه وسلم وصاحبه، وأحد الثلاثة الذين خلفوا، فتاب الله عليه، ومات سنة خمسين، وقيل: سنة أربعين، وقيل: غير ذلك، انظر: "الاستيعاب" 3/ 286، حاشية على "الإصابة"، "سير أعلام النبلاء" 2/ 523، "الجرح والتعديل" 7/ 160، "تهذيب التهذيب" 3/ 471. (¬4) في (ج): (الا ترى). (¬5) أورد الواحدي البيت فى "الوسيط" 1/ 100، وهو من قصيدة لكعب يرد بها على ضرار بن الخطاب بن مرداس، يوم الخندق؛ أورد ابن هشام القصيدتين في "السيرة" 3/ 277. (¬6) (وذكر) ساقط من (ب). (¬7) ذكره الطبري 1/ 268 - 269، وابن أبي حاتم 1/ 105، وابن قتيبة في "الغريب" ص 39، والثعلبي 1/ 70 أ، والبغوي 1/ 90، وابن كثير 1/ 95. وذكر ابن أبي حاتم عن علي وعمير بن هانئ: المراد: التطوع والفريضة، "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 105، و"ابن كثير" 1/ 95. (¬8) ذكره الأزهري، قال: أخبرني ابن فهم عن محمد بن سلام عن يونس. "تهذيب اللغة" (عدل) 3/ 2358. (¬9) ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ج).

يقال: فلان يعدل فلانا، أي يساويه، ويقال: ما يعدلك عندنا شيء، [أي ما يقع عندنا شيء] (¬1) موقعك، ولا يساويك. والعِدْل: اسم حِمْل معدول [يحصل] (¬2) أي: مسوى به (¬3). ونذكر ما قيل في العَدْل، والْعِدْل عند قوله: {أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا} [المائدة: 95] إن شاء الله. وقوله تعالى: {وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ}. قال المفسرون: أي ولا هم يمنعون من عذاب الله (¬4). ومعنى (النصر) في اللغة: المعونة (¬5)، وبينهما فرق، وهو أن المعونة قد تكون على صناعة النصرة لا تكون إلا مع منازعة. وانتصر بمعنى: انتقم، معناه بلغ حال النصرة (¬6). قال المفسرون: نزلت (¬7) الآية في اليهود، وذلك أنهم كانوا يقولون: ¬

_ (¬1) ما بين المعقوفين ساقط من (ب). (¬2) كذا في جميع النسخ (يحصل) والصواب (يحمل) كما في "التهذيب" (عدل) 3/ 2358. (¬3) "تهذيب اللغة" (عدل) 3/ 2358، وانظر: "الطبري" 1/ 269، "اللسان" (عدل) 5/ 2839. (¬4) ذكره الثعلبي 1/ 70 أ، والبغوي 1/ 90، وابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 77، وقال الطبري: لا ينصرهم ناصر ولا يشفع لهم شافع، ولا يقبل منهم عدل ولا فدية، 1/ 269، ونحوه ذكر ابن كثير 1/ 95. (¬5) انظر: "تهذيب اللغة" (نصر) 4/ 3584، "الجمهرة" 2/ 744، "اللسان" (نصر) 7/ 4439. (¬6) انظر: "اللسان" (نصر) 7/ 4439. (¬7) في (ب): (هذه الآية).

49

يشفع لنا آباؤنا الأنبياء، فآيسهم الله عن ذلك (¬1). والآية وإن عمت في نفي (¬2) الشفاعة فمعناها الخصوص فيمن (¬3) مات على الكفر، بدلالة الأخبار الصحيحة في الشفاعة (¬4)، وقوله تعالى: {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى} [الأنبياء:28] وقوله: {لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ} [النجم: 26] (¬5). 49 - قوله تعالى: {وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ} الآية. (نجيناكم): أصله على النجوة، وهي ما ارتفع واتسع من الأرض، ثم يسمى (¬6) كل فائز ناجيا، كأنه خرج من الضيق والشدة إلى الرخاء والراحة، ومنه قوله: {فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ} [يونس: 92]، أي نلقيك على نجوة (¬7). وقوله تعالى: {مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ} (¬8). اختلف أهل العربية في (الآل)، ¬

_ (¬1) ذكره الطبري في "تفسيره" 1/ 269، والثعلبي في "تفسيره" 1/ 70 أ، والزجاج في "معاني القرآن" 1/ 98. (¬2) (نفى) ساقط من (ب). (¬3) في (أ)، (ج): (فمن) وأثبت ما في (ب)، لأنه الصواب. (¬4) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 268، و"تفسير أبي الليث" 1/ 116، و"تفسير أبن عطية" 1/ 283، و"تفسير البغوي" 1/ 90، "زاد المسير" 1/ 76، وهذا قول أهل السنة والجماعة في الشفاعة، بخلاف قول المعتزلة الذين ينفون الشفاعة، وقد نقل الواحدي قولهم فيما سبق وعزاه لأهل "المعاني". (¬5) وفي (ج): {لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا} وهذه آية: 23 من يس. (¬6) في (ب): (سمى). (¬7) "تفسير الثعلبي" 1/ 70 أ، انظر: "تهذيب اللغة" (نجا) 4/ 3510، و"تفسير القرطبي" 1/ 325. (¬8) في (ب): (وقوله: لال (اختلف ..).

واشتقاقه من اللغة، وأصله. فقال جماعة: أصله (¬1) من (¬2) الأَوْل بمعنى الرجوع، فال الرجل كأنه شيعته الذين يؤولون إليه ويؤول إليهم، ومن هذا سمى السراب (آلا)، لأنه يتردد كأنه يرجع بعضه إلى بعض كالماء، وآل الرجل: شخصه، لأنه يتردد معه لا يفارقه، والآلة: الحالة (¬3) في قول الخنساء (¬4): سأَحْمِلُ نَفْسِي عَلَى آلَةٍ ... فَإِمَّا عَلَيْهَا وَإِمَّا لَهَا (¬5) لأنها تنقلب فتعود تارة إلى إنسان وتذهب تارة، هذا معنى الآل في اللغة. ثم شبه بآل الرجل أشياء تسمى بهذا الاسم وإن لم فيه معنى الأول، كعمد الخيمة (¬6) تسمى آلا، تشبيها بآل الإنسان. وآل البعير: ألواحه (¬7)، ¬

_ (¬1) في (أ)، (ج): (وأصله) بزيادة واو، وأثبت ما في (ب)، لأنه أصح في السياق. (¬2) (من) مكررة في (ج). (¬3) انظر: "التهذيب" (آل) 1/ 185، "مقاييس اللغة" (أَوَل) 1/ 159 - 161، "نزهة الأعين النواظر في علم الوجوه والنظائر" ص 122، "اللسان" 1/ 175. (¬4) في (ج): (الخنسى الخنسا). والخنساء هي: تُماضر: بضم التاء وكسر الضاد، بنت عمرو بن الشريد بن سليم، قدمت على الرسول صلى الله عليه وسلم مع قومها من بني سليم، وأسلمت معهم. شاعرة مشهور، استحسن النبي - صلى الله عليه وسلم - شعرها، وانظر ترجمتها في "الشعر والشعراء" ص213، "الإصابة" 4/ 287. (¬5) من قصيدة من غرر مراثيها في أخيها معاوية، وقيل: في رثاء صخر، وقولها: على آلة: على حالة وعلى خطة، فإما ظفرت وإما هلكت، انظر: "شرح ديوان الخنساء" ص 84، "مقاييس اللغة" (أول) 1/ 162. (¬6) انظر: "مقاييس اللغة" (أول) 1/ 161، "اللسان" (أول) 1/ 174 - 175. (¬7) في (أ)، (ج): (الوجه) وأثبت ما في (ب) لأنه موافق لما في كتب اللغة. قال ابن فارس: آل البعير ألواحه وما أشرف من أقطار جسمه "مقاييس اللغة" (أول) 1/ 161، وانظر: "اللسان" (أول) 1/ 173.

وقال (¬1) الشاعر: تَعَلَّمْتُ با جاد (¬2) وآلَ مُرَامِرٍ ... وَسَوَّدْتُ أَثْوابِي وَلَسْتُ بِكَاتِبِ (¬3) ومرامر رجل وضع الهجاء، فسمى حروف الهجاء آل مرامر. ويقال للحواميم آل حم، ومنه قول الكميت: وَجَدْنَا لَكُمْ فِي آلِ (¬4) حم آيةً ... فَأَوَّلَهَا (¬5) مِنَّا تَقِيٌّ وَمُعْرِبُ (¬6) فعلى قول هؤلاء (¬7) تصغير الآل (أُويَلْ)، حكاه الفراء عن الكسائي (¬8)، وكان أصله همزتان، فعوضت من أحدهما مدة. ¬

_ (¬1) (الواو) ساقطة من (ب). (¬2) كذا في جميع النسخ، ومثله في "معاني القرآن" للفراء1/ 369، وفي "اللسان" (باجادا) 7/ 4178. (¬3) مرامر بن مرة رجل من طيئ، قيل: إنه أول من وضع الهجاء، وآل: حروف الهجاء، لأنه شهر بها أو لأنه سمى أولاد الثمانية بأسماء جملها. ذكر البيت الفراء في "معاني القرآن"، وقال: أنشدني الحارثي 1/ 369، وهو في "اللسان" (مرر) 7/ 4178. (¬4) كذا في جميع النسخ، وفي بعض المصادر، (حميم). (¬5) في (ب): (بأولها) والرواية المشهورة للبيت (تأولها). (¬6) البيت في ذكر بني هاشم، وكان الكميت متشيعا، يقول: وجدنا في سور (آل حميم) وهي التي أولها (حم) والآية: {قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} [الشورى: 23]، يقول: من تأول هذه الآية لم يسعه إلا التشيع لآل البيت، على تقية، أو على غير تقية، والمعرب: المعلن لما في نفسه، انظر: "الكتاب" 3/ 257، "المقتضب" 1/ 238، 3/ 356، "الحجة" لابن خالوية ص312، "تهذيب اللغة" (عرب) 3/ 2379، (طسن) 3/ 2192، "المخصص" 17/ 37، "اللسان": (عرب) 5/ 2865، (حمم) 2/ 1006، ولم أجده في شعر الكميت. (¬7) أي: على قول الذين قالوا: أصله (من آل يؤول أولاً) من الرجوع. (¬8) "تهذيب اللغة" (آل) 15/ 438، "المشكل" لمكي 1/ 46، و"الدر المصون" 1/ 341.

وقال أبو الفتح الموصلي (آل) (¬1) أصله: أهل، ثم أبدلت الهاء همزة، كما قيل: هَنَرْتُ الثوب (¬2) وأنَرْتُه، وإياك وهِيَّاك. فصار: (أَأْل) فلما توالت الهمزتان، أبدلت الثانية ألفا، كما قالوا: آدم وآخر، وفي الفعل: آمن ونحوه. فالألف في (آل) (¬3) بدل من بدل (¬4) من الأصل (¬5)، فجرت في ذلك مجرى التاء في القسم، فلذلك لا يستعمل (آل) في كل موضع يستعمل فيه (أهل) فلا يقال: انصرف إلى آلك، كما يقال: انصرف إلى أهلك، وكذلك لا يقال: آلك والليل، كما يقال أهلك والليل، وغير ذلك مما يطول ذكره. بل خصوا بالآل الأشرف والأخص دون الشائع الأعم، حتى لا يقال إلا في نحو قولهم القراء آل الله، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد (¬6)، {وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ} [غافر: 28]، وكذلك ما أنشده أبو العباس للفرزدق: ¬

_ (¬1) في (ب): (ان). أخذ كلام أبي الفتح من "سر صناعة الأعراب" 1/ 101. (¬2) في (ب): (هيرت الثوب وايرته). قوله. (هنرت الثوب وأنزته وإياك وهياك) وردت في "سر صناعة الأعراب" 2/ 551 عند كلامه عن إبدال الهاء من الهمزة ومعنى (هنرت الثوب): جعلت له علما، ثم قلبوا الهاء همزة فقالوا: أنرت الثوب. انظر: "تهذيب اللغة" (آل) 15/ 438، "البيان" 1/ 37. (¬3) في (ج): (الال). (¬4) (بدل من) ساقط من (ب). (¬5) الألف في (آل) بدل من الهمزة، والهمزة بدل من الهاء والهاء أصل. انظر "سر صناعة الأعراب" 1/ 101. وذهب أبو جعفر النحاس إلى أن (الألف) في (آل) بدل من الهاء مباشرة، انظر: "إعراب القرآن" 1/ 172 - 1732. (¬6) انظر: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 265، و"تفسير الطبري" 1/ 37.

نَجَوْتَ وَلَمْ يَمْنُنْ عَلَيْكَ (¬1) طَلاَقَةً ... سِوى رَبِذِ (¬2) التَّقْرِيبِ مِنْ آلِ أَعْوَجَا (¬3) لأن أعوج فيهم فرس (¬4) مشهوَر، فلذلك قال: آل أعوج، ولا يقال: آل الخياط كما يقال: أهل الخياط، ولا آل الإسكاف (¬5) كما يقال: أهل الإسكاف. كما أن التاء في القسم لما كانت بدلا من بدل (¬6) وكانت فرع الفرع اختصت بأشرف الأسماء وأشهرها، وهو الله (¬7) عز اسمه. ولا يجوز أن يكون، ألف (آل) بدلا من الهاء، لأن الهاء لم تقلب ألفا في غير هذا الموضع، فيقاس (¬8) هذا عليه، وإنما تقلب الهاء همزة (¬9) كما ذكرنا (¬10). ¬

_ (¬1) في (ب): (ومن يمن على). (¬2) في (ب) (زبد). (¬3) في "الديوان": (خرجت) بدل (نجوت) ومعنى (الرَّبِذ): المشي الخفيف، (التقريب): ضرب من السير يقارب فيه الخطو، (أعوج): فرس مشهور. ورد البيت في "سر صناعة الأعراب" 1/ 102، "ديوان الفرزدق" 1/ 117. (¬4) في (ب): (فرش). (¬5) (الإسكاف) نوع من الصناع، واسم لموضعين بنواحي النهروان من عمل بغداد. انظر: "القاموس" (سكف) ص 820، "معجم البلدان" 1/ 181. (¬6) قال أبو الفتح (.. فجرت في ذلك مجرى التاء في القسم، لأنها بدل من الواو فيه، والواو بدل من الباء ..) "سر صناعة الأعراب" 1/ 102. (¬7) لفظ الجلالة غير موجود في (ب). (¬8) في (ب): (فقياس). (¬9) ذكر أبو الفتح قلب الهاء همزة في "سر صناعة الأعراب" 2/ 551، ونقل الواحدي عنه بعض الجمل في هذا الموضع. (¬10) هذا آخر ما نقله المؤلف عن أبي الفتح بتصرف، "سر صناعة الأعراب" 1/ 100 - 102 والخلاصة أن في (آل) ثلاثة أقوال: 1 - أصله (أهل) أبدلت الهاء همزة، ثم أبدلت الهمزة ألفًا. =

وهذا الذي ذكره أبو الفتح مذهب البصريين، ويقولون في التصغير: (أُهَيْل) (¬1) بالهاء. فمعنى (آل فرعون) أتباعه وأهل دينه (¬2). (وفرعون) اسم لملوك العمالقة، كما يقال لملك الروم: (قيصر)، ولملك الفرس: (كسرى) ولملك الترك (خاقان) (¬3). وقال بعض أهل اللغة: فرعون بلغة القبط، وهو التمساح (¬4)، ويقال: تفرعن الرجل إذا تشبه بفرعون في سوء أفعاله (¬5). وقوله تعالى: {يَسُومُونَكُمْ}. (السوم) أن تُجشّم (¬6) إنساناً مشقةً وسوءاً أو ظلماً (¬7). وقال شمر: ساموهم سوء العذاب، أي: أرادوهم به. ¬

_ = 2 - أصله: (أهل) ثم قلبت الهاء ألفا من دون قلبها همزة وهو قول النحاس كما سبق. 3 - وقيل: أصله: (أأول) من (آل يؤل). انظر "البيان" 1/ 81، "الإملاء" 1/ 35، "الدر المصون" 1/ 341. (¬1) وقيل: يصغر على (أُوَيْل) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 270، "سر صناعة الأعراب" 1/ 105، "تهذيب اللغة" 15/ 438، "البيان" 1/ 81. (¬2) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 270، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 100. (¬3) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 270، "الكشاف" 1/ 279، "القرطبي" 1/ 327. (¬4) انظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2777، (الرباعي من حرف العين)، قال السهيلي عن المسعودي ولا يعرف له تفسير بالعربية. "التعريف والأعلام" ص 21، وانظر: "تفسير القرطبي" 1/ 327. (¬5) انظر: "الصحاح" (فرعن) 6/ 2177، "الكشاف" 1/ 279. (¬6) في (ج): (شجبتم). (¬7) ذكره الأزهري عن الليث، وفيه (.. أو سوءا ..) "تهذيب اللغة" (سام) 2/ 1600، "اللسان" (سوم) 4/ 2158.

وقيل: عرضوا عليهم من السوم الذي هو عرض السلعة على البيع (¬1). وقال أبو عبيدة: يسومونكم: يولونكم، يقال: سُمْته الذل، أي: أوليته إياه (¬2). و {سُوءَ العَذَابِ}: ما ساءهم، والسوء اسم جامع للآفات والدواء (¬3). والزجاج وغيره: سوء العذاب: شديد العذاب (¬4)، وقد فسره بقوله: {يُذَبِّحُونَ أَبْنَائَكُمْ}. وأصل الذبح في اللغة: الشق (¬5)، ومنه: فَأْرَةَ مِسْكٍ ذُبِحتْ فِي سُكِّ (¬6) وقال الهذلي (¬7): ¬

_ (¬1) "تهذيب اللغة" (سام) 2/ 1600، "اللسان" (سوم) 4/ 2157. (¬2) "مجاز القرآن" 1/ 40، "تفسير الغريب" لابن قتيبة ص 48. (¬3) ذكره الأزهري عن الليث. "التهذيب" (ساء) 2/ 1583، وانظر: "تفسير الطبري" 1/ 271. (¬4) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 100، وانظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 70 أ، و"تفسير أبي الليث" 1/ 117، و"العمدة في غريب القرآن" لمكي ص 75. قال الطبري: وقد قال بعضهم: أشد العذاب، ولو كان ذلك معناه لقيل أسوأ العذاب. "الطبري" 1/ 271. (¬5) "تهذيب اللغة" (ذبح) 2/ 1267، "اللسان" (ذبح) 3/ 1488. (¬6) بيت من الرجز لمنظور بن مرثد الأسدي، وقبله: كَأَنَّ بَيْنَ فَكِّهَا وَالْفَكِّ يصف طيب رائحة فم امرأة. و (الفك): عظم الحنك. (فأرة المسك): الأناء الذي يكون به المسك شبه بالفأرة، (ذبحت): شقت. (في سك): نوع من الطيب. ورد في "التهذيب" (ذبح) 2/ 1268، "المخصص" 11/ 200، 13/ 39، "اللسان" (ذبح) 3/ 1486، "شرح المفصل" 4/ 138، 8/ 91، "الخزانة" 7/ 468. (¬7) هو أبو ذؤيب.

نَامَ الخَلِيُّ وَبِتُّ اللَيْلَ مُشُتَجِراً (¬1) ... كَأَنَّ عَيْنَيَّ فِيهَا الصَّابُ مَذْبُوحُ (¬2) أي: مشقوق. والذُبَاح والذُّبَّاح بالتخفيف والتشديد تشقق (¬3) في الرجل (¬4). ومن هذا سمى الكوكب: (سعدٌ الذَّابح)، لأنه يطلع في وقت يحدث فيه الشقاق في الرجل لأجل البرد (¬5)، ولهذا تقول العرب: إذا طلع الذابح انجحر النابح. وسمي فري الأوداج ذبحاً، لأنه نوع شقّ، والتفعيل على التكثير (¬6). و (الأبناء) جمع ابن. قال الزجاج: وأصله: بَنَا (¬7) أو بِنْوٌ، فهو يصلح ¬

_ (¬1) في جميع النسخ: (مستجراً) بالسين، و (فيه) والتصحيح من مصادر التخريج. (¬2) (الخلي): الذي ليس به هم. و (المشتجر): الذي قد شجر نفسه ووضع يده تحت خده ورأسه لا ينام من الهم، و (الشجر): ملتقى اللحيين، و (الصاب): شجر يخرج منه سائل مثل اللبن، إذا أصاب (العين) أحرقها، (مذبوح): مشقوق. انظر: "شرح أشعار الهذليين" 1/ 120، "تهذيب اللغة" (ذبح) 2/ 1268، "اللسان" (ذبح) 3/ 1488، "شرح المفصل" 10/ 124، "الخزانة" 3/ 143. (¬3) في (أ): (تشق) و (ج): (شق)، وأثبت ما في (ب)، لأنه أصوب، وموافق لما في "تهذيب اللغة". (¬4) انظر: "التهذيب" (ذبح) 2/ 1268، "اللسان" (ذبح) 3/ 1487. (¬5) في "التهذيب": (سمي ذابحًا لأن بحذائه كوكبًا صغيرًا كأنه قد ذبحه) 2/ 1269، "الصحاح" (ذبح) 2/ 44. (¬6) انظر "اللسان" (ذبح) 3/ 1485. (¬7) في "معاني القرآن" للزجاج: (والأصل كأنه إنما جمع بني وبنو ..) 1/ 101. وفي "القاموس": أصله: (بَنَى أو بَنَوٌ) "القاموس" (بنى) ص 1264.

أن يكون (فِعْل)، وبَنَا أصله يكون بَنَوَ (¬1)، وإنما صارت ألفا، لأنها سكنت لتحرك ما قبلها ثم جرتها الفتحة التي قبلها فصيرتها ألفا، ومثله: قفا ورحا. قال: فالذين قالوا: (بنون) كأنهم جمعوا (بَنا) والذين قالوا: (أبناء) كأنه جمع (بِنْوُ)، مثل: حِنْو وأحناء وقِنْو وأقناء (¬2). قال أبو علي (¬3) لا يجوز في (ابن) أن يكون وزنه (فِعْلا) لأنه لا دلالة ¬

_ (¬1) كذا ورد في (أ)، (ج)، وفي (ب): (وقال الزجاج: وأصله. بنا أو بنو فهو يصلح أن يكون فعل)، ويصلح أن يكون أصله بنو ...). ونص كلام الزجاج في (المعاني): (و (أبناءكم) جمع ابن، والأصل كأنه إنما جمع بني وبنو، ويقال: ابن بين البنوة، فهي تصلح أن تكون (فَعَل) و (فِعْل) كأن أصله بِناية، والذين قالوا: (بنون) كأنهم جمعوا (بنا) وبنون، فأبناء جمع (فَعَل) و (فِعْل) ..) 1/ 101. وقال الأزهري في "تهذيب اللغة": (وقال الزجاج (ابن) كان في الأصل: (بِنوٌ) أو (بَنَوٌ) .. ويحتمل أن يكون أصله: (بَنَيَا) ..) "تهذيب اللغة" (بنى) 1/ 396، وانظر: "الإغفال" ص 187، "المخصص" 13/ 192. وفي "الأشموني مع الصبان": أما ابن فأصله: بَنَوٌ، كقلم حذفت لامه تخفيفًا وسكن أوله وأتي بالهمز توصلًا وتعويضًا، ودليل فتح فائه قولهم في جمعه: بَنُون، وفي النسب: بَنَوِي بفتحها فيهما .. ودليل كون لامه (واوا) لا (ياء) ثلاثة أمور: أحدها: أن الغالب على ما حذف لامه الواو لا الياء. ثانيها: أنهم قالوا في مؤنثه: بنت فأبدلوها (التاء) من اللام، وإبدال التاء من الواو أكثر من إبدالها من الياء. ثالثها: قولهم: البنوة. ونقل ابن الشجري في "أماليه" أن بعضهم ذهب إلى أن المحذوف (ياء) واشتقه من بنى بامرأته يبني، لأن الابن مسبب عن بناء الأب بالأم. وهذا يدل على أن (الابن) لامه (ياء) .. وأجاز الزجاج الوجهين. انظر: "الأشموني مع حاشية الصبان" 4/ 275. (¬2) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 101، نقل كلامه بتصرف، انظر التعليق السابق. (¬3) "الإغفال" ص 189، نقل الواحدي عنه طويلا، وكلام أبي علي نقله ابن سيده في "المخصص" 13/ 192.

على أن الفاء منه مكسورة، بل الدليل قد قام على أن الفاء مفتوحة، وذلك قولهم: (بَنُون) فلو كان أصله: (بِنْوٌ) لأن (أَفْعال) لا تختص بجمع (فِعْل) (¬1) بل تكون (¬2) -أيضا- جمعا لـ (فُعْل) و (فَعَل) و (فِعَل) و (فَعُل) (¬3)، و (فَعِل) نحو: بُرْد (¬4) وأَبْراد، وقَتَبٍ (¬5)، وأَقْتَاب، وعِنَب وأَعْنَاب وعَضُد وأَعْضَاد، ونَمِر وأَنْمَار، فيلزمه أن يجيز في أصله هذه الأبنية، لأنها تجمع على (أَفْعَال) كما يجمع (فِعْل)، فليس (أَفْعَال) بدليل على أن (ابن) أصله فِعْل). فأما العين فالدليل على أنها مفتوحة أيضا قولهم في جمعه (أبناء) (¬6)، و (أَفْعَال) بابه أن يكون لـ (فَعَل) (¬7) نحو: جَبَل. وليس يجب أن يعدل بالشيء عن أصله وبابه حتى يقوم دليل يسوغ ذلك، ولم نعلم شيئا دل على أن العين ساكنة من (ابن) وعلمنا أنه ينبغي أن تكون متحركة لقولهم: (أَفْعَال) (¬8). ¬

_ (¬1) في (ب)، (ج): (تفتح)، وفي (الحاشية) في (ج): (يفتح) ص 189. (¬2) (فعل) ساقط من (ج). (¬3) (فعل) ساقط من (أ)، (ج) وأثبتهما كما في (ب)، والأمثلة بعدها تدل على ثبوتها، ولم ترد هذه الأوزان في كلام أبي علي وإنما ذكر بعضها قال: (.. لزمه أن يجيز في بنائه: (فعلا) و (فعلا) وغير ذلك ..) "الإغفال" ص 189. (¬4) البرد، بالضم: ثوب مخطط، جمعه أَبْراد، وأَبْردُ. "القاموس المحيط" (برد) ص 267. (¬5) القَتَبَ، والقِتْبُ: إكاف البعير. "اللسان" (قتب) 3/ 2881. (¬6) على وزن (أَفْعَال). (¬7) في (ب): (الفعل). (¬8) اختصر بعض كلام أبي علي، انظر: "الإغفال" ص 191.

ولا دلالة في قولهم: (بنت) على أن (ابنا) وزنه (فِعْل) لأن (بنتا) من (ابن) ليست كصعبة من صعب، فيحكم بأن (الفاء) من ابن مكسورة كما كان (¬1) في بنت مكسورة، لأن هذا البناء أعني: بناء (بنت) صيغ للتأنيث على غير بناء التذكير، فهو كحمراء من أحمر، غُيِّر بناء التأنيث عما كان يجب أن يكون عليه في أصل التذكير، وأبدل من الواو تاء، وألحق الاسم بِنِكْس (¬2) وجذْع وما أشبه ذلك. فأما بنات في جمع بنت فهو مما يدل على ما قلنا من أصل الفاء من (ابن) الفتح، وَرُدَّ في الجمع إلى أصل بناء المذكر، كما رد (أخت) إلى أصل بناء المذكر، فقيل: أخوات، لأن أصل المذكر من كل واحد منهما (فَعَل)، فكما ردوا الحرف الأصلي في جمع (الأخت) وهو الواو فقالوا: (أخوات)، كذلك ردت الحركة التي كانت في أصل بناء المذكر في (ابن)، وقالوا: بنات (¬3). قال أبو علي: والمحذوف من (ابن) (الواو) دون (الياء) (¬4)، الدليل على ذلك: أن المحذوف إذا أريد أن يعلم ما هو؟ نظر في التثنية أو ¬

_ (¬1) في (ب): (أن). (¬2) النِّكْس: السهم الضعيف، الذي يَنْكَّس، أو ينكسر فُوقُه فيجعل أعلاه أسفله، والنِّكسْ الرجل الضعيف، وأصله المنِّكسْ من السهام. "اللسان" (نكس) 8/ 4541. (¬3) "الإغفال" ص193 - 195. (بتصرف واختصار)، وانظر: "المخصص" 13/ 193. (¬4) في "الإغفال": (فأما قوله -أي الزجاج- في اللام المحذوفة من (ابن) إنه يحتمل عنده أن يكون واوًا أو ياءً، وأنهما عنده متساويان في الحذف، فليس الأمر -عندي- كما قال، والمحذوف (الواو) دون (الياء) ..) "الإغفال" ص 195، وانظر "المخصص" 13/ 195.

الجمع (¬1)، أو فعل مأخوذ من ذلك اللفظ، أو جمعه المكسر، فإن وُجد في أحد ذلك واو أو ياء، حكم أن المحذوف هو ما يظهر في أحد هذه الأشياء. كما حكمت بـ (إخوة) أن المحذوف من (أخ) واو (¬2)، وبـ (غدوت) أن المحذوف من (غد) واو، وبـ (دَمَيَان) أن المحذوف من (دم) ياء، وبـ (يدين) أن المحذوف من (يد) ياء. وليس في (الابن) (¬3) شيء يستدل به على أن المحذوف (ياء) أو (واو)، فوجب أن يحمل على نظيره، ونظيره (أخت)، لأنه صفة ألحقت في التأنيث بـ (قُفْل) (¬4)، كما ألحقت (بنت) بـ (عِدْل). والمحذوف من (أخت) الواو لقولهم: (إخوة) (¬5) كذلك ينبغي أن يكون المحذوف من (بنت) الواو. وأيضًا فإن التاء في (بنت) ليست علامة للتأنيث (¬6)، وإنما هي بدل من اللام، لأنها لو كانت علامة للتأنيث لانفتح ما قبلها، كما ينفتح ما قبلها في غير هذا الموضع، نحو: طلحة وحمزة وتمرة، فلما لم تنفتح (¬7) علمنا أنه بدل، وإبدال التاء من الواو كثير، كالتاء في أخت، وكذلك في كلتا (¬8)، ¬

_ (¬1) في (ب): (والجمع). (¬2) (واو) ساقطة من (ب). (¬3) في (ب): (بن). (¬4) في "الإغفال" (فُعْل) ص 196، وفي "المخصص" (قُفل) 13/ 195. (¬5) استدل بجمع التكسير على أن المحذوف من (أخت) واو. (¬6) في "الإغفال": (وهذه التاء لا تخلو من أن تكون بدلا من لام الفعل، أو علامة للتأنيث، فلو كانت علامة للتأنيث لا نفتح ما قبلها ..) ص 197. (¬7) في (ب): (يفتح). (¬8) الأصل فيهما (كِلْوَا) انظر: "صناعة الإعراب" 1/ 149.

وكذلك مثّله سيبويه (¬1) بِشَرْوى. ونذكر الكلام في (كلتا) إذا انتهينا إليه إن شاء الله. فإن قيل: لو كان الأمر على ما قلتم، لقيل في جمع الأخت والبنت: أختات وبنتات، فلما حذفوا التاء في الجمع دل أنها للتأنيث، وكذلك حذفهم إياها عند النسبة إليها يدل على أنها للتأنيث، كما قالوا: طلحات وطلحي. قلنا: هذا البناء الذي وقع [إلحاق] (¬2) التاء (¬3) فيه، وإنما وقع في بناء المؤنث دون بناء المذكر، فصار البناء في الموضعين لذلك، لا لأنه للتأنيث، وغُيِّر البناء في هذين الموضعين وَرُدَّ إلى التذكير من حيث حذفت علامة (¬4) التأنيث في هذين الموضعين، لأن الصيغة قامت مقام العلامة، فكما غُيِّرت (¬5) ما فيه علامة بحذفها، كذلك غُيِّرت هذه الصيغة بردها إلى المذكر، وإذ (¬6) كانت الصيغة قد قامت مقام العلامة، فمن حيث وجب أن يقال: طَلْحَات وطَلْحِيّ، وجب أن يقال: أَخوَات وأَخَوَيّ. ¬

_ (¬1) انظر: "الكتاب" 3/ 364، وانظر: "الإغفال" ص 198، "المخصص" 13/ 195، 196. (¬2) في (أ): (الحاق) بدون إعجام، وفي ب، ج (الحاو) وفي "الإغفال" (والجواب أن هذه التاء للإلحاق كما قلنا، والدليل ما قدمنا، وإنما حذف في الإضافة وهذا الضرب من الجمع لأن هذا البناء الذي وقع الإلحاق فيه، وإنما وقع في بناء المؤنث دون المذكر ..) ص 199، "المخصص" 13/ 196. (¬3) في (ج): (التاء). (¬4) في "الإغفال": (علامات) ص 199، "المخصص" 13/ 196. (¬5) في "الإغفال": (غير) ص 199، ومثله في "المخصص" 13/ 196 (¬6) في (ب): (إذا).

وتعقب أبو الفتح هذه المسألة (¬1) وزاد بياناً فقال: قد أبدلت التاء من الواو (لاماً) في: أخت وبنت، وأصلهما أخوة وبِنْوَة، فنقلوا، ووزنهما (¬2): (فَعَل) إلى (فُعْل) و (فِعل) وألحقوهما بالتاء (¬3) المبدلة من لامهما (¬4) بوزن (قُفْل) و (حِلْس)، فقالوا: أخت وبنت، وليست التاء فيهما بعلامة التأنيث كما يظن من لا خبرة له بهذا الشأن، لسكون ما قبلها، هكذا مذهب سيبويه، وهو الصحيح، وقد نص عليه في باب مالا ينصرف، فقال: لو سميت بهما رجلا لصرفتهما معرفة، ولو كانت للتأنيث لما أنصرف الاسم (¬5). وعلامة التأنيث في الأخت والبنت صيغتهما (¬6) وهو بناؤهما على ¬

_ (¬1) تكلم أبو الفتح ابن جني عن هذه المسألة في كتاب "سر صناعة الأعراب" أثناء كلامه عن إبدال التاء من الواو، وقد تصرف الواحدي في كلامه واستل منه ما يناسب هذا المبحث. انظر: "سر صناعة الأعراب" 1/ 149. (¬2) في (ب): (ووزنها). هكذا ورد في جميع النسخ، وفيه غموض، والنص في "سر صناعة الأعراب" (.. فنقلوا أخوة وبنوة، ووزنهما (فَعَلٌ) إلى (فُعْل) و (فِعْل) ..) "سر صناعة الأعراب" 1/ 149. (¬3) في (ب): (المبدلة). (¬4) في (ب): (لامها) وهو الثابت في صلب "سر صناعة الأعراب"، وفي الحاشية (ب) (لامهما) "سر صناعة الأعراب" 1/ 149. (¬5) انظر: "الكتاب" 3/ 221، 361 - 364، "سر صناعة الأعراب" 1/ 149. (¬6) هذا جواب سؤال أثاره أبو الفتح قال: (فإن قيل: فما علامة التأنيث في أخت وبنت؟) فأجاب عنه بما نقله الواحدي هنا. انظر: "سر صناعة الأعراب" 1/ 150.

(فُعْل) و (فِعْل) وأصلهما (فَعَل) وإبدال الواو فيهما لاما، وهذا عمل اختص به المؤنث، لأنه لم يوجد إلا في هذين وفي كلتا (¬1)، ويدل أيضا على إقامتهم (البنت) (¬2) مقام ما فيه (¬3) العلامة الصريحة، وتعاقبهما على الكلمة الواحدة، وذلك نحو: ابنة وبنت، فالصيغة في (بنت) قامت مقام (الهاء) في ابنة، فكما أن (الهاء) علم تأنيث لا محالة، وكذلك صيغة (بنت) علم تأنيث لا محالة، وليس (ابن) من (بنت)، كصعب من صعبة (¬4)، إنما نظير صعبة من صعب ابنة من ابن. ويدل على أن (ابن) (¬5) و (أخ) (فَعَل) مفتوحة، جمعهم إياهما على أَفْعَال نحو أبناء وآخاء، حكى سيبويه (¬6) (آخاء) عن يونس. قال أبو إسحاق: والأخفش يختار أن يكون المحذوف من ابن (الواو). قال (¬7): والبُنُوَّة (¬8) ليس بشاهد قاطع للواو، لأنهم يقولون: الفُتُوَّة، ¬

_ (¬1) قوله: (لأنه لم يوجد في هذين وفي كلتا) ليس من كلام أبي الفتح في "سر صناعة الأعراب" 1/ 150. (¬2) في "سر صناعة الإعراب" (إقامتهم إياه مقام ..) 1/ 150. (¬3) في (ب): (ما في). (¬4) في "سر صناعة الإعراب": (وليس بنت من ابن كصعبة من صعب ..) "سر صناعة الإعراب" 1/ 150. (¬5) كذا في جميع النسخ، وفي "سر صناعة الإعراب" (أن أخا وابنا) وفي الحاشية: (في ش: أن أخ وابن) 1/ 150. (¬6) "الكتاب" 3/ 363، "سر صناعة الإعراب" 1/ 150. (¬7) أي أبو إسحاق. (¬8) في (أ) , (ج): (البنُو) وأثبت ما في (ب) لأنه موافق لما في "معاني القرآن" للزجاج 1/ 102.

والتثنية (¬1): فتيان، فابن يجوز أن يكون المحذوف منه (الواو) (¬2) و (الياء)، وهما عندنا متساويان. وأبو علي ينكر أن يكون المحذوف الياء دون الواو (¬3)، وقد دل فيما ذكرنا من كلامه أن المحذوف هو الواو. فأما إدخال ألف الوصل في (ابن)، فإنما أدخلت كما أدخلت في الاسم، وقد فرغنا منه في أول الكتاب (¬4). قوله تعالى: {وَيَسْتَحْيُونَ نِسَائَكُمْ}. (يستحيون) يستفعلون من الحياة، ومعناه: يَسْتَبْقُونهن (¬5)، ولا يقتلونهن (¬6)، ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم -: "اقتلوا شيوخ المشركين واستحيوا شرخهم" (¬7). واسم النساء يقع على الكبار والصغار، وذلك أنهم كانوا يستبقون البنات (¬8) لا يقتلونهن. ¬

_ (¬1) (والواو) ساقطة من (ب). (¬2) في "معاني للزجاج": (الواو) أو (الياء) 1/ 102. (¬3) قال أبو علي: (ما أعلم الأخفش نص على هذه المسألة، أن الاختيار عنده أن يكون (الواو)، وأنه يجيز أن المحذوف الياء ..) "الإغفال" ص 202 - 203. (¬4) انظر ما سبق في أول تفسير الفاتحة. (¬5) في (ب): (يستبقوهن). (¬6) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 372، و"الثعلبي" 1/ 70 ب، "زاد المسير" 1/ 78، وذكر الطبري عن أبي العالية وضعفه: (يستحيون) يسترقون. "الطبري" 1/ 372. (¬7) أخرجه أبو داود عن سمرة بن جندب، وفيه (استبقوا) بدل (استحيوا) انظر: "سنن أبي داود" 2670 كتاب (الجهاد)، باب (في قتل النساء)، والترمذي (1583) أبواب (السير) باب (ما جاء في النزول عن الحكم) وفيه: الشرخ: الغلمان الذين لم ينبتوا. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب. عارضه الأحوزي وأخرجه أحمد في "مسنده" 5/ 12، 20. ورمز السيوطي له بالصحة في "الجامع الصغير". انظر: "فيض القدير شرح الجامع" 2/ 76. (¬8) في (ب): (جميع البنات).

وقيل: سمى البنات نساء على تقدير أنهن يكن نساء، وقيل: جمع الكبار والصغار بلفظ النساء، لأنهم كانوا يستبقون جميع (¬1) الإناث، فجرى اللفظ على التغليب كما يطلق الرجال على الذكور وإن كان فيهم صغار (¬2). فإن قيل: فما في استحياء النساء من سوء العذاب؟ قيل: إن استحياء النساء على ما كانوا يعملون بهن أشد في المحنة من قتلهن، لأنهن يستعبدن وينكحن على الاسترقاق، والاستبقاء للإذلال استبقاء محنة (¬3). قوله تعالى: {وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ}. البلاء: اسم ممدود من البلو، وهو الاختبار والتجربة (¬4). يقال: بَلاَه يَبْلُوه بَلْواً إذا جَرَّبَه، وَبَلاَه يَبْلُوهُ بَلْواً إذا ابتلاه الله ببلاء (¬5). قال أبو الهيثم: البلاء يكون حسنا ويكون سيئا، وأصله: المحنة، والله عز وجل يبلو عباده بالصنيع الحسن، ليمتحن شكرهم عليه، ويبلوهم بالبلوى الذي يكرهون، ليمتحن صبرهم، فقيل للحسن: بلاء، وللسيئ: بلاء (¬6) لأن أصلهما: المحنة، ومنه قوله: {وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ} ¬

_ (¬1) (جميع) ساقط من (ب). (¬2) واختار هذا الوجه ابن جرير في "تفسيره" 1/ 274، انظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 286، " القرطبي" 1/ 330، "البحر" 1/ 164. (¬3) انظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 286، "زاد المسير" 1/ 78، "الرازي" 1/ 68، "البحر" 1/ 19. (¬4) انظر: "التهذيب" (بلا) 1/ 379، "اللسان" (بلا) 1/ 355. (¬5) ذكره الأزهري عن الأصمعي. "التهذيب" (بلا) 1/ 379. (¬6) ذكره الهروي عن أبي الهيثم، ولفظه: (يبلو عبده) بلفظ المفرد "الغريبين" 1/ 209، 210، وذكره القرطبي في "تفسيره" عن الهروي 1/ 330.

[الأعراف: 168]، وقال: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً} (¬1) [الأنبياء: 35]، وقال في الخير: بلاه الله، وأبلاه (¬2). قال زهير: (¬3) جَزى اللهُ بِالْإِحْسَانِ مَا فَعَلاَ بِكُم ... وَأَبلاَهُمَا خَيْرَ البَلاَءِ الذي يَبْلُو (¬4) أي: صنع بهما خير الصنيع الذي يبلو به عباده (¬5). قال الليث: ويقال من الشر أيضا يُبْلِيه إِبْلاَء (¬6). والذي في هذه الآية يحتمل الوجيهن، فإن حملته على الشدة، كان معناه: في أستحياء البنات للخدمة وذبح البنين بلاء ومحنة (¬7). وهو قول ابن ¬

_ (¬1) (الواو) ساقطة من (ب) (¬2) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 275، "الصحاح" (بلا) 6/ 2285. (¬3) في (ج): (زهير بن جناب). (¬4) من قصيدة لزهير يمدح سناد بن أبي حارثة ويروى بالديوان (رأى الله) ورد البيت في: "معانى القرآن" للزجاج 1/ 102، "التهذيب" (بلا) 1/ 379، "الصحاح" (بلا) 6/ 2285, "اللسان" (بلا) 1/ 355, "الخصائص" 1/ 137, و"القرطبي" 1/ 330, و"الرازي" 3/ 70, و"ابن كثير" 1/ 96, "الدر المصون" 1/ 348, "فتح القدير" 1/ 131, "شرح ديوان زهير" ص 109. (¬5) "تهذيب اللغة" (بلا) 1/ 379. (¬6) في "تهذيب اللغة" عن الليث: (الله يبلى العبد بلاءً حسنًا, ويبليه بلاءً سيئًا, (بلا) 1/ 379, قال الطبري: الأكثر في الشر أن يقال: (بلوته أبلوه بلاء) وفي الخير: (أَبْلَيْته أُبْلِيه إِبْلاَءً وبَلاَءً). (¬7) ذكره أبو الليث في "تفسيره" 1/ 117, وابن الأنباري في "الزاهر" 1/ 348, و"الثعلبي" 1/ 70 ب, و"الكشاف" 1/ 279, و"البغوي" 1/ 91, "زاد المسير" 1/ 78, و"الرازي" 3/ 70, و"القرطبي" 1/ 330, ونسبة للجمهور, و"ابن كثير" 1/ 97, و"البيضاوي" 1/ 25, و"النسفي" 1/ 43, و"الخازن" 1/ 121.

50

عباس من رواية عطاء والكلبي (¬1). وإن حملته على النعمة، كان المعنى: وفي (¬2) تنجيتكم من هذه المحن نعمة عظيمة، وهو قول مجاهد والسدي (¬3)، ومثل هذا في احتمال الوجهين، قوله في قصة إبراهيم: {إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ} [الصافات: 106]. 50 - قوله تعالى: {وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ} وذلك (¬4) أن الله تعالى فرق ¬

_ (¬1) أخرج الطبري في "تفسيره" بسنده عن عكرمة عن ابن عباس نحوه 1/ 272، ولم أجده من طريق عطاء والكلبي. (¬2) (الواو) ساقطة من (ب). (¬3) ذكره ابن جرير بسنده عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وعن السدي، وعن مجاهد، وعن ابن جريح. "تفسير الطبري" 2/ 274، و"ابن أبي حاتم" 1/ 106، والزجاج في "معاني القرآن" 1/ 102، وابن قتيبة في "الغريب" ص 40، ورجح هذا القول الرازي في "تفسيره" 3/ 70. انظر: "تفسير القرطبي" 1/ 330، و"ابن كثير" 1/ 96. (¬4) في هوامش نسخة (أ) زيادة من الكاتب صدرها بقوله (ش من ك) أي شرح من الكاتب، وهي في جميع المواضيع منقولة بنصها من "الكشاف" للزمخشري، وأثبت ما ذكره في هذا الموضع للاطلاع والفائدة: (ش من ك. فرقنا: فصلنا بين بعضه وبعض، حتى صار فيه مسالك لكم، وقرئ (فرَّقنا) بمعنى: فصلنا. يقال: فرق بين الشيئين، وفرق بين الأشياء، لأن المسالك كانت اثني عشر، على عدد الأسباط. وأما (بكم) ففيه أوجه: أن يراد كانوا يسلكونه ويتفرق الماء عند سلوكهم فكأنما فرق بهم كما يفرق بين الشيئين بما يوسط بينهما. وأن يراد فرقناه بسببكم، وبسبب إنجائكم. وأن يكون في موضع الحال، بمعنى: فرقناه ملتبسا بكم كقوله: تدوس بِنَا الجَمَاجِمَ والتَّرِيبَا أي: تدرسها ونحن راكبوها. انتهى تعليق الكاتب، والكلام بنصه في "الكشاف" 1/ 280.

البحر اثني عشر طريقا، حتى خاض بنو إسرائيل، وكان (¬1) ذلك فرقا بهم، لأنهم كانوا حشو البحر، والماء منفصل بعضه عن بعض، وهم يمرون فيما بينه (¬2). وأما (البحر) فقال الليث: سمي بحراً لاستبحاره، وهو سعته وانبساطه، ويقال: استبحر فلان في العلم، إذا اتسع فيه، وتبحر الراعي في رعي كثير، وتبحر فلان في المال (¬3). وقال غيره: سمي البحر بحراً، لأنه شق في الأرض، والبحر: الشق (¬4)، ومنه البحِيرَة (¬5). ¬

_ = قوله: وقرئ (فرَّقنا): بها قرأ الزهري، انظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 288، والقرطبي في "تفسيره" 1/ 330، "البحر" 1/ 197. - وقوله: (تدوس بِنَا الجَمَاجِمَ والتَّرِيبَا): البيت للمتنبي، وصدره: فَمَرَّتْ غَيْرَ نَافِرَةٍ عَلَيْهِم و (التريبا): لغة في التراب. انظر: "ديوان المتنبي شرح العكبري" 1/ 138، "الكشاف" 1/ 506، "البحر" 1/ 127، "الدر المصون" 1/ 349. (¬1) (كان) ساقط من (ج). (¬2) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 275، و"أبي الليث" 1/ 117، و"معاني القرآن" للزجاج 1/ 103، و"تفسير ابن عطية" 1/ 228. (¬3) "تهذيب اللغة" (بحر) 1/ 282. (¬4) ذكره الأزهري، "تهذيب اللغة" (بحر) 1/ 282. (¬5) قال الأزهري: قال أبو إسحاق النحوي: وأثبت ما روينا عن أهل اللغة في البَحِيرَة: أنها الناقة، كانت إذا نتجت خمسة أبطن فكان آخرها ذكرا، بحروا أذنها، أي: شقوها، وأعفوا ظهرها من الركوب والحمل، والذبح، ولا تُحَلَّأ عن ماء ترده، ولا تمنع من مرعى، وإذا لقيها المُعْيي المنقطع به لم يركبها. "تهذيب اللغة" (بحر) 1/ 282، وانظر: "اللسان" (بحر) 1/ 215.

أبو عبيد، عن الأموي (¬1): أن البحر: هو الملح (¬2)، ويقال: أبحر الماء، أي صار ملحا (¬3). قال نُصَيْب (¬4): وَقَدْ عَادَ مَاءُ الأَرْضِ بَحْراً فَرَدَّنِي ... إِلَى مَرَضِى أَنْ أَبْحَرَ المَشْربُ العَذْبُ (¬5) وقوله تعالى: {وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ}. ولم يذكر غرق فرعون نفسه، لأنه قد ذكره في مواضع كقوله: {فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا} [الإسراء: 103]. ويجوز أن يريد بآل فرعون نفسه (¬6)، وبيان هذا (¬7) يذكر عند قوله: {مِمَّا ¬

_ (¬1) هو عبد الله بن سعيد بن أبان بن سعيد بن العاص، القرشي، الأموي، كان متمكنا في علم النحو واللغة، وكان ثقة، حكى عنه أبو عبيد كثيرا، مات بعد سنة ثلاث ومائتين. انظر: "تاريخ بغداد" 9/ 470، "الأنساب" 1/ 350، "إنباه الرواة" 2/ 120. (¬2) في (ب): (إن الماء البحر) وفي "تهذيب اللغة": (والماء البحر هو الملح) 1/ 282. (¬3) "تهذيب اللغة" (بحر) 1/ 282، وانظر: "الغريبين" 1/ 134. (¬4) هو نُصَيب بن رباح مولى عبد العزيز بن مروان، شاعر من فحول الشعراء الإسلاميين، انظر ترجمته في "الشعر والشعراء" ص260، "معجم الأدباء" 19/ 228. (¬5) ورد البيت في "تهذيب اللغة" (بحر) 1/ 282، "الصحاح" (بحر) 2/ 585، "مقاييس اللغة" (بحر) 1/ 215، "الغريبين" 1/ 134، "مفردات الراغب" ص 37، "اللسان" (بحر) 1/ 215، "فتح القدير" 1/ 132، وفي أكثر المصادر: (فزادني) بدل: (فردني). (¬6) في (ب): (عن نفسه). أو يدخل معهم، ووجوده معهم مستقر ومعلوم. انظر: "تفسير أبي الليث" 1/ 117، "زاد المسير" 1/ 78، "البحر" 1/ 198. (¬7) أي أنه يطلق (آل فرعون) ويراد به نفسه كما في (آل موسى).

51

تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ} [البقرة: 248]، إن شاء الله. وقوله تعالى: {وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ}. وذلك أنهم لما خرجوا من (¬1) البحر رأوا انطباق البحر على فرعون وقومه. وقال محمد بن جرير: (وأنتم تنظرون) إلى فرق الله البحر وإنجائكم من عدوكم (¬2). 51 - قوله تعالى: {وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} الآية. يقال: وَعَدْتُه وَعْدَا وعِدَةً (¬3) وَموْعِداً وَموْعِدةً (¬4)، قال الله: {إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ} [التوبة: 114]، وقال: {وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا} [الكهف: 59]. ويقال: وعدني الخير والشر (¬5)، قال الله تعالى: {أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا} [طه: 86] {النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا} [الحج: 72]. فأما الإيعاد فهو في التهديد. قال الشاعر: أَوْعَدَنِي بِالسِّجْنِ والْأَداَهِمِ (¬6) ¬

_ (¬1) في (ب): (عن). (¬2) وهذا على تفسير (النظر) هنا بالمشاهدة، وقد قال بعضهم: إنه بمعنى العلم، كالفراء ورد عليه ابن جرير هذا. انظر: "الطبري" 1/ 278، "معاني القرآن" للفراء 1/ 36، "تفسير أبي الليث" 1/ 118، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 103. (¬3) في (أ): (وعدء) وأثبت ما في (ب)، (ج) لأنه الصواب. (¬4) الكلام عن لفظ (وعد) واشتقاقه واستعمالاته نقله عن "الحجة" لأبي علي 2/ 56، وانظر: "تهذيب اللغة" (وعد) 4/ 3915، "اللسان" 8/ 4871. (¬5) انظر: "تهذيب اللغة" (وعد) 4/ 3915. (¬6) في (ب): (الاداهمى). البيت لعُدَيْل بن الفَرْخ، وبعده: رِجْلِي وَرِجْلِي شثنة المْنَاَسِمِ الأداهم: جمع أدهم، وهو القيد، شثنة: غليظة، المناسم: طرف خف البعير استعارة للإنسان. ورد البيت في "الحجة" لأبي علي 2/ 57، وفي كتب اللغة مادة =

والوعيد كالإيعاد، قال الله تعالى: {ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ} [إبراهيم: 14] وأكثر ما يستعمل الإيعاد بالباء (¬1)، فيقال: أوعدته بالشر، ويجوز أن تقول (¬2) أوعدته، من غير ذكر الشر، ولا يكون إلا في الشر (¬3). والميعاد من: الوعد (¬4) [لأنه لم يرد في الخير (¬5)، ولذلك قلنا: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ} [آل عمران: 9]، (¬6) ويجوز أن يخلف الوعيد فيكون ذلك منه كرما (¬7). و (الوعد) (¬8) يتعدى إلى مفعولين، ويجوز أن يقتصر على أحدهما كأعطيت، وليس كظننت، قال الله تعالى: {وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ} [طه: 80]، فـ (جانب) مفعول ثان، ولا يكون ظرفا لاختصاصه (¬9)، والتقدير: ¬

_ = (وعد) في "تهذيب اللغة" 4/ 3915، "الصحاح" 2/ 551، "المحكم" 2/ 137، "مقاييس اللغة" 3/ 134، "اللسان"، 8/ 4871، وفي "معاني القرآن" للفراء 1/ 197، "الحروف" لابن السكيت ص 97، "الهمع" 5/ 217، "شرح المفصل" 3/ 70، "شرح ابن عقيل" 3/ 251، "الخزانة" 5/ 188، "شرح شذور الذهب" ص 524. (¬1) في (ب)، (ج): (بالياء). (¬2) في (أ)، (ج) (يقول) ما في (ب) أنسب للسياق. (¬3) ذكره أبو علي عن أحمد بن يحيى، "الحجة" 2/ 57، وانظر "تهذيب اللغة" (وعد) 4/ 3915. (¬4) في (ب): (الوعيد). (¬5) في (أ): (الخبر) وما في (ب)، (ج) هو الصواب. (¬6) ما بين المعقوفين ساقط من (ب). (¬7) اختصر كلام أبي علي، انظر: "الحجة" 2/ 57، 58، وسياق أبي علي أوضح. (¬8) في (ب): (الوعيد) وفي "الحجة": (وعدت) فعل يتعدى إلى مفعولين ...) 2/ 59. (¬9) ولا يسمى ظرفًا في اصطلاح النحويين، وانما يسمى اسم مكان فقط، لأن =

وعدناكم إتيانه أو مكثًا (¬1) فيه. [وقوله: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ} [المائدة: 9] (¬2) وقوله: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ} [النور: 55] (¬3) فإن الفعل لم يعد منه (¬4) إلى مفعول ثان، وقوله: {لَهُمْ مَغْفِرَةٌ} و {لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ} تفسير للوعد وتبيين له كقوله: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} [النساء: 11] فقوله: {لِلذَّكَرِ} تبيين للوصية، وليس بمفعول ثان، وقوله (¬5): {أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا} [طه: 86] وقوله: {إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ} [إبراهيم: 22] فإن هذا ونحوه يحتمل أمرين: يجوز أن يكون انتصاب الوعد بالمصدر. ويجوز أن يكون انتصابه بأنه المفعول الثاني. وسمي الموعود به وعدا (¬6)، كما سمي المخلوق خلقاً. ¬

_ = الظرف الاصطلاحي: هو الذي يتضمن معنى: لفظا أو تقريرا، فالوعد وقع على الجانب ولم يقع فيه، بمعنى الموعد به هو الجانب نفسه لا شيء آخر يكون فيه، وهذا يسمى مفعولا به ولا يسمى ظرفا على الراجح. انظر: "الأشموني مع حاشية الصبان" 2/ 126. والظرف المختص من المكان ماله صورة وحدود محصورة نحو الدار والمسجد، والظرف غير المختص من المكان وهو المبهم، ما ليس كذلك نحو الجهات الست. انظر: "حاشية الصبان على الأشموني" 2/ 129، "وحاشية الخضري على شرح ابن عقيل" 1/ 198. (¬1) في (ج): (سكنا). (¬2) ما بين المعقوفين ساقط من (ب). (¬3) (منكم) سقط من (أ)، (ج). (¬4) كذا في جميع النسخ، وفي "الحجة" (فيه) 2/ 60. (¬5) في "الحجة": وأما قوله: {أَلَمْ يَعِدْكُمْ} ..) 2/ 60. (¬6) في "الحجة": (الوعد) 2/ 60.

وقوله (¬1): {وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ} [الأنفال: 7] فـ {إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ} في موضح نصب بأنه المفعول الثاني و {أَنَّهَا لَكُمْ} بدل منه، والتقدير: وإذ يعدكم الله ثبات إحدى الطائفتين أو ملكها (¬2). فأما قوله: {وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} (¬3) فتعلق (الأربعين) بالوعد على أنه المفعول الثاني لا بالظرف، لأن الوعد لم يكن في جميع الأربعين كلها، ولا في بعضها، وإنما الوعد تقضي الأربعين، والتقدير: وعدنا موسى انقضاء أربعين ليلة أو تتمة أربعين ليلة، فحذفت المضاف، كما تقول: اليوم خمسة عشر من (¬4) الشهر، أي تمامه (¬5). ويكون في الكلام محذوف به يتم (¬6) المعنى، كأنه قال: وعدناه انقضاء أربعين ليلة للتكلم (¬7) معه، أو لإيتائه التوراة أو ما أشبه هذا. ¬

_ (¬1) في "الحجة": (وأما قوله: ..) 2/ 61. (¬2) "الحجة" 2/ 61. (¬3) في (ب): (وعدنا). (¬4) في (ج): (ض). (¬5) "الحجة" 2/ 64، 65، وانظر: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 264، "المشكل" لمكي 1/ 47، "الإملاء" 1/ 36، "البحر" 1/ 199، وقد ذكر الطبري هذا القول، ثم رده، ورجح: أن الأربعين كلها داخلة في الميعاد، قال: (وقد زعم بعض نحويي البصرة: أن معناه: وإذ واعدنا موسى انقضاء أربعين ليلة، أي رأس الأربعين ....). ثم قال: (وذلك خلاف ما جاءت الرواية عن أهل التأويل، وخلاف ظاهر التلاوة ..) الطبري 1/ 280. ونحوه قال ابن عطية: (وكل المفسرين على أن الأربعين كلها ميعاد) "تفسير ابن عطية" 1/ 292، وانظر: "القرطبي" 1/ 337. (¬6) في (ب): (تم). (¬7) في (ب): (للمتكلم).

واختلف القراء في قوله تعالى: {وَاعَدْنَا} فقرأ أكثرهم (¬1) بالألف من المواعدة، لأن ما كان من موسى من قبول الوعد والتحري لإنجازه والوفاء به يقوم مقام الوعد، وإذا كان كذلك حسن القراءة بـ (واعدنا) لثبات التواعد من الفاعلين، كما قال: {وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا} (¬2) [البقرة: 235] و-أيضا- فإن المفاعلة قد تقع من الواحد كسافر، وعافاه الله (¬3)، وقد مر (¬4). وقرأ أبو عمرو (¬5) (وعدنا) لكثرة ما جاء في القرآن من هذا القبيل بغير ألف، كقوله: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا} (¬6)، {أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ} [طه: 86]، {وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ} [الأنفال: 7]، {إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ} [إبراهيم: 22]، {وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ} [الفتح: 20]، فرد المختلف في إلى المتفق عليه (¬7). ¬

_ (¬1) قرأ أبو عمرو بغير ألف ووافقه من العشرة أبو جعفر ويعقوب, والباقون بالألف انظر: "السبعة" ص 155, "الحجة" لأبي علي 2/ 56, "التيسير" ص73, "التبصرة" ص25, "الغاية" ص 101, "النشر" 2/ 212, "تحبير التيسير" ص87. (¬2) (لكن) ساقط من (أ) و (ج) تصحيف في الآية. (¬3) قال أبو علي: (.. فإذا كان الوعد من الله سبحانه, ولم يكن من موسى, كان من هذا الباب) "الحجة" 2/ 67. (¬4) مر في تفسير قوله تعالى: {يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} [البقرة: 9] , وانظر: "الحجة" لأبي علي 2/ 66, "حجة القراءات" لابن زنجلة: ص96, "الحجة" لابن خالويه: ص77, "الكشف" لمكي 1/ 240. (¬5) في (ب): (أبو عمر). (¬6) المائدة:9, والنور: 55, والفتح:29. (¬7) "الحجة" لأبي علي 2/ 67. وقال ابن زنجلة: وحجة أن المواعدة إنما تكون بين الآدميين. "حجة القراءات": ص96, انظر: "الحجة" لابن خالويه: ص77, =

وأما (أربعين) فقال أبو الفتح الموصلي (¬1): إن العقود من (عشرين) إلى (تسعين) كأن (عشرين) جمع (عِشْر)، و (ثلاثين) جمع (ثلاث)، و (أربعين) جمع (أربع). وليس الأمر كذلك؛ لأن (العِشْر) غير معروف إلا في أظماء الإبل (¬2)، ولو كان (ثلاثون) جمع (ثلاثة) (¬3) لوجب أن يستعمل في (تسعة) وفي (اثني عشر) وفي كل عدد الواحد من تثليثها (ثلاث) (¬4). وكذلك القول في (أربعين) و (خمسين) إلى (التسعين) فقد ثبت بهذا أن (أربعين) ليس جمع (أربع) وكذلك سائر العقود، ولكنه جار مجرى (فلسطين) و (قِنَّسْرين) (¬5) في أنه اسم واحد لهذا العدد المخصوص (¬6)، ¬

_ = "الكشف" لمكي 1/ 239، قال الطبري: (.. والصواب عندنا في ذلك من القول: أنهما قراءتان قد جاءت بهما الأمة وقرأت بهما القَرَأة، وليس في القراءة بأحدهما إبطال معنى الأخرى ..) ثم رد على من قال: إنما تكون المواعدة بين البشر. "تفسير الطبري" 1/ 279. (¬1) "سر صناعة الأعراب" 2/ 626. (¬2) (العِشْر) بكسر العين خاص بورود الإبل اليوم العاشر أو التاسع. انظر: "القاموس" (عشر): ص 440. (¬3) في "سر صناعة الأعراب": (ثلاث) 2/ 626 (¬4) في "سر صناعة الأعراب": (.. لوجب أن يستعمل في (تسعة) وفي (اثني عشر) وفي (خمسة عشر) وكذلك إلى (سبعة) ولجاز أن يتجاوز به إلى ما فوق الثلاثين من الأعداد التي الواحد من تثليثها فوق العشرة ..) 2/ 626. (¬5) (قِنَّسْرين) بكسر أوله وفتح ثانيه وتشديده، مدينة بالشام. انظر: "معجم البلدان" 4/ 403. (¬6) نص عبارة أبي الفتح: (فقد ثبت بهذا أن (ثلاثين) ليس جمع (ثلاث) وأن (أربعين) ليس جمع (أربع)، ولكنه جرى مجرى (فلسطين) في أن اعتقد له واحد مقدر وإن لم يجر به استعمال فكأن (ثلاثين) جمع (ثلاث) و (ثلاث) جماعة فكأنه قد كان ينبغي أن تكون فيه (الهاء) ..) "سر صناعة الأعراب" 2/ 626.

ولكنه أشبه في الظاهر أنه جمع (أربع) ولو اعتقد له واحد مفرد وإن لم يجز به استعمال كان (أربعا)، (أربع) جماعة فكأنه قد كان ينبغي أن يكون فيه (الهاء) فعوض من ذلك (¬1) الجمع بالواو والنون، وعاد الأمر فيه إلى قصة (أرض) و (¬2) (أرضون) (¬3)، وقد ذكرنا الكلام فيه (¬4). وقال غيره: إنما جمعوا (¬5) بالواو والنون، لأنه يقع على ما يعقل وعلى ما لا يعقل، وإذا اجتمعا فالذي يعقل أولى بالغلبة، فجمعوه جمع ما يعقل. وقوله تعالى: {لَيْلَةً} (¬6) ولم يقل: (يوما) لأن عدد الشهور (¬7) يحسب من لياليها، وشهور العرب وضعت على سير القمر، والهلال يهل بالليل (¬8). ¬

_ (¬1) في (ب): (هذا). (¬2) (الواو) ساقطة من (ب). (¬3) انتهى ما نقله عن أبي الفتح ابن جني الموصلي بتصرف. انظر: "سر صناعة الأعراب" 2/ 626، 627. ورأي أبي الفتح أن (أربعين) يجري مجرى جمع المذكر السالم فيعرب بالحروف، وهذا قول بعض النحويين، ومنهم في قال: يعرب بالحركات. انظر: "المقتضب" 3/ 332، "الخزانة" 8/ 67، "الدر المصون" 1/ 353. (¬4) (فيه) ساقط من (ج). والكلام في: (أرض) و (أرضون) ذكره في تفسير قوله تعالى: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا} [البقرة: 22]. (¬5) في (ب): (واجمعوا). (¬6) (ليلة) ساقط من (ج). (¬7) في (ج): (الشهر). (¬8) "تفسير الثعلبي" 1/ 70 ب. وانظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 291، "تفسير البغوي" 1/ 94، "زاد المسير" 1/ 80، "تفسير القرطبي" 1/ 337.

وقوله (¬1) تعالى: {ثُمَّ أتَّخَذتُمُ العِجلَ}. يقال: اتّخذ يتّخذ، وتَخِذَ يتخذ (¬2)، قال الله تعالى: {لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا} [الكهف: 77] (¬3). قال الشاعر (¬4): وقد تخِذَتْ رجلي إلى جنب غَرزها ... نسيفاً كأُفحوص (¬5) القطاة المطرِّقِ (¬6) و (تخذ) (¬7) من (اتخذ) مثل تقي من اتقى وقد مرّ (¬8). ¬

_ (¬1) في (ج): (له تعالى). (¬2) (يتخذ) بسكون التاء، وفتح الخاء، كذا في "تهذيب اللغة" (أخذ) 7/ 530، "مجالس العلماء" للزجاجي: ص 333، "اللسان" (أخذ) 3/ 374، وانظر "الحجة" لأبي علي 2/ 68. (¬3) الكهف: 77، والاستشهاد بالآية ورد في "الحجة" على قراءة أبي عمرو وابن كثير (لتخذت) كما هنا. انظر "الحجة" 2/ 68، "السبعة" لابن مجاهد ص 396، "تهذيب اللغة" (أخذ) 1/ 129. (¬4) هو الممزق العبدي، واسمه شأس بن نهار. (¬5) في (ج): (كما نحوص). (¬6) قوله: غرزها: الغرز للناقة مثل الحزام للفرس، و (النسيف): أثر ركض الرجل بجبني البعير، و (الأفحوص): المبيض، و (المطرِّق): وصف للقطاة، إذا حان خروج بيضها. ورد البيت في "الحجة" 2/ 68، "الأصمعيات" ص165، "تهذيب اللغة" (نسف) 4/ 3562، "الخصائص" 2/ 287، "مجالس العلماء" للزجاجي ص 333، "المخصص" 1/ 21، 8/ 125، 12/ 272، 16/ 97، 134، 17/ 22، "التكملة": ص117، "اللسان" (حدب) 2/ 796، و (فحص) 6/ 3356، و (طرق) 5/ 2666، و (نسف) 7/ 4411. (¬7) قال أبو علي: (اتخذ): افتعل، فعلت منه: تخذت ..) ولم أعلم (تخذت) تعدى إلا إلى مفعول واحد. "الحجة" 2/ 68. قال ابن عطية: (اتخذ وزنه: افتعل من الأخذ، وقال أبو علي: هو من تخذ لا من أخذ 1/ 216، وانظر: "تفسير القرطبي" 1/ 338 - 339، "الدر المصون" 1/ 354. (¬8) مر في تفسير قوله تعالى: {هُدًى للِمُتَّقِينَ} [البقرة: 2].

وأما (اتخذ) فإنه على ضربين (¬1): أحدهما: أن يتعدى إلى مفعول واحد. والثاني: أن يتعدى إلى مفعولين. فأما تعديه إلى واحد فكقوله: {يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا} [الفرقان: 27] و {أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ} [الزخرف: 16] وقوله: {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً} [الفرقان: 3] (¬2)، {لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا} [الأنبياء: 17]. وأما تعديه إلى مفعولين، فإن الثاني منهما هو الأول في المعنى، كقوله: {اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً} (¬3) وقال: {لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ} [الممتحنة: 1]، {فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا} [المؤمنون: 110]. ونظير (اتخذت) في تعديه إلى مفعول واحد مرة، وإلى مفعولين: (الجعل) (¬4) قال الله تعالى: {وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ} [الأنعام: 1] أي: خلقهما (¬5)، فإذا تعدى إلى مفعولين كان الثاني الأول في المعنى، قال: {وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً} ¬

_ (¬1) نقله من "الحجة" لأبي علي 2/ 68. وانظر: "البحر" 1/ 200، "الدر المصون" 1/ 354. (¬2) وفي "الحجة" ذكر قوله تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً} [مريم:81] [يس: 74]. (¬3) المجادلة: 16، المنافقون: 2. (¬4) في (ب): (أنجعل) وفي "الحجة": (جعلت) 2/ 69. (¬5) في (ب): (خلقها). والمؤلف يشير بقوله (خلقها) إلى أن (جعل) التي تتعدى إلى مفعول واحد هي التي بمعنى: خلق، أو أوجب، أو وجب، وهي تتعدى إلى مفعول واحد بنفسها. وإلى الثاني بحرف الجر. وأما التي تتعدى إلى مفعولين فهي التي بمعنى: (اعتقد) و (صير). انظر: "الأشموني مع حاشية الصبان" 2/ 23.

[يونس: 87]، {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً} [القصص: 41]. فأما قوله: {ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ} [البقرة: 51] وقوله: {بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ} [البقرة: 54]، {اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ} [الأعراف: 148]، {إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ} [الأعراف: 152]، فالتقدير في هذا كله: (اتخذوه إلها) فحذف المفعول الثاني (¬1). الدليل على ذلك أنه لو كان على ظاهره، لكان من صاغ عجلا، أو نجره، أو عمله بضرب من الأعمال، استحق الغضب من الله (¬2)، لقوله: {سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ} [الأعراف: 152]. و (الاتخاذ) أصله: (اأتخاذ) (¬3)، فلما التقى الهمزة التي هي الفاء مع همزة الوصل لينت فصارت (ياء) لانكسار ما قبلها، فأدغمت في (تاء) (¬4) الافتعال كقولهم: اتسروا الجزور (¬5)، وإنما هو من الميسر واليسر (¬6). ¬

_ (¬1) في (ب): (لي الثاني). (¬2) تابع الواحدي أبا علي في قوله: (.. أنه لو كان على ظاهره، لكان من صاغ عجلًا، أو نجره، أو عمله بضرب من الأعمال، استحق الغضب من الله)، وكأن فاعل ذلك لا يستحق العقوبة على تصوير المجسمات من ذوات الأرواح، الذي هو محرم عند جمهور العلماء، وإنما وقع الخلاف بينهم في الصور غير المجسمة. أما أبو علي فلا يرى تحريم ذلك كله، ويحمل الأحاديث الواردة في وعيد المصورين على المشبهة -حسب زعمه- قال في "الحجة" 2/ 71: (.. قيل: يعذب المصورون، يكون على من صور الله تصوير الأجسام، وأما الزيادة فمن أخبار الآحاد التي لا توجب العلم). وقد تعقبه ابن حجر ورد عليه قوله، انظر: "فتح الباري" 10/ 384. (¬3) (اأتخاد) ساقط من (ب)، وفي (ج): (اتخاذ). (¬4) في (ب): (ياء). (¬5) اتسروا الجزور: إذا نحروها واقتسموها. (القاموس) (يسر): ص 500. (¬6) أورد أبو علي هذا القول ورده، لأن أصله عنده (تخذ) لا (اخذ). انظر: "الحجة" 2/ 71، "تفسير ابن عطية" 1/ 292، "تفسير القرطبي" 1/ 339، "الدر المصون" 1/ 354.

وباب (الاتخاذ) يجوز أنه يكون أصله الواو كالاتزان والاتقاء و (¬1) الاتضاح؛ لأن الأخذ، قد جاء فيه لغتان (¬2)، كما قالوا: أكدت ووكدت، وأوصدت وآصدت (¬3)، وقد مر هذا مشروحاً في قوله: {هُدًى لِلمُتَّقِينَ} [البقرة:2] (¬4). واختلف القراء في هذا الحرف، فقرأ بعضهم بالإظهار (¬5)؛ لأن (الذال) ليس من مخرج (التاء) (¬6) إنما هي من مخرج (الظاء)، و (الثاء) فتفاوت ما بينهما إذ كان لكل واحد من الذال والتاء مخرج غير مخرج الآخر (¬7). وأما من (¬8) أدغم فحجته: أن هذين الحرفين لما تقاربا فاجتمعا في أنهما (¬9) من طرف اللسان وأصول الثنايا، حسن الإدغام، لقرب حيز كل واحد منهما من الحيز (¬10) الآخر. ¬

_ (¬1) (الواو) ساقطة من (ج) (¬2) ذكره أبو علي في "الحجة" حيث قال: (أخذ) قد جاء فيه لغتان في (الفاء): الواو والهمز، كما جاء: آكدت ووكدت ..) "الحجة" 2/ 73، 74. (¬3) في (ب): (ووصدت). (¬4) البقرة: 2. (¬5) قرأ بالإظهار ابن كثير وعاصم في رواية حفص, انظر "السبعة":ص155, "الحجة" لأبي علي 2/ 67, "التيسير": ص 44. (¬6) في "الحجة" (ليس من مخرج التاء والطاء) 2/ 75. (¬7) "الحجة" لأبي علي 2/ 75. وانظر:"الحجة" لابن خالويه: ص77."الكشف" لمكي 1/ 160. (¬8) قرأ بالإدغام بقية السبعة عدا ابن كثير وعاصم في رواية حفص, انظر"السبعة" ص 155, "الحجة" لأبي علي 2/ 67, "التيسير": ص 44, "الكشف" 1/ 160. (¬9) في (ب): (فاجتمع أنها). (¬10) في (ب): (حيز). "الحجة" لأبي علي 2/ 75. وانظر: "الحجة" لابن خالوية: ص 77, "الكشف" 1/ 160, وقال مكي: إنهما (اعتدلا في القوة والضعف).

فأما معنى الآية: فإن الله تعالى نبههم بهذه الآية على أن كفرهم بمحمد - صلى الله عليه وسلم - ليس بأعجب من كفرهم وعبادتهم العجل (¬1)، وأراد به كفر سلفهم، وخاطبهم بهذا على ما بينا قبل (¬2). قال المفسرون: إن الله تعالى لما أنجى موسى وبني إسرائيل وأغرق فرعون، وآمن بنو إسرائيل من عدوهم ودخلوا مصر، لم يكن لهم كتاب ولا شريعة ممهدة، فواعد الله موسى أن يؤتيه الكتاب، فيه بيان ما يأتون (¬3) وما يذرون، وأمره أن يصوم ثلاثين يوماً، فصامه وصالاً، ولم يطعم شيئاً، فتغيرت رائحة فمه، فعمد إلى لحاء شجرة فمضغها، فأوحى الله إليه: أما علمت أن خلوف فم الصائم أطيب عندي من ريح المسك، وأمره أن يصل بها عشراً، فتم ميقات ربه أربعين ليلة، وخرج موسى من بين (¬4) بني إسرائيل تلك الأيام، فاتخذ السامري عجلاً، وقال لبني إسرائيل: هذا إلهكم وإله موسى، فافتتن بالعجل ثمانية آلاف رجل منهم، وعكفوا عليه يعبدونه (¬5)، وسنذكر طرفاً من هذه القصة في موضعها (¬6)، إن شاء الله. ¬

_ (¬1) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 281، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 104. (¬2) يريد ما سبق في تفسير قوله تعالى: {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} [البقرة: 40]، فجعل النعمة على آبائهم نعمة عليهم، وهذا يجري في (كلام العرب) كثيرًا. وانظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 97، 104. (¬3) في (ج): (ما يؤتون). (¬4) (بين) ساقط من (ج). (¬5) بنحو هذا السياق ذكره الثعلبي في "تفسيره" دون قوله: (وأمره أن يصوم ثلاثين يومًا ..) 1/ 71 أ، وأخرج الطبري في "تفسيره" مقاطع منه في عدة آثار 1/ 283، وانظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 294، "تفسير البغوي" 1/ 95، "ابن كثير" 1/ 98. (¬6) في (ب): (موضها).

52

وقوله تعالى: {وَأَنتُم ظَالِمُونَ} أي: ضارون لأنفسكم، وواضعون العبادة في غير موضعها (¬1). وقيل: وأنتم ظالمون اليوم بمخالفة محمد صلى الله عليه وسلم (¬2). 52 - قوله تعالى: {ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ} قال الليث: كل من استحق عقوبة فتركته (¬3) فقد عفوت عنه (¬4). فكأن معنى العفو عنده: الترك، ومنه قوله: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ} [البقرة: 178]، أي ترك (¬5). وقال ابن الأنباري: أصل: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ} [التوبة: 43] محا الله عنك، مأخوذ من قولهم: عفت الرياح الآثار، إذا درستها ومحتها، فعفت تعفو عفوا، لفظ (¬6) اللازم والمتعدى سواء (¬7) إلا في المصدر (¬8). فعفو الله ¬

_ (¬1) "تفسير الثعلبي" 1/ 71 ب، وانظر: "تفسير الطبري" 1/ 284. و"تفسير البغوي" 1/ 95، و"لباب التفسير" 1/ 239، و"تفسير الرازي" 3/ 76، "البحر المحيط" 1/ 201، و"تفسير البيضاوي" 1/ 25، و"تفسير النسفي" 1/ 43، و"تفسير الخازن" 1/ 125. (¬2) لم أجد من ذكر هذا القول -فيما اطلعت عليه- ومعناه يرجع للقول الأول، والله أعلم. (¬3) في (ب): (فتركة عنه) وفي "تهذيب اللغة" (عفا) 3/ 2489. (¬4) "تهذيب اللغة" (عفا) 3/ 2489. وانظر: "تفسير أسماء الله" للزجاج ص 62، "اشتقاق أسماء الله" للزجاجي ص 134. (¬5) وقيل: إن معنى (فمن عفي): فمن فضل له فضل، انظر "تفسير الطبري" 1/ 107 - 109، وانظر كلام الأزهري على الآية في "تهذيب اللغة" (عفا) 3/ 226. (¬6) في (ب): (اللفظ). (¬7) "تهذيب اللغة" (عفا) 3/ 2489، "اللسان" (عفا) 5/ 3018، وانظر "الأضداد" لابن الأنباري: ص 86، "الزاهر" 1/ 535. (¬8) قوله: (إلا في المصدر) لم يرد ضمن كلام ابن الأنباري في "تهذيب اللغة"، قال الأزهري وقرأت بخط شمر لأبي زيد: عفا الله عن العبد عفوا، وعفت الرياح الأثر عفاء، فعفا الأثر عفوا "تهذيب اللغة" (عفا) 3/ 2489.

تعالى: محوه الذنوب عن العبيد (¬1). وقال بعض أصحاب المعاني: العفو في اللغة: ما فضل عن الكفاية، وسهلت النفس ببذله (¬2) ومنه قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ العَفوَ} (¬3) [البقرة: 219] أي: ما فضل عن (¬4) القوت، ثم كثر ذلك وطال ترداده حتى صار على التدريج والتراخي: الصفح (¬5) عن الشيء والإعراض عن المؤاخذة به. قال المفسرون: والمراد بالعفو في هذه الآية: قبوله التوبة من عبدة العجل، وأمره برفع السيف عنهم (¬6). وقوله تعالى: {مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ} أي من بعد عبادة العجل (¬7). وإنما وحد والخطاب (¬8) للجميع، لاتصال الخطاب بذا وهو مبهم، فمرة يجمع على الأصل في مخاطبة الجميع، ومرة يوحد على مشاكلة اللفظ، إذا (¬9) كان لفظ المبهم على الواحد، وإن كان معناه على الجمع (¬10). ¬

_ (¬1) انظر: "اشتقاق أسماء الله" للزجاجي ص 134، "تهذيب اللغة" (عفا) 3/ 2489. (¬2) انظر: "تهذيب اللغة" (عفا) 3/ 2491. (¬3) الواو ساقطة من (أ)، (ج). (¬4) في (ب): (من). (¬5) في (ب): (والصفح). (¬6) انظر: "تفسير أبي الليث" 1/ 353. و"تفسير الثعلبي" 1/ 72 أ، وقال ابن جرير: المراد بالعفو: ترك معاجلتهم بالعقوبة، "تفسير الطبري" 1/ 284. (¬7) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 284، "تفسير الثعلبي" 1/ 72 أ، "تفسير القرطبي" 1/ 338. (¬8) في (ب): (وجد الخطاب). (¬9) في (أ)، (ج): (إذ)، وأثبت ما في (ب) لأنه أنسب للسياق. (¬10) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 286.

53

وقوله تعالى: {لَعَلَّكُم تَشكُرُونَ} إنما ذكرت هاهنا وفي سائر المواضع من القرآن نحو {ولَعَلَّكُم تَهتَدُونَ} [البقرة:53] والله عز وجل يعلم أيشكرون أم لا، على ما يفعل (¬1) العباد ويتخاطبون به، أي: أن هذا يرجى به الشكر (¬2)، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم (¬3). ومعنى الشكر في اللغة: عرفان الإحسان ونشره، وهو الشكور (¬4) أيضًا (¬5). وقال بعض أهل اللغة: معنى الشكر إظهار النعمة بالاعتراف بها، ومن هذا يقال: دابة شكور (¬6)، إذا أظهرت السمن فوق (¬7) ما يعلف (¬8). وقد ذكرنا أقسام الشكر في ابتداء الفاتحة. وأما معنى الشكور في وصف الله تعالى فمذكور وفي موضعه. 53 - قوله تعالى: {وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ} الآية. الفرقان: مصدر فرَقت بين الشيئين أفرُق فَرْقًا وفُرْقانًا، كالرجحان والنقصان، هذا هو ¬

_ (¬1) في (أ)، (ب): (يعقل)، وما في (ج) أولى، وموافق لما في "معاني القرآن" للزجاج، والكلام منقول منه. (¬2) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 105، وأكثر المفسرين على أن (لعل) تفيد الإيجاب، وقيل: هي بمعنى (كي). انظر: "تفسير الطبري" 1/ 161، 1/ 284، "تفسير ابن عطية" 1/ 296، "تفسير القرطبي" 1/ 336. (¬3) ذكر الوجوه التي تأتي عليها (لعل) في تفسير قوله {لَعَلَّكُم تَتَّقُونَ} [البقرة: 21]. (¬4) في (ب): (الشكر). (¬5) ذكره الأزهري عن الليث. "تهذيب اللغة" (شكر) 2/ 1911، وانظر: "اللسان" (شكر) 4/ 2305. (¬6) في (ب): (شكورا). (¬7) في (ب): (من الثمن فوق ما علفت). (¬8) انظر: "التهذيب" (شكر) 2/ 1911، "اللسان" 4/ 2306، "تفسير الثعلبي" 1/ 72.

الأصل (¬1). ثم يسمى كل فارق: فرقانًا، كتسميتهم الفاعل بالمصدر، كما سمى كتاب الله الفرقان لفصله بحججه وأدلته بين المحقّ والمبطل، وسمى الله تعالى يوم بدر: يوم الفرقان في قوله {يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ} [الأنفال: 41]، لأنه فرق في ذلك اليوم بين الحق والباطل، فكان ذلك اليوم يوم الفرقان (¬2). وقوله تعالى: {إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا} [الأنفال: 29]، أي: يفرق بينكم وبين ذنوبكم، أو بينكم وبين ما تخافون (¬3). فأما (¬4) معنى الفرقان في هذه الآية: فقال مجاهد: هو بمعنى الكتاب، وهما شيء واحد (¬5). وهو اختيار الفراء (¬6). قال: العرب تكرر الشيء إذا اختلفت (¬7) ألفاظه، قال عدي بن زيد: ¬

_ (¬1) انظر: "الصحاح" (فرق) 4/ 1540، "اللسان" (فرق) 6/ 3399. (¬2) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 43، 44، 1/ 285 "معاني القرآن" للزجاج 2/ 461، "تهذيب اللغة" (فرق) 3/ 2779، "الصحاح" (فرق) 4/ 1541، "اللسان" (فرق) 6/ 3399. (¬3) ذكر الطبري في المراد بالفرقان ثلاثة أقوال: مخرجها، أو نجاة، أو فصلا، 13/ 488. (¬4) في (ب): (وأما). (¬5) ذكره الطبري في "تفسيره" عن مجاهد وعن ابن عباس وأبي العالية ورجحه 2/ 70، 71، وكذا "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 350، والنحاس في "إعراب القرآن" 1/ 225، "تفسير الثعلبي" 1/ 73 أ، انظر "تفسير ابن عطية" 1/ 216، والبغوي في "تفسيره" 1/ 73، وابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 81، "تفسير ابن كثير" 1/ 97. (¬6) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 73 أ، وذكر الفراء في المراد بالفرقان عدة أقوال، والقول المذكور هنا أحد الأقوال. انظر "معاني القرآن" 1/ 37. (¬7) في (ب): (اختلف).

وأَلْفَى قَوْلَهَا كَذِبًا وَمَينَا (¬1) وقال عنترة: أَقْوَى وَأَقْفَرَ بَعْدَ أُمِّ الهَيْثَمِ (¬2) وارتضى الزجاج هذا القول، قال (¬3): لأن الله تعالى ذكر لموسى الفرقان في غير هذا الموضع وهو قوله: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ} [الأنبياء: 48]. فعلى هذا الفرقان هو الكتاب، والكتاب هو الفرقان، ولكن ذكر بلفظين مختلفين نحو ما ذكرنا. قال الزجاج: ويجوز أن يريد بالفرقان انفراق البحر (¬4)، وهو من عظيم الآيات، كأنه قيل: آتيناه فرق البحر وهذا قول يمان بن رباب (¬5). وقال ابن عباس: أراد بالفرقان النصر على الأعداء (¬6)، لأن الله عز وجل ¬

_ (¬1) سبق البيت وتخريجه، والشاهد هنا قوله: (كذبًا ومينًا) فعطف المين على الكذب، وهو بمعناه. (¬2) البيت من معلقة عنترة المشهورة وصدره: حُيِّيتَ مِنْ طَلَلٍ تَقَادَمَ عَهْدُهُ (الطلل): ما شخص من الدار من وتد وغيره، (تقادم): طال عهده بأهله فتغير، (أقوى): خلا من أهله، ورد البيت في "تهذيب اللغة" (شرع) 2/ 1857، "اللسان" (شرع) 4/ 2238، "تفسير الثعلبي" 1/ 73 أ، "تفسير القرطبي" 1/ 341، "الدر المصون" 1/ 358، "فتح القدير" 1/ 135، و"ديوان عنترة" ص 189. (¬3) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 105. (¬4) لم أجد هذا القول في "معاني القرآن" للزجاج، وممن نسبه للزجاج ابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 81، وهذا القول ذكره الفراء في "المعاني" 1/ 37، وأبو الليث في "تفسيره" 1/ 354، انظر: "تفسير ابن عطية" ونسبه لابن زيد 1/ 295, "تفسير القرطبي" 1/ 341. (¬5) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 73 أ، والبغوي في "تفسيره" 1/ 73. (¬6) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 73 أ، وابن الجوزي في "زاد المسير" عن ابن =

نصر (¬1) موسى وقومه. وقال حسان يذكر ذلك، يخاطب (¬2) النبي -صلى الله عليه وسلم -: فَثَبَّتَ اللهُ مَا آتاكَ (¬3) مِنْ حَسَنٍ ... تَثْبِيتَ مُوسَى وَنَصْرًا كَالَّذِي نُصِرُوا (¬4) فعلى هذا سمى نصره على فرعون وقومه فرقانًا؛ لأن في ذلك فرقًا بين الحق والباطل. وقال الكسائي: الفرقان نعت للكتاب، يريد: وإذا آتينا موسى الكتاب الفرقان، أي (¬5): الفارق بين الحلال والحرام، ثم زيدت الواو كما تزاد في النعوت فيقال: فلان حسن وطويل وسخي (¬6)، وأنشد: إِلَى المَلِكِ الْقَرْمِ وَابْنِ الهُمَامِ ... وَلَيْثِ الْكَتِيبَةِ في المُزْدَحَم (¬7) وقال قطرب: أراد بالفرقان: القرآن، وفي الآية إضمار معناه: وإذ آتينا موسى الكتاب ومحمدا الفرقان، لعلكم تهتدون بهذين الكتابين، فترك ¬

_ = عباس وابن زيد 1/ 81، وذكر الطبري نحوه عن ابن زيد 1/ 285، وذكره أبو الليث في "تفسيره" ولم يعزه 1/ 354، وكذا ابن عطية في "تفسيره" 1/ 295. (¬1) (نصر) ساقط من (ب). (¬2) في (ج): (مخاطب). (¬3) في (ب): (ما أتاك الله ما أتاك). (¬4) البيت ليس لحسان وإنما هو لعبد الله بن رواحة كما في ديوانه ص 159، وكذلك ورد في "طبقات ابن سعد" 3/ 528، "سيرة ابن هشام" 3/ 428، "سير أعلام النبلاء" 1/ 234، و"الاستيعاب" 3/ 35، "الدر المصون" 1/ 591، "البحر المحيط" 2/ 311، 227، 6/ 84. (¬5) في (أ): (أن) وفي (ج): (إذ). (¬6) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 73 أ، وانظر "تفسير البغوي" 1/ 73، "الكشاف" 1/ 281، وذكره أبو حيان في البحر، وقال: هو ضعيف 1/ 202، وذكر الفراء نحوه ولم يعزه للكسائي، "معاني القرآن" 1/ 37. (¬7) سبق البيت وتخريجه في تفسير قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ}.

54

أحد الاسمين (¬1)، كقوله: تَرَاهُ كَأَنَّ اللهَ يَجْدَعُ أَنْفَهُ ... وَعَيْنَيْهِ إِنْ مَوْلاَهُ ثَابَ لَهُ وَفْرُ (¬2) أراد ويفقأ عينيه، فاكتفى بـ (يجدع) من يفقأ (¬3). قال ابن الأنباري: هذا البيت لا يشاكل ما احتج به؛ لأن الشاعر اكتفى بفعل من فعل، وعلى ما ذكر في الآية اكتفى من اسم باسم (¬4)، ولكنه يصح قول قطرب عندي من وجه آخر، وهو (¬5) أنه لما ذكر الفرقان وهو اسم للقرآن، دل على محمد - صلى الله عليه وسلم - فحذف اتكالًا على علم المخاطبين (¬6). 54 - وقوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ} يعني (¬7) الذين عبدوا العجل. (يا قوم) نداء مضاف حذفت منه الياء، لأن النداء باب حذف، ألا ¬

_ (¬1) الثعلبي في "تفسيره" 1/ 73 أ، وذكره الزجاج في "المعاني" 1/ 104، 105، وهو قول للفراء كما في المعاني 1/ 37، وانظر: "أمالي المرتضى" 2/ 259، "تفسير ابن عطية" 1/ 296، "زاد المسير" 1/ 81، "البحر المحيط" 1/ 202. (¬2) البيت ينسب إلى خالد بن الطيفان، ونسبه بعضهم إلى الزبرقان بن بدر، ورد البيت في "الزاهر" 1/ 119، و"أمالي المرتضى" 2/ 259، 375، "تفسير الثعلبي" 1/ 73 أ، "الخصائص" 2/ 431، "الإنصاف" 1/ 406، "اللسان" (جدع) 1/ 567. والوفر: المال الكثير الوافر. (¬3) في (ج): (فاكتفى يجدع من تفقأ). (¬4) في (ب)، (ج): (باسم من اسم). وقول ابن الأنباري ذكره المرتضى في "أماليه" 2/ 260. (¬5) (وهو) ساقط من (ب). (¬6) ذكر المرتضى في أماليه نحوه ردا على قول ابن الأنباري السابق. "أمالي المرتضى" 2/ 260. (¬7) بعد سياق الآية كاملة في (ب) كما هو النهج في هذه النسخة {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ} يعني ...

ترى أنه يحذف فيه (¬1) التنوين، ويحذف بعض الاسم للترخيم (¬2) والمنادى إذا أضفته إلى نفسك (¬3) جاز فيه ثلاث لغات (¬4) حذف الياء، وإثباتها (¬5) وفتحها (¬6)، فحذف الياء كقوله: {يَا قَوْمِ} والإثبات كقوله: {يَا عِبَادِ (¬7) فَاتَّقُونِ} (¬8) [الزمر: 16] والفتح كقوله: {يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ} [الزمر: 53] على قراءة من فتح (¬9) الياء. والأجود الحذف والاجتزاء بالكسرة (¬10)، والعرب تفعل ذلك كثيرًا في الموضع (¬11) الذي يكون (¬12) الياء ¬

_ (¬1) في (ج): (منه). (¬2) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 105، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 226. (¬3) أي: إلى ياء المتكلم. (¬4) انظر: "الكتاب" 2/ 209، وذكر الزجاج في المنادى المضاف إلى ياء المتكلم أربع لغات، انظر: "معاني القرآن" 1/ 105، وذكر النحاس لست لغات، "إعراب القرآن" 1/ 226، وكذا أبو حيان في البحر 1/ 106، "السمين في الدر" 1/ 359، وهذا في غير القرآن. (¬5) يعني إثباتها ساكنة. (¬6) في (ب): (وحذفها). (¬7) قراءة جمهور القراء حذف الياء منها، وقرأ بالإثبات رويس وروح. انظر: "النشر" 2/ 364، "وتحبير التيسير" ص 174. (¬8) في (ج): (عباد) وهي قراءة السبعة. (¬9) في (ب): (حذف). قرأ بالفتح نافع وابن كثير وابن عامر وعاصم، وأبو جعفر من العشرة والبقية على الإسكان في الوقف، وحذفها في الوصل. انظر: "التيسير" ص 190، "تحبير التيسير" ص 174. (¬10) قال الزجاج: فأما في القرآن فالكسر وحذف الياء لأنه أجود الأوجه، وهو إجماع القراء 1/ 105، وانظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 175، "البحر المحيط" 1/ 206. (¬11) في (ب): (المواضع). (¬12) في (ب): (تكون).

فيه أصلاً، وكما أنشده (¬1) سيبويه: وَطِرْتُ بِمُنْصُلِي (¬2) فِي يَعْمَلاَتٍ ... دَوَامِي الأَيْدِ يَخْبِطْنَ السَّريِحَا (¬3) يريد: الأيدي (¬4). وأنشد أيضًا: وَأخُو الغَوَانِ مَتى يَشَأْ يَصْرِمْنَهُ ... وَيَكُنَّ أَعْدَاءً بُعَيْدَ وِدَادِ (¬5) يريد: الغواني فاجتزأ بالكسرة من الياء، والنداء بهذا أولى لأنه باب حذف. وقوله تعالى: {إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ} أي نقصتم حظ أنفسكم باتخادكم العجل إلها (¬6)، فحذف أحد المفعولين، وقد مضى بيانه (¬7). ¬

_ (¬1) في (ب): (أنشد). (¬2) في (أ)، (ج) (لمنصلي) وما في (ب) موافق لرواية البيت في أكثر المصادر. (¬3) البيت غير منسوب في "الكتاب"، ونسبه في اللسان لمضرس بن ربعي. (المنصل): السيف، و (اليعملات): جمع يعملة، وهي الناقة القوية على العمل و (السريح): جلود أو خرق تشد على أخفاف الناقة إذا حفيت من شدة السير، ورد البيت في "الكتاب" 1/ 27، 4/ 190, "المنصف" 2/ 73, "الخصائص" 2/ 269. 3/ 133, "الإنصاف" 2/ 429, "الخزانة" 1/ 242, "اللسان" (جزز) 1/ 615, و (خبط) 1039, و (ثمن) 1/ 59 و (يدى) 8/ 4951. (¬4) فحذف (الياء) لضرورة الشعر وبقيت الكسرة تدل عليها. انظر:"الكتاب" 1/ 27. (¬5) في (ب): (واداد). البيت للأعشى (قيس من ميمون) وفيه يصف النساء بالغدر وقلة الوفاء والصبر, يقول: من كان مشغوفًا بهن مواصلاً لهن, إذا تعرض لما يسبب صرمهن سارعن إليه لتغير أخلاقهن. البيت من شواهد سيبويه 1/ 28, وورد في "المنصف" 2/ 73, "الإنصاف" ص 329, ص 419, و"الهمع" 5/ 344, "الخزانة" 1/ 242, "اللسان" (غنا) 6/ 3310, وديوان لأعشى ص 51. (¬6) انظر: الثعلبي في "تفسيره" 1/ 73 ب, والبغوي في "تفسيره" 1/ 73. (¬7) مضى في تفسير قوله تعالى: {ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ} [البقرة: 51].

{فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ} خالقكم، يقال: برأ الله الخلق، أي: خلقهم (¬1)، وكان أبو عمرو يختلس حركة الهمزة في بارئكم كأنه مخفف الحركة ويقربها من الجزم (¬2)، وحجته في ذلك: أن الحركات على ضربين (¬3): حركة بناء، وحركة إعراب، فحركة البناء يجوز تخفيفه، وذلك نحو: سَبُع وإِبِل وضُرِبَ وعَلِمَ. يقول (¬4) في التخفيف: سَبْع وفَخْذٌ وعَلْم وضُرْب، وقد خفف من كلمتين على هذا المثال تشبيها للمنفصل (¬5) بالمتصل، وذلك نحوما أنشده أبو زيد: قَالَتْ سُلَيْمَى اشْتَرْ لَنَا دَقِيقَا (¬6) [فَنُزِّل] (¬7) مثل كتف، ولا خلاف في تجويز إسكان حركة البناء عند ¬

_ (¬1) انظر: "غريب القرآن" للزبيدي 1/ 70، والطبري في "تفسيره" 2/ 78، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 106، "تفسير الثعلبي" 1/ 73 ب. (¬2) هذا على رواية العراقيين عنه بالاختلاس، وروي عنه إسكان الهمزة، وبقية السبعة على كسر الهمزة من غير اختلاس ولا تخفيف، انظر "السبعة" ص 155، و"الحجة" لأبي على 2/ 76، "التيسير" ص 73، "الكشف" 1/ 240. (¬3) أخذه عن "الحجة" 2/ 78. قال أبو علي: (حروف المعجم على ضربين: ساكن ومتحرك، والساكن على ضربين: أحدهما: ما أصله في الاستعمال السكون .. ، والآخر: ما أصله الحركة في الاستعمال فيسكن عنها، وما كان أصله الحركة يسكن على ضربين: أحدهما أن تكون حركته حركة بناء، والآخر: أن تكون حركته حركة إعراب ..) وانظر: "حجة القراءات" لابن زنجلة ص 97، "الحجة" لابن خالويه ص 78، "الكشف" 1/ 241. (¬4) في "الحجة" (يقول من يخفف) 2/ 79. (¬5) أي: شبهوا المنفصل في كلمتين بالمتصل في كلمة. (¬6) الرجز لرجل من كندة يقال له: (العذافر الكندي) وسبق تخريجه في تفسير قوله تعالى: {وَهُوَ بكل شَىءٍ عَلِيمٌ} [البقرة: 29]. (¬7) في جميع النسخ (فترك) وفي "الحجة" (فنزل) وهذا أقرب، والمعنى: أن (اشتر) =

النحويين. وأما حركة الإعراب فمختلف في تجويز إسكانها، فمن النحويين من يقول: إن إسكانها لا يجوز، لأنها علم الإعراب، وسيبويه يجوز ذلك (¬1)، ولا يفصل بين القبيلين (¬2) في الشعر. وقد روي ذلك عن العرب، وإذا جاءت الرواية لم ترد بالقياس (¬3)، فمما أنشده في ذلك قوله (¬4): وَقَدْ بَدَا (¬5) هَنْكِ مِنَ المِئْزَرِ (¬6) وقوله: فَالْيَوْمُ أَشْرَبْ غَيْرَ مُسْتَحْقِبٍ (¬7) .. البيت. ¬

_ = سكن آخره ونزل منزلة المتصل مثل (كتف) انظر "الحجة" 2/ 79، و"النوادر" لأبي زيد ص170، "الخصائص" 1/ 73 - 75. (¬1) انظر: "الكتاب" 4/ 203، وانظر: "الخصائص" 1/ 73 - 75. (¬2) في (ب): (القبيلتين). (¬3) وكأنه يشير إلى رد أبي العباس المبرد لهذه المسألة، انظر: "الخصائص" 1/ 75، "تفسير ابن عطية" 1/ 297، "الخزانة" 4/ 484. (¬4) (قوله) ساقط من (ب). (¬5) في (ب). (زيد). (¬6) البيت للأقيشر الأسدي وصدره: رُحْتِ وَفِي رِجْلَيْكِ مَا فِيهِمَا قاله يخاطب زوجته حين لامته لما شرب الخمر وبدت عورته، وقوله: (ما فيهما): من الاضطراب، و (الهن) كناية عن كل ما يقبح ذكره، وهو هنا كناية عن (الفرج). البيت من شواهد سيبويه 4/ 203، وفي "الحجة" لأبي علي 2/ 80، "الخصائص" 1/ 74، 3/ 95، و"الهمع" 1/ 187، "شرح المفصل" 1/ 48، "الخزانة" 4/ 484، 485، 8/ 351، "تفسير ابن عطية"1/ 298. (¬7) سبق تخريجه.

وقول جرير: سِيرُوا بَنِي الْعَمِّ فَالْأَهْوَازُ (¬1) مَنْزِلُكُمْ ... وَنَهْرُ تِيرَى وَلَا تَعْرِفْكُمُ (¬2) الْعَرَبُ (¬3) وجاز إسكان حركة الإعراب كما جاز إسكان (¬4) حركة البناء في نحو ما ذكرنا. والذي ذهب إليه أبو عمرو هو إسكان حركة الإعراب (¬5). فأما من زعم أن حذف هذه الحركة لا يجوز من حيث كانت عَلَمًا للإعراب، فليس قوله بمستقيم، وذلك أن حركات (¬6) الإعراب قد تحذف لأشياء (¬7)، ألا ترى أنها تحذف للوقف، وتحذف من الأسماء والأفعال ¬

_ (¬1) في (ج): (فالهواني). (¬2) في (أ)، (ج): (لايعرفكم) وما في (ب) موافق للحجة، والمصادر الأخرى التي ورد فيها البيت. (¬3) (الأهواز): مكان معروف في بلاد الفرس، وهو اسم للكورة بأسرها، ثم غلب على سوقها الذي أصبح مدينة يعينها، وفي الأهواز (نهر تيرى) المذكور في البيت. انظر "معجم البلدان" 1/ 284، 5/ 319، ورد البيت في "الحجة" 2/ 80، "الخصائص" 1/ 74، 2/ 317، "المخصص" 15/ 188، "تفسير ابن عطية" 1/ 298، "معجم البلدان" 5/ 319، "الخزانة" 4/ 484، "ديوان جرير" ص 45. والشاهد (ولا تعرفكم) بالضم فأسكن الشاعر مضطرًّا. انظر "الخصائص" 1/ 74، 2/ 317. (¬4) (إسكان) ساقط من (ب). وعبارة أبي علي: (وجاز إسكان حركة الإعراب، كما جاز تحريك إسكان البناء ...) "الحجة" 2/ 81. (¬5) أو اختلاسها كما سبق، قال أبو علي: (ذهب سيبويه إلى أن أبا عمرو اختلس الحركة ولم يشبعها فهو بزنة حرف متحرك، فمن روى عن أبي عمرو الإسكان في هذا النحو، فلعله سمعه يختلس فحسبه لضعف الصوت به والخفاء إسكانًا 2/ 84، وانظر "معاني القرآن" للزجاج 1/ 107، "الحجة" لابن خالويه ص 78. (¬6) في (ب) (حركة). (¬7) في (ب) (الأشياء).

المعتلة. فإذا جاز حذفها في هذه المواضع، جاز حذفها فيما ذهب إليه سيبويه، وهو التشبيه بحركة البناء، والجامع بينهما أنهما جميعا زائدتان، وأن حركة الإعراب قد تسقط في الوقف والاعتلال، كما تسقط التي للبناء للتخفيف. واعلم أن الحركات التي تكون للبناء والإعراب يستعملون في الضمة والكسرة منهما على ضربين: أحدهما: الإشباع والتمطيط، والآخر: اللاختلاس والتخفيف. وهذا الاختلاس والتخفيف، إنما يكون في الضمة والكسرة، وأما الفتحة (¬1) فليس فيها إلا الإشباع ولم تخفف الفتحة بالاختلاس، كما لم تخفف بالحذف (¬2) من نحو: جَمَل وجَبَل، كما حذف (¬3) من نحو: سَبُع وكَتِف، وكما (¬4) لم يحذفوا الألف في الفواصل من حيث حذفت الياء والواومنها، نحو: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ} [الفجر: 4]. وكما لم يبدل الأكثر من التنوين الياء والواوفي الجر والرفع كما أبدلوا (¬5) منه في النصب، فهذا الاختلاس وإن كان الصوت فيه أضعف من التمطيط وأخفى، فإن الحرف المختلس حركته بزنة المتحرك، وعلى هذا حمل سيبويه قول أبي عمرو {إِلَى بَارِئِكُمْ} فذهب إلى أنه اختلس الحركة ولم يشبعها، فهو بزنة حرف متحرك (¬6). ¬

_ (¬1) في (ب) (فأما الضمة). (¬2) في (أ)، (ج) (بالمحذوف) وما في (ب) أولى، وموافق لما في "الحجة" 2/ 83. (¬3) في "الحجة" (خفف) وهو أولى. (¬4) (الواو) ساقطة من (ب). (¬5) في "الحجة": (كما أبدلوا الألف في النصب) 2/ 83. (¬6) انتهى من "الحجة" لأبي علي الفارسي 2/ 78 - 83. مع التصرف اليسير باختصار بعض المواضع.

وفي الآية إضمار واختصار، كأنه لما قال لهم: {فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ} قالوا: كيف؟ فقال (¬1): {فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} (¬2). قال أبو العباس: أصل القتل: إماتة الحركة (¬3). ومنه يقال: قتلت الخمر إذا (¬4) مزجتها بالماء، لأنك كسرت شدتها، كأنك قتلت حركتها، قال حسان: إِنَّ الَّتِي نَاوَلْتَنِي فَرَدَدْتُهَا قُتِلَتْ ... قُتِلَتْ فَهَاتِهَا (¬5) لَمْ تُقْتَلِ (¬6) وتقول (¬7): قتلته علما: إذا أتقنته وتحققته، وذلك أنك أزلت اضطرابه في نفسك. وقلب مُقَتَّل: إذا ذلل بالعشق (¬8)، ومنه قوله: ...... أَعْشَارِ (¬9) قَلْبٍ مُقَتَّلِ (¬10) ¬

_ (¬1) في (ب) (قال). (¬2) انظر الثعلبي في "تفسيره" 1/ 73ب، والبغوي في "تفسيره" 1/ 73. (¬3) نحوه في "التهذيب" عن الليث (قتل) 3/ 2884، انظر "الصحاح" (قتل) 5/ 1797، "اللسان" (قتل) 6/ 3528. (¬4) في (ج) (اوا). (¬5) في (أ)، (ج) (نهاتها) وما في (ب) موافق لنا في ديوان حسان، والمصادر الأخرى التي ذكر فيها البيت. (¬6) ورد البيت في الصحاح (قتل) 5/ 1797، "اللسان" 6/ 3530، "ديوان حسان" ص 181، "الخزانة" 4/ 385، 390. (¬7) في (ج): (ويقول). (¬8) انظر " التهذيب" (قتل) 3/ 2884، "الصحاح" (قتل) 5/ 1797، 1798، "المحكم" (قتل) 6/ 204, 205. (¬9) في (ب): (في أعشار). (¬10) البيت لامرئ القيس، وسبق تخريجه وشرحه في مقدمة المؤلف.

وكذلك المُقَتَّل من الدواب: المذلل بكثرة العمل (¬1). قال زهير. كَأَنَّ عيْنَيَّ فِي غَرْبَيْ مُقَتَّلَةٍ ... مَن النَّوَاضِحِ تَسْقِي جَنَّةً (¬2) سُحُقَا (¬3) [قوله: جنة سُحُقا قال أبو علي (¬4): أراد نخيل جنة, لأن السحق يكون من صفة النخيل لا من صفة الجنة, وهي التي بسقت فطالت] (¬5). ومعنى قوله: {فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} أي: ليقتل البريء المجرم (¬6) , وجاز هذا؛ لأن من قتل أخاه أباه (¬7) وجاره وحليفه (¬8) فكأنه قتل نفسه، ومنه ¬

_ (¬1) انظر: "تهذيب اللغة" (قتل) 1/ 2884. "المحكم" (قتل) 6/ 205. (¬2) في (ب): (جنها). (¬3) قوله: (غربي) الغرب: الدلو الكبير من جلد ثور وجمعه غروب, و (المقتلة): التي ذللت بكثرة العمل, لأنها ماهرة تخرج الدلو ملأى فتسيل من نواحيها, (الجنة) البستان, وأراد النخل. (السحق): الواحد (سحوق) النخلة التي ذهبت جريدتها, وطالت, ورد البيت في المجمل (جنن) 1/ 175, "مقاييس اللغة" 1/ 421, "المخصص" 11/ 111,"اللسان" (سحق) 4/ 1956, و (قتل) 6/ 3530. و (جنن) 2/ 705. (¬4) انظر: "المخصص" 11/ 111. (¬5) مابين المعقوفين ساقط من (ب). (¬6) الثعلبي في "تفسيره" 1/ 73ب, وانظر "تفسير أبي الليث" 1/ 355. والبغوي في "تفسيره" 1/ 73, الخازن في "تفسيره" 1/ 126, وقيل: ليقتل بعضكم بعضا, انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبه ص 49. والطبري 2/ 73, "معاني القرآن" للزجاج 1/ 108, "الكشاف" 1/ 281, "زاد المسير" 1/ 82, "البحر" 1/ 207. ابن كثير في "تفسيره" 1/ 98. (¬7) (وأباه) ساقط من (ب). (¬8) في (ج): (خليفه).

قوله: {فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ} (¬1) [البقرة: 191] أي: قتلوا منكم بعضكم الذين هم كأنفسكم (¬2). وقال بعض أهل المعاني: معنى (فاقتلوا أنفسكم) أي: استسلموا للقتل، فجعل استسلامهم للقتل قتلًا منهم لأنفسهم على التوسع (¬3)، فعلى هذا لا تحتاج إلى تأويل الأنفس. وقوله تعالي: {ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ} أي: توبتكم خير لكم عند بارئكم من إقامتكم على عبادة العجل (¬4)، والإشارة في ذلك تعود إلى القتل (¬5)، وهو توبتهم، وقيل (¬6): معناه: توبتكم خير لكم، أي فعل خير، لأنه يثيبكم عليه، وليس "خير" على طريق المبالغة والتفضيل (¬7)، وذلك أن ¬

_ (¬1) كذا في (أ) (قتلوكم) بغير ألف، وهي قراءة حمزة والكسائي، وفي (ب)، (ج) (قاتلوكم) بالألف على قراءة بقية السبعة. انظر "السبعة" لابن مجاهد ص 179. (¬2) انظر: "تأويل مشكل القرآن" ص 152، "تفسير أبي الليث" 1/ 355، "تفسير الرازي" 3/ 81. (¬3) ذكره الماوردي عن أبي إسحاق 1/ 327، وكذا الرازي في "تفسيره" 3/ 82، وأبو حيان في البحر 1/ 207. (¬4) أو المعنى (توبتكم) خير لكم من إقامتكم على المعصية، ولو سلمتم من القتل. انظر "تفسير الطبري" 1/ 209، "تفسير أبي الليث" 1/ 355، والنسفي في "تفسيره" 1/ 126، "البحر المحيط" 1/ 209، "الدر المصون" 1/ 366. (¬5) وقيل: تعود إلى التوبة، وقيل: إلى القتل والتوبة، فأوقع المفرد موقع التثنية. انظر "تفسير الثعلبي" 1/ 73 ب، والبغوي في "تفسيره" 1/ 73، "البيان في غريب إعراب القرآن" 1/ 83، "زاد المسير" 1/ 82، "البحر المحيط" 1/ 209، "الدر المصون" 1/ 366. (¬6) (وقيل) ساقط من (ب). (¬7) انظر: "البحر المحيط" 1/ 209.

55

خيرًا يستعمل بمعنيين: أحدهما: التفضيل، وقال: فلان خير من فلان، أي أفضل، وهذا يحتاج معه إلى من. والثاني: بمعنى الفاضل، يقال أردت خيرا، أو فعلت خيرا (¬1). قال ابن عباس: أبي الله عز وجل أن يقبل توبة عبدة العجل إلا بالحال التي كره من لم يعبد العجل، وذلك أنهم كرهوا أن يقاتلوا عبدة العجل على عبادة العجل فجعل الله توبتهم أن يقتلهم هؤلاء الذين كرهوا قتالهم (¬2)، والقصة فى ذلك معروفه مشهورة. وقوله تعالى: {فَتَابَ عَلَيْكُمْ} في الآية اختصار، تقديره: ففعلتم ما أمرتم به (¬3)، فتاب عليكم (¬4). 55 - قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً} قال ابن عباس: حتى نراه علانية (¬5)، وقال قتادة: عيانا (¬6). وقد تكون الرؤية غير جهرة كالرؤية في النوم (¬7)، وكرؤية القلب، فإذا قيل (¬8): رآه ¬

_ (¬1) انظر: "البحر المحيط" 1/ 209، "الدر المصون" 1/ 366. (¬2) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 73 ب، وذكره الطبري في "تفسيره" عن السدي 1/ 286، "تفسير الماوردي" عن جريج 1/ 327. (¬3) في (ب): (فعلتم ذلك). (¬4) الثعلبي في "تفسيره" 1/ 74 أ، وانظر "تفسير الطبري" 1/ 288، انظر "تفسير ابن عطية" 1/ 299، والبغوي في "تفسيره" 1/ 74، "البحر المحيط" 1/ 209. (¬5) أخرجه الطبري في "تفسيره" 2/ 81, وابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 355, وذكره القرطبي في "تفسيره" 1/ 136, "تفسير ابن كثير" 1/ 170, والسيوطي في الدر 1/ 70. (¬6) أخرجه الطبري في "تفسيره" 1/ 289, وابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 356. (¬7) بياض في (ب). (¬8) في (ب) (قال).

جهرة، لم يكن إلا على رؤية العين على التحقيق دون التخييل (¬1). قال أهل اللغة: معنى قوله: جهرةً أي غير مستتر عنَّا بشيء، وأصل الجهر في اللغة: الكشف والإظهار، يقال: جهرت البئر، إذا كشفت الطين عن الماء ليظهر الماء (¬2)، قال: إِذَا وَرَدْنَا آجِنًا جَهَرْنَاه ... أَو خَالِيًا مِنْ أَهْلِهِ عَمَرْنَاهْ (¬3) أبو زيد يقال: جهرت بالقول أجهر به، إذا أعلنته، وجاهرني فلان جِهَارًا أي (¬4) عَالَنَنِي، والجهر: العلانية (¬5). والجَهَارَةُ: ظهور الجَمَال (¬6) وأنكشافه ببياض اللون (¬7)، قال الأعشى: وَسَبَتْكَ حِيَنَ تَبَسَّمتْ ... بَيْنَ الأَرِيكَةِ والسِّتَارَهْ بِقَوَامِهَا الحَسَنِ الَّذِي .. جَمَعَ المَدَادَةَ (¬8) والجَهَارَةْ (¬9) ¬

_ (¬1) انظر "الغريب" لابن قتيبة ص 49، "تفسير البغوي" 1/ 74، "البحر المحيط" 1/ 210، "تفسير القرطبي" 1/ 344 - 345. (¬2) انظر "معاني القرآن" للأخفش 1/ 267، "تهذيب اللغة" (جهر) 1/ 676، "مقاييس اللغة" (جهر) 1/ 487، "الصحاح" (جهر) 2/ 618. (¬3) الرجز ذكره أبو زيد في "النوادر"، قال: أنشدتني شماء، وهي أعرابية فصيحة من بني كلاب. تقول: إنهم من كثرتهم نزفوا مياه الآبار الآجنة من كثرة المكث، وعمروا المكان الخالي. "نوادر أبي زيد" ص 574)، والبيتان في "تهذيب اللغة" (جهر) 1/ 676، "الصحاح" (جهر) 2/ 618، "اللسان" (جهر) 2/ 711. (¬4) (أي) ساقط من (ب). (¬5) "تهذيب اللغة" (جهر) 1/ 677. (¬6) في (ج): (الحال). (¬7) في (ب): (المال). انظر: "الصحاح" (جهر) 2/ 619، "اللسان" 2/ 711. (¬8) في (ب)، (ج): (المدارة). (¬9) قوله: (الأريكة): سرير منجد مزين، و (المداد): طول القامة، والبيتان من قصيدة =

فالجهرة في هذه الآية: فعلة من الجهر، وهو مصدر يراد به المفعول (¬1). وقوله تعالى: {فَأَخَذَتكُمُ الصَّاعِقَةُ} يعني ما تصعقون منه، أي: تموتون، لأنه قال: {ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ} [البقرة: 56]. وقال مقاتل: الصاعقة: الموت (¬2)، ومضى الكلام في الصاعقة (¬3). قال المفسرون: إن الله تعالى أمر موسى أن يأتيه في ناس من بني إسرائيل يعتذرون إليه (¬4) من عبادة العجل، فاختار موسى سبعين رجلًا من خيارهم، وخرج بهم إلى طور سيناء، وسمعوا كلام الله، وكان موسى إذا ¬

_ = للأعشى يهجو بها شيبان بن شهاب، انظر ديوانه ص 153، والبيت الأول في "الزاهر" 1/ 562، "الخزانة" 3/ 311، وروايته في "الزاهر": (وسبتك يوم تزينت). (¬1) قوله: (يراد به المفعول) لم أجده فيما اطلعت عليه-، قال القرطبي: (جهرة: مصدر في موضع الحال) "تفسير القرطبي" 1/ 345، وانظر "فتح القدير" 1/ 137، وفي "الفتوحات الإلهية" قال: (إنه مفعول مطلق، لأن الجهرة نوع من مطلق الرؤية فيلاقي عامله في المعنى) 1/ 55. والجهرة: قد تكون من صفات الرؤية، فهو مصدر من جهر أي: عيانا، ويحتمل: أن تكون من صفة الرائين، أي ذوي جهرة, أو مجاهرين بالرؤية، ويحتمل: أن تكون راجعة إلى معنى القول أو القائلين، أي قولا جهرة أو جاهرين بذلك. انظر: "البحر المحيط" 1/ 210، 211. (¬2) أخرج ابن جرير عن قتادة والربيع نحوه 2/ 82، وكذا "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 356، وانظر "الدر" 1/ 70. بعضهم فسر الصاعقة: بالموت، وبعضهم قال: هي سبب الموت، ثم اختلفوا فيها: هل هي نار أو صيحة أو جنود من السماء. انظر "تفسير الرازي" 3/ 86. (¬3) عند تفسير آية 19 من سورة البقرة. (¬4) (إليه) ساقط من (ج).

كلمه ربه وقع على وجهه نور ساطع، لا يستطيع أحد من بني آدم (¬1) أن ينظر إليه، ويغشاه عمود من غمام. فلما فرغ موسى وانكشف الغمام (¬2)، قالوا له: لن نؤمن لك، أي: لن نصدقك، حتى نرى الله جهرة، فأخذتهم الصاعقة، وهي نار جاءت (¬3) من السماء فأحرقتهم (¬4) جميعًا. {وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ} يريد نظر بعضهم إلى بعض عند نزول الصاعقة (¬5)، قاله (¬6) ابن زيد. وإنما أخذتهم الصاعقة؛ لأنهم امتنعوا من الإيمان بموسى بعد ظهور معجزته حتى يريهم ربهم جهرة، والإيمان بالأنبياء واجب بعد ظهور معجزتهم، ولا يجوز لهم اقتراح المعجزات عليهم، فلهذا (¬7) عاقبهم ¬

_ (¬1) في (ب): (بني اسرائيل). (¬2) (الغمام) ساقط من (ب). (¬3) (جاءت) ساقط من (ب). (¬4) في (أ)، (ج): (فأحرقهم) وما في (ب) أولى للسياق، وموافق لما عند الثعلبي في "تفسيره"، والكلام أخذه ملخصا عن الثعلبي في "تفسيره" 1/ 74 أ، وأخرج الطبري نحوه عن محمد ابن إسحاق وعن السدي 1/ 291 - 292. ثم قال الطبري في "تفسيره" بعد أن ذكر بعض الآثار: (فهذا ما روي في السبب الذي من أجله قالوا لموسى: {لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً} ولا خبر عندنا بصحة شيء مما قاله من ذكرنا قوله في سبب قيلهم لموسى تقوم به حجة فيسلم له، وجائز أن يكون ذلك بعض ما قالوه ..) 1/ 89، وانظر: "تفسير أبي الليث" 1/ 293، "تفسير ابن عطية" 1/ 301، "تفسير ابن كثير" 1/ 99. (¬5) ذكره الطبري ولم يعزه 1/ 290، وانظر "تفسير البغوي" 1/ 74، "زاد المسير" 1/ 83، "تفسير القرطبي" 1/ 345، "تفسير ابن كثير" 1/ 99. (¬6) في (ب) (قال). (¬7) في (ج) (فهكذا).

56

الله (¬1)، ولما كان سؤال موسى إيمانًا منه وتصديقًا واشتياقًا لم يعاقب عليه، وهؤلاء سألوه (¬2) شاكّين منكرين متعنتين فعوقبوا عليه. وقال بعضهم: إن أصحاب موسى اعتقدوا إحالة الرؤية (¬3) على الله فعلقوا إيمانهم على الرؤية (¬4): ومرادهم: لن نؤمن لك قط، كقوله: {حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ} [الأعراف: 40]، فلهذا عاقبهم الله عليه. وهذه الآية تتضمن التوبيخ لهم على مخالفة الرسول عليه السلام مع قيام معجزته، كما خالف أسلافهم [موسى مع ما أتى به من الآيات الباهرة، والتحذير لهم أن ينزل بهم كما نزل بأسلافهم] (¬5). 56 - قوله تعالى: {ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} الآية. البعث في كلام العرب على وجهين: أحدهما: الإرسال كقوله: {ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى} (¬6) [الأعراف: 103, يونس:75]. ¬

_ (¬1) انظر "تفسير الرازي" 3/ 86، "تفسير القرطبي" 1/ 344، و"تفسير النسفي" 1/ 128، "البحر المحيط" 1/ 211، 212. (¬2) في (ب): (يسألوه). (¬3) في (ج): (الرؤيا). (¬4) المعتزلة هي التي تقول بإحالة الرؤية وقد تمسكوا بمثل هذه الآية. قال الزمخشري: (وفي هذا الكلام دليل على أن موسى عليه الصلاة والسلام رادهم القول وعرفهم أن رؤية ما لا يجوز عليه أن يكون في جهة محال ...) "الكشاف" 1/ 282، ورد عليه صاحب "الإنصاف" في حاشية على "الكشاف" بما أبطل زعمه، كما رد عليه الرازي في "تفسيره" 3/ 85، وانظر "تفسير القرطبي" 1/ 344 - 345، "البحر المحيط" 1/ 211. (¬5) ما بين المعقوفين ساقط من (ب). انظر "تفسير الطبري" 1/ 290، "تفسير الرازي" 3/ 83. (¬6) في (ب) (من بعد) تصحيف في الآية.

والثاني: إثارة بارك أو قاعد، يقال: بعثت البعير عن مبركه، وبعثت النائم، ونشر الميت: بعث، لأنه كبعث النائم، وذلك إثارته عن مكانه (¬1). قال قتادة: بعثهم الله ليستوفوا بقية آجالهم وأرزاقهم (¬2)، ولو ماتوا بآجالهم لم يبعثوا، ولكنه كان ذلك الموت عقوبة لهم على ما قالوا. وقال ابن الأنباري: كل موت حصل البعث بعده في الدنيا كهذا، وكقوله: {فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ (¬3) مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ} [البقرة: 243] يكون حكمه حكم النوم، ويجري مجرى موت النائم؛ لأن الله تعالى أثبت للخلق الإماتة في دار الدنيا مرة واحدة (¬4)، وهوقوله: {قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} (¬5) [الجاثية: 26]. قال الزجاج: والآية احتجاج على مشركي العرب الذين كفروا بالبعث، واحتج النبي - صلى الله عليه وسلم - بإحياء من بعث بعد موته في الدنيا فيما يوافقه اليهود والنصارى (¬6). ¬

_ (¬1) "تهذيب اللغة" (بعث) 1/ 354، وانظر "اللسان" (بعث) 1/ 307. (¬2) أخرجه الطبري في "تفسيره" 1/ 292، وابن أبي حاتم 1/ 358، وانظر "تفسير الثعلبي" 1/ 74 ب، انظر "تفسير ابن عطية" 1/ 352، والبغوي 1/ 75، "تفسير ابن كثير" 1/ 100، "الدر المنثور" 1/ 136. (¬3) لفظ الجلالة غير موجود في (ب) تصحيف. (¬4) قول جمهور المفسرين أنه موت حقيقي، لكنها غير الموتة التي كتبت عليهم في الدنيا، انظر "تفسير الطبري" 1/ 291، "تفسير الثعلبي" 1/ 74 ب، قال ابن العربي: ميتة العقوبة بعدها حياة، وميتة الأجل لا حياة بعدها، انظر "أحكام القرآن" لابن العربي 2/ 228، "زاد المسير" 1/ 85، "تفسير القرطبي" 1/ 345 - 346، 3/ 231، "تفسير الرازي" 3/ 86. (¬5) في (أ) (يبعثكم) تصحيف. (¬6) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 109، نقله بمعناه.

57

وقوله تعالى: {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} أي نعمة البعث (¬1)، وقيل: تأويله: لعلكم تؤمنون؛ لأن الشكر من فعل المؤمنين وصفاتهم، وأظهر الآيات الموجبة للإيمان بعثهم بعد موتهم. 57 - قوله تعالى: {وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ} الآية. معناه: سترناكم عن الشمس بالغمام (¬2). والظل (¬3) في اللغة، معناه الستر، يقال: لا أزال الله عنا ظل (¬4) فلان، أي: ستره، وظل الشجرة: سترها، ويقال لظلمة (¬5) الليل: ظل (¬6)، لأنها تستر الأشياء (¬7). ومنه قوله (¬8): {أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ} [الفرقان: 45]. قال ذوالرمة: قَدْ أَعْسِفُ النَّازِحَ الْمَجْهُولَ (¬9) مَعْسِفُهُ ... فِي ظِلِّ أَخْضَرَ يَدْعُو هَامَهُ الْبُومُ (¬10) ¬

_ (¬1) أي: البعث بعد موتهم بالصاعقة. انظر "تفسير الطبري" 1/ 291، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 109، "تفسير أبي الليث" 1/ 357، "الكشاف" 1/ 283، "تفسير القرطبي" 1/ 345، و"تفسير البيضاوي" 1/ 26، و"تفسير النسفي" 1/ 128، "البحر المحيط" 1/ 213. (¬2) انظر "تفسير أبي الليث" 1/ 357، "تفسير الثعلبي" 1/ 74 ب، و"تفسير البغوي" 1/ 75، "تفسير القرطبي" 1/ 346. (¬3) في (ب): (الظلل). (¬4) في (ب): (ظلل). (¬5) في (ب): (الظلمة). (¬6) في (ج): (سترطل). (¬7) انظر "تهذيب اللغة" (ظل) 3/ 2246، "الصحاح" (ظل) 5/ 1755، "مقاييس اللغة" (ظل) 13/ 461. (¬8) (قوله) ساقط من (ب). (¬9) في (ب): (المعسوف). (¬10) ورد في "مفردات الراغب": (المجهود) بدل (المجهول)، وفي "الديوان" وبعض =

يريد بالأخضر (¬1): الليل. قال الفراء: والظلة: ما سترك من فوق، ويقال: أظل يومنا، إذا كان ذا سحاب، لأنه يستر الشمس (¬2). الغمام جمع غمامة، وهي السحاب سمي غمامًا لأنه يغمّ السماء أي: يسترها، وكل ما ستر شيئًا فقد غمّه (¬3)، قال الحطيئة: إذَا غِبْتَ عَنَّا (¬4) غَابَ عنَّا ربيِعُنَا ... ونُسْقَى (¬5) الْغَمَامَ الْغُرَّ حِينَ تَؤُوبُ (¬6) قال شمر: يجوز أن يسمى غمامًا لتغمغمه (¬7)، وهو صوته (¬8). وقيل: ¬

_ = المصادر (في ظل أغضف)، وقوله: (أَعْسِف): آخذ في غير هدى، و (النازح): الْخَرْقُ البعيدة، وهي الأرض القفر الواسعة، (في ظل أخضر) في ستر ليل أسود، (يدعو هامه البوم): يتجاوب هامه وبومه، والهام ذكر البوم. ورد البيت في "التهذيب" (خضر) 1/ 1046، "الصحاح" (ظلل) 5/ 1755، و (هيم) 5/ 2063، "مقاييس اللغة" (بوم) 1/ 223، (ظلل) 3/ 461، و (عسف) 4/ 311، و (غضف) 426، "الأضداد" لابن الأنباري ص 348، "مفردات الراغب" ص 150، و"شرح العكبري لديوان المتنبي" 2/ 153، "الخزانة" 7/ 100، "اللسان" (خضر) 2/ 1185، و (عسف) 5/ 2943، و (ظلل) 5/ 2754، و (هوم) 8/ 2724، و"ديوان ذي الرمة" 1/ 401. (¬1) في (ب)، (ج): (الأخضر) بسقوط الباء. (¬2) انظر: "تهذيب اللغة" (ظل) 3/ 2246، "اللسان" (ظلل) 5/ 2754. (¬3) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 392، "تفسير الثعلبي" 1/ 74 ب، "مفردات الراغب" ص 365، "تفسير القرطبي" 1/ 346، "اللسان" (غمم) 6/ 3303. (¬4) (عنا) ساقطة من (ب). (¬5) في (ب): (تسقى). (¬6) قاله الحطيئة يمدح سعيد بن العاص بن أمية، ورد في "اللسان" (غمم) 6/ 3303، وفي "ديوان الحطيئة" ص 248. (¬7) في (ب): (لتغممه). (¬8) في (ج): (صونه).

سمي غمامًا، لأنه يغمّ الماء في جوفه، أي: يستره. قال المفسرون: هذا كان حين أبوا على موسى دخول بلقاء (¬1) مدينة الجبارين فتاهوا في الأرض ثم ندموا على ذلك (¬2). وكانت العزيمة (¬3) من الله أن يحبسهم في التيه، فلما ندموا لطف الله لهم (¬4) بالغمام والمن والسلوى كرامة لهم ومعجزة لنبيهم. والمن: الصحيح أنه التَّرَنْجَبِين (¬5)، وكان كالعسل الجامس (¬6) حلاوة، كان يقع على ¬

_ (¬1) (البلقاء) كورة من أعمال دمشق بين الشام ووادي القرى، وفيها قرى كثيرة ومزارع، قال ياقوت: ومن البلقاء قرية الجبارين. "معجم البلدان" 1/ 489، وذكر ابن جرير في هذه الآية عن السدي أنها (أريحا). وفي القرية التي أمروا بدخولها خلاف يأتي في الآية بعدها. (¬2) انظر "تفسير الطبري" 1/ 269، "تفسير أبي الليث" 1/ 357، "الثعلبي" 1/ 74 ب، والبغوي في "تفسيره" 1/ 75، "تفسير القرطبي" 1/ 406. (¬3) هكذا في جميع النسخ، وهذا اللفظ فيه تجوز، إذ لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه من الصفات الذاتية الفعلية، ثم نحن لا نعرف ما هي إرادة الله ببني إسرائيل. والله أعلم. (¬4) في (ب): (بهم). (¬5) ذكره الطبري 1/ 293، والزجاج في المعاني 2/ 109، والأزهري في "التهذيب" (منن) 4/ 3459، وقال ابن قتيبة (الطرنْجبين)، "غريب القرآن" ص 49، وقال الجوهري. شيء حلو كالطَّرَنْجَبِيَن، الصحاح (منن) 6/ 2207، وقد قيل في المن: أقوال كثيرة ذكر الطبري في "تفسيره" بعضها، منها: قيل: إنه شراب مثل العسل، وقيل: هو العسل وقيل: الخبز الرقائق، وقيل: الزنجبيل، وقيل: هو ما يسقط على الشجر، انظر الآثار في الطبري 1/ 293 - 295 وانظر الثعلبي في "تفسيره" 1/ 74 ب، "زاد المسير" 1/ 84، وقال ابن كثير بعد أن ذكر الأقوال: (والغرض أن عبارات المفسرين متقاربة في شرح المن، فمنهم من فسره بالطعام، ومنهم من فسره بالشراب، والظاهر والله أعلم: أنه كل ما امتن الله به عليهم من طعام وشراب وغير ذلك، مما ليس لهم فيه عمل ولا كد ..) ابن كثير 1/ 101/ 102. (¬6) الجامس: الجامد. "اللسان" (جمس) 2/ 677، وفي "تهذيب اللغة" (الحامس) =

أشجارهم (¬1) بالأسحار عفوًا بلا علاج منهم، ولا مقاساة مشقة (¬2)، ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم -: "الكمأة من المن" (¬3). قال أبو عبيدة (¬4): إنما شبهها بالمن الذي كان يسقط على بني إسرائيل؛ لأنه كان ينزل عليهم عفوا بلا علاج، إنما يصبحون وهو بأفنيتهم فيتناولونه، وكذلك الكمأة لا مؤنة فيه ببذر ولا سقى. قال أبو إسحاق: جملة المن ما يمن الله به مما لا تعب فيه ولا نصب (¬5)، ¬

_ = بالحاء، (من) 4/ 3459، وكذا في "اللسان" (منن) 7/ 4279. وفي "الوسيط" (الجامس) 1/ 112. (¬1) في (أ)، (ج): (أسحارهم) وما في (ب) هو الصواب. (¬2) ذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" عن الليث من 4/ 3459، وانظر "اللسان" (منن) 7/ 4279. (¬3) الحديث أخرجه البخاري (4478) كتاب (التفسير) تفسير سورة البقرة باب {وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ} عن سعيد بن زيد قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين" الفتح (4639)، وفي تفسير سورة الأعراف، باب {الْمَنَّ وَالسَّلْوَى} (5708) كتاب (الطب) باب (المن شفاء للعين)، وأخرجه مسلم (2049) كتاب (الأشربة) (فضل الكمأة) عن سعيد بن زيد من عدة طرق، والترمذي (2066)، (2067)، (2068) أبواب (الطب) باب (الكمأة والعجوة) عن أبي سعيد وجابر وسعيد بن زيد وأبي هريرة. عارضة الأحوذي بشرح الترمذي، وابن ماجة في كتاب الطب باب الكمأه والعجوة عن أبي سعيد وجابر وسعيد بن زيد وأبي هريرة وأحمد في مسندة عن سعيد بن زيد 1/ 187، 188، وعن أبي هريرة 2/ 301، 305، 325، 356، 357، 421، 488، 490، 511، وقد جمع طرقه ابن كثير في "تفسيره". (¬4) في (أ)، (ج): (أبو عبيد) والكلام لأبي عبيدة كما في "تهذيب اللغة" (من) 4/ 3459. (¬5) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 110، وانظر "تهذيب اللغة" (من) 4/ 3459.

وأما السلوى فقال المفسرون: إنه طائر كالسمانى (¬1). قال الليث: الواحدة سلواة (¬2) وأنشد: كَمَا انْتَفَضَ السَّلْواَةُ مِنْ بَلَلِ (¬3) الْقَطْرِ (¬4) وهذا قول أكثرهم. وقال بعضهم: السلوى: العسل بلغة كنانة (¬5)، ومثله قال أبو عبيدة (¬6) وأنشد لخالد بن زهير الهذلي: وَقَاسَمَها (¬7) بالله جَهْدًا لَأَنْتُمُ ... أَلَذُّ مِنَ السَّلْوَى إِذَا مَا نَشُورُهَا (¬8) ¬

_ (¬1) في (أ) (السمان). ذكره ابن جرير عن ابن عباس، والسدي، وقتادة، ومجاهد، ووهب، وابن زيد، والربيع بن أنس، وعامر، والضحاك. الطبري في "تفسيره" 1/ 293 - 295، نحوه في "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 365، وانظر "معاني القرآن" للزجاج 1/ 110، "تفسير الثعلبي" 1/ 75 أ، انظر "تفسير ابن عطية" 1/ 305. (¬2) "تهذيب اللغة" (سلا) 2/ 1726، وانظر "اللسان" (سلا) 4/ 2085، وقال الأخفش: لم يسمع له بواحد، وهو شبيه أن يكون واحده (سلوى) مثل جماعته. "معاني القرآن" للأخفش 1/ 268، وكذا قال الفراء انظر "معاني القرآن"1/ 38. (¬3) في (ج): (تلك). (¬4) صدره: وَإنِّي لَتَعْرُونِي لِذِكْرَاكِ هِزَّةٌ. وورد في "تهذيب اللغة" (سلا) 2/ 1726، "اللسان" (سلا) 4/ 2085، والوسيط للمؤلف 1/ 112، "تفسير القرطبي" 1/ 408، "البحر المحيط" 1/ 205، "الدر المصون" 1/ 307، وهو غير منسوب في هذه المصادر. (¬5) ذكره الثعلبي في "تفسيره" عن المؤرج السدوسي 1/ 75 أ، وعن ابن الأعرابي: السلوى: طائر، وهو في غير القرآن: العسل، ونحوه عن ابن الأنباري "التهذيب" (سلا) 2/ 1726. (¬6) في (ب) (أبو عبيدة). وكلام أبي عبيد في "تهذيب اللغة" (سلا) 2/ 1726، وانظر "اللسان" (سلا) 4/ 2085. (¬7) في (ب): (وقاسمهما). (¬8) البيت من قصيدة لخالد بن زهير يخاطب أبا ذؤيب الهذلي، في قصة حصلت بينهما =

قال أبو علي الفارسي: قرئ على أبي إسحاق في مصنف القاسم (¬1): السلوى: العسل، مع بيت خالد بن زهير. فقال لنا أبو إسحاق: السلوى طائر، وغلط خالد بن زهير، وظن أنه العسل (¬2)، قال أبو علي: والذي عندي في ذلك: أن السلوى كأنه ما يسلي عن غيره لفضيلة [فيه، من فرط طيبه، أو قلة علاج ومعاناة، العسل (¬3) لا يمتنع أن يسمى سلوى لجمعه الأمرين كما يسمى الطائر] (¬4) الذي كان يسقط مع المن به. قلت: والسلوى بمعنى العسل صحيح في اللغة (¬5)، وإن أنكره أبو إسحاق، ولكن الذي في ¬

_ = حول امرأة كانا يترددان عليها، ذكرها السكري في "شرح أشعار الهذليين". و (السلوى) هاهنا: العسل، و (الشور): أخذ العسل من مكانه. ورد البيت في "شرح أشعار الهذليين" 1/ 215، "تهذيب اللغة" (سلا) 2/ 1726، "تفسير الطبري" 8/ 141، "الصحاح" (سلا) 6/ 2381، "تفسير الثعلبي" 1/ 75 أ، "المخصص" 5/ 15، 14/ 241، "اللسان" (سلا) 4/ 2086، "تفسير القرطبي" 1/ 347، "البحر المحيط" 1/ 205، 4/ 279، "الدر المصون" 1/ 370، "فتح القدير" 1/ 138، "الخزانة" 5/ 82، "زاد المسير" 1/ 84. (¬1) في (ب): (بالقسيم). والقاسم: هو أبو عبيد القاسم بن سلام، وكتابه هو (الغريب المصنف) من أجل كتب اللغة. انظر: "طبقات النحويين واللغويين" ص 201، "إنباه الرواة" 3/ 14. (¬2) وقد غلط كذلك ابن عطية في "تفسيره" 1/ 306، وانظر "تفسير القرطبي" 1/ 348. (¬3) كذا ورد في (ب)، ولعل الصواب (والعسل ..). (¬4) ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ج). (¬5) ونحوه قال القرطبي في "تفسيره" في معرض رده على ابن عطية في تخطئته للهذلي: (وما ادعاه من الإجماع لا يصح، وقد قال المؤرج أحد علماء اللغة والتفسير: إنه العسل ... وقال الجوهري: السلوى: العسل، وذكر بيت الهذلي ...) القرطبي 1/ 347 - 348، وقد مر قريبًا كلام المؤرج وأبي عبيد أنه بمعنى: العسل، انظر "الصحاح" (سلا) 6/ 2381.

الآية المراد به الطائر، لإجماع أهل التفسير عليه. قال أبو العالية ومقاتل: بعث الله عز وجل سحابة فمطرت (¬1) السمانى في عرض ميل، وقدر طول رمح في السماء، بعضه على بعض (¬2). وقوله تعالى: {كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ} أي: وقلنا لهم (¬3): كلوا من طيبات، أي: حلالات (¬4)، فالطيب: الحلال، لأنه طاب، والحرام يكون خبيثًا، وأصل الطيب: الطاهر، فسمى الحلال طيبًا، لأنه طاهر لم يتدنس بكونه حرامًا (¬5). {وَمَا ظَلَمُوَنا}: بإبائهم على موسى دخول هذه القرية، ولكنهم ظلموا أنفسهم حين تركوا أمرنا فحبسناهم في التيه، فكانوا إذا أصبحوا وجدوا أنفسهم حيث ارتحلوا منذ أربعين سنة (¬6). ¬

_ (¬1) قوله: (سحابة فمطرت) ساقط من (ب). (¬2) "تفسير الثعلبي" 1/ 75 ب، وانظر: "تفسير البغوي" 1/ 75، "البحر المحيط" 1/ 214. (¬3) انظر "تفسير الطبري"، انظر "تفسير ابن عطية" 1/ 306، "تفسير القرطبي" 1/ 348. (¬4) في (ب). (حلالا). (¬5) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 110، "تفسير أبي الليث" 1/ 395، انظر "تفسير ابن عطية" 1/ 306، والبغوي في "تفسيره" 1/ 75، ورجح ابن جرير أن المعنى: كلوا من شهيات الذي رزقناكموه، قال: (لأنه وصف ما كان فيه القوم من هنئ العيش الذي أعطاهم، فوصف ذلك بـ (الطيب) الذي هو بمعنى اللذة أحرى من وصفه بأنه حلال مباح). (¬6) نحوه في "البحر المحيط" 1/ 215، وجمهور المفسرين على عموم المعنى، قالوا: وما ظلمونا بفعلهم المعصية وعدم شكرهم تلك النعم، ولكن كانوا أنفسهم يظلمون. انظر "تفسير الطبري"، انظر "تفسير ابن عطية" 1/ 306، "الكشاف" 1/ 283، "زاد المسير" 1/ 48، "تفسير القرطبي" 1/ 348، والبيضاوي 1/ 26، والنسفي في "تفسيره" 1/ 129، "تفسير ابن كثير" 1/ 104.

58

وقال جماعة من المفسرين: {كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} أي: كلوا من الوجه الذي أمرتم وأحل لكم، وذلك أنهم نهوا أن يدخروا لغد، لأن الله تعالى كان يجدد لهم كل يوم من المن والسلوى إلا يوم السبت، فكانوا يأخذون يوم الجمعة ما يكفيهم، فتعدّوا وادخروا وقدّدوا وملّحوا، فعصوا فقال الله تعالى: {وَمَا ظَلَمُوَنا} أي: ما نقصونا بالمعصية، ولكن نقصوا حظ أنفسهم باستيجابهم عذابي (¬1). وقيل: معناه: وما ضرّونا ولم يَعُد ضرر ظلمهم (¬2) إلينا وإنما عاد إليهم. وابن عباس في رواية عطاء جعل قوله تعالى: [{وَمَا ظَلَمُوَنا} إخبارا عن الموجودين في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم -، لأنه قال:] (¬3) {وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} يريد حيث كذبوا نبيي وكفروا نعمتي، وخالفوا ما أنزلت في التوراة والإنجيل، ونقضوا عهدي (¬4). 58 - وقوله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ} الآية. قال الليث: هي القَرْيَةُ، والقِرْيَة لغتان (¬5)، المكسورة يمانية، ومن ثم اجتمعوا في جمعها على القُرَى، فحملوها على لغة من يقول: كسْوه وكُسَى (¬6). وقال غيره (¬7): القَرْية بالفتح لا غير، وكسرها خطأ، وجمعها قُرَى ¬

_ (¬1) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 75 أ، وانظر "تفسير أبي الليث" 1/ 360، و"البغوي " 1/ 75، "البحر المحيط" 1/ 215، و"الخازن" 1/ 129. (¬2) في (ج): (طالمهم). (¬3) ما بين المعقوفين ساقط من (ب). (¬4) لم أجده عن ابن عباس فيما اطلعت عليه، والله أعلم. (¬5) (لغتان) ساقط من (ب). (¬6) "تهذيب اللغة" (قرا) 3/ 3911، وانظر "جمهرة أمثال العرب" 2/ 411، "اللسان" 6/ 3617. (¬7) في (ب): (عكرمة).

جاءت نادرة (¬1). ابن السكيت: ما كان من جمع فَعْلَة من الياء والواو على فِعَال كان ممدودًا مثل رَكوةَ ورِكَاء وشَكْوَة وشِكَاء، ولم يسمع في شيء من هذا القصر إلا كَوَّة وكُوًى وقَرْيَة وقُرى جاءتا على غير قياس (¬2). وقال أصحاب الاشتقاق: اشتقاق القرية من قريت، أي جمعت، والمقراة: الحوض يجمع فيه الماء، والقَرِيّ: مسيل يجتمع الماء إليه (¬3)، ويقال لبيت النمل: قرية، لأنه يجمع النمل (¬4). قال: كَأَنَّ قُرَى نَمْلٍ عَلَى سَرَوَاتِهَا ... يُلَبِّدُهَا (¬5) فِي لَيْلِ سَارِيَةٍ قَطْرُ (¬6) فالقرية تجمع أهلها، ومنه يقال للظهر: القرى، لأنه مجتمع (¬7) القوى. قال المفسرون: إن بني إسرائيل لما خرجوا من التيه، قال الله (¬8) لهم ادخلوا هذه القرية (¬9). ¬

_ (¬1) انظر "تهذيب اللغة" (قرا) 3/ 3911، "اللسان" 6/ 3617. (¬2) قال الأزهري: أخبرني المنذري عن الحراني عن ابن السكيت ثم ذكره، "تهذيب اللغة" (قرا) 3/ 3911، وانظر "اللسان" (قرأ) 6/ 3617. (¬3) انظر "الزاهر" 2/ 107، "جمهرة أمثال العرب" 2/ 411، "تهذيب اللغة" (قرأ) 3/ 3911، "مقاييس اللغة" (قرى) 5/ 78، "المحكم" 6/ 307. (¬4) قال ابن سيده: قرية النمل: ما تجمعه من التراب، "المحكم" 6/ 307، وانظر "اللسان" (قرأ) 6/ 3617. والبيت الذي ذكره يؤيد قول ابن سيده. (¬5) في (ج): (يلرها). (¬6) لم أعثر عليه، ولم أعرف قائله. (¬7) في (ب): (مجتمع)، وفي (ج) (يجمع). (¬8) في (ج): (قالهم الله). (¬9) انظر "تفسير أبي الليث" 1/ 361، "تفسير الثعلبي" 1/ 75ب، "تفسير ابن عطية" 1/ 306، "زاد المسير" 1/ 84، "تفسير ابن كثير" 1/ 104.

قال ابن عباس: هي أريحا (¬1). وقال ابن كيسان: هي الشام (¬2). وقال قتادة والسدي والربيع: هي بيت المقدس (¬3). وقوله تعالى: {وَقُولُوا حِطَّةٌ} هي فِعْلَةٌ من الحَطّ، وضع الشيء من أعلى إلى أسفل، يقال: حط الحمل عن الدابة، والسيل يحط الحجر عن الجبل (¬4)، قال (¬5): كَجُلْمُودِ صَخْرٍ حَطَّهُ (¬6) السَّيْلُ مِنْ عَلِ (¬7) ¬

_ (¬1) ذكره الطبري عن ابن زيد 1/ 299، وأبو الليث عن الكلبي 1/ 360، قال ابن كثير بعد أن ذكره عن ابن عباس وابن زيد: (وهذا بعيد، لأنها ليست على طريقهم وهم قاصدون بيت المقدس)، 1/ 177. (¬2) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 75 أ، والبغوي في "تفسيره" 1/ 76. (¬3) ذكره الطبري في "تفسيره" عنهم 1/ 299 وابن أبي حاتم في "تفسيره"1/ 368، وذكره الثعلبي في "تفسيره" عن مجاهد 1/ 75 ب. قال ابن عطية: هي بيت المقدس، في قول الجمهور 1/ 306، وانظر "زاد المسير" 1/ 84، "تفسير القرطبي" 1/ 349، "البحر المحيط" 1/ 220، "تفسير ابن كثير" 1/ 104. (¬4) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 300، "تهذيب اللغة" (حط) 1/ 853، "مقاييس اللغة" 2/ 13، "مفردات الراغب" ص 122، "اللسان" (حطط) 2/ 914. (¬5) هو امرؤ القيس. (¬6) (حطه) ساقط من (ب). (¬7) صدره: مكرٍّ مفرٍّ مقبل مدبر معًا. يصف الفرس يقول: إذا أردت الكر والفر على العدو فهو كذلك، والمقبل: هو المكر، والمدبر: هو المفر، ثم وصف سرعته وصلابته بالجلمود الساقط من علو، والبيت من الشواهد العربية والنحوية ورد في "الكتاب" 4/ 227، وشرح أبياته للسيرافي 2/ 339، "تهذيب اللغة" (حط) 1/ 853، "المخصص" 13/ 202، =

ويقال في الدعاء: حط الله عنك وزرك، أي وضعه عنك، فالحِطّة من الحَطّ مثل الرِّدّة من الرَّدّ، يجوز أن يكون اسمًا، ويجوز أن يكون مصدرًا (¬1). قال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير في قوله: {وَقُولُوا حِطَّةٌ} أي مغفرة، فقالوا: حنطة (¬2). وقال مقاتل: إنهم أصابوا خطيئة بإبائهم على موسى دخول الأرض التي فيها الجبارون، فأراد الله أن يغفرها لهم، فقيل لهم. قولوا حطة. قال أبو إسحاقا معناه: قولوا: مسألتنا حطة، أي: حط ذنوبنا عنا، ¬

_ = "اللسان" (حطط) 7/ 914. (علا) 15/ 84، "شرح المفصل" 4/ 89، "شرح شذور الذهب" ص 107، "مغني اللبيب" 1/ 155، و"الهمع" 3/ 196، "الخزانة" 2/ 397، 3/ 158 ,242، 6/ 506، "ديوان امرئ القيس" ص 11. (¬1) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 300، "تهذيب اللغة" (حط) 1/ 853، "اللسان" (حطط) 2/ 914. قال أبو عبيدة: هي مصدر من حط عنا ذنوبنا. "المجاز" 1/ 41، وعلى حاشية (أ) إضافة من الكتاب، صدرها بـ (ش ك)، أي شرح من الكاتب وأذكرها للفائدة (حطة: فِعْلة من الحط، كالجلسة والركبة، وهي خبر مبتدأ محذوف، أي: مسألتنا حطة، أو أمرك حطة، والأصل: النصب بمعنى حط عنا ذنوبنا حطة، وإنما رفعت لتعطى معنى الثبات كقوله: صبر جميل فكلانا مبتلى. والأصل: صبرًا علي، أصبر صبرًا، وقرأ ابن أبي عبلة بالنصب على الأصل، وقيل معناه: أمرنا حطة، أي: أن نحط في هذه القرية ونستقيم فيها، وهل يجوز أن ينصب (حطة في قراءة من نصبها بقولوا، على معنى: قولوا هذه الكلمة؟ فالجواب. لا يبعده والأجود أن ينصب بإضمار فعلها، وينتصب محل ذلك المضمر بقولوا وقُرئ (يُغفر لكم خطاياكم) على البناء للمفعول بالياء والتاء) وهو منقول بنصه من "الكشاف" 1/ 283. (¬2) أخرجه الطبري 1/ 300، 303، 304، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 372، والحاكم في المستدرك وقال: على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي 2/ 262، وانظر "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 178، "تفسير القرطبي" 1/ 350، "تفسير ابن كثير" 1/ 105، والرواية بنصها في "تهذيب اللغة" (حط) 1/ 853.

والقراءة بالرفع على هذا التأويل. قال: ولو قرئت حطة (¬1) كان وجهًا في العربية، كأنه قيل لهم: قولوا (¬2): احطط عنا ذنوبنا حطة (¬3). وقال الليث: بلغنا أن بني إسرائيل حيث قيل لهم: وقولوا حطة، إنما قيل لهم ذلك حتى يستحِطّوا بها أوزارهم فَتُحَطَّ عنهم (¬4). وقال عكرمة: وقولوا حطة، أي: كلمة يحط (¬5) بها عنكم خطاياكم، وهي: لا إله إلا الله، لأنها تحط الذنوب (¬6). قال الفراء: فإن يك كذلك فينبغي أن يكون حطة منصوبة (¬7) في القراءة، لأنك (¬8) تقول: قلت: لا إله إلا الله، فيقول السامع: قلت كلمة صالحة، وإنما يكون الرفع والحكاية إذا صلح قبلها إضمار، فإذا لم يصلح ¬

_ (¬1) قراءة النصب شاذة، وهي قراءة ابن أبي عبلة. انظر "تفسير ابن عطية" 1/ 307، "الكشاف" 1/ 283، "البحر المحيط" 1/ 222. (¬2) (قولوا) ساقط من (ب). (¬3) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 110، وانظر "تهذيب اللغة" (حط) 1/ 853. (¬4) "تهذيب اللغة" (حط) 1/ 853. (¬5) في (ب): (تحط). (¬6) أخرج الطبري في "تفسيره" لسنده عن عكرمة: قال قولوا: (لا إله إلا الله) 1/ 301، 300، ونحوه في "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 382، وذكره السيوطي في "الدر" وعزاه إلى عبد بن حميد والطبري في "تفسيره" وابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 285. (¬7) نص كلام الفراء: قال: (وبلغني أن ابن عباس قال: أمروا أن يقولوا: نستغفر الله، فإن يك كذلك فينبغي أن تكون (حطة) منصوبة ...) "المعاني" 1/ 38. قال الطبري في "تفسيره": (وأما على تأويل قول عكرمة فإن الواجب أن تكون القراءة بالنصب في (حطة) ...) ثم قال: (وفي إجماع القراءة على رفع (الحطة) بيان واضح على خلاف الذي قاله عكرمة من التأويل في قوله: (وقولوا حطة) ...) 2/ 108. (¬8) (لأنك) ساقط من (ب).

كان منصوبًا، كما تقول (¬1): قلت كلاما حسنا (¬2). وقوله تعالى: {سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ} [الكهف:22] هو رفع، لأن قبله ضمير أسمائهم، المعنى: هم ثلاثة، وقوله: {وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ} [النساء: 171] أي: ولا تقولوا الآلهة ثلاثة (¬3). وقال ابن الأنباري: إذا جاء بعد القول حرف مفرد يجوز أن يكون نعتا للقول نصبت كقولك: قلت حقا؛ لأنه يحسن أن يقال: قلت قولا حقا، وكذلك: قلت صوابًا وقلت خطأ، وإذا جاء حرف مفرد لا يجوز أن يكون نعتًا للقول رفعت، كقوله: {سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ} معناه: سيقولون هم ثلاثة، ولا وجه للنصب (¬4). وقوله: {وَقُولُوا حِطَّةٌ} (¬5) فحوى الكلام، وإجماع القراء على رفعها، دليل على أنهم أمروا بهذه اللفظة بعينها (¬6). فإن كانوا لم يؤمروا بهذه اللفظة ¬

_ (¬1) في (أ)، (ج) (يقول) وما في (ب). موافق لما في معاني القرآن 1/ 38، وهو الأنسب للسياق. (¬2) في المعاني: (وإنما تكون الحكاية إذا صلح قبلها إضمار ما يرفع أو يخفض أو ينصب، فإذا ضممت ذلك كله فجعلته كلمة، كان منصوباً بالقول كقولك: مررت بزيد، ثم تجعل هذا كلمة، فتقول: قلت كلامًا حسنًا ...) 1/ 38. (¬3) "معاني القرآن" للفراء 1/ 39. (¬4) انظر "معاني القرآن" للفراء 1/ 38، "تفسير الطبري" 1/ 301. (¬5) في (ب) (وقولوا). (¬6) ذكر الطبري في الوجه الذي رفعت من أجله (حطة) عدة أقوال: فقيل: رفعت على معنى: (قولوا) ليكن منك حطة لذنوبنا. وقيل: هي كلمة مرفوعة أمروا بقولها كذلك، وهذان القولان لنحويي البصرة. وقيل: رفعت بتقدير: هذه حطة. وقيل: رفعت بضمير معناه الخبر، كأنه قال: قولوا ما هو حطة فتكون حطة خبر (ما) ونسب هذين القولين لنحويي الكوفة. الطبري في "تفسيره" 1/ 300، وانظر "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 1/ 41، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 178، و"تفسير الغريب" لابن قتيبة ص 50، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 48.

بعينها فنصبها جائز على معنى: قولوا قولًا حاطًّا لذنوبكم. ويجوز نصبها أيضًا وإن كانوا قد أمروا بها على معنى: وقولوا: احطط عنا يا ربنا ذنوبنا حطة (¬1)، كقراءة من قرأ {قَالُوا مَعْذِرَةً} (¬2) [الأعراف: 164] بالنصب. وإذا جاء بعد القول جملة من الكلام، لم يكن للقول فيها عمل، كقولك: قلت: عبد الله عالم، فهو عامل (¬3) في موضع الجملة؛ لأنها مجعولة في موضع الكلام، ولو قلت: قلت (¬4) كلاما، نصبت. وسنذكر بيانا لهذا زائدا عند قوله: {قُلِ الْعَفْوَ} [البقرة: 219] إن شاء الله. والأصح والذي عليه الجمهور: أنهم أمروا بهذه اللفظة بعينها، وقد روي لنا عن الأزهري (¬5)، عن المنذري عن ابن فهم (¬6)، عن محمد بن سلام (¬7)، عن يونس قال: ¬

_ (¬1) انظر "معاني القرآن" للفراء 1/ 38، والأخفش 1/ 269، والزجاج 1/ 110. (¬2) قراءة حفص عن عاصم بالنصب وبقية السبعة بالرفع، انظر "السبعة" لابن مجاهد ص 296، و"التيسير" ص 144. (¬3) في (ب): (عالم). (¬4) (قلت) ساقط من (ب). (¬5) في (ب): (الزهري). (¬6) هو الحافظ العلامة، أبو علي الحسين بن محمد بن فهم بن محرز البغدادي، روى عن محمد بن سلام وغيره، قال الدارقطني: ليس بالقوي، وفاته سنة تسع وثمانين ومائتين. انظر "تاريخ بغداد" 8/ 92، "سير أعلام النبلاء" 13/ 427، و"تذكرة الحفاظ" 2/ 680. (¬7) هو محمد بن سلام بن عبيد الله بن سالم، أبو عبد الله الجمحي، البصري، مولى قدامة بن مظعون، كان من أهل اللغة والأدب، روى عنه الجم الغفير، مات سنة اثنتين وثلاثين ومائتين. انظر "طبقات اللغويين والنحويين" ص 180، "تاريخ بغداد" 5/ 327، "إنباه الرواة" 3/ 143.

قوله: {وَقُولُوا حِطَّةٌ} (¬1) هذه حكاية، هكذا أمروا (¬2). وقوله تعالى: {وَادْخُلُوا الْبَابَ} (¬3) يعني بابًا من أبوابها (¬4). {سُجَّدًا}: قال ابن عباس: ركعا (¬5)، وهو شدة الانحناء، والمعنى: منحنين متواضعين (¬6). قال مجاهد: هو باب حطة من بيت المقدس، طوطئ لهم الباب؛ ليخفضوا رؤوسهم، فلم يخفضوا ولم يركعوا، ودخلوا متزحفين على استاههم (¬7). قال الحسين بن الفضل: لو لم يسجدوا لذكر الله ذلك منهم وذمهم به ¬

_ (¬1) (الواو) ساقطة من (ب). (¬2) "تهذيب اللغة" (حط) 1/ 853، وذكره الأخفش عن يونس في "معاني القرآن" 1/ 270، ونحوه عند أبي عبيدة في "مجاز القرآن" 1/ 41، وذكر هذا القول الطبري في "تفسيره" 1/ 301، وانظر: "تفسير أبي الليث" 1/ 362. (¬3) في (ب): (سجدا). (¬4) أي: أبواب القرية. انظر الثعلبي في "تفسيره" 1/ 75 ب. (¬5) أخرجه الطبري 1/ 300، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 370، وأخرجه الحاكم في "المستدرك"، وقال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. "المستدرك" 2/ 262، وذكره السيوطي في "الدر" وعزاه إلى ابن جرير، والحاكم وابن أبي حاتم ووكيع والفريابي، وعبد بن حميد وابن المنذر. "الدر" 1/ 138. (¬6) انظر الثعلبي في "تفسيره" 1/ 75 ب، انظر "تفسير ابن عطية" 1/ 307. (¬7) في (ب): (أستاتهم). أخرجه الطبري في "تفسيره" 1/ 300، 325، وانظر "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 375، "تفسير الثعلبي" 1/ 75 ب، "الدر المنثور" 1/ 138. وقد ورد عن ابن عباس نحوه في روايات كثيرة، انظر "تفسير الطبري" 1/ 304. كما ورد بهذا المعنى حديث مرفوع عن أبي هريرة، أخرجه البخاري، انظر: "الفتح" 8/ 164، و"تفسير الطبري" 1/ 138.

كما ذمهم بتبديل الكلمة لما قالوا خلاف ما أمروا به (¬1). والله أعلم. وقوله تعالى: {نَغْفِرْ (¬2) لَكُمْ خَطَايَاكُمْ} أصل الغفر: الستر والتغطية، وغفر الله ذنوبه، أي: سترها، كل شيء سترته قد غفرته. والمغفر يكون تحت بيضة الحديد يغفر الرأس (¬3). قال ابن شميل: هي حلق تجعل أسفل البيضة تسبغ على العنق فتقيه، وربما جعل من ديباج وخز أسفل البيضة. الأصمعي: غفر الرجل متاعه يغفر غفرًا: إذا أوعاه. ويقال: اصبغ ثوبك فإنه أغفر للوسخ أي: أغطى له (¬4). والغفارة: خرقة تستر رأس المرأة تقي بها الخمار من الدهن (¬5)، وكل ثوب يغطى به شيء فهو غفارة، ومنه غفارة البزيون (¬6) يغشى بها الرحال (¬7). ¬

_ (¬1) قول الحسين لم أجده فيما اطلعت عليه، والله أعلم. والحديث الصحيح، والآثار ترد قوله، ففي البخاري عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "قيل: لبني إسرائيل: (ادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة) فدخلوا يزحفون على استاههم، فبدلوا"، وقالوا: حطة حبة في شعرة. "الفتح" 8/ 164، وكذا الآثار عن ابن عباس ومجاهد في هذا المعنى كلها ترد قول الحسين بن الفضل. انظر "تفسير الطبري" 1/ 301. (¬2) بالياء على قراءة نافع، انظر: "السبعة" ص 157. (¬3) "تهذيب اللغة" (غفر) 3/ 2679، وانظر: "تفسير الطبري" 1/ 302، "الزاهر" 1/ 192، "الصحاح" (غفر) 2/ 770، "مقاييس اللغة" (غفر) 4/ 385، "اللسان" (غفر) 6/ 3272. (¬4) كلام ابن شميل والأصمعي ذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" (غفر) 3/ 2679، وانظر: "الزاهر" 1/ 109. (¬5) ذكره الأزهري عن أبي عبيد عن أبي الوليد الكلابي "تهذيب اللغة" (غفر) 3/ 2679. (¬6) (البزيون) كذا ورد في "تهذيب اللغة" 3/ 2679، وفي "اللسان" (الزنون) 1/ 277 - 278، وقال في "الصحاح" (البزيون) بالضم السندس (بزن) 5/ 2078، وأورد صاحب اللسان 1/ 278 كلام الجوهري ثم قال: وقال ابن بري: هو رقيق الديباج. (¬7) في (ب): (الرجال). والكلام ذكره الأزهري عن أبي عبيد عن الأموي. "تهذيب اللغة" (غفر) 3/ 2679، وانظر: "اللسان" (غفر) 6/ 3274.

وأجمع القراء على إظهار الراء عند اللام، إلا ما روى عن أبي عمرو من إدغامه الراء عند اللام (¬1). قال الزجاج: وهوخطأ فاحش، وأحسب الذين رووا (¬2) عن أبي عمرو غالطين (¬3)، ولا يدغم الراء في اللام إذا قلت: مر لي بشيء؛ لأن الراء حرف مكرر، ولا يدغم الزائد في الناقص (¬4) للإخلال به، فأما اللام فيجوز إدغامه في الراء، ولو أدغمت الراء في اللام لذهب التكرير من الراء وهذا إجماع النحويين (¬5). وقال أبو الفتح الموصلي: الراء لما فيها من التكرير لا يجوز إدغامها فيما يليها من الحروف؛ لأن إدغامها في غيرها يسلبها ما فيها من التكرير. ¬

_ (¬1) نقل بعضهم عن أبي عمرو إدغام الراء بدون اختلاف، بعضهم نقل عنه باختلاف. انظر "السبعة" ص 121، "التيسير" ص 44، "الكشف" 1/ 157، "النشر" 2/ 12. (¬2) في (ب): (رووا ذلك) والزيادة ليست في المعاني للزجاج 1/ 400. (¬3) وعلى نهجه سار الزمخشري في تفسير قوله تعالى: {فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ} قال: (فإن قلت: كيف يقرأ الجازم؟ قلت: يظهر الراء؛ ويدغم الباء، ومدغم الراء في اللام لاحن مخطئ خطأً فاحشًا، وراويه عن أبي عمرو مخطئ مرتين؛ لأنه يلحن وينسب إلى أعلم الناس بالعربية ما يؤذن بجهل عظيم، والسبب في نحو هذه الروايات قلة ضبط الرواة، والسبب في قلة الضبط قلة الدراية، ولا يضبط نحو هذا إلا أهل النحو) "الكشاف" 1/ 407، وانطر: "البيان" 1/ 83، ومذهب سيبويه وأصحابه: أنه لا يجوز إدغام الراء في اللام كما في "الكتاب" 4/ 448، "الكشف" 1/ 157. لكن هذا لا يلزم منه رد قراءة سبعية، وهي مسألة خلافية، فقد ذكر أبو حيان في "البحر" أن الكسائي والفراء أجازا ذلك وحكياه سماعًا، وقد تصدى أبو حيان للرد على الزمخشري وأجاد في ذلك، انظر: "البحر المحيط" 2/ 361، 362، وانظر تعليق عضيمة على "المقتضب"1/ 347. (¬4) قوله: (ولا يدغم الزائد في الناقص للإخلال به) ليس في "المعاني" 1/ 400. (¬5) انظر كلام الزجاج في "المعاني" 1/ 400. عند تفسير قوله تعالى: {وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ}.

وأما قراءة أبي عمرو {نَغْفِرْ لَكُمْ} (¬1) بإدغام الراء في اللام فمدفوع عندنا [وغير معروف عند أصحابنا، وإنما هو شيء رواه القراء، ولا قوة له في القياس (¬2). والخطايا: جمع خطيئة (¬3)] (¬4) وهي (¬5) الذنب على عمد قال أبو الهيثم: يقال: خطئ: ما صنعه عمدا، وهو الذنب، وأخطأ: ما صنعه خطأ غير عمد (¬6). ويأتي بيان هذا مشروحًا عند قوله: {وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ} (¬7). قال الزجاج: الأصل في خطايا كان خطايؤ (¬8) مثل خطائع، لأنها جمع خطيئة، فأبدل من هذه الياء همزة؛ فصارت ¬

_ (¬1) البقرة: 58، الأعراف: 161، وفي "سر صناعة الإعراب": {يَغْفِرْ لَكُمْ} بدون واو، جزء من آية في الأحقاف: 31، الصف: 12، ونوح: 4. (¬2) "سر صناعة الإعراب" لأبي الفتح ابن جني 1/ 193، والرواية إذا ثبتت فهي أقوى من القياس، وانظر التعليق السابق على كلام الزجاج. (¬3) ذهب بعض الكوفيين إلى أنه: جمع (خطية) دون همز، واختاره الطبري 1/ 302، وانظر "تفسير ابن عطية" 1/ 308، "تفسير القرطبي" 1/ 353، 354. (¬4) ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ج). (¬5) في (ب): (وهو). (¬6) نص الكلام في "التهذيب" (خطئت) لما صنعه عمدا وهو الذنب، (أخطأت) لما صنعه خطأ غير عمد. "تهذيب اللغة" (خطئ) 1/ 1061، وانظر "اللسان" (خطأ) 1/ 1061. (¬7) البقرة: 81، وهناك بيَّن الواحدي الفرق بين (أخطأ) و (خطئ). (¬8) كذا وردت في (أ)، (ج) وفي (ب): (كل خطاييا) وهو خطأ، وفي "معاني القرآن" للزجاج رسمت (خطائِى) وكلامه يدل على أن المراد خطائئ، فلم يذكر أصل الكلمة خَطَايئ كما في "تهذيب اللغة"، انظر "معاني القرآن" للزجاج 1/ 111، "تهذيب اللغة" (خطئ) 1/ 1060 - 1061.

[خطائئ] (¬1) مثل خطاعع. قلت: وإنما أبدلت هذه (¬2) الياء همزة، لأن هذه الياء إذا وقعت في الجمع صارت همزة، مثل: ترائب وسحائب، وعلة ذلك نذكرها في قراءة من قرأ: معائش (¬3) بالهمزة (¬4). رجعنا إلى كلام الزجاج: فاجتمعت همزتان، فقلبت الثانية ياء فصار خَطَائِي مثل خَطَاعِي ثم قلبت الياء والكسرة إلى الفتحة والألف، فصار خَطاءَا، مثل خَطاعا (¬5) فأبدلت الهمزة ياء، لوقوعها بين ألفين، وإنما أبدلت الهمزة حين وقعت بين ألفين؛ لأن الهمزة مجانسة للألفات، فاجتمعت ثلاثة أحرف من جنس واحد، فأبدلت الهمزة ياء فصارت خَطايَا (¬6). ¬

_ (¬1) في (أ)، (ج): (خطايو) وفي (ب): (خطاي) وما أثبت هو المثبت في "تهذيب اللغة" 1/ 1060 - 1061، وقريب مما في (ب)، وفي "اللسان" (خطائي). "اللسان" (خطأ) 2/ 1193. (¬2) في (ج): (همزة). (¬3) الأعراف: 10، والحجر: 20. (¬4) الجمهور على القراءة بالياء، وقرأ الأعرج وزيد بن علي والأعمش وخارجة عن نافع، وابن عامر في رواية بالهمز، والقياس القراءة بدون همز، لأن الياء التي في المفرد إذا كانت أصلا فلا تهمز مثل معايش وإذا كانت زائدة همزت مثل: صحيفة وصحائف، قال أبو حيان: لكن رواه ثقات فوجب قبوله. انظر "البحر المحيط" 4/ 271، وانظر هذه المسألة في "معاني القرآن" للفراء 1/ 373، والزجاج 2/ 353، "تفسير ابن عطية" 1/ 309. (¬5) في "تهذيب اللغة" (خطاءى) مثل (خطئ) 1/ 1061، والمثبت هنا مثل ما في "معاني القرآن" 1/ 111، وكذا في "اللسان" 1/ 1193. (¬6) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 111، والنص من "لتهذيب" (خطئ) 1/ 1061، "اللسان" (خطأ) 2/ 1193، وانظر "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 179، انظر "تفسير ابن عطية" 1/ 309، و"البيان" 1/ 84 والقرطبي في "تفسيره" 1/ 353.

59

وقوله تعالى: {سَنَزِيدُ اَلمُحسِنِينَ} أي: الذين لم يكونوا من أهل تلك الخطيئة إحسانا وثوابا (¬1). 59 - قوله تعالى: {فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ} الآية. (التبديل) معناه: التغيير إلى بدل، وذكرناه مستقصى عند قوله: {بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا} [النساء: 56]، والمعنى: أنهم غيروا تلك الكلمة التي أمروا بها، وقالوا بدل حطة: حنطة، وهذا (¬2) قول ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير والمفسرين (¬3). وقال أبو إسحاق: حرفوا وقالوا كلمة غير هذه التي أمروا بها، وجملة ما قالوا إنه أمر عظيم سماهم الله به فاسقين (¬4). وقوله تعالى: {فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا}. أظهر الكناية هاهنا تأكيدا (¬5)، وكنىَّ في سورة الأعراف فقال: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ} [الأعراف: 162]. والعرب تظهر الكنايات توكيدًا، قال: ¬

_ (¬1) وقيل: المراد العموم من أهل الخطيئة وغيرهم فمن كان محسنا زيد في إحسانه ومن كان مخطئا غفر له خطيئته. انظر "تفسير الطبري" 1/ 302، انظر "تفسير ابن عطية" 1/ 309، "البحر المحيط" 1/ 224. (¬2) في (ب): (وهو). (¬3) انظر الآثار عنهم في الطبري في "تفسيره" 1/ 302 - 305، وكذا في "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 375، ولم يرد عندهما عن سعيد، انظر "زاد المسير" 1/ 86، "تفسير ابن كثير" 1/ 106. (¬4) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 110. (¬5) قال الزمخشري: (وفي تكرير (الذين ظلموا) زيادة في تقبيح أمرهم وإيذان بأن إنزال الرجز عليهم لظلمهم، وقد جاء في سورة الأعراف بالإضمار)، "الكشاف" 1/ 283، وانظر "تفسير القرطبي" 1/ 354، "الدر المصون" 1/ 381.

لَا (¬1) أَرَى الْمَوْتَ يَسْبِقُ الموتَ شَيْءٌ ... نَغَّص الْمَوْتُ ذَا الْغِنَى وَالْفَقِيَرا (¬2) أراد لا أرى الموت يسبقه شيء، فأظهر الكناية. وأنشد ابن الأنباري: فَيَارَبَّ لَيْلَى أَنْتَ فِي كُلِّ مَوْطِنٍ ... وَأَنْتَ الَّذِي فِي رَحْمَةِ اللهِ أَطْمَعُ (¬3) أراد في رحمته أطمع، فأظهر الهاء. والرجز: العذاب (¬4)، [قال رؤبة] (¬5): كَمْ رَامَنَا مِنْ ذِي عَدِيدٍ مُبْرِ (¬6) حَتَّى وَقَمْنَا كَيْدَهُ بِالرِّجْزِ (¬7) ¬

_ (¬1) في (ج): (ألا ترى). (¬2) البيت نسب لعدي بن زيد، ونسبه بعضهم لسواد بن عدي، وبعضهم لأمية بن أبي الصلت. وهو من "شواهد سيبويه" 1/ 62، وانظر "شرح شواهد سيبويه" للسيرافي 1/ 125، "الخصائص" 3/ 53، "الإملاء" 1/ 45، "تفسير القرطبي" 1/ 355، "مغني اللبيب" 2/ 500، "الخزانة" 1/ 378، 379، 6/ 90، 11/ 366، "اللسان" (نغص) 8/ 4488، "الدر المصون" 1/ 381، "فتح القدير" 1/ 141. (¬3) ورد البيت في "همع الهوامع" 1/ 301، و"الدر اللوامع على همع الهوامع" و"شرح شواهد المغني" للسيوطي: قال: قيل: إنه لمجنون ليلى، وبحثت عنه في شعر مجنون ليلى، الذي جمعه عبد الستار أحمد فرج، ولم أجده، والله أعلم. (¬4) انظر: "غريب القرآن" لليزيدي ص 70، "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 43، "العمدة في غريب القرآن" لمكي ص 76. (¬5) ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ج). (¬6) في (ج): (رجز). (¬7) الرجز ورد في "الزاهر" 2/ 214، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 111، وورد الثاني في "تهذيب اللغة"، وبعده بيت آخر (جرز) 1/ 580، وكذا في "اللسان" (جزر) =

وقال الله تعالى: {لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ} [الأعراف: 134]، أي العذاب، ثم يسمى كيد الشيطان رجزًا لأنه سبب العذاب، قال الله تعالى: {وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ} (¬1) [الأنفال: 11]. وقوله: {وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ} [المدثر: 5]، قيل: إنه عبادة الأوثان؛ لأنه سبب العذاب (¬2). قال أهل اللغة: وأصل الرجز في اللغة: تتابع الحركات، ومن ذلك قولهم: ناقة رجزاء إذا كانت قوائمها ترتعد عند قيامها، ومن هذا رجز الشعر؛ لأنه أقصر أبيات الشعر، فالانتقال من بيت إلى بيت سريع (¬3). أو؛ لأن الرجز في الشعر متحرك وساكن ثم متحرك وسكن في كل أجزائه، فهو كالرعدة في رجل الناقة تتحرك ثم تسكن وتستمر (¬4) على ذلك (¬5). فحقيقة معنى الرجز: أنه العذاب المقلقل لشدته (¬6) قلقلة شديدة متتابعة (¬7). ¬

_ = 1/ 597، وفي "زاد المسير" 1/ 86، "البحر المحيط" 1/ 218، وفي ديوان رؤبة ص 64. ومعنى (مبزي) أي: متفاخر، (وقمنا): رددنا كيده. (¬1) في (أ)، (ج): (وليذهب) تصحيف. (¬2) انظر "الوسيط" 1/ 115، "مفردات الراغب" ص 188. (¬3) ذكره الأزهري عن الليث. "تهذيب" (رجز) 2/ 1356، وانظر: "مفردات الراغب" ص 187. (¬4) في (ج): (ويستمر). (¬5) انظر: "اللسان" (رجز) 3/ 1588. (¬6) في (ب): (لشدة). (¬7) قال الأزهري: (قال أبو إسحاق: ومعنى الرجز في العذاب. وهو العذاب المقلقل ...) "التهذيب" (رجز) 2/ 1365 "اللسان" (رجز) 3/ 1588.

60

قال الضحاك: أرسل الله عليهم ظلمةً وطاعونًا فهلك منهم في ساعة واحدة سبعون ألفًا، عقوبة لهم بتبديلهم ما أمروا (¬1) به. 60 - قوله تعالى: {وَإِذِ اسْتَسْقَى} الآية قال المفسرون: عطش بنو إسرائيل في التيه، فقالوا: يا موسى، من أين لنا الشراب؟ فاستسقى لهم موسى فأوحى الله عز وجل إليه أن اضرب بعصاك الحجر (¬2). قال ابن عباس: كان حجرًا خفيفًا مربعًا مثل رأس الرجل، أمر أن يحمله، فكان يضعه في مِخْلاَته (¬3)، فإذا احتاجوا إلى الماء وضعه وضربه بعصاه (¬4)، فعلى هذا الألف واللام فيه للتعريف (¬5). ¬

_ (¬1) ذكره الثعلبي في "تفسيره" ولم يعزه 1/ 75 ب، وكذا البغوي في "تفسيره" 1/ 76، ولم أجده منسوبا للضحاك فيما اطلعت عليه، والله أعلم. قال ابن جرير بعد أن ذكر الآثار في معنى الآية: (وقد دللنا على أن تأويل (الرجز) العذاب، وعذاب الله جل ثناؤه أصناف مختلفة. وقد أخبر الله جل ثناؤه أنه أنزل على الذين وصفنا أمرهم الرجز من السماء، وجائز أن يكون طاعونًا، وجائز أن يكون غيره، ولا دلالة في ظاهر القرآن ولا في أثر عن الرسول ثابت، أي الأصناف ذلك كان) الطبري في "تفسيره" 1/ 306، وانظر "البحر المحيط" 1/ 225. (¬2) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 76 أ، وانظر "تفسير أبي الليث" 1/ 364، وورد بهذا المعنى آثار عن السلف ساقها ابن جرير في "تفسيره" 1/ 306 - 307. (¬3) الْمِخْلاة: ما يوضع فيه الشيء، سميت بذلك لأنه يوضع بها الحشيش الذي يختلى من الربيع، أي: يحش. "اللسان" (خلا) 2/ 1258. (¬4) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 76 أ، والبغوي 1/ 77، ونحوه عند الطبري في "تفسيره" عن ابن عباس 1/ 307، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 377، "تفسير أبي الليث" ولم يعزه، وانظر: "زاد المسير" 1/ 87، "تفسير ابن كثير" 1/ 107. (¬5) أي: أن (ال) للعهد، فهو حجر معهود لدى موسى. انظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 76 أ، "الكشاف" 1/ 284، "البحر المحيط" 1/ 277.

وقال وهب: كان موسى عليه السلام يقرع لهم أقرب (¬1) حجر من عرض الحجارة بعصاه، فينفجر عيونا لكل سبط عين (¬2)، والألف واللام على هذا للجنس (¬3). وقوله تعالى: {فَانْفَجَرَتْ} معناه: فضرب فانفجرت، وعرف بقوله: {فَانْفَجَرَتْ} أنه قد ضرب، ومثله: {أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ} [الشعراء: 63] قال الفراء: ومثله في الكلام: أمرتك بالتجارة فاكتسبت الأموال، والمعنى: فاتجرت فاكتسبت (¬4). ومعنى انفجرت: انشقت (¬5)، والانفجار: الانشقاق، وأصل الفجر في اللغة: الشق، وفَجْرُ السِّكْر: بَثْقُه (¬6). وسمي فجر النهار لانصداعه، أو (¬7) لشقه ظلمة الليل، ويقال انفجر الصبح، إذا سال ضوؤه في سواد ¬

_ (¬1) (أقرب) ساقط من (ج). (¬2) الثعلبي في "تفسيره" 1/ 76 ب، والبغوي 1/ 77، وذكره الزمخشري عن الحسن، في "الكشاف" 1/ 284، وفي "البحر" عن وهب والحسن 1/ 227، وانظر "زاد المسير" 1/ 78. (¬3) في (ب): (الجنس). ذكره الزمخشري، وقال. وهذا أظهر في "الحجة" وأبين في القدرة، "الكشاف" 1/ 284، وانظر "البحر المحيط" 1/ 227، "تفسير ابن كثير" 1/ 107. (¬4) "معاني القرآن" للفراء 1/ 40، وقوله: (معناه) إلخ من كلام الفراء. وانظر "تفسير الطبري" 1/ 306، "زاد المسير" 1/ 78، والبيان 1/ 85. (¬5) وقيل: سالت، وقيل: هي بمعنى انبجست فهما بمعنى واحد، وقيل: الانشقاق أوسع من الانبجاس. انظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 312، "القرطبي" 1/ 358، و"تفسير النسفي" 1/ 131، و"الخازن" 1/ 131، "البحر المحيط" 1/ 228. (¬6) في (ب، ج): (شقه). (السِّكْر): ما يُسد به النهر ونحوه، انظر: "اللسان" (سكر) 4/ 2047 - 2549. (¬7) في (ب): (ولشقه) بالواو.

الليل، كانفجار الماء في النهر، ويقال: فَجَرَ وأَفْجَرَ ينبوعا من ماء، أي: شقه وأخرجه. قال الليث: والْمَفْجَر الموضع الذي يُفْجَر منه (¬1). ابن الأعرابي: تَفَجَّر الرجل بعطائه، ورجل ذو فَجَر، وأتيناه فأفجرناه، أي: وجدناه فاجرًا، أي: معطيا (¬2). قال ابن مقبل: إذَا الرِّفاقُ أَنَاخُوا حَوْلَ مَنْزِلِهِ ... حَلُّوا بِذِي فَجَرَاتٍ زَنْدُهُ وَارِي (¬3) أي برجل كثير العطايا، كأنه يتشقق بما عنده فيجود ولا يمسك كتفجر الماء. والفجور الذي هو المعصية من هذا، لأن الفاجر شقّ أمر الله أو شقّ العصا بخروجه إلى الفسق (¬4). وقوله تعالى: {مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا} قال الليث: اثنان (¬5) اسمان قرينان، لا يُفْرَدان لا يقال لأحدهما: اثن، كما أن الثلاثة (¬6) أسماء مقترنة لا تفرق (¬7). ¬

_ (¬1) انظر: "تهذيب اللغة" (فجر) 3/ 2743 - 2744، "الصحاح" (فجر) 2/ 778، "المحكم" (فجر) 7/ 275، "اللسان" (فجر) 6/ 3351 - 3353. (¬2) "تهذيب اللغة" (فجر) 3/ 2743 - 2744، وانظر المراجع السابقة. (¬3) ورد البيت في "ديوان ابن مقبل" ص 116، و"العمدة في صناعة الشعر" لابن رشيق 2/ 180. قوله: (الرفاق): يريد الرفقة المسافرين معه، (ذو فجرات): أي ذو عطايا، يتفجر بالسخاء، (زنده واري): كناية عن الكرم والنجدة. (¬4) انظر: "تهذيب اللغة" (فجر) 3/ 2743 - 2744، "المحكم" (فجر) 7/ 276. (¬5) (اثنان) ساقط من (ب). (¬6) في (ج): (ثلاثه). (¬7) في (أ)، (ج): (يفرق) بالياء، وأثبت ما في (ب) لأنه أنسب للسياق، ومثله ورد في "تهذيب اللغة" (اثنى) 1/ 508.

يقال في التأنيث: اثنتان ولا يفردان (¬1). والألف في اثنى واثنتى (¬2) ألف وصل، لا تظهر في اللفظ. والأصل فيها (¬3): ثَنَيٌ (¬4)، وربما قالوا للاثنتين: الثنتان (¬5)، كما قالوا: هي ابنة فلان، وهي بنته، والألف في الابنة ألف وصل أيضا فإن جاءت هذه الألف مقطوعة في الشعر (¬6) فهو شاذ كما قال: إِذَا جَاوَزَ الإثْنَيْنِ سِرٌّ فإنَّهُ ... بِنَثٍّ وَتَكْثِير الْوُشَاةِ قَمِينُ (¬7) ¬

_ (¬1) في "تهذيب اللغة" (ولا تفردان). (¬2) في (ب): (اثنتا)، وفي "تهذيب اللغة" (اثنين) و (اثنتين) 1/ 508. (¬3) (فيها) كذا في جميع النسخ، وفي "تهذيب اللغة" (فيهما). (¬4) (ثنى) كذا ورد في "تهذيب اللغة" 1/ 508، وكذا في "اللسان" (ثنى) 1/ 515، وفي القاموس: (وأصله: (ثِنْيٌ) لجمعهم إياه على أثناء). القاموس (ثني) ص 1267. (¬5) في (ب): (الثنيان). (ثنتان) بحذف ألف الوصل، لأنها إنما اجتلبت لسكون الثاء، فلما تحركت، سقطت، وتاؤه مبدلة من ياء، لأنه من ثنيت. انظر القاموس (ثنى) ص 1267. (¬6) في (أ)، (ج): (شعر) وما في (ب) موافق لما في "تهذيب اللغة"، وهو ما أثبته. (¬7) البيت لقيس بن الخطيم، ونسبه في "الكامل" إلى جميل بن معمر، والصحيح أنه لقيس. ويروى البيت: إِذَا ضَيَّع الإثنَانِ سِرًّا فَإنَّهُ ... بِنَشْر وَتَضْيِيع الْوُشَاةِ قَمِينُ وقوله: (بِنَثّ): (النَّثُ) بالنون والثاء: مصدر نَثَّ الحديث، أي: أفشاه و (قمين): حقيق، ورد البيت في "نوادر أبي زيد" ص 525، "الكامل" 2/ 313، "معاني القرآن" للأخفش 1/ 195، و"حماسة البحتري" ص 147، "تهذيب اللغة" (قمن) 3/ 349، و (ثني) 1/ 508، "الصحاح" (ثنى) 6/ 2295، "اللسان" (نثث) 7/ 4339، و (قمن) 6/ 3745، و (ثنى) 1/ 512، "شرح المفصل" 9/ 19، 137، والهمع 6/ 224، وديوان قيس بن الخطيم ص 105. والشاهد قطع همزة (الإثنين) وهذا لا يجوز إلا في ضرورة الشعر وبعضهم يرويه (إذا جاوز الخلين) ليتخلصوا من هذه الضرورة.

انتهى كلامه (¬1). والعلة في إدخال ألف الوصل في اثنين واثنتين كالعلة في إدخالها في (الاسم)، وقد ذكرنا (¬2). وأصل هذا الحرف في اللغة من الثني وهو ضم واحد إلى واحد، والثني الاسم. ويقال: ثِنْيُ الثوب لما كف من أطرافه، وأصل الثَّني في جميع (¬3) أبنيته: الكف (¬4) والرج والعطف والطي والحنو، وكلها متقارب. وكل شيء عطفته فقد ثنيته، ومنه قوله تعالى: {يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ} [هود:5] أي يحنونها ويطوون (¬5) ما فيها، ليسروا عداوة محمد - صلى الله عليه وسلم - (¬6). وَثِنْيَا الحبل: طرفاه، واحده ثِنْى (¬7)، وقال طرفة: ........... وَثِنْيَاه بِالْيَدِ (¬8) ¬

_ (¬1) أي كلام الليث، والكلام الآتي بعده كذلك لليث كما سيأتي. انظر "تهذيب اللغة" (ثنى) 15/ 142، "اللسان" (ثنى) 1/ 512، ونحوه في "الصحاح" 6/ 2295. (¬2) ذكره عند شرح (الاسم) في البسملة حيث قال: (واجتلبت ألف الوصل ليمكن الابتداء به) إلخ. (¬3) في (ب): (جمع). (¬4) بهذا انتهى كلام الليث كما في "تهذيب اللغة" (ثنى) 1/ 508. (¬5) في (ب): (يطيون). (¬6) انظر "معاني القرآن" للفراء 2/ 3، "تهذيب اللغة" (ثنى) 1/ 504. (¬7) "تهذيب اللغة" (ثنى) 1/ 505، وانظر "اللسان" (ثنى) 1/ 515. (¬8) جزء من بيت معلقة طرفة وتمامه: لَعَمْرُكَ إِنَّ الْمَوْتَ مَا أَخْطَأ الْفَتَى ... لَكَالطِّوَلِ الْمُرْخَى وَثِنْيَاهُ بِالْيَدِ وقوله (الطِّوَل): الحبل، ورد البيت في "شرح القصائد المشهورات" للنحاس ص 84، "المعاني الكبير" 3/ 1207، "تهذيب اللغة" (ثنى) 1/ 505، و"المجمل" (طول) 2/ 590، (مهى) 3/ 817، "المخصص" 15/ 82، "مقاييس اللغة" (طول) 3/ 434، و (مهى) 5/ 279، "اللسان" (طول) 5/ 2727، و (ثنى) 1/ 516، و (مها) 7/ 4292.

أراد الطرف المثني في الرسغ، فلما انثنى جعله ثنيين، أي لأنه عقد بعقدين، ويقال: حلف (¬1) فلان يمينا ليس فيها ثُنْيَا ولا (¬2) ثَنوْىَ ولا ثَنِيَّة ولا مَثْنَوِيَّة ولا استثناء، كله واحد، لأن الحالف إذا قال: والله لأفعلن كذا إلا أن يشاء الله غيره، فقد رد ما قاله بمشيئة الله غيره، وصرفه (¬3)، والحبل إذا عطفته وصرفته فقد جعلته ثنيين (¬4). وأثناء الحية: مطاويها، جمع ثِنْي، وما كان من نَضْد هذه الحروف فهو من هذا المعنى، ولا يمكن ذكر الجميع (¬5). وقوله تعالى: {عَشْرَةَ} العَشْر عدد المؤنث، والعَشَرَةُ عدد المذكر، تقول: عَشْرُ نسوة وعَشَرَةُ رجال، فإذا جاوزت ذلك قلت في المؤنث: إحدى عَشَرَة، ومن العرب من يكسر الشين فيقول: عَشِرة، ومنهم من يُسَكن الشين فيقول: إحدى عَشْرة. وكذلك اثنتي (¬6) عَشَرة واثنتي عَشِرَة واثنتي عشْرة، ثلاث لغات (¬7)، ¬

_ (¬1) في (ب): (خلف). (¬2) في (ب): (ليس فيها ثنوا ولا ثنيا). (¬3) "تهذيب اللغة" (ثنى) 1/ 505، غير قوله: (وصرفه)، وكذا ورد في "اللسان" 1/ 516. (¬4) في (ب): (ثنتين). (¬5) انظر: "تهذيب اللغة" (ثنى) 1/ 505 "الصحاح" (ثنى) 6/ 2293، "مقاييس اللغة" 1/ 391، "اللسان" (ثنى) 1/ 516. (¬6) في (أ)، (ج): (اثنتا) في المواضع الثلاثة، وما في (ب) موافق لما في "تهذيب اللغة"، وهو الصواب. (¬7) انتهى ملخصًا من كلام الليث كما في "تهذيب اللغة" (عشر) 3/ 2445، وانظر "معاني القرآن" للزجاج 1/ 112، "اللسان" (عشر) 5/ 2952، والكسر لغة تميم، والإسكان لغة أهل الحجاز، انظر "معاني القرآن" للأخفش 1/ 271، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 180.

والقراءة (¬1) بسكون الشين (¬2). فمن فتح الشين فهو أصل البناء، ومن سكن تحرى التخفيف، ثم دخلت الكسرة على مذهب من يكسر ذهابًا إلى أن الساكن يحرك بالكسر (¬3). قال ابن الأنباري: تقول في المؤنث: إحدى عَشْرَة جارية، واثنتا عَشْرَة، قال: وبنو تميم يكسرون الشين (¬4)، فهما لغتان وقرأ بهما القراء. قال: وأهل اللغة والنحو لا يعرفون عَشَرة بفتح مع النيف، قال: وروي عن الأعمش (¬5) أنه قرأ: اثنتا (¬6) عَشَرة بفتح الشين (¬7)، وأهل اللغة لا يعرفونه (¬8). ¬

_ (¬1) من قوله: (ومن العرب) إلى قوله: (والقراءة) فيه تقديم وتأخير وتكرار في (ج). (¬2) القراءة بالسكون قراءة جمهور القراء، وقرأ مجاهد، وطلحة، وعيسى، ويحيى بن وثاب، وابن أبي ليلى، ويزيد بكسر الشين، ورواية عن أبي عمرو والمشهور عنه الإسكان، وقرأ ابن الفضل الأنصاري والأعمش بفتح الشين. انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 180، "تفسير ابن عطية" 1/ 312 - 313، "تفسير القرطبي" 1/ 358، "البحر المحيط" 1/ 229. (¬3) انظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 76 ب، "المخصص" 17/ 102. (¬4) قوله: (وبنو تميم يكسرون الشين، أي مع المؤنث، أما مع المذكر فالشين مفتوحة، وقد تسكن عين (عشرة) لتوالي الحركات). انظر "الأشموني مع الصبان" 4/ 76. (¬5) هو الإمام سليمان بن مهران، أبو محمد الأسدي الكاهلي بالولاء، أصله من أعمال الري، أقرأ الناس، ونشر العلم دهرا طويلا، وتوفي سنة ثمان وأربعين ومائة. انظر: "طبقات ابن سعد" 6/ 342، "تاريخ بغداد" 9/ 23، "معرفة القراء الكبار" 1/ 78، "غاية النهاية" 1/ 315. (¬6) في (ب): (ثنتى) تصحيف. (¬7) ذكر ابن الأنباري القراءة بسنده عن الأعمش وعن العباس بن الفضل الأنصاري. المذكر والمؤنث ص 1/ 315. (¬8) انتهى كلام ابن الأنباري ملخصًا من "المذكر والمؤنث" ص 632، 633، انظر: =

والعشرة اسم موضوع (¬1) لهذا العدد المخصوص، وانتصابها في هذه الآية يجعلها مع اثنتي اسما واحدا، فلما جعلا اسما واحدا، منعا الإعراب والتنوين (¬2). قال أبو إسحاق: وذلك أن معنى قولك: اثنتا عشرة: اثنتان وعشرة، فلما حذفت الواو، وهي مرادة، تضمن الاسمان معنى الواو، وكل اسم تضمن معنى حرف بني كما تبنى (¬3) الحروف، ولم يك أحدهما بالبناء أولى من الآخر، إذ كانت الواو تدخل ما بعدها في حكم ما قبلها، فصار تعلق الاسمين بالواو تعلقا واحدا، فاستحقا البناء، ووجب أن يبنيا على حركة، ¬

_ = "المخصص" 17/ 102، "اللسان" 5/ 2952. قال ابن عطية عن لغة الفتح: وهي لغة ضعيفة 1/ 313، وانظر: "الكشاف" 1/ 284. و"الإملاء" 1/ 39، وقد مر كلام الليث قريبًا. (¬1) في (ج): (موضوع). (¬2) ظاهر كلام الواحدي أن (اثنتى) مبني. قال أبو حيان: وفي محفوظي أن ابن درستويه ذهب إلى أن (اثنا) و (اثنتا) مع عشر مبنى، ولم يجعل الانقلاب دليل الإعراب. "البحر" 1/ 229. وما ذهب إليه الواحدي وابن درستويه مخالف لقول جمهور العلماء حيث قالوا: إن (اثنتي عشر) معرب من بين سائر الأعداد من أحد عشر إلى تسعة عشر، وأما (عشر) فهي مبنية، واختلفوا في علة بنائها. انظر "المسائل الحلبيات" لأبي علي ص 308 - 323، "المذكر والمؤنث" لابن الأنباري ص631، "المخصص" 14/ 91، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 180، انظر "تفسير ابن عطية" 1/ 312. قال الصبان في "حاشية الأشموني": وما ذكروه من إعراب صدر اثني عشر واثنتي عشرة هو الصحيح. والقول ببنائه مردود باختلافه باختلاف العوامل، وذلك علامة إعرابه. انظر: "حاشية الصبان على الأشموني" 4/ 68، 69. (¬3) في (ج): (يبني).

لأن لهما (¬1) قبل حال البناء حال إعراب، والاسم إذا كان معربا ثم دخلت عليه علة أوجبت له البناء، وجب أن يبنى على حركة، وجعلُ الاسمين اسمًا واحدًا مستثقل (¬2)، فاختير له أخف الحركات (¬3). وأدخلت الهاء في (عشرة) مع النيف لما جعلا اسما واحدا في عدد المؤنث، وإن لم يدخل دون النيف، لأنهما لما صارا اسما واحدا ثبتت الهاء في (عشرة) علامة للتأنيث فإنك تقول: ثلاث عشرة، وأربع عشرة (¬4) إلى عشرين، فتدخل علامة التأنيث في عشرة (¬5). فإن قيل: قد قلتم: إن اثنتي عشرة، وإحدى عشرة اسمان جعلا اسما واحدا، والاسم الواحد لا يكون فيه علامتان للتأنيث. قلنا: اثنتا (¬6) عشرة اسمان من وجه، واسم واحد من وجه، فكونهما اسمًا واحدًا هو (¬7) أن الواقع تحتهما عدد مخصص متميز عن (¬8) غيره، ¬

_ (¬1) في (ج): (لها). (¬2) في (ب): (مستقل). (¬3) وأخف الحركات الفتحة. هذا الكلام لم أجده عن أبي إسحاق، وقد ذكر نحوه أبو علي الفارسي، وابن الأنباري، وابن سيده. وكلامهم جميعا عن العدد من (أحد عشر إلى تسعة عشر غير اثني عشر، لأن صدرها معرب كما سبق، بينما نجد الواحدي جعل الكلام عليها. انظر: "المسائل الحلبيات" ص 208 - 323، وانظر "المذكر والمؤنث" ص 632، "المخصص" 14/ 91، 17/ 100، 101. (¬4) في (ج): (عشر). (¬5) انظر "المذكر والمؤنث" لابن الأنباري ص 645، "المخصص" 17/ 101. (¬6) في (ب): (اثنتى). (¬7) في (ب): (وهو). (¬8) في (ب): (من).

فيهما كأحد عشر، ووجه كونهما اسمين، هو أنهما لو (¬1) كانا اسما واحدا لحذفت الألف من (اثنتا) إذ إعراب الاسم يكون في آخره لا في حشوه، فلما (¬2) ثبتت الألف، وكانت علامة للإعراب (¬3)، دل أنه اسم دون عشرة فوجب الحكم عليهما بأنهما اسمان من هذا الوجه، وإذا كان كذلك، جاز إدخال علامة التأنيث على كل واحد منهما، وأما إحدى عشرة فلم يجتمع فيهما علامتا تأنيث من جنس واحد، وإذا اختلف الجنسان جاز اجتماعهما كالياء في حبليات مع التاء (¬4). فإن قيل: لم حذفت نون التثنية من اثنتا (¬5) عشرة، ولا إضافة هاهنا لأنكم جعلتموهما (¬6) اسمًا واحدًا؟ قيل: نون التثنية في الأصل (¬7) عوض من التنوين، والتنوين للتمكن، وما عرض فيه من معنى البناء أزال التمكن فزال علمه، ولم تحذف الألف وإن كانت دلالة إعراب (¬8) لأنها علم التثنية، ¬

_ (¬1) في (ب): (لما كانا). (¬2) في (ب): (فإذا). (¬3) وهذا يخالف ما ذكره فيما سبق أنه مبني. (¬4) انظر "تفسير ابن عطية" 1/ 312، "حاشية الصبان على الأشموني" 4/ 68. (¬5) في (ب): (اثنتى) وهو أولى، لأنه مثنى مجرور. (¬6) في (ج): (جعلتموها). (¬7) في (ب): (أصل). (¬8) اختلف النحويون في ألف التثنية، فذهب سيبويه إلى أن الألف حرف إعراب، وأن الياء في الجر والنصب حرف إعراب كذلك، ولا تقدير إعراب فيها وإلى هذا ذهب جماعة، منهم أبو إسحاق وابن كيسان وأبو علي. وقال أبو الحسن: إن الألف ليست حرف إعراب، ولا هي إعراب وانما هي دليل إعراب. انظر: "سر صناعة الإعراب" 2/ 695.

فلو حذفت لبطلت، فللضرورة أبقيت، ولا ضرورة في النون (¬1)، فهذا طرف من الكلام في علل الحساب احتجنا إليه، وهو باب طويل. وقوله تعالى: {عَيْنًا} انتصب على التمييز، قال أبو إسحاق: جميع ما ينتصب على التمييز في العدد على معنى دخول التنوين (¬2)، وذلك أن حذف التنوين من اثنتا عشرة إنما كان للبناء فصار حكمه مراعى حتى انتصب ما بعده على تقدير تنوينه، ولم يحذف التنوين للإضافة حتى يبطل حكمه. وإذا (¬3) كان كذلك انتصب ما بعده انتصاب قولك: هوضارب زيدا وقاتل عمرا، وحكي عن أحمد بن يحيى أنه قال: إنما انتصب المعدود لوقوعه موقع المصدر، فأجري عليه إعرابه، بيان ذلك: أن قولك: أحد عشر رجلا في موضع معدود عددًا، فأحد (¬4) عشر في موضع معدود، إذ هو العدد الذي يعدّ، ورجلًا في موضع قولك: عددًا. قال أبو إسحاق: وإنما وجب أن يكون التمييز بواحد، لأنك إذا ذكرت العدد فقد أثبت (¬5) بمقداره المعدود (¬6)، وإنما يجب عليك تبيين ¬

_ (¬1) قال أبو علي الفارسي: (ومن الدليل على أن (عشرا) من (اثنى عشر) ليس كسائر هذه الأعداد، أنها عاقبت النون فلم تجتمع معه، فلما عاقبتها علم أنها بدل منها، إذ ليس هنا إضافة توجب حذف النون لها، فهذه النون إنما تحذف للإضافة) "المسائل الحلبيات" ص 308، وانظر: "المخصص" 14/ 91. (¬2) نص كلام الزجاج: (و (عينا) نصب على التمييز، وجميع ما نصب على التمييز في العدد على معنى دخول التنوين، وإن لم يذكر في (عشرة)، لأن التنوين حذف هاهنا مع الإعراب)، "معاني القرآن" 1/ 112. (¬3) في (ب): (فإذا). (¬4) في (ب). (فإحدى). (¬5) في (ب): (اتبت). (¬6) في (ب): (المعدوده).

النوع، والواحد المنكور يدل على النوع. وهو أخف من لفظ المعرفة ولفظ الجمع، فلهذا وجب استعماله (¬1). قال (¬2): وجملة قول الناس: عشرون درهما: عشرون (¬3) من الدراهم، فحذف هذا التطويل، وأقيم الواحد المنكور مقامه. وإنما وجب أن يكون الأصل: عشرون من الدراهم، لأن العشرين (¬4) بعض الدراهم، فيجب أن يكون المذكور بعدها لفظ الجمع حتى يصح معنى التبعيض، ولو قدرت أن الأصل: الواحد لاستحال، ألا ترى أنك إذا قدرت الكلام بقولك: عشرون من درهم جاز أن يتوهم أن العشرين بعض الدرهم، فلذلك قلنا: إن الأصل: عشرون من الدراهم، ثم حذف لما ذكرنا من طلب الخفة (¬5). وقوله تعالى: {قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ} أراد كل أناس منهم، فحذف للعلم (¬6). والمشرب يجوز أن يكون مصدرا، ويجوز أن يكون موضعا (¬7). ¬

_ (¬1) لم أجده عند أبي إسحاق، وبمعناه عند ابن سيده في "المخصص" 17/ 101. (¬2) في معاني القرآن: (ومعنى قول الناس: عندي عشرون درهمًا، معناه: عندي عشرون من الدراهم .. إلخ) 1/ 113، ذكر الواحدي كلامه بمعناه. (¬3) (عشرون) ساقط من (ب). (¬4) في (ج): (عشرين). (¬5) في (أ): (الحقه). (¬6) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 306. (¬7) إما أن يكون نفس المشروب فيكون مصدرًا واقعًا موقع المفعول به، أو موضع الشرب. انظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 76 ب، "تفسير ابن عطية" 1/ 313، "البحر المحيط" 1/ 229، "الدر المصون" 1/ 387.

قال الفراء وأبو روق: كان في ذلك الحجر اثنتا عشرة حفرة، [فكانوا إذا نزلوا وضعوا الحجر وجاء كل سبط إلى حفرته] (¬1) فحفروا الجداول إلى أهلها، فذلك قوله: {قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ} (¬2). وقوله تعالى: {كُلُوا} أي وقلنا لهم: {كُلُوا} من المن والسلوى. {وَاشْرَبُوا} من الماء فهذا كله من رزق الله الذي يأتيكم بلا مشقة ولا مؤونة (¬3). {وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ} (¬4) القراء كلهم قرؤوه بفتح الثاء من عَثِيَ يَعْثَى عُثُوًّا، وهو أشد الفساد. وفيه لغتان أخريان: عَثَا يَعْثُو مثل سما يسمو، قال ذلك الأخفش وغيره (¬5). وَعَاث يَعِيثُ، ولو قرئ بهذا (¬6) لقيل (¬7): ولا تَعِيثُوا، قال ذلك ابن الأنباري. وقال الفراء في كتاب "المصادر": قوله تعالى: {وَلَا تَعْثَوْا} مصدره ¬

_ (¬1) ما بين المعقوفين ساقط من (ب). (¬2) انظر كلام الفراء في "معاني القرآن" 1/ 41، وكلام أبي روق فىِ "تفسير الثعلبي" 1/ 76 أ، وانظر: "تفسير الطبري" 1/ 307. (¬3) الثعلبي1/ 77 أ، وانظر "تفسير الطبري" 1/ 308، و"تفسير أبي الليث" 1/ 367، انظر "تفسير ابن عطية" 1/ 313. (¬4) في (ب): {وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ}. (¬5) الكلام بنصه في "تهذيب اللغة" (عثا) 3/ 2325، وانظر "معاني القرآن" للأخفش 1/ 272، والطبري 1/ 308، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 113، "تفسير الثعلبي" 1/ 77 أ. (¬6) أي على لغة (عاث يعيث). وفي "تهذيب اللغة" (.. وفيه لغتان أخريان لم يقرأ بواحدة منهما، عثا يعثو، مثل: سما يسمو، قال ذلك الأخفش وغيره، ولو جازت القراءة بهذه اللغة لقرئ (ولا تَعْثُوا) ولكن القراءة سنة، ولا يقرأ إلا بما قرأ به القراء. واللغة الثالثة عَاثَ يَعِيث) "تهذيب اللغة" (عثا) 3/ 2325، وانظر "تفسير الطبري" 1/ 308. (¬7) في (ج): (القيل).

61

عثًا مقصور، ومن قال عَثَوْتُ، قال: عُثُوًّا (¬1)، ومن قال: عَاث يَعِيث، قال في المصدر: عَيْثًا وعُيُوثًا ومَعاثًا وعَيثانًا (¬2). قال ابن الرقاع (¬3) في اللغة الثانية: لَوْلاَ الْحَيَاءُ وَأَنَّ رَأْسيَ قَدْ عَثَا ... فِيهِ الْمَشِيبُ لَزُرْتُ أَمَّ الْهَيْثَمِ (¬4) وقال كثير في اللغة الثالثة: وَذِفْرَى كَكَاهِلِ ذِيخِ الْخَلِيفِ ... أَصاَبَ فَرِيقَةَ لَيْلٍ فَعَاثَا (¬5) 61 - قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ} قال ¬

_ (¬1) عند الطبري: (عَثَوْت أَعْثُو) 1/ 308. (¬2) في (ب): (عيثاثا). ذكر الطبري في "تفسيره" هذه المصادر 1/ 308، وانظر: "تهذيب اللغة" (عثا)، و (عاث) 3/ 2263، "المحكم" 2/ 165، 242، "تفسير الثعلبي" 1/ 77 أ، "اللسان" (عيث) 5/ 3184، و (عثا) 5/ 2811. (¬3) هو عدي بن الرقاع، من (عاملة) حي من قضاعة، كان شاعراً مجيداً مدح خلفاء بني أمية، انظر ترجمته في: "طبقات فحول الشعراء" للجمحي 2/ 699، "الشعر والشعراء" 410. (¬4) يروى (أم القاسم) بدل (أم الهيثم) ورد البيت في "الشعر والشعراء" 2/ 411، "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 41، "الكامل"، وفيه (عسا) بدل (عثا) فلا شاهد فيه، "تفسير الثعلبي" 1/ 77 أ، "تهذيب اللغة" (عثا) 3/ 2326، و"أمالي المرتضى" 1/ 511، "اللسان" (عثا) 5/ 2811، "زاد المسير" 1/ 87، "البحر المحيط" 1/ 219. (¬5) (الذِّفْرَى): العظم الشاخص خلف الأذن، (الذِّيخ): ذكر الضباع، (الْخَليف). الطريق بين الجبلين، ويروى مكانه: (الرفيض): وهو قطعة من الجبل، (فريقة ليل): هي الغنم الضالة. ورد البيت في "المعاني الكبير" 1/ 214، "تهذيب اللغة" (عاث) 3/ 2263، و (فرق) 3/ 2778، و"مجمل اللغة" (فرق) 3/ 718، "مقاييس اللغة" 4/ 494، "اللسان" (عيث) 5/ 3784، و (خلف) 2/ 1242، و (فرق) 6/ 3400، و"شعر كثير" ص 250.

سعيد بن المسيب: ملّوا عيشهم (¬1). وقال قتادة: ذكر القوم عيشًا كان لهم بمصر، فقالوا لموسى: {ادْعُ لَنَا رَبَّكَ} الآية (¬2)، و (الطعام): اسم جامع لما يؤكل، وإنما قالوا: طعام واحد، وكان طعامهم المن والسلوى، لأنهم كانوا يأكلون المن (¬3) بالسلوى فكان طعامًا واحدًا كالخبيص، لون واحد وإن اتخذ من أطعمة شتى (¬4). قال ابن زيد: كان (¬5) طعامهم المن، وشرابهم السلوى، فكانوا يجمعون بينهما فيأكلونه طعاما واحدا (¬6). وقال أصحاب المعاني: لما كان غذاؤهم في كل يوم لا يتغير، قيل: طعام واحد، كما يقال لمن يدوم على الصوم والصلاة: هو على أمر واحد، لملازمته لذلك لا يتغير عنه (¬7). ¬

_ (¬1) لم أجده عن سعيد فيما اطلعت عليه، وأخرج الطبري نحوه عن قتادة "تفسير الطبري" 1/ 309، "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 381. (¬2) أخرجه الطبري 1/ 309، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 381، وذكره السيوطي في "الدر" وعزاه إلى عبد بن حميد وابن جرير 1/ 289. (¬3) في (ب): (والسلوى). (¬4) انظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 77 أ، "تفسير ابن عطية" 1/ 314، و"البغوي" 1/ 78، "زاد المسير" 1/ 88، "القرطبي" 1/ 360، "البحر المحيط" 1/ 232. (¬5) (كان) ساقط من (ب). (¬6) أخرجه ابن جرير 1/ 310، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 77 أ، والبغوي في "تفسيره" 1/ 78، وأبو حيان في "البحر" 1/ 232. والقول بأن السلوى شراب يخالف ما عليه جمهور المفسرين. (¬7) انظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 314، "الكشاف" 1/ 284، "تفسير الرازي" 3/ 99، "القرطبي" 1/ 360، "ابن كثير" 1/ 107، "البحر المحيط" 1/ 232.

وقوله تعالى: {فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ} معنى الدعاء: الطلب (¬1) ممن يملك النفع والضر. وقال ابن السراج: أصله النداء وإنما قال للمسألة: دعاء؛ لأن السائل يقول: يا رب، فينادي ربه عز وجل (¬2). وجاء الدعاء بلفظ الماضي تفاؤلا (¬3) بأن (¬4) ذلك قد كان، كقولك: أحسن الله جزاءه (¬5). وقوله تعالى: {يُخْرِجْ لَنَا} المعنى سَلْه وقل له: أَخرِجْ (¬6) يُخْرِجْ، وكذلك قوله: {وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [الإسراء: 53]، المعنى لهم: قولوا (¬7) التي هي أحسن يقولوا. ومثله: {قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا (¬8) يُقِيمُوا الصَّلَاةَ} [إبراهيم: 31]، أي قل لهم: أقيموا يقيموا، فجعل هذه كلها بمنزلة جواب الأمر، لأن قبله: ادع وقل (¬9). وقوله تعالى: {مِنْ بَقْلِهَا} البقل: كل نبات لا يبقى له ساق إذا رعته ¬

_ (¬1) (الطلب) ساقط من (ب). (¬2) انظر: "تهذيب اللغة" (دعاء) 1/ 1188، "اللسان" (دعا) 3/ 1385. (¬3) في (ب): (مقالا) وفي (ج): (نقالا). (¬4) في (ج): (باذن). (¬5) في (ج): (جزاء). (¬6) في (أ)، (ج): (ويخرج) زيادة (واو) والأصوب حذفها كما في (ب)، ومثله في "معاني القرآن" للزجاج 1/ 113. (¬7) في (ج): (يقولوا). (¬8) (الذين آمنوا) سقط من (أ)، (ج). (¬9) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 114، وقوله (يخرج) مجزوم. قال بعضهم: بما تضمنه الأمر من معنى الجزاء، وقيل: بنفس الأمر، وقيل مجزوم بلام الطلب المضمره أي: ليخرج. انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 180، "تفسير ابن عطية" 1/ 314، "تفسير القرطبي" 1/ 361، "البحر المحيط" 1/ 232.

الماشية (¬1). وأما (الفوم): فقد اختلف أهل اللغة فيه، فقال الفراء: الفوم فيما يذكرون لغة قديمة، وهي الحنطة والخبز جميعا قد ذكرا، قال: وقال بعضهم: سمحت العرب من أهل اللغة يقولون: فَوَّموا لنا بالتشديد يريدون: اختبزوا. وقال أُحَيْحَة بن الجُلاح (¬2): قَدْ كُنْتُ أَحْسِبُنِي كَأَغْنَى وَاحِدٍ ... قَدِمَ (¬3) الْمَدِينَةَ فِي زِرَاعَةِ فُومِ (¬4) قال الفراء: وهي في قراءة عبد الله: (وثومها) بالثاء، وكأنه أشبه المعنيين بالصواب؛ لأنه مع ما (¬5) يشاكله من العدس والبصل، والعرب تبدل الفاء ثاء فيقول: جدث وجدف، ووقع في عَاثُورشَرًّ وعَافُورشَرًّ والْمَغَافِير (¬6) والْمَغَاثِير (¬7). ¬

_ (¬1) ذكر الأزهري عن الليث (بقل) 9/ 171، وقال ابن عطية: البقل كل ما تنبته الأرض من النجم 1/ 315، وانظر: "تفسير القرطبي" 1/ 361. (¬2) في (ب): (الحلاج). هو أُحَيْحَة بن الجلاح بن الحُرَيْش بن الأوس، كان سيد الأوس في الجاهلية وكان شاعرا. انظر: "الاشتقاق" لابن دريد ص 441، "الخزانة" 3/ 357. (¬3) في (ج): (قد قدم). (¬4) نسب البيت بعضهم إلى أبي محجن الثقفي، والبيت برواية الثعلبي والطبري: قَدْ كُنْتُ أَغْنَى النَّاسِ شَخْصًا واحدًا ... وَرَدَ الْمَدِينَةَ عَنْ زِرَاعَةِ فُومِ انظر: "تفسير الطبري" 1/ 311، "تفسير الثعلبي" 1/ 77 أ، "تفسير ابن عطية" 1/ 315، و"الهمع" 2/ 240، "اللسان" (فوم) 6/ 3491، "تفسير القرطبي" 1/ 362، "تفسير ابن كثير" 1/ 108، "البحر المحيط" 1/ 219، "فتح القدير" 1/ 144. (¬5) (ما) ساقط من (ب). (¬6) المغافير شيء حلو يشبه العسل. انظر: "اللسان" (غفر) 6/ 3276. (¬7) انتهى كلام الفراء، ولم يرد عنده بيت ابن الْجُلَّاح، معاني القرآن 1/ 41، وانظر =

فذكر الفراء قولين في الفوم، واختار الثاني، وهو أنه بمعنى الثوم (¬1) الذي يذكر مع البصل، وهذا القول أيضا اختيار الكسائي (¬2). وقال الزجاج: الفوم: الحنطة، ويقال: الحبوب، لا اختلاف بين أهل اللغة أن الفوم: الحنطة. قال: وسائر الحبوب التي تختبز يلحقها اسم الفوم. قال: ومن قال: الفوم هاهنا: الثوم (¬3) فإن هذا لا يعرف، ومحال أن يطلب القوم طعاما لا بر فيه، وهو أصل الغذاء (¬4). وقال اللحياني: هو الفوم والثوم (¬5)، للحنطة (¬6). [الأزهري: وقراءة ابن مسعود إن صح بالثاء، فمعنى الفوم وهو الحنطة.] (¬7). وقال ابن دريد: أزد السراة يسمون السنبل فُومًا (¬8). وهذا القول اختيار ¬

_ = "تفسير الطبري" 10/ 312، وقد نقل كلام الفراء، ولم يعزه له، انظر "تفسير ابن عطية" 1/ 315، "تفسير ابن كثير" 1/ 107. (¬1) قال ابن قتيبة: وهذا أعجب الأقاويل إليّ. "تفسير غريب القرآن" ص 1/ 44. (¬2) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 77 أ، وابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 89. (¬3) وهذا اختيار الفراء والكسائي كما سبق. (¬4) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 115، والنص من "تهذيب اللغة" (فام) 3/ 2727، وذكره الطبري في "تفسيره" عن بعض السلف 3108، وانظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 77 أ، "تفسير ابن عطية" 1/ 315، "زاد المسير" 1/ 88. (¬5) في (ب): (الفوم). (¬6) في (ب): (الحنطة). كلام اللحياني في "تهذيب اللغة" (فام) 3/ 272. (¬7) ما بين المعقوفين ساقط من (ب). ونص كلام الأزهري في "تهذيب اللغة": وإن كان يقرأ ابن مسعود بالثاء فمعناه: الفوم، وهو الحنطة "التهذيب" (فام) 1/ 2727. (¬8) "جمهرة أمثال العرب" 3/ 160، وانظر: "مجاز القرآن" 1/ 41، وفى "اللسان" (أزد الشراة) (فوم) 60/ 3491.

المبرد. ومفعول (يخرج) محذوف من الكلام، تقديره: يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها شيئا (¬1). ومثله مما حذف (¬2) منه المفعول قوله: {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ} [إبراهيم: 37]، أي: ناسًا أو فريقًا. وقوله تعالى: {أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى} [البقرة: 61] يحتمل أن يكون {أَدْنَى} أفعل من الدنو، ومعناه: أتستبدلون الذي هو أقرب وأسهل متناولا، يشارككم في وجدانه (¬3) كل أحد بالرفيع الجليل الذي خصكم الله وبين الأثرة لكم به على جميع الناس (¬4). ويجوز أن يكون معنى الدنو في قرب القيمة (¬5)، يقول: أتستبدلون الذي هو أقرب في القيمة (¬6)، أي أقل قيمة، أو أدنى في الطعم واللذة، أي أقل لذة وأبشع طعما بالذي هو خير في الطعم واللذة والقيمة (¬7). ويجوز أن يكون أفعل من الدناءة، وترك همزه؛ لأن ¬

_ (¬1) أي أن مفعول يخرج محذوف، تقديره: (شيئا) وهذا قول الطبري في "تفسيره" 1/ 310، والنحاس في "إعراب القرآن" 1/ 180، وغيرهما. وذهب الأخفش ومكي إلى أن (من) زائدة، والمفعول (ما) انظر "معاني القرآن" للأخفش 1/ 282، و"المشكل" 1/ 49، وقولهما مردود عند كثير من المفسرين؛ لأنه يخالف مذهب سيبويه. أن (من) لا تزاد في الموجب، أي المثبت. انظر: "الكتاب"1/ 38، "تفسير ابن عطية" 1/ 316، و"البيان" 1/ 85، 86، "البحر المحيط" 1/ 232. (¬2) في (ب): (ومنه مما يحذف). (¬3) في (ب): (وجدنه). (¬4) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 312، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 115، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 181. (¬5) و (¬6) في (ب): (القيامة). (¬7) وهذا القول راجع لمعنى القول السابق فجمع بين المعنيين الزجاج حيث قال: فمعناه أقرب وأقل قيمة 1/ 115. والخلاصة في معنى (أدنى) قولان: أحدهما: =

العرب تقول: إنه لَدَنيٌّ يُدَنّي في الأمور، غير مهموز، أي: يتتبع خسيسها وأصاغرها، على أنه قد حكى الفراء (¬1) عن زهير الفرقبي (¬2) أنه يقرأ (أدنأ) بالهمز (¬3)، وهذا قول الفراء: إن معنى أدنى من الدناءة (¬4). والأول (¬5) اختيار الزجاج (¬6). وقال بعض النحويين: (أدنى) هاهنا بمعنى أدون، أي: أوضع وأخس، فقدمت النون وحولت الواو ألفا (¬7)، وهذا خطأ، فقد أجمعوا على ¬

_ = أنه من الدنو بغير همز، وهذا الدنو يدخل فيه عدة معان، فهو دنو في القيمة، واللذة، والكلفة، والحل، وامتثال الأمر، وغير ذلك مما ذكره المفسرون. انظر "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 181، "تفسير الثعلبي" 1/ 77 ب، "تفسير ابن عطية" 1/ 316 "الكشاف" 1/ 285، "البحر المحيط" 1/ 234، والقول الثاني: أنه من الدناءة بالهمزة، وهو ما سيأتي ذكره. (¬1) "معاني القرآن" للفراء 1/ 42، والكلام قبله كله عن الفراء وذكره الطبري في "تفسيره" 2/ 312، ولم يعزه له، وانظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 77 ب، "الكشاف" 1/ 285، "البحر" 1/ 233. (¬2) في (ب): (الفريقي). زهير الفرقبي أحد القراء، نحوي، ويعرف بالكسائي، له اختيار في القراءة يروى عنه، عاش في زمن عاصم. انظر: "غاية النهاية" 1/ 295. (¬3) في (ب): (بالهمزة). وهذه القراءة من الشواذ. (¬4) "معاني القرآن" للفراء 1/ 42، وهو قول الطبري في "تفسيره" 1/ 312، وذكره الزجاج في "المعاني" 1/ 115، وذكره النحاس واختار غيره 1/ 181، انظر "تفسير ابن عطية" 1/ 316، "تفسير القرطبي" 1/ 364، "البحر المحيط" 1/ 234. (¬5) (الواو) ساقطة من (ب). (¬6) اختيار الزجاج: أن (أدنى) غير مهموز بمعنى الذي هو أقرب وأقل قيمة. "المعاني" 1/ 115. (¬7) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 77 ب، وانظر: "المشكل" لمكي 1/ 50، "تفسير ابن عطية" 1/ 237، و"البيان" 1/ 86، و"الإملاء" ص 39، "تفسير القرطبي" =

أنه لا يشتق فعل (¬1) من دون إذا كان بمعنى أخس كقولهم: فلان دونك في الشرف. قوله تعالى: {اهْبِطُوا مِصْرًا} جائز أن يكون هذا من كلام موسى لهم (¬2)، وجائز أن يكون من قول الله تعالى لهم، ويكون في الآية إضمار كأنه قال: فدعا موسى فاستجبنا له، وقلنا لهم: اهبطوا مصرا أمن الأمصار، فإن الذي سألتم لا يكون إلا في القرى والأمصار، ولهذا نون مصر، (¬3) لأنه لم يرد بلدة بعينها (¬4)، وجائز أن يكون أراد مصر بعينها، وصرفها لخفتها وقلة حروفها (¬5). قال الزجاج: صرف؛ لأنه مذكر سمي به مذكر (¬6)، فهو مثل جُمْل ¬

_ = 1/ 364، "البحر المحيط" 1/ 234، "الدر المصون" 1/ 395، و"الفتوحات الإلهية" 1/ 60. وقوله: (وحولت الواو ألفًا) أي لما تحركت الواو وانفتح ما قبلها قلبت ألفا. (¬1) (فعل) هكذا في جميع النسخ، ولعلها (أفعل) قال أبو البركات ابن الأنباري: (ولا يجوز أن يكون (أدنى) أفعل من الدناءة؛ لأن ذلك يوجب أن يكون مهموزاً) "البيان" 1/ 87. (¬2) انظر: "تفسير البيضاوي" 1/ 27، و"الخازن" 1/ 133. (¬3) ما بين المعقوفين ساقط من (ب) والنص فيها: (.. اهبطوا مصرًا أي انزلوا مصرا لأنه لم يرد ..). (¬4) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 314 - 315، "معاني القرآن" للفراء 1/ 43، وللأخفش 1/ 273، وللزجاج 1/ 115، "تفسير أبي الليث" 1/ 369، "تفسير الثعلبي" 1/ 77 ب، "تفسير ابن عطية" 1/ 238، "البحر المحيط" 1/ 234. (¬5) انظر المراجع السابقة. (¬6) قوله: (سمى به مذكر) ساقط من (ب). وبهذا انتهى ما نقله عن الزجاج. "معاني القرآن" 1/ 116.

ودَعْد وهند في جواز إجرائها (¬1). والفراء يختار ترك الإجراء، ويفرق بين هذا وبين أسماء النساء، قال: إنها (¬2) إذا خفت وكانت على (¬3) ثلاثة أحرف، أوسطها ساكن، انصرفت، لأنها تكثر بها التسمية فتخف لكثرتها، واسم البلد لا يكاد يكثر. فاجعل (¬4) الألف التي في مصرا ألفا يوقف عليها، فإذا وصلت لم تنون كما كتبوا: سلاسلا (¬5) وقواريرا (¬6) بالألف، وأكثر القراء على ترك الإجراء فيها (¬7). ويختار قراءة من قرأ مصر بغير تنوين (¬8)، وهي قرآءة مهجورة (¬9)، ¬

_ (¬1) الإجراء: هو الصرف في اصطلاح الكوفيين، فالجاري: المنصرف، وغير الجاري: الممنوع من الصرف. وقوله: (جُمّل ودعد وهند) صرفت لأنها على ثلاثة أحرف أوسطها ساكن. فصرفت لخفتها وإلا فهي مؤنثة. انظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 42، و"البيان" 1/ 87. (¬2) أي: أسماء النساء، كما هي عبارة الفراء في "المعاني" 1/ 42. (¬3) (على) ساقط من (ج). (¬4) في المعاني للفراء: (.. فإن شئت جعلت الألف التي في (مصرا) ألفًا يوقف عليها ...) وإن شئت جعلت (مصر) غير المصر التي تعرف ..) 1/ 43. (¬5) من (ب)، وفي غيرها: (سلاسل)، آية: 4 من سورة الإنسان. (¬6) في (أ): (قرارير)، آية: 15، 16 من سورة الإنسان. (¬7) في المعاني: (فيهما) أي: (سلاسلا) و (قواريرا). أما (سلاسلا) فقرأ نافع والكسائي وأبو بكر وهشام ورويس في رواية بالتنوين، ووقفوا بالألف عوضا منها، والباقون بغير تنوين. وأما (قواريرا) فقرأ نافع والكسائي وأبو بكر، بالتنوين ووقفوا عليها بالألف في الموضعين، ووافقهم ابن كثير في الأول، والباقون بغير تنوين مع إختلاف في الوقف. انظر "التيسير" ص 217، انظر "النشر" 4/ 395. (¬8) حيث قال: (والوجه الأول أحب إليّ) لأنها في قراءة عبد الله اهبطوا مصر (بغير ألف ..) "معاني القرآن" للفراء 1/ 234. (¬9) قال الطبري: ولم يقرأ بترك التنوين فيه وإسقاط الألف منه، إلا من لا يجوز =

والوجه ما ذكرنا قبل، أنه صرف لخفته (¬1). وقال الكسائي: العرب الفصحاء (¬2) لا يبالون أن يجروا مالا يجري، ولا يرون به بأسا، ولولا أن ذلك مستقيم لهم ما جاز لهم أن يجروه في الشعر، فلا تهابن أن تجري شيئا مما لا يجري أبدا، إلا قولهم: أَفْعَلَ منك فإنه مما لم أسمع العرب تجريه في شعر ولا في (¬3) غيره. والمصر في اللغة: الحاجز بين الشيئين (¬4). قال عدي بن زيد (¬5): وَجَعَلَ الشَمْسَ مِصْرًا لاَخَفَاءَ بِهِ ... بَيْنَ النَّهَارِ وَبَيْنَ اللَّيْل قَدْ فَصَلاَ (¬6) ¬

_ = الاعتراض به على "الحجة" 2/ 136، والقراءة بغير تنوين قراءة الحسن، وطلحة، والأعمش، وأبان بن تغلب، وهي كذلك في مصحف أبي، وعبد الله، وبعض مصاحف عثمان، انظر "تفسير ابن عطية" 1/ 318 - 319، "تفسير القرطبي" 1/ 365، "البحر المحيط" 1/ 234. (¬1) قال النحاس: وهذا خطأ على قول الخليل وسيبويه والفراء، "إعراب القرآن" 1/ 182، وكذا رده أبو حيان. انظر: "البحر المحيط" 1/ 235، وقد ذكر ابن جرير الطبري الحجج لمن رأى أن المراد مصر من الأمصار، ولمن قال: إنها مصر المعروفة، وتوقف في ترجيح قول على الآخر، 1/ 314. أما ابن كثير فرجح أن المراد مصر من الأمصار، 1/ 109، وانظر: "البحر المحيط" 1/ 235. (¬2) بياض في (ب). (¬3) (في) ساقط من (ب). وكلام الكسائي أورده النحاس في "إعراب القرآن" 1/ 182. (¬4) ذكر الأزهري عن الليث. "تهذيب اللغة" (مصر) 4/ 3406، وانظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 78 أ، "تفسير القرطبي" 1/ 366. (¬5) نسبه بعضهم لأمية بن أبي الصلت، وبعضهم لعدى. (¬6) يروي البيت (جاعل) ورد في "تهذيب اللغة" (مصر) 4/ 3406، "الصحاح" (مصر) 2/ 817، "المخصص" 13/ 164، "اللسان" (مصر) 7/ 5/ 42، "تفسير الثعلبي" =

أي: حدًّا، ومُصُور الدار: حدودها، فالمصر: القطعة التي بانت بعمارتها عما سواها وانتهت إليه البرية (¬1). وقوله تعالى: {وضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ} أي: ألزموها إلزامًا لا تبرح عنهم، يقال: ضرب عليه (¬2) كذا، إذا ألزمه، وأصله من ضرب الشيء على الشيء، كما يضرب المسمار على الشيء فيلزمه، فيقال (¬3) لكل من ألزم شيئا: ضرب عليه، يقال: ضرب فلان على عبده ضريبة، وضرب السلطان على التجار (¬4) ضريبة أي ألزمهم (¬5). ويقال للشيء الدائم: ضربة لازم ولازب (¬6). ومنه قول النابغة: و (¬7) لاَ يَحْسِبُون الشَّرَّ ضَرْبَةَ لاَزَبِ (¬8) والذلة: الذل. ¬

_ = 1/ 78 أ، "مفردات الراغب" ص 469، "زاد المسير" 1/ 89، "تفسير القرطبي"، "البحر المحيط" 1/ 220، "الدر المصون" 1/ 396. (¬1) (البرية) ساقط من (أ)، (ج). انظر: "تهذيب اللغة" (مصر) 4/ 3405 - 3406، "تفسير الثعلبي" 1/ 78 أ، "القرطبي" 1/ 366، "اللسان" (مصر) 7/ 4215. (¬2) في (ب): (عليهم). (¬3) في (ب): (أن يقال). (¬4) في (ب): (التجارة). (¬5) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 315، "تفسير الثعلبي" 1/ 78 أ، "تفسير ابن عطية" 1/ 319، "تفسير القرطبى" 1/ 366. (¬6) قال ابن الأنباري: ما هذا بضربة لازب، أي ما هو بضربة سيف لازب، واللازب: اللازم. انظر: "الزاهر" 1/ 609، "تهذيب اللغة" (لزب) 4/ 3258، "اللسان" (لزب) 7/ 4025 - 4026. (¬7) (الواو) ساقطة من (ب). (¬8) شطره الأول: =

أبو عبيد عن الكسائي: فرس ذلول بيّن (¬1) الذِّلّ، وهو ضد الصعوبة، ورجل ذليل بيّن الذِّلّة والذُّلّ (¬2). والمسكنة مفعلة من السكون، قال الليث: المسكنة مصدر فِعْل المِسْكين، وإذا اشتقوا منه فعلا قالوا: تَمَسْكَن إذا صار مِسْكِينًا (¬3). قال ابن الأنباري: المسكنة الأمور التي تسكن صاحبها وتمنعه من الحركة ومن هذا أخذ المسكين، توهمًا أن الميم من أصل الكلمة، كما قالوا: تمكن من المكان، وهو مفعل من الكون، ويقال: تسكن الرجل وتمسكن إذا ظهرت (¬4) عليه أمور المساكين وتشبه بهم. كما يقال: تدرع وتمدرع، إذا لبس المدرعة (¬5). فأما معنى الآية، فإن جماعة من المفسرين قالوا: في هذا ما دل على أن قوله: {وضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ} (¬6) إخبار عمن كانوا (¬7) في عصر موسى. وبعضهم قال: ما يدل على أن ضرب الذلة حصل على من كان في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -. ¬

_ = وَلاَ يَحْسِبُونَ الْخَيْرَ لاَ شَرَّ بَعْدَهُ ورد البيت في "الزاهر" 1/ 609، "تهذيب اللغة" (لزب) 7/ 4026، "المخصص" 12/ 68، "مقاييس اللغة" (لزب) 5/ 245، "اللسان" (لزب) 7/ 4026، و"ديوان النابغة الذيباني" ص 33. (¬1) في "تهذيب اللغة" (من) وليس فيه قوله: (وهو ضد الصعوبة). (¬2) "تهذيب اللغة" (ذل) 2/ 1290، وانظر: "اللسان" (ذلل) 3/ 1513 - 1514. (¬3) "تهذيب اللغة" (سكن) 2/ 1724 - 1725، وانظر: "تفسير الطبري" 1/ 315، "اللسان" (سكن) 2054 - 2057. (¬4) في (ب): (ظهر). (¬5) انظر: "الزاهر" 1/ 224، و"تهذيب اللغة" (سكن) 2/ 1723 - 1725، و"الصحاح" (سكن) 5/ 2137، و"اللسان" (سكن) 4/ 2054 - 2057. (¬6) في (ج): (والمسكنة). (¬7) في (ب): (كان).

قال كثير من المفسرين: ضربت عليهم يومئذ الذلة والمسكنة، وهو أثر البؤس وزي الفقر، وذلك لعلم الله فيهم أنهم سيقتلون النبيين ويفعلون ويفعلون، ثم أعقابهم يتوارثون ذلك الذل والمسكنة، وهذا قول الكلبي (¬1). وإلى هذا القول مال ابن الأنباري، لأنه قال: قوله: {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ} (¬2) منسوق على محذوف، دل الكلام عليه، وتلخيصه: اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم، فهبطوا فعثوا وأفسدوا، وضربت عليهم الذلة، فلما عرف معنى المراد حذف، وجرى مجرى الظاهر في حسن العطف عليه وقال الحسن وقتادة: {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ} يعطون الجزية عن يد وهم صاغرون (¬3). وقال عطاء بن السائب (¬4): هو [الْكُسْتِيج] (¬5) وزي اليهودية، والمسكنة ¬

_ (¬1) ذكر أبو الليث عن الكلبي: يعني الرجل من اليهود وإن كان غنيا، يكون عليه زي الفقراء. "تفسير أبي الليث" 1/ 370، وانظر: "تفسير الرازي" 3/ 102، "البحر المحيط" 1/ 236. والكلبي هو محمد بن السائب، ضعفوه، واتهمه بعضهم بالكذب، توفي سنة ست وأربعين ومائة، انظر: "تهذيب التهذيب" 3/ 569، "طبقات المفسرين" للداودي 2/ 149. (¬2) في (ج): (والمسكنة). (¬3) ذكره الطبري بسنده عنهما 1/ 315، وكذا "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 385، وانظر: "تفسير أبي الليث" 1/ 369، "تفسير ابن عطية" 1/ 319، "تفسير القرطبي" 1/ 366، "تفسير ابن كثير" 1/ 109. (¬4) هو الإمام الحافظ، أبو السائب، كان من كبار العلماء، ولكنه ساء حفظه قليلاً آخر عمره، مات سنة ثلاثين مائة "طبقات ابن سعد" 6/ 338، و"طبقات خليفة" ص 164، "سير أعلام النبلاء" 6/ 110. (¬5) في (أ)، (ج): (الكستينح) وفي (ب): (الكستينج)، وما أثبته هو الصواب وهو الوارد عند الواحدي في "الوسيط" 1/ 118، والبغوي 1/ 78، وفي غيرهما. =

زي الفقر، فترى المثري منهم يتبأس مخافة أن يضاعف عليه الجزية (¬1). وهذا يدل على أن هذا الضرب وهذا الأثر حصل على المتأخرين منهم، لأنهم قبل الإسلام لم يعطوا الجزية ولم يوسموا (¬2) بالغيار (¬3). فإن قيل: نحن نرى اليهودي يملك المال الواسع، والفاخر من الثياب، والرفيع من العقار، ومن ملك بعض هذا لم يكن مسكينا. قيل: الذلة الجزية، والمسكنة فقر القلب والنفس، وغير ظاهر آثارهما، ولا يوجد يهودي غني النفس (¬4). ويجوز أن يكون هذا من العموم الذي أريد به الخصوص. وقوله تعالى: {وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ} أي: رجعوا (¬5) في قول الفراء (¬6). ¬

_ = قال في "القاموس": الْكُسْتِيج بالضم: خيط غليظ يشده الذميّ فوق ثيابه دون الزنار، مُعَرَّبُ: كُسْتِي. القاموس ص 1328. (¬1) ذكره الثعلبي1/ 78 أ، والبغوي 1/ 78، وانظر: "البحر المحيط" 1/ 236. (¬2) في (ب): (يرسموا). (¬3) ذكره الرازي 2/ 102، وقال أبو حيان: المضروب عليهم الذلة والمسكنة اليهود المعاصرون لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - قاله الجمهور، "البحر" 1/ 236. وقيل: لا يلزم هذا فإنهم أذلوا قبل المسلمين، فقد ذكر ابن كثير عن الحسن قال: أذلهم الله فلا منعة لهم وجعلهم تحت أقدام المسلمين، ولقد أدركتهم هذه الأمة وإن المجوس لتجبيهم الجزية. انظر: "تفسير ابن كثير" 1/ 109. (¬4) انظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 78 أ، "تفسير البغوي" 1/ 78/، "تفسير ابن عطية" 1/ 319، "تفسير القرطبي" 1/ 366، "البحر المحيط" 1/ 236. (¬5) في (ب): (ارجعوا). (¬6) لم أجده للفراء، وبه قال الأخفش في "معاني القرآن" 1/ 973، وابن قتيبة في "الغريب" ص 51 وهو قول الكسائي كما سيأتي.

وقال الكسائي: انصرفوا به (¬1)، ولا يكون أبدا باؤوا إلا بشيء إما بخير وإما بشر، يقال: بَاءَ يَبُوءُ بَوْءًا [وَبَوَاءً] (¬2) ولا يكون باء بمعنى مطلق الانصراف (¬3). قال ابن الأنباري: وجاء في الحديث: "باء طلحة بالجنة" (¬4) أي: انصرف بها. وقال أبو عبيدة: باؤوا بغضب: احتملوه (¬5)، ونحو ذلك قال الزجاج في قوله: {فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ} [البقرة: 90]. قال: باؤوا في اللغة: احتملوا، يقال: قد بؤت بهذا الذنب أي: احتملته (¬6). ومنه قوله. {أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ} [المائدة: 29]. ¬

_ (¬1) في تفسير الثعلبي: (رجعوا في قول الكسائي وغيره) 1/ 78 أ، ونحوه في الماوردي 1/ 346، وكذا في البحر 1/ 220. قال النحاس في "شرح القصائد المشهورات": (والكسائي يذهب إلى أن (بؤت) من باء يبوء إذا رجع) ص170. (¬2) في (أ)، (ج): (بووا وبَوْا) وفي (ب): (بَاء يبؤا بوءا وبؤا) وفي "معاني القرآن" للفراء (بَاء بإثم يَبُوءُ بَوْءًا) 1/ 60، وفي الطبري: (بَاءَ فلان بذنبه يَبُوءُ به بَوْأً وَبَواءً) 1/ 316، ونحو ذلك في "معاني القرآن" للأخفش 1/ 273، "تهذيب اللغة" (باء) 1/ 246 - 248. (¬3) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 306. (¬4) لم أجده بهذا اللفظ، وفي "مسند أحمد" وغيره: (عن الزبير قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول يومئذٍ "أوجب طلحة"، حين صنع برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما صنع .. الحديث)، قال أحمد شاكر: إسناده صحيح، وقال: الحديث في "سيرة ابن هشام" عن ابن إسحاق، ورواه ابن سعد مختصرًا، والترمذي مطولًا. "مسند أحمد بتحقيق أحمد شاكر" 3/ 1417. وانظر: "الترمذي مع عارضة الأحوذي" 13/ 178، وانظر: "سيرة ابن هشام" 3/ 35، "طبقات ابن سعد" 3/ 218. (¬5) "مجاز القرآن" 1/ 42. (¬6) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 148.

واختلف أصحاب الاشتقاق في أصل هذا الحرف: فمذهب أبي العباس أنه من الباءة والمباءة، وهو منزل القوم حيث (¬1) يتبوؤون (¬2). فمعنى باء بالذنب: أي نزل منزلة المذنبين، وباؤوا بغضب أي نزلوا منزلة من يلحقهم الغضب، ومن هذا يقال: أبأت فلانًا بفلان، إذا قبلته به، كأنك جعلته (¬3) في منزلته وفي محله، وفلان بواء بفلان من هذا، والكلام يتصرف فيقع بعضه محمولا على بعض، هذا هو الأصل، ثم يفسر: باء بالشيء إذا احتمله ورجع به وانصرف به، وأقرّ به. وهذه كلها معان ترجع إلى أصل واحد، وهو الحلول في ذلك المحل (¬4). قال الفرزدق لمعاوية: فَلَو كَانَ هَذَا الْأَمْرُ فِي جَاهِليَّةٍ ... لَبُؤْتَ بِهِ أَوغَصَّ بِالْمَاءِ شَارِبُه (¬5) ¬

_ (¬1) في (ج): (حين). (¬2) ذكر الأزهري عن الليث نحوه، وكذا عن الأصمعي وأبي زيد وغيرهم، "تهذيب اللغة" (باء) 1/ 246 - 248. وذكر الماوردي عن أبي العباس المبرد: أن أصل ذلك المنزلة. ومعناه: أنهم نزلوا منزلة غضب من الله. "تفسير الماوردي" 1/ 344 انظر: "الصحاح" (بوأ) 1/ 37، "اللسان" (بوأ) 1/ 380 - 382. (¬3) في (ج): (وجعلته). (¬4) ذكر ابن فارس في "مقاييس اللغة": أن (بَوَأ) الباء والواو والهمزة أصلان: أحدهما: الرجوع إلى الشيء، والثاني: تساوي الشيئين 1/ 312. وانظر. "تفسير الطبري" 1/ 316، "الماوردي" 1/ 344، "تهذيب اللغة" (باء) 15/ 594 - 596. (¬5) يروي هذا البيت بروايات مختلفة منها (شَنِئْتَ) بدل (لبؤت) وعليها فلا شاهد فيه هنا، ورواية الديوان: =

أي لأقررت (¬1) به، كأنه قال: حللت محل المقر به (¬2)، وقال لبيد: أَنْكَرْتُ بَاطِلَهَا وبُؤْتُ بِحَقِّهَا ... عِنْدِي وَلم تَفْخَرْ عَلىَّ كِرَامُهَا (¬3) وقوله تعالى: {تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ} [المائدة: 29]. تأويله: تحل محل من اجتمعت عليه العقوبتان بأن لم يتقبل قربانك وقتلتني (¬4). وعند الزجاج أن أصل هذا الحرف من التسوية (¬5). تقول العرب: هم في هذا الأمر بواء، أي: سواء. وبوأت الرمح نحو الفارس: سويته، وبوأت ¬

_ = وَلَوْ كَانَ هَذَا الْأمْرُ فِي غَيْرِ مُلْكِكُمُ ... لَأَدَّيْتَهُ أَوْ غَصَّ بَالْمَاءِ شَارِبُه انظر: "الكامل" 2/ 232، "التهذيب" (شنأ) 2/ 1941، و"مجمل اللغة" (شنو) 2/ 513، "اللسان" (شنأ) 4/ 2336، "ديوان الفرزدق" 1/ 53. (¬1) (به) ساقط من (ب). (¬2) انظر: "الكامل" 2/ 232. (¬3) البيت متعلق ببيت قبله، وقوله: (أنكرت باطلها) أي: رددته و (بؤت بحقها): رجعت، أو اعترفت وأقررت. انظر: "شرح ديوان لبيد" ص 318، و"شرح القصائد المشهورات" ص 170، "الصحاح" (بوأ) 1/ 38، "اللسان" (بوأ) 1/ 37، "الخزانة" 5/ 518، 9/ 16، "الدر المصون" 1/ 398. (¬4) قال الزجاج: ترجع إلى الله بإثمي وإثمك .. "معاني القرآن" 2/ 182، وانظر. "تفسير الطبري" 6/ 192 - 193. (¬5) لم أجده عن الزجاج فيما اطلعت عليه، والله أعلم، والذي قاله الزجاج في "المعاني" عند تفسير قوله تعالى: {فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ} [البقرة: 90]. قال: (معنى باءوا في اللغة: احتملوا، يقال: قد بؤت بهذا الذنب: أي تحملته، "معاني القرآن" 1/ 148، وعند تفسير قوله تعالى {تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ} [المائدة: 29]، قال. أي ترجع إلى الله بإثمي وإثمك. "معاني القرآن" 1/ 182 و (بواء) بمعنى: سواء ذكره الماوردي 1/ 345، وذكره الأزهري عن أبي العباس وأبي عبيدة والأخفش. انظر: "تهذيب اللغة" (باء) 1/ 246 - 248، وانظر: "البحر المحيط" 1/ 220.

فلانًا منزلًا (¬1): أي سويته (¬2) له، وقد باءت دماء القوم: إذا استوت، وباء فلان بالذنب: إذا احتمله واستوى عليه. وفي حديث عبادة بن الصامت قال: (جعل الله الأنفال إلى نبيه - صلى الله عليه وسلم - فقسمها بينهم عن بواء) (¬3) أي (¬4) عن سواء بينهم في القسم. فمعنى {وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ} كأنهم استوى عليهم الغضب من الله (¬5). ومعنى غضب الله: ذمه إياهم وإنزال العقوبة بهم، لا كعارض يحل بالمخلوقين (¬6). وقوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ} (ذلك) إشارة إلى ضرب الذلة (¬7) والمسكنة والغضب (¬8)، ومعنى {يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ} قال ابن عباس: يريد الحكمة التي أنزلت على محمد - صلى الله عليه وسلم - (¬9). ¬

_ (¬1) في (ب): (منزل). (¬2) في الصحاح: (بَوَّأْت للرجل منزلا، وبَوَّاتُه منزلا بمعنى، أي: هيأته ومكنت له فيه "الصحاح" (بوأ) 1/ 37، وانظر: "تهذيب اللغة" (باء) 1/ 247. (¬3) الحديث أخرجه أحمد 5/ 322، وابن ماجه (2852)، وذكره الماوردي في "تفسيره" 1/ 345. (¬4) (أي) ساقط من (ب). (¬5) انظر: "تفسير الماوردي" 1/ 345، "البحر المحيط" 1/ 220، 236. (¬6) هذا تأويل لصفة الغضب التي أثبتها الله لنفسه، فيجب أن نثبتها له كما أثبتها لنفسه، ولا يلزم لها أي لازم باطل كأن تكون كالعارض الذي يحل بالمخلوقين. (¬7) في (ج): (الذل). (¬8) انظر "تفسير الطبري" 1/ 316، انظر "تفسير ابن عطية" 1/ 320. (¬9) ذكر المؤلف في "الوسيط" 1/ 119، ولم أجده عند غيره فيما اطلعت عليه، والله أعلم.

وقال غيره: أي بصفة محمد - صلى الله عليه وسلم - وآية الرجم (¬1). وقوله تعالى: {وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ} قال الفراء: إنما ألزمهم الله القتل ولم يقتلوا، لأن الذين كانوا في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - من اليهود تولوا أولئك الذين قتلوا، فسماهم الله قتلة (¬2)، وقد قال الله تعالى: {وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ} [المائدة: 81] فألزمهم الكفر بتوليهم الكفار. ويعني بالنبيين من قتلهم اليهود مثل: زكريا ويحيى وشعيا، وسائر من قتلوا من الأنبياء (¬3). وقوله تعالى: {بِغَيْرِ الْحَقِّ} هو صفة للقتل، كأنه قيل: قتلًا بغير حق، يعني بالظلم (¬4). قال ابن الأنباري: معناه: ويقتلون النبيين من غير جرم وذنوب أتوها توجب دماءهم، وتلزمهم أن يمحوا من ديوان النبوة لأجلها، ولا يجوز أن يقتل نبي بحقٍّ أبدًا (¬5). ¬

_ (¬1) ذكره الثعلبي 1/ 78 أ، والبغوي 1/ 78، وأبو حيان في البحر 1/ 236. والأولى عموم الآية لأن كفر اليهود إنما جاء من كفرهم بالتوراة وتحريفها، ومن ثم كفرهم بمحمد وما جاء به فهو عام. انظر "تفسير الطبري" 1/ 316 - 317، "تفسير أبي الليث" 1/ 370، "البحر المحيط"1/ 236، "تفسير ابن كثير" 1/ 109. (¬2) انتهى ما نقله من كلام الفراء انظر: "المعاني" 1/ 16. (¬3) انظر: الثعلبي في "تفسيره" 1/ 78 ب. (¬4) انظر: "تفسير الماوردي" 1/ 347، و"تفسير البغوي" 1/ 78، "زاد المسير" 1/ 90، "البحر المحيط" 1/ 237. (¬5) انظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 322، و"تفسير البغوي"1/ 78، و"زاد المسير" 1/ 90، و"الكشاف" 1/ 285، و"تفسير القرطبي" 1/ 368، و"البحر المحيط" 1/ 237، و"روح المعاني" 1/ 276.

وقيل: قوله: {بِغَيْرِ الْحَقِّ} تأكيد، لأن قتل النبي لا يكون إلا بغير حق، فهو كقوله: {الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج: 46]، {وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْه} وأمثاله (¬1). وقوله تعالى: {ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا} قال الأخفش: ما والفعل بمنزلة المصدر، أي: ذلك الكفر والقتل بعصيانهم (¬2). يعني أن الكفر والقتل حصلا منهم بعصيانهم ما أمروا به وتركهم الطاعة (¬3)، لأن نفس الكفر والقتل هو العصيان، فالعصيان هو الكفر، والكفر هو العصيان، وكل واحد منهما موجب للآخر في هذا الموضع، وإن لم يكن العصيان كفرا في مواضع. ويجوز أن يكون المعنى: ذلك حصل بشؤم عصيانهم، فحذف المضاف (¬4). وعلى هذا التأويل يتوجه قول من خص العصيان والاعتداء بعصيانهم الله في السبت، واعتدائهم فيه، فإن كثيرا من المفسرين ذهبوا إلى هذا (¬5)، ومنهم من لم يخص وقال: ذلك (¬6) بركوبهم المعاصي، وتجاوزهم أمري، ¬

_ (¬1) انظر: "زاد المسير" 1/ 90، "البحر المحيط" 1/ 237. (¬2) انظر: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 276، نقل قوله بمعناه. وانظر "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 182، "تفسير القرطبي" 1/ 368. (¬3) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 317. (¬4) أو يكون العصيان والتمادي فيه جرهم إلى القتل والكفر، فإن صغار الذنوب سبب يؤدي للكبائر، ذكره البيضاوي في "تفسيره" 1/ 27. والنسفي في "تفسيره" 1/ 134، وأبو حيان في "البحر" 1/ 237. (¬5) بل هو قول بعضهم. انظر: الكشاف 1/ 285، والنسفي في "تفسيره" 1/ 134، "البحر المحيط" 1/ 237. (¬6) (ذلك) ساقط من (ب).

وارتكابهم محارمي (¬1). قلت: وهذه (¬2) الأخبار التي أخبر الله (¬3) عن اليهود ووصفهم بها ليست تشملهم كلهم مذ كانوا إلى عصر النبي - صلى الله عليه وسلم - بل بعضهم انقرضوا قبل هذه الأحداث، وبعضهم اتصف ببعض هذه الأوصاف دون بعض، وبعضهم رضي بما أتى به الآخرون من هذه الجرائم فكانوا (¬4) شركاءهم (¬5) في الإثم، ولكن الله تعالى أضاف هذه الأوصاف إلى اليهود، وهو يريد الجانين والذين تولوهم كقوله تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ} [التوبة: 30]، وكلهم لم يقل ذلك. فأما (النبي) فأكثر العرب على ترك همزه (¬6). قال (¬7) أبو عبيدة: ¬

_ (¬1) وعليه أكثر المفسرين، انظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 78 ب، و"تفسير الطبري" 1/ 317، و"تفسير أبي الليث" 1/ 372، و"الكشاف" 1/ 285، و"تفسير البغوي" 1/ 78، و"تفسير ابن كثير" 1/ 109. (¬2) في (أ)، (ج): (وهذا) وأثبت ما في (ب) لأنه أنسب للسياق. (¬3) في (ب): (أخبر الله به). (¬4) في (ب): (وكانوا). (¬5) في (ب): (شركاؤهم). (¬6) أكثر علماء اللغة على أن أصل (النبي) مهموز من أنبأ عن الله، فتركت العرب همزه على طريق البدل لا على طريق التخفيف. ومنهم من يرى أنه غير مهموز الأصل، وإنما هو من النباوة، وهي الرفعة، الأول قول سيبويه. انظر: "الكتاب" 3/ 555، و"إصلاح المنطق" ص 158، "معاني القرآن" للأخفش 1/ 274، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 117، و"الحجة" لأبي علي1/ 88، و"الإغفال" ص204، و"اشتقاق أسماء الله" ص 293، "تهذيب اللغة" (نبا) 4/ 3490، "تفسير الطبري" 1/ 316 - 317، "الزاهر" 2/ 119، وفيه اختار ابن الأنباري أن أصله غير مهموز. (¬7) في (ب): (وقال).

اجتمعت العرب على حذف الهمزة من أربعة أحرف من النبي والذرية والخابية والبرية وأصلها (¬1) الهمزة (¬2). وأما اشتقاقه فقال الزجاج وعدة معه: اشتقاقه (¬3) من نَبَّأَ وأَنْبَأَ، أي: أخبر، فترك همزه لكثرة الاستعمال. ويجوز أن يكون من نَبَا يَنْبُو، إذا ارتفع، فيكون فعيلا من الرفعة (¬4). وقال ابن السكيت: النبي هو من أنبأ عن الله، فترك همزه، قال: وإن أخذته من النَّبْوَةَ والنَّبَاوَةِ، وهي الارتفاع من الأرض، أي أنه شرف (¬5) سائر الخلق، فأصله غير الهمز (¬6)، وأنشد قول أوس بن حجر: ¬

_ (¬1) في (ب): (أصلها) بحذف الواو. (¬2) في (ج): (الهمز). وكلام أبي عبيدة أورده ابن السكيت في "إصلاح المنطق" عنه عن يونس "إصلاح المنطق" ص 159، وانظر: "اشتقاق أسماء الله" ص 295. (¬3) في (ب): (مشتق). (¬4) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 117، وانظر: "تهذيب اللغة" (نبا) 4/ 3490، قال أبو القاسم الزجاجي: (اعلم أن للعلماء في اشتقاق (النبي) قولين: أما سيبويه في حكايته عن الخليل فيذهب إلى أنه مهموز الأصل من أنبأ عن الله، أي: أخبر، وهو مذهب أكثر أهل اللغة، فتركت العرب همزه لا على طريق التخفيف، لكن على طريق الإبدال ...) ثم ذكر الفرق بين التخفيف والإبدال وبَيَّن أن ما ترك عن طريق الإبدال لا يجوز همزه إلا عند من لا يرى البدل. قال: (والقول الآخر مذهب جماعة من أهل اللغة، وهو رأى أبي عمرو بن العلاء قالوا: ليس بمهموز الأصل وإنما هو من النباوة وهي الرفعة. "اشتقاق أسماء الله" للزجاجي ص 293، 294. (¬5) في "إصلاح المنطق": (أي شرف على سائر الخلق) ص 158، وانظر: تهذيب اللغة 4/ 3490. (¬6) الكلام بهذا النص في "تهذيب اللغة" (نبا) 3490، وورد في "إصلاح المنطق" عن الفراء، وقال ابن السكيت بعده: وأنشد هو أي الفراء وأبو عمرو ثم ذكر بيتًا غير بيت أوس. "إصلاح المنطق" ص 158.

لَأَصْبَحَ رَتْمًا (¬1) دُقَاقَ الْحَصَى ... مَكَانَ النَّبَيِّ مِنَ الْكَاثِبِ (¬2) قال: النبي: المكان المرتفع. قال أبو علي فيما استدرك على أبي إسحاق (¬3): النبي اشتقاقه من النبأ الذي هو الخبر، كأنه المخبر عن الله سبحانه، وهذا مذهب سيبويه (¬4). ولا يجوز أن يكون مشتقا من النبأ الذي هو الخبر والنجاوة التي هي الرفعة بأن يحتمل الأمرين (¬5)؛ وذلك لأن العرب كلهم ¬

_ (¬1) في (أ)، (ج): (رقما)، وما في (ب) موافق للمصادر التي ورد بها البيت. (¬2) في جميع النسخ (الكاتب) بالتاء وهذا مخالف لجميع المصادر. و (الرتم): الدق والكسر، (دُقَاقَ الحصى): دقيق الحصى، و (النبي) المكان المرتفع و (الكاثب): الرمل المجتمع. ورد البيت في "إصلاح المنطق" ص 58، "جمهرة أمثال العرب" 2/ 13، "الزاهر" 2/ 119/ "تهذيب اللغة" (كثب) 4/ 3103، و (رتم) 2/ 1358، و (ثرم) 2/ 1360، و (نبا) 4/ 3490، "الصحاح" (نبا) 6/ 2501، و"مجمل اللغة" (رتم) 2/ 498، (كثب) 7/ 3826، "مقاييس اللغة" (كثب) 5/ 163، و (نبو) 5/ 385، "اللسان" (كثب) 7/ 3826، و (رتم) 3/ 1578، و (نبا) 15/ 302، "تفسير القرطبي" 1/ 367، "الدر المصون" 1/ 402. (¬3) وذلك في كتاب (الإغفال فيما أغفله الزجاج من المعاني) ص 205، نقل عنه الواحدي بتصرف، وداخل بين كلام أبي علي في "الإغفال" وكلامه في "الحجة". وكلام أبي علي بنصه في "المخصص" 12/ 321. (¬4) نص كلام أبي علي في "الإغفال": (لا يخلو قولهم: (النبي) من أن يكون مأخوذا من (النبأ) أو من النبوة التي هي ارتفاع أو يكون مأخوذا منهما. فحمل (اللام) مرة على أنه ياء منقلبة عن الواو، ومرة على أنها همزة كسنة وعضا، فلا يجوز أن يكون مأخوذًا من النبوة، لأن س يبويه حكى أن جميع العرب يقولون. تنبأ مسيلمة ..) "الإغفال" ص 205. وانظر كلام سيبويه في "الكتاب" 3/ 460، 555. (¬5) قال أبو علي: (.. ولا يجوز أيضا أن تكون لامه على وجهين: مرة ياء منقلبة عن =

يقولون (¬1): تَنَبَّأَ مُسَيلمة بالهمز ويقولون في تحقير النبوة: كان مسيلمة نُبُوَّتُه نُبَيِّئةَ سِوء (¬2)، فلو كان يحتمل الأمرين جميعا ما اجمعوا على الهمز في فعله وتحقيره. فإن قيل (¬3): فإن المازني أنشد على أن (النبي) من النباوة قول بعضهم: مَحْضَ الضَّرِيبَة فَي الْبَيْتِ الَّذِي وُضِعَتْ ... فِيهِ النَّبَاوَةُ حُلْوًا غَيْرَ مَمْذُوقِ (¬4) قيل: أراد: في البيت الذي وضعت فيه الرفعة، وليس كل رفعة [نبوءة] (¬5)، وقد يكون في البيت رفعة ليست (¬6) [بنبوءة] (¬7)، والمخبر عن الله المبلغ عنه إذا أخذ اسمه من النبأ (¬8) كان أخص به وأشد مطابقة للمعنى ¬

_ = الواو، ومرة همزة ..) "الإغفال" ص 206. (¬1) (يقولون) ساقط من (ب). (¬2) السياق أقرب إلى كلام أبي علي في "الحجة" 2/ 89، وانظر: "الإغفال" ص206،209، "الخصائص" 12/ 322، و"الكتاب" 3/ 460. (¬3) قوله: (فإن قيل فإن المازني ... إلخ) لم يرد في "الإغفال"، وإنما ورد في "الحجة" 2/ 88. (¬4) ورد البيت في "الحجة" لأبي علي بدون نسبة 2/ 88، وأورده ابن سيده في "المخصص" ونسبه لابن همام 12/ 323. وقوله: (محض الضريبة) المحض من كل شيء: الخالص. و (الضريبة): الطبيعة والسجية. انظر: "الصحاح" (ضرب) 1/ 169، "اللسان" (محض) 6/ 414. (¬5) في (أ)، (ب): (نبوة) وفي ج: (نبوه)، والتصحيح من "الحجة" 2/ 90. (¬6) في (ب): (ليس). (¬7) في (أ)، (ب): (بنبوة) وفي ج: (بنبوة)، والتصحيح من "الحجة" 2/ 90. (¬8) في جميع النسخ (النبا) بدون همز، والتصحيح من "الحجة" 2/ 90.

المقصود، ولأن النبوة ليس من الارتفاع المحمود، ألا ترى أنه لا يمدح به (¬1) كما يمدح بالرفعة (¬2). فإن (¬3) قلت: فلم لا يستدل بقولهم: أنبياء (¬4) على جواز الأمرين (¬5). لأنهم جمعوا ما كان أصله غير (¬6) الهمز على أفعلاء نحو: غنى وأغنياء وتقى وأتقياء، فيحتمل (¬7) على هذا أن النبي أصله غير الهمز، [ويحتمل أن أصله الهمز] (¬8) فترك همزه، وجمع (¬9) على أفعلاء، تشبيها بما أصله غير الهمز. قيل: ما ذكرته لا يدل على تجويز الأمرين، لأن (أنبياء) إنما جاء لأن البدل من الهمز لزم في (نبي) فصار في لزوم البدل له كقولهم: عيد وأعياد فكما أن أعيادا لا يدل على أن عيدا من الياء، لكونه من عود الشيء، كذلك لا يدل (أنبياء) على أنه من النباوة، ولكن لما لزم البدل جعل بمنزلة: تقي وأتقياء وصفي وأصفياء ونحو ذلك، وصار (¬10) كالبرية والخابية، ونحو ذلك ¬

_ (¬1) (به) ساقط من (ب). (¬2) من قوله: (ولأن النبوة ...) إلى قوله: (كما يمدح بالرفعة) ليس في "الحجة" ولا في "الإغفال". (¬3) في (ب): (قال قلت). (¬4) أي: بالجمع. انظر: "الإغفال" ص 207، و"الحجة" 2/ 90. (¬5) الأمران هما: كون اللام همزة، أو حرف لين. انظر "الإغفال" ص 207. (¬6) أي أن أفعلاء جمع في أكثر الأمر لمعتل اللام. انظر "الإغفال" ص 207. (¬7) في (ب): (فيحمل). (¬8) ما بين المعقوفين ساقط من (ج). (¬9) قوله (ويحتمل ...) إلى (فترك همزه وجمع)، مكرر في (ب) بعد قوله: (بما أصله غير الهمز). (¬10) في (ب): (فصار).

مما لزم الهمزة فيه حرف اللين بدلا من الهمزة، وما دل على أنه من الهمز قائم لم يعترض عليه (¬1) شيء. وقد جمعوه أيضا نُبَآء (¬2) على فُعَلاَء (¬3)، مثل ظريف وظرفاء. قال العباس بن مرداس (¬4): يَا خَاتَمَ النُّبَآءِ (¬5) إِنَّكَ مُرسَلٌ ... بِالحَقِّ خَيْرُ هُدَى الْإِلَهِ هُدَاكَا (¬6) وكأنه جمعه على أصل اللغة، ولما لزم البدل في نبي صار قول من حقق الهمز كرد الشيء إلى الأصل المرفوض استعماله نحو: وَذَرَ ووَدَعَ فمن ثم كان الأكثر فيه التخفيف. واستردأ سيبويه تحقيق: النبيء والبرية (¬7)، ¬

_ (¬1) في "الحجة": (لم يعترض فيه شيء) وبعده: (فصار قول من حقق الهمزة في النبي كرد الشيء إلى الأصل المرفوض استعماله ..) 2/ 90. (¬2) في (أ)، (ج): (نبآا) وفي (ب): (نبا)، وما أثبته يوافق ما في "الحجة" 2/ 90. (¬3) في (ج): (أفعلاء). (¬4) هو العباس بن مرداس بن أبي عامر بن سليم، وأمه الخنساء، الصحابية الشاعرة المشهورة، أسلم العباس قبل فتح مكة بيسير، وكان من المؤلفة قلوبهم. انظر ترجمته في "الشعر والشعراء" ص أ 50، "الخزانة" 1/ 152. (¬5) في (أ)، (ج) (النبآا) وفي (ب) (البنا). (¬6) رواية شطره الثاني في أكثر المصادر: بِالخَيْر كُلُّ هُدَى السَّبِيلِ هُدَاكَا ورد البيت في "الكتاب" 3/ 460، "سيرة ابن هشام" 4/ 95، "المقتضب" 1/ 162، 2/ 210، و"جمهرة اللغة" 3/ 212، "الصحاح" (نبأ) 1/ 75، و"الحجة" لابن زنجله ص 99، و"الحجة" لأبي علي 2/ 90، "تفسير الطبري" 1/ 317، "اللسان" (نبأ) 4/ 4315، "تفسير القرطبي" 1/ 367. (¬7) انظر: "الكتاب" 3/ 555، وقوله (البريه) هكذا في جميع النسخ، ولو قال (البريئة) كان أولى. انظر "الحجة" 2/ 91.

لأن الغالب في استعمالهما التخفيف على وجه البدل. ومن زعم أن البرية من البرا (¬1) كان غالطا، لأنه لوكان كذلك لم يجز همزه بحال، وهي مهموزة في لغة أهل الحجاز، فتحقيقهم لها يدل على أنها من برأ الله الخلق. فأما حجة من همز (النبي) أن يقول: هو أصل الكلمة، وليس مثل (عيد) الذي قد ألزم البدل، ألا ترى أن ناسًا من أهل الحجاز قد حققوا الهمز في الكلام، ولم يبدلوه، فإذا كان الهمز أصل الكلمة وأتى به قوم في كلامهم على أصله لم يكن مثل: وَذَرَ ووَدع ونحوهما مما رفض في استعمالهم (¬2) واطرح. وأما ما روي في الحديث من أن بعضهم قال: يا نبيء الله، فقال: لست بنبيء الله، ولكن نبيّ الله، فإن أهل النقل ضعفوا إسناد الحديث (¬3). ومما يقوي (¬4) تضعيفه أن (¬5) من مدح النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله (¬6): ¬

_ (¬1) (البرا): التراب، انظر "الحجة" 2/ 91. (¬2) في "الحجة": (لم يكن كماضي "يدع" ونحوه مما رفض استعماله واطرح) 2/ 91. (¬3) في "الحجة": (فأظن أن من أهل النقل من ضعف إسناد الحديث ..)، 2/ 92. والحديث أخرجه الحاكم في "المستدرك" عن أبي ذر، وقال هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، وتعقبه الذهبي فقال: بل منكر لم يصح. قال النسائي: حمران ليس بثقة، وقال أبو داود: رافضي، روى عن موسى بن عبيدة، وهو واه، ولم يثبت أيضا عنه عن نافع، عن ابن عمر قال: ما همز رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا أبو بكر ولا عمر ولا الخلفاء، وإنما الهمز بدعة ابتدعوها من بعدهم. "المستدرك"، كتاب (التفسير) 2/ 231، وذكره ابن الأنباري في "الزاهر" 2/ 120، وأبو القاسم الزجاجي في "اشتقاق أسماء الله" ص 294، وأعله بالإرسال، وانظر: "البيان" 1/ 88، و"النهاية" 5/ 3. (¬4) في (ج): (ومما يقوى هذا الحديث تضعيفه). (¬5) في (ب): (من أن). (¬6) (بقوله) ساقط من (ب).

يَا خَاتَمَ النُّبَآءَ (¬1) ......... لم يؤثَر فيه إنكار عليه، ولو كان في واحده نكير لكان الجمع كالواحد، وأيضا فلم نعلم (¬2) أنه عليه السلام أنكر على الناس أن يتكلموا بلغاتهم. وأما من أبدل ولم يحقق فإنه يقول: مجيء الجمع في التنزيل على أنبياء يدل على أن الواحد قد ألزم فيه البدل (¬3)، وإذا لزم البدل ضعف التحقيق (¬4). وقال الكسائي: النبي بغير همز، معناه في اللغة: الطريق، والأنبياء طرق الهدى (¬5). وعلى هذا سمّي الرسول نبيًّا لاهتداء الخلق به. واختار ابن الأنباري هذا القول، وقال (¬6): سمي النبيّ نبيًّا لبيان أمره ووضح خبره، أخذ من النبي وهو عندهم الطريق (¬7). ¬

_ (¬1) البيت للعباس بن مرداس وقد مرَّ قريبًا. (¬2) في (ب): (يعلم). (¬3) (البدل) ساقط من (ب). (¬4) انتهى ما نقله عن "الحجة" لأبي علي الفارسي 2/ 88 - 92، وانظر: "الإغفال" ص 204، 210، و"اشتقاق أسماء الله" للزجاجي ص 294، 295، "المخصص" 12/ 321 - 323. (¬5) "تهذيب اللغة" (نبا) 4/ 1489، وانظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 78 ب، و"تفسير الطبري" 1/ 317، "البحر المحيط" 1/ 220. (¬6) "الزاهر" 2/ 119، وظاهر كلامه أنه يرجع غيره حيث قال: النبي معناه في كلام العرب الرفيع الشأن .. ثم قال: ويجوز أن يكون النبي سمي نبيا لبيان أمره .... إلخ). (¬7) رد أبو القاسم الزجاجي على ابن الأنباري قوله: إن النبي من أسماء الطريق، كما نقل ذلك ياقوت في (معجم البلدان)، قال ياقوت: (وقال أبو بكر بن الأنباري في "الزاهر" في قول القطامي: لَمَّا وَرَدن نَبِيَّا ... البيت =

62

وأنشد للقُطامي (¬1): لَمَّا وَرَدْنَ نَبِيًّا وَاسْتَتَبَّ بِنَا ... مُسْحَنْفِرٌ كَخُطُوطِ السَّيْح مُنْسحِلُ (¬2) 62 - قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا} الآية (¬3) قال ¬

_ = إن النبي في هذا البيت هو الطريق، وقد رد عليه ذلك أبو القاسم الزجاجي فقال: (كيف يكون ذلك من أسماء الطريق وهو يقول: لما وردن نبيًا، وقد كانت قبل وروده على طريق، فكأنه قال: لما وردن طريقا، وهذا لا معنى له إلا أن يكون أراد طريقًا بعينه في مكان مخصوص، فيرجع إلى أنه اسم مكان بعينه ..) "معجم البلدان" 5/ 259. (¬1) القطامي: هو عمير بن شييم التغلبي، كان نصرانيًّا فأسلم، فأسلم، وعده الجمحي في الطبقة الثانية من شعراء الإسلام، انظر: "طبقات الشعراء" للجمحي ص 179، "الشعر والشعراء" 483، "الخزانة" 2/ 370. (¬2) قوله: (استتب): استقام وتبين واطرد، و (نبي): مكان معين في ديار تغلب، (مُسْحَنْفِر): صفة لطريق واسع ممتد (السيح): ضرب من البرود أو العباء مخطط. (مُنْسَحل): مكشوط، وصف الطريق بذلك وأنه لكثرة المرور به صار واضحا. ورد البيت في "الزاهر" 2/ 119، "تفسير الطبري" 2/ 141، "تفسير ابن عطية" 1/ 241، و"معجم البلدان" 5/ 259، "اللسان" (نبا) 7/ 4333، "البحر المحيط" 1/ 220، "الدر المصون" 1/ 402. (¬3) في هامش نسخة (أ) تعليق صدره الكاتب برمز (ش ك) أي شرح من الكاتب، والكلام بنصه منقول عن "الكشاف" 1/ 285، وأثبته هنا للفائدة: (ش ك {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا}: بألسنتهم من غير مواطأة القلوب، وهم المنافقون، {وَالَّذِينَ هَادُوا}: والذين تهودوا، يقال: هاد يهود، وتهود إذا دخل في اليهودية وهو هائد، والجمع هود، {وَالنَّصَارَى}: وهم جمع نصران، يقال: رجل نصران وامرأة نصرانة، قال: كَمَا سَجَدَتْ نَصْرَانَةٌ لَمْ تَحَنَّفِ. و (الياء) في نصراني للمبالغة كالتي في أحمري، سموا بذلك لأنهم نصروا المسيح - عليه السلام -. {وَالصَّابِئِينَ}: وهو من صبأ، إذا خرج من الدين، وهم قوم عدلوا عن دين اليهودية والنصرانية وعبدوا الملائكة {مَنْ آمَنَ}: من هؤلاء الكفرة إيمانا خالصا ودخل في ملة الإسلام دخولا أصيلا {فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ}: الذي يستوجبونه بإيمانهم وعملهم.

الليث: الهَوْد: التوبة، وقوله عز وجل: {إِنَّا هُدْنَا} [الأعراف:156] أي: تُبْنا (¬1). وقال غيره: هاد في اللغة معناه: مال. يقال: هَادَ يَهُود هِيَادَةً وَهَوْدًا (¬2). قال امرؤ القيس. قدْ عَلِمتْ سلْمَى وَجَارَاتُهَا ... أَنِّي مِنَ النَّاسِ لَهَا هَائِدُ (¬3) أي: إليها مائل. وقال المبرد في قوله: {إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ} أي ملنا إليك، ويقال لمن تاب: هاد، لأن من تاب عن شيء مال عنه. فأما اليهود، فقال الليث: سُمّوا يهودًا شتقاقًا من هادوا، أي تابو امن (¬4) عبادة العجل (¬5). فعلى هذا القول لزمهم الاسم في ذلك الوقت. وقال غيره: سموا بذلك لأنهم مالوا عن دين الإسلام وعن دين موسى (¬6). وعلى هذا إنما سموا يهودا بعد أنبيائهم. ¬

_ (¬1) "تهذيب اللغة" (هاد) 4/ 3689. (¬2) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 78 ب، وليس فيه (هيادة) ونحوه عند الماوردي وفيه (هيادا) "تفسير الماوردى" 1/ 373، 1/ 349، وانظر. "تفسير أبي الليث" 1/ 373، و"تفسير البغوي" 1/ 79. (¬3) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 78 ب، ولم أجده في ديوانه. (¬4) في (ب): (عن). (¬5) انظر: "تهذيب اللغة" (هاد) 4/ 3689، وذكر هذا المعنى أبو عبيدة في "المجاز" 1/ 42، والطبري في "تفسيره" 1/ 317، و"معاني الزجاج" 1/ 118، "تفسير الثعلبي" 1/ 78 ب. (¬6) ذكر هذا المعنى الثعلبي في "تفسيره" 1/ 78 ب، والبغوي في "تفسيره" 1/ 89، ونحوه عند أبي الليث 1/ 373.

وقال ابن الأعرابي: يقال: هاد إذا رجع من خير إلى شر أو (¬1) من شر إلى خير (¬2). سمي اليهود بذلك لتخليطهم، وكثرة انتقالهم من مذاهبهم. وحكي عن أبي (¬3) عمرو بن العلاء أنه قال: سميت اليهود لأنهم يتهودون أي: يتحركون عند قراءة التوراة (¬4) ويقولون: إن السماوات والأرض تحركت حين أتى الله موسى التوارة. وعلى هذا، التهود (¬5) تفعل من الهيد بمعنى الحركة، يقال: هِدْتُه هيدًا، كأنك تحركه ثم تصلحه (¬6)، ومنه الحديث: أنه قيل للنبي - صلى الله عليه وسلم - في المسجد: يا رسول الله: هِدْه، فقال: " عرش كعرش موسى" (¬7)، أي: حركه بالهدم (¬8). ¬

_ (¬1) في (ب): (ومن) بالواو. (¬2) ذكره الأزهري عن ثعلب عن ابن الأعرابي، "تهذيب اللغة" (هاد) 4/ 3690، وانظر: "اللسان" (هود) 8/ 4718. (¬3) في (ج): (ابن). (¬4) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 79 أ، والبغوي في "تفسيره" 1/ 79. (¬5) في (ب): (اليهود). (¬6) ذكره الأزهري عن الليث، "تهذيب اللغة" (هاد) 4/ 3689، انظر "الصحاح" (هيد) 2/ 558، "مقاييس اللغة" (هيد) 6/ 23، "اللسان" (هيد) 8/ 4734. (¬7) بهذا النص ذكره أبو عبيد في "غريب الحديث" 3/ 171، 4/ 452، وكذا الأزهري في "تهذيب اللغة" (هاد) 4/ 3691. وقد أخرج البيهقي بسنده عن سالم بن عطية، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "عرش الناس كعرش موسى". يعني أنه يكره الطاق حوالي المسجد. "السنن الكبرى" كتاب (الصلاة) باب (كيفية بناء المسجد) 2/ 439، وقد أورده صاحب "كنز العمال" عن البيهقي. وقال: مرسل. "كنز العمال" 3/ 393، وأورده السيوطي في "الجامع الصغير" بلفظ: "ليس بي رغبة عن أخي موسى، عريش كعريش موسى" ورمز له بالتضعيف. "فيض القدير شرح الجامع الصغير" 5/ 365. وهو في "الفائق" 4/ 122، "اللسان" (هيد) 8/ 4834. (¬8) قال أبو عبيد: (كان سفيان بن عيينة فيما بلغني عنه يقول: معنى هده: أصلحه، =

وقيل: اليهود (¬1) معرب من يهوذا بن يعقوب، عُرِّب يهوذا إلى يهود (¬2) ثم نسب الواحد إليه فقيل: يهودي، ثم حذف الياء في الجمع فقيل يهود، وكل جمع منسوب إلى جنس فهو بإسقاط ياء النسبة، كقولهم: زنجي وزنج ورومي وروم (¬3). هذا هو الكلام في أصل هذا الحرف. ثم يقال: هاد إذا دخل في اليهودية كقوله: {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا} (¬4) [الأنعام: 146]، أي: دخلوا في دين اليهودية (¬5)، والذي في هذه الآية بهذا المعنى، ويقال أيضا (تهوّد) إذا تشبه بهم ودخل في دينهم، كما يقال: تقيّس وتمضّر وتنزّر، وَ (هَوَّد) إذا (¬6) دعا إلى اليهودية (¬7)، ومنه الحديث: حتى يكون أبواه يهودانه (¬8). ¬

_ = وهذا معنى الحديث الآخر كما قال سفيان، ولكنه إصلاح بعد هدم الأول ..) "غريب الحديث" 4/ 452. (¬1) في (ج): (يهود). (¬2) انظر: "العين" 4/ 76، "تفسير الماوردي" 1/ 349، و"معرفة أسماء نطق بها القرآن" لابن السجستاني وقال: ليس بشيء 1/ 385، "المحكم" 4/ 297، وقال: ليس هذا بقوي. (¬3) انظر: "الصحاح" (هود) 2/ 557. (¬4) (حرمنا) ساقط من (ب). (¬5) انظر: "تهذيب اللغة" (هاد) 4/ 3689. (¬6) في (ب): (ادعا). (¬7) في "المحكم": (هَوَّد الرجل) حوله إلى ملة اليهودية 4/ 297. وفي "تهذيب اللغة": ذكر الحديث. "فأبواه يهودانه .. " وقال: معناه: أنهما يعلمانه دين اليهودية ويدخلانه فيه، (هاد) 4/ 3689. (¬8) الحديث في الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة ولفظه: (.. فأبواه يهودانه .. الحديث)، أخرجه البخاري (1358)، (1359) كتاب (الجنائز) باب (إذا أسلم =

قوله تعالى: {النَّصَارَى} اختلفوا في تسميتهم بهذا الاسم، فقال الزهري (¬1): سموا نصارى، لأن الحواريين (¬2) قالوا: {نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ} [آل عمران: 52, والصف: 14] (¬3) حين قال لهم عيسى: {مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ}، واختار ابن الأنباري هذا القول، وقال: إنهم كانوا نُصَّار عيسى (¬4). فعلى هذا، هذا الاسم مشتق من النصر والنصرة، وواحدهم: نَصَرْان كقولهم: ندمان وندامى، ونصران وناصر بمعنى، كما يقال: صديان وصادٍ للعطشان (¬5)، قال الشاعر يصف الحرباء: ¬

_ = الصبي فمات هل يصلي عليه، وهل يعرض على الصبي الإسلام؟) الفتح (1385)، وباب (ما قيل في أولاد المشركين)، (4775) كتاب (التفسير) تفسير سورة (الروم)، باب {لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} لدين الله (6599) وفي كتاب (القدر) باب (الله أعلم بما كانوا عاملين)، ومسلم (2658) كتاب (القدر) كل مولود يولد على الفطرة، "مسلم بشرح النووي" وأبو داود (24141) في كتاب: السنة، باب (في ذراري المشركين) ح (2138) والترمذي كتاب (أبواب القدر) باب (ما جاء كل مولود يولد على الفطرة) وأحمد في مواضع من "المسند" منها 2/ 233. (¬1) هو أبو بكر محمد بن مسلم الزهري، أحد أعلام التابعين، فقيه محدث، رأى عشرة من الصحابة، وروى عنه جمع من الأئمة، توفي سنة أربع وعشرين ومائة. انظر ترجمته في "حلية الأولياء" 3/ 360، "وفيات الأعيان" 4/ 177، "تهذيب التهذيب" 3/ 696. (¬2) في (ب): (الحواريون). (¬3) قول الزهري ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 79 أ، وانظر. "تفسير الطبري" 1/ 318، و"تفسير أبي الليث"1/ 373، "تفسير الماوردي" 1/ 351، انظر. "تفسير ابن عطية" 1/ 327، "الكشاف" 1/ 285. (¬4) "الزاهر" 2/ 225. (¬5) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 317، "الزاهر" 2/ 225، "تفسير الثعلبي" 1/ 79 أ، "تفسير الماوردي" 1/ 350، انظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 327، "الكشاف" 1/ 285.

تَرَاهُ إِذَا دَارَ الْعَشِيُّ مُحَنِّفًا ... وُيُضْحِي لَدَيْهِ وَهْو نَصْرَانُ شَامِسُ (¬1) وقال آخر (¬2): كَمَا سَجَدَتْ نَصْرَانَةٌ لَمْ تَحَنَّفِ (¬3) ثم زيدت ياء النسبة فقيل: نصراني. وقد جاء في كلام العرب النصارى، وأرادوا به الأنصار، لا هؤلاء الذين يعرفون بهذا الاسم (¬4)، أنشد الفراء: ¬

_ (¬1) لم أعثر على قائله، ويروى: (زار) بدل (دار) وفي "الزاهر" (تراه ويضحي وهو ...). قوله: (مُحنَّفا). تحنف: صار إلى الحنيفية، والمراد أنه مستقبل القبلة، (شامس) مستقبل الشمس كما يستقبلها نصراني، فحذف الياء. ورد البيت في الطبري في "تفسيره" 1/ 318، "الزاهر" 2/ 225، "الأضداد" لابن الأنباري ص 181، "تفسير الثعلبي" 1/ 79 أ، "تفسير الماوردي" 1/ 350، انظر "تفسير ابن عطية" 1/ 327، "تفسير القرطبي" 1/ 369، "البحر المحيط" 1/ 238، "الدر المصون" 1/ 406، "فتح القدير" 1/ 148. (¬2) هو أبو الأخزر الحماني. (¬3) عجز بيت وصدره: فَكِلْتَاهُمَا خَرَّتْ وَأَسْجَدَ رَأَسُهَا يصف ناقتين أصابهما الإعياء، وانحنتا فطأطأتا رأسيهما، فشبه إسجادهما بسجود النصرانية فحذف الياء. البيت من شواهد سيبويه 3/ 256، 411، وانظر: شرح شواهده للنحاس ص 178، و"تفسير الطبري" 1/ 318، "الزاهر" 1/ 141، 2/ 225، "الإنصاف" ص 357، "المخصص" 17/ 44، "تهذيب اللغة" (نصر) 4/ 3584، "اللسان" (نصر) 5/ 211، "تفسير ابن عطية" 1/ 245، "تفسير القرطبي" 1/ 433، "البحر المحيط" 1/ 238، "الدر المصون" 1/ 406، "فتح القدير" 1/ 148. (¬4) انظر: "الزاهر" 2/ 225، و"تفسير الطبري" 1/ 318.

لَمَّا رَأَيْتُ نَبَطًا أَنْصارَا ... شَمَّرْتُ عَنْ رُكْبَتِيَ الإِزَارَا كُنْتُ لَهَا (¬1) مِنَ النَّصارَى جَارَا (¬2) فجمع بين الأنصار والنصارى على التوفيق بين معنييهم. وقال الزجاج: ويجوز أن يكون واحد النصارى نَصْرِيٌّ، مثل بَعِيرٌ مَهْرِي وإبل مَهَارى (¬3). وهذا قول مقاتل (¬4)، وزعم أنهم سموا نصارى لاعتزائهم إلى قرية يقال لها نصرة (¬5). وقوله تعالى: {وَالصَّابِئِينَ} قال أبو زيد: صبأ الرجل فى دينه يَصْبَأ صُبُوءًا. [إذا كان صابئا (¬6). وهو الخارج من دين إلى دين، ومنه صبا النجم وأصبأ] (¬7) إذا ظهر كأنه خرج من بين التي لم تطلع (¬8)، قال الشاعر، أنشده ابن السكيت: ¬

_ (¬1) يروى (لهم). (¬2) سبق تخريج الأبيات ص 324. (¬3) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 119، وانظر: "الزاهر" 2/ 225، و"تفسير الماوردي" 1/ 350، "تفسير الثعلبي" 1/ 79 أ، انظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 245. (¬4) الثعلبي في "تفسيره" 1/ 79 أ. (¬5) في الطبري وغيره (ناصرة)، وأخرجه عن ابن عباس وقتادة، 1/ 318، وانظر "الزاهر" 2/ 225، "تفسير أبي الليث" 1/ 373، "تفسير الماوردي" 1/ 351. قال ياقوت: (النَّاصِرة) فاعلة من النصر قرية بينها وبين طبرية ثلاثة عشر ميلًا، فيها كان مولد المسيح عليه السلام ومنها اشتق اسم النصارى معجم البلدان 5/ 251. (¬6) ذكر الأزهري في "تهذيب اللغة" (صبا) 2/ 1966، وأبو علي في "الحجة" 2/ 94. (¬7) ما بين المعقوفين ساقط من (ب). (¬8) "إصلاح المنطق" ص 157، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 119، "تهذيب اللغة" (صبا) 2/ 1966، و"الحجة" 2/ 94.

وَأَصْبَأَ النَّجْمُ فِي غَبْراَء كَاسِفَةٍ ... كَأَنَّهُ بَائِسٌ (¬1) مُجْتَابُ أَخْلاَقِ (¬2) وَصبَأَ نابه إذا خرج، يَصْبَأُ صُبُوءًا (¬3). وقال (¬4) أبو زيد (¬5): صَبَأَتْ عليهم تَصْبَأُ صَبْأً وصُبُوءًا، إذا طلعت عليهم (¬6). [وكأن] (¬7) معنى الصابئ التارك دينه الذي شرع له إلى دين غيره، كما أن الصابئ على القوم تارك لأرضه منتقل إلى سواها، والدين الذي فارقوه هو (¬8) تركهم التوحيد إلى عبادة النجوم وتعظيمها (¬9). وقال أبو إسحاق في قوله: {وَالصَّابِئِينَ} معناه: الخارجين من دين إلى (¬10) دين، يقال: صَبَأَ فلان يَصْبَأُ، إذا خرج من دينه (¬11). قال الليث: وكان يقال للرجل إذا أسلم في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد صبأ، عنوا: أنه خرج من دين إلى دين (¬12). ¬

_ (¬1) في (ب)، (ج): (ياسر) وكذا في (أ) وصحح في الهامش. (¬2) ورد البيت في "إصلاح المنطق" ص 157، "المخصص" 9/ 34، "اللسان" (صبأ) 4/ 2385. وقوله (غبراء) الغبراء: الأرض و (مجتاب أخلاق) لابس ثياب خلقة بالية. (¬3) "معاني القرآن" للزجاج1/ 119، "تهذيب اللغة" (صبا) 2/ 1966. (¬4) (الواو) ساقط من (ج). (¬5) في (ب): (ابن). (¬6) "الحجة" 2/ 94. (¬7) في جميع النسخ (وكان) والتصحيح من "الحجة" 2/ 94. (¬8) في (ب): (وهو). (¬9) "الحجة" 2/ 94. (¬10) (إلى دين) ساقط من (ب). (¬11) "معاني القرآن" للزجاج1/ 119، "تهذيب اللغة" (صبا) 2/ 1966، والنص منه. (¬12) "تهذيب اللغة" (صبا) 2/ 2966.

وفي قوله: {وَالصَّابِئِينَ} قراءتان (¬1): التحقيق والتخفيف (¬2)، فمن حقق فهو الأصل (¬3). ومن خفف ولم يهمز لم يخل من أحد أمرين: إما أن يجعله من صبا يصبو إذا مال، ومنه قول الشاعر: صَبَوْتَ أَبَا ذِئْبٍ (¬4) وَأَنْتَ كَبِيرُ (¬5) وقال آخر: إِلىَ هِنْدٍ صبَا قَلْبِي ... وَهِنْدٌ مِثْلُهَا يُصْبِي (¬6) أو (¬7) يجعله على ترك الهمزة من صبأ (¬8). قال أبو علي: فلا يسهل أن يأخذه (¬9) من صبا إلى كذا، لأنه يصبو الإنسان إلى الدين، ولا يكون منه تدين مع صبوه إليه، فإذا بعد هذا، وكان ¬

_ (¬1) (قراءتان) ساقط من (ج). (¬2) قرأ نافع بغير همز، وبقية السبعة بالهمز. انظر "السبعة" ص 158، و"الحجة" لأبي علي2/ 94، و"التيسير" ص 74. (¬3) انظر: "الحجة" لأبي علي 2/ 95، وعلى هذا تكون لام الكلمة همزة من (صبأ) إذا خرج عن دينه. انظر: "الحجة" لابن زنجلة ص 100، ولابن خالويه ص 81، "تفسير الثعلبي" 1/ 79 أ. (¬4) في (ب): (تأديب). (¬5) عجز بيت لأبي ذؤيب الهذلي، وصدره: دِيَارُ التِي قَالَتْ غَدَاةَ لَقِيتُهَا ورد في "شرح أشعار الهذليين" للسكري 1/ 65، و"الحجة" لأبي علي 2/ 69. (¬6) ورد في "العقد الفريد" 5/ 484، "اللسان" (صبا) 4/ 2385، ونسبه لزيد بن ضبة. (¬7) في (ب): (إذا). (¬8) أي: أن أصله الهمز فترك الهمز، "الحجة" لأبي علي 2/ 95، 96، و"الحجة" لابن زنجلة ص 100، "الحجة" لابن خالويه ص 81. (¬9) قال أبو علي: (.. أو تجعله على قلب الهمزة، فلا يسهل أن تأخذه من صبا إلى كذا ..) 2/ 96.

الصابئون منتقلين من دينهم الذي أخذ عليهم إلى سواه ومتدينين به، لم يستقم أن يكون إلا من صبأ الذي معناه: انتقال من دينهم الذي شرع لهم [إلى آخر لم يشرع لهم] (¬1) فيكون الصابون (¬2) إذًا على ترك الهمز، وترك الهمز على هذا الحد (¬3) لا يجيزه سيبويه إلا في الشعر، ويجيزه غيره، فهو على قول من أجاز ذلك، وأبو زيد ممن أجازه، فقال: من (¬4) قرأ الصابون قلب الهمزة التي هي لامٌ ياءً، ونقل الضمة التي كانت تلزم أن تكون على اللام إلى العين فسكنت الياء فحذفها لالتقاء الساكنين، هي والواو التي للجمع، وحذف كسرة عين فاعل فحركها بالضمة المنقولة (¬5) إليها كقولهم: [خِفْتُ] (¬6) و: حُبَّ بِهَا (¬7) ........... ¬

_ (¬1) ما بين المعقوفين ساقط من (ب). (¬2) في (ب): (الصابيون)، وفي (ج): (الصابون). (¬3) في "الحجة": (.. فيكون (الصابون) إذا على قلب الهمزة، وقلب الهمز على هذا الحد لا يجيزه سيبويه ..) 2/ 96. (¬4) نسب الواحدي الكلام لأبي زيد وظاهر كلام أبي علي في "الحجة" غير ذلك، حيث قال في "الحجة": (.. وممن أجازه أبو زيد ....) ثم ذكر كلامًا لأبي زيد، ولسيبويه والخليل ولأبي الحسن، ثم قال: (.. ومن قلب الهمزة التي هي (لاَمٌ، يَاءً)، فقال: (الصابون) نقل الضمة التي كانت تلزم ..) فالكلام لأبي علي، والله أعلم. انظر: "الحجة" 2/ 96، 97. (¬5) في (ب): (المنقول). (¬6) في (أ): (خفت) ثم طمست وكتب فوقها (حسب) وفي (ب): (حفت) وفي (ج): (حسب حفت وحسب ..) وما أثبت هنا موافق للحجة 2/ 97 والكلام عنه بنصه. (¬7) جزء من بيت للأخطل في وصف الخمرة وتمامه: فّقُلْتُ اقْتُلُوهَا عَنْكُم بِمِزَاجِهَا ... وَحُبَّ بِهَا مَقْتُولةَ حين تُقْتَلُ قتل الخمر: مزجها بالماء حتى تذهب حدتها. ورد البيت في "إصلاح المنطق" =

و ........... حُسْن ذَا أَدَبَا (¬1) فنقلوا الحركة من العين إلى الفاء، وحذفوا الحركة التي كانت للفاء في الأصل وحركوها بالحركة المنقولة، هذا في الصابون (¬2). فأما (الصابين) (¬3) فقياس نقل الحركة أن تحذف (¬4) كسرة عين فاعل وتنقل إليها الكسرة التي كانت تكون للام، ألا ترى أن الضمة منقولة إليها بلا إشكال، وإن شئت قلت: لا أنقل حركة اللام التي هي الكسرة كما نقلت حركتها التي هي الضمة؛ لأني لو لم أنقل الحركة التي هي الضمة، وقررت (¬5) الكسرة لم تصح واو الجميع، فليس الكسرة مع الياء كالكسرة مع ¬

_ = ص 35، و"الحجة" لأبي علي2/ 97، 98، و"المشوف المعلم" 2/ 743، "شرح المفصل" 7/ 129، 141، "الخزانة" 9/ 429، 430، "اللسان" (قتل) 6/ 3530. والشاهد (حب بها) يروي بالفتح والضم، فإذا نقلت حركة العين إلى الفاء بعد حرف حركتها صار (حب) بالضم، وإن حذفت حركة العين صار بالفتح. (¬1) جزء من بيت لسهم بن حنظلة الغنوي وتمامه: لَمْ يَمْنَع النَّاسُ مِنِّي مَا أَردْتُ وَمَا ... أُعْطِيهِمُ مَا أَرَادُوا حُسْنَ ذَا أَدَبَا يقول. إنه يمنع الناس مما يريدون منه ويقهرهم، ويأخذ هو ما أراد منهم وجعله أدبًا حسنًا، وقيل: ينكر على نفسه أن يعطيه الناس وهو يمنعهم. ورد البيت في "إصلاح المنطق" ص 35، و"الحجة" 2/ 97، 98، "الخصائص" 3/ 40، و"الأصمعيات" ص 56، و"التكملة" ص 251، و"المشوف المعلم" 2/ 742، "اللسان" (حسن) 2/ 877، "الخزانة" 9/ 431، والشاهد (حُسْن) فإنه منقول من (حَسُن). (¬2) في (ب) (الصابيون). وهي جزء من آية: 96 المائدة، على قراءة نافع. (¬3) كلام أبي علي في "الحجة": (.... وحركها بالحركة المنقولة، كما حرك العين من فاعل بالحركة المنقولة، وقياس نقل الحركة التي هي ضمة إلى العين أن تحذف كسرة عين فاعل ..) 2/ 97. (¬4) في (ج): (يحذف). (¬5) في (ج): (قدرت) وفي (أ) محتملة، وما في (ب) موافق لما في "الحجة" 2/ 97.

الواو، فإذا كان كذلك ألقيت (¬1) الحركة (¬2) التي كانت تستحقها اللام (¬3)، ولم أنقلها (¬4)، كما ألقيت (¬5) حركة المدغم ولم أنقلها في قول من قال: {يَهِدِّي} [يونس: 35] فحرك الهاء بالكسرة لالتقاء الساكنين، ولم ينقلها كما نقلها من قال: {يَهِدِّي}. ومثل ذلك في أنك تنقل الحركة مرة ولا تنقلها أخرى قولك: وَحَبَّ بِهَا مَقْتُولَةً وَحُبَّ بِهَا مَقْتُولَةً (¬6) و: حَسْنَ ذَا أَدَبًا و: حُسْنَ ذَا أَدَبًا (¬7) فأما مذهب الصابئين (¬8) فقد ذكرنا أنهم يعبدون النجوم، وقال قتادة: هم قوم يعبدون الملائكة (¬9). وقال مجاهد: قبيلة نحو الشام بين (¬10) اليهود والمجوس، لا دين لهم (¬11). ¬

_ (¬1) كذا في جميع النسخ، وفي "الحجة" في الموضعين (أبقيت) 2/ 97 وهو الصواب. (¬2) (الحركة) ساقط من (ب). (¬3) في (ج): (للام). (¬4) في (ب): (أدغمها). (¬5) في "الحجة" (أبقيت) وانظر التعليق السابق على (ألقيت). (¬6) جزء من بيت للأخطل، يروي بفتح الحاء وضمها، مرَّ تخريجه قريبًا. (¬7) جزء من بيت لسهم بن حنظلة، مر تخريجه قريبًا. وبهذا انتهى ما نقله عن "الحجة" لأبي علي 2/ 95، 98. (¬8) في (ب) (الصابين). (¬9) أخرجه الطبري ونصه: (الصابئون قوم يعبدون الملائكة ويصلون إلى القبلة ويقرؤون الزبور) 1/ 319، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 97 ب، "تفسير الماوردي" 1/ 352. (¬10) في (ب) (من). (¬11) أخرجه الطبري عن مجاهد من طرق 1/ 319، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 391. وذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 97 أ، "تفسير الماوردي" 1/ 352.

وقال الليث: هم قوم يشبه دينهم دين النصارى إلا أن (¬1) قبلتهم نحو مهب الجنوب، يزعمون أنهم على دين نوح، وهم كاذبون (¬2). قال عبد العزيز بن يحيى: هم قوم درجوا وانقرضوا (¬3). واختلف المفسرون في معنى هذه الآية على طريقين (¬4): أحدهما: أن الذين آمنوا، أي (¬5): بالأنبياء الماضين (¬6) ولم يؤمنوا بك، وقيل: أراد المنافقين الذين آمنوا بألسنتهم ولم يؤمنوا بقلوبهم. من آمن ¬

_ (¬1) في (ب): (أنهم). (¬2) "تهذيب اللغة" (صبا) 2/ 1966. (¬3) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 97 ب، "البحر المحيط" 1/ 239. (¬4) سلك الواحدي طريقة الثعلبي في إيضاح الآية، وخلاصة ما ذكره الثعلبي أن في الآية طريقين: الأول: أن الإيمان في قوله: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا} على طريق المجاز، ثم اختلفوا فيهم فقيل: من آمن بالأنبياء الماضين ولم يؤمن بك، وقيل: المنافقون. الثاني: أن الإيمان على الحقيقة، فقيل: المراد المؤمنون من هذه الأمة، وقيل: الذين آمنوا بالنبي قبل المبعث، وقيل: المؤمنون من الأمم الماضية. وسبب هذا الخلاف هو كيف يتم الجمع بين قوله: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا} ثم قال: {مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ} انظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 97 ب، و"تفسير البغوي" 1/ 97، وأما ابن جرير فقال: (فإن قال: وكيف يؤمن المؤمن؟ قيل: ليس المعنى في المؤمن المعنى الذي ظننته، من انتقال من دين إلى دين كانتقال اليهودي والنصراني إلى الإيمان -وإن كان قد قيل إن الذين عنوا بذلك، من كان من أهل الكتاب على إيمانه بعيسى وبما جاء به، حتى أدرك محمدًا - صلى الله عليه وسلم - فآمن به وصدق فقيل لأولئك ... آمنوا بمحمد وبما جاء به- ولكن معنى إيمان المؤمن في هذا الموضع، ثباته على إيمانه وتركه تبديله. وأما إيمان اليهود والنصارى والصابئين فالتصديق بمحمد - صلى الله عليه وسلم - وبما جاء به ..) "الطبري" 1/ 320، وانظر: "تفسير ابن كثير" 1/ 111. (¬5) (أي) ساقط من (ب). (¬6) في (أ): (الماضيين) وما في (ب)، (ج) موافق لما في الثعلبي.

بالله من جملة الأصناف المذكورة في هذه الآية إيمانا حقيقيا (¬1) ولا يتم إيمانهم بالله إلا بإيمانهم بمحمد - صلى الله عليه وسلم -. فإذا آمنوا بالله ورسوله محمد، فلهم أجرهم عند ربهم، والدليل على أنه أراد مع (¬2) الإيمان بالله الإيمان بمحمد أنه قال: {وَعَمِلَ صَالِحًا} وقد قام الدليل على أن من لا يؤمن بالنبي - صلى الله عليه وسلم - لا يكون عمله صالحًا. وقال ابن جرير: في قوله: {مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ} إضمار واختصار، تقديره (¬3) من آمن منهم بالله (¬4)، لأن قوله: {مَنْ آمَنَ} في موضع خبر إن (¬5) ولا بد من عائد إلى اسم إن، والعائد هاهنا محذوف، كأنه قيل: من آمن منهم بالله (¬6)، وهذا مصرح به في سورة المائدة (¬7). وهذا معنى قول ابن ¬

_ (¬1) في (ب): (وحقيقًا). وقوله: (حقيقيًّا) يفيد أن الإيمان المذكور في أول الآية مجازي كما مر في كلام الثعلبي. (¬2) (مع) ساقط من (ب). (¬3) في (ب): (وتقديره). (¬4) "تفسير الطبري" 1/ 320، ذكر كلامه بمعناه، وانظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 80 أ. (¬5) (أن) ساقط من (ب). وفي نسخة (أ) تعليق من الكاتب صدره بقوله: ش. ك، ونصه: (محل (من آمن) الرفع إن جعلته مبتدأ، خبره (فلهم أجرهم). والنصب إن جعلته بدلا من اسم (إن) والمعطوف عليه، فخبر (إن) في الوجه الأول الجملة كما هي، وفي الثاني: (فلهم) و (الفاء) لتضمن (من) معنى الشرط) وهو منقول من "الكشاف" بنصه 1/ 286. (¬6) هذا على إعراب (من) في محل رفع مبتدأ، وقيل: في محل نصب بدل من اللذين، ويكون الخبر: (فلهم) والأول أحسن. انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 182، و"المشكل" لمكي 1/ 51، و"البيان" 1/ 88، "تفسير القرطبي" 1/ 370، وذكر أبو حيان: أن هذين الوجهين لا يصحان إلا على تغاير الإيمانين، الإيمان الذي هو صلة (الذين)، والإيمان الذي هو صلة (من). "البحر" 1/ 241. (¬7) في سورة المائدة: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ =

عباس في رواية الكلبي (¬1). الطريقة الثانية: أن المراد بقوله: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا} أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ومؤمنو هذه الأمة، {وَالَّذِينَ هَادُوا}، أي: الذين آمنوا بموسى والتوراة ولم (¬2) يبدلوا ولم يغيروا، {وَالنَّصَارَى} يعني نصار (¬3) عيسى على غير تبديل ولا تحريف لما في الإنجيل، {وَالصَّابِئِينَ} يعني الخارجين من الكفر إلى الإسلام، {مَنْ آمَنَ} أي من مات منهم على دين الإسلام، لأن حقيقة الإيمان تكون (¬4) بالعاقبة (¬5)، {وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ}. وهذا معنى قول ابن عباس في رواية عطاء (¬6). ¬

_ = وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [المائدة: 69]. ولم يرد فيها ذكر العائد، ولعل الذي أوقعه في هذا الوهم قول الثعلبي (.. وفيه اختصار واضمار تقديره: من آمن منهم بالله واليوم الآخر نظيره في سورة المائدة ..). "تفسير الثعلبي" 1/ 80 أ. (¬1) ورد هذا في التفسير المنسوب لابن عباس من رواية الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، والمسمى "تنوير المقباس" 1/ 28، "على هامش الدر". (¬2) (ولم يبدلوا) ساقط من (ب). (¬3) في (ب): (نصارى). (¬4) في (أ)، (ج) (يكون) وأثبت ما في (ب) لمناسبته للسياق. (¬5) "تفسير الثعلبي" 1/ 79 ب. وفيه (لأن حقيقة الإيمان بالموافاة) وانظر: "تفسير البغوي" 1/ 79. (¬6) لم أجده عن ابن عباس من طريق عطاء، وهذا المعنى ذكره الطبري عن مجاهد والسدي، وأخرج عن ابن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ} إلى قوله: {وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}. فأنزل الله تعالى بعد هذا: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران: 85]. قال الطبري: وهذا الخبر يدل على أن ابن عباس كان يرى أن الله جل ثناؤه كان قد وعد من عمل صالحا من اليهود والنصارى والصابئين على عمله، في =

قالوا: ويجوز أن يقدر فيه "واو" أي: ومن آمن بعدك يا محمد إلى يوم القيامة (¬1). ووحد الفعل في قوله: آمن (¬2) ثم جمع الكناية في قوله: {فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ} لأن من تصلح للواحد والجميع (¬3) والمذكر والمؤنث، فالفعل يعود إلى لفظ (مَنْ) وهو واحد مذكر، والكناية تعود إلى معنى (من) ومثله في القرآن كثير (¬4). قال الله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ} [الأنعام: 25,ومحمد:16] , وفي موضع آخر: {يَستَمِعُونَ} [يونس: 42]، وقال: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ} [النساء: 13]، ثم قال: {خَالِدِينَ} فجمع، وقال: {وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ} [الأنبياء: 82]، وأنشد الكسائي: أَلِمَّا بِسَلْمَى أَنْتُمَا إنْ عَرضْتُما ... وَقُولَا لَها عُوجِي عَلَى مَنْ تَخَلَّفُوا (¬5) فجعل (مَنْ) بمنزلة (الذين). وقال الفرزدق: ¬

_ = الآخرة الجنة، ثم نسخ ذلك ..) الطبري 1/ 323، وانظر: "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 379. (¬1) الثعلبي في "تفسيره" 1/ 79 ب، وانظر: "تفسير البغوي" 1/ 79. (¬2) (أمن) مكرر في (ب). (¬3) في (ب): (والجمع). (¬4) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 321، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 118، "تفسير الثعلبي" 1/ 80 أ، "تفسير الماوردي" 1/ 352، "تفسير ابن عطية" 1/ 329. (¬5) البيت لامرئ القيس، وقيل: لرجل من كندة، وقوله: (ألما): أي زوراها (إن عرضتما): بلغتما إليها (عوجي): أعطفي وقفي، والرواية للبيت (عنكما) بدل (أنتما) ورد في "تفسير الطبري" 1/ 321، "تفسير الماوردي" 1/ 353، "تفسير القرطبي" 1/ 371، "الدر المصون" 1/ 408، "ديوان امرئ القيس" ص 324)، وفي "أضداد" ابن الأنباري ورواية شطره: ألما بسلمى لمَّة إذ وقفتما ص 330.

تَعَالَ فِإنْ عَاهَدْتَنِي لا تَخُونُنِي ... نكُنْ مِثْلَ مَنْ يَا ذِئْبُ يَصْطَحِبانِ (¬1) وإنما جاز ذلك في (من)؛ لأنه مبهم جامد لا يتصرف ولا يتبين فيه الإعراب ولا العدد، وكذلك (ما) إلا أن (من) لبني آدم والموصوفين بالعقل، و (ما) لغيرهم. وعلى هذا (¬2) يحكى أن جريرًا أنشد قوله: يَا حَبَّذَا جَبَلُ الرَّيانِ مِنْ جِبَلٍ ... وَحَبَّذَا ساكِنُ الرَّيانِ مَنْ كَانَا (¬3) فقيل له: وإن كان ساكنه (¬4) قرودًا؟ فقال: إنما يلزمني هذا لو قلت: ما كانا، وربما عاقب (ما) مَنْ على السعة كقوله: {وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا} [الشمس: 5]، على تأويل: ومن بناها (¬5) وإنما ترخصوا في ذلك لأنهم قد يبدلون النون الخفيفة ألفا، كما قالوا: رأيت رجلًا، في الوقف، فالألف فيه بدل من التنوين، ومثله قوله: {لَنَسْفَعًا} [العلق: 15]، قول الشاعر: ¬

_ (¬1) البيت من الشواهد النحوية المشهورة، ورد في "الكتاب" 2/ 416، "المقتضب" 2/ 494، 3/ 253، و"الأصول" في النحو 2/ 297، و"شرح أبيات سيبويه" للسيرافي 2/ 84، "مغني اللبيب" 2/ 404، "الكامل" 1/ 368، و"طبقات فحول الشعار" 1/ 366، "الأضداد" لابن الأنباري ص 330)، "المخصص" 17/ 55، والطبري 1/ 371، "تفسير الثعلبي" 1/ 80 أ، "تفسير ابن عطية" 1/ 329، "تفسير القرطبي" 1/ 371، والهمع 1/ 300، و"ديوان الفرزدق" 2/ 329، وفي بعض المصادر (تعش) بدل (تعال). والشاهد: أنه ثنى (يصطحبان) لمعنى (من). (¬2) (على هذا) ساقط من (ب). (¬3) قوله: (الريان): اسم جبل أسود عظيم في بلاد طيئ، انظر: "معجم ما استعجم" 2/ 690، "معجم البلدان" 2/ 111، وقد ورد البيت أيضًا في "جمل الزجاجي" ص 110، و"شرح الجمل" لابن عصفور 1/ 611، و"اللسان" (حبب) 1/ 744، و"شرح المفصل" 7/ 140، و"الهمع" 5/ 45، و"ديوان جرير" ص 490. (¬4) (ساكنه) ساقط من (ب). (¬5) انظر: "تفسير الطبري" 30/ 209. (ط/ الحلبي).

.. والله فاعبدا (¬1) وقد جاء في (من) بعض التصريف في بعض اللغات، كقوله: أَتَوْا نَارِي فَقُلْتُ مَنُونَ أَنْتُم ... فَقَالُوا (¬2) الجِنُّ قُلْتُ عِمُوا ظلاما (¬3) وقد يلزمها الإعراب في مثل قولهم: رأيت فلانًا، فتقول على ¬

_ (¬1) في (ب): (فاعبدوا). جزء من بيت للأعشى من قصيدة قالها لما قدم مكة يريد الإسلام، ثم صدته قريش عن ذلك، وقد روى سيبويه البيت: فَإيَّاكَ والمَيْتَاتِ لا تَقْرَبَنَّهَا ... وَلا تَعْبُدِ الشيطانَ واللهَ فاعْبُدَا وتبعه على ذلك جمهور النحاة، وقال بعض المحققين: إنه بهذه الرواية ملفق من بيتين كما في "ديوان الأعشى": فَإيَّاكَ والمَيْتَاتِ لا تأكُلَنَّهَا ... ولا تَأخُذَنْ سَهْمًا حَدِيدًا لِتَفْصدَا وذَا النُّصبَ المَنْصُوبَ لا تَنْسُكَنَّهُ ... ولا تَعْبُدِ الأوْثَانَ واللهَ فاعْبُدَا انظر: "ديوان الأعشى" ص 137، و"الكتاب" 3/ 510، و"شرح أبيات سيبويه" للسيرافي 2/ 244، "المخصص" 13/ 104، "تهذيب اللغة" (نصب) 4/ 3581، "اللسان" (سبح) 4/ 1916، و (نون) 8/ 4587، و"الأزهرية" ص 275، و"شرح الكافية" لابن مالك 3/ 1400، و"مغني اللبيب" 2/ 372، و"الهمع" 4/ 397، "المقتضب" 528، "الإنصاف" 2/ 157، "شرح المفصل" 9/ 39، 88، 10/ 20. (¬2) في (أ)، (ج): (قالوا). (¬3) البيت لشمير بن الحارث، وروي البيت في قصيدة حائية (عما صباحًا) منسوبًا لجذع بن سنان. يخاطب الجن، وقوله: (عموا ظلامًا) خاطب به الجن، كما كانوا يقولون لبني آدم: عموا صباحًا. ورد في "الكتاب" 2/ 411، و"شرح أبياته لابن السيرافي" 2/ 183، "المقتضب" 2/ 360، "نوادر أبي زيد" ص 380، "الخصائص" 1/ 129، "الصحاح" (منن) 6/ 2208، و"الهمع" 5/ 346، 6/ 221، و"شرح ابن عقيل" 3/ 88، و"الجمل" للزجاجي ص 336)، و"الخزانة"6/ 167، 7/ 105، "شرح المفصل" 4/ 16، "اللسان" (حسد) 2/ 868، وفي عدة مواضع. والشاهد فيه (منون أنتم) حيث جمع (من) مع الوصل وهذا من الضرورة. قال سيبويه: وهذا بعيد، وإنما يجوز هذا على قول شاعر قاله مرة في شعر ثم لم يسمع بعد 2/ 410.

الحكاية: منا بالنصب (¬1)، ومثله: منو ومني إذا قال: جاءني فلان ومررت بفلان، وقد يؤنثون فيقولون: منة فلما جاز هذا التصرف في (من) جاز إبدال نونها بالألف. وقوله تعالى: {وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} يقال: كيف قال هذا مع (¬2) ما يمر بهم من أهوال القيامة؟ قيل: لأنه لا يعتد بذلك، من أجل أنه عارض ثم يصيرون (¬3) إلى النعيم الدائم، لقوله: {لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ} [الأنبياء: 103]، وهو كما تقول (¬4) للمريض: لا بأس عليك. وقيل: إن أهوال القيامة إنما تنال (¬5) الضالين دون المؤمنين، والأول هو الوجه لعموم قوله: {يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ} الآية [الحج: 2]. ¬

_ (¬1) هذه الحروف التي تلحق (من) ليست للإعراب إنما هي من باب الحكاية إذا كانت مستفهمًا بـ (من) عن نكرة، فذا قال. رأيت رجلا، فالجواب أن تقول: منا؟ , وإذا قال جاءني رجل، تقول: منو؟، أو مني إذا قال مررت برجل، وليست الواو والياء والألف التي لحقت (من) إعرابًا، إنما يلحقن في الوقف فقط، فهن دليل ولسن بإعراب، ومثله في التثنية والجمع فإذا قال: جاءتني امرأتان. تقول: منتان؟ وإذا قال جاءني رجال. قلت. منون؟. فإذا وصلت: قلت: من يا فتى في كل ما سبق لأن هذا هو الأصل. وجعل سيبويه والمبرد وغيرهما من النحاة البيت الذى استشهد به الواحدي من ضرورة الشعر، ولا يقاس عليه، خلافا ليونس. انظر: "الكتاب" 2/ 409، "المقتضب" 2/ 306، "الصحاح" (منن) 6/ 2208, و"أوضح المسالك" ص 255. (¬2) في (ج): (معما يجبر بهم). (¬3) في (ب): (يسير). (¬4) في (ب): (يقول). (¬5) في (ب): (ينال).

63

وكذلك ما ورد من الأخبار في هذا (¬1). 63 - قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ} الآية الأخذ يستعمل في معان كثيرة، ويتصرف على ضروب (¬2)، منها: أن يدل على العقاب كقوله: {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى} [هود: 102]، وقوله: {فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ} [الأنعام: 42]، {وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ} [هود: 67]، {وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ} (¬3) [الأعراف: 165]، {فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ} [القمر: 42]. ومنها: أن يستعمل للمقاربة، تقول العرب: أخذ يقول كذا، كما قالوا: جعل يقول، وطفق يقول. ومنها: أن يتلقى بما يتلقى به القسم، كقوله: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} [آل عمران: 187]، ألا ترى أنه قال: {لَتُبَيِّنُنَّهُ} فأخذ (¬4) ¬

_ (¬1) قال ابن جرير: (لا خوف عليهم فيما قدموا عليه من أهوال القيامة).2/ 150. وقال القرطبي عند تفسير قوله تعالى: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 38]. قال: (قيل: ليس فيه دليل على نفي أهوال يوم القيامة وخوفها على المطيعين، لما وصفه الله تعالى ورسوله من شدائد القيامة، إلا أنه يخفف عن المطيعين، وإذا صاروا إلى رحمته فكأنهم لم يخافوا) 1/ 329. وذكر أبو حيان في تفسير هذه الآية أقوالا كثيرة ثم قال: (وظاهر الآية عموم نفي الخوف والحزن عنهم، لكن يخص بما بعد الدنيا ..) "البحر" 1/ 170. (¬2) الكلام عن (الأخذ) نقله الواحدي عن أبي علي الفارسي من كتاب "الحجة" 2/ 72 انظر مادة (أخذ) في "تهذيب اللغة" 1/ 129، "الصحاح" 2/ 559، "مقاييس اللغة" 1/ 68، و (الغريبين) 1/ 23، و"مفردات الراغب" ص 12، و"إصلاح الوجوه والنظائر" ص 20، و"نزهة الأعين النواظر" ص 133. (¬3) (ج): (فأخذنا) تصحيف. (¬4) في (ب)، (ج): (واخد).

الميثاق هاهنا بمعنى الاستحلاف وتوكيد العهد، وكذلك في هذه الآية. ومثل أخذ في معنى العقاب: آخذ (¬1)، قال الله تعالى: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا} [فاطر: 45]، وقال: {لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا} [البقرة: 286]، وقال: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ} [البقرة: 225]. ويستعمل من الأخذ التفعيل والاستفعال، قالوا: رجل مُؤَخَّذٌ عن امرأته (¬2)، وقال الفقهاء في الرجل المؤخذ عن امرأته: يؤجل كما يؤجل العنين (¬3). وأما اسْتَفْعل فقال الأصمعي (¬4): الاستئخاذ: أشد الرمد، قال الهذلى (¬5): يَرْمِي الغُيُوبَ (¬6) بِعَيْنيه ومَطْرِفُه ... مُغْضٍ كما كَسَفَ المُسْتَأْخِذَ الرَّمَدُ (¬7) ¬

_ (¬1) "الحجة" لأبي علي 1/ 73، انظر: "الصحاح" (أخذ) 2/ 559، "مفردات الراغب" ص 13،12). (¬2) قال أبو علي: (وأما (فعَّل) فقالوا: رجل مُؤَخذٌ عن امرأته) "الحجة" 2/ 74، انظر: "تهذيب اللغة" (أخذ) 7/ 526، "الغريبين" 1/ 24. (¬3) ذكره أبو علي عن أبي حنيفة رحمه الله. "الحجة" 2/ 74، انظر: "بدائع الصنائع" 2/ 322 - 323، و"المغني" 7/ 602. (¬4) في "الحجة" (فقال الأصمعي فيما روى عنه الزيادي ..) "الحجة" 2/ 74، وانظر "تهذيب اللغة" (أخذ) 1/ 129. (¬5) هو أبو ذؤيب الهذلي. (¬6) في (ج): (العيوب). (¬7) في هذا البيت يصف حمارًا وحشيًا، وقوله: (يرمى الغيوب) أي: ينظر ما غاب عنه خشية الصائد يرميه بطرفه حذرا، و (المغضي): الذي كف من بصره وهو مع ذلك ينظر، و (كسف): نكس رأسه لما أخذ الرمد فيه. انظر "شرح أشعار الهذليين" 1/ 58، و"جمهرة اللغة" 3/ 237، و"الحجة" 2/ 75، و"المخصص" 1/ 110، "تهذيب =

أي: عين المُسْتأخِذ فحذف المضاف، والرمد الفاعل (¬1). وهذه الآية خطاب لليهود وإن كان آباؤهم أخذ الميثاق عليهم. روى أبو صالح، عن ابن عباس أنه قال. هما ميثاقان (¬2): الأول (¬3): حين أخرجهم من صلب آدم وأشهدهم على أنفسهم. والثاني: أن كل نبي بعث إلى قومه أخذ عليهم الميثاق بالطاعة لله والإيمان بمحمد - صلى الله عليه وسلم - (¬4). وقوله تعالى: {وَرَفَعنَا فَوقَكُمُ الطُّورَ}. الواو {وَرَفَعنَا} واو الحال، المعنى إذ أخذنا ميثاقكم في حال رفع الطور (¬5)، ويضمر معه قد لتصلح الحال كما ذكرنا في قوله: {وَكُنتُم أَموَاتًا} (¬6) [البقرة:28]. ونذكر كيف أخذ الميثاق في حال رفع الطور، وأما الطور فقيل: إنه الجبل (¬7) ¬

_ = اللغة" (أخذ) 1/ 129، و (غاب) 2616، و (كسف) 4/ 3144، "مقاييس اللغة" 1/ 69، "اللسان" (غيب) 6/ 3322، و (أخذ) 3811، و (كسف) 7/ 3877. (¬1) هذا آخر ما نقله عن "الحجة" 2/ 75. (¬2) في (ج): (ميتاق). (¬3) في (ب): (أول). (¬4) ذكره أبو الليث عن ابن عباس 1/ 376. وذكر ابن جرير أن المراد به الميثاق الذي أخذه منهم في قوله: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [البقرة: 83 - 85]، وأخرجه بسنده عن ابن زيد. الطبري 2/ 156، وذكر الزجاج قولين فيه: الأول: حين أخرج الناس كالذر ورجحه، والثاني: ما أخذه على الرسل ومن تبعهم. "معاني القرآن" 1/ 119. (¬5) ذكر أبو حيان: أن هذه الواو تحتمل أن تكون للعطف إذا كان أخذ الميثاق متقدمًا، وإن كان أخذ الميثاق في حال رفع الطور فهي للحال. "البحر" 1/ 243. (¬6) وقد ذكر هناك القاعدة عند الجمهور: وهي أن الجملة الفعلية الماضوية، إذا وقعت حالا فلا بد من تقدير (قد) وقيل: لا يلزم ذلك. انظر ص 667. (¬7) في (ب): (جبل).

بالسريانية (¬1)، فإن صح ذلك فهو وفاق وقع (¬2) بين لغتهم ولغة العرب، لأنه لا يجوز أن يوجد في القرآن إلا ما تكلمت به العرب (¬3)، وهذا مما تكلم به العرب، قال العجاج: دَانَى جَنَاحَيْهِ من الطُّورِ فَمَرْ (¬4). وقيل: إنه اسم جبل بعينه، وهو جبل بالشام (¬5)، قال ذو الرمة: أَعاريبُ طُورِيُّونَ عن كُلِّ بلدة ... يَحيدونَ (¬6) عنها مِنْ حِذَارِ المَقادِرِ (¬7) ¬

_ (¬1) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 325، "تفسير الثعلبي" 1/ 80 أ. (¬2) (وقع) ساقط من (ب). (¬3) قال القرطبي: (لا خلاف بين الأئمة أنه ليس في القرآن كلام مركب على أساليب غير العرب، وأن فيه أسماء أعلاماً .. كإسرائيل ونوح ولوط، واخلفوا هل وقع فيه ألفاظ غير أعلام مفردة من غير كلام العرب) 1/ 68. فذهب الطبري في "تفسيره" إلى أن ذلك غير موجود، وكذا الثعلبي 1/ 80 أ، وذهب ابن عطية إلى أنه موجود لكن العرب استعملتها قبل وغيرت فيها، فدخلت في لغتها. (¬4) الرجز من قصيدة يذكر فيها مآثر عمر بن عبد الله بن معمر التميمي وبعده: تَقَضِّيَ البازي إذا البَازِي كَسَرْ ضم جناحيه للانقضاض، و (تقضي): أصلها (تقضض) ثلاث ضادات فقلبت الثالثة ياء طلبا للخفة، و (البازي): الشديد من الصقور ورد البيت في "ديوان العجاج" ص 28، "تفسير الطبري" 1/ 324، "تهذيب اللغة" (طرأ) 3/ 2173، انظر "تفسير ابن عطية" 1/ 330، "الكشاف" 4/ 426، "اللسان" (طرأ) 5/ 2649، "البحر المحيط" 1/ 239، "الدر المصون" 1/ 409. (¬5) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 325، "تفسير الماوردي" 1/ 353، "تفسير ابن عطية" 1/ 330، 15/ 502. (¬6) في (ب): (يحيدرون). (¬7) ورد البيت في "التهذيب" (طور) 3/ 2229، "اللسان" (طرأ) 5/ 2649، و (طور) 5/ 2718، "الخزانة" 7/ 355، و"ديوان ذي الرمة" 3/ 1698، وفي بعضها (قرية) بدل (بلدة).

طوريون أي: وحشيون، يحيدون عن القرى حذار الوباء والتلف، كأنهم نسبوا إلى الطور وهو جبل بالشام. وقال الفراء في قوله تعالى: {وَالطُّورِ} [الطور: 1] قال: هو الجبل الذي بمدين، كلم الله عليه موسى (¬1). قال المفسرون: إن موسى لما أتاهم بالتوراة فرأوها وما فيها من التغليظ كبر ذلك عليهم وأبوا أن يقبلوا ذلك، فأمر الله جبلًا من جبال فلسطين فانقلع من أصله حتى قام على رؤوسهم مثل الظلة، وكان العسكر فرسخا في فرسخ والجبل كذلك، وأوحى الله إلى موسى إن قبلوا التوراة وإلا رضختهم بهذا الجبل، فلما رأوا ذلك وأن لا مهرب لهم، قبلوا ما فيها وسجدوا من الفزع، وجعلوا يلاحظون الجبل وهم سجود، فمن أجل ذلك يسجد اليهود على أنصاف وجوههم، فهذا معنى أخذ الميثاق في حال رفع الجبل فوقهم (¬2)، لأن في هذه الحالة قيل لهم: {خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ} [وكان فيما آتاهم الله تعالى الإيمان بمحمد (¬3) - صلى الله عليه وسلم -. وقوله: {خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ} [(¬4) أي: وقلنا لكم خذوا (¬5)، ¬

_ (¬1) في (ب): (موسى عليه). كلام الفراء في "معاني القرآن" 3/ 91. (¬2) "تفسير الثعلبي" 1/ 80 ب، "تفسير أبي الليث" 1/ 377، وانظر. "الطبري" 1/ 324، "ابن عطية" 1/ 248، "القرطبي" 1/ 372، "البحر المحيط" 1/ 243. (¬3) في (ب): (لمحمد). (¬4) ما بين المعقوفين ساقط من (ج). (¬5) نسب الطبري هذا القول لبعض نحوي أهل البصرة، قال: وقال بعض نحوي أهل الكوفة: أخذ الميثاق قول، فلا حاجة إلى إضمار قول، ورجَّح هذا في "تفسيره" 1/ 326، وانظر: "البحر المحيط" 1/ 243.

وتأويل (¬1)] {خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ} اعملوا بما أمرتم فيه وانتهوا عما نهيتم عنه. وقوله: {بِقُوَّةٍ} قال ابن عباس والحسن وقتادة: بجد ومواظبة على طاعة الله واجتهاد (¬2)، وتأويله: خذوا ما آتيناكم بعزيمة على طاعة الله واتباع رسله. وقال الزجاج: أي بقوة قلب ويقين ينتفي عنده الريب (¬3) والشك، لما كان (¬4) لكم من عظيم الآيات، وأصل القوة: الشدة، ومنه قوة الحبل، لأنها تقوي الحبل وتشد فتله (¬5). وقوله تعالى: {وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ} الكناية تعود إلى ما في قوله: {مَا آتَيْنَاكُمْ} (¬6). والمعنى: احفظوا ما في التوراة من الحلال والحرام، واعملوا بما فيه (¬7)، وقيل: اذكروا ما فيه من الثواب والعقاب لعلكم تتقون (¬8)، ويجوز أن ترجع الكناية إلى الميثاق، ويكون المعنى على حذف ¬

_ (¬1) من قوله (وقوله: خذو ..) إلى هنا ساقط من (ب). (¬2) ذكر الطبري في "تفسيره" نحوه عن مجاهد، وأبي العالية، وقتادة، وابن زيد 1/ 326، وكذا عند "ابن أبي حاتم" 1/ 398، وذكره الماوردي عن ابن عباس، وقتادة والسدي "تفسير الماوردي" 1/ 354، وكذا القرطبي في "تفسيره" 1/ 372، وانظر: "تفسير أبي الليث" 1/ 377، "تفسير الثعلبي" 1/ 80 ب. (¬3) في (ب): (الرتب). (¬4) في "معاني القرآن" (بان) 1/ 120. (¬5) في "تهذيب اللغة": (القوة) الخُصْلة الواحدة من قوى الحبل، وقيل: هي الطاقة الواحدة من طاقات الحبل. (قوى) 3/ 3070. (¬6) انظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 332، "البحر المحيط" 1/ 244، "الدر المصون" 1/ 409. (¬7) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 326، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 120، "تفسير الثعلبي" 1/ 80 ب. (¬8) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 326، و"تفسير أبي الليث"1/ 377.

64

المضاف، كأنه قيل: واذكروا ما في نقض الميثاق من العقوبة لعلكم تتقون. 64 - قوله تعالى: {وثُمَ تَوَلَّيتُم} التولي في اللغة يستعمل على ثلاث معان (¬1): يكون بمعنى الإعراض كالذي في هذه الآية، ومعناه: أعرضتم وعصيتم (¬2)، ومثله: {وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ} [محمد: 38] أي تعرضوا عن الإسلام. ويكون (¬3) بمعنى الاتباع، قال الله تعالى: {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} [المائدة: 51]، معناه: من يتبعهم وينصرهم. ويقال: توليت الأمر توليا، إذا وليته بنفسك (¬4)، قال الله تعالى: {وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ} [النور: 11]، أي: ولي وزر الإفك وإشاعته (¬5). ومعنى توليتم هاهنا، أي: أعرضتم عن أمر الله وطاعته. وقوله تعالى: {مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ} قيل من بعد (¬6) أخذ الميثاق. {فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} بتأخير العذاب عنكم (¬7). وقيل: بمحمد - صلى الله عليه وسلم - والقرآن (¬8) ¬

_ (¬1) أخذه عن "تهذيب اللغة" (ولى) 1/ 3957، وانظر: "إصلاح الوجوه والنظائر" ص 499، و"نزهة الأعين" النواظر ص 215، و"مفردات الراغب" ص 534. (¬2) في (ب): (نسيتم). (¬3) في (ب): (وتكون). (¬4) لعل هذا المعنى هو الثالث عند المؤلف حسب تقسيمه، وانظر "نزهة الأعين النواظر" ص 216. (¬5) انتهى ما نقله عنه "تهذيب اللغة" (ولى) 1/ 3957. (¬6) (بعد) ساقط من (ب). (¬7) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 80 ب، انظر: "تفسير الطبري" 1/ 328، وقال الزجاج من بعد ذلك: أي بعد الآيات العظام. "معاني القرآن" 1/ 120، وقال الماوردي: من بعد خروج موسى من بين أظهركم "تفسير الماوردي" 1/ 355. (¬8) (والقرآن) ساقط من (ج). وقد ذكر الطبري عن أبي العالية: فضل الله: الإسلام، =

65

{لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ} فمن آمن بحمد بعد ما كان في الضلالة لم يكن من الخاسرين، وذكرنا معنى الخسران فيما تقدم (¬1)، ومعناه ذهاب رأس المال، وهو هاهنا هلاك النفس لأنها بمنزلة رأس المال (¬2). 65 - قوله تعالى: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ} العلم (¬3) هاهنا بمعنى المعرفة كقوله: {لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ} [الأنفال: 60]، ولولاه لاقتضى مفعولًا ثانيا، ألا ترى أنك إذا قلت: علمت زيدًا قائمَّاً [كان قائما] (¬4) مفعولًا ثانيا، وإذا قلت: عرفت زيدا قائما، [كان قائما] (¬5) حالا ولم يكن مفعولًا ثانيا، وإذا كان العلم بمعنى المعرفة جاز الاقتصار على أحد المفعولين (¬6). وقوله تعالى: {الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ} أي: جاوزوا (¬7) ما حد لهم، كانوا أُمروا أن لا يصيدوا في السبت، فحبسوها في السبت وأخذوها في الأحد، فعدوا في السبت، لأن صيدها منعها من التصرف (¬8). ¬

_ = و (رحمته): القرآن، "تفسير الطبري" 1/ 328، ونحوه عند "تفسير المارودي" 1/ 355، وذكره ابن عطية في "تفسيره" عن قتادة 1/ 332 - 333، وانظر: "البحر المحيط" 1/ 244. (¬1) عند تفسير قوله تعالى: {أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ}. (¬2) (رأس المال) ساقط من (ب). (¬3) في (ب): (علمتم). (¬4) ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ج). (¬5) ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ج). (¬6) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 329، "معاني القرآن" للأخفش 1/ 277، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 120، و"تفسير الماوردي" 1/ 355، "تفسير ابن عطية" 1/ 333 - 334، "البحر المحيط" 1/ 245. (¬7) في (ب): (جاوزا). (¬8) ذكره الزجاج في "المعاني" 1/ 120، وفيه (لأن صيدهم منعها ..) أي أن حبس =

والسبت في كلام العرب معناه: القطع، يقال للحلق: السبت، لأنه قطع للشعر (¬1)، والسبت: السير السريع (¬2)، وتأويله قطع للطريق (¬3). ومنه قول حميد (¬4): ............ أمّا نَهارُها ... فَسَبْتٌ (¬5) ............... والسبت: السُّبَاتُ. قال الزجاج: تأويله أنه يقطع الحركة (¬6). والسبت. قطعة من الدهر، كأنه بمعنى المسبوت (¬7)، أي: المقطوع، وهو ¬

_ = الحيتان ومنعها من التصرف صيد. وانظر: "تفسير الطبري" 1/ 329، "تفسير الثعلبي" 1/ 81 أ. (¬1) في (ب): (الشعر). (¬2) "تهذيب اللغة" (سبت) 2/ 1607. (¬3) في (ب): (الطريق). (¬4) هو حميد بن ثور بن عبد الله الهلالي، أحد المخضرمين من الشعراء أدرك الجاهلية والإسلام، وقيل إنه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - مات في خلافة عثمان رضي الله عنهما. انظر ترجمته في "الشعر والشعراء" 247، "معجم الأدباء" 11/ 8. (¬5) وتمام البيت: وَمطْويَّةُ الأَقْراب أَما نهارُها ... فسبت وأَمَّا لَيْلُها فذمِيلُ قوله: (الأقراب): جمع قرب، وهو الخاصرة، و (السبت): السير السريع، و (الذمِيل): السير البطيء. ويروى شطره الأول: بمقورة الألياط أما نهارها والاقورار هنا: الضمور، و (الألياط) جمع ليط وهو الجلد، ورد البيت في "تهذيب اللغة" (سبت) 2/ 1607، "جمهرة أمثال العرب" (سبت) 1/ 195، "مقاييس اللغة" 3/ 124، وكذا في الصحاح 1/ 251، و"اللسان" 4/ 1912، و"المخصص" 7/ 107، و"البحر المحيط" 1/ 240، و"ديون حميد بن ثور" ص 116. (¬6) في "تهذيب اللغة" (وقال الزجاج): السبات: أن ينقطع عن الحركة والروح في بدنه ..)، (سبت) 2/ 1607. (¬7) في (ب): (السبوت).

في شعر لبيد: وغَنِيتُ سَبْتًا (¬1) ......... البيت قال أبو بكر بن الأنباري: السبت القطع، وسمي السبت من الأيام سبتًا، لأن الله ابتدأ الخلق فيه، وقطع بعض الخلق، وخلق (¬2) الأرض. [ويقال: أُمر فيه بنو إسرائيل بقطع الأعمال وتركها. قال: وأخطأ من قال: سمي السبت لأن الله أمر فيه بني إسرائيل بالاستراحة، وخلق هو عز وجل السموات والأرض في ستة أيام آخرها يوم الجمعة، ثم استراح في يوم السبت. قال: وهذا خطأ، لأنه لا يعلم في كلام العرب (سَبَتَ) بمعنى استراح، وإنما معنى سَبَتَ: قطع، ولا يوصف الله تعالى بالاستراحة لأنه لا يتعب (¬3). قال: واتفق أهل العلم على أن الله ابتدأ الخلق يوم السبت ولم يخلق يوم الجمعة سماءً ولا أرضًا (¬4). ¬

_ (¬1) تمام البيت: وغَنَيِتُ سَبْتاَ قبل مُجْرَى داحس ... لو كان للنفس اللجُوجِ خُلُودُ ويروى (بعد مجرى) وعَمَرْتُ كَرْسًا. غنيت: عشت (سبتا): دهرا، (داحس) اسم فرس. ورد البيت في "تهذيب اللغة" (سبت) 2/ 1607، "اللسان" (سبت) 4/ 1912، و (عمر) 5/ 310، و"حماسة البحتري" ص 100، "المخصص" 2/ 64، "الخزانة" 2/ 251، "البحر المحيط" 1/ 240، وديوان لبيد مع شرحه ص 35. (¬2) كذا العبارة في جميع النسخ، وفي "الزاهر" (وقطع فيه بعض خلق الأرض ..) 2/ 145، ومثله في "تهذيب اللغة" (سبت) 2/ 1607، والنص منه. (¬3) منهج السلف في باب الصفات التزام النص، فيثبتون لله ما أثبته لنفسه، أو أثبته له رسوله - صلى الله عليه وسلم - وينفون عنه ما أنفاه عن نفسه أو نفاه عنه رسوله، وما لم يرد فيه نص فيلتزمون فيه الخفي المجمل من دون تفصيل في النفي. ولم ترد الاستراحة في نص. (¬4) "الزاهر" لابن الأنباري 2/ 145، "تهذيب اللغة" (سبت) 2/ 1607.

وقوله تعالى: {كُونُوا قِرَدَةً} أي: كونوا بتكويننا إياكم وتغييرنا خلقكم قردة (¬1). قال ابن الأنباري: كن (¬2) ينقسم في كلام العرب على معان: منها: أن يقول الرجل للرجل: كن جبلًا فإني أهدك، وكن حديدًا فإني أغلبك، يريد لوكنت بهذا الوصف لم تَفُتْنِي (¬3)، قال الله تعالى: {قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا} [الإسراء: 50] يريد لوكنتم حجارة أو حديدا لنزل بكم الموت ووصل إليكم ألمه، ويقول الرجل للرجل إذا لم يتعلم (¬4) العلم: فكن من البهائم، أي عُدَّ نفسَك مُشبهًا لها. قال الأحوص: إِذَا كُنْتَ عِزْهَاةً عَنِ اللَّهْو والصِّبَا ... فَكُنْ حَجَرًا مِنْ يَابِسِ الصَّخْرِ جَلْمَدَا (¬5) أي فعُدَّ نفسك من الحجارة. ¬

_ (¬1) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 329، و"تفسير البغوي" 1/ 81، و"البيان" 1/ 90، "تفسير ابن عطية" 1/ 336. (¬2) في (ج): (كمن في). (¬3) في (ب): (تنتنى). (¬4) كذا في (أ)، (ج)، وفي (ب) غير واضحة، ولعل الصواب (تتعلم). (¬5) ويروى شطره الأول كما في شعر الأحوص: إِذَا أنْتَ لَمْ تَعْشَقْ وَلَمْ تَدرِ مَا الْهَوَى وفي كتاب الزينة: إِذَا أنْتَ لَمْ تَطْرَبْ وَلَم تَشْهَدِ الْخَنَا و (العِزْهَاةُ): الذى لا يحب اللهو ولا يَطْرب، ورد البيت في "الزينة" 1/ 124، "المخصص" 16/ 175، "الخصائص" 1/ 229، "الشعر والشعراء" ص 346، و"أمالي الزجاجي" ص 75، و"أساس البلاغة" (عزه) ص 2/ 115، "اللسان" (عزه) 5/ 2933، و"شعر الأحوص" ص 98.

فقال الله تعالى: {كُونُوا قِرَدَةً}] (¬1) أي بتغييرنا (¬2) خلقكم وتبديلنا صوركم، وهذا أمر (¬3) حتم ليس للمأمور فيه اكتساب، ولا يقدر على دفعه عن نفسه (¬4). وقال (¬5) بعض النحاة: الأمر يجيء على معان: على الفرض، والنفل، والإذن، والتهديد والتحدي، وعلى معنى الخبر. فالفرض مثل: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} (¬6) وأشباهه، والنفل كقوله: {وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ} [النساء: 34]، والإذن: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} [المائدة: 2]، والتهديد: {اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ} [فصلت: 40] (¬7)، وكقوله: {وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ} [الإسراء: 64]، الآية، والتحدي: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا} [البقرة: 23]، وفيه معنى الإلزام، إلا أن من الإلزام ما لا يكون في المقدور أصلًا كقوله: {قُل هَاتُوا بُرهَانَكُم} (¬8) وليس يصح برهان على صدقهم. وأمَّا بمعنى الخبر فقوله: {كُونُوا قِرَدَةً} (¬9) أي: جعلناهم قردة (¬10)، إلا أنه جاء بلفظ الأمر على طريق البلاغة. وقد ¬

_ (¬1) ما بين المعقوفين غير مقروء في (ب). (¬2) في (ب): (بتغيير)، وفي (ج): (بتغيرنا). (¬3) في (ج): (امرتكم). (¬4) انظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 366 - 377، و"البيان" 1/ 90، و"البحر" 1/ 246. (¬5) (الواو) ساقطة من (ب). (¬6) [البقرة: 43، 83، 110، والنساء: 77، والنور: 56، والمزمل: 20] (¬7) في (أ)، (ج): (اعملوا) تصحيف. (¬8) [البقرة: 111، والأنبياء: 24، والنمل: 64]. (¬9) [البقرة: 65، والأعراف: 166]. (¬10) ذكر الغزالي في المستصفى الوجوه التي يأتي عليها الأمر، ومنها الوجوه التي =

يجئ الأمر والمراد منه التسوية، كقوله: {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ} [التوبة: 80]، أي قد استوى الحالان في أنه لا يغفر. والقردة جمع قرد، يقال: قرد، وثلاثة أَقْرِدة (¬1) وقُرُود وقِرَدَة كثيرة، والأنثى قِرْدَة. وأصل الحرف من اللصوق، ومنه الْقَرِد، وهو ما تلاصق من الوبر ويعقد، والقُرَادُ سمي قُرادًا للصوقه بالموضع الذي يعلق، والقرود تتلاصق إذا اجتمعت وتتداخل خوفًا من عدوها، فإنها أجبن شيء (¬2). و (¬3) قوله تعالى: {خَاسِئِينَ} الخَسْءُ: الطرد والإبعاد، يقال: خَسأتُه خَسْأً فَخَسَأ [وانْخَسَأ (¬4)، فهو واقع ومطاوع (¬5). قال الفراء والكسائي: يقال: خَساتُه خَسْأً فَخَسَأ] (¬6) خُسُوءًا (¬7) مثل رَجَعْتُه رَجْعًا فَرَجَعَ رُجُوعًا (¬8)، ويقال للكلب عند الزجر والإبعاد: اخسأ، وأنشد الفراء: وَإذا زَجَرْتُ الْكَلْبَ قُلْتُ اخْسَأ لَهُ ... وَالْكَلْبُ مِثْلُكَ ياخُرَيْمُ سَوَاءُ (¬9) ¬

_ = وردت عند المؤلف هنا ومما ذكر: التسخير كقوله: {كُونُوا قِرَدَةَ} "المستصفى" ص 293. (¬1) في (ب): (أقراد) وكلها وردت في "تهذيب اللغة" عن الليث (قرد) 3/ 2921. (¬2) انظر: "مقاييس اللغة" (قرد) 5/ 83، 84، "الصحاح" (قرد) 2/ 523، "اللسان" (قرد) 6/ 3576. (¬3) (الواو) ساقطة من (ج). (¬4) في (ج): (الخسأ). (¬5) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 329، "تهذيب اللغة" (خسأ) 1/ 1028، "جمهرة أمثال العرب" 3/ 237، "الصحاح" (خسأ) 1/ 47. (¬6) ما بين المعقوفين ساقط من (ب). (¬7) في (ج): قال الفراء والكسائي: (خَسَأتُه مخسأ خسأ فخسا خسوءا). (¬8) انظر: "الزاهر" 2/ 48، و"الوسيط" 1/ 125، "تفسير القرطبي" 1/ 443. (¬9) لم أعثر على هذا البيت فيما اطلعت عليه، والله أعلم.

66

وأنشد ابن الأنباري لعمران بن (¬1) حطان: لاَ تَجْعَلَنْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْزِلِي ... يَا رَبِّ (¬2) مَنْزِلَ خَاسِئً مَدْحُورِ (¬3) وتقدير الآية: كونوا خاسئين قردة، لأنه لولا التقديم والتأخير لكان: قردة خاسئة (¬4). 66 - قوله تعالى: {فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا} الآية، اختلفوا في الكناية، فقيل: إنها راجعة إلى القردة (¬5). وقال الفراء: الكناية تعود إلى المسخة (¬6)، لأن معنى: {كُونُوا قِرَدَةً} مسخناهم قردة، فوقعت الكناية عن الكلام المتقدم (¬7). ¬

_ (¬1) في (ج): (عمر بن الخطاب). وابن حطان: هو عمران بن حطان من بني عمرو بن سيبان بن ذهل، كان رأس القَعدة من الصُّفْرية إحدى فرق الخوارج، وكان خطيبًا شاعرا، توفي سنة أربع وثمانين ذكر الجاحظ أخباره في "البيان والتبيين" 1/ 47، والمبرد في "الكامل" 3/ 167، وانظر: "تهذيب التهذيب" 3/ 317. (¬2) في (ج): (يارب منزلى). (¬3) لم أجد هذا البيت فيما اطلعت عليه من شعر عمران بن حطان ضمن "ديوان الخوارج" جمع نايف محمود معروف، ولا في "شعر الخوارج" لـ (إحسان عباس). (¬4) أي لو كان (خاسئين) صفة لقردة لقال: (خاسئة)، انظر "الوسيط" 1/ 125، وللعلماء في إعرابه وجوه: الأول: أنه خبر ثانٍ لـ (كان)، أو حال من (الواو) في كونوا، أو نعت لقردة، وهذا الوجه رده المؤلف. انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 184، و"المشكل" لمكي 1/ 52، "تفسير ابن عطية" 1/ 336، و"البيان" 1/ 90، و"الإملاء" 1/ 41، "الدر المصون" 1/ 414. (¬5) انظر: "تفسير الطبري" 2/ 176، "تفسير الثعلبي" 1/ 81 أ، "تفسير الماوردي" 1/ 375. (¬6) "معاني القرآن" للفراء 1/ 43. (¬7) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 333، "زاد المسير" 1/ 95.

وقال ابن عباس: فجعلنا تلك (¬1) العقوبة لهؤلاء القوم الذين مسخوا قردة وخنازير، وعلى هذا الكناية تعود إلى العقوبة (¬2)، وهي مدلول عليها بقوله: {كُونُوا قِرَدَةً} لأن ذلك يدل على المسخ، والمسخ عقوبة، ويقال: الهاء عائدة على الأمة (¬3) الذين اعتدوا، لأن قوله: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ} (¬4) يدل على أنهم كانوا أمة وفرقة من الناس، فرجع العائد على المعنى (¬5). وقال الزجاج: وجعلنا هذه الفعلة عبرة (¬6). والنَّكَال (¬7) اسم لما جعلته نكالًا لغيره إذا رآه خاف أن يعمل عمله (¬8). وأصل هذا من قولهم: نكل عن الأمر ينكُل نُكولًا، إذا جبن عنه، يقال: نَكَّلْت بفلان، إذا عاقبته في شيء أتاه عقوبةً تُنَكِّل غيره عن ارتكاب مثله، أي: تمنع وتردد. والنِّكْل: القيد، لأنه يمنع الجري، والنِّكْلُ: حديد اللجام (¬9). ¬

_ (¬1) (تلك) ساقط من (ج). (¬2) أخرجه الطبري عن الضحاك عن ابن عباس. الطبري 1/ 333، وانظر: "الماوردي" 1/ 357، "زاد المسير" 1/ 95. (¬3) (الأمة) ساقط من (ب). (¬4) في (ب): (الذين اعتدوا). (¬5) ذكره الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 121، و"تفسير الطبري" 1/ 333، وأورد أقوالا أخرى منها: أنها تعود على قرية القوم الذين مسخوا، أو تعود على الحيتان، وهي وإن لم يجر لها ذكر ففي الخبر دلالة عليها، "تفسير الطبري" 2/ 176، وانظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 81 ب، "تفسير الماوردي" 1/ 357، "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 44. (¬6) "معاني القرآن" 1/ 121، والنص من "تهذيب اللغة" (نكل) 10/ 247. (¬7) في (ب): (النكل). (¬8) ذكره الأزهري عن الليث. "تهذيب اللغة" 4/ 3665، وانظر: "اللسان" (نكل) 8/ 4544. (¬9) ذكره الأزهري عن شمر. "تهذيب اللغة" 4/ 3665، وانظر: "اللسان" 8/ 4544.

وقوله تعالى: {لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا} قال أبو إسحاق: {لِّمَا بَينَ يَدَيهَا} الأمم التي تراها، {وَمَا خَلْفَهَا} ما يكون بعدها (¬1). فما في هذا القول عبارة عن الأمم. وقال الفراء: جعلت نكالا لما مضى من الذنوب، ولما (¬2) يعمل بعدها، ليخافوا (¬3) أن يعملوا بما عمل الذين مسخوا فيمسخوا (¬4). فعلى هذا القول (ما) عبارة عن الذنوب، والهاء في (يديها) يعود (¬5) على الفرقة الممسوخة وكذلك الهاء في {خَلْفَهَا} (¬6). وقيل: هذا على (¬7) التقديم والتأخير، تقديره: فجعلناها وما خلفها مما أعد لهم من العذاب في الآخرة عقوبةً ونكالًا لما بين يديها، أي: لما (¬8) تقدم من ذنوبهم في اعتدائهم يوم السبت (¬9). ¬

_ (¬1) ما ذكره أحد قولين أوردهما الزجاج في "المعاني" 1/ 121، وانظر: "تفسير الطبري" 1/ 333. (¬2) في (ج): (يعملوا). (¬3) في (ب): (ليخافون). (¬4) "معاني القرآن" للفراء 1/ 43، وهو قول للزجاج. انظر: "المعاني" 1/ 121، وانظر: "تفسير الطبري" 1/ 333 - 334. (¬5) في (ج): (تعود). (¬6) رجح الطبري في "تفسيره" أنها تعود على (العقوبة) 1/ 335، وذكر مكي: ثلاثة أقوال وهي، أنها تعود على القردة، أو المسخة، أو العقوبة. "المشكل" 1/ 52، وانظر: "البيان" 1/ 91. (¬7) (على) ساقط من (ب). (¬8) في (ب): (أي التقديم). (¬9) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 81 ب، وانظر: "تفسير البغوي" 1/ 81.

المملكة العربية السعودية وزارة التعليم العالي جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية عماد البحث العلمي التَّفْسِيرُ البَسِيْط لأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي (ت468هـ) سورة البقرة من آية (67) -آية (195) تحقيق د. محمد بن عبد العزيز الخضيري أشرف على طباعته وإخراجه د. عبد العزيز بن سطام آل سعود ... أ. د. تركى بن سهو العتيبي الجزء الثالث

المملكة العربية السعودية وزارة التعليم العالي جامعة الإِمام محمد بن سعود الإسلامية عماد البحث العلمي التَّفْسِيرُ البَسِيْط لأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي (ت468هـ) سورة البقرة من آية (67) -آية (195) تحقيق د. محمد بن عبد العزيز الخضيري أشرف على طباعته وإخراجه د. عبد العزيز بن سطام آل سعود ... أ. د. تركى بن سهو العتيبي الجزء الثالث

جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية 1430هـ فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر الواحدي, علي بن أحمد التفسير البسيط لأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي (ت468هـ)./ علي بن أحمد الواحدي, محمد بن صالح بن عبد الله الفوزان, الرياض1430هـ. 25مج. (سلسلة الرسائل الجامعية) ردمك:4 - 857 - 04 - 9960 - 978 (مجموعة) 1 - 858 - 04 - 9960 - 978 (ج1) 1 - القرآن تفسير ... 2 - الواحدي, علي بن أحمد أ- العنوان ... ب- السلسة ديوي 3.227 ... 868/ 1430 رقم الإيداع: 868/ 1430هـ ردمك 4 - 857 - 04 - 9960 - 978 (مجموعة) 1 - 858 - 04 - 9960 - 978 (ج1)

التَّفْسِيرُ البَسِيْط لأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي (ت468هـ) [3]

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

باقي تفسير سورة البقرة

67

67 - قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ} الآية. قال الليث (¬1): القوم الرجال دون النساء، ومنه قوله عز وجل: {لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ} [الحجرات: 11] أي رجال من رجال، ثم قال: {وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ} قال زهير (¬2): وَمَا أَدْرِي وَسَوْفَ إخَالُ (¬3) أدْرِي ... أَقَوْمٌ آل حِصْنٍ أَمْ نِسَاءُ (¬4) وقوم كل رجل: شيعته وعشيرته (¬5). وقال أبو العباس: القوم والنفر والرهط معناه الجمع، ولا واحد لها من لفظها، وهم الرجال دون النساء (¬6). والمراد بالقوم هاهنا شيعة موسى وأتباعه. وقد يذكر القوم فيدخل فيه النساء كقوله: {إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ} [نوح: 1] وكان مرسلاً إلى الإناث والذكور جميعاً، وجاز ذلك لأن ¬

_ (¬1) هو: الليث بن المظفر، وقيل: ابن، وقيل: ابن رافع بن يسار الخرساني، وكان بارعا في الأدب، بصيرًا بالشعر والغريب والنحو، وكان كاتبا للبرامكة. ينظر: "بغية الوعاة" 2/ 270، و"معجم الأدباء" 17/ 43. (¬2) هو: زهير بن أبي سلمة بن رباح، شاعر جاهلي، نت نزينة من الطبقة الأولى من فحول "الشعراء الجاهليين"، كان له من الشعر ما لم يكن لغيره، توفي سنة 13 قبل الهجرة. ينظر: "الشعر والشعراء" 1/ 69، "الأعلام" 3/ 52. (¬3) في (أ)، (ج): (أخاك) (¬4) البيت من قصيدة قالها زهير في هجاء بيت من كلب من بني عليم. ورد في "تهذيب اللغة" (قام) 3/ 2863، و"مجمل اللغة" (قوم) 2/ 738، "المقاييس" (قوم) 5/ 43، و"المعاني الكبير" 1/ 593، و"المخصص" 3/ 119، و"مغني اللبيب" 1/ 41، 139، 2/ 393، 398، و"الهمع" 2/ 230، 4/ 54، 376، و"معاهد التنصيص" 3/ 165، و"اللسان" (قوم) 6/ 3786، و"فتح القدير" 1/ 135. (¬5) انتهى كلام الليث. "تهذيب اللغة" (قام) 3/ 2863، وانظر: "الزاهر" 2/ 169، "اللسان" (قوم) 6/ 3786. (¬6) ذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" عن المنذري عن أبي العباس (قام) 3/ 2863، وانظر: "اللسان" (قوم) 6/ 3786.

الغالب من أمر (¬1) النساء اتباع الأزواج فاكتفى بهم منهن لغلبتهم عليهن (¬2). وقوله تعالى: {أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} البقرة واحدة (¬3) البقر. الأصمعي: يقال: رأيت لبني فلان بَقَرًا وبَقِيرًا وبَاقُورَةً وبَاقِرًا (¬4) وبَوَاقِرَ، كله جمع البقر، وأنشد (¬5): بَوَاقِرُ جُلْحٌ أسْكَنَتْها الْمَرَاتِعُ (¬6) وقال آخر (¬7): خَلَقًا كَحَوْضِ الْبَاقِرِ الْمُتَهَدِّمِ (¬8) ويقال لجماعة البقرة: بيْقُور (¬9) أيضاً، وقال أمية (¬10): ¬

_ (¬1) (من أمر النساء) ساقط من (ب). (¬2) ذكره ابن الأنباري في "الزاهر" 2/ 170. (¬3) في (ب): (واحد). (¬4) في (ج): (باقر). (¬5) ذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" (قال: قال أبو نصر: قال الأصمعي ... ثم ذكره، وفيه: وأنشدني ابن أبي طرفة. (بقر) 1/ 370، وانظر: "جمهرة أمثال العرب" 1/ 27، "الصحاح" (بقر) 2/ 594، "مقاييس اللغة" (بقر) 1/ 278. (¬6) في (ب): (المرابع). والبيت لقيس بن العَيْزَارَة وشطره الأول: فَسَكَّنْتُهُمْ بِالْقَوْلِ حَتَّى كَأَنَّهُمْ و (الجُلْح): البقر لا قرون لها، (أسكنتها المراتع): طابت أنفسها بالمرعى فسكنت. ورد البيت في "شرح أشعار الهذليين" 2/ 590، "تهذيب اللغة" (بقر) 1/ 370، "مقاييس اللغة" 1/ 278، "اللسان" (بقر) 1/ 423، و (جلح) 2/ 651. (¬7) هو الحارث بن خالد المخزومي كما في "جمهرة أمثال العرب" 1/ 270. (¬8) البيت بتمامه: مَالِي رَأَيْتُكَ بَعْدَ أَهْلِكَ مُوحِشًا ... قَفْرًا كَحَوْضِ البَاقِر المُتهَدمِ ورد البيت في "جمهرة أمثال العرب" 1/ 270، و"تفسير الثعلبي" 1/ 84 أ، والسجاوندي في ص 53، و"البحر المحيط" 1/ 254. (¬9) "تهذيب اللغة" (بقر) 1/ 370، وانظر: "جمهرة أمثال العرب" 1/ 270. (¬10) هو: أمية بن أبي الصلت.

وعَالَت الْبَيْقُورَا (¬1) وقيل: إن أصل الحرف من الْبَقْر الذي هو الشقّ، يقال: بقر بطنه إذا شقّه وفتحه، وكان يقال لمحمد بن علي بن الحسين (¬2) رضي الله عنهما "الباقر"، لأنه بقر العلم وعرف أصله، أي شقه وفتحه (¬3). والْبَقِيرُ: ثوب يشق فتلقيه المرأة في عنقها من غير كُمَّيْن ولا جيب (¬4). والبقر جنس شأنها أن تشق الأرض في الْكِرَاب (¬5). ¬

_ (¬1) تمامه: سَلْعٌ مَّا وَمِثْلُهُ عُشَرٌ مَّا ... عَائِلٌ مَّا وَعَالَتِ الْبَيْقَورَا و (السلع): نبت، و (عائل): من قولهم: عالني أثقلني، و (عالت البيقورا): أي أثقلت هذه السنة البيقور بالهزال. قال في مغني اللبيب: قال عيسى بن عمر: لا أدري ما معناه، ولا رأيت أحدا يعرفه، وقال غيره: كانوا إذا أرادوا الاستسقاء في سنة الجدب عقدوا في أذناب البقر وبين عراقيبها السَّلْع والعُشَر، وهما ضربان من الشجر، ثم أوقدوا فيها النار وصعدوا بها الجبال، ورفعوا أصواتهم بالدعاء. "مغني اللبيب" 1/ 314، وانظر: "جمهرة أمثال العرب" 1/ 270، "تهذيب اللغة" (بقر) 1/ 370، و (سلع) 2/ 1733، "الأزهية" ص 81، "اللسان" (بقر) 1/ 324، و (علا) 5/ 3090. (¬2) في (ب) (الحسين الباقر). وهو محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي القرشي، أبو جعفر، الباقر خامس الأئمة الاثني عشر عند الشيعة الإمامية، كان ناسكًا عابدًا، توفي سنة أربع عشرة ومائة , وقيل: ثماني عشرة. انظر: "حلية الأولياء" 3/ 180، "تهذيب التهذيب" 5/ 3090. (¬3) "تهذيب اللغة" (بقر) 1/ 369، "الصحاح" (بقر) 2/ 595. وذكر ابن فارس أن (الباء، والقاف، والراء: أصلان: الأول: البقر، والثاني: التوسع في الشيء وفتح الشيء، قال: وزعموا أنه أصل واحد وسميت البقر لأنها تبقر الأرض، قال: وليس ذلك بشيء. انظر: "مقاييس اللغة" 1/ 277 - 280. (¬4) ذكره في "تهذيب اللغة" عن أبي عبيد عن الأصمعي 1/ 369. (¬5) (الكراب): بياض في: (ب). و (الْكِراَبُ): هو حرث الأرض وقلبها. انظر: "اللسان" (كرب) 7/ 3847.

وقوله تعالى: {أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا} يقرأ بالتخفيف والتثقيل (¬1)، وذلك (¬2) أن كل اسم على ثلاثة أحرف أوله مضموم (¬3)، فمن العرب من يثقله، ومنهم من يخففه، نحو: العُسْر واليُسْر والحُكْم (¬4) والرُّحْم (¬5)، وكذلك ما كان على فُعُل من الجموع قد استمر فيه الوجهان نحو: الكتب، والرسل وحتى جاء ذلك في العين إذا كانت واوا نحو: ........ سُوُكَ الإِسْحِلِ (¬6) وقوله: ¬

_ (¬1) قرأ حفص بضم الزاي من غير همز، وحمزة بإسكان الزاي، وبالهمز في الوصل، فإذا وقف أبدل الهمزة واواً اتباعا للخط. وبقية السبعة بالضم والهمزة التيسير ص 74، وانظر: "السبعة" ص 158، و"الحجة" لأبي علي 2/ 100. (¬2) في (ب): (وكذلك). (¬3) في "الحجة" لأبي علي: (قال أبو الحسن: زعم عيسى أن كل اسم على ثلاثة أحرف أوله مضموم .... الخ) نقل عن أبي علي بتصرف. "الحجة" 2/ 105. (¬4) في (أ)، (ج): (الحلم)، وأثبت ما في (ب) لأنه يوافق ما في "الحجة" 1/ 105. (¬5) عند تثقيلها يقال: (العُسُر)، (اليُسُر)، و (الحُكُم)، و (الرُّحُم). وهذا آخر ما حكاه أبو علي عن أبي الحسن عن عيسى. انظر: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 278، و"الحجة" 1/ 105، وانظر: "الكشف" لمكي1/ 448، و"حجة القراءات" لابن زنجلة ص 101. (¬6) البيت لعبد الرحمن بن حسان، وتمامه: أغَرُّ الثَّنايا أحمُّ اللِّثا ... ت تَمْنَحهُ سُوُكُ الإسْحِلِ (الأحم): الأسود، و (اللثات): جمع لثة وهي ما حول الأسنان، (سوك): جمع مسواك، و (الإسْحِل): شجر يستاك به. ورد في "الحجة" 2/ 105، "المقتضب" 1/ 113، "المخصص" 11/ 192، "الصحاح" 4/ 1593، "المنصف" 1/ 338، "شرح المفصل" 10/ 84.

وفي الأَكُفِّ اللامِعاتِ سُوُر (¬1) وأما فُعْل في جمع أفعل نحو أحْمر وحُمْر، وكأنهم ألزموه الإسكان للفصل بين الجمعين، وقد جاء فيه التحريك في الشعر (¬2). ومعنى قوله: {أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا} قال أبو زيد: هَزِئتُ به (¬3) هُزْءًا وَمهْزَأةً، وهذا لا يخلو من أحد أمرين (¬4)، أحدهما: أن يكون المضاف محذوفا؛ لأن الهُزْءَ حَدَثٌ، والمفعول الثاني من هذا الفعل يكون الأول كقوله: {لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ} [الممتحنة: 1] ويكون التقدير: أتتخذنا أصحاب هزء. أو يكون جعل الهُزْءَ المهزوءَ به مثل الخلْق (¬5) والصيد. وقوله (¬6): {لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا} [المائدة: 57] لا يحتاج فيه إلى تقدير ¬

_ (¬1) البيت لعدي بن زيد كما في "الكتاب" وشطره الأول: عن مُبْرِقَاتٍ بالبُريْنِ تبدو (المبرقات): النساء المتزينات، و (البُرين): جمع برة وهو الحلي، و (سُوُر) جمع سوار. والبيت من "شواهد" سيبويه 4/ 359، و"شرح شواهده" للسيرافي 2/ 425، "المخصص" 4/ 46، و"المنصف" 1/ 338، و"الحجة" 2/ 105، و"شرح الكافية" لابن مالك 4/ 1837، "شرح المفصل" 5/ 44، 10/ 84، 91، و"الهمع" 6/ 94، "اللسان" (لمع) 7/ 4074. (¬2) "الحجة" لأبي علي 2/ 106، وانظر "الكشف" لمكي 1/ 448. (¬3) (به): ساقط من: (ب)، وليس في "الحجة"، وفي الحاشية: (في ط: هزئت به) "الحجة" 2/ 104. (¬4) في "الحجة" بعد أن ذكر كلام أبي زيد: قال أبو علي قوله تعالى: {أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا} فلا يخلو من أحد أمرين ..) 2/ 104. (¬5) قوله: مثل الخلْق والصيد، أي في نحو قوله تعالى: {مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} وقوله: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ} ونحو ذلك. انظر: "الحجة" 2/ 104. (¬6) في (ب): (وقال).

محذوف، لأن الدِّين (¬1) ليس بعين. وقول موسى: {أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} في جواب: {أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا} يدل على أن الهازئ جاهل (¬2)، ومعنى {أَعُوذُ بِاللَّهِ} أي: أمتنع به وألجأ إليه، ومصدره العَوْذ والعِياذ (¬3). وتقول العرب: أطيب اللحم عُوَّذه، أي الذي عاذ بالعظم، وناقة عائذ: يعوذ بها ولدها، وجعلت عائذًا وهي معوذ بها، وجمعها عُوذ، وهي الحديثات النتاج، وذلك أن الولد يعوذ بها إذا (¬4) كان حديثا، فإذا شبّ الولد لم يعذ بالأم، فلهذا يفسر العُوذ بالحديثات النتاج (¬5) والأصل ما ذكرنا، ومنه قول لبيد: فالِعينُ سَاكِنَةٌ على أَطْلائِهَا (¬6) ... عُوذًا تأَجَّلُ بِالغَضَاءِ بِهَامُهَا (¬7) وقوله تعالى: {مِنَ الْجَاهِلِينَ} الجهل نقيض العلم، ويقال: استجهلت الريحُ الغصنَ إذا حركته فاضطرب، والمجهلة: الأمر يحملك ¬

_ (¬1) في (ب)، (ج): (الذين) تصحيف. (¬2) انتهى من "الحجة" 2/ 104، 105. (¬3) انظر: "مقاييس اللغة" (عوذ) 4/ 184، "اللسان" (عوذ) 5/ 3162. (¬4) في (أ)، (ج): (إذ)، وأثبت ما في: (ب)، لأنه أنسب للسياق. (¬5) انظر: "تهذيب اللغة" (عاذ) 3/ 2273، "الصحاح" (عوذ) 2/ 567، "اللسان" (عوذ) 5/ 3763. (¬6) في (ب): (أطلابها). (¬7) قوله: (العين): البقر، لكبر عيونها، و (أطلائها): أولادها، والمفرد: طلا و (عوذا): حديثات النتاج، و (تَأجَّل): تسير أو تتجمع إجْلاً إجْلاً، أي قطيعا. و (البِهَام): أولاد الضأن، واستعاره لبقر الوحش. "شرح ديوان لبيد" ص 299، "مقاييس اللغة" (عوذ) 4/ 184، "شرح القصائد المشهورات" للنحاس ص 133، "اللسان" (أجل) 1/ 33، و (بهم) 1/ 376.

على الجهل (¬1)، ومنه الحديث: "الولد مجهلة مبخلة (¬2) مجبنة (¬3) ". وكان حقه (¬4) أن يقول: (فقال أعوذ بالله) لأنه عطف على ما قبله، قال الفراء: وهذا في القرآن كثير بغير الفاء، وذلك أنه جواب يستغني أوله عن آخره بالوقفة عليه، فكأنّ (¬5) حسن السكوت (¬6) يجوز به طرح الفاء. وأنت تراه في رؤوس (¬7) الآيات لأنها فصول حسناً (¬8)، في ذلك (¬9) قوله: {قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (57) قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا} (¬10) [الحجر:57, 58, والذاريات: ¬

_ (¬1) انظر: "تهذيب اللغة" (جهل) 1/ 680، "اللسان" (جهل) 1/ 713. (¬2) (مبخلة): ساقط م: ن (ب). (¬3) أخرجه ابن ماجه بسنده (عن يعلى العامري أنه قال: جاء الحسن والحسين يسعيان إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فضمهما إليه، وقال: "إن الولد مبخلة مجبنة". قال في "الزوائد": إسناده صحيح، رجاله ثقات. "سنن ابن ماجه" كتاب الأدب، باب: بر الوالد والاحسان إلى البنات. وبهذا اللفظ ذكره السيوطي فىِ "جمع الجوامع" وعزاه لابن ماجه وابن أبي شيبة والطبراني في "الكبير"، "جمع الجوامع" في 1/ ل/216. وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد"، ولفظه: "أن الولد مبخلة مجهلة مجبنة" قال: رواه البزار ورجله ثقات. "مجمع الزوائد"، كتاب: البر والصلة باب ما جاء في الأولاد 8/ 155. (¬4) قوله: (وكان حقه أن يقول ..) هذه العبارة لا تليق بمكانة كتاب الله الذي هو في قمة الفصاحة والبلاغة، مع أن عموم القاعدة التي ذكر منقوض بكلام الفراء الذي أورده. (¬5) في (ب): (وكان) وفي "معاني القرآن" للفراء 1/ 43: (فكأن) وهو أولى. (¬6) في (أ): (السكون) والصحيح بالتاء كما في "معاني القرآن" للفراء 1/ 44. (¬7) في (ب): (فصول). (¬8) كذا في جميع النسخ، وكذا في "معاني القرآن" للفراء وفي حاشيته: في ش، ج (حسنة) 1/ 44. (¬9) (من ذلك): ساقط من: (ب). (¬10) قوله: (قالوا إنا أرسلنا) ساقط من: (ج).

68

31، 32]. والفاء حسنة مثل قوله: {فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا} [هود: 27، المؤمنون: 24]، ولوكان على كلمة واحدة لم تسقط العرب منه الفاء، من ذلك (¬1): قمت ففعلت، لا يقولون: قمت فعلت، ولا قلت قال (¬2)، حتى يقولوا: قلت (¬3) فقال وقمت فقام، أو قلت (¬4) وقال، لأنها نسق وليست باستفهام يوقف عليه، قال: وأنشدني بعض العرب: لَمَا رأَيْتُ نَبَطَا أَنْصَارا ... شَمَّرتُ عَنْ رُكْبَتِيَ الإِزَارَا كُنْتُ لَهَا مِنَ النَّصَارى جَارَا (¬5) [لم يقل: فكنت، ولا وكنت] (¬6). 68 - وقوله تعالى: {قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ} الآية إنما سألوا ما هي، لأنهم لم (¬7) يعلموا أنّ بقرةً يحيا بضرب بعضها ميّتٌ، قاله (¬8) الزجاج (¬9). ¬

_ (¬1) (ذلك) ساقط من (ب). (¬2) زيادة لازمة من "معاني القرآن" للفراء 1/ 44. (¬3) قوله: (حتى يقولوا قلت) ساقط من (ب). (¬4) قوله: (أو قلت وقال) ليست في "معاني القرآن" للفراء 1/ 44. (¬5) سبق هذا الرجز. انظر تخريجه عند تفسير قوله تعالى: {قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا}. وبه ينتهي ما نقله من كلام الفراء. انظر: "المعاني" 1/ 43، 44، "تفسير الطبري" 1/ 337. (¬6) ما بين المعقوفين ساقط من: (ب). (¬7) في (ب): (ما علموا). (¬8) في (ب)، (ج): (قال). (¬9) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 122. والحقيقة أن هذا السؤال تعنت منهم لسوء أخلاقهم مع نبي الله وجفائهم. انظر: "تفسير الطبري" 1/ 240، "تفسير الثعلبي" 1/ 82 أ، "تفسير ابن كثير" 1/ 117.

ويقال: بيّن الشيءَ وأبانه إذا (¬1) أزال الإشكال عنه، والأصل فيه معنى التفريق، والبيان سمي بياناً لأنه التمييز عما يلتبس، والتبيين هو التمييز الذي يقع به التعريف (¬2). وترى هذا مستقصًى (¬3) عند قوله: {عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ} [البقرة: 68]. وموضع (ما) رفع بالابتداء، لأنه بمعنى الاستفهام، معناه: أي شيء هي؟ والاستفهام لا يعمل فيه ما قبله (¬4)، وبيان هذه المسألة يذكر (¬5) عند قوله: {مَا لَوْنُهَا} [البقرة: 69]. وقوله تعالى: {لَا فَارِضٌ} قال الفراء: الفارض: الهرمة، يقال من الفارض: فرَضَت وفرُضَت، ولم يسمع بِفَرَضَ (¬6)، ونحو ذلك قال قتادة (¬7). وقال الكسائي: الفارض: الكبيرة العظيمة، قد فرَضت تفرُض فُروضًا. ثعلب عن ابن الأعرابي: الفارض: الكبيرة. ¬

_ (¬1) في (ب): (وإذا). (¬2) انظر: "مقاييس اللغة" (بين) 1/ 327، "الصحاح" (بين) 5/ 2082. (¬3) في (ب): (مستقص). (¬4) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 185، و"إعراب المشكل" 1/ 52، و"الإملاء" ص 42، "البحر المحيط" 1/ 251. (¬5) (يذكر): ساقط من: (ب). (¬6) في (ج): (تفرض)، وفي (أ) غير معجمة، والكلام بهذا النص في "تهذيب اللغة" (فرض) 3/ 2772، وفي "معاني القرآن" للفراء: (والفارض: قد فرضت، وبعضهم: قد فرضت، وأما البكر فلم نسمع فيها بفعل) 1/ 45. (¬7) وكذلك قال ابن عباس وأبو العالية والسدي، انظر: "تفسير الطبري" 1/ 341، و"تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 412.

وقال أبو الهيثم: الفارض: المسنة (¬1). أبو زيد: بقرة فارض: عظيمة سمينة، والجميع فوارض (¬2). وقوله تعالى: {وَلَا بِكْرٌ} قال الليث: البكر من النساء: التي لم تمس، والبكر من الرجال: الذي لم يقرب النساء بعد، والبكر: أول ولد الرجل غلاما كان أو جارية، وبقرة بكر: فتية لم تحمل، والبكر من كل أمر: أوله (¬3)، وأصل هذا الباب أول الأمر، فالبكارة أول حال النساء، وهي بكر في أول حالها، والباكورة أول ما يدرك من الثمار، والبُكرة أول النهار (¬4). قال الزجاج في قوله: {لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ}: أي: ليست بكبيرة ولا صغيرة، قال: وارتفع (فارض) بإضمار هي (¬5). وقال الأخفش: ارتفع على الصفة للبقرة، والوصف بالنفي صحيح، لأنه يرجع في التحقيق إلى أنه يختص بما ينافي ذلك الوصف، تقول: مررت برجل لا قائم ولا قاعد، أي: برجل (¬6) مختص بصفة تنافي القيام والقعود (¬7). ¬

_ (¬1) قول الكسائي وابن الأعرابي وأبي الهيثم في "تهذيب اللغة" (فرض) 3/ 2772، وانظر: "اللسان" (فرض) 6/ 3387. (¬2) ذكره في "اللسان" (فرض) 6/ 3387. (¬3) "تهذيب اللغة" (بكر) 1/ 375 - 377. (¬4) انظر: "مقاييس اللغة" (بكر) 1/ 287، "تهذيب اللغة" (بكر) 1/ 375 - 377، "اللسان" (بكر) 1/ 333. (¬5) "معاني القرآن" 1/ 122. (¬6) في (ب): (رجل). (¬7) "معاني القرآن" للأخفش 1/ 279. ذكر قوله بمعناه.

وقوله تعالى: {عَوَانٌ} قال الفراء: انقطع الكلام عند قوله: {وَلَا بِكْرٌ}، ثم استأنف فقال: {عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ}. قال: والعوان يقال منها: عوَّنت تُعوّن تعْوينًا (¬1). وقال أبو الهيثم: العوان: النَّصَف التي بين الفارض -وهي المسنة- وبين البكر وهى: الصغيرة (¬2). أبو زيد: بقرة عوان: بين المسنة والشابة (¬3)، وقد عانت تعون عُووناً إذا صارت عواناً (¬4). وقال الأخفش: العوان التي نتجت مرارا، وجمعها عُون (¬5). قال ابن (¬6) مقبل: ومَأتَمٍ كالدُّمَى حُورٍ مَدَامِعُها ... لَمْ تشقَ بالعَيْشِ أَبْكَارًا وَلَا عُونًا (¬7) ¬

_ (¬1) "معاني القرآن" 1/ 44، 45، "تهذيب اللغة" (عان) 3/ 2292، ولم يرد فيهما (تعون تعوينا). (¬2) "تهذيب اللغة" (عان) 3/ 2292، وانظر: "اللسان" (عون) 5/ 3179. (¬3) في (ب): (الشاب). (¬4) المرجع السابق. (¬5) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 83 ب، والبغوي في "تفسيره" 1/ 83، ولم أجده في "معاني القرآن" للأخفش. (¬6) (ابن) ساقط من: (ج). (¬7) (المأتم): جماعة النساء، و (الدمى): الصورة أو التمثال، شبه النساء بجمالهن بالدمى، لم يشقين بالعيش وهن أبكار، أو عون عند أزواجهن، ويروى البيت (لم تيأس) بدل (لم تشق)، ورد البيت في "تفسير الطبري"، "الزاهر" 1/ 263، و"جمهرة أشعار العرب" ص 859، "تهذيب اللغة" (أتم) 1/ 114، "اللسان" (أتم) 1/ 20.

وقال ابن الأعرابي: العَوَان (¬1) من الحيوان السن بين السنين لا صغير ولا كبير (¬2). قال (¬3): ويقال في الجمع: عُون، فرس عَوان، وخيل عُون، على فُعْل، والأصل عُوُن فكرهوا إلقاء ضمة على الواو فسكنوها، وكذلك يقال: رجل جواد وقوم جُود، قال زهير: نَحُلُّ (¬4) سُهُولَها فإذا فَزِعْنا ... جَرَى مِنْهُنّ بالآصال عُونُ (¬5) فزعنا: أغثنا مستغيثًا. قال (¬6): وامرأة عوان: ثيب. وحرب عوان: كان قبلها حرب، كأنه قوتل فيها مرتين. قال ابن عباس: عوان: بين (¬7) الصغيرة والكبيرة، وهي أقوى ما ¬

_ (¬1) في (أ)، (ج): (العون)، وما في (ب) يوافق "تهذيب اللغة". (¬2) كلام ابن الأعرابي أورده الأزهري عن ثعلب عن ابن الأعرابي، "تهذيب اللغة" (عان) 3/ 2292، وانظر: "اللسان" (عون) 5/ 3179. (¬3) نسب الواحدي الكلام لابن الأعرابي، وهو في "تهذيب اللغة" منسوب لأبي الهيثم حيث قال: (وأخبرني المنذري عن أبي الهيثم قال: العوان النصف .. ثم قال: قال: ويقال: فرس عوان .. إلخ)، "تهذيب اللغة" (عان) 3/ 2292. (¬4) في (أ) (ج): (يحل)، وفي (ب) غير منقوط، وبالنون ورد في جميع المصادر. (¬5) قوله: (جرى منهن): أي من خيلهم، وقد روي شطره الأخير: جَرتْ بهم إلى المِضمارِ عُون ورد البيت في "تهذيب اللغة" (عان) 3/ 2292، "المخصص" 8/ 51، "اللسان" (عون) 5/ 3179، و"ديوان زهير" ص 102. (¬6) أي ابن الأعرابي. انظر: "تهذيب اللغة" (عان) 3/ 2292. (¬7) في (ج): (من).

يكون من البقر (¬1) وأحسن ما يكون (¬2). وقال مجاهد: عوان: وسط قد ولدت بطنا أو بطنين (¬3). وفائدة قوله: (عوان)، بعد ما نفي أن تكون (¬4) بكراً وأن تكون (¬5) فارضاً، هو أنه احتمل أن تكون عجلاً أو جنيناً، فقال: عوان، لإزالة اللبس ونفي الاحتمال. وقوله تعالى: {بَيْنَ ذَلِكَ} و (بين) لا تصلح (¬6) إلا لشيئين (¬7) أو لأكثر، وإنما صلحت من ذلك وحده؛ لأنه في مذهب الاثنين (¬8)، والاثنان (¬9) قد يجتمعان بـ ذلك وذاك ألا ترى أنك تقول: أظن زيدا أخاك، وكان زيد أخاك، ولا بد لـ (كان وأظن) (¬10) من شيئين، ثم تقول: قد كان ذاك وذلك، وأظن ذلك وذاك (¬11)، فيكون جائزا. ¬

_ (¬1) في (أ): (البقرة) وما في (ب)، (ج) يوافق رواية ابن عباس في الطبري. (¬2) أخرجه الطبري في "تفسيره" عن الضحاك عن ابن عباس 2/ 195، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 413، وانظر: "تفسير ابن كثير" 1/ 118، "الدر المنثور" 1/ 151. (¬3) أخرجه الطبري 2/ 195، وابن أبي حاتم 1/ 414. (¬4) في (أ): (يكون) في المواضع الثلاثة وأثبت ما في (ب)، (ج) لمناسبته للسياق. (¬5) في (ج): (أو تكون). (¬6) في (أ)، (ج): (يصلح) وما في (ب) موافق لـ"معاني القرآن" للفراء 1/ 45، والكلام منقول منه. (¬7) في "معاني القرآن"، (لا تصلح إلا مع اسمين فما زاد). (¬8) في (ب): (الاثنتين). (¬9) في "معاني القرآن" (والفعلان). (¬10) في (ب): (ولأظن). (¬11) (ذاك): ساقط من: (ب).

والاسمان اللذان ضمهما ذلك: الهرم والشباب (¬1)، كأنه قيل: بين الهرم والشباب (¬2)، وجاز أن يتضمن ذلك اسمين، لأنه أتى به على مذهب الفعل وأنت تقول في الأفعال: إقبالك وإدبارك يشق علي، فتوحد فعلهما بعدهما، ولا تقول: أخوك وأبوك يزورني لأن الأفعال وإن اختلفت حركاتها جنس واحد، وليست كالأسماء التي يخالف بعضها بعضا، كذلك هاهنا أريد بين الهرم والشباب (¬3). ومما يجوز أن يقع عليه (بين) وهو واحد في اللفظ ويؤدي عن الاثنين (¬4) فما زاد قوله: {لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ} [البقرة: 136]، ولا يجوز: لا نفرق بين رجل منهم، لأن أحدا لا يُثنى كما يثنى الرجل ويجمع، فإن شئت جعلت أحدا (¬5) في تأويل اثنين، وإن شئت في تأويل أكثر من ذلك، قال الله تعالى: {فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ} [الحاقة: 47]، وتقول: بين أيهم المال، وبين من قسم المال، فتجرى (¬6) (من وأي) على (¬7) مجرى أحد لأنهما قد يكونان لواحد. وجميع (¬8) هذا قول الفراء (¬9)، ونحو هذا قال ¬

_ (¬1) في (أ، ج): (الشاب) في المواضع الثلاثة، وما في (ب) موافق لـ"معاني القرآن" 1/ 45. (¬2) انظر الحاشية السابقة. (¬3) انظر الحاشية السابقة. (¬4) في (ب): (اثنتين). (¬5) في (ب): (واحد). (¬6) في (ج): (في فتجري). (¬7) (على): ساقط من: (ب). (¬8) في (ب): (لواحد ولجمع). (¬9) انظر: "معاني القرآن" 1/ 45، وقد نقل كلام الفراء بتصرف، وانظر "تفسير الطبري" 1/ 344.

الزجاج فقال: معنى: {بَيْنَ ذَلِكَ} بين البكر والفارض، وانما جاز بين ذلك وبين لا يكون (¬1) إلا مع اثنين لأن (¬2) ذلك ينوب عن الجمل تقول: ظننت زيدا قائما، فيقول القائل: قد ظننت ذاك، وظننت ذلك (¬3). قال أبو علي (¬4): اعلم (¬5) أن بين اسم يستعمل على ضربين: مصدر وظرف، وهما عندي وجميع بابهما يرجع إلى أصل واحد، وهو الافتراق والانكشاف. فأما الذي هو مصدر (¬6) فقالوا: بان الخليطُ بيناً أي فارق، وقد بِنْتُه أي: فارقته، أنشد أبو زيد: كَأَنَّ عَيْنَيَّ وَقَدْ بَانُونِي ... غَرْبَانِ في جَدْوَلٍ مَنْجَنُونِ (¬7) والمعروف: بان عني، فأما هذا فيتجه على أنه أراد الحرف فحذفه ¬

_ (¬1) في (ب): (لا تكون). (¬2) (لأن): ساقط من: (ج). (¬3) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 123، وانظر ما سبق ص 1037، 1038. (¬4) ورد كلام أبي علي في كتاب "الإغفال فيما أغفله الزجاج في كتاب معاني القرآن" نقل عنه الواحدي طويلا بتصرف، وقد أثبت الفروق الهامة في أماكنها، "الإغفال" ص 214. (¬5) (اعلم): ساقط من: (ب). (¬6) في (ب): (المصدر). (¬7) قوله: (بانوني): فارقوني، (غربان): مثنى غرب، وهي: دلو عظيمة، (جدول): نهر صغير، (منجنون): الدولاب، وهو ما يستقى به الماء، فارسي معرب. ورد البيت في "نوادر أبي زيد" ص 262، "الإغفال" ص214، "الخصائص" 2/ 149، "المنصف" 3/ 24، "المخصص" 12/ 38، "اللسان" (بين) 1/ 404، و (منجنون) 1/ 4273.

فلما حذف الحرف أوصل الفعل (¬1). وقولهم: بان الأمر وأبان، إنما معناه: انكشف، وفارقه ما كان غشيه من الإشكال بغيره والالتباس بسواه. وقال أبو زيد: البَيُون: البئر الواسعة الرأس الضيقة الأسفل، إذا قام الساقي على شفتها لم ير الماء، وأنشد: إِنَّكَ إِنْ دَعَوْتَنِي ودُوني ... زَوْرَاءُ ذاتُ مَنْزَعٍ بَيُونِ لَقُلْتُ لَبَّيْهِ لِمَنْ يَدْعُونِي (¬2) وهذا أيضًا مما ذكرنا (¬3)؛ لأن أعلى البئر فارق أسفلها لانهياره بورود السابلة عليها (¬4) والمستقين (¬5) منها. ولهذا المعنى الذي ذكرنا في أصل هذه الكلمة أضيف (بين) إلى ما دل على أكثر من الواحد في الأسماء، ولم يضف إلى الاسم المفرد الدال على الواحد، لأن ذلك ممتنع في معناه. ¬

_ (¬1) بمعناه في "الإغفال" ص 215. (¬2) الرجز لم يعرف قائله، ومعنى: (زوراء): الأرض البعيدة الأطراف. (المنزع): الموضع الذي يصعد فيه الدلو إذا نزع من البئر، فذلك الهواء هو المنزع. يقول: لو ناديتني وبيني وبينك أرض بعيدة، ذات ماء بعيد المتناول، أجبت. فلا تردني عن إجابتك الصعاب، وردت الأبيات في "تهذيب اللغة" (بان) 1/ 266، "المخصص" 10/ 36، 16/ 147، "الإغفال" ص215، "الهمع" 3/ 113، "شرح ابن عقيل" 3/ 52، "أوضح المسالك" 144، "مغني اللبيب" 2/ 578، "الخزانة" 2/ 93، "اللسان" (لبب) 7/ 3980، و (بين) 13/ 64، ووقع اختلاف يسير في رواية بعض ألفاظها. (¬3) في "الإغفال": (ذكرناه). (¬4) (عليها): ساقط من (ب). (¬5) في (ج): (المستبين).

ألا ترى أنك لو قلت: اجتماع زيد (¬1)، وجمعت زيداً، لم يسغ (¬2) حتى تضيف إليه ما تريد (¬3) به على الأفراد. هذا أصل (بين) في اللغة، ثم لا يمتنع أن يتسع فيه كما اتسع في غيره، فيستعمل لغير هذا المعنى. مما اتسع فيه أنه استعمل بمعنى الوصل (¬4)، وهو ضد الافتراق، وقد بينا أن أصله راجع إلى الافتراق، وإنما جاز استعماله بمعنى الوصل في قوله: {لَقَد تَقَطَّع بَيْنُكُم} [الأنعام: 94] على قراءة من رفع (¬5)، لأنه قد كثر استعمالها ظرفًا بين الشيئين ومع الشيئين اللذين بينهما ملابسة ومخالطة، فصار لذلك بمنزلة الوصلة والاقتراب بين الشيئين. وهذا الاتساع إنما هو في المستعمل ظرفا دون التي هي مصدر، لأنه في الاستعمال أكثر. وهذا التوسع في الظروف كثير، والذي استعمل ظرفا أصله الذي هو مصدر؛ لأن المصادر قد استعملت ظروفاً في مواضع كثيرة، والأسماء التي تستعمل تارة ظروفاً وتارة أسماءً لا تمتنع أن تكون مشتقة مثل: خلف وأمام وقدام وأعلى وأسفل ووسط كلها مشتقة، وهي مع ذلك ظروف وقد استعملت أسماءً كما (¬6) استعملت ظروفاً، وكذلك بين في نحو قوله: {وَمِن ¬

_ (¬1) في (ب): (زيدا). (¬2) (يسغ): مكانها بياض في (ب). (¬3) في "الإغفال": (ما يؤيد به ..) ص 217. (¬4) "الإغفال" ص 217 - 219، نقل كلامه بتصرف. (¬5) قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعامر وحمزة وعاصم في رواية أبي بكر بالرفع، وقرأ نافع والكسائي وعاصم في رواية حفص بالنصب. انظر: "السبعة" ص 263، و"التيسير" ص 105. (¬6) في (ب): (كلما).

بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ} [فصلت: 5]، قد استعملت اسما. كما استعملت ظرفا (¬1) نحو: بينهما مال، وفي قوله: {لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ} [الأنعام: 94] في قراءة من نصب (¬2)، لأن المعنى: لقد تقطع الاشتراك (¬3) بينكم. وأما ما لزم (¬4) الظرفية وبعد عن التمكن كإذ ونحوه فيمتنع اشتقاقه (¬5). هذا هو الكلام في بين. فأما ما يقع بعده فهو على ضربين (¬6): اسم وجملة. والاسم المفرد الذي بعده لا يخلو من أن يكون دالا على واحد أو أكثر من الواحد. فإن كان دالا على الواحد غير دال (¬7) على أكثر منه عطف عليه اسم آخر، وكان العطف بالواو دون غيرها من الحروف العاطفة، [وذلك قولنا: المال بين زيد وعمرو. وإنما كان العطف بالواو لما فيما من معنى الاجتماع، ولأن ذلك حقيقتها وأصلها وليس ذلك موجودا في شيء غيرها من الحروف العاطفة (¬8)]، وفي العطف على الاسم المفرد بعد (بين) يحتاج إلى ما يدل على معنى الاجتماع. لما قدمنا ذكره في معنى ¬

_ (¬1) في (ب): (قد استعملت ظروفًا). (¬2) قراءة نافع والكسائي وحفص عن عاصم كما سبق. (¬3) في (أ)، (ج): (لقد تقطع بينكم الاشتراك بينكم) زيادة بينكم وليست في "الإغفال" ص 218. (¬4) في (أ)، (ج): (وأما لزم)، وفي (ب): (وأما ما لزوم). (¬5) قال أبو علي: (فالقول: أن ما كان منها يستعمل تارة اسما، وتارة ظرفا، فلم يلزم الظرفية، فيبعد بذلك عن المتمكنة، كإذ ونحوه، ولا يمتنع أن تكون مشتقة كسائر الأسماء التي لا تكون ظروفا) "الإغفال" ص 218. (¬6) "الإغفال" ص 219. (¬7) في (ب): (وغير ذاك). (¬8) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).

(بين) فلو عطف فيه على الاسم المفرد بحرف غير الواو لبقيت إضافتها كأنها إلى المفرد. ألا ترى أنك لو جعلت موضع الواو الفاء لكان -لما فيها من معنى إتباعه الثاني الأول- لا يكون مجتمعا مع المعطوف عليه، وإذا لم يجتمع معه حصلت الإضافة إلى مفرد دال على واحد، وإضافتها إلى الواحد ممتنع. والذي يدل على أنه حيث تريد (¬1) الاجتماع لا يجوز العطف بغير الواو (¬2) أنك لو قلت: مررت بزيد أخيك وصاحبك، وأنت تريد نعته بالأخوة والصحبة جميعًا (¬3) كان العطف بالواو دون سائر أخواتها، إذ (¬4) كان الغرض أنه مستحق لهما (¬5) معًا. وكذلك الأفعال التي لا تقع إلا من فاعلين لا يكون العطف فيه لأحد الفاعلين على الآخر إلا بالواو دون غيرها، لأنك لو عطفت فيها بغير الواو، لصارت كأنها مسندة إلى فاعل واحد، وذلك فيها فاسد، وذلك نحو الاشتراك والاختصام (¬6) والاقتتال وما أشبه هذا. وما امتنع من العطف بالفاء, فهو من (ثم) أشد امتناعًا إذ (¬7) كان معناها من معنى الاجتماع أبعد، وإلى الافتراق أقرب لما يدل عليه من التراخي والمهلة (¬8). ¬

_ (¬1) في (ب): (يريد). (¬2) "الإغفال" ص 220، نقل كلامه بتصرف. (¬3) في (ب): (حصل). (¬4) في (ب): (اذا). (¬5) في (ب): (لها جميعا). (¬6) في "الإغفال": (الاختصاص) ص 220. (¬7) في (ب): (اذا). (¬8) "الإغفال" ص 221.

فإن قيل (¬1): أليس قال الله تعالى: {ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَه} [النور: 43] فأضاف (بين) (¬2) إلى اسم مفرد؟ قيل: الهاء فيه ضمير يعود إلى اسم يراد به الجمع، فجاز إضافة (بين) إليه من حيث جاز إضافته إلى الاسم الذي هذه (¬3) الهاء عائدة إليه، وذلك قوله: {سَحَابًا} (¬4) ألا ترى أن سحاباً جمع سحابة. فأما قوله (¬5): بيني وبينه مال، فمذهب سيبويه فيه أن (بين) الثاني متكرر للتأكيد، ومعناه عنده (¬6): بيننا. قال: وهو مثل قولهم: أخزى الله الكاذب منِّي ومنك وإنما هو: منا (¬7)، وكقول القائل (¬8): فأيِّي ما وأَيُّك كان شرًّا ... فَقِيدَ إلى الْمقَامَةِ لاَ يَرَاهَا (¬9) ¬

_ (¬1) "الإغفال" ص 226. (¬2) (بين): ساقط من (ب). (¬3) في (ج): (هو هذه). (¬4) سياق الآية: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ} [النور: 43]. (¬5) في (ب): (قولهم). (¬6) في "الإغفال": فمذهب سيبويه فيه أن (بين) الثاني متكرر للتأكيد، كما يكرر الشيء له، ومعناه عندنا: بيننا .. ص 227. (¬7) انظر: "الكتاب" 1/ 204. (¬8) هو العباس بن مرداس. (¬9) معنى البيت: يقول من كان منا شرًّا أعماه الله في الدنيا فلا يبصر مجلسه، وقيل: مات على عماه فيقاد إلى موضع إقامة الناس في العرصات، و (المُقامة): بفتح الميم وضمها: المجلس ومكان اجتماع الناس. انظر: "الكتاب" 2/ 402، "شرح أبيات سيبويه" للسيرافي 2/ 93، و"شرحها" للنحاس ص 155، "الإغفال" ص 227، "تهذيب اللغة" (أى) 1/ 242، "اللسان" (قوم) 6/ 3787، و (أيا) 1/ 242، "أمالي القالي" 3/ 60، "شرح المفصل" 2/ 131، "الخزانة" 4/ 367، "البحر المحيط" 4/ 226.

إنما هو فأينا، كذلك هاهنا المعنى بيننا، وكرر للتأكيد. وأما قوله تعالى: {عَوَان بَينَ ذَلِكَ} فأضاف (¬1) (بين) إلى ذلك من حيث جاز إضافته إلى القوم وما أشبه ذلك من الأسماء التي تدل على الكثرة وإن كانت مفردة، وإنما جاز أن يكون قولنا: (ذلك) يراد به مرة الانفراد ومرة الجمع والكثرة لمشابهته الموصولة كـ (الذي وما). ألا ترى أن القبيلين يشتبهان في دلالة كل واحد منها على شيء بعينه. ألا ترى أن (الذي) لا يدل على زيد دون عمرو، و (ما) لا يدل على الفرس دون الحمار، وكذلك (من)، فكان (¬2) قولنا (ذلك) وسائر المبهمة كذلك، فلما كان (الذي وما ومن) على ما وصفنا من الدلالة على الجموع والإفراد، وكانت تفرد والمراد في إفرادها الجمع في نحو قوله: {وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (33)} [الزمر: 33] و {كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا} [البقرة: 17] و {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ} [يونس: 18] ونحو ذلك مما يكثر تعداده، وكانت المبهمة مثلها في أنها لا تخص (¬3) بالدلالة نوعاً ولا شخصاً بعينه، أجري مجراها في أن المراد فيما استعمل منه مفرداً قد يكون الجماعة (¬4). وهذا واسع مستحسن في جميع المبهمة، فمن المبهمة (كم) في قوله: {وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ} [النجم: 26]، وقال: {وَكَم ¬

_ (¬1) في (ب)، (ج): (فأضيف)، وفي "الإغفال": (فإنما أضيف ..) ص 228. (¬2) في (ب): (وكان). (¬3) في (ب)، (ج): (لا تختص)، وما في (أ) موافق و"الإغفال" ص 229. (¬4) في "الإغفال": (لجماعة) ص 229، وعبارته أوضح.

مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا} [الأعراف: 4]، ثم قال: {أَوْ هُمْ قَائِلُونَ} وقال: {فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ} [الحاقة: 47]، وقال: {وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ} [النمل: 87] (¬1) وقال: {إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا} [مريم: 93]. فهذه الأسماء (¬2) حسن فيها هذا، لما لم يكن (¬3) لواحد بعينه ولا لنوع وحده (¬4)، فكذلك (¬5) (ذلك) لما كان مبهماً جاز أن يراد به الواحد مرة، وأكثر من الواحد مرة، وعلى هذا الحد صار فاعلاً لحبَّ في قولهم: [حبذا. ألا ترى أنه موضع يقع فيه الاسم (¬6)، كما أن فاعل نعم وبئس عام. وقيل:] (¬7) حبذا هند، كما قيل: حبذا زيد (¬8)، ويدلك على ما ذكرنا من قصدهم بـ (ذلك) الجمع وما زاد على الواحد، أن رؤبة لما قيل له في قوله: فيه خُطُوطٌ من سَوَادٍ وبَلَقْ ... كأَنَّه في الجِلْدِ تَوْلِيعُ البَهَقْ (¬9) ¬

_ (¬1) والآية لم ترد في "الإغفال"، وترك الواحدي آيات أخرى استشهد بها أبو علي، انظر: ص 230. (¬2) في (ج): (اسماء). (¬3) في (ب): (يكون)، وفي "الإغفال" (تكن) ص 230 وهو أولى. (¬4) في "الإغفال" (واحد) ص 230. (¬5) في (ج): (وكذلك). (¬6) في "الإغفال": (الاسم العام). (¬7) ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ج)، وثابت في (ب)، و"الإغفال" ص 230. (¬8) أي: أنه لم تُغير (حبذا) للتأنيث. انظر "الإغفال" ص 230، 231. (¬9) يروى (فيها) بدل فيه، وقوله (بلق): سواد وبياض، و (التوليع) استطالة البلق ولمعانه، (البهق): بياض رقيق في البشرة. ورد الرجز في "ديوان رؤبة" ص 104 "مجالس العلماء" للزجاجي ص 277، "المخصص" 5/ 89، "تهذيب اللغة" (بهق) 1/ 405، "مجمل اللغة" 1/ 138، "مقاييس اللغة" 1/ 310، "اللسان" 1/ 374،=

وجب أن تقول (¬1): كأنها، وإن أردت السواد والبلق وجب أن تقول (¬2): كأنهما. قال: أردت كأن ذاك (¬3). فعلم بهذا أنهم يقصدون بـ (ذلك) غير المفرد وأنه قصد هذا المعنى، وعليه حمل كلامه. ويدل أيضًا على أنهم يقصدون بـ (ذلك) إلى (¬4) أكثر من الواحد إضافتهم (كلا) إليه، وذلك في قول القائل: وَكِلاَ ذَلِكَ وَجْهٌ وَقَبَلْ (¬5) ألا ترى أن (كلا) لا يضاف إلى المفرد، فبان أن المراد بـ (ذلك) الزيادة على الواحد. وكذلك (¬6) قوله: {عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ} إنما أضيف ¬

_ = و"أساس البلاغة" (ولع) 2/ 527، "مغني اللبيب" 2/ 678، "البحر المحيط" 1/ 251، 4/ 285، 5/ 64، "الكشاف" 1/ 278، "الدر المصون" 1/ 423. (¬1) في (أ): (يقول)، وما في (ب)، (ج) موافق "للإغفال" ص 231. (¬2) انظر الحاشية السابقة. (¬3) في "مجاز القرآن": قال أبو عبيدة فقلت لرؤبة: إن كانت خطوط فقل كأنها، وان كان سواد وبلق فقل: كأنهما، فقال: كان ذاك ويلك توليع البهق. "المجاز" 1/ 44. (¬4) (إلى): ساقط من (ج)، وفي (ب): (الأكثر). (¬5) من قصيدة لعبد الله بن الزِّبَعْرَى، قالها يوم أحد، يتشفى من المسلمين، فرد عليه حسان، والشطر الأول: إنَّ للخَيْرِ وللِشِّرِ مَدًى. أورد ابن هشام القصيدة في "السيرة" 3/ 96، وهي في "شعره" ص 41، وورد البيت في "الإغفال" ص 232، "شرح المفصل" 3/ 2، و"الهمع" 4/ 283، "البحر المحيط" 1/ 251، "شرح ابن عقيل" 3/ 62، "مغني اللبيب" 1/ 203، "أوضح المسالك" 146، "الدر المصون" 1/ 348، 422. (¬6) في (ب): (فكذلك)، ومثله في "الإغفال" ص 232.

(بين) إلى (ذلك) لأن المراد به الزيادة على الواحد. ألا ترى أنه إشارة إلى ما تقدم من قوله مما دل على الفروض والبكارة. فأما قول أبي إسحاق: (لأن ذلك ينوب عن الجمل (¬1)، يقول القائل: ظننت ذاك، والظن يقتضي مفعولين فقام ذلك أو ذاك مقامهما)، فهذا خطأ (¬2)، ولا يجوز أن يقع ذاك وذلك (¬3) موقع الجملة، ولا يجوز أن تكون (¬4) نائبة عن الجملة، لأنه لوكان نائبا عنها للزم أن ينوب عنها في صلة (الذي) وأخواتها، وفي وصف النكرات (¬5). ولو (¬6) كان (ذلك) نائبًا عن الجمل لما جاز وقوعه في هذه الآية؛ لأن هذا الموضع ليس من مواضع الجمل، ولا من الأماكن التي يتجه فيها دخول الجمل. ¬

_ (¬1) في "الإغفال": (فأما قول أبي إسحاق: إنما جاز (بين ذلك)، و (بين) لا تكون إلا مع اثنين فعبارة أطلقها على جهة التسامح .. ثم قال (فاما قوله (لأن ذلك) ينوب عن الجمل، كقول القائل: ظننت ذاك ... إلخ) نقله بتصرف "الإغفال" ص 232، 233. (¬2) قوله: (فهذا خطأ) لم يرد في كلام أبي علي، ونص كلامه: (فلا يخلو (ذلك) في ما ذكره من قولهم: ظننت ذاك أن يكون إشارة إلى المصدر، كما ذهب إليه سيبويه، أو يكون نائبا عن الجمل كما قاله أبو إسحاق، أو يكون إشارة إلى أحد المفعولين اللذين يقتضيهما (ظننت)، لا تحتمل القسمة غير ذلك ..) ثم أخذ يفصل هذه الوجوه. انظر: "الإغفال" ص 233. (¬3) في (ج): (ذلك وذاك). (¬4) في (أ)، (ج): (يكون)، وفي "الإغفال" (يكون نائبًا) ص 233، وأثبت ما في (ب) لأنه أنسب للسياق. (¬5) "الإغفال" ص 233. (¬6) "الإغفال" ص 241.

69

ألا ترى أن (ذلك) إشارة إلى البكارة والفروض. فلو كان واقعاً (¬1) موقعَ جملةٍ ما دلّ عليهما (¬2)؛ لأن الجملة يُسنَد فيها الحديثُ إلى المحدَّث عنه (¬3)، وليس (¬4) واحد من الفروض والبكارة بمسند إلى الآخر. وهذا واضح لمن تأمله. فأما قولهم: ظننت ذاك، فهو عند سيبويه إشارة إلى المصدر (¬5) كأنك قلت: ظننت ذاك (¬6) الظنَّ، وإذا كان إشارة إلى المصدر لم يحتج إلى مفعول ثان، كما أنّ (ضربت) وغيره من الأفعال المتعدية إذا عديته (¬7) إلى المصدر لم يلزم أن تُعدِّيه إلى مفعول به، فبان أن (ذاك) من قولهم: (ظننت ذاك) لم يقع موقع الجملة (¬8). 69 - قوله تعالى: {قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا} اللون (¬9) مرفوع، لأنك لم ترد أن تجعل (ما) صلة، فتقول: يبين لنا لونَها، وقد قرئ ¬

_ (¬1) في (ب): (واقع). (¬2) في (ب): (عليها). (¬3) في (ب): (عنها). (¬4) قوله: (وليس) ساقط من (ب). (¬5) انظر: "الكتاب" 1/ 40. (¬6) في (ب): (ذلك). (¬7) قوله: (إذا عديته) ساقط من (ب). (¬8) انتهى ما نقله المؤلف عن كتاب "الإغفال" لأبي علي الفارسي بعضه بنصه، وبعضه بتصرف. انظر: "الإغفال" ص 214 - 241، وقد أطال في النقل عن (بين). ومحل ذلك المطولات من كتب النحو، لا كتب التفسير والله أعلم. (¬9) في (ب): (ما لونها مرفوع).

بها شاذّاً، وهو صواب (¬1)، ولكنه (¬2) أراد (¬3): ادع لنا ربك يبيّن لنا أي شيء لونُها؟ ولم يصلح للفعل الوقوع (¬4) على (أي) لأن أصله جمع متفرق (¬5) من الاستفهام، كقول القائل (¬6): يبين لنا (¬7) أسوداء هي أم صفراء؟ فلما لم يصلح (¬8) للتَّبَيُّن أن يقع على الاستفهام في تفرقه لم [يقع] (¬9) على أي، لأنها ¬

_ (¬1) لعل المراد من الناحية النحوية، لو ثبتت القراءة به وقد نسب الثعلبي القراءة بالنصب إلى الضحاك 1/ 84/ أ، وعبارة الفراء -والكلام بنصه منقول عنه- يقول: (اللون مرفوع، لأنك لم ترد أن تجعل (ما) صلة فتقول: يبين لنا ما لونَها، ولو قرأ به قارئٌ كان صوابا ..) "معاني القرآن" للفراء 1/ 46. قارن بين كلام الفراء وكلام الواحدي. قال الزجاج: (ولا يجوز في القراءة (ادع لنا ربك يبين لنا ما لونَها) على أن يجعل (ما) لغوا، ولا يُقرأ القرآن إلا كما قرأت القراء المجمع عليهم في الأخذ عنهم) "معاني القرآن" 1/ 123. وانظر: "تفسير الطبري" 1/ 344، فإنه نقل بعض كلام الفراء بمعناه، وانظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 185، و"المشكل" 1/ 52. (¬2) في (ج): (ولكنه القائل يبين لنا أسوداء هي أما صفراء أراد: ادع ..) وفيه تكرير جملة لا مكان لها هنا وستأتي بعد. (¬3) ما أحسن صنيع الفراء حينما قال: (ولكنه أراد -والله أعلم- ادع ..) "معاني القرآن" 1/ 46. (¬4) في (ج): (للوقوع). (¬5) عبارة الفراء: (لأن الأصل (أي) تفرق جمع من الاستفهام) يريد أن (أيا) نابت عن جمع من الاستفهام متفرق. انظر: "معاني القرآن" للفراء، وحاشيته 1/ 46. (¬6) (القائل): مكرر في (ج). (¬7) في (ب): (سوداء) بسقوط الهمزة. (¬8) في (أ)، (ج): (فإنما يصلح للتبيين ..)، وما في (ب) موافق لـ "معاني القرآن" للفراء 1/ 46. (¬9) (يقع) زيادة من "معاني القرآن" 1/ 46، وهي لازمة لتمام الكلام.

جمع ذلك المتفرق، وكذلك ما كان في القرآن مثله. فأعمِلْ في (¬1) (ما) و (أي) الفعل الذي بعدهما، ولا تُعمِلْ الذي قبلهما إذا كان مشتقًّا من العلم أو في معناه، كقولك: ما أعلم أنهم قال ذلك، ولا أُعلِمَنَّ أيُّهم قال ذلك، وما أدري أيَّهم ضربتَ (¬2). فهو في العلم والإخبار والإنباء وما أشبهها على هذا الوصف، ومنه قوله: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ} [الانفطار: 17]، موضع (ما) (¬3) رفع (¬4)، رفعتها بيوم، كقولك: ما أدراك أيُّ شيء يوم الدين؟ وكذلك قوله: {لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى} [الكهف: 12]، رفعت (أي) بأحصى، وإنما (¬5) امتنعت (أي) من الفعل الذي قبلها، لأنك تجد الفعل غير واقع عليها في المعنى؛ ألا ترى أنك إذا قلت: اسأل (¬6) أيهم قام، كان المعنى: سل الناس أيُّهم قام، ولو أوقعت الفعل على أي فقلت: اسأل أيَّهم قام، خرجت من معنى الاستفهام، وذاك جائز إن أردته (¬7)، تقول: لأضربنَّ أيَّهم قال ذلك، فهنا (¬8) (أي) لا تكون (¬9) استفهاماً؛ لأن الضرب لا يقع [على ¬

_ (¬1) (في): ساقطة من (ب). (¬2) من (ب): (ضربت)، ومثله في "معاني القرآن" 1/ 46، وفي غير (ب): (ضرب). (¬3) في "معاني القرآن" (ما الثانية) 1/ 46. (¬4) في (ب): (رفعت). (¬5) في "معاني القرآن" للفراء: (وتقول إذا كان الفعل واقعا على (أي): ما أدري أيَّهم ضربت، وإنما امتنعت من أن توقع على (أي) الفعل الذي قبلها من العلم وأشباهه، لأنك تجد الفعل ... إلخ) 1/ 46، 47. (¬6) في "المعاني": (سل). (¬7) في (ب): (أردت). (¬8) في (ج): (فهاهنا). (¬9) في (أ)، (ج): (يكون).

اسم، ثم يأتي بعد ذلك استفهام، لأن الضرب لا يقع، (¬1) على اثنين. وقوله: {ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا} [مريم: 69] مَنْ نصَبَ أيّاً (¬2) أوقع عليها النزع، وليس باستفهام، كأنه قال: ثم لنستخرجن العاتي الذي هو أشدّ عِتيّا. وأما الرفع (¬3)، فأن تجعل مكتفيًا بـ (من) في الوقوع عليها كما تقول: قد قتلنا من كل قوم، وأصبنا من كل طعام، ثم تستأنف أيّاً فترفعها بالذي بعدها، كقوله تعالى: {يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ} [الإسراء: 57] وكذلك: {يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ} (¬4) [آل عمران: 44]. و (¬5) قوله تعالى: {قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا} (¬6) ما بعد القول من باب (¬7) إنَّ مكسور أبدا، كأنك لم تذكر القول في صدر كلامك، وإنما وقع (قلت) في كلام العرب على أن يحكى به ما كان كلاماً يقوم بنفسه قبل دخوله، فيؤدي ¬

_ (¬1) ما بين المعقوفين ساقط من (ب). (¬2) بالنصب قرأ طلحة بن مصرف، ومعاذ بن مسلم الهراء، وزائدة عن الأعمش، انظر "البحر المحيط" 6/ 209. (¬3) ذكر الفراء وجهين للرفع حيث قال: (وفيها وجهان من الرفع: أحدهما: أن تجعل الفعل مكتفيا بـ (من) .. الخ) وذكر الوجه الثاني فقال: (فإن في قوله تعالى: {ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ} لننزعن من الذين تشايعوا على هذا، ينظرون بالتشايع أيهم أشد وأخبث، وأيهم أشد على الرحمن عتيا ..) 1/ 48. (¬4) بهذا انتهى ما نقله المؤلف من الفراء بنصه في الغالب، وبتصرف في بعضه، انظر: "معاني القرآن" 1/ 46 - 48. (¬5) (الواو): ساقط من (ب). (¬6) (قال): ساقط من (ب). (¬7) (باب): ساقط من (ج).

مع ذكر (قلت) ذلك اللفظ، تقول: قلت: زيد منطلق، وكذلك إن زيدًا منطلق، إذا حكيته تقول: قلت: إن زيداً منطلق (¬1)، لا اختلاف بين النحويين في ذلك، إلا أن قوماً من العرب، وهم بنو سُلَيم يجعلون باب (قلت) (¬2) كباب (ظننت)، فيقولون: قلت: زيداً منطلقاً، وهذه لغة لا يؤخذ بها في القرآن. وقوله تعالى: {فَاقِعٌ} هو مبالغة في نعت الأصفر يقال: فَقَعَ فُقُوعًا وهو يَفْقَعُ ويَفْقُعُ. وربما استعمل الفقوع في معنى الحمرة (¬3)، قال البُرجُ بن مُسْهِر: كُمَيْتاً (¬4) مِثْلَ ما فَقَعَ الأَديم (¬5) أي: اشتدت حمرته، وفاقع يرجع إلى اللون، وهو خبر واسمه اللون، فهو خبر مقدم على الاسم (¬6). ¬

_ (¬1) الكلام بنصه في "معاني القرآن" للزجاج وفيه: (تقول: قلت: زيد منطلق. كأنك قلت: زيد منطلق، وكذلك: إن زيدا منطلق، لا اختلاف بين النحويين ..) "معاني القرآن" 1/ 123. (¬2) في "المعاني": (باب (قلت) اجمع كباب (ظننت)) 1/ 123. (¬3) أكثر المفسرين على أن {فَاقِعٌ} في هذه الآية صفة للأصفر. انظر: "تفسير الطبري" 1/ 345 - 346، "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 53، 54، "معاني القرآن" للأخفش1/ 279، "معاني القرآن" للزجاج1/ 124، "الكشاف" 1/ 287، وانظر: مادة (فقع) في "الصحاح" 3/ 259، "اللسان" 6/ 3448. (¬4) كذا في جميع النسخ، وفي "اللسان" (كميت)، وكذا في "التاج". (¬5) ورد البيت في اللسان، وصدره: تَراها في الإناء لها حُمَيَّا "اللسان" (فقع) 6/ 3448، و"التاج" (فقع) 11/ 349. (¬6) في إعراب (فاقع) وجوه: الأول: (فاقع) خبر مقدم، و (لونها) مبتدأ مؤخر، =

70

ومعنى {تَسُرُّ النَّاظِرِينَ}: تعجبهم بحسنها (¬1). 70 - قوله تعالى: {قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِىَ} أي (¬2): أسائمة أم عاملة (¬3)؟ {إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا} ذكَّر الفعل لتذكير (¬4) اللفظ كقوله: {نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ} [القمر: 20] وكلُّ جمعٍ حروفُه أقلُّ من حروف واحده جاز تذكيره مثل: بقر ونخل وسحاب، فمن ذكَّر ذهب إلى لفظ الجمع، ولفظ الجمع مذكر، ومَن أنَّثَ ذهب إلى لفظ الجماعة (¬5)، قال الله تعالى: {يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ} [النور: 43] وقال: {وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ} [ق: 10]، وقال الزجاج: معناه جنس البقر تشابه علينا (¬6). {وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ} إلى وصفها (¬7)، وقيل: إلى القاتل (¬8). ¬

_ = والجملة صفة، والثاني: (فاقع) صفة للبقرة، و (لونها): فاعل فاقع، والثالث: (فاقع) صفة، و (لونها) مبتدأ خبره (تسر الناظرين) انظر: "البيان" 1/ 93، "الإملاء" 1/ 42، "البحر المحيط" 1/ 252، "الدر المصون" 1/ 424. (¬1) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 346، "تفسير الثعلبي" 1/ 84 أ. (¬2) في (ب): (قوله) يبين لنا ما هي (أي ..). (¬3) الثعلبي في "تفسيره" 1/ 84 أ، وانظر: "تفسير أبي الليث" 1/ 378، و"البغوي" 1/ 83. (¬4) في (ج): (للذكير). (¬5) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 350، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 127، "تفسير الثعلبي" 1/ 84 أ. (¬6) "معاني القرآن" 1/ 128. (¬7) الثعلبي في "تفسيره" 1/ 84 ب، وانظر "تفسير الطبري" 1/ 350، "تفسير أبي الليث" 1/ 128. (¬8) انظر: "تفسير أبي الليث" 1/ 128، "الكشاف" 1/ 288، "البحر المحيط" 1/ 254.

71

قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "وأيمُ اللِّه لو لم يستثنوا لما بُيِّنَتْ لهم آخر الأبد" (¬1). 71 - قوله تعالى: {قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ} الذلول: المذللة بالعمل، و {تُثِيرُ اَلأرَضَ} أي: تقلبها للزراعة (¬2). ومعنى الإثارة: تفريق الشيء في كل جهة، يقال: أثرت الشيء واستثرته، إذا هيجته. قال (¬3): إِذا كَانَ في صَدْر (¬4) ابنِ عمِّك إِحْنَةٌ ... فلا تَسْتَثِرْها سوف يَبْدُو دَفِينُهَا (¬5) ويقال: ثار الشيء إذا ارتفع عن مكانه، يقال: ثار الغبار، ثار الدخان، وثار الدم في وجه فلان، وثَوَّرْتُ كدُورةَ الماء فثار، ومنه الثور لأنه يثير الأرض (¬6). ¬

_ (¬1) أخرجه الطبري عن قتادة وابن جريح مرسلا، قال شاكر - عن الأثر عن ابن جريح: لا تقوم به حجة. "الطبري (مع حاشية شاكر") 2/ 205، 206، وبمعناه عند "تفسير ابن أبي حاتم" عن أبي هريرة، قال المحقق: إسناده ضعيف. "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 420، وذكر ابن كثير رواية ابن أبي حاتم، وقال: ورواه الحافظ أبو بكر من مردويه في "تفسيره" من وجه آخر، ثم ذكره، وقال وهذا حديث غريب من هذا الوجه، وأحسن أحواله أن يكون من كلام أبي هريرة. "ابن كثير" 1/ 118، وقد تناقل المفسرون هذه الروايات بدون سند، وقد جمع بعضها السيوطي في "الدر" 1/ 150، والشوكاني في "فتح القدير" 1/ 156. (¬2) انظر: "تفسير الطبري" 2/ 212 و"تفسير الثعلبي" 1/ 84 ب، و"تفسير أبي الليث" 1/ 388. (¬3) نسبه المرتضى في أماليه، إلى أبي الطمحان، ونُسب في اللسان إلى الأقيبل القيني. (¬4) في (أ)، (ج): (صد)، وأثبت ما في (ب)، لأنه يوافق المصادر الأخرى التي ورد بها البيت. (¬5) البيت في "أمالي المرتضى" 1/ 259، "مقاييس اللغة" (أحسن) 1/ 67، "الفائق" 1/ 27، "اللسان" (أحن) 1/ 35. (¬6) "تهذيب اللغة" (ثار) 1/ 467، انظر: "الصحاح" (ثور) 2/ 606، "معجم مقاييس اللغة" (ثور) 1/ 395.

وقوله تعالى: {تُثِيرُ الأَرْضَ} صفة لذلول (¬1)، والنكرة مع صفتها شيء واحد، ولذلك (¬2) قلنا: إن المراد بقوله: {تُثِيرُ الأَرْضَ} النفي لا الإثبات، لأنه نفي أن تكون مثيرة للأرض (¬3)، والنفي دخل على أول الكلام، فانتفى ما كان ينضم إليه، والصفة للنكرة كالصلة للموصول، ولو قلت: فلان ليس بالذي يأتيني كنت نافيًا للإتيان. ألا ترى إلى (¬4) قول طرفة: لا كَبِيرٌ (¬5) دالفٌ من هَرَمٍ ... أرْهَبُ اللّيْلَ ولا كَلُّ الظُّفُرْ (¬6) أراد أنه لا يدلف من الهرم ولا يرهب الليل، ولم يرد الإثبات. ¬

_ (¬1) وقيل: في موضع الحال من المضمر في (ذلول)، أو حال من (ذلول) أو حال من بقرة، أو صفة لها، أو مستأنفة، فيكون الوقف على (ذلول)، والقول الأخير مردود عند كثير من العلماء، وسيذكره الواحدي. انظر: "إعراب المشكل" 1/ 53، "الكشاف" 1/ 288، "تفسير ابن عطية" 1/ 346، "الإملاء" 1/ 42، "البحر المحيط" 1/ 255، "الدر المصون" 1/ 429، 430. (¬2) في (ب): (وكذلك). (¬3) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 124، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 186، "الإملاء" 1/ 42. (¬4) في (ب): (في). (¬5) في (ب): (كثير). (¬6) قوله: (دالف): الدالف هو الذي يقارب الخطو ويمشي مشي المقيد، (الهَرَم): أقصى الكبر، كَلُّ الظفُر) أي: ظفري غير كليل، كناية عن قوته وبطشه، وكليلُ الظفَّر: المهين الذي لا يؤبه له. ورد البيت في ديوان طرفة ص 75، "مقاييس اللغة" (ظفر) 3/ 466، وفيه (لا كليل دالف)، وورد الشطر الثاني في "اللسان" (ظفر) 5/ 2749، وفيه (لست بالفاني ولا كل الظفر).

قال ابن الأنباري (¬1): غلط أبو حاتم في هذا (¬2)، لأنه قال: الوقف جيد على قوله: (ذلول) (¬3)، ثم يبدأ بـ (تثير (¬4) الأرض)، وقال: إن الله تعالى وصف هذه البقرة بما لا يعرفه الناس وصفاً لغيرها من البقر، فجعلها تثير الأرض ولا تسقي الحرث على خلاف ما نشاهد من بقرنا. وقد أبطل (¬5) الفراء وغيره من كبار النحويين هذا الوقف (¬6)، وردّ عليه هذا الاختيار بأن البقرة متى أثارت سقت، وغير جائز أن يُدّعى أعجوبةٌ في حرف من القرآن لم تؤثر (¬7) عن أهل العلم ما ادعاه، فلا يقبل (¬8) عنه ذلك، مع ما ذكرنا أنه لا يصح من (¬9) طريق النحو أن المراد منه الإثبات. وموضع (تثير) رفع في التأويل لأنه نعت لذلول، والمعنى: أنها بقرة لا ذلول مثيرة للأرض، أي: ليست كذا ولا كذا، أي: لا توصف بالتذليل ولا بإثارة الأرض، كما تقول في (¬10) الكلام: عبد الله ليس بعاقل حازم، وزيد ليس ¬

_ (¬1) انظر: "إيضاح الوقف والابتداء" 1/ 521. (¬2) في (ب): (في هذه الآية) بدل (في هذا لأنه). (¬3) قال النحاس (ليس بقطع طاف وزعم الفراء: أنه ليس بقطع). "القطع والائتناف" ص148، وانظر: "تفسير القرطبي" 1/ 384. (¬4) قوله: (بـ (تثير) ساقط من (ب). (¬5) (أبطل): ساقط من (ج). (¬6) انظر: "إيضاح الوقف والابتداء" 1/ 521، "القطع والائتناف" ص 148، "تفسير القرطبي" 1/ 385. (¬7) في (ب): (يؤثر). (¬8) في (ج): (فلا يقبل). (¬9) (من): ساقط من (ب). (¬10) (في الكلام): ساقط من (ب).

بآكل شارب، فتنفي (¬1) عنه الفعلين. وقوله تعالى: {وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ} دخلت (لا) لأنه معطوف على قوله: (ذلول) فلما كان فيه حرف النفي أدخل أيضا فيما انعطف عليه (¬2). [وجاز عطف الفعل على الاسم، لأن فيه معنى الفعل كأنه قيل: لم تُذلَّل، والاسم إذا كان مبنيّاً على الفعل] (¬3) جاز عطف الفعل عليه، كما تقول: زيد صائم ويصلي، ويجوز أن تكون (لا) مستأنفة، يراد بها: لا ذلول تثير الأرض، وليست تسقي الحرث. قال أبو العباس: والحرث كل موضع ذللته من الأرض ليزرع (¬4) فيه، ويقال له عند غرسه وبذره إلى حيث بلغ: حرث. فمعنى الحرث: الأرض المهيأة للزرع (¬5)، ومنه قوله: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ} [البقرة: 223]، على التشبيه بالأرض التي (¬6) قد هُيِّئت للزرع. فأما الزرع فإنما هو النماء، من ذلك قولك للصبي: زرعه الله (¬7)، ويوضح هذا قوله تعالى: {أَفَرَأَيْتُمْ مَا ¬

_ (¬1) في (أ): (فينفى) وفي (ج): (فينتفي). (¬2) وأجاز الزمخشري أن تكون (لا) مزيدة، لتأكيد النفي في الأولى. انظر "الكشاف" 1/ 288، قال أبو حيان: (ووافقه على جعل الثانية مزيدة صاحب المنتخب، وما ذهب إليه ليس بشيء، لأن قوله: (لا ذلول) صفة منفية بلا، وإذا كان الوصف كان الوصف قد نفى بـ (لا) لزم تكرار (لا) النافية لما دخلت عليه ....) "البحر" 1/ 255، وانظر "الدر المصون" 1/ 430. (¬3) ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ج)، وأثبته من (ب) لأن استقامة السياق تقتضيه. (¬4) في (ب): (لتزرعه). (¬5) انظر: "تهذيب اللغة" (حرث) 1/ 774، "الصحاح" (حرث) 1/ 279، "جمهرة أمثال العرب" 2/ 34، 35، "مقاييس اللغة" (حرث) 2/ 49، "اللسان" (حرث) 2/ 819. (¬6) في (أ)، (ج) (الذي)، وأثبت ما في (ب) لأنه أصوب. (¬7) انظر: "تهذيب اللغة" (زرع) 2/ 1524، "اللسان" (زرع) 3/ 1826.

تَحْرُثُونَ (63) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ} [الواقعة:63, 64]. وقوله تعالى: {مُسَلَّمَةٌ} قال قتادة، والربيع، وابن عباس: أي من العيوب (¬1). وقال الحسن: من أثر العمل (¬2). وقال مجاهد: من الشية (¬3). وقوله تعالى: {لَا شِيَةَ فِيهَا} الوشى في اللغة معناه (¬4): خلط لون، وكذلك في الكلام يقال: وشيتُ (¬5) الثوب أشِيه وَشْيًا وشِيَةً (¬6). والشية مما نقص منه الواو (¬7)، وعوض فيه الهاء كالدية من وَدَيْتُ، والعِدة من وَعدتُ (¬8)، ويجوز أن يكون (¬9) الشية مصدراً، يقال: وَشَيْتُ أشي شِيَةً (¬10) ¬

_ (¬1) ذكر الطبري في "تفسيره" عنهم، وعن أبي العالية 1/ 352، وذكره "ابن أبي حاتم" عن قتادة، وأبي العالية، والربيع 1/ 423، انظر: "تفسير الماوردي" 1/ 365، "الدر المنثور" 1/ 152. (¬2) في الثعلبي عن الحسن: مسلمة القوائم ليس فيها أثر العمل، 1/ 84 ب، وذكره "الماوردي" 1/ 365. (¬3) ذكره الطبري في "تفسيره" 1/ 351 - 352، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 423، وانظر: "الدر" 1/ 152. (¬4) (معناه) ساقط من (ب). (¬5) في (ب): (وشية). (¬6) بنصه في "معاني القرآن" للزجاج 1/ 124، وانظر "تهذيب اللغة" (وشى) 8/ 4847. (¬7) (الواو): ساقطة من (ج). (¬8) انظر: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 282، والطبري في "تفسيره" 1/ 352، و"تفسير القرطبي" 1/ 386. (¬9) في (ب): (تكون). (¬10) في (ب): (وشية).

ووَشْيا (¬1). قال الزجاج: أي (¬2) ليس فيها لون يفارق سائر لونها (¬3). وقوله تعالى: {قَالُوا الْآنَ} الآن هو الوقت الذي أنت فيه، وهو حد الزمانين (¬4)، حد الماضي من آخره وحد الزمان (¬5) المستقبل من أوله (¬6). وذكر الفراء في أصله قولين (¬7): أحدهما: أن أصله (أوان) (¬8) حذفت منه الألف وغيرت واوه إلى الألف ثم أدخلت عليه الألف واللام، ولم يخلعا منه كما فعلوا بالذي وتركوه على مذهب الأداة، والألف واللام له لازمة غير مفارقة. والقول الثاني: أن أصله: آن (¬9) ماضي يئينُ، بني اسماً لحاضر الوقت، ثم ألحق به الألف واللام وترك على بنائه؛ لأن أصله فَعَلَ ¬

_ (¬1) انظر "الكشاف" 1/ 288، و"القاموس" (وشى) ص 1343. (¬2) (أي) ساقط من: (أ)، (ج)، وأثبتها من (ب) ومثله في معاني القرآن. (¬3) "معاني القرآن" 1/ 124. (¬4) في (ب): (الزمان). (¬5) (الزمان): ساقط من (ب). (¬6) ذكره ابن قتيبة في "تأويل المشكل" ص 523. (¬7) "معاني القرآن" 1/ 467، 468، وقد ذكر كلام الفراء ابن قتيبة في "تأويل المشكل" ص 523، 524، والأزهري في "تهذيب اللغة" (الآن) 1/ 98، وعبارة الواحدي متفقة مع ما ذكره ابن قتيبة في "تأويل المشكل". (¬8) في (ب): (وان). (¬9) في "معاني القرآن": (الآن) أصلها من قولك آن لك أن تفعل، أدخلت عليها الألف واللام، ثم تركتها على مذهب (فَعَلَ) فأتاها النصب من نصب (فعل)، وهو وجه جيد كما قالوا ..) 1/ 468، ومثله في "تهذيب اللغة" 1/ 99.

منصوبة، كما قالوا: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن قيلَ وقالَ وكثرةِ السؤال (¬1) وكانتا كالاسمين وهما منصوبتان. ولو خفضا على النقل لهما من حد الأفعال إلى الأسماء في النية لكان صواباً. قال: وسمعت العرب تقول: أعييتني من شُبَّ إلى دُبَّ، ومن شُبٍّ إلى دُبٍّ مخفوض منون، يذهبون به مذهب الأسماء، والمعنى منذ كان صغيراً يشِبُّ إلى أن دَبَّ كبيرًا (¬2). ومثله (أمس) فإن أصله الأمر من: أمسى يُمسي بُنيَ اسماً للوقت، وألحق به الألف واللام (¬3). قال أبو علي الفارسي (¬4): حكم ما يبنى من الأسماء أن يكون لمضارعته الحرف، فلمضارعته له (¬5) ما يجب أن يخرج إلى حكمه كما أن ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري (1477) كتاب (الزكاة) باب (قول الله {لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا}. عن المغيرة ولفظه: (إن الله كره لكم ثلاثا .. الحديث). "الفتح" 3/ 34، وفي كتاب (الأدب)، باب (عقوق الوالدين)، "الفتح" 10/ 405، و (6473) وفي كتاب (الرقاق) باب (ما يكره من قيل وقال) الفتح، وفي كتاب (الاعتصام) باب: (ما يكره من كثرة السؤال) الفتح، ومسلم عن أبي هريرة والمغيرة، بنحوه (7292) كتاب (الأقضية) (النهي عن كثرة المسائل)، وأحمد عن أبي هريرة 2/ 327، 360، 367، وعن المغيرة 4/ 246، 249، 250. (¬2) انتهى كلام الفراء، انظر: "المعاني" 1/ 467، 468، و"تأويل المشكل" ص 523، 524. (¬3) انظر: "تهذيب اللغة" (أمس) 1/ 200، و"الأزمنة" لقطرب ص 109، 110. (¬4) "الإغفال" لأبي علي الفارسي ص 253. وقد نقل عنه الواحدي طويلا، بتصرف في كلامه بالاختصار والتقديم والتأخير، وسأذكر الفروق الهامة في أماكنها إن شاء الله. (¬5) (له): ساقط من (ب).

نوعاً منها لمشابهتها الأفعال (¬1) يخرج إلى حكمها (¬2) فيمنع ما لا يكون لها من الجر والتنوين. وكذلك (الآن) بني لما فيه من مضارعته الحرف. وجهة المضارعة تضمنه معنى الحرف، وإذا تضمن الاسم معنى الحرف وجب بناؤه. [وذلك التضمن هو تضمن معنى (¬3) التعريف، لأن التعرف حكمه أن يكون بحرف، فلما تضمن معنى الحرف وجب بناؤه] (¬4)، كما أن خمسة عشر لما تضمن معنى الحرف بني. فإن قيل: كيف تضمن معنى الحرف، والحرف نفسه فيه، ولو جاز بناؤه وفيه الحرف لجاز بناء الرجل ونحوه؟ قيل: الألف واللام في (الآن) ليس كهما في (الرجل)؛ لأن الرجل لا يتعرف (¬5) بغير الألف واللام، والآن يتعرف بغيرهما (¬6). والدليل على تعرف (الآن) بغير ما ظهر فيه من الحرفين، أن ما فيه الألف واللام مما يعرف به يلزم أن يكون قبل دخوله (¬7) عليه نكرة كرجل، والرجل، وليس (الآن) كذلك. ألا ترى أنه ليس (آن) (¬8) منكورا، ثم ¬

_ (¬1) في (ب): (فقال يخرج). (¬2) قوله: (كما أن نوعا منها لمشابهتها الأفعال يخرج إلى حكمها) ليس في "الإغفال" انظر: ص 253. (¬3) في "الإغفال" (تضمن معنى حرف التعريف) ص 254. (¬4) ما بين المعقوفين ساقط من (ب). (¬5) في (ب): (لا يعرّف). (¬6) نقله بالمعنى، انظر: "الإغفال" ص 254، و"سر صناعة الإعراب" 1/ 350. (¬7) في "الإغفال": (دخولهما)، وفي حاشيته (ج): (دخولها). (¬8) في (ب): (الآن).

يكتسي التعريف بالحرف كالرجل. ويراد بـ (الآن) الوقت الحاضر (¬1)، وما هو أقل القليل، ثم قد تتسع فيه العرب، فتقول: أنا الآن أنظر في النجوم، وأنا الآن أنظر في العلم، وأنا الآن أصل من قطعني (¬2)، وليس يراد أنه (¬3) في ذلك الوقت اليسير يفعل ذلك، ولكن غرضه أنه في وقته ذلك وما أتى من (¬4) بعد، وتطاول، يفعل هذا الضرب من الفعل. وهذا كقولهم: أنا اليوم خارج، يريد به الذي هو عقيب الليلة. ثم قالوا: أنا اليوم شيخ، وأنا اليوم متماسك، فاليوم أصله لما هو عقيب الليلة ثم يتسع فيستعمل لغير ذلك الزمان. فكذلك (الآن) أصله للوقت الحاضر، ثم قد يتسع فيه. فإن قلت: فهل تجد الألف واللام في اسم غير هذا، والاسم الذي فيه غير متعرف به (¬5)؟ ¬

_ (¬1) تصرف الواحدي في كلام أبي علي بالتقديم والتأخير، وسياق أبي علي أوضح، لترابط الكلام وبناء بعض على بعض. قال: أبو علي: (فإن قال قائل: ما تنكر أن يكون تعريف الآن كتعريف الجنس؟ ..) ثم قال: (ومع ذلك فلا يصح في المعنى أن يراد بالآن تعريف الجنس .. لأنه يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون يراد به جميع الأزمنة، أو يراد به الأوقات الحاضرة، أو الآتية ..) ثم فصل ذلك، وفي آخره قال: (فكذلك الآن أصله للوقت الحاضر، ثم قد يتسع فيه بعد ..) "الإغفال" ص 255 - 256. (¬2) في (ج): (من قطع). (¬3) في (ب): (وليس أنه يراد). (¬4) (من): ساقط من (ب)، وفي "الإغفال": (وما يأتي بعد) ص 255. (¬5) في "الإغفال": (بهما).

فالجواب: أن قولهم: (الذي) فيه الألف واللام وليس (¬1) تعريف الاسم بهما، إنما تعريفه بغيرهما. والدليل على ذلك: تعريف سائر الموصولات (¬2) سوى الذي (¬3) ولا ألف ولام فيها. فقد وجدت الألف واللام في هذا الاسم (¬4) أيضا لغير التعريف (¬5). ويدل أيضا على أن التعريف في (الذي) ليس باللام، أنّ كثيراً من العرب قد يستعمل موضع (الذي): (ذو)، وهو عندهم معرفة. أنشد أبو زيد لقيس بن جِرْوة (¬6) جاهلي: لئنْ لَم تُغَيِّرْ (¬7) بَعْضَ مَا قَدْ صَنَعْتُمُ ... لَأَنْتَحِيَنْ (¬8) للعَظْمِ ذُوأنا عارِقُه (¬9) ¬

_ (¬1) في (أ)، (ج): (ليس) بسقوط (الواو)، وثابتة في (ب)، و"الإغفال" ص 256. (¬2) مثل (من) و (ما) و (أي)، انظر: "سر صناعة الإعراب" 1/ 353. (¬3) والتي وبابهما مما فيه (الألف واللام). (¬4) قوله: (في هذا الاسم) أي: الآن كما في "الإغفال" ص 257، واختصار الواحدي للكلام جعله محتملًا لأن يراد به (الذي). (¬5) انظر بقية كلام أبي علي في "الإغفال" ص 257 - 260. (¬6) هو قيس بن جروة الطائي، ويلقب بـ (عارق الطائي) شاعر جاهلي، انظر أخباره وترجمته في: "الحماسة"، "شرح المرزوقي" 3/ 1446، 1466، "المزهر" 2/ 438، "الخزانة" 7/ 440. (¬7) في (ب): (يغير) وكذا يروى في بعض المصادر. (¬8) في (ب): (لا نتحن). (¬9) يروى البيت (فإن): بدل (لئن)، ومعنى (لا نتحين): لأقصدن ولأميلن. (عارقه): من عرق العظم، إذا نهشه بأسنانه. يقول: إن لم تغير ما صنعتم من الظلم، لأميلن إلى كسر العظم الذي أخذت ما عليه من اللحم، ورد في "نوادر أبي زيد" =

فإن قيل: إذا كانت اللام زيادة (¬1) في الذي غير متعرف بها، فهل يوجد حرف زائد لا يجوز إسقاطه؟ قلنا: قد يكون زائدًا لازماً، ألا ترى أنهم يقولون: آثِراً ما (¬2)، ولا يسقطون هذا الزائد، ورب (¬3) زائد لازم حتى يكون بمنزلة ما هو من نفس الحرف. ومثل ذلك (مِن) في {وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ} [الحج: 48]، و (ما) في سِيَّما (¬4)، فليس لزوم هذا الحرف وامتناع حذفه مما يمنع من الحكم بزيادتها (¬5). ومما يقوي زيادة اللام، ما (¬6) أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسن (¬7)، عن أبي العباس محمد بن يزيد (¬8) عن أبي عثمان (¬9) قال: سألت الأصمعي عن قول الشاعر: ¬

_ = ص 266 و"الكمال" 3/ 219، و"الحماسة" بشرح المرزوقي 3/ 1447، و"الإغفال" ص 260، و"شرح المفصل" 3/ 148، و"اللسان" (عرق) 5/ 2909، و"الخزانة" 7/ 438، 11/ 339. (¬1) في (ب): (زائدة). (¬2) جعلوا (ما) لازمة وهي زائدة، انظر "الكتاب" 1/ 294. (¬3) في (ب): (وب). (¬4) انظر: "الكتاب" 2/ 170، 171. (¬5) انظر بقية كلام أبي علي في "الإغفال" ص 261 - 266. (¬6) (ما): ساقط من (ب). (¬7) في (ب): (الحسين) وفي "الإغفال": (أبو بكر بن السراج ص 366) وهو محمد بن السري، أبو بكر سبقت ترجمته، وليس في نسبه (الحسن أو الحسين). انظر: "طبقات النحويين" ص112، و"إنباه الرواة" 3/ 145، "معجم الأدباء" 18/ 197. (¬8) المبرد، سبقت ترجمته. (¬9) المازني، سبقت ترجمته.

وَلَقَدْ جَنَيْتُكَ أكْمُؤًا وَعَسَاقِلا ... وَلَقَدْ نَهَيْتُكَ عَنْ بَنَاتِ الأوْبَرِ (¬1) لم أدخل اللام (¬2)؟ فقال: أدخله زيادة للضرورة، كقول الآخر: (¬3) يَا ليْتَ أمَّ العَمْرِو كانَت صَاحِبي (¬4) فكما أن اللام زيادة فيما ذكرنا، كذلك هو في (الآن) زائدة، ولا تستوحشنَّ من قولنا فيها، فقد قال بزيادته سيبويه والخليل في قولهم: مررت بهم الجمّاءَ الغفير نصب على نية (¬5) إلغاء الألف واللام نحو: طرًّا ¬

_ (¬1) البيت من الشواهد النحوية المشهورة، ولم يعرف له قائل، وقوله: (جنيتك): جنيت لك، وقوله: (أكمؤا): جمع كمأ، و (العساقل): نوع منه، وكذا (بنات الأوبر) وهو من رديئه، ورد البيت في "المقتضب" 4/ 48، "تهذيب اللغة" (العسقول) 3/ 2436، و (جنى) 1/ 674، و (وبر) 4/ 3827، "الخصائص" 3/ 58، "المنصف" 3/ 134، "الإنصاف" 273، "المخصص" 1/ 168، 11/ 126، 220، 13/ 215، 216، 14/ 120، "شرح المفصل" 5/ 71، "مغني اللبيب" 1/ 52، "شرح ابن عقيل" 1/ 181، "أوضح المسالك" 1/ 180، "اللسان" (سور) 4/ 2147، و (وبر) 8/ 4752. (¬2) في "الإغفال": (الألف واللام) ص 266. (¬3) في "الإغفال": (فقال أدخلها للضرورة كقول الآخر: باعَدَ أم العَمَرِ من أسيرِهَا وروينا عن أحمد بن يحيى عن ابن الأعرابي: ياليت أم العمر ..) ص 266، 267. (¬4) لم يعرف قائل الرجز: وبعده: مكان من أشتى على الركائب. ويروى (أم العمر) ورد البيت في "الإغفال" 1/ 267. "المخصص" 1/ 168، 11/ 220، "الإنصاف" 1/ 316، "المنصف" 3/ 134، "تهذيب اللغة" (ربع) 2/ 1347، "الصحاح" (ضرب) 1/ 169، "اللسان" (ضرب) 5/ 2569، و (وبر) 8/ 4752، و (ربع) 3/ 1563، "شرح المفصل" 1/ 44. (¬5) (على نية): ساقط من (أ)، (ج).

وقاطبة (¬1). وقال به أبو الحسن والأصمعي، وقبله أبو عثمان وأبو العباس وأبو بكر، فلم يدفعوه فيما روينا عنهم في البيت، وأما أبو الحسن الأخفش فإنَّه قال في قولهم: (مررت بالرجل خير منك، ومررت بالرجل مثلك) إن اللام زائدة (¬2)، وبعد: فإن حرف التعريف حرف كسائر الحروف التي تلزم معنى، ثم تزاد (¬3) في موضع آخر معرًّى من ذلك المعنى، كـ (باء الجر، ومن) وغيرهما، وكما جاءت (ما ولا) زائدتين، ولكل واحد منهما معنى يلزمه إذا لم يزد، وكذلك حرف التعريف (¬4). فإن قيل: إذا كانت اللام زائدة فهلّا جعلت هذا الاسم من الأسماء المنكورة (¬5) المبنية كـ (أين وكيف) ونحوه (¬6)؟ فالجواب أن هذا الاسم لا يجوز أن يكون كـ (أين) ونحوه من المنكورة (¬7) المبنية؛ لأن هذا مختص (¬8) ¬

_ (¬1) انظر: "الكتاب" 1/ 375، وفيه: (كقولك: مررت بهم قاطبة، ومررت بهم طرّا) وانظر: "المنصف" 3/ 134، "سر صناعة الإعراب" 1/ 350 - 368. (¬2) كلام أبي الحسن الأخفش ورد في "الإغفال" ص 263، 264. وفيه: (الألف واللام) زائدة، وانظر: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 166. (¬3) في (أ): (يزاد) وأثبت ما في (ب)، (ج) لأنه أنسب للسياق، ومثله في "الإغفال" ص 268. (¬4) انتهى كلام أبي علي في "الإغفال" في هذه المسألة ص 268. ثم عاد إليها مرة أخرى ص 277، ونقل عنه الواحدي كما سيأتي. (¬5) في (ب): (المكنوزة). (¬6) "الإغفال" ص 277. (¬7) في (ب): (المكنوزة). (¬8) (مختص): ساقط من (ب).

مشار به إلى شيء بعينه، كما أن (هذا) مشار به إلى شيء واحد بعينه من سائر ما يحضر (¬1). ألا ترى أنك تخص به الوقت الحاضر دون الماضي ودون الآتي، إلا أن يتسع (¬2) فيه فالإشارة به والقصد فيه إلى المعين المخصوص يخرجه عن أن يراد به الشائع المنكور (¬3) كـ "كيف" وبابه. قال أبو على: وأما قول الفراء (¬4) إن قولنا: (الآن) يجوز أن يكون الآن (¬5) من قولنا: آنَ أن (¬6) يفعل كذا، دخلت عليه [الألف واللام مثل شُبَّ (¬7) إلى دُبَّ. وهذا قول يفسد في: اللفظ والمعنى، ومن حكم مثله ألا يعرج عليه] (¬8) أما فساده في اللفظ: فلأن ذلك لا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون فعلاً مجرّداً من الفعل. أويكون فعلًا معه فاعل. فإن كان فعلاً مجردّاً من الفاعل لزم إعرابه وامتنع حكايته، وذاك مذهب العرب والنحويين جميعا. ¬

_ (¬1) في "الإغفال": (ما يخص). (¬2) في (ج): (تتسع)، ومثله في "الإغفال" ص 277. (¬3) في (ب): (المكنون لكيف). (¬4) لم يذكر أبو علي الفراء باسمه وإنما قال: (وذكر بعضهم أن قولنا: (الآن) يجوز أن يكون ..) "الإغفال" ص 283. (¬5) في (ب): (الآن). (¬6) في (ج): (تفعل). (¬7) في "الإغفال" (من شب ..) ص 283. (¬8) ما بين المعقوفين ساقط من: (أ)، (ج)، وأثبته من (ب) ومثله في "الإغفال" ص 283، واستقامة السياق تقتضيه.

ألا تراهم سمَّوا (¬1) العنبر بن عمرو بن تميم (¬2): خَضَّمَ (¬3) لكثرة أكله (¬4)، فأعربوه ولم يحكوه. قال سيبويه: وسمعناهم يصرفون رجلاً سُمَيَ كَعْسَبَ (¬5)، وهو فعلل (¬6) من الكعسبة، وهي (¬7) شدة العدو، وإنما لم يجز حكايةُ الفعل إذا نُقِل فسمّي به من أجل أن الفعل يلزمه الفاعل (¬8)، فلا يفارقه. فلو حكي بعد التسمية للزمه الفاعل كما كان يلزمه قبل , لأنه لا يخلو (¬9) من الفاعل، الحكاية (¬10) فيه إذا سمي به تؤدي إلى خلاف الغرض المقصود؛ لأن ¬

_ (¬1) في (ب): (ألا تراهم أنهم) وفي "الإغفال" (ألا ترى أنهم سموا) ص 283. (¬2) العنبر بن عمرو بن تميم، كان شاعر، وإليه ينسب بني العنبر، انظر "الاشتقاق" لابن دريد ص 201، 211، و"المزهر" 2/ 275. (¬3) في جميع النسخ (خضما) وفي "الإغفال": (خضم) ص 283. قال سيبويه: ولا يصرفون (خضّم) وهو اسم للعنبر بن عمرو بن تميم. "الكتاب" 3/ 208. (¬4) قال في الصحاح (خضّم) على وزن (بعّم) اسم العنبر بن عمرو بن تميم، يزعمون أنهم سموا بذلك لكثرة الخضم، وهو المضغ. الصحاح (خضم) 5/ 1914، وانظر "اللسان" (خضم) 2/ 1176 - 1178. (¬5) في "الإغفال" ص 282: (يسمى كعسبا). وكذا في "الكتاب" 3/ 206. (¬6) في "الكتاب" (وإنما هو (فَعَلَ) من الكعسبة. قال عبد السلام هارون: (لا يقصد بـ (فعل) الوزن الصرفي، وإلا فهو (فعلل) وإنما يقصد أنه منقول من الفعلية "الكتاب" مع حاشية عبد السلام هارون 3/ 206. (¬7) في (ب): (وهو). (¬8) في (ب): (الفعل). (¬9) (يخلو): ساقط من (ب). (¬10) في (ب): (فالحكاية).

المسمي بالفعل لو حكاه في حال (¬1) التسمية للزمه التسمية بالجملة دون المفرد، إذ الفعل لا يخلو من الفاعل بحال، فلما كان كذلك أزيل (¬2) عن الفعلية بإعرابه، وترك حكايته، وصح التسمية به (¬3) لذلك دون فاعله. ويدل على امتناع هذه الكلمة أن [تكون] (¬4) فعلا، دخول لام (¬5) التعريف عليها، وهذه اللام دخولها يكون على الأسماء، كما أن التنوين من خواص الأسماء. ولا يجوز (¬6) في قولهم: (الآن) (¬7) أن يكون فعلاً معه فاعله غير مجرد منه؛ لأن دخول اللام عليه يمنع ذلك، ألا ترى أن اللام لا تدخل على الجمل كما لا تدخل على الفعل فهذا فساده (¬8) من جهة اللفظ. وأما فساده من جهة المعنى، فقولهم: آن أن تفعل كذا (¬9) مقلوب من (¬10) أنى يَأني وأصل هذه الكلمة في اللغة إنما هو بلوغ الشيء (¬11) وانتهاؤه ومكثه وامتداده، فهو خلاف الآن وعكسه. والدليل على صحة ¬

_ (¬1) (حال): ساقط من (أ)، (ج)، وهو في (ب) "الإغفال" ص 284. (¬2) في (ب): (أزيد). (¬3) في (ب): (بذلك). (¬4) في جميع النسخ (يكون) بالياء والتصحيح من "الإغفال" ص 284. (¬5) في (ب): (اللام والتعريف). (¬6) "الإغفال" ص 288. (¬7) في (ب): (ألا أن يكون). (¬8) أي قول الفراء. (¬9) (آن): ساقط من (ب). (¬10) في (ج): (عن). (¬11) انظر: "تهذيب اللغة" (أنى) 1/ 225، و (الآن) 1/ 99.

القلب في هذا، أنه لا مصدر لـ (آن)، كما أن قولهم: أيس يأيس لما كان مقلوبًا من يئس ييأس (¬1) لم يكن له مصدر [ولوكان له مصدر] (¬2) لكان من باب جذب وجبذ (¬3)، ولم يكن قلبا. فإن قلت (¬4): فقد قالوا: الإياس، وقد سمّوا الرجل إياسًا؟ قيل: إن إياساً من إسْتَه إذا أعطيتَه (¬5)، وتسميتهم بإياس كتسميتهم بـ (عطية وعطاء)، ومن هذا الباب قوله: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا} (¬6) أي أما بلغ، أما حان. والآن اسم للوقت الذي أنت فيه وهو باق، والباقي غير المتقضي (¬7) المنتهي. وأما قولهم: أعييتني من شُبَّ إلى دُبَّ (¬8) فهذا الكلام مخرجه مخرج الأمثال التي تلزم طريقةً واحدةً ووجهاً واحداً، كقولك للرجل: أَطِرِّي ¬

_ (¬1) في (أ)، (ج): (يأس)، وفي "الإغفال": (يئس يئيس) ص 288. (¬2) ما بين المعقوفين ساقط من: (أ)، (ج)، وأثبته من (ب) ومثله في "الإغفال" ص 288، والسياق يقتضيه. (¬3) جبذ مقلوب من جذب قلبًا مكانيًّا. انظر: "تهذيب اللغة" (جذب) 11/ 15، "اللسان" (جذب) 1/ 258. (¬4) في (ب): (وأن). (¬5) في "الإغفال" وقد سموا الرجل إياسا فما تنكر أن يكون غير قلب، فإن إياسا من إسته إذا أعطيته ... "الإغفال" ص 288، وانظر: "اللسان" (يأس) 6/ 259. (¬6) الحديد: 16، وفي (ج) زيادة: {أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ}. (¬7) في (ب): (المقتض)، وفي "الإغفال": (المنقض) ص 292. (¬8) قال أبو علي: (.. فإن قلت كيف يكون فيه ضمير الفاعل، وقد يقال: (أعييتني منذ شب إلى دب) ولو كان في هذا ضمير فاعل لوجب أن يكون مذ شببت إلى أن دببت؟ فالجواب: أنه إنما كان كذلك لأنه كلام مخرجه مخرج الأمثال ... الخ) "الإغفال" ص 287.

فَإنَّكِ نَاعِلة (¬1)، والصَّيفَ ضيَّعت اللبن (¬2)، فمعنى هذا: أنت عندي ممن يجب أن يقال له هذا. فهذه الأمثال وما شبه بها إنما تقال كما قيلت حيث جرت، ولذلك (¬3) أيضًا دخلت (إلى) على الجملة كأنهم جعلوها الوقت (¬4). فأرادوا: أعييتني من وقت الشباب إلى وقت الكبر والدبّ بالعصا (¬5). وأما (¬6) قوله: يجوز أن يكون الآن مأخوذا من الأوان فتكون الألف منقلبة عن الواو (¬7)، فإن ذلك لا ينبغي أن يجوز، لأن هذه المبنية مشابهة بالحروف (¬8) والأصوات [فكما لا يكون (¬9) الحروف ¬

_ (¬1) في جميع النسخ (فاعلة) وفي "الإغفال": (ناعلة) وهو الصحيح، وفي الحاشية في (ب): (فاعلة). قال العسكري: يضرب مثلا للقوي على الأمر، وأصله أن رجلا كان تله أمتان راعيتان، إحداهما ناعلة والأخرى حافية، فقال للناعلة: أطري، أي: خذي طرر الوادي، فإنك ذات نعلين، ودعى سرارته، أي: وسطه لصاحبتك فإنها حافية. "جمهرة الأمثال" للعسكري 1/ 50، "المستقصي" 1/ 221، "اللسان" (طرر). (¬2) يضرب مثلا لمن يضيع الأمر، ثم يريد استدراكه في غير وقته، وللمثل قصة مذكورة في كتب الأمثال. انظر: "أمثال العرب" للضبي ص 51، "الدرة الفاخرة" 1/ 11، "جمهرة الأمثال" 1/ 575. (¬3) في (ب): (وكذلك). (¬4) كذا في جميع النسخ، وفي "الإغفال" (للوقت) ص 287. (¬5) انظر بقية كلام أبي علي ص 287. (¬6) (أما): ساقط من (ب). (¬7) "الإغفال" ص 295. (¬8) في "الإغفال": (للحروف) ص 295، وهذا أولى بالسياق. (¬9) في "الإغفال" (لا تكون) في الموضعين ص 295.

والأصوات] (¬1) مشتقة كذلك (¬2) لا يكون هذه (¬3) الأسماء مشتقة (¬4). ومعنى قوله: {الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ} أي: بالوصف البين التام الذي دل على التمييز من بين أجناسها (¬5)، ويقال: جاء مجيئاً وجَيْئةً، ومنه: الجَيْئة (¬6)؛ لأنه يجيئها الماء فيجتمع فيهما. [وقوله: {فَذَبَحُوهَا} في الآية إضمار، أراد: فطلبوها، فوجدوها، فذبحوها] (¬7). وقوله تعالى: {وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ} قال القرظي: لغلاء ثمنها (¬8). ¬

_ (¬1) ما بين المعقوفين ساقط من (ب). (¬2) في (ب): (لذلك). (¬3) في (ج): (هذا). (¬4) هذا آخر ما نقله الواحدي عن أبي علي الفارسي من كتابه "الإغفال" عن (الآن) وقد أطال النقل وتصرف في نقله بالاختصار والتقديم والتأخير، وقد أشرت للفروق الهامة في أماكنها. انظر: "الإغفال" ص 253 - 298. (¬5) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 353، "تفسير الثعلبي" 1/ 84 ب. (¬6) كذا يقال له: (جيئة) وجيأة وكل من كلام العرب. "تهذيب اللغة" (الجيأة) 1/ 686، وقال صاحب اللسان: والجِئة والجِيئة: حفرة الهبطة يجتمع فيها الماء, والأعرف: الجية. "اللسان" (جيا) 2/ 739. (¬7) ما بين المعقوفين ساقط من: (أ)، (ج) وأثبته من (ب). انظر معنى الآية في "تفسير الثعلبي" 1/ 84 ب، "الكشاف" 1/ 288، "البحر المحيط" 1/ 257. (¬8) ذكره الطبري 1/ 354، "ابن أبي حاتم" 1/ 426، "تفسير ابن كثير" 1/ 119, وقال: وفي هذا نظر، لأن الثمن لم يثبت إلا من نقل بني إسرائيل. وانظر: "الدر المنثور" 1/ 152.

72

وقال وهب: مخافة الافتضاح (¬1). وذكرنا ما في (كاد) عند قوله {يَكَادُ الْبَرْقُ} [البقرة: 20]. قال عكرمة: لو أنهم عمدوا (¬2) إلى أدنى بقرة فذبحوها لكفتهم ولكنهم شدّدوا فشُدِّد عليهم (¬3)، وقيل: إن أول من راجع موسى في ذبح البقرة هو القاتل مخافة أن ينكشف ويفتضح. 72 - قوله تعالى: {وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا} الآية. كان الاختلاف في القاتل قبل ذبح البقرة، وإنما تأخر في الكلام؛ لأن الله عز وجل لما قال: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} [البقرة: 67]، علم المخاطبون أن البقرة لم تذبح إلا للدلالة على قاتل خفيت عينه عليهم، فلما استقرّ علم هذا في نفوسهم أتبعه بقوله: {وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا} على جهة التوكيد، لا أنه عرّفهم (¬4) الاختلاف في القاتل بعد أن دلهم على ذبح البقرة (¬5)، وقيل: إنه ¬

_ (¬1) ذكره الطبري في "تفسيره" 1/ 355 - 356، و"ابن كثير"، وقال: (ذكره ابن جرير، ولم يسنده عن أحد). "تفسير ابن كثير" 1/ 119الصحيح: أن ابن جرير الطبري ذكره بسنده عن وهب. (¬2) في (ب): (عهدوا). (¬3) ذكره الطبري عنه، وعن عدة من السلف 2/ 204، وانظر: "تفسير ابن كثير" 1/ 119، "الدر المنثور" 1/ 152. (¬4) في (ب): (عن فهم). (¬5) وعلى هذا القول يكون قوله: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} مقدماً في التلاوة، وقوله. {وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا} مقدّماً في المعنى على جميع ما ذكر من شأن البقرة، ذكر ذلك القرطبي، وقد ذكر في الآية ثلاثة أوجه، هذا أحدها. والوجه الثاني: أن يكون قوله: {وَإِذْ قَتَلْتُمْ} في النزول مقدمًا، والأمر بالذبح مؤخرًا. والثالث: يكون ترتيب نزولها حسب تلاوتها، فكأن الله أمرهم بذبح البقرة حتى =

من المؤخر الذي يراد به التقديم، وتأويل {وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا}، فسألتم موسى فقال لكم: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً}. وهذا عادة العرب في كلامهم، قال الله جل اسمه: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (1) قَيِّمًا} [الكهف:1, 2]، أراد: أنزل على عبده الكتاب قِيَماً (¬1). وقال الفرزدق يمدح خال هشام (¬2): وَمَا مِثْلُه في النَّاسِ إلا (¬3) مُملَّكًا ... أبو أمِّهِ حَيٌّ أبوهُ يُقَارِبُهْ (¬4) أراد: وما مثله (¬5) في الناس حي يقاربه إلا مملكاً، أبو أم المملك أبوه، فقدّم وأخّر. ¬

_ = ذبحوها، ثم وقع ما وقع من أمر القتل، فأمروا أن يضرب ببعضها. "القرطبي" 1/ 378 - 388، وانظر: "البحر المحيط" 1/ 258. وقد رجح أبو حيان أن الأمر بالذبح متقدم، والقتل متأخر كحالهما في التلاوة، ولا داعي لحمل الآيات عن ظاهرها، بل تظهر الحكمة البالغة في امتحانهم أولا بذبح البقرة هل يمتثلون أم لا؟ (¬1) انظر: "تفسير أبي الليث" 1/ 392، "تفسير الثعلبي" 1/ 85 أ، "البغوي" 1/ 84. (¬2) هشام بن عبد الملك بن مروان، أحد خلفاء بني أمية، وخاله هو إبراهيم بن هشام ابن إسماعيل المخزومي القرشي. انظر: "الكامل" 5/ 123، "سير أعلام النبلاء" 5/ 351، "الأعلام" 1/ 78. (¬3) (ألا): ساقط من (ب). (¬4) البيت من شواهد البلاغة على التعقيد اللفظي يقول: وما مثله يعني الممدوح في الناس حتى يقاربه، أي: يشبهه في الفضائل، إلا مملكا يعني به هشاما، أبو أمه: أي أبو أم هشام أبوه، أي: أبو الممدوح، فالضمير في (أمه) فلملك، وفي (أبوه) للممدوح. ورد البيت في "المعاني الكبير" 1/ 506، "الخصائص" 1/ 146، 329، 2/ 393، "الكامل" 1/ 28، "الصحاح" (ملك) 4/ 1609، "اللسان" (ملك) 7/ 4266، "معاهد التنصيص" 1/ 43، "الخزانة" 5/ 146. (¬5) قوله: (أراد وما مثله) ساقط من (ب).

وأضاف القتل إليهم في قوله: {وَإِذ قَتَلتُم} وإن كان القاتل واحداً على ما ذكرنا من مذهب العرب أنهم يضيفون فعل البعض إلى جماعة القبيلة، يقولون للقبيلة: انهزمتم يوم ذي قار وإنما انهزم بعضهم (¬1). وقوله تعالى: {وَإِذ قَتَلتُم} ينعطف على قوله: {وَإِذ قَلتُم يَامُوسَى} (¬2) [البقرة: 55]، {وَإِذ فَرَقنَا} [البقرة: 50] والذكر مضمر فيها كأنه: واذكروا إذ قتلتم (¬3)، ولهذا لم يأت لـ (إذ) بجواب. ومثله قوله: {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا} (¬4)، وليس شيء قبله تراه ناصباً لصالح، فعلم بذكر النبي وبالمرسل (¬5) إليه أن فيه إضمار (¬6): أرسلنا. ومثله: {وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ} [الأنبياء: 76]، {وَذَا اَلنوُنِ} [الأنبياء: 87]. وهذا يجري على مثال ما قال في سورة ص: {وَاذكُر عَبدَنَا} [ص: 45] (¬7)، ثم ذكر الذين من بعدهم بغير (واذكر) لأن معناه متفق، ¬

_ (¬1) سبق بيان هذا عند تفسير قوله تعالى: {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} [البقرة: 40]، 2/ 433 وانظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 90، 98، "البحر المحيط" 1/ 259. (¬2) في (أ)، (ج): (قتلتم تصحيف). (¬3) كذا في "معاني القرآن" للفراء نقل عنه بتصرف 1/ 35، والمراد أن (إذ) يقدر قبلها (اذكر) في أول موضع وردت فيه وما بعدها عطف عليهما وذلك في قوله: {وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ} [البقرة:49]. انظر: "تفسير الطبري" 1/ 269، 275، 289، 356. (¬4) الأعراف: 73، هود: 61. (¬5) في (ب): (المرسل) بسقوط الواو والباء. (¬6) (إضمار) ساقطة من: (أ)، (ج)، وأثبتها من (ب)، ومثله في "معاني القرآن" 1/ 35، والسياق يقتضيها. (¬7) وفي "معاني القرآن" للفراء: {وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ}.

فجاز ذلك، ويستدل على (أن) في هذه الآية (¬1) مضمرة أنه قال: {وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ} [الأنفال: 26]، {وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ} [الأعراف: 86]، فلما ذكر هاهنا (واذكروا) (¬2) مع (إذ) علم أنه مراد مع (إذ) وإن حذف (¬3). وقوله تعالى: {فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا} قال ابن عباس: اختلفتم فيها (¬4). وقال الربيع: تدافعتم (¬5). وأصل الدرء: الدفع، يعني: ألقى ذاك على هذا، وهذا على ذاك، فدافع كل واحد عن نفسه (¬6). والتدارؤ والمدارأة مهموزتان. قال أبو عبيد: وهي المشاغبة والمخالفة على صاحبك (¬7). ومنه حديث قيس بن السائب (¬8): "كان رسول الله صلى الله عليه ¬

_ (¬1) في "معاني القرآن": ويستدل على أن (واذكروا) مضمرة مع (إذ) أنه قال: {وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ} 1/ 35. (¬2) في (ج): (واذكر). (¬3) انتهى النقل عن الفراء. "معاني القرآن" 1/ 35. (¬4) "تفسير الثعلبي" 1/ 85 أ، وانظر: "تفسير البغوي" 1/ 84، "زاد المسير" 1/ 101. (¬5) "تفسير الثعلبي" 1/ 85 أ، وانظر: "تفسير البغوي" 1/ 84. (¬6) "تفسير الثعلبي" 1/ 85 أ. وانظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 126. "تفسير الماوردي" 1/ 367. وذكر الطبري في معنى الآية قولين: الأول: اختلفتم وتنازعتم، والثاني: تدافعتم، قال: وهو أي: القول الثاني قريب من المعنى الأول 1/ 356. وذكر ابن فارس: أن (الدرء) مهموز: أصل واحد بمعنى: الدفع. "مقاييس اللغة" (درى) 2/ 271. (¬7) "غريب الحديث" 1/ 337، "تهذيب اللغة" (درى) 2/ 1181. (¬8) هو قيس بن السائب بن عويمر بن عائذ بن مخزوم، ذكر ابن حجر عن ابن حبان: أن له صحبة. انظر: "الجرح والتعديل" 7/ 99، و"الإصابة" 3/ 238.

وسلم شريكي (¬1)، فكان خير شريك لا يدارئ ولا يماري" (¬2). وكل من دفعته عنك فقد دارأته. قال أبو زبيد (¬3): كانَ عَنِّي يردُّ دَرْؤُكَ بَعْدَ ... اللهِ شَغْبَ المُستَصْعَبِ المِرِّيدِ (¬4) ¬

_ (¬1) في (ب): (وكان خير) بسقوط (شريكي). (¬2) الحديث أخرجه أحمد في "مسنده" عن قائد السائب عن السائب، وعن مجاهد عن السائب بن أبي السائب 3/ 425. وأبو داود عن قائد السائب عن السائب. "سنن أبي داود" كتاب الأدب، باب: كراهية المراء. وابن ماجه عن قائد السائب عن السائب (2287) كتاب: التجارة، باب: الشركة والمضاربة. وأخرجه الطبري عن السائب، وقد تكلم شاكر في حاشية الطبري عن الحديث وبين ما في سنده من ضعف، وما في الحديث من اضطراب. "تفسير الطبري" مع "حاشية شاكر" 2/ 223. والحديث أورده أبو عبيد في "الغريب" 1/ 336، 337. والأزهري في "تهذيب اللغة" (درى) 2/ 1181. وذكر الحديث ابن حجر في "الإصابة" وقال: (أخرجه البغوي والحسن بن سفيان وغيرهما من طريق محمد بن مسلم الطائفي عن إبراهيم بن ميسرة عن مجاهد، وأخرجه أبو بشر الدولابي في "الكنى" من هذا الوجه، لكنه قال: أبو قيس بن السائب كذا عنده، وقيس بن السائب أصح ...). "الإصابة" 3/ 238. (¬3) أبو زبيد هو حرملة بن المنذر الطائي، شاعر مشهور، أدرك الإسلام واختلف في إسلامه. انظر: "الشعر والشعراء" ص 185، و"الإصابة" 4/ 80، "الخزانة" 4/ 192. (¬4) البيت من قصيدة لأبي زبيد رثى بها ابن أخته، (الشغب): تهييج الشر، و (المرّيد): مبالغة في المارد، يقول: كان دفعك عني بعد الله يرد عني شر كل مريد. ورد البيت في "غريب الحديث" لأبي عبيد 1/ 202، "اللسان" (درأ) 3/ 1347، و (شغب) 4/ 2283، "الخزانة" 9/ 76.

وأصله تدارأتم ثم أُدغمت التاءُ في الدال وأُدخلت الألفُ لِيسلَمَ سكونُ الحرف الأول (¬1). ومثله: {اثَّاقَلْتُمْ} [التوبة: 38]، {اطَّيَّرنَا} [النمل:47]. قال الكسائي: التاء إذا كانت في الأفعال تدغم في حروف كثيرة، في التاء مثل: اتّابع بمعنى تتابع، وأنشد: تُولِي الضَّجِيعَ إذا مَا اسْتَافَهَا خَصِراً ... عَذْبَ المَذَاقِ إِذَا مَا اتَّابَعَ القُبَلُ (¬2) وفي الثاء نحو: {اثَّاقَلْتُمْ} [التوبة: 38]، وفي الدال نحو: {ادَّارَكُوا} [الأعراف:38] وفي الذال نحو: {يَذَّكَّرُونَ} (¬3) وفي الصاد نحو: {يَخِصِّمُونَ} [يس: 49] وفي الزاي نحو: {وَازَّيَّنَتْ} [يونس: 24] وفي الطاء نحو: (اطَّهَّروا) (¬4) و {اطَّيَّرْنَا} (¬5)، وفي السين نحو: {واسَّمَّعَ} (¬6) ¬

_ (¬1) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 356، "معاني القرآن" للفراء 1/ 437، وللأخفش 1/ 283، وللزجاج 1/ 126، "تفسير الثعلبي" 1/ 85 أ، و"البيان" 1/ 95، "الدر المصون" 1/ 434. (¬2) لم أجد من نسبه وقوله: (استافها): دنا منها وشمها. و (الخصر): البارد من كل شيء، ويريد الريق. ورد البيت في "معاني القرآن" للفراء 1/ 438، و"تفسير الطبري" 1/ 356، 10/ 133، "تفسير القرطبي" 8/ 140. (¬3) وردت في عدة آيات منها: الأنعام: 126، والأعراف: 26، 130، والأنفال: 57، والتوبة: 126، والنحل: 13. (¬4) في (ب): (اطهر). جزء من آية المائدة: 6، سياقها: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا}. (¬5) في (ج): (ولطيرنا). آية: 47 من سورة النمل. (¬6) وعلى إدغام التاء في السين -أيضا- ورد قوله تعالى: {لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ} [الصافات: 8].

وفي الظاء نحو: {تَظَاهَرُونَ} (¬1)، وفي الشين نحو: {تَشَقَّقُ} (¬2) فمتى ما لقيت التاء حرفاً من هذه الحروف أُدغمت، وإذا لم تَلقَه ظهرت (¬3)، من ذلك: يتعلّمون ويتكلّمون ويترامون، ولا يكون مدغمًا. فإن ابتدأت بقوله: {اثَّاقَلْتُمْ} وأخواته فقد اختلف الناس فيه. فقال بعضهم: إذا ابتدأت قلت: تثاقلتم: فتركت الإدغام (¬4)، قال: وهذا أحب إليّ. وقال بعضهم: لا بل أقطع الألف فأقول: اثاقلتم، يكون (¬5) هذه الألف كألف وافتعل واستفعل عند الابتداء. ولم يكتب (¬6) بالألف إلا وهي هكذا عند الابتداء. قال الكسائي: ولم أسمع من العرب إلا بالبيان، وذلك أن الإدغام لا يكون إلا وقبله شيء، فأما إذا ابتدأت فلا. قال الفراء: والعرب تبني المصدر على الإدغام كما بنوا الفعل، فيقولون: ادّارأ ادّارُؤا مثل ادّارَكَ ادّارُكاً واثّاقَل اثّاقُلاً وازّامُلاً، وما كان ¬

_ (¬1) هذا على قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وابن عامر بتشديد الظاء في قوله تعالى: {ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} الآية [البقرة: 85] وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بالتخفيف. انظر "الحجة" لأبي علي 2/ 130. (¬2) هذا على قراءة ابن كثير ونافع وابن عامر بتشديد الشين في قوله تعالى: {وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ} [الفرقان: 25] وكذلك قوله تعالى: {يَوْمَ تَشَقَّق اَلأَرّضُ} ق: 44، وبقية السبعة بالتخفيف، انظر: "السبعة" ص 464، 607. (¬3) في (ب): (اطهرت). (¬4) انظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 437، 438، "تفسير الطبري" 1/ 356، 10/ 133، "تفسير القرطبي" 8/ 140. (¬5) (يكون): كذا في (أ)، (ج)، وفي (ب) بدون إعجام والأولى (تكون). (¬6) في (ب): (تكتب).

73

مثله فإن فيه الإدغام (¬1) والإظهار في مصدره (¬2). وكتب في المصحف (فادّرأتم) بغير ألف قبل الراء (¬3) كما كتبوا (الرحمن) بغير ألف الاختصار، لأنهم قد يحذفون لطول الكلام كما يحذفون لكثرة الاستعمال. وقوله: (فيها) الكناية عائدة على النفس (¬4). وقال ابن الأنباري: يجوز أن تعود على القتلة، لأن (قتلتم) يدل على المصدر (¬5). {وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} من أمر القتيل، وأدخل التنوين لأنه ميعاد في المستقبل (¬6)، وقد مضى الكلام في هذه المسألة (¬7). 73 - قوله تعالى: {فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا} قال ابن عباس: اضربوه بالعظم الذي يلي الغضروف، وهو المقتل. وقال الضحاك: بلسانها، واختاره الحسين بن الفضل. سعيد بن جبير: بعَجْب ذنبها، واختاره يمان بن رباب، قال: لأنه ¬

_ (¬1) في (ب): (الإظهار والإدغام). (¬2) في (أ)، (ج): (مصدر) بدون الهاء، وأثبت ما في (ب)، لأنه أنسب للسياق. (¬3) قال الداني: (اتفق جمعها -أي: مصاحف الأمصار- على حذف الألف التي هي في صورة الهمزة في قوله في البقرة: (فادارأتم) لا غير)، "المقنع" ص 26. (¬4) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 357، "تفسير ابن عطية" 1/ 351، "البحر المحيط" 1/ 295. (¬5) ونحوه قال ابن عطية 1/ 351، وأبو حيان في "البحر" 1/ 295، وذكر قولاً ثالثاً، وهو: أن الكناية تعود على التهمة. (¬6) قال الزجاج: (الأجود في (مخرج) التنوين، لأنه ميعاد لما يستقبل، أو للحال) "معاني القرآن" 1/ 126، وانظر: "الكشاف" 1/ 289، "البحر المحيط" 1/ 295. (¬7) وهي أن اسم الفاعل إذا كان بمعنى الاستقبال أو الحال ينون ولا يضاف لما بعده، وهذا عند البصريين، أما عند الكوفيين فيجوز إضافته.

أساس البدن الذي (¬1) رُكِّبَ عليه الخلقُ (¬2). ثم قال: {كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى} معناه: اضربوه ببعضها فيحيا، فضُرِبَ فحَيِيَ (¬3)، كذلك يحيي الله الموتى كما أحيا هذا القتيل، وأضمر (فيحيى) كما قال: {أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ} [الشعراء: 63] والمعنى: فضرب فانفلق (¬4)، فهذا احتجاج على منكري البعث (¬5). فإن قيل: ما معنى ضرب القتيل ببعض البقرة، والله قادر على إحيائه بغير ذلك؟ والجواب: أنّ في ذلك تأكيداً أنه ليس على جهة المخرقة والحيلة، ولا على جهة الكهانة والسحر، إذ جعل الأمر في إحيائه إليهم، وجعل ذلك عند الضرب بموات لا إشكال في أنه علامة لهم وآية للوقت الذي يحيا فيه ¬

_ (¬1) (الذي): ساقط من (ب). (¬2) هذه الأقوال، عن ابن عباس، والضحاك، وسعيد، في "تفسير الثعلبي" بنصها 1/ 85 أ، وذكر الطبري عن مجاهد وقتادة: بالفخذ، وعن السدي: بالبعضة التي بين الكتفين، وعن أبي العالية: بعظم من عظامها، وعن ابن زيد: بعضو من أعضائها. ثم قال الطبري: (والصواب من القول عندنا، أنه يقال: أمرهم الله جل ثناؤه أن يضربوا القتيل ببعض البقرة ليحيا المضروب، ولا دلالة في الآية، ولا في خبر تقوم به حجة، على أي أبعاضها التي أمر القوم أن يضربوا القتيل به .... ولا يضر الجهل بأي ذلك ضربوا القتيل، ولا ينفع العلم به، مع الإقرار بأن القوم قد ضربوا القتيل ببعض البقرة بعد ذبحها، فأحياه الله). "تفسير الطبري" 1/ 359 - 360، وانظر: "تفسير ابن كثير" 1/ 119 - 120. (¬3) قوله: (فضرب فحيى) ساقط من (ب). (¬4) قوله: (والمعنى فضرب فانفلق) ساقط من (ب). (¬5) انظر: "معاني القرآن" للفراء1/ 48، و"تفسير الطبري" 1/ 361، و"تفسير الثعلبي" 1/ 85 أ.

74

عندما يكون منهم، فبان أنه من فعل الله عز وجل (¬1). وقوله تعالى: {وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ} يقال: أَرَيْتُه الشيءَ إرايةً (¬2) من غير همز شبيهاً بالمنقوص، مثل: إقامة، وترك الهمز؛ لأن الياء في أريت غير مهموز. ويقال أيضًا: أريته إِرَاءَة، لأن الياء إذا جاءت بعد الألف همزت، ويقال أيضا: إراءً بنوا على الهمز كأنهم قالوا: أرأيته إِرْءَاءً، ثم تركوا الهمز، قال الفراء: وأجودها (¬3): إراية غير مهموز. وروى شمر عن ابن الأعرابي: أَرَيْتُه الشيءَ إِراءةً وإراية وإرْءَاءَةً (¬4). ومعنى قوله {آيَاتِهِ} أي: آيات قدرته في خلق الحياة في الأموات. قال الزجاج: وهذه القصة في القرآن من أدلّ الدلائل على نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم -، حيث أخبرهم بما صدّقه في ذلك أهلُ الكتاب، وهو رجل عربي أمّي لم يقرأ كتاباً ولم يتعلم من أحد، ولم يكن هذا من علم العرب (¬5). 74 - قوله تعالى: {ثُمَ قَسَت قُلُوبُكُم} معنى القسوة في اللغة: الشدة والصلابة واليبس، ويقال: حجر قاسٍ: صلب، وأرض قاسية: لا تنبت شيئا، وعامٌ قَسِيٌّ: ذو قحط، قال شمر: هو الشديد (¬6) لا مطر فيه (¬7). ¬

_ (¬1) انظر: "تفسير الماوردي" 1/ 369، "البحر المحيط" 1/ 261. (¬2) في (ب): (ارايته). (¬3) (أجودها): ساقط من (ب). (¬4) "تهذيب اللغة" (رأى) 2/ 1327، وانظر: "اللسان" (رأى) 3/ 1537 - 1545. (¬5) بمعناه في "معاني القرآن" 1/ 122. (¬6) قوله: (هو الشديد) ساقط من (ب). (¬7) "تهذيب اللغة" (قسا) 3/ 2955، وانظر: "اللسان" (قسا) 6/ 3622.

ويقال: قَسا قلبُه يَقْسُو قَسْوَةً وقَسَاوةً وقُسُوًّا (¬1). وقال بعضهم: قسا قلبه قِسِيًّا، والعرب تقلب الفعول في المصدر إلى الياء فيقول: طغا طِغِيّاً وعتا عِتِيّاً. قال أبو إسحاق: وتأويل القسوة ذهاب اللين والرحمة والخشوع (¬2). وقوله تعالى: {مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ}: أي من بعد إحياء الميت لكم بعضوٍ من أعضاء البقرة، وهذه آية عظيمة كان يجب على من شاهدها أن يلين قلبه (¬3) ويخضع (¬4). قال الكلبي: قالوا بعد ذلك: لم نقتله نحن، فلم يكونوا قط أعمى قلباً ولا أشد تكذيباً لنبيهم منهم عند ذلك (¬5). قال أبو إسحاق: ويحتمل أن يكون (من بعد ذلك)، أي: من بعد إحياء الميت والآيات التي تقدمت، نحو: مسخ القردة والخنازير، ورفع الجبل فوقهم، وانبجاس الماء من حجر. وإنما جاز (ذلك) للجماعة، ولم يقل: (ذلكم)، لأن الجماعة يؤدي عن لفظها الجميع والفريق، والخطاب في لفظ واحد، والمعنى جماعة (¬6). ¬

_ (¬1) (قُسُوًّا): كذا ضبط في: (أ)، ومثله في "الوسيط" 1/ 132، وفي "تفسير الطبري" 361 (قَسْوا) وكذا في "القاموس" 20/ 78. (¬2) انظر: "معاني القرآن" 1/ 128، "تهذيب اللغة" (قسا) 3/ 2955، والنص من "تفسير الثعلبي" 1/ 85 ب. (¬3) في (ج): (عليه). (¬4) ذكره الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 128، وله قول آخر يأتي ذكره قريبًا. وانظر "تفسير الطبري" 1/ 361 - 362. (¬5) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 85 ب، والبغوي في "تفسيره" 1/ 185. (¬6) في "معاني القرآن" للزجاج 1/ 128.

وقوله تعالى: {فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ} قال أبو إسحاق: لا يجوز عندي إسكان الواو والياء من (هو وهي) لأن كل مضمر فحركته إذا انفرد الفتح نحو (أنا) فكما لا يسكن نون أنا فلا تسكن (¬1) هذه الواو. قال أبو علي فيما استدرك عليه (¬2): إسكان الواو من (هو) والياء من (هي) غير ممتنع. ولو قال قائل: الجيد الإسكان (¬3) لسكون النون في أنت (¬4)، كما قال (¬5) هو: لا يجوز الإسكان فيها لتحرك النون في (أنا)، لما كان بينهما فصل. فإن قلت: فقولهم: (نحن) من المضمر المنفصل، وآخره متحرك فذلك لا يشبه هو وهي وأنا وأنت، لأن آخر (نحن) إنما حرك لالتقاء الساكنين، ولوكان آخره متحرّكًا من الجهة التي ذكرت (¬6) لا لالتقاء الساكنين لما جاز إسكان الآخر من (هم) ومن (أنت) لأنهما أيضا مضمران منفردان. فإن قلت: إن آخر (أنت) متحرك، وليس بساكن، كما أن آخر (أنا) متحرك. فليس هذا بسؤال، لأن آخر الاسم في أنت إنما هو النون، والتاء للخطاب وليست من نفس الكلمة، كما أن الألف من (أنا) إذا وقعت لتبيين الحركة في الوقف، لا من نفس الحرف فإن اعتد بـ (التاء) مع أنها زائدة في ¬

_ (¬1) في (أ): (يسكن) وأثبت ما في: (ب، ج)، ومثله ورد في "معاني القرآن" للزجاج 1/ 130. (¬2) "الإغفال" ص 211. (¬3) أي: الإسكان في (الياء) من (هي)، و (الواو) من (هو). انظر: "الإغفال" ص 211. (¬4) قوله: (في أنت) ساقط من: (ب). (¬5) أي: الزجاج، وفي "الإغفال": (كما قال أبو إسحاق) ص 211. (¬6) ما الجهة التي ذكر؟ قال في "الإغفال" (فتبين مما ذكرنا أن (نحن) لم يحرك آخره من حيث كان مضمرا منفردًا) ص 212.

الكلمة، فليعتد بـ (الألف) أيضًا في (أنا) مع كونها زائدة، وإذا اعتد بها سقط الاحتجاج، لأنها حينئذٍ ساكنة الأخير، وإنما اختير الحركة في هو وهي لأنها أكثر، وفي اللغات أشهر، لا لما ذكره (¬1). ويدل على جواز (¬2) هذا الإسكان (¬3) ما أخبرني محمد بن (¬4) الحسن عن أبي حاتم عن أبي زيد: كأَطُومٍ فَقَدَتْ بُرْغُزَهَا ... أعْقَبَتْهُ الغُبْسُ منه عَدَمَا غَفَلَتْ ثم أَتَتْ تَرْقُبُهُ ... فإِذا هي بِعظامٍ ودَمَا (¬5) وقوله تعالى: {كَالْحِجَارَةِ} قال الليث: الحجارة جمع الحجر (¬6)، وليس بقياس، لأن الحجر يجمع على أحجار، ولكن يجوز الاستحسان في العربية مثل الاستحسان في الفقه، وترك (¬7) القياس. ¬

_ (¬1) انظر: "الإغفال" ص 211، 212. (¬2) (جواز): ساقط من (ج). (¬3) في "الإغفال": (ويدل على جواز هذا الإسكان إذا جاءت به رواية ثقة غير ممتنع ما أخبرنا ..) ص 213. (¬4) هو أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد. (¬5) لم أعثر على قائل البيتين. قوله: (أَطُوم): يريد البقرة الوحشية، (بُرْغُزَها): ولدها، (الغُبْسُ): الذئاب أو الكلاب. ورد البيتان في "الإغفال" ص 213، "مجالس العلماء" للزجاجي ص 326، "المنصف" 2/ 148، "اللسان" (برغز) 1/ 315، و (اطم) 1/ 170، "الخزانة" 7/ 491، وورد الشطر الثاني من البيت الثاني في "التكملة" ص 30، "المخصص" 6/ 93، والبيت الثاني في "شرح المفصل" 5/ 84، "الهمع" 1/ 13. وبهذين البيتين انتهى ما نقله الواحدي عن أبي علي الفارسي من كتاب "الإغفال" ص 211 - 213. (¬6) في (ج): (حجر). (¬7) في (ب): (وترى)، وفي "تهذيب اللغة" (ترك القياس له ..) 1/ 746.

قال (¬1): ومثله: المِهَارة والبِكَارة، لجمع: المُهْر والبَكْر (¬2). وأقرأني العروضي عن الأزهري، قال: أخبرني المنذري عن أبي الهيثم قال: العرب تدخل الهاء في كل جمع على فِعَال أو فُعُول، فتقول: عظام وعِظَامةٌ وفِحَالةٌ وجمالةٌ (¬3) وذِكَارةٌ وذُكورَة وفُحُولَة وعُمُومة وحُمُولَة، قال: وإنما زادوا هذه الهاء لأنه إذا سكت عليه اجتمع فيه عند السكت ساكنان (¬4). قال الأزهري: وهذه العلة (¬5) أحسن من علة الاستحسان الذي شَبَّهه بالاستحسان في الفقه (¬6). قال المفسرون: إنما شبه قلوبهم بالحجارة في الغلظة والشدة، ولم يقل (¬7): (كالحديد)، وإن كان الحديد أصلب من الحجارة، لأن الحديد يلين بالنار، وقد لان لداود بإذن الله حتى صار كالعجين، ولا تلين الحجارة بمعالجة أبداً، ولأن في الحديد منافع، تلك المنافع لا توجد في الحجارة، فشبه الله قلوبهم بالحجارة لقسوتها ولعدم المنفعة منها (¬8). ¬

_ (¬1) (قال): ساقط من (ج). (¬2) "تهذيب اللغة" (حجر) 1/ 746، وانظر: "اللسان" (حجر) 2/ 781. (¬3) في "تهذيب اللغة": (حبالة)، وفي الحاشية (د): (جمالة). (¬4) في "تهذيب اللغة": أخبرني المنذري عن أبي الهيثم. ثم ذكره مع بعض الاختلاف في العبارة (حجر) 1/ 747، وانظر: "اللسان" (حجر) 2/ 781. (¬5) في (ب): (اللغة). (¬6) "تهذيب اللغة" (حجر) 1/ 746، وفيه: (قلت: وهذا هو العلة التي عللها النحويون فأما الاستحسان الذي شَبَّهه بالاستحسان في الفقه فإنه باطل، ومثله في "اللسان" (حجر) 2/ 78. (¬7) (يقل): ساقط من (ج). (¬8) انظر: "تفسير البغوي" 1/ 85، "تفسير ابن كثير" 1/ 121.

وقوله: {أَو أَشَدُّ} (أو) دخلت لغير معنى شك، ولكنها للإباحة (¬1) كما ذكرها في قوله: {أَوْ كَصَيِّبٍ}، وقيل: (أو) هاهنا بمعنى بل (¬2) كقوله تعالى: {أَوْ يَزِيدُونَ} [الصافات: 147]. وقيل: أراد إبهام علم ذلك على المخاطبين، كالعادة في مثل هذا في المخاطبة أن يقال: فلان كالبدر أو أحسن، وكالبحر أو (¬3) أجود، فأما الله تعالى فهو عالم أي ذلك كان (¬4). وارتفع (أشدُ) بإضمار (هي) كأنه قال: أو هي أشدُّ (¬5). ويجوز أن يرتفع بالعطف على موضع الكاف، كأنه قيل: فهي مثل الحجارة (¬6) أو أشد (¬7). قال ابن عباس في هذه الآية: إنما قال: {أَشَدُّ قَسْوَةً} لأن الحجارة ¬

_ (¬1) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 129، وانظر: "تفسير الطبري" 1/ 362 - 363، و"تفسير أبي الليث" 1/ 395، "الماوردي" 1/ 372، "ابن عطية" 1/ 354. (¬2) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 363، "تفسير أبي الليث" 1/ 395، "تفسير الثعلبي" 1/ 85 أ، "تفسير الماوردي" 1/ 372، "تفسير ابن عطية" 1/ 354. (¬3) في (ب): (بل أجود). (¬4) ذكره الطبري في "تفسيره" ورجحه 1/ 362 - 363، "تفسير الماوردي" 1/ 371، "تفسير ابن عطية" 1/ 354 - 355، وذكر الأخفش: أنها بمعنى (الواو) "معاني القرآن" 1/ 284، وقد رده الزجاج وقال: (أو) لا تصلح بمعنى (الواو) و"المعاني" 1/ 129، وهذا على قول البصريين، انظر: "الإنصاف" ص 383، وانظر ما سبق عند تفسير قوله تعالى: {أَوْ كَصَيِّبٍ}. (¬5) انظر: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 284، وللزجاج 1/ 129، "الطبري" 1/ 363. (¬6) في (ب): (كالحجارة). (¬7) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 363، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 188، "الكشاف" 1/ 290، "البحر المحيط" 1/ 263.

ليس لها ثواب ولا عليها عقاب، وهي تخاف الله تعالى (¬1)، وقد مر عيسى ابن مريم عليه السلام بجبل فسمع منه أنيناً فقال: يا رب ائذن لهذا (¬2) الذي يئنّ حتى يكلّمني، فأذِن اللهُ للجبل فقال: إني سمعت الله يقول: {نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} [التحريم: 6] فخفتُ أن أكون من تلك الحجارة (¬3). وقوله تعالى: {وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ} (¬4) الكناية عائدة على (ما)، و (ما) من المبهمات يجوز تذكيره وتأنيثه، تقول العرب: من النعال ما يعجبني بالياء والتاء حملاً على التأويل (¬5). وقيل: إن (من) واقعة على بعض الحجارة، وبعض مذكر، والعرب تقول: بعض النساء قام، وبعضهن قمن، فمن ذكر فللفظ (بعض) ومن أنث فلتأويله (¬6). والأنهار جمع نهْر ونَهَر، وأصله من السعة، يقال: أنهرت الفتق، أي: وسعته (¬7)، ومنه قوله (¬8): ¬

_ (¬1) لم أجده بهذا النص عن ابن عباس والله أعلم، وأخرج الطبري في "تفسيره" نحوه عن ابن عباس وقتادة 1/ 364، وانظر: "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 433، "تفسير ابن كثير" 120، 122، "الدر المنثور" 1/ 156. (¬2) في (ب): (لهذا الجبل). (¬3) ذكره السيوطي في "الدر" وعزاه إلى ابن المنذر عن عبد العزيز بن أبي رواد، "الدر" 6/ 375. (¬4) في (ج): (وإن من الحجارة لما يشقق فيخرج منه الماء). (¬5) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 363 - 364، "إعراب القرآن" للنحاس 188، "تفسير ابن عطية" 1/ 356، "تفسير القرطبي" 1/ 394، "البحر المحيط" 1/ 265. (¬6) ذكره الفراء في "معاني القرآن" 1/ 49. (¬7) انظر: "تهذيب اللغة" (نهر) 4/ 3674، "الصحاح" (نهر) 2/ 840. (¬8) البيت لقيس بن الخطيم.

فأنهرت فتقها (¬1) والنهر: اتساع الضياء، والنهر: أوسع من الجدول، والانتهار: إظهار الزجر، لا يكنى عنه، والنهار: ولد الكروان (¬2)، لأنه مشبه بالنهار لبيضه. وقوله تعالى: {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} قيل: أراد به جبل موسى، لما تجلّى ربه للجبل جعله دكّاً (¬3). وقال ابن الأنباري: يجوز أن يجعل الله تعالى للحجر عقلاً فيخشاه، كما جعل بحراء (¬4) عقلاً حتى عرف خطاب النبي - صلى الله عليه وسلم - (¬5)، وكذلك ما ¬

_ (¬1) تمام البيت: مَلَكْتُ بها كَفِّي فَأَنْهَرْتُ فَتْقَهَا ... يَرَى قَائِمٌ مِن دُونها ما وَراءَها سبق البيت وتخريجه. (¬2) قال الليث: فرخ القطاة، وقال الأصمعي: فرخ الحبارى. انظر: "تهذيب اللغة" (نهر) 4/ 3674، "الصحاح" (نهر) 2/ 840، وفي "القاموس": فرخ القطا أو ذكر البوم، أو ولد الكروان أو ذكر الحبارى (نهر) ص 489. (¬3) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 364، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 135، "تفسير الماوردي" 1/ 373، "تفسير ابن عطية" 1/ 357 - 358. (¬4) في (ب): (لحراء). (¬5) لعله بهذا يشير إلى الحديث الذي أخرجه مسلم عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان على حراء هو وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير فتحركت الصخرة، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "اهدأ فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد" مسلم (2414). كتاب فضائل الصحابة، فضائل طلحة والزبير، وأخرج أبو داود نحوه وفيه. "أثبت حراء .. " "سنن أبي داود" (4648)، كتاب: السنة، باب: الخلفاء، وأخرجه ابن ماجه في المقدمة (فضائل العشرة).

صحت الأخبار به من تسبيح الحصا في يد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (¬1). وكذلك قوله تعالى: في قصة داود {يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ} [سبأ: 10]، وروي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "إني لأعرف (¬2) حجراً بمكة كان يسلّم عليّ كلّما مررتُ به" (¬3). وروي أنه قال: "كان موسى عليه السلام يخرج من الرَّوحاء يؤمُّ هذا البيت يُلبّي، ومقامُ الروحاء يُجاوبه" (¬4). وكذلك قوله: {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} [الحشر: 21] يدل على عقل ¬

_ (¬1) أخرجه البيهقي بسنده عن أبي ذر - رضي الله عنه -، وفيه: (.. وبين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سبع حصيات، أو قال: تسع حصيات فأخذهن فوضعهن في كفه فسبحن، حتى سمعت لهن حنينًا كحنين النحل .. الحديث) وفي بعض رجاله ضعف. انظر: "دلائل النبوة" 6/ 64، 65، وذكر الحديث ابن حجر في "الفتح" وعزاه للبزار، والطبراني في "الأوسط"، والبيهقي في "الدلائل"، وقال: (.. وأما تسبيح الحصى فليست له إلا هذه الطريق الواحدة مع ضعفها ..) "فتح الباري" 6/ 592. (¬2) في (ب): (لا أعرف). (¬3) أخرج مسلم نحوه عن جابر بن سمرة ولفظه: "إني لأعرف حجرا بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث، إني لأعرفه الآن" مسلم (2276). كتاب الفضائل، فضل نسب النبي - صلى الله عليه وسلم - وتسليم الحجر عليه)، وأخرجه الترمذي (3624) أبواب المناقب، باب (في إثبات نبوة النبي - صلى الله عليه وسلم - وما خصه الله به). معه "عارضة الأحوذي "، والدارمي في "سننه " باب ما أكرم الله به نبيه من إيمان الشجر والبهائم والجن 1/ 12، وأحمد في "مسند" 5/ 89، 95، 105. (¬4) لم أجده بهذا اللفظ، وأخرج أحمد بسنده عن ابن عباس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مر بوادي الأزرق، فقال: "أي واد هذا؟ "، قالوا: هذا وادي الأزرق، فقال: "كأني انظر إلى موسى عليه السلام وهو هابط من الثنية وله جؤار إلى الله عز وجل بالتلبية" .. "المسند" 1/ 215، 216. وأخرج عن ابن عباس وفيه: "وأما موسى عليه السلام. فرجل آدم جعد على جمل أحمر مخطوم بخلبة، كأني أنظر إليه إذا انحدر من الوادي يلبي" "المسند" 1/ 277، وانظر "البداية والنهاية" 1/ 316.

يُركَّب في الجبل لو أنزل القرآن عليه، لأنّ في القرآن أمراً ونهياً، ولا يؤمر ولا ينهى (¬1) من لا يعقل (¬2). وقيل: إن الخشية في اللفظ للحجر، وفي المعنى للناظر إلى الحجر، وذلك (¬3) أنه تعالى يهبط الحجارة [دلالة للناظر على قدرة الله، فيحمله ذلك على الخشية، فنسب الخشية إلى الحجر] (¬4) لما كان منه بسبب مجازاً (¬5)، كما تقول العرب: لفلان ناقة تاجرة، أي: تامة سمينة تُنفِّق نفسها وتدعو إلى (¬6) شرائها والتجارة فيها، كذلك قال: الحجارة خاشية من الله، أي: داعية إلى الخشية (¬7)، ومعنى الآية: وإن منها ما يهبط فيدعو الناظرَ إليها إلى (¬8) خشية الله. وقال مجاهد: كلُّ حجر تفجّر منه الماءُ أوتشقّق عن ماء أو تردّى من ¬

_ (¬1) في (ج): (وينهى). (¬2) ذكر نحوه الطبري في "تفسيره" 1/ 365، "تفسير الماوردي" 1/ 374، "تفسير ابن عطية" 1/ 357 - 358. (¬3) في (ب): (وقيل أنه تعالى). (¬4) ما بين المعقوفين ساقط من (ب). (¬5) في (ب): (مجاز). (¬6) في (ب): (إلى الله سرابها). (¬7) ذكر الطبري في "تفسيره" نحوه 1/ 365، "تفسير الماوردي" 1/ 374، "تفسير ابن عطية" 1/ 357 - 358، قال الزجاج: (وقال قوم إنها أثر الصنعة التي تدل على أنها مخلوقة، وهذا خطأ، لأن ليس منها شيء ليس أثر الصنعة بينًا في جميعها، وإنما الهابط منها مجعول فيه التميز ..) "معاني القرآن" 1/ 130، وانظر: "تفسير القرطبي" 1/ 395، "تفسير ابن كثير" 1/ 121 - 222. (¬8) (إلى): ساقط من (ب).

75

يجعل على لفظ الغيبة ليعطف بالغيبة على مثله، كما عطفت الخطاب على مثله، ويجوز فيما كان قبله لفظ (¬1) غيبة: الخطاب، ووجه ذلك: أن يجمع بين الغيبة والخطاب، فتغلب (¬2) الخطاب على الغيبة، لأن الغيبة يغلب عليها الخطاب، فيصير (¬3) كتغليب المذكر على المؤنث. ألا ترى أنهم قدموا الخطاب على الغيبة في باب الضمير، فقالوا (¬4): أعطاكهو (¬5) ولم يقولوا: أعطاهوك، فعلمت أن الخطاب [أقدم في الرتبة كما أن المذكر مع المؤنث كذلك، ويجوز في الخطاب] (¬6) بعد الغيبة وجه آخر، وهو: أن يراد به: وقل لهم أيها النبي: وما الله بغافل عما تعملون. ومعناه (¬7): وعيد لهم وتهديد (¬8). 75 - وقوله تعالى: {أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ} يعني النبيَّ والمؤمنين (¬9). ومعنى الطمع: تعليقُ النفس بما يُرجى ويُظَنّ (¬10). وَالألف فيه ألفُ ¬

_ (¬1) في (ب): (فيما كان لفظه غيبة). (¬2) في (ب): (فيغلب). (¬3) في (ب): (فتصير). (¬4) في (ب): (فقال). (¬5) كذا في جميع النسخ، وفي "الحجة" (اعطاكه) 2/ 113، وهو الصواب. (¬6) ما بين المعقوفين ساقط من (ب). (¬7) قوله: (ومعناه) ساقط من (ب). (¬8) انتهى من "الحجة" لأبي علي 2/ 113 - 114، وانظر: "حجة القراءات" لابن زنجلة ص101، "الحجة" لابن خالويه ص 82، "الكشف" 1/ 448. (¬9) ينظر: "تفسير الطبري" 1/ 366، "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 149، عن ابن عباس والربيع بن أنس والحسن، "تفسير الثعلبي" 1/ 994. (¬10) ينظر "المصباح المنير" ص 348.

هذا كلام أهل المعاني في معنى خشية الحجارة (¬1)، والصحيح: أنها تخشى الله حقيقة كما قال مجاهد، ولكنا لا نقف على كيفية ذلك كسجود الجمادات لله تعالى، ذهب كثير من المفسرين إلى أنها تسجد لله تعالى على الحقيقة ولا نقف عليه نحن. وقوله تعالى: {وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} اختلف القراء في مثل هذا، فقرأوا بالياء والتاء (¬2). والقول في جملة ذلك (¬3) أن ما كان قبله خطاب جعل بالتاء ليكون الخطاب معطوفاً على خطاب مثله، كقوله: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ} ثم قال: {عَمَّا تَعْمَلُون} فالتاء هاهنا حسن، لأن المتقدم خطاب. ومن (¬4) قرأ بالياء (¬5) فمعناه: ما الله بغافل عما يعمل هؤلاء الذين أقتصصنا عليكم قصّتَهم (¬6) أيها المخاطبون، وأما إذا كان قَلَبه غيبةً حَسُنَ أن ¬

_ (¬1) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 365، وقد قال بعد أن ذكر هذه الأقوال: (وهذه الأقوال وإن كانت غير بعيدات المعنى مما تحتمله الآية من التأويل، فإن تأويل أهل التأويل من علماء سلف الأمة بخلافها، فلذلك لم نستجز صرف تأويل الآية إلى معنى منها)، 2/ 243، وإلى نحو هذا مال القرطبي في "تفسيره" وقال: إنه لا يمتنع أن يعطي الله الجمادات المعرفة والعقل ولا ندرك نحن كيفيته، 1/ 465، وانظر: "تفسير ابن كثير" 1/ 121، وبهذا أخذ الواحدي كما يأتي قوله. (¬2) قرأ ابن كثير بالياء، وبقية السبعة بالتاء في هذه الآية، انظر: "السبعة" ص 160، "التيسير" ص 74، "حجة القراءات" لابن زنجلة ص 101. (¬3) نقله عن "الحجة" لأبي علي بتصرف 2/ 113. (¬4) في (ب): (فمن). (¬5) في (ج): (الياء) بسقوط الباء. (¬6) في (ب): (قصته).

يعني به الذين غيّروا أحكام التوراة وبدّلوا الحرام بالحلال، وغيروا آية الرجم، وصفة محمد - صلى الله عليه وسلم - (¬1). وعلى هذا القول معنى قوله: {يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ} أي: من موسى أو ممن سمعوه كما أنزل ثم غيّروه. ويجوز أن يكون معناه: يفهمون كلامَه. وقال ابن عباس (¬2) ومقاتل (¬3): نزلت هذه الآية في السبعين، الذين (¬4) اختارهم موسى وذهبوا معه (¬5) إلى الميقات، وسمعوا كلام الله عز وجل وهو يأمره وينهاه، فلما رجعوا إلى قومهم سألهم الذين لم يذهبوا معهم، فقالت طائفة منهم لم يرد الله أن يطهّر قلوبهم: سمعنا الله في آخر كلامه يقول: "إن استطعتم أن تفعلوا هذه الأشياء فافعلوا، وإن شئتم فلا تفعلوا ولا بأس" (¬6). ¬

_ = "الثعلبي" في "تفسيره" 1/ 994 وابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 90 "ابن كثير" ص 122 - 123. (¬1) وهذا قول جمهور المفسرين، ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 994، "الوسيط" للواحدي 1/ 160 "أسباب النزول" للواحدي ص 31 وعزاه لأكثر المفسرين، "تفسير البغوي" 1/ 113 و"تفسير ابن كثير" ص 1/ 122 - 123، ورجَّحه ابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 103. (¬2) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 148 وذكره "الثعلبي" 1/ 994، والواحدي في "أسباب النزول" ص 27، و"الوسيط" 1/ 160، و"البغوي" 1/ 113. (¬3) "تفسير مقاتل" 1/ 116، وذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" 1/ 994، والواحدي في "أسباب النزول" ص 31، "الوسيط" 1/ 160. (¬4) ليست في (أ). (¬5) قوله: (وذهبوا معه): ليست في (م). (¬6) وروي هذا القول عن ابن إسحاق والربيع بن أنس، رواه عنهما الطبري 2/ 246، وابن أبي حاتم 1/ 148وذكره ابن كثير 1/ 105، ورجحه الطبري محتجًّا بأن الله أخبر أن التحريف كان ممن سمع كلام الله، وهؤلاء الذين كانوا في عهد =

استخبار، يجري في كثير من المواضع مجرى الإنكار والنهي، إذا لم يكن معها نفيٌ، كأنه آيَسَهم من الطمع في إيمان هذه الفرقة، فإذا كان في أوّل الكلام نفيٌ، فإنكار النفي تثبيت (¬1)، نحو قوله: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ} [تبارك: 8] وسيأتي بعد هذا لِمَ جعل الاستفهام للإنكار (¬2). وقوله تعالى: {أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ} يعني به: جماعة اليهود (¬3)؛ لأنّه قال: {وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ} [البقرة: 145]. يعني به: جماعتَهم؛ لأن الخاصةَ تتبعُ العامة. {وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ} أي: جماعة. وأصله من الفَرْق، ومعناه: طائفة فرقت من الجملة كالفئةِ، قالوا: أصلها من فأوتُ (¬4) رأسَه: أي: شَقَقْتُه (¬5). واختلفوا في هذا الفريق، فقال مجاهد (¬6) وقتادة (¬7) والسُدّي (¬8): ¬

_ (¬1) فصَّل هذه المسألة ابن هشام الأنصاري في كتابه "مغني اللبيب عن كتاب الأعاريب" 1/ 17. (¬2) في (م): (الإنكاري) وفي (أ): (الإنكار). (¬3) ينظر: "تفسير الطبري" 1/ 366، "تفسير الثعلبي" 1/ 994. (¬4) هذا مما يذكر في الواوي واليائي، أي فأوت وفأيت، وقوله: الفئة على وزن فعة، قال الأزهري في "تهذيب اللغة": وكانت في الأصل فئوة بوزن فعلة فنقص. انظر "لسان العرب" 6/ 333. (¬5) ينظر: "تفسير الطبري" 1/ 366. (¬6) رواه مجاهد في "تفسيره" ص 80 ومن طريقه (الطبري) 2/ 245، ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 149، وذكره "الثعلبي" في "تفسيره" 1/ 994 وابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 103 - 104، "ابن كثير" في "تفسيره" ص 122 - 123. (¬7) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 149 وذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 994، ابن كثير في "تفسيره" ص 122 - 123. (¬8) رواه الطبري في "تفسيره" 1/ 367، ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 149 وذكره =

اليأس وبين قطع الطمع. وليس قولُ من قال: المراد بالفريق هاهنا الذين سمعوا كلامَ الله في وقت المناجاة أولى من القول الأول بأن هؤلاء سمعوا كلام الله على الحقيقة (¬1)، من جهة أن الكلام يضاف إلى المتكلم على وجهين، وكلاهما حقيقة: أحدهما: يضاف إليه على أنه المظهر له. والآخر: يضاف إليه على معنى الحكاية لما كان مظهرًا له. يوضح ذلك أنك تقول: هذا كلام سيبويه (¬2) بعينه إن لم يحكه الحاكي على المعنى دون تأدية اللفظ (¬3)؛ ولهذا نقول: القرآن كلام الله على الحقيقة، وإن كنا لا نسمعُ الله يقولُ ذلك عند تلاوته. وقوله تعالى: {ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ} التحريفُ: تفعيلٌ من الحَرْف، والحَرْفُ في أصل اللغة: حدّ الشيء وحِدَتُهُ، ومِنْه يقال: طعامٌ حِرِّيْفٌ، يراد حِدَّتُهُ، فالتحريف أن يَجْعَلَ للشيء حَرْفًا كتحريف القلم. هذا أصل معناه في اللغة، ثم استعمل في معنى الإمالة والتغيير، وهذا المعنى راجع إلى أصله في اللغة؛ لأن بالإمالة يصير الشيءُ ذا حَرْفٍ، ألا ترى أن القلم إنما يصير مُحَرَّفًا إذا أُمِيلَ قَطْعُهُ في أحد الجانبين، فصار التحريف اسمًا لتغيير الشيء عن وجهه (¬4). ¬

_ (¬1) يريد: سمعوا كلام الله من رسوله أو من كتابه المنزل. (¬2) هو: أبو بشر عمرو بن عثمان بن قنبر، وقد تقدمت ترجمته في المقدمة. (¬3) يريد: إن حكاه الحاكي بلفظه. ينظر: "تهذيب اللغة" 1/ 883، "اللسان" 2/ 954، "مقاييس اللغة" 2/ 42. (¬4) ينظر: "تفسير الطبري" 1/ 368، "تهذيب اللغة" 1/ 786، "المفردات" للراغب ص 121 وقال: وتحريف الشيء إمالته كتحريف القلم، وتحريف الكلام أن تجعله على حرف من الاحتمال يمكن حمله على الوجهين.

فغيّروا ما سمعوا، ولم يؤدّوه على الوجه الذي سمعوه، فقيل في هؤلاء الذين شاهدهم النبي - صلى الله عليه وسلم -: إنهم إن كفروا وحرفوا فلهم سابقة في كفرهم، وهذا مما يقطع الطمع في إيمانهم (¬1)؛ لأن الطمعَ قد ينقطعُ بغلبةِ الظن كما ينقطع مع العلم، فإذا ظهرت الأمارات التي توجب غلبة الظن انقطع الطمع. بيان ذلك: أنا لا نطمع في إيمانِ ملكِ الرومِ مع غلبةِ الظن أنه لا يؤمن، كما لا نطمع في إيمان أبي جهل (¬2)، مع العلم بأنه لا يؤمن وقد هلك، واليأس إنما يكون مع اليقين أنه لا يقع، وهذا هو الفرق بين ¬

_ = النبي - صلى الله عليه وسلم - من نسلهم أحرى بالجحود والتحريف؛ لأن أسلافهم سمعوا من الله وحرفوا متعمدين التحريف، وهؤلاء سمعوا منكم أنتم، ولذا قطع الله أطماع المؤمنين في إيمانهم. ثم رد ابن جرير على أصحاب القول الأول قولهم، بأنه لوكان المراد: سمعوا التوراة، لم يكن لذكر قوله: (يسمعون كلام الله) معنى مفهوم، لأن ذلك قد سمعه المحرف وغيره، فخصوص المحرف بالسماع لا معنى له. وقد بين ابن كثير ص 1/ 122 - 123 أن القول الأول أعلم، وأنه ليس يلزم من سماع كلام الله أن يكون سمعه منه كما سمعه الكليم قال تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ} [التوبة: 6] أي: يسمعه مبلغًا إليه. وممن ضعف القول الثاني ابن عطية 1/ 359 فقال: وفي هذا القول ضعف، ومن قال: إن السبعين سمعوا ما سمع موسى فقد أخطأ وأذهب فضيلة موسى عليه السلام واختصاصه بالتكليم، ونقله القرطبي 2/ 1، وقال ابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 103: وقد أنكر بعض أهل العلم، منهم الترمذي صاحب "النوادر"، هذا القول إنكارًا شديدًا. وقال: إنما خص بالكلام موسى وحده، وإلا فأي ميزة، وجعل هذا من الأحايث التي رواها الكلبي، وكان كذابًا. وينظر: "العجائب" 1/ 262. (¬1) ينظر: "تفسير الطبري" 1/ 367 - 368. (¬2) هوة عمرو بن هشام بن المغيرة المخزومي القرشي، أحد سادات قريش في الجاهلية، وأشد الناس عداوة للنبي - صلى الله عليه وسلم - في صدر الإسلام، حتى كانت وقعة بدر الكبرى فشهدها مع المشركين فكان من قتلاهم. ينظر: "السيرة النبوية" 2/ 358.

ابتدأت فتحه، كما يبتدأ الدخول إلى الشيء بفتح بابه، ومنه: الفتّاح للحاكم؛ لأنه يفتح القضيّة المستغلقة (¬1). وأما (يستفتحون) بمعنى: يستنصرون، فهم يسألون الفتح. ومعنى قوله: {بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ} قال ابن عَبَّاسٍ (¬2) وأبو العالية (¬3) والحسن (¬4) وقتادة (¬5) أي: من العلم بصفةِ محمد - صلى الله عليه وسلم - المبشَّر به ونعتِهِ. وقوله تعالى: {لِيُحَاجُّوكُمْ} معنى المحاجة: المجادلة والمخاصمة. وأصل الكلمة: من القصد، ومنه: حَجَّ البيتَ، والحجة: النكتة (¬6) التي هي القصد في تصحيح الأمر، والمحجة: الطريقُ القاصدُ بك إلى الغرض الذي تؤمّه (¬7). ومعنى قوله: {لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ} أي: ليجادلوكم، يعني: أصحاب محمد، ويقولون: قد أقررتم أنه نبي حقٌّ في كتابكم ثم لا تتّبعونه، فهذه حجة لهم عليكم (¬8). وقوله تعالى: {عِندَ رَبِّكُم} قال أبو بكر (¬9): معناه: في حكم ربكم، كما تقول: هذا حلال عند الشافعي، أي: في حكمه، وهذا يحل عند الله: ¬

_ (¬1) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 254 "تفسير الثعلبي" 1/ 995، "القرطبي" 2/ 3. (¬2) أخرجه الطبري في "تفسيره" 1/ 370. (¬3) أخرجه الطبري في "تفسيره" 1/ 370، و"ابن أبي حاتم" 1/ 781. (¬4) بنحوه أخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 785، 787. (¬5) أخرجه الطبري 1/ 370 بأسانيد عن قتادة. (¬6) في (م): (النكة). والنكتة هي النقطة. (¬7) ينظر: "تهذيب اللغة" 1/ 744 - 746 مادة حج، "مقاييس اللغة" 2/ 29 - 31. (¬8) ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 996. (¬9) يعني: ابن الأنباري.

وقوله تعالى: {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} أي: يعلمون أنّ الذي حرفوا ليس من قبل الله، إنما هو مفتعل من جهتهم. أعلمنا الله تعالى أنهم لم يحرفوا ما سمعوا على جهة النسيان والخطأ، بل جهة القصد والتعمد. وقيل: {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} أن الذي يفعلونه مُكسِبٌ للأوزار (¬1). وقوله تعالى: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا} قال ابن عباس (¬2) والحسن (¬3) وقتادة (¬4) (¬5): يعني منافقي اليهود، كانوا إذا رأوا المؤمنين قالوا: آمنّا بمحمد أنه نبي صادق نجده في كتابنا، فإذا رجعوا إلى رؤسائهم لاموهم على ذلك (¬6). وقالوا: {أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ}. ومعنى التحديث: الإخبار عن حوادث الزمان. وأصل الفتح: نقيض الإغلاق، ثم يدخل في هذا فتح البلاد، وفتح المِغْلاق، وفتح المُشكل من الحكم، وفتح الباب، وكلّ مَا بَدَأتَ به فقد استفتحته، وبه سميت فاتحة الكتاب، ومعنى استفتحته: ¬

_ (¬1) ينظر: "تفسير الطبري" 1/ 368، "ابن أبي حاتم" 1/ 149، "زاد المسير" 1/ 104. (¬2) رواه الطبري في تفسيره 2/ 249، 250. (¬3) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 151. (¬4) رواه الطبري في تفسيره بمعناه عنه 1/ 369، وذكره ابن أبي حاتم 1/ 149، وابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 90. (¬5) أخرج أثر ابن عباس: ابن جرير الطبري 1/ 369. وأخرج ابن أبي حاتم أثر الحسن 1/ 785، وذكره عن قتادة 1/ 779، 787، ونسبه السيوطي في "الدر المنثور" 1/ 157 إلى عبد بن حميد. (¬6) روي هذا القول أيضًا عن السدي وأبي العالية، والربيع بن أنس، ومجاهد وعطاء وابن زيد، ينظر: "تفسير الطبري" 1/ 369 - 370، "ابن أبي حاتم" 1/ 149 - 150 "زاد المسير" 1/ 104، "الدر المنثور" 1/ 157.

فقلبت الواو ياءً لسكونها ثم أدغمت (¬1)، ويجوز في أداء (¬2) جَمعها التخفيف على نقصان إحدى الياءين (¬3)، وكذلك ما كان على هذا الوزن من الجمع الصحيح ففيه لغتان، نحو: قرقور وقراقر (¬4) وإن شئت: قراقير، وحواجب وحواجيب، وجلابب وجلابيب. فأمَّا الغواشي والجوابي (¬5) والجواري والليالي فليس فيها إلَّا التخفيف؛ لأنّها منقوصات، وواحدَتُها خفيفة (¬6). والأمنيَّة: من التمنّي، كالأغنية من التغنّي. قال الكسائي: أصل التمني في اللغة: حديثُ الرجلِ نفسَه، والعرب تقول: تركتُه قاعدًا يتمنى، أي: يحدث نفسَه. وأنشد لكعب بن مالك (¬7) يرثي أباه: ¬

_ (¬1) ينظر: "تهذيب اللغة" 4/ 3254 (¬2) ساقطة من (أ) و (ش). (¬3) قال أبو حاتم: كل جمع من هذا النحو، واحده مشدّد فلك فيه التخفيف والتشديد، مثل: بَخَاتي، وأثافي، وأغاني، وأماني ونحوها ينظر: "تفسير الطبري" 1/ 376 - 377، "تهذيب اللغة" 4/ 3454، "المحتسب" لابن جني 1/ 94 "تفسير الثعلبي" 1/ 999. (¬4) القرقور: السفينة العظيمة الطويلة. (¬5) في (م): (الجواني). (¬6) ينظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 49، "معاني القرآن" للأخفش الأوسط 1/ 117 - 118، "تفسير الطبري" 2/ 376 - 377، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 159، "تهذيب اللغة" 4/ 345، "المحتسب" لابن جني 1/ 94. (¬7) هو: كعب بن مالك بن أبي كعب الأنصاري الخزرجي، شاعر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصاحبه، وأحد الثلاثة الذين خلفوا فتاب الله عليهم، اختلف في تاريخ وفاته بين 40 و50 هـ وغيرها. ينظر: "أسد الغابة" 4/ 487 - 489، "الإصابة": 3/ 302.

78

أي: في حكمه، فعلى هذا معناه: لتكون لهم الحجة عليكم عند الله في الدنيا والآخرة. ويحتمل: أنه أراد عند ربكم في الآخرة؛ لأنهم يقولون لكم: يا معشر اليهود آمنا بمحمد ولم نقرأ صفته، وكفرتم به بَعْد أن وقفتم على صِدقه في التوراة. {أَفَلَا تَعْقِلُونَ} أفليس لكم ذهن الإنسانية (¬1). وهذا من كلام رؤسائهم لهم في لومهم إياهم، فقال الله تعالى: {أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ} أي: من التكذيب {وَمَا يُعْلِنُونَ} من التصديق. 78 - قوله تعالى: {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ} قال أبو إسحاق: معنى الأمي في اللغة: المنسوب إلى ما عليه جبلّة (¬2) الأمة: أي: لا يكتب، فهو في أنه لا يكتب على ما ولد عليه (¬3). وقال غيره: قيل للذي لا يكتب: أمِّي؛ لأن الكتابة مكتسبة، فكأنه نُسِبَ إلى ما ولد عليه، أي: هو على ما ولدته أمّه. وقال ابن الأنباري: إنما سمّي الذي لا يكتب، ولا يقرأ: أمّيّاً؛ لأنه نسب إلى أمّه، إذ كان النساءُ لا يكتبن في ذلك الدّهر (¬4). وقوله تعالى: {إِلَّا أَمَانِىَّ} جَمْعُ أُمْنِيّة، وأُمْنِيَّة في الأَصْلِ. أُمْنُوية ¬

_ (¬1) "تفسير الثعلبي" 1/ 997. (¬2) في (ش): (حيلة). (¬3) "معاني القرآن" 1/ 159. وفي "تهذيب اللغة" 1/ 204 مادة (أم) النص هكذا: معنى الأمي في اللغة المنسوب إلى ما عليه جبلته أمه. (¬4) ينظر. "تهذيب اللغة" 1/ 204 - 205، و"المحيط في اللغة" للصاحب بن عباد 10/ 459، "تفسير القرطبي" 2/ 4، و"اللسان" 1/ 123.

حُروفه من غير زيادة. وقال ابن السكيت: يقال: هو مُنّي (¬1) بمَنَى مِيل، أي: بقدر ميل (¬2). وقال الفراء: يقال: مَنىَ الله لك ما يَسُرّك، أي: قَدّر لك. وأنشد: ولا تقولَنْ لشيء سوف أفعله ... حتى تَبَيّنَ (¬3) ما يَمْني (¬4) لَكَ الماني (¬5) أي: ما يقدر لك القادر (¬6). فأمَّا التفسير، فقال ابن عباس: {إِلَّا أَمَانِيَّ}: إلا أحاديث (¬7)، قال: لا يعلمون إلّا ما حُدّثوا. وقال الفرَّاء: الأماني: الأحاديث المفتعلة، يقول الله: لا يعلمون الكتاب ولكن هو أحاديث مفتعلة ليست من كتاب الله يسمعونها من كبرائهم (¬8)، وهذا قول الكلبي (¬9). واختاره الزجّاج في أحد قوليه، وقال: ¬

_ (¬1) في (ش): (تمني). (¬2) نقله عنه في "تهذيب اللغة" 4/ 3454 ولم أجده في كتابيه:"تهذيب الألفاظ"، و"إصلاح المنطق". (¬3) في (م): (يبين). وفي (ش): (بين) وفي "تهذيب اللغة" 4/ 3454: تُلاقيَ. (¬4) في (ش): (تمنى). (¬5) البيت لأبي قلابة الهذلي، في "شرح أشعار الهذليين" ص 713، ولسويد بن عامر "المصطلقي في لسان العرب" 7/ 4282، وذكره في "تهذيب اللغة" عن الفراء ولم ينسبه 4/ 3454. (¬6) لم أجده في مظنته من "معاني القرآن" للفراء، ونقله عنه في "تهذيب اللغة" 4/ 3454. (¬7) رواه ابن جرير الطبري في "تفسيره" 2/ 261، و"ابن أبي حاتم" 1/ 152. (¬8) ينظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 49 - 50. (¬9) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 999، وينظر: "البغوي" 1/ 88، "الخازن" 1/ 77.

تمنّى كتابَ الله أولَ ليلِهِ ... وآخرها (¬1) لاقى حِمَام المقادر (¬2) أي: قرأ، يسمّى (¬3) القراءة تمنِّيًا، لأنها تشبه التحدث، وما تمناه الإنسان فهو مما (¬4) يحدث به نفسه (¬5)؛ ولهذا فُسِّرت الأماني في هذه الآية بالأحاديث. وقال غيره: أصل هذه الكلمة عند أهل اللّغة من التقدير. والتمني: هو تقدير شيء تودُه، والمنيّة مقدرةٌ على العباد، والمَنَى الذي يوزن به: مقدار معروف، والمَنِيُّ: الذي يقدَّرُ منه الولد، والتمني: التلاوة؛ لأنها حكاية على مقدار المحكيِ، والمنا (¬6): الحذاء؛ لأن أحد الشيئين بإزاء الآخر على مقداره (¬7)، ومُنيت (¬8) بكذا أي: قُدَر علَيّ. والأمنية في هذه الآية: التلاوة؛ لأنها حكاية للكلام على مقدار ¬

_ (¬1) كذا في الأصل: وآخرها، وفي "تفسير الثعلبي" 1/ 1000، "اللسان" 7/ 4284، "تفسير القرطبي" 2/ 6: وآخره. (¬2) البيت في "ديوانه" ص 294 قاله في رثاء عثمان بن عفان، وينظر "تفسير ابن عطية" 1/ 169، "القرطبي" 2/ 5، وقيل: هو لحسان بن ثابت كما في "تفسير أبي حيان" 6/ 386، وليس في "ديوانه"، وبلا نسبة في "لسان العرب" 7/ 4284، و"مقاييس اللغة" 5/ 277، وكتاب "العين" 8/ 390. ينظر "المعجم المفصل في شواهد اللغة العربية"، للدكتور/ أميل بديع يعقوب 3/ 370. وحمام المقادر: الموت. (¬3) في: (م) لعلها (يسمي). (¬4) في (م) و (ش): (ما). (¬5) في (ش): تحدث نفسه. (¬6) في (م): (المنا الذي). (¬7) ينظر: "القاموس" 1336: (مادة: المنا). (¬8) في (م): (أمنيت).

رأس جبل فهو من خشية الله [نزل به القرآن (¬1). وقال بعض المتأولين: من قال: المراد بالحجارة في قوله: {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ}] (¬2) أنه يركَّب فيها التمييز والعقل، فقد أخطأ (¬3)، إذ كان لا يُستنكر ذلك ممن جُعِل فيه التمييز، ولكن هذا على جهة (¬4) المثل، كأنه يهبط من خشية الله لما فيه من الانقياد لأمر الله الذي لو كان من حيّ قادر لدلَّ على أنه خاشٍ لله كقوله: {جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ} [الكهف: 77]، أي: كأنه مريد. وكقول جرير: لمَّا أَتَى خَبَرُ الزُّبَيْرِ تَوَاضَعَتْ ... سُورُ المدينةِ والجِبَالُ الخُشَّعُ (¬5) أي: كأنها خاشعة للتذلل الذي ظهر (¬6) فيها كما يظهر تذلل الخاشع، ¬

_ (¬1) ذكره الطبري في "تفسيره" 1/ 364، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 433، "تفسير الماوردي" 1/ 374، انظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 356 - 357، "تفسير ابن كثير" 1/ 121 - 122. (¬2) ما بين المعقوفين ساقط من (ب). (¬3) نسب الرازي هذا القول للمعتزلة 3/ 131. (¬4) في (ب): (على وجه). (¬5) من قصيدة قالها جرير في هجاء الفرزدق، يقول: لما وافى خبر قتل الزبير إلى المدينة تواضعت هي وجبالها وخشعت حزنا له، لأن قاتل الزبير من رهط الفرزدق. ورد البيت في مواضع كثيرة منها،"الكتاب" 1/ 52، "مجاز القرآن" 1/ 197، "الكامل" 2/ 141، "المقتضب" 2/ 197،"المذكر والمؤنث" لابن الأنباري ص 595، "جمهرة أمثال العرب" 2/ 3339، "الأضداد" لابن الأنباري ص 296، "معاني القرآن" للفراء 2/ 37، والطبري في "تفسيره" 1/ 261، 365، "الخزانة" 4/ 218، "الخصائص" 2/ 418، "المخصص" 17/ 77، "تفسير القرطبي" 1/ 395، "البحر المحيط" 1/ 266، "رصف المباني" ص 244، "ديوان جرير" ص 270. (¬6) في (ب): (للتذل ظهر الذي فيها).

إلّا أكاذيب، والعربُ تقول: أنت إنما تتمنى (¬1) هذا القول، أي: تختلقه (¬2). وقال أحمد بن يحيى: التمني: الكذب، يقول الرجل: والله ما تمنيت هذا الكلام ولا اختلقته (¬3). قال ابن الأنباري (¬4): والمُنى تشبه الكذب لأنه لا حقيقة لها، والعرب تذمّها كما تذم الكذب، قال الشاعر: فَلا يَغُرَّنْكَ مَا مَنَّتْ ومَا وَعَدَتْ ... إنَّ الأمَانِيَّ وَالأحْلامَ تَضْلِيلُ (¬5) وقال أبو عبيدة (¬6) وابن الأنباري (¬7) وابن قتيبة (¬8) والزجَّاج (¬9) في أحد قوليهِ: الأماني: التلاوة، واحتجوا ببيتِ كعبٍ، فأرادَ أنّهم يقرؤون عن ظهر القلب ولا يقرؤون في الكتب (¬10). وقيل: يقرءون في الكتاب ولا يعلمونه بقلوبهم، فهم لا يعلمون ¬

_ (¬1) في (ش): (تتمنى). في (أ) و (م): (تمتني)، وما في (ش) موافق لما في "معاني القرآن" للزجاج 1/ 159. (¬2) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 159. (¬3) نقله عنه في "تهذيب اللغة" 15/ 534. (¬4) في (م): (الأنبار). (¬5) البيت لكعب بن زهير، ينظر: "ديوانه" ص 9، "لسان العرب" 7/ 4284، "المعجم المفصل" 6/ 347. (¬6) ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 999، وليس هو في "مجاز القرآن" لأبي عبيدة. (¬7) ينظر: "تهذيب اللغة" 4/ 3456 (¬8) ينظر: "تفسير غريب القرآن" ص 46. (¬9) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 159. (¬10) ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 999، "تفسير البغوي" 1/ 88 "زاد المسير" 1/ 105.

الكتاب إلا تلاوة ولا يعملون به (¬1)، فليسوا كمن يتلونه حقّ تلاوته، فيُحِلّون حلالَه، ويحرمون حرامه، ولا يحرفونه عن مواضعه (¬2). قال ابن الأزهري: والتلاوة سميت أمنية؛ لأن تالي القرآن إذا مر بآية رحمة تمنّاها، وإذا مرّ بآية عذاب تمنّى أن يُوَقّاه (¬3). وقال الحسن (¬4) وأبو العالية (¬5) وقتادة (¬6): أي: إلّا أن يتمنوا على الله الباطل والكذب، ويتمنون على الله ما ليس لهم، مثل قولهم: {وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً} [البقرة: 80]، وقولهم: {وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا} [البقرة: 111]، وقولهم: {نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ} [المائدة: 18]. قال ابن الأنباري: والاستثناء على هذا التأويل منقطع عن الأوّل، يريد. لا يعلمون الكتاب البتة، لكنهم يتمنون على الله مالا ينالون (¬7). ¬

_ (¬1) في الأصل (يعلمون)، وهو تحريف. (¬2) ينظر: "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة ص 56. (¬3) "تهذيب اللغة" 15/ 534. (¬4) ذكره "الثعلبي" في "تفسيره" عنه 2/ 1001، وينظر: "الوسيط" للمصنف 1/ 162، و"البغوي" 1/ 88. (¬5) أخرجه الطبري في تفسيره بمعناه 2/ 374 - 375، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 152، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1001. (¬6) أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/، وفي "تفسير الطبري" بمعناه 1/ 375، وذكره "أبن أبي حاتم" 1/ 152 عنه وعن الربيع بن أنس بلا إسناد، وينظر: "التفسير الصحيح" 1/ 180. (¬7) وقد رجح الشنقيطي هذا القول في أضواء البيان 1/ 141 وبين أن مما يدل لهذا القول: قوله تعالى {وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ} [البقرة: 111] وقوله {لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ} [النساء: 123] وبين أن القول الأول لا يتناسب مع قوله: ومنهم أميون لأن الأمي لا يقرأ. =

وقوله تعالى: {وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ} أي: لا يعلمون، (¬1) أراد: ما هُمْ إلا ظانّينَ ظنًّا وتوهمًا لا حقِيقَةً ويقينًا (¬2) (¬3). وجعل الفعل المستقبل في مَوضع الحَالِ؛ لأنه يصلح للزمانين. قال ابن عبّاس في قوله: (وإن هُم إلّا يظنون): أي: لا يعلمون الكِتَابَ، ولا يدرون ما فيه، وهم يجحدون نبوتك بالظَنّ (¬4). قالَ أصحاب المعاني: ذمّ الله بهذه الآية قومًا من اليهود، لا يحسنون شيئًا وليسُوا على بصيرة إلّا ما يحدّثونَ به، أو إلّا ما يقرءون عن غَيْرِ عِلم به (¬5). ففيه حثٌّ علَى تعلّم العلم؛ حتّى لا يحتاج الإنسان إلى تقليد غيره، وأن يقرأ شيئًا لا يكون له به معرفة. قوله تعالى: {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ} الآية. قال ابن عباس: الوَيْل شِدّة العَذَاب (¬6). ¬

_ = ويؤيد ذلك ما ورد بأسانيد صحيحة عن ابن عباس وقتادة ومجاهد وأبي العالية. ينظر: "التفسير الصحيح" 1/ 180. (¬1) زيادة من (ش). (¬2) ينظر: "تفسير الطبري" 1/ 377، "تفسير الثعلبي" 1/ 1001، "تفسير البغوي" 1/ 115. (¬3) نقل القرطبىِ في "تفسيره" 2/ 6 عن أبي بكر الأنباري عن أحمد بن يحيى النحوي: أن العرب تجعل الظن علمًا وشكًّا وكذبًا، وقال: إذا قامت براهين العلم فكانت أكثر من براهين الشك فالظن يقين، وإذا اعتدلت براهين اليقين وبراهين الشك فالظن شك، وإذا زادت براهين الشك على براهين اليقين فالظن كذب. (¬4) رواه الطبري في تفسيره 1/ 277. (¬5) ينظر: "المحرر الوجيز" لابن عطية 1/ 365، "تفسير القرطبي" 2/ 6. (¬6) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1003، والبغوي في "تفسيره" 1/ 115، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 1/ 378 بلفظ: فالعذاب عليهم.

وقال الزجّاج: الويل كلمة يستعملها كل واقع في هَلَكة، وأصله في اللغة: العذاب (¬1). وقال ابن قتيبة: قال الأصمعي: الويل تقبيح (¬2)، قال الله تعالى: {وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ} [الأنبياء: 18]. وروى الأزهري عن المنذري عن أبي طالب النحوي أنه قال: قولهم: ويل (¬3)، كان أصلها (وي) وُصِلت بـ (له)، ومعنى (وي): حزن، ومنه قولهم: ويه (¬4) معناه: حزن، أُخْرج مُخْرجَ الندبة (¬5) (¬6). وحكى ابن الأنباري عن الفراء: أن أصل هذه الكلمة: وي لفلان، وهو حكاية صوتِ المصاب وَي وَي، فكثر الاستعمال للحرفين، يعني: وي لفلان فوُصِلتْ اللام بوي وَجُعِلَتْ معها حرفًا واحدًا، ثم خُبِّر عَن ويل بلام أُخرى. وقرأت على أبي الحُسين الفسوي، فقلت: أخبركم حمد بن محمد الفقيه، قال: أخبرني أبو عمر (¬7)، قال: حضرنا مجلس أبي العباس أحمد ¬

_ (¬1) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 160. (¬2) ينظر: "اللسان" 11/ 739. (¬3) في "تهذيب اللغة": (ويله). (¬4) في الأصل ويه، والمثبت من "اللسان". (¬5) الندبة: وهي نداء متفجع عليه حقيقة أوحكما أو متوجع منه. ينظر: "طرح التثريب" 1/ 154، "المصباح المنير" ص 597. (¬6) "تهذيب اللغة" 4/ 3969. (¬7) هو: محمد بن عبد الواحد بن أبي هاشم، أبو عمر اللغوي الزاهد، المعروف بغلام ثعلب، لازم ثعلبًا في العربية فأكثر عنه إلى الغاية، له مصنفات كثيرة منها: "فائت الفصيح"، و"الياقوتة"، وغيرها، توفي سنة 345 هـ. ينظر: "سير أعلام النبلاء" 15/ 508 - 513، و"تاريخ بغداد" 2/ 356 - 359.

أبن يحيى، فأقبل علينا، فقال: كيف الفعل من الويل؟ فبلّح القوم ولم يكن عند واحدٍ منهم جواب، وفي المجلس ابن (¬1) كيسان وغيره فأنشدنا: تَوَيّل إذ ملأتُ يدي وكانَتْ ... يميني لا تعلّلُ (¬2) بالقليل (¬3) قال أبو عمرو: يقال في هذا أيضًا: وال يَوِيلُ، على وزن مال يميل. انتهت الحكايةُ. وسمعتُ من يوثق بعلمه يقول: أخطأ أبو عمرو، لم يأت من هذا الباب ما أَوَّلُه واوٌ ولا ياءٌ في الأجوف. وروي عن أبي سعيد الخدري (¬4) مرفوعًا قال: "ويْلٌ: وادٍ في جهنم، يهوي فيه الكافر أربعين خريفًا قبل أن يبلغ قعره" (¬5). ¬

_ (¬1) ساقطة من (ش). (¬2) في (ش): (لا تغلل). (¬3) البيت بلا نسبة في: "الممتع في التصريف" 2/ 568، وفي "لسان العرب" 8/ 4939، "المعجم المفصل" 6/ 587. (¬4) هو: الصحابي الجليل، سعد بن مالك بن سنان الأنصاري الخزرجي، اشتهر بكنيته أبو سعيد الخدري، من فقهاء الصحابة ومكثريهم في رواية الحديث، شهد ما بعد أحد، وتوفي سنة 74 هـ. ينظر: "أسد الغابة" 2/ 365، و"الأعلام" 3/ 87. (¬5) أخرجه أحمد 3/ 75، وعبد بن حميد 924، والترمذي في التفسير، سورة الأنبياء برقم (3164)،، الطبري في تفسيره 1/ 378، والحاكم 2/ 507 أبو يعلى في "مسنده" 2/ 523 والبيهقي في "البعث والنشور" برقم 537 من طريق دراج أبي السمح عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري، ودراج ضعيف، وصححه الحاكم، وأحمد شاكر وقال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث ابن لهيعة وتعقبه ابن كثير في "تفسيره" 1/ 125 فقال: لم يتفرد به ابن لهيعة كما ترى ولكن الآفة ممن بعده، وهذا الحديث بهذا الإسناد مرفوعا منكر، والله أعلم.

قال النحويون: وذكر اليد في قوله: {يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ} تحقيق للإضافة وإن كانت الكتابة لا تقع إلا باليد، وقد أُكدّت الإضافة بذكر اليد (¬1) فيما لا يُرادُ باليد فيه الجارحة (¬2)، كقوله تعالى: {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص: 75] وقوله: {مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا} [يس: 71]. ومعناه: مما تولينا عمله، ولما (¬3) توليت خلقه. والأصل في هذا: أنه قد يضاف الفعل إلى الفاعل وغير الفاعل له، كقوله: {يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ} [القصص: 4]، والمراد بذلك: أنه يأمر بالذبح فَيُمتثل أمره. فلما كان الفعلُ قد يُضاف إلى غير الفاعل أُكّدَت الإِضافة بذكر اليد؛ للتحقق وينتفي الاحتمال، ثم استعمل هذا التأكيد (¬4) أيضا في فعل الله تعالى وإن لم يجز في وصفه يد الجارحة؛ لأن المراد بذكر اليد تحقيق الإضافة على ما بيّنا. وقال ابن السراج: معنى يكتبون بأيديهم، أي: من تلقائهم ومن قبل أنفسهم من غير أن يكون أُنزل عَلَيهم أو على من قبلهم (¬5)، وهذا كما يقال للذي يُبدعُ (¬6) قولًا لَم يُقَلْ قبله: هذا أنت تقوله (¬7)، يراد بذلك: أنت ابتدعت هذا المذهب وهذا الحكم. ¬

_ (¬1) ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1004، "تفسير القرطبي" 2/ 8. (¬2) هذا تأويل من المؤلف رحمه الله، جرى فيه على مذهب الأشاعرة. والصواب ما عليه السلف من إثبات الصفات لله من غير تَأَويل ولا تكييف ولا تمثيل. (¬3) في (أ) و (م): (كما). (¬4) في (ش): (التاليد). (¬5) انظر: "تفسير القرطبي" 2/ 8. (¬6) في (ش): (يبيع). (¬7) في (ش): (بقوله).

80

قال المفسرون: هذا في اليهود، عَمَدوا إلى صفة محمد - صلى الله عليه وسلم - فكتبوا صفته على غير ما كانت في التوراة، وأخذوا عليه الأموال، وقبلوا الهدايا (¬1). وهو معنى قوله: {وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ} يقال: كسبت الشيء كسبًا، وكَسَبْتُ الرجلَ مالًا فَكَسَبه وهذا أحد ما جاء على فَعَلْتُه فَفَعَل، ومعنى الكسب: فعل يُجتلَب به نفع، أو يُستدفَع به ضرر، واكتسب الخطيئة إنما ذلك لأنه يَجتلب به تعجّلَ المنفعة وينسَى ما عليه فيه من تأجّل المضرّة. 80 - وقوله تعالى: {وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً} يعني: اليهود لما أوعدهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالنار عند تكذيبهم إياه، قالوا: لن تمسَّنا النار إلّا أيامًا معدودة (¬2): أي: قليلة، والمعدودة إذا أطلقت كان معناها القليلة، كقوله: {دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ} [يوسف: 20] قيل معناه: معدودة عندنا. قال ابن عبّاس: قالت اليهود: مدّة الدنيا سبعة آلاف سنة، وإنما نعذَّب بكل ألف سنة يومًا واحدًا (¬3). وقال قتادة (¬4) وعطاء (¬5): يعنون الأيام التي عبد آباؤهم فيها العجل، ¬

_ (¬1) ينظر: "تفسير الطبري" 1/ 378، "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 244 - 247، "تفسير السمرقندي" 1/ 132، "تفسير الثعلبي" 3/ 1003. (¬2) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 380 - 381، "تفسير الثعلبي" 1/ 1006. (¬3) أخرجه عنه الطبري 2/ 278، وابن أبي حاتم 1/ 155، وسنده حسن كما في "التفسير الصحيح" 1/ 184 والطبراني في "الكبير" 11/ 96، وهو مروي عن مجاهد أيضًا كما عند الطبري 1/ 382. (¬4) أخرجه عنه عبد الرزاق في "تفسيره" بسند صحيح 1/ 51 ومن طريقه رواه الطبري في تفسيره 1/ 381، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 155، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1007، ينظر: "التفسير الصحيح" 1/ 184. (¬5) ذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1007، والبغوي في "تفسيره" 1/ 116.

81

وهي مدّة غيبة موسى عنهم، فكذّبهم الله عز وجل، فقال: قُل يا محمد: {أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا} أي: أخذتم بما تقولون من الله ميثاقًا فالله لا ينقُض ميثاقه، أم تقولون على الله الباطل جهلًا منكم. وَ (أَمْ) هاهنا يحتمل أن تكون متصلة على المعادلة لألف الاستفهام بمعنى: عَلَى أي الحَالَتَين أنتم؟ على اتخاذ العهد أم على القول بما لا تَعلَمُون. ويحتمل أن تكون منقطعة (¬1)، على تقدير تمام الكلام قبلها، كأنه تم الكلام عند قوله: {فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ} ثم استأنف بـ (أم) على معنى: لا تقولون على الله مالا تعلمون. وكذا تقديرها وإن كانت منقطعةً (¬2). 81 - قوله تعالى: {بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً} قال الفراء: (بلى): تكون جوابًا للكلام الذي فيه الجحد، فإذا قال الرجل: ألست تقوم؟ فتقول: بلى. ونَعم جواب للكلام الذي لا جحد فيه، فإذا قال الرجل: هَل تقوم؟ قلت: نعم. قال الله تعالى: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (8) قَالُوا بَلَى} [تبارك:8, 9]، وقال: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى} [الأعراف: 172]، وقال: {فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ} [الأعراف: 44]، وإنما صارت (بلى) تتصل بالجحد؛ لأنّها رجوع عن الجحد إلى التحقيق، فهي بمنزلة (بَل)، و (بل) سبيلها أن تأتي بعد الجحد، كقولهم: مَا قام أخوك بل أبوك، وما أكرمت أخاك بل أباك. فإذا قال الرجل للرجل: ألا تقوم، فقال: بلى، أرادَ: بل أقوم، فزاد الياء على (بل) ليحسن السكوت عليها؛ لأنه لو قال: بل كان يتوقع كلامًا بعد بل، فزاد الياء (¬3) على بل ليزول عن المخاطب هذا ¬

_ (¬1) ينظر: "البحر المحيط" 1/ 278. (¬2) كذا في الأصل، ولعل الصواب: كذا تقديرها إن كانت منقطعة. (¬3) أراد الألف المقصورة، وهكذا عدها الفراء ألفًا.

التَوهم (¬1) وإنّما لم يصلح ها هنا (نعم) لأن (نعم)؛ إقرار، وإذا قال في هذا الموضع نعم، فقد أقرّ بالجحد وبالفعل الذي بعده، ألا ترى أنك لو قيل لك: أَمالَكَ مالٌ؟ فقلت: نعم، كنتَ مُقِرًّا بالكلمة بطرح الاستفهام وحده، كأنك قلت: نعم مالي مالٌ، فأرادوا أن يرجعوا عن الجحد ويُقرّوا بما بعده، فاختاروا (¬2) (بلى) لأن أَصلها رجوع عن الجحد كما بينا (¬3). ومعنى الآية: أنه ردّ على اليهود قولَهم: {لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ} فقال: (بلى) أُعذِّبُ من كَسَبَ سَيّئةً. و (مَنْ) هاهنَا بمعنى (الذي) (¬4)، ولهَا أربعة أَوجُه: تكون بمعنى (الذي)، وتكون (¬5) استِفهَامًا، وجزاءً، ونكرةً موصوفة، مثل: وَكَفَى بِنَا فَضلًا عَلَى مَنْ غَيْرِنا ... حُبُّ النبيِّ محمّدٍ إيّانا (¬6) أي: على أحد غيرِنا. ¬

_ (¬1) ينظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 52، ونقله عنه الطبري في تفسيره 1/ 384 - 385، وأبن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 107. وينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1008، و"البيان" لابن الأنباري 1/ 99. (¬2) في (م): (فقالوا). (¬3) ينظر في معنى (بلى): "الكتاب" لسيبويه 4/ 234، و"البحر المحيط" 1/ 279، و"مغني اللبيب" 1/ 113 - 114. (¬4) قال أبو حيان في "البحر المحيط" 1/ 279: (من) يحتمل أن تكون شرطية، ويحتمل أن تكون موصولة، والمسوغات لجواز دخول الفاء في الخبر إذا كان المبتدأ موصولًا موجودة هنا، ويحسنه المجيء في قسميه بالذين، وهو موصول. (¬5) في (ش): (تكون) في الموضعين. (¬6) البيت ذكره ابن هشام في "مغني اللبيب" 1/ 328، وابن الشجري في "الأمالي" 2/ 311 منسوبا إلى حسان، ونسبه الزبيدي في "التاج" (مادة: من)، والبغدادي في "الخزانة" 2/ 545 إلى كعب بن مالك، انظر: "ديوان حسان" 1/ 515.

وقولُ آخرَ: يا رُبَّ مَن يبغض أذوادنا .. (¬1) البيتَ. ودخول "رُبَّ" يدل على أنه نكرة (¬2). والسيئة فيعِلة (¬3) من السوء في قياس قول الخليل، وَفعيلَةٌ في قياس قول الفراء، وهذا مثل ما ذكرنا في الصيِّب (¬4). قال اللّيث: والسيئ والسيئة: عملان قبيحان يَصِير السيئ نَعتًا للذكر الأفعال، والسيئة: الأنثى (¬5)، يقال: ساء الشيء يَسوء فهو سَيئٌ، إذا قبح، وساء ما فعل، أي: قبح (¬6). وإجماع أهل التفسير: أن السيئةَ هاهُنا الشرك (¬7)، وأنّ الآية وردت ¬

_ (¬1) وتمامه: رُحْنَ على بغضائه واغْتَدين قاله عمرو بن قميئة كما في "الكتاب" لسيبويه 1/ 315 وقيل: لعمرو بن لأي التيمي. ينظر: "الوحشيات" ص 9، "معجم الشعراء" 214، "المقتضب" 1/ 41، "الإغفال" ص 318. (¬2) ينظر في (رُبَّ): "المقتضب" للمبرد 4/ 139 - 150، و"مغني اللبيب" 1/ 134 - 138، وقال في "القاموس" 87: ورُبَّ، ورُبَةَ، ورُبَّما، وربتما، بضمهن مشددات ومخففات، وبفتحهن كذلك حرف خافض لا يقع إلا على نكرة. (¬3) ينظر: "الكتاب" لسيبويه 4/ 365، "المقتضب" للمبرد 1/ 125، "اللسان" 4/ 2161 (مادة: سوأ). (¬4) راجع "البسيط" [البقرة: 19]. (¬5) نقله عنه في "تهذيب اللغة" 2/ 1583. (¬6) نقله عنه في: "تهذيب اللغة" 2/ 1583، "اللسان" 4/ 2161. (¬7) هذا الإجماع ذكره الواحدي أيضًا في "الوسيط" 1/ 164، والصحيح: أن هذا قول أكثر السلف، والقول الآخر: أن السيئة هي كبائر الذنوب التي توعد الله عليها =

في اليهود (¬1)، وقد قيل: إنها عامة في جميع الكفار. وقوله تعالى: {وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُه} لا يَخلو معناه من أحد أمرين: إمَّا أن يكون المعنى: أحاطت بحسنته خطيئته، أي: أحبطتها من حيثُ كان المحِيط أكبر مِنَ المحاط به، فيكون كقوله: {وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ} [العنكبوت: 54]، وقوله: {أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا} [الكهف: 29]، ويكون المعنى في (أحاطت به خطيئته): أهلكته، من قوله: {لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ} [يوسف: 66]، وقوله: {وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ} [يونس: 22]، وقوله: {وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ} [الكهف: 42] وهذا كله في معنى البوار. وقد يكون للإحاطة معنى ثالث، وهو العلم كقوله: {وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا} [الكهف: 91]. وقال: {وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ} [البروج: 20]. ¬

_ = بالنار، والخطيئة هي الكفر، وممن قال به الحسن والسدي، وقواه ابن عطية في "المحرر الوجيز" 1/ 370 فقال: ولفظ الإحاطة يقوي هذا القول، وأصحاب القولين على أن الآية إنما هي في الكفار لا في العصاة؛ لأن الله توعد أهل هذه الآية بالخلود في النار، وهذا إنما يكون في حق الكفار فقط، قال الواحدي في "الوسيط" 1/ 165: والمؤمنون لا يدخلون في حكم هذه الآية، لأن الله تعالى أوعد بالخلود في النار من أحاطت به خطيئته، وتقدمت منه سيئة هي الشرك، والمؤمن ومن عمل الكبائر فلم يوجد منه شرك. ولعل الذي دفع الواحدي لحكاية الإجماع الرد على من حمل الآية على عصاة المؤمنين كالمعتزلة والخوارج. ينظر: "تفسير الطبري" 1/ 384 - 385، و"مجموع فتاوي ابن تيمية" 14/ 48 وما بعدها، و"البحر المحيط" 1/ 279، و"تفسير ابن كثير" 1/ 119، وكتاب "الإجماع في التفسير" ص 177. (¬1) ذكر الإجماع على أنها في اليهود الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 162 قال: والإجماع أن هذا لليهود خاصة، لأنه عز وجل ذكرهم؛ والطبري في تفسيره لم يذكر سوى ذلك، وكأن المؤلف نقض الإجماع بقوله: وقد قيل.

أي: عالم، هذا كلام أبي علي (¬1). وقال ابن السراج: أحاطت به خَطِيئته، أي: سُدّت عليه مَسَالك النجاة، وهذا لمن هو في معلوم الله أنه لا يؤمن. وأما الخطيئة فقال أبو زيد: خطِئْتُ من الخطيئةِ، أَخْطأ خَطْئًا، والاسم الخِطْءُ، وأخطأت إِخطاءً، والاسمُ الخَطَاء (¬2). وقال الأخفَش: الخطأ: الإثم وهو ما أصابه متعمدًا والخِطء غير المتعمد. ويقال من هذا: أخطأ يُخْطِئُ. قال الله تعالى: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ} [الأحزاب: 5] واسم الفاعل من هذا: مخطئ، فأمّا خطيئة فاسم الفاعل منه: خاطئٌ، وهو المأخوذ به فاعله، وفي التنزيل: {لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ} [الحاقة: 37] (¬3). اللّيث: الخطيئة: الذنب على عمد (¬4). قال أبو علي: والخطيئة تقع على الصغير والكبير، فمن وقوعها على الصغير قوله: {وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ} [الشعراء: 82]. ووقوعها على الكبير قوله: {وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ} (¬5). واختلف القراء في هذا الحرف فقرأ أهل المدينة (خطيئاته) بالجمع، والباقون على الوحدة (¬6)؛ ¬

_ (¬1) في "الحجة للقراء السبعة" 2/ 114 - 115. (¬2) ينظر: "الحجة" 2/ 115، "تهذيب اللغة" 1/ 160، "اللسان" 2/ 1205. (¬3) "الحجة" 1/ 115. (¬4) ذكره في "تهذيب اللغة" 1/ 1060، "اللسان" 2/ 1205ولم ينسبه لليث. (¬5) "الحجة" لأبي علي 1/ 116. (¬6) قرأ نافع وأبو جعفر بالجمع، والباقون بالإفراد، ينظر: "السبعة" ص 162، "والنشر في القراءت العشر".

لأنها أضيفت إلى ضمير مفردٍ، فلما لم يكن الضمير جمعًا لم يجمع كما جمعت في قوله: {نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ} [البقرة: 58]. لأنه مضاف إلى جماعة لكل واحدٍ منهم خطيئة، وكذلك قوله: {إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا} [الشعراء: 51]. فهذه جمعت بجمع (¬1) ما أضيف إليه (¬2). فأما قوله: {وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ} فمضاف إلى مفرد، وكما أفردت السيئة ولم تجمع فكذلك ينبغي أن تفرد الخطيئة. وأنت إذا أفردته لم يمتنع وقوعه على الكثرة وإن كان مضافًا، كقوله: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ} [إبراهيم: 24] والعَدُّ إنما يقع على الجموع والكثرة، وكذلك ما روي في الحديث: "منعت العراق درهمها وقفيزها (¬3) ومصر إردَبَّها" (¬4) (¬5). فهذه أسماء مفردة مُضافة والمراد بها الكثرة، ومن جمَع حمله على المعنى، والمعنى الجمع والكثرة، فكما جُمع ما كان مُضَافًا إلى جمع كذلك يجمع ما كان مضافًا إلى مفردٍ يرادُ به الجمع من حيث اجتمعا في أنهما كثرة، ويدلّك على أن المراد به الكثرة. فيجوز من أجل ذلك أن تجمع خَطِيئةٌ على المعنى؛ لأنَّ الضمير المضاف إليه جمع في المعنى (¬6). ¬

_ (¬1) في "الحجة": (كجمع). (¬2) "الحجة" 2/ 118 - 119. (¬3) القفيز: مكيال معروف لأهل العراق، قال الأزهري: هو ثمانية مكاكيك، والمكوك: صاع ونصف، وهو خمس كليجات. ينظر: "النهاية" 4/ 90. (¬4) الإردب: مكيال معروف لأهل مصر، قال الأزهري وآخرون: يسع أربعة وعشرين صاعًا. ينظر: "النهاية" لابن الأثير 1/ 37. (¬5) أخرجه مسلم في (2896) كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب: لا تقوم الساعة حتى يحسر الفرات. (¬6) ما تقدم بمعناه منقول من "الحجة" 2/ 119 - 120.

قوله تعالى: {فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} واختلف المفسرون في معنى الخطيئة هاهنا، فقال ابن عباس (¬1) والضحاك (¬2) وأبو وائل (¬3) (¬4)، وأبو العالية (¬5)، والربيع (¬6) (¬7) وابن زيد (¬8) (¬9): هي الشرك يموت عليه الإنسان. وقال غيرهم (¬10): هي الذنوب الكبيرة الموجبة لأهلها النار، وعلى ¬

_ (¬1) رواه عنه الطبري 1/ 386، ابن أبي حاتم 1/ 157. (¬2) رواه عنه الطبري في تفسيره 1/ 386، وذكره "الثعلبي" 1/ 1009. (¬3) ذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 158، وانظرت "زاد المسير" 1/ 106. (¬4) هو الإمام الكبير، شيخ الكوفة أبو وائل، شقيق بن سلمة الأسدي الكوفي، مخضرم أدرك النبي - صلى الله عليه وسلم - وما رآه، حدث عن الخلفاء وكثير من الصحابة، كان ثقة كثير الحديث، توفي سنة 82 هـ. ينظر: "تاريخ بغداد" 9/ 268، "السير" 4/ 161 - 166. (¬5) ذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 158، والثعلبي 1/ 1009. (¬6) هو: الربيع بن أنس البكري، من رواة الحديث، وممن اشتهر بالعلم والتفسير كان من التابعين، بصري نزل خراسان، صدوق له أوهام، توفي سنة 139 هـ وقيل: 140 هـ. ينظر: "تقريب التهذيب" ص 205، (1882) و"مشاهير علماء الأمصار" ص 126. (¬7) رواه عنه الطبري في تفسيره 1/ 386 - 387 وذكره ابن أبي حاتم 1/ 158، والثعلبي 1/ 1009. (¬8) هو: عبد الرحمن بن زيد بن أسلم العدوي مولاهم، المدني، محدث مفسر، كان في نفسه صالحًا، وفي الحديث ذاهبًا، توفي سنة 182 هـ. ينظر: "الجرح والتعديل" 5/ 233، "تقريب التهذيب" ص 340. (¬9) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1009. (¬10) ومنهم: مجاهد وقتادة والحسن والربيع بن أنس وأبو العالية، كما في "تفسير الطبري" 1/ 386 - 387، و"ابن أبي حاتم" 1/ 159، وقال ابن كثير 1/ 127 عقب هذه الأقوال والأقوال السابقة في الشرك: وكل هذه الأقوال متقاربة في المعنى، والله أعلم.

هذا فالمؤمنون لا يدخلون في حكم هذه الآية؛ لأنه أوعد بالخلود في النار من أحاطت به خطيئته، وتقدمت مِنه سَيِّئةٌ هي الشرك، والمؤمن وإن عمل الكبائر فلم يوجد منه الشرك. وأيضًا فإن الخطيئة لا تحيط بالمؤمن؛ لأنه يعصي مستحييًا راجيًا عفو الله معتمدًا للتوبة فلا تحيط به الخطيئة، وإنما تحيط بالكافر. أو يجعل هذه الآية من العموم المخصوص بآي الوعد. وقوله تعالى: {فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ} خبر المبتدأ الذي هو (مَن) كقوله: {وَمَا بِكُم مِن نِعمَةٍ فَمِنَ اَلله} [النحل:53] (¬1). فإن قيل: لم دخلت الفاء في خبر المبتدأ وأنت لا تقول: زيد فقائم. والجواب: إن الفاء تدخل في خبر المبتدأ إذا كان المبتدأ موصُولًا. نحو (مَنْ وما والذي) لتدلّ (¬2) أنَّ الخبر يجب بوجوب معنى الصلة، كقولك: الذي في الدار فَلَهُ دِرْهَم. قال ابن السراج: دلت أنه وجب الدرهم لأجل الكون في الدار. ونذكر شرح هذه المسألة عند قوله: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ} [البقرة: 274]، إن شاء الله. فإن قيل: لم جاءت الجملتان في قوله: {فأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} بغير حرف عطف؟ والجواب: قال أبو بكر بن السراج: لأنهما خبران عن شيء واحد، وأيضا فإن الضمير يربط الكلام الثاني بالأول كما أن حرف العطف يربط به، ألا ترى أنّك تقول: مررت بزيد والناس يتراءون الهلالَ، فلا يجوز إسقاط الواو، فإن قلت: مررتُ بزَيْدٍ الناس عنده يتراءون الهلال، جاز إسقاط الواو وجاز إثباتها. ¬

_ (¬1) ينظر: "الحجة" 2/ 120. (¬2) في (ش) و (م): (ليدل).

83

83 - قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ} اختلف النحويون (¬1) في محل قوله: لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللهَ. فقال قطرب (¬2) (¬3): يجوز أن يكون (¬4) حالًا كأنه أخذ ميثاقهم موحدين. وكذلك {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ} [البقرة: 84] أي: غير سافكين، فيكون حالًا من المخاطبين، ويكون موضعه نصبًا، كأنه قيل: أخذنا ميثاقكم غير عابدين إلا الله، أو موحدين. وقال الكسائي: يجوز أن يكون {لَا تَعْبُدُونَ} و {لَا تَسْفِكُونَ} في تقدير: لا تعبدوا، وكأن التقدير: أخذت ميثاقكم بأن لا تسفكوا (¬5) إلا أنه لما حَذَفَ (أن) ارتفع الفعل، كقوله: {أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ} (¬6) [الزمر: 64]. وأنكر المبرد هذا القول، وقال: هو خطأ من وجهين: أحدهما: أن كل ما أضمر في العربية فهو يعمل عمله مُظْهَرًا، كقولهم: وبلدٍ قطعت، يراد: ورُبَّ بلد قطعت (¬7) (¬8)، وكقوله (¬9) تعالى: {نَاقَةَ الله} [الشمس: ¬

_ (¬1) ذكر في "البحر المحيط" 1/ 282 ثمانية أقوال في إعراب الآية. (¬2) محمد بن المستنير بن أحمد البصري، أبو علي المعروف بقطرب. (¬3) ينظر: "البحر المحيط" 1/ 282. (¬4) في (ش): (تكون). (¬5) ساقطة من: (أ) و (م) من قوله: (غير عابدين). (¬6) نقله عن الكسائي الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1013، وينظر: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 133، "تفسير الطبري" 1/ 388 - 389، "البيان" لابن الأنباري 1/ 101، "البحر المحيط" 1/ 283. (¬7) مقولة المبرد نقلها القرطبي في "تفسيره" 2/ 13. (¬8) ساقطة من: (أ) و (م). (¬9) في (م): (وقوله).

13] أي: احذروا، وكقوله: {قَالُوا مَعْذِرَةً} [الأعراف: 164] أي: موعظتنا معذرة. والثاني: أنه لا يجوز حذف الموصول في شيء من الكلام. وليس الأمر على ما قاله المبرد، فقد أجاز قولَ الكسائي: الأخفشُ والفراءُ وقطرب والزجّاج وعلي بن عيسى (¬1) (¬2)، ودعواه أن كل ما أضمر في العربيّة فهو يعمل عمله مظهرًا ليس كذلك، وهو على ضربين: منه ما هو على ما ذكر، ومنه ما ليس كذلك (¬3)، كحروف الجر إذا حذفت وهي تزاد، كقوله: أمرتك الخير (¬4) ..... البيت يريد بالخير، وقال الله تعالى: {وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ} [الأعراف: 155] فلما حَذف مِنْ وصل الفعل فنصب. كذلك هاهُنا لمّا حذف (أن) وصل ¬

_ (¬1) ينظر في الأقوال في المسألة: "معاني القرآن" للفراء 1/ 53 - 54، "معاني القرآن" للأخفش 1/ 126، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 162، "البحر المحيط" 1/ 282 - 283. (¬2) هو: علي بن عيسى بن الفرج بن صالح، أبو الحسن الربعي النحوي، صاحب أبي علي الفارسي، درس النحو وتفنن فيه حتى ما بقي له شيء يحتاج أن يسأل عنه، من مؤلفاته: "شرح مختصر الجرمي"، توفي سنة هـ 420 ص. وينظر "إنباه الرواة" 2/ 297، و"تاريخ بغداد" 12/ 17 - 18. (¬3) في (أ): (كذلك) مكررة. (¬4) البيت: لعمرو بن معد يكرب، وتتمته: أمرتُك الخيرَ فافعل ما أُمِرتَ به ... فقد تركتُك ذا مالٍ وذا نَشَبِ "مغني اللبيب" 1/ 315، وقد عزاه في "الكتاب" 1/ 37 لعمرو بن معدي كرب الزبيدي، واختلف في قائله كما في "الخزانة" 1/ 164 - 166، والنشب: المال الثابت كالضياع ونحوها، من نشب الشيء، والمال: الإبل أو هو عام، والشاهد فيه: أمرتك الخير أراد: أمرتك بالخير.

عامل الرفع فرفع الفعل. وقوله: لا يحذف الموصول في شيء من الكلام ليس كذلك؛ لأن الموصول مع صلته بمنزلة اسم واحد، والاسم الواحد قد يحذف بعضه بالترخيم (¬1). وقال كثير من النحويين: الزجّاج (¬2) والفراء (¬3) والأخفش (¬4) في أحد قوليه: إن قوله: (لا تعبدون) جواب القسم؛ لأن أخذ الميثاق بمنزلة القسم، والدليل على ذلك قوله: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ} [آل عمران: 81]، القسم بـ (لام)، فكذلك هو في النفي بـ (لا)، وكان المعنى: استحلَفناهم وقلنا لهم: والله لا تعبدون (¬5) (¬6). قال الفراء: ويجوز أن يكون في موضع جزم على النهي، إلا أنه خرج مخرج الخبر، كقوله: {لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ} [البقرة: 233]. بالرفع ومعناه النهي، ويدل على أنه نهي قوله: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ}. وقرئ لا تعبدون بالياء والتاء (¬7)، وما كان من مثل هذا جاز أن يكون ¬

_ (¬1) الترخيم: ما حذف من آخره حرف واحد أو أكثر للتخفيف، نحو: يا فاطم. (¬2) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 162. (¬3) ينظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 53 - 54، و"البحر المحيط" 1/ 282. (¬4) ينظر: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 126. (¬5) ينظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 54، والبحر المحيط 1/ 282. (¬6) ينظر: "تفسير القرطبي" 2/ 11. (¬7) قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي (لا يعبدون) بالغيب، وقرأ الباقون بالخطاب. انظر "السبعة" ص 162، "الحجة" 2/ 121، "النشر" 2/ 218.

على لفظ الغيبة من حيث كان اللفظ لها، وجاز أن يكون على لفظ المخاطب لأنك تحكي حال الخطاب وقت ما تخاطب به. ألا ترى أنهم قد فرأوا قوله: {قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا سيُغلَبون ويُحْشَرونَ إلى جَهَنَم} [آل عمران: 12] على لفظ الغيبة، وبالتاء على لفظ الخطاب (¬1)، على حكاية حال الخطاب في وقت الخطاب (¬2)، فإذا كان هذا النحو جائزًا جاز أن تجيء القراءة بالوجهين جميعا، ويجوز في قياس العربية في قوله: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ} [الأنفال: 38]، الخطاب (على حكاية) (¬3) حال الخطاب. فأما قوله: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ} [البقرة: 84]، وهذا لا يجوز (أن يكون) (¬4) إلا على الخطاب؛ لأن المأخوذ ميثاقهم مخاطبون (¬5)، ولأنك إن حكيت الخطاب كان التقدير: (أخذنا ميثاقكم فقلنا لكم: لا تسفكون) كان بالتاء. فحجة من قرأ بالتاء (¬6) قوله: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ} [آل عمران: 81] فجاء على الخطاب، ويقويه قوله: {ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ} .. الآية. فإذا كان هذا خطابًا وهو عطف على ما تقدّم وجب أن ¬

_ (¬1) قرأ حمزة والكسائي وخلف بالياء على الغيب في: (سيغلبون، يحشرون) وقرأ الباقون بالخطاب. ينظر: "السبعة" ص162، و"النشر" 2/ 238. (¬2) ينظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 54. (¬3) في (م): (الحكاية على حال الخطاب). (¬4) ساقطة من (م). (¬5) في (م): (مخاطبين). (¬6) أي في قوله: (لا تعبدون).

يكون المعطوف عليه في حكمه. وحجة مَن قرأ بالياء قوله: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا} .. الآية [الأنفال: 38]. وكل واحد من المذهبين قد جاء التنزيل به (¬1). وقوله (¬2): {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا}. تقديره: وأحْسِنُوا بالوالدين إحسانًا، كأنه قال: لما أخذنا ميثاقهم قال: وقُلنا لهم: أحْسِنوا بالوالدين إحسانًا، كما قال: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا} [البقرة: 63]، أي: وقلنا لهم: خذوا، فالجار في الوالدين يتعلق بالفعل المضمر ولا يجوز أن يتعلق بالمصدر؛ لأن ما يتعلق بالمصدر لا يتقدم عليه. و (أَحْسِنْ) يُوصَل بالباء كما يوصل بـ (إلى) (¬3). يدلك على ذلك قوله: {وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ} [يوسف: 100]. فتَعَدّى بالباء كما تعدى بإلى (¬4) في قوله: {وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ} (¬5) [القصص: 77] هذا قول الزجاج (¬6). وقال بعضهم: المعنى: ووصيناهم بالوالدين إحسانًا (¬7). والقربى: القرابة في الرحم (¬8). ¬

_ (¬1) "الحجة" 2/ 123 - 126، بتصرف. (¬2) في (ش): (وهو قوله). (¬3) في "الحجة" يصل بالباء كما يصل بـ (إلى). (¬4) من قوله: (يدلك). ساقط من (أ) و (م). (¬5) هذا كلام أبي علي في "الحجة" 2/ 128 - 129. (¬6) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 163، وانظر: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 127. (¬7) ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1014، و"البحر المحيط" 1/ 283 - 284. (¬8) قال في "البحر المحيط" 1/ 281: القربى: مصدر كالرجعى، والألف فيه للتأنيث، وهي قرابة الرحم والصلب.

واليتامى: جمع يتيم، مثل: نديم وندَامى، ويجمع أيتامًا أيضًا، واليُتمْ (¬1) في الناس فُقْدان الأب، وفي غير الإنسان من قبل الأم (¬2). قال أحمد بن يحيى: معنى قولك: صبي يتيم: منفرد من أبيه، قال: واليتم (¬3) في كلام العرب معناه: الانفراد. قال: وأنشدنا ابن الأعرابي بيتًا، قال: فقلت له: زدنا، فقال: البيتُ يتيمٌ، أي: هو منفرد ليس قبله ولا بعده شيء. ومنه قولهم: درة يتيمة، إذا لم يوجد لها نظير. وقال الأصمعي: اليتيمة: الرملة المنفردة، قال: وكل منفرد ومنفردة عند العرب يتيم ويتيمة. قال الفراء: يقال للغلام: يَتِم يَيْتَمُ يُتْمًا وَيَتْمًا، وحكي لي ما كان يَتِيمًا، ولقد يَتِم يِيتَم، وقَدْ أَيْتَمَهُ الله. وقال المُفضّل: أصل اليُتْم: الغَفْلة، وبه سُمي اليتيم؛ لأنه يُتَغَافل عن بره. ¬

_ (¬1) في (م): (اليتيم). (¬2) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 163، "أحكام القرآن" للجصاص 1/ 452 "تهذيب اللغة" 4/ 3974، "اللسان" 12/ 645، وقال ابن بري: اليتيم الذي يموت أبوه، والعجي الذي تموت أمه، واللطيم الذي يموت أبواه. وقال ابن العربي في أحكام القرآن 1/ 215: اليتيم: هو في اللغة عبارة عن المفرد من أبيه، وقد يطلق على المفرد من أمه، والأول أظهر لغة، وعليه وردت الأخبار والآثار، ولأن الذي فقد أباه عدم النصرة، والذي فقد أمه عدم الحضانة، وقد تنصر الأم لكن نصرة الأب أكثر، وقد يحضن الأب لكن الأم أرفق حضانة. (¬3) في (م): (اليتيم).

وقال أبو عمرو: اليُتْم: الإبطاء، يقال: ما في سَيرِه أتَمٌ ويتم أي: إبطاء، ومنه أُخِذَ اليتيم؛ لأن البرّ يبطيء عنه (¬1). وقوله تعالى: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} الحُسنُ هاهُنا يحتمل وجهين: أحَدُهُما: أن يكون لغة في الحَسَن، كالبُخْل والبَخَل والرُشْد والرَشَد وبابه، وجاء ذلك في الصفة كما جاء في الاسم، ألا تراهُم قالوا: العُرْبُ والعَرَبُ وهو صفة، يدلك على ذلك: قولك: قومٌ عُرْبٌ، فيكون الحُسْن على هذا صفة (¬2). وقد حكى الزجّاج عن الأخفش هذا القول، فقال: زعم الأخفش أنه يجوز أَنْ يكون (حُسنًا) في معنى حَسَنًا (¬3). الوجه الثاني: أن يكون الحُسْن مصدرًا كالكُفر والشُكر والشُغل، وحذف المضاف معه كأنه: قولًا ذا حُسْن (¬4). وقرأ حمزة والكسائي (حَسَنًا) (¬5) وهو صِفَة، كَأنَّ التقدير: وقولوا للناس قولًا حَسَنًا، فحذف الموصوف، وحَسُن ذلك في حَسَنٍ لأنها ¬

_ (¬1) ينظر في معاني اليتيم السابقة: "تهذيب اللغة" 4/ 3974، "البحر المحيط" 1/ 281، "اللسان" 8/ 4948، "القاموس" 1172. (¬2) من "الحجة" 2/ 127، وبنحوه في "معاني القرآن" القرآن للأخفش 1/ 127، ينظر "تهذيب اللغة" 1/ 813، "لسان العرب" 2/ 878 (مادة: حسن). (¬3) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 163، ونقله أيضًا الأزهري في "تهذيب اللغة" 1/ 823، وعنه ابن منظور في "اللسان" 2/ 878. (¬4) من "الحجة" 2/ 127، وبنحوه في "معاني القرآن" للأخفش 1/ 127. (¬5) قرأ حمزة والكسائي ويعقوب وخلف (حَسَنا) بفتح الحاء والسين، وقرأ الباقون بضم الحاء وإسكان السين. ينظر: "السبعة" ص 162، و"النشر" 2/ 218.

ضارعت الصفات التي تقوم مقام الأسماء، نحو: الأبرق والأبطح، ألا تراهم (¬1) يقولون: هذا حَسَن ومررت بحسن، فلا يكادون يذكرون مَعَهُ الموصوف (¬2). وقال أبو الهَيثم (¬3): أصل قولهم شيء حَسَنٌ. إنما هو شيء حَسِين؛ لأنه من حَسُنَ يَحسُنُ، كما قالوا: عَظُم فهو عظيم، إلا أنّه جاء نادِرًا (فَعَلٌ) في مَعنى (فَعِيل). وحكى الأخفش عن بعض القراء: {وقولوا للناس حُسْنَى} بالتأنيث (¬4) (¬5). وذلك (¬6) لا يجوز عند سيبويه وسائر النحويين (¬7)؛ لأن (أفعل) ¬

_ (¬1) في (ش): (ألا تراهم أنهم). (¬2) كذا قال أبو علي في "الحجة" 2/ 126 - 128. (¬3) هو: خالد بن يزيد الرازي، كان نحويَّا إمامًا علامة، اشتهر بكنيته، روى عنه الأزهري من طريق أبي الفضل، توفي سنة 276 هـ. ينظر: "إنباه الرواة" 4/ 188، ومقدمة "تهذيب اللغة" 1/ 42. (¬4) كذا في "معاني القرآن" للأخفش 1/ 127. (¬5) قرأ بها: أبي وطلحة بن مصرف. ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1015، و"البحر المحيط" 1/ 285، و"القراءات الشاذة" للقاضي ص 30. (¬6) في (ش): (في ذلك). (¬7) قال النحاس في "إعراب القرآن": وهذا لا يجوز في العربية، لا يقال في هذا شيء إلا بالألف واللام، نحو الفضلى والكبرى والحسنى، هذا قول سيبويه. ونقل ذلك عن النحاس القرطبي في "تفسيره" 2/ 16، وينظر "المحرر الوجيز" 1/ 109، وكذا رد القراءة ابن جرير الطبري في "تفسيره" 390 - 391، قال: وأما الذي قرأ ذلك فإنه خالف بقراءته إياه كذلك قراءة أهل الإسلام إلى آخر ما قال. وقد ناقش أبو حيان هذه القضية وأطال فيها النفس في "البحر المحيط" 1/ 285.

و (فُعلى) لا يستَعمل صِفَةً إلا بالألف واللام؛ لأن أفعل لما كانت تلزمه (من) ولا يدخله الألف واللام معها كان إذا سقطت (من) لا بد من الألف واللام، إذًا صارا متعاقبين؛ فسقوط أحدهما يدلُّ على وجوب الآخر على المعاقبة. فأما معنى قوله: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} فقال ابن عباس (¬1) وسعيد بن جُبَير (¬2) (¬3) وابن جريج (¬4) ومقاتل (¬5) والزجاج (¬6) والأكثرون: قولوا للناس صدقًا وحقًّا في شأن محمد - صلى الله عليه وسلم -، فمن سألكم عنه فاصدقوه وبيّنوا له صفته، ولا تكتموا أمره، ولا تغيروا نعته. وقال الربيع بن أنس: هذا على العموم في تحسين المقالة للناس كلهم (¬7). وقال الحسن والثوري (¬8): يعني: الأمر بالمعروف والنهي عن ¬

_ (¬1) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1016، وذكره القرطبي بنحوه 2/ 12. (¬2) "تفسير الثعلبي" 1/ 1016. (¬3) هو: أبو عبد الله سعيد بن جبير الأسدي بالولاء، تقدمت ترجمته 2/ 16. (¬4) أخرجه الطبري في "تفسيره" 1/ 390 - 392، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1016. (¬5) أخرجه عن مقاتل بن حيان ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 161، وذكره مقاتل بن سليمان في "تفسيره" 1/ 119، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1016. (¬6) "معاني القرآن" 1/ 164. (¬7) لم أجده عن الربيع، لكن روى الطبري في تفسيره 1/ 392 بسنده عن الربيع عن أبي العالية: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} قال: قولوا للناس معروفا. أخرجه عنه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 161. (¬8) أخرجه عنه الطبري في تفسيره 1/ 392، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1016، وورد مثله عن ابن عباس كما في "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 161.

المنكر، وهو أن يأمروهم (¬1) بما أمرهم الله تعالى، وينهوهم (¬2) عما نهاهم الله عنه (¬3). وقال عطاء عن ابن عباس: المراد بالناس في هذه الآية محمد - صلى الله عليه وسلم - (¬4) كقوله: {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ} [النساء: 54]، فكأنه (¬5) يقول: قولوا للنبي - صلى الله عليه وسلم - حسْنًا. وقوله تعالى: {ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ} أي: أعرضتم عن العهد والميثاق (¬6)، ويَعْني به: أوائلهم {إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ} يعني: من كان ثابتًا على دينه ثم آمن بمحمد - صلى الله عليه وسلم -. وقوله تعالى: {وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ} أي: وأنتم أيضًا كأوائلكم في الإعراض عما عُهِد إليكم فيه. ومعنى الإعراض: الذهَاب عن المواجهة إلى جهة العرض. ¬

_ (¬1) في (ش): (تأمروهم). (¬2) في (ش): (وتنهونهم). (¬3) وروي هذا عن ابن عباس أيضًا كما عند ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 161 وسنده مقبول. وقال ابن كثير1/ 128: فالحسن من القول: يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويحلم ويعفو ويصفح ويقول للناس حسنًا، كما قال الله، وهو كل خلق حسن رضيه الله. (¬4) تقدم الحديث عن رواية عطاء هذه في المقدمة. (¬5) في (م): (وكأنه)، وفي (أ): (وكانوا). (¬6) "تفسيرالثعلبي" 1/ 1016.

84

84 - قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ} في (لا تسفكون) من وجوه الإعراب ما ذكرنا في (لا تعبدون). ويُقال: سَفَكَ يَسفِكُ ويَسفُكُ لُغتان (¬1). ودماء: جمع دم، قال الزجاج: وأصل دم: دَماء في قول أكثر النحويين (¬2)، أنشد أبو زيد: غفَلَتْ ثم أتت ترقبه ... فإذا هي بعظام ودَمَا (¬3) وقد جاء في التثنية: دَمَيَان ودَمَوَان (¬4)، على الأصل، قال الشاعر: وظل لعمري في الوغى دَمَوَاهما وقال آخر: ¬

_ (¬1) ينظر: "اللسان" 4/ 2030، و"القاموس" 9425، وسفك: من باب ضرب ونصر، وبهما قرئ قوله تعالى: ويسفك الدماء، والسفك: الصب وقرأ طلحة بن مصرف بضم الفاء قال الثعلبي 1/ 1016: وهما لغتان، مثل: يعرُشون، ويعكُفون. (¬2) عبارة الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 165: وواحد الدماء دم يا هذا مخفف، وأصله دمىِ في قول أكثر النحويين، ودليل من قال: إن أصله دمي: قول الشاعر: فلو أنا على حجر ذبحنا ... جرى الدميان بالخبر اليقين وقال قوم: أصله: دمْي، إلا أنه لما حذف ورد إليه ما حذف منه، حركت الميم لتدل الحركة على أنه استعمل محذوفا. اهـ (¬3) ورد البيت هكذا: غفلت ثم أتت تطلبه ينظر: "الخزانة" 7/ 491، و"التنبيه" لابن بري 2/ 235، و"شرح التسهيل" 1/ 250، و"تلخيص الشواهد" ص 77، وينظر: "البحر المحيط" 2/ 1231 ولم ينسبوه. (¬4) في "تهذيب اللغة" 2/ 1231، فقال بعضهم في تثنية الدميان، ونقل في "اللسان" 3/ 1429 عن ابن سيده: وأما الدموان فشاذ سماعا. قال في "البحر المحيط" 1/ 281: الدم معروف وهو محذوف اللام، وهي ياء لقوله: جرى الدميان بالخبر اليقين، أو واو لقولهم: دموان، ووزنه فَعَل، وقيل: فَعْل، وقد سمع مقصورًا.

جرى الدَمَيَان بالخَبر اليقين (¬1) وقال الليْث: الدم معروف، والقِطعة دَمَةٌ، وكان أصله دَمَيٌ؛ لأنك تقول: دَمِيَتْ يده (¬2). وقد أقرأني العروضي عن الأزهري، قال: أخبرني المنذري، عن أبي الهيثم، أنه قال: الدم اسم على حرفين. فقال بعضهم في تثنيته: الدَمَيَان، وقال بعضهم: الدَّمَان، ويقال في تصريفه: دَمِيَتْ يدي تَدْمَى دَمًى، فيظهرون في دَمِيَتْ وتَدْمَى الياء والألف اللذين لم يجدوهما في دم. قال: ومثله: يَدٌ، أصله: يَدَيٌ (¬3). ومن قال بهذا القول قال: إنما حرّك الميم في قوله جرى الدمَيان؛ لإقامة الوزن، وقيل: بل وزنُه فَعَلٌ، فإنه كان (دَمَيٌ)؛ لأن الشاعر لما اضطر ردّه إلى أصل بنائه (¬4). والأجود: ما حكاه الزجاج في أصل الدم. والدُّميَةُ من الدم، كأنها الحَيَوان ذُو الدم (¬5). فأما التفسير: فقال ابن عباس (¬6) وقتادة (¬7): معناه لا يسفك بعضكم ¬

_ (¬1) البيت صدره: فلو أنا على حَجَر ذُبِحْنا .. وهو للمثقب العبدي في ملحق ديوانه ص 283، ولعلي بن بدال في "أمالي الزجاجي" ص 20. ينظر: "المعجم المفصل" 8/ 265. (¬2) نقله عنه في "تهذيب اللغة" 14/ 216، "اللسان" 4/ 268. (¬3) "تهذيب اللغة" 2/ 1231، وينظر "اللسان" 3/ 1429. (¬4) ينظر: "اللسان" 3/ 1429. (¬5) المرجع السابق. (¬6) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1017، والواحدي في "الوسيط" 1/ 167. (¬7) أخرجه عن قتادة "الطبري" 1/ 394 وينظر: "التفسير الصحيح" 1/ 189، وكذا رواه عن أبي العالية، وأخرجه عن أبي العالية ابن أبي حاتم 1/ 163، ذكر أنه مروي عن الحسن والسدي ومقاتل بن حيان، وينظر: "التفسير الصحيح" 1/ 188.

دم بَعضٍ بغَير حقٍّ. وإنما قال: {دِمَاءَكُمْ} لأن كل قوم اجتمعوا على دين واحد فهم كنفس واحدة، وأيضًا فإنّ الرجل إذا قتل غيره فكأنما قتل نفسه؛ لأنه يقاد ويُقتص (¬1)، ففي النهي عن قتل نفسه على هذا الوجه نهي عن قتل غيره. (¬2) وقوله تعالى: {وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ} أي: لا يخرج بَعضكُم بعضًا مِن دَاره ويغلبه عَليها (¬3). {ثُمَّ أَقرَرتُم} أي: قبلتم ذلك وأقررتم به (¬4). وقوله تعالى: {وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ} حكى محمد بن جرير، عن ابن عباس: أن هذا خطاب لليهود الذين كانوا زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - (¬5). ومعناه: وأنتم تشهدون اليوم على إقرار أوائلكم بأخذ المِيثاق عليهم بما في الآية، فالآية وإن كانت خِطابًا فالمراد به: أوائلهم، إلّا قوله: {وَأَنتُم تَشهَدُونَ} على هذا القول. وقال أبو العالية: الآية كلها خبر عن الله عز وجل عن أوائلهم (¬6)، وإن أخرجه مخرج المخاطبة على سعة كلام العرب، ويحتمل أن يكون قوله: {وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ} خِطابًا للسَلف والخلف جميعًا، يريد: أنتم ¬

_ (¬1) في (ش) و (م): (ويُقبض). (¬2) "تفسير الثعلبي" 1/ 394 - 396 ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 300، "زاد المسير" 1/ 110. (¬3) روى ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 163 عن أبي العالية نحوه، وينظر المصادر السابقة، و"الحجة" لأبي علي 2/ 146. (¬4) أخرج ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 163 نحو هذا عن ابن عباس وأبي العالية وإسنادهما حسن كما في "التفسير الصحيح" 1/ 189. (¬5) ذكره "الطبري" 1/ 395 - 399. (¬6) رواه "الطبري" 1/ 395 - 396.

85

تشهدُون أن هذا حق من ميثاقي عَليكم في التوراة (¬1). 85 - قوله تعالى: {ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ} الخطاب في هذه الآية لقُريظة والنضير (¬2). روى الربيع عن أبي العالية في هذه الآية، قال: كان (¬3) بنو إسرائيل إذا استضعف قومٌ قومًا أخرجوهم من ديارِهم، وقد أُخذ عليهم الميثاق أن لا يسفكوا دماءهم، ولا يخرجوا أنفسهم من ديارهم، وأُخذ عليهم الميثاق إن أسر بعضهم بعضًا أن يفادوهم، فأخرجوهم من ديارهم، ثم فادوهم، فآمنوا ببعض الكتاب وكفروا ببعض (¬4). وقد كشف السُدِّي عن هذا، فقال: أخذ الله عليهم أربعةَ عهود: تركَ القتل، وتركَ الإخراج، وتركَ المظاهرة عليهم، وفدى أسراهم، فأعرضوا عن كل ما أمروا إلا الفداء. وذلك أن قريظة كانت حلفاء الأوس (¬5)، ¬

_ (¬1) قال "الطبري" 395: وأولى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب عندي أن يكون قوله: (وأنتم تشهدون) خبرًا عن أسلافهم، وداخلًا فيه المخاطبون منهم الذين أدركوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما كان قوله (وإذ أخذنا ميثاقكم) خبرًا عن أسلافهم، وإن كان خطابًا للذين أدركوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (¬2) قريظة والنضير: قبيلتان من اليهود في المدينة، وهما من بني الخزرج الصريح بن التوءمان بن السبط بن اليسع بن سعد بن لاوي بن خير بن النحام بن تنحوم بن عازر بن عذري بن هارون بن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب. ينظر "السيرة النبوية" لابن هشام 1/ 61. (¬3) في (ش): (كانوا). (¬4) أخرجه الطبري في تفسيره 1/ 389، أبن أبي حاتم في "تفسيره". بمعناه 1/ 163. (¬5) هم بنو الأوس بن حارثة بن ثعلبة بن عمرو مزيقيا بن عامر ماء السماء بن حارثة الغطريف، من أعظم بطون الأزد من القحطانية، أهل عز ومنعة، فيهم عدة أفخار، كان موطنهم الأصلي بلاد اليمن، فهاجروا إلى يثرب، وعاشوا مع الخزرج والقبائل اليهودية، ونشبت حروب طويلة بينهم وبين الخزرج كيوم بعاث والدرك وغيرها. ينظر: "معجم قبائل العرب القديمة والحديثة" 1/ 50.

والنضير حلفاء الخزرج (¬1)، وكانوا يقتتلون، فتقاتل بنو قريظة مع الأوس، والنضير مع الخزرج، فإذا غلبوا خربوا ديارهم، وأخرجوهم منها، فإذا أُسر رجل من الفريقين كليهما جمعوا له حتى يفدوه، فتعيّرهم العرب بذلك، وتقول: كيف تقاتلونهم وتفادونهم؟ فيقولون: إنَّا أُمرنا أن نفادَيهم، وحُرّم علينا قتالهم، قالوا: فلم تقاتلونهم؟ (¬2) قالوا: إنا نستحيي أن يُسْتَذَلّ (¬3) حلفاؤنا، فذلك حِين عيّرهم الله تعالى فقال: {ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ} أي (¬4): يا هؤلاء، فحذف حرف النداء (¬5)، وقيل: معناه التوكيد لأنتم، و (تقتلون) في موضع الرفع بالخبر. وقال الزجاج: هؤلاء في معنى: الذين (وتقتلون) صلة لهؤلاء، كأنه قيل: أنتم الذين تقتلون أنفسكم، ولا موضع لتقتلون إذا كان صلة (¬6)، ومثله: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى} [طه: 17] (¬7) بمنزلة: وما التي بيمينك. ¬

_ (¬1) هم الخزرج بن حارثة بطن من الأزد من القحطانية، كانوا يقطنون المدينة مع الأوس، وكانت العرب جميعًا في الجاهلية يسمون الأوس والخزرج جميعًا الخزرج، وكانوا هم والأوس يحجون ويقفون مع الناس. ينظر: "معجم قبائل العرب" 1/ 342. (¬2) ساقطة من (أ) و (م). (¬3) في (م): (يذل). (¬4) رواه بمعناه الطبري في تفسيره 1/ 396، ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 163، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1021، وابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 110 وورد نحوه عن ابن عباس، أخرجه الطبري في تفسيره 2/ 305، ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 164. (¬5) "تفسير الثعلبي" 1/ 1017. (¬6) قوله: (ولا موضع لتقتلون إذا كان صلة) ليست عند الزجاج في "معاني القرآن". (¬7) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 167.

وقوله تعالى: {تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ} قرئ بتخفيف الظاء وتشديدها (¬1)، فمن شدّد: أدغم التاء في الظاء لمقاربتها، ومن خفف حذف التاء التي أدغمها الآخرون، فكل وَاحِد من الفريقين كره اجتماع الأمثال والمقاربة، فبعضهم خفف بالحذف، وبعضهم بالإدغام (¬2)، والمحذوفة هي التي تدغم، والمدغمة هي التي تحذف، وذلك أنها لما أُعِلّت بالإدغام أُعِلّت بالحذف. قال سيبويه (¬3): الثانية أولى بالحذف؛ لأنّهَا هي التي تُسَكن وتدغم، في نحو {فَادَّارَأْتُمْ} [البقرة: 72] و {وَازَّيَّنَتْ} [يونس: 24]. ومما يقوي ذلك: أن الأولى لمعنًى، فإذا حذفت لم يبق شيء يَدُلّ على المعنى، والثانية من جملةِ كلمةٍ إذا حذفتْ دل ما بقي من الكلمة عليها (¬4). ومعنى تظاهرون تعاونون (¬5)، ومنه قوله: {وَإِن تَظَاهَرَا عَليهِ} [التحريم: 4]، وقوله: {سِحرَانِ تَظَاهَرَا} (¬6) [القصص: 48] أي: تعاونا (¬7) على سحرهما، ومنه: {وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ} [التحريم: 4]، أي: معين (¬8). والتقدير فيه ¬

_ (¬1) قرأ الكوفيون (عاصم، وحمزة والكسائي) بالتخفيف، وقرأ الباقون بالتشديد، ينظر: "السبعة" ص162 - 163و"النشر" 2/ 218. (¬2) ينظر "معاني القرآن" للزجاج 1/ 166. (¬3) "الكتاب" 2/ 425 - 426. (¬4) هذا كله كلام أبي علي الفارسي في "الحجة" 2/ 134 - 135. (¬5) في (م): (تعارفون). (¬6) قرأ الكوفيون (سحران) من غير ألف، وقرأ الباقون (ساحران). ينظر "السبعة" "النشر" 2/ 341. (¬7) في (م): (تعارفا). (¬8) "تفسير الثعلبي" 1/ 1019.

الجمع، وإن كان اللفظ على الإفراد، كقوله: {وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} [النساء: 69] (¬1) وسمي العون ظهيرًا لاستناد ظهره إلى ظهر صاحبه (¬2). وأصل الباب من الظهور وهو البُروز، فظهر الشيء ظاهره الذي هو خلاف البطن، والظهيرة؛ لأنه أظهر ما تكون الشمس بانبساط شُعَاعها، وقرأه ظاهرًا، ومن ظهر قلبه؛ لأنّه ظهر له من غير كتاب. هذا أصل الباب. ثم استعمل من هذا التأليف أحرف ليس فيها معنى الظهور، ولكنها من الظهر الذي هو خلاف البطن، من ذلك: الظهر: الإبل التي تحمل الأثقال، والظهار: في مظاهرة الرجل من امرأته، والظِهريُّ: الشيء الذي تنساه وتحطّه وراء ظهرك (¬3). وقوله تعالى: {بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} أي: تعاونون على أهل ملتكم بالمعصية والظلم. ومعنى العدوان: الإفراط والظلم، يقال: عَدَا عَدْوًا وعُدوانًا وعُدُوًّا وعِداءً (¬4). وقوله تعالى: {وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ} أي: إن أتوكم مأسورين يطلبون الفداء فديتموهم، وقُرئ: (أُسَارى) (وأَسرى) (¬5)، وهما جمع أسير. وأسير: فَعِيل في معنى مفعول؛ لأنك تقول: أسرته، كما تقول: قتلته، وفعيل إذا كان بمعنى مفعول فجمعه يُكسَّر على فَعْلَى، نحو: لديغ ولدغَى، وقتيل وقتلى، وجريح وجَرحَى، وإذا (¬6) ¬

_ (¬1) من كلام أبي علي في "الحجة" بتصرف 2/ 131. (¬2) "تفسيرالثعلبي" 1/ 1019. (¬3) انظر: "مقاييس اللغة" 3/ 741. (¬4) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 166، "تفسير الثعلبي" 1/ 1019. (¬5) قرأ حمزة (أَسْرى) بفتح الهمزة وسكون السين من غير ألف، وقرأ الباقون بضم الهمزة وألف بعد السين. ينظر: "السبعة" ص 163، و"التيسير" ص 64، "النشر" 2/ 218. (¬6) في (ش): (وإن).

كان كذلك فالأقيس الأسرى، وهو أقيس من الأسارى، كما أن الأسارى أقيس من قولهم: أُسَراء. والذين قالوا أُسَرَاء شبهوه بظُرَفاء، كما قالوا في قتيل: قُتلَاء، فكما أن أُسَراء وقُتلَاء في جمع قتيل وأسير ليس بالقياس، كذلك أُسارى ليس بالقياس (¬1). ووجه قول من قال أُسارى: كأنه شبهه بكسالى، وذلك أن الأسير لما كان محبوسًا عن كثير من تصرفه للأسر كما أن الكسلان محتبس عن ذلك لعادته (¬2)، شُبِّه به، فقيل في جمعه: أُسارى، كما قيل: كسالى، وأجرى عليه هذا الجمع للحمل على المعنى، كما قيل: مرضى وموتى وهلكى؛ لما كانوا مُبتلين بهذه الأشياء ومصابين بها، فأشبه في المعنى فَعِيلًا الذي بمعنى مفعول، فلما أشبهه أجري عليه في الجمع (¬3). والحمل على المعنى لا يكون الأصلَ عند سيبويه، قال: ولو كان أصلًا قبح (هالِكون وزَمِنون)، وكذلك أُسَارى ليس بالأصل في هذا الباب، ولكن قد استعمل كثيرًا. قال سيبويه: قالوا: كَسْلى شبهوه بأَسْرى، كما قالوا: أُسارى، شبهوه بكُسالى. قال: وإنّما جمع ما كان على فعلان نحو سكران وكسلان على فُعَالى، وإن ¬

_ (¬1) هذا كله كلام أبي علي في "الحجة" بتصرف يسير 2/ 143، وقد ذكر الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1020 أن أحدًا من العلماء الأثبات لم يُفَرق بين أسرى وأسارى إلا أبو عمرو فإنه قال: ما قد أُسِر فهو أسارى، وما لم يؤسر فهو أسْرى، وروي عنه من وجه آخر قال: ما صاروا في أيديهم فهم أسارى وما جاء مستأسرًا فهم أسرى، وأنكر الفرق ثعلب. وبين القرطبي في "تفسيره" 18/ 19 أن ما ذكره أبو عمرو لا يعرفه أهل اللغة. (¬2) في "الحجة": لعادته السيئة شبه به. (¬3) في "الحجة" 2/ 144: فلما أشبهه في المعنى أجري عليه في الجمع اللفظ الذي لفعيل بمعنى مفعول.

كانت في أبنية الآحاد نحو: حيارى؛ لأن فعالًا قد جاء في بعض أبنية الجموع، نحو: رُخَالٍ (¬1) (¬2) وظُؤارٍ (¬3) وثُناء (¬4)، وقد لحقت تاء التأنيث بعض الجموع (¬5)، نحو: الحجارة والذِّكارة (¬6)، وكما لحق التاء في هذا النحو الذي يراد به الجمع، كذلك لحق علامة التأنيث في سكارى وكسالى، فجعلت الألف بمنزلة التاء، كما جعلت بمنزلتها في قولهم: قاصعاء وقواصع، ودامّاء (¬7) ودوامّ (¬8). وأصل الأسر في اللغة: الشدّ. قال الأصمعي: تقول العرب: ما أحسن ما أسَرَ قَتَبَه، أي: ما أحسن ما شدّه بالقِدّ، والقِدُّ: الذي يؤسَرُ به القَتَبُ، يسمى الإسار، وقيل للأسير من العدوّ: أسير؛ لأن آخذه يستوثق ¬

_ (¬1) في (ش) كأنها (رجال). (¬2) رخال: بكسر الراء وضمها: جمع رِخل، الأنثى من أولاد الضأن، ينظر "القاموس" ص 1005 (مادة: رخل). (¬3) الظؤار: جمع ظئر، وهي العاطفة على غير ولدها المرضعة له. ينظر القاموس ص 432 مادة: ظئر. (¬4) الثُّنَاء: أي اثنين اثنين، يقال: جاءوا مثنى وثُنَاء، كغُراب، أي: اثنين اثنين، وثنتين ثنتين، ينظر "القاموس" ص 1267. (¬5) في "الحجة" وقد لحقته تاء التأنيث، فقالوا في جمع نقوة: نُقاوة، كما قالوا: الحجارة والذكارة. (¬6) الذكارة: بالكسر، ما يصلح للرجال، كالمسك والعنبر والعود. انظر "اللسان" 3/ 1509 مادة: ذكر (¬7) القاصعاء والداماء: من أسماء جِحَرَةِ اليربوع السبعة. "اللسان" 3/ 1426 مادة: دمم. (¬8) هذا كله كلام أبي علي في "الحجة" 2/ 143 - 145 بتصرف يسير.

منه بالإسار، وهو القِدّ، لئلا يُفْلِتَ (¬1)، ثمّ كثر استعماله حتّى قيل للمأخوذ: أسير، وإن لم يكن هناك شدّ (¬2). وقوله تعالى: {تُفَادُوهُم} قرئ أيضا بوجهين (¬3): بالألف، من المفاداة، وبغير ألف، من الفداء. يقال: فديتُه بمال، فيتعدّى إلى مفعولين، ويتعدّى إلى الثاني بالجار، كقوله: {وَفَدَينَاهُ بِذِبحٍ عَظِيمٍ} [الصافات: 107]، وكقول الشاعر: يودّون لو يَفْدُونَني بنفوسهم ... وَمَثْنَى الأواقي والقِيَانِ النواهدِ (¬4) فإذا ثَقَّلْتَ العين زدتَ المفعولين ثالثًا، كقوله: لو يَستطعن إذا نابتك مُجْحِفَةٌ ... فَدَّيْنَك الموتَ بالآباء (¬5) والولد (¬6) وقالوا: فادى الأسير: إذا أطلقه وأخذ عنه شيئا (¬7). فأما الفداء فيجوز أن يكون مصدرًا مثل: الكتاب، ويجوز أن يكون مصدر فاعل، وقد قالوا: فديتُهُ وافتديتُه، أنشد أبو زيد: ¬

_ (¬1) نقله عنه في "تهذيب اللغة"1/ 159. مادة (أسر) (¬2) ينظر في "تهذيب اللغة"1/ 159، "اللسان" 4/ 78. (مادة: أسر) (¬3) قرأ المدنيان نافع وأبو جعفر، وعاصم والكسائي ويعقوب (تفادوهم) بضم التاء وألف بعد الفاء، وقرأ الباقون بفتح التاء وسكون الفاء من غير ألف. ينظر "السبعة" ص 162 - 163، "التيسير" للداني ص 64، و"النشر" 2/ 218. (¬4) البيت لأبي ذؤيب في "شرح أشعار الهذليين" ص 192. مثنى الأواقي: (الذهب)، مثنى: أي: مرة بعد مرة. والقيان: الخدم. (¬5) في "الحجة" بالأبناء. (¬6) ذكره أبو علي في "الحجة" 2/ 146 ولم ينسبه. (¬7) هذا كلام أبي علي في "الحجة" 2/ 146.

ولوأنّ مَيْتًا يُفْتَدَى لَفَدَيْتُه ... بما اقتال (¬1) من حُكْمٍ عليَّ طبيبُ (¬2) (¬3) فمن قرأ: {تُفَادُوهُمْ} فلأن من كلّ واحد من الفريقين فِعْلًا، فمن الآسر دفع (الأسير) (¬4)، ومن المأسور منهم دفع الفداء، وإذا كان كذلك فوجه (تفادوهم) ظاهر، والمفعول الثاني الذي يصل إليه الفعل بالحرف محذوف؛ لأن معناه تفادونهم بالمال. ومن قرأ (تَفْدُوهم) فالمعنى فيه مثل معنى من قرأ: (تُفَادوهم) إلا أنّه جاء بالفعل على يفعل، ألا ترى أن في هذا الوجه أيضًا دفعًا من كل واحد من الآسرين والمأسور منهم (¬5). أخبرني العَرُوضي، عن الأزهري، عن المنذري، عن ثعلب قال: المفاداة: أن تدفع رجلًا وتأخذ رجلًا. والفِداء: أن تشتريَه بمال فداءً. ويقال: فديته بنفسي (¬6). وقال نصير (¬7) الرازي (¬8): يقال: فاديتُ الأسيرَ، وفاديت الأُسارى، ¬

_ (¬1) في (ش) لعلها (أفتال) أو (أفتاك). (¬2) البيت لكعب بن سعد الغنوي في النوادر ص 244، وعنه نقل أبو علي في "الحجة" دون نسبة 1/ 342، ورواية "اللسان" والصحاح مادة [قول] والأصمعيات ص 97 هكذا: ومنزلة في دار صدق وغبطة ... وما اقتال من حكم علي طبيب فلو كان ميت يفتدى لفديته ... بما لم تكن عنه النفوس تطيب وذكره صاحب "اللسان" في مادة [فدى] 6/ 3366 دون نسبة. (¬3) هذا كلام أبي علي في "الحجة" 2/ 147. (¬4) سقطت من (ش). (¬5) هذا كلام أبي علي في "الحجة" 2/ 147 بتصرف يسير. (¬6) في "تهذيب اللغة" 14/ 200، وينظر: "اللسان" 5/ 150 (مادة: فدى). (¬7) في (ش): (نظير). (¬8) هو: نصير بن أبي نصير الرازي، تقدمت ترجمته [البقرة: 15].

هكذا تقوله العرب. وإذا قلت: فديت الأسير فهو أيضا جائز بمعنى فَدَيْتُه مما كان فيه، أي: خلّصته، منه وفاديت أحسن في هذا المعنى. ومعنى فديته بالشيء، أي: خلّصته به، وجعلته عوضًا منه؛ صيانة له، كقوله تعالى: {وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} [الصافات: 107] أي: خلّصناه به (¬1) من الذبح (¬2). قال الفراء: والعرب تقصر الفداء وتمدّه، يقال: هذا فداؤك وفداك، وربما فتحوا الفاء إذا قصروا (¬3). وقوله تعالى: {وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ}. (هو) إضمار الإخراج الذي تقدم ذكره في قوله: {وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا}. ثم بيّن لتراخي الكلام أنّ ذلك الذي حُرِّم: الإخراج، فقال: (وهو محرّم عليكم)، ولو اقتصر على هذا القدر أشبه أن يرجع ذلك إلى فداء الأسرى، لأن معناه وإخراجهم (¬4) فأظهر المكنى عنه فأعاده، فقال: إخراجهم فكان رفع الإخراج (¬5) بالتكرير على هو؛ لأن معناه: وإخراجهم، محرم عليكم، فهو مبتدأ مؤخر عن خبره، تقديره: وإخراجهم محرم عليكم، وهذا معنى قول الفرّاء (¬6) والزجّاج (¬7) جميعًا. قال الفراء: وإن شئتَ جعلتَ هو عمادًا (¬8). ¬

_ (¬1) من قوله: خلصناه به. ساقط من (أ) و (م). (¬2) "تهذيب اللغة" 3/ 2754 بتصرف واختصار. (مادة: فدى). (¬3) نقله عنه "تهذيب اللغة" 3/ 2754، وعنه ابن منظور في "اللسان" 6/ 3366، "القرطبي" في "تفسيره" 2/ 91. (مادة: فدى). (¬4) قوله: (لأن معناه، وإخراجهم) ساقطة من (أ) و (م). (¬5) في (ش): (الإحرام). (¬6) في "معاني القرآن" للفراء 1/ 50 - 51. (¬7) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 167. (¬8) كذا نقله عنه "القرطبي" في "تفسيره" 2/ 22.

قال: وإذا رأيت الواو في موضع تطلب الاسم دون الفعل، صلح في ذلك الموضع العماد، كقولك: أتيت زيدًا وأبوه قائم، فإن أردت أن تقدم الفعل على الأب، فقلت: أتيت زيدًا قائم أبوه (¬1)، أو ويقوم أبوه قبح؛ لأن الواو تطلب الاسم، فإذا قبح ذلك أدخلوا هو؛ لأنه اسم فقيل: أتيت زيدًا وهو قائم (¬2)، كذلك {وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ}: حُرّم عليكم إخراجهم، والاسم المبني على الفعل ينوب عنه في العمل، ومحرم على: حُرِّم .. (¬3) ورفعت الإخراج في هذا الوجه بمحرّم لأن معنى قوله: (ومحرم) مبني على حُرِّمَ. وقال الزجاج: وجائز أن يكون هو للقصة والحديث والخبر والأمر والشأن، كأنه قال: والخبر (¬4) محرم عليكم إخراجهم، كما قال عز وجل: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الصمد: 1] أي: الأمر الذي هو الحق: الله الأحد، وتأويله (¬5): الأمر الذي هو الحقُّ توحيدُ الله عز وجل (¬6). ونظم الآية على التقديم والتأخير، تقديره: وتخرجون فريقًا منكم من ديارهم، وهو محرّم عليكم إخراجُهم، وإن يأتوكم أسرى (¬7) تَفْدُوهم (¬8). ¬

_ (¬1) في "معاني القرآن" للفراء: فقبيح أن تقول: أتيت زيدًا قائم أبوه، وأتيت زيدًا ويقوم أبوه. (¬2) "معاني القرآن" للفراء 1/ 51. (¬3) من قوله: حُ (رِّم عليكم) .. ساقط من (أ) و (م). (¬4) في (ش): (الخير). (¬5) في (أ): (وتأويل). (¬6) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 167. (¬7) في (م): (أسارى). (¬8) "تفسير الثعلبي" 1/ 1022.

والمحرم: الممنوعٌ منه، والحرامُ: كلُّ ممنوع من فعله، ومن ذلك: البلد الحرام، والبيت الحرام؛ لأنه كان يمنع فيه ما هو مُبَاح في غيره، ورَجل مُحْرِم وحرام: إذا مَنَع نفسه ممّا يحظره الإحرام، والحُرُمات: كُلّ ما مُنِعَ ارتكابُه، وتقول: قد تَحَرَّمت بطعامك، أي: حَرُم عليك بهذا السبَب ما كان لك أخذه، والمحروم: الممنوع ما (¬1) ناله سواه. وقول زُهَير: يقول (¬2) لا غائبٌ مالي ولا حَرِمُ (¬3) أي: ليس بممنوع، والحَرَم والحَرَام واحد، كقولهم: زَمَنٌ وزَمَانٌ (¬4). وقوله تعالى: {فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ} استفهامٌ في معنى توبيخ. وقوله تعالى: {إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} يعني (¬5): ما نال قُريْظة وبني النضير؛ لأن بني النضير أُجلوا عن مَساكنهم، وبني قريظة أبيروا بقتل مقاتلهم، وسبي ذراريهم (¬6). والخزي: الهوان والفضيحة، وقد أخزاه الله: أي: أهانه (¬7). شمر (¬8): أخزاه الله: فضحه، وفي القرآن: {وَلَا تُخْزُونِ فِى ¬

_ (¬1) (ما) بمعنى الذي. (¬2) في (أ): (يقول). (¬3) ديوان زهير ص 79، وصدر البيت: وإن أتاه خليلٌ يومَ مسألةٍ. (¬4) ينظر: "تهذيب اللغة" 1/ 793 - 797، و"لسان العرب" 2/ 844. مادة (حرم). (¬5) في (ش): (بمعنى). (¬6) "تفسيرالثعلبي" 1/ 1023. (¬7) ينظر: "تهذيب اللغة" 1/ 1027، "اللسان" 2/ 1155 مادة (خزا)، "تفسير الثعلبي" 1/ 1023. (¬8) هو: شمر أبو عمرو بن حمدويه الهروي اللغوي الأديب الفاضل الكامل، إليه الرحلة في هذا الفن من كل مكان، كانت له عناية بعلم اللغة، توفي سنة 255 هـ. ينظر: "إنباه الرواة" 2/ 77 - 78، و"بغية الوعاة" 2/ 4 - 5.

86

ضَيْفِي} [هود: 230] أي: لا تفضحوني (¬1). أبو عبيد: يُقال: خزِي يخزى خِزيًا: إذا هلك (¬2). وقال ابن السراج: معنى أخزاه الله، أي: أوقفه موقفا يُسْتحيَا منه، مِن قولهم: خزي يخزَى خِزَايَةً: إذا استحيا (¬3). ثم أعلم الله عز وجل أن ذلك غير مكفِّر عنهم ذنوبهم، فقال: {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ} والردُّ: الرجع. يقال: ردّه إلى كذا، ويقال للمُجبّر: ردّاد؛ لأنه يردّ العُضْو إلى ما كان. والرِّدّة: الرجوع عن الشيء، ومنه الردّة عن الإسلام (¬4). وإنما قال: (يُردّون) بلفظ الجمع لمعنى مَنْ. وفي (أشد العذاب) قولان: أحدهما: أنه عذاب لا رَوْح (¬5) فيه تتصل أجزاؤه. والثاني: عذابٌ أشدّ من عذاب الدنيا بتضعيف الألم فيه. 86 - قوله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} الآية. أي: استبدلوا قليل الدنيا بكثير الاخرة (¬6). وقوله تعالى: {فَلَا يُخَفَّفُ عَنهُمُ العَذَابُ} أي: لا ينقص، والخِفّة: نُقْصَان الوَزْن. ¬

_ (¬1) ينظر "تهذيب اللغة" 1/ 1027، "اللسان" 2/ 1155 (مادة: خزي). (¬2) كذا في "غريب الحديث" له 2/ 381. (¬3) ينظر: "غريب الحديث" لأبي عبيد 2/ 381، "تهذيب اللغة" 1/ 10274، (مادة: خزى)، "تفسير القرطبي" 2/ 23. (¬4) ينظر: "تهذيب اللغة" 2/ 1390 مادة (ردد). (¬5) لا روح فيه: أي لا راحة فيه. (¬6) ينظر: الطبري في "تفسيره" 2/ 316 - 317، "زاد المسير" 1/ 98.

87

ودخلت الفاء في قوله: {فَلَا يُخَفَفُ عَنهُمُ العَذَابُ} للعطف على (اشتروا) فيكون من صلة الذين. 87 - وقوله تعالى: {وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ} أي: أرسلنا رسولًا يقفو رَسُولًا في الدعاء إلى توحيد الله والقيام بشرائع دينه (¬1). يقال: قفّى أثره، وقفّى غيرَه على أثره، أي: اتبعه إياه، والقفا: مُؤَخَّرُ العُنُق، ويقال للشيخ إذا هرم: رُدّ على قَفَاه، ورُدّ قَفًا. قال: إِن تَلْقَ رَيْبَ المنايا أو تُرَدُّ قفًا ... لا أَبْكِ مِنك على دينٍ ولا حَسَب (¬2). ومنه: قافية الشعر (¬3)، ونذكر استقصاءه عند قوله: {وَلَا تَقفُ مَا ليَسَ لَكَ بِهِ عِلم} [الإسراء:36] إن شاء الله تعالى. وقوله تعالى: {وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ} يعني: الآياتِ التي ذكرها في سورة آل عمران (¬4) والمائدة (¬5). ¬

_ (¬1) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 168، قال الطبري في "تفسيره" 1/ 403: وقفينا من بعده بالرسل أي: أتبعنا بعضهم بعضا على منهاج واحد، وشريعة واحدة لأن كل من بعثه الله نبيا بعد موسى عليه السلام إلى زمان عيسى بن مريم فإنما بعثه بأمر بني إسرائيل بإقامة التوراة والعمل بما فيها والدعاء إلى ما فيها. (¬2) البيت بلا نسبة في: "لسان العرب" 6/ 3708، و"أساس البلاغة" ص 2/ 269، (¬3) ينظر: "تفسير الطبري" 1/ 403، "تهذيب اللغة" 3/ 3013، "المحرر الوجيز" 1/ 385، "اللسان" 6/ 3708 مادة (قفا). (¬4) في قوله تعالى: {وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ} [آل عمران: 49]. (¬5) في قوله تعالى: {إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ} الآية: 110 من سورة المائدة وينظر: "تفسير الطبري" 1/ 403، "تفسير الثعلبي" 1/ 1024.

{وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ} أي: قويناه (¬1)، والأيد والآد: القوة، ويقال: أَيَّدَه وآيده: إذا قواه، وآدَ يَئِيدُ أَيْدًا: إذا قوي، قال امرؤ القيس: فَأَثَّتْ (¬2) أَعَاليه وآدَتْ أُصولُه (¬3) أي: قويت وإياد كل شيء: ما يَقْوَى به (¬4)، قال العجاج: متخذًا مِنها إيادًا (¬5) واختلفوا في معنى (روح القدس). فقال قتادة (¬6) والربيع والضحاك (¬7) والسُّدّي (¬8): إنه جبريل. واختاره الزجاج (¬9). والقُدسُ: ¬

_ (¬1) "تفسير الطبري" 1/ 403، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 168، "تفسير الثعلبي" 1/ 1024و"المحرر الوجيز" 1/ 385. (¬2) في (م) (فأتت). (¬3) عجز البيت: ومال بقُنْيَانٍ من البُسْرِ أحمرا يصف نخيلًا، انظر "ديوانه" ص 60، "لسان العرب" 1/ 189 (مادة أيد). "المعجم المفصل" 3/ 140. (¬4) ينظر "تهذيب اللغة" 1/ 96، "اللسان" 1/ 189، وفيه: وإياد كل شيء: ما يقوى به من جانبيه، وهما إياداه. (¬5) البيت للعجاج يصف الثور: متخذًا منها إيادًا هدفًا. ينظر "تهذيب اللغة" 1/ 96، "اللسان" 1/ 189. (¬6) أخرجه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 320 وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 168، الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1026. (¬7) أخرجه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 320 وذكره الثعلبي فى "تفسيره" 1/ 1026. (¬8) أخرجه عنه الطبري في "تفسيره" 1/ 404. (¬9) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 168 وكذا اختاره الطبري في "تفسيره" 1/ 404 بعد أن ذكر قولين آخرين: الأول: أنه الإنجيل، والثاني: أنه الاسم الذي كان عيسى يحيي به الموتى. ثم قال: وأولى التأويلات في ذلك بالصواب قول من قال: الروح في هذا الموضع جبريل؛ لأن الله جل ثناؤه أخبر أنه أيد عيسى به، كما أخبر في قوله: {إِذْ =

الطهارة (¬1)، كأنه منسوبٌ إلى الطهارة، وذلك أنه ممن لا يقترف ذنبًا ولا يأتي مأثمًا. وتأييد عيسى بجبريل عليهما السلام هو أنه كان قرينه، يسير معه حيثما سار، وأيضًا فإنه صَعِد به إلى السماء (¬2)، ودليل هذا التأويل: قوله عز وجل: {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ} [النحل: 102]، يعني: جبريل (¬3). وإنّما سُمي جبريل رُوحًا؛ لأنه بمنزلة الأرواح للأبدان تحيا بما يأتي من (¬4) البيان عن الله عز وجل من يُهدَى به، كما قال عز وجل: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ} [الأنعام: 122]، أي: كان كافرًا فهديناه. ¬

_ = قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ} فلو كان الروح الذي أيده الله به هو الإنجيل لكان قوله: {إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ} {وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ} تكرير قول لا معنى له، وانظر "تفسير ابن كثير" ص 112. (¬1) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 168، الطبري في "تفسيره" 1/ 132. (¬2) ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 1026، وذكر ابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 112 - 113 في تأييد عيسى بروح القدس الذي هو جبريل ثلاثة أقوال: أحدها: أنه أُيد به لإظهار حجته وأمر دينه. والثاني: لدفع بني إسرائيل عنه إذ أرادوا قتله. والثالث: أنه أيد به في جميع أحواله. (¬3) "تفسير الثعلبي" 1/ 1026 وقال الشنقيطي في "أضواء البيان" 1/ 142 هو جبريل على الأصحِ، ويدل ذلك قوله تعالى: {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ} [الشعراء: 193] وقوله: {فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا} [مريم: 17]، انتهى. ويؤيده أيضًا قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لحسان - رضي الله عنه -: "ياحسان أجب عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، اللهم أيده بروح القدس". رواه البخاري (453) في الصلاة، باب الشعر في المسجد ومسلم (2485) كتاب: في فضائل الصحابة، باب فضائل حسان بن ثابت وينظر "التفسير الصحيح" 1/ 192. (¬4) في (م): (عن).

وقيل (¬1): لأن الغالب على جسمه الروحانية لرقته، وكذلك سائر الملائكة. وقال آخرون: أراد: الروح القدس، أي: المقدس، فأضاف الاسْم إلى الصفة، وأراد به روح عيسى عليه السلام. وسمى روحَه قُدُسًا؛ لأنه لم تتضمنه أصلاب الفحولة، ولم تشتمل عليه أرحام الطوامث (¬2) (¬3). وجاء في الخبر: أن الله تعالى لما أخذ الذرية في ظهر آدم (¬4) وأشهدهم على أنفسهم ردها إليه إلا روح عيسى فإنه أمسكها عنده إلى وقت خلقه. وقرئ القُدس بالتخفيف والتثقيل (¬5)، وهُما حسنان، مثل: العُنْقُ والعُنُق، والحُلْم والحُلُم، وبابه (¬6). ومعناه: الطهارة. قال العَجّاج: قد عَلِمَ القُدُّوس رَبُّ القُدْس (¬7). وذكرنا ما فيه عند قوله {وَنُقَدِّسُ لَكَ} [البقرة: 30]. ¬

_ (¬1) سقطت من (م). (¬2) في (م): (الطوارق). (¬3) "تفسير الثعلبي" 2/ 1025، "الكشاف" للزمخشري 1/ 80، "تفسير ابن كثير" 1/ 132. (¬4) في (م): (لما أخذ من ظهر آدم الذرية). (¬5) قرأ ابن كثير في تفسيره (القُدْس) بإسكان الدال حيث جاء، والباقون بضمها. ينظر: "السبعة" ص 163، و"التيسير" ص 64، و"النشر" 2/ 216. (¬6) من كلام أبي علي في "الحجة" 2/ 150. (¬7) وبعده: إن أبا العباس أولى نفس ... بمعدن الملك القديم الكِرسِ ذكره في: "اللسان" 6/ 3550 (مادة: قدس)، وفيه: (مولى) بدل (رب).

وقوله: {أَفَكُلَّمَا} ذهب أبو الحسن (¬1) في هذه الفاء إلى أنها زائدة، والوجه: أن تكون غير زائدة وأن تكون للإتباع؛ لتعلق ما قبلها بما بعدها. وعلى هذا قوله - صلى الله عليه وسلم -، وقد قيل له لما جهد (¬2) نفسه بالعبادة: أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: "أفلا أكون عبدا شكورًا" (¬3). فالوجه أن تكون الفاء هَاهُنَا مُتبعَةً غير زائدة (¬4). ونصب (كلّما) كنصب سائر الظروف (¬5)، وكُلّ: حرفُ جملة، وهو اسم يجمع الأجزاء (¬6). وقال أبو الهيثم: يقع (كل) على اسم منكور مُوحَّد فيؤدي معنى الجماعة، كقولهم: ما كلُّ بيضاءَ شحمةً (¬7). و (ما) هاهُنا حرف جزاء (¬8)، ضم إلى (كل) (¬9). ومعنى {أسْتَكبَرْتُم}: تعظمتم عن الإيمان به؛ لأنهم كانت لهم ¬

_ (¬1) أي: الأخفش. (¬2) في (م): (أجهد). (¬3) رواه البخاري (1130) في أبواب التهجد، باب: قيام النبي - صلى الله عليه وسلم - الليل حتى ترم قدماه، ومسلم (2819) في الجنة والنار، باب: إكثار الأعمال والاجتهاد في العبادة. (¬4) ينظر: "البحر المحيط" 1/ 300. (¬5) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 169. (¬6) "اللسان" 11/ 591، وقال في "البحر المحيط" 1/ 88: كل للعموم، وهو اسم جمع لازم للإضافة، إلا أن ما أضيف إليه يجوز حذفه ويعوض منه التنوين، وأحكام كل كثيرة. (¬7) نقله عنه الأزهري في "تهذيب اللغة" 9/ 450 وعنه ابن منظور في "اللسان" 11/ 591، وينظر: "مغني اللبيب" 1/ 201 - 202. (¬8) في (ش): (وخبر). (¬9) ينظر: "مغني اللبيب" 2/ 201.

88

الرئاسة، وكانوا متبوعين، فآثروا الدنيا على الآخرة (¬1). {فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ} مثل: عيسى ومحمد، {وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ} مثل: يحيى وزكريا. نظيره في المائدة [70]: {فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ} (¬2)، والفريق: الطائفة من الناس (¬3). قوله: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ} فيما دل عليه قوله: {أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ} كأنه قال: فما استقمتم (¬4). 88 - قوله تعالى: {وَقَالُوا قُلُوُبنَا غُلْفُ} الآية. جمع أغلَفَ، كما أن حُمْرًا (¬5) جمع أَحمر، فإذا كان جمع أفعل لم يجز تثقيله إلا في الشعر (¬6). قال أبو عبيدة: كل شيء في غلاف فهو أَغْلَف، قالوا: سيفٌ أَغْلَف، وقوس غلفاء، ورجل أغلف: لم يُختن (¬7). وما يدرك به المعلومات من الحواس وغيرها من الأعضاء إذا ذُكِر بأنه لا يعلم وُصِفَ بأن عليه مانعًا من ذلك ودونه حائلًا، فمن ذلك قوله: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [محمد: 24]، كأن القُفْل لما كان حاجزًا بين المُقْفَل عليه وحائلًا من أن يدخله ما يدخل إذا لم يَكن مُقفلًا ¬

_ (¬1) "تفسيرالثعلبي" 1/ 1027. (¬2) ينظر: "تفسير الطبري" 1/ 405 - 406، "تفسير الثعلبي" 1/ 1027. (¬3) "تفسيرالثعلبي" 1/ 1027. (¬4) ينظر: "البحر المحيط" 1/ 300. (¬5) في (ش): (حمر). (¬6) من "الحجة" 2/ 155، وينظر: "تفسير الطبري" 1/ 406، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 169. (¬7) "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 1/ 46، ونقله عنه أبو علي في "الحجة" 2/ 155.

جُعِل مَثَلًا للقلوب في أنها لا تعي ولا تفقَه. وكذلك قوله {الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي} [الكهف: 101] (¬1)، ومثل هذه الآية في المعنى قوله: {وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ} [فصلت: 5]. قال ابن عباس (¬2) ومجاهد وقتادة في هذه الآية: إنهم قالوا استهزاءً وإنكارًا وجحدًا لما أتى به محمد: قلوبنا عليها غشاوة، فهي في أوعية، فلا تعي ولا تفقه ما تقول يا محمد. ومن ضم اللام فهو جمع غلاف مثل: حِمَار وحُمُر، ومِثَال ومُثُل (¬3). قال ابن عباس (¬4) والكلبي (¬5): إنهم قالوا للنبي - صلى الله عليه وسلم -: قُلُوبنا أوعية للعلم، فما بالها لا تفهم عنك ما أتيت به مما تدعونا إليه؟ فلو كان فيه خير لفَهِمَتْه وَوَعَتْه (¬6). وقوله تعالى: {بَل لَّعَنَهُمُ اَللَّهُ بِكفرِهِمْ} أكذبهم الله سبحانه وقال: بل ¬

_ (¬1) من كلام أبي علي في "الحجة" 2/ 154. (¬2) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 1/ 406، ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 170. (¬3) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 169، و"البحر المحيط" 1/ 301، وقال الطبري في "تفسيره" 2/ 327: وأما الذين قرأوها بتحريك اللام وضمها، فإنهم تأولوها أنهم قالوا: قلوبنا غلف للعلم، بمعنى أنها أوعية فمعنى الكلام: وقالت اليهود: قلوبنا غلف للعلم وأوعية له ولغيره، ثم بين أن القراءة بالضم شاذة غير جائزة. انتهى كلامه. وممن قرأ بضم اللام: ابن عباس والحسن وابن محيصن والأعرج. ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1028، "زاد المسير" 1/ 99، "تفسير القرطبي" 2/ 22. (¬4) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 1/ 407، ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 170، وذكره أبو علي في "الحجة" 2/ 155، "القرطبي" 2/ 22. (¬5) "تفسير الثعلبي" 3/ 1028، "تفسير البغوي" 1/ 120، "تفسير الخازن" 1/ 81. (¬6) ينظر: "تفسير القرطبي" 2/ 22.

لعنهم الله، أي: أبعدهم من رحمته وطردهم، واللعن: الإبعاد (¬1). قال الشَّمَّاخ (¬2): ذَعَرْتُ به القَطَا وَنَفَيتُ عنه ... مقام الذئبِ كالرجُلِ اللعينِ (¬3) أراد: مقام الذئب الذي هُوَ كالرجل اللَعين، لا يزال مُنتبذًا عن الناس، شبّه الذئب به، وكل من لعنه الله فقد أبعده عن رحمته، واستحق العذاب، وصار هالكًا (¬4). وقال الليث: اللعن: التعذيب، ولعنه الله، أي: عذبه، قال: واللعنة في القرآن: العذاب، واللعن: السب والشتم (¬5). قال شمر (¬6): أقرأنا ابن الأعرابي لعنترة (¬7): لُعِنَتْ بمحرومِ الشَّرابِ مُصَرّم (¬8) ¬

_ (¬1) ينظر: "تفسير الطبري" 1/ 408، و"مجاز القرآن" لأبي عبيدة 1/ 46. (¬2) هو: الشمّاخ بن ضرار بن سنان بن أمامة الذبياني، قال ابن سلام: فأما الشماخ فكان شديد متون الشعر، أشد أسر كلام من لبيد، وفيه كزازة، ولبيد أسهل منه منطقًا "طبقات فحول الشعر" 1/ 124 - 132. (¬3) البيت للشماخ بن ضرار في "ديوانه" ص 321، "مجاز القرآن" 1/ 46، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 170 "تفسير الثعلبي" 1/ 1029، "لسان العرب" 7/ 4044، "تفسير القرطبي" 2/ 23، وذكره الطبري في "تفسيره" 1/ 408 برواية: مكان الذئب. (¬4) ينظر: "تهذيب اللغة" 4/ 3272 - 3274، "اللسان" 7/ 4044 - 4045. (¬5) ينظر: "تهذيب اللغة" 2/ 396، و"اللسان" 13/ 388، وتفسير "القرطبي" 2/ 25. (¬6) أول البيت: هل تبلغني دارها شدنية (¬7) والبيت من معلقة عنترة بن شداد التي مطلعها: هل غادر الشعراء من متردم (¬8) ينظر: "أساس البلاغة" 2/ 14، و"لسان العرب" 7/ 4045.

وفسّره، فقال: سُبَّت بذلك، أي: قيل: أخزاها الله فما لها در ولا لبن (¬1). وقال الفراء: اللعن: المسخ أيضًا، قال الله تعالى: {أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ} [النساء: 47] أي: نمسخهم (¬2)، وكل هذا راجع إلى معنى الطرد والإبعاد. و (بل) لا يُنسق به في غير الجحد، والجحد هاهنا في المعنى، ومجازه: وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ، وليس كذلك، بل لعنهم الله، ولم يجعل لهم سبيلًا إلى فهم ما تقول (¬3). وقوله تعالى: {فَقَلِيلًا مَّا يُؤمِنُونَ} يريد: فما يؤمنون قليلًا ولا كثيرًا، والعرب قد تستعمل لفظَ القِلَّةِ في موضع النفي، فتقول: قلّما رأيتُ من الرجال مثلَه، وقلَّمَا تزورنا، يريدون النفي لا إثبات القليل. وحكى الكسائي عن العرب: مررت (¬4) بأرضٍ قلّما تُنبت إلا الكُرّاث والبَصَل، أي: ما تُنبت إلا هذين (¬5)، هذا قول الواقدي (¬6) (¬7) و (ما) على ¬

_ (¬1) ينظر: "تهذيب اللغة" 4/ 3274، ونقله في "لسان العرب" 7/ 4045 وفيه: ولا بها لبن. (¬2) لم أعثر عليه في "معاني القرآن" له. (¬3) في (ش): (فتقول). (¬4) في (ش): (مررنا). (¬5) ذكره عنه الفراء في "معاني القرآن" 1/ 59، وعنه الطبري في "تفسيره" 1/ 409 - 410 ولم ينسبها، الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1030. (¬6) نقله عنه الثعلبي 3/ 1030، وينظر: "القرطبي" 2/ 23، و"البحر المحيط" 1/ 302. (¬7) هو: أبو عبد الله محمد بن عمر بن واقد السهمي الأسلمي بالولاء، المدني، محدث مؤرخ، مفسر فقيه، أديب، متروك الحديث مع سعة علمه، ولد بالمدينة، وأقام =

هذا الوجه للنفي. وقال أبو عبيدة: معناه: لا يؤمنون إلَّا بقليل ممَّا في أيديهم ويكفرون بأكثره. وانتصب قليلًا على هذا القول بنزع الخافض (¬1). و (ما) صلة، تقديره: فبقليل يؤمنون. وقال قتادة: معناه لا يؤمن منهم إلا قليلٌ؛ (¬2) لأن مَنْ آمن من المشركين أكثر ممن آمن من اليهود. و (ما) على هذا القول أيضًا صلة، وانتصب قليلًا على الحال. تقديره: فيؤمنون قليلًا (¬3)، كعبد الله بن سلَامَ (¬4). وذكر ابن الأنباري في هذه الآية ثلاثة أوجه سوى ما ذكرنا: أحدها: فيؤمنون إيمانًا قليلًا، وذلك أنهم يؤمنون بأن الله خالقهم ورازقهم، ويكفرون بمحمد والقرآن، فيقلل ذلك إيمانهم، ودليل هذا التأويل: قوله: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ} [يوسف: 106]، ¬

_ = ببغداد، تولى القضاء، توفي سنة 207 هـ. ينظر: "تاريخ بغداد" 3/ 3، و"وفيات الأعيان" 4/ 348. (¬1) ينظر: "البحر المحيط" 1/ 302. (¬2) رواه عبد الرزق في "تفسيره" 1/ 51، ومن طريقه رواه الطبري في "تفسيره" 1/ 409، وابن أبي حاتم 1/ 171، وذكره الثعلبي 1/ 1029، وينظر: "البحر المحيط" 1/ 301 - 302، ونقل عن المهدوي مذهب قتادة: أن المعنى فقليل منهم من يؤمن، وأنكره النحويون؟ وقالوا: لو كان كذلك للزم رفع قليل، ثم تعقبه أبو حيان فقال: قول قتادة صحيح، ولا يلزم ما ذكره النحويون؛ لأن قتادة إنما بين المعنى وشرحه ولم يرد شرح الإعراب فيلزمه ذلك. (¬3) "البحر المحيط" 1/ 302. (¬4) هو: أبو يوسف عبد الله بن سلام بن الحارث الإسرائيلي، ثم الأنصاري، كان أحد أحبار اليهود في الجاهلية، أسلم عند مقدم الرسول - صلى الله عليه وسلم -، بشره الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالجنة، توفي سنة 43 هـ. ينظر: "أسد الغابة" 3/ 264، "الاستيعاب" 3/ 921.

معناه: أنهم يعترفون بأن الله ربهم، ويكفرون بمحمد فيقلّ إيمانهم. وانتصب قليلًا على هذا الوجه لأنه نعتُ مصدرٍ محذوف (¬1). الوجه الثاني: أن يكون المعنى: فيؤمنون قليلًا من الزَمَانِ ويكفرون أكثره، ودليل هذا التأويل: قوله: {وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [آل عمران: 72]. فخّبر الله تعالى بقلة إيمانهم على معنى الوقت القصير الذي أظهروا فيه موافقة المسلمين ثم باينوهم بعده، وانتصب (قليلًا) في هذا الوجه؛ لأنه أقيم مقام الظرف، و (ما) في هذين الوجهين صلة. الوجه الثالث: أن يكون (ما) مع الفعل مصدرًا، ويرتفع بـ "قليل"، وهو مقدم، ومعناه: فقليلًا إيمانهم، كما قالوا: راكبًا لقَائِيك ومُجَرَّدًا ضَرْبِيكَ. والآيه رَدٌّ على القدرية؛ لأن الله تعالى بيّن أن كفرهم بسبب لعنه آباءهم، فالله تعالى لما لعنهم وطردهم وأراد كفرهم وشقاوتهم منعهم الإيمان (¬2). ¬

_ (¬1) ينظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 60، وهذا ما رجحه الطبري رحمه الله في "تفسيره" 1/ 409، فقال: أخبر أنه لعن الذين وصف صفتهم في هذه الآية، ثم أخبر عنهم أنهم قليلو الإيمان بما أنزل الله إلى نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم -، ولذلك نصب قوله: فقليلا لأنه نعت للمصدر المتروك ذكره، ومعناه: بل لعنهم الله بكفرهم فإيمانًا قليلاً ما يؤمنون، فقد تبين إذًا بما بينا فساد القول الذي روي عن قتادة في ذلك". ورجحه في "البحر" 1/ 302 قائلًا: لأن دلالة الفعل على مصدره أولى من دلالته على الزمان، وعلى الهيئة وعلى المفعول وعلى الفاعل، ولموافقته ظاهر قوله تعالى: {فَلا يُؤْمِنُونَ إِلا قَلِيلًا} [النساء: 46]. (¬2) قال القرطبي 2/ 23: ثم بين أن السبب في نفورهم عن الإيمان: إنما هو أنهم لعنوا بما تقدم من كفرهم واجترائهم، وهذا هو الجزاء على الذنب بأعظم منه.

89

89 - قوله تعالى: {وَلَمَّا جَاَءَهُم كِتَابٌ} يعنى: القرآن {مُصَدِّقٌ} موافق {لِمَا مَعَهُمْ}؛ لأنه جاء على ما تقدّم به الإخبار في التوراة والإنجيل، فهو مصداق الخبر المتقدم، من حيث كان مخبره على ما تقدم الخبر به (¬1). وقوله تعالى: {وَكَانُوا} يعني: اليهودَ (¬2). و (كان) ليس بفعل حقيقي كسائر الأفعال، والفرق بينه وبين الفعل الحقيقي، أن الفعل الحقيقي يدل على وجود معنى مصدره بعد أن لم يكن، في ماض أو حاضر أو مستقبل، و (كان) إنما يدل على الزمان الماضي أو الحاضر والمستقبل في تصريفه فقط، من غير دلالة على وجود مصدره بعد أن لم يكن (¬3) كقولك: كان زيد عالمًا معناه: زيد عالم فيما مضى (¬4). وذكرنا ما في (كان) عند قوله: {وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا} [البقرة:28] (¬5). وقوله تعالى {مِنْ قَبْلُ} أي: من قبل هذا الكتاب وقبل هذا النبي (¬6). {يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا} قال ابن عباس (¬7) والسدي (¬8): هو أنهم إذا ¬

_ (¬1) ينظر الطبري في "تفسيره" 1/ 410، ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 171، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 171، "تفسير الثعلبي" 1/ 1030. (¬2) ينظر الطبري في "تفسيره" 1/ 410، "تفسير الثعلبي" 1/ 1030. (¬3) من قوله: في ماضٍ أو حاضر .. ساقط من (ش). (¬4) ينظر: "تهذيب اللغة" 4/ 3084 مادة (كان)، و"الأزهية في علم الحروف" ص 183، و"مغني اللبيب" 2/ 559. (¬5) ينظر: "البسيط" 2/ 293. (¬6) ينظر: "تفسير الطبري" 1/ 410 "تفسير الثعلبي" 1/ 1030. (¬7) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 1/ 411 - 412، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 171 - 172. (¬8) رواه عنه الطبري 1/ 411 - 412، وانظر: "زاد المسير" 1/ 114.

حزبهم (¬1) أمر، وظهر لهم عدوٌّ، قالوا: اللهم انصرنا بالنبي المبعوث في آخر الزمان، وكانوا يسألون الله النصرَ بمحمد وبكتابه (¬2). وذكرنا معنى (الفتح والاستفتاح) عند قوله: {أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ} [البقرة: 76]. وفي الكلام إضمار واختصار، أراد: وكانوا من قبل يستفتحون به، أي: بذلك الكتاب، فلما سبق ذكر الكتاب لم (¬3) يُعِده. ومثله في الكلام: السَّمْنُ مَنَوَان (¬4) بدرهم أي: منه، ولكنك لا تعيد ذكره، وقد سبق في أول كلامك. وقوله تعالى: {فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ} يعني: الكتاب وبعثة النبي - صلى الله عليه وسلم - وذلك أنهم كانوا قرأوا في التوراة: إن الله تعالى يبعث في آخر الزمان نبيًّا (¬5)، وينزل عليه قرآنًا مبينًا أي: بالكتاب، ويبعث صاحب ذلك الكتاب (¬6). أعلم الله أنهم كفروا وهم يوقنون، وأنهم مُتَعمدون للشقاق وعداوة الله. وجواب قوله: {وَلَمَّا جَاءَهُم كِتَابٌ} محذوف، تقديره: ولما جاءهم ¬

_ (¬1) في (ش): (حزنهم)، وفي (م): (جزلهم). (¬2) ينظر ما رواه الطبري في "تفسيره" 1/ 410 - 410، ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 171 - 172، وأبو نعيم في "الدلائل" 1/ 19. (¬3) في (م): (فلم). (¬4) المنوان: تثنية مَنَا وهو كيل أو ميزان يساوي رطلين ويثنى على منوان، ومنيان ويجمع على: أمْنَاءٍ، وأمْنٍ، ومُنِيٍّ ومِنِيٍّ. ينظر: "تهذيب اللغة" 4/ 3454 مادة (منا)، و"القاموس" 1722 و"المجموع شرح المهذب" 9/ 347. (¬5) في (م) و (ش): (يبعث نبيا في آخر الزمان). (¬6) ينظر: "تفسير الطبري" 1/ 411 - 412، ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 172.

كتاب من عند الله جحدوه، وحذف لأنه معروف، دل عليه {فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ}، هذا قول أبي إسحاق (¬1). وقال الفراء: جوابه في الفاء في قوله: {فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا}، وفيه أيضا معنى الابتداء. و (كفروا) بما فيه من جوابهما جميعًا، والعرب تجيب كلامين بجواب واحد، كقولهم: ما هو إلا أن يأتي عبد الله فلما قعد أكرمته (¬2) (¬3). والدليل على هذا: أن الواو لا تجوز في موضع الفاء في قوله: {فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا} كما جاز في ابتداء الآية، فذلك دليل على أنها جواب وليست بنسق. ومثل هذا في كون الفاء جوابًا قوله: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى} [طه: 123] {فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ} (¬4) صار كأنه جواب لـ"إما"، ألا ترى أن الواو لا تصلح في موضع الفاء هنا. وقال محمد بن يزيد (¬5) قوله: {فَلَمَّا جَاءَهُمْ} تكرير للأول؛ لأن ¬

_ (¬1) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 171، وذكره الطبري في "تفسيره" 412 - 413، وممن ذهب إليه: الأخفش واختاره الزمخشري كما في "البحر المحيط" 1/ 303، ورجحه أبو حيان. (¬2) قال الفراء: ما هو إلا أن أتاني عبد الله فلما قعد أوسعت له وأكرمته. (¬3) "معاني القرآن" للفراء 1/ 59 بتصرف، وذكره الطبري في تفسيره 1/ 412 - 413، ونسبه إليه في "البحر المحيط" 1/ 303، وقال: وأما قول الفراء، فلم يثبت من لسانهم: لما جاء زيد فلما جاء خالد أقبل جعفر، فهو تركيب مفقود في لسانهم فلا نثبته، ولا حجة في هذا المختلف فيه، فالأولى أن يكون الجواب محذوفًا لدلالة المعنى عليه. (¬4) ساقطة من (ش). (¬5) أي المبرد، ينظر: "البحر المحيط" 1/ 303.

90

الكلام طال بقوله: {وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ}، وكأنه كلام معترض، فأعاد الأول. وجوابه {كَفَرُوا بِهِ}. ومثله قوله: {أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ} [المؤمنون: 35] أعاد ذكر {أَنَّكُمْ} لما طال الكلام، وكأنه قال: أيعدكم أنكم إذا مِتُّم مُخرَجون (¬1). 90 - قوله تعالى: {بِئْسَمَا اشْتَرَوا} الآية. بئس ونِعم لفظان وُضِعا للمدح والذم، يخبر بأحدهما عن الشيء المذموم، وبالثاني عن الممدوح، وأصلهما: نَعِمَ وبَئِسَ (¬2)، وأرادوا لفظًا يُعبِّر عن المحمود يخصه، ولفظًا يعبِّر عنِ المذموم ويقتصر، فجعلوا نعم للممدوح وبئس للمذموم، فألزمهم بهذا الغرض ضرب من التغيير ليخص هذا القَصْد بالدلالة، فأزالوا التصرف عنهما وهو المستقبل، فلا يقال والمراد المدح أو الذم: ينعَم الرجل أو يَبْأسُ، وهذا القدر من التغيير لا يزيل الإلباس، فليس يُدرى (¬3) بقولك: نَعِمَ الرجل أو بَئِسَ إن المراد به الإخبار عنه على ما يقتضيه الأصل أو المدح والذم، فلم يجدوا بُدًّا من تغيير (¬4) زائد، فنقلوا وخففوا، والنقل والتخفيف لغة للعرب (¬5) فيما كان على فَعُل وفَعِل، نحو. حَسُنَ وضَجِر. حَسُن ¬

_ (¬1) بين في "البحر المحيط" 1/ 303: أن هذا القول حسن، لولا أن الفاء تمنع من التأكيد. (¬2) ينظر في نعم وبئس: "المقتضب" للمبرد 2/ 140 - 152، "تهذيب اللغة" 1/ 412، "اللسان" 1/ 201 (بئس). (¬3) في (ش): (تَدْري). (¬4) في (ش): (تعبير). (¬5) في (ش): (العرب).

وجهُك، إذا خففت، وإن ثقلت قلت: حُسْنَ وَجهُك، فنقلت ضمة السين إلى الحاء، وعلى هذا ينشد: فَإِنْ أَهْجُهُ يَضْجَرْ كَمَا ضَجْرَ بَازِلٌ ... من الأُدْمِ دِبْرَتْ (¬1) صفحتاه وكاهله (¬2) وإنما حملَهُم على هذا اسْتثقالهم الانتقال في الحركات المختلفة الذي يدل على هذا: أن اتفاق الحركات في فعل منعهم من هذا. فقالوا في نِعْمَ وبِئْسَ فرقًا بين المدح والذم وبين الخبر؛ ليخلُصا للمدح والذم لا يلتبسان بالخبر، ولهذا المعنى لم يتصرفا تصرف الأفعال؛ لأنهما تضمنا الدلالة على معنى الذم والمدح، كما أن التعجب لما كان خبرًا كسائر الأخبار إلا أنه زاد عليها بمعنى التعجب تُركَ تصرّفُه؛ ليدل به على زيادة المعنى، فكذلك (نعم وبئس)، يدل على أن القائل مادح أو ذامّ، وهو خبر باستحقاق المدح والذم. وبئس ذمٌّ بشدة الفساد. وأصل الكلمة من الشدة، ومنه البأساء: وهو اسم للحرب والمشقة والضرر والشدة، ومنه {بِعَذَابٍ بَئِيسٍ} [الأعرف: 165] أي: شديد. وكل هذا ممَّا علّقته عن مشايخ هذه الصنعة. فأما حكم هاتين الكلمتين وعملهما فقال أبو إسحاق: إنهما لا يعملان في اسم عَلم، إنما يعملان في اسم منكور دالّ على جنس، أو اسم فيه ألف ولام يدل على جنس، وإنما كانتا كذلك؛ لأنّ (نعم) مستوفية لجميع المدح، و (بئس) مستوفية لجميع الذمّ، فإذا قلت: نِعم الرجل زيدٌ، ¬

_ (¬1) في (ش): (ديرت). (¬2) البيت للأخطل في "ديوانه" ص 217، ينظر: "لسان العرب" 4/ 481 - 12/ 12.

قلت (¬1): استحق زيد المدح الذي يكون في سائر جنسه، وكذلك (¬2) إذا قلت: بئس الرجل دللت على أنه قد استوفى الذم الذي يكون في سائر جنسه، فلم يجز إذ كان يستوفي مدح الأجناس أن يعمل في غير لفظ جنس، فإذا كان معهما (¬3) اسم جنس بغير ألف ولام فهو نصب أبدًا، وإذا كانت فيه الألف واللام فهو رفع أبدًا، وذلك قولك (¬4): نعم رجُلاً زيدٌ، (¬5) ونعم الرجل زيد (¬6)، نصبت النكرة على التشبيه بالمفعول، وهو بمعنى التمييز، لأنك إذا قلت: نعم، جاز أن تذكر رجلًا أو حِمارًا، فإذا ذكرت نوعًا ميزته من سائر الأنواع، وفي نعم ضمير فاعل؛ لأنه فِعْلٌ، والفِعْلُ لا يخلو من فاعل، فصار المميز كالمفعول فلهذا نصب. فأما إذا قلت: نِعْمَ الرَجُل، فليس في نِعْمَ ضمير، وصار الرجل رفعًا بنعم. وارتفع زيد من وجهين، قال سيبويه والخليل (¬7): إن شئت رفعت زيدًا؛ لأنه ابتداء مؤخر، ويكون نعم وما عملت فيه خبره، وإن شئت رفعت على أنه خبر ابتداء محذوف، لأنك إذا قلت: نعم رجلًا، ونعم الرجل، لم يُعلم من تعني، فقلت: زيد، أي: هو زيد. ¬

_ (¬1) في "معاني القرآن": فقد. (¬2) ساقطة من (م). (¬3) في "معاني القرآن": معها. (¬4) في "معاني القرآن": كقولك. (¬5) في (ش): (زيدا). (¬6) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 172، وقد نقله الواحدي بتصرف يسير، وينظر: "تهذيب اللغة" 1/ 412، "اللسان" 1/ 201، "تفسير القرطبي" 2/ 24. (¬7) نقله عنه الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 172، ونقله عن سيبويه ابن عطية في "المحرر" 1/ 391، "تفسير القرطبي" 2/ 240.

وقال الكسائي: قولك: نعم الرجل، كالشيء الواحد يرتفع بهما زيد (¬1)؛ لأن قولك: الرجل زيد، لمعنى: صلح زيد، فارتفاع زيدٍ، كارتفاع الفاعل. قال الفراء: فإن أضفتَ النكرةَ التي بعد نِعْمَ إلى نكرة رفعت ونصبت، فقلت: نعم غلامُ سَفَرٍ زَيدٌ، وغلامَ سفرٍ زيد، فإن أضفت إلى المعرفة شيئًا رفعتَ، فقلت: نعم سائسُ الخيل أخوك، ولا يجوز النصبُ إلّا أن يضطرّ إليه شاعر؛ لأنهم حينَ أَضَافوا إلى النكرَة آثروا الرفع، فهم إذا أضَافوا إلى المعرفة أحرى أن لا ينصبوا (¬2). فإن وصلت "مَا" بـ"نعم وبِئسَ" نحو: بئسما ونعِمّا، فقال الزجّاج: (ما) فيهما لغير صلة (¬3)؛ لأن الصلة توضح، وتخصص، وَالقصد في بئسَ (¬4) أن يليها اسم منكور واسم جنس (¬5). فقوله {بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ} بئس شيئًا اشتروا به أنفسهم (¬6)، قال: وروى جميع النحويين: بئسما تزويجٌ ولا مهر، وَالمَعنى فيه: بئسَ ¬

_ (¬1) نقله الفراء في "معاني القرآن" عن الكسائي 1/ 56، ابن عطية في "المحرر" 1/ 391، "تفسير القرطبي" 2/ 24 قال ابن عطية: وهذا أيضاً معترض؛ لأن بئس لا تدخل على اسم معين متعرف بالإضافة إلى الضمير. (¬2) "معاني القرآن" للفراء 1/ 57. (¬3) في "معاني القرآن" للزجاج: بغير. (¬4) في "معاني القرآن" للزجاج: نعم. (¬5) في "معاني القرآن" للزجاج: اسم منكور أو جنس، وفي "الإغفال" ص 317: اسم منكور أو اسم جنس. (¬6) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 172، ونقله في "اللسان" 1/ 201 مادة (بئس).

شيئًا تزويج ولا مَهر (¬1). قالَ أبو علي: مَا ذكره أبو إسحاق يَدُل على أن (مَا) إذَا كانت موصولة لم يجز عنده أن يكون فاعلة نعم وبئس، وذلك عندنا لا يمتنع، وجهة جوازه: أن ما اسم مبهم يقع على الكثرة، ولا يخصص شيئًا واحدًا، كما أن أسماء الأجناس كذلك، وهي تكون للكثرة (¬2) والعموم، كما أن أسماء الأجناس تكون للكثرة (¬3)؛ (¬4) وذلك نحو قوله: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ} [يونس: 18] فالقصد به هاهنا الكثرة، وإن كان في اللفظ مفردًا؛ يدلك على ذلك قوله: هؤلاء (¬5). وتكون ما معرفةً ونكرةً؛ كما أن أسماء الأجناس تكون معرفةً ونكرةً. فأمَّا كونها معرفةً فمأنوس به، وأَمَّا كونها نكرة فكثير أيضًا، ذكره سيبويه في مواضع، وهي و (من) قد تكونان نكرتين في التنزيل والشعر القديم الفصيح، أنشد سيبويه: ربّما تكره النفوسُ من الأمر ... له فَرجة كحلِّ العِقَال (¬6) ¬

_ (¬1) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 173، ونقله في "تهذيب اللغة" 1/ 412، و"اللسان" 1/ 201، وينظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 58. (¬2) في "الإغفال": للنكرة (¬3) في "الإغفال": للنكرة. (¬4) من قوله: كما أن .. ساقط من (ش). (¬5) في "الإغفال" فهؤلاء لا يكون للواحد. (¬6) البيت لأمية بن أبي الصلت، في "ديوانه" ص 50 وفي "الكتاب" 1/ 315، 424 وكذا في "الخزانة" 2/ 541 و 4/ 194، وينسب البيت أيضًا: لأبي قيس اليهودي، ولابن صرمة اليهودي، ولحنيف بن عمر اليشكري، ولنهار بن أخت مسيلمة =

وقال: يا رُبَّ من يُبْغِضُ أَذْوادَنا ... رُحْنَ على بَغْضَائِه واغْتَدَيْن (¬1) (¬2) وتأول سيبويه قوله تعالى: {هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ} [ق: 23]، على أن تكون معرفةً، وعلى أن تكون نكرةً، مثل: هذا شيء لديّ عتيد، فإنما يتخلص بعضر ذلك من بعض، بدلالةٍ مِن غير جهة اللفظ؛ لأن اللفظ محتمل لما أعلمتك في اللغة (¬3). فقوله: {بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ} يجوز عندي أن تكون ما موصولة، وموضعها رفع بكونها فاعلة لـ"بئس"، ويجوز أن تكون منكورةً، ويكون (اشتروا) صفة غير صلة (¬4)، وحينئذٍ تكون (ما) نصبًا. وتقول: نِعم ما صنعت، وبئسما صنعت، إن شئت كانت (ما) منصوبة، كأنك قلت: نعم شيئًا صنعت، وإن شئت كانت مرفوعة، كأنك قلت: بئس الشيء صنعت. ولا يجوز أن يليهما (الذي)؛ لأن الألف واللام لا يفارقانه، وهما يعملان فيما عُرِّف بالألف واللام، وجاز طرحهما منه. فقال الفراء: ويجوز أن تُجعل (ما) مع نِعم وبئس بمنزلة كلمة واحدة في غير هذه الآية، فيكون مثل كلما، وإنما، كما جُعلت (ذا) مع حَبَّ كلمةً واحدة، فقالوا: حبّذا. ¬

_ = الكذاب ويروى تجزع بدل تكره. ينظر: "الإغفال" 317، و"مغني اللبيب" 1/ 297، و"شذور الذهب" 132، والأشموني 1/ 70، و"المفصل" 4/ 2، وابن يعيش 3/ 4، و"طبقات القراء" 1/ 290، وشرح شواهد المغني ص 240، و"ديوان عبيد بن الأبرص" ص 86. (¬1) البيت تقدم تخريجه. (¬2) من "الإغفال" ص 317، 318 بتصرف، وقد لخصه القرطبي في "تفسيره" 2/ 24. (¬3) من "الإغفال" ص 319. (¬4) من "الإغفال" ص 319.

من ذلك قوله: {إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ} [البقرة: 271]، رفعت هي بنعما، ولا يجوز (حينئذ) (¬1) تأنيث نعم، كما لا يجوز تأنيث حبذا (¬2)، قال: ويجوز أن تجعل (ما) فيه حشوًا وصلة، كما قال: عما قليل (¬3)، وإذا جعلت (ما) صلةً جاز فيه التأنيث (¬4)، تقول: بئست مَا جاريةً جاريتك (¬5). ومعنى الاشتراء هاهُنَا: البيع. والاشتراء والشراء والبيع كله من الأضداد، ويقال: اشتريته، أي: بعته، واشتريته، أي: ابتعته، وكذلك: شريته في المعنيين، وكذلك: بعته، قال الله تعالى: {وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ} [يوسف: 20]، أي: باعوه (¬6)، وقال يزيد بن المُفَرِّغ: ¬

_ (¬1) ساقطة من (م). (¬2) "معاني القرآن" للفراء 1/ 57. (¬3) في "معاني القرآن" للفراء 1/ 57: عما قليل آتيك. (¬4) في "معاني القرآن" للفراء 1/ 57: جاز فيه التأنيث والجمع، فقلت: بئسما رجلين أنتما، بئست ما جاريةً جاريتك. (¬5) "معاني القرآن" للفراء 1/ 58 بتصرف، وقد ذكر الأقوال في إعراب ما في هذه الآية الطبري في تفسيره 1/ 413 - 414، والعكبري في "التبيان" 74، وأبو حيان في "البحر" 1/ 304 - 305، وخلاصته: اختلف في ما ألها موضع من الإعراب أم لا؟ فذهب الفراء إلى أنه بجملته شيء واحد، وظاهره أن لا موضع لها من الإعراب، والجمهور على أن لها موضعًا من الإعراب، واختلفوا أموضعها نصب أم رفع؟. (¬6) ينظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 56، "اللسان" 4/ 2253 (شرى)، وذكر في "البحر المحيط" 1/ 305: أن اشتروا هنا بمعنى: باعوا عند الأكثرين، وفي المنتخب أنه على بابه، لأن المكلف إذا خاف على نفسه من العقاب أتى بأعمال يظن أنها تخلصه، وكأنه قد اشترى نفسه بها، قال أبو حيان: ويرد عليه، {بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ}، حيث فعلوا ذلك على سبيل البغي والحسد.

وشُرَيْتُ بُردًا لَيْتَنِي ... مِنْ بَعْدِ بردٍ صِرتُ هامة (¬1) أي: بعته؛ قال الفراء: وتقول بع لي بدرهم تَمرًا، أي: اشتر لي. وأنشد: ويأتيك بالأخبار مَن لم تَبعْ له ... بَتَاتًا ولم تضربْ له وقتَ موعِدِ (¬2) (¬3) ومعنى الآية: بئس الشيء بَاعوا به أنفسهم الكفر؛ يريد: أنهم اختاروا الكُفر وأخذوه، وبذلوا أنفسهم للنار؛ لأن اليهود خصوصًا علموا صدق محمد - صلى الله عليه وسلم -، وأن من كذبه فالنار عاقبته، فاختاروا الكفر، وسلموا أنفسهم للنار، فكان ذلك كالبيع منهم (¬4). وقال المفسرون: في الآية إضمار معناه بئسما باعوا حظ أنفسهم بالكفر، هكذا قالوا (¬5)، وعلى هذا تكون الآية من باب حذف المضاف، وعلى ما قلنا أولًا تصح الآية من غير إضمار. وقوله تعالى: {أَن يَكْفُرُواْ} قال الزجاج: موضع أن رفع، المعنى: ذلك الشيء المذموم أن يكفروا (¬6)، على تقدير: بئس الشيء اشتروا به أنفسهم ¬

_ (¬1) البيت ليزيد بن مفرغ الحميري، في ديوانه ص 213، و"لسان العرب" 4/ 2252 مادة (شرى). (¬2) البيت لطرفة بن العبد في "ديوانه" ص 41. (¬3) "معاني القرآن" للفراء 1/ 56، وقال: وللعرب في شروا واشتروا مذهبان، فالأكثر منهما أن يكون شروا: باعوا، واشتروا: ابتاعوا، وربما جعلوهما جميعًا في معنى باعوا، وكذلك البيع، يقال: بعت الثوب، على معنى: أخرجته من يدي، وبعته: اشتريته، وهذه اللغة في تميم وربيعة. ينظر: "البحر المحيط" 1/ 305. (¬4) ينظر: "تفسير الطبري" 1/ 414 - 416، "تفسير الثعلبي" 1/ 1032، "تفسير ابن كثير" 113 - 114. (¬5) "تفسير الثعلبي" 1/ 1032. (¬6) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 172.

الكفر، فيكون كقولك: بئس الرجل زيد، على الاختلاف الذي حكينا عن سيبويه والخليل والكسائي في رفع زيد، وقال الفراء: يجوز أن يكون محله جزًا بدلًا من المكني في (به)، كأنك قلت: اشتروا أنفسهم بالكُفْر (¬1). وقوله تعالى: {بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} يعني: القرآن (¬2). {بَغْيًا} أَصْلُ البغي في اللغة: الظلم والخروج عن النَّصَفَة والحدّ، يقال: بَغَى الفرس في عدوه، إذا اختال ومرح، وإنه ليبغي، ولا يقال: فرس باغ، وبغى الجُرحُ يَبْغِي بَغْيًا، إذا وَرم وكثر فيه المِدّة (¬3)، وبَغَتِ السماء، إذا كثر مطرها حتى تجاوز الحدّ، وبغى الوادي، إذا بلغ الماء منه موضعًا لم يبلغه قبل. وقالَ قوم: أصل البَغْي: الطلب (¬4)، يقال: بغى الشيءَ، إذا طلبه، وأَبْغَاه، أعانه على الطلب. والبَغيّ: التي تطلب الزنا، ومنه قيل للأمة: بَغِيٌّ. وما ينبغي كذا، أي: ليس بصواب طلبه، والبَغْيُ: شدة الطلَب للتطاول (¬5). ¬

_ (¬1) "معاني القرآن" للفراء 1/ 56، ونصه: أن يكفروا، في موضع خفض ورفع، فأما الخفض فأن ترده على الهاء التي في به، على التكرير على كلامين، كأنك قلت: اشتروا أنفسهم بالكفر. وأما الرفع فأن يكون مكرورا أيضا على موضع ما التي تلي بئس. اهـ. وينظر في إعراب الآية: "التبيان" للعكبري ص 75، حيث ذكر القولين السابقين وزاد: وقيل: هو مبتدأ، وبئس وما بعدها خبر عنه. (¬2) "تفسير الثعلبي" 1/ 1032. (¬3) المِدَّة بكسر الميم القيح، وهي الغثيثة الغليظة، وأما الرقيقة فهي صديد وأَمَدّ الجرح إمدادًا، صار فيه مِدَّةٌ ينظر: "المصباح المنير" ص 567. (¬4) قال في "مقاييس اللغة" 1/ 272: الباء والغين والياء أصلان: أحدهما: طلب الشيء، والثاني: جنس من الفساد. (¬5) ينظر في معاني البغي: "تهذيب اللغة" 1/ 367، "مقاييس اللغة" 1/ 271 - 272، "المفردات" للراغب ص 65، "اللسان" 1/ 323.

قال المفسرون: البَغْيُ، هاهُنا، بمعنى الحَسَد (¬1). قال اللحياني (¬2): بغيت على أخيك بغيًا، أي: حسدته، وقال الله تعالى: {ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ} [الحج: 60]، وقال: {وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ} [الشورى: 39] فالبغي أصله الحَسَد، ثم سمي الظلم بغيًا؛ لأن الحاسِد يظلم المحسودَ جَهْدَه إرادة زوال نعمة الله عليه عنه (¬3). قال ابن عباس في هذه الآية: إنَّ كفر اليهود لم يكن شكًا ولا شيئًا اشتبه عليهم، ولكن بغيًا منهم، حيث صارت النبوة في ولد إسماعيل (¬4). وانتصابه على المصدر؛ لأن ما قبله من الكلام يدلّ على بَغَوا، فكأنه قيل: (¬5) بَغَوا بغيًا (¬6). وقال الزجّاج: انتصب؛ لأنه مفعول له، كما تقول: فعلت ذلك حِذارَ الشرّ، أي: لحذر الشر (¬7)، ومثله من الشعر: قول حَاتِم (¬8): ¬

_ (¬1) ينظر: الطبري في تفسيره 1/ 415، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 173، "زاد المسير" 1/ 114، "تفسير القرطبي" 2/ 25. (¬2) هو: أبو الحسن علي بن حازم، وقيل: علي بن المبارك، تقدمت ترجمته [البقرة: 10]. (¬3) من "تهذيب اللغة" 1/ 367. (¬4) لم أجده بهذا اللفظ لكن قريب منه عند ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 173. (¬5) في (ش): (قال). (¬6) ينظر: "التبيان" للعكبري ص 75. (¬7) والعامل فيه: يكفروا، أي: كفرهم لأجل البغي، أو يكون العامل فيه: اشتروا. ينظر: "البحر المحيط" 1/ 305. (¬8) هو: حاتم بن عبد الله بن سعد بن الحشرج الطائي القحطاني، فارس شاعر جواد، جاهلي يضرب المثل بجوده، كان من أهل نجد، شعره كثير ضاع معظمه. ينظر: "الشعر والشعراء" ص 143، و"الأعلام" 2/ 151.

وأغفر عَورَاءَ الكريم ادّخارَه ... وأُعْرِضُ عن شَتْم اللئيم تَكَرُّما (¬1) المعنى: لادخاره، وللتَّكرّم (¬2). وقوله تعالى: {أَن يُنَزِل اللَّهُ} موضع أن نصب؛ لأن المعنى: أن تكفروا بما أنزل الله؛ لأن ينزل الله من فَضْلِهِ، أي: كفروا لهذه العلة، فهو كما ذكرنا في بيت حاتِم؛ لأنهم كفروا لإنزال الله عليه، كما أنه يغفر العوراء لادّخاره، هذا قول الزجاج (¬3). وأظهر منه أن تجعل {أَن يُنَزِلَ} مفعولًا للبغي، كأن معناه: حسدًا إنزال الله، لأن البغي، هاهنا، بمعنى الحَسَد، وأنت تقول: حَسَدْتُ زيدًا مالَه وفضلَه (¬4). وقوله تعالى: {فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ} قال ابن عباس: الغضب الأول: تضييعهم التوراة، والثاني: بكفرهم بهذا النبي الذي أحدث الله فيهم (¬5). وقال قتادة: الأول بكفرهم بعيسى والإنجيل، والثاني: بكفرهم بمحمد والقرآن (¬6). ¬

_ (¬1) تقدم تخريج البيت [البقرة: 18]. (¬2) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 1703. (¬3) بتصرف من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 173، وينظر: "التبيان" ص 75 قال: وقيل: التقدير: بغيًا على ما أنزل الله، أي: حسدًا على ما خص الله به نبيه من الوحي. (¬4) وقيل: التقدير: بغيًا على أن ينزل الله، لأن معناه: حسدا على أن ينزل الله، فحذفت على، وقيل: أن ينزل في موضع جرًّ على أنه بدل اشتمال من ما في قوله بما أنزل الله أي: بتنزيل الله ينظر "البحر المحيط". (¬5) رواه الطبري في "تفسيره" 1/ 417، ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 173، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1032 وقال ابن أبي حاتم: وروي عن عكرمة ومجاهد وعطاء وقتادة وابن أبي خالد نحو ذلك، وقد ذكر ابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 114 خمسة أقوال في الآية، والخلاف فيها من قبيل اختلاف التنوع. (¬6) رواه الطبري في "تفسيره" 2/ 346 وذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1033، وعزاه =

91

وقال أهل المعاني: أي: بإثم استحقوا به النار على إثم تقدم استحقوا به النار (¬1). 91 - وقوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ} أي: لليهود، و {إِذَا} عند النحويين وقت للفعل الذي هو جواب، كما تقول: إذا جئتني وصلتك، أخبرتَ أنك تصلُهُ وقت مجيئه، وليس كذلك إنْ، لأنك إذا قلت: إن جئتني وصلتك، يصلح أن تصلَه بعد وقت المجيء (¬2). وقوله تعالى: {بِمَا أَنزَلَ الله} يعني القرآن، {قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا}، يعني التوراة (¬3). {وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ}، قال ابن الأنباري: يجوز أن يكون هذا إخبارًا من الله عز وجل عن اليهود، وتم الكلام عند قوله: {بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا}، ثم ابتدأ بالإخبار عنهم، فقال: (¬4) {وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ} (¬5). والدليل على انقطاع الكلام الأول: الانصرافُ عن الإخبار عن النفس إلى الحديث عن ¬

_ = السيوطي في "الدر" 1/ 218 إلى عبد بن حميد. وروى الطبري، وابن أبي حاتم عن أبي العالية نحوه. (¬1) هذا كلام الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 174، وروى ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 174 عن سعيد بن جبير في قوله: (فباؤوا بغضب على غضب) يقول: استوجبوا سخطا على سخط، وذكر "القرطبي" 2/ 29 قولاً فقال: وقال قوم: المراد التأييد وشدة الحال عليهم، لا أنه أراد غضبين معللين بمعصيتين. وينظر "البحر المحيط" 1/ 306. (¬2) ينظر في معاني إذا "مغني اللبيب" 1/ 87 - 101. (¬3) "تفسير الثعلبي" 1/ 1033. (¬4) ساقطة من (ش). (¬5) في (ش): (تكفرون).

الغيب. ويجوز أن يكون (¬1) حكاية عن اليهود أنهم قالوا ذلك، وتأويله: نؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا، وَيَكْفُرُونَ (¬2) بِمَا وَرَاءَه، فردّ الفعل الثاني إلى الغيبة، كما تقول العرب: قال عبد الله: لأقُومَنّ، وقال عبد الله ليقومن، فالألف: لمعنى الإخبار، والياء: لمعنى الغيبة (¬3)، وكذلك تقول العرب: استحلفت عبد الله: لأقومنّ، وليقومنّ، ولتقومنّ. فمن قال: لأقومنّ، أراد: قلت له: قل لأقومن، ومن قال بالتاء، أخرجه على معنى الخطاب. ومن قال بالياء، أخرجه على لفظ عبد الله؛ لأنه غائب، قال الشاعر (¬4): يا ليت شعري عنك دَخْتَنُوس (¬5) ... إذا أتاك الخبرُ المرموسُ أتحلِقُ القرونَ أم تَمِيسُ ... لا، بل تَميسُ إنّها عروسُ (¬6) فقدم أفعالًا على المخاطبة، ثم رجع إلى الغيبة على ما وصفنا. ومعنى {بِمَا وَرَاءَهُ} بما سواه، قال الفراء: وذلك كثير في العربية يتكلم الرجل بالكلام الحسن، فيقول السامع: ليس وراء هذا الكلام شيء، ¬

_ (¬1) في (ش): (تكون). (¬2) في (ش): (ونكفر). (¬3) من قوله: كما تقول العرب .. ساقطة من (ش). (¬4) البيتان للقيط بن زُرارة كما في "اللسان" 3/ 1728، "تهذيب اللغة" 2/ 1467، ورواية التهذيب: ياليت شعري اليوم ... إذا أتاهها الخبر. ومعنى المرموس: المكتوم، وتميسُ: تتبختر. (¬5) في (ش): (وختنوس). (¬6) الرجز للقيط بن زرارة، في "لسان العرب" 6/ 101 مادة: (رمس)، و"تاج العروس" 8/ 279 (دختنس)، و"المعجم المفصل" 10/ 282.

يريد ليس سوى هذا الكلام شيء (¬1). ويحتمل {بِمَا وَرَاءَهُ} بما بعده، أي: ما بعد التوراة، يريد: الإنجيل والقرآن، وهذا كقوله: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} [النساء: 24]، أي: ما بعده، وما سواه. وقوله تعالى: {فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ} (¬2) مثله (¬3). أبو العباس، عن ابن الأعرابي في قوله: {وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ} قال: بما سواه (¬4). وسنذكر الكل في (وراء) عند قوله: {وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ} [الكهف: 79] وقوله {وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ} [هود: 71] وقولِه: {وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي} [مريم: 5]، إن شاء الله. وقوله تعالى: {وَهُوَ اَلحَقُّ} (هو) كناية عما في قوله: {بِمَا وَرَاءَهُ}. و (ما وراءه)، يجوز أن يكون واقعًا على الإنجيل والقرآن، فأفرد الله القرآن بقوله: (وَهُوَ الْحَقّ) تفصيلًا له وتخصيصًا (¬5). ويجوز أن يكون (هو) كناية عن محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأن الله تعالى لما ذكر الإنزال والمنزِّل دلّا على المُنزَّل عليه، فكان كالظاهر. قال أبو إسحاق: في قوله: {وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ} دلالة على أنهم قد كفروا بما معهم، إذ كفروا بما يُصَدِّق مَا معهم. قال: ونصبت ¬

_ (¬1) "معاني القرآن" للفراء 1/ 60. (¬2) جزء من آية وردت في سورة [المؤمنون: 7]، [المعارج: 31] (¬3) ينظر: "البحر المحيط" 1/ 307. (¬4) نقله عنه في "تهذيب اللغة" 4/ 3879، "اللسان" 8/ 4807، وينظر: "تفسير القرطبي" 2/ 25، "البحر المحيط" 1/ 307. (¬5) ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1033، "البحر المحيط" 1/ 307.

{مُصَدِّقًا} على الحال (¬1)، ومثله قولك: هو زيد معروفا، فـ (معروف) حال؛ لأنه إنما يكون زيدًا بأنه يعرف بزيد، وكذلك تقول: القرآن هو الحق، إذا كان مصدقًا لكتبِ الرُّسُل صلى الله عليهم. وقوله تعالى: {فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ} هذا تكذيب من الله تعالى لهم في قولهم: {نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا}، أي: أيّ كتاب جوّز فيه قتل نبي، وأيّ دين وإيمان جوّز فيه ذلك (¬2). وأضاف القتل هاهُنا إلى المخاطبين، وإن كان آباؤهم قَتَلوا؛ لأنهم كانوا يتولّون الذين قَتَلوا فهم على مذهبهم، وإذا كانوا على ذلك المذهب فقد شركوهم. قال ابن عباس: كلما عُمِلَت مَعصِية، فمن أنكرها برئ، ومن رضي بها كان كمن شهدها (¬3). وقال ابن الأنباري: تأويله: فلم توليتم آباءكم القاتلين ورضيتم ما كانوا عليه، وصوبتم أفعالهم. والمراد بلفظ الاستقبال هاهنا: المضي (¬4)، وجاز ذلك؛ لأنه لا يذهب الوهم إلى غيره؛ لقوله: {مِنْ قَبلُ}، ودليل هذا قوله: {قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ} [آل عمران: 183]. ومما وضع فيه المستقبل موضع الماضي قوله تعالى: ¬

_ (¬1) "معاني القرآن" 1/ 174 بتصرف، وينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1034. (¬2) "تفسيرالثعلبي" 1/ 1034. (¬3) ذكره في "الوسيط" ولم أجده عنه في التفاسير المسندة، وفي معناه حديث أم سلمة قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إنها ستكون أمراء، تعرفون وتنكرون، فمن أنكر فقد برئ ومن كره فقد سلم، ولكن من رضي وتابع" رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" 8/ 621 وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إن الخطيئة إذا عملت في الأرض كان من غاب عنها ورضيها كمن حضرها، ومن شهدها وسخطها كان كمن غاب عنها وأنكرها" رواه أبو داود. (¬4) ينظر: "تفسير القرطبي" 2/ 25 - 26.

{وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ} [البقرة: 102]، وسنذكره في موضعه، ومثل هذا قولك للرجل تعنفه بما سلف من قبيح فعله: ويحك لم تكذب؟ لم تُبَغِّض نفسك إلى الناس؟، كأنه قيل: لم هذا من شأنك (¬1). قال الفراء: وذلك كثير في الكلام، أنشدني بعض العرب: إذا ما انْتَسَبْنا لم تلدني لئيمةٌ ... ولم تَجِدِي من أن تُقِرِّي بها بُدَّا (¬2). يعني: أن الولادة قد مضت، وقد عبَّر عنها بجواب الجزاء، وذلك يكون في الاستقبال، كما تقول: إذا ما جئتني لم أضربْك، لم يوجد المجيء ولا الضرب (¬3) فالجزاء للمستقبل، والولادة قد مضت، وذلك أن المعنى معروف (¬4) يدل عليه، فجاز ذلك. والذي يدل على أن المراد بما في الآية المضي أن (لِمَ) معناه التعنيف، وأنت إنما تعنف الرجل بما سلف من فعله (¬5). ¬

_ (¬1) "معاني القرآن" للفراء 1/ 60 - 61 ونقله الطبري في تفسيره 1/ 420. (¬2) البيت لزائد بن صعصعة الفقعسي يُعَرِّض بزوجته، وكانت أمها سرية، وذكره الفراء في "معاني القرآن" 1/ 61، 178، ولم ينسبه وكذا الطبري في "تفسيره" 1/ 328، 420، 3/ 73. (¬3) من قوله: (يعني أن الولادة) ساقط من (ش). (¬4) "معاني القرآن" للفراء 1/ 61، ومن قوله: (يعنىِ أن الولادة) إلى قوله: (ولا الضرب) من كلام الواحدي، في "تفسيره". (¬5) "معاني القرآن" للفراء 1/ 61 ونقله الطبري في تفسيره عنه 1/ 42 ذكر جوابًا آخر وهو أن معناه: فلم قتلتم أنبياء الله من قبل، كقوله: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ} أي: ما تلت، وكقول الشاعر: ولقد أمر على اللئيم يسبني ... فمضيت عنه وقلت: لا يعنيني يريد بقوله: (ولقد أمر): ولقد مررت. اهـ. قال في "البحر المحيط" 1/ 307 نقلًا عن ابن عطية: وفائدة سوق المستقبل في معنى الماضي الإعلام بأن الأمر مستمر، ألا ترى أن حاضري محمد - صلى الله عليه وسلم - ولما كانوا راضين بفعل أسلافهم بقي لهم من قتل الأنبياء جزء.

92

وقوله تعالى: {إِن كنُتُم مُّؤمِنِينَ} (إِنْ) بمعنى الشرط، وجوابها قبلها، يراد به: إن كنتم مؤمنين، فلم تقتلون أنبياء الله؛ لأنه ليس سبيل المؤمنين أن تقتلوا الأنبياء، ولا أن يتولوا قاتليهم (¬1). 92 - قوله تعالى: {وَلَقَدْ جَاَءَكُمْ} اللام في (لقد) لام القسم (¬2)، ولا يجوز أن تكون لام الابتداء، لأن لام الابتداء لا تلحق إلّا الاسم أو ما كان بمنزلة الاسم من المضارع. والمراد بالبيّناتِ في هذه الآية ما ذكره في قوله: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} [الإسراء: 101]، وهي العصا، واليد، وفلق البحر، والجراد، والقُمَّل (¬3)، والضَفَادع، والدم، ورفع الطور، وإحياء الميت ببعض البقرة (¬4). وقوله تعالى: {ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ} المراد بـ (ثُم) هاهنا: الاستعظام لكفرهم مع ما رأوا من الآيات التي أتى بها موسى عليه السلام. 93 - قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ} إلى قوله: {وَاسْمَعُواْ} أي: ¬

_ (¬1) استظهر هذا الوجه أبو حيان في "البحر المحيط" 1/ 307 وقال: ويكون الشرط وجوابه قد كرر مرتين على سبيل التوكيد، لكن حذف الشرط من الأول وأبقي جوابه، وهو فلم تقتلون، وحذف الجواب من الثاني وأبقي شرطه. (¬2) ينظر: "تفسير "القرطبي" 2/ 27. (¬3) القمّل: قال ابن عباس: وهو السوس الذي يخرج من الحنطة، وعنه: أنه الدَّبى وهو الجراد الصغار الذي لا أجنحة له - وبه قال مجاهد وعكرمة وقتادة، وقال الطبري في تفسيره 9/ 33: القمّل: جمع، واحدتها قُمَّلة، وهي دابة تشبه القمْل، تأكلها الإبل فيما بلغني. ينظر "تفسير ابن كثير" ص 700. (¬4) ينظر: "تفسير الطبري" 1/ 421 "البحر المحيط" 1/ 308 إلا أنه عد بدل الأخيرين: السنين، والطوفان.

ما فيه من حلاله وحرامه، {قَالُوا سَمِعْنَا} ما فيه، {وَعَصَيْنَا} ما أمرنا به، هذا هو الظاهر. وقال أهل المعاني: معنى (اسمعوا) هاهنا: استجيبوا وأطيعوا، عُبِّر بالسمع؛ لأنه سَبَب الإجابة والطاعة (¬1)، وقد يُعبّر عنهما بالسمع كقول الشاعر: دعوتُ اللهَ حتى خِفتُ أن لا ... يكونَ اللهُ يَسْمَعُ ما أقولُ (¬2) أي: يجيب (¬3). وقوله تعالى: {قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا} بعض المفسرين يقولون: إنهم تلفظوا بهذه اللفظة، فقالوا: {سَمِعْنَا} لما أطل الجبل فوقهم، فلما كشف عنهم قالوا: {وَعَصَيْنَا} (¬4). وقال الحسن: قالوا: سمعنا بألسنتهم، وعصينا بقلوبهم (¬5). فقال أهل المعاني: إنهم لم يقولوا هذا بألسنتهم، ولكنهم لما سمعوا ¬

_ (¬1) ينظر: "تفسير الطبري" 1/ 422، "تفسير الثعلبي" 1/ 1034 "تفسير القرطبي" 2/ 27. (¬2) البيت، لشمير بن الحارث الضبي، في "تاج العروس" 11/ 227 (مادة: سمع)، و"نوادر أبي زيد" ص 124، وبلا نسبة في "تفسير الثعلبي" 1/ 1034 و"لسان العرب" 4/ 2095. (¬3) "تفسيرالثعلبي" 1/ 1035. (¬4) بنحوه عن ابن عباس كما في "البحر المحيط" 1/ 308 واستحسنه أبو حيان قال: لأنا لا نصير إلى التأويل مع إمكان حمل الشيء على ظاهره لا سيما إذا لم يقم دليل على خلافه اهـ. وحكى الواحدي في "الوسيط" 1/ 176 أن المفسرين اتفقوا على أنهم قالوا (سمعنا) لما أطل الجبل فوقهم، فلمَّا كشف عنهم قالوا (عصينا). (¬5) ذكره في "الوسيط" 1/ 176، وذكره في "البحر المحيط" 1/ 308 ولم ينسبه.

الأمر، وتلقَّوه بالعصيان نسب ذلك منهم إلى القول اتساعًا (¬1)، كقول الشاعر: ومَنْهَلٍ ذِبَّانُه في غَيْطَلِ ... يَقُلْنَ للرائدِ أعْشَبْتَ انْزِلِ (¬2) وقال امرؤ القيس: نواعِمُ يُتْبعنَ الهوى سُبُلَ الردَى ... يقلن لأهل الحِلم ضُلًّا بَتْضلال (¬3) قالوا: المعنى: يُضللن ذا الحلم، وليس الغرض حكاية قولهن. وقوله تعالى: {وَأُشْرِبُواْ} الإشرابُ في اللُّغةِ خَلْطَ لونٍ بلون، يقال: أبيض مُشرَبٌ حُمرةً، إذا كان يعلوه حُمرة (¬4)، المازني (¬5): الإشراب: الخلط، يقال: أُشْرِب ذَا بذَا، وهو مشربٌ حُمرةً إذا خالطت لونه حُمرة. اللّحياني: يقال: فيه شُربةٌ من الحُمرة، إذا كان يُخالطه حُمرة (¬6). وقال أبو عبيدة (¬7)، والزجاج (¬8): معناه سُقُوا حُبَّ العِجل، وأصل ¬

_ (¬1) "تفسير الثعلبي" 1/ 1035، عزاه لأهل المعاني. (¬2) البيت لأبي النجم العِجْلي. ينظر: "الحيوان" 3/ 314 و 7/ 259، وذكر الشطر الآخر منه "تهذيب اللغة" 3/ 2448، "اللسان" 5/ 2951، "التاج" 2/ 233، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1035 بلا نسبة. والغيطل: شجر ملتف أو عشب ملتف. (¬3) البيت لامرئ القيس في "ديوانه" ص 126. (¬4) ينظر "تاج العروس" 2/ 103. (¬5) هو أبو عثمان بكر بن بقية، وقيل: بكر بن محمد بن عدي بن حبيب المازني، تقدمت ترجمته. (¬6) ينظر: "تهذيب اللغة" 2/ 1848، "اللسان" 4/ 2224 (شرب). (¬7) في "مجاز القرآن" 1/ 47. (¬8) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 175، وينظر: "تهذيب اللغة" 2/ 1848، "اللسان" 4/ 2224.

الإشرابِ: السَّقْي، واستُعملَ في اللون المختلط بغيره تشبيهًا بالسّقي، لأنه لقال للمشرب حُمرةً: إنه لمسقيّ الدم. والمعنى هاهنا: أنهم خلطوا بحب العجل حتى اختلط بهم، ثم بيّن أنّ مَحَلّ ذلك الحُبّ قلوبهم، وأن الخلط حصل فيها، فأضاف أولًا إلى الجملة، ثم خصّ القلوب، كما تقول: ضُربوا على رؤوسهم، أضفت الضرب أولًا إليهم، ثم بيّنت مَحلّ الضَّرب، وإنما ذكره بلفظ الإشراب إخبارًا عن رسوخ ذلك الحُبّ في قلوبهم كإشراب اللَّوْن لِشِدّة الملازمة (¬1). وقوله تعالى: {الْعِجْلَ} أراد: حُبّ العجل فحذف المضاف (¬2) كقوله: {وَسْئَلِ القَرْيَةَ} (¬3) [يوسف: 82]، {وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ} [البقرة: 177]، وكقول الشاعر: وكيف تُوَاصل مَنْ أصبَحتْ ... خِلاَلَتُه كأبي مَرْحَبِ (¬4) ¬

_ (¬1) ينظر: "الزاهر" 2/ 101 و"غريب القرآن" ص 48 "البحر المحيط" 2/ 1848 وقال: وإنما عبر عن حب العجل بالشرب دون الأكل، لأن شرب الماء يتغلغل في الأعضاء حتى يصل إلى باطنها .. وأما الطعام، فقالوا: هو مجاور لها غير متغلغل فيها، ولا يصل إلى القلب منه إلا اليسير. (¬2) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 175، ونقله في "اللسان" 4/ 2224، وقال في "البحر المحيط" 1/ 309: وأسند الإشراب إلى العجل مبالغة كأنه بصورته أشربوه. (¬3) ينظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 61، الطبري في "تفسيره" 1/ 423. (¬4) البيت للنابغة الجعدي، ينظر: "ديوانه" ص 26، "تفسير الثعلبي" 1/ 1035، "الكتاب" لسيبويه 1/ 110، "أمالي القالي" 1/ 192 "معاني القرآن" للزجاج 1/ 93، 175، "لسان العرب" 4/ 2224 مادة (اشرب) و 1/ 252 مادة (برد) قال ابن منظور: وأبو مرحب كنية الظِّل والظل منتقل، ويقال: هو كنية عرقوب، الذي قيل عنه: مواعيد عرقوب، والمراد على الأول: كيف تصاحب من لا يدوم على مودة، وإنما هو منتقل غير ثابت.

وأنشد الفراء: حَسِبْتَ بُغَامَ راحلتي عَنَاقًا ... وما هي وَيْبَ غيرِك بالعَنَاقِ (¬1) وقوله تعالى: {بِكُفْرِهِمْ} قال بعضهم: أي، باعتقادهم التشبيه؛ لأنهم طلبوا ما يتصوّرُ في نفوسهم (¬2). وقال الزجاج: معناه فعل الله ذلك مجازاة لهم على الكفر، كما قال: {بَلْ طَبَعَ الله عَلَيْهَا بِكُفرِهِم} [النساء: 155] (¬3). وقوله تعالى: {قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} معناه: إن كنتم مؤمنين فبئس الإيمان إيمانٌ يأمر بالكُفْر، وهذا تكذيب لهم؛ لأنهم كانوا يزعمون أنهم مؤمنون، وذلك أنهم قالوا: {نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا}، فكذّبهم الله عز وجل، وعيَّرهم بعبادة العجل، وذلك أنّ آباءهم ادعوا الإيمان ثم عبدوا العجل (¬4). وقوله تعالى: {يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ} من المجاز وسعة العربية؛ لأن الإيمان لا يأمُر، وهو كقوله: {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ ¬

_ (¬1) البيت لذي الخرق الطهوي، ينظر "معاني القرآن" للفراء 1/ 62، و"لسان العرب" 1/ 320 مادة (بغم)، 5/ 3053 (مادة: عقا) يخاطب الشاعر ذئبًا تبعه في طريقه، وقبله: ألم تعجب لذئب بات يسري ... ليؤذن صاحبًا له باللحاق وقوله ويب كلمة مثل: ويل، تقول: وْيبَك وويب زيد، معناه: ألزمك الله ويلًا، نصب نصب المصدر. بُغام الناقة: صوت لا تفصح به، والعناق: الأنثى من المعز. وقوله: حسبت بغامَ راحلتي عناقًا، أي: بغام عناق. (¬2) ينظر "البحر المحيط" 1/ 308 - 309. (¬3) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 176. (¬4) "تفسير الثعلبي" 1/ 1036، "الوسيط" 1/ 176.

94

وَالْمُنْكَرِ} [العنكبوت: 45]، وكما تقول في الكلام: بئسما يأمرك العقل بشتم الناسِ، معناه: إِن كنْتَ عاقلًا لم تشتمهم، كذلك المعنى في الآية: لو كنتم مؤمنين ما عبدتم العجل (¬1). 94 - قوله تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ} الآية، كانت اليهود تقول: {لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا} [البقرة: 111]، وقالوا أيضًا: {نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} [المائدة: 18]، فقيل لهم: إن كنتم عند أنفسكم صادقين فتمنوّا الموتَ، فإنّ مَنْ كان لا يشكّ في أنه صائرٌ إلى الجنة، فالجنة آثرُ عنده من الدنيا (¬2). والمعنى: إن كانَتْ لكم نعمة الدار الآخرة، فحذف لدلالة الكلام عليه. وقوله تعالى: {خَالِصَةً} يجوز أن يكون فاعلةً من الخُلوص، فيكون انتصابها على خبر كان، ويجوز أن يكون مصدرًا، كالكاذبة والصافية والخائنَة، فيكون المعنى: خلصتْ خالِصَةً، ويكون انتصابها على المصدر (¬3). ومعنى الخالصة: الصافية من الشائبة. ¬

_ (¬1) "البحر المحيط" 1/ 309 "الوسيط" 1/ 176. (¬2) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 177، وينظر في هذا: "تفسير الطبري" 1/ 422 - 423 عن قتادة وأبي العالية والربيع، ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 284، "معاني القرآن" للفراء 1/ 62، "تفسير الثعلبي" 1/ 1036، "البحر المحيط" 1/ 310. (¬3) ذكر أبو حيان في "البحر المحيط" 1/ 310 الخلاف في إعراب خالصة فقيل: نصب على الحال، ولم يحك الزمخشري غيره، وقيل: خبر كان، فيجوز في (لكم) أن يتعلق بـ (كانت)، ويجوز أن يتعلق بـ (خالصة) ويجوز أن تكون للتبيين، فيتعلق بمحذوف تقديره: لكم أعني، ولم يذكر الانتصاب على المصدرية، وكذا القرطبي في "تفسيره" 2/ 33.

95

ومعنى قوله: {مِّن دُونِ النَّاسِ} الاختصاص كقولك: هذا لي دونك، أي: أنا مختص به (¬1). وقوله تعالى: {فَتَمَنَّوُا المَوْتَ} معنى التمني: هو قولٌ يقدر فيه معنًى يحبه الطبع، وذكرنا ما فيه عند قوله: {إِلَّا أَمَانِىَّ} وَيُدَلّ على التمني بأداةٍ تميِّزُه من الإخبار، كقولك: ليت الله غفر لي، (وليت) أصل في التمني (¬2)، وقد يقام مقامها الاستفهام، كقوله: {فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ} (¬3) [الأعراف: 53]، وقولك: ألا ماءَ فأشربَه (¬4). 95 - قوله تعالى: {وَلَن يَتَمَنَّوهُ أَبَدًا} وذلك أنهم كفروا، وعرفوا أنهم كَفَرة، ولا نصيب لهم في الجنة؛ لأنهم تعمدوا كتمانَ أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - وتكذيبَه. وقوله تعالى: {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} أي: بما قدموه وعملوه (¬5)، فأضاف ذلك إلى اليد، لأن أكثر جنايات الإنسان تكون بيده، فيضاف إلى اليد كل جناية، وإن لم يكن لليد فيها عمل، فيقال: هذا ما اجترحته يدك (¬6). وقوله تعالى: {وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} فيه معنى التهديد، أي: عليم بمجازاتهم، وهذا جرى على مستعمل الكلام يقول الرجل لمن أتى إليه مُنْكَرًا: أنا أعرفك، وأنا بصير بك، تأويله: أنا أعلم ما أعاملك به، وإلا ¬

_ (¬1) ينظر: "البحر المحيط" 1/ 310. (¬2) ينظر: "مغني اللبيب" 1/ 285. (¬3) كذا أورده في مقام التمني: "القرطبي" 7/ 218. (¬4) ينظر: "مغني اللبيب" 1/ 69. (¬5) في (أ): (قدموا فأضاف). (¬6) ينظر: "البحر المحيط" 1/ 312 وبين أن هذا الاستعمال كثير في القرآن، وقيل: المراد: اليد الحقيقية هنا، والذي قدَّمته أيديهم: هو تغيير صفة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وكان ذلك بكتابة أيديهم.

فالله عليم بالظالمين وغيرهم (¬1). وفي هذه الآية أبيَن دلالة عَلَى صدق نبيّنا محمد - صلى الله عليه وسلم - لأنه أخبر عن الله أنهم لا يتمنون الموت، وقالي: "لو تمنوا الموت لغصَّ كلُّ إنسانٍ بريقه، وما بقي على وجه الأرض يهودي إلاّ مَاتَ" (¬2)، ثمَّ لم يَرَوا مَعَ حرصهم على تكذيبه أن أحدا أتاه، وقال: يا محمد، أنا أشتهي الموت وأتمناه؛ لأنهم علموا أنهم لو تمنوا الموت لَم يَبقَ منهم صغير ولا كبير إلّا مات، فكان إحجامهم عن ذكر الموت دليلًا على عنادهم الحق وتكذيب من يعرفون صِدقه، ويعلمون صحَّة نبوَّته - صلى الله عليه وسلم - (¬3). ¬

_ (¬1) من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 177. (¬2) الحديث بهذا اللفظ ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1037 عن ابن عباس مرفوعًا وأخرج البيهقي في دلائل النبوة 6/ 274 من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس مرفوعًا، وفيه: "لا يقولها رجل منكم الا غص بريقه فمات مكانه" وفي السند الكلبي. وأخرج أحمد 1/ 248 وأبو يعلى 1/ 424 - 425، الطبري في تفسيره 2/ 362 من طريق عبد الكريم الجزري عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعًا: وفيه: "ولو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا، ورأوا مقاعدهم من النار" قال الهيثمي في مجمع الزوائد 8/ 228: في الصحيح طرف من أدلة، رواه أحمد وأبو يعلى، ورجاله الصحيح. وقال أيضًا 6/ 314: هو الصحيح بغير سياقه، رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح وأصله كما قال في البخاري (4958) كتاب التفسير باب: {كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ} والترمذي كتاب التفسير باب من سورة اقرأ باسم ربك برقم (3348) وأحمد 1/ 368 وليس فيه: ولو أن اليهود ... وأخرج الطبري في تفسيره، ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 284 عن ابن عباس موقوفًا: لو تمنوا الموت لشرق أحدهم بريقه. وأخرجا عن عكرمة نحوه، وأورد ابن كثير في تفسيره هذه الموقوفات عن ابن عباس ص 115 وصحح أسانيدها إليه. (¬3) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 176، "تفسير الطبري" 1/ 424 - 425، "البحر المحيط" 1/ 310 - 312.

96

96 - قوله تعالى: {وّلَتَجِدَنَّهُم} دخلت اللام والنون لأن القسم مضمر تقديره: والله لتجدنهم، فهو جواب القسم (¬1)، فأكّد باللام والنون، وهذه النون إذا دخلت عَلَى (يفعل) فُتِحَ لدخولها، وبني الفعل معها على الفتح نحو: ليفعلنّ، وحذْفُ النون التي تَثبُت في نحو (¬2) يفعلان، في الرفع مع النون الشديدة (¬3)، كحذف الضمة في (ليفعلن). ومَعناه: ولَتجدنّ اليهود، يعني: علماءهم، وهؤلاء الذين كتموا أمر محمد - صلى الله عليه وسلم - عن عنَادٍ في حالِ دعائك إياهم إلى تمني الموت أحرص الناس على حياة؛ لأنهم علموا أنهم صائرون إلى النار إذا ماتوا في أمر محمدعليه السلام (¬4). والحرص: شدّة الطَلَب، يقال: رجل حريصٌ، وقوم حِرَاص، ومِنْهُ: عليّ حِرَاصًا لَو يُسِرُّون مَقتَلي (¬5) ومنه يقال: حَرَص القَصَّارُ الثوبَ، إذا ألحَّ في الدقِّ إلحاح الحَريص. والحَارِصَة: شَجّةٌ تشقّ الجلد قليلًا، كما يحرص القصَّار الثوب عند الدقّ (¬6). ¬

_ (¬1) "تفسيرالثعلبي" 1/ 1038. (¬2) ساقطة من (م). (¬3) يعني عند التوكيد فتقول: يفعلانِّ. (¬4) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 178. (¬5) عجز بيت لامرئ القيس من معلقته في "شرح القصائد السبع الطوال" لابن الأنباري ص 49، وصدره: تجاوزتُ أحراسًا إليها ومعشرًا (¬6) ينظر: "تهذيب اللغة" 1/ 786، "اللسان" 2/ 835 (حرص).

وقوله تعالى: {وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا} قال الفرّاء (¬1)، والزجَّاج (¬2): أي، وأحرص من الذين أشركوا، وهذا كما يقال: هو أسخى الناس ومن هَرِم، أي: وأسخى من هَرِم. وحقيقة الإشراك: عبادة غير الله مع الله، وهو أن يجعَل عبادته مشتركةً بين الله وغيره، ثم يسمّى كلُّ كافر بالله مُشرِكًا من عظم ذنبه حتى ساوى به عظم ذنب المشرك في عبادة الله. وقال بعضهم (¬3): تم الكلامُ عند قوله: {عَلَى حَيَاةٍ}، ثم ابتدأ، فقال (¬4): {وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ}، أي: من يود، فأضمر الموصول بيَوَدّ كقول ذي الرُمَّة: فظلوا وَمنهم (¬5) دمعُه سابقٌ له ... وآخرُ تُذري دمعَه العينُ بالهَملِ (¬6) أراد: ومنهم من دمعه سابق (¬7). وهذا الوجه يضعف من جهتين: إحداهما: أن المراد بالآية بيان حرص اليهود على الحياة، فلا يحسن قطع الكلام عند قوله: {عَلَى حَيَاةٍ} ثم الإخبار عن غيرهم بحب التعمير. ¬

_ (¬1) ينظر: "معاني القرآن" 1/ 62. (¬2) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 178. (¬3) ينظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 1039. (¬4) في (أ) و (ش): (قال). (¬5) ساقطة من (م). (¬6) البيت في "ديوانه" ص 141، "تفسير الثعلبي" 1/ 1039، وبلا نسبة في "الدر" 2/ 66، و"همع الهوامع" 1/ 116. وينظر: "المعجم المفصل في شواهد اللغة" 6/ 563. (¬7) "تفسير الثعلبي" 1/ 1039.

والأخرى: أنه لا يجوز حذف الموصول وترك صلته، واستقصاء هذا مذكور عند قوله: {مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ} في سورة [النساء: 46] واختلفوا في المعْنيّ بقوله: الذين أشركوا، فقال أبو العالية (¬1)، والربيع (¬2): هم المجوس، وإنما وصفوا بالإشراك؛ لأنهم يقولون بالنور والظلمة، وَيزدَان، وأَهرَمَن، وهم أيضًا موصوفون بالحرص على الحياة، ولهذا جعلوا التحيّة بينهم: زِه هَزَار (¬3) سَال، أي: عِشْ ألف سنة (¬4)، وقال أبن عباس: أراد منكري البَعْث، ومن أنكر البَعث فهو يحب طول الحياة؛ لأنه لا يرجو بعثًا بعد الموت (¬5). قال العلماء: وإنما كانت اليهود أحرص من الذين أشركوا؛ لأن المشركين لا يؤمنون بالمعاد، ولا يخافون النار، واليهود تؤمن، وقد علموا ما جَنَوا فهم يخافون النار (¬6). وقوله تعالى: {يَوَدُّ أَحَدُهُمْ}، أي: أحد اليهود أن (¬7) يعمر ألف سنة؛ ¬

_ (¬1) أخرجه الطبري في "تفسيره" 1/ 429، ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 179. (¬2) أخرجه الطبري في "تفسيره" 1/ 429. (¬3) في (ش): (هزاز). (¬4) أخرج نحوه الثوري ص 47، والطبري في "تفسيره" 1/ 429 - 430، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 179 عن ابن عباس وسعيد بن جبير ورواه الحاكم في المستدرك عن ابن عباس قال: هو قول الأعاجم إذا عطس أحدهم: زه (يعني: زي، الأمر من مصدر "زيستن") هزار سال، يعني: عش ألف سنة، فمعنى زه: عش؛ وهزار: ألف، وسال: سنة. (¬5) أخرجه الطبري 1/ 429، وابن أبي حاتم 1/ 179. (¬6) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 178، و"البحر" 1/ 313. (¬7) في (م): (لو يعمر).

لأنه يعلم أن آخرته قد فسدت عليه، فالبقاء في دار الدنيا آثر عنده من القدوم على العذاب الأليم. وقوله تعالى: {يَوَدُّ} يقال: وَدِدتُ أوَدّ، والمصدر: الوَدّ، والوُدّ، والوِداد، والوَدادة، أنشد الفرّاء (¬1): ودِدت ودادَةً لو أَنّ حظّي ... مِنَ الخُلَّانِ أن لا يَصرمُوني (¬2). ويقال أيضًا: وَدَادًا بالفتح، ووِدَادَةً بالكسر، ويقلّ (¬3) هذان، واستقصاء هذا يذكر عند قوله: {إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ} [هود: 90] (¬4). وقوله تعالى: {لَوْ يُعَمَّرُ} يقال: عَمَّرَه الله تعميرًا، إذا أطال عمره، وأصله من العمارة، الذي هو ضدّ الخراب، والعُمُر: اسم للمدّة التي يُعَمَّرُ فيها البدن بالحياة والنمو (¬5). وقوله تعالى: {أَلْفَ سَنَةٍ} سُمي الألف ألفًا، لأنه تأليف العشرات في عِقْدٍ، ويقال: ثلاثة آلاف إلى العشرة، ثم أُلُوف جمع الجمع، والألف مذكر، وإذا أُنِّثَ على أنه جمع فهو جائز، وكلام العرب فيه التذكير (¬6)، ¬

_ (¬1) نقله عن الفراء صاحب "اللسان" 8/ 4792، ولم أجده في "معاني القرآن" والظاهر أنه في المصادر للفراء. (¬2) البيت بلا نسبة في: "لسان العرب" 8/ 4793. (¬3) في (ش): (ونقل). (¬4) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 179، "اللسان" 8/ 4793 (ودد)، "المفردات" للراغب 532، وقال: الود: محبة الشيء، وتمني كونه، ويستعمل في كل واحد من المعنيين. (¬5) ينظر: "المفردات" 350، "اللسان" 5/ 3099 (عمر). (¬6) ينظر "تهذيب اللغة" 1/ 183، "المفردات" 30، "اللسان" 1/ 108 مادة (ألف).

وقال أبو عبيد: يقال: آلفتُ القوم، إذا جعلتهم ألفًا، وقد آلفوا هم، إذا صاروا ألفًا (¬1). وأما السنة فأصلها والكلام فيها يذكر عند قوله: {لَمْ يَتَسَنَّه} [البقرة: 259]. وخَصَّ الألف هاهُنا بالذكر: لأنه نهاية العُقُود، وقيل: لأنه نهاية ما كانت تدعُو بهِ المجوس لملوكها (¬2). وقوله تعالى: {وَمَا هُوَ} الكناية راجعة إلى أحدهم، كأنه قيل: وما أحدهم بمزحزحه من العذاب تعميره، كما تقول: ما عبد لله بضاربه أبوه. قال أبو إسحاق: ويصلح أن يكون هو كناية عما جرى ذكره من طول العمر، وهو قوله: (لو يعمر) فيكون: وما تعميره بمزحزحه (¬3)، والفعل يدل على المصدر، كقوله: {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} [الأنعام: 121] وإنه يريد إنأكله، وعلى هذا قوله: {وأَن يُعَمَّرَ} تكرير لذكر التعمير، فيكون كقوله: {وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ} أعاد المصدر بعد ما كنى عنه (¬4). وقال ابن الأنباري: يجوز أن يكون هو كناية عن الشأن والأمر في قول الكسائي، والمعنى عنده: وما الشأن بمزحزحه من العذاب أن يعمَّر (¬5). قال: ويجوز أن يكون عمادًا في قول الفراء. والعرب تدخل (هو) للعماد مع (ما) في الجحد و (هل) و (واو الحال)، فيقولون: هل هو قائم ¬

_ (¬1) نقله عنه في "تهذيب اللغة" 1/ 183، "اللسان" 1/ 108. (¬2) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 178، "تفسير الطبري" 1/ 429، "تفسير الثعلبي" 1/ 1039، "زاد المسير" 1/ 117. (¬3) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 178. (¬4) ينظر: "البحر المحيط" 1/ 315. (¬5) وأجاز هذا الوجه أبو علي كما في "البحر المحيط" 1/ 315، وقال في التبيان 1/ 78: ولا يجوز أن يكون هو ضمير الشأن لأن المفسر لضمير الشأن مبتدأ وخبر، ودخول الباء في بمزحزحه يمنع من ذلك.

97

عبد الله؟ وما هو بقائم زيد، ولقيت محمدًا وهو حسن وجهه (¬1). واحتج بما أنشده الفراء: فَهَلْ هُوَ مَرْفُوعٌ بما هاهنا رأسُ (¬2) من أبيات ذكرها (¬3). والزحزحة الإبعاد والتنحية، يقال: زحّه وزحزحه فتزحزح: إذا تنحى (¬4). وقوله تعالى: {أَن يُعَمَّرَ} في موضع رفع بمزحزحه كما يرتفع الفاعل بالفعل؛ لأن المعنى: ما يزحزحه تعميره (¬5). 97 - وقوله تعالى: {قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ} الآية، سألت اليهود نبي الله - صلى الله عليه وسلم - عمن يأتيه من الملائكة فقال: جبريل فقالوا: هو عدونا، ولو ¬

_ (¬1) "معاني القرآن" للفراء 1/ 51 - 52، وينظر أيضًا: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 179، و"التبيان" 1/ 78. (¬2) ذكره الفراء في "معاني القرآن" 1/ 51 - 52 فقال: وأنشدني بعض العرب، والأبيات: فأبلغ أبا يحيى إذا ما لقيتهَ ... على العِيسِ فىِ آباطِها عَرَقٌ يَبْسُ بأن السُّلامِيَّ الذي بضَرِيَّةٍ ... أميَر الحِمَى قد باع حقي بني عبسِ بثوبٍ ودينارٍ وشاةٍ ودرهمٍ ... فهل هو مرفوع بما هاهنا رأسُ (¬3) ابن الأنباري. قال في "البحر المحيط" 1/ 316: وتلخص في هذا القول الضمير، أهو عائد على أحدهم أو على المصدر المفهوم من يعمر، أو على ما بعده من قوله: أن يعمر أو هو ضمير الشأن، أو عماد، أقوال خمسة أظهرها الأول. (¬4) ينظر: "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 179، "البحر المحيط" 1/ 298، "اللسان" 3/ 1816، "القاموس" 222. (¬5) ينظر: "البحر المحيط" 1/ 315 قال: وأجازوا أن يكون هو ضميرًا عائدًا على المصدر المفهوم من قوله: لو يعمر. وأن يعمر بدل منه، وارتفاع هو على وجهين من كونه اسم ما، أو مبتدأ.

أتاك بالوحي ميكائيل لتقبلنا منك، فأنزل الله تعالى هذه الآية (¬1). وجبريل فيه لغات (¬2)، بعضها قرئ به (¬3)، وبعضها لم يقرأ به (¬4)، ¬

_ (¬1) أخرجه أحمد في "مسنده" 1/ 274، والنسائي في "السنن الكبرى"، في عشرة النساء، كما في "تحفة الأشراف" 4/ 394، والترمذي (3117) كتاب باب ومن "التفسير"، سورة الرعد وقال: حسن غريب، وأبو نعيم في "الحلية" 4/ 237 وقال: غريب من حديث بكير، تفرد به بكير، الطبري في تفسيره 1/ 43 - 432، ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 180، وعبد بن حميد كما ذكره ابن كثير في التفسير، وصححه الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على الطبري في تفسيره. وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 8/ 242: رواه الترمذي باختصار ورواه أحمد والطبراني ورجالهما ثقات وصححه الألباني في "صحيح سنن الترمذي" (3117) قال الطبري في تفسيره 1/ 431: أجمع أهل العلم جميعًا على أن هذه الآية نزلت جوابًا لليهود من بني إسرائيل، إذ زعموا أن جبريل عدو لهم، وأن ميكائيل ولي لهم، ثم اختلفوا في السبب الذي من أجله قالوا ذلك وحكى الإجماع أيضًا أبو حيان في "البحر" 1/ 319 قال الحافظ ابن حجر في "العجاب" 1/ 298 بعد أن ذكر الروايات في سبب النزول: وحاصل ما ذكر فيه ثلاثة أقوال: أحدها: قول الجمهور: أن عداوتهم لكونه ينزل العذاب. ثانيها: كونه حال دون قتل بختنصّر الذي خَرّب مسجدهم، وسفك دمائهم، وسبى ذراريهم. ثالثها: كونه عدل بالنبوة عن بني إسرائيل إلى بني إسماعيل. (¬2) استقصى اللغات في جبريل وميكائيل: الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1044 وما بعدها، وأبو حيان في "البحر" 1/ 318، وابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 117 - 119. (¬3) قرأ نافع وأبو جعفر وأبو عمرو ويعقوب وابن عامر وحفص، بكسر الجيم والراء بلا همز، وقرأ ابن كثير كذلك ولكن مع فتح الجيم، وقرأ شعبة بفتح الجيم والراء وبعدها همزة مكسورة، وقرأ كذلك حمزة والكسائي وخلف، ولكن بزيادة ياء ساكنة بعد الهمزة، ولحمزة إن وقف عليه التسهيل فقط. وأما ميكال، فقد قرأ نافع وأبو جعفر بهمزة مكسورة بعد الألف من غير ياء بعدها، وقرأ حفص وأبو عمرو ويعقوب من غير همز ولا ياء، وقرأ الباقون بهمزة مكسورة بعد الألف وياء ساكنة بعدها، ولحمزة فيه التسهيل مع المد والقصر. ينظر: "السبعة" ص 166 - 167، و"النشر" 2/ 219، و"البدور الزاهرة" ص 46. (¬4) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 179، وذلك مثل: قراعة ابن محيصن (جبرئل) =

وكذلك ميكائيل وإسرائيل. وهذه أسماء عجمية (¬1) وقعت إلى العرب (¬2) (¬3)، فإذا أُتي بها على ما في أبنية العرب مثلُه كان أذهب في باب التعريب، يقوي ذلك: تغييرهم للحروف المفردة التي ليست من حروفهم، كتغييرهم الحرف الذي بين الفاء والباء في قلبهم إياه إلى الباء المحضة أو الفاء المحضة، كقولهم: البِرِنْدُ والفِرِنْدُ (¬4)، وكذلك تغييرهم الحركة التي ليست في كلامهم، كالحركة التي في قول العجم: رُوز وآشُوب (¬5) يخلصونها ضَمّةً، فكما (¬6) غيروا الحروف والحركات إلى ما في كلامهم فكذلك القياس في أبنية هذه الأسماء (¬7)، إلا أنهم قد تركوا أشياء من العجمية على أبنية العجم التي ليست من أبنية العرب كالآجُرِّ (¬8) والإِبْريسَم (¬9) والفِرِنْد (¬10)، وليس في الكلام على هذه ¬

_ = وقراءة الحسن (جبرائل). ينظر: "المحستب" 1/ 97، و"القراءات الشاذة" للقاضي ص 31. (¬1) في (م): (أسماء عربية وعجمية). (¬2) في (م): (للعرب). (¬3) في "الحجة": وهذه أسماء معربة. (¬4) في (ش): (القرند). (¬5) في "الحجة" (زورْأ اشُوْب). قال المحققان: في المعجم في اللغة الفارسية: زور: قوة، غلبة، وآشوب: من أشوفتين: الاضطراب. (¬6) في (م) و (ش): (كما). (¬7) قال ابن جني في "المحتسب" 1/ 97: عن العرب إذا نطقت بالأعجمي خَلّطَتْ فيه .. وذكرنا أنهم قد يحرِّفون ما هو من كلامهم فكيف مما هو من كلام غيرهم. وقال في 1/ 98: وهم لما كثر استعماله أشد تغييرًا. (¬8) الآجُرّ: اللَّبِنُ إذا طُبخ، بمد الهمزة، والتشديد أشهر من التخفيف، الواحدة آجُرَّة وهو مُعَرّب، ينظر "المصباح المنير" ص 6. (¬9) الإبْرِيسَمُ: بفتح السين وضمها، هو الحرير، أو معرَّبٌ مُفَّرِّحٌ للبدن، معتدلٌ مُقَوٍّ للبَصر إذا اكتحل به، "القاموس" 1079. (¬10) الفِرِنْد: بكسر الفاء والراء، السيف وجواهره ووشيه. ينظر: "القاموس" ص 306.

الأبنية. فمن قال جِبْرِيل بكسر الجيم وحذف الهمز كان على لفظ قِنْديل وبِرْطيل (¬1)، فإذا فتحتها فليس لهذا البناء مِثْلٌ في كلام العرب، فيكون هذا من باب الآجُرِّ والفرند ونحو ذلك من المُعَرَّب، الذي لم يجئ له مِثْل في كلامهم (¬2). ومن قال جَبْرَئيل: على وزن جبرعل كان على وزن: جَحْمَرِش (¬3) (¬4) وصَهْصَلْق (¬5). وجَبْرَئيل على وزن: عَندَليب (¬6)، والخارج من الأبنية العربية: جَبْريل، ألا ترى أنه ليس في أبنيتهم مثل مَنْدِيل، إلا أنه مُتَّجِهٌ وإن لم تجئ في أبنيتهم، وكلا المذهبين حسن لاستعمال العرب لهما جميعًا، وإن كان الموافق لأبنيتهم أذهب في باب التعريب (¬7)، وقد جاء في أشعارهم الأمران (¬8): قال جرير: عبدوا الصّليبَ وكذّبوا بمحمدٍ ... وبِجبْرَئيلَ وكذّبوا ميكالا (¬9) ¬

_ (¬1) البِرطِيل: بكسر الباء: الرشوة، ينظر: "المصباح المنير" ص 42. (¬2) هذا كله كلام أبي علي في "الحجة" 2/ 164، 165. (¬3) في (ش): (جمحرش) وفي (م): (جمحرين). (¬4) الجَحْمَرِشُ: العجوز الكبيرة، والمرأة السمجة، والأرنب المرضع، ومن الأفاعي: الخشناء، وجمعه: جَحَامرِ ينظر: "القاموس" ص 586. (¬5) الصهصلق: العجوز الصَّخَّابة، ومن الأصوات: الشديد. ينظر: "القاموس" ص 306. (¬6) العَنْدَلِيبُ: طائرٌ يقال له: الهزارُ، يصَوِّت ألوانًا، وجمعه: عَنَادِل: "القاموس" 118. (¬7) من كلام أبي علي في "الحجة" 2/ 165. (¬8) في "الحجة" الأمران: ما هو على لفظ التعريب، وما هو خارج عن ذلك. (¬9) البيت لجرير من قصيدة له في هجاء تغلب، ينظر: "شرح ديوان جرير" 361،=

وقال حسان (¬1): وجبريلٌ رسولُ الله فينا ... وروحُ القُدْس ليس به خفاءُ (¬2) وقال كعب بن مالك: ويوم بدر لقيناكم لنا مَدَدٌ ... فيه مع النصرِ جبريل وميكالُ (¬3) قال أبو علي الفارسي (¬4): وليس قول من قال: إن إيل وإل اسم الله وأضيف ما قبلهما إليهما، كما يقال عبد الله (¬5) بمستقيم من وجهين: ¬

_ =، "إعراب القرآن" للزجاج 1/ 179، "تفسير الطبري" 1/ 436، "الحجة" لأبي علي2/ 167، "البحر المحيط" لأبي حيان 1/ 486. (¬1) هو حسان بن ثابت بن المنذر الخزرجي الأنصاري، أبو الوليد الصحابي، شاعر الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأحد المخضرمين الذين أدركوا الجاهلية والإسلام، دافع بشعره عن الإسلام ونبيه - صلى الله عليه وسلم -، إلا أنه لم يشهد معه مشهدا لعلة أصابته. ينظر: "الإصابة" 1/ 326، و"الأعلام" 2/ 175. (¬2) البيت لحسان بن ثابت، في "ديوانه" ص 75، و"لسان العرب" 7/ 3892 (مادة: كفأ)، 1/ 535 (مادة: جبر). ورواية الزجاج وأبي علي: ليس له كفاء، ونفى صاحب "الخزانة" 1/ 199 أن يكون البيت لحسان. (¬3) نَسب أبو علي البيت لكعب، ونُسِب لحسان في "ديوانه" ص 204 وجبريل بدل ميكال، وكذا نسبه في "لسان العرب" 7/ 4252 (مادة: مكا). ورواية "اللسان" ميكال وجبريل. (¬4) من كلام أبي علي في "الحجة" 2/ 167 - 168، وقال في "البحر المحيط"1/ 319: (فإنه نزله) ليس هذا جواب الشرط لما تقرر في علم العربية أن اسم الشرط لابد أن يكون في الجواب ضمير يعود عليه ... وإنما الجزاء محذوف لدلالة ما بعده عليه، بالتقدير: فعداوته لا وجه لها أو ما أشبه هذا التقدير. (¬5) ذكر ذلك الماوردي في "النكت والعيون" 1/ 163، وقال: وهذا قول ابن عباس، وليس له من المفسرين مخالف، ونقله عنه القرطبي في "تفسيره" 2/ 33 ثم نقل خلافه، ونقل ابن كثير في تفسيره الخلاف أيضًا. ونقل هذا القول أبو حيان في "البحر المحيط" 1/ 317، وينظر: "الإجماع في التفسير" ص 179 - 182.

أحدهما: أن إيل وإل (¬1) لا يعرفان في أسماء الله سبحانه في اللغة العربية. والآخر: أنه لو كان كذلك لم ينصرف (¬2) آخر الاسم في وجوه العربية، ولكان الآخر مجرورًا، كما أن عبد الله كذلك (¬3). وهذا الذي قاله أبو علي أراد أنه ليس في اللغة العربية على الوجه الذي ذكروا بمستقيم. وقد قال جماعة من أهل العلم: جَبر وميك: هو العبد بالسُريانية، وإيل هو الله عز وجل (¬4). وروي ذلك من خبر مرفوع، قال: إنما جبريل وميكائل كقولك: عبد الله وعبد الرحمن (¬5). قوله تعالى: {فَإِنَّهُ} يعني جبريل {نَزَّلَهُ} يعنى: القرآن، كنى عنه ولم يجئ له ذكر، وهو كثير، وقيل: فإن الله نزل جبريل على قلبك (¬6). وقيل: جواب من مُضمر، أراد: من كان عدُوًّا لجبريل فليخف، أو ليَمُتْ غيظا أو ما أشبهه من الإضمار (¬7). وقوله تعالى: {عَلَى قَلْبِكَ} يعني: قلبَ محمد - صلى الله عليه وسلم - قال الفراء: ولو كان: على قلبي، كان صوابًا، مثله في الكلام: لا تقل للقوم: إن الخَيْر ¬

_ (¬1) من قوله: (اسم الله وأضيف) .. ساقط من (ش). (¬2) في (ش): (ينصرف). (¬3) "الحجة" 1/ 169، وينظر: "البحر المحيط" 1/ 317. (¬4) ينظر: "تفسير الطبري" 1/ 436 - 437، "تفسير الثعلبي" 1/ 1048، "زاد المسير" 1/ 119، و"الدر المنثور" 1/ 176. (¬5) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1048 بسنده من طريق أبي معاوية عن الأعمش عن إسماعيل بن رجاء بن ربيعة الزبيدي عن معاوية يرفعه، ونسبه في "الدر المنثور" 1/ 176 إلى الديلمي عن أبي أمامة، وهو من مظان الحديث الضعيف والله أعلم. (¬6) ينظر: "التفسير الكبير" للرازي 3/ 196، "البحر المحيط" 1/ 320 ورجَّح الأول. (¬7) ينظر: "التبيان" 1/ 79.

98

عندي وعندك، أما عندك فجائز؛ لأنه كالخطاب، وأما عندي فهو قول المتكلم بعينه (¬1)، وقد تقدم لهذا نظائر. وقوله تعالى: {مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} قال ابن عباس: لما قبله من الكتب التي أنزلها الله عز وجل (¬2). وفي قوله تعالى: {وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} رد على اليهود حين قالوا: إن جبريل ينزك بالحرب والشدة، فقيل: إنه وإن كان ينزل بالحرب والشدة على الكافرين فإنه ينزل بالهدى والبشرى للمؤمنين (¬3). 98 - قوله تعالى: {مَن كاَنَ عَدُوًّا} أي: معاديًا؛ لأن العدوَّ فعول بمعنى فاعل، ولا يصح العداوة لله على الحقيقة؛ لأن العداوةَ للشيء طلب الإضرار به بُغْضًا له، وإنما قيل للكافر: عدوّ الله، من عداوة الله له، أو لأنه بفعل فعل المُعَادي (¬4). وقوله تعالى: {وَمَلاَئِكَتِهِ} يريد: كجبريل وميكائيل، وذلك أن اليهود قالت لعمر - رضي الله عنه -: إن صاحب محمد من الملائكة جبريلُ، وهو عدوّنا، يُطْلعُ محمدًا على سرّنا، وهو صاحب كل عذاب وخسف وسَنَةٍ وشدّة، فقالٍ عمر: فإني أَشْهد أن من كان عدوًّا لجبريل فهو عدوُ ميكائيل، ومن كان عدوًّا لهما فإن الله عدو له، ثم (¬5) أتى عمر النبي - صلى الله عليه وسلم -، فوجد جبريل قد سبقه ¬

_ (¬1) "معاني القرآن" للفراء 1/ 63، وينظر: "تفسير الرازي" 3/ 196 "البحر المحيط" 1/ 320. (¬2) أخرجه الطبري في تفسيره 1/ 438 - 439، وينظر: "تفسير الرازي" 3/ 197. (¬3) ينظر: "البحر المحيط" 1/ 321. (¬4) ينظر: "البحر المحيط" 1/ 319. (¬5) في (م): (وأتى).

بالوحي، فقرأ عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذه الآيات، وقال: "لقد وافقك ربك يا عمر"، فقال عمر: لقد رأيتني في دين الله أصلب من الحجر (¬1). وقوله تعالى: {وَرُسُلِهِ} يعني: محمدًا وعيسى كفرت بهما اليهود. وقوله تعالى: {وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ} (¬2) أخرجهما من الجملة بالذكر (¬3) تخصيصًا وتشريفًا (¬4)، كقوله: {فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ} [الرحمن: 68]، وكقوله: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ} [الجن: 18]، بعد قوله: {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} [النجم:31]. وقوله تعالى: {فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ} قال محمد بن يزيد (¬5): ظهرت الكناية في قوله: {فَإِنَّ اللَّهَ} لأن الفاء جواب الجزاء وما بعدها مستأنف، فلما كان مبتدأً لم يقع (¬6) فيه كناية عن ظاهر سبقها، لأنه ليس ¬

_ (¬1) رواه الطبري في "تفسيره" 1/ 433 - 434، عن قتادة والسدي بنحوه، وعزاه في "الدر المنثور" 1/ 174 لسفيان بن عيينة عن عكرمة. وذكر القصة بطولها الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1044، ورواه الواحدي في "أسباب النزول" ص 32 بسنده عن الشعبي عن عمر، وهو لم يلق عمر. ولقصة عمر هذه طرق كثيرة. وقد قوى الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" 8/ 166القصة بطرقها. وينظر ابن كثير في "تفسيره" 1/ 140، 141، و"الدر المنثور" 1/ 174 - 175، وقال: صحيح الإسناد ولكن الشعبي لم يدرك عمر. (¬2) في (أ): (وميكايل)، وفي (ش): (وميكائيل). (¬3) في (م): (من الذكر). (¬4) ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1049، "زاد المسير" 1/ 119، "التفسير الكبير" للرازي 1/ 198، وذكر جوابًا ثانيًا وهو: أن الذي جرى بين الرسول واليهود هو ذكرهما، والآية نزلت بسببهما فلا جرم نص على اسميهما. وقد أطال البحث في ذلك أبو حيان في "البحر" 1/ 322. (¬5) يعني المبرد. (¬6) في (م): (لم يكن يقع).

سبيل المكني أن يكون مبتدأً، بل سبيله أن يتقدمه ظاهر، والعرب تقول: إن ضربت زيدًا فإن زيدًا يضربك، إن ضربت زيدًا فإنه يضربك، فالذي بقول بالإظهار يحتج بأن الذي بعد الفاء مستأنف، و (إنَّ) من (¬1) علامات الاستئناف، والاستئناف (¬2) يكون بالظاهر لا بالمكني. والذي يقول بالكناية يحتج بأن جواب الجزاء ملابسٌ للأوَّل في المعنى لتعلقه به، فالذي في الجزاء يكفي من الذي في الجواب، فتصح الكناية لهذه العلة (¬3). وقال غيره: إنما أظهر الكناية لأنه ذكر الملائكة والرسل، فلو كنى لذهبَ الوهمُ إلى واحد من الملائكةِ، أو الرسلِ، أو إلى جبريل، أو إلى ميكائيل، فأظهر الكناية ليزيل اللبس (¬4). ومعنى الآية: من كان عدوًا لأحد هؤلاء فإن الله عدو له، لأن عدوّ الواحد عدو الجميع، وعدو محمدٍ عدوُّ الله. ومثله قوله: {وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ} [النساء: 136]؛ لأن الكافر بالواحد كافر بالكل (¬5). والواو هاهنا بمعنى أو (¬6). وقال: {فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ} ولم يقل: فهم أعداء له؛ لأنه تولى تلك العداوة بنفسه، وكفى رسله وملائكته أمر من عاداهم. وإنما لم يقل: فإن الله عدو لهم أوله بالكناية؛ ليدل مع أنه عدو لهم على أنهم كافرون بهذه العداوة (¬7). ¬

_ (¬1) في (م): (لأن). (¬2) ساقطة من (م). (¬3) ينظر: "البحر المحيط" 1/ 322. (¬4) ينظر: "البحر المحيط" 1/ 322. (¬5) ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1050، "البحر المحيط" 1/ 322. (¬6) ينظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 1050، وذكر الرازي في "التفسير الكبير" 3/ 198: أن الواو، قيل: إنها للعطف، وقيل: بمعنى أو. (¬7) ينظر: "زاد المسير" 1/ 119، و"التفسير الكبير" للرازي 3/ 198، و"تفسير ابن كثير" 1/ 141.

99

99 - قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} قال ابن عباس: هذا جواب لابن صوريا (¬1)، حيث قال لرسول - صلى الله عليه وسلم -: يا محمد ما جئتنا بشيء نعرفه، وما أنزل عليك من آية بينة فنتبعك لها، فأنزل الله هذه الآية (¬2). والبينات: جمع بينة، والبين: من باب الصيّب والسيّد، وقد مرّ (¬3). والبينة: الدلالة الفاصلة بين القضية الصادقة والكاذبة؛ لأنها من إبانة أحد شيئين عن الآخر، فيزول الالتباس بها. واستقصاء الكلام في هذا عند قوله: {عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ} [البقرة: 68]. وقوله تعالى: {وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ} أي: الخارجون عن أديانهم، واليهود خرجت بالكفر بمحمد - صلى الله عليه وسلم - عن شريعة موسى عليه السلام (¬4). 100 - قوله تعالى: {أَوَكُلَّمَا} قال سيبويه (¬5): الواو فيه واو العطف، إلا أن ألف الاستفهام دخل عليها؛ لأن لها صدر الكلام، وهي الأصل في الاستفهام، يدل على ذلك: أن الواو تدخل على (هل)، كقولك: وهل زيد عاقل؟ ولا يجوز: وأزيد عاقل؛ لأن الألف أقوى في ¬

_ (¬1) هو: عبد الله بن صوريا، تقدمت ترجمته [البقرة:1]. (¬2) أخرجه الطبري في "تفسيره" 1/ 441، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 183 من طريق سعيد بن جبير أو عكرمة عن ابن عباس، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1051 والواحدي في "أسباب النزول" ص 34، والسيوطي في "لباب القول" ص 18. (¬3) في تفسير الآية رقم 19. (¬4) ينظر: "تفسير الطبري" 1/ 441. (¬5) ينظر: "الكتاب" لسيبويه 3/ 187، "معاني القرآن" للأخفش 1/ 147، "تفسير الطبري" 1/ 441 - 442، و"إعراب مشكل القرآن" لمكي 1/ 105، "التبيان" للعكبري 1/ 79.

الاستفهام (¬1). و {كُلَّمَا} ظرف، والعامل فيه: {نَبَذَهُ} (¬2) {عَاهَدُوا}، لأنه متمم لما، إما صلةً، وإما صِفَةً. وقوله تعالى: {عَاهَدُوا عَهْدًا} قال المفسرون: إن اليهود عاهدوا فيما بينهم، لئن خرج محمد - صلى الله عليه وسلم - ليؤمنُنّ به، وليكونُنّ (¬3) معه على مشركي العرب، فلما بُعِثَ نقضوا العهد وكفروا به (¬4). وقال عطاء: هي العهود التي كانت بين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبين اليهود، فنقضوها كفعل قريظة والنضير، عاهدوا ألا يعينوا عليه أحدًا، فنقضوا ذلك، وأعانوا عليه قريشًا يوم الخندق (¬5). واتصال هذه الآية بما قبلها: من حيث إنهم كفروا بنقض العهد كما كفروا بالآيات. وقوله تعالى: {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} إنما دخلت (بل) ههنا لأنه لما قال: {نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ} دل على أنه كفر ذلك الفريق بالنقض، فقال: ¬

_ (¬1) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 181، و"تفسير الثعلبي" 1/ 1051، "القرطبي" 2/ 39 وذكر أبو حيان في "البحر" 1/ 323 الخلاف في هذه الواو: فقيل هي زائدة، قاله الأخفش، وقيل: هي أو الساكنة الواو حركت بالفتح، وهي بمعنى بل، قاله الكسائي، وكلا القولين ضعيف، وقيل: واو العطف وهو الصحيح. (¬2) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 181، "إعراب مشكل القرآن" 1/ 106. (¬3) في (ش): (لنؤمنن به ولنكونن). (¬4) ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1052، "الوسيط" 1/ 181، "زاد المسير" 1/ 120، القرطبي 2/ 35 والرازي في "تفسيره" 2/ 217. (¬5) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1053، وابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 105، الرازي في "تفسيره" 3/ 201، القرطبي في "تفسيره" 2/ 40 وأبو حيان في "البحر المحيط" 1/ 323.

101

بل أكثرهم كفار بالنقض. وحَسُن هذا التفصيل؛ لأن منهم من نقض عنادًا، ومنهم من نقض جهلًا. وقيل: معناه: كفر فريق بالنقض وكفر أكثرهم بالجحد للحق، وهو أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - (¬1). 101 - قوله تعالى: {نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ} جائز أن يكون المراد بقوله: {كِتَابَ الله}: القرآن، وجائز أن يكون المراد به: التوراة؛ لأن الذين كفروا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - نبذوا التوراة (¬2). ويقال لكل من استخف بشيء (¬3) ولم يعمل به: نبذه وراء ظهره (¬4). قال الشعبي (¬5): هو بين أيديهم يقرؤونها، ولكن نبذوا العمل به (¬6). وقال سفيان بن عُيينة: (¬7) أدرجوه في الحرير والديباج، وحلَّوه بالذهب والفضة، ولم يُحِلّوا حلاله ولم يحرّموا حرامه، فذلك النبذ (¬8). ¬

_ (¬1) ينظر: "البحر المحيط" 1/ 324، وذكر احتمالا آخر. (¬2) هذا كلام الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 182، وينظر: "زاد المسير" 1/ 120، و"تفسير الرازي" 1/ 202. (¬3) في (م): (استخف بشيء نبذه ولم يعمل). (¬4) ينظر: "تفسير الطبري" 1/ 443، "تفسير الثعلبي" 1/ 1053، "تفسير الرازي" 3/ 201. (¬5) هو: أبو عمرو عامر بن شراحيل الشعبي الحميري، تقدمت ترجمته [البقرة: 7]. (¬6) ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1054، البغوي في "تفسيره" 1/ 126وفي بعض نسخ الثعلبي في "تفسيره" يقرؤونه، وفي بعضها: يقرؤونها. (¬7) هو: الإمام أبو محمد سفيان بن عيينة بن أبي عمران، ميمون الهلالي الكوفي المجتهد، شيخ الإسلام، من كبار المحدثين الثقات، كان واسع العلم، وله تفسير، توفي سنة 198 هـ. ينظر: "طبقات المفسرين" للداودي 1/ 196، و"السير" 8/ 454. (¬8) ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1054، "البغوي" 1/ 126.

102

وقوله تعالى: {كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} أعلَمَ أنهم نبذوا كتاب الله، ورفضوه على علم به، عداوهً للنبي - صلى الله عليه وسلم - (¬1). وعنى بالفريق في هذه الآية: علماء اليهود الذين تواطؤوا على كتمان أمر محمد - صلى الله عليه وسلم - (¬2). 102 - قوله تعالى {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ} الآية، هذه الآية قد أشكل علم إعرابها ومعناها على كثيرٍ من الناس، حتى ترك أكثر أهل العلم والنحو الكلام فيها لصعوبتها. وتكلم آخرون فيها (¬3). قال أبو إسحاق: أعلم الله عز وجل أنهم رفضوا كتابه واتبعوا السحر (¬4). وقوله تعالى: {تَتْلُوا} أي: تقرأ (¬5). وقال ابن عباس: تتبع وتعمل به (¬6). وكذلك قال في قوله: {يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ} [البقرة: 121]: يتبعونه حق اتباعه (¬7)، فيعملون به حق عمله. وقال أبو عُبَيدة: {مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ} أي: ما تتكلم به. كقولك: فلان يتلو كتاب الله، أي: يقرؤه ويتكلم به (¬8). وقال عطاء: ما تُحدّث ¬

_ (¬1) من كلام الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 182. (¬2) ينظر: "تفسير الطبري" 1/ 442. (¬3) قال الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 185: فإن النحويين قد ترك كثير منهم الكلام فيها لصعوبتها، وتكلم جماعة منهم، وإنما تكلمنا على مذاهبهم. (¬4) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 183. (¬5) وبه قال مجاهد وقتادة وعطاء، وروي عن ابن عباس، ينظر: "تفسير الطبري" 1/ 447، و"تفسير ابن كثير" ص 144 - 146. (¬6) أخرجه الطبري في "تفسيره" 1/ 447 وذكره الثعلبي في "تفسيره" 14/ 1055. (¬7) رواه عنه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 218، وذكره ابن كثير في "تفسيره" 1/ 145. (¬8) "مجاز القرآن" لأبي عبيدة بمعناه 1/ 48.

وتَقُصّ (¬1). وهذه أقوال متقاربة (¬2). قال الزجاج: وفيه إضمار، أراد: واتبعوا ما كانت تتلوا (¬3)، وقيل: إنه لفظ الاستقبال والمراد به المضي، أي: تلت (¬4)، كقول الشاعر: فلقد يكون أخا دمٍ وذبائحِ (¬5) أي: فلقد كان (¬6). وكقوله: {حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ} [البقرة: 214]، أي: حتى قال. وقال أبو علي (¬7) فيما استدرك على أبي إسحاق الآية: تحتمل تأويلين، كلُّ واحد منهما أسوغ مما ذكره وذهب إليه. أحدهما: أن يكون {تَتلُوا} بمعنى: تلت فيكون كقوله: {فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ} [البقرة: 91]. أي: فلم قتلتم، إلا أنه لما اتصل بقوله: {مِن ¬

_ (¬1) رواه الطبري في تفسيره عنه 1/ 447، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1055. (¬2) ينظر الطبري في تفسيره 1/ 447 - 448، وذكر أبو حيان في "البحر المحيط" 1/ 326: أنها متقاربة. (¬3) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 183 بتصرف، وليس عنده قوله: وفيه إضمار، وينظر: "البحر المحيط" 1/ 326. (¬4) ينظر: "التبيان" للعكبري 1/ 80، "البحر المحيط" 1/ 326. (¬5) صدر البيت: وانْضَح جوانبَ قبرِه بدمائها وهو لزياد الأعجم في "ديوانه" ص 54، "تفسير الثعلبي" 1/ 1055، و"البيان" 1/ 133، "تفسير القرطبي" 2/ 37، "الدر المصون"1/ 318، "أمالي المرتضي" 1/ 301، "الشعر والشعراء" 1/ 279، "لسان العرب" 7/ 3962، ينظر: "المعجم المفصل في شواهد اللغة العربية" 2/ 126. (¬6) "تفسير الثعلبي" 1/ 1055. (¬7) أي: في كتابه "الإغفال".

قَبْلُ} علم أن المراد بمثال المضارع الماضي، فكذلك هنا (¬1) كان يعلم باتصال الكلام بعهد سليمان؛ لأن المعنى (¬2): على عهد ملك سليمان، أو في زمن ملك سليمان، على تقدير (¬3) حذف المضاف (¬4)، وكان ذلك يدل على أن مثال المضارع يراد به الماضي. ومن هذا قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [الحج: 25]. يجوز عندي أن يكون المعنى: إنّ الذين كفروا وصدوا. فلما كان المعطوف عليه ماضيًا دلّ على أن المراد بالمضارع أيضًا الماضي، ويقوي هذا قوله: {الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ} [محمد: 1] (¬5). ويجوز أن يكون المضارع على بابه، كأنه قال: إنّ الذين كفروا فيما مضى وهم الآن يصدُّون مع ما تقدم من كفرهم. والأول كأنه أقوى (¬6). والإرادة بمثال المضارع الماضي مذهب سيبويه؛ لأنه قال (¬7): وقد تقع (¬8) نفْعَل في موضع فَعلت في بعض المواضع، ومثل ذلك: قول رجل ¬

_ (¬1) ساقطة من (ش). (¬2) في "الإغفال": في من قال إن المعنى على عهد ملك سليمان. (¬3) في "الإغفال": على من لم يقدر. (¬4) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 183، "التبيان" للعكبري 1/ 80، "البحر المحيط" 1/ 326. (¬5) تتمة الكلام في "الإغفال" فخبر اسم إن مضمرة، هو من نحو ما ظهر من قوله: أضل أعمالهم، وحسن الحذف لطول الكلام بالعلة. (¬6) "الإغفال" ص321 - 322. (¬7) في "الإغفال" وهذا الذي ذكرته لك من الإرادة بمثال المضارع الماضي مذهب سيبويه وقوله. (¬8) في (ش): (يقع تفعل).

من بني سلول: ولقد أمرُّ على اللئيم يَسُبّني ... فمضيتُ ثُمَّتَ قلتُ لا يَعْنِيني (¬1) (¬2) على معنى: ولقد مررت (¬3). قال أبو علي: فسألت أبا بكر عما ذكره سيبويه من هذا، فقال: الأفعال جنس واحد، فكان يجب أن يكون على بناء واحد؛ لكنها غُيّرت بتغيير الأزمنة وقُسِّمت بتقاسيمها، لما كان ذلك في الإيضاح أبلغ، فخُصّ كلُّ قسم من ذلك بمثال لا يقع واحد منها في موضع الآخر، إلا أن يُضمّ إليه حرف يكون دليلًا على ما أريد به (¬4)، فيصير الحرف كأنه يقوم مقام البناء المراد، إذ كان يَدُلّ عليه كما يدلّ البناء، نحو: والله لا فعلت، فقولك: فعلت فعلٌ ماض وقع في موضع مستقبل، فلما كانت قبلها (¬5) (لا) عُلم أنه يُرادُ به الاستقبال؛ لأن (لا) إنما (¬6) تكون نفيًا لما يستقبل (¬7)، فلما كانت نفيًا للمستقبل ووقع بعدها ماض علمت أنه يراد ¬

_ (¬1) البيت لرجل من سلول في "الكتاب" 3/ 24، و"الخصائص" 3/ 330، و"الإغفال" 1/ 323، و"الدر" 1/ 78، ولشمر بن عمرو الحنفي في "الأصمعيات" ص 126، ولم ينسب في بعضها: نحو "تفسير الطبري" 1/ 420، وروايته وحده: فمضيت عنه وقلت. وبعد هذا البيت: غضبان ممتلئًا عليّ إهابه ... إني وربِّك سُخْطُه يُرضيني (¬2) " الكتاب" لسيبويه 3/ 24. (¬3) "الإغفال" ص 322، 323 وقال سيبويه في "الكتاب" 1/ 504: يجوز أن يجعل أفعل في موضع فعلت، ولا يجوز فعلت في موضع أفعل إلا في مجازاة، نحو إن فعلت فعلت. (¬4) في "الإغفال" على ما أريد به الحرف. (¬5) في (ش): (في قبلها). (¬6) إنما ساقطة من (ش). (¬7) في "الإغفال": لما يستقبل مما أوجب القسم.

به الاستقبال (¬1). قال أبو علي: وقد اتسعوا في إقامة أمثلة الأفعال، بعضها مقام بعض (¬2)، من ذلك: إقامتهم مثال الأمر مقام الخبر، نحو قولهم: أكرِمْ بزيد وقوله: {أَسْمِعْ بِهِمْ} [مريم:38]، ومعنى هذا: كرُمَ زيد، وسمعوا (¬3) وأبصروا، أي: صار زيد ذا كرم، وصار هؤلاء المستحقون لأن يمدحوا بهذا المدح ذوي (¬4) أسماع وأبصار (¬5). ووقع مثال الأمر مقام الخبر، كما وقع مثال الخبر مقام الأمر في مثل: غفر الله لزيد، وقطع الله يده، وفي التنزيل: {لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا} [البقرة: 233]. وقال: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ} [البقرة: 234] (¬6). فكذلك تَتْلُوا في هذه الآية، يجوز أن تكون بمعنى (تلتْ) كهذه الأشياء التي أريتكها، وهذا وجه. وأما الوجه الآخر: فعلى أن يكون يفعل على بابه، لا تريد به فَعَل كما أردت في الأول، ولكن تجعله حكايةً للحال وإن كان ماضيًا، وهذا الوجه في السَّعَة والكثرة كالأول وأسوغ (¬7)، كأنه حكى الفعل الذي كان يُحدّث به عنهم وهو للحال. ونظير هذا قوله: {وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ} [البقرة: ¬

_ (¬1) "الإغفال" ص 323، 324. (¬2) في "الإغفال": اتساعًا أشد مما قدمنا. (¬3) في "الإغفال" فمعنى هذا: أكْرم زيد وأسمعوا. وما في نسخة البسيط أصوب. (¬4) في نسخة "الإغفال" جاء النص مُحرّفًا: وصار هؤلاء المستحقون الآن يمدحون بهذا المدح، ويثنى عليهم بهذا الثناء دون أسماع وأبصار. (¬5) "الإغفال" ص 326. (¬6) "الإغفال" ص 327 وما بعدها. بتصرف كبير. (¬7) في "الإغفال": أو أسوغ.

49]، فقوله: {يَسُومُونَكُمْ} حكاية للحال في الوقت الذي كانت فيه، وإن كان آل فرعون منقرضين في وقت هذا الخطاب، وموضع الفعل نصب بالحال. ونظير هذا أيضًا من حكاية الحال: قوله: {فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ} [القصص: 15] فأشير إليهما بما (¬1) يشار إلى الحاضر؛ إرادة لحكاية الحال على وجهها، وإن كانت قد تقدمت (¬2). ومن هذا أيضًا: إضافة (إذ) إلى تقول وإلى جمع المضارع في نحو: {إِذ تَقُولُ لِلمُؤمِنِينَ} [آل عمران: 124] أضيف (إذ) إلى فعل الحال إرادةً لحكايتها (¬3)، ولولا ذلك لتنافى هذا الكلام؛ لأن (إذ) لما مضى و (تقول) لما يستقبل. ومن هذا أيضًا: ما أنشده أحمد بن يحيى عن ابن الأعرابي: جاريةٌ في رمضانَ الماضي ... تُقطِّع الحديث بالإيماض (¬4) وهذا وجه ثانٍ نظير ما يحسن حمل الآية عليه (¬5). ¬

_ (¬1) في "الإغفال": كما. (¬2) في "الإغفال" لحكاية القصة على جهتها، وإن كانت متقدمًا كونها. (¬3) من قوله: إرادة لحكاية الحال على وجهها ... ساقط من (أ)، (م). (¬4) ذكره في "الإغفال" ص 332 بهذه الصيغة ووقع في نوادر ابن الأعرابي غير منسوب كما في "شرح ابن يعيش" 6/ 93، ووقع في "ديوان رؤبة" مما نسب إليه ص 176: جارية في درعها الفضفاض ... تقطع الحديث بالإيماض ونسب البغدادي 3/ 483 الشاهد نقلًا عن هشام اللخمي لرؤبة هكذا: لقد أتى في رمضان الماضي ... جارية في درعها الفضفاض تقطع الحديث بالإيماض أبيض من أخت بنىِ إباض وينظر أيضًا: "مغنى اللبيب" 2/ 691، و"الإنصاف" 1/ 124، مع اختلاف في الرواية، وحاشية "الإغفال" 332. (¬5) "الإغفال" ص331، 332. بتصرف.

فإن قلت: ما تنكر أن يكون ما ذكره أبو إسحاق من إضمار (كان) أيضًا جائزًا، فيكون ذلك وجهًا ثالثًا. قيل: ذلك لا يجوز؛ لأن المضمر لا دلالة عليه، وإنما يسوغ الإضمار إذا كانت عليه دلالة يكون بها كالمظهر، وسيبويه منع إجازة هذا، فقال: واعلم أنه لا يجوز لك أن تقول: عبدَ الله المقتول، وأنت تريد: كن عبدَ الله المقتول (¬1)، فإذا لم يجز هذا، لم يجز هذا مع أن المنصوب يدل على ناصبه، فأن لا يجوز ما ذهب إليه في الآية أولى (¬2). فإن قلت: فقد قالوا: إنْ سيفًا فسيفٌ، وإنْ خنجرًا فخنجرٌ، فأضمروا، قيل: ليس ذلك من هذا في شيء؛ لأن (إن) مما يعلم أنه لا يليه إلا الفعل، فالدلالة على المحذوف المضمر قوية، وليس شيء من هذا في الآية (¬3). وقوله تعالى: {عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ} ذكرنا أنه على تقدير حذف المضاف، وقيل: إن (على) هاهنا من صلة الافتراء والكذب، إذا قلنا إنّ (تتلوا) معناه: تحدّث وتكلّم، على ما قال أبو عبيدة وعطاء، فمعنى قوله: {تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ} (¬4)؛ لأنهم قالوا: إن سليمان مَلَكَ النّاسَ ¬

_ (¬1) "الكتاب"1/ 159 ط. بيروت. وزاد: لأنه ليس فعلًا يصل من شيء إلى شيء، ولكنك لست على أحد. (¬2) "الإغفال" ص 333 بتصرف. (¬3) "الإغفال" ص 334 بتصرف. (¬4) ينظر: "التفسير الكبير" للرازي 3/ 204، "البحر المحيط" 1/ 326، ابن كثير في "تفسيره" 1/ 143 - 146.

بالسحر، وذلك ما قاله ابن عباس (¬1) رحمه الله: إن سليمان، عليه السلام، لما عُذّبَ بنزع ملكه، دفنت الشياطين في خزانته ومواضع مصلاه سحرًا وأُخَذًا ونِيرَنْجات (¬2)، فلما مات سليمان دلّت الشياطين عليه الناسَ حتى أستخرجوها، وقالوا للناس: إنما ملككم سليمان بهذا فتعلموه، فأقبل بنو إسرائيل على تعلمها، ورفضوا كتب أنبيائهم، فبرّأ الله نبيه سليمان عليه السلام على لسان محمد - صلى الله عليه وسلم - (¬3). وقال السُّدِّي: إن الناس في زمن سُليمان كتبوا السحر، واشتغلوا بتعلّمه، فأخذ سليمان تلك الكتب، وجعلها في صندوق، ودفنها تحت كرسيه، ونهاهم عن ذلك، فلما مات سليمان، وذهب الذين كانوا يعرفون دفنه الكتب، تمثل شيطان على صورة إنسان، فأتى نفرًا من بني إسرائيل، فقال: هل أدلكم على كنز لا تأكلونه أبدا (¬4)؟ قالوا: نعم، قال: فاحفروا تحت الكرسي، فحفروا، فوجدوا تلك الكتب، فلما أخرجوها، قال ¬

_ (¬1) قال في "البحر المحيط" 1/ 326: وقد ذكر المفسرون في كيفيات ما رتبوه من هذا الذي تلوه قصصًا كثيرة، الله أعلم به، ولم تتعرض الآية الكريمة ولا الحديث المسند الصحيح لشيء منه، فلذلك لم نذكره اهـ. وقد ذكر ابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 121 الكيفيات فعد أقوالًا ستة. (¬2) النيرنجات: أُخذٌ كالسحر وليس به، وإنما هو شبه وتلبيس، ويقال: النيرنجيَّات. ينظر: "تاج العروس" 3/ 497، و"مفتاح السعادة" لطاش كبرى زاده 1/ 340. (¬3) أخرج هذه القصة النسائي في "تفسيره" 1/ 179، الطبري في "تفسيره" 1/ 447 ولفظه مختصر، ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 297 من طريق المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، بنحوه، والمنهال: صدوق ربما وهم. وقد ذكرها الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1057، وعزا القصة للكلبي. وذكرها أيضًا في "عروس المجالس" ص 43، والواحدي في "أسباب النزول" ص 35. (¬4) لا تأكلونه أبدًا: أي: لا تفنونه أبدًا، يقال: أكل فلان عمره: إذا أفناه.

الشيطان: إن سليمان كان يضبط الجن والإنس (¬1) والشياطين والطير بهذا، فاتخذ بنو إسرائيل تلك الكتب؛ فلذلك أكثر ما يوجد السحر في اليهود، فبرأ الله تعالى سليمان من ذلك، وأنزل هذه الآية (¬2). وقوله تعالى {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ} أي: لم يكن كافرًا ساحرًا بسحر، (¬3) ويعمل بالسحر (¬4). وقيل: وما ستر سليمان كتب السحر، ولكن الشياطين سترته ودفنته. وأصل الكفر: الستر والتغطِية (¬5). وقوله تعالى: {وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا} في (لكن) قراءتان: التشديد ونصب الاسم به، والتخفيف ورفع الاسم به (¬6). ¬

_ (¬1) في (م): (الإنس والجن). (¬2) رواه ابن جرير في "تفسيره" مطولًا عنه 1/ 444 - 445، ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 186 من طريق أسباط عن السدي، وذكره الثعلبي في "تفسيره" مطولًا 1/ 1057 والواحدي في أسباب النزول ص 36 ولفظه هناك مثل هذا تمامًا. وابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 121 - 122، وروى الحاكم 2/ 265، والواحدي بسنديهما عن ابن عباس نحوًا من هذا وصححه الذهبي. وينظر: "التفسير الصحيح" 1/ 205 - 206. ذكر الدكتور بشير حكمت ياسين في كتاب "التفسير الصحيح" 1/ 205 - 206 روايتين عن ابن عباس وصححهما وهما موافقتان لما نقله الواحدي وقال بعدهما. وهاتان الروايتان من أخبار أهل "الكتاب"، ولكنهما لا تتعارض مع "الكتاب" والسنة، بل لبعض فقراتها شواهد، فهي توافق عصمة سليمان عليه السلام وتبرىء ساحته مما ألصق به من مفتريات الإسرائيليات. (¬3) ساقطة من (ش). (¬4) "تفسيرالثعلبي" 1/ 1060. (¬5) "المفردات" للراغب 435. (¬6) قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وخلف بتخفيف نون لكن وإسكانها، ثم تكسر تخلصًا من التقاء الساكنين، والشياطين بالرفع. وقرأ الباقون بتشديد النون مفتوحة، ونصب الشياطين. ينظر: "السبعة" 167 - 168، و"الحجة" لأبي علي 2/ 169، و"النشر" 2/ 219، و"البدور الزاهرة" ص 46.

وهذه الحروف، أعني: لكنّ، وإن، وأن، وكأنَّ حروف تستعمل مخففة ومثقلة، فإذا استعملت مثقلة كانت عاملة في الأسماء، وعملها النصب (¬1)، والعلة في ذلك: أنها إذا كانت مشدّدة كانت مفتوحة الأواخر، وفتحةُ أواخرِها ألحقتها في المشابهة بالأفعال الماضية، والأفعال عاملةٌ في الأسماء، فإذا استعملت مخففة باينتها تلك الصفة التي ألحقتها في المشابهة بالأفعال، فالقياس أن لا تعمل لزوال المعنى الذي به كان يعمل (¬2). وقال الكسائي: الذي يختار العرب والذي هو وجه الكلام عندنا إذا كانت (لكن) وحدها بغير واو كان التخفيف أحسن، وإذا كانت بالواو كانت بالتشديد، وبهذا قرئ أكثر ما في القرآن كقوله: {وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} [الأنعام: 33] {وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [الأنعام: 37]. وبغير الواو كقوله: {لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ} [النساء: 166]، {لَكِنِ الرَّسُولُ} [التوبة: 88] {لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ} [مريم: 38]. وقال الفراء: إذا ألقيت من ولكن الواو آثرت العرب تخفيفَ نونها، وإذا دخلت الواو آثروا تشديدَها، وإنما فعلوا ذلك؛ لأنها رجوع عما أصاب أول الكلام، فشبهت بـ "بل"، إذ كانت رجوعًا مثلها، ألا ترى أنك تقول: لم يقم أخوك بل أبوك، ثم تقول: لم يقم أخوك لكن أبوك، فتراهما في معنى واحد، والواو لا تصلح في بل. فإذا قالوا: ولكن فأدخلوا الواو تباعدت من بل، إذ لم تصلح الواو في بل، فآثروا فيها تشديد النون، وجعلوا الواو كأنها دخلت لعطف لا بمعنى بل (¬3)، وأصلها: أن دخلت عليها لا وكاف الخطاب، فصارنا ¬

_ (¬1) ينظر: "اللسان" 7/ 4070 (مادة: لكن)، و"مغني اللبيب" 1/ 290 - 292. (¬2) ينظر: "الحجة" 2/ 170 - 177، "تفسير الثعلبي" 1/ 1061، "المجيد في إعراب القرآن المجيد" ص 359. (¬3) بل ساقطة من (ش).

جميعًا حرفًا واحدًا (¬1). وقال الكسائي: حرفان من الاستثناء لا يقعان (¬2) أكثر ما يقعان إلا مع الجحد، وهما: لكن وبل، والعرب تجعلهما مثل واو النسق (¬3). وقال المبرد: لكن من حروف العطف، وهي الاستدراك بعد النفي، ولا يجوز أن يدخل بعد واجب إلا لترك قصة إلى قصة تامة، نحو قولك: جاءني زيد لكن عبد الله لم يأت (¬4). وأما اختلاف القراء في تشديد (لكن) في بعض المواضع وتخفيفها في بعض، فلا معنى للمصير إلى التبعيض في هذه المواضع ونظائرها إلا بأن تترجح عند أحد من القراء بعض الروايات على بعض، فيصير إليه (¬5). ومعنى الآية: ولكن الشياطين كفروا بالله يعلّمون الناس السحر. يريد: ما كتب لهم الشياطين من كتب السحر. ويجوز أن يكون (يعلّمون) في فعل اليهود الذين عُنُوا بقوله: {وَاْتَّبَعُواْ} (¬6). وسمي السحرُ سحرًا؛ لخفاء سببه. ومنه: السِّحْر وهو الغِذَاء، كقول لبيد (¬7): ونُسْحَرُ بالطعام وبالشراب (¬8) ¬

_ (¬1) نقل كلام الفراء صاحب "اللسان" 7/ 4070، وقد ناقش أبو علي في "الحجة" 2/ 179 ذلك وبين أن القياس لا يوجب هذا الذي ذكره الفراء من تشديدها مع الواو وتخفيفها مع عدمها. (¬2) في (ش): (لا تقعان). (¬3) نقل كلام الكسائي صاحب "اللسان" 7/ 4070. (¬4) "المقتضب" للمبرد 1/ 12. (¬5) ينظر: "الحجة" 2/ 179 - 180. (¬6) ينظر: "تفسير الطبري" 1/ 451 - 452، "معاني للقرآن" للزجاج 1/ 183، "تفسير الثعلبي" 1/ 1062، "البيان" لابن الأنباري 1/ 114، "التفسير الكبير" للرازي 3/ 205. (¬7) هو: أبو عقيل، لبيد بن ربيعة بن مالك العامر، تقدمت ترجمته [البقرة: 2]. (¬8) وشطره الأول: =

وذلك أن حاله خفيّة في التنمية (¬1)، والسَّحَر: الرئة، لأنها مما تخفى وليس مما يظهر. وسَحَر الليل: قبل ظهور الصُبح. وقال المحققون من أهل اللغة: معنى السحر: الإزالة وصرف الشيء عن وجهه (¬2)، تقول العرب: ما سَحَرك عن كذا، أي: ما صَرَفك عنه. ومنه: قوله تعالى: {فَأَنَّى تُسْحَرُونَ} [المؤمنون: 89]، أي: تصرفون، ويقال: سحره، أي: أزاله عن البُغض إلى الحُبِ، وكأن السّاحر بما أرى الباطل في صورة الحق فقد سَحَر الشيء عن وجهه، أي: صرفه (¬3). وقوله تعالى: {وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ} موضع (ما) نصب، نسق على السحر، وجائز أن يكون نسقًا على ما في قوله: {مَا تَتلُوا الشَّيَاطِينُ} (¬4). ومعنى: {أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ}: أي: عُلِّما وأُلْهِما وقُذِفَ في قُلُوبِهِما ¬

_ = أرانا مُوضِعِين لأمر غيب وفي رواية: لحتم غيبٍ، وهو لامرئ القيس في "ديوانه" ص 43، "تهذيب اللغة" 2/ 1641، "لسان العرب" 4/ 1952، ونسبه المؤلف وكثير من أهل التفسير كالرازي في "تفسيره" 3/ 205 إلى لبيد. (¬1) نقل الأزهري في "تهذيب اللغة" 2/ 1641: أن معنى ونسحر بالطعام، أي نُعَلَّل به قال الرازي في "تفسيره" 3/ 205: قيل فيه (أي: البيت) وجهان: أحدهما أنا نعلل ونخدع كالمسحور. والآخر: نغذى، وأي الوجهين كان فمعناه الخفاء. (¬2) ينظر كلام الأزهري في "تهذيب اللغة" 2/ 1641، ونقله صاحب "اللسان" 4/ 19525. (¬3) ينظر: "تهذيب اللغة" 2/ 1641، "مقاييس اللغة" 3/ 138، "المفردات" للراغب 331، 332، "التفسير الكبير"3/ 205، "تفسير القرطبي" 2/ 38، "اللسان" 4/ 1952. (¬4) ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1062وصحح الأول، "تفسير الطبري" 1/ 454 - 455 "إعراب مشكل القرآن" 1/ 106، "التبيان" للعكبري 1/ 80.

من علم التفرقة، وهو رقية (¬1) وليس بسحر، والرخصة في الرقية واردة. فقد روى عوف الأشجعي (¬2) أنه قال: كنا نرقي في الجاهلية، فقلنا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - كيف ترى في ذلك؟ فقال: "اعرضوا علي رقاكم، لا بأس بالرقى ما لم يكن شرك" (¬3). وقال ابن قتيبة: الذي أنزل الله على الملكين فيما يرى أهل النظر من أهل العلم والله أعلم هو الاسم الذي صعدت الزهرة فعلمته الشياطين، فهي تعلمه أولياءها، وقد يقال: إنّ السّاحر يتكلم بكلام فيطير بين السماء والأرض، ويطفو على الماء. وذهب قومٌ ممن أبطلوا السّحر وأنكروا أن يكون له حقيقة (¬4) إلى أن قوله: {وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ} ما فيه نفي (¬5)، وذلك مستكره؛ لأنه إذا كان ¬

_ (¬1) الرقية: العُوذَةُ التي يُرَقى بها صاحب الآفة، كالحُمَى والصرع وغير ذلك من الآفات. ينظر: "النهاية" لابن الأثير، "اللسان" 3/ 1711. (¬2) هو: عوف بن مالك بن أبي عوف الأشجعي، أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو حماد، صحابي جليل، أول مشاهده خيبر، وكانت معه راية أشجع يوم الفتح، توفي بدمشق سنة 73 هـ. ينظر: "أسد الغابة" 4/ 312. (¬3) أخرجه مسلم (2200) كتاب السلام، باب: لا بأس، وأخرجه أبو داود (3886) كتاب الطب، باب: ما جاء في الرقى واللفظ له. (¬4) اختلف الناس هل للسحر حقيقة أو أنه خدع وتخييل؟ فذهب المعتزلة إلى أنه خدع وتخييل، ولا حقيقة له؛ لقوله تعالى: {سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ} [الأعراف: 116]. والصحيح الذي عليه أهل السنة أنه يكون تخييلا وخدعا، ويكون حقيقة، ودليل كونه حقيقة قوله تعالى: {فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ}. ينظر: "تفسير الطبري" 1/ 459 - 461، "تفسير القرطبي" 2/ 38 - 39، "المغني" لابن قدامة 12/ 304. (¬5) ذكر هذا الوجه مكي بن أبي طالب في "مشكل إعراب القرآن" 1/ 106.

المعنى: لم ينزل على الملكين، (¬1) صار الكلام فضلًا لا معنى له. وإنما يجوز أن يكون (ما) نفيًا أن لو ادعى مدعي: أن السحر أنزل على الملكين، ويكون فيما تقدّم ذكر ذلك أو دليل (¬2) عليه، فيقول الله تعالى: {وَاتَّبَعُوا}، ولم ينزل على الملكين كما ذكروا. ومثال ذلك: أن يقول مُبْتدئا: علمت هذا الرجل القرآن، وما أنزل على موسى. فلا يتوهم سامعُ هذا أنك أردت بقولك أن القرآن لم ينزل على مُوسى؛ لأنه لم يتقدّمه قول أحدٍ أنه أنزل على موسى، وإنما يتوهم السامع أنك علمتَه القُرآنَ والتوراةَ (¬3). ثم اعلم أن السحر على قسمين: أحدهما: يكفر به السّاحر، وهو أن يعتقد القدرة لنفسه، فإذا انتهى به السحر إلى هذه النهاية صار كافرًا بالله، وهذا السحر هو الذي عده رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الكبائر في قوله: "اجتنبوا السبع الموبقات"، قيل: يا رسول الله وما هنّ؟ قال: "الشرك بالله، والسّحر، وقَتْل النفسِ التي حرّم الله إلاّ بالحقّ، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولّي يوم الزحف، وقذف المحصنة". (¬4) والقسم الثاني: لا يكفر به، وهو التخييل الذي يشاكل النِّيرَنْجات، فإذا لم يعتقد لنفسه فيما يعمل قدرة، واعتقد القدرة لله تعالى، كانت معصية، ولم يكن ذلك كفرًا (¬5). ¬

_ (¬1) من قوله: مافيه ... ساقط من (أ)، (م). (¬2) في (ش): (ذلك). (¬3) كلام ابن قتيبة لم أره في "غريب القرآن" و"تأويل مشكل القرآن". (¬4) أخرجه البخاري (6857) كتاب الحدود، باب رمي المحصنات، ومسلم (89): الإيمان، باب: بيان الكبائر وأكبرها. (¬5) قد ذكر القرافي في "أنوار البروق في أنول الفروق" 4/ 137، أقسام السحر وأحكامه، وذكر القرطبي في "تفسيره" 2/ 39: أن من السحر ما يكون كفرًا =

وأما قصّة الملكين فهي معروفة مذكورة في عدة مواضع (¬1). ¬

_ = من فاعله، مثل ما يدعون من تغيير صور الناس وإخراجهم في هيئة بهيمة، فكل من فعل هذا ليوهم الناس أنه محق فذلك كفر منه، وأما من زعم أن السحر خدع ومخاريق وتمويهات فلم يَجِبْ على أصله قتل الساحر إلا أن يقتل بفعله أحدًا فيقتل به، ثم ذكر في 2/ 47 خلاف الفقهاء في حكم الساحر: 1 - فذهب مالك إلى أن المسلم إذا سحر بنفسه بكلام يكون كفرًا يقتل ولا يستتاب ولا تقبل توبته؛ لأنه أمر يستسرّ به كالزنديق والزاني؛ ولأن الله سمى السحر كفرًا في هذه الآية، وهو قول أحمد وأبي ثور وإسحاق والشافعي وأبي حنيفة، وروي قتل الساحر عن عمر وعثمان وابن عمر وحفصة وأبي موسى وقيس بن سعد وعن سبعة من التابعين، وروي مرفوعا: "حد الساحر ضربه بالسيف". 2 - وروي عن الشافعي: لا يقتل الساحر إلا أن يقتل بسحره، ويقول: تعمدت القتل، وإن قال: لم أتعمده لم يقتل، وكانت فيها الدية كقتل الخطأ، وإن أضرَّ به أُدِّبَ على قدر الضرر. ينظر: "الأم" للشافعي 1/ 293. قال ابن العربي في "أحكام القرآن" 1/ 48: وهذا باطل من وجهين: أحدهما: أنه لم يعلم السحر، وحقيقته: أنه كلام مؤلف يعظم به غير الله تعالى، وتنسب إليه المقادير والكائنات. الثاني: أن الله سبحانه قد صرح في كتابه بأنه كفر. وينظر في المسألة: الطبري في "تفسيره" 1/ 453، و"أحكام القرآن" للجصاص 1/ 725، و"المغني" 12/ 302 - 303، "زاد المسير" 1/ 126، "تفسير ابن كثير" 1/ 147 - 152. (¬1) ينظر في القصة وتفصيلاتها: "تفسير عبد الرزاق" 1/ 53، والبزار في "المسند" برقم 2938، وعبد بن حميد كما في "المنتخب من مسنده" برقم 787، وابن حبان 1/ 634، والسمرقندي في "تفسيره" 1/ 143، والبيهقي في "سننه" 4/ 10، الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1063، و"زاد المسير" 1/ 123، و"الدر المنثور" 1858 - 193، والقرطبي 2/ 44 - 45، قال: وقد روي عن علي وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وكعب الأحبار، والسدي والكلبي ما معناه: فذكر القصة مجملة، ثم قال: هذا كله ضعيف وبعيد عن ابن عمر وغيره لا يصح منه شيء. اهـ. وقال "ابن كثير" في تفسيره: "وحاصلها راجع في تفاصيلها إلى أخبار بني إسرائيل، إذ =

وقوله تعالى: {بِبَابِلَ} (¬1). وبابل اسم أرض (¬2)، قيل: سميت لأن الله تعالى حين أراد أن يخالف بين ألسنة بني آدم بعث ريحا فحشرتهم من كل أفق إلى بابل، فبلبل الله بها ¬

_ = ليس فيه حديث مرفوع صحيح متصل الإسناد إلى الصادق المصدوق المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى وظاهر سياق القرآن إجمال القصة في غير بسط ولا إطناب فيها، فنحن نؤمن بما ورد في القرآن على ما أراد الله تعالى والله أعلم بحقيقة الحال". وقال أيضًا: "فهذا أظنه من وضع الإسرائيليين، وإن كان قد أخرجه كعب الأحبار، وتلقاه عنه طائفة من السلف، فذكروه على سبيل الحكاية والتحديث عن بني إسرائيل. اهـ. وقد أنكر القصة جماعة من أهل العلم منهم ابن حزم في "الفصل" 3/ 261، 4/ 32، وابن عطية في "تفسيره" 1/ 420، وابن العربي في "أحكام القرآن" 1/ 29، والرازي في "تفسيره" 1/ 237، والبيضاوي في "تفسيره" 1/ 79، والخازن في "تفسيره" 1/ 71، وأبو حيان في "البحر" 1/ 329، وابن كثير في "تفسيره" 1/ 151، والآلوسي في "روح المعاني" 1/ 341، والقاسمي في "محاسن التأويل" 1/ 211، وغيرهم. وينظر استقصاؤهم في: "تحقيق العجاب" لابن حجر للأستاذ عبد الحكيم محمد الأنيس 1/ 332 - 342، وانتصر لتصحيحها الحافظ ابن حجر في "العجاب"، والسيوطي كما في "اللآلي المصنوعة" 1/ 159 و"مناهل الصفافي" تخريج أحاديث الشفاء للسيوطي 4/ 231 كما أفاده الخفاجي عنه في "نسيم الرياض" 4/ 231، وقال: وقد جمع الجلال السيوطي طرق هذا الحديث في تأليف مستقل فبلغت نيفًا وعشرين طريقًا. (¬1) قال العكبري في "التبيان" ص 81: ببابل، يجوز أن يكون ظرفًا لأنزل، ولجوز أن يكون حالا من الملكين، أو من الضمير في أنزل. (¬2) ذكر الطبري فى تفسيره 1/ 459 فيها قولين: أنها: بابل رنباوند، أو أنها بابل العراق، وذكر ابن الجوزي في "تفسيره" 1/ 109 في حدها ثلاثة أقوال: أنها الكوفة وسوادها، والثاني: أنها من نصيبين إلى رأس العين، والثالث: أنها جبل في وهدة من الأرض، وقد رجح ابن كثير في تفسيره 1/ 152 أنها بابل العراق، واستدل لذلك. وينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1063، "معجم ما استعجم" 1/ 202، "معجم البلدان" 1/ 309.

أَلْسِنَتهم، ثم فرقتهم تلك الريح في البلاد (¬1). والبلبلة: التفرِيقُ (¬2). وقوله تعالى: {وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ} اختلفوا في تعليم الملكين السحر، فذكر أهل التفسير وأصحاب المعاني فيه وجهين (¬3): أحدهما: أنهما كانا لا يتعمدان تعليم السحر، ولكنهما يصفانه، ويذكران بطلانه، ويأمران الناس باجتنابه، وكانا يعلمان الناس وغيرهم ما يُسألان عنه، ويأمران باجتناب ما حُرِّم عليهم، وطاعة الله فيما أُمروا به، ونهوا عَنْهُ. وفي ذلك حكمة، لأن سائلًا لو سأل: ما الزنا؟ وما اللواط؟ لوجب أن يوقف عليه، ويعلم أنه حرام، فكذلك مجاز إعلام الملكين الناس السحر، وأمرهما السائل باجتنابه بعد الإعلام والإخبار أنه كفر حرام (¬4). ويؤكد هذا الوجه: ما روى أبو العباس عن ابن الأعرابي أنه قال: عَلَّم بمعنى أعلم، وذلك أن التعليم لا ينفك عن الإعلام، كما يقال: تعلّمْ بمعنى أعلَمْ؛ لأن من تعلم (¬5) شيئا فقد عَلِمَه، فيوضع التَّعَلُّم موضع العلم (¬6). قال قيس بن زهَير: ¬

_ (¬1) ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1063، "زاد المسير" 1/ 125، "القرطبي" 2/ 46. (¬2) ينظر: "القاموس" 968 - 969. (¬3) ينظر: "تفسير الطبري" 1/ 461 - 462 - 463، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 183 - 184، "تفسير البغوي" 1/ 129، "زاد المسير" 1/ 122، "القرطبي" 2/ 48. (¬4) من "تهذيب اللغة" للأزهري 3/ 2554 مادة (علم) ومنه نقل الثعلبي 1/ 1085. (¬5) ساقطة من (أ)، (م). (¬6) نقله عن ابن الأعرابي والأزهري في "تهذيب اللغة" 3/ 2554، والقرطبي في "تفسيره" 2/ 48، وينظر: "البحر المحيط" 1/ 330.

تَعَلَّمْ أنّ خيرَ الناس حيًّا ... على جَفْر الهَباءةِ لا يَريم (¬1) أي: اعلم. قال ابن الأعرابي: ومن هذا قول الله: {وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ} قال معناه: إن السّاحر يأتي الملكين فيقول: أخبرني عمّا نهى الله عنه حتى أنتهي، فيقولان: نهى عن الزنى، فيستوصفُهما الزِنى، فيصفانه، فيقول: وعن ماذا؟ فيقولان: عن اللواط، ثم يقول: وعن ماذا؟ فيقولان عن السحر، فيقول: وما السحر؟ فيقولان: هو كذا، فحفظه، وينصرف فيخالف، فيكفر، فهذا معنى {يُعَلِّمَانِ} (¬2) ولا يكون تَعليم السحْر إذا كان إعلامًا كفرًا، ولا تعلّمه إذا كان على معنى الوقوف عليه ليجتنبه كفرًا، كما أن من عرَّف الزنى لم يأثم بأنه عرَّفه، إنما يأثم بالعمل (¬3). الوجه الثاني: أن الله عز وجل امتحن الناسَ بالملكين في ذلك الوقت، وجعل المحنةَ في الكفر والإيمان أن يقبل القائل تعلُّم السحر، فيكفر بتعلّمه، ويؤمن بترك التعلّم، ولله تعالى أن يمتحن عباده بما شاء، كما امتحن الله (¬4) بنهر طالُوت في قوله: {إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ} [البقرة: ¬

_ (¬1) البيت لقيس بن زهير في "مقاييس اللغة" 4/ 110، و"لسان العرب" 5/ 3083 مادة (علم). (¬2) هذا فيه زيادة في (ش) إنما هو يعلمان ولا يكون. (¬3) نقل هذا بطوله الأزهري في "تهذيب اللغة" 3/ 2555 مادة (علم)، ومنه أخذ الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1085، ونصر هذا القول الطبري في "تفسيره" 1/ 453 - 455، وقواه الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 183 - 184، قال ابن كثير في "تفسيره" 1/ 152 - 153: وهذا الذي سلكه [يعني: ابن جرير] غريب جدًّا، وأغرب منه قول من زعم أن هاروت وماروت قبيلان من الجن كما زعمه ابن حزم. (¬4) في (ش): (كما أنه امتحن بنهر طالوت).

249]. يدل على صحة هذا: قوله تعالى: {إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ} أي: محنة من الله نُخبرك أنَّ عملَ السحر كفر بالله، وننهاك عنه، فإن أطعتنا في ترك العمل بالسحر نجوتَ، وإن عصيتنا في ذلك هلكتَ (¬1). وروي عن ابن عباس أنه قال: أما السحر فمما (¬2) علّمت الشياطين، وأما الفرق بين المرء وزوجه فمما علّم الملكان (¬3). ثم وجه تعليم الملكين أنه يجوز أن يلهمهما الله ويعلّمهما من الأذكار والأسماء ما يعلمان أنها إذا استعلمت على جهة الدعاء أو على جهة الرقية أفادت التفريق بين المرء وزوجه، إذ لا يحسن بحالهما وما هما فيه من عقوبة الذنب السابق أن يشتغلا بارتكاب كبيرة مستأنفة. وقوله تعالى: {مِنْ أَحَدٍ} أي: أحدًا، ومِنْ زائدة مؤكدة، كقولك: ما جاءني من أحدٍ (¬4). وأما (أحد) (¬5) فقال الليث: ¬

_ (¬1) من "تفسير الثعلبي" 1/ 1085 وذكر أنه الأصح. وينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 183، "تفسير الطبري" 1/ 455، "تفسير السمعاني" 1/ 575، "تفسير الرازي" 3/ 283. (¬2) في (ش): (فما). (¬3) رواه بمعناه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 188، ورواه الطبري بسنده عن مجاهد 1/ 454، وروى نحوه 1/ 453 عن قتادة، وكذا ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1080 وعزاه في "الدر" 1/ 194 لعبد بن حميد. (¬4) ينظر: "البحر المحيط" 1/ 330، وقال: من زائدة لتأكيد استغراق الجنس، لأن أحداً من الألفاظ المستعملة للاستغراق في النفي العام فزيدت هنا لتأكيد ذلك. (¬5) قال العكبري في "التبيان" 1/ 81: وأحد هاهنا يجوز أن تكون المستعملة في العموم، كقولك ما بالدار من أحد، ويجوز أن تكون هاهنا بمعنى واحد أو إنسان قال في "البحر المحيط" 1/ 330: والأول أظهر.

أصله: وحد (¬1)، ونحو ذلك قال الزجاج (¬2). وقال أحمد بن يحيى: واحد وأحد وَوَحد بمعنى (¬3). وقال الليث: الوحَد: المنفرد، ورجل وحدٌ، وثور وحدٌ، قال النابغة (¬4): بذي الجليل (¬5) على مستأنسٍ وَحَدِ (¬6) والوَحْد والحِدَة كالوَعْد والعدة، يقال: وَحَدَ الشيءُ فهو يحِد حِدَةً. وفرّق قوم بين الواحد والأحد، فقالوا: أحد يصلح في الكلام في موضع الجحد، وواحد في موضع الإثبات. تقول ما جاءني منهم أحد، وجاءني منهم واحد، ولا يقال: جاءني منهم أحد؛ لأنك إذا قلت: ما جاءني منهم أحد، فمعناه لا واحد ولا اثنان، وإذا قلت: جاءني منهم واحد، فمعناه: أنه لم يأتني منهم اثنان (¬7). وأكثر ما جاء (أحد) في التنزيل في موضع النفي. ¬

_ (¬1) نقلة في "تهذيب اللغة" 4/ 3846، (مادة: وحد). (¬2) نقله عنه في "تهذيب اللغة" 4/ 3844، "اللسان" 8/ 4780، (مادة: وحد). (¬3) في "تهذيب اللغة" 4/ 3844: ثعلب عن سلمة عن الفراء: رجل وَحيدٌ وَوَحَدٌ وَوَحِدٌ، وكذلك فريد وفَرَدٌ مادة (وحد). (¬4) هو: الذبياني أبو أمامة زياد بن معاوية بن ضباب، من الطبقة الأولى، من فحول شعراء الجاهلية، كان يحكم بين الشعراء في سوق عكاظ ويفاضل بينهم. ينظر: "طبقات فحول الشعراء" 1/ 56، و"جمهرة أشعار العرب" 1/ 303. (¬5) في (م) و (أ): (الخليل). (¬6) صدر البيت: كأن رحلي وقد زال النهار بها والبيت، من قصيدة قالها يمدح النعمان بن المنذر، ينظر: "ديوانه" ص 17، "تهذيب اللغة" 4/ 3844 مادة (وحد). (¬7) من "تهذيب اللغة" 4/ 3845، وعنه في "اللسان" 3/ 448، (مادة: وحد).

قال أبو علي: وقد استعملوا أحدًا بمعنى واحد، وذلك قولهم: أحد وعشرون، وفي التنزيل: {قُل هُوَ اَللَّهُ أَحَد} (¬1) [الصمد: 1]. وسنذكر الكلام في (أحد) صفة الله تعالى في سورة الإخلاص، والكلام في (واحد) نذكره في (¬2) قوله: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} [البقرة: 163]، إن شاء الله تعالى. وقوله تعالى: {إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ} معنى الفتنة في كلام العرب: الابتلاء والامتحان (¬3)، وأصلها مأخوذ من قولك: فتنتُ الفضة والذهب: إنا أذبتهما بالنار؛ ليتميز الرديء من الجيد، وتعرف جودتهما من الرداءة، ومن هذا قوله عز وجل: {يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ} [الذاريات: 13]، أي: يحرقون بالنار، ومن هذا قيل للحجارة السود التي كأنها أحرقت بالنار: الفتين، هذا هو (¬4)، ثم جعل كل امتحان فِتْنَة، وقد جعل الله امتحانه عبيده ¬

_ (¬1) ينظر: "تهذيب اللغة" 4/ 3847 - (مادة: وحد)، "مقاييس اللغة" 6/ 90، "اللسان" 8/ 4780 (مادة: وحد)، وقال صاحب "المفردات" ص21 - 22 ما حاصله: أحد يستعمل على ضربين: أحدهما في النفي فقط، نحو: ما في الدار أحد. والثاني: في الإثبات، وهو على ثلاثة أوجه: الأول: في الواحد المضموم إلى العشرات، نحو أحد عشر. والثاني: أن يستعمل مضافًا إليه بمعنى الأول، كقوله: {أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا} [يوسف: 41]، وقولهم: يوم الأحد، أي يوم الأول، ويوم الاثنين. والثالث: أن يستعمل مطلقًا وصفًا، وليس ذلك إلا في وصف الله تعالى: {قُل هُوَ اَللَّهُ أَحَدُ}. (¬2) في (م): (عند). (¬3) قال في "مقاييس اللغة" 4/ 472: الفاء والتاء والنون أصل صحيح يدل على ابتلاء واختبار. (¬4) من "تهذيب اللغة" 3/ 2738، (مادة: فتن).

المؤمنين باللأواء ليبلو صبرَهم فيثيبهم، أو جزعهم (¬1) على ما ابتلاهم به فيجزيهم، جزاؤهم فتنة فقال: {الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ} إلى قوله: {وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ} [العنكبوت:1 - 2] قيل في تفسيره: وهم لا يُبلَون في أنفسهم وأموالهم، وكذلك قوله: {وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} [العنكبوت: 3]، أي: اختبرنا (¬2). والفتنة تستعمل في معانٍ كثيرة، ترجع كلها إلى الأصل الذي ذكرنا عند النظر، والفتنة مصدر؛ لذلك (¬3) لم يُثَنَّ (¬4). ويقال: فَتَنَه وأَفْتَنَه، والأول: لغة أهل الحجاز، والثاني: لغة أهل نجد، وقال أعشى همْدان: لئن فَتَنَتْني لَهْيَ بالأمس أفْتَنَتْ ... سعيدًا فأمسى قد قَلَى كلَّ مُسلم (¬5) وكان الأصمعي ينكر أفتَنَه (¬6)، وذُكر له هذا البيت فلم يعبأ به (¬7). وأكثر أهل اللغة أجازوا اللغتين (¬8). ومعنى فتنته فلانة: أي: اختبرته، كأنه اختبر بها لجمالها. ¬

_ (¬1) في (ش): (جوعهم). (¬2) بمعناه من "تهذيب اللغة" 3/ 2738، (مادة: فتن). (¬3) في (ش): (كذلك). (¬4) ينظر: "الوسيط" 1/ 185. (¬5) البيت لأعشى همدان، وقيل: لابن قيس الرقيات، كما في "اللسان" 6/ 3345، (مادة: فتن) وذكر أنه قيل في سعيد بن جبير، وقال الأصمعي: هذا سمعناه من مخنث، وليس بثبت، لأنه كان ينكر أفتن. وينظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2739، (مادة: فتن). (¬6) في (ش): (افتنته). (¬7) ينظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2739، (مادة: فتن)، "اللسان" 6/ 3344. (¬8) ما تقدم من "تهذيب اللغة" 3/ 2739، (مادة: فتن).

وقال الليث: يقال فِتَنَه يَفتِنُه، ففَتَنَ بمعنى: افتتن، فجعله لازمًا ومتعديًا (¬1)، وقال: رخيم الكلام قطيع القيام ... أمسى الفؤاد به فاتنا (¬2) قال الأزهري: يقال: افْتَتَنَتْهُ (¬3) فافْتَتَنَ، واقعًا ومطاوعًا، وهو صحيح ذكره ابن شُميل (¬4). وأما فَتَنَتْه فَفَتَنَ فهي لغة ضعيفة (¬5). ومعنى قوله: {إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ} أي: ابتلاء واختبار لكم (¬6) وقوله تعالى: {فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا} (¬7) هذا الفعل منسوق على فعل مقدّر يدل عليه الكلام، كأنه قال: حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فَيَأبَون فيتعلمون (¬8). ¬

_ (¬1) نقله في "تهذيب اللغة" 3/ 2739، (مادة: فتن). (¬2) البيت في: "اللسان" 6/ 3345، (مادة: فتن)، ولم ينسبه، وروايته: أمسى فؤادي بها فاتنا. (¬3) في (م): (افتنته). (¬4) هو: النضر بن شميل بن خرشة بن يزيد بن كلثوم التميمي، تقدمت ترجمته. (¬5) نقله عنه في "تهذيب اللغة" 3/ 2740، ينظر في فتن: "المفردات" 374، "اللسان" 6/ 3345، "تاج العروس" 18/ 424 - 428. (¬6) "تهذيب اللغة" 3/ 2739. (¬7) ينظر في إعرابها: "التبيان" ص 80، "البحر المحيط" 1/ 331، وقد لخص أبو حيان الكلام فيها بقوله: وتلخص في هذا العطف أنه عطف على محذوف، تقديره: فيأبون فيتعلمون، أو يعلمان فيتعلمون، أي: على مثبت، أو يتعلمون: خبر مبتدأ محذوف، أي: فهم يتعلمون عطف على جملة اسمية على فعلية، أو معطوف على يعلمون الناس أو معطوفًا على كفروا أو على يعلمان المنفية، لكونها موجبة في المعنى، فتلك أقوال ستة أقربها إلى اللفظ هذا القول الأخير. (¬8) وهذا اختيار "الطبري" 1/ 462 واستحسنه الزجاج 1/ 185 لكنه جوّد ما بعده.

قال ابن الأنباري: وصلح إضمار يأبون هنا كما صلح إضمار الفعل في قوله: {أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ} [الشعراء: 63]، والعرب تحمل على المعنى كثيرًا، من ذلك قول الفرزدق: فكيف بليلةٍ لا نجمَ فيها ... ولا قمر لساريها منيرِ (¬1) عطف (ولا قمر) على مقدر في المعنى، كأنه قال: فكيف بليلة ليست بليلة نجم ولا قمر. قال أبو إسحاق: والأجود في هذا أن يكون عطفًا على {يُعَلِّمَانِ} {فَيَتَعَلَّمُونَ}، ويستغنى (¬2) عن ذكر {يُعَلِّمَانِ}؛ لما (¬3) في الكلام من الدليل عليه (¬4). وقال الفراء: هي مردودة على قوله: {يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ} فيتعلّمون (¬5). قال الزجّاج: هذا خطأ؛ لأن قوله: (منهما) دليل هاهُنا على التعلم منَ الملكين خاصّةً (¬6). ¬

_ (¬1) ورد البيت هكذا: فكيف بليلة لا نوم فيها ... ولا ضوء لصاحبها منير والبيت للفرزدق، ينظر: "ديوانه" ص 221. (¬2) في "معاني القرآن" للزجاج: واستغنى. (¬3) في "معاني القرآن" للزجاج: بما. (¬4) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 185، وينظر: "التبيان" للعكبري ص 81. (¬5) "معاني القرآن" للفراء 1/ 64، وقد جود الوجه الأول، ورد عليه النحاس هذا الوجه في "إعراب القرآن" 1/ 204، فقال: غلط؛ لأنه لو كان كذا لوجب أن يكون فيتعلمون منهم، فقوله. منهما، يمنع أن يكون التقدير: ولكن الشياطين كفروا، يعلمون الناس السحر فيتعلمون، إلا على قول من قال الشياطين هاروت وماروت. (¬6) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 185، وقد أطال أبو علي في "الإغفال" ص 335 - 349 النفس في مناقشة كلام الزجاج.

وابن الأنباري صحح مذهب الفراء، وقال: معناه: يعلّمون الناس السحر فيتعلّمون منهم عن (¬1) الملكين، فلا يكون (منهما) على هذا صلة للتعلم، بل يكون كقولك: تعلمت من الفراء عن الكسائي، أي: الفراء تعلم عنه، وروى لي (¬2) عنه، (ومنهما) على هذا الوجه يكون بمعنى: عنهما، فقامت مِنْ مقام عن. قال هشام: قال الأصمعي: سمعت (¬3) أفصح العرب يقول: حدثني فلان من فلان، وهو يريد عن فلان. ويجوز أن يكون معنى قوله: {فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا} أي: مِن السّحر والكُفر، أو من السحر والكهانة. و (أحدٌ): يقع على الواحد وَالاثنين والجميع؛ لذلك (¬4) قال: فيتعلّمُون بلفظ الجمع، والدليل على ذلك: قوله: {فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ} [الحاقة: 47]. قال ابن الأنباري: وأجاز أصحابنا: ما مررت بأحدٍ يتكلّمون. ومررت على كُلّ رَجُل يتعجبون (¬5). وروى سَلَمة (¬6) عن الفراء قال: (أحدٌ)، يكون للجميع والواحد في النفي، كقوله: {فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ} [الحاقة: 47]، جعل (أحد) في موضع جمع، وكذلك قوله: {لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ} [البقرة: 285] ¬

_ (¬1) في (أ): فيتعلمون عن منهم عن الملكين، وفي (م): فيتعلمون عن منهم من الملكين. (¬2) (لي) ساقطة من (م) (¬3) في (م): (سمعت من). (¬4) في (ش): (كذلك). (¬5) ابن الأنباري. (¬6) هو: سلمة بن عاصم النحوي أبو محمد، تقدمت ترجمته [البقرة: 8].

فهذا جمع؛ لأن (بينَ) لا يقع إلّا على اثنين فما زاد (¬1). وقوله تعالى: {مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ} وهو أن يُؤَخَّذَ (¬2) كل واحد منهما عن صاحبه، ويبغَّضَ كلُّ واحد إلى الآخر (¬3). وقوله تعالى: {وَمَا هُمْ} أي: السحرة، وقيل: الشياطين وعلى هذا دلّ كلام ابن عبّاس (¬4). (به) أي: بالسحر {مِنْ أَحَدٍ} أي: أحدًا (¬5). {إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ}. قال ابن عبّاس: يريد: ما يُضلّون إلا من كان في علمي وقضائي وقدرتي أن أُضِلّه (¬6). وقال المفسرون: الإذن هاهُنا تأويله: إرادة التكوين، أي: لا يضرّون بالسحر إلا من أراد الله أن يلحقه ذلك الضرر (¬7). ¬

_ (¬1) نقله عنه في "تهذيب اللغة" 4/ 3846 وقال سيبويه: هو معطوف على (كفروا)، قال: وارتفعت (فيتعلمون) لأنه لم يخبر عن الملكين أنهما قالا: لا تكفر فيتعلموا، ليجعلا كفره سببا لتعلم غيره، نقله أبو حيان في "البحر المحيط" 1/ 331. (¬2) يؤخذ: من التاخيذ، وآخذه: رقاه، والأُخْذَة: بضم فسكون: رقية تأخذ العين ونحوها كالسحر، أو خرزة يؤخذ بها النساء الرجال، ورجل مؤخذ عن النساء: محبوس، ينظر: "اللسان" (مادة: أخذ). (¬3) رواه الطبري في "تفسيره" 1/ 463، ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 193، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1080 كلهم عن قتادة. (¬4) ينظر: "البحر المحيط" 1/ 332 وزاد قولًا ثالثًا: وقيل: على اليهود. (¬5) أي: من زائدة. ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1086، "أحكام القرآن" لابن العربي 1/ 49، "تفسير القرطبي" 2/ 49، "البحر المحيط" 1/ 332. (¬6) ليس في شيء من التفاسير المسندة، وقد تقدم الحديث عن هذه الرواية في المقدمة. (¬7) ينظر: "تفسير الطبري" 1/ 364، "ابن أبي حاتم" 1/ 193، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 186، "تفسير القرطبي" 2/ 49.

وقوله تعالى: {وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ} المعنى: إنه يضرهم في الآخرة، وإن تعجّلوا به في الدنيا نفعًا (¬1). {وَلَقَدْ عَلِمُوا} يعني: اليهود (¬2) {لَمَنِ اشْتَرَاهُ} أي: اختاره يعني السحر (¬3). {مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ} أي: نصيب. والخلاق: النصيب الوافر من الخير (¬4). قال المفسرون في هذه الآية، الخلاقُ: النصيبُ من الجنة (¬5). ثعلب عن ابن الأعرابي: {لَا خَلَاقَ لَهُمْ} [آل عمران: 77] لا نصيب لهم في الخير. ويعني بهذا: الذين يعلّمون الناس السحر، وهم كانوا من علماء اليهود (¬6). ¬

_ (¬1) ينظر: "تفسير الطبري" 1/ 464. (¬2) ينظر: "تفسير الطبري" 1/ 464، "تفسير الثعلبي" 1/ 1086، وذكره في "البحر المحيط" 1/ 323 قولين آخرين أحدهما: أن المراد الشياطين، والثاني: أن المراد الملكين. (¬3) ينظر: "تفسير الطبري" 1/ 465، ابن أبي حاتم 1/ 195، "تفسير الثعلبي" 1/ 1086، "زاد المسير" 1/ 125، وذكر في "البحر المحيط" 1/ 334 أربعة أقوال فيما يعود عليه الضمير، فقيل: السحر، وقيل: الكفر، وقيل: كتابهم الذي باعوه بالسحر، وقيل: القرآن لأنه تعوضوا عنه بكتب السحر. (¬4) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 187، "الطبري" 1/ 465 - 466، "ابن أبي حاتم" 1/ 195، "البحر المحيط" 1/ 334، وذكروا خمسة أقوال هي: النصيب، والدين، والقوام، والخلاص، والقدر وقد فسره بالنصيب ابن عباس ومجاهد والسدي ورجحه الطبري والزجاج وغيرهما. (¬5) ينظر: "تفسير الطبري" 1/ 466، "تفسير الثعلبي" 1/ 1086. (¬6) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 186، "زاد المسير" 1/ 125.

وفي قوله: {وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ} جملتان (¬1): إحداهما: مقسم عليها. والأخرى: مؤكدة بغير قسم. ويحتمل أن تكون الجملتان كلتاهما مقسم عليهما، والجملة هي المحدّث عنه والحديث. فأما الجملة المقسم عليها فقوله: {وَلَقَدْ عَلِمُوا} مقسم عليه؛ لدخول اللام في لقد، وهذه اللام إذا جاءت في الفعل الماضي والمستقبل فإنما تجيء على نية اليمين، كانت مذكورة معها أو محذوفة. قال سيبويه: سألت الخليل عن قوله: ليفعلنّ إذا جاءت مبتدأة؟ فقال: هي على نية القسم (¬2)، واللام التي تدخل على الماضي هي هذه التي إذا دخلت على المستقبل لزمته النون، فتقدير {وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ}: والله لقد علموا. والأخرى المؤكدة غير المقسم عليها: قوله: {وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ} إذا جعلت (مَنْ) بمعنى (الذي) كانت اللام للتأكيد دون القسم. ومذهب سيبويه فيه هذا، وهو أن (من) فيه بمعنى (الذي)، كأنه قيل: للذي اشتراه ماله في الآخرة من خلاق (¬3). فموضع (من) رفع بالابتداء. ¬

_ (¬1) ما سيأتي فىِ المسألة من كلام أبي علي في "الإغفال" ص 362 وما بعدها. وينظر في إعرابها "معاني القرآن" للفراء 1/ 65 - 69، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 186 - 187، "إعراب القرآن" للنحاس1/ 204، "إعراب مشكل القرآن" 1/ 106 - 107، "التبيان" للعكبري ص 81. (¬2) "الكتاب" 1/ 531 - 532 ط. بيروت. (¬3) ساقط من (أ)، (م).

وموضع {مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ} رفع على أنه خبر الابتداء. وأما احتمال الكلام أن يكون فيه جملتان كلتاهما مقسم عليهما: فالأولى منهما أيضًا: قوله: {وَلَقَدْ عَلِمُوا}، والأخرى المقسم عليها: قوله: {مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ}، وذلك أن تجعل (من) شرطًا في قوله: {لَمَنِ اشْتَرَاهُ} ولا تجعله بمنزلة الذي. وتجعل قوله: {وَلَقَدْ عَلِمُوا} بمنزلة القسم؛ لأن العلم قد يقام مقام القسم، في مثل قولك: علمت ليفعلنّ كذا، وفي مثل قول الشاعر (¬1): ولقد علمتُ لتأتينّ عَشِيّةٌ ... لا بعدها خوفٌ عليّ ولا عَدَمْ (¬2) قال سيبويه: كأنه قال: والله لتأتينّ عَشِيَّة، فحمل (علمت) في البيت على معنى اليمين. فمن حيث استعمل استعمال القسم صلح أن يكون له جواب، كما يكون للقسم، وساغ أن يكون النفي جوابًا له في الآية. فإن قيل: على هذا إذا قلتم: إن قوله: {وَلَقَدْ عَلِمُوا} مقسم عليه، وجوزتم أن يكون هو في نفسه قسمًا، فكأنه قسم قد دخل على قسم، ويبعد ذلك عند سيبويه، فإن سيبويه والخليل قالا: لا يقوى أن يقول: وحقِّك وحقِّ زيد لأفعلن، والواو الآخرة واوُ قَسم لا يجوز إلا مستكرهًا؛ لأنّه لا يجوز هذا في محلوف عليه، إلا أن تضم الآخر إلى الأوّل، وتحلف بهما على المحلوف عليه (¬3). ¬

_ (¬1) الذي استشهد به أبو علي في "الإغفال" ص 366 ونقله عنه سيبويه هو قول الشاعر: ولقد علمت لتأتين منيتي. (¬2) البيت لعامر بن حوط، في تاج العروس، (مادة: عدم). "المعجم المفصل" 7/ 163. (¬3) "الكتاب" لسيبويه 3/ 501 ط. عبد السلام هارون.

ولهذا جعل هو والخليل الحرف في قوله: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (1) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى} [الليل: 1 - 2] إنه للعطف (¬1). معنى ضم الآخر إلى الأوّل، أي: يضم إليه بحرف العطف (¬2) دون القسم، قلنا: هذا على ما ذكرت، ولكن قوله: {وَلَقَد عَلِمُوا} أقيم مقام القسم، وليس كالمختصِّ بالقسم التي لا معنى لها غيره، نحو لعمرُك لأفعلنّ، وبالله (¬3) ليقومنّ، فليس يدخل على هذا قسم على قسم على (¬4) الحقيقة، إنما يدخل (¬5) على شيء أقيم مقام القسم، وأصله غير ذلك، والأول هو الوجه الواضح (¬6). قوله تعالى: {وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ} أي: بئس شيء باعوا به حظ أنفسهم، حيث اختاروا السحر ونبذوا كتاب الله (¬7). وقوله تعالى: {لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} إن قيل: كيف نفى العلم عنهم، ولقد أثبت العلم لهم في قوله: {وَلَقَدْ عَلِمُوا}. قيل: وصفهم بالعلم (¬8) في قوله: {وَلَقَدْ عَلِمُوا} على المجاز لا على الحقيقة، كأنه قال: علموا هذا عِلمًا ظاهرًا، ولم يعلموا كنه ما يصير ¬

_ (¬1) المصدر السابق. (¬2) من قوله: معنى (ضم الآخر) ساقط من (ش). (¬3) في (ش): (وتالله). (¬4) (على) ساقطة من (ش). (¬5) في (ش) يدخل الاسم على شيء. (¬6) هذه المسألة بتمامها ملخصة من كلام أبي علي في "الإغفال" ص 362 - 368. (¬7) ينظر: "تفسير الطبري" 1/ 466، "تفسير الثعلبي" 1/ 1087، "تفسير ابن كثير" 1/ 154. (¬8) في (ش): (وصفهم بالعلم ثم نفاه عنهم في قوله ... وهذا سيأتي).

103

إليه من بخس الآخرة من العقاب، لذلك (¬1) قال: {لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ}. وقيل: إن الله تعالى وصفهم بالعلم ثم نفاه عنهم؛ لأنهم لم يعملوا بما علموا، فكانوا بمنزلة من لم يعلم، كما تقول: صلَّيتَ ولم تصلِّ، وتكلّمتَ ولم تتكلّم، أي: لم تجوّد كلامك، فكنت بمنزلة من لم يتكلم. وقيل: إنما وصفهم بوصفين مختلفين؛ لأنهم علموا أن الآخرة يخسرها من آثر السحر، ثم دخلوا فيه وآثروه طمعًا في عوض يصير إليهم من الدنيا، فقال الله عز وجل: {وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} أن الذي قصدوه وآثروه لا يتم لهم من جهته ما يؤمِّلُون؛ لأن الدنيا تنقطع عنهم بالموت، ثم يقدمون على الآخرة التي لا حظ لهم فيها (¬2). 103 - قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا} أي: بمحمد والقرآن {وَاتَّقَوْا} اليهودية والسحر (¬3). ¬

_ (¬1) في (ش): (كذلك). (¬2) ينظر: "تفسير الطبري" 1/ 467، "تفسير البغوي" 1/ 132، "التفسير الكبير" للرازي 3/ 222، "البحر المحيط" 1/ 334، وأجاب الطبري 1/ 466 بأنه من باب التقديم والتأخير، ومعنى الكلام: وما هم ضارون به من أحد إلا بإذن الله، ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم، ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون، ولقد علموا لمن اشتراه ماله في الآخرة من خلاق، ثم رد على من قال: ولقد علموا، أي: الشياطين، ولو كانوا يعلمون، يعني به الناس، وبين أنه قول لجميع أهل التأويل مخالف، لأنهم مجمعون على أن قوله (ولقد علموا)، يعني به اليهود إلخ ما قال. (¬3) ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1087، "تفسير الطبري" 1/ 468، "تفسير البغوي" 1/ 132.

{لَمَثُوبَةٌ} يقال: أثابه إثابة ومَثَابة، والاسم: الثواب والمَثُوبَةُ والمثْوَبَةُ بفتح الواو (¬1)، كالمَشُورَة والمَشْوَرَة. قال أبو العباس: الثوابُ في الأصل معناه: ما رجع إليك من عائدة، وحقيقته (¬2): الجزاء العائد على صاحبه مُكَافأةً لما فعل، ومنه: التَثْويب في الأذان، إنما هو ترجيع الصَوْت، ولا يقال لصوتٍ مرةً واحدةً: تثويب، ويقال: ثوّب الداعي: إذا كرر دعاه كما قال: إذا الداعي المُثَوّبُ قال: يالا (¬3) والثوب مشتقّ من هذا، لأنه ثاب لباسًا بعد أن كان قُطنا أو غزلا (¬4). وقوله تعالى: {لَمَثُوبَةٌ} في موضع جواب لو؛ لأنه ينبئ عن قولك: لأثيبُوا، فَحُذِفَ الجواب، وجُعل قوله: {لَمَثُوبَةٌ} بدلًا منه، واللامُ فيه لام الابتداء (¬5). ¬

_ (¬1) المثْوَبة: بفتح الواو شاذ كما قال اللحياني. ينظر: "اللسان" 1/ 519، (مادة: ثوب). (¬2) في (أ)، (ش): (والحقيقة). (¬3) البيت نسب لزهير بن مسعود الضبي، ينظر: "لسان العرب" 8/ 4976 (مادة: يا) غير منسوب. "المعجم المفصل" 6/ 81. ونسب إلى الفرزدق في "لسان العرب" 7/ 4105 (لوم). (¬4) ينظر: "تفسير الطبري" 1/ 468، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 206، "تهذيب اللغة" 1/ 463 (مادة- ثاب)، "المفردات" للراغب الأصبهانى 89، "مقاييس اللغة" 1/ 393، وقال: الثاء والواو والباء قياس صحيح من أصل واحد وهو العود والرجوع. (¬5) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 187 و"البحر المحيط" 1/ 335، وقد ذكر الطبري في "تفسيره" 1/ 468 أن بعض نحوي البصرة يرد ذلك، ويرى أن الجواب (لمثوبة).

104

ومعنى الآية: أن ثواب الله خير لهم من كسبهم بالكفر والسحر (¬1). 104 - قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا} يقال: أرعى إلى الشيء، وراعاه: إذا أصغى إليه، مثل: عافاه وأعفاه. قال الفراء: هو من الإرعاء والمراعاة (¬2). وقال أبو العباس أحمد بن يحيى: راعِنا سمعَك، أي: اسمع منّا حتى نفهمَك وتفهمَ عنّا، والعرب تقول: أرْعِنا سمعَك، وراعِنا سمعَك بمعنى واحد (¬3). وأصل الكلمة من الرعاية (¬4)، الذي هو الحفظ، فمعنى أرعيته سمعي، أي: حفظت عليه ما يقول. والمراعاة: المراقبة لأنها حفظ ما يكون من أحوال الشيء، والإرعاء: الإبقاء على أخيك؛ لأنك تحفظ ما تقدم من حقه. (¬5) قال الكلبي: عن ابن عباس: كان المسلمون يقولون للنبي - صلى الله عليه وسلم -: راعِنا سمعك، وكان هذا بلسان اليهود سبًّا قبيحًا، فلما سمعوا هذه الكلمة ¬

_ (¬1) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 187، وينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1087، و"مشكل إعراب القرآن" 1/ 108، و"التبيان" ص 81، و"البحر المحيط" 1/ 335. (¬2) "معاني القرآن" للفراء 1/ 69. (¬3) نقله عنه في "تهذيب اللغة" 2/ 1430، (مادة: رعن). (¬4) ذكر الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 188 أن في (راعنا) ثلاثة أقوال: أحدها: راعنا، من أرعنا سمعك. والثاني: من المراعاة والمكافأة، فقيل لهم: لا تقولوا: راعنا، أي: كافئنا في المقال، كما يقول بعضهم لبعض، وقولوا أنظِرنا، أي: أمهلنا، واسمعوا، كأنه قيل لهم استمعوا. والثالث: راعنا، كلمة تجري على الهزء والسخرية، فنهي المسلمون أن يتلفظوا بها بحضرة النبي - صلى الله عليه وسلم -. (¬5) ينظر: "تهذيب اللغة" 2/ 1430، "المفردات" للراغب204، "مقاييس اللغة" 2/ 407، "البحر المحيط" 1/ 336، "تاج العروس" 18/ 238 (رعن).

يقولونها لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعجبتهم، وكانوا يأتونه ويقولون ذلك، ويضحكون فيما بينهم، فسمعها سعد بن معاذ (¬1)، وكان يعرف لغتهم، فقال: عليكم لعنة الله، لئن سمعتُها من رجلٍ منكم يقولها لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - (¬2) لأضربنَّ عنقه، فقالت اليهود (¬3): أولستم تقولونها؟ فأنزل الله هذه الآية، ونُهوا عن ذلك (¬4). وهذا النهي اختص بذلك الوقت؛ لإجماع الأمة على جواز المخاطبة بهذه اللفظة الآن. ¬

_ (¬1) سعد بن معاذ بن النعمان الأنصاري الأشهلي، أبو عمرو سيد الأوس، شهد بدرًا، واستشهد من سهم أصابه بالخندق، ومناقبه كثيرة. ينظر: "تقريب التهذيب" ص 230 (2255) ط. دار الرسالة. (¬2) من قوله: أعجبتهم ... ساقطة من (ش). (¬3) ساقطة من (ش). (¬4) أخرجه أبو نعيم في "دلائل النبوة" 1/ 47 من طريق عبد الغني بن سعيد عن موسى ابن عبد الرحمن عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس، وعن مقاتل عن الضحاك عن ابن عباس، والإسنادان ضعيفان كما ذكرت في الدراسة. وذكر الثعلبي القصة ولم يسندها لأحد 1/ 1087 وكذا قال مقاتل في "تفسيره". وذكره الواحدي في "أسباب النزول" ص 36، عن عطاء عن ابن عباس، والسيوطي في "لباب النقول" ص 19 وفي "الدر" 1/ 195 - 196 وعزاه لأبي نعيم في "الدلائل". ويشهد له ما أخرجه الطبري 1/ 469 عن قتادة بمعناه، وذكره ابن حجر في "العجاب" 1/ 344، وفي "فتح الباري" 8/ 163 وقال: وروى أبو نعيم في "الدلائل" بسند ضعيف جداً عن ابن عباس. والصحابي الذي ذكره الواحدي في "أسباب النزول" هو سعد بن عبادة، وكذا هو عند مقاتل في "تفسيره" 1/ 59. وهناك أسباب أخرى وردت في نزول الآية، ذكرها الطبري 1/ 470، وابن أبي حاتم 1/ 196، والسيوطي في "الدر" 1/ 195 - 196.

وقوله تعالى: {وَقُولُوا انْظُرْنَا} أي: انتظرنا والعرب تقول: نظرت فلانًا، أي: انتظرته، قال الحطيئة: وقد نَظَرْتُكُمُ إبناءَ صَادِرةٍ (¬1) ومعنى (انظرنا) هاهنا: اصبر حتى نفهمك ما نقول، ويجوز أن يكون (انظرنا) أي: انظر إلينا، فحذف حرف الصفة، كقول قيس بن الخطيم (¬2): ظاهراتُ الجَمال والحُسْنِ ينظُرنَ ... كما ينظرُ الأراكَ الظباءُ (¬3) ¬

_ (¬1) عجز البيت: للخمس طال بها حَوْزي وتنساسي في "ديوانه" ص 106، "تفسير الطبري" 1/ 473، "لسان العرب" 7/ 4466، "المعجم المفصل" 4/ 71، وفي رواية: للورد بدل للخمس والشطر الأول عند الطبري إعشاء: بدل إيناء. وهذه قصيدة مدح بها الحطيئة بغيض بن عامر بن شمّاس ويهجو الزبرقان بن بدر. والإيناء: مصدر آنيت الشيء: إذا أخرته. والصادرة: الإبل التي تصدر على الماء والخمس: من أظماء الإبل، وهو أن تظل في المرعى بعد يوم ورودها ثلاثة أيام ثم ترد في الرابع، والحوز: السوق اللين، والتنساس: السوق الشديد لورود الماء، والشاعر يصف طول انتظاره حين لا صبر له على طول الانتظار. (¬2) هو: قيس بن الخطيم بن عدي الأوسي، أبو يزيد، شاعر الأوس وأحد صناديدها في الجاهلية، اشتهر عنه تتبعه قاتلي أبيه وجده حتى قتلهما، أدرك الإسلام لكنه لم يسلم، قتل سنة 2 ق هـ. ينظر "جمهرة أشعار العرب" 123، و"الأعلام" 5/ 205. (¬3) نسب هذا البيت لقيس بن الخطيم كما في إحدى نسخ الثعلبي الخطية وفي بعضها بلا نسبة. "تفسير الثعلبي" 1/ 1090. وهو بلا نسبة في "أساس البلاغة" ص 454. ونسب لعبد الله بن قيس الرقيّات وهو في "ديوانه" ص 88، وينظر: "تفسير القرطبي" 2/ 54، "البحر المحيط" 1/ 339، و"الدر المصون" 1/ 332.

105

وإذا كان بتقدير: انظر إلينا كان من نظر العين (¬1). ونذكر معاني النظر عند قوله: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ} [البقرة: 210] إن شاء الله. قال: المفسرون أمروا أن يقولوا: انظرنا، بدل راعنا. وقوله تعالى: {وَاسْمَعُوا} أي: أطيعوا، أو اتركوا هذه الكلمة، فسمّى الطاعة سمعًا؛ لأن الطاعة تحت السمع (¬2). 105 - قوله تعالى: {مَا يَوَدُّ} إلى قوله {مِنْ خَيْرٍ} (من) صلة مؤكدة (¬3). وقوله تعالى: {وَاللَّهُ يَخْتَصُّ} يقال: خَصَّه بالشيء واخْتَصَّه به بمعنى واحد (¬4)، ويقال: اختَصَصْتُه بالفايدة واختصصت بها. ومعنى الاختصاص: الانفراد بالشيء، ومنه: الخَصَاص للفُرَجِ (¬5)؛ ¬

_ (¬1) ينظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 70، "تفسير الطبري" 1/ 473، "المفردات" 490 - 500، "اللسان" 7/ 4464، وقد ذكر الطبري في "تفسيره" 1/ 473 - 474: أن معناها: انظرنا وارقبنا، نفهم ما تقول لنا وتعلمنا، قال: وقد قرئ (أنظِرنا)، أي: أخرنا، ولا وجه له في هذا الموضع؛ لأن الصحابة أمروا بالدنو من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والاستماع له لا بالتأخر عنه، قال: وقد قيل: إن معناها: أمهلنا، وبيَّنَ أنها قريبة المعنى مما ذكر لكن لا يقرأ بها. انتهى ملخصًا. (¬2) "تفسير الثعلبي" 3/ 1091، و"التفسير الكبير" للرازي 3/ 225. (¬3) ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1092، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 206، "تفسير البغوي" 1/ 133. (¬4) زيادة من (ش) وقد ذكر الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1092 أن الاختصاص أوكد من الخصوص؛ لأن الاختصاص لنفسك والخصوص لغيرك. (¬5) أي: فُرَج بين الأثافي والأصابع، ينظر: "اللسان" 2/ 1173، وقال في "تهذيب اللغة" 1/ 233 - 234: وأصل ذلك من الخَصَاص، وكل خَلَلٍ أو خَرْق يكون في مُنْخل أو باب أو سحاب أو بُرقُع فهو خصَاص.

لأنه انفرد كل منهما (¬1) واحد عن الآخر من غير جمع بينها، ثم يقال لسوء الحال: الخصاصة (¬2)، لأنها خللٌ في الحال وصدع (¬3). وقوله تعالى: {بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ} أراد بالرحمة هاهنا: النبوة (¬4). وقوله تعالى: {وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} قال الليث: ذو اسم ناقص، وتفسيره: صاحب ذاك (¬5)، كقولك: ذو مال. والتثنية: ذوان، والجمع (¬6): ذوون، وتقول في تأنيث (¬7) ذو: ذات، وفي التثنية: ذواتا، وفي الشعر يجوز: ذاتا. والجمع: ذوات مال (¬8)، وأنشد للكميت: وقد عَرَفَتْ مَوَالِيها الذَّوِينَا (¬9) أي (¬10): الأخصين الأدنين، وإنما جاءت النون لذهاب الإضافة (¬11). وسمعت أبا الحسن النحوي رحمه الله يقول: أصل ذو: ذوي أو ¬

_ (¬1) زيادة من (ش). (¬2) في (ش): (خصاصة). (¬3) ينظر: "تهذيب اللغة" 2/ 1299، "المفردات" 155، "اللسان" 3/ 1476. (¬4) ينظر: "تفسير الطبري" 1/ 474 - 475، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 189. (¬5) في "تهذيب اللغة": ذلك. (¬6) في (أ) و (ش): (الجميع). (¬7) في (م): (التأنيث). (¬8) ينظر: "المفردات" 186، "البحر المحيط" 1/ 236 - 237، "القاموس" ص 1351، "الإتقان" 2/ 195. (¬9) البيت هكذا: فلا أعني بذلك أسفليكم ... ولكني أريد به الذوينا وهو للكميت بن زيد، في "ديوانه" 2/ 109، و"معجم الشعراء" 8/ 101، وما ذكره المؤلف موافق لما في "تهذيب اللغة" 2/ 1299. (¬10) في (ش): (أن). (¬11) نقله عنه في "تهذيب اللغة" 2/ 1299.

106

ذوو، فلما تحركت الواو والياء وانفتح ما قبلها صارت ألفًا فصار ذوا، ثم لما تحركت الواو وانفتح ما قبلها صارت ألفًا، فاجتمعت ألفان فحذفت إحداهما لالتقاء الساكنين، فبقي ذا فلم يمكن إعراب الألف، فجعل إعرابه في الذال، فلما أعربت الذال بالرفع انقلبت الألف واوًا، ولما أعربت بالخفض انقلبت ياء، ولما أعربت بالنصب بقيت ألفًا كما كانت. 106 - قوله تعالى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا} الآية، قال الزجاج: النسخ في اللغة: إبطال شيء وإقامة آخر مقامه. والعرب تقول: نسخت الشمسُ الظل، والمعنى: أذهبت الظلّ وحلّت محلّه (¬1). وقال غيره: تناسخ الأزمنة والقرن بعد القرن: هو مضي الأول ومجيء الثاني بعده يخلفه في محلّه. ثعلب عن ابن الأعرابي: النسخ: تبديل الشيء من الشيء، وهو غيره، والنسخ: نقل شيء من مكان إلى مكان، وهو هو (¬2) (¬3). وروى أبو تراب (¬4) عن الفراء وأبي سعيد: مسخه الله قردًا، ونسخه قردًا، بمعنى واحد (¬5) (¬6). ¬

_ (¬1) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 189. (¬2) ساقطة من (أ)، (م). (¬3) نقله عنه في "تهذيب اللغة" 4/ 3558، "اللسان" 7/ 4407، (مادة: نسخ). (¬4) لغوي من خراسان، استدرك على الخليل بن أحمد في كتاب العين، وله كتاب الاعتقاب. ينظر: "إنباه الرواة" 4/ 102. (¬5) نقله عنه في "تهذيب اللغة" 4/ 3558، (مادة: نسخ)، وعنه أيضًا في "اللسان" 7/ 4407، "تفسيرالثعلبي" 1/ 1093. (¬6) ينظر في معاني النسخ: "تفسير الطبري" 1/ 475 - 476، "تفسير القرطبي" 2/ 62، "تهذيب اللغة" 4/ 3558، (مادة: نسخ)، "اللسان" 7/ 2407، والإتقان 3/ 59، وقال صاحب "المفردات" ص 492: النسخ: إزالة شيء بشيء يتعقبه، كنسخ الشمس الظل، والظل الشمس، والشيب الشباب، فتارة يفهم منه الإزالة، وتارة يفهم منه الإثبات، وتارة يفهم منه الأمران.

وقال العلماء من أهل اللغة والتفسير (¬1): النسخ له معنيان: أحدهما: تحويلُ الكتاب من حيث هو إلى نسخة أخرى، يقال: نسخت الكتاب، أي: كتبت منه نسخة أخرى (¬2). ثم (¬3) يقال: نَسَخْتُ منه نسخة، وإن لم تُحوِّله من مكتوب إلى غيره، كأنك كتبته عن حفظك. ومن هذا قوله عز وجل {إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [الجاثية: 29]، يجوز أن يكون معناه: ننسخ، كقوله: {وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ} [الصافات: 14]، أي: يسخرون، ويجوز أن يكون معناه: نستدعي ذلك، وهو أمر الملائكة بكتابته. وعلى الوجهين جميعًا هو كتابة لا من نسخة. فعلى هذا المعنى: القرآن كله منسوخ، لأنه نُسِخَ للنبي - صلى الله عليه وسلم - من أمِّ الكتاب فأُنزل عليه. والثاني: هو رفعُ الحكم وإبطالهُ، ثم يجوز النسخ إلى بدل وإلى غير بدل. فالذي إلى بدل قولهم: نَسَختِ الشمسُ الظلَّ، فالظلُّ يزول ويبطل، ¬

_ (¬1) ينظر في ذلك: "المستصفى" للغزالي 1/ 107، و"المحرر الوجيز" 1/ 428 - 431، و"التفسير الكبير" للرازي 3/ 226، و"شرح مختصر الروضة" للطوفي 2/ 251، و"الإتقان" 3/ 59، و"إرشاد الفحول" ص183. (¬2) ساقطة من (أ)، (ش). (¬3) ساقطة من (أ).

والشمس تكون بدلًا عنه (¬1). والذي إلى غير بدل قولهم: نَسَختِ الريحُ الأثرَ، أي: أبطلتها وأزالتها. وهذا المعنى هو المراد بالآية (¬2). ثم النسخ في القرآن على ضروب: منها: ما يكون حكمه مرفوعًا، وخطُّه مثبت يتلى ويقرأ، ولا يعمل به، وهذا هو المعروف من النسخ؛ أن تكون الآية الناسخةُ والمنسوخةُ جميعًا ثابتتين في التلاوة وفي خط المصحف، إلا أن المنسوخة منهما غيرُ معمولٍ بها ثابت، فينسخ التلاوة بثابت التلاوة (¬3)، وذلك مثل: عِدّة المتوفى عنها زوجها، كانت سنّةً لقوله: {مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ} [البقرة: 240] ثم نسخت بأربعة أشهر وعشر؛ لقوله: {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [البقرة: 234] (¬4). ومثل هذا أيضا قوله: {إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ} [الأنفال: 65] الآية، ثم نسخت بقوله: {الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ} [الأنفال: 66]. ومنها: أن ترفع تلاوتها وحكمها، كنحو ما يُرْوَى عن أبي بكر - رضي الله عنه - أنه قال: كنا نقرأ: (لا ترغبوا عن آبائكم إنه كفر) (¬5). ¬

_ (¬1) ساقطة من (ش). (¬2) ينظر: "الناسخ والمنسوخ" لأبي عبيد ص 14، "تفسير الطبري" 1/ 475، "المحرر الوجيز" 428 - 431، "تفسير القرطبي" 2/ 55 - 61. (¬3) (بثابت التلاوة) ساقطة من (ش). (¬4) سيأتي بيان حقيقة النسخ في هذه الآية عند "تفسيره". (¬5) الحديث أخرجه أبو عبيد في "فضائل القرآن" ص 193، وأبو داود الطيالسي ص 12 عن عمر بن الخطاب، ونقله السيوطي عنه في "الإتقان" 3/ 74، وانظر: "كنز العمال" 2/ 285، وذكره في "الحجة" 2/ 180، وينظر: "تفسير القرطبي" 2/ 55 - 56، وأخرجه ابن الضريس عن ابن عباس كما في "الدر المنثور" 1/ 197 - 198.

ومنها: أن ينسخ تلاوته ولا تنسخ حكمه، كآية الرجم، فإنها منسوخة تلاوة، ثابتة حكمًا (¬1). ومنها: أن يُنْسخ ما ليس بثابت التلاوة (بما ليس بثابت التلاوة) (¬2) مثل: ما روي عن عائشة رضي الله عنها. قالت: إنا كنا نقرأ: "عشر رضعات معلومات يُحَرّمن"، فنسخن بخمس (¬3). وقد ينسخ أيضا ما ليس بثابت التلاوة بما هو ثابت التلاوة والمراد بالمنسوخ: الحكم، مثل: نسخ تحليل الخمر، وكتحريم الزنا، وهذا كثير. ويجوز أيضا نسخ ما هو ثابت التلاوة بما (¬4) ليس بثابت التلاوة، وهو كنسخ الجلد في المحصنين بالرجم، والرجم غير متلو الآن، وإن (¬5) كان يتلى على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (¬6)، فالحكم يثبت والقراءة لا تثبت، كما يجوز أن تثبت التلاوة في بعض ولا يثبت الحكم. وإذا جاز أن يكون قرآن ولا يعمل به جاز أن يكون قرآن يعمل به ولا يتلى؛ وذلك أن الله عز وجل أعلم بمصالحنا، وقد يجوز أن يعلم من مصلحتنا ¬

_ (¬1) ساقطة من (أ)، (م). (¬2) ساقطة من (ش). (¬3) أخرجه مسلم (1452) كتاب الرضاع، باب التحريم بخمس رضعات. (¬4) (بما هو ليس) في (م). (¬5) في (ش): (قد). (¬6) ينظر حديث عمر في آية الرجم المنسوخة لفظًا عن ابن عباس عند البخاري (6830) كتاب الحدود، باب: رجم الحبلى من الزنا إذا أحصنت، ومسلم (191) كتاب الحدوث، باب: رجم الثيب في الزنا. ينظر: "الإتقان" 3/ 73.

تعلّق العمل بهذا الوجه. قال أبو إسحاق: إن قيل: ما الفصل (¬1) بين الترك والنسخ؟ فالجواب في ذلك: أن النسخ أن يأتي في الكتاب نسخ آية بآية، فتبطِلَ الثانيةُ العمل بالأولى. ومعنى الترك: أن تأتي الآية بضرب من العمل فيؤمر المسلمون بترك ذلك بغير آية تنزل ناسخةً للتي قبلها، نحو قوله: {إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ} [الممتحنة: 10]، ثم أُمر المسلمون بعد بترك المحنة، فهذا يدل على معنى الترك ومعنى النسخ (¬2). فأبو إسحاق فصل بين النسخ والترك كما ترى، وجعلهما قسمين. قال أبو علي (¬3): ليس حقيقهُ النسخ ما ذكره أبو إسحاق، بل هو ضرب من النسخ، وقد يكون نسخ الآية على (¬4) ضروب أخر، وما أعلم في النسخ روايةً ولا قياسًا يدل على أنه مقصور على ما ذكر، وقد ينسخ القرآن عند عامةِ الفقهاء بسنَّةٍ غير آية، ولا يمتنعون من أن يسمّوا ذلك نسخًا، ولا يمتنع أن يسمّى الضرب الذي سماه أبو إسحاق تركًا نسخاً. ¬

_ (¬1) في "معاني القرآن" للزجاج: ما الفرق. (¬2) بتصرف من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 190. (¬3) أي: في "الحجة" 2/ 201 وما بعدها. (¬1) ساقطة من (أ)، (م).

ومما (¬1) يدل على ذلك: أن الزهري روى عن عروة عن عائشة، قالت: نزل في أصحاب بئر معونة (¬2) قرآن منه: "بلّغوا قومنا أن قد لقينا ربَّنا فرضِيَ عنّا وأرضاناً"، دم نسخ (¬3)، فسمّت عائشة ذلك نسخًا، وإن لم ينسخ بآية، ولم تُسمّه تركًا، وهذا يفسد القسمين اللذين قسمهما (¬4). قال أبو علي: ولم يثبت بتسمية النسخ ومعناه رواية نعلمها عن العرب، ولا سماع، ولا قياس، وإن المفسرين قالوا فيه على طريق التقريب. الذي يدل على هذا: أن الفراء قال: النسخ: أن يعمل بالآية ثم تنزل أخرى فيعمل بها، وتترك (¬5) الأولى. ¬

_ (¬1) في (أ)، (م): (وما). (¬2) بئر معونة: وقعة في صفر من السنة الرابعة، قتل فيها أربعون من خيار أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، بعثهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دعاة إلى الله فغدرت بهم قبائل رِعل وذكوان وعصية عند بئر معونة. ينظر: "سيرة ابن هشام" 3/ 184 - 190 تحقيق: همام سعيد. (¬3) حديث عائشة. وجاء هذا أيضًا من رواية أنس رواه البخاري (4090) كتاب المغازي، باب: غزوة الرجيع ورعل وذكوان وبئر معونة، ومسلم (677) كتاب المساجد، باب: استحباب القنوت في جميع الصلاة إذا نزلت بالمسلمين نازلة. (¬4) (¬5) من "الحجة" 2/ 201.

والقراءة الصحيحة: {مَا نَنْسَخْ} وقرأ ابن عامر (¬1) وحده (ما نُنْسِخْ) بضم النون (¬2)، وخَطَّأهُ في ذلك أبو حاتم (¬3) (¬4) وكثير من أهل النظر (¬5). والذين وجهوا هذه القراءة قالوا: أفعَلَ لا يخلو من ثلاثة (¬6) أوجه: أحدها (¬7): أن تكون (¬8) لغة (¬9) في فعل كقولهم: حلَّ من إحرامه، وأَحَلّ، وبدأ الله الخلق وأبدا هم، ولا يجوز هذا الوجه في أنسخ؛ لأنا لا نعلم أحدًا حكى أو روى أنسخ بمعنى: نسخ. الوجه الثاني: أن تكون الهمزة للنقل، كقوله: قام وأقمته، وضرب وأضربته (¬10)، ونسخ الكتاب وأنسخته الكتاب، وهذا الوجه أيضًا كالأول ¬

_ (¬1) هو: أبو عمران عبد الله بن عامر اليحصبي، إمام أهل الشام في القرآن، وأحد القراء السبعة، أخذ القراءة من المغيرة بن أبي شهاب اليحصبي عن عثمان بن عفان -رضي الله عنه-، توفي سنة 118هـ. ينظر: "معرفة القراء الكبار" 1/ 82، و"السبعة" ص 85. (¬2) قرأ ابن عامر من غير طريق الداجوني عن هشام: (ما نُنْسِخ) بضم النون، والباقون بالفتح. ينظر: "السبعة" 168، "النشر" 2/ 219 - 220، و"معاني القراءات" للأزهري ص 60، "الحجة في القراءات السبعة" 86 تحقيق: عبد العال سالم مكرم. (¬3) هو: سهل بن محمد الجشمي السجستاني، من أئمة القراءة واللغة، تقدمت ترجمته. (¬4) ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1102، "تفسير القرطبي" 2/ 55، "الدر المصون" 1/ 334. (¬5) قال السمين الحلبي في "الدر المصون" 1/ 334: وهذا جراءة منه على عادته. (¬6) في (ش): (لا يخلو هذه أوجه). (¬7) في (ش): (أحدهما). (¬8) في "الحجة" أن تكون (أفعل) لغة في هذا الحرف. (¬9) ساقطة من (م). (¬10) في (ش): (وضربته).

في أنه لا يجوز حمل الآية عليه؛ لأنك لو قدرت الهمزة للنقل كان المعنى ما ننسخك من آية، فتجعل (¬1) المفعول محذوفًا من اللفظ مرادًا في المعنى، كقولك: ما أعطيت من درهم فلن يضيع عندك، على معنى: ما أعطيتك، وإذا كان على هذا التقدير، كان المعنى: ما نُنَزِّلُ عليك من آية أو ننسها نأت بخير منها، وذلك أن إنساخه إياها إنما هو إنزال في المعنى، لأنه تمكين من نسخها بالكتابة، وإنما يتمكن بأن ينزل عليه، وليس هذا المراد بالآية ولا المعنى، ألا ترى أنه ليس كل آية أنزلت أُتي بآية أذهب منها في المصلحة، وإذا كان هذا التأويل يؤدي إلى الفساد في المعنى والخروج عن الغرض الذي قصد به الخطاب علمت أن توجيه التأويل إليه لا يصح (¬2). الوجه الثالث: أن يكون المعنى في أنسخت الآية: وجدتها منسوخة، كقولهم: أَجَدْتُ الرجل، وأَجْبَنْتُه، وأكذَبْتُهُ، وأَبْخَلْتُه، أي: أصبتُه على هذه الأحوال، فيكون معنى قوله (نُنسخْ): نجده منسوخًا، وإنما (¬3) نجده كذلك ¬

_ (¬1) في (ش): (فجعل). (¬2) عبارة أبي علي في "الحجة" 2/ 185 هكذا: وذلك أن إنساخه إياها إنما هو إنزال في المعنى، ويكون معنى الإنساخ أنه منسوخ من اللوح المحفوظ أو من الذكر، وهو، الكتاب الذي نسخت الكتب المنزلة منه، وإذا كان كذلك فالمعنى: ما ننزل من آية، أو ما ننسخك من آية أو ننسها؛ لأن ابن عامر يقرأ: (أو نُنسها نأت بخير منها أو مثلها) وليس هذا المراد ولا المعنى، ألا ترى أنه ليس كل آية أنزلت أتي بآية أذهب منها في المصلحة فإذا كان تأويلها هذا التأويل يؤدي إلى الفساد في المعنى والخروج عن الغرض الذي قصد به الخطاب علمت أن توجيه التأويل إليه لا يصح، وإذا لم يصح ذلك ولا الوجه الذي ذكرناه قبله، ثبت أن وجه قراءته على القسم الثالث. (¬3) في (ش): (وأما).

لنسخه إياه، وإذا كان كذلك كان قوله: نُنسخ بضم النون كقراءة من قرأ: (نَنسخ) بفتح النون يتفقان في المعنى وإن اختلفا في اللفظ (¬1). وقوله تعالى: {نُنْسِهَا} قرأ ابن كثير (¬2) وأبو عمرو: (نَنْسَأها) مفتوحة النون مهموزة (¬3). قال أبو زيد: نسأتُ الإبل عن الحوض، فأنا أنسؤها نَسْأً، إذا أخَّرْتَها عنه، ونسأت الإبل: إذا زدتَ في ظمئها يومًا أو يومين أو أكثر، وتقول: انتسأتُ عنك انتساء: إذا تباعدتَ (¬4) عنه (¬5)، وفي الحديث: "إذا تناضلتم ¬

_ (¬1) انتهى كلام أبي علي ملخصًا من "الحجة" 2/ 184 - 186، وينظر: "المحرر الوجيز" 1/ 428 - 429، ونقله القرطبي 2/ 54 - 56، قال أبو حيان في "البحر" 1/ 342 معلقا على كلام أبي علي: فجعل الهمزة في النسخ ليست للتعدية، وإنما أفعل لوجود الشيء بمعنى ما صيغ منه، وهذا أحد معاني أفعل المذكورة فيه فاتحة الكتاب، وجعل الزمخشري الهمزة فيه للتعدية، قال: وإنساخها: الأمر بنسخها، وهو أن يأمر جبريل بأن يجعلها منسوخة بالإعلام بنسخها وقال ابن عطية: التقدير: ما ننسخك من آية، أي: ما نبيح لك نسخه، كأنه لما نسخه الله أباح لنبيه تركها بذلك النسخ، فسمى تلك الإباحة إنساخا (فالهمزة عنده للتعدية). وخرج ابن عطية هذه القراءة على تخريج آخر، وهو أن تكون الهمزة فيه للتعدية أيضًا، وهو من نسخ الكتاب، وهو نقله من غير إزالة له، قال: ويكون المعنى: ما نكتب وننزل من اللوح المحفوظ، أو ما نؤخر فيه ونترك فلا ننزله، أي ذلك فعلنا فإنا نأتي بخير من المؤخر المتروك أو بمثله الخ وتعقبه أبو حيان. انتهى ملخصًا من "البحر المحيط". (¬2) هو: أبو معبد عبد الله بن كثير الداري المكي، أحد القراء السبعة المشهورين، تقدمت ترجمته 2/ 41 - 42. (¬3) ينظر: "السبعة" ص 168، "النشر" 2/ 220. (¬4) في (ش): (أخرتها). (¬5) نقله عنه في "الحجة" لأبي علي 2/ 187.

فانتسئوا عن البيوت" (¬1) أي: تباعدوا. وقال: مالك بن زُغْبة (¬2): إذا أَنْسَؤُوا فوتَ الرماح أتَتْهُمُ ... عوائرُ نَبْلٍ كالجرادِ نُطِيرُها (¬3) وأنسأته الدين إنساءً: إذا أخرت قضاءه عنه. واسم ذلك: النسيئة، فمعنى قوله: (ننسأها) أي: نؤخرها (¬4). ومعنى التأخير في الآية على ثلاثة أوجه: أحدها: أن يؤخر التنزيل (¬5) فلا ينزل ألبتَّة، ولا يُعْلَم، ولا يُعْمَل به، ولا يتلى، والمعنى على هذا: ما نؤخر (¬6) إنزالها فلا ننزِلُها (¬7). الوجه الثاني: أن ينزلَ القرآن فيعمل به ويتلى، ثم يؤخر بعد ذلك، بأن يُنْسخ فترفع (¬8) تلاوته ألبتّة، فلا يتلى ولا يعمل بتأويله، وذلك مثل ما روينا عن أبي بكر (¬9) - رضي الله عنه - ومثل ما روي عن زر أن أُبَيًّا قال له: كم تقرؤون الأحزاب؟ قلت: بضعًا وسبعين آية، قال: قد قرأتها ونحن مع ¬

_ (¬1) ذكره ابن الأثير في "النهاية" بلفظ: "ارموا فإن الرمي جلادة، وإذا رميتم فانتسوا عن البيوت" أي: تأخروا وصوب: انتسئوا، وعزاه للهروي. ينظر: "النهاية" 5/ 45، "اللسان" 1/ 392 - 393 ومعنى تناضلتم: تراميتم للسبق. (¬2) هو: مالك بن زغبة، من بني قتيبة بن معن، من باهلة، حدثت معركة قبلية جاهلية ضد بني الحارث بن كعب وبني نهد وبني جرم، نظم فيها أبياتا. ينظر: "خزانة الأدب" 8/ 132، و"البرصان والعرجان" ص 459. (¬3) ينظر: "لسان العرب" 5/ 3617، (مادة: عور)، 5/ 3187، (مادة: عير)، 7/ 4404، (مادة: نسأ)، "المعجم المفصل" 3/ 371. (¬4) ينظر: "الحجة" لأبي علي 2/ 187، "تهذيب اللغة" 4/ 3556، "اللسان" 7/ 4403. (¬5) في (ش): (المنزل). (¬6) في (ش): (يؤخر). (¬7) في (ش): (فلا ينزلها). (¬8) في (ش): (فترفع). (¬9) تقدم تخريجه.

رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أطول من سورة البقرة (¬1). والوجهُ الثالث: أن يؤخر العملُ بالتأويل؛ لأنه نسخ، ويترك خَطه مُثبتًا وتلاوته في أن يُتلى قُرآن (¬2). وهو ما حكي عن مجاهد في قوله: (أو ننساها) قال: نُثْبت (¬3) خطها ونُبَدّل حكمها (¬4) (¬5). ولا يصح في معنى الآية من هذه الأوجه إلا الأول؛ لأن الثاني والثالث يرجع تأويلهما إلى النسخ، ولا يَحسُن في التقدير: ما نَنْسَخْ من آية أو نَنْسَخْها. وذُكر وجه رابع، هو أقوى هذه الأوجه، وهو: أن يكون المعنى: نؤخرها إلى وقت ثانٍ، فنأتي بدلًا منها في الوقت المتقدم بما يقوم مقامها، فعلى هذا يتوجّه معنى التأخير (¬6). ¬

_ (¬1) رواه عبد الله بن الإمام أحمد في: "زوائد المسند" 5/ 132، والنسائي في "السنن الكبرى" (7150)، وأخرجه أبو عبيد في "فضائل القرآن" ص 190، ونقله عن أبي عبيد: السيوطي في "الإتقان" 3/ 72، وذكره القرطبي 2/ 56، وقال ابن كثير في "تفسيره" ص 1350: وهذا إسناد حسن. (¬2) في "الحجة": وتلاوته قرآن يتلى. (¬3) في (م): (ثبت). (¬4) رواه الطبري في تفسيره عن مجاهد 1/ 475 وذكره أبو علي في "الحجة" 2/ 187 وينظر في هذه القراءة وغيرها: "تفسير الثعلبي" 1/ 1104، وما بعدها، و"المحتسب" 1/ 103، و"المختصر" لابن خالويه ص 9، و"تفسير ابن عطية" 1/ 428 - 429، و"البحر المحيط" 1/ 343. (¬5) هذا كلام أبي علي في "الحجة" 2/ 187 - 188 بمعناه. (¬6) قال ابن عطية في "المحرر الوجيز" 1/ 428 - 429: وهذه القراءات لا تخلو كل واحدة منها أن تكون من النسء أو الإنساء بمعنى التأخير، أو تكون من النسيان. والنسيان في كلام العرب يجيء في الأغلب ضد الذكر، وقد يجيء بمعنى الترك،=

وأما من قرأ: (نُنسها) فهو منقول من نسي، والنسيان له معنيان: أحدهما: الترك كقوله: {نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ} [التوبة: 67]، أي: تركوا طاعة الله فترك رحمتهم، أو ترك تخليصهم. والثاني: الذي هو ضد الذكر (¬1). ¬

_ = فالمعاني الثلاثة مقولة في هذه القراءات، فما كان منها يترتب في لفظة النسيان الذي هو ضد الذكر، فمعنى الآية: ما ننسخ من آية أو نقدر نسيانك لها فتنساها حتى ترتفع جملة وتذهب، فإنا نأتي بما هو خير منها لكم، أو مثله في المنفعة. وما كان من هذه القراءات يحمل على معنى الترك فإن الآية معه تترتب فيها أربعة معان: أحدها: ما ننسخ على وجوه النسخ أو نترك غير منزل عليك فإنا لابد أن ننزل رفقاً بكم خيرًا من ذلك أو مثله، حتى لا ينقص الدين عن حد كماله. والمعنى الثاني: أو نترك تلاوته وإن رفعنا حكمه فيجيء النسخ على هذا: رفع التلاوة والحكم. والمعنى الثالث: أو نترك حكمه وإن رفعنا تلاوته، فالنسخ أيضا على هذا: رفع التلاوة والحكم. والمعنى الرابع: أو نتركها غير منسوخة الحكم والتلاوة، فالنسخ على هذا المعنى: هو على جميع وجوهه، ويجيء الضميران في منها، أو مثلها، عائدين على المنسوخة فقط، وكأن الكلام: إن نسخنا أو أبقينا فإنا نأتي بخير من المنسوخة أو مثلها. وما كان من هذه القراءات يحمل على معنى التأخير، فإن الآية معه تترتب فيها المعاني الأربعة التي في الترك: أولها: ما ننسخ أو نؤخر إنزاله. والثاني: ما ننسخ النسخ الأكمل أو نؤخر حكمه وإن أبقينا تلاوته. والثالث: ما ننسخ النسخ الأكمل أو نؤخر تلاوته وإن أبقينا حكمه. والرابع: ما ننسخ أو نؤخره مثبتا لا ننسخه، ويعود الضميران كما ذكرنا في الترك، وبعض هذه المعاني أقوى من بعض، لكن ذكرنا جميعها لأنها تحتمل، وقد قال جميعها العلماء، إما نصًا، وإما إشارةً، فكملناها. (¬1) من كلام أبي علي في "الحجة" 2/ 188 بمعناه.

والذي في هذه الآية منقول من: نسيتُ الشيء إذا لم تذكره، ومعناه: أنَّا إذا رفعنا آية من جهة النسخ أو الإنساء لها أتينا بخير من الذي نرفع بأحد هذين الوجهين وهما النسخ والإنساء (¬1). وقد يقع النسخ بالإنساء، وهو ما حدث أبو أمامة بن سهل بن حنيف (¬2): أن رجلًا كانت معه سورة، فقام يقرؤها من الليل، فلم يقدر عليها، وقام آخر يقرؤها، فلم يقدر عليها، فلما أصبحوا أتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال بعضهم: يا رسول الله، قمت البارحة لأقرأ سورة كذا، فلم أقدر عليها، وقال الآخر: يا رسول الله، ما جئت إلا لذلك (¬3)، وقال الآخر: وأنا يا رسول الله، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إنها نسخت البارحة" (¬4). ¬

_ (¬1) بمعناه من كلام أبي علي في "الحجة" 2/ 192،193. (¬2) أبو أمامة أسعد بن سهل بن حُنَيف، وقيل: سعد بن سهل الأنصاري: معروف بكنيته، معدود في الصحابة، له رؤية، ولم يسمع من النبي - صلى الله عليه وسلم -، مات سنة 100 ينظر: "الاستيعاب" 1/ 176 و"التقريب" 104 (402). (¬3) في (ش): (كذلك). (¬4) أخرجه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" برقم [17]، من طريق عبد الله بن صالح عن الليث عن عُقَيل ويونس عن ابن شهاب، ورواه الثعلبي في "تفسيره" من طريقه 1/ 1097 وأخرجه الطحاوي في "مشكل الأثار" 2/ 273 والواحدي في "الوسيط" 1/ 189 وابن الجوزي في "نواسخ القرآن" ص 23 من طريق شعيب بن أبي حمزة الحمصي عن الزهري، به نحوه. وذكره السيوطي في "الدر" 1/ 197 - 198 وعزاه لأبي داود في "ناسخه" وابن المنذر، وابن الأنباري في "المصاحف"، وأبي ذر الهروي في "فضائله"، والبيهقي في "الدلائل". وله شاهد عن ابن عمر بنحوه قال فيه ابن كثير في تفسيره فيه سليمان بن أرقم: ضعيف رواه الطبراني في "الأوسط" 7/ 156 وفي "الكبير" 12/ 288 ورواه عبد الرزاق في "المصنف" 3/ 263، وينظر، "مشكل الأثار" 2/ 273، وقد حسنه د. خالد العنزي في تعليقه على الثعلبي 1/ 1099 وهو من مراسيل الصحابة، وهي حجة، ينظر: "تدريب الراوي" 1/ 207.

ومعنى قوله: {نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا} أي: أصلح لمن تعبّد بها، وأنفع لهم، وأسهل عليهم، وأكثر لأجرهم، لا أن آيةً خيرٌ من آية؛ لأن كلام الله عز وجل واحد، وكله خيرٌ (¬1). {أَوْ مِثْلِهَا} في المنفعة والمثوبة، بأن يكون ثوابها كثواب التي قبلها (¬2). والفائدة في ذلك: أن يكون الناسخُ أسهلَ في المأخذ من المنسوخ، والإيمان به والناس إليه أسرع، نحو القبلة التي كانت على جهة ثم حولت إلى الكعبة، فهذا وإن كان السجود إلى سائر النواحي متساويًا في العمل والثواب، فالذي أمر الله به في ذلك الوقت كان الأصلح والأدعى للعرب وغيرهم إلى الإسلام. واعلم أن هذه الآية قد اضطرب فيها المفسرون وأصحاب المعاني والقراء، واختلفت أقوالهم وقراءاتهم. وكثرة الاختلاف تدل على الإشكال وخفاء المغزى، وقلَّ من أصاب الشاكلة منهم (¬3). فالفراء أشار في هذه الآية إلى قولين زَلَّ في أحدهما، وذلك أنه قال: النسيان على وجهين: أحدهما: على الترك، يتركها ولا ينسخها (¬4). وهذا لا يصح؛ لأنه ¬

_ (¬1) "تفسير الثعلبي" 1/ 1109. (¬2) "تفسير الثعلبي" 1/ 1109. (¬3) ينظر: "تفسير الطبري" 1/ 475، و"المحرر الوجيز" 1/ 428 - 441، و"التفسير الكبير" 3/ 231، و"البحر المحيط" 1/ 344. (¬4) "معاني القرآن" للفراء 1/ 64 - 65 قال: والوجه الآخر من النسيان الذي ينسى، كما قال الله: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ} وكان بعضهم يقرأ (أو ننسأها)، بهمز، يريد: نؤخرها من النسيئة، وكل حسن.

107

ليس كل آية تُركت ولم تنسخ يؤتى بخير منها (¬1). قال الزجاج: وهو فاسد من جهة اللفظ، وذلك النسيان يكون بمعنى الترك، وفي الآية (ننسها) من الإنساء لا من النسيان، فالإنساء لا يكون بمعنى الترك (¬2). ونصر أبو علي الفارسي في كتاب الحجة قول الفراء، وأَفَسَدَ كل ما ذكره أبو إسحاق في هذه الآية في كتابه، وطال الخطبُ بينهما، فضربت عن ذكره صفحًا (¬3). وكثير من المفسرين حمل النسخ المذكور في الآية على معنى: نسخ الكتاب من الكتاب. فقد حكي عن عدة منهم أنهم قالوا: يريد بالنسخ ما نسخه الله لمحمد - صلى الله عليه وسلم - من اللوح المحفوظ فأنزله عليه، وهذا ظاهر الإحالة؛ لأنه ليس كل آية نسخت للنبي - صلى الله عليه وسلم - من اللوح المحفوظ، فأنزلت عليه (¬4) يؤتيه الله ويأتيه بخير منها، ولو كان كذلك لتسلسل الوحي حتى لا يتناهى (¬5). وقوله تعالى: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} أي: من النسخ والتبديل وغيرهما (¬6). 107 - قوله تعالى: {أَلَمْ تَعْلَمْ} هو استفهام معناه التوقيف والتقرير (¬7)، كقوله: ¬

_ (¬1) ينظر هذا التعقب عند أبي علي في "الحجة" 2/ 192. (¬2) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 189 - 190. (¬3) ينظر: "الحجة" لأبي علي 2/ 192 - 252. (¬4) في (ش): (فأنزلت عليه)، وهذا ظاهر الإحالة، وهو تكرار. (¬5) ينظر: "الناسخ والمنسوخ" لابي عبيد ص 7، "تفسير الطبري" 1/ 477 - 478، ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 200 - 201، "تفسير القرطبي" 1/ 54 - 56. (¬6) "تفسير الثعلبي" 1/ 1109. (¬7) من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 191، وينظر: "الوسيط" 1/ 190.

108

أَلَسْتم خير من ركب المطايا (¬1) أي: أنتم كذلك. وقوله تعالى: {مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} الملك: تمام القدرة واستحكامها (¬2)، وقد مرَّ. ومعنى الآية: أنه يملك السماوات والأرض ومن فيهن، وهو أعلم بوجه الصلاح فيما يتعبدهم به من ناسخ ومنسوخ (¬3). وقوله تعالى: {مِنْ وَلِيٍّ} هو فعيل بمعنى الفاعل (¬4)، يقال: هو والي الأمر ووليُّه، أي: القائم به والذي يلي عليه (¬5). وشرحنا (¬6) معنى الولي عند قوله: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا} [البقرة: 257] ومعنى: {وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ} تحذير العباد من عذابه، إذ لا مانع منه (¬7). 108 - قوله تعالى: {أَمْ تُرِيدُونَ} الآية، قد ذكرنا بعض أحكام أم في قوله: {أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ} [البقرة: 6]، (¬8) والذي بقي هاهنا أن أم تقع (¬9) ¬

_ (¬1) عجزالبيت: وأندى العالمين بطون راح وهو لجرير، في "ديوانه" ص 85، وفي "المجموع شرح المهذب"10/ 298، "المعجم المفصل" 2/ 133، وانظر 2/ 363. (¬2) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 191، وينظر: "الوسيط" 1/ 190. (¬3) نفسه. (¬4) انظر: "البحر المحيط" 1/ 345. (¬5) ينظر: "الوسيط" 1/ 190. (¬6) يعنى: سيأتي شرحه. (¬7) ينظر: "الوسيط" 1/ 190. (¬8) "البسيط" 1/ 474 - 475 تحقيق: الفوزان. (¬9) في (ش): (تقطع).

عاطفة بعد الاستفهام، كقولك: أخرج زيدٌ (¬1) أم عمرو؟ وأَزَيدٌ عندك أم عمرو؟، فيكون معنى الكلام: أيهما عندك؟، ولا تكاد تكون عاطفة إلا بعد الاستفهام (¬2). قال الفراء: ويجوز أن يستفهم بها، فتكون (¬3) على جهة النسق في ظاهر اللفظ، وفي المعنى تكون استفهامًا مبتدأً به، منقطعًا مما قبله، وذلك مثل قوله تعالى: {الم (1) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ} [السجدة:1 - 3]. فجاءت (أم) وليس قبلها استفهام، وهي دليل على أنها استفهام مُبتدأ على كلام قد سبقه (¬4)، وتقديره: بل أتقولون افتراه، فلو لم يتقدمه كلام لم يجز أن تستفهمَ مبتدئا كلامك بـ (أم)، ولا يكون إلا بالألف أو بهل، فأم استفهام متوسط والمتقدم يكون بالألف أو بهل (¬5). فأما قوله {أَمْ تُرِيدُونَ} فيجوز فيه الوجهان جميعًا، إن شئت قلت قبله استفهام رُدَّ عليه، وهو قوله: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ} (¬6). فإن قيل: كيف يُرَدّ (أم تريدون) عليه والأول خطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم -، والثاني خطاب للجماعة؟ قيل: الله تعالى رجع في الخطاب من التوحيد إلى الجمع، وما خوطب به عليه السلام فقد خوطب به أُمّته، فيكتفى به من أُمّته، كقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ} [الطلاق: 1]، فوحَّد ثم جَمَعَ، ¬

_ (¬1) في (ش): (زيدًا). (¬2) ينظر: "مغني اللبيب" 1/ 42، "البحر المحيط" 1/ 346. (¬3) في (أ)، (م): (فيكون). (¬4) كذا في "معاني القرآن" للفراء1/ 71. (¬5) من قوله: (فأم استفهام) ... ساقط من (ش). (¬6) كذا في "معاني القرآن" للفراء 1/ 71.

كذلك فيما نحن فيه، ويكون المعنى على هذا: أيُّهما عندكم العلم بأن الله قدير، وأن له ملك السماوات والأرض، أم إرادة سؤال الرسول الآيات؟ والله تعالى علم أيهما عندهم. وإن شئت جعلت أم منقطعًا مما قبله في المعنى، مستأنفًا بها الاستفهام، فيكون استفهامًا متوسطًا في اللفظ مُبتدئًا في المعنى، كقوله تعالى: {أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ} الآية. ثم قال: {أَمْ أَنَا خَيْرٌ} [الزخرف:51 - 52] وهذا يطرد فيه الوجهان العطف بالاستفهام، والابتداء به (¬1). ومثله قوله: {مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ (62) أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ} [ص:62 - 63]. فمن قرأ: {أَتَّخَذنَاهُم} بفتح الألف فـ (أم) جاءت بعد الاستفهام (¬2)، ومن وصل الألف فـ (أم) فيه بمنزلته في قوله: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ} [السجدة: 3]. قال الفراء: وربما جعلت العرب (أم) إذا سبقها استفهام لا يصلح فيه أيٌّ على جهة (بل) فتقول (¬3): هل لك قبلنا حقٌ أم أنت رجل ظالم؟ على معنى: بل أنت (¬4). وأنشد ابن الأنباري على هذا: تروحُ من الحيِّ أم تَبْتَكرْ ... وماذا يضُرُّك لو تَنْتَظِرْ (¬5) ¬

_ (¬1) ينظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 72. (¬2) ينظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 71 - 72. (¬3) في (أ)، (م): (فيقول). وفي "معاني القرآن" 1/ 72: (فيقولون). (¬4) كذا بنحوه في "معاني القرآن" للفراء 1/ 72، ونقل أغلب ما سبق عن الفراء الطبري في "تفسيره" 1/ 484 - 485، وينظر: "المحرر الوجيز" لابن عطية 1/ 441. (¬5) البيت لامرئ القيس، ينظر: "ديوانه" ص 68، "لسان العرب" 5/ 2777، (مادة: عبد)، "المعجم المفصل" 3/ 31.

فقال: يجوز أن تكون أم في هذا البيت مردودة على الألفِ المُضْمَرة مع تروح وكافية منها، كقوله: فوالله ما أدري وإنْ كنتُ داريًا ... بسبعٍ رمينَ الجمرَ أم بثمانِ (¬1) ويجوز أن يكون هي حرف الاستفهام متوسطًا. فأما التفسير فقال ابن عباس: نزلت هذه الآية في رهط من قريش، قالوا: يا محمد، (اجعل لنا) (¬2) الصَّفَا ذهبًا، ووسِّع لنا أرضَ مكة، وفجَّر الأنهار خلالها تفجيرًا، نؤمنْ بك، فأنزل الله تعالى هذه الآية (¬3). والذي سأل قوم موسى أنهم قالوا: {أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً} [النساء: 153]، (¬4). قال ¬

_ (¬1) البيت لعمر بن أبي ربيعة، ينظر: "ديوانه" ص 266، "المعجم المفصل" 8/ 186. (¬2) ساقطة من (م). (¬3) كذا ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1110، والمصنف أيضًا في "أسباب النزول" ص 34، القرطبي 2/ 62، وأبو حيان في "البحر المحيط" 1/ 345 وذكره الحافظ في "العجاب" 1/ 350 عن الواحدي، وقال: ذكره الثعلبي، ولعله من تفسير الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس .. وقد ذكر الطبري في تفسيره 1/ 483، ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 328 أسبابًا أخرى، ومن ذلك: ما رواه ابن أبي حاتم بسنده الحسن كما في "التفسير الصحيح" 1/ 213 عن محمد بن إسحاق بسنده عن ابن عباس قال: قال رافع بن حريملة، ووهب بن زيد لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: يا محمد ايتنا بكتاب تنزله علينا من السماء نقرؤه، وفجر لنا أنهارًا نتبعك ونصدقك، فأنزل الله في ذلك عن قولهم: (أم تريدون ..) الآية. قال الثعلبي في "تفسيره" 15/ 111: والصحيح إن شاء الله أنها نزلت في اليهود حين قالوا: ائتنا بكتاب من السماء جملة كما أتى موسى بالتوراة، لأن هذه السورة مدنية، وتصديق هذا القول: قوله عز وجل: {يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ} [النساء: 153]. (¬4) قال الشنقيطي في "أضواء البيان" 1/ 145 لم يبين هنا الذي سأل موسى من قبل من هو؟ ولكنه بينه في موضع آخر، وذلك في قوله: (يسألك أهل الكتاب ...) الآية.

المفسرون: إن (¬1) اليهود وغيرهم من المشركين تمنَّوا (¬2) على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فمِنْ قائلٍ يقول: ائتنا بكتاب من السماء جملة واحدة (¬3)، كما أتى موسى بالتوراةِ، ومِن قائلٍ يقول، وهو عبد الله ابن أبي أمية المخزومي (¬4): ائتني بكتاب من السماء فيه من الله رب العالمين إلى أُبي بن (¬5) أُميّة: اعلم أني قد أرسلت محمدًا إلى الناس، ومِن قائلٍ يقول: لن نؤمن أو تأتي بالله والملائكة قَبيلًا، فأنزل الله تعالى هذه الآية (¬6). وقال أبو إسحاق: معنى الآية: أنَّهم نُهوا أن يسألوا النبي - صلى الله عليه وسلم - مالا خير لهم في السؤال عنه (¬7)، إنما خُوطبوا بهذا بعدَ وضوحِ البراهين لهم، وإقامتهم (¬8) على مخالفتهم (¬9). ¬

_ (¬1) في (ش): (بأن). (¬2) تحرفت في "أسباب النزول" ص 37 إلى تمنعوا. (¬3) ساقطة من (أ)، (م). (¬4) هو عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن مخزوم ابن عمة النبي - صلى الله عليه وسلم - عاتكة بنت عبد المطلب، كان من كفار مكة ومن أقوى المعارضين للرسول - صلى الله عليه وسلم - ودعوته ولم يزل كذلك حتى عام الفتح، فهاجر إليه قبل الفتح هو وأبو سفيان بن الحارث ابن عبد المطلب، وأسلما وحسن إسلامهما، وشهد فتح مكة وحنينًا والطائف، ورُمي من الطائف بسهم فقتله. ينظر: "معجم الصحابة" لابن قانع 2/ 521، "أسد الغابة" 3/ 177، "البداية والنهاية" 4/ 130. (¬5) في الأصل: أبي بن، والتصويب من "أسباب النزول" ص 38. (¬6) ينظر تخريج كلام ابن عباس السابق، وكذا أيضا في "أسباب النزول" للمصنف ص 37 - 48، "البحر المحيط" 1/ 346. (¬7) في "معاني القرآن" عنه وما يكفرهم وإنما. (¬8) في "معاني القرآن" وإقامتها. (¬9) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 192.

109

والسؤال بعد قيام البراهين كفر. لذلك قال {وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ} قصدَه ووسطَه (¬1)، ومعنى الضلال ها هنا: الذَهابُ عن الاستقامة (¬2)، قال الأخطل (¬3): كنتُ القَذَى في موجِ أكدرَ مُزبدٍ ... قذَفَ الأتيُّ به فضلَّ ضلالا (¬4) أي: ذهب يمينًا وشمالًا. وذكرنا ما في (سواء) في قوله: {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ} [البقرة: 6]. 109 - قوله تعالى: {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ} قال ابن عباس: نزلت في نفر من اليهود قالوا للمسلمين بعد وقعة أحد (¬5): ألم تروا إلى ما أصابكم، ولو كنتم على الحقّ ما هُزِمتم، فارجعوا إلى ديننا فهو خير لكم (¬6). وتم الكلام عند قوله: {كُفَّارًا}. وانتصب {حَسَدًا} على ¬

_ (¬1) "تفسير الثعلبي" 1/ 1112. (¬2) ينظر: "الوسيط" 1/ 191. (¬3) هو: غياث بن غوث بن الصلت أبو مالك التغلبي، شاعر نصراني. (¬4) ينظر: "ديوان الأخطل" ص 250، و"نقائض جرير والأخطل" ص 83، و"تفسير القرطبي" 14/ 91، و"الماوردي" 3/ 293، و"وضح البرهان" للغزنوي 2/ 175. وينظر: "البحر المحيط" 5/ 513 - 514. (¬5) تحرف في نسخ "أسباب النزول" كما في ص 38 إلى وقعة بدر. (¬6) ذكره المصنف أيضًا في "أسباب النزول" ص 38، وعنه ابن حجر في "العجاب في بيان الأسباب" 1/ 354، ثم قال: هذا لعله من تفسير الكلبي، والذي ذكره ابن إسحاق في المغازي من رواية يونس بن بكير عنه حدثني محمد بن أبي محمد، حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة عن ابن عباس قال: كان حيي بن أخطب وأبو ياسر بن أخطب من أشد يهود للعرب حسداً، إذ خصهم الله تعالى برسوله، وكانا جاهدين في رد الناس عن الإسلام بما استطاعا، فأنزل الله تعالى فيهما: {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ} الآية. انتهى. وقد أخرجه الطبري في "تفسيره" 1/ 487 - 488، ابن أبي =

المصدر. ودل قوله: (يردونكم كفارًا) على (يحسدونكم)، وإن شئت جعلته مفعولًا له، كأنه قيل: للحسد (¬1). وقوله تعالى: {مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ} أراد: أنهم ودُّوا ذلك من عند أنفسهم، لم يؤمروا به في كتابهم (¬2) الدليل على ذلك قوله: {مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ} فـ (من) موصولة بـ {وَدَّ} لا بقوله: {حَسَدًا} على التوكيد، كقوله: {وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ} [الأنعام: 38]. قال ابن الأنباري: ويكون تأويل {مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ} في حكمهم وتدينهم ومذهبهم، أي: هذا الحسد مذهب لهم، لم يؤمروا به كما تقول: هذا عند الشافعي حلال، أي: في حكمه ومذهبه. وأما معنى الحسد في اللغة، فحكى ثعلب عن ابن الأعرابي: أصل الحسد في كلام العرب: القشر، ومنه أخذ الحسد؛ لأنه يَقْشر القلب، قال والحَسدلُ (¬3): القرادة, ¬

_ = حاتم في "تفسيره" 1/ 204 وسند ابن أبي حاتم حسن كما في "التفسير الصحيح" 1/ 215، وقد ذكر القصة بأطول مما عند الواحدي: مقاتل في "تفسيره" 1/ 130 وكذا الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1112، وذكره الزيلعي في "تخريج أحاديث الكشاف" 1/ 78 وقال: قلت: غريب، وهو في "تفسير الثعلبي" هكذا من غير سندٍ ولاراوٍ. وقال ابن حجر في "الكاف الشاف في تخريج أحاديث الكشاف" 1/ 356: لم أجده مسندًا. اهـ. وممن ذكر القصة مختصرة: السمرقندي 1/ 149، والحيري في "الكفاية" 1/ 67، والسمعاني في "تفسيره" 2/ 16، وابن عطية 1/ 446، وابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 114 وغيرهم. (¬1) ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1114، و"البيان" لابن الأنباري 1/ 118، "التبيان في إعراب القرآن" ص 83، و"إعراب القرآن" لأبي جعفر النحاس 1/ 207، و"الدر المصون" 1/ 341. (¬2) "تفسير الثعلبي" 1/ 1114. (¬3) زيدت اللام فيه كما يقال للعبد: عبدل. ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1114.

لأنه يقشر الجلد فيمص الدم. ذكره الأزهري (¬1). وقوله تعالى: {مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ} في التوراة أن قول محمد صدق، ودينه حق، وهذا يدل على أنهم كانوا معاندين (¬2). وقوله تعالى: {فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا} قد ذكرنا معنى العفو عند قوله: {ثُمَّ عَفَونَا عَنكم} [البقرة: 52]، وأما الصفح فمعناه في اللغة: الإعراض (¬3)، يقال: صفح عن فلان أي: أعرض عنه موليًا، ومنه قول كُثَيِّر يصفُ امرأة أعرضت عنه: صفوحًا فما تلقاك إلا بخيلةً ... فمَنْ ملَّ منها ذلك الوصلَ ملَّتِ (¬4) قال ابن عباس: {فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا} أي: عن مساوئ كلامهم، وغلّ قلبهم (¬5). قال: وهذا منسوخٌ بآية القتال (¬6)، وذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان مأمورًا ¬

_ (¬1) في "تهذيب اللغة" 1/ 813، "اللسان" 2/ 868 (حسد). (¬2) "تفسير الثعلبي" 1/ 1114. (¬3) ينظر: "شمس العلوم" لنشوان الحميري 6/ 3773. (¬4) البيت لكثير عزة، في "ديوانه" ص 98، "لسان العرب" 4/ 2457، (مادة: صفح)، "المعجم المفصل" 1/ 553. (¬5) تقدم الكلام عن مثل هذه الرواية في قسم الدراسة. (¬6) أخرجه الطبري 1/ 489 - 490، ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 206. وينظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيد 1/ 50، و"الناسخ والمنسوخ" للنحاس ص 274، و"الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه" لمكي ص 312. ورد ابن الجوزي في "نواسخ القرآن" ص 46 القولَ بالنسخ وعزى ذلك لجماعة، وقال: واحتجوا بأن الله لم يأمر بالصفح والعفو مطلقًا، وإنما أمر به إلى غاية، وما بعد الغاية يخالف ما قبلها، وما هذا سبيله لا يكون من باب المنسوخ، بل يكون الأول قد انقضت مدته بغايته، والآخر يحتاج إلى حكم آخر. ونقل في "البحر المحيط" 1/ 349 عن قوم بأنه ليس هذا حد المنسوخ، لأن هذا في نفس الأمر للتوقيف على مدته {حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ} غيّا العفو والصفح بهذه الغاية، وهذه الموادعة على أن تأتي أمر الله =

111

في أوَّلِ الأمر أن (¬1) يدعو بالحججِ البينة، وغاية الرفق، فلمَّا عاندَ اليهود بعدَ وضوحِ الحق عندهم أُمِرَ المسلمون بعد ذلك بالحرب (¬2). وقوله تعالى: {حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ} قال ابن عباس: يريد إجلاء النضير، وقتل قريظة، وفتح خيبر وفَدَك (¬3) (¬4)، وقال قتادة: يعنى: أمره بالقتال (¬5) في قوله: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} (¬6) [التوبة: 29] (¬7). 111 - قوله تعالى: {وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى} المعنى: أن اليهود قالت: لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا، والنصارى قالت: لن يدخل الجنة إلا من كان نصارى، ولكنهم أُجملوا، ¬

_ = بقتل بني قريظة، وإجلاء بني النضير وإذلالهم بالجزية، وغير ذلك مما أتي من أحكام الشرع فيهم، وترك العفو والصفح. (¬1) ساقط من (ش) (¬2) انظر: "معاني القرآن" للنحاس 1/ 193. (¬3) فَدَك: قال في "المصباح المنير" ص 465 (ط: المكتبة العلمية) بفتحتين، بلدة بينها وبين مدينة النبي - صلى الله عليه وسلم - يومان، وبينها وبين خيبر دون مرحلة، وهي مما أفاء الله على رسوله - صلى الله عليه وسلم - وتنازعها علي والعباس في خلافة عمر ... فسلمها لهما. وينظر: "المغرب" للمطرزي ص 353 ط. دار "الكتاب" العربي. (¬4) عزاه لابن عباس: الثعلبي 3/ 1114، وينظر: "الكفاية" 1/ 67، "الوسيط" 1/ 191 "ابن عطية" 1/ 448، "القرطبي" 2/ 65، "البحر المحيط" 1/ 349. (¬5) وهذا قول الجمهور كما في "البحر المحيط" 1/ 349. (¬6) أخرجه الطبري 1/ 490، وذكره الثعلبي 3/ 1114 وروي نحوه عن ابن عباس وأبي العالية والسدي والربيع بن أنس وغيرهم كما عند الطبري 1/ 490، وابن أبي حاتم 1/ 334. (¬7) لم يفسر المؤلف الآية رقم (110) وهي قوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}.

وضم النصارى إلى اليهود في قوله: {وَقَالُوا}؛ لأن الفريقين يُقِرَّانِ بالتوراة (¬1). كما قال حسان: أمَنْ يهجُو رسولَ اللهِ منكمْ ... ويمدحُه وينصرُه سواءُ (¬2). تقديره: ومن يمدحه وينصره، إلا أنه لما كان اللفظ واحدًا جُمع مع الأول، يعنى إلى أصل الفعل، وصار كأنه إخبار عن جملة واحدة، وإنما حقيقته عن بعضين مختلفين. وقوله: {هُودًا} قال الفراء: أراد: يهودًا، فحذف الياء الزائدة، ورجع إلى الفعل من اليهودية، وقد يكون أن تجعل الهود جمعًا، واحده هائد، مثل حائل (¬3) وحُول، وعائط وعُوط (¬4) (¬5)، ومثله من الصحيح: بازل وبُزْل (¬6)، وفاره وفُرْهٌ، والهائد: المائل إلى التوبة وإلى غيرها من ¬

_ (¬1) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 194. (¬2) البيت لحسان في "ديوانه" ص 8، وينظر: "السيرة النبوية" 4/ 46، "تذكرة النحاة" ص 70، "الخزانة" 9/ 232، "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 353، "البحر المحيط" 1/ 640. (¬3) في (ش): (حائل إلى أصل الفعل). (¬4) حائل: ناقة حائل: حمل عليها فلم تَلْقَح، أو التي لم تَلْقح سنة أو سنوات، وجمعها: حُول وحِيال وحُوَّل وحُولَل. القاموس ص 989. عائط: عاطت الناقة والمرأة: لم تحمل سنين من غير عُقْرٍ فهي عائط، وجمعها: عُوط وعِيْط وعُيَّط وعُوطَط، وعِيطات. "لسان العرب" 5/ 3172. (¬5) كذا أورده الفراء في "معاني القرآن" 1/ 73، وعنه النحاس في "إعراب القرآن" 1/ 207، وينظر مثله في: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 151، "تفسير الطبري" 1/ 491 - 492، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 194. (¬6) بازل: هو الجمل أو الناقة إذا بلغ التاسعة من سنينه، وليس بعده سِنٌّ تسمى جمعه: بُزْل، وبُزَّل، وبَوَازل.

المعاني (¬1)، وقال الليث: الهود: هم اليهود، هادوا يهودون هُودًا: أي: تابوا (¬2) وقوله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا} [الأنعام: 146]، أي: دخلوا في اليهودية، وقد مرَّ هذا. وقوله تعالى: {تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ} أي: التي تمنّوْها على الله باطلًا، وذكرنا ما في هذا الحرف عند قوله: {إِلَا أَمَانىِّ} [البقرة: 78]. وقوله تعالى: {هَاتُوا} قيل: إن الهاء فيه أصلية، وهو من المُهَاتَاة. وقيل: إنه بدل عن الألف، من آتى، ولكن العرب قد أَمَاتَتْ كلَّ شيء من فعلها غير الأمر، فإذا أمرت رجلًا أن يعطيك شيئا قلتَ: هاتِ (¬3). ثعلب عن ابن الأعرابي: هاتِ وهاتِيَا، وهاتوا: أي: قَرِّبُوا قال (¬4): ومنه قوله تعالى: {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ} أي: قَرِّبُوا، قال: ومن العرب من يقول: هاتِ: أعط (¬5). و (البرهان): الحُجَّةُ، قال الأزهريُّ: والنون فيه ليست بأصلية، وقولهم: بَرْهَنَ فلانٌ، إذا جاء بِبُرهانٍ، مُوَلَّدٌ، والصوابُ أن يقال في معناه: أَبْرَهَ. كذلك قال ابن الأعرابي (¬6). أَبْرَهَ الرجلُ إذا غلبَ الناسَ وأتى ¬

_ (¬1) "تفسير الطبري" 1/ 492، "اللسان" (مادة: هود) 8/ 4718. (¬2) نقله في "تهذيب اللغة" 4/ 3689. (¬3) "تهذيب اللغة" 4/ 3816، ولفظه: كل شيء من فعلها غير الأمر بهات. وينظر: "المحرر الوجيز" لابن عطية 1/ 449. "اللسان" 8/ 4732 (هيت). (¬4) ساقطة من (ش) و (م). (¬5) في (أ) و (م): (اعطى). (¬6) عبارة "تهذيب اللغة" بتمامها 1/ 322: كما قاله ابن الأعرابي [إن صح عنه =

112

بالعجائب (¬1). 112 - قوله تعالى: {بَلَى مَنْ أَسْلَمَ} (بلى) هاهنا بمنزلته في قوله: {بَلَى مَنْ كَسَبَ} (¬2) [البقرة: 81]، وقد ذكرناه. وقوله تعالى: {أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ} الإسلام والاستسلام لله -عز وجل- هو الانقياد لطاعته، والقبول لأمره. ومن هذا قوله: {وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [آل عمران: 83] أي: انقاد، والإسلام الذي هو ضد الكفر من هذا. ثم ينقسم إلى: متابعة وانقياد باللسان دون القلب، كقوله: {قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا} [الحجرات: 14]، أي: انقدنا من خوف السيف، وإلى متابعة وانقيادٍ باللسان والقلب كقوله: {قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [البقرة: 131]. ومعنى قوله: {أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ} أي: بذل وجْهَهُ له في السجود (¬3)، وعلى هذا {أَسْلَمَ} بمعنى سلَّم، يقال: سلّم الشيءَ لفلانٍ، أي: خَلَّصَه له، وسَلَمَ له الشيء، أي: خَلَصَ له (¬4). قال ابن الأنباري: والمسلم على هذا القول: هو المخلصُ لله ¬

_ = وهي في رواية أبي عمرو، ويجوز أن تكون النون في البُرهان نون جمعٍ على فُعْلان، ثم جعلت كالنون الأصلية، كما جمعوا مُصَادًا على مُصْدَانٍ، ومصيرًا على مصرانٍ، ثم جمعوا: مُصران على مَصَارين، على توهم أنها أصلية] .. (¬1) ينظر: "تهذيب اللغة" 1/ 322 وليس عنده: أبْرَةَ الرجل إذا غلبَ الناسَ وأتى بالعجائب. وبنحوه في "اللسان" لابن منظور نقلًا عن الأزهري 1/ 271. (¬2) "تفسير الثعلبي" 1/ 1119. (¬3) ينظر: "تفسير القرطبي" 1/ 451. (¬4) ينظر: "تفسير مقاتل" 1/ 131، "تفسير الثعلبي" 1/ 1119.

العبادةَ، فمعنى قوله: {أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ}، أي: سلّم وجهه له، بأن صانه عن السجود لغيره، وخَصَّ الوجه، لأنه إذا جاد بوجهه في السجودِ لم يبخل بسائر جوارحه. وقال قومٌ من أهل المعاني: أسلمَ وجهَه أي: أسلمَ نفسه وجميع بدنه لأمر الله، والعرب تستعملُ الوجه وهم يريدون نفسَ الشيء، إلا أنَّهم يذكرونه باللفظ الأشرف (¬1)، كما قال: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} [القصص: 88]. وقال جماعة: الوجهُ قد يقع صلةً في الكلام (¬2)، فقوله: {أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ} أي: انقاد هو لله، ومثله: {فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ} [آل عمران: 20] أي: انقدت لله بلساني وعَقْدي (¬3)، قال زيد بن عمرو بن نفيل (¬4): وأسلمتُ وجهي لمن أسلمتْ ... له المزنُ تحملُ عَذْبًا زُلالًا (¬5) ¬

_ (¬1) قال القرطبي في "تفسيره" 1/ 67: والعرب تخبر بالوجه عن جملة الشيء، وينظر: "البحر المحيط" 1/ 352. (¬2) ذكره أبو حيان في: "البحر المحيط" 1/ 352 معاني (أسلم وجهه) بأنه: أخلص عمله لله أو قصده، أو فوض أمره إلى الله تعالى، أو خضع وتواضع. ثم قال: وهذه أقوال متقاربة في المعنى، وإنما يقولها السلف على ضرب المثال، لا على أنها متعينة يخالف بعضها بعضًا. (¬3) في (ش): (وعقيدتي). (¬4) هو: زيد بن عمرو بن نفيل العَدَوي، ابنُ عَمِّ عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- كان يعادي عبادة الأوثان، ولا يأكل مما ذبح عليها، آمن بالنبي - صلى الله عليه وسلم - قبل بعثته، قال فيه - صلى الله عليه وسلم -: "إنه يبعث أمة وحده" توفي قبل البعثة بخمسِ سنين. ينظر: "جمهرة أنساب العرب" ص 105، و"الإصابة" 1/ 569. (¬5) هما بيتان ذكرهما الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1119 هكذا: أسلمت وجهي لمن أسلمت ... له الأرض تحمل صخرًا ثقالا وأسلمت وجهي لمن أسلمت ... له المزن تحمل عذبًا زلالا =

113

وقوله تعالى: {وَهُوَ مُحْسِنٌ} قال ابن عباس: يريد: وهو مؤمن موحّدٌ (¬1) مُصدِّق لما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - (¬2). وقال غيره (¬3): {وَهُوَ مُحْسِنٌ} أي: في عمله (¬4). وهذا دليل (¬5) على أن الطاعةَ من الإيمان، حيث جعل الإحسان في العمل (¬6) شرطًا في دخول الجنة، والآية ردٌّ على اليهود والنصارى؛ لأنَّهم قالوا: {لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى} فقال الله تعالى: (بلى) يدخلُها من كان بهذه الصفة. 113 - قوله تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ} الآية. قال ابن عباس: قدم وفد نجران على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فتنازعوا مع اليهود، فكذّب كل واحد منهما صاحبه، فنزلت هذه الآية فيهم (¬7). ¬

_ = وينظر في "الروض الأنف" 1/ 266، و"الأغاني" 3/ 17، و"تفسير الرازي" 4/ 4، والبيت الثاني في "تأويل مشكل القرآن" 480، و"الدر المصون" 2/ 73، وينظر: "وضح البرهان في مشكلات القرآن" محمد الغزنوي 1/ 162، وقد ورد البيت الثاني في بعض المصادر: نفسي، بدل وجهي، وماءً، بدل عذبًا. (¬1) في (م): موحد مؤمن). (¬2) هذه الرواية تقدم الحديث عنها في قسم الدراسة، ولم أجد من نقلها من أهل التفسير. (¬3) "تفسير مقاتل" 1/ 131. (¬4) ينظر الطبري في "تفسيره" 1/ 494، "تفسير الثعلبي" 1/ 1120 وذكر قولين آخرين: مؤمن، ومُخْلص. "البحر المحيط" 1/ 352. (¬5) في (ش): (زيادة دليل في العمل). (¬6) في (أ) و (م): (في العمل على شرطًا). (¬7) أخرجه الطبري في "تفسيره" بنحوه 1/ 494 - 495، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 208 وإسنادهما حسن، وذكره المصنف في "أسباب النزول" دون عزو لابن =

فقوله تعالى {وَهُم يَتْلُونَ الكِتَبَ} قال الزجَّاجُ: يعني (¬1) به أن الفريقين يتلون التوراة، وقد وقع بينهم هذا الاختلاف، وكتابهم واحد، فدلّ بهذا على ضلالتهم، وحذّر بهذا وقوع الاختلاف في القرآن؛ لأن الفريقين أخرجهما إلى الكفر (¬2). وقيل معنى قوله {وَهُم يَتْلُونَ الكِتَبَ} رفع الشبهة بأنه ليس في تلاوة الكتاب معتبر في الإنكار إذا لم يكن لهم برهان على ما ينكرون، فلا ينبغي أن يدخل الشبهة بإنكار أهل الكتاب لملة الإسلام، إذ كلُّ فريق من أهل الكتاب قد أنكر ما عليه الآخر. ثم بين أن سبيلهم كسبيل مَنْ لا يعلم الكتابَ في الإنكار لدين الله من مشركي العرب وغيرهم ممن لا كتاب لهم، فهم في جحدهم لذلك إذ لا حجة معهم يلزم بها تصديقهم لا من جهة سمع ولا عقل، فقال: {كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ} (¬3). قال ابن عباس: يريد: أمةَ نوحٍ وعادٍ وثمودَ وقومِ فرعون وإخوان لوط وأصحاب الأيكة وقوم تبع، كلهم كذبوا الرسل، واختلفوا على أنبيائهم، وكذَّبوهم كما كذب اليهود والنصارى محمدًا - صلى الله عليه وسلم - (¬4). ¬

_ = عباس ص 39، وكذا الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1120، وذكره ابن هشام في "السيرة النبوية" 2/ 175. (¬1) في (أ) و (م): (نعني). (¬2) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 195. (¬3) ينظر: "البحر المحيط" 1/ 353. (¬4) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1121 عن ابن جريج عن عطاء قريبًا من هذا اللفظ، وأخرجه عن عطاء أيضا: الطبري في "تفسيره" 1/ 497، ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 209.

114

وقال مقاتل (¬1): يعنى: مشركي العرب قالوا: إن محمدًا وأصحابه ليسوا على شيء من الدين (¬2). وقوله تعالى: {فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ} الآية، قال أبو إسحاق: المعنى: أنه (¬3) يريهم من يدخلُ الجنة عيانًا ويدخل النار عيانًا (¬4)، فأما (¬5) حكم الدين (¬6) فقد بيّنه الله عز وجل بما أظهر من حجج المسلمين (¬7)، وقال الحسن: حُكْمُه فيهم أن يكذّبهم جميعًا، ويدخلهم النار (¬8). 114 - قوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ} الآية، (من) ابتداء، وخبره أظلم، وهو استفهام معناه: وأيُّ أحدٍ أظلمُ (¬9). وعن ابن عباس في نزول هذه الآية روايتان: الأولى: أنها نزلت في أهل الروم، لأنهم خربوا بيتَ المقدس، فعلى هذا أراد بالمسجد بيت المقدس ومحاريبه (¬10) (¬11). ¬

_ (¬1) هو مقاتل بن سليمان بن بشر الأزدي البلخي، أبو الحسن، من أعلام المفسرين، ولكنه رمي بالتجسيم، متروك الحديث، وانظر ترجمته في المقدمة. (¬2) "تفسير مقاتل" 1/ 132. ويروى عن السدي فيما أخرجه الطبري في "تفسيره" 1/ 497، و"ابن أبي حاتم" 1/ 209. (¬3) في (ش): (أنهم). (¬4) ليست في (أ)، (م). وفي "معاني القرآن" للزجاج قال بعدها: وهذا هو حكم الفصل فيما تصير إليه كل فرقة. (¬5) في (ش): (وأما). (¬6) في "معاني القرآن" فأما الحكم بينهم في العقيدة. (¬7) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 195، وزاد: وفي عجز الخلق عن أن يأتوا بمثل القرآن. (¬8) ذكر هذا الوجه: أبو حيان في "البحر المحيط" 1/ 354. (¬9) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 195. (¬10) في (م): (محاربة). (¬11) ذكر ذلك الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1122 دون عزو وذكره الواحدي في "أسباب =

والثانية: أنها نزلت في مشركي مكة، لأنهم منعوا المسلمين من ذكر الله في المسجد الحرام (¬1)، وعلى هذه الرواية معنى قوله {وَسَعَى فِي خَرَابِهَا} أنهم منعوا من العبادة في المساجد، وكلُّ من مَنعَ من عبادة الله في مسجد فقد سعى في خرابه؛ لأن عمارته بالعبادة فيه. وأصل السعي في اللغة: الإسراع في المشي، قال الله عز وجل: {وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى} [القصص: 20]. ثم يسمّى المشيُ سعيًا، كقوله: {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ} [الصافات: 102]، يعنى المشي، وقال: {فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الجمعة: 9]، أي: امشوا، وقال (¬2) {ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا} [البقرة: 260]، أي: مشيًا. ثم يسمى العمل سعيًا، لأنه لا ينفك من السعي في غالب الأمر، قال الله تعالى: {فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا} [الإسراء: 19] وقال: {وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ} [الحج: 51] أي: جدّوا في ذلك، وقال: {إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى} [الليل: 4]، أي: عملكم مختلف. وأراد (¬3) بالسعي في هذه الآية: العمل (¬4). ¬

_ = النزول" ص 39 من رواية الكلبي عن ابن عباس وأخرجها الطبري في "تفسيره" 1/ 498، وابن أبي حاتم 1/ 210 من طريق العوفي نحو ذلك، كما روي عن مجاهد وقتادة والسدي كما ذكره الطبري في "تفسيره" 2/ 520، وابن أبي حاتم 1/ 210، والواحدي في "أسباب النزول" ص 39 وغيرهم. (¬1) أخرجها ابن أبي حاتم 1/ 210 من طريق ابن اسحاق بسند حسن، وذكره الحافظ في "العجاب" 1/ 359 من طريق عطاء عن ابن عباس. وبه قال عبد الرحمن بن زيد ابن أسلم، كما رواه الطبري عنه 1/ 498. (¬2) في (م): (ثم قال). (¬3) في (ش): (فأراد). (¬4) ينظر: "المفردات في غريب القرآن" للراغب الأصفهاني ص 238 - 239.

وقوله تعالى: {أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ}. قال أبن عباس على الرواية الأولى: لم يدخل بيتَ المقدس بعد أن عمره المسلمون روميٌّ إلا خائفًا لو عُلمَ به قُتِلَ (¬1)، قيل: وهذا قول (¬2) مجاهد وقتادة (¬3) ومقاتل (¬4) والفراء (¬5). ¬

_ (¬1) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1123، البغوي 1/ 139، "الخازن" 1/ 98. (¬2) يذكر ذلك عن كعب والسدي، ينظر: الطبري 1/ 500، ابن أبي حاتم 1/ 210 - 211، "العجاب" 1/ 360. (¬3) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 56 ومن طريقه أخرجه الطبري في "تفسيره" 1/ 498 - 499، وابن أبي حاتم 1/ 341 بنحوه وأخرجه الطبري أيضا من غير طريق عبد الرزاق. (¬4) "تفسيرمقاتل" 1/ 132 - 133. (¬5) في "معاني القرآن" 1/ 74. وقد رجح الطبري في "تفسيره" هذا القول 1/ 498 - 500 محتجًّا بأن الله ذكر أنهم سعوا في خراب المسجد، وهذا لم يكن قط من المشركين في المسجد الحرام، بل كانوا يفخرون بعمارته، وبأن سياق الآية ولحاقها كله في أهل الكتاب، ولم يجر للمشركين ذكر. ثم قال: وإن كان قد دل بعموم قوله: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ} أن كل مانع مصليًا في مسجد لله -فرضًا كانت صلاته فيه أو تطوعًا- وكل ساع في إخرابه، فهو من المعتدين الظالمين. وانتصر لترجيح الطبري في "تفسيره" أحمد شاكر ورد كلام ابن كثير في "تفسيره" الآتي مختصره. وأما قول الطبري في "تفسيره" إنهم النصارى، وذلك أنهم سعوا في خراب بيت المقدس، وأعانوا بُخْتنْصَّر على ذلك ومنعوا مؤمني بني إسرائيل من الصلاة فيه بعد مُنْصرف بختنصر عنهم إلى بلاده. اهـ. فهذا قول قتادة والسدي وقد ذكر الجصاص في "أحكام القرآن" 1/ 61 أن ما روي في خبر قتادة يشبه أن يكون غلطا من راويه؛ لأنه لا خلاف بين أهل العلم بأخبار الأولين أن عهد بختنصر كان قبل مولد المسيح عليه السلام بدهر طويل، والنصارى إنما كانوا بعد المسيح وإليه ينتمون، فكيف يكونون مع بختنصر في تخريب بيت المقدس، والنصارى إنما استفاض دينهم في الشام والروم في أيام قسطنطين=

وقال على الرواية الثانية: هذا وعدٌ من الله لنبيه والمهاجرين، يقول: أفتح مكة لكم حتى تدخلوها آمنين وتكونوا أولى بها منهم. وهذا قول عطاء (¬1) وابن زيد (¬2). وقيل (¬3): إنه أمر في صيغة الخبر، يقول: جاهدوهم واستأصلوهم بالجهاد؛ كيلا يدخلها أحد منهم إلا خائفًا من القتل والسبي، كقوله عز وجل: {وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا} [الأحزاب: 53] نهاهم على لفظ الخبر، ومعناهما: لا ينبغي لهم ولكم (¬4). وقال الزجاج حاكيًا: إنَّ هذه الآية مما يعنى به جميع الكفار الذين تظاهروا على الإسلام ومنعوا جملة المساجد؛ لأن من قاتل المسلمين حتى يمنعهم من الصلاة فقد منع جميع المساجد، وكل موضع يتعبد فيه فهو ¬

_ = الملك، وكان قبل الإسلام بمائتي سنة وكسور، وإنما كانوا قبل ذلك صابئين عبدة أوثان، وكان من ينتحل النصرانية منهم مغمورين مستخفين بأديانهم فيما بينهم، ومع ذلك فإن النصارى تعتقد من تعظيم بيت المقدس مثل اعتقاد اليهود، فكيف أعانوا على تخريبه مع اعتقادهم فيه. (¬1) ذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1126، وعنه البغوي في "تفسيره" 1/ 139، والحافظ في "العجاب" 1/ 359. (¬2) ينظر الطبري في "تفسيره" 1/ 500، ففيه عن ابن زيد بغير هذا المعنى ومال إلى هذا ابن كثير في "تفسيره" 1/ 167 وبين أن أعظم خراب فعلوه إخراجهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واستحواذهم عليه بأصنامهم، وصدهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم الحديبية، وذكر الآيات الدالة على أن معنى العمارة إقامة ذكر الله فيها وليس زخرفتها ... إلخ. (¬3) في (ش): (وقال). (¬4) "تفسير الثعلبي" 1/ 1124، وينظر: "تفسير البغوي" 1/ 139، والرازي 4/ 12، والقرطبي 2/ 70، و"البحر المحيط" 1/ 358 - 359.

115

مسجد؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -:"جعلت لي الأرض مسجدا" (¬1) والمعنى على هذا: ومن أظلم ممن يخالف ملة الإسلام (¬2). وقوله تعالى: {أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا} الآية، أعلم الله عز وجل أن أمر المسلمين يظهر على جميع من خالفهم، حتى لا يمكن دخول مخالف إلى مساجدهم إلا خائفا، وهذا كقوله: {لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ} [التوبة: 33]. الآية (¬3). وقوله: {أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ} موضع (أن) نصب؛ لأنه المفعول الثاني للمنع، وهو مع الفعل بمنزلة المصدر (¬4). قوله تعالى: {لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ} الآية. قال المفسرون: يريد القتل للحربي، والجزية للذمي (¬5). وذكرنا معنى الخزي عند قوله: {فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ} [البقرة: 85]. 115 - قوله تعالى: {وللهِ المشَرِقُ وَالمغَرِبُ} ارتفع المشرق من جهتين: ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري (438) كتاب الصلاة، باب: قول النبي - صلى الله عليه وسلم - جعلت لي الأرض مسجدا. ومسلم (522) كتاب المساجد ومواضع الصلاة. (¬2) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 196. (¬3) نقله عن الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 196. (¬4) "تفسير الثعلبي" 1/ 1123، القرطبي في "تفسيره" 2/ 68، "البحر المحيط" 1/ 358 وذكر الثعلبي في "تفسيره" جواز نصبه على نزع الخافض والتقدير: من أن يذكر. (¬5) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1124، والبغوي في "تفسيره" 1/ 140، والقرطبي 2/ 70 عن قتادة، وأخرجه عبد الرازق في "تفسيره" 1/ 56 ومن طريقه الطبري 1/ 500، وابن أبي حاتم 1/ 211 عن قتادة: أن المراد بها الجزية وينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 196 - 197، قال ابن كثير في "تفسيره" 1/ 168: والصحيح أن الخزي في الدنيا أعم من ذلك كله، وقد ورد الحديث بالاستعاذة من خزي الدنيا وعذاب الآخرة.

إحداهما: الابتداء، والأخرى: بالفعل الذي ينوب عنه اللام (¬1)، أي: ثبت لله المشرق، ومثله قولك: لزيد المال، فيه الوجهان كما ذكرنا، ومعنى (لله) أي: هو خالقهما (¬2). قال ابن عباس: نزلت الآية في نفر من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - خرجوا في سفر فأصابَهم الضَّبابُ، وحضرت الصلاةُ فتحرَّوا القبلةَ، وصلوا إلى أنحاء مختلفة، فلما ذهب الضباب استبان أنهم لم يصيبوا، فلما قدموا سألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك، فنزلت هذه الآية (¬3). وقال ابن عمر: نزلت في صلاة المسافر يصلي حيثما توجهت به راحلته تطوعًا (¬4). وروى أن النبى -صلى الله عليه وسلم- كان يصلى على راحلته فى السفر حيثما توجهت به (¬5). وقال عكرمة وأبو العالية: نزلت في تحويل القبلة، وذلك أن اليهود عيّرت المؤمنين في انحرافهم من بيت المقدس، فأنزل الله هذه الآية جوابًا ¬

_ (¬1) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 197. (¬2) "تفسير الطبري" 1/ 501. (¬3) أخرجه ابن مردويه من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، كما في "ابن كثير" 1/ 169، وذكره السمرقندي في "تفسيره" 1/ 151، والثعلبي 1/ 1128، والسيوطي في "لباب النقول" ص 23، وفي "الدر المنثور" 1/ 205، وعزاه إلى ابن مردويه، وضعف إسناده. وقد ذكر ابن كثير في "تفسيره" روايات كثيرة في هذا ثم قال: وهذه الأسانيد فيها ضعف، ولعله يشد بعضها بعضًا. (¬4) أخرجه مسلم (700/ 34 - 35 - 36) كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب جواز صلاة النافلة على الدابة في السفر حيث توجهت به. (¬5) أخرجه البخاري (400) في الصلاة، باب التوجه نحو القبلة حيث كان، ومسلم (700) صلاة المسافرين، باب جواز النافلة على الدابة في السفر حيث توجهت.

لهم (¬1). قوله تعالى: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا} أي: وجوهَكم، فحذف المفعول (¬2). ومعنى {تُوَلُّوُا وُجُوهَكُم}: تجعلونها تليه، ونذكر معنى هذا الحرف عند قوله: {وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا} [البقرة: 148]. وقوله تعالى: {فَثَمَّ} قال أبو إسحاق: (ثَمّ) بُني على الفتح لالتقاء الساكنين، وثَمَّ في المكان: إشارة، بمنزلة هناك (¬3)، فإذا أردت المكان القريب قلت: هنا زيد. وإذا أردت المتراخي قلت: هناك وَثَمّ. وإنما منعت (ثَمّ) الإعراب لإبهامها (¬4). قال أبو علي الفارسي: المبني على ضربين: مبني على حركة، ومبني على سكون، والمبني على الحركة على ضربين: أحدهما: ما يكون بناؤه على الحركة، لتمكّنه قبل حاله المفضية إلى بنائه (¬5)، وذلك نحو: من عَلُ وأولُ ويا حَكَم، وما أشبه ذلك. ¬

_ (¬1) ذكره عنهما الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1132وعنه البغوي 1/ 140، والخازن 1/ 99، وينظر: "تفسير الطبري" 1/ 502 - 503، "الوسيط" 1/ 194. وقد ذكر الثعلبي 1/ 1132، والواحدي في "أسباب النزول" ص 42، والحافظ في "العجاب" 1/ 364 سببين آخرين غير ما ذكر. وقال في "البحر المحيط" 1/ 360: وهذه أقوال كثيرة في سبب نزول الآية وظاهرها التعارض، ولا ينبغي أن يقبل منها إلا ما صح، وقد شحن المفسرون كتبهم بنقلها، وقد صنف الواحدي في ذلك كتابًا قلَّما يصح فيه شيء، وكان ينبغي أن لا يشتغل بنقل ذلك إلا ما صح. (¬2) ينظر: "الوسيط" 1/ 194. (¬3) في "معاني القرآن": هنا زيد. (¬4) بتصرف من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 197، وينظر: "تفسير الطبري" 1/ 505، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 208. (¬5) في "الإغفال": في حالة المفضية به إلى البناء.

والآخر: ما يكون بناؤه على الحركةِ لالتقاء الساكنين، نحو: كيف، وأين، وأيان، وثم، وأولاء، وحذارِ، ومنذ. وكل هذه الأسماء المبنيات مع اختلافها فالعلة الموجبة لبنائها مشابهتها الحروف، ومضارعتها لها، ولذلك بني هذا الاسم أيضا لا للإبهام، لأن الإبهام لا يوجب البناء. ألا ترى أن قولنا: (شيء) من أعمّ ما يتكلم به وأبهمه، وهو معرب غير مبني، و (مكان) أَبْهَمُ من قولنا: ثم؛ لأنه للداني والقاصي (¬1)، وهو مع إبهامه معرب، فبانَ أنّ بناءه ليس لإبهامه، وإنما هو لتضمُّنه معنى الحرف واختزاله عنه، وذلك أنّ هذا الاسم لمّا كان معرفةً، وكان حكم المعرَّف أن يكون بحرف ولم يذكر، بُنيَ ولم يُعرَبْ؛ لتضمّنه معنى الحرف الذي به يكون التعريف والعهد. ألا ترى أن (ثَمَّ) لا تستعمله إلا في مكان معهود معروف. (¬2) لمخاطبك، فإن لم تعرفه لم تعبر عنه بذلك، فتحقيق العلة في هذا وشرحه ما ذكرنا، دون ما ذكره من الإبهام (¬3). وقوله تعالى: {وَجْهُ اللَّهِ} قال أكثر المفسرين (¬4): الوجه: صلة، معناه: فثمَّ الله. كقوله: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} [الحديد: 4]، والمعنى: فثم الله يَعْلَمُ وَيرَى (¬5). و (الوجه) قد ورد صلة مع اسم الله كثيرًا، كقوله: ¬

_ (¬1) في "الإغفال": ومكان أبهم من قولنا ثم وكذلك؛ لأنهما يقعان على المواضع الدانية والقاصية. (¬2) في (ش): (معروف معهود). (¬3) "الإغفال" 383 - 385 بتصرف واختصار. (¬4) بين شيخ الإسلام في "الفتاوى" 2/ 428 أن جمهور السلف على القول بأن المعنى: فثم قبلة الله ووجهة الله. (¬5) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 198.

{وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ} [الرحمن: 27] و {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ} [الإنسان: 9] و {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} [القصص: 88]. وهذا قول الكلبي (¬1) وعبد الله بن مسلم (¬2) (¬3)، وقال الحسن (¬4)، ومجاهد (¬5) وقتادة (¬6) ومقاتل (¬7): فثم قبلة الله (¬8)، والوجه والجهة والوجهة: القبلة. ومثله: الوزن والزِّنَة، والوَعْد والعِدَة، والوَصْل والصِّلة. والعرب تجعل القصد الذي يتوجه إليه وجهًا (¬9)، كقول الشاعر: ربَّ العبادِ إليه (¬10) الوجهُ والعملُ (¬11) ¬

_ (¬1) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1134 وعنه البغوي 1/ 140. (¬2) يعني ابن قتيبة في "تأويل مشكل القرآن" ص 254، وقد نُسِب هذا القول لابن عباس كما في "زاد المسير" 1/ 134 - 135، "القرطبي" 2/ 75، "البحر المحيط" 1/ 361، وانظر: "تفسير الطبري" 1/ 506، "تفسير الثعلبي" 1/ 1134. (¬3) في (ش): (ومسلم). (¬4) ذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 212، "الثعلبي"، 1/ 1134، "البغوي" 1/ 140، "زاد المسير" 1/ 135. (¬5) أخرجه الترمذي في التفسير، تفسير سورة البقرة 5/ 206، الطبري في "تفسيره" 1/ 506، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 212 (1122)، والبيهقي في سننه 2/ 13. (¬6) أخرجه الطبري في "تفسيره" 1/ 502، وذكره ابن أبي حاتم 1/ 212، الثعلبي 1/ 1134، البغوي 1/ 140، وينظر: "ابن كثير" 1/ 168. (¬7) أي: ابن حيان، ذكره عنه "الثعلبي" 1/ 1134 وعنه البغوي 1/ 140. (¬8) أخرج ابن أبي حاتم في "تفسيره" هذا القول عن ابن عباس 1/ 212، وينظر في هذا القول: "الطبري" 1/ 506، "تفسير الثعلبي" 1/ 1134، السمعاني 2/ 26، "زاد المسير" 1/ 135، القرطبي 2/ 75، الخازن 1/ 99. (¬9) ينظر: "اللسان" 4775 (وجه). (¬10) في (ش): وإليه. (¬11) وصدر البيت: أستغفر الله ذنبًا لستُ مُحْصِيه =

معناه. إليه القصد، وعلى هذا القول معنى قوله: {فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} أي: جهة الله (¬1) التي تعبّدكم بالتوجه إليها (¬2)، والإضافة تكون للتخصيص ¬

_ = هذا البيت من شواهد سيبويه الخمسين التي لا يعرف قائلها. ينظر: "الكتاب" 1/ 37، و"الخزانة" 3/ 111، و"أدب الكاتب" 419، و"الفراء" 1/ 233، القرطبي 2/ 75 و"مجموع الفتاوى" 2/ 428 والرازي في "تفسيره" 4/ 22، "البحر المحيط" 1/ 361، "لسان العرب" 6/ 3274 (ماده: غفر). "المعجم المفصل" 6/ 279. والذنب هنا اسم جنس بمعنى الجمع؛ فلذا قال: لستُ محصيه، وأراد: من ذنبٍ. والوجه: القصد والمراد. (¬1) ساقطة من (أ)، (م). (¬2) هذه الآية مما تنازع فيه الناس، هل هي من آيات الصفات أو لا؟ قولان: فمنهم من عدها في آيات الصفات وجعلها من الآيات الدالة على إثبات صفة الوجه لله واستدلوا على ذلك بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إذا قام أحدكم إلى الصلاة فإن الله قِبَل وجهه" رواه البخاري (406) كتاب الصلاة، باب: حك البزاق باليد ومسلم (547) كتاب المساجد، باب: النهي عن البصاق في المسجد في الصلاة وغيرها، وبقوله "لا يزال الله مقبلا على عبده بوجهه ما دام مقبلًا عليه، فإذا انصرف صرف وجهه عنه". وممن قرر ذلك: "ابن خزيمة" كما في "مجموع الفتاوى" 6/ 16 وبهذا فسرها السعدي في "تفسيره" ص 45 وابن عثيمين في "شرح العقيدة الواسطية" 1/ 289 (ط. ابن الجوزي). وقال آخرون: إن المراد بالوجه هنا الجهة كما نقل عن مجاهد والشافعي ونصره شيخ الإسلام في "الفتاوى" 6/ 16، 3/ 193و 2/ 428 بل قال في 3/ 193: من عدها في آيات الصفات فقد غلط كما فعل طائفة، فإن سياق الكلام يدل على المراد حيث قال: {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} والمشرق والمغرب الجهات، والوجه هو الجهة، يقال: أي وجه تريده؟ أي: أي جهة .. ولهذا قال: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} أي: تستقبلوا وتتوجهوا والله أعلم. اهـ. وقال في 6/ 16: ولكن من الناس من يسلِّم أن المراد بذلك وجه الله: أي قبلة الله، ولكن يقول: هذه =

نحو: بيت الله، وناقة الله (¬1). وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} الواسع في صفة الله تعالى على ثلاثة أوجه (¬2): أحدها: أنه واسع بإفضاله على خلقه، واحتماله مسائل عباده، وأنه لا يُكرِثه (¬3) إلحاحُهم (¬4)، من قول العرب: فلان يسع ما يسأل، قال أبو زبيد: أُعطيهم الجَهْدَ مني بَلْهَ ما أسِعُ ¬

_ = الآية تدل على الصفة وعلى أن العبد يستقبل ربه كما جاء في الحديث ... ويقول: إن الآية دلت على المعنيين، فهذا شيء آخر، ليس هذا موضعه. وقد بيَّن الشيخ ابن عثيمين في "شرح الواسطية" 1/ 290: أن الأول صحيح موافق لظاهر الآية، وأن الثاني لا يخالف الأول في الواقع، فإذا قلنا: فثم جهة الله، وكان هناك دليل سواء كان هذا الدليل تفسير الآية الثانية في الوجه الثاني، أوكان الدليل ما جاءت به السنة، فإنك إذا توجهت إلى الله في صلاتك، فهي جهة الله التي يقبل الله صلاتك إليها، فثم أيضًا وجه الله حقًا، وحينئذٍ يكون المعنيان لا يتنافيان. اهـ. هذا وقد نبه شيخ الإسلام على أمرٍ مهم فقال في "الفتاوى" 6/ 17: والغرض أنه إذا قيل: فثم قبلة الله لم يكن هذا من التأويل المتنازع فيه، الذي ينكره منكرو آيات الصفات، ولا هو مما يستدل به عليهم المثبتة، فإن هذا المعنى صحيح في نفسه، والآية دالة عليه، وإن كانت على ثبوت صفة فذاك شيء آخر، ويبقى دلالة قولهم {فَثَمَّ وَجهُ اللَّهِ} على: فَثَّمَّ قبلة الله، هل هو من باب تسمية القبلة وجهًا باعتبار أن الوجه والجهة واحد، أو باعتبار أن من استقبل وجه الله فقد استقبل قبلة الله؟ فهذا فيه بحوث ليس هذا موضعها. (¬1) "تفسير الثعلبي" 1/ 1134. (¬2) ينظر تفصيل ذلك في: "البحر المحيط" 1/ 361. (¬3) في (أ): (لا يكونه). (¬4) "تفسير الطبري" 1/ 506.

وهذا معنى قول الفراء (¬1) وأبي عبيدة (¬2). الثاني: أنه يُوَسِّع على عباده في دينهم، ولا يضطرهم إلى ما يعجزون عن أدائه، فهو واسعُ الرَّحمة، واسع الشريعةِ بالترخيص لهم في التوجهٍ إلى أي جهة أدَّى إليها اجتهادهم عند خفاء الأدلة (¬3). الثالث: أنه يسع علمَ كلِّ شيء، ويسع علمُه كلَّ شيء، كقوله: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} أي: علمه (¬4)، وقال: {وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا} [طه: 98]. وقال ابن عباس في بعض الروايات: إن هذه الآية نزلت في النجاشي (¬5)، وذلك أنه توفي، فأتى جبريل النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: "إن أخاكم النجاشي قد مات، فصلوا عليه"، ثم صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأصحابه عليه، فقال أصحابه في أنفسهم: كيف نصلي على رجل مات وهو يصلي لغير قبلتنا؟، وكان النجاشي يصلي إلى بيت المقدس حتى مات، وقد صرفت القبلة إلى الكعبة، فأنزل الله تعالى هذا الآية (¬6). وعَذَر النجاشيَّ في ذلك؛ ¬

_ (¬1) ذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1136 وعنه البغوي 1/ 140. (¬2) في "مجاز القرآن" 1/ 51. (¬3) "الوسيط" 1/ 194. (¬4) "تفسير الثعلبي" 1/ 1136 سيأتي الرد على هذا القول موسعًا عند آية الكرسي. (¬5) هو: أصحمة بن أبحر، والنجاشي لقبه، قال ابن عيينة: أصحمة بالعربية عطية، هو ملك الحبشة الذي أكرم المسلمين الذين هاجروا إلى بلاده من مكة، وأحسن استقبالهم وأسلم ولم يهاجر وليست له رؤية فهو تابعي من وجه، وصاحب من وجه، وقد توفي في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم -. ينظر: "الإصابة" 1/ 109، و"تفسير عبد الرزاق" 1/ 144 و"السير" 1/ 428. (¬6) ذكره الواحدي في "أسباب النزول" ص 41 ونقله عنه في: "العجاب" 1/ 364، من قول ابن عباس في رواية عطاء، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1332 عن عطاء وقتاده، وأخرجه الطبري في "تفسيره" ط. شاكر 2/ 532 - 533، مختصرًا عن =

116

لأنه لم يبلغه خبرُ نسخ القبلة وقال: {إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ} للنجاشي في قبلته، {عَلِيمٌ} بما قبله (¬1) من الإيمان. 116 - قوله تعالى: {وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ} وفي مصاحف الشام: قالوا (¬2) بغير واو؛ لأن هذه الآية ملابسة بما قبلها من قوله {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ} لأن الذين قالوا: اتخذ الله ولدا من جملة الذين تقدم ذكرهم، فيستغنى عن الواو؛ لالتباس الجملة بما قبلها كما استغنني عنها في نحو قوله: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 39]. ولو كان (وَهُمْ) كان حسنًا، إلا أن التباس إحدى الجملتين بالأخرى وارتباطها بها أغنت عن الواو. ومثل ذلك قوله: {سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ} [الكهف: 22]، ولم يقل: ورابعهم كما قال: {وَثَامِنُهُمْ} [الكهف: 22]، ولو حذفت الواو منها كما حذفت من التي (¬3) قبلها، واستغنى عن الواو بالملابسة التي بينهما كان حسنًا، ويمكن أن يكون حذف الواو لاستئناف جملة ولا يعطفها على ما تقدم (¬4). والآية نزلت ردًّا على اليهود والنصارى والمشركين، فإنهم وصفوا الله ¬

_ = قتادة، وذكره ابن كثير في "تفسيره" 1/ 170 عن ابن جرير وقال: وهذا غريب، وقال أحمد شاكر: هو حديث ضعيف، لأنه مرسل، وسياقه يدل على ضعفه ونكارته. (¬1) قوله: عليم بما قبله .. ساقطة من (أ)، (م). (¬2) ذكره ابن أبي داود في: كتاب "المصاحف" ص 54، ولم ينص عليه أبو عمرو الداني في: "المقنع في رسم مصاحف الأمصار". وينظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 460، "البحر المحيط" 1/ 362. (¬3) في (ش): (الذي). (¬4) ينظر: "إعراب القرآن" للنحاس 208.

تعالى بالولد، فقالت اليهود: {عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ}، وقالت النصارى: {الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ} [التوبة: 30]، وقالت المشركون: الملائكة بنات الله، فنزّه اللهُ نفسَه عن اتخاذ الولد، فقال سبحانه: {بَل لَّهُ} (¬1). وبل معناه: نفي الأول واثبات للثاني (¬2) (¬3)، أي: ليس الأمر كذلك {بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} عبيدًا وملكًا (¬4). {كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ} قال مجاهد (¬5) وعطاء (¬6) والسدي (¬7): مطيعون. قال أبو عبيد: أصل القنوت في أشياء: فمنها القيام، وبه جاءت الأحاديث في قنوت الصلاة؛ لأنه إنما يدعو قائمًا، ومن أبين ذلك: حديث جابر (¬8) قال: سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - أي الصلاة أفضل؟ قال: "طول القنوت" (¬9) ¬

_ (¬1) ينظر: "تفسير الطبري" 1/ 507، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 198، "تفسير السمرقندي" 1/ 152، "تفسير الثعلبي" 1/ 1137، "أسباب النزول" للواحدي ص 42، "زاد المسير" 1/ 118، "العجاب" لابن حجر 1/ 366. (¬2) في (م): (الثاني). (¬3) ينظر: "كتاب سيبويه" 4/ 223. (¬4) "تفسير الثعلبي" 1/ 1138. (¬5) أخرجه الطبري 1/ 507، ابن أبي حاتم 1/ 213من طريقين عن مجاهد. (¬6) ذكره عنه في "تفسير الثعلبي" 1/ 1138. (¬7) أخرجه الطبري في "تفسيره" 1/ 507 وهو مروي أيضًا عن ابن عباس وقتادة وعكرمة، ينظر: "تفسير الطبري" 1/ 507، البغوي في "تفسيره" 1/ 141، واختاره الطبري في "تفسيره" و"ابن كثير" في "تفسيره". (¬8) هو: أبو عبد الله جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري السلمي، أحد الصحابة المكثرين من الرواية عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، شهد العقبة كما شهد تسع عشرة غزوة مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - عدا بدراً وأحدًا، منعه أبوه، توفي سنة 78 وقيل 74، أو 73 هـ. ينظر: "أسد الغابة" 1/ 307، و"الإصابة" 1/ 434. (¬9) أخرجه مسلم (756) في صلاة المسافرين، باب أفضل الصلاة طول القنوت.

يريد: طول القيام. والقنوت أيضًا: الطاعة (¬1)، وقال عكرمة في قوله: {كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ} القانت: المطيع (¬2)، وقال الزجاج مثله، قال: والمشهور في اللغة أن القنوت الدعاء، وحقيقة القانت: أنه القائم بأمر الله، والداعي إذا كان قائمًا خُصَّ بأن يقال له: قانت، لأنه ذاكر لله وهو قائم على رجليه، فحقيقة القنوت: العبادة والدعاء لله في حال القيام (¬3). ويجوز أن يقع في سائر الطاعة؛ لأنه إن لم يكن قيام بالرجلين فهو قيام بالشيء بالنية (¬4). قال ابن عباس في هذه الآية: قوله: {كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ} راجع إلى أهل طاعته دون الناس أجمعين (¬5). وهو من العموم الذي أريد به الخصوص، وهذا اختيار الفراء (¬6)، وطريقة مقاتل (¬7) ويمان (¬8) إلا أنهما قالا: هذا يرجع إلى عُزير والمسيح ¬

_ (¬1) "غريب الحديث" لأبي عبيد 1/ 437، وينظر: "تأويل مشكل القرآن" ص 415، "تفسير الطبري" 2/ 539، "تفسير الثعلبي" 1/ 1138. (¬2) أخرجه أبو عبيد في: "غريب الحديث" 1/ 438، ورواه الطبري 1/ 507 بنحوه (¬3) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 198. (¬4) رجح الطبري في "تفسيره" 1/ 507 أن القنوت: الطاعة والإقرار لله عز وجل بالعبودية، بشهادة أجسامهم بما فيها من آثار الصنعة والدلالة على وحدانية الله. (¬5) ورد عن ابن عباس بلفظ: قانتون: مطيعون. عند الطبري في "تفسيره" 1/ 507 وأما اللفظ المذكور أعلاه فلعله من تلك الرواية التي تقدم الحديث عنها في مقدمة الكتاب. (¬6) "معاني القرآن" 1/ 74، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1140. (¬7) "تفسير مقاتل" 1/ 133، وذكره الثعلبي 1/ 140. (¬8) ذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1140.

والملائكة، أراد: أنهم كلهم عباد الله طائعون (¬1)، نظيره: قوله: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ} [الأنبياء: 26]. وقال السُدي ومجاهد والزجاج: هذا على ما ورد من العموم، فقال السدي: هذا في يوم القيامة (¬2)، تصديقه قوله: {وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ} [طه: 111] (¬3). وقال مجاهد: إن ظِلالَ الكفار تسجد لله وتطيعه (¬4). دليله قوله (¬5): {يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ} [النحل: 48]، الآية، وقوله: {وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ} [الرعد: 15] (¬6). وقال الزجاج: كل (¬7) ما خلق الله في السماوات والأرض فيه أثر الصنعة فهو قانت لله، ودليل (¬8) على أنه مخلوق. والمعنى: كل له قانت، إما (¬9) مُقِرّ بأنه خالقه؛ لأنه أكثر من يخالف ليس يدفع أنه مخلوق، وما كان ¬

_ (¬1) رد الطبري في تفسيره 1/ 508 القول بالخصوص، بأنه لا يجوز ادعاء خصوص في آية ظاهرها العموم، إلا بحجة. (¬2) أخرجه الطبري في "تفسيره" 1/ 507 وذكره الثعلبي 1/ 1140. (¬3) "تفسير الثعلبي" 1/ 1141. (¬4) تقدم تخريجه عن مجاهد قريباً. قال ابن كثير في تفسيره 1/ 171: وهذا القول عن مجاهد -وهو اختيار ابن جرير- يجمع الأقوال كلها، وهو أن القنوت: هو الطاعة والاستكانة إلى الله وذلك شرعي وقدري. (¬5) من قوله: قوله: وعنت ... ساقط من (ش). (¬6) "تفسير الثعلبي" 1/ 1141 البغوي 1/ 141. (¬7) في (ش): على. (¬8) في "معاني القرآن"، (والدليل). (¬9) في (ش): (إنما)، وليست الكلمة في "معاني القرآن" للزجاج، والكلام مستقيم بدونها.

117

من الجمادات فأثَرُ الخلق بيِّنٌ فيه، فهو على العموم (¬1) (¬2). وقال غيرهُ: طاعة الجميع لله تكونهم (¬3) في الخلق عند التكوين إذا قال: كن كان كما أراد (¬4)، فنسب القنوت إليه كما نسبت الخشية إلى الحجارة، والمحبة إلى الجبال، والشكوى إلى الإبل، والسجود إلى الأشجار (¬5). 117 - قوله تعالى: {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} الآية، أي: خالقها وموجدها (¬6) لا على مثالٍ تقدّم (¬7)، وهو عند الأكثرين فعيل بمعنى مُفعلٍ، كأليم ووجيع وسميع في قوله: ¬

_ (¬1) في "معاني القرآن": فأثر الصنعة بَيِّنٌ فيه، فهو قانت على العموم. (¬2) "معاني القرآن" 1/ 198. (¬3) في (ش): (بكونهم). (¬4) يروى عن مجاهد. ينظر: ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 213. (¬5) نسبت الخشية إلى الحجارة في قوله تعالى: {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} [البقرة: 74]، ونسبت المحبة إلى الجبال في قوله - صلى الله عليه وسلم -: "أحد جبل يحبنا ونحبه" متفق عليه. ونسبت الشكوى إلى الإبل في الحديث الذي رواه أبو داود وأحمد عن عبد الله بن جعفر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما راى جملًا لرجل من الأنصار، حنّ الجمل وذرفت عيناه، فمسح النبي - صلى الله عليه وسلم - ذِفراه، فسكت فقال: "من رب هذا الجمل"، فجاء فتى من الأنصار فقال: لي يا رسول الله، فقال: "أفلا تتقى الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها، فإنه شكا إلي أنك تجيعه وتدئبه". ونسب السجود إلى الأشجار في قوله تعالى: {وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ} [الرحمن: 6]، وغيرها من الآيات. (¬6) في (ش): (خالقهما وموجدهما). (¬7) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 199، "تفسير الثعلبي" 1/ 1141.

أَمِنْ ريحَانة الداعي السميعُ (¬1) أي: المسمع. فالبديع: الذي يُبْدِعُ الأشياءَ، أي: يحدثها مما لم يكن. ابن السكيت قال: البدعة: كل محدثة، وسقاء بديع: أي: جديد (¬2). وقال أبو إسحاق: {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} منشئُهما (¬3) على غير حذاء ولا مثال، وكل من أنشأ ما لم يسبق إليه قيل: أبدعت؛ ولهذا قيل لمن خالف السنة (¬4): مبتدع؛ لأنه أحدث في الإسلام (¬5) ما لم يسبقه إليه السلف (¬6) (¬7). قال الأزهري: قول الله تعالى: {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} بمعنى مبدعهما، إلا أن بديعًا من بَدَعَ لا من أَبْدَع، وأَبْدَع أكثر في الكلام من بَدَع، ولو استُعْمِل بَدَع لم يكن خطأ، فبديع: فعيل بمعنى فاعل، مثل: قدير بمعنى قادر، وهو (¬8) من صفات الله؛ لأنه بدأ الخلق على ما أراد على ¬

_ (¬1) عجز البيت: يؤرقني وأصحابي هجوع وهو لعمرو بن معد يكرب، وقد تقدم البيت. (¬2) نقله عنه في "تهذيب اللغة" 1/ 293، "لسان العرب" 1/ 230 (بدع). (¬3) في "معاني القرآن": يعني أنشأهما. (¬4) في "معاني القرآن" للزجاج: السنة والإجماع. (¬5) في "معاني القرآن" للزجاج: لأنه يأتي في دين الإسلام. (¬6) في "معاني القرآن" للزجاج: بما لم يسبقه إليه الصحابة والتابعون. (¬7) من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 199 وقد نقله بحروفه من "تهذيب اللغة" 1/ 293 ولذلك اختلفت العبارات مادة (بدع). (¬8) في "تهذيب اللغة": وهو صفة من صفات الله.

غير مثالٍ تقدمه (¬1). وقوله تعالى: {وَإِذَا قَضَى أَمْرًا} أي: قدره وأراد خلقه (¬2). قال أبو إسحاق في قوله: {وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ} [الأنعام: 8]: قضى في اللغة على وجوه، كلها يرجع إلى معنى انقطاع الشيء وتمامه، ومنه قول الله تعالى: {قَضَى أَجَلًا} [الأنعام: 2]. معناه: ثم حتم بذلك (¬3) وأتمه، ومنه: الأمر، وهو قوله: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} [الإسراء: 23]، معناه: أمر، إلا أنه أمرٌ قاطع حتم. ومنه الإعلام، وهو قوله: {وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ} [الإسراء: 4]، أي: أعلمناهم إعلامًا قاطعًا، ومنه: القضاء الفصل فى الحكم، وهو قوله: {وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ} [الشورى: 14] (¬4) أي: قطع بينهم في الحكم، قال: ومن ذلك قضى فلان دينه، تأويله: أنه قطع ما لغريمه عليه، وأداه إليه، وقطع ما بينه وبينه. وكل ما أحكم فقد قُضِيَ. تقول: قد قضيت هذا الثوب، وقد قضيت هذه الدار، إذا عملتها وأحكمت عملها، تقول: قد قضيت هذا الثوب، وقد قضيت هذه الدار، إذا عملتها وأحكمت عملها، وقال أبو ذؤيب (¬5): ¬

_ (¬1) ذكره في "تهذيب اللغة" 1/ 293، ونقله في "اللسان" 1/ 230 (بدع). (¬2) "تفسير الثعلبي" 1/ 1141. (¬3) في "معاني القرآن": بعد ذلك. (¬4) وردت الآية في نسخ "البسيط" كلها، وفي "معاني القرآن" للزجاج ناقصة هكذا، (ولولا أجل مسمى لقضي بينهم). (¬5) هو: خويلد بن خالد بن محرث أبو ذؤيب الهذيلي، تقدمت ترجمته.

وَعَلَيْهِمَا مَسْرُودَتَانِ قَضَاهما ... داودُ أو صنعَ السوابغَ تُبّعُ (¬1) (¬2) ومنه قول الله تعالى: {فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ} [فصلت: 12]، أي: خَلَقَهن وعملهن وصنعهن. وقوله تعالى: {فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}، القول هاهنا عند كثيرٍ من النحويين لا يكونُ المراد به النطق، قالوا: لأن المعدوم الذي ليس بكائن لا يخاطَبُ، وتأويله: إذا قضى أمرًا فإنما يكوِّنُه فيكونُ، والقولُ قد يَرِدُ ولا يرادُ به النطقُ والكلام، كما قال: امتلأ الحوضُ وقال قَطْني (¬3) (¬4) ¬

_ (¬1) البيت لأبي ذؤيب، في "ديوانه": 19، "شرح أشعار الهذليين" 1/ 39، "مجاز القرآن" 1/ 52 "تأويل مشكل القرآن" ص 441، "تفسير الطبري" 1/ 509 "تفسير الثعلبي" 1/ 1141، "لسان العرب" 6/ 3662 مادة (قضض)، 6/ 3665 مادة (قضى)، 4/ 2508 مادة (صنع). وتفسير "القرطبي" 2/ 87 "الدر المصون" 1/ 353. والبيت من قصيدته التي يرثي فيها أولاده، ومسرودتان يعني: درعين، من السرد، وهو الخرز أو النسج وقضاهما أي: أحكمهما. وداود هو النبي المعروف - صلى الله عليه وسلم -، والصَّنَع الحاذق بالعمل، والصَّنَع هاهنا: تبع، يقال: رجلٌ صَنَعٌ، وامرأة صَنَاع. سمع بأن داود-عليه السلام- كان سخر له الحديد فكان يصنع ما أراد، وسمع بأن تبعًا ملك اليمن عملهما، فقال: عملهما تبع، وظن أنه عملهما، وإنما أمر بها أن تعمل، وكان تبع أعظم شأنًا من أن يصنع شيئًا بيده ينظر: "شرح أشعار الهذليين" 1/ 39. (¬2) بتصرف يسير من "معاني القرآن" للزجاج 2/ 230. (¬3) عجز البيت: مهلا رويدًا قد ملأت بطني وهذا البيت لم يعرف قائله، والبيت في "تفسير الطبري" 1/ 510، و"معاني القرآن" للزجاج 1/ 36، و"الأمالي الشجرية"1/ 313، و"المقاصد النحوية" 1/ 36، و"الخصائص" 1/ 23، ومعنى قطني: أي: حسبي. وروي: سلَّا رويدًا. (¬4) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 199.

وكقول أبي النجم (¬1): يَقُلْنَ للرائد: أعشبت، انزل (¬2) والذبّانُ لا قولَ لها، وقال آخرون: إن ما قدّر الله وجوده وعلم فهو كالموجود (¬3). قال أبو بكر بن الأنباري: يحتمل أن تكون اللام في (له) لام أجْل، والتأويل: {وَإِذَا قَضَى أَمْرًا} فإنما يقول من أجْل إرادته: كن، فيكون، كقوله: {رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ} [آل عمران: 193] أي: من أجله (¬4)، وكقوله: {وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ} [العاديات: 8]، معناه: إنه من أجل حبّ المال لبخيل. قال: ولا يعجبني أن يُلغى القول، ويبطل معناه؛ لأنا لا نجعل حرفًا من كتاب الله مُطَّرَحًا إذا وجدنا له من وجه من الوجوه معنى. فإن قيل: كيف قال (كن) للشيء الذي يكونه، وذلك الشيء لا يكون نفسه حتى يقال له: كن؟ قلنا: على مذهب النحويين هذا لا يلزم؛ لأن التقدير عندهم فإنما يكوِّنه فيكون، ولفظ الأمر هاهنا المراد منه الخبر، ونذكره فيما بعد. وأما من جعل هذا أمرًا حقيقيًّا فإنه يقول هذا من الأمر الحتم الذي لا انفكاكَ للمأمور منه، ولا قدرة له على دفعه والانصراف ¬

_ (¬1) هو الفضل بن قدامة، تقدم 2/ 10. (¬2) سبق تخريجه تحت الآية رقم 93. (¬3) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 199 ففيه: قال بعض أهل اللغة (إنما يقول له كن فيكون) يقول له وإن لم يكن حاضرًا (كن)، لأن ما هو معلوم عنده بمنزلة الحاضر، وينظر: "البحر المحيط" 1/ 364. (¬4) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 199.

عنه، ومشهورٌ في كلام العرب أن يرى الرجلُ منهم الرجلَ فيقول له: كن أبا فلان، أي: أنت أبو فلان. فكذلك قوله: {كُنْ فَيَكُونُ} معناه: كن بتكويننا إياك، فالمأمور بهذا لا قدرة له على دفعِه، ولا صنع له فيه، كما أن الذي يقال له: كن أبا فلان، لا صنع له في ذلك بفعل ولا عزم ولا غير ذلك مما يكون من الفاعلين (¬1). وقوله تعالى: {فَيَكُونُ} قال الفراء (¬2): والكسائي (¬3) وأبو إسحاق (¬4): رفعه من وجهين: أحدهما: العطف على (يقول)، ومثله {يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ} (¬5) [إبراهيم: 44]. الثاني: أن يكون رفعه على الاستئناف، المعنى: فهو يكون؛ لأنَّ الكلامَ تمَّ عند قوله: (كن) ثم قال: فسيكون (¬6) ما أراد الله. قال الفرَّاءُ: وإنه لأحبُّ الوجهين إلي (¬7)، وقرأ ابن عامر وحده (فيكونَ) بنصب النون (¬8). ¬

_ (¬1) ينظر تفصيل المسألة في: "تفسير الطبري" 1/ 508 - 511، "البحر المحيط" 1/ 364 - 366 وقد رجح الطبري في "تفسيره" أن الأمر هنا عام في كل ماقضاه الله وبرأه مما هو موجود، فيقال له: كن قال: فغير جائز أن يكون الشيء مأمورًا بالوجود مرادًا كذلك إلا وهو موجود، ولا أن يكون موجوداً إلا وهو مأمور بالوجود مراد كذلك. (¬2) "معاني القرآن" للفراء 1/ 74. (¬3) "معاني القرآن" للفراء 1/ 75. (¬4) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 199. (¬5) وهذا الذي اختاره الطبري في "تفسيره" 1/ 511. (¬6) في (م): (فيكون). (¬7) "معاني القرآن" للفراء 1/ 75. (¬8) ينظر كتاب: "السبعة" 168، "الحجة" 2/ 203.

قال أبو علي (¬1): قوله: (كُنْ) وإن كان على لفظ الأمر فليس بأمر، ولكنَّ المرادَ به الخبرُ، كأنَّ التقديرَ: يُكَوَّن (¬2) فيكون، وقد يَرِدُ لفظ الأمر والمرادُ منه الخبر، كقولهم: أكرمْ بزيدٍ، تأويلُه: ما أكرمَ زيدًا (¬3)، والجار والمجرور في موضع رفع بالفعل. وفي التنزيل: {قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا} [مريم: 75] فالتقدير: مدَّه الرحمن. وإذا لم يكن قوله: {كُنْ} خبرًا في المعنى وإن (¬4) كان على لفظ الأمر لم يَجُزْ أن ينصبَ الفعلُ بعد الفاء بأنه (¬5) جواب. ويدل على امتناع النصب في قوله: {فَيَكوُنُ} أن الجواب بالفاء مضارع للجزاء، يدلُّ على ذلك أنه يؤولُ في المعنى إليه. ألا ترى أن قولك: اذهب فأعطيَكَ، معناه إن تذهب أعطيتُك (¬6) ولا يجوز: اذهب فتذهب؛ لأن المعنى يصير: إن ذهبتَ ذهبتَ، وهذا كلامٌ لا يفيد كما يفيد إذا اختلف الفاعلان والفعلان، نحو: قُمْ فأُعطيَك؛ لأنَّ المعنى: إن قُمتَ أعطيتُك، ولو جعلتَ الفاعل في الفعل الثاني فاعِل الفعل الأول، فقلت: قُم فتقومَ، أو أعطِني فتعطيني، على قياس قراءة ابن عامر، لكان المعنى: إن قمت تقم، وإن تُعطِني تعطِني، وهذا كلامٌ في قلةِ الفائدة على ما تراه. فأمَّا مَنِ احتج له فإنه يقول: اللفظ لما كان على لفظ الأمر وإن لم ¬

_ (¬1) في "الحجة" للفراء السبعة 2/ 203. (¬2) في (ش): (فكون). (¬3) في الأصل: زيد، والمثبت من "الحجة". (¬4) في (م): (وإذا). (¬5) في (ش): (لأنه). (¬6) من قوله: معناه .. ساقطة من (ش).

118

يكن المعنى عليه حملته على صورة اللفظ. وقد حمل أبو الحسن نحو قوله: {قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ} [إبراهيم: 31]، ونحوه من الآي على أنه أجري مجرى جواب الأمر، وإن لم يكن جوابًا له في الحقيقة. وقد يكونُ اللفظُ على شيء والمعنى على غيره، ألا ترى أنهم قالوا: ما أنت وزيد (¬1)، والمعنى: لِمَ تؤذيه، وليس ذلك في اللفظ. قال: ومن رفع فإنه عطف على قوله: {كُنْ} لأن معناه: يكوّنه فيكون، وهذا أولى من حمله على (يقول) (¬2)؛ لأنه لا يطرد في سورة آل عمران في قوله: {ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [آل عمران: 59]، لأن قال ماضي، ويكون مضارع، فلا يحسن عطفه عليه لاختلافهما، قال: ويجوز أن يكون خبر ابتداء محذوف، كأنه قال: فهو يكون (¬3). 118 - قوله تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} قال ابن عباس: هم اليهود، قالوا لمحمد - صلى الله عليه وسلم -: لا نؤمن لك حتى يكلّمنا الله أنك رسوله، أو حتى تأتينا بمثل الآيات التي أتت بها الرسل (¬4). وقال مجاهد: هم النصارى (¬5). ¬

_ (¬1) في " الحجة": وزيدًا. (¬2) في (ش): (على ما يقول). (¬3) إلى هنا انتهى كلام أبي علي الفارسي 1/ 208 بتصرف واختصار. (¬4) أخرجه الطبري في "تفسيره" 1/ 512، ابن أبي حاتم 1/ 215 وذكره الثعلبي 1/ 1142، وذكره ابن هشام في "السيرة النبوية" عن ابن إسحاق 2/ 176، وينظر: "تفسير السمعاني" 2/ 33، "زاد المسير" 1/ 137، "تفسير القرطبي" 2/ 83. (¬5) أخرجه الطبري في "تفسيره" 1/ 512، ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 215، وهو في "تفسير مجاهد" ص 86، وهذا الذي رجحه الطبري في "تفسيره" 1/ 513، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1142 لدلالة سياق الآيات.

وقال الحسن (¬1) وقتادة (¬2): هم مشركو العرب، وهذا أظهر الأقوال؛ لأنه يُشاكل ما طلبوا، حيث قالوا: {وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا} الآيات الأربع [الإسراء: 90 - 93]، ولأن أهل الكتاب أهل علم به، والله تعالى قال: {وَقَالَ اَلَّذِينَ لَا يَعلَمُونَ}. وقوله تعالى: {لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ} قال أبو عبيدة (¬3) والزجاج (¬4): معنى لولا: هلّا، وأنشد أبو عبيدة: تعدُّونَ عَقْرَ النِّيب أفضلَ مجدِكم ... بني ضَوْطَرَى، لولا الكَمِيَّ المُقَنَّعَا (¬5) أي: هلّا (¬6)، وقال الخليل: (لولا) له معنيان: أحدهما: هلاّ، ¬

_ (¬1) لم أره عن الحسن وقد نقله في "الوسيط" 1/ 197. (¬2) أخرجه الطبري في "تفسيره" 2/ 551، وذكره ابن أبي حاتم 1/ 251، والثعلبي 1/ 1142. (¬3) ينظر: "مجاز القرآن" 1/ 52. (¬4) ينظر: "معاني القرآن" 1/ 199. (¬5) البيت "لجرير" في ديوانه ص265، "النقائض" ص 833، "مجاز القرآن" 1/ 199، "تفسير الطبري" 1/ 513، "أمالي ابن الشجري" 2/ 210. وقد عزاه هؤلاء الثلاثة لأشهب بن رُميلة. ورواية الديوان والنقائض: أفضل سعيكم. وقوله: عقر النيب: يقال عقر الناقة أو الفرس: أي ضرب قوائمها فقطعها، والنيب: جمع ناب، وهي الناقة المسنة، سميت بذلك لطول نابها، وقوله: بني ظوطري: يعني: يابني الحمقى، وقيل: إنه نبز لرجلٍ من بني مشجاع بن دارم. والكمي: الشجاع الذي لا يرهب، فلا يحيد عن قرنه، كان عليه سلاح أو لم يكن. وكان العرب يعقرون البعير قبل نحره لئلا يشرد، وكانوا يتكارمون بالمعاقرة، وهي أن يعقر هذا ناقة فيعقر الآخر، يتباريان في الجود حتى يغلب أحدهما. ينظر حاشية "تفسير الطبري" 1/ 513. (¬6) "مجاز القرآن" 1/ 52 - 53.

والآخر: لو لم، كقولك: لولا زيد لأكرمتك، معناه: لو لم يكن، وتقول: لولا فعلت ما أمرتك، في معنى: هلَّا فعلت. وقد يدخل (ما) في هذا المعنى في موضع لا، كقوله تعالى: {لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ} [الحجر: 7]. أي: هَلَّا. وكلُّ ما في القرآن لولا يفسر على هَلَّا، غير التي في الصافات {فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ} [الصافات: 143] يقول: فلو لم يكن من المُسَبِّحِين (¬1). وقال الفراء: لولا إذا كانت مع الأسماء فهي شرط، وإذا كانت مع الأفعال فهي بمعنى هلّا، لومٌ على ما مضى، وتحضيض لما يأتي. قوله تعالى: {كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} أراد: كفار الأمم الخالية. قال الزجاج: أعْلَمَ اللهُ أنَّ كفرَهم في التعنُّتِ بطلب الآيات على اقتراحهم، كَكُفْر الذين من قبلهم في قولهم لموسى: {أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً} [النساء: 153] وما أشبهه، وفي هذا تعزية للنبي - صلى الله عليه وسلم - (¬2). وقوله تعالى: {تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ} أي: أشبه بعضُها بعضًا في الكفرِ والقسوةِ ومسألةِ المُحال (¬3) كقوله: {يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ} [التوبة: 30]. وقوله تعالى: {قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} يريد: أن من أيقن وطلبَ الحقّ فقد أتته الآيات البينات، نحو: المسلمين ومن لم يعاند من علماء اليهود؛ لأن القرآن برهانٌ شافٍ (¬4). ¬

_ (¬1) ينظر في لولا: "الكتاب" لسيبويه 3/ 115، 4/ 222، "المغني" لابن هشام 1/ 272 - 276. (¬2) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 199. (¬3) ينظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 75، "تفسير الثعلبي" 1/ 1143. (¬4) نقلًا عن "معاني القرآن" للزجاج 1/ 200.

119

119 - قوله تعالى: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ} معنى الحقّ في اللغةِ: هو الواجب الصدق الموجود، وهو نقيض الباطل، يقال: حَقَّ الشيء يَحِقُّ حقًا، معناه: وجب (¬1) وجوبًا. فالحق مصدر، ثم يستعمل بمعنى فاعل، مثل: بَرٍّ وطَبٍّ، وقال شمر: تقولُ العرب: حقٌّ عليَّ أن أفعل ذلك، وحُقّ، وإني لمحقوق أن أفعل خيرًا، قال: وتقول: حَقَقْتُ الأمر، وأحققته، إذا كنت على يقين منه (¬2). وقال الفراء: حُقّ لكَ أن تفعل كذا، وحُقٌ عليك، فإذا قلت: حُقَّ، قلت: لك، وإذا قلت: حَقٌّ، قلت: عليك (¬3). ابن الأعرابي: الحق: صدق الحديث، والحقّ: الملك، والحقّ: اليقين بعد الشك (¬4). وأصل الحق ما ذكرنا من أنه الصدق الواجب، ثم يسمى كلُّ ثابت موجود غير باطل: حقًا، كالذي ذكره ابن الأعرابي. والحقُّ من أسماء الله تعالى قال الله تعالى: {وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ} [المؤمنون: 71]، والحقُّ: العدل في قوله. {رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ} [الأعراف: 89]، والحق: الدَّين في قوله: {وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ} (¬5) [البقرة: 282]. فأما تفسير الحق في هذه الآية، فقال ابن عباس: الحق: القرآن (¬6)، كقوله: {بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ} [ق: 5]، (¬7)، وقال ابن كيسان: الحق ¬

_ (¬1) في (ش): (وجبت). (¬2) نقله عنه في "تهذيب اللغة" 1/ 877 (¬3) نقله عن شمر كما في "تهذيب اللغة" 1/ 876 (¬4) نقله عنه في "تهذيب اللغة" 1/ 880. (¬5) ينظر: "المفردات" للراغب الأصفهاني ص 132، "اللسان" 2/ 940 (حق). (¬6) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1143، والواحدي في "الوسيط" 1/ 198، البغوي 1/ 142، وابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 137. (¬7) "تفسير الثعلبي" 1/ 1143.

في هذه الآية: الإسلام (¬1)، نحو قوله: {وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ} [الإسراء: 81] (¬2). والباء في (بالحق) بمعنى مع، أي: مع الحق (¬3). وقوله: {وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ} [المائدة: 62] , وإذا (¬4) كان كذلك كان في موضع النصب بالحال (¬5)، كقوله: {بَشِيرًا وَنَذِيرًا} (¬6) البشير: فعيلٌ بمعنى فاعل من بشَر يبشُرُ بشَرًا بمعنى بشّر (¬7)، ونذكر ذلك عند قوله: {أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى} [آل عمران: 39]. والنذير: بمعنى المنذر، وكان الأصل: نَذَرَ، إلا أن فعل الثلاثي أميت، ومثله: السميع: بمعنى المسمع، والبديع بمعنى المبدع، وتقول: أنذرتُه فَنَذِر، أي: أعلمتُه فعلِمَ وتحرّز (¬8). وقوله تعالى: {وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ} سأل فِعْلٌ يتعدّى إلى مفعولين، أنشد أحمد بن يحيى (¬9): ¬

_ (¬1) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1144، والواحدي في "الوسيط" 1/ 198 البغوي 1/ 142 وابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 137. (¬2) "تفسير الثعلبي" 1/ 1143. (¬3) ينظر: "البحر المحيط" 1/ 367. (¬4) في (ش): (فإذا). (¬5) ينظر: "البحر المحيط" 1/ 367 وذكر أنه حال من الكاف، ويحتمل أن يكون حالا من الحق؛ لأن ما جاء به من الحق يتصف أيضًا بالبشارة والنذارة، والأظهر الأول. (¬6) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 200، "إعراب القرآن" 1/ 209. (¬7) ينظر: "تهذيب اللغة" 1/ 338، "البحر المحيط" 1/ 367. (¬8) "تهذيب اللغة" 4/ 3546، "اللسان " 7/ 4390. (¬9) في "الحجة" ذكر هذا البيت ثم قال: وأنشد أحمد بن يحيى: سألت عَمْرًا بعد بكير خُفًّا ... والدلْو قد تُسْمَعُ كي تَخِفّا

سألناها الشِّفَاءَ فما شَفَتْنَا ... ومَنَّتْنَا المواعدَ والخِلابا (¬1) ويجوز الاقتصارُ فيه على مفعولٍ واحد، ويكون على ضربين: أحدهما: أن يتعدّى بغير حرف. والآخر: أن يتعدّى بحرف. فالمتعدي بغير حرف نحو قوله: {وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا} [الممتحنة: 10]. وقال: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ} [الأنبياء: 7]. وأما تعديه بالحرف فالحرف الذي يتعدى به حرفان. أحدهما: (الباء)، كقوله: {سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ} [المعارج: 1]، وكقول الشاعر: وسائلةٍ بثعلبةَ بْنِ بكر ... وقد أودَتْ بثعلبةَ العَلُوقُ (¬2) والآخر: (عن)، كقولك: سل عن زيد. وإذا تعدى إلى مفعولين فالمفعول الثاني يكون على ثلاثة أضرب: أحدها: أن يكون الفعل واقعًا عليه من غير حرف ظاهر ولا مضمر، وذلك نحو قوله: سألتُ زيدًا بعد بكر خُفًّا (¬3) ¬

_ (¬1) البيت لجرير بن عطية، يهجو فيها الراعي النميري، ينظر: "ديوانه" ص 58، "الحجة" 2/ 209. والخلاب: المخادعة والكذب. (¬2) البيت للمفضل النكري، في "الأصمعيات" ص 203، و"المنصفات" ص 25، و"الخصائص" 2/ 437، "الحجة" 2/ 210، "لسان العرب" 4/ 2170، (مادة: سير)، 5/ 3074، (مادة: علق)، "المعجم المفصل" 5/ 182 وروايته في بعض المصادر: (سير) بدل: بكر، و (علقت) بدل: أودت، وهذا البيت من قصيدة الشاعر المنصفة، يذكر أن ثعلبة بن سيار كان في أسره، وهو الذي ذكره في البيت: ثعلبة بن سير، ضرورة لإقامة الوزن. والعلوق: المنية. (¬3) البيت من الرجز لم ينسب لقائل، وبعده: والدلَو قد تُسْمَعُ كي تَخِفّا ذكره في "الحجة" 2/ 210 مرة قال: عمرًا، ومرة قال: زيدًا. "اللسان" (مادة: خفف).

فيكون معناه: استعطيته (¬1). الثاني: أن يتعدّى الفعلُ إليه بإضمارِ حرف، وذلك قوله (¬2): {وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا} [المعارج: 10]. معناه: ولا يسأل حميمٌ عن حميمٍ، ويكون بمنزلة: اخترت الرجال زيدًا، ويجوز إظهارُ الحرف، فيكوَن كقوله: {وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ} [الأعراف: 163]. والثالث: أن يقع موقعَ المفعول الثاني استفهام، كقوله: {سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ} [البقرة: 211]. وقوله: {وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ} [الزخرف: 45] (¬3). وفي (سألت) لغتان: تحقيق الهمزة وهي الفاشية الكثيرة، وسِلْتُ أَسَال لغةٌ، وعليها جاء قول الشاعر: سَالَتْ هذيلُ رسولَ الله فاحشةً ... ضلَّت هذيلُ بما قالت ولم تُصِبِ (¬4) وحمل سيبويه (¬5) (سالت) على قلب الهمزة ألفًا للضرورة، كما قال: راحَتْ بمسلمةَ البغالُ (¬6) عَشِيَّةً ... فارعَيْ فَزارةُ لا هَنَاكِ المَرْتَعْ (¬7) ¬

_ (¬1) في "الحجة" 2/ 211 زيادة عليه، أي: سألته أن يفعل ذلك. (¬2) من قوله: سألت زيدًا بعد بكر ... ساقط من (ش). (¬3) ما تقدم منقول من "الحجة" لأبي علي الفارسي 2/ 209 - 211. (¬4) البيت لحسان بن ثابت هجو هذيلاً، في ملحق ديوانه ص 34، "السيرة النبوية" لابن هشام 3/ 176، "الكتاب" لسيبويه 2/ 130 "المقتضب" للمبرد 1/ 167، "الحجة" 2/ 218 "المعجم المفصل" 1/ 425. (¬5) "الكتاب" 3/ 468، 555. ونقل ذلك عنه أبو علي الفارسي في "الحجة" 2/ 218. (¬6) في (ش): (النعال). (¬7) البيت للفرزدق، في "ديوانه" 1/ 408، "الكتاب" 3/ 554، "الحجة" 2/ 218، "المعجم المفصل" 4/ 267.

قال الزجاج (¬1) ثم ابن الأنباري وأبو علي (¬2): الرفع في قوله: (ولا تُسأل) من وجهين: أحدهما: أن يكون حالًا صُرِفَتْ إلى الاستقبال، فيكون مثل ما عطف عليه في المعنى من قوله: {بَشِيرًا وَنَذِيرًا} وغير مسؤول، فيكون مرفوعًا في اللفظ، منصوبًا في التأويل، ويكون ذكر تُسْأَلُ وهو فعل بعد قوله: {بَشِيرًا وَنَذِيرًا} (¬3) كقوله: {وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ} [آل عمران: 46]. بعد ما تقدم من قوله: {وَجِيهًا}. والوجه الثاني: أن يكون منقطعًا من الأول، مُستأنفًا به، يُراد: ولست تسأل عن أصحاب الجحيم، ويقوي هذا الوجهَ قراءة عبد الله: ولن تسألَ، وقراءة أُبي: وما تُسأل (¬4)، فلن، وما يشهدان للاستئناف (¬5). ومعنى الآية ما قال مقاتل: وهو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: لو أن الله أنزل بأسه باليهود لآمنوا، فأنزل الله عز وجل {وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ} (¬6). أي: لست بمسؤولٍ عنهم، وليس عليك من شأنهم عُهدة ولا تبعة، فلا تحزن عليهم، كما قال: ¬

_ (¬1) في "معاني القرآن" 1/ 200. (¬2) "الحجة" 2/ 216. (¬3) ساقط من (ش) من قوله: (في اللفظ). (¬4) القراءتان في "الحجة" لابن زنجلة ص 112، "تفسير الثعلبي" 1/ 1146، و"مختصر في شواذ القرآن" لابن خالوية ص 16، و"الكاشف" 1/ 182، وتفسير ابن عطية 1/ 468. (¬5) إلى هنا انتهى كلام أبي علي في "الحجة" 2/ 216. (¬6) ذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1145، والواحدي في "أسباب النزول" ص 43، وابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 119، و"القرطبي" 2/ 83 ونقله ابن حجر في "العجاب" 1/ 368 عن الواحدي، ثم قال: لم أر هذا في "تفسير مقاتل بن سليمان"، فينظر في "تفسير مقاتل بن حيان" ا. هـ. وهذا مرسل لا يحتج به.

{فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ} (¬1) [الرعد: 40]. وقرأ نافعٌ وحدَه (ولا تَسْألْ) بفتح التاء وجزم اللام، وله وجهان: أحدهما: أن يكونَ هذا نهيًا للنبي - صلى الله عليه وسلم - على ما روي عن ابن عباس، أنه قال: سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جبريل عن قبر أبيه وقبرِ أمِّهِ، فدلَّه عليهما، فذهب إلى القبرين ودعا لهما، وتمنىَّ أن يعرف حالَ أبويه في الآخرة فنزلت قوله: {وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ} (¬2). وقال القرظي: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم: "ليت شعري ما فعل أبواي"، فأنزل الله هذه الآية، فما ذكرهما حتى توفاه الله (¬3). قال ابن ¬

_ (¬1) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 200. (¬2) ذكره أبو علي الفارسي في "الحجة" 2/ 216، وقال: وهذا إن ثبت معنى صحيح، ويذكر أن في إسناد الحديث شيئا وذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1144 والواحدي في "أسباب النزول" ص 43 من طريق عطاء عن ابن عباس. وقال ابن حجر في "العجاب" 1/ 369: وأما قول ابن عباس فنسبه الثعلبي في "تفسيره" لرواية عطاء عنه، وهي من تفسير عبد الغني بن سعيد الواهي، وقد أخرجه الطبري من مرسل محمد بن كعب القرظي، وعليه اقتصر الماوردي وابن ظفر وغيرهما، وأستبعد الرازي صحة هذا السبب، قال لأنه - صلى الله عليه وسلم - يعلم من مات كافرًا. انتهى. وفي سنده موسى بن عبيدة وهو ضعيف. (¬3) أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 59، الطبري 1/ 516 وأشار إلى ضعفه في 1/ 516، ابن أبي حاتم 1/ 217 من طريق موسى بن عبيدة الربذي عن محمد بن كعب، وذكره السيوطي في "الدر" 1/ 209، وزاد نسبته إلى وكيع، وسفيان بن عيينه، وعبد بن حميد، وابن المنذر. قال السيوطي: هذا مرسل ضعيف الإسناد، وقال أحمد شاكر بعد أن أورده الطبري من طريقين عن موسى بن عبيدة: هما حديثان مرسلان، فإن محمد بن كعب بن سليم القرظي، تابعي، والمرسل لا تقوم به حجة، ثم هما إسنادان ضعيفان أيضًا بضعف راويهما موسى بن عبيدة بن نشيط الربذي ... وقد أخرجه الطبري أيضًا 2/ 559 عن داود بن أبي عاصم، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- =

عباس: وفي هذا نزلت الآية التي في التوبة: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا} وهو علي -رضي الله عنه-. {أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ} (¬1) [التوبة: 113]. قال أبو إسحاق: ويجوز أن يكون النهي لفظًا، ويكون المعنى على تفخيم ما أَعَدَّ لهم من العقاب، كما تقولُ (¬2): لا تسأل عما فيه فلان من البلاء، إذا عظمته وبالغت في وصفه (¬3). وعلى هذا يكون الظاهر نهيًا وتأويله تأويل التعجيب والتعظيم (¬4). واختار أبو عبيد القراءة الأولى قال: لأنه لو أراد النهي لكانت الفاء أحسن من الواو (¬5). وقال أبو علي: إنما تكون الفاء أحسن إذا كانت الرسالة بالبشارة والنِذارة علّةً لأن لا يسأل عن أصحاب الجحيم، كما يقول الرجل: قد حملتُك على فرس فلا تسألني غيره، فيكونُ حملُه على الفرس علّةً لئلا يَسْأل غيره، وليس البشارة والنذارة علةً لئلا يسأل (¬6)، وإنما يجعل للقراءة الأولى مزية على الثانية؛ لأن الأولى خبر، والكلام الذي بعده وقبله خبر، فإذا كان أشكل بما قبله وبما بعده كان أولى من القراءة الثانية التي هي ¬

_ = قال ... فذكره. وقال السيوطي1/ 209: معضل الإسناد ضعيف لا تقوم به ولا بالذي قبله حجة. وقال أحمد شاكر: وهذا مرسل أيضا لا تقوم به حجة، داود بن أبي عاصم بن عروة بن مسعود الثقفي: تابعي ثقة، ويروى عن بعض التابعين أيضًا. (¬1) أخرجه الطبري 11/ 42 من طريق عطية العوفي وسنده مسلسل بالضعفاء. (¬2) في "معاني القرآن": كما يقول لك القائل الذي تعلم أنت أنه يجب أن يكون من تسأل عنه في حالة جميلة، أو حالة قبيحة، فتقول: لا تسأل عن فلان، أي: قد صار إلى أكثر مما تريد. (¬3) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 200. (¬4) في "معاني القرآن" 1/ 200. (¬5) نقله أبو علي الفارسي في "الحجة" 2/ 217 دون نسبة. (¬6) "الحجة" لأبي علي الفارسي 2/ 217.

120

نهى (¬1). والجحيم عند العرب: النار المستحكمة المتلظية، يقال: جَحَمَتِ النارُ تَجْحَمُ، بفتح العين فيهما، جُحومًا فهي جاحم وجحيم، قال الله تعالى في قصة إبراهيم: {فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ} [الصافات: 97]، أراد: النار الشديدة التأجج. ويقال لشده القتل في معركة الحرب: جاحم، تشبيهًا بالنار العظيمة، قال: حتى إذا ذاق منها جاحِمًا بَردَا (¬2) والجَحْم والجَحْمَة: توقُّد النار (¬3)، ومنه قوله: نحن حَبسنا بني جَدِيلةَ في ... نارٍ من الحرب جَحْمةِ الضَّرَمِ (¬4) 120 - وقوله تعالى: {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} قال المفسرون: كانت اليهود والنصارى يسألون النبي - صلى الله عليه وسلم - الهُدنة، وُيطمعونه، ويُرونه أنه (¬5) إن هادنهم وأمهلهم اتبعوه، فأنزل الله هذه الآية (¬6)، وأخبر أنه لا يرضيهم إلا ما يستحيل وجوده، وما لا سبيل إليه؛ لأن اليهود لا ترضى عنه إلا بالتهود، والنصارى إلا بالتنصر، ويستحيل ¬

_ (¬1) "الحجة" لأبي علي الفارسي 2/ 216. (¬2) ذكره في "تهذيب اللغة" 1/ 545، عن الليث، ولم ينسبه وكذا في "اللسان" 1/ 553. (¬3) ينظر: "تهذيب اللغة" 1/ 545، "المفردات" للراغب ص 95، "اللسان" 1/ 553. (¬4) ينظر: "ديوان الحماسة" 1/ 46. (¬5) ساقطة من (م). (¬6) ذكره الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 202، والسمرقندي في "بحر العلوم" 1/ 154، الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1146، والواحدي في "أسباب النزول" ص 43، وفي "الوسيط" 1/ 200، البغوي 1/ 143، وابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 138، وأبو حيان في "البحر المحيط" 1/ 368.

الجمع بينهما، فإذا استحال إرضاؤهم فهم لا يرضَوْنَ عنه أبدًا (¬1). وقوله تعالى: {حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} (حتى) تقع (¬2) على الأسماء وعلى الأفعال، وهي لوضعِ غاية أسمية أو فعلية. أما الأسمية: فمثل قولك: لقيتُ القوم حتى عبدَ الله، ومررت بالقومِ حتى عبدِ الله. وأمَّا الفعليةُ: فمثلُ قولك: اصبِرْ حتى أخرُجَ إليك. و (حتى) قد تقوم مقام (إلى) وتؤدي مثلَ معناها في بعض المواضع، ويفترقان في كثير منها، أما الموضع الذي يتفقان فيه، فمثلُ قولك: أقمْنا عندَه إلى الليلِ، وحتى الليل. وأما موضعُ افتراقهما، فمثل قولك: لقيتُ القوم حتى زيدًا، فإنه لا يجوز في هذا الموضع: لقيت القوم إلى زيد. وأما قولهُم: أكلت السمكةَ حتى رأسَها، ورأسُها، ورأسِها. فإذا كسرت لم يدخل الرأس في الكل، لأنَّ الأكلَ انتهى إليه، وهو بمعنى إلى. وفي النصب والرفع الرأسُ مأكولٌ؛ لأن (حتى) أتبع الرأسَ السمكة في النصب. وفي الرفع كان (حتى) بمعنى الواو، ورأسُها ابتداء، والخبر مضمرٌ فيه. وأما نصبها للفعل فقال الخليل (¬3) وسيبويه (¬4): الناصبُ للفعل بعد حتى (أن)، إلا أنها لا تظهر مع حتى، والدليل على أن (حتى) غير ناصِبَة بنفسها: أنَّها خافضةٌ بالإجماع، كقوله {حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ} [القدر: 5]، ولا يُعرَف (¬5) في العربية ما يعمل في اسم يعمل في فعلٍ، ولا ما يكون خافضًا ¬

_ (¬1) ينظر: "تفسير الطبري" 1/ 517، "البحر المحيط" 1/ 368. (¬2) في (أ)، (م): يقع. (¬3) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 201. (¬4) "الكتاب" 3/ 7. (¬5) في (ش): (تعرف).

لاسم يكون ناصبًا (¬1). وهكذا اللام في قولك: جاء زيد ليضربك، معناه: لأن يضربك؛ لأن اللام خافضة للاسم، فلا تكون ناصبَةً لفعل، ولا يجوز إظهار (أن) مع هذه اللام. ويجوز رفع الفعل بعد (حتى) إذا حَسُن فيه الماضي، نحو قولك: تعلمت حتى أجيب في كل شيء، وسنذكر هذا عند قوله: {حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ} [البقرة: 214]، إن شاء الله. وقوله تعالى: {مِلَّتَهُم} قال ابن عباس: دينهم (¬2). وكذلك قال أهل اللغة، قالوا: وإنما سُمَيَ الدينُ ملّةً؛ لأنه يُمَلُّ، أي: يُملَى على المدعوِّ إليه، وأملّ وأملَى بمعنى واحد (¬3)، لكن الملة بنيت (¬4) على الأصل، وهو الثلاثي. وقيل: الملّة فِعْلةٌ من مَلَّه يمُلّه، إذا ألقاه في الرماد الحار، جُعِلَتْ اسمًا للدين؛ لما فيه من مشاق تخرج عن قضية (¬5) الهوى ورسم النفس، ويُقْلِق ويُحرقُ (¬6) (¬7). والزجاج ذكر فيها وجهًا آخر، وهو أنه قال: الملّة بمعنى السنّة والطريقة قال: ومن هذا سُمّيت المَلَّة؛ لأنها تؤثر (في مكانها كما يؤثر) (¬8) في الطريق بالسلوك فيه (¬9)، فجعل المَلَّة ¬

_ (¬1) ينظر تفصيل حتى وأوجهها في: "مغني اللبيب" 1/ 122 - 131، ومعظم النص منقول من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 201 - 202. (¬2) أخرجه الثعلبي في "تفسيره" كما في "الدر المنثور" 1/ 209. (¬3) زيادة من (م). (¬4) في (ش) كأنها: (ثنيت). (¬5) في (ش): (قصة). (¬6) في (ش): (تعلق وتحرق). (¬7) ينظر: "تهذيب اللغة" 4/ 3451، "تفسير الثعلبي" 1/ 1147، "اللسان" 7/ 4271. (¬8) ساقط من (ش). (¬9) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 202 وعبارته: ومن هذه المَلَّة، أي: الموضع الذي =

مشتقة من المِلَّة، وعنده أصلها من التأثير. وقوله تعالى: {قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى} قال ابن عباس: يريد أن الذي أنت عليه هو دين الله الذي رضيه (¬1). وقال الزجاج: أي: الصراط الذي دعا إليه وهدى إليه هو طريق الحق (¬2). وقوله تعالى: {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ} إنما جمعَ الهوى؛ لأنَّ جميع الفرق ممن يخالفُ النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن لِيُرضيَهم منه إلا اتباعُ هواهم (¬3). وأراد بهذا: ما يدعونه إليه من المهادنة والإمهال. وقوله تعالى: {بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ} دين الله هو الإسلام (¬4)، وقيل: من العلم أنهم على الضلالة. وروي عن ابن عباس في هذه الآية قولان: أحدهما: أنه قال: الآية نزلت في تحويل القبلة، وذلك أن اليهود والنصارى كانوا يرجُون أن يرجع محمد إلى دينهم، فلمَّا صرفَ اللهُ القبلة إلى الكعبة شَقَّ ذلك عليهم، وأَيِسُوا منه أن يوافقَهم على دينهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية: {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} (¬5). يعني: ¬

_ = يختبز فيه، لأنها تؤَثر في مكانها كما يُؤثر في الطريق. ثم قال: وكلام العرب إذا اتفق لفظه فأكثره مشتق بعضه من بعض، وآخذ بعضه برقاب بعض. وقد نقله في "تهذيب اللغة" 4/ 3451. (¬1) ذكره في "الوسيط" 1/ 200، وهذا لعله من رواية عطاء. (¬2) و (¬3) "معاني القرآن" 1/ 202. (¬4) "تفسير الثعلبي" 1/ 1147. (¬5) ذكره الثعلبي 1/ 1146 والواحدي في "أسباب النزول" ص 43، والبغوي 1/ 143، وابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 138، وابن حجر في "العجاب" 1/ 373، والسيوطي في "لباب النقول" ص 25، وعزاه في "الدر" 1/ 209 للثعلبي.

121

صليت نحو قبلتهم بعد الذي جاءك من العلم في التحويل إلى الكعبة. والقول الثاني: إن المراد بقوله {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ} أمةُ محمد - صلى الله عليه وسلم -، وأما محمد فقد عصمته. وإياكم أخاطب وأنهى وأؤدب، فقد علمتم أن محمدًا قد جاءكم بالحق والصدق، فلا تتبعوا أهواء الكافرين، فلا يكونَ لكم من دوني ولي ولا نصير، فالخطاب لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمراد منه أمته (¬1). 121 - ثم ذكر أن من كان منهم غير متعنّت ولا حاسد ولا طالب رئاسة تلا التوراة كما أنزلت، فرأى فيها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حق فآمن به. فقال: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ} قال ابن عباس: نزلت في الذين قدموا مع جعفر بن أبي طالب (¬2) من أهل الحبشة، وكانوا من أهل الكتاب، آمنوا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - (¬3). ومعنى قوله: {يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ} قال ابنُ مسعود: يُحِلِّون حلالَه، ¬

_ (¬1) ينظر: "تفسير القرطبي" 2/ 94. (¬2) جعفر بن أبي طالب، ابن عم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأخو علي بن أبي طالب لأبويه وهو الملقب بالطيار، وكان أشبه الناس بالنبي - صلى الله عليه وسلم - خلقًا وخُلُقًا، هاجر الهجرتين، وعينه النبي صلى الله عليه خلفًا لزيد بن حارثة في مؤته واستشهد فيها سنة 8هـ. ينظر: "الاستيعاب" 1/ 312، "أسد الغابة" 1/ 341. (¬3) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1147، ونقله الواحدي في "أسباب النزول" ص 43 وأبو حيان في "البحر المحيط" 1/ 367 من رواية عطاء والكلبي: نزلت في أصحاب السفينة الذين أقبلوا مع جعفر بن أبي طالب من أرض الحبشة، كانوا أربعين رجلًا من الحبشة وأهل الشام. وقال ابن حجر في "العجاب" 1/ 374 تعقيبًا: ذكر بأبسط منه الثعلبي في "تفسيره" وقد ذكره الحيري في "الكفاية" ص 70، والسمعاني في "تفسيره" 2/ 38، والبغوي في "تفسيره" 1/ 144، وأبو حيان في "البحر المحيط" 1/ 369.

ويُحَرِّمون حرامَه، ويقرؤونه كما أنزل، ولا يحُرِّفونه عن مواضعِه (¬1). وقال الحسن: يعملون بمحكمه، ويؤمنون بمتشابهِه، ويَكِلُونَ علمَ ما أشكلَ عليهم إلى عالمه (¬2). وقال مجاهد: يتبعونه حق اتباعه (¬3)، وقال الضحاك: نزلت في مؤمني اليهود: عبد الله بن سلام وأصحابه (¬4)، وقال قتادة (¬5) وعكرمة (¬6): نزلت في أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -، و (الكتاب) على هذا: القرآن. {أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ} بمحمد أو بالكتاب. ¬

_ (¬1) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 56، ومن طريقه أخرجه الطبري في "تفسيره" 1/ 519 ورواه أيضًا من طريق أبي العالية، ورواه الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1149، وذكره ابن أبي حاتم 1/ 356، والسمرقندي 1/ 155، والواحدي في "الوسيط" 1/ 200، والسمعاني في "تفسيره" 2/ 38. (¬2) أخرجه الطبري في "تفسيره" 1/ 520، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 218، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1150، وعزاه في "الدر" 1/ 210 إلى وكيع. وينظر: "تفسير الحسن البصري" 2/ 79. (¬3) أخرجه الطبري في "تفسيره" 1/ 520، وذكره ابن أبي حاتم 1/ 218، والثعلبي 1/ 1150. (¬4) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1148، ولفظه: هم من آمن من اليهود: عبد الله بن سلام، وشعبة بن عكرو وتمام بن يهوذا، وأسيد وأسد ابنا كعب وابن يامين وعبد الله بن صوريا وذكره الواحدي في "أسباب النزول" ص 43 مختصرًا وفي "الوسيط" 1/ 200، البغوي في "تفسيره" 1/ 144، وفي "البحر المحيط" 1/ 369، وينظر: "العجاب" 1/ 374. (¬5) أخرجه الطبري في "تفسيره" 1/ 518، وذكره الثعلبي 1/ 1148، وعزاه في "الدر" 1/ 210 لعبد بن حميد. (¬6) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1148، والواحدي في "أسباب النزول" ص 43.

123

123 - قوله تعالى: {وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ} ليس على ظاهره من العموم (¬1)؛ لأنه قال في موضع آخر: {وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} [سبأ: 23] وقال: {لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا} [مريم: 87] وهو من باب الخصوص، تأويله: ولا ينفعها (¬2) شفاعة إذا وجب عليها العذاب، ولم يستحقوا سواه. وقال بعضهم: إنما آيس الله اليهود بهذه الآية؛ لأنهم كانوا يزعمون أن آباءهم من الأنبياء يشفعون لهم (¬3). 124 - وقوله تعالى: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ} الآية، الابتلاء: الاختبار والامتحان، وابتلاء الله تعالى يعود إلى إعلامه عباده لا إلى استعلامه؛ لأنه يعلم ما يكون، فلا يحتاج إلى ابتلاءٍ ليَعْلَم (¬4). وقوله تعالى: {بِكَلِمَاتٍ} الكلبي، عن أبي صالح (¬5)، عن ابن عباس، قال: الكلمات التي ابتلى الله عز وجل إبراهيمَ بها عشر خصال من السُّنة: خمس في الرأس، وخمس في الجسد، فاللاتي في الرأس: المضمضة والاستنشاق والفرق والسواك وقص الشارب، والتي في الجسد: تقليم الأظفار وحلق العانة والختان والاستنجاء ونتف الرفغين (¬6). ¬

_ (¬1) ينظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 472 - 473. (¬2) في (ش): (ولا تنفعها). (¬3) ذكره الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 128. (¬4) ينظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 1/ 54، "تفسير الطبري" 1/ 524، "المفردات" للراغب ص 71 - 72، "تفسير البغوي" 1/ 145. (¬5) هو: باذان، ويقال: باذام، أبو صالح مولى أم هانىء، تقدمت ترجمته. (¬6) هذا الإسناد ضعيف لا تقوم به حجة، لكن ورد هذا عن ابن عباس بإسناد صحيح عند عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 57 عن معمر عن ابن طاوس، عن ابن عباس، ومن طريق عبد الرزاق أخرجه الطبري في "تفسيره" 1/ 524، ابن أبي حاتم =

وهذا أصح ما قيل في تفسير الكلمات، وعلى هذا أكثر أهل العلم (¬1). وقال ابن عباس في رواية عطاء: أوحى الله إلى إبراهيم: يا خليلي، تطهّرْ، فتمضمض، فأوحى الله إليه أن تطهرْ، فاستنشقَ، فأوحى إليه أن تطهر، فاستاك، فأوحى إليه أن تطهر، فأخذ شاربه، فأوحى (¬2) إليه أن تطهر، فَفَرَقَ شعره، فأوحى إليه أن تطهر، فاستنجى، فأوحى إليه أن تطهرَ، فحلق عانته، فأوحى إليه أن تطهر، فنتف إبطيه، فأوحى إليه أن تطهر، فقلم أظفاره، فأوحى إليه أن تطهر، فأقبل بوجهه على جسده ينظر ماذا يصنع فاختتن بعد عشرين ومائة سنة (¬3). وقال بعض المتأولين: المراد بالكلمات في هذه الآية: انقياده لأشياء امتحن بها، وأخذت عليه، منها: الكوكب والشمس والقمر والهجرة والختان وعزمه على ذبح ابنه (¬4) (¬5)، والمعنى: وإذ ابتلى إبراهيم ربه بإقامة ¬

_ = 1/ 359، والحاكم 2/ 266 وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. والبيهقي في "السنن الكبرى" 1/ 149، وذكره الثعلبي 1/ 1154، ولفظ الرُّفْغَين عند الفراء في "معاني القرآن" 1/ 76 والرُّفْغ: كل موضع اجتمع فيه الوسخُ، والمراد به الإبط. ينظر: "المصباح المنير" ص 233. (¬1) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 204، وقال ابن أبي حاتم 1/ 219: روي عن أبي صالح وأبي الجلد ومجاهد وسعيد بن المسيب والنخعي والشعبي نحو ذلك. (¬2) في (ش): (فأوحى الله). (¬3) هو بمعنى ما سبق، ولكن فيه تفصيل. (¬4) أورد هذا المعنى عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 75، الطبري في "تفسيره" 1/ 527، وابن أبي حاتم 1/ 221 (1170)، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1155 كلهم عن الحسن. (¬5) ذكره الطبري في "تفسيره" 1/ 527 - 528 الأقوال في المسألة ثم بين أن الصواب:=

كلمات، أو بتوفية كلمات، والتقدير: ذوي كلمات: أي: يعبر بها عن هذه المسميات، ويجوز أن يكون الكلم المتكلم به، كما أن الصيد هو المصيد، والنسج المنسوج (¬1)، ومثلُ هذا مما حمل الكلمات فيه على الشرع قولُه تعالى: {وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ} [التحريم: 12]، فالكلمات تكون الشرائع التي شرع لها دون القول؛ لأن ذلك قد استغرقه قوله تعالى: {وَكُتُبِهِ} وكان المعنى: صدقت بالشرائع فأخذت بها، وصدقت الكتب فلم تكذب بها (¬2). وقوله تعالى: {فَأَتَمَّهُنَّ} معناه: أدَّاهُنَّ تامّاتٍ غيَر ناقصات (¬3)، وقيل: إنه مِنْ فعلِ الله تعالى، أي: قضاها الله له (¬4). وقوله تعالى: {قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا}. قال ابن عباس: أوحى الله إليه إني جاعلك للناس إمامًا يقتدي بك الصالحون من بعدك (¬5). ¬

_ = أنه لا يجزم بشيء مما ذكر على أنه المراد بالكلمات إلا بحجة يجب التسليم بها، ورجح ابن كثير في "تفسيره" 1/ 177 عموم الكلمات لكل ما ذكر في أقوال المفسرين، وذكر في "البحر المحيط" 1/ 375 ثلاثة عشر قولًا ثم قال: وهذه الأقوال ينبغي أن تحمل على أن كل قائل منها ذكر طائفة مما أبتلى الله به إبراهيم إذ كلها ابتلاه الله بها، ولا يحمل ذلك على الحصر في العدد ولا على التعيين، لئلا يؤدي ذلك إلى التناقض. (¬1) في (ش): (النسخ والمنسوخ)، وفي (م): (النسخ للمنسوخ). (¬2) ينظر: "تفسير القرطبي" 2/ 87، و"تفسير ابن كثير" 1/ 176. (¬3) ينظر: "تفسير الطبري" 1/ 528، و"تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة ص 62، "تفسير الثعلبي" 1/ 1157. (¬4) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 204. (¬5) ذكره في "الوسيط" 1/ 203 لعله من رواية عطاء التي تقدم الحديث عنها في=

والأَمُّ في اللغة: القصد، والإمامُ: كلُّ مَنِ ائتم به قومٌ، كانوا على الصراط المستقيم (¬1)، أو كانوا ضالّين. والنبي إمامُ أمتهِ، والخليفةُ إمام رعيتهِ، والقرآنُ إمامُ المسلمين، على معنى أنهم ينتهون إليه فيما أمر وزجر. والإمام: الذي يؤتَمُّ به، فيفعل أهله وأمته كما يفعل، أي: يقصدون لما يقصد. هذا أصله (¬2). ثم يجعل الكتابُ إمامًا يؤتم بما فيه، قال الله تعالى: {يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ} [الإسراء: 71] أي: بكتابهم الذي جعلت فيه أعمالهم في الدنيا، وقال: {وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ} [يس: 12] يعنى: كتابًا، أو اللوح المحفوظ. وقد يجعل الطريقُ إمامًا؛ لأنَّ المسافر يأتمُّ به ويستدلُّ، قال الله تعالى: {وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ} [الحجر: 79]، أي: بطريقٍ واضح. ويقالُ للخيط الذي يُقَدَّرُ به البناء: الإمام؛ لأنه يقتدى به، ويُقْصَدُ قَصْدُه. وإمام الغلام في المكتب: ما يتعلمه كل يوم، لأنه يتبعه، ويقصده بالتعلم، ولا يعدو ما فيه (¬3). فقال إبراهيم: {وَمِنْ ذُرِّيَّتِي} أي: ومن أولادي أيضًا فاجعل أئمةً يُقْتدَى بهم (¬4). فأمَا تفسيرُ الذرية، فقال الليث: الذر: عدد الذرية، ¬

_ = القسم الدراسي وقد روى ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 222 عن أبي العالية، أنه قال: فجعله الله إمامًا، يؤتم ويقتدى به، ثم قال: وروي عن الحسن وعطاء الخراساني ومقاتل ابن حيان وقتادة والربيع بن أنس نحو ذلك. (¬1) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 205. (¬2) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 205، وينظر: "تهذيب اللغة" 1/ 206 (مادة: أمَ). (¬3) ينظر: "تهذيب اللغة" 1/ 206، و"المفردات" للراغب الأصفهاني ص 33 - 34. (¬4) "تفسير الثعلبي" 1/ 1157.

تقول (¬1): نَمَى (¬2) الله ذَرْأَكَ وذَرْوَكَ: أي: ذريتك. والذريةُ: تقع على الآباء والأبناء والأولاد والنساء، قال الله تعالى: {وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ} [يس: 41] أراد: آباءهم الذين حُمِلوا مع نوح في السفينة (¬3)، وقال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ} إلى قوله: {ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ} [آل عمران:33 - 34]، فدخل فيها الآباء والأبناء (¬4). وتكون (¬5) الذرية واحدًا وجمعًا، فممَّا جاء فيه ذرية يراد به الواحدِ قوله: {هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً} [آل عمران: 38]، فهذا مثل قوله: {فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا} [مريم: 5]. ألا ترى أنه قال: {فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى} [آل عمران: 39]. ومما جاء فيه جمعًا قوله: {وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ} [الأعراف: 173]، وهو كثير. وأما أصل الذُّرِّيةِ ومأخذُها، فقال أبو إسحاق النحوي: فيها قولان: قال بعضهم: هي فُعْليَّةٌ، من الذَرَ؛ لأنَ الله تعالى أخرجَ الخلق من صُلْبِ آدم كالذَّرِّ، حين أشهَدَهُم على أنفسِهم (¬6). ¬

_ (¬1) في (أ)، (م): (يقول). (¬2) في (ش): (تمنى). (¬3) نقله عنه في "تهذيب اللغة" 2/ 1274 (مادة: ذرأ). (¬4) "تهذيب اللغة" 2/ 1274 (مادة: ذرأ). (¬5) في (ش): (ويكون). (¬6) لم يذكر أبو إسحاق شيئا من ذلك في هذه الآية، لكنه أشار إلى العلة في آية الأعراف: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ}. فقال في "معاني القرآن" 2/ 390: قال بعضهم: خلق الله الناس كالذر من صلب آدم وأشهدهم على توحيده.

قال: وقال بعضُ النحويين: أصلها ذرُّورَةٌ، على وزن فعلولة، ولكنَّ التضعيَف لمَّا كَثُرَ أُبْدِلَ من الراء الأخيرة ياء فصارت ذُرُّويَةً، ثم أُدغمت الواو في الياء فصارت: ذُرِّيَّة. قال: والقول الأول أقيسُ وأجود (¬1) عند النحويين (¬2). واختاره (¬3) الليث، فقال: هو فُعْليّة من الذر، كما قالوا: سُرّيَّة، والأصلُ من السّرّ، وهو النكاح (¬4). وزاد ابن الأنباري الوجهين (¬5) اللذين ذكرهما أبو إسحاق بيانًا فقال: الذرية مأخوذةٌ من ذرأَ الله الخلق، ويكون أصلها ذُرُّوؤه، تُرِكَ هَمْزُها، وأبدل من الهمز ياءً، فلمَّا اجتمعت الياء والواو والسابقُ ساكنٌ أُبدلَ من الواو ياءً، وأُدغمت في الياء التي بعدَها، وكُسِرَ الراء لتصِحَّ الياء. قال: ويجوزُ أن تكون (¬6) منسوبة إلى الذر بالتشبيه في كثرة التوالد، وضم الذال لأن النسبة قد يغير فيها الحرف، كما قالوا: دُهريٌّ بضم الدال (¬7)، وقالوا: بُصري للمنسوب إلى البصرة. وقال الخليل: الذرية فُعْليّة، من ذَرَرْت؛ لأن الله تعالى ذَرَّهم في الأرض، أي: نشرهم. قال أبو على الفارسي: أمَّا مثالُ ذرية من الفعل، فيجوزُ أن يكون ¬

_ (¬1) في (م): (أجود وأقيس). (¬2) نقله عنه في "تهذيب اللغة" 2/ 1277، وعنه في "اللسان" 3/ 1491 (مادة: ذرأ). (¬3) في (أ) و (م): (واختيار). (¬4) نقله عنه في "تهذيب اللغة" 2/ 1277. (¬5) المثبتمن (ش)، وفي غيرها: (للوجهين). (¬6) في (أ)، (م): (يكون). (¬7) الدهري، بضم الدال وفتحها، الذي يقول ببقاء الدهر "القاموس" ص 395.

فُعلُولة من الذر، فأُبدلَتْ من الراء التي هي اللامُ (¬1) الأخيرة ياءً، ويحتملُ أن يكون فُعّيلة منه. فأبدلت من الراء الياء، كما يبدل من هذه الحروف للتضعيف، وإن وقع فيها الفصل. ويحتمل أن يكون فُعْلية نَسَبًا إلى الذرّ، إلا أن الفتحة أبدلت منها الضمة، كما أبدلوا في الإضافة إلى الدهر دُهري، وإلى السهل سُهلي. ويجوز أن يكون فُعِّيلة، من ذرأ الله الخلق، اجتمع على تخفيفها كما اجتمع على تخفيف البرية، ويجوز أن يكون فُعِّيلة، من قوله: {تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ} أُبدِلت من الواو الياء؛ لوقوع ياء قبلها (¬2). وقوله تعالى: {لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} أعلم الله إبراهيم أن في ذريته الظالم (¬3). قال ابن عباس: يريد من كان من ولدك ظالمًا لم ينل عهدي (¬4). يريد: ليس بإمام ولا كرامة (¬5). واختلفوا في معنى العهد هاهنا، فقال أبو عبيد: العهد هاهنا: الأمان، أي: لا ينال أماني الظالمين (¬6)، يقول: لا أؤمنهم عذابي، وقال ¬

_ (¬1) ساقطة من (م). (¬2) ينظر: تفصيل ذرية وما فيها من اشتقاق وتصريف في: "البحر المحيط" 1/ 372 - 373, "اللسان" 3/ 1494 (ذر) , 3/ 1491 (ذرأ). (¬3) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 205. (¬4) أخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 222 بمعناه. (¬5) تفسير العهد بالإمامة قال به: ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير، وبه قال كثيرون، ينظر: "تفسير الطبري" 1/ 530، و"تفسير السمعاني" 2/ 45، "تفسير ابن عطية" 1/ 477، وابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 140، و"تفسير القرطبي" 2/ 98. (¬6) "غريب الحديث" 1/ 440، وذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1160 في نسخةٍ، وفي النسخة: أبو عبيدة، وليس في "مجاز القرآن" لأبي عبيدة، ونسبه الرازي في "تفسيره" 4/ 45 إلى أبي عبيد، وقد أخرجه الطبري 1/ 530 عن قتادة.

125

السدي: {لَا يَنَالُ عَهْدِي} أي: نبوتي (¬1). واختاره ابن كيسان، فقال: يعني: لا ينال ما عهدت إليك من النبوة والإمامة في الدين من كان ظالمًا من ولدك، بل ينال عهدي من كان رسولًا إماما. وقال الفراء: {لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} أي: لا يكون للناس إمام مشرك (¬2). وقال عبد الله بن مسلم (¬3): العهد هاهنا: الميثاق، يقول: لا ينال ما وعدتك من الإمامة الظالمين من ذريتك، والوعد من الله عز وجل ميثاق (¬4). وهذه الأقوال متقاربة. 125 - قوله تعالى: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا} هذه الآية تنعطف على ما تقدمها من الآيات التي ذكر فيها (¬5) (إذ)، ويريد بالبيت الكعبة التي هي القبلة اليوم، ولذلك ذكره بالألف واللام (¬6). قوله تعالى: {مَثَابَةً لِلنَّاسِ} المثاب والمثابة مصدران لقولهم: ثاب يثوب مثابًا ومثابة وثؤوبا وثَوَبانا، ذكر ذلك الفراء في كتاب "المصادر". فالمثابة هاهنا: مصدر وُصِف به، ويراد به الموضعُ الذي يُثاب إليه (¬7)، كما يقال: درهمٌ ضربُ الأمير، والمصدر قد يوصف به كثيرًا، قال زهيرٌ: ¬

_ (¬1) أخرجه الطبري في "تفسيره" 1/ 530، وابن أبي حاتم 1/ 223، وذكره الثعلبي 1/ 1159. (¬2) "معاني القرآن" 1/ 76. (¬3) يريد ابن قتيبة الدينوري، المتوفى سنة 276 هـ (¬4) "تأويل مشكل القرآن" ص 62، وذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 141. (¬5) قوله: (التي ذكر فيها) ساقطة من (ش). (¬6) ينظر: "تفسير الطبري" 1/ 532. (¬7) ينظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 76، الطبري 1/ 532، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 205 - 206 انظر البحث في مثابة في: "اللسان" 1/ 518 (ثوب).

مَتَى يَشْتَجِرْ قَوْمٌ يَقُلْ سَرَوَاتُهُمْ ... هُمُ بَيْنَنا فَهُمُ رضًا وَهُمُ عَدْلُ (¬1) وأنشد أحمد بن يحيى: سقى الله نجدًا من ربيعٍ وصيّفِ ... وماذا تُرْجَى (¬2) مِن ربيعٍ سَقَى نَجْدا بلى إنَّهُ قد كانَ للعيشِ مرةً ... وللبيضِ والفتيانِ منزلةً حمدا (¬3) أراد: منزلة محمودة. قال ابن الأنباري: والمصدر للمؤنث قد يكون خبرًا عن المذكر، كقولهم: أكلُ الرمانِ لذةٌ، وذكر أخبار الصالحين عظةٌ، ولقاءُ محمد منفعة. ويمكن أن تكون المثابة الموضع الذي يثاب إليه، والهاء فيه لا تكون لتأنيث الموصوف به، كما يقال للمجلس: المقامُ والمقامة، يقال: هذا الموضعُ مقامُ فلان ومقامة بمعنى، والهاء تدخل للتخصيص لا للتأنيث، وهاء التخصيص تدخل في مواضع كثيرة كالقطنة والصوفة وأشباه ذلك (¬4)، قال زهير: وفيهم مقاماتٌ حِسَانٌ وجوهُها ... وأنديةٌ ينتابُها القولُ والفِعْلُ (¬5) وواحد المقامات مقامة، وعلى هذا دلَّ كلام المفسرين. فقد قال ابن عباس في معنى قوله: {مَثَابَةً}: يريد: لا يقضون (¬6) منه وطرًا، كلما أتوه ¬

_ (¬1) البيت لزهير بن أبي سلمى في "الديوان" ص 40، "والأشباه والنظائر" 2/ 385، و"لسان العرب" 3/ 1664 (مادة: رضى). وينظر: "المعجم المفصل" 6/ 216. (¬2) ساقطة من (أ)، (م). (¬3) هما بلا نسبة في "المذكر والمؤنث" للأنباري ص 246، "معجم البلدان" 5/ 263 (نجد). وينظر: "المعجم المفصل" 2/ 204. (¬4) ابن الأنباري. (¬5) البيت لزهير بن أبي سلمى، في "ديوانه" ص113، "لسان العرب" 6/ 3787 مادة (قوم)، "المعجم المفصل" 6/ 245. (¬6) في (ش): (لا تقضون).

وانصرفوا اشتاقوا إلى الرجعة إليه (¬1). وروي أيضًا عن ابن عباس أنه قال في تفسير المثابة: معادًا (¬2)، وعلى هذا فقال أبو إسحاق: الأصل في مثابة مثْوَبةٌ، ولكنَّ حركة الواو نُقلت إلى الثاء، وتبعت الواو الحركة فانقلبت ألفًا. قال: وهذا إعلال إتباع، تبع مثابةٌ بابَ ثاب (¬3)، وأصلُ ثاب ثَوَبَ، ولكنَّ الواوَ قُلِبَت ألفًا؛ لتحركها وانفتاحِ ما قبلها، لا اختلاف بين النحويين في ذلك. انتهى كلامه (¬4). وُينشدُ على أن المثاب والمثابة واحد قول ورقة في صفة الحرم: مَثَابًا لأَفْنَاءِ القبائلِ كُلِّها ... تَخُبُّ إليها اليعملاتُ الطَّلائحُ وأنشده الشافعي رحمه الله لأبي طالب، وروى: اليعملات الذوامل (¬5). ¬

_ (¬1) أخرجه الطبري في "تفسيره" 1/ 533 وبنحوه أخرجه ابن أبي حاتم 1/ 255 ثم قال: وروي عن أبي العالية، وسعيد بن جبير في إحدى روايتيه وعطاء ومجاهد والحسن وعطية والربيع بن أنس والسدي والضحاك نحو ذلك. (¬2) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1160، البغوي في "تفسيره" 1/ 146، "البحر المحيط" 1/ 380. ولفظهم: معاذًا وملجًا، بالذال، وليست بالدال. وقال الطبري 1/ 532: وإذ جعلنا البيت مرجعا للناس ومعاذًا. وورد بالدال في "الوسيط" 1/ 204. (¬3) في (ش): (وإعلال الألف اتباع تبع ألف مثابة ألف ثاب). (¬4) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 206. (¬5) نسبه إلى ورقة الطبري في "تفسيره" 1/ 532، وأبو حيان في "البحر المحيط" 1/ 380، و"البداية والنهاية" 2/ 297. ورواية الطبري: مثابٌ، وذكره الشافعي في "الأم" (1/ 153ط. دار المعرفة) منسوبًا لورقة بن نوفل خلافًا لما ذكره الواحدي، لكنه قال: الذوامل بدل الطلائح وكذلك ذكره القرطبي في "تفسيره" 2/ 100 وعدها أبو حيان رواية في البيت. وبمثل هذه الرواية ذكرها صاحب "اللسان" 3/ 1516 منسوبًا لأبي طالب، وذكره في (مادة: ذمل) غير منسوب قال=

ومعنى ثاب في اللغة: عاد ورجع إلى وضعه الذي كان أفضى إليه، يقال: ثاب ماء البئر إذا عاد جُمَّتُها (¬1)، ومنه تثويب الداعي إذا عاد وكرَّر الدعاء. وقال الأخفشُ: الهاء في المثابة للمبالغة في كثرة من يثوب إليه، كقولهم: رجل علامة ونسابة (¬2). وقوله تعالى: {وَأَمْنًا} أراد: مأمنا (¬3)، وهو أيضًا مصدر وصف به، كما ذكرنا. قال ابن عباس: يريدُ: من دخله كان آمنًا، فمن أحدث حدثًا خارج الحرم ثم لجأ إليه أمن من أن يُهاجَ فيه. ولكن لا يُؤْذى (¬4) ولا يخالط ولا يُبَايع، فإذا خرج منه أُقيم عليه الحدُّ، ومَنْ أحدثَ في الحرم أُقيمَ عليه الحد فيه (¬5). ¬

_ = شاكر في تعليقه على الطبري 3/ 26: "والظاهر أن الشافعي رحمه الله أخطأ في رواية البيت، وأخطأ صاحب "اللسان" في نسبته، اشتبه عليه بشعر أبي طالب في قصيدته المشهورة". وكلام الواحدي صريح في نسبة البيت لأبي طالب، فلعلها في نسخة أو كتاب آخر. وأفناء القبائل: أخلاطهم، وخَبَّت الدابة تَخُبُّ خَبَبًا: ضرب سريع من العدو، واليعملات: جمع يعملة، وهي الناقة السريعة المطبوعة على العمل، اشتق اسمها من العمل، والعمل من الإسراع والعجلة، والطلائح: جمع طليح، ناقة طليح أسفار: جهدها السير وهزلها، والذوامل جمع ذاملة: وهي التي تسير سيرًا لينًا سريعا. (¬1) في "تهذيب اللغة" 1/ 463 (مادة: ثاب). (¬2) "معاني القرآن" 1/ 146. (¬3) ينظر: "تفسير الطبري" 1/ 534، "تفسير البغوي" 1/ 146. (¬4) في "تفسير الثعلبي" 1/ 1161: ولكن لا يُؤْوَي. (¬5) ذكره عنه الثعلبي 1/ 1161 والسمعاني2/ 47، وابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 141 وينظر: "تفسير السمرقندي" 1/ 157، القرطبي 2/ 111، الرازي 4/ 52 =

وإلى هذا ذهب أبو حنيفة: أن الجاني إذا لاذ بالحرم أمن (¬1)، ومذهب الشافعي: أنه لا يأمن بالالتجاء إليه، وُيسْتَوفى منه ما وجب عليه في الحرم (¬2) (¬3)، على ما قد روي في الخبر: لا يعيذ الحرم عاصيًا (¬4). وعلى هذا فمعنى قوله: {وَأَمْنًا} الأولى أن يأمن فيه الجاني، فإن أخيف بإقامة الحد عليه جاز، فقد قال كثير من المفسرين: من شاء أمن، ومن شاء لم يؤمن، كما أنه لما جعله مثابة من شاء ثاب ومن شاء لم يثب، وقد كان قبل الإسلام يرى الرجلُ قاتلَ أبيه في الحرم فلا يتعرض له، وهذا شيء كانوا توارثوه من دين إسماعيل، فبقُوا عليه إلى أيام النبي - صلى الله عليه وسلم -، فاليوم من أصاب فيه جريرةً أقيم عليه الحد بالإجماع (¬5). ¬

_ = وقد روي بعضه عن بعض التابعين كما عند الطبري 1/ 534، ابن أبي حاتم 1/ 225. (¬1) ينظر: "شرح السير الكبير" للسرخسي 1/ 366 (ط. الشركة الشرقية)، "كشف الأسرار" للبزدوي 1/ 296، قال في "المغني" 9/ 90 (ط. دار احياء التراث العربي): وهذا قول ابن عباس، وعطاء، وعبيد بن عمير، والزهري ومجاهد وإسحاق والشعبي وأبي حنيفة وأصحابه. وأحمد بن حنبل في القتل وأما في غيره فعنه روايتان. (¬2) ينظر: "الأم" للشافعي 4/ 290، وبه قال مالك وابن المنذر كما في "المغني" 9/ 90. (¬3) ساقطة من (أ)، (م). (¬4) ذكره البخاري (104) كتاب العلم، باب ليبلغ العلم الشاهد الغائب، ومسلم (1354) كتاب الحج، باب: تحريم مكة وصيده، قال ابن حجر: كلام ظاهره حق لكن أراد به الباطل، "الفتح" 1/ 199 وقال في "المغني" 9/ 91: وما رووه من الحديث فهو من كلام عمرو بن سعيد الأشدق يرد به قول رسول - صلى الله عليه وسلم - حين روى له أبو شريح هذا الحديث [يعني إن الله حرم مكة] وقول الرسول أحق أن يتبع. (¬5) ينظر الخلاف الفقهي فيه في: "تفسير الطبري" 4/ 11 - 15، "غرائب النيسابوري" 1/ 394، "الوسيط" 1/ 204.

وقال أبو بكر بن الأنباري: معناه: وَأَمْنًا أن يُبخس القاصد له من الثواب الذي يوعده أمثاله، فهو واثق آمنٌ أنَّ أجرَه لا يضيعُ عند ربه (¬1) (¬2)، وهذا قول قويم حسن؛ لأن الله تعالى وصف البيت بالأمن، وعلى ما ذكر أبو بكر يتعلق الأمن بالبيت، وعلى (¬3) ما قاله غيره من المفسرين من أمْنِ الجاني إذا لاذ بالحرم، فهو أمن الحرم لا أمن البيت، إلا أن يقال: إن أمن الحرم لأجل البيت، فهو بسبب منه وعائد إليه (¬4). وقوله تعالى: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} هذا معطوف على ما أضيف إليه إذ، كأنه: وإذ اتخذوا. قال الزجاج: وهو عطف جملة، على جملة (¬5). وقال الفراء: أي: جعلناه مثابةً لهم فاتخذوه مُصلَّى. والفتح في الخاء على معنى الخبر، قراءة أهل المدينة والشام (¬6). ويؤكده أنَّ الذي قبله والذي بعده خبر، وهو قوله {جَعَلْنَا} و {وَعَهِدْنَا}. ومن قرأ {وَأتَّخِذُوا} بالكسر على الأمر (¬7) فحجته في ذلك: ما أخبرنا ¬

_ (¬1) في (م): أن أجره عند ربه لا يضيع. (¬2) ابن الأنباري. (¬3) ساقطة من (أ)، (ش). (¬4) ينظر: "البحر المحيط" 1/ 380. (¬5) "معاني القرآن" 1/ 207. (¬6) "معاني القرآن" 1/ 77. (¬7) قرأ بفتح الخاء نافع وابن عمر، وبكسر الخاء على الأمر، قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، وحمزة، والكسائي. ينظر: "السبعة" ص 169، "الحجة" 2/ 220، "المبسوط" لابن مهران ص 135، "التيسير" للداني ص 65.

الأستاذ أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم (¬1) -رحمه الله- ثنا عبد الرحمن بن إبراهيم بن محمد (¬2)، ثنا عبدوس بن الحسين بن منصور (¬3)، ثنا أبو حاتم الرازي (¬4)، ثنا محمد بن عبد الله الأنصاري (¬5)، حدثني حُميد الطويل (¬6)، عن أنس بن مالك (¬7)، قال: قال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: وافقني ربي في ثلاث. قلت: لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى. فأنزل الله عز وجل: ¬

_ (¬1) يعني: الثعلبي في "تفسيره". (¬2) هو عبد الرحمن بن إبراهيم بن محمد بن يحيى، أبو الحسين بن أبي إسحاق المزكي، من فقهاء نيسابور، قال الخليلي: كان ثقة، وقال الحاكم: كان من الصالحين العباد، التاركين لما لا يغني، قراء القرآن، المكثرين من سماع الحديث توفي سنة 397. ينظر: "تاريخ بغداد"10/ 302، "السير" 16/ 97. (¬3) هو أبو الفضل عبدوس بن الحسين بن منصور النَّصْراباذي، سمع محمد بن عبد الوهاب الفراء وطبقته، روي عنه أبو علي الحافظ، ويقال: إن اسم عبدوس: عبد القدوس، والله أعلم ينظر: "الأنساب" 5/ 492. (¬4) هو: محمد بن إدريس بن المنذر الحنظلي، أبو حاتم الرازي، تقدمت ترجمته. (¬5) هو محمد بن عبد الله بن المثنى بن عبد الله بن أنس بن مالك، أبو عبد الله البصري القاضي، ثقةٌ، توفي سنة (214) أو نحوها. انظر: "تهذيب الكمال" 25/ 539، "تقريب التهذيب" ص 490 (6046)، "تهذيب التهذيب" 3/ 614. (¬6) هو: حميد بن أبي حميد الطويل، أبو عبيدة البصري، اختلف في اسم أبيه على نحو عشرة أقوال، ثقة مدلس، كثير التدليس عن أنس معظم حديثه عنه بواسطة ثابت وقتاده، وقد وقع تصريحه عن انس بالسماع وبالتحديث في أحاديث كثيرة في البخاري وغيره مات وهو قائم يصلي سنة 142 هـ ينظر: "تهذيب الكمال" 7/ 355، "التهذيب" 1/ 493. (¬7) أنس بن مالك بن النضر الأنصاري، الخزرجي، خادم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، خدمه عشر سنين، صحابي مشهور، مات سنة 92 وقيل: 93 وقد جاوز المائة. ينظر: "الاستيعاب" 1/ 198، "أسد الغابة" 1/ 151.

{وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى}. وقلتُ: يا رسولَ الله، إنه يدخُلُ عليك البرُّ والفاجرُ، فلو حجبت أمهات المؤمنين، فأنزل الله عز وجل آية الحجاب، قال: وبلغني شيءٌ كان بين أمهات المؤمنين وبين النبي - صلى الله عليه وسلم - فاستقريتُهن أقول: لتكُفُّنَّ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أو ليبدلَنَّه اللهُ أزواجًا خيرًا منكن، فأنزل الله عز وجل: {عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ} الآية [التحريم: 5] (¬1). وهكذا قال ابن عباس في هذه، فقال في قوله: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى}: وذلك أن عمر بن الخطاب قال: يا رسول الله، لو صليت بنا خلف المقام، فأنزل الله تعالى على ما قال عمر، ففعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (¬2). وعلى هذه القراءة يكون قوله: {وَاتَّخِذُوا} عطفا على المعنى لا على اللفظ؛ لأن قوله: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً} معناه: ثوبوا إليه واتخذوا. واختلف في مقام إبراهيم، فقال ابن عباس في رواية عطاء: يريد: البيت (¬3)، وقال النخعي (¬4) (¬5): ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري (4483) كتاب تفسير القرآن، باب: واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى. (¬2) لعله من رواية عطاء، وقد تقدم الحديث عنها في المقدمة، والحديث رواه عدد كبير من الأئمة، وبعضهم أخرجه مختصرًا. وقد رواه الثعلبي بالإسناد نفسه 1/ 1163 بهذا اللفظ، وإسناده ورجاله ثقات عدا عبدوس فإنه لم يذكر بجرح أو تعديل، والحديث ثابت في البخاري (4484) كتاب التفسير: باب: قوله تعالى: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} وغيره من طريق آخر عن حميد الطويل عن أنس به. (¬3) هذا من رواية عطاء التي تقدم الحديث عنها في المقدمة. (¬4) هو إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود أبو عمران النخعي من أهل الكوفة، كان إماما مجتهدًا، له مذهب، صالح زاهد ثقة، إلا أنه يرسل كثيرًا ويدلس، توفي سنة 97 هـ. ينظر: "الطبقات الكبرى" لابن سعد 6/ 270، "الأعلام" 1/ 80. (¬5) "تفسير الثعلبي" 1/ 1164، البغوي 1/ 146، القرطبي 2/ 102، "البحر المحيط" 1/ 381، والآلوسي 1/ 380.

الحرم كله مقام إبراهيم (¬1). وقال يمان: المسجد كله مقام إبراهيم (¬2). وقال عطاء: التعريف والصلاتان بعرفة والمشعر ورمي الجمار والطواف بين الصفا والمروة مقام إبراهيم، سمعته من ابن عباس (¬3). وقال قتادة (¬4) ومقاتل (¬5) والسدي (¬6) في هذه الآية: هو الصلاة عند مقام إبراهيم، أمروا بالصلاة عنده، ولم يؤمروا بمسحه ولا تقبيله، والمقام في اللغة: موضع القدمين حيث يقوم عليه (¬7). وروى عبد الله بن عمر (¬8) أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "الركن والمقام ياقوتتان من ياقوت الجنة، طمس الله نورهما، ولولا أن طمس نورهما لأضاءتا ما بين المشرق والمغرب" (¬9). ¬

_ (¬1) "تفسير الثعلبي" 1/ 1164. (¬2) ذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1164، والبغوي 1/ 146، وأبو حيان في "البحر المحيط" 1/ 381. (¬3) أخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 226. (¬4) أخرجه الطبري 1/ 537، وذكره الثعلبي 1/ 1164. (¬5) "تفسير مقاتل" 1/ 137 - 138، وذكره الثعلبي 3/ 1164. (¬6) أخرجه الطبري 1/ 537، وابن أبي حاتم 1/ 227. (¬7) ينظر: "البحر المحيط" 1/ 381. (¬8) هكذا في الأصل، والصواب: عبد الله بن عمرو كما في مصادر تخريج الحديث. (¬9) أخرجه الترمذي (878) كتاب الحج، باب: ما جاء في فضل الحجر الأسود، والإمام أحمد في "المسند" 2/ 213 - 214 ابن خزيمة 4/ 219 برقم 2732 في المناسك، باب صفة الركن والمقام، والبيان انهما ياقوتتان من يواقيت الجنة، والحاكم 1/ 456 البيهقي 5/ 75 وعبد الرزاق في "المصنف" 5/ 39، الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1167. قال الترمذي: هذا يُرْوى عن عبد الله بن عمرو، موقوفًا من قوله، وفيه عن أنس أيضا، وهو حديث غريب وقال ابن خزيمة: لست أعرف (رجاء) [يعني رجاء بن صبيح الحَرَشي] هذا بعدالة ولا جرح، ولست أحتج بخبر مثله، اهـ. وقد ضعفه الحافظ في "الفتح" 3/ 462 وللحديث شواهد كثيرة حكم بعضها على الحديث بالحسن لغيره، كالدكتور خالد العنزي في تحقيق "تفسير الثعلبي".

وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس: أن إبراهيم عليه السلام استأذن سارة أن يزور إسماعيل عليه السلام، فأذنت له، واشترطت عليه أن لا ينزل، فجاء إبراهيم حتى انتهى إلى باب إسماعيل، فقال لامرأته: أين صاحبك؟ قالت: ذهب (¬1) يتصيد، قال لها: هل عندك ضيافة؟ قالت: نعم، فجاءت باللبن واللحم فدعا لها بالبركة، فقالت له: انزل حتى أغسل رأسك، فلم ينزل به، فجاءته بالمقام، فوضعته عن شقه الأيمن، فوضع قدمه عليه فبقي أثر قدمه عليه فغسلت شق رأسه الأيمن، ثم حولت المقام إلى شقه الأيسر، فغسلت شق رأسه الأيسر، فبقي أثر قدمه عليه (¬2). وذلك الحجر هو مقام إبراهيم الذي يعرفه الناس اليوم، وإذا أطلق مقام إبراهيم لم يفهم إلا الذي هو اليوم في المسجد، ويدل على هذا حديث عمر الذي رويناه آنفا (¬3)، وجعل تأثير قدم إبراهيم في الحجر معجزة ¬

_ (¬1) ساقطة من (أ)، (م). (¬2) ذكر القصة مطولة مبسوطة الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1164 وقد ذكر الواحدي منها موضع الشاهد، وقد أخرج القصة الطبري في "تاريخه" 1/ 154 من طرق عن سعيد بن جبير، وذكرها البغوي في "تفسيره" 1/ 147، الثعلبي أيضا من رواية السدي وغيره في كتابه: "عرائس المجالس" ص 71، ورواها الطبري مختصرة من كلام السدي 1/ 537، وأصل القصة رواها البخاري (3364) كتاب الأنبياء، وليس عند البخاري غسل رأس إبراهيم ووضع رجله حينذاك على المقام، ومن طريق البخاري أخرجها ابن الجوزي في "المنتظم" 1/ 268 ثم ذكر قصة غسل زوجة إسماعيل الثانية لرأس إبراهيم، من رواية عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس. وينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1166 تحقيق د: العنزي. (¬3) قال في "البحر المحيط" 1/ 381 بعد أن ذكر اتفاق المحققين على هذا القول: ورجح بحديث عمر أفلا نتخذه مصلى. الحديث، وبقراءة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما فرغ من الطواف وأتى المقام {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} فدل على أن المراد منه ذلك الموضع؛ ولأن هذا الاسم في العرف مختص بذلك الموضع، ولأن الحجر صارت تحت قدميه في رطوبة الطين حين غاصت فيه رجلاه، وفي ذلك معجزة له، فكان اختصاصه به أقوى من اختصاص غيره، فكان إطلاق هذا الاسم عليه أولى =

لنبوته. وقال أنس بن مالك: رأيت في المقام أثر أصابعه وعقبه وأخمص قدميه غير أنه أذهبه مسح الناس بأيديهم (¬1). ومعنى قوله تعالى: {مُصَلًّى} قال الحسن: قبلة (¬2)، وقال مجاهد: مُدَّعى (¬3)، أي: موضع دعاء. وقال قتادة: صلوا عنده (¬4). وقوله تعالى: {وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ} أي: أمرناهما وأوصينا إليهما (¬5): {أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ} قال سعيد بن جبير (¬6)، وعبيد بن عمير (¬7) (¬8)، ¬

_ = لأنه موضع القيام، وثبت قيامه على الحجر، ولم يثبت قيامه على غيره. (¬1) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1167 وفي "عرائس المجالس" ص 73، وأخرجه الواحدي بسنده من طريق الزهري، عن ابن أنس في "الوسيط" 1/ 206، وذكره أبن كثير في "تفسيره" 1/ 182 من هذا الطريق، وذكره القرطبي 2/ 102 وابو حيان في "البحر" 1/ 381 وروى الطبري 3/ 35 بسنده عن قتادة قال: إنما أمروا أن يصلوا عنده، ولم يؤمروا بمسحه، ولقد تكلفت هذه الأمة شيئًا ما تكلفته الأمم قبلها، ولقد ذكر لنا بعض من رأى أثر عقبيه وأصابعه فيه، فما زالت هذه الأمة يمسحونه حتى اخلولق وانمحى. (¬2) في (ش): (وقبله). (¬3) أخرجه الطبري 1/ 537، ابن أبي حاتم 1/ 227. (¬4) أخرجه الطبري في "تفسيره" 1/ 537. (¬5) "تفسير الثعلبي" 1/ 1169. (¬6) أخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 227، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1169، البغوي 1/ 148، القرطبي 2/ 103. (¬7) هو: أبو عاصم عبيد بن عمير بن قتادة الليثي، ولد على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -، يعد من كبار التابعين، أجمعوا على توثيقه، كان من العباد، توفي سنة 73 هـ. ينظر: "تقريب التهذيب" ص 377 (4385)، "السير" 4/ 156. (¬8) أخرجه الطبري 3/ 40، وذكره ابن أبي حاتم 1/ 228، والثعلبي 1/ 1169.

وعطاء (¬1)، ومقاتل (¬2): من الأوثان والريب وقول الزور. وقال الزجاج (¬3) والفراء (¬4): يريد من الأصنام ألا تعلّق فيه. وهذا الاختيار عند أبي علي، قال: لما جاء في المظهر منه لفظ (الرِّجْس) في قوله: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ} [الحج: 30]. وقال ابن عباس ويمان بن رئاب (¬5): يعنى بَخِّراه وخَلِّقاه (¬6) ونظفاه. وقوله تعالى: {لِلطَّائِفِينَ} قال الفراء (¬7): يقال: طاف يطُوفُ طَوفًا وطَوافًا وطوفانًا، وطاف يطِيف، وأطَاف يُطِيفُ، بمعنى واحد (¬8). وقوله تعالى: {وَالْعَاكِفِينَ} العكوف: الإقامة (¬9) على الشيء (¬10). قال المفسرون: عنى بالطائفين: النُّزَّاع إليه من الآفاق، وبالعاكفين: ¬

_ (¬1) أخرجه الطبري في "تفسيره" 3/ 40 عن عطاء، عن عبيد، وذكره عنه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 228، الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1169. (¬2) "تفسير مقاتل"1/ 138. وينظر: "الثعلبي" 1/ 1169، "البحر المحيط" 1/ 382. (¬3) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 207. (¬4) "معاني القرآن" 1/ 77. (¬5) ذكره عنه الثعلبي 1/ 1171 وينظر: البغوي 1/ 1458، "البحر المحيط" 1/ 382. (¬6) خَلَّقاه: أي طَيَّباه، والخلُوق والخِلاق: ضرب من الطيب وقيل: الزعفران وغيره، قال بعض الفقهاء: وهو مائع فيه صفرة. "تهذيب اللغة" 1/ 1094 "المصباح المنير" ص 180. (¬7) من قوله: (وقوله تعالى: للطائفين) ساقط من (ش). (¬8) هذا في كتاب "المصادر" للفراء وهو مفقود ينظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2155، "لسان العرب" 5/ 2722. (¬9) في (م): (القيام). (¬10) ينظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2532.

126

أهلَ مكة وبالركع السجود (¬1): جميعَ المسلمين (¬2). 126 - قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا}. (البلد) يجوز في اللغة أن يكون جمع بلدة، ويجوز أن يكون واحدًا، وجمعه بلدان وبلاد (¬3). قال الليث: كل موضع من الأرض (¬4) عامرٍ أو غامر (¬5) مسكونٍ أو خالٍ: بلدٌ، والطائفة منه: بلدة (¬6). والبلد: المفازة، يقال: أذلّ من بيضةِ البلدِ، أي: بيضة النعامة التي تتركُها بالبلد، وهو المفازة. والعربُ تُسَمِّي كلَّ موضع خال: بلدة، فيقولون لموضع خالٍ من الكواكب بين النعائم وسعد الذابح: بلدة (¬7). ويقال للذي ليس بمقرون الحاجبين: الأبلدُ؛ لخُلُوّ ما بين حاجبيه من الشعر. وقال أهل اللغة: أصلُ البلد: هو الأثر. من ذلك قولهم لكِرْكِرَةِ (¬8) ¬

_ (¬1) في (أ)، (م): (بالركع). (¬2) ينظر: "تفسير الطبري" 1/ 539 - 541، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 207، "تفسير الثعلبي"، "تفسير البغوي" 1/ 148 - 149 وذكر الثعلبي في "تفسيره" عن عطاء قال: إذا كان طائفا فهو من الطائفين، وإذا كان جالسًا فهو من العاكفين، وإذا كان مصليًا فهو من الركع السجود. وأخرجه الطبري 1/ 540 - 541 مفرقًا عن ابن عطاء ورجحه، وأخرج ابن حاتم في "تفسيره" 1/ 228 مثله عن عطاء عن ابن عباس. (¬3) ينظر: "تهذيب اللغة" 1/ 383. (¬4) عبارة في "التهذيب" البلد: كل موضع مُسْتَحِييزٍ من الأرض. (¬5) في (م): (أو غير عامر) وهو كذلك في "تهذيب اللغة" والغامر: ضد عامر. (¬6) نقله عنه في "تهذيب اللغة" 1/ 383. (¬7) نقل في "تهذيب اللغة" 1/ 383 عن الليث: والبلدة في السماء موضع لا نجوم فيه بين النعائم وسعد الذباح، وليست كواكب عظامًا تكون علمًا، وهي من منازل القمر وهي آخر البروج سميت بلدةً، وهي من برج القوس، خالية إلا من كواكب صغار. (¬8) الكِركِرة: بالكسر: رحى زور البعير، أو صدر كل ذي خف. "القاموس" 469.

البعير: بلدة. لأنه إذا برك أثرت. قال ذو الرمة: أُنِيخَتْ فألقَتْ بلدةً فوقَ بلدةٍ ... قليلٍ بها الأصواتُ إلا بُغَامُها (¬1) ويقال للأثر: بلد، وجمعه أبلادٌ. قال القُطامي (¬2): وبالنُحورِ كُلومٌ ذاتُ أبلادٍ (¬3) وقال ابنُ الرِّقاع (¬4): عرَف الديارَ توهُّمًا فاعتادَها ... مِنْ بعدِ ما شَمِلَ البِلَى أبلادَها (¬5) وإنما سُمِّيت البلادُ لأنها مواضعُ مواطن الناس وتأثيرهم. والبلد: المقبرة، ويقال: هو نفس القبر، قال خُفَاف (¬6): كلُّ امرئ تاركٌ أحبَّتَه ... ومُسْلِمٌ وجهَه إلى البلَد (¬7) ¬

_ (¬1) البيت لذي الرمة، في "ديوانه" ص 1004، "تهذيب اللغة" 1/ 383، "لسان العرب" 1/ 341، "المعجم المفصل" 7/ 135. (¬2) هو عمير بن شييم التغلبي القطامي، شاعر إسلامي، تقدمت ترجمته [البقرة: 61]. (¬3) هذا عجز بيت، وصدره: ليست تجرح فُرّارًا ظهورهم. وهو للقطامي في "ديوانه" ص 12، ينظر: "اللسان" مادة: بلد. ويروى: وفي النجوم، كما في "عمدة الحفاظ"1/ 258، وكذا في "المشوف المعلم" 1/ 117، و"البصائر" 2/ 273، وينظر: "مفردات ألفاظ القرآن" للراغب ص 143. (¬4) هو عدي بن الرقاع بن عاملة حي من قضاعة، تقدمت ترجمته [البقرة: 60]. (¬5) البيت في "ديوانه" ص 33، "لسان العرب" 1/ 341 مادة: بلد. (¬6) هو خفاف بن عمير بن الحارث بن الشريد السلمي، من مضر، أبو خراشة، شاعر فارس، كان أسود اللون، وعاش زمنًا في الجاهلية، وأدرك الإسلام فأسلم، وشهد فتح مكة وحنينًا والطائف، وثبت في الردة على إسلامه، توفي سنة 20 هـ. ينظر: "أسد الغابة" 2/ 138، "الأعلام" 2/ 309. (¬7) البيت بلا نسبة في "المخصص" 6/ 133، وانظر: "المعجم المفصل" 2/ 429.

ومن هذا يقال: رجلٌ بليدٌ، إذا أثَّرَ فيه الجهلُ، ثم يقالُ منه: تبلَّدَ الرجلُ، وهو نقيضُ التجلُّد، قال: ألا لا تَلُمْهُ اليومَ أن يتبلَّدا ... فقد غُلِبَ المحزونُ أن يتجلَّدا (¬1) وبلد أيضا: إذا ضَعُفَ في العملِ وغيره، حتى قيل في الجرِي قال: جَرَى طَلَقًا حتى إذا قيلَ سابقٌ ... تداركَه أعراقُ (¬2) سوءٍ فَبَلَّدَا (¬3) وقوله تعالى: {آمِنًا} قال الزجاج: ذا أَمْنٍ (¬4)، فيكون كقولهم: لاِبنٌ وتَامِرٌ، ويجوزُ أن يكون آمنًا يأمَنُ أهله فيه، فيكون كقولهم: ليلٌ نائمٌ، أيْ: ينامُ أهله (¬5) فيه، قال الشاعر: ونمتُ وما ليلُ المطيِّ بنائمٍ (¬6) ويقولون: همٌّ ناصب، أي: ينصبُ فيه الإنسان، وينصبُ لأجلِه (¬7) ¬

_ (¬1) البيت للأحوص الأنصاري في "ديوانه" ص 98، وانظر: "المعجم المفصل" 2/ 201. (¬2) في (ش): (أعواق). (¬3) البيت بلا نسبة في "تهذيب اللغة" 1/ 383، "لسان العرب" 1/ 342 و 5/ 2904، "المعجم المفصل" 2/ 201. (¬4) "معاني القرآن" 1/ 207. (¬5) زيادة من (م). (¬6) البيت لجرير بن عطية، ومطلعه: لقد لُمتِنا يا أمَّ غيلان في السُّرى ينظر: "ديوانه" ص 454. (¬7) وليس هذا بقياس عند سيبويه، وعن المبرد أن فاعلاً بمعنى صاحب، كذا قياس، وفي شرح المفصل: وكثر فعال حتى لا يبعد دعوى القياس فيه، وقل فاعل، فلا يمكن دعوى القياس فيه لندوره. ينظر: "حاشية ابن جماعة الكناني على شرح الجاربردي للشافية لابن الحاجب" 1/ 125، "همع الهوامع" للسيوطي 2/ 198.

قال النابغة: كِلِيني لَهمٍّ يا أميمةُ ناصبِ (¬1) فأما التفسير فقال ابن عباس: يريد حرامًا محرمًا، لا يصاد طيره، ولا يقطع شجره، ولا يختلى خلاه، ولا يدخلها أحد إلا بإحرام، ولا تحلُّ لأحدٍ من الخلق إلا الساعة التي حلّت للنبي - صلى الله عليه وسلم -، هذا كلامه (¬2). فأما الحكم في هذا، فإنَّ صيدَ مكة لا ينفر، ولا ينتف شعره، ولا يتعرض له بنوع أذًى، ومن قتل صيد مكة فعليه جزاؤه، ولا يجوز قطع أشجار (¬3) الحرم على جهة الإضرار بها، ويجوز تشذيبها على جهة المصلحة لها، ولا يجوز خبطها؛ ولكنها تهشُّ هشًا رفيقًا، ويجوزُ إرسالُ المواشي لترتَعَ في حشيش الحرم (¬4). وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله حبس الفيل عن مكة، وسلَّطَ عليها رسولَه والمؤمنين، وإنهَّا لم تَحِلُّ لأحدٍ كان قبلي، ولا تحلُّ لأحدٍ كان بعدي، وإنما أُحِلَّت لي ساعة من النهار" (¬5). والعرب تقول: آمَنُ من حمام مكة، يضربون المثلَ بها في الأمن (¬6). ¬

_ (¬1) البيت للنابغة الذبياني، وعجزه: وليلٍ أقاسيه بطيءِ الكواكبِ ينظر: "ديوانه" ص 45، و"المعجم المفصل" 1/ 450. (¬2) ينظر مرفوعًا عن ابن عباس بنحوه عند البخاري (1349) كتاب الحج باب: الأذخر والحشيش في القبر، ومسلم (1353) كتاب الحج؛ باب: تحريم مكة وصيدها وخلاها. (¬3) في (م): (شجر). (¬4) ينظر في المسألة: "مشكل الآثار" للطحاوي 4/ 176 ط دار الكتب العلمية، "المجموع شرح المهذب" 7/ 425 و 7/ 444 ط المنيرية، "تفسير ابن كثير" 1/ 180. (¬5) تقدم تخريجه آنفًا. (¬6) لأنها لا تثار ولا تهاج. ينظر: "مجمع الأمثال" للميداني 1/ 87، "جمهرة الأمثال" للعسكري 1/ 199، "المستقصى" للزمخشري 1/ 7.

وقوله تعالى: {وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ} الثمرات: جمع ثمرة، وهو حمل الشجرة من أي نوع كان، ويأتي الكلام فيها عند اختلاف القراء في (ثمره) [الكهف: 42]. قال المفسرون: استجاب الله دعاء إبراهيم، فقال في موضع آخر: {أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ} [القصص: 57] (¬1). قال عطاء عن ابن عباس: ذكروا أن الله عز وجل بعث جبريل إلى الشام، حتى اقتلع الطائف من موضع الأردن، ثم طاف بها حول الكعبة أسبوعًا، لذلك سميت الطائف، ثم أنزلها تهامة، ومنها تجْبَى إلى مكة الثمرات (¬2). وقوله تعالى: {مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} (من) بَدَلٌ من أهله (¬3) وهو بدل البعض من الكُلِّ، كقوله: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} [آل عمران: 97]. والأخفش يسمي هذا بدل التبيان؛ لأنَّ الأول دلَّ على العموم، ثم بان بالبدل أن المراد به البعض، كما تقول: أخذت المال ثلثيه، ورأيت القوم ناسًا منهم (¬4). وإنما خصَّ إبراهيم عليه السلام بطلب الرزق المؤمنين؛ لأن الله تعالى أدبه بقوله: {قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} فتوهَّم أنه كما لا يعطيهم النبوة إلا إذا كانوا مؤمنين، كذلك لا يرزق أهل ¬

_ (¬1) ينظر: "الوسيط" 1/ 210. (¬2) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 210 ذكره البغوي في "تفسيره" 1/ 149 دون نسبة، وبعضه يذكر عن الزهري ومحمد بن مسلم الطائفي. ينظر: "تفسير الطبري" 1/ 544، "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 229 - 230، "البحر المحيط" 1/ 383. (¬3) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 207. (¬4) "معاني القرآن" للأخفش 1/ 147.

مكة إلا أن يكونوا مؤمنين (¬1). قال ابن عباس: وكانت دعوةُ إبراهيم يومئذ وأهلها مؤمنون (¬2)، فما زالوا على إيمانٍ ومعرفة بالله حتى غيَّرَ ذلك عمرو بن لُحَيّ الخُزاعي (¬3)، وهو الذي قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "رأيته في جهنم يجُرّ قُصْبَه (¬4) في النار" (¬5)، وكان أول من غيّر دين إبراهيم، وعبد الأصنام، وسيّب السائبة، وبَحَر البحيرة، وحمى الحامي (¬6)، وغلب على مكة، وقهر أهلها، وهم ولد إسماعيل. {وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً} فسأرزقه إلى منتهى أجله (¬7). وفي (أمتعه) ¬

_ (¬1) ينظر: "الوسيط" 1/ 210. (¬2) لعله من رواية عطاء، وقد تقدم الحديث عنها في القسم الدراسي. (¬3) هو عمرو بن لحي بن حارثة بن عمرو بن عامر الأزدي وقيل: عمرو بن لحي بن قَمَعَة، وقيل غير ذلك، من قحطان، أول من غير دين إسماعيل، ودعا العربَ إلى عبادة الأوثان حيث دعا إلى تعظيمها. ينظر: "البداية والنهاية" 2/ 187، "الأعلام" 5/ 84. (¬4) قصبه أي: أمعاءه، ينظر: "صحيح مسلم" (2856) كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: النار يدخلها الجبارون. (¬5) رواه البخاري (4623) كتاب تفسير القرآن، باب: ما جعل الله من بحيرة، ومسلم (2856) كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: النار يدخلها الجبارون. (¬6) السائبة: قيل: من الإبل، وقيل من جميع الأنعام وتكوم من النذر للأصنام، فتسيب فلا تحبس عن مرعى ولا ماء ولا يركبها أحد، كان الرجل ينذر إن برىء أو قدم من سفره ليُسيبن بعيرًا. والبحيرة: هي التي بحرت أذنها أي خرمت، قيل من الإبل وقيل من الشاة، إذا ولدت خمسة أبطن بحروا أذنها وتركت فلا يمسها أحد. والحامي: هو فحل الإبل، إذا انتجوا منه عشرة أبطن، قالوا قد حمى ظهره، فلم يركب وقيل: غير ذلك ينظر: "فتح الباري" 8/ 284. (¬7) ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1177، "تفسير البغوي" 1/ 149.

قراءتان: التشديد من التفعيل، وهو قراءة عامة القراء، وقرأ ابن عامر بالتخفيف (¬1). والتشديدُ أولى، لأن التنزيل عليه: كقوله: {يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا} [هود: 3] وقال: {كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [القصص: 61] وقال: {وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ} [يونس: 98]. وأمّا التخفيف فإن أَفْعَل قد يكون بمعنى فَعَّل في كثير من المواضع، نحو: فَرَّحْتُه وأفرحْتُه، وأنزلته ونَزَّلته، قال الراعي (¬2): خَلِيطَين من شعبين شتّى تجاورا ... قديمًا وكانا بالتفرُّقِ أمتعا (¬3) وأما قوله: (قليلا) قال أبو علي الفارسي (¬4): يجوز أن يكون صفةً للمصدر، ويجوز أن يكون صفة للزمان. فالدلالةُ على جواز كونه صفة للمصدر قوله: {يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا} [هود: 3] فوصف به المصدر. قال سيبويه (¬5): مثال هذا: أنك ترى الرجل يعالج شيئًا فتقول: رُويدًا، أي: علاجًا رويدًا. فإن قيل: كيف يحسنُ أن يكون صفة للمصدر، وفعّل يدل على التكثير، فكيفَ يستقيمُ وصفُ الكثير بالقليل في قوله: {فَأُمَتِعُهُ قَلِيلًا}، وهلا كان قولُ ابن عامر أرجحَ؛ لأنَّ هذا السؤال لا يعترض فيه. ¬

_ (¬1) ينظر: "السبعة" ص 170، "معاني القراءات" للأزهري ص 63. (¬2) هو: أبو جندل عبيد بن حصين النميري، والراعي لقبه؛ لكثرة وصفه للإبل، وهو شاعر من المحدثين الفحول، عاصر جريرًا والفرزدق، توفي سنة 90 هـ. ينظر: "الشعر والشعراء" 265، "الأعلام" 4/ 188. (¬3) ينظر: "ديوانه" ص 166، "لسان العرب" 7/ 4129، "المعجم المفصل" 4/ 199. (¬4) في "الحجة للقراء السبعة" 2/ 222. (¬5) "الكتاب" 1/ 124.

127

والجواب: أن هذا لا يدل على ترجيح قراءته، وإنما وصفه الله سبحانه بالقليلِ من حيثُ كان إلى نَفادٍ ونقصٍ وتناهٍ، ألا ترى أن (¬1) قوله: {قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ} [النساء: 77] فعلى هذا وُصِفَ المتاع بالقلة في قوله: {فَأُمَتِعُهُ قَلِيلاً}. وأما جواز أن يكون (قليل) صفة للزمان فيدل عليه قوله: {قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ} [المؤمنون: 40] بعد زمان قليل، كما تقول: أطعمه عن جوعٍ وكساه عن عُري (¬2). وقوله تعالى: {ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ} أي: ألجئه في الآخرة إلى عذاب النار {وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} مُختصر، أي: بئس المصير النار أو عذاب النار (¬3). 127 - قوله تعالى: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ} معنى القعود في أصل (¬4) اللغة: الثبات على أيِّ حالةٍ كانت، الدليل عليه قوله تعالى: {تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ} [آل عمران: 121]، يريد: مثابت ومراكز، ولا يريد مَجَالس. وقولهم: قَعَدَتِ المرأةُ عن المحيض، معناه: ثبتت على حالة الطُّهْر، ولا يراد به الجُلوس. ويقولون: قَعَدَتِ الفَسِيلة، إذا ثَبَتَتْ في الأرض، وصار لها جذع (¬5). ومن هذا: قواعد البيت، فَقَعَدَ في أصل اللغة ¬

_ (¬1) زيادة من (م). (¬2) انتهى كلام أبي علي الفارسي من "الحجة" 2/ 222. (¬3) ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1177، "تفسير ابن كثير" 1/ 186 - 187. (¬4) ساقط من (ش). (¬5) "تهذيب اللغة" 3/ 3004.

بمعنى: ثبت، ثم نقل إلى هذا الفعل المخصوص والمتعارف الذي لا تعرف العامة غيره (¬1). وأما تفسير قواعد البيت، فقال ابن المظفر: القواعد: أصول الأساسِ، الواحد: قاعدة (¬2). قال الزجاج: وكل قاعدةٍ فهي أصلٌ للذي فوقها (¬3). قال الكُمَيْت (¬4): في ذِروةٍ من يفاعٍ اوّلهم ... زانت عواليَها قواعدُها (¬5) ومنه يقال للخشبات أسافل الهودج: القواعد، لأنها كالأساس للهودج (¬6). قال ابن عباس: يعنى: أصولَ البيت (¬7). وقوله تعالى: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا} المعنى: يقولان (¬8): {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا} ¬

_ (¬1) ينظر: "تهذيب اللغة" 3/ 3004، "لسان العرب" 6/ 3689 (قعد). (¬2) "تهذيب اللغة" 3/ 3004، "تفسير الثعلبي" 1/ 1182، "البحر المحيط" 1/ 387. (¬3) "معاني القرآن" 1/ 208، قال في "البحر المحيط" 1: 373: القواعد: قال الكسائي والفراء: هي الجدر، وقال أبو عبيدة: الأساس، وبالأساس فسرها ابن عطية أولًا والزمخشري وقال: هي صفة غالبة، ومعناها: الثابتة. اهـ. (¬4) تقدمت ترجمته. (¬5) البيت للكميت في "مجاز القرآن" 1/ 55، "تفسير الثعلبي" 1/ 1183، "البحر المحيط" 1/ 373 ولم ينسبه، واليَفَاع: المشرف من الأرض والجبل. (¬6) "لسان العرب" 6/ 3689 (قعد)، والهَوْدَج: مركب للنساء يوضع على ظهور الرواحل. (¬7) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 3/ 1182، وأخرجه ابن أبي حاتم 1/ 231 بلفظ: أساس البيت، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 1/ 546 بلفظ: القواعد التي كانت قواعد البيت قبل ذلك. (¬8) يروي ابن عباس ذلك كما في "تفسير الطبري" 1/ 549، وينظر: "صحيح البخاري" (3365) كتاب الأنبياء، باب: يزفون النسلان في المشي، وعند الأخفش في "معاني القرآن" 1/ 148 أن إسماعيل هو الذي قال: (ربنا تقبل منا).

128

كقوله: {وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ} [الأنعام: 93] المعنى: يقولون: أخرجوا، ومثله: {يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (23) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ} [الرعد:23 - 24]. وقوله تعالى: {إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ} يريد: لدعائنا {الْعَلِيمُ} بما في قلوبنا (¬1). 128 - قوله تعالى: {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ} أي: مطيعين مستسلمين منقادين لحكمك (¬2). قال ابن الأنباري: يقال: فلان مسلم، وفيه قولان: أحدهما: أنه المستسلم لأمر الله. والثاني: هو المخلص لله العبادة، من قولهم: سَلَّمَ لفلان الشيءَ، أي: خَلَّصَه له، وسَلِمَ له الشيءُ، أي: خَلَصَ (¬3)، ومنه قوله تعالى: {وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ} [الزمر: 29]، معناه: خالصًا لرجل، وأنشد على أنَّ المسلم بمعنى المستسلم لأمر الله قولَ الشاعر: فقلنا أسْلِمُوا إنّا أخوكم (¬4) ... فقد بَرِئَتْ مِنَ الإحَنِ الصُّدُورُ (¬5) أراد: استسلموا. قالوا: فالمسلم الذي يعتقد الاستسلامَ لله تعالى والإيمانَ به محمودٌ، والمسلمُ الذي يستسلم خوفًا من القتل مذمومٌ، من ¬

_ (¬1) "تفسير الثعلبي" 1/ 1184، "تفسير البغوي" 1/ 150. (¬2) "تفسير الثعلبي" 1/ 1185، "تفسير البغوي" 1/ 150. (¬3) نقله في "تهذيب اللغة" 2/ 1745، وعنه في "لسان العرب" 4/ 2080. (¬4) في (ش): (باحركم). (¬5) البيت لعباس بن مرداس، في "ديوانه" ص 52، "لسان العرب" 1/ 41 "المعجم المفصل" 3/ 326.

ذلك قوله تعالى: {قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا} [الحجرات: 14] (¬1). معناه: استسلمنا من خوف القتل (¬2). وقد ذكرنا معنى الإسلام فيما تقدم. قوله تعالى: {وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ} الأمَّةُ في اللغة تكون على وجوه، قال أبو العباس: الأمَّةُ تأويلها: الجماعة من كل شيء، من ذلك: أمة محمد - صلى الله عليه وسلم -، ويقال: إنما فلان أمةٌ وَحْدَه، أي يَسُدُّ مَسَدَّ جَمَاعةٍ, ومنه يقال: فلان حسن الأُمَّة، إذا مُدِحَ بالتمامِ واستجماعِ الخُلُقِ على الاستواء (¬3). قال الأعشى (¬4): وإنَّ معاويةَ الأكْرَمِين ... حسَانُ الوُجُوهِ طِوالُ الأُمَمْ (¬5) ومنه سميت الأمّ؛ لأنها المحتويةُ على الولد، ومنها يخرج، ومن ذلك قوله: {هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ} [آل عمران: 7] أَيْ: مجمع الحلال والحرام. والإمام مأخوذ من هذا؛ لأن عليه تجتمع (¬6) الجماعة (¬7)، ومنه: {وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ} [يوسف: 45]، أي: بعد حين من الدهر (¬8)، وذلك لجماعة الشهور ¬

_ (¬1) في (م)، (ش): (لن). (¬2) ينظر: "تهذيب اللغة" 2/ 1745، "لسان العرب" 4/ 2080. (¬3) "تهذيب اللغة" 1/ 202 - 206، "لسان العرب" 1/ 135 (أمم). (¬4) هو أبو بصير ميمون بن قيس، تقدمت ترجمته. (¬5) البيت للأعشى في "ديوانه" ص 199، "تهذيب اللغة" 1/ 204، "لسان العرب" 1/ 135، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 282، "الأمالي" لأبي علي القالي 1/ 25، "المعجم المفصل" 7/ 29. (¬6) في (أ): (يجتمع)، وفي (م): (مجتمع). (¬7) "لسان العرب" 1/ 133 - 134 (أمم). (¬8) "المفردات" للراغب الأصفهاني ص 33.

والأعوام، وأم النجوم: المجرة، لأنها مجتمع النجوم، وكل شيء انضمت إليه أشياء فهو أمّ لها (¬1)، وأمُّ القوم: رئيسُهم الذي يجتمع إليه أَمْرُهم (¬2). قال الشنفرى (¬3): وأمَّ عيال قد شَهِدتُ تَقُوتُهم ... إذا أحْتَرتْهُمْ (¬4) أحْتَرَتْ وأقَلَّتِ (¬5) يعني: تأبط شرّا، والأَمَم: القريب المجتمع، وأمَّه: إذا قَصَدَ الاجتماع معه (¬6). وقال أبو إسحاق: الأمة في اللغة أشياء، الأمة: القرن من الناس، يقال: قد مضت أمم أي: قرون، والأمة: الدِّين، ومنه قوله: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً} [البقرة: 213]، أي: كانوا على دين واحد، والأمة: القامة وأنشد: .......... طوال الأمم (¬7) والأمة: الرجل الذي لا نظير له، ومنه قوله تعالى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً} (¬8)، [النحل: 120]. ¬

_ (¬1) "لسان العرب" 1/ 137 (أم). (¬2) "لسان العرب" 1/ 133 (أمم). (¬3) هو ثابت بن أوس الأزدي، شاعر جاهلي، تقدمت ترجمته [البقرة: 30]. (¬4) في (ش): (أخترتهم)، وفي (أ) لعلها كذلك. (¬5) البيت للشنفرى في "ديوانه" ص 35، "تهذيب اللغة" 1/ 203 وروايته: إذا حَتَرَتْهم أتْفَهَتْ وأقَلَّتِ، "لسان العرب" 2/ 769 (مادة: حتر)، 1/ 137 (مادة: أمم)، "المعجم المفصل" 1/ 552. (¬6) ينظر: "تهذيب اللغة" 1/ 202 - 203، "لسان العرب" 1/ 135 (أمم). (¬7) هذه قطعة من البيت المذكور في الصفحة السابقة. (¬8) بتصرف من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 183، وزاد من المعاني: الأمة: بمعنى النعمة والخير.

قال: وأصل هذا الباب كله من القصد، يقال: أممت الشيء إذا قصدته، فمعنى الأمة في القرن من الناس: الذين يقصدهم مقصدًا واحدًا، ومعنى الأمة في الدين: إنما هو الشيء الذي يقصده الخلق ويطلبونه؛ ولذلك سميت النعمة أمة، ومعنى الأمة في الرجل: الذي لا نظير له: أن قصده منفرد من قصد سائر الناس (¬1). قال ومعنى الأمة: القامة، لأنها مقصد الجسد، فليس يخرج شيء من هذا الباب عن معنى أممت، أي: قصدت (¬2). قال الأزهري: والأمة فيما فسّروا يقع على الكفار والمؤمنين (¬3)، وقال الليث: كلُّ قوم نُسبوا إلى نبيٍّ فأضيفوا إليه فهم أمته، وقيل: أمة محمد - صلى الله عليه وسلم -: كل من أرسل إليه (¬4) ممن آمن به أو كفر، قال: وكل جيل من الناس هم أمة على حدة (¬5). قال ابن الأنباري: والأمة أيضًا أتباع الأنبياء، من قولهم: نحن أمة محمد - صلى الله عليه وسلم -. قال ابن عباس: {وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا} يريد: أمةَ محمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - {أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ} يريد: المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان (¬6). قيل: وإنما خصّا ¬

_ (¬1) بتصرف من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 283، ونقله عنه الأزهري في "تهذيب اللغة" 1/ 204 (أم). (¬2) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 284. (¬3) "تهذيب اللغة" 1/ 204. (¬4) ساقط من (ش). (¬5) نقله في "تهذيب اللغة" 1/ 205. (¬6) لم أجده ولعله من رواية عطاء التي تقدم الحديث عنها في المقدمة.

بالدعوة بعضَ الذُّرِّيَّة؛ لأن الله تعالى أعلمهما أن في ذريتهما من لا ينال العهد في قوله: {لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ}. وقوله تعالى: {وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا}. (أرنا) يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون منقولًا من رأيت الذي يراد بها إدراك البصر، نقلت بالهمزة فتعدت إلى مفعولين، والتقدير: حذف المضاف، كأنه قال: أرنا مواضع مناسكنا، والمناسك: جمع منسك، وهو مصدر، جُمع لاختلاف ضروبه، والمعنى: عَرِّفْنا هذه المواضع التي تتعلق النسك بها؛ لنفعله ونقضي نسكنا فيها (¬1)، على حدِّ ما يقتضيه توقيفنا عليها، وذلك نحو: المواقيت التي يحرم منها، ونحو: الموضع الذي يوقف فيه بعرفةَ، وموضع الطواف، وموضع رمي الجمار، فهذا من: رأيتُ المواضع، وأريته زيدًا. والوجه الآخر: أن يكون أرنا منقولًا من رأيت، الذي لا يراد به رؤية العين ولكن التوقيف على الأمر، وضرب من العلم. وإلى هذا ذهب أبو عبيدة في تأويل الآية فقال: (وأرنا مناسكنا) أي: عَلِّمْنا، وأنشد: أريني جوادًا مات هَزْلًا لأَنني ... أرى ما تَرَيْنَ أو بخيلًا مُخَلَّدا (¬2) ¬

_ (¬1) في (م): (فيه)، وفي (ش): (بها). (¬2) البيت لحاتم الطائي، في "ديوانه" ص 40، ولحطائط بن يعفر، "مجاز القرآن" 1/ 55، "الحجة" 2/ 225، "شرح أبيات المغني" 1/ 219، وفي "خزانة الأدب" 1/ 406، ولدريد في "لسان العرب" 1/ 158، ولمعن بن أوس في "ديوانه" ص 39. قال: العيني 1/ 329: أقول قائله هو حاتم بن عدي الطائي، كذا قالت جماعة من النحاة. ينظر: "المعجم المفصل" 2/ 202، وتحقيق أحمد شاكر لكتاب "الشعر والشعراء" 1/ 248.

قال: أراد: دُلِّيني، ولم يرد رؤية العين (¬1). وقوله: لأنني، أي: لعلني (¬2). وقال أبو إسحاق: {وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا} معناه: عرِّفنا متعبداتنا، وكلُّ متعبدٍ فهو منسِك ومنسَك، ومن هذا قيل للعابد: ناسك، ويقال للذبيحة المتقرب بها إلى الله: نسيكة، وإنما سمي الذبيحة نَسِيكة (¬3)؛ لأنهم كانوا يذبحونها للعبادة. فقوله: {مَنَاسِكَنَا} يحتمل أن يكون جمع مَنْسَك الذي هو المصدر، فيكون على تقدير حذف المضاف كما ذكرنا، ويحتمل أن يكون جمع منسك الذي هو الموضع، فلا يكون فيه حذف. ونسك في اللغة على معنيين: أحدهما: ذَبَح، والآخر: عَبَدَ، فلا يُدرى (¬4) أيهما الأصل (¬5). وفي قوله: (وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا} قراءتان: كسر الراء، وإسكانها (¬6). قال أبو إسحاق: والأجود الكسر؛ لأن الأصل أَرْئنا، فالكسرة في الراء إنما هي كسرة همزة، أُلقيت فَطُرحت حركتها على الراء، فالكسرة دليلُ الهمزة، وحذفُها قبيحٌ، وهو جائزٌ على بُعدٍ؛ لأن الكسرةَ والضمةَ ¬

_ (¬1) ما تقدم من "الحجة" 2/ 224 - 225 بتصرف واختصار. (¬2) "مجاز القرآن" 1/ 55. (¬3) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 209، وقال بعده: وكان الأصل في النسك إنما هو من الذبيحة لله جل وعز. (¬4) في (ش): (ندري). (¬5) ينظر: "تهذيب اللغة" 4/ 3562 (نسو). (¬6) قرأ ابن كثير والسوسي ويعقوب بإسكان الراء، وقرأ الدوري عن أبي عمرو بإخفاء كسرتها: أي: اختلاسها، والباقون بالكسرة الكاملة على الأصل. ينظر: "السبعة" ص 170، "الحجة" 2/ 224، "البدور الزاهرة" ص 50.

129

تُحذفانِ استثقالًا (¬1)؛ كقولهم في فَخِذٍ: فَخْذٌ، وفي عَضُدٍ: عَضْدٌ، وقد (¬2) ذكرنا هذا بأبلغ من هذا الشرح فيما تقدم. وقوله تعالى: {إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ} قال ابن عباس: أي: الراجع بأوليائه وأهل طاعته (¬3) إلى أفضل دينه (¬4). 129 - وقوله تعالى: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا} قال ابن عباس: يريد: في ولدي (¬5)، والكناية تعود إلى الذرية أو إلى الأمة في قوله: {أُمَّةً مُسْلِمَةً} (¬6)، وكلاهما ولد إبراهيم، وهم العرب (¬7). وقوله تعالى: {رَسُولًا مِنْهُمْ} قال ابن عباس: يريد محمدًا - صلى الله عليه وسلم -، فاستجاب الله دعاءه، وبعث فيهم رسولًا من أنفسهم، محمدًا سيد الأنبياء (¬8)، لذلك قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إني عند (¬9) الله في أمِّ الكتاب لَخَاتَمُ ¬

_ (¬1) بتصرف من "معاني القرآن" 1/ 209، وفيه: (والأجود الكسر، وإنما أسكن أبو عمرو لأنه جعله بمنزلة فخذ وعضد، وهذا ليس بمنزلة فخذ ولا عضد؛ لأن الأصل ...). (¬2) في (ش): (وهذا). (¬3) في (أ)، (ش): (طاعة). (¬4) لعله من رواية عطاء التي تقدم ذكرها. وينظر: "تفسير القرطبي" 2/ 1200. (¬5) لعله من رواية عطاء. (¬6) "تفسير الثعلبي" 1/ 1187، وينظر: "سنن سعيد بن منصور" 2/ 615، "تفسير الطبري" 1/ 556، "زاد المسير" 1/ 146. (¬7) "تفسير الثعلبي" 1/ 1187 قال: وقيل في أهل مكة. وينظر: "زاد المسير" 1/ 146، "الخازن" 1/ 111، "البحر المحيط" 1/ 392. (¬8) ينظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 1195، "تفسير البغوي" 1/ 151. (¬9) في (ش): (عبد).

النبيين، وإن آدم لمُنجدِلٌ في طِينَتِه، وسوف أنبئكم بتلك دعوة أبي إبراهيم {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ}. الآية، وبشارة عيسى قومه: {وَمُبَشِّرَا بِرَسُولٍ} [الصف: 6]، ورؤيا أمي، التي رأت أنه خرج منها نورٌ أضاءت له قصورُ الشام (¬1) ". وقوله تعالى: {وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} قال ابن عباس: يريد القرآن الذي أنزل عليه، وما فيه من الفرائض والأحكام والسنن وشرائع النبيين (¬2). فعلى هذا الحكمة: هي نفس الكتاب، وجُمع بينهما لاختلاف اللفظين. والحكمة في اللغة: فهم المعاني، وبه قال مجاهد، فإنه قال: يعنى بالحكمة فهم القرآن (¬3). وقال عبد الله بن مسلم: هي العلم والعمل، ولا يسمى الرجل حكيما ¬

_ (¬1) أخرجه الإمام أحمد في "المسند" 4/ 127، وابن حبان (6404)، والحاكم 2/ 418، 600، والبيهقي في "الدلائل" 1/ 389، والبغوي في "تفسيره" 15/ 151، وفي "شرح السنة" 13/ 207، والطبري 1/ 556، والطبراني 18/ 252 (629)، (630)، والبخاري في "تاريخه" 6/ 68 والثعلبي في "تفسيره"، وآخرون من حديث العرباض بن سارية وروايتهم: وسأنبئكم بتأويل ذلك، أو سأنبئكم بأول ذلك، أو سأخبركم عن ذلك، وذكر الآيات ليس في الرويات، ومعنى منجدل: أي: ملقىً على الجدالة وهي الأرض، والحديث صححه ابن حبان والحاكم، وقال: الهيثمي: أحد أسانيد أحمد رجاله رجال الصحيح غير سعيد بن سويد وثقه ابن حبان، وينظر: "الكشاف" لابن حجر ص10، وهو صحيح لغيره. (¬2) لعله من رواية عطاء، وينظر: "تفسير الطبري" 1/ 557، عن قتادة وغيره "المحرر الوجيز" 1/ 212. (¬3) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1188 عن مجاهد، وعنه البغوي 1/ 1188، "الخازن" 1/ 112، وذكره أبو حيان في "البحر المحيط" 1/ 393.

حتى يجمعهما (¬1). سمعت الثعلبي -رحمه الله- يقول: سمعت البياري (¬2) يقول: سمعت السِّيرافي (¬3) يقول: سمعت ابن دُرَيدٍ يقول: كل كلمة وعظتك أو زجرتك أو دعتك إلى مكرمة أو نهتك عن قَبيحٍ فهي حكمة (¬4). ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إنَّ من الشعرِ حكمةً (¬5) ". وأصلها في اللغة: من المنع والرد (¬6)، قال الأصمعي: أصل الحكومة: ردُّ الرجل عن الظلم، ومنه سميت حَكَمَةُ اللِّجَام؛ لأنها تَرُدُّ الدَّابَّة (¬7)، وهذا يذكر في مواضع من هذا الكتاب. وقوله تعالى: {وَيُزَكِّيهِمْ} أصل التزكية في اللغة: النسبة إلى الازدياد من الأفعال الحسنة التي ليست بمشوبة، والزكاة: الزيادة (¬8)، وقد ذكرنا ¬

_ (¬1) ذكره عنه الثعلبي 1/ 118، وذكره البغوي 1/ 152 وأبو حيان في "البحر المحيط". (¬2) هو علي بن الحارث البياري الخراساني، من معادن العلم، أديب بارع شدت إليه الرحال صاحب كتاب "شرح الحماسة وصناعة الشعر" ينظر: "إنباه الرواة" 2/ 274، 275، "دمية القصر" ص 302. (¬3) هو العلامة إمام النحو أبو سعيد الحسن بن عبد الله بن المرزبان، "السيرافي"، صاحب التصانيف ونحوي بغداد، وهو من أعيان الحنفية، رأسًا في نحو البصريين، تصدر لإقراء القراءات واللغة والفقه والفرائض، وولي قضاء بغداد توفي سنة 368 هـ ينظر: "السير" 16/ 247 - 248، "إنباه الرواة" 1/ 413، "تاريخ بغداد" 7/ 341 - 342. (¬4) هكذا بهذا الإسناد عند الثعلبي 1/ 1189 وزاد: فهي حكمة وحكم. وذكره ابن دريد في "الجمهرة" 1/ 564، والواحدي في "الوسيط" 1/ 212، والسمعاني 2/ 60. (¬5) رواه البخاري (6145) كتاب الأدب، باب: ما يجوز من الشعر والرجز والحداء وما يكره منه، من حديث أبي بن كعب. (¬6) ينظر: "تهذيب اللغة" 1/ 886، "تفسير الثعلبي" 843 و 1192. (¬7) نقله عنه في "تهذيب اللغة" 1/ 886، "لسان العرب" 2/ 952. (¬8) "تفسير الطبري" 1/ 558، "المحرر الوجيز" 1/ 492، "تفسير القرطبي" 2/ 120.

هذا عند تفسير الزكاة. قال ابن عباس: ويرشدهم إلى أفضل عبادتك (¬1)، وقال ابن جريج (¬2): يطهرهم من الشرك، ويخلّصهم منه (¬3). وقيل: يأخذ زكاة أموالهم (¬4)، وقال ابن كيسان: يشهد لهم يوم القيامة بالعدالة إذا شهدوا للأنبياء بالبلاغ، بيانه قوله: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} (¬5) [البقرة: 143] الآية. وقوله تعالى: {إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} اختلف قول أهل اللغة في معنى العزيز واشتقاقه، فقال أبو إسحاق: العزيز في صفات الله: الممتنع فلا يغلبه شيء (¬6)، وهذا قول المفضل، قال: العزيز: المنيع الذي لا تناله الأيدي (¬7). وعلى هذا القول العزيز من عزّ يَعَزُّ بفتح العين، إذا اشتد (¬8)، يقال: عَزَّ علي ما أصاب فلانًا أي: اشتد، وتعزز لحم الناقة إذا صلُب واشتدّ (¬9)، ¬

_ (¬1) لعله من رواية عطاء التي تقدم ذكرها. وبنحوه أخرجه الطبري1/ 558، وابن أبي حاتم 1/ 237 (1265) بلفظ: يعني بالزكاة طاعة الله والإخلاص. (¬2) هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، تقدمت ترجمته [البقرة: 35]. (¬3) أخرجه الطبري في "تفسيره" 1/ 558، وذكره الثعلبي 1/ 1192 بلا نسبة. (¬4) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1192، والسمرقندي 1/ 158، والبغوي 1/ 152، وابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 146، وبنحوه في "البحر المحيط" 1/ 393. (¬5) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1192، وعنه البغوي 1/ 152، "الخازن" 1/ 112. (¬6) نقله عن أبي إسحاق الزجاج الأزهري في: "تهذيب اللغة" 3/ 2420، وعنه في "اللسان" 5/ 2925، وينظر تفصيلا في "اشتقاق أسماء الله" لأبي القاسم الزجاجي ص 237 - 240. (¬7) نقله عنه الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1193 وأبو حيان في "البحر المحيط"1/ 393. (¬8) ينظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2420 "عزز". (¬9) ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1194، "البحر المحيط" 1/ 393، "الدر المصون" 1/ 373.

وأنشد أبو عمرو الشيباني (¬1): أُجُدٌ إذا ضَمَرَتْ تعزّزَ لحمُها ... وإذا تُشَدُّ بنسعةٍ لا تَنْبِسُ (¬2) يريد: أنها إذا هزلت صَلُبَ لحمُها ولم يَسْتَرْخِ جلدها. وقال أبو كبير الهذلي (¬3) يصف عقابًا (¬4): حتى انتهيت إلى فراشِ عزيزة ... سوداء روثةُ أنفِها كالمِخْصفِ (¬5) سماها عزيزة؛ لأنَّها من أقوى الجوارح، وأشدِّها بأسًا، والعزاز: الأرض الصلبة، فمعنى العِزَّةِ في اللغة: الشَدَّة (¬6)، ولا يجوزُ في وصف الله تعالى الشِّدَّة (¬7)، ويجوزُ العزّة، وهي امتناعه على من أراده، وعلوه ¬

_ (¬1) هو إسحاق بن مرار أبو عمرو الشيباني، تقدمت ترجمته [البقرة: 39]. (¬2) البيت للمتلمس الضبعي في "ديوانه" ص 180، "تفسير الثعلبي" 1/ 1194، "لسان العرب" 5/ 2927، "تاج العروس" 8/ 105، "الأغاني" 24/ 230، وذكره ابن دريد في "الجمهرة" ص 341 ولم ينسبه. ورواية "الديوان": عُنُسٌ بدل أَجُدٌ، ورواية الثعلبي: بنَسعِها. ومعنى: ضمرت: نحلت، وقوله: تَعَزَّزَ لحمها: اشتد وصلب، والنسع: سير من الجلد تشد به الرحال، ومعنى لا تنبس: لا تنطق ولا تصيح. وهو في البيت يصف الناقة. (¬3) هو عامر بن الحليس الهذيلي، أبو كبير من بني سهل بن هذيل، تقدمت ترجمته. (¬4) ساقطة من (أ)، (م). (¬5) ينظر: "شرح أشعار الهذليين" ص1089، "لسان العرب" 5/ 2926، 1/ 1039 (خصف)، "تاج العروس" 3/ 220 (مادة: روث)، "المعجم المفصل في شواهد اللغة العربية" 5/ 91. (¬6) "تهذيب اللغة" 3/ 2420 (عزز). (¬7) ذكره الشيخ بكر أبو زيد في "معجم المناهي اللفظية" ص 302 أن من أسماء الله تعالى القوي، ومن لوازم القوة: القدرة، بخلاف الشديد ولهذا لم يأت في القرآن =

عن (¬1) أن تناله (¬2) يدٌ (¬3)، وقال ابن عباس: العزيز: الذي لا يوجد مثله (¬4). قال الفراء: يقال: عزّ يَعِزُّ بالكسر: إذا قلَّ حتى لا يكاد يوجد، عِزّةً فهو عزيز (¬5). وقال الكسائي (¬6) وابن الأنباري (¬7) وجماعة من أهل اللغة: العزيز: القوي الغالب، تقول العرب: عَزَّ فلانٌ فلانًا يَعُزُّه عِزًّا، إذا غلبه (¬8)، قال الله تعالى: {وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ} [ص: 23]. ¬

_ = الكريم إلا مربوطًا بالعقاب أو العذاب أو الحساب الشديد، وهو كثير، وليس من أسماء الله الشديد، قال الله تعالى: {وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ} [الرعد: 13] فهذا من صفات الله سبحانه. ا. هـ. وقال الأستاذ علوي السقاف في كتابه: "صفات الله عز وجل الواردة في الكتاب والسنة" ص 135 - 154: الشدَّة بمعنى القوة من صفات الله الذاتية ودلل لها بقوله تعالى: {وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ} [الرعد: 13] وقوله: {سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ} [القصص: 35]، وبحديث: "اللهم اشدد وطأتك على مضر .. " رواه البخاري ومسلم. وقال: وقد عد الزجاجي (في كتابه اشتقاق أسماء الله ص 192) وابن منده في كتابه "التوحيد" ووافقه محققه (الشديد) من أسماء الله تعالى، ولا يوافقون على ذلك. ا. هـ كلام السقاف ملخصًا. (¬1) في (ش): (من). (¬2) في (أ) و (م): (يناله). (¬3) "تهذيب اللغة" 3/ 2420 - 2421، "لسان العرب" 5/ 2925 (عزز). (¬4) "تفسير الثعلبي" 1/ 1192، وذكره البغوي في "تفسيره" 1/ 152، "الخازن" 1/ 112، وأبو حيان في "البحر المحيط" 1/ 393. (¬5) نقله عنه في "تهذيب اللغة" 3/ 2420، وينظر: "القاموس المحيط" ص 517. (¬6) ذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1193، والواحدي في "الوسيط" 1/ 213، والقرطبي 2/ 121. (¬7) "الزهراء" 1/ 174. (¬8) ينظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2420، "لسان العرب" 5/ 2925 (عزز).

130

قال عمر بن أبي ربيعة (¬1): هُنالك إما تَعُزُّ الهوى ... وإما على إثرهم تَكْمدُ (¬2) معناه: إما تغلب الهوى، ومنه يقال: من عَزّ بَزَّ أبو عبيد عن أبي زيد: عَزَّ الرجل يَعِزّ عِزةً وعِزًّا، إذا قَوِيَ (¬3)، فمعنى العزيز: الغالبُ القويُّ الذي لا يعجزه شيء (¬4)، وذكرنا معنى الحكيم فيما مضى (¬5). 130 - قوله تعالى: {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ} يقال: رغبت عن الشيء أي: تركته عمدًا، وهو ضدُّ قولك: رغبتُ فيه (¬6). قال أبو إسحاق: معنى (مَنْ) التقريرُ والتوبيخُ، ولفظُها لفظُ الاستفهام والمعنى: ما يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سَفِهَ نَفْسَه (¬7)، وذكرنا معنى السفه فيما تقدم (¬8). واختلف النحويون في نصب (نفسَه). فقال الفرَّاءُ: العرب توقع (¬9) ¬

_ (¬1) هو: أبو الخطاب عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة المغيري المخزومي القرشي، أكثر شعره في الغزل، ولد ليلة مقتل الخليفة عمر، وتوفي سنة 93 هـ. ينظر: "وفيات الأعيان" 3/ 436، "الشعر والشعراء" ص 25، 186. (¬2) ينظر: "الأغاني" 13/ 87. (¬3) ذكره عنه في "تهذيب اللغة" 3/ 2420 "عزر". (¬4) ينظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2420، "لسان العرب" 5/ 2925 (عزر). (¬5) تقدم عند قوله تعالى: {إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} [البقرة: 32]. (¬6) "تهذيب اللغة" 2/ 1432، "تفسير الثعلبي" 1/ 1194. (¬7) انظر: "معاني القرآن" للزجاج بتصرف، 1/ 209 "البحر المحيط" 1/ 394. (¬8) تقدم عند قوله تعالى: {أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ} [البقرة: 13]. (¬9) في (م): (ترفع).

سَفِهَ على النفس، وهى معرفة، وكذلك قوله: {بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا} [القصص: 58] وهو في المعرفة كالنكرة؛ لأنه مفسِّر، والمفسِّر في أكثر الكلام نكرة، كقولك: ضِقْتُ به ذَرْعًا، المعنى: ضاق به ذرعي، فالفعل للذرع، فلما جعلتَ الضيق مسندًا إليك فقلت: ضقت، جاء الذرع مفسرًا؛ ليدل على أنَّ (¬1) الضيقَ فيه، كما تقول: هو أوسعُكم دارًا، أدخلتَ الدارَ لِيُعْلَمَ أنَّ السعةَ فيها لا في الرجل (¬2). ثم أجري على هذا قولهم: قد (¬3) وَجِعَ بطنَه، وأَلِمَ رأسَه، وغَبِنَ رأيَه، ورَشِدَ أمرَه، فعند الفرَّاءِ التقدير: سَفِهَتْ نفسُه، فَأُضيفَ الفعلُ إلى صاحب النفس، فخرجت النفس مُفسّرةً، وهذا مذهب الكوفيين. واعترض الزجاج على هذا بأن قال: معنى التمييز لا يحتمل التعريفَ؛ لأنَّ التمييزَ إنما هو واحدٌ يدل على جنس أو خَلَّة يخلص من خِلال، فإذا عَرَّفته صار مقصودًا قصده، وهذا لم يقُلْهُ أحدٌ ممن تقدَّمَ (¬4) من النحويين (¬5). ثم حكى أقوالًا، فحكى عن الأخفش (¬6)، عن أهل التأويل، إنهم قالوا: إن المعنى: سَفَّه نفسه. وقال يونس (¬7) (¬8): أُراها لغةً، ذهب إلى أن ¬

_ (¬1) في (م): (أن المعنى الضيق فيه). (¬2) "معاني القرآن" للفراء 1/ 79، ونقله في "تفسير الثعلبي" 1/ 199. (¬3) ساقطة من (ش)، (م). (¬4) في (م): (من المتقدمين). (¬5) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 79، وينظر: "التبيان" للعكبري 93. (¬6) "معاني القرآن" للأخفش 1/ 148. (¬7) نقله عنه الأخفش في "معاني القرآن" 1/ 148. (¬8) هو يونس بن حبيب الضبي بالولاء، البصري أبو عبد الرحمن، تقدمت ترجمته.

فَعِلَ للمبالغة كفَعُلَ، فذهب في هذا مذهب أهل التأويل، قال: ويجوز على هذا سفِهتُ زيدًا (¬1)، بمعنى: سَفّهتُ زيدًا. قال ابن الأنباري: لا يعرف (¬2) هذا؛ لأن العرب لا تقول: سَفِهَ زيدٌ عمرًا بمعنى: سَفَّه، وحكى الزجّاج أيضًا، عن أبي عبيدة، أنه قال: معناه: أهلك نفسه، وأوبق نفسه (¬3)، وهذا القول مثل ما حكى الأخفش عن أهل التأويل (¬4). وقال أبو بكر: على هذا القول أهلكت في معنى سفه معنًى، وليس بتفسير، وإذا كان كذلك لم يجز نصبُ النفس به، وإيقاعُه عليه؛ لأن سَفِهَ يخالف أهلَكَ في التعدِّي، وإن كان بمعنى خِفْتُ. وحكى الزجّاج أيضًا عن الأخفش نفسه (¬5): أن سَفِهَ نفسَه بمعنى سَفُه في نفسه، إلا أن (في) حذفت كما حُذفت حروف الجر في غير موضع، كقوله تعالى: {أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ} [البقرة: 233]، المعنى: أن تسترضعوا لأولادكم (¬6)، فحذف حرف الجر من غير ظرف؛ لأن المعنى: لأولادكم، ومثله {وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ} [البقرة: 235]، أي: عليها، ومثلُه قول الشاعر: نغالي اللحم للأضياف نِيئًا ... ونبذُلُه إذا نَضجَ القُدُورُ (¬7) ¬

_ (¬1) "معاني القرآن" للزجاج. (¬2) في (ش): (نعرف). (¬3) "مجاز القرآن" 1/ 56. (¬4) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 210. (¬5) ساقطة من (م). (¬6) ساقطة من (ش). (¬7) البيت لرجل من قيس، في "جمهرة اللغة" ص 1317، "أساس البلاغة" (غلو) =

المعنى: نغالي باللحم (¬1). قال: ومثله: قول العرب: ضُرِبَ زيدٌ الظَهَر والبَطنَ، المعنى (¬2): على الظهر والبطن. قال: وهذا عندي مذهَبٌ صالح، ثم اختار أن يكون معنى سفِه نفسَه: جَهِلَ نفسه، فالمعنى والله أعلم: إلا من جهل نفسه، أي: لم يفكر في نفسه، فوضع سَفِهَ موضع جَهِل، وعُدِّى كما عُدَي (¬3). وقد ارتضى هذا القول كثير من العلماء (¬4)، وبه قال ابن كيسان فقال في تفسير قوله: {إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ}: إلا من جهِل نفسه (¬5)؛ لأن من عبد حجرًا أو قمرًا أو شمسا أو صنمًا (¬6) فقد جهل نفسه؛ لأنه لم يعلم خالقها، ولم يعلم (¬7) ما يحق لله عليه. والعرب تضع سَفِهَ في موضع جَهِل، ومنه الحديث: "الكِبْرُ (¬8) ¬

_ = ص 171 وبلا نسبة في "لسان العرب" 6/ 3290. ونسب للحطيئة في "أمالي المرتضي". انظر: حاشية "معاني القرآن" للزجاج 1/ 210، "معاني القرآن" للفراء 2/ 382، "المعجم المفصل" 3/ 327. (¬1) "معاني القرآن" للأخفش 1/ 148 - 149، وينظر: "تهذيب اللغة" 2/ 1385. (¬2) في (ش): (والمعنى). (¬3) بتصرف من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 210، وعنده: فحذف حرف الجر في غير الظرف. (¬4) ينظر: "التبيان" 93، "البحر المحيط" 1/ 394. (¬5) الثعلبي 1/ 1200، والبغوي في "تفسيره" 1/ 152. والواحدي في "الوسيط" 1/ 214، وهو اختيار الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 211. (¬6) في (ش): (ضيًا). (¬7) في (م): (ولا يعلم). (¬8) في (أ) و (م): (الكبير).

أن تسفَهَ الحقَّ وتغمِصَ (¬1) الناسَ (¬2) " أي: تجهل الحق. ويؤيد هذا القولَ ما روي في الحديث (¬3): "مَنْ عرف نفسه فقد (¬4) عرف ربه" (¬5). قيل في معناه: إنما يقع الناس في البدع والضلالات لجهلهم أنفسهم، وظنّهم أنهم يملكون الضرّ والنفع دون الله. ¬

_ (¬1) أي: تحقر وتزدري، ينظر: "القاموس" ص 625. (¬2) رواه الطبراني في "الكبير" 2/ 69، عن ثابت بن قيس، قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 5/ 133، في طريق عبد الله بن عمرو: رواه الطبراني في "الكبير" و"الأوسط" وفيه عبد الحميد بن سليمان، وهو ضعيف، وقال: رواه أحمد والبزار ورجال أحمد ثقات. اهـ. ورواه أحمد 4/ 134 عن أبي ريحانة بلفظ: "إنما الكبر من سفه الحق وغمض الناس" ورواه مسلم (91) كتاب الإيمان، باب: تحريم الكبر وبيانه ولفظه: "الكبر بطر الحق وغمط الناس". (¬3) ذكره في "تفسير الثعلبي" 1/ 1200، وقال: كما جاء في الخبر فذكره، وينظر: "تفسير البغوي" 1/ 153. (¬4) ساقطة من (أ). (¬5) ذكره الثعلبي في "تفسيره"، وعنه البغوي 1/ 153، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 214 قال النووي: ليس بثابت، ينظر: "المقاصد الحسنة" ص 490 (1149)، وقال ابن تيمية: موضوع، ينظر: "المصنوع في معرفة الموضوع" ص 189 (349)، وقال السمعاني: إنه لا يعرف مرفوعًا، ينظر: "المقاصد" ص490، "الموضوعات" ص 351. وقال العجلوني في "كشف الخفاء" 2/ 262: وقال أبو المظفر ابن السمعاني في "القواطع": إنه لا يُعرف مرفوعًا وإنما يُحْكى عن يحيى بن معاذ الرازي، يعني من قوله. وقال ابن الفرس بعد أن نقل عن النووي أنه ليس بثابت، قال: لكن كُتبُ الصوفية مشحونة به، يسوقونه مساق الحديث، كالشيخ محيي بن عربي، وغيره. قال: وللحافظ السيوطي فيه تأليف سماه "القول الأشبه في الحديث: من عرف نفسه فقد عرف ربه" والكتاب ضمن الكتب الموجودة في "الحاوي للفتاوى" للسيوطي، وذكره أبو نعيم في "الحلية" 10/ 208، عن سهل التستري.

وحُكي عن أبي بكر الوراق (¬1) أنه قال في معنى هذا الحديث: من عرف نفسه مخلوقة مرزوقة بلا حول ولا قوة، عرف ربه خالقًا رازقًا بالحول والقوة (¬2)، وقد أوحى الله إلى داود: كيف عرفتني، وكيف عرفت نفسك؟ فقال: عرفتك بالقدرة والقوة والبقاء، وعرفتُ نفسي بالعجز والضعف والفناء، فقال: الآن عرفتني (¬3). فإذا كان من عرف نفسه عرف ربه، كان من جهل نفسه جهل ربه حتى يرغب (¬4) عن ملة إبراهيم. ثم بعد هذه الأقوال، قد حكي عن الخليل قول حَسَنٌ، وهو أنه قال: تجيء أفعال تتعدى إلى النفس خاصة، نحو: سَفِه نفسَه وصَبَر نفسَه، ولا يقال: سَفهتُ زيدا (¬5) ولا صبرتُه، قال عنترة (¬6): فصبرتُ عارفةً لذلك حُرّةً ... ترسُو إذا نفسُ الجبان تَطَلَّعُ (¬7) أراد: صبرتُ نفسًا عارفة. وبهذا قال الكسائي، فقال في قوله: {سَفِهَ نَفْسَهُ} و {بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا} [القصص: 58]، {أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ} [الأعراف: 150]، ووجع بطنَه، ورشِد أمرَهُ وخسِر نفسَه: هذه حروف تقولها العرب ¬

_ (¬1) الإمام المحدث أبو بكر محمد بن إسماعيل بن العباس البغدادي المستملي الوراق، تقدمت ترجمته [البقرة: 6]. (¬2) ذكره في "الوسيط" 1/ 214. (¬3) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 215، والبغوي 1/ 153. (¬4) في (م): (حتى يذهب يرغب). (¬5) في (م): (سفهت نفسه زيدًا). (¬6) هو عنترة بن عمرو بن شداد العبسي، من أشهر فرسان العرب وشجعانهم، من أصحاب المعلقات، يعد من الطبقة السادسة لفحول شعراء الجاهلية. ينظر: "الشعر والشعراء" ص 149، "الأعلام" 5/ 91. (¬7) البيت لعنترة، تقدم تخريجه [البقرة: 44].

كأنها فعل واقع في هذا المكان، ولا يقولون: وجعتُ عبدَ الله، ولا خسرتُ عبدَ الله (¬1). قال الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس في قوله: {إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ} قال: خسر نفسه (¬2). وقال بعضهم: سفِه حقَّ نفسه، أي: جهِلَ (¬3)، فجعله من باب حذف المضاف. وقوله تعالى: {وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا} معنى اصطفيناه: اخترناه للرسالة، وهو افتعلنا من الصفوة، قلبت التاءُ طاءً؛ لأنها أشبه بالصاد (¬4)، وتأويل: {اصْطَفَيْنَاهُ} أخذناه صافيًا من غير شائب (¬5). قال ابن عباس في معنى قوله: {وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا}: يريد: أنه ليس في الأرض خلق إلا وهو (¬6) يذكره بخير، وينتحل دينه (¬7)، وقيل: {وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا} بالنبوة، وقيل: بالخُلّة. وقوله تعالى: {وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ}، قال ابن عباس: يريدُ ¬

_ (¬1) تقدم شيء منه قبل قليل. (¬2) ذكره الثعلبي 1/ 1191، وذكره البغوي في "تفسيره" 1/ 152، والخازن 1/ 112، وأبو حيان في "البحر المحيط" 1/ 394. (¬3) ذكره الثعلبي 1/ 1200، عن المفضل بن سلمة عن بعضهم. وانظر: "البحر المحيط" 1/ 394. (¬4) ينظر: "الكتاب" لسيبويه 4/ 239 - 240، "تفسير الطبري" 1/ 559، "تفسير الثعلبي" 1/ 1195، "تفسير القرطبي" 2/ 122. (¬5) ينظر: "الوسيط" للواحدي 1/ 215. (¬6) في (م): (إلا ويذكره). (¬7) لعله من رواية عطاء.

131

من نوح وآدم (¬1)، وقال أبو صالح عنه: يريد مع آبائه الأنبياء في الجنة (¬2)، وقال الحسن (¬3): أي: من الذين يستوجبون على الله الكرامةَ وحسنَ الثواب، فلما كان خلوصُ الثواب في الآخرة دون الدنيا وصفه بما ينبئ عن ذلك. وقال الزجاج: يريد من الفائزين؛ لأن الصالح في الآخرة فائز (¬4). وقال الحسينُ بن الفضل (¬5): هذا على التقديم والتأخير، تقديره: ولقد اصطفيناه في الدنيا والآخرة وإنه لمن الصالحين قال: ومثل هذا: الآية التي في النحل: {وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ} [النحل: 122] (¬6). 131 - قوله تعالى: {إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ} قال الزجاج: معناه: اصطفيناه إذ قال له ربه {أَسْلِمْ}، أي: في ذلك الوقت (¬7). ولأهل التفسير في قوله: {أَسْلِمْ} طريقان: أحدهما: أنه أراد بقوله: {أَسْلِمْ} ابتداء الإسلام، فقد قال ابن ¬

_ (¬1) في "الوسيط" عزاه لعطاء، فلعله من رواية عطاء عن ابن عباس التي تقدم الحديث عنها في المقدمة، ولفظه: يريد: نوح وآدم. (¬2) ذكره الثعلبي 1/ 1201، والبغوي 1/ 153، وذكره أبو حيان في "البحر المحيط" 1/ 395. (¬3) ذكره في "الوسيط" 1/ 215، "البحر المحيط" 1/ 395. (¬4) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 211. (¬5) هو الحسين بن الفضل بن عمير البجلي، تقدمت ترجمته. (¬6) ذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" 1/ 201، والبغوي 1/ 153، والقرطبي 2/ 122، وأبو حيان 1/ 395 وقال: وهذا الذي ذهب إليه خطاء ينزه القرآن عنه. (¬7) "معاني القرآن" 1/ 211.

عباس: إنما قال له ذلك حين خرج من السَّرَب (¬1)، فنظر إلى الكوكب والقمر والشمس (¬2)، كما ذكره الله تعالى في سورة الأنعام (¬3). وقال أصحاب هذا القول: إن الأنبياء يجوز عليهم قبل الوحي من الشرك والكبائر ما جاز على غيرهم، وإنما عصموا من وقت البعثة وإنزال الوحي (¬4)، وهذا مذهب جماعة من أهل الأصول (¬5). وقال عدة من المفسرين: قوله: (أسلِمْ) معناه: دُمْ واثْبُتْ على الإسلام، كقوله تعالى لمحمد - صلى الله عليه وسلم -: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ} (¬6) ¬

_ (¬1) السَّرَب: حفير تحت الأرض، وقيل: بيت تحت الأرض. ينظر: "اللسان" 4/ 1980. (¬2) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1194، والواحدي في "الوسيط" 1/ 215، والبغوي في "تفسيره" 1/ 153، الخازن 1/ 111، والقرطبي في "تفسيره" 2/ 123، وهو من رواية الكلبي عنه ولفظه كما في "الوسيط" رفع إبراهيم الصخرة عن باب السَّرَب، ثم خرج منه فنظر إلى الكوكب والشمس والقمر. (¬3) في قوله تعالى: {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا} [الأنعام: 76]، وهذا اختيار الطبري في "تفسيره" 1/ 560. (¬4) قال شيخ الإسلام في "مجموع الفتاوى" 4/ 319: فإن القول بأن الأنبياء معصومون عن الكبائر دون الصغائر، هو قول أكثر علماء الإسلام، وجميع الطوائف، حتى إنه قول أكثر أهل الكلام، كما ذكر أبو الحسن الآمدي أن هذا قول أكثر الأشعرية، وهو أيضًا قول أكثر أهل التفسير والحديث والفقهاء، بل هو لم يَنْقُلْ عن السلف والأئمة والصحابة والتابعين وتابعيهم إلا ما يوافق هذا القول .. وإنما نُقِل ذلك القول في العصر المتقدم عن الرافضة ثم عن بعض المعتزلة، ثم وافقهم عليه طائفة من المتأخرين، وعامة ما ينقل عن جمهور العلماء أنهم غير معصومين عن الإقرار على الصغائر، ولا يُقَرُّون عليها، ولا يقولون: إنها لا تقع بحال. وأول من نُقِل عنهم من طوائف الأمة القول بالعصمة مطلقًا وأعظمهم قولًا لذلك: الرافضة .... (¬5) ينظر مناقشة ذلك عند أبي حيان في "البحر المحيط" 1/ 395. (¬6) ينظر: "تفسيرالثعلبي" 1/ 1201.

132

[محمد:19] وكقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا} [النساء: 136]، في أحد الوجهين (¬1). وعند أصحاب هذا القول، لا يجوز على الأنبياء في سابقة حالهم الشرك والكبائر، بل عصمهم الله سبحانه ودفع عنهم مالم يدفع عن غيرهم. فأما محمد - صلى الله عليه وسلم - فعامة أصحابنا: على أنه ما كفر بالله طرفةَ عينٍ، ولا كان مشركًا قطُّ. ثم قال بعضهم: كان قبل البَعْث على دين عيسى، ومنهم من قال: كان يعبد الله تعالى على دين إبراهيم. قال ابن كيسان: معنى (أسلم): أخلِصْ دينك لله بالتوحيد (¬2) فيكون أصل الإسلام على هذا القول: من السلامة، كأنه يخلص دينه فيسلم من الشرك، والشك، وقال عطاء: أسلِمْ نفسَك إلى الله وفوِّض أمورَك إليه (¬3). وقوله تعالى: {قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} قال ابن عباس: في رواية عطاء: يريد بقلبه ولسانه وجوارحه، فلم يعدل بالله شيئا، ورضي أن يُحرَق بالنار في رضى الله تعالى، ولم يستعن بأحد من الملائكة (¬4). 132 - قوله تعالى: {وَوَصَّى} يقال: وصَّى يُوَصّي توصية (¬5)، يكونُ المصدر منه على تفعلة، ولا يكون على تفعيل؛ لأنك لو جئت به على تفعيل ¬

_ (¬1) ينظر: "البحر المحيط" 1/ 396، "تفسير الفخر الرازي" 4/ 71. (¬2) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1195، والواحدي في "الوسيط" 1/ 215، والبغوي 1/ 153، والقرطبي 2/ 123، وهذا اختيار ابن كثير 1/ 198، وذكره أبو حيان في "البحر المحيط" 1/ 396. (¬3) ذكره عنه الثعلبي 1/ 1195، والواحدي في "الوسيط" 1/ 216، والبغوي في "تفسيره" 1/ 153 وأبو حيان في "البحر المحيط" 1/ 395. (¬4) ذكره الواحدي في "الوسيط" بنحوه، وذكره البغوي في "تفسيره" 1/ 153. (¬5) المادة المذكورة في "الحجة" لأبي علي الفارسي 2/ 227 - 228، "اللسان" 8/ 4853 - 4854 (وصى).

للزم في حيّيتُ ونحوه أن يكون على تفعيل، فيجتمع ثلاث ياءات. والوصاة: اسم من التوصية، يقوم مقام المصدر، يقال: وصَّاه وصاةً، كما يقال: كلَّمه كلامًا، قال الله تعالى: {وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا} [الأحزاب: 49]، قال الشاعر: ألا مَنْ مبلغٌ عَنِّي يزيدًا ... وَصاةً من أخي ثقةٍ وَدودِ (¬1) المصدر من هذا الباب ينقسمُ إلى: تفعيل وتفعلة وفِعَّال ومُفَعَّل، قال الله تعالى: {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النساء: 164] وقال: {تَبْصِرَةً وَذِكْرَى} [ق: 8]. وقال: {وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا} [عم: 28]. وقال: {وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ} [سبأ: 19]. وفيما جاء على فِعال وهو اسم ينوب عن المصدر كما ذكرنا، إلا أن العربَ تُؤْثِر التَّفْعِلة على التفعيل في ذوات الأربعة، يقولون: وصَّيْتُه توصيةً، وصفّيْتُه تصفيةً. قال الله تعالى: {وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ} [الواقعة: 94]. وقال: {فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً} [يس: 50]. والعلةُ فيه ما ذكرنا، واشتقاقُ التوصية من قول العرب: وصَى الشيء، إذا اتصل، قال أبو عُبيد (¬2): وَصَيْتُ الشيءَ ووَصَلْتُه سواء، قال ذو الرمة: وصى الليل بالأيامِ حتى صلاتُنا ... مُقاسمةٌ يشتَقُّ أنصافَها السَّفْرُ (¬3). وفلاة واصية: تتصلُ بفَلاةٍ أخرى، وقال ذو الرمة: ¬

_ (¬1) البيت بلا نسبة في "تهذيب اللغة" 4/ 3902، "لسان العرب" 8/ 4854 (وصى)، "المعجم المفصل" 2/ 256. (¬2) ذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" 4/ 3902 (وصى). (¬3) ينظر: "ديوانه" ص 590، "لسان العرب" 8/ 4854، "تهذيب اللغة" 4/ 3902، "ديوان الأدب" 3/ 257، "أساس البلاغة" (وصى)، "المعجم المفصل" 3/ 282، ورواية " التهذيب" (نَصِي) بدل (وصى).

بين الرَّجَا والرَّجَا من جنبِ واصيةٍ ... يَهْمَاءُ خابطُها بالخوفِ مَكْعُومُ (¬1) (¬2) الأصمعي: وَصَى الشيءُ يَصي، إذا اتصلَ، ووَصَاه غيرُه يَصِيه، إذا وَصَلَه، لازمٌ وواقع (¬3). ثعلب، عن ابن الأعرابي: الوصيُّ النباتُ الملتفُّ (¬4)، وقيل لعلي - رضي الله عنه -: (وصيٌّ) (¬5)، لاتصالِ نسبه وسببه (¬6) وسمته بنسب النبي - صلى الله عليه وسلم - وسببه وسمته، وسميت الوصيّةُ وصيةً؛ لاتصالها بأمر الميت، وقيل: لأنَّ الموصَى وصَلَها إلى الموصي إليه (¬7). وفي هذا الحرف قراءتان: وصَّى، وأوصى (¬8)، ولهما أمثلة من الكتاب. فمثال التشديد قوله: {فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً} [يس: 50]، وقوله: ¬

_ (¬1) ينظر: "ديوانه" ص407، "تهذيب اللغة" 4/ 3920، "لسان العرب" 3/ 1605، 7/ 3891، 8/ 4854، "المعجم المفصل" 7/ 218، ورواية "التهذيب"، و"اللسان" معكوم. (¬2) في (ش): (معكوم). (¬3) ذكره في "تهذيب اللغة" 4/ 3902 (وصى). (¬4) المصدر السابق. (¬5) لم أجد في النصوص ما يدل على وصف علي -رضي الله عنه- بالوصي سواء بالمفهوم الذي ذكره المؤلف أو بمفهوم الرافضة. وقد بين شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى 4/ 77 أن الرافضة خرج أولهم في زمن علي -رضي الله عنه- صاروا يدعون أنه خُص بأسرار من العلوم والوصية حتى كان يسأله عن ذلك خواص أصحابه فيخبرهم بانتفاء ذلك .. وقد خرج أصحاب الصحيح كلام علي هذا من غير وجه مثل ما في الصحيح عن أبي جحيفة، قال: سألت عليًا، هل عندكم شيء ليس في القرآن؟ فقال: لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، ماعندنا إلا ما في القرآن إلا فهمًا يعطيه الله لرجل في كتابه، وما في الصحيفة. قلت: وما في هذه الصحيفة؟ قال. العقل وفكاك الأسير. (¬6) ذكره في "تهذيب اللغة" 4/ 3902 (وصى). (¬7) ينظر: "تهذيب اللغة" 4/ 3902، "لسان العرب" 8/ 4854 (وصى). (¬8) قرأ نافع وابن عامر: (وأَوْصَى) بها وقرأ الباقون من السبعة: (وَوَصَّى). ينظر: "السبعة" ص 170، "الحجة" لأبي علي 2/ 227، "الحجة" لابن خالويه ص 89.

{وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ} [الأحقاف:15] ومثال الإفعال: قوله: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ} [النساء: 11] وقوله: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ} [النساء: 12] (¬1). قال الزجاج: ووَصَّى أبلغ من أَوْصَى؛ لأن أَوْصَى جائزٌ أن يكون قال لهم مرة واحدة، ووَصَّى لا يكون إلا لمرات كثيرة (¬2). وقوله تعالى: (بِهَا) اختلفوا في هذه الكناية، فقال بعضُهم: إنهَّا ترجع إلى الوصية؛ لأنه ذكر الفعلَ، والفعلُ يدُلُّ على المصدرِ وعلى الاسمِ منه، كقول الشاعر: إذا نُهِيَ السفيهُ جرى إليه (¬3) أي: إلى السَّفَهِ، فدل السفيهُ على السَّفَهِ. وهذا قولُ أبي عبيدة، قال: وإن شئت رددتها إلى الملة؛ لأنه قد ذكر ملة إبراهيم (¬4). وقال المفضَّلُ وجماعة: الكناية عائدة إلى غير مذكور، ثم اختلفوا إلى ماذا تعود؟ فقال المفضل: تعود إلى الطاعة (¬5)، كأنه قال: ووصّى بالطاعة. وقال الكلبي (¬6) ¬

_ (¬1) "تفسير الثعلبي" 1/ 1203. (¬2) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 211، وينظر: "البحر المحيط" 1/ 397. (¬3) تمام البيت: وخالف والسفيه إلى خلاف. لم ينسب البيت لقائل. أنشده الفراء في "معاني القرآن" 1/ 248، وثعلب في "مجالسه" 1/ 60، وذكره في "خزانة الأدب" 4/ 335، وفي "الخصائص" 3/ 49، وفي "همع الهوامع" 1/ 264. (¬4) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1203، ونقله البغوي في "تفسيره" 1/ 153، وينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 211. (¬5) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1203، وذكره ولم ينسبه أبو حيان في "البحر" 1/ 397، والسمين في "الدر المصون" 1/ 376. (¬6) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1203، والواحدي في "البسيط" 1/ 1204، والبغوي في "تفسيره" 1/ 153.

ومقاتل (¬1): يعني بكلمة الإخلاص: لا إله إلا الله. والكناية عن غير مذكور جائزة كثيرة، كقوله تعالى: {وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ} [القصص: 80] يعنى: الجنة لم يسبق لها ذكر، وقال: {حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ} [ص: 32] يعني: الشمس. وقال طرفة (¬2)؟ على مثلها أمضي إذا قال صاحبي ... ألا ليتني أَفْدِيكَ منها وأَفْتَدي (¬3) أي: من الفلاة، وقال بعضهم: رجعت الكناية إلى كلمةٍ سبقت، وهو قوله: {أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} (¬4). وقوله تعالى: {يَا بَنِيَّ} قيل: أراد أن يا بني، فحذف (أن) كأنه قال: وصَّاهم أن يا بني، وكذلك هو في قراءة أُبي وابن مسعود، بإثبات أن (¬5). قال الفراء: إنمَّا حذف (أن) لأن الوصية قول، وكل كلام رجع إلى القول جاز فيه دخول (أن) وجاز إلقاؤه (¬6)، كما قال: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ} [النساء: 11]، ولم يقل: أن للذكر، كأنّ معناه: قال الله: للذكر، فجرى الوصية على معنى القول. قال: وأنشدني الكسائي: ¬

_ (¬1) "تفسير مقاتل" 1/ 140، "تفسير الثعلبي" 1/ 1203، "تفسير البغوي" 1/ 153. (¬2) هو: طرفة بن العبد بن سفيان البكري، تقدمت ترجمته. (¬3) ينظر: "ديوانه" ص 29، "تفسير الثعلبي" 1/ 1204 "الإنصاف" لابن الأنباري ص 85، "الدرر اللوامع على همع الهوامع" 2/ 269، والهاء في قوله: (منها) تعود إلى مضمر، وهي الصحراء المهلكة، وهو الشاهد حيث عادت على غير مذكور. (¬4) كذا في "البحر المحيط" 1/ 398. (¬5) كذا في "معاني القرآن" للفراء 1/ 80، "تفسير الثعلبي" 1/ 1207، "شواذ القراءة" ص 32، "تفسير القرطبي" 2/ 125. (¬6) في (م): كأنها (الغاوه).

إني سأبدي لك فيما أبدي لي شَجَنان شجن بنجد وشَجَنٌ لي ببلاد السند (¬1) ولم يقل: أن لي؛ لأن الإبداء بلسانه في معنى القول، قال: ومثله قوله: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ} [المائدة: 9]، لأن العِدَةَ قولٌ، وإذا جعلت الوصية بمعنى القول لا يحسن أن يقال: أراد أن يا بني فحذف؛ لأنه لا يحتاج إلى إضمار أن مع القول (¬2). وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى} قال أبو إسحاق: إنما كسرت (إنّ) لأن معنى وصى وأوصى: قول، والمعنى: قال لهم: إن الله اصطفى (¬3). قال ابن عباس: إن إبراهيم قال لبنيه: لا تَعْدِلُوا بالله شيئًا، وإن نُشرتم بالمناشير وقُرضتم بالمقاريض وحُرقتم بالنار (¬4). وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى} يريد: دين الإسلام دين الحنيفية، والألف واللام فيه للعهد لا للجنس؛ لأنه لم يختر جميع الجنس من الدين، إنما اختار دين الإسلام على سائر الأديان (¬5). وقوله تعالى: {فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} قال الفراء في كتاب ¬

_ (¬1) الرجز ذكره الفراء، عن الكسائي في "معاني القرآن" 1/ 80، وهو بلا نسبة في "تفسير الطبري" 1/ 561، "تفسير الثعلبي" 1/ 1207، "المخصص" 12/ 223، "مقاييس اللغة" 3/ 249. (¬2) "معاني القرآن" للفراء 1/ 80 (¬3) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 211. (¬4) ذكره في "الوسيط" 1/ 216، "تفسير ابن عباس" ص 19. (¬5) "البحر المحيط" 1/ 399.

133

المصادر: مات يموت مَوتًا ومِيتةً ومَمَاتًا، والمَوتَةُ: المرَّةُ، ويقال: أرض مَواتٌ، وهو مصدر، ووَقَعَ في الناس مُواتٌ ومُوْتانٌ، ويقال: فلان يبيعُ الحيوان والموتانَ، إذا كان يبيع ما سوى الحيوان، ورجل مَوْتانُ النفس إذا لم يكن حيَّ القلب (¬1) (¬2). ووقع النهي في ظاهرِ الكلام على الموت، وإنما نهُوا في الحقيقة عن ترك الإسلام؛ لئلَّا يصادفهم الموت وهم (¬3) عليه، فإنه لابد منه، وتقديره: لا تتعرضوا للموت على ترك الإسلام بالشرك والكفر بالله (¬4)، وهذا كما تقول: لا أريَنَّكَ ههنا، فتوقع حرف النهي على الرؤية، وأنت لم تنه نفسك على الحقيقة، بل نهيتَ المخاطب (¬5)، كأنك قلت: لا تقربن هذا الموضع فمتى جئته لم أرك فيه، ومثله من الكلام: لا يصادفك الإمام على ما يكره، تقديره: لا تتعرض لأن يصادفك. قال الزجاج: وهذا من سعة الكلام، والمعنى في الآية: ألزموا الإسلام، فإذا أدرككم الموت صادفكم عليه (¬6). 133 - قوله تعالى: {أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ} الآية، ¬

_ (¬1) في نسخة (أ) زيادة ليست في النسخ لعلها حاشية من الكاتب وهي قوله: ومن العرب من يقولُ: مُتُّ، ومِتُّ، ويَمَات ويموتُ، والمَمَات من مصادر الموت أيضًا، والجارية تأخذها المُوْتَةُ كأنه سُكْرٌ وضرب من الجنون. ومؤتةُ، مهموزة، الأرض التي قتل بها جعفر بن أبي طالب، - رضي الله عنه -. (¬2) ينظر: "تهذيب اللغة" 4/ 3321، "لسان العرب" 7/ 4296 (مات). (¬3) زيادة من (م). (¬4) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 212، "البحر المحيط" 1/ 399. (¬5) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 212. (¬6) المصدر السابق.

نزلت في اليهود حين قالوا للنبي صلى الله وسلم: ألست تعلم أن يعقوب يوم مات أوصى بنيه باليهودية؟ فأنزل الله قوله: {أَمْ كُنْتُمْ} (¬1)، ومعناه: بل أكنتم، كأنه ترك الكلام الأول واستفهم، قاله أبو إسحاق (¬2). وقال أبو عبيدة: أم ههنا بمعنى: هل، واحتج بقول الأخطل: كذَبَتْكَ عَيْنُكَ أم رأيتَ بواسِطٍ (¬3) بمعنى: هل رأيت (¬4). ويجوز أن يتقدمه استفهام مضمر، كأنه قيل لليهود: أبلغكم ما تقولون وتنسبون إلى (¬5) يعقوب، أم كنتم شهداء حضرتم وصيته (¬6)؟ وقد شرحنا معنى (أم) عند قوله: {أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا} [البقرة: 108]. ¬

_ (¬1) ذكره مقاتل في "تفسيره" 1/ 140، والثعلبي 1/ 1210، والواحدي في "أسباب النزول" ص 44، وفي "الوسيط" 1/ 216، والبغوي 1/ 154 وابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 148، وابن حجر في "العجاب" 1/ 397، والمناوي في "الفتح السماوي" 1/ 183، ونقله عنه السيوطي، قوله: لم أقف عليه. (¬2) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 212، وينظر: "البحر المحيط" 1/ 400. (¬3) وعجز البيت: غَلَسَ الظلام من الرَّباب خيالا ينظر: "ديوان الأخطل" ص 385، "مجاز القرآن" 1/ 65، "الخزانة" 2/ 411، 4/ 452، "لسان العرب" 6/ 3281، 7/ 3841، "المعجم المفصل" 6/ 79. (¬4) "مجاز القرآن" 1/ 57. (¬5) في (ش): (عن). (¬6) قال ابن عطية في "المحرر الوجيز" 1/ 497 - 498: وقال لهم على جهة التقريع والتوبيخ: أشهدتم يعقوب وعلمتم بما أوصى فتدلون عن علم، أي: لم تشهدوا بل أنتم تفترون، وأم، تكون بمعى ألف الاستفهام في صدر الكلام لغة يمانية، وحكى الطبري أن أم يستفهم بها في وسط كلام قد تقدم صدره، وهذا منه.، وينظر: "البحر المحيط" 1/ 400 - 401.

وقوله تعا لى: {شُهَدَاءَ} أراد: حضورًا (¬1). وقوله تعالى: {إِذْ حَضَرَ} موضع إذ نصب؛ لأنه بمعنى وقت حضر، والحضور خلاف الغيبة، وحَضْرة الرجل: فناؤه (¬2) (¬3). وقوله: {إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ}: إذ هذه الثانية موضعها نصب، كموضع الأولى، وهو بدل مؤكد (¬4). وقوله تعالى: {وَإِلَهَ آبَائِكَ} الآباء: جمع أب، وفي الأب لغاتٌ، يقال: هذا أبُكَ، وهذا أباك، وهذا أبوكَ، فمن قال: أَبُكَ، قال في التثنية: أَبَان وأبُونَ وأَبِينَ، ومن قال: أباك وأبوك، فتثنيتهما أَبَوَان. أنشد أحمد بن يحيى (¬5): سوى أبِكَ الأدنى وأنَّ محمدًا ... علا كلَّ عالٍ يا ابنَ عمِّ محمدِ (¬6) وأنشد سيبويه (¬7): فلما تَبَيَّنَّ أصواتَنا ... بَكَيْنَ وَفَدَّيْنَنَا بالأبِينَا (¬8) ¬

_ (¬1) "تفسير الثعلبي" 1/ 1210. (¬2) في (ش): (حضر الرجل فتاه). (¬3) "تهذيب اللغة "1/ 848، "البحر المحيط" 1/ 397. (¬4) كذا قال الزجاج في: "معاني القرآن" 1/ 212. (¬5) في: "اللسان" 1/ 16 (أبى). (¬6) البيت بلا نسبة في "لسان العرب" 1/ 16 (أبى)، "المعجم المفصل" 2/ 436. (¬7) في: "الكتاب" 3/ 406، وهو في "اللسان" 1/ 15 (أبى). (¬8) البيت لزياد بن واصل السلمي، في "خزانة الأدب" 4/ 474 - 477، "شرح أبيات سيبويه" 2/ 284، وبلا نسبة في "الأشباه والنظائر" 4/ 286، "خزانة الأدب" 4/ 108، 468، "الخصائص" 1/ 356، "شرح المفصل" 3/ 37، "الكتاب" 3/ 406، "لسان العرب" 1/ 15 (أبى)، "المقتضب" 2/ 174، "البحر المحيط" 1/ 402، "المعجم المفصل" 8/ 75.

ويقال: ما كنت أبًا ولقد أَبَوْتَ أُبُوَّةً، وماله أبٌ يأبُوه. الليث: فلان يأبو تيمًا إباوة بكسر الألف، أي: يغذوه (¬1)، وتأبىّ فلان (¬2) فلانًا، أي: اتخذه أبًا، كما تقول: تبنَّى من الابن (¬3). وقال في تصغير الأب: أُبَيّ، وتصغير الآباء على وجهين: أجودهما: أُبيُّون، والآخر: أُبيَّاء؛ لأن كل جماعة كانت على أفعال فإنها تصغّر على حدها (¬4)، كما تقول في تصغير الأجمال: أجيمال. وقوله تعالى: {وَإِسْمَاعِيلَ} أدخله في جملة الأباء، وهو كان عمَّ يعقوب؛ لأن العرب تُسَمِّي العمَّ أبًا (¬5)، وقد روي أنه لما كان يوم فتح مكة قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للعباس (¬6): "امض إلى قومك، أهل مكة، فادعهم إلى الله قبل القتال"، فركب العباس بغلة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الشهباء، فانطلق، فلما مضى فأبعد، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "رُدُّوا عليَّ أبي، ردوا عليَّ أبي، لا تقتلْه ¬

_ (¬1) نقله عنه في "تهذيب اللغة" 1/ 103، "اللسان" 1/ 16 (أبي). (¬2) في (أ) (م): (تأبى فلانًا). (¬3) في "اللسان" 1/ 17 (أبي). "تهذيب اللغة" 1/ 396. (¬4) في (ش): (أحدها). (¬5) يروى عن أبي العالية، كما أخرج ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 24، وينظر: "مجاز القرآن"، "معاني القرآن" للفراء، "تفسير الطبري" 1/ 563، "تفسير الثعلبي". (¬6) العباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف الهاشمي القرشي أبو الفضل، عم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكان إليه في الجاهلية السقاية والعمارة، هاجر قبل الفتح، وثبت يوم حنين، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "من آذى العباس فقد آذاني، فإنما عم الرجل صنو أبيه"، ولد قبل النبي - صلى الله عليه وسلم - بسنتين، وتوفي بالمدينة سنة 32. ينظر: "فضائل الصحابة" للإمام أحمد 2/ 1159، "الاستيعاب" 2/ 358.

قريش كما قتلت ثقيفٌ عُروةَ بن مسعود (¬1) "، فلما رجع قال: يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دَعْني أمضِي لأمرك، فقال: "يا عم، أما علمتَ أنَّ عمَّ الرجل صِنْوُ أبيه (¬2) "، وقال أيضًا يعني العباس: "هذا بقيةُ آبائي (¬3) ". وفي بعض القراءات: "وإله أبيك إبراهيم" (¬4) وله وجهان: ¬

_ (¬1) هو عروة بن مسعود بن معتب الثقفي، صحابي مشهور، كان كبيرًا في قومه بالطائف، استأذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في دعوته قومه فخافهم عليه أن يقتلوه فرجع ودعاهم فقتلوه سنة 9 هـ. ينظر: "أسد الغابة" 4/ 31 - 32، "الاستيعاب" 3/ 176. (¬2) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" 14/ 484 عن عكرمة مرفوعًا، وينظر أيضًا: "كنز العمال" 14/ 584 (39654). (¬3) أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" 11/ 80 عن ابن عباس مرفوعًا ولفظه: "استوصوا بعمي العباس خيرًا فإنه بقية آبائي، وإنما عم الرجل صنو أبيه" قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 9/ 269: رواه الطبراني، وفيه عبد الله بن خراش، وهو ضعيف، ووثقه ابن حبان، وقال: ربما أخطاه، وبقية رجاله وُثَّقُوا، ورواه الطبراني في "الصغير" 1/ 344 من حديث الحسن بن علي مرفوعًا بلفظ "احفظوا في العباس فإنه بقية آبائي" قال الهيثمي: فيه جماعة لم أعرفهم وضعفه الألباني كما في "ضعيف الجامع الصغير" برقم 213، وأخرجه الخطيب في "تاريخ بغداد" 10/ 68 من حديث عبد المطلب بن ربيعة، وقد ضعفه الألباني كما في "السلسلة الضعيفة" 4/ 415، وروي عم مجاهد مرسلًا كما عند ابن أبي شيبة في "المصنف" 12/ 109 وعبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 331. (¬4) كذا قرأ ابن عباس والحسن وابن يعمر والجحدري وأبو رجاء، كما في "مختصر شواذ القرآن" لابن خالويه ص 9، "شواذ القراءة" للكرماني ص 32، "تفسير الثعلبي" 1/ 1211، "البحر المحيط" 1/ 402، وقال الطبري في "تفسيره" 1/ 563: وقرأ بعض المتقدمين (وإله أبيك إبراهيم) ظنا منه أن إسماعيل إذ كان عمًّا ليعقوب، فلا يجوز أن يكون فيمن ترجم به عن الآباء وداخلا في عدادهم، وذلك من قارئه كذلك قلة علم منه بمجاري كلام العرب، والعرب لا تمنع من أن =

أحدهما: أنه جمع الأب على أَبِينَ كما ذكرنا. والثاني: أنه كره أن يجعل إسماعيل من جملة الآباء فوحَّد الأب، ويكونُ التقدير: إلهَ أبيك إبراهيمَ وإله إسماعيل وإسحاق، كما تقول: رأيتُ غلامَ زيد وعمرو أي: غلامهما (¬1)، قال عطاء عن ابن عباس: إن الله لم يقبض نبيًّا حتى يخيره بين الموت والحياة، فلما خيرَّ يعقوب قال: أنظِرْني حتى أسألَ ولدى وأوصيَهم، فجمع ولده، وهم اثنا عشر رجلًا، وهم الأسباطُ، وجميع أولادهم، فقال لهم: قد حَضَرَتْ وفاتي، وأنا أريدُ أن أسألكم وأوصيكم: ما تعبدون من بعدي قالوا: نعبد إلهك كما في الآية (¬2). وقوله تعالى: {إِلَهًا وَاحِدًا} ينتصب على وجهين: إن شئت على الحال، كأنهم قالوا: نعبد إلهَكَ في حال وحدانية، وإن شئت على البدلِ، وتكون الفائدة في هذا البدل: ذكر التوحيد، فيكون المعنى: نعبد إلهًا واحدًا (¬3). ¬

_ = تجعل الأعمام بمعنى الآباء، والأخوال بمعنى الأمهات، فلذلك دخل إسماعيل فيمن ترجم به عن الآباء، وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ترجمة عن الآباء في موضع جر، ولكنهم نصبوا بأنهم لا يجرون. (¬1) ينظر: "البحر المحيط" 1/ 402 - 403، "تفسير القرطبي" 2/ 127. (¬2) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 3/ 1210، والبغوي في "تفسيره" 1/ 154، والحافظ في "العجاب" 1/ 380 من قول عطاء، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 1210 والرازي في "التفسير الكبير" 4/ 76، عن ابن عباس وذكره دون نسبة "الخازن" 1/ 114، وأبو حيان في "البحر المحيط" 1/ 402. (¬3) من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 212، وذكره الأخفش في "معانيه" 1/ 150 على وجه الحال فقط.

134

134 - قوله تعالى: {تِلْكَ أُمَّةٌ} قال الأخفش: التاء في تلك: اسم المؤنث، واللام عمادٌ للتاء، والكاف خطاب، وهذا كما ذكرنا في ذلك قال: وكُسرت التاء من (¬1) تلك علامةً للتأنيث (¬2). وقوله تعالى: {قَدْ خَلَتْ} أي: مضت (¬3)، وخَلَتْ إذا استعمل في المكان فالمراد به خلوه عن السكان، وإذا استعمل في الزمان فالمراد به المضي (¬4) كقوله عز وجل: {الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ} [الحاقة: 24]. وقول لبيد: حِجَجٌ خلون حلالُها وحرامُها (¬5) والمراد بقوله: (تلك أمة) إبراهيم وبنوه ويعقوب وبنوه الذين تقدم ذكرهم، (لها ما كسبت) من العمل، ثم قال لليهود: {وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ} أي: حسابهم عليهم، وإنما تسألون عن أعمالكم (¬6). 135 - قوله تعالى: {وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى} المعنى: قالت اليهود: كونوا هودًا، وقالت النصارى: كونوا نصارى (¬7). ¬

_ (¬1) في (ش): (في). (¬2) ينظر: "شرح التصريح على التوضيح" للشيخ خالد الأزهري 1/ 128. (¬3) كذا قال الأخفش في "معاني القرآن" 1/ 150، "تفسير الثعلبي" 1/ 1212. (¬4) "تهذيب اللغة" 1/ 1074 (خلا). (¬5) مطلع البيت: دمن تجرم بعد عهد أنيسها وهو من الكامل، للبيد بن ربيعة من معلقته، ينظر: "ديوانه" ص 163. (¬6) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 312، "تفسير الثعلبي" 1/ 1212، "تفسير ابن كثير" 1/ 199. (¬7) ذكره الزجاج في "معاني القرآن".

قال ابن عباس: نزلت في: يهود المدينة، ونصارى نجران، قال كل واحد من الفريقين للمؤمنين: كونوا على ديننا فلا دين إلا ذلك (¬1). وقوله تعالى: {بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ} بنصب (¬2) {مِلَّةَ} بفعل مضمر، كأنه قال: قولوا بل نتبع ملة إبراهيم (¬3). وقال بعض النحويين: هو عطف على المعنى؛ لأن قوله: {كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى} معناه: اتبعوا اليهودية والنصرانية، فقال الله: {مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ} أي: بل اتبعوا ملته (¬4). قال أبو اسحاق: ويجوز أن تنصب على معنى: بل نكون أهلَ ملةِ إبراهيم، ويحذف الأهل كقوله: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} (¬5) [يوسف: 82]، وإلى هذا القول أشار الفراء والكسائي. ¬

_ (¬1) ذكره الثعلبي، والواحدي في "أسباب النزول" ص 41، والبغوي 1/ 155، وابن حجر في "العجاب" 1/ 381، عن ابن عباس وأخرج الطبري 1/ 564، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 241، عن ابن عباس، قال: قال عبد الله بن صوريا الأعور لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ما الهدى إلا ما نحن عليه، فاتبعنا يا محمد تهتد، وقالت النصارى مثل ذلك، فأنزل الله عز وجل فيهم: {وَقَالُوا كُونُوا هُودًا}، وذكره السيوطي في "لباب النقول" ص 26 وعزاه في "الدر" 1/ 257، لابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، وحسن إسناده الأستاذ عصام الحميدان في تحقيقه لـ"أسباب النزول" للواحدي ص 44. (¬2) في (أ)، (م): (تنصب). (¬3) ينظر: "معاني القرآن" للفراء، "معاني القرآن" للزجاج، وقال بعده: ويجوز الرفع (بل ملةُ إبراهيم حنيفا) والأجود والأكثر النصب، ومجاز الرفع على معنى: قل: ملتنا وديننا ملة إبراهيم. (¬4) كذا في "معاني القرآن" للزجاج. (¬5) "معاني القرآن" للزجاج، وذكره بنحوه أبو حيان في "البحر المحيط" 1/ 406.

قال الفراء: إن نصبتها بـ (نكون) كان صوابًا (¬1)، وقال الكسائي: بل يكون ملة إبراهيم. وقول الزجاج بيان لقولهما. قال أهل المعاني: وفي هذا احتجاج عليهم؛ إذ في اليهودية تناقُضٌ، وكذلك النصرانية، والتناقضُ لا يكون من عند الله، وملةُ إبراهيم سليمةٌ من التناقض، فهو أحقُّ بالاتباع (¬2). فمِمَّا في اليهودية من التناقض (¬3): امتناعُهم من جواز النسخ، مع ما في التوراة مما يدل على ذلك، وإمتناعُهُمْ من العمل بما تقدمت به البشارة في التوراة من اتباع النبي الأمي، مع إظهارهِم التمسك بها، وامتناعهم من الإذعان لما دلّت عليه المعجزة من نبوة محمد وعيسى عليهما السلام، مع إقرارهم بنبوة موسى من أجل المعجزة، إلى غير هذا مما هم عليه من التناقض، وأما النصارى فقولهم بثلاثة، ثم يقولون: إنه إله واحد (¬4). وقوله تعالى: {حَنِيفًا}. انتصب على الحال؛ لأن المعنى: نتبعُ ملةَ ابراهيم في حال حنيفيته، وعند الكوفيين ينتصب على القطع، كأنه ملة ¬

_ (¬1) "معاني القرآن"، وعبارته (نكون). وفي الحاشية قال: وفي نسخ الفراء: بيكون، ولعل المراد إن صحت: يكون ما نختاره، وفي "البحر" 1/ 405 ذكر من أعاريبه على النصب: أنه خبر كان أي: بل تكون ملة إبراهيم، أي: أهل ملة إبراهيم ... وإما أنه منصوب على الإغراء، أي: الزموا ملة إبراهيم، قاله أبو عبيد، وإما على أنه منصوب على إِسقاط الخافض، أي: نهتدي ملة: أي بملة. (¬2) ينظر: "تفسير الفخر الرازي" 4/ 80. (¬3) ساقط من (م) و (أ). (¬4) ينظر: "تفسير الفخر الرازي" 4/ 80.

إبراهيم الحنيف، فقطع عنه الألف واللام (¬1). وأمَّا معنى الحنيف: فقال ابنُ دُريد: الحنيف: العادل عن دين إلى دين، وبه سمي الإسلام: الحنيفية؛ لأنها مالت عن اليهودية والنصرانية (¬2). قال أبو حاتم: قلت للأصمعي: من أين عُرِفَ في الجاهلية الحنيف؟ قال: لأن من عدل عن دين اليهود والنصارى فهو حنيف عندهم، وكان كل من حجَّ البيت سُمِّيَ حنيفًا، وكانوا في الجاهلية إذا أرادوا الحجَّ قالوا: هلموا نتَحَنَّفْ (¬3) (¬4). فالحنيف: المسلم؛ لأنه مال عن دين اليهود والنصارى إلى دين الإسلام، ومنه قيل للميل في القَدَم: حَنَفٌ. قال ذو الرمَة: إذا حَوَّل الظلُّ العشِيَّ رأيتَه ... حنيفًا وفي قَرنِ (¬5) الضحَى يَتَنَصَّر (¬6) (¬7) وقال الأخفش: الحنيف: المسلم، وكان في الجاهلية يقال لمن اختتن وحج البيت: حنيف؛ لأن العرب لم تتمسك في الجاهلية بشيء من ¬

_ (¬1) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 214، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 218، "تفسير الثعلبي" 1/ 1214، "البيان" لابن الأنباري 1/ 125، "التبيان" 1/ 95، 96. (¬2) ذكره في "الوسيط" 1/ 218. (¬3) في (م): (نحنف). (¬4) ذكره في "الوسيط" 1/ 218. (¬5) في (م): (قرب). (¬6) البيت في "ديوانه" ص 632، "لسان العرب" 2/ 1060، "المعجم المفصل" 3/ 265. (¬7) في (م): (تنتصر).

دين إبراهيم غير الختان، وحج البيت، فلما جاء الإسلام عادت الحنيفية، فالحنيف: المسلم (¬1). وروى ابن نجدة (¬2)، عن أبي زيد (¬3)، أنه قال: الحنيفُ: المستقيم، وأنشد (¬4): تعلم أَنْ سَيَهْدِيْكُم إلينا ... طريقٌ لا يَجُور بكم حَنِيفُ (¬5) فقيل: لكل من سَلَّم لأمر الله ولم يَلْتَوِ: حنيف (¬6)، وهذا القول اختيار ابن قتيبة (¬7)، والرياشي (¬8)، قالا: الحنيفية: الاستقامة على دين إبراهيم، وإنما قيل للذي تقبل إحدى قدميه على الأخرى: أحنف، تفاؤلًا بالسلامة، كما قيل للمفازة (¬9): مهلكة (¬10). ¬

_ (¬1) نقله عنه في "تهذيب اللغة" 1/ 942، "لسان العرب" 2/ 1025. (¬2) هو محمد بن الحسين بن محمد الطبري النحوي، يعرف بابن نجدة، قال ياقوت: مشهور في أهل الأدب، وله خط مرغوب فيه، قرأ على الفضل بن الحباب الجمحي. ينظر: "بغية الوعاة" 1/ 94، "معجم الأدباء" 18/ 186. (¬3) "لسان العرب" 2/ 1026 (حنف). (¬4) نقله عنه في "تهذيب اللغة" 1/ 942 (حنف). (¬5) البيت بلا نسبة في "تهذيب اللغة" 1/ 942، "لسان العرب" 2/ 1026 (حنف)، "المعجم المفصل" 3/ 265. (¬6) "تهذيب اللغة" 1/ 942 (حنف). (¬7) "غريب القرآن" ص 64 بنحوه، وكذا قال الطبري 1/ 564 - 565. (¬8) هو العباس بن الفرج، أبو الفضل الرياشي، اللغوي النحوي، قرأ على المازني النحو، وقرأ عليه المازني اللغة، ووثقه الخطيب، صنف كتاب الخيل وكتاب الإبل، وغير ذلك، قتله الفرنج سنة 257 هـ. ينظر: "بغية الوعاة" 2/ 27، "الأعلام" 3/ 264. (¬9) في (ش): "للمقارفة". (¬10) لعل صحة العبارة كما قيل للمهلكة: مفازة، أو: كما قيل: مفازة للمهلكة، وينظر: "تفسير الطبري" 1/ 564.

فأما التفسير: فروي عن ابن عباس أنه قال: الحنيف: المائل عن الأديان كلها إلى دين الإسلام (¬1). وقال مجاهد: الحنيفية اتباع الحق (¬2)، وروي عنه أيضًا: الحنيفية: اتباع إبراهيم فيما أتى به من الشريعة التي صار بها إمامًا للناس بعده، من الحج، والختان، وغير ذلك من شرائعه (¬3). وقال الحسن: الحنيفية: حج البيت (¬4)، وهو معنى قول ابن عباس (¬5)، وعطية (¬6) (¬7). وقيل: الحنيفية: إخلاص الدين لله وحده (¬8)، وهذه الأقوال غير خارجة عما ذكره أهل اللغة؛ لأنها تعود إلى الاستقامة أو الميل إلى ما أتى به إبراهيم عليه السلام من الشريعة (¬9). ¬

_ (¬1) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1214، والواحدي في "الوسيط" 1/ 218، و"البغوي" 1/ 155، و"الخازن" 1/ 115، و"البحر المحيط" 1/ 406. (¬2) بنحوه أخرج الطبري في "تفسيره" 1/ 565 - 566، وابن أبي حاتم 1/ 41 قال: وروي عن الربيع بن أنس نحو ذلك. (¬3) عنه الواحدي في "الوسيط" 1/ 218، والبغوي في "تفسيره" 1/ 155. (¬4) أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 95، ومن طريقه أخرجه الطبري 1/ 565، وأخرجه من طريق أخرى 1/ 565، وذكره ابن أبي حاتم 1/ 242، والثعلبي 1/ 1214. (¬5) أخرجه عنه الطبري 1/ 565، وابن أبي حاتم 1/ 241، قال: وروي عن الحسن والضحاك وعطية والسدي نحو ذلك. (¬6) أخرجه الطبري في "تفسيره" 3/ 106، وذكره ابن أبي حاتم 1/ 241. (¬7) تقدمت ترجمته. (¬8) ذكر عن السدي كما أخرج الطبري في "تفسيره" 1/ 566، وعن خصيف عند ابن أبي حاتم 1/ 242، وذكره مقاتل في "تفسيره" 1/ 141. (¬9) رجح الطبري في "تفسيره" 1/ 566 أن الحنف والحنيف: الاستقامة على دين =

136

136 - قوله تعالى: {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ} إلى قوله: {وَالْأَسْبَاطِ} قال الزجاج: الأسباط: ولد إسحاق، ومعنى القبيلة في ولد إسماعيل: معنى الجماعة، يقال لكل جماعة من واحد: قبيلة، ويقال لكل جمع على شيء واحد: قبيل، قال الله عز وجل: {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ} (¬1) [الأعراف: 27]. فأما الأسباط: فهو مشتق من السبط، وهو ضرب من الشجر، يعلفه الإبل. كأنه جعل إسحاق بمنزلة شجرة، وكذلك يفعل النسابون في النسب، يجعلون الوالد بمنزلة الشجرة، ويجعلون الأولاد بمنزلة أغصانها (¬2). وقال أبو العباس: سألت ابن الأعرابي، ما معنى السبط في كلام العرب؟ فقال: خاصة الأولاد (¬3) والمُصَاصُ منهم (¬4)، وكان في الأسباط أنبياء؛ لذلك قال: {وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ}. وقوله: {لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ} أي: لا نكفر ببعض ونؤمن ببعض، ¬

_ = إبراهيم، واتباعه على ملته، وبين أنه لو كان المراد الحج، أو الاختتان؛ لوجب أن يكون المشركون حنفاء، وقد نفى الله عنهم ذلك. (¬1) عبارة الزجاج التي نقلها الأزهري في "تهذيب اللغة" 2/ 1615 (سبط): والصحيح أن الأسباط في ولد إسحاق عليه السلام، بمنزلة القبائل في ولد إسماعيل، فولدُ كل ولد من أولاد يعقوب سبط، وولدُ كل ولد من أولاد إسماعيل قبيلة، وإنما سموا هؤلاء بالأسباط، وهؤلاء بالقبائل ليُفْصَل بين ولد إسماعيل وولد إسحاق عليهما السلام. (¬2) نقله بتصرف من "تهذيب اللغة" عن الزجاج 2/ 1615 (سبط)، وقد ذكر في "معاني القرآن" شيئا يسيرا من هذا 1/ 217، وينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1215، وقال: والأسباط من بني إسرائيل كالقبائل من العرب والشعوب من العجم. (¬3) ساقط من (أ)، (م). (¬4) كما في "تهذيب اللغة" 2/ 1616 (سبط)، وعبارته: فقال: السِّبط والسِّبطان والأسباط: خاصة الأولاد، أو المُصاص منهم.

137

كما فعلت اليهود والنصارى (¬1)، وإنما جاز {بَيْنَ أَحَدٍ}، و (بين): تقتضي اثنين؛ لأنَّ أحدًا منهم يقع على الاثنين والجمع، يقال: ما عندي أحدٌ يتكلمون، فجاز دخول (بين) عليه، كما تقول: لا نفرق بين قوم منهم، وبين جمع منهم. ولهذه العلة جمع نعته في قوله تعالى: {فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ} [الحاقة: 47] (¬2). 137 - قوله تعالى: {فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} قال الزجاج: تأويل هذا: إن أتوا بتصديقٍ مثل تصديقكم (¬3)، فيُحْمَلُ على تشبيهٍ بالإيمان، لا على التشبيه في الشيء الذي آمنوا به، كأنه قال: إن آمنوا وكان إيمانهم كإيمانكم، ووحدوا كتوحيدكم، وهذا قول ابن الأنباري، وزاد بيانًا فقال: المعنى: فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به، أي: فإن آمنوا مثل إيمانكم، فتزاد الباء للتوكيد، كما زيدت في قوله: {وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ} [مريم: 25]. وقال أبو معاذ النحوي (¬4): أراد: إن آمنوا هم (¬5) بكتابكم كما آمنتم أنتم بكتابهم (¬6). فالمثل هاهنا: الكتاب، والمسلمون يؤمنون بالتوراة، ¬

_ (¬1) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 215، "تفسير الثعلبي" 1/ 1214. (¬2) ينظر: "البحر المحيط" 1/ 409. (¬3) "معاني القرآن" 1/ 217. (¬4) هو أبو معاذ النحوي المروزي، المقرئ اللغوي، تقدمت ترجمته في المقدمة. (¬5) ليست في (م). (¬6) نقله البغوي في "تفسيره" 1/ 156.

وقيل: المثل ههنا صلة، والمعنى: فإن آمنوا بما آمنتم به (¬1)، والمثل قد يذكر ولا يراد به الشَبْهُ والنظير، كقوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11]، قيل: ليس كهو شيء (¬2). وقوله تعالى: {فَقَدِ اهْتَدَوْا} أي: فقد صاروا مسلمين (¬3). {وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ} أي: خلاف وعداوة (¬4)، وتأويله: أنهم صاروا في شِقّ غير شَقّ المسلمين (¬5)، والعداوة تسمى شقاقًا؛ لأنّ كلّ واحد من المعادين يأتي بما يشقّ على صاحبه، أو لأنّ كل واحد صار في شقّ غير شق صاحبه للعداوة والمباينة (¬6). وقوله تعالى: {فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ} قال المفسرون: كفاه الله أمر اليهود بالقتل والسبي في قريظة، والجلاء والنفي في بني النضير، والجزية والذلة (¬7) في نصارى نجران (¬8). ¬

_ (¬1) "تفسير الثعلبي" 1/ 1224، والبغوي في "تفسيره" 1/ 156، وقد ورد عن ابن عباس أنه كان يقرأ الآية: فإن آمنوا بالذي آمنتم به، كما ذكره الطبري في "تفسيره" 1/ 569، وبين الطبري أن مراد ابن عباس: فإن صدقوا مثل تصديقكم بما صدقتم به، فالتشبيه وقع بين التصديقين، الإقرارين اللذين هما: إيمان هؤلاء، وإيمان هؤلاء. (¬2) ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1218، "البحر المحيط" 1/ 410. (¬3) كذا قال الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 214، والثعلبي 1/ 1217. (¬4) ذكره الثعلبي 1/ 1218، عن ابن عباس وعطاء والأخفش. (¬5) في (م): (الإسلام). (¬6) بنحوه عند الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 214، "تفسير الثعلبي" 1/ 1218، "تفسير السمرقندي" 1/ 162، والرازي 4/ 93. (¬7) في (ش): (والذلة والجزية). (¬8) "تفسير الثعلبي" 3/ 1220و 1/ 157، "تفسير القرطبي" 2/ 131، "البحر المحيط" 1/ 410.

138

وقال عطاء عن ابن عباس في قوله: {فِى شِقَاقٍ} يريد في خلاف لدينهم ولدينكم (¬1)؛ لأنهم أمروا في التوراة بالإيمان بمحمد - صلى الله عليه وسلم -. وقال الحسن: علموا أولادَكم وأهاليكم وخدمَكم أسماء الأنبياء، الذين ذكرهم الله في كتابه، حتى يؤمنوا بهم، ويصدقوا بما جاءوا به. هذا قوله (¬2). وقالت العلماء: لا يكون الرجل مؤمنًا حتى يؤمن بسائر الأنبياء السابقين، وجميع الكتب التي أنزلها الله على الرسل، فيجب على الإنسان أن يُعَلِّمَ صِبيانَه ونساءهَ أسماءَ الأنبياء ويأمرهم بالإيمان بجميعهم؛ إذ لا يبعد أن يظُنَّوا أنهم كُلِّفوا الإيمان بمحمد - صلى الله عليه وسلم - فقط فيلقَّنوا قوله تعالى: {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ} الآية. 138 - قوله تعالى {صِبغَةَ الله} الصِّبْغ: ما يُلَوَّنُ به الثياب، والصَّبْغُ المصدر، وأصله: المزجُ للتلوين، وما يُصْطبَغُ به من الأطعمة يسمى: صِبْغا وصِبَاغًا؛ لأنه مزج شيء بشيء، ولون بلون (¬3). قال الحسن (¬4) وقتادة (¬5) وأبو العالية (¬6) ومجاهد (¬7) والسُّدّي (¬8) وعطية (¬9) وابن زيد (¬10): دين الله. فعلى هذا القول، إنما سمي الدينُ ¬

_ (¬1) بنحوه مختصرًا عند الثعلبي في "تفسيره" 3/ 1218، والبغوي 1/ 156. (¬2) ذكره في "الوسيط" عنه، وبنحوه عن الضحاك، كما في "الدر المنثور" 1/ 258. (¬3) ينظر: "تهذيب اللغة" 2/ 1975 - 1976 "صبغ"، "البحر المحيط" 1/ 411. (¬4) ذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 245. (¬5) أخرجه الطبري في "تفسيره" 1/ 571، وذكره ابن أبي حاتم 1/ 245. (¬6) المراجع السابقة. (¬7) المراجع السابقة. (¬8) المراجع السابقة. (¬9) المراجع السابقة. (¬10) المراجع السابقة.

صبغةً؛ لأن المتدين يَلْزَمُه ولا يُفَارقُه، كما يلزم الصبغُ الثوبَ. والعرب تقول: فلانٌ يَصْبغ فلانًا في الشرّ، إذا أدخله فيه، وألزمه إياه، كما يلزم الثوب الصبغ، خاطبهم الله في كتابه بمثل ما يعرفون في لغتهم، أنشد ثعلب: دعِ الشَّرَّ وَانْزِلْ بِالنَّجَاةِ تَحَرُّزًا ... إذا أنت لم يَصْبِغْكَ في الشَّرِّ صَابغُ (¬1) قال اللحياني: تَصَبَّغَ فلان في الدين تَصَبُّغُا، وصِبْغَةً حسنة (¬2). وقال أبو عمرو: كل ما يتقرب به إلى الله عز وجل فهو الصِّبْغَةُ (¬3). وقال ابن عباس: إن النصارى كانوا إذا ولد لأحدهم ولد، فأتى على سبعة أيام غمسوه في ماء لهم، يقال له: المعمودي، وصبغوه به ليطهروه بذلك مكان الختان (¬4)، ويقولون: هو تطهير له وتنظيف، فجعل الله الختان للمسلمين تنظيفًا وتطهيرًا، وأمر به معارضةً للنصارى. فعلى هذا القول جرت الصبغة على الختانة؛ لصبغهم غلمانهم في الماء. ¬

_ (¬1) البيت بلا نسبة في: "أساس البلاغة"، (دبغ)، (صبغ)، "المعجم المفصل" 3/ 267. (¬2) ذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" 2/ 1976، وابن منظور في "اللسان" 4/ 2396 (صبغ). (¬3) ذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" 2/ 1976، وعنه ابن منظور في "اللسان" 4/ 2396. (¬4) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1223، وعنه البغوي في "تفسيره" 1/ 157، والواحدي في "أسباب النزول" ص 44، 45، وابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 151، "تفسير القرطبي" 2/ 132، و"الخازن" 1/ 116، وأبو حيان في "البحر المحيط" 1/ 411، وابن حجر في "العجاب" 1/ 382.

قال الأزهري: يقال: صَبَغَتِ الناقَةُ مَشَاَفِرَها في الماء: إذا غمستها، وصبغ يده في الماء (¬1)، قال: قد صبغت مشافرًا كالأشبارْ (¬2) فسمي الختانُ صبغةً من حيثُ كان بدل ما فعلوه من صبغهم أولادهم، كما قال: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} [الشورى: 40] فسمى الثانية سيئة لما كانت في معارضة الأولى، كذلك الختانة سماها الله تعالى صبغة؛ لأنها تجري (¬3) للمسلمين مجرى صبغ النصارى أولادهم، وهذا القول اختيار الفراء (¬4). ويحتمل أنه سمي الختان صبغة؛ لأنه يصبغُ الولدَ بالدم. وذكر أبو إسحاق في قوله: {صِبْغَةَ اللَّهِ} قولًا آخر، هو مذهب أبي عُبيدة (¬5)، وهو أنه قال: {صِبْغَةَ اللَّهِ} أي: خِلقَةَ الله، من صبَغْتُ الثوب، إذا غيرتُ لونَه وخِلْقَتَه، فيجوز أن يسمى الخلقة صبغة، والله تعالى ابتدأ الخلقة على الإسلام بدليل قوله: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ} [الأعراف: 172] الآية. وقوله: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} [الروم: 30] (¬6)، وما ¬

_ (¬1) "تهذيب اللغة" له 2/ 1976 (صبغ). (¬2) هذا رجز ذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" 2/ 1976، وابن منظور في "اللسان" 4/ 2396 (صبغ)، ولم ينسباه. (¬3) في (م): (تجزي). (¬4) "معاني القرآن" للفراء 1/ 82، وينظر: "الزاهر" 1/ 145، "تفسير الطبري" 1/ 570. (¬5) "مجاز القرآن" 1/ 59. (¬6) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 215 - 216، والثعلبي في "تفسيره" 1/ 1221.

139

رُوِيَ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "كل مولود يُولَد على الفطرة" (¬1)، معناه: إن كل مولود يولد في العالم على ذلك الإقرار الأول، وعلى ذلك العهد حين قالوا: {بَلَى} وهو الفطرة، ومعنى الفطرة (¬2): ابتداء الخلقة. ثم يُهَوِّدُ اليهودُ أبناءَهم، وُيمَجِّسُ المجوسُ أبناءَهم، وليس الإقرارُ الأول مما يَقَعُ به حكم، أو عليه ثواب. وانتصب قوله: {صِبْغَةَ اللَّهِ} عند الأخفش (¬3) على البدل من قوله: {مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ}. وذكر الزجاج (¬4) في انتصابه الوجهين اللذين ذكرنا في {مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ}، وقال أبو عبيد: نصب على الإغراء، أي: الزموا واتبعوا (¬5). وقوله تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً} أي: دينًا، على القول الأول، وعلى قول ابن عباس: تطهيرًا، ومعناه: أن التطهير الذي أمر الله به مبالغ في النظافة، وعلى قول أبي إسحاق: فطرة وخلقة. 139 - قوله تعالى: {قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا} الخطاب ليهود المدينة، ونصارى نجران، ومحاجتهم أنهم قالوا: إن أنبياء الله كانوا منا، وديننا هو الأقدم، وكتابنا هو الأسبق، ولو كنت نبيًّا كنت منَّا، فأنزل الله تعالى: {قُلْ ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري (1385) كتاب "الجنائز"، باب: ما قيل في أولاد المشركين، ومسلم (2658) كتاب "القدر"، باب: معنى كل مولود يولد على الفطرة: 4/ 2047، حديث 2658. (¬2) ليست في (أ) و (م). (¬3) "معاني القرآن" للأخفش 1/ 150، وينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1224. (¬4) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 215. (¬5) ذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1223، وذكر هذا الوجه ابن الأنباري في "البيان في غريب إعراب القرآن" 1/ 126، وأبو حيان في "البحر" 1/ 412، والبغوي في "تفسيره" 1/ 157.

أَتُحَاَجُّونَنَا} (¬1) أي: أتخاصموننا وتجادلوننا، والمحاجة: مفاعلة من الحجة (¬2). وظاهر الألف: الاستفهام، ومعناه: التوبيخ والتقرير هاهنا (¬3)، وذكرنا في سورة آل عمران لم صار لفظ الاستفهام للتوبيخ. وقوله تعالى: {فِي اللَّهِ} أي: في دين الله (¬4)، ولنا أعمال نجازى بحسنها وسيئها، وأنتم في أعمالكم على مثل سبيلنا، لا يؤخذ بعض (¬5) بذنب بعض. {وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ} أي: موحدون (¬6)، ومعنى الإخلاص: التنقية من الشوائب (¬7). ولقد سألت الأستاذ أبا إسحاق أحمد بن محمد (¬8) رحمه الله فحدثني بإسناده مسلسلا (¬9): أن حذيفة (¬10) رضى الله عنه قال: سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ¬

_ (¬1) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1224، والواحدي في "الوسيط" 1/ 223، و"الوجيز" 1/ 506، والبغوي في "تفسيره" 1/ 157، و"الخازن" 1/ 116، وأبو حيان في "البحر" 1/ 585. (¬2) "تفسير الثعلبي" 1/ 1224، "تفسير البغوي" 1/ 157، "البحر المحيط" 1/ 412. (¬3) قال أبو حيان في "البحر المحيط" 1/ 413: والهمزة للاستفهام مصحوبًا بالإنكار عليهم. وينظر: "تفسير القرطبي" 2/ 133. (¬4) في "تفسير الثعلبي" 1/ 1224 قال: وذلك أنهم قالوا: يا محمد إن الأنبياء كانوا منا وعلى ديننا، ولم يكن من العرب نبي، فلو كنت نبيًّا لكنت منا وعلى ديننا، وينظر: "تفسير البغوي" 1/ 157، "تفسير الخازن" 1/ 116. (¬5) في (ش): (بعضنا). (¬6) "تفسيرالثعلبي" 1/ 1224. (¬7) ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1225 - 1332، وقد أفرد فصلًا في معنى الإخلاص، "تفسير البغوي" 1/ 157. (¬8) يعني الثعلبي. (¬9) هذا الحديث مسلسل بالسؤال عن الإخلاص من أدناه إلى أعلاه. (¬10) هو حذيفة بن اليمان العبسي، حليف الأنصار، صحابي جليل من السابقين، =

الإخلاص، ما هو؟ قال: "سألت جبريل عن الإخلاص، ما هو؟ قال: سألت ربَّ العزة عن الإخلاص، ما هو؟ قال: سرٌ من سِرِّي، استودعتُه قلبَ مَنْ أحببتُ من عبادي" (¬1). قال ابن الأنبارى: وفي الآية إضمار واختصار، أراد: ونحن له مخلصون، وأنتم غير مخلصين، فحذف اكتفاء بقوله: {وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ}. قال: ومعنى الآية: أتحتجون علينا، وأنتم مشركون كافرون بالأنبياء، ونحن مخلصون له بالعبادة والتوحيد؟ ومَن هو على مثل سبيلكم، الواجبُ عليه أن يتشاغل بالفكر في عماه، وأن لا ينازع ويناظر من يعلم (¬2) أنه أرشد منه وأهدى سبيلًا. وتلخيص الآية: لا حجة لكم علينا في دين ربنا؛ إذ كنا نخلص له (¬3) ولا نعبد معه سواه، وأنتم تجعلون له الشركاء والأنداد (¬4). ¬

_ = أعلمه النبي - صلى الله عليه وسلم - بما كان وما يكون إلى أن تقوم الساعة، كما في "صحيح مسلم"، وأبوه صحابي أيضًا، توفي في أول خلافة علي سنة 36 هـ ينظر: "تقريب التهذيب" ص 154 (1156)، "أسد الغابة" لابن الأثير 1/ 468. (¬1) رواه الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1225، وذكره الديلمي في "مسند الفردوس" 3/ 187، عن علي وابن عباس مرفوعًا، وذكره القرطبي في "تفسيره" 2/ 134، وأبو حيان في "البحر المحيط" 1/ 413، والآلوسي في "روح المعاني" 1/ 399، والحديث في إسناده أحمد بن عطاء، وعبد الواحد بن زيد، وقال عنه الحافظ ابن حجر في "الفتح" 4/ 109: حديث واهٍ جدًا وضعفه كذلك الدكتور خالد العنزي في تحقيق "تفسير الثعلبي" 1/ 1227. (¬2) في (ش): (يعلم الله). (¬3) في (ش): (معه). (¬4) ينظر: "البحر المحيط" 1/ 413 - 414.

140

140 - قوله تعالى: {أَمْ تَقُولُونَ} قرئ بالتاء والياء (¬1)، فمن قرأ بالتاء؛ فلأن ما قبله من قوله: {قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا} وما بعده من قوله: {قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ} بالتاء. ومن قرأ بالياء؛ فلأن المعنى لليهود والنصارى، وهم غَيْبٌ (¬2). ومعنى الآية: كأنه قيل لهم: بأي: الحجتين تتعلقون؟ أبالتوحيد؟، فنحن موحدون، أم باتباع دين الأنبياء، فنحن متبعون دونكم (¬3)، فمن الجهتين جميعًا لا تلزمنا لكم حجة. هذا على قراءة من قرأ (¬4) بالتاء، وتكون الآية متصلة بما قبلها من الاستفهام الذي معناه الإنكار، ومن قرأ بالياء، فمعناه الانقطاع إلى حجاج آخر غير الأول، كأنه قيل: بل أيقولون إن الأنبياء من قبل أن تنزل التوراة والإنجيل كانوا هودًا أو نصارى؟ كأنه أعرض عن خطابهم استجهالًا لهم بما كان منهم؛ كما يُقبِل العالِم على من بحضرته بعد ارتكاب مخاطبه جهالة شنيعة، هذا كله قول أصحاب المعاني في هذه الآية (¬5). وقوله تعالى: {قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّه} أي: قد أخبرنا الله أن الأنبياء كان دينهم الإسلام، ولا أحد أعلم منه (¬6) (¬7). ¬

_ (¬1) قرأ ابن كثير ونافع وعاصم في رواية أبي بكر، وأبو عمرو، بالياء، وقرأ الباقون بالتاء. ينظر: "السبعة" ص 171، "الحجة" لأبي علي 2/ 229، "الكشف" لمكي 1/ 266. (¬2) من "الحجة" 2/ 229 بتصرف، وينظر: الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1232، والبغوي في "تفسيره" 1/ 158. (¬3) كذا قال الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 217. (¬4) في (م) و (ش): (قرأ). (¬5) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 217. (¬6) ساقط من (ش). (¬7) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 217.

وقوله تعالى {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ} توبيخٌ من الله لليهود بعد أن قامت الحجةُ عليهم (¬1). قال ابن عباس: يريد مَنْ أظلمُ ممَّنْ كتمَ شهادتَه التي أشهد عليها، يريد أن الله أشهدهم في التوراة والإنجيل: أنه باعث فيهم محمد بن عبد الله من ذرية إبراهيم، وأخذ على ذلك مواثيقهم أن يبيّنوه للناس ولا يكتموه، فكتموه وكذبوا فيه (¬2). وقال مجاهد (¬3) والربيع (¬4): الشهادةُ في أمر إبراهيم والأنبياء الذين ذكرهم وأنهم كانوا حنفاء مسلمين، فكتموها، وقالوا: إنهم كانوا هودًا أو نصارى (¬5). وحكى ابن الأنباري عن بعضهم: أن هذا من كلام المسلمين، يريدون: من أظلم منا إن تابعناكم على ما تقولون، بعد ما وقفنا على كذبكم بإعلام الله إيّانا، وكتمان أمر محمد، والشهادة له بالنبوة، بعد أن ثبتت (¬6) ¬

_ (¬1) "البحر المحيط" 1/ 415. (¬2) هذا من رواية عطاء التي تقدم ذكرها في المقدمة، ويذكر قريب منه عن غير ابن عباس عند الطبري في "تفسيره" 1/ 574 - 575، وابن أبي حاتم 1/ 246. (¬3) أخرجه الطبري في "تفسيره" 1/ 574. (¬4) أخرجه الطبري 1/ 575، وذكره ابن أبي حاتم 1/ 246. (¬5) رجح هذا القول الطبري في "تفسيره" 1/ 575 - 575 مبينًا أن هذه الشهادة جاءت بعد ذكر هؤلاء الأنبياء؛ فأولى بها أن تكون متصلة بهم لا بموضوع آخر، والشهادة التي عندهم ما أنزل الله إليهم في التوراة والإنجيل من الأمر بمتابعة هؤلاء المذكورين من الأنبياء، وأنهم كانوا حنفاء مسلمين فكتموا ذلك حينما دعاهم إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الإسلام. ورجحه كذلك أبو حيان في "البحر" 1/ 415، مبينا أنه أشبه بالسياق. (¬6) في (م): (ثبت).

141

عندنا نبوته بإخبار الله تعالى إيانا. 141 - قوله تعالى {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ} أي: ثواب ما كسبت {وَلَكُمْ} ثواب {مَا كَسَبْتُمْ} (¬1) وحَسُنَ تكريرُ هذه الآية؛ لأن الحجاج إذا اختلفت مواطنه حَسُنَ تكريرُه للتذكير به (¬2). 142 - قوله تعالى {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ} الآية، نزلت في تحويل القبلة إلى الكعبة. قال ابن عباس: عَنَى بالسفهاء يهود المدينة (¬3)، وقال الحسن: يعني مشركي مكة. وقال السدي: يعني منافقي المدينة، وذلك أن المشركين قالوا لما توجه النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى الكعبة: قد اشتاق محمد إلى مولده، ومولد آبائه، وقد توجه نحو قبلتكم، وهو راجع إلى دينكم. وقالت اليهود: قد تردد على محمد أمره، ولا يدري أين يتوجه. وقالت المنافقون استهزاءً بالإسلام والمسلمين: {مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ} (¬4)، والسفهاء: جمع سفيه، وهو الخفيف إلى ما لا يجوز له أن يخِفّ إليه (¬5)، وذكرنا هذا فيما تقدم. ¬

_ (¬1) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 218. (¬2) ينظر: "الوسيط" 1/ 224، "البحر المحيط" 1/ 415، وقال: وليس ذلك بتكرار؛ لأن ذلك ورد إثر شيء مخالف لما وردت الجمل الأولى بإثره، وإذا كان كذلك فقد اختلف السياق فلا تكرار، بيان ذلك: أن الأولى وردت بإثر ذكر الأنبياء فتلك إشارة اليهم، وهذه وردت عقب أسلاف اليهود والنصارى فالمشار إليه هم. (¬3) أخرجه الطبري 2/ 1، وذكره ابن أبي حاتم 1/ 247. (¬4) ينظر: "تفسير البغوي" 1/ 158. (¬5) ينظر: "اللسان" 4/ 2032 (سفه).

وقوله تعالى: {مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ} أي: عَدَلهم وصرفهم (¬1)، ونذكر أصل هذا الحرف عند قوله: {وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا} [البقرة: 148]. وقوله تعالى: {عَنْ قِبْلَتِهِمُ} القبلة: الوجهة، وهي الفعلة من المقابلة، والعرب تقول: ماله قِبلة ولا دِبرة، إذا لم يهتد لجهة أمره، وأصل القبلة في اللغة: الحالة التي يقابل الشيء غيره عليها، كالجلسة للحال التي يجلس عليها، إلا أنها الآن صارت كالعلم للجهة التي تستقبل في الصلاة (¬2). وقوله تعالى: {الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا} يعنون: بيت المقدس، في قول أكثر المفسرين، والضمير في قبلتهم: للنبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه. وقال عطاء عن ابن عباس: يريد التي كان عليها إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط (¬3)، وهذا على زعمهم؛ لأنهم كانوا يدعون أن قبلة إبراهيم كانت بيت المقدس، وعلى هذا القول الضمير (¬4) في {قِبلَتِهِمُ} لإبراهيم ومن ذُكر بعده، كأنهم قالوا: ما ولّى النبي وأصحابه عن قبلة إبراهيم والأسباط. والقول هو الأول، وعليه المفسرون. وقوله تعالى: {قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ} أي: له أن يأمر بالتوجه إلى أي جهة شاء (¬5). وقيل: أراد بالمشرق الكعبة؛ لأن المصلي بالمدينة إذا توجه إلى الكعبة فهو متوجه إلى المشرق، وإذا توجه إلى بيت المقدس فهو متوجه إلى ¬

_ (¬1) "تفسير الطبري" 2/ 2، "تفسير القرطبي" 2/ 137 - 138. (¬2) "اللسان" 6/ 3517 (قبل). (¬3) قريب منه في "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 247. (¬4) ساقط من (م). (¬5) كذا في "تفسير القرطبي" 2/ 140.

143

المغرب (¬1). وقوله تعالى: {يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} قال ابن عباس: إلى دين مستقيم، يريد: أني قد رضيت قبلة أولئك، ورضيت هذه القبلة لمحمد - صلى الله عليه وسلم -. "ودين الله" يسمى: صراطًا مستقيمًا؛ لأنه يؤدي إلى الجنة؛ كما يؤدي الطريق المستقيم إلى البغية (¬2). 143 - قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} الآية. قال أهل المعاني: التشبيه في قوله: {وَكذَلِكَ} يرجع إلى ذكر الأنبياء الذين أنعم الله عليهم، وهم إبراهيم وأولاده، فلما ذكرهم وذكر النعمة عليهم بالكتاب المنزل، والحنيفية المستقيمة، قال: {وَكذَلِكَ} أي: وكما اخترنا إبراهيم وذريته واصطفيناهم، كذلك جعلناكم أمةً وسطًا (¬3). وقيل: هذه الآية تتصل بما قبلها من قوله: {يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} أي: هديناكم وخصصناكم دونهم بالصراط المستقيم، وتحويل قبلتكم إلى قبلة إبراهيم، وكذلك أنعمنا عليكم نعمة أخرى فقال: إنا جعلناكم عدولًا (¬4). وقوله: {وَسَطًا} الوسط: اسم لما بين طرفي الشيء. قال الفراء: الوَسَط المثقل: اسم، كقولك: رأسٌ وسط وأسفل، ولا تقولن ههنا: ¬

_ (¬1) ذكره أبو حيان في "البحر" 1/ 421. (¬2) ينظر: "تفسير القرطبي" 2/ 140. (¬3) ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1235، "تفسير البغوي" 1/ 158، "تفسير الرازي" 4/ 96 - 97. (¬4) ذكر الرازي في "التفسير الكبير" 4/ 96 - 97، وجوهًا أخر. وينظر: "المحرر الوجيز" 2/ 3 - 4، "البحر المحيط" 1/ 412.

وسْط بالتخفيف، واحتجم وَسَط رأسه، وربما خفف، وليس بالوجه. وجلس وسْط القوم، ولا تقول (¬1): وسَط؛ لأنه في معنى بين القوم، وجلس وسَط الدار؛ لأن (بين) لا يصلح في هذا الموضع، وربما خفف. قال الفراء: قال ابن يونس: سمعت وسْط ووَسَط بمعنًى (¬2)، قال الشاعر: قالوا يالَ أشجع يومَ هَيْجٍ ... ووَسْط الدار ضَربًا واحْتِمايا (¬3) قال أحمد بن يحيى: ما اتحدت أجزاؤه فلم يتميز بعضه من بعض فهو وسَط بتحريك السين، نحو: وسَط الدار، ووسَط الرأس والكف، وما أشبهها. وما التفت أجزاؤه متجاورة، بعضها يتميز (¬4) من بعض، كالعقد، وحلقة الناس، فهو وسْط (¬5). ومما يصدق هذا ما روي في الخبر: "الجالس وسْط الحلقة ملعون" (¬6)، لم يرو إلا بالتخفيف، وقال محمد بن يزيد: ما كان اسمًا فهو وسَط، محرّك السين، نحو قولك: وسَط رأسه صلبٌ، ووسَط ¬

_ (¬1) في (أ): (ولا يقول). (¬2) قال الجوهري: كل وضع صلح فيه بين فهو وسْط، وإن لم يصلح فيه بين فهو وسَط بالتحريك، وقال: وربما سكن، وليس بالوجه. وذكر البيت. (¬3) البيت، نسبه في "اللسان" 8/ 4831 (وسط) لأعصر بن سعد بن قيس عيلان. (¬4) في (م): (يتميز بعضها من بعض). (¬5) نقله عنه بمعناه في "تهذيب اللغة" 4/ 2888، "تفسير الثعلبي" 1/ 1234، "اللسان" 8/ 4832 (وسط). (¬6) أخرجه الإمام أحمد في "المسند" 5/ 384 عن حذيفة، في الذي يقعد في وسط الحلقة قال: ملعون على لسان 22752، والترمذي (2753) الأدب، باب: كراهية القعود وسط الحلقة، وأبو داود (4826) الأدب، باب: في الجلوس وسط الحلقة، وقال الترمذي: حسن صحيح.

داره واسع، وما كان طرفًا فهو وسْط، مسكن السين، نحو قولك: وسْط رأسه دهن، ووسْط داره رجل أي: في وسط داره، وفي وسط رأسه (¬1). قال الفراء: ويقال: وسطتُ القوم سِطةً ووسوطًا إذا دخلت وسطهم: قال الله تعالى: {فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا} [العاديات: 5] (¬2). فأما التفسير: فقال عُظْم أهل التفسير في قوله: {أُمَّةً وَسَطًا} أي: عدلًا خيارًا (¬3)، وروي ذلك في حديث مرفوع، أخبرناه الأستاذ أبو طاهر محمد بن محمد بن محمش الزيادي (¬4) رحمه الله، ثنا أبو بكر محمد بن عمر بن حفص الزاهد (¬5)، ثنا إبراهيم بن عبد الله الكوفي العبسي (¬6)، ثنا ¬

_ (¬1) نقله عنه بمعناه في "تهذيب اللغة" 4/ 2888، "اللسان" 2/ 4832 (وسط). (¬2) نقله عنه بمعناه في "اللسان" 8/ 4833، ينظر في معاني الوسط: "المفردات" ص 537 - 538، "البحر المحيط" 1/ 418، "اللسان" 8/ 4831 - 4834 (وسط). (¬3) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 7، وابن أبي حاتم 1/ 249، "تفسير الثعلبي" 1/ 1234، "المحرر الوجيز" 2/ 4 - 5، "تفسير القرطبي" 2/ 140. (¬4) هو محمد بن محمد بن محمش الزيادي، أبو طاهر، من شيوخ الواحدي، كان إمام أصحاب الحديث بخراسان، وفقيههم ومفتيهم، أخذ الواحدي عنه، توفي سنة 410هـ. ينظر: "سير أعلام النبلاء" 17/ 276 - 278، "تذكرة الحفاظ" 3/ 1051. (¬5) هو الإمام الزاهد المعمر أبو بكر محمد بن عمر بن حفص النيسابوري العابد، سمع سهل بن عمار وغيره، روى عنه أبو طاهر بن محمش وغيره، توفي سنة 335 هـ. ينظر: "سير أعلام النبلاء" 15/ 376. (¬6) هو إبراهيم بن عبد الله العبسي الكوفي أبو شيبة، سمع من أبي نعيم وقبيصة والإمام أحمد وغيرهم، وحدث عنه ابن ماجه والنسائي في اليوم والليلة، قال أبو حاتم: صدوق، توفي سنة 265 هـ. ينظر: "السير" 11/ 128، "الجرح والتعديل" 2/ 110.

وكيع (¬1)، عن الأعمش (¬2)، عن أبي صالح، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "يدعى نوح يوم القيامة، فيقال له (¬3): هل بلّغت؟ فيقول: نعم. فيدعى قومه، فيقال لهم: هل بلغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير، وما أتانا من أحد، فيقال لنوح: من يشهد لك؟ فيقول: محمد - صلى الله عليه وسلم - وأمته، فذلك قوله عز وجل: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} " (¬4). والوسط: العدل، ثم اختلفوا لِمَ سمّي العدل وسطًا؟ فقالت طائفة: هذا مأخوذ من وسط الوادي والقاع، وهو خير موضح فيه، وأكثره كَلأً وماءً، وذلك أن في غالب الأمر الماء يبرح وسط الوادي؛ لأنه في الصيف وشدة الحر ينحسر عن الأطراف إلى جوف الوادي، فيكون الكلأ هناك أكثر، ولذلك تقول العرب: انزل وسط الوادي، أي (¬5): خير مكان منه (¬6)، فعلى هذا (الوسط) اسم وصف به (¬7)، ومنه قول زهير: هم وَسَطٌ يرضى الأنام بحكمهم (¬8) ....................... البيت. ¬

_ (¬1) هو وكيع بن الجراح بن مليح الرؤاسي الكوفي الحافظ، تقدمت ترجمته. (¬2) هو أبو محمد سليمان بن مهران الأسدي، تقدمت ترجمته [البقرة: 60]. (¬3) ساقط من (ش). (¬4) أخرجه البخاري (3339) كتاب أحاديث الأنبياء، باب: قول الله {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ}، ورواه أحمد 3/ 32، 58، والطبري في "تفسيره" 2/ 8، وابن أبي حاتم 1/ 249. (¬5) في (م): (انزل إلى وسط الوادي إلى)، وفي (أ): (انزل وسط الوادي إلى). وما أثبته موافق لما في "تفسير الثعلبي" 1/ 1243. (¬6) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 219, "تفسير الثعلبي" 1/ 1233. (¬7) ينظر: "اللسان" 8/ 4834 "وسط". (¬8) البيت تتمته: إذا نزلت إحدى الليالي بمعظَمِ

ويحتمل على هذا الاشتقاق: أنه أراد: هم وسط بين طرفين: أحدهما: الغلو. والثاني: التقصير، وهما مذمومان، وهذا قول الكلبي (¬1). قال أهل المعاني: لما صار ما بين (¬2) الغلو والتقصير خيرًا منهما (¬3) صار الوسط، والأوسط عبارة عن كل ما هو خير، وإن لم يتصور فيه الغلو والتقصير، حتى قالوا: هو من أوسطهم نسبًا، أي: خيرهم، قال الله تعالى: {قَالَ أَوْسَطُهُمْ} [القلم: 28] قيل في تفسيره: خيرهم وأعدلهم (¬4)، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "خير هذا الدين النمط الأوسط" (¬5). فعلى هذا، أمة ¬

_ = ذكره بهذا اللفظ الجاحظ في "البيان والتبيين" 3/ 325، لكنه قال: يرضى الإله. وهو تحريف مفسد للمعنى، وذكره ابن قتيبة في "غريب القرآن" ص 63، ولم ينسبه، وذكره الطبري في "تفسيره" 2/ 6، والثعلبي 1/ 1234، والسمعاني 2/ 80، وأبو حيان في "البحر المحيط" 1/ 418، والسمين في "الدر المصون" 1/ 393، وقال المعلق على "تفسير الطبري" 2/ 6: البيت من معلقة زهير، وروايته كما في "ديوانه" بشرح ثعلب، وفي شرحي التبريزي والزوزني للمعلقات، وكما في جمهرة أشعار العرب للقرشي: لحيٍّ حلال يعصم الناس أمرهم ... إذا طرقت إحدى الليالي بِمُعْظَمِ (¬1) ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1234، وذكره البغوي في "تفسيره" 1/ 158. (¬2) من قوله: (الغلو)، ساقط من (ش). (¬3) في (ش): (مبهمًا). (¬4) ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1234. (¬5) قال العراقي في "تخريج الإحياء" 1/ 106: حديث: "عليكم بالنمط الأوسط"، رواه أبو عبيد في "غريب الحديث" موقوفا على علي بن أبي طالب، ولم أجده مرفوعا، وذكره في "اللسان" 8/ 4833 "وسط" من كلام علي. وفي "تفسير القرطبي" 2/ 140 - 141: "عليكم بالنمط الأوسط، فإليه ينزل العالي وإليه يرتفع النازل". والنمط: جماعة من الناس أمرهم واحد، وقيل هو الطريقة.

محمد - صلى الله عليه وسلم - وسط، أي: عدول؛ لأنهم لم يغلوا غلو النصارى، ولا قصّروا تقصير اليهود، في حقوق أنبيائهم، بالقتل والصلب (¬1). وقالت طائفة: وَسَط جمع واسط، وفَعَل يجوز في جمع فاعل، نحو: خدَم ونشَأ. والواسط: الذي يسِطُ الشيء، أي: يتوسطه، قال الشاعر: وَسَطتْ نسبتي الذوائبَ منهم ... كلُّ دار فيها أبٌ لي عظيم (¬2) (¬3) وفلان من واسطة قومه، أي: من أعيانهم، وهذا يحتمل أمرين: أحدهما: أن نسبه توسط نسبهم، فهو كريم الطرفين، أبوه وأمه من ذلك النسب. والثاني: أنه أخذ من واسطة القلادة؛ لأنه يجعل فيه أنفَسَ خَرَزها. قال بعض سعد بن زيد مناة: ومَن يفتقِرْ في قومه يحمَدِ الغنى ... وإن كان فيهم واسطَ العَمِّ مُخْوِلا (¬4) قوله: واسط العم، يحتمل المعنيين (¬5). وقوله تعالى: {لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد: على جميع الأمم، وذلك أن (¬6) الله تعالى إذا جمع الأولين والآخرين، أتى بالناس أمة بعد أمة، فيؤتى بأمة نوح، فيسألهم عما أرسل ¬

_ (¬1) ينظر: "المحرر الوجيز" 1/ 3 - 5. (¬2) سقطت من (م). (¬3) البيت لحسان بن ثابت في "ديوانه" ص 225. (¬4) البيت لجابر بن الثعلب الطائي، ينظر: "ديوان الحماسة" 1/ 109. (¬5) ينظر: "زاد المسير" 1/ 154. (¬6) في (م): (لأن الله).

إليهم، فينكرون أن نوحًا بلّغهم ما أرسل به إليهم، فيقول الله تعالى لنوح: ما فعلت فيما أرسلتك؟ فيقول: بلّغته قومي فكذّبوني وعصوك، فيقول الله له: زعموا أنك لم تبلّغهم فهل لك شهيد؟ فيقول: نعم، محمد وأمته، فيدعى بأمة محمد، فيقول الله تعالى: بم تشهدون لنوح؟ فيقولون: نشهد أنه قد بلّغ رسالاتك، فكذبوه وعصوك، فتقول أمة نوح: هؤلاء بعدنا يارب؛ كيف يشهدون علينا؟ فيقولون: ربنا أرسلت إلينا رسولًا، فآمنا به وصدقناه، فكان فيما أنزلت عليه {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ} [الشعراء: 105]، إلى قوله: {قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ} [الشعراء: 111]. قال: ثم يؤتى بأمة بعد أمة فيشهدون عليهم (¬1). وشهداء: لا ينوّن؛ لأن فيه ألف التأنيث، وألف التأنيث يبنى معها الاسم، وجعل الجمع بألف التأنيث كما جعل بهاء التأنيث، نحو: أَجْرِبَة، وأغْرِبَة، وضَرَبَة، وكَتَبَة (¬2). وقال ابن زيد في هذه الآية: الأشهاد أربعة: الملائكة، والأنبياء، وأمة محمد - صلى الله عليه وسلم -، والجوارح، وهذا كقوله: {وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ} [الزمر: 69]. وقوله: {وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ} [غافر: 51] (¬3). ¬

_ (¬1) ذكره بمعناه من غير نسبة الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1236، وينظر: "تفسير البغوي" 1/ 158، وبمعناه: حديث أبي سعيد عند البخاري (7349) كتاب الاعتصام، باب: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا}، ورواه الترمذي (2961) كتاب التفسير، باب: ومن تفسير سورة البقرة، والنسائي في "التفسير" 1/ 197، وابن ماجه (4284) كتاب الزهد، باب: صفة أمة محمد - صلى الله عليه وسلم -. (¬2) من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 220 بتصرف، وأجربة: جمع جريب، والأصل فيه: كل أرض ذات حدود، ثم استعمل في مقدار معين من الأرض، وهو يستعمل في المساحة والكيل. وضربة: جمع ضارب. (¬3) أخرجه الطبري في "تفسيره" 2/ 11.

وقوله تعالى: {وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} قال المفسرون: وذلك أن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - يُسأل عن حال أمته، فيزكّيهم، ويشهد بصدقهم (¬1). وقوله تعالى: {عَلَيْكُمْ} أي: لكم (¬2)، كقوله (¬3): {وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ} [المائدة: 3]، أي: للنصب، وقيل: معناه: على صدقهم، فهو من باب حذف المضاف (¬4). قال ابن جريج: قلت لعطاء: ما معنى: {لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ}؟ قال: أمةُ محمد شهداءُ على من ترك الحق من الناس أجمعين (¬5)، حين جاءه الهدى والإيمان، فذكر الله في كتابه {وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} يشهد على أنهم آمنوا بالحق حين جاءهم، وقبلوا، وصدّقوا به. وقوله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ} اختلف أهل المعاني في هذا، فقال بعضهم: إن الله تعالى تعبّد نبيه والمسلمين بالصلاة إلى بيت المقدس حيث (¬6) كانوا بمكة في أول الأمر مخالفةً للمشركين؛ ليتبين إيمان المؤمن ونفاق المنافق، إذ كانت العرب تحب الكعبة، وترغب في الصلاة إليها، ولا يعجبهم الصلاة إلى بيت المقدس، فتعبّدهم الله بما يشقّ ¬

_ (¬1) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 9 - 11، "تفسير الثعلبي" 1/ 1235. وقال في "البحر المحيط" 1/ 422: وفي شهادته أقوال: أحدها: شهادته عليهم أنه قد بلغهم رسالة ربه. والثاني: شهادته عليهم بإيمانهم. والثالث: يكون حجة عليهم. والرابع: تزكيته لهم وتعديلهم. ثم عزا هذا القول لأكثر المفسرين. (¬2) ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1235. (¬3) في (م): (لقوله). (¬4) ينظر: "البحر المحيط" 2/ 423. (¬5) رواه "الطبري" في "تفسيره" 2/ 11، وابن أبي حاتم 1/ 250، والبغوي 1/ 159. (¬6) في (ش): (حين).

عليهم، امتحانًا واختبارًا؛ ليظهر إيمان المؤمن عند صبره على ما يحبّ، ويتبين نفاق المنافق عند خلافه ربَّه في إيثاره هواه، فكأنه قال: تعبدناكم بالصلاة إلى بيت المقدس برهةً من الدهر؛ لنمتحنكم بذلك، ونختبركم. وعلى هذا التأويل خبر {جَعَلْنَا} محذوف، معناه: وما جعلنا القبلة التي كنت عليها قبلة إلا لهذا، فحذف المفعول الثاني؛ لإحاطة العلم، ويقال: إن {جَعَلْنَا} هاهنا لا يقتضي (¬1) مفعولًا ثانيًا؛ لأنه في تأويل نصبنا. وقال بعضهم: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما (¬2) هاجر إلى المدينة أمر بالتوجه إلى الكعبة مخالفة لليهود وامتحانًا للمؤمنين، وعلى هذا التأويل (¬3) تقدير الآية: {وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا} فيكون من باب حذف المضاف (¬4)، ويحتمل أن يكون التقدير: وما جعلنا القبلة التي كنت عليها منسوخة، فأضمر المفعول الثاني، كما ذكرنا في الوجه الأول. وتحتمل الآية على هذا التأويل وجهًا ثالثًا، وهو أن {كُنْتَ} بمعنى: أنت (¬5)، والتقدير: وما جعلنا القبلة التي أنت عليها -وهي: الكعبة- قبلةً، ¬

_ (¬1) في (ش): (تقتضي). (¬2) ساقطة من (ش). (¬3) في (م): (وعلى هذا التقدير تأويل الآية). (¬4) ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1236. (¬5) ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1236، "البغوي" 1/ 159، "الكشاف" 1/ 199، وروي هذا عن ابن عباس. ينظر: "البحر المحيط" 1/ 423، وقال: وهذا من ابن عباس إن صح: تفسير معنى، لا تفسير إعراب؛ لأنه يؤول إلى زيادة كان الرافعة للاسم والناصبة للخبر، وهذا لم يذهب إليه أحد.

فحذف المفعول الثاني، أو أراد بـ (جعلنا) معنى نصبنا، كما بينا. ويجوز أن يريد بمعنى الكون: الحال، كقوله: {كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا} [مريم: 29] أي: من هو في الحال صبي، وكقوله: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ} [آل عمران: 110] أي: أنتم. ويؤكد هذا التأويل الثاني: أن جماعة من اليهود لما صرفت القبلة إلى الكعبة، قالوا للمسلمين: أخبرونا عن صلاتكم نحو بيت المقدس، أكانت هدًى أو ضلالةً؟ فإن كانت هدًى، فقد تحولتم عنها، وإن كانت ضلالة، لقد دنتم الله بها؟ فقال المسلمون: إنما الهدى ما أمر الله به، والضلالة ما نهى الله عنه، عيّروهم بنسخ القبلة (¬1). وقوله تعالى: {إِلَّا لِنَعْلَمَ} والله تعالى عالم لم يزل، ولا يجوز أن يحدث له علم. واختلف أهل المعاني في وجه تأويله (¬2): فذهب جماعة إلى أن العلم له منزلتان: علم بالشيء قبل وجوده، وعلم به (¬3) بعد وجوده، والحكم للعلم بعد الوجود؛ لأنه يوجب الثواب والعقاب، والمتعبد بالشيء إذا لم يُطع وعصى عَلِمَه اللهُ تعالى عاصيًا، وإذا ¬

_ (¬1) ذكره مقاتل في "تفسيره" 1/ 145 - 146، والثعلبي 1/ 1238. وتنظر بعض الآثار التي تدل على هذا عند الطبري 2/ 11 - 12، وابن أبي حاتم 1/ 248. وتنظر الوجوه الإعرابية في: "البحر المحيط" 1/ 423، "التبيان" للعكبري ص 98. (¬2) ينظر في وجوه تأويل هذا: "تفسير الطبري" 2/ 12 - 14، "تفسير البغوي" 1/ 160، "المحرر الوجيز" 2/ 7 - 8، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 223، "البحر المحيط" 1/ 424. (¬3) سقطت من (ش).

أطاع عَلِمَه الله مطيعًا، وكان قبل أن أطاع لم يعلمه مطيعًا علمًا يستحق به الثواب، وإن كان في معلوم الباري أنه يطيع. فمعنى قوله: {إِلَّا لِنَعْلَمَ} أي: لنعلم العلم الذي يستحق العامل به الثواب والعقاب، وتبدل الأحوال على المعلوم لا يقتضي تبدل العلم وتغيره، وهذا مذهب جماعة من أهل النظر (¬1). ويؤيده: ما روي عن ابن عباس: أنه فسر العلم هاهنا: بالرؤية، وقال: معنى {إِلَّا لِنَعْلَمَ}: إلا لنرى (¬2)، وهذا راجع إلى ما ذكرنا؛ لأنه إنما يراه إذا علمه موجودًا. وحكى ابن الأنباري، عن الفراء، أنه قال: يجوز أن يكون الله جل اسمه أضاف العلم إليه، وهو للمخاطبين (¬3) في المعنى، كما يجتمع جاهل وعاقل، فيقول الجاهل: الحطب يحرق النار. ويقول العاقل: النار تحرق الحطب، وسنجمع بينهما؛ لنعلم أيهما يحرق صاحبه؟. ومعناه: لتعلم أنت فينسب إلى نفسه فعل غيره، كذلك معنى الآية: إلا لتعلموا أنتم. ومثله: {حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ} [محمد: 31]، على هذا التأويل. ويجوز في سَعَة العربية إضافة الفعل إلى من ليس له في الحقيقة، كقول العرب: طلعت الشِّعرى، وانتصب العود على الحرباء، معناه: انتصب الحرباء على العود، فنسب الانتصاب إلى غير فاعله، ومثله في الكلام: لا أرَيَنَّك ههنا، أوقع النهي على غير المنهي؛ لأن المنهيَّ المخاطب، وذكرنا ¬

_ (¬1) ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1237، "تفسير السمعاني" 2/ 83، البغوي في "تفسيره" 1/ 160، "التفسير الكبير" 4/ 115. (¬2) ذكره الطبري في "تفسيره" 2/ 13 - 14، ولم ينسبه لابن عباس، ثم رد عليه، وذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 155. (¬3) في (أ): (المخاطبين).

هذا في قوله: {فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [البقرة: 132]. وقيل: أراد ليعلم محمد - صلى الله عليه وسلم -، فأضاف علمه إلى نفسه تخصيصًا وتفضيلًا، كقوله: {إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ} [الأحزاب: 57] وقوله: {فَلَمَّا آسَفُونَا} [الزخرف: 55] (¬1) وتحقيق هذا القول: أنه تعالى أراد: ليعلم حزبنا من النبي والمؤمنين، كما يقول الملك: فعلنا بمعنى: فعل أولياؤنا، ومنه: فتح عُمَرُ السواد، وجبى الخراج، وإن لم يتول ذلك بنفسه (¬2). وقوله تعالى: {مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ} أي: يطيعه في التوجه (¬3) إلى بيت المقدس (¬4). {مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ} أي: يرتد فيرجع إلى الشرك دين آبائه (¬5). ويجوز أن يكون المراد: ممن هو مقيم على كفره (¬6)؛ لأن جهة الاستقامة إقبال وخلافها إدبار، وكذلك وصف الكافر بأنه أدبر واستكبر، هذا إذا قلنا: المراد بقوله: {وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا} بيت المقدس ¬

_ (¬1) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 13، والثعلبي في "تفسيره" 1/ 1238. (¬2) قال ابن عطية في "المحرر الوجيز" 2/ 8 عن الأقوال السابقة: وهذا كله متقارب، والقاعدة: نفي استقبال العلم بعد أن لم يكن. وقال أبو حيان في "البحر المحيط" 1/ 424: فهذه كلها تأويلات في قوله: (لنعلم) فرارًا من حدوث العلم وتجدده؛ إذ ذاك على الله مستحيل، وكل ما وقع في القرآن مما يدل على ذلك أُوِّل بما يناسبه من هذه التأويلات. (¬3) في (ش): (التوحيد). (¬4) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 14. (¬5) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 15، "زاد المسير" 1/ 155، "المحرر الوجيز" 2/ 10، "تفسير القرطبي" 2/ 144. (¬6) ينظر: "التفسير الكبير" 4/ 105.

وإن قلنا: إن المراد هناك: التحويل عن بيت المقدس، وهو أظهر التأويلين (¬1)، فمعنى قوله: {مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ} أي: يوافقه في التوجه إلى الكعبة، والانحراف عن بيت المقدس {مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ} أي: يرتّد عن الدين فيرجع إلى اليهودية، أو إلى ما كان عليه. وذلك أن الله تعالى جعل نسخ القبلة عن الصخرة إلى الكعبة ابتلاء لعباده المؤمنين، فمن عصمه ووفقه صدَّق الرسول في ذلك، وعلم أن لله (¬2) تعالى أن يتعبد عباده بما شاء، وأن له أن ينسخ ما تعبدهم به، فيحولهم إلى غير ذلك، وأن الصلاح لهم فيما يأمرهم به، ومن لم يعصمه شَكَّ في دينه، وتردد عليه أمره، وظن أن محمدًا في حَيْرة من أمره، فارتد عن الإسلام. والانقلاب على العَقِب: عبارة عن الانصراف إلى حيث أقبل منه؛ لأن عقبَ الإنسان يكون وراءه، فإذا رجع إلى وراء يقال: نكص على عقبيه، وانقلب على عقبيه، أي: انصرف راجعًا (¬3). قال ابن عباس: {مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ} يريد: من يرجع إلى دينه الأول (¬4)، يعني: المنافقين، وسمي العقب عقبًا؛ لأنه يتلو القدَمَ، وأصل هذا الباب: الإتباع (¬5). وقوله تعالى: {وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً} قال سيبويه: {وَإِنْ} تأكيد شبيه ¬

_ (¬1) ينظر: "البحر المحيط" 1/ 425. (¬2) في (م) و (ش): (الله). (¬3) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 15، "المحرر الوجيز" 2/ 10. (¬4) هذه من رواية عطاء التي تقدم الحديث عنها بالمقدمة. (¬5) ينظر: "المفردات" ص 343 - 344، "اللسان" 5/ 3022 (عقب).

باليمين؛ لذلك دخلت اللام في جوابها (¬1). قال أبو إسحاق: دخلت اللام مع إن، لأنها لو لم تدخل كان الكلام جحدًا، فلولا اللام كان المعنى: (ما كانت كبيرة)، فإذا جاءت (إن واللام) فمعناهما التوكيد للقصة (¬2). وأما التفسير: فقال ابن عباس (¬3) ومجاهد (¬4) وقتادة (¬5): وقد كانت التولية إلى الكعبة لكبيرة. قال ابن زيد (¬6): وقد كانت الصلاة إلى الكعبة لكبيرة ثقيلة، إلا على الذين هدى الله، وقال أبو العالية: وإن كانت القبلة لكبيرة (¬7)، يعني: الكعبة. وقيل: إنه يعني: بيت المقدس (¬8)، أي: وإن كان اتباعها لكبيرًا إلا على الذين هدى الله. وقوله تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} قال المفسرون: قالت اليهود للمسلمين لما حُوِّلت القبلة إلى الكعبة: إن كان هذا التحويل حقًّا ¬

_ (¬1) ينظر: "الكتاب" لسيبويه 4/ 233، 2/ 140. (¬2) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 220، وينظر: "التبيان" للعكبري 98، "البحر المحيط" 1/ 425. (¬3) رواه عنه الطبري 2/ 15، وابن أبي حاتم 1/ 251. (¬4) رواه عنه الطبري 2/ 15، وابن أبي حاتم 1/ 251. (¬5) رواه عنه الطبري 2/ 15، وذكره ابن أبي حاتم 1/ 251. (¬6) رواه عنه الطبري 2/ 16. (¬7) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 15، بلفظ: عن أبي العالية (وإن كانت لكبيرة) أي: قبلة بيت المقدس (إلا على الذين هدى الله)، وذكره ابن أبي حاتم 1/ 251، وجعل قوله كقول مجاهد. (¬8) وعلى هذا المعنى حمله الطبري 2/ 16.

فإنَّ من مات منكم وهو يصلي إلى بيت المقدس مات على الضَّلالة، وكان قد مات رجال من المسلمين قبل تحويل القبلة، فانطلق عشائرهم إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقالوا: يارسول الله، صرفك الله إلى قبلة إبراهيم، فكيف بإخواننا الذين ماتوا منا وهم يصلون إلى بيت المقدس؟ فأنزل الله: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} (¬1) أي: تصديقكم بأمر تلك القبلة. قال الفراء: أسند الإيمان إلى الأحياء من المؤمنين، والمعنى: فيمن مات من المسلمين. وإنما أضيف إلى الأحياء؛ لأن الذين ماتوا على القبلة الأولى كانوا منهم. فقال: {إِيمَانَكُمْ} وهو يريد: إيمانهم؛ لأنهم داخلون معهم في الملة، وهو كقولك للقوم: قد قتلناكم وهزمناكم، يريد: قتلنا منكم، فيواجههم بالقتل وهم أحياء (¬2). ويمكن أن يحمل على العموم، بأن أراد: إيمان الأحياء والأموات (¬3). وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ} الرأفة: أخص من ¬

_ (¬1) روي بهذا اللفظ في: "تفسير الطبري" 2/ 17، "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 251، "تفسير مقاتل" 1/ 74، "تفسير الثعلبي" 1/ 1239، "الكفاية" للحيري 1/ 79، "أسباب النزول" للواحدي ص 45 - 46، "تفسير البغوي" 1/ 123. وروى البخاري (40) كتاب الإيمان، باب: الصلاة من الإيمان، عن البراء بن عازب أنه مات على القبلة قبل أن تحول رجال وقتلوا، فلم ندر ما نقول فيهم، فأنزل الله تعالى: (وما كان الله ليضيع إيمانكم). (¬2) ينظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 83 - 74. (¬3) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 18.

الرحمة وأرق، قال الفراء: الرأْفة والرآفة، مثل: الكأبة والكآبة (¬1). وقال أبو زيد: رَأَفْتُ بالرجل، أَرْأَفُ به رأفةً، ورآفةً، ورَؤُفْتُ أَرْؤُفُ به، كلٌ من كلام العرب (¬2). وفي الرؤوف قراءتان (¬3): أحدهما: رؤوف على وزن فعول. والثانية: رؤف على وزن رَعُف. فمن قرأ على فَعُول؛ فلأنه أكثر في كلامهم من فَعُل، ألا ترى أن باب صبور وشكور، أكثر من باب حذُر ويقُظ، وإذا كان أكثر في كلامهم كان أولى. يؤكد هذا: أن صفات الله قد جاءت على هذا (¬4) الوزن، نحو: {غَفُورٌ شَكُورٌ}، ولا نعلم فَعُلًا فيها قال الشاعر: نطيع إلهنا ونطيع ربًّا ... هو الرحمن كان بنا رؤوفًا (¬5) ومن قرأ على وزن "رَعُف"، فقد قيل: إنه غالبُ لغة أهل الحجاز، ومنه قول الوليد بن عقبة بن أبي معيط (¬6): ¬

_ (¬1) نقله عنه في "تهذيب اللغة" 2/ 1323، وينظر: "لسان العرب" 3/ 1535 (رأف)، "البحر المحيط" 1/ 426. (¬2) نقله عنه في "تهذيب اللغة" 2/ 1323، وينظر: "لسان العرب" 3/ 1535 (رأف). وينظر في بيان معاني الرؤوف: "اشتقاق أسماء الله" للزجاجي ص 86. (¬3) قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وشعبة عن عاصم: (رؤف)، بهمزة من غير واو. وقرأ الباقون بواو بعد الهمزة. ينظر "السبعة" ص 171، "النشر" 2/ 223. (¬4) في (أ)، (م): (على وزن رعف الوزن). (¬5) البيت لكعب بن مالك الأنصاري في "ديوانه" ص 236، "تفسير الثعلبي" 1/ 1240 وروايته: نطيع رسولنا، "لسان العرب" 3/ 1535 "رأف"، وروايته: نطيع ربنا، "تاج العروس" 12/ 221 (رجف). (¬6) هو الوليد بن عقبة بن أبي معيط، واسم أبي معيط أبان بن عمرو، أسلم يوم فتح =

144

وشرُّ الطالبين (¬1) فلا تَكُنْه ... يقاتل عمَّه الرؤوفَ الرحيما (¬2) وكثر ذلك حتى قاله غيرهم، قال جرير: ترى للمسلمين عليك حقًّا ... كفعل الوالد (¬3) الرؤوف الرحيم (¬4) (¬5) 144 - قوله تعالى: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ} الآية. قال المفسرون: كانت الكعبة أحبَّ القبلتين إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. قال ابن عباس: لأنها كانت قبلة أبيه إبراهيم (¬6). وقال مجاهد (¬7) ومقاتل (¬8) وابن زيد (¬9): لأنه كره موافقة اليهود (¬10). ¬

_ = مكة، كان من الشعراء المطبوعين، قال الأصمعي كان شاعرًا كريمًا، توفي بالرقة. ينظر: "أسد الغابة" 5/ 451، "الإصابة" 3/ 637. (¬1) في (أ)، (م): (للطالبين). (¬2) البيت للوليد في "الحجة" لأبي علي 2/ 230، ابن عطية في "تفسيره" 2/ 12، "تفسير القرطبي" 2/ 145، "البحر المحيط" 1/ 601، "أنساب الأشراف" ص 140، "تاريخ الطبري" 5/ 236. وورد البيت في بعض المصادر هكذا: وشر الظالمين للظالمين فلا تكنه ... يقابل عمه الرؤف الرحيمُ (¬3) في (ش): (الوليد). (¬4) البيت لجرير في "ديوانه" ص 412، "الخزانة" 4/ 222، "الكامل" للمبرد 2/ 139، "تفسير الثعلبي" 1/ 1241، "البحر المحيط" 1/ 601. (¬5) من كلام أبي علي في "الحجة" 2/ 229 - 230. (¬6) رواه عنه الطبري 2/ 20، وابن أبي حاتم 1/ 253، وذكره الثعلبي 1/ 1242. (¬7) رواه عنه الطبري 2/ 20، وذكره الثعلبي 1/ 1242، وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" 1/ 269 إلى عبد بن حميد. (¬8) ذكره الثعلبي 1/ 1242، والحيري في "الكفاية" 1/ 80. (¬9) رواه عنه الطبري 2/ 20، وذكره الثعلبي 1/ 1242. (¬10) وثم قول ثالث روي عن السدي، وهو ليتألف العرب لمحبتها في الكعبة. ينظر "البحر المحيط" 1/ 428.

وقال عامة المفسرين: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه كانوا بمكة يصلّون إلى الكعبة، فلما هاجروا إلى المدينة أمره الله أن يصلي نحو صخرة بيت المقدس؛ ليكون أقرب إلى تصديق اليهود إياه إذا صلى إلى قبلتهم (¬1). وقال ابن زيد: قال الله لنبيه - صلى الله عليه وسلم -: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} فقال: هؤلاء اليهود يستقبلون بيتًا من بيوت الله، فلو استقبلناه، فاستقبله النبي - صلى الله عليه وسلم - سبعة عشر شهرًا (¬2). ثم رأى أن الصلاة إلى الكعبة أدعى لقومه إلى الإسلام، فقال لجبريل: وددت (¬3) أنّ الله صرفني عن قبلة اليهود إلى غيرها، فقال له جبريل: إنما أنا عبد مثلك، وأنت كريم على ربك، فادع ربك وسَلْه، ثم ارتفع جبريل، وجعل رسول الله يديم النظر إلى السماء؛ رَجَاء أن يأتيه جبريل بالذي سأل ربه، فأنزل الله تعالى: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ} (¬4). ¬

_ (¬1) عزاه لعامة المفسرين: الثعلبي 1/ 1241. وينظر: "الناسخ والمنسوخ" لأبي عبيد برقم 21، "صحيح البخاري مع الفتح" 1/ 95، ومسلم (525) كتاب المساجد، باب: تحويل القبلة من القدس إلى الكعبة، "تفسير الطبري" 2/ 20، "الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه" لمكي ص 126، "تفسير البغوي" 1/ 161، "التفسير الكبير" 3/ 109، "تفسير الخازن" 1/ 120، "العجاب" لابن حجر 1/ 396. (¬2) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 20 بلفظ: ستة عشر شهرًا، وذكره الثعلبي 1/ 1242، ويوحي صنيع الواحدي أن ما بعده تبع له، وليس الأمر كذلك. (¬3) في (م): (وودت). (¬4) كذا في "تفسير مقاتل" 1/ 144، "تفسير الثعلبي" 1/ 1243، "تفسير البغوي"، عن مجاهد 1/ 161، "العجاب" لابن حجر 1/ 395، وقال في "الدر المنثور" 1/ 269: أخرجه أبو داود في "ناسخه" عن أبي العالية. وذكره الواحدي ص 46، =

قال أصحاب المعاني: أراد: تَقَلُّبَ عينيك، فذكرهما بلفظ الوجه، كما ذكر الأعين بلفظ الوجوه في قوله: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة:22 - 23]، وذلك أنّ ما تقع به المواجهة يسمّى وجهًا، كاللحية قد يطلق عليها اسم الوجه. ويجوز أن يريد نفس الوجه؛ لأنه كما يقلب عينيه في السماء يقلب وجهه (¬1). وقوله تعالى: {فِي السَّمَاءِ} أي: في النظر إلى السماء. وقوله تعالى: {فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً} يقال، وَلَّيْتُكَ القبلة،: إذا صيرتَه يستقبلها (¬2) بوجهه، وليس في (فعلت) منه هذا المعنى؛ لأنك إذا قلت: وَلِيتُ الحائط، ووليت الجدران، لم يكن في قولك دلالة على أنك واجهته. فَفَعَّلت من هذه الكلمة ليس بمنقول من (فَعَلت) الذي هو وَلِيتُ، فيكون على حد قولك: فَرِحَ وفرّحْتُه، ولكن المعنى الذي هو المواجهة عارض (¬3) في فَعّلت، ولم يكن في (فَعَلْت)، وإذا كان كذلك كان فيه دلالة على أن النقل لم يكن من فَعَلت، كما كان قولهم: ألقيتُ متاعَك بعضه على بعض، لم يكن النقل فيه (¬4) من: لقي متاعك بعضه بعضًا، ولكن ¬

_ = عن ابن عباس من رواية الكلبي، وأخرج بعضه الطبري في "تفسيره" 2/ 20، والنحاس في "الناسخ والمنسوخ" ص 15، من طريق علي بن طلحة عن ابن عباس. (¬1) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 221، "تفسير الثعلبي" 1/ 1243، "المحرر الوجيز" 2/ 13، "تفسير القرطبي" 2/ 145، والوجه الثاني هو الذي ذكره الطبري في "تفسيره" 2/ 20. (¬2) في (م): (مستقبلها). (¬3) في (ش): كأنها (يمارض). (¬4) في (ش): (فيه دلالة).

(ألقيت) كقولك: أسقطت، ولو كان منه زاد مفعول آخر في الكلام، ولم يحتج في تعديته إلى المفعول الثاني إلى حرف الجر في قولك: ألقيت متاعك بعضه على بعض، كما لم يحتج إليه في قولك: ضرب زيد عمرًا، وأضربته إياه، ونحو ذلك. فكذلك: وَلَّيْتُكَ قبلةً، من قولك: وَلِيتُ، كألقيت، من قولك: لَقِيتُ (¬1). وقد جاءت هذه الكلمة مستعملة على خلاف المقابلة والمواجهة، وذلك نحو: {ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ} [البقرة: 83] {وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى} [يوسف: 84] {ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ} [البقرة: 64] {عَبَسَ وَتَوَلَّى} [عبس: 1] {فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا} [النجم: 29]، فهذه مع (¬2) دخول الزيادةِ الفِعْلَ. وفي غير الزيادة قوله: {وَلَّى مُدْبِرًا} [النمل: 10]، وقوله: {ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ} [التوبة: 25]، وقوله: {مُدْبِرِينَ} حال مؤكدة؛ لأن في {وَلَّيْتُمْ} دلالة على أنهم مدبرون، وهذا على نحوين: أما ما لحق التاءُ أولَّه، فإنه يجوز أن يكون من باب: تَحَوَّب (¬3) وتأثم، إذا ترك الحُوب (¬4) والإثم، فكذلك إذا ترك الجهة التي هي المقابلة. وأما الذي لا زيادة فيه، فيجوز أن تكون الكلمة استعملت على الشيء وعلى خلافه، كالحروف المروية في الأضداد، وقد روي في الأضداد: ولّى: إذا أقبل، وولّى: إذا أدبر (¬5). ¬

_ (¬1) من كلام أبي علي في "الحجة" 2/ 230. (¬2) في (ش): فهذا (دخول). (¬3) في (أ)، (م): (تحرب). (¬4) في (أ)، (م): (الحرب). (¬5) من كلام أبي علي في "الحجة" 2/ 231 - 232 بمعناه.

وقوله تعالى: {تَرْضَاهَا} أي: تحبها وتهواها (¬1)؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان راضيًا بالقبلة الأولى، مطيعًا لله في حال صلاته إليها (¬2)، ولكنه أحبّ أن (¬3) تكون قبلته الكعبة، للمعاني التي ذكرنا (¬4). وقوله تعالى: {فَوَلِّ وَجْهَكَ} أي: أقبل وجهك نحوه. وقوله تعالى: {شَطْرَ الْمَسْجِدِ} أي: قصدَه ونحوَه، ومعنى الشطر: النحو عند أهل اللغة، يقولون: وَلِّ وجْهَك نحوَ الموضع، وشطرَه، وتلِقَاءه بمعنًى. قال الشاعر: وأظعنُ بالقوم شَطْر الملوك ... حتى إذا خَفَق المِجْدَحُ (¬5) وقال آخر: أقول لأم زِنباعَ أقيمي ... صُدورَ العِيس شَطْرَ بني تميمِ (¬6) ¬

_ (¬1) ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1243. (¬2) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 222. (¬3) أن ساقطة من (م). (¬4) تقدمت في أول الآية. (¬5) البيت لدرهم بن زيد الأنصاري، في "تفسير الثعلبي" 1/ 1244، "مجمل اللغة" 1/ 180، "الكشاف" 1/ 201، "أساس البلاغة" 2/ 72، "تاج العروس" 4/ 22 (جرح)، "لسان العرب" 1/ 559، 2/ 1214. والمجدح: نجم من النجوم كانت العرب تزعم أنها تمطر به، كقولهم الأنواء. وجواب إذا خفق المجدح، في البيت الذي بعده وهو قوله: أمرت صحابي بأن ينزلوا ... فناموا قليلًا وقد أصبحوا (¬6) البيت لأبي زنباع الجذامي، في "الدرر" 3/ 90، "لسان العرب" 4/ 2263 "شطر"، ولأبي ذؤيب الهذلي في "شرح أشعار الهذليين" 1/ 363، وبلا نسبة في "شرح ديوان الحماسة" للمرزوقي 2/ 705.

وقال سُدَيف: أقِمْ قصدَ وجهك شطرَ العراق ... وخالَ الخليفة فاستَمْطِرِ (¬1) قال أبو اسحاق: لا اختلاف بين أهل اللغة أن الشطر معناه: النحو. قال: وقول الناس: فلان شاطر، معناه: إنه قد أخذ في نحو غير الاستواء. قال: ونصب قوله: {شَطْرَ الْمَسْجِدِ} على الظرف (¬2). وقوله تعالى: {اَلْحَرَامِ} بمعنى المحرم، وأصله: من المنع، وسمِّيت تلك البقعة حرامًا لما منع فيها من أشياء لم تمنع في غيرها (¬3)، ونذكر الكلام في الحرام والحرمات في موضع آخر. {وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ} في بر أو بحر (¬4)، وذكرنا الكلام في حيث عند قوله: {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} [البقرة: 199]. {فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} فيه إضمار واختصار، أي: وحيثما كنتم، وأردتم الصلاة، فولّوا وجوهكم شطره. قال المفسرون: إن أول ما نسخ من أمور الشرع أمر القبلة (¬5). وهذه ¬

_ (¬1) البيت بلا نسبة في "جمهرة اللغة" 2/ 728. (¬2) بتصرف من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 222، ونقل الإجماع على النحو ابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 156، وينظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 220 - 221، "التبيان" للعكبري ص 99. وينظر في معاني الشطر: "تفسير الطبري" 2/ 20 - 21، "مجاز القرآن" لأبي عبيدة ص 60، "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة ص 64، "المفردات" ص 264، "تفسير القرطبي" 2/ 146. (¬3) ينظر: "لسان العرب" 2/ 847 - 848. (¬4) ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1244. (¬5) قاله ابن عباس كما رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 253 عنه، ورواه أبو داود في ناسخه كما في "الدر المنثور" 1/ 269، ورواه الطبري عن الحسن وعكرمة 2/ 4، وينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1241.

الآية نزلت ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مسجد بني سلمة، وقد صلّى بأصحابه (¬1) ركعتين من صلاة الظهر، فتحول في الصلاة نحو الكعبة، وحول الرجالَ مكانَ النساء، والنساءَ مكانَ الرجال، فسمي ذلك مسجد القبلتين (¬2). فلما حولت القبلة إلى الكعبة قالت اليهود: يا محمد، ما أُمرت بهذا، وإنما هو شيء تبتدعه من تلقاء نفسك! فأنزل الله سبحانه: {وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ} (¬3)، والكناية في {أَنَّهُ} يجوز أن ترجع إلى المسجد الحرام، أي: إنهم عالمون أن المسجد الحرام قِبْلَة إبراهيم وأنه حق. ¬

_ (¬1) في (م): (أصحابه). (¬2) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1244 عن مجاهد وغيره، وينظر: "تفسير البغوي" 1/ 162، (الخازن) 1/ 121. (¬3) ذكره مقاتل في "تفسيره" 1/ 146، وذكره هكذا الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1244، والبغوي 1/ 162، وأخرج الطبري 2/ 24 - 25 نحوه عن السدي، وقد اختلفت الروايات كثيرًا في الوقت والمكان والكيفية التي غيرت فيها القبلة، وقد ذكر جملة منها: السيوطي في "الدر المنثور" 1/ 267 - 273. وقال الحافظ ابن حجر في "الفتح" 1/ 503: اختلفت الرواية في الصلاة التي تحولت القبلة عندها، وكذا في المسجد، فظاهر حديث البراء هذا أنها الظهر، وذكر محمد بن سعد في "الطبقات" قال: يقال: إنه صلى ركعتين من الظهر في مسجده بالمسلمين، ثم أمر أن يتوجه إلى المسجد الحرام، فاستدار إليه، ودار معه المسلمون، ويقال: زار النبي - صلى الله عليه وسلم - أم بشر بن البراء بن معرور في بني سلمة، فصنعت له طعامًا، وحانت الظهر، فصلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأصحابه ركعتين، ثم أمر فاستدار إلى الكعبة، واستقبل الميزاب، فسمي مسجد القبلتين. قال ابن سعد: قال الواقدي: هذا أثبت عندنا. وذكر ابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 157، خلاف العلماء في وقت تحويل القبلة فلينظر.

145

ويجوز أن تعود الكناية إلى التولية (¬1)، لأن قوله: {فَلَنُوَلِّيَنَّكَ} دل على المصدر، كما أن قوله: {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ} [آل عمران: 180] دل على البخل، فكنى عنه بقوله: {هُوَ خَيْرًا لَهُمْ}. والتولية وإن كان في لفظ المؤنث فهو مصدر، وحكى ابن الأنباري: أن أبا عمرو الدوري روى عن الكسائي: أن الهاء تعود على الشطر (¬2)، والمعنى عنده: لَيَعْلَمُون أن شطره الذي تحولتم إليه هو الحق من ربهم (¬3). وقوله تعالى: {وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ} قال ابن عباس: يريد أنكم يا معشر المؤمنين تطلبون مرضاتي، وما أنا بغافل عن ثوابكم وجزائكم. وإن اليهود يطلبون سخطي، وما أنا بغافل عن خِزْيِهم في الدنيا والآخرة (¬4)، 145 - وقوله تعالى: {وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} الآية، معنى (لئن): ما تستقبل، ومعنى (لو): ماض، وحقيقة معنى (لو): أنها يمتنع بها الشيء لامتناع غيره، تقول: لو جئتني لأكرمتك، أي: لم تجئني، فلم أكرمك، فإنما امتنع إكرامي لامتناع مجيئك (¬5). ومعنى إن {وَلَئِنْ}: أنه يقع بهما الشيء لوقوع غيره، تقول: إن تأتني أكرمْك، فالإكرام يقع بوقوع ¬

_ (¬1) وهذا اختيار الطبري في "تفسيره" 2/ 23، وينظر: "زاد المسير" 1/ 156 - 157، "تفسير القرطبي" 2/ 147. (¬2) ينظر: "البحر المحيط" 1/ 430. (¬3) ينظر في الأقوال: "تفسير الطبري" 2/ 23، "زاد المسير" 1/ 157، "البحر المحيط" 1/ 430، "الدر المنثور" 1/ 267 - 269. (¬4) ذكره البغوي في "تفسيره" 1/ 163. (¬5) بمعناه من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 224، وينظر: "الكتاب" لسيبويه 4/ 224, "المقتضب" للمبرد 3/ 75.

الإتيان (¬1). فقولهم: (لئن) تستعمل فيما يستقبل، وجوابها يقع بالمستقبل، و (لو) تستعمل في الماضي، وجوابها يقع بالماضي، كقولك: لئن قمتَ لأقومنّ، ولو قمتَ قمتُ، هذا معنى الكلمتين ووضعهما في الأصل. ثم إنّ العرب لما استجازت في الفعل المستقبل والماضي أن يقوم أحدهما مقام الآخر، استجازت تقريب إحدى هاتين الكلمتين من الأخرى في الجواب؛ لذلك أجيبت لئن بجواب لو في هذه الآية (¬2). ومثل هذا من تقريب إحداهما من الأخرى في التنزيل قوله: {وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا} [الروم: 51]، أجيب (لئن) بجواب (لو). وأجيبت (لو) بجواب (لئن) في قوله: {وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ} [البقرة: 103] فقوله: {لَمَثُوبَةٌ} ميعاد للثواب في المستقبل، ومثل هذا يكون جوابًا لقولك: لئن. وهذا معنى قول الفراء؛ لأنه قال؛ أجيبت لئن بجواب لو؛ لأن الماضي وليها، كما يلي لو، فأجيبت بجواب لو، ودخلت كل واحدة منهما على أختها، وشبهت كل واحدة بصاحبتها (¬3). ¬

_ (¬1) بمعناه من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 224، وينظر: "الكتاب" لسيبويه 3/ 77، و 107، و 108، "المقتضب" للمبرد 2/ 46 - 47، و 362. (¬2) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 223. (¬3) "معاني القرآن" للفراء 1/ 84، واختاره الطبري 2/ 24، ورده الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 224، وينظر: "التبيان" للعكبري ص 99، وقال متعقبا رأي الفراء: وهو بعيد، لأن إن للمستقبل، ولو للماضي. وقال أبو حيان، "البحر المحيط" 1/ 430: اللام في (ولئن) هي التي تؤذن بقسم محذوف متقدم، فقد اجتمع القسم المتقدم المحذوف والشرط متأخر عنه، فالجواب للقسم، وهو قوله: (ما تبعوا)؛ ولذلك لم تدخله الماء، وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم عليه، وهو =

فأما التفسير: فإن اليهود والنصارى طلبوا من النبي - صلى الله عليه وسلم - الآيات، فأنزل الله هذه الآية، وقد علم أهل الكتابين أن محمدًا حقّ، وصفته ونبوته في كتابهم، ولكنهم جحدوا مع تحقق علمهم، وما تغني الآيات عند من يجحد ما يعرف (¬1)؛ لذلك قال -عز من قائل-: {مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ}. فإن قيل: كيف قال هذا، وقد آمن منهم كثير؟ قيل: هذا إخبار عن جميعهم أنهم كلهم لا يفعلون (¬2) ذلك (¬3). وقيل: إنه أراد الفريق الذين هم أهل العناد، وهم الذين عناهم بقوله: {وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ} (¬4). وقوله تعالى: {وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ} حسم بهذا إطماع اليهود في رجوعه - صلى الله عليه وسلم - إلى قبلتهم، لأنهم كانوا يطمعون. وأكّد بهذا أنه لا ينسخ التوجه ¬

_ = منفي بما، ماضي الفعل، مستقبل المعنى. ثم رد مذهب الفراء بقوله: وهذا الذي قاله الفراء هو بناء على مذهبه أن المقسم إذا تقدم على الشرط جاز أن يكون الجواب للشرط دون القسم، وليس هذا مذهب البصريين، بل الجواب يكون للقسم بشرطه المذكور في النحو، واستعمال (إن) بمعنى (لو) قليل، فلا ينبغي أن يحمل على ذلك، إذا ساغ إقرارها على وضع أصلها. وقال ابن عطية في: "المحرر الوجيز" 2/ 17: وجاء جواب لئن كجواب لو، وهي ضدها في أن لو تطلب المضي والوقوع، وإن تطلب الاستقبال؛ لأنهما جميعاً يترتب قبلهما معنى القسم، فالجواب إنما هو للقسم، لا أن أحد الحرفين يقع موقع الآخر، هذا قول سيبويه. (¬1) ينظر: "تفسير مقاتل" 1/ 147، "تفسير الطبري" 2/ 24، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 224، "تفسير الثعلبي" 1/ 1245، "الكفاية" 1/ 18، "تفسير البغوي" 1/ 163. (¬2) في (ش): (لا يعقلون). (¬3) ينظر: "المحرر الوجيز" 2/ 17، "التفسير الكبير" 4/ 125، ونسبه إلى الحسن. (¬4) ينظر: "البحر المحيط" 1/ 431.

إلى الكعبة (¬1)، وقيل في هذا: إنه لما قال: {مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ} قال: {وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ} على المقابلة، كما تقول: ما هم بتاركي إنكار الحق، وما أنت بتارك الاعتراف به، ويكون الذي جرّ الكلام الثاني التقابل للكلام الأول، وهو حسن من كلام البلغاء (¬2). وقوله تعالى: {وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ} أخبر أنهم وإن اتفقوا في الظاهر على النبي - صلى الله عليه وسلم - مختلفون فيما بينهم. فاليهود تستقبل بيت المقدس، والنصارى تستقبل المشرق. واليهود لا تتبع قبلة النصارى، ولا النصارى تتبع قبلة اليهود (¬3). وقوله تعالى: {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ} أي: صليت إلى قبلتهم {مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ} أن قبلة الله الكعبة {إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ} أي: إنك إذن مثلهم (¬4)، وأجيبت (لئن) ها هنا بجواب مثلها؛ لأنه أراد فيما يستقبل من الزمان. وذكر أهل التأويل في قوله: {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ} وجهين: أحدهما: أن الخطاب له - صلى الله عليه وسلم - في الظاهر وهو في المعنى لأمته، كما قال: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ} [الطلاق: 1]. والثاني: أن الله تعالى خاطب نبيه -عليه السلام- بهذا مهددًا أمته، أي: إذا استحققت منا مثل ذا الجزاء عند مخالفة، لو وقعت منك، ولن تقع أبدًا ¬

_ (¬1) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 24، "البحر المحيط" 1/ 432. (¬2) ينظر: "البحر المحيط" 1/ 432. (¬3) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 24، 25 والثعلبي 1/ 1246، "التفسير الكبير" 4/ 126، "البحر المحيط" 1/ 432، " المحرر الوجيز" 2/ 17 - 18. (¬4) ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1246.

146

كانوا هم أجدر وأخلق، بتكاثف الأوزار، واجتماع الآثام، عند ما يظهر منهم من إيثار الضلال والانحراف عن الحق. وذكر وجه ثالث: وهو أن معنى {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ} أي: في المداراة معهم حرصًا على إيمانهم {إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ} لنفسك، إذ قد أعلمتك أنهم لا يؤمنون (¬1). وذكرنا الكلام في معنى (إذن) عند قوله: {فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا} [النساء: 53]. 146 - قوله تعالى: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ} الآية، الكناية في {يَعْرِفُونَهُ} تعود إلى محمد - صلى الله عليه وسلم - عند أكثر المفسرين (¬2). وكنى عن محمد، وقد تقدم ذكره في الخطاب؛ على عادة العرب في تلوين الخطاب. ويشهد بصحة (¬3) هذا التأويل: ما روي أن عبد الله بن سلام قال لما نزلت هذه الآية، وسئل عن معرفته محمدًا - صلى الله عليه وسلم -، فقال: والله لأنا بمحمد وصحة نبوته أعرف مني بابني؛ لأني لا أشك في أمره، ولا أدري ما أحدث النساء (¬4). ¬

_ (¬1) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 224، "المحرر الوجيز" 2/ 18 - 19. (¬2) ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1246، وعزاه في "المحرر الوجيز" 2/ 21 إلى قتاده ومجاهد، وعزاه في: "زاد المسير" 1/ 158 إلى ابن عباس، ولم يذكر ابن كثير في "تفسيره" 1/ 207 غيره، وقال في "البحر المحيط" 1/ 435: "واختاره الزجاج ورجحه التبريزي، وبدأ به الزمخشري" وهو الذي رجحه أبو حيان. (¬3) في (م): (على صحة). (¬4) أخرجه الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1246، من حديث ابن عباس، وفيه الكلبي، وينظر "الفتح السماوي" 1/ 195، "الوسيط" للواحدي 1/ 215، وذكره السمرقندي في "بحر العلوم" 1/ 166، والحيري في "الكفاية" 1/ 82، =

وقال قتادة (¬1) والربيع (¬2) وابن زيد (¬3): معناه: يعرفون أن أمر القبلة حق (¬4) وقوله تعالى: {لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ} قال ابن عباس: يعني النبي - صلى الله عليه وسلم - وصفته في التوراة (¬5)، وقال قتادة (¬6) والربيع (¬7): يريد به: القبلة، والمسجد، والبيت، وأمر الكعبة (¬8). ¬

_ = والسمعاني في "تفسيره" 2/ 92، والواحدي في "أسباب النزول" ص 47، والبغوي في "تفسيره" 1/ 164، وأورده القرطبي في "تفسيره" بصيغة التمريض 2/ 149. وعزاه ابن حجر في "العجاب" 1/ 399 إلى يحيى بن سلام. (¬1) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 25، وذكره ابن أبي حاتم 1/ 255. (¬2) رواه عنه الطبري 2/ 26، وذكره ابن أبي حاتم 1/ 255، وروي عنه ما يوافق القول الأول، أخرجه عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 1/ 271. (¬3) رواه عنه الطبري في 2/ 26. (¬4) وهذا اختيار الطبري في "تفسيره" 2/ 26، ورواه أيضا عن ابن عباس والسدي، كما رواه ابن أبي حاتم عنهما في "تفسيره" 1/ 255، وينظر: "زاد المسير" 1/ 158، قال الحافظ ابن حجر في "العجاب" 1/ 400: وحاصله أن الضمير في قوله: (يعرفونه) للنبي - صلى الله عليه وسلم -، وهو في آية الأنعام بعيد، وأما في آية البقرة فمحتمل، وقد جاء أن الضمير للبيت الحرام، كذا قال مقاتل بن سليمان. (¬5) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1247، ولم ينسبه لأحد، ورواه الطبري في "تفسيره" 2/ 26 - 27، وابن أبي حاتم 1/ 256 عن مجاهد، كما رواه ابن جرير 2/ 27، عن قتادة وخصيف بن عبد الرحمن. (¬6) روى الطبري في "تفسيره" عن قتادة 2/ 27 ما يوافق القول الأول. (¬7) رواه عنه الطبري 2/ 27، وابن أبي حاتم 1/ 256. (¬8) ينظر: "تفسير مقاتل" 1/ 148، وعزاه في "زاد المسير" 1/ 158 إلى السدي، وقد جمع الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1247 بين القولين.

147

وقوله تعالى: {وَهُمْ يعَلَمُونَ} لأن الله بيّن ذلك في كتابهم. 147 - ثم قال: {الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ} أي: هذا الحق من ربك (¬1). وقوله تعالى: {فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} لفظ خاص، ومعناه العموم، والخطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم -، والمراد غيره (¬2). والمعنى: فلا تكونن من الممترين في الجملة التي أخبرتك من أمر القبلة، وعناد من كتم النبوة، وامتناعهم من الإيمان بك (¬3)، والمِرْيَة: الشك، ومنه: الامتراء والتماري (¬4). 148 - قوله تعالى: {وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ} مختصر، أراد: ولكل أهل دين وِجهة (¬5). والوِجهة: اسم للمتوجَّه إليه. وقيل: الوجهة: الجهة. قال الفراء: تقول العرب: هذا أمر ليس له وِجْهَةٌ، وليس له وَجْه (¬6). قال: وسمعت العرب تقول (¬7): وجِّه الحجر، وجِهةٌ مَّا لَه، وَوِجهةٌ مَّا لَه، ووَجهةٌ مَّا لَه (¬8)، وجِهة مَّا له، ووَجْه ما له، معناه: ضعه غير هذه ¬

_ (¬1) ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1247. (¬2) ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 124، وقال: وكل ما ورد عليك من هذا النحو فهو سبيله. (¬3) ينظر: "المحرر الوجيز" 2/ 21، 22، "تفسير القرطبي" 2/ 149 - 150. (¬4) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 27، "زاد المسير" 1/ 158، "تفسير القرطبي" 2/ 150، وقال الراغب في "المفردات" ص 469: المرية: التردد في الأمر، وهو أخصمن الشك، والامتراء والمماراة: المحاجة فيما فيه مرية. (¬5) ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1248. (¬6) في "معاني القرآن" للفراء 1/ 90 زيادة: وليس له جهة. (¬7) سقطت من (م). (¬8) في "معاني القرآن" 1/ 90، وسمعتهم يقولون: وجه الحجر، جهةٌ ما له، ووجهة ما له، ووجهٌ ما له. وينظر: "اللسان" 8/ 4775، "تهذيب اللغة" 4/ 3842 "وجه".

الوَضْعة، والضِّعة والضَّعَة (¬1). وأصله في البناء (¬2)، يقولون: إذا رأيت الحجر في البناء لم يقع موقعه فأدِرْه، فإنه سيقع على جهته (¬3). قال أبو إسحاق: ومثله: وَضْعة وضِعَة وضَعَة (¬4). وقوله تعالى: {هُوَ مُوَلِّيهَا} ذكرنا معنى التولية في قوله: {فَلَنُوَلِّيَنَّكَ} [البقرة: 144]. وقوله: {هُوَ} (¬5) ضمير اسم الله (¬6) وقد حذف من الكلام أحد مفعولي الفعل الذي يتعدى إلى مفعولين وهو التولية، والتولية تقتضي (¬7) مفعولين، كقوله: {فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً} [البقرة: 144]. والتقدير هاهنا: الله موليها إياه، وإياه ضمير كل الموجَّه (¬8) المولَّى، وتولية الله إياه إنما هي بأمره له بالتوجه إليها، أو بإرادته ذلك، هذا قول أبي علي (¬9). ¬

_ (¬1) في (ش) لم يكرر: ما له. وليس فيها: والضعه والضعة. (¬2) في "معاني القرآن" للفراء 1/ 90: ويقولون: ضعه غير هذه الوضعة، والضِّعة والضَّعة، ومعناه: وجِّه الحجر فله جهة، وهو مَثَلٌ. (¬3) من "معاني القرآن" للفراء 1/ 90 بتصرف، وينظر في معاني الكلمة: "المفردات" ص 529، "اللسان" 8/ 4776 (وجه). (¬4) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 225، ونصه: وكذلك يقال: ضَعَةٌ، ووَضْعة، وضِعَة. (¬5) قال ابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 159: وفي هو ثلاثة أقوال: أحدها: أنها ترجع إلى الله تعالى، فالمعنى: الله موليها إياهم، أي: أمرهم بالتوجه إليها. والثاني: ترجع إلى المتولي، فالمعنى: هو موليها نفسه، فيكون هو ضمير كل. والثالث: يرجع إلى البيت، قاله مجاهد، أمر كل قوم أن يصلوا إلى الكعبة. (¬6) قوله: (اسم الله) سقطت من (ش). (¬7) قوله: (أحد مفعولي ..) سقطت من (ش). (¬8) في (ش): (المؤخر). (¬9) ينظر: "الحجة" 2/ 239.

وقال أبو إسحاق: قال أكثر أهل اللغة (¬1): هو ضمير لكل، المعنى: هو مولّيها وَجْهَة، وجاء قوله: {هُوَ مُوَلِّيهَا} على لفظ كل، ولو قيل: هم (¬2) مولّوها على المعنى كما قال: {وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ} [النمل: 87]، كان حسنًا، يريد: كل أهل وجهة هم الذين ولّوا وجوههم إلى تلك الجهة (¬3)، ونحو هذا قال الفراء، فقال: هو مولّيها: مستقبلها، الفعل لكلٍ، يريد: كلٌّ مولّي وجهه إليها. والتولية في هذا الموضع: الإقبال، وفي {يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ} [آل عمران: 111] {ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ} [التوبة: 25] نصراف، وهو كقولك في الكلام: انصرِفْ إليّ، أي: أقبِلْ إلي، وانصرف إلى أهلك، أي: اذهب إلى أهلك (¬4)، وهذا وجه آخر في ولّى، بمعنى: أقبل، وبمعنى: أدبر، غير ما ذكرنا في قوله {فَلَنُوَلّيَنَكَ} أنّ (ولّى) من الأضداد. قال الزجاج: وكلا القولين جائز (¬5)، أي: أن يكون {هُوَ} كناية عن الله تعالى. وأن يكون كناية عن كلّ. ¬

_ (¬1) في "معاني القرآن" للزجاج: قال بعض أهل اللغة. وهو أكثر القول. (¬2) في (أ)، (م): (هو). (¬3) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 225، وليس عنده: وجاء قوله كان حسنًا، وقال في "البحر المحيط" 1/ 437: (وهو)، من قوله: (موليها)، عائد على (كل)، على لفظه، لا على معناه، أي: هو مستقبلها وموجه إليها صلاته التي يتقرب بها، والمفعول الثاني لموليها محذوف؛ لفهم المعنى، أي: هو موليها وجهه أو نفسه، قاله ابن عباس وعطاء والربيع، ويؤيد أن هو عائد على كل، قراءة من قرأ: هو مولاها. (¬4) ينظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 85 بمعناه. (¬5) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 225.

وقرأ ابن عامر (¬1): (هو مولّاها) (¬2). وعلى هذه القراءة الكناية تعود إلى كل فقط، والمفعولان مذكوران، وذلك أنه حذف الفاعل، وأضاف المفعول الأول إلى المفعول الآخر، الذي هو ضمير المؤنث العائد إلى الوجهة، أي: كلٌّ وُلِّي جهةً، وهذه القراءة تؤول في المعنى إلى القراءة الأولى (¬3)؛ لأن التولية في المعنى استقبال، وما استقبلك فقد استقبلته، وما استقبلته فقد استقبلك. وقال أبو (¬4) الحسن النحوي فيما قرأته عليه: من قرأ بفتح اللام فحجته قوله: {فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً} فلما كان الله هو الذي يولّي القبلةَ فالإنسان مولًّى (¬5) إياها، ومن قرأ بكسر اللام قال: لما كان الله هو الذي يولّي المتوجه القبلة؛ كان إسناد التولية إليه أولى. وموضع {هُوَ مُوَلِّيهَا} رفع؛ لأنها جملة وقعت صفةً لقوله {وِجْهَةٌ} (¬6). وقال الحسن في هذه الآية: هو كقوله: {لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا} [الحج: 67] (¬7). ¬

_ (¬1) في (م): (عباس). وعند الفراء في "معاني القرآن" 1/ 85: وقرأ ابن عباس وغيره. وكذا عند الطبري 2/ 29. (¬2) ينظر: "السبعة" ص 171، "الكشف" لمكي 1/ 267، "النشر" 2/ 223. (¬3) من كلام أبي علي في "الحجة" 2/ 240، وزاد: ألا ترى أن في (موليها) ضمير اسم الله عز وجل، فإذا أسند الفعل إلى المفعول به، وبناه له، ففاعل التولية هو الله تعالى، كما كانت القراءة الأخرى كذلك. (¬4) في (ش) سقطت (أبو). (¬5) في (ش) و (م): كتبت (مولي) بنقطتين. (¬6) ينظر: "التبيان" للعكبري ص 99 - 100، "البحر المحيط" 1/ 437. (¬7) وفي "البحر المحيط" 1/ 437: وقال الحسن: وجهة: طريقة، كما قال: (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا).

وقوله تعالى: {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} قال أهل التفسير: أراد: إلى الخيرات، فحذف حرف الجر (¬1)، كقول الراعي: ثنائي عليكم يَا ابْنَ حَرْبٍ وَمَنْ يَمِلْ ... سواكم فإني مهتدٍ غيرُ مائل (¬2) قال النحويون: ودعوى (¬3) الحذف لا يطرد هاهنا، وليس (¬4) الحذف من ضرورة هذا الكلام، فإن العرب تقول: استبقنا موضع كذا، أي: قصدناه متسابقين، كقوله تعالى: {وَاسْتَبَقَا الْبَابَ} [يوسف: 25] وقوله: {فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ} [يس: 66] وقلَّ ما تراه مستعملا مع الخافض. وقوله تعالى: {أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ} قال الفراء: إذا رأيت حروف الاستفهام قد وُصِلت بـ (ما) مثل: أينما، ومتى ما، وكيف ما {أَيًّا مَا تَدْعُوا} [الإسراء: 110] كانت جزاء ولم تكن استفهامًا. فإذا لم توصل بـ (ما) كان الأغلب عليها الاستفهام، وجاز فيها الجزاء، فإذا كانت جزاءً جزمت الفعلين، الفعلَ الذي مع أينما وأخواتها، وجوابَه، كقوله: {أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ}. فإذا أدخلت الفاء في الجواب، رفعت الجواب فقلت في مثله من الكلام: أينما تكن فآتيك، ومثله قوله: {وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ} [البقرة: ¬

_ (¬1) ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1249، "تفسير البغوي" 1/ 164،"البحر المحيط" 1/ 439، "الدر المصون" 1/ 407. (¬2) البيت للراعي النميري، في مدح يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، ينظر "ديوانه" ص 191، "تفسير الثعلبي" 1/ 1249، "البحر المحيط" 1/ 439، "الدر المصون" 1/ 407 وموضع الشاهد قوله: ومن يمل سواكم، أراد: ومن يمل إلى سواكم. (¬3) في (ش): (ومعنى دعوى). (¬4) سقطت من: (ش).

126]. فإذا كانت استفهامًا رفعت الفعل الذي يلي: أين، وكيف، ثم تجزم (¬1) الفعل الثاني؛ ليكون جوابًا للاستفهام بمعنى الجزاء، كما تقول: هل أدلك على بيتي تأتني؟ (¬2). فإذا (¬3) أدخلْتَ في جواب الاستفهام فاءً نصبتَ، كما تقول: هل أدلك على بيتي فتأتيني؟ قال: ومثله قوله: {وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ} [المنافقون: 10] (¬4). وقال أبو إسحاق: إنما تجزم ما بعدها، لأنها إذا وصلت بما جزمت ما بعدها، وكان الكلام شرطًا، وكان الجواب جزمًا كالشرط، وإن كانت استفهامًا، نحو: أين زيد؟ فأجبته أجبت بالجزم، تقول: أين بيتُك أزرْكَ؟ المعنى: إن (¬5) أعرف بيتك أزرك (¬6). قال أبو علي، فيما استدرك عليه (¬7): لا فائدة تحت قوله: إنها إذا وصلت بما جُزِمت (¬8)؛ لأنها تجزم ما بعدها في الشرط والجزاء، وُصلت ¬

_ (¬1) في (م): (وجزمت). في (أ)، (م): (فإن). (¬2) ذكر الفراء في "معاني القرآن" 1/ 86 مثالا غير هذا، فقال: كما قال الله تبارك وتعالى: {هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} ثم أجاب الاستفهام بالجزم، فقال: تبارك وتعالى: (يغفر لكم ذنوبكم). (¬3) في (أ)، (م): (فإن). (¬4) من "معاني القرآن" للفراء 6/ 85 - 86. (¬5) في (ش): (أين). (¬6) بتصرف يسير من، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 226. (¬7) يعني في كتاب "الإغفال" لأبي علي الفارسي. (¬8) كرر كلام أبي إسحاق في نسخة (ش) وهو زيادة لا داعي لها.

بـ (ما)، أو لم توصل بها، فقوله إذن لا فائدة فيه، ولا نكتة تحته، كما لا فائدة في قول القائل: الفعل يرفعُ الفاعل إذا كان ماضيًا؛ لأنه يرفع ماضيًا كان أو آتيًا (¬1)، ومما جزم أين (¬2) من غير وصلها بـ (ما). قول الشاعر: أين تصرِفْ بنا الغداة تجدنا ... نصرف العيس نحوها للتلاقي (¬3) (¬4) وأما التفسير: فلأهل التفسير في هذه الآية طريقان: أحدهما: التعميم. والثاني: التخصيص. فأما التخصيص فقوله: {وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا} أراد: القبلة في الصلاة لكل أهل دين (¬5)، كما ذكرنا. وقوله {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} قال الزجاج: أي: فبادروا إلى القبول من الله عز وجل، وولّوا وجوهكم حيث أمركم الله أن تولوا (¬6). وعلى هذا {الْخَيْرَاتِ} على صيغتها من العموم، وهي مخصوصة؛ لأنه أراد الابتدارَ إلى استقبال الكعبة. وقوله تعالى: {أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا} قيل: إنه في ¬

_ (¬1) "الإغفال" ص 387. (¬2) في (ش): (أي). (¬3) البيت لابن همام السلولي في "الكتاب" 3/ 58، وبلا نسبة في "الإغفال" ص 389، "شرح ابن يعيش" 4/ 105، "المقتضب" 2/ 48، "شرح الأشموني" 3/ 580، والرواية في بعض نسخ "الإغفال" وبعض المصادر: أين تضرب بنا العُداة (¬4) من "الإغفال" ص 389، باختصار. (¬5) ينظر أثر ابن عباس والسدي وابن أبي زيد ومجاهد والربيع وعطاء في هذا: عند ابن جرير 2/ 28، 29، وابن أبي حاتم 1/ 256 - 257. (¬6) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 226، وينظر أثر قتادة عند الطبري في "تفسيره" 2/ 30.

149

المؤمنين خاصة، ومعناه: إن الذي سبق في علم الله أنه يصلي إلى الكعبة، فأينما يكونوا في شرق الأرض وغربها، وفي أصلاب الآباء وأرحام الأمهات، يجمعهم الله على التوجه إلى هذه القبلة، فهذا محمول على صرف وجوه الناس إلى الكعبة للصلاة والمناسك (¬1). وأما التعميم فقوله: {وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا} قال عطاء، عن ابن عباس: يريد: من أراد وجهَ الله قبِلَ اللهُ منه، ومن أراد غير ذلك فإن الله يجزيه (¬2)، يعني: ان من طلب في جميع ما يأتي وجهَ الله قبِلَ الله منه، ومن رايا وطلب غير الله بعلمه عَلِمَ الله ذلك منه. وهذا كما قال سعيد بن جبير في هذه الآية قال: لكلٍّ طريقةٌ هو مجبور عليها. وهذا كقوله: {قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ} [الإسراء: 84] وكقوله: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة: 48]. وقوله: {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} قال ابن عباس: يريد: تنافسوا فيما رغب فيه من الخير لكل عنده ثوابه (¬3) (¬4). 149 - وقوله تعالى: {أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا} أي: أينما تكونوا يجمعكم الله للحساب فيجزيكم بأعمالكم (¬5). ¬

_ (¬1) ينظر: "زاد المسير" 1/ 159، "البحر المحيط" 1/ 439. (¬2) تقدم الحديث عن هذه الرواية. (¬3) تقدم الحديث عن هذه الرواية، وينظر: "تفسير الطبري" 2/ 30 حيث روى عن الربيع وابن أبي زيد ما يدل على العموم، وكذا ابن أبي حاتم 1/ 257، وينظر: "زاد المسير" 1/ 159، "البحر المحيط" 1/ 439، "التفسير الكبير" 4/ 131 - 133. (¬4) من قوله: (وقوله تعالى: ...) ساقط من (أ)، (م). (¬5) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 30، والثعلبي 1/ 1249، "البحر المحيط" 1/ 439.

149

149 - قوله تعالى: {وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ} الهاء تعود على شطر المسجد، ويجوز أن تعود إلى التوجه المدلول عليه بقوله: {فَوَلِّ وَجْهَكَ} (¬1)، ومعنى: {لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ} أي: بأمره وحكمه (¬2). 150 - قوله تعالى: {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ} إنما كرر هذا؛ لأن هذا من مواضع التوكيد؛ لأجل النسخ الذي نُقلوا فيه من جهة إلى جهة للتقرير (¬3). وقوله تعالى {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ} قيل: الحجة: فُعلة، من الحج الذي هو القصد، لأنها مقصودة للمخاصم، ومنه: المحجّة: لأنها تقصد بالسلوك. والمخاصمةُ يقال لها: المحاجّة؛ لقصد كل واحد من الخصمين إلى إقامة بينته وإبطال ما في يد صاحبه (¬4). وقوله تعالى {إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا} اختلف العلماء في وجه هذا الاستثناء، وهم في هذه الآية فريقان: فريق أوّلوا الآية على سياقها، وصححوا الاستثناء على ظاهره (¬5)، ¬

_ (¬1) وهذا اختيار الطبري في "تفسيره" 2/ 30، وينظر: "التبيان" للعكبري ص 100. (¬2) قال الطبري 2/ 30: وان التوجه شطره للحق الذي لا شك فيه من عند ربك، فحافظوا عليه، وأطيعوا الله في توجهكم قِبَله. وقال في "البحر المحيط" 1/ 439. هذا إخبار من الله تعالى بأن استقبال هذه القبلة هو الحق، أي الثابت الذي لا يعرض له نسخ ولا تبديل. (¬3) ينظر: "تفسير البغوي" 1/ 165، "المحرر الوجيز" 2/ 24. (¬4) ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1250، "المفردات" ص 115، "لسان العرب" 2/ 779 (حجج). (¬5) بين أبو حيان في "البحر المحيط" 1/ 441 أن الاستثناء في الآية متصل، ونسبه إلى ابن عباس، قال: واختاره الطبري، وبدأ به ابن عطية، ولم يذكر الزمخشري غيره، وذلك أنه متى أمكن الاستثناء المتصل إمكانًا حسنًا كان أولى من غيره.

وهم مجاهد (¬1) وعطاء (¬2) وقتادة (¬3) والربيع (¬4) والسدي (¬5) وابن جرير (¬6) وأبو روق (¬7) (¬8)، قالوا: الناس هاهنا اليهود، كانوا يحتجون على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في صلاتهم إلى بيت المقدس، ويقولون: ما درى محمد وأصحابه أين قبلتهم حتى هديناهم نحن، ويقولون: يخالفنا محمد في ديننا ويتبع قبلتنا (¬9). وهذا كان حجتهم التي كانوا يحتجون بها على المؤمنين، على وجه الخصومة والتمويه بها على الجهال، فلما صرفت القبلة إلى الكعبة بطلت هذه الحجة (¬10). ثم قال: {إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا} وهم المشركون، فإنهم قالوا: قد تحيّر محمد في دينه، فتوجه إلى قبلتنا، وعلِم أنّا (¬11) أهدى سبيلًا منه، ويوشك ¬

_ (¬1) ينظر: "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 259، وذكره الثعلبي 1/ 1251. (¬2) رواه عنه الطبري 2/ 32، وذكره الثعلبي 1/ 1251. (¬3) رواه عنه الطبري 2/ 32، وذكره الثعلبي 1/ 1251. (¬4) رواه الطبري 2/ 32، وذكره الثعلبي 1/ 1251. (¬5) رواه عنه الطبري 2/ 32، وذكره الثعلبي 1/ 1251. (¬6) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 31 - 35. (¬7) هو عطية بن الحارث الهمداني الكوفي صدوق، صاحب تفسير، عده ابن حجر من طبقة صغار التابعين، ينظر: "تقريب التهذيب" ص 393 (4615)، "الجرح والتعديل" 3/ 382. (¬8) ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1254. (¬9) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 31 - 32، 2/ 19 - 20، والثعلبي 1/ 1251، والبغوي 1/ 165، و"زاد المسير" 1/ 159 - 160، وزاد نسبة هذا القول لابن عباس وأبي العالية ومقاتل. (¬10) ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1251، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 226 - 227، "البحر المحيط" 1/ 442. (¬11) في (ش): (أننا).

أن يرجع إلى ديننا (¬1)، فهؤلاء تبقى لهم (¬2) الخصومة. والحجةُ قد تكون بمعنى الخصومة، كقوله: {لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُم} [الشورى: 15]، أي: لا خصومة (¬3). قال أبو روق: حجة اليهود أنّهم كانوا قد عرفوا أنّ النبيّ المبعوث في آخر الزمان قبلته الكعبة، وأنه يحوَّل إليها، فلما رأوا محمدًا - صلى الله عليه وسلم - يصلي إلى الصخرة واحتجوا بذلك، فصرفت قبلته إلى الكعبة؛ لئلا يكون لهم عليه حجة إلا الذين ظلموا منهم (¬4)، يريد: إلا الظالمين الذين يكتمون ما عرفوا من أنه يُحَوَّل إلى الكعبة. وقال المفضَّل بن سلمة (¬5): المراد بالناس في هذه الآية: جميع الناس، كانوا يحتجّون على النبي - صلى الله عليه وسلم - بأنه (¬6) لو كان نبيًّا لكانت له قبلة، ولم يصلّ إلى قبلة اليهود، فلما حُوِّلت قبلته إلى الكعبة، بطل هذا الاحتجاج، إلا أن الظالمين يتعنتون ويخاصمون. فيقول المشركون ومن دان بدينهم: ¬

_ (¬1) ذكر ذلك الطبري في "تفسيره" 2/ 32 - 34، وابن أبي حاتم 1/ 258، بسنده عن أبي العالية، ثم ذكر عن مجاهد وعطاء والسدي وقتادة والربيع بن أنس والضحاك، وينظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 1251، والبغوي 1/ 156. (¬2) في (أ)، (م): (فهو لانتقالهم الخصومة). (¬3) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 31، "تفسير الثعلبي" 1/ 1252. (¬4) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1254، والبغوي 1/ 165، وقد ذكر الرازي في "تفسيره" 4/ 140 أربعة أوجه لتأويل كون الاستثناء متصلًا. (¬5) هو المفضل بن سلمة بن عاصم، أبو طالب الضبي، لغوي، كان كوفي المذهب في النحو، لقي ابن الأعرابي وغيره من العلماء، توفي في نحو 290 هـ كما في "الأعلام". ينظر: "إنباه الرواة" 3/ 305، "بغية الوعاة" 2/ 296 - 297، "الأعلام" 7/ 279. (¬6) في (م): (لأنه).

إنما رجع إلى الكعبة؛ لأنها قبلة آبائه وهي الحق، وكذا يرجع إلى ديننا، ويقول اليهود: إنما انصرف عن بيت المقدس مع علمه بأنه حق؛ لأنه يفعل برأيه ويزعم أنه أُمِرَ به. وهذا مذهب أبي إسحاق، فإنه يقول: المعنى: لأن لا يكون للناس عليكم حجة إلا من ظلم باحتجاجه فيما قد وضح له، كما تقول: مالك علي حجة، وحجته داحضة عند الله -عز وجل- قال الله تعالى: {حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ} [الشورى: 16]، فسماها حجة مع بطلانها. وعلى هذا المذهب موضع (الذين) خفض على البدل من الناس: كما تقول: ما مررت بأحد إلا زيد. ويجوز أن يكون موضعه نصبًا على الاستثناء، كما يستثنى بعد الإيجاب؛ كقوله: {مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ} [النساء: 66] من رفعه جعله بدلًا من الواو، ومن نصبه نصبه على الاستثناء (¬1)، وكذلك: {وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ} [هود: 81]، رفعًا ونصبًا (¬2). وأما الفريق الثاني فإنهم لم يصححوا الاستثناء، وعدلوا به عن ظاهره، وهم الأخفش والمؤرج والفراء ومعمر بن المثنى. قال الفراء والمؤرج: هذا استثناء منقطع من الكلام الأول، ومعناه: لأن لا يكون للناس كلهم عليكم حجة إلا الذين ظلموا فإنهم يحاجّونكم بالظلم. هذا معنى قولهما، ثم قال الفراء: وهو كما تقول في الكلام: الناس كلهم حامدون إلا الظالم لك، فإن ذلك لا يُعتدّ به وبتركه الحمد لعداوته لك، وكذلك: الظالم لا حجة له وقد سمّي ظالمًا. ¬

_ (¬1) قرأ ابن عامر بنصب قليل والباقون برفعها، ينظر: "السبعة" ص 235. (¬2) قرأ ابن كثير وأبو عمرو إلا امرأتك برفع التاء. والباقون بنصبها. ينظر: "السبعة" ص 338.

قال ابن الأنباري: (إلاَّ) في الاستثناء المنقطع له معنيان: أحدهما: أن يكون الذي بعدها مستأنفًا، يلابس الأول من جهة عائد عليه منها، أو معنى يقرب به منه، كقول القائل: قعدنا نتذاكر الخير وما يقرّبنا من الله، إلا أن قومًا يبغضون ما كنا فيه. فالذي بعد (إلا) مستأنف، يلبس بالأول من جهة المعنى، وذلك بغضهم لما كانوا فيه، فتأويل إلا: لكن قومًا. ولو لم يلتبس ما بعد (إلا) بما قبلها من وجه لم يكن الاستثناء معنى على جهة إيصال ولا انقطاع، ولذلك يقول النحويون: (إلا) في الاستثناء المنقطع بمنزلة (لكن)، لأن الذي بعد (لكن) مستأنف. وبهذا قال الأخفش في هذه الآية، لأنه قال: معناه: لكن الذين ظلموا، كقوله: {مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ} [النساء: 157] يعني: لكن الذين يتبعون الظن {وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (19) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى} [الليل:19 - 20]، يعني: لكن يبتغي، فيكون منقطعًا من الكلام الأول. وأما المتصل فإنه يخرج من أسماء تشاكله ومن فعل يخالف بخروجه منه ما قبله من الأسماء المذكورة، كما تقول: خرج القوم إلا زيدًا، فزيد من جنس القوم قد خالفهم بترك الخروج. والمنقطع لا يكون مخرجًا من الأسماء التي قبل إلا في الظاهر، ولكن من معنى من معاني الكلام يجب به الملابسة كما ذكرنا. والمعنى الثاني في الاستثناء المنقطع: أن يكون مؤكدًا لما قبله، وذلك أن الرجل إذا قال: ارتحل الناس إلا الأثقال، أكّد ارتحال الناس بقوله: إلا الأثقال، وذهب إلى أنه إذا لم يبق إلا الأثقال، كان القوم كلهم مرتحلين، وكان تأويله: ارتحل الناس كلهم. وكذلك: مضى العسكر إلا الأبنية والخيام، معناه: مضوا أجمعون؛ لأنه إذا لم يبق إلا بناء وخيمة كان

القوم غير متخلف منهم واحد. ومنه قوله عز وجل: {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ} [النساء: 23] معناه: لكن ما قد سلف وأنتم غير مؤاخذين، فهو مستأنف يلابس الأول، إذ كان أخرج من الأمور التي فيها المآثم والأوزار، فجعل لا مأثم فيه ولا وزر، ومثله قول النابغة: ......... وما بالربع من أحد إلا أواري ......... (¬1) معناه: لكن، وضم الاستثناء؛ لأنها كانت مستثناة ممن كان بالربع، فالربع كان يشملهم، وهذا ملابسة بينهما، وأيضًا فإن هذا التأكيد لخلو الأرض؛ لأنه إذا لم يبق في الدار إلا الأواري كان خلوها من الإنس متيقنًا. فهذان المعنيان ذكرناهما في الاستثناء المنقطع تحتملهما الآية؛ لأن الظالمين وإن لم يكن لهم حجة فهم يموّهون ويحتجون بالباطل، وأيضًا: فإنه إذا لم يكن لأحد عليهم حجة إلا من كان ظالمًا كان في هذا تأكيدًا لنفي الحجة. فعلى المذهب الأول: الظالمون كانوا ظالمين بشركهم وكفرهم، وعلى المذهب الثاني: كانوا ظالمين لاحتجاجهم بما لا متعلق لهم به. وموضع (الذين) على هذا القول -وهو قول الفريق الثاني- نصب على أكثر العرب؛ لأنهم ينصبون ما كان من الاستثناء المنقطع كقوله: إلا أواريّ ...... ¬

_ (¬1) تمام البيتين: وقفتُ بها أصيلانًا أسائلها ... عيَّتْ جوابًا وما بالربع من أحدِ إلا الأواريَّ لأيًا ما أبينها ... والنؤيُ كالحوض بالمظلومة الجَلَدِ ينظر: "ديوانه" ص 9، "الأغاني" 11/ 27، "الخزانة" 2/ 122.

غير أن بني تميم يجيزون البدل، كما يكون الاستثناء متصلًا، وعلى لغتهم ينشد: وبلدةٍ ليس بها أنيسُ ... إلّا اليعافيرُ وإلّا العِيسُ (¬1) فجعل اليعافير بدلًا من الأنيس. والقرآن نزل بلغة أهل الحجاز فلذلك نصب كل مستثنى منقطع من الأول، كقوله: {إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ} [النساء: 157] وقوله: {فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ} ثم قال: {إِلَّا رَحْمَةً} [يس:43 - 44] وكذلك قوله: {إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ} [الليل: 20] (¬2). وقال معمر بن المثنى: إلا هاهنا معناها: الواو، فهو عطفٌ عُطِف به {الَّذِينَ} على {النَّاسِ}. والمعنى: لئلا يكون للناس والذين ظلموا عليكم حجة (¬3)، واحتُجَّ على هذا المذهب بأبيات منها (¬4): ¬

_ (¬1) الرجز لجران العود في "ديوانه" ص 97، "لسان العرب" 7/ 3938 (كنز)، وأوضح المسالك 2/ 261. (¬2) ينظر: "تفسير البغوي" 1/ 165، وقال في "البحر" 1/ 442 مبينا مثار الخلاف بين من قال بالاتصال والانقطاع هو: هل الحجة هو الدليل والبرهان الصحيح، أو الحجة هو الاحتجاج والخصومة؟ فإن كان الأول: فهو استثناء منقطع، وإن كان الثاني: فهو استثناء متصل. (¬3) ينظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 1/ 60 - 61، و"تفسير الثعلبي" 1/ 1255، و"تفسير البغوي" 1/ 166. (¬4) احتج أبو عبيدة بهذه الأبيات: الأول للأعشى: إلا كخارجةَ المكلِّفِ نفسَه ... وابني قبيصة أن أَغيبَ وأشهدا ومعناه: وخارجة. والثاني: لعنز بن دجاجة المازني: من كان أسرع في تفرق فالج ... فلبونُه جَرِبتْ معَا وأغدَّتِ إلا كناشرةَ الذي ضيّعتمُ ... كالغصن في غُلَوائه المتنبِّتِ يريد وناشرة الذي ضيعتم.

وكل أخٍ مفارقُهُ أخوه ... لَعَمْرُ أبيك إلا الفرقدان (¬1) فقال: أراد: والفرقدان أيضًا يفترقان. وما أنشده الأخفش (¬2): وأرى لها دارًا بأغْدِرَةِ السِّيـ ... ـدَانِ لم يَدْرُس لها رَسْمُ إلّا رَمَادًا خامدًا دَفَعَتْ ... عنهُ الرِّياحَ خَوَالِد سُحْمُ (¬3) أراد: أرى دارًا ورمادًا (¬4). وهذا القول عند الفراء خطأ (¬5)؛ لأن (إلا) (¬6) لا يُخرج عن الاستثناء إلى النسق حتى يتقدمها عدد لا يصلح أن يستثنى منه، فتجري مجرى الواو إذا بطل فيها معنى الاستثناء، بيانه: قولك: لي على فلان ألفٌ إلا عشرةً إلا ¬

_ (¬1) البيت. نسب لعمرو بن معدي كرب، ينظر: "ديوانه" ص178، "الكتاب" 2/ 334، "المؤتلف والمختلف" ص 151، ولعمرو أو لحضرمي في "خزانة الأدب" 3/ 421. وهو بلا نسبة في "تفسير الثعلبي" 1/ 1255، "لسان العرب" 6/ 3402 "فرقد". والفرقدان: نجمان في السماء لا يغربان. (¬2) ينظر: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 152. (¬3) البيت للمُخَبَّل السعدي، ينظر: "ديوانه" ص 312، "تفسير الثعلبي" 1/ 1256، "لسان العرب" 2/ 1225 (خلد)، "المفضليات" ص 113 - 114. والأغدرة: جمع غدير، السِّيدان: أرض لبني سعد. الخوالد: البواقي وعنى بها: الأثافي. سحم: ذات لون يضرب إلى السواد. (¬4) سقط من (ش). (¬5) ينظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 89، وخطأه أيضًا الطبري في "تفسيره" 2/ 33 - 34، وقال في "البحر المحيط" 1/ 442: وإثبات إلا بمعنى الواو، لا يقوم عليه دليل، والاستثناء سائغ فيما ادعى فيه أن إلا بمعنى الواو، وكان أبو عبيدة يضعَّف في النحو، ثم نقل تخطئة الزجاج لهذا القول. (¬6) كتبت في (ش): (لئلا).

مائةً، لا يصلح استثناء المائة من العشرة، فعادت المائة إلى الألف لا بالاستثناء ولكن بالعطف، كأنك أغفلت المائة فاستدركتها فقلت: اللهم إلا مائة فالمعنى: لي عليه ألف ومائة، وكما قال الشاعر: ما بالمدينة دارٌ غيرُ واحدةٍ ... دارُ الخليفة إلا دارُ مروانا (¬1) كأنه قال: ما بالمدينة دار إلا دار الخليفة ودار مروان (¬2). فعند الفراء إنما تكون (إلا) (¬3) بمنزله الواو إذا عطفتها على استثناء قبلها، لا يصلح أن يكون الثاني استثناء من الأول، كما بيّنا، ومن الناس من صوّب أبا عبيدة في مذهبه، وصحح قوله بما احتج به من الشعر. وقال قطرب: الاستثناء في هذه الآية من الضمير في {عَلَيْكُمْ}، المعنى: لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا على الذين ظلموا منهم فإن عليهم الحجة (¬4)، وهذا الوجه اختيار أبي منصور الأزهري. حكاه لي أحمد بن إبراهيم المقبري -رحمه الله- عن الحسن بن محرم، عنه. قال أبو بكر بن الأنباري: وهذا عندي بعيد رديء (¬5)؛ لأن المكني المخفوض لا ينسق عليه إلا بإعادة الخافض، ولأن (¬6) الكاف والميم في عليكم، للمخاطبين، فلو استثنى الذين ظلموا منهم لقال: إلا الذين ظلموا ¬

_ (¬1) البيت للفرزدق في "الكتاب" 2/ 340، وليس في "ديوانه"، وبلا نسبة في "تذكره النحاة" ص 596، "المقتضب" 4/ 425. (¬2) ينظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 89 - 90. (¬3) سقطت من (ش). (¬4) ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1257، "التفسير الكبير" 4/ 140، "البحر المحيط" 1/ 442، وممن ضَّعف هذا: الطبري في "تفسيره" 2/ 34. (¬5) ساقط من (أ)، (م). (¬6) في (ش): (ولكن).

منكم، فلما قال: (منهم) دلّ بالغيبة على أنّ الذين ظلموا لم (¬1) يُستثنَوا من الكاف والميم. وقوله تعالى: {فَلَا تَخْشَوْهُمْ} الكناية ترجع إلى الذين ظلموا، والمعنى: لا تخشوهم في انصرافكم إلى الكعبة، وفي تظاهرهم عليكم في المحاجّة والمحاربة (¬2)، فإني وليكم، أُظْهركم عليهم بالحجة والنصرة (¬3). {وَاخْشَوْنِي} في تركها ومخالفتها (¬4). {وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ} عطف على قوله: {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ} (¬5)، ولكن (¬6) أتم نعمتي عليكم بهدايتي إياكم إلى قبلة إبراهيم فتتم لكم الملة الحنيفية (¬7). قال عطاء: عن ابن عباس: {وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ} يريد: في الدنيا والآخرة، أما الدنيا: فأنصركم على عدوكم، وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأولادهم، وأما في الآخرة: ففي رحمتي وجنتي، وأزوجكم من الحور العين (¬8). وقال علي - رضي الله عنه -: تمام النعمة: الموت على الإسلام. ¬

_ (¬1) في (ش): (من). (¬2) في (ش): (والمجابهة). (¬3) ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1257. (¬4) ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1257، والطبري 2/ 35، و"معالم التنزيل" 1/ 166. (¬5) ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1258، "البحر المحيط" 1/ 422، "التبيان" ص 105. (¬6) هكذا وردت في الأصول، ووردت في "الثعلبي": ولكي. وهي أوضح في المعنى. (¬7) ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1258، والطبري 2/ 35، والبغوي 1/ 166. (¬8) تقدم الحديث عن هذه الرواية في المقدمة.

151

وعنه أيضًا: النعم ست: الإسلام (¬1) (¬2)، والقرآن، ومحمد - صلى الله عليه وسلم -، والستر، والعافية، والغنى عما في أيدي الناس (¬3). وقوله تعالى: {وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} ذكرنا معنى (لعل) فيما تقدم (¬4)، ونظمُ الكلام يوجب طرح الواو؛ لأن معناه: ولأتم (¬5) نعمتي عليكم لعلكم تهتدون بنعمتي، إلا أنه قد يحسن استعمال الواو في مثل هذا الموضع، ويستفاد منه أن يكون ما بعده جملة مبتدئة تتضمن الاتصال بما سبق من الكلام، ويحسن حذف الواو فيكون حينئذ اتصالًا محضًا لا يتضمن استئناف جملة، مثاله: أن تقول: أعطيتك وأكرمتك أرجو رُشْدك، ويحسن أن تقول: وأرجو رُشْدك، أي: بالإكرام والإعطاء، وإن كانت جملة مبتدئة. 151 - قوله تعالى: {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ} الآية، تكلم النحويون وأرباب المعاني في أن الكاف في قوله: {كَمَا أَرْسَلْنَا} بماذا تتعلق، فذكروا فيه قولين (¬6)، أحدهما: أنه متعلق بما قبله، وهو من صلة {وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي}، فيكون المعنى: ولأتم نعمتي عليكم كإرسالي إليكم رسولًا، أي: ¬

_ (¬1) ساقطة من (ش). (¬2) ذكره عنه الثعلبي 1/ 1258، والبغوي 1/ 166. (¬3) ذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1258، وذكر أبوحيان في "البحر المحيط" 1/ 443: ثمانية أقوال في معنى تمام النعمة، قال فيها: صدرت مصدر المثال، لا مصدر التعيين، وكل فيها نعمة. (¬4) وقد ذكر الثعلبي في هذا الموضع من "تفسيره" 1/ 1258 - 1260: معاني لعل. (¬5) في (ش): (لأتم). (¬6) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 36، والثعلبي 1/ 1262.

أتم هذه كما أتممت تلك، وبيان هذا: ما ذكر محمد بن جرير، قال: إن إبراهيم عليه السلام دعا بدعوتين: إحداهما: قوله {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا} [البقرة: 128]. الثانية: قوله تعالى: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ} [البقرة: 129] وهو محمد - صلى الله عليه وسلم -، فالله تعالى قال: {وَلِأُتِمَّ نِعمَتِى} ببيان شرائع ملتكم الحنيفية، وأهديكم لدين خليلي إبراهيم، {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ} يعني (¬1): فكما أجبتُ دعوته بابتعاث الرسول، كذلك أجيب دعوته بأن أهديكم لدينه، وأجعلكم مسلمين، فيكون هذا إجابةً لدعوته حيث قال: {وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً} (¬2) وهذا الوجه اختيار الفراء (¬3). القول الثاني: أن {كَمَا أَرْسَلْنَا} جواب لقوله: {فَاذْكُرُونِي} معناه: فاذكروني أذكركم كما أرسلنا، فيكون هذا بمنزلة جزاءٍ له جوابان، أحدهما: مقدم، والآخر: مؤخر، ومثله من الكلام: إذا أتاك عبد الله فأتِه (¬4) تُرْضِه، فقد صارت فأتِه ترْضِه جوابين (¬5). ¬

_ (¬1) في (ش): (معنى). (¬2) "تفسير الطبري" 1/ 35 - 36 بتصرف. ورجحه مكي بن أبي طالب في "مشكل إعراب القرآن" 1/ 114، وينظر: "البحر المحيط" 1/ 444. (¬3) "معاني القرآن" للفراء 1/ 92، وينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1262. (¬4) في (ش): كتبت: (فأنه). (¬5) ينظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 92، وذكر الثعلبي في "تفسيره" 1/ 262، وأبو حيان في "البحر المحيط" 1/ 444 أن هذا قول مجاهد وعطاء والكلبي ومقاتل، وهو اختيار الأخفش والزجاج وابن كيسان والأصم، وردّ الطبري في "تفسيره" 2/ 36 قول من قال: معنى الآية: فاذكروني كما أرسلنا فيكم رسولا منكم أذكركم =

قال ابن الأنباري: وفسر بعض (¬1) أصحابنا هذا تفسيرًا شافيًا. فقال: (كما) شرط، والفاء في قوله: {فَاذْكُرُونِي} جوابه، و {أَذْكُرْكُمْ} جواب الشرط المقدر من الأمر في {فَاذْكُرُونِي} وكذلك: إذا أتاك عبد الله فأتِه تُرضِه، (إذا) محمولة على معنى الشرط، والفاء جواب (¬2) له، فلما جعل له جواب لشرط مقدر من الإتيان، قال: ولو اقتصر على قوله: {فَاذْكُرُونِي} كان (كما) جوابًا له، فلما جُعِلَ له جوابٌ كان (كما) مذهوبًا به مذهب الشرط. وهذا القول موافق لتفسير الآية؛ لأن الآية خطاب لمشركي العرب (¬3)، خاطبهم الله تعالى بما دلّهم على إثبات رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - فقال: {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ} محمدًا، وهو رجل منكم أمي، تعلمون أنه لم يتلُ كتابًا، فأنبأكم (¬4) بأخبار الأنبياء، أىِ: فكما أنعمت عليكم بإرساله {فَاذْكُرُونِي} ¬

_ = وزعموا أن ذلك من المقدم الذي معناه التأخير، فأغربوا النزع وبعدوا من الإصابة، وحملوا الكلام على غير معناه المعروف، وسوى وجهه المفهوم. ثم فسر ذلك، ثم ذكر الرد على من قال بالجزاء الذي له جوابان، فقال: وهذا القول وإن كان مذهبا من المذاهب، فليس بالأسهل الأفصح في كلام العرب. وذكر في "البحر المحيط" 1/ 444: أن مكي بن أبي طالب رد هذا القول، وقال: لأن الأمر إذا كان له جواب لم يتعلق به فاقبله لاشتغاله بجوابه، وقد رد كلامه أبو حيان في "البحر" وفصَّل. (¬1) في (م): (وفسر هذا). (¬2) في نسخة (ش): (والفاء جوابها وترضه جواب الشرط مقدر من الإتيان ..) والمثبت من نسختي (أ)، (م). (¬3) ينظر: "تفسيرالثعلبي" 1/ 1262. (¬4) سقطت من (ش).

152

بتوحيدي، وتصديقه {أَذْكُرْكُمْ} برحمتي ومغفرتي والثناء عليكم (¬1). قال ابن عباس: قوله: {وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ} قال: هذا كله للمهاجرين والأنصار، فأوّل الآية الخطابُ عامٌّ؛ لأن الإرسال عام، وباقي الآية خاص؛ لأن تلاوته وتعليمه وتزكيته مما خص الله به أقوامًا دون (¬2). ومعنى قوله: {وَيُزَكِّيكُمْ} أي: يعرضكم لما تكونون به أزكياء، من الأمر بطاعة الله، واتباع مرضاته (¬3)، ويحتمل أن يكون المعنى: ينسبكم إلى أنكم أزكياء بشهادته لكم؛ ليعرفكم الناس به، وقد ذكرنا معنى التزكية فيما تقدم (¬4). 152 - قوله تعالى: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ} أصل الذكر في اللغة: التنبيه على الشيء، ومن ذكّرك شيئا فقد نبهك عليه، وإذا ذكرته فقد تنبهت عليه، والذَّكرُ أَنْبَهُ من الأنثى. وقوله: {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ} [الزخرف: 44] أي: شرف لك، من النباهة. ومعنى الذكر: حضور المعنى للنفس، ثم يكون تارة بالقلب، وتارة بالقول، وليس موجبه أن يكون بعد النسيان؛ لأنه يستعمل كثيرًا دون أن يتقدمه نسيان (¬5). ¬

_ (¬1) من كلام الزجاج 1/ 228، وينظر: "تفسير الطبري" 2/ 37، والثعلبي 1/ 1262 - 1265، والبغوي 1/ 167. (¬2) سقط في نسختي: (أ)، (م). وأما في (ش) فبياض بمقدار كلمة ولعلها (أقوام). (¬3) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 36 - 37. (¬4) ينظر ما تقدم في قوله: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ} [البقرة: 129]. (¬5) ينظر في الذكر: "البحر المحيط" 1/ 445 - 446، "لسان العرب" 3/ 1507 - 1509 (ذكر)، وقال الراغب في "المفردات" ص 184: الذكر ذكران: ذكر بالقلب، وذكر باللسان، وكل واحد منهما ضربان، ذكر عن نسيان، وذكر لا عن نسيان، بل عن إدامة الحفظ، وكل قول يقال له ذكر.

قال سعيد بن جُبير: (اذكروني) بطا عتي {أَذْكُرْكُمْ} بمغفرتي (¬1). وقيل: اذكروني بالدعاء أذكركم بالإجابة (¬2). وقوله تعالى: {وَاشْكُرُوا لِي} تقول العرب: شكرته وشكرت له، ونصحته ونصحت له، في أحرف تسمع ولا تقاس. فمن قال: شكرتك، أوقع اسم المنعم موقع النعمة، فعدّى الفعل بغير وسيطة، والأجود: شكرت لك؛ لأنه الأصل في الكلام، والأكثر في الاستعمال (¬3). والنعمة محذوفة من الآية؛ لأن معنى الكلام: واشكروا لي نعمتي؛ لأن حقيقة الشكر إنما هو إظهار النعمة، لا إظهار المنعم. وكذلك {وَلَا تَكْفُرُونِ} أي: لا تكفروا نعمتي (¬4)؛ لأن أصل الكفر إنما هو ستر النعمة (¬5) لا ستر ¬

_ (¬1) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 37، وأبو نعيم في "الحلية" 4/ 314، وذكره الثعلبي 1/ 1263، وعزاه في "الدر" 1/ 273 إلى عبد بن حميد، وأخرجه أبو الشيخ والديلمي من طريق جويبر عن ابن عباس مرفوعًا. (¬2) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1267. (¬3) ينظر: "تفسير الطبري" 1/ 37 - 38، "المفردات" ص 268، "لسان العرب" 4/ 2305 (شكر)، قال: يقال: شكرته، وشكرت له، وباللام أفصح، وقال الفراء في "معاني القرآن" 1/ 92: العرب لا تكاد تقول شكرتك، إنما تقول: شكرت لك، ونصحت لك، ولا يقولون: نصحتك، وربما قيلتا. وقال في "البحر المحيط" 1/ 447: وهو من الأفعال التي ذكر أنها تارة تتعدى بحرف الجر، وتارة تتعدى بنفسها وقالوا: إذا قلت شكرت لزيد، فالتقدير: شكرت لزيد صنيعه، فجعلوه مما يتعدى لواحد بحرف جر ولآخر بنفسه، ولذلك فسر الزمخشري هذا الموضع بقوله. واشكروا لي ما أنعمت به عليكم. (¬4) ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1269، "البحر المحيط" 1/ 447. (¬5) ينظر في الكفر: "تفسير الطبري" 2/ 37 - 38، وقال في "المفردات" ص 435: وكفر النعمة وكفرانها: سترها بترك أداء شكرها والكفران في جحود النعمة أكثر استعمالاً، والكفر في الدين أكثر، والكفور فيهما جميعًا.

المنعم. والأصل: لا تكفروني (¬1) بالياء، إلا أن أكثر ما جاء في القرآن حذف الياءات مع النون (¬2) (¬3)، وقد حذفت مع غير النون، كقوله: {يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ} (¬4) [ق: 41]. قال الفراء: وليست تتهيّب العرب حذف الياء من آخر الكلام (¬5)، إذا كان ما قبلها مكسورًا، من ذلك {أَكْرَمَنِ} {أَهَانَنِ} [الفجر: 15 - 16] و {أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ} [النمل: 36]، ومن غير النون {الْمُنَادِ} [ق:41] و {الدَّاعِ} [القمر: 8]، (¬6) يكتفي من الياء بكسر ما قبلها، ومن الواو بضمة ما قبلها، مثل: {سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (18)} [العلق: 18]، و {وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا (11)} [الإسراء: 11]. وقد تُسقط العرب الواو، وهي واو جِمَاع (¬7)، اكتفاءً بالضمة قبلها، فيقال في {ضَرَبُوا}: ضَرَبُ، وفي {قالوا}: قالُ، وهي في هوازن وعُليا قيس. قال بعضهم: إذا ما شاءُ ضرّوا من أرادوا ... ولا يألوهم أحدٌ ضرارا (¬8) (¬9) ¬

_ (¬1) في (ش)، (م): (لا تكفرون). (¬2) (النون) سقطت من (م). (¬3) ينظر: "الكتاب" لسيبويه 4/ 186، "المقتضب" 4/ 246. (¬4) في (م): (ينادى المنادي). (¬5) في (م): (النون). (¬6) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 228، وقال فيه: الأكثر الذي أتى به القراء حذف الياءات مع النون. (¬7) في (ش): (اجماع). (¬8) (ما) ساقطة من (أ)، (م). وفيهما: "ضرار". وفي (م)، (ش): (ضربوا)، وهو تحريف. (¬9) البيت بلا نسبة في "الإنصاف" ص 430، "همع الهوامع" 1/ 58، وأورده البغدادي في "شرح شواهد المغني" 2/ 859، وقال: هذا البيت مشهور في تصانيف =

153

وأنشد الكسائي: فلو أنّ الأطِبّا كانُ حولي ... وكان مع الأطبّاءِ الأُسَاةُ (¬1) (¬2) 153 - وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ} قال مقاتل: استعينوا على طلب الآخرة بالصبر على الفرائض، وبالصلوات الخمس في مواقيتها على تمحيص الذنوب (¬3). وذكرنا أن معنى الصبر في اللغة: الحبس (¬4)، فالاستعانة بالصبر هو أن يستعين على دينه بحبس النفس عن (¬5) الشهوات والمحارم، وحبسها على (¬6) الطاعات (¬7). ومعنى الاستعانة بالصلاة: قال الزجاج: أي: أنكم إذا صليتم تلوتم في صلاتكم ما تعرفون به فضل ما أنتم عليه، وكان ذلك لكم عونًا (¬8). وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} قال عطاء، عن ابن عباس: ¬

_ = العلماء، ولم يذكر أحد منهم قائله. وذكر الفراء في "معاني القرآن" 1/ 91 بيتًا هو: متى تقول خلت من أهلها الدار ... كأنهم بجناحي طائر طاروا (¬1) البيت بلا نسبة في "أسرار العربية" ص 317، "جواهر الأدب" ص 208، وينظر: "الخزانة" 2/ 385. والأُساة: جمع آس، وهو هنا: من يعالج الجرح. (¬2) من "معاني القرآن" للفراء 1/ 91. (¬3) ينظر: "تفسير مقاتل" 1/ 150، وعبارته: استعينوا على طلب الآخرة بالصبر على الفرائض والصلوات في مواقيتها نحو الكعبة، حين عيرتهم اليهود بترك قبلتهم. (¬4) ينظر في الصبر ومعناه وحقيقته: كتاب ابن القيم الماتع: "عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين". (¬5) في (ش): (من). (¬6) في (ش): (عن). (¬7) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 38. (¬8) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 229.

154

يقول: إني معكم أنصركم ولا أخذلكم (¬1). وقال أبو اسحاق: تأويله: أنه يظهر دينهم على سائر الأديان؛ لأن من كان الله معه فهو الغالب، كما قال عز وجل: {فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ} [المائدة: 56] (¬2). 154 - قوله تعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ} يرتفع بإضمار المكني، تقريره: لا تقولوا: هم أموات. ولا يجوز إيقاع القول على الأسماء، لا يجوز أن تقول: قلتُ عبد الله قائمًا، وإنما يجوز إيقاع القول على (¬3) اسم في معنى قول، من ذلك قولك: قلت خيرًا، وقلت شرًا، نصبتهما؛ لأنهما قول، كأنك قلت كلامًا حسنًا أو قبيحًا (¬4). نزلت الآية في قتلى بدر من المسلمين، وذلك أن الناس كانوا يقولون لمن يقتل في سبيل الله: مات فلان، وذهب عنه نعيم الدنيا ولذتها، فأنزل الله هذه الآية (¬5). ¬

_ (¬1) تقدم الحديث عن هذه الرواية في المقدمة. (¬2) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 229. (¬3) من قوله: (الأسماء ..) ساقط من (ش). (¬4) بمعناه من كلام الفراء في "معاني القرآن" 93/ 1، "تفسير الطبري" 38/ 2 - 39، "المحرر الوجيز" 2/ 30 - 31، "البحر المحيط" 1/ 448. (¬5) ذكره مقاتل في "تفسيره" 1/ 150، وعدَّ أسماء القتلى، وأبو الليث السمرقندي في "بحر العلوم" 1/ 169، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1269، والواحدي في "أسباب النزول" ص 47 - 48، والحيري في "الكفاية" 1/ 87، والسمعاني 2/ 100، والماوردي مختصرا في "النكت والعيون" 1/ 209، وعزاه السيوطي في "الدر" 1/ 384 لابن منده في المعرفة، من طريق السدي الصغير، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، وهذه سلسلة الكذب. وحكى ابن عطية في "المحرر" 2/ 30 - 31 في سببها، دون أن ينسبه إلى أحد، أن المؤمنين صعب عليهم فراق =

155

وقوله تعالى: {بَلْ أَحْيَاءٌ} أي: بل هم أحياء، والأحسن في حياة الشهداء، وكيفية وصفهم بها (¬1) ما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن أرواح الشهداء في أجوافِ طيرٍ خُضْرِ، تسرَحُ في ثمار الجنة، وتشرب من أنهارها، وتأوي بالليل إلى قناديلَ من نورِ معلّقةِ بالعرش (¬2) ". وقوله تعالى: {وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ} أي: ما هم فيه من النعيم والكرامة، وقيل {وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ} أنهم أحياء (¬3). فإن قيل: كيف لا يشعرون وقد أخبر الله بذلك؟ قلنا: أراد: لا يحسّون ذلك؛ لأنهم لا يشاهدون (¬4)، وهذا النوع من العلم مقتضى (¬5) الشِعْرِ، وذكرنا هذا في أول السورة (¬6)، وبيّنّا أنه لهذا المعنى لا يقال: الله يشعر. 155 - قوله تعالى {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ} النون فيه للتأكيد، واللام جواب قسم ¬

_ = إخوانهم وقراباتهم، فنزلت مسلية لهم، تعظم منزلة الشهداء، فصاروا مغبوطين لا محزونا عليهم. ينظر: "العجاب" لابن حجر 1/ 403 - 405، "البحر المحيط" 1/ 448. (¬1) سقطت من (م). (¬2) أخرجه مسلم عن عبد الله بن مسعود (1887) كتاب الإمارة، باب: بيان أن أرواح الشهداء في الجنة. (¬3) ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1270، "البحر المحيط" 1/ 448، وقال: ولكن لا تشعرون بكيفية حياتهم، ولو كان المعنى بأحياء: أنهم سيحيون يوم القيامة أو أنهم على هدى، فلا يقال فيه ولكن لا تشعرون؛ لأنهم قد شعروا به. (¬4) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 40. (¬5) في (ش): (فيقتضي). (¬6) عند قوله: {وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} [البقرة: 9].

محذوف، وفتحت الواو لالتقاء الساكنين في قول سيبويه، وقال غيره: إنّها مبنية على الفتح (¬1). ومعنى {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ} أي: نعاملكم معاملة المبتلي؛ لأن الله تعالى يعلم عواقب الأمور، فلا يحتاج إلى الابتلاء ليعرف العاقبة، ولكنه يعاملهم معاملة من يبتلي، فمن صبر أثابه على صبره، ومن لم يصبر لم يستحقّ الثواب، فيكون في ذلك إلزام الحجة (¬2). وقوله تعالى: {بِشَيْءٍ} ولم يقل: بأشياء، وقد ذكر بعده ما هو أشياء لمكان (من)، والمعنى: بشيء من الخوف وشيء (¬3) من الجوع، وهو كقول القائل: أعطني شيئًا من الدراهم، ومن الطعام، فيصير شيء كالمكرر في المعنى، ولو كان (بأشياء) كان صوابًا (¬4). قال ابن عباس: {مِنَ الْخَوْفِ} يعني خوف العدو (¬5)، {وَالْجُوعِ} يعني: المجاعة والقحط، {وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ} يعني: الخسران والنقصان ¬

_ (¬1) من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 230، وعنده: وقال غيره من أصحابه، وتتمة كلامه: وقد قال سيبويه في لام يفعل، لأنها مع ذلك قد تبنى على الفتحة، فالذين قالوا من أصحابه: إنها مبنية على الفتح غير خارجين من قول له، وكلا القولين جائز. ينظر: "الكتاب لسيبويه" 3/ 518 - 521. (¬2) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 41، "تفسير البغوي" 1/ 169. (¬3) في (م)، (ش): (شيئًا). (¬4) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 2312، "تفسير الطبري" 3/ 41، "البحر المحيط" 1/ 450، وقال: أفرده ليدل على التقليل؛ إذ لو جمعه فقال: بأشياء، لاحتمل أن تكون ضروبًا من كل واحد مما بعده. (¬5) ذكره عن ابن عباس: الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1274، والواحدي في "الوسيط" 1/ 236، و"البغوي" 1/ 169، "تفسير القرطبي" 2/ 159.

في المال وهلاك المواشي، {وَالْأَنْفُسِ} يعني: الموت والقتل. وقيل: المرض. وقيل: الشيب، {وَالثَّمَرَاتِ} يعني: الجوائح، وأن لا تخرج الثمرة كما كانت تخرج (¬1). قال أبو إسحاق وابن الأنباري: تأويل الآية: ولَنبلونّكم بشيء من الخوف والجوع لتصبروا عليه، فيكون صبركم داعيًا من يخالفكم من الكفار إلى أتباعكم والدخول فيما أنتم عليه، وذلك أنهم يقولون: لم يصبر هؤلاء القوم على هذا الدين الذي امتُحِنوا فيه بما امتُحِنوا ونالتهم فيه الشدائد إلا بعد ما قامت براهينُ صحته عندهم، ولم يداخلهم ريب في أنه هو الحق، فيكون ذلك أدعى إلى الإسلام (¬2). قال أبو بكر: وقيل في الآية: ولنختبرنّكم (¬3) بشيء من الخوف والجوع، لتنالوا به درجةً، وتصلوا معه إلى منزلة لولا هو ما وصلتم إليها، ولكي (¬4) تتضرعوا في كشفه عنكم، فتكتسبوا بذلك حظًا من الثواب جزيلًا. وقال الشافعي - رضي الله عنه -: يعني بالخوف: خوف الله عز وجل، وبالجوع: صيام شهر رمضان، وبنقص من الأموال: أداء الزكوات والصدقات، والأنفس: الأمراض، والثمرات: موت الأولاد؛ لأن ولد الرجل ثمرة قلبه (¬5). وقد ¬

_ (¬1) هذا من رواية عطاء وقد تقدم الحديث عنها، وقد ذكر هذا بتمامه: الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1274، وينظر: "تفسير البغوي" 1/ 169، "البحر المحيط" 1/ 450، (¬2) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 231. (¬3) في (ش): (لنختبرنكم). (¬4) في (م): (ولكن). (¬5) ذكره عن الشافعي: الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1274، والبغوي 1/ 169، والرازي 4/ 167، وأبو حيان في "البحر" 1/ 450، وذكره ابن كثير في "تفسيره" 1/ 211، قائلًا: وقد حكى بعض المفسرين، ثم قال: وفي هذا نظر.

156

سمى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الولد ثمرة القلب (¬1) في بعض الأحاديث. وفي قوله: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} دليل على أن من صبر على هذه المصائب أعطاه الله تعالى في العاجل والآجل ما هو أعمّ نفعًا له. 156 - قوله تعالى: {الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ} الآية، من الناس من يجعل {الَّذِينَ} مبتدأ، وخبره قوله: {أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ} ومنهم: من يجعله صفة للصابرين (¬2). وقوله تعالى: {أَصَابَتْهُمْ} يقال في المصدر: الإصابة، والمُصَابة، والمُصَاب. أنشد الفراء: فلو أنّا بكينا من مُصَابِ ... على حَدَثٍ بكينا سَيِّدَيْنَا ¬

_ (¬1) رواه البزار عن ابن عمر، وفيه: أبو مهدي سعيد بن سنان، وهو ضعيف متروك، ينظر: "مجمع الزوائد" للهيثمي 8/ 155، وينظر: "كنز العمال" 16/ 284، برقم 44485. وقد أخرج الترمذي في كتاب الجنائز، باب: فضل المصيبة إذا احتسب 3/ 332، (1021) عن أبي موسى الأشعري، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا مات ولد العبد، قال الله لملائكته: أقبضتم ولد عبدي؟ قالوا: نعم، قال: أقبضتم ثمرة فؤاده؟ قالوا: نعم، قال: فماذا قال عبدي؟، قالوا: حمدك واسترجع، قال: ابنوا له بيتًا في الجنة، وسموه بيت الحمد" وقال: هذا حديث حسن، ورواه عبد بن حميد [برقم 551]، وأبو نعيم في "زوائده على الزهد" لابن المبارك ص 108، وابن حبان في "صحيحه" 7/ 210، والثعلبي في "تفسيره" 1/ 1274، والبغوي في "تفسيره" 1/ 130، قال ابن حجر في "الكاف الشاف" ص 12 - 13. أخرجه أحمد [4/ 415] وغيره من حديث أبي موسى، وصححه ابن حبان، ورواه البيهقي في الشعب مرفوعًا وموقوفًا وقال الألباني في "السلسلة الصحيحة" برقم 1408. الحديث بمجموع طرقه حسن على أقل الأحوال. (¬2) ينظر: "البحر المحيط" 1/ 451، وقال عن الأول: إنه محتمل، وعن الثاني: إنه ظاهر الإعراب، وذكر أيضا: أنه منصوب على المدح، أو مرفوع على إضمار هم على وجهين: إما على القطع، أو على الاستئناف.

وأنشد أيضًا: أظُلَيْمُ إن مُصَابَكمْ رَجُلًا ... أهدى السلامَ تحيةً ظُلْمُ (¬1) ومعنى المصيبة: هي التي تصيب بالنكبة، ولا يقال فيما يصيب بخير: مصيبة (¬2)، وياؤها منقلبة عن واو، هي عين الفعل. فأما جمعها: فحكى سيبويه: أن بعضهم قال في جمع مصيبة: مصائب فهمز، وهو غلط، وإنما هو مُفْعِلَة فتوهموها فَعِيلَة. قال: ومنهم من يقول: مصاوب، فجيء به عن الأصل والقياس. هذا كلامه (¬3)، ومثل هذا الغلط في جمع مصيبة على مصائب بالهمزة: قراءة من قرأ (معائش) بالهمز، وقد شرحنا ذلك مستقصى. قال أبو علي الفارسي: قول سيبويه: وتوهموها فعيلة، أي: توهموا ¬

_ (¬1) البيت للحارث بن خالد المخزومي في "ديوانه" ص 91، "الاشتقاق" ص 99، و 151، "الأغاني" 9/ 225، "خزانة الأدب" 1/ 454، "إنباه الرواة" 1/ 249، "اللسان" 4/ 2519، (صوب) "المقاصد النحوية" 3/ 502، "المعجم المفصل في شواهد اللغة العربية" 7/ 190. وظليم: ترخيم ظليمة، ويروى: أظلوم، وظليم: هي أم عمران زوجة عبد الله بن مطيع وكان الحارث يُنْسب بها، ولما مات زوجها تزوجها. ورجلًا منصوب بمصاب، يعني: إن إصابتكم رجلًا، وظُلْمُ: خبر إن. (¬2) ينظر: "البحر المحيط" 1/ 451. (¬3) بمعناه من "الكتاب" لسيبويه 1/ 356، وقال الزجاج فيما نقله الأزهري في "تهذيب اللغة" 2/ 1956 "صاب": أجمع النحويون على أن حكوا مصائب في جمع: مصيبة، بالهمز، وأجمعوا على أن الاختيار: مصاوب، ومصائب عندهم بالهمز من الشاذ، قال: وهذا عندي إنما هو بدل من الواو المكسورة، كما قالوا: وسادة وإسادة.

الياء التي في مصيبة، وهي منقلبة عن العين، التي هي واو الياء التي للمد، التي في نحو سفينة وصحيفة، فهمزوا الياء المنقلبة عن الواو التي هي عين الفعل، كما همزوا الياء التي للمد، في نحو: سفائن وصحائف، ولا تشبه هذه الياء تلك، ألا ترى أن هذه منقلبة عن واو، هي عين أصلها الحركة، وتلك زائدة للمد، لاحظَّ لها في الحركة. ومثل هذا مما حمله أبو الحسن على الغلط: قول بعضهم في جمع مَسيل: مُسْلان، فمسيل مَفعِل، والياء فيه عين الفعل، فتوهم من قال: مُسْلان أنها زائدة للمد، فجمعه على فُعلان، كما يجمع قضيب على قُضبان (¬1)، وعند أبي إسحاق: الهمزة في مصائب بدل من الواو المكسورة على حد إبدالها في إسادة (¬2). قال أبو علي: وليس القول عندي كذلك؛ لأن المكسورة غير أول لا تبدل كالمفتوحة، ألا ترى أنهم قالوا: أَناةٌ؟ فأبدلوا الواو أولًا، ولم يلزموا البدل غير أول، مع تكررهما في أَحْوويّ ونحوه، فكذلك المكسورة لا يجوز إبدالها غير أول (¬3) إذ لم تجئ في شيء مكسورة مبدلة غير أول، وإذا كان كذلك، كان قوله في مصائب عاريًا من دلالة تبينه، وخاليًا من نظير يردّ إليه، ويستشهد به (¬4) عليه، وقول النحويين: إنه على جهة الغلط أشبه ¬

_ (¬1) ذكر الأزهري في "تهذيب اللغة" 4/ 3398 "مسل" أن القياس في مسيل الماء: مسايل، غير مهموز، ومن جمعه: أمسِلة، ومُسُلا، ومُسلانًا، فهو على توهم أن الميم في المسيل أصلية، وأنه على وزن فعيل، ولم يرد به مفعِلا، كما جمعوا مكانا: أمكنة، ولهما نظائر. (¬2) ينظر كلامه فيما نقله الأزهري في "تهذيب اللغة" 2/ 1956 (صاب). (¬3) من قوله: (تبدل كالمفتوحة ..) ساقط من (ش). (¬4) في (أ)، (م): (ويستشهد به دل عليه).

بالصواب من حيث كان أكثر نظيرًا. وقوله إنما يحصل (¬1) فيه على دعوى مجردة من البرهان. وقوله تعالى: {إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} أي: نحن وأموالنا لله، ونحن عبيد يصنع بنا ما يشاء، وفي {إِنَّا لِلَّهِ} إقرار له بالعبودية {وَإِنَّا إِلَيْهِ} إقرار بالبعث والنشور (¬2). ومعنى الرجوع إلى الله: الرجوع إلى انفراده بالحكم، كما كان أول مرة، إذ قد مَلَّك قومًا في الدنيا شيئًا من الضر والنفع لم يكونوا يملكونه، ثم يرجع الأمر إلى ما كان، إذا زال تمليك العباد (¬3). وقال أبو بكر الوراق: {إِنَّا للِّهِ}: إقرار منّا له بالملك {وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ}: إقرار على أنفسنا بالهلك (¬4)، وظاهر الخطاب في هذه الآية يقتضي أن يكون قول القائل: {إِنَّا للِّهِ} على إثر المصيبة من غير أن يتخللها جزع؛ ليستحق الثواب الموعود. يؤيد هذا: ما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لامرأة جزعت ثم راجعت: "إنما الصبر عند الصدمة الأولى" (¬5). الصبر الموعود عليه الأجر والثواب (¬6). ¬

_ (¬1) في (ش): كأنها: (يتحصل). (¬2) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 42، "المحرر الوجيز" 2/ 34، "البحر المحيط" 1/ 451. (¬3) في (ش): (العبادة). (¬4) ذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1277، والرازي في "تفسيره" 4/ 171، وذكره القرطبي في "تفسيره" 2/ 161 [دون نسبة]. (¬5) أخرجه البخاري (1283) كتاب الجنائز، باب: زيارة القبور، ومسلم (926) كتاب الجنائز، باب: في الصبر على المصيبة عند الصدمة الأولى. (¬6) ينظر في ذلك: كتاب "عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين" ص 114 وما بعدها.

157

157 - قوله تعالى: {أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ} قد ذكرنا معنى الصلاة واشتقاقها فيما تقدم (¬1)، وهي في اللغة: الدعاء، ومنه قوله: {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} يسكنهم (¬2). وقال أبو عبيدة: {أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ} يقول: ترحّم من ربهم (¬3)، واحتجّ بقول الأعشى: تقولُ بنتي وقد قَرّبْتُ مُرْتَحِلًا ... يا رَبِّ جَنِّبْ أَبِي الأوصابَ والوجعا عليكِ مِثْلُ الذي صلَّيتِ فاغتمضي ... نومًا فإنّ لجنب المرء مضطجَعا (¬4) يروى (مثل) رفعًا ونصبًا، فمن نصب فهو إغراء، ومن رفع فهو ردّ عليها، كأنه قال: عليك مثل دعائك، أي: ينالك من الخير مثل الذي أردت لي. فأبو عبيدة يجعل صليت بمعنى: ترحمت، وغيره من أهل اللغة يجعله بمعنى: دعوت، وأحدهما يقرب من الآخر؛ لأن المترحم على الإنسان داعٍ له، والداعي للإنسان مترحّم عليه (¬5)، ولهذا المعنى كان الصلاة منّا دعاء، ¬

_ (¬1) تقدم ذلك عند قوله تعالى: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ} [البقرة: 3]. (¬2) ينظر في معنى الصلاة: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 231، "تفسير الثعلبي" 1/ 1280، "المفردات" ص 287 قال: .. والصلاة، قال كثير من أهل اللغة: هي الدعاء والتبريك والتمجيد، يقال: صليت عليه، أي دعوت له وزكيت وصلوات الرسول، وصلاة الله للمسلمين هو في التحقيق تزكيته إياهم، ومن الملائكة هي الدعاء والاستغفار كما هي من الناس. (¬3) "مجاز القرآن" لأبي عبيدة ص 61 - 62. (¬4) البيتان في "ديوانه" ص 106، وفي "الخزانة" 1/ 359، و"مراتب النحويين" ص 194. (¬5) سقطت من (م).

ومن الله تعالى رحمة (¬1). وأنشد الأزهري في تفسير هذه الآية قول الشاعر: صلّى على يحيى وأشياعه ... ربٌّ كريمٌ وشفيعٌ مُطاعْ (¬2) قال: معناه (¬3): ترحم الله عليه، على الدعاء، لا على الخبر. ثعلب عن ابن الأعرابي قال: الصلاة (¬4) من الله رحمة، ومن المخلوقين: الملائكة والإنس والجن القيام والركوع والسجود والدعاء والتسبيح، ومن الطير والهوام: التسبيح، ومنه قوله: {كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ} [النور: 41]. فالصلاة لها معانٍ بالتدريج، أصلها: الدعاء، ثم صارت الرحمة، لما ذكرنا من أن الداعي مترحّم، ثم صارت للمغفرة؛ لأن الترحم يوجب المغفرة، ومن ترحم الله عليه غفر له، وفسر ابن عباس الصلوات في هذه الآية بالمغفرة، فقال: {صَلَوَاتٌ} أي: مغفرة من ربهم (¬5). ¬

_ (¬1) قال الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 231: الصلاة في اللغة على ضربين: أحدهما: الركوع والسجود، والآخر: الرحمة والثناء والدعاء، فصلاة الناس على الميت، إنما معناها الدعاء، والثناء على الله صلاة، والصلاة من الله عز وجل على أنبيائه وعباده معناها: الرحمة لهم والثناء عليهم، وصلاتنا: الركوع والسجود كما وصفنا، والدعاء صلاة. (¬2) البيت للسفاح بن بكير اليربوعي، في "شرح اختيارات المفضل" ص 1362، وقيل: هو لرجل من قُريع يرثي يحيى بن ميسرة صاحب مصعب بن الزبير. ينظر: "الخزانة" 1/ 141، وبلا نسبة في "لسان العرب" 4/ 2490 (صلا). (¬3) في (ش): (ومعناه). (¬4) في (ش): (الله من الله). وهو خطأ. (¬5) ذكره عن ابن عباس الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1280، وبهذا فسر الطبري الرحمة =

وقيل في قوله - صلى الله عليه وسلم -: "اللهم صلّ على آل (¬1) أبي أوفى (¬2) " أي: ارحمهم، واغفر لهم. قال ابن كيسان: وجَمَع الصلوات؛ لأنه عنى بها رحمةً بعد رحمة (¬3). وقوله تعالى: {وَرَحْمَةٌ} قال ابن عباس: ونعمة (¬4). وقال أهل المعاني: إنما ذكر الرحمة، ومعنى الصلوات هاهنا: الرحمة؛ لإشباع المعنى، والاتساع في اللفظ (¬5). ومثله قوله: {أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ} [الزخرف: 80]. وقال ذو الرمة: لمياءُ في شفتيها حوَّة لَعَسٌ (¬6) ¬

_ =2/ 42، ورواه ابن أبي حاتم 1/ 265 عن سعيد بن جبير، وفسر ابن كثير هذه اللفظة ص 1/ 211، فقال: ثناء من الله عليهم ورحمة. وكأنه يشير إلى تفسير أبي العالية لصلاة الله على نبيه - صلى الله عليه وسلم - حيث قال: صلاة الله ثناؤه عليه عند الملائكة، وصلاة الملائكة الدعاء. ذكره البخاري (4797) كتاب التفسير، باب: (إن الله وملائكته يصلون على النبي). حديث: قبل، ينظر: "فتح الباري" 8/ 532. (¬1) سقطت من (ش). (¬2) أخرجه البخاري (4166) كتاب المغازي، باب: غزوة الحديبية، ومسلم (1078) كتاب الزكاة، باب: الدعاء لمن أتى بصدقته. (¬3) ذكره في "تفسير الثعلبي" 1/ 1280. (¬4) ذكره في "تفسير الثعلبي" 1/ 1280. (¬5) ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 478، "معالم التنزيل" 1/ 170، "المحرر الوجيز" 2/ 34. (¬6) عجز البيت: وفي اللثات وفي أنيابها شَنَبُ وهو في "ديوانه" ص 32، "لسان العرب" 4/ 2336 (شنب).

158

وتفعل العرب ذلك كثيرًا إذا اختلف اللفظ، ألا ترى أنّ اللعَس حُوَّة، فكرر لما اختلف اللفظان. وقوله تعالى: {وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} قال ابن عباس: يريد: الذين اهتدوا للترجيع (¬1). وقيل: إلى الجنة والثواب، وقيل: إلى الحق والصواب (¬2)، وكان عمر - رضي الله عنه - إذا قرأ هذه الآية قال: نعم (¬3) العِدلان، ونعمت العلاوة (¬4) (¬5). 158 - قوله تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} الآية، الصفا: جمع صفاة، وهي: الحجارة. قال أبو العباس: الصفا: كلُّ حجر لا يخلطه غيره، من طين أو تراب يتصل به، واشتقاقه من صفا يصفو إذا خَلَص (¬6)، والمروة: واحدة المرو، ¬

_ (¬1) هذا من رواية عطاء، وقد تقدم الحديث عنها، وقد ذكره بغير نسبة الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1281. (¬2) ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1281، "معالم التنزيل" 1/ 170. (¬3) في (م): (نعمت). (¬4) في (ش) حاشية: (قال عبد المؤمن: أراد بالعدلين: الصلاة والرحمة، وبالعلاوة: الاهتداء). (¬5) الأثر أخرجه سعيد بن منصور في "سننه" 2/ 634، والبيهقي في "شعب الإيمان" 7/ 116، من طريق مجاهد عن عمر، والحاكم 2/ 270، وصححه على شرط الشيخين، والواحدي في "الوسيط" 1/ 226 من طريق مجاهد عن سعيد بن المسيب عن عمر، ومجاهد لم يلق عمر، وسعيد أدرك عمر ولم يسمع منه. والأثر ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1281، و"تفسير البغوي" 1/ 170، "تفسير القرطبي" 2/ 162. (¬6) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 43، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 233، "تفسير الثعلبي" 1/ 1282، "المفردات" ص 286، "البحر المحيط" 1/ 454، وذكر أبو حيان =

وهي حجارة بِيض برّاقة، يكون فيها النار (¬1). قال الأعشى: وتُوَلّي الأرضَ خُفًّا ذابلًا ... فإذا ما صادف المَروَ رَضَحْ (¬2) وهما اسمان لجبلين معروفين بمكة (¬3). وشعائر الله: واحدتها شعيرة. قال المفسرون وأهل اللغة جميعًا: شعائر الله: متعبداته التي أشعرها الله، أي: جعلها أعلامًا لنا، وهي كلّ ما كان من مَشعر، أو موقف، أو مسعًى، أو منحر (¬4)، وهي من قولهم: شعرتُ، أي: علمتُ، وهي كلّها معلومات، وهذا قول الزجاج، واختياره (¬5). ¬

_ = قولين، فقال: وقد قيل: إنه الحجر الأملس، وقيل: هو الصخرة العظيمة، والقول المذكور أعلاه قال: إنه الذي يدل عليه الاشتقاق. وينظر: "اللسان" 4/ 2468 (صفا). (¬1) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 43 - 44، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 233،"تفسير الثعلبي" 1/ 1283، "البحر المحيط" 1/ 454، وذكر في "البحر" أقوالا أخر هي: الحجارة الصلبة، أو الصغار المرهفة الأطراف، أو الحجارة السود، أو الحجارة البيض، أو الحجارة البيض الصلبة. (¬2) البيت في مدح إياس بن قبيصة الطائي، ينظر: "ديوان الأعشى الكبير" ص40، وفيه: (مجمرًا) بدل (ذابلًا)، وفي "تفسير الطبري" 2/ 43، "تفسير الثعلبي" 1/ 1283، "تفسير القرطبي" 2/ 180. يصف الشاعر خف ناقته بأنه إذا وطئ المرو -وهي الحجارة الصغيرة- تكسرت من تحت خفها الأحجار، ورضح الحصى: كسرها. (¬3) "تفسيرالثعلبي" 1/ 1283. (¬4) سقطت مشعر من (أ)، (ش) كما أن فيها تقديمًا وتأخيراً بين المذكورات. (¬5) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 233، وينظر "البحر المحيط" 1/ 454.

ويحتمل أن تكون الشعائر مشتقة من الإشعار الذي هو (¬1): الإعلام على الشيء، ومنه: الشعائر بمعنى العلامة؛ ولهذا تسمى الهدايا: شعائر؛ لأنها تُشْعَر بحديدة في سنامها (¬2) من جانبها الأيمن حتى يخرج الدم. قال الكميت: شَعَائرَ قُربانٍ بهم يُتَقَرَّبُ (¬3) ويحتمل أن يكون من الإعلام بالشيء (¬4)، وبه قال مجاهد في قوله: {مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ}. قال: يعني: منْ الخبر الذي أخبركم عنه (¬5)، كأنه إعلام من الله عبادَه أمرَ الصفا والمروة (¬6). وقوله تعالى: {فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ} قال الليث: أصل الحج في اللغة: زيارة شيء تعظّمه. ¬

_ (¬1) في (ش): (هي). (¬2) في (ش): (من أسنامها). (¬3) وشطره الأول: نُقَتِّلهُم جيلًا فجيلًا، تَرَاهُمُ ينظر: "القصائد الهاشميات" للكميت بن زيد ص 21، في "مجاز القرآن" 1/ 146، "تفسير الطبري" 2/ 44، "تفسير الثعلبي" 1/ 1284، "تفسير القرطبي" 2/ 165. (¬4) ينظر: "مجاز القرآن" 1/ 146، "تفسير الطبري" 2/ 44، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 233، "تهذيب اللغة" 2/ 1884 وما بعدها، "تفسير الثعلبي" 1/ 1284، "المفردات" ص 265، "تفسير البغوي" 1/ 172. (¬5) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 44، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1284. (¬6) قال الطبري في "تفسيره" 3/ 227: وذلك تأويل من المفهوم بعيد، وإنما أعلم الله تعالى ذكره بقوله: (إن الصفا)، عباده المؤمنين أن السعي بينهما من مشاعر الحج التي سنها لهم، وأمر بها خليله إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - إذ سأله أن يريه مناسك الحج، وذلك وإن كان مخرجه مخرج الخبر، فإنه مراد به الأمر.

وقال يعقوب والزجاج: أصل الحجّ: القصد، وكلّ من قصد شيئًا فقد حجّه. (¬1) وقال كثير من أهل اللغة: أصل الحجّ: إطالة الاختلاف إلى الشيء. واختار ابن جرير هذا القول، قال: لأن الحاجّ يأتي البيت قبل التعريف، ثم يعود إليه للطواف يوم النحر، ثم ينصرف عنه إلى منى، ثم يعود إليه لطواف الصَّدَر؛ فلتكرارِهِ (¬2) العودَ إليه مرةً بعد أخرى قيل له: حاج (¬3). وكلهم احتجوا بقول المخبّل القُريعي (¬4): يحجُّون سِبَّ (¬5) الزِّبرِقانِ المُزَعْفَرا (¬6) ¬

_ (¬1) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 234. (¬2) في (م): (فلتكرار) (¬3) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 44 - 45، "المفردات" ص 115، "اللسان" 2/ 181 - 778 (حجج). (¬4) هو المخبل بن ربيعة بن عوف قتال بن أنف الناقة بن قريع، أبو يزيد، شاعر فحل، هاجر وابنه إلى البصرة، وولده كثير بالأحساء، وهم شعراء، وله شعر كثير جيد، هجا به الزبرقان وغيره، وكان يمدح بني قريع ويذكر أيام سعد. ينظر: "طبقات ابن سلام" ص 61، "الشعر والشعراء" 269. (¬5) في (ش): (سب الزعفران الزبرقان المزعفرًا). (¬6) صدر البيت: وأشهد من عوف حُلُولًا كثيرةً ينظر في نسبته إليه "إصلاح المنطق" ص 372، "تفسير الطبري" 2/ 44، "البيان والتبيين" 3/ 97، "تفسير الثعلبي" 1/ 1286، "تفسير السمعاني" 2/ 106، "تفسير القرطبي" 2/ 165، وروي (المعصفرا) بدل (المزعفرا). وقوله: يحجون أي: يزورون. والسِبّ: العمامة، وقيل: الاست. والزبرقان: هو حصين بن بدر =

وقال سيبويه: ويقال: حَجَّ حِجًّا، كقولهم: ذكر ذِكرًا. وقال الفراء: الحَجّ والحِجّ لغتان (¬1)، يقال: حَجَجْتُ حِجّة للمرة الواحدة، لم يأت عن العرب غيره. ولو قيل: حَجَّة بالفتح كما قالوا: مَرَرتُ به مَرّة، كان صوابًا، مثل: مددته مدّةً، وقددته قدّةً، هذا كلامه. فأما قولهم: حُجٌّ، وهم يريدون: جمع الحاجّ، فقد يمكن أن يكونوا سموا بالمصدر، وتقديره: ذوو (¬2) حج، قاله أبو علي، قال: وأنشد أبو زيد: وكأنّ عافيةَ النسور عليهمُ ... حُجٌّ بأسفلِ ذي المَجَاز نُزُولُ (¬3) (¬4). وقوله تعالى: {أَوِ اعْتَمَرَ} قال الزجاج: قَصد (¬5)، وقال غيره: زار (¬6)، قال أعشى باهلة: وراكبٌ جاء من تثليثَ معتمرُ قال الأزهري: وقد يقال: الاعتمار (¬7) القصد، وأنشد للعجاج: لقد سما ابنُ مَعْمَرٍ (¬8) حينَ اعْتَمَرْ ... مَغْزًى بعيدًا من بعيدٍ وضَبَر (¬9) ¬

_ = الفزاري من سادات العرب. والحلول: الأحياء المجتمعة. ينظر: "اتفاق المباني وافتراق المعاني" 1/ 206، "البيان والتبيين" 3/ 97. (¬1) ذكر في "اللسان" 2/ 779 "حجج"، أن الكسائي لا يفرق بين الحِج والحَج، وغيره يقول: الحَج حَج البيت، والحِج عمل السنة. (¬2) في (ش)، (م): (ذو). (¬3) البيت لجرير يهجو الأخطل في "ديوانه"، ص104، "لسان العرب" 2/ 778، وقال: والمشهور في روايات البيت: حِجّ، بالكسر، وهو اسم الحاج. (¬4) ينظر فيما تقدم "اللسان" 2/ 778 - 779 (حجج). (¬5) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 234. (¬6) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 45، "المفردات" ص 350. (¬7) في (م): (للاعتمار). (¬8) في (ش): (معتمر). (¬9) البيت للعجاج يمدح عمر بن عبيد الله التميمي، في "ديوانه" ص 19، "تفسير =

يعنى: حين قصد مغزًى بعيدًا (¬1). وقوله تعالى: {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ} الجناح: الإثم، وأصله: من الجنوح، الذي هو الميل، يقال: جَنَحَ: مال، ومنه قوله: {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ} [الأنفال: 61] وقيل للأضلاع: جوانح؛ لاعوجاجها. قال ابن دريد: معنى {لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} أي: لا ميل إلى مأثم. وجناح الطائر من هذا؛ لأنه يميل في أحد شقّيه، ليس على مستوى خلقته، فمعنى الجناح: الميل عن الحق. وقال أبو علي الجرجاني: معنى {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ} أينما ذكر في القرآن: لا ميل لأحد عليه بمطالبة شيء من الأشياء، هذا هو الأصل، ثم صار معناه: لا حرج عليه، ولا ذنب عليه (¬2). قال ابن عباس: كان على الصفا صنم، وعلى المروة صنم، وكان أهل الجاهلية يطوفون بينهما، ويمسحونهما، فلما جاء الإسلام وكسرت الأصنام كره المسلمون الطواف بينهما؛ لأجل الصنمين؛ فأنزل الله عز وجل هذه الآية، منبهًا لهم (¬3) على أن الطواف بالصفا والمروة لا تبعة فيه عليهم، وأنه ¬

_ = الطبري" 2/ 45، "تهذيب اللغة" 3/ 2566 (عمر)، "تفسير الثعلبي" 1/ 1186، "القرطبي" 2/ 166، قوله: مغزى: أي غزوًا. ومعنى: ضبر الجواد: تهيأ للوثوب بقوائمه أو جمع قوائمه ليثب ثم وثب. ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 234. (¬1) ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1286. (¬2) ينظر في معنى الجناح: "تفسير الطبري" 2/ 45، الثعلبي 1/ 1289، "أحكام القرآن" لابن العربي 1/ 46، "المفردات" ص107، "تفسير القرطبي" 2/ 166، "اللسان" 2/ 697 - 698 (جنح). (¬3) سقطت من (م).

طاعة لله تعالى، وغير تعظيم للصنمين (¬1). فالآية تدلّ بظاهرها على إباحة ما كرهوه، ولكن السنّة أوجبت الطواف بينهما والسعي، وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -: "يا أيها الناس كُتِبَ عليكم السعيُ فاسعَوا" (¬2). وهو مذهب الشافعي، رضي الله عنه (¬3)، والواجب أن يبدأ بالصفا، ¬

_ (¬1) رواه الطبري من طريق عمرو بن حبشي عن ابن عباس 2/ 46، وضعفه أحمد شاكر، ورواه ابن أبي حاتم 1/ 267، وذكره الثعلبي 1/ 1290، والواحدي في "أسباب النزول" ص 49. وبمعنى هذا ذكر الطبري آثارًا كثيرة عن: أنس، وابن عباس، وابن عمر، والسدي، والشعبي، وابن زيد، ومجاهد. وحديث أنس، رواه البخاري (1648) كتاب الحج، باب: ما جاء في السعي بين الصفا والمروة، ولم يذكر المؤلف -رحمه الله- السبب الآخر الذي روته عائشة، وهو أن الأنصار كان يُهّلون قبل أن يسلموا لمناة الطاغية، التي كانوا يعبدونها عند المشلل، وكان من أهلّ منها تحرَّج أن يطوف بالصفا والمروة، فلما أسلموا سألوا النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك، فقالوا: يا رسول الله: إنا كنا نتحرج أن نطوف بين الصفا والمروة؟ فأنزل الله الآية. وهذا رواه البخاري في الحج، باب: وجوب الصفا والمروه "فتح الباري" 3/ 497، ومسلم (1277) كتاب الحج، باب: بيان أن السعي بين الصفا والمروة ركن لا يصح الحج إلا به. (¬2) أخرجه الإمام أحمد في "المسند" 6/ 422، حديث (26917)، وابن خزيمة في "صحيحه" 4/ 232 برقم (2764)، والدارقطني في "سننه" 2/ 255 - 256، والطبراني في "الكبير" 24/ 255، والحاكم 6/ 421، والحديث صححه الحافظ المزي، وابن عبد الهادي كما في "الإرواء" 4/ 270، وقواه الحافظ في "الفتح" 3/ 498، وصححه الألباني في "الإرواء" 4/ 270. (¬3) ينظر: "المجموع شرح المهذب" 8/ 63، "تفسير الثعلبي" 1/ 1295، وقد اختلف العلماء في السعي: فمنهم من قال بركنيته، وهذا قول عائشة وعروة ومالك والشافعي، ومنهم من قال بسنيته، روي ذلك عن ابن عباس وأنس وابن الزبير =

ويختم بالمروة، ويسعى بينهما سعيًا، فيكون مسيره من الصفا إلى المروة شوطًا من السبع، وعوده من المروة إلى الصفا شوطًا ثانيًا، فإن بدأ بالمروة إلى الصفا لم يحسب هذا الشوط (¬1)؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما دنا من الصفا في حجته قرأ: " {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} ابدأوا (¬2) بما بدأ الله به" فبدأ بالصفا فرقي عليه، حتى رأى البيت، ثم مشى حتى إذا تصوبت قدماه في الوادي سعى (¬3). وقوله تعالى: {وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا} فيه وجهان من القراءة (¬4): أحدهما: {تَطَوَّعَ} على تَفَعَّل ماضيًا وهذه القراءة تحتمل أمرين (¬5): أحدهما: أن يكون موضع تطوَّع جزمًا، وتجعل (مَن) للجزاء، وتكون الفاء مع ما بعدها من قوله: {فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ} في موضع جزم؛ لوقوعها موقع الفعل المجزوم، والفعل الذي هو {تَطَوَّعَ} على لفظ المثال ¬

_ = ومجاهد وعطاء وابن سيرين، وهو رواية عن أحمد. ومنهم من قال: إنه واجب وليس بركن، وإذا تركه جبره بدم، وهو مذهب الحسن وأبي حنيفة وصاحبيه والثوري. ينظر "أحكام القرآن" للجصاص 1/ 18، "تفسير الطبري" 2/ 49، "المغني" 5/ 238، "أحكام القرآن" لابن العربي 1/ 48، "تفسير القرطبي" 2/ 167، "تفسير ابن كثير" 1/ 213. (¬1) ينظر: "المغني" لابن قدامة 5/ 237. (¬2) في (م): (فابدأوا). (¬3) جزء من حديث جابر الطويل في صفة حجة النبي - صلى الله عليه وسلم -، أخرجه مسلم (1218) كتاب: الحج، باب: حجة النبي - صلى الله عليه وسلم -. (¬4) قرأ حمزة والكسائي وخلف: (يَطَّوَّعْ) بالياء التحتية، وتشديد الطاء، وإسكان العين على الاستقبال، والباقون: بالتاء الفوقية، وتخفيف الطاء، وفتح العين. ينظر "السبعة" ص 172، "النشر" 2/ 223. (¬5) في (م): (وجهين).

الماضي، والمراد به المستقبل، كقولك: إن أتيتني أتيتك. الثاني: أن لا تجعل (مَن) للجزاء، ولكن تكون بمنزلة الذي، وتكون (¬1) مبتدأ به، ولا موضع حينئذ للفعل الذي هو {تَطَوَّعَ}، والفاء مع ما بعدها في موضع رفع، من حيث كان خبر المبتدأ الموصول، والمعنى فيه معنى الجزاء؛ لأن هذه الفاء إذا دخلت في خبر الموصول أو النكرة الموصوفة؛ آذنت أنّ الثاني إنما وجب لوجوب الأول، كقوله: {وَمَا بِكُم مِن نِّعمَةٍ فَمِنَ اَللهِ} [النحل: 53] وما: مبتدأ موصول، والفاء مع ما بعدها جواب له، وفيه معنى للجزاء؛ لأن تقديره: ما ثبت بكم من نعمة، أو ما دام بكم من نعمة فمن ابتداء الله إياكم بها، فسبب ثبات (¬2) النعمة ابتداؤه [ذلك] (¬3)، كما أن استحقاق الأجر إنما هو من أجل الإنفاق في قوله: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ} [البقرة: 274]. وعلى هذا كل ما في القرآن من هذا الضرب، كقوله: {إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا} إلى قوله: {فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ} [البروج: 10]، وقوله: {وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ} [المائدة: 95]، {وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ} [البقرة: 126]، {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} [الأنعام: 160]، {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} [الكهف: 29]. ونذكر هذه المسألة مشروحة عند قوله: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً} [البقرة: 274]. ¬

_ (¬1) الأفعال السابقة في (ش) بالفاء (تجعل يكون ويكون). (¬2) في (ش): (ابتدا). (¬3) زيادة يقتضيها الكلام، من كلام أبي على الفارسي في "الحجة" 2/ 246.

الوجه الثاني من القراءة: (يَطَّوَّعْ) بالياء وجزم العين، وتقديره: يتطوع إلا أنّ التاء أُدغم في الطاء لتقاربهما، وهذا حسن؛ لأن المعنى على الاستقبال، والشرط والجزاء الأحسن فيهما (¬1) الاستقبال، وإن كان يجوز أن تقول: من أتاك أعطيته، فتُوقع الماضي موقعَ المستقبل في الجزاء، إلا أنّ اللفظ إذا كان وافق المعنى كان أحسن (¬2). وأما التفسير: فقال مجاهد: {وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا} بالطواف بهما (¬3)، وهذا على قول من لا يرى الطواف بهما فرضًا. وقال مقاتل والكلبي: {وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا} فزاد في الطواف بعد الواجب (¬4). ومنهم من حمل هذا النوع على العمرة، وهو قول ابن زيد (¬5)، وكان يرى العمرة غير واجبة. وقال الحسن: {وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا} يعنى به: الدين كلّه، أي: فعل غير المفترض عليه، من طواف وصلاة وزكاة ونوع من أنواع الطاعات (¬6). ¬

_ (¬1) في (ش): (في هذا). (¬2) ما تقدم من كلام أبي علي في "الحجة" 2/ 245 - 248 بتصرف واختصار. (¬3) "تفسير مجاهد" ص 92، ورواه الطبري عنه في "تفسيره" 2/ 50، وعزاه في "الدر المنثور" 1/ 292 إلى: سيعد بن منصور، وعبد بن حميد، وروى ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 268 عن أنس قوله: والطواف بهما تطوع، وكذا روي عن ابن عباس، وعزاه في "الدر": إلى عبد بن حميد، وأبي عبيد في "فضائله"، وابن أبي داود في "المصاحف". (¬4) "تفسير مقاتل" 1/ 152، وذكره عنهما الثعلبي 1/ 1300، والبغوي 1/ 175. (¬5) رواه الطبري عنه في "تفسيره" 2/ 52، وذكره الثعلبي 1/ 1301. (¬6) ذكره الثعلبي 1/ 1301، والبغوي في "معالم التنزيل" 1/ 175.

وهذا أحسن هذه الأقاويل؛ لأن قوله {وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا} صيغته تدلّ على العموم (¬1). وقوله تعالى {فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ} أي: مُجازٍ بعمله {عَلِيمٌ} بنيته (¬2). قال أهل المعاني: وحقيقة الشاكر في اللغة: هو المظهر للإنعام عليه، والله تعالى لا تلحقه المنافع والمضارّ، فالشاكر في وصفه مجازٍ، ومعناه: المجازي على الطاعة بالثواب، إلا أن اللفظ خرج مخرج التلطف للعباد، مظاهرة في الإحسان إليهم، كما قال: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ} [البقرة: 245]، وهو تعالى لا يستقرض من عوزة ولكنه تلطّف (¬3) في الاستدعاء. كأنه قيل: من الذي يعمل عمل المُقرِض، بأن يقدّمَ، فيأخذ أضعاف ما قدَّمَ في وقت فقره وحاجته (¬4)!؟ ¬

_ (¬1) رجح الطبري في "تفسيره" 2/ 51 - 52 أن معنى ذلك: ومن تطوع بالحج والعمرة بعد قضاء حجته الواجبة عليه. (¬2) "تفسير الثعلبي" 1/ 1301. (¬3) في (م): (اللطف). (¬4) وقال الزجاجي في "اشتقاق أسماء الله" ص 87: فلما كان الله عز وجل يجازي عباده على أفعالهم ويثيبهم على أقل القليل منها، ولا يضيع لديه تبارك وتعالى لهم عمل عامل، كان شاكرا لذلك لهم، أي: مقابلًا له بالجزاء والثواب. وقال الشيخ السعدي في "تفسيره" ص 77: الشاكر والشكور من أسماء الله تعالى: الذي يقبل من عباده اليسير من العمل، ويجازيهم عليه العظيم من الأجر، الذي إذا قام عبده بأوامره وامتثل طاعته أعانه عليه وأثنى عليه ومدحه، وجازاه في قلبه نورًا وإيمانًا وسعة، وفي بدنه قوةً ونشاطًا، وفي جميع أحواله قلادة بركة ونماء، وفي أعماله زيادة توفيق، ثم بعد ذلك يقدم على الثواب الآجل عند ربه كاملًا موفرًا، لم تنقصه هذه الأمور، ومن شكره لعبده أن من ترك شيئا لله أعاضه الله خيرًا منه، ومن تقرب منه شبرًا تقرب منه ذراعًا.

159

159 - قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى} قال المفسرون: نزلت في علماء اليهود (¬1). وأراد بالبينات: الرجم والحدود والأحكام (¬2)، وبالهدى: أمر محمد - صلى الله عليه وسلم - ونعته (¬3) (¬4). {مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ}: لبني إسرائيل (¬5). {فِي الْكِتَابِ}: في التوراة (¬6). ¬

_ (¬1) ذكره الواحدي في "أسباب النزول" ص 50، ونقله عنه ابن حجر في "العجاب" 1/ 411، وذكره مقاتل بن سليمان في "تفسيره" 1/ 80، ورواه الطبري 2/ 53، وابن أبي حاتم 1/ 268 عن ابن عباس. (¬2) "تفسير الثعلبي" 1/ 1301، وروى ابن أبي حاتم 1/ 269 عن السدي عن أصحابه: [البينات]: الحلال والحرام. (¬3) في (ش): (وبعثه). (¬4) "تفسير الثعلبي" 1/ 1301، وقد ذكر هذا الفرق بين البينات والهدى أبو حيان في "البحر المحيط" 1/ 458، وقال: والبينات هي: الحجج الدالة على نبوته - صلى الله عليه وسلم -، والهدى: الأمر باتباعه، أو الهدى والبينات، والجمع بينهما توكيد، وهو ما أبان عن نبوته وهدى إلى اتباعه. وقد بين الطبري في "تفسيره" 2/ 52 البينات بقوله: البينات التي أنزلها الله: ما بين من أمر نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - ومبعثه وصفته في الكتابين اللذين أخبر الله تعالى ذكره أن أهلهما يجدون صفته فيهما. ويعني -تعالى ذكره- بالهدى: ما أوضح لهم من أمره في الكتب التي أنزلها على أنبيائهم. (¬5) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 53، قال: لأن العلم بنبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - وصفته ومبعثه لم يكن إلا عند أهل الكتاب دون غيرهم، ثم قال: وهذه الآية وان كانت في خاصّ من الناس فإنها معنيّ بها كلُّ كاتمٍ علمًا فرض الله تعالى بيانه للناس. وينظر: "تفسير الثعلبى" 1/ 1301، "البحر المحيط" 1/ 458. (¬6) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 53، "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 269، "تفسير الثعلبي" 1/ 1301، و"تفسير البغوي" 1/ 175، وروى "الطبري" 2/ 53، عن قتادة أن المراد: التوراة والإنجيل، وروى ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 269 عن الحسن أن الكتاب: القرآن، قال: وروي عن ابن عباس مثل ذلك، وقال في "البحر المحيط" 1/ 458: والأولى والأظهر عموم الآية في الكاتمين، وفي الناس، وفي الكتاب.

وقوله تعالى: {وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ} اختلفوا في اللاعنين ههنا: فقال ابن عباس: كلّ شيء إلا الجنّ والإنس (¬1). وعلى هذا إنما قال: (اللاعنون)، ولم يقل اللاعنات؛ لأنه وصفها صفة من يعقل، فجمعها جمع من يعقل، كقوله: {وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ} [يوسف: 4]، و {يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ} [النمل: 18]، {وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا} [فصلت: 21] {كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [يس: 40] (¬2). وقال قتادة: هم الملائكة (¬3). وقال عطاء: الجنّ والإنسان (¬4). ¬

_ (¬1) نسبه إلى ابن عباس: الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 235، والثعلبي "في تفسيره" 1/ 1303، والفراء في "معاني القرآن" 1/ 95، والبغوي في "معالم التنزيل" 1/ 175، ورواه الطبري "في تفسيره" 2/ 56 عن البراء بن عازب، والضحاك، وقريب منه قول مجاهد وعكرمة حيث قالا: يلعنهم كل شيء حتى الخنافس والعقارب، يقولون: مُنِعْنا القطرَ بذنوب بني آدم. ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 54 - 55، و"تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 269، وقد رده الطبري: بأنه قول لا تدرك حقيقته إلا بخبر عن الله، ولا خبر. (¬2) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 55، والثعلبي 1/ 1305، والقرطبي 2/ 171. (¬3) رواه عنه الطبري 2/ 52 إلا أنه قال في رواية: اللاعنون من ملائكة الله، ومن المؤمنين، وروى ذلك 2/ 56 عن الربيع بن أنس، وكذا رواه ابن أبي حاتم 1/ 269، ورجحه الطبري؛ لأن الله قد وصف الكفار بأن اللعنة التي تحل بهم إنما هي من الله والملائكة والناس أجمعين، في قوله: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ}. وبنحوه قال الزجاج. (¬4) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1303، والبغوي 1/ 175، وعزاه في "الدر المنثور" 1/ 296 إلى عبد بن حميد.

160

وقال ابن مسعود: ما تلاعن اثنان من المسلمين إلا (¬1) رجعت تلك اللعنة على اليهود والنصارى، الذين كتموا أمر محمد - صلى الله عليه وسلم -، وصفته (¬2). 160 - قوله تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا} معنى (¬3) (إلّا) التخصيص (¬4)، نحو قولك: جاءني القوم إلا زيدًا، خصصتَ زيدًا بأنه لم يجئ (¬5). ومعنى قوله تعالى: {وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا} بعد قوله: {تَابُوا} إزالة الإبهام: أن التوبة مما سلف من الكتمان تكفي، ومعنى {وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا} أي: أصلحوا السريرة بإظهار أمر محمد - صلى الله عليه وسلم - (¬6). 161 - قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ} إلى قوله: {وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} إن قيل: كيف يلعنه الناس أجمعون، وأهل دينه لا يلعنونه؟ قيل: يلعنونه في الآخرة؛ لقوله: {ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ ¬

_ (¬1) في (أ) زيادة في الحاشية: (وليس أحدهما بمستحق للعن رجعت). (¬2) أخرجه البيهقي في "شعب الإيمان" 4/ 303 من طريق السدي الصغير، عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن مسعود، وهذا إسناد واه، وذكره الثعلبي 1/ 1304 ولفظه: هو الرجل يلعن صاحبه فترتفع اللعنة في السماء ثم تنحدر فلا تجد صاحبها الذي قيلت له أهلًا لذلك، فترجع إلى الذي تكلم بها فلا تجده أهلا، فتنطلق فتقع على اليهود، فهو قوله عز وجل {وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ}. فمن تاب منهم ارتفعت اللعنة عنه فكانت في من بقي من اليهود. وينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 235، "تفسير البغوي" 1/ 175. (¬3) في (أ)، (م): (يعنى). (¬4) في (أ)، (م): (للتخصيص). (¬5) "البحر المحيط" 1/ 459. (¬6) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 57، "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 270، "تفسير البغوي" 1/ 175، "تفسير القرطبي" 2/ 172.

162

بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا} [العنكبوت:25] (¬1). وقال قتادة (¬2) والربيع (¬3): أراد بـ {وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ}: المؤمنين، وعلى هذا كأنه لم يعتدّ بغيرهم، كما تقول: المؤمنون هم الناس (¬4). وقال السدي: لا يتلاعن اثنان مؤمنان ولا كافران، فيقول أحدهما: لعن الله الظالم، إلا وجبت تلك اللعنة على الكافر؛ لأنه ظالم، وكل أحل من الخلق يلعنه (¬5). 162 - قوله تعالى: {خَالِدِينَ فِيهَا} معنى الخلود: اللزوم أبدًا، ومنه يقال: أخلد إلى كذا، أي: لزمه، وركن إليه (¬6). والعامل في الخالدين: الظرف من قوله (عليهم)؛ لأن فيه معنى الاستقرار، وهو حال من الهاء والميم في {عَلَيْهِمْ}، كقولك: عليهم المال صاغرين (¬7)، ومثل هذه الآيات الثلاث: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا}، {أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ}، {خَالِدِينَ فِيهَا} في سورة آل عمران [الآيات: 87 - 89]، وذكرنا الكلام هناك بأبلغ من هذا. وقوله تعالى: {وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ} قال عطاء عن ابن عباس: يريد: ¬

_ (¬1) من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 236، ورواه الطبري 2/ 58، وابن أبي حاتم 1/ 271 عن أبي العالية، قال ابن أبي حاتم: وروي عن قتادة نحو قول أبي العالية، وينظر: "تفسير البغوي" 1/ 176. (¬2) رواه عنه الطبري 2/ 58، وذكره ابن أبي حاتم 1/ 271، والثعلبي 1/ 1306. (¬3) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 58. (¬4) رواه ابن أبي حاتم 1/ 271 عن أبي العالية. (¬5) رواه عنه الطبري 2/ 58، وابن أبي حاتم 1/ 271. ورجح الطبري العموم. (¬6) ينظر: "المفردات" ص 160. (¬7) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 59، "البحر المحيط" 1/ 462.

163

للرجعة ولا للتوبة ولا للمعذرة (¬1). 163 - قوله تعالى: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} الآية، معنى الوحدة في اللغة: هي الانفراد، يقال: وحَدَ الشيءُ، وهو يَحِدُ حِدَةً، فهو واحد، وجمعه: وُحدان بالضم. والوَحدان بالفتح؛ بمعنى: الواحد، مثل قولهم: فَردان بمعنى: الفَرد. وحقيقة الواحد: شيء لا يتبعض، ويقال أيضًا: وَحَدَ يَوْحَدُ وَحَادةً وَوَحْدةً فهو وحيد (¬2). ويستعمل الواحد على وجهين: أحدهما: على جهة الحكم والحقيقة. والثاني: على الوصف والمجاز. فالحكم كقولك: ذاتٌ واحدةٌ، وجزء واحد، والوصف قولك: إنسان واحد، ودار واحدة، فهذا لا ينقسم عن (¬3) الجهة التي جرت عليه الصفة، إذ ليس ينقسم من جهة أنه إنسان، وإن انقسم من جهة أنه جسم، وإذا أجريته حكمًا لم ينقسم من وجه من الوجوه. فأما الواحد في صفة الله تعالى، فقال الأزهري: له معنيان: أحدهما: أنه واحد لا نظير له، وليس كمثله شيء، والعرب تقول: فلان واحد قومه، وواحد الناس، إذا لم يكن له نظير. وقال بعضهم: المعنى في الواحد: أنه إله واحد، وربّ واحد، ليس له في إلاهيته وربوبيته شريك؛ لأنّ المشركين أشركوا معه آلهةً فكذّبهم ¬

_ (¬1) رواه ابن أبي حاتم بمعناه عن الضحاك عن ابن عباس 1/ 272. (¬2) ينظر في معاني الواحد: "تفسير الطبري" 2/ 60، "المفردات" ص 530، "تهذيب اللغة" 4/ 3844، "اللسان" 8/ 4779 - 4783 (وحد). (¬3) في (ش): (من).

الله عز وجل، فقال: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} (¬1). وقال أبو علي: قولهم: واحد، اسم جرى على وجهين في كلامهم: أحدهما: أن يكون اسمًا. والآخر: أن يكون وصفًا. فالاسم الذي ليس بصفة قولهم: واحد المستعمل في العدد، نحو: واحد، اثنان، ثلاثة، فهذا اسم ليس بوصف، كما أنّ سائر أسماء العدد كذلك، وأما (¬2) كونه صفة فنحو قولك: مررت برجل واحد، وهذا شيء واحد، فإذا أجري هذا الاسم على القديم تعالى جاز أن يكون الذي هو وصف، كالعالم والقادر، وجاز أن يكون الذي هو اسم، كقولنا: شيء. يقوي الأول قوله: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} (¬3). ويجمع (¬4) الواحد واحدِين، كقوله: فقد (¬5) رجعوا كحيٍّ واحدينا (¬6) ¬

_ (¬1) الذي وجدته في "تهذيب اللغة" للأزهري 4/ 3847 (وحد): والواحد في صفة الله، معناه: أنه لا ثاني له، ويجوز أن ينعت الشيء بأنه واحد، فأما أحد فلا يوصف به أحد غير الله؛ لخلوص هذا الاسم الشريف له، جل ثناؤه. (¬2) في (م): (فأما). (¬3) نقله عنه الرازي في "التفسير الكبير" 4/ 168. (¬4) في (م): (وجمع). (¬5) في (ش): (وقد). (¬6) ورد البيت هكذا: فَرَدَّ قَواصِيَ الأحياء منهم ... فقد أضحوا كحيٍّ واحدينا وهو للكميت، ينظر: "اللسان" مادة: (وحد)، وفيه ورد بلفظ: رجعوا، وينظر: "معاني القرآن" 2/ 208، "عمدة الحفاظ" 3/ 392.

ويكسِّرونه على فُعلان، كقولهم: وُحدان، ويقلبون الواو همزةً، كقولهم: أُحدان، ومنه قوله: طاروا (¬1) إليه زَرَافاتٍ ووُحْدانا (¬2) وذلك أنه وإن كان صفة قد يستعمل استعمال الأسماء، فكسروه على فُعلان، كقولهم: راع ورُعْيَان. وأما التفسير: فقال ابن عباس في رواية الكلبي: قالت كفار قريش: يا محمد صِفْ وانسُبْ لنا ربّك. فأنزل الله تعالى سورة الإخلاص، وهذه الآية (¬3). وقال جويبر (¬4)، عن الضحاك، عن ابن عباس: كان للمشركين ثلاثمائة وستون صنمًا، يعبدونها من دون الله، فبيّن الله سبحانه لهم أنه واحد، فأنزل هذه (¬5). ¬

_ (¬1) في (أ)، (م): (يطار). (¬2) صدر البيت: قوم إذا الشرّ أدى ناجذيه لهم والبيت للعنبري، واسمه: قريط بن أنيف، ويروى لأبي الغول الطهوي. ينظر: "عمدة الحفاظ" 2/ 499. (¬3) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1307، والوا حدي في "الوسيط" 1/ 245، والبغوي 1/ 176، والسمعاني 2/ 114، والقرطبي 2/ 175، ونقله في "البحر المحيط" 1/ 462، وإسناده واه، ونقله عنه ابن حجر في "العجاب" 1/ 413. (¬4) هو جويبر بن سعيد البلخي، روى: عن الضحاك وأبي سهل، وروى عنه: الثوري وابن المبارك ويزيد بن هارون، وهو ضعيف، قال يحيي بن معين: ليس بشيء، وكان وكيع لا يسميه استضعافًا له، في قول عن سفيان عن رجل. ينظر: "الجرح والتعديل" 2/ 540 - 541. (¬5) ذكره الثعلبي 1/ 1307، والواحدي في "الوسيط" 1/ 24، ونقله ابن حجر في =

164

قال أصحابنا: حقيقة الواحد في وصف الباري سبحانه: أنه واحد لا قسيم له في ذاته، ولا بعض له في وجوده، بخلاف الجملة الحاملة التي يطلق عليها لفظ الواحد مجازًا، كقولهم: دار واحدة، وشخص واحد؛ ولهذا قال أصحابنا: التوحيد: هو نفي الشريك والقسيم، والشريك والشبيه، فالله سبحانه وتعالى واحد في أفعاله، لا شريك له يشاركه في إثبات المصنوعات؟ وواحد في ذاته، لا قسيم له؟ وواحد في صفاته، لا يشبه الخلق فيها (¬1). وقال أهل المعاني: في الآية تقديم وتأخير، تقديرها: وإلهكم الرحمن الرحيم إله واحد، لا إله إلا هو. 164 - قوله تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} الآية، قال المفسرون: لما نزل قوله: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} عجب المشركون، وقالوا: إن محمدًا يقول: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ}؛ فليأتنا بآية إن كان من الصادقين، فأنزل الله هذه الآية (¬2)، وعلّمهم كيفيةَ الاستدلالِ على الصانع، وعلى ¬

_ = "العجاب" 1/ 413، وأبو حيان في "البحر المحيط" 1/ 462، وإسناده ضعيف؛ لضعف جويبر. (¬1) ينظر في تفسير الواحد: "اشتقاق أسماء الله" لأبي القاسم الزجاجي ص90 - 93. (¬2) رواه الثوري في "تفسيره" ص 54، وسعيد بن منصور في "سننه" 2/ 640، وأبو الشيخ في "العظمة" 1/ 252، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 272، والبيهقي في "شعب الإيمان" 1/ 130، والثعلبي 1/ 1208 كلهم عن أبي الضحى. ورواه الطبري 2/ 60 عن عطاء، وذكرهما الواحدي في "أسباب النزول" ص 50 - 51، وروى ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 273 عن ابن عباس أن قريشًا سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يجعل لهم الصفا ذهبًا، فأوحى الله إليه: إني معطيهم، ولكن إن كفروا عذبتهم عذابًا لا أعذبه أحدًا من العالمين، فنزلت، وذكره السيوطي في "لباب النقول" =

توحيدِه، وردَّهم إلى التفكر في آياته، والنظرِ في مصنوعاته، على ما عدّها في الآية. وبيَّن أنّ فيما ذكره في هذه الآية من عجيب صنعه، وإتقانِ أفعاله، واتساق صنائعه دليلًا على توحيده، فإن هذه الأفعال لا تحصل في الوجود لو كان لها صانعان؛ لوجوب التمانع بينهما (¬1)، واستحالة تساويهما في صفة الكمال. قال أهل المعاني: وجمع السماوات؛ لأنها أجناس مختلفة، كل سماء من جنس غير الأخرى، ووحّد الأرض؛ لأنها كلها تراب (¬2). وقوله تعالى: {وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَار} فسّر الاختلاف هاهنا تفسيرين يرجعان إلى أصل واحد: أحدهما: أنه افتعال، من قولهم: خلَفه يخلُفه، إذا ذهب الأول وجاء الثاني خلافه، أي: بعده، فاختلاف الليل والنهار: تعاقبهما في الذهاب والمجيء، ومنه يقال: فلان يختلف إلى فلان، إذا كان يذهب إليه، ويجيء ¬

_ = ص 31 وجود إسناده، وروي عن ابن عباس أنها نزلت حين قالوا: انسب لنا ربك وصفه. وينظر: "العجاب" 1/ 414 - 415، "زاد المسير" 1/ 167. (¬1) دليل التمانع: هو أنه لو كان للعالم صانعان، فعند اختلافهما -مثل أن يريد أحدهما: تحريك جسم، والآخر تسكينه، أو يريد أحدهما: إحياءه، والآخر إماتته- فإما: أن يحصل مرادهما، أو مراد أحدهما، أو لا يحصل مراد واحد منهما، والأول ممتنع؛ لأنه يستلزم الجمع بين الضدين، والثالث ممتنع؛ لأنه يلزم خلو الجسم عن الحركة والسكون وهو ممتنع، ويستلزم أيضًا عجز كل منهما، والعاجز لا يكون إلها، وإذا حصل مراد أحدهما دون الآخر، كان هذا هو الإله القادر، والآخر عاجزًا لا يصلح للإلهية. ينظر: "شرح العقيدة الطحاوية" 1/ 28. (¬2) "تفسير البغوي" 1/ 177، وينظر أيضاً: "تفسير الطبري" 1/ 191 - 195، "البحر المحيط" 1/ 464.

من عنده، فذهابه يخلف مجيئه، ومجيئه يخلف ذهابه. أحدهما خلاف الآخر، أي: بعده، وكل شيء يجيء بعده شيء، فهو خِلفه. وبهذا فُسِّر قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً} [الفرقان: 62] (¬1)، قال الفراء: يذهب هذا، ويجيء هذا (¬2). الثاني: قال ابن كيسان (¬3) وعطاء (¬4) في هذه الآية: أراد: اختلافهما في الطول والقصر، والنور والظلمة، والزيادة والنقصان. قال الكسائي: يقال لكل شيئين اختلفا: هما خِلْفان وخِلْفتان، وقول زهير: بها العِينُ والآرامُ يمشين خِلْفةً (¬5) فسّر بالوجهين: تكون مختلفة في ألوانها وتكون يذهب هذا، ويجيء هذا. وهذا القول يرجع إلى معنى الأول؛ لأن معنى الاختلاف في اللغة: ¬

_ (¬1) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 63 ولم يذكر غيره، "تفسير البغوي" 1/ 177، "تفسير القرطبي" 2/ 176. (¬2) "معاني القرآن" للفراء 2/ 271، وينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1308، "اللسان" 2/ 1237 (خلف). (¬3) ذكره في "تفسير الثعلبي" 1/ 1309، "البحر المحيط" 1/ 465. (¬4) ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1309، "القرطبي" 2/ 176، "البغوي" 1/ 177. (¬5) عجز البيت: وأطلاؤها ينهضن من كل مجثم وهو في "ديوانه" ص 5، "جمهرة اللغة" ص415 - 416، "لسان العرب" 2/ 1237 (خلف)، و 5/ 2700، وبلا نسبة في "رصف المباني" ص 145. وقوله: بها: أى بدار من يتغزل بها، والعين: البقر، واحدها: أعين وعيناء، وذلك لسعة عيونها، والآرام: الظباء الخوالص البياض، والأطلاء: الصغار من البقر والظباء, والمجثم: ما تربض فيه وترقد.

التفرق في الجهات، جهة اليمين والشمال والخلف والقُدّام، ثم شبّه الاختلاف في المذاهب وفي كل شيء بالاختلاف في الطريق (¬1)، من جهة أن كل واحد من المختلفين على نقيض ما ذهب إليه الآخر، كالمختلفين في الطريق، ولما تفاوت الليل والنهار في النور والظلمة وغيرهما جعل ذلك اختلافا، فهذا أيضًا يعود في الاشتقاق إلى الخلف. وقوله تعالى: {وَالْفُلْكِ} الفُلْك: واحد وجمع، ويذكر ويؤنث، وأصله من الدوران، وكل مستدير فُلك، وفَلَك السماء: اسم لأطواق (¬2) سبعة، تجري فيها النجوم، وفَلَكَتِ الجارية: إذا استدارَ ثَدْيُها، وفَلَكَة (¬3) المِغْزلَ من هذا، والسفينة سميت فُلكًا؛ لأنها تدور بالماء أسهل دور (¬4). وإنما كانت للواحد والجمع؛ لأنه على بناء يصلح لها (¬5)، فإذا أريد به الواحد ذُكِّر، وإذا أريد به الجمع أُنِّث. ومثلُ الفلك من الجموع التي كسرت الآحاد عليها واللفظ فيهما (¬6) واحد: قولهم: ناقة هِجَان، ونوق هِجَان (¬7)، ودرع دِلاصٍ، وأدرُع دِلاص (¬8)، وشِمال: للخليقة والطبع، ¬

_ (¬1) في (ش): (بالطريق). (¬2) في (ش): (لأطواف). (¬3) في (م): (وفلك). (¬4) ينظر في الفلك: "تفسير غريب القرآن" ص 64، "تفسير الطبري" 2/ 64، "تهذيب اللغة" 3/ 2830 - 2831، "المفردات" ص 387، "اللسان" 6/ 3465 (فلك)، "تفسير القرطبي" 2/ 178. (¬5) في (م): (بها). (¬6) في (ش): (فيها). (¬7) (نوق هجان) سقطت من (ش). والهجان: البيض الخوالص. (¬8) دلاص: ملساء ليِّنة.

وجمعه شِمالٌ. ومجيء الجمع على لفظ الواحد مما يدل على قلة حفلهم بالفرق بينهما من طريق اللفظ، وأنهم اعتمدوا في الفرق على دلالة الحال، ومتقدم الكلام ومتأخره (¬1). وقال سيبويه (¬2): الفلك إذا أريد به الواحد فضمة الفاء فيه بمنزلة ضمة (¬3) باء بُرْد، وخاء خُرْج، وإذا أريد به الجمع، فضمة الفاء بمنزلة ضمة الحاء في حُمْر، والصاد من صُفْر، فالضمتان وإن اتفقتا في اللفظ فإنَّهما مختلفتان (¬4) في المعنى، وغير منكر أن يتفق اللفظان من أصلين مختلفين، ألا ترى أن من رخّم منصورًا في قول من قال: يا جار، قال: يامنصُ، فبقى الصاد مضمومة، كما بَقَّى الراء مكسورة، ومن قال: يا جارُ، فاجتلب للنداء ضمةً قال أيضًا: يا منصُ، فحذف ضمّةَ الصاد، كما حذف كسرة الراء، واجتلب للصاد ضمةَ النداء، كما اجتلب للراء ضمة النداء، إلا أن لفظ: يا منصُ في الوجهين واحد، والمعنيان متباينان. وقوله تعالى: {تَجْرِي فِي الْبَحْرِ} قد مضى الكلام في البحر. والآية في الفلك: تسخيرُ الله تعالى إياها، حتى يجريَها على وجه الماء، كما قال: {وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ} [إبراهيم: 32]، ووقُوفُها فوق الماء مع ثقلها وكثرة وزنها. وقوله تعالى: {يَنْفَعُ النَّاسَ} أي: بالذي ينفعهم، من ركوبها، ¬

_ (¬1) ينظر: "تفسير غريب القرآن" ص 64، "تفسير الطبري" 2/ 64، "تهذيب اللغة" 3/ 2831 (فلك)، "تفسير الثعلبي" 1/ 1310. (¬2) قريب منه ما في "الكتاب" 3/ 577، ونقله عنه في "اللسان" 6/ 3465 (فلك). (¬3) في (م): (ضمها). (¬4) في (م): (فهما مختلفان)، وفي (أ): (فإنهما مختلفان).

والحمل عليها في التجارات، وينفع الحامل؛ لأنه يريح، والمحمول إليه؛ لأنه ينتفع بما حمل إليه (¬1) (¬2). وقوله تعالى: {فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} أراد بموت الأرض: جدوبتَها ويُبُوستَها، فسمّاها موتًا مجازًا، وذلك أن الأرضَ إذا لم يصبها مطر لم تُنبت، ولم تُنْمِ نباتًا، وكانت (¬3) من هذا الوجه كالميت، وإذا أصابها المطر أنبتت، ونحو هذا قوله: {وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ} [الحج: 5]، فلما وصفت بالاهتزاز وهو (¬4) الحركة عند نزول الماء، توصف عند إمساك الماء بالسكون، والعربُ تسمي السكون موتًا (¬5)، قال الشاعر: إني لأرجو أن تموتَ الريحُ ... فأسكنَ اليوم وأستريحُ (¬6) فيجوز أن يراد بالموت في هذه الآية: ضد الاهتزاز الذي وُصِفَت به عند نزول الماء، ولما سَمّى ذلك موتًا سمّى (¬7) إِزالتَها إحياءً ليتجانس اللفظ (¬8). ¬

_ (¬1) ساقط من (ش). (¬2) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 64، "تفسير الثعلبي" 1/ 1310، "تفسير البغوي" 1/ 177، "تفسير الرازي" 4/ 197، "تفسير القرطبي" 2/ 180. (¬3) في (ش) و (م): (وكان). (¬4) في (ش): (وهي). (¬5) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 64، "تفسير الثعلبي" 1/ 1311، "تفسير البغوي" 1/ 177، "تفسير الرازي" 4/ 198. (¬6) البيت في "اللسان" 7/ 4295 (موت)، بغير نسبة. وينظر: "شأن الدعاء" ص 116، "الحجة للقراء السبعة" 2/ 381. (¬7) سقطت جملة: (ذلك موتًا سمي) من (ش). (¬8) ينظر: "تفسير الرازي" 4/ 198 - 199.

وقوله تعالى: {وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ} البثُّ: النشر والتفريق، ومنه قوله تعالى: {وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً} [النساء: 1]، ومنه: {كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ} [القارعة: 4]، ويقال: بثثته سِرِّي (¬1) أبثثته، إذا أطلعته عليه؛ لأنك فرقت بين سرّك وبينك، ويقال للحزن: بَثٌ؛ لأن صاحبَه لا يصبر عليه حتى يظهره (¬2). وقوله تعالى: {مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ} قال ابن عباس: يريد: كلّ ما دبّ على الأرض من جميع الخلق، من الناس وغيرهم (¬3). وقوله تعالى: {وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ} أراد: وتصريفه الرياح، فأضاف المصدر إلى المفعول، وهو كثير (¬4). والرياح: جمع الريح. قال أبو علي: الريح: اسم على فعل، والعين منه واو، انقلبت في الواحد (¬5) للكسرة، فأما في الجمع القليل: أرواح، فصحّت؛ لأنه لا شيء فيه يوجب الإعلال، ألا ترى أن سكون الراء لا يوجب إعلال هذه الواو في نحو: قوم، وعون، وقول. وفي الجمع الكثير: رياح، انقلبت الواو ياء؛ للكسرة التي قبلها، نحو: ديمة ودِيَم، وحِيلَة وحِيَل (¬6). ¬

_ (¬1) سقطت من (ش). (¬2) ينظر في البث: "الطبري" 2/ 64، "المفردات" ص 47، "اللسان" 1/ 208 (بثث). (¬3) لم أجد هذا عن ابن عباس. (¬4) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 64، واختار هذا الوجه، ونقل الرازي في "تفسيره" 4/ 201 هذا عن الواحدي، "البحر المحيط" 1/ 467، وذكر وجهًا آخر وهو أن يكون تصريف مصدرًا مضافًا للفاعل، أي: وتصريف الرياح السحاب، أو غيره مما له فيه تأثير بإذن الله. (¬5) سقطت من (م). (¬6) ونقله عنه ابن سيده في "المخصص" المجلد 2/ السفر التاسع ص 83، والرازي في "تفسيره" 4/ 201، وينظر: "لسان العرب" 3/ 1763.

وقال ابن الأنباري: إنما سميت الريح ريحًا؛ لأن الغالب عليها في هبوبها المجيء بالرَّوح والرَّاحة، وانقطاعُ هبوبها يُكسِبُ الكربَ والغَمّ، فهي مأخوذة من الروح. وأصلها: رِوْح، فصارت الواو ياء؛ لسكونها وانكسار ما قبلها، كما فعلوا في الميزان والميعاد والعيد، والدليل على أن أصلها الواو: قولهم في الجمع: أرواح (¬1). قال زهير: قِفْ بالديار التي لم يعفُها القدمُ ... بلى وغيَّرَها الأرواحُ والدِيَمُ (¬2) ويقال: رِحْتُ الريح أَراحُها، وأُرحتُها أرِيحُها: إذا وجدتها، ومنه الحديث: "من استُرعي رعيةً فلم يَحُطهم بنصيحة، لم يُرِحْ رائحةَ الجنة، وإن ريحَها لتوجد من مسيرة مائة عام" (¬3). قال الكسائي: الصواب: لم يُرحْ، من: أرَحتُ أُريح، وقال الفراء: لم يَرَح، بفتح الراء. وقال غيرهما: الصواب: لم يرِحْ، من رحت أريح. ¬

_ (¬1) نقله عنه الرازي في "تفسيره" 4/ 201. (¬2) ينظر: "ديوانه" ص 145، "لسان العرب" 8/ 4942. (¬3) الحديث أصله في الصحيحين، رواه البخاري (7150، 7151) كتاب الأحكام، باب: من استرعى رعية فلم ينصح، ومسلم (142) في الإيمان، باب: استحقاق الوالي الغاش لرعيته النار، وليس في ألفاظهما: "لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها لتوجد من مسيرة مائة عام"، ولفظ (لم يرح) في حديث عبد الله بن عمرو مرفوعًا: "من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عامًا" رواه البخاري (3166) كتاب الجزية، باب: إثم من قتل معاهدًا بغير جرم، (6914) كتاب: الديات، باب: إثم من قتل ذميًّا بغير جرم.

قال أبو عبيد: الصواب: بفتح الراء (¬1)، وأنشد: وماءٍ وَرَدْتُ على زَوْرَةٍ ... كَمَشْيِ السَّبَنْتَى يَراحُ الشَّفِيفَا (¬2) وقال أبو زيد: قال القيسيون: الرياح أربع: الشمال والجنوب والصَّبَا والدَّبُور. فأما الشمال فمن عن يمين القبلة، والجنوب من عن جهة شمالها، والصَّبَا والدَّبور متتابعتان (¬3)، فالصَّبا من قبل المشرق، والدَّبور من قبل المغرب، وأنشد أبو زيد البيت لأبي صخر الهذلي: إذا قلتُ هذا حينَ أسلُو يهيجُني ... نسيمُ الصَّبا من حيث يَطَّلِعُ الفَجْر (¬4) (¬5) وربما تسمى الصبا: قبولًا؛ لأنها استقبلت الدبور. وقال الأصمعي: إذا انحرفت واحدة منهن عن هذه المهابّ فهي نكباء. ¬

_ (¬1) "اللسان" 3/ 1765: لم يُرح رائحة الجنة: من أرحتُ، ولم يَرَح رائحة الجنة: من رِحتُ أراحُ، ولم يرِح تجعله من راح الشيء أريحه إذا وجدت ريحه، وقال الكسائي: إنما هو لم يُرح رائحة الجنة، من أرحت الشيء فأنا أُريحه، إذا وجدت ريحه، والمعنى واحد، وقال الأصمعي: لا أدري هو من رِحت أو من أرحت؟. (¬2) البيت لصخر الغَيِّ الهذلي في "شرح أشعار الهذليين" ص 300، "لسان العرب" 3/ 1764، 3/ 1887. والزورة: البعد، وقيل: انحراف عن الطريق، والشفيف: لذع البرد، والسبنتى: النمِر. (¬3) في كتاب "الحجة" 2/ 250: متقابلتان. وهو أصوب. (¬4) البيت لأبي صخر الهذلي في "شرح أشعار الهذليين" 2/ 957، و"شرح شواهد المغني" 1/ 169، و"لسان العرب" 5/ 2689 (طلع)، و"مغني اللبيب" 2/ 518. (¬5) من كتاب "الحجة" 2/ 250.

قال: وأخبرنا ابن الأعرابي قال: مهبّ الجنوب من مطلع سُهيل إلى مطلع الثُّرَيّا، والصبا من مطلع الثريا إلى بناتِ نَعْشٍ، والشمال من بنات نعش إلى مسقط النسر الطائر، والدبور من مسقط النسر الطائر إلى مطلع سُهَيل. وقال غيره: الجنوب: التي تجيء من قبل اليمن، والشمال: التي تهبّ من قبل الشام، والدَّبور: التي تجيء من عن يمين القبلة شيئًا، والصّبا: بإزائها (¬1). والشمال ريح باردة، تكرهها العرب؛ لبردها وذهابها بالغيم، وفيه (¬2) الحَيَا والخِصْبُ (¬3)، وإذا سمعت الريح تنسب إلى الشام فهي الشمال الباردة، كقول زياد بن منقذ: والمطعِمون إذا هبّتْ شاميةً ... وباكر الحيَّ من صُرّادها صِرَمُ (¬4) (¬5) وقال النابغة: وهبّت الريحُ مِن تلقاءِ ذي أُرُلٍ ... تُزجى مع الليل من صُرّادها صِرَمًا (¬6) ¬

_ (¬1) من كتاب "الحجة" 2/ 250، و 251 بتصرف وتقديم وتأخير. (¬2) في (ش): (وفيها). (¬3) من كلام الأصمعي، نقله أبو علي في "الحجة" 2/ 255. (¬4) في (أ): ضبطت صِرَم، وفي (ش): صَرَم. (¬5) ينظر: "معجم البلدان" 1/ 203 (أشي). (¬6) البيت في "ديوانه" ص 63، "لسان العرب" 1/ 65، 4/ 2439، "مقاييس اللغة" 3/ 345، "أساس البلاغة" (مادة: صرم).

وذُو أُرُلٍ: جبل بأرض غطفان من ناحية الشام، ولكراهتهم الشمال يسمّون كل مكروه عندهم: مشْمولًا، قال زهير: جرت سُنُحًا (¬1) فقلت لها مَرُوعُا ... نَوًى مَشْمُولةٌ فمتى اللِّقاءُ (¬2) مشمولة أي: مكروهة (¬3). وقد صرّح طرفة بأن الشمال شامية، في قوله: فأنت (¬4) على الأدنى شَمالٌ عَرِيّةٌ (¬5) ... شآميّةٌ (¬6) تَزوي (¬7) الوجوهَ بَلِيلُ ويحبون الجنوب لدفئها، ولأنها تجيء بالسحاب والمطر (¬8)، أنشد الأصمعي لحُميد بن ثور: فلا يُبْعِدِ اللهُ الشبابَ وقولَنا ... إذا ما صَبَوْنا صبْوَةً سَنَتُوبُ لياليَ أَبْصَارُ الغواني وسمعُها ... إليَّ وإذ ربْحِي لهن جنوبُ (¬9) ¬

_ (¬1) في (ش): (كأنها بسحًا). (¬2) البيت في "ديوانه" ص 59، و"لسان العرب" 4/ 2113، 4/ 2329، "أساس البلاغة" 1/ 506 (مادة: شمل). (¬3) ينظر: "الحجة" لأبي علي الفارسي 2/ 255. (¬4) في (ش)، (م): (وأنت). (¬5) في (ش): (عزية). (¬6) سقطت من (م). (¬7) في (ش): (تزري). (¬8) من كلام الأصمعي تابع للنقل السابق عنه، نقله أبو علي في "الحجة" 2/ 255، وقطعه المؤلف وأدخل فيه غيره. (¬9) البيتان لحميد بن ثور، وردا في "الإصابة" 1/ 356، "الاستيعاب" 1/ 431، "الأغاني" 18/ 132، "الزاهر" 1/ 367. ينظر: "وضح البرهان" 2/ 332.

أي: محبوبة كما تحب الجنوب. وقال أبو عبيدة: الشمال عند العرب للرَّوْح، والجنوب للأمطار والأنداء، والدَّبور للبلاء، أهونه أن يكون غبارًا عاصفًا، يقْذي (¬1) العين، وهي أقلهن هُبوبًا، والصَّبا لإلقاح الشجر، وكل ريح انحرفت فوقعت بين ريحين من هذه الأربع فهي نكباء. وتقول العرب: إنَّ النُّكْب أربع: فنكباء الصبا والجنوب ميباس للبقل ونكباء الصبا (¬2) والشمال مِعْجاجٌ مِصْراد، لا مطر فيها ولا خير، ونكباء الشمال والجنوب ريح قَرَّة، وربما كان فيها مطر وهو قليل، ونكباء الدبور والجنوب قد تكون في الشتاء والصيف (¬3). وقول الخثعمي: مِن كلِّ فيّاضِ اليدين إذا غدَتْ ... نكباءُ تُلْوي بالكنيفِ (¬4) المُوصَدِ (¬5) هذه في الشتاء (¬6) (¬7). واختلف القراء في {الرِّيَاحِ} فقرأ بعضهم: بالجمع في مواضع، وبالتوحيد في مواضع (¬8)، وهم مختلفون فيها. والأظهر في هذه الآية ¬

_ (¬1) في (م): (يؤذي). (¬2) في (ش): (للصبا). (¬3) في (أ): (كأنها المصيف). (¬4) في (ش): (الكثيف). (¬5) ورد البيت في "ديوان الحماسة" 1/ 334. (¬6) في (م): (الثنا). (¬7) ينظر في تفصيلات الريح وأسمائها وأنواعها:"المخصص" لابن سيده 2 سفر 962 وما بعدها. (¬8) فبهذه الآية قرأ حمزة والكسائي وخلف بإسكان الياء وحذف الألف بعدها، على الإفراد، وغيرهم بفتح الياء وألف بعدها على الجمع. ينظر: "السبعة" ص 173،=

الجمع؛ لأن كل واحد من هذه الرياح مثل الأخرى في دلالتها على الوحدانية، وتسخيرها؛ لينتفع الناس بها بتصريفها، وإذا كان كذلك فالوجه أن تجمع؛ لمساواة كل واحدة منها الأخرى. وأما من وحّد فإنه يريد الجنس، كما قالوا (¬1): أهلك (¬2) الناس الدينار والدرهم، وإذا أريد بالريح الجنس كانت قراءة من وحّد كقراءة من جمع. فأما ما روي في الحديث من أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا هبت ريح قال: "اللهم اجعلها رياحًا ولا تجعلها ريحاً" (¬3). فمما (¬4) يدل على أن مواضع الرحمة بالجمع أولى قوله (¬5): {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ} [الروم: 46]، وإنما تبشر بالرحمة، ويشبه أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - قصد هذا الموضع من التنزيل. ومواضع الإفراد من ¬

_ = "النشر" 2/ 223، "الحجة" 2/ 248 - 251، وقد ذكروا المواضع التي اختلفت فيها القراء في القرآن كله. (¬1) في (م): (يقال). (¬2) في (م): (هلك). (¬3) أخرجه الشافعي في الأم 1/ 253 باب القول في الإنصات عند رؤية السحاب، وفي "المسند" 1/ 175 برقم 502، باب في الدعاء من طريق العلاء بن راشد عن عكرمة عن ابن عباس، ومن طريق الشافعي أخرجه البيهقي في "معرفة السنن والآثار" 5/ 189، وأخرجه أبو الشيخ في "العظمة" 4/ 1352 من طريق العلاء بن راشد، وهو ضعيف، وأخرجه أبو يعلى في "مسنده" 4/ 341، والطبراني في "الكبير" 11/ 213 من طريق الحسين بن قيس، وهو متروك. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 10/ 135: رواه الطبراني وفيه: حسين بن قيس، الملقب بحنش، وهو متروك، وقد وثقه حصين بن نمير، وبقية رجاله رجال الصحيح. (¬4) في (م): (رايدًا). (¬5) في كتاب "الحجة" 2/ 257: ومواضع العذاب بالإفراد، ويقوي ذلك قوله تعالى.

العذاب (¬1) كقوله: {وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ} [الذاريات: 41]. وقد يختص اللفظ في التنزيل بشيء فيكون أمارة له، فمن ذلك أن عامة ما جاء في التنزيل من قوله: {وَمَا يُدْرِيكَ} مبهم غير مبيّن، كقوله: {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ} [الشورى: 17]، وما كان من لفظ (أدراك) مفسّر، كقوله: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ} [القارعة: 3]، {وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ} [القارعة: 10] (¬2). فأما التفسير، فالتصريف في اللغة: التقليب، وهو تَفْعيل من الصَّرف، والصَّرف: القلب عن الشيء. والصَّرِيف: اللبنُ الذي سَكَنَت (¬3) رَغْوتُه؛ لانصراف الرغوة عنه، وقيل: لا يُسمَى صريفًا حتى يُنصرف به عن الضرع (¬4)، والصريف: الفحل نابيه؛ لأنه يقلب أحدهما بالآخر (¬5). قال المفسرون: ومعنى {وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ}: تَقْليبُها قَبُولًا ودَبُورًا وشمالًا وجنوبًا، كما بَيَّنَّا، وتصريفها مرةً بالرحمة، ومرةً بالعذاب، وتصريفها مرة حارةً، ومرةً باردةً، ومرة لينةً، ومرةً عاصفة (¬6). ¬

_ (¬1) في (أ)، (م): (الإفراد والعذاب). (¬2) من كتاب "الحجة" 2/ 256 - 258 بتصرف. (¬3) في (ش): (سكتت). ولعلها كذلك في (م). (¬4) ينظر في معاني التصريف: "المفردات" ص 283، "اللسان" 4/ 2434 (صرف). (¬5) العبارة غير واضحة، وقد يكون صوابها: صرف الفحل نابه، أي: حرقه فسمعت له صوتًا، ولنابه صريف أي: صوت. قال في "اللسان" 4/ 2436: الصريف: صوت الأنياب، وصرف الإنسان والبعير نابه، وبنابه حرقة فسمعت له صريفًا، وناقة صروف بينة الصريف، وصريف الفحل: تهدُّره. (¬6) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 64، "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 275، "تفسير الثعلبي" 1/ 1311، "المحرر الوجيز" 2/ 51، "البحر المحيط" 1/ 467.

165

وقوله تعالى: {وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّر} سمي السحاب لانسحابه في الهواء (¬1). ومعنى التسخير: التذليل، {وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّر}: المطيعة لله تعالى (¬2). 165 - قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا} الآية، لما ذكر الله تعالى الدلالةَ على وحدانيته أَعْلَم أنّ قومًا بعد هذه الدلالة والبيان يتخذون الأنداد، مع علمهم أنهم لا يأتون بشيء مما ذكر (¬3). ومضى الكلام في معنى: (الأنداد) (¬4). قال أكثر المفسرين: يريد بالأنداد: الأضداد (¬5) المعبودة من دون الله عز وجل، فعلى هذا، الأصنام أنداد بعضها لبعض، أي: أمثال، ليست أنها أنداد لله تعالى (¬6). وقال السُدِّي: يعنى: بالأنداد أكفاء من الرجال يطيعونهم في معصية الله (¬7). ¬

_ (¬1) "تفسير الثعلبي" 1/ 1312، وينظر: "المفردات" ص 231، "التفسير الكبير" 4/ 202، "اللسان" 4/ 1948. (¬2) ينظر: "المفردات" 233، "التفسير الكبير" 4/ 202، "اللسان" 4/ 1963 (سخر). (¬3) من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 237، وينظر: "التفسير الكبير" 1/ 204، "البحر المحيط" 1/ 469. (¬4) ينظر في معنى الند: "تفسير الطبري" 1/ 163، "المفردات" ص 489. (¬5) في (ش): (الأصنام). وهو كذلك عند الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1314 (¬6) ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1314، "زاد المسير" 1/ 170، "معاني القرآن" 1/ 99، "البحر المحيط" 1/ 469، "التفسير الكبير" 4/ 204، ونسبه إلى أكثر المفسرين. وظاهر كلام المفسرين: أنهم اتخذوها أندادًا لله بحسب زعمهم. (¬7) رواه عنه الطبري 2/ 67، ولفظه: الأنداد من الرجال، يطيعونهم كما يطيعون الله،=

وعلى هذا: المطاعون في معصية الله أنداد (¬1) للمطيعين، أو هم أندادٌ، بعضُهم (¬2) لبعض نِدٌّ، كما قلنا في الأصنام. وقوله تعالى: {يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّه} قال الليث: يقال: أَحْبَبَتُ الشيءَ فأنا مُحِبٌّ، وهو محبوبُ، قال: ومثله: أحزنته فهو محزون، وأجَنَّه الله فهو مجنون، وقد جاء مُحَبّ شاذًا في قول عنترة: بمنزلة المُحبِّ المكرم (¬3) قال شمر: قال الفراء: وحَبَبْتُ لغةٌ، وأنشد: فو الله لولا تَمْرُهُ ما حَبَبَتْهُ ... ولا كان أدنى من عُبيدٍ ومُشرِقِ (¬4) (¬5) عن أبي زيد: بعير مُحِبّ، وقد أحَبّ أحبابًا، وهو أن يصيبه مرض أو كسر فلا يبرح مكانه حتى يبرأ أو يموت. قال: والإحباب: هو البروك، فمن ¬

_ = إذا أمروهم أطاعوهم وعصوا الله. وقد رواه الطبري عن ابن مسعود وناس من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - باللفظ الذي ذكره المؤلف، وذكر ذلك عند قوله: {فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}، ورواه الطبري 1/ 163. وينظر: "البحر المحيط" 1/ 469، فقد بين: أن المراد بالناس: أهل الكتاب، ورجح كونهم أهل الكتاب بقوله: (يحبونهم). فأتى بضمير العقلاء، وباستبعاد محبة الأصنام. ولقوله: (إذ تبرأ)، والتبرؤ لا يناسب إلا العقلاء، وكذا قال الرازي في "تفسيره" 4/ 204. (¬1) في (ش): (أندادًا لمطيعين). (¬2) في (ش): (وبعضهم). (¬3) والبيت بتمامه: ولقَدْ نَزَلْتِ فلا تَظُنِّى غيرَه ... مني بمنزلة المُحَبِّ المكرم البيت في "ديوانه" ص 191. (¬4) في (م): (ومشرقي). (¬5) البيت لغيلان بن شجاع النهشلي، في "لسان العرب" 2/ 743 (حبب). وروايته: فأُقسِمُ، وبلا نسبة في "الأشباه والنظائر" 2/ 410، "مغني اللبيب" 1/ 361.

الناس من يجعل المحبة مأخوذة من هذا؛ للزوم المحب محبوبه (¬1). وفي قوله: {كَحُبِّ اَللَّهِ} طريقان لأهل المعاني: أحدهما: أن المعنى فيه كحب المؤمنين الله، أي: يحبون الأصنام كما يحب المؤمنون ربهم، فأضيف المصدر إلى المحبوب، كقول القائل: أكلتُ طعامي كأكل طعامك، وبعت جاريتي كبيع جاريتك، وهو يريد: كبيعك جاريتك وأكلك طعامك، فيحذف الفاعل، ولضيف المصدرَ إلى المفعول (¬2)، كقول الشاعر: ولستُ مسلِّما ما دمتُ حيًّا ... على زيدكتسليم الأميرِ (¬3) أراد: كتسليمي على الأمير، هذا قول الفراء (¬4)، ويوافقه تفسير ابن عباس (¬5)، فإنه قال: يريد: كحب الذين آمنوا الله (¬6)، فكثير (¬7) من العلماء ¬

_ (¬1) ينظر: "المفردات" ص112، "البحر المحيط" 1/ 470، "اللسان" 2/ 745 - 746 (حبب). (¬2) ينظر: "المحرر الوجيز" 2/ 54 - 55، "البحر المحيط" 1/ 470. (¬3) البيت لعلي بن خالد البردخت، كما في "رسائل الجاحظ" 2/ 261، ينظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 100، "البيان والتبيين" 4/ 51، "تفسير الطبري" 2/ 67 "تفسيرالثعلبي" 1/ 1314. (¬4) "معاني القرآن" للفراء 1/ 97. (¬5) نسبه إليه ابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 170، وابن عطية في "المحرر الوجيز" 2/ 54. (¬6) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 67، واختار هذا القول، ورواه عن قتادة ومجاهد والربيع وابن أبي زيد، وكذا رواها ابن أبي حاتم 1/ 276، ونسبه في "زاد المسير" 1/ 170 أيضًا إلى عكرمة وأبي العالية ومقاتل. وينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1314، وعزاه لأكثر العلماء، "تفسير السمعاني" 2/ 120، "الكشاف" 1/ 209. (¬7) في (ش): (وكثير).

على هذه الطريقة فلم يثبتوا للكفار حبًا لله، وجعلوا حب الله للمؤمنين (¬1)، وشبهوا حُب الكفار للأصنام بحب المؤمنين لله (¬2). الطريق الثاني: أن المعنى فيه: يحبونهم كحب الله، أي: يسوّون بين هذه الأصنام وبين الله عز وجل في الحب، فيكون تقدير الآية: يحبونهم كحبهم الله، فيضاف الحب إلى الله عز وجل، والمشركون هم المُحِبُّون (¬3)، وعلى المشركين في تسويتهم بين الله عز وجل والأصنام في المحبة أعظم الحجج وأوكدها، إذ أحبوا وعبدوا ما لا ينفع ولا يضر، ولا يحيي ولا يميت. وقد بيّن الله -عز اسمه- ما يدل على هذا المعنى في قوله: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر: 3]. وهذا القول اختيار الزجاج (¬4) وابن كيسان (¬5)، وعلى هذا فقد أثبت للمشركين حبًّا لله، شبه حبّهم الأصنام بحبهم الله تعالى. وقال أبو رَوق: معنى قوله: {كَحُبِّ اللَّهِ}، أي: يحبون الأصنام حُبًّا لا يستحقّ مثلَ ذلك الحبِّ إلا اللهُ، ويحبونهم كما ينبغي لهم أن يحبوا الله، فالمعنى فيه: كالحب المستحق لله. ثم قال تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ} قال ابن عباس: أي: ¬

_ (¬1) في (أ)، (م): (المؤمنين). (¬2) في (م): (الله). (¬3) في (م): (المحبين). (¬4) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 237، وقال عن القول الأول: (ليس بشيء، ودليل نقضه قوله: {وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ}. والمعنى: أن المخلصين الذين لا يشركون مع الله غيره هم المحبون حقًّا). وهو اختيار الرازي في "تفسيره" 4/ 204. (¬5) "تفسير الثعلبي" 1/ 1314.

أثبت وأدوم (¬1)، وذلك أن المشركين كانوا يعبدون صنمًا فإذا رأوا شيئًا أحسن منه (¬2) تركوا ذلك، وأقبلوا على عبادة الأحسن (¬3). وقال قتادة: إن الكافر يعرض عن معبوده في وقت البلاء، ويقبل على الله عز وجل، ألا ترى إلى قوله: {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ} الآية [العنكبوت: 65]، والمؤمن لا يُعرض عن الله في السرّاء والضرّاء والشدة والرخاء، ولا يختار عليه سواه (¬4). وقيل: لأن المؤمنين يوحدون ربهم، والكفار يعبدون مع الصنم أصنامًا، فتنقص محبة الواحد، بضم محبة مجمع إليه، والذي لا يعبد إلا واحدًا محبته له أتم. وهذه الأقوال على طريقة من لم يثبت للمشركين محبة لله. فأما من أثبت لهم محبة لله فالمؤمنون أشد حبًّا منهم؛ لأن الكفار يقولون: إن الله خالقنا ورازقنا، ثم يجعلون معه شركاء، فتضعف محبتهم، وتنقص بذلك، وتتم محبة المؤمنين ربّهم بإفرادهم إياه في العبادة (¬5). وهذا معنى قول الحسن: إن الكافرين عبدوا الله بالواسطة، وذلك قولهم للأصنام: {هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ} [يونس: 18] وقولهم: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ} [الزمر: 3] والمؤمنون يعبدونه بلا واسطة، لذلك قال: {وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ}، (¬6) ومعنى حب المؤمنين الله: ¬

_ (¬1) في (م): (ودا). (¬2) في (م): (أخير). (¬3) ذكره الثعلبىِ في "تفسيره" 1/ 1315، والسمعاني في "تفسيره" 2/ 121، والبغوي 1/ 178 ولم ينسبه لابن عباس. (¬4) "تفسير الثعلبي" 5/ 1311، وذكره البغوي في "تفسيره" 1/ 178 - 179، والواحدي في "الوسيط" 1/ 236. (¬5) ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1315 - 1316. (¬6) في "تفسير الحسن البصري" 1/ 94، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1315.

حب طاعته والانقياد لأمره، ليس معنى يتعلق بذات القديم سبحانه (¬1). وقوله تعالى: {وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا} جواب (لو) محذوف. وقد كَثُر في التنزيل حذفُ جواب (لو) كقوله: {وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا} [الرعد: 31] {وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ} [الأنعام: 27] {وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ} [الأنعام: 93]. قال أصحاب المعاني: وحذف جواب (لو) في مثل هذا الآي يكون أفحم وأبلغ؛ لذهاب المخاطب المتوعَّد إلى كلّ ضرب من الوعيد، ولو ¬

_ (¬1) هذا من المؤلف تأويل يخالف ظواهر النصوص، جرى فيه على مذهب الأشاعرة الذين يجيزون إطلاق هذه اللفظة لكنهم يحيلون وقوعه، كما ذكر الرازي في "تفسيره" 4/ 205، فالمؤمنون يحبون الله لذاته، قال تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ} , وقال: {يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَه} [المائدة: 54]. قال ابن القيم في "إغاثة اللهفان" 1/ 165: وليس شيء يحب لذاته من كل وجه إلا الله عز وجل وحده، الذي لا تصلح الألوهية إلا له. وأما تقسيم المحبة والإرادة إلى نافعة وضارة، فهو باعتبار متعلقها ومحبوبها ومرادها، فإن كان المحبوب المراد هو الذي لا ينبغي أن يحب لذاته ويراد لذاته إلا هو، وهو المحبوب الأعلى الذي لا صلاح للعبد ولا فلاح ولا نعيم ولا سرور إلا بأن يكون هو وحده محبوبه ومراده وغاية مطلوبه، كانت محبته نافعة له. أما الأشاعرة فينفون المحبة بين الله وعبده؛ لأن العقل لا يدل عليها، وكل ما لا يدل العقل عليه فإن الله يجب أن ينزه عنه، وقالوا: إن المحبة لا تكون إلا بين متجانسين، فلا تكون بين رب ومخلوق، وهذه دعوى باطلة يكفي فيها المنع؛ لأن الأصل عدم ثبوت الدعوى، والواقع يدل على ثبوت المحبة بين غير المتجانسين، كما يحب آلاته وبعض بهائمه. علمًا بأن العقل قد دل على ذلك؛ فإثابة الطائعين ونصرهم وتأييدهم وإجابة دعائهم دليل على المحبة. وينظر: "شرح العقيدة الواسطية" للشيخ محمد العثيمين ص 196، "مختصر منهاج القاصدين" 343 - 356.

ذكر له ضرب من الوعيد لم يكن مثل أن يبهم (¬1) عليه؛ لأنه يوطّن نفسه على ذلك المذكور، ومن وطّن نفسه على شيء لم يصعب عليه صعوبتَه على من لم يوطنْ عليه نفسَه. وذكرنا شواهد هذه المسألة في سورة الأنعام، عند قوله: {وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا} [الأنعام: 27]، (¬2). وكثر اختلافُ القُرّاء (¬3) في هذه الآية، فقرأ حمزة والكسائي وعاصم وأبو عمرو وابن كثير: (ولو يَرَى) بالياء، {أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ}، {وَأَنَّ اللَّهَ} بالفتح فيهما (¬4). والمراد بالرؤية هاهنا: رؤية العين المتعدية إلى مفعول واحد، والفعل في هذه القراءة (¬5) مسند إلى الذين ظلموا، و (الذين ظلموا): هم الذين ¬

_ (¬1) في (ش): (يتهم)، وفي (أ)، (م): غير منقطة ولا واضحة. (¬2) ينظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 97، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 239، و "تفسير الطبري" 2/ 67، "التبيان" للعكبري ص 105، "البحر المحيط" 1/ 471، "تفسير الثعلبي" 1/ 1318. (¬3) ينظر في توجيه القراءات في الآية: "معاني القرآن" للفراء 1/ 97، "تفسير الطبري" 2/ 67 - 69، "التبيان" ص 105 - 106، "البحر المحيط" 1/ 471، "الحجة" 2/ 258. (¬4) ينظر: "السبعة" ص 173 - 174، "النشر" 2/ 224، "الحجة" 2/ 258، قال في "النشر": واختلفوا في {وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ} فقرأ نافع وابن عامر ويعقوب بالخطاب، واختلف عن ابن وردان عن أبي جعفر، فروى ابن شبيب عن الفضل من طريق النهرواني عنه بالخطاب، وقرأ الباقون بالغيب. واختلفوا في {يَرَوْنَ الْعَذَابَ} فقرأ ابن عامر بضم الياء، وقرأ الباقون بفتحها. واختلفوا في {أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ} فقرأ أبو جعفر ويعقوب بكسر الهمزة فيهما. وقرأ الباقون بفتح الهمزة فيهما. (¬5) في (ش): (الآية).

كفروا، ألا ترى إلى قوله: {وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [البقرة: 254]، وإنما كان ينبغي أن يسند إليهم الفعل؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين قد علموا قدرَ ما يشاهدُ الكفارُ ويعاينونه من العذاب يوم القيامة، والمتوعدون في هذه الآية لم يعلموا ذلك، فوجب أن يسند الفعل إليهم (¬1)، وفتحوا {أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ}، لأنهم أعملوا فيه الرؤية، تقديره: ولو يرون أن القوة. ومعناه: ولو يرى الذين ظلموا شدة عذاب الله وقوته لعلموا مضرّة اتخاذ الأنداد. وقولنا: لعلموا، هو الجواب المحذوف، وإنما قدرنا هذا الجواب مع احتمال غيره؛ لأنه قد جرى ذكر اتخاذ الأنداد في أول الآية (¬2). وقال أبو عبيد والزجاج (¬3): يجوز أن يكون العامل في (أن) جواب (لو) المقدر؛ لأنه قد جاء في تفسير هذه الآية: لو رأى الذين كانوا يشركون في الدنيا عذاب الآخرة، لعلموا حين يرونه أن القوة لله جميعًا، ففتحوا (أن) بالجواب المقدر وهو: لعلموا (¬4). وضعّف أحمد بن يحيى هذا القول، وقال: (¬5) العَلَم لو حذف لم يترك صلته، وقال من احتج لهذا القول: حذف الموصول وإبقاء أصله لا ينكر، كقوله تعالى: {لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ} [الأنعام: 94]، في قراءة من نصب، والمراد: ما بينكم، فحذفت (ما) وتُركت صلتها. وقرأ أبو جعفر: (ولو يرى) بالياء (¬6)، وكسر (إن القوة) و (إن الله) ¬

_ (¬1) "الحجة" 2/ 261. (¬2) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 238. (¬3) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 238. (¬4) في (ش): (وعلموا). (¬5) في (م): (قال). (¬6) في (ش): (بالتاء).

وإنما كَسَر؛ لأن ما قبل (إن) كلام تام، مع ما أضمر فيه من الجواب المقدرة لأن تقديره: ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب لآمنوا، أو لرأوا أمرًا عظيما، فلما تم الكلام بقي قوله: {أَنَّ اَلقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا} مستأنف، وإذا استأنف وجب كسره. قال الفراء: وتكون الرؤية على هذه القراءة واقعة على (إذ) في المعنى، وفتح (أنّ) مع الياء أحسن من كسرهما (¬1). وقرأ يعقوب وسَهْل: (ولو ترى) بالتاء، (إن القوة)، و (إن الله): بالكسر فيهما. والخطاب في هذه القراءة (¬2) للنبي - صلى الله عليه وسلم -، ولم يقصده (¬3) بالمخاطبة؛ لأنه لم يعلم ما يراه الكفار من العذاب في الآخرة، ولكن في قصده المخاطبة (¬4) تنبيه لغيره، ألا ترى أنه قد يُخَاطَبُ فيكون خطابه خطابًا للكافّة، كقوله: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى} [الأنفال: 70] و {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ} [الطلاق: 1] (¬5). قال أبو إسحاق: وهذا (¬6) كما قال عز وجل: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (106) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [البقرة:106 - 107] وهو بمنزلة: ألم تعلموا. كذلك، (ولو ترى) بمنزلة: ولو ترون، ويكون (إن القوة) مستأنفة كما وصفنا. ويكون الجواب -والله أعلم- لرأيت أمرًا ¬

_ (¬1) "معاني القرآن" للفراء 1/ 97. (¬2) في (ش): (الآية). (¬3) في (أ)، (م): (يقصد). (¬4) سقطت من (أ)، (م). (¬5) "الحجة" 2/ 262. (¬6) في (ش): (فهذا).

عظيمًا، كما تقول: لو رأيت فلانًا والسياط تأخذه، فتستغني (¬1) عن الجواب؛ لأن المعنى معلوم (¬2). قال ابن الأنباري: ويجوز في هذه القراءة أن تضمر القول وتعلق (إن) به، ويكون التقدير: ولو ترى الذين ظلموا إذ يرون العذاب لقلت: إن القوة لله جميعا، فانكسرت (إن) مع القول كما انفتحت مع العلم. وقرأ نافع وابن عامر: (ترى) بالتاء (¬3)، وفتح: {أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ}، و {وَأَنَّ اللَّه}، وعلى (¬4) هذه القراءة لا يجوز أن يكون العامل في: {أَنَّ الْقُوَّةَ} قوله: (ترى)؛ لأن الرؤية هاهنا: المراد به رؤية البصر، فلم يجز أن تتعدّى إلى (أن)؛ لأنها قد استوفت مفعولها الذي تقتضيه، وهو: (الذين ظلموا)، فإذا لم يجز أن تنتصب (أن) بـ (ترى)، ثبت أنه منتصب (¬5) بفعل آخر غير (ترى) الظاهرة، وذلك الفعل هو الذي يقدر جوابا لـ (لو)، كأنه: ولو ترى الذين ظلموا إذ يرون العذاب رأوا أن القوة لله، والمعنى: أنهم شاهدوا من قدرته سبحانه ما تيقنوا معه أنه قوي عزيز، وأن الأمر ليس على ما كانوا عليه من جحودهم لذلك، أو شكّهم فيه (¬6). والاختيار عند الفراء وغيره: كسر (إن) مع المخاطبة؛ لأن الرؤية واقعة على الذين ظلموا، فكان وجه الكلام أن يستأنف (إن). ¬

_ (¬1) في (م): (تستغني). (¬2) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 238 - 239، وينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1318. (¬3) في (م): (بفتح التاء وفتح). (¬4) في (أ)، (م): (على). (¬5) في (م): (انتصب). (¬6) من كلام أبي علي في "الحجة" 2/ 263.

قال الفراء: ولو فتحها على تكرير الرؤية كان صوابًا، كأنه قال: ولو ترى الذين ظلموا إذ (¬1) يرون العذاب يرون (¬2) {أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا} (¬3). ومن قرأ بالياء ففتحُ {أَنَّ} في قراءته أبين؛ لأنه ينصب {أَنَّ} بالفعل الظاهر دون المضمر. هذه وجوه اختلاف القراءة في هذه الآية (¬4). فإن قيل: كيف جاءت (إذ) في قوله: {إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ} مع قوله: {وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا} وهذا أمر مستقبل وإذ لما مضى؟، قيل: إنما جاء على لفظ المضي لإرادة التقريب في ذلك، كما جاء {وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ} [النحل: 77]، {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ} [الشورى:17]، فلما أريد فيها من التحقيق والتقريب؛ جاء على لفظ المضي، وعلى هذا جاء في ما هو من (¬5) أمر الآخرة أمثلة الماضي، كقوله: {وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ} [الأعراف: 44]. ومما جاء على لفظ المضي للتقريب من الحال: قول المقيم: قد قامت الصلاة، يقول ذلك قبل إيقاعه التحريم بالصلاة؛ لقرب ذلك من قوله، وعلى هذا قول رؤبة: أَوْدَيْتُ إن لم تَحْبُ (¬6) حَبْوَ المُعْتَنِكْ (¬7) (¬8) ¬

_ (¬1) من قوله: (فكان وجه الكلام). ساقطة من (ش). (¬2) ليست في (أ)، (م). (¬3) من "معاني القرآن" للفراء 1/ 97 - 98. (¬4) من كلام أبي علي في "الحجة" 2/ 263 بتصرف. (¬5) ساقطة من (أ)، (م). (¬6) في (ش): (يجب). (¬7) في (ش): (المعتبك). (¬8) لرؤبة من قصيدة يمدح فيها الحكم بن عبد الملك في "ديوانه" ص 118،=

166

فإنما أراد تقريب مشاركته وإشفاءه عليه، فأتى بمثال الماضي، وجعله سادًّا مسدّ جواب أن، من حيث كان معناه الاستقبال في الحقيقة (¬1)، وأن الهلاك لم يقع بعد، ولولا ذلك لم يجز، ألا ترى أنه لا يكون: قمتُ إن قمتَ؟ إنما تقول: أقومُ إن قمتَ، وقد جاء كثير مما في التنزيل من هذا الضرب كقوله: {وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا} [الأنعام: 27]، {وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُون} [الأنعام: 93]، {وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا} [سبأ: 51]، {وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى} [الأنفال: 50]، فكما جاءت هذه الآية التي يراد بها الاستقبال بإذ، كذلك جاء: {وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْن} (¬2). وقرأ ابن عامر: (يُرون) بضم الياء، وحجته قوله (¬3): {كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ} (¬4). وقوله تعالى: {أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا} منصوب على الحال، المعنى: إن القوة ثابتة لله عز وجل في حال اجتماعها (¬5). 166 - قوله تعالى: {إِذْ تَبَرَّأَ}. العامل في {إِذْ} معنى {شَدِيدُ} ¬

_ = "الخصائص" 2/ 289، "الحجة للقراء السبعة" 2/ 260 والمعتنك: البعير يصعد في العانك من الرحل، وهو المتعقد منه. (¬1) في (ش): (بالحقيقة). (¬2) من كلام أبي علي في "الحجة" 2/ 260 - 261. (¬3) ساقط من (ش) وكلمة قوله ليست في (م). (¬4) "الحجة" 2/ 264. (¬5) من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 239، وينظر: "التبيان" للعكبري ص 107، وهذا إعراب لكلمة: (جميعًا).

من قوله: {وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (165) إِذْ تَبَرَّأ} كأنه قيل: وقت تبرأ (¬1). وقوله: {الَّذِينَ اتُّبِعُوا} يعنى: المتبوعين في الشرك والشرّ، {مِنَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا} يعنى: السفلة والأتباع (¬2). وقوله تعالى: {وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ} الباء هاهنا: بمعنى: عن (¬3)، كقوله: {فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا} [الفرقان: 59]، أي: عنه، قال علقمة بن عبدة: فإن تسألوني بالنساء فإنني ... بصيرٌ بأدواء النساء طبيب (¬4) أي: عن النساء. وقال آخر: تسائل بي هوازنُ أين مالي ... وهل لي غيرَ ما أتلفتُ مالُ (¬5) أي: عني. وقوله تعالى: {الْأَسْبَابُ} أصل السبب في اللغة: الحبل، قال شمر: قال أبو عبيدة: السببُ: كلُّ حَبْل حَدَرْتَه (¬6) من فوق. ¬

_ (¬1) ينظر: "التبيان" ص 107، وإعرابها إعراب آخرين، فالأول: بدل من إذ الأولى. والثاني: مفعول (اذكر). (¬2) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 239، وتنظر الآثار في ذلك عند الطبري في "تفسيره" 2/ 70، وابن أبي حاتم 1/ 277 عن قتادة وأبي العالية والربيع وعطاء، وينظر: "زاد المسير" 1/ 171، "تفسير الثعلبي" 1/ 1320 وعزاه لأكثر أهل التفسير. (¬3) "تفسير الثعلبي" 1/ 1320، "التبيان" 1/ 107، وذكر أنها أيضًا للسببية، والتقدير: وتقطعت بسبب كفرهم، وقيل: إنها للحال، أي تقطعت موصولة بهم الأسباب، وقيل: الباء للتعدية، والتقدير: قطعتهم الأسباب، كما تقول: تفرقت بهم الطرق، أي فرقتهم، وينظر: "البحر المحيط" 1/ 473، "التفسير الكبير" 4/ 211. (¬4) البيت لعلقمة الفحل في "ديوانه" ص 35. (¬5) البيت ليزيد بن الجهم، في "ديوان الحماسة" 2/ 356. (¬6) في (ش): (جدوته).

وقال خالدُ بنُ جَنَبَة: السبب من الحبال: القوي الطويل، قال: ولا يدعى الحبل سببًا حتى يُصْعَدَ به وُينْزَل، ومن هذا قوله تعالى: {فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ} [الحج: 15]، فالسبب: الحبل في هذا الموضع، ثم قيل (¬1) لكل شيء وصلت به إلى موضع أو حاجة تريدها: سبب، يقال: ما بيني وبينك سبب، أي: آصرة رحم، أو عاطفة مودة. وقيل للطريق: سبب؛ لأنك بسلوكه تصل إلى الموضع الذي تريده، قال الله تعالى: {فَأَتْبَعَ سَبَبًا} [الكهف: 85]، أي: طريقًا، و (أسبابُ السماء): أبوابُها؛ لأن الوصول إلى السماء يكون بدخولها، قال الله تعالى خبرًا عن فرعون: {لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (36) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ} [غافر:36 - 37]، قال زهير: ومن هاب (¬2) أسبابَ المنايا ينلنه ... ولو رام أسبابَ السماء بسُلَّمِ (¬3). والمودة بين القوم تسمى: سببًا؛ لأنهم بها يتواصلون، ومنه قول لبيد: بل ما تَذكَّرُ من نوارَ وقد نأتْ ... وتقطّعت أسبابُها ورِمامُها (¬4) (¬5). والتي في هذه الآية يعني بها: وُصَلَهم التي كانت تجمعهم، قال ابن ¬

_ (¬1) في (م): (يقال). (¬2) سقط من (ش). (¬3) البيت في "ديوانه" ص30، "تفسير الثعلبي" 1/ 1322، "السمعاني" 2/ 123، "الرازي" 4/ 234، "القرطبي"، "لسان العرب" 4/ 1910 (سب). (¬4) البيت في "ديوانه" ص 301، "لسان العرب" 4/ 1910 (سب). (¬5) ينظر في معاني السبب: "تفسير الطبري" 2/ 71 - 73، "تفسير الثعلبي" 1/ 1322، "المفردات" ص 226، "تاج العروس" 2/ 66 وما بعدها.

167

عباس (¬1) ومجاهد (¬2) وقتادة (¬3): يعني: أسباب المودة والوصلات التي كانت بينهم في الدنيا، تقطعت وصارت مخالّتهم عداوة. وقيل: أراد بالأسباب: الأرحام التي كانوا يتعاطفون بها (¬4). وقال ابن زيد: يعني: الأعمال التي كانوا يؤملون أن يصلوا (¬5) بها إلى ثواب الله (¬6). 167 - وقوله تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا} وهم الأتباع. {لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً} موضع أن رَفْع؛ لأن لو تطلب الفعل (¬7)، المعنى: لو وقع كرور، أي: رجعة إلى الدنيا (¬8). {فَنَتَبَرَّأَ} جواب التمني بالفاء، كقوله: {فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الشعراء: 102]، قال الكسائي: إنما نصب جواب التمني بالفاء (¬9)؛ لأن تأويله: لو أنّ لنا أن نَكُرَّ فَنَتَبَرَّأَ (¬10). ¬

_ (¬1) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 71، وابن أبي حاتم 1/ 278. (¬2) رواه عنه الطبري 271، وابن أبي حاتم 1/ 278. (¬3) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 15/ 65، والطبري 2/ 71، وابن أبي حاتم 1/ 278. (¬4) رواه الطبري في "تفسيره" 2/ 71 بسنده عن ابن عباس، وابن أبي حاتم عن الضحاك 1/ 278، وذكره الثعلبي 1/ 1320 عن ابن جريج والكلبي. (¬5) في (م): (يوصلوا). (¬6) رواه عنه الطبري 2/ 72، ورواه ابن أبي حاتم عن السدي عن أبي صالح 1/ 279. (¬7) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 240. (¬8) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 240، وينظر: "تفسير الطبري" 2/ 73، و"تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 279. (¬9) ساقطة من (أ)، (م). (¬10) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 73، "التبيان" 1/ 106، وذكر وجهًا آخر وهو أن (فنتبرأ) منصوب بإضمار أن، تقديره: لو أن لنا أن نرجع فأن نتبرأ، وجواب لو على هذا محذوف، تقديره. لتبرأنا أو نحو ذلك.

وقوله تعالى: {كَذَلِكَ} أي: كتبرؤ (¬1) بعضهم من بعض (¬2). {يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ} قال الربيع بن أنس: يريهم أعمالهم القبيحة التي سلفت منهم في الدنيا حسراتٍ عليهم في الآخرة (¬3)؛ لأنهم إذا رأوا حُسْنَ مجازاة الله المؤمنين بأعمالهم الحسنة تحسروا على أن لم تكن أعمالُهم حسنةً، فيستحقّوا بها من ثواب الله مثلَ الذي استحقه المؤمنون. وقال ابن كيسان: يعني بأعمالهم: عبادَتَهم الأوثان رجاء أن تقربهم إلى الله، فلما عُذِّبوا على ما كانوا يرجون ثوابه تحسّروا وندموا (¬4). قال أبو إسحاق: والحَسْرَةُ: شِدَّةُ الندم، حتى يبقى النادم كالحسير من الدوابّ الذي لا منفعة فيه، ويقال: حَسِرَ فلان يَحْسَر حَسْرَةً وحَسَرًا: إذا اشتدَّ نَدَمُه على أمر فاته، قال المَرَّار: ما أنا اليومَ على شيء خلا ... يا ابنةَ القَيْنِ تَوَلَّى بِحَسِرْ (¬5). أي: بنادم. وأصل الحَسْر: الكشف، يقال: حَسَر عن ذراعه، والحَسْرَة: انكشاف عن حال الندامة (¬6)، والحُسُور: الإعياء؛ لأنه انكشاف الحال ¬

_ (¬1) في (ش): (كثير). (¬2) من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 240، وينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1322 وذكر وجها آخر، أي: كما أراهم العذاب كذلك يريهم الله! (¬3) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 75، وذكره الثعلبي 1/ 1323، والقرطبي 2/ 190. (¬4) ذكره الثعلبي 1/ 1323، والواحدي في "الوسيط" 1/ 252، "البغوي" 1/ 180. (¬5) البيت للمرار في "لسان العرب" 2/ 869. (¬6) سقطت من (م).

168

عما أوجبه طول السفر، والمِحْسرة: المِكْنَسَة (¬1)؛ لأنها تكشف عن الأرض، والطيرُ تنحسر؛ لأنها تنكشف بذهاب الريش (¬2). قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في المشركين الذين أخرجوا النبي - صلى الله عليه وسلم - من مكة. 168 - قوله تعالى {يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا} قال ابن عباس، في رواية أبي صالح: نزلت في الذين حَرَّموا على أنفسهم السوائب والوصائل والبحائر (¬3)، وقال في رواية عطاء: يعني: المؤمنين خاصةً (¬4). وقوله تعالى: {حَلَالًا} إن شئت نصبته على الحال: {مِمَّا فِي الْأَرْضِ}، وإن شئت نصبته على أنه مفعول: {مِمَّا فِي الْأَرْضِ}. ¬

_ (¬1) في (ش): كتب (الميليس). (¬2) ينظر في معاني حسر: "تفسير الطبري" 2/ 73 - 74، "تفسير الثعلبي" 1/ 1323، "المفردات" ص125، "تاج العروس" 6/ 273. (¬3) روى البخاري (4623) كتاب: التفسير، باب: ما جعل الله من بحيرة ولا سائبةٍ، عن سعيد بن المسيب قال: البحيرة: التي يمنع درها للطواغيت فلا يحلبها أحد من الناس، والسائبة: التي كانوا يسيبونها لآلهتهم فلا يحمل عليها شيء، والوصيلة: الناقة البكر في أول نتاج الإبل بانثى، ثم تثني بعد بانثى، وكانوا يسيبونها لطواغيتهم إن وصلت إحداهما بأخرى ليس بينهما ذكر. (¬4) ينظر: "العجاب" 1/ 417، وفي "البحر المحيط" 1/ 478: قال الحسن: نزلت في كل من حرم على نفسه شيئًا لم يحرمه الله عليه، وروى الكلبي ومقاتل وغيرهما: أنها نزلت في ثقيف وخزاعة وبني الحارث بن كعب، قاله النقاش. وقيل: في ثقيف وخزاعة وعامر بن صعصعة، قيل: وبني مدلج فإن صح هذا كان السبب خاصًّا واللفظ عامًّا، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. انتهى. وينظر: "زاد المسير" 1/ 172.

قال الفراء: يقال: قد حَلَّ الشيء فهو يَحِلُّ حَلالًا وحلًا، وحَلَّ من إحرامه يَحِلُّ حلالًا، وأصله: من الحَلِّ الذي هو نقيض العَقْد، ومعنى الحلال: المباح الذي انحلت عُقْدة الحظر عنه. ومنه: حلَّ بالمكان، إذا نزل به؛ لأنه حلّ شدّ الارتحال للنزول. وحَلّ الدَّين: إذا وجب؛ لانحلال العُقْدة بانقضاءِ المدة، وحَلَّ من إحرامه؛ لأنه حل عقدة الإحرام. وحلت عليه العقوبة، أي: وجبت، لانحلال العقدة المانعة من العذاب، والحُلّة: الإزار والرداء؛ لأنها تحل عن الطي للبس، ومن هذا: تَحِلَّةُ اليمين؛ لأن عقدة اليمين تنحلّ به (¬1). والطيب في اللغة يكون بمعنى: الطاهر، والحلال يوصف بأنه طيب؛ لأن الحرام يوصف بأنه خبيث، قال الله تعالى: {قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ} [المائدة: 100]. والأصل في الطيب: هو ما يُسْتَلَذُّ ويستطاب، وَوُصفَ به الطاهر والحلال على جهة التشبيه؛ لأن النجسَ تكرهُهُ النفس فلا يُسْتَلَذّ، والحرام غير مستلَذّ؛ لأن الشرع يزجر عنه (¬2). قال ابن عباس: يريد: قد غَنَّمْتُكم مال أعدائكم (¬3)، فعلى هذا عنى بالحلال الطيب: الغنيمة. وقال أهل المعاني: أراد كل ما يغتذى به من المطاعم، ولهذا جمع ¬

_ (¬1) ينظر في الحلال "تفسير الطبري" 2/ 76، "تهذيب اللغة" 1/ 902 - 904 (حل)، "المفردات" ص 135، "تاج العروس" 14/ 158 - 168. (¬2) ينظر في الطيب: "تفسير الطبري" 2/ 76، "تهذيب اللغة" 3/ 2147 - 2148 (طاب)، "المفردات" 314 - 315، "تفسير البغوي" 1/ 180، "تاج العروس" 2/ 188 - 192، "البحر المحيط" 1/ 479. (¬3) هذا من رواية عطاء، وتقدم الحديث عنها.

بين الوصفين لاختلاف الفائدتين، إذ وصْفُه بأنه حلال يفيد أنه طِلْقٌ، ووصفه بأنه طيب أنه يغتذى به، وهو مُستلَذّ في العاجل والآجل. فعلى هذا: التراب والخشب طاهر، ولا يحل أكلهما؛ لأنهما ليسا من الطيّب الذي يغتذى به (¬1). وقال الزجاج: الأجود أن يكون المعنى: من حيث يطيب لكم، أي: لا تأكلوا مما يحرم (¬2). فعلى هذا: المعنى: كلوا حلالًا من حيث يحِلّ لكم، فأما أن يأكل مال غيره فهو حلال في جنسه، ولكن ليس يحلّ له أكله، فهو حلال وليس مما يطيب له. وقوله تعالى: {وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ} قال ابن السِّكِّيت فيما رواه عن اللحياني: الخُطوة والخَطْوة بمعنى، وحكى عن الفراء: خَطَوْتُ خَطْوَةً، والخَطْوَة ما بين القدمين. وقالوا: خطوتُ خُطوةً، كما قالوا: حَسَوتُ حَسْوَةً، والحُسْوة: اسم ما تحسيت، وكذلك غَرفتُ غَرْفةً، والغُرفة: اسم ما اغترفت (¬3). وإذا كان كذلك، فالخطوة: المكان المتخطى، كما أن الغرفة: المغترَفة بالكف، فيكون المعنى: لا تتبعوا سبيله، ولا تسلكوا طريقه، لأن الخطوة: اسم مكان، وهذا قول عبد الله ¬

_ (¬1) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 241، "البحر المحيط" 1/ 479. (¬2) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 241. (¬3) نقل الأزهري في "تهذيب اللغة" 1/ 1052 (خطا): وقال الفراء: العرب تجمع فُعلة من الأسماء على فُعُلات، مثل: حجرة وحجرات، فرقًا بين الاسم والنعت، النعت يخفف، مثل حلوة وحُلْوات، فلذلك صار التثقيل الاختيار، وربما خفف الاسم، وربما فتح ثانيه فقيل: حُجَرات ولنظر في معاني الخطوة "تفسير الطبري" 2/ 76، "المفردات" ص 158، "اللسان" 2/ 1205 (خطا).

ابن مسلم (¬1) والزجاج (¬2)، فإنهما قالا: خُطواتُ الشيطان: طُرُقُه. وإن جعلت الخُطوة بمعنى: الخَطوة كما ذكره اللحياني، فالتقدير: لا تأتموا به، ولا تَقْفُوا أَثَرَه. والمعنيان يتقاربان وإن اختلف التقديران (¬3)، وهذا قول المؤرِّج. قال: خطوات الشيطان: آثاره (¬4). وقال الوالبي عن ابن عباس: خُطوات الشيطان: عمله (¬5)، وهذا على أن يكون الخُطوة بمعنى الخَطوة، وخَطوة الشيطان: عمله. وقال الكلبي (¬6) والسُّدّي (¬7): يعني: طاعته، وهذا على أنَّ من اقتدى بإنسان واتبع خطاه فقد أطاعه، يريد: لا تطيعوا الشيطان (¬8). وفي الخطوات قراءتان: ضَمُّ العين وإسكانها (¬9)، فمن ضم العين فلأن الواحدة خُطوَة، فإذا جمعتَ حركتَ العينَ للجمع، كما فعلت ¬

_ (¬1) "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة ص 64. (¬2) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 241. (¬3) ما تقدم في معنى الخطوة من قوله. وقالوا: خطوت خطوة، من كلام أبي علي في "الحجة" 2/ 267. (¬4) نقله عنه الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1328، وأبو حيان في "البحر المحيط" 1/ 479. (¬5) أخرجه عنه الطبري 2/ 76، وذكره الثعلبي 1/ 1327. (¬6) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1327. (¬7) أخرجه عنه الطبري 2/ 77، وذكره الثعلبي 1/ 1327. (¬8) ذكر الطبري 2/ 77: أن هذه الأقوال قريب معنى بعضها من بعض؛ لأن كل قائل منهم قولًا في ذلك فإنه أشار إلى نهي اتباع الشيطان في آثاره وأعماله. وقال أبو حيان في "البحر المحيط" 1/ 479: وهذه أقوال متقاربة. (¬9) قرأ: نافع وأبو عمرو وشعبة وحمزة بإسكان الطاء، والباقون: بضمها. ينظر: "السبعة" ص 174، "النشر" 2/ 216، "البدور الزاهرة" ص 54.

بالأسماء التي على هذا الوزن، نحو: غُرْفَة وغُرُفات (¬1)، وتحريك العين في نحو هذا الجمع فصل بين الاسم والصفة (¬2)، وذلك أن ما كان اسمًا جمعته بتحريك العين، نحو: تمرة وتمرات، وغرفة وغرفات، وشهوة وشهوات. وما كان نعتًا جمع بسكون العين، نحو: ضَخْمَة وضَخْمَات، وعَبْلَة وعَبْلات، والخطوة من الأسماء لا من الصفات، فتجمع بتحريك العين. وأما من أسكن العين، فإنهم نووا الضمة، وأسكنوا الكلمة عنها؛ لثقل الضمة، وحذفوها من اللفظ وهم يقدرون ثباتها، ولا يجوز أن يكون جمع فعلة، فتركوها في الجمع على ما كان عليه في الواحد؛ لأن ذلك إنما يجئ في ضرورة الشعر، دون حال السعة والاختيار، كما قال ذو الرُّمَّة: ورَفْضاتُ الهوى في المفاصل (¬3) وإذا كان كذلك، علمتَ أنهم أسكنوا تخفيفًا وهم يريدون الضمة، لأنّ تحريكَ العين فصلٌ بين الاسم والصفة كما ذكرنا، فلا بد من أن يكون التحريك الذي يختصّ بالأسماء دون الصفات منويًّا هاهنا (¬4). ووجه آخر لمن سكن: وهو أنه أجرى الواو في خُطْوَة مجرى الياء في نحو: مُدْيَة وكُلية وزُبية، فإنها تجمع بإسكان العين، فيقولون: مُدْيات وكُلْيات. وذلك أنهم لو جمعوا بتحريك العين؛ للزم انقلاب الياء واوا ¬

_ (¬1) من كلام أبي علي في "الحجة" 2/ 267. (¬2) "الحجة" 2/ 268. (¬3) تمام البيت: أبتْ ذِكَرٌ عَوَّدن أحشاءَ قلبه ... خفوقًّا ورَفْضاتُ الهوى في المفاصلِ لذي الرمة يتغزل بخرقاء، ويصف الإبل، في: "ديوانه" ص 417. (¬4) من "الحجة" 2/ 268 بتصرف.

169

لانضمام ما قبلها، فلما لزم الإسكان في الياء جَعَل من أسكن خطوات الواو بمنزلة الياء، كما جعل الياء بمنزلة الواو (¬1) في قولهم: اتَّسَرُوا (¬2)، ألا ترى أن التاء لا تكاد تبدل من الياء، وإنما يكثر إبدالها من الواو، وانما أبدلوها في اتَّسَرُوا لإجراء الياء مجرى الواو (¬3). وقوله تعالى: {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} قال المفسرون: قد أبان عداوته لكم بإبائه السجود لآدم، وهو الذي أخرجه من الجنة (¬4)، فعلى هذا (مبين): من أَبَان العداوة: إذا أظهرها. ويجوز أن يكون المبين بمعنى: الظاهر هاهنا؛ لأنّ (أبان) يتعدى، ولا يتعدى (¬5). ثم بين عداوة الشيطان فقال: {إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ} الكلام في إنما نذكره في قوله: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ} [البقرة: 173]. 169 - وقوله تعالى: {بِالسُّوءِ} قال الليث: يقال: ساء الشيءُ يسوء فهو سيّئ، إذا قَبُحَ (¬6)، والسوء: الاسم الجامع للآفات والداء. وقال غيره: يقال: ساءه يَسُوءه سَوءًا ومساءةً، والسُّوء الاسم، بمنزلة الضُّرّ وهو كل ما يسوء صاحبه في العاقبة (¬7)، وذكرنا الكلام في (ساء) ¬

_ (¬1) من قوله: (الياء كما ..) ساقط من (ش). (¬2) ضبطت في (ش): (اتسَّروا). (¬3) من "الحجة" 2/ 269 بتصرف. (¬4) ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1328، والقرطبي 2/ 192 - 193. (¬5) "تفسير الثعلبي" 1/ 1328، وينظر: "اللسان" 1/ 406 بين، "المفردات" ص 45 - 46، "زاد المسير" 1/ 172. (¬6) نقله عنه في "اللسان " 4/ 2138 (سوأ). (¬7) ينظر في السوء: "تفسير الطبري" 2/ 77، "المفردات" ص253 - 254، "المحرر الوجيز" 2/ 62، "زاد المسير" 1/ 172، "اللسان" 1/ 4/2138 - 2139 (سوأ).

عند قوله: {وَسَاءَ سَبِيلًا} [النساء: 22]، والفصل بين السَّوء والسُّوء نذكره في سورة التوبة، عند ذكر اختلاف القراء في قوله: {دَائِرَةُ السَّوْءِ} [التوبة: 98] إن شاء الله. وقوله تعالى: {وَالْفَحْشَاءِ} اسم على ما قَبُحَ من الفعل والقول، كالفاحشة (¬1). قال الليث: الفحشاء: اسم الفاحشة، وكل شيء تجاوز قَدْرَه فهو فاحش، وكلُّ أمرٍ لا يكون موافقًا للحق فهو فاحشة وفحشاء. ويقال: فَحُش الرجل يفحُش صار فاحشًا، وأفحَشَ [قال] قولًا فاحشًا (¬2). قال عطاء عن ابن عباس: السوء: عصيان الله، والفحشاء: البُخل (¬3)، وقال في رواية باذان: السوء من الذنوب: ما لا حدّ فيه في الدنيا، والفحشاء: كل ما كان فيه حدّ (¬4). {وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} من تحريم الحرث والأنعام (¬5). قال ابن عباس: يريد: المشركين وكفار أهل الكتاب (¬6). ¬

_ (¬1) "تفسير الثعلبي" 1/ 1329. (¬2) ينظر في الفحش: "تفسير الطبري" 2/ 77، "المفردات" ص 375 - 376، "المحرر الوجيز" 2/ 62، "البحر المحيط" 1/ 477. (¬3) ذكره في "تفسير الثعلبي" 1/ 1330 عن عطاء عن ابن عباس في تفسير الفحشاء، وقال: البخل، ولم يذكر تفسير السوء، وذكره بنحوه: أبو حيان في "البحر المحيط" 1/ 480 [عن عطاء]. (¬4) ذكره في "تفسير الثعلبي" 1/ 1329، وفي "البحر المحيط" بنحوه 1/ 480. (¬5) "تفسير الثعلبي" 1/ 1330، الطبري 2/ 77، "البحر المحيط" 1/ 480، "الدر المنثور" 1/ 306. (¬6) لم أجده عند الثعلبي.

170

170 - قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ} قال ابن عباس: نزلت في اليهود، وذلك حين دعاهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الإسلام، فقالوا: نتبع ما وجدنا عليه آباءنا فهم كانوا خيرًا وأعلم مِنِّا (¬1). فعلى هذا، الآية مُستأنفة، والكناية في لهم عن غير مذكور. وقال الضحاك، عن ابن عباس: نزلت في كفار قريش (¬2)، والكناية تعود إلى (من) في قوله: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ} [البقرة: 165] (¬3). وقال آخرون: نزلت في الذين حرّموا على أنفسهم من الحرث والأنعام (¬4)، والكناية ترجع إلى (الناس) في قوله: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ} [البقرة: 168] عدل عن المخاطبة إلى الغيبة (¬5). وقوله تعالى: {أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ} إلى آخر الآية، معناه: أيتبعون آباءهم وإن كانوا جهالًا، فترك جواب لو لأنه معروف (¬6)، والتقدير: أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئًا ولا يهتدون يتبعونهم (¬7)؟ ¬

_ (¬1) رواه الطبري 2/ 78 بسنده عن ابن عباس، وابن أبي حاتم 1/ 281، وذكره الثعلبي 1/ 1331، وأبو حيان في "البحر المحيط" 1/ 480، ونقله السيوطي في "اللباب" ص 31 - 32. وينظر: "سيرة ابن هشام" 2/ 200. (¬2) "تفسير الثعلبي" 1/ 1337. (¬3) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 78، "تفسير الثعلبي" 1/ 1332، "البحر المحيط" 1/ 480. (¬4) "تفسير الثعلبي" 1/ 1332، والبغوي 1/ 181. (¬5) ينظر: "الطبري" 2/ 78، والثعلبي 1/ 1332، ورجح هذا الطبري والثعلبي، وقال: لأن هذه القصة عقيب قوله: (يا أيها الناس)، فهي أولى أن تكون خبرًا عنهم من أن تكون خبرًا عن المتخذين للأنداد مع ما بينهما من الآيات وطول الكلام. (¬6) "تفسير الثعلبي" 1/ 1333. (¬7) ينظر: "التبيان" ص 109.

171

والواو في أَوَلو واو العطف دخلت عليها ألف الاستفهام المنقولة إلى معنى التوبيخ (¬1)، وإنما جعل ألف الاستفهام للتوبيخ؛ لأنه يقتضي ما الإقرار به فضيحة كما يقتضي الاستفهام الإخبار عن المستفهم عنه. وفي هذا حجة عليهم، كأنه قيل: إذا جاز لكم أن تتبعوا آباءكم فيما لا تدرون أعلى حق هم فيه أم باطل؟ فأنتم كمن قال: نتبعهم وإن كانوا على باطل، وهذا غاية الفضيحة (¬2). والآية تضمنت النهي عن التقليد؛ لأن الله تعالى أنكر عليهم متابعة آبائهم، وأمر بمتابعة العقل والهدى (¬3). وقوله تعالى: {لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا} لفظه عام ومعناه الخصوص؛ لأنهم كانوا يعقلون أمرَ الدنيَا، ومعناه: لا يعقلون شيئًا من أمر الدين (¬4). قال عطاء عن ابن عباس: لا يعقلون عظمةَ الله، ولا يهتدون إلى دينه (¬5). 171 - قوله تعالى: {وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ} الآية، قال أهل اللغة، الفراء وغيره: النعيق: دعاء الراعي الشاة، يقال: انعَقْ بضَأنِك، أي: ادعُها، وقد نَعَقَ يَنْعِقُ نعيقًا ونَعْقًا ونَعْقانًا ونُعاقًا، إذا صاح بالغنم زجرًا، قال الأخطل: ¬

_ (¬1) ينظر: "التبيان" ص 109، "البحر المحيط" 1/ 480، وذكر القول الآخر وهو أن الواو للحال. (¬2) "البحر المحيط" 1/ 481. (¬3) ينظر: "تفسير القرطبي" 2/ 194، "البحر المحيط" 1/ 480. (¬4) "تفسير الثعلبي" 1/ 1334. (¬5) قد تقدم الحديث عن هذا الحديث عن هذه الرواية.

فانعِقْ بِضَأْنِك يا جريرُ فإنما ... مَنَّتْكَ نَفْسُك في الخَلَاء ضَلالا (¬1) (¬2) وللعلماء من أهل التأويل في هذه الآية طريقان: أحدهما: تصحيح المعنى بإضمار في الآية. والثاني: إجراء الآية على ظاهرها من غير إضمار (¬3). فأما الذين أضمروا فقد اختلفوا، فقال الأخفش (¬4) والزجاج (¬5) وابن قتيبة (¬6): تقدير الآية: ومثلك يا محمد، ومثل الذين كفروا في وعظهم ودعائهم إلى الله عز وجل؛ فَحَذَف أحدَ المثلين اكتفاءً بالثاني، كقوله: {سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ} [النحل: 81]، وعلى هذا التقدير: شبه الكفار بالبهائم، وشبه داعيهم بالذي يصيح بها، وهي لا تعقل شيئًا. وقال الفراء (¬7) في هذه الآية قولين: أحدهما: أن تقدير الآية: ومثل واعظ الذين كفروا كمثل الذي ينعق بالغنم، فحذف كما قال: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} [يوسف: 82]، أي: أهلها (¬8). ¬

_ (¬1) البيت في "ديوان الأخطل" ص 392، "تفسير الطبري" 2/ 83، والثعلبي 1/ 1336، "خزانة الأدب" 11/ 133، "طبقات فحول الشعراء" 2/ 497، "مجاز القرآن" 1/ 64، "وضح البرهان في مشكلات القرآن" 1/ 183. (¬2) ينظر في معنى نعق: "تفسير الطبري" 2/ 83، "تهذيب اللغة" 4/ 3613، "تفسير الثعلبي" 1/ 1335، "المفردات" 501، "اللسان" 7/ 4476. (¬3) ينظر في معنى الآية: "تفسير الطبري" 2/ 79، "المحرر الوجيز" 1/ 63 - 65، "تفسير القرطبي" 2/ 197 - 198، "البحر المحيط" 1/ 481. (¬4) ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1334، ولم أجده في "معاني القرآن" للأخفش. (¬5) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 242. (¬6) "تأويل مشكل القرآن" ص 199، "تفسير غريب القرآن" ص 65. (¬7) ينظر: "معاني القرآن" للفراء بمعناه، وقال بعد ذكر القولين: وكلٌّ صواب. (¬8) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 81، "البحر المحيط" 1/ 482، وهذا اختيار الطبري.

والقول الثاني: أن معنى الآية: ومثل الذين كفروا في قلة عقلهم وفهمهم عن الله عز وجل وعن رسولهِ كمثل المنعوقِ به من البهائم، التي لا تفقه من الأمر والنهى غير الصوت، فيكون المعنى للمنعوق به (¬1)، والكلام خارج على الناعق، وهو جائز عند العرب، يقلبون الكلام لاتضاح المعنى عندهم، فيقولون: اعرض الحوض على الناقة، وإنما هو: اعرض الناقة على الحوض، وأنشد: كانت فريضة ما تقول كما ... كان الزناءُ فريضةَ الرجم (¬2) أراد: كما كان الرجمُ فريضةَ الزنا. وعلى هذا حُمِل قوله تعالى: {مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ} [القصص: 76]، المعنى: أن العُصْبَةَ تنوء بالمفاتح (¬3). واعترض ابن قتيبة على هذا القول بأن قال: لا يجوز لأحد أن يحكم بهذا على كتاب الله، لأن الشاعر يقلب اللفظ ويزيل الكلام عن الغلط، على (¬4) طريق الضرورة للقافية، أو لاستقامة الوزن، والله تعالى لا يغلط ولا يُضطر. هذا كلامه (¬5). ¬

_ (¬1) ينظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 1/ 63، "تفسير الطبري" 2/ 81، والثعلبي 1/ 1246، "البحر المحيط" 1/ 482. (¬2) البيت للنابغة الجعدي في "ديوانه" ص 35، "لسان العرب " 3/ 1875 (زني)، وورد غير منسوب في "معاني القرآن" للفراء، "مجاز القرآن" 1/ 378، "تفسير الطبري" 2/ 81، والثعلبي 1/ 1337. (¬3) "معاني القرآن" للفراء 1/ 99 - 100، "تفسير الثعلبي" 1/ 1336 - 1337. (¬4) في (أ)، (م): (على الغلط وعلى طريق). (¬5) "تأويل مشكل القرآن" لابن قتيبة ص 200، "البحر المحيط" 1/ 482 وقال: وينبغي أن ينزه القرآن عنه؛ لأن الصحيح أن القلب لا يكون إلا في الشعر، أو إن جاء في الكلام فهو من القلة بحيث لا يقاس عليه.

وقول الفراء صحيح وإن أنكره ابن قتيبة، موافق لمذاهب العرب في فنون مخاطباتها، فإنهم يفعلون الشيء للضرورة، ثم يصير وجهًا ومذهبًا لهم في الكلام، حتى يجيزوه وإن لم تدع إليه ضرورة. وعلى هذا الطريق أراد: بما لا يسمع إلا دعاءً ونداءً: البهائم التي لا تعقل ولا تفهم ما يقول الراعي، إنما تسمع صوتًا ولا تدري ما تحته، لو قال لها: كلي واشربي لم تقف على معنى قوله، فالذين كفروا يسمعون كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - وهم كالغنم، إذ كانوا لا يستعملون ما يأمرهم به، ولا ينتهون عما نهاهم عنه. وهذا قول ابن عباس (¬1) وعكرمة ومجاهد وقتادة وعطاء والربيع (¬2) والسدي (¬3). والطريق الثاني في الآية: هو أن معناها: ومثل الكفار في قلة فهمهم وعقلهم، كمثل الرعاةِ يكلمون البَهم والبهم لا تعقل عنهم، وعلى هذا التفسير لا تحتاج الآية إلى إضمار (¬4). وقال عبد الرحمنُ بن زيد: معنى الآية: ومثل الذين كفروا في دعائهم الأصنام وعبادتهم الأوثان، كمثل الرجل الذي يصيح في جوف الجبال، فيجيبه منها صوت يقال له: الصدى، يجيبه ولا ينفعه (¬5)، وتقدير الآية على ¬

_ (¬1) رواه عنه الطبري 2/ 80، وابن أبي حاتم 1/ 282. (¬2) رواه عن عكرمة ومجاهد وقتادة وعطاء والربيع: "الطبري" 2/ 79، وذكره "الثعلبي" 1/ 1334. (¬3) رواه عنه الطبري 2/ 80، وابن أبي حاتم 1/ 282. (¬4) ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1338، "الوسيط" للواحدي 1/ 255، والرازي 5/ 8، والقرطبي 2/ 197 - 198. (¬5) رواه عنه الطبري 2/ 82.

هذا القول: ومثلهم في عبادتهم الأصنام كمثل الناعق بشيء لا يسمع منه الناعقُ إلا دعاءه ونداءه؛ لأن الصدى هو صوته عاد إليه، وذلك أنه إذا قال: يا زيد، سمع من الصدى يا زيد، وليس وراء القول شيء، إلا أنَّ يخيل إليه أن مجيبًا يجيبه، فيقول: يا زيد، وليس فيه فائدة. فكذلك يخيل إلى هؤلاء المشركين أن دعاءهم للأصنام يستجاب، وليس لذلك (¬1) حقيقة ولا فيه فائدة، والسمع على هذا في قوله: (لا يسمع) منفي عن الناعق لا عن المنعوق به (¬2). قال ابن الأنباري: ويجوز على هذا القول أيضًا: أن يكون السمع منفيًا عن المنعوق به، فيكون المعنى: كمثل الذي ينعق بما لا يسمع ألبتة (¬3). والدعاءُ والنداءُ ينتصبان بـ (ينعق)، و (إلا) توكيد هاهنا، معناها السقوط، كقول الفرزدق: هم القوم إلا حيث سلّوا سيوفهم ... وضَحَّوا بلحم من مُحِلٍّ ومُحرِمِ (¬4) معناه: هم القوم حيث سلّوا سيوفهم (¬5). انتهى كلامه. والتقدير الأول في هذا المعنى أولى مما ذكره أبو بكر؛ لأن السمع إذا كان منفيًّا عن المنعوق به لم يكن للجبل اختصاص بالنعيق به؛ لأن غير الجبل من القفار والرمال والأشجار لا يسمع ألبتة أيضًا، وفي نفي السمع ¬

_ (¬1) في (م): (مستجاب وليس كذلك). (¬2) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 81، والثعلبي 1/ 339، والسمعاني 2/ 128، والبغوي 1/ 181، والرازي 5/ 9. (¬3) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 81 (¬4) البيت للفرزدق في "ديوانه" ص 200. (¬5) من قوله: (معناه هم). ساقطة من (ش).

172

عن الناعق للجبل اختصاص؛ لأن الصدى إنما يجيب من الجبل، فلهذا كان نفي السمع عن الناعق في هذا القول، أولى من نفيه عن المنعوق به، ولأنه أَلْغى (إلا)، وهو شاذ قليل في الاستعمال، ومهما أمكن استعمال حرف في معنى، أولى من إلغائه (¬1). وجمهور أهل التأويل على ما ذكرنا أولًا؛ لأن المشهور في كلام العرب أن النعيقَ صوتُ الراعي بالغنم، فإن حمل على غيره من الأصوات لم يكن حقيقة فيه. 172 - وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} قال المفسرون: هذا أمرُ إباحةٍ لا ندبٍ، ولا إيجابٍ (¬2)، وأراد بالطيبات: الحلالات من الحرث والنعم وما حرمه المشركون على أنفسهم منها (¬3)، وذكرنا لم سُمّي الحلال طيبًا. وقوله تعالى: {وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} أراد: إن كانت العبادة لله واجبة عليكم بأنه إلهكم، فالشكر له واجب بأنه محسن إليكم، فمعنى الشرط هاهنا: المظاهرة في الحجاج (¬4). 173 - ثم بين أن المحرَّم ما هو (¬5)، فقال عز من قائل: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ} الآية. {إِنَّمَا} تكون على وجهين (¬6): ¬

_ (¬1) ينظر: "التبيان" للعكبري ص 109. (¬2) ينظر: "أحكام القرآن" لابن العربي 1/ 51، "تفسير القرطبي" 2/ 198. (¬3) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 83، والثعلبي 1/ 1340. (¬4) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 83 (¬5) سقطت: (هو) في (ش). (¬6) ينظر في (إنما) وإعرابها: "تفسير الطبري" 2/ 84، "الكتاب" لسيبويه 2/ 138، و3/ 116 - 131، "التبيان" 1/ 140 - 141.

أحدهما: أن تكون حرفًا واحدًا، وما بعده من الأفعال يكون عاملًا في الأسماء على حسب عمله، فتقول: إنما دخلت دارَك، وإنما أعجبتني دارُك، وإنما مالي مالُك. والوجه الآخر: أن تكون حرفين: ما منفصلة عن إنّ، وتكون بمعنى الذي (¬1)، وإذا (¬2) كان كذلك وصلتها بما توصل به (الذي)، ثم ترفع الاسم الذي يأتي بعد الصلة، كقولك: إنّ ما أخذت مالُك، وإنّ ما ركبتُ دابتُك، وفي التنزيل كثيرًا ما أتى على الوجهين: كقوله (¬3): {إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ} [النساء: 171]، {إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ} [هود: 12]، فهذه حرفٌ واحد؛ لأن (الذي) لا يصلح في موضع (ما). وأما التي (¬4) في مذهب (الذي) فقوله: {إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ} [طه: 69]، ولو نصب كيدَ ساحر على أن تجعل (إنما) حرفًا واحدًا كان صوابًا، وقوله تعالى: {وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ} [العنكبوت: 25]، تنصب المودة وترفع، على ما ذكرنا من الوجهين، هذا كله قول الفراء (¬5). وقال الزجاج: {إِنَّمَا} إذا جعلته كلمةً واحدةً كان إثباتًا لما يذكر بعده ونفيًا لما سواه، فقوله تعالى: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ} معناه: ما ¬

_ (¬1) في (ش): (الذين). (¬2) في (م): (وإن). (¬3) في (م): (زيادة إنما الله إله). (¬4) في (م): (الذي). (¬5) "معاني القرآن" للفراء، وينظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 229.

حرم عليكم إلا ما ذكر، كقول الشاعر: وإنما يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي (¬1) المعنى: ما يدافع عن أحسابهم إلا أنا أو مثلي، وإنما صارت كلمة إنما إثباتًا للشيء ونفيًا لما سواه؛ لأن كلمة (إنّ) للتوكيد في الإثبات، و (ما) تكون نفيًا، وإذا قال (¬2) القائل: إني بشرٌ، فالمعنى: أنا بشرٌ على الحقيقة، وإذا قال: إنما أنا بشرٌ، كان المعنى: ما أنا إلا بشرٌ (¬3). والميتة: ما فارقته الروح من غير ذكاة مما يُذبح (¬4). وتحريم الميتة مخصوص بالسنة لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "أُحِلّتْ لنا ميتتان" (¬5). ¬

_ (¬1) مطلع البيت: أنا الذائد الحامي الذمار وإنما والبيت للفرزدق في "ديوانه" ص 712، "معاني القرآن" للزجاج، "معاهد التنصيص" 1/ 89. (¬2) في (م): (وإذا كان قال). (¬3) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 342 - 343. (¬4) ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1343، "أحكام القرآن" للجصاص 1/ 132، "أحكام القرآن" لابن العربي 1/ 52، "تفسير القرطبي" 2/ 203 - 204، وتعريف المؤلف رحمه الله ناقص؛ فإنه لم يدخل فيه أيضًا ما ذبح بطريقة غير شرعية، قال الجصاص 1/ 132: "الميتة في الشرع: اسم حيوان الميت غير المذكى، وقد يكون ميتة بأن يموت حتف أنفه من غير سبب لأدمي فيه، وقد يكون ميتة لسبب فعل آدمي إذا لم يكن فعله على وجه الذكاة المبيحة له". (¬5) أخرجه ابن ماجه (3218) كتاب الصيد، باب: صيد الحيتان والجراد، وأحمد في "المسند" 2/ 97، وعبد بن حميد في "المنتخب من مسنده" ص260، والعقيلي في "الضعفاء الكبير" 2/ 331، والدارقطني في "سننه" 4/ 272، وابن عدي في "الكامل" 4/ 271، والبيهقي في "سننه" 1/ 254، كلهم من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه عن ابن عمر مرفوعًا وأخرجه ابن عدي في "الكامل" =

وكذلك الدم يخصه قوله تعالى: {أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا} [الأنعام: 145]، فقيد هناك، وأطلق هاهنا، والمطلق يحمل على المقيد (¬1)، وقولُه - صلى الله عليه وسلم -: "وَدَمَان" وكانت العرب تجعل الدَّمَ في المباعر، وتشويها ثم تأكلها (¬2)، فحرّم الله تعالى الدم. وقوله تعالى: {وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ} أراد: الخنزيرَ بجميع أجزائه، وخص اللحم؛ لأنه المقصود بالأكل (¬3)، {وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ} أبو عبيد: قال الأصمعي: الإهلال أصله: رفع الصوت، وكل رافع صوتَه فهو مُهِلّ، قال ابن أحمر (¬4): ¬

_ = 1/ 397، من طريق عبد الرحمن وأسامة وعبد الله بني زيد بن أسلم وبنو زيد متكلم فيهم. وقد صحح الحديث موقوفًا أبو زرعة في "علل الحديث" 2171، والبيهقي وهو موقوف له حكم الرفع. ينظر: "حاشية أبي الطيب على سنن الدارقطني" 4/ 272، "السلسلة الصحيحة" 3/ 111، وتحقيق "تفسير الثعلبي" للدكتور خالد العنزي 1/ 1346. (¬1) ينظر: "تفسير الطبري" 8/ 71، الثعلبي 1/ 1343، "أحكام القرآن" للكيا الهراسي 1/ 71 - 72، "أحكام القرآن" لابن العربي 1/ 52، "تفسير القرطبي" 2/ 199. (¬2) في (م): (وتأكلها). (¬3) وقد حكي الإجماع على هذا، وممن حكاه: السمرقندي 1/ 177، وابن حزم في "المحلى" 7/ 391، وابن رشد في "بداية المجتهد" 1/ 452، وابن عطية 2/ 69، والرازي 5/ 22، والقرطبي 2/ 205، والشوكاني في "فتح القدير" 1/ 262. (¬4) هو عمرو بن أحمر بن العمرو بن تميم بن ربيعة الباهلي، أبو الخطاب، أدرك الإسلام فأسلم، وغزا مغازي الروم، وأصيبت إحدى عينيه هناك، ونزل الشام، وتوفي على عهد عثمان، وهو صحيح الكلام، كثير الغرائب. ينظر: "طبقات فحول الشعراء" 2/ 571، و 580، و"الشعر والشعراء" ص 223.

يُهِلُّ (¬1) بالفَرْقَدِ رُكْبَانُها ... كمَا يُهِل الراكبُ المُعْتَمِرْ (¬2) هذا معنى الإهلال في اللغة، ثم قيل للمُحْرِم: مُهِل، لرفعه الصوت بالتلبية، يقال: أهَلّ فلانٌ بحَجَّةٍ أو عُمْرةٍ، أي: أحْرَم بها؛ وذلك لأنه يرفع الصوت بالتلبية عند الإحرام، والذابحُ مُهِلّ، وذلك لأنه كان يسمي الأوثان عند الذبح، ويرفع صوته بذكرها (¬3). فمعنى قوله: {وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ} قال ابن عباس: يعني: ما ذبح للأصنام (¬4)، وهو قول مجاهد (¬5) والضحاك (¬6) وقتادة (¬7). وقال الربيع (¬8) وابن زيد (¬9): يعني: ما ذكر عليه غير اسم الله عز وجل. ¬

_ (¬1) في (م): (هل). (¬2) البيت في "ديوانه" ص 66، "مجاز القرآن" 1/ 150، "غريب الحديث" لأبي عبيد 1/ 173، "تفسير السمعاني" 2/ 130، الثعلبي 1/ 1346، "لسان العرب" 3/ 1595، و 1714، 5/ 3102. (¬3) ينظر في الإهلال: "تفسير الطبري" 2/ 85، والثعلبي 1/ 1345، "المفردات" ص 522، "اللسان" 8/ 4689. (¬4) رواه عنه الطبري 2/ 85. (¬5) رواه عنه الطبري 2/ 85. (¬6) رواه عنه الطبري 2/ 85. (¬7) رواه عنه الطبري 2/ 85. (¬8) رواه عنه الطبري 2/ 85. (¬9) رواه عنه الطبري 2/ 86. وقد حكى الإجماع الواحدي في "الوسيط" 1/ 257 على أن ما أهل به لغير الله يشمل ما ذبح للأصنام، وذكر عليه غير اسم الله، وحكاه الجصاص في "أحكام القرآن" 1/ 154، وينظر: "تفسير الطبري" 2/ 86، 8/ 71، "النكت والعيون" للماوردي، "معالم التنزيل" 1/ 183، "فتح القدير" 1/ 262، "روح المعاني" 2/ 42.

قال الكلبي (¬1): وإن ذبحه مسلم لم يحل أكله، وقال أهل العلم: لو أن مسلمًا ذبح ذبيحة وقصد بذبحها التقرب إلى غير الله صار مرتدًّا، وذبيحته ذبيحة مُرتد (¬2). وهذا الحكم في غير ذبائح أهل الكتاب، وذبائحهم تحل لنا، لقوله تعالى: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ} [المائدة: 5] (¬3). وقوله تعالى: {فَمَنِ اضْطُرَّ} أي: أُحْوِجَ وألجئ، وهو افتُعِل من الضرورة، قال الأزهري: معناه ضُيق عليه الأمر بالجوع، وأصله: من الضرر وهو الضيق (¬4). وقرئ: برفع النون وكسرها في {فَمَنِ اضْطُرَّ} (¬5) فمن رفع فللإتباع، ومن كسر فعلى أصل الحركة. لالتقاء الساكنين (¬6). وفي الآية إضمار، معناه: فمن اضطر إلى شيء مما ذكرنا أنه محرّم، ويدخل تحت قوله: {اضْطُرَّ}: أن يحوج إليه لبؤس، أو يضطر (¬7) أو يُكره عليه لخوف، والإكراه مذهب مجاهد (¬8). ¬

_ (¬1) لم أجده. (¬2) ينظر: "إعلام الموقعين" 4/ 404,, "المغني" 12/ 276, و"القول المفيد شرح كتاب التوحيد" 1/ 214. (¬3) ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1348, القرطبي 2/ 208 - 214. (¬4) ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1350, "المفردات" ص 296 - 297, "البحر المحيط" 1/ 490, "القاموس" ص 428. (¬5) قرأ أبو عمرو ويعقوب وعاصم وحمزة بكسر النون وضم الطاء, وأبو جعفر بضم النون وكسر الطاء, والباقون بضمهما معًا. ينظر: "النشر" 2/ 225, "البدور الزاهرة" ص 54. (¬6) ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1350, "التبيان" ص 110, "البحر المحيط" 1/ 490. (¬7) ليست في: (أ) , (ش). (¬8) رواه عنه الطبري 2/ 86.

وقوله تعالى: {غَيْرَ بَاغٍ} يصلح أن يكون {غَيْرَ} حالًا للمضطر، ولا يصلح أن يكون استثناءً؛ لأن {غَيْرَ} هاهنا بمعنى: النفي؛ ولذلك عطف عليها بلا؛ لأنها في معنى لا (¬1). قال الفراء: (غير) في هذا الموضع حال للمضطر، كأنك قلت: فمن اضطر لا باغيًا ولا عاديًا فهو له حلال (¬2). وقوله: {بَاغٍ} أصل البغي في اللغة: الفساد وتجاوز الحد، قال الليث: البغي في عدو الفرس: اختيال ومرح، وإنه ليبغي في عدوه. ولا يقال: فرس باغ، والبغي: الظلم والخروج عن النَّصَفة، ومنه قوله تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ} [الشورى: 39]. الأصمعي: يقال: بغى الجرح يبغي بغيًا: إذا ترامى بالفساد، وبغت السماء: إذا كثر مطرها حتى تجاوز الحد. الفراء: يقال للجرح إذا تورّم واشتد: بغى يبغي بغيًا، وبَغَى الجرح والبحر والحساب سواء: إذا طغى وزاد (¬3). وقوله تعالى: {وَلَا عَادٍ} العدْو: هو التعدي وتجاوز ما ينبغي له أن يقتصر عليه، يقال: عدا عليه عَدْوًا وعُدُوًّا وعُدْوانًا وعدًا واعتداءً وتعديًا: ¬

_ (¬1) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 86، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 230، "تفسير الثعلبي" 1/ 1350، "التبيان" ص 110 قال الثعلبي: وإذا رأيت (غير) تصلح في موضعها (لا)، فهي: حال، وإذا صلح في موضعها (إلا)، فهي: استثناء، فقس على هذا ما ورد عليك من هذا الباب. (¬2) "معاني القرآن" للفراء 1/ 102 - 103. (¬3) ينظر في معاني البغي: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 244، "تفسير الثعلبي" 1/ 1351، "المفردات" ص 65 - 66، "البحر المحيط" 1/ 490.

ظلمه ظلمًا مجاوزًا للقدر، وعدا طورَه: جاوز قدره (¬1) ولأهل التأويل في قوله: {غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ} طريقان (¬2): أحدهما وهو قول ابن عباس في رواية عطاء: غير باغ على المسلمين، ولا عاد عليهم (¬3). وهذا قول مجاهد (¬4)، وسعيد بن حُبَير (¬5)، والضحاك (¬6)، والكلبي (¬7) قالوا: غير قاطع للطريق، ولا مفارق للأئمة، مُشاقّ للأمة. وعلى هذا التأويل كل من عصى بسفره لم يحل له أكل الميتة عند الضرورة؛ لأنه باغ عاد، وهو مذهب الشافعي (¬8) رحمه الله، قال: إن ¬

_ (¬1) ينظر في التعدي: "تفسير الثعلبي" 1/ 1351، "المفردات" ص 328 - 329، "البحر المحيط" 1/ 490. (¬2) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 86، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 243 - 244، "تفسير الثعلبي" 1/ 1351، "تفسير البغوي" 1/ 183، "المحرر الوجيز" 2/ 72 - 73، "تفسير القرطبي" 2/ 214، "البحر المحيط" 1/ 490 - 491. (¬3) تقدم الحديث عن هذا هذه الرواية ص 92. (¬4) رواه عنه الطبري 2/ 86، 87، وابن أبي حاتم 1/ 283. (¬5) رواه عنه الطبري 2/ 86، 87، وابن أبي حاتم 1/ 284. (¬6) ذكره الثعلبي 1/ 1351. (¬7) ذكره الثعلبي 1/ 1351. (¬8) ينظر: "أحكام القرآن" لابن العربي 1/ 58، "تفسير القرطبي" 2/ 214، "المغني" 13/ 333، وقال الكيا الهراسي في "أحكام القرآن" 1/ 74: اختلف قول الشافعي في إباحة أكل الميتة للمضطر العاصي بسفره، ويشهد لأحد القولين قوله تعالى: {إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ}، فإنه عام، ويشهد للقول الآخر قوله: ولا تقتلوا أنفسكم، وليس أكل الميتة عند الضرورة رخصة، بل هو عزيمة واجبة، ولو امتنع من أكل الميتة كان عاصيًا، وليس تناول الميتة من رخص السفر، أو متعلقًا بالسفر، بل هو من نتائج الضرورة سفرًا كان أو حضرًا، وهو كالإفطار للعاصي المقيم إذا كان مريضًا، وكالتيمم للعاصي المسافر عند عدم الماء، وهو الصحيح عندنا. ا. هـ =

الإباحة إعانة له على فساده وظلمه، ولكن يتوب ويستبيح (¬1). والثاني: أن هذا البغي والعدوان يرجعان إلى الأكل، ومعناه: غير آكلها تلذُّذًا من غير اضطرار، {وَلَا عَادٍ} ولا مجاوز ما يدفع به عن نفسه الجوع، وهذا قول السدي (¬2). وقال الحسن (¬3)، وقتادة (¬4)، والربيع (¬5)، وابن زيد (¬6): (غير باغ) بأكله من غير اضطرار، ولا (عاد) يتعدى الحلال إلى الحرام، فيأكلها وهو غني عنها. وعلى طريقة هؤلاء يُباح للعاصي بسفره تناول الميتة عند الضرورة، وهو مذهب أهل العراق (¬7). والتأويل الأول أولى؛ من حيث اللفظ والمعنى. ¬

_ = وقال القرطبي في "تفسيره" 2/ 214 - معقبا على قول ابن العربي-: وعجبا ممن يبيح له ذلك مع التمادي على المعصية، وما أظن أحدا يقوله، فإن قاله فهو مخطئ قطعا، قلت: الصحيح خلاف هذا؛ فإن إتلاف المرء نفسه في سفر المعصية أشد معصية مما هو فيه، قال الله تعالى: {وَلَا تَقتُلُواْ أَنفُسَكُم}، وهذا عام، ولعله يتوب في ثاني حال فتمحو التوبة عنه ما كان، وقد قال مسروق: من اضطر إلى أكل الميتة والدم ولحم الخنزير فلم يأكل حتى مات دخل النار، إلا أن يعفو الله عنه. (¬1) "الأم" 2/ 226، وينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1352. (¬2) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 88، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 284، ورواه ابن أبي حاتم عن ابن عباس. (¬3) رواه عنه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 65، والطبري 2/ 87 (¬4) رواه عنه الطبري 2/ 87، وابن أبي حاتم 1/ 285. (¬5) رواه عنه الطبري 2/ 87، وذكره الثعلبي 1/ 1353. (¬6) رواه عنه الطبري 2/ 87، وذكره الثعلبي 1/ 1353. (¬7) يعني به الحنفية، ينظر: "أحكام القرآن" للجصاص 1/ 156، وقد ناقش هذه القضية بتوسع وأجاب على أدلة المانعين، فلينظر: "أحكام القرآن" للتهانوي 1/ 120.

أما اللفظ: فرجوع البغي والعدوان إلى حال المضطر أولى من رجوعهما إلى أكله، وهو المفهوم من اللفظ؛ لأنه لم يسبق للأكل ذكر حتى يكون البغي والعدوان صفةً له، راجعًا إليه، ومثله من الكلام أن يقال: قد حرم الأمير ركوب الخيل، ولبس السلاح، فمن أُحوِج (¬1) غير فارٍّ ولا ذاهبٍ فلا حرج عليه، فالذي يسبق إلى الوهم من هذا، ويليق باللفظ، أن معناه: غير فار بنفسه ولا ذاهب، وأن الفرار والذهاب يعود إلى نفس المضطر، لا إلى شيء سواه. وَوِزان التأويل الثاني من هذا الكلام: أن يكون المعنى: غير فار بسلاحه، ولا ذاهب به. وأما من حيث المعنى: فإن نفس المؤمن يعاف الميتة والدم، ويستقذرهما (¬2) استقذارا يمنعه من أكلهما؛ ولهذا لا يقام الحد على آكلهما، لأنه لم يحتج في الزجر عنهما إلى الحد، لا كالخمر فإن لها دواعي من النفس، وإذا كان كذلك فليس يتجاوز أحدٌ في أكل الميتة قدر التشبع عند الضرورة، ولا يتعدى الحلال الذي معه، فيأكلها تلذذًا من غير أن يَرِدَ بهذا نهي، وإن جاز ورود النهي تأكيدًا؛ فلهذين الوجهين: قلنا إن التأويل الأول أولى. وقوله تعالى: {إِنَّ الله غَفُوُرُ} أي: للمعاصي، وفيه إشارة إلى أنه إذا كان يغفر المعصية فإنه لا يأخذُ بما جعل فيه الرخصة. {رَحِيمٌ} حيث رَخَّصَ للمضطر في أكل الميتة (¬3). ¬

_ (¬1) في (ش): (أخرج). (¬2) في (ش): (تعاف وتستقذرهما). (¬3) "تفسير الثعلبي" 1/ 1355.

174

174 - قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ} الآية. قال ابن عباس: نزلت في رؤساء اليهود (¬1). وقوله تعالى: {وَيَشْتَرُونَ بِهِ} يجوز أن تعود الكناية إلى الكتمان، والفعل يدل على المصدر، ويحتمل أن تعود الكناية إلى {مَا أَنْزَلَ اللَّهُ}، ويجوز أن تعود إلى المكتوم مما أنزل الله (¬2). ومعنى قوله: {وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا} كقوله: {تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا} [البقرة: 41]. وقد مرّ. وقوله: {مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ} ذكر البطن هاهنا زيادة بيان؛ لأنه يقال: أكَلَ فلانٌ المال: إذا بَذَّرَه وأَفْسَدَه (¬3). ¬

_ (¬1) ذكره الثعلبي 1/ 1356، والواحدي بأطول من هذا في "أسباب النزول" ص 52، من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، ونقله عنه ابن حجر في "العجاب" 1/ 419، والسيوطي في "لباب النقول" ص 30، وفي "الدر المنثور" 1/ 309، وضعف إسناده، ورواه الطبري 2/ 89، وعبد بن حميد عن قتادة، ورواه الطبري 2/ 89، وهو في "تفسير سنيد بن داود". كما ذكره الحافظ في "العجاب". عن عطاء، ورواه الطبري 2/ 89 - 90، وابن أبي حاتم 1/ 285 عن السدي وأبي العالية والربيع بن أنس، وذكره أبو حيان في "البحر المحيط" 1/ 491 من وجه آخر عن ابن عباس، وذكره الثعلبي 1/ 1355 من رواية جويبر عن الضحاك، وضعفه السيوطي في "الدر المنثور" 1/ 309، والآية وإن كانت في أحبار اليهود فإنها تتناول من علماء المسلمين من كتم الحق مختارًا لذلك، بسبب دنيا يصيبها. ينظر: "المحرر الوجيز" 2/ 73. (¬2) ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1356، "المحرر الوجيز" 2/ 74، وذكرها في "البحر المحيط" 1/ 491، واستظهر الثاني. (¬3) ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1357، "البحر المحيط" 1/ 491 قال: أو كناية عن ملء البطن؛ لأنه يقال: فلان أكل في بطنه، وفلان أكل في بعض بطنه، أو لرفع توهم المجاز إذ يقال: أكل فلان ماله إذا بذره وإن لم يأكله.

175

وقوله تعالى: {إِلَّا اَلنَّارَ} أي: إلا ما هو عاقبته النار، كما روي في حديث الشارب من آنية الفضة: "إنما يجرجر في بطنه نار جهنم" (¬1) وكقوله: {إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا} [النساء: 10]؛ وقوله: {إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا} [يوسف: 36]، أي: عنبًا، فسماه باسم ما يؤول إليه (¬2). وقوله: {وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ}. قال المفسرون: أي: لا يكلمهم كلاما ينفعهم ويسرهم، فأما التهديد والمناقشة فقد تكون. وقيل: معناه: أنه يغضب عليهم؛ لأن ترك التكليم علامة الغضب. وقيل: لا يرسل إليهم الملائكة بالتحية (¬3). {وَلَا يُزَكِّيهِمْ}: لا يطهرهم من دنس ذنوبهم، ولا يثني (¬4) عليهم (¬5). 175 - قوله تعالى: {فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ} معنى الفاء هاهنا: الجواب لما تقدم، وذلك أن ما قبله من الكلام وهو قوله: {أُولَئِكَ الَّذِينَ ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري (5643) كتاب الأشربة، باب: آنية الفضة، ومسلم (2065) كتاب اللباس والزينة، باب: تحريم استعمال أواني الذهب. وقوله (يجرجر) يعني به صوت وقوع الماء في الجوف، وإنما يكون ذلك عند شدة الشرب. ينظر: "غريب الحديث" لأبي عبيد 1/ 154. (¬2) ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1357، "البحر المحيط" 1/ 492. (¬3) ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1358، وعزاه لأهل التفسير، "تفسير الطبري" 2/ 90، وقد اختار الأول، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 245، "زاد المسير" 1/ 176. والقولان الأخيران فيهما عدول عن ظاهر اللفظ، وتأويل للصفة. (¬4) في (أ)، (م): (لا يثني). (¬5) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 90، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 245، "تفسير الثعلبي" 1/ 1358، "زاد المسير" 1/ 153، وذكر ثلاثة أقوال: لا يثني عليهم، قاله الزجاج، ولا يزكي أعمالهم، قاله مقاتل، ولا يطهرهم من دنس كفرهم، قاله ابن جرير.

اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ} ثم قال: {فَمَا أَصْبَرَهُمْ}، كأنه قال: من كان بهذه الصفة فما أصبرهم على النار، فعومل معاملة المعنى الذي تضمنه حتى كأنه قد لفظ به. فأما المعنى: ففيه وجهان لأهل التأويل (¬1): أحدهما: أن (ما) هاهنا تعجب (¬2)، كقولهم: ما أحسن زيدًا. فما: رفع بالابتداء، وأحسن: فعل ماض، وهو خبر الابتداء، وفيه ضمير يرجع إلى ما وهو فاعل أحسن، وزيدًا (¬3): نصب (¬4) بأحسن، والتقدير: شيء أحسن هو زيدًا؛ وخُصَّتْ لفظة ما بالتعجب لإبهامها، وهي واقعة على الشيء الذي تتعجب منه، وذلك الشيء ليس مما يعقل (¬5). فإن قيل: قد قلتم: إن (ما) استعمل لإبهامها، فهلا استعمل (الشيء) إذ كان أبهم الأشياء؟ قيل: إن الشيء ربما يستعمل للتقليل، فلو قلت: شيء حسَّن زيدًا، لجاز أن يعتقد أنك تقلل المعنى الذي حسن زيدًا، وأيضًا: فإن الغالب في قولك: شيء حسّن زيدًا، أنه خبر عن معنى مستقر، وما يتعجب منه، فحقه أن يبهرك في الحال، فأما ما قد استقر وعرف فلا (¬6) يجوز التعجب منه، ¬

_ (¬1) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 90، "المحرر الوجيز" 1/ 75 - 76، "زاد المسير" 1/ 176 - 177. (¬2) "تفسير الثعلبي" 1/ 1359، قال في "البحر المحيط" 1/ 494: والأظهر أنها تعجبية، وهو قول جمهور المفسرين. (¬3) في (أ): (نصبت). (¬4) في (أ): (نصبت). (¬5) "البحر المحيط" 1/ 494. (¬6) سقطت من (ش).

ومعنى التعجب: تَغَيُّر النفسِ لما يَرِدُ عَليها مما (¬1) جُهِل سَبَبُهُ جدًّا، ونقل لفظ الفعل في التعجب من الثلاثي إلى الرباعي؛ لأنا ذكرنا أن التقدير: شيء أحسن زيدًا، فصار زيد مفعولًا لغيره، ولهذا انتصب المتعجب منه؛ لأنه مفعول في الحقيقة، والدليل على أنَّ أحسن هاهنا فعل: لزومُ الفتحِ آخره (¬2). ولو كان اسمًا لوجب أن يرتفع؛ إذ كان خبر المبتدأ، فلما لزمه الفتح دل على أنه فعل ماض. وقد يصغَّرُ فعلُ التعجب، فيقال: ما أُحَيْسِنَ زيدًا، كقول الشاعر: يا ما أُمَيْلح غزلانًا (¬3) شدنّ (¬4) لنا (¬5) وتصغيره لا يدل على أنه اسم، وذلك أن فعل التعجب قد لزم طريقةً واحدةً، فجرى في اللفظ مجرى الأسماء، فأدخلوا عليه التصغير تشبيهًا بالاسم، وليس يجب أن يكون الشيء إذا حمل على غيره لشبه بينهما أن يُخرج من جنسه، ألا ترى أن اسم الفاعل قد أُعمل عمل الفعل ولم يخرج من أن يكون اسمًا، وكذلك الفعل أعرب؛ لشبهه بالاسم ولم يخرجه ذلك من أن يكون فعلًا، فكذلك فعل التعجب وإن صُغِّر تشبيهًا بالاسم؛ لم يجب أن يكون اسمًا (¬6). فقد بان بما ذكرنا أن قوله: {فَمَا أَصْبَرَهُمْ} إذا ¬

_ (¬1) في (ش): (ما). (¬2) مذهب البصريين أنه فعل، وأما الكوفيون فيرون أنه اسم. ينظر: "البحر المحيط" 1/ 494. (¬3) في (م): (عن). وفي (أ): (عزلانا). (¬4) في (م): (شدان). (¬5) تكملة البيت: من هؤليائكن الضال والسمر والبيت للمجنون في "ديوانه" ص 130، ونسب لآخرين. (¬6) ينظر في ما تقدم: "المقتضب" للمبرد 4/ 175 وما بعدها.

قلنا: إنه تعجب، فعل منقول من الثلاثي إلى الرباعي، والهاء والميم في محل النصب بوقوع الفعل عليه. قال ابن الأنباري: ويكون أصبر ههنا بمعنى: صبّر (¬1)، وكثيرًا ما يكون أفعل بمعنى فعّل، نحو: أكرم وكرّم، وخبّر وأخبر، فهذا الذي ذكرنا بيان معنى التعجب وفعله. فأما التفسير على هذه الطريق: فقال المؤرّج: معناه: فما أصبرهم على عمل يؤديهم إلى النار (¬2)، أو على عمل أهل النار (¬3) وهو قول الكسائي وقطرب (¬4). وقال أحمد بن يحيى: الصبر معناه هاهنا (¬5): الجرأة، أي: ما أجرأهم على أعمال أهل النار (¬6). وهذا قول الحسن (¬7) وقتادة (¬8) والربيع (¬9). ¬

_ (¬1) ينظر: "زاد المسير" 1/ 177. (¬2) الثعلبي 1/ 1359، والحيري في "الكفاية" 1/ 109، والقرطبي 2/ 218، وأبو حيان في "البحر المحيط" 1/ 494. (¬3) سقطت من (أ)، (م). (¬4) عزاه إليهما الثعلبي 1/ 1360، والحيري في "الكفاية" 1/ 109، والقرطبي في "تفسيره" 2/ 218، وأبو حيان في "البحر المحيط" 1/ 494، وهو قريب من قول المؤرخ كما بيّن أبو حيان، ونسبه في "زاد المسير" 1/ 176 إلى عكرمة والربيع. (¬5) في (م): (الصبر هاهنا معناه). (¬6) ونسبه في "زاد المسير" 1/ 176 إلى مجاهد. (¬7) رواه عنه الطبري 2/ 91، وذكره الثعلبي 1/ 1359. (¬8) رواه عنه الطبري 2/ 91، وذكره الثعلبي 1/ 1359. (¬9) رواه عنه الطبري 2/ 91، وذكره الثعلبي 1/ 1359.

قال الفراء: وهذه لغة يمانية، وحكى عن الكسائي قال: قال لي قاضي اليمن: اختصم إليَّ رجلان، فحلف أحدهما على حق صاحبه، فقال له الآخر: ما أصبرك على الله عز وجل (¬1)! قال الفراء: ففي هذا وجهان: أحدهما: ما أجرأك على الله، والثاني: ما أصبرك على عذاب الله، كما تقول (¬2): ما أشبه سخاءك بحاتم، أي: بسخاء حاتم، فتقيم حاتم مقام السخاء (¬3). قال أهل المعاني: وإنما جاز استعمال الصبر بمعنى الجرأة؛ لأن الصبر حبس النفس على الشدة، والجريء يصبِّر نفسه على الشدة، فلما كانت الجرأة تقتضي الصبر سميت به. وقال السدي: هذا على وجه الاستهانة (¬4) (¬5)، وقد تقول في الكلام لمن تعرف ضعفه، تستخف به: ما أقواك على هذا الأمر! وقيل: أراد ما أبقاهم في النار، وما أطول مكثهم فيها، كما يقال: ما أصبر فلانًا على الضرب والحبس، أي: ما أبقاه فيهما (¬6). قال عطاء عن ابن عباس: لم يرد أنهم حين دخلوا النار صبروا عليها، ¬

_ (¬1) ينظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 103، "تفسير الثعلبي" 1/ 1359، والسمعاني 2/ 134. (¬2) في (م): (يقال). (¬3) بتصرف من "معاني القرآن" للفراء 1/ 103، وهذا اختيار الطبري 2/ 92. (¬4) في (ش): (الاستهابة). (¬5) ذكره الثعلبي 1/ 1360ولم ينسبه، وكذا القرطبي 2/ 236، وقد أخرج الطبري 2/ 91، والثعلبي 1/ 1360 عن السدي وعطاء وابن زيد وأبي بكر بن عياش نحوه. (¬6) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 245، "تفسير السمرقندي" 1/ 178، الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1360، "زاد المسير" 1/ 176 - 177.

ولكنه يريد: فما أعملهم بأعمال أهل النار (¬1). قال أصحاب المعاني: ومعنى التعجب من الله أنه يُعجِّب المخلوقين، ويدلُّنا على أنهم قد حلّوا محلّ من يتعجب منه (¬2)، ولا يجوز على الله التعجب؛ لأنا قد ذكرنا أن التعجب إنما هو مما لا يعرف سببه، والله تعالى عالم لا يخفى عليه شيء (¬3). الوجه الثاني من التأويل: أن (ما) في هذه الآية استفهام يتضمن التوبيخ، معناه: ما الذي صبرهم؟، وأي شيء صبرهم على النار حين تركوا الحق واتبعوا الباطل؟ وهذا قول عطاء (¬4) وابن زيد (¬5)، وقد ذكرنا عن ابن ¬

_ (¬1) تقدم الحديث عن هذه الرواية. وقد ورد هذا عن مجاهد في "تفسيره" ص 94، ورواه عنه الطبري 2/ 91، وسعيد بن منصور في "سننه" 2/ 647، وأبو نعيم في "الحلية" 3/ 331. (¬2) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 92، "زاد المسير" 1/ 176. (¬3) قد دلت النصوص على إثبات صفة التعجب لله، وعقيدة أهل السنة إثباتها كما جاءت دون تأويل، قال الله تعالى: {بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ}، في قراءة ضم تاء الفاعل، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "عجب ربنا من قنوط عباده وقرب غِيَره" رواه أحمد 4/ 11 - 12، وقال - صلى الله عليه وسلم -: "يعجب ربك من شاب ليست له صبوة" رواه أحمد 4/ 151، وفيه ضعف، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "عجب الله عز وجل من قوم بأيديهم السلاسل حتى يدخلوا الجنة" أخرجه البخاري (3010) كتاب الجهاد والسير، باب: الأسارى في السلاسل وغيرها. وحقيقة التعجب: استغراب الشيء، ويكون ذلك لسببين: الأول: لخفاء الأمر على المستغرب المتعجب، وهذا مستحيل على الله؛ لأن الله عليم بكل شيء. والثاني: لخروج ذلك الشيء عن نظائره، وعما ينبغي أن يكون عليه، بدون قصور من المتعجب، وهذا ثابت لله عز وجل، وليس فيه نقص. ينظر: "شرح العقيدة الواسطية" للشيخ محمد العثيمين 2/ 446، "الأسماء والصفات" للبيهقي 2/ 415. (¬4) رواه عنه الطبري 2/ 91، وذكره عنه الثعلبي. (¬5) رواه عنه الطبري 2/ 91، ورواه أيضا عن أبي بكر بن عياش، وزاد نسبته في "زاد =

176

الأنباري أصبر بمعنى صبّر. وقيل: معناه: أيُّ: شيء غرّهم من النار أنهم يصبرون عليها؟. 176 - قوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ} {ذَلِكَ} إشارة إلى قوله {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [البقرة: 174] معناه: ذلك العذاب لهم بأن الله نزل الكتاب بالحق فاختلفوا فيه، فأضمر: فاختلفوا فيه (¬1). و {الْكِتَابَ} هو التوراة، واختلافهم فيه: إيمانهم ببعض وكفرهم ببعض (¬2). ويجوز أن يريد: القرآن، واختلافهم فيه (¬3): قولهم: إنه كهانة، وسحر، ورجز، وأساطير الأولين (¬4). وقال بعضهم: معنى: {ذَلِكَ} أي: فعلهم الذي يفعلون من الكفر، والاجتراء على الله عز وجل من أجل أن الله نَزَّل الكتاب بالحق. وتنزيله الكتاب بالحق: هو إخباره عنهم بقوله: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ}. إلى قوله {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ} [البقرة:6 - 7] (¬5). وقوله تعالى: {وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ} أي: فآمنوا ببعض ¬

_ = المسير" 1/ 177 إلى السدي، وهو قول أبي عبيدة في "مجاز القرآن"، ونسبه في "البحر المحيط" 1/ 495 إلى ابن عباس والمبرد، وذكر قولًا ثالثًا وهو أن ما نافية، والمعنى: أن الله ما أصبرهم على النار، أي ما يجعلهم يصبرون على العذاب. (¬1) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 92، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 245، "زاد المسير" 1/ 177، ابن أبي حاتم 1/ 286، "المحرر الوجيز" 2/ 77 - 78. (¬2) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 93، ابن أبي حاتم 1/ 286، "المحرر الوجيز" 2/ 78، "البحر المحيط" 1/ 495. (¬3) (فيه) سقطت من (ش). (¬4) ينظر: "المحرر الوجيز" 2/ 78، "البحر المحيط" 1/ 495. (¬5) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 92.

177

وكفروا ببعض (¬1). وإن قلنا: الكتاب هو القرآن، فقال ابن عباس: يريد اختلفوا فيما أنزلت عليك (¬2). وذكرنا حقيقة معنى الاختلاف عند قوله: {وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَار} [البقرة: 164] (¬3). وقوله تعالى: {لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ} ذكرنا معنى (شقاق) عند قوله: {فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [البقرة: 137]. ومعنى {لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ}: لفي خلاف طويلٍ (¬4)، ويقال: معناه: بعيدٍ عن الألفة بالاجتماع على الصواب (¬5). 177 - قوله تعالى: {لَيْسَ الْبِرَّ} قرئ (البرُّ) رفعًا ونصبًا (¬6)، وكلتا القراءتين حَسَن؛ لأن اسم ليس وخبرها، اجتمعا في التعريف، فتكافآ في كون أحدهما اسمًا، والآخر خبرًا، كما يتكافأ النكرتان. وحجة من رفع (البر): أن اسم {لَيْسَ} مشبهة بالفاعل وخبرها بالمفعول، والفاعل أن يلي الفعل أولى من المفعول، كما تقول: قام زيد، فيلي الاسم الفعل، وإذا ¬

_ (¬1) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 93، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 246، "تفسير الثعلبي" 1/ 1248، "زاد المسير" 1/ 177. (¬2) ينظر: "زاد المسير" 1/ 177، "البحر المحيط" 1/ 495. (¬3) ينظر: 3/ 431 - 432. (¬4) ينظر: "تفسير الثعلبي"، "زاد المسير" 1/ 177، "المحرر الوجيز" 2/ 78، "البحر المحيط" 1/ 496. (¬5) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 93، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 246، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 287، "زاد المسير" 1/ 177، "البحر المحيط" 1/ 496. (¬6) قرأ حمزة وحفص: بالنصب، وقرأ الباقون: بالرفع. ينظر: "النشر" 2/ 226.

قدمت المفعول كان النيةُ به التأخير، كما تقول: ضرب غلامَه زيدٌ (¬1). ومن نصب البر، ذهب إلى أن بعض النحويين قال: أَنْ مع صلتها أولى أن تكون اسم ليس؛ لشبهها بالمضمر، في أنها لا توصف كما لا يوصف المضمر، وكان هاهنا اجتمع مُضْمَرٌ ومظهر، والأولى إذا اجتمعا أن يكون المُضْمَرُ الاسم، من حيث كان أذهب في الاختصاص من المظهر، فكذلك إذا اجتمع (أن) مع مظهر غيره كان أن يكون (أن) (¬2) الاسم، والمظهرُ الخبرُ أولى (¬3)، وعلى هذا قرئ في التنزيل قوله: {فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (17)} [الحشر: 17]. وقوله تعالى: {وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا} [الأعراف: 82] {مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا} [الجاثية: 25]، والاختيار رفع البر؛ لأنه روي عن ابن مسعود أنه قرأ: ليس البرُّ بأن (¬4)، والباء تدخل في خبر ليس. واختلف المفسرون في هذه الآية على وجهين: فقال قتادةُ (¬5) والربيع (¬6) ومقاتل (¬7): عنى الله بهذه الآية: اليهود والنصارى، وذلك أن ¬

_ (¬1) من "الحجة" لأبي علي 2/ 270 بمعناه. (¬2) (أن) ليست في (ش). (¬3) "الحجة" لأبي علي 2/ 271، وينظر: "معاني القرآن" للزجاج. (¬4) رواه الثعلبي بسنده عن عبد الله، وأبي بن كعب. وينظر: "معاني القرآن" للفراء، "المحرر الوجيز" 2/ 78، "تفسير القرطبي" 2/ 220، ونسب القراءة لأبي بن كعب أيضًا، وينظر: "البحر المحيط" 2/ 2. (¬5) رواه عنه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 66، والطبري 2/ 94. (¬6) رواه عنه الطبري 2/ 95 واختاره، وذكره ابن أبي حاتم 1/ 287. (¬7) لعل المراد به هنا مقاتل بن حيان، كما هو عند الثعلبي، وقد روى عنه ابن أبي حاتم 1/ 287 ما يوافق القول الثاني.

اليهود كانت تصلي قِبَلَ المغرب إلى بيت المقدس، والنصارى قِبَلَ المشرق، وزعم كل طائفة أن البر في ذلك، فأخبر الله تعالى أن البر غيرُ دينهم وعملهم، ولكنه ما بينه في هذه الآية. فقال ابن عباس (¬1)، ومجاهد (¬2)، والضحاك (¬3)، وعطاء (¬4): المراد به المؤمنون، وقد كان الرجل قبل الفرائض إذا شهد الشهادتين، وصلى إلى أي ناحية (¬5) كانت، ثم مات على ذلك، وجبت له الجنة، فلما هاجر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ونزلت الفرائض، وحُدَّتْ الحدود، وصرفت القبلة إلى الكعبة، أنزل اللهُ هذه الآية، فقال: ليس البرُّ كله أن تصلوا ولا تعملوا غير ذلك، ولكن البرَّ ما ذكر في الآية (¬6). وقوله تعالى: {وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ} {الْبِرَّ} مصدر، ولا يخبر عن المصادر بالأسماء ومَنْ اسم. واختلف النحويون وأهل المعاني في وجهه. وقال أبو عبيدة: البر، هاهنا، بمعنى: البار (¬7)، والفاعل قد يسمى بالمصدر، كما يسمى المفعول به، ومنه قوله تعالى {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ ¬

_ (¬1) رواه عنه الطبري 2/ 94، وابن أبي حاتم 1/ 387. (¬2) السابق. (¬3) السابق. (¬4) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 143، وابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 178، وأبو حيان في "البحر المحيط" 2/ 2. (¬5) في (م): (جهة). (¬6) رواه الطبري في "تفسيره" 2/ 94 عن قتادة، وعزاه السيوطي في "الدر" 1/ 310 إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 140 - 141. (¬7) "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 1/ 65، و"تفسير الطبري" 2/ 95، "تفسير الثعلبي" 2/ 147.

غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ} [الملك: 30]. أي: غائرًا. وقالت الخنساء: فإنما هي إقبال وإدبار (¬1) أي: مقبلة ومدبرة. وقال آخر: هَرِيقي مِنْ دمُوعهما سِجاما ... ضُباعَ وجَاوبِي نَوْحًا قيامًا (¬2) (¬3) أراد: نائحاتٍ قائماتٍ. ومثله قوله: {وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى} [طه: 132] أي: للمتقي. وحكى الزجَّاجُ أن معناه: ذا البر، فحذف (¬4)، كقوله: {هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ} [آل عمران: 163]، أي: ذوو درجات (¬5). وقال قطرب (¬6) والفراء (¬7): معناه: ولكن البرَّ برُّ من آمن، فحذف المضاف، وهو كثير في الكلام، كقوله: {وَأُشرِبُواْ فِى قُلُوبِهِمُ اَلعِجلَ} ¬

_ (¬1) صدر البيت: ترتع ما رتعت حتى إذا ادكرت والبيت في "ديوان الخنساء" ص 383، "الشعر والشعراء" ص 215. (¬2) في (م): (سقاقًا .. حاوي)، وفي (ش): (صباع .. وجاوني). (¬3) البيت في "مجاز القرآن" 1/ 404 بلا نسبة، بل قال: وقال باكٍ يبكي هشامَ بن المُغيرة. والطبري 15/ 249، والقرطبي 10/ 409، و"شرح أبيات سيبويه" 1/ 94، 354. (¬4) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 65. (¬5) ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1248، "البيان في إعراب القرآن" لأبي البركات الأنباري 1/ 139. (¬6) ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1248، "البحر المحيط" 2/ 3، قال: وعلى هذا خرجه سيبويه. ينظر: "الكتاب" لسيبويه 1/ 212، وهو اختيار الطبري في "تفسيره" 2/ 95. (¬7) "معاني القرآن" للفراء. 1/ 105.

[البقرة: 93] و {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} [يوسف: 82] ويقولون: الجود حاتم، والشعر زهير، والشجاعة عنتر. وقال النابغة: وكيف تواصل من أصبحت ... خِلالتُه كأبي مرحب (¬1) قال الفراء: والعرب تخبر عن الاسم بالمصدر، وعن المصدر بالاسم، وتجعل الاسمَ خبرًا للفعل، والفعلَ خبرًا للاسم؛ لأنه أمر معروف المعنى عندهم (¬2)، وحكي عن العرب أنهم يقولون: إنما البِرُّ الصادقُ (¬3): الذي يصل رحمه، ويخفي صدقته، فيجعلون الاسم خبرًا للفعل، وأما الأفعال التي جعلت أخبارًا للأسماء، فقولُ الشاعر: لَعَمْرُك ما الفتيان أن تَنْبُتَ اللّحى ... ولكنما الفتيانُ كلُّ فَتًى نَدِيّ (¬4) فجعل نباتَ اللِّحى، وهو مصدر، خبرًا للفتيان (¬5). ¬

_ (¬1) البيت في "ديوانه" ص 26، "لسان العرب" 3/ 1607 (رحب). (¬2) سقطت من (ش). (¬3) سقطت من (ش). (¬4) قال البغدادي في شرح أبيات "مغني اللبيب": البيت ملفق من مصراعين من أبيات لابن بيض، وهي: لعمرك ما الفتيان أن تنبت اللحى ... وتعظم أبدان الرجال من الهبر ولكنما الفتيان كل فتى ندي ... صبور على الآفات في العسرِ واليُسْرِ وقد ذكره غير منسوب الفراء في "معاني القرآن" 1/ 104، الثعلبي في "تفسيره" 2/ 145، "أمالي المرتضى" 1/ 201، "شرح شواهد المغني" 2/ 264، "مغني اللبيب" 2/ 691. (¬5) "معاني القرآن" 1/ 104 - 105 للفراء بمعناه.

قال ابن الأنباري: ولا يجوز القياس على هذا، وإنما يستعمل في مثل هذا ما استعملته العرب، لا يجوزُ أن تقولَ: الرُّكوب عبد الله؛ لأن هذا (¬1) من المجاز، والمجاز لا يقاس بعضه على بعض، إلا أن يُوصفَ رجلٌ بحسن الركوب فيصير عَلَمًا فيه، فيقال فيه: الرُكوبُ عبدُ الله، كما يقال: الجُودُ حاتم، ولا يقاس على المشهور ما ليس بمشهور. قال أبو علي: ومثل هذه الآية قوله: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ}. ثم قال: {كَمَنْ آمَنَ} [التوبة:19]، وهذا على: أجعلتم أهل سقاية حاج كمن آمن أو أجعلتم سقاية الحاج (¬2) كإيمان من آمن، ليقع التمثيل بين حَدَثَيْن، أو بين فَاعِلَيْن، إذ لا يقع التمثيل بين (¬3) حدث وفاعل (¬4). وقوله تعالى: {وَالْكِتَابِ} يريد: الكُتُب، قاله ابن عباس (¬5). وقوله تعالى: {وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ} الأكثرون (¬6) على أن الكناية في الحب راجعة إلى المال، والتقدير (¬7): وآتى المال على حب (¬8) المال، ¬

_ (¬1) ليست في (أ)، (م). (¬2) الجملة من قوله: (ثم قال ..) سقطت من (ش). (¬3) في (م): (من). (¬4) ينظر: "التفسير الكبير" للرازي 5/ 39. (¬5) "تفسير الثعلبي" 2/ 149، وقال الزمخشري في "الكشاف" 1/ 109: والكتاب: جنس كتب الله، أو القرآن. ينظر: "تفسير الرازي" 5/ 37. (¬6) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 95، 96، و"تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 288، "المحرر الوجيز" 2/ 80، "البحر المحيط" 2/ 5، وقال: لأنه أقرب مذكور، ومن قواعد النحويين أن الضمير لا يعود على غير الأقرب إلا بدليل. (¬7) سقطت من (ش). (¬8) في (ش): (حبه).

فأضيف الحب إلى المفعول، كما تقول: اشتريت طعامي كاشتراء طعامك. قال ابن عباس (¬1) وابنُ مسعود (¬2): هو أن تؤتيه وأنت صحيح شحيح. وهذا التفسير يقوي رجوع الكناية إلى المال. وقال ابن الأنباري: يجوز أن تكون الهاء عائدة على {مَنْ} في قوله: {مَنْ آمَنَ} فيكون المصدر مضافًا إلى الفاعل، وتُرِكَ ذكرُ المفعول معه، لانكشاف المعنى. قال: ويجوزُ أن يعودَ إلى الإيتاء، أي: على حُب الإيتاء، (وآتى) يدل على الإيتاء؛ لأن الفعل يدل على المصدر، كقوله تعالى: {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا} [آل عمران: 180]، أي: البخل، كنى عنه؛ لأن (يبخلون) يدل عليه، ومثله قولُ القَطَامي: هُمُ الملوكُ وأبناءُ المُلوكِ هُمُ ... والآخذون به والسَّاسَةُ الأُوَلُ (¬3) أراد: والآخذون بالملك، ودلَّ (الملوكُ) عليه، فكنى عنه، وأنشد الفراء (¬4): ¬

_ (¬1) عزاه إليه في "التفسير الكبير" 5/ 39. (¬2) رواه عنه ابن المبارك في "الزهد" ص 8، وعبد الرزاق في "المصنف" 9/ 55، وسعيد بن منصور 2/ 648، والطبري في "تفسيره" 2/ 95، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 288، وبمعنى هذا: حديث أبي هريرة مرفوعًا، رواه البخاري (1419) كتاب الزكاة، باب: أي الصدقة أفضل، ومسلم (1032) كتاب الزكاة، باب: بيان أن أفضل الصدقة صدقة الصحيح الشحيح. (¬3) البيت من البسيط، وهو بهذه الصيغة للنابغة في "ديوانه" ص 75، "لسان العرب" 1/ 119مادة (ألا). (¬4) "معاني القرآن" للفراء 1/ 104 - 105.

إذا نُهي السفيهُ جرى إليه ... وخَالف والسفيهُ إلى خلاف (¬1) أي: إلى السفه، ويكون المعنى على هذا الوجه: لا يعطيه وهو متسخِّط، وهذا الوجْهُ اختيارُ الحسين بن الفضل (¬2). وقوله تعالى: {وَابْنَ اَلسَّبِيلِ} قال مجاهد: هو المنقطع من أهله يَمُرُّ عليك (¬3). وقال قتادة: هو الضيفُ ينزل بالرجل (¬4). قال أهل المعاني: كل مسافر من حاجٍّ وغازٍ وغيرهما، فهو ابن السبيل؛ لملازمته الطريق، وكل من لزم شيئا نسب إليه، فيقال للشجعان: بنو الحروب، وللناس: بنو الزمان؛ لأنهم لا يَنْفَكُّون منه، ولطيرِ الماءِ: ابنُ الماء، وهو كثير (¬5). وقوله تعالى: {وَفِى اَلرِّقَابِ} قال ابن عباس: يريد المكاتبين (¬6)، ويكون التقدير: وفي غزو الرقاب. ¬

_ (¬1) تقدم تخريج البيت عند تفسير [البقرة: 177]. (¬2) "تفسير الثعلبي"، 2/ 150 "المحرر الوجيز" 2/ 81، "زاد المسير" 1/ 177، "البحر المحيط" 2/ 5، وقال عن هذا القول: إنه بعيد من حيث اللفظ، ومن حيث المعنى، أما من حيث اللفظ: فإنه يعود على غير مصرح به، وعلى أبعد من المال، وأما المعنى: فلأن من فعل شيئًا وهو يحب أن يفعله لا يكاد يمدح على ذلك؛ لأن في فعله ذلك هوى نفسه ومرادها. (¬3) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 97، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 290، وروى مثله عن قتادة. (¬4) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 97، وذكره ابن أبي حاتم 1/ 289، وأسنده عن ابن عباس، قال ابن عطية في "المحرر الوجيز" 2/ 81: والأول أعم. (¬5) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 97، "المحرر الوجيز" 2/ 81. (¬6) عزاه إليه ابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 178، قال وهو مروي عن علي=

وقيل: فداء الأسارى، وعتق النسمة، وفك الرقبة (¬1)، والرقاب: جمع الرقبة، وهو مُؤَخَّر أصل العنق، واشتقاقها: من المراقبة، وذلك أن مكانها من البدن مكان الرقيب المشرف على القوم؛ ولهذا المعنى يقال: أعتق الله رقبته، ولا يقال: أعتق الله عُنَقَه، لأنها لما سميت رقبةً كانت كأنها تراقب العذاب، ومن هذا يقال للتي لا يعيش لها ولد: رَقُوب؛ لأجل مراعاتها موتَ ولدِها (¬2). وقوله تعالى: {وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا} قال المفسرون: أراد: فيما بينهم وبين الله، وبينهم وبين الناس، إذا وعدوا أنجزوا، وإذا حَلَفُوا ونَذَروا وَفَّوا، وإذا قالوا صدقوا، وإذا ائتمنوا أدَّوا (¬3). ارتفع قوله: {وَالْمُوفُونَ} بالعطف على محل (مَنْ) في قوله: {مَنْ ¬

_ = والحسن وابن زيد والشافعي، ورواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 290 عن سعيد ابن جبير ومقاتل بن حيان والحسن والزهري، وينظر: "تفسير الطبري" 2/ 98، وقد حكى الواحدي في "الوسيط" أن جميع المفسرين قالوا: يريد به المكاتبين، والمفسرون ذكروا الخلاف على أربعة أقوال: المكاتبون، وأنهم عبيد يشترون بهذا السهم ويعتقون، وفداء الأسرى، وجميع هؤلاء، وهذا قول ابن عطية وابن العربي في "أحكام القرآن" 1/ 60، واستظهره أبو حيان في "البحر" 2/ 6. ينظر: "الإجماع في التفسير" ص 195. (¬1) ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1249، "المحرر الوجيز" 2/ 81، "الكشاف" 1/ 109، وقال في "زاد المسير" 1/ 179: رواه مجاهد عن ابن عباس، وبه قال مالك بن أنس وأبو عبيد وأبو ثور، وعنه كالقولين. (¬2) ينظر في الرقاب: "المفردات" ص 206، "اللسان" 3/ 1701 (رقب)، والكلام بنصه عند الرازي في "تفسيره" 5/ 42. (¬3) "تفسير الثعلبي" 2/ 166، وينظر: "تفسير الرازي" 5/ 43، "تفسير القرطبي" 2/ 225.

آمَنَ} وهو رفع؛ لأنه خبر لكن، كأنه: ولكن البر من آمن بالله والموفون، أو على المدح على أن يكون خبر ابتداء محذوف، تقديره: وهم الموفون (¬1). وقوله تعالى: {وَالصَّابِرِينَ} قال الكسائي: هو معطوف على ذوي القُربى، كأنه: وآتى المال على حبه ذوي القربي والصابرين (¬2). قال النحويون: إذا عطفت قوله: (والموفون) على الموصول وهو قوله: (من) لا يجوز أن يكون (الصابرين) مِنْ صلة (مَنْ) وقوله: (وآتى المال)، مِنْ صلة (مَنْ)، فإذا نصبت الصابرين بقوله: {وَآتَى الْمَالَ}، على ما ذكره الكسائي فقد جعلت {وَالْصَّابِرِينَ} من تمام الصلة، ولا يجوز هذا؛ لأنك قطعت ذلك الكلام بالعطف على (مَنْ)، حيث عطفت عليه قوله: {وَالْمُوفُونَ}، ولا يجوز العطف على الموصول حتى ينقضي بصلته، كما لا يؤكد ولا يوصف إلا بعد انقضائه بجميع صلته؛ لأن الموصول مع الصلة بمنزلة اسم واحد، ومحالٌ أن يوصف الاسم، أو يؤكد، أو يعطف عليه، ¬

_ (¬1) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 247، "تفسير الثعلبي" 2/ 167، "التفسير الكبير" 1/ 42، "التبيان" ص 112، وذكر وجهًا ثالثًا: وهو أن يعطف (الموفون) على الضمير في (آمن). (¬2) "معاني القرآن" للفراء 1/ 107، قال: وإنما امتنع من مذهب المدح -يعني الكسائي- الذي فسرت لك؛ لأنه قال: لا ينصب الممدوح إلا عند تمام الكلام، ولم يتمم الكلام في سورة النساء، ألا ترى أنك حين قلت: (لكن الراسخون في العلم منهم) - إلى قوله: (والمقيمين والمؤتون)، كأنك منتظر لخبره، وخبره في قوله: (أولئك سنؤتيهم أجراً عظيماً). والكلام أكثره على ما وصف الكسائي، ولكن العرب إذا تطاولت الصفة جعلوا الكلام في الناقص والتام كالواحد وينظر أيضا: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 231، وقال: وهذا القول خطأ بين.

إلا بعد تمامه وانقضائه بجميع أجزائه وما يتصل به، فلا يجوز إذن أن يكون {وَالصَّابِرِينَ} عطفا على قوله: {وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى}. واذا كان قوله: {وَالْمُوفُونَ} عطفا على الموصول؛ لأن قولَه: {وَالصَّابِرِينَ} على هذا من تمام الموصول، فلا يجوز الفصل بينه وبين الموصول بالمعطوف على الموصول، ألا ترى أنه لا يجوز أن تقول: مررت بالضاربين وقوم زيدًا، حتى تقدم زيدًا على القوم، وكذلك سبيل التأكيد والصفة، لو قلت: أعجبني كلامُكَ كلُّه زيدًا، أو أعجبني كلامُك الحسن زيدًا، لم يجز؛ لوصفك الاسم وتأكيدك قبل تمامه بما في صلته. وإن جعلت قوله: {وَالْمُوفُونَ} رفعًا على المدح على ما ذكرنا، لم يصح أيضا قول الكسائي؛ لأن الفصل بين الصلة والموصول يقع به إذا كان مدحًا، كما يقع إذا كان معطوفًا على الموصول، بل الفصل بينهما بالمدح أشنع؛ لكون المدح جملة، والجمل ينبغي أن تكون في الفصل أشنع بحسب زيادتها على المفرد (¬1). فإن قيل: أليس جاز الفصلُ بين المبتدأ والخبر بالجملة، كقول القائل: إن زيدًا -فافهم ما أقول- رجلُ صدقٍ، وكقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا} [الكهف: 30]. ثم قال: {أُولَئِكَ} ففصل بين المبتدأ والخبر بقوله: {إِنَّا لَا نُضِيعُ}؟ قيل: ليس الصلة مع الموصول كالمبتدأ مع الخبر؛ لأن اتصال كل واحد منهما بالآخر أشد من اتصال المبتدأ وخبره، لأن مجراهما مجرى حروف الاسم ¬

_ (¬1) ذكر هذا بمعناه الرازي في "تفسيره" 5/ 44.

الواحد وأجزائه، وعلى حسب شدة الاتصال يقبح الانفصال، وليس كذلك المبتدأ مع خبره، ألا ترى أنَّ كل واحد منهما ليس كَجُزْء (¬1) الآخر. وإذا كان الأمرُ على ما ذكرنا، لم يَجُزْ الفصل بين بعض الصلة وبعض؛ لأن عطفَك على الموصول بالمفرد والجملة وتأكيدَك إياه ووصفَك له وإبدالَك منه يؤذن كل ذلك بالتمام والانقضاء، فلا يسوغ أن يذكر ما يؤذن بالتمام ويدل عليه ثم يتم بعد؛ لأن ذلك نَقْصٌ وفساد (¬2). فأما (¬3) قول الشاعر: ذاك الذي وأبيك يَعرِف مالكٌ ... والحقُّ يَدفَع تُرَّهاتِ الباطلِ (¬4) ففصل بين الصلة والموصول بالقسم، وهو جملة؛ لأن القسم، وإن كان في الأصل جملة، فإنه لا توصف به النكرة، ولا توصل به الموصول، كسائر الجمل، فالفصلُ بها -لجريها مجرى غير الجمل في هذه المواضع- أسهَل وأسْوَغ من الفصل بغيره؛ لمخالفة القسم سائر الجمل. وأيضًا فإن للقسم مداخل ليس لغيره من الجمل، ألا ترى أن القسم قد دخل بين الشرط وجزائه في نحو: إن تأتنى والله آتك، ولا يدخل عليه غيره من الجمل. فالقسم مما (¬5) قد اتسع بالفصل فيه؛ لكثرته، ويقع مواقع لم يقع غيره، فلا يلزم إذا اتسع فيه ففصل به أن يفصل بغيره. ألا ترى أنهم اتسعوا في الفصل بالظرف، ففصلوا به بين إن واسمها، وليس يوجب فصلهم بذلك ¬

_ (¬1) في (ش): (ليس كَجَسر الآخر). (¬2) ذكر هذا بمعناه الرازي في "تفسيره" 5/ 44. (¬3) في (ش): (وأما). (¬4) البيت لجرير في "ديوانه" ص580، "لسان العرب" 1/ 431 (تره). (¬5) في (م): (ما).

فصلهم بغيره. وكذلك يجوز الفصل بالقسم في الصلة، ولا يجوز ذلك في غيره، فبان (¬1) بما ذكرنا أنه لا وجه لقول الكسائي، وهذا كله كلام أبي علي. ثم قولُ الكسائي ضعيف أيضا في المعنى؛ لأنه يَضْعُفُ أن يُقَال: معنى الآية: ولكن البرّ من آمن بالله وآتى الصابرين. والصحيح: أنَّ ما بعد {آمَنَ} تَعدادٌ لأفعال {مَنْ آمَنَ} وأوصافه. والوجه في نصب {وَالصَّابِرِينَ} قولُ الفراء، وهو أنه ذهب به إلى المدح، وإن كان مِنْ صفة {مَنْ}، والعرب تعترض في صفات الواحد إذا تطاولت بالمدح أو الذم، فينصبون بعض المدح، وإن كان الاسم رفعًا، كأنهم ينوون إخراج المنصوب بمدح مجدد غير متبع لأول الكلام، من ذلك قولُ الشاعر: لا يَبْعَدَنْ قومي الذين هُمُ ... سَمُّ العُداةِ وآفةُ الجُزْر النازلينَ بكلِّ مُعْتَرَكٍ ... والطيبين معاقِدَ الأزْرِ (¬2) فنصبوا النازلين والطيبين على المدح. وأنشد أيضا: إلى الملك القَرْمِ وابنِ الهمام ... وليثَ الكتيبةِ في المُزْدَحمْ (¬3) ¬

_ (¬1) في (ش): (فان). (¬2) البيتان لخرنق بنت بدر بن هفَّان، ترثي زوجها ومن قتل معه، في "ديوانها" ص 43، "معاني القرآن" للفراء، "لسان العرب" 7/ 4454 (نضر). وفي "الكتاب" لسيبويه 2/ 64، لكن قال: (والطيبون) قال الفراء: وربما رفعوا (النازلون) (الطيبون)، وربما نصبوهما على المدح، والرفع على أن يُتْبَعَ آخرُ الكلام أوّلَه. (¬3) البيت بلا نسبة في "معاني القرآن" للفراء 1/ 105، "الإنصاف" ص 376، "الخزانة" 1/ 216. والقَرْم: السيد المعظم.

فنصب ليثَ الكتيبة على المدح، والاسم قبله مخفوض (¬1). وقال أبو علي مختارًا هذا القول: الأحسن عندي في هذه الأوصاف التي تعطف وتذكر للرفع من موصوفها والمدح أو النقص منهم والذم: أن يخالف (¬2) بإعرابها، ولا يجعل كلها جارية على موصوفيها؛ لأن هذه المواضع من مواضع الإطناب في الوصف، والإبلاغ في القول، فإذا خُولِفَ بإعراب الأوصاف كان أشدَ وأوقعَ فيما يعني لضرورةِ الكلام، وكونه بذلك ضروبًا وجملًا (¬3)، وكونه في الإجراء على الأول وجهًا واحدًا وجملةً واحدة (¬4). ونص سيبويه في قوله: {وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ} [النساء: 162]، أنه نصبٌ على المدح. انتهى كلامه (¬5). ومعنى المدحِ والذمِّ في النحو: أن العربَ لما أطنبت في وصفٍ بمدح أو ذم سلكت طرقًا، وأتت بأوصاف كثيرة، فلذلك خالفت بإعراب الأوصاف، تنويهًا بالموصوف وتنبيهًا على المراد، كأنهم ظنوا أنهم لو أجروا الأوصافَ على نحوٍ واحدٍ، كانوا قد أَتوا بوصفٍ واحدٍ. وأما علة اختلاف الحركة في المدح والذم: فقال الفراء: أصل المدح والذم من كلام السامع، وذلك أن الرجل إذا أخبر الرجل، فقال له: قام زيد، أثنى السامع عليه، فقال: ذكرت والله الظريف، ذكرت العاقل، وهو والله الظريف، هو العاقل، فأراد المتكلم أن يمدحه بمثل ما مدحه به السامع، ¬

_ (¬1) من "معاني القرآن" للفراء 1/ 106 بتصرف، واختاره الطبري في "تفسيره" 2/ 100. (¬2) في (ش): (لا تخالف). (¬3) في (م): (وحولًا). (¬4) نقله عنه الرازي في "تفسيره" 5/ 45، ونقله في "البحر المحيط" 2/ 7 - 8. (¬5) "الكتاب" لسيبويه 2/ 63 - 65.

فجرى الإعراب على ذلك (¬1). وقال الخليل: المدح والذم ينصبان على معنى: أعني الظريفَ (¬2). وأنكر الفراء هذا القول (¬3)، وقال: (أعني) إنما تقع تفسيرًا للاسم المجهول، والمدح يأتي بعد المعروف، ولو اطرد لنا إضمار (أعني) لأجزنا (¬4): قام زيدٌ أخاك، على معنى: أعني أخاك، وهذا لا يقوله (¬5) العرب أصلًا (¬6). قال: والذم بمنزلة المدح، يقال: مررت بزيدٍ الخبيثِ، والخبيثَ، ومن هذا: قوله عز وجل {وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ} [المسد: 4]. وقد تدخل الواو على المنصوب على المدح والذم ويكون (¬7) نكرةً، فيقال: مررت برجل ينصفُ من يُناظرهُ، وعاقلًا لبيبًا عالمًا، قال الشاعر: ويأوي إلى نسوة عُطَّلٍ ... وشُعثًا مراضيعَ مثل السَّعَالِي (¬8) فنصب شعثًا على الذم. وقال آخر: ¬

_ (¬1) نقله الرازي في "تفسيره" 5/ 45، وينظر: "الكتاب" لسيبويه 2/ 65. (¬2) نقله الرازي في "تفسيره" 5/ 45. (¬3) ليست في (أ)، (م). (¬4) في (ش): (لأجرينا). (¬5) في (ش): (بالتاء وفيهما). (¬6) نقله الرازي في "تفسيره" 5/ 45. (¬7) في (ش): (بالتاء). (¬8) البيت، وهو لأمية بن أبي عائذ الهذلي، في "شرح أشعار الهذليين" 2/ 507، ذكره الفراء في "معاني القرآن" 1/ 108ولم ينسبه، وفي "لسان العرب" 3/ 1661 (رضع). ويروى: وشعث على النعت كما ذكر الفراء. وهذا البيت في وصف صائد وإعساره. وعطل: هن اللواتي لاحلي عليهن، وشعث: جمع شعثاء، وشعثها من قلة التعهد بالدهن والنظافة. والسعالي: ضرب من الغيلان، الواحد: سعلاة.

إلى الملك القرم وابن الهمام ... وليثَ الكتيبة في المزدحم (¬1) فنصب ليثَ على المدح. وقوله تعالى: {فِي الْبَأْسَاءِ} قال ابن عباس: يريد الفقر، وهو اسم من البؤس. (والضراء) قال: يريد المرض (¬2). وهما اسمان على فعلاء ولا أَفْعل لهما؛ لأنهما ليسا بنعتين (¬3). (وحين البأس) قال ابن عباس: يريد القتال في سبيل الله والجهاد (¬4). ومعنى البأس في اللغة: الشدة، يقال: لا بأس عليكم في هذا، أي: لا شدة ولا حرج، {بِعَذَابٍ بَئِيسٍ} [الأعراف: 165]، شديد، ثم تسمى الحرب بأساء لما فيها من الشدة، والعذاب يسمى بأسًا لشدته، قال الله: {فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا} [غافر: 84] وقال: {فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا} [الأنبياء: 12] وقال: {فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ} [غافر: 29] كل هذا معناه: العذاب (¬5). وقوله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا} أي: أهل هذه الأوصاف هم الذين صدقوا في إيمانهم (¬6). وهذه الواوات في الأوصاف في هذه الآية ¬

_ (¬1) سبق تخريج البيت. (¬2) ذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 291، ورواه الطبري في "تفسيره" 2/ 99، عن ابن مسعود والربيع وقتادة والضحاك وابن جريج. (¬3) "تفسير الثعلبي" 2/ 170، وينظر: "تفسير الطبري" 2/ 100، "التفسير الكبير" للرازي 5/ 45. (¬4) رواه الطبري 2/ 101، وابن أبي حاتم 1/ 292 عن ابن مسعود ومجاهد وقتادة والربيع والضحاك وسعيد بن جبير والحسن وأبي العالية ومرة ومقاتل بن حيان. (¬5) ينظر في معاني البأس: "تهذيب اللغة" 1/ 255 (بأس)، "المفردات" ص 75، "التفسير الكبير" 5/ 45. (¬6) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 101، "تفسير الثعلبي" 2/ 171، "المحرر الوجيز" 2/ 82.

178

للجمع، فمن شرائط البر وتمام شرط البار أن يجتمع فيه هذه الأوصاف، ومن قام بواحدة منها لم يستحق الوصف بالبر، فلا يظنن ظان أن الموفي بعهده على انفراد هذا الوصف فيه من جملة من قام بالبر، وكذا الصابر في البأساء حتى يستكمل هذه الأوصاف، وقد تدخل الواو في الأوصاف لموصوف واحد بقوله: إلى الملك القرم ......... (¬1) البيت الذي أنشدناه آنفًا، دخلت الواو في هذه الأوصاف وهي لموصوف واحد. ولهذه النكتة اختلف السلف في هذه الآية، فقال بعضهم: هذه الصفة خاصة بالأنبياء؛ لأن غيرهم لا تجتمع فيه هذه الأوصاف كلها، وقال بعضهم: هذه عامة في جميع المؤمنين (¬2). 178 - وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى}، كُتِبَ هاهنا، بمعنى: فُرض وأُوجب، كقوله: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ} [البقرة: 180]. وأصله: أن من أراد إحكام شيء والاستيثاق منه كَتَبَه؛ لئلا ينساه، فقيل في كل مفروضٍ واجب: كتب، بمعنى: أحكم ذلك. وقيل: أصلُه: ما كتبه الله في اللوح المحفوظ، ومن هذا قوله: {كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي} [المجادلة: 21]، أي: قضى الله ذُلك، وفَرَغَ منه، وحَكَم به، ومثله قوله: {وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ} [الحشر: 3]، أي: حكم بإخراجهم من دورهم، وقوله: {قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا} [التوبة: 51]، وقوله: {لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ ¬

_ (¬1) تقدم تخريج البيت. (¬2) نقله بتمامه الرازي في "تفسيره" 5/ 45 وصرح فيه بالنقل عن الواحدي.

عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ} [آل عمران: 154]، كل هذا من القضاء. ويكون (كتب) بمعنى (¬1): جعل، كقوله: {أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ} [المجادلة: 22]، وقوله: {فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} [المائدة: 83] وقوله: {فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ} [الأعراف: 156] (¬2). وقوله تعالى: {القِصَاصُ} معنى القصاص في اللغة: المماثلة والمساواة، وأصله من قولهم: قصصت أثره، إذا تتبعته (¬3)، ومنه قوله تعالى: {وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ} [القصص: 11]، فكأن المفعول به يتبع ما عُمِلَ به فَيَعْمَلُ مثله (¬4). والقِصَاص مصدرة لأنه فعال من المفاعلة. قال الفراء في كتاب المصادر: قاصَصْته قَصَصا، وأَقْصَصْتُه: إذا أقدته من أخيه إِقْصَاصًا، ويقال: قَصَصْتُ أثره قَصصًا وقَصًّا، وقَصصْتُ عليه الحديثَ قَصَصًا، قال الله تعالى: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ} [يوسف: 3]. وقال في قَصِّ الأثر: {فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا} [الكهف: 64] والقَصُّ جائز في هذين. هذا كلامه. وأراد بالقصاص هاهنا: المماثلة في النفوس والجروح. ¬

_ (¬1) في (أ): (يعنى). (¬2) ينظر في معنى (كتب): "تفسير الطبري" 2/ 102، 103، "المحرر الوجيز" 2/ 83، "المفردات" ص 425 - 427، "البحر المحيط" 2/ 7 - 8، قال الراغب: ويعبر عن الإثبات والتقدير والإيجاب والفرض والعزم، بالكتابة، ووجه ذلك: أن الشيء يراد، ثم يقال، ثم يكتب، فالإرادة مبدأ، والكتابة منتهى، ثم يعبر عن المراد الذي هو المبدأ إذا أريد توكيده بالكتابة التي هي المنتهى. (¬3) في (م): (تبعته). (¬4) "تفسيرالثعلبي" 2/ 176.

وقال الأزهري: أصل القَصّ: القطع. قال أبو زيد: قَصَصتُ ما بينهما، أي: قطعت. قال الأزهري: والقِصَاص في الجِرَاح مأخوذ من هذا، وهو أن يُجْرحَ مثلَ ما جَرَح، أو يُقْتل مثل ما قتل (¬1)، والقول الأول أشهر؛ لأن القصاص والمقاصة في غير الجراح، يقال: قَاصَّه في الحساب وغيره: إذا أخذ الشيء مكان غيره. وقال الليث: القصاص والتقاص (¬2) في الجراحات والحقوق شيء بشيء (¬3)، وهذا يبين ان معنى القصاص اعتبار المماثلة والمساواة (¬4). وليس معنى الآية أن القصاص واجب علينا حتى لا يسعنا تركه، ولكن معناه: أن اعتبار المماثلة بين القتلى فرضٌ علينا، فالفَرْضِية ترجع إلى اعتبار المماثلة بين (¬5) الدماء، لا إلى نفس القصاص، حتى يلزم قتْلُ القاتلِ حتمًا، فالقصاص حيث يجب إنما يجب إذا وُجِدَتْ المساواة، وهذا يؤكدُ أنَ القولَ في اشتقاق القِصَاص في اللغة إنما هو من الاتباع، لا من القطع كما قاله الأزهري؛ لأنه لو كان من القطع لوجب القصاص حتى لا يسعنا تركه (¬6). ¬

_ (¬1) "تهذيب اللغة" 3/ 2976 (قصّ)، وعبارته: والقصاص في الجراح مأخوذ من هذا، يجرحه مثل جرحه إياه، أو قتله به. (¬2) في (ش): (والتقصاص). (¬3) نقله عنه في "تهذيب اللغة" 3/ 2976، "لسان العرب" 6/ 3652 (قصّ). (¬4) ينظر في معنى القصاص "تفسير الطبري" 2/ 102 - 103، "اللسان" 6/ 3652 (قصّ). (¬5) في (أ)، (م): (من). (¬6) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 102، 106، "زاد المسير" 1/ 180، "التفسير الكبير" 5/ 48، قال ابن عطية في "المحرر الوجيز" 2/ 83: وصورة فرض القصاص هو =

قوله تعالى: {اَلحُرُّ باَلحُرِّ} أراد: الحر يقتص بالحر، فحذف لدلالة ذكر القصاص عليه. والحر: نقيض (¬1) العبد، قال أهل الاشتقاق: أصله من الحَرِّ الذي هو ضد (¬2) البرد، وذلك أن الحُرّ له من الأنفة وحرارة الحمية ما يبعثه على المكرمة، بخلاف العبد، ثم قيل للأكرم من كل شيء: حُرٌّ تشبيهًا بالرجل الحر (¬3). قال المفسرون: نزلت الآية في حَيَّيْنِ من العَرَبِ، لأَحَدِهِما طَولٌ على الآخر، فكانوا يتزوجون نسائهم بغير مهور، فقتلَ الأوضعُ منهما من الشريف قتلى، فحلف الشريف لَيَقْتُلَن الحرَّ بالعبد، والذكرَ بالأنثى. وليضاعفن الجراح، فأنزل الله هذه الآية، ليعلم أن الحر المسلم، كفء للحر المسلم، وكذلك العبد للعبد، والذكر للذكر، والأنثى للأنثى (¬4). ¬

_ = أن القاتل فرض عليه إذا أراد الولي القتل الاستسلام لأمر الله، والانقياد لقصاصه المشروع، وأن الولي فرض عليه الوقوف عند قتل قاتل وليه، وترك التعدي على غيره، كما كانت العرب تتعدى وتقتل بقتيلها الرجل من قوم قاتله، وأن الحكام وأولي الأمر فرض عليهم النهوض بالقصاص وإقامة الحدود، وليس القصاص باللزام، إنما اللزام أن لا يتجاوز القصاص إلى اعتداء، فأما إذا وقع الرضى بدون القصاص من دية أو عفو فذاك مباح، فالآية معلمة أن القصاص هو الغاية عند التشاح. (¬1) في (ش): (يقتص). (¬2) في (م): (نقيض). (¬3) ينظر في معاني الحر: "تهذيب اللغة" 1/ 780 - 783، "اللسان" 2/ 827 - 832. (¬4) ينظر في سبب النزول "تفسير الطبري" 2/ 103، "معاني القرآن" للفراء 1/ 108، "المحرر الوجيز" 2/ 83 - 84، "تفسير الثعلبي" 2/ 175، "أسباب النزول" للواحدي ص 52 - 53، "زاد المسير" 1/ 180، "العجاب" لابن حجر 1/ 423 - 426، "لباب النقول" للسيوطي ص 32 - 33، وقد استطرد الطبري -رحمه الله- في ذكر أسباب نزول للآية، وكلها تدور حول هذا المعنى الذي ذكره الواحدي.

ولم تدل (¬1) الآية على أن الذكر لا (¬2) يقتل بالأنثى، ولكنها بينت أن من قُتِلتْ له أُنْثَى فقال: لا أقتل بها إلا رجلًا متعدٍّ غير منصف، فأما قتل الذكر بالأنثى فمستفاد من إجماع الأمة؛ لأنهما تساويا في الحرمة، والميراثِ، وحدِّ الزنى، والقذف وغير ذلك، فوجب أن يستويا في القصاص (¬3). قال الفراء: هذه الآية منسوخة بقوله: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} [المائدة: 45] (¬4) وكان عنده هذه الآية تدل على أن الرجل إنما يُقتل بالذَّكَر ولا يُقتل بالأنثى؛ لأنه قال: {الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى} فلما لم يعمل بهذا وعمل بقوله: {اَلنَّفسَ بِالنَّفسِ} جعل هذه الآية منسوخة، والصحيح أن هذه الآية غير منسوخة؛ لأن حُكْمَ الآية ثابتٌ، ولم تدلَّ على أن الذكرَ لا يقتل بالأنثى (¬5). ¬

_ (¬1) في (ش): (تدلك). (¬2) في (م): (لم). (¬3) "تفسير الثعلبي" 2/ 177، وينظر: "تفسير الطبري" 2/ 105، "أحكام القرآن" للكيا الهراسي 1/ 44، "أحكام القرآن" لابن العربي 1/ 63، "تفسير القرطبي" 2/ 227، "البحر المحيط" 2/ 11 وقد حكى هؤلاء الثلاثة الإجماع على ما ذكره المؤلف. "المحرر الوجيز" 2/ 84، "تفسير البغوي" 1/ 189. (¬4) "معاني القرآن" للفراء 1/ 109. (¬5) ينظر: "تفسير القرطبي" 2/ 227، قال ابن عطية في "المحرر الوجيز" 2/ 84 - 85: روي عن ابن عباس أن الآية نزلت مقتضية أن لا يقتل الرجل بالمرأة، ولا المرأة بالرجل، ولا يدخل صنف على صنف، ثم نسخت بآية المائدة: (أن النفس بالنفس)، قال القاضي أبو محمد (ابن عطية): هكذا روي، وآية المائدة إنما هي إخبار عما كتب على بني إسرائيل، فلا يترتب النسخ إلا بما تلقي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أن حكمنا في شرعنا مثل حكمهم، وروي عن ابن عباس فيما ذكر أبو=

وقوله تعالى: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ} معنى العفو: هو ترك الواجب من أَرْشِ (¬1) جناية، أو عقوبة ذنب، أو ما استوجبه الإنسان بما ارتكبه من جناية فصفح عنه وترك له من الواجب عليه (¬2). وقوله تعالى: {مِنْ أَخِيهِ} أراد: من دم أخيه، فحذف المضاف للعلم به (¬3)، وأراد بالأخ: المقتول، سماه أخًا للقاتل، فدل أن أخوة الإسلام بينهما لا تنقطع، وأن القاتل لم يخرج عن الإيمان بقتله (¬4) (¬5). وفي قوله: (شيء) دليل على أن بعض الأولياء إذا عَفَا سَقَطَ القود؛ لأن شيئًا من الدمِ قد بطل بعفو البعض (¬6)، والله تعالى قال: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ}، والكنايتان في قوله: {لَهُ} و {أَخِيهِ} ترجعان إلى (مَنْ) وهو القاتل (¬7)، ولا يحتاج أن يقال: أخيه المقتول؛ لأن هذا الحكم لا ¬

_ = عبيد وعن غيره أن هذه الآية محكمة، وفيها إجمال فسرته آية المائدة، وأن قوله هنا: (الحر بالحر)، يعم الرجال والنساء، وقاله مجاهد. (¬1) الأرش: ما يأخذه المشتري من البائع إذا اطلع على عيب في المبيع، وأروش الجنايات والجراحات من ذلك، لأنها جابرة لها عما حصل فيها من النقص، وسمي أرشا؛ لأنه من أسباب النزل، يقال: أرَّشت بين القوم إذا أوقعت بينهم. "النهاية" ص 33. (¬2) وهو قول ابن عباس ومجاهد وعطاء والشعبي وقتادة والربيع وغيرهم. ينظر: "تفسير عبد الرزاق" 1/ 66، "تفسير الطبري" 2/ 107، "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 295، "تفسيرالثعلبي" 2/ 181. (¬3) "البحر المحيط" 1/ 12. (¬4) في (ش): (بقلبه). (¬5) "البحر المحيط"1/ 12، "التفسير الكبير" 5/ 54، "المحرر الوجيز" 2/ 88. (¬6) "البحر المحيط"1/ 13، "التفسير الكبير" 5/ 54. (¬7) "تفسير البغوي" 1/ 191.

يثبت ولا يوجد إلا عند القتل. هذا الذي ذكرنا من معنى قوله: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ} هو الذي عليه عامة المفسرين وأهل المعاني وإن لم (¬1) يبينوا هذا البيان. (¬2) وقال الأزهري: هذه الآية فيها إشكال، وقد فسرها ابن عباس وغيرُه من المفسرين على جهة التقريب وقدر أفهام من شاهدهم من أهل عصرهم. وأهلُ عصرنا لا يكادون يفهمون عنهم ما أومأوا إليه حتى يزاد في البيان، ويوضح بعض الإيضاح، ونسأل الله التوفيق. حدثنا محمد بن إسحاق، ثنا المخزومي، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار (¬3) عن مجاهد قال: سمعت ابن عباس يقول: كان القِصَاصُ في بني إسرائيل ولم تكن الدية، فقال الله لهذه الأمة: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} إلى قوله: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ} قال: فالعفو أن تقبل الدية في العمد (¬4). قال الأزهري: وليس العفو في قوله: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ} عفوًا من ولي (¬5) ¬

_ (¬1) (لم) سقطت من (م). (¬2) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 107، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 248، "تفسير البغوي" 1/ 191، "أحكام القرآن" لابن العربي 1/ 66، "المحرر الوجيز" 2/ 88، "تفسير القرطبي" 2/ 234، وذكر خمس تأويلات للآية، وقال: هذا قول ابن عباس وقتادة ومجاهد وجماعة من العلماء. (¬3) هو: أبو محمد عمرو بن دينار المَكِّي الأثرم الجمحي مولاهم، تابعي إمام حافظ ثقةٌ ثبت، توفي سنة 126هـ ينظر: "الجرح والتعديل" 6/ 231، "التقريب" ص 421 (5024). (¬4) الحديث: أخرجه البخاري (4498) كتاب التفسير، باب: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ}، والطبري في "تفسيره" 2/ 107، كلاهما بهذا الإسناد. (¬5) في (ش): (ولا).

الدم، ولكنه عفو من الله -جل ذكره-، وذلك أنه لم يكن لبني إسرائيل أن يأخذوا الدية، فجعلها الله لهذه الأمة عفوًا منه وفضلًا، مع اختيار ولي الدم ذلك في العمد، فذلك قوله: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِن أَخِيهِ شَئٌ} أي (¬1): من عفا الله له بقبول الدية مع اختياره، أي: تَفَضَّل اللهُ عليه من هذه الأمة، ولم يكن ذلك الفضلُ لمن تَقَدَّمَه، قال: وقوله: {مِنْ أَخِيهِ} {مِنْ} هاهنا بمعنى البدل، المعنى: فمن عفا الله له بقبول الدية بدل أخيه المقتول. والعرب تقول: عوّضت (¬2) له من حقه ثوبًا: أي، أعطيته بدل حقه ثوبًا، وما أعلم أحدًا فسر من هذه الآية ما فسرته، فتدبره، فإنه صعب، واقبله بِشُكْرٍ إذ بان لك صوابه، انتهى كلامه (¬3). ولقد أعجب بقوله، وزلّ (¬4) فيما تكلف، وليس الأمر على ما ذكر، فإن (¬5) قوله {فَمَنْ عُفِيَ} عفو من ولي الدم بإباحة الله تعالى ذلك، ولو ¬

_ (¬1) لخص الواحدي كلام الأزهري، وهذا تمام هذه الجملة 3/ 226: أي: من عفا الله -جل اسمه- له بالدية حين أباح له أخذها بعدما كانت محظورة على سائر الأمم، مع اختياره إياها على الدم، (اتباع بالمعروف)، أي: مطالبة للدية بمعروف، وعلى القاتل أداء الدية إليه بإحسان، ثم بين ذلك فقال: {ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ}، لكم يا أمة محمد، وفضل جعله لأولياء الدم منكم، ورحمة خصكم بها، {فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ}، أي: من سفك دم قاتل وليه بعد قبوله الدية، {فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ}، والمعنى الواضح في قوله: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِن أَخِيهِ شَئٌ}، أي: أحل له أخذ الدية بدل أخيه المقتول، عفوًا من الله وفضلًا مع اختياره، فليطالب بالمعروف. (¬2) في "تهذيب اللغة" 3/ 2283 (عاض). (¬3) في "تهذيب اللغة" 3/ 2283 (بمعناه). (¬4) في (م): (وزاد). (¬5) في (م): (ما ذكرنا وقوله).

كان العفو من الله تعالى لتعيّنت (¬1) الدية وسقط القصاص أصلًا، ولا معنى لقوله: أي: من عفا الله له بقبول الدية، أي: تفضل الله به عليه؛ لأن هذا رُخِّص لولي الدم في العفو، وهذا التفضل من الله، هذا العفو على القاتل لا على ولي الدم. وقوله: {مِنْ أَخِيهِ} أي: بدل أخيه المقتول (¬2) ليس بشيء؛ لأن قوله: {مِنْ أَخِيهِ} عام في كل المقتول، ليس المراد به (¬3) أخوة النسب، وعلى ما ذكره يختص بالأخ من (¬4) طريق النسب، والحكم في كل مقتول سواء، وليس لتخصيص الأخ فائدة، ومن تأمل هذا ظَهَرَ له فساد قوله. وقوله: {فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ} على معنى: فعليه اتباع بالمعروف، ولو كان في غير القرآن لجاز: فاتباعًا وأداءً على معنى: فليتبع اتباعًا، وليؤد أداءً (¬5). قال الفراء: وهو بمنزلة الأمر في الظاهر، كما تقول: من لقي العدو فصبرًا واحتسابًا، فهذا نصب (¬6)، ورفعه جائز، على معنى: فعليه. ومثله في القرآن كثير، كقوله: {فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ} [البقرة: 196]، {فَتَحرِيرُ رَقَبَةٍ} [النساء: 92]، {فَإمسَاكُ بِمَعْرُوفٍ} [البقرة: 229]، وليس شيء من هذا إلا ونصبه جائز على أن توقع عليه الأمر. ومما جاء منصوبًا قوله: ¬

_ (¬1) في (م): (لم ثبتت). (¬2) في (م): (العفو). (¬3) ليست في (م). (¬4) ليست في (ش). (¬5) من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 249، وينظر: "تفسير الطبري" 2/ 110، "تفسير الثعلبي" 2/ 182. (¬6) في (م): (نصبه).

{فَضَربَ الرِّقَابِ} [محمد: 4] (¬1). والمعروف: كل ما يتعارفه الناس ولا ينكرونه، ثم صار اسمًا للإحسان والجود والأخلاق الجميلة، لأنها مما لا ينكر، وأراد بالمعروف هاهنا: ترك التشديد (¬2) على القاتل في طلب الدية، ومعناه: فعلى (¬3) وليِّ المقتول الاتباع (¬4) بالمعروف في المطالبة بالدية (¬5)، وهو معنى قول ابن عباس: يطلبُ هذا بإحسان، ويؤدي هذا بإحسانٍ (¬6). وقال بعضهم: قوله: {فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ} خبر مبتدأ محذوف، والمعنى: فالأمر اتباعٌ بالمعروف، أو فالحكم فيه اتباع بالمعروف (¬7). وقوله تعالى: {وَأَدَاءٌ} الأداء: اسم، من قولك: أدَّيْتُ إليه المال، وقد ينوب عن المصدر فيقال: أدّيت أداءً، كما يقال: سَلَّمْتُ ¬

_ (¬1) من "معاني القرآن" للفراء 1/ 109 - 110 بتصرف كبير، وينظر: "تفسير الطبري" 2/ 110، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 248 - 249. (¬2) في (أ)، (م): (التشدد). (¬3) بياض في (م). (¬4) في (ش): (اتباع). (¬5) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 109، "المحرر الوجيز" 2/ 89. (¬6) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 109. (¬7) وهذا اختيار الطبري في "تفسيره" 2/ 110، وينظر: "التفسير الكبير" 5/ 45، "المحرر الوجيز" 2/ 89، وقال: فاتباع رفع على خبر ابتداء مضمر، تقديره: فالواجب والحكم اتباع، وهذا سبيل الواجبات، كقوله تعالى: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ}، وأما المندوب إليه فيأتي منصوبًا، كقوله تعالى: {فَضَربَ الرِقَابِ} [محمد: 4]، قال في "البحر المحيط" 2/ 14: ولا أدري هذه التفرقة بين الواجب والمندوب إلا ما ذكروا من أن الجملة الابتدائية أثبت وآكد من الجملة الفعلية في مثل قوله: {قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ} [هود: 69].

سلامًا، وكلَّمْتُ كلامًا، قال الله تعالى: {وَسَرِّحُوهُن سَرَاحًا} [الأحزاب: 49]. وقوله تعالى: {إِلَيْهِ} الكناية ترجع إلى العافي، ودل عليه {عُفِىَ}، لأنا قد ذكرنا أَنَّ الفعل يدل على الفاعل، فكأنه ذُكِر (¬1) (¬2). وقوله: {بِإِحْسَانٍ} قال ابن عباس، في رواية عطاء (¬3): يريد: أن يؤديَ الدية في نجومها، ولا يَمْطُلَه، ولا يذهبَ بشيء (¬4) منها، هذا هو الإحسان. قال المفسرون: إن الله تعالى أمر الطالب أن يطلب بالمعروف، ويتبع الحق الواجب له، من غير أن يطالبه بالزيادة، أو يكلفه ما لا يوجبه الله، أو يشدد عليه (¬5). كل هذا تفسير المعروف، وأَمَرَ المطلوب منه بالإحسان في الأداء، وهو ترك المَطْل والتسويف، وهذا لا يختص بثمن الدم، بل كل دين فهذا سبيله (¬6). وقوله: {ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ} قال عطاء عن ابن عباس: يريد حيث جعل الدية لأمتك يا محمد (¬7). ¬

_ (¬1) في (ش): كأنها: (ذكره). (¬2) ينظر تفسير الواحدي لقوله تعالى: {وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ} [البقرة: 177]. (¬3) في (م): (شيئًا). (¬4) تقدم الحديث عن هذه الرواية. (¬5) "تفسير الثعلبي" 2/ 182. (¬6) ينظر: "التفسير الكبير" 5/ 55، "تفسير القرطبي" 2/ 235 - 236. وقوله: بل كل دين فهذا سبيله، ففي حق الطالب قال تعالى: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ}. وفي حق المطلوب قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مطل الغني ظلم يحل عرضه وعقوبته". (¬7) رواه الطبري بمعناه 2/ 111، وابن أبي حاتم 1/ 296.

قال قتادة: لم تحلّ الدية لأحد غير هذه الأمة (¬1). قال المفسرون: إن الله تعالى كتب على أهل التوراة أن يُقِيدُوا (¬2)، ولا يأخذوا الدية، ولا يعفوا؛ وعلى أهل الإنجيل أن، يعفوا ولا يقيدوا ولا يأخذوا الدية؛ وخَيّر هذه الأمة بين القصاص والدية والعفو، فقال: {ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ}، أي: التخيير بين هذه الأشياء (¬3). وقوله تعالى: {فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ} قال ابن عباس: يريد: كما كانت الجاهلية تفعل، تقتل من قوم القاتل عِدَّةً (¬4). وقال آخرون: أي: ظَلَم فوثب على القاتل فقتله بعد أخذ الدية (¬5). وفي هذه الآية أدلة على القدرية: أحدها: قوله في افتتاح الآية: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ} ولا خلاف أن القصاص واقع في قتل العمد، فلم يسقط اسم الإيمان عن القاتل بارتكاب هذه الكبيرة. والثاني: ما ذكرنا في قوله: {مِنْ أَخِيهِ}. والثالث: قوله: {ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ} وهما يلحقان ¬

_ (¬1) رواه الطبري عنه بمعناه 2/ 111، وابن أبي حاتم 1/ 296. (¬2) في (ش): (ولا يفتفدوا). (¬3) روي نحوه عن ابن عباس وسعيد بن جبير ومقاتل بن حيان والربيع وقتادة. ينظر البخاري (4498) كتاب التفسير، باب: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ}، "تفسير الطبري" 2/ 110، وابن أبي حاتم 1/ 296، "تفسير الثعلبي" 2/ 185. (¬4) لم أجده في الطبري ولا ابن أبي حاتم ولا البغوي، وذكر الرازي هذا القول ولم ينسبه لأحد 5/ 55. (¬5) تنظر الآثار التي أوردها الطبري 2/ 112، عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والربيع والحسن وعكرمة والسدي وابن زيد، وكذا عن ابن أبي حاتم 1/ 297.

179

المؤمنين (¬1). 179 - قوله تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} قال عُظْمُ أهل التأويل (¬2): معناه: أن سافكَ الدم إذا أُقيد منه ارتدع من كان يهمّ بالقتل، فكان في القصاص بقاءٌ؛ لأنه إذا علم أنه إن قَتَل قُتِلَ أَمْسَكَ وارتدع عن القتل، ففيه حياةٌ للذي همّ بقتله، وحياةٌ للهامّ أيضًا، وقد أخذ الشاعر هذا المعنى ونقله عن القصاص إلى العتاب فقال: أبلغ أبا مالك عنى مُغَلغَلةً ... وفي العتاب حياة بين أقوام (¬3) يريد: أنهم إذا تعاتبوا أصلح ما بينهم العتابُ، وكَفُّوا عن القتل، فكان (¬4) في ذلك حياة. أخذه المتمثلون فقالوا: بعض القتل أحيا للجميع، وقالوا: القتل أقل للقتل (¬5). ¬

_ (¬1) ذكر هذا الثعلبي في "تفسيره" 2/ 191 في مقام الاستدلال على أن القاتل لا يصير كافرًا، ولا يخلد في النار، وينظر: "تفسير البغوي" 1/ 191. (¬2) ينظر في بيان كون القصاص حياة: "تفسير الطبري" 2/ 114، 115، "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 297، "تفسير الثعلبي" 2/ 191، "تفسير البغوي" 1/ 191، "المحرر الوجيز" 2/ 91، "التفسير الكبير" 1/ 56، "تفسير القرطبي" 2/ 237 - 238، "البحر المحيط" 2/ 15. (¬3) البيت لهمام الرقاشي في "مقاييس اللغة" 4/ 377، ولعصام بن عبيد الزماني في "تاج العروس"، وبلا نسبة في "لسان العرب" 6/ 3289 (غلل). (¬4) في (ش): (فكفوا عن القتل وكان). (¬5) ينظر: "تأويل مشكل القرآن" ص 66/ 67، "أحكام القرآن" للجصاص 1/ 159، ويروى المثل بلفظ: القتل أنفى للقتل، وأوفى للقتل، وأكف للقتل. ينظر: "الصناعتين" لأبي هلال العسكري ص 181، "تفسير الثعلبي" 2/ 191، "التفسير الكبير" 5/ 56، "الدر المصون" 2/ 357، وعزاه ابن كثير 1/ 223 - 224 لبعض الكتب المتقدمة.

وقال السدي: كانوا يقتلون بالواحد الاثنين والعشرة والمائة، فلما قصروا على الواحد كان في ذلك حياة (¬1). وقال عطاء عن ابن عباس: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} فرح، وأراد: أن ولي الدم إذا استوفى القصاص تشفّى بذلك وطابت نفسه، فالتذ بالحياة، ولولا القصاص لتنغص بعيشه، فكأن حياته موتًا. وقد يبلغ بالإنسان القصور عن إدراك الثأر إلى أن يتمنى الموت، سيما العرب، فإنهم أشد الأمم حفاظًا، وأحرصهم على إدراك الثأر، والأخذ بالطوائل، وكل عيشٍ يراد الموتُ فيه موت، فإذا زال سبب تمني الموت بالقصاص كان فيه حياة. ويجوز أن يكون المعنى في هذا ما تذهب إليه العرب من أن قتل القاتل إحياء للمقتول، يقولون: أحيا فلان أباه، إذا قتل قاتله، ومنه: أحيا أباه هاشمُ بنُ حَرمَله (¬2) يعني: قتل قاتله، فسماه إحياءً، فعلى هذا في القصاص حياة للمقتول على معنى: أن المراد بالحياة قتل قاتله. وقوله تعالى: {يَا أُولِي الْأَلْبَابِ} أولوا: واحدها ذو، وهو من الجموع التي لا يفرد واحدها من لفظه، كالنفر (¬3) والرهط والقوم والخيل ¬

_ (¬1) رواه بمعناه الطبري في "تفسيره" 2/ 115، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 268، والرازي في "تفسيره" 5/ 56. (¬2) تمامه: إذ الملوكُ حوله مُرَعبله. البيت لعامر الخصفي، ذكره في "الاشتقاق" لابن دريد ص 295، "السيرة النبوية" لابن هشام 1/ 112، 113، "الإصابة" 3/ 616 وفيه قصة هذا البيت. (¬3) في (م): (كالنفس).

والإبل والنساء (¬1). {الأَلْبَابِ} جمع لُبٍّ، ولُبُّ الشيء: خالصُه، وهو الذي يَتَركَّبُ عليه القِشْر، وكذلك اللُّبَاب، يُقال: لبابُ القَمح والفستق، ولُبّ اللَّوز (¬2) والجوز. وسمى العقل لُبَّا تشبيهًا به؛ لأنه أشرف خصال المرءِ، وأصل لُبّ: اللزوم، يقال: أَلَبَّ بالمكان، إذا لزمه لزوم لُبِّ الشّيء له، واللَّبَبَ: الرمل المتراكم، سمي للزوم بعضه بعضًا، ومنه قولُ ذي الرمة: ..... أفضى بها لَبَبُ (¬3) وقال ابن المظفر: اللَّبَابَةُ: مصدر اللَّبيب (¬4)، وقد لَبِبْتَ تَلَبُّ، وهكذا قال الفراء وغيرُه: لَبَّ يَلَبُّ: إذا عَقَل، ومنه قول صفية (¬5) في ابنها الزبير (¬6) وضربته، فقيل لها: لم ضربتيه؟ فقالت: أضربه كي يَلِبَ، ويقود الجيش ذا ¬

_ (¬1) ينظر: "القاموس" ص 133. (¬2) في (م): (الموز). (¬3) تمام البيت هكذا: براقةُ الجِيد واللبات واضحة ... كأنها ظبية أفضى بها لبب ينظر: "ديوانه" ص 59. (¬4) في (أ): (اللبب). (¬5) هي: صفية بنت عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، القرشية الهاشمية، عمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أم الزبير بن العوام شقيقة حمزة، صحابية، توفيت سنة 20 هـ- في خلافة عمر. ينظر: "أسد الغابة" 7/ 172 - 174، "الأعلام" 3/ 206. (¬6) هو: الزبير بن العوام بن خويلد الأسدي القرشي، أبو عبد الله، أمه صفية بنت عبد المطلب، هو أول من سل سيفًا في سبيل الله، ما تخلف عن غزوة غزاها الرسول - صلى الله عليه وسلم -، أحد المبشرين بالجنة، قتل سنة 36 هـ. ينظر: "الاستيعاب" 2/ 89، "أسد الغابة" 2/ 249 - 252.

180

اللَّجَبْ (¬1). وقرأتُ على سعيد بن محمد، قال: قرأت على أبي علي الفارسي، قال: قرأت على أبي إسحاق الزجاج، قال: قرأت على المبرد، عن يونس: لَبِبْتُ لبابًا، وليس في المضاعف حرف على فَعُلت غير هذا، ولم يروه أحدٌ غير يونس (¬2). وقوله تعالى: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} أي: الدماء مخافة القصاص (¬3). 180 - قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ} الآية. يعني: إذا تيقن حضور الموت، ورأى أعلامه، ولم يشكُك في قربهِ منه. فقوله: {إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ} يريد: أسبابَ الموت ومقدماته، من العلل والأمراض. وكان الإيصاء فرضًا قبل نزول أسباب الموت، ولكن يتضيق عند نزول سبب الموت حتى لا يجوز التأخير، فلذلك (¬4) قال: {إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ} ليس أنه قبل الحضور لم يكتب عليه (¬5). وإنما قال: ¬

_ (¬1) الخبر في "اللسان" 7/ 3979 "لبب"، وفيه فقالت: ليَلَبَّ، ويقود الجيش ذا الجلب، أي: يصير ذا لُب، ورواه بعضهم: أضربه لكي يلَبَّ، ويقود الجيش ذا اللجب، قال ابن الأثير: هذه لغة أهل الحجاز، وأهل نجد يقولون: يلِبّ، بوزن فَرَّ يَفِرُّ. (¬2) ينظر في معاني اللبيب: "تهذيب اللغة" 4/ 3224 - 3226، "المفردات" ص 449، " اللسان" 7/ 3979 (لبب). (¬3) "تفسير الطبري" 2/ 115، "تفسير الثعلبي" 2/ 192. (¬4) في (ش): (فكذلك). (¬5) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 250، "تفسير الثعلبي" 2/ 193، "البحر المحيط" 2/ 16، وذكر قولًا آخر: وهو أن المراد بالموت حقيقته لا مقدماته، فيكون الخطاب متوجهًا للأوصياء والورثة أن ينفذوا الوصية.

{كُتِبَ}، لأنه أراد بالوصية الإيصاء، أو للفصل بين الفعل والوصية؛ لأن الكلام لما طال كان الفاصل بين المؤنث والفعل كالعوض من تاء التأنيث، والعرب تقول: حَضَرَ القاضي امرأةٌ، فَيُذَكِّرون؛ لأن القاضي فَصَل بين الفعل وبين المرأة. وقد أحكمنا هذا فيما سبق (¬1). ورفع {الْوَصِيَّةُ} من وجهين: أحدُهما: على ما لم يسم فاعله، والثاني: على الابتداء، ويكون {لِلْوَالِدَيْنِ} الخبر، وتكون الجملة في موضع رفعٍ بـ {كُتِبَ}، كما تقول: قيل: عبدُ الله قائم، فترفع عبدَ الله بقائم، وقائمًا بعبد الله، وتكون الجملة في موضع رفعٍ بـ (قيل) (¬2). وقوله تعالى: {إِنْ تَرَكَ خَيْرًا} الخيرُ: اسم جامعٌ للمالِ وغيرِهِ، والخيرُ يراد به المالُ في كثيرٍ من القرآنِ، كقوله: {وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ} [البقرة: 272] {وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ} [العاديات: 8]، {مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} [القصص: 24] (¬3). وقوله تعالى: {بِالْمَعْرُوفِ} أي: بالشيء الذي يعلم ذوو التمييز أنه لا حيف فيه، فهو العدل الذي لا ينكر، يعني: لا يزيد على الثلث (¬4). ¬

_ (¬1) ينظر: "التفسير الكبير" 5/ 60، "المحرر الوجيز" 2/ 92 - 94. (¬2) من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 250، وينظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 110، "تفسير الثعلبي" 2/ 193، "التفسير الكبير" 1/ 60، "البحر المحيط" 1/ 19. (¬3) ينظر في معاني الخير: "المفردات" ص 167 - 168، "البحر المحيط" 1/ 17. (¬4) من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 250، وينظر: "تفسير الطبري" 2/ 115، "تفسير الثعلبي" 2/ 194، "المحرر الوجيز" 2/ 97.

وقوله تعالى: {حَقًّا} أي: حقَّ ذلك عليكم حقًّا (¬1). وقوله تعالى: {عَلَى الْمُتَّقِينَ} أي: المؤمنين الذين يتقون الشرك (¬2). وقد اجتمعت العلماء على نسخ هذه الآية (¬3). وكان السبب في نزول هذه الآية: أن أهل الجاهلية كانوا يوصون بمالهم للبعداء رياءً وسمعةً، ويتركون العيالَ عالةً، فصرف الله بهذه الآية ما كان يُصرف إلى البعداء إلى الأهلِ والأقرباء، فَعُمِل بها ما كان العمل صلاحًا، ثم نسختها آية المواريث (¬4)، فكانت الوصية للوالدين والأقربين فرضًا على من مات وله مال، حتى نَزَلَتْ آيةُ المواريث في سورة النساء، فأجمعوا على نسخ الوصية للوالدين والأقربين الذين يرثون (¬5)؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: ¬

_ (¬1) من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 251، وينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 194، "المحرر الوجيز" 2/ 97، "البحر المحيط" 1/ 21، وقيل: نصب على المفعول، أي: جعل الوصية حقًّا، وقيل: على القطع من الوصية. (¬2) "تفسير الطبري" 2/ 115، "تفسير الثعلبي" 2/ 194. (¬3) تابع المؤلف -رحمه الله- الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 249 في هذا الإجماع، وسيأتي في كلامه ما يدل على نقض هذا الإجماع، وممن ذكر الخلاف في الآية فأطنب: الإمام الطبري في "تفسيره" 2/ 116، ولو قال -رحمه الله-: أجمع العلماء على نسخ حكم هذه الآية في القريب الوارث، لكان مقاربا، وهذا ما ذكره بعد عدة أسطر. (¬4) أشار إلى هذا الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 250، وذكره الرازي 5/ 60. (¬5) رواه عن ابن عباس: البخاري (2747) كتاب الوصايا، باب: لا وصية لوارث، وأبو داود (2869) الوصايا، باب: ما جاء في نسخ الوصية للوالدين، والدارمي 2/ 419 - 420، وأبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص230، والطبري 2/ 117 - 119.

"ألا إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث" (¬1). فأما الأقرباء الذين لا يرثون، والوالدان اللذان لا يرثان بكفر أو رقٍّ، ففل تجب الوصية لهم؟ اختلفوا، فذهبت جماعة إلى أن الوصية للوارث نسخت، والوصيِّة لهؤلاء الذين لا يرثون لم تنسخ، وهو (¬2) مذهب مسلم بن يسار، والعلاء بن زياد (¬3) (¬4)، ومسروق (¬5) والحسن (¬6)، حتى قال ¬

_ (¬1) أخرجه الترمذي (2120) كتاب الوصايا، باب: ما جاء لا وصية لوارث، والنسائي 6/ 247 كتاب الوصايا، باب: إبطال الوصية للوارث، وأبو داود (2870) كتاب الوصايا، باب: ما جاء في الوصية للوارث، وابن ماجه (2713) كتاب الوصايا، باب: لا وصية لوارث، وأحمد في "المسند" 4/ 186 - 187، عن أبي أمامة الباهلي. وقال الترمذي: حسن صحيح. وحسنه الحافظ في "التلخيص الحبير" 3/ 106، وللحديث روايات ذكرها الزيلعي في "نصب الراية" 4/ 403، وقال الحافظ في "الفتح" 5/ 372 بعد أن ذكر رواياته: ولا يخلو إسناد كل منها من مقال، لكن مجموعها يقتضي أن للحديث أصلًا، بل جنح الشافعي في الأم إلى أن هذا المتن متواتر. وقال ابن عبد البر في "التمهيد" 23/ 442: استفاض عند أهل العلم، وقوله: لا وصية لوارث استفاضة هي أقوى من الإسناد والحمد لله. وقد ذكره السيوطي ضمن الأحاديث في كتابه: "الأزهار المتناثرة" ص 119؛ وكذا الكتاني في "نظم المتناثرة من الحديث المتواترة" ص 176، ينظر: "نصب الراية" للزيلعي 4/ 403. (¬2) في (م): (وهذا). (¬3) العلاء بن زياد بن مطر العدوي، أبو نصر البصري، ثقة، أحد العباد، توفي في ولاية الحجاج سنة 94 هـ. ينظر: "الثقات" 5/ 246، "تهذيب التهذيب" 3/ 343. (¬4) رواه عن مسلم والعلاء في أثر واحد: ابن أبي شيبة في "المصنف" 11/ 166، وأبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص 232، والطبري في "تفسيره" 2/ 118. (¬5) هو: أبو عائشة، مسروق بن الأجدع بن مالك الهمداني، تابعي ثقة، من أخص تلاميذ ابن مسعود، كان عابدًا فقيهًا مقرئًا، توفي سنة 162 هـ، وقيل بعدها. ينظر: "السير" 4/ 63 - 69، "الأعلام" 7/ 215. (¬6) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 118.

الضحاك: من مات ولم يُوص لذي قرابته فقد ختم عمله بمعصية (¬1). وقال طاوس: إن أوصى للأجانب (¬2) وترك ذوي قرابته نزع منهم، ورد إلى ذوي قرابته (¬3). فعلى قول هؤلاء: النسخُ تناول بعض أحكام الآية وهو الوصية للوارث (¬4). والأكثرون من العلماء -وهو الذي يعمل به اليوم- على أن حكم الآية كلّه (¬5) منسوخ، ولا تجب على أحد وصية لأحد قريب ولا بعيد. وإذا أوصى فله أن يُوصِي لكل من شاء من الأقارب والأباعد إلا الوارث (¬6). قال أبو عبيد: وعلى هذا القول أجمعت العلماء من أهل الحجاز وتهامة والعراق والشام، منهم سفيان ومالك الأوزاعي (¬7) والليث، وجميع ¬

_ (¬1) رواه الطبري في "تفسيره" 2/ 116، وسعيد بن منصور في "السنن" طبعة الأعظمي 1/ 135، وذكره النحاس في "الناسخ والمنسوخ" 1/ 484، ومكي في "الإيضاح" 144. (¬2) في (ش): (الأجانب). (¬3) رواه عبد الرزاق في "مصنفه" 9/ 81، والطبري 2/ 117، وعزاه في "الدر" 1/ 319 إلى عبد بن حميد، وذكره الثعلبي 2/ 198، والرازي 5/ 63. (¬4) عزا الطبري في "تفسيره" 2/ 117، 118 القول بذلك أيضًا إلى ابن عباس وقتادة والربيع وإياس بن معاوية. (¬5) سقطت من (م). (¬6) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 117، "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 299، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 250، "الناسخ والمنسوخ" للنحاس 1/ 484، "تفسير البغوي" 1/ 192، "المحرر الوجيز" 2/ 97، "البحر المحيط" 1/ 17، "التفسير الكبير" 5/ 62. (¬7) هو: أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو يحمد الأوزاعي، شيخ الإسلام، وعالم أهل الشام، أحد أئمة الدنيا فقهًا وعلمًا وورعًا وفضلًا وزهدًا، توفي سنة 159 هـ. ينظر: "السير" 7/ 107 - 138، "الأعلام" 3/ 320.

أهل الآثار والرأي، وهو القول المعمول به، أن الوصية جائزة للناس كلهم، ما خلا الورثة، غير واجبة (¬1). والخير في هذه الآية حمل على المال الكثير (¬2)، فقد روي عن علي رضي الله عنه أنه دخل على مريض يعوده، فقال: إني أريد أن أوصي، فقال علي: إن الله عز وجل يقول: {إِنْ تَرَكَ خَيْرًا} وإنما تدع شيئًا يسيرًا، فَدعه لعيالك، فإنه أفضل (¬3). وروي أيضًا أن رجُلًا قال لعائشة رضي الله عنها: إني أريد أن أوصي، قالت: كم مالك؟ قال: ثلاثة آلاف، قالت: كم عيالك؟ قال: أربعة، قالت: إنما قال الله: {إِنْ تَرَكَ خَيْرًا} وإن هذا شيء يسير، (¬4) فاتركه ¬

_ (¬1) "الناسخ والمنسوخ" لأبي عبيد ص 231. (¬2) الخير هنا: المال، في قول جميع المفسرين، وقد اختلف المفسرون فيه: فمنهم من جعل له حدًا معينًا، فمن ترك ذلك أوصى، وإلا فلا، واختلفوا في ذلك الحد، ومنهم من قيده بوصف، وهو المال الكثير عرفا كما بينه الواحدي، ومنهم من أطلق في القليل والكثير، كما روي عن الزهري، ونصره الطبري. ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 121، "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 299، "التفسير الكبير" 5/ 59، "البحر المحيط" 1/ 17. (¬3) رواه الثوري في "تفسيره" ص 55، وعنه عبد الرزاق في "المصنف" 9/ 63، والدارمي في "سننه" 2/ 405، والطبري في "تفسيره" 2/ 121، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 298، وسعيد بن منصور في "سننه" 2/ 659، والبيهقي 6/ 270، وابن أبي شيبة في "المصنف" 11/ 208، والحاكم في "المستدرك" 2/ 301، وقال: صحيح على شرط الشيخين وتعقبه الذهبي بقوله: فيه انقطاع يعني الانقطاع بين عروة بن الزبير وعلي -رضي الله عنه-. (¬4) في (م): (شيئًا يسيرًا).

181

لعيالك (¬1). 181 - قوله تعالى: {فَمَنْ بَدَّلَهُ} الكناية تعود إلى الإيصاء؛ لأن الوصيةَ في معنى الإيصاء، ودالة (¬2) عليه، كقوله: {فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ} [البقرة: 275] أي: وعظ. وقيل: الهاء (¬3) راجعة إلى الحكم والفرض، إذ كان تأويل {كُتِبَ عَلَيْكُمْ}: فرض عليكم، فكأنه قال: فمن بدل فرض الله، فيدل {كُتِبَ} على الكَتْبِ فيُكْنى عنه. وقيل: الكناية تعود إلى معنى الوصية، وهو قول أو فعل (¬4)، قال المفسرون: أي فمن غيّر الوصية من الأوصياء والأولياء والشهود {بَعْدَمَا سَمِعَهُ} من الميت (¬5). وما: صلة زائدة. والكناية في {سَمِعَهُ} ترجع إلى حيث رجعت الكناية (¬6) في {بَدَّلَهُ}. وقيل: (ما) بمعنى: الذي، والكناية في {سَمِعَهُ} ¬

_ (¬1) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" 11/ 208، وسعيد بن منصور في "السنن" 2/ 656، والطبري في "تفسيره" 2/ 121، والبيهقي في "الوصايا"، باب: من استحب ترك الوصية إذا لم يترك شيئًا كثيرًا 6/ 270، ونحوه عن عبد الرزاق في الوصايا، باب: الرجل يوصي وماله قليل 9/ 63. (¬2) في (ش): (دالة) بلا واو عطف. (¬3) في (م): (إنها). (¬4) ينظر: "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة ص 67، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 251، "تفسير الطبري" 2/ 121، "تفسير الثعلبي" 2/ 207. (¬5) ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 207، "البحر المحيط" 2/ 22، "التفسير الكبير" 5/ 64، "التبيان" للعكبري ص 114. (¬6) سقطت من (م).

182

راجعة إليه. والمعنى: فمن بدله بعد الذي سمعه، أي: من تغليظ الإثم في التبديل، والعادة في الوصايا أن يُذْكَر فيها تغليظٌ على من بدَّلَها، وهذا فيه بعد؛ لأن التغليظَ ذُكِر بعد قوله: {بَعْدَمَا سَمِعَهُ} وهو قوله تعالى: {فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ} فيبعد أن تجعل ما بمعنى الذي (¬1). وقوله: {فَإِنَّمَا إِثْمُهُ} أي: إثم التبديل على الذين يبدلونه (¬2)، أي: على من بدل الوصية، وبرئ الميت (¬3). {إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} قد سمع ما قاله الموصي {عَلِيمٌ} بنيته وما أراد، وعليم بما يفعله الوصي (¬4). ويحتمل أن يكون المنهي عن التبديل المُوصي، نهي عن تغيير الوصية عن المواضع التي بين الله سبحانه، وأمر أن يوصي على الوجه الذي أمر الله، وعلى هذا قوله: {بَعْدَمَا سَمِعَهُ} أي: عن (¬5) الله تعالى (¬6). 182 - قال الكلبي: كان الأولياءُ والأوصياءُ يمضون وصية الميت بعد نزول هذه الآية وإن كانت مستغرقة للمال، فأنزل الله قوله تعالى: {فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا} (¬7) أي: خشي، وقيل: علم. ¬

_ (¬1) ينظر في هذه الأقوال: "تفسير الطبري" 2/ 122، "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 300، "التبيان" للعكبري ص 114، "التفسير الكبير" 5/ 64، "البحر المحيط" 2/ 22. (¬2) من قوله: (فيبعد) ساقط من (ش). (¬3) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 122، 123، "الثعلبي" 2/ 208، "البغوي" 1/ 194. (¬4) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 123، "الثعلبي" 2/ 208، "البغوي" 1/ 194. (¬5) في (م): (من). (¬6) ينظر: "التفسير الكبير" 5/ 64. (¬7) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 217، لكنه قال: ثم نسختها هذه الآية: {فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا}. وذكره البغوي 1/ 194، وروى عبد الرزاق في "المصنف" 9/ 89 عن سفيان الثوري نحوه.

والخوف (¬1) والخشية يستعملان بمعنى العلم؛ لأن في الخشية والمخافة طرفًا من العلم؛ لأن القائل إذا قال: أخاف أن يقع أمر كذا، كأنه يقول (¬2): أعلم، وإنما يخاف لعلمه بوقوعه، فاستعمل الخوف في العلم، قال الله تعالى: {فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا} [الكهف: 80] أي: علمنا، ومنه {وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ} [الأنعام: 51] وقوله: {إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا} [البقرة: 229] (¬3). وقوله: {جَنَفًا} أي: ميلًا، يقال: جَنِفَ يَجْنَفُ جَنَفًا: إذا مال، وكذلك تجانف، ومنه قوله: {غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ} [المائدة: 3]، (¬4). قال ابن عباس: يريد: خطأ من غير تعمدٍ (¬5). قال عطاء: هو أن يُعطي عند حضور أجله بعض ورثته دون بعض (¬6). وقال طاوس: جنفُه: توليجه، وهو أن يوصي لولد ولده، يريدُ ولدَه (¬7). وقوله تعالى: {أَوْ إِثْمًا} أي: قصدًا للميل، قال السُدّي (¬8) والربيع (¬9) ¬

_ (¬1) في (ش): (فالحوف). (¬2) في (م): (قال). (¬3) ينظر: "تفسير غريب القرآن" ص 67، "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 301، "الثعلبي" 2/ 208، "المحرر الوجيز" 2/ 98، "البغوي" 1/ 194، "التفسير الكبير" 5/ 66. (¬4) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 123، "المفردات" ص108، "التفسير الكبير" 5/ 65. (¬5) رواه الطبري 2/ 124، وابن أبي حاتم 1/ 302، وقال: وروي عن أبي العالية ومجاهد والضحاك والسدي والربيع بن أنس نحو ذلك. (¬6) رواه عنه الطبري بنحوه 2/ 124، وابن أبي حاتم 1/ 301. (¬7) رواه عنه الطبري بنحوه 2/ 125، وابن أبي حاتم 1/ 301. (¬8) رواه عنه الطبري 2/ 125. (¬9) رواه عنه الطبري2/ 127.

وعطية (¬1): الجنف: الخطأ، والإثم: العمد. فمن قال: (خاف) معناه: خشي قال: تأويل الآية: من حَضَر مَرِيضًا وهو يُوصي، فخاف أن يخطئ في وصيته فيفعل ما ليس له، أو يتعمد جورًا فيها فيأمر بما ليس له، فلا حَرَجَ عليه أن يُصلح بينه وبين ورثته، بأن يأمره بالعدل وهذا قول مجاهد (¬2). ومن قال خاف: معناه علم، قال: الميت إذا أخطأ في وصيته، أو حاف فيها متعمدًا، فلا حَرَجَ على من علم ذلك أن يُغَيِّرَه، ويصلح بعد موتِه بين ورثته وبين المُوصَى لهم، من وليّ أو وصيّ أو والي أمر المسلمين، ويردَّ الوصيَة إلى العدل. وهذا معنى قول ابن عباس (¬3) وقتادة (¬4) والربيع (¬5). وقوله تعالى: {فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ} يريد: بين الورثة والمختلفين في الوصية، وهم المُوصَى لهم. وسياق الآية وذكر الوصية يدل عليهم، فكنى عنهم (¬6). وقال الكسائي والفراء (¬7): قوله: (أصلح) يدل على أن الصلح يكون ¬

_ (¬1) رواه عنه الطبري 2/ 127. (¬2) "تفسير مجاهد" 1/ 96، وينظر: "تفسير الطبري" 2/ 123، وعزاه في "الدر" 1/ 320 إلى عبد بن حميد، وهذا اختيار الطبري. (¬3) رواه عنه الطبري 2/ 124، وابن أبي حاتم 1/ 303، وروي عن أبي العالية وطاوس والحسن وإبراهيم وسعيد بن جبير وقتادة والربيع بن أنس ومقاتل نحو ذلك. (¬4) رواه عنه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 69، والطبري 2/ 124، والجصاص في "أحكام القرآن" 1/ 171. (¬5) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 124، وذكره ابن أبي حاتم 1/ 303. (¬6) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 251، "تفسير الثعلبي" 2/ 216، "التفسير الكبير" 5/ 67، "البحر المحيط" 1/ 24. (¬7) "معاني القرآن" للفراء 1/ 111.

183

بين الورثة والمُوصَى لهم، قال الكسائي: لأنّ أصلح لا يكون على واحد، لا تقول: أصلحت بينَه، ولكن بينهما، أو بينهم. وقوله تعالى: {فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} إنما قال للمتوسط للإصلاح: ليس عليه إثم، ولم يقل فله الأجر؛ لأنه ذكر إثم التبديل، ونفى الإثم عن المصلح، ليبين أنه ليس بمبدل (¬1). 183 - قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} الآية، الصيام: مصدر صام كالقيام، وأصله في اللغة: الإمساكُ عن الشيء والتركُ له، ومنه: قيل للصمت: صوم، لأنه إمساك عن الكلام، قال الله تعالى: {إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا} [مريم: 26]، وصام النهار: إذا اعتدل وقام قائم الظهيرة، قال امرؤ القيس: فَدَعْها وسَلِّ الهَمَّ عنكَ بجَسْرةٍ ... ذَمُولٍ إذا صامَ النهارُ وهَجَّرا (¬2) وقال آخر: حتى إذا صَام النهارُ واعتدَلْ (¬3) ¬

_ (¬1) "التفسير الكبير" 5/ 67، وذكر أربعة أوجه. (¬2) البيت لامرئ القيس في "ديوانه" 63، "الكامل" للمبرد 3/ 89، "أساس البلاغة" (مادة: كنز). "لسان العرب" 4/ 2530 (صوم) والجسرة: الناقة النشيطة، والذمول: هو "السير" السريع، وهجرا: من الهاجرة، وهي شدة الحر. ينظر: "الديوان" ص 63. (¬3) ورد هذا الرجز بلا نسبة في "تفسير الثعلبي" 2/ 226، بعده عنده: وسال للشمس لعابٌ فنزل وكذا في "تهذيب اللغة" 2/ 1581، وفي "لسان العرب" 3/ 1524، 3/ 1901 (ذوب، زيق)، بالرواية التالية: وقام ميزان النهار فاعتدل

وصامت الريح: إذا ركدت، وصام الفرس: إذا قام على غير اعتلاف، ومنه قول النابغة: خيل صيامٌ وخيلٌ غير صائمة (¬1) ويقال: بكرة صائمة: إذا قامتْ فلم تَدُر، وقال الراجز: والبكراتُ شَرُّهن الصائمه (¬2) ومَصَام الشمس: حيث تَستَوى في مُنتصف النهار، وكذلك مَصَام النجم، وروي في شعر امرئ القيس: كَأنَّ نُجومًا عُلِّقَتْ في مَصَامِها ... بأَمْراسِ كَتّانٍ إلى صُمِّ جَنْدَلِ (¬3) هذا هو الأصلُ في اللغة (¬4). وفي الشريعة: هو الإمساك عن الطعام والشراب والجماع مع اقتران النية به (¬5). ¬

_ (¬1) عجزالبيت: تحت العجاج وأخرى تعلك اللجما في ملحق "ديوانه" ص 240، "الكامل" للمبرد 3/ 89، "لسان العرب" 5/ 3077 (مادة: علك)، 4/ 3529 (مادة: صوم). (¬2) ذكره في "البحر" 2/ 26، ولم ينسبه، وذكره في "اللسان" 2/ 33. وقوله: الصائمة: أي التي لا تدور. (¬3) ينظر: "ديوانه" ص 19، "اللسان" 4/ 2530 (مادة: صوم). (¬4) ينظر في (مادة: صوم): "تفسير الطبري" 2/ 128، "الثعلبي" 2/ 225، "المفردات" ص 293، "البحر المحيط" 2/ 26، "اللسان" 4/ 2530، "أساس البلاغة" 2/ 33. (¬5) ينظر في تعريفه: "المغني" 4/ 323 - 325، "المحرر الوجيز" 2/ 99 - 102.

وإجماعُ المفسرين على أن المراد بهذا الصيام صيام شهر رمضان (¬1)، وقد كان الفرض في ابتداء الإسلام صومَ يوم عاشوراء وثلاثة أيام من كل شهر، فنسخ ذلك بصيام رمضان قبل قتال بدر بشهرين (¬2). ¬

_ (¬1) حكى الواحدي هذا الإجماع في "الوسيط" 1/ 272، ولا يسلم له؛ لورود الخلاف؛ حيث يرى جماعة أن المراد صيام ثلاثة أيام من كل شهر، أو صيامها وصيام عاشوراء، على خلاف بين القائلين بذلك، وبه قال قتادة وعطاء، وروي عن ابن عباس. وقد بيَّن الحافظ في "الفتح" 8/ 178 أن الناس اختلفوا في التشبيه الذي دلت عليه الكاف، هل هو على الحقيقة، فيكون صيام رمضان قد كتب على الذين من قبلنا؟ أو المراد: مطلق الصيام دون وقته وقدره؟ قولان، والثاني قول الجمهور. وينظر في ذكر الخلاف: "تفسير الطبري" 2/ 130، "المحرر الوجيز" 2/ 99 - 102، "النكت والعيون" 1/ 230، "الإجماع في التفسير" ص 199 - 200. (¬2) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 129 - 130، "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 304 - 305، "الدر المنثور" 1/ 322. قال البغوي 1/ 196: قيل: كان في ابتداء الإسلام صوم ثلاثة أيام من كل شهر، ثم نسخ بصوم رمضان، ويقال. نزل صوم شهر رمضان قبل بدر بشهر وأيام، قال محمد بن إسحاق: كانت غزوة بدر يوم الجمعة، لسبع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان على رأس ثمانية عشر شهرًا من الهجرة، ثم ذكر حديث عائشة في الصحيحين، قالت: كان يوم عاشوراء يومًا تصومه قريش في الجاهلية، فلما قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة صامه وأمر بصيامه، فلما فرض رمضان كان هو الفريضة، وترك يوم عاشوراء، فمن شاء صامه ومن شاء تركه. البخاري (2002) كتاب الصوم، باب: صوم عاشوراء، ومسلم (1125) كتاب الصوم، باب: صوم عاشوراء.

وقوله تعالى: {كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} قال بعضهم: التشبيه عائد إلى الإيجاب، فنحن متعبدون بالصيام كما تعبد الله من قبلنا من الأمم وأهل الكتابين (¬1). وقيل: إن التشبيه يعود إلى وقت الصوم، وقدر الصوم (¬2)، وذلك أن الله تعالى فرض صيام رمضان على اليهود والنصارى، فأما اليهود فإنها تركت الشهر وصامت يومًا من السنة تزعم (¬3) أنه يوم غَرَق فِرعون، وكذبت في ذلك أيضًا؛ لأن ذلك اليوم يوم عاشوراء على لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فأما النصارى فإنهم حَوَّلوا صيامهم إلى فصل اعتدال الهواء؛ لأنهم ربما صاموه في القيظ، فكان يشتدُّ عليهم، فاستدعوا أحبارهم أن ينقلوا الصوم إلى وقت اعتدال الهواء، ويزيدوا عليه زيادة، ففعلوا، وزادوا عشرة أيام، ثم إن حبرًا لهم اشتكى فمه، فنذر إن (¬4) شُفي أن يزيد في صومهم عشرة أيام، فبَرَأ فزاد، فصومهم اليوم خمسون يومًا. وهذا معنى قوله تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} [التوبة: 31] (¬5). ¬

_ (¬1) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 129، "المحرر الوجيز" 2/ 101. (¬2) روي عن ابن عباس والحسن وقتادة والسدي. ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 129، 130، "ابن أبي حاتم" 1/ 305، "الثعلبي" 2/ 232، "المحرر الوجيز" 2/ 101. (¬3) في (ش): (بزعم). (¬4) في (ش): (لأن). (¬5) رواه الطبري 2/ 129 عن السدي، وذكره الفراء في "معاني القرآن" 1/ 112، والثعلبي 2/ 233، والبغوي 1/ 195، وعند الثعلبي أن الذي اشتكى ملك وليس حبرًا، وقد روي نحوه مرفوعا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقد روى البخاري في "التاريخ الكبير" 3/ 254، والطبراني في "الكبير" 4/ 226، "الأوسط" 9/ 90، والنحاس=

وقال الشعبي: إنهم أخذوا بالوثيقة فصاموا قبل الثلاثين يومًا، وبعدهَا يومًا ثم لم يزل الآخر يَسْتَنّ بسُنَّة القرن (¬1) الذي قبله حتى صاروا إلى خمسين يومًا، ولهذا كره صوم يوم الشك (¬2). قال أبو إسحاق: وموضع {كَمَا} نصب على المصدر، المعنى: فرض عليكم فرضًا كالذي فرض على الذين من قبلكم (¬3). وقال ابن الأنبارى: يجوز أن يكون في موضع نصب على الحال من الصيام، يراد بها: كتب عليكم الصيام مشبهًا ومماثلًا ما كتب على الذين من قبلكم (¬4). وقال أبو علي الفارسي: هو صفة لمصدر محذوف، تقديره: كتابة كما كتب يعني: مثل ما كتب عليهم، فحذف المصدر، وأقيم نعته مقامه، قال: ومثله في الاتساع والحذف قولهم في صريح الطلاق: أنتِ واحدة، ¬

_ = في "الناسخ والمنسوخ" 1/ 492 عن دغفل بن حنظلة، والطبراني في الكبير وقفه عليه، قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 3/ 142: رواه الطبراني في "الأوسط" مرفوعا، ورواه الطبراني في الكبير موقوفًا على دغفل، ورجال إسنادهما رجال الصحيح، وقال الدكتور المنيع في تحقيق "تفسير الثعلبي" 2/ 234: الحديث مرسل، دغفل بن حنظلة مخضرم، ولم يصح أن له صحبة. (¬1) في (ش): (القران). (¬2) ذكره الفراء في "معاني القرآن" 1/ 111، ورواه الطبري عنه 2/ 129، والثعلبي 2/ 234، وقد ورد النهي عن صيام يوم الشك في أحاديث، منها: حديث أبي هريرة، رواه البخاري (1914) كتاب الصوم، باب: لا يتقدمن رمضان بصوم يوم ولا يومين، ومسلم (1082) كتاب الصوم، باب: لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين. (¬3) من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 251، وليس فيه الجملة الأولى. (¬4) ينظر: "التبيان" 1/ 148، "المحرر الوجيز" 1/ 250.

184

يريدون: أنت ذات تطليقة واحدة، فحذف المضاف والمضاف إليه، وأقيم صفة المضاف إليه مقام الاسم المضاف إليه (¬1). وقوله تعالى: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} قال ابن عباس: يريد كي تخافوني في حدودي وفرائضي (¬2). وقال السُدي: لكي تتقوا الأكل والشرب والجماع في وقت وجوب الصوم (¬3). وقال الزجاج: (¬4) لتتقوا المعاصي، فإن الصيام وصلةٌ إلى التقى؛ لأنه يكف الإنسان عن كثير مما تطلَّع إليه النفسُ من المعاصي، و (لعل) هاهُنَا على ترجي العباد، والله عز وجل من وراء العلم أيتقون (¬5) أم لا؟ ولكن المعنى: أنه ينبغي لكم بالصوم أن يقوى رَجاؤكم في التقى (¬6). 184 - قوله تعالى: {أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ} في انتصاب الأيام وجوه: أحدُها: أنها (¬7) ظرف لكُتب، كأنه: كتب عليكم الصيام في هذه الأيام، هذا قول الزجاج (¬8). ¬

_ (¬1) ينظر: "التبيان" 1/ 148، وزاد وجهًا رابعًا، وهو أن يكون في موضع رفع صفة للصيام، "المحرر الوجيز" 1/ 250، "البحر المحيط" 2/ 29. (¬2) من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 252، وينظر معنى لعل في: "المفردات" ص 454. (¬3) رواه عنه الطبري 2/ 129، وابن أبي حاتم 1/ 305. (¬4) من قوله: (يريد: كي) مكرر في نسخة (م)، وفيه تقديم وتأخير. (¬5) في (ش): (أتتقون). (¬6) من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 252، وينظر: "البحر المحيط" 2/ 31، فيه مناقشات للأعاريب المذكورة. (¬7) في (م): (آنه). (¬8) من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 252.

وقال الفراء: هي نصب على خبر ما لم يسم فاعله؛ لأن كل ما لم يسم فاعله، إذا كان فيه اسمان أحدهما غير الآخر رفعتَ واحدًا ونصبت الآخر، كما تقول: أُعطي عبدُ الله المال، ولا تبال أكان المنصوب معرفةً أو نكرة، فإن كان الآخر نعتًا للأول، وهما معرفتان، رفعتهما جميعًا، فقلت: ضُربَ عبدُ الله الظريفُ، رفعتَه؛ لأنه عبد الله، وإن كان نكرة نصبته، قلت: ضُرِبَ عبدُ الله راكبًا وماشِيًا ومظلومًا (¬1). قال أبو إسحاق: ليس هذا بشيء، لأن الأيام هَاهُنَا معلقة بالصوم، وزيد والمال مفعولان لأُعطي، فلك أن تقيم أيهما شئت مقام الفاعل، وليس في هذا إلّا نصب (¬2) أيام بالصيام (¬3). ونصر أبو علي الفارسي قول الفراء، وقال: يجوز أن ينتصبَ الأيام انتصاب المفعول به على السعة، وهو أن يكون الأيام اسمًا لا ظرفَّاَ، فتخرجها من حيّز الظروف إلى حيز الأسماء، متسعًا فيها، وهذا الاتساع كثير واسع في الظروف، وقد جاء التنزيل به، وهو قوله: {بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} [سبأ: 33]، فجواز الإضافة إليهما (¬4) دل على خروجهما من الظرف، ومتى وقعت الإضافة إلى هذه الأسماء المستعملة ظروفًا أخْرَجَتها الإضافة عن ذلك وأدخلتها في حَيّزِ الأسماء، وقد نص سيبويه على جواز هذا في قوله: يا سارقَ الليلةِ أهلَ الدار. ¬

_ (¬1) من "معاني القرآن" للفراء 1/ 112، وقد خطأ أبو حيان في "البحر المحيط" 2/ 31 قول الفراء وناقشه. (¬2) في (ش): (ونظر). (¬3) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 252. (¬4) في (م): فجواز إليهما وفي (ش): (إليها).

وإذا كان هذا الاتساع على ما ذكرت لك في الكثرة والحسن ومجيء التنزيل به، فلم ينكر أن تحمل هذه الآية أيضًا عليه، وإذا حمل عليه، كان بمنزلة: أُعطي زيدٌ المال، ولا يمتنع على هذا التقدير أن تكون الأيام ظرفًا لـ (كُتِبَ)، ولا شيءَ يمنع من كون الأيام ظرفًا لكُتِبَ؛ لأن الصّيَام مفروض مكتوب في أيام معدودات، وإذا كان ظرفًا له لم يمتنع أن يتسع فيه، فينتصب انتصاب المفعول به، وإذا نصب انتصاب المفعول به كان بمنزلة: أُعطى زيدٌ المال، وصار الأيام في موضع المال، لا إشكال في جواز هذا الوجه، فقد بان أن ما منعه أبو إسحاق من إجازة أن {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} بمنزلة أعطي زيدٌ المال جائز غير ممتنع. وعند أبي علي يجوز أن تُعمل (الصيام) في الأيام، ثم (¬1) يجوز في انتصاب الأيام الوجهان اللذان ذكرنا إذا أعملت فيها (كتب)، من الظرف والانتصاب على المفعول به، فالظرف أن تجعل الأيام ظرفًا للصيام لا للكتابة، كما تقول: كتب عليكم الدخول يوم كذا، يجوز (¬2) أن تجعل اليوم ظرفًا للدخول، وإن جعلت الأيام مفعولًا به لصيام أعملت الصيَام وهو مصدر، فنصبت به، والمصدر يعمل عمل الفعل، كقوله: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ} [البقرة: 251]، وهو كثير، ومثله: لحِقتُ فلم أنكُلْ عن الضرب مِسْمَعَا قال أبو علي: والأجودُ فيمن جَعَل الأيامَ معمول الصيام أن ينصب على أنه ظرف ولا يجعله مفعولًا للمصدر؛ لأنه يعمل المصدر وفيه الألف ¬

_ (¬1) (ثم) ساقطة من (ش). (¬2) في (ش): (ويجوز).

واللام إعمال الفِعل، وذلك لا يحسن؛ لأن الفعل نكرة، فحُكْمُ ما قام مقامه ويعمل عمله أن يكون مثلَه، وإن كان أصحاب سيبويه قد أجازوه. فأما (¬1) قوله: عن الضرب مسمَعَا، فقد قيل فيه: إن مسمعًا مفعول (لحقت) دون الضرب، فإن قيل: الإضافة في التعريف كالألف واللام، وقد جاء المصدر عاملًا في الإضافة، كقوله: {وَلَوْلَا دَفْعُ} [البقرة: 251] قيل: الإضافة أسهل من الألف واللام، ألا ترى أن الإضافة قد تقدر فيها الانفصال كثيرًا والألف واللام لا تشبهها، فلهذا رجَّحْنا قول من جعله ظرفًا، ولا يمتنع كون الأيام ظرفًا للصيام؛ لأن الصيام فيها، كما أن الكتابة فيها. وجمهور المفسرين على أن المراد بالأيام المعدودات: شهر رمضان (¬2). وقوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ} إلى قوله: {أُخَرَ} فيه معنى الشرط والجزاء، أي: من يكن منكم مريضًا أو مُسافرًا فأفطر فليقض. وإذا قدرت فيه معنى الشرط كان المراد بقوله: {كَانَ مِنْكُمْ} الاستقبال لا المضي، كما تقول: من أتاني أتيته، وفي الآية إضمارة لأن التقدير: فأفطر فعدة؛ لأن القضاء إنما يجب بالإفطار لا بالمرض والسفر، ومثله قوله: {أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ} [البقرة: 196]، والحذف كثير في كلام العرب إذا كان فيما (¬3) أُبقي دليلٌ على ما أُلقي، قال ذُو الرمة: ¬

_ (¬1) في (ش): (وأما). (¬2) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 131، 132، وهو اختياره، "تفسير الثعلبي" 2/ 236، "البحر المحيط" 1/ 30. (¬3) في (م): (ما).

فلما لبسن الليل أو حين نصَّبت ... له من خذا آذانها وهو جانح (¬1) أراد: أو حين أقبل (¬2). ونذكر في الآية التي بعد هذه حكم المرض والسفر في الصوم. وأصل السَّفَر من الكشف، وذلك أنه يكشف من أحوالِ الرجالِ وأخلاقهم، والمِسفَرة: المكنس؛ لأنها تُسِفر التراب عن الأرض، والسَّفيرُ: الداخل بين اثنين للصُّلح؛ لأنه يكشف المكروه الذي اتصل بهما، والمُسْفِر: المضيء؛ لأنه قد انكشف وظهر، ومنه: أسفر الصبح، والسِّفُر: الكتاب؛ لأنه يكشف عن المعاني ببيانه، ومنه {بِأَيْدِي سَفَرَةٍ} [عبس: 15]، أي: كتبة؛ لأن الكاتب يكشف عن المعاني، وسفرتِ المرأةُ عن وجهها: إذا كشفت النقاب (¬3). قال الأزهري: وسمي المسافر مُسَافرًا، لكَشْفِه قناع الكِنِّ عن وَجْهه، وبروزه للأرض الفضاء، وسُمي السَّفرُ سَفَرًا؛ لأنه يسفر عن وجوه المسافرين وأخلاقهم، فيظهر ما كان خافِيًا مِنْهَا (¬4). وقوله تعالى: {فَعِدَّةٌ} أي: فعليه عدة، كقوله: {فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 178]، والتقدير: فعليه صومُ عِدّةٍ، ويكون هذا من باب حذف المضاف (¬5). ¬

_ (¬1) البيت في "ديوانه" ص 898. (¬2) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 252، "تفسير الثعلبي" 2/ 239، "البحر المحيط" 2/ 32 - 33، "التبيان" ص116. (¬3) ينظر في السفر: "تهذيب اللغة" 2/ 1701، "المفردات" ص 239، "لسان العرب" 4/ 2024 (سفر). (¬4) "تهذيب اللغة" 2/ 1702 (سفر). (¬5) "تفسير الطبري" 2/ 132، "البحر المحيط" 2/ 32، "التبيان" 1/ 116.

وقال أبو إسحاق: التقدير فالذي ينوب عن صومِهِ عِدة (¬1). والعِدَّةُ: فِعْلَة من العَدِّ، وهو بمعنى المعدودة، كالطِّحْن بمعنى المطحون، ومنه يُقَالُ للجماعة المعدودة من الناس: عِدَّة، وعِدّة المرأة من هذا (¬2). وقوله تعالى: {مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} أراد غير أيام مرضه أو سفره (¬3). و (أُخَر) لا ينصرف؛ لأنها جمع أُخرى تأنيث آخر، وآخَرَ على وزن أفعل، وما كان على وزن أفعل فإنه يُستَعمل مع مِنْ أو بالألف واللام، فيقالُ: زيدٌ أفضل من عمرو، وزيد الأفضل، والألف واللام مُعاقبة لـ (مِن) في باب أفعل، فكان القياس يُوجب أن يقال: زيد آخر من عمرو، كما يقال: أقدم من عمرو، إلا أنهم حذفوا (من) من آخر؛ لأن لفظه اقتضى معنى مِنْ، فأسقطوا (مِنْ) اكتفاء بدلالة اللفظ عليه، والألف واللام تعاقب (مِنْ)، فلما جاز استعماله بغير الألف اللام صار آخر وأُخر وأُخْرى معدولة عن حكم نظائرها؛ لأن الألف واللام استعملتا فيها، ثم حُذفتا. فإن قيل: الخروج عن النظائر يُوجب للاسم البناء، فهلا بُني آخر وأُخرى وأخَرُ؟ قيل: إنها وإن خرجت عن حكم نظائرها فليس هو خروجًا مُبَاينًا لما عليه الأسماء، وإنما هو خروج عن حكم تعريف إلى تنكير، وأكثر الأسماء يلحقها التعريف والتنكير، فلم يكن لهذه المخالفة قوةٌ توجب البناء، إلا أنه قد نقصت بهذا العدل لها درجة عن حكم أخواتها، فجعل هذا العدل لها من أقسام العلل المانعة للصرف، فاجتمع فيها في حال ¬

_ (¬1) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 252. (¬2) ينظر: "المفردات" ص 327، "البحر المحيط" 2/ 32 - 33،"لسان العرب" 5/ 2832 - 2836 (عدد). (¬3) "تفسير الطبري" 2/ 132، "تفسير الثعلبي" 2/ 240.

التنكير العدل والصفة، فلذلك لم تنصرف، ومعنى الصفة: أنها مما يوصف به، ألا ترى أنها صفة للأيام في هذه الآية (¬1). وقوله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ} قال الأزهري: يُقَال: طَاقَ يَطُوقُ طَوْقًا، وأَطَاق يُطِيقُ إِطَاقَةً وطَاقَةً، كما يقال: طاع يَطُوعُ طَوْعًا، وأَطَاع يُطِيعُ إِطَاعة وطَاعَةً، والطَّاعَة والطاقة: اسمان يوضعان موضع المصدر (¬2). وقوله تعالى: {فِدْيَةٌ} الفِدْيَة: الجزاء والبدل، من قولك: فديته بكذا، أي (¬3): أعطيته بدلًا منه (¬4)، كقوله تعالى: {وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} [الصافات: 107]، ومضى الكلام في هذا عند قوله: {أُسَارَى تُفَادُوهُمْ} [البقرة: 85]. وقوله تعالى: {طَعَامُ مِسْكِينٍ} قرأ أهل المدينة والشام بإضافة الفِدْيَةِ إلى الطَّعَام وجمع المساكين (¬5). ومعنى الآية: وعلى الذين يطيقون الصيامَ فأفطروا فديةُ طعامٍ؛ لأن ¬

_ (¬1) ينظر: "المفردات" ص 23، "البحر المحيط" 1/ 34، "اللسان" 1/ 38 (أخر). (¬2) "تهذيب اللغة" 1/ 131 (طبق). (¬3) في (م): إذا. (¬4) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 141، "تفسير الثعلبي" 2/ 254، "المفردات" 376 ص، "مجمل اللغة" 3/ 714. (¬5) هذا إجمال في ذكر القراءات، تفصيله: قرأ نافع وأبو جعفر وابن ذكوان بحذف تنوين (فدية)، وجر (طعام) وجمع (مساكين)، وفتح نونه بغير تنوين، والباقون بتنوين (فدية)، ورفع (طعام)، وإفراد (مساكين)، وكسر نونه منونة، إلا هشامًا فقرأ بجمع مساكين كقراءة نافع ومن معه. ينظر: "النشر" 2/ 226، "البدور الزاهرة" ص 56.

الفدية وجبت بالإفطار لا بالإطاقة، وإنما أضافوا الفدية إلى الطعام، وهي طعام؛ لأن الفدية اسم للقدر الواجب، والطعام اسم يعم الفدية وغيرها، فهذه الإضافة من الإضافة التي تكون بمعنى من، وهو أن تضيف الاسم إلى اسم (¬1) يقع على الاسم الأول، كقولك: ثوبُ خَزٍّ، وقميصُ كتانٍ، وخاتم حديد، والمعنى: ثوبٌ من خَزٍّ، وقميصٌ من كتان، وخاتم من حديد. ألا ترى أنك تطلق على الثوبِ اسم الخز، وعلى القميص اسم الكتان، وعلى الخاتم اسم الحديد، كذلك هاهنا التقدير: فديةٌ من طعام، فأضفت الفدية إلى الطعام، وأنت تطلق على الفدية اسم الطعام. وجمعوا المساكين؛ لأن الذين يطيقونه جماعة، وكل واحد منهم يلزمُهُ طَعامُ مِسْكِين (¬2). وقرأ الباقون: (فِديةٌ) منونةً {طَعَامُ مِسْكِينٍ} على واحد، جعلوا ما بعد الفدية تفسيرًا لها، ووحَّدُوا المسكين؛ لأن المعنى: على كل واحد لكل يوم إطعام مسكين. ومثل هذا في المعنى قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ} وليس جميع القاذفين يُفرَّقُ فيهم جلد ثمانين، إنما على كل واحد منهم جلد ثمانين (¬3) فكذلك على كل واحد منهم طعام مسكين، فأفرد هذا كما جَمَعَ قوله: {فَاجْلِدُوهُمْ}. وقال أبو زيد: أتينا الأميرَ فكسانا كلَّنا حُلّةً وأعطى كلَّنا مائةً، قال: ¬

_ (¬1) في (ش): (الاسم). (¬2) ينظر: "الحجة" 2/ 273 - 274، "تفسير الطبري" 2/ 141، "المحرر الوجيز" 2/ 106، "البحر المحيط" 2/ 37. (¬3) من قوله: (إنما على ..) ساقطة من (ش).

معناه: كسا كلَّ واحدٍ منا حُلَّةً وأعطى كل واحدِ منا مائة (¬1). فأما حكم قوله: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ} فقال ابن عباس: كانت الإطاقة أن الرجل أو المرأة كان يصبح صائمًا، ثم إن شاء أفطرَ وأطعم لذلك مسكينًا، فنسختها هذه الآية: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} (¬2) وهذا قولُ سلمة بن الأكوع (¬3) (¬4)، وعبد الرحمن بن أبي ليلى (¬5) (¬6)، وعلقمة بن قيس (¬7)، وابن شهاب (¬8)، ومذهب أكثر ¬

_ (¬1) من كلام أبي علي في "الحجة" 2/ 273، وينظر: "تفسير الطبري" 2/ 141، "تفسير الثعلبي" 2/ 246 - 247، "المحرر الوجيز" 2/ 107، "البحر المحيط" 1/ 37. (¬2) أبو داود في الصوم، باب: نسخ قوله: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ} 2/ 305 برقم 2316، من طريق عكرمة، وابن الجوزي في "نواسخ القرآن" ص203، من طريق ابن سيرين، ورواه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص 43، والنحاس في "الناسخ والمنسوخ" 1/ 495، وابن أبي حاتم 1/ 307، من طريق عطاء الخراساني، ورواه الطبري 2/ 134 من طريق عطية. (¬3) هو: سلمة بن عمرو بن سنان الأكوع الأسلمي، صحابي ممن بايع تحت الشجرة، غزا مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - سبع غزوات، وكان شجاعًا بطلًا راميًا عدّاءً، توفي بالمدينة سنة 74 هـ. ينظر: "أسد الغابة" 2/ 423، "الأعلام" 3/ 113. (¬4) رواه عنه البخاري (4507) كتاب التفسير، باب: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}، ومسلم (1145) كتاب الصيام، باب: بيان نسخ قوله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ}، والطبري 2/ 134. (¬5) هو: عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري المدني ثم الكوفي، تابعي ثقة، مات بوقعة الجماجم سنة 83 هـ. ينظر: "تقريب التهذيب" ص 349 (3993)، وذكر أسماء التابعين ومن بعدهم 1/ 212. (¬6) رواه عنه البخاري (1949) كتاب الصوم، باب: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ}، والطبري 2/ 134، وابن أبي حاتم 1/ 306. (¬7) رواه عبد الرزاق في "المصنف" 4/ 222، وأبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص 44، والطبري 2/ 133، وابن أبي حاتم 1/ 308. (¬8) رواه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص 44، والطبري في "تفسيره" 2/ 134.

العلماء (¬1)، قالوا: كان في ابتداء إيجاب الصوم من شاء صام ومن شاء أفطر وافتدى بالطعام، ثم نسخ الله سبحانه ذلك بقوله: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}. وقوله تعالى: {فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ} قال ابن عباس: زاد في الصدقة، يعنى: على المُدِّ الوَاحِدِ (¬2)؛ لأنه كان يجب مدٌّ واحدٌ على من أطاق الصومَ فَأَفْطَر قبل النسخ، في قول أهل الحجاز وأكثر العلماء (¬3). وقال مجاهد (¬4) والسُدّى (¬5): يطعم مسكينين، وفي هذا القول أيضًا زيادة الصدقة؛ لأنه إذا زاد مسكينا يجب أن يزيد في الصدقة حتى يكون متطوعًا. وقال ابن شهاب: يريد: من صام الفِدْية فهو خيرٌ له (¬6) (¬7). ¬

_ (¬1) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 133 - 136، "تفسير الثعلبي" 2/ 252، "أحكام القرآن" لابن العربي 1/ 79، "المحرر الوجيز" 2/ 107، "الناسخ والمنسوخ" لهبة الله بن سلامة ص 43، "البحر المحيط" 2/ 36 - 37. (¬2) رواه عنه الطبري 2/ 142، ورواه ابن جريج وخصيف بن عبد الرحمن عن مجاهد، كما في "تفسير الطبري" 2/ 142، "تفسير الثوري" 56، و"تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 309. (¬3) ينظر: "المغني" 4/ 395، و"تفسير البغوي" 1/ 197. (¬4) رواه عن مجاهد ابن جريج كما في "تفسير الطبري" 2/ 142، وأشار إليها عبد الرزاق في "المصنف" 4/ 223، ورواها عنه خصيف بن عبد الرحمن كما في "تفسير الثوري" ص 56، و"تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 309. (¬5) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 143، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 309. (¬6) رواه عنه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص 45، و"تفسير الطبري" 2/ 143، و"تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 309. (¬7) قال الطبري 3/ 443: والصواب من القول في ذلك عندنا: أن الله -تعالى ذكره- =

185

وقوله تعالى: {وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ} أي: الصوم خيرٌ لكم، فالجملة ابتداء وخبر. والمعنى: والصوم خيرٌ لكم من الإفطار والفدية، وهذا إنما كان خيرًا لهم قبل النسخ، وبعد النسخ فلا يجوز أن يقال: الصوم خيرٌ من الإفطار والفدية (¬1). 185 - قوله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ} الآية، الشهر: مأخوذ من الشهرة، تقول شَهَرَ الشيء يَشْهَرُه شَهْرًا: إذا أظهره، وسمي الشَّهْرُ شهرًا لشهرة أمره في حاجة الناس إليه في معاملاتهم، ومحل ديونهم، وقضاء نسكهم في صومهم وحجهم وغير ذلك من أمورهم. قال الليث: والشهر: ظهور الشيء، وسمي (¬2) الهلال شهرًا، قال ابن الأعرابي: لأنه يشهر به (¬3). ¬

_ = عمم بقوله: {فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا}، فلم يخصص بعض معاني الخير دون بعض، فإن جمع الصوم مع الفدية من تطوع الخير، وزيادة مسكين على جزاء الفدية من تطوع الخير، وجائز أن يكون الله -تعالى ذكره- عنى بقوله: {فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا}، أيَّ هذه المعاني تطوع به المفتدي من صومه فهو خير له؛ لأن كل ذلك من تطوع الخير ونوافل الفضل. وقد ذكر ابن العربي 1/ 80 قول من قال: (فمن تطوع)، أي: زاد على طعام مسكين، وقيل: من صام، وهذا ضعيف؛ لقوله تعالى بعد ذلك: {وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ}. معناه: الصوم خير من الفطر في السفر، وخير من الإطعام، وتحقيق ذلك أن الصوم الفرض خير من الإطعام النفل، والصدقة النفل خير من الصوم النفل .. اهـ (¬1) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 253. (¬2) في (م): (ويسمى). (¬3) نقله عنه في "اللسان" 4/ 2351 (شهر).

وقال الزجاج: سمي الهلال شهرًا لشُهْرتِه وبيانه (¬1). وقال بعضهم: سُمي الشهر شهرًا باسم الهلال إذا أهلّ سمي شهرًا. والعرب تقول: رأيتُ الشَّهْرَ، أي: رأيت هلاله، قال ذو الرمة: يرى الشَّهْرَ قَبْلَ الناسِ وهو بخيلُ (¬2) وقد أَشْهَرْنا، أي: أتى علينا شَهْرٌ. قال الفراء: ولم أسمع منه فعلًا إلا هذا (¬3). وارتفع على البدل من الصيام، كأن المعنى: كتب عليكم شَهْرُ رمضانَ. ويجوز أن يكون ابتداءً، وخَبرُه الذي مع صلته، كقولك: زيد الذي في الدار (¬4). وقال الأخفش: ارتفع على أنه خبر ابتداء محذوف، المعنى: هي شهر رمضان (¬5)؛ لأن قوله: {شَهْرُ رَمَضَانَ} تفسيرٌ للأيام المعدُودات، وتبيين لها، ونحو هذا قال الفراء (¬6)، أراد: ذلكم شهر رمضان، الصيام شهر رمضان، أي: صيامه كما قال في: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا} [النور: 2] أي: فيما فرض عليكم الزانية والزاني، أي: حكمهما، وكذلك: {مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا} قال: والأشبه أن يكون {الَّذِي} وصفًا، ليكون النص قد وقع على الأمر بصيام الشهر، يعنى: أَنَّكَ إن جعلت الذي خبرًا ¬

_ (¬1) من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 259، ونقله عنه في "اللسان" 4/ 2351 (شهر). (¬2) البيت في "ديوانه" ص 561، وورد في "البحر المحيط": نحيل. (¬3) ينظر في معاني الشهر: "تفسير الطبري" 2/ 144، "تفسير الثعلبي" 2/ 264، "المفردات" ص 273، "اللسان" 4/ 2351 (شهر). (¬4) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 253. (¬5) "معاني القرآن" للأخفش 1/ 352. (¬6) "معاني القرآن" للفراء 1/ 112.

لم يكن شهر رمضان منصوصًا على صومه بهذا (¬1) اللفظ، إنما يكون مخبرًا عنه بإنزال القرآن فيه، قال: وإذا جعلت الذي وصفًا كان حقُّ النظر أن يكنى عن الشهر في قوله: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} كقولك: شهر رمضان المبارك من شهده فليصمه، قال: وهذا كقوله: {الْحَاقَّةُ (1) مَا الْحَاقَّةُ} [الحاقة:1 - 2] و {الْقَارِعَةُ (1) مَا الْقَارِعَةُ} [القارعة:1 - 2] ونحو ذلك، يعنى: أن ذكر الابتداء أعيد ولم يُكْنَ عنه للتعظيم، كذلك في هذه. والفاء في قوله: {فَمَنْ شَهِدَ} داخل على خبر الابتداء، وليس من حق خبر الابتداء (¬2) دخول الفاء عليه. ونذكر الكلام فيه إذا انتهينا إليه (¬3). و {رَمَضَانَ} لا ينصرف للتعريف وزيادة الألف والنون، مثل: عثمان وسَعْدان. واختلفوا في اشتقاق {رَمَضَانَ}، فقال بعضهم: هو مأخوذ من الرمض، وهو حرُّ الحِجَارة من شدّة حَرِّ الشمس، والاسم: الرَمْضَاء، رَمِضَ الإنسان رَمَضًا: إذا مشى على الرَمضاء، والأرض رَمِضة، فسُمي هذا الشهر رمضان؛ لأن وجوبَ صَومه وافقَ بشِدَّة الحرّ، وهذا القول حكاه الأصمعي عن أبي عمرو (¬4). وحكي عن الخليل أنه قال: مأخذه من الرَّمَضي (¬5)، وهو من السَحَاب ¬

_ (¬1) في (ش): (فهذا). (¬2) في (م): (المبتدأ). (¬3) ينظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 112 - 113، "تفسير الطبري" 2/ 146 - 149، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 253، "تفسير الثعلبي" 2/ 263، "التبيان" ص118، "البحر المحيط" 1/ 38 - 39، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 238. (¬4) رواه الثعلبي في "تفسيره" 2/ 267، وقد ذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" 2/ 1468 (رمض) ولم ينسبه لأحد. (¬5) عند الثعلبي: (الرمض).

والمطر: ما كان في آخرِ القَيْظ وأول الخريف، سمّي رمَضيًا لأنه يُدرِك سخونةَ الشمس وحَرَّها، فسمي هذا الشهر رمضان؛ لأنه يغسل (¬1) الأبدان من الآثام (¬2). وقيل: هو من قولهم: رمَضتُ النصْلَ أرمِضُه رَمْضًا: إذا دقَقْتَه بين حجرين ليرقَّ، ونصل رَميض ومَرْمُوض، فسمي هذا الشهر رمضان لأنهم كانوا يرمُضُون فيه أسلحتهم، ليقضوا منها أوطارهم في شوالٍ قبل دخول الأشهر الحرم، وهذا القول يُحْكَى عن الأزهري (¬3)، وعلى القولين الأولين يجب أن يكون هذا الاسم إسلاميًا، وقبل الإسلام لا يكون له هذا الاسم، وعلى ما حكاه الأزهري، الاسم جاهلي (¬4). وروي مرفوعًا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال ذات يوم لأصحابه: "أتدرون لم سمي شعبان؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "لأنه يشعب (¬5) فيه خير كثير لرمضان"، أتدرون لم سُمي رمضان؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "لأنه يرمض الذنوب" (¬6). والإرماض: الإحراق. ¬

_ (¬1) في (م): زيادة (لأنَّ وجوب صومه يغسل). (¬2) ذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" 2/ 269، وعزاه الأزهري في "تهذيب اللغة" 2/ 1469 (رمض) إلى أبي عمرو. (¬3) لم يذكره في "تهذيب اللغة" 2/ 1468، وذكره أبو حيان في "البحر المحيط" 2/ 26، ولم ينسبه لأحد. (¬4) ينظر في رمضان: "تفسير الطبري" 2/ 144، "تهذيب اللغة" 2/ 1468 - 1469، "المفردات" ص209، "اللسان" 3/ 1730، "البحر المحيط" 2/ 26 (رمض). (¬5) سقطت من (ش). (¬6) أخرجه ابن الشجري في "أماليه" 2/ 102.

وروى سلمة عن الفراء، يقال: هذا شهر رمضان، وهما شهرا ربيع، ولا يُذكَر الشهرُ مع سائر أسماء الشهور العربية (¬1)، ونحو هذا يروى عن مجاهد (¬2)، أنه كره أن يقال: رمضان. وروى أنس أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا تقولوا رمضان، انسبوه كما نسبه الله في القرآن، فقال: شهر رمضان" (¬3). وقوله تعالى: {أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} قال ابن عباس: أنزل القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ في ليلة القدر من شهر رمضان، فوضع في ¬

_ (¬1) ذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" 2/ 1469، وزاد، يقال: هذا شعبان قد أقبل، وكذا في "اللسان" 3/ 1730 (رمض). (¬2) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 144، ورواه ابن أبي حاتم عن جماعة منهم مجاهد ومحمد بن كعب القرظي، وقال ابن أبي حاتم 1/ 310: ورخص فيه ابن عباس وزيد بن ثابت. (¬3) ذكره الثعلبي في "تفسيره" عن أنس 2/ 265، وليس في شئ من المصادر الحديثية عن أنس، بل روى من حديث أبي هريرة وابن عمر وعائشة - رضي الله عنها - عند ابن عدي في "الكامل" 7/ 53، والبيهقي 4/ 201 والجوزقاني في "الأباطيل والمناكير والصحاح والمشاهير" 2/ 88، وابن أبي حاتم 1/ 310، وحكم ابن الجوزي عليه في "الموضوعات" 2/ 187 بأنه موضوع لا أصل له، وقال المعلمي في تعليقه على "الفوائد المجموعة" ص 87 موضوع بلا ريب، وضعفه القرطبي في "تفسيره" 2/ 278، وقال: والصحيح جواز إطلاق رمضان من غير إضافة كما ثبت في الصحاح وغيرها. روى مسلم (في الصيام، باب: فضل شهر رمضان برقم 1079)، عن أبي هريره أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا جاء رمضان فتحت أبواب الرحمة، وغلقت أبواب النار، وصُفِّدت الشياطين". ورواه البخاري برقم [1898] ثم ذكر القرطبي آثارًا كثيرة كلها بإسقاط الشهر.

بيت العزة في سماء الدنيا، ثم نزل به جبريل على محمد - صلى الله عليه وسلم - نجومًا (¬1) عشرين سنة (¬2). وقال سفيان بن عيينة: {أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} معناه: أنزل في فضله القرآن. وهذا اختيار الحسين بن الفضل، قال: ومثله: أن تقول: أنزل في الصديق كذا آية، تريد في فضله (¬3). وقال ابن الأنبارى: أنزل في فرضه وإيجاب صومه على الخلق القرآن. كما تقول: أنزل الله في الزكاة كذا وكذا تريد في فرضها، وأنزل في الخمر كذا تريد في تحريمها (¬4). فأما (¬5) القرآن فهو اسم لكلام الله تعالى ¬

_ (¬1) سقطت من (ش). (¬2) رواه أبو عبيد في "فضائل القرآن" 367، والنسائي في "تفسيره" 2/ 131، والحاكم 2/ 242، وصححه، والبيهقي في "دلائل النبوة" 7/ 131، والطبري 2/ 144 - 145، وابن الضريس في "فضائل القرآن" ص 125، والطبراني في "الكبير" 11/ 305، والثعلبي في "تفسيره" 2/ 269، وصحح إسناده الحافظ في "الفتح" 9/ 4. قال القرطبي: "ولا خلاف أن القرآن أنزل من اللوح المحفوظ ليلة القدر جملة واحدة، فوضع في بيت العزة في سماء الدنيا ثم ذكر قول مقاتل: أنزل من اللوح المحفوظ كل عام ليلة القدر إلى سماء الدنيا قلت: وقول مقاتل هذا خلاف ما نقل من الإجماع" انتهى كلامه. (¬3) ذكره الرازي عن سفيان 5/ 85، "البحر المحيط" 2/ 39. (¬4) نسب ابن الجوزي هذا القول في "زاد المسير" 1/ 185، وأبو حيان في "البحر المحيط" 2/ 39 إلى مجاهد والضحاك، وذكر ابن الجوزي قولًا ثالثًا نسبه إلى ابن إسحاق وأبي سليمان الدمشقي، وهو أن القرآن ابتدئ بنزوله فيه على النبي - صلى الله عليه وسلم -. (¬5) في (م): (وأما).

واختلفوا (¬1) في اشتقاقه وهمزه، فقرأه أبن كثير بغير همز (¬2). أخبرنا سعيد بن العباس القرشي (¬3) كتابة، ثنا أبو منصور محمد بن أحمد بن الأزهري، ثنا محمد بن يعقوب المعقلي، عن محمد بن عبد الله ابن عبد الحكم (¬4)، أن الشافعي، رحمه الله، كان يقول: القرآن اسم، وليس بمهموز، ولم يؤخذ من قرأت، ولكنه اسم لكتاب الله، مثل التوراة والإنجيل، قال: ويهمز قرأت ولا يهمز القرآن، كما تقول: وإذا قرأت القرآن (¬5). وقول الشافعي: إنه اسم لكتاب الله يشبه أنه ذهب إلى أنه ليس ¬

_ (¬1) ينظر في هذه المسألة "تهذيب اللغة" 3/ 2912، "التفسير الكبير" 5/ 86، "تفسير القرطبي" 2/ 278، "اللسان" 6/ 3563 "قرأ"، "الإتقان" للسيوطي 1/ 146، "البرهان" للزركشي 1/ 277. (¬2) قرأ ابن كثير بنقل حركة الهمزة إلى الراء، وحذف الهمزة في الحالين، وكذلك حمزة عند الوقف، وليس لورش فيه توسط ولا مد؛ نظرا للساكن الصحيح الذي قبل الهمز، وهكذا كل ما جاء من لفظه في القرآن معرَّفا أو منكرا. ينظر: "النشر" 2/ 226، "البدور الزاهرة" ص 56، وقال الأزهري في "تهذيب اللغة" 3/ 2912 (قرأ): وقال أبو بكر بن مجاهد المقرئ: كان أبو عمرو بن العلاء لا يهمز القرآن، وكان يقرؤه كما روي عن ابن كثير. (¬3) هو: سعيد بن العباس بن محمد بن علي القرشي الهروي، قدم بغداد حاجا، وحدث عن أبي حامد بن حسنويه وأبي منصور محمد بن أحمد الأزهري وغيرهم، توفي سنة 433 هـ. ينظر: "السير" 17/ 552 - 553، "تاريخ بغداد" 9/ 113 - 114. (¬4) هو: شيخ الإسلام المصري الفقيه، كان عالم الديار المصرية في عصره مع المزني كان أعلم بمذهب مالك وأحفظهم له، وكان عارفا بأقوال الصحابة والتابعين، له مصنف في أدب القضاة، توفي سنة 268 هـ. ينظر: "السير" 12/ 497، "وفيات الأعيان" 4/ 193، "تقريب التهذيب" (6028). (¬5) ذكره الأزهري بسنده في "تهذيب اللغة" 3/ 2912 (قرأ)، والخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" 2/ 62، ونقله عن الواحدي: الرازي في "تفسيره" 5/ 86.

بمشتق، وقد قال بهذا جماعة، قالوا: إنه اسمُ كلامِه، يجرى مجرى الأعلام في أسماء غيره، كما قيل في اسم الله: إنه غير مشتق، من معنى يجرى مجرى اللقب في صفة غيره (¬1). وذهب آخرون إلى أنه مأخوذ من قَرَنْتُ الشيءَ بالشيء: إذا ضممت أحدَهما إلى الآخر، فسمي لاقتران السور والآيات والحروف، ولأن العبارة عنه: قرن بعضه إلى بعض. فهو مشتق من قرن. والاسم: قران غير مهموز، كما يقال: خرج، والاسم خُراج، ومن هذا يقال للجمع بين الحج والعمرة: قران (¬2). وذكر الأشعري (¬3) رحمه الله هذا المعنى في بعض كتبه فقال: إن كلام (¬4) الله يسمى قُرآنًا؛ لأن العبارةَ عنه قرن بعضه إلى بعض (¬5). ¬

_ (¬1) نقل ذلك الرازي في "تفسيره" 5/ 86، وقال بعده: وذهب آخرون إلى أنه مشتق، واعلم أن القائلين بهذا القول منهم من لا يهمزه ومنهم من يهمزه، أما الأولون فلهم فيه اشتقاقان: أحدهما أنه مأخوذ من قرنت. (¬2) نقله عن الواحدي: الزركشي في "البرهان" 1/ 278. (¬3) هو: علي بن إسماعيل بن أبي بشر، أبو الحسن تتلمذ في العقائد على الجبائي زوج أمه، وبرع في علمي الكلام والجدل على طريقة المعتزلة، ثم رجع فرد عليهم، وشُهر بمذهب ينسب إليه، وقيل إنه رجع بعده إلى مذهب السلف، له: "مقالات الإسلاميين"، و"الإبانة"، توفي سنة 324 هـ. ينظر: "شذرات الذهب" 2/ 303، "الأعلام" 4/ 263. (¬4) في (م): (كتاب). (¬5) نقله عن الواحدي: الزركشي في "البرهان" 1/ 278. وهذا مذهب الأشاعرة واعتقاد السلف إثبات صفة الكلام لله تعالى على الوجه اللائق به سبحانه من غير تشبيه ولا تمثيل ولا تكييف ولا تعطيل على حد قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11].

وقال الفراء: ظن أن القرآن سمي من القرائن، وذلك أن الآيات يصدق بعضها بعضًا، ويشبه بعضها بعضًا، فهي قرائن، فمذهب هؤلاء أنه غير مهموز (¬1). وأما الذين همزوا اختلفوا، فقالت طائفة: إنه مصدر القراءة. قال أبو الحسن اللحياني (¬2) (¬3): يقال: قرأت القرآن، فأنا أقرأه قَرْأً (¬4) وقراءةً وقرآنًا، وهو الاسم، قوله: وهو الاسم يعني: أن القرآن يكون مصدرًا لقرأت، ويكون اسمًا لكتاب الله، ومثل القرآن من المصادر: الرُّجْحَان والنُّقْصَان والخُسْران والغُفْران (¬5)، قال ابن مقبل (¬6): يُقَطِّعُ اللَّيلَ تسبيحًا وقرآنًا (¬7) أي: قراءة، هذا هو الأصل، ثم المقروء، ويسمي قرآنًا لأن المفعول يسمى بالمصدر، كما قالوا للمشروب: شراب، وللمكتوب: كتاب، واشتهر هذا الاسم في المقروء حتى إذا طرق الأسماع سبق إلى القلوب أنه المقرُوء، ولهذا لا يجوز أن يقال: القرآن مخلوق مع كون القراءة مخلوقةً؛ ¬

_ (¬1) ينظر: "التفسير الكبير" 5/ 86. (¬2) هو: علي بن المبارك، وقيل ابن حازم، أبو الحسن اللحياني، تقدم. (¬3) "تهذيب اللغة" 3/ 2912 (قرأ). (¬4) في (م): (قراء). (¬5) ينظر: "التفسير الكبير" 5/ 86، "اللسان" 6/ 3563 (قرأ). (¬6) هو: الشاعر تميم بن أبي بن مقبل العجلاني، تقدم. (¬7) صدر البيت: ضحوا بأشمط عنوان السجود به والبيت لحسان بن ثابت في رثاء الخليفة عثمان - رضي الله عنه - كما في "المغني" 1/ 218، رقم 363، "البحر المحيط" 2/ 32، ومعنى الأشمط: شيب اللحية.

لأن القرآن أشهر تسمية للمقروء (¬1). وقال أبو إسحاق الزجاج (¬2): معنى قرآن معنى الجمع، يقال: ما قَرَأَتْ هذا الناقة سلًا قط، إذا لم يَضْطَم رحمها على ولد، وهذا مذهب أبي عبيدة (¬3)، قال: إنما سُمي القرآن قرآنًا لأنه يجمع السور ويضمها، وأصل القرآن: الجمع، وأنشد قول عمرو: هِجَان اللون (¬4) لم تَقْرأْ جَنِينَا (¬5) أي: لم تجمع في رحمها ولدًا، ومن هذا الأصل: قُرء المرأة، وهو أيام اجتماع الدم في رحمها. وقال قُطْرب (¬6) في (القرآن) قولين: أحدهما: ما ذكرنا وهو قول أبي إسحاق وأبي عبيدة. والثاني: أنه سُمي قرآنًا؛ لأن القارئ يُظهرُه ويبينه ويلقيه من فيه، أخذ من قول العرب: ما قَرَأَتِ الناقة سلًا قَط، أي: ما رمت بولد، ونحو ¬

_ (¬1) "التفسير الكبير" 5/ 86، "تفسير القرطبي" 2/ 278. (¬2) "تهذيب اللغة" 3/ 2913، وينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 305. (¬3) ينظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 1/ 1 - 4، "التفسير الكبير" 5/ 86، "البرهان" للزركشي 1/ 277، "اللسان" 6/ 3563. (¬4) في (م): (اللون). (¬5) البيت لعمرو بن كلثوم في معلقته وأوله: ذِراعَيْ حُرَّةٍ أَدْماءَ بَكْرٍ وينظر: "شرح المعلقات العشر" 111، "الجمهرة" 76، "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 1/ 2 "لسان العرب" (مادة: قرأ)، و"تفسير القرطبي" 3/ 114، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 170. (¬6) "تهذيب اللغة" 3/ 2912، "التفسير الكبير" 5/ 86.

هذا قال أبو الهيثم واللّحياني، أي: ما أسقطت ولدًا قَط، وما طرَحت، وتأوِيلُه: ما حَمَلَتْ قَطّ. وأنشد قول حميد: أَرَاها الوليد أن الخلا فتشذّرتْ ... مرَاحًا ولم يقرأ (¬1) جنينًا ولا دمَا (¬2) قال: معناه: لم ترمِ بجنين، وسمي قرء المرأة من هذا على مذهب أهل العراق، والقرآن يلفظه القارئ من فيه ويلقيه، فسمي قرآنًا، ومعنى قرأت القرآن: لفظت به مجموعًا (¬3). قال أبو إسحاق: وهذا القول ليس بخارج من الصحة وهو حسن. قَرَأْتُه أي: جَمَعْتُه (¬4). فبيّن على هذا أنه اسمٌ منقول من اسمِ هذا الحدث، كما أن قولنا: (زيد) في اسم رجل منقول من مصدر زاد يزيد، فأما دخول لام التعريف فيه بعد النقل فكدخوله في الحارث والعباس والفضل بعد النقل. ومذهب الخليل وسيبويه في هذه الأسماء التي يسمى بها، وفيها الألف واللام: أنها بمنزلة صفات غالبةٍ، كالنابغة والصَّعِق، وهذا فيما ينقل من الصفات، فأما الفضل فإنما (¬5) دخله الألف واللام لأنه (¬6) أيضًا ¬

_ (¬1) في (ش): (تقرأ). (¬2) البيت لحميد بن ثور في "ديوانه" ص 21، "لسان العرب" 6/ 3565 (قرأ). (¬3) "تهذيب اللغة" 3/ 2912، "اللسان" 6/ 3565. (¬4) "تهذيب اللغة" 3/ 2912. (¬5) في (م): (فإنه). (¬6) في (م): (فإنه).

على (¬1) وعلى هذا دخلت اللام في قولنا: القرآن، ومن هذه الأسماء ما يكون اللام فيه تعريفًا ثانيًا، كما قالوا في اسم الشمس: إلاهة والإلاهة (¬2)، ومنها ما يكون اللام فيه زائدة، نحو قوله: يا ليت أم العمرو كانت صاحبي (¬3) قال: وقول من يقول: إنّ القرآن غير مهموز من قَرَنْتُ الشيء بالشيء سهو، وإنما هو تخفيف الهمزة ونقل حركتها إلى الساكن قبلها، فصار اللفظ به كفُعَال، من قرنت، وليس منه، ألا ترى أنك لو سميت رجلًا بقُرَان (¬4) مخفف الهمزة لم تصرفه في المعرفة، كما لا تصرف عثمان، ولو أردت به فعالا من قرنت لا تصرف في المعرفة والنكرة، ذكر ذلك أبو علي في المسائل الحلبية (¬5). وقوله تعالى: {هُدًى لِلنَّاسِ} أي: هاديًا، وهو حال قد سَدّ مَسَدّ المفعول الثاني لأنزل (¬6)، و {بَيِّنَاتٍ} عطف على قوله {هُدًى}، ¬

_ (¬1) بياض في نصف سطر في نسخة (أ) (م) وفي نسخة (ش) الكلام متصل كما هو مثبت والكلام غير واضح. (¬2) سقطت من (ش). (¬3) عجزالبيت: مكان من أشتى على الركائب ولم يعرف قائل هذا الرجز، والبيت ورد في "الأغفال" 1/ 267، "المخصص" 1/ 168، "الإنصاف" ص 272، "تهذيب اللغة" 2/ 1347، "الصحاح" 3/ 169، "اللسان" 2/ 1563 (ربع). وانظر ص 48 من هذا المجلد. (¬4) في (ش): (بقرأت). (¬5) "المسائل الحلبية" ص 297، وينظر: "البرهان" للزركشي 1/ 278. (¬6) ينظر: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 159، "تفسير الثعلبي" 2/ 278، "البحر المحيط" 2/ 40.

وتأويله: أنزل القرآن بيانًا للناس (¬1). والبيِّنَات: جَمْعُ بينة، يقال: بانَ الشيءُ يبين بيانًا فهو بين، مثل: بيِّع بمعنى بايع. والبيِّنات: الواضحات (¬2). وقوله تعالى: {مِنَ الْهُدَى} يريد: من الحلال والحرام والحدود والأحكام. وذكرنا معنى الفرقان في قوله: {وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ} [البقرة: 53]، قال عطاء عن ابن عباس في قوله: {وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى}: يريد: من الرشاد إلى مرضاة الله، {وَالْفُرْقَانِ} يريد: فرّق فيه بين الحق والباطل، وبيّن لكم ما تأتون وما تَذَرُونُ. وقوله تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ} زعم الأخفش والمازني: أن الفاء ههنا زائدة، وذلك أن الفاء تدخل للعطف أو للجزاء أو زيادة، وليس للعطف ولا للجزاء ههنا مذهب (¬3)، ومن زيادة الفاء: قوله: {قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ} [الجمعة: 8] وقول الشاعر: لا تجزعي إِنْ مُنْفِسًا أهلكته ... وإذا هلكت فعند ذلك فاجزعي (¬4) ألا ترى أن إحدى الفاءين لا تكون إلا زائدة؛ لأن (إذا) إنما تقتضى جوابًا واحدًا. ¬

_ (¬1) ينظر: "البحر المحيط" 2/ 40. (¬2) ينظر: "تفسير البغوي" 1/ 199. (¬3) نقله عنه في "التفسير الكبير" 5/ 87 - 88، والعكبري في "التبيان" ص 117، 118. (¬4) البيت للنمر بن تولب في "ديوانه" ص 72، وانظر: "لسان العرب" 8/ 4503 (نفس).

قال أبو علي: ولا يمتنع (¬1) أن يكون دخول الفاء لمعنى الجزاء؛ لأن شهر رمضان وإن كان معرفة فليس معرفة (¬2) بعينه (¬3)، ألا ترى أنه شائع في جميع هذا القبيل، لايراد به واحدٌ بعينه، فلا يمتنع من أجل ذلك من معنى الجزاء، كما يمتنع ما يشار به إلى واحد مخصوص، ومن ثم لم يمتنع ذلك في صفة الموت في قوله: {قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ} [الجمعة: 8]، لأن الموت ليس يراد به موتٌ بعينه، إنما يراد به الشِّيَاع ومعنى الجنس وخلاف الخصوص، والجزاءُ بوجبُ الشِّياع والإبهام واستغراق الجميع، ويكون التقدير فيه: الذي أنزل فيه القرآن من هذه الشهور التي سمي الواحد منها رمضان فمن شهده فليصمه (¬4). وقوله تعالى: {شَهِدَ} أي: حضر. ومعنى الشهود في اللغة: الحضور (¬5)، ومفعول شهد محذوف؛ لأن المعنى: فمن {شَهِدَ} منكم البلد أو بيته، يعنى: لم يكن مُسَافرًا (¬6). ¬

_ (¬1) في (ش): (لا يمتنع). (¬2) ليست في (أ) و (م). (¬3) في (ش): (معينة). (¬4) ينظر: "التفسير الكبير" 5/ 88، قال: وأقول: يمكن أن يقال الفاء هاهنا للجزاء، فإنه تعالى لما بين كون رمضان مختصًا بالفضيلة العظيمة التي لا يشاركه سائر الشهور فيها، فبين أن اختصاصه بتلك الفضيلة يناسب اختصاصه بهذه العبادة، ولولا ذلك لما كان لتقديم بيان تلك الفضيلة هاهنا وجه، كأنه قيل: لما علم اختصاص هذا الشهر بهذه الفضيلة فأنتم أيضا خصوه بهذه العبادة. (¬5) ينظر: "التبيان" ص 115، "البحر المحيط" 2/ 41. (¬6) المراجع السابقة.

وقوله تعالى: {الشَّهْرَ} انتصابه على الظرف، ولا يجوز أن يكون مفعولًا به؛ لأنه ما من أحدٍ غَابَ أو حضر إلّا وهو يشهد الشهر، لكن المعنى: من شهد منكم بيته في الشهر (¬1)، ولا بد أيضًا من إضمار حال الشاهد وصفته، التي بوجودها يجب الصوم، وهو أن يقال: من شهد منكم الشهر عاقلًا بالغًا مقيمًا صحيحًا (¬2). قوله: {فَلْيَصُمْهُ}، قال ابن عباس وأكثر أهل التأويل: معناه: فليصم ما شَهِدَ منه؛ لأنه إن سافر في حال الشهر كان له الإفطار (¬3). وذهب طائفة إلى أنه إذا شهد أول الشهر مقيمًا ثم سافر لم يحل له الإفطار. وهو قول النخعي (¬4) والسُدي (¬5) وابن سيرين (¬6) ومذهب ¬

_ (¬1) "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 238، "الكشاف" 1/ 114، "البحر المحيط" 1/ 41، قال: وقيل: انتصاب الشهر على أنه مفعول به، وهو على حذف مضاف، أي: فمن شهد منكم دخول الشهر عليه، وهو مقيم لزمه الصوم، ثم قال: وقيل: التقدير: هلال الشهر، وهذا ضعيف؛ لأنك لا تقول: شهدت الهلال، إنما تقول: شاهدت، ولأنه كان يلزم الصوم من كل من شهد الهلال وليس كذلك. (¬2) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 148، "أحكام القرآن" للجصاص 1/ 183، "تفسير الثعلبي" 2/ 298. (¬3) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" 3/ 18، والطبري 2/ 146، والبيهقي 4/ 246، وذكرها الثعلبي 2/ 300، وابن العربي في "أحكام القرآن" 1/ 82، والقرطبي 2/ 299، وروى الطبري في "تفسيره" عن ابن عباس ما يوافق القول الثاني 2/ 147. (¬4) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 147، وذكره ابن أبي حاتم 1/ 312. (¬5) رواه عنه الطبري 2/ 146، وذكره ابن أبي حاتم 1/ 312. (¬6) رواه عنه عبد الرزاق في "المصنف" 4/ 269، وابن أبي شيبة في "المصنف" 3/ 18، والطبري 2/ 146، 147، وقد ذكره من روايته عن عبيدة السلماني عن علي مرة، وعن عبيدة مرة أخرى.

جماعة (¬1) وقوله تعالى: {وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ} أعاد هاهُنا تخييرَ المريض والمسافر وترخيصهما في الإفطار؛ لأن الله تعالى ذكر في الآية الأولى تخيير المقيمين بقوله: {فَلْيَصُمْهُ}، فلو اقتصر على هذا لاحتمل أن يعود النسخ إلى تخيير الجميع، فأعاد بعد النسخ ترخيصَ المسافر والمريض؛ ليعلم أنه باق على ما كان (¬2). والمرض الذي يبيح الإفطار هو كل مرض كان الأغلبُ من أمر صاحبه بالصوم الزيادةَ في علته زيادةً لا يحتمله، والأصل فيه: أنه إذا أجهده الصوم أفطر (¬3). ¬

_ (¬1) وممن حكي عنه هذا: علي وعائشة وابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم، وعبيدة السلماني وسعيد بن جبير وابن الحنفية وسويد بن غفلة وعلي بن الحسين ومجاهد والشعبي وأبو مجلز، وغيرهم. تنظر الروايات عنهم في: "تفسير الطبري" 2/ 146، 147، ابن أبي حاتم 1/ 312، "تفسير الثعلبي" 2/ 298، وقال ابن العربي في أحكام القرآن 1/ 83: وقد سقط القول الأول -يعني: قول هؤلاء- بالإجماع من المسلمين كلهم على الثاني، وكيف يصح أن يقول ربنا: (فمن شهد منكم الشهر فليصم منه ما لم يشهد)، وقد روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - (سافر في رمضان فصام حتى بلغ الكَديد فأفطر وأفطر المسلمون). رواه البخاري برقم (2953) كتاب الجهاد والسير، باب: الخروج في رمضان، ومسلم برقم (1113) كتاب الصيام، باب: جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر .. ، وقال جمهور الأمة: (من شهد أول الشهر وآخره فليصم ما دام مقيما، فإن سافر أفطر)، وهذا هو الصحيح، وعليه تدل الأخبار الثابتة. وينظر: "المغني" 1/ 343 - 344، "تفسير ابن كثير" 1/ 231. (¬2) ينظر: "تفسير البغوي" 1/ 199. (¬3) ينظر: "أحكام القرآن" للشافعي ص 121، "تفسير الثعلبي" 2/ 304، "أحكام =

وحدُّ السَّفَرِ الذي يبيح الإفطار (¬1): ستة عشر فرسخا (¬2) فصاعدًا. والإفطار رخصة من الله للمسافر، فمَنْ (¬3) أَفْطَرَ فبرخصة الله أخذ، ومن صام ففرضه أدّى، على هذا عامة الفقهاء (¬4). ومن أجهده الصوم في السفر كره له ذلك (¬5)، وفي مثل هذا: جاء ما روي أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "ليس من البر الصوم في ¬

_ = القرآن" لابن العربي 1/ 77، "تفسير القرطبي" 2/ 156 - 157، "المغني" 4/ 403، وذكر الطبري في "تفسيره" 2/ 150 أقوال العلماء في المرض الذي يبيح الفطر، فذكر ثلاثة أقوال: الأول: هو الذي لا يطيق معه صاحبه القيام لصلاته، ورواه عن الحسن وإبراهيم النخعي. والثاني: كل مرض كان الأغلب من أمر صاحبه بالصوم الزيادة في علته زيادة غير محتملة، ونسبه للشافعي. الثالث: كل مرض يسمى مرضا، ونسبه لمحمد بن سيرين، ورجح أن من أجهده الصوم جهدا غير محتمل من المرض فله الفطر. وذكر القرطبي أن الجمهور يرون أن من كان به مرض يؤلمه ويؤذيه أو يخاف تماديه أو يخاف تزيده صح له الفطر، وقد ذكر قبل ذلك أن للمريض حالتين: إحداهما: أن لا يطيق الصوم بحال، فعليه الفطر واجبا. والثانية: أن يقدر على الصوم بضرر ومشقة، فهذا يستحب له الفطر، ولا يصوم إلا جاهل. وهذا من كلام ابن العربي في "الأحكام" 1/ 77. (¬1) اختلف العلماء في حد السفر الذي يبيح الفطر على أقوال كثيرة. ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 327، "المغني" 3/ 105 - 110، 4/ 345، "أحكام القرآن" لابن العربي 1/ 77، "تفسير القرطبي" 2/ 257 - 258، والذي في البخاري: كان ابن عمر وابن عباس يفطران ويقصران في أربعة برد، وهي "ستة عشر فرسخا". (¬2) الفرسخ: ثلاثة أميال هاشمية، والميل: ستة آلاف ذراع، والذراع: أربعة وعشرون أصبعا معتدلة معترضة أي: أن طول الفرسخ نحو 6 كلم. ينظر: "المجموع شرح المهذب" 4/ 190، "القاموس" 329، "المكاييل والأوزان الإسلامية وما يعادلها في النظام المتري" ص 94. (¬3) في (أ)، (م): (ومن). (¬4) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 153، "تفسير الثعلبي" 2/ 311، "المغني" 4/ 406. (¬5) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 155، "تفسير الثعلبي" 2/ 318 - 322، "تفسير القرطبي" 2/ 260.

السفر" (¬1) يريد: لمن يشق عليه ويجهده. وذهب قومٌ من الصَّحَابة إلى أن الإفطار في السفر واجب (¬2). وقوله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ} أي: بالرخصة للمسافر والمريض (¬3). واليُسْر في اللغة: معناه: السهولة، ومنه يقال للغِنَى والسَّعَة: اليَسَار؛ لأنه يتسهل به الأمور، واليد اليُسْرى قيل: على التفاؤل باليسر، وقيل: لأنه يتسهل الأمر بمعاونتها اليمنى (¬4). وقوله تعالى: {وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} لأنه لم يشدد ولم يضيق عليكم. وهذه الإرادة ونفي الإرادة تختص بالأحكام لأهل الإسلام (¬5) (¬6). قال الحسين بن الفضل: يريد الله أن يكون أمره بالصوم عليكم ميسَّرًا، ولم يرد أن يكون أمره بالصوم عليكم مُعَسَّرًا (¬7). وقوله تعالى: {وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ} ذكرنا معنى العدة (¬8)، والمدةُ من الأيام تسمى عِدَّة، قال أبو زيد: يقال انقضت عدة الرجل إذا انقضى ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري (1946) (كتاب الصوم)، باب: قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لمن ظلل عليه واشتد الحر، ومسلم (1115) (كتاب الصيام)، باب جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر. من حديث جابر وقد روي من حديث أبي سعيد وأنس. (¬2) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 152 حيث روى ذلك عن عمر وأبي هريرة وعروة بن الزبير، "تفسير الثعلبي" 2/ 305، "المغني" 4/ 406، "تفسير ابن كثير" 1/ 231. (¬3) "تفسيرالثعلبي" 2/ 327. (¬4) ينظر: "المفردات" ص 553، "اللسان" 8/ 4957 - 4960 (يسر). (¬5) في (أ)، (م): لأهل (الأحكام) سلام. (¬6) "تفسيرالثعلبي" 2/ 328. (¬7) لم أجده. (¬8) تقدم معنى العدة في الآية السابقة.

أجله (¬1). قال عطاء عن ابن عباس: ولتكملوا عدة أيام الشهر، إن كان ثلاثين قضيتم ثلاثين، وإن كان تسعًا وعشرين قضيتم تسعًا وعشرين، عددًا (¬2) بعدد (¬3). وروي عنه أيضا يعني: عدة ما أفطرتم، يوما مكان يوم. رواه الكلبي عن أبي صالح عنه (¬4)، فحمل ابن عباس إكمال العدة في الروايتين على قضاء رمضان (¬5). ومعنى الواو في قوله: {وَلِتُكْمِلُوا} على هذا التفسير: العطف على معنى الكلام لا على ظاهر اللفظ، وذلك أن في إباحته الإفطار للمريض والمسافر تسهيل، فتأويل الكلام: فعل الله ذلك ليسهل عليكم، ولتكملوا العدة إذا أقمتم وبرأتم، والعرب ربما تحمل الكلام على المعاني وتترك اللفظ، أنشد الزجاج (¬6): بادَت وغُيِّر آيُهنّ مع البلى ... إلا رَواكدَ جمرهُن هباءُ ومشججٌ أما سواءُ قذاله ... فبدا وغيّبَ سارَه المَعْزَاءُ (¬7) ¬

_ (¬1) ينظر: "اللسان" 5/ 2834 (عدد). (¬2) روى الطبري 2/ 156، 157، أثرين عن الضحاك وابن زيد بمعنى ما ذكر. (¬3) تقدم الحديث عن رواية عطاء ص 92. (¬4) تقدم الحديث عن رواية الكلبي ص 92. (¬5) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 156، 157، "تفسير الثعلبي" 2/ 330، "تفسير أبي المظفر السمعاني" 2/ 174. (¬6) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 254، وينظر: "التفسير الكبير" 5/ 92. (¬7) البيت لشماخ بن ضرار، في ملحق "ديوانه" ص 427 - 428، ولذي الرمة في ملحق "ديوانه" ص 1840 - 1841، "لسان العرب" 4/ 2197. والرواكد: الأثافي، والمَعْزاء بفتح الميم: الأرض الغليظة الصلبة. والمشج: الوتد، والقذال: أعلاه،=

فعطف المشجج على معنى: بها رواكِد ومشجج؛ لأنه لما قال: بادت إلا رواكد ومشجج علم أن المعنى بقيت رواكدُ ومشجج (¬1). واحتج ابن الأنباري لهذه الطريقة بقول الشاعر: قد سالَمَ الحياتُ منه القَدَما ... الأُفْعُوانَ والشُّجَاع الشَّجْعَما (¬2) رد الأفعوان والشجاع على الحيات بالنصب، وهي مرفوعة على تغليب المعنى وتحلية (¬3) اللفظ؛ لأن الحيات إذا سالمت القدم فقد سالمتها القدم. قال: ويحتمل أن تكون الواو عاطفة على مضمر في الكلام يدل عليه المعنى، والتأويل: يريد الله بكم اليُسر، ولا يريد بكم العسر، ليسعدكم ولتكملوا العدة، فحذفت اللام الأولى لوضوح معناها، وبقيت الثانية منعطفة عليها؛ لأن قيام معناها في الكلام يجري مجرى إظهارها. واختار الفراء هذا القول، وقال: معنى الآية: ولتكملوا العدة في قضاء ما أفطرتم، والواو واو استئناف، واللام من صلة فعل مضمر بعدها، والتقدير: ولتكملوا العدةَ فعلَ ذلك، أو شرع ذلك، أي: الرخصة في الإفطار. ومثله: {وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ ¬

_ = وساره: سائره. وهذا البيت من شواهد "الكتاب" لسيبويه 1/ 173 - 174. (¬1) زيادة يقتضيها الكلام، من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 254. (¬2) اختلف في قائل هذا الرجز، فنسب في "اللسان" 4/ 2201 (شجع) إلى مساور بن هند، ويقال هو لأبي حيان الفقعسي، وفي "كتاب سيبويه" 1/ 145، لعبد بني عبس، ونسبه الأعلم للعجاج، وفي "شرح شواهد المغني" للسيوطي ص 329 قال: هو من أرجوزة لأبي حيان الفقعسي، وقيل. لمساور بن هند العبسي، وبه جزم البطليوسي، وقيل: للعجاج، وقال السيرافي: قائله التدمري، وقال الصغاني: قائله عبد بني عبس، انظر: "تأويل مشكل القرآن" لابن قتيبة ص 195. (¬3) في (أ): (تخلية).

الْمُوقِنِينَ} [الأنعام: 75]، أي وليكون من الموقنين أريناه ذلك، وروي عن ابن عباس أيضا ما يدل على أن المراد بإكمال العدة إكمالها في الأداء لا في القضاء، وهو أنه قال في قوله {وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ} يعني: عدة أيام الشهر (¬1). وتقدير الآية على هذا التفسير: يريد الله بكم اليُسر ولا يريد بكم العُسْر، ويريد لتكملوا العدة. والمفسرون على أن المراد به إكمالُ العِدّة في القضاء (¬2). وفي قوله: {وَلِتُكْمِلُوا}، قراءتان: التخفيف والتشديد (¬3)، فمن خَفَّفَ فلقوله: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} (¬4) [المائدة: 3]، وقد قال امرؤ القيس: طوالُ المتون والعرانين والقنا ... لِطافُ الخُصور في تمام وإكمال (¬5) ومن شدَّدَ فلأن فَعَّل وأفعل يتعاقبان في أكثر الأحوال، كما ذكرنا في وصَّى وأوصى (¬6). وقال النابغة: ¬

_ (¬1) "معاني القرآن" للفراء 1/ 113 - 114، وينظر: "التفسير الكبير" 5/ 92، واختار هذا الطبري في "تفسيره" 2/ 157. (¬2) هذا من رواية عطاء وقد تقدم الحديث عنها، ونسبه الثعلبي 2/ 329، البغوي 1/ 201 لعطاء. (¬3) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 157، وابن أبي حاتم 1/ 313، والبغوي 1/ 201، "المحرر الوجيز" 2/ 114، 115، "تفسير ابن كثير" 1/ 232. (¬4) قرأ يعقوب وأبو بكر بن عياش عن عاصم بتشديد الميم، والباقون بالتخفيف. ينظر: "النشر" 2/ 226، "الحجة" 2/ 274. (¬5) البيت لامرئ القيس في "ديوانه" ص 139. (¬6) ينظر: "الحجة" لأبي علي 2/ 274 - 275.

فكمَّلَتْ مائةً فيها حمامتُها ... وأسرعت حسبةً في ذلك العددِ (¬1) واللام في {وَلِتُكْمِلُوا}، لام كي (¬2)، وليستْ لامَ الأمر، ولو كانت لامَ الأمرِ لجاز تسكينُها مع الواو؛ لأنه إذا دخل على لام الأمر الواو أو الفاء أو ثم جاز تسكينها وتحريكها، كقوله: {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ} [الحج: 29]، قرئ بالتسكين والحركة (¬3) (¬4). ونذكر الكلام فيه في سورة الحج إن شاء الله. قوله تعالى: {وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ} قال عطاء عن ابن عباس: يريد لتعظموا الله على. ما أرشدكم له من شرائع الدين (¬5). وقال أكثر العلماء (¬6): أراد به التكبير ليلة الفطر (¬7). قال ابن عباس في هذه الآية: حقٌّ على المسلمينَ إذا رَأَوا هَلالَ ¬

_ (¬1) "ديوان النابغة" ص 16. (¬2) ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 329، "معاني القرآن" للأخفش 1/ 350، "تفسير البغوي" 1/ 201. (¬3) سقطت من (م). (¬4) ينظر: "الحجة" لأبي علي 2/ 276 - 277، قرأ ابن ذكوان بكسر اللام فيهما، والباقون بالإسكان، وقرأ شعبة بفتح الواو وتشديد الفاء من: وليوَفُّوا، والباقون بسكون الواو وتخفيف الفاء. (¬5) هذا من رواية عطاء، وقد تقدم الحديث عنها ص 92. وذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 330 دون عزو لأحد. (¬6) في (م): (المفسرين العلماء). (¬7) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 157، "تفسير القرطبي" 2/ 286 - 287، "تفسير ابن كثير" 1/ 232 - 233.

186

شوالٍ أن يُكبروا (¬1). 186 - قوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي} الآية، قال الضحاك: سأل بعض الصحابة النبي - صلى الله عليه وسلم -: أقريب ربُنا فنناجيه أم بعيد فنناديه؟ فأنزل الله هذه الآية (¬2). وقال الحسن سأل أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - (¬3) فقالوا: أين ربنا؟ فأنزل الله هذه الآية (¬4). وقوله تعالى: {فَإِنِّي قَرِيبٌ} قال عطاء عن ابن عباس: من أوليائي وأهل طاعتي (¬5). ¬

_ (¬1) رواه الطبري عنه في "تفسيره" 2/ 157، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 330، وهو مروي عن زيد بن أسلم كما في المصدرين السابقين. (¬2) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 333، وكذا البغوي 1/ 205، وروى الطبري 2/ 158، وابن أبي حاتم 1/ 314، وأبو الشيخ في "العظمة" 2/ 535 وغيرهم: عن أبي الصلت بن حكيم عن أبيه عن جده، بمثل حديث الضحاك، وذكر في "الدر المنثور" 1/ 352: أنه رواه البغوي في معجمه، وابن مردويه، قال أحمد شاكر: وهذا الحديث ضعيف جدا، منهار الإسناد بكل حال. حاشية "تفسير الطبري" 2/ 158، وعزاه السيوطي في "الدر" 1/ 352 من حديث أبي بنحوه إلى سفيان بن عيينة في "تفسيره"، وعبد الله بن الإمام أحمد في زوائده على الزهد من طريق سفيان عن أبي. (¬3) من قوله: (أقريب ..) ساقطة من (ش). (¬4) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 73، وعنه الطبري في "تفسيره" 2/ 158، وإسناده صحيح إلى الحسن، لكنه ضعيف لإرساله كما ذكر ذلك أحمد شاكر في تعليقه على الطبري. وعزاه السيوطي في "الدر" 1/ 352 من حديث أنس بنحوه إلى ابن مردويه. (¬5) تقدم الحديث عن هذه الرواية.

وقال أهل المعاني: يريد قربَه بالعلم، كما قال: {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ} [المجادلة: 7]، وقال: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} [الحديد: 4]، يريد بالعلم (¬1). وقوله تعالى: {أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} قال ابن عباس: أَتَقَبَّل عبادةَ من عَبَدَني وَوَحَّدني (¬2). ¬

_ (¬1) ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 334، "الدر المصون" 2/ 289، وقد بين شيخ الإسلام في "مجموع الفتاوى" 5/ 247، 460 أن ما نطق به الكتاب والسنة من قرب الرب من عابديه وداعيه هو مقيد لا مطلق لجميع الخلق، وذكر رحمه الله أن قرب الله ودنوه من بعض مخلوقاته لا يستلزم أن تخلو ذاته من فوق العرش، بل هو فوق العرش ويقرب من خلقه كيف يشاء، كما قال ذلك من قال من السلف، وهذا كقربه من عبده موسى لما كلمه من الشجرة، وينظر أيضا: "مجموع الفتاوى" 6/ 13، و"النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى" للشيخ عبد الله المحمود 2/ 735 - 751. وقال الشيخ ابن عثيمين في "شرحه للعقيدة الواسطية" 460 ما خلاصته: اعلم أن من العلماء من قسم قرب الله إلى قسمين، كالمعية، وقال: القرب الذي مقتضاه الإحاطة قرب عام، والقرب الذي مقتضاه الإجابة والإثابة قرب خاص، ومنهم من يقول. إن القرب خاص فقط، مقتض لإجابة الداعي وإثابة العابد، ولا ينقسم، مستدلين بهذه الآية، وبقوله - صلى الله عليه وسلم -: "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد". رواه مسلم (482) كتاب الصلاة، باب: ما يقال في الركوع والسجود، وهذا اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم، وقد أورد على قولهما: قوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} وقوله: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ}، وهاتان عامتان في المؤمن والكافر، وأجيب بأن القرب فيهما إنما هو للملائكة، ألا ترى أنه قال بعد الأولى: إذ يتلقى المتلقيان، وهما من الملائكة، وقال في الثانية: ولكن لا تبصرون، أي: لا تبصرون الملائكة وهم حاضرون لقبض الروح. (¬2) هذه من رواية عطاء، وقد تقدم الحديث عنها.

ويصحُّ حملُ الإجابة على القبول إذا حملت الدعاء على العبادة، والدعاءُ ضُرُوبٌ، فما كان توحيدًا وثناءً على الله، كقولك: يا الله لا إله إلا أنت، وقولك: ربنا لك الحمد يكون عبادة، لأنك دعوت الله ثم وحدته وأثنيت عليه، ولهذا يسمى دعاءً، ولما سمى العبادة دعاءً سمى القبول إجابةً؛ ليتجانس اللفظ، ومثله كثير في كلام العرب (¬1). وقال ابن الأنباري: {أُجِيبُ} هاهنا معناه: أسمع؛ لأنه أَخْبَر عن قُرْبه تعالى، وظاهر القُرْب يدل على السماع لا على الإجابة، والإجابة قد تكون في بعض المواضع بمعنى السماع؛ لأنها تترتب على السماع، فسمى السماعَ إجابةً، كما تقول: دعوت من لا يجيب، أي: دعوت من لا يسمع. قال الشاعر: منزلة صَمَّ صداها وعَفَتْ ... أرسُمُها إن سُئلتْ لم تُجبِ (¬2) أراد: لم تَسْمَع، فنفى الإجابة؛ لأن نفيها يدل على نفي السمع، وكما جعلوا الإجابة بمعنى السمع جعلوا السمع بمعنى الإجابة، فيقال: سمع الله لمن حمده، يراد به: أَجَابه. وأنشد أحمد بن يحيى عن ابن الأعرابي: دعوتُ الله حتى خِفْتُ أن لا ... يكونَ اللهُ يَسْمَعُ ما أقولُ (¬3) ¬

_ (¬1) من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 255 بتصرف، وذكر ضربين آخرين: أحدهما: مسألة الله العفو والرحمة. وثانيهما: هو مسألته من الدنيا. كقولك: اللهم ارزقني مالا وولدا. وينظر: "البحر المحيط" 1/ 47. (¬2) البيت بلا نسبة في "لسان العرب"1/ 618، 2/ 1152. (¬3) البيت لسمير بن الحارث الضبي في "تاج العروس" 11/ 227 (سمع)، وفي "نوادر أبي زيد" ص 124.

أرأد: يجيب، وإنما قام أحدهما مقام الآخرة لأنهما يترتبان في الوجود (¬1). وقال السدي: ما من مؤمن يدعو الله إلا استجاب له، فإما أن عجل له في الدنيا، وإما ادّخر (¬2) له في الآخرة، أو دفع به عنه مكروهًا (¬3). و {أُجِيبُ} موضعه نصبٌ (¬4) على الحَال، تأويله: فإني قريبٌ مجيبًا دعوةَ الداعي، فلما كان مستقبلًا رفع بما في أوله، ويجوز أن يكون مستأنفًا منقطعا مما قبله، ويجوز أن يكون محمولًا على {قَرِيبٌ}. تأويله: فإني قريبٌ مجيب، فلما كان في لفظ الاستقبال رفع بالألف، وتأويله الرفع على النعت لقريب (¬5). وقوله تعالى: {فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي} أي: فليجيبوني بالطاعة وتصديق الرسل. وأجاب واستجاب بمعنى (¬6). قال كعب الغنوي (¬7): ¬

_ (¬1) ينظر: "تفسير البغوي" 1/ 206، "البحر المحيط" 1/ 47. (¬2) في (ش): (أخر). (¬3) رواه الطبري عنه في "تفسيره" 2/ 159، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 314. (¬4) في (ش): (نصبًا). (¬5) ينظر: "البحر المحيط" 2/ 45، وذكر أيضا إعرابًا آخر، وهو أن أجيب خبر بعد خبر. (¬6) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 159، "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 315، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 255، "تفسير الثعلبي" 2/ 335. (¬7) هو: كعب بن سعد بن عمرو الغنوي، من بني غنى، شاعر جاهلي حلو الديباجة يقال له: كعب الأمثال، لكثرة ما في شعره من الأمثال، أكثر شعره في رثاء أخ له قتل في حرب ذي قار قال عنه الأصمعي بين أصحاب المراثي: ليس في الدنيا مثله. وقد رد الزركلي وعبد العزيز الميمني قولَ الغدادي والبكري: إنه شاعر =

وداعٍ دَعَا يا (¬1) مَنْ يُجِيبُ إلى النَّدى ... فلم يَسْتَجِبْه عندَ ذَاك مُجِيْبُ (¬2) قال أهل المعاني: الإجابة من العبد لله تعالى: الطاعة، وإجابة كلِّ شيء على وفق السؤال، والله تعالى تَعَبَّدَنا بالطاعة، فالإجابة منّا له أن نطيعه، يقال: سأل فلان فلانًا شيئًا فلم يكن له عنده إجابة، أي: إعطاء لأن سؤاله كان استعطاءً، ويقال: أجابت السماء بالمطر، إذا أرسلت المطر، وأجابت الأرضُ بالنبات إذا أنبتت (¬3)، قال زهير: وغيثٍ من الوسمي حُوٍّ تِلاعُه ... أجابت روابيه النِّجَاءَ هَوَاطِلُه (¬4). وقوله تعالى: {لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} أي: ليكونوا على رجاء من إصابة الرشد (¬5). ¬

_ = إسلامي. توفي نحو10 ق هـ. ينظر: "سمط اللائي" 772، "الأعلام" 5/ 227، "جمهرة أشعار العرب" ص 250. (¬1) في (ش): (دعانا). (¬2) البيت في "الأصمعيات" ص 96، "الأمالي" لأبي علي 2/ 151 "مجاز القرآن" 1/ 67 "لسان العرب" 1/ 283 (جوب). (¬3) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 159، "تفسير الثعلبي" 2/ 336، "البحر المحيط" 2/ 47. (¬4) البيت في "ديوانه" ص 127. و"المخصص" لابن سيده 10/ 190، "تفسير الثعلبي" 2/ 336، والوسمي: أول المطر، وحُوّ: تضرب إلى السواد من شدة خضرة نبتها، والتلاع: مسيل ما ارتفع من الأرض إلى بطن الوادي، والروابي: ما ارتفع من الأرض، وهواطله: مواطره، والهطل: مطر لين ليس بالشديد ينظر: "الديوان بشرح ثعلب" ص 127. (¬5) ينظر: "البحر المحيط" 2/ 47.

187

وقال ابن عباس: لكي يرشدوا (¬1)، ويقال: رَشِدَ يَرشَدُ ورشَدَ يَرْشُدُ: إذا أصاب الرشد، وهو نقيض الغي (¬2). 187 - قوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ} الآية قال المفسرون: كان في أول فرض الصيام الجماع محرَّما في ليل الصيام، والأكل والشرب بعد العشاء الآخرة، فأحل الله عز وجل ذلك كله إلى طلوع الفجر (¬3). وقوله تعالى: {لَيْلَةَ الصِّيَامِ} أراد: لَياليَ الصِّيام، فأوقع الواحد مَوْقِعَ الجماعة (¬4)، ومنه قول العباس بن مرداس (¬5): فقلنا اسلموا إنا أخوكم ... فقد برئت من الإِحنِ الصُّدُور وأما (¬6) الرفث، قال الليث: الرفث: الجماع، وأصله: قول الفحش، وأنشد الزجاج: عن اللَّغَا ورَفَثِ التَّكَلُّمِ (¬7) ¬

_ (¬1) هذا من رواية عطاء التي تقدم الحديث عنها. (¬2) ينظر: "المفردات" للراغب ص 202، وقال: وقال بعضهم: الرَّشَد أخص من الرُّشْد، فإن الرشد يقال في الأمور الدنيوية والأخروية، والرَّشَد يقال في الأمور الأخروية لا غير، والراشد والرشيد يقال فيهما جميعا. (¬3) من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 255، وقد اختصر المؤلف قصة سبب النزول، وهي مطولة، ينظر: في "تفسير الطبري" 2/ 165 - 167، وابن أبي حاتم 1/ 316، "تفسير الثعلبي" 2/ 346، وابن كثير 1/ 235، ورواها البخاري (1915، 4508). (¬4) ينظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 1/ 67. (¬5) انظر التعليق عند تفسير [البقرة: 61]. (¬6) في (م): (فأما). (¬7) قبله: وَرَبِّ أسرابِ حجيج كُظَّمٍ وهو للعجاج، من ميميته الطويلة في "ديوانه" ص 296، وأسراب: قطع، وكُظَّم: لا تتكلم بالكلام القبيح واللغا بفتح اللام: اللغو من الكلام. "معاني القرآن" للزجاج 1/ 269

يقال: رَفَثَ في كلامه يَرْفُثُ، وأرفث: إذا تكلم بالقبيح، هذا هو الأصل، ثم يكنى به عن الجماع (¬1). قال أبو إسحاق: الرَّفَثُ: كلمة جامعة لكل ما يريده الرجل من المرأة (¬2). وقال عطاء فيما روى عن ابن عباس: الرفث: الجماع (¬3). قال ابن عباس: إن الله حيي كريم يكني، فما ذكر الله في القرآن من المباشرة والملامسة والإفضاء والدخول والرفث فإنما يعنى به الجماع (¬4). قال الزجاجي: قد تأملنا الألفاظ الواردة عن العرب، المستعملة في معنى الجماع، فما وجدنا فيها لفظةً وُضِعَتْ حقيقة في معنى الجماع حتى ¬

_ (¬1) ينظر في الرفث؛ "تهذيب اللغة" 2/ 1437، "اللسان" 3/ 1686، "المفردات" ص 205، وقال: الرفث: كلام متضمن لما يستقبح ذكره من ذكر الجماع ودواعيه، وجعل كناية عن الجماع في قوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ}، تنبيها على جواز دعائهن إلى ذلك ومكالمتهن فيه، وعدي بإلى لتضمنه معنى الإفضاء. (¬2) من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 255. (¬3) أخرجه الطبري في "تفسيره" 2/ 161 من طريق بكر بن عبد الله المزني عن ابن عباس، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 315 من طريق سعيد بن جبير، قال ابن أبي حاتم: وروي عن عطاء ومجاهد وسعيد بن جبير وطاوس والحسن والضحاك وإبراهيم النخعي، وسالم بن عبد الله والسدي، وعمرو بن دينار وقتادة والزهري ومقاتل بن حيان وعطاء الخراساني نحو ذلك. وينظر: "تفسير ابن كثير" 1/ 235 - 236، "الدر المنثور" 1/ 358. (¬4) رواه الثوري في "تفسيره" ص 63، والطبري 2/ 161، وابن أبي حاتم 1/ 317، وعزاه في "الدر" 1/ 359 إلى ابن المنذر والبيهقي، وذكره الثعلبي 2/ 349، والبغوي 1/ 207.

لا تستعمل في غيره، لكن الكلمة إذا كثر استعمالها في معنى ويكون موضوعها لمعنى آخر فإنها تصير حقيقةً فيما استعملت فيه كثيرًا، حتى إذا أطلق لم يعرف غير ذلك، كما تقول في المباضعة، فإن أصلها من البَضْع، وهو قَطْعُ اللحم، فإذا أطلق لم يعرف منه غير معنى الجماع، كما أن نفس قولنا: فَرْج كناية، فإذا أطلقوا الفرج لم يعرف منه غير هذا المعنى المقصود إليه. وقالوا: بَاضَعَها كأنه باشر بُضْعَها، ولم يقولوا: فارجها، وصارت المباضعة كالحقيقة في معنى الجماع؛ لأنهم لا يستعملونها في غيره، ألا ترى أنهم يقولون: غَشِيَها وتَغَشَّاها، ووَطِئَها وتوطاها، وقربها، وبَطَنَها وتَبَطَنَها، وكل هذه الألفاظ موضوعةٌ لغير هذا المعنى (¬1). وذكر جماعة من أهل هذه الصناعة: أن صريحَ اللفظ المستعمل في المباضعة قولهم: ناك ينيكُ نَيْكا، وليس كما ذهبوا إليه؛ لأن هذه اللفظة مستعارة أيضا، وقد ذكر أبو زيد عن العرب: ناكَ النعاسُ عينَهُ، ونكح النعاس بمعنى (¬2)، فجعل أصل الكلمة اللزوم والمواظبة. وأما معنى النكاح فسنذكره عند قوله: {وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ} [البقرة: 221]، إن شاء الله. قال أبو عبيدة: الرّفث إلى نسائكم: الإفضاء إلى نسائكم (¬3)، قال الأخفش: وانما عدّاه بإلى لأنه كان بمعنى الإفضاء (¬4). ¬

_ (¬1) ينظر: "البحر المحيط" 1/ 48. (¬2) ينظر: "تهذيب اللغة" 4/ 3659، "اللسان" 8/ 4537. (¬3) "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 1/ 67، "البحر المحيط" 1/ 48. (¬4) لم أجده في "معاني القرآن" للأخفش.

وقوله تعالى: {هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ} أصلُ اللِّباس: ما يَلْبَسُه الإنسان مما يواري جَسَدَه، ثم المرأة تسمى لباسَ الرّجل، والرجل لباس المرأة؛ لانضمام جسد كل واحد منهما إلى جسد صاحبه، حتى يصير كل واحد منهما لصاحبه كالثوب (¬1) الذي يلبسه، فلما كانا يتلابسان عند الجماع سمي كل واحد منهما لباسا للآخر (¬2). قال الجعدي (¬3): إذا ما الضجيعُ ثنى جيدَها ... تثنّتْ فكانت عليه لباسا (¬4) والعرب تسمى المرأة: اللباس، والفراش، والإزار، وأم العيال، والرَبَضَ (¬5) والبيت. وقيل في قوله: فدًى لك من أخي ثقةٍ إزاري (¬6) ¬

_ (¬1) في (م): (كالثوب لصاحبه كالثوب). (¬2) ينظر: "تأويل مشكل القرآن" 141، "تفسير الطبري" 2/ 162، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 256، "تهذيب اللغة" 4/ 3228، 3229، "تفسير الثعلبي" 2/ 351، "البحر المحيط" 1/ 49. (¬3) هو: قيس بن عبد الله بن عدس بن ربيعة الجعدي العامري، شاعر مفلق، صحابي من المعمرين، اشتهر في الجاهلية وسمي النابغة؛ لأنه أقام ثلاثين سنة لا يقول الشعر ثم نبغ فقاله، هجر الأوثان ونهى عن الخمر في الجاهلية، ثم وفد إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - فأسلم، توفي سنة 55 هـ. ينظر: "الإصابة" 3/ 537، "الأعلام" 5/ 207. (¬4) البيت في "ديوانه" ص 81، "تأويل مشكل القرآن" 142 "الشعر والشعراء" 1/ 299 "تفسير الطبري" 2/ 162، "لسان العرب" 7/ 3986. ويروى عطفها بدل جيدها. وتداعت بدل تثنت. (¬5) في (ش): (الريض). (¬6) صدر البيت: ألا أبلغ أبا حفص رسولًا وهو لنفيلة الأكبر الأشجعي، وكنيته أبو المنهال، وكان كتب إلى عمر بن =

أي: نسائي (¬1). ومنه: أكِبرٌ غَيّرني أم بيت (¬2) وقول (¬3) الآخر: جاء الشتاء ولمّا أتخِذْ رَبَضًا (¬4) وهذا المعنى الذي ذكرناه في اللباس (¬5) هاهنا موافق لما قاله المفسرون، قال الربيع: هن فراش لكم وأنتم لحاف لهن (¬6). وقال ابن زيد في قوله: {هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ} قال: ¬

_ = الخطاب أبياتًا من الشعر يشير فيها إلى رجل كان واليًا على مدينتهم في قصة طويلة. والبيت في "تفسير الثعلبي" 2/ 354 "تاج العروس" 6/ 21، "الإصابة" 1/ 273، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 256، "غريب الحديث" للخطابي 2/ 101. والبيت للنابغة الجعدي، في "الشعر والشعراء" ص 255، والطبري 3/ 490، وينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 256. (¬1) "تفسير الثعلبي" 2/ 354، "غريب الحديث" للخطابي 2/ 101، "الصحاح" للجوهري 2/ 578. (¬2) البيت لمجهول، ذكره في "الأمالي" لأبي علي 1/ 21، وفي "أساس البلاغة" 1/ 72 (بيت)، وفي "لسان العرب" 1/ 393 (بيتا). (¬3) في (ش): (وقال). (¬4) عجز البيت: ياويح كفي من حفر القراميص وهو في "اللسان" 3/ 1559، بغير نسبة. (¬5) ينظر في اللباس: "تفسير الطبري" 2/ 162، 163، ابن أبي حاتم 1/ 316، "المفردات" 450، " اللسان" 7/ 3986 (لبس). (¬6) ذكره البغوي في "تفسيره" 1/ 207 بهذا اللفظ، ورواه الطبري عنه 2/ 163، ابن أبي حاتم 1/ 316 ولفظهما: هن لحاف لكم وأنتم لحاف لهن، وكذا ذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 352.

للمواقعة (¬1)، يريد: أن كلَّ واحد منهما يستر صاحبه عند الجماع عن أبصار الناس، (¬2) وهذا من خصائص الإنسان. قال عمرو بن يحيى (¬3): ليس شيء من الحيوان يتبطن طروقته غير الإنسان والتمساح. وزاد غيره: الدُبُّ. ومعنى تبطن: أتى من جهة البطن (¬4). وقيل: {هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ} أي: سكن لكم وأنتم سكن لهن، وهو قول ابن عباس في جميع الروايات (¬5)، وقول مجاهد (¬6) وقتادة (¬7). والمعنى: أنكم تلابسونهن وتخالطونهن بالمساكنة، وهن كذلك، أي: قَلَّ ما يَصْبرُ أحد الزوجين عن الآخر. ويقال: إنما سُمِي الزوجان (¬8) لباسًا؛ لسَتر كل واحد منهما صاحبه عما لا يحلّ (¬9)، كما جاء في الخبر: (من تزوج فقد أحرز ثلثي دينه) (¬10). ¬

_ (¬1) رواه الطبري عنه في "تفسيره" 2/ 163. (¬2) "تفسير البغوي" 1/ 207. (¬3) في (ش): (عمرو بن بحر) أقول لعله الجاحظ فليلاحظ (¬4) "حياة الحيوان الكبرى" للدميري 1/ 164. (ط. دار الفكر). (¬5) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 316، وقال بعده: وروي عن مجاهد وسعيد ابن جبير وقتادة والسدي ومقاتل بن حيان نحو ذلك. (¬6) رواه الطبري في "تفسيره" عنه 2/ 163، وابن أبي حاتم 1/ 316. (¬7) رواه الطبري عنه 2/ 163. (¬8) في (م): (سمي الزوجين). (¬9) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 163، "تفسير الثعلبي" 2/ 325، "تفسير البغوي" 1/ 207، "التفسير الكبير" 5/ 106، "البحر المحيط" 1/ 48. (¬10) ذكره البغوي في "تفسيره" 1/ 207، دون إسناد، والحديث لفظه في كتب السنة الأخرى: "من تزوج فقد استكمل نصف دينه، أو نصف الإيمان" رواه الطبراني في "الأوسط" عن أنس برقم 7643، ورقم 8789، والأصفهاني في "الترغيب =

وإنما وحد (¬1) اللباس بعد قوله: {هُنَّ} لأنه يجري مجرى المصدر. وفِعَال من مصادر فاعل، وتأويله: هنّ ملابسات لكم. وقوله تعالى: {عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ} يقال: خَانه خَوْنًا وخِيانَةً ومَخَانَةً واخْتَانَه اخْتِيانًا: إذا لم يف له، والسيف إذا نبا عن الضريبة فقد خانك، وخَانَه الدهرُ والنعيمُ: إذا تغير حاله إلى شر منها. قال ابن قتيبة: الخيانة: أن يؤتمن الرجلُ على شيء فلا يؤدي الأمانةَ فيه، وناقض العهدِ خائن؛ لأنه آمن بالعهد فغدره، ومنه قوله: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً} [الأنفال: 58]. أي: نقضا للعهد، ويقال لعاصي المسلمين: خائن؛ لأنه مؤتمن على دينه، ومنه قوله: {لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ} [الأنفال: 27]، أي: بالمعاصي (¬2). ¬

_ = والترهيب"، والحاكم 2/ 161، وصححه، ولفظه عنده: "من رزقه الله امرأة صالحة فقد أعانه على شطر دينه، فليتق الله في الشطر الثاني". وضعفه ابن حجر في التلخيص 279، وقال ابن الجوزي في "العلل المتناهية" 2/ 612 (ط. دار الكتب العلمية): هذا حديث لا يصح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وإنما يذكر عنه، وفيه آفات منها: يزيد الرقاشي، وهياج يعني ابن بسطام، ومالك بن سليمان. اهـ. بتصرف. وينظر: "كشف الخفا" للعجلوني 2/ 239 برقم2432، "المقاصد الحسنة" للسخاوي ص 638 برقم1098 (ط. دار الكتاب العربي) وحسن الألباني الحديث بمجموع طرقه كما في "السلسلة الصحيحة" 1/ 200 برقم 625. (¬1) في (ش): (وجد). (¬2) ينظر في "خان": "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة ص 74، "الكشاف" للزمخشري 1/ 115، وقال: الاختيان من الخيانة، كالاكتساب من الكسب، فيه زيادة وشدة، "اللسان" 3/ 1294، "المفردات" للراغب ص 167، قال: والاختيان: مراودة الخيانة، ولم يقل تخونوا أنفسكم؛ لأنه لم تكن منهم الخيانة، بل كان منهم الاختيان، فإن الاختيان تحرك شهوة الإنسان لتحري الخيانة. اهـ. أقول: وسبب النزول يدل على وقوعهم في الجماع المحظور.

وقوله: {عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ} أي: تخونونها بالمعصية، قال ابن عباس: يريد فيما ائتمنتكم عليه (¬1)، وخيانتهم: أنهم كانوا يباشرون ليالي الصيام (¬2). وقوله تعالى: {فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ} يريد: عمر وأصحابه، وذلك أنه واقع أهله بعد ما صلى العشاء الآخرة، فلما اغتسل أخذ يبكي، فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - وطلب الرخصة، واعترف رجال بمثل ما صنع عمر فنزلت هذه الآية فيه وفي أصحابه (¬3). وقوله تعالى: {فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ} أمر إباحة (¬4)، والمباشرة: المجامعة؛ لتلاصق البشرتين وانضمامهما (¬5). وقوله تعالى: {وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} أكثر المفسرين على أن المراد بهذا: الولد، أي: اطلبوا بالمباشرة ما قضى الله لكم من الولد (¬6). ¬

_ (¬1) هذا من رواية عطاء، وقد تقدم الحديث عنها. (¬2) ينظر أسباب النزول فيما تقدم. (¬3) تنظر الروايات في ذلك عند الطبري 2/ 163 - 167، وابن أبي حاتم 1/ 316، والثعلبي 2/ 346. (¬4) "تفسير الثعلبي" 2/ 356. (¬5) "تفسير الطبري" 2/ 168، وابن أبي حاتم 1/ 317، "الثعلبي" 2/ 354، "البغوي" 1/ 207، "التفسير الكبير" 5/ 108. (¬6) ذكر الآثار في ذلك: الطبري 2/ 169 - 170، وابن أبي حاتم 1/ 317 عن أنس وابن عباس ومجاهد وعكرمة والحسن والسدي والربيع وابن زيد والضحاك بن مزاحم وشريح وعطاء وسعيد بن جبير والحكم بن عتيبة وزيد بن أسلم ومقاتل بن حيان. وينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 355، "تفسير البغوي" 1/ 207، "الدر المنثور" 1/ 359.

وقال قتادة: يعنى الرخصةَ التي كتبتُ لكم (¬1)، وقال معاذ بن جبل (¬2) وابن عباس في رواية أبي الجوزاء (¬3): يعني: ليلةَ القدر، وكل هذا مما تحتمله الآية. وقال أبو إسحاق: الصحيح عندي أن ما كتب الله لنا هو (¬4) القرآن، أي: اتبعوا القرآن فيما أبيح لكم فيه (¬5) وأمرتم به (¬6). وقوله تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا} أمر إباحة حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود (¬7) روي في تفسير هذا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال لعدي بن حاتم: "إنما ذاك بياض النهار من سواد الليل" (¬8). وبهذا قال عامة أهل التفسير (¬9)، والعرب قد تكلمت بهذا اللفظ في ¬

_ (¬1) رواه عنه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 71، والطبري 2/ 170، وذكره الجصاص في "أحكام القرآن" 1/ 227. (¬2) رواه عنه الطبري 2/ 170، وذكره عنه الثعلبي 2/ 356، البغوي 1/ 207. (¬3) رواه عنه الطبري 2/ 170، وابن أبي حاتم 1/ 317، وذكره الثعلبي 2/ 356، والجصاص في "أحكام القرآن" 1/ 227. (¬4) هو: سقطت من (م). (¬5) سقطت من (ش). (¬6) من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 256 بمعناه، وقد بين الطبري 2/ 170 أن كل الأقوال المذكورة مرادة، وهو مما كتب الله، لكن أشبه المعاني بظاهر الآية من قال: إن المراد به الولد؛ لأنه ورد عقيب قوله: جامعوهن. (¬7) ينظر: "التفسير الكبير" 5/ 109، "أحكام القرآن" لابن العربي 1/ 91. (¬8) أخرجه البخاري (1916) كتاب الصوم، باب قول الله: وكلوا واشربوا، ومسلم (1090) كتاب الصيام، باب: بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر. (¬9) ينظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 1/ 68، "تفسير غريب القرآن" ص 74، "تفسير الطبري" 2/ 170 - 172، "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 318، "تفسير الثعلبي" 2/ 363، "البغوي" 1/ 208.

الليل والنهار، قال أمية الثقفي (¬1): الخيط الأبيض لون الصبح منفلق ... والخيط الأسود لون الليل مركوم (¬2) (¬3) وقال أبو دواد (¬4): فَلمّا أَضَاءت لنا غُدْوَة ... ولاحَ من الصُّبْح خَيْطٌ أَنَارا (¬5) واختلفوا لم سميا خيطين؟ (¬6) فقال الأكثرون: إنما (¬7) يسمى خيطين عند اختلاط الضوء بالظلام والتفاف أحدهما بالآخر؛ شبها (¬8) بخيطين بريمين، ومن هذا يقال: خَيّطَ الشيبُ رأسَه، إذا اختلط السواد بالبياض، ¬

_ (¬1) هو: أمية بن أبي الصلت بن ربيعة بن عوف، تقدمت ترجمته. (¬2) في (ش): (مزكوم). (¬3) البيت في "ديوانه" ص 77، وذكره الثعلبي دون نسبة 2/ 364 ولفظه: الخيط الأبيض وقت الصبح منصدع ... والخيط الاسود جوز الليل مركوم وهو في "تاج العروس"، "الدر المنثور" 1/ 360، وقد ورد في "الديوان"، "الدر المنثور" مكموم، بدل: مركوم. (¬4) جارية بن الحجاج بن حذاق، وقيل: حنظلة بن المشرقي، أبو دواد الإيادي، تقدمت ترجمته. (¬5) البيت لأبي دواد الإيادي في "ديوانه" ص 352، "الأصمعيات" ص 190، "غريب الحديث" للخطابي 1/ 233، "لسان العرب" 3/ 1302 خيط. ورواية الطبري في "تفسيره" 2/ 176، سُدْفَة، بدل: غدوة، والسدفة: ظلمة الليل في لغة نجد، والضوء في لغة قيس، وهي أيضًا اختلاط الضوء والظلمة جميعًا وهذا مراد الشاعر. والخيط: اللون هنا يكون ممتداً كالخيط. (¬6) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 176 - 177، "تفسير البغوي" 1/ 208، "التفسير الكبير" 5/ 109 - 110. (¬7) في (ش): (إنهما). (¬8) في (ش): (شبّها).

ذكره أبو عبيد عن الأصمعي، وأنشد: حتى تُخَيَّطَ (¬1) بالبياض قروني (¬2) البيت لبدر الهذلي، وأوله: آليت لا أنسى منيحة واحدٍ يعنى بالمنحة: هجاء مهاجيه (¬3). وقرأت على أبي الحسين الفسوي: أخبركم حمد بن محمد، قال: أنشدنا الحسن بن خلّاد، قال: أنشدني دريد، قال: أنشدنا ابن أخي الأصمعي، عن عَمِّه، لرجل يصف ليلًا: كأن بقايا (¬4) الليل في أخرياته ... مُلاءٌ يبقى (¬5) من طيالسة خضرِ تخال بقاياه التي أسأر الدجى ... تمدُّ وشِيعًا فوق أرديةِ الفجرِ (¬6) فشبهها بالوشيع، وهو فتائل الغزل؛ لما يتراءى في خلاله من خيوط سوادٍ وبياضٍ. وقال الزجاج: هما فجران، أحدهما: يبدو أسود معترضًا، وهو الخيط الأسود، والأبيض: الذي يطلع ساطعًا يملأ الأفق (¬7)، فعندهما ¬

_ (¬1) في (ش): (تخيط). (¬2) عجز بيت ذكر الواحدي بعده صدره، وهو من قول بدر بن عامر الهذلي في "الأغاني" 24/ 166. (¬3) من قوله البيت: البدر ... ساقط من: (ش). (¬4) في (ش): (بقانا). (¬5) في (م): (كأنها سقى). (¬6) لم أهتد إلى قائله أو من ذكره. (¬7) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 257، والفجر فجران: أحدهما: يسطع في السماء مستطيلا كذنب السرحان (الذئب) ولا ينتشر، وهو الفجر الكاذب، فذاك لا يحل=

الخيطان: هما الفجران، سميّا لامتدادهما، تشبيهًا بالخيطين. وقوله تعالى: {مِنَ الْفَجْرِ} الفجر: مصدر قولك: فَجَرْتُ الماء أَفْجُره فَجْرًا، وفَجرتُه تفجيرًا، فانفجر انفجارًا، إذا سال. قال الأزهري: أصله: الشق، ومنه: فَجْرُ السِّكْر (¬1)، فعلى هذا، الفجر في آخر الليل: هو شق عمود الصبح الليل، شَبَّه شقَّ الضوءِ ظُلْمةَ الليل بفجر الماء الحوض (¬2). قال سهل بن سعد (¬3): لما نزل قوله: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ} كان الرجل إذا أراد الصوم ربط في رجله خيطين أسود وأبيض، فلا يزال يأكل ويشرب حتى يتبين له رِئْيُهُما، فأنزل الله: {مِنَ الْفَجْرِ}، فعلموا أنه يعني: الليل والنهار (¬4). فالأكل للصائم بالليل ¬

_ = الصلاة، ولا يحرم الطعام على الصائم. والثاني: هو المستطير الذي ينتشر ويأخذ الأفق، وهو الفجر الصادق الذي يحل الصلاة ويحرم الطعام على الصائم، وهو المعني بهذه الآية. ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 172، والبيهقي 4/ 215، "تفسير الثعلبي" 1/ 334. (¬1) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 177، "تهذيب اللغة" 3/ 2743، "تفسير الثعلبي" 2/ 367، "المفردات" 75، "اللسان" 6/ 3351 (فجر). (¬2) "تفسير الثعلبي" 2/ 367. (¬3) هو سهل بن سعد بن مالك بن خالد الأنصاري الخزرجي الساعدي، أبو العباس، له ولأبيه صحبة، توفي سنة 88 هـ. وقيل بعدها. ينظر: "أسد الغابة" 2/ 472، "تقريب التهذيب" ص 257 (2658). (¬4) رواه البخاري (4511) كتاب التفسير، باب: قوله: وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض وكذا برقم (1917) كتاب الصوم، باب: قول الله: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا}، ومسلم (1091) كتاب الصيام، باب: بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر.

منظوم في الإباحة بإباحة المباشرة المذكورة قبله بمثل معناها في التوقيت، فقد أباح عز وجل المباشرة والأكل والشرب في ليالي الصوم وإلى انفجار الصبح، وفي هذا ما يدفع قول من يتهول: إن الجنب إذا أصبح قبل الاغتسال لم يكن له صوم؛ لأن المباشرة إذا كانت مباحة إلى انفجار الصبح لم يمكنه الاغتسال إلا بعد انفجار الصبح (¬1). وقوله تعالى: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} جعل الليل منتهى الصوم، ولم يُدْخِل الليلَ في الصوم، كما دخل المرفق في الغسل في قوله: {وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} [المائدة: 6] لأن الليل ليس من جنس النهار، والمرفق (من جنس اليد) (¬2). قال أحمد بن يحيى: سبيل الغاية الدخول والخروج، وكلا الأمرين فيهما ممكن، كما تقول: أكلتُ السمكةَ إلى رأسها، جائز أن يكون الرأس داخلًا في الأكل وخارجًا منه، وخرج الليلُ من الصوم؛ لأنه لا يشك ذو عقل أن الليل لا يُصام، ودخلت المرافق في الغسل أخذًا بالأوثق، ثم انضم إلى هذا تبيين السنة (¬3). ¬

_ (¬1) ينظر: "تفسير الرازي" 5/ 110، "أحكام القرآن" لابن العربي 1/ 94 - 95، وقال: ففي ذلك عدى جواز طلوع الفجر عليه وهو جنب، وذلك جائز إجماعا، وقد كان وقع فيه بين الصحابة رضوان الله عليهم كلام، ثم استقر الأمر على أنه من أصبح جنبا فإن صومه صحيح، وبهذا احتج ابن عباس عليه. ويعني -رحمه الله- بالخلاف بين الصحابة ما روي عن أبي هريرة أنه قال: من أصبح جنبا فلا صوم له، واختلف في رجوعه كما ذكره القرطبي 2/ 305. (¬2) ساقط من (م). (¬3) قد بينت السنة ذلك بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا أقبل الليل من هاهنا، وأدبر النهار من هاهنا، وغربت الشمس فقد أفطر الصائم"، رواه البخاري (1941) كتاب الصوم، باب:=

وقال قوم: (إلى) في هذه الآية للتحديد، وفي آية الوضوء معناه مع. كقوله: {مَنْ أَنصَارِىَ إِلَى اَللَّهِ} [آل عمران: 52]. وقوله: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ} [النساء: 2] (¬1). وقوله تعالى: {وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} قال المفسرون: كان الرجلُ يخرجُ من المسجد وهو معتكف فيجامع ثم يعود، فنهوا عن ذلك ما داموا معتكفين (¬2)، فالجماع يفسد الاعتكاف، وأما المباشرةُ غيرُ الجماع مما يُقْصدُ به التلذُّذُ فهو مَكْروه، ولا يفسده، وما لا يقصد به التلذذ فلا يكره (¬3). ¬

_ = الصوم في السفر والإفطار، ومسلم (1101) كتاب الصيام، باب: بيان وقت انقضاء الصوم وخروج النهار. (¬1) ينظر: "المغني" 4/ 432 - 437، "المحرر الوجيز" 2/ 129، "تفسير القرطبي" 2/ 306، "التفسير الكبير" 5/ 111 - 112، وقد نقل كلام الواحدي هذا برمته. (¬2) من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 257، وروى الطبري في "تفسيره" 2/ 180، عن مجاهد والضحاك والربيع وقتادة معنى ذلك، وينظر ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 319، "تفسير الثعلبي" 2/ 375. (¬3) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 180 - 182، "تفسير الثعلبي" 2/ 374، "تفسير القرطبي" 2/ 311، وبين أن من جامع زوجته وهو معتكف عامدا، أنه أفسد اعتكافه بإجماع أهل العلم، واختلفوا فيما عليه إذا فعل ذلك، فأما المباشرة من غير جماع فإن قصد بها التلذذ فهي مكروهة، وان لم يقصد لم يكره، لأن عائشة كانت ترجل رأس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو معتكف، رواه البخاري (2028) كتاب الاعتكاف، باب: الحائض ترجل رأس المعتكف، ومسلم (297) كتاب الحيض، باب: جواز غسل الحائض رأس زوجها وترجيله، وكانت لا محالة تمس بدن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيدها، هذا قول عطاء والشافعي وابن المنذر، قال أبو عمر (يعني: ابن عبد البر): وأجمعوا على أن المعتكف لا يباشر ولا يقبل، واختلفوا فيما =

وقوله تعالى: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ} أشار إلى الأحكام التي ذكرها في هذه الآية. وأما معنى الحد، فقالَ الليثُ: فَصْل ما بينَ كلِّ شَيْئين: حد، ومنتهى كل شيء حدُّه. قال الأزهري: ومن هذا: حدود الأرضين، وحدود الحرم. قال أهل اللغة: أصل الحد: الصرفُ والمنعُ عن (¬1) ومنه يقال للمحروم: محدودٌ؛ لأنه ممنوع عن الرزق، ولهذا قيل للبواب: حدَّاد؛ لأنه يمنع الناس من الدخول، قال الأعشى: وقُمْنا ولَّما يَصِحْ ديكُنَا ... إلى جَوْنَةٍ عند حَدَّادها (¬2). يعني: صاحبها الذي يحفظها ويمنعها (¬3)، والجونة: الخابية، ومنه قول النابغة: ...... فاحدُدْها عن الفَنَد (¬4) ¬

_ = عليه إن فعل. وينظر في المسألة: "الإجماع" لابن المنذر ص 4، "الكافي" لابن عبد البر 1/ 308، "فتح الباري" 4/ 272. (¬1) في نسختى (أ) (م): (عن)، وكأن في الكلام باقيًا لم يذكر. (¬2) ورد البيت هكذا: فقمنا ولما يصحْ ديكنا ... إلى خمرة عند حدّادها والبيت في "ديوانه" 69، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 308 "مجمل اللغة" 1/ 210، "الصحاح" 2/ 462 "تفسير الثعلبي" 2/ 380، والجونة: خابية الخمر "معاني القرآن" للزجاج 1/ 308. (¬3) "تفسير الثعلبي" 2/ 380. (¬4) تمام البيت: إلا سليمان إذ قال الإله له ... قم في البرية فاحددها عن الفند والبيت للنابغة الذبياني في "ديوانه" ص 12، والقرطبي 9/ 260، "البحر المحيط" 5/ 340، "الدر المصون" 6/ 557، "اللسان" 2/ 801، "تاج العروس" 4/ 411=

أي: امنعها. وحَدُّ الدار: ما يمنع غيرها أن يدخلَ فيها، وحدودُ الله: ما منع الله من مخالفتها (¬1). قال الأزهري: حدود الله على ضربين. ضرب منها: ما حُدَّ للناسِ في مطاعمهم ومشاربهم ومناكحهم وغيرها مما أحل وحرم، وأمر بالانتهاء إليها (¬2)، ونهى عن تعدّيها. والضرب الثاني: عقوبات جعلت لمن تعداها (¬3) كحد السارق وحد الزاني وحد القاذف، سميت حدودًا؛ لأنها تحدُّ، أي: تمنع من ارتكاب المعاصي التي جعلت عقوباتٍ فيها، وسميت الأولى حدودًا؛ لأنها نهايات أمر الله لا تُتَعَدَّى (¬4). وعلى ما ذكر الأزهري، وهو حسن صحيح، الضرب الأول سمي حدودًا؛ لأنها ممنوعة لا تؤتى، كالأكل بعد الفجر في الصوم، والضرب الثاني: مانعٌ، والمصدر يطلق على المفعول والفاعل كثيرًا، كقولهم: نسجُ اليمن، وضربُ الأمير، وقوله عز وجل: {إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا} [تبارك: 30]. ويؤكد ما ذكرنا من المعنى في الحدود قوله تعالى: {فَلَا تَقْرَبُوهَا} أي: لا تأتوها فبيّن أنها ممنوعة (¬5). ¬

_ = (حدد)، "تفسير الثعلبي" 2/ 380، وروايته (المليك) بدل (الإله). والفند: الخطأ في الرأي والقول. (¬1) ينظر: "تفسير الطبري" 3/ 546، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 357، 308، "تفسير الثعلبي" 2/ 379، "تهذيب اللغة" 1/ 759 (حدد). (¬2) عبارة الأزهري في "تهذيب اللغة" وأمر بالانتهاء عما نهي عنه منها. (¬3) عبارة الأزهري في "تهذيب اللغة" عقوبات جعلت لم ركب ما نهي عنه. (¬4) من "تهذيب اللغة" 1/ 759 (حدد) بتصرف. (¬5) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 182، "التفسير الكبير" 5/ 115.

188

وقوله تعالى: {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ} أي: مثل هذا البيان الذي ذكر (¬1). 188 - قوله تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} أي: لا يأكل (¬2) بعضكم مالَ بعضٍ. فأضافَ الأموالَ إليهم؛ لأن المؤمنين كجسد واحدٍ في توادِّهم وتعاطفِهم وتَرَاحمِهم، كذا قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (¬3). ومثله قوله: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} [النساء: 29] (¬4). وقوله تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} معنى الباطل في اللغة: الذاهب الزائل، يقال: بَطَلَ الشيء يبطُل بُطْلًا وبُطولًا فهو باطل، ويجمع الباطل: بَوَاطل، وأَبَاطِيل جمع أُبْطُولَة، ويقال: بَطَل الأجيرُ يَبْطُلُ بِطَالَة، إذا تَعَطَّل واتبع اللهو، ومثله: تبطّل (¬5). ¬

_ (¬1) من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 257، وينظر: "تفسير الطبري" 2/ 183، "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 320، "التفسير الكبير" 5/ 116. (¬2) في (أ): (لأكل). (¬3) عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" أخرجه البخاري في الأدب باب: رحمة الناس والبهائم (6011)، ومسلم في: البر والصلة، باب: تراحم المؤمنين وتعاطفهم، وتعاضدهم (2586) (6011) كتاب الأدب، باب: رحمة الناس والبهائم، ومسلم (2586) كتاب البر والصلة، باب: تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم. (¬4) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 183، "تفسير الثعلبي" 2/ 383، "تفسير البغوي" 1/ 210، "التفسير الكبير" 1/ 116. وقال: اعلم أنهم مثلوا قوله تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ}، بقوله: {وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ}، وهذا مخالف لها؛ لأن أكله لمال نفسه بالباطل يصح كما يصح أكله مال غيره. (¬5) ينظر: "تهذيب اللغة" 1/ 350 بطل، "تفسير الثعلبي" 2/ 383، "الصحاح" 4/ 1635، "المفردات" ص61، "اللسان" 1/ 302 بطل.

قال ابن عباس: يعني: بغير طاعة الله عز وجل، واليمين الكاذبة يقتطع الرجل بها مال أخيه المسلم (¬1). قال أهل المعاني: الأكلُ بالباطل على وجهين: أحدهما: أن يكون على جهة الظلم، من نحو: الغَصْب والخيانة والسرقة، والثاني: على جهة اللهو واللعب، كالذي يُؤْخَذُ في القمار والملاهي ونحوها، كلُّ ذلك من أكل المال الباطل (¬2). وقوله تعالى: {وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ} في محل {وَتُدْلُوا} من الإعراب قولان (¬3) ذكر في قوله: {وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ} [البقرة: 42]. وأصل الإدلاء في اللغة: إرسال الدلو وإلقاؤها في البئر، قال الله تعالى: {فَأَدْلَى دَلْوَهُ} [يوسف: 19]، ثم جعل كل إلقاء قول أو فعل إدلاءً، ومنه يقال للمحتج: أدلى بحجته، كأنه يرسلها ليصل إلى مراده إدلاءَ المستقى الدلوَ ليصل إلى مطلوبه من الماء، ويقال: فلان يُدلي إلى الميت بقرابة ورَحِم، إذا كان يَمت إليه من هذا؛ لأنه يطلب الميراث بتلك القرابة طلب ¬

_ (¬1) هذا من رواية عطاء التي تقدم الحديث عنها في قسم الدراسة. (¬2) ينظر. "تفسير القرطبي" 2/ 317، "زاد المسير" 1/ 194، ونقل عن القاضي يعلى أن الباطل على وجهين: أحدهما: أن يأخذه بغير طيب نفس من مالكه كالسرقة. والثاني: أن يأخذه بطيب نفسه كالقمار والغناء وثمن الخمر. (¬3) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 184، "معاني القرآن" للفراء 1/ 115، "تفسير القرطبي" 2/ 319، "التبيان" للعكبري 1/ 120، وذكر الوجهين، وهما: الجزم عطفًا على لا تأكلوا، والنصب على معنى الجمع أي: لا تجمعوا بين أن تأكلوا وتدلوا، وقيل: نصب بإضمار أن الخفيفة، وقال الأخفش: نصب على الجواب بالواو. ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 386، "معاني القرآن" للأخفش 1/ 353.

المستقي الماء بالدلو (¬1). ومعنى قوله: {وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ} أي: تلقون أمورَ تلك الأموال بينكم وبين أربابها إلى الحكام. قال ابن عباس: نزلت في الرجل يكون عليه مال، وليس عليه فيه بينة، فيجحد المال، ويخاصم فيه إلى الحكام، وهو يعرف أن الحقَّ عليه، ولعلم أنه آثمٌ آكلُ حرامٍ (¬2). وقال الحسن: هو أن يكون على الرجل لصاحبه حَقٌّ، فإذا طالبه به دعاه إلى الحاكم فيحلف له، ولذهب بحقه (¬3). وعلى هذا المعنى تفسير لفظ الآية ما ذكره الزجاج، وهو أنه قال: معنى أدلى فلان بحجته: إذا أرسلها، وأتى بها على صحة. قال: فمعنى قوله: {وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ} أي: تعملون على ما يوجبه ظاهر الحكم والإدلاء بالحجة، وتتركون ما قد علمتم (¬4)، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: "إنما أنا بشر، ولعل بعضَكُم أن يكون أَلْحَنَ بِحُجَّتِه من بعض" الحديث (¬5). ¬

_ (¬1) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 184، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 258، "تهذيب اللغة" 2/ 1214 (دلو)، "تفسير الثعلبي" 2/ 384، "المفردات" ص 178، "التفسير الكبير" 5/ 118. (¬2) رواه الطبري في "تفسيره" عنه 2/ 183، وابن أبي حاتم 1/ 321، وعزاه السيوطي في "الدر" 1/ 366 إلى ابن المنذر. (¬3) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 387، وذكر ابن أبي حاتم 1/ 321، عن الحسن أنه قال: لا تخاصم وأنت تعلم أنك ظالم. (¬4) من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 258. (¬5) أخرجه البخاري (7169) كتاب الشهادات، باب: موعظة الإمام للخصوم، ومسلم (1713) كتاب الأفضية، باب: الحكم بالظاهر واللحن بالحجة.

189

والمختار في هذه الآية ما ذكره الفراء، وهو أنه قال: المعنى: لا تصانعوا بأموالكم الحكام، ليقتطعوا لكم حقًّا لغيركم وأنتم تعلمون أنه لا يحل لكم (¬1). قال الأزهري: وهذا عندي أصح القولين؛ لأن الهاء في قوله {بِهَا} للأموال، وهي على قول الزجاج للحجة، ولا ذكر لها في الكلام (¬2). واختار ابن قتيبة أيضًا قول الفراء، فقال: يقول: لا تُدْلِ بمالِ أخيك إلى الحاكم ليَحكمَ لك به وأنت تعلم أنك ظالم له (¬3). وقوله تعالى: {لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا} أي: طائفة (¬4). {مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ} قال ابن عباس: يريد باليمين الكاذبة (¬5). وقال غيرُه: بالباطل (¬6)، يعني: بأن يرشو الحاكم ليقضي له {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} أنكم مبطلون وأنه لا يحلُّ لَكم (¬7). 189 - قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ} الآية. قال المفسرون: سأل معاذ بن جبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن زيادة القمر ونقصانه؟ فأنزل الله هذه الآية (¬8). ¬

_ (¬1) نقله عنه الأزهري في "تهذيب اللغة" 2/ 1214 (دلو). (¬2) "تهذيب اللغة" 2/ 1214 (دلو). (¬3) "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة ص 75. (¬4) "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 322، "تفسير الثعلبي" 2/ 386، "البحر المحيط" 2/ 57. (¬5) هذا من رواية عطاء التي تقدم الحديث عنها في المقدمة. (¬6) "تفسيرالثعلبي" 2/ 386. (¬7) "تفسير الطبري" 2/ 183، "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 322، "تفسير الثعلبي" 2/ 386، "البحر المحيط" 2/ 52. (¬8) رواه أبو نعيم في "معرفة الصحابة" 1/ 493، وعزاه السيوطي في "لباب النقول" =

والأهلة: جمع هِلال، وهو غُرّة القمر حين يراها (¬1) الناس، يقال لها (¬2): هلال ليلتين، ثم يكون قمرًا بعد ذلك. وقال أبو الهيثم: يسمى القمر لليلتين من أول الشهر وليلتين (¬3) من آخر الشهر: هلالًا، ويسمى ما بين ذلك: قمرًا، وسمي الهلال هلالاً: لأنه حين يرى يُهلِّ الناس بذكر الله وبذكره (¬4). ويقال: أُهِلّ الهلال، واستُهِلّ، وأهللنا الهلال، واستَهْلَلْناه (¬5)، إذا بُني الفعل للهلال ضُمَّ، وإذا بُنِيَ للرائين فُتِح. هذا قول عامة أهل اللغة، وقال شمِر: يقال: استَهَلَّ الهلال أيضًا وشهر مُستَهِلٌّ، وأنشد: ¬

_ = ص 35 أيضًا إلى ابن عساكر في "تاريخ دمشق"، من طريق السدي الصغير عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس به، وذكره أبو الليث في "بحر العلوم" 1/ 188، والثعلبي في "تفسيره" 2/ 390، وضعف إسناده السيوطي كما في "الدر" 1/ 367، ووهاه المناوي في "الفتح السماوي" 1/ 232، وذكره مقاتل في "تفسيره" 1/ 166 والواحدي في "أسباب النزول" ص 56 عن الكلبي، وكذا ذكره الحيري في "الكفاية" 1/ 132، قال الحافظ في "العجاب": وقد توارد من لا يد لهم في صناعة الحديث على الجزم بأن هذا كان سبب النزول مع وهاء السند فيه، ولا شعور عندهم بذلك، بل كاد يكون مقطوعا به لكثرة من ينقله من المفسرين وغيرهم. اهـ. وقد روى الطبري في "تفسيره" 2/ 185، عن قتادة والربيع وابن جريج وكذا ابن أبي حاتم 1/ 322 عن أبي العالية، قالوا: إن أناسا سألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم خلقت الأهلة؟ فانزل الله تعالى هذه الآية (¬1) في (م): (تراها). (¬2) في (م) و (أ): (له). (¬3) من قوله: (ثم يكون قمرًا بعد ذلك). ساقط من (أ)، (م). (¬4) "تفسيرالثعلبي" 2/ 392. (¬5) في (م): (استهللنا).

وشهرٌ مُستهلٌّ بعد شَهْر ... وحَوْلٌ بعدَه (¬1) حولٌ جديد (¬2) (¬3) قال ابو إسحاق: فِعَالٌ يجمع في أقل العدد على أَفْعِلَة، نحو: مِثَال وأَمْثِلَة، وحِمَارٌ وأَحْمِرَة، وفي أكثر العدد يجمع على فُعُل، نحو: مُثُل وحُمُر، إلَّا أنهم كَرِهوا في التضعيف فُعُلا، نحو هُلُل وحُلُل (¬4)، واقتصروا على جمع أدنى العدد، كما اقتصروا في ذوات الياء والواو على ذلك، نحو: أَكْسِيَة وأَرْدِيَة، للقليلِ والكثير (¬5). أخبرَ اللهُ سبحانه أن الحكمةَ في زيادة القمر ونقصانه زوال الالتباس عن أوقات الناس في حَجِّهم (¬6)، وحَلِّ ديونهم، وعِدَدِ نسائهم، وأجور أُجَرَائِهم، ومُدَدِ حواملهم، ووقت صومهم وإفطارهم، فقال: {قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} (¬7). والمواقيت: جمع الميقات، والميقات: الوقت، كالميعاد بمعنى الوعد. وقال بعضهم: الميقات: منتهى الوقت، قال الله تعالى {فَتَمَّ مِيقَتُ رَبِّهِ} [الأعراف: 142] والهلال: ميقات الشهر، ومواضع الإحرام: ¬

_ (¬1) في (م): (بعد). (¬2) البيت بلا نسبة في "لسان العرب" 8/ 4690 (هلل). ورواية "تهذيب اللغة" 4/ 3784 (هلل: ويومٌ بعده يومٌ قريب). (¬3) ينظر في هلال: "تهذيب اللغة" 4/ 3784 - 3788، "المفردات" ص522، "اللسان" 8/ 4690 (هلل). (¬4) في "معاني القرآن" للزجاج: نحو هلل وخلل، فقالوا: أهلة وأخلة. (¬5) من "معاني القرآن" 1/ 262. (¬6) في (ش): (حجتهم). (¬7) "تفسير الثعلبي" 2/ 392، وينظر: "تفسير الطبري" 2/ 185، "البحر المحيط" 2/ 61.

مواقيت للحج؛ لأنها مقادير يُنْتَهَى (¬1) إليها (¬2). ولا يصرف مواقيت؛ لأنها غاية للجموع، فصار كأن الجمع تكرر فيها. فإن قيل: لم صرفت {قَوَارِيرَ} [الإنسان: 15]؟ قيل: لأنها فاصلة وقعت في رأس آية، فنُوِّن ليجري على طريقة الآيات كما ينون القوافي في مثل: أقلي اللومَ عاذلَ والعتابا (¬3) فالألفُ بدلٌ من التنوين، وليس هو تنوين الصرف الذي يدل على تَمَكُّن الاسم، وإنما هو للفاصلة (¬4). وقوله تعالى: {وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا} قال عامة أهل التفسير: كان أهلُ الجاهلية وفي أول الإسلام إذا أحرم الرجل منهم نَقَبَ في بيته نَقْبًا من مُؤَخَّرِه يخرج منه ويدخل، إلا قريشًا ومن دانوا بدينهم، فبينما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو (¬5) محرم، ورجل محرم فرآه دخل من باب حائط، فاتبعه ذلك الرجل، فقال له: تنح عنى، قال: ولم؟ قال: دخلت من الباب وأنت محرم! فوقف ذلك الرجل فقال: إني رضيت بسنتك وهديك، وقد ¬

_ (¬1) في (ش): (تنتهى). (¬2) ينظر في المواقيت: "تفسير الثعلبي" 2/ 392، "المفردات" 544، "البحر المحيط" 2/ 59، "اللسان" 8/ 4690 (هلل). (¬3) عجز البيت: وقولي إن أصبت لقد أصابا مطلع قصيدة لجرير يهجو فيها عبيدا الراعي والفرزدق في "ديوانه" ص 813، "أوضح المسالك" 1/ 14. وقوله: عاذل: هو مرخم عاذلة، وهو اسم فاعل مؤنث من العذل، وهو اللوم والتوبيخ. (¬4) ينظر: "البحر المحيط" 8/ 397، "أوضح المسالك" 1/ 14. (¬5) ساقطة من (ش).

رأيتك دخلت فدخلت على إثرك، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إني أحمس" (¬1)، يعني: قرشي، وكانت قريش لا تفعل ذلك، قال الرجل: فإن كنت أحمس فإني أحمس (¬2) ديننا واحد، فأنزل الله هذه الآية (¬3)، وأعلمهم أن تشديدهم في الإحرام ليس ببر، ولكن البِرَّ بِرُّ من اتقى مخالفةَ اللهِ، وأمرهم بتركِ سُنَّةِ ¬

_ (¬1) الأحمس: هو المتشدد في دينه، والحُمْس: قريش وخزاعة، وكل من ولدت قريش من العرب، وكل من نزل مكة من قبائل العرب، فكانت الحمس قد شددوا في دينهم على أنفسهم، فكانوا إذا نسكوا لم يسلأوا سمنا، ولم يطبخوا أقطا، ولم يدخروا لبنا، ولم يحولوا بين مرضعة ورضاعها حتى يعافه، ولم يحركوا شعرا ولا ظفرا، ولا يبتنون في حجهم شعرا ولا وبرا ولا صوفا ولا قطنا، ولا يأكلون لحما، ولا يلبسون إلا جديدا، ولا يطوفون بالبيت إلا في حذائهم وثيابهم، ولا يمشون المسجد بأقدامهم تعظيما لبقعته، ولا يدخلون البيوت من أبوابها، ولا يخرجون إلى عرفات يقولون نحن أهل الله ويلزمون مزدلفة حتى يقضوا نسكهم. ينظر: "المحبر" ص178 - 180، "سيرة ابن هشام" 1/ 211 - 216، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 262، وهذا من تعليق محمود شاكر على "تفسير الطبري" 2/ 187، وقيل: سموا حمسا بالكعبة؛ لأنها حمساء، حجرها أبيض يضرب إلى السواد، والأول أشهر وأصح. "فتح الباري" 3/ 603. (¬2) سقطت من (ش). (¬3) أورده بهذا اللفظ الثعلبي 2/ 394، وكذا ذكره الواحدي في "أسباب النزول" ص 56، دون سند، وقد جمعه من آثار متفرقة كما ذكر الحافظ في "العجاب" 1/ 458، وقد روي نحو هذا عن جابر، رواه ابن أبي حاتم 1/ 323، والحاكم 1/ 657، وصححه وعزاه الحافظ في "الفتح" 3/ 621 إلى ابن خزيمة وعبد بن حميد وأبي الشيخ وبقي، وقال في "العجاب" 1/ 456: هو على شرط مسلم ولكن اختلف في إرساله ووصله، وروى الطبري 2/ 188، وابن أبي حاتم 1/ 323 من طريق العوفي عن ابن عباس بنحوه، كما رواه الطبري 3/ 556 عن قيس بن حبتر، وأصل السبب رواه البخاري (1803) كتاب العمرة، باب: قول الله تعالى: {وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا}، ومسلم (3026) كتاب التفسير من حديث البراء بن عازب.

الجاهلية فقال: وأتوا البيوت من أبوابها. وقوله تعالى: {وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى} كقوله: {وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ} [البقرة: 177]، وقد مرَّ. وذهب أبو عبيدة في تفسير هذه الآية إلى غير ما ذكرنا، وهو أنه قال: معناه: ليس البرُّ بأن تطلبوا الخير من غير أهله، وتلتمسوا الأمر من غير بابه، {وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا}. أي: اطلبوا الخير من وجهه والأمر من بابه (¬1)، والقول ما عليه العامة. واختلف القراء في {الْبُيُوتَ} وأخواته، كالجيوب والغيوب، فقرؤوا بضم أولها وكسره (¬2)، فمن ضم فهو الأصل، لأن فَعْلًا يجمع على فُعُول بضم الفاء، ومن كسر فلأجل موافقة الياء، فإن الكسرة أشد موافقة للياء من الضمة، ولا يستقبح ذلك، وإن لم يكن في كلامهم فِعُل؛ لأن الحركة إذا كانت للتقريب من الحرف لم تُكره، ولم تكن بمنزلة مالا تقريب فيه، ألا ترى أنه لم يجئ في الكلام عند سيبويه على فِعِل إلا إِبِل، وقد أكثروا من هذا البناء، واستعملوه على اطراد، إذا كان القصد فيه تقريب الحركة من ¬

_ (¬1) "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 1/ 68، ولفظه: اطلبوا البر من أهله ووجهه، ولا تطلبوه عند الجهلة المشركين. (¬2) قال في "النشر" 2/ 226: واختلفوا في الضم والكسر من (بيوت، والغيوب، وعيون، وشيوخا، وجيوب) فقرأ بضم الباء من (البيوت وبيوت) حيث وقع: أبو جعفر والبصريان (أبو عمرو ويعقوب) وورش وحفص، وقرأ بكسر الغين من (الغيوب) وذلك حيث وقع: حمزة وأبو بكر، وقرأ بكسر العين من (العيون وعيون)، والشين من (شيوخا) وهو في في كافر، والجيم من (جيوبهن)، وهو في سورة النور: ابن كثير وحمزة والكسائي وابن ذكوان وأبو بكر، إلا أنه اختلف عنه في الجيم من جيوبهن.

190

الحرف، وذلك قولهم ماضغٌ لِهِمٌ، ورجل ضِحِكٌ (¬1)، وقالوا في الفعل: شِهِدَ ولِعِب، وقد استعملوا في إرادة التقريب ما ليس في كلامهم (¬2) على بنائه البتة، وذلك نحو شِعِير ورِغيف وشِهِيد، وليس في الكلام شيء على فِعِيل على غير هذا الوجه، فكذلك في {اَلْبُيُوتَ} يستجاز فيه ما ذكرنا للتقريب والتوفيق بين الحرفين. ومما يدل على جواز ذلك: أنه إذا كانت عين الحرف ياءً جوزوا كسر الفاء في التحقير، فقالوا: عِيَيْنَةُ وبِيَيْتٌ، بكسر الفاء، للتقريب من الياء، وإن لم يكُن في أبنية التحقير على هذا الوزن. ويدلّ على صحة هذا: أنه قد جاء في الجموع ما لزمته الكسرة في الفاء، وذلك قولهم في جمع قوس: قِسي، فلولا أن الكسر قد تَمَكَّن في هذا الباب للتقريب من الياء ما كان الحرف يجيء على الكسر خاصة حتى لا يستعمل فيه غيره (¬3). 190 - قوله تعالى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} أي: في دين الله وطاعته (¬4)، قال الربيع (¬5) وابن زيد (¬6): هذه أول آية نزلت في القتال، فلما نزلت كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقاتل من قاتله، ويكفُّ عمن كف عنه، حتى ¬

_ (¬1) هكذا بالأصل، وفي الحجة: مِحِك. (¬2) في (م): (الكلام). (¬3) من "الحجة" 2/ 282 - 283 باختصار وتصرف. (¬4) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 189، "الثعلبي" 2/ 398، "البغوي" 1/ 212. (¬5) رواه عنه الطبري 2/ 189، وذكره الثعلبي 2/ 398، والجصاص في "أحكام القرآن" 1/ 257. (¬6) رواه عنه الطبري 2/ 189، وذكره النحاس في "الناسخ والمنسوخ" 1/ 516، والثعلبي 2/ 398.

نزلت: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِين} [التوبة: 5]، فنُسخت هذه الآية، وأُمِرَ بالقتال مع المشركين كافة. ومعنى قوله: {وَلَا تَعْتَدُوا} أي: لا تبدؤوهم ولا تعجلوهم بالقتال قبل تقديم الدعوة (¬1). وقال ابن عباس (¬2) ومجاهد (¬3): الآية محكمة، أُمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيها (¬4) بالقتال، ولم ينسخ شيء من حكم هذه الآية. قالا (¬5): ومعنى قوله: {وَلَا تَعْتَدُوا} أي: لا تقتلوا النساء والصبيان والشيخ الكبير ولا من ألقى إليكم السَّلَم وكف يده، فإن فعلتم ذلك فقد اعتديتم (¬6). وقال في رواية الكلبي: نزلت هذه الآيات في صلح الحديبية (¬7)، وذلك ¬

_ (¬1) "تفسيرالثعلبي" 2/ 399. (¬2) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 190، وابن أبي حاتم 1/ 325، وذكره النحاس في "الناسخ والمنسوخ" 1/ 516، والثعلبي 2/ 399. (¬3) رواه الطبري 2/ 190، وابن أبي حاتم 1/ 325. (¬4) ساقطة من (ش). (¬5) في (م): (قال). (¬6) روى الطبري في "تفسيره" 2/ 190 هذا القول أيضا عن عمر بن عبد العزيز ثم قال: وأولى هذين القولين بالصواب: القول الذي قاله عمر بن عبد العزيز؛ لأن دعوى المدعي نسخ آية يحتمل أن تكون غير منسوخة، بغير دلالة على صحة دعواه: تحكمٌ، والتحكم لا يعجز عنه أحد. (¬7) الحديبية: بالتخفيف والتشديد، قرية متوسطة ليست بالكبيرة، سميت ببئر هناك عند مسجد الشجرة التىِ بايع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تحتها، وهي على تسعة أميال من مكة، ويقال لها الآن: الشميسي، وصلح الحديبية كان في سنة لست من الهجرة حين منع المشركون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومعه أصحابه وكانو 1400 وقيل: 1500، ثم تصالحوا=

أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما انصرف من الحديبية إلى المدينة حين صَدَّه المشركون عن البيت صالحهم على أن يرجع عامه القابل، ويُخْلُوا له مكة ثلاثة أيام، فلما كان العام المقبل تجهز رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه لعمرة القضاء (¬1)، خافوا أن لا تفي لهم قريش، وأن يصدوهم عن البيت، ويقاتلوهم، وكره أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قتالهم في الشهر الحرام، في الحرم، فأنزل الله عز وجل: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} محرمين {الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ} يعني: قريشا (¬2). ¬

_ = الصلح المعروف، ولم يقع فيه قتال، وفيه أنزل الله: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا}، ينظر: "سيرة ابن هشام" 3/ 365 - 373، "طبقات ابن سعد" 2/ 95 - 105، "تاريخ الطبري" 3/ 71، "زاد المعاد" 3/ 386. (¬1) عمرة القضاء أو القضية كانت في ذي القعدة سنة سبع، وسميت بذلك قيل: لكونها قضاء للعمرة التي صدوا عنها، وقيل من المقاضاة، لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قاضى عليها المشركين. ينظر: "سيرة ابن هشام" 3/ 424،"زاد المعاد" 3/ 370. (¬2) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 406، والحيري في "الكفاية" 1/ 134، والواحدي في "أسباب النزول" ص 57 - 58، والبغوي 1/ 213، وذكره ابن حجر في "العجاب" 1/ 465، ثم قال: الكلبي ضعيف لو انفرد، فكيف لو خالف، وقد خالفه الربيع بن أنس، وهو أولى بالقبول منه، فقال: إن هذه الآية أول آية في الإذن للمسلمين في قتال المشركين، وسياق الآيات يشهد لصحة قوله، فإن قوله تعالى عقيبهما: ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه، منسوخ بقوله تعالى: فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم، عند الأكثر، فوضح أنها سابقة، لكن سيأتي في سورة الحج عن أبي بكر الصديق: أول آية نزلت في الإذن في القتال: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا}، قلت: ويمكن الجمع، ولفظ الربيع قال: هذه أول آية نزلت في القتال بالمدينة، فكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقاتل من قاتله ويكف عمن كف عنه، حتى نزلت براءة. اهـ. ولم يرتض ابن كثير 1/ 242 هذا فقال: وفي هذا نظر؛ لأن قوله: الذين يقاتلونكم إنما هو تهييج وإغراء بالأعداء الذين همتهم قتال الإسلام وأهله، أي كما يقاتلونكم فاقتلوهم أنتم.

191

{وَلَا تَعْتَدُوا} ولا تظلموا، فتبدؤوا في الحرم بالقتال (¬1). 191 - ثم قال: {وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ} قال الليث: ثَقِفْنا فلانًا في موضع كذا، أي: أخذناه، ومصدره: الثَّقْف، وقال الفراء في المصادر: ثَقِفَ يَثْقَفُ ثَقْفًا، وربما ثُقِّل، فقيل: ثَقَفًا (¬2) (¬3). قال المفسرون: أي: حيث وجدتموهم (¬4). وقال الزجاج: معنى الآية: لا تمتنعوا من قتلهم في الحرم وغيره (¬5)، أينما وجدتموهم وصادفتموهم وظفرتم بهم (¬6) وقوله تعالى: {وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ} يعني: مكة (¬7) {وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ} يعني: وشركهم بالله عز وجل أعظم من قتلكم إياهم في الحرم والحُرُم والإحرام (¬8). ¬

_ (¬1) "تفسير الثعلبي" 2/ 399. (¬2) ضبطت في (ش): (ثقفا). (¬3) ينظر في ثقف: "تفسير الطبري" 2/ 191، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 263، "اللسان" 1/ 492 - 493، "المفردات" ص 85، وقال: الثقف: الحذق في إدراك الشيء، ويقال: ثقفت كذا إذا أدركته ببصرك لحذق في النظر، ثم يتجوز به فيستعمل في الإدراك وإن لم تكن معه ثقافة. (¬4) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 191، "تفسير الثعلبي" 2/ 407. (¬5) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 262. (¬6) في (أ): (به). (¬7) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 191، "تفسير الثعلبي" 2/ 408، "تفسير البغوي" 1/ 213. (¬8) "تفسير الثعلبي" 2/ 408، وعبارته في بعض النسخ: في الحرم والحرام والإحرام، "تفسير الطبري" 2/ 191، 192، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 264، "تفسير البغوي" 1/ 214، وقوله: والحُرم: يعني: الأشهر الحرم، والقول الثاني في=

وذكرنا معاني الفتنة عند قوله: {إِنَّمَا نَحنُ فِتنَةٌ} [البقرة: 102]. وقال بعض أصحاب المعاني: سُمِّيَ الكفرُ فتنةً: لأن الكفر إظهار الفساد عند الاختبار، وأصل الفتنة: الاختبار (¬1). وقوله تعالى: {وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ} قال مقاتل: نَسَخَ هذا قولَه: {وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُم} ثم (¬2) نسخ هذا قولُه: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} [التوبة: 5]، فهذه الآية ناسخة ومنسوخة، وعنده يجوز الابتداء بالقتال في الحَرَم (¬3). ¬

_ = الآية: ارتداد المؤمن إلى الأوثان أشد عليهم من أن يقتل محقًا، وهذا قول مجاهد. ينظر: "زاد المسير" 1/ 191 - 199، وقال الكسائي: الفتنة هاهنا. العذاب، وكانوا يعذبون من أسلم كما في "تفسير الثعلبي" 2/ 408. (¬1) ينظر: "زاد المسير" 1/ 198، "التفسير الكبير" 5/ 130. (¬2) ليست في (أ)، (م). (¬3) ذكره عن مقاتل بن حيان: الثعلبي في "تفسيره" 2/ 410، وبنحوه رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 326، وابن الجوزي في "نواسخ القرآن" ص 228، وفي "زاد المسير" 1/ 199 - 200، واختاره الطبري في "تفسيره" 2/ 193، والنحاس في "الناسخ والمنسوخ" 1/ 521، ومكي في "الإيضاح" 157، ونسبه ابن عطية في "تفسيره" 2/ 139 للجمهور، وقد ناقش الرازي في "تفسيره" 5/ 129 - 130 قول مقاتل، ثم ضعفه فقال: وأما قوله: إن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: {وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ}، فهذا من باب التخصيص لا من باب النسخ، وأما قوله: {وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ}، منسوخة بقوله: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ}، فهو خطأ أيضا؛ لأنه لا يجوز الابتداء بالقتال في الحرم، وهذا الحكم ما نسخ بل هو باق، مثبِت أن قوله ضعيف، ولأنه يبعد من الحكيم أن يجمع بين آيات متوالية تكون كل واحدة ناسخة للأخرى. اهـ وممن رجح القول بعدم النسخ: ابن العربي في الناسخ والمنسوخ 2/ 58، وابن الجوزي. اهـ. في نواسخ القرآن 228، بعدم النسخ: ابن العربي في "الناسخ والمنسوخ" 2/ 58، وابن الجوزي في "نواسخ القرآن" 228،=

193

وقال آخرون: إنهم نُهُوا عن ابتدائهم بقتل أو قتال، حتى يبتدئ المشركون بذلك، وهذه الآية محكمة. ولا يجوز الابتداء بالقتال في الحرم، وعلى هذا أكثر المفسرين، وغلّطوا مقاتلًا فيما قال (¬1). وقرأ حمزةُ والكِسائي (ولا تقتلوهم) (حتى يقتلوكم) (فإن قتلوكم) هذه الثلاثة بغير ألف (¬2)، وجاز ذلك، وإن وقع القتل ببعض دون بعض؛ لأن العرب تقول: قتلنا بني تميم، وإنما قتلوا بعضهم (¬3). 193 - وقوله تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ} أي: شرك (¬4)، يعني: قاتلوهم حتى يُسْلموا، فليس يُقْبَلُ من المشرك الوثني جِزْيةٌ، ولا يُرضى منه إلا بالإسلام (¬5)، {وَيَكُونَ الدِّينُ}، أي: الطاعة والعبادة {لله} ¬

_ = والقرطبي 2/ 330، وابن كثير 1/ 242 قال النحاس في "الناسخ والمنسوخ" 1/ 519: هذه الآية من أصعب ما في الناسخ والمنسوخ. (¬1) ينظر: "التفسير الكبير" 5/ 130، "تفسير القرطبي" 2/ 330، ونسبه الطبري في "تفسيره" 2/ 192 إلى مجاهد، وقال القرطبي: وبه قال طاوس، وهو الذي يقتضيه نص الآية، وهو الصحيح من القولين، وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه، ثم استدل بحديث ابن عباس، وفيه: وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي ولم يحل لي إلا ساعة من نهار فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، وقد ذكر -رحمه الله- أدلة الفريقين. (¬2) قرأ حمزة والكسائي وخلف بحذف الألف في الثلاثة، والباقون بإثباتها. "النشر" 2/ 226 - 227. (¬3) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 264، "تفسير الثعلبي" 2/ 409. (¬4) ينظر: "تأويل مشكل القرآن" 374، "تفسير الطبري" 2/ 194، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 327 حيث ذكر الآثار في ذلك عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي والربيع وابن زيد. وينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 411. (¬5) "تفسير الثعلبي" 2/ 411، وقد ذكر عن المفضل بن سلمة الحكمةَ في أخذ الجزية =

194

وحده، ولا يُعبد دونه شيء (¬1). {فَإِنِ انْتَهَوْا} أي: عن الكفر (¬2) {فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ} أي: الكافرين الواضعين العبادة في غير موضعها (¬3)، والذي عليهم إنما سماه عدوانًا على معنى الجزاء والقصاص؛ لأن ما يكون منهم عُدوان فسمي الذي عليهم عدوانًا، كقوله: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} [الشورى: 40] وذلك أنه في صورة العدوان من حيث إنه قَتلٌ ونهبٌ واسترقاقٌ (¬4). 194 - قوله تعالى: {الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ} قال المفسرون: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - صُدّ عام الحديبية سنة ستٍ، ثم عاد في سنة سبع، ودخل مكة وقضى العُمرة في ذي القَعدة، فأنزل الله هذه الآية، يريد: ذو القعدة، الذي دخلتم فيه مكةَ، واعتمرتم {بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ}: ذي القعدة، الذي صددتم فيه عن البيت، يعني: أن هذا جزاء ذاك وبدله. وتأويله: العمرة في الشهر ¬

_ = من أهل "الكتاب" دون غيرهم، قال القرطبي في "تفسيره" 2/ 353: وقاتلوهم، أمر بالقتال لكل مشرك في كل موضع، على من رآها ناسخة، ومن رآها غير ناسخة قال: المعنى: قاتلوا هؤلاء الذين قال الله فيهم: فإن قاتلوكم، والأول أظهر، وهو أمر بقتال مطلق لا بشرط أن يبدأ الكفار، وقد بين في "زاد المسير" 1/ 200 بأن القول بالنسخ إنما يستقيم إذا قلنا إن معنى الكلام: فإن انتهوا عن قتالكم مع إقامتهم على دينهم، وأما إذا قلنا: إن معناه: فإن انتهوا عن دينهم، فالآية محكمة. (¬1) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 195، "تفسير الثعلبي" 2/ 412. (¬2) في "تفسير الثعلبي" 2/ 413: فإن انتهوا عن القتال والكفر. (¬3) "تفسير الثعلبي" 2/ 413، "تفسير البغوي" 1/ 214، أو من بدأ بقتال على التأويل الثاني. ينظر: "تفسير القرطبي" 2/ 354. (¬4) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 195، 196، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 265، "تفسير الثعلبي" 2/ 413، "تفسير القرطبي" 2/ 332.

الحرام من سنة سبع بدلٌ من الصدّ في الشهر الحرام سنة ستٍ (¬1). والحرمات: جمع حُرْمَة، والحُرْمَة: ما مُنِع من انتهاكه (¬2). والقصاص: المساواة والمماثلة، ذكرنا ذلك. وأراد بالحرمات: الشهر الحرام، والبلد الحرام، وحُرمة الإحرام (¬3). ومعنى قوله: {وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ} أي: اقتصصت لكم منهم، حيث أضاعوا وانتهكوا هذه الحرمات في سنة ستٍ، فقضيتم على زعمهم ما فاتكم في سنة سبع (¬4). قال مجاهدٌ: فَخَرت قريش أن صدت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن البيت الحرام في الشهر الحرام، في البلد الحرام، فأقصه الله، فدخل عليهم من القابل، في الشهر الحرام، في البلد الحرام، في البيت الحرام، وأنزل الله هذه الآية (¬5)، هذا قول أكثر المفسرين (¬6). ¬

_ (¬1) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 196 - 198، وقد ذكر روايات كثيرة في ذلك عن ابن عباس ومجاهد وقتادة ومقسم والسدي والضحاك والربيع وابن زيد، ونحوه عند ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 328، وذكر هذا السبب: الثعلبي 2/ 414، البغوي 1/ 215، والواحدي في "أسباب النزول" ص 58، وابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 194 وغيرهم. (¬2) "تفسير الثعلبي" 2/ 416، وينظر: "المفردات" ص 122. (¬3) ينظر: "تفسير الطبري" 3/ 579 و"تفسير الثعلبي" 2/ 416 و"البغوي" 1/ 215. (¬4) ينظر: "تفسير الطبري" 2 - 198، "الثعلبي" 2/ 416، ويفيد كلام الواحدي هنا أن هذه العمرة قضاء للعمرة التي حصروا عنها عام الحديبية، والقول الآخر: أنها من المقاضاة؛ لقول ابن عمر: لم تكن هذه قضاء ولكن كان شرطًا على المسلمين أن يعتمروا في الشهر الذي حاصرهم فيه المشركون. ينظر: "زاد المعاد" 3/ 378. (¬5) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 197. (¬6) ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 416.

والصحيح في تفسير هذه الآية: ما قاله ابن عباس في رواية عطاء: {الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ} يريد: إن قاتلوكم في الشهر الحرام، فقاتلوهم في مثله (¬1)، واختار الزجاج هذا القول، فقال: معناه: قتال الشهر الحرام بقتال الشهر الحرام (¬2). وقوله تعالى: {وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ} قال ابن عباس: يريد: إن انتهكوا لكم حرمةً فانتهكوا منهم مثل ذلك. وقال الزجاج: أعلم الله عز وجل أن أمر هذه الحرمات قصاص (¬3)، أي: لا يكون للمسلمين أن ينتهكوها على سبيل الابتداء، ولكن على سبيل القصاص. وهذا القول أولى القولين بالصواب، وأشبهها بالآية وبما (¬4) قبلها، وهو قوله: {وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ} [البقرة: 191] والذي يدل عليه من سياق الآية. قوله تعالى: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} أي: ظلم، فقاتل، {فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ}. وسمى الثاني اعتداءً لأنه مجازاة اعتداء فَسُمِّي بمثل اسمه؛ لأن صورةَ الفِعْلين واحدة، وإن كان أحدهما طاعة والآخر معصية، ¬

_ (¬1) تقدم الحديث عن رواية عطاء ص 92، وقد ذكره البغوي في "تفسيره" 1/ 215، ولم ينسبه، وروى الطبري 2/ 198، وابن أبي حاتم 1/ 329 عن عكرمة عن ابن عباس في هذه الآية قال: أمركم الله بالقصاص، ويأخذ منكم العدوان، وهي بمعنى ما ذكره الواحدي، وعزا ابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 201 هذا القول إلى الحسن البصري. (¬2) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 264. (¬3) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 264. (¬4) في (أ)، (م): (بما) بلا واو.

195

والعرب تقول: ظلمني فلان فظلمته، إذا جازيته بظلمه، وجَهِلَ عَلَيَّ فَجَهِلْتُ عليه، أي: جازيته بجهله. قال عمرو (¬1): ألا لا يَجْهَلَن أحدٌ علينا ... فَنَجْهَل فوق جَهْلِ الجاهلينا (¬2) أي: نكافئ على الجهل بأكثر من مقداره، ومثله من التنزيل: قوله عز وجل: {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ} [آل عمران: 54] وقوله: {فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ} [التوبة: 79] (¬3). 195 - وقوله تعالى: {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} كل ما أمر الله به من الخير فهو في سبيل الله، وأكثر ما استعمل في الجهاد؛ لأنه السبيل الذي يقاتل فيه على عقد الدين (¬4). وقوله تعالى: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} قال أبو عبيدة (¬5) والزجاج (¬6): التَهْلُكة: الهلاك، يقال: هلك يهلك هَلاكًا وهُلْكًا وهَلَكًا وتَهلُكةً. ¬

_ (¬1) عمرو بن كلثوم بن مالك بن عتاب التغلبي، شاعر جاهلي، من أصحاب المعلقات، وهو قاتل عمرو بن هند ملك الحيرة، وقد عمِّر وأدركته المنية وهو يناهز الخمسين ومائة. ينظر: "طبقات فحول الشعراء" 1/ 151، "الشعر والشعراء" ص 137، "خزانة الأدب" 3/ 183. (¬2) البيت في "ديوانه" ص 330 وقد تقدم تخريجه 2/ 140. (¬3) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 265، وينظر: "تفسير الطبري" 2/ 199، 200، "تفسير الثعلبي" 2/ 413، 417، "تفسير البغوي" 1/ 215. (¬4) من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 265، "تفسير البغوي" 1/ 215. (¬5) "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 1/ 68. (¬6) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 266.

قال الخارزنجي (¬1): لا أَعْلَمُ في كلام العَرب مصدرًا على تفعُلة بضم العين إلا هذا (¬2). قال أبو علي: قد حكى سيبويه التَّضُرَّةُ والتَّسُرَّة وقد جاء هذا المثال اسما غير مصدر، حكى سيبويه: التتفل والتنضُب قال: ولا نعلمه جاء صفةً (¬3). وقال الليث: التَّهْلُكَة: كل شيء تصيرُ عَاقبتُه إلى الهلاك. ومعنى الهَلاكِ: الضياعُ، وهو مصير الشيء بحيث لا يُدْرى أين هو (¬4). ومعنى قوله: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ}، لا تأخذوا في ذلك، يقال لكل من أخذ في عمل: قد ألقى يديه فيه (¬5)، ومنه: ¬

_ (¬1) هو: أحمد بن محمد البشتي، أبو حامد المعروف بالخارْزَنجي، إمام الأدب بخراسان في عصره بلا مدافعة، صنف تكملة كتاب العين، وشرح أبيات أدب الكاتب توفي سنة 348 هـ. ينظر: "الأنساب" 2/ 304 "بغية الوعاة" 1/ 388. (¬2) رواه عنه الثعلبي في "تفسيره" 2/ 417، والحيري في "الكفاية" 1/ 136، وينظر: "البحر المحيط" 1/ 59، "الدر المصون" 2/ 312. (¬3) ينظر: "الكتاب" لسيبويه 4/ 270 - 271، وينظر: "البحر المحيط" 1/ 59. (¬4) ينظر في التهلكة: "تفسير الثعلبي" 2/ 417، "المفردات" ص 522، "البحر المحيط" 1/ 59، "اللسان" 8/ 4686 (هلك)، وقال الحافظ في "الفتح" 8/: وقيل: التهلكة: ما أمكن التحرز منه، والهلاك بخلافه، وقيل: التهلكة: نفس الشيء المهلك، وقيل ما تضر عاقبته، والمشهور الأول. وينظر: "تفسير البغوي" 1/ 215، "البحر المحيط" 2/ 60، وقد تكلم كثيرا، يحسن تلخيص كلامه. (¬5) "تفسير الطبري" 2/ 204، 205، "تفسير الثعلبي" 2/ 418.

حتى إذا ألقت يدًا في كافر (¬1) أي: بدأت (¬2) في المغيب (¬3). وقال المبرد: عبر بالأيدي عن النفس، أراد: لا تلقوا أنفسكم إلى التهلكة، فعبر بالبَعْضِ عن الكُلِّ، كقوله: {بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ} [الحج: 10] {فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} [الشورى: 30] (¬4). والباء زائدة، أراد: لا تلقوا أيديكم، يدل عليه قوله {وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ} [النحل: 15]. فعدّى بغير الباء (¬5). وقال أبو علي: المعنى لا تقربوا مما يهلككم؛ لأن من ألقى يَدَهُ إلى الشيء فقد قَرُبَ منه، وهذا مبالغة (في الزجر) (¬6) وتأكيد، لأن النهي إذا وقع عن (¬7) مشارفته ومُقاربته فمباشرته أولى بالانتهاء، وكان المعنى: لا تقربوا من ترك الإنفاق في سبيل الله (¬8). ¬

_ (¬1) عجز البيت: وأَجَنَّ عوراتِ الثُّغُورِ ظَلاَمُها والبيت للبيد في "ديوانه" ص 316، و"شرح المعلقات السبع" لأبي عبد الله الزورني ص 220، و"شرح المعلقات العشر" للتبريزي ص 246، و"إصلاح المنطق" ص 127، "تفسير الثعلبي" 2/ 418. والكافر: الليل، والكفر: الستر، والإجنان: الستر أيضًا. "لسان العرب" 7/ 3897 (كفر). (¬2) في (م): (بدت). (¬3) "تفسيرالثعلبي" 2/ 418. (¬4) نقله عنه الثعلبي في "تفسيره" 2/ 418، وابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 203. (¬5) ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 419، "معاني القرآن" للأخفش 1/ 353، "الإنصاف في مسائل الخلاف" لابن الأنباري 244. (¬6) سقطت من (م). (¬7) في (ش): (من). (¬8) ينظر في ذكر الأقوال في الآية "تفسير الطبري" 2/ 200 - 202، "البغوي" =

وأكثر أهل التفسير على أن معنى قول {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}، أي: لا تمسكوا ولا تبخلوا عن الإنفاق في سبيل الله. والمراد بهذه الآية: النَّهْيُ عن ترك النفقة في الجهاد، إما أن ينفق على نفسه ويخرج، وإما أن ينفق على من يغزو من المسلمين (¬1)، حتى قال ابن عباس: أنفق في سبيل الله، وإن لم يكن لك إلا سهم أو مشقص، ولا يقولن أحدكم: لا أجد شيئًا (¬2). وقال السدي، في هذه الآية: أنفق في سبيل الله ولو عقالًا. {وَلَا تُلْقُوا ¬

_ = 1/ 215 - 217، "زاد المسير" 1/ 203، "البحر المحيط" 2/ 70، وذكر تسعة أقوال ثم قال: وهذه الأقوال كلها تحتمل هذه الآية، والظاهر أنهم نهوا عن كل ما يؤول بهم إلى الهلاك في غير طاعة الله، وقال الطبري في "تفسيره" 3/ 593: فالصواب أن يقال: إن الله نهى عن الإلقاء بأيدينا لما فيه هلاكنا، والاستسلام للهلكة وهي العذاب بترك ما لزمنا من فرائضه، فغير جائز لأحد منا الدخول في شيء يكرهه الله منا مما نستوجب بدخولنا فيه عذابه، ثم ذكر أثر ابن عباس: التهلكة: عذاب الله. (¬1) ذكر الطبري في "تفسيره" 2/ 200 - 202، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 331 الآثار في ذلك عن حذيفة، وابن عباس وعكرمة والحسن ومجاهد وعطاء وسعيد بن جبير وأبي صالح والضحاك والسدي ومقاتل بن حيان وقتادة ومحمد بن كعب القرظي، وينظر: "صحيح البخاري" 5/ 185، و"تفسير سفيان الثوري" ص 59، وسعيد بن منصور في "السنن" 3/ 710، وعبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 74، والجصاص في "أحكام القرآن" 1/ 262. (¬2) رواه عنه سفيان الثوري في "تفسيره" 59، والإمام أحمد في "العلل ومعرفة الرجال" 2/ 395، والطبري 2/ 200، وابن أبي شيبة في "المصنف" 5/ 331، والبيهقي 9/ 45.

بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} لا تقل: ليس عندي شيء (¬1). وقال أبو إسحاق معناه: أنكم إن لم تنفقوا في سبيل الله هلكتم، أي: عصيتم الله فهلكتم، وجائز أن يكون هلكتم بتقوّي عدوكم عليكم (¬2). فعلى هذا معنى التهلكة: الهلاك بالعصيان بترك النفقة، والهلاك بقوة العدو عند ترك النفقة في الجهاد. وقال أبو أيوب الأنصاري (¬3): إنها نزلت فينا معشر الأنصار، لما أعز الله دينَهُ ونَصَر رَسُوله، قلنا: لو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها، فأنزل الله هذه الآية (¬4). ¬

_ (¬1) رواه عنه الطبري 2/ 201، وذكره ابن أبي حاتم 1/ 331. (¬2) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 266. (¬3) هو: خالد بن زيد بن كليب بن ثعلبة، أبو أيوب الأنصاري، من بني النجار، صحابي شهد العقبة وبدرا وأحدا والخندق وسائر المشاهد، رحل إلى الشام وغزا مع جيش معاوية القسطنطينية، وتوفي هناك سنة 52 هـ. ينظر: "الإصابة" 1/ 405، "الأعلام" 2/ 295. (¬4) الحديث رواه الترمذي في التفسير، باب: ومن سورة البقرة 5/ 212 وقال: حسن صحيح غريب، والنسائي في "تفسيره" 1/ 236، وأبو داود في الجهاد، باب: في قوله تعالى: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} 3/ 12 برقم 2512، وصححه الألباني كما في صحيح سنن أبي داود برقم 2193، ولهذا الحديث قصة، عن أسلم بن عمران قال: غزونا من المدينة نريد القسطنطينية، وعلى الجماعة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، والروم ملصقو ظهورهم بحائط المدينة، فحمل رجل على العدو، فقال الناس: مه مه، لا إله إلا الله، يلقي بيديه إلى التهلكة! فقال أبو أيوب: إنما نزلت في الإلقاء بالأيدي إلى التهلكة أن نقيم في أموالنا ونصلحها وندع الجهاد. هذا لفظ أبي داود. قال الحافظ في "الفتح" 8/ 34: وأما مسألة حمل الواحد على العدد الكثير من العدو، فصرح الجمهور بأنه إن كان لفرط شجاعته وظنه أنه يرهب العدو بذلك، أو يجرئ المسلمين عليهم أو نحو ذلك من المقاصد الحسنة فهو حسن، ومتى كان مجرد تهور =

فعلى هذا، التهلكة: الإقامة في الأهل والمال وترك الجهاد. والمعنى: لا تتركوا الجهاد فتهلكوا، فسمى ترك الجهاد تَهُلكة؛ لأنه يؤدي إلى الهلاك في الدنيا بقوة العدو وفي الآخرة بالعصيان (¬1). وفي الآية قول ثالث، وهو ما روي عن البراء بن عازب (¬2): أنه قيل له في هذه الآية: أهو (¬3) الرجل يحمل على الكتيبة وهم ألف بالسيف؟ قال: لا، ولكنه الرجل يصيب الذنب فيلقي بيديه (¬4) ويقول: لا توبة لي؟ (¬5). ¬

_ = فممنوع، ولا سيما إن ترتب على ذلك وهن في المسلمين. (¬1) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 205، "الثعلبي" 2/ 426، "البحر المحيط" 2/ 70. (¬2) هو: البراء بن عازب بن حارث الأنصاري الأوسي، صحابي غزا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أربع عشرة غزوة، وهو الذي افتتح الرَّيَّ، وشهد الجمل وصفين مع علي - رضي الله عنه -، ومات في إمارة مصعب بن الزبير. ينظر: "أسد الغابة" 1/ 205، "الإصابة" 1/ 278. (¬3) في (ش): (أهوالٌ). (¬4) في (م): (بيده). (¬5) رواه الطبري في "تفسيره" 2/ 202، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 332، والحاكم 2/ 302، وقال: صحيح على شرط الشيخين، والبيهقي في "شعب الإيمان" 5/ 407، والخطابي في "غريب الحديث" 1/ 536، وصحح إسناده الحافظ في "الفتح" 8/ 185، وروى الطبري في "تفسيره" 2/ 202، وأحمد في "مسنده" 4/ 281 عن أبي بكر بن عياش عن أبي إسحاق قال: قلت للبراء: الرجل يحمل على المشركين، أهو ممن ألقى بيده إلى التهلكة؟ قال: لا؛ لأن الله عز وجل بعث رسوله - صلى الله عليه وسلم - فقال: فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك، إنما ذلك في النفقة، وذكر الحافظ في "الفتح" 8/ 185 أنه إن كان محفوظا، فلعل للبراء فيه جوابين، والأول من رواية الثوري وأبي إسرائيل وأبي الأحوص ونحوهم، وكلٌّ منهم أتقن من أبي بكر بن عياش، فكيف مع اجتماعهم وانفراده.

وهذا القول اختيار يمان (¬1) بن رِئَاب (¬2) (¬3) والمفضل (¬4)، قالا: يقال للرجل إذا استسلم للهلاك ويئس من النجاة: ألقى بيديه (¬5). وقال الفضيل: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} بإساءة الظن بالله (¬6)، فعلى هذا القول التهلكة: هو ترك التوبة، والقنوط من رحمة الله، أو إساءة الظن بالله عز وجل في الإخلاف عند الإنفاق (¬7). قال أبو علي الفارسي: الباء في قوله: (بأيديكم) زيادة، المعنى: (ولا تلقوا أيديكم) يدل على ذلك قوله تعالى: {وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ} [النحل: 15] {وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ} [الحجر: 19] و {سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ} [آل عمران: 151]، وزيادتها ههنا كزيادتها في قوله: {أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى} [العلق: 14] (¬8). ¬

_ (¬1) ذكره عنه الثعلبي 2/ 437. (¬2) في (ش): (ريمان بن زيّات). وفي (م): (رباب). (¬3) هو: اليمان بن رباب أو ابن رئاب البصري من رؤساء الخوارج، تقدمت ترجمته. (¬4) ذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" 2/ 437. وهذا القول مروي أيضًا عن محمد بن سيرين وعبيدة السلماني وأبي قلابة البصري. ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 203، "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 332، "تفسير عبد الرزاق" 1/ 332، "تفسير الثعلبي" 2/ 436 - 437. (¬5) في (م): (بيده). (¬6) رواه سفيان الثوري في "تفسيره" 59، ورواه ابن أبي الدنيا في "حسن الظن بالله" ص 117، وذكره الثعلبي 2/ 443، وروى الطبري 2/ 205 عن عكرمة نحوه. (¬7) وروى الطبري 2/ 205، وابن أبي حاتم 1/ 232 عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: التهلكة: عذاب الله، وهذا قول رابع في معنى الآية. (¬8) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 205، "تفسير البغوي" 1/ 215، وقال: وقيل: الباء في موضعها، وفيه حذف، أي: لا تلقوا أنفسكم بأيديكم إلى التهلكة، واختار أبو=

وقوله تعالى: {وَأَحْسِنُوا} معناه على القول الأول في التهلكة: أنفقوا في سبيل الله، فمن أنفق في سبيل الله فهو محسن. قال ابن عباس: أي (¬1): أحسنوا الظن بالله، فإنه يُضَاعِفُ الثواب، ويُخْلِفُ لكم النفقة (¬2)، فالإحسان على هذا محمول على إحسان الظن بالله في الخُلْف، وعلى القول الثاني: جاهدوا، والمجاهد في سبيل الله محسنٌ، وعلى القول الثالث: تفسير الإحسان إحسان الظن بالله في قبول التوبة وغفران الذنوب (¬3). ... ¬

_ = حيان في "البحر المحيط" 2/ 71 أن المفعول في المعنى هو بأيديكم، لكنه ضمن ألقى معنى ما يتعدى بالباء فعداه بها، كأنه قيل: ولا تفضوا بأيديكم إلى التهلكة، ويكون إذ ذاك قد عبر عن الأنفس بالأيدي؛ لأن بها الحركة والبطش والامتناع. (¬1) ليست في (م). (¬2) رواه الطبري في "تفسيره" عن عكرمة 2/ 602، وذكر في "البحر المحيط" 2/ 71. (¬3) ينظر: "زاد المسير" 1/ 303، وذكر أن القول الثاني: أحسنوا الظن بالله، قاله عكرمة وسفيان، وهو يخرج على قول من قال: التهلكة: القنوط، والثالث: معناه: أدوا الفرائض، رواه سفيان عن أبي إسحاق.

المملكة العربية السعودية وزارة التعليم العالي جامعة الإِمام محمد بن سعود الإسلامية عماد البحث العلمي سلسلة الرسائل الجامعية التَّفْسِيرُ البَسِيْط لأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي (ت 468 هـ) سورة البقرة من آية (196) - آخر السورة تحقيق د. محمد بن عبد العزيز الخضيري أشرف على طباعته وإخراجه د. عبد العزيز بن سطام آل سعود ... أ. د. تركى بن سهو العتيبي الجزء الرابع

المملكة العربية السعودية وزارة التعليم العالي جامعة الإِمام محمد بن سعود الإسلامية عماد البحث العلمي سلسلة الرسائل الجامعية التَّفْسِيرُ البَسِيْط لأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي (ت 468 هـ) سورة البقرة من آية (196) - آخر السورة تحقيق د. محمد بن عبد العزيز الخضيري أشرف على طباعته وإخراجه د. عبد العزيز بن سطام آل سعود ... أ. د. تركى بن سهو العتيبي الجزء الرابع

جامعة الإِمام محمد بن سعود الإسلامية 1430هـ فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر الواحدي, علي بن أحمد التفسير البسيط لأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي (ت468هـ)./ علي بن أحمد الواحدي, محمد بن صالح بن عبد الله الفوزان, الرياض1430هـ. 25مج. (سلسلة الرسائل الجامعية) ردمك:4 - 857 - 04 - 9960 - 978 (مجموعة) 1 - 858 - 04 - 9960 - 978 (ج1) 1 - القرآن تفسير ... 2 - الواحدي, علي بن أحمد أ- العنوان ... ب- السلسة ديوي 2273 ... 868/ 1430 رقم الإيداع: 868/ 1430 هـ ردمك 4 - 857 - 04 - 9960 - 978 (مجموعة) 1 - 858 - 04 - 9960 - 978 (ج1)

التَّفْسِيرُ البَسِيْط لأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي (ت 468 هـ) [4]

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

196

196 - قوله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} الآية. قال ابن عباس (¬1) ومجاهد (¬2): أتِمُّوهما بمناسِكِهما وحدودِهما وسننِهِما وتأديةِ كل ما فيهما (¬3). وقال ابن مسعود (¬4) وعلي (¬5) رضي الله عنهما: إتمامُهُما: أن تُحرم بهما من دُوَيْرة أهلك مؤتنفَيْن. وبهذا قال سعيد بن جبير (¬6) وطاوس (¬7). وفي إيجاب العمرة قولان: ¬

_ (¬1) رواه سعيد بن منصور في "السنن" 2/ 712، والطبري في "تفسيره" عنه بمعناه 2/ 207، وعزاه في "الدر المنثور" 1/ 376 إلى وكيع وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر، والنحاس في "ناسخه"، والحاكم وصححه، والبيهقي في "سننه". (¬2) في "تفسير مجاهد" 1/ 100، ورواه الثوري في "تفسيره" ص 65، والطبري في "تفسيره" 2/ 207، وعزاه في "الدر" 1/ 376 إلى عبد بن حميد. (¬3) وبه قال علقمة وإبراهيم. ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 206، 207، "تفسير الثعلبي" 2/ 452. (¬4) نسبه إليه البغوي في "تفسيره" 1/ 217، وابن العربي في "أحكام القرآن" 1/ 117. (¬5) رواه عنه الطبري في "تفسيره" بمعناه 2/ 207، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 333، والحاكم 2/ 303 وصححه، وعزاه في "الدر المنثور" 1/ 376 إلى وكيع وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر والنحاس في "ناسخه"، والبيهقي في "سننه". (¬6) رواه الطبري في "تفسيره" عنه 2/ 207، وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 333، والجصاص في "أحكام القرآن" 1/ 263. (¬7) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 4/ 9، وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 333، وابن الجوزي في "نواسخ القرآن" ص 225، وقد ذكر المؤلف قولين، والقول الثالث: إتمامهما: أن يفصل بينهما فيأتي بالعمرة في غير أشهر الحج، روي عن عمر والحسن وعطاء، والرابع: أنه فعل ما أمر الله فيهما، روي عن مجاهد. والخامس: ألا يتجر معهما. والسادس: ألا يحرم بالعمرة في أشهر الحج، قاله قتادة. ينظر: "زاد المسير" 1/ 204 (ط. المكتب الإسلامي)

أحدهما: أنها (¬1) واجبة، وهو مذهب علي (¬2) وابن عباس (¬3)، وقول الشافعي في الجديد (¬4). قال ابن عباس: والله إن العمرة لقرينة الحج في كتاب الله {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} (¬5). وقال مسروق: نزلت العمرة من الحج منزلة الزكاة من الصلاة، ثم تلا هذه الآية (¬6). فمن أوجَبَ العمرةَ تأول الإتمام على معنى الابتداء، أي: أقيموهما وافعلوهما بما فيهما من الأعمال، كقوله تعالى: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ ¬

_ (¬1) في (أ) (أنهما)، وفي (م) (أيهما). (¬2) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 209، وعزاه السيوطي في "الدر" 1/ 176 إلى عبد ابن حميد، وذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" 2/ 463. (¬3) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 334، والدارقطني في "السنن" 2/ 285، والبيهقي في "تفسيره" 4/ 351، والحاكم 1/ 643 وصححه، وعزاه في "الدر" 1/ 377، إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد والدارقطني والحاكم والبيهقي. (¬4) ينظر: "الأم" للشافعي 2/ 477 (ط. دار إحياء التراث العربي) "المجموع" 7/ 7، "البيان في مذهب الشافعي" للعمراني 4/ 11، وممن قال بالوجوب: ابن عمر وجابر وزيد وعطاء وابن المسيب وسعيد بن جبير وعلي بن الحسين، والسفيانان، وقتادة، وهو المذهب عند الحنابلة. ينظر: "المصنف" لابن أبي شيبة 4/ 304 - 305، "البيان" للعمراني 4/ 11، "تفسير الثعلبي" 2/ 463، "الفروع" لابن مفلح 3/ 203. (¬5) رواه البخاري تعليقًا في العمرة، باب: وجوب الحج والعمرة 2/ 240، ورواه موصولاً: الشافعي في "الأم" 4/ 144، والبيهقي في "تفسيره" 4/ 351، وابن عبد البر في "التمهيد" 20/ 16. (¬6) رواه الطبري عنه في "تفسيره" 2/ 209، والبيهقي في "تفسيره" 4/ 351، وابن عبد البر في "التمهيد" 20/ 15.

فَأَتَمَّهُنَّ} [البقرة: 124]، أي: فعلهن وقام بهن، وقوله: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة: 187]، أي: ثم ابتدؤوا الصيام وأتموه؛ لأنه ذكر الإتمام عَقِيب الأكل والشرب (¬1). وفرائض الحَجِّ أربعةٌ: الإحرامُ، والوقوفُ، وطوافُ الإفاضة، والسعيُ (¬2). وأعمال العمرة: الإحرامُ، والطوافُ، والسعي، والحلق والتقصير (¬3)، وأقله: ثلاث شَعَرات (¬4). القول الثاني: أن العمرة سنةٌ وليست بفريضة، وهو مذهب أهل العراق (¬5)، وحملوا الآية على معنى: أتموها إذا دخلتم فيها، كالمتطوع ¬

_ (¬1) من "تفسير الثعلبي" 2/ 469، وينظر: "الأم" 2/ 144، "التمهيد" 20/ 10. (¬2) من "تفسير الثعلبي" 2/ 454، وهذا مذهب الجمهور. ينظر: "حاشية ابن عابدين" 2/ 250، "شرح الزرقاني على مختصر خليل" 2/ 281، "المهذب" للشيرازي 2/ 789، "الوسيط" للغزالي 2/ 1261، "البيان" للعمراني 4/ 373، "الموسوعة الفقهية الكويتية" 17/ 49. (¬3) من "تفسير الثعلبي" 2/ 454، وينظر: "المهذب" 2/ 789، "المجموع" 8/ 265، وذهب جمهور الفقهاء إلى أن أركان العمرة ثلاثة، هي: الإحرام، والطواف، والسعي، وهو مذهب المالكية والحنابلة، وزاد الشافعية ركنًا رابعًا هو الحلق، ومذهب الحنفية أن الإحرام شرط للعمرة، وركنها واحد هو الطواف. ينظر: "الشرح الكبير" و"حاشيته للدسوقي" 2/ 21، "المسلك المتقسط" ص 307، "كشاف القناع" 2/ 521، "البيان" للعمراني 4/ 370. (¬4) القدر الواجب: هو حلق شعر جميع الرأس، أو تقصيره عند المالكية والحنابلة، وربع الرأس على الأقل عند الحنفية، وثلاث شعرات على الأقل عند الشافعية. ينظر: "فتح القدير" 2/ 178 - 179، "المسلك المتقسط" ص 151 - 154، "الشرح الكبير" و"حاشيته للدسوقي" 2/ 46، "الفروع" 3/ 513. (¬5) القول بالسنية قول المالكية وأكثر الحنفية، وهو قول الشافعي في القديم، واختيار=

بالحج يلزمه المضي فيه إذا شرع فيه (¬1). والقول الأول أولى لأن فيه جمعاً بين وجهي الإتمام، ومعناه: ابتدئوا العمرة فإذا دخلتم فيها فأتموها، وقد تقول لمن لم يشرع في أمر: أَتِمَّ هذا الأمر (¬2). وقوله تعالى: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ} اختلف أهلُ اللغةِ في الحَصْر والإحْصَار، ففرَّق بينهما قوم. أقرأني العروضي، قال: أقرأنا الأزهري، عن المنذري، عن ابن فهم، عن محمد بن سلام (¬3)، عن يونس، قال: إذا رُدّ الرجل عن وجه يريده فقد أُحْصر، وإذا حُبِسَ فقد حُصر (¬4). وبهذا الإسناد عن المنذري، عن الحرَّاني، عن ابن السِّكِّيت (¬5): ¬

_ = الطبري، وقول أبي ثور، وذهب بعض الحنفية إلى أنها واجبة في العمر مرة واحدة، على اصطلاح الحنفية في الواجب. ينظر: "مختصر الطحاوي" ص 59، "أحكام القرآن" للجصاص 1/ 264، "شرح فتح القدير" 2/ 306، "بدائع الصنائع" 2/ 226، "حاشية الدسوقي" 2/ 2، "الموسوعة الكويتية" 3/ 314. (¬1) من "تفسير الثعلبي" 2/ 468، وينظر: "الأم" 2/ 144، "تفسير الطبري" 2/ 210، "أحكام القرآن" للجصاص 1/ 264، "التمهيد" 20/ 10. (¬2) من "تفسير الثعلبي" 2/ 469، وقال: ولأن من أوجبها أكثر، والأخبار في إيجاب الحج والعمرة مقترنين أظهر وأشهر. (¬3) هو: محمد بن سلام بن عبيد الله بن سالم أبو عبد الله، الجمحي البصري، تقدمت ترجمته (البقرة آية 58). (¬4) في "تهذيب اللغة" 1/ 838 (حصر): عن يونس أنه قال: إذا رُدَّ الرجل عن وجه يريده فقد أحصر، أبو عبيد، عن أبي عبيدة: حُصر الرجل في الحبس، وأحصر في السفر من مرض أو انقطاع به. (¬5) في "تهذيب اللغة" 2/ 838 (حصر)، وقال ابن السكيت، ولم يذكر الإسناد.

أحصره المرض: إذا منعه من السفر أو من حاجة يريدها، وحَصَرَه العَدُوّ: إذا ضَيَّق عليه (¬1). وأقرأني سعيد بن أبي بكر الزاهد، عن أبي عليٍّ الحسنِ (¬2) بن أحمد الفارسي، عن أبي إسحاقَ الزجاج، قال: الروايةُ عن أهل اللغة للذي يمنعه الخوف أو المرض: أُحْصِر، وللمحبوس: حُصِر (¬3). وقال ابن قتيبة في قوله: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ}: هو أن يَعْرِضَ للرجل ما يحول بينه وبين الحج من مَرَضٍ أو كَسْرٍ أو عَدُو، يقال: قد أُحصر فهو محصَر، فإن حُبِس في سجن أو في دار قيل: حُصِر فهو مَحصُور (¬4). وهذا هو قول الفراء في المَصَادر، ونحو (¬5) ذلك ذكر أبو عبيد عن أبي عبيدة (¬6). وذهب قوم إلى أنهما بمعنى واحد، قال الزجاج، في باب الوفاق من فَعَلْت وأَفْعَلْت، يقال للرجل: من حَصَرك ههنُا، ومن أحصرك؟. وقال أحمدُ بن يحيى: أصل الحَصْرِ والإِحْصَار: الحبس، وحُصِرَ في ¬

_ (¬1) "تهذيب اللغة" 2/ 838 (حصر)، وزاد: إذا ضيق عليه فحصر، أي: ضاق صدره. (¬2) في (أ) (م) الحسن. (¬3) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 267 بمعناه. (¬4) "غريب القرآن" لابن قتيبة 78. (¬5) في (أ) (م) نحو بلا واو. (¬6) "مجاز القرآن" 1/ 69، وينظر: "الفروق في اللغة" للعسكري ص 108، "أحكام القرآن" 1/ 268، وقد فرق بينهما الراكب في "المفردات" ص 128 فقال: والحصر والإحصار من طريق البيت، فالإحصار يقال في المنع الظاهر كالعدو، والمنع الباطن كالمرض، والحصر لا يقال إلا في المنع الباطن، فقوله تعالى: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ} فمحمول على الأمرين.

الحبس أقوى من أُحْصِر (¬1). وقال الأزهري: الرواية عن ابن عباس صحيحة أنه قال: لا حصر (¬2) إلا حصر العدو (¬3)، فَجَعْلُه بغير ألف جائزٌ، بمعنى قول الله تعالى: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ} (¬4). وقال الفراء: يقال للذي يمنعه خوف أو مرض: أُحْصِر، ولمن حُبِسَ قَهْرًا: حُصر، فإن نويت بقهر السلطان أنها عِلَّةٌ مانعةٌ ولم يذهب إلى فعل الفاعل جاز فيه أحصر، وإن نويت في العلة (¬5) أنها حبسته جاز حُصِر (¬6). هذا كلام أهل اللغة في الحصر والإحصار، وأصل الباب: الحَبْس، ومنه يقال للذي لا يبوح بسرِّه: حَصِرَة لأنه حبس نفسه عن البَوْح (¬7) قال ¬

_ (¬1) بمعناه عند الثعلبي في "تفسيره" 2/ 495، ونقله في "البحر المحيط" بنحوه 2/ 73، "الدر المصون" 2/ 314. (¬2) سقطت من (ش). (¬3) رواه الشافعي في "الأم" 2/ 178، والطبري في "تفسيره" 2/ 214، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 336، والبيهقي في "تفسيره" 5/ 219، وصحح إسناده الحافظ في "تلخيص الحبير" 2/ 288. (¬4) "تهذيب اللغة" 2/ 838، قال القشيري أبو نصر: وادعت الشافعية: أن الإحصار يستعمل في العدو، فأما العدو فيستعمل فيه الحصر، والصحيح أنهما يستعملان فيهما، نقله القرطبي في "تفسيره" 2/ 348 - 349، وقال أبو حيان في: "البحر المحيط" 2/ 73: وثبت بنقل من نقل من أهل اللغة أن الإحصار والحصر سواء، وأنهما يقالان في المنع بالعدو وبالمرض وبغير ذلك من الموانع، فتحمل الآية على ذلك، ويكون سبب النزول ورد على أحد مطلقات الإحصار، وليس في الآية تقيد، وبهذا قال قتادة والحسن وعطاء والنخعي ومجاهد وأبو حنيفة. (¬5) في (ش) اللغة. (¬6) "معاني القرآن" للفراء 1/ 118 بمعناه. (¬7) ينظر: "تهذيب اللغة" 2/ 838 حصر.

جرير: ولقد تَكَنَّفَنِي الوُشَاةُ فَصَادفوا ... حَصِراً بسرِّكِ يا أُمَيْمُ ضَنِيْنَا (¬1) والحَصْر: احتباس الغائط، والحصير: المَلِك؛ لأنه كالمحبوس في الحجاب، وهو في شعر لبيد: جِنٌّ لَدَى بابِ الحَصِيرِ قِيامُ (¬2) والحصير: المعروف، وسَقِيْفُ من بَرْديٍّ (¬3)؛ لانضمام بعضه إلى بعض، كحبس (¬4) الشيء مع غيره، ومنه يقال للجَنْب: حصير، تشبيهًا به (¬5). فأما حُكْمُ الإِحْصار فمذهب أهل العراق: أن كل مانع منع المُحْرم عن الوصول إلى البيت من: مَرَضٍ أو جُرْح أو كسر أو خوف عدو أو أي مانع كان، فإنه يقيم مكانه على إحرامه، ولبعث بهديه، أو بثمن الهدي، فإذا نحر الهدي حَلَّ من إحرامه. واحتجوا بأن الإحصار من طريق اللفظ عام ¬

_ (¬1) البيت في "ديوانه" ص 0476 وقد ورد البيت: ولقد تسقطني، وعند الطبري: تساقطني 3/ 255، وورد منسوبا له في "مجاز القرآن" 1/ 92، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 407،"تهذيب اللغة" 4/ 235، "معجم مقاييس اللغة" 2/ 73، "لسان العرب" 2/ 896. (¬2) ورد البيت وهو في "ديوانه" ص 160 هكذا: وَمَقَامةٍ غُلْبِ الرِّقَابِ كَأنهم ... جِنٌّ لدى طَرَفِ الحَصِيرِ قِيامُ "المفردات" للراغب ص 128 وروايته: ومَعَالمٍ. (¬3) في (ش) سقيف من تردي وفي (م) سفيف من بردي. والبردي: نبات يعمل منه الحصر. (¬4) في (ش): كلبس. (¬5) ينظر في مادة (حصر): "تهذيب اللغة" 2/ 839، "المفردات" ص128، "عمدة الحفاظ" 1/ 481.

في كل مانع (¬1). وأما مذهب أهل الحجاز (¬2)، وهو مذهب الشافعي (¬3)، رحمه الله، أن الحكم المتعلق بالإحصار إنما يتعلق بحبس العدو عن الوصول إلى البيت، فأما سائر الأعذار فغير داخل في الآية، والدليل على (¬4) هذا سببُ النزول، وهو إحصار العدوِّ للنبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه بالحُدَيْبِيَةِ (¬5)، يَدُلُّ على أن المراد به حبس العدو فقط، قوله في سياق الآية: {فَإِذَا أَمِنْتُمْ} ولم يقل: فإذا أندملتم (¬6)، والأمن المطلق يقتضى الخوف المطلق من العدو، لأنه قال: ¬

_ (¬1) وبه قال النخعي والحسن ومجاهد وعطاء وقتادة وعروة بن الزبير ومقاتل. ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 215، "أحكام القرآن" للجصاص 1/ 268، "شرح معاني الآثار" 2/ 252، "أحكام القرآن" للكيا الهراسي، "أحكام القرآن" لابن العربي 1/ 119، "تفسير القرطبي" 2/ 350 - 351. (¬2) ينظر: "الموطأ" 1/ 360، "معاني القرآن" للنحاس 1/ 115، "تفسير الثعلبي" 2/ 495، "أحكام القرآن" للكيا الهراسي 1/ 90 - 91، "أحكام القرآن" لابن العربي 1/ 119، وقال: قاله ابن عمر وابن عباس وأنس والشافعي، وهو اختيار علمائنا، ورأي أكثر أهل اللغة ومُحصِّليها على أن أُحصِر: عرض للمرض، وحُصر: نزل به الحصر، واستدرك عليه القرطبي في "تفسيره" 2/ 350 فقال: ما حكاه ابن العربي من أنه اختيار علمائنا، فلم يقل به إلا أشهب وحده، وخالفه سائر أصحاب مالك في هذا، وقالوا: الإحصار إنما هو المرض، وأما العدو فإنما يقال فيه: حصِر حصْرا فهو محصور، قاله الباجي في المنتقى، وحكى أبو إسحاق الزجاج أنه كذلك عند جميع أهل اللغة. (¬3) "الأم" 2/ 178، و"اختلاف العلماء" للمروزي ص 85، و"السنن" للبيهقي 5/ 219. (¬4) في (ش) عليه. (¬5) ينظر: "تفسير الثعلبي": 2/ 495. قال ابن العربي في "أحكام القرآن" 1/ 119: وقد اتفق علماء الإسلام على أن الآية نزلت سنة ست، في عمرة الحديبية، حين صد المشركون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن مكة. (¬6) ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 495، "تفسير القرطبى" 2/ 350.

{فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا} فعُلم أن الإحصار في الآية ليس بالمرض، وأيضًا ذكرنا عن ابن عباس أنه قال: لا حصر إلا حصر العدو (¬1). وقولهم: الإحصار عام، قلنا: هو عام من حيث اللفظ، خاص ههنا في حبس العدو، بما (¬2) ذكرنا من الدليل (¬3). فإذا (¬4) بان أن الإحصار هو قهر العدو بالحبس عن البيت، فالرجل إذا أحرم بحجٍّ أو عُمْرةٍ انحتم عليه الإتمام، حتى لو أفسد الإحرام بالجماع وجب عليه المضي في فَاسِدِ الإحرام، وإنما يباح التحلل (¬5) من الإحرام بإحصار العدو، كما أُحْصِر رسول الله (¬6). ثم إن كان الحج فَرْضاً أو العمرة فأحصره العدو فقال الشافعي: إذا أُحْصِرَ بعدوٍّ كافرٍ أو مسلم، أو سُلْطَان يحبسه في سجن، نحر هديًا بالإحصار حيث أُحْصِر في حِلٍّ أو حَرَم، وحَلَّ من إحرامه، وعليه القَضَاءُ إذا انْجَلَى الحَصْر، فإن انجلى الحَصْرُ عاجلاً أمكنه القضاء في ذلك العام، وإن كان النُّسُكُ في الأصل نفلاً فأُحْصِر فَتَحَلَّلَ فلا قضاء عليه من طريق الوجوب، ولكن يُسْتَحَبُّ له ذَلكَ، وإذا لم يجد هديًا يشتريه، أو كان فقيرًا، ففيه قَوْلان: أحدهما: لا يحل إلا بهدي. ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه. (¬2) في (م) وبما. (¬3) ينظر في ذكر الأدلة: "أحكام القرآن" للكيا الهراسي 1/ 134 - 135. (¬4) في (ش) فإن. (¬5) في (ش) التحليل. (¬6) ينظر: "تفسير القرطبي" 2/ 348 - 355، "البحر المحيط" 2/ 73.

والآخر: إذا لم يَقْدِر عليه حَلَّ، وأتى به إذا قَدَرَ عَليه (¬1). وأما المحصر بالمرض، فإنه يصير على إحرامه ولا يتحلل، وله أن يتداوى بما لابد منه ويفتدي، ويأتي في هذه الآية ذكره (¬2). وفي الآية إضمار، تقديره: فإن أحصرتم دون تمام الحج والعمرة، وجاز الحذف لأن ما تقدم يدل عليه (¬3). قوله تعالى: {فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} محل "ما" رفع. المعنى: فواجبٌ عليكم ما استيسر (¬4). قال الفراء: ولو نصبتَ على معنى: اهْدُوا ما استيسر، كان صوابًا، وأكثر ما جاء في القرآن من أشباهه مرفوع (¬5). ¬

_ (¬1) "مختصر المزني" الملحق بكتاب "الأم" للشافعي 8/ 169، "تفسير الثعلبي" 2/ 496، والنقل عنه. وينظر: "أحكام القرآن" لابن العربي 1/ 122، "تفسير القرطبي" 3/ 353 - 355، ويرى أبو حنيفة أن عليه القضاء، وهو اختيار الطبري في "تفسيره" 2/ 226، واحتجوا بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قضى عمرة الحديبية في العام الآخر، وأجيبوا بأنه إنما قضاها لأن الصلح وقع على ذلك إرغاما للمشركين، وإتماما للرؤيا، وتحقيقا للموعد، وهي في ابتداء عمرة أخرى، وسميت عمرة القضية من المقاضاة لا من القضاء. (¬2) من "تفسير الثعلبي" 2/ 497، وينظر: "أحكام القرآن" لابن العربي 1/ 121، "تفسير القرطبي" 2/ 351، وقد رد الإمام الطبري هذا القول في "تفسيره" 2/ 227، وناقش القائلين به، وبين عدم الفرق بين الإحصار بالعدو وبالمرض لعدم الفارق بين المعنيين بكلام نفيس. (¬3) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 215. (¬4) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 267، "تفسير الطبري" 2/ 219، "تفسير الثعلبي" 2/ 498، "تفسير القرطبي" 2/ 355، "التبيان" 122، وقال مكي في "مشكل إعراب القرآن" 1/ 123: (ما) في موضع رفع بالابتداء، أي: فعليه ما استيسر. (¬5) "معاني القرآن" للفراء بمعناه 1/ 118، وينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 498، "مشكل =

واستَيْسر بمعنى: تيسر، ومثله استعظم، أي: تَعَظَّم، واسْتَكْبَر، أي: تَكَبَّر (¬1). والهَدْيُ: جَمْعُ هَدْيَة، مثل: شَرْية وشَرْي، وجَدْيَة وجَدْي (¬2). قال أحمد بن يحيى: أهلُ الحجاز يُخَفِّفُون الهَدْي، وتميمٌ تُثَقِّلُهُ، فيقولون: هديّة وهديّ، مثل مطيّة ومَطِيّ (¬3). قال الشاعر: حَلَفْتُ بربِّ مَكَّةَ والمُصَلَّى ... وأعْنَاقِ الهَديِّ مُقَلَّداتِ (¬4) ومعنى الهَدْي: ما يُهْدَى إلى بيت الله عزّ وجلّ تَقَرُّبًا إليه، بمنزلة الهَدِيَّةِ يُهْدِيها الإنسان إلى غيره متقربًا بها إليه (¬5). قال علي (¬6) وابن ¬

_ = إعراب القرآن" لمكي 1/ 123، "التبيان" 122، "البحر المحيط" 2/ 74. (¬1) ينظر: "التفسير الكبير" 5/ 160، "التبيان" للعكبري 122، قال: والسين هنا ليست للاستدعاء. وقال في "البحر المحيط" 2/ 74: واستيسر هو بمعنى الفعل المجرد، أي: يسر، بمعنى: استغنى وغني، واستصعب وصعب، وهو أحد المعاني التي جاءت لها استفعل. (¬2) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 219، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 267، "تهذيب اللغة" 4/ 3738، "المفردات" 519، "اللسان" 8/ 4642 "هدى". (¬3) نقله الرازي في "التفسير الكبير" 5/ 160، وصاحب "اللسان" 8/ 4642 (هدى). (¬4) البيت للفرزدق في "ديوانه" 1/ 108، "لسان العرب" مادة: قلد 6/ 3718. (¬5) "تفسير الثعلبي" 2/ 499، وينظر: "تفسير الطبري" 2/ 220، "المفردات" 519، "التفسير الكبير" 5/ 160، "اللسان" 8/ 4642 (هدى). (¬6) رواه عنه مالك في "الموطأ" 1/ 384، وسعيد بن منصور في "تفسيره" 3/ 753، والطبري في "تفسيره" 2/ 217، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 336، قال: ما استيسر من الهدي: شاة، ولم يذكر هذا التقسيم، والواحدي لعله لما نقل هذا عن الثعلبي لم يلتفت إلى التفريق في عبارته؛ حيث قال الثعلبي 2/ 499: فقال علي ابن أبي طالب وابن عباس: شاة، وقال الحسن وقتادة: أعلاه بدنة، وأوسطه شاة.

عباس (¬1) والحسن (¬2) وقتادة (¬3) في هذه الآية: أعلاه بدنة، وأوسطه بقرة، وأخسُّه شاة، فعليه ما تيسر له من هذه الأجناس. وقوله تعالى: {وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} أي: لا تَتَحَلَّلُوا من إحرامكم حتى يُنْحَرَ الهَدْيُ (¬4). ومعنى {حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} أي: حيث يَحِلُّ ذبحُه ونَحْرُه، يُقال: حلَّ الشيء يَحِلُّ حَلاَلاً وحِلاًّ، وهذا أوان محله، أي: حينَ حَلَّ (¬5)، كقوله - صلى الله عليه وسلم - في اللحم الذي تصدّق على بريرة: "قربوه فقد بَلَغ محله" (¬6) أي: حل لنا ¬

_ = أو لعله سقط من المخطوطة. والله أعلم. (¬1) رواه مالك في "الموطأ" 1/ 384، والطبري بمعناه 2/ 215 - 217، وابن أبي حاتم 1/ 336، وسعيد بن منصور 3/ 749. (¬2) رواه سعيد بن منصور في "السنن" 3/ 758، والطبري في "تفسيره" 2/ 216، وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 336 كلهم عن الحسن قال: فما استيسر من الهدي: شاة، وليس فيه التقسيم المذكور. وذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 500 بلفظ الواحدى. (¬3) ينظر: "تفسيرالثعلبي" 2/ 499. (¬4) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 220. (¬5) من "تفسير الثعلبي"، وينظر: "غريب القرآن" 79، "تفسير الطبري" 2/ 220. (¬6) بهذا اللفظ ذكره الطبري في "تفسيره" 2/ 222، والثعلبي في "تفسيره" 2/ 502، وتابعه الواحدي هنا. وحديث بريرة المشهور، لفظه: هو لها صدقة ولنا هدية، رواه البخاري في الزكاة، باب: الصدقة على موالي أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - 2/ 164 برقم 1493، ومسلم في العتق، باب: إنما الولاء لمن أعتق 2/ 1143 برقم 1504 وليس فيه اللفظ الذي ذكره المؤلف، لكنه ورد في حديث أم عطية أنه - صلى الله عليه وسلم - قال عن الشاة التي أرسلتها نسيبة الأنصارية: فقد بلغت محلها، رواه البخاري في الزكاة، باب: قدر كم يعطي من الزكاة والصدقة 2/ 148 برقم 1446، ومسلم في الزكاة، باب. إباحة الهدية للنبي - صلى الله عليه وسلم - 2/ 756. =

بالهدية إلينا (¬1)، بعد أن كان صدقة على بريرة (¬2) (¬3). وهكذا فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، حين صُدُّوا عن البيت، نَحَروا هَدْيَهُم بالحديبية ليست من الحرم (¬4). قال الشافعي رحمه الله: وكل ما وجب على المحرم في ماله من بَدَنةٍ وجَزَاء وَهَدْي فلا يُجْزِي إلا في الحرم، لمساكين أهله، إلا في موضعين: أحدهما: دم المحصر بالعدو، فإنه ينحر حيث حبس ولحل. والآخر: من ساق هديًا فعَطب في طريقه ذبحه وخلى بينه وبين المساكين (¬5). هذا على مذهب أهل الحجاز (¬6)، وعلى مذهب أهل العراق محلُّ ¬

_ = قال أحمد شاكر في تعليقه على الطبري: ولم أجد لفظ: "فقد بلغ محله"، الذي حكاه الطبري في قصة بريرة، ولعله وقع إليه من رواية خفيت علينا، ثم ذكر شاكر أن نحو هذا اللفظ جاء في قصتين أخريين: إحداهما: من حديث أم عطية الأنصارية، ولفظه: "إنها قد بلغت محلها"، والأخرى: من حديث جويرية بنحو اللفظ السابق. (¬1) سقطت من (ش). (¬2) بريرة مولاة عائشة رضي الله عنهما، وكانت مولاة لبعض الأنصار، ثم اشترتها عائشة فأعتقتها، وكانت تحت مغيث فخيرها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد عتقها، فاختارت فراقه، وعاشت إلى خلافة يزيد بن معاوية. ينظر: "صحيح البخاري" 6/ 210، "الاستيعاب" 4/ 357 (3290). (¬3) "تفسيرالثعلبي" 2/ 502. (¬4) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 221، 222، "تفسير الثعلبي" 2/ 502. (¬5) "تفسير الثعلبي" 2/ 497، وقد عزاه فقال: وقال بعض الفقهاء، ولم يعزه إلى الشافعي، لكن الجملة التي قبله عزاها للشافعي، وهي التي نقلها الواحدي قبل عدة أسطر. (¬6) ينظر: "الأم" 2/ 174، "تفسير الثعلبي" 2/ 501، "أحكام القرآن" لابن العربي=

هدي المحصر الحرمُ، ولا محل له غيره، فإن كان حاجًا فمحله يوم النحر، وإن كان معتمرًا فمحله (¬1) يوم يبلغ هديه الحرم (¬2). وحقيقة الخلاف تعود إلى أن عند أهل الحجاز المحل في هذه الآية اسمًا للأوان الذي يحل فيه ذبح الهدي عن المحصر، وعند غيرهم المحل اسم للمكان (¬3). وقوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ} نزلت في كعب ابن عُجْرة (¬4) قال: مر بي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زمن الحديبية ولي وفرة من شعر فيها القَمْل والصِّيبَان، وهي تَتَناثر على وجْهي وأنا أطبخ قِدرًا لي، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أيؤذيك هوام رأسك؟ " قلت: نعم يا رسول الله قال: "احلق رأسك"، فأنزل الله عز وجل: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ} (¬5) أي: ¬

_ = 1/ 122، "تفسير الطبري" 2/ 221، 222، وبين رحمه الله 2/ 226، 227 أن أولى الأقوال بالصواب قول من قال: إن المراد بالآية كل محصر بعمرة أو حج، وجعل محل هديه الموضع الذي أحصر فيه، وجعل له الإحلال من إحرامه ببلوغ هديه محله، وأراد بالمحل: المنحر أو المذبح، وذلك حين حل ذبحه ونحره في حرم كان أو حل. (¬1) في (م) (فحله في الموضعين). (¬2) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 223، "أحكام القرآن" للجصاص 1/ 272، "شرح معاني الآثار" 2/ 251، "بدائع الصنائع" 2/ 179. (¬3) "التفسير الكبير" 5/ 162. (¬4) كعب بن عجرة بن أمية البلوي، الأنصاري المدني، أبو محمد، صحابي مشهور، تأخر إسلامه، ثم شهد المشاهد كلها، مات بعد الخمسين، وله نيف وسبعون سنة، روى حديثه الجماعة. ينظر، "أسد الغابة" 4/ 243، "تقريب التهذيب" ص 461 (5643). (¬5) أخرجه البخاري (1817) كتاب المحصر، باب: النسك شاة، ومسلم (1201) =

فحلق أو فداوى فعليه فدية يفدي بها إحرامه؛ لأنه يجبر بها ما وقع من خلل في إحرامه (¬1). والحكم في هذا: أن المحرم إذا تأذّى بهوامِّ رأسِه أو بالمرض أُبيح له الحلق والمداواة بشرط الفدية، وهذه الفدية على التخيير أيها شاء فعل، كما دل عليه ظاهر الآية (¬2)، فالصيام ثلاثة أيام، يصوم حيث شاء من البلاد (¬3)، والصدقة إطعام ستة مساكين، لكل مسكين مدان، فيكون الجملة فَرَقًا، وهو اثنا عشر مدًّا (¬4)، وفي سائر الكفارات لكلِّ مسكين (¬5) مدٌّ واحد. وأصل معنى الصدقة نذكرها في قوله: {إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ} [البقرة: 271] إن شاء الله تعالى. ¬

_ = كتاب الحج، باب: جواز حلق الرأس للمحرم، وقال الطبري في "تفسيره" 2/ 230: وقد تظاهرت الأخبار عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن هذه الآية نزلت بسبب كعب بن عجرة، إذ شكا كثرة أذى رأسه من صئبانه، وذلك عام الحديبية، ثم ذكر 28 طريقا للحديث. والوفرة: أعظم من الجمة، وهي: ما جاوز شحمة الأذنين من الشعر، ثم اللمة، وهي: ما ألم بالمنكبين، والصئبان: جمع صؤاب، جمع: صؤابة، وهو بيض القمل، والهوام: واحدها: هامة، وهي الحيات وأشباهها مما يهم، أي: يدب، والهميم: الدبيب، وكنوا عن القمل بأنها هوام؛ لأنها تهم في الرأس، أي: تدب فيه وتؤذي. (¬1) "تفسير القرطبي" 2/ 360، "اللسان" 6/ 3367 فدي. (¬2) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 231 - 234، 236، 237، "تفسير الثعلبي" 2/ 508، "أحكام القرآن" لابن العربي 1/ 124. (¬3) ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 507، "أحكام القرآن" لابن العربي 1/ 124 - 125، "تفسير القرطبي" 2/ 363 خلافًا لقول الحسن وعكرمة. (¬4) ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 507، "أحكام القرآن" لابن العربي 1/ 125، "تفسير القرطبي" 2/ 362 - 363. (¬5) ليست في (أ) ولا (م).

وقوله تعالى: {أَوْ نُسُكٍ} جمعُ نسيكة، وهي الذبيحة يَنْسُكُها لله عز وجل، أي: يذبحها (¬1)، ويجمع أيضا: نسائك، وأصل النسك: العبادة. والناسك: العابد. قال ابن الأعرابي: النسك سبائك الفضة. كل سبيكة منها نسيكة، وقيل للمتعبد: ناسك؛ لأنه خَلَّص نفسه من دنس الآثام وصفّاها، كالسبيكة المخلَّصَة من الخَبَث (¬2). هذا أصل معنى النسك. ثم قيل للذبيحة نسك؛ لأنها من أشرف العبادات التي يُتَقرَّب بها إلى الله (¬3). قال العلماء أعلاها: بدنة، وأوسطها: بقرة، وأدناها: شاة. وهو مخير بينهما؛ لأن النسك وقع على هذه الأجناس (¬4). والصحيح: أنه يأتي بالإطعام والنسك أي موضع شاء، لأن الله تعالى أطلق في الآية، ولم يخص مكانًا دون مكانٍ (¬5). ¬

_ (¬1) في (م) بذبحها. (¬2) نقله عن ابن الأعرابي في "تهذيب اللغة" 4/ 3562. (¬3) ينظر في معنى النسك: "تهذيب اللغة" 4/ 3562 - 3563، "المفردات" 493، "التفسير الكبير" 5/ 164، "تفسير القرطبي" 2/ 364، "عمدة الحفاظ" 4/ 197. (¬4) "تفسير الثعلبي" 2/ 507، "تفسير البغوي" 1/ 223، وقال الرازي في "تفسيره" 5/ 164: اتفقوا في النسك على أن أقله شاة لأن النسك لا يتأدى إلا بأحد الأمور الثلاثة: الجمل، والبقرة، والشاة، ولما كان أقلها الشاة، لا جرم كان أقل الواجب في النسك هو الشاة، قال ابن عبد البر: كل من ذكر النسك في هذا الحديث مفسرًا فإنما ذكره بشاة، وهو أمر لا خلاف فيه بين العلماء، نقله القرطبي في "تفسيره" 2/ 361. وينظر: "الإجماع في التفسير" ص204. (¬5) وهذا قول علي وإبراهيم النخعي، وروي عن مجاهد، وهو قول المالكية، واختيار الطبري والثعلبي، وقال الحسن وطاوس وعطاء ومجاهد، وهو قول الشافعي: النسك والإطعام بمكة، والصيام حيث شئت، وعلتهم: قياسه على جزاء الصيد، حيث قال الله تعالى: {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} [المائدة: 95]، وإذا كان =

قوله تعالى: {فَإِذَا أَمِنْتُمْ}، قال ابن عباس: أي من العدو، أو كان حج ليس فيه عدو (¬1)، قد جمع ابن عباس الحالتين في تفسير قوله: {فَإِذَا أَمِنْتُمْ} لأن الأمن يكون بعد خوف فيزول، ويكون من غير خوف قد زال، وكلا الحالتين سواء في حكم المتمتع، وهو قوله: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ}. والمتاع: كل شيء يُتَمَتَّعُ به، ويُنْتَفَع به. وأصله: من قولهم: جَبَلٌ ماتعٌ، أي: طَويل، وكل من طالت صُحْبته مع الشيء فهو متمتع به (¬2). والتمتع بالعمرة إلى الحجِّ هو: أن يَقْدُمَ مَكَّةَ مُحْرِمُا، فيعتمرَ في أَشْهُرِ الحَجِّ، ثم يقيم حلالاً بمكةَ، حتى ينشئَ منها الحجَّ فيحج من عامه ذلك، ويكون متمتعًا بمحظورات الإحرام؛ لأنه حل بالعمرة إلى إحرامه بالحج (¬3). ¬

_ = هذا حكم الدم فكذا الإطعام، وقال عطاء: ما كان من دم فبمكة، وما كان من طعام وصيام فحيث شاء، وروي عن الحسن وهو قول أصحاب الرأي، قال الطبري 2/ 240: وأجمعوا على أن الصيام مجزئ عن الحالق رأسه من أذى حيث صام من البلاد. ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 240، "تفسير الثعلبي" 2/ 509، "أحكام القرآن" للكيا الهراسي 1/ 145، "أحكام القرآن" لابن العربي 1/ 125، "تفسير القرطبي" 2/ 364. (¬1) هذا من رواية عطاء التي تقدم الحديث عنها في المقدمة. والمفسرون على قولين: أحدهما: أمنتم من العدو؛ لأن الأمن لا يقال إلا من العدو، والمرض لا تؤمن معاودته، وبه قال قتادة والربيع، وقال علقمة: أمنتم من المرض والخوف، وكذا قال عروة. ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 243. (¬2) ينظر في متع: "تهذيب اللغة" 4/ 3334 - 3335، "المفردات" 463، "تفسير الثعلبي" 2/ 511، "التفسير الكبير" 5/ 165، "عمدة الحفاظ" 4/ 72 - 74، "اللسان" 7/ 4127، "معاني القرآن" للنحاس 1/ 121، "تفسير الثعلبي" 2/ 510، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 341. (¬3) وبه قال سعد بن أبي وقاص وابن عمر وابن عباس وسعيد بن المسيب وعطاء =

ومعنى قوله: {بِالْعُمْرَةِ} هو أي: بسبب العمرة، لأنه لا يتمتع بالعمرة، ولكنه يتمتع بمحظورات الإحرام بسبب العمرة حيث أتى بها (¬1). هذا معنى التمتع بالعمرة إلى الحج. وقوله تعالى: {فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} قال أصحابنا: المتمتع الذي يجب عليه الدّم: هو الذي يُحِم في أشهر الحج، ويحل بعمرة في أشهر الحج، ويُحْرم بالحج من عامه ذلك من مكةَ، ولا يرجع إلى الميقات، ويكون من غير أهل الحرم، فإذا انخرم شيء من هذه الشرائط سقط عنه الدم، ولا يكون متمتعاً (¬2). ¬

_ = وإبراهيم والحسن. ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 243 - 246،"تفسير الثعلبي" 2/ 510، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 341، "أحكام القرآن" لابن العربي 1/ 126، "التفسير الكبير" 5/ 165، "تفسير القرطبي" 2/ 364 - 366، وذكر رحمه الله أربع صور للتمتع، هذه إحداها. والثانية: القرآن، وهي أن يجمع بين الحج والعمرة في إحرام واحد فيهل بهما جميعا في أشهر الحج أو غيرها. والثالثة: أن يحرم بالحج حتى إذا دخل مكة فسخ حجه في عمرة، ثم أهل بالحج يوم التروية، وهذا الذي توعد عليه عمر بن الخطاب، وقال: متعتان كانتا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما: متعة النساء، ومتعة الحج. والرابعة: متعة المحصر، ومن صُدَّ عن البيت حتى ينقضي الحج فيأتي إلى البيت فيعتمر ويحل إلى الحج من قبل قابل فيحج ويُهدي. وذكر هذه الصور: الطبري بأسانيده 2/ 243 - 246. (¬1) "تفسير الثعلبي" 2/ 511، ونقله الرازي في "تفسيره" 5/ 165، وقيل: سمي متمتعًا؛ لأنه تمتع بإسقاط أحد السفرين. ينظر القرطبي في "تفسيره" 2/ 364 - 366. (¬2) ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 511، و"غرائب القرآن" للنيسابوري 2/ 161، "فتح الباري" 3/ 435، وذكر الرازي في "تفسيره" 5/ 165 - 166: أن دم التمتع له خمس شرائط عند الأصحاب أي من الشافعية: أحدها: أن يقدم العمرة على =

وإذا وجدت هذه الشرائط كان متمتعًا، وعليه إراقة دم إن شاء قبل يوم النحر، وإن شاء في يوم النحر (¬1)، ولا يجزيه غيره إن كان موسرًا، وإن كان معسرًا فعليه صوم عشرة أيام، وذلك قوله: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ} أي: في أشهر الحج. قال المفسرون: يصومُ يومًا قبل التروية، ويومَ التروية، ويومَ عرفة. قال أصحابنا: يصوم ثلاثة أيام قبل يوم النحر في أشهر الحج، إن شاء متتابعة، وإن شاء متفرقة، وإن صام قبل يوم عرفة حتى يكون يوم عرفة (¬2) مفطرًا كان أولى؛ لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما صامَ بعرفةَ يومَ عَرَفة، وذلك ¬

_ = الحج. والثاني: أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج. والثالث: أن يحج من عامه. والرابع: أن لا يكون من حاضري المسجد الحرام. والخاص: أن يحرم بالحج من جوف مكة بعد الفراغ من العمرة، فإن عاد إلى الميقات لم يلزمه شيء. وفصلها ابن العربي في "أحكام القرآن" 1/ 126 وزاد فقال: والتمتع يكون بشروط ثمانية: الأول: أن يجمع بين العمرة والحج. الثاني: في سفر واحد. الثالث: في عام واحد. الرابع: في أشهر الحج. الخامس: تقديم العمرة. السادس: ألا يجمعهما، بل يكون إحرام الحج بعد الفراغ من العمرة. السابع: أن تكون العمرة والحج عن شخص واحد. الثامن: أن يكون من غير أهل مكة. (¬1) من "تفسير الثعلبي" 2/ 512، وهذا قول علي وابن عمر وابن عباس وجماعة من التابعين. ينظر: "تفسير عبد الرزاق" 1/ 76، "تفسير الطبري" 2/ 245 - 246، "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 342. (¬2) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 247 - 249، "أحكام القرآن" لابن العربي 1/ 129 - 131، "زاد المسير" 1/ 206، وقد بين الطبري رحمه الله علة قول من قال: إن آخر الثلاثة قبل يوم النحر، أن الله أوجب صومهن في الحج، وإذا انقضى عرفة انقضى الحج، والعلماء مجمعون على حرمة صوم يوم النحر، فإن كان إجماعهم على حرمة صيام لأجل كونه ليس من أيام الحج فما بعده أولى، وان كان لأجل كونه عيدا فما بعده من أيام التشريق في معناه. وقال آخرون: إن آخرهن أيام التشريق=

أقوى للدعاء (¬1). وقوله تعالى: {وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ} أما السَّبْعَةُ فله أن يصومها بعد الفراغ من الحج، أين شاء ومتى شاء، والأولى: أن لا يُوقِعَها في أيام التشريق (¬2)، وإن فاته صوم الأيام الثلاثة في الحج قضاها من بعد. وقوله تعالى: {تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} يقال: كمُل الشيءُ يَكمُل، وكمَل يكمُل، فهو كامِلٌ وكميل، وذُكِر أيضًا: كَمِل يكمَلُ (¬3). وإنما قال: {تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} مع العلم بأن الثلاثة والسبعة عشرة، ¬

_ = لحديث عائشة وابن عمر قالا: لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدي. رواه البخاري، قالوا: وأيام منى من أيام الحج، وفيه جملة من أعماله، وممن يرى جواز ذلك: عائشة وابن عمر وابن الزبير ومالك والأوزاعي وأحمد وإسحاق، كما في "تفسير البغوي" 1/ 224. والواحدي رحمه الله كأنه بكلامه يرى عدم جواز صيام أيام التشريق مطلقا، وهذا قول الشافعية، والحديث حجة عليهم كما بين ذلك ابن العربي في "تفسيره" 1/ 129 - 130، والقرطبي في "تفسيره" 2/ 377. (¬1) ينظر: "أحكام القرآن" لابن العربي 1/ 130، "تفسير القرطبي" 2/ 377. (¬2) ذكر الطبري في "تفسيره" رحمه الله 2/ 253: " الإجماع" على أن المراد بقوله: {وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ}، أي: إلى أهليكم، ودليله. حديث ابن عمر في الصحيحين مرفوعا: فمن لم بجد هديا فليصم ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله. البخاري 2/ 181 في الحج، باب: من ساق البدن معه، ومسلم 2/ 901 في الحج، باب: وجوب الدم على المتمتع، وقد اختلف العلماء في حكم صيامها بعد الفراغ من أعمال الحج، وقبل الرجوع على قولين، ذكرهما القرطبي في "تفسيره" 2/ 378 - 379. (¬3) ينظر: "لسان العرب" 7/ 3930، "تفسير القرطبي" 2/ 379.

للتأكيد (¬1)، كقول الفرزدق (¬2): ثَلاثٌ واثْنَتَانِ فهُنَّ خَمْسُ (¬3) ... ....................... البيت. وكقوله تعالى: {وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} [الأعراف: 142]. وقيل: إن العرب أمّةٌ أميةٌ، لا تَعْرِف الحساب (¬4)، ولذلك قال جابر حين ذكر عددَ أهلِ الحُدَيْبِيَة: كنا أربعَ عَشرَ مائة (¬5). ويروى أن رجلًا من الصحابة سَبَى جاريةً في بعض المغازي، فطلبوا منه أن يأخذ الفداء، فقال: لا أفديها إلا بألف درهم، فبذلوها له، فقيل له: لو طلبت أكثر من ذلك لأعطوك، فقال: والله ما عرفت أن فوق الألف حسابا (¬6). وقال الزجاج: العرب قد تذكر الواو والمراد منها أو، كقوله: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ} [النساء: 3]، فجاز أن يَتَوَهَّم المتوهم أن الفرضَ ثلاثة أيام في الحج أو سبعة في الرجوع، فأعلم الله عز وجل ¬

_ (¬1) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 254، "المحرر الوجيز" 2/ 162، "التفسير الكبير" 5/ 169. (¬2) هو: همام بن غالب بن صعصعة التميمي، أبو فراس، الشهير بالفرزدق، شاعر عظيم الأثر في اللغة، مات في بادية البصرة سنة 110 هـ انظر: "الشعر والشعراء" 310، "السير" 4/ 590. (¬3) عجزه: وسادسة تميل إلى شمام والبيت للفرزدق في "ديوانه" 2/ 835، ينظر: "البحر المحيط" 2/ 80، "تفسير الثعلبي" 2/ 513، "الدر المصون" 2/ 320 وشمام: اسم جمل ينظر: "لسان العرب" 5/ 2952 (عشر). (¬4) ينظر: "تفسير البغوي" 1/ 224، "التفسير الكبير" 5/ 169. (¬5) رواه مسلم (1856) كتاب الإمارة، باب: استحباب مبايعة الإمام الجيش عند إرادة القتال. (¬6) لم أجده.

أن العشرَ مفترضةٌ كلها (¬1). وذكر الكمال على التأكيد. وقيل: أراد: كاملة في البدل عن الدم، وإن كانت مُفَرَّقة، ثلاثة في الحج وسبعة في الوطن (¬2). وقيل: لفظه خبر ومعناه أمر، أي: فأكملوها ولا تنقصوها (¬3). وقوله: {لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} أي: ذلك الفرض والذي أمرنا به لمن كان من الغرباء من غير أهل مكة (¬4). قال الفراء: واللام في قوله: {لِمَنْ} معناها: على (¬5)، أي: ذلك الفرض الذي هو الدمُ أو الصومُ على من لم يكن من أهل مكة، كقوله - صلى الله عليه وسلم -: "اشترطي لهم الولاء" (¬6). أي: عليهم. والله تعالى ذكر الأهل والمراد بالحضور المحرم لا الأهل، وذلك أن ¬

_ (¬1) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 268، وينظر: "المحرر الوجيز" 2/ 162، "التفسير الكبير" 5/ 169، "تفسير القرطبي" 2/ 379. (¬2) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 254، "المحرر الوجيز" 2/ 162، "التفسير الكبير" 5/ 169، "تفسير القرطبي" 2/ 379. (¬3) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 254، "المحرر الوجيز" 2/ 162، "التفسير الكبير" 5/ 170، "تفسير القرطبي" 2/ 379، وهذا هو اختيار الطبري. (¬4) هذا قول، وهو رجوع اسم الإشارة إلى المتمتع الذي يلزمه الدم أو بدله، والقول الآخر: أن اسم الإشارة عائد إلى التمتع، ولهذا اختلفوا في حكم تمتع المكي، وهل له المتعة أو لا؟ والأول: قال به الشافعي، والثاني: قال به أبو حنيفة. ينظر: "التفسير الكبير" 5/ 171، "تفسير القرطبي" 2/ 380، "البحر المحيط" 2/ 80. (¬5) "معاني القرآن" للفراء 1/ 118، وينظر: "تفسير القرطبي" 2/ 381، والقول الآخر: أن اللام على بابها، والمعنى: ذلك لازم لمن. ينظر: "الدر المصون" 2/ 321. (¬6) أخرجه البخاري (2168) كتاب البيوع، باب: إذا اشترط شروطا في البيع لا تحل، ومسلم (1504) كتاب العتق، باب: إنما الولاء لمن أعتق.

الغالب على الرجل أن يسكن حيث كان أهله ساكنون (¬1). والحاضرون: من كانت دارُه على مسافةٍ لا يَقْصُر إليها الصِّلاة، سموا حاضرين: لأنهم يقربون من مكة، والحَضْرة عند العرب: قرب الشيء (¬2). وقوله تعالى: {الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} أصلُ الحرام: المَنْع، والمحروم: المَمْنُوع من المكاسب، والشيء المنهي عنه حَرَام؛ لأنه منع من إتيانه؛ ومنه قول زُهيْر: لا غائبٌ مالي ولا حَرِمُ (¬3). أي: لا ممنوع. فالمسجد الحرام: الممنوع من أن يفعل فيه ما حَرُم ولم يؤذن في إتيانه (¬4). قال الفراء: ويقال حَرَام وحَرَمُ، مثل: زَمَان وزَمَن (¬5). ¬

_ (¬1) نقله عن الواحدي بتمامه الرازي في "تفسيره" 5/ 172. (¬2) واختلف الناس في حاضري المسجد الحرام، بعد "الإجماع" على أن أهل مكة وما اتصل بها، من حاضريه، وقال الطبري: بعد "الإجماع" على أهل الحرم، فقالا بعضهم: من وجبت عليه الجمعة فهو من حاضريه، وقال مالك: هم أهل مكة وما اتصل بها خاصة، وقال أبو حنيفة: من كان دون المواقيت فهو من حاضري المسجد الحرام، وقال الشافعي: ما ذكره الواحدي. ينظر في ذكر الأقوال: "تفسير الطبري" 2/ 255 - 257، "التفسير الكبير" 5/ 171، "تفسير القرطبي" 2/ 381، "البحر المحيط" 2/ 81، "تفسير الثعلبي" 2/ 515. (¬3) البيت بتمامه: وإن أتاه خليل يوم مسألة ... يقول: لا غائب مالي ولا حرم وهو في "ديوان زهير بشرح ثعلب" ص 153، وفي "الكتاب" لسيبويه 3/ 66، "الكامل" 1/ 134، "المقتضب" 2/ 70، والخليل من الخَلة: الفقير. (¬4) ينظر: "المفردات" ص 122، "عمدة الحفاظ" 1/ 457، ونقله عن الواحدي بلا عزو: الرازي في "تفسيره" 5/ 172، "لسان العرب" 2/ 846 (حرم). (¬5) نقله عنه الرازي في "تفسيره" 5/ 172.

197

وقوله تعالى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ} قال ابن عباس: يريد فيما افترضه عليكم {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} لمن تهاون بحدوده (¬1). 197 - قوله تعالى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} تقدير الآية عند النحويين على وجهين: أحدهما: أن التقدير: أشهُر الحج أشهر معلومات، ليكون (¬2) الثاني الأول في المعنى، فحذف المضاف (¬3). والثاني: أنّ التقدير: الحجُّ حجُّ أشهر مَعْلومات، أي: لا حج إلا في هذه الأشهر، ولا يجوز في غيرها، كما كان يفعله أهل الجاهلية، يستجيزونها في غيرها من الأشهر، فحذف المصدر المضاف إلى الأشهر. ويمكن تصحيحُ الآيةِ من غير إضمار، وهو أنه جعل الأشهر الحج لمَّا كان الحج فيها، كقولهم: ليل نائم، لما (¬4) كان النوم فيه جعل نائمًا، كذلك ها هنا، اتسع في الأشهر وأخرجت عن الظرف، كقوله تعالى: {مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ} [طه: 59]، ألا تَرَى أن الحجَّ في الأشهر، كما أن الموعدَ في اليوم، إلا أنه اتسع فيه، فجعل الأول لما كان فيه، كذلك جعل الحج الأشهر على الاتساع، لكونه فيها وكثرته من الفاعلين له (¬5)، كما جَعَلتِ الخَنْساءُ الوحشيةَ إقبالًا وإدبارًا لكثرتهما منها في قولها: ¬

_ (¬1) المصدر السابق. (¬2) في (ش) (أي ليكون). (¬3) قال مكي في "مشكل إعراب القرآن" 1/ 123: ولولا هذا الإضمار لكان القياس نصب (أشهر) على الظرف، كما تقول: القتال اليوم، والخروج الساعةَ. (¬4) في (ش) ولما. (¬5) ليست في (أ) ولا (م).

تَرْتَعُ ما رَتَعَتْ حتّى إذا ادَّكَرَتْ ... فإنَّما هي (¬1) إقْبَالٌ وإدْبَارُ (¬2) وكما قال مُتَمِّم (¬3): لَعَمْري وما دَهْرِي بَتَأبِيْنِ هَالكٍ ... ولا جَزعٍ مما أَصَاب فَأَوجَعَا (¬4) ألا ترى أنه قد جعل دَهره الجزع في قوله: ولا جزعٍ، أي: وما دهري بجزع. والأشهرُ بمنزلة الدهر (¬5). والمراد بالأشهر، هاهنا، عند جميع المفسرين: شَوَّالٌ وذو القَعْدة وتسع من ذي الحِجَّة، ويقال: عشر من ذي الحجة، فمن قال: وتِسْع، أراد الأيام؛ لأن يوم عرفة وهو اليوم التاسع من ذي الحجة آخر هذه الأشهر (¬6)، ومن قال: عَشْرٌ، عَبَّر به عن الليالي؛ لأن من أدركَ عرفةَ في الليل العاشر ¬

_ (¬1) في (ش) (اذكرت فانماهن). (¬2) البيت تقدم تخريجه مع تفسير [البقرة:49]. (¬3) هو: متمم بن نويرة بن جمرة بن ثعلبة بن يربوع، أبو نهشل، صحابي شاعر فحل، اشتهر في الجاهلية والإسلام، أشهر شعره رثاء أخيه مالك، توفي سنة 35 هـ انظر: "أسد الغابة" 5/ 52، 58، "الشعر والشعراء" ص 209. (¬4) البيت في "ديوانه" ص 106، "لسان العرب" 1/ 13 (أبن)، 3/ 1440 (دهر). (¬5) ينظر: في إعراب الآية: "مشكل إعراب القرآن" لمكي 1/ 123، "التبيان" ص 123، "البحر المحيط" 2/ 84، "الدر المصون" 2/ 322، وقال أبو حيان والحج أشهر: مبتدأ وخبر، ولابد من حذف؛ إذ الأشهر ليست الحج، وذلك الحذف إما في المبتدأ، فالتقدير: أشهر الحج، أو وقت الحج، أو في الخبر، أي: الحج حج أشهر، أو يكون الأصل: في أشهر، فاتسع فيه، وأخبر بالظرف عن الحج. ثم رد على ابن عطية قوله بالإلزام بالنصب في الحالة الثالثة. (¬6) ذكره الشافعي في "أحكام القرآن" ص127، "مختصر المزني" 8/ 159، "المجموع" 7/ 143.

من ذي الحجة فقد أدركَ الحج (¬1)، وقد ورد في الخبر اللفظان جميعًا في تفسير الأشهر (¬2). وإنما قال: أشهر، لشهرين وبعض الثالث؛ لأن الاثنين قد يوقع عليها (¬3) لفظ الجمع، وذلك أن التثنية أولُ الجَمْع (¬4)، الدليل عليه قوله تعالى: {أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ} [النور: 26]. وإنما يريد عائشةَ وصَفْوان، وكذلك قوله: {وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ} [الأنبياء: 78]، يريد: داودَ وسليمانَ، وقال: {فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} [التحريم: 4]. وقال الشاعر: ¬

_ (¬1) وهذا قول ابن عباس وابن الزبير وابن سيرين ومجاهد والحسن وعطاء والشعبي وطاوس والنخعي وقتادة ومكحول والسدي والضحاك وأبو حنيفة والشافعي، وابن حبيب عن مالك، وروي عن ابن مسعود وابن عمر، وهو اختيار الطبري. ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 257 - 260، "تفسير البغوي" 1/ 225، "البحر المحيط" 2/ 85. (¬2) أما لفظ عشر من ذي الحجة، فقد ورد عن جماعة من الصحابة: عبد الله بن مسعود وابن عمر وابن عباس وابن الزبير -رضي الله عنه- وجماعة من التابعين. ينظر: "سنن سعيد بن منصور" 3/ 783 - 791، "المصنف" لابن أبي شيبة، (القسم الأول من الجزء الرابع ص 218)، "تفسير الطبري" 2/ 257، "سنن الدارقطني" 2/ 226، "تفسير الثعلبي" 2/ 516. وأما لفظ تسع، فلم أعثر عليه في شيء من الأحاديث والآثار، لكن ذكرها المفسرون والفقهاء في معرض الخلاف في أشهر الحج، وذكرها الشافعي في "أحكام القرآن" له ص 127، وفي "المجموع" 7/ 143، والمؤلف رحمه الله تابع الثعلبي على هذا. ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 516. (¬3) في (ش) (عليه). (¬4) ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 518، "تفسير البغوي" 1/ 225، "تفسير القرطبي" 2/ 382، "المدخل لعلم تفسير كتاب الله" للحدادي ص 280.

ظَهْرَاهُمَا (¬1) مِثلُ ظُهُورِ التُرسَيْن (¬2) (¬3) وقال ابن الأنباري: العرب توقع الوقت الطويل على الوقت اليسير، فيقولون: قُتل ابن الزبير زمان الحجاج أمير، وإنما كان القتل في أقصر وقت، فجاز على هذا وقوع الأشهر على أقل منها، ويقولون: أتيتك يوم الخميس، وإنما أتاه (¬4) في ساعة منه، فيسمي تلك الساعة يومًا (¬5). وقال عروة بن الزبير (¬6): أراد بالأشهر شوالًا وذا القَعْدة وذا الحِجَّة كُمَّلًا (¬7)؛ لأنه يبقى على الحاج أمور بعد عرفة يجب عليه فعلها، مثل: ¬

_ (¬1) في (ش) (ظهورهما). (¬2) في (ش) (الريسين). (¬3) صدر البيت: ومهمهين قذفين مرتين ينظر: "الكتاب" لسيبويه 2/ 48، وفيه قال الراجز هو خطام المجاشعي، "الخزانة" 2/ 314، "البيان" 2/ 446. وينظر: "الوسيط" للواحدي 1/ 300. (¬4) في (م) أتوه. (¬5) وينظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 119، "تفسير الطبري" 2/ 260، "تفسير الثعلبي" 2/ 517، قال الفراء: وكذلك تقول العرب: له اليوم يومان منذ لم أره، وإنما هو يوم وبعض آخر، وهذا ليس بجائز في غير المواقيت؛ لأن العرب قد تفعل الفعل في أقل من الساعة ثم يوقعونه على اليوم. (¬6) هو: أبو عبد الله عروة بن الزبير بن العوام القرشي الأسدي، أخو عبد الله بن الزبير، وأمهما أسماء بنت أبي بكر -رضي الله عنهم- ثقة مشهور، من أفاضل التابعين وعبادهم، توفي سنة 94 هـ انظر: "السير" 4/ 421، "تقريب التهذيب" ص 389 (4561). (¬7) ذكره الثعلبي عنه 2/ 518، البغوي في "تفسيره" 1/ 225، والرازي في "تفسيره" 1/ 173، ولم يذكره أحد من أصحاب الكتب المسندة في التفسير، وروى سعيد بن منصور في "السنن" 3/ 791 عن عروة بن الزبير قال: قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - (الحج أشهر معلومات) قال: شوال، وذو القعدة، وذو الحجة، وعزاه السيوطي في "الدر" 1/ 393 إلى ابن المنذر، وهذا قول ابن مسعود وابن عمر وعطاء وطاوس ومجاهد والزهري والربيع ومالك. ينظر: "البحر المحيط" 2/ 85.

الرمي، والحلق، والنحر، والبيتوتة بمنى (¬1). وقوله تعالى: {مَعْلُومَاتٌ} أي: أشهر مُؤَقَّتَةٌ معينة، لا يجوز فيها ما كان يفعلُه أهلُ الجاهلية من التبديل بالتقديم والتأخير، الذي كان يفعله النَّسَأة الذين أنزل فيهم {إِنَمَا النَّسِىَءُ} الآية [التوبة: 37]. قال ابن عباس في هذه الآية: جعلهن سبحانه للحج، وسائر الشهور للعمرة، فلا يصلح لأحد (¬2) أن يحرم بالحج إلا في أشهر الحج (¬3). وهذا مذهب الشافعي رحمه الله قال: من أراد أن يحرم بالحج لم يصح إحرامه بالحج إلا في أشهر الحج، فإن أحَرْم في غير أشهر الحج انعقد إحرامه عمرة؛ لأن الله تعالى خَصَّ هذه الأشهر بفرض الحج فيها، وجعلها وقتًا للحج (¬4). وعند أبي حنيفة: إذا أحرم بالحج في غير أشهر الحج كُرِه ذلك، ¬

_ (¬1) "تفسير الثعلبي" 2/ 518. (¬2) سقطت من (ش). (¬3) رواه الطبري في "تفسيره" 2/ 257 - 258 من طريق علي بن أبي طلحة عنه، ورواه الشافعي في "الأم" 2/ 169، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 345، والنحاس في "معاني القرآن" 1/ 130 من طريق عكرمة، ورواه البخاري معلقا 2/ 183 معلقا مجزوما به، ووصله ابن خزيمة في "تفسيره" 4/ 162، والحاكم في "تفسيره" 1/ 616، وصححه، من طريق مقسم، عن ابن عباس بنحوه مختصرًا. (¬4) ينظر: "الأم" 2/ 168، "المجموع" 7/ 140، "تفسير البغوي" 1/ 226، "تفسير القرطبي" 2/ 383، وهذا القول على التقدير في الآية: الحج حج أشهر معلومات، وبه قال ابن عباس وجابر وعطاء ومجاهد وطاوس والأوزاعي وأبو ثور، وقال الأوزاعي: يحل بعمرة، وقال أحمد: هذا مكروه، وروي هذا القول عن مالك، والمشهور عنه القول الآخر.

ويجزيه (¬1). وقوله تعالى: {فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ}. قال المفسرون: أي: من أوجب على نفسه فيهن الحج بالإحرام والتلبية (¬2). ومعنى فَرَضَ في اللغة. ألزم وأوجب، يقال: فَرَضْتُ عليك كذا، أي: أوجبته، وأصل معنى الفَرْض في اللغة: الحزّ والقطع. قال ابن الأعرابي: الفرض: الحز (¬3) في القِدْح وفي (¬4) الزند وغيره (¬5)، وفُرْضَة القَوس: الحَزّ الذي يقع فيه الوتر، وفرضة الزند: الحز الذي فيه. قال: ومنه فَرْضُ الصلاة وغيرها، إنما هو لازم للعبد كلزوم الحز للقدح، ففرض بمعنى: أوجب، قد ورد في القرآن فرضَ بمعنى أَبَان، وهو ¬

_ (¬1) وبه قال النخعي والثوري، والمشهور من مذهب مالك، وهذا القول على أن التقدير في الآية: أشهر الحج أشهر معلومات. ينظر: "أحكام القرآن" للجصاص 1/ 300، "شرح فتح القدير" 3/ 16، "تفسير الثعلبي" 2/ 519، "تفسير البغوي" 1/ 226، "تفسير القرطبي" 2/ 383. (¬2) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 260 - 262، "تفسير الثعلبي" 2/ 520، "تفسير القرطبي" 2/ 383، وقد بين الطبري أن أهل التأويل اختلفوا في المعنى الذي يكون به الرجل فارضا الحج بعد إجماع جميعهم على أن معنى الفرض: الإيجاب والإلزام، فقال بعضهم: فرض الحج: الإهلال، وقد رواه عن ابن عمر وعطاء ومجاهد وطاوس والثوري والقاسم بن محمد، وبه قال أبو حنيفة، وابن حبيب من المالكية، وهو قول الظاهرية، وقال آخرون فرض الحج: إحرامه، وقد رواه عن ابن عباس والحسن وقتادة والنخعي والضحاك، وهذا قول الشافعي والحسن بن حي. ثم رجح القول الثاني، وبين سبب الترجيح. (¬3) في (م) كأنها (الجز). (¬4) في ليست في (م). (¬5) نقله عن ابن الأعرابي في "تهذيب اللغة" 3/ 771 فرض.

قوله: {سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا} [النور: 1]، بالتخفيف (¬1)، وقوله: {قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} [التحريم: 2] وهذا أيضًا راجع إلى معنى القطع؛ لأن من قطع شيئًا أبانه عن غيره، والله تعالى إذا فرض شيئًا أبانه، وبان ذلك الشيء عن غيره. (فرض) بمعنى: أوجب، وفرض بمعنى: أبان، كلاهما يَرْجِع إلى أصل واحد على ما بينا (¬2). وقوله تعالى: {فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} ذكرنا معنى الرفث عند قوله: {الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} [البقرة: 187]، وأما معناه في هذه الآية، فذهب ابن عباس (¬3)، والأكثرون إلى أن المراد به الجماع (¬4). قالت طائفة (¬5): المراد بالرفث، هاهنا، التعريض (¬6) للنساء بالجماع، ¬

_ (¬1) قال الأزهري في "تهذيب اللغة" 3/ 2771 "فرض": (وفرضناها) فمن خفف أراد: ألزمناكم العمل بما فرض فيها، ومن ضدد فعلى وجهين: أحدهما التكثير على معنى: إنا فرضنا فيها فروضا، ويكون على معنى بينا وفصلنا ما فيها من الحلال والحرام والحدود. (¬2) ينظر في الفرض "تهذيب اللغة" 3/ 2771 "فرض", "المفردات" 378، "عمدة الحفاظ" 3/ 258 - 259. (¬3) رواه الثوري في "تفسيره" ص 63، وسعيد بن منصور في "السنن" 3/ 799، وأبو يعلى في "مسنده" 5/ 98، والطبري في "تفسيره" 2/ 265، وابن أبي حاتم في " تفسيره" 1/ 346 وغيرهم. (¬4) ذكر الطبري القول بذلك عن ابن مسعود وابن عمر والحسن وعطاء ومجاهد وعكرمة وعمرو بن دينار وقتادة وسعيد بن جبير والسدي والربيع والنخعي والضحاك. ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 265 - 267، "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 346، "تفسير الثعلبي" 2/ 523. (¬5) ذكر الطبري القول بذلك عن ابن عباس وابن عمر وابن الزبير ومحمد بن كعب القرظي وطاوس وابنه وعطاء. ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 263 - 264، "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 346، وقد رجح الطبري أن الرفث شامل للقولين، وقال أبو حيان في البحر 2/ 87: وملخص هذه الأقوال أنها دائرة بين شيء يفسده، وهو الجماع، أو شيء لا يليق لمن كان متلبسا بالحج لحرمة الحج. (¬6) في (م) التعرض.

ذكره بين أيديهن، فأما اللفظ به من غير مراجعة النساء فلا بأس به، لما روى ابن عباس، كان يحدو بعيرَه وهو محرم ويقول: وهُنَّ يَمْشِينَ بنا هَمِيسا ... إن تَصْدُقِ الطَّيْرُ نَنِك لَمِيسَا (¬1) فقيل له: تَرفث وأنت محرم؟ فقال: إنما الرفث ما قيل عند النساء (¬2). وقوله تعالى: {وَلَا فُسُوقَ} قال ابن عباس (¬3) والأكثرون (¬4): الفسوق معاصي الله كلها. وقال ابن زيد: هو الذبح للأصنام، قُطِعَ ذلك بالنبي - صلى الله عليه وسلم - حين حج فعلَّم أُمتَه المناسكَ (¬5)، دليله قوله: {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ¬

_ (¬1) البيت ذكره الفراء في: "معاني القرآن" 2/ 192، وقال: تمثل به ابن عباس، وذكره الحربي في "غريب الحديث" ولم ينسبه 3/ 111، وقال شاكر في تعليقه على "تفسير الطبري" 4/ 126: لم أعرف قائله وهو رجز كثير الدوران في الكتب. والهمس، والهميس: صوت نقل أخفاف الإبل، والصوت الخفي الذي لا غور له في الكلام، والوطء والأكل وغيرها، ولميس: اسم صاحبته، ويريد بقوله: إن تصدق الطير: أنه زجر الطير فتيامن بمرها، ودلته على قرب اجتماعه بأصحابه وأهله. (¬2) رواه سعيد بن منصور في "السنن" 3/ 806، والطبري في "تفسيره" 2/ 263 من طريق أبي حصين بن قيس، وهو القائل لابن عباس: ترفث وأنت محرم؟ ومن طريق أبي العالية الرياحي، ورواه الحاكم 2/ 303 وصححه وعنه البيهقي في "تفسيره" 5/ 67 من طريق الأعمش. (¬3) رواه سعيد بن منصور في "السنن" 3/ 799، وأبو يعلى 5/ 98، والطبري في "تفسيره" 2/ 269، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 347. (¬4) رواه الطبري في "تفسيره" 2/ 269، عن عطاء والحسن وطاوس ومجاهد والقرظي وابن جبير وإبراهيم النخعي والربيع وعكرمة. قال ابن عطية في: "المحرر الوجيز" 2/ 169: وعموم المعاصي أولى الأقوال. (¬5) رواه الطبري، وروى ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 347 نحوه عن مالك، وينظر: "الموطأ" 1/ 389.

وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} [الأنعام: 121] (¬1). (والجدال) يقال: من المجادلة، وأصلها (¬2): من الجَدْل الذي هو الفَتْل، يقال: زِمَامٌ مَجْدُول وجَدِيْل، أي: مَفْتُول، والجَدِيْل: اسم للزمام لأنه لا يكون إلا مفتولًا، سميت المخاصمة مجادلة؛ لأن كلَّ واحدٍ من الخصمين يروم أن يفتل صاحبه عن رأيه (¬3). قال ابن عباس (¬4) والمفسرون (¬5) في قوله: {وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ}: هو أن يجادل صاحبه ويُمَارِيَه حتى يغضبه، نُهِي المحرمُ عن هذا. ¬

_ (¬1) ذكر الطبري رحمه الله 2/ 270 قولين آخرين أحدهما: أن الفسوق في هذا الموضع: ما عصي الله به في الإحرام مما نهى عنه فيه من قتل صيد وأخذ شعر، ورواه عن ابن عمر. والثاني: السباب، ورواه عن ابن عمر وابن عباس ومجاهد والسدي وإبراهيم وعطاء بن يسار. وينظر: "النكت والعيون" 1/ 259، "تفسير الثعلبي" 2/ 528. (¬2) في (م) وأصله. (¬3) ينظر في المجادلة: "تهذيب اللغة" 1/ 560 - 561 "جدل"، "المفردات" 97، وذكر الراغب في تسمية المخاصمة مجادلة قولا آخر فقال: "وقيل: الأصل في الجدال: الصراع، وإسقاط الإنسان صاحبه على الجدالة، وهي الأرض الصلبة" وذكر السمين في عمدة الحفاظ 1/ 359 قولا ثالثا، وهو: أن أصله من القوة، فكان كُلًّا من المتجادلين يقوي قوله ويضعف قول صاحبه. (¬4) رواه عنه سعيد بن منصور في "السنن" 3/ 799، وابن أبي شيبة في "المصنف"، القسم الأول من الجزء الرابع ص 157، وأبو يعلى 5/ 98، والطبري في "تفسيره" 2/ 271، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 348. (¬5) روى الطبري في "تفسيره" 2/ 272، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 348 هذا القول عن عطاء وابن جبير ومجاهد وعمرو بن دينار والحسن والربيع والضحاك والنخعي وعطاء بن يسار وعكرمة والزهري وقتادة.

وقال مجاهد (¬1) وأبو عبيدة (¬2): معناه: ولا شك في الحج أنه في ذي الحجة، فأبطل النسيء، واستقام الحج كما هو اليوم، وبطل ما كان يفعله النّسَأة في تأخير الشهور (¬3). قال أهل المعاني: ظاهر الآية نفي ومعناها نهي، أي: ولا ترفثوا ولا تفسقوا ولا تجادلوا، كقوله عز وجل: {لَا رَيْبَ فِيهِ} [البقرة: 2]، أي: لا ترتابوا (¬4). واختلف القُرَّاء في هذه الآية، فقرأ (¬5) بعضهم: (فلا رفثٌ ولا فسوقٌ) مرفوعين منونين، وقرأ بعضُهم منونين غير منونين، ولم يختلفوا في نصب اللام من جدال (¬6). ¬

_ (¬1) رواه الطبري في "تفسيره" عنه من عدة طرق 2/ 274 - 275، ورواه عن السدي وابن عباس، ورجحه الطبري في "تفسيره" 2/ 275 - 276، وابن عطية في "المحرر الوجيز" 2/ 169، ويرى الزجاج في "تفسيره" 1/ 270 أن كلا من القولين صواب. (¬2) "مجاز القرآن" 1/ 70. (¬3) ذكر الطبري في "تفسيره" 2/ 270، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 349 أقوالا أخر، فمنهم من قال: الجدال: السباب، وهو مروي عن ابن عمر وابن عباس وقتادة، ومنهم من قال: الجدال: اختلافهم فيمن هو أتم حجا من الحُجاج، وهو مروي عن محمد بن كعب القرظي، ومنهم من قال: الجدال: اختلافهم في اليوم الذي يكون فيه الحج، فنهوا عن ذلك، وهو مروي عن القاسم بن محمد، وقيل: بل اختلافهم في أمر مواقف الحج أيهم المصيب موقف إبراهيم، قاله ابن زيد. وينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 530، "النكت والعيون" 1/ 259، "زاد المسير" 1/ 211، "تفسير البغوي" 1/ 227، "البحر المحيط" 2/ 88 (¬4) من "تفسير الثعلبي" 2/ 531، وينظر: "تفسير البغوي" 1/ 227، و"حجة القراءات" لابن زنجلة ص 128، "المدخل" للحدادي ص 465. (¬5) في (ش) وقرأ. (¬6) قرأ ابن كثير المكي وأبو عمرو ويعقوب برفع الثاء والقاف مع التنوين، ووافقهم أبو جعفر، وانفرد بتنوين جدال مع الرفع، والباقون بـ (الفتح) بلا تنوين في الثلاث. ينظر: "السبعة" ص 108، "النشر" 2/ 211، "البحر المحيط" 2/ 88.

والأصل في هذا الباب: أن "لا" تَنْصِبُ النكراتِ خاصّةً بلا تنوين، ولا تعمل في المعارف شيئًا؛ لأنها جواب ما لا يكون إلا نكرة، وذلك أنك تسأل فتقول: هل من رجلٍ عندك؟ وهل من غلامٍ لك، فتقول: لا رجلَ عندي، ولا غلامَ لي، فكان الجواب منكّرًا مثل السؤال، والخافض والمخفوض في السؤال بمنزلة شيء واحد لا ينفصل أحدُهما عن صاحبه، فكذلك جعلت (لا) وما عَمِلتْ فيه بمنزلة شيء واحد، وحذفت منه التنوين، كما حذفت من خمسة عشر. ويجوز أن يكون العامل والمعمول فيه بمنزلة شيء واحد، كقولهم: يا ابن أمِّ، فالابن عامل في الأم؛ لأنه مضاف إليها، فجعلا بمنزلة اسم واحد وبُنِيا. هذا وجه النصب بلا (¬1). فإن رفعتَ بها، فقلت: لا رجلٌ عندك (¬2) ولا ثوبٌ لك، فيكون هذا جوابًا لقول القائل: هل رجل عندك؟ هل (¬3) ثوب لك؟ فكما أن هل لا تعمل شيئًا، جعلت لا في الجواب مثلها، فرفعت ما بعدها بالابتداء وإن شئتَ جعلتَ "لا" مشبهةً بـ (ليس) فرفعت بها النكرات؛ لأن بعض العرب تجعلها بمنزلة ليس. من ذلك قوله: فَأَنَا ابْنُ قَيْس لا بَرَاحُ (¬4) ¬

_ (¬1) ينظر: "الكتاب" لسيبويه 2/ 274 - 275. (¬2) في (م) عندي. (¬3) في (ش) لا ثوب. (¬4) شطره الأول: "من صد عن نيرانها". والبيت لسعد بن مالك بن ضبيعة من قيس ثعلبة. ينظر: "الكتاب" لسيبويه 1/ 58، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 270، "الخزانة" 1/ 223، "المقتضب" 4/ 360، وفي رواية: من فر نيرانها، أي: نيران الحرب وشدتها، ومعنى: لا براح: أي لا براح لي ولا تحول، ولا أهرب منها، وابن قيس: سمى نفسه باسم جده لشهرته.

وقول العجاج: تالله لولا أنْ تَحُشَّ (¬1) الطُّبَّخُ ... بيَ الجَحِيمَ حِسِن لا مُسْتَصْرَخُ (¬2) فإن كررت (لا) كقولك: لا درهم ولا دينار، جاز لك فيه (¬3) الوجهان: النصبُ من غير تنوين، والرفعُ والتنوين، كالقراءتين في هذه الآية، وجاز أوجهٌ ثلاثة أيضًا يطول ذكرها (¬4). فإن قدرت الاسم بعدها مرفوعًا بالابتداء، جاز في قول سيبويه أن يكون (في الحج) خبرًا عن الأسماء الثلاثة، لاتفاق الأسماء في ارتفاعها بالابتداء. أما قوله {فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ} فبين (¬5)، وأما قوله {وَلَا جِدَالَ} فإن (لا) مع {جِدَالَ} في موضع رفع، فقد اتفقت الأسماء في ارتفاعها بالابتداء، فلا يمنع من أن يكون قوله: (في الحج) خبرًا عنها (¬6). وإن قدرت لا بمنزلة ليس، لم يجز أن يكون "في الحج" منتصبًا في موضع خبر ليس، لأن الخبر لا ينتصب بلا كما ينتصب (¬7) بليس، ولكنك تضمر لقوله: {فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ} خبرًا، لأن من شأن العرب إذا رفعت ما بعد لا وكانت لا بمنزلة ليس، حذف الخبر. وإضماره كالبيتين الذين أنشدناهما، فقوله: لا براحُ، تقديره: لا براحٌ من هاهنا، ويكون قوله: (في ¬

_ (¬1) في (ش) تخش وفي (م) كأنها (يخش). (¬2) البيت في "الديوان" ص 14، "أمالي الشجري" 1/ 282، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 270. (¬3) في (ش): ولا دينار لك جاز فيه الوجهان. (¬4) ينظر: "الكتاب" لسيبويه 2/ 274، 2/ 303، وينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 270 - 271، "معاني القرآن" للفراء 1/ 120 - 121. (¬5) في (م) فهن. (¬6) من "الحجة" لأبي علي 2/ 289 - 290، وينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 271. (¬7) سقطت من (أ)، (م).

الحج) خبرا عن (لا جدال) (¬1). فأما من فتح فقال: {فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ} فحجته أنه أشد مطابقة للمعنى المقصود، ألا تري أنه إذا فتح فقد نفى جميع الرفث والفسوق، كما أنه إذا قال: {لَا رَيْبَ فِيهِ} [البقرة: 2]، فقد نفى جميع هذا الجنس، وإذا رَفَع وَنَوَّنَ كان المنفي الواحدَ منه، ألا ترى أن سيبويه يرى (¬2) أنه إذا قال: لا غلام عندك ولا جارية، فهو جواب من سأل فقال: غلام عندك أم جارية؟ (¬3) فالفتح أولى؛ لأن النفي به أعم والمعنى عليه (¬4)، ألا ترى أنه لم يُرَخَّص في ضَرْبٍ من الرَّفَثِ والفُسوق، كما لم يُرَخَّص في ضرب من الجدال، وقد اتفق الجميع على فتح اللام من الجدال؛ لتناول النفي جمع جنسه، فيجب أن يكون ما قبله من الاسمين على لفظه، إذ كان في حكمه (¬5)، ومن رفع فحجته أنه يُعلم من الفحوى (¬6) أنه ليس المنفي رفثًا ¬

_ (¬1) "الحجة" لأبي علي 2/ 290 بتصرف، وقال أبو حيان في "البحر" 2/ 88: قيل: ويجوز أن تكون لا عاملة عمل ليس، فيكون في الحج في موضع نصب، وهذا الوجه جزم به ابن عطية فقال: ولا، في معنى ليس، في قراءة الرفع، وهذا الذي جوزه وجزم به ابن عطية ضعيف؛ لأن إعمال ليس قليل جدا لم أجد منه في لسان إلا ما لا بال له، ثم ذكر أربع شواهد، ثم قال: وهذا كله يحتمل التأويل، وعلى أن يحمل على ظاهره، لا ينتهي من الكثرة بحيث تبنى عليه القواعد فلا ينبغي أن يحمل عليه كتاب الله الذي هو أفصح الكلام وأجله، ويعدل عن الوجه الكثير الفصيح. (¬2) "الكتاب" لسيبويه 1/ 295. (¬3) من قوله: فهو جواب ... ساقط من (ش). (¬4) في "الحجة": لأن النفي قد عم. (¬5) "الحجة" لأبي علي 2/ 291، قال العكبري في "التبيان" ص 124: "الفتح" في الجميع أقوى لما فيه من نفي العموم. (¬6) في (م) (النحوي).

واحدًا ولكنه جميع ضروبه، وقد يكون اللفظ واحدًا والمعنى المراد به الجميع، خصوصًا في النفي، فإن النفي قد يقع فيه الواحد موضع الجميع، وإن لم يُبْنَ فيه الاسمُ مع لا النافية، نحو قولك: ما (¬1) رجل في الدار (¬2)، هذا الذي ذكرنا يكون وجه القراءتين في قوله: {فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ} ولم يختلفوا في نصب (لا جدال). وذلك أن الرفث والفسوق متفقان في المعنى وهو النهي، كأنه قيل: لا ترفثوا ولا تفسقوا، والجدال مخالف لهما في المعنى؛ لأن معنى لا جدال في الحج أي: الحج في ذي الحجة (¬3) على ما حكينا عن مجاهد وأبي عبيدة، فلما كان معنى الأولَيْن نهيًا ومعنى الثالث خبرا، أرادوا الفرق بين اللفظين، لتكون مخالفةُ ما بينهما في اللفظ لمخالفة (¬4) ما بينهما في المعنى (¬5). ¬

_ (¬1) في (م) (لا) وفي (أ) (هل). (¬2) "الحجة" لأبي علي 2/ 291 - 292. (¬3) في (ش) معنى لا جدال النفي أي لا جدال أي الحج في ذي الحجة. (¬4) في (ش) (كمخالفة) وفي (م) (للمخالفة). (¬5) ينظر: "مشكل إعراب القرآن" لمكي 1/ 123 - 124، "البحر المحيط" 2/ 88 - 90، وقد تعقب أبو حيان في "تفسيره" 2/ 90 الزمخشري في دعواه أن قراءة أبي عمرو وابن كثير: (لا رفث ولا فسوق)، بالرفع، (لا جدال)، بالنصب، بأنهما حملا الأولين على النهي، والثالث على معنى الإخبار بانتفاء الجدال، كأنه قيل: ولا شك ولا خلاف في الحج، فقال: الرفع والبناء لا يقتضيان شيئا من ذلك، بل لا فرق بين الرفع والبناء في أن ما كانا فيه كان مبنيا، وأما أن الرفع يقتضي الابتداء والبناء يقتضي الخبر فلا، ثم قراءة الثلاثة بالرفع، وقراءتها كلها بالبناء يدل على ذلك، غاية ما فرق بينهما أن قراءة البناء نص على العموم، وقراءة الرفع مرجحة له، فقراءتهما الأولين بالرفع، والثالث بالبناء على الفتح إنما ذلك سنة متبعة، إذا لم يتأد ذلك إليهما إلا على هذا الوجه من الوجوه الجائزة في العربية في مثل هذا التركيب. ثم بيَّن رحمه الله الخلاف في الآية هل يراد بها النفي حقيقة فيكون إخبارا، أو صورتها صورة النفي والمراد به النهي، ورجح الثاني.

وقوله تعالى: {وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ} قال أهل المعاني: معناه: يجازيكم الله العالم به، إلا أنه جعل {يَعْلَمْهُ اللَّهُ} في موضع يجازيه؛ لأن المجازاة إنما تقع من عالم بالشيء، وفيه: حث لهم على فعل الخيرات، وأن الله تعالى ليس بغافل عنهم وعن مجازاتهم، ومتى علم العامل أن الذي يُعْملُ له العملُ يعلم ذلك وليس بغافل عنه كان أحرصَ على عمله (¬1). وقوله تعالى: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} نزلت في ناس من أهل اليمن كانوا يحجون بغير زاد، ويقولون: نحن متوكلون، ثم كانوا يسألون الناس، وربما ظلموهم وغصبوهم، فأمرهم الله سبحانه أن يتزودوا (¬2)، فقال: {وَتَزَوَّدُوا} ما تتبلغون به {فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} ما تكفُّون به وجوهكم عن السؤال وأنفسكم. وفي هذا حَثٌّ على التزود للآخرة، وتنبيهٌ عليه (¬3)، لأن الآية أفادت بيان الزادين، وذلك أن اللفظةَ العامة إذا أفادت فوائد ولم تكن متنافية، فلابد من استفادتها جميعًا، ويكون ¬

_ (¬1) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 278، "تفسير الثعلبي" 2/ 536، "المحرر الوجيز" 2/ 169، "البحر المحيط" 2/ 92، "التفسير الكبير" 5/ 182. (¬2) وردت هذه القصة عن جمع من السلف، أشهرهم ابن عباس، روى حديثه البخاري (1523) كتاب الحج، باب: قوله تعالى. وتزودوا فإن خير الزاد التقوى، وأبو داود (1730) كتاب المناسك، باب: التزود في الحج، والنسائي في "تفسيره" 1/ 245، والطبري في "تفسيره" 2/ 278، والخلال في "الحث على التجارة" ص147، والواحدي في "أسباب النزول" ص 63، عن عكرمة عن ابن عباس، وذكر الطبري الرواية بذلك عن ابن عمر وابن عباس وعكرمة، والنخعي وابن زيد ومجاهد، دون ذكر لقوم معينين، وذكر الرواية بتعيين أهل اليمن عن مجاهد والحسن والربيع وقتادة. ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 278 - 281، "تفسير الثعلبي" 2/ 536. (¬3) "تفسير الثعلبي" 2/ 527، وينظر: "تفسير الطبري" 2/ 281، "المحرر الوجيز" 2/ 172، "التفسير الكبير" 5/ 182 - 183، "تفسير القرطبي" 2/ 388 - 389.

198

الجميع مرادًا باللفظ عند أهل التحقيق، فكأنه قال: إذا تزودتم تعففتم عن السؤال، وهو نوع تقوى، والتقوى زاد الآخرة (¬1)، قال الأعشى، وأراد هذا المعنى. إذا أنْتَ لم تَرْحَلْ بزَادٍ من التُّقَى ... ولاقيتَ بعدَ المَوْتِ من قَدْ تَزَوَّدَا نَدِمْتَ على أن لا تكونَ كمِثْله ... وأنكَ لم تَرْصُدْ كما كان أرْصَدَا (¬2) 198 - قوله تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ} قال المفسرون: كان قوم يزعمون أنه ليس لجمَّالٍ ولا أَجِيرٍ ولا تاجر حج، فأعلم الله عز وجل أنه لا (جُنَاح) أي: لا حرج في {أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا} من رَبِّكُمْ: رزقًا من ربكم، يعني: التجارة في الحج (¬3). ¬

_ (¬1) قال القرطبي في "تفسيره" 2/ 389. أخبر تعالى أن خير الزاد اتقاء المنهيات، فأمرهم أن يضموا إلى التزود التقوى، وجاء قوله: فإن خير الزاد التقوى، محمولًا على المعنى؛ لأن معنى (وتزودوا): اتقوا الله في اتباع ما أمركم به من الخروج بالزاد، وقيل: يحتمل أن يكون المعنى فإن خير الزاد ما اتقى به المسافر من التهلكة أو الحاجة إلى السؤال والتكفف، وقيل: فيه تنبيه على أن هذه الدار ليست بدار قرار. وبين أبو حيان أن الأقوال ثلاثة: أحدها: أنه أمر بالتزود في أسفار الدنيا. والثاني: أنه أمر بالتزود لسفر الآخرة، واختار هذا القول؛ لدلالة السباق واللحاق. والثالث: أنه أمر بالتزود في السفرين، كأن التقدير: وتزودوا ما تنتفعون به لعاجل سفركم وآجله. (¬2) البيتان للأعشى من قصيدة يمدح بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، "ديوان الأعشى" ص 46. وذكرها الثعلبي في "تفسيره" 2/ 538. (¬3) هذا السبب جمعه المؤلف من عدة آثار بمعناها عن ابن عمر وابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد والحسن وقتادة، وقد ثبت عن ابن عباس أنه قال: كانت عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقا في الجاهلية، فكانوا يتجرون فيها، فلما كان الإسلام كأنهم تأثموا منها، فسألوا النبي - صلى الله عليه وسلم - فأنزل الله: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ}، في مواسم الحج، رواه البخاري، "الفتح" (3/ 593) =

قال الزجاج: وموضع أن نصب، على تقدير: ليس عليكم جناح في أن تبتغوا، فلما سقطت (في) عمل فيها معنى جُناح. المعنى: لستم تأثمون أن تبتغوا، أي: في أن تبتغوا (¬1). وقوله تعالى: {فَإِذَا أَفَضْتُمْ} معنى الإفاضة، في اللغة: الدَّفْعُ للشَّيءِ حين يَتَفَرَّق. يقال: أفاضت العينُ دَمْعَها، وأفاض بالقداح، وعلى القداح: إذا ضرب بها منبثةً متفرقة، ومنه: وكأنَّهُن رِبَابَةٌ وكأنَّه ... يَسَر يُفِيْضُ على القِدَاحِ وَيصدَعُ (¬2) وأفاض البعير بجرته: إذا رمى بها متفرقة. ¬

_ = في الحج، باب: التجارة أيام الموسم، والبيع في أسواق الجاهلية 2/ 239 برقم 1770، وأبو داود في المناسك، باب: الكرى 2/ 146 برقم 1734، والطبراني في "الكبير" 11/ 113، والطبري 2/ 285 وغيرهم، وثبت عن ابن عمر نحوه، رواه الأمام أحمد 2/ 155 برقم 6435 ط. شاكر. وصححه أحمد شاكر، وأبو داود، الموضع السابق حديث 1733، والحاكم 1/ 449 وصححه، والطبري 2/ 282 - 284، وفيه قال أبو أمامة التيمي: قلت لابن عمر: إنا قوم نكري فيزعمون أنه ليس لنا حج، فقال: ألستم تحرمون كما يحرمون، وتطوفون كما يطوفون، وترمون كما يرمون، قلت: بلى، قال: أنت حاج، جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فسأله عن الذي سألتني عنه فلم يدر ما يقول له حتى نزل جبريل عليه السلام بهذه الآية. (¬1) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 271. (¬2) والبيت لأبي ذؤيب الهذلي خويلد بن خالد يصف الحمُرُ، ضمن قصيدة من "المفضليات" ص 126، "ديوان الهذليين" 1/ 6 والبيت في "اللسان" مادة: ريب، وصدع. والرِّبابة: بكسر الراء: الرقعة تجمع فيها قداح الميسر، واليَسَر. صاحب الميسر، شبه الأُتُن بالقداح لتجمعهن وتراكمهن، وشبه الحمار الوحشي بالضارب الذي يفرق القداح ويجمعها. وينظر: "شرح أشعار الهذليين" للسكري 1/ 18.

قال الراعي: وأَفَضْنَ بعد كُظُومِهِنّ بجِرَّةٍ ... من ذي الأبَاطِح إذ رَعَيْنَ حَقِيلا (¬1) وأفاض القوم في الحديث، إذا اندفعوا فيه، ومنه {إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ} (¬2) [يونس: 61] فمعنى قوله: {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ} أي: دفعتم بكثرة (¬3)، يعني دفع بعضكم بعضًا؛ لأن الناس إذا انصرفوا مزدحمين دفع بعضهم بعضًا، قال أبو إسحاق: قد دل بهذا اللفظ على أن الوقوف بها واجب؛ لأن الإفاضة لا تكون إلا بعد وقوف (¬4). ¬

_ (¬1) البيت للراعي النميري من لاميته المطولة التي كان يرمى من لم يحفظها من أولاده وحفدته بالعقوق في "ديوانه" 52، وفي "جمهرة اللغة" لابن دريد 2/ 179 وذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" 3/ 2719 (فيض) والثعلبي في "تفسيره" 2/ 547 ويروى: من ذي الأباطل، قال ياقوت في "معجم البلدان" 2/ 279: قال ثعلب: ذو الأبارق وحقيل موضع واحد، فأراد: من ذي الأبارق إذا رعينه، والكَظْم. إمساك الفم، فلما ابتل مافي بطونها أفضن بجرة. والمعنى: أنها إذا رعت حقيلًا أفاضت بذي الأبارق. (¬2) ينظر في مادة (فيض): "تهذيب اللغة" 3/ 2719، "تفسير الثعلبي" 2/ 546، "المفردات" ص 390، "عمدة الحفاظ" 3/ 308، قال الزجاج في "تفسيره" 1/ 272: وكل ما في اللغة من باب الإفاضة، فليس يكون إلا من تفرقة أو كثرة. (¬3) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 272، وفي معنى الآية ثلاثة أقوال، هذا أحدها. والثاني: أن معناه: فإذا رجعتم من حيث بدأتم، وهذا اختيار الطبري في "تفسيره" 2/ 285، والثالث: أن الإفاضة: الإسراع من مكان إلى مكان. وينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 546، "النكت والعيون" 1/ 260، "البحر المحيط" 3/ 83 (¬4) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 272، قال أبو حيان في "تفسيره" 2/ 95 متعقبا هذا القول: ولا يظهر من هذا الشرط الوجوب، إنما يعلم منه الحصول في عرفة والوقوف بها، فهل ذلك على سبيل الوجوب أو الندب، لا دليل في الآية على ذلك، لكن السنة الثابتة والإجماع يدلان على ذلك.

وقوله تعالى: {مِنْ عَرَفَاتٍ} القراءةُ بالكسرةِ والتنوين؛ لأنها جَمْع عَرَفَة، مثل: مسلمات ومؤمنات، سميت بها بقعةٌ واحدة، مثل قولهم (¬1): ثوبٌ أَخْلاقٌ، وبَرْمَةٌ أَعْشَار، وأرضُ سَبَاسبٌ (¬2)، يجمع بما حولها، فلما سميت بها البقعة الواحدة صرفت، إذ كانت مصروفة قبل أن تسمى بها البقعة، تركًا منهم لها على أصلها (¬3). فإذا كانت في الأصل اسمًا لبقعة ولم يكن جمعًا لواحد معروف تركوا إجراءها، مثل: عانات وأذرعات (¬4)؛ لأنها ليست بجمع عانة ولا أذرعة، ففرقوا بين الواحد والجمع (¬5)، وعلى هذا تتوجه قراءة أشهب العُقَيلي: (من عرفاتَ)، مفتوحة التاء، جعلها اسمًا واحدًا، مثل: عانات وأذْرِعَات. ¬

_ (¬1) ثوب أخلاق: الثوب الذي بلي كله، ومعنى خلق، أي: بلي، وبرمة أعشار، وقدور أعاشر: مكسرة على عشر قطع، أو عظيمة لا يحملها إلا عشرة، والبرُمة: بالضم قدر من حجارة. والسبسب: المفازة، أو الأرض المستوية البعيدة، يقال: بلد سبسب، وسباسب. (¬2) في (م): سباب. (¬3) ينظر: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 164 - 165، "الكتاب" لسيبويه 3/ 232 - 233، "تفسير البغوي" 1/ 228، "تفسير الطبري" 2/ 285 - 286، ورجح الطبري أنه اسم لواحد، سمي بجماع، فإذا صرف ذهب به مذهب الجماع الذي كان له أصلًا، وإذا ترك صرفه ذهب به إلى أنه اسم لبقعة واحدة معروفة، فترك صرفه كما يترك صرف أسماء الأمصار والقرى المعارف. واستدرك أبو حيان في "البحر" 2/ 83 على من زعم أنها جمع، بأنه إن عنى في الأصل فصحيح، وإن عنى حالة كونه علما فليس بصحيح؛ لأن الجمعية تنافي العلمية. (¬4) أذرعات: موضع بالشام بين دمشق وعمان، وعانات، ويقال عانة: موضع في العراق على نهر الفرات. (¬5) "تفسير الثعلبي" 2/ 549.

قال أبو إسحاق: في قوله: {مِنْ عَرَفَاتٍ} الوجه كسرها مع التنوين، وهي اسم لمكان واحد، ولفظه لفظ الجمع، والوجه فيه: الصرفُ عند جميع النحويين؛ لأنه بمنزلة الزيدين يستوي نصبُه وجَرُّه، وليس بمنزلة هاء التأنيث (¬1) (¬2). هذا كلامه، ومعناه: أن عرفات بمنزلة مسلماتٍ، وهو معنى قوله: لأنه بمنزلة الزيدين، وهي وإن كانت اسمًا لمكان واحد لفظه جمع كما بينا، بخلاف عانات. قال: وقد يجوز منعه الصرف إذا كان اسمًا للواحد، إلا أنه لا يكون إلا مكسورًا، وإن أسقطت التنوين، وأنشد: تَنَوَّرْتُها من أَذْرعاتٍ وأهْلُهَا ... بيَثْرِبَ أدْنَى دَارِها نَظَرٌ عَالِ (¬3) الرواية بالتنوين، وقد أُنْشِدَ بغير التنوين، فأما الفَتْحُ فَخَطأ (¬4)؛ لأن نصبَ الجميع غير المُنْصِرف وجرَّه كَسْر (¬5). ¬

_ (¬1) قوله: وليس بمنزلة هاء التأنيث ساقط من (ش). (¬2) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 272. (¬3) البيت لامرئ القيس في "ديوانه" ص 124. "الكتاب" لسيبوبه 2/ 233، "الخزانة" 1/ 26، والضمير في قوله: تنورتها للمرأة التي يذكرها، وتنور النار: أبصرها من بعيد، والمعنى: لاح نور المرأة في الظلماء وهو بأذرعات بلد الشام وهي بيثرب (المدينة)، ثم يقول: أقرب ما يرى منها لا يرى إلا من عال في جو السماء، يصف بُعْدَ ما بينه وبينها، ومع ذلك فقد لاحت له في الليل من هذا المكان البعيد. (¬4) النحويون على إجازة الأوجه الثلاثة؛ لأنه ليس جمعا. ينظر الأشموني 1/ 75، وممن أنشد البيت بغير تنوين: المبرد في "المقتضب" 3/ 333. (¬5) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 272، والعبارة الأخيرة عنده هكذا: لأن نصب الجمع وفتحه كسر.

فعنده (من عرفاتَ) وهو قراءة العقيلي خطأ؛ لأن هذه التاء لا تفتح، وعند غيره إذا كان المراد به اسمًا واحدًا يجوز أن تفتح؛ لأنها ليست بتاء جمع يجري لفظه على ما كان يجري قبل التسمية، وعلى هذا جاء عرفات، قال الله عز وجل: {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ} فالذي ذكره أصحابنا التنوين، أجازوا ترك التنوين. قال (¬1): وذكر المبرد أن الفتح فيه لا يجوز (¬2)، فلا يجوز عنده أن تقول: رأيت عرفاتَ ومسلماتَ، إذا سميت بها رجلًا، قال: ورأيت من النحويين من يقول ضد هذا، يقول: إذا حذفت التنوين لم يجز إلا الفتح، قال: وكلام سيبويه (¬3) عندي يدل على هذا، ولم يفصح بفتح ولا كسر، هذا معنى كلام السيرافي (¬4)، وهو موافق لما ذكرنا وحكينا. واختلفوا لم سميت تلك البقعة عرفات؟ (¬5) فقال الضحاك: إن آدم عليه السلام لما أُهْبِطَ، وقع بالهندِ، وحَوَّاء بِجُدَّة، فجعل آدم يطلب حواءَ، وهي تطلبه، فاجتمعا بعرفات يومَ عَرَفَة، وتَعَارَفا، فسمي اليوم عَرَفَة، والموضع عرفات (¬6). ¬

_ (¬1) الظاهر عود الضمير على الزجاج في المواضع الثلاثة الآتية، ولم أجد هذا النقل في كتابه، إلا أن يكون في الكلام سقط، أو في "معاني القرآن" للزجاج نقص. (¬2) "المقتضب" للمبرد 3/ 331 - 334. (¬3) "الكتاب" لسيبويه 3/ 232 - 233. (¬4) السيرافي: الحسن بن عبد الله بن مرزبان السيرافي أبو سعيد، تقدمت ترجمته 3/ 328 [البقرة: 129]. (¬5) ذكر المفسرون أقوالًا كثيرة في سبب تسمية البقعة عرفات. ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 286، "النكت والعيون" 1/ 261، "التفسير الكبير" 5/ 188 - 190. (¬6) ذكره الثعلبي 2/ 549، البغوي في "تفسيره" 1/ 228، وابن الجوزي في "زاد =

وقال عطاء: إن جبريل عليه السلام كان يُرِي إبراهيمَ المناسكَ، فيقول: عَرَفْتُ، ثم يريه فيقول: عرفتُ، فسميت عرفات (¬1). وقوله تعالى: {فَاذْكُرُوا اللَّهَ} أي: بالدُّعاء والتَّلْبية (¬2) {عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ} وهو المزدلفة (¬3)، وتسمى أيضًا جَمْعًا؛ لأنه يجمع فيها بين صَلاتَي العشاء (¬4). ¬

_ = المسير" 2/ 174، وروى الطبري في "تاريخ الأمم والملوك" 1/ 121 عن ابن عباس نحوه، وقال ابن كثير: وقد ذكر المفسرون الأماكن التي هبط فيها كل منهما، ويرجع حاصل تلك الأخبار إلى الإسرائيليات؛ والله أعلم بصحتها، ولو كان في تعيين تلك البقاع فائدة تعود على المكلفين في أمر دينهم أو دنياهم لذكرها الله تعالى أو رسوله. (¬1) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف"، القسم الأول من الجزء الرابع 291، ورواه الفاكهي في "أخبار مكة" 5/ 9، والطبري 2/ 286، والثعلبي 2/ 554، وروى الإمام أحمد 1/ 297، وغيره عن ابن عباس نحوه. (¬2) "تفسير الثعلبي" 2/ 562. (¬3) اختلف في المراد بالمشعر الحرام، فقيل: هو الجبل الذي بالمزدلفة، ويسمى جبل قزح، وهذا قول لبعض المفسرين، وهو الذي صححه الزمخشري. والأكثرون على أن المزدلفة كلها هي المشعر الحرام، قال الطبري 2/ 287: فأما المشعر، فإنه ما بين جبلي المزدلفة من مأزِمَي عرفة إلى محسر، وليس مأزما عرفة من المشعر، وبالذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل، ثم ذكر الرواية به عن ابن عمر وابن عباس وابن جبير ومجاهد وعطاء والسدي والربيع. ثم ذكر الطبري أنه يحتاج للحاج أن يجعل وقوفه لذكر الله من المشعر الحرام على قُزح وما حوله؛ لحديث: هذا الموقف، وكل مزدلفة موقف. (¬4) "تفسير الثعلبي" 2/ 564، "تفسير البغوي" 1/ 229، "معاني القرآن" للنحاس 1/ 138، وهذا قول، وقيل: لأن الناس يجتمعون بها، وذلك أن قريشا كما سيأتي لا يخرجون إلى عرفات، فيكون اجتماع الحجيج في المزدلفة. ينظر: "معجم البلدان" [مزدلفة]، "اللسان" 4/ 2277، وذكر قولا آخر، وهو: أنها سميت بذلك لأن آدم وحواء لما هبطا اجتمعا بها.

وتسمى مشعرًا من الشِّعَار، وهو العلامة؛ لأنه مَعْلَم الحج. والصلاةُ (¬1) والمقامُ والمبيتُ به والدعاءُ عنده من معالم الحج (¬2). وقد ذكرنا هذا عند قوله: {مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ}. وقولُه تعالى: {وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ} موضَع الكاف نَصْب. المعنى: واذكروه ذكرًا مثل هدايته إياكم، أي: يكون جزاءً لهدايته (¬3)، ومعنى (اذكروه) بتوحيده والثناء عليه والشكر له (¬4). قال سيبويه: يقال: ذَكَرْته ذِكرًا مثل: حَفِظْتُه حِفْظًا (¬5). وقالوا: ذُكرًا كما قالوا: شُربًا (¬6). والذكر في كلام العرب على ضَرْبين: ذكر هو خلاف النسيان، وذكر هو قول (¬7)، فمما هو خلاف النسيان قوله: {وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ} [الكهف: 63] والذكر الذي هو قولٌ يستعمل على ضربين: قول لا ثلبَ فيه للمذكور، كقوله: {فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ} [البقرة: 200] {وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ} [البقرة: 203]، وهو كثير. ¬

_ (¬1) سقطت من (م). (¬2) "تفسير الثعلبي" 2/ 562، وينظر: "تفسير الطبري" 2/ 287، ونقل الثعلبي، عن المفضل: سمي المشعر لأنه أُشْعِرَ المؤمنون أنه حرم كالبيت ومكة، أي: اعملوا. (¬3) من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 273. (¬4) المصدر السابق. (¬5) "الكتاب" لسيبويه، لم أعثر عليه فيه. ونقله عنه في "اللسان" 3/ 1507 "ذكر". (¬6) ينظر: "تهذيب اللغة"، ونقل عن الفراء قوله: الذَّكر: ما ذكرته بلسانك وأظهرته. قال: والذُّكر بالقلب، يقال: ما زال مني على ذُكر، أي: لم أنسه. (¬7) ينظر: "تهذيب اللغة" 2/ 1286 - 1287، نقله عن الليث، "لسان العرب" 3/ 1508 "ذكر".

والآخر: يراد به ثلب المذكور، كقوله: {سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ} [الأنبياء: 60] (¬1). ومن ذلك قول الشاعر: يذكركم منا عدي بن حاتم ... لَعَمْري لقد جِئْتُم حبولًا وماثما (¬2) ويقال في مصدره أيضًا: ذِكرى (¬3). وإنما أعاد الأمر بالذكر بعد قوله: {فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ} مبالغة في الأمر، وزيادة في الحث. وأكثر ما يكون التكرير في الأمر والنهي، كقولهم للرجل: اِرْم اِرْم. على أنَّ هذا التكرير حَسُنَ هاهنا؛ لأن اللفظةَ الثانيةَ لم تلاصِقِ الأُوْلى، وأيضًا فإن الأمر الثاني موصول بما لم يَصِلْ به الأول، وكانت الإعادة لما تعلق به من قوله: {كَمَا هَدَاكُمْ} (¬4). ¬

_ (¬1) نقل الأزهري في "تهذيب اللغة" 2/ 1287 "ذكر"، عن الفراء والزجاج بيان أن الذكر يكون مدحا ويكون عيبا، ونقل عن بعضهم أنه أن يكون الذكر عيبا. وينظر أيضا: "تفسير الرازي" 5/ 193 - 194، ونقله بحروفه. (¬2) البيت لم أهتد إلى قائله، ولا من ذكره. (¬3) ينظر في مادة: (ذكر) "تهذيب اللغة" 2/ 1286 - 1288، "اللسان" 3/ 1507 - 1509 "ذكر"، "المفردات" ص 184 وقال: الذكر تارة يقال ويراد به هيئة للنفس، بها يمكن للإنسان أن يحفظ ما يقتنيه من المعرفة، وهو كالحفظ إلا أن الحفظ يقال اعتبارًا بإحرازه، والذكر يقال اعتبارًا باستحضاره، وتارة يقال لحضور الشيء القلب أو القول، ولذلك قيل: الذكر ذكران: ذكر بالقلب، وذكر باللسان، وكل واحد منهما ضربان: ذكر عن نسيان، وذكر لا عن نسيان، بل عن إدامة الحفظ، وكل قول يقال له ذكر. ثم ذكر الأمثلة على ذلك، ولخص كلامه السمين الحلبي في "عمدة الحفاظ" 2/ 42 - 45. (¬4) ينظر: "التفسير الكبير" 5/ 192 - 193، وذكر وجوها أخر.

199

وقال ابن الأنباري معنى قوله: {وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ} أي: اذكروه بتوحيده كما ذكَرَكُم بهدايته (¬1). وقوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ} أي: من قبل هداه، فالهاء كناية عن الهدى لدلالة هدى عليه (¬2)، وتأويله: ما كنتم من قبل إلا ضالين، كقوله: {وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ} [الشعراء: 186]، يعنى: ما نظنك إلا من الكاذبين (¬3). 199 - قوله تعالى: {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} ذكرنا معنى الإفاضة. و (حيثُ) حقُّها البناء؛ لأنها مُنِعَتْ الإضافةُ مع لزوم معنى الإضافة لها، ولمَّا لزمت معنى الإضافة إلى الجملة، صارت بمنزلة الأسماء الناقصة التي تحتاج إلى صِلَةٍ كالذي ونحوه، والاسم الناقص بمنزلة بعض الكلمة، وبعض الكلمة حرفٌ يستحق البناء، فأما بناؤها على الضم: فلأنها بمنزلة الغاية كقبلُ وبعدُ، من جهة أنها مُنِعت الإضافة، مع لزوم معنى الإضافة، ولو أُعربت لاستحقت النصب والجر فقط؛ لأنها ظرف، والظروف لا ¬

_ (¬1) المصدر السابق. (¬2) واختاره الطبري 2/ 291، وقيل: راجعة إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم -، كناية عن غير مذكور، وقيل: راجعة إلى القرآن، ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 566، "تفسير البغوي" 1/ 230، "البحر المحيط" 2/ 98. (¬3) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 291، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 273، "تفسير الثعلبي" 2/ 566، "تفسير البغوي" 1/ 230، "تفسير الرازي" 5/ 195، وحكى الطبري وجها مفاده: أن إنْ بمعنى قد، والمعنى: وقد كنتم من قبل ذلك من الضالين، وهذا مذهب الكسائي كما في "البحر المحيط" 2/ 98.

تُعْرَبُ إلا بالجر والنصب (¬1)، فإذا أعربت بالرفع لم تكن ظَرفًا، فلما بنيت جعلت على حركة لا تكون لها في حال الإعراب، ويجوز فيها الفتح لأجل الياء، كما فتحت أين وكيفَ، ويجوز الكسر على أصل الحركة لالتقاء الساكنين (¬2). قال عامة أهل التأويل: كانت الحُمْسُ (¬3) لا يَخْرجون من الحرم إلى عرفات، إنما يقفون بالمزدلفة، ويقولون: نحن أهلُ الله، وقُطَّانُ حَرَمه، فلا نخرج من الحرم، ولسنا كسائر الناس، فأمرهم الله تعالى أن يقفوا بعرفات كما يقف سائرُ الناس، حتى تكون الإفاضة معهم منها، فالناس في هذه الآية: هم العربُ كلُّها غيرُ الحُمس، وإنما أتى الله تعالى بالجمع المبهم لانكشاف معناه عند المخاطبين، هذا قول جمهور المفسرين (¬4). ¬

_ (¬1) في (م): بالنصب والجر. (¬2) ينظر: "الكتاب" لسيبويه 4/ 233 حيث بين أنها ظرف للمكان، 3/ 286، 299، "مغني اللبيب" ص 176 - 178 (ط. دار الفكر) "لسان العرب" 2/ 1064 - 1065 "حيث". (¬3) الحُمس: تقدم بيانه عند قوله: {وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا} 3/ 627 [البقرة: 189]. (¬4) ذكر الرواية بذلك: الطبري في "تفسيره" 2/ 291 - 293 عن عائشة وابن عباس وعروة وعطاء ومجاهد وقتادة والسدي والربيع وابن أبي نجيح، وحديث عائشة رواه البخاري (4520) كتاب التفسير، باب: ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس، ومسلم (1219) كتاب الحج، باب: في الوقوف وقوله: ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس، كما رواه البخاري (1664) كتاب الحج، باب: الوقوف بعرفة، ومسلم (الموضع السابق) (1225) من حديث جبير بن مطعم. قال الطبري 2/ 293: والذي نراه صوابا من تأويل هذه الآية: أنه عُني بهذه الآية =

وعلى هذا يبقى إشكال في النَّظْم؛ لأن الله تعالى ذَكَر الإفاضة من عرفاتٍ قبل هذا في قوله: {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ}، وبينَّا أن في ذكر الإفاضة منها بيانَ وجوب الوقوف، فكيف يسوغ أن يقول: {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ} ثم أفيضوا من عرفات، ووجه هذا: أن في الكلام تقديمًا وتأخيرًا، تقديره: فمن فرض فيهن الحج فلا رَفَثَ ولا فسوق ولا جدال في الحج، ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس، فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله (¬1). وقال بعضهم: المراد بالإفاضة في هذه الآية: الدَّفْعُ من مزدلفةَ إلى مِنَى، وأراد بالناس: الحُمْس، فإنهم كانوا يفيضون من المزدلفة إلى منى ولا يفيضون من عرفات. والله تعالى ذكر أولًا الإفاضة من عرفات إلى المزدلفة، ثم أمر بالإِفَاضَة من المزدلفة إلى منى (¬2). والحكم في الوقوف بعرفة والإفاضتين، هو أن الغرض (¬3) من الوقوف بعرفة الحصولُ فيها مجتازًا أو ماكثًا، مستيقظًا أو نائمًا، عالمًا أنه بعرفة أو جاهلًا. والكمال في الصبر إلى غروب الشمس. فإن أفاض قبل الغروب أراق دمًا، وما بين زوال الشمس من يوم ¬

_ = قريش، ومن كان متحمسا معها من سائر العرب، لإجماع الحجة من أهل التأويل على أن ذلك تأويله. وينظر: "تفسير البغوي" 1/ 230، "تفسير الرازي" 5/ 196. (¬1) "تفسير الثعلبي" 2/ 568، وينظر: "تفسير الطبري" 2/ 293، "تفسير البغوي" 1/ 230، وذكر قولا آخر: أن ثم بمعنى الواو، أي: وأفيضوا، كقوله تعالى: {ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا} [البلد: 17]. (¬2) ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 568، "تفسير البغوي" 1/ 230. (¬3) في (ش): الفرض.

عرفة إلى طلوع الفجر الصادق من يوم النحر وَقْتُ إدراك الحج، فمن أدرك عرفة في هذا الوقت تم حجه. فإذا أفاضوا من عرفة إلى المزدلفة باتوا بها، ومن ترك المبيت بها فعليه دم (¬1)، ويجمعون هناك بين صلاتي العشاء، ولهذا يسمي: جمعًا (¬2)، ويسمى أيضًا: قُزَح والمشعر (¬3). فإذا أصبحوا بها غَلّسوا بالصبح. ثم وقفوا عند المشعر الحرام وهو آخر حد مزدلفة. والمزدلفة من الحرم كلها، ثم لا يزالون يدعون ويذكرون الله تعالى حتى يقاربوا (¬4) طلوع الشمس، ثم يروحون من مزدلفة قبل الطلوع خلافَ العادةِ في الجاهلية (¬5)، فإنهم كانوا يصبرون إلى الطلوع، ويقولون: أَشْرِقْ ثَبِيْر (¬6) كيما نُغِير (¬7)، ¬

_ (¬1) ينظر: "الأم" 2/ 233، "أحكام القرآن" للجصاص 1/ 313، "المجموع" 8/ 134، "المغني" 5/ 284. (¬2) ينظر المراجع السابقة. (¬3) ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 564. (¬4) في (ش): يفارقوا. (¬5) ينظر: "الأم" 2/ 233، "أحكام القرآن" للجصاص 1/ 313، "المجموع" 8/ 134، "المغني" 5/ 284، "صحيح البخاري" (1684) كتاب الحج، باب: متى يدفع من جمع، "سنن أبي داود" (1938) والترمذي كتاب الحج، باب: الإفاضة من جمع قبل طلوع الشمس 3/ 242 (986)، والنسائي كتاب الحج، باب: الصلاة بجمع 5/ 265. (¬6) هو ثبير غيناء، ويسمى أيضا: ثبير الأثبرة، أي: كبيرها، وتسميه عامة أهل مكة اليوم: جبل الرخم، وهو المقابل لجبل النور (حراء) من الجنوب والمشرف على منى من الشمال. "معجم البلدان" 2/ 73، "معالم مكة" للبلادي ص 55. (¬7) رواه البخاري (1684) كتاب الحج، باب: متى يدفع من جمع، عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه -.

ومعناه: أشرق يا ثبير بالشمس كيما نَدْفَعَ من مزدلفَةَ، فندخل في غَورِ الأرض، وهو المنخفض منها، وذلك أنهم إذا جاوزوا المزدلفة صاروا في هبوط من الأرض، وهناك بطن وادي محسر، والوادي فاصل بين حد مزدلفة وحد منى (¬1). وذهب الزُّهري (¬2) إلى أن (الناس) في هذه الآية: آدم -عليه السلام- واحتج بقراءة سعيد بن جبير: (ثم أفيضوا من حيث أفاض الناسي (¬3)). وقال: هو آدم، نسي ما عُهد إليه. وروي أنه قرأ (الناسِ) فاكتُفي (¬4) من الياء بالكسرة (¬5). ¬

_ (¬1) المحَسِّر: واد ليس من منى ولا المزدلفة، بل هو واد برأسه، وهو واد صغير يأتي من الجهة الشرقية لثبير الأعظم من طرف ثقبة، ويذهب إلى وادي عرَنة، فإذا مر بين منى ومزدلفة، كان الحد بينهما، والمعروف منه للعامة ما يمر فيه الحاج بين مزدلفة ومنى، وله علامات هناك منصوبة. "معجم البلدان" 5/ 62، "معالم مكة" ص 248. (¬2) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 570، البغوي في "تفسيره" 1/ 231، "زاد المسير" 1/ 214، "تفسير الرازي" 5/ 197. (¬3) في (ش): الناس. (¬4) في (ش) و (أ): اكتفى. (¬5) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 570، البغوي في "تفسيره" 1/ 231، وابن جني في "المحتسب" 1/ 119، وابن خالويه في "مختصر شواذ القراءات" ص 20، وابن عطية في "المحرر الوجيز" 2/ 177، وقال: وقرأ سعيد بن جبير: الناسي، وتأوله: آدم عليه السلام، ويجوز عند بعضهم: تخفيف الياء فيقول الناس كالقاض والهاد، قال ابن عطية: أما جوازه في العربية فذكره سيبويه، وأما جوازه مقروءًا به فلا أحفظه. وبها قرأ أبو المتوكل، وأبو نهيك، ومورق العجلي: الناسي، بإثبات الياء، ينظر: "زاد المسير" 1/ 214.

200

وقال الضحاك: الناسُ هاهنا: إبراهيم عليه السلام (¬1)، وهذا كقوله: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ اَلنَّاسُ} يعني: نعيم بن مسعود (¬2) {إِنَّ اَلنَّاسَ} [آل عمران: 173] يعني: أبا سفيان، وإنما يقال هذا للذي يُقْتَدى به ويكون لسان قومه (¬3). قال ابن الأنباري: وإيقاع الجمع على الواحد جائز، كما تقول العرب: خرج زيدٌ إلى البصرة في السفن، وإلى الكوفة على البغال. 200 - قوله تعالى: {فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ} ذكرنا معاني القضاء عند قوله: {وَإِذَا قَضَى أَمْرًا} [البقرة: 117]، وأراد هاهنا: أدَيْتُم، لأنه يقال: قضى ما عليه، إذا أداه. كقوله تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةَ} [الجمعة: 10] يعني: الجمعة، ولا يُتَصَوَّرُ فيها قَضَاءٌ دون الأداء، وأصلُ هَذَا يؤول إلى إحكامه بالفراغ منه (¬4). ¬

_ (¬1) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 293، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 354، وينظر: "النكت والعيون" 1/ 261، "زاد المسير" 1/ 214، وبين الطبري في "تفسيره" 2/ 293: أنه لولا إجماع الحجة لكان الأولى بتأويل الآية قول الضحاك؛ لأن الإفاضة من عرفات قبل الإفاضة من مزدلفة، وقبل وجوب الذكر عند المشعر الحرام، وقد تقدم الأمر بها، فالأمر هنا إنما هو بالإفاضة من الموضع الذي لم يفيضوا منه دون ما أفاضوا منه. (¬2) هو: أبو سلمة، نعيم بن مسعود بن عامر الأشجعي، صحابي مشهور، هاجر إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - يوم الخندق، وهو الذي خذَّل المشركين واليهود حتى صرفهم الله، سكن المدينة، قُتِلَ في وقعة الجمل في أول خلافة علي، وقيل في خلافة عثمان. ينظر: "الإصابة" 3/ 568، "أسد الغابة" 5/ 348. (¬3) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 294، "تفسير الثعلبي" 2/ 569، "تفسير البغوي" 1/ 230 - 231، "التفسير الكبير" 5/ 196. (¬4) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 195، "تهذيب اللغة" 3/ 2985 - 2987 "قضى"، "المفردات" ص 406 - 408، وقال الرازي في "تفسيره" 5/ 199: اعلم أن القضاء =

والمناسك: جمع مَنْسَك الذي هو مصدر، بمنزلة النُّسُك، أي: إذا قضيتم عبادتكم التي أُمِرْتُم بها في الحج (¬1)، وإنْ جَعَلْتَها جَمْعَ مَنْسَك الذي هو موضع العبادة، كان التقدير: فإذا قضيتم أعمالَ مناسِكَكُم، فيكون من باب حذف المضاف (¬2). وقوله تعالى: {فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ} قال أكثرُ أهل التفسير: كانت العربُ إذا فَرَغوا من حَجِّهم ذكروا مآثرَ آبائِهم ومفاخِرَهم، فأمرهم الله عز وجل بذكره، فقال: فاذكروني فأنا الذي فعلت ذلك بكم وبآبائكم، وأحسنت إليكم وإليهم (¬3). ¬

_ = إذا علق بفعل النفس فالمراد به: الإتمام والفراغ، وإذا علق على فعل الغير، فالمراد به الإلزام، نظير الأول: قوله: {فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ}، {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ}، ونظير الثاني: قوله تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ}، وإذا استعمل في الإعلام فالمراد أيضا ذلك، كقوله تعالى: {وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ}، يعني: أعلمناهم، إذا ثبت هذا فنقول: قوله تعالى: {فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ}، لا يحتمل إلا الفراغ من جميعه. اهـ. بتصرف. (¬1) ينظر: "المحرر الوجيز" 2/ 178، "التفسير الكبير" 5/ 199، "زاد المسير" 1/ 215، وذكر أن القائلين بأن المناسك هي المتعبدات قد اختلفوا في المراد بها هاهنا على قولين: أحدهما: أنها جميع أفعال الحج، قاله الحسن. والثاني: أنها إراقة الدماء، قاله مجاهد. وينظر: "البحر المحيط" 2/ 103. (¬2) ينظر: "التفسير الكبير" 5/ 199، "البحر المحيط" 2/ 103، "المحرر الوجيز" 2/ 178 وقال: والمناسك عندي العبادات في معالم الحج، ومواضع النسك فيه. (¬3) نقله عن الثعلبي مختصرا "تفسير الثعلبي" 2/ 583، وقد جمعه الثعلبي من روايات عدة عن الصحابة والتابعين، وذكر الطبري 2/ 296 - 297، الرواية بذلك عن أنس ومجاهد وأبي وائل وأبي بكر بن عياش وقتادة وسعيد بن جبير وعكرمة، وينظر: "تفسير عبد الرزاق" 1/ 79، "أخبار مكة" للفاكهي 4/ 147، "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 355، "الدعاء" للطبراني 2/ 1208، "العجاب" 1/ 511.

قال أبو إسحاق: كانت العرب إذا قضت مناسكها وقَفَتْ بين المسجد بمنى وبين الجبل، فَتُعَدِّدُ فَضَائل آبائها، وتذكر محاسِنَ أيامهم، فأمر الله تعالى أن يجعلوا ذلك الذكرَ له، وأن يزيدوا على ذلك الذكر، فيذكروه بتوحيده، وتعديد نِعَمه؛ لأنه إن كانت لآبائهم نِعَمٌ فهي من الله عز وجل، وهو المشكور عليها (¬1)، وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء (¬2). وقال في بعض الروايات (¬3): وهو قول الربيع (¬4) والضحاك (¬5): أرادَ: فاذكروا الله كذكركم آباءكم وأمهاتكم، فاكتُفي بالآباء من الأمهات، كقوله: {سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ} [النحل: 81]، قالوا: وهو قول الصبي الصغير أول ما يُفْصحُ الكَلام: أَبَهْ أَبَهْ، أمَّهْ أمَّهْ، أي: الهجوا بذكر ربكم في جميع أحوالكم، كما يلزمُ الصبيُّ (¬6) في صِغَرِه ذكرَ أبيهِ وأُمِّه (¬7). وقال ابن الأنباري في هذه الآية: إن العربَ كان أكثر أقسامها في الجاهلية بالآباء، كقولهم: وأبي وأبيك وأبيكم وجدكم. فقال الله تعالى: ¬

_ (¬1) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 274. (¬2) رواه عن عطاء: الفاكهي في "أخبار مكة" 4/ 148، والطبري في "تفسيره" 2/ 297، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 356، والبيهقي في "شعب الإيمان" 1/ 451، وذكره الرازي في "تفسيره" 5/ 198. (¬3) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 297 من طريق عطية العوفي عنه، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 583. (¬4) رواه الطبري في "تفسيره" 2/ 297، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 584، والرازي في "تفسيره" 3/ 200. (¬5) انظر السابق. (¬6) من قوله: (الصغير ...) ساقط من (أ) (م). (¬7) ينظر: "تفسير الثعلبى" 2/ 584.

عَظِّموا الله تعالى كتعظيمِ آبائكم (¬1). وقوله تعالى: {أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا} يعني: وأشدّ (¬2)، والعامل فيه: الكاف في قوله (¬3): {كَذِكْرِكُمْ}، وموضعه جر، وإن شئت جعلت العامل فيه: الفعل في (اذكروا)، فتكون نصبًا (¬4). وهذا الذكر المأمور به هو التكبير أيام منى، وقيل: إنه الدعاء لله عز وجل في تلك المواطن (¬5). وقوله تعالى: {فَمِنَ النَّاسِ ..} إلى آخر الآية قال ابن عباس: هم المشركون، كانوا يسألون المال والإبل والغنم، وكانوا يقولون: اللهم اسْقِنا المَطَر، وأَعْطِنا على عَدُوِّنا الظَّفَر، ويسألون التوسعة عليهم في ¬

_ (¬1) نقله الرازي في "تفسيره" 5/ 200 - 201، وينظر: "زاد المسير" 1/ 215، وقال: وهذا مروي عن الحسن أيضًا، "البحر المحيط" 2/ 103. (¬2) "التبيان" 1/ 164، قال في "البحر المحيط" 2/ 103: و (أو) هنا قيل: للتخيير، وقيل للإباحة، وقيل: بمعنى: بل أشد. (¬3) في (م): (كقوله). (¬4) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 274، "مشكل إعراب القرآن" لمكي 1/ 124، "التبيان" ص 125 - 126، وقد اعترض أبو حيان في "البحر" 2/ 103 على إعرابه بذلك، وبين سبب الاعتراض، وأطال في ذكر الأعاريب الضعيفة، ثم قال: والذي يتبادر إلى الذهن في الآية أنهم أمروا بأن يذكروا الله ذكرًا يماثل ذكر آبائهم أو أشد، وقد ساغ لنا حمل الآية على هذا المعنى بتوجيه واضح ذهلوا عنه، وهو أن يكون أشد منصوبا على الحال، وهو نعت لقوله (ذكرًا) لو تأخر، فلما تقدم انتصب على الحال، ويكون إذ ذاك: أو ذكرا أشد، معطوفا على محل الكاف من (كذكركم)، ثم ذكر وجهًا آخر. (¬5) والأول: اختيار الطبري 2/ 298، وينظر: "التفسير الكبير" 5/ 200، "البحر المحيط" 2/ 103.

201

الدنيا، ولا يسألون حظًا في الآخرة لأنهم كانوا غير مؤمنين بالآخرة (¬1). وحذف مفعول {آتِنَا} من الكلام، وهو المسؤول من الدنيا؛ للعلم (¬2). 201 - قوله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً} الآية. هؤلاء المسلمون يسألون الحظ في الدنيا والآخرة. قال ابن عباس في رواية عطاء: أمّر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبا بكر رضي الله عنه (¬3) عام الفتح على الموسم، ثم بعث عليًا رضي الله عنه بسورة التوبة، وصلى أبو بكر بالناس في الموسم، وعَرَّفَهُم مناسكهم. ولما (¬4) قَضَوْا حَجَّهم ومناسكهم ذكروا الله أشد من ذكرهم آباءهم، فكان أول من قال: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} أبو بكر، ثم اتبعه علي والناس أجمعون (¬5). قال ابن عباس: {فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً} يريد: العملَ بما يُرضِي الله، وأكلَ الحلال، والزوجةَ الصالحة، {وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً} يريد: الجنةَ ¬

_ (¬1) رواه عنه ابن أبي حاتم في "تفسيره"1/ 357، وهو مروي عن أنس ومجاهد وقتادة والسدي وأبي وائل وأبي بكر بن عياش، وابن زيد ومقاتل بن حيان. ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 298 - 299. (¬2) "التفسير الكبير" 5/ 203، "البحر المحيط" 2/ 104 - 105، وقال: حذف مفعولي آتى، وأحدهما جائز اختصارا واقتصارا، لأن هذا من باب: أعطى، وذلك جائز فيه. (¬3) قوله: (أبا بكر -رضي الله عنه-) سقطت من (م). (¬4) في (م): (فلما). (¬5) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 307، وأبو حيان في "البحر" 2/ 105.

والحور العين، والنعيم المقيم (¬1). وروى مجاهد، عن ابن عباس قال: عند الركن اليماني مَلَكٌ قائم منذ خلق الله السموات والأرض يقول: آمين، فقولوا: ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار (¬2). ولفظ الحسنة في الآية منكّرة مبهمة محتملة لكل حسنة من الحسناتِ على البدل، وأَتَمُّها ما قال ابن عباس (¬3). ¬

_ (¬1) هذه من رواية عطاء التي تقدم الحديث عنها في المقدمة. (¬2) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" 10/ 368، والفاكهي في "أخبار مكة" 1/ 110، والآجري في "مسألة الطائفين" 33، وابن شاهين في "الترغيب في فضائل الأعمال" 301، والبيهقي في "شعب الإيمان" 3/ 453 كلهم من طريق عبد الله بن مسلم بن هرمز عن مجاهد به، وهذا إسناد ضعيف؛ لضعف عبد الله بن مسلم. ينظر: "التقريب" ص 322 (3616)، وضعفه الدكتور/ المنيع في تحقيقه لـ"تفسير الثعلبي" 2/ 600، ورواه الأزرقي في "أخبار مكة" 1/ 341 بهذا السند موقوفا على مجاهد، وله شاهد من حديث أبي هريرة، رواه ابن ماجه (2957) كتاب: المناسك، باب: فضل الطواف، عن حميد بن أبي سوية، قال: سمعت ابن هشام يسأل عطاء بن أبي رباح عن الركن اليماني، وهو يطوف بالبيت، فقال عطاء: حدثني أبو هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: وُكِّل به سبعون ملكًا، فمن قال: اللهم إني أسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار، قالوا: آمين، الحديث، قال البوصيري في "مصباح الزجاجة" 2/ 135: إسناده ضعيف، حميد قال فيه ابن عدي: أحاديثه غير محفوظة، وقال الذهبي: مجهول، وضعفه الألباني في "ضعيف سنن ابن ماجه" (640). (¬3) والمروي عن السلف كله مقارب لهذا في المعنى، تنظر المرويات في ذلك عند الطبري في "تفسيره" 2/ 300 - 301، واختار الطبري أن المراد بالحسنة عام، فيشمل كل ما قيل فيها، وأما حسنة الآخرة فالجنة، لأن الله لم يخص شيئا من=

202

قال أهل المعاني: والفائدة في الإخبار عنهم بهذا الدعاء: الاقتداء بهم فيه، وذلك أنه لما حذر من الدعاء الأول رغب في الثاني. والإيتاء منقول من الأتي الذي هو المجيء (¬1)، يقال: أَتَى، إذا كان منه المجيء، وأتى إذا حَمَلَ غيرَه (¬2) على المجيء. يقال: آتاه ما يحب، وأتاه غير ما يحب، إذا جعله يأتيه ذلك الشيء، ثم يفسر الإيتاء بالإعطاء، وأصله ما ذكرنا (¬3). 202 - قوله تعالى: {أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا} قال ابن عباس: يريد: ثوابَ ما عملوا (¬4). وقال أبو إسحاق: أي: دعاؤهم مستجاب؛ لأن كَسْبَهُم هاهنا الذي ذكر: الدعاء (¬5). وقيل: معناه: لهم نصيب من كسبهم باستحقاقهم الثواب عليه، خلاف من بطل عمله فلم يكن (¬6) له منه حظ (¬7). ¬

_ = معاني الحسنة ولا نصب على خصوصه دلالة فوجب إبقاؤه على عمومه، وحكى ابن عطية في "المحرر الوجيز" 2/ 180 أن حسنة الآخرة الجنة بإجماع، وقال القرطبي في "تفسيره" 2/ 408: والذي عليه أكثر أهل العلم أن المراد بالحسنتين: نعم الدنيا والآخرة، وهذا هو الصحيح، فإن اللفظ يقتضي هذا كله. (¬1) في (م): (من المجيء). (¬2) في (أ) (م): (غير). (¬3) ينظر: "تهذيب اللغة"، "المفردات" 18، "لسان العرب" 1/ 21 - 24 "أتى". (¬4) لعله من رواية عطاء التي تقدم الحديث عنها في القسم الدراسي. (¬5) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 275. (¬6) في (م) (ينزل). (¬7) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 302، ورواه عن قتادة وابن زيد، ينظر: "تفسير الثعلبي" =

وقوله تعالى: {وَاللهُ سَرِيعُ الحِسَابِ} سريع فاعل من السُّرْعَة. قال ابن السِّكِّيْت: يقال: سَرَع يَسْرُع سَرَعًا وسُرْعة فهو سريع (¬1). والحساب: مصدر كالمحاسبة، وربما سمي المَحْسُوبُ حِسَابًا، ومعنى الحساب في اللغة: العد، يقال: حَسَب يَحْسُبُ حِسَابًا وحِسَابةً وحِسْبَةً وحَسْبًا؛ إذا عَدّ، ذكره الليث وابن السكيت، وأنشد قول النابغة: وأَسْرَعَتْ حِسْبَةً في ذلك العَدَد (¬2) وقول آخر: يا جُمْلُ أسْقَاكِ بلا حِسَابَهْ (¬3) ¬

_ = 2/ 601، "التفسير الكبير" 5/ 205، وكلا القولين اللذين ذكرهما (المصنف) على اعتبار أن أولئك عائدة للصنف الثاني، وهم المؤمنون، وهذا اختيار الطبري في "تفسيره" 2/ 301، ودليله: أنه قال في حق الصنف الأول: {وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ}، فذكر جزائهم، ثم ذكر الصنف الثاني، وهذا جزاؤهم. ينظر: "التفسير الكبير" 5/ 205،"الدر المصون" 2/ 343، وقيل: إن أولئك تعود إلى الفريقين مثل قوله: {وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا} [الأحقاف: 19]. (¬1) نقله في "تهذيب اللغة" 2/ 89، "تفسير القرطبي" 2/ 410، ونقله عن الواحدي بغير عزو: الرازي في "تفسيره" 5/ 206. (¬2) صدره: فَكَمَّلَتْ مائةً فيها حمامَتُها "ديوان النابغة" ص 25، "لسان العرب" 2/ 865 (حسب). (¬3) ورد الرجز هكذا: يا جمل أُسْقِيْتَ بلا حسابه * سُقْيَا مَلِيكِ حَسَنِ الرِّبَابَه * قتلتني بالدل والخلابة والرجز لمنظور بن مَرْثَد الأسدي، في "لسان العرب" 2/ 865 (حسب)، وقال: وأورد الجوهري الرجز: يا جُمْل أسقاكِ، وصواب إنشاده: يا جُمْل أُسْقِيت، و"التنبيه والإيضاح" 1/ 62، "تاج العروس" 1/ 419. "المعجم المفصل" 9/ 51. والرِّبابة: القيام على الشيء بإصلاحه وتربيته، والخِلابة: أن تخلب الأمة قلب الرجل بألطف القول وأعذبه.

والحَسَبُ: ما عُدَّ، ومنه: حَسَب الرجل: وهو ما يُعَدُّ من مآثره ومَفَاخره، والاحتساب: الاعتدادُ بالشيء (¬1). وقال الزجاج: الحساب في اللغة: مأخوذ من قولهم: حَسْبُك كذا، أي: كفاك، فسمى الحساب في المعاملات حسابًا؛ لأنه يعلم به ما فيه كفاية، وليس فيه زيادة على المقدار ولا نقصان (¬2). وأما التفسير، فإن (¬3) ابن عباس حَمَلَ الحساب، هاهنا، على حساب المذكورين في هذه الآية، فقال: يريد: أنه (¬4) لا حساب عليهم، إنما يقفون بين يدي الله يُعْطَوْن كتبهم بأيمانهم، فيها سيئاتهم، فيقال لهم: هذه سيئاتكم قد تجاوزتها عنكم، ثم يعطون حسناتهم فيقال لهم: هذه حَسَنَاتُكُم قد ضَعَّفْتُها لكم (¬5). وقال أبو إسحاق: معناه: أنه قد علم ما للمحاسَب وعليه قبل توقيفه على حسابه، فهو سريع الحساب؛ لأن الفائدة في الحساب علم حقيقته (¬6). فعلى ما ذكره أبو إسحاق تأويله: أنه عالم بما للمحاسبين وعليهم. وقال ابن الأنباري: معناه: سريع المجازاة للعباد على أعمالهم، وإن ¬

_ (¬1) ينظر في مادة حسب "تهذيب اللغة" 2/ 809 - 812، "المفردات" ص 123 - 125، "اللسان" 1/ 863 - 868. (¬2) نقله عنه في "تهذيب اللغة" 2/ 810 "حسب". (¬3) في (م): قال. (¬4) في (م): إنه يريد. (¬5) ذكره في "غرائب النيسابوري" 2/ 280 - 281، "الوسيط" 1/ 308، "التفسير الكبير" 5/ 206. (¬6) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 275.

كان قد أمهلهم مدة من الدهر، فإن وقت الجزاء عنده قريب (¬1)، يدل عليه قوله: {وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [النحل: 77]، فسَمَّى المجازاةَ حسابًا؛ لأن ما يجازى به العبد هو كِفَاء لفعله، أو لأنه يجازى عند الحساب، وإنما يحاسب ليجازى، فذكر الحساب وهو يريد الجزاء. وقيل: تأويل الآية: أنه سريع القبول لدعاء عباده، والإجابة لهم، وذلك أنه تعالى يُسأل في وقت واحد سؤالاتٍ مختلفة، من أمر الدنيا والآخرة، فيجزي كلَّ عَبْدٍ على قدر استحقاقه، فلو كان الأمر مع واحد من المخلوقين لطال العَدُّ واتصل الحساب، فأعلم الله تعالى أنه (¬2) سريعُ الحساب، أي: الإحاطة والعلم بجملة سؤال السائلين؛ لأنه لا يحتاج إلى عَقْدِ يَدٍ، ولا وَعْي صَدْرٍ، ولا رؤيةٍ وفكرٍ، ثم تأويله يعود إلى سرعة القبول والإجابة ما لم يعرف مسألةَ كلِّ أحدٍ على التفصيل ليمكنه الإجابة (¬3) إلى ما سأل، وهذا معنى الدعاء المأثور: يا من لا يشغله سَمْعٌ عن سَمْع (¬4). ومع ما ذكرنا من هذه التأويلات (¬5) قد ورد في الخبر: "أن الله عز وجل ¬

_ (¬1) "الزاهر" لابن الأنباري 1/ 97 - 98، وينظر: "الوسيط" للواحدي 1/ 308، "البحر المحيط" 2/ 106. (¬2) في (ش) (لأنه). (¬3) لسِت في (أ) ولا (م). (¬4) لم أجده. (¬5) ينظر في الأقوال السابقة: "تفسير الطبري" 2/ 302، "تفسير الثعلبي" 2/ 609، "تفسير السمعاني" 2/ 243، "تفسير البغوي" 1/ 233، "المحرر الوجيز" 2/ 181، "زاد المسير" 1/ 216، "تفسير الرازي" 5/ 207، "البحر المحيط" 2/ 106، "تفسير القرطبي" 2/ 412، وقال: الكل محتمل، فيأخذ العبد لنفسه في تخفيف =

203

يحاسب في قَدْر حَلْبِ شَاةِ" (¬1). 203 - قوله تعالى: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ} الأصحُّ أن هذه الأيام يرادُ بها: أيامُ التشريق (¬2) وأيامُ رَمْي الجمار (¬3)، سماها معدودات (¬4) لِقِلَّتِهَا (¬5)، كقوله: {دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ} [يوسف: 20]. وجَمْعُها ¬

_ = الحساب عنه بالأعمال الصالحة، وإنما يخف في الحساب في الآخرة على من حاسب نفسه في الدنيا. (¬1) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 609، وذكره الزيلعي في "آثار الكشاف" 1/ 128، والحافظ ابن حجر في "تخريج أحاديث الكشاف" 1/ 249، وسكتا عليه، وقال المناوي في "الفتح السماوي" 1/ 248: قال الولي العراقي: لم أقف عليه، وقال غيره: أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس. (¬2) سميت أيام التشريق بذلك؛ لأن الناس كانوا يشرقون اللحم تلك الأيام، وتشريق اللحم هو تقديده وبسطه في الشمس ليجف، وقيل: لأن الهدي والضحايا لا تنحر حتى تشرق الشمس، أي: تطلع. ينظر: "النهاية" لابن الأثير ص 475. (¬3) قد حكى جماعة كثيرة من العلماء الإجماع على أن المراد بالأيام المعدودات هي أيام منى، منهم: الماوردي في: "النكت والعيون" 1/ 263، وابن عبد البر، نقله عنه القرطبي في "تفسيره" 3/ 1، والجصاص في "أحكام القرآن" 1/ 394، والكيا الهراسي في "أحكام القرآن" 1/ 178، والرازي في "تفسيره" 5/ 208، والقرطبي في "تفسيره" 3/ 1. وقال النووي في "المجموع" 8/ 281: نقل القاضي أبو الطيب والعبدري وخلائق: إجماع العلماء على أن المعدودات هي أيام التشريق. وذكر الطبري في "تفسيره" 2/ 302 - 303 هذا القول عن مفسري السلف، وقال: وبمثل الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل، ثم أسند التفسير به عن ابن عباس وعطاء ومجاهد وإبراهيم والحسن وقتادة والسدي والربيع ومالك والضحاك وابن زيد. ينظر: "الإجماع في التفسير" 216 وما بعدها. (¬4) زيادة من (ي). (¬5) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 275.

على الألف والتاء يدل أيضًا على القلة، نحو: دُرَيْهِمَات وحمامات (¬1). وروي أن حسان بن ثابت عرضَ شعره وهو صبي بعكاظ على النابغة وأنشده قوله: لنا الجَفنَاتُ الغُرُّ يَلْمَعْن بالضُّحَى ... وأسْيَافُنَا يَقْطُرْنَ مِنْ نَجْدَةٍ دمَا (¬2) فقال: يا غلام! قَلَّلْتَ جِفَانك، يريد: أنه جَمَعَ بالألف والتاء، ولم يَقُلْ الجِفَان. قال الزجاج: وهذا الخبر عندي مصنوع؛ لأن الألف والتاء قد تأتي للكَثْرة قال الله عز وجل: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ} [الأحزاب: 35]. وقال: {فِي جَنَّاتٍ} [يونس: 9]. وقال: {الْغُرُفَاتِ} [سبأ: 37]، فقد يرد هذا الجمع في الكثير، ولكنه أدلُّ على القليل، من حيث كانَ أقرب إلى الواحد؛ لأنه على التثنية، تقول: حمام وحمامان وحمامات، فتؤدي بناءَ الواحد (¬3). والمراد بالذكر في هذه الأيام: التكبير أدبار الصلوات وعند الجمرات، يكبر مع كل حصاة (¬4). وأكثر العلماء على ما ذكرنا وهو أن الأيام المعدودات: أيام ¬

_ (¬1) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 275، قال القرطبي في "تفسيره" 3/ 1: قال الكوفيون: الألف والتاء في (معدودات)؛ لأقل العدد، وقال البصريون: هما للقليل والكثير. (¬2) البيت في "ديوانه" ص 221. "المقتضب" 2: 188 "الكتاب" لسيبويه 3/ 578 "الخصائص" 2/ 206، "المحتسب" 1/ 187، والغُر: البيض، جمع غرّاء، يريد بياض الشحم، يقول: جفاننا معدة للضيفان ومساكين الحي بالغداة وأسيافنا تقطر بالدم، لنجدتنا وكثرة حروبنا. (¬3) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 275 - 276، وقد استشهد سيبويه في "الكتاب" 3/ 578 ببيت حسان على الجمع الكثير. (¬4) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 302، "تفسير الثعلبي" 2/ 614، "زاد المسير" 1/ 217.

التشريق، وهي ثلاثة أيام بعد النحر: أولها: يوم القَرّ، وهو اليوم الحادي عشر من ذي الحجة، يستقرُّ الناس فيه بمنى. والثاني: يوم النَّفْر الأول؛ لأن بعض الناس ينفرون في هذا اليوم من منى. والثالث: يوم الثالث عشر، وهو يوم النفر الثاني (¬1). وهذه الأيام الثلاثة مع يوم النحر كلها أيام النحر، وأيام رمي الجمار (¬2). وهي الأيام الأربعة مع يوم عرفة أيام التكبير أدبار الصلوات، يبتدأ مع الصبح يوم عرفة، ويختم مع العصر يوم الثالث عشر، وهو مذهب ¬

_ (¬1) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 204، "أحكام القرآن" لابن العربي 1/ 140 - 142، وقال القرطبي 3/ 1. أمر الله سبحانه عباده بذكره في الأيام المعدودات، وهي الثلاثة التي بعد يوم النحر، وليس يوم النحر منها، لإجماع الناس أنه لا ينفر أحد يوم النفر، وهو ثاني يوم النحر، ولو كان يوم النحر في المعدودات لساغ أن ينفر من شاء متعجلا يوم النفر؛ لأنه قد أخذ يومين من المعدودات. (¬2) كونها أياما لرمي الجمار لا خلاف فيه، وكونها أياما للنحر وقع فيه الخلاف على أقوال: الأول: أن آخر أيام النحر اليوم الثاني من أيام التشريق، فتكون أيام النحر ثلاثة، يوم النحر ويومان بعده، وهذا قول عمر وعلي وابن عمر وابن عباس وأبي هريرة وأنس، وهو قول أبي حنيفة ومالك والثوري. والثاني: أن آخر أيام النحر هو آخر أيام التشريق، روي عن علي، وبه قال عطاء والحسن، وهو مذهب الشافعي. والثالث: أن النحر في يوم النحر فقط وهو قول ابن سيرين. والرابع: أن آخرها لأهل الأمصار يوم النحر، ولأهل منى اليوم الثاني من أيام التشريق، وبه قال سعيد بن جبير وجابر بن زيد. والخامس: أن آخرها هلال المحرم، وبه قال أبو سلمة بن عبد الرحمن وعطاء بن يِسار. ينظر: "المغني" لابن قدامة 13/ 386.

أمير المؤمنين علي (¬1)، رضي الله عنه، وهو أكمل المذاهب. والأظهر من مذهب الشافعي رحمه الله أنه يبتدئ التكبيرَ من صلاة الظُّهر يوم النحر إلى صلاة الفجر من آخر أيام التشريق، اقتداءً بالحاجّ، قال: لأنهم يقطعون التلبية ويأخذون في التكبير يوم النحر، من صلاة الظهر، والصبح آخر صلاة يصليها الحاج، والناس لهم تبع (¬2). وقوله تعالى: {فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} معناه: فمن تعجل في يومين من أيام التشريق فنفر في اليوم الثاني، فلا إثم عليه في تَعَجُّلِه، ومن تَأَخَّرَ عن النفر في اليوم الثاني من أيام التشريق إلى اليوم الثالث حتى ¬

_ (¬1) رواه عن علي: ابن أبي شيبة في "المصنف" 2/ 165، وابن المنذر في "الأوسط" 4/ 300، والبيهقي في "تفسيره" 3/ 314. (¬2) ينظر: "الأم" 1/ 275، "معرفة السنن والآثار" 5/ 104، "المجموع" 5/ 31، وقد وقع الخلاف في ابتداء التكبير عقب الصلوات المفروضات وانتهائه على ستة أقوال: الأول: ما ذكره المؤلف من مذهب علي، وبه قال عمر وعلي وابن عباس وابن مسعود والثوري وأبو ثور، والشافعي في بعض أقواله، وأبو يوسف ومحمد، وهو مذهب أحمد لمن كان محلا، أما إن كان محرما فيبتدئ بالظهر من يوم النحر. الثاني أنه من صلاة الفجر يوم عرفة إلى صلاة العصر من يوم النحر، قاله ابن مسعود وعلقمة والنخعي وأبو حنيفة. الثالث: من بعد صلاة الظهر يوم النحر إلى ما بعد العصر من آخر أيام التشريق، قاله ابن عمر وزيد بن ثابت وابن عباس وعطاء. والرابع: أنه يكبر من صلاة الظهر يوم النحر إلى ما بعد صلاة الظهر من يوم النفر، وهو الثاني من أيام التشريق، قاله الحسن. والخامس: أنه يكبر من الظهر يوم النحر إلى صلاة الصبح من آخر أيام التشريق، قاله مالك وهو أحد قولي الشافعي. والسادس: أنه يكبر من صلاة المغرب ليلة النحر إلى صلاة الصبح من آخر أيام التشريق، وهذا قول للشافعي. ينظر: "زاد المسير" 1/ 217، "المغني" 3/ 288، "أحكام القرآن" لابن العربي 1/ 142، "تفسير القرطبي" 3/ 4.

نفر فيه، فلا إثم عليه في تأخُّرِه (¬1). فإن قيل: إنما يخاف الإثم المتعجل. فما بال المتأخر أُلحق به، والذي أتى أفضل؟ قيل: معناه: فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فهو مبرور مأجور. فقال: (فلا إثم عليه) وهو يريد هذا المعنى لتوافق اللفظةُ الأولى الثانيةَ، وتكون على مثلِ سبيلها، وقد ذكرنا أنه حُمِلَ على موافقة اللفظ بما لا يصلح في المعنى (¬2) وهو قوله: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ} [الشورى: 40]، وقوله: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ} [البقرة: 194]، فَلأَن يحمل على موافقة اللفظ بما يَصِحُّ في المعنى أولى؛ لأن المبرور المأجور يصح في المعنى نفيُ الإثم عنه. وقيل: فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه في استعماله الرخصة، ومن تأخر فَتَرْكُه استعمالَ الرخصةِ غيُر مؤثم له أيضًا. وقيل: فمن تَعَجَّل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه من آثامهما التي كانت عليهما قبل أن يَحُجَّا، يدل على صحة هذا الوجه: ما روى منصور (¬3)، عن أبي حازم (¬4)، عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من ¬

_ (¬1) "تفسير الثعلبي" 2/ 622، وينظر: "تفسير الطبري" 2/ 305، "زاد المسير" 1/ 218، "تفسير القرطبي" 3/ 4. (¬2) في (أ) و (م): ليوافق اللفظ ما لا يصح في المعنى. (¬3) هو: منصور بن المعتمر بن عبد الله السلمي، أبو عتاب الكوفي، أحد الأئمة الثقات، وكان أثبتَ أهلِ الكوفة، اشتهر بالعبد والصلاح، ذكر العجلي أن فيه تشيعا قليلا وليس بمغال، توفي سنة 132 هـ ينظر: "الجرح والتعديل" 6/ 92، "تاريخ بغداد" 11/ 120. (¬4) هو: سلمان أبو حازم الأشجعي الكوفي، روى عن ابن عمر وأبي هريرة، وروى =

حجَّ هذا البيتَ فلم يَرْفُثْ ولم يَفْسُق خرج من ذنوبه كيومِ ولدتْه أمه" (¬1). وذهب بعض المتأولين: إلى أن المراد بوضع الإثم عنه المتعجلُ دون المتأخر، ولكن ذُكرا معًا والمراد أحدُهما، كقوله: {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} [البقرة: 229] والجناح على الزوج؛ لأنه أخذ ما أعطى، وقد قال الله تعالى: {وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا} [البقرة: 229] ومثل هذا قوله: {نَسِيَا حُوتَهُمَا} [الكهف: 61]، نسب النسيان إليهما، والناسي أحدُهما، وقوله {يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ} [الرحمن: 22]، وإنما يخرج من أحدهما (¬2). وقوله تعالى: {لِمَنِ اتَّقَى} قال النحويون: المعنى: ذلك لمن اتقى، أي: طَرْح المآثم عن المتعجل والمتأخر يكون إذا اتَّقَيَا في حَجَّهما تضييع شيء مما حَدَّه الله وأمر به، حتى لا يظن أن من تعجل أو تأخر خرج عن الآثام دون أن يتقي، فيكون قوله: {لِمَنِ اتَّقَى} خبرًا لمبتدأ محذوف (¬3)، ¬

_ = عنه منصور والأعمش، كان ثقة وله أحاديث صالحة، قال ابن عبد البر: أجمعوا على أنه ثقة، توفي في خلافة عمر بن عبد العزيز. ينظر: "تهذيب التهذيب" 4/ 140، "التقريب" ص 246 (2479). (¬1) أخرجه البخاري (1820) كتاب الحج، باب: قول الله: ولا فسوق ولا جدال في الحج، ومسلم (1350) كتاب الحج، باب: في فضل الحج والعمرة. (¬2) ينظر في ذكر هذه الأجوبة على هذا الإشكال الذي طرحه الواحدي: "تفسير الطبري" 2/ 305 - 307، "زاد المسير" 2/ 218، "التفسير الكبير" 5/ 210 - 211، "البحر المحيط" 2/ 112. (¬3) ينظر: "المحرر الوجيز" 2/ 185، "التبيان" ص 126 - 127، وقال في "البحر المحيط" 2/ 112: قيل هو متعلق بقوله: واذكروا الله، أي: الذكر لمن اتقى، وقيل: المعنى: ذلك التخيير ونفي الإثم عن المتعجل والمتأخر لأجل الحاج المتقي لئلا يختلج في قلبه شيء منهما فيحسب أن أحدهما آثام في الإقدام عليه،

وهذا معنى قول قتادة (¬1) وابن مسعود (¬2)، وكان يقول: إنما جعلت مغفرة الذنوب لمن اتقى الله في حجه، وكذلك كان يقرأ: {لِمَنِ اتَّقَى} (¬3) (¬4). وقال ابن عباس في رواية العوفي والكلبي: طرح المأثم عن المتعجل والمتأخر يكون إذا اتَّقَيَا قَتْلَ الصيد، لا يحلُّ لأَحَدْ أن يَقْتُلَ صيدًا حتى تخلو أيام التشريق (¬5)، فمتى (¬6) لم يتقياه كان عليهما مأثم. وقال أبو العالية: ذهب إِثْمُهُ كُلُّه إن اتقى فيما بقي من عمره (¬7). ومعناه: التحذير من الاتكال على ما سلف من أعمال الحج والبر فيه، فبين أن عليهم مع ذلك ملازمةَ التقوى، ومجانبةَ الاغترار بالحال الأولى. ¬

_ (¬1) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 309، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 625. (¬2) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 309، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 363. (¬3) من قوله: كان يقرأ القرآن ... ساقطة من (م). وهذه العبارة وردت مكررة في (أ) وفي الأولى منهما (لمن اتقى الله حجه). (¬4) رواه أبو عبيد في "فضائل القرآن" ص 291، والطبري في "تفسيره" 2/ 208 عن ابن جريج، وذكر القراءة: الثعلبي في "تفسيره" 2/ 626، وأبو حيان في "البحر المحيط" 2/ 113. (¬5) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 309، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 363 كلاهما من غير طريق العوفي والكلبي، وفي "الدر المنثور" 1/ 423، عزاه إلى سفيان بن عيينة وابن المنذر. رواية العوفي أخرجها الطبري 2/ 309، وذكرها الثعلبي 2/ 625، ورواية الكلبي ذكرها الثعلبي 2/ 625، وأخرجها ابن أبي حاتم 2/ 363، من طريق سفيان عن رجل قد سماه عن أبي صالح عن ابن عباس به. (¬6) في (ي) (فإذا). (¬7) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 308، وفي "الدر المنثور" 1/ 425 عزاه إلى عبد بن حميد، وذكر النحاس في "معاني القرآن" 1/ 147، والثعلبي في "تفسيره" 2/ 625.

204

204 - قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} الآية. قال الكلبي (¬1) والسدي (¬2) ومقاتل (¬3) وابن عباس (¬4) في رواية عطاء: نزلت هذه الآية في الأخنس بن شَرِيق (¬5)، واسمه: أُبَيّ، وسمي الأخنس؛ لأنه خَنَس يوم بدر بثلاثمائة رجل من بني زُهْرَة عن قتالِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكان رجلًا حُلْوَ الكلام، حُلْوَ المَنْظر، وكان يأتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيجالسه، ويظهر الإسلام، ويخبره أنه يحبه، ويحلف بالله على ذلك، وكان منافقًا حسن العلانية، سيئ السريرة، وكان يُعْجِبُ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - (¬6) كلامُه (¬7). وإنما قال: (في الحياة الدنيا)، لأنه كاذب، فما تعجب النبي - صلى الله عليه وسلم - من كلامه (¬8) ولا ¬

_ (¬1) عزاه السيوطي في "الدر المنثور" 1/ 427 إلى عبد بن حميد وابن المنذر، وعزاه ابن حجر في "العجاب" 1/ 519 إلى عبد بن حميد، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 626. (¬2) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 312، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 364. (¬3) "تفسير مقاتل" 1/ 177. وذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 626، وابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 219، البغوي في "تفسيره" 1/ 235. (¬4) عزاه في "زاد المسير" 1/ 219 إلى ابن عباس، وعزاه الثعلبي في "تفسيره" 2/ 626، وكذا البغوي في "تفسيره" 1/ 235 إلى عطاء وحده وقد تقدم الحديث عن رواية عطاء في المقدمة. (¬5) هو: الأخنس بن شَرِيق بن عمرو بن وهب الثقفي، كان حليف بني زهرة، مطاعًا فيهم، نصحهم في عدم المشاركة في معركة بدر فأطاعوه ولم يشاركوا، كان أحدَ الثلاثةِ الذين تلذذوا بسماع القرآن ليلًا. اختلف في إسلامه. ينظر: "المحرر الوجيز" 2/ 187، "أسد الغابة" 1/ 47، "البداية والنهاية" 5/ 78. (¬6) ساقطة من "ي". (¬7) هذا مختصر من لفظ مقاتل في "تفسيره" 1/ 177 - 178، وذكره مطولا الثعلبي في "تفسيره" 2/ 626. (¬8) ما من قوله: وإنما. قال زيادة من (ي).

يثاب عليه في الآخرة (¬1). وقوله تعالى: {وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ} يعني قوله: والله إني بك مؤمن، ولك محب، فهو يحلف بالله ويُشْهِدُه على أنه مضمر (¬2) ما يقوله، وهو كاذب في ذلك، فكان التأويل: ويشهد الله على ما في قلبه من الإيمان بزعمه (¬3). وقوله تعالى: {وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ} معنى الأَلَدّ: الشديد الخصومة. قال أبو إسحاق: أُخذ من لَدِيدَي العُنُق، وهما صَفْحَتَاه، وتأويله: أنه في ¬

_ (¬1) وذكر المفسرون كالطبري 2/ 312 - 314، وابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 219، والرازي 5/ 213، والثعلبي في "تفسيره" 2/ 629 قولين آخرين فيمن نزلت فيه الآية: أحدهما: أنها نزلت فيمن نافق فأظهر بلسانه ما ليس في قلبه. وهذا قول مجاهد والربيع وعطاء والحسن وقتادة وابن قلد ومحمد بن كعب القرظي، وقال الرازي في "تفسيره" 5/ 214: وهو اختيار أكثر المحققين من المفسرين. الثاني: أنها نزلت في سرية الرجيع، وبه قال ابن عباس والضحاك، والرجيع: ماء لهذيل قرب الهداة، بين عسفان ومكة، حين بعث كفار قريش إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - إنا قد أسلمنا فابعث لنا نفرا من أصحابك يعلمونا ديننا، فبعث لهم النبي - صلى الله عليه وسلم - ستة من أصحابه، فغدرت بهم عضل والقارة، وصارت لهم قصة، فقال بعض المنافقين: ويح هؤلاء المقتولين، لا في بيوتهم قعدوا ولا رسالة صاحبهم أدوا، فأنزل الله تعالى في الزبير والمقداد وخبيب وأصحابه والمنافقين هذه الآية وثلاث آيات بعدها. وخبر سرية الرجيع مذكور في الصحيحين. رواه البخاري (4086) كتاب المغازي، باب: غزوة الرجيع ورعل وذكوان. ينظر: "فتح الباري" 7/ 385 - 392، ومسلم (677) كتاب الأمارة، باب: ثبوت الجنة للشهيد، "سيرة ابن هشام" 2/ 184 - 191، "تفسير الثعلبي" 2/ 629 - 638. (¬2) زيادة من (ي). (¬3) "تفسيرالثعلبي" 2/ 642.

205

أيِّ وَجْه أَخَذَ من يمين أو شمال في أبواب الخُصومةِ غَلَب (¬1)، ويقال: لَدَدْتَ يا رجل، فأنت تَلَدُّ لَدَدًا ولَدَادَةً (¬2). والخصام: مصدر، كالمُخَاصمة، والمُخَاصَمَة: مُفَاعلةٌ من الخصُومة، وحقيقة الخُصومة: التَّعَمُّق في البحث عن الشيء، والمضايقةُ فيه، ولذلك قيل لزوايا الأوعية: خُصوم، واحِدُها: خُصْم (¬3). قال ابن عباس في قوله: {أَلَدُّ الْخِصَامِ} يريد: الذي يدع الحق ويِخاصم على الباطل (¬4). 205 - قوله تعالى: {وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ} قال ابن عباس: {وَإِذَا تَوَلَّى} يريد: راجعًا إلى مكة (¬5)، وذلك أنه لما انصرف من بدر ببني ¬

_ (¬1) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 277 بمعناه. (¬2) ينظر في مادة لدد: "تفسير الطبري" 2/ 315، "معاني القرآن" للفراء1/ 123، "تفسير الثعلبي" 2/ 643، "لسان العرب" 7/ 4020، "تهذيب اللغة" 4/ 3254، وضبطت فيه: لدِدْتُ، بكسر الدال، وقال شاكر في حاشية "تفسير الطبري" عن لدادة: مصدر لم أجده في كتب اللغة التي بين يدي. (¬3) ينظر في مادة (خصم) "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 1/ 71، "تهذيب اللغة" 1/ 1042، "تفسير الثعلبي" 2/ 644، "لسان العرب" 2/ 1177 - 1178، "المفردات" ص 155، وبين أن أصل المخاصمة أن يتعلق كل واحد بخصم الآخر أي جانبه، وأن يجذب كل واحد خُصْم الجوالق من جانب. ويرى الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 277: أن خصام: جمع خصم؛ لأن فَعلا يجمع إذا كان صفة على فعال، نحو صعب وصعاب، وكذلك إن جعلت خصما صفة، فهو يجمع على أقل العدد، وأكثره على فعول وفعال جميعا، يقال: خصم وخصام وخصوم، وإذا كان اسما ففعال فيه أكثر العدد، نحو: فرخ وأفراخ لأقل العدد، وفراخ وفروخ لما جاوز العشرة. (¬4) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 310 بلفظه، وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" 1/ 428 إلى الطستي من سؤالات نافع بن الأزرق. (¬5) رواه الطبري عنه في "تفسيره" 2/ 316، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 366،=

زُهْرَة (¬1)، كان بينه وبين ثقيف (¬2) خصومه، فبيتهم ليلًا، وأهلك مواشِيَهُم، وأَحْرَقَ زَرْعَهُم (¬3). وقال السُّدِّي. مرّ بزرع للمسلمين وحُمُر، فأَحْرَقَ الزَّرْعَ، وعَقَرَ الحُمُر (¬4). وقال الضحاك (¬5) ومجاهد (¬6): تولى بمعنى: ملك وَوَلي وصار واليًا، ومعناه: إذا ولي سلطانًا جار، وعلى تفسير ابن عباس معناه: أدبر وأعرض. وذكرنا معنى السَّعْيَ فيما تقدم. وقوله تعالى: {وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ} أكثرُ المُفَسِّرين على أن المراد بالحرث: الزرع والنبات، وبالنَّسْل: نسل الدواب، على ما روي أنه ¬

_ = وقد ذكر الواحدي قولين في معنى تولى، وفيها قولان آخران: أحدهما: تولى بمعنى غضب، روي عن ابن عباس وابن جريج. والثاني: أنه الانصراف عن القول الذي قاله. قاله الحسن. ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 316، "زاد المسير" 1/ 221. (¬1) هم: بنو زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر، كانوا بطنا من بني مرة بن كلاب من قريش من العدنانية، ينتهي نسبهم إلى معد بن عدنان. انظر. "معجم قبائل العرب" 2/ 482. (¬2) قبيلة منازلها في جبل الحجاز بين مكة والطائف، وتنقسم إلى عدة بطون منها: طويرق، وبطن النور، وثمالة، وبني سالم، وعوف، وسفيان، وقريش، وهذيل، وثقيف اليمن. انظر: "معجم قبائل العرب" 1/ 147 - 148. (¬3) ذكر القصة بمعناها مقاتل في "تفسيره" 1/ 178، وذكرها الواحدي في "الوسيط" 1/ 310، والرازي في "تفسيره" 5/ 216. (¬4) رواه عنه الطبري 2/ 312. (¬5) ذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" 2/ 646، وذكر أيضا في "تفسير البغوي" 1/ 236، "زاد المسير" 1/ 221. (¬6) رواه الطبري في "تفسيره" 2/ 317 بمعناه، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 366، والثعلبي في "تفسيره" 2/ 648، وذكره البغوي في "تفسيره" 1/ 236.

أهلكَ المَواشِيَ وأَحْرَقَ الزَّرْعَ (¬1). وقال مجاهد: إذا ولي فعمل بالعدوان والظلم أمسك الله المطر، فيهلك باحتباس المطر الحرث والنسل. وقيل: إن الحرث: النساء، والنسل: الأولاد، وهذا غير مدفوع عن الصحة؛ لقوله: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ} [البقرة: 223]، (¬2). والنسل: معناه في اللغة: الولد، يقال: نَسَلَ بولد كثير (¬3)، واشتقاقه يحتمل أن يكونَ من قولهم: نَسَلَ يَنْسِلُ، إذا سقط وخرج، ومنه نَسَل رِيْشُ الطائر، وَوَبَرُ البعير، وشَعْر الحمار، إذا خرج فسقط منه، والقطعة منها إذا سقطت نُسالة، ومنه قوله عز وجل: {إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ} [يس: 51]، أي: يسرعون؛ لأنه إسراع الخروج بحدة، والنسل: الولد؛ لخروجه من ظهر الأب وبطن الأم وسقوطه، والنسل (¬4): نسل آدم، وأصل الحرف من النُّسُول، وهو الخروج (¬5). وقوله: {وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ} قال ابن عباس في رواية الكلبي: أي: لا يَرْضَى بالفسادِ والعَمَلِ بالمعاصي (¬6). ¬

_ (¬1) ينظر: "تفسير مقاتل" 1/ 178، "تفسير الطبري" 2/ 317 - 318، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 366 - 367، ومرادهم بالنسل: نسل الدواب كلها، ومنها الإنسان؛ خلافا لما قد يوهمه لفظ الواحدي، كما بينه الثعلبي في "تفسيره" صراحة 2/ 647. (¬2) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 277 - 278 بمعناه. (¬3) ساقط من (ي). (¬4) في (ي) والنسل. (¬5) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 317، "تهذيب اللغة" 4/ 3563 "نسل"، "المفردات" ص493، "النهاية في غريب الحديث" ص 931 (ط. ابن الجوزي). (¬6) ذكره في "الوسيط" 1/ 311، "زاد المسير" 1/ 222، وعبارة الطبري في "تفسيره" 2/ 319 نحو هذا.

206

وذكر في تفسير الفساد هاهنا: الخراب، وقطع الدرهم، وشق الثياب، لا على وجه المصلحة (¬1). ويقال: فَسَدَ الشيءُ يَفْسد فسودًا وفسادًا، كما يقال: ذهب ذُهُوبًا وذَهابًا، وكسد كُسُودًا وكَسَادًا (¬2). 206 - قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ}، وذلك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دعاه إلى إجابةِ اللهِ في ظاهره وباطنه، فدعاه الأَنَفَةُ والكِبْر إلى الإثم والظلم، وهو قوله: {أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ} (¬3). ومعنى العزة هاهنا: المنعة والقوة (¬4). وذكرنا معاني العز والعزيز فيما تقدم. قال قتادة: إذا قيل له: مَهْلًا مَهْلَا ازداد إقدامًا على المعصية (¬5). قال أهل المعانى: معنى (أخذته العزة بالإثم) حملته عليه، وجَرّأته عليه، وزينت له ذلك، يقال: أخذت فلانًا بكذا وكذا، أي: أردته عليه، وحملته على ذلك، وكلفته. ¬

_ (¬1) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 319، "تفسير الثعلبي" 2/ 648 - 651، "الوسيط" 1/ 311، "البحر المحيط" 2/ 117. (¬2) ينظر: "معاني القرآن" للفراء 1124، "تفسير الطبري" 2/ 319، "تهذيب اللغة" 3/ 2787 "فسد" وقال: قال الليث: الفساد: نقيض الصلاح، والفعل فسد يفسد فسادا، قلت: ولغة أخرى: فسُد فسودًا، ويقال: أفسد فلان المال يُفسده إفسادًا وفسادا. (¬3) ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 652. (¬4) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 319، "تفسير الثعلبي" 2/ 652، "الوسيط" 1/ 311، "التفسير الكبير" 5/ 219، "البحر المحيط" 2/ 117. (¬5) ذكره الواحدي عن قتادة في "الوسيط" 1/ 311، والقرطبي 3/ 19.

وتأويل الآية: حَمَلَتْه العِزّةُ وحَمِيَّةُ الجاهلية على الفعل بالإثم (¬1). والجَارّ في قوله تعالى: {بِالْإِثْمِ} يجوزُ تَعَلُّقُه بالأخذ وبالعزة، فإن علقته بالأخذ، كان المعنى: أخذته بما يؤثمه، أي: أخذته بما كسبه ذلك، والمعنى: للعزة يرتكب ما لا ينبغي أن يرتكب، فكأن العزة حملته على ذلك وقلة الخشوع. وإن علقته بالعزة كان المعنى الاعتزاز بالإثم، أي: اعتز بما يؤثمه فيبعده مما يرضاه الله (¬2). وقوله تعالى: {فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ} قال المفسرون: كافيه الجحيمُ جزاءً له وعذابًا (¬3)، ويقال: حَسْبُكَ دِرْهَمٌ، أي: كفاك، وحَسْبُنا الله، أي: كافينا الله. قال امرؤ القيس: وحَسْبُكَ من غِنًى شِبَعٌ ورِيّ (¬4) ¬

_ (¬1) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 319، "تفسير الثعلبي" 2/ 652، "المحرر الوجيز" 2/ 192، "الوسيط" 1/ 311، "زاد المسير" 2/ 222، "التفسير الكبير" 5/ 220. (¬2) ينظر: "تفسير البغوي" 1/ 236، "البحر المحيط" 2/ 117، "الدر المصون" 2/ 354، وذكر أبو حيان أن الباء يحتمل أن تكون للتعدية، كأن المعنى: ألزمته العزة الإثم، ولحتمل أن تكون للمصاحبة، أي: أخذته مصحوبا بالإثم، أو مصحوبة بالإثم، فيكون للحال من المفعول، أي: أخذته متلبسا بالإثم أو من الفاعل أي: حال من العزة، أي متلبسة بالإثم. ويحتمل أن تكون سببية، والمعنى: أن إثمه السابق كان سببا لإخذ العزة له حتى لا يقبل ممن يأمره بتقوى الله. (¬3) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 319، "تفسير الثعلبي" 2/ 653، "التفسير الكبير" 5/ 220، "البحر المحيط" 2/ 117. (¬4) صدر البيت: فَتُوسِعَ أَهْلَها أَقِطًا وسَمْنًا والبيت في "ديوان امرئ القيس" ص 171، وينظر: "الزاهر" 1/ 96، "الوسيط" للواحدي 1/ 311.

أي: يكفيك الشِّبَعُ والرِّيُّ، تصريفه من الثلاثي ممات، ويقال منه في الرباعي: أحسبني الشيء، إذا كفاني (¬1). وأما جهنم، فقال يونس وأكثر النحويين: هي اسم للنار التي يعذب الله بها في الآخرة، وهي أعجمية لا تُجْرَى للتعريف والعجمة (¬2). وقال آخرون: جهنم اسم عربي، سميت نار الآخرة بها لبعد قعرها، ولم تُجْر (¬3) للتعريف والتأنيث. قال قطرب: حكي لنا عن رؤبة (¬4) أنه قال: رَكِيَّةٌ جَهَنَّام، يريد: بعيدةَ القَعْر (¬5). والمهاد: جمع المهد. والمهد: الموضعُ المُهَيَّأُ للنَّوم، ومنه: مَهْدُ الصبي. وأصله: من التوطية، يقال: مَهَدْتُ الشَّيءَ والأرض مهادًا؛ لأنه موطاة للعباد (¬6). وسَمَّى جهنمَ هاهنا مِهادًا على معنى أنها قرار، والقرار كالوطاء في ¬

_ (¬1) ينظر: "الكتاب" لسيبويه 4/ 231، "تهذيب اللغة" 1/ 810، "المفردات" ص 124، "تفسير الرازي" 5/ 220، "البحر المحيط" 2/ 109، "لسان العرب" 2/ 863 - 865 "حسب". (¬2) نقله عنه في "تهذيب اللغة" 1/ 681، وفي "لسان العرب" 2/ 715 "جهن"، وقوله: لا تجرى، أي: لا تصرف وتنون. (¬3) قوله: لم تجر، أي: لم تصرف وتنون. (¬4) هو: أبو الجحاف رؤبة بن العجاج بن عبد الله التميمي، تقدمت ترجمته [البقرة: 9]. (¬5) ينظر: "تهذيب اللغة" 1/ 681، "المفردات" 109، "التفسير الكبير" 5/ 220، "البحر المحيط" 2/ 108، "لسان العرب" 2/ 715 "جهن". (¬6) بنظر: "مجاز القرآن" 1/ 71، "تفسير الطبري" 2/ 320، "تهذيب اللغة" 4/ 3461، "المفردات" ص 479، "اللسان" 7/ 4286 "مهد".

207

الثبوت عليه، وقيل: لأنها بدل من المهاد لهم، فصار كقوله: {فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [الانشقاق: 24]، على جِهَةِ البَدَلْ (¬1). 207 - قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ} الآية، يشري من الأضداد، يقال: شَرَى إذا باع، وشرى إذا اشترى. وأصله: الاستبدال، قال الله تعالى: {وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ} [يوسف: 20]، أي: باعوه (¬2). ومعنى بيع النفس هاهنا: بذلها لأوامر الله وما يرضاه (¬3). ونصب {ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ} على معنى المفعول له، أي: لابتغاء مرضاة الله، ثم نزع اللام منه، فوصل الفعل فنصبه (¬4)، ولا يجوز على هذا: فعله زيدًا، أي: لزيد، ويجوز: فعله خوفًا، أي: للخوف، وذلك أن في ذكر المصدر دليلًا على الغَرَضِ الداعي إلى الفعل، وليس كذلك ذكر زيد، ¬

_ (¬1) ينظر: "التفسير الكبير" 5/ 220، "البحر المحيط" 2/ 118. (¬2) ينظر: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 16، "الأضداد" للأصمعي 18، 19، "أضداد ابن السكيت" 185، "تهذيب اللغة" 2/ 1869، ونقل عن الفراء قوله: وللعرب في شروا واشتروا مذهبان، فالأكثر منهما: أن شروا: باعوا، واشتروا: ابتاعوا، وربما جعلوهما بمعنى باعوا. وينظر: "اللسان" 4/ 2252 - 2253 "شرى"، "المفردات" ص 263، وقال: الراء والبيع يتلازمان، فالمشتري دافع الثمن وآخذ المثمن، والبائع دافع المثمن وآخذ الثمن، هذا إذا كانت المبايعة والمشاراة بناض وسلعة، فأما إذا كانت بيع سلعة بسلعة صح أن يتصور كل واحد منهما في موضع الآخر، وشريت بمعنى: بعت أكثر، وابتعت بمعنى: اشتريت أكثر، قال الله تعالى: {وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ}. (¬3) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 320، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 278، "تفسير الثعلبي" 2/ 654، "الوسيط" 1/ 312. (¬4) ينظر: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 166، "تفسير الطبري" 2/ 320، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 279، "المحرر الوجيز" 2/ 196، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 299.

ولأن في قوله: فعله لزيدٍ، تضمينًا، كأنه قال: فَعَلَه لإكرامِ ولسببِ زيدٍ، وما أشبه هذا مما يكون داعيًا إلى الفعل، فلم يحتمل الكلام حذفين كما احتمل حذفًا واحدًا (¬1). والمرضاة: الرِّضَى، يقال: رَضِيَ رِضًا ومَرْضَاة (¬2). وكان الكسائي يقرأها ممالة (¬3)، ليدل على أن الألف فيها منقلبة عن الباء، ولم يمنعها المستعلي وهو (الضاد) (¬4) من الإمالة، كما لم يمنع من إمالة نحو: صار وخاف وطاب (¬5). وكان حمزة يقف عليها بالتاء (¬6)، وحجته ما حكاه سيبويه عن أبي الخطاب (¬7)، أنه كان يقول: طَلْحَت (¬8). ¬

_ (¬1) ينظر: "الكتاب" لسيبويه 1/ 367 - 370، 3/ 126، 154. (¬2) ينظر: "اللسان" 3/ 1663 - 1664 "رضى". (¬3) قرأ الكسائي وحده: مرضاة الله، ممالة، وقرأ الباقون: مرضاة الله، بالفتح، أي بلا إمالة. ينظر: "السبعة" 180، "الحجة للقراء السبعة" 2/ 299. (¬4) في (ي) و (أ): الميم ثم ذكر في تصحيح نسخة [أ] أن ذكر الميم غلط لأنها ليست من حروف الاستعلاء. (¬5) "الحجة" 2/ 299 - 300 بمعناه، وحروف الاستعلاء هي حروف التفخيم، وهي سبعة مجموعة في قولك: خص ضغط قظ. (¬6) وقف حمزة على مرضات، بالتاء المفتوحة، والباقون يقفون عليها بالهاء. ينظر: "السبعة" ص 180، "الحجة" 2/ 299، وفي "التيسير" ص 60، أن الكسائي وأبا عمرو كانا يقفان على هاء تأنيث رسمت في المصاحف تاء بالهاء، وهو قياس مذهب ابن كثير. (¬7) أبو الخطاب، هو: عبد الحميد بن عبد المجيد الأخفش الأكبر، تقدمت ترجمته [البقرة: 32]. (¬8) "الكتاب" لسيبويه 4/ 167.

وأنشد الأخفش: ما بَالُ عَيْني عن كَرَاها قد جَفَتْ ... مُسْبِلَةً تَسْتَنّ لَمّا عَرَفَتْ دارًا لِسَلْمى بعد حَوْلٍ قَدْ عَفَتْ ... بل جَوْزِ تَيْهَاءَ كَظَهْر الْجَحَفَتْ (¬1) ويجوز أن يكون لما كان المضاف إليه في التقدير أثبت التاء، كما يثبته في الوصل، أن المضاف إليه مراد (¬2)، كما أشم (¬3) من أشمّ في الوقف الحرفَ المضمومَ، ليعلم أنه في الوصل مضمومٌ، وكما كَسَر من كَسَر قوله: ......................... واعتقالًا بالرِّجْلِ (¬4) ليعلم أنه في الوصل مجرور. ويدل على حُجةِ قراءة حمزة قول ¬

_ (¬1) الرجز لسؤر الذئب، في "شرح شواهد الشافية" 4/ 200 مع اختلاف في الرواية، وينظر: "الخصائص" 1/ 304 "المحتسب" 2/ 92. "لسان العرب" 2/ 787 "جحف". وقوله: تَسْتَنّ، أي: تجري بدمعها، من سننت الماء: إذا أرسلته بغير تفريق، وضعت موضع رب، وجوز وسط، والتيهاء: المفازة التي يتيه فيها سالكها، والجحفة: الترس، شبه التيهاء بظهر الترس في الملامسة. (¬2) في "الحجة": ليعلم أن المضاف إليه مراد. (¬3) الإشمام هو: ضم الشفتين من غير انطباق بعد إسكان الحرف، وهو يرى ولا يسمع. ينظر: "الكشف" لمكي 1/ 122. (¬4) هذا جزء من بيت في الرجز، وتمامه في "النوادر والخصائص" 2/ 335: علَّمَنا أصحابنا بنو عجِل ... الشغزَبِي واعتقالا بالرجِل وهو برواية: علمنا إخواننا بنو عجل ... شرب النبيذ واصطفافا بالرجل في "المخصص" 11/ 200، "الإنصاف" ص 734، والعيني 4/ 567، وقالا فيه: إن أبا عمرو سمع أبا مرار الغنوي ينشد هذا البيت، والشغزبي: ضرب من المصارعة، والاعقال: أن يدخل رجله بين رجلي صاحبه فيصرعه. ينظر تعليق المحققين على "الحجة" 2/ 301.

الراجز: إن عَدِيًا رَكِبَتْ إلى عَدِي ... وجَعَلَتْ (¬1) أمْوالَها في الحُطَمي ارْهَنْ بَنِيكَ عَنْهم ارْهَنْ بَنِي (¬2). أراد: بنيّ، فحذف ياء الإضافة للوقف، كما يخفف المثقل من نحو: سُرٍّ وضُرٍّ، فلولا أن المضاف إليه المحذوف في تقدير المثبت لرد النون في بنين، فكما لم يَرُدَّ النون في بنين فكذلك لم يقف بالهاء في (مَرْضَاةِ)، لأن المضاف إليه في تقدير الثبات في اللفظ (¬3). فأما التفسير، فقال أكثر المفسرين: نزلت في صهيب بن سنان الرومي (¬4)، كان رجلًا من ولد النِّمر بن قاسط (¬5)، فَسُبِيَ صغيرًا (¬6) إلى ¬

_ (¬1) في (م) لعلها: حملت. (¬2) ورد هكذا: إنَ عديا ركبت لي عديْ ... وجعلت أموالها في الحطَميْ ارهن بنيك عنهمْ ارهن بَنِيْ وزعم ابن جني أن هذا الشعر جاهلي، ينظر: "المحتسب" 1/ 108، " الخصائص" 3/ 327، "الحجة للقراء السبعة" 2/ 301، ورهنه عنه: جعله رهنًا بدلًا منه. (¬3) من كلام أبي علي في "الحجة" 2/ 300 - 302 بتصرف، وذكر الوجهين السمين في "الدر المصون" 2/ 357 - 358. (¬4) هو: أبو يحيى صهيب بن سنان الرومي، أصله من النمر، يقال: اسمه عبد الملك، ولقبه صهيب، صحابي شهير شهد المشاهد كلها توفي بالمدينة في خلافة علي - رضي الله عنه - سنة 38 هـ. انظر: "فضائل الصحابة" 2/ 828، "أسد الغابة" 3/ 36، "تقريب التهذيب" ص 278 (2954). (¬5) هو النمر بن قاسط بن هِنْب بن أفصى بن دعمى من أسد بن ربيعة جد جاهلي، كان له بالمدينة عقب كثير. انظر: "قبائل العرب" 1192، "الأعلام" 8/ 48. (¬6) في (أ) و (م:) (صغير).

الروم، فتغير لسانه، ثم كان مملوكًا لابن جُدْعان (¬1)، فآمن بالله وصدق النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأقبل مهاجرًا إليه، فأخذه المشركون، فقال لهم صهيب: إني شيخ كبير لا يضركم أَمِنْكُم كنت أم من غيركم، فهل لكم أن تأخذوا مالي وتذروني وديني؟ ففعلوا ذلك، وكان قد شرط عليهم راحلة ونفقة، فلما بلغ المدينة تلقاه أبو بكر وعمر رضي الله عنهما في رجال، فقال له أبوبكر: ربحَ بيعُك أبا يحيى، فقال له (¬2) صهيب: وبيعك فلا يخسر، ما ذاك؟ فقال أنزل الله (¬3) فيك، وقرأ عليه هذه الآية (¬4). وقال ابن عباس في رواية عطاء: إنه بذل ماله لمولاه، وقال له: خذ ¬

_ (¬1) هو: عبد الله بن جدعان بن عمرو بن كعب، أحد كفار قريش، كان يقري الضيف ويطعم الجائع، ويصل الرحم ويعتق، سئل عنه الرسول - صلى الله عليه وسلم - هل ينفعه ذلك؟ فقال: "لا" لأنه لم يقل يوما من الدهر: لا إله إلا الله". انظر "البداية والنهاية" 3/ 253، و19/ 516. (¬2) زيادة من (م). (¬3) ساقطة من (م). (¬4) هذا السياق بمعناه ذكره مقاتل 1/ 178 - 179، ورواه ابن أبي حاتم بنحوه 2/ 368 عن سعيد بن المسيب، وعزاه في "الدر المنثور" 1/ 430 إلى ابن مردويه وابن سعد والحارث ابن أبي أسامة في "مسنده"، وابن المنذر وأبي نعيم في "الحلية"، وابن عساكر، كلهم عن سعيد بن المسيب، وأخرجه الحاكم في "المستدرك" 3/ 400، والطبراني في "المعجم الكبير" 8/ 37حديث رقم (7296)، والبيهقي في "الدلائل" 2/ 522، ويشهد له ما أخرجه الحاكم في "المستدرك" 3/ 398، وابن المنذر "فتح القدير" 1/ 210 عن أنس، وأخرج الطبري 2/ 321 عن عكرمة: أنها نزلت في صهيب بن سنان وأبي ذر الغفاري، كما أخرج الطبري 2/ 321، عن الربيع هذه القصة إلا أنه لم يسم صهيبا، وينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 654، "أسباب النزول" للواحدي ص 68، "تفسر البغوي" 1/ 238، وقد نسبوه لأكثر المفسرين، وكذا ذكر الحافظ ابن حجر في "العجاب" 1/ 527.

مالي وسَيِّبْني، فقد آمنت بالله وحده لا شريك له، فأعطى ماله وخرج مهاجرًا (¬1). وعلى هذا يشري بمعنى: يشتري، كأنه يشتري نفسه من مولاه بماله، أو من المشركين بماله (¬2). وروى عن ابن عباس أيضًا في هذه الآية، أنه قال: أرى هاهنا من إذا أُمِر بتقوى الله أخذته العزة بالإثم، قال هذا: وأنا أشري نفسي فقاتله فاقتتل الرجلان (¬3)، لذلك كان علي رضي الله عنه إذا قرأ هذه الآية يقول: اقتتلا ورب الكعبة (¬4)، وهذا كالمستنبط من الآية، وذلك أن هاتين الآيتين تتضمنان (¬5) المعنى الذي أشار إليه ابن عباس (¬6). ¬

_ (¬1) تقدم الحديث عن هذه الرواية في المقدمة ونقل الرازي في "تفسيره" 5/ 221 عن ابن عباس أنها نزلت في صهيب وعمار وسمية أمه وياسر أبيه، وفي بلال وآخرين ذكرهم. (¬2) ينظر: "التفسير الكبير" 5/ 223. (¬3) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 320، ومراد ابن عباس: أن قوله: وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم، هي في الكافر يأمره المؤمن بتقوى الله، فيرد ذلك الكافر فيقول المؤمن: وأنا أشري نفسي ابتغاء مرضاة الله، فيقتتل الرجلان، وبمعنى هذا: ما روي عن عمر أنها نزلت في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما ذكره الواحدي في "أسباب النزول" ص 68، ونقله ابن حجر في "العجاب" 1/ 528، وقال: أسنده عبد بن حميد، وبمعناه أيضا ما روي عن الحسن، وذكره الواحدي في "أسباب النزول" ص 68، والثعلبي في "تفسيره" 2/ 658. (¬4) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 319، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 368، والخطيب في "تاريخ بغداد" 11/ 135، وعزاه في "الدر" 1/ 432 إلى وكيع وعبد ابن حميد والبخاري في "تاريخه" تاريخه 6/ 47. (¬5) في (أ) و (م): يتضمنان. (¬6) ذكر المفسرون أقوالا أخرى في سبب النزول، فقيل: إنها نزلت في المهاجرين والأنصار، وقيل: إنها نزلت في كل شارٍ نفسه في طاعة الله وجهاد في سيله، وقيل: نزلت في أناس بأعيانهم، وقيل: نزلت في أصحاب الرجيع، وتقدمت =

208

208 - قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً} اختلف القُرّاء في {السِّلْمِ}، فقرأ بعضهم بفتح السين، وبعضهم بكسرها (¬1). أما (¬2) الكسر: فقال أبو عبيدة (¬3) والأخفش (¬4): السِّلم: الإسلام، وهو اسم جعل بمنزلة المصدر، كالعطاء من أَعْطيْتُ، والنبات من أَنْبَتَ. وأما الفتح: فيجوز أن يكون لغة في السِّلْم الذي يراد به الإسلام، ويجوز أن يكون المراد به الصُّلْح، والمعني بالصلح: الإسلام؛ لأن الإسلام صلح، ألا ترى أن القتال والحرب بين أهله موضوع، وأنهم أهل اعتقاد واحد، ويد واحدة في نصرة بعضهم لبعض، فإذا كان ذلك موضوعًا بينهم وفي دينهم (¬5) كان صُلْحًا في المعنى، فكأنه قيل: ادخلوا في الصُّلْح، والمراد به: الإسلام، فسماه صُلْحًا لما ذكرنا، وهذا الوجه (¬6) أوجه من أن يكون ¬

_ = قصتهم. ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 320 - 322، "تفسير البغوي" 1/ 236، "العجاب" 1/ 524 - 529، والذي رجحه الطبري أن يكون معنيًا بها كل من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، كما روي عن عمر وعلي وابن عباس، وهذا لا يدفع أن تكون أنزلت في شخص بعينه كصهيب، ومعناها شامل له ولغيره. (¬1) قرأ ابن كثير ونافع والكسائي بفتح السين هنا، وفي قوله: {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ} [الأنفال: 61] وقوله: {وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ} [محمد: 35]، وقرأ عاصم في رواية شعبة بكسر السين في الثلاثة، وقرأ حمزة بكسر السين هنا وفي سورة محمد، وفتح التي في الأنفال، وقرأ أبو عمرو وابن عامر وحفص، عن عاصم بكسر السين هنا، وفتحوا الأخريين. ينظر: "السبعة" ص 180 - 181، "الحجة" 2/ 292. (¬2) في (م) فأما. (¬3) "مجاز القرآن" 1/ 71. (¬4) "معاني القرآن" للأخفش 1/ 167. (¬5) في "الحجة": زيادة: وغلِّظ على المسلمين في المسايفة بينهم. (¬6) زيادة من (م).

السِّلْم لغة في السِّلم الذي يراد به (الإسلام، إلا أن يقال: إن الفتح لغة في الكسر الذي يراد به) (¬1) الصلح، ويتأول أن الإسلام صلحٌ على نحو ما بينا (¬2). والذي يراد به الصلح فيه ثلاث لغات: السِّلْم والسَّلْم والسَّلَم. وأنشد أبو عبيدة: أنائلَ إنَّنِي سَلَمٌ ... لأهلِكِ فاقْبَلي سَلَمِي (¬3) وقرئ {وَلَا تَقُولُوا لِمَن أَلقَىَ إِليَكُمُ السَّلَامَ} [النساء: 94] (¬4). والمراد بالسِّلم في هذه الآية: الإسلام (¬5)؛ لأن المراد إنما هو ¬

_ (¬1) ساقطة من (ي). (¬2) من "الحجة" 1/ 293، وقد اختصر الواحدي كلامه كثيرًا، وينظر: "تفسير الطبري" 2/ 323. (¬3) البيت لمسعدة بن البختري يقوله في نائلة بنت عمر بن زيد الأسيدي، وكان يهواها، انظر: "الأغاني" 13/ 271، "تفسير أسماء الله الحسنى" للزجاج ص 43، "الحجة للقراء السبعة" 2/ 294. وفي "اللسان" (مادة: سلم) ضبطت بكسر السين وتسكين اللام. (¬4) من "الحجة" 1/ 293 - 294 بتصرف واختصار، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 279، وآية النساء في المخطوطة كتبت: السلم، وهي كذلك في "الحجة" 2/ 296، وأما في "معاني القرآن" للزجاج فكتبت: السلام، بألف، والظاهر أن المؤلف ساقها شاهدا على السلم، وقد اختلف فيها القراء، فقرأها بالألف: ابن كثير وأبو عمرو والكسائي وعاصم، وقرأها بغير ألف: نافع وابن عامر وحمزة. ينظر في تفصيل ذلك: "السبعة" لابن مجاهد ص 236. (¬5) ذكر الطبري في "تفسيره" 2/ 322 - 323، وكذا ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 370 الرواية بذلك عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وطاوس وقتادة والسدي وابن زيد والضحاك. وقيل: بل المراد: الطاعة، وهو مروي عن ابن عباس وأبي العالية والربيع. وقيل: في أنواع البر كلها، وهو مروي عن مجاهد وسفيان الثوري، وهذه الثلاثة متقاربة، وقيل: الموادعة، وهو مروي عن قتادة، وينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 672.

تحضيضهم على الإسلام والدعاء إليه، والدخول فيه، وليس المراد: أدخلوا في الصلح، وليس ثَمّ صُلْحٌ يدعون إلى الدخول فيه (¬1)، إلا على التأويل الذي ذكرنا أن الإسلام صلح (¬2). قال ابن عباس في رواية عطاء (¬3) وقتادة (¬4) وابن زيد (¬5) والضحاك والسُّدِّي (¬6): نزلت هذه الآية في عبد الله بن سلام وأصحابه، وذلك أنهم حين آمنوا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - قاموا بشرائعه وشرائع موسى، فعظموا السبت، وكرهوا لُحْمَانَ الإِبِلِ وألبَانَها بعد ما ¬

_ (¬1) من قوله: وليس المراد ساقطة من (ي). (¬2) من "الحجة" 1/ 293 بتصرف، وينظر: "تفسير الطبري" 2/ 323. (¬3) رواه الواحدي بسنده في "أسباب النزول" ص 68، وفي إسناده عبد الغني بن سعيد الثقفي، وهو واه كما قال ابن حجر في "العجاب" 1/ 530، وذكره مقاتل في "تفسيره" 1/ 179 - 180 بمعناه، ورواه الطبري 2/ 325، عن ابن جريج عنه بلفظ: يعني أهل الكتاب، ورواه ابن أبي حاتم 2/ 369 - 370 عن عكرمة عن ابن عباس قال: يعني مؤمني أهل الكتاب، ثم ذكره عن مقاتل بن حيان، أنه قال: عبد الله بن سلام، ومؤمنوا أهل "الكتاب"، ورواه الطبري عن عكرمة قال: نزلت في ثعلبة وعبد الله بن سلام وابن يامين وأسد وأسيد بن كعب وسعية بن عمرو وقيس بن زيد -كلهم من يهود- قالوا: يا رسول الله، يوم السبت يوم كنا نعظمه فدعنا فلنسبت فيه، إلخ. بمعناه. وقد اعترض ابن كثير في "تفسيره" ص 266 على رواية عكرمة فقال: وفي ذكر عبد الله بن سلام مع هؤلاء نظر؛ إذ يبعد أن يستأذن في إقامة السبت، وهو مع تمام إيمانه يتحقق نسخه ورفعه وبطلانه، والتعويض عنه بأعياد الإسلام. (¬4) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 15/ 82، والطبري 2/ 323، وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 370، والثعلبي 2/ 671. (¬5) رواه الطبري 2/ 323، وذكره الثعلبي 2/ 671. (¬6) انظر المصدر السابق.

أسلموا، فأنكر ذلك عليهم المسلمون، فقالوا: نقوى على هذا وهذا، وقالوا للنبي - صلى الله عليه وسلم -: إن التوراة كتاب الله، فدعنا فلنقم بها في صلاتنا، فأنزل الله هذه الآية. وقوله تعالى: {كَافَّةً} يجوز أن يكون معناه: ادخلوا جميعًا. ويجوز أن يكون معناه: في السلم (¬1)، أي: في جميع شرائعه، وهذا أليق بظاهر التفسير، لأنهم أُمِروا بترك تعظيم السبت، واستحلاله لُحْمان الإبل، وهذا من شرائع الإسلام التي أمروا بالقيام بها كلها (¬2). ومعنى الكافة في اللغة: الحاجزة المانعة، يقال: كففت فلانًا عن السوء فكَفّ يَكُفُّ كَفًّا، سواء لفظ اللازم والمجاوِز، ومن هذا يقال: كُفَّةُ القميص، لأنها تمنع الثوب من الانتشار، وقيل لطرف اليد: كَفُّ؛ لأنه يُكَفُّ بها عن سائر البدن، ورجل مكفوف: كُفَّ بَصَرُه من أن ينظر. فالكافة معناها: المانعة، ثم صارت اسمًا للجملة الجامعة؛ لأنها تمنع من الشذوذ ¬

_ (¬1) في (ي): كافة. (¬2) ينظر في ذكر القولين: "تفسير الطبري" 2/ 324 - 325، "النكت والعيون" 1/ 267، "المحرر الوجيز" 2/ 197 - 198، "زاد المسير" 1/ 225، قال ابن عطية: واختلف بعد حمل اللفظ على الإسلام من المخاطب؟ فقالت فرقة: جميع المؤمنين بمحمد - صلى الله عليه وسلم -. والمعنى أمرهم بالثبوت فيه والزيادة من التزام حدوده، ويستغرق كافة حينئذ المؤمنين، وجميع أجزاء الشرع، فتكون الحال من شيئين، وذلك جائز نحو قوله تعالى: {فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ} [مريم: 27]، إلى غير ذلك من الأمثلة. وقال عكرمة: بل المخاطب من آمن بالنبي - صلى الله عليه وسلم - من بني إسرائيل كعبد الله بن سلام وغيره. الحديث، فكافة على هذا لأجزاء الشرع فقط، وقال ابن عباس: نزلت في أهل الكتاب، والمعنى: يا أيها الذين آمنوا بموسى وعيسى ادخلوا في الإسلام بمحمد كافة، فكافة على هذا لأجزاء الشرع وللمخاطبين على من يرى السلم الإسلام، ومن يراها المسالمة يقول: أمرهم بالدخول في أن يعطوا الجزية. ا. هـ- بتصرف.

209

والتفرق (¬1) (¬2). والمعنى: ادخلوا في شرائع الإسلام جملة مانعة من شريعة لم تدخلوا فيها (¬3). وقال أبو إسحاق: معنى الآية: ابلغوا في الإسلام إلى حيث تنتهي شرائعه، فتكفوا (¬4) من أن تعدوا شرائعه، وادخلوا كلكم حتى يكف عن عددٍ واحدٍ لم يدخل فيه (¬5). قوله تعالى {وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ} أي (¬6): آثاره ونزغاته، فيما زين لكم من تحريم السبت ولحم الجمل (¬7). وذكرنا هذا فيما تقدم. 209 - قوله تعالى: {فَإِنْ زَلَلْتُمْ} يقال: زَلّ يَزِلّ زَلًّا وزالًا ومزلًا وزلولًا: إذا دحضت قدمه، وزَلَّ في الطين زليلًا. ومعنى زَلَلْتُم: تنحيتم عن القصد والشرائع في تحريم السبت ولحوم الإبل (¬8) {مِنْ بَعْدِ مَا ¬

_ (¬1) في (ي): فالفرق. (¬2) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 279، وهذا لفظه بتصرف، "تهذيب اللغة" 4/ 3165 "كف"، "تفسير الثعلبي" 2/ 678، "المفردات" ص 435، وقوله: سواء لفظ اللازم والمجاوز: أي المتعدي. (¬3) ينظر: "الوسيط" 1/ 313، "التفسير الكبير" 5/ 226. (¬4) في (ي) فيكفوا. وفي "معاني القرآن" للزجاج: فَكُفُّوا، وفي "تهذيب اللغة" موافق لما أثبت. (¬5) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 279، وقوله: وادخلوا، في "معاني القرآن": أو ادخلوا، وفي "تهذيب اللغة" موافق لما أثبت، وكذا قوله واحد، في "معاني القرآن" وأحد، وفي "تهذيب اللغة" موافق لما أثبت. (¬6) زيادة من (ي). (¬7) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 280، "تفسير الطبري" 2/ 326، "تفسير الثعلبي" 2/ 678، "الوسيط" 1/ 313، "التفسير الكبير" 5/ 227. (¬8) من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 280 بتصرف، وينظر في معاني زل "تهذيب اللغة" 2/ 1550 - 1551، "المفردات" ص 219.

210

جَاءَتْكُمُ} يعنى: القرآن ومواعظه (¬1). {فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} في نقمته لا تعجزونه، ولا يعجزه شيء، {حَكِيمٌ} فيما شرع لكم من دينه (¬2). 210 - قوله تعالى: {هَلْ يَنْظُرُونَ} الآية، {هَلْ} هاهنا استفهام يراد به النفيُ والإنكار (¬3)، كما يقال: هل يفعل هذا إلا مايق (¬4)، أي: لم يفعل. {يَنْظُرُونَ} بمعنى: ينتظرون، والنظر عند أهل اللغة: الطلب لإدراك الشيء، وتقليب العين نحو الجهة التي فيها المرئي المراد رؤيته، مما يدل على ذلك قولُ ذي الرُّمَّةِ: فيامَيّ هل يُجْزَى بُكائِي بمِثْلِه ... مرارًا وأنْفاسِي إليك الزَّوافِرُ وإني متى أشْرِف على الجَانِبِ الذي ... به أنتِ من بَينِ الجَوانِبِ ناظِرُ (¬5) ¬

_ (¬1) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 280، وينظر: "تفسير الطبري" 2/ 327، "المحرر الوجيز" 2/ 199. (¬2) "تفسير الثعلبي" 2/ 682، وقال ابن عطية 2/ 199: والبينات: محمد وآياته ومعجزاته، إذا كان الخطاب أولا لجماعة المؤمنين، وإذا كان الخطاب لأهل الكتابين، فالبينات ما ورد في شرائعهم من الإعلام بمحمد - صلى الله عليه وسلم - والتعريف به. اهـ-. وهذا الذي مال إليه الطبري 2/ 326، وبين أن الأول قريب منه في المعنى. (¬3) ينظر: "تفسير الطبري" 1/ 481، 2/ 329، "التبيان" ص 129، "البحر المحيط" 2/ 124، وقال: وكونها بمعنى النفي إذا جاء بعدها إلا، كثير الاستعمال في القرآن وفي كلام العرب. (¬4) المائق: الأحمق. ينظر: "اللسان" 7/ 4300. (¬5) البيت لذي الرمة من قصيدة يمدح فيها بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري، في "ديوانه" ص 233.

فلو كان النظرُ الرؤيةَ لم يطلب عليه الجزاء، أي: المحب لا يستثيب من النظر إلى محبوبه شيئًا، بل يريد ذلك ويتمناه، ويدل على ذلك قول الآخر: ونظْرَة ذي شِجَنٍ وأَمْنٍ ... إذا ما الرَّكَائِبُ جاوَزْنَ مِيلًا (¬1). فهذا على التوجه إلى الناحية التي المحبوبُ فيها، وتقليب البصر نحوها، وما يعالج من التلفت والتقلب، كقول الآخر: ما سِرتُ مِيلًا ولا جَاوَزْتُ مَرْحَلةً ... إلا وذكركِ يَلْوِيْ دايبًا عُنُقِيْ (¬2) هذا الذي ذكرنا هو الأصل في اللغة (¬3)، ثم يجوز أن يعني بالنظر: الرؤية؛ لأن تقليب البصر نحو المُبْصَر تتبعه (¬4) الرؤية، وقد يجري على الشيء لفظ ما يتبعه ويقترن به، كقولهم للفِنَاء: عَذِرَة، ولذي بطن الإنسان: غائط. والنَّظَر يُعَدَّى بإلى، ثم يجوز أن يُحْذَفَ الجار وُيوصَل الفعل كما أنشده (¬5) الأخفش: ظاهرات الجَمَالِ وَالحُسْنِ يَنْظُرْ ... نَ كما تَنْظرُ الأرَاكَ الظِّبَاءُ (¬6) ¬

_ (¬1) البيت في "المفضليات" 1/ 56 ولم ينسبه. وقوله وأمن كذا في المخطوطة وفي "المفضليات": (وامق) ولعلها أصوب. (¬2) البيت في "الحلة السيراء" 1/ 94، وفي "محاضرات الأدباء" 2/ 73. ولم أهتد لقائله. (¬3) ينظر في (نظر) "تهذيب اللغة" 4/ 3603 - 3606، "المفردات" ص 499 - 500، "اللسان" 7/ 4465 - 4468 (نظر)، "البحر المحيط" 2/ 124. (¬4) في (م): (يتبعه). (¬5) في (أ): (م) (أنشد). (¬6) البيت لعبد الله بن قيس الرقيات في "ديوانه" ص 88 وذكره في "البحر المحيط".

المعنى: ينظرن إلى الأراك، فحذف الجار (¬1). والنظر فعل يستعمل على ضروب من المعاني، كلها يرجع إلى أصل (¬2) واحد، وهي طلب الإدراك. منها: النظر، بمعنى: الانتظار (¬3)، كقوله تعالى: {غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ} [الأحزاب: 53] أي: غير منتظرين إدراكه وبلوغه، والمنتظر يطلب إدراك ما يتوقع، يقال: نظرته وانتظرته، ومنه قوله: {فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ} [النمل: 35]. وقال الحطيئة (¬4): وقد نَظَرْتُكُم إينَاءَ صادرة .... (¬5) والناظرُ إلى الشيء يطلبُ إدراك ما يلتمس ببصره، والنظر بالفكر إدراك المعاني. ويكون النظر بمعنى: التَّعَطُّفِ والرَّحْمَة، كقوله: {وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ ¬

_ = 1/ 399، وهو بلا نسبة في "معاني القرآن" للأخفش 1/ 240، "أساس البلاغة" 2/ 454 (نظر) يشبه الشاعر الحسان العبشميات بالظباء المنتصبات، وهو أحسن ما تكون الظباء. والأراك شجر معروف يستاك بعيدانه. (¬1) ينظر: "البحر المحيط" 2/ 124. (¬2) في (أ): الأصل. (¬3) قال الرازي في "تفسيره" 5/ 229: وأجمعوا على أنه يجيء بمعنى الانتظار. (¬4) هو جرول بن أوس من بني قطيعة بن عبس، الشاعر الهجاء الشهير، لقب بالحطيئة لقصره، وهو جاهلي إسلامي أسلم بعد وفاة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وتوفي سنة 45 هـ. ينظر: "الشعر والشعراء" ص 199، "الأعلام" 2/ 118 (¬5) وتمامه: للوِردِ طال بها حَوزي وتَنْساسي .. البيت للحطيئة كما في "اللسان" 7/ 4466 (نظر).

الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ} [آل عمران: 77]. ذلك أن الرحمةَ تتبع النظر، فإن الواحدَ منا إذا نظر إلى حال إنسان فرآه في بليةٍ أو شدةٍ رَحِمَهُ، ولو لم ينظر إليه لم تداخله الرحمة، هذا هو الأصل، ثم جعل الرحمة نظرًا. ويكون النظر بمعنى الاعتبار والتأمل والتدبر، وهو فعل غير متعد، فمن ذلك قوله: {انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ} [الفرقان: 9] {انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ} [النساء: 50] {انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ} [الإسراء: 21] وقد يتعدى هذا بالجار، كقوله: {أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [الأعراف: 185]. وقوله: {أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ} [الغاشية: 17]. وقوله: {أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ} [ق: 6]، والمراد بالنظر في هذه الآية: نظر الاعتبار، وذلك أن الاعتبار ثاني النظر، كما ذكرنا في الرحمة. والنظر يكون بمعنى المقابلة، تقول العرب: الجبل ينظر إليك أي: يقابلك، وذلك أن الأكثر في باب النظر أن الناظر ينظر فيما يقابله، فلما كان الأكثر في هذا الباب المقابلة سميت المقابلة نظرًا (¬1). والظُّلَل جمع ظُلَّة: مثل حُلَّة وحُلَلٌ، والظُّلَّة: ما يُسْتَظَلُّ به من الشمس، ويسمى السحابُ ظَلَّةً لأنه يُسْتَظَل بها، ومنه قوله: {عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ} [الشعراء: 189]، أراد: غيمًا تحته سموم (¬2). ومعنى الآية: هل ينتظر التَاركونَ الدخولَ في السَّلْم والمتبعون ¬

_ (¬1) ينظر في معاني النظر "تهذيب اللغة" 4/ 3603 - 3606، "المفردات" ص499 - 500، "اللسان" 7/ 4465 - 4468 (نظر). (¬2) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 327 - 328، "تهذيب اللغة" 3/ 2245 - 2248 (ظل)، "تفسير الثعلبي" 2/ 683، "المفردات" 317، "المحرر الوجيز" 2/ 200، "اللسان" 5/ 2753 - 2756 (ظلل).

خطوات الشيطان إلا العذاب يوم القيامة، يريد: أنه لا ثواب لهم، فلا ينتظرون إلا العذاب (¬1). فإن قيل: إنهم لا ينتظرون العذاب، ولو انتظروا العذاب لدخلوا في السلم كافة؟ قيل: انتظارهم العذاب يكون في الآخرة، يوم القيامة يعلمون أنهم لا ثواب لهم فلا ينتظرون إلا العذاب، أو نقول: قد ذكرنا أن هذا استفهام معناه النفي، بمعنى: ما ينتظرون، ويكون هذا خبرًا بمعنى النهي، أي: لا تنتظروا بعد تكذيب محمد - صلى الله عليه وسلم - إلا العذاب، وذكرنا عن صاحب النظم وجهًا آخر في نظير هذه الآية في سورة النحل. وفي قوله تعالى {إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ} وجهان: أحدهما: أن هذا من بابِ المضاف، أذ يأتيهم عذابُ الله، أو أمرُ الله، أو آياتُ الله، فجعل مجيء الآيات والعذاب مجيئًا له، تفخيمًا لأن العذاب وتعظيمًا له. والثاني: أن المعنى: هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله بما وعدهم من العذاب والحساب، فحذف ما يأتي به تهويلًا عليهم، إذ لو ذكر ما يأتي به كان أسهل عليهم في باب الوعيد، وإذا لم يذكرْ كان أبلغ لانقسام ¬

_ (¬1) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 329 - 330، "تفسير البغوي" 1/ 241، "تفسير ابن كثير" 1/ 266، وقد رد الطبري رحمه الله 2/ 331 قول قتادة في تأويله: والملائكة، أنه يعني به الملائكة تأتيهم عند الموت، بدلالة بعض الأحاديث الواردة التي تدل على أن إتيانهم إنما يكون بعد قيام الساعة في موقف الحساب حين تشقق، وبمثل ذلك روي الخبر عن جماعة من الصحابة والتابعين. اهـ-. وإذا كان قول قتادة مردودا بذلك فمن باب أولى ما روي عن بعضهم: أن هذا الوعيد إنما هو في الدنيا. ينظر: "المحرر الوجيز" 2/ 200.

وخواطرهم وذهاب فكرتهم في كل وجه، ومثله قوله: {فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا} [الحشر: 2]، أي: أتاهم بخذلانه إياهم (¬1). ¬

_ (¬1) ينظر في ذكر هذه الأقوال: "تفسير الطبري" 2/ 329، "المحرر الوجيز" 2/ 200، والقول الصحيح مذهب السلف الصالح من إثبات الصفات لله تعالى على الوجه اللائق به، من غير تحريف ولا تكييف، ولا تمثيل ولا تعطيل، مع الإقرار بمعناها، وهذه الآية كقوله تعالى: {كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (21) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} [الفجر:21 - 22]، وكقوله: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ} [الأنعام: 158]، وقد ساق الطبري في 2/ 327 - 331، وابن أبي حاتم 2/ 372 - 373، والثعلبي 2/ 683 - 687، أخبارا وآثارا كثيرة تدل على مجيء الله تعالى يوم القيامة لفصل القضاء مجيئا حقيقيا، قال ابن سريج كما نقل الذهبي في "الأربعين في صفات رب العالمين" ص 95: وقد صح عند جميع أهل السنة إلى زماننا أن جميع الأخبار الصادقة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يجب على المسلم الإيمان بكل واحد منها، كما ورد مثل قوله تعالى: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ}، اعتقادنا فيه وفي الآي المتشابهة أن نقبلها، فلا نتأولها بتأويل المخالفين، ولا نحملها على تشبيه المشبهين، ونسلم الخبر لظاهره، والآية لظاهر تنزيلها. وينظر: "مختصر العلو" للذهبي 226 ص، وقال الصابوني في "عقيدة السلف أصحاب الحديث" ص 191: ويثبت أصحاب الحديث نزول الرب سبحانه كل ليلة إلى السماء الدنيا، من غير تشبيه له بنزول المخلوقين ولا تمثيل ولا تكييف، بل يثبتون له ما أثبته رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وينتهون فيه إليه، ويمرون الخبر الصحيح الوارد بذكره على ظاهره، ويكلون علمه إلى الله عز وجل، وكذلك يثبتون ما أنزله -عز اسمه- في كتابه من ذكر المجيء والإتيان المذكورين في قوله عز وجل: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ}، وقوله عز اسمه: {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا}. وينظر: "الحجة في بيان المحجة" 2/ 123، و"تفسير أبي المظفر السمعاني" 2/ 60، و"تفسير البغوي" 1/ 241، و"الفتاوى" لابن تيمية 16/ 409، و"اجتماع الجيوش الإسلامية" ص 199، و"تفسير ابن كثير" 1/ 266.

وفي قوله: {ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ} وجهان أيضًا: أحدهما: أن العذاب يأتي فيها ويكون أهول، كقوله: {عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ} [الشعراء: 189]. والثاني: أن ما يأتيهم من العذاب يأتي في أهوال مفظعة، فشبه الأهوال بالظلل من الغمام، كقوله: {وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ} [لقمان: 32] (¬1). وقوله تعالى: {وَقُضِيَ الْأَمْرُ} أي: فُرغَ لهم مما كانوا يوعدون، بأن قدر عليهم ذلك وأعد لهم (¬2). وذكرنا معنى القضاء فيما تقدم (¬3). وقوله تعالى: {وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ} اختلف القراء في (ترجع) (¬4)، فقرأ بعضهم: بفتح التاء وكسر الجيم، بنى الفعل للفاعل، كقوله {أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ} [الشورى: 53]. وقوله: {إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ} [الغاشية: 25]، و {إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ} [المائدة: ¬

_ (¬1) ينظر: "التفسير الكبير" 5/ 234، "البحر المحيط" 2/ 124. والغمام: السحاب الأبيض الرقيق، سمي غماما، لأنه يغم، أي: يستر، قال ابن عباس: يأتي الله عز وجل يوم القيامة في ظلل من السحاب وقد قطعت طاقات، وقال مجاهد: هو غير السحاب، ولم يكن إلا لبني إسرائيل في تيههم، وهو الذي يأتي الله فيه يوم القيامة، وقد ذكر المؤلف هذين الوجهين بناء على ما قرره من تأويل صفة الإتيان لله تعالى. تنظر: المراجع السابقة. (¬2) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 331، "تفسير الثعلبي" 2/ 692، "تفسير البغوي" 1/ 241، "المحرر الوجيز" 2/ 201، "البحر المحيط" 2/ 125. (¬3) ينظر تفسير [البقرة: 200]. (¬4) قرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع وعاصم بضم التاء، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي بفتح التاء، وروى خارجة عن نافع أنه قرأ: وإلى الله يُرجع الأمور، بالياء مضمومة في سورة البقرة ولم يروه غيره ينظر السبعة ص 181، "الحجة" 2/ 304.

211

48] أضاف المصدر إلى الفاعل (¬1). وقرأ بعضهم: بضم التاء وفتح الجيم، بنى الفعل للمفعول به، كقوله: {ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ} [الأنعام: 62]، وقوله: {وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي} [الكهف: 36] (¬2). ومعنى قوله: {وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ} أي: في الخير من الثواب والعقاب، وذلك أن العباد في الدنيا لا يجازون على أعمالهم، ثم إليه يصيرون، فيعذب من يشاء، ويرحم من يشاء (¬3). قال ابن الأنباري: إن الأمور لم تخرج من يديه، ولكن العباد في الدنيا لا يجازون على أعمالهم بما يستحقون من الثواب والعقاب، ولا يُرزقون بمقدار الطاعة، ولا يُفَتَّر عليهم على حسب المعصية، بل الثواب والعقاب والجزاء والحساب في الآخرة، فقال الله تعالى: {وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ} يعني: أنه كان يجازي عليها وُيثِيْبُ ويُعَاقب، إذ كانوا في الدنيا لا يلحقهم من هذه الأشياء شيءٌ. ويكون المعنى على أن الله مَلَّك عبيده في الدنيا الأموالَ والتصرفَ فيها، ثم يرجع الأمر في ذلك كله إلى الله تعالى في الآخرة، فلا يملك أحدٌ شيئًا (¬4). 211 - قوله تعالى: {سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ} الآية، {سَلْ} كان في الأصل: اسأل، فتركت الهمزة التي هي عين الفعل؛ لكثرة الدور في الكلام ¬

_ (¬1) من "الحجة" 2/ 305 بتصرف. (¬2) من "الحجة" 2/ 304 - 305، وقال: والمعنى في بناء الفعل للمجهول كالمعنى في بناء الفعل للفاعل. (¬3) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 331. (¬4) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 331 - 332، "المحرر الوجيز" 2/ 201، "البحر المحيط" 2/ 125.

تخفيفًا، ونقلت حركتها إلى الساكن الذي قبلها، فاستغنيت عن ألف الوصل. وقال قطرب: يقال: سَال يَسَال، مثل: زأر الأسد يزأر، وسال يسال يسل، مثل: خاف يخاف، والأمر منه: سَلْ، مثل: خَفْ (¬1). وبهذه اللغة قرأ نافع (¬2) وابن عامر {سَأَلَ سَائِلُ} [المعارج: 1] (¬3)، على وزن: قال وكال. وقوله: {كَمْ} هو اسم مبني على السكون موضوع للعدد، يقال: إنه من تأليف (كاف) التشبيه إلى (ما)، ثم قصرت (ما)، وسكنت الميم، وبنيت على السكون لتضمنها حرف الاستفهام، ويعمل فيه ما بعده من العوامل، ولا يعمل فيه ما قبله سوى ما يجر، وهو في موضع نصب هاهنا بـ (أتيناهم)، وأكثر لغة العرب الجرُّ به عند الخَبَر، والنصبُ عند الاستفهام، ومن العرب من ينصب به في الخبر ويجر في الاستفهام (¬4). ¬

_ (¬1) ينظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 124 - 125، "التبيان" للعكبري ص 129، وقال: وفيه لغة ثالثة وهي إسل، حكاها الأخفش، ووجهها أنه ألقى حركة الهمزة على السين وحذفها، ولم يعتد بالحركة لكونها عارضة، فلذلك جاء بهمزة الوصل، كما قالوا: كحمر، "البحر المحيط" 2/ 126، "الدر المصون" 2/ 366. (¬2) هو أبو رويم نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم الليثي مولاهم، المقرئ المدني، أحد الأعلام والقراء السبعة المشهورين، توفي سنة 169 هـ ينظر: "معرفة القراء الكبار" 1/ 107، "النشر" 1/ 112. (¬3) قرأ نافع وابن عامر: سال، غير مهموز، والباقون بالهمز، وكلهم قرأ: سائل، بالهمز بلا اختلاف. ينظر: "السبعة" ص650. (¬4) ينظر في عمل كم: "الكتاب" لسيبويه 2/ 156 - 168، "مغني اللبيب" 243، وبين أن الاستفهامية والخبرية يشتركان في خمسة أشياء ويفترقان في مثلها أيضا، "الدر المصون" 2/ 370 واختار أن الصحيح فيها أنها بسيطة وليست مركبة، وينظر في =

ومعنى السؤال هاهنا: تبكيتٌ للمسؤول عنه وتقريع له، لا تَعَرُّفٌ منه، كما يقال: سله كم أنعمت عليه فكفر نعمتي! وكم حذرته فلم ينته! كذلك هؤلاء، أنعم الله عليهم نعمًا من فَلْقِ البحر لهم، وإنجائهم من عدوهم، وأنزل عليهم المَنَّ والسلوى، فكفروا بهذه النعم حتى لم يؤمنوا بمحمد - صلى الله عليه وسلم -، ولم يبينوا نعته (¬1)، ولهذا قال بعضهم: في الآية إضمار واختصار، تقديره: سلهم كم آتيناهم من آية بينةٍ فكفروا بها، ويدل على هذا الإضمار قوله: {وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ} يعني: أنهم بدلوا بالكفر بها، وترك الشكر لها (¬2). والتبديل: تصيير الشيء على غير ما كان (¬3)، ونذكر الكلام فيه مستقصى عند قوله: {بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا} [النساء: 56] إن شاء الله. والله تعالى هو الذي يبدل النعمة نقمة إذا كُفِرَت ولم يُعْرف حقها، ولكن أضاف التبديل إليهم؛ لأنه بسبب من جهتهم، وهو ترك الشكر والقيام بحقها (¬4)، ثم بين حكم من بَدّل بباقي الآية. وفي قوله: {شَدِيدُ العِقَابِ} إضمار، يريد: شديد العقاب له (¬5). ¬

_ = إعرابها هنا: "التبيان" ص 129، "البحر المحيط" 2/ 126، "الدر المصون" 2/ 366 - 367، وذكروا وجها آخر وهو الرفع بالابتداء (وآتيناهم) خبرها، وضعفه سيبويه وأبو حيان. (¬1) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 281، "المحرر الوجيز" 2/ 202، "البحر المحيط" 2/ 126، وذكر في "زاد المسير" 1/ 227 قولًا آخر وهو أن المراد بالاستفهام التقرير والإذكار بالنعم. (¬2) ينظر: "التفسير الكبير" 6/ 3. (¬3) ينظر: "المفردات" ص 50. (¬4) ينظر: "التفسير الكبير" 6/ 4. (¬5) قال في "التبيان" ص 130: ومن يبدل: في موضع رفع بالابتداء، والعائد الضمير في يبدل، وقيل: العائد محذوف تقديره: شديد العقاب له.

212

والعقاب يَعْقُبُ الجُرْمَ (¬1). وقال ابن عباس في رواية عطاء: {سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ} يريد: الذين آمنوا بالله {كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ} يريد ما أعطى موسى {وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ} يريد: من تخلف من الإيمان من قريظة والنضير وبني إسرائيل (¬2)، فعلى هذا: السؤال راجع إلى مؤمني أهل الكتاب. وقال مجاهد (¬3): النعمة في هذه الآية يراد بها: الحججُ والبراهينُ التي تدل على صحة أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - ونبوته، مما في كتابهم، وتبديلهم إياها: تغييرهم نعتَه وصفتَه وذكَره، وهذا الوجه اختيار الزجاج (¬4). 212 - قوله تعالى: {زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا} الآية، إنما لم يقل: (زينت)؛ لأن الحياة مصدر، فذهب إلى تذكير المصدر، كقوله: {فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ} [البقرة: 275] {وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ} [هود: ¬

_ (¬1) ينظر: "المحرر الوجيز" 2/ 203. (¬2) تقدم الحديث عن رواية عطاء في المقدمة. (¬3) قال ابن عطية في "المحرر الوجيز" 2/ 202: ونعمة الله، لفظ عام لجميع أنعامه، ولكن يقوي من حال النبي - صلى الله عليه وسلم - معهم أن المشار إليه هنا محمد - صلى الله عليه وسلم -، فالمعنى: ومن يبدل من بني إسرائيل صفة نعمة الله، ثم جاء اللفظ منسحبا على كل مبدل نعمة لله تعالى، وقال الطبري: النعمة هنا الإسلام، وهذا قريب من الأول، ويدخل في اللفظ أيضا كفار قريش الذين بعث محمد منهم نعمة عليهم فبدلوا قبولها والشكر عليها كفرًا، والتوراة أيضًا نعمة على بني إسرائيل أرشدتهم، وهدتهم فبدلوها بالتحريف لها، وجحدوا محمدًا - صلى الله عليه وسلم -. (¬4) ذكره الزجاج 1/ 181، وذكر ابن الجوزي 1/ 227، أن في المراد بتبديل النعمة ثلاثة أقوال: أحدها: أنه الكفر بها، قاله أبو العالية ومجاهد. والثاني: تغيير صفة النبي - صلى الله عليه وسلم - في التوراة قاله أبو سليمان الدمشقي. والثالث: تعطيل حجج الله بالتأويلات الفاسدة.

67] هذا قول الفراء (¬1). وقال الزجاج: تأنيث الحياة ليس بحقيقي، لأن معنى الحياة والعيش والبقاء واحد، وكأنه قال: زين للذين كفروا البقاء (¬2). وقال ابن الأنباري: إنما لم يقل: (زينت)، لأنه فصل بين زين وبين الحياة بقوله: {لِلَّذِينَ كَفَرُوا}، وإذا فصل بين فعل المؤنث وبين الاسم بفاصل حسن تذكير الفعل؛ لأن الفاصل يكفي من تاء التأنيث (¬3)، ويقال: من الذي زين لهم؟ قيل: فيه قولان: أحدهما: زَيَّنَها لهم إبليس بما يمنيهم ويعدهم من شهواتها، قاله ابن كيسان والزجاج (¬4). والقول الثاني: أن الله تعالى زَيَّنَها لهم حين بَسَطَها وَوَسَّعَها عليهم، فهي هَمُّهم وطَلِبَتُهْم ونِيَّتُهم وهم لا يريدون غيرها، كقوله: {فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} [النجم: 29] وإنما فعل الله ذلك بهم ¬

_ (¬1) "معاني القرآن" للفراء 1/ 125، وقال: فأما في الأسماء الموضوعة فلا تكاد العرب تذكر فعل مؤنث، إلا في الشعر لضرورته، وقد يكون الاسم غير مخلوق من فعل، ويكون فيه معنى تأنيث، وهو مذكر فيجوز فيه تأنيث الفعل وتذكيره على اللفظ مرة وعلى المعنى مرة، ومن ذلك قوله عز وجل: {وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ} [الأنعام 66] ولم يقل: كذبت، ولو قيلت لكان صوابا، كما قال {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ} [الشعراء 105]. (¬2) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 281، وقد ذكر أيضا العلة التي ذكرها ابن الأنباري بعد. (¬3) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 281، "تفسير الثعلبي" 2/ 702، "البحر المحيط" 2/ 129، قال: وقرأ ابن أبي عبلة: زينت، بالتاء وتوجيهها ظاهرة لأن المسند إليه الفعل مؤنث. وينظر: "الدر المصون" 2/ 371. (¬4) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 282.

للابتلاء، كما قال: {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ} [الكهف: 7] ويدل على هذا قراءة حميد (¬1) (زَيَّنَ للذين كفروا) بفتح، الزاي (¬2) يعني الله تعالى (¬3). وقوله تعالى: {وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا} يقال: سخر منه سُخريَّة, وسُخريًّا، وسَخَرًا، وسُخْرًا، قال الأعشى: ..... لا عَجَبٌ منه ولا سُخْرُ (¬4) ويروى: ولا سَخَرَ، ومعنى السُّخْرِية: الإيهام للشيء والانطواء على خلافه (¬5). ¬

_ (¬1) هو حميد بن قيس المكي الأعرج، أبو صفوان القارئ، قال ابن حجر. ليس به بأس، من السادسة مات سنة مائة وثلاثين، وقيل بعدها. روى له الجماعة. ينظر: "تقريب التهذيب" ص 182 (1556). (¬2) وبها قرأ أبي بن كعب، والحسن ومجاهد وابن محيصن وابن أبي عبلة وأبو حيوة. ينظر: "المحرر الوجيز" 2/ 203، "زاد المسير" 1/ 228. (¬3) ينظر في ذكر الأقوال: "تفسير البغوي" 1/ 242، "المحرر الوجيز" 2/ 203، "البحر المحيط" 2/ 129 قال البغوي: الأكثرون على أن المزين هو الله تعالى، والتزيين من الله تعالى هو أنه خلق الأشياء الحسنة والمناظر العجيبة، فنظر الخلق إليها بأكثر من قدرها فأعجبتهم ففتنوا بها. وقال ابن عطية جامعا بين القولين: المزين هو خالقها ومخترعها وخالق الكفر، ويزينها أيضا الشيطان بوسوسته وإغوائه. وينظر: "زاد المسير" 1/ 228. (¬4) تمام البيت: إني أتتني لسان لا أسر بها ... من عَلوَ لا عجبٌ منها ولا سُخْر قال ذلك لما بلغة خبر مقتل أخيه المنتشر، والتأنيث للكلمة. ينظر: "اللسان" 4/ 1963 (سخر). (¬5) ينظر: "تهذيب اللغة" 2/ 1650، "المفردات" 233، "اللسان" 4/ 1963 (سخر)، ونقل في "التهذيب" عن الفراء قوله: سخِرتُ منه، ولا تقل سخرت به، قال الله تعالى: {لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ} [الحجرات 11]، وقال ابن السكيت: تقول:=

وقوله تعالى: {وَيَسْخَرُونَ} مستأنف غير معطوف على {زُيِّنَ}، ولا ينكر استئناف المستقبلِ بعد الماضي، وذلك أن الله تعالى خبر عنهم بـ {زُيِّنَ} وهو ماض، ثم خبر عنهم بعد ذلك بفعل يديمونه ويستقبلونه، فقال: {وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا} أي: يسخرون من فقراء المؤمنين ويعيرونهم بالفقر (¬1). قال ابن عباس في رواية أبي صالح: نزلت في مشركي العرب، كانوا يتنعمون بما بسط لهم في الدنيا من المال، ويسخرون من فقراء المؤمنين الذين يرفضون الدنيا (¬2)، وقال في رواية عطاء: نزلت في رؤساء اليهود وعلمائهم من بني قريظة والنضير وقينقاع، سخروا من المهاجرين حيث أخرجوا من ديارهم وأموالهم (¬3). ¬

_ = سخرت من فلان، فهذه اللغة الفصحية قال الله تعالى: {فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ} [التوبة: 79]. (¬1) ينظر: "التفسير الكبير" 6/ 7، "البحر المحيط" 2/ 130، وذكر أنها خبر مبتدأ محذوف تقديره، وهو يسخرون، وقيل الجملة الفعلية معطوفة على الجملة الفعلية، ولا يلحظ فيها عطف الفعل على الفعل؛ لأنه كان يلزم اتحاد الزمان، وإن لم يلزم اتحاد الصيغة، قال: وصدرت الأولى بالفعل الماضي لأنه أمر مفروغ منه، فليس أمرًا متجددًا، وصدرت الثانية بالمضارع لأنها حالة تتجدد كل وقت. وينظر: "الدر المصون" 2/ 371 - 373. (¬2) ذكره الثعلبي 2/ 698 من رواية الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، وهذا إسناد ضعيف جدًّا، وذكر البغوي 1/ 242، وابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 228، والسمعاني في "تفسيره" 2/ 263، والرازي في "تفسيره" 6/ 5، "البحر المحيط" 2/ 129، وعزاه أبو الليث في "بحر العلوم" 1/ 198 إلى الكلبي، وقد روى الطبري 2/ 334، نحوه عن عكرمة. (¬3) تقدم الحديث عن هذه الرواية في المقدمة وقد ذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 107 =

وقوله تعالى {وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} قال مقاتل: والذين اتقوا الشرك وهم هؤلاء الفقراء (¬1)، وقال غيره: والذين اتقوا الله في عهدهِ وأمرهِ فوق الذين سخروا منهم (¬2)، يعني: بارتفاع حججهم على حجج الكفار، لأن في القيامة تعلو حجج المؤمنين، ويلزم الذُّلُّ الكافرين (¬3). قال الزجاج (¬4) وابن الأنباري: يجوز أن يكون (فوق) يدل على علو موضع المؤمنين على موضع الكافرين (¬5)؛ لأن المؤمنين في الجنة، والجنة عالية، والكافرين في النار، والنار هاوية، فوصف المؤمنين بأنهم فوق الكفار، وإن لم يكن للكفار موضع يوصف بالفوقية، كما قال: {أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا} [الفرقان: 24] وإن لم يكن في مستقر أهل النار خير. وقال بعض أهل المعاني: أراد: أن حالهم في الآخرة فوق حال هؤلاء الكفار في الدنيا، وعلى هذا يتوجه قوله: {خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا} يعني: أن مستقرهم في الآخرة خير من مستقر هؤلاء الذين اغتبطوا به في ¬

_ = من قول عطاء، وكذا البغوي في "تفسيره" 1/ 242، "زاد المسير" 1/ 228، و"تفسير الرازي" 6/ 5، "البحر المحيط" 2/ 129، وقال مقاتل في "تفسيره" 1/ 181 عند قوله: {زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا}: نزلت في المنافقين: عبد الله بن أبي وأصحابه، {وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا}، في أمر المعيشة بأنهم فقراء نزلت في عبد الله بن ياسر المخزومي وصهيب، وفي نحوهم من الفقراء. (¬1) "تفسير مقاتل" 1/ 181. (¬2) ذكره في "الوسيط" 1/ 315، وينظر: "تفسير الطبري" 2/ 333 - 334. (¬3) ينظر: "زاد المسير" 1/ 228، "التفسير الكبير" 6/ 8. (¬4) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 282، وينظر: "تفسير البغوي" 1/ 242، "المحرر الوجيز" 2/ 204، "زاد المسير" 1/ 228، "التفسير الكبير" 6/ 8. (¬5) من قوله: قال الزجاج ساقط من (أ) و (م).

الدنيا (¬1). وقوله تعالى: {وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد أن أموال قريظة والنضير تصير إليكم بلا حساب ولا قتال بأسهل شيء وأيسره (¬2)، فيكون على هذا: والله يرزق من يشاء بغير تقدير من المرزوق للرزق، فيصير إليه ما لم يكن يحتسبه ولم يؤمله، ويكون ذلك من أهنأ العطاء وأحلا الأرزاق، لذلك مدح الله نفسه بهذا. وقال في رواية لأبي صالح: يعني: كثيرًا بغير فوت ولا مقدار؛ لأن كل ما دخل عليه الحساب فهو قليل (¬3). وقال الضحاك: يعني من غير تبعة في الدنيا ولا حساب في الآخرة (¬4)، دليله قوله: - صلى الله عليه وسلم -: "يدخل الجنة سبعون ألفًا من أمتي بغير حساب" (¬5). وقال مقاتل: يرزق من يشاء حين بسط للكافرين في الرزق، وقتّر على ¬

_ (¬1) ينظر: "المحرر الوجيز" 2/ 204 - 205، "زاد المسير" 1/ 228، "التفسير الكبير" 6/ 8، وذكر ابن عطية أن هذه الاحتمالات المذكورة حفظ لمذهب سيبويه والخليل في أن التفضيل إنما يجيء فيما فيه شركة، والكوفيون يجيزونه حيث لا اشتراك. (¬2) هذا من تتمة الخبر السابق، عن عطاء، وقد تقدم تخريجه آنفا. وينظر في: "البحر المحيط" 1/ 131، "غرائب النيسابوري" 2/ 301، "الوسيط" للواحدي 1/ 315. (¬3) ذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" 2/ 712، "البغوي" في "تفسيره" 1/ 243، وروى ابن أبي حاتم 2/ 375 عن ابن عباس في تفسيرها قوله: ليس على الله رقيب ولا من يحاسبه. (¬4) ذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" 2/ 713، "البغوي" في "تفسيره" 1/ 243. (¬5) رواه البخاري (6059) كتاب الرقاق، باب: يدخل الجنة سبعون ألفا بغير حساب، (5270) كتاب الطب، باب: من اكتوى أو كوى غيره وفضل من لم يكتو، ومسلم (317) كتاب الإيمان، باب: الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة.

المؤمنين، {بِغَيْرِ حِسَابٍ} يعني: ليس فوقي من يحاسبني، لي الملك أعطي من شئت بغير حساب (¬1). وهذا معنى قول الحسن (¬2)؛ لأنه قال: {وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} لا يسأل عما يفعل. هذا الذي ذكرنا هي أقوال المفسرين. ولأصحاب المعاني أقوال (¬3) في هذا: أحدها: أن ما يعطي الله تعالى العبد على نوعين: ما يستحقه بعمله، ومنه ما يعطيه من فضله ابتداءً من غير استحقاق بعمل، كقوله تعالى {فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ} [النساء: 173] فقوله: {وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} يعني: ما يتفضل به لا على حساب العمل. والثاني: لا يخاف نفاد ما عنده فيحتاج إلى حساب ما يخرج منه، إذ كان الحساب من المعطي إنما يكون ليعلم ما يعطي وما يبقى ولا يتجاوز في عطائه إلى ما يجحف به، والله تعالى لا يحتاج إلى الحساب؛ لأنه عالم غني لا يتناهى لمقدوره ولا يخاف نفاد ما عنده (¬4). ¬

_ (¬1) "تفسير مقاتل" 1/ 181، ونقله في "البسيط" 1/ 315. (¬2) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 315، وينظر: "البحر المحيط" 2/ 131، "غرائب النيسابوري" 2/ 301. (¬3) ينظر في هذه الأوجه: "تفسير الطبري" 2/ 334، "تفسير الثعلبي" 2/ 713، و"تفسير السمعاني" 2/ 264، "النكت والعيون" 1/ 270، "تفسير البغوي" 1/ 243، "المحرر الوجيز" 2/ 205 - 206، "زاد المسير" 1/ 228 - 229، "التفسير الكبير" 6/ 9 - 10، وقد ذكر ثمانية أوجه، إذا كان المراد به عطاء الآخرة، وثلاثة إذا حملت الآية على عطاء الدنيا. "البحر المحيط" 2/ 131. (¬4) روى نحوه عن الربيع بن أنس كما في "الدر المنثور" 1/ 435، وهذا اختيار الطبري" 2/ 334، وينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 713.

213

والثالث: أنه أراد بهذا رزقَ أهل الجنة، ورَزْقُهم بغير حساب؛ لأنه دائمٌ، كقوله: {فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ} [غافر: 40] وذلك أن رِزْقَهُم لا يَتَنَاهى، وما لا نهاية له لا حساب له. وقال ابن الأنباري: هذا في الدنيا يرزقُ عباده من غيرِ محاسبةٍ ولا استحقاق، ولو فعل ذلك لخرج الكفار من الأرزاق، فجعل فضله يشملهم، ورزقه يعمهم، بتفضل منه عليهم، وفيهم من لا يستحق الرزق والإحسان، فكان ذلك على غير حساب، لأنه لا يحاسب بالرزق في الدنيا على قدر العمل، وهذا الوجه اختيار الزجاج (¬1)، وذكرنا معنى الحساب فيما تقدم. 213 - قوله تعالى: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً} الآية، قال ابن عباس: كان الناس على عهد إبراهيم عليه السلام أمةً واحدةً كفارًا كلهم، وولد إبراهيم في جاهلية، فبعث الله إليهم إبراهيم وغيره من النبيين (¬2). وقال الحسن (¬3) وعطاء (¬4): كان الناس من وقت وفاة آدم إلى مبعث نوح أمة واحدة على ملة واحدة وهي الكفر، كانوا كفارًا كلهم أمثال البهائم، فبعث الله عز وجل نوحًا وإبراهيم وغيرهما من النبيين. قال ابن الأنباري: على هذا القول وإن كان فيما بينهم من لم يكن ¬

_ (¬1) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 282. (¬2) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 376 من طريق العوفي، وذكره البغوي في "تفسيره" 1/ 243، "الدر المنثور" 1/ 435. (¬3) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 714، "البغوي" في "تفسيره" 1/ 243، والواحدي في "الوسيط" 1/ 315، والرازي في "تفسيره" 6/ 133، "غرائب النيسابوري" 2/ 303. (¬4) انظر المصادر السابقة.

بهذا الوصف نحو: هابيل وإدريس، فإن الغالب كان الكفر، والحكم للأغلب والأعم، ولا يعتد بالقليل في الكثير، كما لا يعتد بالنبيذ القليل من الشعير في البر الكثير. وقال الكلبي (¬1) والواقدي (¬2): هم أهل سفينة نوح، كانوا مؤمنين كلهم، ثم اختلفوا بعد وفاة نوح فبعث الله النبيين. وقال ابن زيد (¬3): لم يكونوا أمة واحدة إلا يومًا من الدهر، يذهب إلى الوقت الذي أخرجهم الله فيه من صلب آدم في صورة الذَّرِّ، حين قال لهم تعالى: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى} [الأعراف: 172]. وهذا القول مروي عن أبي بن كعب (¬4)، وعلى هذين القولين يحتاج في الآية إلى إضمار، كأنه قال: كان الناس أمة واحدة فاختلفوا فبعث الله، وهكذا في قراءة أبيٍّ (¬5) وابن مسعود (¬6). وحكى الزجاج عن بعض أهل اللغة قال: كان كلُّ من بعث إليه الأنبياء كفارًا (¬7)، يريد: أن أمم الأنبياء الذين بعثوا إليهم كانوا كفارًا، كما ¬

_ (¬1) ذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" 2/ 715، "البغوي" في "تفسيره" 1/ 243، والقرطبي في "تفسيره" 3/ 22. (¬2) ذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" 2/ 716، والقرطبي في "تفسيره" 3/ 22، وقد استظهر محقق "تفسير الثعلبي" أن المراد بالواقدي هنا: علي بن الحسين بن واقد القرشي ت 211، وله تفسير رواه الثعلبي وصرح به في مقدمة "تفسيره". (¬3) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 336. (¬4) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 335، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 376، وينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 717، "الدر المنثور" 1/ 435. (¬5) ينظر: "تفسيرالثعلبي" 2/ 717. (¬6) ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 717، "الكشاف" 1/ 255، "المحرر الوجيز" 2/ 209. (¬7) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 284.

كانت هذه الأمة قبل مبعث محمد - صلى الله عليه وسلم -. وقال محمد بن إسحاق: ولدت حواء لآدم أربعين ولدًا ذكرًا وأنثى، في عشرين بطنًا، وكانوا أمة مسلمين فاختلفوا حين قتل أحد ابني آدم أخاه (¬1). وقوله تعالى: {وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ} أي: الكتب، اسم الجنس أريد به الجمع (¬2). وقوله تعالى: {بِالْحَقِّ} أي: بالعدل والصدق، وما فيه من البيان عن الحق من الباطل (¬3). وقوله تعالى: {لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ} قال أهل المعاني: هذا مجاز وتوسع، وحقيقته ليحكم منزل الكتاب، إلا أنه جعل اللفظ على الكتاب تفخيمًا له لما فيه من البيان (¬4). وقوله تعالى: {وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ} الكناية راجعة إلى الكتاب، والمراد بالكتاب المختلف فيه: التوراة والإنجيل (¬5). وقوله تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ} يعني: اليهود والنصارى، وهم الذين ¬

_ (¬1) ينظر: "السيرة النبوية" لابن هشام، والذي في "تفسير الثعلبي" 2/ 717 - 718، وقال مجاهد ومحمد بن إسحاق بن يسار: كان الناس أمة واحدة، يعني: آدم وحده، سمى الواحد بلفظ الجمع؛ لأنه أصل النسل، ثم خلق الله تعالى حواء ونشر منهما الناس، فكانوا مسلمين كلهم إلى أن قتل هابيل فاختلفوا حينئذ فبعث الله النبيين. وينظر قول مجاهد في "تفسيره" 1/ 104، والطبري في "تفسيره" 2/ 335. (¬2) ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 723، "الكشاف" 1/ 256، "المحرر الوجيز" 2/ 206. (¬3) ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 723. (¬4) ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 724، "تفسير القرطبي" 3/ 32. (¬5) ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 724.

أوتوا الكتاب، والله تعالى كثيرًا ما يذكرهم في القرآن بهذا اللفظ، كقوله: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ} [المائدة: 5]، كأنه قال: وما اختلف في الكتاب إلا اليهود والنصارى (¬1). واختلافهم: كفر بعضهم بكتاب بعض بغيًا وحسدًا. ويحتمل أن يكون المراد باختلافهم: تحريفهم وتبديلهم؛ لأن اليهود بدلت التوراة، وعلى هذا المراد اليهود دون النصارى إن لم تبدل النصارى، والوجهان في الاختلاف ذكرهما الفراء (¬2). وقال بعضهم: الكناية راجعةٌ إلى محمد - صلى الله عليه وسلم -، لأنه من جملة النبيين وداخل فيهم، وعلى هذا معنى الآية: وما اختلف في أمر محمد بعد وضوح الدلالات لهم بغيًا وحسدًا إلا اليهود الذين أوتوا الكتاب، وذلك أن المشركين وإن اختلفوا في أمر محمد فإنهم لم يفعلوا ذلك للبغي والحسد، ولم تأتهم البينات في شأن محمد - صلى الله عليه وسلم - وصحة نبوته كما أتت اليهود. فاليهود مخصوصون من هذا الوجه الذي ذكرنا (¬3)، وهذا اختيار الزجاج، وقال في هذه الآية: لم يوقعوا الاختلاف إلا للبغي؛ لأنهم عالمون بحقيقة أمره في كتبهم (¬4)، ويجوز أن تعود الكناية إلى الحق كأنه قال: وما اختلف في الحق، وذلك الحق الذي اختلفوا فيه هو: إما محمد - صلى الله عليه وسلم -، وإما كتابهم، ¬

_ (¬1) ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 725، "المحرر الوجيز" 2/ 210 - 211. (¬2) "معاني القرآن" للفراء 1/ 131، وينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 725، "المحرر الوجيز" 2/ 211، "تفسير القرطبي" 3/ 32، "البحر المحيط" 2/ 136 - 137. (¬3) ينظر: "معاني القرآن" للنحاس 1/ 161، "تفسير الثعلبي" 2/ 725، "البحر المحيط" 2/ 136 - 137. (¬4) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 284.

فيعود المعنى إلى ما ذكرنا. وقوله تعالى {فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ} أي: إلى ما اختلفوا، كقوله تعالى: {ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا} [المجادلة: 3]، ويقال: هديته إلى الطريق وللطريق والطريقَ، قال الله: {وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا} [الأعراف: 43] (¬1). فإن قيل: ما معنى الهداية إلى ما اختلفوا فيه؟ فالجواب ما قال ابن الأنباري: إن هذا من باب حذف المضاف، أي: فهدى الله الذين آمنوا لمعرفة ما اختلفوا فيه. وقال الفراء: هذا من المقلوب، أراد: فهدى الله الذين آمنوا للحق مما اختلفوا فيه، وأنشد: إِن سِرَاجًا لكَرِيمٌ مَفْخَرُه ... تَحْلَى به العَيْنُ إذا ما تَجْهَرُه (¬2) أراد: يَحْلَى بالعين، لأنك تقول: حَلِيْتَ بعيني، فصرف فعل الرجل إلى العين (¬3). وقال بعضهم: اختلفوا فيه حق لا باطل، فالهداية إليه يصح في المعنى، وذلك أن أهل الكتاب اختلفوا فكفر بعضهم بكتاب بعض، فهدى الله الذين آمنوا بالكتب كلها؛ لأن الكتب المنزلة كلها حق، ألا تري إلى قول ابن زيد في هذه الآية، قال: ثم اختلفوا في القبلة، فصلت اليهود إلى بيت المقدس، وصلت النصارى إلى المشرق، فهدانا الله عز وجل إلى الكعبة، واختلفوا في الصيام، فمنهم من يصوم بعض يوم، ومنهم من يصوم بالليل، ¬

_ (¬1) ينظر: "تفسيرالثعلبي" 2/ 726. (¬2) البيت غير منسوب، في "معاني القرآن" للفراء 1/ 131. (¬3) "معاني القرآن" للفراء 1/ 131 - 132 بمعناه.

214

فهدانا الله لشهر رمضان، واختلفوا في يوم الجمعة فأخذت اليهود السبت، والنصارى الأحد، فهدانا الله عز وجل له. واختلفوا في إبراهيم، فقالت اليهود: كان يهوديًّا، وقالت النصارى: كان نصرانيًّا، فهدانا الله عز وجل للحق من ذلك، واختلفوا في عيسى، فجعلته اليهود لفرية، وجعلته النصارى ربًّا، فهدانا الله عز وجل فيه للحق (¬1). وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "كتب الله الجمعة على من كان قبلنا فاختلفوا فيها فهدانا الله لها، والناس لنا فيه تبع، اليهود غدًا، والنصارى بعد غدٍ" (¬2). وقوله تعالى: {بِإِذْنِهِ} قال عطاء عن ابن عباس: يريد كان ذلك في قضائي وقدري (¬3)، وقال بعضهم: بعلمه وإرادته فيهم، وهو قول الزجاج (¬4). وقال بعض أهل التفسير في قوله: {وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا اَلَّذِينَ أُوتُوهُ} يعني: أهل كل كتاب اختلفوا فيه بعد ما جاءهم البينات بغيًا بينهم ظلمًا وطلبًا للملك، ورفضوا الحكم بكتابهم، فعصم الله هذه الأمة من نقض حكم كتابها، ومخالفة ما فيه من الأحكام. 214 - قوله تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ} الآية، قال عطاء ¬

_ (¬1) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 339، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 378، والنحاس في "معاني القرآن" 1/ 163، والثعلبي في "تفسيره" 2/ 726، وينظر: "البحر المحيط" 2/ 138، "الدر المنثور" 1/ 436. (¬2) أصله في الصحيحين من حديث أبي هريرة، رواه البخاري (876) كتاب الجمعة، باب: فرض الجمعة، ومسلم (855) كتاب الجمعة، باب: هداية هذه الأمة ليوم الجمعة. وأوله عندهما: "نحن الآخرون السابقون". (¬3) ذكره في "الوسيط" 1/ 317. (¬4) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 285، "تفسير الثعلبي" 2/ 726.

عن ابن عباس (¬1): لما دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة اشتد الضر عليهم؛ لأنهم خرجوا بلا مال، وتركوا ديارهم وأموالهم بأيدي المشركين، وأظهرت اليهود العداوة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأنزل الله عز وجل تطييبًا لقلوبهم {أَمْ حَسِبْتُمْ} الآية (¬2)، وقال قتادة (¬3) والسدي (¬4): نزلت في غزوة الخندق، حين أصاب المسلمين ما أصابهم من الجهد وشدة الخوف، وكان كما قال الله عز وجل {وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ} [الأحزاب: 10]. فقوله: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ} قال الفراء: استفهم بـ (أم) في ابتداء ليس قبله ألف فيكون (أم) ردًا عليه، وذلك يجوز إذا كان قبله كلام يتصل به، ولو كان ابتداء ليس قبله كلام لم يجز ذلك، كقولك للرجل: أعندك خبز؟ لم يجز هاهنا: أم عندك خبز، ولو قلت: أنت رجل لا تُنْصِف أم لك سلطان تُدِلُّ به؟ لجاز ذلك، إذ تقدمه كلام فاتصل به (¬5). ¬

_ (¬1) رواه ابن أبي حاتم عن ابن عباس في "تفسيره" 2/ 379، وعزاه في "الدر المنثور" 1/ 437 إلى ابن المنذر، وعن عطاء ذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 728، والواحدي في "أسباب النزول" ص 68، وابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 231، البغوي في "تفسيره" 1/ 245، وأبو حيان في "البحر" 2/ 371. (¬2) رواه في "الدر المنثور" 1/ 437 بمعناه، وعزاه إلى ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 379، وابن المنذر. وينظر: "الوسيط" 1/ 317. (¬3) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 83، والطبري في "تفسيره" 2/ 341، والبيهقي في "دلائل النبوة" 3/ 435، وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" 1/ 437 إلى ابن المنذر، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 727. (¬4) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 341، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 379، والثعلبي في "تفسيره" 2/ 727. (¬5) "معاني القرآن" للفراء 1/ 132، "تفسير الثعلبي" 2/ 728.

قال ابن الأنباري: (أم) استفهام متوسط، لا يكون إلا بعد كلام، جعلوا للمتوسط لفظًا يخالف لفظ السابق، فكان للسابق (هل) وأخواتها، وللمتوسط (أم) يدل على صحة هذا قوله عز وجل: {الم (1) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ} [السجدة: 1 - 3]، أتى بـ (أم) وسطًا، فجعلها استفهامًا، ولم يَرْدُدْهَا على استفهام متقدم، ومن هذا قول الأخطل: كَذَبَتْكَ عينُكَ أم رأيتَ بواسِطٍ ... غَلَسَ الظلامِ من الرباب خَيَالا (¬1) وقال قوم: (أم) هاهنا بمعنى (بل) (¬2) وذلك لا يحسن إلا إذا تقدمه استفهام، كقولك: إنها لإبل أم شاء يا فتى، وكما قيل في بيت الأخطل: كذبتك عينك أم رأيت ............... البيت. وقد استقصينا الكلام في (أم) عند قوله: {أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا} [البقرة: 108] الآية. وقال بعضهم: أم هاهنا عطفٌ على استفهام متقدم محذوف، تقديره: أعلمتم أن الجنة حفت (¬3) بالمكاره، أم حسبتم أن تدخلوا الجنة من غير بلاء ولا مكروه؟ والكلام ما ذكره الفراء وابن الأنباري (¬4). ¬

_ (¬1) البيت في "ديوانه" ص 385 "المعجم المفصل" 6/ 79. (¬2) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 285، "تفسير الثعلبي" 2/ 728. (¬3) في (أ) (تحف). (¬4) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 285، "التبيان" ص 131، واختارا أنها منقطعة، وفي "البحر المحيط" 2/ 139 ذكر أبو حيان في (أم) هنا أربعة أقوال: الأول: أنها منقطعة بمعنى بل والهمزة. والثاني: أنها متصلة على إضمار جملة قبلها. والثالث: الاستفهام بمعنى الهمزة. والرابع: الإضراب بمعنى بل، قال: والصحيح هو القول الأول.

وقوله تعالى: {وَلَمَّا يَأْتِكُمْ} أي: ولم يأتكم، و (ما) صلة، والفرق بينهما أن (لما) يوقف عليها في مثل قولك: أَقَدم زيد؟ فيقول: (¬1) (لما)، ولا يجوز: (لم) (¬2). وقوله تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا} أي: شبه الذين مضوا من قبلكم من النبيين والمؤمنين، أي: ولما يصبكم مثل الذي (¬3) أصابهم، ولم يمتحنوا بمثل الذي امتحنوا فتصبروا، كما صبروا، وهذا استدعاء إلى الصبر (¬4). وفي الكلام حذف، تقديره: مثل محن الذين، أو مثل مصيبة الذين من قبلكم (¬5). ثم ذكر ما أصابهم، فقال: {مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء} وهو اسم من البؤس بمعنى الشدة، قال عطاء: يريد: الفقر الشديد، {وَالضَّرَّاءُ}: المرض والجوع (¬6). {الْبَأْسَاءُ}: نقيض النعماء، والضراء نقيض السراء. ¬

_ (¬1) في (ش): (تقول). (¬2) ينظر: "التبيان" ص 131، "البحر المحيط" 2/ 140، "مغني اللبيب" ص 367، وذكر أنها تفارق (لم) من خمسة أمور: 1 - أنها لا تقترن بأداة شرط. 2 - أن منفيها مستمر النفي إلى الحال، ومنفي لم يحتمل الاتصال والانقطاع. 3 - أن معنى (لما) لا يكون إلا قريبا من الحال. 4 - أن منفي (لما) متوقع ثبوته. 5 - أن منفي (لما) جائز الحذف. اهـ. وقال أبو حيان: ولما، أبلغ في النفي من لم؛ لأنها تدل على نفي الفعل متصلا بزمان الحال، فهي لنفي التوقع. (¬3) في (ي) و (ش) (الذين). (¬4) ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 729. (¬5) ينظر: "البحر المحيط" 2/ 140. (¬6) ذكره في "الوسيط" 1/ 317.

وقوله تعالى: {وَزُلْزِلُوا} أي: حركوا بأنواع البلايا والرزايا (¬1) (¬2). قال أبو إسحاق: وأصل الزلزلة في اللغة من: زَلّ الشيء عن (¬3) مكانه، فإذا قلت: زلزلته، فتأويله: أنك كررت زللَه (¬4) من مكانه، فضوعف لفظه لمضاعفة معناه، وكل ما كان فيه ترجيع كررت فيه فاء الفعل، نحو: صَرَّ (¬5) وصَرْصَرَ وَصَلّ وصلصل (¬6). وتفسير {وَزُلزِلُوا} هنا: خوفوا وحقيقته ما ذكرنا، وذلك أن الخائف لا يستقر بل يضطرب لقلقه، ولهذا يقال للخوف: المقيم المُقْعِد؛ لأنه يُذْهب السكون، فيجوز أن يكون {وَزُلزِلُوا} هاهنا مجازًا، والمراد به: خوفوا، ويجوز أن يكون حقيقة بأن يكونوا مضطربين لا يستقرون لما في قلوبهم من الجزع والخوف (¬7). وقوله تعالى {حَتَى يَقُولَ اَلرَّسُولُ} قرئ (يقولَ) نصبًا ورفعًا (¬8)، والنصب على وجهين إذا نصبت الفعل بـ (حتى) فقلت: سرت حتى أدخلها. ¬

_ (¬1) في (ي): (الرزايا والبلايا). (¬2) ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 730. (¬3) في (م): (من). (¬4) كذا في الأصول، وفي "معاني القرآن" زلزلته. (¬5) (صر) ليست في (ي)، وفي (ش): (ضر وضرضر) وفي (م): (صر وصَرّ). (¬6) من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 285. بمعناه. (¬7) ينظر في زلزل "تهذيب اللغة" 2/ 1551، "المفردات" ص 219، "عمدة الحفاظ" 2/ 165،"اللسان" 3/ 1857 (زلل). ونقل الأزهري عن ابن الأنباري في قولهم: أصابت القوم زلزلة، قال: الزلزلة: التخويف والتحذير، من ذلك قوله تعالى: {وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا} [الأحزاب: 11] {وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ} أي: خوفوا وحذِّروا قال بعضهم: الزلزلة مأخوذة من الزلل في الرأي، فإذا قيل: زلزل القوم، فمعناه: صرفوا عن الاستقامة، وأوقع في قلوبهم الخوف والحذر. (¬8) قرأ نافع برفع اللام، وقرأ الباقون بالنصب. ينظر: "السبعة" ص 181 - 182، "الحجة" 2/ 305 - 306.

أحدهما: أن يكون الدخول غاية للسير، والسير والدخول قد مضيا جميعًا، والمعنى: سرت (¬1) إلى دخولها، وقد مضى (¬2) الدخول. وعلى هذا نصب (يقول) في الآية، المعنى: وزلزلوا إلى أن يقول الرسول، فكأنه حتى قول الرسول. والوجه الآخر في النصب: أن يكون السير قد وقع والدخول لم يقع، ويكون المعنى: سرت كي أدخلها، وليس هذا وجه نصب الآية (¬3). ورفع ما بعد حتى على وجهين. فأحد الوجهين: هو وجه (¬4) الرفع في الآية، كما تقول: سِرتُ (¬5) حتى أَدْخُلُها، وقد مضى السير والدخول، كأنه بمنزلة قولك: سِرت فادخلها بمنزلة سرت فدخلتها، وصارت (حتى) هاهنا مما لا يعمل (¬6) في الفعل شيئًا؛ لأنها تلي الجمل تقول: (¬7) سرت حتى إني (¬8) كالٌّ، وكقوله: فيا عَجَبًا حتى كُليبٌ تَسُبُّني (¬9) ¬

_ (¬1) ليس في: (ش). (¬2) في (ي): (مضت). (¬3) رجح أبو حيان في "البحر" 2/ 140 الوجه الأول، قال: لأن المس والزلزال ليسا معلولين لقول الرسول والمؤمنين. (¬4) من قوله: نصب الآية. ساقط من (ي). (¬5) (سرت) ليست في (أ) ولا (م). (¬6) في (ش) (تعمل). (¬7) في (ش): (تقول). (¬8) في (ي): (كأني). (¬9) البيت للفرزدق، وعجزه: كأن أباها نهشل أو مجاشع

فعملها في الجمل يكون في معناها لا في لفظها، وعلى هذا وجه الآية، ويجوز أن يكون السير قد مضى والدخول واقع الآن، وقد انقطع السير، تقول: سرت حتى أدخلَها الآن ما أمنع، كأنك قلت: سرت حتى (أني) (¬1) أَدْخُلُها الآن ما أمنع، فهذه جملة باب (حتى) في الأفعال (¬2). قال أبو علي الفارسي: ما ينتصب بعد (حتى) من الأفعال المضارعة على ضربين: أحدهما: أن يكون بمعنى (إلى)، وهو الذي تحمل (¬3) عليه الآية، والفعل الذي يكون قبل (حتى) مع ما حدث عنه قد مضيا جميعًا، ألا ترى أن الأمرين في الآية كذلك. والآخر: أن يكون بمعنى (كي)، وذلك قولك: (أسلمت حتى (¬4) أدخلَ الجنة)، فهذه تقديره: أسلمت كي أَدْخُلَ الجنة، فالإسلام قد كان والدخول لم يكن. وأما قراءة من قرأ: (حَتَّى يَقُولُ) بالرفع، فالفعل الواقع بعد حتى إذا ¬

_ = في "ديوانه" ص419، "الكتاب" لسيبويه 3/ 18، "معاني القرآن" للفراء 1/ 138، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 304، "الخزانة" 4/ 141، "همع الهوامع" 2/ 24، و"تفسير ابن يعيش" 8/ 18، "مغني اللبيب" 173. والشاعر يهجو كليب بن يربوع رهط جرير، فجعلهم من الهون بحيث لا يُسابُّون مثله لشرفه. ونهشل ومجاشع: ابنا دارم، وهم رهط الفرزدق. (¬1) ليست في (ي). (¬2) ينظر في ذلك: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 304 - 306، "التبيان" ص 131، "البحر المحيط" 2/ 140، "مغني اللبيب" 166 - 176. (¬3) في (ش): (يجهل). (¬4) الجملة هذه ليست في (أ) و (م).

كان مضارعًا مرفوعًا لا يكون إلا فعلَ حالٍ، ويجيء على ضربين. أحدهما: أن يكون السبب الذي أدى إلى (¬1) الفعل الذي بعد حتى قد مضى، والفعلُ المُسَبِّبُ لم يمضِ، ومثال ذلك قولهم: مرض حتى لا يرجونه، وشَرِبَتِ الإبلُ حتى يجيء البعير يَجُرُّ بَطْنَه، وتتجه الآية على هذا الوجه، كأن المعنى: زلزلوا فيما مضى حتى إن الرسول يقول الآن: متى نصر الله، وحُكِيَتْ الحالُ التي كَانوا عليها، كما حكيت الحال في قوله: {هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّه} [القصص: 15] وفي قوله: {وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ} [الكهف: 18]. والوجه الآخر من وجهي الرفع: أن يكون الفعلان جميعًا قد مضيا، نحو: سِرتُ حتى أدخُلُها، والدخول متصل بالسير بلا فصل، كما (كان) (¬2) في الوجه الأول بينهما فصل، والحال في هذا الوجه أيضًا محكية، كما كانت محكية (¬3) في الوجه الآخر، ألا ترى أن ما مضى لا يكون حالًا؟ وحتى إذا رُفِعَ الفعل بعدها حرفٌ، يصير الكلام بعدها إلى الابتداء، وليست العاطفةَ ولا الجارةَ، وهي إذا انتصب الفعلُ بعدها الجارةُ للاسم، وينتصب الفعل بعدها بإضمار (أن) كما ينتصب بعد اللام بإضمارها (¬4). واعلم أن (حتى) على ثلاثة أضرب: أحدها: أن تكون جارة نحو {حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ} [القدر: 5]، وهذه (¬5) ¬

_ (¬1) (إلى) ساقطة من (أ) و (ش) و (ي). (¬2) في (ش): (قال). (¬3) ليست في (أ) (م). (¬4) "الحجة" 2/ 306 - 307، وينظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 132، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 304 - 306، "تفسير الثعلبي" 2/ 730. (¬5) (وهي) في (ي).

الجارة هي التي تنصب الأفعال بعدها بإضمار أن، والفعل و (أن) المضمرة (معه) (¬1) في موضع جر بـ (حتى) (¬2). والآخر: أن تكون (¬3) عاطفة في نحو: والزَّادَ حَتَّى نَعْلَهُ ألْقَاهَا (¬4). وهذه تكون عاطفة. والثالث: أن تكون داخلة على الجمل ومنصرفًا بعدها الكلام إلى الابتداء، كأما وإذا ونحوهما، وذلك نحو قوله: فيا عجبًا حَتَى كليبٌ تَسُبُّني (¬5) فهذا جملة الكلام في حتى (¬6). ومعنى الآية: أن الجهد قد بلغ بالأمم قبل هذه الأمة حتى استبطأوا النصر، فقال الله عز وجل: ألا إن نصر الله قريب ¬

_ (¬1) ليست في (ي). (¬2) ليست في (ش). (¬3) (يكون) في (م). (¬4) صدر البيت: ألقى الصحيفة كي يخاف رحله. البيت منسوب للمتلمس، وفيه إشارة إلى قصة المتلمس وطرفة حين كتب لهما عمرو بن هند كتابين مختومين، أوهمهما أن فيهما أمرًا لعامله في البحرين بإكرامهما، إلا أن المتلمس فض صحيفته فوجد فيها أمرا بقتله فرجع. وفي "الكتاب" لسيبويه 1/ 97 نسبه لابن مروان النحوي. [وقال المحقق: الصواب أنه مروان النحوي] والبيت في "الكتاب" 1/ 97، و"الخزانة" 1/ 445، 4/ 140، و"مغني اللبيب" 167، والشاهد في البيت: مجيء حتى عاطفة، حيث نصب نعله، ويستشهد به أيضًا على مجيئها ابتدائية برفع نعله. (¬5) تقدم تخريج البيت قريبًا. (¬6) ينظر في حتى: "الكتاب" لسيبويه 1/ 96 - 97، 3/ 16 - 27، "المقتضب" للمبرد 2/ 38 - 43، "معاني القرآن" للفراء 1/ 132 - 138، "الأزهية" ص214 - 216، "مغني اللبيب" ص 166 - 176.

فأعلم أولياءه أنه ناصرهم لا محالة، وأن ذلك قريب منهم كما قال {أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [المجادلة: 22]. وقوله تعالى: {مَتَى نَصْرُ اللَّهِ} (متى) سؤال عن زمان؛ لأن جوابها يقع بالزمان، ألا ترى أنك تقول: متى زيد خارج؟، فيكون الجواب: يوم الجمعة أو يوم السبت، فإذا كان الاسم الذي يلي (متى) جثة احتاج إلى خبر، كقولك: متى زيد منطلق؟، ولا يجوز أن تقول: متى زيد، وتسكت؛ لأن ظروف الزمان لا تكون خبرًا للجثث، وإن كان الاسم الذي (يلي) (¬1) (متى) لا يكون جثة، حسن السكوت على ذلك الاسم، كقولك: متى القتال؟ وكما في هذه الآية {مَتَى نَصْرُ اللَّهِ}؛ لأن ظروف الزمان تكون خبرًا للمصادر (¬2). وقوله تعالى {أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ} (ألا) صلةٌ لابتداء الكلام، كأنه تنبيهٌ للمخاطب. قال صاحب النظم: في هذه الآية مبتدآن وجوابان، جمع بين المبتدأين والجوابين، فقوله: {حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ} مبتدآن. وقوله: {مَتَى نَصْرُ اللَّهِ} إلى آخر الآية جوابان لهما، مجموع بينهما، فيحتاج أن يرد كل جواب إلى ابتداء به ليبين نظم الكلام، والتقدير: حتى ¬

_ (¬1) (هو) في (ي) و (ش). (¬2) ينظر في متى: "الكتاب" لسيبويه 1/ 217 - 218، "المقتضب" 3/ 63، 289، "الأزهية" 200 - 201، "مغني اللبيب" 440 - 441، قال في "التبيان" ص 131: وموضع متى رفع؛ لأنه خبر المصدر، وعلى قول الأخفش موضعه نصب على الظرف، ونصر مرفوع به.

215

يقول الذين آمنوا متى نصر الله، فيقول الرسول: ألا إن نصر الله قريب، وإنما قلنا إنه كذلك؛ لأن الرسول لا يشبهه (¬1) أن يقول: متى نصر الله، وهذا حسن (لمن) (¬2) تأمله، وذكر عبد الملك بن محمد الصدفي في هذه الآية، يرفعه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، "أن نبيًا من الأنبياء سأل ربه السعة في الرزق، فأوحى الله إليه: أما يكفيك أني عصمتك أن تكفرني حتى تسألني السعة في الرزق، ولو رضي الله الدنيا لأحد من أوليائه ما نال فيها كافر جرعة ماء، ولكن الله تعالى لم يجعلها ثوابًا لمؤمن ولا عقابًا لكافر"، وقد قال الله تعالى: {وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (64)} [العنكبوت: 64]. يريد: الجنة لا موت فيها ولا نصبَ ولا تَعَبَ ولا هَرَمَ ولا سَقَم ولا هَمّ ولا حَزَنَ ولا شيءَ من الضر. 215 - قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ} الآية، قال عطاء عن ابن عباس (¬3): نزلت الآية في رجل أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: إن لي دينارًا؟ فقال: "أنفقه على نفسك" فقال: إن لي دينارين! فقال: "أنفقهما على أهلك"، فقال: إن لي ثلاثة؟ فقال: "أنفقها على خادمك"، فقال: إن لي أربعة؟ قال (¬4): "أنفقها على والديك"، وقال: إن لي خمسة؟ قال: "أنفقها على قرابتك"، قال: إن لي ستة؟ قال: "أنفقها في سبيل الله، وهو أخسها". وروي من طريق الكلبي عن ابن عباس: أن الآية نزلت في عمرو بن ¬

_ (¬1) في النسخ (أ) و (م) و (ب) يسبهه بدون نقط. (¬2) ساقطة من (ش). (¬3) تقدم الحديث عن رواية عطاء في المقدمة، وقد ذكره في "زاد المسير" 1/ 233، والرازي في "تفسيره" 2/ 24. (¬4) (فقال) في (ي). في جميع المواضيع.

الجموح الأنصاري (¬1)، وهو الذي قتل يوم أحد، وكان شيخًا كبيرًا هرمًا، وعنده مال عظيم، فقال: ماذا ننفق من أموالنا وأين نضعها؟ (فنزلت) (¬2) {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ} الآية (¬3)، ومعنى السؤال طلب الجواب. وقوله تعالى: {مَاذَا يُنْفِقُونَ} في محل (ماذا) من الإعراب قولان: أحدهما: أن تجعل (ما) مع (ذا) بمنزلة اسم واحد، ويكون الموضع نصبًا بـ (ينفقون) المعنى: يسألونك أي شيء ينفقون، ومثل جعلهم (ماذا) بمنزلة اسم واحد قول الشاعر: دَعِيْ مَاذا عَلِمْتُ سَأَتَّقِيْهِ ... ولكن بالمغِيبِ ينبّئُنِي (¬4) ¬

_ (¬1) ذكره الواحدي في "أسباب النزول" ص 69، وينظر: "زاد المسير" 1/ 233، "الوسيط" 1/ 215، "التفسير الكبير" 2/ 24، "البحر المحيط" 2/ 141. ورواية الواحدي في "أسباب النزول" و"البحر المحيط": (وهو أحسنها)، وأورده الهيثمي عن أبي هريرة ص 211 حديث رقم 828. وعمرو، هو عمرو بن الجموح بن زيد بن حرام الخزرجي الأنصاري، شهد العقبة وبدرًا في رواية، وجعله النبي - صلى الله عليه وسلم - سيد بني سلمة، وشهد أحدا، وكان أعرج شديد العرجة، واستشهد بها. ينظر: "معرفة الصحابة" لأبي نعيم 4/ 1984، "الاستيعاب" 3/ 253. (¬2) في (ي) (فأنزل الله). (¬3) ذكره الثعلبي بغير إسناد 2/ 337، وعنه نقل الحافظ ابن حجر في "العجاب" 1/ 534، وعزاه من طريق أبي صالح عن ابن عباس: الواحدي في "أسباب النزول" ص 69، وابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 233، وعزاه الواحدي في "الوسيط" 1/ 318، وعنه الفخر الرازي في "تفسيره" 6/ 20 إلى رواية الكلبي عن ابن عباس 6/ 24. وهو قول مقاتل بن سليمان كما في "تفسيره" 1/ وقول مقاتل بن حيان، نسبه إليه ابن المنذر كما في "الدر المنثور" 1/ 437. (¬4) البيت للمثقب العبدي، في "ديوانه" ص 213، ولمزرد بن ضرار في "ديوانه" ينظر: "المعجم المفصل" 8/ 250.

فلا يكون (ذا) مع (ما) إلا بمنزلة شيء واحد، كأنه قال: دعي الذي علمت، لأن (دَعِي) لا يتعلق بالجملة كما يتعلق السؤال، لو قلت: سَألُته أزيدٌ في الدار أم عمرو؟ صَحَّ، ولو قلت: دعي أزيد في الدار أم عمرو، لم يصح على ذلك الحد من غير حذف، والعرب تقول: عماذا تسأل؟ بإثبات الألف في (ما)، فلولا أن (ما) مع (ذا) بمنزلة اسم واحد لقالوا: عمذا (¬1) تسأل، بحذف الألف، كما حذفوها من قوله: {عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ} [النبأ: 1] و {فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا} [النازعات: 43] فلما لم يحذفوا الألف من آخر (ما) (¬2) علمت أنه مع (ذا) بمنزلة اسم واحد، فلم تحذف الألفُ منه، لما لم يكن آخر الاسم، والحذف يلحقها إذا كانت آخرًا، إلا أن تكون في شعرٍ، كقول الشاعر: عَلَى ما قام يشتمني لئيمٌ ... كخنزيرٍ تَمَرَّغَ في دَمَاني (¬3) ومما يحمل على أن (ما) و (ذا) فيه شيء واحد قول الشاعر: يا خُزْرَ تَغْلِبَ ماذا بالُ (¬4) نِسوتِكم ... لا يَسْتَفِقْنَ إلى الدَّيرين تَحْنَانا (¬5) فقوله: ماذا بالُ نسوتكم، بمنزلة: ما بال نسوتكم، فاستعمل (ماذا) ¬

_ (¬1) في (ي) (عماذا). (¬2) ساقطة من (ي). (¬3) البيت لحسان بن ثابت، قاله في هجو بني عابد. ينظر: "الحجة" 2/ 317 "شرح أبيات المغني" 5/ 220 "الخزانة" 2/ 537، "أمالي ابن الشجري" 2/ 233، "الشافية" 4/ 224، وابن يعيش 4/ 9، والعيني 4/ 554. والدمان كالرماد وزنًا ومعنى. (¬4) (قال) في (ي). (¬5) البيت لجرير يهجو الأخطل ينظر: "ديوانه" ص 167. و"الحجة" 2/ 317.

استعمال (ما) من غير أن ينضم إليها (ذا)، ألا ترى أنك لو حملت (ذا) على الذي في هذا البيت لم يَسْهُلْ: ما الذي بال نسوتكم؟ لأن المستعمل: ما بالُك، دون: ما الذي بالك (¬1). القول الثاني: أن تجعل (ذا) اسمًا يرفع (ما) كأنك قلت: ما الذي ينفقون؟ يعنى: أيَّ شيء الذي ينفقون، فيكون (ما) رفعًا بالابتداء و (ذا) خبرُها، والعرب قد تذهب بهذا وذا إلى معنى الذي، فيقولون: ومن ذا يقول (¬2) ذاك، في معنى من الذي، وأنشدوا: عَدَسْ ما لِعَبّادٍ عَلَيْكِ إمَارَةٌ ... أَمِنْتِ وَهَذَا تَحْمِليَن طَلِيقُ (¬3) كأنه قال: والذي تحملين طليق (¬4). وقد (¬5) مضى صدر من الكلام في (ماذا) عند قوله: {مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا} [البقرة: 26]. وقوله تعالى: {قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ} هذا جواب لسؤالهم. فإن (قيل): هذا الجواب لا يُطَابِقُ السُّؤَال، وما الجواب المطابق لهذا السؤال؟ ¬

_ (¬1) هذا الكلام بطوله من "الحجة" بتصرف يسير 2/ 316 - 318. (¬2) (يكون) في (م). (¬3) البيت ليزيد بن مفرغ الحميري قاله في عباد بن زياد، وكان يزيد قد أكثر من هجوه، حتى حبسه وضيق عليه، حتى خوطب في أمره معاوية، فأمر بإطلاق سراحه،. فلما خرج من السجن قدمت له بغلة فركبها فنفرت فقال هذا الشعر، في "ديوانه" ص170، "لسان العرب" 5/ 2837 "عدس" وعدس: اسم صوت لزجر البغل. (¬4) من "معاني القرآن" للفراء 1/ 138 - 139. (¬5) ينظر في إعراب الآية: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 306، "تفسير الثعلبي" 2/ 737، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 127، "التبيان" ص 131، قال: وموضع الجملة نصب بيسألون على المذهبين. "البحر المحيط" 2/ 142.

قيل: الجواب المطابق أن يقال: قل النفقة التي هي خير، وإنما عدل عن المطابق لحاجة السائل إلى بيان بجمع الدلالة على ما سأل وعلى غيره. ويحسن من المعلم الحكيم الذي يعلم الناس ويبصرهم أن يضمن الجواب مع الدلالة على المسؤول عنه، الدلالة على ما يحتاج إليه السائل في ذلك المعنى مما أغفله وترك السؤال عنه، فأما الجدل الذي يضايق فيه الخصم فالأصل فيه أن يكون الجواب على قدر السؤال من غير زيادة ولا نقصان ولا عدول عما يوجبه نفس السؤال. وقوله تعالى: {وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ} جزم {وَمَا تَفْعَلُوا} بالشرط، واسم الشرط وموضع {وَمَا} نصبٌ بـ {تَفْعَلُوا}، وجواب الشرط قوله: {فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} (¬1) ومعناه: (أنه يحصيه) (¬2) ويجازي عليه. قال ابن الأنباري: إن عمرو بن الجموح سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الصدقة لمن (¬3) يخص (¬4) بها عند الموت، فأنزل الله عز وجل هذه الآية قبل آية المواريث، فلما نزلت آية المواريث نسخت من هذه التصدق على الوالدين. ويقال: إن الإنفاق في هذه الآية لا يراد به الصدقة عند الموت، إنما يراد (¬5) به النفع في الدنيا، والإيثار بما يتقرب به الإنسان إلى الله تعالى، ¬

_ (¬1) ينظر في إعراب الآية: "إعراب القرآن" للنحاس1/ 306،"مشكل إعراب القرآن" 1/ 127، "التيبان" ص 131، "البحر المحيط" 1/ 142. (¬2) ساقط من (ش). (¬3) (لما) في (ي). (¬4) (نخص) في (ي) و (ش). (¬5) (أراد) في (ش).

216

فأخبر الله أن مريد ذلك ينبغي أن يتوخى به الوالدين والأقربين والمذكورين في الآية، وإذا خرج الإنفاق على معنى التصدق كانت الآية محكمة، وهذا معنى قول مقاتل بن حيان (¬1). وقال (¬2) كثير من أهل التفسير: إن هذا كان قبل فرض الزكاة، فلما فُرِضَتِ الزكاة بالآية التي في براءة، نسخت الزكاةُ هذه الآية (¬3). 216 - قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ} الآية، اعلم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان غير مأذون في القتال مدة إقامته بمكة، فلما هاجر أذن بعد الهجرة في قتال من يقاتله من المشركين دون من لا يقاتل (¬4)، ثم أذن في قتال المشركين عامة، وهذا كله قبل فرض الجهاد، ثم فرض الله الجهاد. واختلف العلماء في حكم هذه الآية، فمذهب عطاء أن المعني بهذا: أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خاصة دون غيرهم؛ لأنه قال: كان القتال مع النبي ¬

_ (¬1) ذكره في "الوسيط" 1/ 318. (¬2) في (أ) و (م): فقال. (¬3) من "تفسير الثعلبي" 2/ 738، وينظر: "تفسير الطبري" 2/ 343، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 381، و"الناسخ والمنسوخ" لابن العربي 2/ 72، و"نواسخ القرآن" لابن الجوزي ص 228، وقد بين ابن العربي في "أحكام القرآن" 1/ 145، أن الأولى أن تكون الآية في بيان مصارف صدقة التطوع، ولا نسخ؛ لأن شروطه معدومة وقال ابن الجوزي في "نواسخ القرآن" ص 229: والتحقيق أن الآية عامة في الفرض والتطوع، فحكمها غير منسوخ؛ لأن ما يجب من النفقة على الوالدين والأقربين إذا كانوا فقراء لم ينسخ بالزكاة، وما يتطوع به لم ينسخ بالزكاة، وقد قامت الدلالة على أن الزكاة لا تصرف إلى الوالدين والولد. وينظر: "النسخ في القرآن" للدكتور/ مصطفى زيد 2/ 656. (¬4) (يقاتله) في (ش).

- صلى الله عليه وسلم - فريضة (¬1). وسئل عبد الله بن عمرو عن الفرائض؟ فقال: الفرائض: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصيام رمضان، والجهاد في سبيل الله، وخالفه ابن عمر في الجهاد، فعد الفرائض وترك الجهاد (¬2). وقال بعضهم: كان الجهاد في الابتداء من فرائض الأعيان، ثم صار فرض كفاية؛ لقوله عز وجل {وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى} [النساء: 95] ولو كان القاعدُ مضيِّعًا فرضًا ما كان موعودًا بالحسنى. وقال بعضهم: لم يزل الجهادُ فرض كفاية، غير أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا استنفرهم تعين عليهم النفير؛ لوجوب طاعته (¬3). وقال الزهري والأوزاعي: كتب الله سبحانه الجهاد على الناس (غَزَوا أو قعدوا، فمن غزا فبها ونعمت، ومن قعد فهو عدة، إن ¬

_ (¬1) رواه عنه الطبري 2/ 344، وابن أبي حاتم 2/ 382، وينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 739، وقال النحاس في "الناسخ والمنسوخ": 1/ 531: وأما قول عطاء: إنها فرض، ولكنه على الصحابة فقول مرغوب عنه، وقد رده العلماء، وقد ذكر الثعلبي عن عطاء ما يوافق قول الجمهور من أن الجهاد في الأصل فرض كفاية 2/ 741. (¬2) رواه بسنده الجصاص في "أحكام القرآن" 4/ 311، وله قصة، وبين أنه مختلف في صحته، أما حديث ابن عمر المشهور: "بني الإسلام ... " فقد رواه البخاري (8) كتاب: الإيمان، باب: دعاؤكم إيمانكم، ومسلم (21) كتاب الإيمان، باب: بيان أركان الإسلام ودعائمه العظام. (¬3) قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" 6/ 37: فهو فرض كفاية على المشهور، إلا أن تدعو الحاجة إليه كأن يدهم العدو، ويتعين على من عينه الإمام، وممن ذكر أنه فرض كفاية أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص 205، والطبري في "تفسيره" 2/ 344 - 345، والثعلبي في "تفسيره" 2/ 741، وابن عطية في "المحرر الوجيز" 2/ 217.

استعين به أعان) (¬1)، وإن استنفر نفر، وإن استغني عنه قعد (¬2). وقال أبو عبيد: القول في الجهاد أنه حق لازم للناس، غير أن بعضهم يقضي ذلك عن بعض، وإنما وسعهم هذا لقوله: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً} [التوبة: 122] فإنها فيما يقال ناسخة لفرض الجهاد، والإجماع اليوم على أنه من فروض الكفاية، إلا أن يدخل المشركون ديار المسلمين فإنه يتعين على كافة المسلمين، إلى أن يقوم بكفايتهم من يصرف وجوههم. وقوله تعالى: {وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ} يعني: القتال كره لكم، وكان الكسائي يقول في الكَرْه والكُرْه: هما لغتان في المشقة (¬3) (¬4). قال الفراء: الكُره: المشقة، قمت على كُره، أي: على مشقة، وقال: أقامني على كره، إذا أكرهك عليه، فالكُره عند الفراء: الإجبار، ولهذا لم يقرأ هاهنا (كَرْه) بالفتح، كما قرأ في سائر المواضع بالضم والفتح؛ لأن المشقة هاهنا أليق من الإجبار (¬5). ¬

_ (¬1) ساقط من (م). (¬2) قول الزهري رواه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص 204، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 382، وقول الأوزاعي ذكره أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص 205، والطبري في "تفسيره" 2/ 344. (¬3) ساقط جميعًا من (ي). (¬4) ينظر في بيان أنهما لغتان بمعنى: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 365، و"تفسير الطبري" 2/ 345، و"الصحاح" 6/ 2247. (¬5) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 288، و"تهذيب اللغة" 4/ 3136 "كره"، و"المفردات" ص431، "عمدة الحفاظ" 3/ 459، "اللسان" 7/ 3864، 3865، قال الزجاج: والكره يقال فيه: كرهت الشيء كُرها وكراهية، وكل ما في كتاب =

قال الزجاج: وتأويله: وهو ذو كُره لكم، وهذا الكره من حيث المشقة الداخلة على النفس وعلى المال من المؤنة، وعلى الروح، (لا) (¬1) إن المؤمنين يكرهون فرض الله عز وجل (¬2)، وقال عكرمة: إنهم كرهوه ثم أحبوه، فقالوا: سمعنا وأطعنا (¬3). وقيل: {وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ} قبل أن يكتب عليكم. ¬

_ = الله عز وجل من الكُره فالفتح فيه جائز، إلا أن هذا الحرف الذي في هذه الآية ذكر أبو عبيدة أن الناس مجمعون على ضمه، قال الأزهري: الذي قاله أبو العباس والزجاج فحسن جميل. وقال الراغب: قيل: الكَره والكُره واحد، نحو الضَّعف والضُّعف، وقيل: الكَره: المشقة التي تنال الإنسان من خارج فيما يحمل عليه بإكراه، والكُره: ما يناله من ذاته وهو يعافه، وهو على ضربين: أحدهما: ما يعاف من حيث العقل والشرع، ولهذا يصح أن يقول الإنسان في الشيء الواحد إني أريده وأكرهه، بمعنى: إني أريده من حيث الطبع وأكرهه من حيث العقل أو الشرع، أو العكس، وقوله: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ} أي تكرهونه من حيث الطبع، ثم بين ذلك بقوله: {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ}، وكرهت يقال فيهما جميعا، إلا أن استعماله في الكره أكثر. اهـ- بتصرف. (¬1) ساقط جميعًا من (ي). (¬2) الزجاج 1/ 289، وعبارته: معنى كراهتهم القتال أنهم كرهوه على جنس غِلَظِه عليهم ومشقته، لا أن المؤمنين يكرهون فرض الله عز وجل، لا يفعل إلا ما فيه الحكمة والصلاح. (¬3) رواه الطبري في "تفسيره" 2/ 344، عن عكرمة عن ابن عباس، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 382 عن عكرمة، ولفظ الأثر: نسختها هذه الآية {وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} يعني: أنهم كرهوه ثم أحبوه، فقالوا: سمعنا وأطعنا، قال الطبري 2/ 344: وهذا قول لا معنى له؛ لأن نسخ الأحكام من قبل الله عز وجل لا من قبل العباد، وقوله: {سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} خبر من الله عن عباده المؤمنين وأنهم قالوه لا نسخ منه.

وقوله تعالى: {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} لأن في الغزو إحدى الحسنين: إما الظفر والغنيمة، وإما الشهادة والجنة، {وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا} يعني: القعود عن الغزو، وهو شر لكم؛ لما فيه من الذل والفقر وحرمان الغنيمة والأجر (¬1). {وَعَسَى} عند العامة شك وتوهم، وهي عند الله يقين وواجب. وعسى. فعل يتصرف، درج مضارعه وبقي ماضيه، فيقال منه: عسيتما وعسيتم، قال الله تعالى: {فَهَل عَسَيْتُم} [محمد: 22] يتكلم فيه على فعل ماض، (وأميت) (¬2) ما سواه من وجوه فعله. ويرتفع الاسم بعده كما يرتفع بعد الفعل، فتقول: عسى زيد، كما تقول: قام زيد، ويقال منه: أعس بفلان أن يفعل كذا، مثل أحر وأخلق، وبالعسى أن يفعل كذا، يقول: بالحري أن يفعل، ومعناه في جميع الوجوه: قريب وقَرُبَ وأَقْرِب به. ومنه قوله: {قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ} [النمل: 72]، بمعنى: قرب، ومنه: {قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا} [الإسراء: 51]، أي: قرب ذلك، وكثرت (عسى) على الألسنة حتى صارت كأنها مثل: (لعل). وتأويل (عسى): التقريب؛ لكون الشيء الذي يقع عليه ويقتضيه فيجري مجرى (كاد) (¬3) وقرب، ولما كانت فعلًا لم تخل من ذكر فاعل، وهو الاسم الذي يدل عليه (عسى)، كقولك: عسى زيد، فزيد رفع لأنه ¬

_ (¬1) من "تفسير الثعلبي" 2/ 745. (¬2) في (ي): ليست. (¬3) في (ي): عاد.

فاعل، ولا يخلو (عسى) إما أن يكون لازمًا أو متعديًا، فلو كان لازمًا لجاز أن تقول: عسى زيد، وتقف، فلما لم يكن ذلك كاملًا اقتضت (عسى) مفعولًا، فإذا قلت: عسى زيدٌ أن يقوم، فقولك: أن يقوم، مثل قولك: قيام كقوله: {وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ} [البقرة: 184] المعنى: والصيام خير لكم، فتأويل قولك: عسى زيد أن يقوم، عسى قيام زيد، بمعنى قَرُبَ قيام زيدٍ ورُجِي ذلك، إلا أنهم لما قلبوا فقدموا الاسم وأخَّروا الفعلَ رفعوا زيدًا، فـ (أن يقوم) في قولك: عسى زيد أن يقوم، في موضع نصب بوقوع فعل زيد (عليه) (¬1)، وجاء في القرآن بدخول أن كقوله: {عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ} [الإسراء: 8]. {عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ} [النمل: 72]، ولما كثرت عند العرب في ألفاظهم أسقطوا (أن) (¬2) كما قال الشاعر: عَسَى فَرَجٌ يأتي به اللهُ إنه ... له كلّ يَوْمٍ في خَلِيقَتِهِ أمْرُ (¬3) ¬

_ (¬1) في (ي) (وعليه). (¬2) ينظر في عسى وأحكامها: "الكتاب" لسيبويه 3/ 11، 12، 158، 4/ 233، "المقتضب" 3/ 68 - 72، "تهذيب اللغة" 3/ 2428، "المفردات" 338 ص، "عمدة الحفاظ" 3/ 92، "اللسان" 5/ 295، "مغني اللبيب" ص 201 - 204، وقال: ومعناه: الترجي في المحبوب، والإشفاق في المكروه، وقد اجتمعا في قوله تعالى: {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ}، ثم ذكر أنها تستعمل على سبعة أوجه. وقال في "البحر المحيط" 2/ 143: عسى هنا للإشفاق لا للترجي، ومجيئها للإشفاق قليل، وهي هنا تامة لا تحتاج إلى خبر، ولو كانت ناقصة لكانت مثل قوله: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا} [محمد: 22] فقوله: {أَن تَكرَهُوا} في موضع رفع بعسى. (¬3) البيت لمحمد بن إسماعيل، ينظر: "همع الهوامع" 1/ 131. "المعجم المفصل" 3/ 301.

وقال آخر: عَسَى الكَرْبُ الذي أمْسَيْتُ فيه ... يكونُ وَرَاءَه فَرَجٌ قَرِيبُ (¬1) وقوله تعالى: {وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ} قال أصحاب العربية: الشر: السوء، (وأصله) (¬2) من شَرَّرْت الشيءَ إذا بسطته، يقال: شَرَّرْتُ اللحمَ والثوبَ، إذا بسطته لِيَجِفّ، وكذلك أَشْرَرْتُه (¬3)، ومنه: وحتى أُشِرَّتْ بالأكفِّ المَصَاحِفُ (¬4) فالشر: انبساط الضر، والشرر: اللهب لانبساطه، قال ابن عباس (¬5): كنت رِدْف النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: "يا ابن عباس ارض عن الله بما قدر وإن كان خلاف هواك، إنه لمثبت في كتاب الله عز وجل"، قلت: يا رسول الله، أين وقد قرأت القرآن؟ قال: (مكيس) (¬6) {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ} (¬7). ¬

_ (¬1) البيت لهدبة بن خشرم في "خزانة الأدب" 9/ 328. "المعجم المفصل" 1/ 323. (¬2) ليست في (ش). (¬3) يقال: شرَّرت، وأشررت، وشرَرْت. (¬4) البيت لكعب بن جعيل، وقيل: إنه للحصين بن الحمام المرِّي، يذكر يوم صفين، وتمامه: فما برحوا حتى رأى الله صبرهم. أي نشرت وأظهِرت. ينظر: "اللسان" 4/ 2233 (شرر). (¬5) رواه عنه الطبري 2/ 344، وفي "الدر المنثور" عنه 1/ 439. ينظر: "تهذيب اللغة" 2/ 1853، "المفردات" ص260، "عمدة الحفاظ" 2/ 298، "اللسان" 4/ 2233 (شرر). (¬6) في (ي) و (ش) (مليس). ولم أعرف المراد من الكلمة. (¬7) رواه الطبري في "تفسيره" 2/ 344، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 745 وأبو المسفر السمعاني في "تفسيره" 2/ 275 قال أحمد شاكر: هذا إسناد مظلم، والمتن منكر، لم أجد ترجمة يحيى بن محمد بن مجاهد، ولا عبيد الله بن أبي هشام،=

217

وقوله تعالى: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} أي: يعلم ما فيه مصالحكم وما فيه منافعكم فبادروا إلى ما يأمركم به وإن شق عليكم. 217 - قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ} الآية، نزلت في سرية بعثها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى نخلة، فلما انتهوا إليها وافت خيل المشركين فيها عمرو بن الحضرمي (¬1) والحكم بن كيسان، فرمى واقد بن عبد الله (¬2)، وهو من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (¬3)، عمرو بن الحضرمي فقتله، وظهر المسلمون على المشركين، وأسَرُوا بعضهم، وأهل هلال رجب والمسلمون يقاتلون لا يعلمون بدخوله، فضجت قريش بمكة، وكانوا يستعظمون سفك الدماء في رجب، فأنزل الله تعالى هذه الآية (¬4). ¬

_ = ولا أدري ما هما، ولفظ الحديث لم أجده، ولا نقله أحد ممن ينقل عن الطبري. ينظر حاشية "تفسير الطبري" 4/ 299. (¬1) هو: عمرو بن العلاء الحضرمي، والحضرمي هو عبد الله بن عباد الصدفي، كان من صناديد كفار قريش، كان في عير تجارة قريش، قتله واقد بن عبد الله التميمي من سرية عبد الله بن جحش. انظر"البداية والنهاية" 5/ 37 - 39. (¬2) هو: واقد بن عبد الله بن عبد مناف بن عرين التميمي الحنظلي اليربوعي، صحابي أسلم قبل دخول الرسول دار الأرقم، بعثه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سرية عبد الله بن جحش إلى نخلة لمراقبة تحركات المشركين والإتيان بأخبارهم، فكان أول من قاتل من المسلمين، شهد بدرًا والمشاهد كلها توفي في أول خلافة عمر - رضي الله عنه -. انظر: "معرفة الصحابة" 5/ 2729، "أسد الغابة" 5/ 432 - 433. (¬3) من قوله: عمرو بن الحضرمي .. ساقط من (أ) ولا (م). (¬4) ينظر في سبب النزول: "تفسير الطبري" 2/ 347 - 348، "سيرة ابن هشام" 2/ 340، والبيهقي في "دلائل النبوة" 3/ 17، "تفسير الثعلبي" 2/ 753 - 760، والواحدي في "أسباب النزول" ص 69، قال ابن حجر في "تعليق التعليق" 1/ 76: وهو مرسل جيد، قوي الإسناد، وقد صرح فيه ابن إسحاق بالسماع.

فقوله: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ} يعني: أهل الشرك يسألون عن ذلك على جهة العَيْب للمسلمين باستحلالهم القتال في الشهر الحرام. وقوله تعالى {قِتَالٍ فِيهِ} هو خَفْضٌ على البدل من الشهر، وهذا من باب بدل الشيءِ من الشيءِ، والمعنى مشتمل عليه، ويسمى: بدلَ الاشتمال، وهو إبدال المصادر من الأسماء، كقولك: أعجبني زيدٌ عِلْمُه، وعجبت من عمروٍ أمرِه، ونفعنى زيدٌ كلامُه، ومثله قوله: {قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (4) النَّارِ} [البروج:4 - 5]، وقول الأعشى: لَقَدْ كان في حَوْلٍ ثَوَاءٍ ثَوَيْتُه ... تُقَضِّى لُبَانَاتٍ وَيسْأَم سَائِم (¬1) ومن هذا الباب: سُرِق زيدٌ مالُه، وسُلب زيدٌ ثوبُه (¬2). ومعنى الاشتمال في الآية: أن سؤالهم اشتمل على الشهر وعلى القتال، وسؤالهم (¬3) عن الشهر إنما كان لأجل القتال. وقيل: الخفضُ في {قِتَالٍ} على معنى تكرير (عن)، تقديرُه: وعن قتال فيه، وكذلك هو في قراءة ابن مسعود والربيع (¬4)، وقيل: إنه على ¬

_ (¬1) البيت للأعشى في "ديوانه" ص 177. "الكامل" للمبرد 2/ 265، وابن يعيش في "تفسيره" 1/ 386، "شواهد المغني" 297. قوله: ثواءٍ: الثواء: الإقامة، بالجر، قال ثعلب: وأبو عبيدة يخفضه، والنصب أجود، ومن روى تقضى لبنات فإنه ينبغي أن يرفع ثواء. ينظر: "شرح الديوان"، "مجاز القرآن"، "المعجم المفصل" 7/ 117. (¬2) ينظر في بدل الاشتمال: "الكتاب" لسيبويه 1/ 150 - 158، "المقتضب" 1/ 27، 4/ 296. (¬3) في (م): (ومعنى سؤالهم). (¬4) وبها قرأ ابن عباس والأعمى أيضا، ينظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 141، "المصاحف" لابن أبي داود 58، "تفسير الثعلبي" 2/ 767، "البحر المحيط" 2/ 145.

التقديم والتأخير، تقديره: يسألونك عن قتالٍ في الشَّهْرِ الحرامِ، وتم الكلام عند قوله: (قتال فيه كبير) (¬1). ثم ابتدأ فقال: {وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ}، وهو رفع على الابتداء، وما بعده من قوله: {وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ} مرتفع بالعطف على الابتداء (¬2) وخبره قوله تعالى: {أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ} هذا قول الزجاج (¬3)، وهو الصحيح (¬4)، وذكر الفراء في ارتفاع الصَّدِّ وجهين آخرين (¬5)، غُلِّطَ فيهما: أحدهما: أنه عطف على قوله: {كَبِيرٌ} يريد: قل القتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به، يعني: أن القتالَ قد جَمَع أنه كبير وأنه صَدٌّ وأنه كُفْرٌ، وهذا القول يؤدي إلى (¬6) أن يكون القتال في الشهر الحرام كفرًا ¬

_ (¬1) ينظر في إعراب هذه الآية: "معاني القرآن" للفراء 1/ 141، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 307، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 127، "التبيان" ص 132، "البحر المحيط" 1/ 145، وقد أعرض المؤلف عن وجه ذكره أبو عبيدة في "مجاز القرآن" 1/ 72، وهو الخفض على الجوار، قال النحاس: لا يجوز أن يعرب شيء على الجوار في كتاب الله عز وجل، ولا في شيء من الكلام، وإنما الجوار غلط، وإنما وقع في شيء شاذ وقال: وإن كان أبو عبيدة عنى الخفض على الجوار أنه تابع لمخفوض، فخفضه بكونه جاور مخفوضًا، أي: صار تابعا له، ولا نعني به المصطلح عليه جاز ذلك ولم يكن خطأ، وكان موافقا لقول الجمهور، إلا أنه أغمض في العبارة وألبس في المصطلح. (¬2) من قوله: (وما بعده من ..) ساقطة من (ي). (¬3) ذكره الزجاج في "تفسيره" 1/ 290. (¬4) ينظر في إعراب الآية: المصادر السابقة. (¬5) "معاني القرآن" للفراء 1/ 141. (¬6) ساقطة من (ش).

بالله، وهو خطأ بإجماع من الأمة. والوجه الآخر: أن يجعل الصد مرتفعًا بالابتداء، وخبره محذوف لدلالة {كَبِيرٌ} المتقدم عليه، كأنه قال: والصد كبير، كقولك: زيد منطلق وعمرو، فيصير التقدير: قل قتال فيه كبير، وكبيرٌ الصد عن سبيل الله والكفر به، وينتقض هذا عليه بقوله: {وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ}؛ لأنه يستأنف على ما ذكر من التقدير قوله: {وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرِ} (¬1) وإخراج أهله منه لا يكون أكبر عند الله من الكفر به، ومن قال: إنه أكبر فهو غالط بالإجماع (¬2). ومعنى الصد: الحَبْس، يقال: صَدَّ عن الشيء صُدُودًا، إذا صَدَف عنه، وصَدَّ غَيرَه يَصُدّ صَدًّا (¬3)، ويعني بهذا الصد: أن المشركين منعوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه عن البيت عام الحديبية (¬4). وقوله تعالى: {وَكُفْرٌ بِهِ} أي: بالله {وَالْمَسْجِدِ} يُخْفَضُ بالعطف على {سَبِيلِ اللَّهِ} تقديره: وصدٌّ عن سبيلِ الله وعن المسجدِ الحرام؛ لأن المشركين صدوا المسلمين عنه؛ كما قال الله سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ¬

_ (¬1) من قوله: وإخراج. ساقطة من (أ)، (ي). (¬2) ينظر في مناقشة الفراء: "مشكل إعراب القرآن" لمكي 1/ 128. (¬3) ينظر في الصد "تهذيب اللغة" 2/ 1984 , 1985، "المفردات" ص 279، "اللسان" 4/ 2409 "صد". (¬4) ذكر الثعلبي في "تفسيره" 2/ 767 مثل قول الواحدي، دون قوله: عام الحديبية، وفيه إشكال؛ لأن الآية نزلت قبل ذلك، والظاهر أن المراد بالصد عن سبيل الله: الصد عن دين الله. ينظر: "المحرر الوجيز" 2/ 221، "تفسير القرطبي" 3/ 46، وقد حاول الرازي الإجابة عن هذا بأن المراد أنه معلوم لله قبل وقوعه، والأولى ما ذكرنا.

وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [الحج: 25]. وقال الفراء: المسجد الحرام مخفوض بقوله: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ} وعن المسجد (¬1)، وأُنكر (¬2) عليه هذا، بأنهم لم يُسْأَلوا عن المسجد، وإنما السؤال عن القتال في الشهر الحرام (¬3)، وله أن يقول: إن القوم لما استعظموا القتال في الشهر الحرام وكان القتال عند المسجد الحرام فجرى مجراه في الاستعظام (جمعوهما) (¬4) في السؤال، وإن كان القتال إنما وقع في الشهر الحرام خاصة، كأنهم قالوا: هل استحللت الشهر الحرام وَالْمَسْجِد الحَرَام؟ (¬5)، ولا يجوز حمله على الهاء في (¬6) (وكفر به)؛ لأنه لا يعطف على المضمر المجرور إلا بإعادة الجار، ولأنه ليس المعنى: على كفر بالله والمسجد. وقيل: إنه خفض بواو القسم وليس بشيء (¬7). وقوله تعالى: {وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ} أي: أهل المسجد منه {أَكْبَرُ} أعظم وزرًا وعقوبة {عِنْدَ اللَّهِ} (¬8). {وَالْفِتْنَةُ} أي: الشرك والكفر {أَكْبَرُ ¬

_ (¬1) "معاني القرآن" للفراء 1/ 141. (¬2) في (ش): (فأنكر). (¬3) ينظر في مناقشة قول الفراء: "مشكل إعراب القرآن" 1/ 128، "المحرر الوجيز" 2/ 221، "التفسير الكبير" 6/ 34، "التبيان" ص 133. (¬4) في (أ) (ي): (مجوعهما) وفي (م): (فجمعوهما). (¬5) ليست في (ي). (¬6) في (ي) (الباقى) وفي (م) (الثاني) وفي (ش) (الباقى). (¬7) ينظر في إعراب الآية: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 308، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 128، "التبيان" ص 133، "البحر المحيط" 2/ 146. (¬8) ينظر: "تفسيرالثعلبي" 2/ 768.

مِنَ الْقَتْلِ}، يعني: قتل ابن الحضرمي (¬1)، فلما نزلت هذه الآية كتب عبد الله أبن جحش (¬2)، صاحب هذه السرية، إلى مؤمني مكة: إذا عيركم المشركون بالقتال في الشهر الحرام، فعيروهم أنتم بالكفر وإخراج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من مكة ومَنْع المؤمنين عن البيت (¬3). وأما حكم القتال في الشهر الحرام اليوم، فالعلماء فيه مختلفون: قال ابن جريج (¬4): حلف لي عطاء بالله: ما يحل للناس أن يغزوا في الحَرَم (¬5) ولا في الشهر الحرام إلا أن يُقاتَلوا. وروى أبو الزبير عن جابر (¬6)، قال: لم يكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يغزو في الشهر الحرام إلا أن يُغْزى (¬7)، فإذا حضر ذلك أقام حتى ينسلخ. وسئل سعيد بن المسيب (¬8): هل يصلح للمسلمين أن يقاتلوا الكفار في الشهر الحرام؟ قال: نعم، وقال ذلك سليمان بن يسار (¬9)، وهذا مذهب قتادة (¬10) ¬

_ (¬1) المصدر السابق. (¬2) هو: عبد الله بن جحش بن رباب بن يعمر بن صبرة، أبو محمد الأسدي، أمه أميمة بنت عبد المطلب، أسلم قبل دخول الرسول - صلى الله عليه وسلم - دار الأرقم وهاجر الهجرتين، كان أول أمير أمره الرسول - صلى الله عليه وسلم -، شهد بدرا وقتل في أحد شهيدًا سنة 3هـ. انظر "أسد الغابة" 3/ 194 - 195، "الأعلام" 4/ 76. (¬3) ذكر ذلك الثعلبي في "تفسيره" 2/ 768، البغوي في "تفسيره" 1/ 248. (¬4) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 353. (¬5) في (ش) (بالحرم). (¬6) المصدر السابق. (¬7) في (ي) (يغروا). (¬8) ذكره في "زاد المسير" عنه 1/ 237، والرازي في "تفسيره" 2/ 23. (¬9) ذكره في "زاد المسير" عنه 1/ 237. (¬10) لم أجده عنه.

وغيره من العلماء، يرون القتال في الشهر الحرام، قال أبو عبيد: والناس اليوم بالثغور جميعًا على هذا القول، يرون الغزو مباحًا في الشهور كلها حلالها وحرامها ولم أر أحدًا من علماء الشام والعراق ينكره عليهم، وكذلك حب قول أهل الحجاز، والحجة في إباحته قوله جل ثناؤه: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} [التوبة: 5]، هذه الآية عندهم ناسخة لتحريم القتال في الشهر الحرام. وقوله تعالى: {وَلَا يَزَالُونَ} يعني: مشركي مكة، وهو فعل لا مصدر له، يقال: ما يزال يفعل كذا، ولا (¬1) يزال، ولا يقال منه فاعل ولا مفعول، ومثله من الأفعال كثير، نحو: (عسى)، ليس له مصدر ولا مضارع، وكذلك {وَذَرُوا مَا بَقِيَ} [البقرة: 278]، وهَلُمّ وهَاكَ وهَاتِ وتَعَالَوا. ومعنى (لا يزالون) أي: يدومون، وكأن هذا مأخوذ من قولهم: زال عن الشيء، أي: تركه، فقولك: ما زال يفعل كذا، أي: لم يتركْه، وقلّ ما يتكلم به إلا بحرف نفي لأنه يبطل المعنى، وذلك أنك إذا قلت: زال زيد، فإنما أثبت زوال القيام، فإذا أدخلت حرف النفي نفيت الزوال، وبينت معنى الدوام، ومثله: (ما برح) بهذا التقدير سواء (¬2). وقوله تعالى: {وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ} أظهر التضعيف مع الجزم؛ لسكون الحرف الثاني، وهو أكثر في اللغة من الإدغام (¬3). ¬

_ (¬1) في (ي)، (ش) (أولا يزال). (¬2) ينظر في زال وأحكامها: "المقتضب" للمبرد 3/ 96 - 189، 4/ 119 - 120، "تهذيب اللغة" 2/ 1577، "المفردات" 216، "اللسان" 3/ 1901"زول". (¬3) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 290، "التبيان" ص 133.

وقوله تعالى: {فَيَمُتْ} جزم بالعطف على {يَرْتَدِدْ} (¬1) (¬2) وجوابهما (¬3): قوله تعالى: {فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ} أي: بطلت، يقال: حَبِطَ عملُ الرجلِ يَحْبَطُ حَبَطًا وحُبُوطًا، وأَحْبَطَه اللهُ إِحْبَاطًا (¬4)، وأصله: من الحَبَط، وهو فساد يلحق الماشية في بطونها لأكل الكلأ حتى تَنْتَفِخَ أجوافها، ومنه الحديث "وإن مما (¬5) ينبت الربيعُ ما يقل حَبَطًا" (¬6). وسمي بطلان الأعمال بهذا لأنه كفساد الشيء لمصيره إلى ما لا ينتفع به (¬7)، والحكم في هذا أن المسلم إذا ارتد -أعاذنا الله من ذلك- فأعماله وطاعاته موقوفة، فإن عاود ¬

_ (¬1) في (ي) (يرتد). (¬2) "تفسير الثعلبي" 2/ 768، "التبيان" ص 133. (¬3) في (ش) (وجوابها). (¬4) ونقل في "تهذيب اللغة" 1/ 726 "حبط" عن ابن السكيت، يقال: حَبَط عملُه يحبُط حبْطا وحُبوطا، بسكون الباء، وحبِط بطنُه إذا انتفخ يحبَط حبَطا فهو حبِط، ورأيت بخط الأقرع في كتاب ابن هانىء: حبَط عملُه يحبُط حبوطا وحبْطا، وهو أصح، ثم قال في 1/ 728: قلت: ولا أرى حبْط العمل وبطلانه مأخوذا إلا من حبَط البطن؛ لأن صاحب الحبَط يهلِك، وكذلك عمل المنافق والمشرك يحبط، غير أنهم سكنوا الباء من قولهم: حبط بطنُه يحبَط حبْطا، كذلك أثبت لنا عن ابن السكيت وغيره. (¬5) في (ي): (ما). (¬6) أخرجه البخاري (6427) كتاب: الرقاق، باب: ما يحذر من زهرة الدنيا والتنافس فيها، ومسلم (1052) كتاب الزكاة، باب: تخوف ما يخرج من زهرة الدنيا. قال الأزهري في "تهذيب اللغة" 1/ 727: هو مثل الحريص المفرط في الجمع والمنع، وذلك أن الربيع يُنْبِتُ أحرار العشب التي تَحْلَوْليها الماشية فتستكثر منها حتى تنتفخ بطونها وتهلِك، وكذلك الذي يجمع الدنيا، ويحرص عليها ويشحّ على ما جمع حتى يمنع ذا الحق حقه منها. (¬7) ينظر في حبط: "تهذيب اللغة" 1/ 726، "المفردات" ص 113 - 114، "عمدة الحفاظ" 1/ 423 - 425، "لسان العرب" 2/ 755.

218

الإسلام لم تحبط، ولم يبطل حجه الذي فرغ منه في الإسلام، وإن لم يعد ومات على الردة حبط (¬1) عمله؛ لأن الله تعالى قال: {فَيَمُت وَهُوَ كَافِرٌ}. 218 - قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا} نزلت في عبد الله بن جحش وأصحابه، قالوا لرسول الله: أصبنا القوم في رجب أنرجو أن يكون لنا أجر المجاهدين في سبيل الله؟ فأنزل الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا} (¬2) يعني بمحمد {هَاجَرُوا} فارقوا عشائرهم وأوطانهم (¬3)، وأصله من الهجر، الذي هو ضِدّ الوَصْل، ومنه قيل للكلام القبيح: الهُجْرة لأنه مما ينبغي أن يهْجَر، والهاجِرة: وقتٌ يُهْجَر فيه العمل (¬4). {وَجَاهَدُوا} يعني: جاهدوا المشركين، ومعناه: حملوا أنفسهم على المشقة في قتالهم، ومنه: يقال: اجتهد فلان رأيه، إذا حمل نفسه على المشقة في بلوغ صواب الرأي، وأصله: من الجُهْد، الذي هو المشقة، ومنه: الجهاد، وهو الأرض الصلبة، لحمل النفس في ركوبها على ¬

_ (¬1) في (أ) (م) (يحبط). (¬2) رواه الطبري في "تفسيره" 2/ 356، والواحدي في "أسباب النزول" ص 71، والثعلبي في "تفسيره" 2/ 769، وقد رواه الطبري من حديث جندب بن عبد الله في "تفسيره" 4/ 306، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 384، وأبو يعلى في "مسنده" 3/ 102، وهو تمام قصة سبب النزول في الآية السابقة ومذكور في بعض رواياتها. (¬3) "تفسيرالثعلبي" 2/ 769. (¬4) ينظر في هجر "تهذيب اللغة" 4/ 3717، "المفردات" ص514 - 515، "عمدة الحفاظ" 4/ 278 - 280، "لسان العرب" 8/ 4617. قال الراغب: الهجْر والهِجران: مفارقة الإنسان غيره، إما بالبدن أو باللسان أو بالقلب.

219

المشقة (¬1) {فِى سَبِيلِ اللَّهِ} في نصرة دين الله (¬2). {أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ} قال الزجاج: إنما قال: {يَرْجُونَ} لأنهم عند أنفسهم غير بالغين ما يجب لله (¬3) عليهم، ولا يعلمون ما يختم به أمرهم (¬4). {غَفُورٌ رَّحِيمٌ} غفر لعبد الله بن جحش وأصحابه ما لم يعلموا ورحمهم. 219 - قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ} الآية، نزلت في عمر بن الخطاب ومعاذ بن جبل وسعد بن أبي وقاص وجماعة، أتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقالوا: أفتنا في الخمر والميسر، فإنهما مذهبة للعقل، مسلبة للمال، فنزل قوله: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ} (¬5). ¬

_ (¬1) ينظر في جهد "تهذيب اللغة" 1/ 675، "المفردات" ص 108، "عمدة الحفاظ" 1/ 405 - 406، "اللسان" 2/ 709. ونقل الأزهري في "تهذيب اللغة" 1/ 675 عن الليث: الجَهد: ما جَهد الإنسان من مرض أو أمر شاق، فهو مجهود، قال: والجُهد لغة بهذا المعنى. وقال الفراء: بلغت الجَهد. أي: الغاية، واجْهَدُ جهْدًا في هذا الأمر. أي ابلغ فيه غايتك، وأما الجُهد فالطاقة. وقال الراغب: الجَهد والجُهد: الطاقة والمشقة، وقيل: الجَهد بالفتح: المشقة، والجُهد: الوسع. (¬2) "تفسير الثعلبي" 2/ 769. (¬3) في (ي): (ما يحب الله). (¬4) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 290 - 291. (¬5) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 770، وعنه ابن حجر في "العجاب" 1/ 546، وذكره الواحدي في "أسباب النزول" ص 73، البغوي في "تفسيره" 1/ 249، وابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 239، وأبو حيان في "البحر المحيط" 2/ 156. وورد عن عمر قوله: لما نزل تحريم الخمر قال عمر: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا، فنزلت الآية التي في البقرة: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ} فدعي عمر فقرئت عليه، قال: اللهم بين لنا في الخمر بيانًا شافيًا. الحديث رواه أبو داود =

والخَمْر عند أهل اللغة سميت خمرًا لسترها العقل. قال ابن المُظَفَّر: الَخْمر معروف، واختمارها: إِدْرَاكها وغَلَيَانُها، ومُخَمِّرُها: مُتَّخِذُها، وخُمْرَتُها: ما غشي المَخْمورَ من الخُمَارِ (¬1)، وأنشد: وقد أَصَابَتْ حُمَيَّاها مَقَاتِلَهُ ... فلم تكَد تَنْجَلِي عن قَلْبِه الخُمَرُ (¬2) وخَمَرْتُ الدابةَ أُخْمِرُها، إذا سَقَيْتُهَا الخَمْر (¬3)، قال الكسائي: اختمرت خمرًا، ولا يقال: أخمرتها (¬4)، وأصل هذا السحرف: التغطية. روى ثعلب عن عمرو عن أبيه (¬5) قال: الخَامِرُ: الذي يَكْتُمُ شَهَادَتَهُ، وفي الحديث: "خمروا آنيتكم" (¬6). وقد اخْتَمَرَتِ المرأةُ بخمارها، وتَخَمَّرَتْ وهي حَسَنَهُ الخِمْرَةِ، ¬

_ = (3670) كتاب الأشربة، باب: تحريم الخمر، والترمذي (3048) كتاب التفسير، باب: من سورة المائدة، والنسائي 8/ 286 كتاب الأشربة، باب: تحريم الخمر، وأحمد 1/ 53، والحاكم 2/ 305، وقال: صحيح على شرط الشيخين، وصححه ابن المديني كما في "تفسير ابن كثير" 1/ 274. (¬1) في "مقاييس اللغة" 2/ 215 زيادة: [والسكر في قلبه] والكلام منسوب إلى الخليل فلعل الليث ناقل كما قال محقق "تهذيب اللغة"، كما أنه أخبر عن الخمر بالمذكر فقال: معروف، وكذا في "التهذيب"، والعبارة المنقولة عن الخليل: الخمر معروفة. (¬2) البيت بلا نسبة في "تهذيب اللغة" 1/ 1099، "مقاييس اللغة" 2/ 215، "لسان العرب" 2/ 1259 (خمر) وروايته: لذٌّ أصابت. (¬3) نقله عن ابن المظفر في "تهذيب اللغة" 1/ 1099. (¬4) نقل عنه في "تهذيب اللغة" 1/ 1099 قوله: أبو عبيد عن الكسائي: خمرت العجين وفطرته، وهي الخمرة الذي يجعل في العجين يسميه الناس: الخمير. (¬5) في "تهذيب اللغة" 1/ 1099: ثعلب عن ابن الأعرابي. (¬6) رواه البخاري (3280) كتاب بدء الخلق باب صفة إبليس وجنوده، ومسلم (2013) كتاب الأشربة باب تغطية الإناء في الأشربة باب الأمر بتغطية الإناء وإيكاء السقاء، من حديث جابر بن عبد الله. والتخمير: التغطية.

ويقال: خَامِرِي أمَّ عَامر (¬1)، أي: ادخُلِي الخَمَرَ، واستتري، والخَمَرَ: ما واراك من شجرٍ وغيره من وهْدَةٍ وأَكَمَةٍ. وقيل: سميت خمرًا؛ لأنها تُغَطَّى حتى تدرك، وقال ابن الأنباري: سميت خَمْرًا؛ لأنها تُخَامِرُ العَقْلَ، أي: تخالِطُه، يقال: خَامَره الداءُ، إذا خَالَطَه، وأنشد لكثير: هَنِيئًا مَرِيئًا غيرَ داءٍ مُخَامِرٍ (¬2) يقال: خامر السقامُ كبدَه، وخامرت كبدُه السقامَ، تجعل أيهما شئت فاعلًا، قال: أتَيْت الوَلِيدَ له عَايدًا ... وقد خَامَرَ القَلْبُ منه سَقَامَا (¬3) وهذا (¬4) الذي ذكره راجع إلى الأول؛ لأن الشيء إذا خالط (¬5) الشيء يصير بمنزلة الساتر، هذا قول أهل اللغة في اشتقاقها (¬6). ¬

_ (¬1) مثَل يضرب للرجل الأحمق، وأم عامر هي الضبع، قال ابن السكيت: الضبع محَمَّق، ويدخل عليها الرجل في وجارها تحمل عليه، فيقول: خامري أم عامر، ليست أم عامر هاهنا، فتمكنه حتى يكْعمَها ويوثقها بحبل ثم يجرها. ينظر: "تهذيب اللغة" 1/ 1099، "مقاييس اللغة" 2/ 217، "مجمع الأمثال" للميداني 1/ 238. (¬2) عجز البيت: لعزة من أعراضنا ما استحلت. والبيت في "ديوانه" ص100، كتاب "العين" 4/ 263، "مقاييس اللغة" 2/ 216. "المعجم المفصل" 1/ 547. (¬3) البيت لم أهتد إلى قائله، ولا من ذكره. (¬4) في (ش) (وهو). (¬5) في (ي) (خالطه). (¬6) ينظر في مادة خمر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 291، "تهذيب اللغة" 1/ 1101، "المفردات" ص 165، "عمدة الحفاظ" 1/ 614، "اللسان" 2/ 1261.

فأما حدها: فمذهب الثوري (¬1) وأبي حنيفة وأكثر أهل الرأي (¬2): أن الخمر ما اعتصر من الحبلة (¬3) والنخلة، فغلى (¬4) بطبعه دون عمل النار فيه، وأن ما سوى ذلك فليس بخمر، ومذهب مالك (¬5) والشافعي (¬6) وأحمد (¬7) وأهل الأثر (¬8): أن الخمر كل شراب مسكر، سواء كان عصيرًا أو نقيعًا، مطبوخًا كان أو نيئًا. واللغة تشهد لهذا. قال الزجاج: القياس أن ما عمل عمل الخمر أن يقال لها خمر، وأن يكون (¬9) في التحريم بمنزلها (¬10)، لأن إجماع العلماء أن القمار كله حرام، وإنما (¬11) ذكر الميسر من بينه وهو قمار في الجُزُر (¬12)، وحُرِّم كلُّه قياسًا على الميسر، وكذلك كل ما كان كالخمر فهو بمنزلته، وكل مُسْكِرٍ مخالط للعقل مُغَطٍّ عليه فهو خمر، ويقال لكل شارب غلبه بخار شرب المسكر، ¬

_ (¬1) ينظر: "اختلاف العلماء" للمروزي 204، "تفسير الثعلبي" 2/ 784، "بداية المجتهد" 1/ 549. (¬2) ينظر: "مختصر الطحاوي" ص 278، "شرح معاني الآثار" 4/ 212، "أحكام القرآن" للجصاص 1/ 324. (¬3) الحبلة: العنبة. (¬4) في (م): (فغشي). (¬5) ينظر: "الموطأ" في الأشربة، باب: الحد في الخمر 1/ 843، "المدونة" 6/ 261. (¬6) ينظر. "الأم" 6/ 195. (¬7) ينظر: "المغني" 12/ 514، "شرح الزركشي على مختصر الخرقي" 6/ 372. (¬8) ينظر: "التمهيد" 1/ 245، "أحكام القرآن" لابن العربي 1/ 149. (¬9) في (ش) (تكون). (¬10) ابن الأنباري، ذكره الزجاج 1/ 291. (¬11) في (ش): (وإما). (¬12) في (م): (الجزد)، وفي (ش): (الجرر)، وفي (ي): (الحرر).

أيِّ مُسْكِرٍ كان: مخمور، وبه خمار، فهذا بين واضح، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - "إن من التمر لخمرًا، وإن من العنب لخمرًا، وإن من الزبيب لخمرًا، وإن من الحنطة لخمرًا، وإن من الشعير لخمرًا، وإن من الذرة لخمرًا، وأنا أنهاكم عن كل مسكر" (¬1). وقوله تعالى: {وَالْمَيْسِرِ} يعني: القمار، قال ابن عباس: كان الرجلُ في الجاهلية يخاطر الرجلَ على أهله وماله، فأيهما قمر صاحبه ذهب بماله، فأنزل الله هذه الآية (¬2). والمَيْسِر عند أهل اللغة: مَفْعِل، من قولهم: يَسَر لي هذا الشيء يَيْسِرُ يَسَرًا ومَيْسِرًا، إذا وجب، والياسر: الواجبُ بقدح وجب ذلك أو مُنَاحبةٍ (¬3) أو غير ذلك، هذا أصله، ثم قيل للقمار: ميسر، وللمقامر: ياسر ويسرٌ (¬4)، قال: يَسَرُ الشِّتَاءِ وفَارِسٌ ذو قدمة ... في الحَرْبِ أن حَاصَ الجَبَانُ مَحِيصَا (¬5) ¬

_ (¬1) أخرجه أبو داود (3672) كتاب الأشربة، باب: الخمر مما هو؟، والترمذي (1872) كتاب الأشربة، باب: ما جاء في الحبوب التي يتخذ منها الخمر، وابن ماجه (3380) كتاب الأشربة، باب: مما يكون منه الخمر، والإمام أحمد 4/ 267 والحاكم 4/ 164 وصححه. وحسنه الحافظ ابن حجر في "الفتح" 10/ 44. (¬2) رواه أبو عبيد في " الناسخ والمنسوخ" ص 249، والطبري في "تفسيره" 2/ 358، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 90،والنحاس في "الناسخ والمنسوخ" 1/ 628، والثعلبي في "تفسيره" 2/ 878، "الدر المنثور" 1/ 452. (¬3) في (ش): مناجية. وفي (أ) كأنها: مناخبة، وما أثبت من "تفسير الثعلبي" 2/ 878، والمناخبة: المراهنة والمخاطرة كما في النهاية، وأثبت محقق "تفسير الطبري" فتاحة. (¬4) "تفسير الطبري" 2/ 357، "تفسير الثعلبي" 2/ 878، وعنده: الواجب بقداح. (¬5) البيت لم أهتد لقائله، ولا من ذكره.

ويجمع يَسَر أَيْسَارًا. قال طرفة: وهم أيْسَارُ لُقْمَانَ إذا ... أغْلَتِ الشَّتْوَةُ أبْدَاءَ الجُزُرْ (¬1) قال ابن الأعرابي: يقال: يَسَر الياسِر يَيْسِر، إذا جاء بقِدْحِه للقمار (¬2). وقيل: أخذ الميسر من التجزئة والاقتسام (¬3)، ويقال: يَسَروا الشيء، أي: اقتسموه، قال: أقولُ لهم بالشِعْبِ إذ يَيْسِرُونني ... ألم تيأسوا أني ابنُ (¬4) فَارِسِ زَهْدَمِ (¬5) أي: تقتسمونني كما نقتسم أعضاء الجزور في الميسر، أراد أنهم أخذوا فداه فاقتسموه، فكأنهم اقتسموا نفسه، وكانت العرب تنحر الجزور وتجعله أقسامًا (¬6) يتقامر عليها بالقِداح، على عادة لهم في ذلك (¬7). قال النضر: الياسر: الجزار، ويَسَرْتُ الناقة، أي (¬8): جَزَّأْتُ ¬

_ (¬1) البيت في "اللسان" 8/ 4959 (يسر)، "تفسير القرطبي" 3/ 53، والشتوة: مفرد شتاء، والعرب تجعل الشتاء مجاعة؛ لأن الناس يلتزمون فيه البيوت ولا يخرجون للانتجاع، وأبداء: جمع بدء، خير عظم في الجزور، وقيل: هو خير نصيب فيها. (¬2) نقله في "اللسان" 8/ 4959 (يسر). (¬3) من قوله: يسر الياسر. ساقط من (أ) و (م). (¬4) في (ش) و (ي): (لي). (¬5) البيت لسحيم بن وثيل اليربوعي، ينظر: "مجاز القرآن"،"اللسان" 8/ 4959، "تفسير القرطبي" 3/ 53، ورواية الأزهري في "تهذيب اللغة" 4/ 3981 "يسر". أقول لأهل الشعب، ورواية "اللسان": ألم تعلموا. وتيأسوا: تعلموا. وزهدم: اسم فرس. (¬6) ليست في (أ) ولا (م). (¬7) ينظر: "الميسر والقداح" لابن قتيبة ص 56 - 154، "تفسير الثعلبي" 2/ 879، "المحرر الوجيز" 2/ 234، "الميسر والأزلام" لعبد السلام هارون ص 12 - 54. (¬8) في (ش): (إذا).

لَحْمَها (¬1)، وقول الأعشى: والجَاعِلُو القُوتِ على اليَاسِرِ (¬2) يعني: الجازر، وقيل: الميسر من اليُسْر، وهو تَسَهُّلُ الشيء، وذلك أنهم كانوا يشتركون في الجزور لِيَسْهُل أمرُه (¬3)، وإلى هذا ذهب مقاتل؛ لأنه قال: (¬4) سمي ميسرًا لأنهم كانوا يقولون: يَسِّرُوا لنا ثَمَنَ الجَزُور (¬5)، وليست هذه الآية المُحَرِّمَةُ للخمر {وَالْمَيْسِرِ} (¬6) إنما المحرمة التي في المائدة (¬7). وقوله تعالى: {قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ} أراد: الإثم بسببهما من المخاصمة والمشاتمة، وقول الفحش والزور، وزوال العقل والمنع من الصلاة، والقمار يورث (¬8) الجماعة (¬9) العداوة، بأن يصير مال الإنسان إلى غيره بغير جزاء يأخذه عليه (¬10). ¬

_ (¬1) نقله في "تهذيب اللغة" 4/ 3980. (¬2) عجز بيت للأعشى، وصدره: لمطعمون اللحم إذا ما شتوا ينظر: "ديوانه" ص 95، "تهذيب اللغة" 4/ 3980، "لسان العرب" 8/ 4959 (يسر). (¬3) ينظر في الميسر: "الميسر والقداح" لابن قتيبة، "تهذيب اللغة" 4/ 3981، "عمدة الحفاظ" 4/ 409، "لسان العرب" 8/ 4959 (يسر). (¬4) ليست في (ش) (¬5) "تفسير مقاتل" 1/ 188. (¬6) ليست في (ي). (¬7) تقدم ذلك في ذكر سبب نزول الآية. (¬8) من قوله: الخاصمة. ساقط من (أ) ولا (م). (¬9) ليست في (أ) ولا (م) ولا (ي). (¬10) ينظر: "تفسيرالثعلبي" 2/ 889 - 890.

وقال الربيع (¬1) والضحاك (¬2): إثم كبير بعد التحريم، ومنافع للناس قبل التحريم. والأول الوجه، وعنى بالمنافع ما كانوا يصيبونه من المال في بيع الخمر، والتجارة فيها، واللذة عند شربها، والتقوي بها (¬3)، كقول الشاعر (¬4) الأعشى: لنا من ضُحَاها خُبْثُ نَفْسٍ وكَأبةٌ ... وذِكرى هُمُومٍ ما تَغِبُّ أَذَاتُها وعند العِشَاءِ طيبِ نَفْسٍ ولَذّةٍ ... ومالٍ كثِيرٍ عدة نَشَوَاتُها (¬5) ومنفعة الميسر: ما يصاب من القمار، ويرتفق به الفقراء (¬6). وقال قتادة: في هذه الآية ذمها ولم (¬7) يحِّرْمها، وهي يومئذ حلال (¬8). وذهب قوم من أهل النظر: إلى أن الخمر حرمت بهذه الآية؛ لأن الكتاب قد دل في موضع آخر على تحريم الإثم في قوله: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ} [الأعراف: 33] وقد حرم الإثم، وقال: {فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ}، فوجب أن يكون محرمًا (¬9). ¬

_ (¬1) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 361، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 891. (¬2) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 361، وذكره النحاس في "معاني القرآن" 1/ 174، والثعلبي في "تفسيره" 2/ 891. (¬3) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 292، "تفسير الثعلبي" 2/ 890 (¬4) ليست في (أ) ولا (م) ولا (ي). (¬5) البيتان للأعشى بن قيس في قصيدة فخر له، ينظر: "ديوانه" ص 31 وفي الأشربة لابن قتيبة ص 198، "تفسير الطبري" 2/ 359 "تفسير الثعلبي" 2/ 890. (¬6) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 293، "تفسير الثعلبي" 2/ 890. (¬7) في (ي): (فلم). (¬8) رواه الطبري في "تفسيره" 2/ 363، وذكره في "زاد المسير" 1/ 2414، وفي "الحجة" 2/ 307. (¬9) من "الحجة" 2/ 308.

واختلف القراء في قوله: {إِثْمٌ كَبِيرٌ} فقرأ حمزة والكسائي (كثير) بالثاء، الباقون بالباء (1)، وحجتهم: أن الباء أولى؛ لأن الكِبَر مثلُ العِظَم، ومقابل الكِبرِ الصِّغَر، قال الله تعالى: {وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ} [القمر: 53] وقد استعملوا في وصف الذنب العِظَمَ والكِبَرَ، يدل على ذلك قوله: {كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ} [النجم: 32]، {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ} [النساء: 31]، بالباء، كذلك هاهنا ينبغي أن يكون بالباء، ألا ترى أن شرب الخمر والميسر من الكبائر. وقالوا في اللمم: صغيرٌ وصغيرة، ولم يقولوا: قليل، فلو كان (كثير) متجهًا في هذا لوجب (2) أن يقال في غير الكبيرة (3): قليل، ألا ترى أن القلة تقابل الكثرة، كما أن الصغر يقابل الكبر. واتفاق القراء على الباء في {وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ}، ورفضهم الثاء مما يقوي الباء. وأما من قرأ بالثاء فلأنه قد جاء فيهما ما يقوي (4) وصف الإثم فيهما بالكثرة دون الكبر، وهو قوله: {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ} [المائدة: 91] فذكر عددًا من الذنوب فيهما، ولأن (5) النبي - صلى الله عليه وسلم - لعن عَشْرَةً في سبب الخمر (6)،

فدل على كثرة الإثم فيها، ولأن الإثم في هذه الآية عودل به المنافع فَحَسُنَ أن يوصف بالكثرة (¬1)؛ لأنه كأنه قال: فيه مضارٌّ كثيرةٌ ومنافعُ (¬2). وقوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ} نزل في سؤال عمرو بن الجموح، لما نزل قوله: {فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} [البقرة: 215] في سؤاله أعاد السؤال وسأل عن مقدار ما ينفق، فنزل قوله: {قُلِ الْعَفْوَ} (¬3). قال ابن عباس في رواية مقسم: العفو: ما فضل من المال عن العيال (¬4)، وهو قول السدي (¬5) وقتادة (¬6) وعطاء (¬7). ¬

_ (¬1) في (ش): (بالكثير) وفي (بالكبيرة). (¬2) من "الحجة" 1/ 312 - 314 بتصرف. (¬3) ذكر السيوطي في "لباب النقول" 1/ 41 أن ابن المنذر أخرج عن أبي حيان أن عمرو ابن الجموح سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - ماذا ننفق من أموالنا، وأين نضعها؟ فنزلت. وذكره مقاتل بنحوه 1/ 188 وذكر الثعلبي في "تفسيره" 2/ 891 أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حثهم على الصدقة، ورغبهم فيها من غير عزم، فقالوا: يا رسول الله، ماذا ننفق وعلى من نتصدق؟ فنزلت، وعنه نقله ابن حجر في "العجاب" 1/ 546، والسيوطي في "لباب النقول" ص 42، وعزاه لابن جرير، وبنحوه عند ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 381. (¬4) رواه سعيد بن منصور في "سننه" 3/ 838، والطبري في "تفسيره" 2/ 364، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 393، والنحاس في "الناسخ والمنسوخ" 1/ 133، والثعلبي في "تفسيره" 2/ 894. (¬5) رواه عنه الطبري 2/ 364، والثعلبي 2/ 893، البغوي في "تفسيره" 1/ 253. (¬6) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 89، والطبري 2/ 364، وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 393، والثعلبي في "تفسيره" 2/ 893 (¬7) رواه سعيد بن منصور 3/ 339، والطبري في "تفسيره" 2/ 364، وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 393، والثعلبي في "تفسيره" 2/ 893.

وقال في رواية الوالبي: ما لا يتبين (¬1) في أموالكم (¬2). وقال مجاهد: صدقة عن ظهر غنى (¬3). وأصل العفو في اللغة: الزيادة، قال الله تعالى: {حَتَّى عَفَوْا} [الأعراف: 95]، أي: زادوا على (ما) (¬4) كانوا عليه من العدد (¬5). وقال الشاعر: ولكنا نُعِضُّ السَّيْفَ منها ... بأسْؤُقِ عَافِيَاتِ الشَّحْمِ كُومِ (¬6) أي: زائدات الشحم. قال أهل التفسير: أُمِروا أن ينفقوا الفَضْل، وكان أهل المكاسب يأخذ الرجل من كسبه ما يكفيه في عامه، وينفق باقيه، إلى أن فرضت الزكاة، فنسخت آيةُ الزكاة المفروضة هذه الآية وكل صدقة أمروا بها قبل نزول الزكاة (¬7) (¬8). ¬

_ (¬1) في (ش): (مانبين) (¬2) رواه الطبري في "تفسيره" 2/ 364، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 394، والنحاس في "الناسخ والمنسوخ" 1/ 631، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 894. (¬3) رواه الطبري في "تفسيره" 2/ 365 بمعناه، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 894. (¬4) ساقطة من (ش). (¬5) "تفسيرالثعلبي" 2/ 896 (¬6) القائل: لبيد، ينظر: "ديوانه" ص 104، "مجاز القرآن" 0/ 222، "تفسير الطبري" 2/ 366 "تفسير الثعلبي" 2/ 896 والضمير في قوله: منها، يعود إلى الإبل، يقال: أعضَّه السيف، إذا ضربه به والباء في (أسوق) زائدة، كُوْم: عظام الأسمنة يقال في البعير: أكوم، والناقة: كوماء. (¬7) من قوله: المفروضة. ساقطة من (ي). (¬8) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 293، وعزاه الثعلبي 2/ 899 للكلبي، و"نواسخ القرآن" لابن الجوزي ص 238، واستظهر ابن الجوزي أن لا نسخ في الآية،=

واختلف القرَّاء في رفع العفو ونصبه، فقرؤا بالوجهين جميعًا (¬1)، فمن نصب جعل (ماذا) اسمًا واحدًا، فيكون قوله: {مَاذَا يُنْفِقُونَ} بمنزلة ما ينفقون (¬2)، و (ماذا) في موضع نصب، كما أن ما وأيًّا في قولك: ما ينفقون، وأيًّا ينفقون، كذلك (¬3)، وجواب هذا العفو بالنصب، كما تقول في جواب: ما أنفقت؟ درهمًا، أي: أنفقت درهمًا. ومن رفع العفو جعل ذا (¬4) بعد (ما) بمنزلة الذي، ورد العفو عليه فرفع، كأنه قال: ما الذي ينفقون؟ فقال: العفو، أي: الذي ينفقون العفو، فيضمن (¬5) المبتدأ الذي كان خبرًا في سؤال السائل، كما تقول في جواب ما الذي أنفقته؟ مال زيد، أي: الذي أنفقته مال زيد (¬6). قال أبو إسحاق: ويجوز أن تنصب {الْعَفْوَ} وإن كان (ما) وحدها اسمًا، تحمل (العفوَ) على ينفقون (¬7)، كأنه قيل (¬8): قل أنفقوا العفو، ¬

_ = وأنها في الإنفاق المندوب إليه، وقال الطبري 2/ 368: فهو أدب من الله لجميع خلقه على ما أدبهم به في الصدقات غير المفروضات، ثابت الحكم غير ناسخ لحكم كان قبله بخلافه، ولا منسوخ بحكم حدث بعده. وينظر: "النسخ في القرآن" لمصطفى زيد 2/ 665. (¬1) قرأ أبو عمرو: {قل العفوُ} رفعا، والباقون نصبًا. (¬2) قوله: بمنزلة ما ينفقون ساقطة من (أ) و (م). (¬3) ساقطة من (ي). (¬4) في (ي): (إذا). (¬5) في (ش): (فيضمر) لحلها هي الصواب. (¬6) من "الحجة" 2/ 318 بتصرف. (¬7) في (ي): (ما ينفقون). (¬8) (قيل) ساقطة من (ش).

ويجوز (¬1) أن يرفع العفو، وإن جعلت ما وذا بمنزلة شيء واحد، على معنى: قل هو العفو (¬2)، والكلام في (ماذا) قد مر مستقصى (¬3). وقوله تعالى: {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ} أشار إلى ما بين في الإنفاق، كأنه قال: مثل الذي بينه لكم في الإنفاق إذ يقول: (قل العفو) يبين لكم الآيات لتتذكروا (¬4) في أمر الدنيا والآخرة، فتعرفوا فضل الآخرة على الدنيا. وقيل: مثل البيان في الخمر والميسر يبين الله لكم الآيات (¬5). وقال: {كَذَلِكَ} وهو يخاطب جماعة؛ لأن الجماعة معناها القبيل، كأنه قال: كذلك أيها القبيل. وقد أتى القرآن في غير موضع (بذلك) للجماعة، قال الله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ} ثم قال: {وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا} [الأحزاب: 30] والأصل: (ذلكن) (¬6)، إلا أن الجماعة في معنى القبيل، وجائز أن يكون الكاف للنبي - صلى الله عليه وسلم -، أي: كذلك أيها النبي يبين الله لكم الآيات؛ لأن خطاب النبي - صلى الله عليه وسلم - مشتمل على خطاب أمته، كقوله: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ} [الطلاق:1] (¬7). ¬

_ (¬1) في (ي): (فيجوز). (¬2) ذكره الزجاج 1/ 293. (¬3) ينظر ما تقدم. (¬4) (لتتفكروا) في (ش)، وفي (ي): (تتفكروا). (¬5) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 368 - 369، "بحر العلوم" 1/ 203، "تفسير الثعلبي" 2/ 900 - 901، "الكشاف" 1/ 263. (¬6) في (ي) و (ش) و (م): (ولكن). (¬7) من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 293 - 294 بتصرف، "تفسير الثعلبي" 2/ 900.

220

220 - قوله تعالى: {فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ} أول هذه الآية موصول بما قبلها، فيجوز أن يكون من صلة التفكر، قال أكثر (¬1) المفسرين: معناه: هكذا يبين الله لكم الآيات في أمر الدنيا والآخرة، {لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ} في زوال الدنيا وفنائها فتزهدوا فيها، وفي إقبال الآخرة وبقائها فترغبوا فيها. ويجوز أن يكون {فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ} من صلة التبين، أي: يبين لكم الآيات في أمر الدنيا والآخرة {لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ} (¬2). وقوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى} قال الضحاك (¬3) والسدي (¬4) وابن عباس (¬5) في رواية العوفي: كانت العرب في الجاهلية يعظمون شأن اليتيم ويشددون (¬6) أمره، فلا يؤاكلونه، وكانوا يتشاءمون (¬7) بملابسة أموالهم، فلما جاء الإسلام سألنا (¬8) عن ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأنزل الله هذه الآية. وقال قتادة والربيع (¬9) وابن عباس في رواية سعيد بن جبير ¬

_ (¬1) قوله: من صلة ... في (ش) (أهل أكثر). (¬2) من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 294، "تفسير الثعلبي" 2/ 901. (¬3) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 372 بمعناه، وذكره في "تفسير الثعلبي" 2/ 901، "زاد المسير" 1/ 244. (¬4) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 372 بمعناه، وذكره في "زاد المسير" 1/ 244. (¬5) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 372 بمعناه، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 901. (¬6) في (ي): (يسدورن). (¬7) في (أ) و (م) و (ي): (يتشامون). (¬8) في (ي) و (ش): (سألوا). (¬9) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 89، والطبري بمعناه 2/ 370، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 902، وعزاه في "الدر المنثور" 1/ 456 - 457 إلى عبد بن حميد وابن الأنباري والنحاس.

والوالبي (¬1): لما نزل في أمر اليتامى {وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ} [الإسراء: 34] وقوله: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى} [النساء: 10] اعتزلوا أموالهم، وعزلوا طعامهم، واجتنبوا مخالطتهم في كل شيء، حتى كان يصنع لليتيم طعامٌ، فيفضل منه شيء فيتركونه ولا يأكلونه حتى يفسد، وكان صاحب اليتيم يفرد له منزلًا وطعامًا وشرابًا، فعظم ذلك على ضَعَفَةِ المسلمين، فقال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله! ما لكلنا منازل يسكنها الأيتام (¬2)، ولا كلُّنا يجد طعامًا وشرابًا يفردهما (¬3)، ونزلت: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ} عني: الإصلاح لأموالهم من غير أجرة ولا أخذ عوض منهم خير وأعظم أجرًا، وقيل: مخالطتهم بالإصلاح لهم وتعريفهم ما فيه حظهم خير من التفرد منهم (¬4). {وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ} أي: تشاركوهم في أموالهم وتخلطوها بأموالكم، فتصيبوا من أموالهم عوضًا من قيامكم بأمورهم، أو تكافؤهم على ما تصيبون من أموالهم. والمخالطة: جَمْعٌ يَتَعَذَّرُ معه التمييز، يقال: استَخْلط الفَحْل: إذا ¬

_ (¬1) رواه عنه الطبري 2/ 370، وذكره الثعلبي 2/ 902. (¬2) قول ابن عباس من رواية سعيد رواه أبو داود (2871) كتاب الوصايا، باب: مخالطة اليتيم في الطعام، والنسائي 6/ 256 كتاب الوصايا، باب: ما للموصى من مال اليتيم، وأحمد 1/ 325، والطبري في "تفسيره" 2/ 370 - 371، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 395 وغيرهم. وقول ابن عباس من رواية الوالبي (علي بن أبي طلحة) رواه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص 238، والطبري في "تفسيره" 2/ 371، والجصاص في "أحكام القرآن" 1/ 330 وغيرهم. (¬3) في (ش): (نفردهما) وفي (ي): (يردهما). (¬4) ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 903.

خالطَ قُبُلُه (¬1) حَيَا الناقَةِ، ومنه يقال للجماع: الخِلاطُ، ويقال خولط الرجل: إذا جُنّ، والخلاط (¬2): الجنون، لاختلاط الأمور على صاحبه بزوال عقله (¬3). وقوله تعالى: {فَإِخْوَانُكُمْ} أي: فهم إخوانكم. والإخوان يعين بعضهم بعضًا، ويصيب بعضهم (¬4) من مال بعض (¬5)، ومثله قوله: {فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ} [الأحزاب: 5]. قال الفراء: ولو نصبته كان صوابًا، يُرِيد: فإخوانَكُم تخالطون (¬6)، وانما يرفع من هذا ما حسن فيه هو، فإذا لم يحسن أجريته على ما قبله، فقلت: إن اشتريت طعامًا فَجَيِّدًا، أي: اشْتَرِ جَيدًا، وإن لبستَ ثِيابًا فالبياضَ، تنصب لأن هو (¬7) لا يحسن هاهنا، والمعنى هاهنا مخالفٌ للأول، ألا ترى أنك تجد القوم إخوانًا وإن لم تخالطوهم (¬8)، ولا تجد كل ما تلبس (¬9) بياضًا ولا ما تشتري جيدًا، فإن نويت أن ما ولي شراءه ¬

_ (¬1) في (ش): (قبلة). (¬2) في (ي): (المخالط). (¬3) بنظر في خلط "تهذيب اللغة" 1/ 1083، 1084، "المفردات" ص161، "عمدة الحفاظ" 1/ 600 - 601، "اللسان" 2/ 1229 - 1232 (خلط). (¬4) في (ش): (يصيب بعضهم بعضَا من مال بعض). (¬5) "تفسير الثعلبي" 2/ 904. (¬6) ينظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 310. (¬7) في (ش): (ها). (¬8) عبارة الفراء في "معاني القرآن" 1/ 142: ألا ترى أنك تجد القوم إخوانًا وإن جحدوا. (¬9) في (ش): (تلتبس).

فَجَيّدٌ (¬1) رفعتَ، إذا كان الرجل قد عُرِفَ بجودةِ الشراءِ أو بلبس البياض (¬2). قال أبو عبيد: هذه الآية عندي أصل للتناهد (¬3) الذي يفعله الرفاق في الأسفار، ألا ترى أنهم يخرجون النفقات بالسوية ويتباينون في قلة المطعم وكثرته، فلما جاء هذا في أموال اليتامى واسعًا كان في غيرهم بحمد الله واسعًا (¬4). وقوله تعالى {وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ} أي: المفسد لأموالهم من المصلح لها، فاتقوا الله في مال اليتيم ولا تجعلوا مخالطتكم إياهم ذريعة إلى إفساد (¬5) أموالهم وأكلها بغير حق (¬6). وقوله تعالى: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ} معنى الإعنات: الحمل على مَشَقَّةٍ لا تُطَاقُ ثَقِلًا، يقال: أعَنتَ فلانٌ فلانًا، أي: أوقعه فيما لا يستطيع الخروج منه، وتَعَنَّتَه تَعَنُّتًا إذا لَبَّسَ عليه في سؤاله له، وعَنَتَ العظمُ المجبورُ، إذا انكسر بعد الجبر، وأصل الحرف من المشقة، أَكَمَةٌ عَنوت: إذا كانت شاقةً كَؤُودًا (¬7). ¬

_ (¬1) في (أ) و (م): (جيد). (¬2) "معاني القرآن" للفراء 1/ 141 - 142 بتصرف يسير. (¬3) في (ي): (المشاهد)، وفي (ش): (للمتناهد). (¬4) "الناسخ والمنسوخ" لأبي عبيد ص 240. (¬5) في (ي) و (ش) (فساد). (¬6) من "تفسير الثعلبي" 2/ 905. (¬7) ينظر في عنت: "تفسير غريب القرآن" ص 76، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 294 - 295، "تهذيب اللغة" 3/ 2585 - 2586، "المفردات" ص 352 وقال: المعانتة: كالمعاندة لكن المعانتة أبلغ؛ لأنها معاندة فيها خوف وهلاك، ولهذا يقال: عنت فلان إذا وقع في أمر يخاف منه التلف يعنَت عنتا، وينظر: "عمدة الحفاظ" 3/ 156، "لسان العرب" 5/ 3120.

221

قال ابن عباس: معناه: ولو شاء الله لجعل ما أصبتم من أموال اليتامى موبقًا (¬1). وقال عطاء: ولو شاء الله لأدخل عليكم المشقة كما أدخلتم على أنفسكم (¬2). وقال الزجاج: ولو شاء الله لكلفكم ما يشتد عليكم (¬3). وقيل: ولو شاء الله لضيق عليكم وأثمكم في مخالطتهم (¬4)، ومعناه التذكير بالنعمة في التوسعة. {إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ} في ملكه {حَكِيمٌ} فيما أمركم من أمر اليتامى. 221 - قوله تعالى: {وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ} الآية، قال الأزهري: أصل النكاح في كلام العرب: الوطء، وقيل للتزُّوج: نِكَاح، لأنه سبب الوطء (¬5)، يقال: نَكَح المطرُ الأرضَ: إذا اعتمد عليها، ونكح النعاسُ عَيْنَه. حكى ذلك أبو مالك (¬6) وأبو زيد (¬7). وقال أبو القاسم الزجاجي: النِّكَاح لفظةٌ جاريةٌ في كلام العرب بمعنى الوطء والعَقْدِ جميعًا، وموضوع (ن ك ح) على هذا الترتيب في كلامهم للزوم الشيء الشيء وإكبابه عليه، من ذلك قولهم: نكحَ المطرُ ¬

_ (¬1) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 375، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 396، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 905. (¬2) ذكره الرازي في "تفسيره" 2/ 56. (¬3) ذكره الزجاج في "معاني القرآن" 2/ 294. (¬4) "تفسير الثعلبي" 2/ 905. (¬5) في "تهذيب اللغة" 4/ 3659 (نكح)، سبب الوطء المباح. (¬6) هو غزوان الغفاري الكوفي، مشهور بكنيته أبي مالك، ثقة قال ابن حجر من الثالثة. انظر "الجرح والتعديل" 7/ 55، "التقريب" ص 442 (5354). (¬7) حكاه في "تهذيب اللغة" 4/ 3659 (نكح).

الأرضَ ينكحها نكحًا، إذا واظب عليها ولزمها، ذكر ذلك أبو زيد وابن الأعرابي فيما حكى عنه ثعلب في "الأمالي" (¬1) (¬2). وقال أبو عمرو الشيباني: نكح النعاس عينه، إذا غَلَبَ ولزم، هذا كلام العرب الصحيح فإذا قالوا: نكح الرجلُ فلانةً، ينكِحُها نَكْحُا ونِكَاحُا، أرادوا: تزوج بها، كما قال الأعشى: فلا تَقَربَنَّ جَارَةً إنَّ سِرَّها ... عَلَيْكَ حَرَامٌ فانكِحَنْ أو تَأَبَّدا (¬3) وهذا الموضح لا يحتمل انكحن إلا الأمر بالعقد والتزوج؛ لأنه قال: لا تقربن جارة، يعني: مقاربتها على الطريق الذي يحرم فاعقد وتزوج، وإلا فتأبد في (¬4) تجنب النساء وتوحش. قال عثمان بن جني (¬5) (¬6): سألت أبا علي عن قولهم: نَكَح المرأةَ، فقال: فَرَّقَتِ العربُ بالاستعمال فرقًا لطيفًا بين موضع العقد بفحوى الكلام وموضع الوطء حتى لا يلتبس، فإذا قالوا: نكح فلانٌ فلانة أو ابنةَ فلانٍ، أرادوا: أنه تزوجَ وعَقَدَ عليها، وإذا قالوا: نكح امرأته أو زوجَه، لم يريدوا غير المجامعة؛ لأنه إذا ذكر امرأته أو زوجه فقد استغنى عن ذكر العقد ولم ¬

_ (¬1) في (ي) و (ش): (فيما حُكَي عنه في "الأمالي"). (¬2) نقله في "البحر المحيط" 2/ 155، ونسبه للتبريزي، فلعله الزجاجي. (¬3) البيت للأعشى في "ديوانه" ص 46، "تهذيب اللغة" 4/ 3659 (نكح)، "اللسان" 8/ 4537 "نكح" وروايتها ولا تقربن. (¬4) في (ي) و (ش) (أي تجنب). (¬5) في (ي) و (ش) (أن حسين). (¬6) هو أبو "الفتح" عثمان بن جني الموصلي النحوي، صاحب التصانيف البديعة في النحو والأدب، سكن بغداد، وتوفي سنة 372 هـ. انظر "إنباه الرواة" 2/ 235، "وفيات الأعيان" 3/ 246.

تحتمل الكلمة غير المجامعة، وإذا قالوا: نَكَحَ بنتَ فلانٍ أو أُخْتَه أو امرأةً، لم يريدوا غير العَقْد (¬1). وروى سلم (¬2) (¬3) عن الفراء أنه قال: العرب تقول: نُكْحُ المرأةِ (بضم النون) بمعنى بضعها، وهو كناية عن الفرج، بُني على بناء القُبُل والدُّبُر، فإذا قالوا: نَكَحَها فمعناه: أصاب نُكْحَها، أي: ذلك الموضعَ منها، وقلّ ما يقال: نَاكَحَها كما يقال: باضعها من البُضْع (¬4)، وقد جاء لفظ النِّكاح في الشعر ولا يراد به إلا الوطء، من ذلك قوله: التارِكِينَ على طُهْرٍ نِسَاءَهُم ... والناكحينَ بِشَطَّيْ دِجْلةَ البَقَرَا (¬5) (¬6) ¬

_ (¬1) ينظر: "البحر المحيط" 2/ 155، "عمدة الحفاظ" 4/ 251 قال: قلت: وهذا غير صحيح لظهوره بالقرينة. وقال الراغب في "المفردات" ص 506: أصل النكاح للعقد، ثم استعير للجماع، ومحال أن يكون في الأصل للجماع، ثم استعير للعقد؛ لأن أسماء الجماع كلها كنايات لاستقباحهم ذكره كاستقباح تعاطيه، ومحال أن يستعير من لا يقصد فحشا اسم ما يستفظعونه لما يستحسنونه، قال تعالى: {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى} [النور: 32]. (¬2) في (م): (مسلم)، وفي (ي): (سالم). (¬3) لعله سلمة بن عاصم النحوي من تلاميذ الفراء. (¬4) الفراء، نقله في "البحر المحيط" 2/ 155. (¬5) البيت للربيع بن ضبع الفزاري. ورد البيت في: "عمدة الحفاظ" 4/ 251 بلفظ: النازلين على ظهور متونهم ... والناكحين بشاطي دجْلة البقرا ولم ينسبه، وورد في "البحر المحيط" 2/ 155، وروايته: الباركين على ظهور نسوتهم ... والناكحين بشاطي دجلة البقرا (¬6) ينظر في (نكح): "تهذيب اللغة" 4/ 3659، "المفردات" 506 - 507، "عمدة الحفاظ" 4/ 250 - 251، "اللسان" 8/ 4537 - 4538.

قال المفسرون: نزلت هذه الآية في أبي مرثد الغنوي (¬1)، كانت له خليلة مشركة في الجاهلية، يقال لها: عناق، فلما أسلم قالت له: تَزَوَّجْ بي، فسأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقال: يا رسول الله أيحل لي أن أتَزَوجَهَا، فأنزل الله هذه الآية (¬2). ومعنى المشركات هاهنا: كل من كفر بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، وإن قال: إن الله واحد، وذلك أن من كفر بالنبي (¬3) - صلى الله عليه وسلم - فقد زعم أن ما أتى به النبي - صلى الله عليه وسلم - من القرآن (¬4) (¬5) من عند غير الله، والقرآن إنما هو من عند الله عز وجل، فمن زعم ¬

_ (¬1) هو: كناز بن حصين بن يربوع بن طريف بن خرشة، آخى النبي - صلى الله عليه وسلم - بينه وبين عبادة بن الصامت وكان حليف حمزة بن عبد المطلب، وهو تربه، شهد هو وابنه مرثد بدرا، مات في خلافة أبي بكر - رضي الله عنه - سنة 12 هـ. انظر: "الطبقات الكبرى" 3/ 47، "أسد الغابة" 6/ 282، "الأعلام" 5/ 234. (¬2) ذكره مقاتل في "تفسيره" 1/ 190 وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 398، والثعلبي في "تفسيره" 2/ 906، والواحدي في "أسباب النزول" ص 74، والرازي في "تفسيره" 6/ 58، والحافظ ابن حجر في "الحجاب" 1/ 551، والسيوطي في "لباب النقول" ص 42، وغيرهمِ، وقد ورد عن عبد الله بن عمرو قصة مرثد هذه فنزل قول الله: {الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً} [النور: 3] رواها أبو داود في النكاح، باب: قول الله تعالى: {الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً} 2/ 227 برقم2051، والترمذي (3177) كتاب التفسير، باب: ومن سورة النور وقال: حسن غريب، والنسائي 6/ 66 كتاب النكاح، باب: تزويج الزانية، والحاكم 1/ 180 وصححه، قال الزيلعي: فظهر أن هذا الحديث ليس في هذه الآية التي في البقرة، إنما هو في الآية التي في النور [تخريج أحاديث "الكشاف"1/ 236]، وقال الحافظ في "الكشاف" 1/ 264 عن آية البقرة. ونزولها في هذه القصة ليس بصحيح. (¬3) ساقط من (ي). (¬4) ساقط من (ي). (¬5) في (م) (إنه من عند).

أنه قد أتى غير الله (¬1) بما لا يأتي به إلا الله عز وجل قد أشرك به غيره (¬2) والله تعالى يقول: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ} [التوبة: 30] ثم قال في آخر الآية الثانية: {سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [التوبة: 31]. فحرم الله تعالى بهذه الآية نكاح المشركات، ثم استثنى الحرائر الكتابيات بالآية التي في المائدة، وهي قوله: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ} [المائدة: 5] فهذه الآية مخصوصة بتلك في قول ابن عباس (¬3)، وهو الصحيح، والذي عليه جمهور (¬4) أهل العلم (¬5). وقال قتادة (¬6) وسعيد بن جبير (¬7): أراد بالمشركات في هذه الآية: مشركات العرب اللاتي ليس لهن كتاب يقرأنه، فعلى قولهما: الآية محكمة ¬

_ (¬1) من قوله: والقرآن .. ساقط من (ي). (¬2) من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 295. (¬3) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 376، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 397، والنحاس في "الناسخ والمنسوخ" 2/ 4، وعزاه في "الدر المنثور" 1/ 458 إلى ابن المنذر. (¬4) ساقطة من (ش). (¬5) ينظر: "الناسخ والمنسوخ" لأبي عبيد 84، "الناسخ والمنسوخ" للنحاس 2/ 4، "تفسير الثعلبي" 2/ 909، "الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه" لمكي ص 171، وقال ابن الجوزي في "نواسخ القرآن" 241: قوله: "ولا تنكحوا المشركات" لفظ عام، خص منه الكتابيات بآية المائدة، وهذا تخصيص لا نسخ، وعلى هذا الفقهاء وهو الصحيح، وينظر: "تفسير القرطبي" 3/ 67، "النسخ في القرآن الكريم" لمصطفى زيد 2/ 604. (¬6) رواه عنه الطبري 2/ 377، وعزاه في "الدر المنثور" 1/ 458 إلى عبد الرزاق وعبد ابن حميد. (¬7) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 377، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 397.

لا نسخ فيها، والذي عليه أهل العلم أن التي في المائدة ناسخة لهذه (¬1)، وبحكم (¬2) هذه الآية لا يحل تزوج الأمة الكتابية، لأن الله تعالى إنما استثنى الحرائر الكتابيات بقوله: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} [المائدة: 5]، فلا يحل نكاح الأمة الكتابية بحال (¬3). وقوله تعالى: {وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ} الأمة: المملوكة. ومصدرها: الأمُوَّة، وتأميتُ أَمَةً، أي: اتخَذْتُ أمة، وجمع الأمة: إماء وآم (¬4)، قال الشاعر: يا صاحِبيَّ ألا لا حَيَّ بالوادي ... إلا عَبِيدٌ وآمٍ بَيْنَ أذْوادِ (¬5) ووزن أمة فَعَلَة، بدلالة الجمع، نحو: أكَمَة وآكَام. وقال الليث: يقال لجمع الأمة: إماء وإمَوَان وثلاث آم، وأنشد: تَمْشِي بها رُبْدُ (¬6) النَّعَام ... تَمَاشِيَ الآمِي الزَّوَافِر (¬7) (¬8) وقال أبو الهيثم: الآم جمع الأَمَة، كالنَّخْلَة والنَّخْل، والبَقْلَة والبَقْل. قال: وأصل الأَمَةِ أَمْوَة (¬9)، حذفوا لامها لما كانت من حروف اللين، فلما ¬

_ (¬1) قدم المؤلف أن آية المائدة مخصصة لآية البقرة على الصحيح، وعليه فإن مراده بالنسخ هنا التخصيص على العادة المعروفة عند المتقدمين. (¬2) في (م): (ومحكم). (¬3) انظر: "تفسير القرطبي" 3/ 70. (¬4) وتجمع أيضا على أَمَوَات، وإِمْوان، وأُمْوان، وأَمَات. ينظر: "اللسان" 1/ 121 (أما). (¬5) القائل: السليك بن السلكة، في "ديوانه" ص 51، "لسان العرب" 1/ 121 (أما). (¬6) في (ي): (رند). (¬7) البيت للكميت في "ديوانه" 1/ 231، "تهذيب اللغة" 1/ 194، "لسان العرب" 1/ 121 (أما). (¬8) ينظر: "تهذيب اللغة" 1/ 194 (أما). (¬9) ضبطت في الأصل: أمَوَة، وما أثبتناه من "تهذيب اللغة"، "اللسان".

جمعوها على مثال نَخْلة ونَخْل لزمهم أن يقولوا: أَمَةٌ وآم، فكرهوا أن يجعلوها حرفين، وكرهوا أن يردوا الواو المحذوفة لما كانت آخر الاسم؛ لأنهم يستثقلون السكوت على الواو، فقدموا الواو وجعلوها ألفًا فيما بين الألف والميم (¬1) (¬2). قال السدي: نزلت في عبد الله بن رواحة (¬3)، كانت له أمة سوداء فغضب عليها ولطمها، ثم أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - وأخبره بذلك، فقال له: "وما هي يا عبد الله"، قال: تشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسوله، وتصوم رمضان، وتحسن الوضوء وتصلي، فقال: "هذه مؤمنة"، قال عبد الله: فوالذي بعثك بالحق لأعتقنها ولأتزوجنها، ففعل، وطعن عليه ناس من المسلمين وعرضوا عليه حرة مشركة فأنزل الله هذه الآية (¬4). وقوله تعالى: {وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ} أي: المشركة بمالها وجمالها (¬5). و (لو) بمعنى (أن) إلا أن (لو) للماضي، و (أن) للمستقبل (¬6). ¬

_ (¬1) نقله عنه في "تهذيب اللغة" (أما) بتصرف يسير، وفي الأصل قال ابن الهيثم، والتصويب من "التهذيب"، "اللسان". (¬2) ينظر في إماء: "تهذيب اللغة"، "البحر المحيط" 2/ 155، "اللسان" 1/ 121. (¬3) عبد الله بن رواحة بن ثعلبة الخزرجي الأنصاري، شهد العقبة، وهو أحد النقباء، وشهد بدرًا والمشاهد كلها، وكان من الشعراء، واستشهد بمؤتة، وكان ثالث الأمراء بها في جمادى الأولى سنة ثمان. ينظر: "معرفة الصحابة" 3/ 1638، "الاستيعاب" 3/ 33. (¬4) رواه الطبري في "تفسيره" 2/ 387 - 389، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 398، والواحدي في "أسباب النزول" ص 75، وينظر: "العجاب" 1/ 551، "لباب النقول" 42. (¬5) "تفسير الثعلبي" 2/ 910. (¬6) ينظر: "مغني اللبيب" 337.

وقوله تعالى {وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا} لا يجوز تزويج المسلمة من المشرك (¬1). وقوله تعالى: {أُولَئِكَ} يعني: المشركين {يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ} أي: الأعمال الموجبة للنار (¬2). فإن قيل: أليست الكتابية تدعو أيضًا إلى النار، فلم جاز نكاحها؟ قيل: الوثنية تدعو بما هي عليه إلى التقصير في الجهاد، والكتابية الذمية من جملة من سقط فيهم فرض القتال فلا تدعو إلى التقصير في الجهاد (¬3). وقوله تعالى: {وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ} يقول: إلى التوبة والتوحيد والعمل الموجب للجنة، {وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ} أي: بأمره، يعني: أنه بأوامره يدعوكم. وقيل: إن (¬4) هذا مختصر على تقدير: يدعو إلى الجنة والمغفرة ولا هداية إلا بإذنه، كما قال في سورة يونس، فَبَسَطَ ما اخْتُصِر هاهنا، فقال: {وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [يونس: 25] فدعاء الله الخلق على العموم، وتوفيقه على الخصوص، ويؤيد هذا المعنى: ما روي عن الحسن أنه كان يقرأ: {وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ} رفعاً (¬5). ¬

_ (¬1) ينظر: "تفسير القرطبي" 3/ 72 قال: وأجمعت الأمة على أن المشرك لا يطأ المؤمنة بوجه؛ لما في ذلك من الغضاضة على الإسلام. (¬2) "تفسير الثعلبي" 2/ 913. (¬3) ينظر: "التفسير الكبير" 6/ 65 - 66. (¬4) ساقطة من (ش). (¬5) ينظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 261، "التفسير الكبير" 6/ 66، "البحر المحيط" 2/ 166.

222

222 - قوله تعالى {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ} الآية، قال المفسرون: كانت العرب في الجاهلية إذا حاضت المرأة لم تؤاكلْها ولم تشاربها ولم تساكنها في بيت، كفعل المجوس، فسأل أبو الدحداح (¬1) رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك، وقال: يا رسول الله كيف نصنع بالنساء إذا حِضْن؟ فأنزل الله هذه الآية (¬2). والمحيضُ: الحَيْضُ، قال أبو إسحاق: يقال: حاضت المرأةُ تَحِيضُ حَيْضًا ومَحَاضًا ومَحِيْضًا (¬3). وأصل الحيض في اللغة: السيلُ، حاض السيلُ، يقال: وفاض. وقال الفراء: حَاضَتِ السَّمُرَة تحيض إذا سَالَ منها لَثَاها (¬4)، وأنشد ¬

_ (¬1) هو: ثابت بن الدحداح، وقيل الدحداحة بن نعيم بن غنم بن إياس، اشتهر بكنيته، صحابي أقبل يوم أحد والمسلمون أوزاع قائلًا: يا معشر الأنصار إليَّ أنا ثابت بن الدحداحة إن كان محمد قتل فإن الله حي لا يموت، فقاتلوا معه حتى قتلوا. ينظر: "معرفة الصحابة" 1/ 472، "الاستيعاب" 1/ 278. (¬2) عزاه السيوطي في "لباب النقول" ص 43 إلى البارودي في الصحابة بسنده عن ابن عباس، ورواه الطبري في "تفسيره" 2/ 380 - 381 عن السدي مختصرا، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 400 عن مقاتل بن حيان، وذكره مقاتل في "تفسيره" 1/ 191 وعنده: عمرو بن الدحداح، وذكره الواحدي في "أسباب النزول" ص 76 - 77، وابن حجر في "العجاب" 1/ 554، وقال في " التلخيص الحبير" 1/ 164: وقيل إن السائل هو أبو الدحداح، قاله الواقدي، والصواب ما في الصحيح أن السائل عن ذلك أسيد بن الحضير وعباد بن بشر. اهـ-. يعني ما رواه مسلم (302) كتاب الحيض، باب: جواز غسل الحائض رأس زوجها وترجيله، عن أنس. وينظر: "تفسير القرطبي" 3/ 80. (¬3) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 296. (¬4) قوله: حاضت السمرة: خرج منها الدُّوَدِم، وهو شيء شبه الدم، وإنما ذلك على التشبيه. ينظر: "اللسان" 2/ 1071 "حيض".

المبردُ عن عمارة بن عقيل (¬1): أجالَت حَصَاهُنَّ الذَّوَارِي وَحَيَّضَتْ (¬2) ... عَلَيْهِنّ حَيْضَات السُّيولِ الطَّواحِمِ (¬3) (¬4) قال: ومعنى حيّضت: سيِّلت (¬5). قال الأزهري: ومن هذا قيل للحوض حوض؛ لأن الماء يحيض إليه، أي: يسيل، والعرب تدخل الواو على الياء، والياء على الواو؛ لأنهما من حَيِّزٍ واحدٍ وهو الهواء (¬6). قال أبو إسحاق: وعند النحويين أن المصدر في هذا الباب المَفْعِل، ولذلك (¬7) ذهب قوم إلى أنه المأتى أي: (¬8) موضع الحيض، وإنما هو مصدر، والمَفْعِل جيد بالغ، قال الراعي: بُنِيَتْ (¬9) مرافقُهُنّ فوق مَزِلَّةٍ ... لا يَسْتَطِيعُ بها القُرَادُ مَقِيْلا (¬10) ¬

_ (¬1) هو: عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير بن عطية الخطفي، كان من الشعراء الفصحاء، قدم من اليمامة فمدح المأمون ووجوه قواده، اجتمع الناس وكتبوا شعره، عمر قبل موته. انظر: "معجم الشعراء" للمرزباني ص 247، "الأعلام" 5/ 37. (¬2) ساقط من (ش). (¬3) في (م) (الطواحي). (¬4) البيت في "لسان العرب" 2/ 1071 "حيض"، 5/ 2645 "طعم". والذَّوَاري والذاريات: الرياح. (¬5) ينظر: "تهذيب اللغة" 1/ 706، "اللسان" 2/ 1071 "حيض". (¬6) "تهذيب اللغة" 1/ 706 "حاض". (¬7) في (ش) (وكذلك). (¬8) ليست في (م) (ساقطة). (¬9) في (م) (وبُنَيَتْ). (¬10) البيت في "ديوانه" ص 241، "لسان العرب" 2/ 752، 3/ 1856 "حس-زلل".

أي: قيلولة (¬1) (¬2). قال ابن السِّكِّيت: إذا كان المفعل من ذوات الثلاثة نحو: كَال يَكِيْلُ، وحاض يحيضُ وأشباهه، (فإن) (¬3) الاسم منفرد (¬4) منه مكسور، والمصدر مفتوح، من ذلك مَال ممالًا وهذا مميلة، يذهب إلى الأسماء، وبالفتح إلى المصدر، ولو فتحتهما (¬5) جميعًا أو كسرتهما في المصدر والاسم لجاز. تقول العرب: المَعَاش والمَعِيش، والمَعَابُ والمَعِيبُ، والمَسَار والمَسِيُر. وأنشد: أنا الرَّجُلُ الذي قد عِبْتُمُوه ... وما فيه لِعَيَّابٍ مَعَابُ (¬6) وقوله تعالى: {قُلْ هُوَ أَذًى} قال عطاء وقتادة (¬7) والسدي (¬8): أي: قَذَرَ. وقال مجاهد (¬9) والكلبي (¬10): دم. والأذى: ما يَغُمُّ ويُكْره من كل شيء. (¬11) ¬

_ (¬1) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 296 بمعناه، وقوله: "ولذلك ذهب قوم إلى أنه المأتي أي موضع الحيض" ليست عند الزجاج. (¬2) ينظر في حيض: "تهذيب اللغة" 1/ 706، "المفردات" ص 144، "عمدة الحفاظ" 1/ 548، "اللسان" 2/ 1070. (¬3) في (م) (لأن). (¬4) زيادة من (م). (¬5) في (م) و (ي) (فتحهما) (¬6) البيت بلا نسبة في "لسان العرب" 5/ 3184 "عيب". (¬7) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 89، والدارمي في "السنن" 1/ 258، والطبري في "تفسيره" 2/ 381، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 401. (¬8) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 381، وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 401. (¬9) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 382، وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 401. (¬10) رواه الدارمي في "السنن" 1/ 258، والطبري في "تفسيره" 2/ 382، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 401. (¬11) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 919.

{فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} الاعتزال: التنحي عن الشيء. قال المفسرون: لما نزلت هذه الآية عمد المسلمون إلى النساء الحيض فأخرجوهن من البيوت واعتزلوهن، فإذا اغتسلن ردوهن إلى البيوت، فقدم ناس من الأعراب وشكوا عزل الحيض عنهم، وقالوا: يا رسول الله! البرد شديد والثياب قليلة، فإن آثرناهن بالثياب هلك سائر أهل البيت، وإن آثرنا أهل البيت هلكت الحيض، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إنما أمرتم أن تعتزلوا مجامعتهن إذا حضن، ولم يأمركم بإخراجهن من البيوت كفعل الأعاجم" (¬1) (¬2). فوطء الحائض في فرجها حرام (¬3). واعلم أن المرأة إذا حاضت حرم على الزوج جماعها ومباشرتها فيما بين السرة والركبة (¬4)، ولم يحرم عليه تقبيلها وما (¬5) فوق السرة وتحت الركبة منها (¬6)، وكذلك كان يفعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، روت ندبة (¬7) عن ميمونة ¬

_ (¬1) أورد السيوطي مثله منسوبا إلى ابن عباس 1/ 461. (¬2) ذكره مقاتل في "تفسيره" 1/ 191، والسمرقندي في "بحر العلوم" 1/ 250. وبنحوه روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس في "تفسيره" 2/ 400، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 924، وقال الحافظ في "الكشاف" 1/ 265: لم أجده. (¬3) بالنص والإجماع. ينظر: "التفسير الكبير" 6/ 72، "تفسير القرطبي" 3/ 86. (¬4) في (ي): (إلى الركبة). (¬5) في (م): (ولا ما). (¬6) هذا قول أبي حنيفة ومالك والشافعي والأوزاعي والجمهور، وقال الثوري ومحمد ابن الحسن وداود وبعض أصحاب الشافعي وهو الصحيح من قول الشافعي: يجتنب موضع الدم؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "اصنعوا كل شيء إلا النكاح". ينظر: "التفسير الكبير" 6/ 72، "تفسير القرطبي" 3/ 87. (¬7) ندبة: ويقال: بُرَيِّة، ويقال: بَدَنة، مولاة ميمونة أم المؤمنين، ذكرها ابن حبان في "الثقات" 5/ 487، وقال: روى عنها الزهري وذكرها الذهبي في النساء =

زوج النبي - صلى الله عليه وسلم -، قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يباشر المرأة من نسائه وهي حائض، إذا كان عليها إزار يبلغ إلى أنصاف الفخذين أو الركبتين (¬1). فدل بهذا على أن المراد باعتزال الحيض ترك جماعهن، وذلك أن المجوس واليهود كانوا يجتنبون الحيض في كل شيء، وكانت النصارى يجامعونهن ولا يبالون بالحيض، فأمرنا الله سبحانه بالاقتصاد بين هذين الأمرين (¬2). وقوله تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} أي: لا تجامعوهن (¬3)، يقال: قَرُبَ الرجلُ امرأَتَه: إذا جامعها، قربانًا (¬4). وقوله تعالى {حَتَّى يَطْهُرْنَ} أي: يَتَطَهَّرْنَ، ومعناه: يغتسلن بالماء بعد النَّقَاء من الدم، فأدغمت التاء في الطاء، هذه قراءة أهل الكوفة (¬5)، وحُجَّتُهم: أن حكم انقطاع الدم قبل الاغتسال حكم اتصاله؛ لأنها ما لم ¬

_ = المجهولات وقال: تفرد عنها حبيب الأعور. ينظر: "ميزان الاعتدال" 4/ 610، وقال الحافظ في "التقريب" ترجمة ص 754 (8692): مقبولة، ويقال: إن لها صحبة من الثالثة. (¬1) رواه البخاري (303) كتاب الحيض، باب مباشرة الحائض، ومسلم (294) كتاب الحيض باب مباشرة الحائض فوق الإزار من طريق عبد الله بن شداد عن ميمونة بنحوه. وأخرجه النسائي 1/ 151 - 152 كتاب الطهارة، باب: مباشرة الحائض، وأبو داود (267) كتاب الطهارة، باب: في الرجل يصيب منها ما دون الجماع، والإمام أحمد في "المسند" 6/ 332، 335. (¬2) ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 947، "تفسير القرطبي" 3/ 81، "تفسير الرازي" 6/ 67. (¬3) في (ي) (يجامعوهن). (¬4) "المفردات" ص 400 - 401. (¬5) قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وحفص، عن عاصم: يطْهُرن بالتخفيف، وقرأ حمزة والكسائي وشعبة عن عاصم: يَطَّهَّرن مشددة. ينظر: "السبعة" ص 182، "الحجة" 2/ 321.

تغتسل كانت في حكم الحيض لكونها ممنوعة عن الصلاة والتلاوة، وإذا كانت كذلك فالوجه في القراءة التشديد، كقوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة: 6] فكما أن الجنب يتطهر بالماء إذا وجده، كذلك الحائض، لاجتماعهما في وجوب الغسل عليهما (¬1). وأما من قرأ بالتخفيف، فقال أهل اللغة: طَهَرت المرأة، وطهُرت طُهْرًا وطَهَارة، والفتح أقيس؛ لأنها خلاف طَمَثت، فينبغي أن يكون على بناء ما خالفه، مثل: عَطِشَ وَرَوِيَ، ونحو ذلك (¬2)، وُيقَوِّيَ طَهَرت أيضًا (¬3) قولُهم: طَاهر، وهذا يدل على أنه مثل: قَعَدَ يَقْعُدُ فهو قَاعِد، فقوله: {يَطْهُرْنَ} يحتمل أن يكون المراد حتى يَنْقَطع الدم، ويحتمل أن يكون حتى يفعلن الطهارة التي هي الغسل؛ لأنه إنما يحكم لها بأنها طاهرة إذا اغتسلت، وهذا أولى؛ لما قدمنا أنها في حكم الحيض ما لم تغتسل (¬4). فإن قيل على هذه القراءة: وجب أن يحل الوطء بعد انقطاع الدم وقبل الاغتسال، لأن التحريم قد تناهى، ودل {حَتَّى} على غاية التحريم؟ قيل: إن في الكلام حذفًا، قد دل عليه ما بعده، وأغنى (¬5) عنه، لأن التقدير: ولا تقربوهن حتى يطهرن ويَطَّهَّرن، نحو قول القائل: لا تكلم ¬

_ (¬1) من "الحجة" 2/ 322 - 323 بتصرف. (¬2) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 297، "تهذيب اللغة" 3/ 2225 - 2226 (طهر)، "اللسان" 5/ 2712 - 2713 (طهر)، قال الزجاج: ويقال: طَهَرت وطَهُرت جميعا، وطَهُرت أكثر. (¬3) ساقطة من (ش). (¬4) من "الحجة" 2/ 321 - 323 بتصرف. (¬5) في (ي)، (ش) (وأغني).

الأمير حتى يقعد (¬1)، وإذا طابت نفسه فكلمه في حاجتك، فتقديره: حى بقعد وتطيب نفسه، مع أنا قد بينا أن معنى {يَطْهُرْنَ} يفعلن (¬2) الطهارة التي يحل بها وطؤهن. فعلى القراءتين جميعًا لا يحل وطؤها ما لم تغتسل أو تتيمم عند عدم الماء (¬3)، وهو قول سالم بن عبد الله (¬4) وسليمان بن يسار (¬5) والقاسم بن محمد (¬6) وابن شهاب (¬7) والليث ومذهب الشافعي (¬8). وعند أبي حنيفة إذا طهرت لعشرة أيام حل وطؤها دون الاغتسال، وان طهرت لما دونها لم يحل وطؤها إلا بإحدى ثلاث: أن تغتسل (¬9)، أو ¬

_ (¬1) في (ي) زيادة (ويطيب نفسه). (¬2) في (ش) (من الطهارة). (¬3) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 297، "تفسير الثعلبي" 2/ 953. (¬4) هو سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي المدني، أحد الفقهاء السبعة، كان ثبتًا عابدًا فاضلًا، وكان يشبه بأبيه في الهدي والسمت، توفي سنة 106 هـ-. انظر: "التقريب" ص 226 (2176)، "وفيات الأعيان" 2/ 349 - 350. (¬5) هو: أبو أيوب سليمان بن يسار مولى ميمونة أم المؤمنين، كان ثقة عالمًا فقيهًا كثير الحديث، أحد الفقهاء السبعة بالمدينة، توفي سنة 107هـ-. انظر: "وفيات الأعيان" 2/ 399، "الأعلام" 3/ 138. (¬6) هو: القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق التيمي، ثقة أحد الفقهاء السبعة بالمدينة، قال أيوب: ما رأيت أفضل منه، توفي سنة 106هـ انظر "تقريب التهذيب" ص 451 (5489)، "الأعلام" 5/ 181. (¬7) في (ي)، (ش): (ابن شباب). (¬8) ينظر في عزو هذه الأقوال إليهم: "تفسير الثعلبي" 2/ 952، "الموطأ" باب: ما يحل للرجل من امرأته برقم 96، "الأم" 1/ 76، "سنن البيهقي" 1/ 310، "الأوسط" لابن المنذر 1/ 213، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 402، وابن العربي في "أحكام القرآن" 1/ 165. (¬9) في (م) و (أ): (يغتسل).

تمضي بها وقت أقرب الصلوات، فيحكم لها بذلك حكم الطاهرات بوجوب الصلاة في ذمتها، أو تتيمم (¬1). وقوله تعالى: {فَأْتُوهُنَّ} معناه: فجامعوهن، وهو إذن بعد الحظر، فهو كقوله: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} [المائدة: 2] {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا} [الجمعة:9] (¬2). وقوله تعالى: {مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ} أي: من حيث أمركم الله بتجنبه في الحيض وهو الفرج، قاله مجاهد (¬3) وإبراهيم (¬4) (¬5) وقتادة (¬6) وعكرمة (¬7). وقال ابن عباس في رواية الوالبي (¬8): يقول: طؤوهن في الفرج ولا تعدوه إلى غيره (¬9)، وقال في رواية عطاء: يريد: من حيث يكون النسل (¬10). وقال في رواية العوفي: فأتوهن من الوجه الذي أمركم الله أن تأتوهن ¬

_ (¬1) ينظر: "مختصر الطحاوي" ص 217، "أحكام القرآن" للجصاص 1/ 348، "تفسير الثعلبي" 2/ 951، "التفسير الكبير" 6/ 73. (¬2) ينظر: "المحرر الوجيز" 2/ 254. (¬3) رواه عبد الرزاق في "المصنف" 1/ 330، وابن أبي شيبة في "المصنف" 4/ 233، والطبري في "تفسيره" 2/ 387 - 388. (¬4) هو: الإمام الحافظ فقيه العراق أبو عمران إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود بن عمرو النخعي اليماني ثم الكوفي، تقدمت ترجمته 3/ 307 [البقرة: 125]. (¬5) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" 4/ 232، والدارمي في "السنن" 1/ 259، والطبري في "تفسيره" 2/ 388. (¬6) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 388. (¬7) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" 1/ 96، والطبري في "تفسيره" 2/ 387. (¬8) في (ي): (الكلبي). (¬9) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 387، والبيهقي في "سننه"1/ 309. (¬10) تقدم الحديث عن الرواية.

منه، وهو الطهر دون الحيض (¬1). وهذا قول السدي (¬2) والضحاك (¬3). وقال ابن الحنفية: فأتوهن من قبل الحلال دون الفجور (¬4). وقال ابن كيسان: أي: من الجهات التي يحل فيها أن تقرب المرأة، أي: لا تأتوهن صائمات ولا معتكفات ولا محرمات واقربوهن وغشيانهن لكم حلال (¬5) وهذا اختيار الزجاج (¬6). وقال الواقدي: (من) هاهنا بمعنى (في) يريد: في حيث أمركم الله وهو الفرج، نظيره قوله: {أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ} [الأحقاف: 4] أي: فيها، وقوله: {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ} [الجمعة: 9] أي: فيه. (¬7) وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} قال عطاء (¬8) ومقاتل بن سليمان (¬9) والكلبي (¬10): التوابين: من الذنوب، والمتطهرين (¬11) بالماء من الأحداث والمحيض والجنابات والنجاسات. ¬

_ (¬1) رواه الطبري في "تفسيره" 2/ 389، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 955. (¬2) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 389. (¬3) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 389، وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 402. (¬4) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" 2/ 233، والطبري في "تفسيره" 2/ 389، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 402. (¬5) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 956، والماوردي في "النكت والعيون" 1/ 283. (¬6) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 297، و"تفسير الرازي" 6/ 74. (¬7) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 956. وذكره ولم يعزه في "زاد المسير" 1/ 249. (¬8) رواه عنه الطبري "في تفسيره" 2/ 390، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 403. (¬9) "تفسير مقاتل" 1/ 192، "تفسير الثعلبي" 2/ 957. (¬10) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 956، البغوي في "تفسيره" 1/ 259. (¬11) من قوله: قال عطاء. ساقط من (ي).

223

وقال مجاهد: التوابين من الذنوب، والمتطهرين من أدبار النساء (¬1). سعيد بن جبير: التوابين من الشرك، والمتطهرين من الذنوب (¬2). أبو العالية: التوابين من الكفر، والمتطهرين بالإيمان (¬3) ابن جريج: التوابين من الذنوب لا يعودون فيها، والمتطهرين منها لم يصيبوها (¬4). 223 - قوله تعالى: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ} الآية، قال ابن عباس: جاء عمر - رضي الله عنه - إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: يا رسول الله! هلكت. قال: "فما الذي أهلكك؟ " قال: حَوَّلْتُ رَحْلِيَ البارحة، فلم يرد عليه شيئًا، وأوحي إليه: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ} (¬5). وقال الحسن (¬6) وقتادة (¬7) والمقاتلان (¬8) والكلبي (¬9): تذاكر المسلمون واليهود إتيان (¬10) النساء، فقال المسلمون: إنا نأتيهن باركاتٍ وقائماتٍ ¬

_ (¬1) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 391، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 403. (¬2) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 959، البغوي في "تفسيره" 1/ 259، وابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 249. (¬3) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 959، وفي "البحر المحيط" 2/ 169. (¬4) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 391، والثعلبي في "تفسيره" 2/ 959. (¬5) الحديث رواه الترمذي (2980) كتاب التفسير، باب: ومن سورة البقرة وقال: حسن غريب، والنسائي في "تفسيره" 1/ 256، وأحمد 1/ 297، والطبري في "تفسيره" 2/ 397، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 405، والبيهقي في "سننه" 7/ 198، والثعلبي في "تفسيره" 2/ 962 وغيرهم. (¬6) رواه عنه ابن أبي شيبة في "المصنف" 4/ 232، والدارمي في "سننه" 1/ 257. (¬7) عزاه الحافظ في "العجاب" 1/ 560، والسيوطي في "الدر المنثور" 1/ 467 - 468 إلى عبد بن حميد، وذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" 2/ 971. (¬8) "تفسير مقاتل" 1/ 192، وينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 971. (¬9) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 971، والواحدي في "أسباب النزول" ص80. (¬10) في (أ): (آيتان).

ومستلقياتٍ ومن بين أيديهن وأرجلهن، بعد أن يكون المأتى واحدًا، فقالت اليهود: ما أنتم إلا أمثال البهائم، لكنا نأتيها على هيئة واحدة، وإنا لنجد في التوراة: أن كل إتيان يؤتى النساء غير الاستلقاء دنس عند الله، ومنه يكون الحول والحَبْل، فذكر المسلمون ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأكذب الله عز وجل اليهود، وأنزل يرخص (¬1) لهم {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ}. أي: مَزْرَعٌ ومَنْبَتٌ للولد (¬2)، وأراد به المُحْتَرَثَ والمُزْدَرَع، ولكنهن لما كُنَّ من أسباب الحرث جُعلن حَرْثًا، ولهذا وُحِّد (¬3) الحرث؛ لأنه مصدر. وقال أهل العربية: معناه: ذواتُ حرثٍ لكم، فيهن تحرثون الولد (¬4)، فحذف المضاف، وقيل: أراد: كحرثٍ لكم، كقوله: {حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا} (¬5) [الكهف: 96]. أي: كنار (¬6)، وكَقَولِ الشاعر: النَّشْرُ مِسْكٌ والوجوهُ دنا ... نير وأطرافُ الأكفِّ عَنَم (¬7) (¬8) ¬

_ (¬1) في (م) (ترخص). (¬2) في (م) (للوالد). (¬3) في (م) (ي) (ش) (وحد). (¬4) في (م) زيادة (الولد والفدة وقال الأزهري) حرث الرجل امرأته وأنشد وهو تكرار. (¬5) (حتى) ساقطة من (ي). (¬6) من "تفسير الثعلبي" 2/ 976 - 977، وينظر: "البحر المحيط" 2/ 170، وذكر وجها ثالثا، قال: ويحتمل أن يكون حرث لكم بمعنى محروثة لكم، فيكون من باب إطلاق المصدر ويراد به اسم المفعول. (¬7) في (ي)، (ش) (غنم). (¬8) البيت للمرقش الأكبر في "ديوانه" ص 586، وفيه: وأطراف البنان. "تفسير الثعلبي" 2/ 977 "تاج العروس" 7/ 524، "لسان العرب" 7/ 4422 "نشر"، ينظر: "المعجم المفصل في شواهد العربية" 7/ 30 - 31.

وقال الزجاج: زعم أبو عبيدة أنه كناية (¬1)، قال: والقول عندي فيه: أن نساءكم حرث لكم، فيهن تحرثون الولد واللذة (¬2). وقال الأزهري: حَرْثُ الرجل: امرأتُه، وأنشد المبرد: إذا أكل الجَرادُ حُرُوثَ قومٍ ... فَحَرْثِي هَمُّهُ أَكْلُ الجَرَادِ (¬3) يعني: امرأته (¬4). وقوله تعالى: {فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} أي: كيف شئتم (¬5)، ومن أين شئتم، بعد أن يكون في صمام واحد. {أَنَّى} شِئْتُمْ معناه من أين، يدل عليه الجواب، نحو قوله تعالى: {أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} [آل عمران: 37] (¬6). وقال الزجاج: أي ايتوا مواضع (¬7) حرثكم كيف شئتم مقبلة ومدبرة (¬8). ¬

_ (¬1) "مجاز القرآن" 1/ 73. (¬2) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 298. (¬3) البيت بلا نسبة في "تهذيب اللغة" 1/ 775، "تفسير الثعلبي" 2/ 977، لكنه قال: قال المفضل بن سلمة أنشدني أبي "لسان العرب" 2/ 820، "تهذيب اللغة" 1/ 775، "تاج العروس" 3/ 194 [مادة حرث]، "أساس البلاغة"، [مادة: حرث] "البحر المحيط" 1/ 170. "المعجم المفصل" 2/ 328. (¬4) ينظر: "تهذيب اللغة" 1/ 775، والكلام فيه منقول عن ابن الأعرابي. (¬5) ساقطة من (أ) و (م). (¬6) ينظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 144، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 311، "تفسير الثعلبي" 2/ 973، "البحر المحيط" 1/ 170. (¬7) في (ش) و (ي): (موضع). (¬8) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 298.

والآية لا تدل على جواز (¬1) الإتيان في الموضع المكروه؛ لأنها نزلت تكذيبًا لليهود، ونسخًا لشرعهم إن صدقوا فيما ادعوا، أو إباحة للإتيان في القبل من أي (¬2) وجه كان، ولأن الله تعالى ذكر لفظ الحرث والقبل محل النسل (¬3) والحرث لا الدبر، فعلم أن المراد بالآية إباحة الجماع إذا كان في الفرج على كل جهة، والأخبار شائعة في تحريم أدبار النساء (¬4). وقوله تعالى: {لِأَنْفُسِكُمْ} قال عطاء عن ابن عباس: يريد العمل لله بما يحب ويرضى (¬5)، وهو قول السدي (¬6) والكلبي (¬7)، واختيار الزجاج؛ لأنه قال: معناه: قدموا طاعته واتباع أمره، فمن اتبع ما أمر الله به فقد قدم لنفسه خيرًا (¬8)، يحض على العمل بالواجب الذي أمروا. وقال بعض المفسرين: يعني: ابتغاء الولد والنسل (¬9)، وذلك أن ¬

_ (¬1) في (ي): (جواب). (¬2) في (ش): (كل). (¬3) في (ي): (للنسل). (¬4) ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 979 - 1000، " المحرر الوجيز" 2/ 256، "التفسير الكبير" 6/ 76، "تفسير القرطبي" 3/ 96، "البحر المحيط" 2/ 170 - 171. (¬5) تقدم الحديث عن هذه الرواية في المقدمة. وذكره في "زاد المسير" عنه 1/ 253 برواية أبى صالح، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 329. (¬6) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 399 بمعناه، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 406. (¬7) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1006، البغوي في "تفسيره" 1/ 262. (¬8) "معانى القرآن" للزجاج 1/ 298. (¬9) قال به عكرمة كما رواه ابن أبى حاتم في "تفسيره" 2/ 405، وقدمه الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1001، وينظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 77، "معاني القرآن" للنحاس 1/ 186.

224

الولد ذخيرة للدنيا والآخرة. {وَاتَّقُوا اللَّهَ} فيما حد لكم من الجماع وأمر الحيض. {وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ} قال عطاءُ: يريد: راجعون إليه (¬1). وقد ذكرنا ما في هذا عند قوله: {الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (46)} [البقرة: 46]. وقال أصحاب المعاني: معناه: ملاقو جزائه، إن ثوابًا وإن عقابًا. وقال بعضهم {مُلَاقُوهُ} أي: ملاقو ما قدمتم. {وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} الذين خافوه (¬2) وحَذِرُوا مَعْصيتَهُ. 224 - قوله تعالى: {وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ}: قال الكلبي: نزلت في عبد الله بن رواحة، ينهاه عن قطيعة ختنه على أخته (¬3)، بشير بن النعمان (¬4)، حلف أن لا يكلمَه، ولا يَدْخُلَ بينه، وبين خصم له (¬5)، ¬

_ (¬1) لم أجده. (¬2) في (م): (يخافوه)، وفي (ي) (خافوا). (¬3) هي عمرة بنت رواحة الأنصارية، وهي امرأة بشير بن سعد والد النعمان. ينظر: "الاستيعاب" 4/ 441. (¬4) هو بشير بن سعد بن ثعلبة الخزرجي والد النعمان، شهد العقبة وبدراً والمشاهد كلها، ويقال: إنه أول من بايع من الأنصار أبا بكر يوم السقيفة واستشهد يوم عين التمر مع خالد بن الوليد سنة 12هـ. ينظر: "الاستيعاب" 1/ 252، وهذا هو زوج أخت عبد الله، وفي "الإصابة" 1/ 160 ترجمة لبشير بن النعمان بن عبيد، ويقال له مقرن بن أوس بن مالك الأنصاري الأوسي، قال ابن قداح: قتل يوم الحرة وقتل أبوه يوم اليمامة لكنه ليس المقصود والله أعلم. ينظر: "الإصابة" 1/ 160. (¬5) في (أ) كأنها: ولا يدخل بيته، وعند الثعلبي 2/ 1007: أن لا يدخل عليه ولا يكلمه ولا يصلح بينه وبين خصم له، فلعل في نسخ "البسيط" سقط كلمات، والمعنى صحيح على كل حال.

وجعل يقول: قد حلف (¬1) بالله أن لا أفعل، فلا يحل لي، فأنزل الله هذه الآية (¬2). والعُرضَة عند أهل اللغة: مُشْتَقَّةٌ من أصلين: أحدهما: وهو الذي عليه الجمهور، أنها مشتقة من (¬3) الاعتراض بمعنى المنع، وذلك أن المعترض بين الشيئين مانع من وصول أحدهما إلى الآخر، تقول العرب: هو له دونه عرضة، إذا كان يعترض له دون الوصول إلى ذلك الشيء. قال الأزهري: والأصل فيه: أن الطريق المسلوك إذا اعترض فيه بناءٌ أو جِذْعٌ أو جَبَلٌ مَنَعَ السَابِلَةَ من سُلُوكه، فوضِعَ الاعتراضُ موضع المنع لهذا المعنى، وكل شيء منعك عن (¬4) أمر تريده فقد اعترض عليك وتعرض لك، ومن هذا يقال للمعارض في الكلام: معترض، واعترض عليه في كذا، أي: منع كلامه عن الاستمرار على وجهه (¬5). ¬

_ (¬1) في (ي) و (ش): (حلفت). (¬2) ذكره السمرقندي في "بحر العلوم" 1/ 206، والثعلبي في "تفسيره" 2/ 1007، والواحدي في "أسباب النزول" ص 80، وابن حجر في "العجاب" 1/ 576، وعزاه في "زاد المسير" 1/ 253، "البحر المحيط" 2/ 176 إلى ابن عباس، وقد ذكروا أسبابا أخرى لنزول الآية، فقيل: نزلت في أبي بكر - رضي الله عنه - حين حلف أن لا يصل ابنه عبد الرحمن حتى يسلم، وقيل: نزلت فيه حين حلف لا ينفق على مسطح حين خاض في الإفك. (¬3) في (ي) زيادة وتكرار من أصلين أحدهما: الاعتراض. (¬4) في (ي) و (م): (من). (¬5) "تهذيب اللغة" 3/ 2394 - 2401 مادة "عرض".

وعلى هذا الفراء (¬1) والزجاج (¬2) وابن الأنباري، وأكثر أقوال المفسرين موافق لهذا الأصل (¬3). قال الحسن (¬4) وطاوس (¬5) وقتادة (¬6): لا تجعلوا اليمين بالله علة مانعة من البر والتقوى، من حيث تتعمدون اليمين تعتلوا (¬7) بها. وقال ابن عباس (¬8) ومجاهد (¬9) والربيع (¬10): لا تجعلوا (¬11) اليمين بالله حجة في المنع، والتقدير: لا تجعلوا الله مانعاً من البر والتقوى باعتراضكم به حالفين. الأصل الثاني: في اشتقاق العُرْضَة: أنها من الشدة والقوة، تقول العرب: لفلان عُرْضَة يصرع بها الناس، أي: قُوة، ودابة عُرْضَةٌ للسفر، أي: قوية عليه والعرضيّ من النوق والإبل: الذي فيه نشاط وقوة (¬12). ¬

_ (¬1) "معاني القرآن" للفراء 1/ 144. (¬2) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 298 - 299. (¬3) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 400 - 402، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 407، "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة ص 77، "تفسير الثعلبي" 2/ 1011. (¬4) ذكره في "الوسيط" 1/ 330. (¬5) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 400، وعزاه في الدر 1/ 479 إلى عبد الرزاق. (¬6) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 400. (¬7) في (ي) (لتعلموا). (¬8) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 401 بمعناه، وعزاه في "الدر" 1/ 479 إلى ابن المنذر. و"ابن أبي حاتم" في "تفسيره" 2/ 407. (¬9) رواه عنه الطبري 2/ 401 - 402 بمعناه. (¬10) رواه عنه الطبري 2/ 402 بمعناه. (¬11) ليست في (م) ولا (أ). (¬12) ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 1009.

قال الشاعر: واعْرَوْرَتِ العُلُطَ العُرْضِيَّ تَرْكُضُه ... أمُّ الفَوارسِ بالدِّيدَاءِ والرَّبَعَه (¬1) وقال الليث: يقال: فلان فيه على أعدائه عُرْضِيَّة، وفي الفَرَس عرضِيَّة (¬2) في عَدْوِه. وأنشد القطامي: بِيضُ الهِجَانِ التى كانت تكونُ بها ... عُرْضِيّةٌ وهِبَابٌ حينَ يَرْتَحِلُ (¬3) (¬4) (¬5) فالمعنى على هذا الأصل: لا تجعلوا الحلف بالله قوة لأيمانكم في أن لا تبروا، ويحتمل أن يكون المعنى على هذا الأصل: النهي عن المبادرة إلى الأيمان، كأنه يقول: لا تجعلوا اسم الله قوة لأيمانكم تبتدر من أفواهكم مسرعين بذكره. ¬

_ (¬1) ورد البيت هكذا: واعرورت العلط العرضي تركضه ... أم الفوارس بالدأداء والربعة والبيت من البسيط، وهو لأبي الأسود الرؤاسي، في "لسان العرب" 3/ 1311 مادة: دأدأ، 5/ 3069 مادة: علط، "تهذيب اللغة" 3/ 240 مادة: "عرض"، 3/ 2375 مادة "عرا" "جمهرة اللغة" ص 226، "ديوان الأدب" 1/ 238. انظر "المعجم المفصل في شواهد اللغة العربية" 4/ 196. (¬2) في (ش) و (ي) (عرضة). (¬3) في (ش) (هبات)، وفي (ي) (ترتحل) وهي كذلك في الديوان. (¬4) البيت في ديوانه ص 23 - 30 ط دار الثقافة، بيروت. (¬5) ينظر في عرض: "تهذيب اللغة" 3/ 2394 - 2403، "المفردات" 332، "عمدة الحفاظ" 3/ 66 - 74، "اللسان" 5/ 2884 - 2896.

وهذا المعنى مروي عن عائشة رضي الله عنها؛ لأنها قالت: لا تحلفوا بالله وإن بررتم (¬1). وتفسير ابن عباس في رواية عطاء موافق لهذا المعنى؛ لأنه قال: يريد: لا يحلف الرجل في كل حق وباطل، ينبغي له أن ينزه الله عن كثير من الأيمان (¬2). والأيمان: جمع (¬3) يمين، وهي القسم، وأصلها: من اليُمْن الذي هو البركة، فاليمين عَقْدُ الأمرِ بما يُتَبَرَّكُ (¬4) بذكره (¬5). وقوله تعالى: {أَن تَبَرُّوا} اختلف أهل المعاني في تقديره، فقال الزجاج: تقديره (¬6): لا تعترضوا باليمين بالله في أن تبروا، فسقط (في) ووصل معنى الفعل (¬7). وقال أبو عبيد: معناه: أن لا تبروا، فحذفت لا، كقوله: {يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا} [النساء: 176] وكقوله: {رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ} [النحل: 15] والمعنى: لئلا تضلوا، أن لا تميد بكم (¬8). وقال أبو العباس: تقديره: لدفع أن تبروا، أو لترك أن تبروا، فحذف المضاف. ¬

_ (¬1) رواه الطبري في "تفسيره" 2/ 402. (¬2) تقدم الحديث عن هذه الرواية في القسم الدراسي. (¬3) في (ش) (جميع). (¬4) في (م) (يتبرك به بذكره). (¬5) ينظر في اليمين: "تهذيب اللغة" 4/ 3984 - 3987، "اللسان" 8/ 4967 - 4971. (¬6) ساقط من (ش). (¬7) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 298. (¬8) ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 1011.

وقال الكسائي: تقديره: لأن تبروا (¬1) أي: لا تتخذوا اليمين (¬2) مانعةً لأن تبروا (¬3). وهذه التقديرات كلها توافق تفسير العرضة من الاعتراض بمعنى المنع. وإن جعلنا تفسير العرضة القوة لم يصلح فيه تقدير الزجاج والكسائي. وقال عطاء: أراد (¬4): أن لا تبروا (¬5)، وهذا موافق لتفسير الآية عنده، والتقدير: لا تحلفوا بالله إلا أن يكون اليمين لقصد بر أو تقوى أو إصلاح بين الناس، فلكم أن تحلفوا (¬6). فالعرضة على القول الأول بمعنى المعترض، وعلى القول الثاني بمعنى القوة والشدة، وعلى القولين جميعا معنى قوله: لا تجعلوا الله، لا تجعلوا اسم الله، فالله تعالى هاهنا يراد (¬7) به التسمية لا الاسم الذي هو بمعنى الذات. وأما محل (أن) من الإعراب، فقال أبو إسحاق: الاختيار فيه النصب عند جميع النحويين؛ لأنه لما حذف الخافض وصل الفعل، المعنى: لا ¬

_ (¬1) من قوله: تقديره. ساقط من (أ) و (م). (¬2) قوله: لا تتخذوا اليمين. ساقط من (أ) و (م) و (ش). (¬3) وقد ذكر النحاس في "إعراب القرآن" 1/ 312، ومكي في "مشكل إعراب القرآن" 1/ 130 أن موضع (أن) خفض على إضمار الخافض، فيكون في أن تبرو. (¬4) ساقط من (ي). (¬5) ذكره في "زاد المسير" 1/ 254. (¬6) تقدم الحديث عن هذه الرواية في القسم الدراسي. (¬7) في (ي) (يريد).

تعترضوا باليمين بالله في أن تبروا، فلما سقطت (في) أفضى معنى الاعتراض (¬1) فنصب (أن)، ويكون تأويله: (لا يمنعكم) (¬2) الإيمان بالله البر والتقوى والإصلاح بين الناس، قال: وجائز عند كثير من النحويين أن يكون موضعُها خفضًا، وإن سقطت (في)؛ لأنَّ (إن) الحذف معها مستعمل، يقول (¬3): جئت لأن تضرب زيدًا، وجئت أن تضرب زيدًا، فتحذف اللام مع (أن) ولا تحذف مع المصدر لو قلت: جئت ضربَ زيدٍ، وأنت تريد: لضرب زيد، لم يجز كما جاز مع (أن)، لأنّ (أنْ) إذا وُصِلَت دل ما بعدها على الاستقبال، والمعنى (¬4) تقول: جئتك أن ضربت زيدًا، وجئتك أن تضربَ زيدًا، فلذلك جاز حذف اللام، وإذا (¬5) قلت: جئتك ضَرْبَ زيد، لم يدل الضربُ على معنى مضى (¬6) ولا استقبال (¬7). وحرر بعض أصحابه هذا الفصل فقال: معنى هذا: أنّ (أنْ) لما وُصِل بالفعل احتمل الحذف كما يحتمل (الذي) إذا وصل بالفعل من حذف ضمير المفعول ما لا يحتمله الألف واللام إذا وُصل بالاسم، نحو: الذي ضربت، يريد: ضربته، فأما: الضاربه (¬8) أنا زيد، فلا يحسن إلّا بالهاء، وذلك أن ¬

_ (¬1) في "معاني القرآن" للزجاج 1/ 298: لمعنى، وفي "الإغفال" لأبي علي 509 أقصى معنى الاعتراض. (¬2) في (ش): (يمنعنكم). (¬3) في (ش): (تقول). (¬4) في (أ) و (م) و (ش): والمضي، وما أثبته من (ي) موافق لما في "معاني القرآن". (¬5) في (ي) (إذا). (¬6) في "معاني القرآن": على معنى الاستقبال. (¬7) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 298 - 299 بمعناه. (¬8) في (ش) (المضاربة).

الفعل أثقل، وهو بالحذف أحق. وأنكر أبو علي الفارسي هذا الفصل كلَّه على أبي إسحاق، وأجاز حذف اللام من المصدر، وقال: الذي منعه جائز غير ممتنع في جميع باب المفعول له، تقول (¬1): جئتك طمعًا في الخير، وزرتك كرامة فلان، أي: لكرامته (¬2)، قال: وأنشد أبو عثمان (¬3) لرؤبة: بلاَلٌ أنْدَى (¬4) العَالَمينَ شَخْصًا ... عندي وما بي أن أُسِيءَ الحِرْصا (¬5) فحمل الحرص على المفعول له، قال: وإنما جاز الحذف مع (أن) لطول الكلام بالصلة، وإذا طال الكلام حَسُنَ من الحذف معه ما لا يحسن إذا لم يطل، وذلك كثير، نحو قوله: {مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا} [الأنعام: 148]، ترك التأكيد الذي يقبح تركه في السعة لطول الكلام بلا، ولو لم يطل به للزم التأكيد كما لزم {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ} [الأعراف: 27] {فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ} [المائدة: 24] {اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ} [البقرة: 35]، ومن ثم استجازوا: حضر القاضي اليوم امرأةٌ، حذفوا التاء من الكلام لما طال الكلام بالفصل بين الفعل والفاعل من المفعول. قال: وأما قوله: والنصب في (أن) في هذا الموضع الاختيار عند ¬

_ (¬1) في (أ) (يقول). (¬2) في "الإغفال" ص 511: تقول: جئتك طمعا في الخير، وللطمع في الخير، وزرتك كرامة فلان ولكرامة فلان، فتثبت اللام وتحذف، والمعنى في الحذف مثل المعنى في الإثبات. (¬3) هو بكر بن بقية، تقدمت ترجمته 3/ 162، [البقرة:93]. (¬4) في (ش): (أبدى). (¬5) هذان البيتان ليسا في "ديوان رؤبة" قال محقق "الإغفال": ولم أوفق في العثور عليهما. "الإغفال" ص 512.

جمع النحويين، فمن يقول أن موضعه جر وهو قول سيبويه، ليس يحفظ عنه أن النصبَ أحسن، وإنما يحكم على موضعه بالجر. أطال أبو علي الكلام في هذه المسألة على أبي إسحاق في الإنكار عليه، وقد اختصرته هاهنا (¬1). قال أبو إسحاق: ويجوز أن يكون موضع (أن) رفعًا بالابتداء، وخبره محذوف تقديره: أن تبروا وتتقوا وتصلحوا أولى، أي: البر والتقى أولى، ويكون (أولى) محذوفًا، كقوله: {وطَاعَةٌ وَقَول مَّعْرُوفٌ} [محمد: 21] أي: طاعة وقول معروف (¬2) أمثل. قال: ومذهب النحويين فيه الجر والنصب، ولا أعلم أحدًا منهم ذكر هذا المذهب (¬3). وهذا الذي ذكره أبو إسحاق من رفع (أن) تقدير (¬4) زائد على ما ذكرنا من التقديرات في (أن)، لأن الكلام على هذا يصير مستأنفًا لا تعلق له بما قبله، والتقديرات السابقة توجب (¬5) التعلق بما سبق (¬6). وقوله تعالى: {وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} يسمع (¬7) أيمانكم ويعلم ما تقصدون بها. ¬

_ (¬1) ينظر: "الإغفال" ص 509 - 517. (¬2) زيادة من (ي). (¬3) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 300. (¬4) في (ش) (تقديره). (¬5) في (ش) (يوجب). (¬6) ينظر في إعراب الآية: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 311 - 312، "مشكل إعراب القرآن" لمكي 1/ 130، "التبيان" ص135، "البحر المحيط" 2/ 177، وقد ضعف الوجه الأخير فقال: لأن فيه اقتطاع (أن تبروا) مما قبله، والظاهر هو اتصاله به، ولأن فيه حذفا لا دليل عليه. (¬7) ساقطة من (ي).

225

225 - قوله تعالى: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ} الآية. اللغو: معناه في اللغة: الكلام الذي لا فائدة فيه ولا يعتد به (¬1)، وهو مصدر يقال: لَغَا يَلْغُو لَغْوًا وَلغا يَلْغَى، ولغي يَلْغَى لغًا: إذا أتى بلغو (¬2)، قال الفراء. اللغا مصدرٌ للغَيْتُ، واللغوُ مَصْدَرٌ لِلَغَوْتُ. قال العجاج: ورُبَّ أسْرَابٍ حَجِيجٍ كُظّمِ ... عن اللَّغَا ورَفَثِ التَّكَلُّمِ (¬3) وقال ذو الرمة: ويُطْرَحُ بينها المَرْئِيُّ لَغْوًا ... كما أَلْغَيْتَ في المائةِ الحُوَارَا (¬4) قال ابن المظفر: يقول: اللَّغْو واللَّاغِيَةُ واللَّوَاغِي واللَّغَا واللغوي (¬5)، ومنه الحديث: "من قال يوم الجمعة لصاحبه صه (¬6) والإمام يخطب فقد لغا (¬7) ". ¬

_ (¬1) ساقطة من (ي). (¬2) قال الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 299: ويقال: لغوت ألْغُو لغوًا، ولغوْت أَلْغَى لغوًا، مثل محوت أمحو محوا وأمحى، ويقال: لغيت في الكلام ألغَى لغىً إذا أتيت بلغو. (¬3) سبق تخريجه 3/ 605. (¬4) ورد البيت هكذا: ويَهْلِكُ بينها المَرْئِيُّ فيها ... كما أَلْغَيْتْ في الديةِ الحُوَارا وفي "اللسان": ويَهْلِكَ وسْطَها المرئي لَغْوًا وهو لذي الرمة يهجو هشام بن قيس المرئي أحد بني امرئ القيس، انظر الديوان 2/ 1379، "تفسير الثعلبي" 2/ 1016، "عمدة الحفاظ" للسمين الحلبي 4/ 34. "اللسان" 7/ 4049 مادة "لغا". (¬5) ينظر: "تهذيب اللغة" 4/ 3275 مادة "لغو"، وبعض الكلام لغيره. (¬6) سقطت من (م) و (أ). (¬7) رواه البخاري (934) كتاب: الجمعة، باب. الإنصات يوم الجمعة والإمام يخطب، ومسلم (851) الجمعة، باب: الإنصات يوم الجمعة في الخطبة.

ومثله من الكلام: الدَّلْو والدِّلاَء، والعَيْبُ والعَابُ. قال ابن الأنباري: اللغو عند العرب: ما يُطْرح من الكلام (¬1) استغناءً عنه ولا يفتقر إليه، قال الكميت: وبعد ذلك (¬2) أيَّامٌ (¬3) سَنَذْكُرها ... لم تنس لغوًا ولم تقدم على عمد (¬4) أي: لم تنس اطراحًا لها. ويقال: لغَا الطائر يلغو لغوًا: إذا صَوَّتَ، وسُمِّيَ ذلك منه لَغْوًا؛ لأنه لا يُوْقَفُ على ما يُريدُه. قال الشاعر: باكرتُهُم بِسَبَا جَوْنٍ ذَارعٍ (¬5) ... قبل الصَّبَاحِ، وقَبْلَ لَغْوِ الطَّائرِ (¬6) السبا: اشتراء الخمر، والجَوْنُ: الزِّقُّ، والذَّارعُ (¬7): الكبيرُ الكثيرُ (¬8) الأخذ من الأرض، ولغو الطائر: تَصْوِيْتُه. قال الزجاج: وكلُّ ما لا خيرَ فيه مما يُؤْثَم فيه، أو يكون غير محتاج إليه في الكلام فهو لغوٌ (¬9) ولَغًا (¬10). هذا معناه في اللغة (¬11). ¬

_ (¬1) من قوله: الدَّلْو .. سقطت من (م) و (أ). (¬2) في (م): (ذاك). (¬3) في (ي): (أيامَا). (¬4) في (م): (أمر) والبيت لم أهتد إلى من ذكره. (¬5) في (ش) (دارع)، وفي (ي) (دراع). (¬6) البيت لثعلبة بن صعير المازني في "لسان العرب" 3/ 1498 مادة: ذرع، و 7/ 4051 مادة: لغا. وروايته: بساء. (¬7) في (م) و (ش) (الذراع)، وفي (ي) (الدراع). (¬8) (الكثير) ساقطة من (ي). (¬9) في (ش) (أو). (¬10) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 299. (¬11) ينظر لغا: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 299، "تهذيب اللغة" 4/ 3275 - 3276، "تفسير الثعلبي" 2/ 1016، "المفردات" ص 455، "عمدة الحفاظ" 4/ 33 =

وأما التفسير: فقال مجاهد (¬1) وعكرمة (¬2) والشعبي (¬3): لغو اليمين، في هذه الآية، ما يسبق به اللسان من غير عقد ولا قصد، ويكون كالصلة للكلام، مثل قول القائل: لا والله، وبلى والله، وكلا والله، ونحو هذا، ولا كفارة فيه ولا إثم. وهو قول عائشة رضى الله عنها، قالت: أيمان اللغو ما كان في الهزل والمراء والخصومة، (الذي) لا يعقد عليه القلب (¬4)، ومثله روى حماد (¬5) عن إبراهيم (¬6)، وهو كما روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مرَّ بقوم ¬

_ = "اللسان" 7/ 4049 - 4051. وقال الراغب: اللغو من الكلام ما لا يعتد به، وهو الذي يورد لا عن روية وفكر، فيجري مجرى اللغا، وهو صوت العصافير ونحوها من الطيور. وقد يسمى كل كلام قبيح لغوًا. (¬1) رواه عنه الطبري 2/ 406 بمعناه، وذكره النحاس في "معاني القرآن" 1/ 188، والثعلبي 2/ 1021. (¬2) رواه عنه الطبري 2/ 404، وذكره ابن أبي حاتم 2/ 408 (¬3) رواه عنه سعيد بن منصور 4/ 1528، والطبري 2/ 405، وذكره ابن أبي حاتم 2/ 408. (¬4) حديث عائشة بهذا اللفظ موقوفًا عليها، رواه الطبري في "تفسيره" 2/ 411 - 412، وبنحوه عند عبد الرزاق في "المصنف" 8/ 474، وأصله رواه البخاري (6663) كتاب: الأيمان، باب: لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم، ومالك في "الموطأ" 2/ 477، والشافعي في "الأم" 7/ 257، والنسائي في "تفسيره" 1/ 444 رقم 169، والطبري في "تفسيره" 2/ 406، "ابن أبي حاتم" في "تفسيره" 2/ 408 وغيرهم موقوفا عليها. ورواه أبو داود مرفوعا (3254) كتاب: الأيمان، باب: لغو اليمين، والطبري 2/ 405، وابن حبان في "صحيحه" 10/ 176 وغيرهم، قال الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير 4/ 167: وصحح الدارقطني الوقف. (¬5) هو حماد بن أبي سليمان بن مسلم أبو إسماعيل الكوفي الأصبهاني، كان علامة إماما فقيه العراق، تفقه على إبراهيم النخعي فكان أنبل أصحابه وأفقههم، روى عنه تلميذه أبو حنيفة والأعمى وخلق كثير، توفي سنة 120هـ. ينظر "السير" 5/ 231 - 238، "الجرح والتعديل" 3/ 146. (¬6) رواه الطبري في "تفسيره" 4/ 443، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1030.

ينتضلون، ومعه رجل من أصحابه فرمى رجل من القوم، فقال: أصبت والله وأخطأ، فقال الذي مع النبي عليه الصلاة والسلام: حنث الرجل يا رسول الله، فقال - صلى الله عليه وسلم -: (¬1) "كل (¬2) أيمان الرماة لغو لا كفارة فيها ولا عقوبة (¬3) ". وكأن الفرزدق أراد هذا المعنى بقوله: ولسْتَ بمأخُوذٍ بلَغْوٍ تَقُولُه ... إذا لم تَعَمَّد عاقِداتِ العَزَائمِ (¬4) وقال ابن عباس في رواية الوالبي (¬5) ومجاهد في رواية ابن أبي نجيح (¬6): لغو اليمين، أن يحلف الإنسان على الشيء يُرى أنه صادق فيه ثم يتبين له خلاف ذلك، فهو خطأ منه غير عَمدٍ، ولا كفارة عليه فيه ولا إثم، ¬

_ (¬1) قوله: (فقال -صلى الله عليه وسلم-). ساقطة من (ش). (¬2) في (ي) و (ش). (كلا). (¬3) أخرجه الطبراني في: "المعجم الصغير" عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده 2/ 271 حديث رقم 1151. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 4/ 188: ورجاله ثقات إلا أن شيخ الطبراني يوسف بن يعقوب لم أجد من وثقهُ ولا جرحه، ورواه الطبري في "تفسيره" 2/ 412 عن الحسن قال ابن كثير: وهذا مرسل حسن عن الحسن، وقال الحافظ في "الفتح" 11/ 547: وهذا لا يثبت؛ لأنهم كانوا لا يعتمدون مراسيل الحسن، لأنه كان يأخذ عن كل أحد. (¬4) البيت للفرزدق في "ديوانه" 2/ 307، وانظره في "طبقات فحول الشعراء" 2/ 336، "الدر المصون" 2/ 430، "والأغاني" 19/ 14، "المفردات" ص 52، "وضح البرهان" للغزنوي 1/ 207. (¬5) رواه عنه الطبري 2/ 406، وذكره ابن أبي حاتم 2/ 408. (¬6) رواه في "تفسير مجاهد" 1/ 107، ورواه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 91، والطبري في "تفسيره" 2/ 407.

وهو قول الحسن (¬1) والنخعي (¬2) والزهري (¬3) وقتادة (¬4) والربيع (¬5) والسدي (¬6): وقال (¬7) في رواية وُسيم (¬8) (¬9): اللغو: اليمين في حال الغضب والضجر من غير عقدٍ ولا عزم، وهو قول علي (¬10) - رضي الله عنه - وطاوس (¬11). وقال ابن عباس (¬12) في رواية عكرمة ومسروق (¬13): اليمين الملغاة هي التي يحلف بها الحالف على أمر متى أمضاه وفعله كان معصية لله عز وجل، فهي ملغاة، إذ كان الواجب أن لا يستعمل ما حلف عليه. ¬

_ (¬1) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 91، والطبري عنه 2/ 408. (¬2) رواه عنه سعيد بن منصور في "سننه" 4/ 1524، والطبري في "تفسيره" 2/ 407. (¬3) ذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1022، وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 408، ضمن أهل القول الأول. (¬4) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 91، والطبري في "تفسيره" 2/ 408، وعزاه في الدر 1/ 481 بمعناه إلى عبد بن حميد وأبي الشيخ. (¬5) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 408، وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 409. (¬6) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 408، وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 409. (¬7) رواه سعيد بن منصور 4/ 1533، والطبري في "تفسيره" 2/ 409، "ابن أبي حاتم" في "تفسيره" 2/ 410. (¬8) في (م) (رستم) وفي (ي) (وسم). (¬9) وسيم أو الوسيم، قال البخاري وابن أبي حاتم وابن حبان في "الثقات": يروي عن طاوس عن ابن عباس، روى عه عطاء بن السائب، ولم يذكروا غيره. ينظر "التاريخ الكبير" 8/ 181، "الجرح والتعديل" 9/ 46. (¬10) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1024، وأبو حيان في "البحر المحيط" 2/ 179. (¬11) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 409، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1024. (¬12) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 411، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1026. (¬13) رواه عبد الرزاق في "مصنفه" 8/ 462، والطبري في "تفسيره" 2/ 411.

وقال الشعبي في الرجل يحلف على معصية: كفارته أن يتوب منها، وكل يمين لا يحل لك أن تفي بها فليس فيها كفارة (¬1). يدل عليه ما روى عمرو (¬2) بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "من حلف على معصية الله فلا يمين له (¬3) ". وروت عمرة (¬4) عن عائشة قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من حلف على قطيعة رحم أو معصية، فبره أن يحنث فيها ويرجع عن يمينه" (¬5). وبه قال سعيد بن جُبير إلا أنه قال: يحنث ويكفِّر، ولا يؤاخذه الله بالحِنث (¬6). وقال الضحاك: هو اليمين المُكفَّرة (¬7)، سُميت لغوًا لأن الكفارة تُسقط منه الإثم، تقدير الآية: لا يؤاخذكم الله بالإثم في اليمين إذا كفرتم، وهذا اختيار الزجاج، قال: المعنى: لا يؤاخذكم الله بالإثم في (¬8) الحلف ¬

_ (¬1) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 411، وابن أبي شية في "المصنف"، القسم الأول من الجزء 4/ ص 33. (¬2) هو عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، من رجال الحديث، قال ابن حجر: صدوق، سكن مكة وتوفي بالطائف سنة 118 هـ. انظر "تقريب التهذيب" ص 423 (5050)، "الأعلام" 5/ 79. (¬3) أخرجه أبو داود رقم (2190) كتاب: الطلاق، باب: الطلاق قبل النكاح. (¬4) هي: عمرة بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة الأنصارية، تابعية روت عن عائشة توفيت سنة 103 هـ. انظر "التقريب" 750 (8643) "البداية والنهاية" 11/ 339، 503. (¬5) أخرجه ابن ماجه (2110) كتاب: الكفارات، باب: من قال كفارتها تركها. (¬6) رواه عبد الرزاق في "المصنف" 8/ 375، والطبري 2/ 411. (¬7) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 412، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1032. (¬8) من قوله: في اليمين. ساقطة من (أ) و (م).

إذا كفرتم، وإنما قيل له (¬1) لغو؛ لأن الإثم يسقط فيه إذا وقعت الكفارة (¬2). أعلم الله عز وجل أن الإثم إنما هو في الإقامة على ترك البر والتقى، وأن اليمين إذا كفرت فالذنب فيها مغفور. وجملة اليمين على مذهب الشافعي، رحمه الله: قِسْمٌ على الماضي (¬3) نفيًا أو إثباتًا مثل أن تقول: والله لقد كان كذا، أو لم يكن كذا. فإن كذب في يمينه متعمدًا فهذه الغموس التي تغمس صاحبها في الإثم، وفيها (¬4) الكفارة، وإذا (¬5) لم يتعمد واستبان الكذب فلا كفارة. القسم الثاني: اليمين (¬6) على المستقبل نفيًا أو إثباتًا، مثل: والله لأفعلن، أو والله لا أفعل، فإن حَنِثَ لزمته الكفارة، وحالة الرضا والغضب سواء (¬7). وقوله تعالى: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} أي: عزمتم وقصدتم، لأن كسب القلب العقد والنية (¬8). وقال الزجاج: أي: بعزمكم على أن لا تبروا وأن لا تتقوا، وأن ¬

_ (¬1) ساقطة من (أ) و (م). (¬2) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 299. (¬3) في (ي): (المعاصي). (¬4) في (م) و (أ): (فيها). (¬5) في (ي) و (ش): (فإن). (¬6) ساقطة من (ي). (¬7) ينظر: "الأم" 7/ 64، "والسنن الكبرى للبيهقي" 10/ 36، "تفسير الثعلبي" 2/ 1033، "الإشراف على مذاهب أهل العلم" لابن المنذر 1/ 422، "اختلاف العلماء" للمروزي 212. (¬8) ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 1032.

226

تَعْتلَّوا في ذلك بأنكم حلفتم (¬1). وقوله تعالى: {وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ} معنى الحِلْم في كلام العرب: الأَنَاةُ والسُكُون، والعَرب تقول: ضَعِ الهَوْدَجَ على أحْلَمِ الجِمال، أي: على أَشَدِّها تَؤُدَةً في السير. ومنه الحُلُم؛ لأنه يُرَى في حال السكون، وحَلَمَةُ الثدي لأنها تُحَلِّم المرتَضِعَ، أي: تُسَكِّنُه، والحَلَمَةُ: القُراد، مُشَبَّهَةً بِحَلَمَةِ الثَّدْي (¬2)، ومعنى الحليم في صفة الله: الذي لا يَعْجَل بالعقوبة، بل يؤخر عقوبة الكافرين والعُصَاة (¬3). 226 - قوله تعالى: {لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ} قال سعيد بن المسيب: كان الرجل لا يريد المرأة، ولا يحب أن يتزوجها غيره، فيحلف أن لا يقربها أبدًا، فكان يتركها بذلك لا أَيَّمًا ولا ذاتَ بعلٍ، يُضَارُّها، وكانوا يفعلون ذلك في الجاهلية وفي الإسلام، فجعل الله تعالى الأجل الذي يُعلم به ما عند الرجل في المرأة أربعة أشهر (¬4). ¬

_ (¬1) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 299. (¬2) "تهذيب اللغة" 1/ 908، "المفردات" ص 136، "عمدة الحفاظ" 1/ 516 - 518، "اللسان" 2/ 979 - 982. قال الراغب: الحلم: ضبط النفس والطبع عن هيجان الغضب، وجمعه أحلام، قال الله تعالى: {أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ} [الطور: 32] قبل معناه: عقولهم، وليس الحلم في الحقيقة هو العقل، لكن فسروه بذلك لكونه من مسببات العقل. (¬3) قال السمين الحلبي في عمدة الحفاظ 1/ 516: الحلم: أصله ضبط عن هيجان الغضب، وإذا ورد في صفات الله فمعناه: الذي لا يستفزه عصيان العصاة، ولا يستخفه الغضب عليهم. (¬4) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1038، والواحدي في "أسباب النزول" ص 80، 81, وابن حجر في "العجاب" 1/ 579. وذكره بنصه بلا نسبة الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 300 - 301، وروى سعيد بن منصور 2/ 51 [ط. حبيب الرحمن] والطبراني =

ويقال: آلى يُولي إِيلاء، وتألّي يَتَألَّى تألِّيًا وائتلى يَأتلي ائتلاءً، قالت الخنساء: فآليْتُ آسَى عَلَى هَالِكِ ... وأسْألُ نَائِحَةً مَالَهَا (¬1) وقال زيد الفوارس (¬2): تالى ابنُ أوسٍ حَلْفةً ليَرُدَّني ... إلى نِسوَةٍ كأنَّهُنَّ مقائد (¬3) ومن هذا قراءة من قرأ: {ولا يتأل أولوا الفضل منكم} [النور: 22] وقراءة العامة (ولا يأتلِ) (¬4) من الإيتلاء بمعنى الحلف، ويقال لليمين: الأَلِيَّةَ والأُلوّة والأَلُوّة (¬5) كلها بالتشديد، وحكى أبو عمرو (¬6) أَلْوَةٌ وإِلْوَهٌ ¬

_ = في "المعجم الكبير" 11/ 127، والواحدي في "أسباب النزول" ص 80، 81 عن ابن عباس قال: كان إيلاء الجاهلية السنة والسنتين، وأكثر من ذلك، فوقت الله أربعة أشهر. (¬1) البيت للخنساء في رثاء أخيها صخر، ينظر ديوانها ص120. تقول: لا أبكي على هالك بعده فقد شغلني عن غيره. (¬2) هو زيد بن حصين بن ضرار الضبي، فارس شاعر جاهلي، أورد البغدادي قليلًا من أخباره وأبياتاً له، واختار أبو تمام في "الحماسة" أبياتاً أخرى من شعره. ينظر "خزانة الأدب" للبغدادي 1/ 516، 517، "الأعلام" 3/ 58. (¬3) البيت ذكره في "الدر المصون" 8/ 394. (¬4) قرأ أبو جعفر: (يتأل) بهمزة مفتوحة بين التاء واللام مع تشديد اللام مفتوحة، وهي قراءة عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة مولاه، وزيد بن أسلم، وقرأ الباقون بهمزة ساكنة بين الياء والتاء وكسر اللام خفيفة، قال في النشر 2/ 331: وذكر الإمام المحقق أبو محمد إسماعيل بن إبراهيم القراب، في كتابه: "علل القراءات": أنه كتب في المصاحف (يتل) قال: فلذلك ساغ الاختلاف فيه على الوجهين. ينظر النشر2/ 331، و"البدور الزاهرة" ص271. (¬5) ساقطة من (ش) و (ي). (¬6) ساقطة من (ي).

وأُلوَةٌ ثلاث لغات مخففة في اليمين، وذكرها يعقوب (¬1). قال كثيّر: قَلِيلُ الأَلايَا حَافِظٌ ليمينه ... فإن سَبَقَتْ منه الأَلِيَّةُ بَرَّتِ (¬2) وقوله تعالى: {مِنْ نِسَائِهِمْ} قال أهل المعاني: الآية مختصرة، وما وقع عليه الإيلاء محذوف، وهو اعتزال النساء، كأنه قيل: للذين يؤلون أن يعتزلوا نسائهم تربص أربعة أشهرٍ، فحذف ما حذف لبيان معناه، وذلك أنه معلوم أن الحلف لا يكون إلّا على شيء يؤكّدُ ويحقق (¬3) (¬4). و (مِنْ) في (¬5) قوله: {مِنْ نِسَائِهِمْ} عند بعضهم من صلة التربص، كأنه قيل: للذين يؤلون تربص أربعة أشهر من نسائهم، أي: يتربصون عنهن هذه المدة. وحكى ابن الأنباري عن بعض أهل اللغة أن (من) هاهنا بمعنى على، وحروف الصفات متعاقبة، والتقدير عنده: للذين يحلفون على وطء أو في ¬

_ (¬1) ينظر في آلى: "تفسير الطبري" 2/ 417، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 301، "تهذيب اللغة" 15/ 178 - 180، "المفردات" 32، "عمدة الحفاظ" 1/ 120 - 122، "اللسان" 1/ 117 - 120. قال الراغب: وحقيقة الإيلاء والألية: الحلف المقتضي لتقصير في الأمر الذي يحلف عليه. وجعل الإيلاء في الشرع للحلف المانع من جماع المرأة. أي: مدة أربعة أشهر فأكثر. (¬2) البيت لكثير عزة في "ديوانه" 2/ 220. وفي "البحر المحيط" 2/ 176، "التفسير الكبير" 6/ 86، وذكره في "اللسان" 1/ 117 بغير نسبة قال: ورواه ابن خالويه: قليل الإلاء. وفيه: وإن سبقت. (¬3) في (ي) و (ش) (تحقق). (¬4) "تفسير الثعلبي" 2/ 1040. (¬5) ساقطة من (ي).

وطء نسائهم، فأقام الصفة مقام الصفة، وحذف المضاف، وأقام النساء مقامه (¬1). والتربص: التَّلَبُّثُ والانتظار، تَرَبَّصْتُ بالشيء تَرَبُّصًا، ويقال: ما لي على هذا الأمر رُبْصَةٌ، أي: تلبث (¬2). وإضافة التربص إلى الأربعة أشهر أضافة المصدر، كقولك: بينهما مسيرة يوم، أو مسيرة في يوم، ومثله كثير. وأما تفسير الإيلاء الشرعي وحكمه، فكل (¬3) يمين يحلفها الرجل ويصير بها ممتنعًا من جماع امرأته أكثر من أربعة أشهرٍ فهو إيلاء، وما كان دون أربعة أشهر فليس بإيلاء. وإن حلف على أربعة أشهر، فقد اختلف الصحابة فيه، فذهب الأكثرون إلى أنه غير مُوْلي، وذهب ابن عباس إلى أنه مُولٍ. (¬4) ¬

_ (¬1) ينظر في معنى (من): التبيان ص 136، "تفسير الرازي" 6/ 86، "البحر المحيط" 1/ 181 وقال: (من) يتعلق بقوله: يؤلون، وآلى لا يتعدى بمن، فقيل: (من) بمعنى على، وقيل بمعنى في، ويكون ذلك على حذف مضاف، أي: على ترك وطء نسائهم، أو في ترك وطء نسائهم، وقيل: (من) زائدة، والتقدير: يؤلون أن يعتزلوا نساءهم، وقيل يتعلق بمحذوف، والتقدير: للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر، فتتعلق بما تتعلق به لهم المحذوف، قاله الزمخشري، وهذا كله ضعيف ينزه القرآن عنه، وإنما يتعلق بـ يؤلون على أحد وجهين: إما أن يكون (من) للسبب، أي: من يحلفون بسبب نسائهم، وإما أن يضمن الإيلاء معنى الامتناع فيعدى بمن، فكأنه قيل: للذين يمتنعون بالإيلاء من نسائهم. (¬2) ينظر في تربص: "تهذيب اللغة" 2/ 1344 مادة "ربص"، "تفسير الثعلبي" 2/ 1041، "المفردات" 192، "عمدة الحفاظ" 2/ 68. (¬3) في (ي) و (ش) (وكل). (¬4) ينظر: "مختصر الطحاوي" ص 208، "أحكام القرآن" للجصاص 1/ 360.

وحالة الرضا والغضب سواء، إلا فيما يحكى عن علي رضى الله عنه أنه كان يقول: الإيلاء يمين في الغضب، فإذا حلف في حال الرضا فليس بإيلاء (¬1). ثم إن جامع قبل مضي أربعة أشهر لزمته (¬2) الكفارة عند عامّة الفقهاء والنكاح ثابت، وذهب الحسن (¬3) (¬4) وقتادة (¬5) إلى أنه لا كفارة عليه، لقوله: {فَإِن فَاَءُو فَإِنَّ اَللهَ غَفُوُرٌ} رَحِيمٌ، وإن لم يجامع حتى انقضت أربعة أشهر بانت منه بتطليقة عند أبي حنيفة (¬6)، ولا رجعة له، وهو قول ابن مسعود (¬7) وزيد بن ثابت (¬8) وقتادة (¬9) والكلبي (¬10). وعند الشافعي (¬11): أنه إذا مضت أربعة أشهر والرجل ممتنع، فإن عفت المرأة ولم تطلب حقها من الجماع فلا شيء على الرجل، ولا يقع طلاق، وهما على النكاح ما أقامت على ذلك، وإن طلبت حقها وقف ¬

_ (¬1) رواه عبد الرزاق في "المصنف" / 451، وابن أبي شيبة في "المصنف" 5/ 141، والطبري في "تفسيره" 2/ 417 - 418، وعزاه في "الدر" 1/ 482 إلى عبد بن حميد. (¬2) في (م): (لزمه). (¬3) في (ي): (أبو الحسن). (¬4) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 426. (¬5) المصدر السابق. (¬6) ينظر: "مختصر الطحاوي" ص 208، "أحكام القرآن" للجصاص 1/ 360. (¬7) رواه عبد الرزاق في "المصنف" 6/ 454، وسعيد بن منصور 2/ 51، والطبري في "تفسيره" 2/ 428. (¬8) رواه عبد الرزاق في "المصنف" 6/ 453، والطبري في "تفسيره" 2/ 428. (¬9) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 428. (¬10) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1043. (¬11) ينظر: "الأم" 5/ 287، و"الرسالة" ص 576.

الحاكم زوجها فإما أن يطلق، وإما أن يطأ، فإن أباهما جميعًا طلق الحاكم عليه، وله أن يراجعها. وهذا قول عُمَر (¬1)، وعثمان (¬2)، وعلي (¬3)، وأبي الدرداء (¬4) وابن عُمر (¬5) وعائشة (¬6)، ومذهب مالك (¬7). وأبي ثور (¬8) (¬9) وأبي عبيد (¬10) وأحمد (¬11) وإسحاق (¬12) وعامة أهل الحديث. ¬

_ (¬1) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 433. (¬2) رواه البخاري (5291) كتاب: الطلاق، باب: قول الله تعالى: {لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ} معلقا على قول عثمان، ورواه الشافعي في "الأم" 5/ 282 موصولا، والطبري في "تفسيره" 2/ 433. (¬3) رواه البخاري في الموضع السابق معلقا؛ ورواه موصولا: الشافعي في الأم 5/ 282، والطبري في "تفسيره" 2/ 434. (¬4) رواه البخاري في الموضع السابق معلقا، ورواه موصولا عبد الرزاق في "المصنف" 6/ 457، والطبري 2/ 434. (¬5) رواه البخاري في الموضع السابق، والطبري في "تفسيره" 2/ 434. (¬6) رواه البخاري في الموضع السابق معلقا، ورواه موصولا الشافعي في الأم 5/ 282، والطبري في "تفسيره" 2/ 343. (¬7) ينظر "الموطأ" 2/ 556، "والكافي" لابن عبد البر 2/ 599. (¬8) هو: إبراهيم بن خالد أبو ثور الكلبي البغدادي، الفقيه مفتي العراق، أحد الحفاظ المجتهدين، حجة رغم جرح أبي حاتم الخفيف بسبب أخذه بالرأي، توفي سنة 240 هـ. ينظر "الجرح والتعديل" 2/ 372، "تاريخ بغداد" 6/ 65، و"السير" 12/ 72. (¬9) ينظر: "اختلاف العلماء" للمروزي ص 183، و"الإشراف" لابن المنذر 1/ 228. (¬10) ينظر المرجعين السابقين. (¬11) ينظر: مسائل الإمام أحمد برواية ابنه عبد الله 3/ 1119. (¬12) "سنن الترمذي" (1201) كتاب: الطلاق واللعان، باب: ما جاء في الايلاء، والإشراف 1/ 228.

وقوله تعالى: {فَإِنْ فَاءُوا} أي: رجعوا، والفَيْءْ في اللغة: الرجوعُ. قال الفراء: يقال: فاء يفيء فيئًا (¬1) وفُيُوءًا (¬2) (¬3) وفَيْئةً، وهي المرَّة (¬4) الواحدة (¬5)، وإنما يصير راجعًا بالجماع، ويكفى من ذلك تغييب (¬6) الحشفة في فرجها مرة واحدة (¬7). وقال قوم: الفيء باللسان، وهو مذهب النخعي (¬8)، وإن كان عاجزًا عن الجماع بمرض أو غيبة فاء بلسانه، وأشهد عليه. وقد ذكرنا أنه إذا فاء لزمته الكفّارة إلا عندَ الحسن وقتادة (¬9)، لقوله: {فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} والذين يوجبون الكفارة يقولون: هذا في إسقاط العقوبة لا في الكفارة (¬10). ¬

_ (¬1) في (ش): (فئيًا). (¬2) في (ش): (فُؤَرًا). (¬3) "معاني القرآن" للفراء 1/ 145 بمعناه (¬4) في (أ) و (م): (المرأة). (¬5) ينظر في معنى الفيء: "تهذيب اللغة" 3/ 2711، "المفردات" ص 390، وقال: الفيء والفيئة: الرجوع إلى حالة محمودة، "اللسان" 6/ 3495، وذكر الأزهري: أن الفيء في القرآن على ثلاثة معان، مرجعها إلى أصل واحد هو الرجوع، ثم ذكر أولها وهي الفيء في هذه الآية، والثاني: قوله تعالى: {يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ} [النحل: 48]، فالفيء الظل بعد العشي، والثالث: قوله: {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى} [الحشر: 7]، فالفي: ما رد الله تعالى على أهل دينه من أموال من خالف أهل دينه بلا قتال. (¬6) في (م): (تغيب). (¬7) ينظر: "الإشراف" 1/ 288، "والأم" 5/ 287، "تفسير الثعلبي" 2/ 1047. (¬8) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 423، وعبد الرزاق في "المصنف" 6/ 462. (¬9) سبق تخريجه عنهما. (¬10) "تفسيرالثعلبي" 2/ 1047.

227

227 - قوله تعالى: {وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ} الآية، العَزْم: عقد القلب على الشيء، عزم على الشيء يَعْزِم عَزْمًا وعُزْمًا وعَزِيمةً، ذكرها الفراء (¬1)، اعتزم اعتزامًا، وعزمت عليك لتفعلنّ، أي: أقسمت (¬2) (¬3). والطلاقُ: مصدرُ طَلُقتِ المرأةُ تطلُق طَلاقًا (¬4)، وقال الليث: طَلُقَتِ المرأة، بضم اللام، تَطْلُق طلاقًا، وقال ابن الأعرابي: طَلُقَتْ من الطلاق أجود، وطَلَقَتْ بفتح اللام جائز (¬5) (¬6). ومعنى الطلاق: هو حل عقد النكاح بما يكون حلًّا في الشرع، وأصله من الانطلاق وهو الذهاب، والطَّلاق: انطلاق المرأة، والأولى (¬7) أن يكون الطلاق هاهنا اسمًا من التطليق، كالسراح اسم من التسريح يوضع موضع المصدر، لأن المراد هاهنا التطليق (¬8). وهذه الآية دليل على أنها لا (¬9) تَطْلقُ بعد مضي الأربعة أشهر ما لم ¬

_ (¬1) لم أجده في مظانه من "معاني القرآن" له. (¬2) ينظر في عزم: "تهذيب اللغة" 3/ 2425، "المفردات" 337، "عمدة الحفاظ" 3/ 86، "اللسان" 5/ 2932 - 2933. (¬3) ينظر عزم "تهذيب اللغة" 2/ 152، "والمفرادت" 337، "وعمدة الحفاظ" 3/ 86 واللسان 12/ 398 - 401. (¬4) نقله عنه في "تهذيب اللغة" 3/ 2209 مادة "طلق". (¬5) نقله عنه في "تهذيب اللغة" 3/ 2209، وتتمة كلامه: ومن الطلق طُلقت، وكلهم يقول: امرأة طالق بغير هاء. (¬6) ينظر في طلق: "تهذيب اللغة" 2209 - 2212، "المفردات" ص 309، "عمدة الحفاظ" 2/ 476 - 477، "اللسان" 4/ 2692 - 2696. (¬7) ساقطة من (ي). (¬8) ينظر: "البحر المحيط" 2/ 192. (¬9) ساقطة من (ي).

228

يطلقها زوجها أو السلطان؛ لأنه شرط فيه (¬1) العزم، ولأنّ (¬2) السماع يقتضي مسموعًا، والقول هو الذي (¬3) يُسمَعُ فالسماع راجع إلى الطلاق. فإن قيل: العزم عزم القلب لا لفظ اللسان، فإلى أي شيء يرجع السماع؟ قلنا: الرجل يعزم بقلبه ثم يطلق بلسانه، وقد ذكر الله العزم والمراد منه إنشاء اللفظ وهو قوله: {وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ} [البقرة: 235]. وما نهى عن النية؛ لأن التعريض بالخطبة مباح في عدة الوفاة والتعريض بالخطبة يتضمن القصد بالقلب وزيادة، وإنما حرم إنشاء عقد النكاح قبل أن يبلغ الكتاب أجله (¬4). 228 - قوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ} الآية. المطلقات: المُخَلَّيات من حبال الأزواج (¬5) (¬6)، أراد المطلقات المدخول بهن البالغات غير الحوامل؛ لأن في الآية بيان عدتهن. وذكرنا معنى التربص. ومعنى الآية: أنهن ينتظرن بِأَنفُسِهِنَّ (¬7) انقضاء ثلاثة قروء أو مضي ثلاثة قروء (¬8) ولا يتزوَّجن، لفظه خبر ومعناه الأمر، كقوله: {يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ} [البقرة: 233]، ومثله كثير (¬9). ¬

_ (¬1) في (ي) (في). (¬2) الواو: ساقطة من (ي). (¬3) في (ي) (الذي هو). (¬4) ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 1048، "تفسير الرازي" 6/ 89 - 90. (¬5) "تفسير الثعلبي" 2/ 1050. (¬6) ساقطة من (ي). (¬7) ساقطة من (ي). (¬8) زيادة من (ي). (¬9) ينظر: "الكشاف" "التبيان" ص 136، "البحر المحيط" 1/ 185.

قال الزجاج: هو كما تقول: حسبك درهم، لفظه خبر ومعناه: اكتف بدرهم. وقال غيره: معناه (¬1): يتربصن في حكم الله الذي أوجبه، فحذف للدلالة عليه (¬2). وقيل: أراد: ليتربصن، فحذف اللام (¬3). والقُرُوْءُ: جمع قُرْءٍ (¬4)، وجمعه القليل أَقرء، والكثير: أَقْراء وقروء (¬5). وهذا الحرف من الأضداد يقال للحِيَض: قُرُوءٌ، وللأَطهارِ: قُروء، والعَربُ تقول: أَقْرَأتِ المرأةُ. في الأمرين جميعًا. وعلى هذا يونس (¬6) وأبو عمرو بن العلاء (¬7) (¬8) وأبو عبيد أنها من الأضداد (¬9) (¬10)، وهي في لغة ¬

_ (¬1) ساقطة من (ي). (¬2) ينظر: "البحر المحيط" 2/ 185. (¬3) ينظر: "التبيان" ص 136، "البحر المحيط" 2/ 185، واستبعد هذا القول جدا. (¬4) في (ش) (قرؤ). (¬5) ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 1051، قال في "اللسان" 6/ 3564 مادة "قرأ": والجمع أقراء، وقروء على فُعول، وأقرؤ، الأخيرة عن اللحياني في أدنى العدد، ولم يعرف سيبويه أقراءً ولا أقرؤًا، قال: استغنوا عنه بفعول. (¬6) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 304. (¬7) هو: زبان بن العلاء بن عمار التميمي البصري، أحد القراء السبعة المشهورين، كان إماما في التفسير والعربية، توفي سنة 154هـ. ينظر معرفة القراء الكبار 1/ 100، "الأعلام" 3/ 41. (¬8) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 304. (¬9) من قوله: يقال للحيض .. ساقط من (ي). (¬10) ينظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2912 - 2913 مادة: (قرأ).

العرب مُستعملة في المعنيين (¬1) جميعًا (¬2)، وكذلك في الشرع (¬3). أما في استعمال العرب فقد أنشد الأئمة حجة للحيض قول الراجز: له قُرُوءٌ كَقُروء الحائضِ (¬4). وأنشدوا حجةً للطُّهْر قول الأعشى: ما ضَاعَ فيها من قُرُوءِ نِسَائِكَا (¬5) والذي ضاع الأطهار لا الحيض؛ لأنه خرج إلى الغزو فلم يغش نساءه. وأما في الشرع فقال (¬6) النبي - صلى الله عليه وسلم - في المستحاضة "تنتظر (¬7) أيام أقرائها ¬

_ (¬1) في (م) (الأمرين). (¬2) قال الراغب ص 399 - 400: والقرء في الحقيقة اسم للدخول في الحيض عن طهر، ولما كان اسما جامعا للأمرين الطهر والحيض المتعقب له أطلق على كل واحد منهما؛ لأن كل اسم موضوع لمعنيين معا يطلق على كل واحد منهما إذا انفرد كالمائدة للخوان وللطعام، ثم قد يسمى كل واحد بانفراده به، وليس القرء اسما للطهر مجردا ولا للحيض مجردا بدلالة أن الطاهر التي لم تر أثر الدم لا يقال لها ذات قرء، وكذا الحائض التي استمِر بها الدم والنفساء لا يقال لها ذلك. (¬3) ينظر في القرء: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 174 - 175، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 302 - 304، "تهذيب اللغة" 3/ 2912 - 2914 مادة (قرأ)، "المفردات" ص 399 - 400، "عمدة الحفاظ" 3/ 338 - 340، "اللسان" 6/ 3564 - 3565 مادة (قرأ). (¬4) ذكره الزجاج بقوله: وأنشدوا في القرء والحيض، ينظر "معاني القرآن" 1/ 303. (¬5) مطلع البيت: مورِّثةً مالا وفي الأصل رفعة البيت في "ديوان الأعشى" ص 67، "مجاز القرآن" 1/ 74، ينظر "معاني القرآن" للزجاج 1/ 304. (¬6) في (ي): (فقد قال). (¬7) في (م): (ينتظر).

وتغتسل فيما سوى ذلك" (¬1) يعنى: أنها تجلس عن الصلاة أيام حيضها، فالخبر دليل على أن الأقراء قد يكون الحيض، وأما استعمال الشرع إياها في الأطهار، فقوله تعالى: {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} أي: ثلاثة أطهار، يدل عليه قوله تعالى: {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} أي: لوقت عدتهن وزمان عدتهن، وبين النبي - صلى الله عليه وسلم -: أن وقت العدة: زمان الطهر في حديث ابن عُمر، وهو أنه طلق امرأته وهي حائض، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعمر: "مره فليراجعها فإذا طهرت فليطلق أو ليمسك" (¬2) فبين أن زمان الطلاق الطهر؛ لتكون المرأة مستقبلة العدة. ومن هذا الاختلاف في اللغة وقع الخلاف في الأقراء بين الصحابة وفقهاء الأمة. فعند علي (¬3) وابن مسعود (¬4) وأبي موسى الأشعري (¬5) ومجاهد (¬6) ومقاتل (¬7) وفقهاء الكوفة (¬8): أنها الحيض. ¬

_ (¬1) أخرجه الدارمي في الطهارة، باب: في غسل المستحاضة 1/ 202، وأحمد في "المسند" ص 3/ 323. (¬2) أخرجه البخاري رقم (5258) كتاب: الطلاق، باب: من طلق وهل يواجه الرجل امرأته بالطلاق، ومسلم (1471) كتاب: الطلاق، باب: تحريم طلاق الحائض بغير رضاها. (¬3) رواه عبد الرزاق في "المصنف" 6/ 315، وسعيد بن منصور في "سننه" 1/ 332 [ط. حبيب الرحمن]، والطبري 2/ 441، وعزاه في "الدر" 6/ 349 إلى الشافعي وعبد بن حميد. (¬4) رواه عبد الرزاق في "المصنف" 6/ 316، والطبري في "تفسيره" 2/ 439. (¬5) رواه عبد الرزاق في "المصنف" 6/ 317، والطبري في "تفسيره" 2/ 440. (¬6) "تفسير مجاهد" 1/ 108، ورواه الطبري في "تفسيره" 2/ 439، "ابن أبي حاتم" في "تفسيره" 2/ 415. (¬7) هو ابن حيان. ينظر "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 415، والحيري في "الكفاية في التفسير" 1/ 179. (¬8) ينظر "مختصر الطحاوي" ص 217، و"شرح معاني الآثار" 3/ 64، "أحكام القرآن" للجصاص 1/ 364.

وعند زيد بن ثابت (¬1) وابن عمر (¬2) وعائشة (¬3) ومالك (¬4) والشافعي (¬5) وأهل المدينة (¬6): أنها الأطهار. وهذا الخلاف فيما ذكر منها في العدة، فأما كونها حيضًا وطهرًا وأن (¬7) اللفظ صالح لهما جميعًا، فمما لا يختلف فيه أحد (¬8). وأصل هذا اللفظ واشتقاقه مختلف فيه أيضًا (¬9)، قال أبو عبيد: أصله من دُنُو وِقت الشيء (¬10)، وروى الأزهري عن الشافعي: أن القرء اسم للوقت، فلما كان الحيض يجيء لوقتٍ والطهر يجيء لوقت (¬11)، جاز أن يكون الأقراء حيضًا وأطهارًا (¬12). وذكر أبو عمرو بن العلاء أن القرء: ¬

_ (¬1) رواه مالك في "الموطأ" 2/ 577، والشافعي في الأم 5/ 224، والطبري 2/ 442. (¬2) رواه مالك في "الموطأ" 2/ 577، والطبري في "تفسيره" 2/ 443. (¬3) رواه مالك في "الموطأ" 2/ 576، والشافعي في "الأم" 5/ 224، والطبري في "تفسيره" 2/ 442. (¬4) "الموطأ" 2/ 578، و"التمهيد" 15/ 85. (¬5) "الرسالة" ص 569، و"الأم" 5/ 224. (¬6) "تفسيرالثعلبي" 2/ 1056. (¬7) في (ي) (فإن). (¬8) ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 1061. (¬9) ينظر في القرء: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 1/ 74، "معاني القرآن" للأخفش 1/ 174 - 175، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 302 - 304، "تهذيب اللغة" 3/ 2912، "المفردات" ص 399 - 400، "عمدة الحفاظ" 3/ 338 - 340، "اللسان" 3/ 2912 - 2913. (¬10) في "تفسير الثعلبي" ذكر أبا عبيدة وهو عنده في "مجاز القرآن" 1/ 74. (¬11) قوله: والطهر يجيء الوقت. ساقط من (ش). (¬12) "تهذيب اللغة" 3/ 2912.

الوقت، وهو يصلح للحيض ويصلح للطهر، ويقال: هذا قارئ الرياح، لوقت هبوبها (¬1) وأنشد أهل اللغة للهذلي: إذا هَبَّتْ لِقَارِئِها الرِّيَاحُ (¬2) أي: لوقت هبوبها، (¬3) (¬4) ومن هذا يقال: أَقْرَأَتِ النُّجُوم، إذا طَلَعَتْ، وأَقْرَأَتْ، إذا أَفَلَتْ (¬5)، قال كُثَيِّر: إذا ما الثُّرَيّا وقد أقْرَأَتْ ... أحسَّ السَّمَاكَانِ منها أُفُولاَ (¬6) أي: غابت، وأنشد ابن الأعرابي عن أحمد بن يحيى: مواعيد لا يأتي لقَرْءٍ حويرها (¬7) ... تكون هبا يوم نكباء صرصرا (¬8) ¬

_ (¬1) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 304، "تهذيب اللغة" 3/ 2913، ورواه الطحاوي في "شرح معاني الآثار" 3/ 60 عن أبي عمرو. (¬2) مطلع البيت: شَنِئْتُ العَقْر عَقْر بني شَلَيْلٍ والبيت لمالك بن الحارث الهذلي، ينظر "ديوان الهذليين" 3/ 83، والطبري في "تفسيره" 2/ 444، "لسان العرب" مادة: قرأ 6/ 3565 ينظر "معاني القرآن" للزجاج 1/ 304، ورواية الثعلبي 2/ 1062: كرهت، ورواية "اللسان": لقارئها. وقوله: شنئت: أي: (كرهت)، والعقر: مكان، وهبت لقاريها: لوقت هبوبها. وشليل: جد جرير بن عبد الله البجلي ينظر "شرح أشعار الهذليين" للسكري 1/ 239. (¬3) من قوله: (وأنشد) .. زيادة من (ي) و (ش). وهنا ينتهي كلام أبي عمرو كما في "تهذيب اللغة". (¬4) من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 304 - 305. (¬5) "تفسيرالثعلبي" 2/ 1062. (¬6) البيت ليس في "ديوانه" الذي بتحقيق إحسان عباس، وهو في "تفسير الطبري" 2/ 444، "تفسير الثعلبي" 2/ 1062، "النكت والعيون" 1/ 291 بلا نسبة، والسماكان: نجمان نيران. ينظر "لسان العرب" 4/ 2099 مادة "سمك". (¬7) في (ش): (حويزها). (¬8) البيت لم أهتد لقائله ولا من ذكره.

أي: لا تأتي (¬1) لوقت رجوعها (¬2)، قال: والقُرُءُ: الأوقات، واحدها قَرْؤٌ، فعلى هذا الأصل القَرْؤ يجوز أن يكون الحيض، لأنه وقت سيلان الدم، ويكون الطُّهْر لأنه وقت إمسَاكِهِ، على عادة جارية فيه (¬3). وقال قوم: أصل القرء: الجمع، يقال: ما قَرَأَتِ الناقةُ سَلًا قَطّ، أي: ما جَمَعَتْ في رحمها ولدًا قَطُّ، ومنه قولُ عمرو بن كلثوم: هِجَانِ اللونِ لم تَقْرأْ جَنِيْنَا (¬4) وقال الأخفش: يقال: ما قَرَأَتْ حَيْضَةً، أي: ما ضمت (¬5) رحمها على حيضة (¬6)، والقرآن من القرء الذي هو الجمع، وقرأ القارئ: أي جمع الحروف بعضها إلى بعض في لفظِهِ. وهذا الأصل يقوي أن الأقراء هي الأطهار (¬7). قال أبو إسحاق: والذي عندي في حقيقة هذا أن القرء الجمع (¬8) في اللغة، وأن قولهم: قريت الماء في الحوض وإن كان قد لزم (¬9) الياء فهو ¬

_ (¬1) في (ش): (لا يأتي). (¬2) ساقطة من (ش). (¬3) ينظر: "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة 77 - 78، "تفسير الطبري" 2/ 444، "والأضداد" لابن الأنباري 26، "تفسير الثعلبي" 2/ 1062. (¬4) سبق تخريجه. (¬5) في (ش): (صمت). (¬6) "معاني القرآن" للأخفش 1/ 174، ولفظه: ما قرأت حيضة قط. (¬7) ينظر: "الأضداد" لقطرب ص 108، و"الأضداد" لابن الأنباري ص 29، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 305، "تفسير الثعلبي" 2/ 1063. (¬8) في (ش): (تجمع). (¬9) في (ش): (ألزم).

جمعت، وقرأت القرآن لفظت به مجموعًا، والقرد يقرى، أي: يجمع ما يأكل في فيه (¬1)، فإنما القُرء اجتماع الدم في الرحم، وذلك إنما يكون (¬2) في الطهر. هذا كلامه (¬3). وذكر أبو حاتم عن الأصمعي أنه قال في قوله: {ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ}: جاء هذا على غير قياس، والقياس: ثلاثة أَقْرؤ؛ لأن القروء للجمع الكثير (¬4)، ولا يجوز أن تقول: ثلاثة فلوس، إنما يقال: ثلاثة أفلس (¬5)، فإذا كثرت فهي الفلوس (¬6). قال أبو حاتم: وقال النحويون في هذا: أراد ثلاثة من القروء (¬7). وقال أهل المعاني: لما كانت كلُّ مطلقة يلزمها (¬8) هذا، دخله معنى الكثرة، فأتي بناء الكثير (¬9) للإشعار بذلك، فالقروء (¬10) كثيرة إلا أنها في القسمة ثلاثة ثلاثة. فمن قال: القرء: الحيض، قال: لا تخرج المرأة من عدتها ما لم ¬

_ (¬1) في (ي): (وقته) (¬2) ساقطة من (ي). (¬3) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 305، وينظر في بسط أدلة القولين والترجيح بينهما: "تفسير الثعلبي" 2/ 1051 - 1064، " التفسير الكبير" 6/ 94 - 98، "زاد المعاد" 5/ 629. (¬4) في (ي): (الكبير). (¬5) ساقطة من (ي). (¬6) "تهذيب اللغة" 3/ 2912. (¬7) انظر المصدر السابق مادة "قرأ". (¬8) في (ش) و (ي): (يلزمه). (¬9) في (ي): (الكثيرة). (¬10) في (أ) و (م): (قال: فالقروء).

تنقض الحيضة الثالثة، ومن قال: إنها الأطهار، قال: إن طلقها في خلال الحيض لم يحتسب (¬1) كسر زمان الحيض من العدة، وعدتها ثلاثة أطهار كوامل، وإن طلقها وهي طاهر كانت بقية الطهر محسوبةً طهرًا ثم عليها طهران آخران (¬2). وقوله تعالى: {وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ} الرحم: منبت الولد ووعاؤه في البطن، قال عكرمة (¬3) وإبراهيم (¬4): يعنى: الحيض، وهو أن تكون المرأة في العدة، فأراد الرجل أن يراجعها فقالت: إني قد حضت الثالثة. وقال ابن عباس (¬5) وقتادة (¬6) ومقاتل (¬7): يعنى: الحبل والولد. وهذا القول أولى؛ لأن قوله: {مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ} أدل على الولد منه على الحيض، كقوله عز وجل: {هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ} [آل عمران: 6]، ومعنى الآية: لا يحل لهن أن يكتمن الحمل ليبطلن حق الزّوج من الرجعة والولد (¬8). ¬

_ (¬1) في (م) (يحتسبه). (¬2) ينظر في الأحكام: "المحرر الوجيز" 2/ 272، "التفسير الكبير" 6/ 94 - 95. (¬3) رواه عنه ابن أبي شيبة في "المصنف" 5/ 233، والطبري في "تفسيره" 2/ 447، "ابن أبي حاتم" في "تفسيره" 2/ 416. (¬4) رواه عنه ابن أبي شيبة 5/ 234، والطبري 2/ 446، والبيهقي 7/ 420. (¬5) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 449، وذكره النحاس في "الناسخ والمنسوخ" 2/ 44، وروى ابن أبي شيبة عنه في "المصنف" 5/ 234 الجمع بين القولين. (¬6) رواه عبد الرزاق في "المصنف" 6/ 330، والطبري في "تفسيره" 2/ 449، وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 415. (¬7) "تفسير مقاتل" 1/ 194. (¬8) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 305 - 306.

وقال عطاء عن ابن عباس في قوله: {وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ} الآية، وذلك أن المرأة السوء تكتم الحبل شوقًا منها إلى الزوج، وتستبطئ (¬1) العدة؛ لأن عدة ذات الحمل أن تضع حملها (¬2)، ذكر هذا في سورة الحج في قوله: {وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ} [الحج: 5]. وقوله تعالى: {إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} معناه: من كان مؤمنًا (¬3) بالله واليوم الآخر (¬4) فهذه صفته فيما يلزمه، لا أنه على المؤمن دون غيره. قال (¬5) أبو إسحاق: وهذا كما تقول للرجل يظلم (¬6): إن كنت مؤمنًا فلا تظلم، لا تقول له هذا مُطْلِقًا الظلمَ لغيرِ المؤمن، ولكن المعنى: إن كنت مؤمنًا فينبغي أن يحجزك إيمانك عن ظلمي (¬7). وفي هذه الآية أمر متوجه على النساء في إظهار ما يخلق (¬8) الله في أرحامهن من الحيض والولد، وهن مُؤَمناتٌ على ذلك، إذ لا مرجع إلى غيرهن فيه، فإن كتمن أثمن وفسقن بالخيانة في الأمانة، وإذا أخبرن واحتمل ما قلن وجب الرجوع إلى قولهن، وإن كن متهمات فعليهن اليمين، وقد أغلظ الله القول عليهن حيث قال: {إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ}. ¬

_ (¬1) في (م): (تستنظر). (¬2) تقدم الحديث عن هذه الرواية في القسم الدراسي ص 92. (¬3) في (م): (يؤمن). (¬4) من قوله: (معناه). ساقط من (ي). (¬5) في (ي) و (ش): (وقال). (¬6) في (ش): (تظلم). (¬7) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 306. (¬8) في (ي): (خلق).

وقوله تعالى: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ} البُعُولَة: جمع بَعْل، كالفُحُولة والذُّكُورة والخُؤُولَة والعُمُومة، وهذه الهاء زيادة (¬1) مؤكدة تأنيث الجماعة، ولا يجوز إدخالها في كل جمع إلا فيما رواه أهل اللغة عن العرب، لا تقول في كعب: كُعُوبة، ولا في كلب: كلابة (¬2). والبعولة أيضًا: مصدر البَعْل، يقال: بَعَل الرجل يَبْعَلُ بُعُولةً، إذا صار بَعْلًا، أنشد يعقوب (¬3): يارُبَّ بَعْلٍ سَاء ما كان بَعَلْ (¬4) ومن هذا يقال (¬5) للجماع ومُلاعَبَةِ الرَّجُلِ أهلَه: بِعَال، يقال للمرأة: هي تُباعِل زوجَها بِعالًا، إذا فَعَلتْ ذلك معه. ومنه قول الحُطَيْئَة: وكَمْ من حَصَانٍ ذاتِ بعْلٍ تَرَكْتها ... إذا الليلُ أَدْجَى لم تَجِدْ مَنْ تباعِلُه (¬6) وامرأةٌ حَسَنَةُ التَّبَعُّل: إذا كانت تحْسِنُ عِشْرَة زَوْجها. ¬

_ (¬1) في (ي) (زائدة). (¬2) من كلام الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 306 بتصرف، وفيه زيادة: لأن القياس في هذه الأشياء معلوم. (¬3) هو: أبو يوسف يعقوب بن أسحاق السكيت النحوي اللغوي، تقدمت ترجمته 2/ 51، [البقرة: 2]. (¬4) البيت ورد بغير نسبة في "تهذيب اللغة" 1/ 363 (بعل). (¬5) ساقطة من (م). (¬6) البيت من الطويل، وهو للحطيئة في "ديوانه" ص80، "تهذيب اللغة" 1/ 363 "لسان العرب" 1/ 316 مادة: بعل. وأراد: أنك قتلت زوجها أو أسرته.

ومنه الحديث "إذا أَحْسَنْتُنّ تَبَعُّلَ أَزْوَاجِكُن (¬1) (¬2) ". ومعنى {أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ}، أي: إلى النكاح والزوجية، يعنى: أحق بمراجعتهن (¬3) {فِي ذَلِكَ} أي: في الأجل الذي (¬4) أمرن أن يتربصن فيه. {إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا} لا إضرارًا، وذلك أن الرجل في الجاهلية إذا أراد الإضرار بامرأته، طلقها واحدةً وتركها حتى (¬5) إذا قرب انقضاء عدتها راجعها، ثم طلقها، ثم راجعها، يضارها بذلك، فالله تعالى جعل الزوج أحق بالرجعة على وجه الإصلاح، لا على الإضرار (¬6). ويستغني الزوج في المراجعة عن الولي وعن رضاها وعن تسمية مهر، وإذا راجعها سقطت بقية العدة وحل جماعها في الحال. والاحتياط الإشهاد على الرجعة. ولفظ الرجعة أن تقول: راجعتك أو رددتك إلى النكاح. ¬

_ (¬1) الحديث أخرجه البيهقي في "شعب الإيمان" 6/ 420 - 421، برقم (8743)، وابن عبد البر في "الاستيعاب" 4/ 1788 في ترجمة أسماء بنت زيد الأشهلية، و"تاريخ واسط" ص 75. (¬2) ينظر في مادة: بعل "معاني القرآن" للزجاج 1/ 306، "تهذيب اللغة" 1/ 316، "تفسير الثعلبي" 2/ 1066، "المفردات" 64 - 65، "اللسان" 1/ 362 - 363. قال الراغب: ولما تُصور من الرجل الاستعلاء على المرأة فجعل سائسها والقائم عليها كما قال تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ}، سمي باسمه كلُّ مستعل على غيره، فسمى العرب معبودهم الذي يتقربون به إلى الله بعلا؛ لاعتقادهم ذلك فيه، نحو قوله تعالى: {أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ}، ويقال: أتانا بعل هذه الدابة، أي المستعلي عليها، وقيل للأرض المستعلية على غيرها بعل. (¬3) في (ي) زيادة أي في ذلك أي. (¬4) ساقط من (ي). (¬5) ساقط من (أ) و (م). (¬6) ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 1067.

وقوله تعالى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} أي: للنساء على الرجال مثل الذي للرجال عليهن من الحق {بِالْمَعْرُوفِ} أي: بما أمر الله به من حق الرجل على المرأة (¬1). روي عن ابن عباس أنه قال: إني لأتزين لامرأتي كما تتزين لي لقوله تعالى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} مثل الذي عليهن بالمعروف (¬2). وقوله تعالى: {وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} يقال: رَجَلٌ بَين الرُّجْلَة (¬3)، أي: القُوة، وهو أَرْجَلُ الرَّجُلَين، أي: أقواهما، وفَرَسٌ رَجِيلٌ، قويٌّ على المشي، والرِّجْل: معروفة لقوتها على المشي، وارتَجَل الكَلامَ، أي: قَوِيَ (¬4) عليه من ركوبِ فِكرةٍ ورويّة، وتَرَجَّلَ النهار: قويَ ضياؤه (¬5). والدَّرَجَة: المنزلة، وأصلها من دَرَجْتُ الشيء أَدْرُجُه دَرْجًا، وأَدْرَجْتُه إدراجًا: إذا طويتُه. ودَرَجَ القومُ قرنًا بعد قرن، أي: فَنُوا. وأدرجهم الله إدراجًا؛ لأنه (¬6) كطي الشيء منزلة بعد منزلة. ومعنى دَرَج القوم: طووا عمْرَهم شيئًا فشيئا، وأدرجهم الله: طواهم الله، ومَدْرَجَةُ الطريق: قَارِعَتُهُ؛ لأنه يُطْوى منزلةً بعدَ مَنْزِلَة، والدَّرَجَةُ: المنزلة من منازل الطَّيّ، ومنه: ¬

_ (¬1) "تفسير الثعلبي" 2/ 1067. (¬2) رواه الطبري عنه 2/ 453، ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 417، وعزاه في "الدر" 1/ 493 - 494 إلى وكيع وسفيان بن عيينة وعبد بن حميد وابن المنذر. (¬3) يقال: رجل جيد الرُّجلة، ورجل بين الرجولة والرُّجلة والرُّجْلِيَّة والرجولية، وهي من المصادر التي لا أفعال لها. ينظر "اللسان" 3/ 1597 مادة "رجل". (¬4) في (ي) (أقوى). (¬5) ينظر في رجل: "تهذيب اللغة" 3/ 1596 - 1601، "المفردات" 196، "عمدة الحفاظ" 2/ 81 - 83، "اللسان" 3/ 1596 - 1601. (¬6) ساقطة من (ي).

229

الدَّرَجَة التي يُرْتقى (¬1) فيها (¬2). وأما المعنى (¬3) فقال ابن عباس: بما ساق إليها من المهر، وأنفق عليها من المال (¬4). وقيل: بالعقل. وقيل: بالدية. وقيل: بالميراث (¬5). وقال قتادة: بالجهاد (¬6). قال أبو إسحاق: المعنى: أن المرأة تنال من اللذة من الرجل، كما ينال الرجل، وله الفضل بنفقته وقيامه عليها (¬7). {وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} أي: مالك يأمر كما أراد، ويمتحن كما أحب، ولا يكون ذلك إلا عن حكمة بالغة. 229 - قوله تعالى: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ} قال أهل التفسير: أتت امرأةٌ عائشة، فشكت أن زوجها يطلقها ويسترجعها، يضارُّها بذلك، وكان الرجل في الجاهلية إذا طلق امرأته ثم راجعها قبل أن تنقضي عدتها كان له ذلك، ¬

_ (¬1) في (ش) (يرتقي). (¬2) ينظر في درج: "تهذيب اللغة" 2/ 1167، "المفردات" ص 174، "اللسان" 3/ 1351. قال الراغب: الدَّرَجة نحو المنزلة، لكن يقال للمنزلة: درجة، إذا اعتبرت بالصعود دون الامتداد على البسيط كدرجة السطح والسلم، ويعبر بها عن المنزلة الرفيعة، قال تعالى: {وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ}. (¬3) في (ي) (فقد قال). (¬4) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1074، والماوردي في "النكت والعيون" 1/ 293، والبغوي في "تفسيره" 1/ 269، وابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 261. (¬5) ينظر في هذه الأقوال: "تفسير الثعلبي" 2/ 1074 - 1075، و"تفسير البغوي" 1/ 269، "زاد المسير" 1/ 261. (¬6) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 93، والطبري في "تفسيره" 2/ 454، ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 418. (¬7) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 307.

وإن طلقها ألف مرة، فذكرت ذلك عائشة (¬1) لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فنزلت: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ} (¬2). فحُصِرَ الطلاق، وجعل حدّه ثلاثة، فذكر في هذه الآية طلقتين، وذكر الثالثة في الآية الأخرى، وهو قوله: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ} الآية (¬3). والمرة من المرور والمرِّ أيضًا، يقال: المَرّةُ الأُولى، والمَرُّ (¬4) الأوَّلُ. وقال أهل المعاني: الآية مختصرة معناها: الطلاق الذي يملك فيه الرجعة مرتان (¬5). وقوله تعالى: {فَإِمْسَاكُ} الإِمْسَاكُ: خلاف الطلاق، والَمِسَاك والمَسَكَة اسمان منه، يقال: أنه لذو مَسَكَةٍ ومَسَاكَةٍ إذا كان بخيلا. قال الفراء: يقال: إنه ليسيء (¬6) مَسَاكَ غلمانِه، وفيه مُسْكَةُ من خيرٍ، أي: قوة وتَمَاسُك، ومَسَكٌ من قوة ومَسَاكَة، وإنه لَمسِيْكٌ (¬7) بين ¬

_ (¬1) في (ش): (عائشة ذلك). (¬2) رواه الترمذي (1192) كتاب: الطلاق، باب: 16، والحاكم 2/ 307، وصححه البيهقي 7/ 333، والواحدي في "أسباب النزول" 81 عن عائشة بنحوه، ورواه مالك في "الموطأ" في الطلاق، باب جامع الطلاق 2/ 588، وعنه الشافعي في "الأم" 5/ 258، والطبري 2/ 456، ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 418 عن هشام بن عروة عن أبيه مرسلًا، والمرسل أصح كما قال الترمذي 3/ 497، والبيهقي 7/ 333، وله شاهد من حديث ابن عباس عند أبي داود برقم 2195، والنسائي 6/ 212. (¬3) "تفسير الثعلبي" 2/ 1083. (¬4) في (م) و (ش): (المرة). (¬5) "تفسيرالثعلبي" 2/ 1084. (¬6) في (ش): (لشيء). (¬7) في (ي) و (ش): (لمسك).

المَسَاكَة (¬1) (¬2). وهو مرتفع بمحذوف يتقدمه، أي: فالواجب إذا راجعها بعد الطلقتين إمساك بمعروف، أو فعليه إمساك بمعروف (¬3). ومعنى (بمعروف) أي: ما يعرف من إقامة الحق (¬4) في إمساك المرأة (¬5). وقوله تعالى: {أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} معنى التسريح في اللغة: الإِرسَال، وتَسْريحُ الشَّعْر، تخليصُك بعضَه من بعض، وسَرَحَ الماشيةَ سَرْحًا: إذا أرسلها ترعى، وناقة سُرُحٌ: سهلة السير لانطلاقها فيه (¬6). واختلفوا في معنى قوله: {أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} فقال عطاء والسُدّي (¬7) والضحاك (¬8): هو ترك المعتدة حتى تبين بانقضاء العدة، يريد: إن كان من شأنه (¬9) رجعتها وإمساكها، وإلّا فلا يرتجعها ويسرحها بإحسان كي يسلم من الإثم. ¬

_ (¬1) في (ي) (الماسكة). (¬2) ينظر في مسك: "تهذيب اللغة" 4/ 3397، "المفردات" ص 471، "اللسان" 4202 - 4205. (¬3) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 307، و"المحرر الوجيز" 2/ 277. (¬4) في (ي) (الحد). (¬5) ينظر: "المحرر الوجيز" 2/ 277. (¬6) ينظر في سرح: "تهذيب اللغة" 1665 - 1668. وذكر الراغب أن التسريح في الطلاق مستعار من تسريح الإبل، كالطلاق في كونه مستعارًا من إطلاق الإبل. (¬7) رواه عنه الطبري 2/ 460 بمعناه، وذكره في "الدر المنثور" 1/ 495 - 496. (¬8) رواه عنه الطبري 2/ 460. (¬9) في (ي) و (ش) (شأنها).

وقيل: قوله: {أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} أراد به: الطلقة الثالثة، روي ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، أن رجلًا قال له: أسمعُ الله يقول: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ} فأين الثالثة؟ قال: قوله: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ} هو الثالثة (¬1). وقال صاحب النظم: قوله: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ} إلى قوله: {بِإِحْسَانٍ} ظاهره يقتضي أنه خبر، وتأويله في الباطن شرط وجزاء، على نظم: من طلق امرأته مرتين فليمسك بعدهما بمعروف، أو ليسرحها بإحسان، ومثله مما جاء على لفظ الخبر ومعناه الشرط: قوله: {رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (12)} [الدخان: 12] معناه: إن كشفت آمنَّا، وقال في الجواب: {إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ} [الدخان: 15] ظاهره خبر وتأويله: إن كشفنا تعودوا (¬2). وقوله تعالى: {وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا} لا يجوز للزوج أن يأخذ من امرأته شيئًا مما أعطاها من المهر وما نحلها وتفضل عليها ليطلقها؛ لأنه ملك بضعها واستمتع بها في مقابلة ما أعطاها، فلا ¬

_ (¬1) رواه عبد الرزاق في "المصنف" 6/ 337، وأبو داود في "المراسيل" ص 189، وسعيد بن منصور 1/ 384، وابن أبي شيبة في "المصنف" 5/ 259، والطبري في "تفسيره" 2/ 458، ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 419، والبيهقي 7/ 340 عن أبي رزين، وهذا مرسل؛ لأن أبا رزين تابعي، ورواه الدارقطني في "السنن" 4/ 4، والبيهقي 7/ 340 عن أنس، قال البيهقي: وروي عن قتادة عن أنس وليس بشيء؛ وقال عبد الحق الإشبيلي في الأحكام الوسطى 3/ 195: قد أسند هذا عن إسماعيل بن سميع عن أنس، وعن قتادة عن أنس، والمرسل أصح. وقال ابن القطان كما في بيان الوهم والإيهام 2/ 316: وعندي أن هذين الحديثين صحيحان. (¬2) ينظر: "البحر المحيط" 2/ 195.

بجوز أن يأخذ منها شيئًا إلا في الخلع (¬1). وهو قوله: {إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ} نزلت في جميلة بنت عبد الله بن أبيّ (¬2)، وفي زوجها ثابت بن قيس بن شماس (¬3) (¬4)، كانت تبغضه أشد البغض كان يحبها أشد حُبٍّ، فأتت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقالت: فرق بيني وبينه، فإني أبغضه، فقال ثابت: يا رسول الله مرها فلترد عليَّ الحديقة التي أعطيتها، فقال لها: "ما تقولين"؟ قالت: نعم وأزيده، قال: "لا، حديقته فقط". وقال لثابت: "خذ منها ما أعطَيتَها، وخَلِّ سَبِيلَها"، ففعل، فكان أول خلع في الإسلام (¬5). ¬

_ (¬1) ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 1085 - 1086. (¬2) جميلة بنت عبد الله بن أبي ابن سلول الخزرجية، وقد وقع الخلاف هل المختلعة بنت عبد الله المنافق أو أخته؟ واسمها جميلة أيضا، فذهب ابن سعد وابن منده إلى أن المختلعة هي جميلة بنت عبد الله، وذهب أبو نعيم وابن عبد البر إلى أنهما واحدة، وأن المختلعة هي جميلة بنت أبي، وصوب الحافظ ابن حجر أنهما اثنتان، وأن ثابتا تزوج أخت عبد الله فاختلعت منه، ثم تزوج الثانية ففارقها. ينظر "الطبقات الكبرى" 8/ 382، "فتح الباري" 6/ 398. (¬3) في (ش) (سماس). (¬4) ثابت بن قيس بن شماس بن زهير الخزرجي الأنصاري، خطيب الأنصار، شهد أحدا وما بعدها، وبشره النبي - صلى الله عليه وسلم - بالجنة في قصة معروفة، رواها البخاري (3613) كتاب: المناقب، باب: علامات النبوة، قتل يوم اليمامة شهيدا بعد أن أبلى بلاء حسنا. ينظر "سنن الترمذي" 5/ 667، و"الاستيعاب" 1/ 276. (¬5) القصة رواها البخاري (5273) كتاب: الطلاق، باب: الخلع وكيف الطلاق فيه، والنسائي 6/ 169 كتاب: الطلاق، باب: ما جاء في الخلع، وأبو داود (2229) كتاب: الطلاق، باب: في الخلع، والترمذي (1185) كتاب: الطلاق، باب: ما جاء في الخلع، والطبري في "تفسيره" 2/ 461، "تفسير الثعلبي" 2/ 1086، ولفظ الواحدي مختصر منه، وقد روى أبو داود والنسائي في الموضعين السابقين =

ومعنى قوله تعالى: {إِلَّا أَنْ يَخَافَا} أي: يَعْلَما، وإنما كان الخوف بمعنى العِلْم؛ لأن الخَوفَ مُضَارعٌ للظَّنِّ، وحكى الفراء: أن (¬1) العرب تقول للرجل: قد خرجَ غُلامُك بغير إِذْنك، فيقول له: قد خِفْتُ ذاك، يريد (¬2): قد ظَنَنْتُه وتَوَهّمْتُه، وأنشد: أتاني (¬3) كلامٌ عن نُصَيبٍ يقولُه ... وما خِفْتُ يا سَلّام أنكَ عَائِبي (¬4) (¬5) أراد: وما ظَنَنْتُ، والظَّنُّ بمعنى العِلْم صحيح، كذلك الخوف. وحكى الزجاج عن أبي عبيدة، قال: {إِلَّا أَنْ يَخَافَا} إلا أن يوقنا (¬6)، وذلك أن في الخوف طرفًا من العلم، لأنك تخاف ما تعلم، وما لا تعلم لا تخافه، فجاز أن يكون بمعنى العلم، كما أن الظن لما كان فيه طرفٌ من العِلْم جاز أن يكون علمًا (¬7). ¬

_ = وغيرهما: أن المختلعة هي حبيبة بنت سهل، قال الحافظ في "الفتح" 6/ 399: والذي يظهر أنهما قضيتان وقعتا لامرأتين؛ لشهرة الخبرين وصحة الطريقين واختلاف السياقين. (¬1) في (م) (ساقطة). (¬2) ساقطة من (ي). (¬3) في (ي) (وأتاني). (¬4) البيت لأبي الغول علياء بن جوشن من بني قطن، ينظر "الشعر والشعراء" ص 278، "والنوادر في اللغة" لأبي زيد ص 46، وذكره الفراء والطبري دون نسبة 5/ 61. (¬5) "معاني القرآن" للفراء 1/ 146. (¬6) "مجاز القرآن" 1/ 74، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 307 - 308، وقال النحاس 1/ 315: وقول من قال: يخافا، بمعنى يوقنا، لا يعرف. ولكن يقع النشوز فيقع الخوف من الزيادة. (¬7) ينظر في بيان أن الخوف يكون بمعنى الظن والعلم: "مشكل القرآن" لابن قتببة ص191، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 308، "الحجة" 2/ 328، "تفسير الثعلبي" =

ومعنى الآية: أن المرأة إذا خافت أن تعصي الله في أمر زوجها بغضًا له، وخاف الزوج إذا لم تطعه امرأته أن يعتدي (¬1) عليها، حل له أن يأخذ الفدية منها (¬2) إذا دعت إلى ذلك (¬3). ويكره أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها، فإن أخذ أكثر من ذلك صح الخلع ولم ينقض (¬4) (¬5)، وهو مذهب ابن عباس (¬6) وابن عُمر (¬7) ورجاء بن حيوة (¬8) (¬9): أنه يجوز أن يأخذ زيادة من المهر. ¬

_ = 2/ 1090، "البحر المحيط" 1/ 197، وقال: والأولى بقاء الخوف على بابه، وهو أن يراد به الحذر من الشيء فيكون المعنى: إلا أن يعلم أو يظن أو يوقن أو يحذر كل واحد منهما بنفسه أن لا يقيم حقوق الزوجية لصاحبه حسبما يجب فيجوز الأخذ. (¬1) في (ش): (يتعدى). (¬2) ساقطة من (أ) و (م). (¬3) ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 1092. (¬4) في (ي): (ينقص). (¬5) ينظر: "الموطأ" 2/ 565، و"الأم" 5/ 211، و"الإشراف" 3/ 213، و"الكافي" لابن عبد البر 2/ 593، "فتح الباري" 9/ 397. (¬6) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 471. (¬7) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 471، وعزاه في "الدر" 1/ 674 إلى مالك والشافعي وعبد بن حميد والبيهقي عن نافع. (¬8) هو: رجاء بن حيوة الكندي، أبو المقدام، ويقال: أبو نصر الفلسطيني، ثقة فقيه، شيخ أهل الشام في عصره، من الوعاظ الفصحاء العلماء، لازم عمر بن عبد العزيز، توفي سنة 112هـ. ينظر: "تقريب التهذيب" ص208 (1920)، "الأعلام" 3/ 17. (¬9) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 471، وعزاه في "الدر" بمعناه 1/ 674 إلى عبد ابن حميد عن حميد الطويل.

ومذهب علي (¬1)، والحسن (¬2) (¬3)، وأبي حذيفة وعطاء (¬4)، والزهري (¬5) والشعبي (¬6): أنه يأخذ المهر فقط. وليست هذه الحالة حالة بعث الحكمين؛ لأن المرأة معترفة هاهنا بمنع حق الزوج وكراهتها (¬7) صحبته، وإنما الحكمان إذا اشتبه المتعدي منهما، وموضعه في سورة النساء. والخلع فسخ بلا طلاق عند ابن عباس (¬8)، وهو قول الشافعي في القديم، وقوله في الجديد (¬9): إن الخُلع (¬10) تطليقة بائنة، إلّا أن ينوي (¬11) أكثر منها، وهو قول عثمان رضى الله عنه (¬12). ¬

_ (¬1) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 469. (¬2) في (ش): (الحسين). (¬3) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 470. (¬4) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 469، وعزاه في " الدر" 1/ 673 إلى عبد بن حميد والبيهقي. (¬5) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 470. (¬6) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 469. (¬7) ساقطة من (ش). (¬8) رواه عبد الرزاق في "المصنف" 6/ 485 - 487، وسعيد بن منصور 1/ 384، وقال الإمام أحمد كما في "الإشراف" 3/ 214: ليس في الباب أصح من حديث ابن عباس. (¬9) ينظر: "مختصر المزني" 8/ 290، "تفسير الثعلبي" 2/ 1095، و"تكملة المجموع شرح المهذب" 17/ 14. (¬10) من قوله: بلا طلاق .. ساقطة من (ي). (¬11) في (ش): (يقوي). (¬12) رواه عبد الرزاق في "المصنف" 6/ 483، وسعيد بن منصور 1/ 482، وابن أبي شيبة في "المصنف" 5/ 109 من طريق جهمان عن عثمان. وروى النسائي 6/ 186، كتاب: الطلاق، باب: عدة المختلعة، وابن ماجه (2058) كتاب: =

وقرأ حمزة {يُخَافَا} بضم اليَاءِ (¬1). وخَاف يتعدَّى إلى مفعولٍ واحدٍ، فإن عديته إلى مفعول ثان ضَعَّفْتَ العين، أو (¬2) اجتلبتَ حرفَ الجر، كقولك: خَوَّفْتُ زيدًا أمرًا، واجتلاب حرف الجر كقوله: لو خَافَكَ اللهُ عَليه حَرَّمَهُ (¬3) فحرف الجر في موضع المفعول الثاني. وحمزة بنى الفعل للمفعول به وهو الزوجان، وقدر الجار ليتعدى إلى (¬4) المفعول الآخر، الذي هو {أَن يُقِيمَا}، فلابد من تقدير الجار في قراءة من (¬5) ضم الياء، لأن الفعل قد أسند إلى المفعول، فلا يتعدى إلى المفعول الآخر إلا بالجار، ولا يحتاج في قراءة العامة إلى تقدير الجار، ثم يكون قوله: {أن يقيما} على هذه القراءة في محل الجر بالجار المقدر، على مذهب الخليل والكسائي، وفي محل النصب، على قول غيرهما، لأنه لما حذف الجار وصل الفعل إلى المفعول الثاني، مثل: ¬

_ = الطلاق، باب: عدة المختلعة، عن الربيع بنت معوذ، قالت: اختلعت من زوجي فجئت عثمان فقال: تمكثي حتى تحيضي حيضة، وهذا يدل على أن عثمان يرى أن الخلع فسخ وليس بطلاق كما رجحه الخطابي في "معالم السنن" 2/ 256، وشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم كما في "زاد المعاد" 5/ 198، ضعفوا الرواية الأولى عنه. (¬1) وقرأ الباقون (يُخافا) بفتح الياء. ينظر "السبعة" 183، "الحجة" 2/ 328. (¬2) في (ي) و (ش) (و). (¬3) من رجز نسبه في "اللسان"، مادة: روح، لسالم بن دارة، وقبله: يا أسدي لم أكلته لِمَه. وذكره في "الحجة" 2/ 229، وفي "الإنصاف" 257، والعيني 4/ 555، والأشموني 4/ 117. (¬4) ساقطة من (ي). (¬5) ساقطة من (ي).

أستغفر الله ذنبًا (¬1) ........ وأمرتك الخيرَ (¬2) ......... وهذا كما ذكرنا في قوله: {أَنْ تَبَرُّوا} [البقرة: 224]، وعلى قراءة العامة يكون في محل النصب لا غير؛ لأنه لا يحتاج فيه إلى تقدير الجار، وعاب الفراء قراءةَ حمزة، فقال: أراد أن يعتبر قراءة عبد الله (إلا أن يخافوا) فلم يصبه؛ لأن الخوف في قراءة عبد الله واقع على أن، وفي قراءة حمزة على الرجل والمرأة (¬3)، فقال من نصر حمزة: إن بلغ الفراء ما يقوله بروايةٍ عن حمزة: أنه أراد اعتبار قراءة عبد الله، فهو كما قال، وإلا فإذا اتجه قراءَتُهُ على وجه صحيحٍ لم يَجُزْ أن ينسب إليه الخطأ، وقد قال عمر - رضي الله عنه -: لا تَحمِلْ فِعْلَ أخيك على القبيح ما وجدت له في الحَسَن مذهبًا (¬4). وقوله تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ} كان من حق النظم أن يكون فإن خافا (يعنى الزوجين، ليشاكل قوله: {إِلَّا أَنْ يَخَافَا}، وفي قراءة حمزة (فإن خِيْفَا) ليشاكلَ قراءته (يُخَافا)، إلا أنه لا يلزم هذا، لأمرين: أحدهما: أن يكون انصرف من الغيبة إلى الخطاب كما قال: {وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ} ثم قال: {فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (39)} [الروم: 39] ونظائره كثيرة. وخاطب في هذه الآية الجماعة بعد ما أخبر عن اثنين؛ لأنّ ضمير الاثنين في {يَخَافَاَ} ليس يراد به اثنان مخصوصان، إنما يراد به أن كل من ¬

_ (¬1) تقدم تخريج البيت [البقرة: 115]. (¬2) تقدم تخريج البيت [البقرة: 83]. (¬3) ينظر "معاني القرآن" للفراء 1/ 146. (¬4) ما تقدم كله ملخص من كلام أبي علي في "الحجة" 2/ 328 - 333.

هذا شأنه فهذا حكمه. والآخرُ: أن قولَه: (فإن خفتم) خطابٌ (¬1) لولاة الأمر والفقهاء الذين يقومون بأمور الكافة، وقد خاطب الله تعالى في هذه الآية الجميعَ بقوله: {وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ} ثم رجع إلى الزوجين فقال: {إِلَّا أَنْ يَخَافَا}، ثم رجع إلى المخاطبين بالجمع بينهم وبين الزوجين (¬2) في لفظ واحد فقال: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا} (¬3). ومثل هذا النظم قد جاء في الشعر، قال: أبا واصلٍ (¬4) فاكْسُوهُما حُلَّتَيْهِما ... فإنكما إن تَفْعَلا فَتَيَانِ (¬5) نادى مفردًا ثم جمع بقوله: فاكسوهما، ثم ثنى (¬6). ومعنى {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا} أي: عَلِمْتُم وغَلَب على ظنكم، (أن لا يقيما حدود الله) في حسن العشرة وجميل الصحبة {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} المرأةُ نفسَها من الزوج. وإنما قال: {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا} والمقصودُ رفعُ الحرجِ عن الزوجِ في استرجاع المَهْرِ عند الخُلْع، لأنه لو خصَّ الرجلَ بالذكر لأوهم ذلك أنها عاصية بالنشوز والافتداء بالمال، لأنها ممنوعة من إتلاف المال بغير حق، فأدخلت في الذِّكْر ليزول هذا الوهم، وفيه وجوه سوى هذا ذكرناها في ¬

_ (¬1) ساقطة من (ي). (¬2) من قوله: فقال .. ساقطة من (ش). (¬3) من "الحجة" 2/ 331 - 332 بتصرف. (¬4) في (أ): (واصلى). (¬5) البيت لم أهتد لقائله ولا من ذكره. (¬6) في (أ) و (م): (كنى).

230

قوله: {فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} [البقرة: 203] (¬1). وقوله تعالى: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ} الآية. يريد: ما حده الله من شرائع الدين (¬2). وذكرنا معنى الحد فيما تقدم. وقوله تعالى: {وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ} إلى آخر الآية، قال عطاء: يريد: من يأخذ من أمرأته شيئًا وليست تريد أن تختلع منه، ويضارها ليأخذ منها شيئًا. 230 - قوله تعالى: {فَإِنْ طَلَّقَهَا} قال صاحب النظم: قوله: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ} فصل مضمن فصلًا آخر، قد اعترض بينهما فصل سواهما، وهو قوله: {وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا} إلى آخرها. فلما فرغ من الفصل المعترض عاد إلى الفصل الأول الذي ضمنه الفصل الثالث، فقال: {فَإِنْ طَلَّقَهَا} يعنى: الزوج المطلق اثنتين المضمر في اللفظ الذي أخرجه مخرج الخبر بقوله: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ} ففي هذا دليل على أن تأويل قوله: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ} (¬3) من طلق امرأته تطليقتين فليمسكها بمعروف أو ليسرحها {بِإِحْسَانٍ} (¬4)؛ لأن هذا الثاني منسوق على الأول مثل معناه، فكأنَّ الثاني مفسِّرٌ للأول. وقوله تعالى: {فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ} أي: من بعد التطليقة الثالثة. وهو رفع على الغاية؛ لأنه لما حذف من الكلام ما أضيف إليه (بعدُ) رفع على الغاية (¬5). ¬

_ (¬1) ينظر "معاني القرآن" للفراء 1/ 147، "تفسير الطبري" 2/ 466 - 465، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 315، "تفسير الثعلبي" 2/ 1093 - 1094. (¬2) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 308، "تفسير الثعلبي" 2/ 1096. (¬3) من قوله: ففي هذا. ساقط من (ي). (¬4) ساقطة من (ي). (¬5) ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 1096، "البحر المحيط" 2/ 200.

{حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} أي: غير المُطَلِّقِ، والنكاح لفظ يتناول العقد والوطء جميعًا، فلا تحل للأول ما لم يصبها الثاني (¬1)، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لعائشة بنت عبد الرحمن بن عتيك القرظى (¬2). وكانت تحت رفاعة بن وهب (¬3) فطلقها ثلاثًا، فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير (¬4)، ثم طلقها، فأتت نبي الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت: إني كنت عند رفاعة فطلقني، فبتَّ طلاقي، فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير وإنما معه مثل هُدْبَةِ الثوب (¬5)، وإنه طلقني قبل أن يمسني، أفأرجع إلى زوجي الأول؟ فتبسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقال: "أتريدين أن ترجعي إلى رِفاعة؟ لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عُسيلتك (¬6) " قال أبو إسحاق: عَلم الله تعالى صعوبة تزوج المرأة على الرجل، فحرم عليهم التزوج بعد الثلاث، لئلا يعجلوا بالطلاق (¬7). ¬

_ (¬1) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 476 - 477، "تفسير الثعلبي" 2/ 1096. (¬2) هي عائشة بنت عبد الرحمن بن عتيك النضيري القرظي، زوج رفاعة بن وهب، نزلت في طلاقها هذه آيات، صحابية. ينظر "أسد الغابة" 2/ 233، 7/ 193. وقد وقع في اسم المطلقة اختلاف ينظر "فتح الباري" 9/ 464 - 465. (¬3) هو: رفاعة بن وهب بن عتيك، صحابي طلق زوجه طلاقا بائناً فنزل بشأنه قرآن. ينظر "أسد الغابة" 2/ 233. وينظر الاختلاف فيه في "فتح الباري" 9/ 464. (¬4) عبد الرحمن بن الزبير بن باطيا القرظي المدني، وقال ابن منده: هو ابن الزبير بن زيد الأوسي، قال ابن الأثير: واتفقوا على أنه هو الذي تزوج المرأة التي طلقها رفاعة. ينظر "المؤتلف والمختلف" 3/ 1139، و"الإصابة" 4/ 159. (¬5) أرادت أن متاعه في عدم الانتشار والاسترخاء كطرف الثوب الذي لم ينسج. ينظر "فتح الباري" 9/ 465. (¬6) رواه البخاري (2639) كتاب: الشهادات، باب: شهادة المختبئ، ومسلم (1433) كتاب: النكاح، باب: لا تحل المطلقة ثلاثا حتى تنكح زوجا ويطأها عن عائشة. (¬7) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 308 - 309.

وقوله تعالى: {فَإِنْ طَلَّقَهَا} يعنى: الزوج الثاني الذي تزوجها بعد الطلقة الثالثة، لأنه قد ذكره بقوله: {حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} (¬1). وقوله تعالى: {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا} يعنى: على المرأة المطلقة وعلى الزوج الأول، {أَنْ يَتَرَاجَعَا} بنكاح جديد، فذكر لفظ النكاح بلفظ التراجع، لما كان بينهما قبل هذا من الزوجية، فإذا تناكحا فقد تراجعا إلى ما كانا عليه من النكاح، فهذا تراجع لغوي (¬2). ومحل (أن) في قوله: {أَنْ يَتَرَاجَعَا} نصب؛ لأن المعنى: لا جناح عليهما في أن يتراجعا (¬3)، فلما سقطت (في) وصل معنى الفعل. وعند الخليل والكسائي: يجوز أن يكون محله خفضًا بالجار المقدر، وإن حذف من اللفظ؛ لأن المعنى إرادته. قال (¬4) الزجاج: والذي قالاه صواب؛ لأن أن يقع معها الحذف، لكونها موصولة، ويكون جعلها موصولة عوضًا مما حذف، ولو قلت، لا جناح عليهما الرجوع، لم يصلح حذف في (¬5)، وصلح مع (أن) لأن الكلام طال بالصلة فحسن الحذف، كما تقول: الذي ضربت زيد، تريد (¬6): ضربته، فلهذا أجاز الخليل وغيره أن يكون موضعها جرًا على إرادة في، وأبى الفراء هذا، وقال: لا أعرفه (¬7). وقد استقصينا هذه المسألة عند قوله: ¬

_ (¬1) ينظر "معاني القرآن" للزجاج 1/ 308، "تفسير الثعلبي" 2/ 1102. (¬2) ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 1102. (¬3) من قوله: (نصب ..) ساقطة من (ش). (¬4) في (م): (وقال). (¬5) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 309. (¬6) في (ي): (يريد). (¬7) "معاني القرآن" للفراء 1/ 148.

231

{أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا} [البقرة: 224] (¬1). وقوله تعالى: {إِنْ ظَنَّا} أي: إن علما وأيقنا أنهما يقيمان حدودَ الله (¬2). وقوله تعالى: {وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} خص العالمين بالذكر، وهو في المعنى عام لهم ولغيرهم؛ لأنهم الذين ينتفعون ببيان (¬3) الآيات، فصار غيرهم بمنزلة من لا يعتد بهم، ويجوز أن يُخَصّوا بالذكر لنباهتهم (¬4) وتشريفهم، كقوله: {وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ} [البقرة: 98]. 231 - وقوله تعالى: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} أي: قاربن انقضاء العدة، ولم يرد إذا انقضت عدتهن. فالبلوغ هاهنا بلوغ مقاربة، كما نقول: قد بلغت المدينة، إذا أشرفتَ عليها (¬5). والأَجَلُ: آخرُ المدةِ، وعاقبةُ الأمرِ، قال لبيد: واخْزُها (¬6) بالبِرِّ لله الأَجَلْ (¬7). ¬

_ (¬1) ينظر في إعراب الآية: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 309، "تفسير الثعلبي" 2/ 1102، "التبيان" 135، "البحر المحيط" 2/ 202. (¬2) ينظر: "مجاز القرآن" 1/ 74، "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة 78، وتأويل مشكل القرآن ص 187، وقيل: (إن ظنا) أي: رجوا، ولا يجوز أن يكون بمعنى العلم؛ لأن أحدا لا يعلم ما هو كائن إلا الله. ينظر "تفسير الطبري" 2/ 478 - 479، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 309، "تفسير الثعلبي" 2/ 1102. (¬3) ساقطة من (ي). (¬4) في (ش) (لنباهيهم). (¬5) حكى القرطبي في "تفسيره" 3/ 155 الإجماع على أن معنى البلوغ هاهنا: المقاربة، ونقل الإجماع الشوكاني 1/ 242، وينظر "تفسير الطبري" 2/ 479 - 480، "تفسير البغوي" 1/ 210، "زاد المسير" 1/ 267، و"الإجماع في التفسير" ص230. (¬6) في (ي) و (أ): (وأحرها). (¬7) صدر البيت: =

يريد (¬1): لله عاقبة الأمور، ومنه يقال: أَجَّلَ الشيءَ تأجيلاً، إذا أخَّره (¬2). {فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} أي: راجعوهن. والمعروف: ما يتعارف الناس بينهم، مما تقبله النفوس ولا تنكره العقول. قال ابن جرير: أي: بإشهاد على الرجعة، وعقد لها، لا بالوطء، كما يجوز عند أبي حنيفة (¬3). {أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} أي: اتركوهن حتى تنقضي عدتهن، ويكن أملك بأنفسهن (¬4). {وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا} يريد: لا تراجعوهن مضارة وأنتم لا حاجة بكم إليهن. وكانوا يفعلون ذلك إضرارًا بالمرأة {لِتَعْتَدُوا} أي: عليهن بتطويل العدة {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ}: الاعتداء {فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} ضرها، وإثم فيما بينه وبين الله (¬5). {وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا} قال أبو الدرداء: كان الرجل يطلق في ¬

_ = غير أن لا تكذبنْها في التقى والبيت في: ديوانه ص 139. وفي "الشعر والشعراء" لابن قتيبة ص 171، "تفسير الثعلبي" 2/ 1126، وقوله: واخزها أَمْرٌ من خزاه يخزو خزوًا: إذا ساسه وقهره، ورواية "اللسان" واجْزِها، والأجلّ من الجلالة كما قال ابن السكيت في "إصلاح المنطق" 374 ص وقال ابن منظور: الأجل: الأعظم، كما في "لسان العرب" 2/ 1155 مادة (خزا) وهذا لايوافق ما استشهد عليه الواحدي به متابعًا الثعلبي. (¬1) ساقطة من (ي). (¬2) ينظر في الأجل: "تفسير الثعلبي" 2/ 1125، "تهذيب اللغة" 1/ 124، "المفردات" ص20 - 21، "عمدة الحفاظ" 1/ 71، "اللسان" 1/ 32 مادة (اجل). (¬3) رواه الطبري في "تفسيره" 2/ 479 - 480، وينظر "تفسير الثعلبي" 2/ 1112. (¬4) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 309. (¬5) من "تفسير الثعلبي" 2/ 1112 - 1113.

الجاهلية، ويقول إنما طلقت وأنا لاعب، فيرجع (¬1) فيها، ويعتق فيقول مثل ذلك، وينكح فيقول مثل ذلك، فأنزلت هذه الآية، فقرأها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: "من طلق أو حرّر أو نكح أو أنكح، فزعم أنه لاعب فهو جد" (¬2). وقيل: معناه: لا تتركوا العمل بما حد الله عز وجل فتكونوا مقصرين لاعبين، كما تقول للرجل (¬3) الذي لا يقوم بما تكلفه ويتوانى فيه، إنما أنت لاعب، وهذا معنى (¬4) قول الكلبي (¬5). وقال عطاء (¬6): يريد أن المستغفر من الذنب المصِرَّ عليه كالمستهزئ بآيات ربّه. {وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} قال عطاء: بالإسلام (¬7). ¬

_ (¬1) في (ي): (يرجع). (¬2) رواه الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1116، وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 4/ 291: رواه الطبراني، وفيه عمرو بن عبيد وهو من أعداء الله، وراه ابن عدي في "الكامل" 5/ 109 مختصرا، وابن أبي عمر عن الحسن عن رجل عن أبي الدرداء كما ذكر البوصيري في " إتحاف المهرة" 8/ 43 وضعفه لجهالة التابعي، وله شاهد من حديث عبادة بن الصامت، وروى ابن أبي شيبة في "المصنف" 5/ 106، والطبراني في "تفسيره" 5/ 13عن الحسن مرسلا، وإسناده صححه ابن حجر في "العجاب" 1/ 589، وصحح الألباني في الإرواء 6/ 227 إسناد ابن أبي شيبة، وينظر "تحقيق الثعلبي للمنيع" 2/ 1118. (¬3) في (ش) (يقول الرجل). (¬4) ساقطة من (ش). (¬5) ينظر "تفسير الثعلبي" 2/ 1122، والبغوي في "تفسيره" 1/ 275. (¬6) لعله الرواية التي تقدم الحديث عنها في القسم الدراسي من المقدمة. (¬7) رواه الطبري في "تفسيره" 2/ 483، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 338، وعزاه في "الدر المنثور" 1/ 508 - 510 إلى وكيع والبخاري وعبد بن حميد وأبي داود=

{وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ} يعنى: القرآن {وَالْحِكْمَةِ} يعنى: مواعظ القرآن (¬1). وفي قوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} تنبيهٌ على أنه لا يسقط الجزاء على شيء من أعمالهم لخفائه عنده، لأنه بكل شيء عليم. قوله تعالى: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ} الآية: نزلت في أخت معقل بن يسار (¬2)، طلقها زوجها، فلما انقضت عدتها جاء يخطبها، فأبى معقل أن يزوجها إياه، ومنعها بحق الولاية من ذلك، فلما نزلت هذه الآية تلاها عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال معقل: رَغِمَ أنفي لأمر الله، وقال: فإني أومن بالله واليوم الآخر، وأنكحها إياه (¬3). وأراد ببلوغ الأجل هاهنا: انقضاءَ العِدَّةِ، لا بُلوغَ المُقَاربَة (¬4). ¬

_ = والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن المنذر، وأبي حاتم في "تفسيره" 2/ 426، وابن مردويه والحاكم والبيهقي. (¬1) "تفسير الثعلبي" 2/ 1122. (¬2) هو: معقل بن يسار بن عبد الله بن معبر بن حراق المزني، أبو عبد الله، وقيل: أبو اليسار، صحب الرسول - صلى الله عليه وسلم - وشهد بيعة الرضوان، روي عنه قوله: بايعناه على أن لا نفر. سكن البصرة، وتوفي في آخر خلافة معاوية، وقيل: أيام يزيد بن معاوية، وفي الأعلام نحو 65 هـ. ينظر أسد الغابة 5/ 232 - 233، و"الاستيعاب" 3/ 485، "الأعلام" 7/ 271. (¬3) الحديث رواه البخاري 4529 كتاب: التفسير، باب: قوله: وإذا طلقتم النساء، وأبو داود (2087) كتاب: النكاح، باب: في العضل، والترمذي (3981) كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة البقرة وغيرهم. (¬4) ينظر: "تفسير البغوي" 1/ 210، و"المحرر الوجيز" 2/ 288 - 290، "تفسير القرطبي" 3/ 155، و"الإجماع في التفسير" 230 - 231.

والعَضْل: المنع، يقال: عَضَل فلان أَيِّمهُ: إذا مَنَعَها من التزوُّج، فهو يَعْضِلها وَيعْضُلها. أنشد الأخفش: وإن قصائدي (¬1) يدي لَكَ فاصطنعني ... كَرَائمُ قد عُضِلنَ عن (¬2) النكاح (¬3) وأصل العضل في اللغة: الضيق، يقال: عَضَّلَتِ المَرْأةُ: إذا نَشِبَ الولدُ في بطنها، وكذلك عَضَّلَتِ الشَّاةُ، وعضَّلَتْ الأرض بالجيش: إذا ضاقت بهم لكثرتهم (¬4). قال أوس بن حجر (¬5): تَرَى الأرْضَ مِنَّا بالفَضاءِ مَرِيضَةً ... مُعَضِّلةً منا بجَيْشٍ عَرَمْرَمِ (¬6) ¬

_ (¬1) في (ش): (قضا). (¬2) في (ي): (من). (¬3) البيت نسب إلى إبراهيم بن هرمة في "ديوانه" ص 86 وفيه: كان قصائدي، ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 1162، "الأغاني" 6/ 101، "الكشاف" 1/ 338، "البحر المحيط" 2/ 206، "تفسير الرازي" 6/ 111. (¬4) في حاشية (أ) زيادة في الحاشية قال: وعَضَّلت الدجاجةُ فهي مُعَضِّل إذا احْتَبَس بيضُها ونَشِبَ فلم يخرج. وعَضَّلت الناقة فهي مُعَضِّلٌ إذا احتبس ولدها في بطنها. (¬5) هو أبو شريح بن حجر بن مالك التميمي، وقيل أبن عتاب من شعراء بني تميم في الجاهلية، في شعره حكمة ورقة، عمّر طويلا ولم يدرك الإسلام، له ديوان شعر. ينظر: "الشعر والشعراء" 114، "الأعلام" 2/ 31. (¬6) البيت من الطويل، وهو لأوس بن حجر في "ديوانه" ص 12، "تهذيب اللغة" للأزهري 3/ 2475 "لسان العرب" 5/ 2989، مادة: عضل، وروايتهما: بجمعٍ عَرَمْرَمِ.

وأَعْضَل الدَّاءُ الأطباءَ، إذا أعياهم، ويقال: داءٌ عُضَال، وأمر عُضُال. وأَعْضَلَ الأمرُ: إذا اشتد. ومنه قول أوس (¬1): وليس أخوك الدائمُ العَهْد بالذي ... يذمُّكَ إنْ ولَّى وُيرْضِيكَ مُقْبِلا ولكنّه النَّائي إذا (¬2) كُنْتَ آمِنًا ... وصَاحِبك الأدْنَى إذا الأمْرُ أَعْضَلا (¬3) وقوله تعالى: {أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ} يريد: الذين كانوا أزواجًا لهن، ويجوز أن يريد (¬4) من رضين بهم أزواجًا. ومحل (أن) نصب بحذف الخافض، وجرٌّ عند الكسائي والخليل، على ما (¬5) سبق شرحه (¬6). وأراد (¬7): ينكحن نكاحًا جديدًا: {إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ} أي: بعقد حلال، ومهر جائز، ونظم الآية: أن ينكحن أزواجهن بالمعروف إذا ترضوا بينهم بالمعروف (¬8)، وفي هذا ما يقطع به على صحة قول من قال: لا نكاح ¬

_ (¬1) البيتان، لأوس بن حجر، في: ديوانه ص 82. وفي "تفسير الطبري" 2/ 488، "تفسير الثعلبي" 2/ 1127. (¬2) في (ش): (إذ). (¬3) ينظر في عضل: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 311، "تهذيب اللغة" 3/ 2476، "تفسير الثعلبي" 2/ 1126 - 1127، "المفردات" 341، "عمدة الحفاظ" 3/ 109 - 110، "اللسان" 5/ 2989. (¬4) في (ي): (يكون). (¬5) في (ي): (ما قال). (¬6) تقدم في قوله تعالى: {أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا} [البقرة: 224]. (¬7) في (ي): (أراد). (¬8) من "تفسير الثعلبي" 2/ 1128.

إلا بوليٍّ؛ لإجماع المفسرين أن هذا الخطاب للأولياء، ولو صَحَّ نكاحٌ دون ولي لم يتصوَّر عضل، ولم يكن لنهي الله عن العضل معنى (¬1). وزعم (¬2) قوم أن (¬3) المعني بالنهي عن العضل: الزوج، وأن البلوغ هاهنا: مقاربة انقضاء العدة، ومعنى عضلها: أن يطلقها واحدة ثم يمهلها حتى تقارِبَ انقضاء العدة، ثم يراجعها، ثم يطلقها، ويطول عليها بالعدة بعد العدة، فذلك العضل، وهذا خلاف ما أجمع عليه المفسرون، ثم ما ذكروا مستفاد من الآية الأولى فلا تحمل هذه على ما وردت فيه الأولى، ثم في نفس هذه الآية ما يقطع بفساد ما قالوه، وهو أنه قال: {فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ} فقرن النهي عن العضل بشرط التراضي بالنكاح ولا يكون التراضي بالنكاح (¬4) إلا بعد التصريح بالخطبة والنكاح، وقد نهى الله عز وجل عن ذلك بقوله: {وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ} [البقرة: 235] وعلى ما ذكروا لا يكون هذا التراضي إلا قبل انقضاء العدة، وقبل بلوغ الكتاب أجله، إذ لا يكون العضل من الزوج إلا في ذلك الوقت، ولا يكون العضل من الولي إلا بعد بلوغ الكتاب أجله وانقضاء العدة، فوقوع التراضي بالنكاح في هذا الوقت أولى (¬5). وقوله تعالى: {ذَلِكَ يُوعَظُ} {ذَلِكَ} إشارة إلى ما سبق، أي: أمر ¬

_ (¬1) من "تفسير الثعلبي" 2/ 1128 - 1129، وينظر "تفسير الطبري" 2/ 488، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 310. (¬2) في (ي): (زعم). (¬3) في (م): (إلى أن). (¬4) سقط من (ش). (¬5) ينظر: "التفسير الكبير" 6/ 120 - 121، وقد نصر القول الذي رد عليه الواحدي.

الله الذي تلي عليكم من ترك العضل، ووحَّد الكاف وهو يخاطب جماعة؛ لأن الجماعة في معنى القبيل (¬1). وقال الفراء: {ذَلِكَ} حرف، كثر في الكلام حتى تُوُهِّمَ بالكاف أنها من الحروف، وليست بخطاب، فعلى هذا يجوز أن يخاطب المرأة والرجل والواحد والاثنان والجماعة بالكاف المنصوبة، ومن جعل الكاف للخطاب ثنى وجمع وأنث (¬2)، وقد نزل القرآن باللغتين جميعًا قال الله تعالى: {ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي} [يوسف: 37]. {فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ} [يوسف: 32]. وقال: {ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ} [الطلاق: 2]. وقال: {أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ} [الأعراف: 22]. وأنكر الزجاج هذا وقال: اللهُ خاطب العرب بأفصح اللغات، وليس في القرآن تَوَهُّم، تعالى الله عن هذا (¬3)، وقول الفراء صحيح، وإن أنكره الزجاج؛ لأن التوهم تعود إلى العرب هم توهموا ذلك، والله تعالى يخاطبهم بلغتهم، وهذا كقولهم: تمكن فلان من الشيء، توهموا أن ميم المكان أصلي فبنوا منه الفعل، ولهذا نظائر في كلامهم، يجعلونَ الحرفين بمنزلة حرف واحد، كما قلنا (¬4) في (ماذا)، وهو كثير. وقال صاحب النظم: الكاف في (ذلك) مَنْ جَعَلَه للخطاب أظهَرَ ¬

_ (¬1) ذكر في "البحر المحيط" 2/ 210: أن ذلك خطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم -، وقيل: لكل سامع، ثم رجع إلى خطاب الجماعة فقال: (منكم)، وقيل: ذلك بمعنى ذلكم. (¬2) "معاني القرآن" للفراء 1/ 149 بمعناه، وينظر "تفسير الطبري" 2/ 488 - 489، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 311، "تفسير الثعلبي" 2/ 1133. (¬3) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 311. (¬4) في (ي): (قال).

233

الجَمْع والتثنيةَ والتَّذْكِير، ومَنْ جَعَلَه للتراخي أو التبعيد (¬1) تركه على حالة واحدة. وقوله تعالى: {مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} خص المؤمنين، أنهم أهل الانتفاع به. {ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ} (¬2) خير لكم وأفضل، {وَأَطْهَرُ} لقلوبكم من الريبة، وذلك أنهما إذا كان في نفس كل واحد منهما علاقة حب لم يؤمن أن يتجاوز ذلك إلى ما غير أحل (¬3) الله، ولم يؤمن من أوليائهما أن يسبق إلى قلوبهم منهما ما لعلهما أن يكونا بريئين من ذلك فيأثمون (¬4). {وَاللَّهُ يَعْلَمُ} ما لكم فيه الصلاح في العاجل والآجل وأنتم غير عالمين إلا (¬5) بما أعلمكم. 233 - قوله تعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ} الآية. قال المفسرون: أراد المطلقات اللاتي لهن أولاد من أزواجهن. وقال بعضهم: بل هي على العموم، لأنه قال: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنّ} والمطلقة (¬6) لا تستحق الكسوة إلا أن يحمل على الرجعية، فإنها تستحق الكسوة والرزق في زمان العدة، والمطلقة ثلاثًا لا تستحق بالإرضاع الكسوة، وإنما تستحقُّ الأجرةَ، فإذا لا يمكن إجراؤها على العموم ولا ¬

_ (¬1) في (ي) و (ش): (والتبعيد). (¬2) ساقطة من (ي) و (ش) و (أ). (¬3) في (أ) و (م): (إلى ما أخل الله). (¬4) من "تفسير الثعلبي" 2/ 1134، وينظر "تفسير الطبري" 2/ 489. (¬5) ساقطة من (ش). (¬6) في (ش): (فالمطلقة).

على المطلقات أيضًا لما بينا، فالأولى أن يحمل على الزوجات في حال بقاء النكاح؛ لأنهن يستحققن الرزقَ والكسوة (¬1). فإنْ قيل: إذا كانت الزوجية باقية فهي تستحق الرزق والكسوة بسبب النكاح، سواء أرضعت له ولده أو امتنعت، فما وجه تعليق هذا الاستحقاق بالإرضاع؟ قلنا: النفقة والكسوة في مقابلة التمكين، وإذا اشتغلت بالإرضاع والحضانة ربما لا تمكن من كمال التمكين، فيتوهم متوهم أن نفقتهما وكسوتها تسقط بالخلل الواقع في التمكين، فقطع الله ذلك التوهم بإيجاب الرزق والكسوة، وإن اشتغلت المرأة بالإرضاع، ولهذا قلنا: إذا أشخصها زوجها إلى سفر لحاجته وتجارته فنفقة سفرها عليه؛ لأنها مشغولة بشغله، وإذا كان كذلك فالرزق والكسوة هاهنا لا يكون أجرة الرضاع، وأجرة الرضاع تجب على الزوج بقوله تعالى: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} [الطلاق: 6] وفائدة ذكر الرزق والكسوة في هذه الآية ما بينا (¬2). وقوله تعالى: {يُرْضِعْنَ} لفظه لفظ الخبر ومعناه الأمر، كما تقول: حسبك درهم، معناه اكتف به، وهو أمر استحباب لا أمر إيجاب، يريد: أنهن أحقُّ بالإرضاع من غيرهن إذا أردن ذلك، ولو وجب عليها الإرضاع لما استحقَّت الأجرةُ، وقد أوجب الله الأجرة لهن في سورة الطلاق (¬3). وقوله تعالى: {حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} أي: سنتين. أصل الحول من حال الشيء إذا انقلب، فالحول منقلب من الوقت ¬

_ (¬1) ينظر "البحر المحيط" 2/ 212. (¬2) "التفسير الكبير" 6/ 116 - 117. (¬3) كذا قال الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 312، "تفسير الثعلبي" 2/ 1134 - 1135.

الأول إلى الثاني (¬1)، وذكر الكمال لرفع التوهم من أنَّه على مثل قولهم: أقام فلان بمكان كذا حولين أو شهرين، وإنما أقام حولًا (¬2) وبعض الآخر، ويقولون: اليوم يومان مذ لم أره، وإنما يعنون يومًا وبعضًا آخر، ومثله قوله: {فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ} [البقرة: 203]، ومعلوم أنه يتعجل في يوم وبعض الثانى (¬3). وليس التحديد بالحولين تحديد إيجاب؛ لأنه قد قال بعد هذا: {فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا} ولكنه تحديدٌ لقطع التنازع بين الزوجين إذا اشتجرا في مدة الرضاع، فجُعِل الحولان ميقاتًا لهما يرجعان إليه عند الاختلاف، فإن أراد الأَبُ أن يَفْطِمَه قبل الحولين ولم ترض الأم، لم يكن له ذلك، وكذلك لو كان على عكس هذا. فإن اجتمعا قبل الحولين فطماه (¬4). هذا هو الصحيح، وهو قول ابن عباس (¬5)، في رواية علي بن أبي طلحة، والثوري (¬6) وابن جريج (¬7). ¬

_ (¬1) "تفسير الثعلبي" 2/ 1135، وينظر: "المفردات" 142 قال الراغب: والحول: السنة اعتبارا بانقلابها ودوران الشمس في مطالعها ومغاربها. وينظر "اللسان" 2/ 1054، "تفسير الطبري" 2/ 490. (¬2) في (ي): (حولان) وهو خطأ. (¬3) "تفسير الثعلبي" 2/ 1135، "تفسير الطبري" 2/ 490، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 312، و"تفسير البغوي" 1/ 177، "البحر المحيط" 2/ 212. (¬4) من "تفسير الثعلبي" 2/ 1136 - 1137. (¬5) رواه الطبري في "تفسيره" 2/ 491، وعزاه في "الدر" 1/ 515 إلى ابن أبي حاتم وابن المنذر، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1137. (¬6) رواه عنه الطبري 2/ 492. (¬7) ذكره الثعلبي 2/ 1137، وعنه البغوي 1/ 277، وروى ابن جريج عن عطاء نحوه =

وقال آخرون: المراد بهذه الآية: الدلالة على أن الرضاع ما كان في الحولين، وأن ما بعد الحولين من الرضاع لا يُحرِّم، وهو قول علي (¬1) وعبد الله (¬2) وابن عباس (¬3) وابن عمر (¬4) وعلقمة (¬5) والشعبي (¬6) والزهري (¬7) ومذهب الشافعي، فإن عنده التحريم الحاصل بالرضاع يتعلق بالحولين، وبعد الحولين لا يحصل التحريم بالإرضاع (¬8). وعند أبي حنيفة: تتقدَّر (¬9) مدة حصول التحريم بالإرضاع بثلاثين شهرًا (¬10). والآية حجة للشافعي على قول هؤلاء، لأن الله تعالى علق (¬11) حكم ¬

_ = رواه الطبري 2/ 492، "ابن أبي حاتم" 2/ 429. (¬1) رواه عبد الرزاق في "المصنف" 7/ 464، وابن أبي شيبة في "المصنف" 4/ 290. (¬2) رواه أبو داود 2059 كتاب: النكاح باب في رضاعة الكبير، وعبد الرزاق في "المصنف" 7/ 463، والطبري في "تفسيره" 2/ 492. (¬3) رواه مالك في "الموطأ" 2/ 602، وعبد الرزاق في "المصنف" 7/ 464، والطبري في "تفسيره" 2/ 492. (¬4) رواه مالك في الموطأ 2/ 602، وعبد الرزاق في "المصنف" 7/ 465، والطبري 2/ 492. (¬5) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" 4/ 291، والطبري في "تفسيره" 2/ 492. (¬6) رواه عبد الرزاق في "المصنف" 7/ 463، وسعيد بن منصور 1/ 278، والطبري 2/ 492. (¬7) رواه عبد الرزاق في "المصنف" 7/ 465. (¬8) ينظر: "السنن الكبرى" للبيهقي 7/ 462، وقال ابن كثير في "تفسيره" 1/ 303: وهو مذهب الشافعي وأحمد واسحاق والثوري وأبي يوسف ومحمد ومالك في رواية. (¬9) في (ي) و (ش) (يتقدر). (¬10) تنظر المراجع السابقة. (¬11) ساقطة من (م).

الرضاع بالحولين، فدل على أن ما زاد على الحولين لا حكم له. وقال عكرمة عن ابن عباس: إذا وضعت لسبعة أشهر أرضعت ثلاثة وعشرين شهرًا، وإذا وضعته لتسعة أشهر أرضعته أحدًا وعشرين شهرًا، كل ذلك تمام ثلاثين شهرًا اعتبارا بقوله: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا} [الأحقاف: 15] (¬1). فجعل مدتيهما (¬2) ثلاثين شهرًا، والذي عليه عامة الفقهاء أن مدة الرضاع حولان في جميع هذه الأحوال، لا يفصلون بين أن تزيد مدة الحمل أو تنقص، للتصريح بذكر الحولين في هذه الآية. وأما قوله: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ} الآية [الأحقاف: 15] فإنها في تعظيم شأن الوالدة، وتعريف الأولاد ما لزم الوالدة من التعب والمشقة في أول هذه المدة من حملها وإرضاعها وفي آخرها، لقوله: {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا} [الأحقاف: 15]، فلا تعتبر هذه الآية بتلك إذ الأصلان مختلفان في المعنى الذي نزلت الآيتان فيه (¬3). وقوله تعالى: {لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} يقال: رَضِعَ المولودُ يرضَعُ رِضاعةً ورَضاعًا، هذا هو الأفصح، ويقال أيضًا: رَضَعَ يرضِعُ رضَاعَةً ورِضاعًا بالكسر في المصدر (¬4) (¬5) والمعنى: أنَّ هذا التقديرَ والبيان لمن ¬

_ (¬1) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 491، والحاكم في "تفسيره" 2/ 308، وصححه، والبيهقي في "تفسيره" 7/ 462، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1136. (¬2) في (ي) (مدتهما). (¬3) تنظر المراجع في القول السابق. (¬4) في (ش) (أجرها). (¬5) كذا بنحوه في: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 302، "تهذيب اللغة" 2/ 1419 مادة (رضع)، "المفردات" ص 202، "اللسان" 3/ 1660 مادة: رضع، وفيهما رضُع =

أراد أن يُتِمَّ الرضاعة، كقوله: {وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى} [البقرة: 203]، يعنى أن هذا منتهى الرضاع، وليس فيما دون ذلك وقت محدود (¬1). (من) لفظ مبهم يصلح للأب والأمِّ جميعًا. وقال قتادة (¬2) والربيع (¬3): فرض الله عز وجل على الوالدات أن يرضعن أولادهن حولين كاملين، ثم أنزل الرخصةَ والتخفيفَ بعد ذلك، فقال: {لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ}. وقوله تعالى: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ} يعنى: الأب. {رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ} الكِسوة والكُسوة: اللباس، يقال: كسوت فلانًا أكسوه كسوة، إذا ألبسته (¬4) ثوبًا (¬5). والأكثرون من المفسرين قالوا في هذا: معناه (¬6) وعلى (¬7) الزوج رزق المرأة المطلقة وكسوتها إذا أرضعت الولد (¬8)، وقد ذكرنا هذا في أول الآية. ¬

_ = الرجل يرضُعُ رضاعة، بمعنى اللؤم، وأصله: من رضع اللؤمَ من ثدي أمه، يريد أنه وُلد في اللؤم. (¬1) "تفسير الثعلبي" 2/ 1140. (¬2) أخرجه الطبري في "تفسيره" 2/ 493، وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 429. (¬3) انظر المصدر السابق. (¬4) في (ي) و (ش): (ومن). (¬5) ينظر في كسا: "تهذيب اللغة" 4/ 3139، "المفردات" ص 432 - 433، "اللسان" مادة: كسا 7/ 3879. (¬6) في (م): (قالوا لي معنى هذا). (¬7) في (ي): (على). (¬8) يرويه بنحوه الطبري في "تفسيره" 2/ 495 - 496 عن الضحاك بن مزاحم، والنص المذكور من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 313.

وقوله تعالى: {بِالْمَعْرُوفِ} أي: بما يعرفون أنه عدل على قدر الإمكان (¬1). وقوله تعالى: {لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا} التكليفُ: الإلزام، يقال: كلفته الأمر فَتَكَلَّفْ وكَلِفَ (¬2). قيل (¬3): إن أصله من الكَلَف، وهو الأثر على الوجْه من السَّوَاد، فمعنى تَكَلَّفَ الأمرَ، أي: اجتهد يبين (¬4) فيه أثره، وكلّفه: أَلزمه ما يَظْهَرُ (¬5) فيه أثره (¬6). والوُسْع، ما يَسَعُ الإنسانَ فيطيقه، أُخِذَ مِن سَعَةِ المَسْلَك إلى الغَرَضِ، ولو ضاق لعجز عنه، فالسَّعَةُ فيه بمنزلة القُدْرَة، فلذلك قيل: الوُسْعُ بمعنى (¬7) الطاقة (¬8). ¬

_ (¬1) كذا في "معاني القرآن" للزجاج 1/ 313، وينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 1142، "تفسير القرطبي" 3/ 163. (¬2) ساقطة من (م). (¬3) في (م): (وقيل). (¬4) في (ي) (أن بين). (¬5) في (م) (فلا يظهر)، وفي (أ) لعلها (فما يظهر). (¬6) ينظر في كلف: "تهذيب اللغة" 4/ 3175، "المفردات" ص 441، "اللسان" مادة: (كلف) 7/ 3917. قال الراغب: وتكلُّف الشيء ما يفعله الإنسان بإظهار كلَفٍ مع مشقة تناوله في تعاطيه، وصارت الكُلْفة في التعارف اسما للمشقة، والتكلُّف: اسم لما يفعل بمشقة أو تصنع أو تشبع. (¬7) في (ي) (بمنزلة). (¬8) ينظر في وسع: "تهذيب اللغة" 4/ 3889، "تفسير الثعلبي" 2/ 1142، "المفردات" ص 538، "اللسان" 8/ 4835 مادة: وسع، "البحر المحيط" 2/ 214، وذكر الراغب أن السعة تقال في الأمكنة وفي الحال كقوله تعالى: {لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ} [الطلاق: 7] =

وقوله تعالى: {لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ} الاختيار فتح الراء (¬1) من تضارّ، وموضعه جزم على النهي، والأصل: لا تضارر، فأدغمت الراء الأولى في الثانية، وفتحت الثانية لالتقاء الساكنين، وهذا الاختيار في التضعيف إذا كان قبله فتح أو ألف، تقول: عَضَّ يا رجلُ، وضارَّ زيدًا (¬2) يارجلُ (¬3). والمعنى: لا ينزع الولد منها إلى غيرها بعد أن رضيت بإرضاعه (¬4) وألفها الصبي، ولا تلقيه هي إلى أبيه (¬5) بعد ما عرفها، تضاره بذلك (¬6). وقيل معناه: لا تضارَّ والدة فتكره على إرضاع الصبي إذا قبل من غيرها وكرهت هي رضاعه؛ لأن ذلك ليس بواجب عليها، {وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ} يكلف (¬7) أن يُعْطِي الأم إذا (¬8) لم يرتضع الولد إلا منها أكثر مما يجب لها ¬

_ = من سعته، والوُسع من القدرة ما يفضل عن قدر المكلف، قال تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286]، تنبيها أنه يكلف عبده دُوَيْن ما ينوء به قدرته، وقيل: يكلفه ما يثمر له السعة، وهي الجنة. (¬1) كذا قرأ نافع وحفص عن عاصم وحمزة والكسائي وابن عامر: (لا تضارَّ)، وقرأ الباقون من السبعة: (تضارُّ). ينظر: "السبعة لابن مجاهد" ص 183، و"النشر" 1/ 227. (¬2) في (ي): (زيد). (¬3) كذا نقله من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 313. (¬4) في (م): (وأصابك وألفها). (¬5) في (ش) (أمه). (¬6) ينظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 150، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 313، "تفسير الثعلبي" 2/ 1146، "البحر المحيط" 2/ 215. (¬7) في (ي): (فكلف)، في (ش): (فيكلف). (¬8) في (ش): (إذ).

عليه. وهذان القولان على مذهب الفعل المبنى للمفعول نهيًا (¬1). ويحتمل أن يكون الفعل لهما، ولكون تضارّ على مذهب ما قد سُمي فاعله، وكان في الأصل: لا تضارر، فأدغمت (¬2). والمعنى: (لا تُضارَّ والدة) فتأبى أن ترضع ولدها لتشق على أبيه، (ولا مولود له) أي: ولا يضارَّ الأب أمّ الصبي فيمنعها من إرضاعه وينزعه منها، والضرار يرجع إلى الوالدين، يضار كل واحد منهما صاحبه بسبب الولد (¬3)، ويجوز أن يكون الضرار راجعًا إلى الصبي، أي: لا يضار كل واحد منهما الصبي (¬4)، فلا ترضعه الأم حتى يموت، ولا ينفق الأب أو ينزعه من أمه حتى يضر بالصبي، وتكون الباء زائدة على تقدير: لا تضار والدة ولدَها، ولا أبٌ ولدَه، وكل هذه الأقاويل مروية عن المفسرين (¬5). وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: (لا تضارُّ) برفع الراء على الخبر منسوقًا على قوله: (لا تكلف) وأتبع ما قَبْلَه ليكونَ أحسنَ في تشابه اللفظ. فإن قلت: إن ذلك خبر، وهذا أمر؟ قيل: والأمر يجيء على لفظ الخبر، كقوله: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ} [البقرة: 228]، وقد سبق نظائره (¬6). ¬

_ (¬1) "تفسير الثعلبي" 2/ 1146 - 1147. (¬2) "تفسير الثعلبي" 2/ 1147، "البحر المحيط" 2/ 215. (¬3) ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 1147، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 313، "تفسير القرطبي" 3/ 167. (¬4) من قوله: أي لا يضار .. ساقط من (ي). (¬5) من "تفسير الثعلبي" 2/ 1148، وأورده أيضًا البغوي في "تفسيره" 1/ 278، وينظر "تفسير الطبري" 2/ 496، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 313، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 430 - 432. (¬6) نقله من "الحجة" لأبي علي 2/ 333 بمعناه.

وقوله تعالى: {وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ} هذا منسوق على قوله: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ} يعني: على وارث الصبي الذي لو مات الصبي وله مال ورثه، مثل الذي كان على أبيه في حياته، وأراد بالوارث من كان من عصبته كائنًا من كان من الرجال (¬1)، في قول عمر بن الخطاب (¬2) وإبراهيم (¬3) والحسن (¬4) ومجاهد (¬5) وعطاء (¬6) وسفيان (¬7). وقال بعضهم: هو وارث الصبي كائنًا من كان من الرجال والنساء، وهو قول قتادة (¬8) والحسن بن صالح (¬9) وابن أبي ليلى (¬10)، ومذهب أحمد (¬11) ¬

_ (¬1) "تفسير الثعلبي" 2/ 1148، والبغوي في "تفسيره" 1/ 278. (¬2) أخرجه عبد الرزاق في "المصنف" 7/ 59، وسعيد بن منصور 2/ 144، والطبري في "تفسيره" 2/ 500، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 432. (¬3) أخرجه الطبري في "تفسيره" 2/ 501، وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 433. (¬4) أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" 5/ 247، وأبو عبيد في "الأموال" ص 305، والطبري في "تفسيره" 2/ 500. (¬5) تفسير مجاهد 1/ 109، وأخرجه الطبري 2/ 501، وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 433. (¬6) أخرجه الطبري في "تفسيره" 2/ 501، وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 433. (¬7) روى عنه عبد الرزاق في "المصنف" 7/ 61 ما يوافق القول الثاني، وذكره ابن أبي حاتم 2/ 433. (¬8) رواه عبد الرزاق في "المصنف" 7/ 61، والطبري في "تفسيره" 2/ 501. (¬9) ذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1150، والمروزي في "اختلاف العلماء" ص 156، والحسن بن صالح اسمه: حيان الثوري الهمداني، ثقة فقيه عابد، رمي بالتشيع توفي سنة 169. ينظر "حلية الأولياء" 7/ 327، و"سير أعلام النبلاء" 7/ 361. (¬10) ذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1150، والمروزي في " اختلاف العلماء" 156. (¬11) "المغني" 11/ 381، و"زاد المعاد" 5/ 548.

وإسحاق (¬1)، قالوا: يجبر على نفقه الصبي كل وارث (¬2) على قدر ميراثه عَصَبَةً كانوا أو غيرهم. وعند أبي حنيفة: يجبر على نفقة الصبي مِن ورثته مَن كان محرمًا، ومن لم يكن محرما مثل ابن العم والمولى فليسوا ممن عناهم الله بقوله: {وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ} عند أبي حنفية وأصحابه (¬3). وقال آخرون: أراد بالوارث، الصبي نفسه الذي هو وارث أبيه المتوفى، عليه أجر (¬4) رضاعه (¬5) في ماله، إن كان له مال، وإن (¬6) لم يكن له مال أجبرت (¬7) أمه على رضاعه، ولا يجبر على نفقة الصبي إلا الوالدان، وهو قول مالك (¬8) والشافعي (¬9). وقال كثير من أهل العلم: أراد بالوارث الباقي من الوالدين بعد الآخر، عليه مثل ما كان على الأب من أجر (¬10) الرضاع والنفقة والكسوة (¬11). ¬

_ (¬1) "اختلاف العلماء" للمروزي ص 156، "تفسير الثعلبي" 2/ 1151. (¬2) قوله كائناً من كان .. ساقط من (ش). (¬3) ينظر "مختصر الطحاوي" ص 224، "أحكام القرآن" للجصاص 1/ 407. (¬4) في (ي): (المتوفى آخر). (¬5) في (ش): (رضاعة). (¬6) في (ي) و (ش): (فإن لم). (¬7) في (م) و (ي): (أجبر). (¬8) ينظر "اختلاف العلماء" للمروزي ص 156، و"الإيضاح" لمكي ص 180. (¬9) ينظر: "الأم" 5/ 97، و"أحكام القرآن" للكيا الهراسي 1/ 271. (¬10) في (ي): (آخر). (¬11) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 502، "تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 433، "تفسير الثعلبي" 2/ 1152، "والنكت والعيون" 1/ 300، و"تفسير البغوي" 1/ 278.

وقال الشعبي (¬1) والزهري (¬2) والزجاج (¬3)، {وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ} يعنى: ألا يضارَّ (¬4). وقوله تعالى: {فَإِنْ أَرَادَا} يعنى: الوالدين {فِصَالًا} فطامًا، لانفصال المولود عن الاغتذاء بثدي أمه إلى غيره من الأقوات. قال المبرد: يقال: فَصَلَ الولدُ عن أمِّه فِصَالًا وفَصْلًا، وقد قُرئ بهما (¬5) (¬6) في قوله: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ} [الأحقاف: 15]، والفِصالُ أحسن؛ لأنه إذا انفصل من أمِّهِ فقد انْفَصَلَتْ منه أُمُّهُ، فبينهما فِصَالٌ، نحو: القِتال والضِّرَاب. ويقال: فَصَلْتُه فَصْلًا وفِصَالًا كالكِتَاِب والضِّرَاب (¬7) والحِسَابِ واللِّقَاء، ومنه سُمِّيَ الفَصِيل فَصِيلًا؛ لأنه مَفْصُول عن أمِّه (¬8). {عَنْ تَرَاضٍ} منهما، يعني: قبلَ الحولين، لأن بعد الحولين لا يجب ¬

_ (¬1) أخرجه الطبري في "تفسيره" 2/ 504، وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 433، وروى عنه ابن أبي شيبة في "المصنف" 5/ 244 أن المراد بقوله: (مثل ذلك)، رضاع الصبي. (¬2) أخرجه الطبري في "تفسيره" 2/ 504. (¬3) "معاني القرآن" 1/ 313. (¬4) ذكره إيضًا البغوي 1/ 278. (¬5) في (ش): (بها)، وفي (ي): (منها). (¬6) قرأ يعقوب من العشرة بفتح الفاء وإسكان الصاد (وفصْله) وكذا روي عن الحسن، وقرأ الباقون بكسر الفاء وفتح الصاد وألف بعدها (وفِصاله). ينظر "النشر" 2/ 373، و"البدور الزاهرة" ص 63، و"القراءات الشاذة وتوجيهها من لغة العرب" للقاضي ص 81. (¬7) زيادة من (م). (¬8) ما ينظر في فصل: "تهذيب اللغة" 3/ 2795، "المفردات" ص 382 - 383،"لسان العرب" 6/ 2423.

على واحد منهما اتِّبَاعُ الآخر. وقوله تعالى: {وَتَشَاوُرٍ} معنى التَّشَاوُر في اللغة: استخراج (¬1)، وكذلك المَشْوَرَة، والَمُشْوَرَة مَفْعَلَةٌ منه (¬2) كالمَعُونَةِ، ونظيرها: المَيْسَرَة. وشُرتُ العسلَ: استخرجته، وأنشد أبو زيد لحاتم: وليس على ناري حِجَابٌ أكفُّها ... لمُسْتَقْبِسٍ لَيلًا ولكِنْ أَشيْرُها (¬3) قال أبو حاتم والرياشي: أشيرُها: أرفعها. وهذا يعود إلى ما ذكرنا، لأنه أراد أنه يوقدها في البراز والتِّلاع دون (¬4) الوِهَاد، ليقْصِدَها الغَاشِيةُ من الطُّرَّاق. وقال أبوزيد: شِرتُ الدابةَ، وشَوَّرْتُها أَجْرَيْتُها لاستخراج جَرْيها. والشَّوَار: متاعُ البيت؛ لأنه يَظْهَر للناظِر، وقولهم: تَشَوَّرَ وشَوَّرْتُه، قيل: إن أصله أَنّ رجلًا بَدَتْ عورته وظهرت (¬5)، وكان معنى تَشَوَّرَ (¬6) ظهر ذلك، وشوَّرْتُه: فعلتُ به ذلك الفعلَ، أو مثله فيما فيه حِشمة ومنه خَجَلٌ. وتسميتهم للذكرِ شَوَارًا يُشبهُ أن يكونَ من ذلك. قال أبوزيد: يقالُ للرجالِ إذا دعوت عليه: أبدى الله شَوارَك. وشَوَارُهُ: مذاكيره (¬7). ¬

_ (¬1) في (ش): استخراج المشورة، وعند الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1153: استخراج الرأي. (¬2) ساقطة من (ش). (¬3) البيت في ديوانه ص 232. (¬4) ساقطة من (ي). (¬5) في (م): (فظهرت)، وفي (ش) ساقطة. (¬6) في (ي): (شور). (¬7) نقله عنه في "تهذيب اللغة" 11/ 405.

والشارة: هيئة الرجل؛ لأنه ما يظهر (¬1) من زيِّهِ ويبدو من زينته. والإشارة: إخراجُ ما في نفسك وإظهاره للمخاطب بالنطق وبغيره (¬2). والمعنى: أنهما إن تشاورا وتراضيا على الفطام قبل الحولين فلا بأس إذا كان الولد قويًا، وليس لهما ذلك مع ضعفه (¬3). وقوله تعالى: {وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ} أي: لأولادكم، وحذفت اللام اجتزاء بدلالة الاسترضاع؛ لأنه لا يكون إلا للأولاد، ولا يجوز: دعوت زيدًا، وأنت تريد لزيد؛ لأنه يلتبس هاهنا، بخلاف ما قلنا في الاسترضاع (¬4). والمعنى: إن أردتم أن تسترضعوا لأولادكم مراضع غير الوالدة فلا إثم عليكم (¬5). وقوله تعالى: {إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ}. قال مجاهد (¬6) والسدي (¬7): إذا سلمتم إلى الأم أجرتها بمقدار ما أرضعت. ¬

_ (¬1) في (ش): (لأنه يظهر). (¬2) ينظر في شور: "تهذيب اللغة" 2/ 1803، "المفردات" ص 273، "اللسان" 4/ 2356. قال الراغب: والمشورة استخراج الرأي بمراجعة البعض إلى البعض، في قولهم: شِرت العسل، إذا اتخذته من موضعه واستخرجته منه. (¬3) بنحو معناه ذكر البغوي في "تفسيره" 1/ 279، والزجاج في "معاني القرآن" 1/ 313. (¬4) ينظر: "التبيان" ص 139، "البحر المحيط" 2/ 218، في تفصيل الاسترضاع وتعديه بحرف أو دون حرف. (¬5) كذا في "معاني القرآن" للزجاج 1/ 314، وينظر "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 317، "تفسير الثعلبي" 2/ 1153. (¬6) أخرجه الطبري في "تفسيره" 2/ 509، "ابن أبي حاتم" 2/ 237. (¬7) أخرجه الطبري في "تفسيره" 2/ 509، "ابن أبي حاتم" 2/ 435.

وقال سفيان (¬1): إذا سلمتم أجرة المسترضعة. وقرأ ابن كثير: (ما أتيتم) بقصر الألف (¬2). وحجته: ما روي عن الزهري في هذه الآية، أنه قال: التسليم هاهنا بمعنى: الطاعة والانقياد (¬3). يعني: إذا سلمتم للاسترضاع عن تراض واتفاق دون الضرار (¬4). وكذلك قال ابن عباس في رواية عطاء، قال (¬5): إذا سلمت أمُّه ورَضِيَ أبوه، لعلَّ له غِنًى يشتري له مرضعًا (¬6). ومعنى: أتيتم هاهنا فعلتم، يعني: إذا سلمتم ما أتيتموه من الإنفاق، كما تقول: أتيت جميلًا، أي: فعلته. قال زهير: وما يَكُ من خَيْرٍ أتَوْه فإنمَّا ... تَوَارَثَه آباءُ آبائِهِم قَبْلُ (¬7) يعني: فعلوه وقصدوه. والباء في (بالمعروف) يجوز أن تتعلق بـ سلمتم، كأنه: إذا سلمتم بالمعروف، ويجوز أن تتعلق (¬8) بالإيتاء على قراءة العامة (¬9). ¬

_ (¬1) أخرجه الطبري في "تفسيره" 2/ 509. (¬2) ينظر: "السبعة لابن مجاهد" 183. (¬3) أخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 435، وينظر "تفسير البغوي" 1/ 279. (¬4) "تفسير الثعلبي" 2/ 1154، وذكره البغوي في "تفسيره" 1/ 279 على أنه قول آخر غير التسليم الذي بمعنى الطاعة والانقياد. (¬5) ساقطة من (ي). (¬6) فقد تقدم الحديث عن هذه الرواية في قسم الدراسة من المقدمة. (¬7) ورد البيت هكذا: وما يك من خير أتوه فإنما ... توارثهم آباء آبائهم قبل والبيت في ديوانه ص 58. "البحر المحيط" 2/ 218. (¬8) في (ش): (يتعلق). (¬9) من قوله: ومعنى أتيتم، ... من كلام أبي علي الفارسي في "الحجة" 2/ 336 =

234

ثم عطف على جميع (¬1) هذه الحدود والأحكام الوصية بالتقوى فيها فقال: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}. 234 - قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} الآية، {يُتَوَفَّوْنَ} معناه: يموتون ويُقْبَضُون. وأصلُ التَّوَفِّي: أخذُ الشيء وافيًا، يقال: تَوَفَّى الشيءَ واسْتَوفَاه، وتُوُفِّي فلانٌ وتَوَفَّى إذا مات، فمن قال تُوفي كان (¬2) معناه قُبض وأُخِذَ، ومن قال: تَوَفَّى، معناه: تَوَفَّى أَجَلَه، واسْتَوْفَى أُكُلَه وعُمُرَه (¬3). وعلى هذا قراءة علي رضى الله عنه (يَتَوفون) بفتح الياء (¬4). {وَيَذَرُونَ} معناه: يتركون، ولا يستعمل منه الماضي ولا المصدر، استغناء عنهما بترك تركًا، ومثله أيضًا: يدع في رفض مصدره وماضيه (¬5). قال ابن المظفر: العربُ قد أماتت المصدر من يذر والفعل الماضي، واستعملته في الغابر (¬6) والأمر، فإذا أرادوا المصدر قالوا: ذَرْه تَرْكًا (¬7). ¬

_ = بنحوه، وينظر "البحر المحيط" 2/ 218. (¬1) في (ش) (جمع). (¬2) ساقطة من (ي). (¬3) ينظر في توفي: "تهذيب اللغة" 15/ 584 - 587، "المفردات" 543، "لسان العرب" 15/ 400 - 401 (مادة: وفي). (¬4) عزاها إليه ابن جني في "المحتسب" 1/ 125، وأبو حيان في "البحر المحيط" 2/ 223. (¬5) تنظر مادة وذر، في: "اللسان" 8/ 4805، "البحر المحيط" 2/ 220. (¬6) هكذا في الأصل، وفي "اللسان" 8/ 4805، ووردت (الحاضر) في "تهذيب اللغة" 4/ 3866. (¬7) نقله عنه الأزهري في "تهذيب اللغة" 4/ 3866.

وقال ابن السِّكِّيت: يقال: ذر ذا ودع، ولا يقالُ: وَذَرْتُه ولا ودعته، وأمَّا في الغابر (¬1) فيقال: يذره ويدعه، ولا يقال: واذِرٌ ولا وادِعٌ، ولكن يقال: تركته فأنا تاركٌ (¬2). وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ} ابتداء، ولابد للابتداء من خبر يكون هو أو يكون له فيه ذكر. واختلف النحويون في خبر (الذين) هاهنا: فقال الأخفش: المعنى: يتربصن بعدهم (¬3). وقال المبرد: التقدير والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا أزواجهم يتربصن (¬4). وقال الكسائي: المعنى: يتربصْنَ أزواجهم، فكنى الله عن الأزواج، فجاءت النون دالة على تأنيث المضمر (¬5). وقال الفراء (¬6): ترك الخبر عن (الذين) وأخبر عن الأزواج؛ لأن المعنى على ذلك، قال: والعرب تذكر اسمين ثم تترك الأول بلا خبر، وتخبر عن الثاني، وأغنى الإخبار عن الثاني الإخبار عن الأول، كذلك ¬

_ (¬1) هكذا في الأصل، وفي "اللسان" 8/ 4805، وصوابه: الحاضر، كما في "تهذيب اللغة" 4/ 3866، وهو المصدر الذي ينقل عنه الواحدي وابن منظور. (¬2) نقله عنه الأزهري في "تهذيب اللغة" 4/ 3866. وينظر في المادة "المفردات" ص 533، "اللسان" 8/ 4805، "البحر المحيط" 2/ 220. (¬3) "معاني القرآن" 1/ 176، ونصه: فخبر (والذين يتوفون) يتربصن بعد موتهم، ولم يذكر بعد موتهم، كما يحذف بعض الكلام، تقول: ينبغي لهن أن يتربصن، فلما حذف ينبغي وقع يتربصن موقعها. (¬4) نقله عنه في "البحر المحيط" 2/ 222. (¬5) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 314 - 315، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 317، "البحر المحيط" 2/ 222. (¬6) ساقط من (ي).

ههنا أخبر عن الأزواج وترك الذين. والمعنى عنده: وأزواج الذين يتوفون منكم يتربصن، وأنشد: لَعلِّي إن مَالَتْ بي الرِّيحُ مَيْلةً ... على ابن أبي ذِبَّانَ أن يَتَنَدَّما (¬1) قال: المعنى: لعل ابن أبي ذِبان أن يتندم أن مالت بي الريح ميلة عليه (¬2)، فأخبر عن الابن واكتفى بخبره من خبر الياء في لعلي (¬3). قال أبو إسحاق: وهذا القول غير جائز، لا يجوز أن يبتدأ بالاسم ولا يحدث عنه؛ لأن الكلام إنما وضع للفائدة، فما لا يفيد فليس بصحيح، والذي هو الحق في هذه المسألة: أن ذكر الذين قد جرى ابتداء، وذكر الأزواج قد جرى متصلا بصلة الذين، فصار الضمير الذي في (يتربصن) يعود على الأزواج مضافات إلى الذين، كأنك قلت: يتربصن أزواجهم. قال: ومثل هذا من الكلام: الذي يموت ولخلف ابنتين ترثان الثلثين، المعنى: ترث ابنتاه الثلثين (¬4). ¬

_ (¬1) البيت لثابت بن كعب العتكي المعروف بثابت قطنة من أبيات قالها يرثي بها يزيد بن المُهَلِّب ينظر "تاريخ الطبري" 2/ 511، و"المخصص" 13/ 175. "البحر المحيط" 2/ 222 والبيت دون نسبة في "معاني القرآن" للفراء 1/ 150، "تفسير الطبري" 2/ 511، "معاني القرآن" و"إعرابه" للزجاج 1/ 315 والصاحبي في فقه اللغة ص 217 "تفسير الثعلبي" 2/ 1155، وأبو ذُبّان: كنية عبد الملك بن مروان؛ لأنه كان أبخراً لفسادٍ كان في فمه، وأراد بابنه: هشام بن عبد الملك. ينظر "لسان العرب" 3/ 1484 [ذبب]. (¬2) "معاني القرآن" للفراء 1/ 150 - 151، وذكر أبو حيان في "البحر المحيط" 2/ 222 ردا عليه. (¬3) "معاني القرآن" للفراء 1/ 150 - 151 "معاني القرآن" للزجاج 1/ 351. (¬4) "معاني القرآن" لأبي إسحاق الزجاج 1/ 315 - 316.

وهذا الذي ذكره أبو إسحاق هو قول أبي العباس بعينه، إلا أنه مَثَّل مثالًا لا يليق بما قدَّمه من الكلام والتقدير؛ لأنه مثل بالفعل والفاعل، وكان ينبغي أن يمثل بالمبتدأ والخبر، ألا ترى أنه قال: فصار الضمير الذي في يتربصن يعود على الأزواج مضافات إلى الذين، وإذا كان كذلك، وجب أن يكون ما يرجع إليه الضمير الذي في (يتربصن) يرتفع بالابتداء، وإذا ارتفع بالابتداء (¬1)، وجب أن يمثل بالابتداء، ليكون المثال مطابقًا للوصف، فيقول بدل قوله: يتربصن أزواجهم، أزواجهم يتربصن، وكذلك: الذي يموت ويخلف ابنتين يرثان الثلثين (¬2). ثم قال: المعنى: يرث (¬3) ابنتاه الثلثين، والمعنى: كذا من حيث (¬4) كان معنى الفعل والفاعل والمبتدأ والخبر هاهنا واحدًا، إلا أن الأشبه بغرضه، والأولى أن يقول: ابنتاه يرثان الثلثين (¬5)، وهذا نقد عليه في اللفظ لا في المعنى. قال أبو علي الفارسي في تأويل هذه الآية: وتقدير المحذوف منها خلاف، فالواضح منها: أن الذين يرتفع بالابتداء، وإذا ارتفع بالابتداء فلا يخلو خبره من حكم خبر الابتداء، وهو أن يكون هو هو، أو يكون له فيه ذكر. ولا يجوز (¬6) أن يكون على هذا الظاهر الذي هو عليه، لخلوه من ضربي ¬

_ (¬1) قوله: "وإذا ارتفع بالابتداء". ساقطة من (ي). (¬2) في (ش): (الثلث). (¬3) في (ش): (ترث). (¬4) في "الإغفال": والمعنى -لعمري- يقرض كذا. (¬5) من الإغفال ص 518 - 519 بتصرف. (¬6) في "الإغفال" ص 520: ولا يجوز عندنا.

خبر الابتداء، فالذي يحتمله القول في ذلك: أن يكون المعنى: يتربصن بعدهم، على ما قاله أبو الحسن الأخفش (¬1)، والمعنى على هذا (¬2)، لأن المراد: أن أزواج المتوفين يتربصن عن التزوج بعدهم أربعة أشهر وعشرًا، وإذا كان المعنى عليه، جاز حذف هذا الذي يتعلق به هذا الراجع إلى المبتدأ من جملة الخبر (¬3)، يدل على جواز ذلك وحسنه: إجازة الناس: السمنُ مَنَوَانٍ بدرهم، والمعنى على: منوان منه بدرهم، لا يستقيم الكلام إلا بتقدير ذلك، لأن المنوين ليس بالسمن، إنما هو عبارة عن المقدار. وإذا كان كذلك فلابد (¬4) من راجع يرجع إليه، وجاز الحذف هاهنا في الجار والمجرور للعلم به والدلالة عليه واقتضاء الكلام (¬5) (¬6). ¬

_ (¬1) "معاني القرآن" للأخفش 1/ 372، وينظر"إعراب القرآن" للنحاس 1/ 371 "تفسير الثعلبي" 1/ 1156. (¬2) اختصر الواحدي الكلام، وتمامه في "الإغفال" ص 520: وهذا قول أبي الحسن، أو أن يكون: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ}. أخبرنا بهذا القول أبو بكر عن أبي العباس، وهذا هو الذي ذهب إليه أبو إسحاق أيضا، أو يكون ما ذهب إليه الكسائي من أن المعنى: يتربصن أزواجهم، ثم كنى عن الأزواج. (¬3) اختصر الكلام، وتمامه في "الإغفال" ص 521: إذ الخبر إذا عرف جاز حذفه بأسره، فإذا جاز حذف جميعه جاز حذف بعضه. (¬4) في (ش) (ولابد). (¬5) ساقطة من (م) و (أ). (¬6) في "الإغفال" ص 521 ورد الكلام هكذا: فإذا كان ذلك كذلك، فلابد من راجعين يرجع كل واحد منهما إلى كل واحد من المبتدأين، فالذي يرجع إلى الأول هو هذا الضمير المتصل بالجار المحذوف مع الجار، والذي يرجع إلى الثاني ما في الظرف، وجاز الحذف هنا في الجار والمجرور للعلم به، والدلالة عليه، واقتضاء الكلام له.

وهذه المعاني كلها قائمة في الآية، وإذا كان كذلك جاز تأويل أبي الحسن هذه المسألة التي لا خلاف في جوازها، وهذا القول أمثل من قول أبي العباس: أن التقدير: أزواجهم يتربصن، فحذف الأزواج، وحَذْفُ المبتدأ في كلامهم كثير، نحو: {قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ} [الحج: 72] يعني: هو النار، وقوله: {فَصَبُرُ جمَيلٌ} [يوسف: 18]، لأن أبا العباس يقدر حذف مبتدأ مضاف، فيوالي بين الحذفين حذف المبتدأ، وحذف المضاف إليه مع اقتضاء الكلام لكل واحد منهما، أما اقتضاؤه للمبتدأ فلأن له خبرًا أسند إليه (¬1) وهو قوله: {يَتَرَبَّصْنَ}، وأما اقتضاؤه للضمير فلأنه يرجع إلى قوله: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ} وليس إذا جاز حذف شيء جاز حذف شيئين، وليس حد حذف المبتدأ المضاف كحد حذف المبتدأ المفرد غير المضاف؛ لأن المضاف شيئان: المبتدأ والضمير. ولأبي العباس أن يقول: حذف المبتدأ المضاف يسوغ من حيث ساغ حذف المفرد، لأن المفرد إنما ساغ حذفه للدلالة عليه، والدلالة (¬2) إذا قامت على حذف المضاف قيامها على حذف المفرد، وجب أن يكون جوازه كجوازه؛ لمشاركته المفرد فيما له جاز الحذف، وقيام الدلالة على حذف المضاف: أن الأزواج قد تقدم ذكرهن في الصلة، فإذا تقدم ذكرهن ساغ إضمارهن وحسن، ألا ترى أنه لو قيل له: أين زيد؟ ساغ أن يقول (¬3): في السوق، ويضمر الاسم لجَرْي ذكره، وأما حذف المضاف إليه وهو ¬

_ (¬1) من قوله: (الكلام لكل واحد ...) ساقط من (ش). (¬2) في (ش) و (ي) (فالدلالة). (¬3) في (م) (يقول).

الضمير في (أزواجهم) ولتقدم (¬1) ذكر ما يعود هذا الضمير إليه، وجري ذكره وجري ذكر الاسم مما (¬2) يسهل حذف الضمير العائد إليه، لدلالة المذكور عليه، فلا فصل إذن بين حذف المفرد والمضاف في باب الحسن والجواز، ألا ترى أنه قد جاء المضاف من المبتدأ محذوفًا كما جاء المفرد، وذلك كقوله: {لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (196) مَتَاعٌ قَلِيلٌ} [آل عمران:196 - 197] والمعنى: تقلبهم متاع قليل، فقد رأيت المضاف حذف كما حذف المفرد (¬3)، فهذان القولان أجود هذه الأقوال. وأما قول الكسائي فليس بالمتجه؛ لأن المبتدأ على قوله ليس يعود إليه ذكر، لا مثبت ولا محذوف، وليس تقديره كواحد من هذين التقديرين في المساغ، ألا ترى أن المثبت في الكلام لا يرجع منه إلى المبتدأ شيء، وقد استقل الفعل بفاعله في {يَتَرَبَّصْنَ} وليس بهذه الجملة افتقار إلى ذلك الضمير الذي تقدره، لأن (يتربصن) مستقلة بالأزواج الظاهرة فلم يضمر عائدًا على المبتدأ، كما أضمر أبو الحسن وأبو العباس (¬4). وأما قول الفراء: إنه (¬5) اعتمد على الثاني ورفض الأول، فبعيد من الصواب جدًا، ومن فساده أنه ينكسر عليه قوله، وذلك أنه يقول؛ إن الأول مرتفع بالثاني، فإذا اعتمد على الثاني ورفض الأول لم يكن له برافع، وإذا لم يكن له برافع (¬6) وجب أن لا يرتفع، فارتفاعه وظهور الرفع فيه يدفع ذلك ¬

_ (¬1) في (م) (ليقدم)، وفي (ي) و (أ) غير منقوط. (¬2) في (أ) و (م) (فما). (¬3) من كلام أبي علي في الإغفال ص 526، بتصرف واختصار. (¬4) من كلام أبي علي في الإغفال ص 526 - 227، بتصرف كثير واختصار. (¬5) في (ي) (فإنه). (¬6) قوله: وإذا لم يكن له برافع ساقطة من (ي).

ويمنع منه. والمبتدأ (¬1) إنما يذكر ويلقى إلى المخاطب ليسند إليه حديث (¬2) يُفَاده (¬3) المخاطب، وإذا كان كذلك، علمت أن رفضه خلاف الغرض الذي يقصد به، وهذا في المعنى فاسد مرذول، وليس في كلامهم (له) نظير (¬4)، وما احتج به من البيت يجوز على حذف: أن يتندم لأجلي، لا على أنه ترك الأول (¬5). وقوله تعالى: {وَعَشْراً} بلفظ التأنيث، وأراد الأيام، وإنما كان كذلك تغليب الليالي على الأيام إذا (¬6) اجتمعن في التاريخ وغيره، وذلك أن ابتداء الشهر يكون بالليل، فلما كانت الليالي الأوائل غلبت، لأن الأوائل أقوى من الثواني (¬7). قال ابنُ السِّكِّيت: يقولون (¬8): صمنا خمسًا من الشهر، فيغلبون ¬

_ (¬1) في (ي): (فالمبتدأ). (¬2) في (ش): (حديثًا). (¬3) في الإغفال: (بإفادة). (¬4) من كلام أبي علي في "الإغفال" ص 528. (¬5) ينظر: في إعراب الآية: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 317 - 318، "تفسير الثعلبي" 2/ 1154، "التبيان" ص 140، "البحر المحيط" 2/ 222. وذكر قول سيبويه، وحاصله: أن (الذين) مبتدأ، والخبر محذوف تقديره: وفيما يتلى عليكم حكم الذين يتوفون منكم، ومثله: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ} [المائدة: 38]. (¬6) في (ي): (فإذا). (¬7) ينظر: "الكتاب" لسيبويه، "تفسير الثعلبي" 2/ 1159، "شرح الكافية الشافية" 3/ 1690 - 1692، "الأصول" لابن السراج 2/ 428 - 429، "همع الهوامع" 2/ 148. (¬8) في (ي): (يقول).

الليالي على الأيام، إذا لم يذكروا الأيام وإنما يقع الصيام على الأيام؛ لأن ليلة كل يوم قبله، فإذا أظهروا الأيام قالوا: صُمنا خمسة أيام (¬1). قال الزجاج: وإجماع أهل اللغة: سرنا خمسًا بين يوم وليلة (¬2)، وأنشدوا للجعدي: فَطَافَتْ ثَلاثًا بَيْن يَوْمٍ ولَيْلَةٍ ... وكان النَّكِيُر أن تُضيفَ وتَجْأَرا (¬3) وفيه وجه آخر لأصحاب المعاني: وهو أنه أنث العشر لأنه أراد الليالي، والعرب تذكر الليالي والمراد بها الأيام، كقولهم: خرجنا ليالي الفتنة، وخفنا ليالي إمارة الحجاج، وقال أبو عمرو بن العلاء: هربنا ليالي إمارة الحجاج. وإنما يُراد الأيام بلياليها، وهذا قريب من الأول (¬4). وكان المبرد يقول: إنما أنث العشر لأن المراد به المدة، معناه: وعشر مدد، وتلك المدد كل مدة منها يوم وليلة، والليلة مع اليوم مدة معلومة من الدهر (¬5). وذهب بعض الفقهاء إلى ظاهر الآية فقال: إذا انقضى لها أربعة أشهر ¬

_ (¬1) "لسان العرب" 2/ 1262 (مادة: خمس). (¬2) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 316. (¬3) البيت في ديوانه ص 41، و"الكتاب: لسيبويه" 3/ 563، "تفسير الثعلبي" 2/ 1160و"الكتاب: لسيبويه" 3/ 563، "لسان العرب" 2/ 1262 (مادة: خمس) والشاعر يصف بقرة فقدت ولدها. (¬4) ينظر: "البحر المحيط" 2/ 223 - 225. (¬5) نقله في "تفسير الثعلبي" 2/ 1160، "المحرر الوجيز" 2/ 300، "البحر المحيط" 2/ 223.

وعشُر ليال حلت للأزواج، فتأول العشر لليالي، وإليه ذهب الأوزاعي وأبو بكر الأصم (¬1). ومعنى الآية: بيان عدة المتوفى عنها زوجها، وأنها تعتد من حين وفاة الزوج أربعة أشهر وعشرًا (¬2)، إلا أن تكون حاملًا، فإن عدتها تنقضي بوضع الحمل، أو تكون أمة فإنها تعتد نصف عدة الحرة (¬3)، وسنذكر في سورة الحج (¬4) عند قوله: {فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ} [الحج: 5] الآية: لم اختصت عدة المتوفى عنها زوجها (¬5) بهذا العدد، إن شاء الله. وهذه الآية ناسخة (¬6) لقوله: {مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ} [البقرة: ¬

_ (¬1) نقله ابن عطية في: "المحرر الوجيز" 2/ 300 - 301، والقرطبي 3/ 186، وأبو حيان في "البحر المحيط" 2/ 223. (¬2) من: (ليال حلت). ساقط من (ش). (¬3) قال ابن العربي في "أحكام القرآن" 1/ 210: فإن كانت أمة فتعتد نصف عدة الحرة إجماعاً، إلا ما يحكى عن الأصم، وهذا الإجماع فيه نظر، فهذا ابن أبي شيبة في "مصنفه" 5/ 162 - 164 ينقل أن عدتها أربعة أشهر وعشرٌ عن علي وعمرو بن العاص وأبي عياض، وسعيد بن المسيب، والحسن وسعيد بن جبير والزهري وعمر بن عبد العزيز. وقد تعقب القرطبي في "تفسيره" 3/ 183 قول ابن العربي فقال: قول الأصم صحيح من حيث النظر، فإن الآيات الواردة في عدة الوفاة والطلاق بالأشهر والأقراء عامة في حق الأمة والحرة، فعدة الحرة والأمة سواء على هذا النظر، فإن العمومات لا فصل فيها بين الحرة والأمة، وكما استوت الأمة والحرة في النكاح فكذلك تستوي معها في العدة والله أعلم. (¬4) في (ي) (سورة الحجر). (¬5) في (ي) (الزوج). (¬6) سيأتي الحديث عن النسخ عند الآية الأخرى 240 من سورة البقرة.

235

240] وإن كانت هذه مكتوبة قبلها في المصحف، إذ ليس ترتيب المصحف على ترتيب النزول، بل ترتيب التلاوة والمصاحف ترتيب جبريل بأمر الله سبحانه وتعالى (¬1). وقوله تعالى: {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} يخاطب الأولياء (¬2)، لأن الرجال قوامون على النساء، مأمورون بزجرهن عن مجاوزة حدود الله، فبين أنهن إذا انقضت عدتهن لا جناح على الأولياء في تخلية سبيلهن، ليفعلن في أنفسهن بالمعروف ما يردن من تزوج الأكفاء بإذن الأولياء، وهذا تفسير المعروف (¬3)، لأن التي تزوج نفسها سماها النبي - صلى الله عليه وسلم - زانيةً (¬4). 235 - قوله تعالى: {وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ} الآية، التعريض في اللغة: ضدّ التصريح، ومعناه: تضمين الكلام دلالة على شيء ليس فيه ذكر له، وأصله: من عَرْضِ الشيء، وهو جانبه، كأنه يحوم به ولا يظهره (¬5)، وينشد على هذا قول الشماخ: ¬

_ (¬1) ينظر: "الإتقان" للسيوطي 1/ 175. (¬2) "تفسير الثعلبي" 2/ 1160، "تفسير البغوي" 1/ 281. (¬3) ينظر: "تفسير ابن كثير". (¬4) روى ابن ماجه برقم (1882) كتاب: النكاح باب: لا نكاح إلا بولي والدارقطني 3/ 227 والبيهقي 7/ 110 عن أبي هريرة مرفوعًا: لا تزوج المرأة المرأة، ولا تزوج المرأة نفسها، فإنه الزانية هي التي تزوج نفسها وقد صحح الألباني الحديث دون الجملة الأخيرة منه؛ فإنها موقوفة على أبي هريرة كما في البيهقي. ينظر "إرواء الغليل" 6/ 248. وروى الترمذي (1103) كتاب: النكاح، باب ما جاء لا نكاح إلا ببينة عن ابن عباس مرفوعا: البغايا اللاتي يُنكحن أنفسهن بغير بينة. ثم أورده موقوفًا وقال: هذا أصح. وأخرجه البيهقي في "السنن الكبرى" 7/ 125 وقال: والصواب موقوف والله أعلم. (¬5) "تهذيب اللغة" (عرض) 2398.

كما خَطّ عِبْرَانِيَّةً بيَمِينِه ... بتَيْمَاءَ حَبْرٌ ثم عَرَّضَ أسْطُرا (¬1) قالوا في تفسير عَرَّضَ، أي: لم يبيّن، بل حرفها (¬2)، ذهب (¬3) مرة كذا ولم يقوِّمْها، وذلك أشبه بالرسوم. قال ابن الأنباري حاكيًا عن بعضهم معنى التعريض في اللغة: اتصال الشيء من الكلام إلى المخاطب (¬4)، فإذا قيل: عرَّضَ به، معناه (¬5): أوصل إليه كلامًا فهم معناه ودَلَّ بالذي أسمعه عليه، من قول العرب: قد عرضت الرجل. إذا أهديت إليه أوصلت إليه التحفة (¬6). ومن ذلك حديثُ عائشة: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكرٍ لقيا الزُّبير في رَكْبٍ قد أقبلوا من الشام يريدون مكة، فَعَرَّضُوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكر ثيابًا بيضًا، أي (¬7): أهدوها إليهما (¬8). والتعريض أخفى من الكناية؛ لأن الكناية عدول عن الذكر الأخصِّ إلى ذكر يدل عليه، والتعريض دلالة على شيء ليس له فيه ذكر، كقولك: ما أقبح ¬

_ (¬1) البيت للشماخ في "ديوانه" ص 129، و"شرح القصائد السبع" لابن الأنباري ص 528، "تفسير الثعلبي" 2/ 1161. "لسان العرب" 2/ 749 [مادة: حبر]. وتيماء: بلدة معروفة في الساحل على الطريق بين المدينة وتبوك. ينظر "معجم البلدان" 2/ 67، والمعجم الجغرافي للبلاد السعودية "شمال المملكة" 1/ 271. (¬2) نص الأزهري "تهذيب اللغة" 3/ 2400: إذا لم يبين الحروف، ولم يقوّم الخطأ. (¬3) في (ي): (وذهب). (¬4) في (ي): (المخاطبين). (¬5) في (ي): (معنى). (¬6) ابن الأنباري (¬7) ساقطة من (ي). (¬8) الحديث ذكره في "النهاية" ص 606، وعنه ابن منظور في "اللسان" 5/ 2891.

البخل، تعرض (¬1) بأنه بخيل، والكناية كقولك: رأيته وضربته، من غير أن تذكر اسمه (¬2). وأما الخِطْبة فقال الفراء: الخِطْبة (¬3): مصدر، بمنزلة الخَطْب، وهو مثل قولك: إنه (¬4) لحَسَنُ القِعْدَةِ والجِلْسَة، تريد (¬5): القُعُودَ والجلوسَ (¬6). ومعى الخِطبة (¬7): التماس النكاح، يقال: خَطَب فلانٌ فلانة، أي: سألها خِطبةً إليها في نفسها، أي حاجَته وأمَره، من قولهم: ما خَطْبُك، أي: ما حاجتُك وأمرك (¬8). وقال بعضهم: أصلُ الخِطْبة: من الخطاب الذي هو الكلام، يقال: خَطَبَ المرأة خِطْبَةً؛ لأنه خاطِبٌ في عقد النكاح، وخَطَب خُطْبَة: خَاطب بالزجر والوعظ. والخَطْب: الأمر العظيم، لأنه محتاج فيه إلى خطاب كثير. قال الليث: يقال: هو يخطبُ المرأة ويختطبها خِطبَةً وخِطِّبَى (¬9)، ¬

_ (¬1) في (أ) يعرض أنه. (¬2) ينظر "تهذيب اللغة" 3/ 2395 - 2403 (عرض)، "والنهاية" ص604 - 607، "المفردات" ص 333، "اللسان" 5/ 2895 (عرض). (¬3) قوله: فقال الفراء: الخطبة. ساقطة من (أ) و (م). (¬4) في (ش) (وأنه). (¬5) في (أ) (يريد). (¬6) "معاني القرآن" 1/ 152. (¬7) ساقطة من (م). (¬8) ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 1165. (¬9) نقله عنه في "تهذيب اللغة" 1/ 1052 - 1053 مادة "خطب".

وخِطِّيْبَى مصدر كالخطبة، كذا قال أبو عبيد وغيره وأنشدوا: لخطِّيبى التي غَدَرَت وخَانَت ... وهُنّ ذَوَاتُ غائِلِةٍ (¬1) لُحِينَا (¬2) المعنى: لخِطبة زباء التي غدرت بجذيمة حين خطبها إلى نفسها (¬3). قال المفسرون: ومعنى التعريض بالخطبة: أن يقول لها وهي في العدة: إنك لجميلة، وإنك لصالحة، وإنك لنَافِقة، وإن من عَزْمي أن أتزوج، وإني فيك لراغب، وما أشبه هذا من الكلام (¬4). هذا في عدة المتوفى عنها، فأما الرجعية فلا يحل التعريض بخطبتها (¬5) في العدة؛ لأنها في معاني الأزواج، وأما المختلعة والمطلقة ثلاثًا فالصحيح أن التعريض بخطبتها جائز، كجوازه في عدة الوفاة (¬6). ¬

_ (¬1) في (ش) و (ي): (عائلة). (¬2) البيت لعدي بن زيد في ديوانه ص 182، "تهذيب اللغة" 1/ 1053، "لسان العرب" 2/ 1194 خطب. قال الأزهري: والمعنى: لِخْطَبة زباء وهي امرأة كانت مَلِكَةً خَطَبَها جذيمةَ الأبرش، فَغَرّرت به وأجابته، فلما دخل بلادها قَتَلَتْهُ. وقد خطأ الأزهري قول الليث: إن خطيبى في البيت اسم امرأة بل هو مصدر كالخِطبة. (¬3) ينظر في خطب "معاني القرآن" للأخفش 1/ 373، "تهذيب اللغة" 1/ 1053 (خطب)، "تفسير الثعلبي" 2/ 1165، "المفردات" ص 157، "اللسان" 2/ 1194 - 1195 (خطب)، قال في المفردات: وأصل الخِطبة. الحالة التي عليها الإنسان إذا خطب، نحو الجلسة والقِعدة، ويقال من الخُطبة: خاطب وخطيب، ومن الخِطبة: خاطب لا غير، والفعل منهما خطب. (¬4) كذا يروى عن القاسم ومجاهد وسعيد بن جبير وعبد الرحمن بن القاسم وآخرين، فيما ذكر عنهم الطبري في "تفسيره" بإسناده 2/ 517 - 520، وينظر صحيح البخاري (5124) كتاب: النكاح، باب: قول الله عز وجل {وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ}، "مصنف عبد الرزاق" 7/ 53، "مصنف ابن أبي شيبة" 4/ 257. (¬5) في (ش): (بخطبها). (¬6) ينظر: "تفسير القرطبي" 3/ 188، "التفسير الكبير" 6/ 140 - 141.

وقوله تعالى: {أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ} أي: أَسْرَرْتم وأضمرتم في أنفسكم من خطبتهن ونكاحهن. قال مجاهد (¬1) وابن زيد (¬2): هو (¬3) إسرار العزم على النكاح دون إظهاره. وقال السدي: هو أن يَدْخُل فَيُسَلِّم ويُهْدِي إن شاءَ ولا يتكلم بشيء (¬4). ومعنى الإكنان في اللغة: الإخفاء والستر. قال الفراء: للعرب في أكننت الشيء إذا سترته لغتان، كَنَنْتُهُ، وأَكْنَنْتُهُ وأنشدوني (¬5): ثَلاثٌ من ثَلاثٍ قُدَامِيَاتٍ ... مِنَ اللاتِي يَكُنُّ مِنَ الصَّقيعِ (¬6) وبعضهم [يرويه] (¬7) تُكِن من أكننت (¬8). ونحو هذا قال ابن الأعرابي وأبو زيد: قالوا: كننت الشيء وأكننته في الكِنِّ وفي النفس بمعنى. وفَرَّقَ قومٌ بينهما، فقالوا: كننتُ الشيء: إذا صُنته حتى لا تصيبَه آفةٌ، وإن لم يكن مستورًا، يقال: دُرٌّ مكنون، وجاريةٌ مكنونة، وبيضٌ مكنون: مَصُونٌ عن التَّدَحْرُج (¬9). ¬

_ (¬1) أخرجه الطبري 2/ 521. (¬2) المصدر السابق. (¬3) ساقط من (م) و (أ). (¬4) أخرجه الطبري 2/ 521، "ابن أبي حاتم" 2/ 439 (2329). (¬5) في (م) (أنشدني). (¬6) البيت بلا نسبة في "لسان العرب" 7/ 3942 [مادة: كنن]، "تهذيب اللغة" 4/ 3196، "تاج العروس" (مادة: كنن). وينظر "المعجم المفصل" 4/ 415. (¬7) في الأصل: طمس عليها، والكلام يقتفيها، وهي مذكورة في "معاني القرآن" الفراء. (¬8) "معاني القرآن" 1/ 152 - 153. (¬9) "اللسان" 7/ 3942 - 3943، وينظر "معاني القرآن" للزجاج 1/ 317.

وأما أكننت فمعناه: أضمرت (¬1)، ويستعمل ذلك في الشيء الذي (¬2) يُخْفِيهِ الإنسانُ وَيسْتُره (¬3) عن غيره (¬4)، وهو ضِدُّ أَعْلَنْتُ وأَظْهَرْت (¬5). وقوله تعالى: {عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ} يعني: الخطبة (¬6)، {وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا}. روى الكلبيُّ، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: السرُّ في هذا الموضع النكاح، وأنشد عنه بيت امرئ القيس: وأن لا يشْهَدَ السِّرَّ أمْثَالي (¬7) (¬8). وقال الشعبي (¬9) والسدي (¬10): لا يأخذ ميثاقها أن لا تنكح غيره، ¬

_ (¬1) "تفسير البغوي" 1/ 282، "زاد المسير" 1/ 276 - 277. (¬2) (الذي) ساقط من (ي،. وفي (ش) (إذا). (¬3) ساقطة من (ي). (¬4) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 317. (¬5) ينظر في (كنن) "معاني القرآن" للفراء 1/ 152 - 153، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 317، "تهذيب اللغة" "المفردات" ص 444، "اللسان" 7/ 3942 - 3943. (¬6) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" 4/ 360، والطبري في "تفسيره" 2/ 521، ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 439 عن الحسن. (¬7) ورد البيت هكذا: ألا زعمت بسباسة اليوم أنني ... كَبِرْتُ وألا يُحْسِنَ السِّرَّ أمثالي في "ديوانه" ص 28، وفيه: وألا يحسن اللهو. و"جمهرة أشعار العرب" 1/ 118،117، وفي "معاني القرآن" للفراء 1/ 153: وأن يشهد. ومعنى السر: النكاح. وبسباسة: امرأة من بني أسد. (¬8) كذا نقَل رواية الكلبي وبيت الشعر من "معاني القرآن" للفراء 1/ 153. (¬9) أخرجه الطبري في "تفسيره" 2/ 523، وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 3/ 439. (¬10) أخرجه الطبري في الموضع السابق.

وقال الحسن (¬1) وقتادة (¬2) والضحاك (¬3) والربيع (¬4) وعطية عن ابن عباس (¬5): السِرُّ: هو الزنى، وكان الرجل يدخُلُ على المرأة للريبة وهو يعرض بالنكاح، فيقول لها: دعيني فإذا وفيتِ عدتك أظهرت نكاحك، فنهى الله عز وجل عن ذلك، وقال: الخطبة في السر بمعنى الزنا (¬6). ويَحْرُمُ سِرُّ جَارَتهِمِ عَلَيْهِم ... ويَأكلُ جَارُهُم أَنْفَ القِصَاعِ (¬7) ونحو هذا قال عطاء عن ابن عباس في قوله: {وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا} قال: يريد الجماع، يقول لها: أنا راغب فيك، دعيني أجامعك حتى إذا وفيتِ عِدَّتَك أظْهَرْتُ نِكَاحَكِ (¬8). وقال الكلبي: معناه: لا تصفوا أنفسكم لهن بكثرة الجماع (¬9)، وعلى هذا القول السر: الجماع نفسه (¬10). ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري (5124) كتاب: النكاح، باب: ولا جناح عليكم فيما عرضم به خطبة النساء معلقًا عنه، ورواه موصولًا عبد الرزاق في "المصنف" 7/ 56، والطبري في "تفسيره" 2/ 522، وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 440. (¬2) أخرجه الطبري في "تفسيره" 2/ 522، وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 440. (¬3) أخرجه سعيد بن منصور في "تفسيره" 3/ 876، انظر المصدرين السابقين. (¬4) أخرجه الطبري في "تفسيره" 2/ 523. (¬5) المصدر السابق. (¬6) ينظر ما تقدم عند الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1166 - 1169، والبغوي في "تفسيره" 1/ 283. (¬7) البيت من الوافر، وهو للحطيئة في "ديوانه" ص 328، و"أمالي المرتضى" 1/ 175، ومعناه: يصفهم بالعفة والكرم، فهم يعفون عن سر الجارة، ويؤثرون ضيفهم بخير الطعام. وينظر "معاني القرآن" للزجاج 1/ 317. (¬8) تقدم الحديث عن هذه الرواية في القسم الدراسي من المقدمة. (¬9) نقله عنه الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1170، والبغوي في "تفسيره" 1/ 273. (¬10) ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 1171.

قال الفرزدق: مَوَانِع للأسْرَارِ (¬1) إلا من أَهْلِهَا ... ويخْلِفْنَ ما ظَنَّ الغَيْورُ المُشَفْشَفُ (¬2) الذي شفه الهم. يعنى: أنهن عفائف يمنعن الجماع إلا من أزواجهن. فحصل في السرِّ أربعة أقوال: النكاح، والجماع، والزنا، والسِرّ الذي تخفيه وتكتمه غيرك. وقوله تعالى: {إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا} يعنى: التعريض بالخطبة كما ذكرنا (¬3)، ويكون التقدير: قولًا معروفًا في هذا الموضع، وهو التعريض (¬4) غير التصريح؛ لأن التصريح مزجور عنه، فهو منكر (¬5) غير معروف. ويجوز أن يكون المعنى: قولًا معروفًا (¬6) منه الفحوى والمعنى دون التصريح. قوله تعالى: {وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ} قد ذكرنا معنى العزم عند قوله: {وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ}. ولم يقل: على عقدة النكاح ¬

_ (¬1) في (ش): (الأسرار). (¬2) البيت في "ديوانه" 2/ 24، "تفسير الثعلبي" 2/ 1171، "لسان العرب" 4/ 2292 مادة شفف. والمشفف: السخيف السيء الخلق، وقيل: الغيور، ويروي: المُشَفْشِف بالكسر عن ابن الأعرابي، وأراد: الذي شَفّت الغيرة فؤاده فأضمرته. (¬3) رواه الطبري في "تفسيره" 2/ 562 عن مجاهد، ينظر "تفسير الثعلبي" 2/ 1172، "تفسير البغوي" 1/ 283، "تفسير القرطبي" 3/ 192. (¬4) من قوله: (بالخطبة) ساقط من (ش) و (ي). (¬5) في (ي): (منكور). (¬6) في (ش): (معروفًا يعني منه).

اجتزاء بدلالة العزم، لأنه لا يكون إلا على معزوم عليه، كما تقول: ضرب زيدٌ الظهرَ والبطن، أي: عليهما. قال سيبويه: والحذف في هذه الأشياء لا يقاس، ويكون معنى الآية: ولا تعزموا على عقدة النكاح أن تعقدوها حتى يبلغ الكتاب أجله (¬1)؛ لأنه يجوز أن ينوي بقلبه ويعزم في مدة عدتها أن يتزوجها إذا انقضت المدة، فأما أن يعقد العقد قبل مضي المدة فلا. والمفسرون قالوا: معناه: لا تصححوا عقدة النكاح (¬2). وأصل العقد: الشدّ. والعهود (¬3) والأنكحة تسمى عقودًا؛ لأنها كَعَقْد الحبل في التوثيق. وقال عبد الرحمن بن زيد: هذه الآية نسخت ما قبلها، والخطبةُ (¬4) ومواعدهُ النكاح، وكلُّ شيء جائز إلا النكاح فقط (¬5). وقوله تعالى: {حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ} قيل: الكتاب: القرآن. والمعنى: حتى يبلغ فرض الكتاب أجله، يعنى: العدة المفروضة تنقضي. ويجوز أن يكون الكتاب نفسه في معنى الفرض، فيكون المعنى: حتى يبلغ الفرض كمال أجله، قال: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} [البقرة: 183] أي: فرض، وإنما جاز أن يقع (كتب) بمعنى فرض؛ لأن ما يكتب يقع في ¬

_ (¬1) كذا نقله من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 318، وينظر "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 319، و"تفسير الثعلبي" 2/ 1173، و"تفسير القرطبي" 3/ 192. (¬2) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 527، "تفسير الثعلبي" 2/ 1173، "البحر المحيط" 2/ 229. (¬3) في (م): (والعقود). (¬4) في (ي): (فالخكطبة). (¬5) أخرجه الطبري في "تفسيره" 2/ 527، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1172، ومكي في "الإيضاح" 185.

236

النفوس أنه أثبت (¬1). 236 - قوله تعالى: {لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ} الآية. نزلت في رجل من الأنصار، تزوَّجَ امرأةً من بني حنيفة، ولم يسمِّ لها مهرًا، ثم طلقها قبل أن يَمَسَّها، فأنزل اللهُ هذه الآيةَ، فلما نزلت قال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "مَتَّعْها ولو بقلنسوتك" (¬2). فإن قيل: ما معنى نفيِ الجناح عن المطلَّق قبل المسيس، ولا جناح على المُطَلِّقِ بعده؟ قيل: ظاهر الآية رفع الحرج عن المطلق قبل المسيس وقبل الفرض، فيحتمل أن يكون معناه: لا سبيل للنساء عليكم إذا طلقتموهن قبل المسيس والفرض بصداق ولا نفقة. ويحتمل أن يكون معناه: إباحة الطلاق له أي وقت شاء، بخلاف ما لو طلق بعد المسيس فإنه يجب أن يطلق للعدة (¬3). ¬

_ (¬1) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 318، "تفسير الثعلبي" 2/ 1173. (¬2) ذكره مقاتل في "تفسيره" 1/ 200، والثعلبي في "تفسيره" 2/ 1174، والبغوي في "تفسيره" 1/ 283، وابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 279، والقرطبي في "تفسيره" 3/ 202، وأبو حيان في "البحر" 2/ 230، وقد ذكره الزيلعي في تخريج أحاديث "الكشاف" 1/ 151، وبيض له، وقال الحافظ كما في "الكشاف" 1/ 285: لم أجده، وقال الولي العراقي كما في "الفتح السماوي" 1/ 293: لم أقف عليه، وعزاه الحافظ في "العجاب" 1/ 596 إلى مجاهد ولم يذكر من خرجه. وقد روى البيهقي 7/ 257، والخطيب في "تاريخ بغداد" 3/ 72 من حديث جابر - رضي الله عنه - قال: لما طلق حفص بن المغيرة امرأته، قال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "متعها ولو بصاع"، وليس فيه ذكر لسبب نزول الآية. وينظر تحقيق "تفسير الثعلبي" للمنيع 2/ 1174. (¬3) "تفسير الثعلبي" 2/ 1175 - 1179، وينظر "تفسير الطبري" 2/ 538 - 539، و"تفسير البغوي" 1/ 284، و"البحر المحيط" 2/ 232.

وقال أبو إسحاق: أعلم الله عز وجل في هذه الآية أن عقد التزويج بغير مهر جائز، وأنه لا إثم على من طَلَّقَ من تزوج بها بغير مهرٍ (¬1)، كما أنه لا إثم على من طلق من تزوج بها بمهر (¬2) (¬3). وقال صاحب النظم: ما في قوله: {لَمْ تَمَسُّوهُنَّ} بمعنى الذي على النعت للنساء والترجمة والبيان عنهن، على نظم: إن طلقتم النساء اللاتي لم تمسوهن. و (ما) اسم جامد لا يتصرف، ولا يتبين فيه الإعراب ولا العدد (¬4). واختلف القراء في قوله: {تَمَسُّوهُنَّ} فقرأ حمزة والكسائي من المفاعلة، والباقون من الثلاثي (¬5)، لإجماعهم على قوله: {وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ} [آل عمران: 47] ولأن أكثر الألفاظ في هذا المعنى جاء على فَعَلَ دون فاعل، كقوله {لَمْ يَطْمِثْهُنَّ} [الرحمن: 56] كقوله: {فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ} [النساء: 25] (¬6). والنكاح عبارة عن الوطء وإن كان قد وقع على العقد (¬7). فأما ما جاء في الظهار من قوله: {مِّنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا} [المجادلة: 3]، فإنه أراد المماسة التي هي عين (¬8) الجماع، وهي حرام في الظهار (¬9). ¬

_ (¬1) من قوله. (على من) ساقطة من (ي). (¬2) من قوله: (كما أن) ساقطة من (ش). (¬3) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 318. (¬4) ينظر: "مغني اللبيب" لابن هشام 1/ 296 وما بعدها. (¬5) ينظر: "السبعة" ص 183 - 184، "الحجة" 2/ 336، "النشر" 2/ 228. (¬6) نقله عن أبي علي الفارسي في "الحجة" 2/ 336. (¬7) "الحجة" 2/ 337. (¬8) في (ش) و (م) (غير). (¬9) "الحجة" 2/ 337 - 338.

ومن قرأ: (تماسوهن) فلأن فَاعَل قد يراد به ما يراد بـ فعل، نحو: طارقتُ النعلَ، وعاقبت اللصَّ، وهو كثير (¬1). وقوله تعالى: {أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً}. أي. توجبوا لهن صداقًا (¬2). ومضى الكلام في معنى الفرض عند قوله: {فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ} [البقرة: 197]. واختلفوا في تقديره، فقال قوم: (أو) هاهنا عطف على محذوف قبله، والتقدير: ما لم تمسوهن ممن فرضتم لهن أو لم تفرضوا لهن، لأن كل منكوحة إنما هي إحدى ثنتين: مفروض لها الصداق، وغير مفروض لها. وقال قوم: أو هاهنا بمعنى الواو، يريد: ما لم تمسوهن و (¬3) لم تفرضوا لهن فريضة، كقوله: {يَزِيدُونَ} [الصافات: 147] (¬4). وقوله تعالى: {وَمَتِّعُوهُنَّ} أي: زودوهن وأعطوهن من مالكم (¬5) ما يتمتعن به (¬6) ومضى الكلام في معنى المتعة والتمتع. فأما من يستحق المتعة: فالمرأة إذا طلقت قبل تسمية المهر وقبل المسيس، فإنها تستحق المتعة بالإجماع من العلماء، ولا مهر، وإنما تستحق المتعة في مقابلة ما حصل (¬7) من العقد عليها (¬8). وإن طلقها بعد ¬

_ (¬1) "الحجة" 2/ 338. (¬2) "تفسير الثعلبي" 2/ 1175، و"تفسير البغوي" 1/ 284. (¬3) في (ي) (أوتفرضوا). (¬4) ينظر: "البحر المحيط" 2/ 231. (¬5) في (ي) (وأعطوهن ما لكم). (¬6) "تفسير الثعلبي" 2/ 1179، و"تفسير البغوي" 1/ 284. (¬7) في (ي) (حصلت). (¬8) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 536، "تفسير الثعلبي" 2/ 1182، "تفسير القرطبي" 3/ 200.

الدخول وقبل الفرض، فلها (¬1) مهر مثلها والمتعة أيضًا (¬2). وإن لم يدخلْ بها ولم يَفْرِضْ لها حتى مات ففيها قولان: أحدهما: لها مهر مثلها والميراث، وهو مذهب أهل العراق (¬3)، لحديث بِرْوع بنت واشَقْ الأشْجَعِية (¬4) حين توفي عنها زوجها، ولم يفرض لها، ولا دخل بها، فقضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمهر نسائها، لا وَكْسَ ولا شطط، وعليها العِدّة، ولها الميراث (¬5). والقول الثاني: وهو الصحيح: أن لها الميراث، وعليها العدة، ولا مهر لها، ولها المتعة، كما لو طَلَّقها قبل الدخول والتسمية، وهو قول علي (¬6) -رضى الله عنه- وكان علي يقول في حديث بِرْوع: لا يقبلُ قولُ ¬

_ (¬1) في (ش): (فلما). (¬2) وقع الخلاف في حكم المتعة، وقد ذكره المؤلف عند الآية رقم (241) فلينظر. (¬3) ينظر "اختلاف العلماء" للمروزي ص 142، "مختصر الطحاوي" ص 184، "المبسوط" 5/ 62، " المغني" 10/ 49. (¬4) بروع بنت واشق الرؤاسية الكلابية، وقيل: الأشجعية، زوج هلال بن مرة، صحابية اشتهرت بقصتها هذه. ينظر "الاستيعاب" 4/ 357، "أسد الغابة" 5/ 408. (¬5) الحديث رواه أبو داود (2115) كتاب: النكاح، باب: فيمن تزوج ولم يسم صداقا، والنسائي 6/ 121 كتاب: النكاح، باب: إباحة التزوج بغير طلاق، والترمذي (1145) كتاب: النكاح، باب: ما جاء في الرجل يتزوج المرأة فيموت عنها قبل أن يفرض لها، وصححه، وابن ماجه (1891) كتاب: النكاح، باب: الرجل يتزوج ولا يفرض لها فيموت على ذلك، وأحمد 3/ 480، والحاكم 2/ 196، وقال: صحيح على شرط مسلم، عن معقل بن سنان الأشجعي، وقال الحافظ في "تلخيص الحبير" 3/ 191: وصححه ابن مهدي والترمذي وقال ابن حزم: لا مغمز فيه لصحة إسناده. (¬6) رواه عبد الرزاق في "مصنفه" 6/ 293، وسعيد بن منصور في "سنه" 1/ 265، وابن أبي شيبة في "المصنف" 4/ 301، والبيهقي 7/ 247.

أَعْرَابيٍ بَوَّالٍ على عقبيه على كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - (¬1). وقوله تعالى: {عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ} المُوْسِع: الغني الذي يكون في سَعَة من غناه، يقال: أوسعَ الرجل: إذا كَثُرَ مالُه واتَّسَعت حالُه، ويقال: أوسعه كذا، أي: وسعه عليه، ومنه قوله تعالى: {وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} [الذاريات: 47] (¬2). وقوله تعالى: {قَدَرُهُ} أي: قَدْرَ إمكانه وطاقته، فحذف المضاف. والمقتر: الذي في ضيق من فقره وهو المقل الفقير. وأقتر الرجل إذا افتقر. وقرئ (قدْرُه) بالإسكان والتحريك (¬3)، وهما لغتان في جميع معاني القدر. يقال: قدر القوم أمرَهم يَقْدِرونه قَدْرًا، وهذا قَدْرُ هذا، واحمل على رأسك قَدْرَ ما تطيق، وقَدْرَ الله الرزق يَقْدِره ويَقْدُره قَدْرًا، وقَدَرْتُ الشيء بالشيء أقدِرُه قَدْرًا، وقَدَرْتُ على الأمر أقدِرُ عليه قُدْرَةً وقُدُورًا وقَدَارةً. كل هذا يجوز فيه التسكين والتحريك، يقال: هذا قدَرُ هذا، واحمل قَدَرَ ما تطيق، وهم يختصمون في القدْرِ والقَدَر، وقدرتُ عليه الثوب قدرًا، وخذ منه بقدرِ كذا وَبِقَدَر كذا، قال الله تعالى: {فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا} [الرعد: 17] وقال: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} [الأنعام: 91] ولو حُرِّك كان جائزًا. وكذلك: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [القمر: 49]، ولو خُفِّفَ جَاز، إلا أَنَّه ¬

_ (¬1) رواه سعيد بن منصور في "سننه" 1/ 268، والبيهقي 7/ 247، قال المنذري كما في "الجوهر النقي" 7/ 247: لم يصح هذا الأثر عن علي. (¬2) ينظر في وسع: "تهذيب اللغة" 4/ 3889، "المفردات" ص 538، "اللسان" 8/ 4835. (¬3) قدْرُه: بإسكان الدال، قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم: قدَرُه، بتحريكين. ينظر "السبعة" لابن مجاهد ص 184.

لِوفَاق رؤوس الآي يُحَرَّك (¬1). وقال الفرزدق: وما صَبَّ رِجْلي (¬2) في حديدِ (¬3) مُجَاشِعٍ ... مع القَدْرِ إلا حاجةً لي أُرِيدُها (¬4) والمتعة غير مقدرة (¬5) كما ذكر الله تعالى، فقال: {عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ} قال ابن عباس (¬6) والشعبي (¬7) والزهري (¬8) والربيع (¬9): أعلاها: خادم، وأوسطها: ثلاثة أثواب: درع وخمار وإزار، ودون ذلك: وِقَاية (¬10) أو شيءٌ من الوَرِق. وهذا مذهب الشافعي رحمه الله، قال: أعلاها على الموسع (¬11) ¬

_ (¬1) هذا كله كلام أبي علي الفارسي في "الحجة" 2/ 338 - 339. (¬2) في (ش): (رحلي). (¬3) في (ي): (حديث). (¬4) البيت للفرزدق في "ديوانه" 1/ 215 وفي "إصلاح المنطق" لابن السكيت ص 99، "تفسير الطبري" 2/ 538 "تفسير الثعلبي" 2/ 1181، "لسان العرب" 4/ 2387 (مادة: صبب). (¬5) قال الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1189: والصحيح أن الواجب من ذلك على قدر عسر الرجل ويسره. (¬6) أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" 5/ 156، والطبري في "تفسيره" 2/ 530، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 442 - 443. (¬7) أخرجه سعيد بن منصور في "تفسيره" 2/ 27، والطبري في "تفسيره" 2/ 530، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 443. (¬8) أخرجه عبد الرزاق في "المصنف" 7/ 27، وابن أبي شيبة في "المصنف" 5/ 157، والطبري 2/ 531. (¬9) أخرجه الطبري في "تفسيره" 2/ 530. (¬10) الوقاية: مثلثة الواو: كل ما وقيت به شيئًا، والوِقاية التي للنساء. ينظر "لسان العرب" 8/ 4901 - 4904 (مادة: وقى). (¬11) في (ي) (الموضع).

237

خادم، وأوسطها: ثوب، وأقلها: أقل مَالَه ثمن، قال: وحسن ثلاثون درهمًا (¬1). وعند أبي حنيفة رحمه الله: مبلغها إذا اختلف الزوج والمرأة فيها قدر نصف مهر مثلها (¬2). وقوله تعالى: {مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ} انتصب على: متعوهن متاعًا، وإن شئت على الخروج من القدر، لأنه معرفة وهذا نكرة (¬3). وقوله تعالى: {بِالْمَعْرُوفِ} أي: بما يعرفون القصد وقدر الإمكان (¬4). وقوله تعالى: {حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ} منصوب على: حقَّ ذلك عليهم حقًا، يقال: حققت عليه القضاء وأحققت: أي أوجبت (¬5). 237 - قوله تعالى: {وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ} الآية. هذا في المطلقة بعد التسمية وقبل الدخول، حكم الله تعالى لها بنصف المهر ولا عِدَّة عليها (¬6)، وإن مات عنها قبل الدخول فلها المهر كاملًا والميراث، ¬

_ (¬1) ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 1187، "تكملة المجموع" 16/ 391، "تخليص الحبير" 3/ 164. (¬2) "أحكام القرآن" للجصاص 1/ 433، "تفسير الثعلبي" 2/ 1189. (¬3) من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 319، وعبارته: يجوز أن يكون منصوبا على الخروج من قوله: (ومتعوهن ... متاعًا) أي: ممتعًا متاعًا. وينظر "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 319. وقال الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1181: ويجوز أن يكون نصبًا على القطع، لأن المتاع نكرة والقدر معرفة. (¬4) من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 319. (¬5) من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 319، وينظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 154 - 155، و"التبيان" ص 142. (¬6) تنظر الآثار في ذلك في "تفسير الطبري" 2/ 540، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 4.

وعليها العدة بلا خلاف (¬1). والآية دلالة ظاهرة على أبي حنيفة حيث أوجب كمال الصداق (¬2) بالخلوة (¬3). قال شريح: لم أسمع الله تعالى ذكر في كتابه بابًا ولا سترًا، إذا زعم أنه لم يمسها فلها نصف الصداق (¬4). وهو مذهب ابن عباس، قال: إذا خلا بها (¬5) ولم يَمَسَّها فلها نصف المهر، لقوله تعالى: {وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ} الآية (¬6). وقال ابن مسعود: لها نصف المهر وإن قعد بين رجليها (¬7). فأما ما ذكر عن زرارة ابن أبي أوفى (¬8) أنه قال: قضى الخلفاء الراشدون أن الرجل إذا أغلق بابًا وأرخى سترًا وجب المهر (¬9). فإنهم أرادوا ¬

_ (¬1) "تفسير الثعلبي" 2/ 1193، "تفسير البغوي" 1/ 286. (¬2) في (ي) (الطلاق). (¬3) ينظر: "اختلاف العلماء" للمروزي ص 157، "الإشراف" 3/ 48، "تحفة الفقهاء" للسمرقندي 2/ 193. (¬4) رواه سعيد بن منصور في "سننه" 1/ 234، ووكيع في "أخبار القضاة" 2/ 254، وذكره الثعلبي في "سننه" 2/ 1194، والقرطبي 3/ 205. (¬5) في (أ) و (م) (خلاها). (¬6) رواه الشافعي في "الأم" 5/ 230، وعبد الرزاق في "المصنف" 6/ 290، وسعيد بن منصور في "سننه" 1/ 236، قال ابن المنذر في "الإشراف" 3/ 49: فأما حديث ابن عباس فإنما رواه ليث بن أبي سليم، وليث يضعف. (¬7) ذكره البغوي في "تفسيره" 1/ 286، وذكر القرطبي في "تفسيره" 3/ 205 عن ابن مسعود قال: قضى الخلفاء الراشدون فيمن أغلق بابًا أو أرخى سترًا أن لها الميراث وعلها العدة، وروي مرفوعا خرجه الدارقطني. (¬8) في (أ) و (ي) و (م): (ابن أوفى). (¬9) رواه عبد الرزاق في "المصنف" 6/ 288، وسعيد بن منصور في "سننه" 1/ 234،=

أَنَّ لها المطالبةَ بجميع المَهْر والنكاحُ قائمٌ إذا مَكّنت من نفسها، ولم يريدوا إذا طَلَّقها، أو لعلهم قالوا ذلك على استعمال مكارم الأخلاق، فإنَّ من الكرم أن يوفي مَهْرَها إذا خلا بها وإن لم يطأها. وقوله تعالى: {فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ} أي: فَعَلَيكم نصفُ ما فَرَضْتُم، أو فالواجب ذاك (¬1). والنصف: الجزء من اثنين على المساواة، وكل شيء بَلَغَ نِصْفَ غيره فقد نَصَفَه، يقال: نصفَ النهارُ ينصُفُ، ونَصَفَ الماءُ القَدَحَ، ونصفَ الساقَ إزاري، ونصفَ الغلامُ القرآنَ، ويجوز في جميع ذلك: أنصف النهار، وأنصف الغلام القرآن (¬2)، ويجوز في جميع ذلك: أنصف، حكاه الفراء، يقال: أنصف النهار، وأنصف الغلام القرآن (¬3) وَنَصَّفَ (¬4). قال ابن ميادة: تَرَى سَيْفَه لا ينصُفُ الساقَ نعلُه ... أجَلْ لا وإن كانت طِوالا حَمَائِلُه (¬5) ¬

_ = وابن أبي شيبة في "المصنف" 4/ 235، والبيهقي 7/ 255 وقال: هذا مرسل، زرارة لم يدركهم، وقد رويناه عن عمر وعلي موصولا، وقد روى مالك في "الموطأ" 2/ 528، وعبد الرزاق في "المصنف" 6/ 285، وسعيد بن منصور في "سننه" 1/ 233، وابن أبي شية في "المصنف" 4/ 234 من طرق عن عمر وعلي بنحوه. (¬1) "تفسير القرطبي" 3/ 204. (¬2) من قوله: (ويجوز في جميع ذلك). ساقط من (ي). (¬3) من قوله: (ويجوز في جميع ذلك): أنصف النهار. ساقط من (ش). (¬4) ينظر في (نصف) "تهذيب اللغة" 4/ 3586 - 3587، "المفردات" ص497، "لسان العرب" 9/ 330 - 332. (¬5) وفي رواية: إلى ملك لا تنصف الساق نعلُه ... أجل لا وإن كانت طوالا محامله ونسب لابن ميادة في "ديوانه" ص293، وفي "تهذيب اللغة" 4/ 3587 وروايته:=

وقوله تعالى: {إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ} يعنى: النساء، ولذلك لم تسقط (¬1) النون مع أن؛ لأن جماعة المؤنث في الفعل المضارع يستوي في الرفع والنصب والجزم، والنون في الدلالة على جمع المؤنث كالواو في الدلالة على جمع المذكر، وكما (¬2) لا يسقط واو يفعلون في الإعراب كله رفعه ونصبه وجزمه لم يسقط نون يفعلن (¬3). وقال الفراء: (لو) (¬4) أسقطوها لأشبه فعل الواحد المذكر، ألا ترى أنك لو أسقطت النون من يقمن لالتبس بفعل الواحد المذكر (¬5). ومعنى {إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ} إلا أن يترك النساء ذلك النصف فلا يطالبن الأزواج به، إذا كُنَّ بالغاتٍ رشيداتٍ، فيسقطُ عن الرجل أو بعضه، فيسقط ذلك القدر (¬6). وقوله تعالى: {أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ} اختلفوا في الذي بيده عقدة النكاح. فقال ابن عباس (¬7)، في رواية العوفى: هو ولي المرأة. وهذا قول ¬

_ = محاملهُ، وفي "اللسان" 8/ 4443 (نصف). نسب البيت الثاني لذي الرمة في "ديوانه" ص 1266. (¬1) في (أ) و (م): (يسقط). (¬2) في (م): (مما). (¬3) ينظر "معاني القرآن" للفراء 1/ 155 بنحوه، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 319، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 320، "تفسير الثعلبي" 2/ 1197، "التبيان" ص 142. (¬4) ساقطة من (ي). (¬5) "معاني القرآن" للفراء 1/ 155 بنحوه. (¬6) ذكره القرطبي في "تفسيره" 3/ 205 - 206. (¬7) أخرجه الطبري في "تفسيره" 2/ 544.

علقمة (¬1) وأصحاب عبد الله (¬2)، وإبراهيم (¬3) وعطاء (¬4) والحسن (¬5) والزهري (¬6) والسدي (¬7). وقال عكرمة: أذن الله تعالى في العفو، وأي (¬8) امرأة عَفَتْ جاز عفوها، فإن شَحَّت عفا وليها وجاز عفوه (¬9). وهذا مذهب أهل الحجاز، إلا أنهم قالوا: يجوز عفو ولي البكر، فإذا كانت ثيبا فلا يجوز عفوه عليها (¬10). وقال ابن عباس، في رواية عمار ابن أبي عمار (¬11): ¬

_ (¬1) أخرجه عبد الرزاق في "المصنف" 9/ 284، والطبري في "تفسيره" 2/ 543، وابن أبي شيبة في "المصنف" 4/ 282، وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 445. (¬2) "تفسير الطبري" 2/ 543. (¬3) أخرجه سعيد بن منصور في "تفسيره" 3/ 886، والطبري في "تفسيره" 2/ 544، 545، وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 445. (¬4) أخرجه عبد الرزاق في "المصنف" 6/ 283، وابن أبي شيبة في "المصنف" 4/ 282، والطبري في "تفسيره" 2/ 544، وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 445. (¬5) أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 96، والطبري في "تفسيره" 2/ 544، وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 445. (¬6) انظر المصادر السابقة. (¬7) أخرجه الطبري في "تفسيره" 2/ 544، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1199. (¬8) في (ش) و (ي) (فأي). (¬9) أخرجه سعيد بن منصور في "تفسيره" 3/ 888، والطبري في "تفسيره" 2/ 545، وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 444. (¬10) ينظر: "الموطأ" 2/ 528، و"الكافي" لابن عبد البر 2/ 559، "الإشراف" 3/ 48. (¬11) هو: عمار بن أبي عمار مولى بني هاشم أبو عمر، ويقال: أبو عبد الله، قال ابن حجر: صدوق ربما أخطأ، توفي بعد سنة 120هـ. ينظر "الجرح والتعديل" 6/ 389، "التقريب" ص408 (4829).

إنه الزوج (¬1). وهو قول عليٍّ (¬2)، وسعيد بن المسيب (¬3)، والشعبي (¬4)، ومجاهد (¬5)، والقرظي (¬6)، والربيع (¬7) وقتادة (¬8) ومقاتل (¬9) والضحاك (¬10). وهو الصحيح الذي عليه عامة الفقهاء اليوم (¬11). ومعنى عفو الزوج: أن يعطيها الصداق كاملًا، ولما ذكر الله تعالى عفو المرأة عن النصف الواجب ذكر عفو الزوج عن النصف الساقط، فيحسن لها أن تعفو ولا تطالب بشيء، وللرجل أن يعفو ويوفي المهر كاملاً. ¬

_ (¬1) أخرجه ابن أبى شيبة في "المصنف" 4/ 281، والطبري في "تفسيره" 2/ 546، وذكره ابن أبى حاتم في "تفسيره" 2/ 445. (¬2) أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" 4/ 281، والطبري في "تفسيره" 2/ 545، ابن أبى حاتم في "تفسيره" 2/ 445. (¬3) أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 96، والطبري في "تفسيره" 2/ 547، وذكره ابن أبى حاتم في "تفسيره" 2/ 445. (¬4) أخرجه الطبري في "تفسيره" 2/ 547، 548، وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 445. (¬5) أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 96، والطبري 2/ 547 - 548، وذكره ابن أبي حاتم 2/ 445. (¬6) أخرجه ابن أبى شيبة 4/ 280، والطبري في "تفسيره" 2/ 548، وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 445. (¬7) أخرجه الطبري في "تفسيره" 2/ 548، وذكره ابن أبى حاتم في "تفسيره" 2/ 445. (¬8) ذكره ابن أبى حاتم في "تفسيره" 2/ 445، والجصاص في "أحكام القرآن" 1/ 439. (¬9) هو مقاتل بن حيان، ذكره ابن أبى حاتم في "تفسيره" 2/ 445، والثعلبي في "تفسيره" 2/ 1202. (¬10) أخرجه ابن أبى شيبة في "المصنف" 4/ 281، والطبري في "تفسيره" 2/ 548 - 549، وذكره ابن أبى حاتم في "تفسيره" 2/ 549. (¬11) كذا ذكره الطبري في "تفسيره" 2/ 549.

روي أن جُبير بن مطعم تزوج امرأة ثم طلقها قبل البناء فأكمل لها الصداق، وقال: أنا أحقُّ بالعفو، وتأوَّل قوله: {أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ} (¬1) ولأنَ المهرَ حقُّ المرأة فليس لغيرها إسقاطه، كما أنه ليس للولي أن يهب من مالها شيئًا، كذلك المهر مال لها (¬2). وقوله تعالى: {وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} هذا خطاب للرجال والنساء جميعًا، إلا أن الغلبة (¬3) للذكور إذا اجتمعوا مع الإناث، فلذلك غلب التذكير لسبق الأسماء المذكرة (¬4) وزيادة التأنيث على ما بينَّا، تقول: قائم، ثم تريد (¬5) التأنيث فتقول: قائمة، والمزيد (¬6) عليه هو الأصل المغلب (¬7). وموضع (أنْ) رفع بالابتداء، تقديره: والعفوُ أقربُ للتقوى (¬8)، واللام بمعنى إلى (¬9). والمعنى: وعفوُ بعضِكم عن بعضٍ أقربُ (¬10) إلى اتِّقاءِ ¬

_ (¬1) رواه عبد الرزاق في "المصنف" 6/ 284، وابن أبي شيبة في "المصنف" 4/ 280، والطبري في "تفسيره" 2/ 546. (¬2) ينظر في الاستدلال لهذا القول: "تفسير الطبري" 2/ 549، "أحكام القرآن" للجصاص 1/ 440، "تفسير الثعلبي" 2/ 1203 - 1207، "تفسير البغوي" 1/ 287. (¬3) في (أ) (الغلبة). (¬4) في (ي) و (ش) (المذكورة). (¬5) في (ش) (يريد). (¬6) في (ي) و (ش) (فالمزيد). (¬7) ذكره الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 319 - 320، والثعلبي في "تفسيره" 2/ 1212، والبغوي في "تفسيره" 1/ 287. (¬8) "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 320، "تفسير الثعلبي" 2/ 1211، "التبيان" ص143، "تفسير القرطبي" 3/ 208، "المسير الكبير" 6/ 144. (¬9) قال السمين في "الدر المصون" 2/ 496: وهذا مذهب الكوفيين، أعني: التجوز في الحروف، ومعنى اللام وإلى في هذا الموضع يتقارب. وينظر "التبيان" ص 143. (¬10) في (ي) (أقرب للتقوى).

238

ظلمِ كُلِّ واحد صاحبه ما يجب من حقه (¬1). وقيل: معناه: أدعى إلى اتقاء معاصي الله؛ لأن هذا العفو ندب، فإذا انتدب إليه علم أنه لما كان فرضًا كان أشد استعمالًا (¬2). وقوله تعالى: {وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ} قال ابن عباس: لا تتركوا أن يتفضل بعضكم على بعض، وهذا حث من الله للزوج والمرأة على الفضل والإحسان، وأمر لهما جميعًا أن يستبقا إلى العفو (¬3). 238 - قوله تعالى: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى} الآية. الوسطى: تأنيثُ الأوسط، يقال: وَسَطَ فلانٌ الجماعة يَسِطُهم: إذا صار في وَسْطِهم، وهذا أوسطُ من ذاك على المبالغة، والأوسطُ: اسمٌ للوسط، قال الله تعالى: {قَالَ أَوْسَطُهُمْ} [القلم: 28] (¬4). واختلفوا في الصلاة الوسطى، فقال معاذ (¬5) وعمر (¬6) وابن عباس (¬7) ¬

_ (¬1) "التفسير الكبير" 6/ 144 - 145. (¬2) "تفسير الثعلبي" 2/ 1212، "التفسير الكبير" 6/ 145. (¬3) ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 1213، "تفسير البغوي" 1/ 287. (¬4) ينظر: "تهذيب اللغة" 4/ 3888 - 3889، "المفردات" ص 537 - 538. "اللسان" 8/ 4831 - 4834 (مادة: وسط). (¬5) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1216، والدمياطي في "كشف المغطى في تبين الصلاة الوسطى" ص123، والبغوي في "تفسيره" 1/ 287. (¬6) انظر المصادر السابقة. (¬7) أخرجه مالك في "الموطأ" 1/ 139 بلاغا، وسعيد بن منصور في "تفسيره" 3/ 915، والطبري في "تفسيره" 2/ 564 - 565، وذكره ابن أبي حاتم 2/ 448، وقد روى سعيد بن منصور في السنن 3/ 917، وابن أبي شيبة في "المصنف" 2/ 504، والطبري 2/ 577 عن ابن عباس: أنها العصر.

وابن عمر (¬1) (¬2) وجابر (¬3) وعطاء (¬4) وعكرمة (¬5) والربيع (¬6) ومجاهد (¬7): إنها صلاة الفجر. وهو اختيار الشافعي (¬8) رحمه الله. روى عكرمة عن ابن عباس قال: هي صلاة الصبح، وسطت فكانت بين الليل والنهار، تُصَلى في سواد من الليل وبياض من النهار، وهي أكثر الصلاة تفوت الناس (¬9)؛ ولأنها بين صلاتي ليل وصلاتي نهار (¬10). وقال زيد بن ثابت (¬11)، وأبو سعيد الخدري (¬12)، وأسامة بن ¬

_ (¬1) سقطت من (ي). (¬2) رواه سعيد بن منصور في "سننه" 3/ 910، وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 448، والثعلبي في "تفسيره" 2/ 1217، والبغوي في "تفسيره" 1/ 287، وروى الطحاوي في "شرح معاني الآثار" 1/ 170 عن ابن عمر: أنها العصر. (¬3) رواه الطبري في "تفسيره" 2/ 565، وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 448، والبغوي في "تفسيره" 1/ 287. (¬4) أخرجه عبد الرزاق في "المصنف" 1/ 179، والطبري 2/ 566، وذكره ابن أبي حاتم 2/ 448. (¬5) أخرجه سعيد بن منصور في "تفسيره" 3/ 912، والطبري في "تفسيره" 2/ 566، وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 448. (¬6) أخرجه الطبري في "تفسيره" 2/ 566، وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 448. (¬7) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" 2/ 505، وانظر المصدرين السابقين. (¬8) "أحكام القرآن" للشافعي ص 71، "السنن الكبرى" للبيهقي 1/ 461. (¬9) رواه الطحاوي في "شرح معاني الآثار" 1/ 171، وعزاه ابن عبد البر في "التمهيد" 4/ 284 إلى إسماعيل القاضي، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1221. (¬10) "تفسير الثعلبي" 2/ 1221. (¬11) أخرجه مالك في "الموطأ" 1/ 139، وعبد الرزاق في "المصنف" 1/ 577، والطبري 2/ 561. (¬12) أخرجه الطبري في "تفسيره" 2/ 561، والبيهقي 1/ 458.

زيد (¬1) وعائشة (¬2): إنها الظهر؛ لأنها وسط النهار. ومن خصائصها: أنها أول صلاة فرضت (¬3). وقال علي (¬4) وعبد الله (¬5) وأبو هريرة (¬6) والنَّخَعي (¬7) وقتادة (¬8) والحسن (¬9) والضحاك (¬10) والكلبي (¬11) ومقاتل (¬12): أنها العصر، وهو اختيار أبي حنيفة (¬13) رحمه الله. ¬

_ (¬1) أخرجه النسائي في السنن الكبرى 1/ 153، والطبري في "تفسيره" 2/ 562، وابن أبي حاتم 2/ 448. (¬2) رواه عبد الرزاق في "المصنف" 1/ 577، وذكره الترمذي 1/ 342 كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في صلاة الوسطى ... ، وروى ابن أبي شيبة في "المصنف" 2/ 505، والطبري في "تفسيره" 2/ 555 عنها أنها قالت: هي صلاة العصر. (¬3) "تفسير الثعلبي" 2/ 1234. (¬4) رواه عبد الرزاق في "المصنف" 1/ 577، وسعيد بن منصور في "سننه" 3/ 901، والطبري في "تفسيره" 2/ 557 - 559، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 448. (¬5) أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" 2/ 504، والطبري في "تفسيره" 2/ 557 - 559. (¬6) أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" 1/ 577، وسعيد بن منصور في "تفسيره" 3/ 903 - 908، والطبري في "تفسيره" 2/ 559. (¬7) رواه الطبري في "تفسيره" 2/ 556، وذكره الثعلبي 2/ 1235، والدمياطي في كشف المغطى ص 119. (¬8) رواه الطبري في "تفسيره" 2/ 556، 557. (¬9) أخرجه الطبري 2/ 558. (¬10) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" 2/ 505، والطبري في "تفسيره" 2/ 556. (¬11) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1236، والنووي في "المجموع" 3/ 61. (¬12) "تفسير مقاتل" 1/ 200، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1236. (¬13) "شرح معاني الآثار" 1/ 176، "أحكام القرآن" للجصاص 1/ 443.

روي ذلك مرفوعًا أنها العصر (¬1)، ولأنها بين صلاتي نهار وصلاتي (¬2) ليل (¬3). وقال قبيصة بن ذؤيب (¬4): إنها المغرب (¬5)، لأنها وسط في الطول والقصر من بين الصلوات. ومن خصائصها: أنها لا تقصر (¬6). وحكى (¬7) الشيخ الإمام أبو الطيب سهل بن محمد، رحمه الله (¬8)، عن بعضهم: أنها صلاة العشاء الآخرة؛ ¬

_ (¬1) قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم الأحزاب: "شغلونا عن صلاة الوسطى صلاة العصر .. " الحديث، فقد رواه البخاري (2931) كتاب: الجهاد، باب: الدعاء على المشركين بالهزيمة، ومسلم (657) كتاب: المساجد، باب: الدليل لمن قال الصلاة الوسطى هي صلاة العصر من حديث علي. ورواه الترمذي من طريقين: (182) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في الصلاة الوسطى، وحسنه، (2983) كتاب: التفسير، باب: ومن سورة البقرة وصححه، والإمام أحمد 5/ 7، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" 1/ 174، وابن أبي شيبة في "المصنف" 2/ 505، والبيهقي 1/ 460، والطبري في "تفسيره" 2/ 560، والثعلبي في "تفسيره" 2/ 1236، وغيرهم عن الحسن عن سمرة بن جندب. (¬2) في (ي) (وبين صلاتي). (¬3) "تفسير الثعلبي" 2/ 1249. (¬4) هو: قبيصة بن ذؤيب الخزاعي، أبو سعيد أو أبو إسحاق المدني من أولاد الصحابة وله رؤية، من الفقهاء الوجوه، توفي سنة 86 هـ. ينظر "الاستيعاب" 3/ 336، "التقريب" ص 453. (¬5) أخرجه الطبري في "تفسيره" 2/ 564، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1253، والبغوي في "تفسيره" 1/ 289. (¬6) "تفسير الثعلبي" 2/ 1253 - 1254، وهو معنى كلام قبيصة المتقدم تخريجه. (¬7) الواو ساقطة من (ي). (¬8) هو سهل بن محمد بن سليمان الصعلوكي، أبو الطيب النيسابوري، شيخ الشافعية بخراسان ومفتيها، توفي سنة 404. ينظر "سير أعلام النبلاء" 17/ 207، "طبقات الشافعية الكبرى" 4/ 393.

لأنها بين صلاتين، لا تقصران (¬1) فهي الوسطى بينهما (¬2). وقال بعضهم: هي إحدى الصلوات الخمس ولا نعرفها (¬3) بعينها (¬4). سئل الربيع بن خثيم (¬5) عنها فقال للسائل (¬6): أرأيت إن علمتها أكنت (¬7) محافظًا عليها ومضيعًا سائرهن؟ قال: لا، قال: فإنك إن حافظت عليها كلها فقد حافظت عليها (¬8). وبه يقول أبو بكر الوراق (¬9). وقال: لو (¬10) شاء الله عز وجل لعينها، ولكنه أراد تنبيه الخلق على أداء الصلوات (¬11). وقوله تعالى: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} قال أبو عبيد: أصلُ القنوت في ¬

_ (¬1) في (ي) (لا تقصران وهي المغرب والفجر فهي). (¬2) ذكره الثعلبي 2/ 1257، وينظر كشف المغطى ص 135، "فتح الباري" 8/ 197 (¬3) في (م) (ولا يعرفها) في "تفسيره". (¬4) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 566، "تفسير الثعلبي" 2/ 1260. (¬5) هو: الربيع بن خثيم بن عائذ بن عبد الله التوزي أبو يزيد الكوفي، ثقة عابد مخضرم، قال له ابن مسعود: لو رآك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأحبك، توفي سنة 61هـ، وقيل: 63 هـ. ينظر "تقريب التهذيب" ص206 (1888). (¬6) ساقطة من (ي). (¬7) في (ي): (كنت). (¬8) أخرجه الطبري في "تفسيره" 2/ 566. (¬9) هو محمد بن عمر الوراق الحكيم، أبو بكر البلخي، أصله من ترمذ، وأقام ببلخ، وأسند الحديث، توفي سنة 240. ينظر "حلية الأولياء" 10/ 235، "صفة الصفوة" 4/ 165. (¬10) في (ي): (وقالوا). (¬11) ذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1260، وأبو حيان في "تفسيره" 2/ 241.

أشياء، فمنها: القيام، وبه جاءت الأحاديث في قنوت الصلاة؛ لأنه إنما يدعو قائمًا، ومن أبين ذلك: حديث جابر، قال: سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - أي الصلاة أفضل؟ قال: "طول القنوت" (¬1) يريد: طول القيام. والقنوت أيضًا: الطاعة، ومنه قوله: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} أي: مطيعين. والقانت: الذاكر لله المصلي، كما قال: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا} [الزمر: 9] (¬2). قال أبو إسحاق: والمشهور في اللغة والاستعمال أن القنوت: العبادة والدعاء لله في حال القيام، ويجوز أن يقع في سائر الطاعة؛ لأنه إن (¬3) لم يكن قيام بالرِّجلين فهو قيام بالشيء بالنية (¬4). وعلى هذا صارت الآية دلالة للشافعي أن الوسطى صلاة الفجر (¬5)، لأنه لا فرض يُدْعى فيه قائمًا إلا الفجر عنده (¬6). فأما المفسرون: فقال ابن عباس في رواية عكرمة (¬7) والعوفي (¬8) ¬

_ (¬1) سبق تخريجه (¬2) "غريب الحديث" لأبي عبيد 1/ 437 بمعناه، ونقله في "تهذيب اللغة" 3/ 3054. (¬3) في (ش) (لأنه لم يكن). (¬4) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 320 - 321، وينظر في القنوت: "تهذيب اللغة" 3/ 3054، "المفردات" ص413، "اللسان" 6/ 3747 - 3748. (¬5) في (ش) (أن الوسطى الفجر)، وفي (ي) (أن الصلاة الوسطى: الفجر). (¬6) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 577، "تفسير الثعلبي" 2/ 1222، وقد قال ابن القيم في "زاد المعاد" 1/ 273: وكان هديه - صلى الله عليه وسلم - القنوت في النوازل خاصة، وتركه عند عدمها، ولم يكن يخصه بالفجر، بل كان أكثر قنوته فيها؛ لأجل ما شرع فيها من التطويل، ولاتصالها بصلاة الليل. (¬7) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1277. (¬8) أخرجه الطبري في "تفسيره" 2/ 569، وروى ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 449، من طريق العوفي عن ابن عباس: مصلين.

والوالبي (¬1): {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} أي: مطيعين. وهو قول الشعبي (¬2) وعطاء (¬3) والحسن (¬4) وقتادة (¬5). وقال الضحاك (¬6) ومقاتل (¬7) والكلبي (¬8): لكل أهل دين صلاة يقومون فيها عاصين، فقوموا أنتم لله في صلاتكم مطيعين. وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "كل قنوت في القرآن فهو الطاعة" (¬9) وقال ابن عباس، في رواية أبي رجاء (¬10): داعين في صلاتكم (¬11). فأما ما روي عن زيد بن أرقم (¬12) أنه قال: كنا نتكلم على عهد رسول ¬

_ (¬1) أخرجه الطبري في "تفسيره" 2/ 568. (¬2) أخرجه الطبري في "تفسيره" 2/ 568، وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 449. (¬3) انظر المصدرين السابقين. (¬4) انظر المصدرين السابقين. (¬5) انظر المصدرين السابقين. (¬6) انظر المصدرين السابقين. (¬7) "تفسير مقاتل" 1/ 201. (¬8) انظر المصدر السابق. (¬9) رواه أحمد 3/ 75، وأبو يعلى 3/ 522، والطبري 2/ 569، ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 213، وابن حبان في صحيحه 2/ 7 قال ابن كثير في "تفسيره": ولكن في هذا الإسناد ضعف لا يعتمد عليه ورفع هذا الحديث منكر، وقد يكون من كلام الصحابي أو من دونه، والله أعلم. وكثيراً ما يأتي بهذا الإسناد تفاسير فيها نكارة فلا يغتر بها فإن السند ضعيف. (¬10) في (م): (رخا). (¬11) أخرجه الطبري في "تفسيره" 2/ 570. (¬12) زيد بن أرقم بن زيد الخزرجي الأنصاري، أبو عمر، أول مشاهده الخندق، وقيل: المريسيع، وغزا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - سبع عشرة غزوة، وهو الذي أنزل الله تصديقه في =

239

الله - صلى الله عليه وسلم - في الصلاة حتى نزلت: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام (¬1) (¬2)، وعلى هذا القنوت هاهنا: الإمساك عن الكلام في الصلاة (¬3). وقال بعض (¬4) أهل المعاني: ليس القنوت في اللغة بمعنى السكوت، والمراد: أنه لما نزلت الآية فهم النبي - صلى الله عليه وسلم - من أمر الله بالقنوت وهو الطاعة تحريم الكلام في الصلاة فنهى عن الكلام في الصلاة (¬5). 239 - قوله تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا} الآية، أراد خفتم عدوًّا فحذف المفعول لإحاطه العلم به. والرِّجَالُ: جمع رَاجِل، مثل: تَاجِر وتِجَارُ، وصَاحِب وصِحَاب (¬6). والراجل: هو الكائن على رجله ماشيًا كان أو واقفًا. ويقال في جمع راجِل: رَجل ورَجَّالة ورُجّالَه ورِجَال ورُجَّال (¬7). ¬

_ = سورة المنافقون، توفي سنة 66 وقيل 68. ينظر "الاستيعاب" 2/ 109، "أسد الغابة" 2/ 219. (¬1) أخرجه البخاري (1200) كتاب: الجمعة، باب: ما ينهى من الكلام في الصلاة، ومسلم (539) كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: تحريم الكلام في الصلاة، والترمذي بلفظه (2986) كتاب: تفسير القرآن، باب: 3. (¬2) أخرجه الطبري في "تفسيره" 2/ 570، 233، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 449، والبغوي في "تفسيره" 1/ 289. (¬3) ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 1278. (¬4) (بعض) ساقطة من (ي). (¬5) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 570 - 571. (¬6) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 321، "تفسير الطبري" 2/ 572 - 573، و"تفسير الثعلبي" 2/ 1281. (¬7) ينظر في رجل: "تهذيب اللغة" 2/ 1371 - 1375، "المفردات" ص196، =

والرُّكبان: جمع راكبٍ، مثل: فارس وفرسان (¬1). ومعنى الآية: فإن لم يمكنكم أن تصلوا قانتين مُوَفِّين للصلاة حقَّها فصلُّوا مشاةً على أرجلكم، وركبانًا على ظهور دوابِّكم، فإن ذلك (¬2) يجزيكم (¬3). قال المفسرون: هذا في المُسَايَفَة والمطاردة، يكبر الرجل مستقبلَ القبلة إن أمكنه، وإن (¬4) لم يمكنه يكبر غير مستقبل القبلة، ثم يقرأ ويومئ للركوع والسجود، ولا ينقص بسبب الخوف من عدد الركعات، ولكن إن كان مسافرًا يقصر الصلاةَ كما يقصر المسافر (¬5). وما روي عن ابن عباس أنه قال: فرض الله على لسان نبيكم الصلاةَ في الحضر أربعًا وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة (¬6) فذاك مذهب لا يُعْمَل به (¬7). وهذه صلاة شدة الخوف، وهي التي يجوز للمصلي أن يصلي ¬

_ = و"القاموس" ص 1003 - 1004، وزاد في جمعه: رُجالَى ورَجالَى، ورجْلى ورُجْلان بالضم، ورَجْلة، ورِجْلة وأرجِلَة، وأراجل وأَراجيل. (¬1) ينظر: "تهذيب اللغة" 2/ 1456 - 1458، و"القاموس" ص 91، ونقل الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1282 عن المفضل قال: لا يقال راكب إلا لصاحب الجمل، وأما صاحب الفرس فيقال له: فارس، ولراكب الحمار: حمَّار، ولراكب البغل: بغّال. (¬2) في (ي) (ذلكم). (¬3) ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 1283، "تفسير البغوي" 1/ 290. (¬4) في (ي) ولم يمكنه. (¬5) "تفسير الثعلبي" 2/ 1283، "تفسير البغوي" 1/ 290. (¬6) أخرجه مسلم (687) كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: صلاة المسافرين. (¬7) قال النووي في "المجموع" 4/ 404: إن صلاة الخوف لا يتغير عدد ركعاتها، وهو مذهبنا ومذهب العلماء كافة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، إلا ابن عباس والحسن البصري والضحاك وإسحاق بن راهويه، وحكاه الشيخ أبو حامد عن جابر وطاوس، فإنهم قالوا: الواجب في الخوف عند شدة القتال ركعة واحدة وقال =

240

من أجلها راكبًا ومومئًا وحيث ما كان وجهه، وأما صلاة الخوف فبيانها في سورة النساء (¬1)، وقال (¬2) ابن عمر في تفسير هذه الآية: ومستقبلي القبلة وغير مستقبلها. والصلاة بالإيماء في شدة الخوف لا يختص (¬3) بخوف المشركين، بل إذا خاف سبعًا، أو سيلًا، أو جملًا صائلًا، وما الأغلب (¬4) من شأنه الهلاك، له أن يومئ بالصلاة إيماءً، ويعدو عدوًا، أو يركض ركضًا إذا خاف فوت الصلاة (¬5). وقوله تعالى: {فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ} فصلوا الصلوات الخمس تامةً بحقوقها {كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ} يريد: كما افترض عليكم في مواقيتها (¬6). 240 - قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ} الآية. قال ابن عباس وغيره من المفسرين: نزلت الآية في رجل من أهل الطائف يقال (¬7) له: حكيم بن الحارث، هاجر إلى المدينة وله ¬

_ = البغوي في "تفسيره" 1/ 290: ولا ينتقص عدد الركعات بالخوف عند أكثر أهل العلم. (¬1) "تفسير الثعلبي" 2/ 1283. وصلاة الخوف ذكرت في سورة النساء [آية:102]. (¬2) في (أ) و (م) قال. (¬3) في (م): (لا تختص). (¬4) في (م): (وما إلا وغلب)، وفي (ي): (وأما الأغلب). (¬5) "تفسير الثعلبي" 2/ 1283، وينظر: "تفسير الطبري" 2/ 576، "البحر المحيط" 2/ 244. (¬6) "تفسير الثعلبي" 2/ 1285، "تفسير البغوي" 1/ 290. (¬7) في (م): فقال.

أولاد معه أبواه وامرأته، فمات، فرفع ذلك إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأنزل الله عز وجل هذه الآية، فأعطى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والديه وأولادَه ميراثه، ولم يعطِ امرأته شيئًا، غير أنَّهُ أمرَهم أن يُنفقوا عليها من تركةِ زوجها حَوْلًا (¬1). فكان الأمر في ابتداء الإسلام على هذا، إذا مات الرجل لم يكن لامرأته من الميراث شيء إلا السُّكْنى والنفقة سنة، ما لم تخرج من بيت زوجها، وكان المتوفى يوصي بذلك لها، فإن خرجت من بيت زوجها لم يكن لها نفقة، وكان الحول عزيمةً عليها في الصبر عن (¬2) التزوُّجِ، ولكن كانت مخيرةً في أن تعتدَّ إنْ شاءت في بيتِ الزوجِ، وإن شاءت خَرَجَتْ قبلَ الحَوْلِ، على أنها إنْ خرجت سقطتْ نفقتُها. هذا جملةُ حكم هذه الآية. ثم وَرَدَ النَّسْخُ على هذه الآية من وجهين: أحدهما (¬3): أن العدة صارت مُقَدَّرةً بأربعة أشهرٍ وعشر، وقد تقدمت الآية الناسخة. والوجه الثاني: أن الميراث ثبت (¬4) لها، وسقطت نفقة العدة (¬5). ¬

_ (¬1) ذكره الثعلبي 2/ 1288، واليه وحده عزاه الحافظ في "الإصابة" 2/ 32، وذكره الماوردي في "النكت والعيون" 1/ 311 عن الضحاك عن ابن عباس، وعزاه ابن حجر في "العجاب" 1/ 600، والسيوطي في "اللباب" ص 52، وفي "الدر" 1/ 550 إلى إسحاق بن راهويه في "تفسيره"، وأورد مقاتل في "تفسيره" 1/ 202 نحوه، وروى أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص 129، والطبري في "تفسيره" 2/ 580، وغيرهم عن ابن عباس في الآية قال: كان الرجل إذا مات وترك امرأته اعتدت سنة في بيته ينفق عليها من ماله .. الحديث. (¬2) في (ي): (في). (¬3) ساقطة من (ي). (¬4) في (ي): يثبت. (¬5) "تفسير الثعلبي" 2/ 1290، وينظر "صحيح البخاري" (4536) كتاب: التفسير،=

واختلف القراء في رفع الوصية ونصبها (¬1). فمن رفع فله وجهان: أحدهما: أن يجعل الوصية مبتدأ، والظرف خبره، وهو قوله: {لَأَزْوَاجِهِم}، وحَسُنَ الابتداء بالنكرة، لأنَّه موضعُ تخصيصٍ (¬2)، كما حسن أن يرتفع: سلام عليكم، وخير بين يديك. والوجه الآخر: أن يُضمر (¬3) له خبرًا، فيكون قوله: {لَأَزْوَاجِهِم} ¬

_ = باب: والذين يتوفون منكم، "الناسخ والمنسوخ" لأبي عبيد ص 129، "تفسير الطبري" 2/ 582، "ونواسخ القرآن" لابن الجوزي ص252، قال الحافظ ابن حجر في "الفتح" 9/ 493: قال ابن بطال: وأطبقوا على أن آية الحول منسوخة، وأن السكنى تبعا للعدة، فلما نسخ الحول في العدة بالأربعة أشهر وعشر نسخت السكنى أيضا، وقال ابن عبد البر: لم يختلف العلماء في أن العدة بالحول نسخت إلى أربعة أشهر وعشر. وذهب مجاهد كما رواه البخاري (5344) كتاب: الطلاق، باب: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ}، وآخرون من أهل العلم أن الآية محكمة، قال الشيخ السعدي في "تفسيره": ومن تأمل الآيتين اتضح له أن القول الآخر في الآية -وهو عدم النسخ- هو الصواب، وأن الآية الأولى في وجوب التربص أربعة أشهر وعشرا على وجه التحتيم على المرأة، وأما في هذه الآية فإنها وصية لأهل الميت أن يبقوا زوجة ميتهم عندهم حولا كاملا جبرا لخاطرها وبرا بميتهم، ولهذا قال: {وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ}، أي: وصية من الله لأهل الميت أن يستوصوا بزوجته ويمتعوها ولا يخرجوها. اهـ. وذكر ابن كثير في "تفسيره" 1/ 318 أن قول عطاء ومن تابعه على أن ذلك منسوخ بآية الميراث، إن أرادوا ما زاد على الأربعة والعشر فمسلّم، وان أرادوا أن سكنى الأربعة أشهر وعشر لا تجب في تركة الميت فهذا محل خلاف بين الأئمة. (¬1) قرأ بالرفع: ابن كثير ونافع وعاصم في رواية أبي بكر والكسائي، وقرأ الباقون بالنصب. ينظر السبعة لابن مجاهد ص 184. (¬2) في "الحجة" لأبي علي: تحضيض. (¬3) في (ش): (يضمر).

صفةً للنكرة التي هي الوصية، وتقدير الخبر المضمر: فعليهم وصية لأزواجهم (¬1). قال أبو عبيد: ومع هذا رأينا (¬2) المعنى كله في القرآن رفعًا، مثل قوله: {فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ} [البقرة: 237] {فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ} [النساء: 92] {فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ} [البقرة: 196]. ونحوهما (¬3). ومن نصب حمله على الفعل، أىِ: فليوصوا وصيةً، فتُنْصَب الوصيةُ على المصدر، ويكون قوله: {لَأَزْوَاجِهِم} وصفًا كما كان في قول من أضمر الخبر كذلك. ومن حجتهم: أن الظرف إذا تأخر عن (¬4) النكرة كان استعماله صفةً أكثر، وإذا كان خبرًا تقدم على النكرة، كقوله: {وَلَهُمْ أَعْمَالٌ} [المؤمنون: 63] {وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (35)} [ق: 35] فإذا تأخرت فالأكثر (¬5) فيها أن تكون صفات، وهاهنا تأخر الظرف، وهو قوله: {لَأَزْوَاجِهِم}، فالأحسن أن تكون صفة للنكرة لا خبرًا (¬6). فإن قيل: كيف يوصي المتوفّى، والله تعالى ذكر الوفاة ثم أمر بالوصية؟. قلنا: المعنى: والذين يقاربون الوفاة ينبغي أن يفعلوا هذا، فالوفاة عبارة عن الإشراف عليها (¬7). ¬

_ (¬1) كذا نقله من "الحجة" 2/ 341 - 342. (¬2) عند الثعلبي: رأينا هذا. (¬3) نقله عنه الثعلبي2/ 1287. (¬4) في (ش) و (ي): (على). (¬5) في (ي): فأكثر. (¬6) من "الحجة" لأبي علي 2/ 343. (¬7) من "الحجة" لأبي علي 2/ 343.

وجواب آخر: وهو أن هذه الوصية يجوز أن تكون مضافة إلى الله، بمعنى أمره وتكليفه، كأنه قيل: وصية من الله لأزواجهم، كقوله: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ} [النساء: 11] وهذا المعنى إنما يحسن على قراءة من قرأ بالرفع (¬1). وقوله تعالى: {مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ} انتصب على معنى: متعوهن متاعًا، فيكون كقوله: {وَصِيَّةً} عند من قرأها بالنصب، ويجوز أن يكون على تأويل: جعل الله لهن ذلك متاعًا؛ لأن ما قبله من الكلام قد دل على هذا. وقيل: إنه عبارة عن الحال، وقيل: نصب بالمصدر الذي هو الوصية، كقوله (¬2): {أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14) يَتِيمًا} [البلد: 14 - 15] (¬3). وعنى بالمتاع: نفقة سنتها لطعامها (¬4) (¬5). وقوله تعالى: {غَيْرَ إِخْرَاجٍ} نصب على أنه (¬6) صفةٌ لمتاع، وقيل: نصب بوقوعه موقع الحال، كأنه قال: مَتِّعوهن مقيمات غير مخرجات. وقيل: انتصب بنزع (¬7) الخافض، أراد: من غير إخراج (¬8). ¬

_ (¬1) ينظر: "البحر المحيط" 2/ 245. (¬2) ليست في (ي). (¬3) ينظر في إعراب الآية: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 323، "تفسير الثعلبي" 2/ 1287، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 132، "التبيان" ص143. (¬4) في (ش): إطعامها. (¬5) "تفسير الثعلبي" 2/ 1288، وزاد: وكسوتها وسكناها وما تحتاج إليه. (¬6) ساقط من (ي). (¬7) في (ي): انتزع بنصب. (¬8) ينظر في إعراب الآية: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 323، "تفسير الثعلبي" 2/ 1288،"مشكل إعراب القرآن" 1/ 132، "التبيان" ص143.

241

وقوله تعالى: {فَإِنْ خَرَجْنَ} يعنى: من قبل أنفسهن قبل الحول من غير إخراج الورثة، {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} يا أولياء الميت {فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ} يعنى: التشوف (¬1) للنكاح والتصنع للأزواج (¬2). قال عطاء: يريد التزوج بعد العِدة، يعنى: إذا مضت لها ثلاثة قروء كان لها أن تتزوج، وهذا منسوخ كما بينا (¬3). وفي (¬4) رفع الجناح عن الرجال بخروج النساء وجهان: أحدهما: لا جناح في قَطْعِ النفقة عنهن إذا خرجن قبل انقضاء الحول. والثاني: لا جُناحَ عليكم في ترك منعهن من الخروج؛ لأن مُقامَها حولًا في بيت زوجها غيرُ واجب عليها (¬5). 241 - قوله تعالى: {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} قال ابن زيد: إنما نزلت هذه الآية؛ لأن الله سبحانه لما أنزل قوله: {وَمَتِعُوهُنَ} إلى قوله: {حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ} [البقرة: 236]، قال رجل من المسلمين: إن أحسنت فعلت، وإن لم أرد ذاك لم أفعل، فقال الله تعالى: {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} (¬6) يعنى: المتقين الشرك، فبين أن لكل مطلقة متاعًا (¬7). ¬

_ (¬1) في (ش): (الشوق)، وفي (م): (التشوق). (¬2) "تفسير الثعلبي" 2/ 1291، "تفسير البغوي" 1/ 291. (¬3) ينظر كلامه عند تفسيره لآية 106 في: بيان الصحيح في النسخ. (¬4) في (ي): (في). (¬5) "تفسير الثعلبي" 2/ 1291، "تفسير البغوي" 1/ 291. (¬6) أخرجه الطبري في "تفسيره" 2/ 584 - 585، وذكره في "تفسير الثعلبي" 2/ 1292. (¬7) "تفسير الثعلبي" 2/ 1292.

والناس طوائف مختلفة في هذا. فطائفة تقول: لكل مطلقة متعة كائنة من كانت، وعلى أي وجه وقع الطلاق، وهو قول الحسن (¬1) وسعيد بن جبير (¬2) وأبي العالية (¬3). وطائفة تقول: المتعة واجبة لكل مطلقة إلا المطلقة المفروض لها إذا طلقت قبل الدخول، إنما لها نصف المسمى فقط (¬4). وقال بعضهم: ليس شيء من ذلك بواجب، وإنما المتعة إحسان، والأمر بها أمر (¬5) ندب واستحباب، وهو مذهب أبي حنيفة (¬6). روي أن امرأة خاصمت إلى شريح في المتعة فقال شريح للزوج: (لا تأب أن تكون من المحسنين (¬7)) ولا تأب أن تكون من المتقين، ولم يجبره على ذلك (¬8). ¬

_ (¬1) رواه عبد الرزاق في "المصنف" 7/ 70، وسعيد بن منصور في "سننه" 2/ 72، وابن أبي شيبة في "المصنف" 5/ 154، والطبري 2/ 532، ابن أبي حاتم 2/ 444. (¬2) أخرجه سعيد بن منصور في "تفسيره" 2/ 29، والطبري في "تفسيره" 2/ 584. (¬3) أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" 5/ 154، والطبري في "تفسيره" 2/ 532، وابن أبي حاتم 2/ 454. (¬4) وهذا قول ابن عمر ونافع وعطاء ومجاهد ومذهب الشافعي. ينظر "الموطأ" 2/ 573، وعبد الرزاق في "المصنف" 7/ 68، وابن أبي شيبة في "المصنف" 5/ 154، والطبري في "تفسيره" 2/ 532، والأم 5/ 63، و"أحكام القرآن" للشافعي ص216، و"تفسير الثعلبي" 2/ 1184 - 1185. (¬5) ليست في (ش). (¬6) ينظر: "مختصر الطحاوي" ص 194، "أحكام القرآن" للجصاص 1/ 428، "تفسير الثعلبي" 2/ 1186. (¬7) سقطت من (ش). (¬8) رواه عبد الرزاق في "المصنف" 7/ 71، وسعيد بن منصور 2/ 28، ووكيع في "أخبار القضاة" 2/ 327، والطبري 2/ 534، ابن أبي حاتم 2/ 443.

242

قال المفسرون: إنما أعيد هاهنا ذكر المتعة؛ لأنه ذُكر في غير هذه الآية خاصًّا وذكر هاهنا عامًّا (¬1). 242 - قوله تعالى: {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ} أي: مثل البيان الذي تقدم فيما ذكر من الأحكام يبين آياته، فشبه البيان الذي يأتي بالبيان الذي مضى (¬2). وقوله تعالى: {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} قال عطاء: يريد: يفسر لكم فرائضه لتعملوا (¬3) بها حتى تفقهوا. قال أبو إسحاق: حقيقة هذا أن العاقل هاهنا الذي يعمل بما افترض الله عليه، لأنه إن فهم الفرض (¬4) ولم يعمل به فهو جاهل ليس بعاقل. وحقيقة العقل: استعمالُ الأشياء المستقيمة، ألا ترى أن الله تعالى وصَفَ بالجهلِ أقوامًا آثروا هواهم على ما علموا أنه الحق، وإن كانوا ذوي عقل، من حيث يلزمهم التكليف، فقال: {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ} [النساء: 17] فلو كان هؤلاء جهالًا غير مميزين لسقط عنهم التكليف (¬5) (¬6). وقال غيره: معنى {وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} أي: ثبت لكم صفةُ العقلاء، باستعمالِ ما بَيَّنَّا لكم، وهذا قريب مما ذكر. ¬

_ (¬1) "تفسير الطبري" 2/ 583 - 584، و"تفسير الثعلبي" 2/ 1292، و"تفسير البغوي" 1/ 291. (¬2) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 322. (¬3) في (ش): لتعلموا. (¬4) في (م) لعلها (الغرض). (¬5) ساقط من (أ) و (م). (¬6) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 322.

243

243 - قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ} الآية، الرؤية تكون بمعنى رؤية العيان، وتكون بمعنى رؤية القلب، وذلك راجع إلى العلم، والمعنى هاهنا: ألم تعلم، ألم ينته علمك إلى خبر هؤلاء (¬1). وإنما جاز إطلاق لفظ الرؤية على غير المعاينة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - صار يصدق إخبار الله تعالى إياه كالناظر عيانًا. قال أهل المعاني: وفي هذا تعجيب (¬2) وتعظيم، كما تقول: ألم تر إلى ما يصنع فلان. وكل ما في القرآن من نحو هذا فهذا سبيله (¬3). وقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ} قال المفسرون: أراد به قومًا من بني إسرائيل، كانوا أهل قرية يقال لها: داوَرْدَان (¬4)، وقع بها الطاعون فخرجوا هاربين منها (¬5)، حتى نزلوا واديًا فأماتهم الله جميعًا (¬6). ¬

_ (¬1) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 322، وينظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 323. (¬2) في (ش) و (ي): (هذا تبين تعجيب). (¬3) "تفسير غريب القرآن" ص 84، "تفسير الثعلبي" 2/ 1307، "تفسير البغوي" 1/ 294. (¬4) قرية في نواحى شرقي واسط، بينهما فرسخ. ينظر: "معجم البلدان" 2/ 434، والمذكور في "تفسير مقاتل" (دامرودان). (¬5) في (ش) و (ي): (منه). (¬6) وهذا قول ابن عباس والسدي وأبي مالك وابن زيد والحسن وعمرو بن دينار. ينظر "تفسير الطبري" 2/ 589، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 458، "الدر المنثور" للسيوطي 1/ 551، و"بذل الماعون في فضل الطاعون" ص 236، قال الحافظ ابن حجر في "بذل الماعون" ص 235: والطرق الماضية من أن فرارهم كان بسبب الطاعون أقوى مخرجًا وأحسن طرقًا.

وقال الضحاك (¬1) ومقاتل (¬2) والكلبي (¬3): إنما فروا من الجهاد، وذلك أن نبيًّا لهم يقال له: حزقيل ندبهم إلى الجهاد، فكرهوا وجبنوا، فأرسل الله عليهم الموت، فلما كثر فيهم خرجوا من ديارهم فرارًا من الموت، فلما رأى حِزْقِيل ذلك قال: اللهم ربّ يعقوب، وإله موسى، ترى معصية عبادك، فأرِهِم آيةً في أنفسهم تدلُّهم على نفاذ قدرتك، وأنهم لا يخرجون عن قبضتك، فأرسل الله عليهم الموت. واختلفوا في مبلغ (¬4) عددهم، فلم يقولوا دون ثلاثة آلاف، ولا فوق سبعين ألفًا (¬5). والوجه من حيث اللفظ أن يكون عددهم يزيد على عشرة آلاف؛ لقوله: ألوف وهو جمع الكثير (¬6)، ولا يقال في عشرة فما دونها: ألوف (¬7). وقوله تعالى: {حَذَرَ الْمَوْتِ} ينتصب على أنه مفعول له، أي: لحذر ¬

_ (¬1) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 456، وذكره الحافظ في بذل الماعون ص 235، وعزاه إلى سنيد في "تفسيره"، وإلى الطبري في تفسيره، وليس عند الطبري، وذكره النحاس في "معاني القرآن" 1/ 245. (¬2) "تفسير مقاتل" 1/ 202، "تفسير الثعلبي" 2/ 1298. (¬3) "تفسير الثعلبي" 2/ 1298. (¬4) ساقطة من (ش). (¬5) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 590، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 456 - 457، "تفسير الثعلبي" 2/ 1299. (¬6) في (ي): (الكثير). (¬7) هذا ترجيح الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1301، وتنظر الأقوال: عند الطبري في "تفسيره" 2/ 585، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 455، والسيوطي في "الدر المنثور" 1/ 551، والحافظ في "بذل الماعون" ص 232.

الموت. وجائز أن يكون نصبه على المصدر؛ لأن خروجهم يدل على حذر (¬1). وقوله تعالى: {فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا} يجوز أن يكون الله تعالى أماتهم عند قوله لهم (¬2): موتوا، ويكون ذلك أمر تحويل (¬3)، كقوله: {كُونُوا قِرَدَةً} [البقرة: 65] ويجوز أن يكون هذا أمرًا والمراد منه (¬4) الخبر. وقد ذكرنا وجوه الأمر عند قوله: {كُونُوا قِرَدَةً} [البقرة: 65] (¬5). وقوله تعالى: {ثُمَّ أَحْيَاهُمْ} قال ابن عباس: وذلك أن نبيهم حزقيل خرج في (¬6) طلبهم فوجدهم بعد ثمانية أيام موتى، وقد نتنوا، فتضرع إلى الله وبكى، وقال: يا رب كنت في قوم يحمدونك ويمجدونك فبقيت وحيدًا لا قوم لي، فأوحى الله إليه رحمة منه له: إني قد جعلت حياتهم إليك، فقال حزقيل: احيوا، فقاموا كأنهم نيام انتبهوا من نومهم، فذلك السبط الذين أُحيوا في الدنيا تشم منهم رائحة منتنة تخالف روائح الناس (¬7). وقال قتادة: مقتهم الله على فرارهم من الموت، فأماتهم عقوبة لهم، ثم بعثهم إلى بقية آجالهم ليتوفوها، ولو كانت آجال القوم جاءت ما بعثوا بعد موتهم (¬8). ¬

_ (¬1) ينظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 324، "البحر المحيط" 2/ 250. (¬2) في (ي) (قوله موتوا). (¬3) "تفسير الثعلبي" 2/ 1309، والبغوي في "تفسيره" 1/ 294. (¬4) في (ي) و (ش) (فيه). (¬5) ينظر: "تفسير البسيط للواحدي" الدكتور/ محمد الفوزان ص 1019. (¬6) ساقطة من (ش). (¬7) "تفسير مقاتل" 1/ 203، و"تفسير الثعلبي" 2/ 1305، والثعلبي في "عرائس المجالس" ص 252، والبغوي في "تفسيره" 1/ 293. (¬8) أخرجه الطبري في "تفسيره" 2/ 589.

244

وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ} تفضل على هؤلاء بأن أحياهم بعد موتهم وأراهم الآية العظيمة في أنفسهم ليلزموا سُبُل الهدى (¬1). 244 - قوله تعالى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} يذهب كثير من أهل التفسير إلى أن هذا خطاب للذين أحيوا (¬2). قال الضحاك: أحياهم ثم أمرهم بأن يعاودوا (¬3) إلى الجهاد (¬4). وقال ابن عباس في رواية عطاء: يحرض المؤمنين على القتال (¬5). فهذا يدلُّ على أنَّ الخطاب لأمة محمد - صلى الله عليه وسلم - وهذا أظهر (¬6)، لأن الكلام على وجهه لا محذوف فيه، وعلى الأول يحتاج إلى إضمار، أي: وقيل لهم: قاتلوا (¬7). قال الزجاج: يقول لا تهربوا من الموت، كما هرب هؤلاء الذين ¬

_ (¬1) "تفسير الطبري" 2/ 591. (¬2) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 591 - 592، "تفسير أبي المظفر السمعاني" 1/ 267، "تفسير الثعلبي" 2/ 1309، "تفسير البغوي" 1/ 194. (¬3) في (ي) و (ش) (يعادوا). (¬4) أخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 459، وتنظر روايات أخرى عن ابن عباس وغيره، فيها الأمر بالجهاد، عند الطبري في "تفسيره" 2/ 586، 587، ورد الطبري هذا الوجه من التفسير في "تفسيره" 2/ 591 - 592 قائلًا: ولا وجه لقول من زعم أن قوله: (وقاتلوا في سبيل الله)، أمر من الله للذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف بالقتال بعدما أحياهم، ثم ذكر تفصيلًا مطولًا في المسألة. (¬5) ينظر: "التفسير الكبير" 6/ 165، "تفسير البغوي" 1/ 294. وتقدم الحديث عن هذه الرواية في قسم الدراسة ص 92. (¬6) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 323. (¬7) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 591، "بحر العلوم" 1/ 216، "تفسير القرطبي" 3/ 154، وذكر أنه قول الجمهور.

245

سمعتم خبرهم فلا ينفعكم الهرب (¬1). وقيل: إنه حث على الشكر بقوله: {إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ} كأنه قال: واشكروا وقاتلوا في سبيل الله. وقوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} أي: سميع لما يقوله المُتَعَلل (¬2) {عَلِيمٌ} بما يضمره، فإياكم والتعلل بالباطل، وقيل: {سَمِيعُ} لقولكم إن قلتم، كقول الذين تقدم ذكرهم، {عَلِيمٌ} بضمائركم (¬3). 245 - قوله تعالى: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا} الآية. القرض: اسم لكل ما يلتمس عليه الجزاء، يقال: أقرض فلان فلانًا، إذا أعطاه (¬4) ما يتجازاه منه، والاسم منه: القرض، وهو ما أعطيتَه لتكافأ عليه، هذا إجماع من أهل اللغة (¬5). قال الكسائي: القرض: ما أسلفت من عمل صالح (¬6) أو سيئ (¬7). وقال الأخفش: تقول العرب: لك عندي قَرْضُ صِدْق، وقرض سوء (¬8)، لأمر يأتي فيه مسرته أو مساءته (¬9). وقال الزجاج: القرض: البلاء الحسن، والبلاء السيئ (¬10). ¬

_ (¬1) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 323. (¬2) في (ي)، (م): (المعلل). (¬3) "زاد المسير" 1/ 289، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 324. (¬4) ساقط من (ي). (¬5) "تفسير الثعلبي" 2/ 1312، "لسان العرب" 6/ 3588 - 3589 مادة "قرض". (¬6) ساقط من (م). (¬7) نقله عنه في "تفسير الثعلبي" 2/ 1312، "لسان العرب" 6/ 3589. (¬8) في (م): (سبق). (¬9) "معاني القرآن" للأخفش 1/ 179. (¬10) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 324.

وأنشد بيت أمية: كلُّ امْرئٍ سَوْف يُجْزَى قرضَه حَسَنًا ... أو سَيِّئًا ومَدِينًا كالذي دانا (¬1) وقال ابن كيسان: القَرْضُ أن تعطيَ (¬2) شيئًا ليرجع إليك مثله، ولتُقْضَى شبهه (¬3). يقال: تقارضا الثناءَ: إذا أثني كلُّ واحد منهما على صاحبه. ويقال: قارضه الودُّ (¬4) والثناء. وأصله في اللغة: القطع، ومنه المقراض (¬5) ومعنى أقرضته: قطعت له قطعة يجازى عليها. وانقرض القوم: إذا هلكوا، لانقطاع أثرهم (¬6). شبه الله عز وجل عمل المؤمنين لله عز وجل على ما يرجون من ثوابه بالقرض؛ لأنهم إنما يعطون ما ينفقون ابتغاء ما وعدهم الله عز وجل من جزيل الثواب (¬7). والقرض في هذه الآية اسم لا مصدر، ولو كان مصدرًا لكان إقراضًا (¬8). قال أهل المعاني: هذا تلطف من الله في الاستدعاء إلى أعمال البر؛ ¬

_ (¬1) البيت لأمية بن أبي الصلت في ديوانه ص 63، "تفسير الطبري" 2/ 592، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 1311 "تهذيب اللغة" 3/ 2931 ويروى: ومدينًا مثل مادانا. (¬2) في (ي): (تقضي). (¬3) نقله عنه الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1312. (¬4) في (ش): (للود)، وفي (ي): (بالود). (¬5) في (م): (القراض). (¬6) ينظر في قرض: "تهذيب اللغة" 3/ 2931 - 2933، "المفردات" ص402، "لسان العرب" 6/ 3590، "تفسير البغوي" 1/ 294، "تفسير القرطبي" 3/ 239. (¬7) "تفسير الطبري" 2/ 592، "تفسير الثعلبي" 2/ 1312. (¬8) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 325.

لذلك أضاف الإقراض إلى نفسه، وهذا كما جاء في الحديث: إن الله تعالى يقول لعبده: استطعمتك (¬1) فلم تطعمني (¬2). كأنه قيل: مَنِ الذي يعمل عمل المقرض بأن يقدم فيأخذ أضعاف ما قدم في وقت فقره وحاجته. وتأويله: في الذي يقدم لنفسه إلى الله تعالى ما يجد ثوابه عنده (¬3). قال ابن زيد: هذا القرض (¬4) الذي دعا الله إليه هو في الجهاد. وقال الحسن: هو في أبواب البر كله. وقوله تعالى: {قَرْضًا حَسَنًا} قال عطاء: يعنى حلالًا. الواقدي: طيبة به نفسه (¬5). ونذكر أوصاف القرض الحسن في سورة الحديد إن شاء الله. وقوله تعالى: {فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً} قرئ بالتشديد والتخفيف، والرفع والنصب (¬6). أما التشديد والتخفيف فهما لغتان. والرفع: بالنسق على ما في الصلة، أو الاستئناف، وهو الاختيار؛ لأن الاستفهام في هذه الآية عن فاعل الإقراض، ليس عن الإقراض، وإذا كان كذلك لم يحسن النصب؛ لأنه في هذه الآية (¬7) ليس مثل قولك: أتقرضني ¬

_ (¬1) في (م) و (ش): (استطعمك). (¬2) أخرجه مسلم (2569) كتاب: البر والصلة، باب: فضل عيادة المريض. (¬3) "تفسير الثعلبي" 2/ 1313، "البحر المحيط" 2/ 252. (¬4) في (ي): (هذا هو القرض). (¬5) ذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1319، "تفسير البغوي" 1/ 294، والواقدي هو علي بن الحسين. (¬6) قرأ ابن كثير (فيضَعِّفه) بالرفع والتشديد، وقرأ ابن عامر (فيضعِّفَه) بالنصب والتشديد، وقرأ عاصم (فيضاعفَه) بالنصب والتخفيف، وقرأ الباقون (فيضاعفُه). ينظر السبعة لابن مجاهد ص 184 - 185. (¬7) زيادة من (ي).

فأشكرك، لأن الاستفهام هاهنا عن الإقراض. فأما وجه النصب: فهو أن يحمل الكلام على المعنى لا على اللفظ؛ لأن المعنى: أيكون قرض فيضاعفه، كقراءة من قرأ: {مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ} (¬1) (¬2) [الأعراف: 186] جزم قوله: {وَيَذَرُهُم} لأن معنى قوله: {فَلَا هَادِيَ لَهُ} لا يهده (¬3). ونحو هذا كثير مما حُمِل الكلام فيه على المعنى دون اللفظ، قال الحسن والسدي: هذا التضعيف لا يعلمه إلا الله تعالى، و (هو) (¬4) مثل قوله: {وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 40]، ومعنى التضعيف والإضعاف والمضاعفة واحد، وهو الزيادة على أصل الشيء حتى يصير مثلين أو أكثر (¬5). وقوله تعالى: {وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ} يعنى: يمسك الرزق عمن يشاء، ويضيق عليه، ويوسع على من يشاء، في قول عطاء عن ابن عباس والحسن وابن زيد والأكثرين (¬6). وحكى الزجاج: يقبض الصدقات ويبسط الجزاء عليها عاجلًا وآجلًا (¬7). ¬

_ (¬1) ساقطة من (أ) و (ش). (¬2) في (ش): (ونذرهم). (¬3) في (ش): (يهده). (¬4) ساقطة من (ش). (¬5) نقله عن "الحجة" لأبي علي 2/ 344 - 345. (¬6) ذكره عنهم أيضًا: ابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 291. (¬7) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 325، وينظر: "معاني القرآن" للنحاس 1/ 248، "تفسير الثعلبي" 2/ 1323.

246

وحكى أبو الهيثم السجزى، عن بعضهم قال: إن الله تعالى لما أمرهم بالصدقة أخبر أنه لا يمكنهم ذلك إلا بتوفيقه، فقال: (¬1) {وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ} يعني يقبض بعض القلوب فيزويه كيلا ينشط (¬2) لخير، ويبسط بعضها فيقدم لنفسه خيرًا (¬3). 246 - وقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ} الآية. الملأ: الأشراف من الناس، وهو اسمٌ للجماعة، كالقومِ والرَّهْطِ والجيش، وجمعه: أملاء، قال الشاعر: وقال لها الأَمْلاَء من كلِّ مَعْشَر ... وخَيْرُ أقَاوِيلِ الرِّجَالِ سَدِيدُها (¬4) وأصله من الملأ، فالملأ: هم الذين يملؤون العيون هيبة ورُواءً (¬5)، وقيل: هم الذين يملؤون المكان إذا حضروا (¬6). وقال أبو إسحاق: الملأ: الرؤساء سموا بذلك لأنهم مِلآءٌ ومُلآءُ (¬7) بما يحتاج إليه (¬8) من قولهم: مَلُؤَ الرجل يَمْلُؤُ ملاءَةً فهو مليء (¬9). ¬

_ (¬1) ساقطه من (ي). (¬2) في (ي) ينبسط وفي (ش) فيزويه ينشط. (¬3) "تفسير الثعلبي" 2/ 1323، "عجائب التأويل للكرماني" 1/ 221، "البحر المحيط" 2/ 253. (¬4) البيت من الطويل، وهو بلا نسبة في "أساس البلاغة" 2/ 397 مادة: ملأ. (¬5) في (ش) ورؤًا. (¬6) ينظر في الملأَ: "تهذيب اللغة" 4/ 3437 - 3438، "المفردات" ص 474 - 475، "لسان العرب" 7/ 4252 - 4253. (¬7) في (ش) (مُلآة)، وقد كتبت الأولى والثانية في النسخ مِلآء ومُلآء. (¬8) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 325 - 326، ولفظه: لأنهم مُلء بما يحتاج إليه منهم، وفي "تهذيب اللغة" 4/ 3438: س ملاء بما يحتاج إليه منهم. (¬9) ساقط من (ش).

وقوله تعالى: {إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا} قال قتادة: هو يوشع (¬1). وقال السدي: هو شمعون (¬2). وقال سائر المفسرين: هو أشمويل (¬3). وكان سبب قولهم ذلك لنبيهم، فيما قال الكلبي (¬4) ووهب (¬5): أن الأحداث كثرت في بني إسرائيل، وعظمت فيهم الخطايا، وغلب عليهم عدُوُلهم (¬6) فَسَبوا كثيرًا من ذراريهم، فسألوا نبيهم ملكًا تنتظمُ به كلمتهم، ويجتمع أمرهم، ويستقيم حالهم في جهاد عدوهم، فقال لهم ذلك النبي: {هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا} وهذا استفهام شك، يقول: لعلكم أن تَجْبُنُوا عن القتال (¬7). وقرأ نافع وحده (عسِيتم) بكسر السين، واللغة المشهورة فتحها (¬8). ووجه قراءة نافع: ما حكاه ابن الأعرابي: أنهم يقولون: هو عسٍ ¬

_ (¬1) أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 97، والطبري في "تفسيره" 2/ 596، ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 463، واستبعده ابن كثير 1/ 322 قال: لا هذا كان بعد موسى بدهر طويل، وكان ذلك في زمان داود عليه السلام كما هو مصرح به في القصة. وينظر: "المحرر الوجيز" 2/ 352. (¬2) أخرجه الطبري في "تفسيره" 2/ 596، ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 463. (¬3) "تفسير الثعلبي" 2/ 1334، وكذا يروى عن ابن إسحاق ووهب بن منبه فيما أخرج الطبري 2/ 595. (¬4) ذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1335، والبغوي في "تفسيره" 1/ 296. (¬5) أخرجه الطبري في "تفسيره" 2/ 596 - 597، وذكر الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1335. (¬6) في (ي): عدوهم. (¬7) "تفسيرالثعلبي" 2/ 1339. (¬8) ينظر: "السبعة" ص 186، "والنشر" 1/ 230.

بكذا، وما أعساهُ، وأَعْسِ به، فقولهم: عسٍ، يقوي عسِيتم بكسر السين، ألا ترى أن عسٍ، مثل (¬1): حرٍ وشجٍ، فإن قالوا: يلزمه أن يقرأ: {عَسَى رَبُّكُمْ} [الإسراء: 8] قيس: القياس هذا، وله أن يأخذ باللغتين فيستعمل إحداهما في موضع، والأخرى في موضع (¬2). وقوله تعالى: {وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} اختلف النحويون في وجه دخول (أن) هاهنا، والقائل يقول: ما لَكَ تفعل كذا كقوله: {مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا} [نوح: 13] و {وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [الحديد: 8]. فقال الأخفش: (أن) هاهنا زائدة. المعنى: وما لنا لا نقاتل في سبيل الله (¬3). وقال الفرَّاءُ: ذهب الى المعنى؛ لأن قول: مَا لَكَ لا تصلي، معناه: ¬

_ (¬1) ساقط من (ي). (¬2) "الحجة" لأبي علي 2/ 350. (¬3) "معاني القرآن" للأخفش 1/ 180، وتمام كلامه: (أن) هاهنا زائدة، كما زيدت بعد (فلما) و (ولما) و (ولو) فهي تزاد في هذا المعنى كثيرا، ومعناه: ما لنا لا نقاتل، فأعمل (أن) وهي زائدة كما قال: ما أتاني من أحد، فأعمل (من) وهي زائدة. انتهى كلامه. وفي "البحر المحيط" 2/ 256 رد مذهب الأخفش، ومذهب من قال: إن المعنى (ما لنا وأن نقاتل) فحذف الواو كما حكاه الطبري في "تفسيره" 2/ 600، فقال أبو حيان: وهذا ومذهب أبي الحسن ليس بشيء؛ لأن الزيادة والحذف على خلاف الأصل، ولا نذهب إليهما إلا لضرورة، ولا ضرورة تدعو هنا إلى ذلك مع صحة المعنى في عدم الزيادة والحذف. وقال الطبري في "تفسيره" 2/ 600: وأنكر ما قال هذا القائل من قوله الذي حكينا عنه آخرون، غير جائز أن تجعل (أن) زائدة في الكلام وهو صحيح في المعنى وبالكلام إليه الحاجة، قالوا: والمعنى: ما يمنعنا ألا نقاتل، فلا وجه لدعوى مدّع أن (أن) زائدة معنى مفهوم صحيح.

ما يمنعك أن تصلي، فلما ذهب إلى معنى المنع أدخل أن (¬1)، الدليل على ذلك: قوله: {مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ} [ص: 75]، وعلى هذا المعنى قال: {مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ} [الحجر: 32] (¬2). وقال الكسائيُّ: المعنى: وما لنا في أن نقاتل، فأسقط (في) (¬3) وارتضى الزجاج هذا القولَ وصحَّحه. وقال: المعنى: أي شيء لنا في أن لا نقاتل. أي: أيُّ غرضٍ (¬4) لنا في ترك القتال وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا، ولكن (في) سقطت مع (أن)، وكثيرًا ما يحذف حرف الجر مع أن، وقد مضت لهذا نظائر (¬5). ورجح أبو علي الفارسي قول الكسائي على قول الفراء، فقال: إذا اتجه للكلام وجه صحيح وكان مستمرًّا على الأصول، فلا معنى للعدول عنه إلى غيره، وكما جاز وقوع الفعل موقع الحال في قولك: ما لك تفعل كذا، والمعنى: ما لك فاعلًا، كذلك يجوز وقوع حرف الجر موقعها، كما ذكر الكسائي، وسد مَسَدَّها، ألا ترى أنك تقول: خرجت في الثياب، كما تقول: خرجت لابسًا، فالظرف هاهنا يقع موقع الحال، فكذلك في الآية، فإذا كان ما ذكرناه من تقدير حرف الجر متجها (¬6) متخرجًا (¬7) على معنى ¬

_ (¬1) في (ش): (أنَّ). (¬2) "معاني القرآن" للفراء 1/ 163 - 164. (¬3) نقله عنه الفراء في "معاني القرآن" 1/ 165، والثعلبي في "تفسيره" 2/ 1341. (¬4) في (ي): (أي: أي شيء) وفي (ش): (أي أي لنا). (¬5) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 327. (¬6) من قوله: (موقعها ..) ساقط من (ش). (¬7) في (ش): (متحركًا).

مستقيم ولفظ مستعمل، لم يكن بنا حاجة إلى أن نقدر أنَّ معنى ما لنا: ما يمنعنا، وكأنه قال: ما يمنعنا أن نقاتل أي: ما يمنعنا من أن نقاتل (¬1)، على أنا لا ندفع الحمل على المعنى في كثير من المواضع، ولكن لا يستحسن (¬2) ترك الظاهر والعدول عنه إلى غيره ما وجد للتأويل على الظاهر مساغ، وإذا حمل الكلام على ما ذكره الفَرَّاء ففي الكلام تقدير حرف جرٍ، كما أن في حمله على الظاهر تقديرُ حرفِ جرٍّ (¬3)، وإذا استوتِ الحالتانِ فلزومُ الظاهرِ أعْجَبُ إلينا (¬4). وعلى الأقوال كلها (أن لا نقاتل (¬5)) في محل النصب، لوقوعه موقع الحال، كقوله تعالى: {فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ} [النساء: 88] وقوله: {فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ} [المدثر: 49]، كأنه (¬6) قيل: ما لنا غير مقاتلين. وكما جاز وقوع الفعل الموجب موقع الحال في هذا النحو مثل: ما لك نفعل كذا، جاز أيضًا وقوع المنفي موقعه نحو: ما لك لا تفعل، كقوله تعالى: {مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا} [يوسف: 11] {مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ} [الصافات: 92] (¬7) وأنشد أبو زيد: ¬

_ (¬1) من قوله: (أي ما ..) ساقط من (ي). (¬2) في "الإغفال": (لا نستحسن). (¬3) من قوله: (كما أن ..) ساقط من (ي). (¬4) من "الإغفال" ص 537 - 540 بتصرف واختصار. (¬5) في (ي) (لا تقاتلوا). (¬6) في (ش): (له). (¬7) ينظر في إعراب الآية: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 325، "تفسير الثعلبي" 2/ 1340، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 134، "التبيان" 147،"البحر المحيط" 2/ 256.

ما لَكَ لا تَذْكُرُ أُمَّ عَمْرِو ... إلّا لعَيْنَيْكَ غُرُوبٌ تَجْرِي (¬1) وذهب المبرد في هذه الآية إلى غير ما ذهب إليه هؤلاء، وهو أنه قال: ما في هذه الآية جحدٌ لا استفهام، كأنه قيل: ما لنا ترك القتال، وعلى هذا سهل الأمر في دخول أن (¬2). وقوله تعالى: {وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا} ظاهرُ الكلام العموم وباطنه الخصوص؛ لأن الذين قالوا هذا لم يُخْرَجُوا من دِيَارِهم، ولكن إذا أُخْرِج بعضُهم جاز لكلهم أن يقولوا هذا، كما يقال: قتلناكم يوم ذي قار، وكما قال موسى بن جابر الحنفي (¬3): ذهبتُم فلُذْتمُ بالأميرِ وقُلْتُم ... تَرَكْنا أحَادِيثًا ولَحْمًا مُوضّعَا (¬4) والذين قالوا هذا لم يكونوا بهذه الصفة، وعنوا بالإخراج من الديار: السبيَ والقهر (¬5) على نواحيهم (¬6). وقوله تعالى: {وَأَبْنَائِنَا} أرادوا: أُفْرِدنا من أبنائنا بالتفريق بيننا ¬

_ (¬1) في "النوادر" ص 65، وينظر "الإغفال" ص 539، و"المخصص" 1/ 127، و"اللسان" 6/ 3228، و"التاج" 2/ 275، قال أبو زيد: الغروب: الدموع حين تخرج، وغربا العين: مقدمها ومؤخرها. (¬2) ينظر: "البحر المحيط" 2/ 256. (¬3) هو: موسى بن جابر بن أرقم بن مسلمة أو سلمة بن عبيد الحنفي، شاعر مكثر من مخضرمي الجاهلية والإسلام، من أهل اليمامة، كان نصرانيًّا يقال له: أزيرق اليمامة، ويعرف بابن الفريعة. ينظر: "النجوم الزاهرة" 2/ 231، "الأعلام" 7/ 320. (¬4) البيت ذكر في "ديوان الحماسة" 1/ 140. (¬5) في (ي): (القهر والسبي). (¬6) "تفسير الثعلبي" 2/ 1342، "تفسير البغوي" 1/ 297.

247

بالسبي والقتل. ومعنى الآية: أنهم أجابوا نبيَّهم بأن قالوا: إنما كنا نزهد في الجهاد إذ كنا ممنوعين في بلادنا لا (¬1) يظهر علينا عدو، فأما (¬2) إذْ (¬3) بَلَغَ ذلك منا فلابُدَّ من الجهاد، فنطيع ربنا في الغزو ونمنع نساءنا وأولادنا (¬4). قال الله تعالى: {فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ} وهم الذين عبروا النهر، ويأتي (¬5) ذكرهم بعد هذا (¬6). قال عطاء: وفي هذا تحريض للمهاجرين والأنصار، ووعيدٌ لمن تَخلَّفَ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في القتال (¬7)، فقال: {وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} يريد: المشركين والمنافقين (¬8). 247 - قوله تعالى: {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا} أي: قد أجابكم إلى ما سألتم، من بَعْثِ الملكِ يُقَاتِل وتُقَاتلون معه، وكان طالوتُ رجلًا دبَّاغًا، يعمل الأدم، وكان من أدنى بيوت بني إسرائيل، وكان من سبط بنيامن، ولم يكن من سبط النبوة، ولا من سبط المملكة، ولذلك أنكروا مُلكه (¬9)، و {قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ ¬

_ (¬1) في (ي): (مالا). (¬2) في (م): (فلما). (¬3) في (ي) و (ش): (إذا). (¬4) "تفسير الثعلبي" 2/ 1342 - 1343، "تفسير البغوي" 1/ 297. (¬5) في (ي) (وسيأتي). (¬6) "تفسير الثعلبي" 2/ 1343، "تفسير البغوي" 1/ 297. (¬7) لعله من الرواية التي تقدم ذكرها في قسم الدراسة. (¬8) في (ي): (بالمشركين والمنافقين). (¬9) "تفسير الثعلبي" 2/ 1347، وينظر: "تفسير الطبري" 2/ 602 - 604، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 465، "تفسير عبد الرزاق" 1/ 97.

بِالْمُلْكِ مِنْهُ} لأنا من سبط الملوك {وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ} أي: لم يؤت ما يتملك به الملوك {قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ} اختصه بالملك {وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ} (¬1). قال ابن عباس: كان طالوتُ يومئذ أعلمَ رجلٍ في بنى إسرائيل وأجمله وأتمه (¬2). والبسطة: الزيادة في كل شيء، ويسمى طول القامة: بَسْطَةً. والزيادة في المال والعلم وفي كل شيء: بسطة (¬3). وقال الكلبي: {وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ} بالحرب (¬4) {وَالْجِسْمِ} يعني: بالطول. وكان يفوقُ الناسَ برأسه ومنكبه (¬5)، وإنما سمي طالوت لطوله (¬6). قال الزجاج: أعلمَ اللهُ عز وجل أن الذي يجب أن يقع به الاختيارُ العلمُ، ليس أن الله عز وجل لا يُملِّكُ إلا ذا مالٍ، وأعلمَهم أنَّ الزيادة في الجسم مما يهيب به العدو {وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ} (¬7) يريد: أن الملك ليس ¬

_ (¬1) "تفسير الطبري" 2/ 601، "تفسير الثعلبي" 2/ 1347. (¬2) ينظر: "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 466. (¬3) ينظر في بسطة: "تهذيب اللغة" 1/ 334، "المفردات" ص56 - 57، "اللسان" 1/ 283. (¬4) "تفسير الثعلبي" 2/ 1348، "تفسير البغوي" 1/ 298، وقال القرطبي: وهذا تخصيص للعموم بغير دليل. (¬5) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 466 عن ابن عباس، وينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 1348. (¬6) "تفسيرالثعلبي" 2/ 1348. (¬7) كذا في "معاني القرآن" للزجاج 1/ 328 - 329.

248

بالوراثة، إنما هو بإيتاء الله واختياره (¬1). وقوله تعالى: {وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} قيل في الواسع ثلاثة أقوال: أحدها: أنه واسع الفضل والرزق والرحمة، وسعت رحمته كل شيء، وهذا كما يقال: فلان كبير وعظيم (¬2)، يراد: أنه كبيرُ القدر، كذلك هو واسع بمعنى: أنه واسع الفضل، وهذا القول اختيار الأزهري (¬3) (¬4). والثاني: أنه واسع بمعنى: مُوَسِّع، أي: يوسع على من يشاء (من عباده) (¬5) من نعمه، وهذا قول الزجاج (¬6)، لأنه قال في قوله: {وَاسِعٌ عَلِيمٌ} معناه: يوسع على من يشاء، ويعلم أين ينبغي أن تكون السعة. الثالث: أنه واسع بمعنى ذو سعة (¬7)، ويجيء فاعل (¬8) كثيرًا ومعناه ذو كذا، نحو: {عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ} [الحاقة: 21] أي ذات رضى، وهمّ ناصب: ذو نصب، فلما قال لهم النبي ذلك، قالوا له: لا نصدقك أن الله بعثه علينا، ولكنك تريد أن تحمله علينا مضارة لنا إذ سألناك ملكًا، فأراهم النبي على صحة مُلْك طالوت وتمليك الله إياه آيةً (¬9) وهي قوله: 248 - {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ} ¬

_ (¬1) "تفسير الثعلبي" 2/ 1349. (¬2) في (ي): (كبير عظيم). (¬3) في (ي): (الزهري). (¬4) في: "تهذيب اللغة" 4/ 3889 (مادة: وسع). (¬5) زيادة من (م). (¬6) في: "معاني القرآن" 1/ 329. (¬7) "تفسير البغوي" 1/ 298. (¬8) في (ش): (وعلى فاعل). (¬9) "زاد المسير" 1/ 294.

قال أصحاب الأخبار: إن الله تعالى أنزل على آدم تابوتًا فيه صور الأنبياء من أولاده، فتوارثه أولاد آدم إلى أن وصل إلى يعقوب، فكان في بنى إسرائيل، وكانوا إذا اختلفوا في شيء تكَلَّم وحكم بينهم، وإذا حضروا القتال قدموه بين أيديهم يستفتحون به على عدوهم، وكانت الملائكة تحمله فوق العسكر وهم يقاتلون العدو، فإذا سمعوا من التابوت صيحة استيقنوا النصرة، فلما عصوا وفسدوا سلط الله عليهم العَمَالقة، فغلبوهم على التابوت، وسلبوه فلما سألوا نبيهم البينة على ملك طالوت دعا النبي ربه، فنزل بالقوم الذين غلبوا (بنى إسرائيل على التابوت) (¬1) داء بسببه، وذلك أنهم كانوا قد أخذوا التابوت فجعلوه في موضع غائطهم وبولهم، وكل من بال عنده أو تغوط ابتلاه الله بالبواسير، حتى تنبهوا أن ذلك لاستخفافهم بالتابوت، أخرجوه ووضعوه (¬2) على ثورين، فأقبل الثوران يسيران، ووكل الله بهما أربعة من الملائكة يسوقونهما (¬3)، حتى أتوا به منزل طالوت، فلما رأوا التابوتَ عند طالوت، علموا أن ذلك إمارة ملكه عليهم، فذلك قوله: {إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ} الآية (¬4). والإتيان على هذا مجاز لأنه أُتِيَ به ولم يأت هو، فنسبَ الإتيان إليه توسعًا، كما يقال: ربحت الدراهم، وخسرت التجارة، وعزم الأمر. وقال آخرون: إن التابوت لم تحمله الملائكة ولا الثوران، بل كان ¬

_ (¬1) ساقط من (ي). (¬2) في (ي) (فوضعوه) وفي (م) (قضعوه) (¬3) في (ي) (يسوقونها). (¬4) تنظر القصة بطولها في: "تفسير الطبري" 2/ 607 - 608، "تاريخ الأمم والملوك" 1/ 469، "تفسير الثعلبي" 2/ 1358 - 1362، "تفسير البغوي" 1/ 298 - 299، "البحر المحيط" 2/ 261.

يسير بقدرة الله عز وجل، بلا حامل يحمله، ولا جارٍّ يجره، وهم ينظرون إليه، والملائكة تحفظه وترعاه، حتى وضع عند طالوت، وهذا قول ابن عباس، وعلى هذا الإتيان حقيقة في التابوت. وأضيف الحمل إلى الملائكة في القولين جميعًا؛ لأن من حفظ شيئًا في الطريق ورعاه جاز أن يوصف بحمل ذلك الشيء وإن لم يحمله، كما يقول القائل: حملت الأمتعة إلى زيد، إذا رعاها وحفظها في الطريق، وإن كان الحامل غيره، وتقول: حملت متاعي إلى مكة، ومعناه: كنت سببًا لحمله (¬1). وقوله تعالى: {فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ} قال وَهْبٌ: السكينة: روح من الله يتكلم، وكانوا إذا اختلفوا في أمر نطق ببيان ما يريدون (¬2). وقال قتادة (¬3) والكلبي (¬4): هي فعيله من السكون، أي: طمأنينة من ربكم. وفي أي مكان كان التابوت اطمأنوا إليه وسكنوا. وهذا اختيار الزجاج. قال: أي: فيه ما تسكنون به إذا أتاكم (¬5). والسكينة: مصدر وقع موقع الاسم، نحو القضية والعزيمة، وهذا معنى قول الحسن، قال: جعل الله لهم في التابوت سكينةً لا يفرُّون عنه ¬

_ (¬1) قال أبو حيان في "البحر المحيط" 2/ 261: وقد كثر القصص في هذا التابوت والاختلاف في أمره، والذي يظهر أنه تابوت معروف حاله عند بني إسرائيل كانوا قد فقدوه، وهو مشتمل على ما ذكره الله تعالى مما أبهم حاله، ولم ينص على تعيين ما فيه. (¬2) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 100، والطبري في "تفسيره" 2/ 612، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 469. (¬3) رواه الطبري في "تفسيره" 2/ 613، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 470. (¬4) ذكره السمرقندي في "بحر العلوم" 1219، والثعلبي في "تفسيره" 2/ 1356. (¬5) في "معاني القرآن" 1/ 329.

أبدًا وتطمئن قلوبهم (¬1). وجاء في التفسير: أن السكينة لها رأس كرأس الهرة من زبرجد وياقوت، ولها جناحان (¬2). وقال مقاتل: كان فيه رأس كرأس الهرة إذا صاح كان الظفرُ لبني إسرائيل (¬3). وقوله تعالى: {وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ} والبقية: مصدَرٌ وَقَعَ مَوْقِعَ الاسم، مثل: السكينة ونحوها، فيقال للباقي: بقية، وجمعها: بقايا (¬4). قال المفسرون: البقية التي كانت في التابوت: لوحان من التوراة، ورضُاض الألواح التي تكسَّرت لما ألقى موسى الألواحَ، وقفيزٌ من المن الذي كان ينزل عليهم، ونعلا موسى، وعمامة هارون، وعصاه، وعصى موسى، وطست من ذهب، قيل: كان يغسل فيه (¬5) قلوب الأنبياء (¬6). وإنما جعل هذه الأشياء بقية لأنها بقيت مما تركه موسى وهارون. ¬

_ (¬1) قريب منه عند ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 469. (¬2) بنحوه عن مجاهد في "تفسيره" 1/ 114، ورواه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 101، والطبري في "تفسيره" 2/ 611 - 612، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 469. (¬3) "تفسير مقاتل" 1/ 206، وأخرج نحوه الطبري في "تفسيره" 2/ 612، عن وهب بن منبه عن بعض أهل العلم من بني إسرائيل. (¬4) ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 1356، "المفردات" ص 67، "لسان العرب" 1/ 330 - 331 (مادة: بقي). (¬5) في (ي): (فيها). (¬6) تنظر الآثار في ذلك: عند سعيد بن منصور في "سننه" 3/ 948، والطبري في "تفسيره" 2/ 613 - 615، وابن أبي حاتم 2/ 470 - 471، والثعلبي في "تفسيره" 2/ 1357.

وأراد بآل موسى وآل هارون: موسى وهارون نفسهما، والعرب نقول: آل فلان، لو تريد نفسه (¬1). قال جميل: بثينة (¬2) مِنْ آل النّساء وإنما ... يَكُنَّ لأدْنَى لا وِصَالَ لِغَائِبِ (¬3) وعلى هذا يتأول قوله - صلى الله عليه وسلم - لأبي موسى: "لقد أُوتيَ هذا مِزمارًا من مزامير آل داود (¬4) " أراد: داود نفسه؛ لأنَّه لا يُعْلَم أحدٌ من آله أُعْطِيَ من حسن الصوت ما أعطيه داود. أخبرنا أبو الحسين بن أبي عبد الله الفسوي، أخبرنا أحمد بن محمد الفقيه، أخبرني أبو رجاء الغنوي، قال: حدثنا أبي، قال حدثنا ابن عمر بن شبه، قال: سمعت أبا عبيدة وسأله رجلٌ عن رجل أوصى لآل فلان: ألفلان نفسه المسمى من هذا شيء؟ قال: نعم، قال الله تعالى: {أَدْخِلُوا آلَ ¬

_ (¬1) "تفسير الثعلبي" 2/ 1356، "لسان العرب" 1/ 174 - 175 (مادة آل). (¬2) هو جميل بن عبد الله بن معمر الحذري، أبو عمر، شاعر أموي من أشهر شعراء الغزل، صاحب بثينة، وكان قد خطبها فمنعت منه، فتغزل بها، واشتهر. وكان عفيفًا حييًا دينًا، توفي سنة 82، وقيل: بعد ذلك. ينظر "الشعر والشعراء" 282، و"سير أعلام النبلاء" 4/ 181 (¬3) البيت عزاه إلى جميل، الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1356، وأبو حيان في "البحر المحيط" 2/ 262، وليس في "ديوان جميل"، وعزاه ابن جني في "الخصائص" 3/ 27 إلى كثيِّر، ولذا ألحقه د/ إحسان عباس بـ"ديوان كثير" ص 343، والبيت ذكره الطبري في "تفسيره" 1/ 270، وابن فارس في "الصاحبي" ص 258. ينظر تحقيق "تفسير الثعلبي" 2/ 1357. (¬4) أخرجه البخاري (5048) كتاب: فضائل القرآن، باب: حُسْن الصوت بالقراءة بالقرآن، ومسلم (793) كتاب: صلاة المسافرين، باب: استحباب تحسين الصوت بالقرآن، من حديث أبي موسى الأشعري.

فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} [غافر: 46]، ففرعون أوَّلُهم، وأنشد: ولا تبكِ مَيْتًا بعد ميت أجنة ... علي وعباس وآل أبي بكْرِ (¬1) يريد: أبا بكر نفسه، وآل الرجل في اللغة: شخصه (¬2)، وقد ذكرناه عند قوله: {وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ} [البقرة: 49]. وقوله تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ} أي: في رجوع التابوت إليكم علامة أنَّ الله قد ملَّكَ طالوت عليكم {إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} أي: مصدقين (¬3). قيل: إنهم كفروا بتكذيبهم نبيَّهُم في تمليك طالوت، ولذلك لم يَصْبر عن الماء - لَمَّا ابتلاهم اللهُ بالنهر إلا القليل منهم، وهم الذين أطاعوا ولم يكذبوا، فعلى هذا قوله: (إن كنتم مؤمنين) أي: مصدقين بتمليك طالوت إذ عاد إليكم التابوت (¬4). وقيل: أراد {إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} كما تزعمون (¬5)، ويجوز أن يكون المعنى: إن في ذلك لآية لمن كان مؤمنًا منكم، فدخل الشرط للتوكيد، كقوله: {وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [المائدة: 23]، أي: من كان مؤمنًا توكل، وكما تقول: إن كنت أخي فأكرمني، لم يدخل الشرط للشك في الأخوة، ولكن توكيدًا للإكرام، ومثله في القرآن كثير. ¬

_ (¬1) البيت من الطويل، وهو لابن أراكة الثقفي في: "المؤتلف والمختلف" ص 53. (¬2) ينظر "البحر المحيط" 2/ 262. (¬3) "تفسير الطبري" 2/ 617، وبنحوه في "معاني القرآن" للزجاج 1/ 330. (¬4) "تفسير الطبري" 2/ 617، "البحر المحيط" 2/ 263. (¬5) ينظر: "البحر المحيط" 2/ 263.

249

249 - قوله تعالى: {فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ} الآية. وجْهُ اتصال هذه الآية بما قبلها (¬1) يظهر بتقدير محذوف يدل عليه باقي الكلام، كأنه (¬2) قيل: فأتاهم التابوت بالصفة التي وُعِدوا فصدقوا؛ لأن قوله: {فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ} بعد تلك (¬3) المنازعة، يدل على أن الآية أتتهم فانقادوا لأجلها (¬4). ومعنى الفصل: القطع (¬5). يقال: قولٌ فَصْلٌ، إذا كان يقطع بين الحق والباطل، وفَصَلَ عن المكان، قطعه بالمجاوزة عنه، يقال: فَصَل يَفْصِل فُصُولًا، ومنه قوله: {وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ} [يوسف: 94]. وفَصَلْتُ اللحم عن العظم فَصْلًا، وفَاصَل الرجل شَريكَه وامْرَأَتَه فِصَالًا (¬6). والجنود جمع جند: وكل صنف من الخلق جُنْدٌ على حِدَة، يقال: الجَرَاد أكْثَرُ جنودِ الله (¬7)، ومنه: "الأرواح جنودٌ مجندة" (¬8). ¬

_ (¬1) ساقط من (ي). (¬2) في (ي) فإنه. (¬3) في (ي) و (ش) (ذلك). (¬4) "البحر المحيط" 2/ 263. (¬5) "تفسير الثعلبي" 2/ 1363، "تفسير البغوي" 1/ 301 (¬6) ينظر "تهذيب اللغة" 3/ 2795، "المفردات" ص 382 - 383، "لسان العرب" 6/ 3423 مادة (فصل). (¬7) ينظر: "المفردات" ص 107 - 108، "لسان العرب" 2/ 698. (مادة: جند). (¬8) الحديث رواه البخاري تعليقًا من رواية عائشة، (3336) كتاب: الأنبياء، باب: الأرواح جنود مجندة، وقال الحافظ في "الفتح" 6/ 369: وصله المصنف في "الأدب المفرد" عن عبد الله بن صالح عن الليث وأخرجه من رواية أبي هريرة - رضي الله عنه - ومسلم (2638) كتاب: البر، باب: الأرواح جنود مجندة.

قال السدي: وكانوا يومئذ ثمانين ألف مقاتل (¬1). وقوله تعالى: {قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ} يعنى: قال طالوت. قال وهب (¬2): إنهم شكوا قلة المياه بينهم وبين عدوهم، وقالوا: إن المياه لا تحملنا، فادع الله سبحانه أن يجري لنا نهرًا، فقال لهم طالوت: {إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ} (¬3). وهذا لا يجوز أن يقوله إلّا نبي؛ لأن الله عز وجل عالم الغيب، فلا يظهر على غيبه أحدًا، إلا من ارتضى من رسول. فيجوز أن طالوت قال ذلك بوحى من الله إليه، فقد قيل: إنه لما مُلِّك عليهم صار نبيًّا، ويجوز أن يكون قال ذلك بإخبار نبيٍّ إياه (¬4). وإنما وقع الابتلاء ليتميز الصادق من الكاذب، فإن طالوت كان لا يعلم بمن له نيةٌ في القتال معه، ومن ليست له نية، فابْتُلُوا بالنهر ليتميَّزَ المحقق من المعذِّر، وذلك النهر: هو نَهْر فِلَسْطين في قول ابن عباس (¬5) والسدي. وقوله تعالى: {فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي}، الكناية تعود على النهر في الظاهر، وهو في المعنى للماء. ¬

_ (¬1) أخرجه الطبري في "تفسيره" 2/ 618، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 472. (¬2) وهب بن مُنبه اليماني: أبو عبد الله، صاحب القصص والأخبار، كانت له معرفة بأخبار الأوائل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وثَّقه أكثرهم، وضعفه عمرو الفلاس، اختُلف في تاريخ وفاته فقيل سنة 110هـ، وقيل 116هـ، وقيل بينهما، ينظر "وفيات الأعيان" 6/ 35، "طبقات ابن سعد" 5/ 543. (¬3) أخرجه الطبري في "تفسيره" 2/ 618. (¬4) ينظر: "البحر المحيط" 2/ 264. (¬5) أخرجه الطبري في "تفسيره" 2/ 619، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 473.

وقوله تعالى: {فَلَيْسَ مِنِّي} أي: من أهل ديني وطاعتي (¬1)، فحذف، ودل (مِنّي) عليه. وقيل: تأويله: ليس معي على عدوي، كقوله عليه السلام: "من غشنا فليس منّا (¬2) " أي: ليس من أهل ديننا، وليس (¬3) هو معنا في حقيقة ديننا (¬4). وقوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي} طَعْمُ كُلِّ شيء ذوقُه، ومثله التطعُّمُ، يقال: تطعَّمت منه، أي: ذُقْتُه، قال ابن الأنباري: العرب تقول: قد أَطْعَمْتُكَ الماءَ، يراد به: أَذَقْتُكَ، وطعمت الماء أَطْعَمُه، بمعنى: ذقُته أذوقه (¬5) (¬6). أنشدنا أبو العباس العَرْجِي (¬7): ¬

_ (¬1) "تفسير الثعلبي" 2/ 1366، "تفسير البغوي" 1/ 301. (¬2) أخرجه ابن ماجه (2225) كتاب: التجارات، باب: النهي عن الغش، وأحمد في "المسند" 2/ 50، وأصله في مسلم. (¬3) في (ي) و (ش): (أو ليس). (¬4) ينظر: "تفسير القرطبي" 3/ 252. (¬5) نقله عن ابن الأنباري أبو حيان في "البحر المحيط" 2/ 264. (¬6) ينظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2193، "المفردات" ص 307، "لسان العرب" 5/ 2675 (مادة: طعم)، وذكر الراغب أن الطعم: تناول الغذاء، قيل: وقد يستعمل في الشراب، كقوله: ومن لم يطعمه فإنه مني. وقال بعضهم: إنما قال: (ومن لم يطعمه) تنبيهًا على أنه محظور عليه أن يشربه إلا غرفة، فإن الماء قد يطعم إذا كان مع شيء يمضع. (¬7) عبد الله بن عمر بن عبد الله العرجي، وقال في "اللسان" 8/ 4517 (مادة: نقخ): اسمه عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان ونسب إلى العَرْج وهو موضع ولد به، كان ينزل بموضع قبل الطائف يقال له: العرج، فنُسب إليه، وكان من الشعراء. ينظر "الشعر والشعراء" 381.

فإن شِئْتُ حَرّمْتُ النِّساءَ سِوَاكُمُ ... وإن شِئْت لم أَطْعَم نُقَاخًا ولا بَرْدًا (¬1) أراد: لم أذق. والنُّقَاخُ: الماءُ العَذْب (¬2). وقوله تعالى: {إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ} الاغتراف: الأَخْذُ من الشيء باليدِ أو بآلة كما يُغْتَرَفُ من الماء. والمِغْرَفَةُ: الآلة التي يُغْرَفُ بها، وكذلك الغَرْفُ مثل الاغْتِرَاف (¬3). واختلف القراء في فتح الغين من (غرفة) وضمها (¬4). فمن فتح الغين عدَّى الفعل إلى المصدر، والمفعول محذوف في قوله، والم